صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: نهضة الأعيان بحرية عمان
المؤلف: محمد شيبة بن نور الدين بن عبد الله بن حميد السالمي أبو بشير
الناشر: دار الجيل
مكان النشر: بيروت
تاريخ النشر: 1419ه/ 1998م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2768&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/650
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 10 ربيع الأول 1447ه/ 03 - شهر 09 - 2025م. M
ابن حمد السالمي
نهضة الأعيان
بحرية عمان
وار الجيل
بيروت (1/1)
صفحة 2
تفة الأعيان
بحرية عمان (1/2)
صفحة 3
نَفَة الأعيان بحرية عُمان
تأليف أبي بشير محمد شيبة بن نور الدين عبد الله بن حميد العالمي
وار الجيه
بيروت (1/3)
صفحة 4
جميع الحقوق في فوظة لدار الجيل
الطبعة الأولى 1419 هـ - 1998 م (1/4)
صفحة 5
مقدمة
سبحان الملك المتعال، الذي لا يغيره تقلب الأحوال، ولا يتطرق على ملكه الدائم الزوال، ولا يتصف سلطانه القديم بالإدبار والإقبال فله الحمد تعالى شأنه على كل حال، وصلى الله وسلم على سيد الخلق المبعوث بالحق لتمهيد قوانين العدل، ووضع موازين القسط والفصل محمد النبي الهادي إلى سبيل الرشاد، الداعي إلى حسم الفساد واستئصال دائرة الشرك والإلحاد، وقطع شأفة الشقاق والعناد، وعلى
الأمجاد.
،
آله
مادة
وصحبه
أما بعد؛ فقد عزب عن كثير حالُ العمانيين وأثرهم العظيم، وحجب عنهم ما لهم من مقام كريم وخطر جسيم فحاولت أن أكتب ما استطعت عليه مما وقع لهم في زماننا، من المفاخر الحميدة، والمآثر المجيدة التي استنار بها القطر العماني، من سيرة الإمامين المرشدين سالم بن راشد الخروصي، ومحمد بن عبد الله الخليلي، وما حظيت به عُمان في أيامهما من الخيرات وما كان بزمانهما من النوازل والحوادث والفتوحات، وإن كانت يدي قصيرة من تناول الكل وهمتي ضئيلة عن نشر الجُل، ولكن يدعوني لحسر الباع خدمة الوطن العزيز الواجب على أبنائه الأحرار: أن يتنافسوا في تشريفه أكثر من تنافسهم على الدرهم والدينار فكل ما كتبته مما شاهدته بعيني واطلعت، وما فاتني إلا نزر أخذته من الثقة فضمانه عليه، إذ كنت العصا التي يتوكأ عليها سيادة والدي الكريم في جميع أسفاره وغيبة سره في ليله ونهاره، وهو زعيم الثورة بلا جدال، وبعده لزمت الإمام الخروصي في سراياه وفتوحاته، وما تخلفت عن الخليلي إلا في بعض أوقاته.
ومن الله تعالى أستلهم القبول والهداية والعون في البداية والنهاية، وسميت هذا المجموع: نهضة الأعيان بحرية عُمان». (1/5)
صفحة 6
تعريف بعُمان
عُمان إقليم سلطاني على خليج فارس، وهي كمفتاح للخليج العربي، بالإضافة إلى الموانئ التي تقع على شواطئها وإلى ثروتها الزراعية وكنوزها الطبيعية، وجنوبها البحر الهندي والبحر العربي وشماليها الخليج الفارسي وهي جزء من جزيرة العرب تمتد من حدود قطر إلى حدود حضرموت وغير مضبوط عدد سكانها ولا يوجد بها إحصاء رسمي، ولا اهتمام لأهلها بذلك وما يذكره المؤرخون إنما هو على التخمين، أو النقل غير المعتبر، ولا يعرف أول من سكنها على الصحيح.
،
ذكر بعض المؤرخين أن قبائل العرب البائدة طسم وجديس، كانوا بها والأخص العمالقة، ولا يفهم أنهم انقرضوا أو أخرجهم الفرس منها وكتب أهل التاريخ القديم والحديث [تكلمت كثيراً عن أوصاف عمان وسكانها ولابن خلدون، وابن الأثير، قدم السبق. وذكرها غيرهما كالطبري واليعقوبي والمسالك والممالك.
،
قال «فلبي»: إن الأقسام الجنوبية من شبه جزيرة العرب هي الوطن الأصلي
للساميين.
ذكر العوتبي المؤرخ العماني: إن حدود جزيرة العرب في الطول ما بين العُذيب إلى عدن. وسُئل الشعبي عن جزيرة العرب فقال: ما بين العذيب إلى حضرموت. قال أبو حاتم: حدثنا أبو عبيدة معمر بن المثني قال: جزيرة العرب خمسة أقسام تهامة، الحجاز، نجد العروض اليمن وذلك أن جبل السراة هو أعظم جبال العرب يمتد من ثغرة اليمن حتى أطراف بوادي الشام فسمته العرب حجازاً لأنه حجز بين الغور وهو منخفض، وبين نجد وهو مرتفع، ثم صار ما خلف هذا الجبل من غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعك وفرسان كنانة، وما حولها إلى ذات عرق، والجُحفة وما صاقبها وما غار من أهلها غور تهامة، وتهامة تجمع ذلك كله، وما صار شرقي هذا الجبل من الصحارى والنخل إلى أطراف العراق والسماوة، وما يليها نجد، ونجد تجمع ذلك كله، وصار الجبل نفسه سراة وسمي جبل السراة لارتفاعه وهو الحجاز. والجرار وما (1/6)
صفحة 7
احتجز به من الجبال مرد والحوراء إلى ناحية قبل وجبل طي إلى المدينة، من بلاد مذحج وهي متاخمة، اليمن، وما يليها وما دونها إلى قيد حجاز والعرب تسميه نجداً وجلساً وحجازاً والحجاز يجمع ذلك كله، وصارت اليمامة وما والاها عروضاً وفيها تهائم ونجود؛ لقربها من البحار وانخفاض مسائل الأودية وصار ما خلف التثليث إلى صنعاء، إلى حضرموت، والشحر، وعمان يمناً، وفيها التهائم والنجد، واليمن ذلك كله، فإذا وصلت ذلك فقد انتهيت إلى البحر، وإذا عرضت لك الجزار وأنت بنجد فتلك الحجاز، وإذا تصوبت فالحجاز مكة والمدينة.
يجمع
قال أبو المنذر هشام بن محمد: إنما سميت بلاد العرب الجزيرة لإحاطة البحور والأنهار بها من أقطارها وأطرافها، وصار الأمر منها في مثل الجزيرة من جزائر البحور. وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم فظهر بناحية قنسرين، ثم انحدر إلى أطراف الجزيرة وسواد العراق حتى دفع في البحر من ناحية البصرة، والأبلة واتجه إلى عبادان. وأخذ من ذلك الموضع مطيفاً ببلاد العرب منعطفاً عليها، فأتى منها إلى سفوان وكاظمة ونفذ إلى القطيف، والهجر، وأسياف، وقطر وعمان والشحر، ومال منه عنق إلى حضرموت، وأبيل، وعدن، ودهلك، واستطال ذلك العنق، فطعن في تهائم اليمن بلاد فرسان وحكم والأشعريين، وعك ومضى إلى جدة ساحل مكة وجاز ساحل المدينة وساحل الطور وخليج أيلة، وساحل راية، حتى بلغ قُلزم، مصر وخالط، بلادها، وأقبل النيل من غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان، مستطيلاً، معارضاً للبحر، حتى دفع في مصر والشام، ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان، وسواحلها حتى أتى على صور ساحل الأردن، وعلى بيروت وسواحل دمشق، ثم نفذ إلى سواحل حمص، وسواحل قنسرين حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحدراً على أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق.
وذكرت العرب هذه الأقسام الخمسة في أشعارها فصارت بلادهم [في] هذه الجزيرة التي نزلوا بها على ستة أقسام تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض، واليمن. انتهى
كلامه.
قال الكلبي: لما تفرقوا من بابل أخذ قوم يميناً فسميت اليمن، وأخذ قوم شمالاً فسميت الشام، فجعل الله تعالى لبني سام النبوة والكتاب والملك، والجهاد، والأدمة،
V (1/7)
صفحة 8
والبياض. فللعرب من المجد ما دون هذه الخمسة تهامة ونجد والحجاز والعروض، واليمن والعرب تسمي اليمامة والبحر العروض واليمن، والعرب تسمي اليمامة والبحر العروض، لأنها كانت في ناحية العرب معترضة. وأما السوادان فسواد البصرة، وسواد الكوفة فأمَّا سَواد البصرة فالأهواز و دست ميسان وفارس. وأما سواد الكوفة: فكسكر إلى الداب وحلوان والكوفة والجزيرة هي ما بين دجلة والفرات، والموصل من الجزيرة إلى الجودي» ا هـ.
،
وقد ساهمت عُمان في الجهاد مع الخليفة الثاني، كما ذكره العوتبي العماني في الأنساب أن عمر بن الخطاب استعمل على عُمان عثمان بن أبي العاصي الثقفي سنة خمس عشرة فكتب إليه عمر أن يقطع البحر إلى ابن كسرى بفارس، فندب عثمان العمانيين، وانتدب إليه ثلاثة آلاف من بني راسب وناجية وعبد القيس، وأكثرهم أزد (شنوءة) فعبر بهم عثمان من جلفار رأس الخيمة إلى جزيرة كلوان، وهي (القسم)، وكان فيها قائد الفرس، فسالم عثمان، وكتب (يزدجرد) إلى أمير كرمان: أن اقطع البحر إلى جزيرة كلوان فَحُلْ بين العرب الذين بها وبين إخوانهم ففعَل. وسار من هرمز إلى القسم فلقيه عثمان بها فقاتله فانتصر العمانيون عليه وهزم الفرس وقتل قائدهم، وكان يدعى (شهرك) وفي ذلك يقول شاعرهم:
باب ابن ذي الحرة أردى شهركا والخيل تجتاب العجاج الأرمكا.
ثم ساروا بعد الظفر بشهرك حتى قدموا العراق فنزلوا (توج) فشاركوا في تمصير مدينة البصرة، وأمرهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يبنوا بها منازلهم كما أمر غيرهم من العرب ووفد إليه من الغزاة كعب بن سور فاستقضاه عمر على البصرة.
لم يحكم عُمانَ أجنبي غير أهلها، وقد صارعت في القديم دولاً عظاماً، وكابدت أخطاراً جساماً وشَرِقَتْ غُصْةً بالمستعمرين، وما كان ذلك عليها إلا من الخونة الذين هم بعضهم الاستبداد والرئاسة، وبعضهم المنافسة والحقد على السَّاسة، فلا تثبت قدم العدو الأجنبي عليها إلا بقدر ما يكون تاريخاً للمُسيطر، وتأديباً للخائن، فتشتد أعصاب الوطنيين وينتشر فيهم دم الحرية فيهزم الغاصب، ولم تلق عمان من البطش والاضطهاد مثلما لقيت من العجم؛ فقد نهبوا ذخائرها، وأحرقوا ما كان فيها من كتب شرعية، وأدبية وفنية وتاريخية، ومع هذا فهم لم يخضعوا لسيطرة البطش ولم يجزعوا لضغطة (1/8)
صفحة 9
الإرهاب، فبقيت نار الحقد تتأجج في صدور أبناء الشعب وتنفث بشررها حتى قضى الله
لها بالنجاح. غزا العجم عُمان عام 1257 قبل الهجرة أي سنة 635 قبل الميلاد.
ثم غزوها مرة أخرى عام 663 هـ الموافق 1265 م). ثم غزوها عام 1149 هـ.
ثم غزاها الخليفة العباسي الرشيد عام 185 هـ.
وغزاها محمد نور عامل المعتضد عام 284 هـ.
وغزاها القرامطة عام 318 هـ، وبقوا حتى سنة 375 هـ.
وغزاها البرتغال عام 913 هـ، وبقوا على بعض ساحلها حتى عام 1062 هـ،
الموافق سنة 1650 ميلادي.
9 (1/9)
صفحة 10
الغزو البرتغالي لعمان
،
البرتغال دولة أوروبية نظرت إلى الشرق بعين الطمع اتخذوا عاصمتهم في الخليج هرْمُز [وتسمى أيضاً هرموز] التي كانت في ذلك الوقت من أغنى مدن العالم، واستولوا على بعض ساحل عمان عام 13 هـ (1507 م، وبقوا إلى أن قام عليهم الإمام ناصر
ابن مرشد، وسلطان بن سيف اليعربي عام 1062) هـ (1650) م) فأجلوهم من عمان.
مع
كانت التجارة بين الشرق والغرب يسيطر عليها العرب ويسيطر العمانيون على بحر العرب أيضاً، ينقلون خيرات الشرق الأقصى إلى مصر، ومن هنالك ينقلها الملاحون من العرب إلى تجار (البندقية وجنوا وهاتان المدينتان أكثر الممالك الأوروبية علاقة الشرق، فرأى التجار الأوروبيون اتخاذ طريق آخر للهند على رأس الرجاء الصالح، فراراً من الأتراك والمماليك بمصر، وكان دليل سفن البرتغال على رأس الرجاء الصالح أحمد ابن ماجد (مؤلف كتاب الفوائد في أصول البحر والقواعد الذي ظل يدرس في المدارس البحرية الأوروبية إلى أواخر القرن التاسع عشر، فاعتمد فاسكودي غاما» على الخرائط البحرية العربية التي تدرس في المدرسة الحربية التي أنشأها هنري الملاح، فقام فاسكودي غاما إلى الهند عام 1498 م عن طريق رأس الرجاء الصالح، فكان لقيامه هذا تأثير كبير في القضاء على تجار البندقية الذين كانوا يحتكرون تجارة الشرق، ويتمركزون في مصر، وانحطت ثروة مصر لتحول الطريق عنها فسهل على العثمانيين غزوها، فصارت هذه الخطوة الأولى لإنشاء الإمبراطورية البرتغالية البحرية في الشرق، وفي عام 1487 م أرسل ملوك البرتغال بعثة إلى القاهرة، وعدن، وهرمز والهند، فرفع قائد البعثة تفصيلاً إلى مليكه عن رحلته، وعاد إلى عدن فصمم البرتغاليون على القضاء على عرب اليمن وعمان، الذين كانوا يديرون التجارة الشرقية التي تدر لهم أرباحاً جزيلة، وكان (فرنسيسكودو (ألميدا أول حاكم للممتلكات الهندية البرتغالية عام 1505 م في عهد الملك عمانويل (الأول)، وفي عام 1506 م أبحر الأسطول البرتغالي إلى الشرق بقيادة (كونها) مع (البوقيرق)، وكان الأول يحمل أوامر بإنشاء قلعة في (سومطرا) لتكون (1/10)
صفحة 11
مقراً للأسطول الذي سيحاصر البحرية المغربية والمصرية التابعة لحكومة البندقية في البحر الأحمر.
أضعف
فطلب
وقد نشب خلاف بين (كونها) و (البوقيرق) حول اتجاه الحملة، فوضع الأول القسم الأعظم من الأسطول تحت قيادة الثاني فتابع البوقيرق سيره إلى الهند، وأنه من أن يهاجم عدن وترك أحد قواده (في سومطرا) واتجه نحو هرمز، وفي طريقه حرق حوالي (40) سفينة في رأس الحد) ثم ألقى مراسيه في (قليات). ثم إلى قريات، فكانت بها بينه وبين العمانيين مجزرة رهيبة فدخلها عنوة ثم أبحر إلى مسقط، من حاكمها مالاً مقداره (625) جنيهاً استرلينياً يؤدى إليه قبل ظهر اليوم الثاني من وصوله، وإلا أحرق المدينة ولم ينتظر انتهاء الموعد بل أحرق البلاد، والمساجد، والسفن الراسية في الميناء، وأسر كثيراً من الرجال والنساء، وبعد التمثيل بهم أطلق سراحهم؟؟
ثم أبحر إلى صحار ثم إلى (خورفكان) فلقي مقاومة عنيفة فدمر البلدة، وأحرقها، ومثل بأهلها، ثم اتجه إلى هرمز مجتازاً رأس أمسندم وعلم ملك هرمز فاستعد لملاقاة الغزاة، وهيأ أسطوله للاصطدام وقد تريث القائد البرتغالي أمام هرمز وبدأ يراوغ لأخذ سيف الدين ملك هرمز بالحيلة، فلما فشل في خداعه أنشب قتالاً عنيفاً، انتصرت فيه المعدات الحربية البرتغالية فكان من نتائجه أن أصبح ملك هرمز تابعاً للبلاط البرتغالي، على أن يدفع جزية سنوية حوالي (300) جنيه وغرامة حربية مقدارها ما قيمته ألف جنيه، كما أرغم أن يوقع معاهدة تجارية تعهد فيها بتسهيل معاملة التجار البرتغاليين، وأن لا يسمح لأي مركب بالملاحة في الخليج دون أن يحمل تصريحاً من البرتغاليين، وباستيلائه على هرمز الواقعة على فم الخليج ضمن السيطرة على الملاحة فيه، واضعاً بذلك الأساس للاستعمار البرتغالي والسيطرة على شواطئ الخليج.
وقد بنى البرتغاليون في هرمز قلعة ضخمة عام 1507 م، ليحتموا فيها أثناء غياب الأسطول في البحر الأحمر، كما افتتح البوقيرق هناك وكالة تجارية فيها مختلف البضائع، وأوعز إلى وكلائه بطرح البضائع في الأسواق، وبيعها بأسعار رخيصة ليكسب ود الأهالي، وكان ملك هرمز يدفع للشاه جزية سنوية، فأشار إليه القائد البرتغالي بالامتناع عن أدائها.
11 (1/11)
صفحة 12
ونهبها.
ثم زار قليات ولكنه استقبل بغير ما استقبل به من الترحيب أولاً، فأحرق المدينة
ظل البوقيرق يواصل مساعيه لدى الملك حتى عيّن عام 1509 م حاكماً للهند وقائداً عاماً فجعل (جو) مركزاً للبرتغاليين فحضنها ولكنه رأى أن مركزه سيظل حرجاً ما لم يؤمن طرق المواصلات، فخرج في عام 1513 م، وهاجم عدن ففشل في تلك
المهاجمة.
وفي نهاية القرن السادس عشر ظهرت على مياه الشرق سفن أوروبية تقاسمهم الأرباح، فقد وجه الهولنديون أنظارهم إلى الشرق في عام 1592 م - 97، كما ظهر في الميدان في نفس الوقت تجار إنكليز.
وكان العمانيون ينظرون إليهم نظرة غيظ لما عززوا قواتهم بمسقط، وأقاموا بها الحصون المنيعة، وأقاموا برأس الخيمة قلعة ضخمة فوجه اليعاربة عليهم الضربة القاضية وحصروهم بمسقط، وفك الحصار عنهم بشروط منها ضمان حرية الملاحة للعرب، وتعهد البرتغاليون بتدمير حصونهم.
J
وفي عام 1649 م أعاد العرب محاصرتهم، وفي 23 كانون الثاني سنة 1650 استسلمت مسقط لأهلها، ولم يكتف اليعربي بإجلائهم عن شواطئ عمان بل طاردهم حتى تعقبهم إلى سواحل الهند وإفريقيا الشرقية.
تسلل الإنكليز إلى الشرق
كان لاحتكار التجارة التي اتبعها البرتغاليون وتحكمهم في أسعار البضائع أثر سيئ أكسبهم عداءً في البلاد وكان الشاه عباس الأول ملك إيران ينظر إليهم بعين النقمة والحسد، فجدد مطالبته لهرمز بالجزية التي انقطعت عنه وعندما رفض حاكم هرمز الدفع أصدر الشاه صداقة للتجار المسيحيين وتأمينهم، وإعطائهم الحرية الدينية وحرية التنقل، فكانت رسائل المبشرين الإنكليز إلى ذويهم تثير حماسة شديدة بين الناس وتسيل لعاب التجار.
وفي سنة 1587 م وجدت أوراق مهمة في مركب برتغالي أسره (دريك) تبين منها مقدار الأرباح الطائلة التي كان يجنيها البرتغاليون من تجارة الشرق، وفي سنة 1588
12 (1/12)
صفحة 13
صمم
الإنكليز على التوجه إلى الشرق بعد أن وثقوا بأنفسهم كسادة للبحر، وبمقدرتهم على منافسة الإسبان والبرتغاليين بدأ الرواد الإنكليز يجولون في الشرق حاملين بضائعهم، ورسائل الود والصداقة من ملكتهم إلى ملوك وحكام البلاد التي يحلون فيها، وباشروا بإنشاء مراكز تجارية لهم في معارضة شديدة من البرتغاليين، أوجس البرتغاليون توسع الإنكليز، فأصدروا منعاً في الملاحة في الخليج لأي سفينة إلا بتصريح منهم، وكانت المناوشات مستمرة بين البرتغال واليعاربة من جهة والفرس من جهة أخرى، ففي سنة 1612 احتلوا بندر عباس، لكن طردوا منها سنة 1615، وفي سنة 1616 قام العرب العمانيون بالقضاء عليهم في صحار بينما كانت شركة الهند الشرقية البريطانية تزيد قوتها ونفوذها. وفي سنة 1620 م تمكن العمانيون من طردهم من رأس الخيمة.
وفي مطلع سنة 1622 م بدأ العجم بمحاصرة، هرمز، فأصبحت هذه الجزيرة التي كانت تفوق «لندن» و «أمستردام» معاً قفراً يبابا، وعلى أثر ذلك تضعضع مركز البرتغاليين، وبعد أن خسروا هرمز أرادوا أن يعوضوا خسارتهم بتعزيز قواتهم في مسقط وأقاموا فيها الحصون المنيعة، ولكنهم كانوا مهددين باستمرار الطعن من العرب العمانيين الذين كانوا ينظرون إلى المغتصبين نظرة غيظ واشمئزاز.
وقد حاول البرتغاليون استعادة هرمز مرتين ففشلوا.
(
وفي سنة 1625 قضى أسطول إنكليزي - هولندي على أسطولهم، وبعد أن تخلص الإنكليز من البرتغاليين نافسهم الهولنديون، فحاولوا الاتصال مباشرة بمنبع الثروة بالشرق، وبدأوا يرودون المشرق راسمين الخرائط والمصورات والموانئ، والممرات، وسيروا عدة بعثات تجارية بحرية بين سنة 1598 - 1601، ولم تأت سنة 1620 حتى أصبحوا أخطر منافس للإنكليز، وفي سنة 1639 - 40 كانت تجارة الخليج كلها طوع أناملهم، فاضطر الإنكليز إلى البحث عن مكان آخر لهم، فاتجهوا نحو البصرة حيث سمح الباشا التركي بإنزال بضائعهم هناك، وتريثوا متحينين الفرص على الهولنديين، ثم سير الهولنديون سقنهم إلى البصرة، حيث دمروا مركز الإنكليز التجاري، وفي سنة 1649 وصل نفوذهم القمة وأخذوا يتقدمون بمطالب جديدة، وفي سنة 1652 اشتعلت الحرب بين الإنكليز وهولندا لشدة تضارب المصالح بين الدولتين في الشرق، وفي سنة 1664 ظهر في الأفق نجم منافس جديد وهو فرنسا متمثلة في شركة تجارة الهند الفرنسية، وفي
13 (1/13)
صفحة 14
سنة 1688 اتحد الإنكليز والهولنديون لمواجهة الخطر الفرنسي المتفاقم، وأصبحت المصالح الهولندية تابعة للمصالح الإنكليزية حتى أواخر القرن السابع عشر بدأت الأمور تسير في مصالح الإنكليز، فكانت شركة الهند الشرقية الإنكليزية تجارية بحتة في بادئ الأمر، إلا أنها في النصف الثاني من القرن السابع عشر رأت ضرورة التدخل السياسي الصيانة مصالحها، فغيرت أساليبها.
انتهى
نقلا
من الإمارات السبع لأحمد البوريني بتصرف في بعضه. (1/14)
صفحة 15
أول عمان
من جهة المطلع رأس الحد بطرف البحر الهندي، وهو رأس رمل له ذيل طويل في البحر منعطف قليلاً إلى القطب يغوص به كثير من السفن الشراعية على الذين يجهلونه.
الحد: موضع على ساحل البحر الهندي به قلعة تحتها بيوت الأهالي يقال لهم أولاد حمد، وبنو عامر وهم ثلاثة فخوذ أولاد الحربي وبنو عامر، وبنو غزال. كان رئيسهم في القديم سعيد بن حمد وكان عاقلاً مدبراً كريماً. توفي ولم ينجب فتفرق أمرهم ولم يجتمعوا على غيره بعده. .
أحدثت الإنجليز بالحد محطة للطائرات عام 1951 م ووضعت بها ما تحتاجه من
اللوازم الحربية.
خور جرامه هو خور جميل جليل غزير العمق على فمه ثغرة، ضيق المدخل تكتنفه من أوله إلى آخره جبال شاهقة، تدخله البوارج الكبار والبواخر العظام، وترسو به سفن أهالي صور وقت حاجتها لتحميل الأموال؛ لأنه بمعزل عن الرياح، فيساق منها وإليها الأموال والأمتعة على السفن الصغيرة. وكثير منها تبقى في مكانها لتأمن العواصف واضطراب البحر. ولا يكاد يوجد ميناء مثله ـ فيما بلغنا ـ ينتهي إلى فضاء صحصح من جهة الجنوب تسكنه بادية أولاد حمد شتاءً وصيفاً. وبالجملة فهذا الخور معتمد كبير عند أرباب السفن التجارية والشراعية.
ساحل صور من أفخم المدن العمانية عريق في القدم، فيعتبر تاريخها تاريخ أمة كاملة بل هو مبدأ لدراسة قطر أو أمة. وعلى هذا الحال تعيش مدينة صور فهي من أقدم المدن العمانية وأهمها وليست أهميتها التاريخية بأقل من أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، فهي تاريخياً إحدى المدن التي استوطنها الفينيقيون بالخليج العربي كما تدل التسمية. فما إن انتقل الفينيقيون من الخليج وهاجروا إلى لبنان حتى أسسوا هناك مدينة سموها باسم صور موطنهم في عمان، كما سموا بعض المدن بأسماء مدنهم التي أقاموها (1/15)
صفحة 16
في بلدان الخليج وهناك بعض الآثار التي يعثر عليها الأهالي مصادفة تدل على شبه بين حياة الفينيقيين، وحياة أهالي صور القدماء وما يزال عمل الأهالي الوحيد هو التجارة في البحر، والجزر، والموانئ فهم يجوبون بسفنهم البحار في مواسم خاصة إلى المناطق التي يذهبون إليها وتجارتهم الآن محصورة بين سواحل الخليج العربي إلى البصرة، والهند، وسواحل إفريقيا الشرقية.
فمدينة صور ثانية مدينة بحرية بعمان وهي من المدن التاريخية المهمة، بل هي من المدن العالمية القديمة. أما بالنسبة للتاريخ العربي ذاته فقد كانت إحدى المدن التي مرت بها الهجرات العربية بعد هدم سد مأرب، وقد شهدت إحدى المدن القريبة منها، وهي مدينة قلهات معركة حاسمة بين امبراطور فارس، وبين مالك بن فهم الأزدي عند هجرته إلى عمان فاستأصل نفوذهم الذي بسطوه عليها.
وأهميتها الاستراتيجية هي أنها طريق المواصلات إلى المنطقة الشرقية، من عمان الداخلية. وأما أهميتها التجارية فيمكن أن يدركها القارئ مما تقدم إذا فصور مدينة تشرف على البحر، ويتاجر أهلها بسفنهم فيه، وتقود إلى قلب عمان، هذه صور المدينة التاريخية العريقة اللامعة بين المدن العمانية المشهورة في سواحل الخليج جميعه، وذات علاقات تجارية مع البصرة وشاطئ، فارس وظفار وحضرموت وزنجبار، ودار السلام وكينيا، ومدغشقر، وعدن والصومال وكانت تملك من السفن في عصر السيد سلطان ابن أحمد بما يقدر أنه لا يقل عن مائة سفينة. ومن الأسف أن البواخر لا ترسو على هذه العاصمة بل أكثر الوارد إليها من السفن الشراعية والمواتر البحرية ولذلك يكون دخل جمرك صور ضئيلاً مع كثرة الداخل إلى البلد. فقد بلغ سنة 1373 هـ سبعة وعشرين ألفاً وثمانمائة وتسعين روبية هندية وأهالي صور من الركب الواعي وإنهم طليعة في العمانيين من قبيلة الجنبة من صميم العرب فهم بطن من مذحج وهم أربعة فخوذ: العراما. الفوارس المخانة. الغياليون.
ولهذه الأربعة الفخوذ رشداء، وعلى الرشداء رؤساء وهم المجاعلة. وبهذا الساحل قبائل من العرب والبلوش تابعة لهم وهم أهل عدة وعدد وأهم مشكلة تواجه هذا الساحل مشكلة الماء. فالمياه به قليلة ويعاني أهله المشاق بسبب ذلك، ولكن على مسافة غير بعيدة توجد منابع للماء لا يستفاد منها بشيء فيجلب إليها من السكيكرة
16 (1/16)
صفحة 17
وشامة. وأعذب من هذا الماء المجلوب من آبار البلاد المنسوب إليها هذا الساحل وهي بلدة صور التي تبعد ميلين من الساحل المذكور، ويوجد بهذه البلاد النخيل والأشجار القليلة. وفي هذا الوقت زادت عمارتها.
يتفرع من هذا الساحل الصوري طريقان أحدهما يخرج إلى الجبال، والأودية التي تليها، والبلدان التابعة لها وطريق آخر على ساحل البحر ينفذ إلى قريات ومسقط.
،
أما الطريق الخارج إلى الجبال فيتفرع منه طريق إلى داخلية عمان، مار بمرتفع يقال له «الرقصة» وهي درجة بين جبال مترادفة وهو أشبه بباب قد نقب جداره من الجهتين، وجعل فيه سلسلة غليظة على هذا الباب عسكر لا يمر فيه إلا لمن أذن له، يأخذون من القوافل رسماً ويقسمونه بعد جمعه.
،
وعلى هذا الباب من الجانب السهيل قلعة مستديرة بها يقيم العسكر. من تحت هذه الدرجة وادٍ كبير ينحدر من الجبال والهضاب من الجنود حتى يفيض إلى بلدة صور، ثم يصب في بحر الخليج وأهل الرفصة بادية من قبيلة تسمى المشارقة، ولهم بلدان قريبة منها، وأودية فيها مساكنهم وبها ماشيتهم، والذي يأخذه أهل الرفصة رفضه الإمام محمد الخليلي سنة 1363 وأزال هذا المنكر بعد قهره لجعلان.
يتفرع من هذا الطريق إلى داخلية عمان طريق إلى الشرقية، وأولها جعلان من الجهة الجنوبية، وطريق آخر إلى بدية من جهة القبلة فأول ما يصادفك من الجهات الجنوبية من بلدان جعلان، البويرد ثم الكامل وهما لقبيلة الهشم ثم الوافي، وهي لبني راسب، وبعدها بلاد بني بو حسن وهي أكبر بلاد في جعلان وأطيبها، وبها الأنهار والمنازف قريبة من الماء طيبة الهواء بها النخيل والأشجار، وبها مركز للإمام.
،
يليها من الجهة الجنوبية بلاد بني بو علي وهي بلدة كبيرة واسعة بها المياه القريبة التناول والغيول وبها النخيل الكثيرة، ورياستها لأمرائها آل حمودة بن سلطان، وهم مرجع لجماعتهم، ويقر لهم بالرئاسة في الشرقية على الغافرية بالتحزب الباطل، ولهم في الساحل والبادية جماعة كبيرة وأمراؤهم الآن خالد بن علي بن عبد الله وابن عمه ناصر بن محمد بن ناصر بن عبد الله آل حمودة.
وبين الموضع المسمى الرقصة إلى الشرقية من الجهة الشمالية أودية وجبال، في
17
نهضة الأعيان - م 2 (1/17)
صفحة 18
داخلها بلدان متفرقة منها وادي منقال لأولاد عبد الله بن محمد. ووادي حلم للصلوت.
ووادي بني خالد. وبهذه البلدان النخيل والأشجار.
رأس الخيمة عاصمة القواسم
(رأس الخيمة تقع غربي المدينة المعروفة في القديم (جلفار) التي اندثرت وبقي أطلالها، وقامت رأس الخيمة بالقرب منها وهي ملجأ الأسطول القاسمي الكبير قبل التدمير، هدمها الغزاة البرتغاليون عدة مرات في القرن السادس عشر ثم أعاد تهديمها المستعمرون الإنجليز في أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
اتخذها القواسم مركزاً لإمارتهم وحصناً لمغارتهم.
وأول من استقر بها على ما يذكره المؤرخون الشيخ رحمة بن مطر القاسمي الذي انضم إلى الإمام محمد بن ناصر الغافري في حروبه بعد تقلص دولة اليعاربة واعترف له الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي بالسيادة بعد معارك عنيفة دارت بينهم (والقواسم) قبيلة عربية عريقة نزحت من سواد العراق من بلاد سُرَّ من رأى وديار بني صالح.
وأول من هاجر إلى عمان الشيخ كايد جد الحكومة القاسمية.
امتاز القواسم في الخليج الفارسي بالصلابة والشجاعة وحب المغامرة، فأقلقوا بريطانيا في ذلك الوقت، أكثر مما أقلقتها أي منطقة أخرى في الخليج العربي يهاجمون كل سفينة تحمل العلم البريطاني، سواء كانت للهنود، أم للإنجليز فهم القوم تَجِلُّ مناقبهم عن العد والإحصاء، ولا يتعرض لها بالاستيفاء والاستقصاء جمعوا بين البأس والندى، وقمعوا من اعتدى من العِدا (زاحمت) أسطول شركة الهند البحرية وجيوش الإنكليز البرية، ولم تكن أعمال قرصنة كما حسدهم الخصم فوصفهم بذلك، وإنما كانت حرباً دفاعية لإجلاء الإنجليز من السواحل العربية لرفضهم دفع الضرائب والرسوم المتفق عليها من الشركة حين دخولهم الموانئ العربية.
(خاص) القواسم معارك عنيفة أسروا فيها السفن الإنكليزية، وصادروها علانية، ودمروا كثيراً منها، ولم يكتفوا بطردهم من شواطئهم العربية، بل طاردوهم في البحر الأحمر، وسواحل الهند وإفريقيا حتى أن حاكم بومباي الإنجليزي استجار بحكومته لما هاجمت قوات القواسم لإحدى السفن الإنجليزية على بعد ستين ميلاً من بلاد بومباي
18 (1/18)
صفحة 19
نفسها، في أوائل سنة (1805) فشكا إلى دولته قائلاً: إن سفن القواسم تلحق أحياناً
السفن الإنكليزية حتى شواطئ الهند ذاتها فتغلب عليها».
كان أول تفوق شمس الحكومة القاسمية في أواسط القرن الثامن عشر المسيحي. وفي مستهل القرن التاسع عشر تميزت بالسيطرة على القبائل الأخرى، لا في البحر فقط بل في المدن الساحلية، وامتد نفوذها على منطقة ساحلية طولها أكثر من نحو 150 ميلاً. وذكر بعض المؤرخين الأوروبيين وكانت إمارتهم يعني القواسم، من حدود قطر إلى ما وراء خورفكان، حتى إن شناص كانت تابعة لهم، وقد حمى حصنها من المدفعية البريطانية موقعه الطبيعي، قال: وفي ذلك بلغت قوتها البحرية الذروة، حيث قدر أحد ضباط الأسطول الهندي المراكب التي يستخدمها القواسم بثلاث وستين من الحجم الكبير، وثمانمائة من الحجم الصغير، وكانت الأضرار التي حاقت بسلطنة مسقط من جراء توسع القواسم أشد من الأضرار التي نزلت بأية دولة أخرى، فهي لم تصب من سفنها التجارية فقط، بل فقدت جزءاً كبيراً من أراضيها كما رأينا، وقد راح سلطان بن أحمد ضحية معاداته للقواسم، إذ قتله هؤلاء أثناء مروره بسواحلهم في طريق عودته من البصرة سنة 1219 هـ.
1804 - .
كلامه. انتهى م
وقد كان قتل سلطان بن أحمد (رب) لنجة من أعمال فارس لما رجع من البصرة فارسي مراکبه بها هجم القواسم عليه ليلاً في مركبه ليلة 12 شعبان سنة 1219 هـ فقتلوه وبعد قتله قام عليهم السيد سعيد بن سلطان، وعمه قيس بن أحمد حاكم صحار، وقرروا الزحف عليهم (بخورفكان عام 1222 هـ فكانت الحملة التي فيها قيس من جهة البر وحملة سعيد من جهة البحر، فقابلهم القواسم حتى أصبح خورفكان بحيرة من دم، وقتل في المعركة السيد قيس بن أحمد وكثير من جنودهم لا يقدر عددهم، وأكثرهم مات بالغرق، وبعد ذلك قرر السلطان الانتقام من القواسم بمساعدة الإنجليز كما ستقرؤه على
أثر هذا.
19 (1/19)
صفحة 20
الحملة الأولى
وقد هاجمت القواسم البحرين وطردوا جنود حاكم مسقط منها، وبهذا أرجفت الإنكليز بالقواسم أنهم بدأوا يهاجمون إخوانهم العرب، وأنهم آلة في يد الوهابيين، وأن هذه أعمال مدفوعة من الحكام الذين بالرياض، تعاونت مع سلطان مسقط وأنزلت بهم الخسائر الفادحة في سنة 1805 م ولكنها لم تقض عليهم. بقيت المعارك مستمرة بينهم ثم وقع (سيتون) هدنة مع القواسم في فبراير عام 1806 م فكان أول شرط فيها احترام راية الشركة وعدم التعرض لها ولكن احترام القواسم للهدنة لم يطل أكثر من سنة ففي سنة 1808 م سجلت عدة اعتداءات على سفن بريطانية، وللمرة الأولى استطاعت الاستيلاء على أحد الطرادين اللذين كانا يحرسان بعثة ملكهم إلى فارس.
الحملة الثانية
وفي أواخر أكتوبر سنة 1809 م خرجت الحملة الثانية من بومباي وكانت تتألف من ثلاث سفن حربية وثلاث أخرى لحمل المعدات وبعد توقف قصير بمسقط بدأت تهاجم مراكز القواسم ومن بينها رأس الخيمة، وبقيت هذه الحملة تتردد في الخليج إلى أول يناير سنة 1810 فشدت رحالها عائدة إلى بومباي وفي سنة 1813 م عادت القواسم إلى الجهاد، فتجرأت على السفن جميعاً إنجليزية كانت أو محلية، وفي سنة 1814 امتد نشاطها إلى ساحل كونش والسند).
أولاً،
م
ورداً على أعمال القواسم حاولت السلطات البريطانية انتهاج السياسة بالتفاهم عندهم فقام (بروس) ممثل الشركة في أبو شهر بمفاوضات طوال سنتي 1815/ 1816 م على أساس رد المسلوبات أو إعطاء تعهد باحترام السفن البريطانية ورغم إرسال مندوب عنها للمفاوضة فإن القواسم لم تظهر استعداداً لقبول الطلب الأول، وعبر (وليم هنيد) أحد ضباط البحرية الذين زاروا الخليج في تلك الحقبة عن هذا الرأي بقوله: «إن المفاوضات مع أمثال. تلك العصابات خدش للكرامة البريطانية وتنازل عن السيادة المعترف بها على البحار». وفي سبتمبر من سنة 1818 م قامت بريطانيا تضع الخطة في تدمير
20 (1/20)
صفحة 21
القواسم فقدمت عدة مشاريع أمام حاكم الولاية (إيفان نيبيان) لاختيار واحد من بينها، وكانت هذه المشاريع تختلف أساساً على مدى التدخل البريطاني في شؤون الخليج، فمن قائل بالاكتفاء بتدمير القرصنة وعدم التدخل في الشؤون السياسية إلى قائل بضرورة رسم خريطة الخليج السياسية على الوجه الذي يروق بريطانيا، وكان (نيبيان) أميل إلى الرأي الثاني، فاختار مشروعاً يؤيد مساعدة الدول المسالمة في منطقة الخليج للحلول محل القبيلة المناوئة وهكذا يوطد سلطان فارس على سواحل الخليج، ويمد نفوذ السيد سعيد على رأس الخيمة، ويشجع الأتراك على الاحتفاظ بالساحل الممتد من رأس الخيمة إلى ولاية بغداد، ويوصي المشروع بإقامة قاعدة بريطانية ثابتة في رأس الخيمة، على أن يتولى سلطان مسقط نفقات إقامة الحامية.
وعندما أرسل هذا المشروع للحكومة العامة في كلكتا للموافقة عليه رأت أنه أوسع مدى مما يجب، ولكنها وافقت على مبدأ التدخل الحربي، والسياسي، وفي إبريل سنة 1819 م استقر الرأي على المبادئ الآتية:.
أولاً: احترام الأوضاع السياسية الداخلية في الخليج، فلا تتدخل بريطانيا لصالح أحد الرؤساء إلا إذا طلب إليها ذلك، وحينئذ تؤيد صاحب الحق المشروع وعلى هذا استبعد الرأي بتسليم جزر البحرين لحاكم مسقط.
ثانياً: لا يجب على الهند تشجيع الأتراك على بسط نفوذهم في منطقة الخليج، بعد أن استولى إبراهيم باشا على نجد، وجميع البلدان التابعة لها.
ثالثاً: وضع أسس لحرية الملاحة في الخليج، وحق تفتيش السفن بالاتفاق مع القبائل العربية، وأخيراً أفضلية جزيرة القسم على رأس الخيمة لإقامة قاعدة بريطانية ثابتة. وسنرى أن هذه المبادئ قد وجهت السياسة البريطانية في الخليج فترة طويلة.
1819
الحملة الثالثة
وعلى أساس هذه القرارت خرجت حملة بحرية كبرى من بومباي في 3 نوفمبر سنة
?
تتألف
من ست سفن حربية كبرى علاوة على السفن الصغيرة التابعة لها، وعلى ظهرها ثلاثة آلاف بحار أكثرهم من الأوروبيين وقد عين الجنرال (وليام جرانت كير) قائداً لها، ووصلت الحملة إلى هدفها الأول في رأس الخيمة في أوائل ديسمبر سنة
21 (1/21)
صفحة 22
1819، ورغم عدم تعادل القوات والتفاوت الكثير في الأسلحة التي يستخدمها كل من الخصمين، فقد أظهرت القواسم بسالة فائقة في الدفاع عن رأس الخيمة، فظل الإنجليز يضربونها بمدافعهم ستة أيام من 3 إلى 9 ديسمبر قبل أن يستطيعوا النزول بها، كما أقامت عدة حاميات كان أهمها معسكر في رأس الخيمة وبعد إرهاقهم بالمحرقات وعجزهم نزلت جنود بريطانيا فنهبت البلاد، وسلبت في يوم واحد كل ما وصلت إليه أيديهم. قال (ديمر): إن كل واحد من الإنجليز قد زادت ثروته ذلك اليوم ما لا يقل عن (307) جنيهات، كما دمرت مائة سفينة حربية في الميناء، فليأخذ العرب درساً من الاستعمار وأعماله الوحشية!؟ بعد انتصاراته، وليعلم العمانيون ماذا وقع على آبائهم وفي بلادهم لما دخلها الاستعمار؟ وما وقع بعد هذا على بني بو علي؟ وما وقع بعده على الجبل الأخضر في سنة 1376 هـ. كل هذه بوساطة آل بو سعد سلاطين مسقط، هذا ليأخذوا درساً لهم إن كانوا يفقهون لم تنسحب القوات البريطانية بعد تدمير الموانيء العربية كما فعلت سنة 1809 م، بل أنزلت الجنود على الشاطئ وأقامت عدة حاميات كان أهمها معسكر في رأس الخيمة.
وفي نفس الوقت أخذ أسطول حكومة بومباي يمسح الجزء الجنوبي لشاطئ الخليج، وقد عمد (جرانت كير) أولاً إلى توقيع معاهدات منفردة مع معظم رؤساء القبائل الذين لهم سلطة مستقرة في المنطقة الواقعة ما بين قطر وحدود سلطنة عمان. وتتناول هذه المعاهدة الإجراءات العملية المناسبة لكل مشيخة من هذه المشيخات. ففي المعاهدة المعقودة مع صالح بن صقر شيخ القواسم وضع القائد البريطاني الشروط الآتية: (أ) يتعهد شيخ القواسم بتسليم السفن الحربية الموجودة في رأس الخيمة أو في
الشارقة، أو في أبو ظبي، ويحتفظ فقط بمراكب الصيد.
(ب) يتعهد الإنجليز بألا يدخلوا أحياء القبائل بغية تخريبها.
(ج) يرد العرب ما لديهم من أسرى من الرعايا البريطانيين.
(د) بعد تنفيذ هذه الشروط تقبل القواسم في معاهدة الصلح العامة كبقية القبائل
العربية المسالمة.
وهذان الشرطان الأخيران تجدهما في جميع المعاهدات الفردية مع رؤساء القبائل الآخرين، ولكن بينما يتعهد الإنجليز للقواسم بعدم احتلال أحيائهم، يشترطون في
22 (1/22)
صفحة 23
الانتباه
المعاهدة الثانية المعقودة مع حسن بن رحمة اختلال موانيء رأس الحنين، ومسهرة، وجميع القلاع المشيدة في البلدان المجاورة لها ولما لم يكن لهذا الشيخ منطقة نفوذ محدودة فقد نصت المادة الثانية على الاستيلاء على جميع سفنه الموجودة في موانئ المشيخات الأخرى ولا تختلف المعاهدات الأخرى التي وقعت الثلاثة الآخرين من مشايخ المنطقة، وهم مشايخ أبو ظبي وبني إياس ودبي عن المعاهدة الأولى الخاصة بالقواسم ونرى في المعاهدة الموقعة مع شيخ دبي حيث وردت مادة تسترعي وهي تقول: يمتنع الإنجليز عن الدخول لساحل المشيخة، أو عن تحطيم أي حصن أو برج بها وذلك احتراماً للسيد سعيد ويستنتج من هذا أن شيخ دبي كان يعترف بسيادة عمان على منطقته أو صداقة ودية وقعت هذه المعاهدات فيما بين السادس والحادي عشر من يناير سنة 1830 م. وفي الحادي والعشرين من الشهر نفسه عرض (كير) نص المعاهدة العامة على المشايخ الخمسة تاركاً الباب مفتوحاً لغيرهم.
ونظراً لأهمية تلك المعاهدة في تاريخ الإمارات العربية بالخليج ندرج فيما يلي
موادها مرتبة مع حذف قليل من التفصيل:.
:1
المادة رقم 1 تمتنع الأطراف المتعاقدة عن جميع
أعمال السلب والقرصنة في البر
والبحر بصفة دائمة.
يعتبر
المادة رقم 2 كل عمل من أعمال السلب أو القرصنة الذي يرتكب بصفة فردية ضاراً بالإنسانية ما دامت لا توجد أي حرب رسمية بين الحكومات. المادة رقم:3 تلتزم السفن التابعة للعرب الأصدقاء (بحكم هذا النص) برفع علم
أحمر يكون رمزاً على جنسيتها ولا يجوز لها استعمال شعار آخر.
المادة رقم 4: تسوي القبائل المسالمة علاقاتها الداخلية فيما بينها.
المادة رقم ه: يجب على السفن العربية من الآن فصاعداً أن تكون مزودة بورقة موقعة من رئيس المنطقة التابعة لها ويسجل فيها اسم المالك، وحجم السفينة وأسماء البحارة، ويعين فيها ميناء الخروج وميناء الوصول. وإذا قابلت إحدى هذه السفن سفينة بريطانية، وطلبت إليها إظهار سجلاتها وجب عليها تنفيذ هذا الطلب.
المادة رقم 6: إذا رغب رؤساء العرب في إرسال ممثل عنهم بهذه السجلات إلى
23 (1/23)
صفحة 24
المقيم العام البريطاني في الخليج لتوقيعها جاز لهم ذلك، تسهيلاً لدخولهم الموانئ البريطانية ولعمليات التفتيش، ويشترط عرض السجلات على المقيم سنوياً.
المادة رقم: إذا لم تكف قبيلة من القبائل عن القرصنة، وجب على القبائل الأخرى أن تجمتع للتفاوض في عمل مشترك ضدها ويمكن اشتراك الحكومة البريطانية في التسوية النهائية بعد توقيع العقوبة على القبيلة المذنبة.
المادة رقم: إن قتل الأسرى بعد تسليم أسلحتهم يعتبر عملاً من أعمال القرصنة ولا يمكن اعتباره عملاً من أعمال الحرب المشروعة، فإذا ارتكبت إحدى القبائل هذه الجريمة اعتبر ذلك خرقاً لمعاهدة الصلح ويجب على القبائل الأخرى محاربتها بالاشتراك مع بريطانيا ولا يكف القتال إلا بعد تسليم المذنبين.
المادة رقم 9: إن خطف الرقيق من الساحل الشرقي لإفريقيا ونقلهم بعد ذلك فوق المراكب التجارية يعتبر عملاً من أعمال القرصنة، ويجب على العرب الكف عن ذلك.
المادة رقم 10: تستطيع السفن العربية التي تحمل العلم الخاص بها الدخول إلى الموانئ البريطانية، وكذلك موانئ حلفاء بريطانيا، والتجارة فيها بكل حرية وإذا هو جمت إحدى هذه السفن فإن الحكومة البريطانية تأخذ ذلك بعين الاعتبار. المادة رقم 11: تعتبر جميع الشروط المذكورة عامة، فيجوز لمن شاء من الرؤساء
الآخرين دخولها بنفس الطريقة التي انضم بها الموقعون.
لم تتقبل حكومة بومباي إجراءات (كير) الدبلوماسية بعين الرضا؛ لأنها كانت ترغب في انتهاج وسيلة أعنف مع المنهزمين ومن أهم الاعتراضات التي وجهت إلى تصرفات القائد (جرانت كير) هو أنه أفرج عن المرضى من الذين وقعوا في الأسر، وأبقى بعضهم في رئاسة قبيلته، كما أنها انتقدت نصوص المعاهدة ووصفتها بالنقص؛ لأنها لم تحتو على تحديد العقوبات التي يجب فرضها على المخالفين لمبادئ الملاحة الجديدة، كحمل الوثائق أو غيرها، وكذلك لم تحدد عدد السفن التي يجوز لكل قبيلة امتلاكها، والحجم الذي لا يجوز أن تزيد عليه هذه السفن وانتقدت أعمال «كير» في عدم تهديم القلاع وإدخال مادة تحرم بناء الجديد منها، كما أبدت بومباي رغبتها في إضافة مواد أخرى تحرم استيراد أخشاب السفن من الهند وأخيراً اعتبرت الشروط الإنسانية المتعلقة بتجارة الرقيق، وعدم قتل الأسرى غير كافية، ولا تتضمن وسائل عملية لتنفيذها، وقد
،
24 (1/24)
صفحة 25
دافع كير» عن معاهداته ببراعة فائقة واستطاع بعد وصوله إلى بومباي في مارس إقناع الحكومة بتوقيعها حتى لا تظهره في الأقل بمظهر غير الموثوق به في كلمته أمام العرب، ومما استخدمه من حجج لتنفيذ اعتراضات بومباي نستطيع اختيار النقط الآتية على سبيل التمثيل فقد ذكر كير):.
اولاً:: إن القبض على جميع الرؤساء المسؤولين كان يتطلب تتبعهم في داخل بلاد العرب حيث فرّ، بعضهم وقد نصت التعليمات الخاصة بالحملة على تجنب الابتعاد عن المنطقة الساحلية، بينما كان العفو حافزاً لهم على العودة إلى بلادهم، وعلى خلق جو جديد من الثقة.
ثانياً: ا: إن بقاء وحدات بحرية بريطانية بصفة دائمة في الخليج خير ضمان لتنفيذ الشروط، وأشد أثراً من النصوص التي تكتب على ورق لتحديد العقوبات القانونية. فضلاً عن أن المقصود بالشروط الإنسانية في المعاهدة هو مساعدة سكان هذه المنطقة على فهم المبادئ العامة للعلاقات الدولية ولا ينتظر منهم تغيير عادتهم دفعة واحدة بل يكون التحسن تدريجياً.
ثالثاً: إن تحديد عدد السفن التي يجوز امتلاكها وكذلك أحجامها لا يفيد بشيء؛ لأنه من الأفضل ترك المقدار اللازم من السفن التي تحمي به كل قبيلة نفسها، وليس أكبر السفن هو أصلح للقرصنة.
رابعاً: من الأقرب إلى المنطق أن تقوم الهند بمنع تصدير الأخشاب للعرب إلا أن تنص المعاهدة على أن يلتزم العرب أنفسهم بالامتناع عن استيرادها.
وقد ثبت فيما بعد أن آراء كير كانت أدعى النجاح السياسة البريطانية وأصبحت هذه المعاهدة أصلاً لمنع القرصنة ودعامة للنفوذ البريطاني في منطقة جنوب الخليج الفارسي، وجعلت من أعداء بريطانيا السابقين أطوع حلفائها.
انتهى
نقلا
عن [كتاب] الاستعمار بالخليج الفارسي للدكتور صلاح العقاد.
وهذا نص الوثائق بعد مفاوضات الصلح بينهم والسيد سعيد بن سلطان بعد تلك
الحوادث.
25 (1/25)
صفحة 26
سم الله الرحمن الرحيم
ليعلم من يقف على كتابي هذا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بأني قد أعطيت الشيخ سلطان بن صقر عهد الله وأمانه على يد أخيه صالح بن صقر، بأن لا أتعرض لجماعته، ولا أمد يدي على بلدانه وطوارفه من الخطم، ومغرب مشمل إلى أطراف الظاهرة، ولا أعين عليه خصماً يخاصمه والحال بيننا واحد، باتصال حبل الصداقة ما دام هو ثابتاً يمنع يده عن طوارفي، ومن تعلق بي، حتى لا يخفى، والله
شاهد ورقيب.
حرر في 27 من شهر رجب المرجب 1268 هـ ـ 17 من مايو 1852 م.
صحيح سعيد بن سلطان بيده
(الختم)
وبعد مضي عشرين سنة ولي أمر كلبا وخورفكان الشيخ حمد بن ماجد بن سلطان القاسمي، وكان الحاكم على مسقط السيد تركي بن سعيد سلطان فجدد اتفاقية
عنها.
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد فقد
من الواثق بالله المنان تركي بن سعيد بن سلطان إلى كافة من يراه، أما صار القرار بيننا والشيخ الأخ حمد بن ماجد بن سلطان بن صقر على ما جرى بين سيدنا الوالد سعيد بن سلطان والوالد الشيخ سلطان بن صقر بثبات الصحبة والصداقة كهذا الحوز والإحرام من خطمة ملاحة مشمل هو للقواسم ما عدا بلداً خصباً بما حوته من الأطراف، وإن لهم منا الحشمة التامة والكرامة العامة والنفع لا ينقطع، كما جرى في زمن سيدنا الوالد سعيد وزيادة وعلى هذا عهد الله، وأمانه لا حيلة ولا دغيلة اليوم ودوماً كيلا يخفى على القاصي والداني والسلام.
26 (1/26)
صفحة 27
كتبه مملوكه بأمره سليمان بن سالم في 15 من صفر المظفر سنة 1288 هـ - 6 من
مايو سنة 1872
•
صحيح تركي بن سعيد بيده
(الختم)
كان هم القواسم إبعاد النفوذ الإنكليزي عن المناطق المهمة، بل لم يكونوا أعداء لهذا النفوذ بالذات، إنما حاربوا كل تدخل أجنبي آخر والدليل على ذلك أن فارس طلبت من الشيخ سلطان بن صقر في عام 1823) م) المفاوضة معها في بندر عباس والاستعانة بأسطولهم فرفض ذلك.
وفي عام 1233 هـ، (1818 م) بعث القواسم سبعة عشر مركباً بحرياً، فيها عدد كبير من رجالهم المقاتلة إلى القطيف مساعدة عسكرية للدولة السعودية لما هاجم إبراهيم باشا الدرعية إلا أنها وصلت بعد فوات الأوان.
والحقيقة أنهم لعبوا دوراً مشرفاً في الوقوف أمام الغزاة، والتاريخ أصدق شاهد.
أول حاكم من القواسم الشيخ رحمة بن مطر بن كايد.
ثم حكم ابنه راشد بن رحمة.
ثم تولى الحكم بعده ابنه صقر بن راشد، وهو أول من استجاب للدعوة السلفية، وأصبح من جملة حلفائها على أمل أن يتقي بها غارات الإنكليز من جهة وأن يقرر عن سلطنة مسقط واستثناءه بالحكم من جهة أخرى، فعقد عام 1214 هـ معاهدة بينه وبين الأمير إبراهيم بن سليمان بن عفيصان، وهو أول أمير على البريمي من حكومة السعودية، واشتدت لهذه المعاهدة الحركة عليهم من الجهتين.
انفصاله
ثم حكم بعده ابنه سلطان بن صقر الأول، وهو أشهر أمراء القواسم، وكان أوحد زمانه شهامة وصرامة وشجاعة قلب وحدة نفس، وكان أهم أعماله الانتقام من بو سعيد، وقد انتصر عليهم في خورفكان كما قدمنا ذكره، وقد فصل ابنه ماجد فجعله أميراً على كلبا وخورفكان، كما فصل ابنه أحمد على ساحل دبا وهو أول من جعل الشارقة عاصمة له وأقر عمه حسن بن رحمة في رأس الخيمة وحسن هذا هو الذي جعلته الحملة البريطانية على رأس الخيمة.
27 (1/27)
صفحة 28
وفي أيامه خططت الحدود بينه وبين سلطان مسقط. وساعد مكتوم بن بطي على الإقامة بدبي ضد حكام أبو ظبي. وقد قام باحتلال جزيرة القسم ولنجة وبقي في الحكم حتى بلغ حد الشيخوخة.
ثم حكم بعده ابنه صقر بن سلطان بن صقر، وصادف حكمه اليد الإنكليزية مسيطرة بمملكة العرب، وخمود كثير من قوة القواسم وتحطيم أسطولهم، فاستقلت بهم على أم القيوين وعجمان والفجيرة كل تفرد بما تحت يده وقتل هذا الشيخ أثناء محاصرته أم القيوين. ثم تولى الحكم أخوه خالد بن سلطان. ثم سالم بن سلطان، ثم صقر بن خالد، وهذا الشيخ جعل على رأس الخيمة، والياً حميد بن عبد الله وبعد وفاته ولى عليها خالد بن صقر، وبقي بها حتى توفي وتعاقب الولاة على رأس الخيمة في عهد صقر فوليها محمد بن سالم بن سلطان، ثم سلطان بن سالم الذي اغتال أمير الجزيرة الحمراء، وكانت هنالك مناوشات واختلاف كان الصلح على أن تكون رأس الخيمة لسالم، وأن
تكون الجزيرة الحمراء والجزر البحرية تابعة للشارقة إلى أن توفي صقر بن خالد.
"
ثم تولى الحكم من بعده خالد بن أحمد فطرد معظم أقاربه، وصادر أموالهم فالتجأ كثير منهم إلى «دبي» واعترف باستقلال رأس الخيمة، وأعاد إليها الجزيرة الحمراء وبقي في الحكم حتى كبر أولاد الشيخ صقر، وكانوا (بدبي) من جملة المطرودين، فهاجموا الشارقة ليلاً وحصروه اثني عشر يوماً، وأرغموه على التسليم، وطردوا كل من تعاون عنده، وقهر الشيخ سلطان بن صقر البلاد، وساعده إخوته على ذلك. كان هذا الشيخ عاقلاً أديباً، يقول الشعر ويجيب عليه، جواداً كريماً، سهلاً في
اللقاء، لين العريكة.
وقد وقع اتفاقية باستئجار مطار مدني بالشارقة بعد الحرب العالمية عام 1951 م ثم اعتمدها الإنكليز على أنها قوة للساحل للقضاء على اللصوص الذين يعيثون في الأرض فساداً، وما هو إلا للتثبت التام لنفوذهم والتغلغل في البلاد.
عملية.
توفي هذا الشيخ عام 1970 م في لندن أثناء معالجته بعد أن أجريت له «18»
وتولى الحكم مؤقتاً أخوه الشيخ محمد بن صقر الذي تنازل لابن أخيه الشيخ
صقر بن سلطان الحالي.
28 (1/28)
صفحة 29
تولى الحكم الشيخ صقر بن سلطان فأصبح يؤسس ملكاً يقارعه العدو عليه، وكان
،
من أحسن الناس خلقاً، ارتفعت فيه الحضارة الأدبية والعلمية، فهو سهل الجانب كبير النفس، محب لأهل الفضل مكرم لهم جيد الشعر ينظمه بدون تكلف لذكائه النادر، جلب المدرسين إلى بلاده ونفخ روح التعليم في التلامذة وحبب لهم الحركة، وجرى في عروقهم ما فقدوه من روح الحياة، وكان محباً للسياحة إلى الخارج ليتلقى السياسة الحاضرة. وقد اجتمع له الحكم على كلبا وخورفكان وما تبعها من قرى، بعدما كانت قد انفصلت عن الشارقة ويحاول إحياء بلاده بالعمارة والتجارة والزراعة والصناعة.
وطالما طالبت هذا الشيخ أن يتحفني بما أشرف به تاريخي هذا من مآثر آبائه الكرام، لما أعلمه من جلالتهم ولما له عَلَيّ من فضل ومنة وإخلاص مودة فلم يجبني، وفهمت منه أن أحد علماء بلاده يحاول أن يكتب عنهم تاريخاً مستقلاً.
ما كان برأس الخيمة: حوالي عام 1330 هـ في عهد سالم بن سلطان، تولى الأمر أخوه محمد سالم الذي تنازل لأخيه سلطان، ثم قام عليه بنو أخيه واستولوا على الأمر، وعينوا أحدهم وهو الشيخ صقر بن محمد بن سالم حاكماً وكان أمير الجزيرة الحمراء تمنع على القواسم فهاجم الشيخ صقر بن محمد برجاً من أبراج الحراسة، فصادف فيه ابن أمير الجزيرة، فقبضه رهناً لتسليم الحصن، فاضطر إلى التسليم والتجأ إلى الشارقة.
دبي
هي جبهة عمان وحاضرتها ووجهها وغرتها مرتع النواظر ومتنفس الخواطر، طيبة البقعة، واسعة الرقعة، تقع على ساحل الخليج الفارسي، قد مد البحر بها لسانه الطويل، فهي أشبه شيء بمصر يتخللها النيل تفوق على كل بلاد في عمان بالتجارة والثروة والعمران، تبوأها آل بوفلاسا القوية النفوذ وطناً، بعد ما تركت موطنها القديم، فهاجرت إليها من أبو ظبي، وتحملت إليها برمتها فجعلوا من أنفسهم زعماء مستقلين في ذلك الأوان، وبقوا عليها حكاماً إلى الآن.
وأول من فتحها من هذه العائلة مكتوم بن بطي بن سهيل في عام 1249 هـ (1833 م)، وذلك حينما دَبَّ الخلاف بين مشايخ آل بو ظبي فقتل طحنون بن شخبوط، واختلف من بعده إخوته خليفة وسلطان.
29 (1/29)
صفحة 30
فابتز مكتوم البلاد من يد الأسد وقهرها بكف من حديد، وبمكره الأسد وحصنها
،
بصقور لا بحبل من مسد وأحاطها بعزم وببأس وجلد، فكن خليفة عليها بعد أن استوى على العرش وهاجمها مراراً ليردها تحت لوائه حسبما كانت، فما نجحت عمليته بعد أن دامت الحرب بينهم سبع سنين حتى خارت عزيمته.
ولما تولى بطل الشمال زايد بن خليفة إمرة آل بو فلاح عاود الكرة إليها، فشمر عن ساق الجد لإعادتها تحت، قهره، لكونها كانت من توابع مملكة آبائه فما قعد آل فلاسا بو مكتوفي الأيدي، ولا نكصوا وجلين حتى بقي كل على ما تحت يده.
أخيه.
عمر الشيخ مكتوم طويلاً وبقي في رياسته على دبي وتوابعها دهراً.
ثم ولي الأمر من بعده شقيقه سعيد بن بطي بن سهيل فكانت أيامه دون مدة
ثم ولي الحكم من بعده ابن أخيه حشر بن مكتوم وطالت أيامه فبقي عليها وتوابعها عشرين عاماً غير معارض.
سنين.
ثم ولي الأمر من بعده راشد بن مكتوم فبقي حاكماً على دبي وتوابعها سبع
ثم ولي الأمر من بعده ابن أخيه مكتوم بن حشر بن مكتوم ولبث في الإمارة اثنتي عشرة سنة حتى توفي في شهر ذي الحجة سنة 1324 هـ.
،
ثم ولي من بعده ابن عمه بطي بن سهيل وكان رجلاً سياسياً وقعت بينه والإنكليز فتنة في عام 1328 هـ بسبب أسلحة هربها (سيف بن حمد المعولي راعي النجم) فأخفاها في بيت من بيوت أحد الشيوخ بدبي، وكان الإنكليز حريصين على منع الأسلحة ودخولها أرض العرب فأصبحت بمناوراتها على دبي، وطلبت من الشيخ بطي السلاح فأنكر علمه بذلك، فشددت الإنكليز الطلب وأنزلت عساكرها في بيت الشيخ محمد بن أحمد بن دلوك، وبعضهم بقي بالسفن البحرية فرمت بمدافعها بيت سالم بن العبد في (ديره) ورد عليها الوطنيون بمثل ذلك، فأسفرت المناوشات عن قتل ضابط إنجليزي وثمانية وعشرين من عساكرهم ومن أهل دبي على الصحيح أربعة أشخاص كما قيل: إنهم سبعون شخصاً، وتخلص الشيخ بطي من هذه الفتنة بأن دفع للإنجليز على يد وكيلهم في الشارقة
30 (1/30)
صفحة 31
المسمى عبد اللطيف خمسين ألف روبية هندية وأربعمائة بندقية، وكثرت الأناشيد في هذه المعركة ووفد الشعراء يهنئون بطياً بالظفر، وكان تاريخاً جميلاً وليت الخلف يفعل ما فعله السلف، بقي الشيخ بطي حاكماً ست سنين على دبي وتوابعها حتى توفي في عام
1330 هـ.
ثم ولي الأمر من بعده ابن عمه سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم، عام 1330 هـ وهو حاكمها الحالي، وقد فوض الأمر آخر عمره إلى ابنه راشد بن سعيد، فهو المدير لشؤونها المدبر لها. وقد هاجر إلى هذه العاصمة كثير من رجال داخلية عمان ومسقط، ومن الخارج لما لقوه من تخفيف الوطأة عليهم وعلى رعايا البلاد، فحصلوا على ربح واسع من هجرتهم، وشاطر هذا الشيخ العمانيين قسطاً وافراً من التموين الموزع لبلاده أوان الحرب العالمية الثانية وتوطن كثير من الناس بهذه البلاد لعدم المضايقة، وقلة الفحص بها والتفتيش في الجمارك والأمور المنفرة للعالم، فتوسعت البلاد وكثر العمران
ونشطت التجارة.
وفي عام 1357 هـ نسجت الإنكليز فتنة بين سعيد بن مكتوم حاكم دبي، وابن عمه مانع بن راشد لإنفاذ سهمها من الأمير سعيد حيث لم يوافق على إتمام مصالحها، خسر بنو إياس في هذا الفتنة عشرة أبطال من أعيان رجالهم، منهم الشيخ حشر بن راشد وابنه بطي بن حشر وحصر الشيخ مانع في بيته فلبث يدافعهم ثلاثة أيام، وأبدى شهامة أقر لها أقرانه، وتحصنت كريمتاه عنده فدافعن بين يديه دفاعاً تتكعكع عنه الأبطال، حتى أفرجن لأبيهن، فاستطاع أبوهن بمساعدتهن التحيز إلى الشارقة بعد أن أحرقت منازله بالنار، ونهبت أمواله وذخائره ولم يجد مساعداً من قومه وكانت الواقعة في يوم الأربعاء سابع صفر سنة 1357 هـ. وكان خروج مانع في تاسع صفر من العام نفسه، وبسبب خروجه إلى الشارقة تأججت الفتنة بين أهلها وأهل دبي، وبقيت اثني عشر يوماً قتل فيها اثنان من أهل الشارقة وجرح عبد العزيز بن القاضي سيف بن محمد.
وفي عام 1365 هـ أيقظ قاسم الشيعي وكيل الإنجليز بالشارقة فتنة بين حاكم أبو ظبي وحاكم دبي، بسبب موضع يسمى (غناضة) زعمت الشركة الإنجليزية أن به عيون الزيوت، وأنها تطلبه ممن هو له فتنازع الشيوخ عليه كل يدعيه فقامت بسببه فتنة عمياء خسر الكل فيها أموالاً فادحة ورجالاً، كُمْلاً، انتهت عن مائتين واثنين وثلاثين من القتلى
31 (1/31)
صفحة 32
عدا الجرحى، فقد بها من المناصير خمسة وثمانون شخصاً والباقي من الفريقين، وتحاملت الدولة على أهل دبي وألزمتهم رد الإبل المأخوذة في الحرب، فدفع آل مكتوم مائتي ألف روبية غرامة عنها فأمضت بينهم صلحاً بذلك ثم وقع بعده تناقض أدى إلى حركة عمان بإمامها لقمع هذه الفتنة صلحاً، أو قتال من بغى على الآخر إن أبى عن القبول على حسب الحكم القرآني بعد استفهام صدر من الإمام لوكيل الدولة بالشارقة. وكان قد صدر أمره إلي بالمسير إليهم، فخرجت بأمره وتكلمت عند الشيخ سلطان بن صقر حاكم الشارقة بما أملاه الإمام وطلبت منه أن يعرف ما عند الضابط الإنكليزي، وما رأي حكومته، فلما رجع أرسل إلي في قصر الشيخ سعيد بن مكتوم بدبي، وكان من جوابه يقولون: إنهم لا يتدخلون في شؤون العرب فرجعت بجوابه إلى الإمام، فتحرك لإصلاحهم ووصل كثير من رجاله بلدة عبرى فما كانت إلا أيام حتى وصل رسول الشيخ الرقيشي والي عبرى من قبل الإمام يعرب أن الوكيل السياسي بالشارقة جمع المشايخ وأصلح شأنهم، وحجز غناضة لآل بو فلاح.
وحصل من نتيجة هذه الحرب أن نفت الإنكليز الشيخ جمعة بن مكتوم شقيق الشيخ سعيد بن مكتوم من دبي إلى البحرين باتهامه أنه يعاكس نفوذها وأن حماسته وشكيمته لا بد من قمعها؛ إذ كل الواقع بتدابيره، ولم تسمح له بالرجوع إلا بعد مضي سنتين، فبقي بالبحرين عاماً كاملاً، ودفعوا في مقابلة العام الثاني مالاً.
وفي عام 1375 هـ دبرت الإنجليز مكيدة بين آل مكتوم حكام (دبي) فأفرغت في آذانهم الوحشية وشغلتهم بنزاع وفتنة فأتيحت لها الفرصة التي تحسب لها حساباً طويلاً، فوضعت يدها على البلاد وضعاً نهائياً.
ونفت الشيخ جمعة بن مكتوم وأولاده عبيد وحمد، وأحمد، ومكتوم، فأووا إلى المملكة العربية فنزلوا على إكرام صاحب العظمة الملك سعود بن عبد العزيز وبقوا في الدمام بجوار أمير المنطقة الشرقية سعود بن عبد الله الجلوي، فغمرهم إحسانهم وإكرامهم، كما أن الملك أمدهم براتب شهري وبعد أن انقطع الصويت وصفا المكر سمحت لهم بالرجوع في عام 1378 هـ.
وفي العام نفسه نفي من أعيان دبي حمد بن ماجد فطيم وخليفة بن ماجد، وسعيد ابن ماجد ثم أذن لهم بالرجوع بعد رجوع الشيخ جمعة ولم يكن لابن فطيم موجب
32 (1/32)
صفحة 33
يبرر عملهم إلا سوء الظن والوحشة وبنزولهم تحت ظل الملك المعظم سعود حمى الحرمين، لم يفقدوا بما شملهم من إكرامه إلا التمسك بحب الوطن.
أبو ظبي
تقع على الطرف الذي يواجه البحر من جزيرة تفصلها عن البر مخاضة، لا يمكن عبورها إلا عند الجزر، وهي عاصمة آل بو فلاح، وهي آخر الإمارات العربية تابعة لساحل الصلح البحري، وأول إمارتهم من حدود الشارقة إلى حدود قطر يقطن البدو منهم الظفرة وخنور وأماكن يطلقون عليها اسم محاظر، تقع بين تلال من الرمل يقيم المحاربون منهم بنواحيها، ويقيم قسم منهم في ناحية الجو وهم الظواهر، وآل بومهير وهي قبيلة عربية، ولم يخضع أحد منهم للآخر، وقد اجتمعوا في القديم على رئيس السودان وولوه أمرهم ودانوا له بالطاعة ثم قتلوه بعد ذلك وبنو إياس قبائل عديدة منهم آل بوفلاسا آل بومهير السودان محاربة جمزان مزاريع. رميثات. مرر. أولاد ياسر بن عامر، وينتمون إلى سبيع بن عامر ولهم توابع كثيرة منهم القبيسات ينتمون إلى صخر، وهم من المرر وآل بو حمير ينتمون إلى أبو الشعر من المناصير، وآل بالخيل ينتمون إلى أبو رحمة من المناصير، والكل عصبة بني ياس حرباً وسلماً. والظواهر من
توابعهم.
،
قطر
على سيف الخط بين عمان والعُقير والأسرة الحاكمة عليها المعاضيد، وحاكمها
،
،
الحالي الشيخ علي بن عبد الله بن قاسم بن محمد بن ثاني بن محمد، أصل نسبهم من بني سعد بن عمر بن تميم ويقال لهم آل ثامر ثم نسبوا إلى جدهم ثاني فيقال لهم الآن آل ثاني، وكان نزولهم قطر قبل تمام الألف، وكانوا قبل ذلك من بادية يبرين وأمكنة نجد، فزاحموا عبد القيس على قطر، حتى استولوا عليها، أخذت هذا من لسان الشيخ علي وطلبته الزيادة على ذلك فتحرج واعتذر، وهذا الشيخ أحله أبوه عبد الله محله وأنزله بمكانته في عام 1368 هـ لما علم من كفايته فهو بالدوحة من البلاد، والدوحة العليا من المكانة وأول من حكم قطر من هذه الأسرة الشيخ ثاني، ثم ابنه محمد ثم ابنه، قاسم ثم عبد الله، ثم علي.
33
نهضة الأعيان - م 3 (1/33)
صفحة 34
وفي عام 1354 منح الشيخ عبد الله بن قاسم شركة الزيت امتياز التنقيب.
وفي عام 1358 نجح العمل في الزيت، وظهرت أول بئر منه، فتوسعت البلاد، وزاد العمران واستأنست الرعية وحصل الغنى الحاكمها وجاد على زوّاره وأكرم
وافديه.
وفي عام 1368 استقبلت قطر أول ممثل من الحكومة البريطانية، وقبل ذلك كان
يزورها ممثل البحرين.
قديم
الجبل الأخضر
هذا الجبل يملكه بنو، ريام وأميره سليمان بن حمير النبهاني.
،
وهو جبل عظيم الارتفاع صعب الامتناع لا يتوصل إليه إلا من طرق مخصوصة تتشعب منه تسعة أودية بها قرى لبني ريام وبهذا الجبل يلجأ العمانيون عند الشدائد من الزمان، فقد لجأ إليه سليمان وسعيد ابنا عباد بن الجلندي في وقت حروب عمال الحجاج، وكانا قد هزما جيوشه عدة مرات وفلا جموعه، ثم جهز إليهما القاسم بن شعوة من جهة البحر، فأرسى سفنه بقريات فهزما، جموعه وقتل القاسم في المعركة، واستوليا على سوادة ثم جهز إليهما أخاه مجاعة بن شعوة في ثلاثمائة سفينة من جهة البحر، فارسي سفنه بمسقط، وفي عشرين ألفاً من جهة البر، فهزماه هزيمة منكرة ببلدة سمايل، وبأمكنة أخرى من عمان وغزا سليمان بن عباد سفن القاسم بمسقط فأحرق منها نيفاً وخمسين سفينة، ثم جهز إليهما عبد الرحمن بن سليمان وقد أكلت الحرب الرجال وضعفت القوة، فاستشعر سليمان وسعيد ابنا عباد العجز، فصعدا الجبل الأخضر بذراريهما وحاصرهما جند الحجاج فتخلصا منه وركبا البحر بالذراري إلى أرض الزنج، ومانا بها، وتغلب جند الحجاج على عمان بعد خروجهما منها.
وتحصن بهذا الجبل الإمام غالب بن علي الهنائي بمن عنده من المجاهدين، لما حملت الإنجليز على عمان في عام 1376 - 77 فبقيت تقذفهم بشرر الطائرات ثمانية عشر شهراً، وقد عجزت جنودها من الصعود إلى المجاهدين، فاستعانت بالطيران. وأملي أن أجمع لتلك الحوادث تاريخاً مفرداً.
بهذا الجبل الأنهار والآبار والفواكه الكثيرة بجميع أنواعها، فالعنب بأنواعه العديدة
34 (1/34)
صفحة 35
والرمان بأنواعه والتفاح والخوخ والمشمش والجوز واللوز والسفرجل والليمون الحلو والحامض إلى غير ذلك، كما يوجد به من الرياحين الزعفران والورد والنرجس والياسمين والفل وبه الزيتون والبوت والنمت والأبهل وهو شجر العلعلان الدي يؤخذ منه الصمغ المصطكي المعروف بالرومي وأكثر أشجاره عطرية ولو كتب وصفه وكل ما احتوى عليه لاحتاج إلى مجلد.
جبل الكور
هو جبل ضخم منيف أقرب أن يكون حوراء كأنما عليه غبار دائما، وهو حوالي خمسمائة ميل مربع يسكنه قوم من بني هناة عرفوا بالصدق أحاطت به بلدانهم بل وفي سفحه بلدان لهم أيضاً.
وله خواص. ومن خواص ما فيه أنه حافظ بالطبع لجوهر ما يدخر به ولو طالت المدة، ومن ذلك أن التمر إذا أخذ وقت حصاده خصوصاً من البلدان التي بسفحه وهي (دَنَّ) و (معول) و (لميس) وادّخر في المغارات بالجبل المذكور لا يتغير طعمه ولا لونه ولو بقي دهراً طويلاً ويقال: لو بقي إلى أعوام عديدة وكل الأطعمة والحبوب بهذه أن اللحم إذا ادخر طرياً يبقى إلى شهر لا يتغير ولا يخثر بدون المثلجات.
الصفة،
ومن العجائب الموجودة فيه أن نهر (دَنَّ) وهي البلد الذي بسفحه إذا اغتسل الإنسان داخل النهر بأعلى البلد يصاب بداء لا يفتر ألمه حتى يتصدق أو يعمل معروفاً وإذا اغتسل بأسفله حيث يغتسل الناس لم يصبه بأس.
ونهر (دن) ونهر (معول) يمتنعان من سقي الأرض في أيام معروفة ولا يدرى أين يذهب هذا الماء عند امتناعه ولا يرى أين يصب. فإذا طرقهم ضيف أو احتاجوا إلى تغسيل ميت خرج أحدهم إلى مكان معروف عندهم فينادي (ياوضاح) عندنا ضيوف أو ميت أو يخرج أحد الضيوف فينادي فيأتيهم بسرعة.
وبهذا الجبل بئر إذا اغتسل الجنب في جوفها نضب ماؤها ويصاب المغتسل بداء يبقى به لا يفارقه حتى يموت، فإذا مات أصبح الماء طافحاً على البئر.
وبه أنهار، فمنها ما يزيد ماؤه إن كان لأناس وينقص إن كان لآخرين على كل دور، ومنها ما ينقطع من غير قحط، ويزيد من غير مطر، وفي حال انقطاعه إن حدث
35 (1/35)
صفحة 36
بالبلد حريق أو احتاجوا لغسل ميت أو طرقهم ضيف يستحق الإكرام خرج من مجراه نهراً فوق العادة، وهذا مشاهد مشهور
ويقال: إنه توجد في بعض كهوفه كمة من الجوخ الأحمر إذا وضعها الرجل الضخم على رأسه تبلغ منكبيه، فإذا أراد إخراجها من موضعها ذهب بصره حتى يردها في محلها. وبه من الأشجار البرية ما لا يوجد بغيره.
زرت مصر عاصمة الإسلام في شهر شعبان عام 1380 وتكلم إلي صديق أن أهل الخارج يمنحون روايتك هذه السخف ويعدونها من الخرافات فهم يستبعدون ما تذكره من وصفك للأنهار الموجودة بجبل الكور وحفظه الطبيعي للأطعمة بغير واسطة وخصوصاً اللحم. والجواب: لا يهمني استنكارهم ما دمت صادقاً وكأن هذا شيء حاضر موجود بل لا يحتاج إلى مبرر، فلعل الرواد الذين دخلوا البلاد بعد الاحتلال عرفوا صدق ذلك، ونحن نستنكر ما يبلغنا عن القمر الروسي وهو من صنع البشر وقد أطبق العالم عليه ويستنكر البشر صنع الله أي الفريقين أهدى سبيلاً.
ويوجد بعمان في وادي بني خالد بالشرقية جبل مجوف، له مسلك من نقرة بأعلاه من جهة القطب تغطيها الرحى ثم تتوسع تلك النقرة شيئاً فشيئاً، فيسلك الداخل في غار حتى يتخلص إلى شرجة من الماء عظيمة تجري لا يدري من أين أقبل الماء ولا إلى أين يذهب، وحوالي هذا الماء رمال وتراب وشجر.
أشهر قرى الداخلية
نزوى وهي عاصمة مملكتها بهلاً مَنَح. أزكى ويقال لها في القديم: جرفان. أدم. وتسمى هذه القرى وما حواليها أرض الجوف وما كان شرقيها من جهة المطلع يقال
لها الشرقية.
أفخم بلدان الشرقية سناو. المضيبي. أبرا. بدية. جعلان.
أفخم بلاد في داخلية عمان نزوى الرستاق سمائل. نخل. بهلا. منح. عبرى.
يوجد بنزوى من الأشجار والنخيل والفواكه ما لا يوجد بغيرها في عمان، وبها الأنهار، وعليها المعوّل والآبار وهي قليلة اتخذها الأئمة الأولون عاصمة ملكهم وكان
36 (1/36)
صفحة 37
أسطولهم في القديم قد بلغ مبلغاً عظيماً فقهروا شطراً من الهند وإفريقيا فما رغبوا عنها
فتري
تلك الآثار ما يدل على جلالتها والتاريخ شاهد عدل.
يلي نزوى من جهة القبلة بلدان كثيرة هي من أعمالها وأفخمها بهلا كانت مركز أولاد راشد بن حميد ثم تليها الظاهرة وهي معروفة بأرض السر، تقع بين جبال الحجر تقابلها أسما وحقيقة الباطنة في الجانب النعشي والظاهرة هضاب تشتمل على سهول كثيرة وعلى جبال صخرية وتمتد إلى جبل حفيت وشرقاً إلى نجد المخاريم وتتألف الظاهرة من قرى متشابكة على أرض مستوية وعاصمتها عبرى وهي زمام الظاهرة ومرجع البادية وسوقها كبيرة ورياستها تنتهي إلى اليعاقيب أولاد راشد بن عبد الله
محمد
ومن بلدان الظاهرة:
الدريز: وهي بلدة من أوسع بلدان الظاهرة بها بنو غافر ورئيسهم الشيخ علي بن سعيد الغافري وبيده حصن العينين ومن هذه القبيلة الشيخ العلامة خلف بن سنان الغافري أحد قضاة الإمام سلطان بن سيف اليعربي توفي رحمه الله وقد حوت خزائنه من الكتب المخطوطة ما لم تحوه مكتبة علمية بعمان؛ فإنه جمع سبعين وثلاثمائة وتسعة آلاف كتاب وفي ذلك يقول: لناكتب في كل فن كأنها جنان بها من كل ما تشتهي النفس جرى حبها مني ومن كل عالم ذكي الحجى والفهم حيث جرى النفس فلا ابتغي ما عشت خلا موانساً سواها فنعم الخل لي وهي الأنس ولست أرجى أن يفوز بمثلها على غابر الأيام جن ولا إنس ثلاث مئين ثم سبعون عدها وتسعة آلاف لها ثمن بخس ينقل: هي من أحسن بلدان الظاهرة ولها توابع ورئيسها الشيخ سيف بن عامر العلوي من الغصون ويقال: إن أصلهم من نجد من بلد تسمى الحوطة، أما جماعته فهم بنو علي بن سودة.
ضنك: على سفح جبل من الجانب الغربي تقع على فم الثغرة الضيقة وهي بلد
37 (1/37)
صفحة 38
خصبة يظهر واديها ممتداً إلى الربع الخالي وبها علاية وسفالة بها رؤساء كل تفرد بجماعته
و مرجع أمر العلاية فيها إلى رئيس النعيم صقر بن سلطان.
1212
مقنيات: بلدة بين جبلين لبني كلبان وهي بلدة خصبة كثيرة المياه بها حصن في أعلى جبل لا يتوصل إليه إلا بمشقة وقد شيده بنو النباهنة وكانوا على عمان وقد استولى عليه بنو کلبان من يد محمد بن جبر العميري عام بسبب الاختلاف الواقع بين السادة سعيد بن سلطان وعمه قيس بن أحمد حاكم الرستاق؛ فإنها كانت تابعة لحاكم الرستاق فحاصرها بنو كلبان بتدبير من السيد سعيد واغتصبوها من العميري بعد حصار دام سبعة أشهر.
يلي أرض السر من عمان من الجهة القبلية أرض الجو. وأول ما يطالعك منها حفيت والسنينة ورؤساؤها محمد بن أحمد الصلف النعيمي ومحمد بن سالمين بن رحمة الشامسي وساكنو البلدان جماعتهم وقد أطل على تلك البلدان من جهة القبلة الجبل المعروف بجبل حفيت.
البريمي
قاعدة أرض الجو وتسمى في القديم توام وتسميها الإنجليز الجنة الصغيرة والواحة الغناء وتحتوي واحة البريمي على قرى وبساتين فمن قراها البريمي، حماسا، صحرا، العين، المعترض، القيمي، القطارة هبلى المويقعي الجاهلي ويشمل البريمي من جانب الشمال ديار بني كعب وبني قتب وزعيمهما الأكبر صقر بن سلطان بن محمد بن علي بن حمود بن خيس النعيمي ورئيس حماسا راشد بن حمد الشامسي وهم رؤساء عَلَى جماعتهم ويشاركهم أولاد الشيخ زايد بن خليفة آل فلاح.
فإنهم رؤساء على بلدانهم في هذه الواحة وهي في محلها استراتيجية، تقع عند ملتقى كثير من طرق المواصلات في شرق جزيرة العرب وتعد محوراً بين صحار وسواحل الباطنة والجنوب والظاهرة ومناطق الحجر الداخلية وعمان الوسطى والشرقية، فلذا ترى كل من يهاجم عمان من الأجانب يختارها مركزاً لإقامته فالجيش الذي جرده الرشيد الخليفة العباسي في القرن الثاني اتخذها قاعدة لهجومه وتبعه الخليفة في القرن
38 (1/38)
صفحة 39
الثالث لما أرسل محمد نور إلى عمان، وحذا حذوه العجم بقيادة (تقي خان) نزل بخورفكان وقصد بلدة الصير التي تقع بالقرب من رأس الخيمة وكان نزوله في 12 ذي الحجة عام 1149 ثم قصد البريمي ومنها سار إلى عمان ثم تلتهم الجنود السعودية في عام 1210.
في تاريخ الشيخ عبد الله المطوع
كان حكام البريمي قبل الجنود السعودية آل ابن زرعة ومن بعدهم آل أمر حماسا إلى آل سرور وأمر الحلة العزازنة إلى أن قال: ويطلق اسم آل خريبان على أولاد الشيخ علي بن حمود شيخ قبيلة النعيم؛ لأن نعيم تنقسم قسمين شامسي وخريباني يقال: إن شامس وخريبان واسمه محمد إخوة لأم وأبناء عم لأب، ومنهما تفرعت القبيلتان، وتنقسم كل واحدة إلى عدة بطون إلى أن يقال:
أن يقتل
أول حكم آل حمود لضنك كان الشيخ علي بن حمود شيخ النعيم مسكنه السنينة من أرض الجو. وكان كريماً شجاعاً اجتذب البدو بكرمه وكان الشيخ الفيلاني بلغ من الكبر عتياً فجعل الشيخ علي بن حمود وصياً على أولاده لقبض حصنهم (المنيخ) الذي له بضنك إلى أن يبلغوا رشدهم خوفاً عليهم من جيرانهم فقبل وصيته. وبعد بلوغ الكبير رشده سلم إليه الحصن لتبرأ ذمته وأغرى الصغير بأخيه فقتله ثم دبر الصغير انتقاماً لجريمته واستأثر بالحصن فبقي في يده هذا أول حكمه بضنك قال: ثم تطلع محمد بن علي إلى ما هو أبعد من ذلك ليلقي يده في زمام أفخم مما هو فيه ورأى أن البريمي عاصمة وأنها تليق بمنصب فخم وكان عليها ذلك الوقت الشيخ حمد ابن عبد الله الملقب غبار وكان ضعيف التدبير وضايقه الشيخ زايد بن خليفة وكادت أن تسقط البلاد بيد زايد فتجمع النعيم ومن والاهم وعلى رأسهم الشيخ شامس بن حمد الشامسي فأبرموا صلحاً بين زايد وحمد ثم تنكر أهل الحلة وهم العزازنة للشيخ حمد غبار فغدروا به وقتلوه واجتمعوا على تقديم محمد بن علي أميراً عليهم ويقال: إن ذلك كان بسياسة منه فقهر البلاد عام 1290 هـ وبقي بها ثم استولى على القصر السعودي من يد الأمير محبوب بن جوهر مولى الإمام السعودي سلمه له أمانة قال: ثم تطلع محمد إلى السيادة الكاملة على الجو، فأبى جيرانه من الظواهر دفع الرسوم التي كانوا يدفعونها للإمام السعودي، فكانت بينه وبينهم، وقائع فاستعانوا عليه بالشيخ زايد
39 (1/39)
صفحة 40
بن خليفة وآخر وقعة وقعت بينهم في بلد القطارة كانت تاريخاً انتهى كلامه بتصرف وبقيت رياسة البريمي في أبناء محمد بن علي سلطان وسالم ثم بيد سلطان بن نجد ثم بنيه محمد وصقر ثم بيد صقر الحالي.
جعلان
تقع جعلان عند الحد الخارجي للجزيرة العربية وهي من حدود الشرقية بعمان تتكون بين جنوب الشرقية والبحر يحدها رأس العرف شمالاً والبحر العربي جنوباً تنحدر إليها مياه أودية الشرقية فتصب في قيعانها فيمكث الماء بها زماناً طويلاً يستمد منه البدو الرحل وما فاض من القيعان يفضي إلى البحر الجنوبي.
وجعلان بأسرها الحدرية والعلوية بلاد خصبة لا تعرف الجفاف، فضاء منبسط على جو فارغ، عليها من جهة القبلة جبال من الرمل بها آبار من الماء العذب، وتحتوي غضونها على تلال وكثبان رمل، مبعثرة تقيم باديتها بهذه الرمال صيفاً وشتاءً فتشبع ماشيتهم من عشبها وأشجارها على قرب من سكناهم.
تحتوي قيعانها على غابات مظلمة من شجر الغاف الطويل المتكاثف.
وبها الغيول الجارية كساها شجر الأتل رونقاً جميلاً بخضرته.
وبها العيون والأنهار الجارية بعضها من القنوات وأكثرها من مياه الغيول الباقية في مجاري السيول وبها المنازف التي يستطيع العاجز أن ينشيء بستاناً فيحرثه فيعيش عيشة المتوسط من أهلها.
بالقرب منها، بحرهم وعليه تشرع سفنهم، فيقف على ساحله ضعيفهم، ويتحصل من خيراته بما يقنعهم، وعلى ساحله عدة بنادر جميلة مخصوصة بهم، ما عرفوا أجنبياً
فيهم.
ومتى دخل فصل الربيع هاجر أهل البلدان إلى تلك الكثبان بذراريهم لاستنشاق الهواء النقي الطبيعي، فيزدادون نشاطاً فوق نشاطهم، وقلما تجد فيهم مريضاً أو أعور أو أعمى إلا نادراً لصحة هواء بلادهم.
فهواء جعلان طري نقي قد غربلته الأشجار وشجرها عطري تفتحت به الأزهار،
40 (1/40)
صفحة 41
وزهرها الورد، والبهار وظلها ظليل ونسيمها عليل وماؤها سلسبيل، وحرها لطيف و بردها خفيف وبحرها قريب وسمكه لذيذ عجيب فهي لبنان الشرق وبيت الرزق جوهرة بيد أعرابي، يسكنها عدد عديد من الرجال عرفوا بالشجاعة إذا اختلط الدخان لا يقدرون للموت حقاً ولا للحياة قيمة.
وجعلان قسمان: قسم يتبع الحسون والقسم الآخر إمارة آل حمودة.
جعلان الحدرية إمارة آل حمودة
أثناء
والمؤسس لهذه الإمارة سالم بن علي بن حمودة في أوائل القرن الثاني عشر عودته من حج بيت الله الحرام وبعد وفاته كانت الرئاسة لأخيه محمد بن علي بإجماع من الكل، ومن عادتهم المبايعة للرئيس على السمع والطاعة ولهم السيطرة والنفوذ التام في قومهم، وبلادهم حرة في شؤونها الداخلية، كما أن لهم صرف قديم أعني - البيزات - وإعداد معروف بينهم عباسي، محمدي غازي لاريه فهم يتعاملون به إلى الآن، ولهم ميناء مختصة بهم في البحر الشرقي منها الأشخرة، قميلة الروبس، فهي تحت تصرفهم. وكانت بينهم وحكومة مسقط عداوة في أيام الأمير محمد بن علي، ثم بعد ذلك تحولت إلى صداقة متينة يدلّون بها على سلاطين مسقط بسبب دفاعهم عنها، ويمنون بذلك على حكامها، ويعتقدون أنه لولاهم لذهبت السلطنة هباءً، وليس لحكومة مسقط تدخل أو
إشراف في حدودهم.
لاقى الأمير محمد بن علي أهوالاً وصعوبة وتلقاها برباطة جأش لا يصبر عليها غيره، واستحرت شدتها عام 1332 هـ لما قام عليه السيد سعيد بن سلطان بالحامية الإنجليزية وهذا نقل للحادثة من المصادر الأوروبية. ففي أواخر سنة 1820 م أعلنت قبيلة بني علي عصيانها للسيد سعيد ولما كانت هذه القبيلة من أقوى قبائل عمان الجنوبية وتسيطر على ميناء صور الهام، فقد أصبح موقف الإمام حرجاً، لذلك أسرع بالاستنجاد بالحامية البريطانية في جزيرة القسم، وقد رفض قائد الحامية أولاً التدخل في هذه المنازعات الداخلية، ولكن الظروف شاءت أن تنقذ السيد سعيد إذ قام بنو بو علي بمهاجمة إحدى السفن الإنجليزية، وعندما أرسل قائد الحامية احتجاجاً إلى صور قتل هؤلاء المندوب البريطاني وحينئذ أسرع الميجر طوسون Major Towson قائد الحامية بإرسال قوة صغيرة إلى عمان فوصلت إلى ميناء صور في 24 نوفمبر، ولحق بها السيد
41 (1/41)
صفحة 42
سعيد على رأس قوة كبيرة من جنده الدائمين، الذين كانوا يجمعون من بين العنصر البلوخستاني، واتجهت القوة إلى أحياء قبيلة بني بو علي في إقليم جعلان، ولكن على نحو خمسين ميلاً من مدينة صور فوجئت الحملة الإنجليزية العمانية بمقاتلي القبيلة، فلم تستطع الصمود لهم، وفرت بعد أن قتل نحو ثلثي الحملة البالغ عددهم سبعمائة جندي منهم سبعة ضباط إنجليز. أما الجنود فقد كانوا رعايا من الهند ولم تستطع حكومة الهند السكوت على هذه الهزيمة، التي قد تطيح بسمعة بريطانيا في الشرق، فتجاوزت عن المبدأ السائد في سياستها نحو بلاد العرب الذي يقضي بعدم التدخل في الشؤون الإقليمية.
وفي فبراير سنة 1829 أرسلت قوة كبيرة من الجند الأوروبيين تحت قيادة الجنرال ليونيل سميث Lionel smith فاتجهت القوة مباشرة إلى أحياء قبيلة بني بو علي، وقامت بأعمال تخريبية، وبتقتيل الأهالي غير المحاربين دون تمييز ولم ينج من هذه القبيلة إلا من فر، ولم يشترك السيد سعيد في هذه الحملة الانتقامية لأنه كان قد أثناء الحملة الأولى، فكافأه الحاكم بسيف مرصع رمزاً للزمالة في القتال على أن قبيلة بني بو علي لم تستأصل تماماً من الوجود. انتهى كلامه.
جرح
ومن غيره أيضاً انهزم السيد سعيد مراراً عن بني بو علي حتى اضطر للاستعانة بالإنجليز لما تكعكع العمانيون عنه، فجاءت قوتهم من ناحية مدينة صور وهزموا هزيمة أربكت هذه الهزيمة الحكومة الإنكليزية في الهند وأذلتها إلى درجة
منكرة عام
1820
?
أن أصبح حاكم مسقط يشنع على الإنجليز ويتهمهم بالجبن.
قال مؤرخ البيت الحاكم في مسقط عن هذه الحملة: فلما رأى السيد سعيد حاكم مسقط» انفلال شوكة الإنجليز ودقة عزائمهم وقلة من ثبت معه من قومه أمر جنوده بالمسير إلى مسقط وهذه الهزيمة شتتت أعوان سلطان مسقط وبعثت فيهم الخوف والذل كما أنها أجبرت الإنجليز على الاعتراف بالهزيمة يقول اللفتننت هنري أور مسببي، لدى حكومة الهند عن هذه الهزيمة: أبديت دهشة غير ضئيلة في الهند لدى وصول معلومات عن حدوث هذه الكارثة إن أحداث حروبنا الهندية ليس فيها مثل هذه الكارثة كلا، فلو راجعنا تاريخ الحملات الهندية لوجدنا أن البريطانيين انتصروا في غالب الأحيان على قوات تفوقهم عدداً، أما هنا فقواتنا التي أحضرت للعمل كانت تتساوى تقريباً في القبيلة المعادية بالإضافة إلى مساعدات قوات الإمام».
العدد
42 (1/42)
صفحة 43
ويصف مرة حملته هذه فيقول: إشارة إلى اعتدائنا الذي لا مبرر له بحملة أقل ما يقال فيها: إنها كانت مؤسفة وغير موفقة ا هـ. ولقد جاءت هذه الحامية بقوة فوق قواتهم الأولى، فوضعوا المدافع صفاً تلو الصف وأدخلوا السلاسل في أفواهها متصلاً بعضها ببعض، فأثاروا النار عليها، وقد قابلهم الأمير بجنوده صفوفاً، وما سلاحهم إلا المشرفية والأسل، فكانت المدافع ترميهم بسلاسلها، فتأخذ ما يقابلها من الصف فيلتحمون، ويهاجمون نيران المدافع آخذين بالثأر والشرف حتى أفناهم ذلك، ووهت قوتهم وضعف فكان النصر في جانب الإنجليز، ووقع الأمير محمد بن علي أسيراً في يد الإنجليز مع أناس من قومه فحملوا إلى أرض الهند ولما شاهدت من بسالته وشدة شكيمته طلبوا أن يكون قائداً في جيشهم لاستحلال بعض أراضي الهند العاصية عليهم، فاشترط عليهم أن يسمحوا له في الرجوع إلى وطنه متى انتصر في نهضته فأنعموا له بذلك، فكان من حظه أن كان النصر حليفه فوفوا له بما وعدوه، وبعد عودته إلى جعلان كانت له حروب مهولة خضعت له في أثنائها بنو راسب.
جمعهم.
،
ولما توفي محمد بن علي تولى الإمارة ابن أخيه راشد بن سالم بن علي فكان عوناً لسلاطين مسقط مخالفاً لسنة آبائه فشد عضدهم وغزا معهم البحرين وإفريقيا وآزرهم على حروبهم العمانية حتى نهض معهم على جماعته بحينه أهالي مدينة صور وفي ذلك
يقول شاعر الجنبة:
تماماً.
ما لوم الهناويين يوم خذوا ملاك ثويني
والا
راشد
اللعين
إيش له وإيش عليه وقد راوغ بنو بو علي على سلاطين مسقط ما استطاعوا فلم تخضع لهم القبيلة
بقيت جعلان ردحاً من الزمن تمشي على الأهواء الشيطانية؛ حتى أذن الله بقيام الإمام عزان بن قيس فغزاها وأقام بها شعائر الإسلام، وتوفي الأمير راشد بن سالم في سجن الإمام عزان بمسقط وصارت الإمارة من بعده لأخيه عبد الله بن سالم، وكان في ريعان شبابه، فتلقى كتاباً من الإمام عزان رحمه الله نصه بعد البسملة: «من إمام المسلمين عزان بن قيس إلى عبيد العنيد، إنك عتيت عن المواجهة وتكبرت، فائذن بحرب من ورسوله، فكان من هذا الأمير أن لم تمض مدة يسيرة حتى أصبح يهاجم مسقط، فكانت
الله (1/43)
صفحة 44
بينه والإمام معارك أسفرت عن قتل الإمام رحمه الله وكثير من أنصاره، واستحل الأمير عاصمة مسقط ومطرح عام 1312 هـ. وأرسل للسيد تركي بن سعيد، وكان غائباً لم يحضر المعركة فقلده إياها.
الله
ولما هاجم الشيخ عبد الله بن صالح الحارثي مسقط عام 1312 هـ، كان الأمير عبد بن سالم رأس المدافعين عن السلطان، ولم يزل أمراء بنو بو علي يناصرون سلاطين مسقط في كل موطن، إلى أن دخلت مسقط تحت تصرف الإنجليز وعقد على الإمام الخروصي، فزارهم الشيخ حمير بن ناصر النبهاني في أواخر شهر ذي القعدة سنة 1331 هـ، وطلب منهم الكفاف عن مناصرة سلطان، مسقط حينما كان عزم الإمام مهاجمة مسقط قبل أن يتحقق لديهم معارضة الإنجليز لهم، فوعدوه جميلاً، ووفوا بما وعدوه، وبقوا اثنتي عشرة سنة ما طرقوا باب السلطان.
كانت بين الأمير عبد الله وجيرانه الحسون حروب ومهاجمات وملاحم يشيب لها الوليد، وأشهر هذه الملاحم وقعة خويسة، وهي بلدة صغيرة بجنوب بلاد الحسون، صارت تاريخاً محفوظاً لما وقع فيها من القتال وما فقد من الأبطال وأعيان الرجال، انجلت عن مائة وسبعين قتيلاً من الفريقين بالسلاح الأبيض، ويقال: أكثر من ذلك سال الدم بالغيل حتى بلغ بلاد بني بو علي، وكان هذا الأمير هو المهاجم ليستأصل جيرانه، لكنه لم يفز في هذه المعركة إلا بالهزيمة وقتل ذريع في قومه، وما زال يخوض حروباً صعبة، وله مواقف عرف بها وما زالت عادته هذه حتى توفي سنة 1328 هـ، وعمره مائة وعشرون سنة.
بويع بعد وفاته لابنه علي بن عبد الله، وشاركه في الحكم ابن أخيه محمد بن ناصر ابن عبد الله، ثم توفي محمد وبقي الأمير علي منفرداً بتدبير حكم بلاده، وهو رجل سياسي حر في حركاته وسكناته عارف بالمورد والمصدر، ساكن الطبع، أما آباؤه فهم إلى طرز البداوة أقرب، بل هي عادة العمانيين، وكان بين هذا الأمير وجيرانه الحسون حرب قاسية وأكثر قتال أهل جعلان بالسلاح الأبيض، فأمراء جعلان يأملون استئصال جيرانهم الحسون وخضوعهم لهم، ولكنهم ثبتوا لهم في كل موقف، وتكون الحرب سجالاً في أحيان، وبقوا كذلك حتى دخلت بلاد الحسون تحت رعاية الإمام الخليلي في عام 1363 هـ فكانت بين الإمام الخليلي والأمير علي بن عبد الله معاهدات ووثائق، من
44 (1/44)
صفحة 45
ضمنها أن يكون الأمير متكفلاً بالغافرية الذين بالمشرقية فهو السائل والمسؤول وبقيت الصداقة والمودة متبادلة بينهما والمكاتبات متداولة زار الأمير علي في شبابه الحجاز،، وبعض الولايات المتحدة، وكانت وفاته في يوم ثاني عشر من شهر صفر سنة
ومصر،
1366 هـ.
وولي الإمارة من بعده أخوه الشيخ سالم بن عبد الله بإجماع من رؤساء قومه، ثم لم يشكروا سياسته ولا سيرته فطلبوا اعتزاله فاعتزل ولم تكن إمارته إلا سنة وأشهراً، ثم ولي الأمر من بعده خالد بن علي بن عبد الله ويعاضده ابن عمه ناصر ابن محمد بن ناصر بن عبد الله، وبقيا في الإمارة إلى عام 1376، فدخل عليهم في ليلة مظلمة حمد بن خميس بن سعد السنيدي وخادمه ففتك فيهما وعدد من أولادهما، وأصيب بعض نسائهم بجراح فكانت معركة داخل القلعة، ثم قتل بعد ابن خميس وخادمه، وخرج أبوه خميس بن سعيد من بلاده إلى بلاد الحسون بعائلته وأولاده، وصحبه بعض بني عمه، وتفصيل الحادثة يكون في الجزء الذي يلي هذا في إمامة الإمام غالب، إن
شاء الله.
ثم ولي الأمر خميس بن محمد بن ناصر وابن عمه صالح بن علي بن عبد الله.
ظفار
من مقاطعات عمان وتتعلق عليها توابع كثيرة تنازعها أئمة عمان، وأئمة اليمن القديم وانتهى بها الحال إلى أن صارت من أملاك عمان.
ومن حاصلات ظفار اللبان. قال الأنطاكي: وقيل إنه لا يوجد في الدنيا إلا في: جبلها وبه بادية كبيرة تعرف خطّة جنائه يضربونه بحديدة حتى يسيل لبنه فيتحجر، فينزلون عنه ويبقون شهراً، ثم يخرجون إليه فيضربون البشرة الخارجة ويقيمون عشرة أيام هذا عملهم، ثم ينزلون إلى بيوتهم فيقيمون عشرة أيام أخرى، ثم يرجعون إلى الجبل فيبقون خمسة أشهر في جنائه ولكل منهم محل محدود يتسلفون من التجار على هذا الجناء، ومحلُّ هذا اللبان مخصوص بالإبل والغنم ويطلق عليه اسم (سدح)، وهي أعمال ظفار، والأمطار بها قليلة في وقت تحجر اللبان وحكمة الله اقتضت ذلك؛
لأن المطر يفسد اللبان إذا أصابه قبل أن يتحجر.
45 (1/45)
صفحة 46
(أما مرباط) وهي من أعمال ظفار يكون بها اللبان من جهة المطلع، ويكون المطر عليها من جهة القبلة، وهو الموسم المعروف عندهم بالخريف، وهذا الموسم لا يتعدى ظفار، وأوله طلوع سهيل فيحصل الدهن البقري في ذلك الفصل وهو الدرجة الثانية من حاصلات البلاد الصادرة إلى الخارج.
ومن حاصلاتها أيضاً النارجيل، وهو الجوز الهندي.
والسمك الصغير المسمى (قاشع).
والعومة، وهو نوع من القاشع أكبر منه.
والسمك الكبير، المسمى الكنعد يصدرونه إلى كلومبو من بلاد الهند، وغيره من
أنواع الصيد.
ونوع من الصيد يسمى الصويلح يصدر إلى عدن ولا يوجد الصويلح إلا من رأس مرباط إلى رأس توس.
وبظفار من الماشية الإبل والبقر والغنم شيء كثير بحيث يملك الفرد من المائة إلى الألف، وربما ملك بعضهم الآلاف، ولكثرة ماشيتها تجد الجلود فيها كثيرة، ولها تجار يجمعونها ويصدرونها للخارج.
موسم
موسم
،
والرقيق موجود عندهم، ويملك بعضهم من الرقيق بقدر خمسين رأساً كلهم أسود اللون، ومنع السلطان سعيد بن تيمور بيعهم حتى في البلاد نفسها والتجارة لا بأس بها، إلا أن التصدير ليس بطويل الأمد؛ لأن أمطارها تابع للهند، فمنذ الصيف إلى الخريف، لا يقرب ظفار أحد من جهة البحر لشدة اضطرابه، وعظم الموج، وهي مشهورة بذلك، ولها ميناء غير صالح لرسو السفن وأكثر ما ترسو بميناء مرباط، وهي منها بقدر خمسة فراسخ، والزراعة منتشرة بها وتربتها طيبة وحاصلاتها كثيرة، وأكثر ما يزرع بعمان يزرع بها إلى ما شاء الله.
أما النخل فلا يجود بها؛ لأن الهواء بارد والأمطار غزيرة، فلا تكفيه الحرارة، وقد قام بإصلاحها السلطان سعيد بن تيمور فأصبحت جنة غناء.
46 (1/46)
صفحة 47
أهمية عمان الاستراتيجية والزراعية
تخترق عمان سلسلة جبال ترتفع أحياناً حتى تكون شاهقة، وتنخفض تارة، فهي بها كفقرات الصلب، وإنها أعلى جبال بلاد العرب كلها وترتفع عن ساحل البحر، وفي دبا وخورفكان ومسقط وقليات، فبين القريب والبعيد تتخللها أودية ومسالك، من داخلية عمان إلى الساحل المعشي كوادي ضيقة ووادي طيوى ووادي منصح، ووادي العق، ووادي الخوض، ووادي الفور، وفي بعض هذه الجبال قرى ومزارع وأنهار لسقي الزرع وبعمان سلاسل من الرمال الجبلية الطويلة ذات الرمل الأحمر، وتتألف من رمال مرصوصة رضًا، قويا يسهل السفر فوقها على ظهور الإبل وتحتوي هذه الرمال على عدد من الآبار ذات الماء العذب وتنقلب هذه الرمال إلى مراع ممتازة بعد هطول المطر؛ فإن عائلات البدو تنتجعها فتحط رحالها عند هذه الآبار، فتقيم بها حتى تشبع ماشيتها. تتخلل هذه الرمال فجاج تعرف باسم شقاق مفردها شقة تكون هذه الشقق مسالك للتخلص من مشقة الصعود والنزول.
،
لقد انسخلت عمان عن غيرها من الأقطار المجاورة لها بحكم موقعها الجغرافي فجبالها الشاهقة تنفصل عما جاورها من البلدان بواسطة الصحراء العربية، حيث يقع الربع الخالي، وعوضاً عن أن تنحدر عمان بالتدريج نحو البحر، كما هو الحال في الجبهة الشرقية ترى الساحل في أقصى الجنوب يرتفع إلى حد بعيد.
إقليمها: مناسب وترتفع بها الحرارة إذا دخلت الشمس برج الجوزاء. ولقد أجمع المؤرخون والجغرافيون أن عمان بلاد حارة حتى قال بعضهم: إن حرها محرق أما كونها حارة، فهذا ما لا خلاف فيه، بدليل أن جميع الأشجار التي تتطلب البلاد الحارة تغرس
بها فتطيب.
في
الصيف،
عمان،
ولما كانت عمان قسماً من بلاد العرب التي وصفوها بأنها حارة جداً باردة جداً في الشتاء، أخذت حكمها لكن لا نسلم بأن الحكم عام على جميع وهي واسعة الأرجاء، بعيدة ما بين الطرفين، تمتد من حدود حضرموت إلى البحرين،
47 (1/47)
صفحة 48
الطف
وفيها السهل والجبل والساحل ولكل حكمه، وما وصفوه من الحر يصدق على بعض البلاد دون البعض بل إن بعض البلاد ليست حارة أصلاً كالجبل الأخضر الذي يكون فيه الصيف بارداً كالشتاء في غيره، وكذلك جبل الكور حكمه كجبل الأخضر، بل هو هواء، وكذلك يقع في جبل حلّوت الذي بجنوب طيوى في شرق مسقط. أما عمان الداخلية فلا يبلغ الحر فيها هذا الحد، ويكون الهواء بها جافاً، ويتغير الحكم في أطراف عمان من جهة الجنوب، وبمدينة ظفار وما يليها حيث تكون الأمطار
الموسمية في الصيف كما هو الحال في بلاد الهند؛ لأنها على سمتها في خط واحد.
أما داخلية عمان فما كان وراء الجبل الأخضر من جهة الشمال تجاه القطب، فأقرب أن يكون حكمه حكم ساحل الباطنة؛ لأن الجبل يحجزه عن الهواء الجنوبي والبحر يمنعه فلا تجد في ذلك الطرف الهواء اللطيف إلا شاذاً بعد الساعة السادسة نهاراً بمقدار ساعة ونصف ساعة، وتهب الشمال في أوقات بسموم فيتغير بسببها كثير من أثمار الأشجار والنخيل.
وما وراء الجبل الأخضر من جهة الجنوب، يختلف فيه الهواء.
أما جعلان فنسيمها عليل ولا يسكن إلا قليلاً وبه، نداوة ولا تطرقها الشمال الضارة إلا نادراً، وقد أحاطت بها الأشجار الطويلة من الغاف والأثل وغيرهما فهي تغربل الهواء وتنقيه فيخرج طرياً نقياً.
ثم
وبدية: هواؤها أرق من هواء جعلان لعدم النداوة به، والسموم لا تطرقها إلا نادراً، والصبا تنشر عليها وقت الصيف نفئات يرتاح لنسيمها الجسم فتبرد لها الأحشاء، وكثيراً ما تطرقها من الساعة العاشرة نهاراً إلى الساعة الثانية من الليل وأحياناً تبقى لها الثالثة، يسكن ذلك الهواء اللطيف فيبقي برودة غضة ولا برودة الكهرباء وبدية: قرى متصلة، وأقرب أن تكون متشابكة على أرض منبسطة بين رمال متكاثفة مرتفعة، وبعضها مبعثرة بين القرى يحيطها وادي البطحاء ويهاجم بعض بلدانها أحياناً.
السر.
وأكثر الشرقية هواؤها لطيف ليلاً معتدل نهاراً، وكذلك أرض الجوف وأرض
وأما ناحية الجو فأنفذت القسط الأوفر من ذلك.
48 (1/48)
صفحة 49
ويندر
وشمال عمان على ساحل الخليج، فالحر فيها لا يتجاوز مائة وعشر درجات، أن يصل مائة وعشرين درجة وتختلف الأمكنة بعضها عن بعض، فهواء صور يختلف بحيث أن الرياح تطرقها من الجهات الأربع في كل يوم وليلة، وكثيراً ما يكون بها الأزيب الصوري، وهو جاف منشف يطرد سموم الحرارة والحشرات ذوات السم، وله عواصم في بعض الأحيان، وبقربها من جهة القبلة موضع يسمى الزمار، لا تخفق رياحه في كل وقت وكل ساعة شتاء وصيفاً.
أما مسقط فهواؤها حار فيه رطوبة ونداوة، وقد ضيقت عليها الجبال المحيطة بها، فلا يطرقها الهواء الجاف وأكثر هوائها من جهة البحر.
والباطنة مثلها إلا أن الجبال على مسافة بعيدة منها وهي بحبوحة عمان وجنتها، وتكون وقت الجفاف جُنتها يأوون إليها فتحضنهم، فهي مقصد الوارد والصادر، وملجأ الفقير الحائر، بها النخل الكثير، والماء الغزير، رائقة البقاع والجهات، كثيرة الشجر والجنات، صحيحة الهواء لمجاورة البحر والبيداء تقع على ساحل الخليج الفارسي عمارات متصلة غير منفصلة في مقدار مائة وخمسين ميلاً، لا يحوطها سور، ورأس الخيمة، وأم القيوين ودبي وأبو ظبي شبه جزائر يحيط بها البحر، ولهذا يكون الحر بها شديداً ليلاً متى ما كان البحر ماداً، ولا يتراوح الهواء إلا عند الجزر بخلاف الشارقة التي لا يحيط بها البحر، ويأتيها الهواء البري من مطلع العقرب ماراً على رمال وأشجار فيكون لطيفاً، ولذا اشتهرت بين جاراتها بلطافة الهواء.
يوجد بعمان المعادن الذهبية والفضية والقصديرية والكبريتية والنحاسية والملحية والمغر والسماد الطبيعي والزيت الذي هو قوام الطائرات والسيارات، وقل أن يكون هناك معدن إلا ويوجد بها.
ذكر الدكتور فيليب حتي في كتابه المسمى: تاريخ العرب المطول) أن السومريين استحضروا النحاس (وهو) أول المعادن التي اكتشفها الإنسان واستعملها) من مناجمه في
عمان.
وذكر غيره من المؤرخين أن ملكة على العمانيين تسمى شمساً، استعانت بالرومان في جلب مصانع لعمان فاستخرج النحاس وهو أول معدن استخرجه الإنسان. كانت بعمان صناعات، ولكنها في هذا الوقت تأخرت إلى أقصى حد، فلا يوجد
49
نهضة الأعيان - م 4 (1/49)
صفحة 50
فيها مصانع من المصانع الجديدة، إلا ما كان موجوداً من المصانع السابقة، فأخذت الانحطاط بواسطة الوارد إليها من الخارج.
كانت تصنع كل ما تحتاج إليه من أوعية الخشب والفخار، ويقوم كل بلد بما يحتاجه. ويصدر منها إلى الخارج نوع من أباريق القهوة المسماة (دَلَّه)، وكثيراً ما تُبْنَى السفن الشراعية بسواحلها وقلما تضاف إلى المحركات الأوروبية تتراوح في حمولة عشرين طناً إلى ثلاثين طنا.
،
اشتهرت عمان بحسن النسيج. فالشارقة اختصت بنسيج البشوت، وهي أفخر ما نسج بعمان، وهذه البشوت تسمى عند أهل الخارج عباءة. واختصت «أبرا» بنسيج العمايم المخططة الأطراف المسماة سباعية، وبنسيج الأوزرة، على اختلاف أنواعها.
واختصت «بهلا» بنسيج المناسيل المتخذة من الصوف المتين، واختص وادي سمايل بنسيج الخضرنج، وهو من القطن الأحمر الموجود بعمان خاصة، وكان يصدر كثير من هذه المنسوجات إلى الخارج.
ولما كثرت منسوجات أوروبا وجلبت إلى عمان قصرت همة النساجين في عمان، وراجت المنسوجات الأوروبية.
الزراعة بعمان
تربتها طيبة قابلة للغرس والزراعة وزراعتها نامية جداً، لأنها بلاد حارة، وأكثر الأشجار التي تطلب البلاد الحارة تغرس بها فتنمو فتطيب ومن أراضيها القابلة للزراعة الباطنية وهي لو أتيح لها من يعتني بالزراعة لكفت أهل عمان ومثلها جعلان لو قام أهلها بالزراعة لأغنتهم بمحاصيلها عن الطلب من الخارج، ومثلها وادي قريات وهو الذي نزله نبي الله سليمان بن داود عليه السلام حسب الروايات وتضعف الزراعة أحياناً في بعض المناطق، لقلة الماء إذا امتنع المطر، وإن كان بها الآبار والأنهار، لكنها لا تكفيها وقت الجدب، وقد يشتد بها الغلاء وتضعف البلاد متى حرمت الغيث، فيتحول أهلها وراء طلب الرزق إلى إفريقيا وعلى طول الخليج الفارسي، ومع ذلك فإنهم يحتمون إلى بلادهم ويسعدون كلما تراءى لهم العودة إليها.
50 (1/50)
صفحة 51
يغرس بعمان النخل وأنواعه كثيرة وأشهر أنواعه المبسلي، وبسره أصفر اللون، يؤخذ منه عند نضاجه بمعرفة أهله به فيغلى بالنار، ثم ييبس بالشمس ويدخر زماناً يطلبه الهنود ويعرف عندهم باسم (خارق) (وسلوق)، ومن النخيل نوع تمره أسود اللون يسمى الفرض يحبه الأمريكيون ويطلبونه ومن ذلك نوع آخر بالباطنة يسمى أم السلا يجعلونه تمراً ولا يتجاوز الجوزة وكل الزراعة بعمان ليست على أصول علمية، ولو أتيح لها عالم بفنون الزراعة لتضاعفت فائدة البلاد.
حاصلات عمان
،
الصادرة إلى الخارج اللؤلؤ والتمر والبسر المطبوخ والليمون، وزراعته في المرتبة تلي زراعة النخل؛ لأنه يُدِرّ أرباحاً كثيرة تطلبه البصرة وفارس، وهو الدرجة الثانية من الصادرات، والرمان والقطن الأبيض والأنبا المسمى المانغا، وهو مما جلبه قيد الأرض لعمان من أرض الهند، وقد أصبحت السيارات متصلة بين الساحل على الخليج الفارسي وبين الباطنة؛ فتقطع تلك المسافة في عشر ساعات فاستعد تجار الساحل لتصديره إلى قطر والبحرين والكويت فصعدت قيمته الآن.
،
ومن جملة الصادرات سائر الفواكه والسمك بأنواعه والصدف والمحار، وهو الصدف الصغار والعنبر بجميع أنواعه الأبيض والأصفر والبنفسجي، وقد كثر وجوده في هذه السنين حتى إن القطعة منه تكون بمقدار مائتين وسبعين رطلاً، ويقدر الصادر من اللؤلؤ بخمسة عشر مليوناً، ويصدر من السمك نوع يسمى الكنعد إلى (كلومبو) من أرض الهند (والريش)، وهو ما يوجد على ظهر الجرجور المعروف عندهم بالآذاني، يصدر إلى أرض الجابان (واللخم) وهو نوع من الصيد يصدر إلى إفريقيا، هذه الحاصلات الرئيسية بعمان، والتي تصدر إلى الخارج.
،
ومن الفواكه الموجودة بعمان ولا تصدر إلى الخارج العنب، والتين، والنارنج، والأترج والمستعفل والزيتون والتفاح والسفرجل والخوخ والمشمش، والبوت، والنمت والجوز واللوز والموز والبيذام المسمى في القديم (جلوز) والبرتقال، وقد زرع كثيراً في هذا الوقت وستكون له فضلة تصدر قريباً إلى الخارج، والفيفاي وهو مما جلب إلى عمان من إفريقيا والهند وهو في حجم البطيخ بل أشبه شيء به، والبطيخ بأنواعه الأخضر والأصفر والحبحب.
51 (1/51)
صفحة 52
يزرع بها الحمص والباقلا، واللوبيا والفاصوليا وهو الغرغر، والماش، والسمسم والخردل والفلفل والكزبرة والبصل والثوم، والفجل.
،
ويوجد بها من الخضراوات الباذنجان والبطاطا والجزر بأنواعه، والقرع بنوعيه: المدحرج، والمخروط.
ومن الرياحين الزعفران وهو بالجبل خاصة، والورد والياسمين والفل ويسمونه الرازقيا، والريحان، وكثير من سائر العطور والرياحين.
وبلاد عمان تنقسم إلى سهلية وجبلية ومما يلي الأرض السهلة من جهة الجنوب رمال كثيفة إلى محل الأحقاف.
وبهذه الجهة الجنوبية موضع يقال له أم السميم سباخ مليحة لا يجاوزها إلا من عرف موضع الطريق منها، فإذا تعدى وغلط المار بها ابتلعته وهوى فلا يستطاع إنقاذه، وقد ابتلعت الكثير من ذوات الخف والظلف بل والإنسان للينها وعدم كثافتها.
وأهل عمان على مذهب إمامهم عبد الله بن أباض رضي الله عنه، وهو مذهب أئمتهم الأولين فيقال لهم أباضية وفي عمان من أهل السنة عدد كبير على اختلاف الأئمة
في المذاهب.
52 (1/52)
صفحة 53
انقسام حكومة عمان
تنقسم حكومة عمان منذ سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف إلى قسمين، فالداخلية عمان الأساسية، وهي اليوم مملكة الإمام الخليلي سالم بن راشد الخروصي وعاصمتها
نزوي.
وعمان الساحل هي اليوم مملكة السلطان سعيد بن تيمور وعاصمتها مسقط؛ أما الداخلية فيتمتع أهلها بالاستقلال التام والنفوذ المطلق فلا حق لغيرهم فيه ولا تدخل الحكومة أجنبية في شؤونه.
•
عند الله
نظام الحكم في الداخل الشريعة المحمدية، يسير إمامهم بسيرة الخلفاء الراشدين المهديين، ينظر أهل الحل والعقد من رجالها العلماء وقت استطاعتهم للظهور فيختارون من تتوافر فيه الكفاية والشروط المطلوبة ليبايعوه على طاعة الله وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم غير ناظرين في ذلك إلى بيت أو قبيلة بل إلى ما في الشخص من الروح والمقدرة والكفاية. والقصد من ذلك توجيه الأمة إلى الصلاح وإبعادهم من الشر، والسير فيهم بأوامر دينهم، ويستندون في ذلك إلى قاعدة وضعها القرأن الكريم: «إن أكرمكم أتقاكم، فإن قام بالشروط، وسار على النهج، ولم يخالف العلماء، ولم يرتكب محظوراً فعليهم طاعته وكان ولياً مقدساً عندهم، وإن خالف وتعدى خلع ورفض وقدموا غيره، ولا يقبلون ولاية عهد يجعلها الأول لابنه وأخيه؛ إذ ليس المسلمون قطيع غنم فيورث، إنما عملهم وأسلوبهم على وفق الصدر الأول من الإسلام، وهو الدستور الإسلامي منذ فجر التاريخ، وهو نظام الإمامة المعهود في الشريعة الإسلامية الموجود بكتب الفقه ولا يبغون به بديلاً.
ومجلسها يتألف من كبار رجال العلماء وعظماء الدولة ومتى حدث طارق بهم،
اجتمع معهم الزعماء والرؤساء من المقاطعات.
النظام الإداري تابع له سواء كان الأمر سياسياً أو مالياً كجباية الخراج، والجندية،
والشرطة، والعمال، والقضاة.
03 (1/53)
صفحة 54
نظام الجندية: الشعب كله جند حربي بطبعه لا يبلغ الفرد منهم الحلم حتى يكون
6
قد اتقن عن أبيه العمل بالسلاح لما كانوا عليه قبل ظهور الإمامة من الفتن والسعايات فصار مألوفاً عندهم حمل السلاح، ويُعد ناقصاً من أهمل حمله في كل ساعة، اللهم إلا شيخ علم أو أعمى أو عاجز، على أن شيخ العلم يحمله عند الحاجة بلا مراجعة. يلقب حاكمهم بإمام المسلمين.
أما في إقليم الساحل، حيث تقع سلطنة مسقط، فإن نظام الحكم بين الخصوم ما يحكم به القاضي.
ويتألف مجلس سلطنة مسقط من مستشار إنجليزي، ووزيري داخلية وخارجية. ونظام السلطنة في السياسة وضبط المالية، نظام مدني مخالف لنظام الداخلية في عمان وإن كان مذهب القسمين في الديانة واحداً.
والإمام في عمان لا يقبل أخذ الأموال ولا يستحله، إلا من النصاب الذي حده الشارع، فما سقي بالنهر العشر، وما سقي بالزجر نصف العشر، وليس للإمام دخل سوى الزكاة، وعقد الأسواق وغلة بيت المال.
أما حكومة مسقط فدخلها من الجمارك، ولها دخل آخر على القوانين الجديدة والرسوم المستعملة.
ولم تكن لحكومة الإمام بعمان علاقة بالدول العربية والأجنبية؛ لأن من شأن العمانيين العزلة والانفراد فهم لا يحبون الاتصال بالعالم الخارجي، خوفاً على استقلال بلادهم وتغير طباعهم، ولم يسمحوا للأجانب بإنشاء سفارة مخافة أن يجر السماح إلى فتح الباب للدخلاء.
خضعت عمان في الزمن القديم للخلفاء الراشدين والأئمة الصالحين، منذ ابتداء الدعوة الإسلامية إلى هذا الوقت وقد يحصل انقلاب فيقوم نظام غير نظام الإمامة، ولكنه لا يلبث أن تعود الإمامة، ويرى ذلك في سلسلة الأئمة الآتية:
ذكر المؤرخ في كتاب (عمان) لشركة الزيت الأمريكية ص 4/ 3: «إن بلاد عمان المعروفة هنا بأنها تضم الجانب الأكبر من السلسلة الطويلة من الجبال التي يطلق عليها اسم الحجر، والأراضي الواقعة بين هذه الجبال وبين الربع الخالي، هي من أشد أجزاء
54 (1/54)
صفحة 55
الجزيرة العربية امتناعاً على الروّاد ولم يزرها أحد سوى عدد قليل جداً من الرواد الغربيين، والسياسة الرسمية التي تتبعها حكومة الإمام في تَني أهلها عن الاتصال بالعالم الخارجي، تعزز هذه العزلة في أرضها، فهذه الحكومة لم تنشئ علاقات سياسية مع أي
دولة أجنبية والروابط الاقتصادية التي تربط الإمامة بأقطار خارج حدودها الطبيعية قليلة. صاحب السلطة العليا في الإمامة هو الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، الذي يقيم في عاصمته نزوى بالقرب من السفح الجنوبي الغربي من الجبل الأخضر. والإمام هو في المقام الأول رجل دين، بيد أنك لا تجد حدا فاصلاً في نظام الدولة بين شؤون الدين وشؤون الدنيا، وفقاً للعرف الإسلامي القديم. ا هـ كلامه.
55 (1/55)
صفحة 56
فائدة في بيان أسماء أئمة عمان
الذين ملكوا بالعدل في القرن الثاني
1 - الجلندي بن مسعود بن جيفر بن جلندي من بني الجلندي بن معولة بن
شمس، وهو أول إمام بعمان.
2 - محمد بن أبي عفان، من اليحمد.
- الوارث بن كعب الخروصي.
4 ـ غسان بن عبد الله الخروصي.
أئمة القرن الثالث
ه - عبد الملك بن حميد من بني علي بن سودة.
6 - المهنا بن جيفر اليحمدي الخروصي.
7 - الصلت بن مالك الخروصي.
8 - راشد بن النظر اليحمدي الخروصي.
9 - عزان بن تميم الخروصي.
10 - محمد بن الحسن الخروصي من أهل فشح من أودية الرستاق.
11 - الصلت بن القاسم الخروصي، من أهالي نزوى.
12 - عزان بن الهزبر المالكي، من كلب اليحمد.
13 - عبد الله بن محمد الحداني، المعروف بأبي سعيد القرمطي. (1/56)
صفحة 57
14 - ثم عقد للصلت بن القاسم الخروصي مرة ثانية.
15 ـ الحسن بن سعيد السحتني، النازل نزوى، وهو من بني خروص. 16 - الحواري بن مطرف الحداني، النازل نزوى.
17 - ثم عقد لابن أخيه عمر بن محمد بن مطرف.
18 - محمد بن يزيد الكندي، النازل بسمد نزوى.
19 ـ الحكم بن الملا البحري النازل سعال من نزوى.
أئمة القرن الرابع
20 - سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب القرشي.
21 - راشد بن الوليد الكندي.
22 - الخليل بن شاذان بن
أئمة القرن الخامس
الصلت
23 - راشد بن سعيد اليحمدي.
24 ـ ابنه حفص بن راشد بن سعيد.
25 - راشد بن علي الخروصي.
بن مالك الخروصي.
26 ـ عامر بن راشد بن الوليد الخروصي.
- 27
محمد بن
غسان بن عبد الله الخروصي.
28 - الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل بن شاذان
الخروصي.
أئمة القرن السادس
29 - محمد بن أبي غسان الخروصي، من أهل منح. (1/57)
صفحة 58
30 - موسى بن أبي المعالي بن موسى بن نجاد.
31 - خنبش بن محمد بن هشام.
32 - ابنه محمد بن خنبش بن محمد.
أئمة القرن التاسع
- الحواري بن مالك.
34 - مالك بن الحواري.
35 ـ أبو الحسن بن خميس بن عامر.
36 - عمر بن
محمد الخطاب بن
أحمد
الصلت
بن
بن
بن مالك الخروصي
37 - محمد بن سليمان بن محمد بن مفرج.
38 - عمر الشريف.
39 - أحمد بن عمر بن محمد الزنجي.
40 ـ أبو الحسن بن عبد السلام النزوي.
أئمة القرن العاشر
41 ـ محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد الحاضري الخروصي.
42 - ابنه بركات بن محمد بن إسماعيل الخروصي.
4 - عمر بن القاسم.
44 ـ عبد الله بن محمد القرن المنحي.
ائمة القرن الحادي عشر
45 - ناصر بن مرشد اليعربي.
?? (1/58)
صفحة 59
بلعرب.
46 - سلطان بن سيف بن مالك اليعربي. 47 ـ ابنه بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي.
أئمة القرن الثاني عشر
48 - سيف بن سلطان قيد الأرض اليعربي.
49 ـ ابنه سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي.
50 - المهنا بن سلطان اليعربي.
51 ـ يعرب بن بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، وهو ابن الإمام
52 ـ محمد بن ناصر بن عامر بن رمثة بن خميس الغافري.
53 - سيف بن سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، وهذا الابن
الثاني لقيد الأرض.
54 - بلعرب بن حمير اليعربي.
55 ـ سلطان بن مرشد اليعربي.
56 ـ أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي.
57 ـ ابنه سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي.
أئمة القرن الثالث عشر
58 - عزان بن قيس بن عزان بن قيس البوسعيدي.
أئمة القرن الرابع عشر
59 - سالم بن راشد بن سليمان الخروصي.
60 - محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي الخروصي.
61 - غالب بن علي الهنائي.
59 (1/59)
صفحة 60
فائدة في بيان أسماء الأئمة من بني خروص
وهم الذين ملكوا عمان بالعدل
كان بني خروص بيت الإمامة في عمان وهم من اليحمد من الأزد، وذلك لكثرة الفضل والعلم فيهم، ولذلك يقول شاعر العرب أبو مسلم.
وأين قوام أمر الناس قادتهم
فلهم المحتد العالي والمنصب السامي، وأولهم:
1 - محمد بن أبي عفان الخروصي.
2 - الوارث بن كعب الخروصي.
- غسان بن عبد الله الخروصي. 4 ـ المهنا بن جيفر اليحمدي الخروصي.
ه - الصلت بن مالك الخروصي.
6 - راشد بن النظر الخروصي.
- عزان بن تميم الخروصي
(1).
(1)
- محمد بن الحسن الخروصي.
9 - الصلت بن القاسم الخروصي.
10 ـ الحسن بن سعيد السحتني الخروصي.
11 ـ الخليل بن شاذان الخروصي.
بنو خروص حماة الدين مذ كانوا
(1) يذكر بعض أن خالد بن سعيد الخروصي كان إماماً بعد عزان بن تميم ولم تتفق السير عليه. (1/60)
صفحة 61
12 - راشد بن سعيد اليحمدي الخروصي
13 - ابنه حفص بن راشد الخروصي.
14 - - راشد بن علي الخروصي.
15 - عامر بن راشد بن الوليد الخروصي.
16
محمد غسان بن
بن عبد الله الخروصي.
الله 17 - الخليل بن عبد بن عمر الخروصي.
18 - محمد بن أبي غسان الخروصي.
19 - عمر بن الخطاب بن محمد الخروصي.
20 - محمد بن اسماعيل الخروصي.
21 - ابنه بركات بن محمد الخروصي.
22 - سالم بن راشد بن سليمان الخروصي.
23 - محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي الخروصي.
كتبناهم على الترتيب الذي ذكره نور الدين في تحفة الأعيان، فعلى هذا أن أكثر
الأئمة بعمان من بني خروص، فلله ما أيمن نقيبتهم وأعظم بركتهم على المسلمين.
آل
لا ينكر الناسُ ما للقوم من قَدَمِ وكيف يلحق عين الشمس نكران أحسابهم ومعاليهم ودينهم كواكب وهدايات وإتقان
بو
إن الملك بعد الإمام العادل عزان بن قيس رضي الله عنه صار إلى بني عمه، من سعيد، فلم يقسموا بالسوية، ولم يسيروا بالعدل بين الرعية، ففشا الظلم وكثر الجور، ومرجت عمان وصار أهلها يتقاتلون بالتعصب الباطل هذا هناوي وهذا غافري بل كل بلدة كانت فرقتين فكان السلطان يعين كل طائفة على الأخرى، فبثوا بينهم الضغائن، وغرسوا بذور الأحقاد وبذلوا الجهد في الانتقام والأخذ بالحقد على فطاحل العلماء الساعين في دولة الإمام الشهيد عزان بن قيس، فأوثقوا شيخ العلم سعيد بن خلفان الخليلي ودفنوه وابنه محمد حيين، ولم تكن هناك جريمة سوى أنه بالحق الله
61 (1/61)
صفحة 62
قائم، وصفدوا العلامة الشيخ حمد بن سليمان اليحمدي بالحديد المثقل أربعة عشر شهراً لا يستطيع النهوض، وما أفلته منهم إلا طول الأجل، ودسوا السم للعلامة الزاهد الشيخ
محمد بن سليم الغاربي في كتاب أرسله السلطان إليه، فلما فتحه طار السم على خيشومه الله، وذلك لما منعه آل سعد منه فأعيته الحيلة
فانتفخت أوداجه فمات
من
ذلك رحمه
وكانوا ذلك الوقت أهل منعة وحدة جاهروا السلطان فشد عليهم وأغلظ لهم في المقال
والفعال فمن بعض كتبه لهم:
بسم الله الرحمن الرحيم
من تركي بن سعيد بن سلطان إلى المفسدين في الأرض ولا يصلحون كافة، آل سعد يصلكم كتابي هذا أخمدوا نار الفتن ما ظهر منها وما بطن، وإن لم تتبعوا سُبُل الهدى واتبعتم سبيل الهوى، أقسمت بالذي مكنني رقاب عبادي، وجعلني خليفة في الأرض لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً»، والسلام ختام 7 من رجب سنة 1299 هـ.
(الجواب)
بسم الله الرحمن الرحيم
من المعتصمين بالله ورسوله كافة آل سعد إلى تركي بن سعيد بن سلطان، وبعد: والله لن نؤمن بك، وإن جعلت نفسك فرعوناً لنكونن لك عصى موسى وانظر الغالب، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار والسلام على خير الأنام.
يوم
12 رجب
سنة 1299 هـ.
طرف من اخبار الشيخ المحتسب صالح بن علي
ابن ناصر بن عيسى بن صالح بن عيسى بن راشد، بن سعيد، بن الحارثي، أول من أسس إمارتهم جدهم الخامس عيسى بن راشد، وكان مركزه بسفالة أبرا، وبعد أن أجرى نهر القابل انتقل إليها فجعلها مركزه الرئيسي، وبقي أبناؤه بها إلى
62 (1/62)
صفحة 63
الآن، واتخذ هو وابنه محمد بن عيسى جد آل حميد بن عبد الله المضيرب وطناً فهم بها إلى الآن.
ولد بالقابل عام 1250 خمسين ومائتين والف، ونشأ بها بعد ما قتل أبوه علي بن
ناصر في معركة سيوى التي دارت بين السلطان سعيد بن سلطان والمزاريع. كان هذا الشيخ أحد أقطاب الدولة، الذين دارت عليهم شؤون مملكة الإمام عزان بن قيس وقرينيه في حمل أعباء الخلافة قدوة أهل عمان: سعيد بن خلقان الخليلي، والعلامة الزاهد محمد بن سليم الغاربي، وبعد انقراض تلك الدولة بقي هذا الشيخ محتسباً للمسلمين، حابساً نفسه لجهاد البغاة والجبابرة ولصلابته وقوة جأشه وإخلاصه كان يقود الجيوش فيهاجم بها سلطنة مسقط في عاصمتهم، وهاجمهم مراراً. والوقائع والحروب التي دارت بينهم مشهورة عند العمانيين وأوتي حظاً عظيماً، وهيبة صدع بها قلوب المارقين، وكان يحاول إعادة الإمامة في عمان، وقد رشح لغرضه السيد سعود بن الإمام عزان بن قيس رضي الله عنهما فلم يكن يفارقه في غزواته رجاء أن ينال فرصة لأخذ البيعة له إذا فتح بعض المعاقل فما قدر الله.
كان أعلم أهل زمانه بالحلال والحرام وقد شهد له علماء عصره.
كان يقظاً حازماً متواضعاً للحق سريع الرجوع إليه إذا نوقش.
كان رقيق القلب كثير الرحمة والشفقة على عباد الله معلماً لهم، ينفق في سبيل الله وعلى الأرملة والضعفاء واليتامى.
وقد هاجر إلى زنجبار في أيام السلطان ماجد بن سعيد فكان بينه وبين ماجد مهاجمات تعصب فيها للسيد برغش بن سعيد، فآل الأمر إلى تكعكعه عن موقفه، وخرج إلى أرض الصومال، فأقام في ضيافة حاكمهم سنتين وقرأ هناك على أحد العلماء النحو والصرف والمعاني والبيان ثم رغب في الرجوع إلى زنجبار، فركب سفينة شراعية في جماعة من رؤساء عمان مروا عليه فدخل على السلطان ماجد بدون شفاعة ولا واسطة وألقى نفسه عليه فعفا عنه.
شيوخه: أجل شيوخه الذين أخذ العلم عنهم: العلامة المحقق الخليلي، ولا نعلم له شيخاً غيره، فإنه هاجر إليه وهو صبي لم يبلغ الحلم، فأعطاه دروساً، ورده إلى بلده،
63 (1/63)
صفحة 64
ثم رجع إليه في العام القابل ولقنه دروساً أخرى، وكانت عادة المحقق الخليلي مع
التلاميذ الاستخبار، فلما
إليه ثالثاً رجع
قربه إليه، لما توسم فيه من الصلاح.
تلاميذه: الذين أخذوا العلم عنه منهم: العلامة نور الدين السالمي، والعلامة الكبير أبو مالك عامر بن خميس وابنه الأمير عيسى بن صالح.
مؤلفاته: رسالة سماها: علم الرشاد في أحكام الجهاد، أتقن فيها أحكام البغي وما يجازي به فاعله وله رسائل ومجلد ضخم أجوبة مسائل في الفقه، رتبه شيخنا القاضي أبو الوليد سماه: عين المصالح في أجوبة الشيخ صالح».
غزواته: خرج في أواخر ذي القعدة سنة 1290 تسعين ومائتين وألف على مسقط لما تقدم من بغي السلطان تركي على الإمام عزان وقتله لمشايخ العلم سعيد بن خلقان الخليلي وابنه محمد بن سعيد ولم يقدر الله له الظفر.
ثم خرج ثانية على مسقط بمساعدة السيد عبد العزيز بن سعيد أخي السلطان تركي ولم يتم لهم الفتح.
ثم خرج إلى بلدة سرور من وادي سمائل لإغاثة الرحبيين وهم قوم من هَمْدان، بغى عليهم جيرانهم بنو جابر، فمكنهم من بلادهم وردهم إلى أوطانهم.
ثم خرج في أول سنة 1312 اثني عشر وثلثمائة وألف إلى وادي دما، وهو وادٍ لبني شهيم، قد أظهر أهله البغي وطلب منهم الإذعان للحق فكابروه فأظهره الله عليهم.
ثم خرج إلى مسقط مرة ثالثة سنة 1312 اثني عشر وثلاثمائة وألف، وعليها السلطان فيصل بن تركي، وهي الواقعة التي هاجمه فيها الأمير الشاب عبد الله بن صالح قبل وصول أبيه، ولم يقدر الله تمام هذا الأمر كله في كل الغزوات لقبول رؤساء القبائل الرشا وخذلانهم له.
ثم خرج إلى اللجيلة وهي مركز بني جابر، وكان أهلها في ذلك الوقت أنصار السلطان، وكانوا أشد نكاية عليه في مهاجمته لمسقط فحمل عليهم بجيشه في أول النهار من اليوم السادس من شهر ربيع الأول سنة 1314، فأصيب رحمه الله برمية في فخذه اليسرى عند أول الحملة، فبقي جريحاً إلى قرب العصر من ذلك اليوم، فهاجرت روحه الكريمة إلى ربها بعد ما أقر الله عينه في خصمه بدخول بلادهم، وحمل أعيانهم
64 (1/64)
صفحة 65
على الأصفاد، وأمر ابنه الشيخ عيسى بحمل والده الشهيد فدفن رحمه الله بشرجة
الإبراهيمية من علاية سمائل فرثاه الشعراء، ولسيدي نور الدين فيه مراث حسان. وكان له أولاد أربعة كلهم سادة أنجاب، أكبرهم الأمير عيسى بن صالح، وكان أكملهم عقلاً ونجابة، وعلماً الثاني ذلك الزعيم الباسل عبد الله بن صالح، وقد نبغ في حياة والده واشتهر بين أهل عصره، وقد توفي قبيل أبيه في ضحى اليوم السابع من ذي الحجة عام 1312 اثني عشر وثلاثمائة وألف بعد رجوعه من غزوته لمسقط، الغزوة التي زلزل بها عاصمة السلطان وكاد أن ينصدع لها عرش المملكة البوسعيدية وعمره عشرون سنة يوم وفاته.
الثالث:
من أبنائه الشيخ
أحمد
وهي
بن صالح، وكان سيداً مهيباً، معيناً لوالده في حياته، متحلياً بجميل الذكر في تصرفاته، وكانت وفاته في اليوم الثاني من شهر المحرم سنة 1322 اثنين وعشرين وثلاثمائة وألف وعمره خمس وعشرون سنة.
الرابع: الشيخ الوجيه علي بن صالح فريد، الطلعة ميمون النقيبة له القدح المعلّى في سياسة الدولة أيام الإمام العدل سالم بن راشد الخروصي، ومن أجل المعاضدين له، وكان في مقدمة بعوث الإمام وسراياه أصيب الإسلام بموته يوم خامس من شهر شعبان عند طلوع الشمس عام 1337 سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف، وكان عمره
خمساً وثلاثين سنة.
10
نهضة الأعيان - م 5 (1/65)
صفحة 66
إمارة الشيخ الأمير عيسى بن صالح رحمه الله
قام الأمير عيسى بعبء الإمارة بعد أبيه الشهيد وسار في الناس سيرة أبيه الرضي، وبدأ عهده بتخييب أمل السلطان فيصل في استغلال فرصة وفاة صالح، فهاجمه في وادي بني رواحة الغربي، وهزمه شر هزيمة ثم إن السلطان تلطف به وأكرمه وسالمه، وأجرى له راتباً شهرياً، فكانت أيامه أيام سكون واستراحة وكان وجيهاً عند الناس لحسن سيرته، مقبولاً عند الخاص والعام، سخي النفس، جواداً كريماً مشهوراً بالفضل، يؤمه المسترشد والمستنجد والمسترفد جمع شعث المسلمين وحثهم على الاجتماع، وخرج بهم إلى نزوى لمبايعة الإمام الخليلي بعد وفاة الإمام الخروصي، فإنه عرف قدر الإمامة، واستطاع إخضاع معانديه وإرهاقهم بقهرها بعد أن كان يحاذر من الدخول فيها. فخير الناس ذو حسب قديم أقام لنفسه حسباً جديداً تراه إذا ادعى في الناس فخراً تقيم له مكارمه الشهودا كان يقول الحق لا يحترم الشريف أو العظيم إذا حاد عنه، يرد الباطل في وجه
قائله، وغلط المفتي بحضرة سائله.
كان ملازماً للاعتكاف حتى توفي.
كان كريماً مضيافاً، لا يفقد بساطة الضيف، يقدم له على حسب مراتبه، ويوسعه إجلالاً واحتراماً، يتكلف فوق الطاقة ويبذل فوق الوسع ومع حصر يده لم يكن في أيامه بعمان من يطعم الضيف خيراً من طعامه.
مؤلفاته: منها الرد العزيز على أحكام الدريز ومنها رسالة في منع الإسقاط بالجوائح، ومنها رسالة في الرد على الإمام الخليلي فيما حكم به بين الحجريين وبين راسب. وله مجلد ضخم يحوي أجوبة مسائل في مختلف الفنون.
ولادته: ولد في أول الفجر من يوم الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1290 تسعين ومائتين وألف ونشأ في حجر أبيه صالح وأخذ مبادئ علوم النحو (1/66)
صفحة 67
والمعاني والبيان عن الشيخ خميس بن حويسن الهنائي، وأكب على التعليم له ودرس على أبيه الصالح ثم على نور الدين السالمي.
السنة من
وفاته: توفي ضحى اليوم السابع من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة وألف. وكان سبب وفاته وعكة أصابته بحمى يوم حادي أول ربيع الآخر المذكورة ببلد الظاهر حيث ظل مريضاً حتى ثقل، ثم حمل على الأكتاف إلى بلدة القابل وبها توفي ولم يزل يحوط المسلمين بغيرته وصلابته.
اعتراضه الأول:
،
وكانت له آراء تخالف الجمهور فمن ذلك لما حكم العلامة عامر بن خميس المالكي في عصره الإمام سالم بن راشد الخروصي عام 1333 باستغراق أموال الشيخ راشد بن عزيز وإدخالها في بيت المال عكر عليه الشيخ عيسى وأخذ يشنع عليه في كثير من رسائله له، وأغلظ له المقال لما اجتمع به في فلج مسعود حتى قال له: لقد سبقت لك منزلة عندنا ولا ينبغي أن تحوّلها وامتنع من الأكل من غلة هذه الأموال، فوقع في قلب بعضهم ريب وشك وانبثق أصحاب المقالات وأطلقوا ألسنتهم بالطعن على الدولة، لكن العلامة المالكي لم يقف موقف المتقهقر. كشف النقاب ورفع الحجاب، فكتب أرجوزة طويلة سماها غاية التحقيق في أحكام التغريق بسط فيها كل البسط وبين الحق
الأدلة وحقق ودقق.
فيما رآه وجمع
اعتراضه الثاني:
وفي عام 1363 كانت جوائح سماوية أفسدت الثمار، وكان من رأي الإمام الخليلي رضي الله عنه الإسقاط بالجوائح السماوية إذا بيعت الثمرة بعد الدراك، عملاً بحديث رواه مسلم: أمره بوضع الجوائح فعمل برأيه هذا في نزوى وكتب لعماله بذلك فاعترض الشيخ عيسى وكتب رسالة تحامل فيها على القاضي منصور الفارسي، ولكن الإمام بقي على رأيه ولم ير الرجوع عنه.
اعتراضه الثالث:
كانت حروب قديمة بين الحجريين وبني راسب، وقع فيها سلب ونهب وسفك دماء، فألزمهم الإمام الحضور للفصل بينهم، وقطع شأفة الجنايات الشيطانية، فاجتمعوا
67 (1/67)
صفحة 68
بين يديه بالمنترب من بدية فتكلم كل بدعواه وبعد أن فهم ما عندهم فصل الحكم
بينهم
بعضهم
قائلاً:
إن ما كان قبل اليوم من قتل وسلب ونهب فهو هدر لاستحلالهم ذلك من بعضاً، أخذاً بما حكم به الإمام علي يوم الجمل. ومن تعدى بعد اليوم نؤاخذه بتعديه. وأعلن ذلك الفصل بمحضر من الخصمين واستثنى قائلاً: إلا إن كان الشيخ عيسى يرى غير ذلك فليقل والشيخ حاضر بجنبه. أجاب الشيخ: لا نرى غير ذلك والقول قولك فسجلت بينهم الوثائق وانفض المجلس، وانتهت المشكلة، ورجع كل إلى
بلاده.
،
بعد ذلك بأيام كتب الشيخ للإمام، أنه لم ير لذلك الحكم وجهاً، وطلب منه
الرجوع عنه.
أجاب الإمام: إنه لم يتبين لي باطله ولا يجوز الرجوع عن الحق.
فنشأ
من ذلك خلاف عريض، تعصب بعض القضاة للإمام كالرقيشي والخروصي وسفيان، وبعضهم للشيخ كالأغبري وسالم الحارثي، وكثرت الرسائل والأجوبة والأدلة، وكادت أن ترجع الحرب ضروساً بين الخصمين لولا لطف الله.
وكتبت المسألة بخط الإمام، وأرسل بها القاضي سفيان بن محمد إلى علماء الحرم
بمكة المشرفة.
فكان من جوابهم عليها أن هذا السائل أعظم من أن يعترض عليه، آخر جواب صدر من الإمام أن ذلك رأي رأيته وعندي أنه حق ولا يجوز لي الرجوع عنه ما لم أر باطله. وإن كان الشيخ يرى أن ذلك باطل فليرده، ولا يحل له السكوت على الباطل، ولا معارضة مني، لئلا تكون فتنة بين العلماء وأنا سببها، فبقيت الأمور على حالها معلقة وكلا الخصمين قابل لقول الإمام مُصر على قبول حكمه والتمسك به، عاض عليه بنواجذه. ولا يجب نقضه فراراً من الفتنة، ولما كابدوه فيها من المكروه طوال السنين الماضية، وببركة الإمام لم يكن في الحكم نقض من الطرفين إلى الآن.
وفي عام 1364 حدث تنافس بين الأميرين: عيسى بن صالح الحارثي، وعلي بن عبد الله آل حمودة سببه قبيلة الهشم فإنهم ضجروا من رئاسة أميرهم العلوي، وأحبوا
الاستبدال به.
68 (1/68)
صفحة 69
ترددت رسائل الهشم ورسلهم إلى الإمام يطلبونه والياً على بلادهم الكامل وما اشتمل عليها، وأكثر رسائلهم على يد سالم بن الشيخ اليحمدي.
فلم ير الإمام إسعافهم في ذلك الأوان لما يعلمه من غدرهم، ولما يحاذره من مكرهم؛ لأنهم أبناء الذيب كذا يطلق عليهم عند العمانيين لكونهم لا يصبرون على طعام واحد فهو يحاذر الفتنة، ويراعي الذمة السابقة بينه والأمير العلوي؛ إذ من الشروط فيها أن مرجع غافرية الشرقية إليه وإنه المسؤول عنهم فيما يحدثونه والهشم كانوا من حزبه، آيس الهشم من قبول الإمام لهم واستماعه لقولهم، وعرفوا أن أميرهم العلوي تنكر عليهم بهذه المخابرة وحاذروا انتقامه منهم، فرجعوا في تدبير خطة أخرى، فأرسلوا واردهم سالم اليحمدي إلى الشيخ عيسى فقبل قولهم ورحب بهم ورسم لهم الخطة في قهر بلادهم، فأرسل ابنه محمد بن عيسى وابن أخيه صالح بن أحمد لمناصرتهم، فنزلوا بالمنترب من بدية فكانت بينهم وبعض أصدقائهم منافسة وعدم قبول، لما عزموا عليه وجاءوا به فجاهروهم، ولما يثن المشايخ الهرير والهدير عن تصميمهم، فدخلوا الكامل واستولوا عليها، فكانت مزاحمة جيوش بين الطرفين إذ كان جيش العلوي (بالوافي والجديد) يقوده ابنه خالد بن علي. وخرج جماعة من أعيان جنبة صور لتسديد الأمر والصلح بينهم ولكن الواقع الموجب للكفاف عن الشر تحامل سلطان مسقط على الأمير
العلوي. في أثناء ذلك وصلت دعوة من سلطان مسقط سعيد بن تيمور للأميرين: عيسى
،
وعلي بالوصول اليه وكان عيسى بالقابل وعلي، بصور وابناؤهم في الرباط، فسارعا إلى إجابته، فأصلح أمرهما وتسلم الكامل وأردفها وادي بني خالد، وكان الوادي تبعاً للهشم، ثم كان ولاة الإمام الخليلي عليه، ثم تركوه فكان عمال العلوي عليه، ثم أرسل الشيخ عيسى أبناءه المذكورين فأخرجوا خدم الأمير العلوي منه، وجعلوا فيه علماً للإمام
وعاملاً
من قبله.
وبالجملة فإن السلطان تسلم الوادي والكامل لقمة هنية سائغة من غير تعب، فأرسل عماله لقبض المراكز بعد ما كان علم الإمامة على الوادي أصبح العلم السلطاني عليها وعلى الكامل وتوابعهن ولم يكن لحكومة مسقط علم في داخلية عمان قبل هذا العلم، لا وقت الإمامة القديمة ولا لسلطنة مسقط بمثل هذه تطورت الأمور وطمع فينا السلطان
سعيد بن تيمور
69 (1/69)
صفحة 70
خروج الشيخ عيسى إلى مسقط
كان الشيخ عيسى يرى أن له من الحق في النظر لصالح الإمامة ما ليس للعمانيين، وأنه أطول نظراً، وأعلى كعباً، وأغزر علماً؛ فهو يحب أن يكون قوله مقدماً على أقوال العلماء وأمره نافذاً على الرؤساء، لما يراه لنفسه من المزية، ولما فيه من الأريحية، ويهوى أن من تعلق به أو طلب شيئاً على يده أو أتم أمراً بأن لا تكون فيه المراجعة، ولا يرضى إلا إتمامه والتوفير لما دخل فيه.
والإمام يرى أنفة العمانيين ونفوذهم من ذلك، وأنه لا يلزم أن يكون عيسى موفقاً
مسدداً في أقواله وأعماله إنما العصمة للأنبياء.
كان من رأي الشيخ عيسى أن يقطع مطامع العمانيين من جهة السلطان، وأن يكون الحاجز بينهم، وليكون نفوذه على الكل فتبادل الرسل مع السلطان سعيد بن تيمور، وكان رسوله حمد بن سليمان الحارثي من بني عمه وابن أخته وقد منحه السلطان لقب (المخلص) في جميع رسائله.
خرج الشيخ عيسى أول مرة إلى مسقط في شهر شعبان من سنة 1352، على طريق قريات بواسطة السيد سعود بن علي بن بدر البوسعيدي لمقابلة السلطان سعيد بن تيمور، وما كان السلطان يطمع في وصوله إليه، ولا يتحقق ذلك حتى وافاه، فأكرم نزله وأعلى منزله، فرجع بجوائز وافرة واحترام كامل فشجا ذلك رؤساء عمان وغاظهم، فتنكروا للإمام، وعاتبوه بأن هذا باب قد سد، وأن في فتحه خللاً عليكم، أجاب الإمام: إنا لا نتهم عيسى، فربما أنه يعمل لمصلحة الكل، فلم يقنعهم، جوابه، هنالك عملت الأيدي الباطلة والألسن الفاسدة فحركت الساكن، فأخذ الرؤساء يتسللون.
،
وجاهر الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري، فوفد إلى السلطان مراراً، فأحسن له الجوائز، واستقضاه على صحار.
حرص الشيخ عيسى على منعه وحرّض الإمام على ذلك، وطولب إبراهيم بالتأخير عن الخروج إلى السلطان وبعد أخذ ورد وطول معاودة.
أجاب إبراهيم: لِمَ يؤذن لعيسى وتُمنع، فإن كان رئيساً فعلى قومه ونحن مثله رؤساء على قومنا وإن كان عالماً فعندنا من العلم ما يحجزنا عن التهور، وإن كان
70 (1/70)
صفحة 71
مناصراً فالسبق لنا في المناصرة وهذا حالنا لم يزل ولا يزال وكيف نتهم مع العلم بنا
في المواقف الحرجة، ليس هذا من الإنصاف في شيء.
بقي إبراهيم قاضياً للسلطان على صحار، ثم بعد ذلك تبعه القضاة فسارع منهم جماعة، ومن أعيانهم المشايخ خلقان بن جميل السيابي تقلد القضاء بصور، وسيف بن حمد الأغبري أصبح رئيس القضاة بمحكمة مسقط، وعبد الله بن محمد الخروصي تكفل بقضاء مطرح، وسعيد بن أحمد تولى قضاء ظفار، وحمد بن عبيد تقلد التدريس بمسقط، وغيرهم من الطبقة الثانية كثير.
ولما عنفوا أجاب بعضهم: إن السلطان محتاج إلى القضاة الشرعيين، فنحن إلى القيام بالواجب الديني نسارع وقد فتح عيسى باب الدخول على السلطان فلأي شيء تمنع
ولا يمنع.
ثم قامت دعاة السلطان تمد حبائل الطمع إلى الشيخ سليمان بن حمير النبهاني، فاستنفروه واستفزوه، فاستأذن سليمان الإمام في الاتصال بالسلطان فمنعه في بادئ الأمر، فامتثل على شرط أن يمتنع مشايخ عمان، وإلا فلا يمكن أن نمنع ويؤذن لغيرنا، ويأكل غيرنا ونحن جياع، ويصانع غيرنا على بلاده وجماعته ولا نصانع يعني بذلك
عيسي
وانتشرت كتب وزير الداخلية أحمد بن إبراهيم إلى أعيان عمان يدعوهم إليه. بهذه الأسباب أيقن الإمام أنها فتنة دخلت عليه، فكتب للشيخ عيسى ولأعيان عمان كتباً بلفظ واحد، ونص كتابه للشيخ عيسى:
و الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله، إلى الشيخ الأكرم المحترم الأخ عيسى بن صالح وكافة آل، حجر، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وإني أحمد الله إليكم إعلامنا
خير وسرور.
أما بعد فإنه ربما يبلغكم إيفاد أهل عمان إلى مسكة ودعوة أهل مسكة القبائل إليهم
71 (1/71)
صفحة 72
غير منقطعة، بثوا الرسل والكتب إلى كل أحد والناس يقولون: إن فتح الباب وحده من الشرقية، وإنه لا يمكن أحد يفد مستجدياً ويرجع مليء الحقائب، والآخر إذ سار عنف وسيئ به الظن إما أن يحسن الظن بالكل أو يساء الظن بالكل، وذلك أمر منعنا من القول، وقد تجرأ الوافدون بذلك والموفود إليهم ولا نرى إلا المنع، فمن كان المسلمين وثابتاً على البيعة وغير خائس بعهده فلا يمكن مسيره إليهم مستجدياً، وقد حجرت عليهم ذلك إلا من كان ناقضاً لبيعته وعهده فذلك نظرة إلى المسلمين ولا يعجز الله.
واعلموا أيها الناس أن أولئك لا يعطونكم شيئاً من دنياهم إلا وأخذوا به شيئاً من دينكم هذا قولي واستغفر الله لي ولكم والسلام وحررته يوم 22 من شهر شعبان
سنة 1357.
،
ثم ترأس من بعده ابنه الشيخ أبو الفضل محمد بن عيسى بإجماع من إخوته وبني عمه، وكان يوم وفاة أبيه بمسقط خرج إلى أرض المهتد للعلاج، فلما قلدوه أمرهم، وكان أسنّ إخوته وأذكاهم فساس أمر قيمه وقام بحقهم، وله شأن في
الأدب؛ يقول الشعر ويجيب عليه.
رجع من سفره
وكانت بينه والسلطان سعيد بن تيمور مواصلات وصلات كما كانت لأبيه من قبله وكان من أعز الأصدقاء إليه وقد فوض إليه التموين العماني في الحرب العالمية الثانية، فاستأثر به لنفسه ولم ير لغيره حقاً فيه، فكانت في العمانيين ضجة المجاعة وشكوه، حتى إن جماعة الحرث اجتمعوا إلى أبيه الأمير، فتكلم ناصر بن سالم بن المعمري، وعبد الله بن راشد الطوقي وشكا الناس إلى الإمام فلم يسوّغ الإمام لنفسه الدخول في هذا التموين لعدم معرفته به وللشبهة الحاصلة أنه مال التجار أخذ منهم بالتسعير والنهي عنه غير منكور فخرجت خارجة من وهيبة على أثر زيارة محمد للسلطان لقبض تموين عام 1362، فأخذت إبل السلطان من الوطية بقرب مسقط فباعوها وأكلوا ثمنها انتقاماً لفعلة محمد، فطلب السلطان من الشيخ عيسى الإبل المأخوذة، وسعى الشيخ في ردها بكل جهد فما حصل على مفيد واستعان بالإمام على ذلك فتساهل وتغافل لما ينكروه من عمل ابنه فدفع الشيخ للسلطان دراهم عوضاً عن الذاهب
منها.
ثم خرجت خارجة أخرى من وهيبة أيضاً، فأخذت قافلة للرحبيين تحمل تمراً قرب
72 (1/72)
صفحة 73
الروضة، وكانوا حلفاء للأمير عيسى ووقع شقاق بين المساكرة والحرث في فلج بو منخرين بأبرا، فقام أخونا أبو حميد بن نور الدين وكشف القناع للأمير، وأبدى له ما آنسه، وأن المنافقين وسعوا النطاق، ولا بد إن لم يتدارك الأمر تكون العاقبة غير حميدة، فأذن له بالسعي، فاجتمع أبو حميد بالإمام في سمايل بعد رجوعه من غزوة الطو، وتكلم عنده بحرج الموقف، فأصغى الإمام رحمه الله لقوله وقبل وساطته، فأقبل الإمام من حينه إلى الشرقية، فأصلح الخصام الناشيء بين المساكرة والحرث في نهرهم. وخرج أبو حميد إلى بلد المنح واستعان بأخواله الحبوس في رد الإبل والتمر الذي أخذته وهيبة، فساعدوه فرده منهم ودعا الإمام برؤساء وهيبة فأجابوه وتحسنت الحالة مؤقتة. وفي العام الذي فيه تولى هذا الشيخ أمر، قومه حجز زكاة سفالة أبرا، ومنع سيف. ابن محمد العيسري جابي الإمام عليها من صرفها في أمر الإمام، فاستعفى سيف من قبضها وسلم له ما بيده وفي شهر ربيع الآخر من العام نفسه حركه السلطان على مشاغبة أمير جعلان علي بن عبد الله آل حمودة، لكون هذا الأمير حريصاً على ما تحت يده من المراكز الساحلية بأن لا يكون للسلطان فيها نفوذ وكانت بينه والإمام الخليلي وثائق، وأنه المسؤول عن طارفته فيما يحدثونه أوجس الأمير العلوي الحركة، فأرسل الإمام يبحث عن رأيه إذا قام السلطان عليه فكان من جواب الإمام:
للأمير الخيار إما أن يكون تحت الرعاية وسندافع عنه وإما أن يكتفي بمنع رعاياه من مساعدة السلطان ومن تحرك منهم نكفيه أمره أما إذا قام السلطان بمساعدة الإنجليز، فيجب علينا القيام شرعاً، وذلك دفاع عن المصر وعمان جزء لا يتجزأ». كتب الإمام للشيخ محمد بالكف عن التعرض للأمير العلوي ومن كان تحت رعايته، فقام وقعد إلا أن المنية عاجلته قبل أن يعرف ما عنده.
وقد زار هذا الشيخ البحرين والهند وإفريقيا ولم تكن إمارته أكثر من عام؛ فإنه توفي في اليوم الثامن من شهر جمادى الأولى سنة 1366 بمرض أصابه في إحدى رجليه، فأحضر له الطبيب، فعجز عن علاجه، وكانت ولادته عام 1316 هـ.
،
ثم ترأس من بعده أخوه الشيخ صالح بن عيسى وكان القائم بأمره ابن عمه الشيخ صالح بن أحمد؛ لأنه أوسعهم علماً وفضلاً وأكبرهم سناً.
ولما تسلّم هذا الشيخ منصب إمارتهم خرج إلى الإمام الخليلي بنزوى، وتكلم إليه
73 (1/73)
صفحة 74
أن السلطان عودهم عند رجوعه من رحلاته أن يتحفهم بكتاب إشعاراً برجوعه، وأنهم عوّدوه في مقابلة ذلك بالمسارعة للتسليم عليه والتهنئة له فهو لا يتربص بعد علمه إلى طلب الإذن من الإمام.
وأنهم تعهدوا للسلطان بحماية وادي بني خالد وبلد الكامل لكونهما حدثنا إليه قريباً بواسطة أبيهم الأمير عيسى وأنه لا ينتظر سماح الإمام له متى دعت الحاجة إلى ذلك.
وأعطى هذا الشيخ المودة حقها في إحكام روابط الصداقة بينه والسلطان سعيد بن تيمور، ولم يسلّم له ابن أخيه أحمد بن محمد بن عيسى الرئاسة، فتزاحما على باب السلطان، وظلت الطريق مشغولة بهم من القابل إلى مسقط فمن جفاه السلطان انحاز بجنب الإمام ليغيظ سلطانه، فأحمد بعد موت أبيه غضب لترشيح عمه المنصب، فَوَلَّى للإمام جعلان الحسون وتوابعها ولما فتح له السلطان باب الرضا ترك الإمارة التي تقلدها من الإمام، وانقطع إلى السلطان حتى قلده رياسة قومه بعد احتلال عمان، وكتب السلطان للحرث كتاباً بخلع صالح من الإمارة ومنح إخوتهم جائزة الولاية على نزوى وسمايل وجعلان ثم عزلهم فكان هذا العمل في مقابلة ما يعمله آباؤهم مِنْ قَبلُ في جنب
السلطنة.
أما
الشيخ صالح فإنه قام بواجبه في حق توفير الصداقة السلطانية لما كانت مشكلة وادي بني خالد حينما كان العلامة الأغبري عاملها من قبل السلطان، فإنه تقدم إلى بلدة الظاهر بمن معه فاعترضه ابن أخيه أحمد بن محمد، وكان ذلك الوقت في جفاء من السلطان محتجاً عليه أنها بلاد السلطان، وهو أولى بإصلاح شؤونها، وأنت من رعايا الإمام، ولا دخل لك في هذا، فأرغمه على الرجوع.
وفي ضحى يوم خامس من شهر ذي القعدة لسنة 1368، أصدر هذا الشيخ على مسعود بن حميد خادم الحرث هجوماً يرأسه بنفسه، ومسعود هذا شقيق القاضي أبو الوليد سعود بن حميد عامل الإمام على المضيبي فدخلوا عليه وهو منفرد في بيته بالمضيرب، فأطلق بعضهم عليه مسدساً فأصيب في فخذه وطعنه بعضهم بخنجر فعوفي من جراحته، وأصيب بعض المهاجمين بجراح خفيفة.
فتحرك أبو الوليد من المضيبي للواقع بأخيه، وتوجه إلى المضيرب، وقلبه يحمل
74 (1/74)
صفحة 75
حنقاً وأسنته علقاً، وصحبه أعيان حبس وآل شبيب فبلغ الخبر الإمام، وأرسل للجميع بالوصول إليه فامتثلوا أمره، قدمت القضية على بساط البحث، وعرضت على القضاة، فكان من رأي الإمام الصلح بينهم، وأن يسمح أبو الوليد من الدعوى، وأن يسلم الأرش لمسعود بعد برئه، فعفا أبو الوليد، وامتثل أمر سيده الإمام وسمح من دعواه.
ثم قدم الشيخ صالح إلى الإمام طلباً بعزل أبي الوليد من ولايته على الحبوس لما يعتقده فيه من موالاته لابن أخيه الشيخ أحمد، فلم ير الإمام إسعافه للهوى، ولم يقف من طلبه ذلك على موجب يوجب عزله، فخرج الشيخ مغاضباً، واستفز آل حبس، فكان من رأي بعضهم موافقته ليكدروا عيش القاضي فعسى أن يستعفي بنفسه، رفع أبو الوليد الخبر إلى سيده الإمام ففتش الإمام عن حقيقته، فلما تيقن صحته كتب للشيخين صالح بن أحمد وصالح بن عيسى كتاباً نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من أمام المسلمين، محمد بيده إلى صالح وصالح. أما بعد فإن الدين النصيحة، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين العباد ولم ينصحك من داهنك.
أقول: خرجتم من نزوى ونحن قد نصحنا سعود بن حميد ولم يكفنا تأخيره بل قلنا له: يجب عليك يا سعود أن تسعى في لَم شعث أولاد صالح؛ لأن ذلك شكر للسلف. ولا يكفي منك أن تقول: قمت فلم أسعف حتى تبالغ في المسألة وتستعين ويظهر عذرك مع اجتهادك فاسعف فلم نشعر ولم نعلم إلا وكل يسعى في إفساد أمر صاحبه. وكما أن على سعود حقاً فله عليكم إن راعيتم الحقوق، وآخر الأمر أن حمد بن سليمان فيما بلغنا أنه دعا ابن عزيز وسليمان بن راشد بالوصول أظهر الرجلان أن الدعوة من قبل أموال أولاد سالم بن خلقان قلنا لهذا معنى ووجه ثم أنهما رجعا وأرجفا، وقالا بقول لا نعتقد صحته عنكم.
ثم لما وصل أكابر الحبوس قالوا: بلغنا رسول من المشايخ ونحن بالمخترع فأجبناهم أنا قاصدون لحضرة الإمام لامتثال أمره، ولم نبحثهم عن الخطاب ولا عن
الجواب.
Vo (1/75)
صفحة 76
ثم بلغنا أنكم دعوتموهم بالوصول قائلين: إنا نرجوكم لنصلح ذات بينكم فرأينا أن
هذه الدعوة ما المراد منها إلا جمعهم على أهل الحق. وكان الواجب أن لا تصغوا لقول علي وسليمان بل تنفون قولهم وإن الأمر أمر الإمام، وهو الناظر لنفسه وللمسلمين، وقد قال الله عز وجل: وما كنت متخذ المضلين عضداً ولم يبلغنا ما بين هذين الرجلين وجماعتهم أمر، ولو كان عندك أمر يردون إلى الوالي والقاضي. ومن كانت الشكاية منه فمرد أمره إلينا وهو وغيره في الحق سواء.
لما
رجلو
واعلموا أنا - بحمد الله - لا نتبع إلا الحق ويجب علينا أن لا نقر سعوداً على باطل ولا نخذله الحق ولا نكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أحد من الخلفاء ـ الشك مني - مع سمع يطعن في صاحبه: هل غزوت الروم وفاس؟ فقال الرجل: لا فقال: سلم منك هؤلاء ولم يسلم منك عرض أخيك المسلم ما بالنا نجادل عن البغاة وأهل الفساد، وإذا قيل في أهل العلم بقول بادرنا على القدح فيهم، ونريد إن قيل في أهل الفساد البينة العدل. قالت: كذبت أو حملت على الرعونة، والله هذه هي المصيبة العظمى.
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم، وعلى آله: أصلح ما بينك وبين الله يصلح ما بينك وبين العباد فهذا هو الميزان ويا صالح بن أحمد عرفتك من قبل حق علينا الأحمد بن محمد من قبل مثارة مع المسلمين أن ندفع إليه ثلاثة أبهر من الزكاة أو يعطى حقه فأعرضت عن الأمرين وما إعراضك إلا لأمر في النفس، وما أرى ذلك إلا نزعة من نزعات الشيطان لتقع العداوة والبغضاء وإفساد ذات البين هي فأقول: المؤمن واه راقع يا آل صالح لكم حقوق من قبل الآباء جميعاً أنتم وإخوانكم الاستقامة، أنا لا نولي أمرنا الرجال إلا إن بان لنا الحق، فنحن إن تمسكنا به لا نبالي، وإن ظهر منا الضعف عندنا ركن شديد إلا إن اعوججنا ولم نسلك
نراعيكم بها
المحجة المستقيمة.
الحالقة للدين.
نسأل الله التسديد والتأييد، وأستغفر الله لي ولإخواننا المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. حررته يوم 25 من شهر المحرم سنة 1369.
بعد أن كتب الإمام هذا بلغه أن بعض الحبوس عزموا على إنفاذ الخطة الموجهة إلى القاضي أبي الوليد وكان الإمام قد عزل القاضي قديماً عنهم، فرده عليهم قبل هذه الحادثة، وكتب لهم ما نصه:
76 (1/76)
صفحة 77
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله بيده إلى المشايخ العزاز الجماعة الحبوس؛ سلام عليكم ورحمة الله وبعد فإنا نعلمكم أن سعود بن حميد. توفي الشيخ السالمي
•
وهو عنه راض، ثم إنا جعلناه في المضيبي، ثم جعلناه في سمد بأمر الشيخ عيسى، ونظره، وما عذرناه عنها لأمر نعده عليه، ولو كان لأمر نعده عليه في دينه لقومناه وعزلناه، ألاً لم نحب للمسلمين إلا التوسعة والرفق لا جلباً للمال، مع علمنا أن سعوداً قد مارس الأمر وحنكته التجارب وفيه مع العلم والعزم، فاخترناه أن يكون بداركم ولياً وقاضياً، ونعلم يقيناً أن كثيراً من الناس لا يحب ذلك، وليس من يكره الحق يعطى سؤله. نحن علينا مناصرة الحق ولا نصرنا الله إن لم ننصر الحق. والله لم يضيع المسلمين في موطن نصرهم في مواطن على ضعفهم، فنحن على يقين أن الله ينصر من ينصره. وما النصر إلا من عند الله إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وإن جندنا لهم الغالبون.
اللهم اجعلنا من جندك الموقنين بوعدك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حررته بيدي في رابع من صفر الخير سنة 1369 هـ.
وكتب للقاضي ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله بيده إلى الشيخ المحترم العزيز سعود بن حميد بن خليفين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وإني أحمد الله ولا خير هنا إلا
الخير. أما
بعد: فكتابك وصل ويا سعود ينبغي للعاقل أن يكون في الزلازل وقوراً، وعند الرخاء شكوراً ونوصيكم أن تتمسكوا بالكتاب والسنة فمن تمسك بهما فقد هدي إلى صراط مستقيم، ولا تهولنكم الأمور إن كنتم متبعين الحق، فإنه لا يمكن للإنسان أن لا
VV (1/77)
صفحة 78
يبتلى، وقد مضت سُنّة الله في خلقه ولن نجد لسنة الله تبديلاً، وكفى بالقرآن حيث قال: وإن تنصروا الله ينصركم وقال: والعاقبة للمتقين. وإن جندنا لهم الغالبون فهذا وعد لن يخلف ولكن القصور والتقصير يكون من العبيد والسلام على الأولاد.
11 من محرم
سنة 1369.
وفي عام 1372 خرج هذا الشيخ بأمر السلطان سعيد بن تيمور لمصادمة ابن عطيشان بالبريمي وزوده أربعين كيسة عيش وعشرين صندوقاً من الرصاص وشيئاً من القروش، فأنزلها ببيت زهران العزري بنزوى، وكان الإمام في ذلك الوقت مريضاً مدنفاً، وقد لعب المغرضون بالأمور لعباً غير منكور، حتى إنهم كتبوا على لسانه كتباً وختمت
بختمه.
سار هذا الشيخ ببني عمه وجنده الذي جمعه حتى وصل بهلا فلما أفاق الإمام من علته، ورفع إليه الخبر كتب إليه بالرجوع عن قصده وكتب لمن صحبه من الأعيان يلزمهم الرجوع إن امتنع من ذلك، فلما وصلهم رسوله بقوا بين إقدام وإحجام، فكان من حظهم أن وصل رسول السلطان إليهم تلك الليلة بأن الإنكليز تكفلت بالمشكلة. وكفى الله المؤمنين القتال، فرجع بمن عنده إلى نزوى، وحمل سعيد وسالم ابنا حمد بن سليمان الحارثيان الرصاص والعيش الباقي إلى الدريز بالظاهرة، ثم منها إلى الخابورة، ثم إلى مسقط على طريق البحر.
وفي عام 1372 هـ خرج هذا الشيخ إلى داخلية عمان لشد الروابط الودية بينه والهناوية، فكان نزوله على بني هناة أولاً؛ ثم على بني غافر بالدريز من الظاهرة ثم توجه إلى الشيخ زايد بن سلطان العلامي بالبريمي. وصادف وصوله النزاع بين السعودية والإنجليز في واحة البريمي، ثم قصد الشارقة وركب إلى البحرين، واجتهد في منع دخول جوازات الإمام الخليلي بها، وزار الكويت وسأل حكامها الموافقة على ذلك فما أسعفوا، وزار في رحلته هذه مصر، واجتمع برجال دولتها وأقام بجوار الأستاذ العلامة أبي إسحاق إبراهيم أطفيش وتلقى منه دروساً دينية وسياسية، وأدركه موسم الحج.
وبعد قضاء المناسك الحجية زار ولي عهد المملكة العربية السعودية سعود بن عبد العزيز بمركز جدة، ثم توجه إلى زيارة أبيه الملك حامي حمى الحرمين عبد العزيز بن عبد الرحمن وكان بالطائف، وأقام في زيارته أياماً وبعد انتهائها رجع إلى جدة، وبقي
78 (1/78)
صفحة 79
في ضيافة ولي العهد وزوده من الإكرام ما هم، أهله ثم رجع إلى الكويت، ثم إلى
البحرين ومنها إلى الشارقة، ثم إلى عمان.
في
وبعد احتلال الإنجليز لبلدة عبرى خرج هذا الشيخ إلى السلطان سعيد بن تيمور كان بظفار. ويقول: إنه وقع بينهما كلام في مادة، عبرى وأنه أغلظ على السلطان المقال. فأجابه: اعتمدوا على من شئتم ولو بالروس وزوده كرماً جزيلاً.
ولما تحقق الهجوم الثاني على نزوى كتب إليه الإمام غالب يستنجده، فتلكأ عن إجابته، وخرج للقنص بجبال بسيتين وهو وادٍ غربي بلدة الظاهر، فأدركه خبر احتلال نزوى بعد رجوعه إلى القابل، فصمم عزمه على المسير إلى الظاهر، فصحبه فتية من رجالها إلى صور فنزل على ضيافة ماجد بن تيمور وقصد ظفار، فنزل بدار الضيافة، وعليها بشير الغافري فأبرق بشير للسلطان سعيد بخبر قدومه، فكان من جواب السلطان إن كان بالبحر فلا ينزل وإن كان بالبر فأخرجوه حالاً، وليذهب حيث شاء، فأزعج إلى ركوب سفينته التي نزل منها حتى ناخت به في حمى الملك المعظم سعود بن عبد العزيز حامي حمى الحرمين فأكرمه بما هو أهله وأنزله بجوار أمير المنطقة الشرقية سعود بن عبد الله الجلوي وزوده وبني عمه راتباً شهرياً فوق الإكرام، ثم توجه إلى
مصر.
هذا
وقد نشرت جريدة آخر ساعة في عدد 10/ 1259 ديسمبر 1958 مقالة عن الشيخ، منها قال: وأخذت أجمع الرجال ودارت معركة بيننا والإنكليز، خسر الإنجليز فيها أكثر من 450 قتيلاً غير الجرحى إلى آخر ما ذكرته الجريدة عنه، فيا سبحان الله إن نزوى في ذلك الوقت سلمت الأمر بدون إطلاق رصاصة، واحدة، وحصلت العملية للمهاجمين دون إراقة قطرة دم وانسحب الإمام إلى بلاده لما خذله هؤلاء الأمراء ولم ينسحب إلى الجبل الأخضر كما ذكرته الجريدة أما الأن فلا يزال - أبقاه الله - ينشر الخطب في الإذاعة والصحف ضد السلطنة ويدعو إلى مناصرة الإمام، كما أنه يعاضده على ذلك زملاؤه.
إني أخ لك بعد الموت تنديني وفي حياتي ما زودتني زادا وتحصل من هذه الدعاية على مساعدات ومعونات مالية جزيلة، قدمتها الدول والحكومات العربية والصينية للمسلمين المجاهدين ولما طالبه الإمام غالب بتسليمها،
79 (1/79)
صفحة 80
وكانت المطالبة بحضرة إخوانه امتنع من أدائها إليه فكان هذا الطلب سبباً لشق العصى واستأثر فيما يقال عقاراً، بزنجبار، ويا للأسف أن جعلوا دعايتهم أحبولة للطبع،
بينهم،
وسمحوا برياستهم وبلادهم لعدوهم إنا لله وإنا إليه راجعون.
وكتب العلامة أبو إسحاق إبراهيم أطفيش جواباً لسؤال صدر إليه في ذلك. الجواب: أما بعد فالسلام عليك أيها السائل المسترشد وأقول جواباً لهذا السؤال: اعلم ـ حفظك الله ـ أن صالح بن عيسى ومن معه قد بلغ بهم الأمر إلى ما يستوجب البراءة، بل يستوجب منهم ما هو أكبر من البراءة، إن صح أنهم امتنعوا من تسليم ما جمعوه من الأموال باسم الإمام واسم المجاهدين في سبيل الله والدفاع عن حوزة عمان، والإمامة التي هي بيضة المسلمين. إذ الواجب الذي دعا الله عباده المؤمنين إلى طاعته وطاعة رسوله هو اتباع سبيل المؤمنين وطاعة الإمام العادل إذ يقول سبحانه وتعالى: ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نُوَلِّهِ ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً وقال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً، وقال سبحانه وتعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، وهؤلاء وولاية البيضة من الواجبات والبيضة هي الإمام العدل ومن انتحل لنفسه اسم العامل ببيضة المسلمين فقد دلس، والتدليس موجب للبراءة. ومن جمع مالاً باسم إمام المسلمين أو اسم الجهاد أو الرباط وجب عليه تسليم ذلك المال لإمام المسلمين، وإن لم يسلمه للإمام مع وجوده اغتبر خائناً الله ولرسوله وللمؤمنين والله يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، والخيانة الغدر وإخفاء الشيء. قال: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة، فإنها بئس البطانة) رواه النسائي.
هم
أئمة العدل
اعلم ـ حفظك الله - أن إمام المسلمين، موجود والحمد الله، وقيمته ثابتة في الأعناق، ولو هاجر من بلاده لغلبة العدو عليها، فإن ذلك يوجب على جميع المسلمين الإنضواء تحت لوائه والجهاد تحت رايته، ولا أحد يسع من المسلمين أن يتخلف عن الدخول في بيعته بعد أن بايعه أهل الحل والعقد من جميع المسلمين الذين هم تحت لوائه ومن تخلف عنه فإنه طاعن مارق من الدين؛ لأن الله تعالى أمر بطاعة إمام المسلمين العدل، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك إذ يقول: (أطيعوا ولاة أموركم) وقال: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوه، وذلك كله فيما كان من طاعة الله والإمام
80 (1/80)
صفحة 81
غالب هو إمام المسلمين بالبيعة العامة الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ومن أنكر هذا فقد أنكر الحق، وإنكار الحق مروق من الدين والخروج منه مروق من الدين ومحاربته مروق من الدين ومفارقة لما عليه المسلمون واتباع لغير سبيل المؤمنين، ومن امتنع من تسليم ما جاء مدداً للمجاهدين من مال أو سلاح فقد امتنع عن أداء الحق. وهذا مما قال فيه المسلمون: إنه منع الحق، ومانع الحق إن لم يتب ويرد الحق إلى أهله وجب القضاء فيه بما قال العلامة عمروس بن فتح رحمه الله لأبي منصور إلياس بن منصور عامل الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة - رحمهم الله - ائذن لي في ثلاث وإلا خاتمك - وكان قاضياً على نفوسة: مانع الحق يقتل والطاعن في الدين يقتل، والدال على عورات المسلمين يقتل هذه المسائل الثلاث يستتاب صاحبها، فإن لم يتب فإنه ينفذ فيه حكم الله.
خذ
عني
أما من حارب إمام المسلمين ولو بشيء من سوء القول، فقد أعان على هدم الإسلام، وهو كفر، إذ توهين إمام المسلمين توهين للدين والقول السيئ في إمام المسلمين أو جيشهم أو قوتهم هدم لكيان المسلمين وعون للعدو على المسلمين. وهذا من الخيانة الله ولرسوله وكذلك من فر من صفوف المجاهدين فإنه قال الله سبحانه وتعالى فيه: فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير، والذين يكتبون ما يضعف شأن المسلمين أو يمكن العدو من المسلمين خائنون الله ولرسوله، إن لم يفينوا وجبت البراءة منهم، وذلك تفريق لكلمة المسلمين وهو كفر، والخروج عن الإجماع كفر. وقد أجمع المسلمون على بيعة إمام المسلمين فمن تخلف عن البيعة أو ناوأ الإمام فقد كفر ووجبت عليه الإنابة إلى الحق إن كان مسلماً، قبل أن يحل به الموت وهو على براءة المسلمين فنعوذ بالله من سوء الخاتمة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
(أبو إسحاق)
81
نهضة الأعيان - م 6 (1/81)
صفحة 82
|
،
ترجمة الرئيس الحميري
حاكم الجبل الأخضر
هو الرئيس المعظم والهمام المكرم القائم بحرية الوطن الشيخ الزعيم حمير بن
ناصر بن سيف بن سليمان بن حمير بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن بلعرب بن سليمان بن محمد بن صلت بن راشد بن إحياء بن حمد بن محمد بن صلت بن حمير بن نبهان بن حافظ بن سليمان بن مظفر بن سليمان بن نبهان بن كهلان بن نبهان بن محمد بن نبهان بن عمرو بن نبهان بن كهلان بن نبهان بن محمد بن عمر بن ذهل بن نبهان بن عثمان بن أحمد بن زياد بن خالد بن طالب بن علقمة بن شعوة بن قيس بن بشر بن زياد بن محمد بن المغيرة بن زياد بن البحتري بن ذهل بن زيد بن الكعب بن الكهيد بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن الحارث الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن زاد الراكب بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زياد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن
يعرب بن قحطان بن النبي هود عليه السلام.
هذا الأمير الجليل، هو الذي أحيى رسم الإمامة بعمان بعد اندراسه، وقام لاستعادة مجدها الباذخ بعد ذهابه، وأوى نور الدين السالمي وزميله العلامة المالكي ومن عندهما من المسلمين، والألسنة والأقلام شاهدة بمقامه.
ولد هذا الأمير في عام 1291 هـ، وتوفي أبوه الشيخ ناصر بن سيف يوم 19 الاثنين من ذي القعدة عام 1294 وهو ابن ثلاث سنين فنشأ وإخوته محمد وأمراش، وحارب في حجر عمهم الشيخ سليمان بن سيف النبهاني. وكان حمير أصغر أخوته سناً، وكان للشيخ سليمان أولاد ثلاثة سيف وحمدان، وسعود، فسعى ذوو الإرادة بينهم، فوقعت البغضاء، وثارت الشحناء؛ وما زال الإخوة يحسد بعضهم بعضاً، حتى أوقع بهم عمهم الشيخ سليمان في عام 1306 بحصن تنوف فقتل في تلك المعركة محمد وأمراش ووالدتهم وبقي حارب وحمير فسقي حارب السم فمات وبقي حمير منفرداً، فعملوا
82 (1/82)
صفحة 83
محسن
المكيدة للغدر به فتلقى خبر ذلك من المأمورين بالفتك به وأزعجوه إما أن ننفذ فيك ما أمرنا به، وإما أن تعاجلهم فرأى أن لا محيص من ارتكاب إحدى المشقتين. ولما كانت ليلة ثاني من ذي الحجة عام السادس عشر وثلاثمائة وألف سنة 1316 خرج الشيخ سليمان بن سيف وبنوه الثلاثة للسمر بعد المغرب كعادتهم في مجلس قدام باب الحصن، وقد كمن لهم حمير ومن عنده فرموهم بالرصاص من أعلاهم، فأصيب الشيخ سليمان وابنه سيف وهرب الشيخان حمدان وسعود إلى بيت السليط بنزوى وإلى بيت البركة فقبض عليهما، وبقي الشيخ حمير رئيساً على تنوف والجبل وما تعلق بهما، وكل يلتمس غرة الآخر، حتى خرج الشيخ حمير إلى بلد الحمراء للتعزية في الفقيد الشيخ حمد بن أمير العبريين، وقد نصب له بنو عمه مكيدة أرسلوا جامودياً من قومهم، فأثار عليه الرصاص في نجد المصلي بين تنوف والحمراء، فأصابته في كتفه، ولم تؤثر فيه تأثيراً قوياً، فأخذه الحنق فقام على بلد البركة وحصر، حصنها وكان فيه الشيخ محمد بن سالم الرقيشي بالنيابة عن الشيخين، فخرج من الحصن بعد حصار شديد. وبعد ما أثير عليه البارود، وبافتراق الأمراء اختل نظام ريام فافترقوا وعاثوا في عمان، ونهبوا أموال العباد، واتجروا بالأحرار حتى إنهم قبضوا على جندي من جنود السلطان فيصل الذين. بحصن أزكى وباعوه فطالبهم السلطان بالإذعان لأمره، فأبوا من الانقياد له. هزهم بأس نزاري متى بردت نار الخصومات وقد فجهز السلطان فيصل جيشاً جعل القائد فيه خادمه الوالي سليمان بن سويلم)، ورئيسه الشيخ عبد الله بن سعيد الخليلي وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة السلطان فيصل، وأقبل الشيخ حمير إلى أزكى وقت زحمة الجيش عليها ساداً لعضد قومه، مخاطباً للوالي في ترويج صلح يتفق عليه الكل فغدر بنو توبة وهم فرقة من (ريام)، فخرجت خارجة منهم إلى الشيخ سعود بن سليمان وكان بالجبل الأخضر فأتوا به، واستحلوا بيت البركة من عسكر الشيخ حمير فما شعر الشيخ إلا والبركة قد خرجت من يده، فكان السلطان أن استشاط الشيخ غضباً، وخرج بمن معه إلى تنوف وترك مناصرتهم وخلى بينهم والسلطان، فقامت الحرب على ريام ونهض الشيخ سعود بواجب قومه، وتقدم إلى أزكى لمقاومة الوالي فدس السم له فما لبث أن مرض سريعاً، فحمل إلى البركة ومات فيها، وأقيمت حرب أخرى من جانب السلطان على سمد نزوى، وبها الشيخ حمدان بن سليمان شقيق سعود المسموم وابن عم الشيخ حمير فانتزعت منه سمد نزوى
،
،
من
83 (1/83)
صفحة 84
وأخرج من بيت السليط فرجع إلى البركة. أما الشيخ حمير فبقي على إمارته حاكماً على
ما تحت يده حتى من الله على العمانيين بمناصرته لعلمائها واستقلال البلاد على يديه. توفي الشيخ حمير بعد ما ترك المآثر الحميدة والشرف الخالد، يوم الجمعة السابع من شهر جمادى الثانية عام 1338، ودفن بتنوف بجوار العلامة نور الدين السالمي وترك ابنه الشيخ سليمان صغيراً وعمره يومئذ 13 سنة، ولم يكن له في العقب سواه، وسليمان هو الذي قام بمناصرة الإمام، الخليلي فكان أحد أقطاب الدولة وأحد الزعماء والأركان المؤسسة لحياة الشعب ونظام الوطن، ولسان حاله ينشد:
فرأى
،
وإذا افتخرت بأعظم مقبورة فالناس بين مكذب ومصدق
فأقم بنفسك من فعالك شاهداً بحديث مجد للقديم محقق
،
قام هذا الشيخ أحسن قيام بأحسن نظام في مناصرة الإمام، فشكرته الأمة والأئمة، لما بذله من إجلاء الغمة في كل موقف وكشفه لكل مهمة تحدث. ولما بذل وشخص فإنه طمحت نفسه ورمقت عينه إلى ما هو أكبر من هذا ولا ريب، فإنه من بني نبهان، في نفسه الطموح للرئاسة، ووسوس إليه شياطين الإنس الذين يحبون صدع العصا واتباع الهوى شبها تعكر الجو، فبقي يرغم نفسه فيقرعها ويتبعها حيناً آخر، وعلى كل حال فما تخلف عن نصرة إمامه في كل موطن إلا في واقعة نخل؛ فإن المتعصبين للباطل ثبطوه، وأوهموه في قتل الشيخين أحمد وخلقان ابني ثنيان حتى ظفروا ببغيتهم فلم يتحرك في تلك الثورة وتدارك أمره بعد انتهائها، فأقبل إلى إمامه بجنوده، وأدركه بنخل،
فقرب إليه البغاة الخارجين عليه كما ستجده أيها القارئ في محله ـ إن شاء الله.
ولما انتشرت الدعاية لسلطنة مسقط بعمان، وبث وزير الخارجية كتبه إلى العمانيين في عام 1357 كان هذا الأمير ممن استنفروه واستفزوه، فرغب في الدخول فيما دخل فيه الشيخ عيسى، فاستأذن الإمام، فرأى منعه فامتنع في أول مرة، ثم كررت مسقط الطلب له، فاستأذن ثانية فحجر الإمام عليه فامتثل وفي نفسه ما فيها. فاشترط أن يكون المنع شاملاً للعمانيين. وإلا فلا لوم عليه بعد ذلك، فلبث متأخراً إلى شهر جمادى الآخرة عام
1363
،
ثم خرج إلى الشرقية ثم إلى جعلان ثم إلى ضنك وفي صحبته ابنه سلطان بن سليمان وياسر بن حمود المجعلي وأعيان، قومه فاجتمع بالأمير علي بن عبد الله آل
84 (1/84)
صفحة 85
حمودة وتبادلا الآراء بينهما في مقابلة السلطان قلبث بصور سبعين يوماً، والسلطان ذلك الوقت بظفار، وقد بلغه الخبر فتريث مكانه ليفهم الناس حالة الزائر وما يتطلبه، وفي أثناء تلك المدة اتصل السلطان بجزيرة مصيرة قريباً من صور ثم رجع منها إلى ظفار مرة أخرى، وأرسل للشيخين من مصيرة بواسطة سفيرهم خميس بن سعيد السنيدي معاشاً، وأن يكونوا مكانهم حتى يرجع ولما رجع من ظفار اجتمع بهم في ساحل صور، ثم توجه إلى مسقط وأرسل إليهم الوالي إسماعيل الرصاصي، مرحباً بهم فخرجوا في صحبته أعيان ساحل صور، فأجارهم وأكرم نزلهم.
وصحبتهم
على أثر هذه سرى في العمانيين التنافس والتحزب بالباطل والتعصب لغير الحق فكان الشيخ سليمان يجمع أعيان الغافرية ومن تبعهم مرة بنخل ومرة بأمطى وأمكنة أخرى، ليكونوا عنده وقت الحاجة والشيخ محمد بن عيسى داعية للسلطان يمهد له الأسباب، ويفتح له الأبواب، وبعده قام أخوه صالح بذلك، وخرج إلى الظاهرة وأرض الشمال ليكونوا حزبه عند الضرورة.
وجاء الشيخ سليمان بسيارات وهي أول ما دخل عمان الداخلية فطلب مشايخ الحارث من الإمام منعها، فلم ير الإمام ذلك، فحركوا وهيبة لصدعها من دخول سيوحهم، وقرروا مؤتمراً ببلدة سناو يرأسه الشيخ أحمد بن محمد بن عيسى، وجاء سفيرهم محمد بن سلطان بن منصور الغفيلي إلى الإمام، ببهلا وقت الفتنة بين بني شكيل هناة، فلم يجبه الإمام على طلبه ولم يروجها لمنعها ومثل هذا كثير أصبح كل يعمل ضد صاحبه ويهدم بناء الثاني، وبهذا حصل الانحلال والتفاقم وتضعضع ركن الدولة وطمع فيها الغافل وعين الخصم لا تنام
وبني (1/85)
صفحة 86
ترجمة أولاد الشيخ هلال بن زاهر الهنائي
هو هلال بن زاهر بن سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن خميس بن خلف بن مبارك الهنائي، ينتمون إلى هناة بن مالك بن فهم.
نذكر أسماء المساعدين على النهضة العمانية منهم.
محمد وعبد الله وعلي وخالد بني هلال بن زاهر وزاهر بن غصن بن هلال وسالم وسعود ابنا بدر بن هلال.
كانت لآبائهم سابقة بعمان فقد ذكر أهل السِّير ما كان لأبيهم مالك بن فهم من المآثر، وما كان لبنيه من بعده وما كان من الأهيف بن حمحام في حروبه، وما كان من سيف بن محمد في أيام الإمام ناصر بن مرشد وخلف بن مبارك المعروف بالقصبر في حال إمامة محمد بن ناصر إلى غير ذلك، وأذكر الآن طرفاً من مآثر الشيخ هلال بن زاهر ليتمتع بها القارئ:
كان هلال في أيامه قد فاق الأقران وطار صيته بالبلدان حتى إنه ابتز قلعة نزوى من يد السيد حمد بن سيف البوسعيدي وبقي حاكماً بها أربعة عشرة سنة. وكانت له حروب، لاقى فيها الأهوال وزاحم بها الأبطال وما أشبهه بالمهلب بن أبي صفرة، في الصبر، وعدم الضجر، وقلة السآمة. وكان بنوه كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، وهم محمد وبدر وعبد الله وعلي وغصن وخالد.
وقعت بينه وبين جيرانه العبريين حروب وأسبابها أن الشيخ هلال على ما هو عليه من الإقدام والشجاعة أخذ يكابر ابن عمه سعيد بن محمد بن سعيد، وكان سعيد هذا أميراً في بني هناة ذلك الوقت، فاستقل هلال ببلد العارض من كدم، فاستعان عليه سعيد بالشيخ محسن بن زهران العبري أمير العبريين فقام عليه فأحاطوا بهلال، ومن معه في برج العارض فخرج منها على واسطة الشيخ سليمان بن سيف النبهاني في شهر المحرم سنة 1276، وما زالت حالته وابن عمه على ذلك حتى توفي الأمير سعيد في (1/86)
صفحة 87
ما
أن
حادي شوال 1282، فاشتد ساعد هلال وعظم أمره فوقع الشقاق بينه وأولاد الشيخ سعيد، فاستعان أولاد سعيد بالشيخ محسن كما كان يستعين به أبوهم من قبل، فأجابهم إلى ذلك قياماً بالصحبة ولأنه يحاذر من هلال حتى استفحل أمره، وقد كان منهم كان في جانبه، فدخلوا بلاد سيت عاصمة بني هناة يوم الاثنين 11 من صفر سنة 1283، وأخذوا البرج الذي فيه الشيخ هلال وإخوته وأخرجوهم من البلد، فتحيزوا بوادي سيهم واستولى الشيخ محسن على غمر وهي بليدة صغيرة لبني هناة قريبة من الحمراء، وبها محلة مانعة وفاض إلى وادي العلا وهو وادٍ لبني هناة، فوقعت بينه وهلال ملحمة قتل فيها كثير من العبريين، وانهزموا عن الوادي، فبقي الوادي بيد أهله وظن الشيخ محسن هلال لا يستطيع شيئاً بعد تتابع هذه الحوادث عليه فأهمل الحزم، وإذا رفع له عنه شيء لم يلق له بالاً. وبينما هلال يلتمس الفرصة، ويظهر لبني شكيل الصداقة واللين، فواثقوه على ذلك لما بينهم والشيخ محسن من التنافس على بهلا واستبداده في تولي أمر أولاد راشد بن حميد، فإنه أبقى لهم الاسم وله السيطرة فاجتمع هلال وبنو شكيل وخدام أولاد راشد بن حميد بيبرين وكانوا يداً واحدة وخرج الشيخ فاجتمع محسن بجيشه وأقام ببهلا، ولما قدم هلال بمن معه خرج لملاقاتهم المقدام حمود بن الشيخ محسن، فتصادم الجمعان خارج سور بهلا سهيلي اللجيلة. فكانت وقعة يشهد لها التاريخ، قتل فيها الشيخ حمود بن محسن، وقُتل معه من صناديد الرجال ومشاهير الأبطال قسور بن خلقان العبري، وسالم بن سيف بن خميس وصقر بن محمد بن سالم، وخميس بن مفتاح، وجملة أناس من العبريين ومن أولئك كذلك.
وما طالت الأيام حتى قام الشيخ هلال لاسترجاع بلدة غمر من يد الشيخ محسن وعنده حروة ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فدخلها ليلة 12 جمادى الثانية سنة 1283، فجاء الصريخ إلى الحمراء، فخرج الشيخ محسن وأخوه محمد وجماعته لمقاومته بجنود هائلة، وجروا المدافع إليه ورموا المحلة بمدافعهم، فتفجرت وتكسرت، وبقي الحصار إلى ليلة 21 من الشهر المذكور، فهجم العبريون على المحلة وأطلق المحصورون عليهم البنادق ورموهم بالحجارة من تلك السرادق وهم لا ينكصون فلما طال الأمر ظن هلال أن رصاصهم لم يعمل شيئاً في عدوهم فنزل من حصنه ودخل في المهاجمين فعرف أن الرماة لم تعمل شيئاً، فما أمكنه السكوت حتى يرجع إليهم، فناداهم وهو وسط عدوه: أن واطوا الضرب فعرفوا أنه هلال فتصادم القوم عليه، والتقى الشيخان: هلال
87 (1/87)
صفحة 88
ومحسن، فتجللا بالسيوف فجرح الشيخ محسن واحتوش هلال ستة رجال من صناديد حكم، فأفلت منهم فخارت العزيمة لما جرح الشيخ محسن، وكانت الهزيمة على قومه، وانجلت الملحمة عن عدد كبير من القتلى في العبريين وعلى أثرها وقع الصلح بين العبريين وبني هناة بواسطة الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري، على أن تعود غمر وبلاد سيت إلى بني هناة.
وفي تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين للشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري، قال: إن المقتولين ستون رجلاً والجرحى نحو ذلك، ومن بني هناة وبني شکيل عشرون رجلاً قال: وإنما لم يقتل منهم أكثر من ذلك؛ لأنهم كانوا محتجبين وراء الجدر في أسوار المحلة قال: وبهذه الهزيمة ضعفت قوة الوالد محسن وكانت أيامه أيام إقبال، ولم تعاكسه الأحوال إلى أن قتل ولده حمود ببهلا، ثم وقعت هزيمة بلد غمر. انتهى كلامه.
وبعد حادثة غمر استردّ هلال الوادي كله وأخذ يسعى في رقي قومه وعمارة بلدانهم، ولم يقتصر على ذلك بل أخذ يفكر في ما هو أعظم من إدخال نزوى تحت سيطرته، فحالت دونه الأيام بظهور الإمام عزان بن قيس رحمه الله، وهذا هو السبب الذي حمله أن لا يتساعد مع الإمام رحمه الله بإخلاص ونصح وبعد موت الإمام حوّل فكرته إليها مرة ثانية فدير حيلة، فوصل نزوى بمن عنده ليساعد حاكمها على الأعراب الذين تجبروا على أهلها وفي الباطن يبرم، حِيَله، فرأى حاكمها السيد حمد بن سيف من هلال النصح، فقدمه في أموره شيئاً فشيئاً حتى قلده زمام قلعة نزوى؛ وكان حمد يسكن بيت الصاروج، وبعد مدة منع هلال حمداً من دخول القلعة، فاستيقظ حمد من غفلته ودبر المكيدة بقتل هلال ففشلت وعلم هلال بذلك فأرسل إليه أن القيام بنزوى ليس من مصالحك، فخرج إلى مسقط فصفا الجو لهلال.
وكانت بين هلال والشيخ سليمان بن سيف النبهاني حروب بنزوى، إذ كان هلال أميراً على السفالة وبيده، قامتها والشيخ النبهاني أمير على سمد وهي علاية نزوى وبيده بيت السليط، فوقعت بينهم وقائع عظيمة، ولا يقل من فقد بها عن ثلاثمائة قتيل.
كانت أعمال هلال أفعال الأبطال؛ فإنه عمر الحصون وأجرى الأنهار، وغرس الأشجار؛ فمن الأنهار التي أجراها فلج ببلاد، سيت حيالة العقبة، فلج وحشا، فلج الغافات، فلج النطالة، فلج العقيصي، فلج القرى، وأجرى بوادي العلا فلج الحديث،
88 (1/88)
صفحة 89
وحفر بنزوى فلج صوت المعروف بالقبة، فهذه الأنهار أحد عشر نهراً. وبنى من الحصون ستة وثلاثين حصناً، أعظمها جامع سمد الذي هدمه الإمام سالم بن راشد الخروصي، قلعة السويق، قلعتان بفرق نزوى وببلد الغافات الحصن الغربي، وبيت الزامة إلى غير ذلك. غرس من النخيل إحدى وعشرين ألف نخلة، سبعة آلاف بنزوى، وثمانية آلاف بالغافات وسبعة آلاف ببلاد سيت.
وكانت وفاة الشيخ هلال بن زاهر بالقتل على يد سيف بن حمد بن البوسعيدي بنزوى سنة 1312، ثم ولي الأمر من بعده ابنه بدر بن هلال وأقام سنتين حتى قتله بنو شكيل، وبعد قتل بدر ضعف أمر إخوته والدنيا أضداد، فجهز السلطان فيصل بن تركي خادمه الوالي سليمان بن سويلم، وأحاط ببلد الغافات وعنده الغافرية، وقام أمير بهلا ناصر بن حميد لتدمير فلج بلاد سيت، وأحاط أهل سفالة نزوى، ومن عندهم بقلعة نزوى فحصرهم بها، وكل ذلك في وقت واحد وكان الشيخ عبد الله بن هلال وإخوته صغاراً فسلموا القلعة لينقذوا بلادهم.
ترجمة رئيس النهضة العمانية
،
هو والدنا السيد العميد المحقق المجتهد المطلق الولي نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي من بني ضبة، وبقية النسب
معروف عند أهل الأنساب.
:
ولد ببلد الحوقين بلدة من أعمال الرستاق وبها منازل قومه وأهله، ونشأ بها، وقرأ القرآن العظيم عند والده رضي الله عنهما.
كف بصره - رحمه الله - وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكان في صباه حافظاً، قوي الذاكرة، لا يكاد يسمع شيئاً إلا وعاه وهي خاصية أودعها الله فيه. وقد ذكر محدثاً بنعمة الله هذه أنه حفظ وهو ابن أربعة أشهر أو دونها تحريا.
ثم خرج من الحوقين لطلب العلم المحمود إلى الرستاق فتتلمذ للشيخ راشد بن سيف اللمكي عالم الرستاق ونواحيها في ذلك الزمان، وأدرك الشيخ عبد الله الهاشمي، وأخذ عنه فهو أحد شيوخه الفضلاء.
،
محمد بن
89 (1/89)
صفحة 90
نبغ في علم المعقول والمنقول واشتهر عند أهل عمان بالطلب وجودة الذكاء والحفظ النادرين حتى كان في مبدأ أمره أكبر من أشياخه الذين حمل العلم عنهم. شرع في التأليف بالرستاق سنة 1305 هـ ونظم أرجوزة في الجمل وشرحها، وهي أول ما صنفه، وكانت سنه في ذلك الوقت سبع عشرة سنة، وشرع في التدريس في سائر
الفنون العلمية.
ثم هاجر إلى الشرقية سنة 1308 هـ ثمان وثلثمائة وألف، لما يسمعه من أخبار الشيخ صالح علو صيته وما يحاوله من إعادة الإمامة بالقطر العماني، ثم عزم عليه الشيخ الصالح أن يستوطن القابل، فامتثل أمره، ولبث عنده معاضداً له، يلتقط من فوائده، ويستخرج من فرائده؛ فكان الشيخ صالح أحد شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، وأوتي حظًّا وشهرة في العلم، فضربت إليه أكباد الإبل، ووفد إليه الأخيار من سائر النواحي، ودرس في سائر فنون العلم كالتفسير والحديث وأصول الفقه وأصول الدين والنحو والمعاني والبيان والمنطق ودام على ذلك الحال إلى أن توفي الشيخ صالح، ثم عاضد بعده ابنه الأمير عيسى بن صالح، وساعده على تدبير أمور عمان وسياسة الإمارة، وأبدى في ذلك من حسن السياسة وعلو الهمة كل عجيب.
أخلاقه وشمائله: كان - رضي الله عنه - شديد الغيرة في ذات الله تعالى، لا تأخذه فيه لومة لائم، يقول الحق، وينطق بالصدق مشهور بالبسالة والصلابة، كثير الرد على من خالف ملة الإسلام، مشغول البال بأمته، يفرح بما ينفعها، ويحزن لما يضرها، وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين.
لا تخلو مشاهده الكريمة من فائدة دينية أو عائدة دنيوية، أو شاردة أدبية، مشتغلاً بتدريس العلم والتأليف، والفصل بين الخصوم بالحكم الشرعي.
كان خطيباً منطقياً يرتجل الخطب الطوال في المجامع والمحافل، حسب ما يقتضيه المقام من السعي في إصلاح الأمة وجمع الشمل، يرغب ويرهب بأبلغ بيان وأفصح لسان.
كان جواداً سخياً، قل ما أكل طعاماً وحده لازدحام الضيوف بناديه وكثرة ملازميه المغترفين من فيض أياديه يقدم للضيف ما حضره بلا تكلف ولا بطر، كثير التفقد والتعرف على حاجة إخوانه وتلامذته ليواسيهم.
90 (1/90)
صفحة 91
كان قد عزف نفسه عن التوسع في الدنيا والسكون إليها قليل التعلق بتبعاتها وشواغلها العائقة عن طريق الآخرة.
كان عظيم الهيبة لا ينطق أحد في مجلسه إلا أن يكون سائلاً أو متعلماً أو ذا حاجة جدية. ولقد رأى ذات مرة خصماً يتعنت خصمه وقد قهره بفضول منطقه. وكان الشيخ يحاول الصلح بينهما، فلما رأى ذلك المتعنت زجرهما، وقال: هَلُمَّا إلى الحكم، وضرب بعصاه أمامه، وكانت سوداء من حطب الأبنوس، فما هو إلا أن سلم ذلك المتعنت الأمر، وصالح خصمه فعوتب بعد ذلك فقال: إني خفت من تلك العصا السوداء. ومناقبه كثيرة العدد.
كان - رضي الله عنه - الركن الأعظم في إعادة الإمامة إلى عمان ونيلها المرتبة العليا، شديد الحرص على النهوض بالأمة العمانية واستعادة مجدها الباذخ، الذي أباده التحزب والاختلاف دهراً طويلاً، وذلك دأب العلماء العاملين في كل حين.
كان يكثر من تلاوة هذه الآية في المحافل (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم الآية وغيرها من الآيات المشوقة للجهاد، المرغبة لدار
المعاد.
كان - عفا الله عنه ـ كثير التضرع إلى الله، فتراه في بعض الأحيان في مجلسه، أو في الطريق، أو في مصلاه وقد رفع يديه إلى السماء قائلاً: لبيك اللهم لبيك، ثم يبسط يديه ويقول: اللهم اجمع الشمل، وألّف بين القلوب، وأيد الكلمة، ونحو ذلك الأدعية التي يرجو بها نظام المسلمين، وتجد ذلك في أجوبة المسائل عنه إذا
من
تأملتها.
كان كثيراً ما يقول اختبرنا الله فوجدنا كاذبين.
يتأوه كثيراً لما يراه في الناس من الاختلاف وعدم الجد فيما يعود على حياتهم بالسعادة، ولما يراه من الفساد في البلاد، فتراه قد قطع حديثه وتنفس الصعداء قائلاً: ذهب الوفاء ذهب الدين ذهبت المروءة ذهبت الغيرة ذهبت الحمية، طمع فينا
الخصم، طلبنا بالمكائد، نصب لنا الحبائل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن قوله: حرب النصارى اليوم بالدواهي والكل منا غافل ولاهي فيأخذون الدار بالخدايع وإنها أقوى من المدافع
91 (1/91)
صفحة 92
وكثيراً ما يتمثل بقول دعبل:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلّهُمُ الله يعلم إني إني لم أقل فندا إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدا ويكرر قوله: ولكن لا أرى أحدا لما يجيش في صدره من الأمور التي لم يجد من يساعده على القيام بها، ويكثر الدعاء على النصارى والمستعمرين في أكثر مجالسه. ومن أدعيته الجامعة: اللهم خذ أعداء الدين وارددهم على أعقابهم خاسرين خاسئين. منزلته في العلم والأمة كان - رحمه الله - أحد أقطاب الأمة المجتهدين، محققاً جليلاً، جامعاً للمنقول والمعقول معروفاً بغزارة العلم والاجتهاد إليه انتهت رئاسة العلم لعمان في زمانه. ويظهر ذلك من تأليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية وكانت بينه وبين علماء المغرب وبعض علماء مصر مراسلات ومواصلات وأبحاث حسنة، ولا سيما الإمام القطب محمد بن أطفيش رحمه الله؛ فإن بينهما من المراسلات والاتصال ما لا يخفى، ودرّس القطب - رضي الله عنه - تلاميذه في مؤلفاته وأعجب بها، وأثنى على مؤلفها، ودعا له بصالح الدعاء.
:
ويحسن هنا أن نذكر سؤالاً وجواباً صدر إليه من حضرة الباشا سليمان بن عبد الله الباروني لما كان بمجلس الأعيان وهذا نصه:
ممن
المرجو من حضرتكم - أيها الاستاذ - الذي سنعتمد على أقواله وأقوال أمثاله تمسك بالذهب المحترم إمعان المقالة المحررة تحت عنوان الجامعة الإسلامية في جريدة
الأسد الإسلامي الآتية إليكم مع هذا.
ثم بعد إطلاق الفكر بحثاً وراء عين الحقيقة نطلب إبداء ما اقتضاه نظركم السامي عن الجواب عن الأسئلة الآتية بإيجاز غير مخل بالمراد خدمة للجامعة والدين، ولحضرتكم الثواب والشكر، ويكون الإمضاء هكذا حرره فلان البالغ من العمر كذا في البلدة الفلانية، شهر كذا، سنة كذا.
سنة،
- هل توافقون على أن من أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟
على فرض عدم الموافقة على ذلك، فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق؟
92 (1/92)
صفحة 93
على فرض الموافقة فهل يمكن توحيدها والجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد
في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء؟ على فرض عدم إمكان التوحيد، فما الأمر القوي المانع منه في نظركم، وهل
لإزالته من وجه؟
على فرض إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة، وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر في كم سنة ينتج؟ كم يلزم له من المال تقريباً؟ كيف يكون ترتيب العمل فيه. وعلى كل حال ما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعاً وسياسة مصلح أم مفسد؟
- ما الدليل القاطع على منع الصور التي لا ظل لها مما يرسم على الورق مثلاً صور الملوك والجيوش لمقصد حسن.
من
أجابه نور الدين بما نصه:
الجواب: قد نظرنا في الجامعة الإسلامية، فإذا فيها كشف الغطاء من حقيقة الواقع فلله ذلك الفكر المبدي لتلك الحقائق.
نعم نوافق على أن منشأ التشتت هو اختلاف المذاهب، وتشعب الآراء؛ وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة كما اقتضاه نظرك الواسع في بيان الجامعة الإسلامية. وللتفرق أسباب أخرى منها التحاسد والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة؛ ومنها: طلب الرئاسة والاستبداد بالأمر، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أول الأمر في أيام علي ومعاوية، ثم نشأ عنه الاختلاف الأمة عنه الاختلاف في المذاهب، وجمع بعد تشعب الخلاف ممكن عقلاً مستحيل عادة. وإذا أراد الله أمراً كان ولو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم، والساعي في الجمع مصلح لا محالة وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية، ويحثهم على التسمي بالإسلام؛ فإن الدين عند الله الإسلام، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه، ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال، ثم يظهر شيئاً فشيئاً فيصير الناس إخواناً. ومن ضل فإنما يضل على نفسه ولو استجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع في الناس قبوله
93 (1/93)
صفحة 94
لأنه
وكفيتم مؤنة المغرم، وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسر والمغرم ثقيل. وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة، ومقصد الخاص والعام: حرم الله الآمن؛ مرجع الكل، وليس لنا مذهب إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به، وإن كان بغيضاً ونرد الباطل على من جاء به، وإن كان حبيباً، ونعرت الرجال بالحق، فالكبير معنا من وافقه والصغير من خالفه. لم يشرع لنا ابن أباض مذهباً وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق. أما الدين فهو عندنا لم يتغير والحمد الله.
•
أما التصوير لذي الروح فإنه حرام كان للمصور ظل أو لم يكن له؛ لحديث النمرقة عند الربيع ومالك والبخاري ومسلم وفيه: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم يقال لهم: أحيوا ما خلقتم وكانت الصورة في النمرقة ومن المعلوم أنه لا ظل لها، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، وهو عام يتناول ما كان له ظل وما لم يكن ولا خلاف في منع ذلك وإنما الخلاف في استعماله، إذا كان رقماً في ثوب أو استعمل للامتهان دون تصويره، ومحل المنع صورة ذي الروح فقط والله أعلم. من عبد الله بن حميد السالمي البالغ من العمر ثلاثاً وأربعين 43 سنة تقريباً، الساكن القابل من شرقي عمان سنة 1326 اهـ.
،
وإذا نقلنا هذا الكلام بأسره لما فيه من الفوائد ولتعرف ما عليه هذا الشيخ من التيقظ لمراعاة الإسلام وأهله فإنه كان عميد المسلمين وقدوتهم في عمان، وزهرت في إيامه بالعلم والعلماء والمتعلمين.
تلاميذه ومن حمل عنه العلم: قال الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش - أبقاه الله: تلاميذه كثير. ولا نبالغ إذا قلنا: إن رجال العلم اليوم بعمان كلهم من تلاميذه، وقد نبغ منهم كثير، وفي مقدمتهم العلامة الأفخم المؤيد إمام عمان أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلقان الخليلي الخروصي، بويع بعد وفاة شيخه. قال: وبقية العلماء من تلاميذه كثيرون. وحسبك أن صفوة الأمة هنالك والذين قامت عليهم الإمامة والملك هم تلاميذه، وهذه الروح التي نفخها فيهم، حتى كانوا حمى للدين والأمة من أكبر الشواهد على إخلاصه وعلو شأنه ومكانته رحمه الله. انتهى كلامه. وهي شهادة من عالم عامل.
94 (1/94)
صفحة 95
ومشاهر تلاميذه كثير.
منهم: الإمام العادل الزاهد سالم بن راشد الخروصي، فقد كان ملازماً له منذ
راهق الحلم إلى أن عقد عليه الإمامة العظمى.
العلامة الأمير عيسى بن صالح أحد علماء، عمان، وله الفخر الكبير في
ومنهم تأييد النهضة الحالية.
ومنهم: العلامة الجليل رئيس القضاة بعمان: أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود، الذي هو من بني مالك كان معاضداً لشيخه في حلو الزمان ومره، وله التأليف
الضخمة.
ومنهم: الزعيم الباسل العلامة أبو زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي الأزكوي، عامل الإمامين الخروصي والخليلي على بهلا كان يكتب عن شيخه مسودات
التأليف.
ومنهم: الشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي شقيق الإمام سالم وقاضيه وعامله على الرستاق والعوابي وتوابعهما كما أنه عمل للإمام الخليلي، وهو عالم مجاهد
غيور.
ومنهم: أبو الخير عبد الله بن غايش النوفلي بالولاء كان عالماً عاملاً ورعاً فاضلاً، ولي القضاء للإمامين الخروصي والخليلي. واستعفى آخر عمره شفقة على نفسه من تحمل ذلك. توفي رضي الله عنه والمسلمون عنه راضون.
ومنهم: الشيخ سليمان بن سيف الحميري من حمير. كان أعلم أهل مصره بعلم الآلة، طلبه أهل زنجبار من شيخه أن يكون مدرساً لهم فأسعفهم شيخه وأرسله إليهم.
ومنهم:: العلامة أبو عبيد حمد بن عبيد السليمي السمائلي، وهو من أجل علماء عمان اليوم دراكة وفهامة وقد أصيب آخر عمره بالعمى عمل للإمامين الخروصي والخليلي، وتقلد القضاء بسمايل وبديد وفنجا وتوابعهن.
،
•
ومنهم الشيخ العلامة سيف بن حمد بن شيخان الأغبري، جمع علماً كثيراً، وعمل
للإمامين على منح وأزكى ودما والطائيين ونواحيها.
?? (1/95)
صفحة 96
ومنهم: الشيخ العالم سعيد بن أحمد الراشدي كان مسارعاً للخيرات، معروفاً بالسكينة والوقار، تاركاً لحظوظ النفس، ومتصفاً بالكمالات الإنسانية مجدا في تحصيل العلم النافع وفي الاستفادة والإفادة فيه ومهر في العلم مع صغر سنه ومات بعد أن شرع في التصنيف، وقد توفي سنة 1314 في حياة شيخه وهو ابن نيف وعشرين سنة. ومنهم: الشيخ الضرير سالم بن حمد البراشدي من علماء الآخرة ولياً تقياً تقلد
القضاء للإمامين على بلدة سنا وما حواليها.
ومنهم: أبو شيذان عامر بن عُلَيّ الشيذاني، مشمر في العلم، فقيه ورع حصور، لم يقبل أن يتقلد شيئاً من الأعمال لزهده.
ومنهم: ملك الفصاحة بعمان شيخ البيان محمد بن شيخان السالمي ابن عم نور الدين. كان نابغة زمانه إليه مرجع المشكلات في علوم الآلة من النحو والمعاني والبيان والمنطق، تشهد بذلك عبقريته الشعرية، وقد كان سخيا كريماً.
ومنهم سليمان بن حامد البراشدي وهو من قضاة الإمامين عمل لهما على أبرا، ووادي بني معولة بن شمس.
ومنهم قسور بن حمود الراشدي من أهل القريتين وقد استعمله الإمام الخروصي على منح،، فتقلد الولاية والقضاء، وفي عصر الإمام الخليلي خرج إلى إفريقيا. ومنهم: القاضي الجليل أبو الوليد سعود بن حمد بن خليفين، كناه الإمام الخليلي، شمس الفراء، وداهية العلماء عمل للإمامين الخروصي والخليلي، وتقلد القضاء نحواً من خمس وثلاثين سنة،
جمع
علماً ودهاء وذكاء.
هؤلاء مشاهير تلاميذه، والذين تحت طبقتهم كثير، بل لا نجد عمانياً له أدنى مسكة من العلم إلا وقد اغترف من ذلك البحر والتقط من ذلك الدر، بحسب ما قسم له الواهب من المواهب ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
تأليفه ورسائله
منها: «أنوار العقول» أرجوزة في أصول الدين.
ومنها: بهجة الأنوار»، شرح على هذه الأرجوزة، وهو مختصر طبع بهامش الجزء
الأول من طلعة الشمس.
96 (1/96)
صفحة 97
ومنها: «مشارق أنوار العقول»، شرح آخر عليها، وهو مطول كافل بالمقصود من أحسن كتب الأصول تحقيقاً وتحريراً وتنسيقاً. قال القطب رحمه الله لما وقف عليه: لقد أمعن صاحب المشارق.
ومنها: «غاية المراد»، أرجوزة في نظم الاعتقاد، شرحها العلامة سليمان بن محمد الكندي شرحاً مفيداً.
ومنها: شمس الأنوار ألفية في أصول الفقه، وقد شرحها شرحاً نفيساً سماه: طلعة الشمس. جزآن طبعا بمصر، أنفس ما ألف في أصول الفقه، وقد درس فيه قطب
الأئمة تلاميذه.
من
ومنها: «شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري، أئمة القرن الثاني وهو في ثلاثة أجزاء، طبع الأول والثاني بمطبعة الأزهار البارونية. ومنها: «مدارج الكمال»، أعظم مختصر الخصال لأبي إسحاق الحضرمي، وهي
أرجوزة مفيدة جدا، تربو على ألفي بيت في الفقه.
ومنها: معارج الآمال» شرح على الأرجوزة في أسلوب غريب، يحل معنى الأبيات في مبادئ الشرح، ثم يعقبه بالمسائل المتعلقة بذلك من الأثر، ويقرنها بالأدلة، ثم يذكر تفاريع المسألة ويردها إلى إصولها، ثم ينبه على ما اقتضاه المقام من الفوائد، ويرد إليها
ما كان من تلك القواعد بعبارات رائعة، حتى إن المسألة تصلح أن تكون رسالة مستقلة لو أفردت ومحاسن هذا الكتاب لا يعرفها إلا من وقف عليه كمل منه ثمانية أجزاء
ضخام، آخرها الصوم والاعتكاف، وكان يحرزه أن ينوف على عشرين جزءاً، قطعته العلائق عن إتمامه والكمال عزيز.
ومنها: «جوهر النظام»، أرجوزة. في الأديان والأحكام والأخلاق والحكم تزيد على أربعة عشر ألف بيت في أربعة أجزاء، طبع بمصر مرتين وشهرته كافية عن التعريف. ومنها: «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، وهو تاريخ تكفل ببعض أحوال أهل
عمان، منذ انتقال العرب إليها إلى وقت إمامة الخروصي سالم بن راشد. ومنها: «الفتاوى عن نوازل عمان وغيرها في مختلف الفنون»، وقد بلغت سبعة
97
نهضة الأعيان - م 7 (1/97)
صفحة 98
أجزاء ضخام والثامن لم يكمل وهي مسائل منثورة غير مرتبة. أسأل الله أن يمن علي بالإعانة على ترتيبها.
ومن هذه الفتاوى: كتاب حل المشكلات وهو الرابع من أجزاء الجوابات، حل فيها ما أشكل على تلميذه الكبير أبي زيد عبد الله بن محمد الريامي، وذلك أنه أشكلت عليه مسائل في الأثر فجمعها وطلب من شيخه نور الدين الجواب عنها، فأجابه بما يشفي الغليل من واضح الدليل وهذا الجزء قد رتبه حال الجواب على الأسئلة. ومنها: المنهل الصافي في العروض والقوافي، أرجوزة رائقة تنوف على ثلاثمائة
بيت أولها:
حمداً لمانح العطا الجزيل وفاتح العروض للخليل وقد شرحها شرحاً لطيفاً مقنعاً.
أما الرسائل فكثيرة نذكر ما شهر
منها: «تلقين الصبيان وهي رسالة مفيدة فيما يجب على الإنسان من الاعتقاد بالجنان والعمل بالأركان وهي أول ما يُقْرِئُها أهل عمان أولادهم، وقد اشتهرت شهرة
كافية.
وله في النحو رسالة بلوغ الأمل في الجمل الثلاث رجز مفيد جدا، شرحه شرحاً مختصراً، وهو أول ما ألفه هذا الشيخ.
ومنها شرحه على العمريطية أرجوزة ليحيى العمريطي شرحاً موجزاً كاملاً. وله رسالة الحج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة طبع بهامش الجزء الثاني من طلعة
الشمس.
وله رسالة الحجة الواضحة في الرد على التلفيقات الفاضحة، ردّ فيها على من ادعى العلم وتعاطى منزلة الاجتهاد من أهل زمانه.
وله رسالة بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود حذر فيها من التشبه بالمشركين من أهل الكتاب وذكر فيها من دسائس العدو ما يوجب نفرة كل من له أدنى إلمام بملة الإسلام، وذلك لما بلغه تهافت المسلمين على لباس النصارى والتخلق
98 (1/98)
صفحة 99
بأخلاقهم وهيآتهم أولها يربد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً).
وله رسائل اللمعة المرضية في أشعة الأباضية رد فيها على من قال: إن الفرقة الأباضية حدثت بعد المذاهب الأربعة وأنهم لا تأليف لهم أبدى فيها فصل الخطاب والوقوف على محجة الصواب.
وله رسالة الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي بين فيها منزلة ذلك السيد بين أهل الإسلام.
وله كشف الحقيقة في الرد من جهل الطريقة أرجوزة كشف فيها عن حقيقة
المذهب.
وله شرح على فيض المنان قصيدة للشيخ سعيد بن أحمد الراشدي.
وله ديوان شعر في غاية البلاغة والفصاحة، كله حماسة، وتحريض على القيام بما يعز الإسلام.
وله كتاب مجموع المناظيم على قاعدة المتون جمع فيه أراجيز في فنون العلم انتخبها، وقصائد من أشعار العرب اختارها.
انتهى ما استحضرنا ذكره من الكتب والرسائل، وهي كافية في معرفة ما كان عليه ذلك الإمام من عظيم المنزلة بين الأعلام.
وفاته رضي الله عنه
في اليوم الثامن عشر من شهر صفر من سنة اثنتين وثلاثمائة وألف شخص نور الدين - رضي الله عنه - إلى بلد الحمراء لمناظرة الشيخ ماجد بن خميس العبري، رجاء أن يفهم الحجة في مسألة أوقاف القبور.
وملخص ذلك أن القدوة نور الدين رأى ما أحدثه الناس من بدعة الوصية للقراءة على القبور، وتهافت طغام العوام على هذا الأمر المحجور بنص الخبر المشهور، فصارت المقابر بالذكر معمورة والمساجد من ذلك مهجورة، خلاف ما أمر الله ورسوله. فحكم أن الوصية بذلك باطلة من أصلها ومرجع تلك الأموال لورثة الموصي إن
99 (1/99)
صفحة 100
،
وجدوا، وإلا هم مجهولون يتعذر الوقوف عليهم. فقضى أن المجهول لبيت المال على أشهر ما فيه من الأقوال وأمر الإمام سالم بإمضاء ذلك الحكم وإنفاذه؛ إذ لا ينفع قول بحق لا نفاذ له، فأمضاه الإمام سالم، وأدخل تلك الأموال العتيقة في بيت مال المسلمين لعز دولتهم، فشرع في بيع بعضها في حاجة الدولة. فلما بلغ ذلك العلامة ماجد، وكان من مشايخ العلم في عمان له سن وفضل كتب إلى الإمام ونور الدين بإنكار ذلك الحكم قائلاً: إنه لا يجوز تبديل الأوقاف عن سنتها التي جعلت لها فأجابه نور الدين بالحجج المقتضية لبطلان تلك الأوقاف المؤسسة على غير ما كان عليه رسول الله، وبين بياناً شافياً، فلم يكن من العلامة ماجد إلا الاعتراض وأخذ يشنع عليهم، وأظهر التخطئة لهم، فخشي نور الدين أن تقع بذلك فرقة وتنتج المسألة ضرراً يؤول إلى تفرق كلمة
المسلمين.
له
وكان عظيم الشفقة في الإسلام كثير التحرز مما يؤدي إلى الاختلاف والتناقض، فشخص بنفسه إلى مناظرة الشيخ ليفهمه الحجة شفاهاً، ويوقفه على المحجة، لما رأى أن الرسائل من بعيد لم تغن شيئاً، بل كانت أقرب إلى التبعيد وإجلالاً للشيخ، وهو أحد شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، فكان من قضاء الله وقدره أنه لما وصل ومن معه من الأعيان إلى قرية بني صح عند غروب الشمس عزموا على المبيت بها، فتوجهوا إلى المحلة السفلى منها، فصدعه غصن شجرة أمبا معترصاً على الطريق، وهو على راحلته، ولم يبصره لكونه ضريراً، ولم ينبهه أصحابه لأمر أراده الله، فألقاه على ظهره واهي القوى، ولبث بها مريضاً إلى اليوم السادس والعشرين من شهر صفر لا يستطيع الحركة. وما زال في تلك الأيام يراجعه الشيخ ماجد فتكلم عنده فيما جاء له من الناس، فاعترضهم التلامذة والأعيان وطلبوا من نور الدين إرجاء الخوض في المسألة رجاء عافيته، ثم يتباحثان بعد فيما اختلفا فيه، فأجابهم نور الدين إني أخشى المعاجلة قبل أن يفهم الشيخ ما عندي فافترقا على أن الشيخ ماجد راجع عن تخطئته، وأن المسألة من مسائل الاجتهاد. وسنذكر تمام ذلك في ترجمة الشيخ ماجد.
ثم إنه طلب أن يحمل إلى نزوى فأمر الشيخ الحميري قومه بحمله على الأكتاف، فحمل إلى تنوف، وشق عليه الخروج منها. وجاء الإمام سالم لعيادته ليلة التاسع والعشرين من الشهر المذكور، وكان تلك الليلة في خفة من مرضه فرجع الإمام مسروراً
100 (1/100)
صفحة 101
بعافيته ثم تزايد به المرض، فتوفاه الله بعد العتمة من ليلة الخامس من شهر الأول ربيع من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف بعد ما ترك للجباه العاتية صيحة الحق وللقلوب الغلف نداء الواجب، وللضمائر الواعية طريق العمل وللهمم المتوانية شد العزيمة. فرحم الله تلك الأوصال وأوصلها إلى رضوانه وفسيح جناته وقبر ببلدة تنوف، تحت سفح الجبل الأخضر، بعد ما صلى عليه تلميذه الكبير أبو زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي، فأصيبت عمان بموته مصاباً عظيماً، أنساهم ما كان قبله من عظيم المصائب وجسيم النوائب، إذ كان ذلك في صدر الدولة وغبطة العمانيين بالظهور، وهو إذ ذاك عميدهم وقدوتهم في سياسة الدنيا والدين وما أشبه قضية وفاته بقضية سيبويه في محاورة الكسائي:
والغبن في العلم أشجي محنة علمت
وأعظم الناس شجواً عالم هضما
لما فتحت سمائل، وأقيم الحد على المعترفة بالزنا تنفس الصعداء. وقال: خشيت معاجلة الموت قبل اجتماع العمانيين على إمام يجمع الشمل ويقيم العدل. فلما تم ذلك خشيت الموت قبل أن يكون لهم مأوى يرجعون إليه ومركز يأوون فيه، ثم خشيت أن أموت قبل أن أشاهد الإمام يصلي الجمعة بالمسلمين، ثم خشيت أن أموت قبل أن أرى الإمام يقيم من الحدود الواجبة. أما الآن فقد كان ذلك كله، فالحمد لله على تمام النعمة. ثم تمثل بقول بن مقرب العيوني:
طبت يا موت فإن شئت فزر
ولم يزل يردد هذا الشطر في حال قيامه وقعوده حتى فارقت نفسه المطمئنة جسده الطاهر في تلك الأشهر من صدر الدولة؛ فإنه عاش في تسديدها بعد ظهورها ثمانية أشهر
وسبعة عشر يوماً.
وكان عمره ـ رضي الله عنه ـ ثمانياً وأربعين سنة، وأشهراً أنفقها في رضا الله وابتغاء
ما عنده.
كان ضريراً يحتاج إلى قائد يهديه السبيل فأصبح يهدي الشعب السبيل. كان لا جند له إلا التقوى وكفي بها، فأصبح يؤلف من الشعب جنداً.
101 (1/101)
صفحة 102
كان فقيراً لا مال له فأصبح يجر الجيوش الضخمة، ويبتز المعاقل من أيدي
الجبابرة والظلمة.
ما فقدناك هماما مفرداً
بل فقدنا الخير في كل محل
،
صفته - رضي الله عنه -: كان ربع القامة، تعلوه سمرة، ليس بالسمين المفرط، ولا بنحيف الجسم، مكفوف البصر نير البصيرة مدور، اللحية سبط الشعر به أثر جدري أصابه في بندر جدة على أثر عودته من حج بيت الله الحرام فعاقه عن زيارة قبر المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد أشرف في مرضه على الموت سمعته يقول: إنه رأى عزرائيل عليه السلام في مرضه ذلك مرتين فسأله هل جئت قابضاً أم زائراً؟ فأجاب: ما جئت إلا زائراً وقال: مسلماً.
وقد رثاه شعراء عصره بمراث طنانة. وحسبنا ما رثا به شاعر العرب أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي؛ فإنه لم يترك لقائل مقالاً، ولا لشاعر مجالاً، وقد
أبرزها قالب الطبع:
نكسي الأعلام يا خير الملل رزئ الإسلام بالخطب الجلل وانتشر يا دمع أجفان التقى قد أصيب العلم واغتيل العمل وانفطر يا قلب واستقص الأساً إن حبل الدين بالأمس انبتل أشعل البرق علينا جذوة فانطفا واتقدت فينا الشعل حمل البرق مصاباً فادحاً ليته أعياه حملا ما حمل يا رجال الدين هل جاءكم أن بدر الدين في الأرض أفل يا رجال الدين لاتهنا لكم فرصة إن مصاب الدهر حل يا رجال الدين لم ينزل بنا فادح أعظم مما قد نزل يا رجال الدين أهلا بالقضا غاض هذا البحر واندك الجبل يا رجال الدين ما هذا الأسا والأسى بالعقل والعقل ذهل يا رجال الدين ما حسن العزا عن فقيد في السما والأرض جل ربما أعقب فقد بدلا وفقيد العلم ماعنه بدل إن موتاً وحياة حتما قبل هذا الخلق في لوح الأزل ومتاع المرء من أيامه أمل يقطعه حد الأجل
102 (1/102)
صفحة 103
والتماثيل التي نهذي بها صور يخلقها سحر الأمل قد وعدنا بوصول المنتهى مبطئ منا ومن سار العجل كل ما نهفو إليه عبر لو فقهنا الشان أو ضرب المثل ما يريد الحتف من أرواحنا يتقاضاها بكوراً وأُصل إنها مستودعات أُقتت لا يزاد العمر شيئاً إن كمل يا لعمر ناصبته آفة تهدم المحيا وتزرى بالحيل بئس عمر حتم استرجاعه ريثما حل رأيناه قفل وحياة وعدث ريب الردى كيف يغتر عليها من عقل وهي في برهتها موبوءة حشوها ـ لو فكر المرء ـ العلل خلق العقل لدرك المنتهى فتناسي وتلاهى وغفل ليس من يجهل منا حاله لمحة تمضي وعيش يختزل إنما الشأن اغترار حاكم سلب الألباب واستدعي الأمل ونفوس راقها من سوئها رنق العيش وفي العيش الغيل هذه الدنيا وهذا أمرها تندف الأعمار ندفاً لم تزل كشفت عن قبحها في حسنها وأرتنا السم في ذاك العسل لم تغادرنا على مشتبه في التفاصيل ولا طي الجمل أيها العاقل لا تحفل بها سوف ترمي بك من رأس الجبل قد بلوناها ولكن سحرها يُنزل الأعصم من أعلى القلل هكذا تخبطنافتنتها بينما نأنس منها بالحيل كل مايحسن منها عطب وهو من لا شيء في القدر أقل أصدق الأنباء عن خستها يُسي ما ينقل عنها مفتعل لم تسالم جاهلا في غيه لا ولا عالمها الخبر الأجل كل حي أعيت الراقي فيها والحيل رقمت آياتها في عبر بقرون طعنتهم ودول لا تبالي بك في بطشتها كنت رب التاج أو كنت خوّل يا رجال العلم أودى قطبكم بل جميع العلم أودي والعمل فتكت بالسالمي المرتضى غارة شعواء ما عنها حول
السعته حُمَة
103 (1/103)
صفحة 104
فتكة أورثت الأرض البكا والسماوات وما فيها استقل فتكة لم يحم منها جيشه لا ولا دافعها وقع الأسل عجباً من نعشه تحمله فتية وهو على الكون اشتمل جمع العالم في حيزومه أترى العالم في القبر نزل يا ولي الله إذ ودعتنا فمن الآن عليه المتكل من يحل المشكلات المرتجى حيث لا ينفع من دَقٌ وجَلّ من يجلي ظلم الجهل ومن ينصر الدين اضطلاعاً للجلل من يهدي الخطب من فورته من يقيم الوزن من يشفي العلل من يقود الأرعن الجرار في نصرة الله من عزم الرسل من يدير الحرب عن رأي له سعة البحر إذا ضاق المحل من على المعروف أوقف نفسه وبه النكر تولى واضمحل من لبذل العدل والإحسان من يحمل الكل ومن يعطي النقل كُلها خلفتها ثاكلةً - يا عميد الدين - تبكي من كفل الله بأمر عجزت همم الأبطال عنه فاستقل خارقة جندها الرغب وأنواع الفشل
قمت
معجزة
فأتت
فدعاك
الله منه
دعوة
ليكافيك على هذا العمل
قمت في خدمته محتسباً آخذاً بالحق في أي محل درجات الخلد قد بلغتها وسمات المجد في الدهر مثل غير أنا في زمان حالك ضل فيه أغلب الناس وزل كنت فيه الشمس نوراً وهدى وارتفاعاً وانتفاعاً بل أجل كنت فيه خلفاً للمصطفى خير من قاد إلى الخير ودل كنت للتاس ربيباً وحياً كنت للأكوان غوثاً وبدل مجهداً للنفس في نشر الهدى خير من وفّي وأندى من بذل صابراً في مَنْشَط أو مَكْرَه ثابت العزم شديد المكتهل أحمس الصفحة مرهوب السطا باهر العزمة مأمون الزلل شاسع النظرة لا يقصرها زخرف الدنيا وجاه وخول راجح الإيمان معصوم الخطا قوله الفصل وإن قال فعل
104 (1/104)
صفحة 105
سائراً بالجد حتى نلته كل من سار على الدرب وصل في سبيل الله أنفقت العنا في مراد الله أنفقت العمل سبيل الله لم تحفل بها أسقتك الصاب أم كأس العسل في سبيل الله تدعو جاهداً لتقيم القسط أو تلقى الأجل في سبيل الله أجهدت القوى لم تبل إن جد خطب أو هزل رافعاً ألوية العلم إلى أن دنا كيوان عنها وزحل قاضياً للعلم حقاً واجباً خدمة الله وتقويم الميل الله حتى إنه لك من أهل السما الجند نزل ولقد يجدر من أهل السما نصرة القائم في خير النحل تلك بدر نزلوها مدداً وعلى بدر قياس يحتمل هم وجبريل على حيزومه بالتسابيح لهم فيها زجل نصروا الله بجيش المصطفى فانثني بالخزي أشياع هبل مدهش سر ظهرت فيها الكرامات الأول
ونصرت
وفتوحاتك
يا ولي الله إني نادب لك ما دار بكور وطفل طالما أملتُ أن يجمعني بك هذا الدهر فانسد الأمل لهف نفسي ما الذي أقعدني عنكم غير الذي أعيا الحيل كلما أزمعت ترحالا قضي لي بالتثبيط دهر مهتبل وإلى أين ارتحالي بعد ما أظلم الجو وأوحشت الطلل كنت أرجو نظرة في حالتي منك فالآن رجائي معتقل كنت في قيد شديد حله ضوعف اليوم بغل وكبل يا أبا شيبة من أرجولها حسبي الله إذن عز وجل يا أبا شيبة عزّ الملتقى وقطين الرمس مقطوع النقل يا أبا شيبة عزّت حيلة عن دفاع الموت أو وصل الأجل لو فرضنا أن ميتاً يفتدى لفدت روحي أدنى مبتذل غير أن الخلق فيه أسوة أجل يأتي على إثر أجل تقتضي الموت حياة حددت ولو استعلمت على برج الحمل يا فقيد الفضل عندي سل عن النار وعنه لا تسل
أسف
1.0 (1/105)
صفحة 106
ذهب الصبر ولو حاولته وجميل الصبر أحرى بالرجل ما نعاك الكون حتى نعيث هضبة الإسلام والكفر بجل ما حميد العيش من بعدك في هذه الدنيا وما معنى الجدل والبكاء المر لا يشفي الجوى لو طفقت الدهر استَمْرَا المقل كل فقد دخلت فيه عسى وهي في الموت محال كلعل ما فقدناك هماماً مفردا بل فقدنا الخير في كل محل
خالد
ما فقدناك وعرفانك في صفحات الكون ضوء يشتمل إن رب العلم حي ولو أن الذات بالموت انتقل ما تركت الكون حتى تركت خطة الحمد لك الحمد الجلل سيد العرفان دهري مأتم فيك ما أشرق نجم أو أفل أخرس الهول لساني في الرثا ولساني حده يفري الجبل ما هيئت العيش مذ فارقته وهنيئاً لك عيش لا يُثل ما هناء المؤمن الحق على صدعة الدين وما برد الغلل أنا لا أعلم رُزْعاً مُفجعاً كمصاب الدين أو نقص الكمل يُرفع العلم برفع العلما وارتفاع العلم هلك وخبل يا رمى الله يد الموت على أخذ عبد الله رمياً بالشلل ويلتاه استأثر الله به بقي العلم على ظهر أزل أمتنا به
أكرم
الله
برهة
دعاه ثم فرحل يالها من رحلة ما تركت خلفها من كرم إلا انتقل يالها من رحلة صحت بها غربة الإسلام في أزكى محل أمة الخير لكم حسن العزا إنها داهية بأم الغيل بعد عبد الله يبقى أمل للهدى هيهات قد شط الأمل خلها يا ابن حميد تلتوي فتنة عمياء كالليل المضل ليس يغني عنك فيها أحد طمست إذ ذهب النور السيل وهنيئاً لك بالفردوس في جيرة الله علي خير نزل إن عاماً نابك الحتف به عام سوء وبلاء فأتى تاريخه في حزن نكسي الأعلام يا خير الملل
ووجل
106 (1/106)
صفحة 107
المرثية الثانية لأبي مسلم أيضاً:
ريب المنون مقارض الأعمار وحياتنا تعدو إلى المضمار والنفس تلهو فوق تيار الردى ياليتها حذرت من التيار قرت على رنق وزخرف باطل مثل القرار علي شفيرهار ماذا يغر المرء من محياه في دنياه وهي قرارة الأكدار يتساقط المغرور في لهواتها تفريه بالأنياب والأظفار کشفت سرائرها ونادت جهرة بعيوبها في سائر الأعصار لم يبق شيء من شؤون صروفها في نحت أثلتنا على الإضمار نفقت تجارتها وما باعت على غرر ولا كذبت على التجار يتهافت العمار في هلكاتها فعل الفراش على لهيب النار نجري شهواتها سعياً على أنقاض ما هدمت من الأعمار نصبت حبالتها وأنذرت الردى وكأننا صم صم عن الإنذار صدعت بما جبلت عليه ولم تدع ذكرى ولا عظة وراء ستار شر الغرور سكون ذي بصر إلى عيش تمزقه يد الأخطار عبر تلوّنها الصروف وأنفس تفنى وآثار على آثار هل زاد عيشك ذرة عن هذه لو كنت في الدنيا على استبصار هلا اعتبرت وفي حياتك عبرة مما تصرفه يد المقدار لا تستمر لك السلامة لمحة وغوائل الأيام في استمرار ما بالنا نبكي الفقيد ونحن من حب الذي أرداه في استهتار شغف النفوس بما يراقبه الفنا أثر الهوى هزة الأوطار جسر المنون أمام وجهك عابر ولسوف تعبره مع الشفار شمر لتعبره مُخفّا سالماً من ثقل ما أوقرت من أوزار ليس العظات بما يقول مذكر مثل العظات بمصرع الأعمار كم للمنون - لو اعتبرنا ـ من يد في سلبها الأرواح بالتذكار ما الحزن الفتنا لمقصود الردي يغتال في الإيراد والإصدار أترى يجد البين فينا هازلاً ويريحنا بمصارع الأخيار كلا ولكن الحياة بهيمة تجري عليها مدية الجزار
107 (1/107)
صفحة 108
خلقت لما خلقت له من حكمة وتعود تتبع دعوة الجبار مزمومة نير القضاء يقودها مربوبة لمشيئة المختار كتب البقاء لنفسه مستأثراً بإماتة الأحياء والإنشار وإذا اعتبرت حياتك الدنيا تجد أن الحياة مظنة الأعذار مابين معركة وأخرى تبتغي أملا لباقية ذوو الأبصار لو كان يشترك البقاء لغادرت غيل المنية أنفس الأبرار يا صرعة الموت انتقرت خيارنا وتركت أمتنا بغير خيار ناهيك من إطفاء أنوار الهدى غشي الظلام وضل فيه الساري ناهيك من إعدام أحبار التقى فالدين لا يبقى بلا أحبار ناهيك من قعص الشراة فإنهم سور لدين المصطفى وسوار ناهيك من هَلْك الكرام فما بقي رسم الكرام ولا حماة الجار
ويلاه أوحشت الديار من الأولى كانوا خلائف ملة المختار أو كلما نجمت فضيلة سيد قدرتها وتراً من الأوتار أسرعت في الأغواث والأقطا ب والعلماء والأبدال والأخيار مهلاً فما أبقيت ثم بقية نزح القطين وجف روض الدار ما زلت تعتقرين كل أعزتي فالجو خاو والديار عوار أفقدتني شهب الفضائل كلهم ويلاه من شهبي ومن أقماري ويلاه أين سماؤها ونجومها وشموسها ذهبوا كأمس الجاري من كل أروع لوذعي كامل يهتز عرفا کالقنا الخطار عمد الديانة قطبها وقوامها سحب المكارم أبحر الأنوار تتلألأ الأكوان من عرفانهم كالشمس تملأ هيكل الأقطار أنضاهم التسبيح والترتيل والتهـ جيد بين جوانح الأسحار خُبْتُ إذا جن الظلام رأيتهم طاروا إلى الملكوت بالأسرار غر إذا سجد الظلام على الفضا سجدوا على الثفنات كالأحجار قطع النحيب صدورهم وكأنما وضعوا السحائب موضع الأشفار قربانهم أرواحهم ونعيمهم دأب على السبحات والأذكار حصروا الشريعة والحقيقة والمعا رف والكمال بأنفس الأطهار
108 (1/108)
صفحة 109
فهم غياث الكائنات وسرهم مدد النفوس ومنبع الأنوار الآجال من دار الفنا وتبوأوا سعداء عقبي الدار
نقلتهم سلكوا بمحياهم وبعد مماتهم إذ وفقوا بمسالك الأبرار درجوا وأصبحت العراص عقيبهم من فقدهم مغبرة الآثار يا موت أفنيت الأعزة فاقتصد إن كنت ترحم غيرة الأحرار بأولئك الأبرار كنتُ معززاً بأولئك الأبرار كنت أباري وَزَرِي إذا ضاق الخناق لحادث وهم إذا انطمس الطريق مناري يا موت وقعك فيهم سلب الهنا وأقامني للنوح والتذكار ترك الحمام النوح إذ ناوحته واستبردت كبدي لهيب النار لم أسلهم حتى رزئت بصدعة أخذت بقية سالف الأكدار أخذت بكظم الدين وانتحت السما فبكت لها بالمدمع المدرار واستأثرت بقلوب حزب محمد الله فجعة ذاك الاستثثار ما الهول في يوم النشور أشد من هول النعي بسيد الأبرار العالم القطب المجدد عمدة العلـ ماء طرا كعبة الأسرار ليث المعارك مربع الفضل الذي رفع المنار ولات حين منار غوث البسيطة معلم الدنيا أبي الضيم مولانا عزيز الجار حامي حمى الإسلام حجته معز الدين سيف الملة البتار بحر المعارف والكمال مسدد الأعمال في الإقبال والإصدار السالمي أبي محمد المنيف الذكر طود المجد بدر الساري مهلا همام الاستقامة ما الذي غادرت من هول ومن إذعار تمضي وترسلها العراك مَرُوعة والليل داج والذئاب ضواري قومتها فتقومت فهجرتها يا هجرة طالت على الشفار ارجع إليها حيث قل حماتها ارجع - فديتك ـ يا غريب الدار ارجع إلى الإسلام تمم نصره (فالعز تحت عمائم الأنصار) ارجع فإن الاستقامة أرملت ارحم يتيمك وهو دين الباري ارجع تشاهد كيف دمع السيف والـ مسال والأقلام والأسفار ارجع وما طمعي بأنك مشتر بجوار ربك جيرة الأشرار
109 (1/109)
صفحة 110
أدعوك للجُلّي وأنت عظيمها عهدي وأنت لها شديد الغار أدعوك للأمر الذي تدعى له شيم الرجال وهمة الأحرار أدعوك للخطب الذي أعيا على رأي الفحول وأنفذ الأنظار أدعوك إذا فرغت يدي من كل من يرجى لنائبة وحفظ ذمار أدعوك إن كنت السميع لدعوتي لخطابة التبشير والإنذار أدعوك للحرب العوان وكنت في لهواتها تكفي كفاء الغار أدعوك للقرآن تكشف سره وتبين منه غوامض الأسرار أدعوك للسنن المنيرة إنها افتقرت مقاصدها إلى الأبصار أدعوك للإجماع والأحكام والأديان والتذكير والتذكار هيهات يا أسفاه لا رجعى وقد جثمت عليك صفائح الأحجار يَسْلُون بالآثار بعد صحابها ومثار حزني فيك بالآثار يا طلعة الشمس استري عنا الضيا وخذي الحداد مشارق الأنوار سقران إن هَديا لرشد أرشدا من فجعتي قلبي لغير وقار كنت النصير وكان لي صبر الحصى فأصبت في صبري وفي أنصاري أقدرت لي جلداً يقاوم نكبتي فاليوم لا جلدي ولا إقداري ناهيك من جلدي يقيني بالرضا والسخط في أن المقدر جاري وبأن هذا المرء عرضة طارق الحدثان تحت مخالب الأقدار ما غاض من دمعي رأيت عديله من طرف داجية وطرف نهار لم تصغ نادية لندبة جارها هي تستعد لندبة في الدار سوّل لنفسك أن تعيش معمّراً لكنه أمَدٌ إلى مضمار تلك المصائب مدركات صيدها سيان في قر وفي استقرار أمعنت في هذي الصروف بصيرتي وسبرتُ ما تقضيه بالمسبار فرأيت برد العيش إحسان العزا والاطمئنانة تحت حكم الباري يا من أذاب الصخر حر مصابه من ذا تركت لدولة الأحرار وزعت بين الدين والوطن الأسى توزيعك الطاعات في الأطوار ودعوت في الإسلام دعوة مخلص ثابت إليك بها ذوو الأبصار ثابت إليك عصائب وهبية من أشد ذي يمن وأسد نزار
110 (1/110)
صفحة 111
عشقوا المنايا واستماتوا في الهدى من قبل صفين ويوم الدار حنيت ضلوعهم على جمر الغضا من حب ربهم وخوف النار غضبوا لربهم فشدوا شدة متكاتفين على هدى عمار ملأ اليقين صدورهم واستصغروا عند اليقين عظائم الأخطار لعزائم الإيمان فيهم وازع ديناً ودنيا عن لزوم العار باعوا لمرضاة الإله نفوسهم أريخ ببيعتهم ونعم الشاري ورضوا لأعباء الخلافة كفاها سبط النجاد موفق الأنظار فلك الجلالة والنبالة والتقى يبدي المحيا من ضياء نهار ورث المهنا وابن كعب وارثا والصلت من أجداده الأطهار أخذ الإمامة كابراً عن كابر أخذ الثمار جواهر الأشجار عرفته عاهنها ومفرق تاجها ولطالما لعبت من الإنكار عادت به فأعادها وأقامها عُمرية الميزان والمعيار رَقَبَتْه حتى أمكنتها نظرة أزلية من نجمه السيار فاقتادها عزماً وحزماً آتيا بمعاجز طمست عن الأفكار زهراء بين السالمي وسالم نشأت وبين حماتها الأخيار لم تُوفِ حق الشكر حتى استرجعت صبراً بفقد الصابر الشكار صبراً إمام المسلمين فإنه حكم على كل البرية جاري صبراً فعنك الصبر والتأساء يؤخذ بل وكل فضائل الأحرار ما دامت الدنيا على أحد ولا دامت على السراء والأضرار عارية هذي النفوس ولازم أن يسترد العدل كل معار ومواهب الأيام عرض كلها إذ سوف تنزعها بغير خيار ولبئس عيش ريثما استحليته كرت عليه غارة الأغيار لا يستقر له اللبيب لأنه وقفت شَعُوبُ له بباب الدار رأت البصائر ما يعاقب عيشنا فالرأي أن نحيا على استبصار يا شعر أجمل في الرثاء فإن لي قلباً من الأحزان كالأعشار هل زاد في الخنساء إلا كربها شعر تردده وليس صدار يا صبر إن قر الأحبة في الثرى فأثبت لدي ولا تَمَل قرار
111 (1/111)
صفحة 112
حم
لا خل إلا الصبر بعد فراقهم إن لم يُزِله زايلُ الأقدار الإله أحبةً غادرتهم ولزمت صحبة دهري الغدار ما كان في أملي التخلف بعدهم والعيش في الأشجان والتذكار لكنه الحدثان يطلب وقته ومنية تأتي على مقدار عرجوا عن الدنيا وأعرج في الهوى شتان بين قرارهم وقراري تبكيهم الحسنى إلى من أحسنوا ويضاحكون الحور في الأحبار آليت لا أنفك أندب إثرهم ما دام تذرف أعين الأحجار آسى وأجرح ما تكن جوانحي بنوازع الأحزان والأصبار مددي بهم وشفاء قلبي ذكرهم وبحبهم يطفي لهيب أواري بحياتهم ومماتهم أسرارهم توحي مواهبها إلى أسراري درجوا وجاء السالمي عقيبهم يُحيي الرسوم بسيبه المدرار حتى تدافعت الرياض نضارة بالسنة الزهراء لا الأزهار ختم المصير له إلى دار البقا ولنعم دار بدلت. من دار حيا الإله ضريحه بالروح والر يحان في الآصال والأبكار يا عام أزهقت النفوس لفقده وأطزت روح الدين أي مطار يا عام لا يَبْعَد فقيد الدين طلاع الثنايا مقعد الإكبار حزن على حزن وهول مدهش يمضي المدى والغم في تكرار يا عام لا عادت لبطشك عودة كافيك منها بطشة الجبار إرحم عيال الله قد حَزَبَتْهُمُ أخطارُ مَلتْهُمُ على أخطار يا عام أزهقت الديانة خطة کالنار ذات ذوائب وشرار أطفات أزهر كوكب ملأ الفضا ضوءاً وجئت بظلمة الأكدار ختمت له الحسنى ووافي ربه متقبلا لمزية الأطهار عن الدنيا خميصاً بطنه منها سوى أخذ بسهم الباري يا من أجاب الدعوتين لربه لم لا تلبي دعوتي وجواري لمعاهد الإسلام بعدك رنة وعهود فضلك كالنجوم سواري قدست من غوث وقدس مشهداً غبطته فيك عوالم الأنوار شط المزار مع الحياة وويلتا بعد الممات متى يكون مزاري
عفا
112 (1/112)
صفحة 113
ومن السعادة أن أمرغ جبهتي بعبير تلك التربة المعطار يا وافد الرحمن أي كرامة لقيت في عدن وأي جوار بمنازل الشهداء ترتع آمناً من ذا رضيت لخوفنا الكرار حلقت للطاعات خفة طائر فحللت مسرح جعفر الطيار بعت الحياة فنلت أربح بيعة لكنها رجعت لنا بخسار الله ما سنة لك البشرى بها ولنا بها كالنار في إعصار تاريخها ما طال ما لَحِبَ الردى للصبر أحرى يا أولي الأبصار
113
نهضة الأعيان - م 8 (1/113)
صفحة 114
أسباب النهضة العمانية
لا يزال الصراع بين الملكية، والإمامة فالملكية تحب السيطرة والعلو والاستبداد، والإمامة مُشرَبة بروح النظم الشرعية التي يجري عليها الأئمة، وهي الحكومة المبنية على الشورى، وانتخاب الإمام العدل والعمل بالشريعة.
قام العلماء وأهل البصيرة يقدمون النصائح العلمية والعملية إلى السلطان فيصل، ويطلبون منه إجراء الأحكام الشرعية، ويرغبونه في إظهار العدل، ونشر الأمان والاطمئنان، وأن العدل هو زمام القهر وأساس الملك ويحذورنه غوائل الاستعمار، ويسألونه العدول عن معاهدة بريطانيا والكف عن الفتن التي أيقظها بين العمانيين، والتأخر عن إغراء بعضهم على بعض، وإنفاقه الأموال في ذلك أخذاً بقول القائل: (فرق تسد) فلما لم يجدوا بغيتهم منه وأعارهم أذناً صماء، وأيقنوا عدم موافقته لهم خرج نور الدين إلى حج بيت الله الحرام فنزل على ضيافة السلطان في سنة 1323، وبعد رجوعه من سفره اجتمع به ثانية، فطلب منه الخلوة ليقطع عذره، ويقيم الحجة عليه، فكلمه في جمع العمانيين تحت راية واحدة وأبدى له ثمرة الاجتماع وما يخشى من التفرق، وأوضح له حال العمانيين وما وقع بسببه من الشعابث والفتن المؤدية إلى الضرر بالوطن، فاعتذر بأعذار لم يسوغها نور الدين له، ولم يقبلها منه، ثم ألح عليه فأعرض عنه وقال: إنكم إذا حصل لكم ذلك يقول عمي: نريد غيره وأراد بعمه عبد العزيز بن سعيد، ومعناه أنكم إذا اجتمعتم على هذا الحال تقولون: لا نريدك بل نريد عمك وأنشد السلطان بعد خروجهما من الخلوة تهكماً لمطلبه:
نحاول ملكاً أو نموت فنُعْذَرا
فلم يثنه ذلك عنه وكرر إليه النصائح الدينية، والمراشد القرآنية، وما زال يحثه على اتباع أوامر السنة النبوية، ويناشده الله في الوطن والرعية، والسلطان يلطف له الجواب، ولا يقبل منه الخطاب. فلما ثقل عليه تكرار نصائحه دس إليه الدسائس الخفية، عادة الملوك إذا عاكستهم الرعية وما زال ذوو السلطان يصدر عنهم الجبروت،
كما هي (1/114)
صفحة 115
فلا يحبون أن يكون لأحد من رعيتهم فوق كلمتهم فيتجهمون لمن يبدي لهم نصيحة أو يعرفهم واجباً فيحاربونهم لقصد إذلالهم وحط درجتهم ومن كان يريد الله واليوم الآخر فلا يضره شيء من ذلك.
حركة رئيس النهضة العمانية
كان سيدي الوالد نور الدين بجوار الشيخ عيسى بن صالح، وكان يرجو منه القيام بالحق والتصلب على الجبابرة والبغاة، لما كان عليه أبوه الوالي صالح بن علي، والأمير يعتذر له ولا يساعفه، فهو يخشى أن يتقدم في هذا الأمر، فيخذله الناس ويسلموه إلى عدوه. وكان من رأي نور الدين أن يكون الشيخ عيسى رأساً في الأمر، وأن تكون الناس تبعاً له، فلم يقدر الله ذلك. فلما ثقل اعتذاره عليه عزم نور الدين أن يخرج إلى حج بيت الله الحرام، وكان قد حجة الفريضة، وله أمل أن حج يجتمع بعلماء أصحابنا من أهل المغرب بمكة زادها الله شرفاً وتكريماً، فيصحبهم لزيارة الإمام القطب محمد بن يوسف، ليكشف له حقيقة مطلبه ويستعين منه ومن أهل المذهب الذين بالمغرب، بما يجده عندهم من مال وجاه أو فائدة يرجو بها نجاح مطلبه العزيز. وقد كتب قبل ذلك للقطب، فرحب بزيارته ولأهل المغرب ميل عظيم إلى محبته وقبول مراشده فطمع بذلك أن يتسنى له مراده، مع أن في السفر ترويحاً للنفس وتجميماً لها مما يعانيه من مقاساة تلك المطالب الجسيمة الصعبة، وكتم ما عزم عليه من النية إلا على من انتخبه لمصاحبته، فوعدهم في السابع من شوال سنة 1329 أن يوافوه بمطرح.
فلما كان يوم عيد الفطر، وصلوا صلاة العيد وانتهت الخطبة، قام نور الدين وارتجل خطبة بليغة: حاصلها: أنه يطلب من إخوانه والشيخ عيسى أن لا يمنعوه الخروج إلى الموسم، وأن لا يتعرضوا له وأقسم عليهم، وألخ إلحاحاً كبيراً، فأجابه الكل: أنهم لا يرضون خروجه وأن قيامه بين ظهرانيهم لنشر المعارف الإسلامية أفضل من حج النافلة، وأبى إلا التصميم على عزمه واستشهد في خطبته بهذا البيت:
وإن ساءكم يوماً مسيري فإنه يسركم يوم الرجوع إيابي فانفض الجمع على غير جزم بمسير أو منع كلي. فلما رجع كل إلى وكره دخل الشيخ عيسى على نور الدين في بيته وتلطف به وأقسم عليه في العدول عن مطلبه وأظهر له من الشفقة والحاجة العامة إلى قيامه بينهم وأخيراً قال له: إن خرجت من
110 (1/115)
صفحة 116
عمان، فسأخرج منها على أثرك، ولا أقعد بها بعدك فثنى كلامه من عزمه وبعد أشهر عزم أن يخرج مهاجراً فيجس نبض العمانيين، هل فيهم من يؤيد قصده، ويعينه على مراده فكانت له رحلات كثيرة عرض فيها دعايته على من يرجو منه الوفاء والوفاق، فنتجت البركة رحلته الأخيرة في شوال سنة 1330 لما خرج إلى داخلية عمان لزيارة الشيخ حمير بن ناصر النبهاني أمير الجبل الأخضر رئيس بني ريام ومن تابعهم، ومشايخ هناءة أولاد هلال بن زاهر وكانوا مُطاعين في قومهم، وقد شدد السلطان الوطأة بني عليهم، وضيق المسالك، فهم يودون لو يجدون الظهر فيستندوا إليه والمساعد فيقووا به، لما يرون من الاضطهاد فلما اجتمع بالشيخ حمير النبهاني كلمه فيما يخفيه عن نفسه، فصادف السهم مرماه والسيل، مجراه فأجابه بلا تلعثم ولا توان، بما يثلج الصدر، وينعش القلب، وسأله الشيخ الحميري عن مسائل دينية، فأجابه نور الدين عليها، فأظهر التنصل والتوبة وشرع في الخلاص من الظالم.
وبعد
أن انتهى حق الزيارة رجع إلى وطنه، وأنشده تلميذه الشيخ القاضي
سعود بن حميد قصيدة يهنئه بالقدوم والظفر منها قوله:
فرح الورى بطلوع كوكب سعدکا وفدت نفوسهم النفيسة نفسكا واستبشرت بكم البسيطة كلها فتزينت وتزخرفت لقدومكا هذا هو السفر الوحيد وذا هو العيش الحميد فغظ به أعداءكا وبعد الاستراحة من السفر، عرض الأمير عيسى ما اتفق له من المصالح التي يأملها، وحصوله على نجاح بغيته في سمره هذا، وأنه خرج على موعد سري مع زملائه، تقرر أن يجتمع فيه العلماء والفضلاء من كل ناحية بتنوف في يوم عام 1331.
جمع
12
من ربيع
الآخر من
وفي أول شهر ربيع الآخر من العام نفسه، الأمير عيسى أعيان جماعته الحارث منهم: المشايخ حمدون بن حميد وحمد بن حميد، وسالم بن عمير المعمري، ومحسن بن عامر الخنجري وسعيد بن مسعود البرواني، وفيهم سيف بن بشير الحبسي، وهو صديق حميم لنور الدين فوفدوا إليه ببلدة الظاهر، واجتمعوا إليه مطبقين على تفنيد رأيه وعزله عن قصده وأنهم يحاذرون عليه أن لا يحصل على وفاء من المشايخ الذين تكفلوا بمعاضدته، وربما أنه يكون لهم غرض شخصي أن يسلموه
116 (1/116)
صفحة 117
لسلطنة، مسقط، وأن هذا الوقت غير صالح لبث هذه الدعاية ولعدم توافر الأسباب،
ولأمور يروها وقد جربوها، فلما أضجروه سكت سكوت إبهام وفي نفسه ما فيها. وبعد ذلك أرسل لزميله شيخنا العلامة المالكي رحمه الله والشيخ عامر بن سيف الحجري الزاهد، فقص عليهما القصص واستشارهما قائلاً: لعلي عاشق لأمري فأفتياني وأصدقاني رأيكما، فأيداه وثبتاه فقوي عزمه، واتفق مع زميله أبي مالك أن يوافيه ببلدان الحبوس وأن يكتم كل أمره.
دعاية رئيس النهضة العمانية
إن الدعاية بين الأمم ترافقها العناية إلى أن تبلغ ما تشاؤه الهمم، وتثبت في القلوب اليقين، وتؤجج في النفس العزة، وتزين أمام العيون القصد، وتقرب من الرجاء الفوز. في كل أمة أفراد خلقهم الله لينبهوا من حولهم من غفلتهم، ويرشدوهم بعلم وحكمة وخلق، ولقد كان سيدي نور الدين من هذه الصفوة المختارة بث رحمه الله الدعاية في هذا القطر، وتكرم عن فتنة أهل العصر، وتوجه إلى خير بلغ كلفه به خير مبلغ، فكان لا يألو فيه جهداً، ولا يرى منه بدا، وصار يشعر بلذة لا يحظى بها من هم على لهوهم عاكفون وبباطلهم لاهون ضرب أكباد الإبل وصرخ في العمانيين أن الاستقلال والحرية لا تنالان بالمنى ولا تبنيان إلا بالجماجم وأجساد القتلى، ولا تجلبان إلا بالدموع والدماء، وأن الخوف هو لعنة الحياة، وأن الشك في الانتصار هو الهزيمة العابسة. واسمع إلى قوله في بعض أصواته:
،
المجد يُدرَك بالقنا الحساس في كف مقدام شديد الباس يرمـي به بحر العدو فلا نرى إلا الكمي يخر بين الناس وبقاضب عضب أذا حكمته في قسمة الشجعان والأفراس أيقنت أن السيف عدل في القضا وبه أساس الدين أي أساس وإذا تضايقت الأمور رأيته خلال مشكلها بلا إلباس لا مجد إلا إن شحذت حدوده في جثة الباغين والأنجاس قضت المعالي بالبعاد عن الذي تخطي مضاربه عظام الرأس ما أبعد المجد الشريف مناه عن منزل العُجاز والأنكاس لا تحسبن سلامة موجودة إن لم تكن في قطع رأس الآسي
117 (1/117)
صفحة 118
إن العدو لعلة إن لم تدا و أملكت والسيف فهو الآسي لم أجد للعلا طريقاً قريباً مثل طعن اللَّهَى وجَزُ الغَلاصم فأشيع الوحش من لحوم الأعادي وارو من دمهم ظما كل هائم واطلب المجد بالمهند إذ في ه لباغي العلا العلا والمكارم وامض في الأمر إن أردت فلاحاً عازماً فالفلاح عند العزائم والبس الحزم في الشجاعة واعلم أنه لا يضيع في المجد حازم وإذا لم يكن لك المجد مسعى ومقاماً فأنت مثل البهائم قد تفکرت في عواقب أمري فرأيت النجا ارتكاب العظائم كيف يرجو الحسان في الخُلد قوم ألفوا الذل بين عيد نواعم قل لأهل الهوى عن المجد بعدا وعن الفوز بالحسان النواعم أنا عبد أحرض الناس والله تعالى أرجو لحسن الخواتم أسعد الأقوام في الحرب البطل الذي لم يدر أصلا ما الفشل وأعز الناس من ليس يرى مكسباً غير المعالي بالأسل أسلو والعلا تطلبنا حقها والسيف سيف لم يُسَلْ أم رقاد والهدى قد طمست أثره من بيننا أيدي السفل أم قعود والمعاصي ظهرت وأُهَيْلُ الدين كُل في وجل أم خمول والورى قد أحدثت بدعاً خالفت الشرع الأجل ليت شعري هل أنا مدرك ما رُمْتُه يوماً فأطفي ذي الشغل
هو المجد فاطلبه وإن عز طالبه وجد وإن ضاقت عليك مذاهبة وسارع إلى تشييد أركانه فلا قرار لنا والعدل هدّت جوانبه ومن تحت ظل السيف فالتمس البقا إذا حكمته في المعادي مضاربه وإن لقا الإخوان في الحرب زينة الكَمِي إذا ما النكس جلت ماربه وأنت إذا فكرت أيقنت أنه يخوض المنايا ويدرك العز خاطبه ألا فاتخذ أعلى الأمور شهامة وخلف حليف العجز مع ما يراقبه وإن فتى لم يطلب المجد عُمره فقد خسر المسعى وضلت مطالبه فهل مبلغ عني بني المجد أنني على العهد لا أنفك عما أطالبه
118 (1/118)
صفحة 119
وإن صوبت نحوي الليالي سهامها ودَق عظامي من زماني نوائبه ما هو إلا صوت القدر يجلجل فيهدي الراكب إذا ضل والحادي إذا تنكب فاستهوى - رحمه الله ـ بأصواته عقول العاملين واسترق - رضي الله عنه ـ بأخلاقه قلوب
الشامخين.
فر - رحمه الله من ظلمة غشيت الناس إلى حيث يلقى السكينة، والفرار إلى الله
مشكور والخروج في سبيل الحق مبرور.
هاجر - عفا الله عنه ـ من وطنه ليخرج الناس من ليل دامس إلى نهار وضاء، ليظهر فيه الحق، وتزداد الأبصار حدة والبصائر قوة.
ففاز ـ أسعده الله في الدارين ـ بما يرومه من نفخ الروح في هذا القطر، فانتعشت قواه، وهبت ريحه، وأضاءت مصابيحه فأُشربت القلوب حب الحق، فهبوا يدافعون عنه. وهل شيء أبقى أثراً من إنسان يخلف إنساناً، فيعمر الأرض بالقسط، ويكون أهلاً لخلافة
الله.
لا يصلح الناسُ فوضى لا سَراةَ لهم ولا سراة إذا جُهَّالهم سادوا فثابت إليه عصابة من كبار الفقهاء والعلماء، يقدمهم ذلك العلامة الجليل: أبو مالك عامر بن خميس بن سعود الذي هو من بني مالك سيد فطاحل عمان، رضي الله عنه وأرضاه.
لبي دعوة الرئيس المعظم الزعيم المقدم حمير بن ناصر بن سيف النبهاني، أحد ملوك عمان، تسلل إليه الملك من آبائة الكرام الأمجاد الذين وطنوا البلاد، وملكوا السهل والحَزْن، ملوك حمير ملوك اليمن.
أبقى له السؤدَدَ الأعلى كواهله ظَفّر سليمان وكهلان هود عرار فلاح محسن ملکوا فنبهوا الملك حينا وهو نعسان أجاب نداءه السادة العباهل بنو هناة أولاد الشيخ هلال بن زاهر:
بنو هناءة ما دينوا وكم دانوا
إنها لشيمة رجالنا الأحرار إذا رأوا الدين كاد أن ينهار ما أعظم تلك العصابة الذين أشربت قلوبهم الطمأنينة بوعد الله إن الله ناصر من ينصره. وكان حقا علينا نصر المؤمنين أحبوا الحق فهبوا يدافعون عنه، هادين من زاغ عن المنهج، رادين من أدبر
119 (1/119)
صفحة 120
•
عنه، لا يأملون ثواباً، ولا يخشون عقاباً، يقاتلون الله، يؤنبون في سبيل الله. تغلغل في قلوبهم الإيمان وخالط دماءهم وجرى في عروقهم علموا أن الإسلام دين الرحمة، ودين النور، فيه نعيم الآخرة، وفيه تهذيب النفس، وصقل الروح. وإلى ذلك أشار العلامة شاعر العرب أبو مسلم في نونيته حيث يقول:
آيات
وإيذان
أمنية رَقَبَ الإسلام طلعتها أباحها الله لم يُضرب لها آن وللأماني أوقات إذا قدرت وللأماني تمنعت في خدور الغيب آونة ثم انجلت فانجلي عدل وإحسان ما ساورتها صروف الدهر إذ نجمت وما لرد مراد الله إمكان وحكمة الله في التدبير قاهرة وقائد العقل في المقدار حيران يقضي بما شاء والأسباب جامدة ويحكم الأمر والأفكار عميان يختص من شاء بالرُّحْمى ويصرفها عمن يشاء وفي الحكمين رحمن إن الذي يتعاطاه الذكاء لدى حكم المقادير تخمين وبهتان ما حيلة الظن والأوهام في قدر إلا قصور وعجز ثم إذعان لا بد أن تربط الأفهام وحدته ولو تطاول تقريب وإمعان خذ ما أتاك وسلمها لخالقها فالشأن لا غير للأكوان ديان انظر إلى دولة أعيت معاجزها رأي العقول ففيها ثم برهان أرادها الله فاحتلت مناصبها والعقل في نصب والكون أشجان بأسهم الله ترمي من يقاومها ولا يقوم لسيف الحق بطلان إلى آخره. وهو كلام قد أخذ بمجامع البلاغة، فهو يعرض بهذا التأنيب الدقيق إلى ما وقع بين العلامة نور الدين وجماعة من إخوانه العمانيين، لما استنهضهم لهذا الأمر فلم يطاوعوه واستشارهم فلم يوافقوه لما يحاذرونه، ولما يرونه من الآراء العقلية بأن الأمر جلل وأنهم أهل تجربة. ونور الدين في كل ذلك يأبى إلا السعي في إنقاذ الوطن من مخالب الاستعمار وتمزيق راية الاستبداد والاجتهاد في كل ما يعز الإسلام، لما انتهكت محارمه وأضيعت، شعائره مقتدياً بالخلفاء الراشدين، والقواد الصالحين، الذين جروا على الخطط التي وضعها صاحب الشريعة الإسلامية، فوفقوا في جميع أعمالهم، ونشروا راية الإسلام أينما حلوا لا مستعمرين بل منصفين معلمين، أخذوا دروس القيادة عن قائدهم النبي الأمي محمد بن عبد الله، فتبعهم السلف
120 (1/120)
صفحة 121
الصالح، المأثور عنهم: نقيم الحق بالغداة ولو غليت لحومنا بالمراجل في العشي،
ولسان الحال يردد قول أبي مسلم
سياسة الله في القرآن كافية وما يزيد على القرآن نقصان
خروج رئيس النهضة
إلى ذلك يشير شاعر العرب أبو مسلم في نونيته حيث يقول:
يا ناقل العيس من عليا بدية حيث اليحمد الحائزون المجد قُطَّانُ خلف وراءك عزا والمضيرب والدريز والقابل الراسي بها الشان وخل أبراء أعلاها وأسفلها حيث القطين ملوك الناس قحطان وخذ بأوجها عن ساحتي سَمَدٍ مياسر الفتح حيث الحي كهلان ودع وراءك - إن غربت - أخشبة تجري المجرة فيها وهي سدران ويا من الدوح والخضراء إمنتحيا أفناء حليفين حيث السوح جرنان واعمد إلى الجوف واستظهر أسافلها أرض لعامر أهل الفضل أوطان إن هذه الأمكنة التي ذكرها أبو مسلم هي الطريق التي سلكها رئيس النهضة، وسنذكرها لك مفصلة.
في اليوم السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 1331 هـ إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف خرج سيدي نور الدين من بيته بالظاهر من الشرقية، وأقام بقية الشهر ببيته الذي بالقابل، ثم خرج منه في اليوم الثاني من شهر جمادى الثانية فقال بفلج مسعود ذلك اليوم، وفي صحبته الشيخ سالم بن راشد الخروصي والشيخ عبد الله بن راشد الهاشمي، وحمود بن ناصر المعولي وسالم بن ناصر الحبيشي، وابنه محمد شيبة. ثم راح عصر ذلك اليوم من فلج مسعود، فكان مبيته في المكان المعروف (أبو ظلما) وقال في اليوم الثالث يقابل آل بوسعيد فاجتمع فيها بأحد أصدقائه من الأعراب حمد بن البليدي القناص الجحافي، فأسر إليه أن يأتيه بإبل تحمله إلى تنوف دار هجرته، وأن يلاقيه بها في بلدة الأخشبة العزور فخرج حمد لإحضار الإبل، وتوجه نور الدين إلى المضيبي، وقد سبق وعد بينه والعلامة أبو مالك عامر بن خميس، الذي هو من بني مالك، فوافاه بالشارق وهي بلدة من أعمال المضيبي وبها وافاه صاحبه الخصوصي،
121 (1/121)
صفحة 122
أبو هشمة سعيد بن عبد الله الهاشمي، وهو رسوله السري، ومن المساعدين له على غرضه، وجاسوسه المنتخب، ثم خرجوا جميعاً غرة اليوم السادس من الشهر المذكور، فقالوا ببلد الأخشبة. وفي ذلك اليوم أتاهم حمد القناص بالركاب فكان جملة من اجتمع في رفقته ثلاثة عشر رجلا:
مالك.
1 - زعيم الإمة العمانية، وهو رئيسهم عبد الله بن حميد السالمي.
2 - الشيخ سالم بن راشد بن سليمان الخروصي الذي عقدت عليه الإمامة. 3 - شيخنا العلامة الجليل أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود، الذي هو من بني
4 - الشيخ العلامة عبد الله بن راشد بن صالح.
ه - الشيخ العالم عامر بن علي بن راشد الشيداني الحبسي.
6 - الشيخ العارف حمدي بن مسلم بن عبيد الحجري. 7 - الشيخ الفقيه حمود بن ناصر المعولي.
- الشيخ الورع سالم بن ناصر الحبيشي.
9 - سعيد بن عبد الله بن خادم الهاشمي. 10 - حمد بن البليدي القناص الجحافي الوهيبي. 11 ـ سيف بن حميد، ولد الصويغ الهاشمي. 12 - خادمه خويطر بن، زايد مولى الجحاحيف.
13 - أعرابي طناف الركاب، لا يحضرني اسمه.
14 - محمد شيبة بن نور الدين السالمي.
عددهم عدد حروف النور عدد ما ناف على المائة من السور، خرجوا فرادي مستخفين، يتسللون تسلل القطا خوف أن يشعر بهم الظلمة؛ فإنه شاع في الناس اعتراض الأمير عيسى لنور الدين أن يعدل عن هذا الطلب فخرج مستخفياً، وأسر إلى إخوانه المذكورين أن يجتمعوا ببلدة الأخشية فوافوه بها، وقبيل الفجر خرجوا منها، فقالوا يوم
122 (1/122)
صفحة 123
السابع من الشهر المذكور ببلد العاقل من بلدان العوامر من أرض الجوف، وراحوا منها بعد العصر، فعرسوا بزكيت بلدة صغيرة سهيل أزكى ومنذ وصل العاقل أرسل إلى تلميذه الكبير أبي زيد عبد الله بن محمد الريامي الأزكوي وكان يسكن أزكى أن يوافيه بمن عنده من الأعلام والمطاوعة.
وفي غرة اليوم الثامن خرج من زكيت وقال بالبركة فوافاه أبو زيد عصر ذلك اليوم، وعنده من الشراة ستون رجلاً، كلهم شار بائع نفسه الله. وأنشد أمير الشراة الشيخ محمد سالم الرقيشي قصيدة منها هذان البيتان:
وكم جمل قد راعني بهديره فلما تهادرت أهدأت شقاشقه على أنني السيف الذي إن سللته على الدهر ما دارت عليك بوائقه
كانت ضيافتهم واجتماعهم ببلد، البركة عند الشيخ حمدان بن سليمان النبهاني ابن عم الشيخ حمير. وقد علم الشيخ حمدان ما عندهم وما يحاوله نور الدين خرجوا من البركة قبيل الفجر مشاة وركباناً ليلة تاسع، وقد أرسلوا أمامهم رهطاً من ريام، يرصدون لهم عقبة الرحبة، خوفاً من عمال السلطان الذين بنزوى، فصلّوا الغداة تحتها، وأصبحوا فوقها، ونزلوا ظهيرة ذلك اليوم، فقالوا ببلدة (كَمَة) من بلدان بني ريام بسفح الجبل الأخضر، وقبيل المغرب خرجوا منها، وباتوا ليلة عاشر شرقي تنوف، عند بئر تسمى الطليعة، فأصبحوا أول النهار بتنوف.
اجتماع أعيان النهضة
بتنوف وتشاورهم فيمن يقدمونه إماماً)
هاجر مشايخ العلم من أوطانهم إلى تنوف عاصمة الشيخ حمير، يعرضون عليه أمرهم، ويسألونه، نصرتهم، لما خذلهم القادر، واستخف بهم الجاهل، واستهزأ بهم السفيه، ولا بدع فقد هاجر من هو خير منهم، فآواهم الهزبر الضاري، وأكرم مثواهم، فأعلنوا دعوتهم، ونشروا رايتهم وعاضده على ذلك مشايخ بني هناة أولاد الشيخ هلال بن زاهر، فاجتمعوا بتنوف ضحى يوم العاشر من شهر جمادى الثانية، سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف وجالت الآراء بينهم فيما يرمونه من الظهور. ولكون المسألة حرجة والسلطان فيصل على الكرسي قد قهر الدائرة العمانية وجعلها تحت سيطرته
123 (1/123)
صفحة 124
القوية، واستظهر بمساعدة الإنجليز له ولتغلب جبابرة عمان على المعاقل الداخلية، فنظروا فيما هم بصدده من الأمر الذي يحاولونه فاستشعروا العجز لكثرة من حولهم من الأعادي، وقوة شوكة الجبابرة. وزادهم فشلاً أن نور الدين أرسل العلامة أبا مالك إلى الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري والشيخ مهنا بن حمد رئيس العبريين وجماعتهم، وكانوا قد وعدوه جميلاً في أول الأمر، فرجع إليه باعتذارهم في هذا الوقت للمحاذرات التي يحاذرها جُلُّ أهل عمان، وكاد أن يتلاشى ذلك الاجتماع، فخلصوا نجياً، وكثر القيل والقال، وبقي الرأي يجول وهم بين إقدام، وإحجام قد هوّل عليهم الأمر أزب العقبة، فكان نتيجة ذلك الموقف، أن سلّم العلماء والأمراء والخاصة والعامة أرواحهم ومهجهم إلى رئيس النهضة العمانية، وقلدوه أمرهم لعلمهم أنه يستسهل الصعاب من الأمور، اعتماداً على ربه، وثقة بمولاه، وتوكلاً عليه.
فلما كانت الساعة الثانية عشرة من يوم الأثنين الثاني عشر من شهر جمادى الثانية قال لهم: اختاروا زعيماً تقدمونه للمسلمين أميناً على حمل الأمانة والدين، يحمل الناس على احترام الشريعة المحمدية، فوقع نظر الجميع: إنا نرى ذلك الشخص، وأشاروا إلى الشيخ سالم بن راشد الخروصي، فكلمه فأبى وامتنع فألح عليه العلماء والأمراء والأعيان، فأجابهم: إني ما خرجت لتبايعوني، بل لأبايع من تبايعونه. ولست أطيق لمرامكم حملاً، ولم أكن له أهلاً، فأبوا عليه إلا القبول وأبى إلا الامتناع، ورووا له ما جاء في المأثور عن السلف الصالح من جواز قتل الممتنع من قبول الإمامة، إذا وقع عليه اختيار المسلمين. فلما أعياهم أمرهم نور الدين بحمله وتقريبه إليه، وكان قد قعد في أخريات الناس هضماً للنفس فحمل قسراً، ثم تعلل بأمور، وشرط شروطاً فأجابه نور الدين: إنا لا نقبل هذه الشروط منك. فإن أبيت قتلناك، إذ بامتناعك ـ متى وقع عليك اختيار المسلمين - تتفرق الكلمة وينحل النظام، وتتعطل الحدود.
وأمر نور الدين تلميذه الكبير أبا زيد بقتله متى أصر على الامتناع، فسل حسامه وصح عند الحاضرين أنه قاتله لا محالة. فسألهم إن قتلتموني هل أنا عندكم في الولاية، فصرخ الجمهور: ((لا) وملأوا بها أفواههم، فعقدوا عليه البيعة غصباً، والدموع على وجهه. وما ذلك منه ـ رحمه الله - جبن، ولكنه مخافة التقصير بما سيتحمله، لعلمه أن الأمر جلل، وأن الخطة صعبة المرتقى وحمّل الناس على الجادّة ليس بالهوينا، ولسان
الحال ينشد:
124 (1/124)
صفحة 125
يا سالم الدين والدنيا ابن راشد خذ أمانة الله والأقدار أعوان أنت الضليع بها حملاً وتأدية إذ كل همك تدبير وإتقان
ثم تعلق أن يسمح له بأداء فرض الحج عند الاستطاعة، وزيارة والدته؛ لأنها عجوز، ومحلها شاسع أجابه نور الدين: متى وجدنا الكفء عند عزمك الخروج للحج أذنًا لك. وزيارة والدتك أمر سهل، ننظر فيه وقت طلبك. أما بقية شروطك فلا نقبلها
منك.
سئل نور الدين عن إباحته لقتله حال امتناعه.
أجاب: إني سُبقتُ إلى هذا أفتى أبو عبيدة الكبير تلاميذه، لما استشاروه فيمن يقدمونه إماماً متى استطاعوا فأشار إلى أبي الخطاب المعافري وقال لهم: إن أبى
فاقتلوه.
اشترط الشيخ الحميري قبل وقوع عقد البيعة شروطاً.
منها: أن لا يتعرض الإمام للمعاقل التي بيده، وهي بيت تنوف، وبيت سيق بالجبل، وبيت المال الذي عنده.
الأخضر،
في مقابلة ما تعهد به الحميري للإمام إذا دعت الحاجة أن ألف يجهز مقاتل على نفقته لمساعدة الإمام. وكان هذا الاتفاق بخط شيخنا العلامة المالكي وتوقيع الإمام والشيخ الحميري عليه بعد العقد.
وكان هذا الرسم محفوظاً عندنا، ولم يحضرني وقت التاريخ بل كتبت معنى ذلك.
تنبيه
ليست الإمامة أمراً مخترعاً في الوقت الجديد، بل هي سلطة دينية سياسية، جرى عليها الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت بعمان منذ القرن الثاني من الهجرة، وهو القرن الذي عقد فيه على الجلندي بن مسعود أول إمام بعمان إلى القرن السادس الذي كان آخر إمام فيه محمد بن خنبش، ثم حصلت فترة في القرنين السابع والثامن، حتى عقد على الحواري بن مالك في القرن التاسع ولم يخل قرن من بعده إلى هذا الوقت إلا وفيه إمام يجمع شملهم ويلم شعثهم إما شارباً أو مدافعاً أو إمام ظهور.
125 (1/125)
صفحة 126
ومتى صحت البيعة باتفاق العلماء، كان حقاً على العامة من الرعية، أن يسمعوا ويطيعوا للإمام، وأن يسلموا الأمر لأهل العلم، وليس لحاضر أن يأبى منها ولا لغائب أن يتخلف عنها، ولا لمختار أن يختار إن العلماء حكام على الملوك والملوك حكام على
الرعية».
وأساء الأوروبيون في تفسير ظهور الإمامة أنها منشأ اعتداء، وتمرد على السلطان، واعتراض في ملكه وأنه لا حق للأمة في ذلك وما فقهوا أن الحاجز بين الإمامة والسلطنة هو حاجز ديني في طبيعته. فالإمامة هي الحكومة المبنية على الشورى، و انتخاب رجل أمين في نفسه ودينه وعلى رعيته قادر على العمل بالشريعة، ورد كل شيء إلى حكم الدين، فهي سياسية من غير محاباة ولا حيف حسبما كان عليه الخلفاء. والملكية هي حب السيطرة، والاستبداد كما هو معروف من حال المتغلبين على الأمر. وإذا ضعف أسلوب الإمامة عن الحكم برزت الملكية إلى الميدان، وهو كالصراع بين الملكية والجمهورية في الديار الغربية ولعل الوهم سرى إليهم بعدم التوالي على ذروة المنصب، ولا عبرة به عندنا، فإنا نحرص على الاجتماع والاتفاق على توالي الأئمة توالياً
غير منقطع، متى وجد المرشح الصالح له كما سبق في عصر بني خروص واليعاربة. ومن درس التاريخ العربي والإفرنجي عرف أنا لا نتمسك بطاعة قوم يعصون الله؛ فإن الله لم يأذن لأحد من خلقه أن يعطي عهده من يعصي أمره، فلا نخضع لأوامر السلطنة متى حادت عن الجادة، كما نخضع في جانب الإمامة المحقة ديناً وطبعاً فتجد ملوك آل نبهان وآل قحطان متى سنحت الفرصة وساعفتهم الأقدار، عززوا النية إلى البيعة لمن يختارونه فانتزعوا السلطة من أيدي المتغلبين؛ إذ لا حق لهم فيها. واضطرت الأمة الإسلامية إلى انتزاع السلطة من عبد الحميد الخاقان العثماني في
العمانيين
عام 1327 هـ الموافق (1909 م فأزعجوه من منصبه، وأسلموه إلى هواه. وأخفق إخواننا المصريون في عام 1371 هـ الموافق (1952) فسقط فاروق الأول من ذروته فأخذوا برأينا والعمل، به لما حاد الملوك عن الجادة.
وفي كتاب عمان لشركة الزيت الأمريكية ص/ 14:
الإمامة منشأة قديمة في عمان ترتد إلى القرن الثاني من العصر الهجري، الموافق للقرن الثامن من العصر المسيحي. وقد أنشأ الأباضيون من المسلمين هذه المنشأة،
126 (1/126)
صفحة 127
وصانوها هناك. وهم فرع من الخوارج الذين قاموا بحركة عصيانية دينية محافظة، وانفصلوا عن الكيان الرئيسي لأتباع الإسلام في أيام علي بن أبي طالب. وقد قصد بعضهم إلى شرق الجزيرة العربية واستقروا في جبال عمان، حيث نشروا عقائدهم التي تعرضت لتغييرات يسيرة في القرون المتتالية.
ويمكن اعتبار إمامة الأباضيين في عمان من المخلفات الحية للخلافة الإسلامية الأولى. ولا يزال الإمام الأباضي يُختار بطريقة تكاد تماثل طريقة اختيار الخلفاء الأولين في القرن الهجري الأول. وليس مما يغفل شأنه أن نعرف أن لقب الإمام نفسه كان يطلق
على الخليفة أحياناً في تلك الأيام.
وكتب أيضاً في ص/4/ 3:
"
إمامة عمان دولة أباضية مستقلة تشغل الجانب الأكبر من أرض عمان، في شرق الجزيرة العربية، وقلّ ما يعرفه العالم عن هذه الدولة حتى الثقات في الشؤون العربية - بغير استثناء تقريباً ـ ليسوا عَلَى معرفة وثيقة بها. أما الحكومتان البريطانية والأمريكية فتعترف كلتاهما بحاكم مسقط على أنه سلطان مسقط وعمان، فكأنهما تعنيان أن بلاد عمان خاضعة لسلطة السلطان. والحقيقة أن سلطان مسقط لم يكن له شيء يذكر من السيطرة الفعالة على عمان منذ أكثر من قرن وأما الإمامة نفسها فلها تاريخ يرتد إلى ما يزيد على ألف سنة، وهي لم تزل تستمتع بوضعها الحاضر كحكومة مستقلة مستقرة في عمان، منذ نحو أربعين سنة اهـ.
سلطان،
لم يزل أهل عمان مع ملوك آل بو سعيد في معارضة منذ السلطان سعيد بن عظمته وقيامه بحقوقهم في جانب آخر فقد اعترضوه في عدة مواطن.
منها: لما أسعف الإنجليز بقعود نائب لهم بمسقط عام
استعمارية ثبتت بها.
الأرقاء.
،121
وهي أول قدم
واعترضوه عام 1237 لما وقع اتفاقية مع المسيحيين في القضاء على تجارة
واعترضوه عام 1270 لما تنازل للإنكليز عن جزائر المسلمين جزيرتي خوريا
وموريا بدون سبب ولا مقابلة.
127 (1/127)
صفحة 128
أما أول معاهدة رسمية بين حاكم عربي ودولة إفرنجية فهي الاتفاق الواقع من السلطان سلطان بن أحمد عام 1213، وقد أنجزه البريطاني المقيم في أبو شهر وهو رجل إيراني من موظفي الشركة اسمه مهدي علي خان في مقابل 2820 روبية. وبهذا الاتفاق التزمت بريطانيا أن تؤيد حكام مسقط ضد الشعب العماني وكان وصول علي خان مسقط في 3 في 3 من أكتوبر سنة 1798 م وبعد مفاوضات استمرت عشرة أيام، وقع في الثاني عشر منه أول معاهدة سياسية ربطت بين سلطان عمان وبين بريطانيا. ويبدو من نصوصها أن الاحتياط ضد فرنسا كان مقصوداً.
واعترضوا السلطان ثويني في مواطن كثيرة.
واعترضوا ابنه السلطان سالم بن ثويني فأزعجوه من مركزه عام 1285، وقلدوا الإمام عزان - رضي الله عنه ـ مكانه قائماً بالعدل.
فيصل.
وما زالت حركات الشيخ صالح بن علي متوالية على السلطان تركي وابنه السلطان
الأسلحة
وفي عام 1330 اشتدت حركة العمانيين على السلطان فيصل، لما وافق الإنجليز على منع من دخولها عمان، وقبوله المكافأة من البريطانيين، بمبلغ مائة ألف روبية؛ لإصداره ذلك. وكتبوا إليه يخوفونه العاقبة، فضرب عنهم صفحاً. وقد كتب بعض المسيحيين ما نصه:
إن الأسباب التي من أجلها زحف أهالي عمان مرة أخرى على سلطان مسقط قد سردتها المس جرنز ودبل، الرحالة والمستشرقة البريطانية في مقال كتبته في (نشرة الشؤون العربية) السرية في نهاية عام 1334 هـ (26) من أكتوبر سنة 1916 م) عندما كانت تعمل مع نهاية عام 1334 هـ السر برسي كوكس في العراق).
أصبح حكام مسقط معرضين للنفوذ الأجنبي الأمر الذي أفقدهم عطف القبائل في الداخل. ويعود سبب القلاقل الأخيرة إلى هذا النفوذ الأجنبي، وإلى اعتماد سلاطين مسقط على القوة البحرية العسكرية الأجنبية. وكذلك إلى خضوعهم مرغمين للمطالب الأجنبية، فيما يتعلق بأمور المتاجرة بالرقيق والسلاح وقد رأى السلطان الراحل السيد فيصل بن تركي، في قيام الحكومة البريطانية بالقضاء على تجار الأسلحة فائدة جلية.
128 (1/128)
صفحة 129
لنفسه، حيث أصبح رعاياه الثائرون عاجزين عن التزود بالأسلحة لاستعمالها ضده، إلا أن عدم ارتياح القبائل لذلك قد وصل إلى ذروته قبل وفاته اهـ).
واعترضوا السلطان فيصل في أواخر رجب عام 1319 هـ لما خرج كوكس الوكيل السياسي بمسقط عن إذنه على طريق صور لتفقد مناجم الفحم الحجري بجبال المشارفة؛ فإنه خرج وفي صحبته السيد تيمور بن السلطان فيصل، فأحس سيدي نور الدين أن القصد من ذلك التوغل في البلاد ودخولها بالسياسة واجتهد أن يوصد الباب في وجهه حتى ينزع عن رأيه فأعرب عن إحساسه هذا إلى أعيان العمانيين واستنهضهم على منعه، وحضّهم على صدعه وحيث إن منزلته غير مجهولة، ونصحه غير مستنكر، هاج الشعب العماني لذلك. واتفقت الكلمة على صده بكل ممكن. وأول أدرك من صدق مقاله، وصوب رأيه الشيخ عيسى بن صالح فكان في جبهة الشعب العماني، وجاهر السلطان فالتقى بهم بالموضع المعروف (أم اللخم) وكاد أن تسمى أم اللحم، كانت فيها مناوشات بينهم عثر فيها جواد (الجيولوجي) زميل القنصل برصاصة، أثارها عليه أحد الأعراب، فغضب السلطان لذلك.
،
وكتب بعض جلساء الملك شعراً انتقص فيه الثوار، وتحامل على نور الدين تحاملاً فاحشاً، عاب عليه تحريفه وقيامه بحق الوطن ومعاكسة السلطان، فكتب نور الدين على ذلك جواباً ونصيحة للسلطان في شعر أعرب فيه عن إحساسه وشعوره.
كتب نور الدين نصيحة للملك فيصل بن تركي وجواباً على قصيدة شاعره: الصدق قُلْ وذَرِ الكذب فالصدق يُنجي في العقب ولا تخش الدوائر تنقلب ما قد قُضِي سيكون إن هبت الفنا أو لم تَهَبْ زعمه أبدى النصائح ويك هب
والحق
فانشره
قل للذي في
إِنَّ
الذي
خوفتني
خوفتني
ما ليس
(;
إياه
أمر لم
ممن
الموت أخشى وهو في كل الورى حقًا
يُهب
هرب
الموت أولى من حياة
المذلة
والتعب
الموت عند الحر أحلى
من
دَنِي
يُرتكب
129
نهضة الأعيان - م 9 (1/129)
صفحة 130
فارکب
من
العلياء بالعزمات أعلى مرتكب
فإذا استويت على الذي تهوى فقد نلت الأرب وأذا المنايا عاجلتك فقد عُذرت لدى الطلب خاب ذو علم إذا لم يبد الله الغضب نزين مخشلب
قد أخذ
الإله
عهودنا
أن
?
ربحت تجارة من وفا بالعهد يوماً واحتسب
فالله
قد ضمن
الوفا
, لمن وفى ولمن ندب
فالنفس تَنْدِي ديننا لا نشري بالدين الذهب
والنفس أكرم
عندنا من أن تهان وأن تسب
فارجع لنفسك وانهها عن ذا التعرض للعطب
واسمع
العلا أحاديث
تملى عليك وتكتتب
إن
الذي
أوضحته وذكرتُ من شيم العرب
عز
يغادر كل
قلب في الأعادي
مضطرب
عزّ
يذكرهم
بما
وجدوه
أننا
عز
يريهم
عنا في عن حالنا لن ننقلب
الكتب
أننا
عز
يريهم
للجد
أهل والحسب
وبه يكون العذر للسلطان
أقوى
إذ لم يكن عن رغية ما
كان منا
وانتسب
لكننا
قوم
خشينا الخدع منهم حين دب
أتكون
ذمتكم
والله
يأمرنا
لمن بالخُذع
إيانا
حرب
بأن
تنبذ إليهم أن تهب
فانيذ إليهم عن سوا: إن تَخَفْ خدعاً تُصِب
والخصم لايخفي عليکم حاله
حيث
سلب الممالك باحتيا ل قد علمتم ما
وأتى يخادعكم فقلتم إنّه
ـب
الخل
المحب
بتُم
وبات
ينوشکم بمكائد لم
شعواء
دس
إليكم تحت الليالي
تحتسب والحجب
130 (1/130)
صفحة 131
37 2
هم أن يصطاد من ولديه
يَخْشَه مكراً وَقَب
أخبار الأوائل
تكتتب
وقعة تركت جما
هشيماً محتطب جمه
عرصة تركت ملو كهم عبيداً غزوة تركت ذخا
عبيداً للعرب
مع
أيكون
ما
خلفت
وكياسة
تذر
وبسالة
يهتز منها
?
بالخدايع
حربهم
لكنه
ضرب
يُطير
الأكف وترى
تسا به
قط
وتري
الدماء
تصب
هذا
ودا
ترهم د أو صفاء
غنائم تُنتهب
مرتقب
خصمه خصم أسلافكم
البعيد من المعالي مقترب
وله الأمور كما
يجب
إلا الكتائب
والكتب
الخصم رعباً مضطرب
والمكر ما كان السبب
الهام طيران طيران السحب
مثل أوراق تُجَبْ كمثل غيث ينسكب
وترى المهندفيه يلمع مثل برق من مع قلة منهم وخصمهم كارمال
كَشَب الكتب
فغدوا نجوماً يهتدى بهم من العليا طلب من ينصر الرحمن ينصـ
والله
يبلو
ن
يخذل
يتب
خلقه ليثيب منهم من أحب
وهو القدير فلو يشا نصر العباد بلا سبب
أمراً
خدا
ضرب
يز يد على الذي منه كتب
طاعة فازوا بحسن المنقلب مضى في غيرها كان الهلاك مدى الحقب
لكنه
أعطاهم
لا
يَنْقُصَنُ ولا
فإذا
مضى في
وإذا
والعمر
حتماً
ذاهب
إن
لم تَدَارَكه
ولمن عصى نهج المتا
ذهب له سبيل فليتب
فأنا النصيح وإن يكن قولي عليکم قد صعب
131 (1/131)
صفحة 132
وأنا الشفيق وإن
وأنا المحب وإن ظنن
وأنا البصير وإن رأيت
ما كان نصحي
لكنه
طبع
7. 7.
أنني الخضم الحـ
سيرتي لا تستحب
أنني أعمى
أدب
ية
بالدراهم مجتلب
ت عليه والمولى يهب
بئس المجالس للملو ك فتى به للدين جب
ما
همه
إلا
امتلا
البطن أو نيل النشب
أو كلمة من
يا
رب الهم
دو رب
يعلو بها وهو الذنب
لتنا المليك بأن يَذُب واكشف له رتب الرجا ل على اختلافهم رُتب لا يستوي من يطلب العلـ يا ومن يبغى الذهب
فأخو
وأخو
الدراهم المعالي
عينه حيث الدراهم تجتلب
يعلو الثواقب والشهب
ماكل من خطب المعا لي نالها لما خطب
مثل الكريمة لا تزوج ذا
الحياكة
والريب
تأبى العلا ينزو عليـ ها كل قاص مجتنب
لكنه من ليس يقر ع
أنفه
فالمال
والدنيا
وإن
بل
إنما تقوى الإله
فإذا رُزقت مع
ن
تابي
مهما
وثب
جاءا فليسا بالحسب
العلاء المكتسب
التقى نسباً فأكرم بالنـ
بالنسب
كان ذا نسب نسب شر يف للمروءة يُصطحب
عليه
نفسه رغي الوخيم وإن عشب
والكامل: الرجل الذي حاز المعالي واكتسب
دارت
به العلياء
من کل
الجوانب
والرتب
فنشا
تربيه ذو أَنفة لا
السعا
والعناية منذ شب
تستطا ع
شهم ترى في وجهه أثر
وعزة
لا
تستلب
البسالة
يلتهب
132 (1/132)
صفحة 133
نَدْبُ يرى الأمر الأمر العظ الأ ذمر يرى القاصي من
عليه سهلا لو صعب
شياء
منه قد
قرب
يري فعل
الد نية كالحرام المرتكب
جَلْد لدى نُوب الزما ن فلا تحركه النوب
عزمه صرف الخطوب إذا نشب
كانه يلقى الحبيب المحتج
طلب
صَلَّدٌ
يساور
يَلْقَى
المنون
لا
يَثْنِه إلا
مخا
فة
عنا ربه
لا
جازع يوماً
ولا أسف إذا شام العطب
ماض على حلو القضا
لا
ومره
يضطرب
راض
بما قسم الال
فإذا
دعي
4
بفضله وبما وهب
لِمُلِمة تلقاه أمضى من عضب
وإذا يُسَامُ الخسف واثـ ب من يسوم على غضب
لا يُضع مهما زور الوا شون
متأمل
ما
يَعْرِضَنُ
کشفتْ له مخض التجا
قولا
بالكذب
بفکر
منتحب
عن
أمور تُرتقب
به
فكفك قد ترب
فهو الفتى فإذا ظفر
ربحث
يداك إذا
هذا
الذي يدنيه
لا
ينصح
من السلطان إلا
غدو ت لمثل هذا مصطحب
شاء العلا أن تُنتصب
له
من
رأي
ثَقِبْ
وهزيمة
ونصيحة
وسياسة
لا
تقتضب
وشجاعة أما
}
تُرتهب
الذي
وبسالة
ظله من
يا أيها الملك الذي
انظر
-
هداك الله
الأعادي
يخشي فلا يقضي أرب حاز المعالي المعالي والرتب أهل المشورة وانتخب
البر ية والرعاع له بسقف من
ما قام عز في كالطود ليس يُطِيقُه فأين العلا بجبال عز لا
يزعزعها
الرهب
133 (1/133)
صفحة 134
وارم العدا بسه
في
بأماجد
شم
لهم
ترمي به حالا تصب في الناس سابقة الحسب
لا يرهبون من المنو ن إذا الكَمِي لها رهب
لا يهربون إذا توجهت الكماة
إلى
الهرب
وكأنهم في الباس نار تلتهب
تلقاهم
بهم
الممالك ترتسي فأصلح - هداك الله
الزلازل حين
تضطرب
قو مك تلق منهم ماتحب
ما فيهم من يبغ غيـ رك لو نهضت بما يجب فاجمعهم وأصلح أمو رهم وشمر
واحتسب
فالعدل يكسو الملك إجلا
ما
كان أول
دولة
لا على إلا
مر
به كان
جقب السبب
فإذا
تولي
وانصره يا رباه
عدلها فالمُلك عنها قد ذهب
يا رب طهر دينك المر ضي بالسيف العضب نصـ راً يكشفن عنا الكرب نصراً به تمسي النصا ري مثل ما كانوا ذَنَب الذي قد ألهم النصح المحب تنے صح للملوك وتحتسب
والحمد
الله
لا زالت من قام فينا ناصحاً
زالت العلماء
فهو الوفي بما يج
نصح الملوك على الرعـ سية واجب لا
فإذا
تقبله
مست
فقد ربحت يداه بما كسب
أو لا فقد أعذرتُ إذ أديت شرعاً ما
وجب
الصلاة
السلا
مع
م على النبي المنتخب
السيد
والآل
والصحب
المبعوث بالسيف الحسام وقد حرب الأولى سادوا الأعاجم والعرب
وكتب المؤرخ المسيحي، كاتب سيرة كوكس على أثر هذه الحادثة (نقلاً عن كتاب شركة الزيت الأمريكية ص (68): إن المتحمسين من جماعة الأباضيين كانوا يرون أن فرض الرسوم الجمركية عمل من أعمال الكفر؛ لأنه لم يحظ بموافقة النبي، ويعتقدون أن
134 (1/134)
صفحة 135
الرّق دِعامة مشروعة، تسند نظامهم الاجتماعي والاقتصادي. وقد اعترضوا على فرض أية رقابة على حركة تهريب الأسلحة واعترضوا كذلك على المعاهدات المعقودة مع الدول الكافرة التي منعت الحكومة من التدخل في بيع التبغ، والخمر وكأن هؤلاء المتحمسين متحمسون للأوروبيين بوجه عام وللإنكليز بوجه خاص. ذلك لأن الإنكليز كانوا يتصدون الأسلحة، ولأن التجار الهندوس الذين كانوا يقيمون في موانيهم
لتجار الرقيق ومهربي كانوا تحت حماية الإنكليز، ومن تلك اللحظة راح كوكس - وهو ذو العين النافذة في شؤون العرب - يتتبع أعمال عيسى بانتباه شديد» ا هـ.
وكان كوكس المذكور هو الوكيل السياسي في ذلك الوقت بمسقط
بيعة الإمام سالم بن راشد الخروصي
جاءته ما كان بدعاً من أئمتها
من جده ابن تميم المجد عزان
في ضئضيء العزة القعساء مَحْتِده إذا تفاخر قحطان وعدنان بذروة اليَحْمَد الصيد الملوك له أعراق مجد وأساس وبنيان
الإثنين
بويع الإمام سالم بن راشد الخروصي في الساعة الثانية عشرة من يوم الثاني عشر من شهر جمادى الثانية من سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف بمسجد الشرع من بلدة تنوف.
وأول من بايعه شيخنا العلامة سيد فطاحل عمان عامر بن خميس بن مسعود المالكي، وألبسه الكمة والخاتم، ثم تلاه الشيخ الباسل العلامة أبو زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي الأزكوي وهو الذي أمسك العلم الأبيض بحذاء الإمام. خطب كل واحد من الشيخين أبي مالك وأبي زيد خطبة بليغة تحريضاً للناس،
وحنا لهم على البيعة لإمامهم والمناصرة له. ثم بايعه بقية الأعلام، يرأسهم الشيخ العلامة عبد الله بن راشد بن صالح الهاشمي. ثم الشيخ العلامة ناصر بن عامر الريامي.
ثم الشيخ العلامة عامر بن علي الشيداني الحبسي. ثم الشيخ العالم محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي. ثم الشيخ العارف حمد بن مسلم بن عبيد الحجري.
135 (1/135)
صفحة 136
ثم بايعه الأمراء والرؤساء يقدمهم الأمجد الأفخم الأمير حمير بن ناصر بن
سيف النبهاني.
ثم المشايخ العباهل أولاد هلال بن زاهر الهنائي.
ثم ازدحم الناس أفواجاً الخاصة فالعامة. ولما انتهى الناس من مبايعته زحم نور الدين إلى الشيخ حمير حتى أسند ركبتيه إلى ركبتيه وقبض على يديه، وأملأ عليه عهوداً مؤكدة، وشرائط، موثقة، وأيماناً مغلظة، ليناصرن الإمام ولا يخونه ولا يخذله، ولا يعين عليه، ولا يغشه وأن يكون معه على الحق، ما دام حياً ونحو ذلك من التأكيدات البليغة، فأعطاه ذلك من نفسه بصدق وإخلاص ورباطة جأش.
ثم زحف إلى المشايخ أولاد هلال وأخذ منهم مثل ما أخذ من الشيخ الحميري، من العهود والشرائط والأيمان والتأكيدات الموثقة على نصرة الإمام، وحرب الجبابرة والبغاة، ولو لم يقم معهم أحد من أهل عمان فأعطوه ذلك.
ثم قام منتصباً في ذلك المحفل العظيم ورفع يديه إلى السماء مبتهلاً إلى ربه بصوت أجش رعب منه الحاضرون أن يعاقب من نكث أو تخلف، أو نقض البيعة. والكل يؤمن على دعائه قائلاً اللهم هذا مبلغ الجهد وعليك التكلان. فإن نكثوا فانتقم منهم كما فعلت بثمود وعاد فكان لهذا الدعاء أثر عظيم في القلوب. وذلك لشدة تصلبه، جزاه الله عن الإسلام وأهله خيراً.
نص البيعة قد بايعناك على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأن لا تقدم على أمر إلا برأي العلماء. وقد بايعناك على انفاذ أحكام الله تعالى وإقامة حدوده، وقبض الجبايات، وإقامة الجمعات، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف.
لما تم العقد خطبت الخطب وأطلقت المدافع في تلك الساعة، إعلاماً بالظهور، ورفعت الراية البيضاء، وهي علم الإمامة عند العمانيين. فأقاموا حكومة شعبية مستندة على الشريعة الإلهية يديرها ولي أمر منتخب، مقيد في سلطته بمشورة العُلماء. خضعت لها عُمان وعشقها الباقون وكان يعاصره بالمملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وبالمملكة المتوكلية اليمنية الإمام يحيى حميد الدين.
136 (1/136)
صفحة 137
سئل نور الدين عن حكم هذه البيعة فأجاب: إن حكمها حكم إمامة الخليفتين، وإني لم أعقدها على القوم شراء.
وسئل العلامة أبو مالك، فأجاب: إنَّ حكمها حكم إمامة الخليفتين رضوان الله وسلامه عليهما. والمراد أنها إمامة ظهور، وهل ظهور أعظم من ظهور الخليفتين رضي
الله عنهما.
بعد ما تمت البيعة وصفق الكل على الرضى، قام شيخنا العلامة أبو مالك ـ رحمه الله وغفر له ـ خطيباً على رأس الإمام.
بسم الرحيم سم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على أنواره الزاهرة وأدلته الظاهرة، وبراهينه القاهرة، وعلى ما أولى
،
وأنعم، وهدى إليه وفهم من النور الواضح الأبهج والطريق اللاحب الأبلج، وصلى الله على من ختم به الرسل وأوضح به الشبل محمد المصطفى وأمينه المجتبى، وعلى
آله وكفى.
أما بعد؛ فإن من أفضل ما أنعم الله به على العباد واختصهم به يوم المعاد نعمتين: إحداهما: الرسول الهادي الذي لا يُصاب علم الدين إلا من قبله، والأخرى الإمام العادل الذي لا تصلح الدنيا إلا على يده؛ قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، وقال لإبراهيم عليه السلام: إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين تنزيهاً، للإمامة، ورفعاً لقدرها، وتعظيماً لخطرها أن ينالها عات ظالم، أو يتحلى باسمها باغ غاشم. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله وذكر منهم الإمام العادل. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية قيل لبعضهم جاهلية كفر؟ قال: بل جاهلية ضلال.
وعن ابن عمر عن النبي: من بات ليلة ليس عليه إمام إن مات فميتته جاهلية، وهذا مع القدرة. وقيل: النظر إلى الإمام العدل عبادة وقيل: إقامة دين الله يوماً واحداً أفضل من إنفاق ملء الأرض ذهباً صدقة على الفقراء. وقيل: عدل يوم واحد أفضل من
137 (1/137)
صفحة 138
عبادة ستين سنة. وقيل: الإمام إذا عدل يوصل الله بركة عدله إلى الأرض كلها، ويبقي عليه ملكه. ويقال: العدل يديم الدولة والشكر يزيد في النعمة. وإذا جار السلطان خرب العمران ألا وإن الله تعالى قد منّ عليكم بالاجتماع بعد التشتت، وبالألفة بعد التفرق، ففتح بصائركم بنور الهدى وبصركم من العمى وأيقظ هممكم إلى طلب العلا، وبعث عزائمكم بعد طول الثَّوَى، فمن عليكم بهدى النعم العظيمة والمنن الجسيمة وأنقذكم من الضلالة، وأخرجكم من الجهالة فجمع على هذا الخير آراءكم، فاشكروا نعم الله عليكم؛ فإن الشكر قيد النعم، وأوفوا بعهد الله يوف الله بعهدكم، وانصروا الله ينصركم الله ويثبت أقداكم؛ ألا وإنكم قد دخلتم في أمر ما هو بالهوينا، فيجب عليكم أن تعرفوا حقه، وأن تؤدوا واجباته ألا وإني أعرفكم حق ما دخلتم فيه. بايعتم هذا الإمام،
•
وأعطيتموه صفقة أيديكم على السمع والطاعة ما أقام فيكم كتاب الله وأحيا سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وسار سيرة العدل، واتبع آثار السلف من أهل الفضل، فيجب عليكم أن تعطوه ثمرة قلوبكم وتبذلوا له النصيحة وتنصروه إذا استنصركم، وتعينوه إذا استعان بكم، وتجيبوه إذا دعاكم، ويحرم عليكم غشه وغيبته وخذلانه، والمظاهرة عليه، والتقاعد عن نصرته.
فإن قمتم بما وجب عليكم من حقه وحق غيره فلكم فضل المجاهدين الصابرين، وأجر الصادقين الموفين، وكنتم خلفاً لخير، سلف أعز الله كلمتكم، وقوى دعوتكم، ورد عليكم نعمتكم، وأبلج، حجتكم وكثر أموالكم، وكثر على الحق رجالكم، وصدق مقالكم، وشكر أعمالكم، ورضى آمالكم ورتق الله بكم، الفتوق، وأعطى بكم الحقوق، وأحيا بكم سنة الصادق الصدوق، وأحمد بكم أهل الفتن وكان الله معكم وجعلكم معه، وكان لكم وجعلكم له، ودفع بكم الأسواء، وداوى بكم الأدواء، وأوضح بكم سبل الهدى أدام الله سيرتكم وأعز، نصركم وقوى قلوبكم وطهر عيوبكم، ومكن الله بكم الإسلام ووصل بكم الأرحام، وجلا بكم الظلام شد الله أزركم ووضع وزركم. أنار الله بكم الشرع، وأطفأ بكم البدع، سكن الله بكم الروعات، وأذهب بكم الفزعات، وحقن بكم الدماء، وجلا بكم العمى. لا أراكم الله سوءاً، ولا شمت بكم عدوا؛ حمد الله أمركم، ومدح أثركم، ورفع قدركم وقوى صبركم وشكر شكركم، وأعاذكم جور المسالك ومحل المهالك. أدخلنا وإياكم دار السلام مع الحور في تلك الخيام، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، في مقعد صدق عند مليك مقتدر
138 (1/138)
صفحة 139
ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما. وفعل ذلك لنا ولجميع المسلمين أين كانوا. آمين يا رب العالمين مكر الله بأعدائكم، وكادهم بكيده المتين وأتى قواعدهم من حيث لا يشعرون وفعل ذلك بأعدائنا وأعداء المسلمين حيث كانوا إن ربنا سميع قريب، ولدعائنا مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلى الله على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى الأنبياء والمرسلين، وعلى الملائكة المقربين، وعلى صالح المؤمنين. وختم لنا على خير يرضاه، والحمد لله رب العالمين. ثم قام الإمام سالم خطيباً بالخطبة المأثورة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه).
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، أحمده، وأستعينه، واستغفره، وأومن، به وأتوكل عليه، واستهدي الله بالهدى، وأعوذ به من الضلالة والردى، ومن الشك والعمى. من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون إلى الناس كافة، رحمة لهم، وحجة عليهم، والناس حينئذ على شر حال في ظلمات الجاهلية، دينهم بدعة، ودعوتهم فزية، فأعز الله الدين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وألف بين قلوبكم أيها المؤمنون، فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، فأطيعوا الله ورسوله؛ فإنّه قال عز وجل: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً.
أما بعد أيها الناس أوصيكم بتقوى الله العظيم في كل أمر، وعلى كل حال، ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم؛ فإنه ليس فيما دون الصدق من الحديث خير. من يكذب يفجر، ومن يفجر، يهلك، وإياكم والفخر، وما فخر من خلق من تراب، وإلى التراب يعود. هو اليوم حي، وغداً ميت فاعملوا وأعدوا أنفسكم في الموتى، وما أشكل عليكم فردوا أمره إلى الله، وقدموا لأنفسكم خيراً تجدوه عند الله محضراً؛ فإنه قال عز وجل: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود
139 (1/139)
صفحة 140
لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد فاتقوا الله عباد الله وارقبوه فاعتبروا بمن مضى من قبلكم.
واعلموا أنه لا بد من لقاء ربكم، والجزاء بأعمالكم صغيرها وكبيرها إلا ما غفر الله؛ إنه غفور رحيم. فأنفسكم أنفسكم والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.
اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك، وزكنا بالصَّلاة عليه وألحقنا به واحشرنا في زمرته وأوردنا حوضه. اللهم أعنا على طاعتك، وانصرنا على عدوك.
فقال:
ثم قام أبو زيد يخطب في العسكر، يحرضهم على الجهاد وسلوك منهج الرشاد)
سم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وأكرمنا بالإيمان ورحمنا بنبيه، فهدانا به من الضلالة وجمعنا به من الشتات، وألف بين قلوبنا، ونصرنا على عدونا، ومكن لنا في البلاد، وجعلنا إخواناً متحابين فاحمدوا الله على هذه النعم، واسألوه المزيد فيها، والشكر عليها، فإن الله قد صدقكم الوعد بالنصر على من خالفكم. وإياكم والعمل بالمعاصي، وكفر النعمة؛ فقلما كفر قوم نعمة ولم يسرعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم،
وسلط عليهم عدوهم.
أيها الناس؛ إن الله قد أعز دعوة هذه الأمة، وجمع كلمتها، وأظهر فلجها، ونصرها وشرفها فاحمدوه - عباد الله - على نعمه واشكروه على آلائه، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين.
أيها الناس إن الله سبحانه وتعالى قد أمركم بالجهاد، وحثكم عليه في كثير من آيات الكتاب العزيز، وعلى لسان نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ومدح المجاهدين في سبيله بما لم يمدح به غيرهم وفضلهم على القاعدين فقال: لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فضل الله
140 (1/140)
صفحة 141
المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً، وقال: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، وقال تعالى: {إِنَّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين). فهذه الآيات ونحوها مرغبة في الجهاد أي ترغيب وناهيك بخصلة أخبرنا تعالى بأنه
يحب صاحبها.
•
فعلى العاقل أن يطلب محبة ربه، وأن يتبع مراشده التي أرشده إليها، ودلّهُ عليها. وقد أخبرنا تعالى أن الصبر والمصابرة والمرابطة سبب للفلاح، وأن الجهاد بالأنفس والأموال هي التجارة المنجية من العذاب الأليم، وموصلة إلى جنات النعيم، وهي السبب لنصر الله والفتح القريب وأخبرنا تعالى أن الشهداء أحياء عند ربهم، في قوله عزّ من قائل: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون، وقوله عز من قائل: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين) ويقال: إنَّ الشهيد لا يجد من ألم الموت إلا كقرصة قملة وفي رواية: كقرصة نملة، وأنه يجار من عذاب القبر ومن فتنة القبر.
ويقال: إن الناس في هول الموقف والشهداء على موائد تحت العرش يقولون: امضوا بنا ننظر كيف يحاسب ربنا عباده وما من أحد يحب الرجوع إلى الدنيا إلا (1/141)
صفحة 142
الشهيد، فإنه يحب أن يرجع إليها ليقاتل فيُقتل مرة أخرى. وذلك لما رأى من سهولة الموت وكثرة الأجر، ولو لم يكن في الجهاد إلا فضل الشهادة لكفي، فكيف وفيه خير الدنيا والآخرة فيه الظفر على العدو، وبه إقامة كتاب الله، وإنفاذ أحكام الله، وقهر أعداء الله. يُرْوَى عن النبي أنه قال: كل حسنات ابن آدم تحصيها الملائكة الكرام الكاتبون إلا حسنات المجاهد فإن جميع الملائكة الذين خلقهم الله يعجزون عن إحصاء حسناته ولو زيد أضعافهم؛ وتعدل حسنات أدناهم رجلا حسنات جميع العابدين، من أول الدنيا إلى انقطاعها. وعنه و أنه قال: الجهاد في سبيل الله خاتمة كل عمل، وكفارة كل
ذنب.
وقيل: من حرّض رجلاً على الجهاد في سبيل الله كان له مثل أجره، وآتاه الله ثواب نبي بلغ رسالات ربه، ومن ثبّط رجلاً عن الجهاد فلو يفتدى يوم القيامة بملء الأرض ذهباً لم يقبل منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكفل الله للمجاهد في سبيل الله، ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته أن يدخله جنته أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه ما نال من أجر أو غنيمة.
وعن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: غُدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس فلهذه الفضائل ونحوها كان السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم يبذلون الأنفس والأموال في الجهاد ويرون ذلك من أفضل الزاد، وحديث حميد الطويل عن أبي حمزة المختار بن عوف قال: أدركنا الناس، وإن الرجل منهم لما يزداد من صلاة وصيام وأنواع العبادة لكن لا تكون له رغبة في الشراء، يعني المبايعة على الموت فيسقط من أعينهم يعني أنهم لا يرون له منزلة عالية بسبب رغبته عن الشراء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام يجاهدون المشركين على الدخول في الإسلام فيستحلون قتل، مقاتلتهم وسبي، ذراريهم وغنيمة أموالهم، إلا من أدى الجزية من أهل الجزية وهم صاغرون، فدخل الناس في دين الله.
وبعد أن ظهر الإسلام في العرب أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الروم حتى قبضه الله إليه، واختار له ما عنده بعد أن بلغ رسالة ربه، فلم يترك المسلمون دين الله سدى بل استخلفوا على أمرهم من رأوه أهلاً لذلك، واعترفوا بفضله بإشارات فهموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ألا وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقام بحق الخلافة وقاتل المرتدين من العرب
142 (1/142)
صفحة 143
،
حتى ردهم بالرغم إلى الباب الذي خرجوا منه وهو الإسلام ثم أخذ في قتال الروم من جهة، والفرس من جهة، ثم اختار الله له ما عنده فقبضه الله إليه بعد أن استخلف على المسلمين عن رضى منهم من رجى أن يقوم بالأمر بعده، وهو ثاني الوزيرين لرسول الله ألا وهو عمر الفاروق، فقام عمر مجتهداً، وجاهد الروم والفرس وغيرهم من الأمم، وفتحت لهم الفتوح، وانتشر الإسلام في زمانه كل الانتشار، ثم اختار الله له ما عنده فقبضه إليه شهيداً، ثم استخلف المسلمون عثمان فكملت له فتوحات الدنيا إلا ما شاء الله، ثم وقعت الفتنة في المسلمين وبغى بعضهم على بعض، ورجع بعضهم يضرب رقاب بعض فصار القتال يومئذ في الفئة الباغية حقاً لازماً، وفرضاً واجباً؛ لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله).
فقتال الفئة الباغية من واجبات القرآن وإنما يقصد بقتالهم إفاءتهم إلى أمر الله، وهو الحكم الذي حكم به في كتابه وعلى لسان نبيه، فإن قتالهم على ذلك كقتال الكفار على الدخول في الإسلام. فهؤلاء يقاتلون على ترك الحكم، وأولئك يقاتلون على ترك الإقرار غير أن هؤلاء عصموا أموالهم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلا تغنم أموالهم ولا تسبى، ذراريهم لحرمة الإسلام الذي أقروا به ودخلوا فيه، وإنما حل قتالهم لأجل ردهم إلى ما تركوه من حكم الإسلام، فقد أبقى لهم الإقرار بالإسلام بعض الاحترام، فلا يقتل أسيرهم؛ لأنه صار مأسوراً موثوقاً عن البغي قد أمن شره. وذلك من تاب منهم إذا أمنت عودته أنه يخلى سبيله وإن خيفت معاودته إلى البغي، فإنه يحبس إلى أن يؤمن منه ولا يجهز على جريحهم، أي لا يوفى بالقتل. وذلك من حبسته جراحته عن بغيه. وأما إن كان الجريح مقيماً على الظلم والبغي، أو كانت جراحته خفيفة غير حابسة له عن بغيه فسبيله سبيل، أصحابه، ولا يتبع مديرهم إذا كانوا منهزمين إلى غير فئة يلتجئون إليها ولا يتراجعون إلى حرب المسلمين وأمنوا معاودتهم، فإن كانوا منهزمين إلى فئة يرجعون بها إلى حرب المسلمين ويعودون إلى بغيهم وظلمهم، تبعهم المسلمون، وأخذوهم وحبسوهم وأسروهم، إلا أن يأمنوا منهم، وشاوروا فيهم الإمام، إن كان لهم إمام، وإلا شاوروا أهل العلم.
ومن صح عليه أنه قتل أحداً من المسلمين قتل. وأجاز بعضهم أن يتبعوا ويقاتلوا عشرة أيام وقول: ما دام أهل البغي على بغيهم، فإنهم يقتلون مقبلين ومدبرين، إلى أن يفينوا إلى أمر الله ولا سبيل على أموالهم معناه ليس للمسلمين أخذها على وجه
،
143 (1/143)
صفحة 144
الغنيمة. وجاز للمسلمين حبس ما كان آلة لحربهم، ومعونة لهم على بغيهم. ويجوز للمسلمين أن يستعينوا على البغاة بسلاحهم وبخفهم وكراعهم حتى تضع الحرب أوزارها، وما تلف منها في الحرب فلا غرم فيه وما بقي منها فمردود إلى أهله، إذا أمن بغيهم وتعديهم، وانكسرت شوكة ظلمهم ولا يجوز أن يقتل صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا الشيخ الفاني يعني ذا الشيبة الكبير، إلا من قاتل من هؤلاء فإنه يدافع، فإن قتل في الدفاع فلا شيء فيه، ولا تؤخذ أموال أهل القبلة ولا تحرق منازلهم، ولا تنسف دورهم إلا ما كان لهم قوة على بغيهم كالبيت الذي يتحصنون فيه والأمتعة التي يتقؤون بها على بغيهم، فلا بأس بتخريب ذلك عند المقاومة في الحرب فإذا ألقوا بأيديهم، وقاموا إلى الحق امتنع التعرض لأموالهم، إلا ما كان من حق الله فيها، ولا أمان دون الإمام، بمعنى أنه ليس أنه ليس لأحد أن يؤمن أحداً من أهل الحرب إلا بأذن الإمام. فمن شاء أن يؤمن أحداً فليأخذ في ذلك إذناً من الإمام.
،
ولا يجوز التعازي بالقبائل فلا تقولوا يا آل فلان ويا بني فلان، فإنها دعوة جاهلية وعصبية وحمية لغير الحق. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولكن تداعوا بيا أنصار الحق ويا أهل الإيمان ويا أهل القرآن ويا للمسلمين لتَكُنْ حَميتكم للإسلام وعصبيتكم للحق لا للآباء، وبذلك تنالون فضل المجاهدين ودرجة الشهداء وهللوا الله، وكبروه كثيراً، واذكروه كثيراً، فبذكر الله تطمئن القلوب وبالتهليل والتكبير، وملازمة الحق، ترزقون الظفر بالعدو، والنصر على الخصم والهيبة في قلوب المعاندين والمحبة في قلوب المؤمنين.
واعلموا أن الاجتماع، رحمة والفرقة عذاب وأن قسمة القبائل التي اقتسم إليها أهل عمان إلى غافري، وهناوي هي من عمل الشيطان ومكائد العدو، وهي من أعظم مكائد إبليس. فالله تعالى يقول: إخوانكم في الدين والشيطان يقول: وإخوانكم في الصف الغافري والهناوي، ألا فاتبعوا أوامر الله واجتنبوا مكائد الشيطان، واحذروا غروره؛ فإن الشيطان يَعِدُهم ويمنيهم وما يَعِدُهم الشيطان إلا غروراً. إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تَفرَّقوا واذكروا نعمة الله
عليكم.
،
واعلموا أن التقوى هي العروة الوثقى وهي باب كل خير ومفتاح كل مغلق، وهي
144 (1/144)
صفحة 145
المخرج من كل ضيق، وهي القوة على العدو، فبها تَمَسَّكوا وبحبل الله اعتصموا، وعلى الله توكلوا إن كنتم مؤمنين واحذروا التنازع في الأمور؛ فإنه أصل الفشل ومفتاح كل شر ولا تنازعوا فتفشلوا، ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، وفي الخير أنصاراً وأعواناً فيد الله مع الجماعة، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
،
واطلبوا النصر من الله واستعينوا به وتوكلوا عليه إن ينصركم الله فلا غالب لكم. وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده. هذه وصيتي لكم فاحفظوها، واعملوا بها. وتواصوا بالحق وتواصَوْا بالصَّبر. ومن عرف قدر ما يطلب هان عليه ما يبذل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لا ملجأ من الله إلا إليه. ما شاء الله لا
قوة إلا بالله.
له ما في
اللهم يا من بيده ملكوت كل شيء، ويا من عنده خزائن كل شيء، يا من السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، ألف بين قلوب المسلمين، واجمع شملهم، وأظهر دعوتهم، وقو شوكتهم، وارفع رايتهم وأيد دعوتهم، وقَو سلطانهم، وأعز أمرهم واخذل عدوهم واجعل كلمتك هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. آمين يا رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وآله وصحبه، وعلى الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة المقربين وعلى صالح المؤمنين. ختم الله لنا على خير برضاه، والحمد لله رب العالمين.
وهذا ما قيل من الشعر بعد البيعة. وقد أحسن شيخنا العلامة أبو مالك وأجاد حيث
يقول:
حازت
الفخر
تنوفُ ولها الفخر المنيف
آوت
الأخيار
جهراً
وبها
اليوم
صفوف
نصبوا
فيها
إماماً
لا
تدانيه
الشفوف
في جمادى الثاني عصراً عام
لا غش
يوم ثاني عشر هذا الشهـ
قد تم
خروص
اجتبوه
إنه
العدل
يطوف الوقوف العفيف
سالم
من کل
شين
برعاياه
رؤوف
145
نهضة الأعيان - م 10 (1/145)
صفحة 146
له اللهم
نصراً
إنك
الرب
اللطيف
أظهر
الحق
شموساً
ليس
يعروها
کسوف
اللهم
فتحاً أنت
مولانا
الرءوف
علم
وأخفى قصدنا الدين الحنيف وهو أقصى الجهد، منا رب لا الأمر المخوف وعلى المختار المختار صلي ربنا
لطيف
وقد ذكر المر بن سالم الحضرمي شاعر الجوف صحة اجتماع المسلمين بتنوف في قصيدته اللامية حيث يقول:
جنود الله قد سبقت تنوف إلى الفضل المؤبد والمعالي إذ انتدبت لأمر سالمي به يبيض مُسْوَدُ العَذالِ فحار له أولو الألباب حتى راه بعضهم مثل المحال فتمم ما أراد وشايعثه جبال زلزلت شم الجبال بها عقدوا الإمامة واستعدوا رهم نفر كرهط أبي بلال أقاموا سالماً لهم إماماً سُلالة راشد زاكي الخصال من القوم الكرام بني خوص مآثر فخرهم عدد الرمال فسالم سالم من كل عيب وراشد راشد في كل حال وناصره ابن ناصر حِمْيَرِي دواهي الحرب والنوب العُضال فتى من آل حِمْيَرَ شَمْرِيٌّ بعيد الصيت منقطع المثال ولبت من هناة بنو هلال وكل منهم مثل الهلال أقاموا سبعة الأيام فيها يديروا الرأي والسبع الليالي مناصحةً وإنذاراً لنزوى ولم يجدوا بنزوى من يوالي
ا هـ المراد منها وهي قصيدة غراء سنذكرها مستوفاة في محلها. وإلى هذا الاجتماع أشار شيخ البيان نابغة عمان العلامة محمد بن شنحان في قصيدته البائية، وهي قصيدة فريدة تكاد تسيل عذوبة ورقة وانسجاماً. وستأتي القصيدة في محلها ونذكر منها المقصود حيث يقول:
نحن من قمنا على السلطان إذ جاز لا نتركه أن يُنَكِّبا
146 (1/146)
صفحة 147
المعوج والمضطربا
نحن قومنا وسكنا بما نَعِشَتْ فينا قلوب للهدى وجُسُومٌ فيه تشكو النصبا جذبثنا نفحة وهبيّة تجعل المنكر والجور هَبًا خرجت في الأرض تمحو باطلا وترد الظلم ممن ركبا دولة غراء كالشمس بها تشرق الدنيا وتسمُو رُتّبا سهلة بيضاء لم تُلْفِ بها حرجاً أو كدراً أو معتبا وهب الله لها من لطفه سالماً ذاك الإمام المجتبي سله الله حُساماً لامعاً يقطع الكفر ويجلو الغَيْهَبًا بايَعَتْه العُلما والأمرا والبرايا فترقّي منصبًا فهو فتّاح الصياصي والقرى وهو وضاح الصحاري والربا زهت الدنيا به كالعيد في أهله وافق دهراً طيبا أمره شورى فلا خُلْفٌ لما يرتضيه العلماء الثقبا
ومن ذلك قصيدة التحرير المبرّز جمعة بن سليم بن هاشل الخنجري الحارثي قال:
بَشِّرْ
بشر جميع
فالله
فجلت
أعلن
لمسلمين بالنصر والفتح المبين بالهدي صبحاً لعين المبصرين أشعته الدجى والليل مُسْوَدُ الجَبين واليمن والتقوى أمير المؤمنين
بأخي الهدى
العدل سالم الأمين
الطاهر
الشيم
الإما
م
لا يزال
كإسمه عمراً
وأخلاقاً
ودين
من يمينه أوحى على الباغين وحياً بالمنون
الحيا متألق
متأنق
غض
متعاظم
متواضع
الدافع
الأمر
للمعتدى
للعارفين
والمهتدين
الذي يعلو الوغى وهي الزبون
خفقت لدعوته المعا قل مسرعات والحصون
وانحط
من فيها
له
بالرغم منهم ساجدين
من كل مصطلم المسا مع زاهق واهي الوتين
بمدافع
هزت
روا
جفها السهولة والحزون
147 (1/147)
صفحة 148
وزوابع
لفحت
دين
وجو. أولي الضلال الملحدي
واذب بحرٌ غَصْصَ الأر ض فلم تبد
الأنين
أجبالها منفوشة نفش العهون
فاءت
له
عَفَرٌ
السماء بِعِثير
صك
الضلال
فإذا المسمى
کاسمه
ترك الكواكب وهي جُون وأهله فغدوا حصيداً خامدين أبداً مهين لا
يُرْدِي
بأنجم
نطا بسوابق
رجمه أهل الضلال
يبين المارقين
الملا غم والأخادع والجفون
تجري فلم يعلق بها لرجائها لَحْظُ العيون
ما كان علم البرق فيـ ها أدجرت إلا
تعدو
من
بأسد
مالها إلا
صوارمها
ظنون عرين
آل نبهان الجحا جحة الكُماة المعلمين
هم الملوك بنو الملو
ك
همُ
الأعلون
الأكرمون الأفضلون في عليائهم والناس دون
السابقون
الأولون
السابقون
الأولون
هناة
الغالبو
الفخار
وفرعه
ن على البرايا السامقون والمجد والعز المتين
وبنو
أصل
قست الوري بهم فميز ت الشمال من اليمين نهضوا وحِمْيَر ينشرو ن الحق عن رأي رزين كشفوا جميعاًللنهى عن واضح الحق اليقين دولة سع الزما ن بها وكان بها ضنين ن بعد ما ما هدأت دوا عيها وأخلفت الظنون
کانت
فأتوا
شاء
ولا عجب عجب فما بها مشحودة تبري
الإله له
رقاب
يكون الناكثين
تعمي عيون أولي العمى تهدي الهداة الراشدين
تختال من سكر الصبا تهتز من طرب ولين وهو بها الدر المفص مل
والأساور
والبرين
148 (1/148)
صفحة 149
سعي من بالعلم والإ يمان يعلو العالمين
علَم الزاهد
الأئمة
الأواه
لسالمي
کلها خير
البرية أجمعين
الله
زين
العابدين
المحتوى للفضل وهو به قمين
صبح المؤمل كعبة الإ حسان خير المحسنين
الواهب
الإبريز
لل عافين
والدر
بحر الندى حتف العدى وحياً
ملاذ
الثمين اللائذين
عف
بصري
ونور
بصيرتي
المسدد والمعين
المناقب والمكا سب والمصاحب والخدين
هو عمدتي بل عدتي بل ملجئي في كل حين
مدحي
في
الله
?
عن خالص السر المصون
ومودتي
في
غيره
والله
خير
الشاهدين
قم الفتى أجلى لنا عن نهج خير المرسلين
المالك
الـ خيرات منقطع القرين استوي ببطان هديهما الوضين والمسلمون الصالحون
والمالكي
شد
فالله
أزره ومن يشكر
سعيهم
يا
مسلمون تنظموا
في سلك نصرته الرصين
صبراً
لديه
ورابطوا
فالصبر عنوان اليقين
صدق
الطوية
بالوفا
والسر
تبرزه
العيون
فالله
يعلم
والله
والله
منكم ما تكتمون وتعلنون
ينصر من وفا والله يخذل من
ينصركم على أعدائكم قولوا آمين
ثم الصلاة على النبي وآله
نسب الإمام سالم وولادته ونشأته
والتابعين
هو الليث الهصور والبطل الغيور الإمام سالم بن راشد بن سليمان بن عامر بن مسعود من نسل الشيخ عزان بن محمد بن مسعود ابن الإمام عزان بن تميم الخروصي
يخون
149 (1/149)
صفحة 150
(نقلاً
من خط الشيخ خلقان بن عثمان الخروصي)، ثم وجدت بعد ذلك بخط الشيخ محمد بن راشد أخي الإمام المذكور ما بعضه:
سالم بن راشد بن سليمان بن عامر بن عبد الله بن مسعود بن سالم بن محمد بن سعيد بن سالم الخروصي، والله أعلم أي أصح.
ولد - رحمه الله - ببلدة مشايق من قرى الباطنة في سنة واحد وثلاثمائة وألف
سنة 1301.
ونشأ
في حجر والده الزاهد راشد بن سليمان وعليه قرأ القرآن، وقرأ مبادئ العلوم ببلده، ثم خرج إلى بلد العوابي، وهي دار قومه بني خروص، لتلقي العلوم.
ثم هاجر إلى الشرقية لطلب العلم، وهو مراهق الحُلم، وأقام بالقابل من الشرقية، فقرأ على سيدي نور الدين وما فارقه منذ راهق الحُلم إلى أن ارتقى عرش الإمامة إلا وقت زيارته لأبويه وأقاربه. توفي أبوه قبل عقد الإمامة عليه.
صفته وأخلاقه: كان ربع القامة، نحيف الجسم، أنهكته العبادة، أبيض اللون، بهي الطلعة أزج الحاجبين تبين على وجهه سيما الصلاح أعبد أهل زمانه وأورعهم، وأشدهم غيرة على محارم الله، عرف بذلك منذ صغره ضرب به المثل في عمان قبل الإمامة وبعدها زهداً وورعاً وعفافاً ترى يده اليمنى ترتعش إذا دخل في الصلاة، وتسمع لصدره وجيبا لا يحس بما يتحدث الناس به إذا دخل صلاته، حتى إنه ليغيب عن الكون إلى الجذب لا تراه طول عمره إلا راكعاً أو ساجداً.
كان قوته كفافا كان يقعد على البساط والأرض المفروشة بالحصباء، كان لا يحتجب عن الناس يباسط إخوانه ويُحضرهم ما يحضره من الطعام، وأكثر ما يحضره القهوة البنية والتمر أو الرطب في أوانيه. وإذا حضرته فاكهة أحضرها لا يدخر الموجود، ولا يطلب المفقود. ولما تولى أمر المسلمين كانت حالته التعفف عن الأخذ من بيت المال جهده إلا قوته وقوت من يعوله بالمعروف. فمن ورعه أدركته فطرة الأبدان بعد فتح سمايل فلم يجد شيئاً يملكه لأدائها، وأبى أن يقترض من بيت المال أو من الناس، فباع عباءته (المنسول) في عرف العمانيين وأنفق ثمنها فيما وجب عليه.
ومن ورعه أن النفقة المقدرة له من بيت المال كان الخادم يأخذها من الشيخ
10. (1/150)
صفحة 151
،
إبراهيم بن محمد السيفي يومياً، فكان من قدر الله أن أصابه إسهال ولم يشكه لأحد، وانقطع بسببه عن الخروج إلى الناس فذكرت زوجته ذلك للنساء، فوصفن لها هريسة الدجاج فجعلت تقصر من النفقة لشراء ذلك، فعملتها له فلما قربتها إليه قال: من أين هذا لكم، فأخبرته فأمر الخازن الشيخ إبراهيم أن يقصر بقدره من النفقة إلى غيره مما هو معروف وغير مستنكر ولا مجهول.
قام الإمام سالم بن راشد بما تحلى به من إظهار العدل أحسن قيام، وأجرى الأمور على أحسن وجه وأتقن نظام، فأظهر الحق وعمل به، واستبشر المسلمون بطلوع شمس الهدى بعد أفولها، وأخذ في نزع الدولة من أيدي المتغلبين وفي الحال في ليلة الثالث عشر من شهر الإمامة أرسل الكتب بالدعوة وإقامة الحجة على عامل السلطان بنزوى السيد سيف بن حمد بن سيف البوسعيدي وكتب إلى أهل نزوى محلة محلة ومعقلاً معقلاً، ولم يترك أحداً من أعيانها ووجوهها ومن عليه أي اعتماد في أمرها إلا كتب إليه، إلى مناصرة الحق، وأن يتقوا الله وألا يعينوا الظلمة، إلى غير ذلك من النصائح
أن
يجيب
الناجحة.
وكتب للسلطان فيصل يخبره بما قام به المسلمون من العدل ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون وإلى الانقياد لأزمة الشرع الشريف وإن له ما لهم، وعليه ما عليهم، وأرسل إلى سائر آفاق عمان ورؤسائها وأعيانها بمثل ذلك من الخطابات النافعة، ولبث بتنوف بعد عقد الإمامة سبعة أيام يدبر الأمر ويراسل القبائل من أهل عمان إعلاماً وإعلاناً وحجة.
وكتب أيضاً إلى الشيخ ماجد بن خميس العبري ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين، المعتصم بالله سالم بن راشد الخروصي ومن معه من
المسلمين.
إلى حضرة المشايخ الكرام الوالد ماجد بن خميس ومهنا بن حمد ومن معهما من المسلمين: سلام عليكم ورحمه الله وبركاته. أما بعد ففي آخر ساعة من يوم اثني
101 (1/151)
صفحة 152
عشر من الشهر الحالي وقعت البيعة من جماعة المسلمين، بعد أن استوثقوا لأنفسهم من الرؤساء بالعهود والمواثيق وقد تم الأمر ونرجو من الله، النصر، ونحب وصول من خف من المطاوعة. وأنت أيها الوالد ماجد لا بد من وصولك إلينا بتنوف، وقد ألزمناك ذلك بالبيعة التي سبقت على يد الشيخ عبد الله بن حميد السالمي، ندعوكم إلى إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسوله، ندعوكم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ندعوكم لإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم ندعوكم إلى التجارة التي دلكم الله تعالى عليها في كتابه العزيز في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. يا قومنا
أجيبوا داعي الله والسلام. كتبه عن أمرهم عامر بن خميس المالكي في ليلة 13 من جمادى الآخرة سنة 1331 صحيح هذا كتبه إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي بيده.
فحين وافاه الكتاب لم يتباطأ الشيخ حتى شد، رحله فكان أول قادم رحمه الله. وعنده بعض أعيان، قومه، وكان هذا الشيخ عالماً جليلا ذا سن وفضل وكان ممن أدرك دولة الإمام عزان بن قيس - رضي الله عنه ـ وعمل له على بهلا، وفرح باجتماع المسلمين؛ وبايع الإمام، وكتب إلى والي نزوى؛ لأنه كان يراسله ويقبل نصائحه. وهذا نص ما كتبه إليه:
،
الرحيم
سم الله الرحمن الرحيم
إلى جناب سيدنا وعزيزنا المحب الناصح سيف بن سيف، سلام عليك ورحمة الله وبركاته .. وبعد فكتاباك الأول والثاني اللذان نسبتهما إلينا، والشيخ مهنا أشرف عليهما المحب، وعلم ما تضمناه من المعاني بداية ونهاية ومع وصولهما كان الشيخ مهنا ببلد بهلا فتأجل الجواب لأجل ذلك، وأراد طارشاك الرجوع إليك، فلم أر أشفى وأنجع لبلوغ المراد إلا وصولي لإمام المسلمين ومن معه من المشايخ لكشف المراد، فوصلت وعرفت مرادهم وما فيه، وعليه فوجدتهم على جادة الصواب بلا شك ولا ارتياب. وليس الأمر كما تصور في قلوبكم أن الشأن لكي يبلغ الخصم مراده، فإن الأمر الذي هم عليه هو الجد، وما عداه هو الهزل، فمن وافقهم على ما هم عليه، فقد وافق أمر
152 (1/152)
صفحة 153
الله، ومن خالفهم وعاداهم، فقد عرض نفسه لسخط الله؛ لأنه على كل عبد من عبيد الله أن يطيع الله ورسوله وأولي الأمر أئمة العدل، وعلماء المسلمين. والآن إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي والمشايخ الذين بايعوه، وإني أحب لك ما أحبه لنفسي أن تطيع الله، ومن أطاع الله فإن حزب الله هم الغالبون، وإن العزة الله ولرسوله وللمؤمنين. وهو من ماجد بن خميس بن راشد العبري.
محرراً يوم 16 من جمادى الآخرة سنة 1331 ببلد تنوف.
وكتب أيضاً إلى مشايخ العلاية من نزوى ما نصه:
بسم
و الله الرحمن الرحيم
إلى جناب المحبين الكرام الحشام الأولاد علي بن ناصر، وسليمان بن عبد الله
ومحمد بن سليمان ومن معهم من الجماعة الكنود. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فكتابكم الشريف أشرف عليه المحب، وعلم ما حواه بداية ونهاية، وقد أوجب النظر خروجنا إلى بلد تنوف لنتعرف حقيقة ما عند إمام المسلمين فوجدناهم مشمرين لإجابة مولاهم رب العالمين فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى الله، وتعرض لغضبه ومقته في الدنيا والآخرة.
سفه
وأوصيكم ونفسي بتقوى الله، وطاعة عبده إمام المسلمين، فإن الله يقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، وهذا الإمام ومن معه من علماء المسلمين هم حجة الله، وهم أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، ولا يرغب عن ذلك إلا من نفسه؛ وأطاع هواه، وكفر بنعمة مولاه الذي سوّاه ونحن قد بايعناه طلباً لمرضاة الله. والله نسأل الإعانة والتوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل وأقول: إن التخييل الذي ورد في القلوب، والتعلل بما لا فائدة فيه لا يسوغ؛ فإن الأمر ليس كما تظنون اهـ. وهو من المحب ماجد بن خميس بن راشد العبري حرر ليلة 17 من جمادى الآخرة سنة 1331. اجتمع للإمام بتنوف جيش جرار وخميس كرار، وذلك بأن الشيخ الحميري أرسل بعد البيعة إلى قومه من السهل والجبل أن يجتمعوا فسال الجبل الأخضر برجال بني ريام فشدوا عضد الإمام وخرج المشايخ من بني هلال لجمع قومهم من هناة،
153 (1/153)
صفحة 154
ووعدوا الإمام أن يوافوه ليلة التاسع عشر على سفالة نزوى، وقويت لذلك شوكة المسلمين، وإذ مهدوا أمرهم وقرروا رأيهم، وكانت نزوى هي أقرب المعاقل إليهم، وهي بيضة الإسلام ووطن الأئمة في كل زمان عزموا على الخروج إليها، لإخراج عمال السلطان، والاستيلاء عليها، ونشر العدل فيها. وكان الإمام قد كتب إلى واليها، فرجع جوابه بما لا يفيد، ولا يذعن للحق ولا للناصح الرشيد وحاصل ما في جوابه، أنه أمين على نزوى للسلطان، ولا يمكنه أن يترك رعايته إلا أن يستلبها بالحرب العوان، فذلك الذي دعا الإمام رحمه الله إلى الهجوم عليها، مستعيناً بالملك الديان، فخرج الإمام ومن عنده من المسلمين والجيش كله من بني ريام يؤمهم ذلك البطل الضرغام الشيخ الأمير
حمير بن ناصر.
وكان خروجهم عصر يوم الاثنين التاسع عشر من شهر جمادى الآخرة، وهو شهر الإمامة، فكان طريقهم على بلد كمه، فصلوا بها العشاءين، واستراح الجيش قرب العلاية، ينتظرون النزار وأهل البركة، فوصلوهم قبيل الفجر، وعندهم الكتب التي أرسلها السلطان فيصل إلى عامله بنزوى، وذكر له فيها أنه لم يصله كتاب منه بالواقع من نهضة المسلمين، وعقدهم، للإمام، وأن الخبر بلغه من غيره يوبخه ويلومه على ذلك، فقبض عليه بنو ريام القائمون بطريق السِّحامة بأمر الإمام، فأتوا بالكتب إلى الإمام. وكان العامل قد أرسل إليه رسولاً يخبره بالواقع. فقبض الشيخ حمدان بن سليمان على الرسول بالبركة، وأرسلها أي الكتب مع رسول إلى الإمام، فكانت كتب السلطان لا تصل إلى الوالي، وكتب الوالي لا تصل إلى السلطان. وذلك من أعظم البرهان لظهور الحق، إذ اطلع من كتبهم على الخلل الذي بالحصون فقوي لذلك عزم المسلمين وكان في أيديهم لما هاجموا نزوى ثلاثمائة فسكة أي (رمية بلغة أهل عمان وإنما عدتهم التقوى. وقد تحمل الشيخ حمير وأولاد هلال بما يحتاجه قومهم إلى الفراغ من حرب نزوى. أما الذي عمله سيدي نور الدين عند خروجه هذا فثلاثمائة قرش، فضة بالقرض من مطر بن حمودة الحجري، ورددناه إليه بعد وفاته بعنا له ماله الذي ببلد الزاهب من بلدان الحبوس، بقي منها في أيديهم لما هاجموا نزوى عشرون قرشاً فضة.
فتح نزوى
تقع هذه العاصمة العمانية في قلب عمان داخل النطاق الصخري للحجر، في
154 (1/154)
صفحة 155
سهل ضيق تتخللها أودية تنحدر غامرة بسيولها الموسمية تقسمها نصفين، فتمتد عيون البلاد من عروق هذه الأودية فهي كالوريد في بدن الإنسان قد اكتنفتها الجبال من كل الجهات، فهي كسور أحاط بها، لا يتوصل إلى داخلها إلا من طرق مخصوصة، فتكون تلك المنافذ كأبواب عليها تفجرت بها الأنهار فبعضها من قنوات، وبعضها من الغيول الجارية بها. وبسقتْ بها النخيل وزهرت بها الأشجار، تأوي إليها فواكه الجبل كل غداة، وتمشي بها أغذية البحر، وهي المركز الرئيسي لإمامة الأباضية، وديانتهم وفقههم وعلمهم، وبها تتركز القوى الأدبية والدينية، ومنها تنطلق أوامر الإمام لتنتشر بين شعبه. اتخذها الأئمة الأولون عاصمة ملكهم وقد امتد أسطولهم إلى الخارج وقهروا شطراً من الهند وإفريقيا فما رغبوا عنها، وأول من رغب عنها إلى مسقط السيد حمد بن سعيد بن أحمد، لما ولي أمر أبيه عام 1198 هـ وكتب في ذلك المؤرخ لوريمو البريطاني في مجلد 1 419 مقالاً هذا نصه:
ص
أخرجت حكام عمان من موقف كانوا يستطيعون فيه أن يحتفظوا بمنزلتهم بوسائل القدرة العسكرية والسياسية فقط، ووضعت في متناولهم دخلاً مضموناً سهلاً من الرسوم الجمركية، ومكنتهم من أن يحتفظوا بسلطة شكلية بالرشوة وحدها، وعرضتهم بعد ذلك لتأثير حضارة أجنبية، أبعدتهم عن قبائل الداخل وقللت من شعبيتهم بين رعاياهم، ولو بقيت العاصمة في الرستاق لكان من الممكن أن تتمتع عمان في القرن التالي بمزايا حكومة أكثر استقامة ونشاطاً. وكان يمكن أن يكون الفساد الخلقي للأسرة الحاكمة أقل سرعة ا هـ كلامه.
فنزوى عند العمانيين هي أرجح من غيرها، وتدلك على ذلك الآثار الموجودة بها، وهي متوسطة بعمان، وتسمى بيضة الإسلام واسمع إلى قول شاعر العرب أبي مسلم في
ذكره لها:
وافرق بها البيد حتى تستبين لها فِرَقٌ عَلَى بَيضة الإسلام عنوان الشخب أكناف وأحضان
لها مع
فإن تيامنت الحوراء شاخصةً فحُط رحلك عنها إنها بلغت نزوي وطافت بها للمجد أركان فطالما وحدت تبغي لبانتها كأنهن مع الأنضاء عقبان انزل فديتك عنها إن حاجتها عدل وفضل وإنصاف وإحسان (1/155)
صفحة 156
انزل فديتك عنها إن وجهتها تخْتُ الأئمة مذ كانت ومذ كانوا هنالك انزل وقبل تربة نبتت بها الخلافة والإيمان إيمان انزل على عرصات كلها قُدس للحق فيهن أزهار وأفنان انزل على عذبات النور حيث حوت أئمة الدين كيعان وظهران حيث الملائكة احتلت مشاهدهم لها على الحل والتعريج إدمان أرض مقدسة قد بوركت وزكت تنصب فيها من الأنوار معنان ما طار طائرها الله محتسباً له جناحان إيقان وعرفان إلا وقام يمين الله ساعده والفتح والنصر والتأييد أعوان ميمونة بركات الله تَنفَحُها والعلم يثمره علم وإيمان رست بها هضبة الإسلام من حقب وإن قضت باستتار العدل أحيان قديمة الذكر عاذ الدين عائدها من يوم أصبح توحيد وقرآن قامت بها قبة الإسلام شامخة حتى تواضع بهرام وكيوان فلم تزل عرصة للعلم عاصمة للاستقامة فيها الدهر سلطان كم أشهر الله فيها من حسام هدى كأنها لسيوف الله أجفان كنانة لسهام الله ما فرغت مذ كان للجور سلطان وشيطان زحف الإمام بجنود الله يحفهم النصر ويؤمهم الظفر، فأقام الحرب على نزوى
أسبوعاً.
في
"
كان دخول الإمام والشيخ الحميري من قبل العلاية وكان الموعد بينهم وأولاد هلال هناة، أن يقدم بنو السفالة على يجمعهم تلك الليلة، حتى يشغل كل بجهة، وتندفع ثورة الخصم. فمن قَدَرِ الله أن تأخر مشايخ هناة عن الوعد لفتنة وقعت بين جماعتهم، فرتق الله فتقها، فأصبحوا غرة ذلك اليوم وما فاتهم إلا ليلة واحدة وعندهم زحف من جماعتهم، يؤمهم الغضنفر الباسل زاهر بن غصن وأعمامه: محمد وعبد الله وسالم بن بدر وإخوانهم، وقد أحدق الجيش الأول بالعلاية وضيقوا على محلاتها، ومقابضها، فهجم مشايخ هناة على السفالة من طريق العلابة وإنها لتقر لهم بالرئاسة، لأن أباهم هلالاً كان أميراً عليها، فسلمت لهم الأمر، ونزلوا في بيت السيد سيف بن حمد؛ لأن الله أخرجه منه إلى العلاية، لما سوّلت له نفسه أن يرد جنود الله من هناك. فكان من قدر الله وغريب الحظ أنه أول أصيب بالمدة، فخرج بجراحته، وتحصن بالجامع، ودانت لهم قلاع فرق قبل فتح
جريح
??? (1/156)
صفحة 157
،
نزوى، ودانت لهم السفالة إلا القلعة فإنها سلمت الأمر بعد ذلك، وكان أنصار الإمام قد استقل كل منهم بحرب محلة من محلات نزوى فالشيخان أبو زيد ومحمد بن سالم الرقيشي تكفلا بالمدة، وهي أحصن محلة بعلاية نزوى وكان الوالي سيف بن حمد قد جعل فيها وزيره الشيخ ناصر بن خميس السيفي محامياً في عُدة قوية من أهل السفالة، لما يخشاه من خيانة أهل العلاية إذا أتاهم جماعتهم بنو ريام، وكذلك فعل في جميع المقابض؛ لأنه كان شجاعاً، باسلاً مجرباً للحروب وبقي بمن معه من أهل السِّفالة، متأهباً لأول صارخ وعسكر بجامع العلاية. وكان مسجد الجامع من أعظم معاقل العلاية، وفيه بنيان قوي، أعده الشيخ هلال بن زاهر رئيس بني هناة في عصر السلطان تركي بن سعيد؛ لأنه يحاذر من بني ريام، لكونهم خصمه، فأعده هنالك لهم مقبضاً عظيماً، وصيره حصناً حصيناً، بعد ما كان عامراً برجال العلم، غاصًا بحلق الذكر. ولضعف حظ العامل أخرج من السفالة أهلها، فقاتل بهم في العلاية. أما الإمام ومن معه فنزلوا بالمرفع من أعلى نزوى، فكان فالاً لعلوهم ورفعتهم، وكان هجومهم عليها سحر يوم العشرين. وعند الفجر الأول كانت الزحفة العظيمة، فلا تسمع إلا دوي البنادق وهيعة الأبطال، وعظم الخطب والنزال، وتحصن السيد سيف بالجامع، لما أثخنته الجراحة، واتخذوا نفقاً للبيت الكبير بالمدة فنزل الشيخ ناصر السيفي منه قبل تمام النفق. وكان السيد حارب بن حمد أخو العامل سيف بن حمد قد تحصن بالحارة المعروفة بحارة الحديثة، وعنده جماعة من قومه. ثم طلب النزول منها على العفو عنه، ومن معه وأن يسمح له ولخمسة نفر من أعيان قومه، يحمل السلاح عند نزولهم، فأجابه الإمام أن تنزل على حكم الله فيك ومن معك. ولا سبيل إلى حمل السلاح عند نزولك ولا بأس بالخناجر لك وللخمسة الذين عندك إكراماً لكم. أما بقية أصحابكم فليكن سلاحهم عند أميننا، وسيرد إليهم بعد الإذعان والاطمئنان، وطلب السيد حارب من الإمام أن يرسلني إليه وأن نفسه لا تطمئن إلا بذلك، فخرجت بأمر الإمام، يصحبني سليمان بن ناصر العزري المعروف بزايد شر وخويطر مولي الجحاحيف، فنزل السيد حارب ومن معه وحمل كتارة زيادة على الخنجر المسموح له بحملها، فوبخني شيخنا المالكي، إذ لم أمنعه من حملها. ولم يقل الإمام شيئاً، طلب السيد حارب من الإمام العفو عنهم، فاستشار الإمام العلماء فرأوا الصفح عنه، وإلزامه بالقيد، حتى يتم فتح نزوى، فأمر بإلزامه واثنين من أعيان قومه معه وهم سليمان الوالي، وراشد بن جمعة القسيمي، فقام إلى القيد، ولسان حاله ينشد:
،
157 (1/157)
صفحة 158
فقد كان قبل اليوم صعباً قياديا
خذاني فجراني ببردي إليكما وأنشد بعد ما لبس حلق الحديد ببيتين عن أبي العتاهية:
يا أيها الزمن المذل لأهله ومغير الدولات عن حالاتها إن كان عندك يا زمان بقية مما تهين به الكرام فهاتها وبعد تمام فتح نزوى، أطلق السيد حارب وسلم للمأسورين سلاحهم، ولم يفقدوا منه شيئاً، تكاثف تلك الجموع العظيمة.
ثم سلم بيت السليط، وأذعن من فيه وسلم الجامع الأمر وسلم عقيد القلعة،. وكان تسليم القلعة والجامع، وقتل السيد سيف نفسه في يوم واحد. ولما فرغ الإمام من أمر العلاية، وكفى الله شرّ الوالي سيف بن حمد أتاه الداعي من هناة أن السفالة تم أمرها، وأنها سلّمت القيادة، وألقت الزمام بمهاجمة الأبطال الذين حنكتهم التجارب، القائل بأفصح لسان:
جلبت الخيل من برهوت شعثاً إلى قلهات من أرضي عمان قتلت بها سراة بني قباذ وحاميت المعالي غير واني وكان عقيد القلعة حضرمياً، وعساكر بيت السليط حضارم. واختار السلطان عساكر نزوى أيضاً من الحضارم لجراءتهم ولكونهم أجانب لا يحترمون الوطنيين، ولأنه يخشى استبداد عامله السيد سيف بن حمد إن ترك أزمة الأمر بيده لأنه يدعيها، فقد كانت بيد أبيه قبل الإمام عزان بن قيس. في
أثناء الحرب بنزوى وصل كتاب من أمير العبريين لما بلغهم جراح سيف واستئصال الإمام لأكثر معاقل نزوى، أنه سيصلهم بجيشه فأجابه الإمام: إن من دخل نزوى وقت الحرب فهو حرب لنا، فكفوا عن الوصول فكف وبعد ذلك قام إلى العوابي. وسيأتي ذكر ذلك في محله.
لما أيقن عامل نزوى بفتحها للإمام انتحر غيظاً وحنقاً، في الحصن المسمى بجامع
سمد نزوى يوم الرابع والعشرين من شهر الإمامة وكتب في ذلك كتاباً بخط يده: إن الموت خير من الحياة ولا يظن أن أحداً فتك بي بل قتلت نفسي بيدي،
والنار ولا العار».
وكان قبل ذلك قد طلب من الإمام أن ينزل على يد شيخنا العلامة المالكي، وله
158 (1/158)
صفحة 159
العفو. فأرسل الإمام العلامة أبا مالك إليه، وكان ممن شدد الحصار عليه، إذ كان بنفسه - رحمه الله - يغدو ويروح لمرابطة الجامع. ولما دخل عليه تكلم سيف عنده، وشرط شروطاً. منها أن يكون الجامع لي منزلاً، وأن تكون الرويشية بيدي، وهي بستان لبيت المال، وأن ما حواه الجامع من مال وآلة حرب هو لي، إلى غير ذلك. فما رأى العلامة له وجهاً وعده به على رأي الإمام وما لا وجه له رده، عليه ثم سأله عن آلة الحرب والذخائر التي عنده لبيت المال فقربها إليه وأحصاها العلامة ضبطاً، فخرجوا عنه، أن يأتوه غرة غد المقبل، بعد استفهام الإمام فيما يسمح له به. وتقدم ووعدهم أول الجيش إلى نزوى برصاصة في صدره خرجت من الجانب الآخر. وقد هجوم أثخنته الجراح. وأكثر ما يحاذر سيف من أبناء الشيخ هلال بن زاهر، لما تقدم من قتله
لأبيهم هلال.
فلما
أنه
جرح
العلامة أبو مالك إلى الإمام، وأخبره بخبر سيف، أحضر نور الدين رجع الأنصار وتكلم عن لسان الإمام، وأخبرهم بما جاء به العلامة أبو مالك أن سيف بن حمد عزم على النزول، وأن لكم عليه دماً، وبينكم وإياه ضغائن. ونحن قد عولنا على العفو عنه؛ لأنه طلب منا ذلك، ولكونه جريحاً لا نرى أن نجهز عليه بعد الإذعان، وإنا لا نرى الغدر بعد الأمان، فماذا ترون فتقدم في الجواب الهزيز الباسل زاهر بن غصن، وكان زعيم هناة فقال: كأنك بهذا الخطاب تريدنا فقال له: أجل. قال: إنا لم نتأخر عن سيف هذه المدة الطويلة إلا عجزاً، وقد مددنا الوسائط المتلفة والحبائل الموصلة لحتفه، فأعجزنا القدر عن بلوغ الأمل وليس من شيمتنا قتل الأسير، ولا نرى الغدر به أخذاً بالثأر. ولو فعلناه فلا تخش من قبلنا محذوراً. إنما نحن نطلب من الإمام العفو عنه، والأمان له، وهو رجل منا له ما لنا وعليه ما علينا فسر المسلمون بجوابهم
الجميل.
وخرج الشيخ زاهر صحبة العلامة أبو مالك ليطمئن قلب سيف، وكان في صحبتهم الشيخ العلامة عبد الله بن راشد الهاشمي. فلما وصلوا إلى الجامع على الوعد السابق، تلقاهم العسكر، وأدخلوهم الجامع، وأعطوهم كتاب السيد سيف، وأروهم إياه طريحاً منتحراً، والبندقية في رجله قد وضع على مثار النار حطبة مروحة، فكان حتفه على يده، آخذاً بقول الزباء بيدي لا بيد عمرو. وما كانوا ليغدروا به، ولا يرون إلا استبقاءه، ولكن قلم القضاء سبق بما كان وما سيكون والله في عباده أمر هو بالغه آل سعد
159 (1/159)
صفحة 160
الله، وجاء أصهاره يستفتون في الصلاة عليه وأجابهم نور الدين: إن في الصلاة عليه قولين. ولما رجع أبو مالك، وأخبر الإمام بالواقع من أمر سيف. وذلك قبل تمام فتح نزوى حكم نور الدين أن أموال سيف بن حمد صافية، فأمضى الإمام حكمه، وأدخلها في حكم بيت المال.
كتاب الإمام لعقيد القلعة بنزوى:
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد بن
من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي إلى العقيد عبد الله الحضرمي. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فانزل من معقل المسلمين وإلا فأذن
بحرب من الله ورسوله.
القلعة،
حرر ليلة 13 جمادى الثانية سنة 1331.
لما نزل العقيد واطمأن به المجلس سأله بعض الحاضرين كيف خرجتم من مع ما لكم من العدة والقوة والمنعة، فأخبر أنهم رأوا اضطراباً في أركان القلعة. وأدهشني من أول وهلة كتاب الإمام، وأخذني الرعب حين قرأته ما هو إلا كتاب سليمان إلى بلقيس، وها أنا أخرج به إلى حضرموت حتى أريه أهلها.
يذكر أهل المعاقل والمقاتلة بنزوى، أنهم رأوا ما أدهش عقولهم من الأهوال وإلى ذلك أشار شاعر العرب:
ونصرت الله حتى أنه لك من أهل السما الجند نزل ولقد يجدر من أهل السما نصرة القائم في خير النحل
تلك بدر نزلوها مددا وعلى بدر قياس يحتمل مدهش ظهر فيها الكرامات الأول
وفتوحاتك
?
ويقول شاعر الجوف المر بن سالم الحضرمي:
أبادتهم جنود لم يروها ومنها ما ترى مثل السعالي وخيلث الأفاكل في المهامي لهم وقع الفوارس والبغال ومن يعصي اليقين حبال إفك فأبطل للعصي وللحبال
1? (1/160)
صفحة 161
جملة من قتل من البغاة بنزوى خمسة وأربعون رجلاً، والأسارى فوق الألف، واستشهد من أصحاب الإمام خمسة رجال.
بعد تمام فتح نزوى واستقرار الإمام بها، حكم نور الدين بهدم ما بها من القلاع
والحصون والبروج التي أحدثت أيام الجور، فأمر الإمام بإنفاذ الحكم فهدمت.
لما حضرت أول صلاة جمعة بنزوى واجتمع الناس بجامعها، حضر نور الدين المسجد فسمع ضجيج الناس بتلاوة القرآن والصلاة والدعاء. فقال: الحمد الله الذي ردّ إلينا، جمعتنا لو لم يكن لنا من هذا المسمى إلا إقامة الجمعة لكفانا.
وفود القبائل إلى الإمام ومبايعتهم له
بعد استقرار الإمام بنزوى، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويميت البدع، السنن، هرع إليه المسلمون من كل النواحي، ولأنه لم يلبث بها بعد الفتح إلا سبعة أيام حتى خرج للجهاد، فكل من الوفود أدركه بمكان.
ويحيي
فأول
من وصله - لما كان بتنوف قبل فتح نزوى - العلامة ماجد بن خميس العبري، حسبما ذكرنا وعنده بعض أعيان جماعته. وكان الشيخ مطاعاً في قومه محترماً، مقبول القول، عن رأيه تصدر الأوامر والمناهي، عظمه الناس لمنزلته في العلم والسنن، ولما وقر في قلبه من الإيمان.
ثم وفد إليه الشيخ حميد بن خليفين الدرعي، رئيس النجادا من الدروع، فبايع وتكفل عن الدروع أجمع.
ثم وفد إليه بنزوى الحجريون وفيهم جمع غفير من أفاضلهم وأعيانهم، ومعهم عدة من المال إعانة للدولة، وكان وصولهم يوم الجمعة الثاني من شهر رجب الفرد من تاريخ الإمامة، فبايعوا الإمام بالجامع بعد صلاة الجمعة، فقويت شوكة المسلمين، وسر بوصولهم الأنصار، لكونهم في ذلك الوقت قبيلة واسعة عامرة بالمال والرجال، ورأيهم
إلى أفاضلهم.
وقدم إليه رئيس عبرى الشيخ سلطان بن راشد اليعقوبي، فبايعه، وأذعن لما يراد منه، ووعد وعداً جميلاً، إذ كان هو عمدة الظاهرة وما اشتمل عليها، ولأن عبرى
كرسيها.
??
نهضة الأعيان - م 11 (1/161)
صفحة 162
ووفد إليه المجاعلة سعد بن سعيد ناصر وإخوته؛ وهم شيوخ الجنبة، بطن من مذحج، فبايعوا، وقاموا بالواجب عليهم.
ثم وفد عليه شيوخ المحاريق من آدم فبايعوا وترادفت الوفود من أهل الجوف والسر، واضطربت عمان بأسرها. وصار لذكر الإمام في ذلك الوقت صيت عظيم، وكتب نور الدين إلى الأمير عيسى يستحثه بالقدوم إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون كتاباً طويلاً منه: إلى متى ثم إلى متى، ثم إلى متى وكان قد كتب إليه منذ يوم العقد. وكتب إليه عند خروجهم إلى نزوى فلما وصل جيرانه آل حجر قبل وصوله كتب ذلك إليه إزعاجاً.
وعند ذلك شدد السلطان على عمان وقطع المدد عنها، فغلت الأسعار الاقتصادية، وأخذ العمانيون في استجلاب حوائجهم بالحيلة فلم يكن لقطع الميرة عنهم كبير فائدة لخصمهم.
فتح منح
وهي كورة واسعة من أفخم بلدان عمان سهيلي نزوى بينها ونزوى ثلاثة فراسخ، تجمع قرى كثيرة يردها الوارد من جميع جهاتها.
في
أثناء قيام الإمام بنزوى، بعد فتحها، وهو اليوم الثالث من شهر رجب التاريخ المتقدم، وصل نزوى سيف بن سلطان البوسعيدي عامل السلطان على منح، في جمع من قومه وأهل بلده، وفي صحبته أخوه شيخ البلد حمود بن سلطان، وأذعنوا للإمام وبايعوه وكان ابن الشيخ حمود ممن قام بمن عنده لمناصرة عامل نزوى وقت الحرب، فقتل وقتل جماعة من حزبه ولما فتحت نزوى لم يكن من أهل منح إلا الطاعة والتسليم للإمام من غير حرب فسلم والي منح ما بيده من بيت المال، ونزل من الحصن والقلعة التي بالفيقين ورفع يده عن كل شيء، وسأل العفو عما مضى منهم، فعفا عنه، كما هي عادته وأرسل إليهم بعد خروجهم عند الشيخ سالم بن بدر بن هلال الهنائي لقبض المعاقل من يد الوالي، فسلموها له.
فتح أزكى
وهي المعروفة عند أهل عمان، بجرنان، وكانت من أقدم قرى عمان، وفي التاريخ
162 (1/162)
صفحة 163
أن عمارتها قبل نزوى بسنين عديدة ويقال: إنها سميت جرنان باسم صنم كان بها، ويذكر أهلها أن بها سفتجابة تمثال ولطول الدهر امتنع دخوله لأهوال يصادفها من أراد ذلك. وفي المثل العماني: ما وقعت فتنة بعمان إلا وأصلها من جرنان، وبها محلتان متقابلتان، تسمى إحداهن اليمن يسكنها اليمانية والثانية النزار يسكنها النزارية، وفي ذلك يقول شاعر العرب أبو مسلم:
وأين أزكى وطيس الحرب ما فعلت فإن عمدة هذا الأمر جرنان كان بأزكى عاملاً للسلطان السيد سعود بن حمد بن هلال - رحمه الله. وكان مؤمناً ورعاً صادقاً، محباً للمسلمين. ولما بلغه اجتماع المسلمين سُرَّ بذلك سروراً عظيماً، فأرسل للإمام سرًّا، ووعدهم بتسليم أزكى لهم، وأنه لا يمنعه من الإعلان بأمرهم والدعاء إليه إلا العسكر الذين معه فإنه يخشى منهم المعاجلة والتيقظ، فيصعب الأمر؛ لأن عسكره من أهالي حضرموت فهم أشد نكاية على المسلمين، وأكثر مناصحة للسلطان، فأرسل إليه الإمام، سريّة، يقدمها العلامة أبو مالك عامر بن خميس، وعنده الحجريون ومن انضم إليهم، وقد بلغهم أن السيد حمود بن حمد أخا العامل سعود بن حمد وصل إلى أزكى لضبطها وسد ثغورها، وكان حمود شهماً جريئاً من أجل قواد السلطان فيأتيه بالعدة والعدد وما يحتاج إليه من القابلات، فخرج حمود وهو على ثقة من أخيه فوافق خروجه من البلاد ودخول أبي مالك لها، فأحكم ثغورها، وأحدق الحصن. فكان وصوله عوناً للسيد سعود فاجتمع به بمسجد الجامع من حارة اليمن، وأخبره بما جاء به من قبل الإمام فأظهر السرور وأجابهم: إني ما قعدت هنا إلا رجاء لقيام دولة تلم الشعث، وتجمع الشمل، وما أمسكت هذا المعقل إلا للمسلمين، وإني واحد منكم، فسرهم ما أبداه لسانه الصادق من النصح فكتب للإمام بذلك، ورجع السيد لحصنه، ودبر الحيلة لإخراج العسكر منه.
وفي ليلة التاسع من شهر رجب من سنة، الإمامة وقت صلاة العصر بعد صلاة جمعتين بنزوى، خرج الإمام وصحبته القواد والأنصار والعلماء والأخيار، وقد استخلف على نزوى الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري، فصلى العشاءين بفرق وبات بالبركة ليلة عاشر، ووصل أزكى نصف النهار من يوم عاشر، وقبل وصول الإمام وصل السيد حمود بن حمد راجعاً من حضرة السلطان بما أحب، فتعجل القدوم إلى بلد سيدى،
163 (1/163)
صفحة 164
وهي من أعمال أزكى وما ظن أنه أخرج خدعة فلما وصل الإمام كتب إليه صحيفة
صغيرة لا بياض بها.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين وحجة رب العالمين سالم بن راشد الخروصي إلى حمود بن حمد بن هلال. أما بعد؛ فإذا وصلك كتابي هذا فارتحل من سيدى، وإلا فإن الشريعة أباحت دمك ا هـ 10 من رجب سنة 1331.
فلم ير السيد حمود مجالاً للقيام ولا مقابلة عنده لخذلان الرعايا لهم، فرجع
إلى سمايل.
،
وفي اليوم الثاني عشر من الشهر المذكور، نزل السيد سعود من الحصن، وتقدم إلى الإمام بمسجد الحبيب من أزكى وبايعه، وسلم الحصن من غير حرب، بل رغبة منه. فرأى الحضارم وعقيدهم عوض أن لا طاقة لهم بالحرب، وقد قهر الحصن عليهم بنو راشد أهل القريتين فإن السيد سعود دخلهم مستعيناً بهم في الظاهر، فأنزلهم بالقلاع المشرفة على مراصد الحصن؛ وبعد خروجه أمرهم بإطلاق النار على الحضارم، إن لم يرضوا بالخروج وإن المسلمين من ورائهم فما شعروا إلا والبنادق على رؤوسهم، فخرجوا كرهاً، وتحملوا بمن عندهم.
وفي اليوم الخامس عشر، دخل الإمام الحصن، واستولى على البلاد، ودانت له حواشيها، وأصدر الأوامر بالرشاد والنهي عن الفساد، ثم وجه الخطاب إلى بني رواحة، أن يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون وكان الشيخ حامد بن سيف بن أحمد الرواحي، قد أمسك بيت القاروت والقلاع التي بناها الوالي سليمان بن سويلم خادم السلطان لحرب ريام. وقد تجمع عند الشيخ حامد في ذلك الوقت جماعة كبيرة من سراة عبس، فخرج إليهم العلامة أبو مالك مخاطباً. إما الإذعان أو الحرب فتأجلوا إلى وصول الشيخ عيسى وسيد الوادي الشيخ عبد الله بن سعيد الخليلي، وإنهم لا يقطعون أمراً دونهم فأعطاهم
ذلك.
164 (1/164)
صفحة 165
،
قدوم الشيخ عيسى
في اليوم السابع عشر من شهر رجب من السنة المذكورة، وصل أزكى الشيخ عيسى بن صالح، وفي صحبته أخوة الشيخ المجاهد علي بن صالح، وأبناء عمه حمدون وحمد ابنا حميد بن عبد الله وأعيان جماعته الشيخ سالم بن عمير، والشيخ محسن بن عامر، ملبياً دعوة الإمام، فسرّ به الصديق، وبوصوله انثنى كثير من الأعداء عن التعرض للدولة بالمكايد، فتلقاه الأنصار خارج البلد، وكان نزوله محلة اليمن من أزكى.
وبعد الاستراحة والمفاوضة بينه ونور الدين والعلامة أبي مالك، رحمهم الله الواسعة، أجابهم إلى البيعة.
بيعة الشيخ عيسى:
برحمته
بايعناك على طاعة الله وطاعة رسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبايع أعيان قرصة، بعد بيعته على مثل ما بايع الأمير، ثم بايع بقية قومه. ولما انتهت البيعة ارتجل سيدي نور الدين خطبة فائقة أظهر فيها النصح للمسلمين وحضهم على التمسك بسيرة الصالحين، ولم تكن الخطبة محفوظة ولا مأثورة فنذكرها.
وبعد ذلك شرع الأمير عيسى في التوسط بالصلح بين السلطنة والإمام، على أن لا يتعدى الإمام حوزته التي هو فيها إلى سمايل، وشرط في الوفاق على ذلك، وكادت أن تكون مشكلة، تؤدي إلى التخاذل لرغبة الأنصار في الجهاد ودفع سوق البغي إلى الكساد، فقيض الله آل حجر جيران الأمير، فجاهروه بعدم القبول.
وفي اليوم التاسع عشر من شهر رجب من التاريخ الأول، قدم الشيخ حامد بن سيف الرواحي، لمقابلة الإمام بواسطة الشيخ عيسى فبايع الإمام، وسلّم له بيت القاروت من أزكى، والقلاع التي بنيت على طريق المسلمين للتضييق على النزار من غير حرب، ودخل كثير من بني رواحة تحت طاعتهم، فصارت بيعتهم من أقوى الأسباب، لفقود دولة الإمام إلى سمايل وما يليها ولا طريق إلى سمايل إلا في واديهم المعروف بوادي
العربي.
أما بيت القاروت فكان لبني ريام فسلبوا إياه، فاتخذه الشيخ حامد مركزاً، وأقام به
إلى هذا التاريخ. (1/165)
صفحة 166
وأما القلاع فبناها سليمان بن سويلم مولى السلطان فيصل على أفلاج بين ريام وطرقهم لسد المنافذ عنهم. وكان سليمان فاتكاً ذا بسالة وتجربة للحروب، يجر الجيوش السلطانية، ويقودها على من ناواه وخالفه وقد ضيق على بني ريام ودمر أنهارهم، وأعانه على ذلك بنو رواحة؛ لأن رياماً خصمهم في القسمة الشيطانية التي أهلكت عمان، هذا غافري، وهذا ساوي.
بعد أن استقر الأمر بأزكى، حكم الإمام سالم بفتوى نور الدين: أن تهدم القلاع المبنية بالبغي على طرق المسلمين فهدمت وأن يردّ بيت القاروت الذي اغتصبه الشيخ حامد إلى أربابه، وطلب الشيخ حامد ما أنفق فيه للعمارة، وما دفعه في زيادة البناء، فلم ير له نور الدين، ذلك وأجابه أن لا عناء لغاصب.
عبد
عين الإمام سالم والياً لأزكى الشيخ حمدان بن سليمان النبهاني، والشيخ أبو زيد
الله بن محمد قاضياً، وحجر على حمدان أن لا يقدم على أمر إلا بإذن أبي زيد.
واستراب بعض الفقهاء من تولية الشيخ حمدان، وتلك مصلحة رآها الإمام في ذلك الوقت، ثم عزله بعد ذلك.
أثناء هذه الحركة أرسل الإنكليز بطلب من السلطان شرذمة من عساكرهم الهنود، ولحماية عاصمة مسقط، فقعدوا ببيت الفلج على ثغر مطرح.
فتح العوابي
(وهي المعروفة في الكتب القديمة سوني القديمة، وكان حصنها تحت سلطنة مسقط) أحس الشيخ السياسي مهنا بن حمد العبري بانتصارات الإمام وأعوانه في جميع المواقف، فهاله قيامهم بحقوق الشعب وأزعجه استنقاذهم الممالك من أيدي المتغلبين في أسرع وقت وغبطهم في إنشاء حكومة شرعية أضاء لها المصر، وفرح بها الشعب. ولا نصيب فيها له، فأسف لتأخره، ولام نفسه على تلكؤه من الانضمام في السلك الذي جروا فيه، فحاول أن يقوم بنفوذ، جديد، يجعله قطباً في دائرة الجمهور، وامتاز بمهاجمة العوابي، لكونها لم تفتح بعد.
سحب
هذا الرئيس كتائبه إليها وزحف بنفسه عليها، فطبق أفقها رمياً ملحاً كشهب الرجم، هاج بها ارتماء فما كان عاملها الشريف ليطيق ذلك، وقد أخذ الأهالي الذين
166 (1/166)
صفحة 167
خضعوا لحكمه في السابق بالضغط عليه والانتقام منه واضطروه للخروج من المعقل الذي جعله وكراً له غير أسفَاء على فقده، فما قرت عينه ولا هنأت حياته حتى سلّم الحصن، وفي مقدمة المحاصرين صف الإمام الشيخ ناصر بن راشد الخروصي، واتخذوا للحصن سرداباً، كاد أن يحرق البارود فيه لولا خضوع من فيه وفي اليوم السابع عشر من شهر رجب، من سنة الفتح خرج الشريف عبد الله بن سالم الحضرمي من أهالي حضرموت من حصن سوني وهو بيت العوابي.
تبرع الشيخ مهنا بن حمد بقيامه، هذا، وجعله كفارة تأخره عن الدخول، أول وهلة، فيما اجتمع عليه المسلمون ويعدها التاريخ له منقبة كبرى قدمها بين يدي نجواه؛ فإنه قدم بعد فتحها، وسلمها للإمام بسمايل وبايع هو ومن بمعيته من بني عمه. فشكر المسلمون صنيعه، وفرحوا بدخوله عندهم.
جنود
ومما قاله شاعر الجوف المر بن الحضرمي في فتح نزوى وأزكى ومنح والعوابي: جنود الله هبوا للقتال فَلَمْ تُشَم رائحة الغوالي جنود الله هُبُوا واستعدوا بأنفسكم لنصرة ذي الجلال جنود الله في الجنات حور أعدت للمجاهد والموالي جنود الله إن بها قصوراً مفاتحهن أطراف العوالي جنود الله إن القتل فيه كازي النحل شيب بما الزّلالِ الله لولاء بماذا يبين على النسا فضل الرجال جنود الله قد سبقت تنوفُ إلى الفضل المؤثل والمعالي عَلَتْ قدراً ومقداراً وفخراً وتاهت بالمحاسن والجمال إذ انتدبت لأمر سالمي به يبيض مُسْوَدُ القَذال فحار له أولو الألباب حتى راه بعضهم مثل المحال فتمم ما أراد وشايعته جبال زلزلت شم الجبال بها عقدوا الإمامة واستعيدوا وهم نفر كرهط أبي بلال أقاموا سالماً لهم إماماً وهم نفر كرهط بني هلال من القوم الكرام بني خروص مأثر فخرهم عدد الرمال فسالم سالم من كل عيب وراشد راشد زاكي الخصال
167 (1/167)
صفحة 168
كالخيال
وناصره ابن ناصر جميري دواعي الحرب والنوب العُضال فتى من آل حمير شَمْرِي بعيد الصيت منقطع المثال ولبت من هنا بنو هلال وكل منهم مثل الهلال أقاموا سبعة الأيام فيها يديروا الرأي والسبع الليالي مناصحة وإنذاراً لنزوى ولم يجدوا بنزوى من يوالي فما نفعتهم الإنذار إلا ليعتادوا على الحرب السجال فأَمهُم الإمام بأسد غاب مصاليت أعدت للقتال ومد لأخذ مدتهم يميناً وأحرز ما تبقى بالشمال ولما استفتحوا سمداً أفاضوا على نزوى السفالة من سفال فدانت عقرهم من بعد عقر رأت أبطالها يوم النزال أبادتهم جنود لم يروها ومنها ما يُرى مثل السعالي وخيلت الأفاكل في المهامي لهم وقع الفوارس والبغال فكم من آية ظهرت عياناً ونادرة. رأوها رمى بعض اليقين خيال إفك فأبطل للعصي وللحبال أتته من أقاصي الشرق قوم تبايعه ومن أقصى الشمال ولما استفتحوا نزوى وقرت به عيناً وطابت بالوصال سرت منه إلى منح سرايا ترى سفك الدما منح النوال وفتحت القلاع لهم وحازوا ذرى الحصن المشيد بلا قتال وبالركب الزكي سرى لأزكى مشيجاً بالنجائب والرعال أتاها بالسعود لأن فيها فتي حمد سعود فتي هلال غدا لهم لفتح الحصن عوناً بتفريق العساكر والرجال فتم لهم بها نصر وفتح وتم لهم بها حسن المآل وخلص حصن قاروت ودانت له القلع المشيدة في الجبال وبايعه بنو عبس فكفوا وبال الحرب منه إلى وبال وقام بنو خروص للعوابي ذوو العليا وسادات الشمال وأيدهم فَتَى حَمَدِ مهنا بجيش من بني عم وخال فأذعن حصنها وغدا ذليلاً شريفهم وارتذال
بذل
168 (1/168)
صفحة 169
أدام الله نصرك يا إمام وأظهركم على أهل الضلال
وأبقى الدولة الغُرا بسعد وإقبال وأرغم كل قال فتح سمايل الفيحاء
?
،
سميت الفيحاء لكثرة فوران الماء بها وطفوحه على وجهها تقع هذه العاصمة في إقليم بهي کبير، سري به ثغور جليلة وبلدان، جميلة آهلة بالرجال، تحدق بها الجبال عن اليمين والشمال فهي حمى لا يُراعُ ومعقل لا يستطاع تجمع طرق المواصلات، لكثير من الجهات محور تدور عليه رحلة الشتاء والصيف بين مسقط والباطنة والشرقية والجوف، حلقوم عمان الذي تتنفس منه وبلعومها الذي تغص به، يصفها شاعر العرب
فيقول:
وأين حلقوم ذاك الملك معقله سمايل فهي للسلطان سلطان وأين عن أَجْرَبَيْهَا منعُ بيضتها والأجربان بنو عبس وذبيان فبنو عبس وذبيان القبيلتان اللتان تتكى عليهما هذه العاصمة ذات الأسواق الرائجة، والحصون المشيدة، والعيون الجارية تدخل، دروهم فينصرفون بها في قصورهم، تحف بهذه المياه بساتين ملتفة بها الأشجار كأن الحور أعارتها قدودها وكستها برودها، تحمل ضروباً من الفاكهة تهش لها النفس، ويجتمع بها الأنس، ولا ترى بها الشمس، كأنما عناها الشاعر بقوله:
تفرح بالشمس إذا ما بدت كفرح الذمي بالسبت
هي
أول بلد بعمان دخلها الإيمان، هي بلاد مازن بن غضوبة العماني، الصحابي الذي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم على يديه وقصته مشهورة، استوفى ذكرها سيدي نور الدين بتحفة الأعيان.
لما كان عصر اليوم السادس والعشرين من شهر رجب من سنة الإمامة، خرج سالم بن راشد الخروصي من أزكى بجنوده إلى سمايل وباتوا بالقاروت، وأقالوا بالعين من وادي بني رواحة، وباتوا ببلدة هيل ليلة الثامن والعشرين وأقاموا بها، وباتوا بها إلى
آخر ليلة التاسع والعشرين، فخرج الجيش من هيل ودخل سمايل من جميع جهاتها.
كان دخول الإمام وأمير الشرق وبني هناة ومن معهم من جهة العلاية، فنزل الإمام
169 (1/169)
صفحة 170
أمراء
،
بمحلة الجبيليات من السافلة وأمير الشرق بالإبراهمية في العلاية، وكان دخول الشيخ الحميري ومن عنده من جهة اللجيلة ونزل بالجبيليات من السفالة، فأقاموا محاصرين لحصنها. وفي أثناء هذه الثورة تقدم إلى سمايل السيد نادر ابن السلطان فيصل بأمر أبيه، لمقاومة الثائرين ودفعهم، فاجتمع إليه جمع عظيم من العمانيين وضبط ثغورها. فجعل بني بو علي ومن عندهم على باب العق وهو الطريق الخارج إلى الشرقية، والداخل من الشرقية إلى مسقط. وأمر الشحوح ومن عندهم أن يكونوا ببدبد وترك بقية قومه من البدو والحضر عنده بسمايل، وأكثرهم من آل وهيبة وأقسموا له أنهم يموتون أمامه ويقاتلون قدامه يستجلبون بذلك العطاء ويبطنون لهم الخطا، فأخذوا كثيراً من النفقات العظيمة والجوائز الجسيمة حتى امتلأت عيابهم، وفاضت أوطابهم، فلما تحقق عندهم عزم الإمام العادل هرع أولئك المتوكلون تحت ظلام الليل وركنوا إلى الفرار وركبوا العار، ولم يفد فيهم بذل الدرهم والدينار وأسلموا سيادتهم بعد أن أفرغوا مادتهم وتفرقوا أيدي سبا.
،
وكل صداقة في غير دين تصير عداوة عما قريب فحاول السيد نادر أن يجمع كتائبه الحائرة الفارة فلم يستطع، فأوجب الأمر أن يغلق باب الحصن، ويدافع جهده بما عنده ومن عنده من بني عمه، وكانوا اثني عشر سيداً وغيرهم من الرؤساء أهل الثبات حين لم يجد من يثق به، فيهاجم الثوار خارج الحصن. وكان دخول الإمام ضحى النهار والحصن يقذفهم بوابل الأمطار الرصاصية، فلا تسمع إلا دوي المدافع الهائلة وقواصف البنادق القاتلة فأظلمت الآفاق، واحتجب نور الشمس من الإشراق، وأدى بكثير من النفوس إلى الإرهاق وقتل في تلك الواقعة من أصحاب الإمام ثلاثة أو أربعة وجرح أناس، ولا يعرف من أصيب بالحصن ولم يزل الحصار مستمراً، وجعل للحصن نفقاً، وضعُوا البارود فيه وأضرموا عليه النار، فتزلزل كثير منه وانكسر جانب من جدران السور المحيط به، ولم ير القائد زاهر بن غصن الوثوب عليه عند مثار البارود كما هي العادة لأن ما بقي منه القوي المانع، ولأن من فيه أسود تحفزت للوثوب، فبقيت بينهم المراماة وبسبب انهدام السور، وقع فيهم تضعضع وسئموا الإقامة، وأيسوا من المناصرة، فدخل عليهم سيد الوادي الشيخ عبد الله بن سعيد الخليلي، وأبدى لهم النصح الواجب، فأدرك السيد نادر ضرورة القضاء إلى التخلي عن الحصن والخروج منه حين لم يغن عنهم الدفاع المجيد شيئاً. وتعهد لهم الشيخ الخليلي
170 (1/170)
صفحة 171
أن يكون الحصن بيده إلى انقضاء خمسة عشر يوماً من يوم خروجهم. فإن صحت للسلطان استطاعة إلى إرسال نائب يقهره، وإلا فلا لوم عليه بعد ذلك إن سلمه للإمام، وأن يحملوا ما بقي عندهم من العدة، واستأذن في هذا التعهد الإمام، وطلب الإجازة منه، فأسعفه بما أراد لما رأوه من قدرتهم في ذلك الوقت، وتضعضع أمر السلطان.
غادر السيد نادر حصن سمايل ليلة الثامن والعشرين من شهر شعبان من عام الفتح، بعد بلاء عظيم، وجهد كبير، وقتال عنيف، ورمي بالمدافع، وكسر جانب من الحصن بإثارة البارود، فمكث بعض تلك الليلة بسحراء محل الشيخ الخليلي، وفي آخرها خرج على طريق وادي بني جابر، وصحبة الشيخ الخليلي إلى بلد الخوض وابنه الشيخ علي بن عبد الله إلى مسقط.
احتاجت هذه الغزوة من النفقة خمسين ألف قرش فضة صرف عمان وخمسين ألف فشقة. وبالعبارة العمانية رمية والسمايل أهمية خاصة فهي المنقذ الوحيد الفاصل بين الساحل والداخلية، وقد أدى سقوط سمايل إلى زعزعة مركز السلطان. وفي كتاب عمان لشركة الزيت الأمريكية ص:82 وكتب برسي كوكس الوكيل السياسي بمسقط قديماً أن السلطان بغير سمايل لن يكون أكثر من شيخ بمسقط ص 86 كتاب عمان. وقد صرح الإنكليز بأنهم لم يسمحوا بالهجوم على مسقط ومطرح، وكتبوا للإمام كتاباً نذكره في آخر الفصل، فأرسلوا شرذمة من الجنود الهنود إلى بيت الفلج ثغر مطرح. وفي شهر شوال السنة المذكورة، ضاعف الإنكليز حاميتهم ببيت الفلج خارج مسقط وعرض الوكيل السياسي البريطاني على السلطان في نصيحته له هذه العبارة ص 22 (بل الحرب العالمية) لقد كان الثوار قابضين على زمام الموقف باحتلالهم وادي سمايل وحصن سمايل اللذين كانا ضروريين لازدهار مسقط التجاري.
من
،
فتح بدبد
هي بلدة واسعة كانت كلها بيت مال للمسلمين وهي ثغر وادي سمايل والشرقية من جهة مسقط، فتكون أيضاً ثغر الباطنة من الشرقية وهي البلدة التي اجتاحها السيل العارم عام إحدى وخمسين ومائتين، هجرية، فعمرت بعد ذلك.
في يوم ثاني من شهر شعبان سنة 1331 خرج الشيخ عيسى بن صالح من سمايل، وفي صحبته السيد سعود بن حمد بن هلال ممتثلاً أمر الإمام لحصار حصن بدبد. وكان
171 (1/171)
صفحة 172
فيه الحضارم عسكر السلطان فيصل فأقام الحصار عليها، ثم بلغه أن السيد تيمور بن فيصل قدم إلى بلدة الخوض وعنده جمع، وأن قصده الهجوم على بدبد. وكتب إليه أهل الخوض أنا لا نقدر على منعه ولا على الامتناع من أمره، متى أراد منا أن نقوم عنده، ونحب وصولكم فأرسل الأمير إلى الإمام بالواقع، وأن يرسل إليه من يقوم بحصار الحصن. فأرسل الإمام طائفة من الجيش يقدمهم الباسل العفيف الشيخ علي بن هلال بن زاهر الهنائي وفيهم مطاوعة، الحجريين وآخرون من ريام وعبس.
وأجمع رأي الأمير ومن عنده على مصادمة السيد تيمور، قبل دخوله وادي سمايل، فركبوا من ليلتهم، ووصلوا فنجا بعد العتمة، فنزلوا بالتصاوير، وهو مكان آخر فنجا من الجانب النعشي، وأصبحوا هناك إلى بعد الظهر يستفسرون الأخبار، ويطلعون ما عند السلطان، ثم زحفوا إلى بلدة الخوض. وقد خرج السيد تيمور منها، فكانت ضيافتهم ذلك اليوم عند الشيخ حميد بن عمير الهنائي لأنه كبير أهل البلد، ثم انتقلوا عنه بعد تناول الغداء، وأقاموا بالجانب النعشي منها، مرابطين والسيد تيمور مقيم بالسب في مقابلتهم في أثناء حصار حصني سمايل وبدبد.
وصل السيد حمد ابن السلطان فيصل لبلد اللجيلة بمن عنده من جنود، مناصراً لأخيه السيد نادر، فما تيسر له دخولها، ثم عزم أن يهاجم بدبد ومن فيها؛ لأن عساكرهم بحصنها، فعطف عليها، وعطف معه أصحابه. وقد شدد المرابطون الخناق على من بها، فوصلهم الخبر قبل وصوله فتلقاه أمير المرابطين الشيخ علي بن هلال عند بلد الوغلة، وغربي وادي الضبعون فصدقوهم القتال حتى ردوهم إلى مكانهم الذي خرجوا منه، فرجع السيد حمد بغير طائل لا من بدبد ولا من سمايل كتب الإمام إلى بني جابر: إما أن يُخرجوا السيد حمد من بلادهم أو يتهيأوا للحرب، فأخذوا ثلاثة أيام أجلا، يدبرون الحيلة لإخراجه بوجه حسن، حتى خرج وتوجه إلى مسقط.
وفي الساعة التي انهزم السيد فيها كرّ الشيخ المجاهد علي بن هلال بمن معه على الحصن، وهو يمطر عليهم بوابل من الرصاص، ويحرقهم بالمدافع، وكان الوقت عصراً، فكان من قدر الله أن قهروا البرج المنهدم سهيلى الباب، وهو مشرف على الماء الذي يحتاج إليه القابضون فأوسعوهم مقاومة، وأشبعوهم مصادمة. فما لبثوا إلا قليلاً حتى طلبوا الأمان، وعزموا على الإذعان، فأعطوهم ذلك، وأخرجوهم، وقتل في تلك الوثبة
172 (1/172)
صفحة 173
خادم للشيخ علي فكان فتح حصن بدبد يوم الخامس والعشرين من شهر شعبان من سنة الإمامة، وتم أمرها قبل فتح حصن سمايل بثلاثة أيام.
بقي الشيخ عيسى مرابطاً بالخوض إلى يوم سادس من شهر رمضان من السنة
المذكورة.
ما قيل من الشعر في فتح سمايل وبدبد
قال الشيخ عيسى بن صالح بن عامر الطيواني، وقد أرسلها سرًا من مسقط: هي
كلمة حر غيور ونفثة ليث مصدور. وكان هذا الشيخ قاضي القضاة بمسقط: للحق نور سناه مشرق أبدا لو أنكرته عيون ملؤها رمدا وإن غدا برهة بالحجب مستترا فإنما نحن لم نمدد إليه يدا تبارك الله نور الحق منبلج فأشرقت بسناه الأرض حين بدا فالحق في جَذَل والبُطْل في وَجَل والبر في سعد والبحر قد ركدا قامت عُمان على ساق النجاح ولو تأخرت ردحاً ما استيقظت أبدا قامت تدافع عن دين الإله ولم يجد مراما سوى مد جد وجدا فالغرب في دهش مما تحاوله والشرق من فرح لا يعرف الكمدا قد كدت أقسم لولا أن ذا سرف بأن نهضتها قد زحزحت أغدا يا أيها القوم هبوا من سباتكم وجاهدوا باطلا قد زادكم أودا لا خير في عمر يمتد في رَهَق فلتبذلوا النفس في العلياء والتلدا لا خير في العيش إلا أن يكون به عز وماعيش قوم عزهم فقدا فتم جنات عدن قد أعد بها مولاي حوراً لمن للحق قد رشدا دعوا التحزب فالإسلام يجمعكم إن التفرق ليل والجميع هدى بالائتلاف ونبذ الاختلاف سَمَتْ فوق السماكين صحب المصطفى أبدا أكرم يقوم غدت الله نهضتهم وصيروا الدهر عدلا بعد ما فسدا من كالفتى ابن حمد ذي الأناة فتى قد عاش يجمع شمل الدين مجتهدا نتى أتى حِمْيَراً زاكي الخصال وقد أسر في النفس أمراً طالما نُشِدا لبي لدعوته الله محتسبا لم يستمع في العلا عدلا ولا فَنَدا لما غدا حمير في الأمر مشتركا جاء النجاح مجدا بعد ما بعدا
173 (1/173)
صفحة 174
صارت عصى الدين سيفاً قاطعاً فندا يَقُدُّ هامة من للحق قد جحدا
لقد
حمى
هل كالفتى الحميري اليوم من رجل فاقت مناقبه الإحصاء والعددا الدين بالهندي منصلتا وجاد بالمال في إعلائه مددا وشايعته ليوث من هناة همُ بنو هلال مصالـيت بحور ندي فبايعوا سالما لما رأوه لها إمام صدق غدا في الله مجتهدا أمست تنوف بلا ريب تنوف على كل البلاد بهم أكرم بها بلدا وبعد ذا استفتحوا نزوى فسال بها ماء الهدى فأراح الجور والكمدا وأحرزت منحاً عظمى بهم منح وبدلت بعد خوف عيشة رغدا وبعد ذاك أفاضوا بالجنود على أزكى فمدت إليهم بالسلام يدا وكان فيها سعود حاكما فغَدا للحق سيفاً يقد الهام والجسدا وبايعته بنو عبس بأجمعهم والكل منهم نراه في الوغى أسدا رامت سمائل أن تحظى بهم فأتوا كالسيل مندفقاً فاستفتحوا البلدا وجاء يسعى من الرستاق نحوهم مليكها أحمد طوعاً بغير ندا
وصاحبته ليوت من بني حكم رسم المنية في إسيافهم وجدا فعانقوا الحق إذ نارت أشعته سود غاب سراهم في العُلا حمدا وبايعته شيوخ السر يقدمهم أمير بهلا فتى كالليث حين بدا هنئت بالنصر والفتح المبين أيا إمامنا إذ نصرت الواحد الأحدا شيد للحق أركانا دعائمها فوق السماك وصيرت القنا عمدا إذا ذكرتكم أهتز من طرب كأنني صادم في راحتيك غدا صارت سيوف الأعادي غير قاطعة لما جعلت هواكم في الوغى زردا رام العذول ارعوائي عن محبتكم وما درى أن صبري عنكم نفدا وكيف أترك تياراً يمج هدى آليت لا أرد الضحضاح والثمدا يا رب نصراً لأهل الحق قاطبة واجعل ملاكك في الهيجا لهم مددا
ولشاعر الجوف المر بن سالم الحضرمي
رجاء الإله لنا
شامل
وما هو عن نصرنا غافل
نعد
صوار منا للعدى وسيف الإله هو الفاصل
174 (1/174)
صفحة 175
يظن العدو بنا أننا قتلناهم وهو القاتل
رمينا ولكنه قد
رمي ونفعل لكن هو الفاعل
نسوس الأمور بتدابيره ومهما نقل فهو القائل
تقوم بحق الإله السما ولا يستوي الحق والباطل
ومن حارب الله مستنكفاً فإن
الإله له
الإله له
خاذل
کافل
ومن كان بالله معتصماً فإن فبالشرع قام فتى شارع وبالعدل قام فتى عادل أيا صاح بلغ إمام الهوى إذا كان يُبلغه الناقل فتم سرادق من هيبة وتلك مقام له هائل فمهما بلغت إلى داره فبشره لو كره العادل أتتك البشائر يا سالم ويا المي الفتى الفاضل بشائر قد ضاق منها الفضا ويشجع من ذكرها الخامل وتجزع منها قلوب العدى ففي كل قلب بها واجل فتحت سمائل يا سالم وفي حصنها البطل الباسل بها نادر باسل في الوغى له يشهد الباس والنائل سادة كرام لهم شرف کامل صواعقها ضرم شاعل
تؤيده
مثله
لدى وفيه مدافع صمع
بلا
شدة كان الزمان لكم عامل
فماتم شهران حتى أتى مطيعاً وأعلاهم السافل
فحاصرتموه
ومن
كان تاركم فوقه
غدًا
تحته وهو النازل
وخير الفتوح الفتوح التي أعد لها السيف والذابل وبدبد لا بد من ذكرها لأن الفتوح لها شامل أتت بالبشائر من قبل أن تبشركم أمها الشاكل فصار صداقهما عاجلا وخير صداقيهما الأجل لك النصر والفتح يا سالم يدومان والشرف الطائل ومجدك ليس له غاية وبحرك ليس له ساحل
أمدك ربك
من
فضله
عطا
ما أمله
آمل
175 (1/175)
صفحة 176
وهم
طلها
عدوهم
وابل
ووالاك من فضله ساده غطارفة همو كالأساطين يوم الوغى مم في الندى عارض هاطل فتية كنجوم السما ونجم الأفل ولم نسم أسماءهم إنما بأفعاله يعرف الفاعل وصلى الإله على المصطفى نبي الهدى ما سرى راحل بقي الإمام سالم بعد فتح سمايل مقيماً بها لتوكيد أمورها والرؤساء تفد إليه للبيعة. وبقي الشيخ عيسى مرابطاً بالخوض إلى اليوم السادس من شهر رمضان من سنة الفتح، ثم قصد الرستاق، وكان الحاكم عليها ذلك الوقت السيد أحمد بن إبراهيم، فخاطبه في الدخول فيما دخل فيه المسلمون، وأن يتقدم إلى مبايعة الإمام فأسعفه، وكان هذا السيد من أعظم دعاة عمان وأدراهم بأمور الرجال فكان وصولهم سمايل يوم التاسع عشر من شهر رمضان من السنة المذكورة وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان بايع السيد الإمام وبعد انتهاء الزيارة رجع إلى وطنه الرستاق، وبقي بها إلى أن كان بينه والشيخ ناصر بن راشد الخروصي سوء تفاهم حصل منه شقاق، أوجب قيام الإمام عليه. وسيأتي في محله - إن شاء الله.
وفي اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة وصل الشيخ الرئيس أمير بهلا ناصر بن حميد بن راشد الغافري حصن سمايل مذعناً للإمام، ممتثلا طلبه، وفي صحبته الشيخان حمير بن ناصر النبهاني، وعبد الله بن هلال بن زاهر، فبايع الإمام مع أعيان، قومه، ثم رجع إلى وطنه، بهلا ولم يزل بها حتى أحدث أحداثاً ناقضت البيعة؛ فقام الإمام عليه وسنذكره في محله - إن شاء الله.
نصها:
،
في أيام حصار سمايل وصلت كتب من قنصل الإنكليز بمسقط إلى الإمام سالم هذا
حرر يوم سادس شعبان سنة 1331 بمسقط.
من الميجر ناكس نائب الدولة البهية القيصرية الإنكليزية في مسقط إلى جناب الشيخ سالم بن راشد الخروصي.
بعد السلام عليك، لا بل أنت خبير يقيناً بالفتنة الواقعة بعمان سنة 1331 بينكم وبين حضرة سلطانكم المعظم فيصل بن تركي في تاريخ جمادى الثانية سنة 1331.
176 (1/176)
صفحة 177
حضرة سلطانكم نشر لكم إعلاناً كما سيأتي:
إلى كافة من يراه وبعد نعرفكم بأنا وصل إلينا كتاب من أمير الأخليج بهذا المضمون، أنه يلي المصالح المهمة رعايا الدولة البريطانية في مسقط ومطرح، وقد عزمت الدولة على إصدار وإنذار إلى كافة مشايخ عمان أن فيما بعد مهما يقع من الخصومات في حضرة السيد فيصل بن تركي لا تترك الدولة المذكورة أحداً يهجم على هاتين البلدتين، فننذركم بهذا الاشتهار، فإياكم والتعدي على مسقط ومطرح، وكفى إخباركم بذلك، ومن حيث بين بعض منكم تسوى هذه النصيحة والإنذار. أكرر لكم ذلك ليصير عندكم، والسلام.
صحيح الميجر ناكس نائب الدولة البريطانية البهية القيصرية الإنكليزية بمسقط.
جواب الإمام لهذا الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي.
إلى حضرة الميجر ناكس نائب الدولة البهية الإنكليزية السلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى، أما بعد فقد وصلني كتابك المؤرخ سادس شعبان من هذا العام، وذكرتم فيه ما ذكرتم وأنتم تعلمون أن أمر عمان عند علمائها من قديم الزمان، وإن كل ملك خالف العلماء هو خليع عند الدولة الإسلامية، منبوذ عن أمر المسلمين لا تصرف له في دولتهم ولا نفاذ لحكمه، وإن فيصلاً قد قامت عليه الحجة مراراً عديدة بعد خلعه وعزله، فأبى أن يعتزل وإنه قعد هذه المدة بسبيل الغلبة والقهر والمسلمون لم يرضوا سلطته ولا أفعاله وأنتم معشر هذه الدولة يجب عليكم أن تكفوا عن أمر المسلمين، ويلزمكم أن لا تعتدوا علينا ومن اعتدى علينا فالله يعيننا عليه، وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ومن كان الله كان الله معه. ومن يتوكل على الله فهو حسبه. إن الله بالغ أمره قد جعل بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً. وإن ينصركم الله فلا غالب
لكم.
'
177
نهضة الأعيان - م 12 (1/177)
صفحة 178
حرر تاسع شعبان سنة 1331 صحيح إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي
وهذا كتاب آخر منه:
حرر في مسقط 8 أكتوبر سنة 1913 - 8 قعدة سنة 1331 من الميجر ناكس نائب الدولة البهية الإنكليزية في مسقط، إلى جانب الأجلّ الأكرم الشيخ سالم بن راشد الخروصي المحترم. السلام عليكم. أما بعد: فوصلني كتابا المودة منكم مضمونها أحوال أهل عمان وسنعرضهما على حكومتنا العلية ولا شك أنها سوف تتأمل فيهما بحكمتها العظيمة، لكن لا شك أنه قد بلغكم في هذه الأثناء خبر وفاة صديقنا السيد فيصل بن تركي، وهو الآن حاضر أمام القاضي الأعظم الذي هو أكبر منكم ومنا والجميع، فغير مستحسن من واحد منا أن نحكم في حسنات وسيئات حياته الماضية، وأنتم قصدتم في قولكم: إن الدولة البريطانية العظمى تحب العدالة والأمنية، فيكون عندكم اليقين بأن الدولة من أعظم مقاصدها أن يكون الوفاق وحسن المعاملة بين حكام عمان ورعاياهم.
بأن
ومما سرني هو علمي من الخطابات الودادية التي عرضها لنا صديقنا السيد تيمور عماد المذهب الأباضي الشيخ عبد الله بن حميد السالمي لم يزل يقدم إليهم النصائح الحكمية والإنسانية. وبهذا لنا الأمل بأن الغمامة الناشئة غير مسعود بين أهل عمان وحاكمهم في أواخر عمره سترتفع والقبائل ستبلغ إلى أحسن الصلة مع خليفته عن قريب
هذا. والسلام.
نص ما كتب في:
حد المعترفة بالزنا عند الإمام
في اليوم الثامن عشر من شهر شوال من سنة واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف في حصن سمايل أقرت سعدة بنت مسلم العامرية، وهي محصنة بزوج، أنها زنت إقراراً أكثر من أربع مرات إقراراً بعد إقرار في مجلس واحد، وذلك في حضرة إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي؛ والسيد سعود بن حمد، والشيخ حامد بن سيف الرواحي، ومحمد بن سالم الرقيشي، وثنيان بن عديم البرطماني، ومحمد بن حمود الصوافي، وخميس بن حمد الرواحي، ومحمد بن عبد الخروصي، وسيف بن سليمان الخروصي، ورهين بن سالم الريامي في جملة من جماعة المسلمين من الشراة وأهل البلد. والمذكورون بأسمائهم تحملوا على إقرارها الشهادة المذكورة. كتبه محمد بن عبد
178 (1/178)
صفحة 179
الله
السالمي عن إملاء سيده الوالد نور الدين عبد الله السالمي بحضرة الجماعة المذكورين وفي اليوم الثاني، وهو اليوم التاسع عشر أحضرناها مرة أخرى، فأقرت بالزنا مرة أخرى، وأقرت بالإحصان بزوجين رجل توفي جاءت منه، بولد، والثاني حراضي طلقها ثم مات. وذلك في حضرة إمام المسلمين والسيد سعود بن حمد، ومحمد بن سالم الرقيشي، ومحمد بن حمود الصوافي ومحضر كبير من الشراة وغيرهم، والمذكورون تحملوا الشهادة. كتبه عن إملاء والده محمد السالمي في يوم 19 من شوال سنة 1331.
بعد هذا الإقرار الثاني خرج الإمام والشهود والشراة وطائفة من أهل البلد إلى موضع الرجم، وكان قد هيئ منذ أمس بين السوق والحصن، ففعلوا فيها أمراً الله تعالى على لسان نبيه محمد، وأقاموا عليها الحد على وفق السنة، فرماها أولاً الإمام، ثم السيد سعود، ثم محمد بن سالم، ثم محمد بن حمود، ثم رمى الناس أجمع من كل جهة وهم يكبرون على كل رمية وكانوا قد لقنوها التوبة فتابت وهي في الحضرة، فأمر الإمام بها أن تخرج من حفرتها آخر اليوم وتغسل وتكفن ويصلى عليها، وتقبر. ففعل لها ذلك، والله يتقبل من المسلمين التائبين.
وكان في أيامه يأمر بتعزير من يشرب الدخان من عشر ضربات إلى عشرين جلدة. ولما كان الإمام الخليلي بعده ترك التعزير، ورأى أن يودعهم الحبس.
وجيء إليه بامرأة قد أتت بولد من غير زوج فأمر بجلدها أربعين جلدة، وأنكر عليه الشيخ عيسى أمره بجلدها يقول: إنها شبهة فلعلها غصبت أو غير ذلك من الاحتمالات، ولم ير قبول ذلك الاعتراض. وكان قد حضر مجلسه الشيخ عبد الله العزري وعبد الله بن غابش فقام من مجلسه وقال إني أجلدها، فمن كان له قول فليقل. فسكت المشايخ عن اعتراضه.
وفاة السلطان فيصل
أحمد
في خلال ذلك الاضطراب وحدوث تلك الزلازل توفي السلطان فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد بن سعيد بن بن محمد البوسعيدي. وكانت وفاته بمسقط عاصمة ملكه في اليوم الرابع من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1331
إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف.
179 (1/179)
صفحة 180
كان السلطان فيصل، جليلاً مهيباً، باسلاً جواداً، حليماً متيقظاً للمكائد. وقد
أخذ حماية من الإنكليز في شهر جمادى الثانية عام 1313 على مسقط ومطرح. وفي كتاب عمان لشركة الزيت الأمريكية ص 60 لم يعترف الإنكليز بفيصل سلطاناً على مسقط حتى عام 1307 - 1308 هـ الموافق 1890 م وفي عام 1308 هـ الموافق 1891 عقد الفريقان معاهدة صداقة وتجارة وملاحة حلت محل المعاهدة المعقودة في عام 1255 هـ الموافق 1839 م. ومن بين شروط المعاهدة الجديدة ما يلي:
لا تمنع أي سلعة من الدخول إلى أراضي صاحب العظمة سلطان مسقط أو الخروج منها، ولن تفرض رسوم جمركية على البضائع التي تصدر من تلك الأراضي، دون موافقة حكومة صاحبة الجلالة البريطانية.
يستمتع رعايا صاحبة الجلالة البريطانية، فيما يتعلق بأشخاصهم وممتلكاتهم في داخل أراضي صاحب العظمة سلطان مسقط بامتيازات خارج النطاق وفي ص 318 مجلد 1/ 11 يتشيسون (المعاهدات).
بعد توقيع هذه المعاهدة بيوم واحد وقع السلطان تعهداً:
إن السيد فيصل بن تركي بن سعيد سلطان مسقط وعمان يعد ويتعهد على نفسه وورثته وخلفائه بعدم التخلي عن ممتلكات مسقط، وعمان أو أي من ملحقاتهما، أو بيعها أو رهنها أو السماح باحتلالها لغير الحكومة البريطانية».
(وهذا هو التعهد السري الواقع عام 1308 هـ - 20 مارس 1891 م).
ويتكلم الصحفي البريطاني لوفاة فريزر في كتاب نشره عام 1329 هـ (1911 م) عن زيارة قام بها لمسقط فيقول:
وحتى داخل دولة مسقط لم تكن سلطة السلطان تكاد تمارس بأمان خارج البلدتين المتجاورتين مسقط ومطرح. وفي اليوم السابق لزيارتي مطرح كانت البلدة محصورة ومهددة من جانب عصابة من قطاع الطرق في الجبال والسلطان فيصل بن تركي رجل رقيق وقور، يحب التصوير ولديه اهتمام شديد بالسفن الحربية، ولكن حكمه يمتد إلى مزمى بصره، ولا شيء أبعد من ذلك. ولا يمكن لمثل هذا الوضع أن يدوم. اه کلامه، من كتاب التحكيم لعبد الرحمن عزام.
نقلا
180 (1/180)
صفحة 181
وكتب لوريمر مجلد 1 ص 531:
(لقد كانت سياسته (أي فيصل بليدة جعلت أكثر القبائل ميلاً له تنفر عنه. ومرد
ذلك إلى إهماله أكثر منه إلى عدم كفاءته).
وفي عام 1312 هـ الموافق عام 1894 م (كانت منافسة شديدة بين الإنكليز والفرنسيين على مسقط عاصمة السلطان وكانت للفرنسيين معاهدة تربط السلطان اتفق الفرنسيون والإنكليز على إصدار تعهد استقلال حاكم مسقط وزنجبار.
وفي عام 1315 هـ الموافق عام 1898 م، منح السلطان فيصل الفرنسيين استخدام (الجصة) لشحن السفن بالفحم الحجري (والجصة موضع على شاطيء البحر شرقي مسقط، فقام الإنكليز بعنف على إكراه السلطان فيصل بإلغاء هذا العقد، فألغى المنحة فوراً. وكتب عن ذلك فيليب جريفز (حياة السر برسي كوكس) (1941 م ص 62): لقد غضبت الحكومة الفرنسية كما غضب اللورد سالزبري وفرض تقرير حكومة الهند) بأنه يجب أن لا يلزم الوكيل البريطاني نفسه في مكاتبة رسمية باقتراح يتعلق بمسألة قائمة بين حكومة جلالتها والحكومة الفرنسية، من شأنه أن يغضب الحكومة الفرنسية دون تخويله السلطة من حكومة جلالتها، ثم إنه أمر مزعج للغاية، أن تعلم حكومة جلالتها لأول مرة بهذا الاقتراح الذي كتبه الوكيل عن طريق السفير الفرنسي، فكان في هذه المعارضة ما يوشك أن يؤدي إلى خطر فادح لولا انتهاء المشكلة بالحكم على وجه رضيه الإنكليز وقام بهذه الخطوة الوكيل السياسي الكابتن برسي كوكس في 8 أبريل سنة 1904 وتم التفاهم على تسوية المشكلة في 25 مايو من نفس السنة وقد نهج بسياسته في الخليج الفارسي كله على صورة لم يسبقه إليها غربي مثله، وقد ساعدت فرنسا العمانيين في تهريب الأسلحة والرقيق وكانت لها أعلام على سفن بعض أهالي صور وما زال الإنكليز يحاولون قمعها؛ لأن ذلك يمس مصالحهم وفي ص 66 شركة الزيت الأمريكية.
،
وعلى أثر ذلك يقول (تلفت اللورد كرزون نائب الملك بالهند، وهو الذي اختار كوكس: «إننا نمد حاكمها بالإعانة ونملي، سياستها ولهذا فعلينا ألا نسمح بأي تدخل أجنبي في شؤونها يعني بذلك حاكم مسقط.
،
كانت بين السلطان فيصل وقطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش المغربي - رحمه
الله - مراسلات. وكتب إليه نصائح دينية ودنيوية.
181 (1/181)
صفحة 182
طالت أيام هذا السلطان فبقي في الملك نحو خمس وعشرين عاماً تقريباً، كانت بينه والقبائل الداخلية حروب هائلة فجرد خادمه سليمان بن سويلم قائداً للجيش السلطاني لقمع من خالف أمره لعلمه أن هذا القائد جريء جسور، عارف بالحروب على النسق العماني.
فمن ذلك قيامه على أهالي صور لما أزعجوا عامله من حصنه، وأنفذوه إليه، فندب إليهم هذا الوالي، فسلموا له الأمر، وأذعنوا له، فبنى القلاع في رؤوس الروابي المشرفة على البلاد احتياطاً منهم وإذلالاً لهم في منع الماء عن الساحل.
،
وقيامه على بني غافر أهل الدريز من الظاهرة في أيام الشيخ محمد بن سليمان الغافري، ولكنه لم يفز بالظفر بل انهزم الوالي، وأصيب بجراحة في إحدى ساقيه. وقيامه على أزكى وتضييقه على بني ريام وكبسه لفلج الملكي؛ وذلك أنهم خالفوا أمر السلطان وجاهروه، وأقاموا الحرب على عامله بحصن أزكى، حتى إنهم في الخصومة قهروا شرطياً من شرطة السلطان، فباعوه ببلدة عبرى.
أثناء
وقيامه على سمد نزوى في شهر ربيع الآخر عام 1323، والقائد لهذه الثورة السيد سيف بن حمد، وكان ذلك في وقت حصار الوالي سليمان لأزكى، وكان أمير سمد نزوى الشيخ حمدان بن سليمان بن سيف النبهاني ورث إمارتها من آبائه وأجداده، واستبد بها لما كانت الحادثة عليهم من ابن عمه الشيخ حمير بن ناصر، وقد كثر ظلم هذا الأمير، وعظم غشمه وتغلبه على الأهالي والأوقاف والأنهار ولم يجر على الطريقة المثلى، وعادة الاستبداد ذلك فسئمت الرعية جوره، وغشمه فتقهقروا عنه عند نزول
البلاء، ولم يساعده ابن عمه الشيخ حمير، الذي كانت دولة الإمام سالم على يديه. أوقد السيد سيف بن حمد نار الحرب بنزوى، وأيده السلطان بقائد جيوشه الوالي سليمان، واستنهض القائد آل حكم لمساعدته، فاضطروا حمدان إلى النزول من بيت السليط، وهو حصن سمد ونزوى، فتخلى عنه وعما تحت سيطرته من علاية نزوى. وقد الله ذكر هذه الفتوح الشيخ الرئيس عبد بن سعيد الخليلي، والد إمامنا الحالي، في قصيدته الدالية، وأولها:
أخا الحرب إياك أن ترقدا ومن ترك الحزم لن يُحمدا ولا تحقرن العدو فكم ضعيف رأى فرصة فاعتدى
182 (1/182)
صفحة 183
وإياك والبغي كم رقعة بناها فهدم ما شيدا ألم تر أن رياماً علت ومدت إلى من أرادت يدا فکم سفکـت من دم واعتدت فکانت نزار لهم مرصدا تُقسم كالفيء مال الورى وتجعل أحرارهم أعبدا عدداً ورأت عدة وكابرت الملك الأصيدا
رأت
إلى أن قال:
وسيف هو السيف أنصاره بنو حكم إن سطا أو عدا همو دوخوا أرض نزوى فلا أسود الشراة ولا سُؤددا ولم يرض حمدان لكنه رأى الموت فاختار أن يَخْلُدا فسلّم بيت السليط وما حوى من بناء وما شيدا وهي قصيدة طويلة.
ولشيخ البيان محمد بن شيخان قصيدة في هذا الفتح، استوفى بها الأمر الموجب للقيام فنذكر منها طرفاً فيه ذكر القضية وأولها:
رفرفت بالنصر الأعلام الرشد فهنيئاً للعلا في ذي الجُدد قرع الأقلام صدراً للعلا فغدا باليمن مفتوح السدد در كذا يا دهر إن درت فقد هزت الأفراح أعطاف البلد ولهذا الدهر كفان فذي تكمد الأحشا وذي تُطْفي الكمد أي قوم ثبتوا في جمعهم غبطة إلا وقد راحوا بدد کيف يلتذ بملك الدهر من هو والملك جميعاً يفتقد إن للدهر لألواناً فما ابيض في يومك يَسْوَدُّ بغد والفتى في تعب من دهره من يعش يلق من الدهر النكد غرت الدنيا فلا يعرفها صادقاً إلا الذي فيها زهد إن سجن المؤمن الدنيا وقد خلق الإنسان منهافي کبد من يُرد أوسع عيش صافياً فعلي نهر رضا المولى يرد ولعمري إنما الربح لمن ترك الفاني واستبقى الأبد كلهم للرزق ذو كدح فذا جاءه عفواً وذا آل بكد
183 (1/183)
صفحة 184
فغدت
بطريف
کل بلد وتلد
سحبت جمير أذيال العلا أسلفوا العز وأعلوا هامه وحوزه وَرِثُوا أودية العلياء عن كبراء عن شديد عن أشدّ ولقد كانوا ملوكاً بسبأ وبصنعاء وطالوا في سمد ثم حاز الملك نبهان الذي حلّ في ملك عُمان وعقد نزلوا بالجبل الأخضر من الأسد عزهم أمنع من برج جبل ممتلئ الخير له شرف طار وللنجم صعد كيف أهجو جميراً وهي التي حازت المجد بجد وبجد غير أني ذاكر أسباب ما بذروا من حبهم حتى انحصد استطالوا يومهم أمناً ولم يشكروا المولى على العيش الرغد نشروا الظلم وبثوا جورهم في البرايا وتعدوا كل حد إن أنت قافلة من بلدة نهبوها کسراً حين الجرد (1) تجَرُوا بالحر بيعاً والربا ولبَيْعُ الحر من ذاك أشد كثر الجور وقل العدل من أمراء خربوا سُبُلَ الرَّشد أفسدوا مذ فَسَدوا جهراً ولا يصلح الفرع إذا الأصل فسد وإذ أتخم بطن المرء من قلة الأكل فمن ضعف المعد ما كفاهم ما جرى حتى عدوا لحمى من لا يكافوه بِرَدّ فدعاهم ملك العصر إلى أن يؤدوا ما عليهم قد وكد
لم يرد حربهم فاستخفوا أمره وامتلأوا
زهم بأس نزاري
أذعنوا للحق واختاروا السدّد أنفةً منه وكل قد جحد
إذا بردت نار الخصومات اتقد
جرَّدَ السلطان فيهم صارماً من سليمان إذا هز قصد أي شيطان من الجنة والإ نس إلا من سليمان ارتعد علموا أن النزار احتجبت بأسود لم يقاومها أحد إن في حد ريام شوكةً منهم اليوم فإن تنبو تُحدّ
(1) الجرداء وادٍ بعمان توجد بين السراحين.
184 (1/184)
صفحة 185
فمضوا كالطير والوالي على مقدم الجيش كرثبال وَرَدْ فأتوا أزكى بُغَيا شمخت سكن الجرو عليها وولد والنزار اليوم مذ ضاعت فشا کل ضعف في ريام والرَدْ وتنوف ربحت عيشتها باهتدا صاحبها الرأي الأسد صالح السلطان فاعتز وما كاد يختِلُ ومن كاد يُكذ هدأت أزكى وشاعت خبرا وغدت نزوي کحُبلى بولد قام للحرب بنزوى ذمرها ذلك الصنديد سيف بن حمد حكم السيف عليهم عادلا ويحكم السيف تقويم الأود واستباح الجيش بحراً زاخراً وعدا يقذف بالنبل الزبد فتلقت سمد سمد طوفانه برجال قابلتهم مثل سد وبهم حمدان محمود اللقا من سليمان ونبهان استمد فالتقى الجمعان ثم افترقا إذ علا بينهما بالنقع حد فرأت حِمْيَر إن حل القضا فيهم مما جنّوا والأمر جد فتخلوا عن صياصيهم ومن غَالَبَ الغَالِبَ يُغلب ويُرد حمد البركة حمدان متى سَمَدٌ زُفِّتْ لسلطان البلد نادت العلياء في ذروتها: بارك الله لنزوى في سمد ويراعي طاب جرياً في الهنا قلت أرّخ فتحها خير بلد عتب السلطان في صمتي ولم أتفرس لمدى هذا المدد قلت: سُوق الشعر أضحى كاسداً والأديب اليوم ممضوض الكبد يخرج الجوهر من لجته وإذا ما سامه بيعاً كسد
وإذا لم يبده من لجه
وإذا
ما تليت
آياته
أججت فكرته نارُ الكمد
محكمات عليها من لا يُعد
كل غَمْر ليس يدري الفرق من جلس العالم معنى وقعد هل زمان من بني برمك أو من بني حمدان فينا يسترد يشرق الشعر إذا ما ذكرت حضرة الصاحب والملك العضد حشر الكهان ذا الفتح وما ساحر في الشعر إلا وورد وتلاقوا زُمَراً في جمعهم بين خلاس ونَفَّاتِ العُقد
185 (1/185)
صفحة 186
كل ذي سحر بيان لفظه يأخذ الفهم ويجتاح الخلد ورموا من صنعهم أسبابهم فسعت تمتد تجتاح المدد ثم ألقيت عصا شعري فما شاعر إلا وطوعاً قد سجد
وفي شهر جمادى الثانية سنة 1323 خرج الوالي سليمان على المقابيل أهل الحلتي لما هاجموا المركز السلطاني فاستحلوه، فبعث الوالي إليهم سرية، فاستردته منهم فأصابوا غرة من صحبه، بعد انقيادهم لأمره، وإذعانهم له، فجهز جيشاً، وخرج إليهم، فاسترد ما أخذوه وعاقب من نكث ولشيخ البيان في هذه الغزوة قصيدة استوفى القضية بأسرها في أولها:
نفح النصر فميلوا طربا هكذا تُبْدِي الليالي عجبا وإذا السعد بدا کوکبه ليس تثنيه العوالي والظبا ولمن قام على المجد فلا لوم أن يعلو الثريا مركبا وفي شهر ربيع الآخر سنة 1327 جهز السلطان جيشاً على آل المسيب، أهل نفعا، عقد لواءه على ابنه السيد نادر بن فيصل. والسبب الداعي إلى ذلك، أن الوالي سليمان بن سويلم يتهم حمد بن سليم السيابي، بتهريب الأطعمة لبني ريام، في أوان حصاره لبلادهم أزكى وتضييقه عليهم في عام 1323، فقبض على قافلته، فاعتذر حمد: أن المتاع حمل لنزوى، وكان الوالي حَرِداً لجوجاً، فانتهر حمد، وكذب لحيته البيضاء، وأشار إليها، وكان حمد شيخاً مسنًا، فخرج قابضاً على لحيته، وهو يكتم صيحة العار، ويمزق حديد النار لما كان يراه العمانيون للحية من قدر وعظمة، يود أحدهم أن يقضى عليه ولا تذكر لحيته فأقسم على أبنائه أن يأخذوا بثأر لحيته، فحذره قومه أن يعكر صفوهم وأن تصبح لحيته لهيب فتنة، فتحرق صفوفهم، فكتم رأيه إلى أواخر ذي الحجة من عام 1324.
كمن أبناء حمد برأس جبل من جبال وادي العق الشاهقة يرقبون رجوع الوالي من زيارته للشرقية، وقد بلغهم أنه استصحب أعيان القبائل وفيهم إمامنا الخليلي قبل العقد عليه، ورؤساء الحرث، وشيخ بني جابر الطوسيف بن سليمان وغيرهم، وقد دخلوا هذا الوادي ضحوة النهار، فبينما هم في وسطه أثار أبناء حمد النار، فنثروا مخايل الرصاص على صدر الوالي العنيد، فسقط من ظهر جمله قتيلاً، وأردفوه خادمه صريعاً، ولم يعتبروا
186 (1/186)
صفحة 187
من عنده ولا ما يكون، بعده، امتثالاً لأمر أبيهم وبرا لقسمه، وانتقاماً للحيته الشايبة، قامت قيامة الأوتاد الذين صحبوه لكونه في خفارتهم، وأصروا على الأخذ بثأره، والقيام على آل المسيب، فمنعهم نور الدين السالمي قائلاً إنه قائد البغاة ويد الجبار. ولا سبيل لكم عليهم بل لا يحل لكم أن تخفروه بقي الرؤساء بين أمرين وكلاهما من إما اقتحام الأخطار، أو الوقوف على العار وحُمّى الحقد، وموجة الانتقام تقذف بشررها، لما يرونه من انتهاك حرمتهم وإهانة كرامتهم، فكتبوا لقطب الأئمة المغربي أبحاثاً في الموضوع، فكان من جوابه كجواب نور الدين هنا، كان الحاجز دينياً لا يستطاع انتهاكه، أما الشيخ الجابري لكونه من العتاة فأبى إلا التعصب بالباطل، فقتل من السيابيين رجلين يسدد بهما من العار العربي، ولم يلتفت لما وراء ذلك لكونه من العتاة.
خطاه
دبر السلطان الأخذ بثأر واليه بواسطة رجلين معمري وهنائي، ففتكوا بالشيخ سيف بن محسن رئيس آل المسيب، وقنع في الظاهر بذلك، ولكن جمرة الحقد لم تطفأ من الجانبين، بقيت نارها في الصدور، حتى خرج السلطان متفقداً مملكته، فعسكر ببلدة نخل، وفي الليلة الثانية من وصوله عند السحر، كان دوي البنادق على رأس الشيخين سالم بن مرهون وخليفة بن عبيد المعمرين من أعيان أصحاب السلطان ورؤساء جماعتهم، تقرر عند السلطان أن آل المسيب أخذوا بثأر رئيسهم الشيخ سيف بن محسن، فغضب لذلك، وجهز ابنه السيد نادر لحربهم، فخرج جيشه، وأقام (ببدبد) واستعد آل المسيب استعداد ضعيف لقوي، وقد تجمعت للسلطان قوة فوق العادة، فأشفق عليهم جيرانهم بنو جابر، فتوسطوا على أنهم يؤدون الطاعة وأن يقبل السلطان إلزام رئيسهم محسن بن زهران فقبض عليه وأرسل به مكبلاً بالحديد إلى مسقط، وهدم بنيانهم
الشامخ.
قد
ما قيل من الشعر في مدح السلطان فيصل
مدح السلطان فيصل شعراء عصره، وأكثروا، بيد أنه أحرز قصبة الرهان شيخ البيان محمد بن شيخان فإن له ديواناً ضخماً فيه من المدائح الفائقة، وذكر حروبه، و مدح أنجاله الكرام ما قصر دونه البلغاء، فمن معلقاته البليغة هذه القصيدة الفريدة التي أودعها كثيراً من التورية:
187 (1/187)
صفحة 188
شمس من الأنس صار الحسن هيكلها ألقت إليها النهى طوعاً معوّلها رمحية القد بطاشية خلقا صبحية الخد تعنو النيراتُ لها نبية شرعها سفك الدماء على أهلي الغراء ولا ذنب ليحملها ما فَوْقَتْ لحظها في الناس رامية إلا أصابت من الألباب مقتلها ولا سَرَى نشرها المسكي في رمم تبلى بحكم الهوى إلا وقمن لها يا بانة في رياض الحسن قد نشأت سُقِيتِ من صفوة اللذاتِ سَلْسَلَها نسيم عثبِي يا سمراء مر بكم والسمر أعدلها ما كان أعدلها هل آن ميلك نحوي يا نسيم فمن عاداته للعوالي أن يميلها ما قيدت مهجتي حُسْنَى حديثكم إلا روت مقلتي بالدمع مرسلها يا نعم أيامنا بالرقمتين بكم وخير أيامنا ما كان أولها من يشتري مهجتي دهراً بيومكم الله ما كان أغلاه وأسهلها أنت صروف وحالت دونكم دول وأرسلت نُوَبُ الأيام جحفلها والدهر من طبعه لم تصف منزلة للمرء لم يرض إلا أن يُبَدِّلها لما نَبَتْ بِي أحوال الزمان ولم يكن بكفي ما يَبْتَلُ أنملها وأحدقت بي ديون أثقلت عنقي لم أَلْفِ مَنْ فضله عني والناس صنفان إما حاسد نعمي أو مستهين بنفسي إذ تخللها نفس التقي وإن هانت على سفل لا تستهان لأن الله فضلها إن الأفاضل محمودون نعمتهم وبالأراذل تَدْرِي الناسُ أفضلها وقادني دعوة ممن مكارمه تحل عن عنق المأسور أكبلها
تحملها
كساني الله رأياً أن أُجَسمَه مصاعب الأمر كي أرتاد أسهلها
عمدت عمدة عقباناً معممة بالشخب أجبلها تغتال أجدلها
نعالها الصخرة العظمى وهامتها الشعرى وإكليلها بالتاج كملها كأننا في تعالينا بذروتها على المجرة أوردناك جدولها قد جبت عقبانها المستشرفات على عقبان عزم يقوي الله أرجلها ومن يجب أوعر الأشياء في طلب الـ علياء لا بد أن يجتاح أسهلها وصفو دنياك مستور بأكدرها لم تحل إلا إذا جرعت حنظلها حتى أناخت بي الآمال كارعة في لجها ضاربات فيه كلكلها
188 (1/188)
صفحة 189
ميسور
سعي
يا من لِمَسْقِطَ قد طارت به همم بشراك بوأت للحاجات منزلها إن رُمْتَ للحاجة السوداء فيصلها فيمن ذا اليد البيضاء فَيْصَلَها ملك به شيم الإحسان مجملة لكن يشن على الدنيا مُفَصَّلَها والسيل إن فتحت أبواب مخرجه عم النواحي أعلاها وأسفلها إني لأرحم هاتيك البحور على دامائها إذ نَدى كفيه أخجلها وأرحم الأنفس الهلكي بصارمه لما أثارت شهود الموت جحفلها ما استقبلت هامة للفقر في جهة إلا بماضي الندى في الحال جندلها شديد بطش تقود الأسد سطوته ولو سرى ذكره في الشم زلزلها كبير حلم بلا ذل ولو نشرت دنياه نکبتها فيه تحملها ما جاءه أحد يوما بمعذرة من زلة زلها إلا تقبلها ومن ترقى بمرقى الحلم ما عرضت في قصده حاجة إلا وحصلها ترى الآمال واقفة له فيَلْبَسُ منها فيه أجملها إذا سواري العلا مالت أعد لها تمكينَ عِزّ فسواها وعدلها يقي عُمان بألطاف السياسة من زلازل الشرك أن تجتاح معقلها قَوِيُّ عَزْمِ إِذا خَطب الم على أملاكها رده قسراً وأثفلها سهران طرف على تدبير دولتهم وهم نيام فما أغفى وأغفلها يقظان قلب يسوس الملك مجتهداً في حفظه بمقامات تأملها مدبر مارمي يوماً بداهية دهياء إلا رمى بالكشف معضلها عباد عيسى النبي صاغوا محاولة في ملكه فانثنوا يبرون أنملها أهل الطواشي صبيحا راعهم بحمى دار ابن لقمان لما شد أرجلها لا بوركوا في مساعيهم ولا نهضت قناتهم لا ولا لاقوا مؤملها يا أيها الملك المعمور دولته شكراً لمن عزز الأشيا وذللها أوْلاكَها الله إنعاما تحل فقي دها بشكر طويل تغط أطولها ما كان من دأبي الأشعار ممتدحاً لكن فتحتم لنا بالجود مُقفَلَها إذا كليب القوافي أهلكته ضبا ع البخل إني بكم أغدو مُهَلْهَلَها
حسن
خذها بديعة قبلة لملو ك الشعر والله أدعوه ليَقْبَلَها حازت من الحسن أقصاه وغايته وحُزْتَ من رُتب العلياء أكملها
189 (1/189)
صفحة 190
ارتقاء السلطان تيمور بن فيصل
سلطنة مسقط
ولي الحكم في اليوم الذي توفي فيه أبوه السلطان فيصل وكان قد رشحه في حياته لمهمات الأمور وجعله من بعده ولي عهده لكونه أسنّ إخوته، ولما يتخيله فيه من الصلاح، لتوقد المعيته، وعلو همته فقام بالأمر، وأحكم ثغور مسقط ومطرح والباطنة، حذراً من مهاجمة العمانيين، فوجد الإنكليز لهذا التحزب غرة وافقت مرادهم، فأظهروا العصبية للسلطان والحماية له والمدافعة عنه والقتال دونه على شروط أخذوها منه، منهم تعديات برميهم المسلمين في بركا وقريات، والوطية فرأى المسلمون التأخر ذلك الوقت عن القيام على السلطان حذراً من اتساع الخرق وأن يجد الخصم بغيته، فبقيت المنافسات والمجاذبات كما هو مفهوم من حال الضدين حتى وقعت بينهم المعاهدة المعروفة بمعاهدة السيب في عصر الإمام الخليلي وسنذكرها في محلها «وفي ص 93 كتاب شركة الزيت الأمريكية».
فكانت
الأول وربيع
وقد زار اللورد هاردنق نائب الملك في الهند مدينة مسقط في خلال شهري ربيع الآخر عام 1333 هـ) الموافقين لفبراير (1915 م) ونصح السلطان بمسالمة شعب الداخل، لأن الإنكليز لن يستطيعوا أن يظلوه بحمايتهم إلى أجل غير محدود، وقد بسط الوكيل السياسي في مسقط العقبات التي تقف في سبيل الوصول إلى اتفاق يرضاه
السلطان وهي:
1 - إن العصاة قابضون على مفتاح الموقف، فإنهم يحتلون وادي سمائل وحصنه، اللذين كانا لا غنى عنهما لازدهار التجارة في مسقط.
2 - إن الثورة قد اتسمت بطابع ديني، وإن الإمام يدعو إلى الجهاد، وأكثر من هذا، فإن كثيرين من الثوار لقوا حتفهم على يد قوات الإنكليز في الهجوم الفاشل الذي شنوه في شهر يناير، وفضلاً عن هذا، فإن شعور السخط قد بلغ مبلغاً أصبح من العسير
إزالته.
- إن الغرض الخاص بمنح إعانات للقبائل ليس خليقاً أن يكون وسيلة مغرية لإقناعها، ذلك لأن الإمام قد يحرم من قبول الإعانات بوازع ديني، وأن الزعيمين
190 (1/190)
صفحة 191
الآخرين ينعمان بدخل كبير من مركزيهما الحاليين ومن أراضي الدولة التي قد قبضا عليها في الداخل.
4 ـ إن خفض عدد رجال الحامية إلى العدد العادي سيترك السلطان دون مساعدة يعتمد عليها، ذلك لأن السفن البريطانية في زمن الحرب يغلب أن تكون على بعد غير يسير من مسقط، بخلاف ما تكون عليه الحال في زمن السلم وذكرت هذه الحرب
العربية ص 22».
وكتب المؤرخ المسيحي في كتابه المسمى عمان لشركة الزيت الأميركية ص 94: في الفترة الواقعة بين أواخر شهر جمادى الأولى وشهر شعبان عام 1333 هـ أي بين إبريل ويونيه 1915 م ظلت الرسائل والمباحثات متصلة بين زعماء الإمامة وممثليهم من 1915 ناحية، وبين الوكيل السياسي البريطاني بوصفه وسيطاً من ناحية أخرى، وقد تمخضت هذه المباحثات عن الأسباب الجوهرية للعداوة التي يحس بها أتباع الإمامة حيال السلطان
وهي:
1 - إن قمع تجارة الرقيق يعد أمراً غير مشروع؛ لأن هذه التجارة تسمح بها أحكام
الإسلام.
2 - إن تجارة الأسلحة والذخيرة ينبغي الا يسمح بالتدخل فيها.
- إن السلطان كان فاشلاً في تطبيق شريعة الإسلام فيما يختص بكل القضايا
المدنية والجنائية.
ـ كان السلطان يسمح باستيراد التبغ والخمور وهذا مما تحرمه أحكام الإسلام. ه - كان السلطان يعتمد على تأييد جنود الإنكليز مع أن الواجب يقضي بإقصائهم. 6 ـ كان السلطان يفرض حصاراً على الداخل بأن يقطع عنه تيار الواردات
المألوف.
7 ـ ادعى الإنكليز سيطرتهم على البحر، مع أنه ينبغي أن يكون مشاعاً للجميع. ثم
-
كتب بعد ذلك ص 95.
191 (1/191)
صفحة 192
وقد بعث الإمام بكتاب للوكيل السياسي أكد فيه أنه لن يستطيع أن يجري أي إجراء، يهدف إلى عقد صلح دون استشارة نواب شعبه الذي يقطن أفراده المنطقة الممتدة من الشرقية إلى نزوى كلها.
وفي شهر شوال عام 1334 هـ (الموافق لأغسطس (1915 م) تلقى الوكيل السياسي كتاباً بتوقيع الإمام، وعيسى بن صالح، وحمير بن ناصر، وقاضي الإمام وقد طلبوا إليه فيه، أن يجتمع بعيسى بوصفه ممثلاً للإمام على مقربة من السيب على الساحل. واستصحب عيسى قاضي الإمام إلى هذا الاجتماع الذي تم في شهر محرم عام 1334 هـ (الموافق لسبتمبر (1915 م) وإذا تقدمت المباحثات أحس الوكيل السياسي أنه بات ممكناً الوصول إلى حل وسط، وكانت النقطة الرئيسية مثار الخلاف إصرار السلطان على أن تجلو قوات الإمام لمصلحته عن الاستحكامات القائمة عند سمائل، ويبدو أن يوشك أن يقبل هذا، لولا أن تدخل القاضي، مؤكداً أن الاستحكامات المذكورة لن تخلى ما دام الإمام حيا. ا هـ كلامه.
عيسى كان
وفي أيام هذا السلطان كثر الشغب واضطربت الأحوال، وعاث اللصوص في الباطنة والشميلية، حتى أن الفرد لا يستطيع الخروج من بلد إلى بلد آخر إلا بجماعة تحميه، وتناولت أيدي المردة كل من صادفته. وبلغ الأمر أنه في عام 1344 خرج من صحار السيدان خالد ومحمد ابنا محمد بن تركي ابنا عم السلطان تيمور بن فيصل بن تركي، فقبض عليهما الحراس، وخليفة بن الحبل القتبي في سيح السميني فباعوا أحدهما على سيف بن راشد النايلي بالبريمي والآخر على العوامر، فجلبوهما إلى ضنك ففكهما الشيخ حمد بن أحمد اليحيايي عن ألف وستمائة، قرش فأرسل بخالد إلى والي صحار يعرب بن قحطان فاستلمه منه وبقي محمد عند الشيخ اليحيايي ثماني سنوات، وبعد ذلك أرسل به ابنه خليفة إلى السيد حمد بن فيصل فسلمه إليه. وما سبب هذا كله إلا الإهمال، واختيار السلطان للعزلة والسياحة بأرض الهند وتركه سياسة الأمر إلى الوزارة بالنيابة عنه.
خروج سيدي نور الدين من سمايل
إلى الشرقية
في شهر ذي القعدة من عام 1331 بعد وفاة السلطان فيصل، خرج سيدي نور
192 (1/192)
صفحة 193
الدين من سمائل وفي صحبته السيد سعود بن حمد بن هلال والتقى بالرئيس المطاع حمير بن ناصر بأزكى لوعد سبق بينهم في معارفة قبائل الشرقية، والاجتماع بهم في مهمات الدولة، ومناصرة الإمام، وإطفاء الفتن القديمة بينهم وقد فوض الإمام سالم الأمور في يد سيدي الوالد تفويضاً مطلقاً فيما يراه من المصالح العامة، فهو يمضيها
باسمه ورسمه.
•
فلما نزلوا بالخضر من وادي عندام أصلحوا ما بين أهلها من الرواشد والشروج، وكانت بينهم حروب منذ بضع وثلاثين سنة.
فكان من رأي نور الدين أن ما سفك من الدماء، ونهب من الأموال بين القبائل، في الحرب الماضية، قبل دخولهم تحت طاعة الإمام وبيعتهم له يسكت عنه، ومن تعدى بعد ذلك يؤاخذ بجنايته، لا يتهيأ الحكم بينهم، لعدم الحجة العادلة على الباغي، بل أكثر حروب أهل عمان بغي بعضهم على بعض فأعلن للرواشد والشروج عن ذلك، فقبلوا قوله، وامتثلوا لأمره، ففتحت طرقهم بعد أن كانت مسدودة، وقامت سوقهم بعد ما كانت عاطلة، ودخل بعضهم عند بعض، وأعلن لبني رواحة وبني ريام والحارث والمساكرة بذلك، ثم خرجوا من الخضرا إلى سمد الشان، وأصلح ما بين أهلها.
وأمر أن يرفع علم الإمام بحصنها وترك الشيخ سالم بن سيف بن سعيد البوسعيدي والياً، وقلده القضاء عليها، ثم انتقلوا إلى أبرا، وأصلح شأن المساكرة والحارث وانحسمت المخاوف القديمة بينهم وببركة العدل صار هذا الصلح هادماً لما قبله من الضغائن والأحقاد التي ورثها الأبناء عن الأجداد، وتلقاهم الشيخ عيسى بأبرا. ثم توجهوا لزيارته بمعيته إلى مركزه بالقابل، فقابلهم بالبشر والحفاوة والتقوا ببعض آل حجر، وطلبوا زيارتهم، وكانوا في ذلك الوقت أهل فضل ودين فأسعفوهم. وفي بدية وافاهم أعيان الهشم الكرام، وأخذ منهم نور الدين البيعة للإمام.
الله
وبعد انتهاء الزيارة لبدية خرج الشيخ حمير إلى جعلان زائراً أمراءها علي بن عبد ومحمد ابن أخيه ابن ناصر بن عبد الله آل حمود فاستقبلوه بحفاوة واحتشام، وقابلوه بما هو أهله من الاحترام، فأبدى لهم بعد تمام الزيارة ما جاء به من الكلام، وليعرف رأيهم بعد ما طلب منهم أن يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون من النظام، فتأجلوا في
193
نهضة الأعيان - م 13 (1/193)
صفحة 194
الدخول نظراً للمستقبل، والمستقبل كفيل، ووعدوه في حاضر الوقت لزوم الحياد، وأن يكفوا عن مناصرة السلطان فقبل ذلك واكتفى به أمراء بني بو علي رؤساء على غافرية الشرقية يقر لهم قومهم بذلك، ويرون لهم حقاً عظيماً وخطراً جسيماً، يقفون عند إشارتهم ولكونهم أنصار السلطان من قديم الزمان، وتحت قيادتهم جمهور كبير، كان من رأي الإمام وأنصاره مسير الشيخ حمير إليهم، لاستفسار حالهم وأداء النصيحة الواجبة على المسلم لأخيه، وإن للتحزب الباطل بعمان أثراً عميقاً؛ فلكونهم يعتقدون أن الشيخ الحميري من ملوك الغافرية كان ذلك أرجى للقبول منهم.
فوفوا بما وعوده، به وأتموا ما تعهدوه له فلم يطرقوا باب السلطان اثني عشر عاماً، حتى طرقه أعيان عمان وكانت كتب السلطان إليهم متوالية، ولكنهم رأوا الوفاء من شيم الأحرار.
تدخل الشيخ حمدان بن زايد الفلاحي
بالصلح بين الإمام والسلطان والاجتماع بالسيب
في أيام عيد الأضحى من سنة 1331 وصلت كتب من الشيخ حمدان بن زايد أن خليفة الفلاحي الياسي حاكم أبو ظبي للشيخ عيسى بن صالح والعلامة نور الدين إذ كان نور الدين ذلك الأوان بالشرقية ذكر أنه مخيم ببلد السيب من الباطنة ويحب وصولهم إليه، فهو يأمل التوسط بالصلح بين الإمام سالم والسلطان تيمور لأنها كانت بين بني ياس وملوك مسقط مواصلة ومعاضدة، فلما رأوا تفاقم الأمر بين العمانيين أحبوا أن يدخلوا بينهم بالصلح لحسم مادة الشقاق فخرج الشيخيان ومن عندهم من الأعيان، فكان وصولهم سمد الشان في اليوم السادس عشر من ذي الحجة عام 1331 هـ على طريق وادي العق.
ولما أن خرجوا من الوادي توجه الشيخ عيسى ومن معه إلى السيب للاجتماع بالشيخ حمدان، وقصد نور الدين والعلامة أبو مالك ومن معهما إلى سمائل، وكان الإمام سالم بها فعرضا عليه ما كتبه لهم الشيخ حمدان وما خرج به الأمير الشيخ عيسى، فكان من رأيه عدم قبول الصلح ورضاؤه به، إذ كان - رحمه الله - لا يرى إلا المنابذة حتى
194 (1/194)
صفحة 195
يحكم الله بينه وبينهم فأجمع رأيهم أن يرسلوا للأنصار بأن يحضروا ليعرفوا رأيهم. فلما اجتمعوا أجمعوا على عدم القبول، فأرسل الإمام شيخنا العلامة أبا مالك إلى السيب، ليخبر الأمير بما اقتضاه نظر العمانيين.
وكان رأي الشيخ عيسى إطفاء ثائرة السلطان واستبقاءهم وتركهم وما بأيديهم، شفقة على العمانيين من التضييق فهو يخشى أن يشتد على العُمانيين البلاء، فيكون منهم الخذلان للإمام، فبقي الأمير مصرًا على رأيه، ولم يثنه عن قصده ومراده وصول العلامة أبو مالك، ويرى أن له النظر المطلق في مصالح الإمام والإسلام.
ثم طلب الشيخ حمدان من الشيخ عيسى ومن معه من الأعيان الوصول إلى بيت السلطان بمسقط، لإتمام المعارفة، وتجديد الصداقة؛ فساعفه الأمير، ولكن أهل الرأي لم يروا للأمير ذلك خوف غوائل الملوك وما يؤثر من خداعهم ودهائهم، فلم ير الشيخ عيسى إلا إتمام ما أجابهم إليه.
فركبوا (نور البحر باخرة السلطان ومع الشيخ حمدان إخوانه الذين كانوا بصحبته وذلك في شهر المحرم في سنة 1332 فما أن وصلوا مسقط حتى تلقاهم السلطان وقابلهم بالحفاوة والإكرام وضروب الجوائز، فلبثوا إلى عصر ذلك اليوم ثم رجعوا إلى السيب، ومنها إلى سمائل، فعرض الشيخ عيسى على الإمام ما جاء به من الصلح وهذا نصه: اشترط الشيخ حمدان بن زايد على الأمير شروطاً، واشترط له شروطاً:
الأول: أن لا يتعدى الإمام الحوزة التي هو فيها وملكه على عمان الداخلية وأن يرد للسادة حصني بدبد وسمائل فيكونان تبعاً لحصون الباطنة وأن لا يضر بعضهم بعضاً، وأن الداخل من الطرفين آمن.
الثاني: أن لا يسلم السلطان شيئاً من المملكة العمانية للإنجليز.
الثالث: أن لا يؤوي محدثاً على الإمام ورعاياه.
الرابع: أن لا يسعى لهم بضر ظاهر ولا باطن.
الخامس: إن السلطان يقيم العدل على نهج الشريعة ويأمر بالمعروف، وينهى عن
المنكر، ويرفع المظالم.
195 (1/195)
صفحة 196
زاد.
السادس: إن العشور بالجمارك السلطانية في المائة خمسة على القاعدة ويرفع ما
السابع: إن الصناديق النازلة بجمرك صور لا تفتش أصلاً.
الثامن: أن يرفع العشور عن الزمان النازل بالجمارك السلطانية.
أجابه الأمير: إن رد الحصون متعذر، ولا يجوز لنا أن نساعفكم على ذلك وليس للإمام أن يرد معاقل المسلمين إلى الجبابرة، أما بقية الشروط فنعرضها على الإمام، فبيده
الحل والعقد.
عرض هذا الصلح على الإمام فرفضه وأبى من قبوله، وكثرت الأنظار مع الأنصار، وخافوا الفرقة في بدء الأمر، إذا ردّ على الأمير ما جاء به، وسعى فيه، وهو يراه من أعظم المصالح.
فرأوا أن يسكتَ الإمام في الحال، وأن يتأجل في الإتمام إلى مناظرة أنصاره؛ لأنهم تفرقوا قبل رجوع الأمير، وأن يرسلوا إليه بالجواب بعد مفاهمة الأنصار. وبعد وصولهم نزوى أرسلوا إليه الشيخ حامد بن سيف الرُّوَاحي، فوافاه ببلد الظاهر، وأخبره أن الأنصار أبوا من قبول الصلح، وأن الإمام لا يرى إلا موافقتهم، ولا يرى إلا المنابذة.
وفي وقت هذا الاجتماع بالسيب. اتفق اجتماع الشيخ عيسى بالشيخ العالم الفقيه راشد بن عُزيز الخصيبي الرجل الماهر الداهية الذي كان عظيم المدبرين للدولة السلطانية، والمناضل عنها بسياسته وتدابيره وهو ممن له في العلم القدح المعلى بين أهل عمان. وقد عرف هذا الشيخ بالكرم والجود وشهر بالسخاء والبذل وزاده كرمه نفوذاً في تمثيله أوامر السلطان ولم ير بدا من ملازمة الملوك؛ لأنه نشأ في بساط فضلهم، وتربى في مهد جودهم. ولما ظهر العدل وعقدت الإمامة، لم يكتب التوفيق له تجاه دولة المسلمين، فأظهر للناس أن هذه فتنة صماء عند أهل عمان وأنهم ليسوا على الحق، وبث كتبه في أقطار الأرض، وشنع على المسلمين وأرجف بهم فعاتبه الأمير على ذلك، فاعتذر أنه في تقية، ولا يمكنه إلا ذلك وإن مقامه عند السلطان هو لإرشاده من ذهاب المملكة بيد الإنكليز، ونحو ذلك من الأعذار، وأنه لو دخل مع المسلمين لم يقبلوه، لما بلغه بأنهم
196 (1/196)
صفحة 197
أهدروا دمه. واعترف أن الإمام محق وأن دولة المسلمين على هدى. فقال له الأمير: ألم تقل: إنها فتنة؟ فأجابه: إن الله يقول: ونبلوكم بالشر والخير فتنة) فتخلص بها، وكان منطقيا داهية عنقفيراً. وطالت المحاورات بينه وإياه فأحسن التخلص منها، وأجاد الجواب عنها، ثم حصل اجتماع آخر بالسيب بعد الاجتماع الأول، كان دائرة عقده الشيخ سلطان بن محمد بن علي النعيمي حاكم البريمي، حضره جم غفير من رؤساء العمانيين. ورام هذا الشيخ أن يعقد صلحاً بين السلطان، والإمام فما تم فيه أمر ورجع كل إلى
وطنه.
وفي ذلك الوقت وصل أعيان معولة بن شمس يرأسهم سيف بن سالم بن سيف،
،
وعنده حمد بن سعيد وسعيد بن خلفان الشاعر وسعود بن حمد بن سيف وراشد بن نبهان، ورهط من جماعتهم فواجهوا الإمام سالم بسمائل وبايعوه، وطلبوا منه أن يتصل بهم لقهر، واديهم فوعدهم وسيأتي ذلك إن شاء الله.
جعل الإمام والياً على سمائل الشهم الفيصل الزاهد سعود بن حمد بن هلال
البوسعيدي.
وفي اليوم الثلاثين من شهر المحرم سنة 1332 خرج الإمام من سمائل على طريق وادي الغربي، وفي صحبته الأمير عيسى وهذا كتاب الإمام ونور الدين لإخوانهم في تبورة من إفريقيا يتضمن الفتوحات.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي، وعبد الله بن حميد السالمي إلى حضرة المشايخ الكرام الأخوة: ناصر بن سالم ومحمد بن سالم، وسيف بن خميس، وسالم بن ساعد وسالم بن جمعة وكافة الإخوان العمانيين، وغيرهم من كافة المسلمين النازلين بنواحي تبورة، سلام عليكم، فإنا نحمد الله إليكم، ونشكره على ما مَنَّ به علينا، من إقامة كتاب الله، وإظهار دين الله. فقد أتم الله علينا نعمته، وألف بين قلوبنا، وقام أكابر عمان ورعاياهم قومة واحدة على نية واحدة، فمنحهم الفتح المبين، والنصر العزيز.
وجمع
شتاتنا،
الله
197 (1/197)
صفحة 198
،29
عقدت الإمامة بتنوف آخر اليوم الثاني عشر والاثنين من جمادى الثانية في ساعة الشمس، وانتقلنا إلى نزوى في تلك الساعة من الاثنين القابلة من يوم 19 ودخلناها وقت السحر، وهي في أمنع ما يكون عدة وعدداً وبأساً وشهامة، فمنحنا الله أكتافهم الله للأسر ودماءهم للقتل بنصر من وإعانة وآتاهم الله من حيث لا يحتسبون، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم، فأنزلهم الله منها وواجه والي منح وسلم البلد، وواجه سلطان عبري وبايع، وواجه شيوخ الجنبة وشيوخ أوم وبايعوا وانتقلنا إلى أزكى، يوم تاسع رجب، بعد صلاة جمعتين، بنزوى، ففتحها الله لنا ببركة واليها الحميد سعود بن حمد، وانتقلنا منها إلى سمائل في يوم 26 من رجب عُصَيْراً، وأحطنا بحصن سمائل صبح بعد احتجاج ونصائح، وفيه نادر بن فيصل وحمود بن حمد بن هلال، وحمود ابن الإمام عزان بن قيس وغيرهم من سادة القوم عشرة، وهو في أتم عدة، فقام الحصار عليه سبعة وعشرين يوماً، ونزلوا ليلة،28 وكان الشيخ عيسى ومن معه قد نزل بالخوض المرابطة فيصل وأولادهم، وهم بالشيب، وطائفة أخرى من الجيش فيهم علي بن هلال بن زاهر ومطاوعة الحجريين وآخرون من ريام وعبس وقد حاصرت حصن بدبد، وفتح يوم 25 شعبان وها نحن منذ فتح الحصنين لم نفارقهما، أقمنا لإظهار العدل في البلدين وتوابعهما مرابطين للعدو، ومنتظرين لفرصة النهضة على مسقط. وقريباً - إن شاء الله - نزحف إليها، ونسأل الله وصول كتابنا هذا إلى حضرتكم، وأنتم في أتم نعمة، وعرفونا بوصوله إذا وصل كتابك أيها الأخ ناصر وصل، وإعانتكم الأولى لم تصل، والثانية لم يأتنا فيها بيان ولعله لانقطاع الطريق والسلام.
•
كتبه عن إملاء والده محمد بن عبد الله بيده، يوم ثاني ذي القعدة سنة 1331. وحينما نحن مقيمون بأزكى ثار بنو خروص والعبريون على حصن العوابي فخلص يوم 17 من شهر رجب اهـ.
وفد معولة بن شمس الى الإمام بسمائل
ولما أراد الله أن تنتظم بلادهم في سلك نظام الإمامة، ألقى الله في قلوب معولة حب الإيمان فخالفوا رئيسهم الشيخ سليمان بن ناصر بن محمد، إذ كان هواه مع السلطان، فخرج قسم منهم إلى الإمام على طريق عقبة ألقت إلى سمائل بعد فتحها، وكان خروجهم في شهر المحرم سنة،1332، فاجتمعوا بالإمام، وأخبروه بما جاءوا إليه،
198 (1/198)
صفحة 199
من استعدادهم للمناصرة، وفرارهم من أئمة الجور، وطلبوا منه المساعدة على خصمهم، وحماية بلادهم فوعدهم جميلاً، وجعل لذلك أجلاً يوافيهم عليه، وأكثر الخارجين من أهل مسلمات وكان أمير القوم سيف بن سالم، وهم نيف وأربعون رجلاً، فناداهم نور الدين: يا آل شمس هل من مبايع؟ فأجاب القوم: ما جئنا إلا لذلك. وتقدم أبو البركات سعود بن حمد بن سيف فمد يده للبيعة وهو يتلو الآية الكريمة: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) ثم بايع بقية القوم، وأقاموا سبعة عشر يوماً في ضيافة الإمام.
،
وبعد انقضاء لوازم الزيارة، استأذنوا الإمام في الرجوع، فأذن لهم، فرجعوا ملتزمين بالأمر والنهي في بلادهم، وبالقيام على كل من لم يدخل في طاعة الإمام من قومهم، وعلى أن يقوموا مع الإمام لحرب نخل، فلما وصلوا هموا بما كانوا أملوا به، وعارضهم رئيسهم الشيخ سليمان بن ناصر فكتبوا للإمام بما كان من أمره، فأجابهم أن لا تعجلوا، وهم سليمان أن يشرّد ببني خروص وأتباعهم من وادي معولة عناداً للحق، فمنعه المقدام سيف بن سالم، وكان مناصحاً للإمام مجتهداً. ولما شق عليه الأمر، خرج مرة ثانية إلى الإمام في اثني عشر رجلاً من قومه، واقتحم الجبل الأخضر، طالباً من الإمام المساعدة على أمره، والوفاء بالوعد الأول.
عبد
فتح نخل
في اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 1332 وصل الأمير الشيخ عيسى بن صالح نزوى ملبياً دعوة الإمام، وقبل وصوله وصل شيخنا العلامة أبو خليل محمد بن الله الخليلي، فتناظروا فيمن يخلف نور الدين السالمي فأجمع رأيهم على أن يكون العالم العلامة عامر بن خميس المالكي مديراً لشؤون الإمامة، كما كان عليه نور الدين السالمي، فهو خليفته في العلم والعمل وتشاوروا في أمر نخل، فأجمع رأيهم أيضاً في الخروج على أهلها والوفاء بالوعد السابق للمعاول، فخرج الإمام سالم، وفي صحبته الشيخ أبو خليل عن طريق الجبل، وصحبهم الأمير عيسى بن صالح إلى تنوف مشيعاً وزائراً للشيخ حمير بن ناصر، فنزل الإمام بلدة العوابي وركب منها إلى بلدة المعاول، واستخلف الإمام على نزوى العلامة المالكي. وكان قواد هذه الغزوة الرئيس المناصر حمير بن ناصر، والشيخ سعود بن بدر بن هلال الهنائي والشيخ العلامة ناصر بن راشد
،
199 (1/199)
صفحة 200
الخروصي في جماعته، فنزلوا بمسلمات من بلدان وادي المعاول، وتصدى الشيخ حمد بن سعيد بن حمد المعولي، لنفقة الجيش ومدد الإمام، وقام بالواجب خير قيام. أما الشيخ سليمان بن ناصر أمير معولة، فقد امتنع عن الانقياد في أول الأمر، فقام عليه جماعته فلم ير بدا من موافقتهم فانقاد وأذعن وبايع، وسلمت معولة الأمر
للإمام.
وكان رئيس نخل في ذلك الوقت الشيخ أحمد بن ثنيان الحراصي، وقد أقره السلطان تيمور بن فيصل والياً على حصنها وملكه أزمة، أمرها، فخاطب الشيخ الحميري أعيان نخل، في الانقياد للحق والإذعان للإمام؛ لأن أهل نخل ميلهم إلى الحميري، وبها كثير من قومه، فأجابوه بما يجمل ويحسن فخرج إليهم ليلاً، وأصبح بجامعها وواجهه أهلها، إلا الشيخ أحمد بن ثنيان فإنه قد ترفع بحصنها المانع، ومعه السيد حارب بن سعيد بن حمد البوسعيدي أخو السيد سيف بن حمد الذي قتل نفسه بنزوى، فأرسل الأمير الحميري إلى الشيخ أحمد إما أن تنزل على ذمتي، أو تكون مخالفاً، فطلب أحمد مهلة إلى أن يكتب للسلطان في قبض أمانته وإلا فلا تبعة عليه، فأعطاه إلى
وصول جواب كتابه.
•
يسمح
أحمد،
وبعد أيام وجيزة وصل الجواب من السلطان لأحمد بن ثنيان: إن لم تكن لك قوة على الحرب فاعمل ما شئت فأذعن أحمد بن ثنيان من غير حرب، وطلب أن له بذخائر الحصن، فأعطاه الحميري ذلك. ولما عرف السيد حارب، عزم الشيخ وما انطوى عليه خرج ليلاً، وتوجه إلى السلطان ببركا، ودخل الإمام حصن نخل، وأقام به، وأصلح الفاسد وأدب المعاند وجعل الشيخ العلامة سيف بن أحمد الكندي قاضياً عليها، والشيخ العالم علي بن ناصر اليحمدي قاضياً بوادي المعاول. هذا وقد أمر الإمام سالم بقبض أموال السيد محمد بن أحمد الغشام، التي هي بوادي المعاول، لاستغراقها في المظالم فهو لأهله المظلومين، وهم مجهولون، يعتذر الوقوف عليهم. وحكم المجهول لبيت المال. وبهذا حكم الإمام المحقق الخليلي ـ رحمه الله الله ـ في عصر الإمام عزان بن قيس.
صفة حكم الإمام
حكم الإمام سالم بن راشد الخروصي، بإشارة العلماء الذين معه، كالشيخ عامر بن
200 (1/200)
صفحة 201
خميس المالكي والشيخ العالم ناصر بن راشد الخروصي ومن عندهم في أموال السيد
أحمد محمد بن بن ناصر الغشام والشيخ العالم راشد بن عزيز بأنها صافية، لكونهما عاملين للجبابرة يجبيان لهما الخراج ويقودان لهما جيوش البغي على المسلمين، وأن أموالهما مستغرقة في مظالمها وأن للإمام، حوزها وجعلها في عز الدولة اقتفاء لما مشى عليه الأئمة - رضوان الله عليهم ـ من عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ إلى عهد عمر بن الخطاب الخروصي إلى الإمام عزان بن قيس - رضي الله عنهم ـ فأمر الإمام سالم
بحوز هذه الأموال وإنفاقها في عز دولة المسلمين.
،
ولما بويع الإمام الخليلي نظر إلى حال العمانيين واضطراب كلمتهم، وضعف هممهم التي كان عليها الأولون وأن سلاطين مسقط كثر ظلمهم، وعظم عسفهم وغشمهم، فصالحهم على الكفاف وتأمين البلاد وعلى أن يسكت عن تلك الأموال، لا رداً لحكم الحاكمين ولا إبطالاً، وإنما سكوته لمصلحة رآها. وحضرت مجلسه ذات يوم، وقد باحث القاضي سفيان بن محمد الراشدي في القضية، فأجاب أن الحكم وأن تلك الأموال بيت مال وإنما سكوتنا عنها لمصلحة تحريناها، وهي تخفيف
صحيح،
الظلم وتأمين البلاد، فكتب ذلك عنه القاضي سفيان بغرفة الإمام من حصن نزوى.
بقي الإمام سالم بوادي المعاول ونخل لتسكين، حوادثها، وقد كثر بها الرهج والغيلة، وفشا بها قتل الصلحاء فقتل من المعاول جملة رجال غيلة. ومن جملتهم الزاهد الشيخ عبد الرحمن بن خميس بن أبي نبهان الخروصي وابنه، وقتل من الفضلاء بنخل العلامة الولي سيف بن أحمد الكندي، وهو شيخ كبير يناهز السبعين قتل ببيته هو الله وزوجته نائمين والشيخ العالم محمد بن عبد السلامي، والثقة الفاضل ناصر بن سعيد الخروصي، والشيخ الزاهد سيف بن محمد السلامي، والشيخ العارف سعيد بن سالم العرفاني وابنه، وغيرهم من الأفاضل كثيرون، ومن العامة غفير. أما الواقع في نخل، فالسبب فيه أنّ الإمام سالم أمر بقتل شيخ أهل نخل أحمد بن ثنيان الخروصي، لما حدثت منه أحداث تخالف الشرع، فقبض عليه الإمام وصفده بالحديد، وأرسله إلى مطمورة نزوى فلبث بها طويلاً، ثم أطلق بشفاعة أنه نادم وتائب، فما هو إلا أن إلى ما كان عليه، فأمر الإمام بقتله، فقتل في مجلسه أمام المسجد الجامع بنخل وقت صلاة العصر، فقام أخوه خلفان بن ثنيان وابن أخيه حمود بن سالم بن ثنيان، يطالبون
بثأره.
جم
رجع
201 (1/201)
صفحة 202
أما خلفان فجمع اللصوص والمقاطيع، وأقام بالرميس من الباطنة، وكانت حكومة مسقط ظهراً له، فشنّ الغارات على نخل، وقتل أنفساً كثيرة ظلماً وعدواناً وأكثر المصابين بالقتل السلاميون وبنو خروص، لكون قاتل أخيه سَلاميًا وبنو خروص جماعة الإمام.
رحمه الله.
وأما حمود فبقي عيناً لهم بنخل يدلهم على عورات المسلمين. وفي اليوم التاسع من ذي الحجة أمر الإمام بالقبض على حمود بن سالم، فهرب إلى جماعته بجما، فأمر بهدم بيوته وحرق منازله التي هي
مأوى البغي.
وخلفان بقي بالرميس على تلك الحالة دهراً حتى رجع إلى نخل، في عصر الإمام الخليلي، ظنا منه الخير في استئلافه، وأنه رئيس. فلعل المروءة تقوده، فما كان إلا كقوم موسي، اختار منهم سبعين فعبدوا العجل واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي سرج كاتباً فارتد. وكاد خلفان أن يتغلب على البلد وعاملها فأرسل الإمام الخليلي عصابة من عسكره إلى عامله بنخل وأمره بالفتك به بعد إقامة الحجة عليه، فاستخف بهم، وأعارهم أذناً صماء، ففتكوا به ضحى في مجلسه بحضرة قومه، وقتل عنده خادمه، ولم أحد من عسكر الإمام ببأس ولا أذى وسيأتي بيان ذلك في سيرة الإمام الخليلي -
يصب
إن شاء الله.
ثم رأى الإمام سالم أن بقاء مثل هؤلاء الرؤساء من الجبابرة والبغاة داعية الفساد في الأرض، فأمر بقتل رئيس المعاول، وهو الشيخ سليمان بن ناصر المعولي وكان أيضاً ممن كثر عسفه وغشمه وقد تمنع عن الإمام بعد رجوعهم من بركا فهو ممن يبطن الصداقة لحكومة مسقط ويترقب الدوائر بالمسلمين، فهجم عليه العسكر في بيته ليلاً بين عائلته وعسكره وإخوته فأصبح قتيلاً، وقام بعد ذلك إخوته للأخذ بثأره، لكنه قيام أعرج؛ لأن جماعتهم خذلوهم فبقيت دسائس ضاعت بسببها البلاد وخاف البري، واستمرت أمورهم على هذا ردحاً من الزمن حتى ولي الأمر الإمام الخليلي فضغط عليهم إلى أن نكصوا عن سفسفتهم، فنصب في المعاول أميراً الشيخ خلف بن ناصر المعولي أخا المقتول سليمان لأنهم بيت رياستهم وكان هذا الشيخ عاقلاً حصيفاً أريباً عارفاً بالأمور.
ذكر خروج الإمام إلى بركا
وذلك على أثر فتح نخل، وكان عامل السلطان عليها السيد هلال بن حمد السمار،
202 (1/202)
صفحة 203
وقد جمع
السلطان جيشاً عظيماً وتقدم إلى بركا مناصراً لعامله مخافة المهاجمة عليها، وقد أحضر القوات السلطانية، فكانت مهايجات بين الفريقين إذ كل منهم قريب من الآخر، فرأى الإمام أن تكون بنو هناة وبنو خروص ببلد حبرى من وادي المعاول للمرابطة بها، وبقي الإمام بمن عنده ببلد نخل، فخرجت خارجة من قوم السلطان وعليها السادة: محمد بن حمد راعي طيبة ومحمد بن أحمد الغشام وهلال بن أحمد السمار، ولا يخلو القوم من عين تغدر بهم، فوصلوا إلى بليدة العريق من أعمال حبرى، فكانت بينهم وبين البادية التي كانوا حولها مرامات فانهزم الخارجون من غير مفيد، ثم جاء الخبر إلى الإمام أن السلطان وصل إلى وادي المعاول ولكن بعد ذلك تبين للإمام أن الخبر عار من الصحة، وإنما ذلك هو أن الشيخ حمد بن هلال السعدي رئيس آل سعد جاء ليتوسط بالصلح بين الإمام، والسلطان فتواصل الصريخ قبل استكشاف صحة الخبر، فما وقف الجيش حتى هجم على بركا، فتفوّق جيش السلطان الذي جمعه لأن أكثرهم لم يخرجوا إلا طمعاً وما لهم بالقتال من حاجة، وكان نزول الإمام بمحلة نعمان من الثرامد، والتجأ السلطان ومن معه من السادة وأهل الثبات بحصن بركا للمحاماة. فكانوا يخرجون ذات لمقاتلة الثوار ويرجعون إلى حصنهم، ووقع بينهم يوم قتال عنيف على (البنك) وهو بيت الوالي سُليمان بن سويلم واستشهد في تلك المعركة من أصحاب الإمام الشيخ سيف بن سالم المعولي وهو المقدام الذي استعان بالإمام وقتل سليمان بن حمدان المعولي، وجرح كثيرون ولا نعلم من أصيب من جند السلطان وأعوانه.
وفي أثناء هذا الحصار طلب السلطان تيمور من الإنجليز الدفاع عنه، لما رأى أن العمانيين خذلوه، فأقبلت بارجة حربية إنجليزية، وجعلت ترمي بنيران مدافعها جيش الإمام وثكناته. فلما رأى الإمام ومن معه أن الأجنبي قد تدخل في القضية، أجمع رأيهم على الرجوع إلى وادي المعاول، وهناك عسكر الإمام، وأصلح شؤون البلاد والعباد، أثناء قيامه بها.
خروج الإمام سالم بن راشد إلى الوطية
في منتصف شهر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف سنة 1333 هـ خرج الإمام سالم بن راشد الخروصي لحرب مسقط بمن معه من الأمراء، وفيهم الأميران الحميري والحارثي، والعلامة أبو مالك.
203 (1/203)
صفحة 204
كان من رأي الإمام عدم التأخير عنها، إذ لا ينتظم ملك عمان إلا بقهر العاصمة، لاختلاف أهواء العمانيين. أما رأي الشيخ عيسى بن صالح الحارثي، فهو عدم التعرض
للسلطان فيما بقي بيده من المراكز والبلدان ولكنه لا يرى مخالفة الإمام.
،
وما كانت مسقط لتنجو من السقوط لولا قوات بريطانيا.
- ومن معه من الأمراء بفنجاء، فخرجوا منها، وقصد
اجتمع الإمام - رحمه الله. الله - ومن م
،
الإمام بمن عنده طريق بوشر وقصد الشيخ عيسى ومن عنده، عن طريق الخوبر، واجتمع الكل بالوطية في اليوم الثالث والعشرين من شهر صفر.
من خبر الشيخ الأمير عيسى، لما وصل إلى بلدة، سرور، كتب للسلطان كتاباً يتضمن نقض الذمة بينهم، وإياه، وأنه لا يرى إلا امتثال أوامر الإمام:
فيه:
فأجابه السلطان بكتاب، وأنشد فيه قول أبي الطيب المتنبي:
ولا بد من يوم أغر محجل يطول استماعي بعده للنوادب ولما تحيز المسلمون عن الوطية ورد كتاب آخر من السلطان للأمير أيضاً كتب
ورب مريد ضره ضر نفسه وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى إن من خير هذه الغزوة لما وصل الجيش العماني الوطية قبيل المغرب، من مساء الثالث والعشرين عزموا على الهجوم على العساكر الإنكليزية الذين هم برؤوس الجبال، فوثبوا عليهم واستحلوها وكان مقدمة جيش السرية الزعيم المجاهد علي بن
يوم
صالح.
فأصبح الزعيم بمن عنده قاهراً لتلك الجبال وحيث إنه لم يكمل وصول الجيش وإنما وصلت بوادره ولم يكن عند المسلمين شيء من أمر الحرب على النظام الجديد، ولا شيء من السلاح الجديد، وإنما هم على العادة، العربية ورأوا أنهم قد أجلوهم في أسرع وقت داخلتهم النخوة العربية وبادرة الطيش وما عرفوا أنه الداء العضال الذي عنه ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم، فما لبثوا إلا ليلتهم تلك. وحين أصبح النهار، أقبل الجيش النظامي من بيت الفلج الذي أعده السلطان معسكراً، وفيه ضباط الإنكليز بمدافعهم الرشاشة والبنادق الجديدة، فجعلت ترميهم من وجوههم والسلطان
نهى
الله
204 (1/204)
صفحة 205
،
يرميهم بالقنابل من البحر فما لبث المسلمون على هذه الحال إلا يسيراً حتى انجلوا من الجبال وانجلى الناس وثبت الزعيم المجاهد علي بن صالح بمن معه.
فلما رأى الإمام ذلك، سل سيفه وتقدم متعرضاً للشهادة، وعنده السيد سعود بن حمد والشيخ عيسى والعلامة المالكي وغيرهم من أفاضل المسلمين، فتبعوه ساعة يقفون أثره على الموت، ولحقهم جماعة من المسلمين فأمسكوا الإمام وقالوا: لا نرى فائدة في إلقائك لنفسك، وهذه العصابة القليلة إلى العدو، فإن في ذلك وهناً للإسلام، فأجابهم: إني لا أرجع إلى إلا أن يفتح الله لي أو أموت والرجوع لا يجوز لي، والفرار
لا يحل.
وردت الفتوى إلى أهل العلم ثم رجعت إلى أبي مالك وكان مرجع العلماء في وقته، فأفتاه أنك متحيز إلى فئة من المسلمين، وليس هذا هو الفرار من الزحف، لأن أصحابهم انحازوا تحت جبل السليعة، فأحبوا أن يتداركوهم ويدبروا رأيهم، ويجتمع جيشهم، ويصل بقية أصحابهم وبقي جماعة من المسلمين في رؤوس الجبال، لم يعلموا بالواقع، فقاتلوا إلى الليل حتى نفذ ما عندهم من قوة، وقتل أكثرهم، واستولي على بعضهم، فكان جملة من قتل وفقد من المسلمين نيفاً وخمسين رجلاً. ولا نعرف القتلى من جيش السلطان والناقل بين مقلل ومكثر. وحمل الجيش السلطاني من وجدوه جريحاً، وداووه حتى شفي، وردوه إلى أهله وكان فيمن أصيب من المسلمين الشيخ الغيور محمد بن سليمان بن حميد الحارثي رحمه الله.
205 (1/205)
صفحة 206
حوادث سنة ثلاث وثلاثين
وثلاثمائة وألف
ثم إنه تحرك السيد محمد بن هلال البوسعيدي المعروف بصاحب المدفع، وهو عامل السيد تيمور على بلد السيب، فجمع اللصوص، وآوى قطاع الطرق، من أهل الطو وغيرهم، فكانت الطو مأوى للبغاة لعجز أعيانها من طردهم، فسفكوا الدماء، وأخافوا السبل، ونهبوا الأموال وتجمع إليهم كثير من السفهاء، فاغتروا بجمعهم، فعزموا على مهاجمة بلدة الآجال وهي بلدة تسكنها قبيلة النعب تابعة لوادي المعاول، فأرسل الإمام سرية من آل معولة بن شمس الشاعر يقودها سعيد بن خلفان المعولي، للمحافظة على الآجال وتثبيت أهلها وأن يكون رباطهم بها حتى يأتيهم أمره، فحيثما نزلوا بها، وثبتت أقدامهم على منافذها، وكان وصولهم قبيل الفجر، أقبل البغاة عند طلوع الشمس بقضهم وقضيضهم وخيلهم، ورجلهم فكانت بينهم مناوشات من بعيد فولى جيش البغاة منهزماً، ثم عزموا على الكرة، فثبت لهم القائد سعيد ثباتاً لائقاً بمقامه، فانهزم البغاة مرة ثانية بعد قتل ذريع، وجراح فاحش وما كان بأصحاب الإمام إلا جراح خفيفة في بعضهم، فنما الخبر إلى الإمام، وكان بوادي معولة، فلم ير بدا من حسم هذه المادة، واستئصال هذه الجرثومة الفاسدة المقيمة بالطو، فخرج إليهم بجيشه فاستشعروا العجز عن المقاومة، وأخرجوا السيد محمد المذكور من بين ظهرانيهم وسلموا الأمر للإمام على واسطة الأمير الحميري، وأقبل أعيانهم إلى الإمام مذعنين سالم بن، زاهر، وناصر بن سالم، وحامد بن حمد، فعفا الإمام عنهم، وألحقهم بإمارة والي نخل.
•
حكم الإمام في أموال قائد البغاة السيد محمد بن هلال أنها صافية، لما اقترفه من ظلم العباد، وما عاث به في الأرض من الفساد من إرهاق الأنفس، وإتلاف الأموال، فأدخلت هذه الأموال في جملة أموال بيت المال ثم بيعت في مصالح الدولة.
ثم كثرت الأراجيف بعد هذه الحادثة، واضطربت الأمور، ونجم النفاق، فاجتمع كثير من زعماء وادي سمائل، ورغبوا السلطان في قبض بدبد وسمائل، وأملوه بذلك،
206 (1/206)
صفحة 207
وأغروه فأغروه، فأرسل الإمام إلى الزعيم المجاهد علي بن صالح الحارثي، فكان وصوله مسلمات في أوائل شهر شعبان من سنة 1333 فجهزه إلى سمائل لتركيز أمورها، وتسكين حركتها، إذ كان يعرف وادي سمائل باسم الرقاص، فخرج الزعيم علي وصحبه السيد الفاضل سعود بن حمد، وعندهم نزر قليل من المؤمنين، فاختاروا أن يكون رباطهم بالتصاوير من فنجا، وهو أول مدخلها من جهة النعش وأيدهم بالشيخ سلطان بن سالم الرحبي الهمداني في رجال من، قومه وكان هذا الشيخ مؤمناً مناصحاً للمسلمين.
وفي شهر شوال من السنة المذكورة، خرج الإمام سالم من وادي المعاول إلى وادي سمائل، لقمع المنافقين والمفسدين، وأقبل الرئيس الحميري بجنوده، فأقام الحميري ببدبد وأمر بقبض نجد الورس المعروف بنجد السيابيين، فخرجت من أعوان السلطان خارجة يقودهم الشيخ العلامة راشد بن عزيز فنزلوا بالرسيل، فأرسلوا رائدهم الصنديد سعيد بن أحمد الجابري الملقب العفريت وكان كاسمه ليتجسس لهم الأخبار، ويرصد النجد، فقبض عليه أصحاب الشيخ الحميري في نجد الورس، وأوثقوه بالحديد، فلما بلغ الشيخ راشد رباط الحميري ومن معه ببدبد وقبضهم للنجد، وأسرهم للعفريت رجع بمن عنده من غير حرب.
أمر الإمام بقطع عنق العفريت فأخرج إلى وادي الضبعون، وأنفذ الحكم فيه. ثم وصل الشيخ عيسى ملبياً دعوة الإمام. وبعد أن حضر جيشهم، وجه الإمام الخطاب لبني جابر، وآل المسيب بالإذعان أو الحرب لأنهم جرثومة الفساد، وبيت العناد، فلم يروا إلا الإذعان والتسليم وانقادوا بواسطة أعيان المساكرة سعيد بن نصير، وناصر بن سليمان، وجماعتهم وسلموا لأمره، فحملوا على الأصفاد، وأرسل سجن نزوى، وهرب أمير آل المسيب إلى مسقط عاصمة السلطان. وكان كرسي ذلك
الجمع بلدة سرور.
بهم
إلى
وبعد ذلك توجه الإمام إلى الشرقية وفي صحبته الشيخ عيسى، فكان طريقهم على وادي الغربي، ثم على عقبة الصفرية ثم على وادي عندام وبالعلية من وادي عندام قبض الإمام على محمد بن بخيت السلمي أحد رؤساء قطاع الطرق فأمر بإنفاذ الحكم فيه
فقتل.
وفي أوائل ذي القعدة من السنة المذكورة، وافاهم ببلد العلية من عندام، رسول من
207 (1/207)
صفحة 208
كرنل الدولة الإنكليزية بمسقط، يطلب الصلح بين الإمام والسلطان تيمور، فأرسل الإمام الشيخ عيسى، فخرج إليه. وكان قد اجتمع به قبل هذه المرة بالسيب، فلم تكن نتيجة، وحضر هذا الاجتماع الثاني الشيخ العلامة سعيد بن ناصر الكندي، فاجتمعوا بالكرنل الإنكليزي بالسيب، ورجع الأمير للعمانيين بشروط وافرة، فعرضها على الإمام، فرفضها الإمام لحدته على السلاطين.
جعل الإمام في غزوته هذه والياً على سمد الشان الشيخ أحمد بن سليم بن المر العريمي الجنيبي، وعلى سناو الشيخ سلطان بن محمد بن رشيد الحبسي. وفي يوم ثاني من ذي الحجة الحرام من السنة المذكورة أقبلت وهيبة بأفلاذ كبدها، يقدمهم المشايخ سلطان بن منصور وعلي بن سلطان، وسعود بن حمد آل بو عقيلة، وسعيد بن راشد، ووني بن سلطان وسالم بن حمود الجحاحيف وغيرهم في أربعمائة راكب، وأذعنوا للإمام ودخلوا تحت طاعته وبايعوه على السمع والطاعة.
ثم خرج الإمام إلى بدية وهي بلدان آل حجر وأقام بالمنترب، لنشر العدل والإنصاف، وتأديب أهل الجرائم.
جعل الإمام والياً على بدية السيد محمد بن سليمان البوسعيدي، المعروف بالكراخ، وعنده الشيخ أبا الخير عبد الله بن غابش قاضياً، ثم رجع إلى نزوى.
وفاة الشيخ اللمكي
وفي سنة 1333 توفي بالرستاق الشيخ العالم مدار الفتيا بالديار الرستاقية، ورئيس قضاتها راشد بن سيف بن سعيد اللمكي - رحمه الله وكان له من العمر إحدى وسبعون
سنة.
حوى هذا الشيخ من العلوم النقلية والعقلية ما سبق به أقرانه، وكان ممن عاصر
الله
السادة العباهل حكام الرستاق: إبراهيم بن قيس، ثم سعود بن الإمام عزان - رضي عنهم، ثم حمود بن عزان ثم سعيد بن إبراهيم، ثم أحمد بن إبراهيم. وكانت وفاته في عصر السيد أحمد بن إبراهيم لما كان حاكماً على الرستاق.
الله ولد - رحمه
-
عام اثنين وستين ومائتين وألف بمحلة قصرى من الرستاق فنشأ
بها، وتعلم العلوم وكان ملازماً للسيد الزاهد فيصل بن حمود بن عزان، والشيخ العلامة
208 (1/208)
صفحة 209
ماجد بن خميس العبري، ويقي مدرساً في فنون العلم بمسجد قصرى من الرستاق، حتى كان جملة من اجتمع إليه من التلامذة، يسرج لهم في مسجد قصرى، بسبعة مصابيح.
تخرج عنه جملة من العلماء منهم أخوه الشيخ سالم بن سيف، والعلامة نور الدين السالمي والشيخ العلامة الزاهد محمد بن شامس الرواحي وغيرهم كثير. ولم يزل - رحمه الله - يحرض الأغنياء على المسابقة إلى الخيرات وببركته تبرع كثير منهم بحبس الأموال على المتعلمين وأبواب البر.
تأليفه: مجموع مسائل في مختلف الدعاوى والأحكام والديانات، وله منظومة في السلوك. وأخرى في التحريض على نشر الحق. ومنظومة في فضائل العلم. وغيرها في المواعظ والحكم. وله خطب وأوراد ورسالة سماها: المسالك في علم المناسك.
وكان هذا العلامة من أعظم النصحاء لدولة الإمام سالم - رحمهم الله.
كان بنو اللمك بوادي السحتن من أودية الرستاق ولهم بهذا الوادي البلدتان: الطباقة والخضراء. وكانوا أهل صولة وقوة حتى إنهم تجرأوا فقتلوا الشيخ محمد بن علي بن مسعود العبري أحد ولاة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، أرسله الإمام ليقبض على أحد البغاة منهم فغدروا به ليلة، وصوله، فقام عليهم الإمام. فلما رأوا عجزهم عن المقاومة، انقادوا من غير قيد ولا شرط بواسطة أعيان اليحمد فصفد الإمام من شاء من أعيانهم، وأودعهم السجون وأنفذ فيهم الحق، وهدم حصونهم التي أشادوها بذلك الوادي. وقد ذكر القضية الشيخ عبد الله بن خلفان بن قيصر الصحاري في سيرته وتعقبها بهذه الأبيات:
لقد ظفر الإمام على الأعادي بهدم حصونهم في كل نادي فذلت بعد عز واستكانت وقد كانت لها خير البلاد مضى اللمكي مأسوراً بقصرى قصير الخطو من سوء العناد فكان قراهم قتلا فسحقاً لقوم خالفوا سبل الرشاد
وفي هذه السنة 1333 توفي بغزوى الشيخ العلامة محمد بن خميس بن محمد السيفي، أحد علماء الأسرار، كانت له اليد الطولى في ذلك، يقصده الوفود من كل جهة للاستفادة منه فيعطي كلاً طريقة على قدر حاله.
209
نهضة الأعيان - م 14 (1/209)
صفحة 210
حمد.
وكان عليه مدار القضاء بنزوى في زمن الشيخ هلال بن زاهر، والسيد سيف بن
وكان هذا الشيخ قد أجمع أجوبة الشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي في سبعة أجزاء وسماه العقد الثمين وجمع أجوبة المحقق الخليلي في أربعة أجزاء، وسماه التمهيد في أجوبة الشيخ سعيد. وله شرح على قصيدة الشيخ أبي نبهان والعشري في سير الأئمة. توفي وله من العمر اثنتان وتسعون سنة، بعد أن كف بصره. خبر بني بطاش
بنو بطاش بطن من طيئ وهم قبيلة واسعة عرفوا بالسخاء والكرم والبسالة وأثنى عليهم الشعراء. ويقول أبو مسلم في نونيته:
وأين عنها بنو بطاش أين هم من لي بهم وهم للحرب أخدان طال الرقاد بكم هبوا فديتكم فالشمس طالعة والسيل أرعان عادات طبئ تخضيب السيوف وإر واء المثقف وهو اليوم عطشان إن من خبر بني بطاش - لما بلغهم خروج الإمام إلى بركا - دبت فيهم الروح بحب العدل، وتشوقت نفوسهم إلى الانضمام في سلك الاجتماع، وأحبوا السعي إلى الجهاد، والدفاع عن الوطن فوثبوا على قريات من ممالك السلطان وكانت بجوارهم فحاصروا حصنها تسعة أيام فأرسل إليهم السلطان باخرة حربية مملوءة رجالاً وأسلحة، فكمنوا له حذاء جبل دغمر، فكانت المراماة بينهم من طلوع الشمس إلى منتصف النهار، فجاءهم أثناء تلك المقاتلة جنود إنكليز، فجعل يرميهم بقنابله الضخمة ومدافعه العظيمة، فنزلوا من الجبل، وتحيزوا إلى بلدانهم، فلما أنس المحصورون بالحصن أن القوم خرجوا من البلاد، فتحوا حصنهم، وخرجوا فخربوا البلاد، ونهبوا البيوت التي جعلوا لحمايتها، فصار رعاتها ذئابها وهرب الأهالي من قريات كل على وجهه لما وقع بهم، فبقيت قريات وعفا خاليقين عليهما العفا. وعند ذلك طلب بنو بطاش من الإمام والياً، يقوم بأمرهم، ويتحمل أعباء مهماتهم فانتخب لهم الشيخ أحمد بن سليم العريمي الجنيبي. فكان قيامه ببلد حبل الغاف؛ فأظهر فيهم العدل والإنصاف فاشتدت وطأة السلطان عليهم فبقيت الحرب بينهم سنتين؛ وهجم قوم السلطان على دعم مرتين، فتقهقروا منهزمين ورجع أحد قواد الجيش الشيخ حارب بن محمد الهشامي بمن عنده، بعد أن
في
210 (1/210)
صفحة 211
أصيب بجراح، انصلمت منه إحدى يديه، وبقي السادة في حصن قريات ورباط بني
بطاش في دغمر، وشرذمة منهم بمنزيف، وبعضهم بالقحمة.
في
ولما تحقق عند السلطان عزم الإمام على مهاجمة عاصمته مسقط خرج من قريات أوائل سنة 1333 هـ، وزحف بنو بطاش على أثره مناصرين للإمام، فلما وصلوا حاجز الخفيجي بلغهم رجوع الإمام فرجعوا إلى أوطانهم، وبقي أمرهم نافذاً من حدود الحاجز إلى دغمر وجبل الغاف وما تعلق بذلك، وكلها تؤدي الطاعة لعامل الإمام. أثناء هذه المدة أغار بنو بطاش على الجنود الإنكليزية الذين بجبال الوطية
وفي
حامية السلطان، فقتلوا رجالاً، وأخذوا سلاحاً ورصاصاً.
خلف
وذلك بعد واقعة الوطية ثم أكثروا شن الغارات وضيقوا المسالك على رعايا السلطان، فجمع جموعه ممن كان تحت طاعته من القبائل وسار إليهم، وكان في جيشه الشيخ بن سنان العلوي وبنو أبو حسن وبنو عمر وبنو أبو علي وأكثر جنوده من الغافرية، فاجتمع الجيش بقريات، وأرسل بنو بطاش للشيخ عيسى يستنجدون به وقد تجلدوا للحرب وأظهروا التصلب، فلما رأى الشيخ خلف بن سنان الجد من الفريقين، وخاف على بني بطاش من كثرة جنود السلطان وكان ميل خلف إليهم، ولم يبلغه وصول نجدة من الشيخ عيسى ولا قيام الإمام وحاذر المعاجلة كلم السلطان فيهم فأبى عليه، فاجتهد في مناصحته عن حربهم، فلما أكثر عليه فوّضه فخرج إليهم وجاء برئيسهم الشيخ سلطان بن محمد بن شماس ومن عنده من الأعيان فسامحهم السلطان وعفا عنهم، ووقع بعد ذلك الأمان من الطرفين، وكان ذلك في سنة 1334 هـ.
وبعد تمام هذا الصلح استعفى الوالي الشيخ أحمد بن سليم العريمي من ولاية بلادهم، فسألوا الإمام والياً عليهم فأرسل الشيخ القاضي قسور بن حمود الراشدي فبقي زماناً. عندهم
ثم حدثت بعد ذلك ثورة عليهم من السيد نادر بن فيصل، وكان أحد أعضاء المجلس الرسمي بالنيابة عن أخيه السلطان تيمور والسبب أن ابنة راشد بن محمد القاسمية تطلب من الشيخ حبيب بن سليم الضنكي مالها الذي باعه ابن عمه عبد الله علي القاسمي، وهو تركة أبيها لما كانت يتيمة، فطلبت منه الحكم الشرعي، وامتنع حبيب من ذلك، واستغاثت بحكومة مسقط فما أسعفتها فوصلت المرأة إلى الشيخ
بن
211 (1/211)
صفحة 212
سلطان
عليه،
بن محمد البطاشي مستجيرة وطلبت منه أن يقوم بحقها فرأى ذلك من الواجب قدرته على إغاثتها فخاطب الضنكي، فامتنع وتغلب. وبعد أن قامت الحجة عليه بتغلبه، قبض عليه الشيخ سلطان من بلد الحيل وكبله بالحديد، وأرسله إلى بلدة المزارع مربوطاً على ظهر جمل من رأسه إلى عنقه، حيث إنه امتنع من الركوب، وأبى
من الامتثال.
فلما طال سجنه أرسل إلى الشيخ عيسى أنه مذعن للشرع على يديه، فأمرني الأمير عيسى أن أقوم بالصلح بينه والمرأة، وأن يفكه من سجن الشيخ سلطان، فطلبت من الشيخ أن يفكه قبل كل شيء؛ ففكه ساعة وصولي، ثم شرعت في الصلح، فأصلحت بينهم على تسليم خمسة الآلاف قرش، يدفعها حبيب للمرأة المدعية صلحاً لا حكماً قطعاً للخصام، وبراءة لحبيب من الشبهة في شرائه لمال اليتيمة. ورضي الخصمان بذلك. وجعلت لحبيب أجلا في أداء الحق، وكتبت بينهم صكاً فيه صفة الدعوى، وصورة الصلح، ليكون وثيقة محفوظة بينهم وأعطيت كل واحد وثيقته.
فلما رجع حبيب إلى مسقط ذهب إلى بيت القنصل مستجيراً، وربط نفسه بعصابة العلم الإنجليزي. يقول: إنه مكره وما أذعن للصلح إلا جبراً، فطولب بإحضار الوثيقة المتضمنة صفة الصلح، فعرضت على العلامة الكبير سعيد بن ناصر الكندي، فرأى ثبوت ذلك الصلح، وصدق عليه ثم لم يستكف حبيب، فأرسل القنصل إلى الشيخ عيسى بالصك، فرأى إثباته، فلم تلتفت القنصلانية إلى قوله بعد ذلك، ورفضت دعواه، فبقيت مراجل حقده تغلي، فشكا إلى السيد نادر بن فيصل، ودلس عليه، فرأى مناصرته، فجمع جنوده وركب البحر حتى نزل قريات وقصد منها في وقت الظهيرة، جبل الغاف بتاريخ يوم عاشر ذي القعدة سنة 1334، وقد بلغ بني بطاش خبره فالتقوه بالقحمة، موضع بين جبل الغاف وقريات فكانت بينهم صدمة وقتال ثبت كل لصاحبه إلى بعد صلاة العصر من ذلك اليوم. فانهزم السيد نادر إلى قريات، وقد خلف بالمعركة صناديق الرصاص والأثاث وثمانية جمال، وأربعة رجال من قومه قتلى وثمانية جرحى. وجرح من بني بطاش الشيخ عبيد بن محمد، وآخر توفي بعد ذلك فأرسل السيد نادر إلى مسقط يطلب المدد، فلم يصله أحد، وأقام بقريات. وفي رابع يوم من وصوله أتت باخرة إنكليزية، فحمتله إلى مسقط.
212 (1/212)
صفحة 213
وفي اليوم الخامس عشر من شهر المحرم سنة 1335 وصل رسول من الإنكليز إلى
بني بطاش، يستفهم صفة الواقع بينهم، والسيد نادر، ويطلب وصولهم إليه للصلح بينهم، فأجابوه بالقبول، ووصلهم نائب الدولة يوم سادس صفر من العام المذكور بقريات وخاطب الشيخ سلطان بن محمد وبعد طول كلام أبي النائب من إتمام الصلح إلا بوصولهم مسقط، فوعده الشيخ بذلك، ثم أرسل الشيخ محمد بن عمرو البطاشي نائباً عنه، واعتذر من عدم الوصول وكان هذا الصلح بسفارة خان بهادر نصيب ابن محمد البلوشي، أكبر تاجر بمسقط، على أن يرد بنو بطاش ما بقي بأيديهم، مما أخذوه، في
تلك المعركة، وانتهت المشكلة.
وفي شهر شعبان سنة 1334 حضر أهل سفالة بهلا عند الإمام سالم، فادعوا بادة ماء من فلج كيد لمسجد الجامع، وأظهروا ما بأيديهم من النسخ القديمة والحجج القوية، فأحضر الإمام القضاة، ليعرف رأيهم. وجمع الحكام للفصل، فلم ير الإمام ومن عنده من القضاة بعد إحالة النظر ردها للجامع لطول العهد، ولأن من قبلهم من أئمة المسلمين، من لدن الإمام ناصر بن مرشد فمن بعده إلى الإمام الجليل عزان بن قيس - الله رضي عنهم - ولم ينقل عن أحد منهم أنهم تعرضوا لها ولا حكموا بردها للجامع وكفى بهم حجة لمن جاء بعدهم، وأنه يسع من بعدهم ما وسعهم، ولا تكون الأوراق القديمة التي خلالها أكثر من ثلاثمائة عام أقوى من اليد وما كان فيه محتمل فلا يحول. وإن كانت هنالك ظلامة، فعلى من ارتكبها.
والأصل في هذه البادة ما ذكره بعض المتقدمين: أن بادة ماء من فلج كيد كانت لجامع بهلا، وأنهم لا يعلمون ما حولها عن ذلك. وفي بعض الكتب أن الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل، حكم بهذه البادة لهذا الفلج ثم لم تترك له بعد ذلك.
وقد جهل الأمر الذي منعها وحولها عن كونها وقفاً، وبقيت منذ ذلك الزمان لفلج الجزيين أحد أفلاج بهلا مع جملة ماء ذلك الفلج، فترك المسلمون المكاتبة في ماء فلج
كيد لهذه الشبهة.
ترجمة الشيخ ناصر بن حميد الغافري أمير بهلا
هو الشيخ ناصر بن حميد بن راشد بن حميد الغافري نسبة إلى غافر، جدّ لهم. وهو من نسل الإمام محمد ناصر بن عامر بن رمسة بن خميس من بني سامة بن لؤي.
213 (1/213)
صفحة 214
توفي جده الشيخ راشد بن حميد في يوم 16 من شوال سنة 1279 وقد توفي أبوه حميد بن راشد في حياة أبيه، ولم يكن لراشد عند موته إلا أحفاده أولاد ابنه حميد، وهم برغش وراشد وناصر، فصار الأمر بعد ذلك إلى برغش؛ لأنه أكبر إخوته، ولم يراهق الحلم، فصار يدبر الأمر خادمه عبيد بن سرور، ويرجع في المهمات إلى الشيخ محسن بن زهران العبري، فبقيت الحالة كذلك إلى سنة 1283 ثم تغلب عليهم بنو شكيل، وأعانهم الشيخ هلال بن زاهر، لكن الرياسة لأولاد حميد بن راشد إلا أن التدبير انصرف عن الشيخ محسن، وبقيت كذلك، حتى استولى على بهلا إمام المسلمين عزان بن قيس، لما قبض على الشيخين هلال بن زاهر ومحمد بن علي بن سمح الشكيلي، حتى أذعنا، وسلما له حصن بهلا، وبقي أولاد راشد بن حميد بيبرين، ثم تغلب على بهلا برغش بن حميد بعد الإمام عزان وبقي بها إلى أن قتله أخوه ناصر بن حميد، ثم أردفه بأخيه راشد حميد، فاستأثر بها، وبقي عليها إلى أن أخرجه الإمام سالم بن راشد الخروصي.
فتح بهلا
وهي من أشهر قرى الجوف بعمان، وكان أميرها الشيخ ناصر بن حميد الغافري المتقدم ذكره، وكان فتحها في اليوم الثالث من شهر شعبان من سنة 1334.
صدرت من أمير بهلا أحوال مناقضة لبيعته التي بايعها الإمام بسمائل، ونقمت عليه أمور أغراه رؤساء قومه بها، حتى أخذ يبحث عن وسيلة يتدخل بها في نقض الإمامة وانحلال المملكة، فولى وجهه شطر بيضة الإسلام نزوى وأخذ يرتب كيفية الهجوم عليها. ويحاول - إن نبا عزمه عنها ـ أن يتناول قلعة منح وحصنها، فنجم من هذه أحقاد ومنافسات، أوجبت إشعال حرب عليه حتى قامت فكانت سبباً لسقوط إمارته. وكان الإمام في ذلك الوقت بوادي المعاول، فعجّل إرسال رابطة إلى منح لقطع عرى الأمال عنها. وأبصر قُوّام الدولة النيات الخفية من المتهمين بمخابرة أمير بهلا عن أسرار المسلمين، ففكروا في إحباط ما ترمي إليه أهدافهم وكان الذي يعالج المسائل الإدارية متفقاً عليه العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي، فأمر بسجن ثلاثة من أعيان نزوى: ناصر بن خميس السيفي، وحمود بن سالم العفيفي، ومحسن بن سالم آل صباحية. وأرسل الإمام إلى أنصاره من الشرقية. وكان على رأسهم الشيخ عيسى بن صالح، فقدمت إليه عصابة آل
من حجر.
•
214 (1/214)
صفحة 215
اليوم
شعر أمير بهلا أن الروح الدينية هبت في القواد والعناية الإلهية ساعدتهم.
فاستنهض أتباعه من أهل الحجر وأعوانه من الظاهرة وعلل نفسه بالأماني، ليدرك بها نشاطه. فكتب إلى سلطان مسقط يستنجده فهاج السلطان نبأ القيام على هذا الأمير. فسلّح خادمه الوالي مظفر بن سليمان وجهزه بالعدة والعدد وأمره بجمع أهل السر من الظاهرة، وأن يقوم مما يحقق الآمال وأصيب السابقون إلى الجهاد من أهل الشرقية بأمراض من وخم نزوى؛ لأن دارهم كالبادية، وسئموا الإقامة بنزوى في انتظار الشيخ عيسى، فاستأذنوا الإمام في الرجوع، فأذن لهم وبسبب رجوعهم أيقن أمير بهلا بتفرق جيش الإمام، فأذن لأكثر، جموعه، وبقي أعيانهم عنده وهم نفر قليل، أقاموا لقهر الحصن وثغور البلد، خوف مهاجمة الإمام ولم يمض وقت قصير حتى خرج الإمام في الثالث عشر من شهر رجب سنة 1334 بالكتائب عليها الشيخ الرئيس حمير بن ناصر، فغشيهم غيم سحاب في الطريق. وعصر ذلك اليوم وصلوا إلى المحمود من ناحية بهلا، واستراحوا فيه قليلاً، فوافتهم هناة بجموعها وقت المغرب، من ذلك اليوم. وخرجت الأعلام من المحمود بعد العتمة من تلك الليلة تحت شآبيب المطر المؤذن لهم بنيل الوطر، وحصول الظفر يسوقهم الرعد، ويدلهم البرق وقد أعدوا حملة هائلة، لاصطدام من قابلهم واقتحام سور بهلا حينما خبروا بسالة من بها. ومن الكرامات التي تزين التاريخ خفة المطر عند المجاهدين المهاجمين وغزارته على البغاة، حتى أنزلهم من فأدركوا أن لا يقدر الثوار على مهاجمتهم في ذلك الوقت، وتركوا الحرس، ولم يعجز المسلمون ذلك، فاقتحموا سور البلد، فوجدوه خالياً، فلم يقفوا عند حد ما اكتسحوه حتى فتحوا أبواباً جديدة فاقتحموا جميع العوائق، وقطعوا كل العلائق، فهجموا على حرس الأمير ناصر وهزموه إلى وراثه فحمله الأمر على طلب النجاة، وأن يتحصن وأعيان قومه بالطماح وهو قصر بهلا وكان أحد قواد الجيش شيخنا العلامة أبو مالك، فأصيب بجراحة في فخذه، فعافاه الله منها بعد مدة.
صياصيهم،
،
وبعد مضي أيام والحصن محصور، لا يدخل عليه أحد، ولا يخرج منه خارج، أقبل الشيخ عيسى بجموعه، فبصر بما حاق بالبلد من الأخطار، وكان يفضل التمتع استعداده لمقاتلة أعدائه، فاستأذن بالسلم، مع الإمام ـ رحمه الله - لمخابرة الأمير المحصور، فأذن له واختار أن يكون رسوله أبو هشمة سعيد بن عبد الله لعلمه به أنه باقعة داهية وأمرني أن أكون عنده، فشاهدته.
الهاشمي،
215 (1/215)
صفحة 216
أخذ الأمان له
وقد جرى في داخليتهم بدهاء ورشاء، حمل أبو هشمة من الأمير عيسى كتاباً للشيخ ناصر وآخر للوالي مظفر بن سليمان خادم السلطان فأبدى لمظفر كتاب ناصر وستر عن ناصر كتاب مظفر. ولما حصلت له الخلوة بمظفر، أعجله في ولمن عنده ودلس عليه أن ناصراً قد أخذ وجهاً على يدي وهذا جواب الشيخ عيسى له. وإني أخشى أن يغدر بك ويسلمك إليهم، إن كان لم يخبرك بذلك، فحمس قلبه وأوغر صدره، حتى تشوش، فكره فتأثر من ذلك وخالطه الوهم وتبين الغضب في وجهه، ثم تريث فما لبث أن كتب كتاباً إلى الشيخ عيسى يطلب الأمان من الإمام له ولمن معه، فرجع أبو هشمة جذلاً يحمل كتاب مظفر إلى ناصر، فأسر إليه أن مظفر عزم على الخروج عنكم وهذا كتابه فاستشاط ناصر غيظاً وقال: إن فعل لأوقعن به، فنشأ من ذلك شحناء بسببها تفاقم الأمر، حتى تعصب المحصورون بالحصن كل لفريق، فكان أبو هشمة شؤماً على أهل القصر؛ إذ كان هذا الانقسام بسببه، والحرب خدعة. وأدرك هذه السياسة التي نسجها أن خدع مظفراً حتى بقي من عاطلاً من انتصاراته، فذهبت هباء، وأصبح أمله وزبده جُفاء، فاستسلم لينقذ حياته وانصرف قانطاً لا يلوي على شيء، بعد أن سمح له الإمام بالأمان وأمرني أن أصحبه إلى يبرين خوفاً عليه من معرة الجيش، فصحبته ولم ينلهم سوء، والحمد لله. وبقي ناصر وبقية قومه بالحصن، ينتظرون قدوم الشيخ محمد بن ناصر بجيشه الذي جمعه لينقذهم من ضيق الحصر.
بهم
وفي ضحوة النهار زحف الشيخ محمد ابن أمير بهلا قام بجنوده الذين جمعهم من أرض الظاهرة للإفراج عن أبيه، رجاء أن يخلصه من ضيق الحصر، فالتقت طائفة من جيش الإمام سهيلي عند سور بهلا؛ فدارت بينهم أشد المعارك، حتى خانهم الحظ، فهزمت كتائبهم شر هزيمة فرجعوا إلى جماح ومنها إلى يبرين.
كان من رأي الشيخ عيسى أن يكرر النصيحة إلى الأمير المحصور شفقة عليه من مغبة العناد، فأرسل إليه ثانية الشيخ سليمان بن سنان العلوي فعرض عليه ما أملاه الأمير إليه، فلم يصغ لقوله في أول الأمر، فدبّ الشيخ العلوي إلى تفريق الرؤساء الذين حضروا عنده ومشى فيهم بخداع، ومكر وتعهد لهم بجزيل العطاء، وما هو إلا الرشا، فتطرق الوهم إلى أذهانهم، وطمعوا في وعده ورفضوا، أميرهم، وتنافسوا في إكراهه، فألزموه الاعتراف بالخضوع، فخرج ليلة الثالث والعشرين من شهر شعبان من سنة
216 (1/216)
صفحة 217
1334، وتوجه إلى حصن يبرين وطلب أن يبقى هذا الحصن بيده والبلد وفلج الأجرد، ما دام تحت الطاعة، وما لم يحدث حدثاً، فأسعف الإمام له بذلك بعد مشورة العلماء، فبقي به، ولم يحدث منه ضرر أيام حياته حتى كان بعد موته، تخالف بين أبنائه في عصر الإمام الخليلي، فاجتهد في إصلاح ذات بينهم، فما قدر الله أن يقفوا، فأمر بفض الحصن منهم، وإخراجهم عنه وتوسلت إليه أمهم ابنة الشيخ الجبري، أن يردهم فيه، فما رأى الإمام ذلك، وأجاب أن من صلاحهم وإبقائقهم على أنفسهم النزول منه، وأن تكون مساكنهم في خارج الحصن، وأبقى لهم البلد وفلج الأجرد وكانت مدة الحصار لحصن بهلا تسعة عشر يوماً.
ولما استقر الأمر، ردت المظالم، والغصوب، وأجري الأمر والنهي.
حكم شيخنا العلامة أبو مالك في أموال سليمان بن عبد الله المحروقي، المعروف بابن شيخة، بأنها صافية لما صح من معاملته بالربا، وجمعه المال من الحرام، وأكثرها من مظالم العباد التي عاضده عليها الشيخ ناصر من تغريم الناس الذين تحت رعايتهم بغير حق، وغصبه لأموالهم وحيازتها عليهم قسرا. وكان سليمان هذا صهر الشيخ ناصر بن حميد، ووزيره وكان موسراً كثير الأموال بنزوى ووادي بسيا. وأمضى الإمام ذلك الحكم. وفي ذلك يقول شيخنا العلامة المفضال أبو مالك:
قد حكم الإمام بالتغريق لمال ابن شيخة المحروقي وهو سليمان بن عبد الله مسکنه بهلا بلا اشتباه لكونه قد وازر الجبارا فتي حميد ناصراً جبارا جباية بكل ماله من الحماية بالسود وهو الربا في عرفنا المعهود
غرقه
وبيعه
بكونه
أكثره
قضت بذلك شهوة لا تنكر وأمره في عصرنا مشتهر فماله جميعه مستغرق طريفه والتالد المحقق في عام دغشل بعد الجمل والحق في ذلك ظاهر جلي
بن
جعل الإمام ببهلا عند خروجه منها والياً ذلك الهزيز الضاري، أبو زيد عبد الله محمد بن رزيق الريامي الأذكوي تحمل بوظيفتي الولاية والقضاء، فأجرى فيهما العدل
217 (1/217)
صفحة 218
-
والمعارف الإسلامية، وردّ شوارد القلوب الخائفة من اضطهاد الظلمة إلى أوكارها، فهو واليها في عصر الإمام سالم، ثم عصر الإمام الخليلي، إلى أن توفي - رحمه الله ـ في عصر الإمام الخليلي والمسلمون عنه راضون.
خروج الشيخ عيسى للرستاق
وبعد فتح بهلا خرج الشيخ عيسى إلى الرستاق وكان حاكمها ذلك الوقت السيد أحمد بن إبراهيم، وقد ذكرنا آنفاً بيعته للإمام بسمائل وأن الإمام رده إلى مملكته، وأقره عليها أمراً ناهياً، ثم رفع للإمام عنه أشياء، أنكرها عليه كما هو دأب الملوك، فرغب الشيخ في عتابه وإلقاء النصح إليه للصداقة السالفة بين آبائهم وبينه وإياه، فلما وصل الرستاق قابله السيد أحمد بالإكرام والاحترام وأظهر السرور والابتهاج بوصوله، وقبول ما جاء به، وكان هذا السيد حُوْلاً عَنْفَقِيراً، نهاية في الذكاء والفطنة والدهاء.
فمن دهائه لما نزل الشيخ بعقوته فوَّض إليه الأمور الرستاقية، وخلع في يده جميع الوظائف الدينية والدنيوية، ورفع يده عن المالية فكان لا يبرم أمراً دونه، ولا يستبد عنه برأي مدة قيامه في دار ضيافته.
،
ولا ريب فإنه يضمر تتبع سياستهم فيه ويحذر من نكايتهم عليه، ويحوطهم بعين اللاعب المازح، ويتفقدهم في القريب والنازح. وفي شهر شوال سنة 1334 هـ خرجت من قصره خارجة من ذويه شقيقته السيدة ذات الحسب والحشم، أصيلة بنت إبراهيم، وهي أحزم من كاد ومكر، فقهرت حصن الحرم من تحت أجنحة العقبان وانتزعت الفريسة من فم الثعبان؛ إذ خافت أن يصبح ملكهم دعوى وعافيتهم بلوى، وبقيت فيه. ولما حوصر أخوها أحمد طلبت النجدة من سلطان مسقط فأسعفها بجيش يرأسه حمد بن فيصل، كما سيأتي في محله وكان برفقته الشيخ عيسى الشيخ اللسن الفصيح سيف بن علي المسكري ولما عزم الشيخ على الرجوع إلى وطنه في أواخر شوال، رأى
أن يخرج السيد أحمد بصحبتهم إلى الإمام بوادي بني معولة فأسعفهم وامتثل. ورافقه أمير
بجميع
ما
العبريين الشيخ مهنا بن، حمد، فاجتمعوا بالإمام سالم واعترف السيد أحمد طلبه الإمام من الشروط وسلم زمام ما بيده إلى الإمام الظاهر والغيب الله، ثم رجع إلى الرستاق. وكان ذلك في شهر ذي القعدة الحرام سنة 1334.
218 (1/218)
صفحة 219
قيام الإمام مرة ثانية على البغاة
من أهل الطق
وفي ذي القعدة من سنة 1334 تحرك بنو جابر أهل الطوّ، وشنوا الغارات، وقطعوا السبل، وجعلوا مغارتهم الموضع المعروف (الكثيب) غربي بلدة الخوض، وقريباً من بلادهم، وقواهم على أفعالهم هذه السيد محمد بن هلال والي السلطان على بلد السيب، لرجوعه الأول خائباً من سعيه بمهاجمة الآجال، فنكث القوم العهود، ورأى الإمام القيام عليهم من الواجب، فضيق عليهم المنافذ وحصر بلادهم. وكتب للشيخ المجاهد علي بن صالح أن يقوم على جماعتهم المساعدين لهم من أهل اللجيلة، فيشغلهم عن مناصرتهم حتى يذعنوا للحق، فخرج الشيخ علي بمن معه ونزل بالفلجات بلدة بواديهم، وضيق عليهم من الجهة الشرقية، فكانوا يترامون بالبنادق من بعيد وما المراد إلا إشغالهم. فلما خشيت بنو جابر أن تدور عليهم الدائرة، وأن يقتحم المسلمون عليهم بلادهم المنيعة بالجبال المتحصنة بالرجال فكروا لهذه الحادثة الوشيكة الوقوع فأجمع رأيهم أن يذعنوا للإمام، وأن يسلموا أمرهم إليه فعسى أن يعطف عليهم بحنوّه، فيعفو عن أساءتهم قبل كما قدرته عليهم، هي عادته، فأقبلوا إليه بواسطة قائد الجيش الشيخ حمير بن ناصر النبهاني،، فقبل الإمام إدعاءهم، وعفا عن مجرمهم، ودخل بلادهم، فركد أمرها، وأنفذ الأوامر الشرعية فيها وجعل أمرهم تحت نظارة عامله بنخل.
فتح الرستاق
هي كورة تشتمل على بلدان، جمة من أفخر بلاد عمان بسفح الجبل الأخضر من جهة النعش، احتوشتها الجبال من كل الجهات وتتخللها الأودية، بحيث تجتمع إلى أن يظهر واديها ممتدا إلى الباطنة ولها توابع وسوقها كبيرة، وأنهارها غزيرة. فمنها حمامات لا يستطاع دخولها ومنها باردة مثلها ومنها متوسطة.
تجلب إليها الفواكه البرية والبحرية والجبلية في كل غداة، تتصل بها السيارات من ساحل دبي وعاصمة مسقط.
كان الحاكم عليها السيد أحمد بن إبراهيم بن قيس.
219 (1/219)
صفحة 220
معه،
سبب الثورة
ثقل على الإمام تردد الشعب الرستاقي يستصرخه ويستنهضه، لكشف الاضطهاد، والتضييق الواقع عليهم من حاكمهم السيد أحمد بن إبراهيم، وأنهم يسامون الخسف. و دخلوا عليه بمهارة اتقنوا فيها العبارة قدموها إلى صنوه الشيخ ناصر بن راشد الخروصي فأوغروا، صدره، ورأى أن لا محيص عن القيام بحقهم. وكان إذا دهمه الأمر لا يبرمه قبل مشورة المسلمين، فجمع العلماء وأعيان دولته واستشارهم، فكلهم رأوا إجابة صوتهم، وتلبية دعائهم، والناس تبع ما أخذ به الإمام من رأي أولي الرأي. فخرج من نزوى يوم ثاني جمادى الثانية سنة 1335 هـ وتسلم ذروة الجبل الأخضر بمن خف داعياً أتباعه إلى اتباعه راجياً من الأهالي الرستاقيين أن يضحوا بأنفسهم شفاء لما في صدرهم من حرص وحقد، فخيم معسكره بالعوابي وكتب للسيد أحمد يشعره بنتيجة ما قام لأجله، وأن يتنازل عن إمارته التي ورثها من آبائه ومجده الذي رضع ألبانه، وبساطه الذي مشى فيه وقصره الذي نشأ به فصعب على الهزبر اتباعه، وامتثال أمره، وشق عليه تأخره عن تلك المنزلة السامية التي هو بها، ولا يدري ماذا يكون حاله بعد ذلك، وفسح له المجال شُبَه وجدها أمامه حسنت له الامتناع فأبدى حزماً فائقاً، وعزوفاً عن الترف والزخرف وأيقن خذلان قومه له وركون رعاياه إلى الإمام، ولم تتفق له حامية للصراع خارج البلد حين باغته المسلمون، وخاب رجاؤه في القبائل الذين أعدهم في السلم للحاجة فلبس درع الصبر وشرب حميا الوطيس، وأرغم أن يوصد باب الحصن والقلعة المشهورة بقلعة كسرى وهما في غاية المنعة وصعوبة المرتقى. يقال: إن القلعة من بناء كسرى أنوشروان في زمن العترة.
ببرج
اختار من الرماة أربعين رجلاً يكونون عنده وأحب منادمة البحر الأسود الشيخ عبيد بن فرحان صاحب السر، فاجتباه إليه. تقدم الإمام إلى الرستاق، وعسكر جيشه المزارعة، وتمكن من تخومها وسد الجيش، منافذها واقتحم عسكره سور الحوش الذي دار بالحصن بعد ما غيمت السماء بدخان، البارود وصمت الآذان بصعقات المدافع، ولم تزل جموع الإمام في زيادة ونشاط، وجَلَد خارق للعادة، مناف لما يحصل من الضجر والتعب، وفوقوا المدافع على الحصن لهدم ما قوي من بنيانه، وهو يدافعهم بأعظم مما يراه، حتى إنه هاجمهم خارج الحصن مراراً، واختلس البارود الذي وضع لهدم الحصن، حيث إنه قابله بنفق مثله من داخل. واختلف النصحاء إلى السيد أحمد
220 (1/220)
صفحة 221
يسألونه الرفق بنفسه وبالمسلمين ومع اختلاف الأهواء لم يجد في بدء الأمر قبول النصح، وأنشدني شيخ البيان بيت شعر في حالة، صواعق، حضرتها وقت الحصار: ضربوني عمداً ليستنطقوني وجدوني على البلاء صبورا
وأنفذ العون إليه ابن عمه سلطان مسقط خميساً جراراً؛ زوده العدة القوية، وجعل أميره أخاه السيد حمد بن فيصل، وعضده بأعيان دولته السيد محمد بن حمد راعي ظبية، وخادمه مظفر بن سليمان والشيخين سلطان بن محمد النعيمي، وخلف بن بستان العلوي، فعسكر جمعهم بحصن الحزم ووجهوا إلى مختلف الأنحاء كتائب مفرزة لتستولي على أهم المدن فندب الإمام لفض جمعهم سرية، أكثرها بنو حراص، والتقى الجمان بفلج الشراة، وطال الصراع، وكثر القتل. وأثخن الجراح، ثم شدّ المجاهدون شدة صدقوا فيها الحملة، فانكشف الجيش السلطاني، وانتهى الفوز لجند الإمام، ولم تكن بعدها إلا مناوشات أسفرت عن فجر النصر للإمام وجنده.
لبث الهزبر في الحصار خمسة أشهر إلا خمسة أيام نفذ فيها ما ادخره من عدة الحرب ومادة الأكل، ولم يكن ليسلم ذلك القصر إلا رغماً، فأرغمه الاضطرار إلى تسليمه في اليوم الثالث والعشرين من شهر شوال من سنة 1335 هـ وألقى مقاليد الأمر بواسطة الأمير حمير بن ناصر على أن تترك له الحزم مأكلة واستطاع أن يأخذ منه ذخائره وأمواله التي حواها القصر، فذهب مع حاشيته ليقيم بها، وكان يطمع في وصول الشيخ عيسى ليخلصه من الإمام فيفوز بأوفر السهام للصداقة الودية بين آبائه الكرام وبينه وإياه في الوقت القريب، فما قدر الله نجاح ذلك الأمل.
قام بمصرف هذه الغزوة الشيخ محمد بن طالب بن محمد الحراصي إلى مدة شهرين ودفع فيها ما احتاجت إليه من نفقة ورصاص، كل ذلك صدقة من ماله، ولا بد أن تكون هنالك موجدة أسرها، ودأب العمانيين ذلك.
ومن العجيب أن هذا الشيخ بعد تمام الفتح خرج مودعاً للإمام، قافلاً إلى وطنه جما. وحينما وضع إحدى رجليه على الراحلة لم تساعفه الأخرى، فسقط ميتاً ولم يكن
به مرض من قبل.
221 (1/221)
صفحة 222
فقد المسلمون في أيام الحصار خمسة عشر رجلاً، مضوا شهداء إلى ربهم. وجرح كثيرون. ومن جملة الشهداء: الزاهد الفاضل عبد الله بن محمد بن علي الذهلي. ولا
نعلم من أصيب بداخل الحصن. وفي وقت الحصار أنشد ابن شيخان الشاعر قائلاً: هذي هي الرستاق أبدت لكم أسرارها كاشفة البرقع جيوش حق قد أحاطت بها إحاطة الخاتم بالأصبع
ما قيل من الشعر في فتح الرستاق
قد أكثر الشعراء من التهاني بفتح الرستاق، كما أكثروا في غيرها. ومن ذلك ما قاله شيخ البيان، شاعر عمان على الإطلاق، محمد بن شيخان السالمي:
كسا الألوان هذا الفتح بشرى وعَطَّرَ مِسْكَه برا وبحرا أيا فلكاجرى بالخير هذا زمانك فاجر قد وافقت مجرا وفي الدنيا عجائب ليس تفني إذا إحدى مضت جاءتك أخرى تؤلف هذه الأيام فينا صحائف عبرة بالقلب. تُقْرَا وفي طي القضاء بديع سر تبوح به عوادي الدهر جهرا إذا اشتدت أمور الدهر فاصبر فإن الدهر لا يسطيع صبرا فلاتستبط فالأيام توفي وتأخذ حقها المبخوس وفرا ومن طلب القرار بأرض قوم يصانع دهرهم حلواً ومرا وذو التقوى وإن ضعف ابتداءً فإن مقامه يزداد قدرا وذو الدنيا وإن طالت يداه فإن أموره ترتد خُسرا لواء الملك معقود بمال وجند دوخوا سهلا ووعرا فلا جند بغير المال يُغْنِي ولا بالعكس نيل الملك يُدرا ومن يستغن عن جند بمال يعش في الذل ممقوتا مُعَرَّى ومن قطع القبائل عنه لاقي بيوم ما هوانا مستمرا ومن ينقض عرى الحزم اتكالا قضى أسفاً إذا المحذور كرا ومن في الناس سيرته بمكر يلاقي منهم خُدعا ومكرا ومن في الناس سار مدى بعنف ذراعاً منه لم يقفوه شبرا وذو الوجهين لا يصفو لخلق ولم يُحسّن به ظن فيبرا
222 (1/222)
صفحة 223
ومن سلك الطريق بلا دليل تخبط هُوةً واشتاك شرا زمام الأرض نشر العدل فيها وقائد أهلها للخير دهرا تفاني الناس في الفاني ضلالا وما خلقوا له ولوه ظهرا بهم حب لزهرته مضر محبةً عُروةَ العُذْرِي عَفْرَا وصار البغي بين الناس طبعاً فبعضهم على بعض تجرا أليس الأمر بالمعروف فرضاً فيدرأ عنهم بغضاً وضرا تعالي الله صار العلم جهلا وصار العدل والإحسان نكرا مضى زمن بعزان بن قيس إماماً مرتضي عدلاً وبرا فقد زهرت به الدنيا وطابت شمائلها به زمتا وقطرا ومرت بعده سنوات جَوْرٍ فرت أبناءها نابا وظفرا إلى أن بان فجر الحق ممن تبدى في سماء العدل بدرا وكان بغابر الأزمان سرا فنقله القضاء فصار جهرا إمام عادل غوث البرايا خروصي علا شرفا وقدرا نمته أئمة سلفوا وعمت محاسنهم وطابوا الدهر ذكرا كأن بني خروص في البرايا فصوص خواتم ينفخن عطرا وسالم الإمام من الدنايا وناصر الهمام الدين نصرا (1) كريم أريحي البذل أسخى بفيض ندى من المنهل قطرا شديد للأعادي لين للأ صادق بحر علم سار درا وسالم الإمام بدا بعصر نتيه به على الأعصار فخرا لقد فتح المعاقل من عُمان وقام بحقها عدلا وبرا وما استكفى بمُلك العرب حتى تسنم صهوة من مُلك كسرى وما الرستاق إلا عرش ملك عليه يستوي المسعود قهرا دعته لنفسها الرستاق كفواً وكانت في حمى الماضين بكرا فصدقها بما تشكو إليه وأصدقها رضاء الله مهرا ولباها بجيش لو يلاقي صروف الدهر ولت عنه حسرا
(1) يعني صنو الإمام
223 (1/223)
صفحة 224
بمنبتُ تَغَصُ الأرض منه يؤجج جانباه الماء جمرا يكم كأنه طوفان نوح تصادف أينما يممت بحرا
تلوح على بوادره المنايا فتوردهم حياض الموت حمرا رجال كُمِّل الله باعوا نفوسهم بها الجنات تشرى فكم سمعوا الإمام وكم أطاعوا وكم نصحواله سرا وجهرا فما أصباهم عنه لجين ولا ذهب ولا نظروه شَزْرَا دعاهم دعوة فأَتَوْه وَشَكاً كأمطار حدتها الريح عصرا
فجاءوا مثل سد من حديد تحف به العناية أين مرا عليه رفرفت رايات عدل بها كتب الإله النصر سطرا وبالرستاق قد نزلوا وسدوا منافذها وعموا الطرق حجرا وأحمد نجل إبراهيم فيها هزبراً فارساً لاقى هزبرا عريق المجد منفرد المزايا عظيم الشأن أدهى الناس خبرا أشد الناس صبراً في البلايا وأوسع فيهم كفا وصدرا وأصحاب له كبروق خطف يصيبون الفضا خيراً وشرا أسود الحرب ورّادُ المنايا رماة يفقأون الطرف نقرا كثيرون الفعال ندي وبأسا وكانوا عندنا في العد نَزْرا ولما لم يروا قبلا عليهم مبارزة أصاروا الحصن ظهرا وكم خير يُجر إليك سيرا وبعض الشر يدفع عنك شرا فأحدقت الجيوش به وصارت نحو الحصن تثرى كأن القلعة الشهباء لما أحيط بها وشاج ضم خصرا كمعصم ذاتِ حُسنِ حلَّ يُسرا أحاط به سوار ضاق عُسرا وشبت نارها الحرب اضطراما وأبدت نابها الهيجاء كشرا القلعة اهتزت دلالا بروج وراد كلامها الأسماع وفرا إذا برج الحديث أضاء برقا فبرج الريح أبدى الرعد جهرا وفي برج الشياطين المنايا سحاب تمطر الذيفان قطرا وكسرى من عوائدها إذا ما أتى جيش العدى أَوْلَتْه كسرا وذا شيء أتى يربو عليها وذات الشيء بالأقدار أدرى
جنود
الله
224 (1/224)
صفحة 225
تباعدت الربي عنها وأبدت منافذ تفزع الأرجاء خطرا وكم قد أنفقوا نفقا مليا من البارود فاختلسته قسرا والسنة المدافع كلمتها بهد وهى تعلو ذاك كبرا فبان الخطب عن قتلى وجرحى من الرصدين كُلِّ غَالَ شِطرا وفي فلج الشراة شراة موت لقوم أحدثوا في الحزم أمرا ففاض من الإمام خِضَم جيش فشرد جمعهم عقلا وعقرا وعاق الصبر جمعاً واستمرا وضاق الأمر ذرعا واستحرا وقد يئس ابن إبراهيم ممن تَرَجي في الحمى نفعا وضرا وأيقن أن أمر الله جار به أجرى لأهل الأرض أجرا وكيف يغالب الغلاب قوم الله يعلو الخلق طرا وقد بلغتهم الآيات منه وأن له من الرحمن سرا وحالت حالهم شيئاً فشيئاً وطال أولو الهدي جسرا فجسرا فمالوا للخروج لما رأوه وقد نفذ الذي عدوه ذخرا وأحمد صار أحمد لليالي وأرجي لاشتداد الأمر يسرا وأقبل آخذاً بالحزم يسعى لحصن الحزم وهنا فاستقرا وخمسة أشهر إلا قليلا قضي حقًا لكسرى صار عذرا أواخر شهر شوال فتوح بعام طيب الرستاق بشرى لقد فتح المعاقل مطلقاً من نهى وقرى بها وهلم جرا به الرستاق قد مالت دلالا گخود أقبلت في القصر سكرى إمام المسلمين أتتك طوعا ملبية فصغ لله شكرا لقد نلت السعادة في المغازي تدين لك القرى برا وبحرا ولا زلت الدليل لكل خير يغاث بك الورى دنيا وأخرى انتهت القصيدة الغراء، وقد أوفت بالمقصود وحصرت الغزوة المباركة، ونكتفي بها عن الزيادة من ذكر الأشعار.
وفي عام 1347 هـ نشرت الصحف أن السيد أحمد بن إبراهيم كتب على أبواب حصنه بالحزم وباب ولايته بالسويق من الباطنة: إنّ من كانت له مظلمة عنده فليحضر للخلاص منه، والتخلص إليه من التبعات الموبقة وأبدى التوبة والرجوع إلى الحق،
،
225
نهضة الأعيان - م 15 (1/225)
صفحة 226
وزار الشيخ عيسى بالقابل في هذا العام فسر الجميع بذلك وتفاءل الناس بالخير، وبهذا كان في رأي بعضهم أن يستبدلوه إماماً، وبعد خروجه عنه عزم المشايخ: صالح بن أحمد، وحمد بن عيسى ومن معهم، وكنت في صحبتهم، فتوجهوا إلى الإمام بسمايل، فأدركهم الخبر بالطريق، أنه قدم إلى نزوى، فعرجوا إليه ولما نزلنا بمسجد السنود بنزوى، وصلني رسول سري من الإمام، وقد بلغه خبرنا، وقد خبرنا، وما نرمق إليه، فسألني ماذا عندكم فأخبرته وأصدقته، فأحضرنا صبح اليوم الثاني من وصولنا، وقد أحضر الباشا الباروني والعلامة سعيد بن ناصر الكندي بغرفة الصلاة من حصن نزوى. سألنا: لماذا جئتم؟ وماذا عندكم؟ وماذا تريدون؟ قالوا: إنه صدر عدم اهتمام بشؤون الدولة وإهمال في الأمور، وتساهل أدى إلى انتهاك الحرمات، وحدث من الفساق تجرؤ لا يطاق، وهذا شيء لا يمكن السكوت عنه فإما وإما. أجاب - رضي الله عنه -: سمعنا مقالتكم، فهل عندكم غير ذلك؟ أجابوه: إن هذا الشيخ صالح وصل إليك ليعذر إلى ربه، وليكون قد أبلغك ما عنده فقال: أعذر صالح إلى ربه فماذا بعد؟ فأفحمهم وعرض لهم عن قصدهم ثم بين لهم مرماهم، فرجعنا بخفي حنين، ورضينا من الغنيمة
بالإياب.
حوادث سنة 1336 هـ
وفي
ليلة الخامس من شهر ربيع الثاني من سنة 1336 توفي الشيخ العلامة ناصر بن
خلف
عامر بن سليمان بن محمد بن بن حسن بن سليمان بن محمد بن خلف الريامي، وكان عالماً فاضلاً أديباً، شهماً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر يسكن حارة النزار من بلد أزكى، وهو أحد العلماء الذين قاموا ببيعة الإمام سالم بن راشد الخروصي، وخرج للجهاد عنده وهو شيخ كبير ابن ست وستين سنة، وولي له القضاء، وكان أديباً محباً للشعر، وله ديوان كبير مزقه في حياته إلا ما بقي من القصائد التي فاتته بأيدي الناس، وكان له من العمر يوم وفاته سبعون سنة.
وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر جمادى الآخرة من السنة المذكورة. قتل الشيخ أحمد بن سليم بن المر العريمي الجنيبي، عامل الإمام سالم على سمد والمضيبي وتوابعهن. وكان قد عمل قبل ذلك له على بلدان بني بطاش ولما بلغه انتقال الإمام على بني جابر، والاجتماع ببلدة سرور وفد إلى الإمام رغبة في الجهاد وعنده رئيس بني
،
226 (1/226)
صفحة 227
بطاش سلطان بن محمد البطاشي، وبعد فراغهم من تلك الغزوة، طلب أهل سمد من الإمام أن يولي عليهم الشيخ أحمد، وكانت سمد وبلدان الحبوس من أجل مراكز الشرقية، فأسعفهم على ذلك، وأكد المساعفة رفق الإمام ببني بطاش، لما أصابهم من الاضطهاد من حكام مسقط بسبب قيام العامل عندهم وكان أحمد من أعظم قواد دولة الإمام سالم وأمضى سيوفها بطلاً غيوراً شهماً لا تلين قناته، وهو من بلدة (واد) من بلدان وادي منقال، وجماعته وقومه هم أهل ساحل صور.
،
وقد خالف مذهبهم ورغب في مذهب أهل الاستقامة هو وأولاده وحاشيته وقومه على مذهب الإمام الشافعي. وكان قبل الإمامة يزور الشيخين عيسى ونور الدين، ويتردد
إليهما للتعليم.
خرج - رحمه الله - إلى صور لبعض لوازمه الخاصة، وحذره الإمام وأعيان الدولة ما يخشون عليه من عامل السلطان على صور فلم يلتفت إلى قولهم؛ لأنه يظن عجز الوالي عنه باستطالة جماعته، وقوة قومه في بلادهم. وإذا نزل القدر عمي السمع والبصر، فخرج وفي رفقته ابن عمه الفاتك المشهور علي بن ناصر العريمي، فنزلوا في بيت صهره الشيخ القاضي ناصر بن جمعة الشعيبي وقد سمع الوالي حمود بن حمد بمقدمه قبل وصوله، فتهيأ للفتك به. وفي الساعة التي نزل فيها أرسل إليه الوالي جماعة من عسكره يدعوه بالوصول إليه فامتنع من صحبتهم، ثم عززهم بمائة جندي، فما شعر أحمد ومن عنده إلا وقد أحيط بهم من كل جانب، وهجموا عليهم وهم في حالة استهانة بهم، واستخفاف بأمرهم، فأثاروا الرصاص على أحمد أول الأمر، ثم على علي بن ناصر، بعد أن قتل منهم عقيد العسكر وآخر غيره، وجرح كثير من عسكرهم، ووقع جراح في أصهار أحمد بن سليم وزوجته وما كان من جماعة أحمد الذين يرجو منهم النفع شيء لا في بدء الأمر ولا في آخره، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
حوادث سنة 1337 هـ
في هذه السنة نزل وباء بعمان وأمراض، فاجتاح جما غفيراً من الناس، وفيهم جماعة من أفاضل العمانيين وفقهائهم.
منهم السيد الفاضل المقدام سعود بن حمد بن هلال وكان هذا السيد من أقوى أركان الدولة، وتقدم ذكر نصحه في فتح أزكى وأنها كانت في يده للسلطان، فسلمها
227 (1/227)
صفحة 228
للمسلمين، وما فتئ - رحمه الله - ملازماً للإمام، الله - ملازماً للإمام معاضداً له في جميع الأحوال، وانتقل بعد فتح أزكى إلى نزوى وسكن بمحلة العقر منها؛ وأبى أن يتقلد شيئاً من الأعمال، والتزم بمؤازرة الإمام وطاعته ومناصرته، إلى أن توفي - رحمه الله ـ والمسلمون عنه راضون وكانت وفاته في ليلة الرابع عشر من شهر صفر سنة 1337 هـ.
أحمد
ومنهم العلامة الزاهد الشيخ القاضي سليمان بن محمد بن الله بن عبد الكندي، كان قاضياً للإمام على نزوى وما حولها، وهو ابن عم الشيخ العلامة سعيد بن ناصر الكندي علامة ذلك الوقت وابن أخته كان سليمان هذا يسكن مسقط، ولما كانت الإمامة بعمان الداخلية أصابهم تضييق من قبل السلطان باتهامه ميلهم إلى دولة المسلمين، فخرج هذا الشيخ إلى نزوى مع رجال من بني عمه وإخوته، فكانوا في رجال الدولة وأنصارها، فبقي سليمان قاضياً على نزوى وأعمالها حتى توفي ليلة 14 من صفر عام 1337 هـ.
الله
كان - رحمه - عالماً جليلاً ناسكاً ورعاً غيوراً، وآثاره جميلة في حال قيامه بنزوى. وقد شرع في التأليف وله شرح مبهج سماه: بداية الإمداد على غاية المراد» في نظم الاعتقاد، وهي أرجوزة جليلة لسيدي الوالد نور الدين وله أجوبة مسائل ونثراً، وكانت وفاته والسيد سعود بن حمد في ليلة واحدة.
ولد هذا الشيخ سنة 1298 هـ فيكون عمره تسعا وثلاثين سنة - رحمه الله.
محاصرة الإمام لحصن الحزم
نظماً
وفي شهر شعبان من عام 1338 هـ أمر الإمام سالم بن راشد أخاه العلامة ناصر بن راشد الخروصي، بحصار حصن الحزم. وكان فيه السيد أحمد بن إبراهيم آل لما صدرت منه أحداث أوجبت ذلك.
بوسعيد،
والسبب في ذلك اتخاذ الشيخ ناصر بن راشد الغافري وجماعته عند السيد أحمد بن إبراهيم، وتضغنهم من الشيخ ناصر الخروصي في أحكام أجراها بينهم وجيرانهم الشراينة، وظنوا أنه شط في حكمه عليهم، وكانوا في أيام ملوك الرستاق لهم اليد الطولى في تناول رعاياها والتدخل في شؤونهم. فلما صارت في يد الإمام وأجرى العدل فيها، كفت أيديهم، وذهب ما ألفوه من التمكن والظلم فيها، فأضمروا الكيد والخبث للشيخ الخروصي. وكان هذا الشيخ صعب الشكيمة، شديد الغيرة، لا
228 (1/228)
صفحة 229
يرى المداهنة في الأمور، فانقلب هوى بني غافر إلى السيد أحمد، وغرهم جراءتهم وسطوتهم، فانتهز السيد أحمد هذه الفرصة بانحرافهم وهم بحرب الإمام، وظهرت منه بوادر الخلاف وتعلق بالإنكليز وصدرت مكاتباته بذلك، فهجم ذات يوم وقت الظهيرة على المسفاة بلدة قريبة منه كانت معقلاً لرباط المسلمين جعل الإمام عليها السادة علي بن بدر وابنه هلال بن علي وعندهم نزر قليل من خدمهم، فوقع بينهم القتال. ساعات من النهار، أبلى السادة في ذلك الموقف بلاء حسناً، وثبت كل لقرنه، ولا شيء يقيهم حرارة الشمس، والوقت حمارة القيظ والأرض، رمال وزحف كل على صاحبه بلا رحمة. فما كان إلا أن خاف السيد أحمد زيادة القوة لبني عمه، لقرب الإمام منهم، فترك موقفه، ورجع إلى الحزم وكان الإمام سالم بالرستاق وعنده الجيش، فنمى الصريخ إليهم، فزحفوا عليه، وحاصروه بحصن الحزم، وضيقوا عليه، ونضبت آبار الحصن حتى خرج بنفسه بين الرصد، يستقي الماء من الباطنة على جواده مراراً، وأدخله عليهم واستعان ببني، غافر فتراخوا عنه واستنجد بآل سعد فخذلوه واستظهر بالإنكليز، فما حصل منهم على طائل.
وبعد طول المدة، وكما هو الحصار، توسط مشايخ بني هناة، على أن يترك الإمام حصن الحزم لأولاد السيد سعيد بن إبراهيم ابني أخي السيد أحمد، وأن يخرجوا عمهم منه، ويمنعوه من دخوله فرضي الكل.
ثم دخلوا مرة ثانية بالصلح بين الإمام والشيخ ناصر الغافري وجماعته، على أن يكفوا عن مناصرة السيد أحمد وعداوة المسلمين ولا يخيفوا آمناً، وأن يتأخر الإمام عن حربهم، فقبلوا وأتموا ما وعدوا به.
وهذا كتاب من الإمام لبعض إخوانه بعد حذف أوله:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إني أحمد الله إليك. لا زلت في أتم الخير. والذي نعرفك به: اعلم أن المسلمين توجهوا على حرب أحمد بن إبراهيم، بعد ما طغى وبغى، وعزم على أن يقوم الإنكليز على حرب أهل عمان، ويدخل في حمايتهم ـ قاتله - فقد دمرنا فلج الحزم، حتى لا تند منه قطرة، فها هو متحصن في حصنه، والمسلمون مُخدِقون بالحصن من كل جهة. والله نسأله النصر والتمكين، وأن يقصم رقاب الطغاة الباغين بمنّه وكرمه والغافري الآن يخاطبه الأنصار، يطلبون منه الإذعان
الله
229 (1/229)
صفحة 230
لحكم كتاب الله والكفاف عن حرب المسلمين - إن تيسر منه وإلا فلا بد من حربه، ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والسلام في 19 من يوم شعبان سنة 1338
وفي ذلك يقول شيخ البيان مفخرة شعراء عمان محمد بن شيخان، في تفصيل
هذه الحادثة:
لا يزال الحق فينا مذهبا رضي الخصم علينا أو أبي مابقينافعلى الحق وإن نقض أحسنابه المنقلبا إنما سيرتنا العدل ولا ننثني عن نشره أو نذهبا نحن من قمنا على السلطان إذ جار لا نتركه أن ينكبا إنما البغي وظلم الناس لا يثبت الملك عليه مركبا قومنا اضطروا إلى مذهبنا عزلوا سلطانهم مستوجبا نحن قومنا وسكنا بما فيهما المعوج والمضطربا ليس للدنيا لدينا قدر مثل قوم عظموها طلبا رفضنا الدنيا وإن برت بحر كيف إن ولت وساءت حقبا إنما الدنيا حطام زائل فاقض منها يافتي ما وجبا تعلم الدنيا وإن راقت لنا ما عداها المجتني والمجتبا نعشت فينا قلوب للهدى وجسوم فيه تشكو النصبا لا نبالي إن بذلنا أنفساً في رضى المولى ونؤتي المطلبا لم ترغنا بارقات لمعت قد أثارت صاعقات بالظبا كثرت أعداؤنا لكن من صحب الحق وإن قل ربا شأننا الإنصاف في الحكم ولا نلج الرشوة أو باب الربا ننصف العاجز من ذي قدرة كان منا أبعدا أو أقربا فإذا قلنا فعلنا أبدا ماحيينالانقول الكذبا قولنا أنفذ من صَوْلٍ وكم صَوْلَنا زلزل أركان الربا جذبثنا نفحة وهبية تجعل المنكر والجور هَبا خرجت في الأرض تمحو باطلا وترد الظلم ممن ركبا دولة غراء كالشمس بها تشرق الدنيا وتسمو رتبا
230 (1/230)
صفحة 231
صهلة بيضاء لم تُلْفِ بها حرجاً أو كدراً أو مُعتبا
وهب
لطفه
الله لها من سله الله حساماً لامعاً
بايعته العلما والأمرا
سالماً ذاك الإمام المجتبي
يقطع الكفر ويجلو الغيهبا والبرايا فترقي منصبا
قام بالأمر فكان اليمن في سعيه حيث أتى أو ذهبا فهو فتاح الصياصي والقرى وهو وضاح الصحاري والربا زهت الدنيا به كالعيد في أهله وافق دهراً طيبا لظف كبرد الماء من كبد الظمآن يُطْفي اللهبا
فهو الماء جرى عند الرضا وهو النار يُري إن غضبا
دائم الصبر حمول للأذى قائم الشكر يُجَلي الكربا أمره شورى فلا خُلْفٌ لما يرتضيه العلماء النقبا حف بالنصر لما يقصده وببرهان يزيل الحُجبا ما عناه أصعب إلا وقد سهل الله إليه الأصعبا راشد الأمة مأمون النبأ واقد الهمة مسنون الشبا سالم الجانب ممدود المدى طاهر الحجزة معقود الجبا آمن المرصد ميمون اللقا صاعد المقصد يعطو الشهبا وأخوه الناصر الشهم الذي قام في سبل الهدى محتسبا باسط الراحة محدود العلا واسع الساحة مأوى الأدبا يا حماة الدين يا أهل الوفا يا کرام الناس قوموا غضبا أيدوا هذا الإمام المرتضى واعمروا بالعدل هذا المذهبا وانزعوا الأحقاد منكم واسلكوا سبل الخير وداووا الوصبا واجمعوا الأمر ولا تختلفوا واحذروا ريحكم أن تذهبا واطلبوا الألفة وارعَوْا دهركم واذكروا إذ كنتم أيدي سبا وابذلوا الفاني بالباقي فما يطلب الأشرف إلا النجبا هذه دولتكم يدري الورى أنكم أركانها والخطبا وعجيب أصلها منا ولم نعتلق منها بأدنى سببا راقبوا مولاكم في دينكم واحفظوا دنياكم والأدبا
231 (1/231)
صفحة 232
يا بني الإسلام هل من غيرة تنعش المقعد والملتقبا تلك عُباد المسيح اختبرت أمركم هل طال سعياً أم كبا فإذا ما استضعفوا أمركم جعلوكم مغنماً أو منهبا وإذا ما استصعبوا أمركم أدبروا عنكم وصدوا هربا هذه حالتهم لم تختلف ومحال حالنا أن تُغلبا حالنا قد بهرت أعلامنا رفرفت للنصر فيها كتباً فليروا مناخميساً لجباً عجلاً يحمل موتاً عجباً وليروا مناسيوفاً رُهبت قطفت منهم رؤوساً حبحبا وليروا منا رجالاً كُمْلاً بالحسن ساووا النُّهَى والذهبا قد سمعنا رنة صافرة من بني الكفر فقلنا هبهبا يکن کل صدى تسمعه صلة السيف ولا صوت الظبا هب صدى السيف فإنّا عَرَبٌ بذباب السيف نقضي الأربا نحن نهوى الموت في درك العلا ولأن الموت حكم وجبا فإذا الحرب علت أصواتها لا تلمنا إن رقصنا طربا لم يدر بنو الكفر على قِلتنَا أنَّا كثير حسبا سي من أرؤس القوم الطلا ونعد الضرب فينا ضربا عدداً وهمو أكثر منا نشبا غير أنا عندنا الحق ومن عنده الحق علا فوق الربا ولقد نُزِّل في الذكر لنا كم قليل لكثير غُلبا عبدوا عيسى وقالوا: إنه ولد واعتقدوا الله أبا حاش لله فلا يخذل من صار في توحيده منتدبا وابن إبراهيم أبدى أنه مستعين بهم كي ترهبا وتحدى بهم مستظهراً أمره فينا وبث الكتبا ورمى المسقاة حرباً فرأى سيئاً ثم انثني محتجبا فأثار الناصر الدين على حربه جيش منون لجبا جيش صدق سقيت أنصله سم شجعان تذيق العطبا فأحاطوا بجهات الحزم لا يجد الخصم إليهم مضربا
نحتسي
أكثر منا
232 (1/232)
صفحة 233
والمقاديم يَشُبُون وغى ويدبون
إليه
رغبا
عليه كالدبا وعُمان حركت أرجاءها وغدت تجري دبوراً وصبا فأماتوا نهرهم كَبْساً ولم يدعوا فيه لطفل مشربا وإمام الناس في رستاقه يتوالون ومضى أحمد يستنجد من آل سعد والنصارى طلبا أيعادي مسلم ذو نُهية دولة الإسلام قل: لا مرحبا والنصارى في الذي ليس لهم فيه نفع لم يكونوا سببا بجبال مدها وهي هبا
ظُنّ ماءً آل واعتلا وهو وأتي مسترضياً بالصلح في آل جني لا رضا مستعقبا لم يزل في عزة ملتهبا وعلا ثم غلا ثم ربا صاحب الحزم نراه لم يكن صاحب الحزم ولا من جربا غالب الأيام فانحط وذا شأن من قام يعادي الأغلبا ما درى أن العوادي طرقت حوله لما دعاها كثبا ليته أضمر طيباً وحَلاً مورداً واعتاد قولاً طيبا ما عليه ثائر من أحد لا ولا كان له مرتقبا أين ذاك العقل منه والذكا والدها ولى وأنّى ذهبا ما اقتفي آباءه الصيد الأولى دوخوا الأرض وهاداً أو رُبا فهم غوث الورى ليث الشرى عدلهم شرق حتى غَرَبا وبنو چنى برأي غلبوا الجن والإنس وراموا مطلبا أهل عقل وسكون قد رأوا ميلهم للصلح فوراً أصوبا صالحوا فارتفعوا منزلة وهموا جوداً فباروا السحبا يا إمام المسلمين استمعوا بلبلاً يصدح في دوح الربا تجدوا سحراً حلالاً ضمه منطق جزل وقولٌ عَذبا أطلب الأجر من المولى بكم وعليه أن يتم المطلبا وكان تمام نظمها في شهر رمضان المبارك من سنة 1338.
وقد كتب الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري للإمام سالم - رحمه الله - لما استنهض آل حكم إلى الجهاد وألزمهم القيام معه في هذه الحرب، كتاباً أغلظ فيه
233 (1/233)
صفحة 234
الخطاب، يؤنبه من قبل أخيه الشيخ ناصر بن راشد الخروصي، تحامل فيه على الإمام الله تحاملاً عظيماً، وكان هذا دأب علمائنا - رحمهم متى استنكروا من القائم أمراً، لم يتضح لهم صوابه لم يسامحوه، ولا يرون إلا محاسبته ومناقشته، حتى يخرج بوجه فشانه عندهم شأن أي إنسان يتعرض للخطأ.
حق،
وردت هذه القصيدة من شاعر العرب بإفريقيا أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي، لحضرة الإمام سالم بن راشد الخروصي في شهر شوال من عام 1338 فها هي بنص حروفها وجدناها في هميان الإمام، بخط ناظمها، بعد وفاته بيوم، ببلد الخضراء، من وادي عندام. وكانت وفاته ليلة خامس من ذي القعدة من سنة 1338 المذكورة. مولاي أبشر لن تزال مجيدا حفظ الإله مقامك المحمودا إقبال دهرك بالبشائر مؤذن تُزجِي جدوداً أشرقت وسعودا نظرت إليك من السعادة عينها فارفع يديك لتشكر المعبودا وعد تحققه المشيئة قد أتى ولسوف تعرف ذلك الموعودا قَرُبَ الزمان وأشرقت أيامه ليس الزمان بما أقول بعيدا سترى العجائب مسرعات ترتمي تحيي جهاراً ميتاً مفقودا فخذ الإشارة من لسان صادق حتى تشاهد يومك المشهودا ولقد أتيتك قبلها بإشارتي وأظن أنك تذكر المعهودا أبدى الزمان بما يکن ضميره وترى زماناً بعد ذاك جديدا أخليفة الرحمن أيقن بالقضا ليس القضاء بحيلة مردودا يا من أضل بعيره بمضيعة أبشر وجدت بعيرك المنشودا فإذا انقضى خاء ودال بعدها ألفان لام فارقب المعدودا ستفور من قعر البحار جهنم وتصير هاتيك البحار جليدا ويعود مبيض السحائب أسوداً ترمي الأفاعي جندلاً وحديدا ستبيد خضراء الجراد فلا ترى فوق البسيطة للجراد وجودا فإذا انقضت يس طه بعدها أسقطت بنداً إذا رفعت بنودا وإذا انقضت حاميم قام محمد للاستقامة طالعاً مسعودا هذا كتابي قد تركت لذي الحجي مفتاحه في قفله معقودا وأراك فاتحه وخازن سره عش في السعادة والجلال مجيدا
234 (1/234)
صفحة 235
وفاة الإمام سالم
لما كانت الساعة الخامسة من ليلة خامس من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1338 ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف عرجت النسمة الطاهرة التي عشقت الكمال، فعشقها الأدب والحياء وانغمست في بحر المراقبة فقاضت إلى ربها آمنة مطمئنة؛ فنالت الدرجة السامية، والمحل الأعلى الذي أعده الله للشهداء من عباده، فألهم الله الأمة العمانيية الصبر والجلد على الرزء الفادح والمصيبة العظمى في العلم الذي نهض بهم، حتى أبلغهم مقامات، الرجال ونهج بهم طريق صاحب الرسالة، فلطالما سهر في إحياء هذه الأمة الخاملة وتعب في راحتها، وبذل نفسه الطاهرة في الذب عن حوزتها، وإنقاذ بلادها من يد الاستعمار قام بأمر الجهاد بعد ما فقدناه، وأحيا الحدود بعد اضمحلالها، وأمات الجور بعد ما شمخ أنفه، وقذف الرعب في قلوب الظلمة. فرحم روحه الطاهرة، وأفاض شآبيب الرحمة على تلك الأوصال.
الله
سبب وفاته: أنه
الله
خرج - رحمه - من نزوى في عسكره لإنقاذ الحكم في وهيبة، وكان قد دعاهم فامتنعوا عليه فنزل بالخضراء من وادي عندام، فنام بين أصحابه في صفحة واديها، ولا يحس من أحد بشر آمناً غائلة الرعية؛ لإنصافه الحكم بينهم بالسوية، جعل الكبير أباً، والصغير ابناً، فاغتاله أعرابي فزاري، يقال له سطين ولد التويلي، كنيته أبو بسرة. وكان هذا الأعرابي من المطلوبين للإنصاف، فأغراه سفهاء قومه
على فعله.
الفائت!
وانتقم منه بالقتل في بلد عبرى بأمر من الإمام الخليلي. وما ذا عسى أن يرد
فليتها إذ فدت عَمْراً بخارجة فدت عليا بمن شاءت من البشر كانت مدة إمامته سبع سنين وأربعة أشهر واثنين وعشرين يوماً. ودفن ـ رحمه الله - في سفح الجبل شرقي بلد الخضراء، وقبره بها معروف.
كتبه لعماله
إن له كتباً إلى عماله فيها مراشد وزجر ونصائح عن التهور والجور على الرعايا، فنذكر منها كتابه لأبي زيد عبد الله بن محمد الريامي، عامله على بهلا وكفى به دليلاً
،
235 (1/235)
صفحة 236
على غيرته، وصلابته وشدته. فإذا كان كتابه لأبي زيد. الله - فما أدراك بغيره! وأبو
زيد ممن شهر عند العمانيين فضلاً وزهداً وعلماً وورعاً.
يد الله الرحمن الرحيم
بسم
من إمام المسلمين المعتصم بالله: سالم بن راشد الخروصي، للشيخ الأكرم الفاضل أبي زيد عبد الله بن محمد الريامي - حرسه الله تعالى. سلام عليك ورحمة الله وبركاته، إني أحمد إليك الله الذي اعظم شأنه وجلّ، سلطانه وقام برهانه، وعلت كلمته،
،
ووضحت حجته، وبين السبيل ورزق عباده العقل والدليل ليَهْلِك من هَلَك عن بينة ويحيا من حَيَّ عن بينة وكان الله سميعاً بصيراً لطيفاً خبيراً.
صح
أما بعد فقد ورد إلي كتاب من شيخنا الأمجد البصير العالم الشهير: ماجد بن خميس العبري، ينقم عليك أشياء في أحكامك، ويعيب عليك في أفعالك وعقوباتك، وما جعلتك والياً في تلك البلاد إلا لتقوم بالعدل بين العباد، على وفق ما أنزل الله على نبيه، وتتبع سبيل الخلفاء الراشدين، فما ينقمه عليك ذلك الشيخ، جلبك دواب الناس إلى الحصن من المسافات البعيدة ومنعك أربابها عن الكسب عليها، وتحكمك عليهم في الإنفاق عليها وكل ذلك العدل والأصلح لك تركه والأسلم في الدين؛ إذ لو لك الحبس لأربابها بتركهم لها في ذلك المكان الذي يقولون: إنه حمية. فحجة التهمة تقوم بغير جلب الدواب إليك أرأيت في عقلك وعقل كل ذي سليم، أن جلب تلك الدابة إليك هو الذي يقوم الحجة على صدق مقالة، جالبها، أنه وجدها في تلك الحمية. فإن قلت نعم فجميع إخوانك المسلمين وأهل العلم في الدين ما أظن تلقى من يقول منهم بذلك، فتبقى وحيداً على فعلتك وإن سلمت أن لا يقوم ذلك بحجة، غير أنه أقوى دلالة قلنا فحينئذ ما الحاجة عليه إلا منع الدواب عن أربابها، والانتفاع بها. واعتبر بعقلك هل يصح الحبس إلا على الجنايات، وأنت من جاءك يقول: إن دابته منطلقة عليه، وهو غير معتاد يطلقها لم تصدقه، فأما حبسته أو منعته دابته ورجع
بدونها، فعزيمة عليك.
عنك
أخبرني ما هذا الجرم الذي فعله صاحب الدابة المنفلتة عليه، وأنت تعلم أن المسلمين محمولون على حسن الظن إلا من نظر منه الحاكم الاعتياد، وعرف منه تكرر
236 (1/236)
صفحة 237
الفساد، بطلقه الدواب في الحراث، وبعدم مبالاته بحجر الحاكم الذي يجوز له الحجر فيه، مما يؤول إلى فساد بين العباد وهذا الذي وصفته لك في الحروث التي يحرثها الناس بأنفسهم، ويسقونها بأنهارهم، فكيف بما يسقيه المطر الذي اشترك فيه الناس جميعهم بنص الحديث عن رسول الله.
فإن قلت: إن الحميات للبلادين قد تقدم من تقدم من أهل العلم بالكلام فيها، ونصبوا للناس حدوداً، لئلا يعدو بعضهم على بعض، وفي ذلك مكاتبات وأوراق، يشهد
بها من وقف عليها. أترى ما صنعوه باطلاً أم تقر بعدله فتعرف ما فعلناه حقا وصواباً.
قلنا: إن الذي فعله أولئك الأئمة والعلماء، عدلهم غير منكور، وحقهم مخبور، وسيرتهم بالعدل أشهر من نار على علم، غير أنه يخرج على وجوه كلها لائقة مستحسنة جائزة، منها أن ذلك فعلوه إصلاحاً بين العباد لا حكماً جازماً. والصلح جائز على التراضي لدفع الإفساد، حسماً لمادة ما تعوده الجهلة من التطاول على بعضهم بعضاً. وكل منهم أعطوه في ذلك الصلح بقدر نصيبه على وجه التراضي من تلك البقاع، للانتفاع منها. وما جعلوا ما كان مما يخص الغير من تلك الفلاة محرماً كالحرم، يعاقبون عليه العقوبة الشديدة، ويتوغلون في حجره كل التوغل وما اشتهر لنا عنهم إنما أتاه من دواب الناس في تلك الفلوات يساق إليهم إلى حصنهم من المكانات النائية البعيدة، يعاقبون ويحبسون الدواب على أربابها، ويسلبونهم أسلحتهم رغماً عليهم، إلجاء لهم على العقوبة، بما يرضي القائم من المدة التي تخالف سيرة العدل، من طول المكث في
الحبس. .
وعلى تقدير أن ما فعله ليس خارجاً مخرج الخطأ في الدين، إلا أنك خالفت فيه سيرة أهل العدل، من إخوانك المسلمين ولم تصغ لنصحهم. ولم ترغب فيما رغبوا، وفيهم من هو أنفذ منك بصيرة، وأكثر اطلاعاً على أثر السلف، وأغزر علماً، وأوسع دراية، وأعدل سيرة، وأقدم هجرة، وأترك للدنيا وحطامها. وسيرته بالعدل والزهد أشهر من أن يصفها الواصف، وهو الذي بلغك النصائح، حتى مللت نصحه، ولويت عنقك عن قبول ما أراد منك الرجوع عنه، فكفى بذلك دليلاً على ارتكابك المعيب، وتخبطك العشواء، وميلك على ما تهوى على تقدير أن ما فعلته غير خارج مخرج التخطئة بالإجماع، وأنت على ما رفع لنا الأمناء ما اقتصرت على ذلك، حرمت على الناس
237 (1/237)
صفحة 238
الحلال، بفتواك في مسائل مما لا يحصى من فتاويك باعتقادك الفاسد، أنك من أهل الاجتهاد، وأهل الاجتهاد ما أباح الله لهم باجتهادهم عدم المبالاة، وما أحر لهم يقولون ما لا يعلمون، بل إن اجتهدوا في مسألة استنبطوا الدليل من محله، أو قاسوها على غيرها من المسائل، حتى ترجع إلى أصل صحيح، فقالوا باجتهادهم فيها، لا عن هوى، ولا عما يستحسنه الهوى فاقنع أنك لست من أهل تلك المرتبة، واعرف قدرك، ولا تطاول فوق معرفتك، فما أراك إلا من أهل المنزلة الأولى.
وإياك ثم إياك أن تقول في مسألة باجتهاد منك، وقد ألزمتك أن تحكم بما تجده في أثر المسلمين والأئمة في الدين، وحكمك يكون جرياً على حكمهم في المسألة التي تعرف حكمهم بذلك الحكم لا غير بشرط معرفتك عدله وحقه وصوابه، وإلا أرجعهم إلى إخوانك الذين هم أعرف منك، وهنالك جارك، ذلك الجهبذ البصير الشهير ماجد،
فرد الخصوم إليه.
أنت
منهم.
،
وإن رأيت في الأثر أن الحاكم إلى نظره أحوج منه إلى أثره، فذلك في حق قوم لا اللهم إلا أن تشهد لك العلماء أنك منهم، وتحققت ذلك من نفسك يقيناً؛ الحديث: استفت نفسك ... الخ فهذ كلام يخرج على وجهين: إلى نظر اجتهاد في الرأي، أو إلى ترجيح في مسائل الرأي.
لأن
في
وعلى كل حال فأنت لست من أهل المرتبة الأولى والإباحة لك في الثانية. إن رأى العلماء أنك من أهل الترجيح فتب إلى الله من تخليطاتك؛ فإن المخلط في دينه لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً وأنت تعلم أن الدين ليس كالمال، إن أفسدت في بعضه كله، فإياك ثم إياك يا أبا زيد: احرص في حركاتك وسكناتك، وقدم للسؤال جواباً، وتدارك نفسك ما دام العمر ممدوداً وباب التوبة غير مسدود. الله الله اتق
انهدم
تعالى.
الله
الله أوصيك ونفسي بتقوى تعالى، وإن رأيتم من المبتلى (1) عيباً فخذوا بيده وأنزلوه منزلته التي أمركم الله أن تنزلوه فيها، والحق يعلو ولا يُغلى عليه، وما حرضتك هذا التحريض، وجردت لك هذا النصح، وبينت لك هذا التبيين إلا شفقة بك وشفقة على
(1) المبتلي: الإمام، يعني نفسه.
238 (1/238)
صفحة 239
نفسي، من السؤال في الموقف العظيم الذي ترتعد فيه الفرائص، ويقول فيه الصدّيقون والمرسلون: اللهم لا أسألك اليوم إلا نفسي وقد ابتلينا بأمر عظيم وخطر جسيم،
،
فالويل كل الويل لنا إن لم يتداركنا الله برحمته الواسعة ويغمرنا بمغفرته ولطفه.
نعوذ بالله من سوابق الشقا، ونسأله التوفيق لما يرضى ويسلك بنا لأحسن طريق يحبه، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه ويجعل لنا إخواناً وأعواناً وأنصاراً ورغبتهم في الدين لا في الدنيا وحطامها وزخارفها. وأسلحة القوم التي أحجرت بها عندك وحميرهم أرسل بها للشيخ ماجد أمرتك بذلك أمراً حازماً، وإن رأيت ذلك المكان المعهود يحتاج إلى حكم فيه ورأي الشيخ مما تجوز فيه الأحكام قوله ذلك، من لم يقنع بحكم، وتطاول إلى ارتكاب بدعة كبدعهم القديمة والكبائر العظيمة التي كانوا يركبونها، من تبكيت الآذان للدواب، عاقب مَنْ فعل ذلك العقوبة الشديدة، هذا والسلام عليك ومن قبلك من الإخوان، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
في ذكر شيء من عهوده لعماله
الله الرحمن الرحيم
هذا ما عهذه إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي لعامله محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي على أزكى ونواحيها، فجعله نائباً عنه فيها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى القيام بالعدل فيها، يأخذ الحق من الظالم للمظلوم، وإنصاف الضعيف من القوي بالشدة والرخاء، وأن ينصح في ولايته على قدر طاقته كما نصح محمد صلى الله عليه وسلم لأمته، فيجعل الرعية كلهم كأسنان المشط على السواء، وأن يعاقب أهل الجرائم كما عاقبت عمال الأئمة، قبله من غير تساهل في الأمر، وعلى قبض الزكوات من أهلها الأغنياء، وجعلها فيما يأمر به الإمام، وعلى قبض بيت مال الله منها، على الطريقة المثلى، وإنفاذ غلته فيما يأمر الإمام به، وجعله يجري بذلك، على وفق كتاب الله وسنة نبيه محمد، وإجماع الأمة من المسلمين، ومهما أشكل عليه من أمر فليرده إلى علماء المسلمين عهداً ثابتاً موثقاً. وكتبه بأمره عامله أبو زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي، بيده بتاريخ يوم 25 من شعبان سنة 1335 هـ.
239 (1/239)
صفحة 240
وهذا عهد آخر
يد الله الرحمن الرحيم
قد جعل إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي الولد محمد بن عبد الله بن حميد السالمي والياً على بلدان الحبوس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنصاف المظلوم، وأخذ الحقوق، وأمره أن لا يقدم على أمر حتى يعرف عدله. وذلك إلى أن يصل الشيخ سليمان بن سنان. فإن وصل الشيخ سليمان بن سنان، فقد جعل ابن سنان هو الوالي على المضيبي وسناو، وجعل محمد بن عبد الله السالمي على سمد ونواحيها الخضراء وديار الشروج، إلا إن أراد ابن سنان أن يكون هو والسالمي يداً واحدة على هذا الأمر جميعاً، واتفقا على ذلك، فقد فوض ذلك إليهما.
وقد فرض لمحمد بن عبد الله لكل شهر ثلاثين قرشاً، يأخذها من بيت المال وقد جعل هاشم بن يزيد قائماً في العسكر،، وهم سبعة رجال هو سابعهم، وقد جعل له لكل شهر اثني عشر قرشاً، ولأصحابه لكل واحد منهم لكل شهر خمسة قروش، إلا محمد بن عبد الله وسليمان الغزو، فلكل واحد منهما ستة قروش فإن استعاضوا بغيرهم فله خمسة قروش ولسعود بن حميد لكل شهر خمسة قروش ليكاتب بين الناس، ويكون مساعداً للقائمين بالأمر حسب طاقته وله عشرة قروش من فضلة أموال المساجد، ليتعلم ويعلم من جاء متعلماً.
وقد جعل محمد بن سعيد الجابري عاملاً على جباية الزكاة، من ديار الحبوس المضيبي، وما حولها من الديار، ويستعين بمن شاء من الأمناء، وقد جعل له عشر ما يقبضه من الزكاة أجرة له على عمله.
وحرر
هذا محمد
بن عبد
الله
28
بن سعيد الخليلي، بيده في يوم من و
من
سنة 1337 هـ قد أمر إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي، محمد بن عبد الله السالمي، أن يحاسب وكلاء المساجد، لينفق ما فضل من عمارها في المعلم والمتعلمين.
وكتب هذا محمد بن عبد الله بن سعيد بيده، وقد جعل الإمام سالم بن راشد
240 (1/240)
صفحة 241
لفاضل بن مسعود السالمي، لكل شهر ستة قروش، ليكون معيناً للولد محمد بن عبد الله
في أمر الدولة. وكتب هذا محمد بيده.
صحيح
هذا عن أمري. كتبه إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي.
الله أنشأها
وهذه قصائد شاعر العرب الإمام أبي مسلم ناصر بن سالم بن عدثم البهلاني الرواحي، في التحريض على الاجتماع والجهاد في سبيل الله - لما بلغه رحمه قيام دولة العمانيين واجتماعهم على إمام يلم الشعث، ويجمع الشمل ومن أحسن قولاً الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين.
ممن دعا إلى
المقصورة
تلك ربوع الحي في سفح النقا تلوح كالاخلال من جد البلى أخني عليها المرزمان حقبة وعاثت الشمال فيها والصبا موحشة إلا كناس أَعفُرٍ ومجثم الرأل وأفحوص القطا عرج عليها والها فلعلها تربح شيئاً من تباريح الجوى نسألها مافعلت قطافها مذ باينوها ارتبعوا أي الحشا هيهات أقوتُ لا مُبين عنهم لا محتف بشأنهم غير الصدى تربع الآنس من أرجائها واستأنست بها الظباء والمها فقف بنا عند غصون بانها نشاطر الورق البكاء والأسى بحيث أهريق بقايا دمعتي وأتبع النفس إذا الدمع انقضى إن من الحق على مدامعي أن تسبق السحب على عفا ربع ويفؤادي إن دعا العذل عصى
عهدي بدمعي طاعة اذكارهم وما وقوفي عند بان نبتت غصونه بين الضلوع والحشا لولا علاقات هوي تحکمت في رمق عاش على مثل الصلا دعني أبكي دمنا تغيرت وأطبق الجفن بها على القذى وأذكر الإلف الذي كان بها وكيف شَطت بهم عنها النوى لم يبق فيها أثر لهم سوى عيارة الخيل ومركز القنا لتسرح الترحة في براحها فإنها قد بلغت رأس المدى لطالما أظلَحَتْها سارية تمزع في الدو ولا مَعَ الطلا
241
نهضة الأعيان - م 16 (1/241)
صفحة 242
يَعْمَلَةً قد أخذت سلاحها من حقب يزينها على الوئي روعاء ترمي مقلتيها حَذَراً بين عزيف وعُواء وصَدَى زيافةً تحوذ في تجليحها لا فرق ما بين الدمات والكدى تُخلفُ الريح تكون خلفها كأنها أعارت الريح الحفا كأنها من حقب مُنَحْبِ في شدفة الليل هلال قد خوى كأنما تطير من لغامها سرب تغام فوق حيطان القضا يُلَهبُ البرق كان سائقاً يَحْزَوْها نَخْاً بأسواط السنا إذا استطار أرزمت رازفةً تواضح الخال بأجواز الفلا كأنما البرق لها أجنحة إذا رأته حلقت إلى الشها أقول للبرق وقد أرقني لهيبه أعلى ثنيات الجمي سقيت أجراز البلاد فارتوت وحظ قلبي منك إلهابُ الجُدا خل نعاماك تداجي مهجتي فإنها محروقة من الجوى أهفو إلى روح النسيم راجياً إطفاء ما بالقلب من حر الصلا أعلل الشوق بصادي كبدي نفح شميم الزهر من تلك الربى فكان من حيث الشفاء علتي وري زناد الشوق من ذاك النشا وربما مَنْيْتُ نفسي طيفهم وهو حلالٌ لِي إِن حَلَّ الكَرَى ولو قصدت هفوة بحبهم أو كنت من عاهَدَهم فما وفا أرسلت طرفي رائداً لدهشة بربعهم تذهلني عن الأسا هيهات لا تمنحني طلولُهم و سانحات ذكرهم إلا الضنا ولو تركت واجبات حبهم أو صدف الهجر غرامي والقلا أو تركت لي كبداً صحيحة أو جلد الحر على قرع النوى لكان لي على الطلول وقفةً أبريء النفس بها من الهوى لَكِن لي قلباً عَرَتْه سكرة ماضل في غمارها ولا غوى وعاش في صبابة تَعْمِدُه مال إليها عامداً فما ارعوى أسلوبمن أهواهم وإن نأوا وكيف يسلو ديف بمن ناي وكيف ما خامرني الحب فما قلت: رشادي يا ترى أين وخى ليعمل الحب بنفسي ما يرى إن ضلالي بهوى القوم هدى
242 (1/242)
صفحة 243
ما زال
بي مع الهوى تبصر ينتقد الحب على شرط الحجي ليت النهى مع الهوى تثبتت راسخة فيها عزائم التقى ليت النهي مع الغرام تهية لم يعبث الحب بأحلام النهى ضللته صبوة وبين فوديه ضياء ابن جلا
إذا
أَعْمَدُ ممن لربما يهفو التصابي بالفتى وماله وهفوه إذا إذا تباشير مشيب وضحت لم تعذر المرء متى ولا عسى وفي الصبا معتبة وزاجر فكيف في الشيب إذا العود انحنى وكيف في الشيب إذا تقاربت خطاه أن يُقْصِرَ في الجد الخطا يبادر الكيس أخرى عمره فَيَرقَعُ الخرق ويوثق العرى تولي أمد موقت لم يبق للرجعة منه مرتجى وكل ما تلبسه من جدةٍ يعروه من كر الجديدين البلى ليس الجديدان وقد تباريا في حربنا يرضيهما منا الفدا حتى يُثلاً معهداً ومعهداً ويمضيا ثم على الدنيا العفا لقد بلوتُ الدهر في عفوته فكدر الصفو وجد ماعفا وكان ما احتبيت في صروفه بالصبر أجدى من تفاريق العصا ما ساءني الفائتُ إذا أكسبني كنزاً من الصبر وفوزاً بالرضا جبلة الدهر خنون حُوّل ما راش في عافية إلا برى محافظ الثبت على طباعه حتى يحول الآل بحرا في الملا لا يستقيل عشرة من نادم ولا يُقيل من به الحظ گيا فاصحبه ذا عزم على علاته تزجي الهموم للعلا على الوحا مستحقب الصبر على مراسه حرا سليم العرض من سوء الثنا تبلد الخطب إذا جالدته بمرة تبشه بس السفا محجب البث رحيباً شامخاً من رقة الشكوى وسورة الجفا إن هزك الممض هر طودَه أو هزك الهول فسيق منتضي توسعه مريرة ويتقي من جدها ما يتقى من الردى لا تعرف النكبة منك جولة تخذولها خذو مقودات البرى تصارع الأخطار غير ضارع لطردها الأعصم ساخ أو رسا
243 (1/243)
صفحة 244
تحس كل حادث بسيفه فإن نبا حيناً فأحياناً مضى لا تعجل الأمر أمام وقته ولا تفته حين آن بالوني وإن تعارضك اثنتان فاتخذ أولاهما بالحق وانبذ الهوى إن القوي من ثنا شِرْتَه ومن إذا مال إلى النفس انتهى والعقل والحق يحرران من رق الهوى ويدعوان للعلا شر ما صاحب امرو جهله مطية فارهة إلى الردى ومن تكن عادته طادية بالسوء هد مجده بما طدا إني أصون صفحتي مقتنعاً بمايَطفُ بما يطف من علالات الحسي أنبو والهُوبُ أواري سَاعِرٌ عن مشرب أشربه على القذا يحمي الكريم عرضه ويحتمي أن يرد الآجن من كل الركا لم التفاني في بُرا آسن لا يُرتجى من بيضه بل الصدى ولا إقامي طمعا مقادرا ولست ولأجاً بأسواء القمى کيلا ترى عين خسيس موقفي ببابه منتظراً منه الجدى ظلف العيش على قناعة تَظْلِفُ للعرض عن السوء غنى ومطعم تهافتت ذبابه قضم الهبيد منه أحلى في اللها ما أضيع النبل إذا تطاولت خساسة العرق عليه بالحبا حسبك عيش ماجد على الرضى بما مَنَّ الله به من المنى ما أقذر العرض يلب عاذياً برأسه إلى لئيم منتحا حتى بغات الطير تسمو آنفاً من مشرب تخزي به لمنتصى آليت لا تعلويدي يد امرئ يَسْقُلُها اللوم ويطغيها الغني ولا أرى وجهي ناظراً إلى وجه يحق أن يُحيى بالحثي وعيشته تمنيها خساسة اشد عندي قذراً من الوعى قناعة المرء بما يمنى له من حظه في عيشه خير المنا ولا أذود الحظ عن طريقه فالسيل حظ للوهاد لا الربا ولا أبات شاكعاً من حاسد قد هيا الله لكل ما كفى في قسمة الله وفي ضمانه وفي اقتناع النفس غايات الرضا إذا سنا الله لعبد نعمة فواجب العقد الرضا بما سنا
في
244 (1/244)
صفحة 245
يم يُضلِي حاسد ضميره والحظ والأرزاق تقدير مضى
فافطن لأقسام الحظوظ إنها قضية عادلة بين الورى سوية وإن تكن تمايزت حالة ذي عُدم وحالُ مَن ترى لم يظلم القاسم محروماً ولا كل سعيد بالثراء محتظى ما سرني من الثراء وفره إن كان بين اللوم والحرص نما إذا نفته هكذا وهكذا صنائع في أهلها فقد زكا فأنهب المال حقائق العلا وفك من أسر الزمان المهتدى ما بليت موهبة في حقها ووعد ما ضن به الحرص البلى فربما تحسبه وضيعة في متجر الفضل به الربح نما عقائل المال إذا أطلقتها خلدت الذكرى وأنت في الثرى ما الحق الله بنفس حَوْبةً تحوبث من شحها بالمقتني أذل أعناق الرجال حرصهم لا تستقيم عزة على الكدى حتى متى كاسي ريق حية ومطعمي من زمني مُرُّ الجَنَى أطالب الدهر حقوقاً كلها كبارح الأرْوَى منيعات الذرى أقطع آمالي بما في بعضه أكبر من كاف لدرك المبتغَى كأن تطلابي أمراً ممكناً أصعب من أمر محال المرتجى لست على الحمد من الأمر إذا غالطته خلابة فيما أتى آتية نصا فإذا خادعني فوضتها لله يقضي ما قضى والخب لا تصحبه فضيلة ولو إلى النجم بدهيه علا إن وسع الدهر احتمال عاجز فهو سلاحي وتلادي المجتبى ينفق في إهانتي صروفه وأنفق العزم وإنفاقي زكا ذنبي إليه جَنَّفِي عن لَوْمِه وقدرتي على احتمال ما جنى وأنني الحتف على لثامه أنكا في حلوقهم من الشجا أذود عن حريتي بحقها وأجهد النصر لحرمبتلي وأنني لا أعرف الحد لما أسطيع أن أنجزه من العلا وأنني لا أبطل الجهد إلى حد سكوني بين أطباق الثرى وأنني أدرك أن عازماً مثابراً يدرك غايات المني
245 (1/245)
صفحة 246
وأنني في محن ساورتها علمتُ ما جهلته من الورى وإن في حسن التدابير غنّى عن خُدع وهي عماد من وهى وأنني لا استشير سيئاً ولا أسيئ دفعه إذا عتا ولا أداجي مالناً وذامه علي غيظاً بفقعاعات الثنا ولا أحابي ملقاً ذا ظاهـ يشف لي ظاهره عما انطوي ما لي وجهان ولا ثلاثة إن لم أكن حلواً أكن مر الجني تلك وما يفضلها خصائصي ولبسها عند الزمان ترتضى أرى الحياة كلها ذميمة وخيرها وشرها إلى مدى يحبها المرء على آفاتها وتظهر الآفة عند المنتهى يعيش لا تَنْدَى صفاة كفه يخزن للوارث كل ما اصطفى لا تربح الدنيا بشح وافتقد ما أوضع الجامع من خلد الغنّي نهب فيها هبةً فننسري وكلنا مرتهن بما أتى يفوز فيها كيس بربه إمامه الرشد بمنهاج الهدى فاستخلص المجهود في تخليصها من ورطة الذنب وإشراك الهوى وانتهز الفرصة في استدراكها أوامر الله وما عنه نهى إن لها عدواً إلى غاياتها والحد وافاك ودربك انقضى لا تهملن ذرة في عبث فلست متروكاً كما شئتَ سُدى تودع الأنفاس لا تبكي لها ورَجْعُ ما ودعته لا يُرتجى والكل منها راحل ببضعة من أجل مقدر على شفا وآخر الأنفاس يرجو وقته فهل نرى تأخيره إذا دنا وربما فكرت في تأخيره يكون أدنى لك من فكر الحجي فودع الباقي منها مخلصاً بالباقيات الصالحات في اللقا دراکها فالأجل المحدود للعمر خلا
دراكها
مبادراً
أما ترقُ لحياة أوذنت بغُصة الموت وهول الملتقى ارحم حياة طلحت بوزرها في حمل ذرّ منه إيهان القوى لو قرصتها ذرة تألمت فكيف بالنار إلى غير مدى حتى متى تنصبني أمنية في نصرة الله فتعدوني المنى
246 (1/246)
صفحة 247
يغدو
ويمسي
كأنني مكبل في شرك يزداد في الشد إذا قلت وهى أشاطر النجم السهاد سارياً فيغرب النجم وعيني في الشرى كأن أفعى نهشت حشاشتي من لازب الهم وتلهاب الحشا أذكى من النار بقلبي زفرة يخرجها المظلوم من حر الأسى محترق الأكباد من حسرته لا غوث لا منصف لا يلوي إلى أنفاسه تطرق باب العرش لا تطرق بابا غيره ولا ذُرَى وعبرة تسفحها أرملة كالخلق السحق أصارها الضوى شعثاء غبراء عليها ذلة مهضومة الحق عديمة الحمى وصفرة على يتيم شاحب أدقعه الفقر وأشواه الضنا مفترشاً على العفا أديمه وهل له إغفاءة على العفا ضاحياً تحت السما كأنه عود خلال أو خلا وضربة من سيف باغ نهكت وجه تقي مثل تشهاق العفى وسطوة من ظالم شَبَاتُه أقتل للإسلام من حد الظبا ينتهك الحرمة لا تريغه ضريبة من گرم ولا تُقى يرى عيال الله صَيد قوسه يترك ما شاء وما شاء رمي جاس البلاد بالبلاء طامياً فيز حتى بلغ السيل الزبى وغيرة المؤمن في ضميره يطفئها الخوف ويوريها الأسى. يهان في حريمه وعرضه ودينه وماله مثل اللقا حامي الحميا مَرِسٌ لكنه شرارة من ضرم لا ما عدا ما تنفع الغيرة في مكمنها والسيف في قرابه لا يُنتضَى حتى تكبر الخيل كشفاً ساقطا تهوي هوي العاصفات في الوغى تَجْمِرْ جَمْزاً بالكماة شزباً عوابساً شُمْساً كسيدان الغضا هوازجاً عُزباً لجاجاً ضبعاً غمر الأجاري في بعيدات الشجا في فيلق حالكة أركانه يجلّل الأرض الدجي راد الضحى مخر لهام أرعن هَطَلْعُ غمر دخاس لجب صعب الزرى يقل في الجو عجاجا لو هَوَى عليه رضوى لم يصل إلى الثرى تعشش العقبان في أحضانه وتنشط الوحش إليه للخلا
247 (1/247)
صفحة 248
لولا بروق المشرفيات به لم يهتد الجيش الأمام والقفا تضطرم الأرض بما تقدحه سنابك الجُرد وتقراغ الشبا يخلط غورا بيفاع وقعه فالأرض في بطن رحاه كاللهى تلتحم الشكة في رعاله والجيش في بحر حديد قد طفا مزمجر الوغر له زمازم زهاءه الليل إذا الليل عسى بكل صنديد عتيك داغر مهور الكبة شداد السطا يستحقب الحتف ويشهي سيفه إن يكن الحتف انتصاراً للهدى تهوى النسور سيفه ورمحه لما يتيحان لها من القرى يصدع قلب الروع في عزيمة أسرع من برق وأورى من لظى كأنها جرازه من قلبه لاينتحي ضريبة إلا فرّى مجرس مضرس ممارس يمترس الخطب إذا الخطب شجي على سراة شامس مطهم معترق في جريه عبل الشوى
كأنه صاعقة
يخترق الحومة في وطيسها يعارض الهول ويعتام الردى منقضة لوصك في خطفته الطود ثوى محتمساً مضطفنا صمصامة يحوس أكداس الوعال كالقطا أخلصه الصقل شهاباً قبساً وكمن الموت به على الشبا يفضفض الجحفل باهتزازه منه ويجتز الأشم إن هوى يشفعه پلهزم سطامه أعصل رقشاء على الحتف انطوى في مأزق بين كمي قد ذمى يحشرج الروح وضرغام شصى يسوط فيه فيلقاًبفيلق كما يسوط البهم ضرغام الشرى بهذه الخطة نشفي غيظناً إن كان بالسيف أخو الغيظ اشتفى بهذه الخطة نرضي ربنا إن كان فينا طالب منه الرضا بهذه الخطة نبتاع العلا في الدين والدنيا ونستوفي المنى بهذه الخطة نرقى سلماً لغاية حظ عليها ودعى أين رجال الله ما شأنكم إلى متى في ديننا نرضى الدنا إلى متى نعجز عن حقوقنا إلى متى يسومنا الضيم العدا كنا أباة الضيم لا يقدح في صفاتنا الذل ونقدح
الصبا
248 (1/248)
صفحة 249
كنا حماة الأنف لا يطمع في ذروتنا الطامع في نيل الذرى لا يطرق الوهن عماد مجدنا وكم ثللنا عرش نجد فكبا علام صرنا سوقة إمعةً أتبَعُ من ظل وأقنى من عصا ا ما أفظع الشنار أو يزيله ضرب يزيل الهام من فوق الطلا إلى متى نخزى ولا يؤلمنا كالميت لا يؤلمه حز الشبا أذل من وتد حمار فيهم وقَدْرُنا أَقْصَرُ مِن ظُفر القطا إلى متى نُهْطِعُ في طاعتهم ونتقي وليتها تجدي التقى إلى متى نهرع في أذنابهم لا ملتجا لا منتهى لا منتحى إلى متى يعركنا انـکـلـيـزهم وجورهم وكفرهم عَرْقَ المدى إلى متى تقضمنا أضراسهم إلى متى نحن لهم عبد العصا إلى متى تعركنا أحكامهم إلى متى إلى متى إلى متى أين محب الله فينا صادقاً لو صدق الحب لهان المختشى لا ينتهي إذ نفشت قروانها محارم الليل إلى العزم اللقا أين ذَوُو الغيرة من لي بهم قد حزب الأمر قد انقد السلا اتسع الخرق على رقاعه من يشعب الوهى ويرتق الثأي أما شعرتم أنها داهية شعواء لا فضية منها بالونا هبوا من النومات إن حية تنباع ما بين شراسيف الحشا حتى على الموت الزؤام نومكم وليته موت على حفظ الحمى هل استباحوا حرمات دينكم هل منعوا الأرض الحياة والحيا تحكموا في ملككم ورزقكم وكبسوا البئر وقطعوا الرّشا مَنُوا عليكم بغذا أطفالكم وحسوة الماء ونفحة الصبا وأزعجوكم عن ظلال ريفكم وليتكم لن تُزعجوا عن الفلا وضايقوكم في بلاد ربكم حتى على مدفن ميت في الثرى لا يرقبون فيكم إلا ولا ذمة دين أو ذمام من رعى قد سفکت دماءكم وانتهـکـت حرمتكم ولا خلا ولا حشا
نقعد يشكو بعضنا لبعضنا وما مفاد من شكا ومن بکي في بعض هذا عِظة لعاقل لو رجعت أفكارنا إلى النهى
249 (1/249)
صفحة 250
الله
يسومنا الخسف خسيس ناقص لا دين لا حكمة لا فضل ولا أليس مما يَذْهَلُ اللب له عسف الطواغيت بشرع المصطفى وحَمْلُنا على اتباع غيهم مصيبة لحرها ذاب الحصى هب مُلْكَنا ورِزْقَنَا فَي لهـ فديننا الأقدس فيءٌ وجَزَى ما أفظعها داهية لو عوفيت قلوبنا من العمى فيا صياحاه وهل من سامع لصرختي وهل يجيب من دعا قد ذُبح الملك وهذا دَمه ومدية الذابح في نحر الهدى وأصبح استقلالكم فريسة بين كلاب النار يا أُسْدَ الشَّرَى اليس عاراً أن نعيش أُمّةً مثل اللقى أو غرضاً لمن رمى يَلُفُنَا الخزي إلى أوكاره ويحكم النذل علينا ما يرى ونشرب الماء القراح ما بنا من مضمض وليس بالحلق شجا ونَهنَا العيش على أكداره ونُطْعِمُ الأجفانَ لَذَّاتِ الكَرَى وجنبنا جنب صَدِي صاغر والسيف حرّانُ الحشا من الصدى كم نظلم السيف بمنع حقه أما يُجازي ظالم بما جني إن السيوف طبعت لحقها وحقها تحكيمها على الطلا والسيف شهم لا يغيب حقه أصدق من جد وأكفى من كفى والسيف حر لا يَقَرُ خازياً يصول إن ضيم وإن صال اشتفى والسيف لا يرضى الذليل صاحبا إن الذليل بالشنار مُكتَوَى والسيف جَلاءُ المخازي آخذ بضبع من يكرمه إلى العلا والسيف مفتاح إذا تضايقت على الهمام الحر آراء النهى والسيف كالصدق من الرجال ما هززته لحظة إلا مضى والسيف في عزومة مؤيد إن شَدَّ صَد وتقاضي وقضى والسيف ذو نقيبة في أمره ثبت على العلات ميمون الخطا والسيف أقضي بالحقوق حاكماً أوفر حق ما به السيف أتى والسيف أوفى صاحب رافقته إن خانك الدهر وأهلوه وفا والسيف فيه فرج معجل إن الغموم بالسيوف تُجْتَلَى والسيف يعطيك الذي اشتهيته إن تُولِهِ من حقه كما اشتهى
250 (1/250)
صفحة 251
إن السيوف عاهدت أربابها بالمصدر الأعلى وتقريب القصا من فحول الحرب منها لقحت وهن يقتدن الفحول بالبرى
والمجد حيث أبرقت وأرعدت ينبت من ساعته وبرتعي ما بالنا نحصنها عقائلا من المقاصير عليهن الحلا أين بنو الإسلام ما يعجزنا والعزة الكر بحومات الوغى أين بنو القرآن هل تبطكم كتابكم عن الجهاد للعدى أين غطاريف الجلاد بالظبا أين مشائيم الطعان بالقنا أين بنو التوحيد لو صدقتمُ توحيدكم ما رقص الشرك علا أين بنو الأحرار ما سكونكم والملك والدين حريب والحرى كم ذا بناغيكم مبير خادع أَطْرِقْ كَرَى إن النعام في القرى جشموه جُشماً وبيلة أو تهصروا العظم وتنزعوا الشوى هلم شدوا شدة قاصمة مريضة الشمس حمية الوحا ثبوا إلى المجد كراماً واندبوا عزائماً تشعر تَسْعار الصلا إن ضراباً بالصفاح خطة تردّ ما فات وترسي ماهفا قد آن للاحرام أن نحله وننحر الهذي على رأس الصفا قد آن للصائم وقت فطره لطالما أرمض بالصوم الحشا قد آن للوضوء أن ننقضه بالسافح الثاثر فرصاد الكلا نقر أحلاس البيوت خشعاً أظفارنا مغمضة عما دعى ندرس تاريخ الأولى تقدموا وحسبنا الله تعالى وكفى إن العظام لا تواتي شرفا ولا أقاصيص الوغى تكفي الوغى والسلف الصالح سل سيفه وكان ما كان له ثم انقضى تلك الرفات طينة صالحة لحارث وغارس ومن بني أتبحثون بينها عن عزة أو في لَعَلَّل فرجا أو في عسى تلكم إذاً أمنية مخلفة وضيعة العقل وجهل وعمى لنا صفاح ولها سوابق لكننا نصفح عن سبق العلا والمجد لا يُملك عن إراثة لكن بتحطيم الشبا على الشبا عز علي ما أثلت عهودها كسب المعالي واندفاع ما عنى
251 (1/251)
صفحة 252
1
لوتقلدنا فعالا من أهلها لم يعبث الفار بهيصار الشرى نعيش في هينمة بذكرهم يعقبها واها وأنى ومتى نعم لهم سوابق لكنهم لا تنعش الجد إذ الجد كبا معصومة الذروة لا يبلغها إلا همام باللهامـيـم اقتدى إذا اتكلنا قُعْدَداً عليهم لم يسلم المجد إذاً من الأذى شدوا الحزيم للهوادي فانثنت ودوخوا بالعزم صعب المرتقى وحمشوا الحرب أباة ضيمها بل هم لها متى ذكت عين الذكي هم علموا الدهر مراس قرنه ثم انتهى بعد المراس مهتدى هم علموا السيف مضاء عزمهم فهو قرين عزمهم حيث انتوى أدهشوا الهول بما يهوله فانكفأ الهول شكيا بالضوى هم شيدوا المجد بما ابيض به غطا فَوْدُ عوادي دهرهم حتى هم عقدوا بالعزم عين همهم فلا تداني ذلة لهم حمى لا يطرق الضيم عزيز ركنهم ولا يضام عائد به احتمـي هم أسبغوا للمكرمات هممهم فدهرهم للمكرمات في طوى هم أجدبوا سُوحَهُمُ من وفرهم وهم لأرض الله غيث وحَيَا هم أنضبوا غُدرانهم بجهودهم وفجروا في الناس ينبوع الغني هم وسعوا الكون حلوماً وهدى وطائلاً ونائلاً ومجتدى أمجدوا وأنجدوا وأوجدوا وأفقدوا وطولوا باع الورى جردوا وشردوا وطردوا وأوفدوا وأوردوا بحر الجدى هم إذا الخيل ارجَحَن بحرها في مأزق الروع تراموا للردى هم لكبات الخميس حدها وجدها وشدها والمحتمي أولئك القوم وصيت فخرهم إن كان في أسمائكم ذاك الوحا أسلافنا وما لنا من مجدهم إلا حديث بعدهم لا يُفْتَرى لم التحجي بعدهم في شرف عند رفات القوم في الأرض حجى ترفع منا أنفسا وننتخي كأنها من كسبنا تلك النخا نصحبهن أنفساً مثقلة بطيئة تحمل أوقار الوني تعزف عن مضوفة إذا عنت مجفلة عن المضاف إن دعا
252 (1/252)
صفحة 253
إلا نفوس عُزم عارفة لهن جاس إن طمى الهول رسا الا شدا في أنفس أبية بصبرها على مقاسات الشدي تشفع أحسابا زكت بمثلها لها بما ألله الأصل أسا هلم فلنحذو حذو سعيهم فليس للإنسان إلا ما سعى ليسوا رجالا لا نطيق فعلهم لكنهم جدوا وقصرنا الخطا تناولت أكفنا سيوفهم يا أسفاً وعجزت عن السطا ما انطمست من دوننا سبيلهم قد نصبوا الأعلام فيها والصوى ما كابدتنا خطة عن شأنهم أفظع مما كابدوه فانفاي غربوا وشَرَّقوا وأيمنوا هم وأشأموا ومهدوا لنا الذري
همو أقاموا سنن
هم
همُ سَرَوْا بجدهم وجهدهم فحمدوا صباحهم غب السرى شامخة تمثل الشهب ارتفاعاً وسنا أقدموا الجرد السراحيب لها تعطش الصادي إلى نار الوغى تزفي الخميس جحفلاً فجحفلاً مثل الدبور انجفلت عنها الطَّخى يا هي مالي وعشيري أرملوا معاقل العز وأيتموا العلا أين رجال الله أين غارهم قد هدم الحوض ودمت الركا أين الذين استخلصت شيمتهم كأنها الدر اليتيم المنتقى أين الذين مَحْصَت سيرتهم مکدراتِ دهرهم حتى صفا أين الذين عَرَّجوا إلى السما أعني سماء العلم والدين الهدى أين شموس الأرض أنَّى أَفَلَتْ وأبقت الناس على مثل الدجى أين الخيار العائد الكون بهم وصفوة الصفوة من هذا الورى أين ربيع الأرض أين غيثها يا حربا لا غيثها ولا السدى أين بقايا الله في عباده ضنائن الله وقائد التقى أين أسود الله ماذا اغتالها قد أسد الثعلب فينا وضري هيهات بعد القوم شدّت رحلها حمية الدين وصاري منتسي أنشدها من مسجد فمعهد فمنهج فمجمع فمنتدى فلم أجد منشودتي في موضع ثم حدست أنهارهن الثرى أرملة ناحت على أحرارها ثم ثوت آسفة فيمن ثوى
253 (1/253)
صفحة 254
أواه أواه رُزثنا بعدهم وليتنا في خَلَف عمن مضى ما في الحمى من دافع ومتق ما يعقت الخزي ولا من يتقى قد ضاعت الحرمة بعد صونها وشنت الغارات في قفر الحمى وطرق الحي ذئاب جُوع ودعثر الزرب وخاس المرتعي أدعو رعاة الحي في قبورهم إن سمع الميت دعاء من دعا أدعو لها الأموات إذ آيست من إحيائهم لعل فيهم من وعى يا أيها الراعي انتبه فما بقي حول المراعي ما تَغَى وما رَغَى يصح صوتي مسمعاً ومسمعاً لو كان من يزعجه هذا الندا أصبح قومي جثة باردة عي بها الطب وأعيث الرقا ما أثر النصح على ألبابهم إلا كآثار الحيا على الحصى وما رسوخ الوعظ من قلوبهم إلا كما يرسخ في الصخر الصدى ولا لأحرار الكلام عندهم تكرمة ولا لحر مستوى تنصحهم فتجتوي ديـارهم إن الكرام دارهم لا تُجتوى أَمحَضُهم نصائحاً لو ذهبت إلى جماد ذاب أو ماء جسا فتنثني نصائحي مكارها يقرضها اللوم وينفيها القلي سيدرك النصح لزاز محوذ عزائم الرأي إذا لاح الجلا لقد نفت عني الرجال شيمة لو سكنتهم زلزلت قلب العدا لكنني أعجز أن أفيتهم تكذيبهم بكنتيي للمدعى
إن القلوب استشعرت جيلةً فتاركت أحلامها إلى الهوى ليس العصور الغر إن تكشفت بحسنها هادية لمن غوى کل امري بفعله معتبر والسيف بالشفرة يفضلُ العصا فتحت عيني فرأيت غافلاً يحمله السيل ولـيـته دري ونائماً والنار في جثمانه كأنه جزل الغضا وما وعى وراضياً بذلة مفتخراً بأن يعيش خازياً ومزدرى ومؤمناًمستضعفاًيفزّه ظالمه من الرجا إلى الرجا
وعاقلاً في رأيه متهماً وأرشد الآراء للحر الدوى وحاسداً لنعمة تخاله أسعر ما كان إذا قلت: خبا
254 (1/254)
صفحة 255
وبائعاً لوطن فيه انتشا بلقمة يلذها وهي الودى فهل لنا استقامة وعزة وحالنا مشومة كما ترى وأغلب الناس الوفاء عندهم مستهجن وعهدهم على شفا يجرون بالأهواء. لا تكبحهم شكيمة عن دخل ولا هوى أدعياء الفضل إن دعوتهم لغمرة الجلا تراموا للعرا همهم في شهوات طبعهم الشوام في ارتياد المرتعى ثريهم من جَمَعَ المال ولو أفلس من مُرُوةٍ ومن حِجَى إذا دعا المجد تعادى ناكصاً وان دهاه بذخ قال: أنا لا يشرف اليوم بعقل مُقْتِرٌ والسيد الأقعس من نال القني فخذ من الغَمر الدني رأيه إن ملأ الكيس ودعه إن طغى تخاضعت له الرقاب عنوةً وان جست صفحته وإن ضما عصائب الإسلام تلكم حالنا وليس يخفي في الظلام ابن جلا ما تنظرون في التماس طبكم قد نَكَاً الجُرحُ وأدنف الضنا ليس لها إلا التفاف قوة بقوة ومقتدي بمقتدى ليس لها إلا نفوس طفئت أضغانها واشتعلت فيها التقى يلمها الإيمان قلباً واحداً وجهته الله وحشوه الهدى
إذا رمت فقوسها واحدة وما رَمَتْ وإنما الله دب إليكم داء من قبلكم من حسد يسعفكم ومن قلى فخلصوا الأنفس من أدوائها فقل من مهما أصابته نجا ولو تألفتم على إيمانكم لكانت الأوجه وجهاً ينتحى ومحصت أنواره قلوبكم فصفيت من فتنة ومن شدى ضاق على الخصم القضاء دونكم وغره الأركاس من حيث نزا عسى الذي قدر ما يهولكم يزيل باللطف الخفي ما عنا ويمطر الروح على ربوعكم فينظر الروض وإن كان ذَوَى
النونية
لأبي مسلم البهلاني - رضي
الله عنه:
255 (1/255)
صفحة 256
وجثمان
تلك البوارق حاديهن مرنان نما لطرفك ياذا الشجو وسنان شقت صوارمها الأرجاء واهتزعت تزجي خميساً له في الجو ميدان تبجست بهزيم الودق منبعقاً حتى تساوت به أَكَم وقيعان سقى الشواجن من رضوي وغص به سر وجوفٌ وغصت فيه جرنان وجلل السهل والأوعار معتمداً ربوع ماضم عندام وجعلان وراث ينصح للجرداء ساحتها وطم مارد صفنان وصفخنان يريق في الجو منه رَبِّق هَطِل في لوحه من سناء البرق ألوان إن هيج البرقُ ذا شجو فقد سهرت عيني وشبت لشجو النفس نيران وصير البرق جفني من سحائبه يا برق حسبك ما في الأرض ضمان أن إني أشح بدمعي يسح على أرض وما هي لي يا برق أوطان هبك استطرت فؤادي فاستطر رمقي إلى معاهد لي فيهن أشجان تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت وهن وسط ضميري الآن سكان نأيت عنها ولكن لا أفارقها بلي کم افترقت روح وكيف أنسى عهودي في مسارحها ومن بين جنان الخلد بطنان أم كيف يمكن سلواني فضائلها نعم لدي لذا السلوان سلوان معاهد شاقني منها محاسنها إن شاق غيري أرام وغزلان لها على القلب ميثاق يبوء به إن باء بالحب في الأوطان إيمان نزحتُ عنها بحكم لا أغالبه لا يغلب القدر المحتوم إنسان كأنني واغترابي والغرام بها حي قضى خلفته بعد أحزان هي النوى جعلتني في محاجرها مثل الخيال وروحي ثم جثمان أعيش في غربة عيش السليم على رغمي وليس إلى الترياق إمكان يا برق حرك همومي إن تكن سكنت فكل حَظِّي تحريك وإسكان ما زال ينشط بي همي وأصبره وناشط الهم لا تزويه أرسان يا برق هل والحنايا من ضماضع فالإ لتام فالطف حياهن هتان وهل ذرى القفص فالمقراة معشبه وهل قطين بعليا قاعر بانوا عهدي بها ونضير العيش يصحبها والدهر في غفلة والشهب إخوان نشأت فيها وروضاتي ومرتبعي روح الفضيلة لا رَند وريحان
256 (1/256)
صفحة 257
ديان
أرتاح فيها إلى خل فيبهرني صدق وقصد ومعروف وإحسان فحال حكم النوى بيني وبينهم هنا تيقنت أن الدهر خوان حتى متى أتقاضى الدهر قربهم والدهر يهرم والآمال ولدان حتي م يا دهر لا تُبقي على بشر حر وحتى م ضام الحر إحسان أكل رأيك حربي أم لها أمد فإن عهدي وللحالات ألوان حل العقال وأطلقني إلى سعتي ففي سجونك للميدان فرسان يا دهر يا باخس الأحرار حقهم أعط العدالة إن الله فيم التقصي بأهل الفضل إن نقصت حسناك زادوا وإن شان الورى زانوا لا يثقلون وإن خفت عيابهُمُ عن الندى ولهم في الحلم رجحان أخفى غبارك يا دهري محاسنهم فإن دَعوتَهُمُ في نكبة بانوا إن تعرف الحق فيهم لم تذر أسدا عن الورود وعير الحي ريان يا ناقل العيش من عليا بدية حيث الي حمد الحائزون المجد قطان خلف وراءك عزا والمضيرب والد ريز والقابل الراسي بها الشان وخل إبراء أعلاها وأسفلها حيث القطين ملوك الناس قحطان وخذ بأوجهها عن ساحتي سمد مياسر الفتح حيث الحي كهلان ودَع وراءك إن غَرَّبْتَ أخشبة تجري المجرة فيها وهي سدران ويا من الدوح والخضراء منتحياً أفناء حلفين حيث السوح جرنان واعمد إلى الجوف واستظهر أسافلها أرض لعامر أهل الفضل أوطان وافرق بها البيد حتى تستبين لها فرق على بيضة الإسلام عنوان فإن تيامنت الحوراء شاخصة لها مع السحب أكناف وأحضان
لبانتها
نحط رحلك عنها إنها بلغت نزوى وطابت بها للمجد أركان فطالما وَخدَتْ تبغي كأنهن مع الأنضاء عقبان إنزل فديتك عنها إن حاجتها عدل وفضل وإنصاف وإحسان إنزل فديتك عنها إن وجهتها تحت الأئمة مذ كانت ومذ كانوا هنالك انزل وقبل تربة نبتت بها الخلافة والإيمان إيمان إنزل على عرصات كلّها قُدس للحق فيهن أزهار وأفنان إنزل على عزبات الغور حيث حوت أئمة الدين قيعان وظهران
257
نهضة الأعيان - م 17 (1/257)
صفحة 258
إلا وقام يمين
حيث الملائكة احتلت مشاهدهم لها على الحل والتعريج إدمان أرض مقدسة قد بوركت وزكت تنصب فيها من الأنوار معنان ما طار طائرها الله محتسباً له جناحان إيقان وعرفان الله ساعده والفتح والنصر والتأييد أعوان ميمونة بركات الله تنفحها واليمن يثمره علم وإيمان رست بها هضبة الإسلام من حقب وإن قضت باستتار العدل أحيان قديمة الذكر عاد الدين عائدها من يوم أصبح توحيد وقرآن قامت بها قبة الإسلام شامخة حتى تواضع بهرام وكيوان ولم تزل عَرْصَةً للعدل عاصمةً للاستقامة فيها الدهر سلطان كم أشهر الله فيها من حُسام هُدًى كأنها لسيوف الله أجفان كنانة لسهام الله ما فرغت مذ كان للجور سلطان وشيطان بحجة الله قامت في الشقاق لها بدين ذي الثفنات الخبر إيقان لسرها واختصاص الله قائمها بالقصر والفتح برهان وبرهان تعاقبت خلفاء الله منصبها منذ الجلندى وختم الكل عزان أئمة حفط الدين الحنيف بهم من يوم قيل لدين الله أديان صيد سراة أباة الضيم أُسْدُ شَرّى شمس العزائم أواهون رهبان سفن النجاة هداة الناس قادتهم طهر السرائر للإسلام حيطان تقبلوا مِدَحَ القرآن أجمعها إذا استحق مديح الله إيمان جدوا إلى الباقيات الصالحات فلم يفتهم في التقى سر وإعلان على الحنيفية الزهراء سيرهم والوجه والقصد إيمان وإحسان بسيرة العمرين استلاموا وسطوا لشربه النهر إن الكل عطشان صعب الشكائم في ذات الإله فإن حناهم الحق عن مكروهة لانوا مسومين لنصر الله أنفسهم أرواحهم في سبيل الله قربان سبق إلى الخير عن جد وعن كيس دانوا النفوس فعزت حينما دانوا سيماهم النور في خلق وفي خُلق وهديهم سنة بيضاء تبيان مقيدون بحكم الله حكمتهم وهمهم حيثما كان الهدى كانوا هم أسمع الناس في حق وأبصرهم وفي سواه هم صُمّ وعُميان
258 (1/258)
صفحة 259
لم تلههم زهرة الدنيا وزخرفها إذ همهم صالح يتلوه رضوان باعوا بباقية الرضوان فانيهم كأن لذة هذا العيش أوثان وقف على السنة البيضاء سعيهم وفي الجهادين إن عزوا وإن هانوا ما زايلت خطوة المختار خطوتهم ولا ثَنَى عزمهم نفس وشيطان فجاهدوا واستقاموا في طريقته عزومهم لصروح الدين أركان وسلطوا بحدود الله حكمهم حتى استقام لحكم الله سلطان أولئك القوم أنواري هديت بهم عُقبى محبتهم عفو وغفران أئمتي عمدتي ديني محجتهم غوثي إذا ضاق بي في الكون إسكان لا يقبل الله ديناً غير دينهمُ ولا يصح الهدى إلا بما دانوا من عهد بدر وأُخد لا تزعزعهم عن موقف الحق أزمات وأزمان حقيقة الحق ما دانوا به وأتوا وما عداه أخاليط وخمان إن يشرُفِ الناسُ في الدنيا بثروتهم فثروة القوم إخلاص وإيقان الله ما جمعوا لله ما تركوا الله إن قربوا الله إن بانوا أزكى الصنيعين ما كان الهدى معه لديهم وله في الحق رجحان تراهم في ضمير الليل صيرهم مثل الخيالات تسبيح وقرآن الأباضية الزُّهْرُ الكرام لهم بعزة الله فوق الخلق سلطان لا يُعرف العدل إلا في استقامتهم لم يوف إلا لهم في العدل ميزان في الذب عن حرمات الله شأنهم لا شأن دنياهم نَيْل وحرمان رضوا ببلغة محياهم على خطر منها كأنهم بالبلغة اختانوا سيما التعفف تكسوهم جلال غنّى فالقلب في شبع والبطن خمصان سمتُ الملوك وهَدْيُ الأنبياء على أخلاقهم فكأن الفقر تيجان تمثلث لهم الدنيا فما جهلوا حقيقة الأمر أن العيش ثعبان جازوا الجسور خِفَافَ الحاذِ وِقْرُهُمُ زهد وخوف وإصبار وشكران فاز المخفون من دار الغرور فلا خوف عليهم ولا بالقوم أحزان مضوا وآثارهم نور وذكرهم وحمى ومضجعهم روح وريحان تتابعوا دولة في إثر سابقة كما جَلَى الرسل أحيان فأحيان حتى انجلى الكوكب الدري فا نكشفت بنوره عن وجوه الحق أغيان
259 (1/259)
صفحة 260
آيات
وإيذان
هنالك انبعثت روح الحياة إلى جسم الوجود وقد أرداه طغيان وقام للحق شأن بعد ما لغبت من الكوارث أحكام وأديان وأصلت الله اصليتاً يحس به سواعد شدها بغي وكفران وأعرب الكون عن بشرى ضمائره فالكائنات أغاريد وألحان أمنيّةٌ رَقَبَ الإسلام طلعتها أتاحها الله لم يُضرب لها آن وللأماني أوقات إذا قدرت وللأماني تمنعت في خدور الغيب آونة ثم انجلت فانجلي عدل وإحسان ما ساورتها صروف الدهر إذ نجمت وما لرد مراد الله إمكان وحكمة الله في التدبير قاهرة وفائد العقل في المقدار حيران يقضي بما شاء والأسباب جامدة ويُحْكم الأمر والأفكار عُميان يختص من شاء الرحمن ويَصْرِفها عمن يشاء وفي الحُكْمين رحمن إن الذي يتعاطاه الذكاء لدى حكم المقادير تخمين وبهتان ما حيلة الظن والأوهام في قدر إلا قصور وعجز ثم إذعان لا بد أن تربط الأفهام وحدته ولو تطاول تقريب وإمعان خذ ما أتاك وسلّمها لخالقها فالشأن لا غير للأكوان ديان أنظر إلى دولة أعيت معاجزها رأي الفحول ففيها تم برهان أرادها الله فاحتلت مناصبها والعقل في نَصَب والكون أشجان بأنهم الله ترمي من يقاومها ولا يقوم لسيف الحق بطلان إن الأسنة لا تعدو مقاتلها إن شد بالجد والتوفيق مطعان عادت إلى جذلها من طول غربتها خلافة الله والإسلام جذلان عناية الله تحدوها لموطنها وللخلافة في الإسلام أوطان تنحو ابن بجدتها العليا وبؤبؤها وشانها لمصاص المجد خلصان تقلّد العقد منها صدر قيمها صدر بخالصة الإيمان ملآن همامها العاصم الكافي لعصمتها له على حملها جد وأقران سميدع مثل صدر السمهري له في هضبة المجد أجذال وأغصان رحب المباءة قزم لا بواء له بفضله شهدت سهل وأحزان مشمر أحوذي رأيه فَلَقٌ وعزمه قبل وضع الرمح طعان
260 (1/260)
صفحة 261
الذكاء لمحض الرأي تبيان
نيران
مروع المعي في بصيرته من تحكمت من أصيل الرأي فطنته كأنها فيه أبصار وآذان يطوي عزائم بالتقوى وينشرها الله كأنهن بخصم أصاره علمه بالله محض هدى وغير يدع هدى يُذكيه عرفان لم يترك العلم منه موضعاً كَدِراً يمثل الشمس منه الذات والشان ما زال تمحَصُه التقوى ويمحصها وسره ملك والشخص إنسان حتى تمحص نوراً لا يكدره خير وشر وأغيار وأغيان والعلم بالله والإخلاص عارفة من الكريم وتخصيص وإحسان مواهب ساقها من فيض رحمته لأنفس ما لها في الناس حسبان يَعُدُّها الناس من أحجار سوحهم وهن في ملكوت الله شهبان يمشون بُلْهَا وَهَمُ النفس في كَيْسِ والعقل في الوجد بالمشهور ولهان والفتح يقصد قلباً ما به سعة إلا لمن لم تسعه قط أكوان محبة الله حيثما صدقت لها على عالم الإمكان سلطان تعطيك فتحا وإن سدت مغالقه فطور عقلك في ذا الفتح حيران فلا عليك إذا صحت محبته إذا وفى لك هذا الخلق أو خانوا الله ما أنفس في سرها اشتعلت بالحب الله أنوار ونيران
تحل في الأرض والألباب طائرة في عالم فيه أهل الله ندمان
ريانة بشراب الحب محرقة والحال صحو وكل الشرب نشوان تلك النفوس التي هذا الإمام لها قطب ومورده الصافي لها حان خاض الحقيقة كشفاً فاستقام له كشف وشرع وتكميل وسلطان جاءت إمامته والأرض مظلمة والناس فوضى وأهل الجور ذُوبان فأشرق العدل في أرجائها ولقى عز المفاسد إرهاق وإيهان جاءته ما كان بدعاً من أئمتها من جده ابن تميم المجد عزان في ضئضيء العزة القعساء مخيّده إذا تفاخر قحطان وعدنان بذروة اليحمد الصيد الملوك له أعراق مجد وأساس وبنيان لا ينكر الناس ما للقوم من قدّم وكيف يلحق عين الشمس نكران أحسابهم ومعاليهم ودينهم كواكب وهدايات ورضوان
261 (1/261)
صفحة 262
ما اختاره الله صفواً من خلاصتهم إلا وللصفو من إكرامه شان يا سالم الدين والدنيا ابن راشد خذ أمانة الله والأقدار أعوان أنت الضليع بها حملا وتأدية إذ كل أمرك تدبير وإتقان أحدز وأصعد وأيقن أن صاحبها الله لا تحويه أجفان سيف من
يسوسها مؤمن بالله
معتصم وخير ما دبر الأملاك إيمان
الله
إيقان
فظنه تحت نور للاستقامة في تدبيره قبس لا يصرف الفكر في شيء فيخلفه لأنه من فيوض الكشف ملآن والمؤمنون بنور الله ناظرة عيونهم وبعين الله أعيان يا للرجال وداعي الله بينكم لبوا الدعاء فإن الصوت قرآن يا للرجال ألم يأن الجهاد لكم بلى لقد فات إبان وإبان يا للرجال أقيموا وزن قسطكم فما لكم قبل وزن القسط ميزان يا للرجال احفظوا أوطان ملتكم فما لكم بعد خذل الدين أوطان يا للرجال احفظوا أحساب مجدكم إن لم تكن فيكم للدين أشجان يا للرجال اندبوا الله غيرتكم فالوقت قد ضاق والتثبيط خسران يا للرجال ألا الله منتصر فناصر الله لا يعروه خذلان يا للرجال أروني من شهامتكم إن الحوادث آساد وسيدان يا للرجال اجعلوا الله نجدتكم فالغاية الفتح أو موت ورضوان يا للرجال ألم يحزنكم زمن طار البغات به وانحط عقبان يا للرجال ألم يدهش عقولكم صوت الأرامل والأيتام إذ هانوا هذا اليتيم قد انحازت مفاصله من حلبة الجوع والظلام تخمان يا للرجال بيوت الله قد هدمت ومالها للعدى نهب وحلوان يا للرجال دماء المسلمين غدث هدراً كما عبثت بالماء صبيان فلا قصاص ولا أرش ولا قود كأن لحم بني الإسلام جعلان يا للرجال أفيقوا من سباتكم فقد أحاط بكم بغي وعدوان أخيفة الموتِ ظل العجز يُقْعِدُكم وليس للأجل المعدود نقصان لا يحجب الموت جبن عند موقعه ولا يُقَدِّمُ وعد الموت شجعان يا للرجال لقد ذلّت حفيظتكم إذ استطالت على الآساد حملان
262 (1/262)
صفحة 263
إن السيوف التي كانت لسالفكم ماضمها معهم رَمْسٌ وأكفان مريضة هي في الأجفان أم مرضت قلوبكم أم نأى عنهن وجدان
بئس السيوف إذا حلت عواتقكم وما بهالعتيق المجد أحزان لا تحجبوها إناثاً في مغامدها فإن تلك اليمانيات ذكران فديتكم أوردوها إنها عطشت إن كان فيكم يلاقي الري عطشان كانت بوارق في الأخطار ساهرة وهم أصحابها في المجد سهران نامت فاليوم هموم القوم في جَدَثٍ وساهر البرق في الأعماد وسنان تكاد أن تتلاشى من تحرقها غيظاً على صَارَ أو حُزناً على كانوا أورثتموها من الأوتار مشملة كأنها في دخان الحرب نيران واليوم تعمد فيكم وهي مُغضَبة وما بكم لحقوق السيف غضبان ما عودتها بنو عدنان ما لقيت منكم ولا أسكنتها الغمد قحطان لا تحملوها إذا كانت لزينتكم إن الرجال بفعل السيف تزدان فليت أسيافكم صارت معاولكم وليت خيلكمُ مَعْزّ وثيران حتى م طرف الهدى سهران من قلقٍ فيكم وطَرْفُ العدى في الظلم سهران ليست بسنتکم مذ كان عنصركم وإنما الحظ كالأزمان أزمان يا للقبائل يا أهل الحفاظ ومن أمجادهم في جبين الدهر عنوان شدوا العزائم في استدراك فائتكم إن العزائم للإدراك أقران أهل المكارم إن الله أكرمكم بنعمة العدل إذ للجور بركان لا تكفروا الله في نعماء أنعمها فإنما يربط النعماء شكران فأين أين ذئاب الدَّو حمتها بنو تمام ومن ربته جعلان وأين عنها الجنيبيون إنهم سعد العشيرة عليا مذيح كانوا غاراتهم برياح الموت عاصفة وفخرهم بحميد الذكر يزدان وأين راسب سيف الأزد إنهم سارت بصيتهم في الأرض رُكبان وأين أهل الذُّمار الهشم بحرُهم بالمجد والفضل فياض وملآن عهدي لهم نجدة في الحرب شاهرة ومنهم لحقوق الله أعوان ويا لشمس وكبات الخميس لكم أنتم لها يا أسود الله أركان أنتم سمام الوغى لبوا إمامكم وعندكم من ثغور الله جعلان
263 (1/263)
صفحة 264
وأين أولاد عيسى والحفاظ لهم نجد ضراغم أواهون رهبان
صميم كندة حي الملك من يمن عهدي بهم للهدى حصن وإيوان شدوا - فديتكم ـ أنتم بواسلها فيكم لمصاب الدين سلوان وأين يحمدها الحرث الكرام ففي عزائم القوم جنات ونيران ضنائن الله أنتم لا يزال لكم في نصرة الله صولات وسلطان يبلى الزمان ولا تبلى محامدكم ما دام يُحمد مطعام ومطعان إن كان صالح طود المجد فارقكم فإن إصلاحكم رضوي وثهلان عيسى لكم خَلَفٌ صِدْقٌ لخير أب وفي علي أخيه للعلا شان صنوان يستبقيان المجد في حسب سيارة الشهب في جنبيه صوان وفيكم الأسد الكرار فارس شر فاء ابن عمهما الكافي سليمان السيد ابن حميد سيف سطوتكم ومن له في بناء المجد أركان بحر المكارم غوث الخلق من شملت للكون من بره رُحْمى وإحسان الباسل البطل المغوار من شهدت بطول يمناه آباء وولدان وفيكم من رجال المجد من خرست عنه القوافي ولم يبلُغُه تبيان أين المساكرة الصيد العطارف من ذوائب الأزد حيث المجد والشان في ذروة المجد من لهم إذا انتسبوا أساود الموت يوم الهول طوفان شم إذا حزموا نار إذا عزموا شهب إذا رجموا للفضل هتان كواكب العز لا تُرعَى مسارحهم ولا تراع لهم بالضيم جيران وأين حبس كرام الخيم من قدم وفيهم من عباد الله غسان سيوفها وعواليها وأسهمها وهم إذا افتخر الفرسان فرسان وأين أسد شَرَاها من وهيبة أهـ مل الجد والجود إن شَدُّوا وإن لانوا وأين عامر والأحساب مشرقة ناهيك من عامر والأصل عيلان وأين همدان من صفين تعرفهم إذ عَد عَك وإذ همدان همدان وأين قائدهم ليث المعارك صمصام المعاصل بدر الفضل سلطان وأين نار الوغى آل المسيب من قضاعة وزعيم القوم زهران وأين وائل والآثار شاهدة ومجد وائل في التاريخ شهبان وأين مُغولة قبل الرسول لهم على مزون أتاوت وتيجان
264 (1/264)
صفحة 265
وأين عنها دياب الخطم إن لهم مناقب لا يدانيهن إنسان وأين حلقوم ذاك الملك
معصمه
سمائل فهي للسلطان سلطان
وأين عن أَجْرَبَيْها منع بيضتها والأجربان بنو عبس وذبيان يا جمرة العزب يا عبس الطعان ألا لا يُطفِتَن جمركم بغي وعدوان لا تشعلوا الحرب إلا في مواقدها حيث الجهاد على الباغين موتان ويا بني عمنا ذبيان مجدكم إنا وإياكم في المجد صنوان بآل حصن وبالعمرين قد فرعت عزا ونبلاً جميع الناس تخطفان إذا مدحت بني ذبيان إخوتنا أظهرت شمساً لها في العين برهان فياليوث يغيض در دَركُمُ ملاً سباق إلى خير وإرهان فرسان داحس والحنفاء حَسْبُكم من الرهان جهاد فهو ميدان ذروا الضغائن تذروها الرياح فما تبقى على خالص الإيمان أضغان إن الحظوظ التي ترجى بالفتكم في الدين في محكم التنزيل فرقان وما شفاء حزازات الصدور سوى أن يستبد بطب القلب إيمان وأين أزكى وطيس الحرب ما فعلت فإن عمدة هذا الأمر جرنان وأين حمير أهل العز ما اعتقبوا عن وعر عزتهم يوما ولا هانوا صيد صناديد أفيال عباهلة أسد كواسر في الهيجاء خردان جاءت ريام بما أعلته حِمْيَرُ مِن مجد وقام على البنيان بنيان وأين حميرها الثاني وأسرته ذوو المعالي ملوك الناس نبهان أبقى له السُّودَدَ الأعلى كواهله مظفر وسليمان وكهلان هود عرار فلاح محسن ملکوا فنبهوا الملك حيناً وهو نعسان وكان من فرعهم ملك اليعاربة الصيد الكرام وما أدراك ما الشان سل سيفَ يَعْرُبَ عن أخبار سيرتهم فمنطق السيف إعراب وألحان ويا بني غافر عليا قريش لكم أصل وأنتم لذاك الأصل أغصان قوموا إلى الله واعتدوا لنصرته فموعد الله جنات وغفران وأين أطوادها العليا بنو حكم أين الذهول سُراة المجد شيبان وأين رهط بني سمح فارسها بنو شکيل وأين الأسد كلبان وأين قُوَّامُ أمر الناس قادتهم بنو خروص حماة الدين مذ كانوا
265 (1/265)
صفحة 266
وأين عنها ليوث الغاب مرتها بنو هناءة ما دينوا وكم دانوا أين اليعاقب أرض السر ملكهم ومن مفاخرهم للفخر أركان وأين أهل الغنى في كل معضلة بنو علي بن سود أين حدان وأين يا آل سعد عزم نجدتكم وأنتم لرسول الله أحضان هَلُمَّ يا ابن هلال قم بنصرتها فالمسلمون بهذا الدين بنيان أين من ال سادة نجد بدر مبادرون إلى الخيرات سرعان أين الحواسنة النُّجبُ الكرام فما عهدي لهم في كفاح الحرب أقران وأين عنها عواديها بنو عُمَرٍ فإن جانبهم بالفخر عمران وأين من عرس النعيم بها أين الصلوف وطود الفضل سلطان وأين كعب وأين الحي من قتب أين الظواهر والفرسان كهلان وما رجاء بني ياس على خطأ فإنما القوم أعوان وإخوان قوم على صهوات الخيل طفلهم يربو له من دم الأبطال ألبان مساعر الحرب إن تنزل لهم نزلوا وإن تَعَاضَلَهُم رَكْبٌ فرکبان أسد خُدورهم شمر الرماح فإن شب الهياج فتلك السمر شهبان صعب شكائمهم شخب مكارمهم إن حاربوا صَعُبوا أو أكرموا هانوا لا يَقْتَنُون رياشاً فوق سابغة كأنهن إذا أُلقِينَ غُدران وغيرَ صَفْحَةِ هِنْدِيٌّ مُفَلَّلَةٍ كأنها ينفاث الموت ثعبان وغير أنياب أغوال مسننة من عهد عاد لها ذكر وأسنان وغير شمس سراحيب مفتقة كأنها في قتام الحرب غربان تعلمت من مراسي الحرب نجدتها فهن تحت يد الشجعان شجعان كأنهن أعاصير إذا احتدمت نار الوغى وهي في التسنين ذُوبان تلكم حصون بني ياس ومعقِلُهم لا يحصن القوم أسوار وأندان وأين عنها بنو بطاش أين هم من لي بهم وهم للحرب أخدان طال الرقاد بكم هُبُوا فديتكم فالشمس طالعة والسيل أرعان عادات طيّئ تخضيب السيوف وأر واء المثقف وهو اليوم عطشان أين العصائب من قحطان أجمعها وأين من نتجت للمجد عدنان هبوا لأخذ المعالي من مراقدكم فليس يستدرك العلياء تومان
266 (1/266)
صفحة 267
كتائب
كتائب
كتائب
كتائب
كتائب
هبوا لداعي الهدى هبوا لعزتكم وكيف نومكم والخصم يقظان جدوا - فديتكم - في نصر دينكم فاليوم فيكم لنصر الدين إمكان كتائب الله لا يحتل بيضتكم خصم مساعيه في الإسلام ثعبان الله ذُودوا عن حياضكم كي لا يُهَدِّمها بغي وكفران الله ما عيش الذليل لكم عيش ولا في منايا العز نقصان كتائب الله لم يُعهد بكم خَوَرٌ وللجبال على الأزمات أقران الله حاموا عن حنيفتكم قد لوّثَتْها خنازير وصلبان الله الله في خلق دين والمشرفيات في الإيمان طلقان كتائب الله لم تُخلق نفوسكم لكي يسخُرها ذل وإهوان كتائب الله أدعوكم إلى شرف عقباه أن تَصْدق النياتِ رضوان الله يوم الهول عيدكم لمالكم لبغيض الله عبدان يا غارة الله والأحكام مُزيلة لها من الحزن بالتعطيل أردان يا غارة الله والحر الغيور له صدع وما أذنت بالصدع آذان يا غارة الله نُخْزَى في ديانتنا أليس عاراً وحامي الدين خزيان يا غارة الله نحيا كالبلية في عقول سوء وما بالرجل عقلان يا غارة الله كم ترضى مهانتنا والسيف يرفع أقواماً وإن هانوا أين العزائم أين النخوة انتقلت أين الحفاظ وأين العز والشان أين الشكائم في الإسلام ما فعلت أظنها مع آباء لنا بانوا سلوا القبور التي ضمت أصولكم هل واطنوا الذل أم في دينهم هانوا ربوا لكم بالظَّبَى والسَّمْرِ مِلْتكم وأنتم الآن تجار ورهبان تركتم سنة الأسلاف مطرقة ولا يؤنب بالإطراق خجلان تمشون هَوْناً كأن الزهد أثقلكم وأنتم بهوان النفس ثقلان أما يحرككم إن قال ناصحكم الأصل كاس وفرع الأصل عريان أقول للبعض منكم وهو عن أسف والحر يأسف للأحرار إن شانوا قد كنت نخبة هذا الأمر من قدم واليوم أنت على الأبواب ذبان ماذا تقول إذا كنت ابن بجدتها والأصل معرفة والفعل نكران طالع صحيفة مجد أنت وارثه إن كان فيها مجيد القوم خوان
267 (1/267)
صفحة 268
إذا تنكرت للإسلام عن حَسَدٍ فاسأل أباك ولي الله ما الشان يخبرك أنك قد فارقت خطته وأنه للذي فارقت حسران أبعد شيبك في الإسلام تفعلها يبكي الخليل لها والخبر شاذان أحسن عزاءك من علم ومن عمل وأنت للطمع المرذول تجران أين السوابق ياقمقامها طويت أعاذك الله طاويهن شيطان أساءك العدل إذ قامت به فئة لها الله أقدار وأوزان مع ألا تكون لها قطباً تدور به هل أنت عن قطبها المعهود غفلان أظن عهد الشهيدين اللذين هما يستنصرانك قد أعفاه نسيان أبعد أحبارك الأبرار تنفسها وأنت في بحرها در ومرجان بنيت قبة إيمان وتَهْدِمَها الله هل بعد هذا الهدم بنيان نظرت أحمد حتى حل مسكنه في الخلد من حوله حور وولدان وصار عند أبيه في حظائر قد من الله حظهما فوز ورضوان عدوت تنقضها مثنى وواحدة وكلكم في مقام الفضل صنوان وقلت شأنك من باب السياسة في دفع الأجانب لا بغي وعدوان تسوسها أنت والإيمان يتركها ما قام عمرك في دعواك برهان سياسة الله في القرآن كافية وما يزيد على القرآن نقصان فارجع إلى الله وانظر في سياسته فأنت من مشرب القرآن ريان ماذا رأيت أباك الطهر يصنع في سياسة الدين لما قام عزان أنت الشهيد على إشراق سيرته وللبصائر بالمشهود إيقان أفي إمامة حق بعد ماثبتت بحقها أنت يا ذا اللب حيران لا عذر لا عذر فيها حجة قطعت عذر الخلاف لها في الدين تبيان فما انحرافك عنها بعد ما وجبت إلا خروج عليها وهو عصيان أبعد ستين عاماً عشت تنفقها في الله والحمد أنت اليوم خسران فاتبع إمامك والزم غرز سيرته ودع هوى النفس إن النفس شيطان وصن بقية هذا العمر في كيس فإن دهرك ـ لو فکرت ? گيسان فارقت عزتك العليا إلى طمع حتى لقد قال أهل السوء ساسان للمسلمين ظنون فيك عالية يا ابن المعالي ومن اليوم خيلان
268 (1/268)
صفحة 269
كنت السفينة للإسلام تحمله ثم انكفأت به والغي طوفان كنت المؤزرا للإسلام تكلؤه واليوم من كثر ما يشكوك ضجران فافتح - فديتك - عيني بؤذر يقظ فإن كَاتِب ماتمليه يقظان بيض العمائم لا تجدي إذا انكدرت بيض القلوب وللإيمان عنوان طهر ثيابك واغسل راحتيك فها تيك المطامع أوساخ وأدران وأحمد نصيحة حر لا يريد بها ذما وفيك لطود الحمد أركان
إن تعرف الصدق في نصحي فقد سبقت عهود صدق وإخلاص وإحسان ليس الخليل المداجي عند شانته إن المداجي في العوراء فتان لكنه من رأى عيباً وحققه أهداك عيبك غيظاً وهو لهفان أريك من أسفي خصماً تباعده والقلب من حبك المكنون ولهان خذ من مضايق أقوالي نصائحها وفي ضميري لكم بالحب ميدان يا قوم أهل عمان كم تخالفكم إن التفرق لا يرضاه إيمان أطول دهرگــم خوف مداهنة مطامع حَسَدٌ بأواء خذلان أهذه شعب الإيمان عندكم أهكذا سنة قالت وقرآن ماذا الشقاق الذي يفري جنوبكمُ والمؤمنون بذات الدين إخوان أطلقتم السيف في أفراد ملتكم وقيدته عن الأعداء أجفان هَبْ أن أسيافكم غرثي بها قَرَم ففي لحوم العدى يعتاش غرثان هانت عليكم تراتُ الكفر واشتعلت فيكم على بعضكم للبعض أضغان وألفة الدين قربي لم يكن معها أعلى وأدنى وأحزاب وأديان يا قوم هذا إمام الدين بينكم مقصودة الحق لا ملك وسلطان يدعو إلى الله قواماً بمنته له حُسامان: إقساط وإحسان يا قوم طاعته في مصركم وجبت فرضاً عليكم وما في الدين إدهان يا قوم لا تذبروا عنه فإن لكم ربا يحاسب والإدبار عصيان يا قوم إن تدبروا يغضب إلهكم وأين ملجوكم والله غضبان إن تنصروا الله ينصركم فلا تهنوا فالكفر في المقت والإسلام رضوان إن الإمام يمين الله بينكم فبايعوه وإلا حل خسران قامت عليكم بحكم الله حجته إن كان فيكم لحكم الله إذعان
269 (1/269)
صفحة 270
إن تتبعوه فعين الرشد خطتكم أو تُغرِضوا عنه فالإعراض طغيان فراقبوا الله فيه إن حجته قد قام فيها بحكم الله برهان تلكم وصية حسان لكم ثبتت فإنني اليوم للإسلام حسان لا يصدق الدين إلا من يناصحه ولا يتم بغير النصح إيمان فإن تمكن نصحي من بصائركم بدا لكم من ضياء الحق فرقان
له أيضاً - عفا الله عنه -:
الميمية
مَعاهِدَ تَذكاري سقتك العمائم مُلنا متى يُقلع تَلَتْه سواجم تعاهدك الإناء سح بعاقه فسوحُك خُضْرٌ والوهاد خضارم إذا أجفلت وطفاءُ حنث حنينها على قنن الأوعار وطف روازم ولا برحت تلك الرياض نواضراً تضمّخُها طيب السلام النسائم تصافحها بالزاكيات أكفها فيحسب فيها والرياض تراجم معاهد شط البعد بيني وبينها وحل بقلبي بَرْحُها المتقادم تزاحم في رُوعي لها شوقُ واله وصبر وأن الصبران لا يزاحم إذا لاح برق سابقته مدامعي وليت انطفاء البرق للغرب عاصم لين خانني دهري بشحط معاهدي فقلبي برغم الشحط فيهن هائم وإن هيام القلب فيها وقد نأت وسائل في شرع الهوى ولوازم فيا لفؤادي ما التباريح والجوى فعلن إذا ازدادت عليه اللوائم على أن ذكرى النفس عهداً ومعهداً أمَضُ بها مما تَمُجُ الأراقم خليلي في أعشار قلبي بقية أضِنُّ بها إن ناوحتها الحمائم خذا عللاتي عن أحاديث جيرتي فإني بحب القوم ولهان هائم ولا تسلما قلبي إلى هيمانه فذكرهم عندي رُقى وتمائم نزحت وفي نفسي شجون نوازع إليهم ونازعت الأسى وهو خائم فكم جعلت نفسي تطالب صبرها بنصر فيأبى الصبر إلا التناوم يقوم فيعروه التياع مبرخ فينكص وهناً فهو يقظان نائم على غردات الأيك مني تحينة كما هيمنت ريح الصبا والبشائم
270 (1/270)
صفحة 271
أثارت رسيساً في الفؤاد بما شدت ففاض به من ماء جفني راسم خليلي ما تذكار ليل لبانتي أقامت بنجد أو حوتها التهائم ولا ربعها العافي عليه تناوحت صبا ودبور أو بكته الغمائم تهادي به الآرام والعُفر ربعاً كما تتهادى البهكنات النواعم ولا شفني حب لغيداء كاعب كما ارتاع خشف في الخميلة باغم ولكن شجاني معهد بان أهله فبان الهدى في إثره والمكارم توشح منهم بالنجوم فمذهوت تعمت على أهل البلاد المعالم تمادت به العلياء ترفع شاوه بما أثلث فيه السراة الأكارم لعمري لنعم المعهد المهتدى به وقد ملأ الدنيا ظلام وظالم هو المعهد الميمون أرضاً وأمةً وإن زمجرت للجور حيناً زمازم هو المعهد الممطور بالرحمة التي سقت من إمام المرسلين المراحم سيكثر وراداً على الحوض أهله إذا جاء يوم الحشر والكل هائم لقد صدقوا المختار من غير رؤية وتكذيب جُلّ الشاهدين مقاوم أولئك قومي باركتهم وأرضهم بدعوة خير العالمين المكارم ومن شعب الإيمان حب يشفّني تجاذبه تلك الديار الكرائم عقدت بها أنس الحياة وطيبها وإن شردت بي للبعاد هوازم ولو صادقتني في محبتها الدنا رضيت بها منها وما أنا نادم وإني لبس الدهر جلدة أجرب تجاهي وآمالي محال محارم ومر الليالي الكالحات عوابسا علي كأني للكوارث جارم تجشمني والصبر بيني وبينها أفاعيلها فيمن عدته المائم وحنكي صروف الدهر حتى تبلدت وأبصرت ما أخفين والجو قاتم وأعجزني أن أستطيع مطالبي من الله ما لم تمتلكه العزائم لأعلم أن الخطب يصبح آزماً ويمسي قد انحلت عراه الهوازم إلى كم يلز الدهر نفسي بلية ويقطعني عما تريد العظائم وما جشأت حيناً لهول ينوبها ولكن من الأقدار ما لا يقاوم أحاول أمراً لو نبا السيف دونه لما عيب والأقدار عنه تصادم أيغمدني كالسيف دهري عن العلا وما حمدت قبل الفعال الصوارم
271 (1/271)
صفحة 272
وما همة المقدام إلا مضاضة إذا منعتها عن مناها الشكايم أيكبت همي خامداً غير حامد له العدل أمراً وهو في النفس جاحم وأصبر نفساً مرة لا ذمارها حمته ولا انقضت عليه اللهاذم ويقدح زند الروع من زاد همه كهمي وأقوى ما لزندي ضارم كفى حزناً أن أحسو الموت ليس في جناحي خواف للعلى وقوادم ويركب ظهرَ الرّوعَ حُرِّ غَشَمْشَمٌ ويقطعني عما امتطاه القوائم ويأتدم الأعداء لحمي مهناً وما مرثت للصائدين الضراغم أثن لفجت كفي بتشتيت طولها إلى حيث أحساب الرجال تزاحم يلم علي الدهر أعراق سوقه سفاها كما التفت علي السماسم أيهزل هذا الدهرُ أم جد جده وهل سروات المجد فيه مغانم وهل عرقة وجه السري نقيبة تزين وهل بخس الكرام مکارم أينهض أهل الله والحق عندهم ونصري محصور وهَمي عاسم وما ورق الدنيا مراعي عزيمتي إذا أسرعت روض الدنايا العزائـ وفي النفس هم فضفض الصدر لاعج تساور إدراكي مداه الصيالم وأطول ما أقضي به أقصر المنى خيال اصطبار بينها لو يلازم فيا لهفاً أما قضيت وما قضت حقوق معاليها الهموم العوازم وما النازع المقصور فارق أرضه يحن وفي شد الحبال القوائم إذا لاح برق نازع الحبل سادماً فيكبو على اللبات والحبل لازم بأوسع حزناً من بقية مهجتي وإن قلت: إني الصابر المتحازم أفارق في إفريقيا عمر عاجز وبي كيس كالطود في النفس جاثم كأني كهيم الطبع أو قاصر الوفا أو الخصم مظلوم أو الحق ظالم وتسري سيوف الله في جنب خصمه بإيمان أمجاد وسيفي نائم تجردها لله أسد أبية توادد في ديانها وتصارم
وترمي بقايا الصالحين نجيعها فتمسحها حور الجنان النواعم ويغنم فل النهروان شهادة وما هي إلا طعنة فالمغانم يبيعون دنياهم بمرضاة ربهم وإن لامهم في مطلب الحق لائم وأقعد مخشوشاً على مبرك الوَنَا ويحكمني عن غاية القوم حاكم
272 (1/272)
صفحة 273
أليس احتساء الموت أحجى بحالتي على أن بيني والمنايا تلازم ينادي لإحدى الحسنيين مؤذن وأقعد عن تأذينه اتصامم أدون فتوح النصر ترضي دينه وهل في سوى الفردوس يخلد ناعم وهل حمدت في الأرض بعد محمد وأصحابه إلا الشراة الصماصم وهل فاز بالعلياء إلا مصمم تهون لديه المزعجات الجسائم إليكم أسود الله مني تحية مور بها فلك وتحدو رواسم إليكم صناديد الغُبيراء مدحة لها في ذُرى السبع الطباق دعائم إليكم ليوث الاستقامة مدحة لها في الكروبيين قدر مزاحم أخذتم بأمر الله قلبا وقالباً وشاهدكم نصر من الله قائم وكافحتم عن عزة الدين خصمها فعزّت وأُس العز تلك الملاحم وقام لأبناء الحنيفة معقل بنته لهم تلك القنا والصوارم وقمتم بحكم القسط حتى تشعشعت بأنواره بيد الفلا والعواصم وصادرتم الأخطار في نصر ربكم وهانت عليكم في الجهاد العظائم منتم قيام العدل الله حسبةً فقام بحمد الله والجور راغم ذكرتم عهود الصالحين وأحدقت بوائق دهر نکرها متفاقم فآثرتم ما آثرت سنة الهدى وغيرتم بالسيف ما الله ناقم على الأمر بالمعروف والنهي منكم عن المنكر اشتدت لديكم شكائم عرتكم لأخذ الحق الله غيرة فاضت بفتح والثواب المغانم وقفتم وسيل الظلم طام وطالما بأظمائها بانت لنصر حوائم لداهية تنقد منها الحيازم وأبتم وحد السيف بالعدل بارق يبشر أن الحتف للظلم داهم نعم ثبتت أقدامكم وقلوبكم فولت أمام الحق تلك المظالم وخابت أماني البغاة مهيضة وقامت على قرن الشقاق المآئم وأصبح سيف الله في كف دولة لها مَدَد من ذي الجلال وعاصم فما خام عنها غير نكس منافق كما قام فيها أروع النفس حازم وأصبح سلطان الشريعة ثابتاً له عمدفي تخته ودعائم على بيضة الإسلام قر أساسه وطائره فوق السماكين حائم
فباء بحمد
الله
خاسناً بالخزي
273
نهضة الأعيان - م 18 (1/273)
صفحة 274
وكانت عمان الجور ملء إهابها مجاهل غُفْلا ليس فيها معالم فأشرق نور الله في عرصاتها إلى أن أضاءت من سناها العوالم وكانت حميات الرجال تحزبت فأصبح كالعقد الشتيت العماعم وصار جهاد المعتدين مشاعراً يحج إليها المقسطون الأعاظم منظمة البابهم وسيوفهم ونياتهم والحق للكل ناظم يؤلفهم إيمانهم واحتسابهم كمؤتلف الأنصار والأحل عارم فجمعهم فرد وفردهم به غناء إذا كر اللهام الخضارم الله ويقظتهم في والدهر نائم
هنيئاً لأهل الحق صدق انتصارهم وفوا بوصايا الله في السخط والرضا كراماً وأفعال الكرام كرائم فما حصروا في موقف الحق لمحة ولا وسعوا ما ضيقته المحارم
الله
ولا اختلبتهم زهرة العيش في الهوى ولا زينتهم في المخازي العمائم ولا حسدوا من نعمة ذرة إذ الفضل مقسوم وذو الفضل قاسم ولا احتقروا ذا القدر في منصب التقى ولو زهدت للفقر فيه العوالم ولا داهنوا في الدين من أجل مطمع يسيل به أنف من الكبر وارم تراموا على القرآن شرباً بمائه فأصدرهم والكل ريان هائم مقدسة ألبابهم وتفوسهم وأفعالهم والمنتحى والعزائم لهم قدم في الاستقامة ثابت وهم على الإخلاص الله قائم وأيد عن الدنيا قصار قواصر وفوق أعاديهم طوال قواصم حالان للبؤس والرخا وفيهم على الحالين وقر ملازم ومن أذهلته طاعة الله أثرت عليه فلم يحفل بحال تصادم بأنفسهم شأن إلى الله وجهه شديد القوى تنبو عليه الصوارم تجاذبهم وجهان: وجه من الرجا نضير ووجه بالمخافة ساهم إذا خالفوا فالمسك طارت به الصبا وإن أفضلوا فهي اللجاج العيالم وإن حاربوا تستبشر الحرب منهم لأن قراهم للحروب الملاحم لهم في سبيل الله جد ونجدة وثبت لكبات الوغى وصرائم وإقدام ضرغام إذا البهم أحجمت وصخت بآذان النجوم الهماهم وتشبيههم بالأسد تقريب ناعت وشتان أقمار الهدى والبهائم
تمر بهم
274 (1/274)
صفحة 275
لقد وثبوا ـ حياهم اهم الله - وثبة رمى الكفر منها المخزيات القواصم وشدوا بعزم الرسل الله غيرة (على قدر أهل العزم تأتي العزائم) فباءوا ونور القسط للجور باهر عزيز وتيجان الضلال مناصم وللحق أعناق البغاة خواضع وأذرعهم في بطشهن معاصم وأبطال خيل الله نحكي أهلة من الظفر الميمون منها المباسم وألوية التحكم تنشر عزها وتدعو إلى حكم به الله حاكم وفتح إمام المسلمين وقهره وسلطانه لا يُنتحى عنه عاصم وخيل جنود الله تصبح شُرباً بشارات عزان بن قيس تصادم ومن همها ثار الخليلي إنها إذا ذكرته طيرتها العزائم أتذهب أدراج الرياح دماؤه ولا كدم العصفور ما فيه قائم وتعبث نعل الرافضي بوجهه ولألأ ذاك الوجه في العرش ناجم ويدفن حيا لا جريمة تقتضى سوى أنه بالحق الله قائم أليس من الغم المميت وقوعها وطرف ولي الثأر في الأمن نائم وتنسى قلوب المؤمنين مصابه وللآن منه في السماء مآتم ألا فاغضبي يا غارة الله ولتقم نوادبه سُمر القنا والصوارم ولا تتركي ثأر المرزا حبرنا سعيد بن خلفان لمن هو خائم فإن خام عنه وارتضى الضيم ملبساً وسالم فالإيمان ليس يسالم ليحتكمن الله أخذاً بشاره ويعجز عند الإحتكام المقاوم فلا تحسبوا أن الدماء مضاعةٌ إذا سفكتها في هواها المظالم وإن ضيعتها أهلُها فحقوقها يغار لها للعدل بالقسط قائم خذي يا خيول الله في كل مرصد بحملة غيظ تتقيها الصلادم ولا تتناسي سيرة الحبر صالح فسيرته للمهتدين معالم قضي دهره الله محتسباً له ومات شهيداً والقذائف ساجم وما ساءني أن أكرم الله وجهه بموت رجاء الطيبون الأكارم تأسى بقوم بالشهادة أكرموا لهم موطن في جنة الخلد دائم وما قصرته همة عن مقامهم إلى أن تولى والتراث المكارم فهل عند عيسي أن مقامه يقوم وهل عنده أن القعود محارم (1/275)
صفحة 276
وهل عنده أن الجهاد فريضة وقد وضح الإمكان والخصم خاتم وهل عنده أن المقدر كائن وأن وقوع الحتف بالمرء لازم وهل عنده أن المعالي صعبة المـ راقي وأهلوها الشراة اللهامم وهل عنده أن الحدود تعطلت وأن حقوق المسلمين غنائم وهل عنده أن المناهي أكرمت وناب أعادي الله في العرف آزم وهل عنده للاستقامة نصرة وقد هجمت للقاسطين الهواجم وهل عند عيسى أن للفرض عادةً قديمة ذكر جددتها المقادم وفرض على ذي الفرض عادة فرضه إذا ألزمت حامي الذمار اللوازم فدى لك نفسي يا ابن صالح قم بها فإنك للسيف الأباضي قائم تجرد لها واذكر وقائع صالح ودونك أسلاف کرام ضراغم
وخذ من قلوب المؤمنين بشعبة فإن قلوب المؤمنين صوارم أناديك للجُلّى وأنت شبابها وقمقامُها إن أعوزتها القماقم فخذ من إمام المسلمين بصبعه فمثلك من تدعو الأمور العظائم ولا تُلق للتفنيد أُذناً فإنه له بيعةُ صدق وقدر ملازم وأنت بأحكام الإمام وحقه عليك وأحكام الولاية عالم وقد أمكنتكم فرصة لقيامكم وكم رامها من ذا الوقت رائم فلا تهملوها بعد أن جد جدها وقام بها حسب الشريعة قائم إلا فالزموها سنةً وجماعة وقد طالما حنّت إليها العوالم وعضوا عليها بالنواجذ جهدكم ففيها بدايات الهدى والخواتم يكن جهدكم فيها دليلا لنهضة لأزكى صفات المصطفين تلائم وإن لكم فيمن هدى الله أسوة وإن هداكم للعباد معالم وإنكم للصالحات أدلة وإنكم للمرتقين سلالم وإن الأباضيين في الأرض حجة على الناس ذي جهل ومن هو عالم وإن الذي وفّى بشرعة دينكم ومات عليها فهو لا شك سالم وإن إمام المسلمين على هُدًى مخالفه باغ على الحق ظالم إمامته حق وفرض اتباعه على ساكني المصر العماني لازم وإن الذي وفّى بطاعة امره ولي وإلا فالعدو المخاصم
276 (1/276)
صفحة 277
وهذا اعتقاد فوق كل مكلف له من أصول الدين قطعاً دعائم لقد شكر الله الذين تعاونوا على البر والتقوى وفي الله قاوموا وحسب الإمام المهتدي من كرامة بأن قام والدنيا جميعاً تراغم ومن يكن المنصور من عند ربه وقاومه المخلوق ذل المقاوم إمام الهدى إن ينتضي الدين سيفه فأنت له حد ونصل وقائم أبرر فيك الحمد واللسن أرخص وأبسط فيك المدح والعي واقم واسترشد الأفكار فيك فأنثني بأوضح إفهامي كأني واهم وهيهات لم تبلغ بدائع مدحتي لفضلك إلا حيث تغيى التراجم وإني لما أرضى لمدحك كاره لأنك للدنيا جميعاً مُصارم ولكن حُرّ القول ينحو مقره كما أن للتيجان تنحو اليتائم وما انتقى التمجيد فيك وإنما إليك اهتدى حُر الكلام الملائم يسابق فيك الحمد قبل انتقاده وهذا لأن الحمد فيه مـکـارم ولست بأقصى الحمد فيك مموهاً إلى العرض الفاني بشعري أزاحم ولكن رأيت الله يمدح أهله ومن فضله بدء العطا والخواتم هداهم إليه ثم أثني عليهمُ وذلك في إحسانه متلازم وحمد ولي الله عين ولاية وتوقيره فيض من الله ساجم فكل رجائي بالثناء عليكم ذخائر عند الله لي ومغانم وأستى حظوظي - إن أُوَفِّقْ - معيّةً وحب إلى يوم القيامة دائم فإن محب القوم لا ريب منهم قسيمهم إن مغنم أو مغارم أحاول فوزاً من حياتي بقربكم يراعى وسيفي والنهى لك خادم وإني لدهر صدني عنك شاني وحتى متى من صرفه أنا واجم أدبر حزم الرأي في حل قيده وهيهات أعيا منه عي وحازم وإني أشيم البرق من حيث نفعه وإنك أجدى بارق أنا شائم وسرك بالتفريج أرجى مؤمل وإن سدت الأبواب دوني البوازم فصل يا ولي الله وصلي بخطرة على القلب لا تبقى عليها الأوازم فإن قلوب الأولياء فواعل لأبحر نور الله فيها تلاطم محل تجلى الحق مشكاة نوره له وسعت إذ لم تسعه العوالم
277 (1/277)
صفحة 278
فلا يدع من تأثيرها حيث أثرت ولو حييت منها العظام الرمائم وإني بحمد الله فيك لمخلص ولو خاصمتني في الولاء الخواصم ومالي وللأعداء جاشت صدورهم وغصت بما تحوي الصدور الحلاقم على أنني واليت في الله أهله وعاديت من نيطت عليه المآثم ومن لهم إن أخذل الحق ظالماً ويظفر مني بالولاية ظالم وهذا مجال لا ينالون نيله ولو ضغمت جسمي عليه الضياغم يديرونني عن سالم وأريغه وجلدة بين العين والأنف سالم ولو نصبوا جسمي وجروا جيوشهم لرفع حياتي لم ترغني الجوازم وما أنس الأعداء مني هشاشة أبى الله إلا حيث تدعو المكارم وكم عَجَموا عودي على الدين فانثنت كلالا عن المر الصليب العواجم ولولا المقادير التي عزت القوى وما اكتسبت مني الخطوب الغواشم نذرتُ حياتي تحت ظل لوائه وأحرزت خصيلي إذ تُجز الغلاصم ولم يك قسمي غير ضربة قاضب إذا قسمت فوق الفروق الصوارم أو الطعنة النجلاء ترمي نجيعها تفوز بها مني الطلى واللهازم وتلك لعمر الله أبخس قيمة لرضوان ربي يوم تعطى المقاسم بحب أمير المؤمنين ابن راشد أدين وأنفُ الخصم خزيان راغم محبة من باع الضلالة بالهدى يبيع ويشري مؤمناً ويساوم محبة من لا يتقي الموت مسلماً يحارب في دين الهدى ويسالم إليكم عباد الله مني نصيحة يبررها قول من الله جازم
أحقا تقاعدتم بها وهي دينكم وخارت عن العز المقيم العزائم أحقا عباد الله بعض سيوفكم لدعوة أهل الاستقامة حاسم أحقا عباد الله بعض قواكم لقوة عُباد الصليب دعائم أفي عزة الطاغوت يَشْهَر مؤمن حساماً وتهوي في أخيه اللهاذم أحقا عباد الله إن خياركم تناصب قوام الهدى وتقاوم سيوفکم يـا قوم سيفان خاذل لحق وسيف في المحقين خادم أيهدم ألف ما بنى الفرد منكم وكيف بناء الفرد والألف هادم ويا أسفا إن تُهشُمُ العِقد فتنة زبون وتُزجِيها رجال معاصم
278 (1/278)
صفحة 279
عرفناهم بالخير حيناً فمذ بدت سرائرهم لم تبد إلا الأراقم نصبتهم الدنيا فكانوا سباعها وصيدهم منها الذميم المصارم تمنيتم أن يظهر العدل لمحة فلما بدا شدت عليه الضياغم أفي العدل حيف أم من العدل دلةٌ عليكم وكل العز للعدل لازم وكيف يعادي العدل من همه التقى ولكنه بغي بكم وتعاظم هممتم بأمر والزايا تنوشه ويَعْقُبُها عدل من الله قاصم فيا فتنة عُظمى تحرشتم بها تقضكم أنيابها والملاهم فما تنتهي إلا وللبغي صرعة وحد حسام الله في البطل حاكم وتنصر أهل الله غيرة ربهم وأين إذا غار الإله المقاوم ويعلو إمام المسلمين بعدله عزيزاً وميزان الحنيفة قائم
لأبي مسلم - رحمه الله -:
العينية
أَلا هَلْ لداعي الله في الأرض سامعُ فإني بأمر الله يا قوم صادع
وهل من يرى الله حقاً ومرجعاً إليه وإن الدين لا شك واقع وهل من يرى أن الحقوق التي دعا إليها رسول الله غُفْلٌ ضوائع وهل من يرى الشرع الشريف تدرأت عليه حثالات مبير وخانع وهل من يرى أن الحنيفة سامها بما شاء من ضيم لعين مخادع تمالأ ظلما خيله ورجاله وليس لهم حد سوى الله مانع يدوسونها دوس الحصيد كأنها لقى وأخو الإيمان في الأسر خاشع أفيقوا بني القرآن إن هداكم إلى الجبت والطاغوت في الذل ضارع أفيقوا بني القرآن إن كتابكم يناقض في أحكامه وينازع تعيث قرود الجبت في سنة الهدى إذا عقدوا شنعاء جاءت شنائع يعدون دين الله بُهتا وهجنة وأن ليس من صوب الإله شرائع وإن وقوع الدين في الأرض مفسد وأن قوانين السماء فظائع وأن الذي جاءت به الرسل کله مضر لأسباب الرقي مصارع وإن هدى الإسلام في الأرض ظلمة ولو زال بانت للرقي سواطع
279 (1/279)
صفحة 280
وإن بني الإسلام في همجية وحوش تعادى في الفلا أو ضفادع وإن بني الإنسان في الأرض طائر على شرك عز الجناحين واقع ولولا عرى أشراكه لتوسعت مداركهم حيث الحدود الموانع هلم بنانقطع حبالة ديننا إذا الدين عن نور التمدن قاطع ونرسل أطيار النفوس إلى الهوى فإن هواها للسعادة جامع ونَذْرُو وصايا الله في الريح تربة فليس بها ـ أستغفر الله ـ نافع وفي دولة التعطيل مرعى ونضرة وفي دولة الدين الديار البلاقع ولا كون إلا للطبيعة إنها لها الضر في أكوانها والمنافع وإن ننتحل شبها لدين سياسة ففي دولة التبشير فعل مضارع حبالة صياد ودين ودولة وتعطيل إنسانية وخدائع فيا لبني القرآن أين عقولكم وقد عصفت هذي الرياح الزعازع أمسلوبة هذه النهى من صدورنا وهل فقدت أبصارنا والمسامع أما كذبوا لا قبح الله غيرهم ولا أفلحت تلك الوجوه اللواكع لقد ملأوا الآفاق إفكاً وخزيةً وبغياً ولا مقصود إلا المطامع نفوا ملة الإسلام إذ منعتهم محارم في حكم العقول فظائع ولو قلدوا الإسلام ضاق عليهم سبيل إلى ما تشتهي النفس وازع ولا أطلقتهم في الرذالة رتعا نذالتهم مهما اقتضته الطبائع ولا حرشتهم شرة وفظاظة لهم كلب في نهبنا وتنازع كان بني الإسلام صيد رماحهم وأملاكهم إرث لهم أو قطائع فلا غرو أن يستنكفوا من ديانة وقد أسبلت فيما عداها الزرائع وليتهم إذ عطلوا الدين سايروا طبيعة تكوين العمار وتابعوا
فأي عمار قام والظلم أشه وتلكم ديار الظالمين بلاقع وليت بني الإسلام قرت صفاتهم فما زعزعتها للغرور الزعازع وليتهم ساسوا بنور محمد ممالكهم إذ باغتتها القواطع وليتهم لم ينحروا بسلاحهم نحورهم إذ جاش فيها التقاطع لقد مكن الأعداء منا انخداعنا وقد لاح آل في المهامة لامع وسَوْرة بعض فوق بعض وحملة لزيد على عمرو وما ثم رادع
280 (1/280)
صفحة 281
وتمزيق هذا الدين كل لمذهب له شِيَع فيما ادعاه تشايع وما الدين إلا واحد والذي نرى ضلالات اتباع الهوى تتقارع وما ترك المختار ألف ديانة ولا جاء في القرآن هذا التنازع فيا ليت أهل الدين لم يتفرقوا وليت نظام الدين للكل جامع لو التزموا من عزة الدين شرطها لما اتضعت منها الرعان الفوارع وما ذبح الإسلام إلا سيوفنا وقد جعلت في نفسها تتقارع ولو سلت السيفين يُمْنَى إخوة لدكت جبال المعتدين المصارع وما صدعة الإسلام من سيف خصمه بأعظم مما بين أهليه واقع فكم سيف باغ حز أوداج دينه بأفظع مما سيف ذي الشرك باخع هراشاً على الدنيا وطيشاً على الهوى وذلك سم في الحقيقة ناقع وما حَرَشُ الأضغان في قلب مسلم على مسلم إلا من البغي وازع ولو نصح القلبان لم يتباغضا ولا ضام متبوع ولا ضيم تابع وما هذه الدنيا لها قدر قيمة يضاع له ذخر مع الله نافع وما نال منها طائلا غير إثمها وأكدارها المستأثرون الأمانع ولو بعدت في النفس منزعة التقى لما نزعت نحو الشقاق المنازع ولا ضبحت تعلو بأسباب وهمها على غير ذي ثبت جداه القوارع أما هذه الدنيا التي يقتنونها ستقتضب الأعمار منها الفجائع قراضة آجال ومطلب جاهل ونحن لناعيها إلينا ودائع فما بيعتنا الحسنى ومرضاة ربنا بها بيعة ينسى بها الربح بائع على أي شيء يقتل البعض بعضنا وتُذكي فظاظات النفوس المطامع ولسنا برغم العقل نطلب وادعا ولا أحد منا وإن عاش وادع ويكشف عن ساق لنا الحتف دائماً ونعجله في باطل نتقارع أليس الذي يأتي من العمر مقبلاً كمثل الذي ولّى وفيه المصارع ولو أشربت منا النفوس تبصراً لما كان منها للشرارة ناقع ولو أشربت داءً دخيلا أصارها كما كمنت في جحرهن الأقارع ولو بحثت عن دائها كان كبرها فمنه بلاقيد تثور الشنائع ولو فكرت في أصلها ومصيره لدافع داء الكبر منها التواضع
281 (1/281)
صفحة 282
رويداً بني الإنسان إن شروركم يعود عليكم وبلها المتتابع فما أرسل الإنسان سهماً محرماً سوى أنه في بحر راميه راجع ولست وإن برأت نفسك خالصاً من الشر والدعوى إليه ذرائع أتلزمها الأشرار والداء شامل وتنفي اشتراكا فيه والسم ناقع ولو سلمت من صبغة الشر نَسْمة لما راع في أوكاره الفرح رائع وكل لجاج المرء في الشر نهمة من النفس تغريها عليه الطبائع أليس عجيباً زرع نفس شرورها وعند حصاد الزرع يحصد زارع ولولا نواميس السماء لما زكت نفوس ولم يُعرف مضر ونافع الله ومن سنن التدافع بيننا ليصلح مدفوع ويصلح دافع ومن سنن الله اختبار عباده وإبلاؤهم وهو الحبي والصنائع يصب على من شاء صبا بلاءه وذاك بلاء للمواهب جامع ومن سنن الله اختفاء اصطناعه فكم شَقّ أمر ضيق وهو واسع ومن سنن الله التفاضل في العطا فذو الجهل موفور وذو العقل جائع ومن سنن الله التأني بمن طغى وتعجيل عُقْبَي هفوة إذ تواقع ومنها انتقام من ظلوم بظالم وهذا حسام للمظالم قاطع ألم تر أن الله سلط مشركاً على مسلم والعدل للكل وازع فما الشأن إلا العدل في أي حادث وإلا خَفِي اللطف للزيغ رادع وفي الشأن أسرار تجلت لذي النهى عليها جمال الله باللطف شائع ترى سلطة لا تعرف الله أفظعت بعارفه والعدل تلك الفظائع فأنت إذا فكرت لم تُلف ذرة من الظلم في شيء له الله صانع وما يوجب المقت الإلهي عدوة عدوت بها في خرق ما هو شارع ولو ثبتت رجلاك دون حدوده لما كان عن رضوانه لك قاطع وما يوجب الجود الإلهي رحمة وفضل وتوبٌ منه للتوب زارع أيحظر أمراً ثم تهتك حظره كأنك مدعو بما هو مانع وأنت مع الإيعاد للسخط تنتحي ومن حيث إتيان المساخط طامع فما من وعيد الله يمنع عاصم إذا لم يَزَع من حرمة الله وازع نَضِح ضجيج النيب مما ينوبنا ونحن لما لا يقتضيه نسارع
282 (1/282)
صفحة 283
اجله
نطاوع أسواء المغبة رغبة ولسنا لمحمود الجزاء نطاوع وما هذه الأوقار فوق رقابنا يدافع عُقباهن عنا مدافع وبعض عقاب الإثم أخذ معجل وبعض على الإملاء جانيه وادع ولو أمحض التقدير عقل لأظهرت شوارقها بالحكمتين مطالع فما هو في تعجيله البطش عابث ولا عارضته في التأني موانع ولا هو بالإعجال يَحْذَر فائتاً سواه تعالي قبل فوت يسارع فَجُلْ في مجاري حكمه وشؤونه تين لك فيها حكمة وبدائع وفي عدله حَسْبَ اقتضاء شؤونه تدابير وحدانية لا تمانع فلا تَخْبِطَن في فهم أحكام عدله إذا اختلفت أشكالها والمواقع ورب بلاء حل في شكل عدله وما هو إلا الفضل واللطف واقع فمن ذاك للتوفير وهو ومنه لتمحيص لذنب يواقع وتقديمه إنذاره ووعيده إلى عبده حد عن العدل مانع وفي عين هذا العدل فضل محقق إلى مستقر الفضل والجود دافع وذلك في الجود الإلهي لازم لِيُذكر اللاهي وينزع نازع وعاقبة الإنذار إنفاذ عدله حذارك مما قيل خلف وشافع فقم نحو ما يدعو إليه بفضله فداعيك قيوم برحماه واسع ولا تعجبن إن خالفته كيف بطشه فما لك إلا صحة التوب نافع ولا تعجين مما تراه مسارعاً إلينا فعدل الله هذا المسارع إلى ما أفضنا فيه من ترك أمره وإتيان منهياته العدل صادع ففيم صراخ المسلمين وجارهم وأغلبهم للمقسطين منازع لهم في أساليب الشقاق طرائق وكل طريق في الضلالة شارع وأغلبهم للاستقامة شاني بسيف التعدي في حمى الله شائع. ولو شملتنا الاستقامة لم تزل لنا ألفة ترفض عنها المطامع سقى الله أرضاً تُنْبِتُ القِسْطَ سُوحُها وبين رباها العلم والحق رائع الله ربوع بحمد نور محمد عليها بنور الله أبلج ساطع وحيت يمين بالروح والرضا رجالاً لهم تلك العراض مرابع رجال سَعَوْا الله سعيا مباركا فما قطعتهم عن رضاه القواطع
الله
283 (1/283)
صفحة 284
أنابوا إلى الله اتباع سبيله فما صدعتهم في السبيل الصوادع وقاموا بمفروض القيام عليهم فماعز جبارٌ ولا ذَلّ ضارع نما جمعوا ما فرق الله جمعه ولا فرقوا في الدين ما الله جامع ولا شَرفُوا إلا بخالصة التقى حظوظهم منها البحور الجوامع بهم يُقتدى في العلم والهدي والهدى وعن خُلقهم تَرْوِي النجوم السواطع عليهم وقار الرسل أرست حباله وهم لكمالات النفوس مطالع تجلت لهم من باطن الشرع حكمة ولو أظهروها ناقضتها الشرائع الحوا على الإخلاص حتى تفجرت على لسنهم بالحكمتين ينابع ولو أظهروا من حكمة السر ذرة لكانوا بحكم الظاهر الشرك واقعوا فبورك علماً طابق الشرع باطناً وفي ظاهر الأحكام للعذر قاطع أولئك أهل الله رحمة أرضه بهم تمطر الأرض السحاب الهوامع أولئك أوتاد الوجود وغوثه وأحوالهم في الاعتبار شوافع أولئك أهل الحق ما ضل مقتف هداهم ولا يَغْوَى عليهم متابع أولئك أهل الفهم ما جار فهمهم عن الله ما يقضي وما هو شارع أولئك أهل الخير أما حياتهم فعتم وأما ذكرهم فذرائع أولئك أهل الفضل حتى ولو فنوا لهم بركات في الدنا ومنافع أولئك أشياخي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع) ولست بجاء في الوجود بمثلهم وللقوم شأن في الولاية شاسع وللقوم إرت صادق من محمد لكل هدى الرسل لا شك جامع وماذا عسى أن يبلغ الحمد فيهم وهم لضياء المرسلين مطالع نعم إن نور الرسل في قلب ختمهم وفي القوم نور الختم أبلج ساطع سرى علمهم بالله في سر سرّهم وهذا لصدق الاتباعين تابع وما صدقوا في الاتباع لغاية ولكن لحب الله فيهم نوازع
(ومحترق) الأركان من خوف ربه له صعقات بينه ومصارع له ما عدا العلم القديم صحيفة يشاهد فيها صنعه ويطالع ومهما يكن في الملك والملكوت من بدائع لم تحجبه تلك البدائع يرى كل شيء غير مرضاة ربه رماداً به اشتدت رياح زعازع
284 (1/284)
صفحة 285
ولو خالست منه العلائق لفتة كفاها من التوفيق عنه ممانع يطارد آفات الوجود بعزمه فتنكص حسرى عنه والعزم ناصع رمى عَرَضَ الدنيا وراء يقينه بأن وراء الحد شأناً يسارع يُحرّر نفساً من عبودة مطمع سوي رغب فيه إلى الله طامع به أنف الأملاك في نضرة الغنى وما نال منه مَا تُقِل الأصابع گفته لقيمات يُقَوِّمن صلبه وطمر من الأنهاج يأباه راقع يلد فطام النفس عن كل لذة ولذات هذا العيش بئس المراضع يبيت وللأحزان جمرة قلبه تشب إذا سالت عليها المدامع إذا ذكر الأخرى تضاءل جازعاً كان راعه من هادم العمر رائع وإن ذكر الدنيا تفاني وأصعقت مشاعره تلك الصعاب القوارع على وحشة في السجن من بغتة الفنا وما خلف يوم الموت كيف المفازع وما زخرف الدنيا وإن راق رونقا على عينه إلا العنا والفجائع أحال على أنفاسه البر والتقى فللبر والتقى عليها طوابع على الأرض منكور ويُعرف في السما له مخبر بين الملائك شائع تراه متى ما الليل عمد بيته عموداً على محرابه وهو راكع يشعشع بالقرآن أنوار قلبه فعنهن شقت للعيون المدارع يرجع في الديجور رَنْةَ ثاكل نحيباً كما ناح الحمام السواجع يناوحه هَمَّانٍ: هَم مخافة وهم رجاء والبرايا هواجع بأمثال هذا يرحم وإن عظمت أحداثهم والشنائع بأمثال هذا يُخصِبُ الله أرضه ويشرب عطشان ويَشْبَعُ جائع بأمثال هذا تحفل الشاة ضرعها ويسمن مهزول ويقطف يانع بأمثال هذا تُنْزِلُ السُّحْبِ رَجْعَهَا وينظر صدع الأرض وهي بلاقع الله سُخطه في الأرض دافع لهم منزل في القرب للخلق نافع وحدث وأطلق كيف تلك المنافع أولئك أبرار الأباضية الألى على نهر حرقوص وزيد کوارع هم القوم أحرار الوجود سمت بهم إلى الله عن حظ سواه المنازع محبتهم ديني بها أبتغي الرضا إلى الله والزلفى وهم لي ذرائع
بأمثال هذا يدفع
الله خلقه
وليس لسخط الله
285 (1/285)
صفحة 286
قضي
ودعوتهم لي سنة وجماعة أجاهد في إحيائها وأقارع وإني وإن يتركني السيف تُعدداً فذلك للأمر الذي لا أدافع الله أن أحيا من العجز قابعاً وما أنا في همي إلى الله قابع إذا لمتُ نفسي أقنعتني قيودها وما أنا دون النصر الله قانع وما نصرتي بالقول والقول تشتفي من الغيظ لولاً دون عزمي موانع إلى الله أشكو حائلا صد همتي فعشتُ كما عاش الجبان الموادع أأحيا كسير النفس والسيف عانياً وسيف الأباضيين في الخصم شارع على أنني إن هدني الحزن هَدة ونهنهني مما قضى الله قادع ليَعْلَمَ قصدي عالم الجهر والخفا والعبد ما ينوي وإن سد مانع لعل ختام القصد نيل موفق يهيئه حول من الله واسع فَأُضْحِي بتهليل السيوف مهللاً متى حَيْعَلَتْ نحو الجهاد الوقائع ويرضى إلهي في مواطن حربه قيامي إليه والرماح كوارع لِعِلْمِي إن لاقيت حتفي مجاهداً فذلك فوز عشت فيه أنازع وأن وقوع الموت للمرء موضع وليس لموت كالجهاد مواضع وما مات من ألقى إلى الله نفسه وإن حُوِّلَتْ وَسْطَ اللحود المضاجع وأي رجاء بعدستين حجةً لعيش وهل ماض من العمر راجع فهلا انقطاع العمر الله لحظة أحق به والعمر يبليه قاطع ولم يبق منه غير فضلة ساغب سيخطفها من طائر الموت واقع وأمنيتي في بيعها من إلهها بسوق جهاد حيث تزكو البضائع على الله إحسان الخواتم إنه إذا شاء بين العبد والخير جامع
286 (1/286)
صفحة 287
اجتماع العمانيين بنزوى لعقد البيعة
على الخليلي
ولما كانت الحاجة إلى القيام بمصالح الأمة، وجب أن تكون المصالح العامة جارية على نظام ثابت لا يزلزله فقد الرؤساء، وأن ندرك أنا نعيش في ظل وطن تحكمه حكومة شرعية محترمة، وأن ندرك أنا نعيش في غاب لا تسوده شرعة القانون وأنا لا نعتمد في معرفة الحق على وجود المعلم، بحيث نتركهما عند موته، بل نسير على منهاجهما، حين وجوده وبعد موته وأن قتل سالم لا يوجب ضعفاً في الدين ولا فساداً فيه، وأنه بشر كسائر الخلق وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) ففي الآية هداية وإرشاد، إلى أنه ينبغي أن يكون أمر البشر مستمراً ذا صلة بوجود القائد، بحيث إذا قتل القائد انهزم الجيش واستسلم للأعداء.
عقد العلماء والقضاة والرؤساء في اليوم الثاني عشر من ذي القعدة عام 1338 مؤتمراً، تمخض منه صلاح الأمة العمانية والسلوك بها إلى طريق الرشاد، والأخذ بها إلى أيدي السعادة، فألزموا الشيخ محمد بن عبد الله الخليلي قبول الإمامة، وكلفوه ذلك بعد طول احتجاج ومناظرة، قَرَعَ صداها صُمَّ الآذان، وفتح مسالك الأوهام، لعجزهم عن مناظرته، لكونه أعلمهم وبعد طول احتجاج ما رأى من الواسع إلا قبول أمرهم، فأصبح الناس بجامع نزوى غرة الثالث عشر من ذي القعدة والجمعة عام 1338
إمامة الولي السعيد محمد بن عبد الله بن سعيد
مولده ولد - رحمه الله - بقرية سمائل في سنة 1299، تسع وتسعين ومائتين وألف، ونشأ في حجر أبيه العلامة عبد الله بن سعيد.
خلفان
بن عبد الله
بن
العلامة المحقق سعيد بن أحمد،
نسبه: هو العلامة المحقق محمد أحمد بن بن صالح بن أحمد بن عامر بن ناصر بن عامر بن بو سالم بن
من نسل الإمام الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد ابن الإمام الخليل ابن العلامة
287 (1/287)
صفحة 288
شاذان ابن الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي نسبة إلى خروص بن شاري بن اليحمد بن عبد الله. وعبد الله هو الحمي من سلالة نصر بن زهران بن كعب بن حارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن أزد بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود النبي، عليه الصلاة والسلام. كتبته نقلاً من خط الشيخ خلفان بن عثمان الخروصي، عن خط جده الشيخ الزاهد خميس ابن العلامة أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي.
علومه قرأ النحو على الشيخ محمد بن عامر الطيواني، ويجالسه للمذاكرة البحر الأسود، الشيخ عبيد بن فرحان والشيخ العلامة حمد بن عبيد السليمي، ويناظرهم الشيخ أبو وسيم خميس بن سليم الأزكوي، نقلاً عن لسان سيدي الإمام - رحمه الله. دروسه درس فنون العلم على عمه الشيخ العلامة: أحمد بن سعيد، وأبيه الشيخ
العالم عبد الله بن سعيد آل الخليل.
ثم هاجر إلى شرقية عمان لدراسة العلوم، فقرأ على نور الدين السالمي التفسير والحديث والأصول وفنون العلم، فصار علماً من الأعلام، وحجة في المعقول والمنقول والمنثور والمنظوم فهو اليوم أكبر عالم، بعمان إليه منتهى رياستها وفي الحلم والعلم، وحل المشكلات، وكشف العويص، قضى أيامه مكبا على التعليم، فأحرز قصبة السبق.
كانت الرئاسة لآبائه على بني رواحة، وهم بنو عبس ومن تبعهم من قبائل عمان، ثم كانت له قبل ارتقائه عرش الإمامة، كانت لآبائه من قبل.
صفاته: أبيض اللون جميل الخَلْق حَسَنُ الخُلُق، مدوّر اللحية، نحيف البنية، تنجذب النفوس إليه حبًا.
،
أخلاقه بعيد من الصلف بعيد الغضب، لا نراه غضبان أبداً، إلا إذا انتهكت محارم الله دائم الفكر، حَمولٌ للأذى واسع الصدر أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلم تكلم بعلم، وإذا سكت فعن أدب أعطاه الله التوسم فإذا دخل عليه الزائر وجه نحوه شعاعاً قويا من عينيه، فاستخرج بتوسمه ما أكنه بين يديه، فعبر له عن فكره، قبل أن يفوه
288 (1/288)
صفحة 289
بمراده، بعبارة وجيزة، لا يحسنها الزائر، وأعرب له عن قصده الذي جاء إليه، إن خيراً أو شرا، فيتحقق بعد الفحص صدق حَدسه، حتى إن بعض الوفود يرتج عليه أن يفوه عنده بشيء، يباسط الناس الخاصة والعامة، ويقص لهم القصص الدينية، والآداب الدنيوية، أحرز الحالتين، يسلي المتوجع، لا يرد سائلاً ولا مسترفداً، ولا يملك ما بيده، أكرم أهل زمانه، كأنما عناه القائل:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله يجلس إلى الناس: الخاصة والعامة، يباسطهم، ويعلمهم أمر دينهم ودنياهم، يقضي نهاره في خدمة المسلمين، يحره المرأة والخادم والصغير والكبير والضعيف والقوي لا يأنف من أحد، فيقضي حاجتهم ويرجع إلى مجلسه، حتى أنه في بعض الأوقات يتولى بيده علاج بعض المرضى من الضعفاء ويتولى كل أمور المسلمين حتى بروات الطعام لدواب الضيوف ودواب الدولة.
ملك
روح الشعب بالمحبة والسياسة واللين لا بالقوة والجبروت، عظمه الناس، لصغر الدنيا في عينيه، فلا يرى لها قدراً.
كان قبل ارتقائه عرش الإمامة في رغد من العيش وتألق من اللباس؛ لأنه كان غنياً، فلما ولي الأمر رغب عن ذلك مع كثرة غناه، فكان يطوي الأيام والليالي، ويفطر على التمر والعوال)، كثير صيام التطوع، حتى ابتلى بنقصان في بصره، لكثرة صيامه وتقشفه في المعيشة، بقي خمسة أشهر مكفوفاً، فاحتاج إلى علاج الدكتور، فأرسل إلى تومس الأمريكي من مسقط قلبي دعوته فعالجه فأبصر من إحدى عينيه.
كان لا يلوم أحداً على ما يكون العذر في مثله يلتمس العذر لإخوانه والتخلص له من العثرة، لا يشكو وجعاً ولا صاحباً، ولا ينتقم من الولي على العدو، ولا يغفل عن الولي، لا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه ولا يتبرم ولا يضجر، تأتيه الحوادث، وتطرقه الكوارث، فلا يتغير، ولا يتضعضع يتلقاها بصدر أوسع من الدهناء، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا.
(1) العوال: سمك يابس يدخره العُمانيون.
289
نهضة الأعيان - م 19 (1/289)
صفحة 290
كانت له ثروة خاصة عدا بيت المال، وهي مما ورثه من آبائه الكرام، فباع أصولها بمائة ألف قرش وخمسين ألف، قرش صرف عمان عبارة عن خمسمائة ألف روبية وخمسة وعشرين ألف روبية هندية أنفقها في سبيل الله، لإعزاز الكلمة، وأن تكون له عند الله. وتوفي ولم يعقب ولداً ولا مالاً، فهو رحمه الله منقطع القرين.
ذخراً
إن آباءه وأجداده الكرام وآباء الشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي من عنصر واحد تجتمع سلسلة نسبهم بالإمام الخليل ابن العلامة شاذان ابن الإمام الصلت بن مالك. وكان وطنهم بهلا) من أرض الجوف فأزعجهم سلطان الجور إلى الخروج منها، فبقي أجداد الشيخ أبي نبهان بالعليا من وادي بني خروص، واتخذ آباء المحقق الخليلي وادي بوشر وطناً لهم، فتراهم يتواصلون لما بينهم من القرابة والصهر، لكن الشيخ أبو نبهان انتسب إلى الأصل خروص بن شادي والمحقق الخليلي انتسب إلى الفرع، وهو الخليل بن شاذان.
انتهى نقلاً.
من لسان سيدي الإمام محمد عبد
الله ـ رضي الله عنه.
وهذه زيادة من لسان السيد عبد الرحيم بن سيف الخروصي أزعجهم سلطان الجور سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني في القرن التاسع من الهجرة بعد وقائع دامية، كانت بينهم بسبب تغريق الإمام عمر بن الخطاب الخروصي لأموال النباهنة، فانتقل الشيخ أحمد بن عامر جد الإمام إلى أزكى، فكانت بينه والجبار معارك ثانية، كان النصر في جانب النبهاني، فانسحب الشيخ أحمد من أزكى إلى وادي بوشر، وبها توفي، وبقي عقبه هناك، حتى اتخذ المحقق الخليلي سمائل وطناً آخر.
أما الشيخ مبارك بن يحيى فانسحب إلى الجبل الأخضر، المعروف بجبل اليحمد في القديم، وجبل بني ريام في الحديث فكانت إمارة الجبل إليه، حتى انتزعها النباهنة منه، وانتزعوا الجبل وصادروا أمواله الموجودة به في مقابلة ما أخذه الأئمة عليهم،
انتهت الزيادة.
وكلهم من دوحة تطلب إحياء معالم الإسلام، كما ذكره سيدي الوالد نور الدين، بتحفة الأعيان من دخول أبي نبهان نزوى وعقد الخليلي الإمامة لعزان وابنه ناصر.
290 (1/290)
صفحة 291
كانت ولادة المحقق الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ببوشر، في سنة 1336 ست وثلاثين وثلاث مائة وألف ونشأ بها في حجر جده أحمد بن صالح، وقد توفي أبوه صغيراً، فرباه جده وأحسن تربيته ونشأ نشأة مباركة يطلب فيها المعالي، ويكتسب
،
عنه
المحامد ولا يبالي كثير الخلوة والتبتل والتلاوة، يقال عنه: إنه دخل الخلوة بالأسماء الحسنى كلها وله اليد الطولى في هذا الفن، وقد أودع قطرة من بحره تأليفه المسمى: «النواميس الرحمانية، وَعَرَف ذلك من لاحظ تبتلاته، ودعواته وله في ذلك طرق متداولة عند العمانيين، وله في السلوك مناظيم تدل على طول، باعه وبها ما يدل على ما منحه الله إياه، فمنها:
عرج على باب الكريم المفضل والثم ثراه ساعةً وتَذَلَّلِ فلئن رزقت لدى حماه وقفة تربت يداك بنيل ما لم تأمل ولئن ترى ذاك الجمال هنيهة فاسحب ذيول التيه فيه وأَرْفِلِ ولئن نشقت شذى ثراه ساعة فلك البشارة بالمقام الأطول ولئن صددت أو ابتعدت فعد إلى إرسال دمع كالعقائق مسبل وانهج بأنواع الضراعة وابتهل مثل الغريق بلجة البحر الملي لا يُدْهِشَنَّك ماترى من هيبة وجلالة وتعاظم العز العلي وهي قصيدة طويلة وهذه لهجته التي ألخ بالابتهال بها إلى الله تعالى، في طلبه الجليل، من إحياء معالم الإسلام وتطهير البلاد من الطغام وأن يكون دائرة عقد ذلك النظام؛ فإنه اتخذها ورداً في أوقاته، حتى أناله الله بعيدات المطالب التي رامها، من إعلاء الكلمة وتشتيت الجبابرة.
الخطبة
سموط ثناء في سموط فريد بكل لسان قد بثثن وجيد وحمدٌ تَغَصُّ الكائنات بنشره إذا نشرت منه أجل برود
وذكر له تحيا النفوس بذكرة ويُبعث قبل البعث من هو مُودِي تعطرت الآفاق من طيب عرفه فما مسكُ دَارِينَ يُشاب بعُود ويُزرى بنور الشمس نور ابتسامه إذا ما تجلى في صحائف سود
291 (1/291)
صفحة 292
لمن هو أهل الحمد والمدح والثنا لدى الفضل والآلاءِ خير مفيد لمن سبحته الكائنات شواهداً بتوحيده والله خير شهيد أعاد وأبدى من أياديه أنعماً فيا أنعم المولى بدأت فعودي الفصل الأول
ويا رب لطفاً من لعبد مؤمل بسيط لسان بالدعاء مديد ويقصر منه القول ذكر ذنوبه وقبح الخطايا فهو أتي بليد ويُغضي حياة هيبة ومخافة لعزل اجلالاً لكل شهود فجُذ بمتاب عن مقر مصرح بذنب وتقصير وطول صدود منيب يُرجي عندك العفو مولع بذكرك لا ذكر اللوى وزَرُودِ لما أسديت من كل نعمةً شكور لما أوليت غير جحودِ
فقير
الفصل الثاني
دعاك ولا يرجو سواك لفقره وأنت الذي تُدعى لكل شديد وماظن يوماً أن يخيب آمل بباب کريم في غناه حميد ولم يك يشقى في دعائك عمره ومنك يُرجي اليوم كل مزيد إلهي تداركني بلطف واغنني بواسع رزق من نداك عتيد فمهما تُرِدْ شيئاً يكن بمقال كن فهلا يکن تقضي بأوسع جود يجود به من جوده العمر شامل على كل موجود بكل وجود فما كان لي في غير فضلك مطمع وجودك منه طارفي وتليدي وجودك إذ عز الشفيع وسيلتي وجودك إذ عز البريد بريدي وإني لوقاف ببابك سائل لفضلك راج منك نجح وعودي وقد دفعتني الكائنات بأسرها إليك ولم تحفظ وثيق عهودي وإني وإن زايلت بابك قاصداً سواك فقد أبرمت نقض عقودي
الفصل الثالث
وحاشاك عن طردي وقطع مطامعي لشؤم جدودي واتضاح جمودي وإن كان لا يفي بمطالبي وأن حظوظي عن مناي قيودي
سعيي
292 (1/292)
صفحة 293
جمعت
لأعداء دين
الله
غير مبيد
ولكن بقصد الله تغدو صعابها وإن عظمت قدراً أذلُّ مَقود ومن يتمسك بالإله تكن له إذا رامها العنقا أذل مصيد ولما رأيت الحظ نائماً عني وكان قيامي فيه مثل قعودي وأن فعالي مثل مالي كلاهما لدارس دين الله غير معيدِ وأن لساني مثل كفي كلاهما لإظهار دين الله غير مفيد وأن حسامي كاليراع كلاهما ودهري لم يأذن بغير إهانتي وإكرام خصم للإله عنيد وغاية محصولي المواعيد والمنى وإن وعود الغدر أي وعود ولم يبق عندي اليوم إلا تمسكي بعروة ركن للإله شديد همومي وانتجعتُ بهمتي إلى باب وهاب الجدود مجيد إلى باب من يدعوه في الأرض والسما ومن فيهما من سيد ومسود إلى باب من في كل يوم بحمده له أي شأن في الأنام جديد إلى باب خير الناصرين وأكرم المفيد ين خير الفاتحين ودود إلى باب وهاب الممالك قالب الكراسي قهار لكل عنيد إلى مالك الملك العظيم اقتداره إلى من له الأملاك خير عبيد وقوفاً على أبوابه منه راجياً قيام حظوظي في العلا وجدودي فتخرقُ لي فيه العوائد نفحة سماوية من مبدئ ومعيد حظوظاً يقوم الدهر فيها بخدمتي ويسعى بما لا يشتهيه حسودي تقوم بتدبير الإله وكيده لأمر عليه لم أكن بجليد وتسعى بما يرضى الإله لدينه إذا ما أمات الحق كل مريد بها قام من قبلي الأئمة بالهدى وكانت لرسل الله قبل وجودي يتم بها النُّعْمَى علي متمها قديماً على خير الخلائق صيد
الفصل الرابع
ومن لي بهذا في زمان مضاعةٍ به سنن الإسلام بين قرود ومن لي بأن يرضى الإله لدينه بتعطيل أحكام ورفض حدود ومن لي بأن يرضى لأمة أحمد وقد سامها بالخسف كل كنود
293 (1/293)
صفحة 294
ومن لي بأنصار إلى الله وحده أشداء بأس في الحروب أسود تبارى النعام الريد خيلهم إذا بحي على نصر المهيمن نودي يغاث بهم داع إلى الله قد دعا وخوصم في ذات الإله وعودي ومن لي بسيف يقطع الهام والطلا ويفري من الأعداء كل وريد حسام لدين الله والله ضارب بحديه والهيجاء ذات وقود ولو عارض الشم الجبال بضربة لناخت على طود أشم فقيد
الفصل الخامس
فيا غارة الله اغضبي وخيوله اركبي ومواضيه انعمي بورود ومني على الأعداء منكِ بزورة تريحهم من كفرهم بلحود ويا رب مزق كل سور و خندق عليهم وحصن شامخ ورصيد وقد مكروا فأمكر بهم وأدقهم عواقب مكر في البلاد شديد وطهر بقاع الأرض منهم بأنفس من البغي تجريها بكل صعيد وشرد بهم في كل أرض فلا سوى قتيل ومأسور يُرى وطريد وصب عليهم صوت منتقم كما لعاد وفرعون جرى وثمود ولا تبق دياراً على الأرض منهم فما قوم لوط منهم ببعيد
الفصل السادس
وعجل بنصر منك للدين مظهر وعن كيد من عاداك غير مكيد يقوم بأرباب الديانات والثقى ويسطع نور الحق بعد خمود وتنشر أعلام العلوم لواءها بأسياف عدل لم تلق بغمود يدبرها ماضي العزيمة حاذق بإنفاذ أمر الله غير مشود تذل له الآساد حتى النقاد لا تذاد عن المرعى بأطلس سيد أمين على دين الإله وشرعه خليفته المأمون خير رشيد به قرت الدنيا عيوناً وأهلها على العدل والإحسان منه شهود
الفصل السابع
ومن على عبد دعاك بنظرة تجلي على الآفاق شمس سعود
294 (1/294)
صفحة 295
فتشمل من في الأرض حتى أراهم إلى الله أنصاري وفية جنودي فأحشد في نصر الإله ودينه ومن قام بالدين الحنيف حشودي فأصبح منصوراً مطاعاً مؤيداً بفتح وتمكين وجاه سعيد عسى ولعل الله يظهر دينه على كل دين لم يكن بسديد فتخضر آمالي وتورق منيتي ويثمر في دوح المكارم عودي فإنك فعال لما قد تريده قدير على ما شئت خير مريد
الخاتمة
وقد وفقه الله لنيل مطالبه، وأناله حظا وافراً، فكان عقد الإمامة لعزان بن قيس على يده، كما هو محرر في تحفة الأعيان.
الهي استجب دعوى إليك بعثتها وقد طال ترجيعي بها ونشيدي عقود ثناء قد أجدت نظمها وإن كنت للأشعار غير مجيد قصدت بها باب المليك ولم تزل على بابه الآمال خير وفود انتهت هذه الاستغاثة، وله في السلوك قصائد جمة ومناظيم في فتوحات الإمام عزان بن قيس وأجوبة مسائل نظما وله ألفية في الصرف سماها المقاليد شرحها شرحاً جيداً، وله قصيدة في العروض سماها مظهر الخافي المضمن الكافي في علم العروض والقوافي، وكتاب النواميس الرحمانية في تسهيل الطريق إلى العلوم الربانية، وأرجوزة في الزكاة شرحها شرحاً لطيفاً، ورسالة سماها: السيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتاب التمهيد وهو أجوبة مسائل، وردت إليه في مختلف فنون العلم في أربعة أجزاء ضخمة، وكتاب كرسي الأصول، إلى غير ذلك مما
لا يحضرنا ذكره.
ومما يؤثر من مناقبه: أنه كان يتمتع بسلطة دينية عالية، يصدر أوامر الإمام عزان، فيُلزمه اتباعها وأنه يذهب أمامه دخولاً وخروجاً، ويأخذ القهوة قبل الإمام. وسئل عن ذلك، فأجاب: لأريكم شرف العلم، وأن العلماء حكام على الملوك والملوك حكام على
الرعية.
كانت وفاته - رحمه الله - في شهر ذي القعدة من سنة 1287 على يد السلطان تركي بن سعيد، دفنه وابنه محمد حيين، ولا جريمة سوى أنه قام بالواجب عليه في حق
295 (1/295)
صفحة 296
الله، والله سائله عما صنع وعمره يوم وفاته إحدى وخمسون سنة ـ رحمه الله، ونور ضريحه، وكافأه عن الإسلام خيراً. توفي وله من العقب اثنان: عبد الله وأحمد، وكان في سن تسع سنين، وأحمد ابن ست سنوات.
الله عبد
،
أما العلامة الشيخ أحمد فإنه عاش علامة فقيهاً ورعاً عليه مدار الفتيا والقضاء بوادي سمائل وله أجوبة مسائل نظماً ونثراً، ولم نقف على شيء من تأليفه وكان شهماً جريئاً، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، في وقت الكتمان ولا يرد أمره. وابتلي - رحمه الله - بالصرع، خرج ليغتسل أو يتوضأ من نهر السمدي بسمائل، فهاجمه الصرع، فغرق به في اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة من سنة 1324 بقيت إمارتهم عليها الشيخ العلامة عبد الله بن سعيد والد إمامنا الحالي وكان عالماً جليلاً، كثير
:
الاطلاع على فنون العلم كثير قيام الليل، وهو الأمير، والسيد المطلق في وادي سمائل، وله اليد الطولى، والنصيب الأوفر في المجد والحظ يجر الجيوش بعمان لقهر من خاصمه، وردع من ناوأه واحتل كثيراً من بلدان من نازعه، فأذلهم وأدخلهم تحت
طاعته.
وقد تنكر هذا الشيخ على الإمام سالم بن راشد الخروصي، في دخوله لحصن سمائل، بعد خروج السيد نادر بن فيصل منه وقبل مضي المدة المشروطة؛ لأن الأمر كان على يده فهو يهوى إتمام ما تكفل به من الشروط على أوفر ما يكون.
خلاصة السبب
لما خرج السيد نادر بن فيصل من حصن سمائل، على يد الشيخ الخليلي، اشترط نادر أن يبقى الحصن بيد الخليلي إلى انقضاء خمسة عشر يوماً فإن كان لأبيه السلطان استطاعة للرجوع إليه، فليسلمه الخليلي للسلطان، أو لرسوله، وإلا فبعد مضي الأجل المحدد، فلا لوم عليه إن سلمه للإمام وعلى ذلك كان الاتفاق فخرج نادر، وصحبه الشيخ عبد الله الخليلي إلى الخوض، وابنه الشيخ علي بن عبد الله إلى مسقط، وبقي بالحصن إمامنا الحالي: محمد بن عبد الله بالنيابة عن أبيه، فرأى أحوالاً توجب تسليم الحصن إلى الإمام سالم، فسلمه إليه قبل رجوع أبيه من الخوض، وقبل تمام الأجل المحدد. فبقي الإمام بالحصن لاعتقاده أن السادة لا ترجع إليه بعد ما خرجوا منه، وأن الشرط غير معتبر، إنما هو معرض إقناع.
296 (1/296)
صفحة 297
وصل الخبر إلى الأمير الخليلي ببلدة الخوض، فرجع إلى سمائل، وقلبه يتميز
غيظاً. ومن اعتاد الإمرة والعزة يرى أن ذلك انتقاص وانتهاك لحرمته. وانتهى خبر حنقه وغيظه إلى الإمام قبل وصوله سمائل وانتقل من الحصن احتراماً له وتسكيناً لجأشه،
،
وبقي الإمام في ضيافة إمامنا الحالي بمحلهم المعروف (سحراء) وأقام الأمير الخليلي بالحصن إلى انتهاء المدة المقررة، ثم خرج منه وتركه للإمام. وبهذا السبب وجد السعاة سبيلاً لصدع العصاة والغواة مجالاً لبث الهوى، فسعوا بينهم سعي متأله بالنصح، والخسران في السعاية أكثر من الربح فهم لا يسكنون عن الخطب لإشعال نار الفتنة كلما قاربت الخمود، فجرحوا قلبه وأوغروا صدره بنميمة لا أصل لها، نتيجتها إذلاله، والاستهانة به وكيف يقر على ذلك، وهو ممن عرف، مقامه محاط بمجد لا يدرك شأوه بين قوم يفضلونه على أنفسهم ويرونه أليق بالإمارة عليهم من غيره، ما زالت الحالة على ذلك حتى أزعجه غليان الشنشنة العربية والنفس الأمارة، فخرج من دار إمارته إلى جوار السلطان تيمور بن فيصل في شهر المحرم سنة 1332 فأقام في ظله إلى أن دعا الأمر إلى خروجه إلى بحبوحة الباطنة، ومنها إلى بلدان، الحواسنة فكان له استقبال واحتفال عادة العمانيين للأشراف والأجلاء. وقبل ترجله عن راحلته أتته رمية صائبة من هي غير عمد، فأصابته فكانت سبباً لحتفه بهذ غضب السلطان على رئيس الحواسنة سيف بن محمد، فأودعه السجن سنوات عديدة ثم أطلقه فما تجده من تحامل شعراء الدولة على الأمير الخليلي هذا سببه. وأشدهم تحاملاً عليه وعلى الأمير عيسى شاعر العرب أبو مسلم في نونيته وميميته. ففي نونيته قوله:
كما
6
أقول للبعض منكم وهو عن أسف والحر يأسف للأحرار إن شانوا قد كنت نخبة هذا المجد من قدم واليوم أنت على الأبواب ذبان إلى آخر القصيدة يعنفه ويلومه ويقول في ميميته:
أليس من الغم المميت وقوعها وطرف ولي الثأر في الأمن نائم فإن خام عنه وارتضى الضيم ملبساً وسالم فالإيمان ليس يسالم ومن تحريضه للأمير عيسى:
فهل عند عيسي أن يقوم مقامه
وهل عنده أن القعود محارم فدى لك نفسي يا ابن صالح قم بها ودونك أسلاف کرام ضراغم
297 (1/297)
صفحة 298
ولا تلق للتفنيد أذناً فإنه له بيعة صدق وقدر ملازم في أبيات طويلة.
كانت وفاة الأمير الخليلي في جمادى الثانية سنة 1332 وله من العقب إمامنا الحالي محمد بن عبد الله، وأخوه الشيخ علي وكان علي أصغر سناً من الإمام بسبعة أشهر. أما الشيخ علي فإنه بقي بجوار السلطان، وقد عمل له على وادي بوشر، حتى توفي بمطرح، يوم 28 من ربيع الأول سنة 1368 في عصر أخيه الإمام. كان الأمير عبد الخليلي عالماً بفنون العلم أديباً، وعبقريته الشعرية غير مستنكرة. وله ديوان ضخم في الحماسة والفخر والغزل والنسيب، بلغني أن ابنه سيدي الإمام مزقه ولم يبق منه إلا ما تداولته ألسن الناس.
فمن فخرياته:
لعمرك إني لا أبالي بحاسد ولو كثروا ما هم لدي كواحد فلا ظفرت مني الأعادي بعورة وإني على عوراتهم خير شاهد وكيف أعادي من إذا ازددت رفعة يموت ويأتي كل يوم بزائد رمته قسي المجد عني بأسهم أصابت مراميها ولست بقاصد ألا مت فقد صادفت مني ما جداً وهل قتل الحساد مثل الأماجد بنجم يهتدى في الدجى وغيث يروي سيله كل وارد
الست
بي
فلا قدمي تسعى لغير جمائل ولا قلمي يجري بغير فوائد ولا حملتني ظلم قوم عشيرتي ولا عُذت من ظلم الزمان بحاسد ولا قلت الأنصار والله ناصري ولا وهت الأعضاد والله عاضدي فليس لغير المجد أمري بنافذ وليس لغير الجود مالي بنافد إذا اعتد قوم للنوائب بالغني جعلت لنفسي عُدة من محامدي رعيت الورى طرا على قدر حالهم وأصبحت للإخوان كابن ووالد أبحت لهم مالي ووفرت عرضهم وحاميت عنهم غائباً مثل شاهد وله أيضاً:
زجرت شبابي والشبيبة تزجر ووقرت شيبي والمشيب يوقر سواي بنيران الغرام معذب وغيري بأذيال الصبا متعثر
298 (1/298)
صفحة 299
فألبست دهري كله حلل التقى فذيلي من كل العيوب مطهر ونافست في العلياء كل منافس فقصر كسرى عن مرامي وقيصر على أنني لم أرض بالشمس خلة صبيا فكيف الآن والقَوْدُ مقمر فمالي والدنيا تروم مكيدتي بفخ التصابي وهو جفن مكسر أمثلي يعطي الغانيات زمامه وهل صاد ليث الغاب قبلي جُؤذر ألم تدر أني ما أحرك ناظري لما لم يكن لي فيه عز ومفخر إلى غير ذلك، وكما أن له في الفخريات أكثر مما ذكرناه فله في النسيب والغزل والتشبيب والمديح ما فاق به نظراءه. وها أنا أذكر له قصيدتين في الغزل الحماسي تدلان
على اقتداره.
قال:
يهز
لعمرك لو شئت أن نلتقي ركبت على الفرس الأبلق وجُبْتُ الفيافي مجهولةً وطرف الدجُنّة كالمطرق ترى النجم حيران في سيره يصوّب عينيه كالمحنق السماك به رمحه وترمي الكواكب بالبندق فكم دون ميّةً من فدفد وكم دون مية من فيلق إلى مَ أكابد فيك النوى وحتى م نفسي لم تشفق إليك خرقت صفوف العدا ولم أخش من صارم أزرق إلى كل مشبعة مغربي ومن كل ملحمة مشرقي ولو أن غيري سعى لم يصل ولو أن غيرك لم أشتق إلى غير وجهك لم التفت ومن غير طرفكم لم أتي لعمرك لولا الهوى لم أضم ولولا محياك لم م أعشق وكيف أضام وكل الورى إلى كل مجدبناترتقي ومن نور مشكاتنا تستضيء ومن ماء أبحرنا تستقي فمن يبلغ اليوم علياءنا ومن دوننا الفلق المشرق متى نُذع للحرب لم نعتذر وإن نزل الضيف لم نسبق فهل لي في الحب من مسعد وهل لك يامي من مشفق
299 (1/299)
صفحة 300
وقوله:
عش فقلب في كمود
ان دنا من جنة الخلد
ناره
أحياة
لرهين
لا
ورب البيت
ذرني
أترى
أهدي
سلاماً
إنني
أحسست
برداً
بأبيه
يوميه
3333333
ذات
الوقود
نار
الوعيد
مفيد
ي قتلي سعودي
قريب أو
بعيد
الحشا بين الجلود
شقي أو
سعيد
وداع فيه
حتفي وقدوم فيه
عيدي
مَن
بشره پشر قلبي
بالوجود
باب
من
لفظه ...
أذني
بالغريد
بأبي
من
طرفه أوما لقلبي بالسجود
بأبي
خده
أشعل نيران
الكمود
بأبي
ولكن
صيده غلب
الأسود
بابي
شمس
تجلت
سماء
من
في
برود
بابي
غصن
تثني
بأزاهير
العقود
غصن بان بان فوق
دعص
وهلال
فوق
عود
دمية
تاهت
دلالا
و تمادت
بالوعيد
عاتبتني
أتي
1.1
وهي
أدرى
بالعميد
كل شيء
منك
حلو يا مني قلبي فزيدي
يصبح الوصل أضحى
تمتعنا بوصل الغـ يد
222
لي ليل
الصدود
والعيش
الرغيد
شققنا
من
رداء ونقاب
لخرود
أمطنا
من
الثام
وضممنا
ولمسنا
33
من
قدود
نهود
رشفنا من ثغور
(1) وفي نسخة: اشف قلبي من كمود.
300 (1/300)
صفحة 301
222
شربنا
من
غور خصر فاختفي بين النجود
على الحب وردنا نجتني
مدام شيب
ورد
الخدود من ريق البرود
طوقتني ولها
ساعديها
يا
له طوقاً بجيدي
مني
نطاق ووشاح
من
زنودي
يا
الله
?
زماناً
كالظبي
الطريد
كلما
مر
بقلبي
ذكره
أبلى
جديدي
يا
لبَيْلات
التهاني
لكِ
عادات
فعُودِي
بيعة الإمام السعيد
أبي خليل محمد عبد الله بن سعيد
في ضحى اليوم الثالث عشر والجمعة من شهر ذي القعدة من سنة 1338 ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف اجتمع العلماء والأعيان وأرباب الحل والعقد بجامع نزوى، الله وأجمعوا على مبايعة الإمام محمد بن عبد الخليلي؛ لعلمهم أنه أفضل الموجودين اليوم بعمان وأعلمهم، وأنه جمع الشروط الشرعية التي تتوافر في القائم وأنه القادر - بإذن الله ـ على عبء ما سيتحمله، وذلك بعد ما امتنع من القبول لأمرهم، وأصرارهم على إلزامه، ولم يأخذوا عليه تعهداً ولا شروطاً، كما كانت تؤخذ على الإمام الضعيف، إذ كان يحظى - رحمه الله - بالثقة المطلقة قبل انتخابه مأمون الجانب على تقاليد الإمامة. وكان أعلم الجماعة الذين معه، بل أعلم من العاقدين عليه.
أول من بايعه شيخنا العلامة رئيس القضاء أبو مالك عامر بن خميس المالكي الذي
هو من بني مالك، وهو أحد العاقدين الإمامة على الإمام سالم بن راشد. ثم الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري؛ وهذا الشيخ قد أدرك الإمامين عزان بن قيس، وسالم بن راشد، وبايعهم وعمل لهم.
ثم الشيخ العلامة الزاهد أبو زيد عبد العاقدين على الإمام سالم بن راشد.
الله بن محمد بن رزيق الريامي، وهو أحد
ثم الشيخ الأمير العالم عيسى بن صالح الحارثي.
301 (1/301)
صفحة 302
ثم الشيخ العالم محمد بن سالم الرقيشي.
ثم الشيخ أبو علي سيف بن علي بن عامر المسكري.
ثم الشيخ حمدان بن سليمان بن سيف النبهاني.
ثم الشيخ مهنا بن حمد بن محسن العبري.
ثم الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد بن محسن العبري.
ثم الأشياخ العباهل الأوتاد أولاد هلال بن زاهر الهنائي.
ثم بقية العلماء والقضاة.
ثم الأمراء والرؤساء.
ثم الخاصة.
ثم العامة.
الله
بن
ولم يحضر الشيخ الزعيم سليمان بن حمير النبهاني مجلس العقد في ذلك اليوم لعذر، وإنه لأحد الناهضين بأعباء الأمر، وكان عنه بالنيابة العلامة أبو زيد عبد محمد الريامي، والشيخ منصور بن ناصر المجعلي حاكم جزيرة مصيرة، رئيس الجنبة، فشكر المسلمون سعيه واجتهاده وقيامه في جمع الشمل؛ إذ كان الموقف حرجاً. ثم حضر الشيخ الحميري بعد ذلك اليوم، فبايع وناصر.
بعد أن انتهت البيعة قام العلامة أبو مالك، فخطب في الناس خطبة العقد، ثم قام بعده أبو زيد، فخطب في العسكر. وبعد انتهاء الخطبتين انفض المجلس، ودخل الإمام دار الإمارة، ففتحت له الأبواب، وسلمت المدافع بالبشر، وقام الصادح والباغم بالنشر.
هناء محا ذاك العزاء المقدما فما عبس المحزون حتى تبسما
كيف يقضي ساعاته
يقيم بحصن نزوى واتخذه مقرا له وفيه يستقبل الزوار والوفود، ويشرف على أحوال الدولة وشؤون البلاد، وينهض في الثلث الأخير من الليل، بل لا يهدأ الليل إلا قليلاً، حتى إذا حضرت صلاة الفجر صلى بالناس، جماعة، فيعقد في مجلسه ذلك لتلاوة
302 (1/302)
صفحة 303
،
القرآن العظيم، ويقعد من صلى بالجماعة عنده حتى مطلع الشمس، ثم يؤتى بالفطور، وهو الرطب في أوانه أو التمر والقهوة البنية فيلبث بعد ذلك نحواً من ساعة، ثم يدخل مسكنه فيغير لباسه، ويصلي ما شاء الله، ثم يخرج للناس، فيقعد في مجلسه، ويؤذن للخاصة والعامة، غير محتجب ولا ممنوع قبابه مفتوح للضيف والمظلوم، وماله مبذول للسائل والرافد والمحروم، وسيفه مسلول للجائر الغشوم تكون الأحكام الشرعية بحضرته أكثر ما يفصلها القاضي بعد اطلاعه عليها. أما أحكام الحدود فيتولى فصلها بنفسه بعد مشورة العلماء، لما فيها من الخطر عند الله، وللتنقيح في آراء العلماء والقضاة، فيبقى في مجلسه ذلك إلى حضور صلاة الظهر.
وفي بعض الأحيان يقوم قبيل الظهر بمقدار نصف ساعة، خصوصاً وقت الصيف، للاستراحة والقيلولة، ثم يخرج فيصلي بالناس، إما بالجامع أو في غرفة الصلاة بالحصن. وبعد الظهر يبرز للناس خارج الحصن إلى حضوره صلاة العصر، فيصلي بهم في الجامع، ثم يدخل الحصن، فيأمر بإخراج الطعام للناس والأضياف على قدر مراتبهم، ثم يحضر لصلاة المغرب بغرفة الصلاة، فيصلي بالناس ويقعد للمذاكرة، والمباحثة في العلوم، فيحضره جماعة من العلماء والطلبة. وقد أفرد هذا الوقت لهم، حتى تكون الساعة الثالثة، فيصلي بهم العشاء الآخرة، فيدخل محله الخصوصي، فيحيي ليلته قياماً وقراءة، لا ينام إلا خيالاً.
كان
ما تفرد به الإمام من المسائل
مرجع العمانيين في حل مشكلات العلم وفك، عويصها، وله آراء معروفة في الأحكام، تفرد بها، وخالف في بعضها أصحابه المشارقة بل جمهورهم، ورجح بعض الأقوال. وهذا ما حضرني وقت الكتابة:.
الأولى: صلاة ركعتين بعد صلاة الجمعة في الجامع، والأمر بهما ندباً،. ولا يصلونها في المسجد، عملاً بحديث ابن عمر عند الربيع وكان لا يصلي بعد الجمعة شيئاً حتى ينصرف. الحديث.
الثانية: صلاة التراويح ثماني ركعات جماعة وصلاة ركعتين راتبة العشاء قبلهن
فرادي. (1/303)
صفحة 304
الثالثة: من أفسد رمضان تعمداً فَلْيُكَفِّر، وليصم ما أفسد لا ما مضى خلافاً
للجمهور.
الرابعة: حمل ما سقي بالزجر على ما سقي بالنهر في النصاب، وإخراج الزكاة من
كل بحسابه.
تحالفاً الخامسة: يفتي ويحكم في البيعين إذا اختلفا في المبيع، والبيع قائم، وترادداً، إن لم يكن بيان في الثمن، القول قول البائع مطلقاً، ولو كان المبيع بيد المشتري.
السادسة: من باع نخلاً وقد أبرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المشتري. ويرى من فروع هذه المسألة أن من اختار ماله وقد أبره المشتري، فالثمرة له ولو لم تدرك.
السابعة: يقول بتحريم ربا الفضل ولو كان ذلك يداً بيد.
الثامنة: أن من ابتاع سلعة ثم أفلس، فوجد المشتري سلعته بعينها، فهو أحق بها
من سائر الغرماء، عملاً بحديث الربيع.
التاسعة: أن المُولّى عنها إذا أخرجت عن زوجها بتمام مدة الإيلاء، فعليها عدة الطلاق، ولا يكفيها مضي تلك المدة عن العدة.
العاشرة: حكم بالشفعة للغائب في غير غزو ولا حج.
الحادية عشرة: حكم بالشفعة في القياض، ولو كان أصلاً بأصل، وعلى الشفيع ثمن ما دفعه ذو شفعته في مقابلها.
•
الثانية عشرة: لا يرى الكلام والسؤال ونحوه من الشفيع مبطلاً للشفعة.
،
الثالثة عشرة: لا يرى رد اليمين على المدعي إلا أن يقبل أن يحلف على حقه جمعاً بين الأحاديث، وقد سبقه إلى هذا قطب الأئمة ـ رضوان الله عليه. الرابعة عشرة: يرى الإسقاط بالجوائح السماوية، إذا بيعت الثمرة بعد الدراك، عملاً
بحديث رواه مسلم. أمر بوضع الجوائح.
الخامسة عشرة: لا يرى بأساً بالصلاة على الصوف ولم ير للمانع حجة إلا
الاستدلال بمفهوم اللقب.
304 (1/304)
صفحة 305
السادسة عشر: أجاز بيع المدبر في دين أو حاجة، عملاً بالأحاديث، ويرى أن العمومات التي تعلق بها الجمهور لا تنهض لمعارضتها.
السابعة عشرة: يرى أن من كان ماله عبيداً، فأعتقهم في مرضه، أو أوصى بعتقهم كلهم، فيعتق منهم الثلث بالقرعة ويسترق الباقون عملاً بالحديث الوارد في ذلك، ويدفع به في صدر القياس.
الثامنة عشرة: يرى أن من سافر عن زوجته وأطال الغيبة وخافت العنت ورفعت إلى الحاكم أمرها، له أن يطلقها دفعاً لضررها؛ لأن الشارع راعى ذلك وجعل للنساء عليه الرجال حقا غير الإنفاق. ومن ذلك الحق العشرة ولكن لا يطلقها الحاكم إلا بعد الاحتجاج على الزوج، إن كانت الحجة تناله.
التاسعة عشرة: يأخذ بمذهب زيد بن ثابت في ميراث الغرقى والهدمي، وأن لا
يورث هالك هالك. من
المتممة عشرين يرى أن لا فرق بين الغائب والمفقود وأن مدتهما واحدة: أربع سنين محتجاً بالقضية الواقعة في عهد عمر - رضي
الله
وقد قرأتُ عليه هذه المسائل في الغرفة المعروفة بغرفة الإمام، بحصن نزوى وما أنكر إلا واحدة رفعها لنا عنه أحد القضاة، فحذفناها ولم يثبتها.
وصف الأجنبي للإمام
كتب المؤرخ بشركة الزيت في كتابه المسمى عمان ص 107، في عظمة الإمام وعلو مكانته بين قومه قال المؤرخ: من العسير طبعاً أن يزن الإنسان شيئاً غير محسوس، كالهيئة الدينية، بالمقابلة مع القدرة الحربية، ولكن طبيعة الدولة الأباضية نفسها تقتضي أن يعترف للإمام بأنه صاحب السلطة العليا. انتهى. يستند الإمام في حكمه على الأكثر إلى هيبة منصبه الديني، ولا يعتمد على جيشه
الكبير ص 105.
وفي رحلة نسيجر الإنكليزي المتسمى عند رحلته لعمان مبارك بن لندن أن البدو يعترفون بالإمام سيداً لهم، وكثيراً ما تسمع بينهم عبارة: (أطال الله عمر الإمام)، وهم
305
نهضة الأعيان - م 20 (1/305)
صفحة 306
يعنونها بإخلاص كلما قالوها وذلك لأن الإمام نشر الأمن والعدل بين ظهرانيهم، بما وفق
•
إليه من حل مسائلهم، وفض الخلافات بينهم. فهنا يستطيع الرجل أن يسير غير مسلح، وأن يترك إبله بغير حراسة، دون أن يخشى من يعتدي عليها بالنهب. أما نحن وقد تعودنا اضطراب الأمن المستعصي في الظاهر، فكنا قد احتفظنا ببنادقنا على منال منا، حتى قال لنا بعض آل، وهيبة وهم يضحكون: إننا في أرض السلام.
أما استتباب السلام والأمن في أرض الإمامة، فيذكر المعنيون بشؤون الجزيرة العربية، بما هي عليه الحال في المملكة العربية السعودية وما يخالفها من حال، في بعض دويلات الجزيرة العربية، حيث لا تجد حاكماً قوياً يحوز قبولاً دينيا عريقاً، يستمد منه سلطاناً لحكمه. انتهى كلامه ..
خروج الإمام إلى الرستاق
رأى الإمام أن يكون أول أعماله استنهاض القبائل للدفع عن الرستاق، ومناصرة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي، صنو الإمام الراحل، وإنقاذه من البغاة المحدقين به في حصنها، فخرج من نزوى في شهر ذي القعدة سنة 1338 هـ في صحبته الشيخ عيسى بن صالح وأعيان عمان. وفي أثناء تلك الحركة وصلت كتب السلطان تيمور بن فيصل إلى رؤساء العمانيين يدعوهم إليه وينصحهم: أن لا يعدلوا عنه مرة ثانية، ويخوفهم سوء العاقبة، فصادف رسله وكتبه قعود الإمام على كرسي الداخلية كما أن الجيش الذي جهزه إلى وادي سمائل رجع من الطريق لما صح عنده هذا الاجتماع. واستخلف الإمام على نزوى في خروجه هذا العلامة أبو مالك، وترك الشيخ أبو علي سيف بن علي المسكري معاوناً له، ثم سار بجيشه ليذود عن المملكة ويدفع السيد أحمد بن إبراهيم عن الرستاق؛ لأن هذا السيد لما بلغه خبر وفاة الإمام الراحل انتهز الفرصة، فكر على الرستاق، فلكونها سلبت منه قريباً، فعاجلها لينال، غرضه ظنًا منه أن الأمر لا يستقيم مرة ثانية، وأنه لا بد أن يكون اضطراب وارتباك وخلل، فشدد الحصار على عاملها الشيخ ناصر بن راشد الخروصي، وعاضده على ذلك الشيخ ناصر بن راشد الغافري أمير خَفْدِي، بسبب الموجدة التي أسرها في نفسه على عامل الرستاق.
،
حمل الإمام من بيته الذي بسمائل دون بيت المال ما يحتاج إليه من سلاح
306 (1/306)
صفحة 307
ورصاص ودراهم ما يكفي لهذه الغزوة، ثم نزل بفنجا، ثم بالخوض، ثم وادي معولة بن شمس فاستنهضهم وجيرانهم أهل نحل فعسكر بجيشه في بلدة العوابي، ورأوا التمهل في الأمور، وإرسال عاقل لبيب، ليكشف لهم نوايا السيد أحمد وما انطوى عليه، ويبصره الخبر، ويسأله موافقة المسلمين في الخروج من الرستاق بغير حرب، فاختاروا من رجالهم الشيخ أحمد بن حامد الرواحي، فخرج إليه، فلم تنجح مقالته عنده، ولا أصغى لكلامه لما يراه لنفسه من المزية وما يمارسه من الأريحية. كيف وقد توطن بحبوحة البلاد، ووجد أنصاراً يؤيدونه فهو يطمع في نجاح مطلبه، والتوصل إلى غرضه، ونيل حقه المطلوب منه، فرجع الشيخ إلى الإمام، وقص عليه الخبر، وكان الإمام حريصاً على دماء المسلمين أن تراق عبثاً، مع قلة العمانيين وضعفهم، فاستعمل السياسة التي رجا فيها النجاح، فأرسل الأمير عيسى إلى الشيخ ناصر بن راشد الغافري أن يوافيه بالعوابي. وكان الشيخ الغافري يرى للأمير حقا لا يراه لغيره، فهو يعتقد أنهم من عنصر واحد، فلذلك يمتثل لأومراه.
،
اجتمع الشيخان، فبحثا الموضوع واتفقا أن يقوم الغافري، فيحتال لإخراج السيد أحمد من الرستاق، حتى يخرج إلى حصنه بالحزم، وهو مركزه الباقي بيده، بعد خروجه من الرستاق، فرجع الغافري من العوابي يحمل سياسته التي تكفل بها، وتأجل إنفاذها أجلاً، عرفاه بينهما، فسعت عقاربه تدب وسرت عواصفه تهب، وعقد لواء الغدر، ودخل على سيده من باب المكر، فأوصد عليه أبواب مقصده وسد عليه منافذ مرصده، وفتح له أوهاماً عرف منها السيد بواره عليه وانقلابه عنه، وخروجه عليه. ولا عجب فاللهى تفتح اللهى. فلم ينته الأجل الذي حدده الغافري لنفسه حتى خرج السيد أحمد من الرستاق بغير قتال، ودخلها الإمام على أحسن حال، فنظم أمرها، وجمع شملها، وجعل السيد هلال بن علي البوسعيدي والياً عليها، وهذا السيد من أبناء تيمور، فبقي بها إلى أن توفي وكان عاملاً للإمام الخروصي على يديه قبل ذلك، ثم أبقى ابنه محمد بن هلال والياً بالرستاق حتى عزله الإمام، وجعل مكانه الشيخ الولي علي بن هلال الهنائي، وصلحت البلاد وآمنت العباد فكان بها إلى أن توفي - رحمه الله. وفي اليوم الثاني من ذي الحجة من السنة المذكورة، فسح الإمام للجنود، واستعمل الشيخ ناصر بن سعيد الخروصي على العوابي، فخرج من الرستاق إليها.
عم
السلطان سعيد بن
307 (1/307)
صفحة 308
الاجتماع بالسيب
?
حضره الأمير عيسى بن صالح بالنيابة عن العمانيين والشيخ العلامة سعيد بن ناصر الكندي والمستر ونكيت اي سي اس باليوز وقنصل بريطانيا الذي هو مفوض من دولته أن يكون واسطة بينهم فكان اجتماعهم ببلد السيب من الباطنة، فعقد معاهدة بين العمانيين والسلطان، تيمور وكان ذلك في اليوم التاسع من شهر المحرم من سنة 1339 هجرية، وهذا صفة الاتفاق:
نقل معاهدة السيب التي بيد العمانيين
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما اتفق عليه الصلح بين حكومة السلطان تيمور بن فيصل، والشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي نيابة عن العمانيين الذين يمضون أسماءهم هنا بواسطة المستر ونكيت اي سي اس باليوز، وقنصل الدولة البريطانية العظمى بمسقط، الذي هو مفوض من دولته في هذا الخصوص، وأن يكون وسيطاً بينهم والشروط الآتي بيانها، أربعة منها تخص حكومة السلطان وأربعة منها تخص العمانيين.
أما التي تخص العمانيين فهي:
الأول منها: أن يكون كل وارد من عمان من جميع الأجناس إلى مسقط ومطرح
وصور وسائر بلدان الساحل، لا يؤخذ منه زيادة عن المائة خمسة.
الثاني:: أن يكون لجميع العمانيين الأمن والحرية في جميع بلدان الساحل. الثالث: جميع التحجيرات على جميع الداخلين والخارجين في مسقط ومطرح، وجميع بلدان الساحل ترفع.
الرابع: أن لا تؤوي حكومة السلطان مذنباً يهرب من إنصاف العمانيين، وأن ترجعه إليهم إذا طلبوه منها، وأن لا تتداخل في داخليتهم.
وأما الأربعة التي تخص حكومة السلطان فهذا بيانها:
308 (1/308)
صفحة 309
الأول: كل القبائل والمشايخ يكونون بالأمن والصلح مع حكومة السلطان، وأن لا
يهاجموا بلاد الساحل، وأن لا يتداخلوا في حكومته.
الثاني: كل المسافرين إلى عمان في مشاغلهم الجائزة والأموال التجارية يكونون
أحراراً، ولا تكون تحجيرات على التجارة، ولهم الأمن.
الثالث: كل محدث ومذنب يهرب إليهم يطرودونه ولا يؤوونه.
الرابع: أن تكون دعاوى التجار وغيرهم على العمانيين تسمع وتفصل على موجب
ما هو الإنصاف بالحكم الشرعي.
حرر
هذا
سبتمبر 1920
بيده.
•?
في بلد السيب يوم الحادي عشر من محرم سنة 1339 هـ، مطابق 25
هذا نقل المكتوب في القرطاسة التي فيها تصحيح العمانيين وكتبه عيسى بن صالح
نعم صحيح وثابت أن هذا هو نقل الاتفاق الذي وقع ما بين حكومة سمو المعظم سلطان السيد تيمور بن فيصل والعمانيين بواسطتي وبحضوري. كتبه بأمره احتشام
المنشي بيده.
1339
حرر بمسقط في 12 من سبتمبر سنة 1920 موافق 27 من محرم الحرام سنة
صحيح المستر ونكيت اي سي اس باليوز، وقنصل الدولة البريطانية العظمى
بمسقط.
نقل معاهدة السيب التي بيد السلطان
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما اتفق عليه الصلح بين حكومة السلطان تيمور بن فيصل، والشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي، نيابة عن العمانيين الذين يمضون أسماءهم هنا بواسطة المستر
309 (1/309)
صفحة 310
ونكيت اي سي اس باليوز، وقنصل الدولة البريطانية العظمى بمسقط، الذي هو مفوض من دولته في هذا الخصوص، وأن يكون وسيطاً بينهم والشروط الآتي بيانها أربعة منها تخص حكومة السلطان وأربعة أخرى تخص العمانيين. أما التي تخص العمانيين فهي: الأول: منها أن يكون كل وارد من عمان من جميع الأجناس إلى مسقط ومطرح
وصور، وسائر بلدان الساحل لا يؤخذ منه زيادة عن المائة خمسة. الثاني: أن يكون لجميع العمانيين الأمن والحرية في جميع بلدان الساحل. جميع التحجيرات على جميع الداخلين والخارجين في مسقط ومطرح
الثالث:
وجميع بلدان الساحل ترفع.
الرابع:
ألا تُؤوي حكومة السلطان مذنباً يهرب من إنصاف العمانيين، وأن ترجعه
إليهم إذا طلبوه منها، وألا تتداخل في داخليتهم.
وأما الأربعة التي تخص حكومة السلطان فهذا بيانها:
الأول: كل القبائل والمشايخ يكونون الأمن والصلح مع حكومة السلطان، وأن لا يهاجموا بلاد الساحل وألا يتداخلوا في حكومته.
الثاني: كل المسافرين إلى عمان في مشاغلهم الجائزة والأمور التجارية يكونون أحراراً، ولا تكون تحجيرات على التجارة ولهم الأمن.
الثالث: كل محدث ومذنب يهرب يطرودنه ولا يُؤوونه.
الرابع: أن تكون دعاوى التجار وغيرهم على العمانيين تسمع وتفصل، على موجب ما هو الإنصاف بالحكم الشرعي.
هذا حرر
في بلد «السيب» يوم الحادي عشر من شهر المحرم سنة 1339.
قد أتممت ما أتمه الشيخ عيسى بن صالح عني من هذه الشروط.
الله
كتبه إمام المسلمين الإمام محمد بن عبد بيده.
أقول وأنا نائب إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي: إني رضيت الشروط
المحررة هنا بتفويض من إمام المسلمين وكتبه عيسى بن صالح بيده وسليمان بن حمير
بيده.
310 (1/310)
صفحة 311
صحيح زاهر بن غصن الهناوي بيده.
صحيح حمد بن مسلم الندابي.
خلف
صحيح
بن ناصر بن محمد المعولي بيده.
صحيح ثاني بن حارث الجابري بيده.
صحيح محمد بن سيف بن سعيد الجابري بيده.
صحيح مهنا بن حمد بن محسن العبري بيده.
صحيح عبد الله
بن هلال بن زاهر الهنائي.
صحيح محسن بن زهران السيابي.
صحيح سيف بن سالم بن عامر الحبسي بيده.
صحيح رسم إبهام محمد بن سلطان بن منصور الوهيبي.
خلفان
صحيح
بن محمد الهدابي بيده.
صحيح
حمدان بن سليمان بن سيف النبهاني.
صحيح ناصر بن حميد بن راشد الغافري بيده.
وولده محمد بن ناصر بيده.
عرضت عليّ هذه الاتفاقية الرسمية التي بلغت أسنى أوج الاتحاد بين الشيخ عيسى بن صالح بالنيابة كما حرره أعلاه وبين حكومة السلطان السيد تيمور بواسطة المستر ونكيت اي سي اس قنصل الدولة البريطانية العظمى بمسقط كما هو محرر أيضاً بالتفويض الخصوصي، فرسمت بيدي هذه الأسطر، وحمدت الله على ذلك، وكتبه سيف بن علي بن عامر المسكري بيده.
ولم تحدد المناطق بين الطرفين في هذه المعاهدة: يحاول سلطان مسقط أن يوهم أن نفوذه يمتد إلى الداخلية وتحاول الإمامة تصفية حكمه، وطرد الأجنبي الذي يتوكأ
عليه.
311 (1/311)
صفحة 312
وكتب الإمام:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله إلى المشايخ الكرام الحشام، الأخوة عامر بن خميس المالكي، وسيف بن علي المسكري، سلمهما الله تعالى:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته محبكم بخير من فضل الله، لا زلتم بحال الخير وما هنا علم إلا إجراء الصلح بيننا وسلطان مسقط بواسطة الباليوز وتمت المكاتبة على تنزيل العشور من المائة خمسة وعلى تأمين الطرق البحرية والبرية، لكل صادر ووارد، وعلى رد كل من يحدث بعمان حدثاً لأخذ الحق منه، وعلى عدم المعارضة لأهل عمان في داخليتهم كلها من غير استثناء، وعدم المعارضة في أحكامهم، والقرطاسة التي بها رسم الصلح واصلة، إليكم انظروها وصحح فيها أيها الشيخ سيف بن علي وبقية الأخبار بلسان سعيد بن عبد الله الهاشمي، هذا ما لزم بيانه في الحال.
والسلام عليكم وعلى من شئتم من هنا الشيخ زاهر بن غصن، والوالد صالح بن أحمد، ومحرره حمد بن حميد بيده 13 من المحرم سنة 1339.
وعبر عن هذه المعاهدة بعض المؤرخين المسيحيين بقوله:
وفي أوائل عام 1339 هـ (25) سبتمبر (1920 م) وقعت حكومة سلطان مسقط، وممثلو أهالي عمان معاهدة السيب وكان ذلك على ساحل الباطنة، يتوسط الوكيل السياسي البريطاني ونجيت». وكان رئيس مندوبي أهالي عمان الشيخ عيسى بن صالح الحارثي وهو صديق حميم ومناصر قوي للإمام الجديد محمد الخليلي.
،
وقد عملت كل من الحكومة البريطانية وحكومة مسقط جاهدتين على تحاشي نشر نص المعاهدة وذكر في عام (1345 هـ 1936 م) الكابتن اكلز، وهو ضابط بريطاني، قضى زمناً طويلاً في خدمة السلطان في بيت أفلج، وكان خبيراً في شؤون
السلطنة. قال:
312 (1/312)
صفحة 313
لقد وقعت معاهدة بين مسقط والشيخ عيسى وهي اعتراف فعلي باستقلاله مجلة جمعية آسيا الوسطى مجلد 14 (1927 م) ص 24.
ويقول تقرير أعد لوزارة الخارجية البريطانية عام 1950: «في الحقيقة إن قبائل الداخل يعتبرون أنفسهم بموجب معاهدة السيب عام 1920 م مستقلين تماماً سلطة من
السلطان».
وقد أورد اكلز الملاحظات التالية ص 23 - 24:
ولذلك سوف نقصر حديثنا على الأراضي التي تدعي حكومة مسقط بالسيادة عليها، أن القسم الأكبر منها في الواقع مستقل تمام الاستقلال، ويقول مرة أخرى: إن مراسيم السلطان لا يكاد يكون لها أي وزن خارج جدران مسقط» اکلز ص 38 ويكتب مرة ثانية:
فقد عقدنا نحن والفرنسيون والهولنديون والأمريكيون معاهدات مع سلطان مسقط، منذ بداية القرن التاسع عشر، ولكن سلطنة مسقط قد تغيرت نوعاً ما، منذ ذلك الوقت، فقد انحصر حكم السلطان في موانئ الشاطئ، وكاد يصبح انعدام سلطته في الداخل أمراً معترفاً به: اكلز ص 40 - 41.
إن سلطة السلطان في الوقت الحالي مقصورة على عاصمته والساحل، وإن داخل عمان والغرب والشمال منها أو بعبارة أخرى: القسم الأكبر من السكان لا يعترفون بسلطته، ويعيشون مستقلين عنه بالفعل تحت زعمائهم، وهم يدعون أن هناك اعتباراً دينيا لاتخاذ هذا الموقف؛ فإن لقب السلطان في هذه الأيام هو السيد، وليس الإمام. وأن طوائف الأباضية السائدة فيما بين حكام عمان تمنح هذا اللقب الأخير لحكامهم، لا على أساس أنه حق لهم، وإنما على أساس كونهم ذوي مؤهلات دينية استثنائية.
دليل الأميرالية مجلد 1، ص 245 - 246.
لقد وضح بجلاء أنه بعد الحاكمين الأولين من آل بوسعيد تخلت هذه الأسرة عن إجراءات الأباضيين القديمة للانتخاب وعن لقب الإمام، غير أن الغربيين استمروا في استخدام هذا اللقب سنوات طويلة، بعد أن أصبح ذلك من الخطأ.
واللقب الذي يمنحه سكان الجزيرة العرب عادة للحكام المتأخرين من آل بوسعيد
313 (1/313)
صفحة 314
هو (السيد) وإن كان مضللاً قطعياً؛ لأنه قد يوحي الانتساب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو ما لم يدع به قط هذا البيت وعلى مر الزمن لجأ الغربيون أيضاً إلى إطلاق لقب (سلطان) على حاكم مسقط. وفي عام 1377 هـ (1861) م) اعترفت الحكومة البريطانية رسميا بهذا اللقب ا هـ.
راجع باجر ملحق (1) ص 378 - 381/ ملحق (ب) ص 173 ـ 181 وقد قدم اكلز عرضاً للعلاقات بين بريطانيا، ومسقط ولمؤهلات آل بوسعيد كحكام فقال:
،
ولا يكون هنالك أي شك في أن آل بوسعيد الأسرة الحاكمة كادت تندثر، لولا المعونة البريطانية، وقد ارتبطنا منذ عام 1891 م بضمان الحماية في معاهدة لم تحتو على أي تحديد لوقت انتهائها، ومع أن السلطان الحالي رجل قدير، ويستحق الاحترام، إلا أنه ضعيف وليس لديه أي طموح، وأفراد عائلته فاسدون ومنحلون، باستثناء البعض القليل منهم، ومع أنه يمكن أن نجد في الفروع البعيدة من هذه العائلة، بعض الرجال الأقوياء الذين لم تنهكهم حياة الرفاهية أو الخمول، إلا أن أفراد هذه العائلة على العموم أضعف من أن يواجهوا موجة من الرأي العام الشعبي كتلك التي دفعت مؤسس العائلة، إلى الحكم. ثم إن مبدأ الوراثة الذي ارتبطنا به عند تعهدنا بحماية السلطان وخلفائه غريب على الشعور الأباضي، خصوصاً عند ما تفرضه على بلادهم قوة أجنبية وكافرة
(اکلز، ص 24).
وفاة أبي الخير
،
بن
منتصف شهر صفر سنة 1339 هـ، وفي توفي الشيخ العلامة الزاهد عبد الله غابش النوفلي بالولاء - رحمه الله، وغفر له ـ كان يعرف بالحبشي بن غابش وشهر به، ثم تسمى عبد الله، وأصله من أهل ودام من الباطنة، خرج من القابل إلى وادي نام لبعض مهماته فمرض بالغلاجي، بلدة من أعمال المضيرب وثقل عليه المرض، فحمل منها إلى القابل على أكتاف الرجال فتوفاه الله بالتاريخ المتقدم.
خرج أبو الخير من ودام من الباطنة، طالباً للعلم الشريف، فنزل بالقابل، ولازم العلامة نور الدين فكان من أكبر، تلاميذه ومهر في سائر فنون العلم ودرس فيها. وكان كاتباً مجيداً، يكتب عن شيخه تساويد التأليف والمراسلات، وإليه انتهت كتابة
314 (1/314)
صفحة 315
الصكوك والأوراق والوصايا الشرعية وهو من أوحد أهل زمانه في الفقه والورع
والديانة.
كان من حفظه القرآن العظيم كثير التلاوة، ظاهر النسك والخشوع، محبا للخلوة، يفضلها عن المخالطة، ملازماً لبيته في غالب، أوقاته مكبًا على التعليم والعبادة، في غاية الظرف والعفاف والكفاف.
كان قارئاً، حسن التلاوة، جيد النغمة، عليه آثار النعمة.
أرسله الشيخ عيسى ونور الدين السالمي إلى جعلان الحسون، ليكون مساعداً للأمير سعيد بن سالم الحسيني لما خذله قومه، وأرهبوا قاضيه الشيخ عبد الله بن سعيد ومنعوه من الفصل في الأحكام، فخرج أبو الخير، وكان غيوراً مهيباً شديداً في الحق لا تأخذه لومة لائم، فأفاد واستفاد وحمد سيرته أهل البلاد، فكانوا يرجعون إليه في فتاويهم ومهماتهم ونوازلهم وبعد رجوعه من جعلان بمدة خرج إلى نواحي زنجبار، فأقام فيها نحو سنة، استفادوا منه فائدة عظيمة.
،
ولي القضاء للإمام سالم بن راشد الخروصي على بدية ثم ولي له القضاء على إبرا. وبعد برهة تكفل بوظيفتي القضاة والولاية فاجتهد وشمر. وكان ـ رحمه الله - متبرماً من ذلك، ويخاطب الإمام في العذر من ذلك لتحرجه، ولما يراه من أهل زمانه، ولما رأى الإمام إلحاحه عذره ورجع إلى بلاده ملتزماً بإعانة المسلمين في كل ما ينوء بهم من الدواعي إلى أن توفي.
مؤلفاته: رسالة سماها كلمة الصدق في تأييد الحق، وأرجوزة في الميراث. وأرجوزة في الأصول. وله قصائد طنانة، ومراسلات حسان.
عودة خلفان بن ثنيان إلى نخل
في شهر المحرم عام 1339 هـ رجع الإمام من الرستاق بعد استقرار أمرها، وأقام ببلدة بنخل، وكانت بها شعابث أثارها الشيخ خلفان بن ثنيان الحراصي، بعد قتل أخيه أحمد؛ فإنه أقام بالرميس، من ناحية الباطنة، وعنده جماعة من اللصوص وقطاع الطرق، فشنوا الغارات المتوالية على نخل، وشدّدوا المضايقة على أهلها وكانت حكومة مسقط ظهراً لهم، فسفكت بها دماء كثير من العلماء الأفاضل وبإشارة بعضهم توسط الشيخ
315 (1/315)
صفحة 316
سالم بن عمير بن حنظل المعمري، أحد أعيان الحارث، لحسم هذه المفسدة، وقطع شافة العدوان، بأن يرجع خلفان بن ثنيان إلى نخل، وأن يكون في سلك المسلمين، رجاء أن تفوز البلاد باستئلافه الراحة والأمن والاطمئنان، وظنا أن منهم العربية والشيمة الحرية ما يحجزه عن التهور في المقبل.
به من
الأنفة
خرج إليه الشيخ المعمري واجتمع به فعاتبه على أفعاله الدنية وأعماله الردية، فأظهر الندم والأسف والتوبة عما سلف، فقبل كلامه ورجا أوبته.
رجع الشيخ المعمري إلى الإمام يخبره وكان الأمر شورى، فأحضر الإمام العلماء والأعيان، فكلهم رأوا السكوت عنه، والقبول منه لعدم القدرة عليه في ذلك الوقت. فأقبل خلفان يسعى وما هو إلا الأفعى، فأقروه رئيساً على أهل نخل، وأجري عليه من بيت المال كفايته، وجعل الإمام الشيخ محمد بن سالم الرقيشي متكفلاً بوظيفتي القضاء
والولاية.
بقي خلفان برهة من الدهر مستقيماً، ثم انعكس، ولا يتحول الصبر عسلاً. وفي ذلك يقول شيخ البيان:
مذ كان أصل الجور عنها غائباً ردوه فيها للصلاح الشامل قد أخطأوا نظراً فإن حضوره قد زاد بغياً في القيام الطائل ماكل مجتهد يصير موفقاً في الخير أجر باجتهاد العامل واختار موسى جاهداً من قومه سبعين فانقلبوا بحالة جاهل حادثة نخل
لما رجع الشيخ خلفان بن ثنيان إلى نخل بقي فيها أياماً، تنقل عنه الألسن كرماً، والأفواه حمداً، حتى نزعت به النوازع الشيطانية لشؤم جده العاثر، فتحركت نفسه السبعية إلى ما خبأته، وأثارت طبيعته الغريزية ما أكنته وحوته فبسط يده إلى أموال الأوقاف، ومدها إلى عسف العباد وإرهاق أهل البلاد وكاد أن يتجاوز الحد، فيتناول العامل بالحقد، فبث العامل إليه النصائح الودية، فما زادته إلا عُلُوًّا واستكباراً، فرفع أمره إلى الإمام، فكتب إليه الإمام النصح، فشمخ وأنف، ثم أعذر إليه بعد الاحتجاج، فبطر واستخف، وما درى أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة.
316 (1/316)
صفحة 317
جهز إليه الإمام سرية من رواحة يرأسها الفاتك سيف بن حمود بن محمد، وعززه
بحمد بن سعيد القنط، ومحمد بن سعيد بن سواد وغيرهم فنزلوا بوادي معولة، واجتمعوا بالعامل الشيخ الرقيشي وأبدوا له ما أمروا به، فخرجوا إلى خلفان والشيخ الرقيشي أمامهم في الساعة الثالثة من النهار، من يوم الثاني عشر من شهر ذي القعدة سنة 1341 هـ، فوجدوه بمجلسه العمومي، فأثاروا عليه الرصاص، فخر صريعاً، وقتل آخر وجرح يسمى بن محمد ولد المعلم، ورجعوا إلى
،
خلف
،
أخذ
عنده خادمه رصاص، الحصن، فنمى الصريخ إلى من تعصب له بالباطل ومن كان يساعده على البغي، من بني جابر وبني حراص والسيابيين وبني عوف فأحدقوا بالحصن، وضيقوا المسالك، وأحكموا الفجاج والروابي، والقائد لهم على ذلك ابن أخي المقتول: حمود بن سالم بن ثنيان، وزهران بن محمد بن طالب الحراصيين فبلغ الخبر إمام المصر فخرج إليهم عن طريق عقبة قري وعسكر بوادي، معولة، وقدم إليهم النصائح، ووعدهم جميلاً، فأعاروه أذناً صماء، ثم دعاهم إلى الأحكام الشرعية، فأبوا من ذلك، فأرسل إلى قواده وأنصاره، فاجتمعوا إليه، وأرسل إلى الشيخ عيسى، وكان ذلك الوقت مريضاً، فلما عوقي وافاه بمسلمات من وادي، معولة فكان وصوله يوم ثامن ذي الحجة سنة 1341، وقد في صحبته أعيان وادي سمائل فأرسلوا شارفين إلى البغاة أداءً لواجب الدين، ولقيام الحجة على المعتدين واحترازاً من سفك دماء المسلمين في غير شيء إلا بغي فادح وجور فاضح، فرجعوا إليهم بغير مفيد إلا العتو والعناد، فلم ير الإمام بعد إلقاء النصح إليهم، وعدم قبولهم له، محيصاً عن القدوم إليهم، ليكشف عن التضييق الواقع على أهل الحصن منذ شهر، فشرع في تعبئة جيشه ليلة عيد الحج، فأمر القائد الكبير أبا زيد عبد بن محمد بن رزيق الريامي، والزعيم زاهر بن غصن الهنائي، ومن عندهم من هناة ومعولة، أن يهاجموا البلاد من جبل عاقوم مشرقاً، إلى الجبل المعروف بالشيبة، وهو عرق من الجبل الأخضر وأمر الشيخين: صالح بن أحمد، الله، وعبد بن سليمان الحارثيين على أهل الشرقية، وأن يحلوا عليهم من جبل عاقوم إلى جبل الصافية، وأمر السيد هلال بن علي عامله على الرستاق والشيخ ناصر بن راشد الخروصي، والشيخ مهنا بن حمد العبري على رجالهم، وأن ينزلوا عليهم من جبل الصافية إلى جبل ألبان، وأمر الشيخ أحمد بن حامد الرواحي ومن عنده من رواحة أن يركبوا جبل ألبان، ولم يأذن لأحد من القواد بإطلاق النار، قبل أن يسمعوا وقع الشيخ أحمد بمن في الجبل.
الله
317 (1/317)
صفحة 318
فلما أخذ الكل مقاعدهم، وبدأ المأمور بإطلاق النار، حمل القوم حملة واحدة، وكان الوقت عند الفجر الأول، فنادى منادي الحمام حي على الأرواح، ومنادي الصلاة حي على الفلاح. فتعاطوا بالبنادق حتى كلت، ثم بالقواضب حتى فلت، ثم بالخناجر حتى بلغت القلوب الحناجر والكل في موقفه صابر. فكم قتيل على تلك الآكام يتشحط في دمه، دمه، وكم جريح ساقط على قدمه فلم ترتفع الغزالة إلا ورايات النصر ترفرف بالسعد على هامات الجند فأطلقت مدافع الفتح وحصل للإمام النجح، وقد كانت الواقعة بيوم النحر وما أدراك ما يوم النحر! يوم قلقل الجبال الشم، ونفّر الوحوش من العصم، وفتحت البنادق كل أذن صماء. وما كان شيء ليقاوم صولة المسلمين، فقد دخلتها الكتائب عنوة، وفر أهلها منها ضحوة وبقي الإمام والأمير بمسلمات بعد الواقعة
يومين.
وفي اليوم الثالث من ذي الحجة الحرام عام 1341 هـ دخل الإمام المؤيد حصن نخل، فأمر بهدم الصياصي، ونسف الدور التي تحصن بها البغاة، وقضى في نخيل البغاة بالقطع قبل انقيادهم وقبض على الشيخ حمود بن سالم بن ثنيان، قائد البغاة من حارة الصعبة، وصفد بالحديد، ثم حكم الإمام بقتله، فأنفذ فيه الحكم بحصن نخل، وهرب المتجمعون بها في أقاصي الأرض، فطلبهم الإمام والتجأ الشيخ زهران بن محمد القائد الثاني ببلدة جَمَّا، مع من فر من جماعته وغيرهم، وطلبه الإمام إما الإذعان، أو الحرب، فلم يروا قبلاً لهم بالحرب.
الخراصي
ولم يحضر الشيخ سليمان بن حمير النبهاني هذه الغزوة في أول الأمر، لما داخله من التعصب بالباطل، وبعد الفتح وصل بجنوده ورد شوارد الهاربين، وتوجه بهم إلى الإمام بوادي معولة، وفيهم الشيخ القائد زهران بن محمد وأعيان قومه، فسأله الصفح عنهم، والتجاوز عن عثرتهم، عن عثرتهم، فأقالهم وعفا عنهم، كما هي عادته؛ إذ كان ـ رحمه الله - رحيماً كريماً، غير فظ ولا منتقم.
وأبقي الشيخ الرقيشي بالبلاد آمراً ناهياً إلى عام 1352 فعزل عنها، وأبدل مكانه محمد شيبة السالمي. وبهذه الحركة انكسرت سَوْرة أهل الفساد، وانقطعت آمال أهل
العناد.
318 (1/318)
صفحة 319
جملة الشهداء من أصحاب الإمام في هذه الحملة تسعة عشر رجلاً وامرأة، ومن
البغاة، نقلاً عن الشيخ الرقيشي، نحواً من سبعين
رجلاً.
وأطنب الشعراء في هذا الفتح ولشيخ البيان محمد بن شيخان قصيدة فيها خبر الواقعة مستوفاة. قال من بحر الكامل:
دمغت شموس الحق ليل الباطل ومحت أكف العدل رسم الجاهل وتمايل الإسلام أعطافا متى قامت بنوه له بنصر عاجل والعدل يصعد راقياً درج العلا والجور يهبط هاوياً في السافل وإذا تصادمت الكتائب والظبا حکمت بما يرجوه قلب الأمل وأرى عداوات الرجال يزيلها وقع الحديد يقل رأس المائل من يحمل الإسلام أصلا يحترز من أن يدنسه بشيء هازل من يحظ بالتوفيق يمضي مسرعاً كالبرق في جسر المقام الهائل من يعتصم بالله يلق وقاية من كل صدمة واقع أو قابل من يرج غير الله في الجُلَّى ارتمى في هوة الأمر الشديد النازل من يُكرم الأحرار يحمد غبة العُقْبي بطول لا يزول وطائل في الناس أخلاق السباع فذا على هذا بظلم يستطيل وباطل والرفق أنفع في عموم مصالح والسيف أقمع في زوال الباطل ولقد علمتُ الداء قدما والدوا وبكل قرح في البرية سائل فالاحتماء من المضرة لازم والقطع للمستأصل المستاكل والناس أهل ضلالة لم يهدهم للحق غير مکاره وسلاسل الأيام دولابية تجري معاكسة بحكم سمائل والدهر ذو غير فكم من ساكت بالفكر أفصح من لسان القائل إن كنت لم يزجرك عقلك في الذي تخشى ولا دين فخف من غائل صانع لنفسك ما استطعت ولا تكن لأسود پيشةً مُضغة للاكل إن كنت تطلب راحة وسلامة الدنيا فرح فيها بقدر خامل كم معشر رتعوا بنعمة محسن وهم بحب عدوه في شاغل هَزُوا بعزته وأبدوا حربه بغضاً أتلك تكون حال العاقل حق الكفور زوال نعمته ومن يشكر ففضل الله ليس بزائل
وحوادث
319 (1/319)
صفحة 320
ولرب قوم وافقوا أهل الهدى وسموا بسبق الفضل بين قبائل ولربما فضحتهم البلوى ففروا من أولى التقوى فرار الجافل يا آل حراص مضى زمن لکم في نصرة الإسلام همة كافل ولقد حوى شرفاً سلالة طالب منكم فمات على الجميل الأهل هذي صفات الليث ما للشبل لا يقفوه أم فيه فتورة ذاهل هلا سلكتم في الرشاد طريقة بأواخر مقرونة بأوائل أم هذه أهواء نفسانية فيكم تَسَلْسَلَ أمرها من وائل ياليتكم لم تحربوا ووقفتم عنا وقوف محمد بن الفاضل لو كان عندكم لأهل العدل من ود صبرتم للملم النازل أحسبتمو أن الرقيشي اجترى جهلاً بكم هيهات ليس بجاهل أو ليسه والي الإمام وفعله عن أمره حق وليس بباطل لو كان كل القتل جوراً لم يكن بين الضلالة والهدى من فاضل والله قد شرع الشرائع لم يدع فيها اختياراً للمريد الأمل وأئمة العدل الخلائف في في الهدى للأنبياء فلا جواز لعاذل والله أنزل في الكتاب عقوبة الباغي وأوضح وهو أحكم فاضل ولمن يحارب ربه ورسوله فجزاؤه ما قال أصدقُ قائل ولقد فشا من شيخكم خلفان ما ضاقت به نخل بحمل الكاهل تغيير أحوال ونَصبُ مكائد وتلاف أموال وقتل أفاضل وأمور نخل لا تزال كثيرة ما بين والدة وأخرى حامل مذ كان أصل الجور منها غائبا ردوه فيها للصلاح الشامل قد أخطأوا نظراً فإن حضوره قد زاد بغياً في القيام الطائل واختار موسى جاهداً من قومه سبعين فانقلبوا بحالة جاهل ماكل مجتهد يصير موفقاً تهديصير في الخير أجر باجتهاد العامل حتى تَشَاهَر أمر خلفان وزاد الهيل صباً فوق كيل الكائل فأقام رب الخلق عبدا باسلا فأذاقه حر الحديد العامل الله أنت فتى حمود لم تزل سيفاً يقطع كل باغ غائل لو لم يكن في عبس غيرك حسبها شرفاً فكيف وهم كرمل حافل
320 (1/320)
صفحة 321
الله
يومك يا سلالة سالم فلقد أذقت الجور تكل الشاكل أبني رقيش أنتم أهل الهدى وفتى العدا وبنو الوغى والنائل لما رأت حراص قتل أسيرهم جمعوا جموعهم لقتل القاتل من آل حراص وذُبيان وأبناء السيابي وجمع عوف الصائل ذبيان أهل الطول الأقصون والأدنون من حزب السيابي الواصل وراد كل شديدة أبطال كل مقاتل والنار في الأخرى أشر منازل
الدنا
آساد كل عريكة طلبوا زوال العار عنهم في أوَ ما دَرَوْا أن البنوة في الهدى ترمي الأبوة في الضلال العائل هذي الصحابة بعضهم عادي أباه أو ابنه في الكفر عند تقابل قد آثروا ديناً رضا المولي ولم تأخذهم فيه حمية جاهل وجنود حراص أبوا إلا الردى بالمسلمين أو انقياد الفاعل كم باذل من وده نصحاً لهم يا قومنا للنصح هل من قابل وإذا الهوى استولى على قلب الفتى لا ينثني عنه بعذل العاذل حذر الفتى لم يغن عن قدر وإن حاق القضا ضاق الفضا بالنازل أيغالبون الغالبين ومن له حول على حرب القوي الطائل فتهافتوا بجنودهم وثباً على نخل وسدوا كل ثغر مائل سدوا منافذها ولو أن الصبا مرت بها رجعت بأقوى حائل واستنزلوا العاقوم من فيه ولم يدعوا لأهل الحصن وقعة قائل شادوا مقاعد للقتال وقبلوا بالصمع أوجه كل قزم باسل وتمكنوا في نخل شادان ولم يدفعهم من أهل أو من ماهل قد زين النجدي حرب المسلمين لهم فأوقعهم بشر آئل واستقبلوا الحصن المنيع ودونه شهبٌ تَخَطَّفُ كل باغ خاذل واستقر حوا نفقاً له وتطاولت فيهم لحصرهم غواية جاهل وامتدت الأعناق من قوم لهم بمعاقل الإسلام قصد محاول وتكاثرت فيهم ظنون أن في حزب الهدى ضعفاً وطول تكاسل فنما الصريخ إلى الإمام وحزبه يا غارة الله اغضبي بالعاجل يا غيرة الإسلام هل من نجدة تدع الضلال مجندلا بجنادل
321
نهضة الأعيان - م 21 (1/321)
صفحة 322
هذي جنود الاعتدا فمتى الهدى يرمي العدا بصواعق وزلازل فأتى الإمام أبو الخليل محمد أَكْرِمْ بذَيَّاك الإمام العادل تاج العلا بدر الدجى شمس الضحى دهر الهدى قهر العدا والناكل إنسان عين الدهر عنوان الهنا نور الدنا أقصى المني للآمل زهرت به الدنيا وطاب مقامها وحلت لنا بمشارب ومآكل ذو رحمة للمهتدين ونقمة للمعتدين ونعمة للسائل متهلل للنائبات محلل للمشكلات مكشف لنوازل بحر طمى علماً وجوداً للورى والمستفيد وللفقير العائل لا يغضبن لنفسه لكنه الله لا يثنيه صولة صائل غوث الأنام وبهجة الأيام منهل الغمام بصاعق وبنائل محيي رفات الدين جامع شمله بالمرهفات وبالرشاد الحاصل حار العلا إرثاً وكسباً فاستوى فيها على كرسي المقام الكامل فرعان نافا من أعالي هضبة وأقام مثل مُقامه المتماثل أمسى لسالم الإمام خليفة قد أثمرت عزا طريق الفاضل أما الإمام أبو خليل فهو في نشر العلوم غذا عديم مماثل وإذا الشدائد ضويقت حلقاتها رميت بكشف منه كاف كافل فلذاك أقبل ما حيا جيش البغاة ومثبتا أمر الرقيشي الباسل أفضى الإمام على البغاة عَرَمْرَماً تهتز منه الأرض هز الذابل طمى متلاطم أمواجه في قعره غرقت عصائب وائل متأجج ناراً كأن لهيبه سفر محرقة زروع أباطل حفت بنصر عاجل راياته وظباته طبعت بسم قاتل لا يوم زحزحة ولا خضرية يحكيه وقع تدافع وتداخل کم نازل هو نازل لمنازل ومقاتل هو عارف بمقاتل عبس هناة حمير حكم خروص ذهل شيبان وشمس معاول وبنو شكيل فيهم وقبائل الرستاق مقدمة الهلال الكامل من آل بدر سيد متواضع ساد الورى بفضائل وفواضل وبنو خروص فيهم الشيخ المجاهد ناصر صنو الإمام الفاضل
بحر
322 (1/322)
صفحة 323
في
جاد بنفسه وبماله وسما وَلاتَ منازل ومناضل وجميع هاتيك القبائل سُبق للمكرمات ورشق بالنابل كل غطارفة جحاجحة الوغى شادوا العلا بمكارم وشمائل وأتى أمير الشرق والغرب الذي سکنت به الدنيا بجم فضائل عيسى الأمير العادل الغوث الذي كشف الخطوب بعزمه المتواصل كيف البرية مظهر الإسلام نصاب الأئمة في الصلاح الشامل لولاه ما قامت بنزوى دولة بعد الخروصي الشهيد العادل وكذلك الرستاق تشهد أنها لولاه قد صارت بحال عاطل وكذا نخل علي شفافسرى لها بجحافل موصولة بجحافل في يحمد في آل عيسى في بني حبس وآل وهيبة بذلائل مالك وبني دويك في الشبول بكل ليث في العرينة شابل في آل همدان وأخوتهم نداب وشيخ نفعا في رؤوس قبائل الواردين الموت أطيب مورد والصادرين على الجميل الأهل والعارفين الله في مسعاهم في عاجل طلبوا رضاه وآجل والناشرين شعائر الإسلام في أقطارهم ببنادق ومناصل والمعلنين لكلمة التوحيد والمعلين واجبها بأسمر عاسل والباسطين أكفهم ووجوههم في النازلين وفي الزمان البازل والمخضبين سيوفهم بدم العدا بسيوف حق في الدماء نواهل سار الأمير بهم مسير البدر في ظلل الغمام إلى المكان الماحل لم يبق عند مرورهم من موضع إلا وكاد يسير إثر الراحل ساروا وليلة ثامن وصلوا فكم من نجح أمر قابل في الواصل والمسلمون بمسلمات تماوجوا كالبحر يقذف موجه بالساحل وأرى المعاول كالأسود تجمهوا في مسلمات مع اللهام الحافل حتى انتهوا وتراسلت رسل إلى نخل بنصح قبل صدمة نازل لم يقبلوا نصحاً وكلهم أبوا إلا القتال ببادرات قواتل فتوشح الغضب الإمام وأقبلوا لوجوه نخل كالجراف السائل أسرى إليها المسلمون وأطبقوا بجهاتها كخواتم بأنامل
323 (1/323)
صفحة 324
قدموا قبيل الصبح ليلة عاشر بالعيد من ذي الحجة المتكامل لم يغفلوا عن يوم نصرتهم فارخ كلها والله ليس بغافل
صلوا الغداة أمامها واستقبلوا صدر العدا بضياء وجه كامل در عصابة قدموا على نخل شحيراً كالقضاء النازل وهبية التوحيد مرداسية التجريد محبوبية المتباهل بذلوا نفوسهم النفيسة قربةً لله مغتنمين ربح الباذل والحور مشرفة لتكرم ضيفها تهتز بين أساور وخلاخل وقعوا على الأعدا وقوع النسر من جو السماء في المكان النازل وتوقدت نار الوغي وتصادم الجعمان في وَهَج عظيم هائل فالأفق بالبارود مظلمة ولكن أشرقت في ضوئه بمشاعل ضاءت وأصعقت البنادق وانكفت كرواعد وبوارق ومخائل والحصن فتح أهله أبوابه فَغَدَوْا كأشد للكماة أواكل وعلا القتام من الضرائب واختفت عين السماء وما لها من كاحل حتى استبان الخطب عن قتلى وعن جرحي أفاضل جَمْةٍ وأسافل لم ينحرواللعيد ما اعتادوه فيه سوى ضحايا سادة وعباهل يا صبح ذاك اليوم من حسرة في قلب أيتام عنت وأرامل كم باسل ورد الوغي صرفاً وكم من فاضل شهد الحمام وفاضل شهداء أحيى الفناء أرواحهم في طير خضر أُودعت بحواصل والنصر صح لدى الإمام وحزبه والقهر حل على حماة الباطل حراص من نخل تمزق جمعها كسبا تمزق أهلها من بابل كم من جريح أو قتيل أو أسير أو هزيم هالكا بمجاهل فقصورهم قد هدمت وجنانهم قد صرمت وسلاحهم في الشاغل والبرج هدم برج عاقوم وما منه يخاف من البناء الخاتل وسقى حمود نخل سالم الردى من حُرِّ ماض للغلاصم قاصل وتشوهت نخل وجوهاً بعد ما كانت عروسا في الشباب الخادل يا ساكني نخل عجيب أمركم صرتم مع الأعدا أشر مقاتل
324 (1/324)
صفحة 325
أو ما تقدم منهم محن لكم وغصصتم منهم بحر مناهل أو ما رُميتم بالصغار وبالوبار وبالشنار وبالنكال الخابل أيليق فزعاً أن تعادوا خصمهم ويحل شرعاً نصر باغ غائل لكنكم أنتم توابع غاشم لا يخضعون إلى الرحيم العاقل هلا سلكتم في رعاية حالكم وصلاحه نهج الحكيم القائل لا لا أذود الطير عن شجر جنيت المر من ثمر له متهادل فتندموا وتنصلوا واسترجعوا إصلاح داركم ببر العامل وأمير حِمْيَر وارد بجنوده حرباً كأسعد ذي الجيوش الكامل مقدارك عزّ الإمام وحزبه مستعقب الماضي بنظر العاجل لم لا يكون معزّزا وأبوه من لقوام هذا الأمر أول فاعل حاشاه من أن تعتريه هواده أو ميلة من قول لاح عادل والفرع تابع أصله وكفى بذا شرفا لأصل في الهدى متناسل من آل نبهان الأولى ملكوا القرى بذوابل ومناصل وصواهل هبطوا من الجبل الكبير وقيضوا أرجاءه مثل السحاب الهاطل وجدوا الدما جفت وجذوتها انطفت وثغورها مفتوحة للداخل يا وقعة حلت بنخل شابهت نفلاً قديماً في حديث النافل ولها إمام الأرض عزان وشيخ العلم مرشده لخير شامل علامة الآفاق جد إمامنا ذاك المجلي في الظلام السادل نشر العلوم أجلها وأدلّها بمسائل للباقيات وسائل الله عزان ابن قيس من سخي بالعدل في ذاك الزمان الباخل والحمد لله الذي أجلى الصدى بترنم من شاديات بلابلي قل للذي يبغي انتقاص بدائعي إني أغرقه ببحر الكامل
325 (1/325)
صفحة 326
سبب الثورة الأولى على عبرى
في ضحى اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة من سنة 1342 قتل أمير عبرى، الشيخ سلطان بن راشد اليعقوبي وأولاده محمد وحمدان وثلاثة من مواليه، وحمد بن علي الشكيلي، فتك بهم الشيخ محمد بن سيف المنذري وأصحابه، بمسجد السليف من الظاهرة، انتقاماً منه لتغلبه عليهم وعلى بلادهم فبيتوا أمرهم ليلاً. وبعض ما حركهم عليه أنه طلب رجلاً هرب عنه فقر به الشيخ المنذري بعد ما أخذ له الأمان منه، آملاً أن لا تخفر ذمته، وأن الأمان أوثق عرى الإسلام، فقتله الشيخ اليعقوبي في خفارته، فاستشاط المنذري غيظاً وزاد حنقه وللعرب حمية، وأنفة عربية، وحمية جاهلية، تحملهم على الهلاك.
"
ويقال: إن الدروع عاضدوا المنذري على ذلك، فإنهم غضبوا على اليعقوبي لما قتل أبو بسرة والد التويلي في خفارتهم.
ولما قتل هذا الشيخ اجتمع غافرية الظاهرة وفي مقدمتهم بنو كلبان، فهاجموا السليف بلدة المنذري فقتلوا من وجدوه ونهبوا ما وجدوه، وخربوا البلاد، وأصبح أهلها حيارى، وكشفت وجوه العذارى وخرجوا من منازلهم يسترون عوراتهم بأناملهم، يستغيثون بالمسلمين مما نزل بهم فطلبوا من الإمام القيام معهم، وترددوا إلى أعيان
الدولة.
وبعد إجالة النظر في القضية، والبحث عنها علماً ورأياً جهز الإمام سرية بها أعيان دولته المشايخ: عيسى بن صالح، وسليمان بن حمير وقاضي المصر العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي، وناصر بن حميد الغافري وإبراهيم بن سعيد العبري، وياسر بن حمود المجعلي وأمرهم أن يلقوا النصائح الدينية الجامعة للشمل المؤلفة بين القلوب، وأن يمحضوا أمير عبرى خلاصتها، برد المنكوبين إلى بلادهم، وأن يكونوا تحت أمره وأن يطوى الماضي في صحيفة الإهمال.
خرجت السرية وعسكروا ببلدة الدريز من الظاهرة وبعد استراحتهم توجه
326 (1/326)
صفحة 327
المشايخ: سليمان بن حمير وناصر الغافري وإبراهيم العبري وياسر المجعلي إلى أمير عبرى، ليؤدوا إليه ما تحملوه عن الإمام من النصيحة، فجابههم بعناده، وصدهم عن بلاده، ولم يسمح لهم بدخول البلد، فضلاً من استماع الخطب ثم كرروا العودة إليه، وخوفوه مغبة الخلاف، فأبى إلا إجلاءهم بذلك رأى أعيان السرية: أن لا محيص من الاستنجاد بالإمام وعرض الخبر عليه فرجع جوابه يأمرهم أن لا يقدموا على أمر قبل
وصوله.
وبعد شهر كامل جهز جيشاً يرأسه بنفسه، وأرسل إلى عامله بالرستاق: السيد هلال بن علي أن يوافيه بمن عنده ببلد العينين من الظاهرة ولما وصل الإمام ثقل الأمر على الشيخ اليعقوبي، فكان من رأي الشيخ ياسر بن حمود المجعلي: أن يعيد إليه الكرة مرة أخرى، فكلمه وأسدى إليه النصيحة، وقد أن له أن يرغم نفسه الأمارة، بالقهر عليها، والانقياد لما أراده الإمام منه، فتخلى عن مركزه، بعبري، وسلم البلاد على أن يكون الماضي معفواً عنه غير مطالب به.
بهذ الانقياد، ودخول هذه البلاد التي هي كرسي الظاهرة وعليها الاعتماد، تمكن
،
المسلمون من الظاهرة وسلم السليف للمناذرة فجمعوا شملهم المتمزق بها. بعد استقرار الأمر، خطب الإمام بتولية الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري على الظاهرة بأسرها. هنا قامت قائمة الخلاف وحصل الاختلاف، حينما أبي بنو غافر من تسليم حصن العينين الذي هو تحت أيديهم لإبراهبم قائلين: إن الحصن حصنكم، ونحن عسكركم، نكون فيه، وليكن تحت أيدينا، فلم ير الإمام إلا خروجهم منه وإجلاءهم عنه، وكان أولاد الشيخ عيسى قد نزلوا به، فاضطروهم للخروج منه بعنف، فعزم الإمام على حربهم. وتوجه إلى العراقي بقربهم فالتقاه الشيخ سعيد بن ناصر الصوافي، وأكرم نزله، وفتح له باباً من بيته بالجانب السهيلي، فهو الآن يسمى باب الإمام.
وكان من رأي الشيخ عيسى السكوت عن بني غافر وحصنهم. ولم ير الإمام إلا المساواة، وأن تكون المراكز من الظاهرة كلها تحت يده فكان في الجيش خداع ومكر، وفي الرؤساء تعصب وفخر. وعادة أمراء عمان الكذب والمراوغة، فخاف الإمام أن يستفحل الأمر، وأعرض عن قهر جميع المعاقل، فبقيت بيد أهلها وبقي في نفسه شيء، دخل به على أنصاره. وأصيب الشيخ عيسى في هذه الغزوة بمرض، فحمل على السرير إلى بلدة بهلا.
327 (1/327)
صفحة 328
ولما استكملوا الوصول بها جمع الإمام مشايخ العلم واعتذر عن التصدر في المنصب، وطلبهم الاستقالة والاستعفاء، وأن يختاروا من يرونه إماماً لهم، وهو كفرد واحد، فكانت بالمصر ضجة تعب لها المفكرون، وما كان ليترك أمر المسلمين إلا لما رآه من التحزب الباطل في عدم إنفاذ الأوامر والمساواة في نزع المعاقد من أيدي الظلمة المتغلبين، وأنه المسؤول والمؤاخذ، فاجتهد القضاة في مكابرته عجزوا عن محاورته، وفي مقدمتهم العلامة أبو مالك، فإنه شمر عن ساق وجد واجتهد. وأخيراً له أن المسلمين لا يرضون سواك، ولا يتفقون على غيرك، وأن استقالتك تكون شؤماً على المصر، فلا تخلو من نصيب بسفك الدماء المحقنة بالإمامة وما كاد ليرجع لولا حدته
عليه.
صرح
أن
وبالجملة فالنصيب من هذه الغزوة رجوع المناذرة إلى بلادهم، كما هو المقصود أول الأمر. وفي عام 1359 هـ وقع بأطراف نزوى ترهات من قطاع السبل واللصوص المساعدين لهم فأرسل الإمام سرية تحتوي على ما دون العشرة، من عساكره إلى السليف من الظاهرة، وأمرهم بالفتك بهم، وكتب للشيخ محمد بن سيف المنذري، أن يكون معهم، فكان من الحظ الجدير بقدرة الله، أن بلغ الخبر إلى المقاطيع، فأقبل أربعة من أعيانهم، فدخلوا على العسكر بنادي القهوة بالسليف، مستهزئين متمردين. غرهم العدد قليل وأنهم دخلوا عليهم في حجرهم الظاهرة، ولن يفلتوا منهم، فأخذوا يقرعونهم ويهددونهم. فما كان جواب العسكر لهم إلا ما نطقت به البنادق على رؤوسهم، فاختطفت ثلاثة منهم والرابع الحاتمي رئيسهم الأكبر، تبادل مع الشيخ المنذري الخناجر، فخرا صريعين. ولم يصب السرية ولا من حضر النادي بأس. والحمد وبعد هذه الحادثة انقطعت آمالهم من الوقوف على الطرق إلى أن دخلت الظاهرة، بعد أشهر قليلة تحت إمرة الإمام، كما ستراه - إن شاء الله.
الله.
،
الثورة الثانية إلى عبرى
كانت في أواخر سنة 1359
ما زالت تصدر بين أمير عبرى الشيخ عبد الله بن راشد اليعقوبي وابنه محمد بن عبد الله منافسة أصلها حب الرياسة، فنتج منها أحقاد وشحناء والله تعالى يقول: إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ولا بد أن يكون الابن مأموراً، أو مجبوراً
328 (1/328)
صفحة 329
أو عاقاً كفوراً، فقويت حركة محمد عَلَى أبيه، فخشي أبوه الضرر الأكبر، فكتب إلى الإمام سرا، بواسطة الشيخ زاهر بن غصن الهنائي: إني أحب التخلي عن إمارة عبرى، فأرسل إلي من يقبض معقلها، فكلم زاهر الإمام فيما جاء به سفيره إليه، فكان من جواب الإمام: إني لا آمن غدر عبد الله، ولا أرجو الوفاء منه، ويحملنا على إجابته إنقاذ المضطهدين، وإنصاف المظلومين الذين تحت إمارته.
ثم قرر الإمام أن يجهز الشيخ زاهر بمن معه بمظهر المتوسط، لإصلاح ذات البين بين الشيخين، وأن يجس نبض عبد الله فيما وعد به هل هو ثابت على وعده؟
حتى
سار زاهر وأناخ بجامع عبرى وسعى فيما جاء إليه، وعمل بتوصية إمامه له، فما رأى من عبد الله إلا النكث ولم يكتف بذلك حتى انتهى أمره إلى قرعه باب الغدر به. وكان زاهر نبيهاً فطناً، أدرك منه ذلك قبل وقوعه، فكتب إلى الإمام بذلك تفصيلاً. فصدر الأمر إليه بالانتقال من عبرى إلى السليف والمكان قريب. فما لبث إلا أياماً أوقد الدروع ومن شايعهم نار الحرب على زاهر وأهل السليف فكانت بينهم مناوشات، ظفر فيها زاهر، وأتباعه إلا أن أيامهما طالت فأوجبت تحرك الإمام لإطفائها، فانتقل من نزوى إلى بهلا، وأنفذ سرية فيها أربعون رجلاً أمر عليها الشيخ محمد بن سالم الرقيشي وأمره أن يقيم الحجة على أمير، عبرى، إما بالإذعان والتسليم للمركز حسبما وعد وإما أن يتهيأوا للحرب فلما وصلهم أدى رسالته التي تحملها كما وبعد أخذ ورد ركن أمير عبرى إلى الانقياد والوفاء بالمراد، وتأجل ستة أيام حتى سلم
زمام ما بيده.
هي.
وقسم شطراً كبيراً من ماله لابنه، محمد استبقاء، لوده فحازه محمد في حياة أبيه، ولم ير الإمام بداً من الإنصاف من الدروع، فانتقل من بهلا إلى عبرى، وأنفذ الشيخ ياسر بن حمود المجعلي إليهم أن يحضروا لفصل الأحكام بينهم وبني هناة، فيما انتهكوا من الحرمات، وسفكوه من الدماء، ونهبوه من الأموال فتلكأوا، ثم فاؤوا لأمر الله، فحضروا مجلس الحكم.
أمر الإمام قاضيه الشيخ أبا زيد بالفصل بينهم، وأمر القضاة أن يحضروا استماع الدعوى، وأن ترفع إليه بعد ذلك للنظر فيها، والأمر بإنفاذها. حكم أبو زيد أن ما أتلفه الدروع من دماء وأموال مؤاخذون به، ويهدر ما تلف
329 (1/329)
صفحة 330
عليهم، للصحة القاضية ببغيهم، ووقع القضاة على ذلك، ثم رفع إلى الإمام فرأى صحته، وأمر بتنفيذه.
أبقي الإمام الشيخ الرقيشي، عاملاً على عبرى وتوابعها متكفلاً بوظفيتي القضاء
والولاية.
قيام الرقيشي على مناذرة السليف
بقي الرقيشي بعبرى وهم بإنفاذ الأحكام على المناذرة بالسليف، فردوا أمره وتعسفوا وبنبذهم أحكامه على أنفسهم أسرفوا فكتب إلى إمامه، يخبره عن حالهم. فكتب الإمام نصائح دينية إليهم، وأرسلها إلى الرقيشي، ليقرأها عليهم واختار الرقيشي ابنه إبراهيم لحمل هذا الكتاب الكريم، فعسى أن يهديهم إلى الصراط المستقيم، فلم يحصل منهم على وفاق، ونسوا ما كانوا فيه من الاضطهاد والإرهاق فعزم العامل على إنفاذ أمره بالقوة، لا باللين والمروءة، فحكم عليهم بالبغي والعناد وعاملهم بمعاملة أهل الفساد، وانقض عليهم انقضاض الشهب للرجم ووقفوا في وجهه وقوف القرم للقرم، فكانت بينهم في ليلة خامس من ذي القعدة عام 1360 ملحمة، أسفرت عن قتل أربعة من أصحابه، ثم كان حظهم في مجابهته تعيساً، فدخل بلادهم وكسر جناحهم المهيض، وأوهى قوتهم فسقطت إمارتهم، وهدم قصورهم حتى السور المحيط بحارتهم.
،
بهذه الحادثة أضرم المريخ، ناره وكادت تشتعل وقطب زحل وجهه، وبقي الأنصار في وجل، فكان من لطف الله في القضية أن نزعوا إلى حكم ربهم، وقبلوا المراشد القرآنية، فتقدموا إلى إمامهم أن يحضروا الرقيشي للمناقشة فيما جناه، تحرجاً من دخولهم في البلوى، وأن يجمع قضاته للنظر في هذه الدعوى؛ لأن بعضهم يقول: إنها حاجة في نفس يعقوب قضاها، وإرادة للشيخ أنفذها وأمضاها، فجمع الخصوم بجامع نزوى وعلت الأصوات وأسروا النجوى وكتبت الدعوى، والمهج تتميز من الغيظ، وجيء بالرقيشي، وهو يزفر زفرات الغيظ، فقدم حججه المنيرة التي أسند عمله عليها من الأثر، وبررها بقوله: إنه لم يكن له فيهم أرب ولا وطر، وما حمله عليهم إلا الكبر والبطر، فنظر الفقهاء في جوابه وحققوا ثم فكروا ودققوا. وبعد الاجتهاد والتنقيح، رفعت المحاكمة إلى الإمام وإليه في المشاكل الترجيح، فكتب تحتها بخطه.
وهذا نصه:
330 (1/330)
صفحة 331
أقول: قد نظرت في جواب الشيخ الرقيشي وأقول: إنه أخذ بأقوال أولئك الجهابذة الأعلام، ونحن نقصر عن تتبع أقوالهم وهم القدوة وأفعاله كلها خارجة على
وفق فتواهم، ولم نرها خارجة عن الحق والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم كتب: هذا ملحق لدعوى السليف هذا ما رأيته لبني هناة في دعاويهم في حرب السليف، من قتل قتلاهم، والناهب من أموالهم عند دخول محمد بن سالم هذه البلدة. ورأيت أنا ومن حضرني من أهل العلم أنه لا تهدر دماؤهم؛ لأنهم غير داخلين في الأمور. وحين لم يظهر قاتلهم أن يكون على بيت مال الله خمسمائة قرش لمحمود بن عبد الله ومائتا قرش من دية المرأة المقتولة، وأما الجرحى فذلك حكمهم بعد الصحة من الجراح، وأما أمر المال الذاهب، فقد تحملته، وصح العزم عن ستمائة قرش، على وجه الصلح والمرافقة. وأما الرمي الذاهب بدل الرمية رمية أن أؤديها. وذلك مائتا رمية صمغ برست، ومائة رمية موزر، ليعلم ذلك.
وكتبه إمام المسلمين محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي بيده، في سادس من شهر
صفر سنة 1361.
وبعد هذا خطب الإمام بحضرة العلماء والرؤساء: إن ما أمضاه محمد بن سالم في السليف فمن أمري وهو، هدر، إلا ما استثني من ذلك، وهو قتل رجل من أهل عملا من الغرباء في البلد، فكانت ديته في بيت المال. اهـ.
ثم أمر برجوع أهل السليف إلى بلادهم وأذن لهم ببناء ما هدم من بيوتهم، وأمر برد ما نهب من أموالهم، وأن يكون العزور والمناذرة على حال واحد، كما كانوا في مسالكهم ودورهم ومساجدهم؛ لأنهم كانوا في حارة واحدة بناها لهم الإمام سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي وعندهم فيها وثيقة هذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
بتاريخ يوم الجمعة الزهراء لعشر خلون من شهر رجب من سنة ثمان وثلاثين سنة ومائة سنة وألف سنة منذ الهجرة ليعلم من يقف على كتابي هذا من المسلمين، وأنا الله عمر بن مسعود بن ساعد المنذري، بأن هذا الحصن المذكور هنا قد بناه الإمام
الفقير
331 (1/331)
صفحة 332
الله
بن
العادل سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي لخدمة المشايخ صالح بن عبد الله العزوري، وجدي ساعد بن مسعود، وجدي عبد الله بن مسعود وابن عمهما مبارك بن خميس المنذريين، ولذريتهم من بعدهم ولمن معهم قبل كتابي هذا لا لغيرهم من القبائل، إلا على من يرضونه جميعاً، وأن الربع الذي فيه بيوت أولاد الشيخ صالح بن عبد فالرأي فيه لهم دون غيرهم من الجماعة والربع الذي فيه بيوت أولاد عبد الله مسعود، فالرأي فيه لعامر بن عبد الله دون غيره من الجماعة والربع الذي فيه بيوت أولاد ساعد، فالرأي فيه لهم دون غيرهم من الجماعة وأن كل من له رأي في ربع من أرباع هذا الحصن، فغير محجور عليه إدخال من يشاء ويريد من الجماعة، الجائز لهم الدخول فيه ببيع أو هبة وقد عاهدوا الله تعالى على القيام في هذا الحصن، بطاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أهل الحل والعدل، وطاعة أولي الأمر، والاجتماع على ما فيه الصلاح، من سلامة الدين والدنيا والاقتداء فيه بصالحي أسلافهم.
نسأل الله لهم التوفيق لطاعته ومرضاته والثبات على الصفا والوفا؛ إنه سميع مجيب. وكتبه عمر بن مسعود، بيده بتاريخ ما تقدم وكان الكاتب لهذا الصك من الفضلاء الأعلام من المناذرة.
وفي سنة 1363 رأى الإمام عزل الرقيشي من عمله واستبدل عنه الشيخ العلامة زاهر بن سيف الفهدي، من بني ريام وكان رجلاً ورعاً ولكنه لم يمارس العظائم من الأمور وأهل الظاهرة بداة وحوش بل جل أهلها أغبياء من العرب والبلوش، فلم يكن في استطاعته حملهم على الجادة فبقي بها سبعة أشهر واستعفى من القيام بها فقرر أن يرجع إليها الشيخ الرقيشي ثانية فبقي بها كالعادة إلى أن أعفاه الإمام في شهر صفر من عام 1372 هـ، وكانت مدة ولايته الأولى والثانية اثني عشر عاماً وأربعة أشهر.
من أحكام الرقيشي بعبرى
الحكم على أهل السليف بالبغي وإيقاعه بهم.
ومنها رجم امرأة محصنة أقرت بالزنا.
ومنها جلد امرأة بكر أقرت بالزنا.
ومنها قتل رجل معمري قتل أمه.
332 (1/332)
صفحة 333
ومنها الحكم في أموال الشيخ عبد الله بن راشد اليعقوبي، بأنه مستغرق في المظالم، وإدخاله في بيت مال المسلمين، وهو قول لبعض العلماء، ورأى الشيخ
صحته
ومنها قتل الباغي سويدان بن علي بن حامد أحد شيوخ الدروع، تحصن بحانوت تاجر من تجار عبرى، فأمر الرقيشي بحرق الحانوت بالنار، ليخرج منه الباغي حتى خرج، فقتل وحكم بالتالف على التاجر ضمانه في بيت المال.
ولاية إبراهيم بن سعيد العبري
ولما أعفي الرقيشي من ولاية عبرى جعل عليها الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري، فقبض مركزها في اليوم السادس من شهر ربيع الأول سنة 1372 فبقي ناشراً ألوية العدل، قائماً بالقسط وما بالرجل من قصور ولكن الحظوظ أقسام، فكان من قدر الله أن بعضهم يأنف من، إمرته ولا يراها وأحب أن يعطي نفسه مناها، فطلبوا من الإمام عزله، فلم ير ذلك، فقام حمد بن سيف الكلباني، ومحمد بن عبد الله اليعقوبي، في اليوم العاشر من شهر شعبان من السنة المذكورة، فاستلما المركز من الذين فيه، بسياسة من غير قتال. وكان إبراهيم غير حاضر بالبلد، وهذه مكيدة قد دبرت ببلد امطي، اجتمع عليها المشايخ سليمان بن حمير، ومحمد بن سالم الرقيشي وعلي بن هلال الدرعي، وحمد بن سيف الكلباني، وياسر بن حمود المجعلي، حنقاً على الإمام، لما أبي من إسعافهم بعزل إبراهيم، فأحبوا أن يفهموه باقتدارهم، وأن يرغموه على امتثالهم، حتى لا يخرج في المستقبل عن رأيهم وسليمان يعتقد أن الغافرية طوع أنملة، وأن البلاد متى أرادها تكون في يده وهيهات وليس الأمر كما حسب إنما انتهت هذه الفكرة بالفشل، ولم يقف شرها عند هذا الحد، فإنها أخلقت ديباجة الدولة، وأسقطت حرمتها، حتى لم يكن لها في نظر العامة ولا في نظر متغلبي الأطراف حرمة.
بعد صدور هذه الحادثة أرسلني الإمام إلى عبرى للفحص عن الواقع، والبحث عن الحالة هناك، فرجعت إليه، وقد جمع جيشه، فأبديت له ما شاهدته وعلمته. وإني أرى بالأنصار خوَراً يؤدي إلى خطر والأولى أن تترك الناس على ما هم عليه الآن، ولا تظهر عزمك على القيام ولا عجزك عنه حتى تهدأ الحالة وتتبين الخلاصة. وعاتبته على إصداره لأمر كان يأنف منه فأجابني - رحمه الله - إني لما خولطت في رأيي،
333 (1/333)
صفحة 334
باتهامي أن الشيب أخذ مني، الخروج إلى الجهاد كعادته، فقرر أن يكون عبد الله بن الإمام سالم أميراً على الجيش، فرأى من بعضهم أحوالاً تعاكس رأيه.
، كان هذا نتيجة. وكان - رحمه الله ـ به مرض يعوقه من
ثم خرج الشيخ أحمد بن محمد الحارثي إلى مسقط ورجع إلى نزوى، وقد زوده السلطان عشرة صناديق رصاص وعشرة آلاف، قرش ولم يأذن له بالتصرف فيها، قبل خروجهم من نزوى فكان هذا من الأسباب الداعية للفشل والمحرضة على الشر من لم
يركب.
ثم أصدر أمره إلى الناس والجيش، بالرجوع إلى أوطانهم، فاجتمع إليه المشايخ: إبراهيم العبري، وأحمد الحارثي وعبد الله الهنائي يلومونه على التأخير، ويحرضونه على القيام، حتى أسهبوا في الملام وأطنبوا في الكلام وقد حركتهم الإعانة المسقطية. وكان - رحمه الله - يميل إلى الإقناع في المناقشة سواء كانت دينية أو سياسية، فأخبرني من سمع كلامهم أنه أقنعهم أولاً كل الاقتناع ثم رأى منهم إدلالاً واستخفافاً، فقرعهم أشد التقريع، وذكر كل واحد منهم بما يعلمه منه من النكوب عن الجادة في عمله، أو
خلقه، بمعرفة خبير بصير.
،
وقد أوردنا خبر عبرى متتابعاً على طريق الاختصار؛ لاستحضار الفائدة، وإن خالف
أسلوب التاريخ. (1/334)
صفحة 335
ترجمة الشيخ مهنا بن حمد العبري
بن
في اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة الحرام من شهور سنة 1342 توفي الشيخ مهنا بن حمد بن محسن بن زهران بن محمد بن إبراهيم بن راشد بن سالم بن راشد بن إبراهيم بن عيسى بن عمران بن راشد بن عمر بن عيسى بن عمران العبري الحمراوي، ينتمي إلى عبرة بن زهران بن كعب بن حارث بن كعب بن عبد الله مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر وهو النبي هود عليه السلام وكانت وفاته ببندر جدة، من أرض الحجاز، خرج في أعيان قومه لأداء فريضة الحج، فلما قضى المناسك، وقفل راجعاً أصيب بمرضه الذي كان سبباً لوفاته وكانت ولادته في عام 1289.
تولى هذا الأمير إمارة، قومه بعد موت أبيه حالاً، بإشارة العلامة ماجد بن خميس، وموافقة إخوانه وأبناء عمه وأعيان، قومه، فقام فيهم على ساق الجد والإصلاح. وكانت همته عالية، في عمارة الأموال والبلاد وخدمة الأنهار وتوسعت بذلك ثروته، وكثرت أمواله، وأخرج فلج زكت من بلد عمق فصار به انتفاع البلاد أكثر من انتفاعها بالفلج القديم في أيام المحل؛ وباعتنائه حصلت زيادة في فلج قلعة المصالحة من كدم، وأحدث في بلد الحمرا مزرع الظهرة الكبير فعظمت منفعته لمن بعده.
وبالجملة فإنه مصلح كبير، وفي صدر إمارته خرج على بلد العوابي؛ لإخراجها من
يد السيد سعيد بن إبراهيم بن قيس، لما كثر الفساد بها من القائم، فأحاط بهم في الحصن أياماً فأخرجهم منه، وسلمه للسلطان فيصل بن تركي وترك به عسكراً من أهل حضرموت، تحت قيادة رجل منهم، يقال له عبد الله بن سالم الشريف، فلما كانت دولة الإمام سالم بن راشد طلب شيخنا العلامة ماجد بن خميس من الأمير مهنا؛ وكان ماجد يومئذ قاضياً للإمام، بنزوى أن يقوم على الشريف القائم بحصن العوابي، من قبل السلطان، ليدخل مع عمان فيما دخلوا فيه من مبايعة الإمام والمجاهدة معه، فأجابه إلى ذلك، ونهض بقومه ودخل البلاد كما سبق ذكره
335 (1/335)
صفحة 336
وفي أيامه كانت الحرب بنزوي، بين السيد سيف بن حمد، والشيخ حمدان بن سليمان النبهاني، فكان الأمير مهنا مصلحاً في أول الأمر، ثم استنهض قومه فأجابوه. فكان عند السيد سيف في حزب السلطان. وسبق ذكر ذلك. وكانت همته غير قاصرة في توطيد بلاده، وإصلاح، قومه ودفع الشر عنهم بكل سياسة لكونه الحوّل العنقفير، الذي شهد له في وقته بالتقدم في السياسة على نظرائه، فنمى آل عبرة في
ومع
هذا فغير متراخ عن طلب العلم والاجتماع بالعلماء. وزهرت في أيامه عاصمته الحمرا بوجوده والشيخ ماجد، وكثر الطلبة ا. هـ. نقلاً عن تبصرة المعتبرين في مآثر العبريين للشيخ إبراهيم بن سعيد.
وقال في موضع آخر ـ عند ذكر العبريين بتصرف فيه -: وهذه القبيلة من أعرق قبائل الأزد اليمانية القحطانية، وإخوتهم وأولاد نصر بن، زهران وهم أبناء معولة بن شمس، وبنو بو حسن، وبنو خروص وبنو، بحرى وأولاد شاري بن اليحمد، وأولاده عبد بن زهران، وهم أولاد مالك بن فهم من بني هناة ودوس وعدنان. وقد تفرقت هذه القبيلة، في مواضع شتى من عمان كغيرها من قبائل اليمن المنتقلة منها إلى عمان. وليس التفرق خاصا بها، بل كل قبائل عمان بهذه الصفة نفس كل غانية هند.
الله
فمنهم من استوطن الشميلية من الباطنة، ومنهم من انتقل إلى بلاد الحدان ومنهم من احتل أرض السر. والذي تؤيده آثارهم أن أكثرهم بها لأن أكبر قرى الظاهرة عبرى، وهي منسوبة إليهم. ومنهم من نزل وادي النخر من الجبل الأخضر، من أرض الجوف، ومنهم من كان ببلد الهوب وبلد مدروج من وادي السحتن. أما بلد الحمرا فلم تعمر إلا في أيام الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي الباني لقلعة نزوى؛ فإنه شرع في عمارتها هو وأنصاره العبريون في أول شهر جمادى الآخرة سنة 1266 كانت عمارتها هي وبركة الموز في وقت واحد ولم تكن للعبريين قبل عمارة بلدهم الحمرا إمارة جامعة، وإن كان فيهم أبطال القتال، وفضلاء الرجال.
وأول إمارة كانت في بلد، الحمرا إمارة أولاد طالب بن علي بن مسعود بن لاهي بن قاسم بن راشد بن مالك بن عمر بن سعيد؛ لأنهم كانوا أهل علم وفضل. وعلي بن مسعود هذا يجمع أولاد مالك، وأولاد خلف وأولاد طالب ثم كانت الإمارة
336 (1/336)
صفحة 337
بعد ذلك لأولاد عمران فكانت في أولاد راشد بن سالم بن راشد بن إبراهيم بن عيسى بن عمران بن راشد بن عمر بن عيسى بن عمران وآخرهم الشيخ راشد بن مالك؛ فإنه توفي سنة 1242 هـ.
وكان انتقال الشيخ زهران بن محمد بن إبراهيم بن راشد العبري من العراق إلى الحمراء في أيام الشيخ راشد بن مالك وكانت وفاة زهران سنة 1236 بسبب جراحة أصابته في معركة دارت بينهم وبني صبح أهل القرية وبانتهائها سالم أهل القرية، ودخلوا مع العبريين، وانتشاب الفتن بين بني صبح والعبريين في أيام راشد بن مالك، وكانت بينهم وقائع عديدة، وحروب شديدة.
وفي سنة 1243 اجتمعت إمارة العبريين لأولاد زهران وأولهم الشيخ محسن بن زهران بن محمد، فصار باري، قلمها ورامي سهمها. وكان مطاع الأمر، مسموع الكلمة. فكان بنو غافر المعروفون بالميايحة، اتخذوه كواحد من أمرائهم، يرجعون إليه في كثير من مهماتهم، ونصروه في عدة مواطن كما ناصرهم في عدة حروب، فإنه ناصرهم في حرب بات التي دارت بينهم وبني كلبان وفي حروبهم وبني شكيل في وقعة الجبل المسمى قرن بوسعدين. وقد ناصر بنو غافر رؤساء العبريين قبل هذه المناصرة؛ فإنهم اجتمعوا لحرب بني عدي وبني، لمك بوادي السحتن في إمارة الشيخ راشد بن مالك، وفي حرب بني صبح وبني شكيل وفي أيامه كانت بلاده الحمرا أمل الوافد، ومنهل الوارد. وقصده الأعيان ووفد إليه الشعراء من كل مكان.
كان الأمير محسن مقداماً مهيباً وجواداً وهاباً وكانت له وقائع وحروب، وقد اعتزل قومه في عصر الإمام عزان بسبب وقيعة نمت عليه، فأقام بوادي السحتن، ثم رجع إلى الحمرا بعد وفاة الإمام عزان فقضى عمره بها إلى أن توفي في يوم 12 من صفر سنة 1290، ثم صار الأمر إلى أخيه محمد بن زهران وابنه حمد بن محسن بن زهران، فبقيت كلمتهما واحدة مدة يسيرة ثم افترقا وبسبب افتراقهما، قبَضَ الشيخ برغش بن حميد أمير بهلا على الشيخ محمد العبري وابنه، بدر بسياسة من ابن أخيه حمد بن محسن، فصفدهما بحصن بهلا حتى قتلا فيه. وفي ذلك الوقت كان بناء بيت الفوق، المسمى حصن العوابي، ثم كانت الإمارة بعد ذلك في الشيخ سالم بن بدر بن محمد بن زهران. وفي أيامه وقع الخلاف بين العبريين وبني غافر، بوادي السحتن.
337
نهضة الأعيان ـ م 22 (1/337)
صفحة 338
وكانت هذه الحركة داعية للقتال، والتنافر بينهم حتى سلب بنو غافر وادي السحتن من العبريين، وساموهم سوء العذاب. وذلك في سنة 1302.
وبقي الشيخ سالم أميراً إلى سنة 1305 ثم ولي الأمر بعد ذلك الشاب الصالح الشيخ زهران بن محمد بن زهران، وكان صالحاً محبا للأخيار، ميالاً لمعالي الأمور، فكانت بينه وبني غافر ثلاث ملاحم كلها بوادي السحتن إحداها في سابع شوال سنة 1305 ووقع الصلح بينهم بواسطة حاكم الرستاق: إبراهيم بن قيس، على أن تكون عمق للعبريين وبلدة فشح لبني، غافر ووادي السحتن أكثره بيت مال، ثم انتقضت الأمور بينهم، فنهض ثانية في يوم 22 من ذي القعدة سنة 1307 فاصطلحوا على واسطة السيد إبراهيم مرة أخرى على أن تكون الحدود بينهم من مضيق الوادي، ما بين بلد الخضرا والميحة فمنها عالي للعبريين ومنها حادر لبني غافر ثم نهض النهضة الثالثة، يوم ثاني جمادي الآخرة سنة 1308 والوقت شديد البرودة، فدخل الخضرا، بعد معركة وقعت بينهم، بمكان يسمى ظهرة الفرس. وبعد انجلائها رجع الأمير زهران إلى الخضرا، فجاءت بنو غافر بجموعها، فالتقى الجمعان مرة ثانية فكان بينهم من الزلازل والأهوال ما لا يكيف فجرح في هذه الزحمة الأمير زهران جراحاً أثخنته، فانهزم قومه، لما أصابهم من الفشل، وحملوه إلى بلد فشح فتوفي بها يوم 12 جمادى الآخرة سنة
•
1308 ودفن فيها.
وكان هذا الأمير من فضلاء المسلمين وثقاتهم. وقد أثنى عليه نور الدين السالمي ثناء حسناً. وكذلك الإمام سالم بن راشد الخروصي. وبموت هذا الأمير الفاضل، كاد موقف العبريين أن يتضعضع من ذلك الوادي، ولكن السيد إبراهيم اعترض القضية، فأصلحهم على أن تكون حصون الوادي في قبضته، وأن يترك فيها عسكراً من قبله، فبقي الأمر كذلك حتى قتل بنو غافر عبيد بن هلال بن سند العبري، فقام العبريون على الحصون، وأخرجوا عسكر السيد منها بدون قتال ولعلهم، وافقوهم، وهدموا الحصون، ولم يتغير السيد إبراهيم من ذلك، فبقي لبني غافر من الوادي بلدتان: الخضرا والطباقة. وتقرر الصلح أن يكون الفاصل بينهم الشعبة التي بين الخضرا والميحة.
ثم ولي الأمر من بعده الشيخ حمد بن محسن، وكان هذا الشيخ ببلاد سيت عاصمة بني هناة انحاز بجوار الشيخ هلال بن، زاهر للجفوة الصادرة إليه من قومه،
338 (1/338)
صفحة 339
فسار إليه أعيانهم ومقدمتهم العلامة الشيخ ماجد بن خميس، فطلبوه أن يرجع إليهم، فأبى إلا أن يأذن له الشيخ هلال، فكلموا هلالاً، فرضي وزال ما بينه وبين قومه من الوحشة، إذ حلب شطري الدهر، وعرف ثمرة الاجتماع وكانت إمارته أيام سلم وراحة، وقام بواجبه في حق هناة، لما دارت عليهم دوائر السلطان ودافع عنهم بسياساته. وتوفي في شهر ربيع الأول سنة 1317. وكان مولده في أثناء العشر بين الستين والسبعين بعد المائتين والألف ثم كانت الإمارة لإبنه الشيخ مهنا الذي ذكرناه بصدر الترجمة ا هـ كلام الشيخ إبراهيم ببعض حذف وتصرف فيه.
339 (1/339)
صفحة 340
زيارة الباشا سليمان الباروني لعمان
في شهر المحرم سنة 1343 زار عمان الشيخ المجاهد الغيور المحنك الدبلوماسي
الماهر الباشا سليمان بن عبد
الله رجوعه من حج بيت
الحرام.
الله بن يحيى بن زكريا الباروني النفوسي، وذلك بعد
ولما بلغ سلطان مسقط السيد تيمور بن فيصل نبأ وصول الشيخ الباروني إلى مكة المشرفة، كتب إليه يستحثه أن يقدم إلى مملكته وكان السلطان ذلك الوقت بالهند، فأبرق لوزارته باستقباله.
وحينما وصل إلى مسقط استقبله الوزراء والعظماء استقبالاً حافلاً، وخصص له قصراً فخماً أعد لنزوله وما زالت السادة وأعيان الحكومة يتنازعونه في الضيافة والإكرام. وفي أوائل شهر ربيع الأول من التاريخ كتب إليه الإمام يدعوه لزيارته بسمائل من
داخلية عمان.
ند الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي إلى أخيه ذي الشرف الباذخ، والمجد الشامخ، المجاهد في الله، الحامي لدينه، سليمان بن عبد الله الباروني. بعد؛ فإنا نحمد الله إليك لا زلت أخانا محافظاً شرف حريتك، ساعياً في عز استقلال بلادك، ألا وإن أعلام مجدك منشورة، وسيوف عدلك مشهورة، فلله درك، حيث أنت هكذا هكذا، وإلا فلا لا.
أما
الداعي لتحرير الكتاب إليك، بعد إهداء السلام والتحية والإكرام، إعلامك بأن إخوانك أهل عمان مسرورون بسلامتك وصحتك، مستبشرون بقدومك وطلعتك. وقد وجهنا إليك هذا الرسول طالبين منك الوصول على بركة الله، زائراً إخوانك، مشرّفاً
340 (1/340)
صفحة 341
أوطانك، فاضرب لنا موعداً لنوجه إليك رجالاً من الخاصة، رفقاء الطريق، وأخبر رسولنا بكل ما يلزم لنحيط به علما والله الميسر والسلام حرر في 13 من محرم سنة 1343 هـ. فلبي دعوته، وفي صحبته العلامة سعيد بن ناصر الكندي بعد ما زار هذا الشيخ ببلدة (المتهدمات)، ثم خرج منها إلى بلد السيب من الباطنة، فاستقبله بها رسل سيدنا الإمام، فخرجوا وهو في صحبتهم.
كان وصوله سمائل في اليوم الثامن عشر من شهر التاريخ، فأطلقت المدافع لوصوله 21 طلقة، وأنشدت الشعراء التهاني ونشرت الخطباء المثالث والمثاني.
ولما ألقى عصى الترحال شرع في حل العقبات بين الإمام والسلطنة، واجتهد في إيجاد كيان شامل لنظام الدين والدنيا، وبقي أياماً للتفاهم في إزالة الجفاء بين العاهلين، حتى قربت المياه من مجاريها.
وفي أول شهر ربيع الآخر، استدعاه الشيخ عيسى بن صالح لزيارته، وأرسل إليه أبو هشمة سعيد بن عبد الله الهاشمي ومحمد شيبة السالمي، فأجاب دعوة الأمير وخرج إليه وفي رفقته العلامة سعيد بن ناصر الكندي، وأبناؤه فتلقاه الأمير بوجوه قومه، فكان يوم وصوله عيداً بل يوماً مشهوداً، أطلقت فيها البنادق والمدافع، وتزاحمت الفرسان للسباق بتلك المجامع، وقد أصيب بحمى الملاريا لما كان بالقابل، ثم عوفي وأحب الرجوع، بعد انتهاء أمد الزيارة إلى مسقط، فكان وصوله إليها في اليوم الثالث من شهر شعبان من العام المذكور، وأنشد هذه القصيدة مودعاً لسيدنا الإمام، مبتهجاً بما رآه من الحفاوة وحسن الأخلاق
:
وداع من فؤادِ مستهام إليك عُمان يا مهد الإمام إمام المسلمين أبو المعالي محمد المؤيد بالحسام سليل المجد طلاع الثنايا لحضرته أبادر بالسلام وداع والعيون تفيض دمعاً لحزن لم تذق طعم المنام تناحى القلب وهو يئن طورا ويضرب تارة ضرب الرزام كأن لسانه يتلو دواماً وهل مثل التفرق من سقام ترکت عمان رغماً وهي تزهو بإخوان كعقد في انتظام
أسود لا يرون الموت بأساً وهم حصن منيع للمضام
341 (1/341)
صفحة 342
هم أدب به يُجلّى صدى من دَهَتْه نوائب الدول الجسام ويشرح صدر من ضاقت عليه رحاب الأرض من دول عظام ويشفي غلة المضنى ويُحيي نفوساً بالجهالة في ظلام وحدث ما تشا بالجود عنهم رهم في الدين أمضى من حسام لهم حكم بشرع الله يجري به كل المحاكم في انسجام فلا دول أجانب عن رعايا تناضل أو تهدد بانتقام ولا عهد يقيد مقتضاهم تحافظه القناصل بالخصام فهم في روضة حفت بأمن وفي حرية سمح النظام فزد في عزهم واخصب ربوعا بهم تختال يا رب الأنام وهب لي دعوة تروي غليلي إليهم يا مغيث المستهام ولما وصل مسقط راجعاً من عمان، عزم أن يتصل بملك العراق فيصل الأول، والتمس منه الإذن بالشخوص إليه، فأجابه مبدياً عطفه الملكي السامي على شخصية الباروني التي يقدرها كل عربي ويعرف مكانتها في الكفاح العربي القومي، فبقي في ربوع العراق جاعلاً بغداد محور مطافه وجولاته، ونقل أسرته إليها، ثم رجع إلى عمان مرة ثانية، فكلفه الإمام الخليلي رئاسة هيئة كبار العلماء والرؤساء، وقام بمهمته خير قيام، واستوطن فيحاء سمائل، وتزوج من عائلة الشيخ الجبري وأحد حكام عمان في القديم. ولما كانت الظروف القاضية على العمانيين بالتأخر عن الأوج والنكوص إلى الحضيض، عظم أمره على المنافقين الذين استحوذ الشيطان عليهم، وعلم أهل الأطماع اليأس من مطامعهم الفاسدة، وعرفوا أن لاحظ لهم عنده، فأتقنوا سياستهم، وأغضبوا الباروني، فقدم أوراق استقالته فكان من رأي الإمام في ذلك الوقت قبول استقالته وعدم إحراجه، وما ذلك إلا لأمر أراده الله بعمان حتى يبتلعها المستعمرون الذين فاتتهم هذه الأرض التي لم يكن في تاريخهم القديم ما يزين لهم الوطأة عليها ولو يوماً
النقطة
واحداً.
من
انتقل الباروني إلى مسقط بطلب من السلطان سعيد بن تيمور، فأكرمه وأولاه منصب المستشار العام لحكومته، وقام بإصلاحات متعددة حتى أدركته منيته، خرج من في صحبة السلطان سعيد يوم المولد النبوي عام 1359 هـ ونزل بومباي من أرض
مسقط 1359
342 (1/342)
صفحة 343
الهند، فأصيب بداء السكتة فمات فجأة مساء يوم الأربعاء 23 من ربيع
الأول عام عام 1359
ولد - رحمه الله - بمدينة (جادوا) حاضرة متصرفية فساطو من أرض المغرب خلال
عام 1287 هـ الموافق (1870 م) وتلقى العلوم الدينية والعربية في جامعات تونس والجزائر ومصر. وكثيراً ما أخذ من أبيه العلامة الزاهد عبد الله بن يحيى، وعن قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش - رحمهم الله - ثم قفل راجعاً إلى وطنه، بعد أن تزود ثقافياً بكل ما يمكن. وكانت له آراء خاصة بسياسة الدولة العثمانية، فاستوجب نقمة العثمانيين عليه، واضطهدوه في عهد السلطان عبد الحميد بسجن ونفي وتشريد، واختير عضواً بمجلس المبعوثين التركي نائباً عن الجبل المغربي مفوضاً من أربعين ألف نسمة، فلم تتفق وجهة نظره الوطنية مع أنظارهم التوسعية وبقي في كفاح مرير شاق حتى اعتدت إيطاليا على طرابلس فشنت عليها هجوماً عنيفاً، فساهم بجهوده في تحرير بلاده، واستغل نفوذه في إثارة الوطنيين ضد إيطاليا وهب الجميع لتلبية ندائه.
فلما كان الصلح بين تركيا المغلوبة وإيطاليا، الغالبة أبى الاعتراف بهذا الصلح، فواصل كفاحه إلى أن اضطر مكرهاً إلى دخول الحدود التونسية، فأقلته باخرة عثمانية إلى الآستانة، فعين عضواً بمجلس الشيوخ العثماني، فلم تستقر نفسه حتى أقنع المسؤولين باستئناف الجهاد فأجيب إلى طلبه فأرسلته الحكومة إلى مواصلة الدفاع، بعد أن عينته والياً على طرابلس. وظل كذلك حتى قررت تركيا الانسحاب من طرابلس، لاعتبارات سياسية. فحاول العودة إلى الشام أو مصر أو تونس، فوقفت بريطانيا وفرنسا في وجهه من دخولهن. ولما وصل إلى باريس عن طريق، روما ظل بها عامين لا يؤذن له بالسفر منها حتى تبدلت الظروف ومهد له الملك المعظم حسين شريف مكة طريق السفر من مرسيليا متعللاً بأداء فريضة الحج.
كان هذا الشيخ وآباؤه بمنزلة عظيمة في قومهم، وجدتُ في قراطيس كتبها الباروني لسيدي الوالد نور الدين السالمي منها أن آباءه الكرام منذ تسعماية عام لم يخل الجبل القومي منهم إما عالم أو قاض أو زاهد أو مرشد.
وهذا كتاب له من الإمام اعتماد بتمثيل أمة عمان في المؤتمر الإسلامي المزمع
عقده لأجل قضية الخلافة بمصر:
343 (1/343)
صفحة 344
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين بعمان محمد بن عبد الله الخليلي إلى جناب المجاهد في سبيل الله الغيور في دين الله أخينا الشيخ سليمان الباروني - وفقه الله، السلام عليكم ورحمة،
الله
وبركاته:
حيث إن العالم الإسلامي في اضطراب واهتمام بقضية الخلافة والأماكن المقدسة. وقد تقرر على ما بلغنا عقد مؤتمر لأجل ذلك، فإنا نكلف جنابك باسم الأمة العمانية أن تحضر هذا المؤتمر الذي سيعقد لهذا الغرض الديني السامي في مصر أو غيرها من البلاد الإسلامية، وليكن رأيك في مسألة الخلافة مطابقاً لقواعد الشرع الصحيحة، وهي
تخفى عليك.
أما مسألة الأماكن المقدسة فليكن رأيك فيها مبنيا على حمايتها. من عبث العابثين بها ووقايتها من تسلط كل يد أجنبية عليها مهما كانت مقاصدها وصبغتها، وقد استحسنًا جداً تكليف جناب السلطان إياك بالتوجه إلى الحجاز مندوباً من طرفه، وحاملاً كتاب نصيحة منه إلى المتحاربين حول بيت الله الحرام.
فنعم الرأي رأيتماه؛ فإن المسألة من أهم ما يجب أن يهتم به كل مسلم.
وإننا لا نزال في شغل من ذلك. والمنتظر من جنابك موافاتنا بالأخبار الصحيحة بدون فاصلة. والله تعالى نسأله أن يوفقك والمسلمين أجمعين إلى ما فيه خير دينهم
ودنياهم آمين.
رمضان المعظم 1343
ولكن لم يتيسر للباروني تلبية رغبة الإمام لحضور المؤتمر الإسلامي بمصر.
قتل أمير ينقل
في ليلة العاشر من شهر شعبان سنة 1344 هـ قتل أمير ينقل الشيخ خلف بن
344 (1/344)
صفحة 345
سنان بن غصن بن سنان العلوي في مأمنه ودار خلافته، بحصن ينقل، غدر به بنو أخيه محمد بن سنان طلباً للرئاسة، ثم قتلا من حينهما، فولي الإمارة بعدهم ابن عمهم خليفة بن هلال بن غصن، وبقي بها حتى خرج عليه بنو عمه سيف بن عامر بن غصن وسليمان بن سنان بن غصن في شهر جمادى الآخرة سنة 1346 وكان مريضاً، فأحاطا به فنزل من الحصن واستوليا على البلد ثم استبد سليمان بالأمر وأخرع سيفاً بخدعة، وبقي سليمان أميراً عليها حتى توفي واستولى من بعده ابن أخيه حمدان بن ناصر بن سنان، فما لبث طويلاً حتى رصد له أبناء سيف بن عامر فقتلاه وتفردا بالإمارة، فأرسلا لأبيهما، وكان غائباً، فقلداه الأمر، فبقي بها. وهو أميرها لليوم وما زال الغصون على ذلك. كان الشيخ خلف كريماً جواداً، عرف بالبسالة وحماية الجار، وتفرد بمحامد لم ينلها غيره من نظرائه في وقته حتى ضرب به المثل والغصون أصلهم من الدوحة من أرض نجد كذا يقول الشيخ سليمان بن سنان العلوي.
ترجمة شيخنا العلامة
ماجد بن خميس العبري
في فجر اليوم الرابع والعشرين من شهر المحرم سنة 1346 توفي ببلد الحمرا شيخنا العلامة الزاهد ماجد بن خميس بن راشد بن سعيد بن مسعود بن راشد بن خميس بن عمر بن عيسى بن عمران بن راشد بن عمر بن عيسى بن عمران العبري الحمراوي، ودفن بالجانب الغربي من مقبرة الحمرا كان أبوه ذو الغبرا خميس بن راشد من أفاضل المسلمين وثقاتهم، وكانت بينه ومشايخ العلم المحقق الخليلي وناصر بن أبي نبهان مکاتبات ومراسلات حال اجتماعهم، على تقديم السيد حمود بن عزان إماماً
للعمانيين.
ولد الشيخ ماجد
الله رحمه
ورضي عنه ـ في شهر رجب عام 1252. وقيل: عام 1254 ببلد الحمرا من كدم نشأ في حجر والده، فبقي يغذيه بحنوه عليه وعطفه إليه، فشب على مهاد البر وحب الخير والميل إلى المعالي، ولم يَصْبُ إلى اللهو واللعب من أول نشأته، تعلم القرآن والكتابة من الشيخ ناصر بن سالم العدوي، وأخذ مبادئ النحو وشيئاً من مهمات التوحيد من والده الشيخ خميس بن راشد.
345 (1/345)
صفحة 346
وبعد وفاة والده انتقل إلى الرستاق في أيام السيد أبي عزان قيس بن عزان بن
قيس بن عزان لما شاع من محبة هذا السيد في العلم وتقريبه للعلماء حتى كانت غرفة الاستقبال بحصن الرستاق المسماة غرفة الصلاة، لا تجد فيها إلا مدرساً أو مكرراً أو ناسخاً أو مملياً أو مصححاً. وكان السيد إذا ارتفع من مجلسه العمومي قعد عندهم فيجلب لهم الطرف والتحف ترغيباً لهم.
ولما توفي السيد قيس لازم ابنه السيد عزان بن قيس الذي قلده المسلمون الإمامة العظمى، فتولى السفارة بينه وشيخ العلم المحقق الخليلي فيما يرونه من جمع الشمل. وكان ممن خرج في الجهاد أول خروج الإمام إلى بركا واستيلائه عليها. ولما فتحت بهلا جعله الإمام عزان عاملاً عليها، وأبلى فيها بلاء حسناً. كان هذا الشيخ في زمانه من أكبر فقهاء عمان، فإنه اشتغل في غالب حياته درساً وتدريساً وقضاء وفتوى، ولم يتعرض للتأليف. كانت له رغبة في قراءة الشعر وإنشاده. وله قصائد جمة في الوعظ والحكمة، ثم ندم على ذلك فمزق ما وجده ولم يبق إلا ما فاته في أيدي الناس. فمن نظمه، هذه القصيدة في الوعظ:
هيه يانفس مالنا لانتوب ذهب العمر والرحيل قريب كل حي قد احتواه طلوع سوف يعروه بعد ذاك الغروب كنت بالأمس أرتجي الشيب واليوم أراني أناخ في المشيب كلما سرني الزمان بشيء ساءني بعد ذاك منه الذهوب كيف يحلو دهر لنا وهو هذا دأبه دائماً وكيف يطيب كل يوم للدهر فينا خطوب تنقص العمر والنفوس تطيب أين آباؤنا ومن قد صحبنا أين آباؤنا وأين الحبيب فرق الدهر شملنا وبنا من ذلك الفرق حرقة ولهيب وبهم ما بنا من الحزن والدمع على الخد سائل وصبيب فيهم الشيخ واهن الجسم قد صار وفيهم كهل وطفل رطيب
كيف ينجو من المنايا عزيز أو ذليل أو جاهل أو لبـ عجب يعشق الفتي هذه الدار وإن الفتى بها لغريب عشقوها ومالهم فارقوها ضيعوا العمر ثم فات النصيب ليت شعري ماذا التجاهل والأمر صريح وإنه لعجيب
346 (1/346)
صفحة 347
سيئات
زودتهم في سيرهم موبقات وليس عنهم تغيب فدعيها يانفس لا تطلبيها واطلبي غيرها فإني حبيب وافعلي الخير واتركي كل ذنب أنا عبد قد أثقلته الذنوب واصدقي الله توبة واعلمي من يصدق الله تائباً لا يخيب أنا عبد غرقت في بحر ذنبي فانقذ العبد مالكي يا مجيب وقطعت الحياة ظلماً لنفسي فاعف واصفح والطف بنا يا رقيب أنت ربي إليك وجهت وجهي وأنت نعم الحسيب
أنت
حسبي
كانت له أجوبة مسائل، وردت إليه في مختلف الفنون نظماً ونثراً. أما النثر فلا يقل أن لو جمع من أربع مجلدات. وكان شديد الحرص على اتباع العلماء المتقدمين، وكثيراً ما يشتد على علماء عصره، إذا رأى منهم ما لم يألفه من شيوخه الأقدمين، ولا يبالي في
الرد عليهم.
،
فمن ذلك أن المحقق الخليلي أَمَرَ ولاة القرى في أيام دولة الإمام عزان بطناء زكاة كل بلد، قبل أن تجبى ثم يجبيها المستطني بنفسه لنفسه، فوقع في نفوس جملة من علماء ذلك العصر، ولم يتجاسروا أن يردوا على الشيخ فكتب الشيخ ماجد إلى زميله الشيخ عبد الله بن محمد الهاشمي إنكاره ذلك. وكان فيما كتبه له: إني لم أعرف وجه ما انتخبوه من الرأي في طناء الزكاة مع ما في ذلك من الجهالة. فأرسل الشيخ الهاشمي اعتراضه هذا إلى المحقق الخليلي، ولكنه وقع في العبارة تصحيف في لفظة انتخبوه، فكان في موضعها انتحلوه قال الشيخ ماجد: لا أدري أكان ذلك التصحيف سبق قلم مني أم من، غيري وأنا لم أدر ولم أقصد إلا انتخبوه بمعنى اختاروه رأياً. فلما وصل ذلك الاعتراض عند المحقق الخليلي ورأى عبارة انتحلوه اشتد غضبه على الشيخ ماجد. وقال: إن هذا العالم الذي ظهر الآن في عمان نصب الرأي دينا؛ لأن معنى انتحل الشيء: اعتقده أو جعله نحلة والنحلة: الدين فكتب رداً عليه رسالة، أوضح فيها حجته، وعكر عليه من أجل تعليله بالجهالة والجهالة في البيع لا تفسده، ولا تكون علة لتحريمه كعلة الربا. وغاية ما فيها إدراك نقض البيع لمن شاءه من المتبايعين وقيل: لا يدركه إلا الجاهلون به منهما كما هو مبين في الأثر. فمن ثم اعترض عليه: بأنه نصب الرأي دينا. وأصل ذلك مما وقع من التصحيف، والشيخ ماجد لم يرد ذلك، وهو ممن يعظم قدر الخليلي، ويقر له بالسبق في الحلبة العلمية.
347 (1/347)
صفحة 348
ولما جبل عليه هذا الشيخ من الغيرة والمحبة لاتباع آثار السلف، اعترض على العلامة نور الدين السالمي لما أفتى بجواز بيع الأموال الموقوفة لزيارة القبور لعز الدولة، في صدر دولة الإمام سالم بن راشد الخروصي محتجاً بأن قراءة القرآن الكريم على القبور بدعة لا أصل لها من الكتاب ولا في السنة وأن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبور بعض أصحابه، ولم ينقل عنه أنه قرأ معها، قرآناً ولا أمر بذلك، وأنه قال: «خير القبور ما درس، وأنه نهى عن العبادة في المقابر وقال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد إلى غير ذلك مما نقل عنه الله من التحذير عن تعظيم القبور، وأن الإيصاء بتلاوة القرآن معها منافٍ لذلك، ومخالف لهديه ومجانب لأمره. وقد قال عليه الصلاة والسلام: كل شيء ليس عليه أمرنا فهو رد وفي رواية «فهو مردود».
أجاب الشيخ ماجد إني أسلم لكم أن القراءة على القبر لا تصلح، فما المانع من أن تكون في مسجد من المساجد التي هي موضع للعبادة وينوي القارئ بالأجرة القراءة للميت الذي أوصى له بها وعن الموصي بها، فيأخذ الأجرة حيث لا محذور مما قلتم.
أجاب النور السالمي: إن قراءة القرآن بالأجر مختلف فيها، فبعضهم منع
أخذ
الأجر عليها؛ لأنها عبادة، وبعضهم أجازه. ونحن نأخذ بقول المانعين ونحكم به. فقال الشيخ ماجد: أنا أسلم ثبوت الخلاف بين العلماء في جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه، ولكن الموصي أخذ في ذلك بقول المجيزين، والأوصياء والورثة أنفذوا تلك الوصايا وأخرجوها من أموالهم عملاً بقول المجيزين والعامل بقول لا يعنف ولا يرد فعله، فكما وسع المختلفين بالرأي يسع العاملين بشيء من أقوالهم.
،
فأجاب النور السالمي: إن أصل الإيصاء بذلك والإنفاذ له من الورثة والأوصياء لا يكون حجة تقطع الخلاف، وتمنع رد الفعل؛ لأنه فعل جاهل ولا يكون قطع الخلاف في مسائل الاختلاف إلا من إمام عادل فيصير حكمه في المختلف فيه كالمجمع عليه فلا يجوز نقضه لأحد من بعده في ذلك، أو مما يثبت حكمه في المختلف فيه من سائر الحكام والعلماء الأعلام. أما الجاهل فلا عبرة به، ولذلك لا تجد إماماً ولا عالماً أوصى أن يزار قبره، أو يتلى معه القرآن فهي باقية إلى هذا الأوان غير محكوم فيها بشيء نعلمه ممن سبقنا من الأئمة ولا هداة الأمة. فقد حكمنا نحن الآن ببطلان هذه الوصايا كلها، سواء كان الموصي معلوماً أو مجهولاً، ولكن المعلوم إذا كان ورثته معلومين،
348 (1/348)
صفحة 349
فالموصى به للزيارة يرجع إليهم ميراثاً على ما بينهم من السهام، والمجهول يرجع لبيت المال على أصح الأقوال.
فاستمر النور السالمي على إثبات حكمه، والشيخ ماجد على اعتراضه، وطالت بينهما المراجعة والرد في ذلك، ثم أخذ الشيخ في الاحتجاج على الإمام، ويخوفه في قبول هذا الحكم، ويغلظ عليه المقال، حتى ظن الناس أنه قطع بذلك عذر نور الدين، وأنه لم ير هذه من مسائل الاجتهاد ولا مما يسوغ فيه الرأي، فتغيرت عليه القلوب، وسيئت فيه الظنون. وكتبت في الرد عليه الرسائل، وصار العلماء بين ناصح له ومشنع عليه. ولم يلبث نور الدين بعد ما رأى تشديد الشيخ على الإمام، حتى جاء قاصداً بنفسه إليه ببلد الحمرا، ليبين له الحق أو يتبينه منه، فكان من قضاء الله أن كانت تلك الرحلة سبباً لوفاته. وقد ذكرنا ذلك في ترجمته وبينا بعضاً من محاولته. والتفصيل ليس من غرضنا. بقي في نفس الشيخ ماجد ما في نفسه على الإمام حرصاً على الاتباع، وطلباً للسلامة، لكنه لم يجد من علماء عصره من يعضده على هذا الإنكار.
وبعد موت سيدي الوالد نور الدين اجتمع الأشياخ بجامع سعال من نزوى، مع الإمام سالم بن راشد الخروصي، وفي مقدمتهم العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي، والعلامة الإمام الخليلي قبل، إمامته والعلامة عيسى بن صالح، والعلامة إبراهيم بن سعيد العبري والعلامة أبو زيد الريامي، والعلامة محمد بن سالم الرقيشي والعلامة الزاهد عبد الله بن عامر العزري وغيرهم من العلماء والفقهاء وطلبة العلم والرؤساء، فجرت المذاكرة في مسألة أموال الزوائر. وكان العلامة ماجد حاضراً، بيع فبين لهم ما عنده، فأجمع رأيهم، واتفق نظرهم جميعاً على السكوت عن تلك الأموال المبيعة، وعلى عدم بيع ما بقي منها وعلى عدم الخوض فيما سبق من الاختلاف فيها، وعلى عدم تخطئة نور الدين فيما صنع وإظهار ولايته - رحمه وجزاه الله عن الإسلام خيراً، فارتفع بذلك الاتفاق ما سبق من الشقاق وزالت الوحشة من القلوب.
ولم يقصد نور الدين إلا اتباع السُّنة في زيارة القبور بأن لا يزيد زائروها على السلام والدعاء شيئاً، كما صنع رسول الله، والمقابر ليست مواضع للعبادة، وقراءة القرآن من أفضل العبادات. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور، إذ كانوا حديثي عهد بالجاهلية؛ لئلا يتوهم أحد عبادتها، ثم أباح لهم زيارتها بعد ما رسخ الإيمان في
349 (1/349)
صفحة 350
القلوب، وانتشر الإسلام في الجزيرة وزال المحذور. فقال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هُجْراً أي كما تقول الجاهلية من الفحش والدعاء: بالويل والثبور. ونور الدين لا يمنع الزيارة، إذا كانت لقصد الدعاء للميت، والتذكير بالآخرة، والاعتبار بمن صار إلى القبور بعد القصور وأنه إلى ما صاروا إليه صائر، فتلين بذلك قسوته وعريكته وتذهب خنزوانته ونخوته.
وفي أجوبة المحقق الخليلي - رضي الله عنه - تصريح بأن المسألة من مسائل الاجتهاد، وتخريج للرأي الذي رآه نور الدين وعمل به حيث قال في جوابه لمن سأله عن جواز بيع أموال الزوائر لعز دولة المسلمين: إني لا أعلم جواز ذلك من وجه أعرفه، إلا على قول من لا يجيز قراءة القرآن بالأجرة، فتكون أموالاً جهل ربها، والمجهول لبيت المال على قول اهـ.
يرجع
وذكر بعضهم أن المحقق الخليلي عمل بذلك، وباع بعض أموال الزوائر من بلد سمائل في عصر دولة الإمام عز، وطلب نور الدين صكوك ذلك المبيع فما ظفر بها. كان الشيخ ماجد ورعاً زاهداً عفيفاً، باع داره التي يسكنها، وتصدق بثمنها على
الفقراء.
الحق.
كان لا يتكلم باللغو ولا بالمزاح، ولا يعظم أحداً لأجل دنياه، ولا يداري أحداً في
تخرج عنه تلاميذ كثيرون، فقد قرأ عليه نور الدين السالمي بالرستاق، والشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري والشيخ سعيد بن صالح العبري والشيخ علي بن هلال بن زاهر الهنائي والشيخ سالم بن راشد العبري والشيخ محمد بن سالم بن بدر العبري، والشيخ القاضي ثابت بن سرور الغلابي وكثير غيرهم.
مما شهر من كراماته ـ رضي
الله عنه
أن شعر لحيته غلب عليه السواد بعد موته،
في حال تغسيله وتجهيزه.
وأن الله سبحانه وتعالى حفظ له سمعه وعقله ولسانه إلى آخر عمره ولم يبتله
بالهرم، ولم ينقطع عن المسجد، ولم يعجز عن شيء من عبادته وأوراده التي لازمها في أيام، قوته ولا عن مجالس العلم والقضاء إلا في مرض موته.
350 (1/350)
صفحة 351
سبب وفاته أنه عثر في النهر الذي يتوضأ منه فأصابته جراحات خفيفة في ساقه،
فاحتبس في بيته، ثم ابتلي بمرض في سائر جسده. وفي الوقت الذي أحس فيه باشتداد المرض أنشد هذه الأبيات من قصيدة العلامة ابن النظر:
إلهي أنت أرأف وأولى بي وألطف من جميع الوالدين بلطفك صغتني بشراً سويا ولم أك كنت من ماء مهين فهب لي منك مغفرة وعفواً إذا ذهل الحدين عن الخدِين وقد ضعف بصره في أيام كبره، وذهب بالكلية منذ عام 1332 فيكون عمر هذا الشيخ 94 سنة على قول أو 92 على القول الآخر. وقد رثاه الشعراء بمراث حسان. فمنها مرثية الشيخ سالم بن سليمان الرواحي: عليك حكم المنايا سابق القلم على البرية قبل الخلق من عدم لحكمة شاءها الرحمن جارية فارض المقادير في حرب وفي سلم يا عالم الشرق يا قوام دعوتنا وسائر الصيت في قاع وفي أكم من ذا تركت على الإسلام يخدمه وليس يقرب فيه ساحة السـ
351 (1/351)
صفحة 352
ترجمة شيخ البيان محمد بن شيخان
في ليلة الثامن عشرة الجمعة من شهر ربيع الأول من شهور سنة 1346 توفي ببيت القرن من الرستاق شيخ البيان منحه القطب - رحمه الله - هذا الاسم مفخرة شعراء عمان محمد بن شيخان بن خلفان بن مانع بن خلفان بن خميس السالمي، ينتمي إلى بني ضبة، وكنيته أبو، نذير وهو ابن عم نور الدين السالمي.
ولد بالحوقين قرية من أعمال الرستاق وهي بلاد قومه ومنزل، آبائه ونشأ بها. وكان أبوه رئيس، قومه، ثم انتقل به أبوه إلى الرستاق للحوادث الواقعة بينهم وجيرانهم، كما خرج ابن عمه نور الدين يحمله أبوه فاستقروا بالرستاق، وكانا في سن واحدة، فنشأ بها، وقرأ علوم الآلة، واستكمل علم اللسان وعلم الكلام والفقه قراءة على ابن عمه نور الدين، بعد ما قرأ على الشيخ راشد بن سيف اللمكي إذ كانت الرستاق ذلك الوقت معدن العلماء ومجمعهم بقصرى وهي حارة من حوايرها فلا تسل عما هنالك من الأفاضل وكشفهم لمعضلات المسائل؛ وبقي بها برهة من الزمن، ثم هاجر إلى الشرقية، بعد ما هاجر إليها ابن عمه نور الدين واختار المضيبي مسكناً، وبقي بها طويلاً، ثم انقلبت به الحال آخر عمره فرجع إلى وطنه الأول الرستاق، وتولى بها التدريس في فنون العلم، فكان له بجامع البياضة حلق عديدة، كلهم تلامذة له. وذلك في عصر الإمام الخروصي، وصدر من أيام الخليلي، فلذلك نرى له في فتوحهما قصائد.
تخرج عنه تلامذة كثيرون فقهاء، فأكثر المتعلمين الموجودين بالرستاق اليوم من تلامذته، وأفقههم علماً الشيخ عبد الله بن عامر العزري الذي ولي القضاء بنزوى والشيخ محمد بن حمد الزاملي الذي ولي قضاء الرستاق في عصر الإمام الخليلي، وكلاهما
مكفوف البصر.
علماً،
كان هذا الشيخ فارس عسكر الشعر، واقتبس من أنواع العلم ما صار به في العلوم وفي الكمال عالماً، فهو فرد، الزمان ونادرة، الفلك وقبة تاج الأدب يشهد له
352 (1/352)
صفحة 353
بالتقدم في التبريز، ويتحامى جانبه فلا ينبرى لمباراته، ولا يجترئ على مجاراته
وعبقريته أعظم شاهد له.
كان كريماً جواداً ولا ثروة له.
كان جهوري الصوت.
كان في مشيته زهو فعوتب فقال: هذا خُلقي.
كان حافظاً لأشعار العرب ويقدر حفظه بالكثير مما يعجز الكاتب عن رس
كان ذكيا سريع الجواب،
6
سريع الالتفات للسائل حاضر، البديهة، يحفظ من حرف
واحد، سريع الإجازة. فمن ذلك أنه خرج وابن عمه نور الدين للنزهة في يوم، فأمر الخادم أن يوقد النار لطبخ الزاد والاصطلاء، فأنشد نور الدين:
وقلت لخلي: أوقد النار إنني أريد اصطلاء ثم قام وقد وقد فقال: أجز أبا نذير فأجاز من غير تمهل:
،
فاصطلى الحشا جهداً وقال: لعله تفقد ما يشكو فقلت: فقد فقد كان حاضر الاستشهاد في النوازل والطوارق الكارثة مما يوافق المقصود وسريع
بديهة فيها.
:
مما يروى من فرط ذكائه أن سلمه والده لمعلم القرآن بمحلة قصرى، وخرج أبوه لبحبوحة الباطنة من عمان يطلب له مصحفاً مطبوعاً، إذ كان الطبع ذلك الوقت عزيز الوجود بعمان، فلبث أياماً يسيرة لزيارة أصحابه ورجع يحمل المصحف الكريم، فإذا هو قد ختم القرآن، وذلك لفرط ذكائه وحدة فهمه.
غلب على قريحته نظم الشعر، فتكسب به، لما ضاقت حاله، فكانت بينه وسلاطين مسقط مواصلات وصلات، فلذلك ترى معظم شعره في مدح السيد فيصل سلطان مسقط وأولاده، وأول قصيدة قالها في مدحه:
شمس من الأنس صار الحسن هيكلها ألقت إليها النُّهى طوعا مُعَوَّلَها وقد تقدم ذكرها في ترجمة السلطان فيصل فهي من معلقاته. وقد أجازه عليها جائزة فخمة، فكتب لابن عمه نور الدين أخباراً بالجائزة، إذ كان يعنفه، ويلومه ويبكته، على إفراغ ذهنه في مدح الجبابرة والسلاطين، فأجابه بعد كلام طويل فيه تقريع: ولعمري
353
نهضة الأعيان - م 23 (1/353)
صفحة 354
لو أنك أعطيت بكل شطر منها ألفاً، لكنت أنت المغبون وبمدحه للسلاطين جفاه نور الدين قائلاً: إن التكسب بمدح الجبابرة. حرام وما أشبهه بمهر البغي. وما زال شيخ البيان يعتذر عن ذلك بقوله: نحن بحاجة إلى ما بأيديهم من بيت المال، ولا نصل إليه
إلا بسبب.
•
شهد له أهل عصره بأنه أشعر أهل مصره ويقول نور الدين: لولا وجود شاعر العرب أبي مسلم الرواحي بزنجبار لقلت: إنه أشعر أهل عصره.
ولما كانت الإمامة ضد حكومة مسقط، وكان القائم بها ابن عمه، وهذا الشيخ يمت إليه بالقرابة حصلت له جفوة من سلطنة مسقط، فخرج متكسباً بشعره إلى حكام الإمارات العربية بالساحل العماني، فكانت له مدائح فيهم، ثم رجع إلى الرستاق، وأقلع عن ذلك، وأقام بها مدرساً كما سبق ذكره، ويعفو الله عما سلف. ولنذكر شيئاً من
شعره
فهذه بلغة المرام من شعر الغرام.
وهذا نصها:
بلغة المرام من شعر الغرام
خليلي ما للنفس هاج غرامها وعاودها نيرانها واضطرامها أما آن أن تستبقي المهجة التي غفا رسمها وجداً وطال هيامها أحبابنا بنتم وأودعتم الحشا سرائر وُد لا يطاق اكتتامها سريتم فما للقلب إلا احتراقه وجزتم فما للعين إلا انسجامها فهلا رحمتم مغرماً بهواكم سهير جفون لم يزرها منامها إذا هبت النسماء من نحو أرضكم تعاطيتها كالخمر إذ دار جامها صلوني فإن الوصل من شيم الوفا فلي نفسُ صَب كاد يأتي حمامها وعودوا لما كنتم عليه من الصفا وما فرصات الدهر إلا اغتنامها أحمل نسماء الصباح إليكم رسائل شوق يستمر انسجامها وما القصد إلا كشف وجد مُبَرِّح وتعليل نفس واللقاء مرامها إذا وردت سكرى إليكم سقيمة فعن سقمي يروي إليكم سقامها وإن أطلعتكم عن خبايا مودة ففي القلب أضعاف وفيكم مقامها
354 (1/354)
صفحة 355
ولم أنس منكم ظبية يوم ودعت ولي زفرات ليس يخبو ضرامها رنت من بعيد والقلوب براجس فلم تُخطِ حبات القلوب سهامها فما كان إلا عبرة إثر حسرة وما كان إلا مهجة وانصرامها تشارك مني الدمع والدم مثل ما تشارك شبهاً عِقدها وكلامها وقالت: سآتي بعد عام وكم مضت شهور وأعوام ولم يأت عامها أسائل بانات الحمى عن ظبائها وما القصد إلا جيدها وقوامها ولى شَجَن بالدر والبرق موهناً وما ذاك إلا ثغرها وابتسامها وأبذل نفسي للنسيم لأنه يمر بأرض مرفيهاغلامها ولي خطرات تضرم النار في الحشا من الشوق في ميدان قلبي زحامها أيا ملكة الحسن التي في قلوبنا جرت سطوة أحكامها واحتكامها لين كنت في أهل الجمال مليكة فإني في أهل الغرام همامها عزيزةُ قَدْرِ ذللت نفس ماجد وما قدره إلا السما واستلامها فواعجبًا للأسد تقنصها الظبا وكم ظبية صيدت ونيل مرامها أذلل نفسي في الهوى ولقد درى جماعات بيت العز أني إمامها ولي همة همة في نيل كل جليلة. ونفس إلا جلا بالجليل اهتمامها وبي سكرة لم أصح منها بحب من تقوض عني ذاتها وخيامها واستعطف النسماء حتى تفوح من حماها فيأتي عندها لي سلامها خليلي قوما فاسألا البارق الذي أضاء هل سقى أرضاً وفيها مقامها وهل مطئ لي جذوة من لظى الجوى فقد طال ما يَصْلَى بها مستهامها وهل فيك يا صوب السحائب طاقة بحملي إلى دار جفنتي كرامها أأحبابنا ماذا التمانع والجفا أكانت كذا أخلاقكم وانتظامها تَقَسم دمعي في هواكم ومهجتي وبي صبوة يأبى لمثلي انقسامها إذا كان مني هكذا في جنابكم فما بال نفسي لا يراعى احترامها سلوا وادي الصمان عن فيض أدمعي أما أعشبته سُحْبُها وغمامها وإلا فذا وادي الأراك سلوه عن مراتب شوق ليس يخفى مقامها وما طابت الجرداء إلا بنشركم تعطر منها رَنْدُها وخزامها وما لي بظل الأنس إلا انتقاصه وما لكم في الشمس إلا تمامها
355 (1/355)
صفحة 356
عسى يجمع الرحمن شملي بقربكم ومن غرر قصائده:
فلله أسرار تفيض رها
قفا ساعةً نقضي حقوق المرابع بأحمر قان من كنوز المدامع ونلثم من ساحاتها وعراصها مواطئ أقدام الظباء الروائع وقفنا حيارى والقلوب وديعة بهانتقاضاها رجوع الودائع بلابلها هاجت بلابلنا فما ترى غير باك في الديار وساجع ديار عهدناهن للبيض مطلعاً وما الشرق إلا منزل للطوالع تَقَوَّضَ عنها أهلها فتوحشت وما الجسم بعد الروح أصلاً بنافع غدت عجباً بعد الأنيس كأنها صفوف صلاة بين ها و وراكع فكم كان فيها للمها من مصائد وكم كان فيها للنهى من مصارع خليلي ما هذا الوقوف إلى متى نصيح بشكوانا إلى غير سامع
قضينابتبر الدمع حق مرابع وعدنا لأهليها بكل المجامع بين اللوى فالأجارع
المرابع
وليس بمجد في الديار وقوفنا وأحبابنا أما لعشيات الحمى رجعة بها فليست عشيات الحمى برواجع خليلي هذي نفحة القيظ صدعت صميم فؤاد للمواطن نازع تنفس هذا الروح من صدر وامق والا فما هذا نسيم أما فيكما من مسعد لمتيم بعيد التلاقي هامل الدمع هامع أصاح ترى صبراً على ضوء بارق بشغر الثنايا والثنيات لامع ويهدأ من قلبي خفوق ونسمة أنت بعبير من حمى الغيد ضايع فهل لي سبيل المدامع بالضحى من الغيد جلت عن صيان البراقع فما دام لي عقد بعيني خزنته من التبر حتى ضاع بين اللوامع وإني لمصدوع الفؤاد فهل له انجبار بشمل للأحبة جامع كثير هموم الدهر شاك صنيعه إليَّ ودهر الحر أسوأ صانع رأيت جميع الناس يشكون دهرهم فبين مليء بالثراء وجائع وكلهم منه تناول حظه من الهم محفوفاً بسهم الفجائع أقول لدهري كيف لي أنت؟ قال لي: أنا لأولي الألباب لست برافع حبوتتهم العقل الذي هو أشرف الـ جواهر واستعفيتهم عن مطامعي
356 (1/356)
صفحة 357
أحمد
ترجمة العلامة أبي مالك عامر بن خميس المالك
في الربع الأخير من الليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك، من شهور سنة 1346 توفي شيخنا العلامة الولي أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود بن ناصر بن مسعود بن بن حديد بن خميس بن عبد الله بن عمر المالكي الشرياني، نسبة إلى شريان بن شاري بن يحمد، يجتمع ببني خروص في يحمد، نقلاً عن الشيخ حمد بن سليمان بن ماجد الخروصي، وكانت وفاته بنزوى ودفن بها.
ولد - رحمه الله - بوادي بني خالد من الشرقية سنة 1280 - 82 وبها منازل قومه.
،
نشأ - رضي الله عنه - يتردد بين عز والقابل للاستفادة من شيوخ العلم، ثم ركن إلى بدية، فاختارها وطناً لحصول الأفاضل بها في ذلك الوقت، فبقي فيها حتى ألزمه الإمام القيام بنزوى، فانتقل إليها، وتأهل بها، وألزم نفسه خدمة الوطن، وامتثال أمر
إمامه.
كان - رحمه الله ـ أحد أقطاب العمانيين الفطاحل الذين دارت عليهم إمامة الإمامين: سالم بن راشد الخروصي ومحمد بن عبد الله الخليلي رحمهم الله.
كان - رضي الله عنه ـ من الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، صريحاً لا يعرف المداجاة، ولا يقر على الضيم، يقول الحق، وينطق بالصدق، جسوراً في أيام الكتمان.
الدخان.
كان عظيم البنية طويل اللحية كبير البطن، ومع هذا فلا يشق له غبار إذا اختلط
ولي إدارة أمر المسلمين بنزوى وما حولها في أيام الإمام الخروصي بعد شيخه نور الدين، ثم في عصر الإمام الخليلي، لكونهما يخرجان إلى الجهاد، ولتفقد أمور المملكة، وبالشيخ الكفاية علماً وفضلاً وحرصاً واجتهاداً وسياسة.
357 (1/357)
صفحة 358
اشتغل في حال قيامه بنزوى بالقضاء، فهو رئيس القضاة بعمان في عصره، وجعل وقتاً للتدريس، فتخرج عنه عدة علماء، حملوا الفقه وفنون العلم عنه، وجلب نساخاً
للكتب، وأحتى كثيراً من المؤلفات الغامضة التي أضاعها الإهمال، وأكلتها الأرضة.
عمر بيت المال بنزوى فغرس نخل المبسلى، وكان عزيز الوجود بها، وحض أهلها على غرسه، لكونه يدر أرباحاً كثيرة، وحضهم على عمارة البلد وخدمة الأنهار، وكل ذلك لم يمنعه عن القيام بشؤون الدولة والنظر في مصالحها.
وقع في قلبه حرج في عصر الإمام الخروصي على المتعلمين الذين استناروا ببدره، وشربوا من بحره فتوغر صدره وضاق قلبه فأحب الاعتزال والانفراد، وتخلى عن القضاء، واستعفى من إدارة الأمور، وخرج من نزوى إلى بيته ببدية. ومما كتبه جواباً لسؤال صدر إليه من أحد المتعلمين الذين آنس منهم الجفا:
إني أقول كما قال الذين مضوا: صبر جميل فيا طوبى لمن صبرا كفوا الملام فحسبي من سلامتكم سكوتكم عندنا أولى فكن حذرا نزواكم لكم والله يرزقنا والله يكلؤنا من كل من مكرا ستعلمون غداً قدري ومنزلتي إذا تكشف ما قد كان مستترا متى ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا تفارقهم لومت من قدرا
مع كلام طويل يتبين فيه غضب التحرير. وفي حال قيامه ببدية لم يعذره الإمام، وألزمه أن يتقلد إدارة القضاء بالشرقية فكانت تصدر أوامر الولاة وأحكام الشريعة عن رأيه، وألزم والي بدية السيد هلال بن علي امتثال أوامره وأن لا يحل، ولا يعقد إلا برأيه. ولما استشهد الإمام الخروصي كان أول من قام في الناس يحضهم ويحثهم على الاجتماع لعقد إمام لهم، فيجتمع الشمل، ويبقى النظام غير منحل. وكان أول من بايع الإمام الخليلي، وخطب على رأسه خطبة العقد، كما أنه فعل ذلك في عهد الإمام
الخروصي.
كانت بينه وسيدي الوالد نور الدين مراسلات ومباحثات وسؤالات، كتبها إليه العلامة أبو مالك نظماً ونثراً. وكان أحظى التلامذة عنده، فهو يقرأ له ويكتب عنه، فخرج ذات مرة لزيارة أولاده، فطالت غيبته، فكتب إليه نور الدين:
أعامر أنت عندي خير صاحب وأنت فتى عددتك للنوائب.
358 (1/358)
صفحة 359
أترحل عن أخيك بلا اختيار وتتركه بلا قار وكاتب لقد ضاق الفضاء على خليل غدا بعد الأحبة دون صاحب لئن لم تأتني في كل يوم لأعتمد الرحيل على النجائب وأضرب في نواحي الأرض شرقاً وغرباً والجنوب وكل جانب وهي قصيدة طويلة.
شيوخه الذين أخذ العلم عنهم: الشيخ العلامة سعيد بن علي الصقري، وشيخنا العلامة صالح بن علي، وسيدي نور الدين السالمي - رحمة الله عليهم.
•
مؤلفاته: موارد الألطاف في نظم مختصر العدل والإنصاف، أرجوزة في الأصول غاية المطلوب في الأثر المنسوب في الأديان والأحكام مجلد ضخم. أرجوزة سماها: غاية المرام في الأديان والأحكام في أربعة مجلدات تنوف على ثمانية وعشرين ألف بيت، نثر فيها كنافته، وأوضح بها آراءه السديدة فيما تفرد به وله رسالة رجز سماها: غاية التحقيق في أحكام الانتصار والتغريق. أبدى فيها أدلة الانتصار وأشعته، وصفة التغريق وأحكامه وهي رد على الشيخ عيسى بن صالح لما شنع عليه في حكمه على أموال الشيخ راشد بن عزيز الخصيبي أنها بيت، مال فإنه أطنب في تخريج الأدلة وانتخابها من مظانها انتصاراً لحكمه. أولها بعد المقدمة:
إن الإمام سالم بن راشد هو الذي غرق مال راشد أحق في مذهبه الحقيقي
وأنه
بذلك
التغريق
وله منظومة في الدماء والأروش أولها:
بحمد الذي قد حرم السفك للدم بدأت اقتداءً بالنبي المكرم ذكر فيها أحكام الأروش وتقويمها بالصرف العماني الحاضر، وهو القرش المتداول بينهم، ليسهل على الطلبة ذلك. وله أجوبة كثيرة على المسائل الواردة إليه نثراً ومجلد نظماً. وله رسائل كثيرة. تلاميذه: الشيخ العالم محمد بن سالم الرقيشي والشيخ العالم سعيد بن أحمد الكندي، والشيخ العالم سعيد بن ناصر السيفي، والشيخ العالم سعيد بن سليمان
359 (1/359)
صفحة 360
الكندي والشيخ العالم منصور بن ناصر الفارسي، وابنه الشيخ العالم القاضي الولي سعود بن عامر المالكي، والشيخ القاضي راشد بن حمد الحجري ولي قضاء بدية بعده. ولما توفي راشد ولي القضاء الشيخ سعود بن العلامة المالكي المذكور، وغيرهم كثير. عهود الإمام له
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
قد أقمت الشيخ عامر بن خميس وجعلته نائباً عني وأجزت له ما يجوز أن أجيزه له، من فصل الأحكام والنظر في مصالح الإسلام، وجعلت فرائض العسكر على يده، وألزمتهم طاعته وكذا ألزمت أهل الديار طاعته ما أطاع الله، وجعلت له أن يعطي من بيت مال المسلمين على نظره واجتهاده لمصالح المسلمين من جلب نفع، أو دفع ضر عنهم وحررت هذا وأنا إمام المسلمين، محمد بيدي يوم 22 ذي الحجة سنة 1342.
بسم
سم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله.
قد جعلت الشيخ عامر بن خميس المالكي نائباً عني في إقامة صلاة الجمعة بنزوى، وفي إنفاذ الأحكام وتعزير أهل الجنايات، وأجزت له كل ما يجوز لي أن أجيزه له، من إجراء النفقات وتزويج من لا ولي لها بالمصر وتطليق من عجز زوجها عن إنفاقها، إن طلبت ذلك، وغير ذلك مما كان مرجعه إلى الولاة والقضاة، وقد ألزمت أهل الدار طاعته وجميع العسكر مساعدته ومناصحته، كما ألزمته هو النصح للمسلمين والاجتهاد والله أسأله لي ولهم الإعانة والتسديد وحررته بيدي، وأنا إمام المسلمين
الله محمد بن عبد
360 (1/360)
صفحة 361
ارتقاء السلطان سعيد بن تيمور
على سلطنة مسقط
في أول شوال عام 1350 خمسين وثلاثمائة وألف تولى سلطنة مسقط السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل بتخلي أبيه السيد تيمور عن الملك وحبه للعزلة والانفراد، والسياحة بأرض الهند فوضع أعباء الحكومة على عاتق ابنه، وقد مهد لهم عرش المملكة الإمام أحمد بن سعيد واستولى على كرسيها ودانت له نزوى عام 1167 وهي آخر ما سلم له الأمر من حصون عمان.
ولد هذا السلطان ليلة الخميس سابع شعبان عام 1329 وارتقى منصب الحكم فلم يكن له في بادئ أمره إلا إصلاح حكومته من الساحل، وقطع الاتصال بالعمانيين حتى كثر ترددهم إليه للطمع فيه ففتحوا له الأبواب الموصدة باب الدعاية، وباب السياسة، وباب الحرب، وأغروه بما لم يكن في حدسه، فنجم من ذلك دخول الاستعمار، وهلاك الرعية، وذهاب الوطن ولما كان الإمام الخليلي من البارزين في السياسة، العارفين بمطامع العدو، ساس، رعيته فلم يكن بينهم في أول الأمر ما يكدر البلاد والعباد، حتى أنس السلطان منه الشيخوخة، تقدمت إليه الدسائس السياسية كما ستقرؤه بعد هذا. قام السلطان سعيد بعمارة ظفار، واتخذها عاصمة ثانية، فأصبحت بعمارته جنة غناء، تروق الناظر، وتنعش المشاعر، فهو يقضي أكثر أوقاته بها، ولا يخشى فيها كدراً.
عبد
ترجمة فارس الشرفاء
الشيخ سليمان بن حميد الحارثي
وفي عصر الإمام الخليلي، توفي السيد الجليل فارس الشرفاء سليمان بن حميد بن الله بن سليمان بن محمد بن عيسى بن راشد الحارثي وكانت وفاته ليلة الخامس عشر من شهر ذي الحجة عام 1345 ببلدة المضيرب من الشرقية.
361 (1/361)
صفحة 362
ولد - رحمه الله - في عام 1270 فكان عمره يوم وفاته أربعاً وثمانين سنة.
كان هذا السيد من علو القدر وبعد الهمة وجلالة المنزلة بحالة، انفرد بها دون أقرانه، فهو فرد دهره أدباً وفضلاً وكرماً ومجداً وفروسية وشجاعة. أما جوده وسخاؤه
فحدث عنه ولا حرج.
شهد بعض مواقفه ابن براك أحد أبطال النجديين في حادثة أبدى فيها من الفروسية والبسالة ما تكعكع عنه نظراؤه في ذلك الموقف، حتى رماه جواده وهو على سرجه، فرجع إلى قومه يطلب جواداً يقف عليه في حومة الوغى، إلى أن تنجلي غمته، فضنوا به عليه. ولما انجلت المعركة ورجعوا إلى الشيخ صالح بن علي فسألهم عن الخبر فأجاب النجدي - وكان ضيفاً لهم - يا صالح ضح بالحرث وأطعمهم سليمان، فبقيت هذه الكلمة مثلاً عندهم.
خرج طلباً وراء الرزق إلى مدينة زنجبار مراراً، وأقام بها مكرماً، إذ جُل العمانيين يترددون إلى إفريقيا. ولما أراد الله تسليط بريطانيا على أهل زنجبار بما كسبت أيديهم، وقع سوء تفاهم بين السلطان خالد بن برغش وبريطانيا، فكان هذا السيد من المعاضدين الشادين أزر خالد.
ولما وضعت يدها على البلاد وابتزتها من يد العرب سجنته مع زملائه القائمين بالنهضة، ثم نفتهم إلى عمان بعد ما ألزمتهم أداء مال باهظ عجزوا عنه، فسلبت أموال بعضهم، ودفع عن الشيخ بعض جماعته منابه ثم عاد إلى زنجبار في شهر شعبان عام 1321 فلما عاد إلى زنجبار أزعجه الله له فضله ما أغناه اليد، ففتح حصر شرار خلقه، فبقي مورداً لا ينضب ماؤه، وأقام بها شريفاً مكرماً، حتى رجع إلى وطنه المضيرب في اليوم الثاني من شهر رمضان عام 1338 فكانت حاله بعمان كحاله بزنجبار محترماً مكرماً.
من
وفاة شيخنا العلامة سعيد بن ناصر
الكندي
به عن
وفي ليلة حادي صفر سنة 1355 خمس وخمسين وثلاثمائة وألف، توفي الشيخ
362 (1/362)
صفحة 363
العلامة الفاضل الزاهد سعيد بن ناصر بن عبد
الله بن أحمد
الله بن عبد بن محمد الكندي
ببلدة المتهدمات من وادي حطاط.
هلال،
ولد هذا الشيخ بمحلة السويق من سمد نزوى عام 1268 وحفظ القرآن عن ظهر الغيب، وهو ابن عشر سنين وأخذ مبادئ العلوم من مشايخ عقر نزوى. وفي عام 1280 أزعج من وطنه وابن عمه الشيخ الزاهد محمد بن أحمد، وكان أكبر منه سنا، أخرجهما الشيخ سيف بن سليمان النبهاني ظلماً وعدواناً بنميمة أهداها فاسق إليه، فلم يرع حق الله فيهما، وخرجا من نزوى، وقلوبهما تنفطر لفراق الأهل والوطن، والعناية تسدد ضعفهما، فنزلا بمسقط بساحة السيد صاحب المروءة والإحسان هلال بن أحمد بن سيف البوسعيدي، فأقاما عنده بأرغد عيش فكانا بالنهار عند السيد محمد بن وبالليل يخرج هذا الشيخ لأخذ الدروس في علم الآلة كالنحو والمعاني والبيان من الشيخين: محمد بن صالح على مذهب الإمام الشافعي وحبيب بن يوسف الفارسي. وكان يثني عليها ثناء جميلاً. وأخذ علوم الفقه وما يتعلق عليه من الشيخ المحقق الخليلي، والشيخ سعيد بن عامر الطيواني، والشيخ مسعود بن صابر الكندي، وواصل طلبه في درس العلوم مدة عمره بمسجد الخور من مسقط، حتى كان من أفاضل عصره، وأقطاب مصره عاش سعيداً موقراً محترماً إلى حد الشيخوخة، تؤخذ عنه العلوم، ويرجع إليه في حل المشكلات بالعاصمة السلطانية.
وفي سنة 1299 خرج لحج بيت الله الحرام.
أدرك هذا الشيخ الإمام عزان بن قيس والإمام سالم بن راشد الخروصي، والإمام محمد بن عبد الله الخليلي وبايعهم فقام بما يجب عليه في حقهم.
قام - رحمه الله ورضي عنه - في قطع عوائق الغشم والظلم الصادرة على العمانيين ـ من سلطان مسقط وقت ظهور الإمام سالم بن راشد، وسعى بالصلح، وتردد إليه مراراً فلم ينجح مراده لعدم قبول الإمام الخروصي ذلك. ولما ولي الأمر الإمام الخليلي، أشفق على العمانيين مما يراه عليهم من اضطهاد الظلمة، فكانت معاهدة السيب التي حضرها الشيخ عيسى وهذا الشيخ بالنيابة عن العمانيين ونائب الدولة الإنكليزية وسيطاً بينهم والسلطان، ونظراً للصلاح وكفا للفتن والشعابث ولكل ما نوى.
تخرج عنه من التلامذة المعروفين بالعلم الشيخ سليمان بن محمد الكندي،
363 (1/363)
صفحة 364
والشيخ هلال بن زاهر اليحمدي والشيخان محمد وعيسى ابنا صالح بن عامر الطيواني
قضاة مسقط، في عصر السلطان تيمور وابنه السلطان سعيد، وغيرهم كثير.
وفاة كريم المساكرة رئيسهم أبي علي المسكري
توفي الشيخ اللسن البليغ الألمعي الطيب الزعيم كريم مسكرة أبو علي سيف بن علي بن عامر بن سيف بن علي بن عامر بن سيف بن ربيعة بن علي بن سنان بن أحمد بن إبراهيم بن يوسف ينتمي إلى سليمة بن مالك بن فهم الأزدي، نقلاً من خط الشيخ هاشل بن راشد المسكري وكانت وفاته بعلاية إبرا في ليلة السادس والعشرين، من شهر المحرم سنة 1355 خمس وخمسين وثلاثمائة وألف وعمره يناهز التسعين
سنة.
ولد هذا الشيخ، بزنجبار ونشأ بها وتلقى مبادئ العلوم من أبيه القاضي الشيخ علي بن عامر ورتع في ظل ملوك زنجبار فكان كاتباً لهم مقرباً عندهم، وكان أبوه من الأجلاء المحترمين لدى الملوك فكان أبو علي أحد الكتاب للسلطان برغش، ثم كتب من بعده لإخوته إلى عهد السلطان حمد بن ثويني ولما مدت بريطانيا باعها في سلطنة زنجبار، وأوقعت بالسلطان خالد بن برغش كان هذا الشيخ من جملة الرؤساء، المسجونين بزنجبار، وممن نفاهم الإنكليز إلى عمان. فخرج مجبوراً في سنة 1314 وسلبته بريطانيا ما يملكه من مال، فبقي بعمان معاصراً للإمامين: سالم بن راشد الخروصي، ومحمد بن عبد الله الخليلي إلى أن دعاه ربه قلباه.
كان أكرم أهل زمانه وأعلمهم بعلوم الآلة، وإليه المرجع في علم الرسم. وكان قارئاً مجوداً حسن النغمة وخطه مرغوب فيه لحسنه وضبطه.
كان كثير الحفظ للغة، عارفاً بوحشيها ومستعملها، لم يكن في زمنه من يباريه ويجاريه فيها، وله أشعار ومناظيم أجاد فيها.
بقي مثلاً في الكرم والذكاء والفطنة وسرعة البديهة في الجواب، إلى حال وفاته. .
هجوم آل حكم على ستال بني خروص
شكا أهل ستال بني خروص إلى عامل الإمام أبي حميد حمد بن عبد الله نور الدين
364 (1/364)
صفحة 365
السالمي، من الهطاطلة الذين جعلوا ستال مسرحاً لأغنامهم، فأضرت بالزروع والنخيل، فحكم أبو حميد بنقلها وإبعادها، إذ كانت زروبهم قريبة من البلاد، فكان في الحكم معارضة من بعض العلماء، وتعصب كل لرأيه فبقيت، منافسات، أنتجت حزازات في النفوس، فامتنع الهطاطلة، وغيرهم ممن كان مرجعه إلى العبريين، عن الانقياد للحق، وبسبب تزييف الحكم، برزت حرب سافرة من أهل وادي السحتن، حاولوا فيها الاستيلاء على حصن العوابي، وإخراج الوالي منه. وكان قد احترس من الغيلة لما عنده التآمر صح عليه، ولا بد أن للقوم عيوناً تضيء لهم الطرق وما جهلوه من عورات المسلمين.
أرسل أبو حميد لإمامه بصحة خبرهم، وكتب إليه يستنجده، وأوضح له حقيقة
المؤامرة المقررة على بلاده وشعبه، وحرصه أن يتداركهم قبل التمزيق.
فلم يقبل الإمام منه ذلك، ولم يصغ لمقاله، ولم يسوغ رفيعته، فكان من جوابه: إن الأحوال من حكم تخالف ما كتبت وهل تقوم الرعية بدون الرؤساء، وهم
بنزوي؟!
جمع
عندنا
المتآمرون قوتهم واستعدوا للهجوم، وأيقنوا أن العوابي استعدت لمقاومتهم، فحولوا وجهتهم إلى بلدة ستال، فانقضبوا عليها غرة اليوم السادس عشر من ذي الحجة سنة 1356 على حين غفلة من أهلها، فعملوا فيها غير اللائق من الاعتداء الوحشي الذي تعافه الطبيعة، وتمنعه الشريعة في المدنيين العزل من السلاح فقتلوا الأبرياء والأطفال والنساء، ودافعهم أهلها بما قدروا عليه، فكان النصر ذلك اليوم في جانب البغاة، وأقاموا بها ثلاثة أيام ينهبون ما وجدوه فنمى الصريخ إلينا بنخل، وكنت عاملاً للإمام بها، فلبيت دعوة أخي أبي حميد بإخواني المتحلين فإنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم مع بني صبح وآل المسيب. واعتذر آل معولة بن شمس في هذه الحملة من القيام، مع مالهم من السابقة في نصر المسلمين وهب المجاهدون من كل حدب لهذه الحادثة المؤلمة، واستهانوا بالموت للحفاظ على الشرف والدفاع عن إخوانهم المنكوبين، فأخذوا في إجلائهم بلا هوادة ولا شفقة في مقابلة عملهم الجارف فأخرجوهم مدحورين، وأثاروا الذعر في قلوبهم، وقد فاض الجبل الكبير بمن فيه يرأس الكل حاكمه سليمان بن حمير. وقد حجز البغاة ما نهبوه ببلدة الهجير، فخرج لهم جماعة من المسلمين، واستردوا ما نهبوه بعد قتل وجراح وهزيمة شنعاء، حتى ركبوا رؤوس الجبال الشاهقة، وقبض الإمام
365 (1/365)
صفحة 366
على أعيان آل حكم يرأسهم الشيخ إبراهيم بن سعيد وإخوته وبنو عمه، فأوثقهم بالقيود، وأمضى فيهم الحكم الشرعي، وألزمهم رفع أيديهم عن بيت المال الموجود بوادي السحتن. فاشتروا منه المال الذي ببلدة فشح من الوادي المذكور.
ووجدت في سيرة الشيخ إبراهيم اعتذاراً من هذه الحادثة: أنه لم يكن له سبب فيها، إنما هي مكيدة رتبت عليه وأخبرني بذلك أيضاً السيد عبد الرحيم الخروصي.
366 (1/366)
صفحة 367
هذا نقل ما حكم به أبو حميد حمد
ابن عبد الله السالمي عامل الإمام
بين بني خروص والهطاطلة في ستال، من وادي بني خروص. وهو الذي حمل آل على التعصب للهطاطلة،
فكان بسببه الهجوم على ستال
بسم الله الرحمن الرحيم
الله
قد حكم عامل الإمام أبو حميد حمد ابن العلامة عبد بن نور الدين السالمي، لأهل ستال الوادي من بني خروص لما شكوا إليه الضرر الكبير، من أغنام الهطاطلة ومواشيهم، وكثرت بالوادي؛ إذ قاموا من الأطراف البعيدة، ينتقلون بمواشيهم الجمة، وقد أضرت بالبلاد من الحروث والنخل، وحيث ما تطأ دوابهم ويسبلون لمنافعهم، مما ثبت لهم من الحريم على ما نص أولو المعرفة من أهل البصر. ولما عارفناهم ـ أعني الهطاطلة قالوا: إنا شركاء في هذه البلدة فأجبناهم: إن الشركة موقعها في غير المضار، والمضار مرفوعة بين العباد حتى في مال الإنسان نفسه الشرع الشريف يحكم عليه أن لا يضر بماله، فأمرناهم بالانتقال من البلاد إلى المكانات النائية عنها، حيث لا ضرر على أحد، يتبعون القطر ومنافعه حيثما أدركوه من الأمكنة المباحة، من غير حمى البلدان والقرى التي النزول بها يضر بأهل البلاد، ذلك الموضع الذي لا يمكنهم الخروج منه، على ما عليه أهل المواشي، وأخذنا لهم من أهل ستال الوادي - إن أرادوا للورود لدوابهم ـ أن لا يمنعوهم. ووافقنا بينهم في ثلاثة مواضع يكون بها أعني أغنامهم للورد، بشرط أن لا يضروا بحرث أحد، ولا في أمواله، إلا أن وقت القيظ منعناهم من المورد الأوسط من الثلاثة، وأن لا يمروا في المقبرة بأغنامهم، وهي الموضع القريب من السوق.
367 (1/367)
صفحة 368
وإنما منعناهم وقت القيظ لكون ذلك المكان لا يستقيم ورد منه إلا بالمرور في
،
الوادي والوادي وقت القيظ فالناس وأمتعتهم وتمورهم وأشجارهم يضعونها في الوادي، ويتوسعون، به و مرور قطيع الغنم يضر بذلك، وإن قدر الله التوصل إليه بدون المرور في الوادي حيث لا مضرة فلا بأس والمواضع التي جعلنا الورد منها أحدها أعلى البلدة، من مناة الفلج، والثاني من المكان الذي مع حوض اللتبة أعلى مزرع السافل. والثالث قد ذكرناه وهو الذي مع السوق، والمكانات بعضها نذكرها مفصلة التي يقع بسكونهم فيها الضرر، بعد ما ذكرناها على طريق العموم وهي اللجية والحويحر وبطحة الصوير. وكتب هذا الكتاب بأمر عامل الإمام ناصر بن راشد الخروصي بيده ـ حررته يوم الخامس عشر من رجب سنة 1353
•
صحيح ما كتبه شيخنا العلامة الوالد ناصر بن راشد الخروصي، وكتبه العبد أبو حميد بن عبد الله السالمي عامل الإمام - أبقاه الله على العوابي. عرض عليّ هذا الحكم، ولم أر فيه ما يوجب نقضه، وهو صحيح. كتبه إمام
المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي بيده.
ما زالت قلوب آل حكم في حرج من هذا الحكم ويدعون أن فيه حيفاً عليهم، وترى ما حرره الإمام - رضوان الله عليه - من إمضائه لصحته.
قيام الإمام على العبريين
في سنة 1358 ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف قام الإمام على عاصمة العبريين الحمرا، لأسباب أوجبت ذلك. وهذا نقل كتاب من خط يد الإمام في ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه صفة الكائن بين العبريين وبين خروص الذي نريده من العلماء النظر والحكم فيه نسطره، لينظر العلماء في الحكم الذي يصح فيه، فيقبل الحق ويرد الباطل.
أقول: إنها صحت فتنة سابقاً، والباغي فيها العبريون ثم انحسمت. وبعد ذلك عقرت دواب على بعض أهل العوابي واتهم بعقرها رجال يخصون العبريين، فأريد منهم
368 (1/368)
صفحة 369
خلفان
الحكم، ولم يتقربوا للحكم، فمضت مدة، ثم قتلت نخيل حروة ثلاثين نخلة على بن عثمان الخروصي، فادعى على أناس من العبريين وعد أناساً حروة أربعين رجلاً، وأراد الذي له بالحكم، وطال القول وكلم كبير العبريين، فبقي يعد: أنا لا نأبى الحكم ونؤديه، ويلتمس أناساً يصلحون القضية. ومن يكلم خلفان بن عثمان أن يعفو ويصفح وخلفان يلح أنه يريد حقه بحكم الله عز وجل، والمسلمون يكلمون كبير العبريين، وهو يعدهم: أن خلفان له ما يرضيه ولكن الرفق نحبه منه للجماعة. ومضى لذلك حول سنة وزيادة ثم بعد ذلك صح ضر نخل في بلدة الرستاق على أناس جملة. وضر مال لرجل من العبريين ضراً كثيراً، يقارب مائة نخلة أو تزيد. وبلغ ذلك والي الرستاق، وسار إلى حيث وقع الضر، وبعد ذلك قال الوالي: إن القفار قفزوا، واتبعوا أثر الفاعلين إلى قرب العوابي. وقال الناس لا يفعل ذلك إلا خلفان بن عثمان وأصحابه. وفي ذلك الزمن خلفان وأولاد عمه بوادي المعاول.
فلما بلغ الخبر هذا العبريين عمد أهل وادي السحتن زهاء ثلاثمائة رجل أو يزيدون، وقصدوا مال خلفان بن عثمان وأفسدوه، وأصابهم جراح وقتل في ذلك الوقت، وبقوا هناك في ضربهم حروة نصف يوم ثم ارتحلوا. وبعد يوم أو يومين، صح قتل في رجلين يخصان العبريين ساكنين في العوابي، ورجل حراصي يدعي أنهم قتلوا عدوه، خلفان أن رجال العبريين ضربوا رجلاً من بني خروص ثم جاءوا محاربين فقتلوا، وأن الرجل الحراصي دخل ما بين الفريقين لا ندري من ضربه.
ويدعي
وسألنا عن الرجل الخروصي فقالوا: إنه ضرب في حال القتال بين خلفان والعبريين الهاجمين. وسئل وقال: لا أدري الضارب من هو؟ أتتني ضربة وأنا في بيتي وبعد ذلك قال الضارب فلان رجل يخص العبريين فهذه صفة القضية التي نريد أن ينظر فيها المسلمون، فما رأوه من الأموال والدماء مضموناً يضمنون الفاعل وما يرونه هدراً يهدر. وكذلك ضر خلفان مال رجل ممن يسكن العوابي، وهو يخص العبريين، ويدعي أن رجال العبريين الساكنين العوابي دخلوا في الفتنة وكانوا مع أصحابهم حين يضرون مال خلفان، والدليل أنه وجد منهم قتيل في مال خلفان الذي يضره العبريون سائراً معهم، فهذه القضية التي ظهرت لي. كتبه إمام المسلمين محمد بيده. انتهى نقلا
يد الإمام.
من
خلفان
خط
369
نهضة الأعيان - م 24 (1/369)
صفحة 370
ثم على أثر ذلك وقع فعل في رجل من وهيبة في أطراف سعال من نزوى،
والفاعل فيه درويش الهطالي يخص العبريين. فطلب الإمام من الشيخ إبراهيم، الضارين لنخل خلفان والفاعل في الوهيبي، فتمنع ثم وعد فمطل، فرأى الإمام أن لا بد من القيام لحسم هذه الكوارث، ودفع هذه الحوادث، فصدرت أوامره بالقيام على العبريين،
،
وتجمع جيشه ببهلا وتحمل أبو زيد - رحمه الله ـ وهو عامله على بهلا بمصرف هذه الغزوة، وبقي الإمام ببهلا يخاطب الشيخ إبراهيم بالانقياد وإبراهيم يعدهم. وطالت الأيام، ثم عزم على الهجوم على بلادهم الحمرا، فلما تحقق إبراهيم ذلك، خرج منها إلى وادي السحتن، وأقبل أعيان حكم من بني عمه وإخوته محمد بن حمد بن محسن، وحمد بن مهنا ومن عندهم فأذعنوا للإمام بما يريد وطلبوا منه الرجوع من بهلا. فما رضي إلا أن يدخل بلادهم ويقيم بها فدخل بلادهم وأقام بها ثلاثة أيام، ثم جمعهم وأمر عليهم الشيخ حمد بن مهنا، وتكفّل حمد بما يطلبه الإمام منه ومن جماعته، فوفى بوعده، ورجع الإمام مظفراً منصوراً، وكفى الله المؤمنين القتال، والحمد الله.
أما خلفان بن عثمان فمسألته انحسمت بوجه الصلح في بهلا، بعد رجوع الإمام من الحمرا، وأما درويش فأرسله الشيخ حمد للإمام بنزوى، فأمضى الحكم فيه.
370 (1/370)
صفحة 371
ترجمة الشيخ العزري
في يوم الاثنين السادس عشر من شهر شوال من سنة 1358 ثمان وخمسين وثلثمائة وألف بعد صلاة الفجر، توفي الشيخ العلامة الزاهد عبد الله بن عامر بن مهيل مصغر العزري، نسبة إلى عزرة من ولد سامة بن لؤي.
محارم
كان - رضي الله عنه - عالماً زاهداً ناسكاً عابداً صلباً في دينه، غيوراً أن تنتهك الله، شديداً على المنافقين ليناً رحيماً بالمؤمنين لا يزال لسانه رطباً بذكر الله. ولد بقرية الأخشبة من أعمال المضيبي، وأصيب في إحدى عينيه وهو في المهد ثم تبعتها الثانية بسبب شوكة شاكتها ولم يجاوز الرابعة من عمره، فنشأ مكفوفاً واشتغل بالعلوم، وحفظ القرآن العظيم في بلده، وهو غلام ثم ارتحل إلى المضيبي وبها نور الدين السالمي فأدناه، وقربه لما رأى من فطنته الوقادة وذكائه اللامع، فلقنه من لسانه منظومة: «غاية المراد في أصول الاعتقاد فحفظها وكاد أن يحفظ كل ما سمع في أيام
شبيبته.
ثم تلقى منه متن الآجرومية، وأتقن حفظها. ولما انتقل نور الدين من المضيبي إلى القابل، خلّف على تلاميذه ابن عمه شيخ البيان محمد بن شيخان، فلازمه الشيخ العزري، فكان بيته المسجد المعروف بمسجد الصوار لا يخرج منه ليلاً ولا نهاراً إلا لما لا بد منه، وانقطع في قراءة النحو، فحفظ ألفية ابن مالك وشرح ابن عقيل عليها، وكان يسردها على متن قلبه وقرأ على الشيخ المذكور سائر العلوم، وهنالك قال الشعر، وقدمه شيخه فيه على غيره، ثم رجع إلى وطنه وقد نفخت فيه حياة العلم، فحض أهل بلده على ما يصلحهم، ثم رجع إلى المضيبي وأقام برهة يتلقى المعارف، ثم رحل إلى زنجبار، فأقام بها سبع سنين يدرس وينشر العلوم، ويجتمع بالعلماء. ثم انتقل إلى الجزيرة الخضراء، فأقام بها سبع سنين أخرى وتلك حاله ثم تشوق إلى وطنه، لا سيما وقد تعطرت الآفاق بالقومية العمانية من اتفاقهم على الإمام سالم بن راشد الخروصي - رضي الله عنه ـ وحنّ كل مؤمن إلى لقياه فلم يهن له قيام بإفريقيا، وأحب الانتظام في
371 (1/371)
صفحة 372
سلك العلماء، فتجهز آيباً رغم من حرص على قيامه فوصل إلى وطنه، بعد ما انتقل نور الدين إلى مولاه فأقامه الإمام سالم قاضياً بإبرا، وأقام بها سنوات، ثم احتاج إليه بنزوى فاستدعاه، وعزم عليه أن يكون مقامه بها، وكان انتقاله إلى نزوى سنة 1397، فبقي بها قاضياً ومفتياً، ومدرساً، فاستخلفه الإمام على نزوى لما سافر سفره الذي قبض فيه، وأبلى في عودة الإمامة بعمان والعقد على الإمام الخليلي بلاء حسناً، وكان الإمام يجله ويعظمه ويعتمد على كثير من آرائه ويستخلفه على نزوى بعد ما فقد المسلمون شيخ الإسلام العلامة أبا، مالك ويقوم بالخطبة والصلاة في الجمعة، حتى انتقل إلى رحمة الله، فشيع جنازته جم غفير مع الإمام، بعد ما صلي عليه ودفن بنزوى ـ رحمة الله عليه ـ وكانت سنه بين الستين، والسبعين والدليل على ذلك ما ذكره عنه تلميذه القاضي سفيان بن محمد يقول: كثيراً ما كنت أسمعه يقول هذه العشرة دقاقات الرقاب. وقد ورد عليه سؤال نظماً، فأجاب عليه. ومن جوابه:
فمالي والقريض وقد ترامت بي الستون حالا بعد حال تلامذته: القاضي سفيان بن محمد الراشدي والشيخ غالب بن علي الهنائي، وغيرهم كثير.
ومن شعره يخاطب شيخه ابن شيخان
مناقب
ليس وُدّي مُضاهِي الحرباء لا ولا العهن في أكف الهواء بل هواي أبو معاذ ثباتاً في هواكم وصاحب الخنساء لست أنسى لياليا كنت فيها أتلقى الأدباء ولسان الأستاذ يلقي علينا ما حوى عن أئمة أذكياء عن خليل وسيبويه الكسائي رفقاء الأستاذ ماض وجائي وربيع ومسلم وضمام وابن عبد العزيز كالندماء كم نياق الإيضاح تحدو صباحاً ومساءً ما بين ضال وماء إن يصبها الضماء أيام صيف عرض النيل ما مقام الضماء إن شيخي وعمدتي وملاذي نجل شيخان ذو الحجا والذكاء إن ألمت بساحتي معضلات وتجلت في حلة سوداء حل منها عويصها وكساها بعد بت الاحداد برد الضياء
372 (1/372)
صفحة 373
طرد رضوي قارفت أمراً فظيعاً حلت مابين سادتي واللقاء مت بغيظ أرواحنا ما تناءت لو تناءت أشباحنا في الفضاء لهف نفسي ما بال نزوى بعصري قد خلت من مواقف العلماء هذه دروهم فأين تخلوا أيها الدور أين أهل هوائي ظنني القوم أهل علم وفهم وذكاء يفوق ضوء
ذكاء
ما اجتهادي ما فطنتي ما ذكائي
أوقفوني في خطة حيرتني في صباحي مدرساً ومسائي في مجار من حادثات القضاء وتكلفت أن أقوم خطيباً مالمثلي مواقف الخطباء هناك ثوب الثناء أحكم نسجاً لا يحاكي ما حاك رب القباء وله مناظيم وفتاوى نظماً ونثراً.
قيام الإمام على الطو
وفي شهر صفر عام 1362 جهز الإمام جيشاً من الشعب يرأسه بنفسه، فخرج إلى الطوّ، ولم يستنهض الشيخين عيسى وسليمان والسبب الباعث لذلك: أن أسرف السبوع ومن شايعهم من غوغاء بني جابر أهل الطوّ تلصصاً وانتهاباً لأموال المسلمين، من الباطنة وغيرها، وجعلوا الطوّ مغارة لهم، لكونها محيطة بها الجبال، منيعة لا يتوصل إليها إلا بمشقة، ولا منفذ لها إلا من جهات مخصوصة وغرهم بأسهم، واطمأنوا إلى مغارتهم، وظنوا أنها تقيهم المحذور، وبقوا على إصرارهم حتى حكم الإمام الخليلي بهدر دمائهم وأمر بالفتك فيهم فقيض الله من قام بالواجب، ففتك بأميرهم سعيد بن خلف المعروف بابن زُعَيْلَة وقت الضحى، حيث يظن أن لا سبيل إليه، فقام أعوانه يطلبون ثأره، فما زالوا يقتلون ويُقتلون، فرأى الإمام الخروج لقمع هذه الشرذمة الباغية. 23 من الشهر المذكور دخل الطو، فهرب الفساق واللصوص، فأمر بهدم بيوتهم التي هي مأوى لبغيهم، وقطع نخيلهم، وأجلى من بقي بها من أعوانهم، وحمل على من احتاج إلى الأدب ممن كان يساعدهم، وأرسل إلى رؤساء بني حراص زهران بن محمد وأحمد بن ناصر أن يأتوا إليه بنخل؛ لأنهم رؤساء على السبوع، وأراد أن يحمّلهم أمر الهاربين، وأن يكلفهم ذلك، كما هو الأمر الشرعي، من إلزام الرئيس أمر مرؤوسيه، فتثاقلوا عن الوصول في بادئ الأمر، حتى تحقق عندهم تحركه على
وفي يوم
الأصفاد
:
373 (1/373)
صفحة 374
،
عاصمتهم جَما إن لم يمتثلوا، فهرب زهران إلى مسقط وأذعن أحمد لما يراد منه بواسطة السيد محمد بن هلال عامل الرستاق ذلك الوقت.
ولم يكن للإمام وأنصاره في هذه الغزوة التي لبث بها سبعة عشر يوماً إلا التمر والعوال، وهو سمك يابس يدخره العمانيون إداماً إذا عدم السمك. وقد كان وقت هذه الغزوة حرجاً، لغلاء الأسعار، وقلة الأطعمة، بسبب الحرب الطاحنة بين الدول.
374 (1/374)
صفحة 375
وفاة الشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي
وفي اليوم الثامن والعشرين من شهر رجب سنة 1362 توفي الشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي، صنو الإمام سالم بن، راشد وكانت وفاته ببلدة مشايق من الباطنة، ودفن بها، وكانت وطن آبائه الفضلاء وقد استوطن هذا الشيخ بلد العوابي وسكن فيها لطلب العلم، خرج هذا الشيخ إلى الباطنة لفصل أحكام بين أهلها، فمرض بها وتوفي. وكان كثيراً ما يرغب أن يدفن بجوار أبويه، فحقق الله أمله. كان هذا الشيخ معروفاً بالتصلب والشجاعة من غير مبالاة لما أمامه من القوة.
وكان من العلماء الأجلاء بعمان وقور النفس، رقيق القلب، كثير الخشية، كثير الصلاة، شديداً على المنافقين، عليهم، غيوراً في جنب الله، جسوراً حديداً على السفهاء المارقين. وكان من أعظم المؤازرين لأخيه الإمام سالم بن راشد؛ فإنه سعى جهده في تسديد دولته وتأييده وقد ولي لأخيه على الرستاق وما حولها والعوابي وما اشتمل عليها، وبقي عاملاً للإمام الخليلي دهراً على العوابي وتوابعها، وعمل له على أزكى وعلى وادي المعاول ووادي الأبيض.
نشأ - رحمه الله ـ منذ صغره في طلب العلم، وهاجر في طلبه إلى الشرقية، فتلمذ لنور الدين، وقرأ عليه التفسير والحديث والفقه وتردد مراراً إلى الشرقية بعد هجرته الأولى. وكان حافظاً كبيراً يكاد أن لا يفوته ما سمعه، لكنه سريع الغضب، سريع الرجوع إلى الحق، كريماً جواداً، لا يعرف قدر المال على قلة ما بيده.
تخرج عنه تلامذة كثيرون فمن الفقهاء: الشيخ خلفان بن عثمان الخروصي، والشيخ القاضي عبد عبد الله بن محمد الخروصي، والقاضي سيف بن حماد الخروصي، خلفان بن محمد الخروصي والقاضي سليمان بن ناصر الذهلي وابن أخيه
والقاضي
الشيخ العالم عبد الله ابن الإمام سالم، وكثير غيرهم.
375 (1/375)
صفحة 376
مقتل العلامة الرواف ودخول جعلان
تحت الإمامة
في ليلة الثامن عشر من شهر المحرم سنة 1359 قتل بجعلان الشيخ العلامة الفاضل العفيف عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد، من آل الرواف، الذين هم من البيوت المعروفة بنجد. ويتصل نسبهم بالرهبة من بني تميم، وعمره يوم قتل خمسة وستون عاماً، قتله بنو أبو حسن في بيته ظلماً وعدواناً، في هدنة بينهم وجيرانهم وعهد، وذمة لم يرعوا حقها والله يقول: ومن يقتل مؤمناً متعمداً خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً وهذا ما كتبه إلى
،،
فجزاؤه جهنم ابنه الشيخ سليمان بن عبد الله من ترجمة إبيه بتصرف فيه ولد ببلدة بريدة من القصيم، في عام 1293 هـ كان هذا الشيخ ذا شيبة في الإسلام عالماً عاملاً، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، عرف بالإنصاف في أعماله وأقواله، وعدم التعصب. وكان من الرجال البارزين في ميادين الحياة، فهو بليغ إن خطب أو تكلم سديد الرأي إن ادلهم الخطب، شجاع إذا اختلط الغبار بالدخان، كريم لا يرى للمال وزناً، لا يعرف المداجاة، صريح جاداً لا يعرف الهزل ولا يقبل الضيم ولا يرضى بالظلم مهما كانت صفة الظالم.
،
قرأ في شبابه على الشيخ العلامة إبراهيم بن حمد الجاسر، من أهالي بريدة، ثم سافر إلى سوريا ومصر سعياً وراء الرزق، ثم أقام بدمشق ثلاث سنين، عكف فيها على مطالعة الكتب في مكاتبها وقرأ على علمائها ونسخ كثيراً من الكتب الموجودة (بمكتبة الملك الظاهر) ويبلغ ما نسخه بيده وما نسخ له عشرين مجلداً، وكان مولعاً بجمع الكتب، وقد جمع مكتبة ضخمة تعتبر أكبر مكتبة في بلاد القصيم بل في نجد، وهي باقية بأيدي أبنائه في بريدة إلى يومنا هذا تحتوي على التفسير والحديث واللغة والأدب
والتاريخ.
وفي عام 1326 خرج وجماعته للدفاع عن بلادهم التي احتلها آل الرشيد فطردوه منها. وفي العام نفسه غادر بلاده إلى المدينة المنورة، وأقام بها سنتين، وقرأ على علماء الحرم النبوي، ثم غادرها إلى عسير لما كانت تحت الإدريسي، فلم يطب له المقام بها، لما رآه من الشعوذة والمساخر التي تخالف الديانة، فكان ضده، ونبه الناس على ذلك، فأراد أن يبطش به ففطن لكيده، فركب البحر إلى عدن، ثم إلى المكلا عاصمة
376 (1/376)
صفحة 377
القعيطي سنة 1329 فأقام بها ست عشرة سنة، فكان لقيامه أثر حسن بقدر ما يستطيعه فرد غريب، وتولى القضاء بها في عهد السلطان عمر بن عوض القعيطي، وكان يقضي مذهب الإمام الشافعي، وهو حنبلي المذهب، مما دل على سعة علمه، ثم خرج إلى سقطرى الجزيرة المشهورة بالمحيط الهندي، فأقام بها سنة داعياً مرشداً. وفي سنة 1346 توجه إلى عمان، وأقام بمسقط سنتين أو أكثر فأكرم السلطان تيمور بن فيصل وفادته، وأحسن جواره، ويرعى له حق علمه واستصحبه إلى ظفار وفي سنة 48 - 1349 خرج إلى جعلان بدعوة من أمرائها الشيخين محمد بن ناصر وعلي بن عبد الله، فاتخذوه مفتياً وقاضياً ووزيراً يعتمدون على أقواله ويستشيرونه في نوازلهم. وكان يضرب به المثل في النزاهة والصراحة لا يجامل الأمير، ولا يغتفر زلة الوزير اهـ.
،
خرج الأمير علي وأكثر أهل البلد في موسم الربيع إلى النزهة، كما هي عادتهم، ولم يبق بالبلد إلا أفراد من الناس وهذا الشيخ فوجد المتآمرون فرصة لغرضهم، فخرجوا ليلاً، وفتكوا به وسكت الأمير العلوي إلى انتهاء أجل الهدنة، فتحزب الحسون وافترقوا شيعاً، فكانت فتنة شعواء سفكت بها دماء أبرياء وأكلت الحرب كثيراً من رجال المتآمرين وأموالهم وأسرف الأمير في سفك دمائهم، والله يقول: {ومن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً) ولم يرفع الأمير الحرب عنهم إلى أواخر شهر جمادى الآخرة من عام 1363 ولما ضاق الخناق عليهم، التجأ المتآمرون إلى الشيخ عيسى بن صالح يطلبون منه التوسط، وبزعمهم أنهم يؤدون الأحكام، فكتب الشيخ، للإمام وكشف له الأمر، وطلب منه المساعدة لرتق الفتق وحسم النزاع، فخرج الإمام من نزوى إلى بدية وعسكر بها وطلب وصول عبد الله بن سعيد الصواعي رئيس المتآمرين، فحضر فقال له:
الإمام: تطلب منا المساعدة.
عبد الله: نعم.
الإمام: انصف من نفسك أولاً.
عبد الله: بماذا؟
الإمام أحضر الفتاك في العلامة الرواف.
377 (1/377)
صفحة 378
عبد الله: لا استطيع.
الإمام اذهب إلى السجن أولاً حتى ينظر العلماء في أمرك.
عبد الله: ماذا فعلت
حتى
أسجن.
الإمام: لبغيكم في قتله.
عبد الله: هل ترى غير ذلك؟
الإمام: يجب أن ينصف الإنسان من نفسه أولاً، وبعد ذلك تخاطب الأمير العلوي، فعند ذلك أثر عبد الله الشنشة قائلاً: إن كانت مساعدتكم بهذه الطريقة سأنظر في أمري.
تركه الإمام وشأنه، لأن جعلان لم تكن ذلك الوقت تحت سيطرته.
على أثر خروج الإمام من بدية إلى نزوى وصل السلطان سعيد (صور) وكنت قد خرجت إليها لحاجتي، فاجتمعت بالشيخ عيسى بن صالح الطيواني رئيس قضاة مسقط، وطلب مني زيارة السلطان في بيت ناصر بن محمد ولد فنه فاستأذنت عليه، وأخلى مجلساً ما حضره إلا هذا القاضي، فجعل القاضي يبحث بحضرته عن وصول الإمام، وماذا صنع بين عبد الله بن سعيد، والأمير العلوي وكيف رجع ولم يتم أمرهم، فما كتمته شيئاً. وأخيراً إنه جعل بينهم هدنة أربعين يوماً؛ لأن هذا ليس من لازم الإمام، إنما توسط بينهم حقناً للدماء، وما رأى أن يضغط أحد الخصمين؛ لأنهما تحت رعاية السلطان. حينئذ تكلّم السلطان قائلاً:
السلطان لا نسمح بذلك، ولا نعتذر من مساعدتهم.
الجواب: لذلك تأخر الإمام، ولكن الناس ناظرة الآن فيما يعمله السلطان. وهذا
،
الأمير العلوي نزل (بشياع) وغرة غد يصبح عندك فيلزم أن ترغمه على الصلح؛ فإنه لا إن أرغمته وإن أحببت أن أبلغه عنك فإني حاضر.
يقدر
الهدنة.
أن يمتنع
السلطان: إن آباءنا منذ قديم الزمان لم يتعرضوا بين أهالي جعلان إلا بالصلح أو
الجواب: إذاً لم يكن لك زيادة فضل على ما عمله الإمام، فسكت ساعة، ثم قلت: وهل يكفي ذلك منك وعبد الله قَتَلَ العلامة الرواف بأمرك، والآن نشبت به
378 (1/378)
صفحة 379
مخالب عدوه هنا غضب السلطان وتغير وجهه حيث أسأت الأدب في الخطاب ولكنه حلم عني سياسة.
السلطان أنا أمر بقتل العلماء.
الجواب: إن كان لم يبلغك فلا أكتمك هذا خبر مستفيض، فإما أن تولي عبد الله ولاية بعيدة من بلاده أو تأمره أن يسكن ظفار، وإلا فما دام بجعلان فالأمير العلوي لا يتركه. وهنا رأي آخر تكتب للشيخ عيسى، يتوسط في الأمر، وتساعده بالمال، والإمام يساعده بالرجال، فإن الحرب أكلت المسارير وهم جماعته، فسكت عني، وأتى بالقهوة؛ فاستأذنت للخروج، واجتمعت في عصر ذلك اليوم بالقاضي عيسى فقال: تعال أخبرك لما خرجت عنا. قلت للسلطان أعجبك كلام الرجل؟ قال: نعم، ولكنه لا يحترم المجلس، قلت: فهل قال غير الحق، فإنه أصدقك بصراحة. قال: والحق كله يقال أليس
للمجلس حق.
ثم عمل بهذا الرأي بواسطة حمد بن سليمان الحارثي، فكانت نفقة الشيخ عيسى وجماعته تجرى من مادة السلطان.
استحرّت الحرب ثانية وصعب الأمر، وعجز المتآمرون عن المقاومة، فكان جيرانهم وجماعتهم عوناً لخصمهم وعيناً، يدلون على عوراتهم عقوبة من الله، فضجروا ورأى عبد الله أن لا محيص من قبول الحق، فاعتنق الشيخ عيسى مرة ثانية، فاستعان الشيخ عيسى بالإمام لعلمه أن الحسون لا يوافقونه إلا بالضغط وضغطهم لا يكون إلا من قادر، هذا في جانب الحسون ثانياً: إن في مقابلته بني بو علي، وهم بالنسبة إلى رؤساء عمان حكومة أكبر من إحدى إمارات الساحل الكبرى خرج الإمام عن نزوى وكتب للأمير العلوي بما جاء لأجله وكان خروجه من بدية في يوم 27 جمادى الآخرة عام 1363.
•
وأقام ببلاد الحسون وأصلح شأن الفريقين، وانطفت النائرة، وتكفل الأمير العلوي بمن تحت طاعته من الغافرية إنه المسؤول عنهم، والسائل لهم، وصدرت في ذلك معاهدات، الاتفاقية، ووقع الكل عليها فبقيت بلاد الحسون وتوابعها تحت طاعة الإمام.
وأرسل الشيخ عيسى لمحمد بن هلال البوسعيدي من بلاده، فلبي دعوته، وطلب الشيخ عيسى من الإمام أن يكون محمد والياً على جعلان فما رأى الإمام ذلك، ثم ولى
379 (1/379)
صفحة 380
الشيخ محمد بن زاهر الهنائي، وترك عنده الشيخ سفيان بن محمد الراشدي قاضياً. ولما دخلت الوادي، والكامل تحت السلطان سأل السلطان الشيخ عيسى في إخراج محمد بن زاهر منها واعتذر له أنه قعد عن أمر الإمام ولا يمكن إخراجه. أجاب السلطان، إنكم ما خرجتم عني لتتركوا والياً، إنما خرجتم، مصلحين فأجابه الشيخ أن الإمام ما قبل إلا أن يجعل بها والياً، وأنت تعرف أني لا استطيع إتمام ما طلبته مني إلا بالإمام، والقبائل تعترف للإمام، ولا تسلم لنا ما تمتثله في حقه فكان بينهم كلام أغلظ فيه القول، وبقيت جعلان الحسون تحت الإمامة حتى تم أمر عمان للسلطان.
380 (1/380)
صفحة 381
ترجمة أبي زيد
في اليوم الثالث من شهر رجب بعد العصر سنة 1364 توفي الشيخ العلامة الفاضل أبو زيد عبد الله بن محمد بن رزيق بن سليم الريامي الذي هو من أولاد راشد بن سالم بن مصعب بن ريام وأولاد راشد من أكبر فخوذ بني ريام وأكثرهم عدداً وإذا أطلق في الصكوك فلان بن فلان الريامي، فهو من أولاد راشد عرفاً مطرداً، وبقية بني ريام كل ينسب إلى فخذه مقيداً به لا ينسب ريامي إلا في الجملة التي تعم بني ريام. ولد أبو زيد ليلة خامس والجمعة من شهر رمضان سنة 1301. قيل: إنه ولد بتنوف، وقيل: بأزكى.
نشأ أبو زيد بأزكى، ثم انتقل أبوه وعمه إلى إبرا من الشرقية، يعلمان القرآن العظيم. فمات أبوه بها، ونشأ في حجر عمه، ثم انتقل إلى أزكى، واتخذها وطناً. أما وطن آبائه وأجداده فبلدة تسمى العين في أعلى الجبل الأخضر. انتقل منها جده سُلَيْم إلى أزكى، فولد له محمد وسالم فنشآ بالحارة المعروفة بالنزار خاصة. تزوج محمد أم أبي زيد من تنوف من أولاد حمير من النباهنة، قوم شهروا بالبسالة.
رحل أبو زيد إلى الشرقية لطلب العلم، فتلمذ لنور الدين السالمي، فأخذ عنه أصول العربية، وأصول الفقه وفروعه وصار من أكبر، تلامذته وأكثر تساويد نور الدين بخطه، وذلك لملازمته إياه ولقدره عنده.
رجع
أبو زيد إلى وطنه أزكى عام 1328، وعقد مجلساً للتدريس بمسجد الحواري، فأخذ عنه جم غفير أكبرهم الشيخ العالم محمد بن سالم الرقيشي الريامي.
شيء
أمر أبو زيد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في وقت الكتمان، فما قصر في
طاقته.
تأليف أبي زيد - كتاب في النحو كتاب في مناسك الحج. وسؤالات المشكلات، فيما أشكل عليه من الأثر حال قراءته على نور الدين، فسمي حل مشكلات
أبي زيد.
381 (1/381)
صفحة 382
ولي أبو زيد للإمام سالم بن راشد الخروصي القضاء على أزكى لما كان الشيخ حمدان بن سليمان والياً عليها.
ثم ولي أبو زيد للإمام سالم بلدة بهلا في شهر شعبان سنة 1334 وتوفي الإمام سالم وهو وال عليها، ثم أقره الإمام الخليلي على عمله فبقي عاملاً للإمامين متقلداً وظيفتي الولاية والقضاء ثلاثين عاماً إلا شهراً كاملاً أجرى في ولايته العدل والمعارف الإسلامية، وردّ شوارد القلوب الخائفة من اضطهاد الظلمة إلى أوكارها، وعاش إلى أن توفي والمسلمون عنه، راضون وله مؤازرون، ولم يكن للإمامين عامل يستحق الثناء ما يستحقه أبو زيد.
سبب وفاته جراحة أصابته في ساقه وما زالت تعظم ولا يطلب لها دواء بل يكبسها بالتراب راجياً أن يكون ممن دخل تحت عموم الحديث النبوي. وكان يفصل في الأحكام، ويقضي حوائج الناس، وهو بهذه الحالة، حتى عجز عن الخروج لفصل الأحكام، فاستأجر من يحمله لمجلس الحكم للفصل بين الناس، ولقضاء حوائج المسلمين طالباً للأجر.
وتوفي ببهلا، ودفن بها، وقبره معروف.
كان - رحمه الله - ملازماً للاعتكاف مدة عمره.
شهر - رضي الله عنه. الله عنه ـ بكتابه التعاويذ القرآنية، وشُفي أناس ببركته، من الجان والجنون، والأمراض العسرة. يخرج أيام إمارته على بهلا ويبرين وتوابعهما حافياً هضماً للنفس ذهاباً وأياباً.
يخرج عند العسكر لجمع الحطب للوازم الحصن، فيساعدهم بيده.
يُخرج الطحلب من سواقي بيت المال بيده. يخرج في البلاد ليلاً ونهاراً منفرداً، يجس البلاد. وقد عرف بالبسالة، وشهر بالشجاعة، أكثر أكله الخبز والقاشع.
يجلس على التراب، وأحياناً يفترش قطعة من الجواني المعروفة هنا بالخيش، وقت الحكم في جلوسه للناس كان إدام بيته في كل يوم نصف رطل يأخذه من بيت المال. اشترى من فضلة أموال المساجد أموالاً لها.
قام بشراء الآلة الحربية من السلاح والرصاص للمسلمين، فوجد بعد موته في خزانة
382 (1/382)
صفحة 383
بيت المال فوق القدر المظنون ثم لعبت به أيدي العمال الذين استخلفوا بعده، اشترى
كثيراً من كتب العلم.
،
عمر حصن، بهلا وحصن، يبرين وادخر فيهما ما تحتاجه الحصون عند الحاجة ادخر نصيباً وافراً من الأطعمة والأقمشة والعطور والبذور للتجر لبيت المال، استأجر من
يقطع نجد الحديد بين نزوى وبهلا.
أمر بإصلاح الطرق من بيت المال.
أمر بحفر المقابر وكسوة فقراء الأموات والأحياء من بيت المال.
جعل عاملاً يشتغل بالدلاء والحبال للآبار في القفار.
عمر في بهلا وقت القحط ثلاثين بئراً للزجر.
قام بخدمة ساعد فلج الجزيين أحدهما الحديث، وهو الشرقي، والآخر المحيول، وهو الغربي. وقد أثبت هذا الساعد الغربي الإمام الخليلي حكماً بين أهل علاية بهلا والسفالة منها، فأنفق أبو زيد في خدمة هذا الفلج مائة ألف قرش وأربعين ألف قرش، صرف عمان عبارة عن أربعمائة ألف روبية هندية وتسعين ألف روبية.
أحدث ساعد الفلج المحدث وأدخله به. أحدث ساعد الفلج الميتا، وأدخله بها، وصرّج، سواقيه من حارة الخضر إلى سور السفالة، كل السواقي الجوائز والفروع.
استأجر وقت المَحْل لأموال بيت المال وأموال الأوقاف في كل يوم أربعة وثلاثين مبخوراً، تزجر لها خشية فوات أموالها ورفقاً بالرعايا؛ لأن الفضلة من الماء يقعدها
الأهالي رفقاً بهم.
،
قام بمصالح البلاد وأهلها من واجب ومستحب ومندوب، وتصدق على أهلها من الضعفاء، وأنقذهم من الحاجة وسهل المنافع للأهالي الأغنياء والضعفاء، وتحمل
المكاره.
لم يقبل هدية من أهل ولايته، حتى إنه امتنع من شرب الماء من بيوتهم.
زرع السكر لبيت المال وما رضي أن يأكل منه تعففاً.
383 (1/383)
صفحة 384
أحسن إلى المتعلمين ونشر العدل والعلم وقام بالتدريس وقت فراغه، فوق ما
هو عليه من الاشتغال وعمر المساجد وأموالها وأصول بيت المال.
غرس من نوع نخلة الخلاص ببهلا خمسمائة نخلة لبيت المال. ومن جملة أنواع النخل الباقي لبيت المال سبعة آلاف نخلة كل ذلك ببهلا دار ولايته. أحتى كل موات كان حشرياً ببهلا.
عمر في سور بهلا بسبعين ألف قرش صرف عمان.
أنفق على قتل الهوام والحشرات والسباع من بيت المال.
وبالجملة فإنه الفرد المنقطع القرين في عمال الإمامين أحسن السيرة في ولايته، وعدل في أحكامه وساس ولايته بأقوم سياسة، ورتب العمال والقضاة والعسكر من الأمناء، وتركهم في النقط المهمة ومراكز العمران وفق رغبة إمامه بحيث لم ينكر عليه شيء مدة ولايته وأدركته المنية والمسلمون في رضاء عنه.
وفي عام 1370 تقلد الشيخ طالب بن علي الهنائي إدارة المالية، فكانت ضجة العمانيين، وفي مقدمتهم الشيخان سليمان بن حمير وزاهر بن غصن الهنائي، فطلبا من الإمام إعفاء طالب من هذه الوظيفة فلم يسعفهما بقي طالب عليها، والتنافس مستمر، وفرض للإمام شيئاً نزراً اكتفى به وإن لم يكفه، فكان القضاة قسمين: من رضي على طالب كان في جنبه، ومن غضب عليه عنف الإمام على رأيه. وقد غلب على الإمام المرض والشيب والعجز وعدم المساعد، وواحدة من هذه كافية دون أخواتها، فتضاءل نفوذه في المالية وأكثر برواته ترد فرأى بنو علي أخيه بن عبد الله أن يكونوا عنده، وأن يحفظوه ويحافظوا عليه فقرروا اجتماعهم بنزوى، وإذا خرجوا ينوب الآخر مكان أخيه، والوقت قريب حتى توفي - رحمه الله.
لا
وكان قد استحلف عبد الله بن الإمام سالم منذ أمد طويل. ولا شك أن بعضهم يرى ذلك، ولكلّ نظر. واجتهد أبناء الشيخ الخليلي عبد الله وهلال في استبدال الشيخ غالب منه، وساعدهم القاضي سفيان بن محمد الراشدي والإمام في حالة يرثى لها من الضعف. فكتب عنه الشيخ سفيان استخلافه للشيخ غالب ورجوعه من استخلافه لعبد الله ابن الإمام. ودخل أحمد بن محمد بن عيسى على الإمام ذلك الوقت. ويقول أحمد:
384 (1/384)
صفحة 385
إنه كلم الإمام معارضاً له في استخلاف الشيخ غالب قائلاً: إنك فتنت العمانيين بما كتبته، وإن الأنصار لا يرضونه إماماً لهم أجابه: لم أرد فتنتهم، إنما أريد جمعهم على الهدى. فإن كان كما قلت فإني راجع عما كتبته ويقول أحمد: إنه خرج عنه ليحضر منصور القاضي وغيره من القضاة فيكتبوا نقضه لذلك العهد، فمنع من الدخول عليه عند
رجوعه إليه.
أخبرني عبد الله بن علي الخليلي أن الإمام أخبره بمقالة أحمد. ويقول: قلت له: صدق أحمد، إن الفتنة قائمة ولهذا نحن نحب أن يكون خليفة نرجع إليه، لئلا نفشل بعدم الاجتماع ولا نجتمع إلا عن رأيك.
يقول هلال بن علي: إن الإمام أوصى إليهم أن هذه الحصون وما بها أمانة في أيديكم، ولا نصيب لكم فيها. فإذا اجتمع المسلمون على إمام فسلموا إليهم أمانتهم. قلت له: فإن لم يجتمعوا. قال: أحضروا عبد الله ابن الإمام سالم، وسلموها له، وقد
برشتم.
بحثت بعض أعوانه هلال بن علي وأصدقائه عن اجتهاد هلال في تقديم الشيخ غالب لأي شيء، مع علمنا أن حقيقته تخالف ذلك، وما يعرفه من نفور غيره منه، أجاب: إنه يجب أن ينتقم منه لتقتيره على أبيه وتفنيده، له واعتراضه لكثير من أوامره، فهو لا يصل إلى غرضه فيه إلا بتصدره في هذا المنصب. ويرى عبد الله أن ابن الإمام سالم من عشيرته، ولا يجب أن يناله سوء من العمانيين. كيف وقد ضجر العمانيون من العدل، وملوا بقاءه، وداخلتهم الأهواء، ولا مناصر لعبد الله إن تصدر، وإن مسقطاً فتحت فاها لالتهام المركز الرئيسي ولو كانت استطاعة لهذا الشيخ لأصر أن تكون هذه الحصون تحت يده.
كتب الشيخ سفيان ورقة الاستخلاف للشيخ غالب وكتب القضاة عليها القبول، وأبى الشيخ سليمان بن حمير من الموافقة في ذلك الوقت، فحذره أصدقاؤه ورغبوه، وخوفوه العاقبة. وما كان قبوله عن رغبة إلا أنه حاذر أن يتهدم السور، فيخرب زرعه وما كان ذلك الوقت يوجد من هو أهل للإمامة بعمان ويستحق أن يقدم على المسلمين. إنها الإمامة العظمى والشروط المرعية بالكتب الشرعية غير متوافرة في شخص يعرف، بل لو وجد لما قبلها؛ لأن المغرضين لعبوا بالدولة لعباً فاضحاً.
،
385
نهضة الأعيان - م 25 (1/385)
صفحة 386
حوادث سنة 1371 ووصول ابن عطيشان
إلى البريمي
في عام 1371 أنفذ جلالة الملك المعظم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، تركي بن عبد الله العطيشان الوهبي التميمي من أهالي القصيم إلى البريمي. وكان وصوله عصر يوم عيد النحر من السنة المذكورة فاستقبله أهلها بالتبجيل والتعظيم، وقدمت إليه وجوه العمانيين فأحسن إليهم وأجازهم، وفتح باب الضيافة، ورتع الضعفاء والأغنياء في كرامته. وكان رجلاً عظيماً، حسن السياسة جيد الفراسة، لين الجانب، يعرف أين يضع سهمه وفيم ينفق وقته؟
كان من رأي الإنكليز قبل وصول الأمير السعودي: أن تتخذ حاكم أبو ظبي زايد بن سلطان هدفاً أساسياً، تتوغل به إلى داخلية عمان وأن تكوى بناره مشاكلها، حتى يسهل عليها خدع الشعوب، في وقت كان السلطان سعيد ضدها، فشجعت زايداً، وأمدته بالسلاح والعتاد والمال وأضرم وكيلها الفتنة بين زايد وأهل دبي، زهقت فيها نفوس عزيزة على الطرفين، وتلف فيها كثير من المال نشب في هذه الفتنة مخلب زايد وفشلت سياسته الخرقاء، ولم تنجح الدولة في تعاليمها. وحاولت قبل هذا إشعال نار بين الإمام الخليلي والسلطان سعيد، فلم تصادف
قبولاً.
وصل الأمير السعودي إلى البريمي، وصرح وكيل الدولة بالشارقة: أنها أصابت خطاً أحمر بعمان.
تحركت عمان لقدومه، وتقدم السلطان سعيد بن تيمور بجيشه لمقاومته، فكانت حركته إلى صحار، رأت الإنكليز أن هذه المقاومة السلطانية ضئيلة في مقابلتها، وأن هذه الحملة ستبوء بالفشل إن لم تعززها فأحكمت خيوط المؤامرة، وسددت رأيها لتنفيذ الخطط، وهولت الموقف، وألزمت السلطان الرجوع إلى عاصمته، وإنها كفيلة بالأمر،
386 (1/386)
صفحة 387
وقعدت بين الملك ابن السعود والعمانيين مقعد الحماية عن توتر الحالة، وخاطبته بالنيابة عن العمانيين، وتركتهم وراء الستار، ونالت مرادها بما كانت لا تطمع فيه قريباً، فأحدثت محطة للطيران ببلد العين من البريمي من بلدان زايد، وأقامت بها نقطة عسكرية وأنزلت بقلعتها قواداً وضباطاً بصفة النيابة عن سلطان مسقط، والحماية لحاكم أبو ظبي، وجمعت حكام الساحل ليكونوا ضد السعودية، ووعدتهم بالمادة والسلاح فما
أسعفوا.
أسندت مشكلة البريمي للحكم بمجلس الأمن، وضيقت على الأمير السعودي، ورضينا أن تحكم فينا الإفرنج بما شاءت، وتركنا حكم محمد صلى الله عليه وسلم، وأصبحنا كملوك الطوائف، كل واحد منا يزعم أنه سيد الآخرين فيهاجمهم موجهاً آخر طعنة إلى أخيه، في وقت لم يبق فيه كبير قوة للسيل الذي يهددنا وما فينا نافذ البصيرة لسد الثلمة، وإفهام
الأمة.
وفي يوم سادس المحرم عام 1373 بدلت الإنكليز عساكرها المحدقة بأمير البريمي، وأطلقت عليه الرصاص.
وفي يوم التاسع والعشرين من ذي القعدة عام 1373 انحسم النزاع على منطقة الحدود المختلف فيها، فنشرت جريدة أم القرى عدد 1527 الصادر يوم الجمعة 21 ذي الحجة عنوان السفارة البريطانية جدة، وحررت الشروط والجواب عليها، وعملت الحكومة السعودية على القيام بموجب الاتفاقية، فانسحب ابن عطيشان، أمير البريمي إلى المملكة العربية، وبدلت الحكومة السعودية ممثلاً من طرفها الأمير عبد الله بن نامي، وأقامت الحكومة الإنكليزية ممثلاً من قبلها بالنيابة عن سلطان مسقط، وحاكم أبو ظبي، بقي الممثلان خارج البلاد بالجانب الشرقي من بلد العين متجاورين حتى ينحسم النزاع بالمجلس، فزال الضغط الذي يعانيه الأهالي واستراح الكل ودخل الناس بعضهم مع
بعض.
وفي ليلة تاسع من شهر ربيع الأول عام 1375 هجمت قوات الدولة الإنكليزية بقيادة ضباطها على الواحة المتنازع فيها، بدون تقديم أي إنذار، والناس في أمن واطمئنان، ولا يرجون الغدر من دولة تتسمى بالعدالة والإنصاف رفضت المجلس
387 (1/387)
صفحة 388
وحكمه وراءها، ولم يقم المجلس المحترم بحقه في هذا التعدي السافر، ولا الدول التي أقعدته للإنصاف فما كان لهذا المجلس من حظ إلا الهوى والعجز.
سلبت الدولة الأمن وركبت، المحجور، واضطرت رؤساء البريمي، مع جميع الأهالي للخروج من بلادهم وجردتهم من سلاحهم وأموالهم، وما استطاعوا أن يحملوا أثواباً غير ما عليهم فحملتهم في السيارات ثم في السفن إلى المملكة العربية، وأوقعت بممثل السعودية ابن نامي فأصيب بجراحه، وقتل من قتل من أعوانه، ومن أهل البلد، وحملته بالطائرة إلى حكومته، فصفا لها الجو، واستلمت البلاد بالقوة.
ثم فتحت عينها لاستلام بقية عمان لما قطعت العلاقة بينها والدول العربية بالاستيلاء على البريمي، لأنها البلعوم الذي به يتنفسون ولما عرفت أنها أمسكت على خناقهم، أصدرت الهجوم على عبرى، ثم على نزوى فاحتلت في ربيع الآخر عام 1375 بواسطة الرؤساء الذين سهرت عيون آبائهم في استعادة مجدهم الباذخ، فهدموا ما شيد الآباء. وبانحلالها انحلت عمان وسقطت في الهوة بلا شيء إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
فهل لنا استتمامة وعزة وحالنا مَشُومة كما ترى کل امريء بفعله معتبر والسيف بالشفرة يَفْضُل العصا فتحت عيني فرأيت غافلا يحمله السيل وليته دري ونائماً والنار في جثمانه كأنه جزل الغضا وما وعى وراضياً بذلة بذلة مفتخراً بأن يعيش خازياً ومزدرى ومؤمناً مستضعفاً يفزه ظالمه من الرجا إلى الرجا وعاقلاً في رأيه متهما وأرشد الآراء للحر الدوى النعمة تخاله أسعر ما كان إذا قلت خبا وبائعاً لوطن فيه انتشا بلقمة يلذها وهي الودى فهل لنا استقامة وعزة وحالنا مشومة كما ترى وهذا شيء ترومه الإنكليز من قديم وقد صرح عنه كرزن عام 1892 م) في مجلد 3 ص / 443/ حيث يقول: استدللت أن التفوق البريطاني قوي الدعائم، ونظام محبوب في مسقط. أما عمان،
وحاسد
388 (1/388)
صفحة 389
فيمكن النظر فيها بحق كملحقة بريطانية. فنحن ندفع إعانة مالية لحاكمها كما أننا نملي
أنه
سياستها. ولهذا يجب أن لا نسمح بأي تدخل أجنبي. وليس عندي شك كثير، في هذه الدويلات البدائية أمام حضارة مطبوعة بالصداقة،
تنحني
سيأتي وقت، بعد أن يصبح فيه من الضروري أن نفرض نفوذنا بشكل أكثر فعالية ويصبح العلم البريطاني يرفرف فوق قلاع مسقط اهـ.
وفاة القاضي أبي الوليد
وفي عصر هذا الإمام توفي الشيخ القاضي أبو الوليد سعود بن حميد بن خليفين، ببلدة المضيبي، ليلة الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 1373 وكان عاملاً عليها وأعمالها منذ خمس وثلاثين سنة للإمام الخروصي، ثم للإمام الخليلي متقلداً لوظيفتي القضاء والولاية، لما عرف من أهليته ودرايته ونباهته وعلمه وأعفي أشهراً دون السنة، ثم رد إلى عمله كان قارئاً حسن النغمة جيد الصوت لقبه الإمام الخليلي شمس القراء وداهية العلماء.
قرأ على سيدي الوالد نور الدين وأخذ عنه العلوم فكانت له يد كبرى في فنون العلم، وقد ربّاه في بيته صغيراً، فنشأ وهو بمنزلة أحد أبنائه، لا يفرق في شيء، فكان يقرأ عليه، ويقرأ له في أكثر الأوقات وكتب عنه تساويد جمة من مؤلفاته، واختصه مدرساً بالمضيرب للمشايخ آل حميد بن عبد الله، فهو شيخ المشايخ - رحمه الله أخذوا دروساً كثيرة، وعلوماً جزيلة.
?
وعنه
واستعملني الإمام الخروصي وإياه على المضيبي وأعمالها وسمد وتوابعها، فكنا نعمل للإمامين: الخروصي ثم الخليلي ولما استعفيت من العمل عام 1339 بقي أبو الوليد - رضي الله عنه - متقلداً للوظائف كافياً كافلاً.
وكان الإمام الخليلي يحبه كثيراً، ويشكر آراءه، لما تيقنه من إخلاصه للدولة. ولم تستمله الأطماع المسقطية، ولا استفزته الأهوية كغيره من القضاة، ولا راغب في ذلك، أن كثيراً من الرؤساء عرض عليه ذلك فانتهره.
أصيب قبل موته بعام بمرض في مخه فكان سبباً لوفاته. عفا الله عنه، وتقبل
أعماله.
389 (1/389)
صفحة 390
كانت له رسائل جمة وأجوبة مسائل نظماً ونثراً. وكان يقول الشعر، وله قصائد
طنانة في فنون متفرقة.
صالح.
وقد رتب أجوبة الشيخ صالح بن علي وسماه: عين المصالح في أجوبة الشيخ
وفاة الإمام الخليلي رضي الله عنه
لما أدركته المنية جمع إخوانه من العلماء والفضلاء، فقال لهم في جملة وصيته بعد
الشهادتين:
إن ديني الإسلام ورأيي رأي المسلمين ومذهبي مذهبهم ثم قال: لا بل مذهبي
محمدي».
يعني
وصواباً.
أنه مجتهد في الرأي غير مقلد لمن سبقه من العلماء، إلا ما يراه حقا
وفي الساعة الأولى من يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر شعبان من سنة 1373 ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف هاجرت إلى ميقات ربها الروحُ التي عكفت على الإرشاد في نصرة الدين الحنيف، روح الجامع بين الحقيقة والشريعة عميد العلم والدين والإسلام، حامي حمى الحوزة العمانية العلامة المجتهد المطلق محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي دعاه مولاه إلى سعة رحمته ودار كرامته فنقله إليها صابراً مجتهداً محتسباً مجاهداً.
مضى - رحمه الله - آخذاً بالإرشاد وتقريب العباد إلى ربهم، يسهل لهم طريق
الوصول إلى حضرة الإيمان فالإحساس فالإيقان فالعيان. ذابت نفسه حياءً من الله عز وجل، فأذابت من حولها، وخشعت للحي القيوم،
فخشعت جوارح من يجالسها.
عرف نفسه، وعرف ربه، فعرف الحقوق الواجبة فلا ترى إلا ألسناً شاكرة، مثنية على حلمه وعطفه وكريم أخلاقه.
وعكة بسيطة ألمت بهذا العلم، أعقبتها حملات المرض، فكانت سبباً لما تزوده هذا الصديق فى اللحظة الأخيرة عند قدومه إلى ربه.
390 (1/390)
صفحة 391
كانت وفاته بنزوى ودفن بها بين قبري الإمامين ناصر بن مرشد، وسلطان بن
سيف. وكانت مدة إمامته إربعاً وثلاثين سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوماً.
إن المروءة والسماحة والندى في قبه ضربت على ابن الحشرج في آخر أيامه كثيراً ما يقول كأني بالفتن على أفواه السكك،
كان
رحمه
الله
وإني هامة اليوم أو غداً.
قام - رضي الله عنه ـ في صلاح الأمة حتى بلغ حد الشيخوخة، فضعف جسمه،
ونقص بصره.
وأقام الحدود القرآنية رجماً وقوداً وقصاصاً، وحدا، قطع الأيدي في السرقة، ومن
خلاف في قاطع الطريق ورجماً في المحصن واللوطي.
عدد من أقيم عليه حد القتل بنزوى مائة وأربعون رجلاً، وفي خارجها من اللصوص وقطاع الطرق الذين لم يقدر عليهم إلا ببذل مال ما ينيف على أربعين رجلاً. هذا أقل الأقوال التي وصلت إلينا من القضاة الذين بنزوى، كانت سياسته في حكومته اقتفاء سيرة الخلفاء الراشدين وتتبين الحقائق للباحث في سيرته الشخصية،
وللنظام الذي يسير عليه.
كان - رحمه
الله - لا - لا يرى حمل الناس على العنف والإرهاق، ولا تكليفهم ما لا يطاق. أحسن السياسة وألان الجانب، حتى أوغل القضاة الشرعيون في التعنت والتنطع والاستخفاف، وطمعوا في عفوه، فحصل فساد في العمال فاحتجنوا لأنفسهم المال من غير حله، ووضعوه في غير محله، ولتساهله - رضي الله عنه - وإغضائه عنهم، وقبوله العذر منهم، وحملهم على حسن الظن كان يبيع من أصول أمواله، ليستر أعراضهم، ولينقذهم من ضيق الحصر.
كثرت فيهم الوقيعة فأصبح كل فرد منهم مُدِلاً بنفسه مستخفاً بالآخر. وكان - رضي الله عنه - من رأيه ما دام تنطعهم في الآراء التي تجلب لهم رئاسة ولو كانت تافهة. أنه لا بأس بالسكوت عنها ما لم يترتب عليها أثر ديني.
،
مرت سنوات والخلف يتسع والكلام من الفريقين يزيد وكل يتعصب لهواه حتى
لا يعترف بفشله، وحتى تجرأ بعضهم، فحاول عزل الإمام فاجتمعوا بحصن نزوى فكتبوا له ما لا يحسن أن نكتبه.
391 (1/391)
صفحة 392
أجابهم: إني خارج عصر اليوم عنكم، وانظروا لأمركم بهذا الجواب سُقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد ضلوا فارتبكوا واختلفوا، ولم تثبت أقدامهم؛ إذ لم يكونوا من أهل تلك الطبقة، فقام عليهم الشيخ حمود بن سلطان الوهيبي من شيوخ البدو، وكان قد حضر بنزوى زائراً فأغلظ الكلام عليهم وهددهم وزجرهم، فانقشعت سحابة صيفهم، ولم يكن عند حمود من يحذر منه إلا أن الحق لا يقوم له الباطل.
ذكر شيء من عهوده
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم. قد جعلت سعود بن حميد بن خليفين قاضياً على ديار حبس، وعلى سناو، وديار الشروج والخضرا والخرما ووادي عندام الفليج وبلدة بغدا وسمد وتوابعها ليحكم بين أهلها بحكم الله جل وعلا الذي يجده في كتابه، فإن لم يجده فبسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فإن لم يجده فما أجمع عليه المسلمون، حتى يخرج الحق من الظالم للمظلوم وليعدل بينهم في حكمه، وجعلت له فرض النفقات والتوكيل للأيتام والغياب، وتزويج من لا ولي لها في المصر، وتطليق من عجز زوجها عن نفقتها كل ذلك على وفق ما يقتضيه الحكم، وتجيزه العلماء، وينهى عن المنكر، ويأمر بالمعروف، ويؤدب من يستحق الأدب بما يستحقه. كتبته بيدي وأنا إمام المسلمين محمد بن عبد الله في ليلة 11 من ربيع الآخر سنة 1352
،
وهذا عهد آخر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قد أقمت محمد بن عبد الله بن حميد السالمي والياً على ديار المعاول ونواحيها، وبلدة نخل وحواشيها من الطو والحسنات والفارة وأبيض بني صبح وبلدة الآجال، ليقوم
392 (1/392)
صفحة 393
بإنفاذ الأحكام بين أهلها والأخذ بيد الظالم حتى يخرج منه الحق، ويحمل الناس على الأخذ بما في كتاب ربهم من امتثال أمره واجتناب نهيه ويحيي فيهم سنة نبيه محمد، ويسير فيهم سيرة السلف الصالح، ويقبض الزكوات منهم، ويضعها في مصالح المسلمين، من إعطاء العسكر القائمين بالأمر، ويواسي من يرى مواساته، مجتهداً في ذلك رأيه، وليكن أكبر همه ما يكون به إعزاز الدين وإظهاره وتقويته، وجعلت له أن يؤدب المعتدين والمفسدين، بما يردعهم عن الفساد والعناد وما كان من حد فليراجعني فيه، وجعلت له أن يوكل من شاء في بيت مال المسلمين ويجعل الجباة، ويحاسب العمال، ويقوم بأمر الأيتام والغياب والأوقاف. وهذا يكون معه القاضي سعيد بن أحمد الذي نجعله معه، وجعلت لقاضيه سعيد بن أحمد فرض النفقات، وتطليق من أبى واستكبر عن إنفاق زوجته إن طلبت هي الطلاق. وكذا إن غاب زوجها، بحيث لا تناله الحجة، ولم يترك لها نفقة ولا مال تنفق منه، وأرادت الطلاق، وإن يزوج من لا ولي لها بالمصر من النساء ممن رضيته زوجاً، وكان كُفْوءًا، وقد جعلت لمحمد أن يقيم أحداً يستعين به على الأوامر، ويجعل له من الجعل ما يراه له من بيت مال المسلمين. وكتبه إمام المسلمين محمد بن عبد الله بيده في يوم 14 من شهر شوال سنة 1352. وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم.
،
عهد آخر
بسم
و الله الرحمن الرحيم
قد جعلت سفيان بن محمد بن عبد الله الراشدي قاضياً على بني بو حسن أهل جعلان، ومن كان مرجعه إليهم، ليحكم بينهم بما يراه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد بن عبد الله، أو إجماع المسلمين وآثارهم المعتبرة مساوياً بينهم في الحكم، وليعلمهم أمر دينهم آمراً لهم بالمعروف وناهياً لهم عن المنكر، وأجزت له عقوبة أهل الجنايات، كل أحد بقدر جنايته، وجعلت له إجراء النفقات، وإقامة الوكلاء للأيتام والغياب، ومن لا يملك أمره وتزويج من يكون مرجع أمر تزويجها إلى السلطان من النساء اللاتي لا وليّ لهن أو غاب الولي، أو امتنع بغير حجة، وتطليق من أراد الطلاق من النساء، لعجز زوجها عن الإنفاق أو لتمرده. وعليه أن لا يمضي حكماً له حتى يبين
393 (1/393)
صفحة 394
وجه الحق، وما لا يعلمه يسائل أهل العلم، ويطالع الأثر، وجعلت له قبض الأموال المجهولة الأرباب التي يرجع أمرها للقائمين بالعدل ويبيع ما يرى بيعه من ذلك، ليضعه في إقامة العدل وتقويته وإن عنا أمر مما يوجب الحد وحكم به، فليقمه الولي بحضرته. والله عز وجل أسأله التسديد لي، وله والإعانة وعليه مناصحة الوالي، كما على الولي النصح له، والقبول منه، وإنفاذ أحكامه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على رسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. كتبته وأنا إمام المسلمين محمد بيدي، يوم تاسع من شهر جمادى الأولى سنة 1364.
ذكر شيء من أحكامه
عرض عليه بعض أحكام قضاته.
صورة حكم أبي زيد عبد الله بن محمد الريامي بين النواصر، وهم تبع العبريين
وبني هناة في أيام الإمام سالم بن راشد ـ رحمه الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
ليعلم من يقف عليه أن الإمام سالم بن راشد الخروصي بعثنا ننظر المكان الذي غربي الوادي الكائن ما بين الغافات ووادي العلا لما تخاصم فيه النواصر وبنو هناة فحضر الفريقان ونظرناه على حضرتهم إلى جبل الكور، فوجدنا فيه عمارات آبار لبني هناة وأوقافهم إلا بئراً واحدة للنواصر، فحكمنا بثبوته لبني هناة مغرباً إلى جبل الكور، وكذلك الجبل هم أخص به من غيرهم لاتصال عماراتهم به بالأبيار، ولكونه بين بلدانهم. وليس للنواصر فيه سبيل هذا ما ظهر لنا في ذلك المكان قياماً بالعدل بين
الطائفتين.
•
وبعد ذلك إمامنا الخروصي أرسل الشيخ محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي ينظر المكان المحكوم فيه فلم ير فيه إلا ذلك وكتبه عامل الإمام عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي بيده يوم من ربيع الآخر سنة 1336 هـ.
25
ثم وقعت في هذا الحكم معارضه من الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، في عصر (1/394)
صفحة 395
الإمام الخليلي. وكتب الشيخ رسالة طويلة. وهذا ما كتبه الإمام الخليلي جواباً عليها وفيه
الخلاصة:
جمع،
نبين لكم الوجه الذي يتمسك به إبراهيم بن سعيد أنه وجد في الأثر أن الجبال لا تملك، وأن مانع المباح كمبيح المحجور، وأنه وإن كان تمسكهم بما جعل للديار من الحريم، فقد قاله بعض العلماء. واختلفوا في تعيينهم للمسافة، أن الحريم للبلدان لا للأطوى التي لا تزرع إلا أيام الصيف، ولا للقبلان التي لا تزرع صيفاً إلا أيام الخصب التام، إن جاء المطر أيام الزراعة هذا كلامه وإن البلدان المعتبرة عند بني هناة بلدان وادي العلا وهي في أول الجبل والغافات وهي منتهاه، وبين البلدتين مسافة وإن بلدة النواصر المسماة العيشي توسطت بينهما، وليس بينها وبين الجبل إلا نحو ميل، وإن كان بينها وبين الجبل وادٍ فهو غير قاطع وإن كان قاطعاً فقد يرضينا ذلك؛ لأن الأودية المنصبة من جبل الكور كثيرة يكاد يكون بين كل طوى وصاحبتها، نعم لبني هناة طوى مسكونة فيها رجال تارة تسقى بالزجر، وتارة بالنهر المسمى قبيل، إلا أن الطوى لا تنزح، وهي تعد بلدة باعتبار أن فيها سكنى نحو عشرة رجال أو أزيد بقليل. فإن كانت مثل هذه تعطى الحريم فلا بأس، نحن نرضى بذلك، يعطى لأهل وادي العلا، ولهذه الطوى وللغافات والعيشي حريمهن وحكم نراه أو قول أو فتيا نسمعها من قائل، بغير هذا نعده خارجاً من الحق متبعاً لأهواء قوم ونسأل المسلمين بالله أن ينصفونا، إن رأوا الحق، معنا وإن رأوا الحق مع غيرنا أن يبينوه لنا.
وإني أقول: قد أرسلني الإمام سالم بن راشد - رحمه الله ورضي عنه ـ أن أنظر بعد أن سار إليهم الشيخ عبد الله بن محمد ورجع إلى الإمام سالم وقال: إن النواصر ليس لهم أن يسيموا في الجبل، فأبى النواصر وشايعهم العبريون قائلين: إنا نرى هذا تعدياً، فنظرت المكان، وذلك في زمن الخصب، فوجدت الزراعة محيطة بالجبل، وهي لبني هناة وإن تخللتها أودية أو بعض أماكن. فمن رعى حول الحمى أوشك أن يقع فيه، وأخرى أن بين الطائفتين شحناء ومكابرة نفوس. وفي ذلك الوقت يكاد تقع فتنة؛ إذ الفريقان - أعني النواصر وبني هناة - فيهم غشم وظلم شواوي، لا يفقهون قيلا، ولا يهتدون سبيلا. فلما رجعت إلى الإمام أخبرته بما رأيته وقلت له: إنك إمام وعبد الله وال بذلك الطرف من قبلك، فلكم أن تمنعوا النواصر عن السوم، إن رأيتم ذلك صلاحاً للرعية. هذا فلينظر الإخوان في القضية والحق مقبول ومطلوب. والله الموفق المسدد
395 (1/395)
صفحة 396
المعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتبه الفقير سعود بن حميد عن إملاء، سيده إمام المسلمين محمد بن عبد الله، أبقاه الله ونصره في 3 من شعبان سنة 1350 هـ صحيح كتبه إمام المسلمين محمد بيده.
ومن أحكامه
بسم
و الله الرحمن الرحيم
هذا ما رأيته بين أهل الخوبي وأهل ضوت من نزوى نظراً لمصالح الكل أن يحفر أولاً أهل الخوبي تلك الحفرة التي في الصفاة إلى أن يظهر ماؤها. فإن رأوا ماءها يكفيهم شقوها لفلجهم على شرط أن يكون لجيرانهم أهل ضوت أن يمدوا فلجهم إلى حيث شاءوا، ولو شاءوا تصريجه صرجوه وإن لم يظهر في تلك الحفرة ماء كاف تترك تلك الحفرة على حالها، وتجعل علامة إلى منتهى فلج الخوبي من غير أن تشق عليه، وتكون القواعد السالفة بينهم على ما وجدت مرسومة لا تغيير ولا تبديل. والرزق بيد هو الباسط المانع عن حكمة لا نعلمها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكتبه إمام المسلمين محمد بن عبد الله بيده يوم 19 من جمادى الأولى سنة 1340 هـ.
ومن أحكامه
بسم الله الرحمن الرحيم
جاءت امرأة من خوبار سمائل، تشكو إليه أن زوج ابنتها جامعها وهي نائمة،، وتريد إخراج ابنتها منه فأرسل الإمام إلى الزوج وزوجته، فسأل الزوج في خلوة، فأخبره إني خرجت لسقي الأموال تحت ظلام الليل، ورجعت إلى بيتي وما كان أحد يشاركني في بيتي ولا فراش نومي، فدنوت منه. فإذا بالمرأة نائمة فأيقظتها لعلمي أنها زوجتي فلم تكلمني وباشرتها كالعادة ولم تتكلم. فلما فرغت صرخت وقالت ما قالته.
396 (1/396)
صفحة 397
ثم دعا بابنة الشاكية فأخبرته أن زوجها خرج لسقي الأموال، وأن أمها جاءتها بعد العشاء الآخرة تقول إنها مريضة بالحمى وتأمرها أن تخرج إلى بيتها لتحلب بقرتها، فاعتذرت لها بغياب زوجها وأنه سيرجع آخر الليل متعباً يريد النوم، فقالت: افرشي له كالعادة وأنا أنتظره هنا حتى ترجعي، أو يرجع وكانت سابقاً تحرضني على النشوز عنه، وأنا لا أشكو منه إلا خيراً، فذهبت ممتثلة أمرها ولا أدري ما انطوت عليه. فلما رجعت وجدتها تصرخ: جامعني زوجك، وقد حرمت عليه، فانطلقي عندي. ثم سأل الإمام المرأة: أين نمت من البيت؟ فقالت: نمت في الفراش الذي فرشته الابنة لزوجها. فقال لها: أنت أم سوء، ولا خير فيك، وأوجعها ضرباً ودرأ الحد عنها للشبهة، وأمر الزوج أن يأخذ زوجته وقال لهما: لا بأس عليكما.
ومن أحكامه
أتاه رجل من بني حراص من أهل نخل وكان قد سافر إلى ساحل الشمال، وأقام سنين عديدة وله زوجة وابن منها، فلما رجع لم يجد زوجته ووجد ماله وبيته في يد غيره، فسأل عن زوجته فقيل له: إنها بسمائل تزوجت برجل من موالي بني هناة، وإنه أولدها ابناً وبنتاً، فشكا إلى الإمام الخليلي فأرسل إليها والزوج، فسألها عن الحراصي. فقالت: إن زوجها غاب عنها الشمال منذ سنوات فقال لها: ماذا جاء بك إلى سمائل؟ وما صيرك إلى هذا الزوج الآخر؟ فقالت: إني شكوت عند الشيخ خلفان بن ثنيان الحراصي طول غيبة زوجي فباع خلفان المال لنفقتي ثم باع البيت، ثم طلقني ثم جئت سمائل، وتزوجت هذا الرجل فقال لها: هل أبلغت الرقيشي عاملنا بنخل، وهو والي المسلمين؟ فقالت: لا. فقال: كيف أبلغت خلفان وهو جبار مفسد، فقالت: هذا ما فعلت وأظهرت كتاباً بخط، خلفان أنه طلقها من زوجها ثلاثاً، فأحضر الإمام مشايخ العلم بسمائل، فاتفقوا على عدم إجازة طلاق خلفان وعامل الإمام بالحصن موجود وحكم بالمرأة أنها زوجة الأول وأنها فراش له لم تخرج عنه، وللعاهر الحجر، والأولاد أولاده جميعهم ثم تذاكروا في إقامة الحد عليها وزوجها الثاني، فكان من جوابهم درء الحد عنهما للشبهة ولا بد من تعزيرهما، فعزرا جميعاً. وأخذ الأول زوجته والأولاد جميعاً.
397 (1/397)
صفحة 398
ذكر شيء من مكاتباته
صدرت بين الإمام وعاهل الجزيرة العربية جلالة الملك عبد العزيز الراحل وصاحب الجلالة عظمة الملك سعود بن عبد العزيز مكاتبات ودية كما ترى بعضها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله إلى الملك المحترم المعظم عبد العزيز بن عبد الرحمن سلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد فإني أحمد الله جل وعلا وأصلي وأسلم على نبيه المصطفى وعلى آله.
ثم إنه لما انتشرت في العالم سيرة الملك ابن السعود بتأمين السبل، وإسداء المعروف سيرة عربية إسلامية ويرى اجتماع كلمة الإسلام فلأجل ذلك وفد الناس إليه أفواجاً، منهم طالب رفد ومنهم ناظر في السيرة ومنهم من يحب اجتماع شمل المسلمين واتحادهم وكان محمد العلامة السالمي ممن يحب الاجتماع والاتحاد وأمن العباد والبلاد، وأراد الاتصال بالملك، وأراد مني أن أعلمه بشأنه ومكانه. وفي الحقيقة أن فضيلة المرء مخبوءة تحت بيان لسانه والله المسدد في القول والعمل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لا ملجأ من الله إلا إليه. حرر يوم 10 شوال من سنة 1369 هـ: جواب الملك المعظم.
بسم الله الرحمن الرحيم
المملكة العربية السعودية رقم 4465/ 5/6
تاريخ 1370/ 1/3
من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى حضرة صاحب المقام المكرم محمد بن عبد الله ـ حفظه الله وأبقاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فإنا نحمد إليكم الله الذي جلت قدرته وتعالت اسماؤه، ونصلي ونسلم على نبيه المصطفى وعلى آله ومن تبعهم إلى يوم الدين أما بعد فقد تسلمت كتابكم الكريم الذي حمله إلينا
398 (1/398)
صفحة 399
العلامة السالمي، وشكرنا ما نقله لنا من حسن ودادكم وعظيم محبتكم، وإنه ليسرنا تواصل المودة، سائلين الله أن يوفقنا جميعاً للعمل بكتابه واتباع سنة نبيه، وأن يوفقنا لما
فيه الخير والسداد في القول والعمل. هذا ما لزم بيانه والله يحفظكم والسلام.
وهذا آخر كتاب منه، أرسله الشيخ سعيد بن ناصر السيفي والحجاج:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله إلى الملك المعظم المحترم عبد العزيز بن عبد الرحمن سلام الله عليكم ورحمة الله. وبعد فإني أحمد الله الكبير المتعال، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى والآل. ثم إنه لما من الله بأمن السبل وجعل الواسطة في ذلك الملك المحترم عبد العزيز، فلله الحمد أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً، ثم إنه يجب على المسلمين شكر الملك، وأن يغتنموا الفرصة لأداء فريضة الحج، وأن يدعو الله بتأييد الدين، وجمع شمل المسلمين واتحاد كلمتهم، وأن يصلح الرعاة والرعية، وأن يطيل عمر الملك، ويجعله جامعاً لنظام الإسلام فدين الإسلام واحد، ودعوتهم واحدة. وهؤلاء الحجاج هم وفد الله عز وجل دعاهم إليه فاستجابوا ونسأل الملك أن يجعل أخلاقه السامية. وإنما قلنا ذلك لندخل تحت قوله:
هي
لهم الاحترام التام، كما «الدال على الخير كفاعله. والله حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا ملجأ من الله إلا إليه. حرر يوم عاشر من شوال سنة 1369.
وهذا كتاب منه لصاحب الجلالة الملك الراحل:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده. والصلاة والسلام عَلَى من لا نبي بعده. وعلى آله وعلى آله وصحبه الذين جددوا عهده، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فسلام من إمام المسلمين محمد بن عبد الله على الملك المبجل العزيز عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود المحترم ورحمة الله وبركاته، نحن ومن قبلنا بحال نحمد الله عليها ونشكره سبحانه راجين منه جل شأنه وعز، أن تكونوا بأحسن حال وأطيب بال. وما بطارفتنا من أخبار إلا ما يسركم فالله الحمد. ثم أن الموجب للبيان إقراؤكم السلام الجزيل منا ومن الأعيان والسؤال عنكم وحب المواصلة وإعلاماً
399 (1/399)
صفحة 400
عن الولد محمد بن شيخنا العلامة السالمي وزميله فهاهما متوجهان لأداء فريضة الحج، وحضور الموسم، وليمرا عليكم مسلّمين مؤدين بعض واجبكم. هذا مهم ولازم. والله يحفظكم. والسلام عليكم وعلى من يعز لديكم ومن لدنا كذلك. محرراً في 19 من ذي
القعدة سنة 1371 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله بيده إلى الأمير المحترم المعظم ولي العهد سعود بن الملك عبد العزيز. سلام عليك ورحمة الله، ثم إني أحمد الله عز وجل وأُصلي وأسلم على خاتم الرسل وعلى آله. وبعد فإن الولد الشيخ محمد بن العلامة عبد الله السالمي،، كان قصده الحج إن يسر الله له ذلك، وأن الله له ذلك، وأن يمر عليكم مسلّماً، كما هو الواجب من أمر الإسلام الذي يحث على ذلك. وكونوا عباد الله أعواناً وإخواناً، ولا بد له من الاتصال بمكة المشرفة إن فاته الحج؛ لأن للعمانيين بيتاً جعلوه لنزولهم فيه يحتاج إلى
عمارة، وهو المفوض من قبلنا وقبل العمانيين في النظر في الأمر هذا، وحررته يوم من ذي القعدة سنة 1371.
25
ثم إن أتم السلام منا عَلَى أعيان أصحابكم، ومن هنا كذلك يسلمون عليكم أعيان
الأصحاب.
جواب الأمير ولي العهد على ذلك:
سم الله الرحمن الرحيم
ديوان سمو ولي العهد.
المملكة العربية السعودية الرقم 191/ التاريخ / 1372/ 2/7
من سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى حضرة الأخ الجليل الإمام محمد بن عبد الله الخليلي. سلمه الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فقد تلقينا كتابكم المصحوب مع الشيخ محمد بن عبد الله السالمي الذي سرنا الاجتماع به، وبما طمأننا به من صحتكم وعافيتكم وما أنتم عليه وقد سهلنا له الغرض الذي أجله، من وهو العمارة في البيوت الخاصة بكم بما نرجو ونأمل أن يكون طبق رغبتكم. وإنا لنسأله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد في الدنيا والآخرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جاء
400 (1/400)
صفحة 401
وهذا كتاب آخر منه لجلالة الملك المعظم:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي إلى حضرة جلالة الملك المعظم سعود بن عبد العزيز الفيصل آل سعود المحترم حفظه الله. سلام عليك ورحمة الله وبركاته. وإنا نحمد الله على نعمه. وبعد فإن الشيخ مشعان بن ناصر زار بلادنا بعد زيارته الأولى التي عقدت بيننا وبينه روابط الصداقة والمحبة وتوثقت عرى الصداقة بينه وبين علماء البلاد، حتى أحلوه بالمكان اللائق بأمثاله. وقد ذكر لنا مودة حكومة جلالتكم، وعطفكم على رعايانا واهتمامكم بشؤوننا، وحرصكم على دوام استقلال بلادنا، وإنكم لا تألون جهداً بالدفاع عنها. وهذا وإن كان ظاهراً لنا سابقاً، إلا أن الشيخ جعله كأنه رأي، عين والحق إن هذا لا يستبعد من حكومة جلالتكم العربية الإسلامية، التي يسرها أن ترى المسلمين والعرب في عز ومجد وهناء وسعادة، وقد جعلتنا نيتكم الطيبة الخالصة ندعو لكم بالنصر والتوفيق على سعيكم الجميل، في توحيد كلمة المسلمين، وتكتلهم تحت لواء الإسلام وانتسابهم إليه، ودعائهم إلى كتاب الله العزيز وسنة نبيه محمد .. وإلى ذلك أرشد القرآن العظيم فقال: ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه إن الدين عند الله الإسلام. وقال: «كونوا عباد الله إخواناً وعلى الخير أعواناً. فيا صاحب الجلالة قد استخلفكم الله في بلاده، فنرغب إليه سبحانه أن يجعلكم من الذين وصفهم في قوله: (الذين إن مكناهم في
الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر والله عاقبة الأمور ومن الأمر بالمعروف السعي في توحيد كلمة المسلمين وفي إماتة الانتساب إلى المذاهب، وإظهار التعصب لها اللذين قضيا على الإسلام وتسلط على أبنائه عبدة الأصنام الأجانب الأكالب، وأن لزوم ما كان عليه السلف الصالح والسير بالمسلمين سيرهم، هو الذي يعيد علينا عزنا الشامخ ومجدنا الباذخ. هذا والسلام عليكم وعلى من يعز لديكم.
محرراً يوم 1373/ 5/23.
جواب الملك على هذا الكتاب:
401
نهضة الأعيان - م 26 (1/401)
صفحة 402
بسم الله الرحمن الرحيم
5647/ 2/10/ 28
في 7 شهر رجب الفرد سنة 1373
من سعود بن عبد العزيز الفيصل آل سعود إلى حضرة المكرم الإمام الشيخ محمد بن عبد الله الخليلي - حفظه الله. سلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو، ونصلي ونسلم على خير أنبيائه. ولقد وصلتنا رسائلكم التي أعربتم فيها عن عواطفكم الطيبة وشعوركم الجميل ونحن نقدر لكم ذلك في كل وقت، فإننا كما تعلمون حريصون كل الحرص على جمع كلمة الإسلام والمسلمين، والدعوة إلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه،، وكل ما نتمناه أن يأخذ بنواصينا، ويسدد خطانا، ويوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام.
وهذا كتاب منه لأمير المنطقة الشرقية سعود بن عبد الله بن جلوي:
بسم الله الرحمن الرحيم
،
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي إلى سمو المكرم الأفخم الأمجد الأمير سعود بن عبد الله بن جلوي المحترم سلام عليك ورحمة الله وبركاته. إنا ـ الله الحمد - بحال نشكر الله عليها. وبعد فقد زار بلادنا الشيخ مشعان بن ناصر بعد زيارته الأولى التي عقدت بيننا وبينه روابط المحبة والصداقة وتوثقت عرى الصحبة بينه وبين علماء بلادنا، حتى أحلوه بالمحل اللائق بأمثاله. وقد ذكر لنا عن حكومتكم، وعطفها على رعايانا، واهتمامكم بشؤوننا وحرصكم على استقلالنا وإنكم لا تألون جهداً بالدفاع عنها. وهذا وإن كان ظاهراً لنا سابقاً إلا أن الشيخ أكده حتى جعله كأنه رأي عين. ولا يستبعد هذا من حكومتكم السامية الإسلامية العربية التي لا تزال ساهرة على المحافظة على عز الإسلام والمسلمين وحفظ كيانهم. ويسرُّها أن ترى المسلمين في عز ومجد وهناء وسعادة هذا والسلام عليكم وعلى من يعز لديكم محرر يوم 23 جمادى الأولى
سنة 1373
جواب الأمير سعود لهذا الكتاب:
من سعود بن عبد الله بن جلوي إلى جناب الأجلّ الأفخم، الأخ الفاضل الأكبر الإمام محمد بن عبد الله الخليلي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ومرضاته
402 (1/402)
صفحة 403
نرجو
الله أنكم بأتم الصحة والعافية. وبعد فقد تلقينا خطابكم الكريم، وتصفحنا ما تضمنه من لطيف التعبير وأنيس اللفظ وجميل العناية وما أبداه حضرة الأخ عن رعاياكم، والمعاملة الحسنة معهم فالواقع أن لا فضل لنا في ذلك؛ لأننا مسلمون، وأنتم مسلمون، والمسلم لأخيه كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. وهذا هو دستور صاحب الرسالة الذي نسير عليه جميعاً، فالتوادد والتقارب والتعاضد أمور حثنا عليها المشرع الأعظم، وواجبنا الديني المحافظة عليها والتمسك بها والمسلمون بخير ما داموا واضعين نصب أعينهم كتاب الله وسنة رسوله، عاملين بتعاليمها، متمسكين بها. فالحقيقة أيها الأخ العزيز إنا نعتبرك أخاً صديقاً، وفيا وواجبكم علينا واجب الأخ نحو أخيه، وننظر إلى رعاياكم كما ننظر إلى أبنائنا ورعيتنا ولا موجب لأن نشكر على ذلك، أو نقدر عليه، فهذا ندين الله به، وما لا يمكن أن نقصر فيه، وفق الله الجميع لما فيه السداد والخير والصلاح للمسلمين جميعاً، وحفظكم وأدام توفيقكم.
،
1373/ 5/17
ذكر شيء من رسائله
كتابه لأبي مالك في بغي حمدان الحجري
،
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله بيده لحضرة الشيخ العلامة عامر بن خميس بن مسعود الذي هو من بني مالك. سلام عليك كثيراً، ورحمة الله.
،
أما بعد: فإني أحمد الله إليك وكتابك وصلني وفهمته وإني أتخوف التبعة ـ كما ذكرت ـ لعلمي بالتقصير والركون إلى الراحة والاستراحة. وآل حجر لا أراهم يستقيمون وأنت تعلم ما هنالك، ومن أين تُرجَى استقامة من أحد على هذه السيرة التي نحن عليها، فشمروا لجهاد أعداء الدين بالتحريض على ذلك وإني قد دعوت الناس على المثار على آل حجر، فإن نصر الله المسلمين هنالك فالمرجع إلى الغربية، ولا قريب ولا بعيد ولا بغيض ولا حبيب إلا الاستقامة وعدمها وما عدا ذلك لغو وتملق وتشدق، وظنك في الحجريين ذلك في أناس مضوا أما اليوم فغيرهم أسرع انقياداً للحق، انظر إلى أشياخ بني هناة أما انقادوا للأحكام؟ وانظر أمر الحجريين، كلما قيد منهم أحد شرعوا يفاتنون العسكر. أناس غرتهم نعمة الله عليهم وقالوا من أشد منا قوة، وغرهم ثناء
403 (1/403)
صفحة 404
الناس، ومدحهم لهم. والأمر الله لا بد من سر مكتوم في خزائن الغيب، فلا تكرهوا
ذلك. والله حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
16
من رجب سنة 1346. حرر يوم
كتاب آخر
الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله إلى الشيخ الأكرم المحترم الأخ الأمير عيسى بن صالح وكافة الجماعة آل حجر. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإني أحمد الله إليكم، أعلامنا خير وسرور.
أما بعد فإنه ربما يبلغكم إيفاد أهل بزان إلى مسكد ودعوة أهل مسكد القبائل إليهم غير منقطعة، بثوا الرسل والكتب إلى كل أحد، والناس يقولون: إن فتح الباب وسده من الشرقية، وإنه لا يمكن أحداً أن يفد مستجدياً، ويرجع مملوء الحقائب والآخر إذا سار عنف وسيء به الظن. إما أن يُحسن الظن بالكل أو يساء الظن بالكل. وذلك أمر منعنا عن القول، وقد تجرأ الوافدون بذلك والموفود إليهم ولا نرى إلا المنع. فمن كان المسلمين وثابتاً على البيعة وغير خايس بعهده، فلا يمكن مسيره إليهم مستجدياً، وقد حجرت عليهم ذلك إلا من كان ناقضاً لبيعته وعهده فذلك نظره إلى المسلمين، ولا يعجز الله. واعلموا أيها الناس أن أولئك لا يعطونكم شيئاً من دنياهم إلا أخذوا به شيئاً من
دينكم، هذا قولي وأستغفر الله لي ولكم والسلام.
حررته يوم 22 من شهر شعبان سنة 1357.
وبمثل هذه كتب إلى جميع عماله وأن يقرأوه على القبائل.
وهذا كتاب آخر
الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي إلى المشايخ الكرام العزاز الحشام الجماعة كافة رجال بني بو حسن السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام، فإنا نحمد الله إليكم وأعلامنا خير والحمد لله. وبعد فإنه بلغني تفرقكم وتلك عقوبة البغي، وهي أولى العقوبات. فالمراد أن تراجعوا دينكم وتتراجعوا، وتؤدوا الحقوق فيما بينكم وبين الخصم، وتتوبوا إلى الله من خيانة العهود وكونوا يداً واحدة على الحق
404 (1/404)
صفحة 405
وتفرقكم وتخاذلكم عن إخوانكم إن كانوا يؤدون الشريعة المحمدية، ولم يكف الخصم يصير الخصم باغياً، فقد أعنتم الخصم، وخذلتم الدين. وإني أخاف عليكم نقمة كما وقعت على الأتراك. ونحن - إن شاء الله - لا نجد بدا عن مناصرة الدين. والله عز وجل نستمده النصر والتأييد والتوفيق والتسديد وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. حررته يوم 5 ذي الحجة سنة 1359 هـ.
وهذا جواب منه
لكتاب صدر إليه من المذكورين
پس
سم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي إلى إخوانه المشايخ الفضلاء المرتضين صالح بن علي وصالح بن يحيى وسعيد بن علي الميزابيين حجاج بيت الله الحرام وزواره وجيران، حرمه تقبل الله سعيكم، وأثابكم رضوانه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى من جاور معكم من الإخوان. وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأشكره على أفضاله وجزيل، نواله، راجياً منه أن يغمركم بنعمائه الشاملة، ويغمر قلوبكم بأذكاره الفاضلة، نحن ومن قبلنا بخير، والحمد الله. وبعد فإن الولد سيف بن سعيد الحاج المعولي وصل معنا سالماً، وتناولنا من يده كتبكم. الحاملة لمزيد التحيات ورسائلكم الحافلة بالأبحاث في المسائل التي اختلفتم فيها. ولا بد أن ينظر إخوانكم العمانيون فيها، ويطبقوا المسألة على أثر السلف الصالح، المستخرج من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، مع أني أقول إجمالاً: أوصيكم بالتثبت في الأمور، وألا تعجلوا على إخوانكم بقطع العذر والبراءة واحتملوا للمسلمين فيما كان فيه محتمل. ومن دين المسلمين أن لا ينصبوا الرأي ديناً؛ فإن الله عز وجل جعل هذا الدين يسرا، وفتح للعلماء باب الاجتهاد، وألزم كلاً أن يأخذ بما أداه إليه اجتهاده، فيما لم يكن فيه نص عن الله تعالى بكتاب صادق، أو إجماع الأمة، لثبوت العصمة لهم، فلا يجتمعون على ضلالة وما كان وراء ذلك فهو محل اجتهاد، وبحث، لا محل قطع عذر
وتخطئات.
405 (1/405)
صفحة 406
فانظروا - رحمكم الله - يعين البصيرة واعتمدوا على الحق، فهو السيرة التي آثرها الأسلاف. وقد رأيت في غضون تلك الورقات ما لو برهن بالبرهان لتبين أي بيان، أنه من مسائل الاجتهاد، وأن للرأي فيه مجالاً، وللعلماء مقالاً فلا يفضي بها إلى التخطئات وقطع الأعذار.
واعلموا أن النصوص تتناهى والحوادث لا تتناهى، فاقتضت حكمة العليم الخبير الرؤوف الرحمن الرحيم: أن جعل للعلماء النظر والاجتهاد وأن يحكموا على الحوادث بما أداه اجتهادهم في الاستنباط والوزن والعيار لذلك جاء ما فرطنا في الكتاب من: شيء فالله الله فيما يجمع الكلمة والتآلف، ويبعد الشحناء والتخالف، ولا تكونوا كالذين فرقوا دينهم وكانوا شِيَعاً. فما مُني الإسلام بشيء أعظم وأطم من التخالف المؤدي إلى الفشل، المنتج لانحلال القوى، وذهاب الدول. هذا وإخوانكم أهل عمان حريصون على اجتماعكم، ونظام جماعتكم ويسيئهم جدا ما يبلغهم عنكم من التفرق، جمعكم الله على الهدى، وسلك بنا وبكم نهج سلفنا - رضوان الله عليهم والسلام عليكم جميعاً، محرراً في يوم 20 من جمادى الأولى سنة 1372.
وهذا جواب لسؤال صدر إليه
من إخوانه المغاربة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة على نبينا محمد وآله وصحبه.
بلغنا السؤال عن فتوى العالم الفزاري، المجيز الآخذ بخبر التلفون والبرق في هلال شوال، وقاسه على شهادة الأعمى والشهادة في الظلمة والشهادة من وراء، واستماع المؤذن، فالذي نراه ونعمل به ونحكم عليه الأخذ بالكتاب والسنة وما عليه عمل الصحابة - رضي الله عنهم، وتبعهم الخلف هو أنه إذا تباعدت الديار والمطالع، فلكل قوم هلالهم.
:
والحجة في رؤية الهلال الشهادة العادلة، أو الشهرة وحكم من الحاكم بصحة الهلال، ودينكم يسر، فاشكروا الله الذي جعلكم أتباع هذه الشريعة الحنيفية السمحة، ولو شاء الله لأعنتكم. وأما الكلام في قياسه بعلم خبر التلفون على الحقيقة، أنه لا داعي
مع
406 (1/406)
صفحة 407
لذلك. صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، ولم يبلغنا أن الأوائل تكلفوا في طلب ذلك، فإن أيام الحج طوال، فلو كان يلزم البحث لكان الأوائل أحرى بذلك، فلم يجعلهم يلتسمون الخبر من الديار البعيدة النائية مع إمكان ذلك، والله
أعلم.
ونحن أهل المشرق، نقر لكم، ونسلم أنكم أكثر اطلاعاً للآثار والأخبار، إلا أن فيكم شدة لا تسلمون الأمر، ونحن بحمد الله نعظم علماءنا، وننقاد إلى أقوالهم وأحكامهم؛ لأنهم بالمنزلة العليا في العلم والورع والجاهل منا يعظم العالم ويحترمه، بل ونحترم علماء المغرب كالشيخ القطب محمد بن يوسف ـ رحمه الله ـ ويسوءنا ما يبلغنا من تخالفكم، وعدم توقيركم لذلك الشيخ وأمثاله وإن اختلف المشايخ في مسألة من غير مسائل الدين، فليس ذلك بموجب فرقة ولا ينبغي لتلامذة هذا الشيخ أن يتحاملوا على الآخر بلا حجة إلا لما يرونه من توقيرهم لشيخهم.
الجاهل لا يتعدى، طوره فلا تعجلوا على الفزاري بالبراءة. واعلموا أنا نأخذ بالسنة، وأرجو فيئته. والله حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وذلك من إخوانكم المشارقة أهل عُمان إمام المسلمين محمد بن عبد الله، ومن
حضره من الإخوان.
كتاب رجال حزب الإصلاح بميزاب
لأهل عمان عموماً
بسم الله الرحمن الرحيم
إخواننا الكرام، رجال عمان الأمجاد الخاص منهم والعام. صانهم الله، وأخذ بأيديهم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
،
-
أما بعد فقد نُعي علينا، والأسف يملأ الفؤاد والأسى يوشك أن يشق المرائر، إمام المسلمين: محمد بن عبد الله الخليلي الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون. أحقا أفل نجم عمان الذي طالما أزهر فاستضيء بنوره، في ظروف محلولكة
المنظر، قاتمة المخبر.
407 (1/407)
صفحة 408
أحقا سقطت دعامة من دعائم المذهب الشريف هنالك ومال ركن عدله القائم، وتوارت شمس وحدته بالحجاب أي وربك إنه لحق، وإنه لرزء عظيم، وحادث جلل، لولا حكم من الله يجب الإذعان، له وقضاء منه، يتحتم الرضا به، والاستسلام إليه، وسنة من سنن الله في كل حي وإن طالت أيامه في هذا الوجود.
،
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
إخواننا الكرام إن حزب الإصلاح في ميزاب ليشارككم معشر الأحبة في هذه المصيبة العظمى، ويشاطركم الأسى، ويقاسمكم الألم. فعظم الله أجركم وأجرنا، وألهمنا وإياكم الصبر الجميل والثواب الجزيل ولا ملجأ من الله إلا إليه. قال الله تبارك وتعالى: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)
،
،
الله قلوبكم إلى رجل يجمع العلم الواسع والمعرفة بالله معرفة حقيقية دهاءً جمع وحكمة، وإلى الإصالة في الرأي والحزم في المواقف والشجاعة في الإقدام والإحجام، شفقة إلى الأمة ودمائه في الأخلاق، ولطفاً في المعاملة، وإلى الورع الصادق، وحسن السمت في السير، معرفة بأساليب الحياة، وإقداماً على التطور في دائرة الدين ومصلحة الإسلام المشتركة فلن يصلح الدين إلا باستصلاح الدنيا، ولن يسلم كيان الأمة وتحفظ جانبها من عدوان الإنسان إلا بالاعتصام بالله والتذرع بوسائل القوة والعزة. وقديماً قيل: «الاستعداد للحرب يمنع الحرب».
إخواننا الأماجد يسرنا جدا ما نسمعه عن وطن عمان من زكاء التربة والثروات الطبيعية، بقدر ما يحزننا نكول إخواننا عن استثمارها وعدم أخذهم بالأساليب الحديثة في الإنشاء والتعمير شأن أمم العالم بأسرها، ويسوءنا والله أن لا نسمع بعمان صوتاً بين الممالك الإسلامية والدول العربية وأن يبقى مجهولاً من أمم الدنيا، كأن لم تكن الأمة التي حفظ لها التاريخ بين مطاويه بطولة نادرة ومجداً رفيعاً، والدولة التي ملأ دويها سمع الزمان، ورتل فمه، آيات، أليست هي التي قمعت طغيان الاستعمار البرتغالي، وتحطمت على صخرتها أساطيله العتيدة وطهرت منه الأماكن والبقاع ألم تكن فتحت الفتوحات الواسعة، وحكمت فكان العدل منها، سجية، وشقت الأفلاج، ونشطت حركة الإنتاج والإصدار والإيراد، وغرست آلاف النخيل والأشجار، وشادت للعلوم حصوناً، أخرجت
408 (1/408)
صفحة 409
العلماء النابغين والحكام النابهين فيهم الشاعر والناثر، والمفسر، والمحدث، والسياسي المحنك، والإداري الماهر وناهيك بحصن يبرين وما أصاب من علماء أجلة وشموس ساطعة، فأضاءت زواياه حيناً من الدهر، يا عصابة الحق.
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الجهل والإفلاس بالرجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، فقلدوا أمركم شهماً أخا ثقة يورد الأمور ويصدرها ويشق بكم الطريق إلى حيث العزة والسعادة والسيادة الحقة، ويغشى بكم ميادين الحياة، ويعدكم إعداداً قوياً بتجديد عهود زاهرة، مضى عليها أئمة الهدى أمثال ناصر بن مرشد وبلعرب بن سلطان وأخيه سيف بن سلطان قيد الأرض، وكثير غيرهم ممن كان قبلهم، أو جاء بعدهم: فقلدوا أمركم شهما أخاثقة يكون رِدْءاً لكم للحادث الجلل ماضي البصيرة غلاباً إذا اشتبهت مسالك الرأي صاد الباز للحجل إن قال بر وإن ناداه منتصر لبي وإن هم لم يرجع بلا نقل يجلو البديهة باللفظ الوجيز إذا عز الخطاب وطاشت أسهم الجدل إن قطراً كقطر عمان العريق بالسيادة والمجاهدة، الحافل برجال الكفاءة، لا يتكادُه أن يُوجد خلفاً للراحل العظيم يخلفه باستحقاق، ويسدد الثغور التي كان يسددها، ويضطلع بالأعباء التي كان يقوى على الاضطلاع بها. إذا ظفرتم بهذه الشخصية الكريمة، وهذا مما لا شك فيه - إن شاء الله. ولعل كتابنا هذا لا يكاد يصادفكم حتى يكون قد تربع على عرش الإمامة فاسمعوا له وأطيعوه ولا تفسدوا عليه أمره بالخلاف والتنطع ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين. ودعوه يتفرغ لتوجيه الأمة وجهة الأمم التي اعتنقت مبادئ الحياة سيما المجاورة لكم، بتشييد المدارس والمعاهد والكليات وإرسال البعثات لتعليم الصناعات وتأسيس المطابع والشركات، وإصدار الجرائد والمجلات، وإنشاء المستوصفات والمستشفيات، وتعبيد السبل والطرقات، ومد السكك الحديدية والأسلاك الكهربائية، وإنشاء المعامل بأنواعها واستخراج المعادن وتحصيلها إلى غير ذلك مما يقوم عليه نظام الملك، وتستوجبه عزة
السلطان.
أيها الإخوان الأماثل ألا يسوءكم أن سيبقى قطركم فقيراً، وتحت أقدامكم الكنوز
،
409 (1/409)
صفحة 410
الطبيعية، وعن اليمين وعن الشمال مياه متدفقة وتربة خصبة أيبقى منعزلاً عن العالم، وله رؤوس مفكرة، وعقول راجحة ونفوس، زكية ومنكمشاً، وبه رجال لو أطلقوا ألسنتهم وأقلامهم من قيودها ونشروا علمهم لأذاعوا صيته في الخافقين، ومكبل الأيدي، حاله اليوم كحاله قبل قرن من الزمن والدول كل كائن حي إن لم يتطور دراكاً دل على مرضه واعتلال مزاجه.
أيها الأصحاب، إن عصرنا هذا عصر العلوم والنور، عصر الحياة، له تنازع البقاء، عصر الاجتماع والتكتل عصر الذرة والرادار. من رام أن يعيش فيه منفرداً ومنعزلاً عن غيره، داسته سنابك أيامه وازدروه ازدراء النّهم لطعامه والذئب يأكل الشاة القاصية من الغنم، فادفعوا - بارك الله فيكم - إلى الأمام، وكونوا حائطاً لا صدع فيه، وصفا لا يرقع بالكسالى، وأبرزوا دولتكم للوجود وساهموا في إقامة ركن الإسلام المائل، وجاهدوا كسائر أممه عدوه الصائل، كل ذلك في حدود الدين ودائرة حفظ الكرامة والذاتية طبعاً، فالله معكم ولن يتركم أعمالكم».
هذه كلمة أملاها علينا حب الخير لأمة شقيقة تربط بيننا وبينهم وشيجة الدين ولحمة المذهب، في دورة من دورات تاريخها. نرجو منكم أن تمعنوا النظر فيها كل الإمعان، وتحملوها على محمل حسن وتعملوا بمقتضاها فهي من صُنع من طب لمن حَبْ. كما نأمل منكم أن تعرفونا بما تم لديكم وعلى من اجتمعت عليه كلمتكم، ولا بأس أيضاً أن تطلعونا على ترجمة الإمام الجديد، وعلى ما ميزه الله به من الخصائص، وعن نظريته في الحياة ومبدئه في تدبير الملك، إلى غير ذلك، وفصلوا لنا ذلك تفصيلاً. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. دمتم لإخوانكم رجال حزب الإصلاح بميزاب.
عن القرارة الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر والشيخ أبو اليقظان إبراهيم الحاج عيسى ورجال جمعية الحياة.
عن غرداية الشيخ بابكر صالح بن قاسم والشيخ رمضان إبراهيم بن صالح ورجال
جمعية الإصلاح.
وعن العطف الشيخ ابن يوسف سليمان بن الحاج داود الشيخ بكلي الحاج يحيى ورجال جمعية النهضة.
أحمد
بن
410 (1/410)
صفحة 411
عن بنورة رجال جمعية النور.
عن بني يسجن ومليكة رجال كتلة الإصلاح.
عن بريان الشيخ الطالب باحمد صالح بن يحيى ورجال جمعية الفتح.
وكاتبه نيابة عن الجميع بلكي عبد الله جماع عمير، بيده.
11
من ذي القعدة سنة 1373. يوم
هذا ما قدر الله جمعه من الحوادث، في عصر الإمامين - رحمهما الله ـ وما كان من إسهاب في بعض الأحيان، فلما يقتضيه الحال. ومن الله نستمد القبول في جميع الأعمال، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. وكنت قد شرعت فيه قبل وفاة سيدي الإمام الخليلي، فتأخر طبعه إلى الآن، فلذلك ترى فيه زيادات لم تكن في عصره.
وكتبه العبد محمد بن عبد الله السالمي في شهر شعبان عام 1380 من الهجرة
النبوية صلى الله وسلم على صاحبها.
ولما انتهيت من كتابة ما قدرت عليه من التاريخ أحببت أن أكتب بآخره أجوبة مني، لكتب صدرت إلي من سيدي الإمام الخليلي - رضي الله عنه، وهي خمسة كتب، وما بعدها فأجوبة لصديقي القاضي أبو الوليد، وغيره من المخلصين.
بسم الله الرحمن الرحيم
62/ 8/12
بعد الحمد والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه: حضرة مولاي وسيدي الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ـ أبقاه الله وعافاه.
بعد فائق السلام والاحترام.
وصلني - أبقاك الله - كتابك الكريم على يد أخينا الحميم القاضي أبي الوليد،
6
فأنعشني رجاؤك، بعد ما رمقني أعدائي، وأعداؤك وحمدت الله على اهتمامك بنا، وحفظك الحق لشيخك الذي أبقى للجباه العاتية صيحة الحق وللقلوب الغلف نداء الواجب، وللضمائر الواعية طريق العمل وللهمم المتوانية شد العزيمة، وإني لأشكرك كل الشكر، إذ لم تحتكر، رحمتك، فها أنا مددت الباع بعد انقباض الذراع، مقر أن نعمتك قلادة عنقي، لا يقطعها إلا غاسلي.
411 (1/411)
صفحة 412
عني
جواب آخر
63/ 9/10
لقد وصلني كتاباك الكريمان في يوم واحد كما أن تاريخهما في يوم واحد، فسرى ما أجده من الأجراس، وجرى في ماء الحياة بعد اليأس، وقد عرفت ـ أبقاك الله ـ ما طبعك الله عليه من الرأفة والرحمة والتأميل الذي لا يكون إلا من حسن الظن، وكل إناء بما فيه ينضح وكل امرئ ينفق مما عنده وليس عندك إلا الخير، ولا في عينيك إلا الرحمة، فلعل الله أن يجعل هذا سبباً للإنعام، والإنعام سبباً للانقطاع إليكم، والسكون تحت أجنحتكم، فأنا على ساق الامتثال راجياً أن لا أضيع بين عقلك وكرمك.
جواب لكتاب ثالث
1363/ 10/9
وصلني كتابك - أبقاك الله سيدي وأنا، بصور تدعوني إليك، فحنيت القامة إجلالاً لما حبوتني وطأطأت الهامة امتثالاً لما أمرتني آملاً من الله أن يكبت السفهاء الذين أرعفوا أقلامهم، وفغروا أفواههم ينحتون من أثلتي، ويطعنون بحراب الكذب والبهتان حرمتي، وينهشون بأنياب اللوم والصغار نعمتي ينسجون لي ثوباً من خيوط الوقيعة، وإكليلاً من شوك الاضطهاد، حسداً من عند أنفسهم لما زاحمتهم بمنكبي حين عرفوا أني أنورهم شعاعاً، وأمدهم باعاً.
،
جواب، لكتاب رابع
،
،
10/ 5 / 1369
وصلني كتابك الكريم يا سيدي الذي رفعني فيه إكرامك بحيث وضعت نفسي من رجائك، وسررت بعافيتك وسلامتك ورضي قلبي بما أحببته له، وقرت عيني بما وصلتني به، وحبب إلي الحياة، على ما فيها من شظف ما رضيته لي فكيف أختار فوق ما اخترته ومذ زانني اسم خدمتك ما رأيت إلا الإحسان من كل الجهات؛ ولا شممت إلا الإخلاص من جميع الطرقات ولا أحسست إلا شفقة يطمئن إليها القلب، وتسكن لها الجوارح وهل فوق ذلك من مزيد لشاكر عاقل، ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا: وإذا نظرت إلى أميري زادني ضنًابه نظري إلى الأمراء
412 (1/412)
صفحة 413
كتاب آخر وهو الخامس
26/ قعدة/ 1368
كتاب آخر، وهو الخامس. كتب إليَّ وإلى القاضي سعود بن شيخنا المالكي في عتاب بلغه بيني وعامله على بدية فأجبته بهذا:
إليه سعي
حفظ الله مولاي، ومتعنا ببقائه لقد تلقيت كتابك الكريم بالقبول والامتثال، وما بلغك من العتاب بيني وعاملك الكريم سببه تخمين وسوء ظن وما يتبع أكثرهم ألا ظنا) إن بعض الظن إثم، فوجد السعادة سبيلاً لصدع العصا والغواة مجالاً لبث الهوى، فسعوا متأله بالنصح والخسران في السعاية أكثر من الربح ومن يغترب يحسب عدواً صديقه فعبث عبث الصبيان وأولاني درجة الامتهان بعد ما ألزمته لزوم الظل، وأطعته طوع النعل، فلعبت بي ظنون من كتب به لاعباً. قال علي لعثمان: إن قلت لم أقل إلا ما نكره، وليس عندي لك إلا ما تحب والله يعلم سيدي أني ما غششت بعد النصح، ولا انحرفت لطلب الربح ولا نصبت لفتح الجرح، فلم يعاث في حقوقي، ويرتع في مواتي، وإني على يقين أنه سيف سله الله على هؤلاء اللثام عاقبة البوار، فأبقيته أيها الصديق، كما أبقى الصديق من قبلك على المنافقين والكفار. وأرجو من الله أن يمنحني الوفاء بحقه وحقك، وأن يلهمني التأدب بأدبك والاحتمال على مذهبك وما ذلك على الله بعزيز، ومبلغ مناي ومنتهى أملي أن لا يجد الحاسد مجال لحظة والقادح مساغ لفظة؛ فإني على العهد الأول والأحوال أصدق شاهد وما تكنه الضمائر تبديه المشاهد.
،
،
وهذا جواب لكتاب صدر من العامل المتقدم ذكره بكتاب سيدي الإمام في 20 من رمضان سنة 1368.
حفظه الله من خطل القول وزلل العقل بكفالته الواجبة لذوي أمره بعد السلام، وصلني كتابك، تستلفتني ببرك، بعد ما نالني برك. وقد كنت حر الأصل، فاستعبدني برك، وردني إلى الحرية جفاؤك، فلست بعائد إلى الرق ببرك.
إيه أأنا المنافق والمشاقق وغيري الموافق والمرافق أبعد خمسين عاماً احتسبتها عند الله، أكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) أبنميمة أهداها کاشح، ونبأ جاء به فاسق، وهم الهمازون المشاءون بنميم، والوشاة الذين لا يلبثون أن يصدعوا (1/413)
صفحة 414
العصا، والغواة الذين لا يتركون أديماً صحيحاً والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير
ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا.
لا غرو قد يغص بالماء، شاربُه ويؤتَى الحذر من مأمنه ما أردت إلا أن تغص مني، فأتضرع إليك، وأتذلل بين يديك، ما حركت الحوار إلا لتحن، والا أبسس للجزور إلا لتدر. ألا إني التنين وابن الأبيين. فإن جهلت فسل عمن رتق فتق المصر بعد الشق، وخلف للجباه العاتية صيحة الحق، أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ولعله غرّك مني المحاباة والدعابة، فظننت أني رجل تلعابة.
أنا مثل الماء سهل سائغ وإذا
سُخن آذى
وقتل أنا كالخيزور صعب كسره وهو لين كيفما شئت انفتل والله إن سيدي الذي ولاك على البلاد يعلم أني ما غششته، ولا انحرفت عنه، ولا نصبت له، ولا هربت منه، ألا إن لكل شيء أمداً، وبعد اليوم غد.
جواب لكتاب وصلني من صديقي
القاضي أبي الوليد
10 من محرم 1366.
إلى من فك المعمى، وفصل بين الاسم والمسمى وعناه القائل: بقوله أنا الذي
نظر إلي الأعمى.
فسح
،
الله له العمر وأعاننا وإياه على نوائب الدهر السلام عليكم ما حفظ الوداد أهل الصفا، وشكر الصنيعة أرباب الوفا. إني أحمد إليك الله وأشكره، وأستمده العاقبة والستر، ما بهذا القطر من خبر فنرفعه لأولي الأمر، وصلني كتابك، وفهمت ما به من الجمل، وما أسفر عنه من بلوغ الأمل، وإني لأحفظ لك الإيثار، كما حفظه المهاجرون للأنصار وما أزمعت على يأس منك بضمان ما تكفلت به من المن، بل خرجت على عهد أخذه عليك حسن الظن، وإن كان في كل الشجر نار فقد استمجد منها المرخ والعفار، وأنفع الحيا ما صادف جدباً، وألذ الشراب ما أصاب غليلاً. لقد أسندتني قبل أن يغلبني الغلب، وأنهضتني قبل أن يفخر علي العاجز المذبذب، ومنعتني من أن أفترس، وتداركتني قبل أن يكبر الفرس.
414 (1/414)
صفحة 415
فأنا أشكرك على ستر الخلة، وحفظك للوداد والخلة ومراعاتك الكرم والخلة، لا زلت ثابت العهد واري الزند محفوظ الجناب، وجيهاً
بين الأصحاب.
وهذا جواب آخر مني له أيضاً
يبحث عن قضية
،
السلام عليك والرحمة والبركة يتواليان إليك في القيام والقعود والحركة، أخوك
سلمت
الصب يحمد إليك الرب، ويسأله تذليل الصعب، وتنفيس الكرب وتهوين الخطب تناولت بكل احترام كتابك الكريم فأنساني سرح العيون ورسائل ابن زيدون، وتدوين سهل بن هارون وتوقيع المأمون ما هو إلا صبابة حرّكت الصبابة، وجرس الدعابة. ولقد استفزني الطرب حتى صفقت ولولا أن الأدب استفزني لحلقت، ثم إني الميدان والرهان والمساحة وناديت على رؤوس الأشهاد أن شيخ المشايخ (1) فتق أديم الفصاحة، وفتح سوق البلاغة فغنم أرباحه، وما البيان إلا أَرَج بغير ثيابه لا يعبق، كما أن السعادة صب سوى تراب بابه لا يعشق.
أما الجعجعة فتحتاج إلى مقالة ومقامة والعاقل يطلب من القعقعة السلامة، ولقد أدبرت الحيلة، وأقبلت الغيلة والحليم يغضي على القذى ويصبر على الأذى، يأمر بإصلاح ذات البين والقلب والجوارح والعين مرهونة بصاحب اللجين والعين، ومن أشرب قلبه الرين لا يرى إلا النزاع والبين ذلك يرى أنه تحمل الدعامة، وتقلد الزعامة، وتوشح الصمصامة، وأقره أبو نعامة وهذا يقول أنا فارس النعامة، وخالد اليمامة، وغضنفر أسامه، ويأنف من إمرة. أسامه ومن لم يربع على ظلفه ويقس الأمر بقلبه وكفه جلب عليه الدهر رجله وخيله واجتمع إليه الحشف وسوء الكيله، والله يكلؤنا بفضله، ويحرسنا بعدله، ودم محروساً سالكاً مدارج الكمال، راقياً معارج الآمال.
كتاب آخر
67/ 3/2
إلى من عرف بالرجاحة، وصبغ أديم، الفصاحة أخينا أبي الوليد، سلام عليك يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمال ما هبب الجنوب والشمال أتى بخير لا زلت بجاه عريض
(1) قوله: شيخ المشايخ هم الشيوخ الذين قرأوا عليه بالمضيرب وهم آل حميد.
415 (1/415)
صفحة 416
ونعم بيض، وخير مستفيض، وصلني بيانك المحلى بحسن السبك الموسى بصبغ المسك، وتناثرت إلي درره تهافت الدر من السلك، فهش السمع لوعيه، وطفر الطرف لرعيه حتى خيل إليَّ بأنك نزلت إليَّ فأمليته بين يدي أبا الوليد إن هذا مضمار يعرف به
السابق من المسبوق واللاحق المقصر عن اللحوق. لا ساق لنا فنسوق هذا المساق ولا مطهمة فنجاريك في السباق ولقد نشرت فيما سبق من الصحف أخبار الطرف والنجف، وما يحسن إملاؤه من التحف وبكل أسف أقول: ليت لنا كنز النطف فنسد به
هذه السفاسف والسخف ...
انتهت المشكلة من حرب البسوس بالحظ المبخوس، والطالع المنحوس، وطابت النفوس بعد ما ضاق الفسيح، واغبر المليح، وتكهن شِقٌ وسَطيح.
وهذا آخر مني له
هي إلا
السلام عليك كما انهمر الغمام ما توالت الأيام أخبار هذه البلاد آل وخيال وسفاسف تعافها عقول الرجال، سبقت لك مني كتب، جمة، وكلها مهمة. ولم أر منك ما يُروي الغُلة لولا بلالة سمحت بها فمصحت العلة، وهي المحررة من الدريز، ما سلاسل الإبريز مع ما ذكرته من الهزيز والتريز. أما الواقع على ما بيد ابن الرماسة، فما كان عن قصد ولا روية ولا سياسة. ولكنها الحظوظ إذا قعدت هدت المشيد وقلعت أساسه، وأضاعت العاقل، وأبطلت قياسه ولقد أشرق الرجاء وبسم الأمل ا هـ. وكأني بصاحبك قد غشيته موجة الاضطراب وأغرقته لجة القلق، واستمالته رقة الشباب، ورخامة الكلم. ومن أمجد الخصال وأشرف المكارم أن يكون للمرء من نفسه على نفسه سلطان قاهر يحجزه عن استفزاز الأطماع واللذات وعزم قوى يقيه من القلقات، وهمة قعساء تمنعه من الفلتات إذ ما هنا إلا هدم البناء، ومحض العناء، على وجه مي مسحة من ملاحة.
ثم إنه أعوز الحال إلى استفهامه عن ذلك السؤال راجياً أن تفيض العين بدمعة السرور، ففاضت زفرات الأحشا وغاضت مياه الرجا.
وهذا آخر مني
له
11/ 5 / 1367
حياه الله وبياه، وجمع بيننا وإياه، تناولت بكل سرور وارتياح، كتابك المبشر
416 (1/416)
صفحة 417
باعتدال صحتك أما ما أشرت إليه، عزيزي أين يبسط الوافد إليهم قدميه، وقد تَفَوْزَرَ في القبلة الغوث الأعظم، وقعد في الشرق الوتد الأكرم وتربع على الجنوب الأستاذ الأفخم، وانتقع على الشمال القطب الأثرم، إن العاقل يحرص في توسيع نطاقه، ليحظى بدنيا عريضة، يبسط عليها سلطانه، ويمد فيها يده ولسانه أما من رضي بالأماني فكل شيء يكفيه؛ لأنه نصب الأماني بين عينيه فرضي بملء فيه، وإني لا أحب أن أقوم مقاماً لا أنال فيه إلا التمويه فألوي عناني متضائلاً ظامياً على ما في بطني من ثقل فيه، فيقتلني الأسف بميتة يضحك لها السفيه فها أنا قدمت إليك بياني للاطلاع. له وهذا آخر مني
1368/ 11/5
لقد بلغني الهجوم المشؤوم على ذلك الشخص المعلوم، فما هذا الذنب الذي لم يسعه العفو، وما هذا الجهل الذي لا يأتي من ورائه الحلم والسهو. غفرانك اللهم إنا في زمن كنا نرجو أن نتناسى ما أضمرته الأجنة، وأكنته الأفئدة أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم لا غرو الحين يسبق جهداً الجريض. ولقد علمت بوصولك. والقلوب تحمل حنقاً والأسنة علقاً، خوف سبة الدهر. وإذا امتحن العزيز لم تستل سخيمته إلا بالانتقام حنانيك أبا الوليد هل الرجل مزق الأديم، أو ضحى بالأشمط الكريم، أو جاء بالإفك العظيم، أم صلب العائذ، ورجم الكعبة، وجعجع بالحسين، فأشفى قلبه إني أعيذك ونفسي بالعظيم، السلام من طوارق الأيام، واستمطار الجهام. ويقال: من العدل المحض أن يحط الحاسد نصف العقاب لأن ألم حسده كفاك غيظه. أعادي على ما يوجب الحب للفتى وأهدأ والأفكار في تجول سوى وجع الحساد داوي فإنه إذا حل في قلب فليس يحول وهذا آخر مني له
1369/ 4/19
إلى جذوة الظلمات، ونجدة الظلامات، رحب الباع. سلام عليكم يا قاض سلام محب مجانب للأغراض قدمت إليك بطاقات طويلة الذيل، تتوالى إليك كقطع الليل وكلها بعد الاستراحة من المُسْفِرة والسفر، والذي جعلك مفتاحاً للحق، وفتاحاً بين الخلق، ما حلّ تلك الأواصر التي شدت، ولا شد الرواجب بالخناصر.
417
نهضة الأعيان - م 27 (1/417)
صفحة 418
أخبارنا لا زالت تدب وتسعى حتى تحككت العقرب بالأفعى
واستغنت الفصال حتى القرعى
وبقيت الأيام سجالا، فإما محفل وإما احتفال وكنا نظنها سحابة صيف فتقشع، فإذا هي حركة سيف.
تبع تضرمها غزالة الرجل الحروري متلفعة بوشاحها الحريري من ورائها موالي عاملة ناصبة، صادقة كاذبة، تحمل جمرة الغيظ والغيلة، تعمل بكل اجتهاد وحيلة. فحينما تبين لنا الحي من اللي حللنا حَبوة العِي، فوقفنا بذلك المركاض ولا وقوف قس بعكاظ، انتشر الخطب الطوال العراض ويد الحق تصدع رداء الشك وخلاصة الجوهرتين بالسبك، والحارث يزفر زفرات، القيظ يكاد أن يتميز من الغيظ، فضربنا دون مراده بالأسداد، وبذلنا الجهد في الإرشاد، والمثل في كل شجرة نار، والحديث: جُرح العجماء جبار، فشمخ بأنفه صلفاً وكبراً، لكونهم جاءوا شيئاً إمراً، فهو لا يستطيع صبراً، ثم اعتذرنا له اعتذار الأكياس، وخوفناه عقبى الشدة والباس، وحذرناه الإدلال والاغترار، وعاقبة المكر والعثار فسكن بعض الرهج واستقام شيء من العوج.
"
آخر
معه
ذكرت تبحث عن القضية وما يبلغك من العواصف الصيفية. عزيزي إنها أمواج،
'
يدفع بعضها بعضاً، تجزر وتمتد وتهدأ وتشتد وما هو إلا حب السيطرة والاستعلاء، والنفوس مملوءة بالشر، فلذلك تجد المفاوضات والمعاهدات ولا يلزمون التعهدات. فما ما ينفقون، وما أعجل ما ينكثون. ولقد اشتد الحال، فقمنا إلى نشر السلام، وبث
•
أسرع الكلام، فلم نجد آذانا صاغية، ولا قلوباً واعية وهل يجد المصلح مجالاً لنيل المراد، وزوال الأحقاد وأن يكون المؤمنون إخوة ما دامت الكبرياء والأنفة والنخوة، وطالما قلت: لا يغرنك الدبا وإن كان في الماء. ولما لم يُطع لقصير أمر، وقيس الشبر بالفتر،
فقد أسفر للناظر الفجر، وعرف الحلو من المر، ولا يصلح رفيقاً من لم يبتلع ريقاً.
وكتاب سيدي المقدس وصلني وأقول: ليس في استطاعتي تغيير الجبلة التي عليها طبعت، وتغيير الحالة التي عليها، فُطرت، ولو عاكستني الأيام، ووقفت بوجهي مصائب الأيام، وكفاني شرفاً، والحمد لله، ما زانني من اسم خذمته، وما زهاني من وسم نعمته، حتى تضرمت جوانح الأكفاء حسداً، وتقطعت أنفاس النظراء منافسة. فماذا أبتغي يا سعد.
418 (1/418)
صفحة 419
آخر لصديق آخر
أما القاضي فما جوابه بشفاء العليل ولا ري الغليل، وإصراره على تأخير شرح النيل ما هو بالرأي الأصيل، وهنا صَرّح المَخْضُ عن الزّبد وعرفنا منتهى القصد. فهل هذا يحسن ممن تقام بهم الجمعات والحدود، وتؤخذ عنهم، الفتاوى، وتزيف الشهود. قيل للعارية: أين تذهبين؟ قالت: أكسب أهلي، ذاماً، إلا أن الحية من الحيية، وآخر الدواء الكية، فأفصح لي جوابه كل الإفصاح بالعدم أو النجاح، فقد أدرك شهرزاد الصباح.
أخبارنا بالأمس شمرت غزالة، وقامت تتفقد الخزانة لما يصلح للحالة الآلة، من مستسلمة للحين، كي ترمى بقدحين، وها هي تلفعت بوشاحها، طامعة في نجاحها، وأولت زوجها الجَحْجاح قفل البيت والمفتاح وأسفرت بوجه الوقاح، وثغر النباح، وتقدمت للكفاح. فإن تم لها المرام، فهذه من التجاريب وإلا فما هي من أول الأعاجيب، وإن لم تنجح الحيلة، فجهيزة بالباقي كفيلة وشر الحرب الغيلة، والحارث في جبهتها يقضم اللجم ويتحرك تحرك النجم للرجم ينشر القشيب والرث، وينشل السمين والغث، فتعلقنا به تعلق الجرباء بالأعواد، طمعاً في السداد، وبذلنا الجهد لمنعه من الكر، ودفعه عن الشر، وهو يأبى إلا الانتقام، وقطع شأفة اللثام. نهاية الأمر أنه عرف كيف يقتطف، وعرف من أين تؤكل الكتف وما بقي إلا الندم على ما وقع، وترقيع الخرق بعد ما اتسع.
آخر لآخر
آنس الله، وحشته ولا حرمنا مواصلته وصلته كتابك الأكرم وافاني، وعزازة الحاجة بملاذ العيوق، أعز من بيض الأنوق، ولا بأس ارمها بحجر الحرمان وأنقذ صاحبها في الامتهان وأن يهان فما هي الغرض الأقصى، وما بلغكم فذلك قطرة من غيث والأمر لمن ملك زمامه وتقلد الزعامة وما لقينا من هذه الغمامة إلا لقلقة اللسان، محمد بن شيخنا العلامة، وإن حاكمناهم إلى الدهر لعرفوا لمن الفخر، فهم يأكلون ما زرعناه ويشربون ما حلبناه وينهبون ما جنيناه. أما صاحبكم فيرى معاكستي فرض عين وكنت لزمته احتراماً للحق ووفاءً لمولانا المحقق: ولم أرفع كلمة من هذه السياسة، لما تمجه الطبيعة من هذه الهياسة اتكالاً على الأقدار، وتربصاً لعاقبة البوار، ولما خفت الورطة ورأيت الأمور تجري على غير الخطة لزمت البيت وبغيري اكتفيت
419 (1/419)
صفحة 420
و من حسن إسلام المرء تركه ما لا يغنيه وما مضى فات، وما هو آت آت. والأيام تفصح، والنكوص أقبح.
آخر لآخر
أيها المحب الظريف والأديب، العفيف حفظه الله من الشين وملأ حجره اللجين
،
والعين، استلمت من يد القافلة بين الفريضة والنافلة كتابك الكريم الصادر من قلب سليم، إلى محب سليم، فسفر عن رأي وسيم وفاح بأرج النسيم، فشممت منه غرار نجد. وما بعد العشية من شميم ثم رحت أجر ذيول الطرب، وأقول يا للعجب!
مالي شكوت إليك نار جوانحي لتكون مطفئها فكنت المشعلا أعياك إسعافي فصرت معنفي ليت الذي منع الجميل تجملا أيها الجار المكاسر والخل المواسر ما حل تلك الأواصر حتى غدوت العقاب
،
الكاسر. لقد راعني انسياب قافيتك إليّ، وتشمير ذيلك علي تسومني الدار، وتطلب مني الإيثار، وتحكمني في القيمة، وتدفع فيها اليتيمة، ترى لنفسك القرار، ولغيرك الفرار. أليس هذا من العار، عهدي بك طراز المجالس، والخل المؤانس.
فغدوت الحباب الموالس، والذي زيّن الرجال بالعقول إني بحق أقول: ما أنت
أول صديق دلس، ومحب على إخوته لبس.
ابعين مفتقر إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني أنزلت آمالي بغير الخالق يا أعز صديق وأظرف رفيق، لقد ثاب الفهم بعد ما صرد السهم، وأحسست بالخيال بعد ضيعة الغربال فبت أناجي القلب المعذب، وأقلب العزم المذبذب، وأفكر تفكير المحترز من الوهم المتأمل مسقط السهم، فأجمعت بعد أن أصحرت، وأسمعت بعد أن أبصرت، فجعلت العذار وناديت في الدار البدارَ البدار، إلا أن الجار قد جار، واستظهر بذوي اليسار والذي نَوِّرَ القمرين ورفع الحجرين لو كنت أفلس من ابن يومين، ولا أملك درهمين، لما نزلت عن داري، ولا أكريتها لبدوي، ولا تركتها لقراري، أضاقت عليك المجاري، فتسومني داري.
ونديم محضته صدق ودي إذ توهمته صديقاً حميما
420 (1/420)
صفحة 421
وتوهمت أن ب نسيما فأبى أن يهب إلا سموما بت من لسعه الذي أعجز الراقي سليما وبات مني سليما قلت لما بلوته ليته كان بعيدا ولم يکن لي نديما
وهذا الكتاب للشيخ صقر بن سلطان
حاكم الشارقة،
سلام عليك ما غرد الحمام وسجّع، وتَنعَّبَ الغراب الأبقع بحبك الذي ما زال تطوف به نياق الآمال فدافد الرجا، يحمد إليك الحي القيوم لا زلت بعافية. كتبت إليك قبل هذا كتاباً حسن القافية راجياً أن يكون وصلك وأنت بحال ترضاه. فما سمح الدهر أن أقف منك على جواب، وعلى الحظ العتاب. والله جل شأنه جعل الدنيا محبوبة، فمن ساعده الحظ فيها سكن إليه برغبة ومن عضته بأنيابها سخط عليها فتجنى على الأحبة. وقد أذاقتنا فَواقاً استحلبناه، وثَمراً جنيناه، وخراجاً جبيناه، ومجداً امتطيناه. فكنا نسوس الناس والأمر أمرنا زماناً فصرنا سُوقةً نتنصف ثم جمحت نافرة، ورمحتْ، مولية، فكان عذبها أجاجاً، وجمالها زبرجاً وزجاجاً، فأبعدتنا عن الأوطان، وفرقتنا عن الأهل والإخوان والله المستعان، ولا حول ولا قوة
إلا بالله العلي العظيم.
•
لقد نظرت إلى الماضي فأضحكني وقد نظرت إلى يومي فأبكاني وإلى هنا انتهى ما أدركنا كتابته والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
421 (1/421)
صفحة 422
الفهرس
مقدمة
تعريف بعمان ........
الغزو البرتغالي لعُمان
..
تسلل الإنكليز إلى الشرق ...................
أول عمان - ساحل صور
1 ..
120
10 ...
رحمه الله
6600
خروج الشيخ عيسى إلى مسقط ................. 70 ترجمة الرئيس الحميري حاكم الجبل الأخضر 82 ترجمة أولاد الشيخ هلال بن زاهر الهنائي 86000 ترجمة رئيس النهضة العمانية ................... 89
رأس الخيمة عاصمة القواسم .................... تأليفه ورسائله
دبي
أبو ظبي - قطر
الجبل الأخضر
جبل الكور
أشهر قرى الداخلية
ra ..........
.........
340
...........................
...
وفاته رضي الله عنه أسباب النهضة العمانية
97 ................
99 ...........
118 ... 110
حركة رئيس النهضة العمانية ................
دعاية رئيس النهضة العمانية ................. 117
.
IT .......
البريمي
... 36 خروج رئيس النهضة
3800000000 اجتماع أعيان النهضة
1230000000
في تاريخ الشيخ عبد الله المطوع ............. 39 بتنوف وتشاورهم فيمن يقدمونه إماماً) ... 123
جعلان
........
جعلان الحدرية إمارة آل حمودة .....
ظفار ..............
أهمية عمان الاستراتيجية والزراعية
الزراعة بعمان
حاصلات عمان
...........
مذهب أهل عمان
انقسام حكومة عمان
40
45
EV ............
• \ ..........
تنبيه
125 .........
ITO ........
بيعة الإمام سالم بن راشد الخروصي نسب الإمام سالم وولادته ونشأته» ......... 149
فتح نزوى
........
108 ....
وفود القبائل إلى الإمام ومبايعتهم له ....... 161
فتح منح 52 فتح أزكى
53
قدوم الشيخ عيسى
...
فائدة في بيان أسماء أئمة عمان ................ 56 فتح العوابي فائدة في بيان أسماء الأئمة من بني خروص 60 فتح سمايل الفيحاء
طرف من أخبار الشيخ المحتسب
صالح بن علي
إمارة الشيخ الأمير عيسى بن صالح
62
فتح بديد
.
ITY .............
ITY .......
177 ......
179 ...................
IV ........
ما قيل من الشعر في فتح سمايل وبدبد ... 173 ولشاعر الجوف المر بن سالم الحضرمي ..... 174
422 (1/422)
صفحة 423
177.
وفاة الإمام سالم
جواب الإمام لهذا الكتاب حد المعترفة بالزنا عند الإمام .................. 178 كتبه العماله
وفاة السلطان فيصل
IVA ...........
235
في ذكر شيء من عهوده لعماله ............. 239
ما قيل من الشعر في مدح السلطان فيصل 187 وهذا عهد آخر
240
......
ارتقاء السلطان تيمور بن فيصل
سلطنة مسقط
190
..........
190
خروج سيدي نور الدين من سمايل
إلى الشرقية
192
...........
تدخل الشيخ حمدان بن زايد الفلاحي بالصلح بين الإمام والسلطان
والاجتماع بالسيب
194
المقصورة
النونية
الميمية
العينية
اجتماع العمانيين بنزوى لعقد البيعة
241
255 .........
270 .....
TV ............
YAY ...........
على الخليلي
إمامة الولي السعيد محمد بن عبد الله
وفد معولة بن شمس الى الإمام بسمائل ... 198 ابن سعيد .............
فتح نخل
صفة حكم الإمام
1990
........
Y ..........
الخطبة
ذكر خروج الإمام إلى بركا ................... 202 | الفصل الثاني خروج الإمام سالم بن راشد إلى الوطية .... 203 الفصل الثالث. .......... 206 | الفصل الرابع
حوادث سنة 1333
وثلاثمائة وألف
Y .....
الفصل الخامس
وفاة الشيخ اللمكي ............................. 208 | الفصل السادس
خبر بني بطاش
ترجمة الشيخ ناصر بن حميد الغافري
أمير بهلا
فتح بهلا
......
210
214
الفصل السابع
الخاتمة
خلاصة السبب
بيعة الإمام السعيد
287
ral ........
292
292 ........
294
Ya? ....................
294
..........
295
Yay ...............
~ \ .............
خروج الشيخ عيسى للرستاق ................ 218 أبي خليل محمد عبد الله بن سعيد .......... 301 قيام الإمام مرة ثانية على البغاة ............... 219 كيف يقضي ساعاته
من أهل الطق
فتح الرستاق
سبب الثورة
riq ..................
...........
YY ......
ما تفرد به الإمام من المسائل ................. 303
وصف الأجنبي للإمام
305 ........................
220 خروج الإمام إلى الرستاق .................... 306
A ............
ما قيل من الشعر في فتح الرستاق ......... 222 | الاجتماع بالسيب حوادث سنة 1336 هـ ........................ 226 نقل معاهدة السيب التي بيد العمانيين ..... 308
22700
نقل معاهدة السيب التي بيد السلطان ...... 309
حوادث سنة 1337 هـ ................ محاصرة الإمام لحصن الحزم .................. 228 وفاة أبي الخير
\ { .................
423 (1/423)
صفحة 424
315
...........
عودة خلفان بن ثنيان إلى نخل .....
حادثة نخل
..............
وفاة كريم المساكرة رئيسهم أبي علي
المسكري
364000000
سبب الثورة الأولى على عبري ............... 326 هجوم آل حكم على ستال بني خروص 364000
TYA ..........
هذا نقل ما حكم به أبو حميد حمد ........... 367
الثورة الثانية إلى عبرى كانت في أواخر سنة 1359 .............. 328 قيام الإمام على العبريين
330 ترجمة الشيخ العزري
قيام الرقيشي على مناذرة السليف ........... 330
من أحكام الرقيشي بعبرى ................
332 قيام الإمام على الطو
........................................
TV ........
ولاية إبراهيم بن سعيد العبري ................ وفاة الشيخ العلامة ناصر بن راشد
335 ..........
الخروصي
TVO ...........
ترجمة الشيخ مهنا بن حمد العبري زيارة الباشا سليمان الباروني لعمان ......... 340 | مقتل العلامة الرواف ودخول جعلان ...... 376
قتل أمير ينقل ترجمة شيخنا العلامة
.
344 .....
345 .....
345 ...............
تحت الإمامة ....
ترجمة أبي زيد
حوادث سنة 1371 ووصول
TAI .............
ماجد بن خميس العبري ترجمة شيخ البيان محمد بن شيخان ......... 352 ابن عطيشان إلى البريمي .................. 386 بلغة المرام من شعر الغرام ..................... 354 وفاة القاضي أبي الوليد
ترجمة العلامة أبي مالك عامر بن
خميس المالكي
عهود الإمام له
......
3570
3600
TAQ .....................
وفاة الإمام الخليلي رضي الله عنه ...........
ذكر شيء من عهوده
ذكر شيء من مكاتباته
390
392 .......
TRA .............
ارتقاء السلطان سعيد بن تيمور ............. 361 كتابه لأبي مالك في بغي حمدان الحجري 40300
على سلطنة مسقط ترجمة فارس الشرفاء
361 ........
~ I ...........................
لكتاب صدر إليه من المذكورين ............. 405
من إخوانه المغاربة
•
? · 7 .................
{. V .............
?YI .........
...........
الشيخ سليمان بن حميد الحارثي ............. 361 | لأهل عمان عموماً وفاة شيخنا العلامة سعيد بن ناصر ......... 362 | حاكم الشارقة»
424 (1/424)
صفحة 425
[صفحة فارغة] (1/425)