صفحة 1
الكتاب: نهضة الأعيان بِحُرِّيَّة عُمان
المؤلف: أبو بشير محمد شيبة بن نور الدين عبد الله بن حُميْد السالمي
الناشر: مطابع دار الكتاب العربي، القاهرة، مصر، محمد حلمي المنياوي
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) نهضة الأعيان بِحُرِّيَّة عُمان
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
بقلم
أبي بشير محمد شيبة بن نور الدين عبد الله بن حُميْد السالمي
عفا الله عنهما
هنيئا لأهل الحق صدق انتصارهم ... ويقظتهم في الله والدهر نائم
وفُّوا بوصايا الله في السخط والرضا ... كراماً وأفعال الكرام كرائم
لقد وثبوا حياهم الله وثبة ... رمى الكفر منها المخزيات القواصم
وشدُّوا بعزم الرسل لله غيرة ... على قدر أهل العزم تأتي العزائم
طبع على نفقة ابني المؤرخ:
سليمان وأحمد ابني محمد السالمي
حقوق الطبع محفوظة
القاهرة
مطابع دار الكتاب العربي بمصر
محمدحلمي المنياوي (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
شكر مبرور:
سيدي الملك المعظم: سعود
حيَّاك بتحية الملك من أحيا بك دعوة الحق، ورداك رداء الإعظام من أعلا بك لواء الإسلام، تحية من أحد المهاجرين الذين تقطعت بهم الأسباب، وسدت دونهم الأبواب، فكانوا أنقاض الجلا لولا عطفك، وأغراض الفناء لولا لطفك، فالألسنة تعرب بالشكر لما أوليت، والقلوب مطمئنة بالتقلب فيما أعطيت، فلئن لفظتنا أرض ألفناها، فقد آوانا مهدك، ولئن هجرتنا بلاد فارقناها فقد أظلنا مجدك، فنحمد حالاً آوتنا إليك، وأياماً دفعتنا بين يديك، فدينك جبر الكسير، وفك الأسير، وإغاثة المستجير.
فأنت الندى وابن الندى وأبو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مهربُ
فأكرم بأعراق سرت إليك، وأعلام خفقت عليك، وخلافة زفت إليك.
بنوا فيصَل سهل لقاهم وإنما ... لقاءهم يوم الكريهة معضل
همُ منعوا الجار الدَّمار ولم يكن ... لجارهمُ إلا المجرة منزل
هم القوم إن كروا أبادوا وإن عطوا ... أفادوا وإن قالوا أجادوا وأجملوا
توارث هذا المجد منهم عياَهل ... سعود وتركي محمد فيصل
ملوك وأقيال تسَامى وسادة ... نماها أسود من نزار وأشبل
تَنقّل من شهم لأروع ماجد ... وألقى عصاه حيث طاب التنقل
هم العين في آل السعود وإنماَ ... "سعود" شعاع العين بل هو أكمل
محمد السالمي،،،،،، (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
سبحان الملك المتعال، الذي لا يغيره تقلب الأحوال، ولا يتطرق على ملكه الدائم الزوال، ولا يتصف سلطانه القديم بالإدبار والإقبال، فله الحمد تعالى شأنه على كل حال، وصلى الله وسلم على سيد الخلق المبعوث بالحق لتمهيد قوانين العدل، ووضع موازين القسط والفصل، محمد النبيّ الهادي إلى سبيل الرشاد، الداعي إلى حسم مادة الفساد، واستئصال دائرة الشرك والإلحاد، وقطع شأفة الشقاق والعناد، وعلى آله وصحبه الأمجاد.
أما بعد: فقد عزب عن كثير حال العمانيين وأثرهم العظيم وحجب عنهم ما لهم من مقام كريم، وخطر جسيم، فحاولت أن أكتب ما استطعت عليهم مما وقع لهم في زماننا من المفاخر الحميدة والمآثر المجيدة التي استنار بها القطر العماني من سيرة الإمامين المرشدين، سالم بن راشد الخروصي ومحمد بن عبد الله الخليلي، وما حظيت به عمان في أيامهم من الخيرات وما كان بزمانهم من النوازل والحوادث والفتوحات، وإن كانت يدي قصيرة عن تناول الكل وهمتي ضئيلة عن نشر الجل، ولكن يدعوني لحسر الباع خدمة الوطن العزيز الواجب على أبناءه الأحرار أن يتنافسوا في تشريفه أكثر من تنافسهم على الدرهم والدينار فكل ما كتبته مما شاهدته بعيني واطلعت عليه وما فاتني إلا نزر أخذته من الثقة فضمانه عليه، إذ كنت العصا التي يتوكأ عليها سيادة والدي الكريم في جميع أسفاره، وغيبة سره في ليله ونهاره وهو زعيم الثورة بلا جدال وبعده لزمت الإمام الخروصي في سراياه وفتوحاته وما تخلفت عن الخليلي إلا في بعض أوقاته، ومنه تعالى استمد القبول والهداية والعون في البداية والنهاية، وسميت هذا المجموع (نهضة الأعيان بحرية عُمان). (1/5)
صفحة 6
تعريف بعمان
عمان إقليم سلطاني على خليج فارس وهي كمفتاح للخليج العربي بالإضافة إلى الموانئ التي تقع على شواطئها وإلى ثروتها الزراعية وكنوزها الطبيعية وجنوبيها البحر الهندي والبحر العربي وشماليها الخليج الفارسي وهي جزء من جزيرة العرب تمتد من حدود قطر إلى حدود حضرموت وغير مضبوط عدد سكانها ولا يوجد بهاء إحصاء رسمي ولا اهتمام لأهلها بذلك وما يذكره المؤرخون إنما هو على التخمين أو النقل غير المعتبر. ولا يعرف أول من سكنها على الصحيح، ذكر بعض المؤرخين أن قبائل العرب البائدة طسم وجديس كانوا بها والأخص العمالقة ولا يفهم أنهم انقرضوا أو أخرجهم الفرس منها وكتب أهل التاريخ القديم والحديث كثيراً عن أوصاف عمان وسكانها ولابن خلدون وابن الأثير قدم السبق وذكرها غيرهم كالطبري واليعقوبي والمسالك والممالك.
((قال فلبي إن الأقسام الجنوبيَّة من شبه جزيرة العرب هي الوطن الأصليَّ للسَّاميين)).
ذكر العوتبي المؤرخ العماني أنَّ حدود جزيرة العرب في الطول ما بين العذيب إلى عدن وسُئل الشعبي عن جزيرة العرب فقال ما بين العذيب إلى حضرموت قال أبو حاتم حدَّثنا أبو عبيدة معمر بن المثَّنى قال جزيرة العرب خمسة أقسَام: تَهامة. الحجاز. نجد. العروض. اليمن. وذلك أن جبل السَّراة هو أعظم جبال العرب يمتد من ثغرة اليمن حتى أطراف بوادي الشام فسمَّته العرب حجازًا لأنه حجز بين الغور وهو منخفض وبين نجد وهو مرتفع ثم صار ما خلف هذا الجبل من غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعك وفرسان كنانة وما حولها إلى ذات عرق والجحفة وما صاقبَها وما غار من أهلها غور تهامة. وتَهامة تجمع ذلك كلَّه وما صار شرقي هذا الجبل من الصَّحاري والنخل إلى أطراف العراق والسَّماوة وما يليها نجد. ونجد تجمع ذلك كلُّه وصار الجبل نفسه سراة وسمي جبل السراة لارتفاعه وهو (1/6)
صفحة 7
الحجاز. والحرار وما احتجز به من الجبال مرد.
والحوراء إلى ناحية قبل وجَبل طي إلى المدينة من بلاد مذحج وهي متاخمة اليمن وما يليها وما دونَها إلى قيد حجاز والعرب تسمَّيه نجداً وجلساً وحجازًا والحجاز يجمع ذلك كله وصارت اليمامة وما والاها عروضاً وفيها تهائم ونجود لقربها من البحار وانخفاض مسائل الأودية وصار ما خلف التثليث إلى صنعاء إلى حضرموت والشحر وعمان يمناً وفيها التهائم والنجد، واليمن يجمع ذلك كله فإذا وصلت ذلك فقد انتهيت إلى البحر وإذا عرضا لك الجزار وأنت بنجد فتلك الحجاز وإذا تصوبت فالحجاز مكة والمدينة.
قال أبو منذر هشام بن محمد إنما سميت بلاد العرب الجزيرة لإحاطة البحور والأنهار بها من أقطارها وأطرافها وصار الأمر منها في مثل جزيرة من جزائر البحور وذلك أنّ الفران أقبل من بلاد الرُّوم فظهر بناحية قنسرين، ثم انحدر إلى أطراف الجزيرة وسواد العراق حتى دفع البحر من ناحية البصرة والأبُلَّه واتجه إلى عبَّادان وأخذ من ذلك الموضع مطيفاً ببلاد العرب منعطفاً عليها، فأتى منها إلى صفوان وكاظمه ونفد إلى القطيف والهجر وأسياف وقطر وعمان والشحر ومال منه عنق إلى حضرموت وأبيل وعدن ودهلك واستطال ذلك العنق فطعن في تهائم اليمن بلاد فرسان وحكم والأشعريين وعك ومضى إلى جدة ساحل مكة المكرمة وجاز ساحل المدينة وساحل الطور وخليج أيله وساحل راية حتى بلغ قُلزم مصر وخالط بلادها وأقبل النيل من غربي هذا العنق من أعلا بلاد السودان مستطيلا معارضاً للبحر حتى دفع مصر والشام ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان وسواحلها حتى أتى صور ساحل الأردن وعلى بيروت وسواحل دمشق ثم نفد إلى سواحل حمص وسواحل قنسرين حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحدرا على أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق.
وذكرت العرب هذه الأقسام الخمسة في أشعارها فصارت بلادهم هذه الجزيرة التي نزلوا بها على خمسة أقسام: تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض، واليمن. انتهى كلامه (1/7)
صفحة 8
قال الكلبي لما تفرقوا من بابل أخذ قوم يميناً فسميت اليمن، وأخذ قوم شمالا فسميت الشام فجعل الله تعالى لبني سام النبوة والكتاب والملك والجهاد والأدمة والبياض. فللعرب من المجدل ما دون هذه الخمسة، تهامة ونجد والحجاز والعروض واليمن، والعرب تسمَّي اليمامة والبحر العروض لأنّها كانت ناحية العرب معترضة. وأما السُّودان فسواد البُصرة وسواد الكوفة. فأمّا سَواد البُصرة. فالأهواز ودست ميسان وَفارس. وأمَّا سواد الكوفة فكسكر إلى الدَّاب وحلوان والكوفة والجزيرة هي ما بين دَجلة والفرات والموصل من الجزيرة إلى الجُودى. ا هـ.
وقد ساهمت عمان في الجهاد مع الخليفة الثاني، كما ذكره العوتبي العماني في الأنساب أنَّ عمر بن الخطاب استعمل على عمان عثمان بن أبي العاص الثقفي سنة خمس عشرة فكتب إليه عمر أن يقطع البحر إلى ابن كسرى بفارس، فندب عثمان العمانيين، وانتدب إليه ثلاثة آلاف من بني راسب وناجية وعبد القيس وأكثرهم من أزد (شنوءة) فعبر بهم عثمان من جلفار (راس الخيمة) إلى جزيرة كلوان، وهي (القسم)، وكان فيها قائد الفرس فسالم عثمان، وكتب (يزدجرد) إلى أمير كرمان أن اقطع البحر إلى جزيرة كلوان فحُلْ بين العرب الذين بها وبين إخوانهم ففعَل وسار من هرمز إلى القَسِمْ فلقيه عثمان فقاتله، فانتصر العمانيون عليه وهزم الفرس وقتل قائدهم، وكان يدعى (شهرك) وفي ذلك يقول شاعرهم:
باب ابن ذي الحرة أردى شهركا والخيل تجتاب العجاج الأرمكا
ثم ساروا بعد الظفر بشهرك حتى قدمُوا العراق فنزلوا (توج) فشاركوا في تمصير مدينة البصرة، وأمرهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يبنوا بها منازلهم كما أمر غيرهم من العرب، ووفد إليه من الغزاة كعب بن سور فاستقضاه عمر على البصرة.
لم يحكم عمان أجنبي غير أهلها، وقد صارعتْ في القديم دولاً عظاماً وكابدت أخطاراً جساماً، وشوقت غصة بالمستعمرين، وما كان ذلك عليها إلا من الخونة (1/8)
صفحة 9
الذين همَّ بعضهم الاستبداد والرئاسة، وبعضهم المنافسة والحقد على السَّاسة فلا تثبت قدم العدو الأجنبي عليها إلا بقدر ما يكون تاريخاً للمُسيطر وتأديباً للخائن فتشتد أعصابُ الوطنيين وينتشر فيهم دم الحرية فيهزم الغاصب، ولم تلق عمان من البطش والاضطهاد مثلما لقيت من العجم فقد نهبُوا ذخائرها وأحرقوا ما كان فيها من كتب شرعية وأدبية وفنية وتاريخية، ومع هذا فهم لم يخضعوا لسيطرة البطش ولم يجزعوا لضغطة الإرهاب فبقيت نار الحقد تتأجج في صدور أبناء الشعب وتنفث بشررها حتى قضى الله لها بالنجاح.
غزى العجم عمان عام 1257 قبل الهجرة أي سنة 635 قبل الميلاد.
ثم غزوها مرة أخرى عام 663 هـ الموافق (1265 م).
ثم غزوها عام 1149 هـ.
ثم غزاها الخليفة العباسي عام 185 هـ.
وغزاها محمد نور عامل المعتضد 284 هـ.
وغزاها القرامطة عام 318 هـ، وبقوا حتى سنة 375 هـ.
وغزاها البرتغال عام 913 هـ، وبقوا على بعض ساحلها حتى عام 1062 هـ، الموافق سنة 1650 ميلادي. (1/9)
صفحة 10
الغزو البرتغالي لعمان
البرتغال دولة أوروبية نظرت إلى الشرق بعين الطمع اتخذوا عاصمتهم في الخليج هرموز التي كانت في ذلك الوقت من أغنى مدن العالم، واستولوا على بعض مداخل عمان عام 913 هـ (1507 م)، وبقوا إلى أن قام عليهم الإمام ناصر بن مرشد، وسلطان بن سيف اليعربي بن اليعربي عام 1062 هـ (1650 م) فأجلوهم من عمان.
كانت التجارة بين الشرق والغرب يسيطر عليها العرب، ويسيطر العمانيون على بحر العرب أيضا ينقلون خيرات الشرق الأقصى إلى مصر، ومن هنالك ينقلها الملاحون من العرب إلى تجار (البندقية وجنوا) وهاتان المدينتان أكثر الممالك الأوربية علاقة مع الشرق، فرأى التجار الأوروبيين اتخاذ طريق آخر للهند على رأس الرجاء الصالح فرارا من الأتراك والمماليك بمصر، وكان دليل سفن البرتغال على رأس الرجاء الصالح أحمد بن ماجد (مؤلف كتاب الفوائد في أصول البحر والقواعد) الذي ظل يدرس في المدارس الأوروبية إلى أواخر القرن التاسع عشر، فاعتمد فاسكودي غاما على الخرائط البحرية العربية التي تدرس في المدارس البحرية التي أنشأها هنري الملاح، فقام فاسكودي غاما إلى الهند عام 1498 م عن طريق رأس الرجاء الصالح، فكان لقيامه هذا تأثير كبير في القضاء على تجار البندقية الذين كانوا يحتكرون تجارة الشرق ويتمركزون في مصر، وانحطت ثروة مصر لتحول الطريق عنها فسهل على العثمانيين غزوها، فصارت هذه الخطوة الأولى لإنشاء الإمبراطورية البرتغالية البحرية في الشرق، وفي عام 1487 أرسل ملوك البرتغال بعثة إلى القاهرة وعدن وهرمز والعند، فرفع قائد البعثة تفصيلا إلى مليكه عن رحلته، وعاد إلى عدن، فصمم البرتغاليون على القضاء على عرب اليمن وعمان الذين كانوا يديرون التجارة الشرقية التي تدر لهم أرباحاً جزيلة، وكان (فرسيسكودوا الميدا) أول حاكم (1/10)
صفحة 11
للممتلكات الهندية البرتغالية عام 1505 م في عهد الملك (عمانويل الأول)، وفي عام 1506 م أبحر الأسطول البرتغالي إلى الشرق بقيادة (كونها) مع (البوقيرق)، وكان الأول يحمل أوامر بإنشاء قلعة في (سومطرا) لتكون مقرا للأسطول الذي سيحاصر البحرية المغربية والمصرية التابعة لحكومة البندقية في البحر الأحمر.
وقد نشب خلاف بين (كونها) و (البوقيرق) حول اتجاه الحملة فوضع الأول القسم الأعظم من الأسطول تحت قيادة الثاني فتابع البوقيرق سيره إلى الهند، وأنه أضعف من أن يهاجم عدن وترك أحد قواده (في سومطرا) واتجه نحو هرمز، وفي طريقه حرق حوالي (40) سفينة في (راس الحد) ثم ألقى مراسيه في (قلهات) ثم إلى قريات، فكانت بها بينه وبين العمانيين مجزرة رهيبة فدخلها عنوة ثم أبحر إلى مسقط، فطلب من حاكمها مالا مقداره (625) جنيها استرلينيا يؤدى إليه قبل ظهر اليوم الثاني من وصوله، وإلا أحرق المدينة ولم ينتظر انتهاء الموعد بل أحرق البلاد والمساجد والسفن الراسية في الميناء وأسر كثيرا من الرجال والنساء وبعد التمثيل بهم أطلق سراحهم.
ثم أبحر إلى صحار ثم إلى (خورفكان) فلقي مقاومة عنيفة فدمر البلد وأحرقها ومثل بأهلها ثم اتجه إلى هرمز مجتازا رأس أمسندم، وعلم ملك هرمز فاستعد لملاقاة الغزاة، وهيأ أسطوله للاصطدام، وقد تريث القائد البرتغالي أمام هرمز وبدأ يراوغ لأخذ سيف الدين ملك هرمز بالحيلة، فلما فشل خداعه أنشب قتالا عنيفاً انتصرت فيه المعدات الحربية البرتغالية، فكان من نتائجه أن أصبح ملك هرمز تابعا للبلاط البرتغالي على أن يدفع جزية سنوية حوالي (300) جنيه وغرامة حربية مقدارها ما قيمته ألف جنيه، كما أرغم أن يوقع معاهدة تجارية تعهد فيها بتسهيل معاملة التجار البرتغاليين، وأن لا يسمح لأي مركب بالملاحة في الخليج دون أن يحمل تصريحا من البرتغاليين، وباستيلائه على هرمز الواقعة على فم الخليج ضمن السيطرة على الملاحة فيه واضعا بذلك الأساس للاستعمار البرتغالي والسيطرة على شواطئ الخليج. (1/11)
صفحة 12
وقد بنى البرتغاليون في هرمز قلعة ضخمة عام 1507 م، ليحتموا فيها أثناء غياب الأسطول في البحر الأحمر، كما افتتح البوقيرق هناك وكالة تجارية فيها مختلف البضائع وأوعز إلى وكلائه بطرح البضائع في الأسواق وبيعها بأسعار رخيصة ليكسب ود الأهالي، وكان ملك هرمز يدفع للشاة جزية سنوية، فأشار إليه القائد البرتغالي بالامتناع عن أدائها.
ثم زار قلهات، ولكنه استقبل بغير ما استقبل به من الترحيب أولا، فأحرق المدينة ونهبها، وظل البوقيرق يواصل مساعيه لدى الملك حتى عين عام 1509 م حاكما للهند وقائدا عاما فجعل (جو) مركزا للبرتغاليين فحصّنها، ولكنه رأى أن مركزه سيظل حرجا ما لم يؤمن طرق المواصلات، فخرج في عام 1513م، وهاجم عدن ففشل في تلك المهاجمة.
وفي نهاية القرن السادس عشر ظهرت على مياه الشرق سفن أوروبية تقاسمهم الأرباح، فقد وجه الهولنديون أنظارهم إلى الشرق في عام 1592 م – 97، كما ظهر في الميدان في نفس الوقت تجار انكليز.
وكان العمانيون ينظرون إليهم نظرة غيظ لما عززوا قواتهم بمسقط وأقاموا بها الحصون المنيعة، وأقاموا برأس الخيمة قلعة ضخمة فوجه اليعاربة عليهم الضربة القاضية وحصروهم بمسقط وفك الحصار عنهم بشرط منها ضمان حرية الملاحة للعرب، وتعهد البرتغاليون بتدمير حصونهم.
وفي عام 1649 م أعاد العرب محاصرتهم، وفي 23 كانون الثاني سنة 1650 م استسلمت مسقط لأهلها، ولم يكتف اليعربي بإجلائهم عن شواطئ عمان بل طاردهم حتى تعقبهم إلى سواحل الهند وأفريقيا الشرقية. (1/12)
صفحة 13
تسلل الإنكليز إلى الشرق
كان لاحتكار التجارة التي اتبعها البرتغاليون وتحكمهم في أسعار البضائع أثر سيء اكسبهم عداءً في البلاد. وكان الشاه عباس الأول ملك إيران ينظر إليهم بعين النقمة والحسد، فجدد مطالبته لهرمز بالجزية التي انقطعت عنه، وعندما رفض حاكم هرمز الدفع أصدر الشاه صداقة للتجار المسيحيين وتأمينهم، وإعطائهم الحرية الدينية وحرية التنقل، فكانت رسائل المبشرين الإنكليز إلى ذويهم تثير حماسة شديدة بين الناس وتسيل لعاب التجار.
وفي سنة 1587 وجدت أوراق مهمة في مركب برتغالي أسره (دريك) تبين منها مقدار الأرباح الطائلة التي كان يجنيها البرتغاليون من تجارة الشرق، وفي سنة 1588 صمم الإنكليز على التوجه إلى الشرق بعد أن وثقوا بأنفسهم كسادة للبحر وبمقدرتهم على منافسة الأسبان والبرتغاليين، بدأ الرواد الإنكليز يجولون في الشرق حاملين بضائعهم ورسائل الود والصداقة من ملكتهم إلى ملوك وحكام البلاد التي يحلون فيها وباشروا بإنشاء مراكز تجارية لهم في معارضة شديدة من البرتغاليين. أوجس البرتغاليون توسع الإنكليز، فأصدروا منعا في الملاحة في الخليج لأي سفينة إلا بتصريح منهم، وكانت المناوشات مستمرة بين البرتغال واليعاربة من جهة، والفرس من جهة أخرى، ففي سنة 1612 م احتلوا بندر عباس، لكن طردوا منها سنة 1615. وفي سنة 1616 قام العرب العمانيون بالقضاء عليهم في صحار بينما كانت شركة الهند الشرقية البريطانية تزيد قوتها ونفوذها وفي سنة 1620 م، تمكن العمانيون من طردهم من رأس الخيمة.
وفي مطلع سنة 1622 م بدأ العجم بمحاصرة هرمز. فأصبحت هذه الجزيرة التي كانت تفوق لندن وأمستردام معاً قفرا يبابا، وعلى أثر ذلك تضعضع مركز البرتغاليين، وبعد أن خسروا هرمزا أرادوا أن يعوضوا خسارتهم بتعزيز قواتهم (1/13)
صفحة 14
في مسقط وأقاموا فيها الحصون المنيعة، ولكنهم كانوا مهددين باستمرار الطعن من العرب العمانيين الذين كانوا ينظرون إلى المغتصبين نظرة غيظ واشمئزاز.
وقد حاول البرتغاليون استعادة هرمز مرتين ففشلوا.
وفي سنة 1625 قضى أسطول إنكليزي – هولندي على أسطولهم، وبعد أن تخلص الإنكليز من البرتغاليين نافسهم الهولنديون فحاولوا الاتصال مباشرة بمنبع الثورة بالشرق وبدؤوا يرودون المشرق راسمين الخرائط والمصورات والموانئ والممرات وسيروا عدة بعثات تجارية بحرية بين سنة 1598 – 1601، ولم تأت سنة 1620 حتى أصبحوا أخطر منافس للانكليز، وفي سنة 1639 – 40 كانت تجارة الخليج كلها طوع أناملهم فاضطر الإنكليز إلى البحث عن مكان آخر لهم فاتجهوا نحو البصرة حيث سمح الباشا التركي بإنزال بضائعهم هناك وتريثوا متحينين الفرص على الهولنديين، ثم سير الهولنديون سفنهم إلى البصرة حيث دمروا مركز الإنكليز التجاري، وفي سنة 1649 وصل نفوذهم القمة وأخذوا يتقدمون بمطالب جديدة، وقي سنة 1652 اشتعلت الحرب بين الإنكليز وهولندا لشدة تضارب المصالح بين الدولتين في الشرق، وفي سنة 1664 ظهر في الأفق نجم منافس جديد وهو فرنسا متمثلة في شركة تجارة الهند الفرنسية، وفي سنة 1688 اتحد الانكليز والهولنديون لمواجهة الخطر الفرنسي المتفاقم وأصبحت المصالح الهولندية تابعة للمصالح الانكليزية حتى أواخر القرن السابع عشر بدأت الأمور تسير في مصالح الانكليز، فكانت شركة الهند الشرقية الانكليزية تجارية بحتة في بادئ الأمر إلا أنها في النصف الثاني من القرن السابع عشر رأت ضرورة التدخل السياسي لصيانة مصالحها فغيرت أساليبها. انتهى نقلا من الأمارات السبع لأحمد الوريني بتصرف في بعضه. (1/14)
صفحة 15
أول عُمان
من جهة المطلع رأس الحد بطرف البحر الهندي وهو رأي رمل له ذيل طويل في البحر منعطف قليلا إلى القطب تغوص به كثير من السفن الشراعية على الذين يجهلونه.
الحد: موضع على ساحل البحر الهندي به قلعة تحتها بيوت الأهالي يقال لهم أولاد حِمْدْ وبنو عامر وهم ثلاثة فخوذ أولاد الحربي وبنو عامر وبنو غزال كان رئيسهم في القديم سعيد بن حمد وكان عاقلا مدبراً كريماً توفى ولم ينجب فتفرق أمرهم ولم يجتمعوا على غيره بعده.
أحدثت الإنجليز بالحد محطة للطائرات عام 1951م ووضعت بها ما تحتاجه من اللوازم الحربية
خور جرامه: هو خور جميل جليل غزير العمق على فمه ثغرة ضيق المدخل تكتنفه من أوله إلى آخره جبال شاهقة تدخله البوارج الكبار والبواخر العظام وترسو به سفن أهالي صور وقت حاجتها لتحميل الأموال لأنه بمعزل عن الرياح فيساق منها وإلها الأموال والأمتعة على السفن الصغيرة وكثير منها تبقى في مكانها لتأمن العواصف واضطراب البحر ولا يكاد يوجد ميناء مثله فيما بلغنا ينتهي إلى فضاء صحصح من جهة الجنوب تسكنه بادية أولاد حمد شتاء وصيفاً وبالجملة فهذا الخور معتمد كبير عند أرباب السفن التجارية والشراعية.
ساحل صور: من أفخم المدن العمانية عريق في القدم فيعتبر تاريخها تاريخ أمة كاملة بل هو مبدأ لدراسة قطر أو أمة وعلى هذا الساحل تعيش مدينة صور فهي من أقدم المدن العمانية وأهمها وليست أهميتها التاريخية بأقل من أهميتها الإستراتيجية والاقتصادية فهي تاريخياً إحدى المدن التي استوطنها الفينيقيون بالخليج العربي كما تدل التسمية فما أن انتقل الفينيقيون من الخليج وهاجروا إلى لبنان حتى أسسوا هناك مدينة سموها باسم صور موطنهم في عمان كما سموا بعض المدن بأسماء مدنهم التي أقاموها (1/15)
صفحة 16
في بلدان الخليج وهناك بعض الآثار التي
يعثر عليها الأهالي مصادفة تدل على شبه بين حياة الفينيقيين وحياة أهالي صور القدماء وما يزال عمل الأهالي الوحيد هو التجارة في البحر والجزر والموانئ فهم يجوبون بسفنهم البحار في مواسم خاصة إلى المناطق التي يذهبون إليها وتجارتهم الآن محصورة بين سواحل الخليج العربي إلى البصرة والهند وسواحل أفريقيا الشرقية.
فمدينة صور ثانية مدينة بحرية بعمان وهي المدن التاريخية المهمة بل هي من المدن العالية القديمة بالنسبة للتاريخ العربي ذاته فقد كانت إحدى المدن التي مرت بها الهجرات العربية بعد هدم سد مأرب وقد شهدت إحدى المدن القريبة منها وهي مدينة قلهات معركة حاسمة بين إمبراطور فارس وبين مالك بن فهم الأزدي عند هجرته إلى عمان فاستأصل نفوذهم الذي بسطوه عليها.
وأهميتها الإستراتيجية هي أنها طريق المواصلات إلى المنطقة الشرقية من عمان الداخلية وأما أهميتها التجارية فيمكن أن يدركها القارئ مما تقدم إذا تصور مدينة تشرف على البحر ويتاجر أهلها بسفنهم فيه وتقود إلى قلب عمان هذه صور المدينة التاريخية العريقة اللامعة بين المدن العمانية المشهورة في سواحل الخليج جميعه وذات علاقات تجارية مع البصرة وشاطئ فارس وظفار وحضرموت وزنجبار ودار السلام وكينيا ومدغشقر وعدن والصومال وكانت تملك من السفن في عصر السيد سلطان بن أحمد بما يقدر أنه لا يقل عن مائة سفينة ومن الأسف أن البواخر لا ترسو على هذه العاصمة بل أكثر الوارد إليها من السفن الشراعية والمواتر البحرية ولذلك يكون دخل جمرك صور ضئيل مع كثرة الداخل إلى البلد فقد بلغ سنة 1373 هـ سبعة وعشرين ألف وثمانمائة وتسعون روبية هندية وأهالي صور من الركب الواعي وأنهم طليعة في العمانيين من قبيلة الجنبة من صميم العرب فهم بطن من مَذحج وهم أربعة فخوذ: العراما. الفوارس. المخانة. الغياليون ولهذه الأربعة فخوذ رشداء وعلى الرشداء رؤساء وهم المجاعلة وبهذا الساحل (1/16)
صفحة 17
قبائل من العرب والبلوش تابعة لهم وهم أهل عدة وعدد وأهم مشكلة تواجه هذا الساحل مشكلة الماء فالمياه به قليلة ويعاني أهله من المشاق بسبب ذلك ولكن على مسافة غير بعيدة توجد منابع للماء لا يستفاد منها بشيء فيجلب إليها من السكيكرة وشامة، وأعذب من هذا الماء المجلوب من آبار البلاد المنسوب إليها هذا الساحل وهي بلدة صور التي تبعد ميلين من الساحل المذكور ويوجد بهذه البلاد النخيل والأشجار القليلة وفي هذا الوقت زادت عمارتها.
يتفرع من هذا الساحل الصوري طريقان أحدهما يخرج إلى الجبال والأودية التي تليها والبلدان التابعة لها وطريق آخر على ساحل البحر ينفذ إلى قريات ومسقط. أما الطريق الخارج إلى الجبال فيتفرع منه طريق إلى داخلية عمان مار بمرتفع يقال له "الرفصة" وهي درجة بين جبال مترادفة وهو أشبه بباب قد نقب جداره من الجهتين وجعل فيه سلسلة غليظة على هذا الباب عسكر لا يمر فيه إلا لمن أذن له يأخذون من القوافل رسماً ويقسمونه بعد جمعه.
وعلى هذا الباب من الجانب السهيلي قلعة مستديرة بها يقيم العسكر. من تحت هذه الدرجة واد كبير ينحدر من الجبال والهضاب من الجنوب حتى يفيض إلى بلدة صور ثم يصب في بحر الخليج، وأهل الرفصة بادية من قبيلة المشارفة ولهم بلدان قريبة منها وأودية فيها مساكنهم وبها ماشيتهم والذي يأخذه أهل الرفصه رفضه الإمام محمد الخليلي سنة 1363 وأزال هذا المنكر بعد قهره لجعلان.
يتفرع من هذا الطريق إلى داخلية عمان طريق إلى الشرقية وأولها جعلان من الجهة الجنوبية وطريق آخر إلى بدية من جهة القبلة فأول ما يصادفك من الجهات الجنوبية من بلدان جعلان البويرد ثم الكامل وهما لقبيلة الهشم ثم الوافي وهي لبني راسب وبعدها بلاد بني بو حسن وهي أكبر بلاد في جعلان وأطيبها وبها الأنهار والمنازف قريبة الماء طيبة الهواء بها النخيل والأشجار وبها مركز للإمام.
يليها من الجهة الجنوبية بلاد بني بوعلي وهي بلدة كبيرة واسعة بها المياه (1/17)
صفحة 18
القريبة التناول والغيول وبها النخيل الكثيرة ورياستها لأمرائها آل حمودة ابن سلطان وهم مرجع لجماعتهم ويقرُّ لهم بالرئاسة في الشرقية على الغافرية بالتحزب بالباطل ولهم في الساحل والبادية جماعة كبيرة وأمراؤهم الآن خالد بن علي بن عبد الله وابن عمه ناصر بن محمد بن ناصر بن عبد الله آل حمودة.
وبين الموضع المسمى الرفصة إلى الشرقية من الجهة الشمالية أودية وجبال في داخلها بلدان متفرقة منها وادي منقال لأولاد عبد الله بن محمد. ووادي حلم للصُّلوت. ووادي بني خالد. وبهذه البلدان النخيل والأشجار.
رأس الخيمة عاصمة القواسم
(رأس الخيمة) تقع غربي المدينة المعروفة في القديم (جلفار) التي اندثرت وبقي أطلالها وقامت رأس الخيمة بالقرب منها وهي ملجأ الأسطول القاسمي الكبير قبل التدمير هدمها الغزاة البرتغاليون عدة مرات في القرن السادس عشر ثم أعاد تهديمها المستعمرون الإنجليز في أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
اتخذها القواسم مركزا لإمارتهم وحصناً لمغارتهم.
وأول من استقر بها على ما يذكره المؤرخون الشيخ رحمة بن مطر القاسمي الذي انضم إلى الإمام محمد بن ناصر الغافري في حروبه بعد تقلص دولة اليعاربة واعترف له الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي بالسيادة بعد معارك عنيفة دارت بينهم (والقواسم) قبيلة عربية عريقة نزحت من سواد العراق من بلاد سُرَّ من رأى وديار بني صالح.
وأول من هاجر منهم إلى عمان الشيخ كايد جد الحكومة القاسمية.
امتاز القواسم في الخليج الفارسي بالصلابة والشجاعة وحب المغامرة فأقلقوا بريطانيا في ذلك الوقت أكثر مما أقلقتها أي منطقة أخرى في الخليج العربي فكانوا يهاجمون كل سفينة تحمل العلم البريطاني سواء كانت للهنود أم للإنجليز فهم القوم (1/18)
صفحة 19
تجل مناقبهم عن العد والإحصاء ولا يتعرض لهم بالاستيفاء والاستقصاء جمعوا ما بين البأس والندى وقمعوا من اعتدى العدى (زاحمت) أسطول شركة الهند البحرية وجيوش الانكليز البرية ولم تكن أعمال قرصنة كما حسدهم الخصم فوصفهم بذلك وإنما كانت حربا دفاعية لإجلاء الإنجليز من السواحل العربية لرفضهم دفع الضرائب والرسوم المتفق عليها من الشركة حين دخولهم الموانئ العربية.
(خاض) القواسم معارك عنيفة أسروا فيها السفن الإنكليزية وصادروها علانية ودمروا كثيرا منها ولم يكتفوا بطردهم من شواطئهم العربية بل طاردوهم في البحر الأحمر وسواحل الهند وأفريقيا حتى أن حاكم بومباي الإنجليزي استجار بحكومته لما هاجمت قوات القواسم لإحدى السفن الانجليزية على بعد ستين ميلا من بلاد مومباي نفسها في أوائل سنة (1805) فشكا إلى دولته قائلا ((إن سفن القواسم تلحق أحيانا السفن الانكليزية حتى شواطئ الهند ذاتها فتغلب عليها)).
كان أول تفوق شمس الحكومة القاسمية في أواسط القرن الثامن عشر مسيحي وفي مستهل القرن التاسع عشر تميزت بالسيطرة على القبائل الأخرى لا في البحر فقط بل في المدن الساحلية وامتد نفوذها على منطقة ساحلية طولها أكثر من نحو 150 ميلا ((وذكر بعض المؤرخين الأوربيين أن قبيلة ياس التابعة لسلطان مسقط خضعت للقواسم ذلك الوقت قال وكانت إمارتهم، يعني القواسم، من حدود قطر إلى ما وراء خورفكان حتى أن شناص كانت تابعة لهم وقد حمى حصنها من المدفعية البريطانية موقعه الطبيعي))، قال: وفي ذلك بلغت قوتها البحرية الذروة حيث قدر أحد ضباط الأسطول الهندي المراكب التي يستخدمها القواسم بثلاث وستين من الحجم الكبير وثمانمائة من الحجم الصغير وكانت الأضرار التي حاقت بسلطنة مسقط من جراء القواسم أشد من الأضرار التي نزلت بأية دولة أخرى فهي لم تصب من سفنها التجارية فقط بل فقدت جزءاً كبيراً من أراضيها كما رأينا. وقد راح سلطان بن أحمد ضحية معاداته للقواسم إذ قتله هؤلاء أثناء مروره بسواحلهم في طريق (1/19)
صفحة 20
عودته من البصرة سنة 1319 هـ - 1804 م انتهى كلامه. وقد كان قتل سلطان بت أحمد (ب لنجه) من أعمال فارس لما رجع من البصرة فأرسى مراكبه بها هجم القواسم عليه ليلا في مركبه ليلة 12 شعبان سنة 1219 هـ فقتلوه وبعد قتله قام عليهم السيد سعيد بن سلطان وعمه قيس بن أحمد حاكم صحار وقرروا الزحف عليهم (بخورفكان) عام 1222هـ فكانت الحملة التي فيها قيس من جهة البر وحملة سعيد من البحر فقابلهم القواسم حتى أصبح خورفكان بحيرة من الدم وقتل في هذه المعركة السيد قيس بن أحمد وكثير من جنودهم لا يقدر عددهم وأكثرهم مات بالغرق، وبعد ذلك قرر السلطان الانتقام من القواسم بمساعدة الإنجليز كما ستقرؤه على أثر هذا.
الحملة الأولى:
وقد هاجمت القواسم البحرين وطردوا جنود حاكم مسقط منها وبهذا أرجفت الإنكليز بالقواسم إنهم بدؤوا يهاجمون إخوانهم العرب وأنهم آلة في يد الوهابيين وإن هذه أعمال مدفوعة من الحكام الذين بالرياض تعاونت مع سلطان مسقط وأنزلت بهم الخسائر الفادحة في سنة 1805م ولكنها لم تقض عليهم. بقيت المعارك مستمرة بينهم ثم وقَّع (سيتون) هدنة مع القواسم في فبراير عام 1806م فكان أول شرط فيها احترام راية الشركة وعدم التعرض لها ولكن احترام القواسم للهدنة لم يطل أكثر من سنة ففي سنة 1808م سجلت عدة اعتداءات على سفن بريطانية وللمرة الأولى استطاعت الاستيلاء على أحد الطرادين اللذين كانا يحرسان بعثة ملكولم إلى فارس.
الحملة الثانية:
وفي أواخر أكتوبر سنة 1809 خرجت (الحملة الثانية) من بومباي وكانت تتألف من ثلاث سفن حربية وثلاث أخرى لحمل المعدات وبعد توقف قصير بمسقط بدأت تهاجم مراكز القواسم ومن بينها رأس الخيمة وبقيت هذه الحملة تتردد في الخليج (1/20)
صفحة 21
إلى أول يناير سنة 1810 فشدت رحالها عائدة إلى بومباي وفي سنة 1813م عادت القواسم إلى الجهاد فتجرأت على السفن جميعا إنجليزية كانت أو محلية، وفي سنة 1814م (امتد نشاطها إلى ساحل كونش والسند) وردا على أعمال القواسم حاولت السلطات البريطانية انتهاج السياسة بالتفاهم عندهم أولا فقام (بروس) ممثل الشركة في أبو شهر بمفاوضات طوال سنتي 1815/ 1816م على أساس رد المسلوبات أو إعطاء تعهد باحترام السفن البريطانية ورغم إرسال مندوب عنها للمفاوضة فإن القواسم لم تظهر استعدادا لقبول الطلب الأول وعبر (وليم هنيد) أحد ضباط البحرية الذين زاروا الخليج في تلك الحقبة عن هذا الرأي بقوله: ((إن المفاوضات مع أمثال تلك العصابات خدش للكرامة البريطانية وتنازل عن السيادة المعترف بها على البحار)) وفي سبتمبر من سنة 1818م قامت بريطانيا تضع الخطة في تدمير القواسم فقدمت عدة مشاريع أمام حاكم الولاية (إيفان نيبيان) لاختيار واحد من بينها وكانت هذه المشاريع تختلف أساسا
على مدى التدخل البريطاني في شئون الخليج فمن قائل بالاكتفاء بتدمير القرصنة وعدم التدخل في الشؤون السياسية إلى قائل بضرورة رسم خريطة الخليج السياسية على الوجه الذي يروق بريطانيا وكان (نيبيان) أميل إلى الرأي الثاني فاختار مشروعا يؤيد مساعدة الدول المسالمة في منطقة الخليج للحلول محل القبيلة الماوئة وهكذا يوطد سلطان فارس على سواحل الخليج ويمد نفوذ السيد سعيد على رأس الخيمة ويشجع الأتراك على الاحتفاظ بالساحل الممتد من رأس الخيمة إلى ولاية بغداد ويوصي المشروع بإقامة قاعدة بريطانية ثابتة في رأس الخيمة على أن يتولى سلطان مسقط نفقات إقامة الحامية.
وعندما أرسل هذا المشروع للحكومة العامة في كلكتا للموافقة عليه رأت أنه أوسع مدى مما يجب ولكنها وافقت على مبدأ التدخل الحربي والسياسي وفي إبريل سنة 1819 استقر الرأي على المبادئ الآتية:
أولا: احترام الأوضاع السياسية الداخلية في الخليج فلا تتدخل بريطانيا (1/21)
صفحة 22
لصالح أحد الرؤساء إلا إذا طلب إليها ذلك وحينئذ تؤيد صاحب الحق المشروع وعلى هذا استبعد الرأي بتسليم جزر البحرين لحاكم مسقط.
ثانيا: لا يجب على الهند تشجيع الأتراك على بسط نفوذهم في منطقة الخليج بعد أن استولى إبراهيم باشا على نجد وجميع بلدان التابعة لها.
ثالثا: وضع أسس لحرية الملاحة في الخليج وحق تفتيش السفن بالاتفاق مع القبائل العربية وأخيراً أفضلية جزيرة القسم على رأس الخيمة لإقامة قاعدة بريطانية ثابتة وسنرى أن هذه المبادئ قد وجهت السياسة البريطانية في الخليج فترة طويلة.
الحملة الثالثة:
وعلى أساس هذه القرارات خرجت حملة بحرية كبرى من بومباي في 3 نوفمبر سنة 1819م تتألف من ست سفن حربية كبرى علاوة على السفن الصغيرة التابعة لها وعلى ظهرها ثلاثة آلاف بحار أكثرهم من الأوروبيين وقد عين
الجنرال (وليام جرانت كير) قائداً لها ووصلت الحملة إلى هدفها الأول في رأس الخيمة في أوائل ديسمبر سنة 1819، ورغم عدم تعادل القوات والتفاوت الكثير في الأسلحة التي يستخدمها كل من الخصمين فقد أظهرت القواسم بسالة فائقة في الدفاع عن رأس الخيمة فظل الإنجليز يضربونها سنة أيام من 3 إلى 9 ديسمبر قبل أن يستطيعوا النزول بها، كما أقامت عدة حاميات كان أهمها يعسكر في رأس الخيمة وبعد إرهاقهم بالمحرقات وعجزهم نزلت جنود بريطانيا فنهبت البلاد وسلبت في يوم واحد كلما وصلت إليه أيديهم قال (ديمر): إن كل واحد من الإنجليز زادت ثروته ذلك اليوم ما لا يقل (307) جنيها كما دمرت مائة سفينة حربية في الميناء فليأخذ العرب درساً من الاستعمار وأعماله الوحشية بعد انتصاراته وليعلم العمانيون ماذا وقع على آباءهم وفي بلادهم لما دخل الاستعمار وما وقع بعد هذا على بني بو علي وما وقع بعده على الجبل الأخضر في سنة 1376هـ. كل هذه بوساطة آل بوسعيد سلاطين (1/22)
صفحة 23
مسقط هذا ليأخذوا درساً لهم إن كانوا يفقهون.
لم تنسحب القوات البريطانية بعد تدمير الموانئ العربية كما فعلت سنة 1809م. بل أنزلت الجنود على الشاطئ وأقامت عدة حاميات كان أهمها يعسكر في رأس الخيمة.
وفي نفس الوقت أخذ أسطول حكومة ممباي يمسح الجزء الجنوبي لشاطئ الخليج وقد عمد (جرانت كير) أولا إلى توقيع معاهدات منفردة مع معظم رؤساء القبائل الذين لهم سلطة مستقرة في المنطقة الواقعة ما بين قطر وحدود سلطنة عمان وتتناول هذه المعاهدة الإجراءات العملية المناسبة لكل مشيخة من هذه المشيخات ففي المعاهدة المعقودة مع صالح بن صقر شيخ القواسم وضع القائد البريطاني الشروط الآتية:
(أ) يتعهد شيخ القواسم بتسليم السفن الحربية الموجودة في رأس الخيمة أو في الشارقة أو في أبو ظبي ويحتفظ فقط بمراكب الصيد.
(ب) يتعهد الإنجليز بألا يدخلوا أحياء القبائل بغية تخريبها.
(ج) يرد العرب ما لديهم من أسرى الرعايا البريطانيين.
(د) بعد تنفيذ هذه الشروط تقبل القواسم في معاهدة الصلح عامة كبقية القبائل العربية المسالمة.
وهذان الشرطان الأخيران تجدهما في جميع المعاهدات الفردية مع رؤساء القبائل الآخرين ولكن بينما يتعهد الإنجليز للقواسم بعد احتلال أحيائهم يشترطون في المعاهدة الثانية المعقودة مع حسن بن رحمة احتلال موانئ رأس الحنين ومسهرة وجميع القلاع المشيدة في البلدان المجاورة لها، ولما لم يكن لهذا الشيخ منطقة نفوذ محدودة فقد نصت المادة الثانية على الاستيلاء على جميع سفنه الموجودة في موانئ المشيخات الأخرى ولا تختلف المعاهدات الأخرى التي وقعت مع الثلاثة الآخرين من مشايخ المنطقة وهم مشايخ أبو ظبي وبني ياس ودبي عن المعاهدة الأولى الخاصة بالقواسم، (1/23)
صفحة 24
اللهم إلا في المعاهدة الموقعة مع شيخ دبي حيث وردت مادة تسترعي الانتباه وهي تقول "يمتنع الإنجليز عن الدخول لساحل المشيخة أو عن تحطيم أي حصن أو برج بها ". وذلك احتراما للسيد سعيد ويستنتج من هذا أن شيخ دبي كان يعترف بسيادة عمان على منطقته أو صداقة ودية، وقعت هذه المعاهدات فيما بين السادس والحادي عشر من يناير سنة 1820م) وفي الحادي والعشرين من الشهر نفسه عرض (كير) نص المعاهدة على المشايخ الخمس تاركا الباب مفتوحاً لغيرهم.
ونظراً لأهمية تلك المعاهدة في تاريخ الأمارات العربية بالخليج ندرج فيما يلي موادها مرتبة مع حذف قليل من التفصيل.
المادة رقم 1: يمتنع الأطراف المتعاقدة عن جميع أعمال السلب والقرصنة في البر والبحر بصفة دائمة.
المادة رقم 2: كل عمل من أعمال السلب أو القرصنة الذي يرتكب بصفة فردية يعتبر ضاراً بالإنسانية ما دامت لا توجد أي حرب رسمية بين الحكومات.
المادة رقم 3: تلتزم السفن التابعة للعرب الأصدقاء (بحكم هذا النص) برفع علم أحمر يكون رمزاً عن جنسيتها ولا يجوز لها استعمال شعار آخر.
المادة رقم 4: تسوي القبائل المسالمة علاقاتها الداخلية فيما بينها.
المادة رقم 5: يجب على السفن العربية من الآن فصاعداً أن تكون مزودة بورقة موقعة من رئيس المنطقة التابعة لها ويسجل فيها اسم المالك وحجم السفينة وأسماء البحارة ويعين فيها ميناء الخروج وميناء الوصول وإذا قابلت إحدى هذه السفن سفينة بريطانية وطلبت إليها إظهار سجلاتها وجب عليها تنفيذ هذا الطلب.
المادة رقم 6: إذا رغب رؤساء العرب في إرسال ممثل عنهم بهذه السجلات إلى المقيم العام البريطاني في الخليج لتوقيعها جاز لهم ذلك تسهيلا لدخولهم الموانئ البريطانية ولعمليات التفتيش ويشترط عرض السجلات على المقيم سنوياً. (1/24)
صفحة 25
المادة رقم 7: إذا لم تكف قبيلة من القبائل عن القرصنة وجب على القبائل الأخرى أن تجتمع للتفاوض في عمل مشترك ضدها ويمكن اشتراك الحكومة البريطانية في التسوية النهائية بعد توقيع العقوبة على القبيلة المذنبة.
المادة رقم 8: أن قتل الأسرى بعد تسليم أسلحتهم يعتبر عملا من أعمال القرصنة ولا يمكن اعتباره عملا من أعمال الحرب المشروعة فإذا ارتكبت إحدى القبائل هذه الجريمة اعتبر ذلك خرقاً لمعاهدة الصلح ويجب على القبائل الأخرى محاربتها بالاشتراك مع بريطانيا ولا يكف القتال إلا بعد تسليم المذنبين
المادة رقم 9: أن خطف الرقيق من الساحل الشرقي لأفريقيا ونقلهم بعد ذلك فوق المراكب التجارية يعتبر عملا من أعمال القرصنة ويجب على العرب الكف عن ذلك.
المادة رقم 10: تستطيع السفن العربية التي تحمل العلم الخاص بها الدخول إلى الموانئ البريطانية وكذلك موانئ حلفاء بريطانيا والتجارة فيها بكل حرية وإذا هوجمت إحدى هذه السفن فإن الحكومة البريطانية تأخذ ذلك بعين الاعتبار.
المادة رقم 11: تعتبر جميع الشروط المذكورة عامة فيجوز لمن شاء من الرؤساء الآخرين دخولها بنفس الطريقة التي انضم بها الموقعون.
لم تتقبل حكومة ممباي إجراءات (كير) الدبلوماسية بعين الرضا لأنها كانت ترغب انتهاج وسيلة أعنف مع المنهزمين، ومن أهم الاعتراضات التي وجهت إلى تصرفات القائد (جرانت كير) هو أنه أفرج عن المرضى من الذين وقعوا في الأسر وأبقى بعضهم في رئاسة قبيلته كما أنها انتقدت نصوص المعاهدة ووصفتها بالنقص لأنها لم تحتوي على تحديد العقوبات التي يجب فرضها على المخالفين لمبادئ الملاحة الجديدة كحمل الوثائق أو غيرها، وكذلك لم تحدد عدد السفن التي يجوز لكل قبيلة امتلاكها والحجم الذي لا يجوز أن تزيد عليه هذه السفن وانتقدت تساهل " كير " في عدم تهديم القلاع وإدخال مادة تحرم بناء الجديد منها كما أبدت مومباي رغبتها في إضافة (1/25)
صفحة 26
مواد أخرى تحرم استيراد أخشاب السفن من الهند. وأخيراً اعتبرت الشروط الإنسانية المتعلقة بتجارة الرقيق، وعدم قتل الأسرى غير كافية، ولا تتضمن رسائل عملية لتنفيذها، وقد دافع ((كير)) عن معاهداته ببراعة فائقة واستطاع بعد وصوله إلى مومباي في مارس إقناع الحكومة بتوقيعها حتى لا تظهره في الأقل بمظهر غير الموثوق به في كلمته أمام العرب، ومما استخدمه من حجج لتنفيذ اعتراضات بومباي نستطيع اختيار النقط الآتية على سبيل التمثيل فقد ذكر كير:
أولا: إن القبض على جميع الرؤساء المسئولين كان بتطلب تتبعهم في داخل بلاد العرب حيث فرّ بعضهم، وقد نصت العمليات الخاصة بالحملة على تجنب الابتعاد عن المنطقة الساحلية، بينما كان العفو حافزا لهم على العودة إلى بلادهم وعلى خلق جو جديد من الثقة.
ثانيا: إن بقاء وحدات بحرية بريطانية بصفة دائمة في الخليج خير ضمان لتنفيذ الشروط وأشد أثرا من النصوص التي تكتب على ورق لتحديد العقوبات القانونية فضلا عن أن المقصود بالشروط الإنسانية في المعاهدة هو مساعدة سكان هذه المنطقة على فهم المبادئ العامة للعلاقات الدولية، ولا ينتظر منهم تغيير عاداتهم دفعة واحدة بل يكون التحسن تدريجيا.
ثالثا: إن تحديد عدد السفن التي يجوز امتلاكها وكذلك أحجامها لا يفيد بشيء لأنه من الأفضل ترك المقدار اللازم من السفن التي تحمي به كل قبيلة نفسها، وليس أكبر السفن هو أصلح للقرصنة.
رابعا: من الأقرب إلى المنطق أن تقوم الهند بمنع تصدير الأخشاب للعرب لا أن تنص المعاهدة على أن يلتزم العرب أنفسهم بالامتناع عن استيرادها.
وقد ثبت فيما بعد أن آراء كير كانت أدعى لنجاح السياسة البريطانية وأصبحت هذه المعاهدة أصلا لمنع القرصنة، ودعامة للنفوذ البريطاني في منطقة جنوب الخليج (1/26)
صفحة 27
الفارسي وجعلت من أعداء بريطانيا السابقين أطوع حلفاءها انتهى نقلا من الاستعمار بالخليج الفارسي للدكتور صلاح عقاد.
وهذا نص الوثائق بعد مفاوضات الصلح بينهم والسيد سعيد بن سلطان بعد تلك الحوادث:
بسم الله الرحمن الرحيم
ليعلم من يقف على كتابي هذا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بأني قد أعطيت الشيخ سلطان بن صقر عهد الله وأمانه، على يد أخيه صالح بن صقر، بأن لا أتعرض لجماعته ولا أمد يدي على بلدانه وطوارفه من الخطم ومغرب مشمل إلى أطراف الظاهرة ولا أعين عليه خصم يخاصمه والحال بيننا واحد باتصال حبل الصداقة ما دام هو ثابت يمنع يده عن طوارفي ومن تعلق بي حتى لا يخفى والله شاهد ورقيب.
حرر في 27 من شهر رجب المرجب 1268، 17 مايو 1852 م.
صحيح سعيد
بن سلطان بيده
(الختم)
وبعد مضي عشرين سنة ولى أمر كلبا (وخورفكان) الشيخ حمد بن ماجد ابن سلطان القاسمي، وكان الحاكم على مسقط السيد تركي بن سعيد سلطان فجدد اتفاقية عنها.
بسم الله الرحمن الرحيم
من الواثق بالله المنان تركي بن سعيد بن سلطان إلى كافة من يراه، أما بعد فقد صار القرار بيننا والشيخ الأخ حمد بن ماجد بن سلطان بن صقر على ما جرى بين سيدنا الوالد سعيد بن سلطان والوالد الشيخ سلطان بن صقر بثبات الصحبة والصداقة (1/27)
صفحة 28
كذا الحوز والإحرام من خطمة ملاحة مشمل هو للقواسم ما عدا بلد خصب بما حوته من الأطراف، وإن لهم منا الحشمة التامة والكرامة العامة والنفع لا ينقطع كما حرى في زمن سيدنا الوالد سعيد وزيادة، وعلى هذا عهد الله وأمانه، لا حيلة ولا دغيلة اليوم ودوم كيلا يخفى على القاصي والداني والسلام))، كتبه مملوكه بأمره سليمان بن سالم في 15 صفر المظفر سنة 1288، 6 مايو سنة 1287.
صحيح تركي بن
سعيد بيده
(الختم)
كان هم القواسم إبعاد الإنكليزي عن المناطق المهمة، بل لم يكونوا أعداء لهذا النفوذ بالذات إنما حاربوا كل تدخل أجنبي آخر، والدليل على ذلك أن فارس طلبت من الشيخ سلطان بن صقر في عام (1823م) المفاوضة معها في بندر عباس والاستعانة بأسطولهم فرفض ذلك.
وفي عام 1233هـ، (1818م) بعث القواسم سبعة عشر مركبا بحريا فيها عدد كبير من رجالهم المقاتلة إلى القطيف مساعدة للدولة السعودية لما هاجم إبراهيم باشا الدرعية إلا أنها وصلت بعد الأوان.
والحقيقة أنهم لعبوا دورا مشرفاً في الوقوف أمام الغزاة والتاريخ أصدق شاهد.
أول حاكم من القواسم الشيخ رحمة بن مطر بن كايد.
ثم ابنه راشد بن رحمة.
ثم تولى الحكم بعده ابنه صقر بن راشد وهو أول من استجاب للدعوة السلفية وأصبح من جملة حلفائها على أمل أن يتقى بها غارات الانكليز من جهة وأن يعزز انفصاله عن سلطنة مسقط واستثنائه بالحكم من جهة أخرى فعقد عام 1214هـ (1/28)
صفحة 29
معاهدة بينه والأمير إبراهيم بن سليمان بن عفيصان وهو أول أمير على البريمي من الحكومة السعودية واشتدت لهذه المعاهدة الحركة عليهم من الجهتين.
ثم حكم بعده ابنه سلطان بن صقر الأول وهو أشهر أمراء القواسم وكان أوحد عصره شهامة وصرامة وشجاعة قلب وحدّة نفس، وكان أهم أعماله الانتقام من آل بوسعيد وقد انتصر عليهم في خورفكان كما قدمنا ذكره. وقد فصل ابنه ماجد وجعله أميراً على كلبا وخورفكان كما فصل ابنه أحمد على ساحل دبا وهو أول من اتخذ الشارقة عاصمة له وأقر عمه حسن بن رحمة في رأس الخيمة وحسن هذا هو الذي أسرته الحملة البريطانية على رأس الخيمة.
وفي أيامه خططت الحدود بينه وسلطان مسقط. وساعد مكتوم بن بطي على تثبيته بدبي ضد حكام أبو ظبي. وقد قام باحتلال جزيرة القسم ولنجه وبقى في الحكم إلى حد الشيخوخة.
ثم حكم بعده ابنه صقر بن سلطان بن صقر وصادف حكمه اليد الانكليزية اللاعبة بمملكة العرب وخمود كثير من قوة القواسم وتحطيم أسطولهم فاستقلت ولاتهم على أم القيوين وعجمان والفجيرة، كل تفرد بما تحت يده وقتل هذا الشيخ في أثناء محاصرته أم القيوين. ثم تولى الحكم أخوه خالد بن سلطان. ثم سالم ابن سلطان ثم صقر بن خالد وهذا الشيخ جعل على رأس الخيمة واليا، حميد بن عبد الله وبعد وفاته ولى عليها خالد بن صقر وبقى بها حتى توفي وتعاقب الولاة على رأس الخيمة في عهد صقر فوليها محمد بن سالم بن سلطان ثم سلطان بن سالم الذي اغتال أمير الجزيرة الحمراء وكانت هنالك مناوشات واختلاف كان الصلح على أن تكون رأس الخيمة لسالم وأن تكون الجزيرة الحمراء والجزر البحرية تابعة للشارقة إلى أن توفي صقر بن خالد. ثم تولى الحكم من بعده خالد بن أحمد فطرد معظم أقاربه وصادر أموالهم فالتجأ كثير منهم إلى " دبي " واعترف باستقلال رأس الخيمة وأعاد إليها الجزيرة (1/29)
صفحة 30
الحمراء وبقي في الحكم حتى كبر أولاد الشيخ صقر وكانوا (بدبي) من جملة المطرودين فهاجموا الشارقة ليلا وحصروه اثني عشر يوما وأرغموه على التسليم وطردوا كل من تعاون عنده وقهر الشيخ سلطان بن صقر البلاد وساعده إخوته على ذلك.
كان هذا الشيخ عاقلا أديبا يقول الشعر ويجيب عليه، جوادا كريما، سهلا في اللقاء لين العريكة.
وقد وقع اتفاقية باستئجار مطار مدني بالشارقة بعد الحرب العالمية عام 1951م ثم اعتمدها الإنكليز على أنها قوة للساحل للقضاء على اللصوص الذين يعيثون في الأرض فسادا وما هو إلا التثبت التام لنفوذهم والتغلغل في البلاد.
توفي هذا الشيخ عام 1370 في لندن أثناء معالجته بعد أن أجريت له (18) عملية.
وتولى الحكم مؤقتا أخوه الشيخ محمد بن صقر الذي تنازل لابن أخيه الشيخ صقر بن سلطان الحالي.
تولى الحكم الشيخ صقر بن سلطان فأصبح يؤسس ملكا يقارعه عليه العدو وكان من أحسن الناس خلقا ارتقت فيه الحضارة الأدبية والعلمية فهو سهل الجانب كبير النفس محباً لأهل الفضل مكرما لهم جيد الشعر ينظمه بدون تكلف لذكائه النادر، جلب المدرسين إلى بلاده ونفخ روح التعليم في التلامذة وحبب لهم الحركة وجرى في عروقهم ما فقدوه من روح الحياة، وكان محبا للسياحة إلى الخارج ليتلقى السياسة الحاضرة وقد اجتمع له الحكم على كلبا وخورفكان وما تبعها من القرى بعدما كانت قد انفصلت عن الشارقة ويحاول إحياء بلاده بالعمارة والتجارة والزراعة والصناعة.
وطالما طالبت هذا الشيخ أن يتحفني بما أشرف به تاريخي هذا من مآثر آباءه الكرام لما أعلمه من جلالتهم ولماله عليّ من فضل ومنة وإخلاص مودة (1/30)
صفحة 31
فلم يجبني وفهمت منه أن أحد علماء بلاده يحاول أن يكتب عنهم تاريخا مستقلا.
ما كان برأس الخيمة: حوالي عام 1330هـ في عهد سالم بن سلطان تولى الأمر أخوه محمد بن سالم الذي تنازل لأخيه سلطان ثم قام عليه بنو أخيه واستولوا على الأمر وعينوا أحدهم وهو الشيخ صقر بن محمد بن سالم حاكما وكان أمير الجزيرة الحمراء تمنع على القواسم فهاجم الشيخ صقر بن محمد برجا من أبراج الحراسة فصادف فيه ابن أمير الجزيرة الحمراء فقبضه رهنا لتسليم الحصن فاضطر إلى التسليم والتجأ إلى الشارقة.
دبي
هي جبهة عمان وباصرتها ووجهها وغرتها، مرتع النواظر ومتنفس الخواطر، طيبة البقعة، واسعة الرقعة، تقع على ساحل الخليج الفارسي قد مد البحر بها لسانه الطويل فهي أشبه شيء بمصر يتخللها النيل تفوق على كل بلاد عمان في التجارة والثروة والعمران، تبوأها آل بو فلاسا القوية النفوذ وطنا بعدما تركت موطنها القديم، فهاجرت إليها من أبو ظبي، وتحملت إليها برمتها، فجعلوا من أنفسهم زعماء مستقلين في ذلك الأوان، وبقوا عليها حكاما إلى الآن.
وأول من فتحها من هذه العائلة مكتوم بن بطي بن سهيل في عام 1249هـ (1833م)، وذلك حينما دَبَّ الخلاف بين مشايخ آل بوظبي فقتل طحنون بن شخبوط، واختلف من بعده إخوته خليفة وسلطان.
تمكن مكتوم بوحي البديهة لا بوحي التفكير وأح أن يكون له ولقومه ملجأ يأوون إليه ويمتنعون بحرية كاملة فيه، فاستل الخاتم من يد سلطان بن شخبوط لما أردي قتيلا، وختم باسمه كتابا إلى (ابن زعل) عامل سلطان على (دبي) ضمنه بأن يعجل المبادرة إلى حاكمه فما تلكأ العامل من إجابة سيده، وما درى أنها المكيدة المدبرة.
فابتز مكتوم البلاد من يد الأسد، وقهرها بكف من حديد وبمكره الأسدّ (1/31)
صفحة 32
وحصنها بصقور لا بحبل من مسد، وأحاطها بعزم وببأس وجلد، فكر خليفة عليها بعد أن استوى على العرش وهاجمها مرارا ليردها تحت لوائه حسبما كانت فما نجحت عمليته بعد أن دامت الحرب بينهم سبع سنين حتى خارت عزيمته.
ولما تولى بطل الشمال زايد بن خليفة إمرة آل بو فلاح عاود الكرة إليها، فشمر عن ساق الجد لإعادتها تحت قهره لكونها كانت من توابع مملكة آباءه فما قعد آل بو فلاسا مكتوفي الأيدي ولا نكصوا وجلين حتى بقى كل على ما تحت يده.
عمر الشيخ مكتوم طويلا وبقى في رياسته على دبي وتوابعها دهرا.
ثم ولى الأمر من بعده راشد بن مكتوم، فبقي حاكما على دبي وتوابعها سبع سنين.
ثم ولى الأمر من بعده ابن أخيه مكتوم بن حشر بن مكتوم، ولبث في الإمارة اثنتي عشرة سنة حتى توفي في شهر ذي الحجة سنة 1324هـ.
ثم ولى من بعده ابن عمه بطي بن سهيل، وكان رجلا سياسيا وقعت بينه والإنكليز فتنة عام 1328هـ بسبب أسلحة هربها (سيف بن حمد المعولي راعي النجم) فأخفاها في بيت من بيوت أحد الشيوخ بدبي، وكان الإنكليز حريصين على منع الأسلحة ودخولها أرض العرب فأصبحت بمناوراتها على دبي وطلبت من الشيخ بطي السلاح فأنكر علمه بذلك فشددت الانكليز الطلب وأنزلت عساكرها في بيت الشيخ محمد بن أحمد بن دلموك وبعضهم بقي بالسفن البحرية فرمت بمدافعها بيت سالم بن العبد في (ديره) ورد عليها الوطنيون بمثل ذلك فأسفرت المناوشات (1/32)
صفحة 33
عن قتل ضابط انجليزي وثمانية وعشرين من عساكرهم ومن أهل دبي على الصحيح أربعة أشخاص كما قيل أنهم سبعون شخصاً وتخلص الشيخ بطي من هذه الفتنة بأن دفع للانجليز على يد وكيلهم في الشارقة المسمى عبد اللطيف خمسين ألف روبية هندية وأربعمائة بندقية وكثرت الأناشيد في هذه المعركة ووفد الشعراء يهنون بطيا بالظفر، وكان تاريخاً جميلا وليت الخلف يفعل ما فعله السلف، وبقى الشيخ بطيا حاكما ست سنين على دبي وتوابعها حتى توفي في عام 1330هـ.
ثم ولى الأمر من بعده ابن عمه سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم عام 1330هـ وهو حاكمها الحالي وقد فوض الأمر آخر عمره إلى ابنه راشد بن سعيد فهو المدير شئونها المدبر لها وقد هاجر إلى هذه العاصمة كثير من رجال داخلية عمان ومسقط ومن الخارج لما لقوه من تخفيف الوطأة عليهم وعلى رعايا البلاد فحصلوا على ربح واسع من هجرتهم وشاطر هذا الشيخ العمانيين قسطا وافراً من التموين الموزع لبلاده أوان الحرب العالمية الثانية توطن كثير من الناس بهذه البلاد لعد المضايقة وقلة الفحص بها والتفتيش في الجمارك والأمور المنفرة للعالم فتوسعت البلاد وكثر العمران ونشطت التجارة.
وفي عام 1357هـ نسجت الإنكليز فتنة بين سعيد بن مكتوم حاكم دبي، وابن عمه مانع بن راشد لإنفاذ سهمها من الأمير سعيد حيث لم يوافق على إتمام مصالحها، خسر بنو إياس في هذه الفتنة عشرة أبطال من أعيان رجالهم منهم الشيخ حشر بن راشد وابنه بطي بن حشر، وحصر الشيخ مانع في بيته فلبث يدافعهم ثلاثة أيام وأبدى شهامة أقر لها أقرانه وتحصنت كريمتاه عنده فدافعن بين يديه دفاعا تتكعكع عنه الأبطال حتى أفرجن لأبيهن، فاستطاع أبوهن بمساعدتهن التحيز إلى الشارقة بعد أن أحرقت منازله بالنار، ونهبت أمواله وذخائره، ولم يجد مساعداً من قومه، وكانت الواقعة في يوم الأربعاء سابع صفر سنة 1357هـ، وكان خروج مانع في تاسع صفر من العام نفسه، وبسبب خروجه إلى الشارقة تأججت الفتنة بين أهلها (1/33)
صفحة 34
وأهل دبي وبقيت اثني عشر يوما قتل فيها اثنان من أهل الشارقة، وجرح عبد العزيز بن القاضي سيف بن محمد.
وفي عام 1365هـ أيقظ قاسم الشيعي وكيل الإنجليز بالشارقة فتنة بين حاكم أبو ظبي وحاكم دبي بسبب موضع يسمى (غناضة) زعمت الشركة الانجليزية أن به عيون الزيت وأنها تطلبه ممن هو له فتنازع الشيوخ عليه كل يدعيه فقامت بسببه فتنة صماء خسر الكل فيها أموالا فادحة ورجالا كُمّلاً انتهت عن مائتين واثنين وثلاثين من القتلى عدا الجرحاء فقد بها من المناصير خمسة وثمانون شخصا والباقس من الفريقين وتحاملت الدولة على أهل دبي وألزمتهم رد الإبل المأخوذة في الحرب فدفع آل مكتوم مائتي ألف روبية غرامة عنها فأمضت بينهم صلحا بذلك ثم وقع بعده تناقض أدى إلى حركة عمان بإمامها لقمع هذه الفتنة صلحا أو قتال من بغى على الآخر إن أبى عن القبول على حسب الحكم القرآني بعد استفهام صدر من الإمام لوكيل الدولة بالشارقة. وكان قد صدر أمره إليّ بالمسير إليهم فخرجت بأمره وتكلمت عند الشيخ سلطان بن صقر حاكم الشارقة بما أملاه الإمام وطلبت منه أن يعرف ما عند الضابط الإنكليزي وما رأي حكومته، فلما رجع أرسل إليَّ في قصر الشيخ سعيد بن مكتوم بدبي، وكان من جوابه يقولون أنهم لا يتدخلون في شئون العرب فرجعت بجوابه إلى الإمام، فتحرك الإمام لإصلاحهم ووصل كثير من رجاله بلدة عبري، فما كانت إلا أيام حتى وصل رسول الشيخ الرقيشي والي عبري من قِبَلِ الإمام يعرب أن الوكيل السياسي بالشارقة جمع المشايخ وأصلح شأنهم وحجز غناضه لآل بو فلاح.
وحصل من نتيجة هذه الحرب أن نفت الانكليز الشيخ جمعة بن مكتوم شقيق الشيخ سعيد بن مكتوم من دبي إلى البحرين باتهامه أنه يعاكس نفوذها وأن حماسته وشكيمته لابد من قمعها إذ كل الواقع بتدابيره لوم تسمح له بالرجوع إلا بعد مضي سنتين فبقي بالبحرين عاما كاملا ودفعوا له في مقابلة العام الثاني مالا. (1/34)
صفحة 35
وفي عام 1375هـ دبرت الإنجليز مكيدة بين آل مكتوم حكتم (دبي) فأفرغت في آذانهم الوحشية وشغلتهم بنزاع وفتنة فأتيحت لها الفرصة التي تحسب لها حسابا طويلا فوضعت يدها على البلاد وضعاً نهائياً.
ونفت الشيخ جمعة بن مكتوم وأولاده عبيد وحمد وأحمد ومكتوم فآووا إلى المملكة العربية فنزلوا على إكرام صاحب العظمة الملك سعود بن عبد العزيز وبقوا في الدمام بجوار أمير المنطقة الشرقية سعود بن عبد الله الجلوي فغمرهم إحسانهم وإكرامهم كما أن الملك أمدهم براتب شهري وبعد أن انقطع الصويت وصفا العكر سمحت لهم بالرجوع في عام 1378.
وفي العام نفسه نفي من أعيان دبي حمد بن ماجد فطيم وخليفة بن ماجد وسعيد بن ماجد ثم أذن لهم بالرجوع بعد رجوع الشيخ جمعة ولم يكن لابن فطيم موجب يبرر عملهم إلا سوء الظن والوحشة وبنزولهم تحت ظل الملك المعظم سعود حامي حمى الحرمين لم يفقدوا بما شملهم من إكرامه إلا التمسك بحب الوطن.
أبو ظبي
تقع على الطرف الذي يواجه البحر من جزيرة تفصلها عن البر مخاضة لا يمكن عبورها إلا عند الجزر وهي عاصمة آل بو فلاح وهي آخر الإمارات العربي تابعة لساحل الصلح البحري، وأول إمارتهم من حدود الشارقة إلى حدود قطر يقطن البدو منهم الظفرة وخنور وأماكن يطلقون عليها اسم محاظر تقع بين تلال من الرمل يقيم المحاربون منهم بنواحيها، ويقيم قسم منهم في ناحية الجو وهم الظواهر وآل بومهير وهي قبيلة عربية، ولم يخضع أحد منهم للآخر، وقد اجتمعوا في القديم على رئيس السُّودان وولوه أمرهم ودانوا له بالطاعة ثم قتلوه بعد ذلك وبنو أياس قبائل عديدة منهم آل بو فلاسا. آل بومهير. السُّودان. الهوامل. محاربه. جمزان. مزاريع. رميثات. مرر. أولاد ياسر بن عامر وينتمون إلى سبيع بن عامر، ولهم (1/35)
صفحة 36
توابع كثيرة منهم القبيسات ينتمون إلى صخر، وهم من المرر وآل بو حمير ينتمون إلى أبو الشعر من المناصير، وأل بالخيل ينتمون إلى أبو رحمة من المناصير، والكل عصبة بني ياس حرباً وسلما. والظواهر من توابعهم.
أمَّا آل بو فلاح فإنهم أمراء بني ياس وليسوا منهم يقال أنهم من بني هلال ويقال غير ذلك.
وانتخب الشيخ فلاح جدُّ العائلة الحاكمة الآن أميراً على بني ياس لأنه من خيار الرجال شجاعة وحزما وكرما، فقطع دابر الشقاق وأحبه الجميع وصاروا له أطوع من بنانه وكان يسكن الظفرة ولم يمت أحد من بيت آل فلاح الذين مَلكوا أبو ظبي على فراشه إلا أربعة والباقون قتلوا اغتيالا في الحكم.
تأسست هذه العاصمة عام (1175 هـ 1762 م).
وأول من ولى أمارتها شخبوط بن ذياب عام 1210هـ وبقى حاكما على بني ياس غير منازع إلى أن أنزله من الزعامة محمد أكبر أبنائه في عام 1231 هـ.
ثم أكره محمد في عام 1233 على التنازل عن الحكم لأخيه طحنون بن شخبوط وكان أصغر سنا منه وبقي طحنون شاداً عضد أبيه ومساعداً له، وقد سعى سلطان ابن صقر حاكم الشارقة لاسترداد سيطرة محمد على أبو ظبي فلم ينجح.
وفي عام 1248 قتل طحنون بن شخبوط اغتاله أخواه خليفة وسلطان بضربة مسدس من أحدهما وطعنة من خنجر من الآخر، وأدى الشيخان الطاعة والولاء لحاكم نجد وكتب حاكم نجد إلى شيخ القواسم بالشارنه لا يسمح له بالاعتداء عليهم، ثم لم يسمح لهم الدهر بالألفة وتلك خليقته فافترقا الأخوان وبهذا السبب وقع الخلاف ودب الشقاق بينهم وقتل سلطان بن شخبوط فافترقت القبيلة وتحزب كل لفريق وانسحب آل بو فلاسا من أبو ظبي بعد قتل سلطان واستعمروا دبي في عام 1249هـ كما أسلفنا القول ثم انسحب القبيساتُ إلى العديد واستعمروها عام 1251 هـ، وكان (1/36)
صفحة 37
رئيسهم خادم بن نهيمان وخرجوا عن طاعة خليفه بسبب ما فرضه الإنكليز على حاكم أبو ظبي من الغرامة فإنهم أبوا دفع المفروض عليهم.
ثم قام عليهم الشيخ خليفه بن شخبوط بمساعدة الانكليز، فهربوا قبل وصوله لاستشعارهم العجز عن مقابلة الإنكليز، واضطر خادم بن نهيمان إلى الرجوع إلى أبو ظبي بعد العفو عنه وشروط التزم بها بل ألزم إياها.
وفي عام 1261هـ قتل الشيخ خليفة بن شخبوط اغتاله بنو عمه، فبقيت الحكومة في يد امرأة من آل بوفلاح ولم يقبل الزعيم محمد بن حمد المري من قيلة المرر سيادتها عليهم، فجمع أعيان بني ياس وكان مقبولا عندهم ولكونه مدبرا يحسن السياسة سمعوا له فأرسل إلى سعيد بن طحنون وكان يسكن بالظفره، فاقبل إليهم وبمعيته اثنان من بني عمه فقدموه حاكما عليهم، ولم تطل المرأة في الحكم فقيل أيامها أربعون يوما وقيل أربعة أشهر.
ولي سعيد بن طحنون الحكم على بني ياس وكان عالي الهمة بعيد النظر حازماً جمع الأموال واصطنه الرَّجال ونظم جيشاً بحريا وبنى له السُّفن الحربية وما تحتاجه من أدوات فأحبَّته حكومة مسقط وخطبت ودهُ ليكون لها عوناً على آل سعود فعسى أن يشغلهم عن التقدم إلى عُمان.
فقام إلى حكام الساحل وجمعهم على الصداقة والحلف على إبعاد أهل نجد من بلادهم وطَرْدهم من البريمي، وفي أواخر عام 1264 اعتزم سعيد بن طحنون أن يهاجم البريمي وكان أميرَها محمد بن سيف العجاجي من قبل الإمام فيصل بن تركي حاكم نجد فوافق هجومه ضعف الحامية بها للنزاع الواقع بين الأهالي، فاحتل سعيد قصر الخندق وقصر الصبَّاره، ولما وصل الخبر إلى حاكم الرياض الإمام فيصل أرسل سرية يقودها سعد بن مطلق المطيري، فعلم سعيد بوصولها فكمن بالعانكة موضع غربي البريمي وهاجمها في ليلة مظلمة، وقيل أنه كمن لها ولم يشعروا حتى وقعوا (1/37)
صفحة 38
في الكمين ليلا فهزمت السرية هزيمة منكرة وقتل من قتل وفر الباقون وما أكثرهم ظمأ وأهلكتهم حرارة الشمس، وكان من جملة القتلى الشيخ عبد الرحمن ابن عزّاز القاضي السعودي، وركب سعد من هزيمته إلى دبي ثم إلى الشارقة واستعان بحكامها الشيخ سلطان بن صقر والشيخ مكتوم بن بطي، فقام باسترداد البريمي من يد سعيد بن طحنون بعدما بقيت في يده ثمانية أشهر، فعرض سعيد تسليمها في عام 1265هـ من دون حرب على أن يطوي الماضي في صحيفة النسيان، وأن يكون على سابقته قبل نشوب هذه الحرب، ثم توجه سعيد بن طحنون إلى الإمام فيصل يطلب إليه الصَّفح والعفو لما بلغه قدومه إلى البريمي فالتقى به قبل وصوله فعفا عنه.
طرد سعيد بن طحنون ابني أخيه زايد وذياب إلى دبي وبقيا عند الشيخ مكتوم ابني بطي فرباهما وأحسن إليهما.
وفي عام 1271هـ اقتتل أخوان من رجال القبيسات فقتل أحدهما الآخر، وكان أبوهما مكفوفا وأمهما عجوزاً فانية، فطلب الشيخ سعيد القاتل فاجتهد أبواه في طلب السماح له عن القتل وأنهما ضريران عاجزان عن القيام بأمرهما وأنهما قد أعفياه فأبى إلا قتله وكررا عليه فأعجزهما ثم أرسل إليه فقتله وبسبب ذلك داخله الرعب والفضل فتخلى عن الحكم وفرَّ إلى جزيرة قيس من أرض فارس.
ثم قام بنو ياس فأرسلوا إلى الشيخ زايد بن خليفة من دبي وولوه حكم البلاد عام 1271هـ، فأصبحت أبو ظبي أهم دول هذه المنطقة على الساحل وذلك بفضل ما ألهم زايد من جود وبسالة وبقيت الشهرة له ولعقبه حكم زايد البلاد ولسان حاله يقول:
نبني كما كانت أوائلنا تبني ... ونفعل مثلما فعلوا
والحقيقة أنه فعل فوق ما فعلوا كان كريماً جواداً كبير الهمة لازمه الحظ من المهد إلى اللحد. (1/38)
صفحة 39
وفي شهر ذي الحجة سنة 1272 هـ خرج زايد لزيارة سلطان مسقط السيد ثويني بن سعيد فعزم سعيد بن طحنون أن يهاجم أبو ظبي، وكان سعيد قد وصل في ذلك الوقت إلى الشارقة، فخادعه مانع بن عجلان المهيري ومن عنده وأوعدوه المساعدة، فنزل أبو ظبي فدانت له رغباً ورهباً وتحصن ذياب بن خليفة أخ زايد بحصنها فحصروه فانتهى الخبر إلى زايد فعاد مسرعا فنزل على ماء يقال له (غفر)، وبعث رسولا إلى حاكم دبي سعيد بن بطي يستنصره فأرسل إليه قومه مع جماعة من بني عمه يقودهم حشر بن مكتوم فاحتلوا أبو ظبي بعد قتال شديد قتل فيه سعيد ابن طحنون شمالي الشعب يخوض البحر واختلفوا في قاتله قيل أنه القعود بن حنظل وقيل عبيد بن سعيد الهاملي وانتقم زايد من مانع بن عجلان الغادر به، وبالجملة فإن سعيد بن طحنون خسر حياته في هذه الغزوة.
وفي عام 1286هـ خرج القبيسات مرة ثالثة إلى العديد واستقروا فيها فقام عليهم الشيخ زايد مراراً وفي عام 1294 ضغطهم الإنكليز بأن يرجعوا إلى زايد رغما وعرفوا أن لا طاقة لهم بالانكليز فغادروا بلادهم وتركوها بعدما دمروا الآبار وخربوا البلاد فالتجأ بطي بن خادم رئيس القبيسات وجماعته إلى الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني حاكم قطر ثم عادوا إلى أبو ظبي بعد ذلك.
ثم كانت حروب بين قاسم بن محمد حاكم قطر وزايد بن خليفة واستحرت عام 1297هـ.
وفي سنة 1309هـ وقع رئيس أبو ظبي تعهدا على نفسه وورثته من بعده للانكليز يحتوي على الشروط الآتية (1):
إني لا أدخل أبدا في قرار ما ولا محاورة مع أحد من الدول سوى الدولة البهيئة الانكليس (1/39)
صفحة 40
بغير رضاء الدولة البهيئة الانكليس لا أقبل أن يسكن في حوزة ملكي وكيل من دولة غير البهيئة الانكليس أبدا لا أسلم ولا أبيع ولا أرهن ولا أعطي للتصرف أو للتبوؤ بنوع ما شيئا من ممالكي لأحد إلا الدولة البهيئة الانكليس.
توفي زايد عام 1324 في التسعين من عمره بعدما حكم خمسا وخمسين سنة وترك ثمانية أولاد خليفة، سعيد، حمدان، هزاع، سلطان، صقر، محمد.
ولم يقبل خليفة ابنه الأكبر أن يكون حاكما لأبو ظبي ولعله آنس أن الحاكم بها مؤيدا بالاضمحلال.
استولى طحنون الحكم بعده في ذلك اليوم وكان مصابا في رجليه بالخدر بسبب سقطة من ظهر جواده لما جمح به فأرداه وبقي أربع سنوات حاكما حتى توفي وفي عام 1330 هـ ارتقى حمدان منصب الحكم وكان أكفأ أبناء زايد نجح في حفظه المملكة إلى الذروة التي بلغها أبوه فحدث عنه في الكرم والجود والهمة ولا حرج، سعى في عام 1331 بالصلح بين الإمام سالم بن راشد الخروصي والسلطان تيمور ابن فيصل وعقد اجتماعا بالسيب فلم يقدر الله النجاح على واسطته وفي عام 1340 قتل حمدان قتله أحب الناس إليه أخوه سلطان بن زايد وارتقى منصب الحكم وبقي مزعزعا غير ناجح في سلطانه ثم شرع أخوه صقر بن زايد في التماس الانتقام منه أخذا بثأر المقتول وانضم إليه ثلاثة من خدم حمدان واستعان بأحد أعيان البدو ليظاهروه فأطلق عليه الرصاص في صيف 1346 وارتقى منصب الحكم عاماً لا زيادة ونشبت بينه والمناصير منازعات يطلبون منه الأرزاق التي عودهم بها من كان قبله من الحكام وعزم صقر على اغتيال أخيه خليفة وابنه محمد فساعد المناصير خليفة على إسقاط صقر من الحكم والفتك به فاتحدوا مع عبد للشيوخ فكان أول من أطلق عليه النار، ولكنه أخطأه فأرداه المناصير قتيلا بأمر خليفة وابنه محمد وأراد المناصير تقديم محمد بن خليفة حاكما بعده، ولكنه آثر راحة نفسه ورفض الشرف فوقع الاختيار على شخبوط وهو أكبر أبناء سلطان، وهو الحاكم على أبو ظبي، ومتعلقاتها إلى يومنا هذا، ويساعده أخوه زايد في أطراف البريمي. (1/40)
صفحة 41
قطر
على سيف الخط بعين عمان والعُقير والأسرة الحاكمة عليها المعاضيد وحاكمها الحالي الشيخ علي بن عبد الله بن قاسم بن محمد بن ثاني بن محمد أصل نسبهم من بني سعد بن عمر ابن تميم ويقال لهم آل ثامر ثم نسبوا إلى جدهم ثاني فيقال لهم الآن آل ثاني وكان نزولهم قطر قبل تمام اللف وكانوا قبل ذلك من بادية يبرين وأمكنة نجد فزاحموا عبد القيس على قطر حتى استولوا عليها أخذت هذا من لسان الشيخ علي وطلبته الزيادة على ذلك وتحرج واعتذر وهذا الشيخ أحله أبوه عبد الله محله وأنزله بمكانته في عام 1368 هـ لما علم من كفايته فهو بالدوحة من البلاد والدوحة العليا من المكانة وأول من حكم قطر من هذه الأسرة الشيخ ثاني ثم ابنه محمد ثم ابنه قاسم ثم عبد الله ثم علي.
وفي عام 1354 منح الشيخ عبد الله بن قاسم شركة الزيت امتياز التنقيب.
وفي عام 1358 نجح العمل في الزيت وظهرت أول بئر منه فتوسعت البلاد وزاد العمران واستأنست الرعية وحصل الغنى لحاكمها وجاد على زوّاره وأكرم وافديه. وفي عام 1368 استقبلت قطر أول ممثل من الحكومة البريطانية وقبل ذلك كان يزورها ممثل البحرين.
الجبل الأخضر
هذا الجبل يملكه بنو ريام وأميره سليمان بن حمير النبهاني.
وهو جبل عظيم الارتفاع صعب الامتناع لا يتوصل إليه إلا من طرق مخصوصة تتشعب منه تسعة أودية بها قرى لبني ريام وبهذا الجبل يلجأ العمانيون عند الشدائد من قديم الزمان فقد لجأ إليه سليمان وسعيد ابني عباد بن الجلندى في وقت حروب عمال الحجاج بعمان وكانا قد هزما جيوشه عدة مرات وفلا جموعه ثم جهز إليهما القاسم بن شعوة من جهة البحر فأرسى سفنه بقريات فهزما جموعه وقتل القاسم (1/41)
صفحة 42
في المعركة واستوليا على سواده ثم جهز إليهما أخاه مجاعة بن شعوه في ثلاثمائة سفينة من جهة البحر فأرسى سفنه بمسقط وفي عشرين ألف من جهة البر فهزماه هزيمة منكرة ببلدة سمايل وبأمكنة أخرى من عمان وغزا سليمان بن عباد سفن القاسم بمسقط فأحرق منها نيفا وخمسين سفينة ثم جهز إليهما عبد الرحمن بن سليمان وقد أكلت الحرب الرجال وضعفت القوة فاستشعر سليمان وسعيد ابني عباد العجز فصعدا الجبل الأخضر بذراريهما وحاصرهما جند الحجاج فتخلصا منه وركبا البحر بالذراري إلى أرض الزنج وماتا بها وتغلب جند الحجاج على عمان بعد خروجهما منها.
وتحصن بهذا الجبل الإمام غالب بن علي الهنائي بمن عنده من المجاهدين لما حملت الإنجليز على عمان في عام 1376 – 77 فبقيت تقذفهم بشرر الطائرات ثمانية عشر شهرا وقد عجزت جنودها من الصعود إلى المجاهدين فاستعانت بالطيران وأملي أن أجمع لتلك الحوادث تاريخ مفرد.
بهذا الجبل الأنهار والآبار والفواكه الكثيرة بجميع أنواعها فالعنب بأنواعه العديدة والرمان بأنواعه والتفاح والخوخ والمشمش والجوز واللوز والسفرجل والليمون الحلو والحامض إلى غير ذلك كما يوجد به من الرياحين والزعفران والورد والنرجس والياسمين والفل وبه الزيتون والبوت والنمت والأبهل وهو شجر العلعلان الذي يؤخذ منه الصمغ المصطكى المعروف بالرومي وأكثر أشجاره عطرية ولو كتب وصفه وكل ما احتوى عليه لاحتاج إلى مجلد.
جبل الكور
هو جبل ضخم منيف أقرب أن يكون حوراء كأنما عليه غبار دائما وهو حوالي خمسمائة ميل مربع، يسكنه قوم من بني هناة عرفوا بالصدق أحاطت به بلدانهم بل وفي سفحه بلدان لهم أيضاً.
وله خواص: ومن خواص ما فيه أنه حافظ بالطبع لجوهر ما يدخر به ولو طالت (1/42)
صفحة 43
المدة ومن ذلك أن التمر إذا أخذ وقت حصاده خصوصاً من البلدان التي بسفحه وهي (دَنِّ) و (معول) و (لميس) وادّخر في المغارات بالجبل المذكور لا يتغير كعمه ولا لونه ولو بقي دهرا طويلا ويقال لو بقي إلى أعوام عديدة وكل الأطعمة والحبوب بهذه الصفة مع أن اللحم إذا ادخر طريا يبقى إلى شهر لا يتغير ولا يخثر بدون المثلجات.
ومن العجائب الموجودة فيه أن نهر (دَنّ) وهي البلد التي بسفحه إذا اغتسل الإنسان داخل النهر بأعلى البلد يصاب بداء لا يفتر ألمه حتى يتصدق أو يعمل معروفا وإذا اغتسل بأسفله حيث يغتسل الناس لم يصبه بأس.
ونهر (دن) ونهر (معول) يمتنعان من سقي الأرض في أيام معروفة ولا يدرى أين يذهب هذا الماء عند امتناعه ولا يرى أين يصب. فإذا طرقهم ضيف أو احتاجوا إلى تغسيل ميت خرج أحدهم إلى مكان معروف عندهم فينادي (يا وضاح) عندنا ضيوف أو ميت أو يخرج أحد الضيوف فينادي فيأتيهم بسرعة.
وبهذا الجبل بئر إذا اغتسل الجنب في جوفه نضب ماؤه ويصاب المغتسل بداء يبقى به لا يفارقه حتى يموت فإذا مات أصبح الماء طافحا على البئر.
وبه أنهار فمنها ما يزيد ماءه إن كان لأناس وينقص إن كان لآخرين على كل دور ومنها ما ينقطع من غير قحط ويزيد من غير مطر وفي حال انقطاعه إن حدث بالبلد حريق أو احتاجوا لغسل ميت أو طرقهم ضيف يستحق الإكرام خرج من مجراه نهرا فوق العادة وهذا مشاهد ومشهور.
ويقال أنه توجد في بعض كهوفه كمة من الجوخ الأحمر إذا وضعها الرجل الضخم على رأسه تبلغ منكبيه فإذا أراد إخراجها من موضعها ذهب بصره حتى يردها في محلها. وبه من الأشجار البرية ما لا يوجد بغيره. زرت مصر عاصمة الإسلام في شهر شعبان عام 1380 وتكلم
إلي صديق (1/43)
صفحة 44
أن أهل الخارج يمنحون روايتك هذه السخف ويعدونها من الخرافات فهم يستبعدون ما تذكره من وصفك للأنهار الموجودة بجبل الكور وحفظه الطبيعي للأطعمة بغير واسطة وخصوصا اللحم. والجواب: لا يهمني استنكارهم ما دمت صادقا وكان هذا شيء حاضر موجود بل لا يحتاج إلى مبرر فلعل الرواد الذين دخلوا البلاد بعد الاحتلال عرفوا صدق ذلك ونحن نستنكر ما يبلغنا عن القمر الروسي وهو من صنع البشر وقد أطبق العالم عليه ويستنكر البشر صنع الله أي الفريقين أهدى سبيلا.
ويوجد بعمان في وادي بني خالد بالشرقية جبل مجوف له مسلك من نقرة بأعلاه من جهة القطب تغطيها الرحى ثم تتوسع تلك النقرة شيئاً فشيئاً فيسلك الداخل في غار حتى يتخلص إلى شرجة من الماء عظيمة تجري لا يدري من أين أقبل الماء ولا إلى أين يذهب وحوالي هذا الماء رمال وتراب وشجر.
أشهر قرى الداخلية
نزوى وهي عاصمة مملكتها. بُهلَا. مَنَح. ازكي ويقال لها في القديم جرنان. أدَمْ. وتسمى هذه القرى وما حواليها أرض الجوف وما كان شرقيها من جهة المطلع يقال لها الشرقية.
أفخم بلدان الشرقية: سناو. المضيبي. أبرا. بدية. جعلان.
أفخم بلاد في داخلية عمان: نزوى. الرستاق. سمائل. نخل. بهلا. منح. عبري
يوجد بنزوى من الأشجار والنخيل والفواكه ما لا يوجد بغيرها من عمان وبها الأنهار وعليها المعول والآبار وهي قليلة اتخذها الأئمة الأولون عاصمة ملكهم وكان أسطولهم في القديم قد بلغ مبلغاً عظيما فقهروا شطراً من الهند وأفريقيا فما رغبوا عنها فترى في تلك الآثار ما يدل على جلالتها والتاريخ شاهد عدل.
بل نزوى من جهة القبلة بلدان كثيرة هي من أعمالها وأفخمها بهلا كانت مركز أولاد راشد بن حميد ثم تليها الظاهرة وهي المعروفة بأرض السر تقع بين جبال الحجر تقابلها (1/44)
صفحة 45
اسما وحقيقة الباطنة في الجانب النعشي والظاهرة هضاب تشتمل على سهول كثيرة وعلى جبال صخرية وتمتد قبلة إلى جبل حفيت وشرقا إلى نجد المخاريم وتتألف الظاهرة من قرى متشابكة على أرض مستوية وعاصمتها عبري وهي زمام الظاهرة ومرجع البادية وسوقها كبيرة ورياستها تنتهي إلى اليعاقيب أولاد راشد بن عبد الله بن محمد.
ومن بلدان الظاهرة:
الدريز: وهي بلدة من أوسع بلدان الظاهرة بها بنو غافر ورئيسهم الشيخ علي بن سعيد الغافري وبيده حصن العينين ومن هذه القبيلة الشيخ خلف بن سنان الغافري أحد قضاة الإمام سلطان بن سيف اليعربي توفي رحمه الله وقد حوت خزائنه من الكتب المخطوطة ما لم تحوه مكتبة علمية بعمان فإنه جمع سبعين وثلاثمائة وتسعة آلاف كتاب وفي ذلك يقول:
لنا كتب من كل فن كأنها ... جنان بها من كل ما تشتهي النفس
جرى حبها مني ومن كل عالم ... ذكي الحجى والفهم حيث جرى النفس
فلا أبتغي ما عشت خلا مؤانساً ... سواها فنعم الخل لي وهي الأنس
ولست أرجي أن يفوز بمثلها ... على غابر الأيام جن ولا إنس
ثلاث مئين ثم سبعون عدها ... وتسعة آلاف لها ثمن بخس
ينقل: هي من أحصن بلدان الظاهرة ولها توابع ورئيسها الشيخ سيف بن عامر العلوي من الغصون ويقال أن أصلهم من نجد من بلد تسمى الحوطة أما جماعته فهم بنو علي بن سودة.
ضنك: على سفح جبل من الجانب الغربي تقع على فم الثغرة الضيقة وهي بلد خصبة يظهر واديها ممتداً إلى الربع الخالي وبها علاية وسفالة وبها رؤساء كل تفرد بجماعته ومرجع أمر العلاية فيها إلى رئيس النعيم صقر بن سلطان.
مقنيات: بلدة بين جبلين لبني كلبان وهي بلدة خصبة كثيرة المياه بها حصن في أعلا جبل لا يتوصل إليه إلا بمشقة، وقد شيد بناه النباهنة لما كانوا على عمان وقد استولى عليه بنو كلبان من يد محمد بن جبر العميري عام 1212 هـ بسبب الاختلاف (1/45)
صفحة 46
الواقع بين السادة سعيد بن سلطان وعمه قيس بن أحمد حاكم الرستاق فإنها كانت تابعة لحاكم الرستاق فحاصرها بنو كلبان بتدبير من السيد سعيد واغتصبوها من يد العميري بعد حصار دام سبعة أشهر.
يلي أرض السر من عمان من الجهلة القبلية أرض الجو وأول ما يطالعك منها حفيت والسنينة ورؤساؤها محمد بن أحمد الصلف النعيمي ومحمد بن سالمين ابن رحمة الشامسي وساكنوا البلدان جماعتهم وقد أطل على تلك البلدان من جهة القبلة الجبل المعروف بجبل حفيت.
البريمي
قاعدة أرض الجو وتسمى في القديم توام وتسميها الانجليز الجنة الصغيرة والواحة الغناء وتحتوي واحة البريمي على قرى وبساتين فمن قراها: البريمي، حماسا، صعرا، العين، المعترض، القيمي، القطاره، هيلي، المويقعي الجاهلي، ويشمل البريمي من جانب الشمالي ديار بني كعب وبني قتب وزعيمهما الأكبر صقر بن سلطان بن محمد بن علي بن حمود بن خميس النعيمي ورئيس حماسا راشد بن حمد الشامسي وهم رؤساء على جماعتهم ويشاركهم أولاد الشيخ زايد بن خليفة آل فلاح.
فإنهم رؤساء على بلدانهم في هذه الواحة وهي في محلها إستراتيجية تقع عند ملتقى كثير من طرق المواصلات في شرق جزيرة العرب وتعد محورا بين صحار وسواحل الباطنة والجنوب والظاهرة ومناطق الحجر الداخلية وعمان الوسطى والشرقية فلذلك ترى كل من يهاجم عمان من الأجانب يختارها مركزا لأقامته فالجيش الذي جرده الرشيد الخليفة العباسي في القرن الثاني اتخذها قاعدة لهجومه وتبعه الخليفة المعتضد في القرن الثالث لما أرسل محمد نور إلى عمان وحذا حذوه العجم بقيادة (تقي خان) نزل بخورفكان وقصد بلدة الصير التي بالقرب من رأس الخيمة كان نزوله في 12 ذي الحجة عام 1149 ثم قصد البريمي ومنها سار إلى عمان ثم تلتهم الجنود السعودية عام 1210 (1/46)
صفحة 47
في تاريخ الشيخ عبد الله المطوع
كان حكام البريمي قبل الجنود السعودية (آل ابن زرعة) ومن بعدهم آل أمر حماسا إلى آل سرور وأمر الحلة إلى العزازنة إلى أن قال ويطلق اسم آل خريبان على أولاد الشيخ علي بن حمود شيخ قبيلة النعيم لأن نعيم تنقسم قسمين شامسي وخريباني يقال أن شامس وخريبان واسمه محمد أخوة لأم وأبناء عم لأب ومنهما تفرعت القبيلتان وتنقسم كل واحدة إلى عدة بطون إلى أن قال:
أول حكم آل حود لضنك كان الشيخ علي بن حمود شيخ النعيم مسكنه السفينة من أرض الجو وكان كريماً شجاعاً اجتذب البدو بكرمه وكان الشيخ الفيلاني بلغ من الكبر عتياً فجعل الشيخ علي بن حمود وصياً على أولاده لقبض حصنهم (المنيخ) الذي له بضنك إلى أن يبلغوا رشدهم خوفاً عليهم من جيرانهم فقبل وصيته وبعد بلوغ الكبير رشده سلم إليه الحصن لتبرأ ذمته وأغرى الصغير بأخيه فقتله ثم دبر أن يقتل الصغير انتقاماً لجريمته واستأثر بالحصن فبقى في يده هذا أول حكمه بضنك قال ثم تطلع محمد بن علي إلى ما هو أبعد من ذلك ليلقي يده في زمام أفخم مما هو فيه ورأى أن البريمي عاصمة وأنها تليق بمنصب فخم وكان عليها ذلك الوقت الشيخ حمد بن عبد الله الملقب غبار وكان ضعيف التدبير وضايقه الشيخ زايد بن خليفه وكادت أن تسقط البلاد بيد زايد فتجمع النعيم ومن والاهم وعلى رأسهم الشيخ شامس بن حمد الشامسي فأبرموا صلحاً بين زايد وحمد ثم تنكر أهل الحلة وهم العزازنة للشيخ حمد غبار فغدروا به وقتلوه واجتمعوا على تقديم محمد بن علي أميراً لهم عليهم ويقال أن ذلك كان بسياسة منه فقهر البلاد عام 1290 هـ وبقى بها ثم استولى على القصر السعودي من يد الأمير محبوب بن جوهر مولى الإمام السعودي سلمه له أمانة قال ثم تطلع محمد إلى السيادة الكاملة على الجو فأبى جيرانه من الظواهر دفع الرسوم وكانوا يدفعونها للإمام السعودي فكانت بينه وبينهم وقائع فاستعانوا عليه بالشيخ زايد بن خليفة وآخر وقعة بينهم في بلدة القطارة كانت تاريخا انتهى كلامه بتصرف وبقيت رياسة البريمي في أبناء محمد بن علي سلطان وسالم ثم بيد سلطان بن محمد ثم بنيه محمد وصقر ثم بيد صقر الحالي. (1/47)
صفحة 48
جعلان
تقع جعلان عند الحد الخارجي للجزيرة العربية وهي من حدود الشرقية بعمان تتكون بين جنوب الشرقية والبحر يحدها رأس العرف شمالا والبحر العربي جنوبا تنحدر إلها مياه أودية الشرقية فتصب في قيعانها فيمكث الماء بها زمانا طويلا يستمد منه البدو الرحل وما فاض من القيعان يفضي إلى البحر الجنوبي.
وجعلان بأسرها الحدرية والعلوية بلاد خصبة لا تعرف الجفاف فضاء منبسط على جو فارغ، عليها من جهة القبلة جبال من الرمل بها آبار من الماء العذب، وتحتوي غضونها على تلال وكثبان رمل مبعثرة تقيم باديتها بهذه الرمال صيفا وشتاء فتشبع ماشيتهم من عشبها وأشجارها على قرب من سكانهم.
تحتوي قيعانها على غابات مظلمة من شجر الغاف الطويل المتكاثف.
وبها الغيول الجارية كساها شجر الإثل رونقا جميلا بخضرته.
وبها العيون والأنهار الجارية بعضها من القنوات وأكثرها من مياه الغيول الباقية في مجاري السيول، وبها المنازف التي يستطيع العاجز أن ينشئ بستانا فيحرثه فيعيش عيشة المتوسط من أهلها.
بالقرب منها بحرهم وعليه تشرع سفنهم فيقف على ساحله ضعيفهم ويتحصل من خيراته بما يقنعهم وعلى ساحله عدة بنادر جميلة مخصوصة بهم ما عرفوا أجنبيا فيهم.
ومتى دخل فصل الربيع هاجر أهل البلدان إلى تلك الكثبان بذراريهم لاستنشاق الهواء النقي الطبيعي فيزدادون نشاطا فوق نشاطهم وقلما تجد فيهم مريضا أو أعوراً أو أعمى إلا نادرا لصحة هواء بلادهم.
فهواء جعلان طري نقي قد غربلته الأشجار وشجرها عطري تفتحت به الأزهار وزهرها الورد والبهار وظلها ظليل ونسيمها عليل وماءها سلسبيل وحرها لطيف وبردها خفيف، وبحرها قريب، وسمكه لذيذ عجيب، فهي لُبنان الشرق وبيت (1/48)
صفحة 49
الرزق جوهرة بيد أعرابي يسكنها عدد عديد من الرجال عرفوا بالشجاعة إذا اختلط الدخان لا يقدرون للموت حقا ولا للحياة قيمة.
وجعلان قسمان قسم يتبع الحسون والقسم الآخر إمارة آل حمودة.
جعلان الحدرية إمارة آل حمودة
والمؤسس لهذه الإمارة سالم بن علي بن حمودة في أوائل القرن الثاني عشر أثناء عودته من حج بيت الله الحرام، وبعد وفاته كانت الرئاسة لأخيه محمد بن علي بإجماع من الكل، ومن عادتهم المبايعة للرئيس على السمع والطاعة ولهم السيطرة والنفوذ التام في قومهم وبلادهم حرة في شئونها الداخلية كما أن لهم صرف قديم أعني – البرزات – وأعداد معروفة بينهم عباسي، محمدي، غازي، لاريه فهم يتعاملون به إلى الآن ولهم ميناء مختصة بهم في البحر الشرقي منها الأشخرة، قميله، الرويس، فهي تحت تصرفهم وكانت بينهم وحكومة مسقط عداوة في أيام الأمير محمد بن علي، ثم بعد ذلك تحولت إلى صداقة متينة يدلون بها على سلاطين مسقط بسبب دفاعهم عنها ومنون بذلك على حكامها ويعتقدون أن لولاهم لذهبت السلطنة هباء، وليس لحكومة مسقط تدخل أو إشراف في حدودهم.
لاقى الأمير محمد بن علي أهوالا وصعوبة وتلقاها برباطة جأش لا يصبر عليها غيره واستحرت شدتها عام 1232هـ لما قام عليه السيد سعيد بن سلطان بالحامية الانجليزية وهذا نقل للحادثة من المصادر الأوروبية. ففي أواخر سنة 1820 م أعلنت قبيلة بني علي عصيانها للسيد سعيد، ولما كانت هذه القبيلة من أقوى قبائل عمان الجنوبية وتسيطر على ميناء صور الهام، فقد أصبح موقف الإمام حرجا، لذلك أسرع بالاستنجاد بالحامية البريطانية في جزيرة القسم، وقد رفض قائد الحامية أولا التدخل في هذه المنازعات الداخلية، ولكن الظروف شاءت أن تنقذ السيد سعيد إذ قام بنو بو علي بمهاجمة إحدى السفن الانجليزية، وعندما أرسل قائد الحامية احتجاجا (1/49)
صفحة 50
إلى صور قتل هؤلاء المندوب البريطاني وحينئذ أسرع (الميجر طوسون) Major Towson قائد الحامية بإرسال قوة صغيرة عمان فوصلت إلى ميناء صور في 24 نوفمبر، ولحق بها السيد سعيد على رأس قوة كبيرة من جنده الدائمين الذين كانوا يجمعون بين العنصر البلوخستاني، واتجهت القوة إلى أحياء بنو بو علي في إقليم جعلان، ولكن على نحو خمسين ميلا من مدينة صور فوجئت الحملة الانجليزية العمانية بمقاتلي القبيلة فلم تستطع الصمود لهم وفرت بعد أن قتل نحو ثلثي الحملة البالغ عددهم سبعمائة جندي منهم سبعة ضباط انجليز، أما الجنود فقد كانوا رعايا من الهند، ولم تستطع حكومة الهند السكوت على هذه الهزيمة التي قد تطيح بسمعة بريطانيا في الشرق، فتجاوزت على المبدأ السائد في سياستها نحو بلاد العرب الذي يقضي بعدم التدخل في الشئون الإقليمية.
وفي فبراير سنة 1829 أرسلت قوة كبيرة من الجند الأوربيين تحت قيادة الجنرال (ليونيل سميث Lionel smith ) فاتجهت القوة مباشرة إلى أحياء قبيلة بني بو علي وقامت بأعمال تخريبية وبتقتيل الأهالي غير المحاربين دون تمييز، ولم ينج من هذه القبيلة إلا من فر، لوم يشترك السيد سعيد في هذه الحملة الانتقامية لأنه كان قد جرح أثناء الحملة الأولى فكافأه الحاكم بسيف مرصع رمزاً للزمالة في القتال على أن قبيلة بني بو علي لم تستأصل تماماً من الوجود انتهى كلامه. ومن غيرها أيضاً انهزم السيد سعيد مراراً عن بني بو علي حتى اضطر للاستعانة بالانجليز لما تكعكع العمانيون عنه فجاءت قوتهم من ناحية مدينة صور وهزموا هزيمة منكرة عام 1820 م أربكت هذه الهزيمة الحكومة الانكليزية في الهند وأذلتها إلى درجة أن أصبح حاكم مسقط يشنع على الانجليز ويتهمهم بالجبن.
قال مؤرخ بيت الحاكم في مسقط عن هذه الحملة: ((فلما رأي السيد سعيد حاكم مسقط)) انفلال شوكة الانجليز ودقة عزائمهم وقلة من ثبت معه من قومه أمر جنوده بالمسير إلى مسقط وهذه الهزيمة شتت أعوان سلطان مسقط وبعثت (1/50)
صفحة 51
فيهم الخوف والذل كما أنها أجبرت الانجليز على الاعتراف بالهزيمة يقول اللفتننت هنري أورمسببي، لدى حكومة الهند عن هذه الهزيمة: ((أبديت دهشة غير ضئيلة في الهند لدى وصول معلومات عن حدوث هذه الكارثة، إن أحداث حروبنا الهندية ليس فيها مثل هذه الكارثة كلا فلو راجعنا تاريخ الحملات الهندية لوجدنا أن البريطانيين انتصروا في غالب الأحيان على قوات تفوقهم عدداً، أما هنا فقواتنا التي أحضرت للعمل كانت تتساوى تقريباً في العدد مع القبيلة المعادية بالإضافة إلى مساعدات قوات الإمام)).
ويصف مرة حملته فيقول: ((إشارة إلى اعتدائنا الذي لا مبرر له بحملة أقل ما يقال فيها أنها كانت مؤسفة وغير موفقة)) ا هـ. ولقد جاءت هذه الحامية بقوة فوق قواتهم الأولى، فوضعوا المدافع صفاً تلو صف وأدخلوا السلاسل في أفواهها متصل بعضها ببعض فأثاروا النار عليها وقد قابلهم الأمير بجنوده صفوفاً، وما سلاحهم إلا المشرفية والأسل فكانت المدافع ترميهم بسلاسلها فنأخذ ما يقابلها من الصف فيلتحمون ويهاجمون نيران المدافع آخذين بالثأر والشرف حتى أفناهم ذلك ووهت قوتهم وضعف جمعهم فكان النصر حليفه فوفا له بما وعدوه وبعد عودته إلى جعلان كانت له حروب مهولة خضعت له في أثنائها بنو راسب.
ولما توفي الأمير محمد بن علي تولى الإمارة ابن أخيه راشد بن سالم بن علي فكان عوناً لسلاطين مسقط مخالفا لسنة آباءه، فشد عضدهم وغزا معهم البحرين وأفريقيا وآزرهم على حروبهم العمانية حتى نهض معهم على جماعته الجنبه أهالي مدينة صور وفي ذلك يقول شاعر الجنبه: (1/51)
صفحة 52
ما لوم الهناويين يوم خذوا مِلاك ثويني
وإلا راشد اللعين إيش له وإيش عليه
وقد راوغ بنو بو علي سلاطين مسقط ما استطاعوا فلم تخضع لهم القبيلة تماماً. بقيت جعلان ردحاً من الزمن تمشى على الأهواء الشيطانية حتى أذن الله بقيام الإمام عزان بن قيس فغزاها وأقام بها شعائر الإسلام، وتوفي الأمير راشد بن سالم في سجت الإمام عزان بمسقط، وصارت الإمارة من بعده لأخيه عبد الله بن سالم وكان في ريعان شبابه، فتلقى كتاباً من الإمام عزان رحمه الله نصه بعد البسملة: ((من إمام المسلمين عزان بن قيس إلى عبيد العنيد، إنك عتيت عن المواجهة وتكبرت فأذن بحرب من الله ورسوله، فكان هذا الأمير أن لم تمض مدة يسيرة حتى أصبح يهاجم مسقط فكانت بينه والإمام معارك أسفرت عن قتل الإمام رحمه الله وكثير من أنصاره، واستحل الأمير عاصمة مسقط ومطرح عام 1312 هـ. وأرسل للسيد تركي بن سعيد وكان غائباً لم يحضر المعركة فقلده إياها.
ولما هاجم الشيخ عبد الله بن صالح الحارثي مسقط عام 1312 هـ كان الأمير عبد الله ابن سالم رأس المدافعين عن السلطان، ولم يزل أمراء بنو بو علي يناصرون سلاطين مسقط في كل موطن إلى أن دخلت مسقط تحت تصرف الإنجليز، وعقد على الإمام الخروصي فزارهم الشيخ حمير بن ناصر النبهاني في أواخر شهر ذي القعدة سنة 1331 هـ وطلب منهم الكفاف عن مناصرة سلطان مسقط حينما كان عزم الإمام مهاجمة مسقط قبل أن يتحقق لديهم معارضة الانجليز لهم فوعدوه جميلا ووفوا بما وعدوه وبقوا اثنا عشر سنة ما طرقوا باب السلطان.
////
كانت بين الأمير عبد الله وجيرانه الحسون حروب ومهاجمات وملاحم يشيب لها الوليد وأشهر هذه الملاحم وقعة خويسة وهي بلدة صغيرة بجنوب بلاد الحسون صارت تاريخاً محفوظاً لما وقع فيها من القتال وما فقد من الأبطال وأعيان الرجال انجلت عن مائة وسبعين قتيلا من الفريقين بالسلاح الأبيض، ويقال أكثر من (1/52)
صفحة 53
ذلك سال الدم بالغيل حتى بلغ بلاد بني بو علي، وكان هذا الأمير هو المهاجم ليستأصل جيرانه لكنه لم يفز في هذه المعركة إلا بالهزيمة وقتلٍ ذريع في قومه، ولا زال يخوض حروباً صعبة، وله مواقف عرف بها، ولا زالت عادته هذه حتى توفي سنة 1328 هـ وعمره مائة وعسون سنة.
بويع بعد وفاته لابنه علي بن عبدالله وشاركه في الحكم ابن أخيه محمد بن ناصر ابن عبدالله، ثم توفي محمد وبقي الأمير علي منفرداً بتدبير حكم بلاده، وهو رجل سياسي حر في حركاه وسكناته عارف بالمورد والمصدر ساكن الطبع، أما آباؤه فهم إلى طراز البداوة أقرب بل هي عادة العمانيين، وكان بين هذا الأمير وجيرانه الحسون حروب قاسية وأكثر قتال أهل جعلان بالسلاح الأبيض فأمراء جعلان يأملون استئصال جيرانهم الحسون وخضوعهم لهم ولكنهم ثبتوا له في كل موقف، وتكون الحرب سجالاً في أحيان، وبقوا كذلك حتى دخلت بلاد الحسون تحت رعاية الإمام الخليلي في عام 1363 هـ فكانت بين الإمام الخليلي والأمير علي بن عبدالله معاهدات ووثائق من ضمنها أن يكون الأمير علي متكفلاً بالغافرية الذين بالشرقية فهو السائل والمسؤول وبقيت الصداقة والمودة متبادلة بينهما والمكاتبات متداولة، زار الأمير علي في شبابه الحجاز ومصر وبعض الولايات المتحدة، وكانت وفاته في يوم ثاني عشر من شهر صفر سنة 1366 هـ.
وولى الإمارة من بعده أخوه الشيخ سالم بن عبدالله بإجماع من رؤساء قومه ثم لم يشكروا سياسته لا سيرته فطلبوا اعتزاله فاعتزل، ولم تكن إمارته إلا سنة وأشهراً ثم ولى الأمر من بعده خالد بن علي بن عبدالله ويعاضده ابن عمه ناصر ابن محمد بن ناصر بن عبدالله وبقيا في الإمارة إلى عام 1376 فدخل عليهم في ليلة مظلمة حمد بن خميس بن سعد السنيدي وخادمه ففتك بهما وعدد من أولادهما وأصيب بعض نسائهم بجراح فكانت معركة داخل القلعة ثم قتل حمد ابن خميس وخادمه وخرج أبوه خميس من بلاده إلى بلاد الحسون بعائلته وأولاده، وصحبه بعض (1/53)
صفحة 54
بني عمه، وتفصيل الحادثة يكون في الجزء الذي يلي هذا في إمامة الإمام غالب إن شاء الله.
ثم ولي الأمر خميس بن محمد بن ناصر وابن عمه صالح بن علي بن عبدالله.
ظفار
من مقاطعات عمان وتتعلق عليها توابع كثيرة تنازعها أئمة عمان وأئمة اليمن في القديم وانتهى بها الحال إلى ان صارت من أملاك عمان.
ومن حاصلات ظفار اللّبان. قال الأنطاكي: ((وقيل إنه لا يوجد في الدنيا إلا في جبلها)) وبع بادية كبيرة تعرف خطّة جنائه يضربونه بحديدة حتى يسيل لبنه فيتحجر فينزلون عنه ويبقون شهراً ثم يخرجون إليه فيضربون البشرة الخارجية ويقيمون عشرة أيام، هذا عملهم ثم ينزلون إلى بيوتهم فيقيمون عشرة أيام اخرى ثم يرجعون إلى الجبل فيبقون خمسة أشهر في جنائه ولكل منهم محل محدود يتسلفون من التجار على هذا الجناء، ومحلُّ هذا اللبان مخصوص بالإبل والغنم ويطلق عليه اسم (سَدْح) وهي من أعمال ظفار والأمطار بها قليلة في وقت تحجر اللّبان وحكمة الله اقتضت ذلك لأن المطر يفسد اللّبان إذا أصابه قبل أن يتحجر.
أما (مرباط) وهي من أعمال ظفار يكون بها اللّبان من جهة المطلع ويكون المطر عليها من دهة القبلة وهو الموسم المعروف عندهم بالخريف وهذا الموسم لا يتعدَّى ظفار، وأوله طلوع سهيل فيحصل الدهن البقري في ذلك الفصل وهو الدرجة الثانية من حاصلات البلاد الصادرة إلى الخارج.
ومن حاصلاتها أيضاً النارجيل وهو الجوز الهندي.
والسمك الصغير المسمَّى (قاشع).
والعُومة وهو نوع من القاشع أكبر منه. (1/54)
صفحة 55
والسمك الكبير المسمى الكنعد يصدرونه إلى كلومبو من بلاد الهند وغيره من أنواع الصَّيد.
ونوع من الصيد يسمى الصويلح يصدر إلى عدن ولا يوجد الصويلح إلا من رأس مرباط إلى رأس توس.
وبظفار من الماشية الإبل والبقر والغنم شيء كثير بحيث يملك الفرد من المئة إلى الألف وربما ملك بعضهم الآلاف ولكثرة ماشيتها نجد الجلود فيها كثيرة ولها تجار يجمعونها ويصدرونها للخارج.
والرقيق موجود عندهم، ويملك بعضهم من الرقيق بقدر خمسين رأساً كلهم أسود اللون ومنع السلطان سعيد ابن تيمور بيعهم حتى في البلاد نفسها، والتجارة لا بأس بها إلا موسم التصدير ليس بطويل الأمد لأن موسم أمطارها تابع للهند فمنذ الصيَّف إلى الخريف، لا يقرب ظفار أحد من جهة البحر لشدة اضطرابه وعظم الموج وهي مشهورة بذلك، ولها ميناء غير صالح لرسو السفن وأكثر ما ترسو بميناء مرباط وهي منها بقدر خمسة فراسخ والزراعة منتشرة بها وتربتها طيبة وحاصلاتها كثيرة وأكثر ما يزرع بعمان بها إلى ما شاء الله.
أما النخل فلا يجود بها لأن الهواء بارد والأمطار غزيرة فلا تكفيه الحرارة وقد قام بإصلاحها السلطان سعيد بن تيمور فأصبحت جنة غناء.
أهمية عمان الإستراتيجية والزراعية
تخترق عمان سلسلة جبال ترتفع أحيانا حتى تكون شاهقة وتنخفض تارة فهي بها كفقرات الصلب وإنها أعلا جبال بلاد العرب كلها وترتفع عن ساحل البحر عند رءوس الجبال حيث تنخرط إلى داخل البحر،
وفي دبا وخورفكان ومسقط وقلهات فبين القريب والبعيد تتخللها أودية ومسالك من داخلية عمان إلى الساحل النعشي كوادي ضيقة ووادي طيوي ووادي مِنصَح ووادي العق ووادي الخوض (1/55)
صفحة 56
ووادي القور وفي بعض هذه الجبال قرى ومزارع وأنهار لسقي الزراعة وبعمان سلاسل من الرمال الجبلية الطويلة ذات الرمل الأحمر وتتألف من رمال مرصوصة رصاً قويا يسهل السفر فوقها على ظهور الإبل وتحتوي هذه الرمال على عدد من الآبار ذات الماء العذب وتنقلب هذه الرمال إلى مراع ممتازة بعد هطول المطر فإن عائلات البدو تنتجعها فتحط رحالها عند هذه الآبار فتقيم بها حتى تشبع ماشيتها تتخلل هذه الرمال فجاج تعرف بإسم شقاق مفردها شقة تكون هذه الشقاق مسالك للتخلص من الصعود والنزول.
لقد انسلخت عمان عن غيرها من الأقطار المجاورة لها بحكم موقعها الجغرافي فجبالها شاهقة وتنفصل عما جاورها من البلدان بواسطة الصحراء العربية حيث يقع الربع الخالي وعوضا عن أن تنحدر عمان بالتدرج نحو البحر كما هو الحال في الجهة الشمالية الشرقية ترى الساحل في أقصى الجنوب يرتفع إلى حد بعيد.
إقليمها: مناسب وترتفع بها الحرارة إذا دخلت الشمس برج الجوزاء ولقد أجمع المؤرخون والجغرافيون أن عمان بلاد حارة حتى قال بعضهم أن حرها محرق. أما كونها حارة فهذه ما لا خلاف فيه بدليل أن جميع الأشجار التي تتطلب البلاد الحرة تغرس بها فتطيب.
ولما كانت عمان قسم من بلاد العرب التي وصفوها بأنها حارة جداً في الصيف باردة جداً في الشتاء أخذت حكمها لكن لا نعلم بأن الحكم عام على جميع عمان وهي واسعة الأرجاء بعيدة ما بين الطرفين تمتد من حدود حضرموت إلى البحرين وفيها السهل والجبل والساحل ولكل حكمه، وما وصفوه من الحر يصدق على بعض البلاد دون البعض بل إن بعض البلاد ليست حارة أصلا كالجبل الأخضر الذي يكون في الصيف باردا كالشتاء في غيره وكذلك جبل الكور حكمه كجبل الأخضر بل هو ألطف هواء، وكذلك يقع في جبل حلّوت الذي بجنوب
طيوي في شرق مسقط. أما عمان الداخلية فلا يبلغ الحر فيها هذا الحد ويكون الهواء بها جافا ويتغير (1/56)
صفحة 57
الحكم في أطراف عمان من جهة الجنوب وبمدينة ظفار وما يليها حيث تكون الأمطار الموسمية في الصيف كما هو الحال في بلاد الهند لأنها على سمتها في خط واحد.
أما داخلية عمان فما كان وراء الجبل الأخضر من جهة الشمال تجاه القطب فأقرب أن يكون حكمه حكم ساحل الباطنه لأن الجبل يحجزه عن الهواء الجنوبي والبحر يمنعه فلا تجد في ذلك الطرف الهواء اللطيف إلا شاذاً بعد الساعة السادسة نهارا بمقدار ساعة ونصف ساعة وتهب الشمال في أوقات بسموم فيتغير بسببها كثير من أثمار الأشجار والنخيل.
وما وراء الجبل الأخضر من جهة الجنوب يختلف فيه الهواء.
أما جعلان فنسيمها عليل ولا يسكن إلا قليلا وبه نداوة ولا تطرقها الشمال الضارة إلا نادرا وقد أحاطت بها الأشجار الطويلة من الغاف والاثل وغيرها فهي تغربل الهواء وتنقيه فيخرج طريا نقيا.
وبدية: هواءها أرق من هواء جعلان لعدم النداوة وبه السموم لا تطرقها إلا نادراً والصبا تنتشر عليها وقت الصيف نفثات يرتاح لنسيمها الجسم فتبرد لها الأحضاء وكثيراً ما تطرقها من الساعة العاشرة نهاراً إلى الساعة الثانية من الليل وأحيانا تبقى لها الثالثة ثم يسكن ذلك الهواء اللطيف فيبقى برودة غضة ولا برودة الكهرباء وبدية قرى متصلة وأقرب أن تكون متشابكة على أرض منبسطة بين رمال متكاثفة مرتفعة وبعضها مبعثرة بين القرى يخطها وادي البطحاء ويهاجم بعض بلدانها أحيانا.
وأكثر الشرقية هواءها لطيف ليلا معتدل نهارا وكذلك أرض الجوف وأرض السر. وأما ناحية الجو فأخذت القسط الأوفر من ذلك. وشمال عمان على ساحل الخليج فالحر فيها لا يتجاوز مائة وعشر درجات ويندر أن يصل مائة وعشرين درجة وتختلف الأمكنة بعضها عن بعض فهواء صور يختلف (1/57)
صفحة 58
بحيث أن الرياح تطرقها من الجهات الأربع في كل يوم وليلة وكثيراً ما يكون بها الأزيب الصوري وهو جاف منشف يطرد سموم الحرارة والحشرات ذوات السم وله عاوصف في بعض الأحيان وبقربها من جهة القبلة موضع يسمى الزمار لا تخفق رياحه في كل وقت وكل ساعة شتاء وصيفا.
أما مسقط فهواءها حار فيه رطوبة ونداوة وقد ضيقت الجبال المحيطة بها فلا يطرقها الهواء الجاف وأكثر هواءها من جهة البحر.
والباطنة مثلها إلا أن الجبال على مسافة بعيدة منها وهي بحبوحة عمان وجنتها تكون وقت الجفاف جُنتها يأوون إليها فتحضنهم فهي مقصد الوارد والصادر وملجأ الفقير الحائر بها النخل الكثير والماء الغزير رائقة البقاع والجهات كثيرة الشجر والجنات صحيحة الهواء لمجاورة البحر والبيداء تقع على ساحل الخليج الفارسي عمارات متصلة غير منفصلة في مقدار مائة وخمسون ميلا لا يحوطها سور ورأس الخيمة وأم القيوين ودبي وأبوظبي شبه جزائر يحيط بها البحر ولهذا يكون الحر بها شديدا ليلاً متى ما كان البحر مادا ولا تتراوح الهواء إلا عند الجزر بخلاف الشارقة التي لا يحيط بها البحر ويأتيها الهواء البري من مطلع العقرب مارَّا على رمال وأشجار فيكون لطيفاً ولذا اشتهرت بين جاراتها بلطافة الهواء.
يوجد بعمان المعادن الذهبية والفضية والقصديرية والكبريتية والنحاسية والملحية والمغر والسماد الطبيعي والزيت الذي هو قوام الطائرات والسيارات وقلّ أن يكون هناك معدن إلا ويوجد بها.
ذكر الدكتور فيليب حتى في كتابه المسمى تاريخ العرب المطول أن السومريين استحضروا النحاس (وهو أول المعادن التي اكتشفها الإنسان واستعملها) من مناجمه في عمان. وذكر غيره من المؤرخين أن ملكة على العمانيين تسمى شمسا استعانت بالرومان في جلب مصانع لعمان فاستخرجت النحاس وهو أو معدن استخرجه الإنسان. (1/58)
صفحة 59
كانت بعمان صناعات ولكنها في هذا الوقت تأخرت إلى قصى حد فلا يوجد فيها مصانع من المصانع الجديدة إلا ما كان موجودا من المصانع السابقة فأخذت في الإنحطاط بواسطة الوارد إليها من الخارج.
كانت تصنع كل ما تحتاج إليه من أوعية الخشب والفخار وتقوم كل بلد بما تحتاجه ويصدر منها إلى الخارج نوع من أباريق القهوة المسماة (دَلَّة) وكثيرما تُبنَى السفن الشراعية بسواحلها وقلما تضاف إلى المحركات الأوروبية تتراوح في حمولة عشرين طن إلى ثلاثين طنا.
اشتهرت عمان بحسن النسيج فالشارقة اختصت بنسيج البشوت وهي أفخرما نسج بعمان وهذه البشوت تسمى عند أهل الخارج عباءة. واختصت إبرا بنسيج العمايم المخططة الأطراف المسماة سباعية ونسيج الأوزرة على اختلاف أنواعها.
واختصت " بهلا " بنسيج المناسيل المتخذة من الصوف المتين، واختص وادي سمايل بنسيج الخضرنج وهو من القطن الأحمر الموجود بعمان خاصة وكان يصدر كثير من هذه المنسوجات إلى الخارج.
ولما كثرت منسوجات أوربا وجلبت إلى عمان قصرت همة النساجين في عمان وراجت المنسوجات الأوربية.
الزراعة بعمان
تربتها طيبة قابلة للغرس والزراعة وزراعتها نامية جداً لأنها بلاد حارة، وأكثرالأشجار التي تطلب البلاد الحارة تغرس بها فتنمو فتطيب، ومن أراضيها القابلة للزراعة الباطنة وهي لو أتيح لها من يعتني بالزراعة لكفت أهل عمان ومثلها جعلان لو قام أهلها بالزراعة لأغنته بمحاصيلها عن الطلب من الخارج، ومثلها وادي قريات وهو الذي نزله نبي الله سليمان بن داؤد عليه السلام حسب الروايا، وتضعف (1/59)
صفحة 60
الزراعة أحيانا في بعض المناطق لقلة الماء إذا امتنع المطر وإن كان بها الآبار والأنهار لكنها لا تكفيها وقت الجدب، وقد يشتد بها الغلاء وتضعف البلاد متى حرمت الغيث فيتجول أهلها وراء طلب الرزق إلى أفريقيا وعلى طول الخليج الفارسي، ومع ذلك فإنهم يحتمون إلى بلادهم ويسعدون كلما تراءى لهم العودة إليها.
يغرس بعمان النخل وأنواعه كثيرة وأشهر أنواعه المبسلي وبسره أصفر اللون يؤخذ منه عند نضاجه بمعرفة أهله به فيغلى بالنار ثم ييبس بالشمس ويدخر زمانا يطلبه الهنود ويعرف عنده بإسم (خارق) (وسلوق) ومن النخيل نوع تمره أسود اللون يسمى الفرض يحبه الأمريكيون ويطلبونه، ومن ذلك نوع آخر بالباطنة يسمى أمُّ السلا يجعلونه تمرا ولا يتجاوز الجوزة وكل الزراعة بعمان ليست على أصول علمية، ولو أتيح لها عالم بفنون الزراعة لتضاعفت فائدة البلاد.
حاصلات عمان
الصادرة إلى الخارج: اللؤلؤ والتمر والبسر المطبوخ والليمون وزراعته في المرتبة تلي زراعة النخل لأنه يُدِرّ أرباحاً كثيرة تطلبه البصرة وفارس وهو الدرجة الثانية من الصادرات والرمان والقطن الأبيض والأنبا المسمى المانغا وهو مما جلبه قيد الأرض لعمان من أرض الهند، وقد أصبحت السيارات متصلة بين الساحل على الخليج الفارسي وبين الباطنه فتقطع تلك المسافة في عشر ساعات، فاستعد تجار الساحل لتصديره إلى قطر والبحرين والكويت فصدعت قيمته الآن، ومن جملة الصادرات سائر الفواكه والسمك بأنواعه والصدف والمحار وهو الصدف الصغار، والعنبر بجميع أنواعه الأبيض والأصفر والبنفسجي، وقد كثر وجوده في هذه السنين حتى أن القطعة منه تكون بمقدار مائتين وسبعين رطلا، ويقدر الصادر من اللؤلؤ بخمسة عشر مليونا، ويصدر من السمك نوع يسمى الكنعد إلى (كلومبوا) من أرض الهند (والريش) وهو ما يوجد على ظهر الجرجور المعروف عندهم بالآذاني يصدر (1/60)
صفحة 61
إلى أرض اليابان (واللخم) وهو نوع من الصيد يصدر إلى أفريقيا، هذه الحاصلات الرئيسية بعمان والتي تصدر إلى الخارج.
ومن الفواكه الموجودة بعمان ولا تصدر إلى الخارج العنب والتين والنارنج والأترج والمستعفل والزيتون والتفاح والسفرجل والخوخ والمشمش والبوت والنمت والجوز واللوز والموز والبيذام المسمى في القديم (جلّوز) والبرتقال، وقد زرع كثيراً في هذا الوقت وستكون له فضلة تصدر قريبا إلى الخارج، والفيفاي وهو مما جلب إلى عمان من أفريقيا والهند وهو في حجم البطيخ بل أشبه شيء به، والبطيخ بأنواعه الأخضر والأصفر والحبحب.
يزرع بها الحمص والباقلا واللوبيا والفاصوليا وهو الغرغر والماش والسمسم والخردل والفلفل والكزبرة والجلجلان والبصل والثوم والفجل.
ويوجد بها من الخضروات الباذنجان والبطاطا والجزر بأنواعه والقرع
بنوعيه المدحرج والمخروط.
ومن الرياحين الزعفران وهو بالجبل خاصة والورد والياسمين والفل ويسمونه الرازقيا والريحان وكثير من سائر العطور والرياحين.
وبلاد عمان تنقسم إلى سهلية وجبلية ومما يلي الأرض السهلة من جهة الجنوب رمال كثيفة إلى محل الأحقاف.
وبهذه الجهة الجنوبية موضع يقال له أم السميم سباخ ملحية لا يجاوزها إلا من عرف موضع الطريق منها فإذا تعدى وغلط المار بها ابتلعته وهو فلا يستطيع انقاذه وقد ابتلعت الكثير من ذوات الخف والظلف بل والإنسان للينها وعدم كثافتها.
مذهب أهل عُمان
وأهل عمان على مذهب إمامهم عبدالله بن إباض رضي الله عنه وهو مذهب أئمتهم الأولين فيقال لهم إباضية وفي عمان من أهل السُّنة عدد كثير على اختلاف الأئمة في المذاهب. (1/61)
صفحة 62
إنقسام حكومة عمان
تنقسم حكومة عمان منذ سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف إلى قسمين فالداخلية عمان الإمامية وهي اليوم مملكة الإمام الخليلي بعد الإمام سالم بن راشد الخروصي وعاصمتها نزوى.
وعمان الساحل هي اليوم مملكة السلطان سعيد بن تيمور وعاصمتها ... مسقط.
أما الداخلية فيتمتع أهلها بالإستقلال التام والنفوذ المطلق فلا حق لغيرهم فيه ولا تدخل لحكومة أجنبية في شئونه.
نظام الحكم في الداخل الشريعة المحمدية يسير إمامهم بسيرة الخلفاء الراشدين المهديين ينظر أهل الحل والعقد من رجالها العلماء وقت استطاعتهم للظهور فيختارون من تتوفر فيه الكفاية والشروط المطلوبة ليبايعوه على طاعة الله وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم غير ناظرين في ذلك إلى بيت أو قبيلة بل إلى ما في الشخص من الروح والمقدرة والكفاية، والقصد من ذلك توجيه الأمة إلى الصلاح وإبعادهم من الشر، والسير فيهم بأوامر دينهم، ويستندون في ذلك إلى قاعدة وضعها القرآن الكريم: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) فإن قام بالشروط وسار على النهج ولم يخالف العلماء ولم يرتكب محظوراً فعليهم طاعته وكان ولياً مقدساً عندهم وإن خالف وتعدى خلع ورفض وقدموا غيره، ولا يقبلون ولاية عهد يجعلها الأول لابنه وأخيه إذ ليس المسلمون قطيع غنم فيورث إنما عملهم وأسلوبهم على وفق الصدر الأول من الإسلام وهو الدستور الإسلامي منذ فجر التاريخ وهو نظام الإمامة المعهود في الشريعة الإسلامية الموجود بكتب الفقه ولا يبغون به بديلا.
ومجلسها يتألف من كبار رجال العلماء وعظماء الدولة ومتى حدث طارق مهم اجتمع معهم الزعماء والرؤساء من المقاطعات. (1/62)
صفحة 63
النظام الإداري تابع له سواء كان الأمر سياسياً أو مالياً كجباية الخراج والجندية والشرطة والعمال والقضاة.
نظام الجندية الشعب كله جند حربي بطبعه لا يبلغ الفرد منهم الحلم حتى يكون قد أتقن عن أبيه العمل بالسلاح لما كانوا عليه قبل ظهور الإمامة من الفتن والسعايات فصار مألوفاً عندهم حمل السلاح وَيُعَدُّ ناقصاً من أهمل حمله في كل ساعة اللهم إلا شيخ عِلْمٍ أو أعمى أو عاجز على أن شيخ العلم يحمله عند الحاجة بلا مراجعة.
يلقب حاكمهم بإمام المسلمين.
أما في إقليم الساحل حيث تقع سلطنة مسقط فإن نظام الحكم بين الخصوم ما يحكم به القاضي. ويتألف مجلس سلطنة مسقط من مستشار انجليزي ووزيري داخلية وخارجية.
ونظام السلطنة في السياسة وضبط المالية فنظام مدني مخالف لنظام الداخلية في عمان وإن كان مذهب القسمين في الديانة واحد.
والإمام في عمان لا يقبل أخذ الأموال ولا يستحله إلا من النصاب الذي حده الشارع فما سقي بالنهر العشر، وما سقي بالزجر نصف العشر، وليس للإمام دخل سوى الزكاة وقعد الأسواق وغلة بيت المال.
أما حكومة مسقط فدخلها من الجمارك ولها دخل آخر على القوانين الجديدة والرسوم المستعملة.
ولم تكن لحكومة الإمام بعمان علاقة بالدول العربية والأجنبية لأن من شأنالعمانيين العزلة والانفراد فهم لا يحبون الاتصال بالعالم الخارجي خوفاً على استقلال بلادهم وتغيّر طباعهم ولم يسمحوا للأجانب بإنشاء سفارة مخافة أن يجر السماح إلى فتح الباب للدخلاء.
خضعت عمان في الزمن القديم للخلفاء الراشدين والأئمة الصالحين منذ ابتداءالدعوة الإسلامية إلى هذا الوقت وقد يحصل انقلاب فيقوم نظام غير نظام الإمامة ولكنه لا يلبث أن تعود الإمامة ويرى ذلك في سلسلة الأئمة الآتية: (1/63)
صفحة 64
ذكر المؤرخ في كتاب ((عمان)) لشركة الزيت الأمريكية ص 3/ 4
((إن بلاد عمان المعروفة هنا بأنها تضم الجانب الأكبر من السلسلة الطويلة من الجبال التي يطلق عليها اسم الحجر، والأراضي الواقعة بين هذه الجبال وبين الربع الخالي هي من أشد أجزاء الجزيرة العربية امتناعاً على الروّاد ولم يزرها أحد سوى عدد قليل جداً من الرواد الغربيين، والسياسة الرسمية التي تتبعها حكومة الإمامة في ثني أهلها عن الاتصال بالعالم الخارجي تعزز هذه العزلة في أرضها فهذه الحكومة لم تنشئ علاقات سياسية مع أي دولة أجنبية والروابط الاقتصادية التي تربط الإمامة بأقطار خارج حدودها الطبيعية قليلة.
صاحب السلطة العليا في الإمامة هو الإمام محمد بن عبدالله الخليلي الذي يقيم في عاصمته نزوى بالقرب من السفح الجنوبي الغربي من الجبل الأخضر والإمام هو في المقام الأول، رجل دين، بيد أنك لا تجد حداً فاصلا في نظام الدولة بين شئون الدين وشئون الدنيا وفقاً للعرف الإسلامي القديم. ا هـ كلامه.
فائدة في بيان أسماء أئمة عُمان:
الذي ملكوا بالعدل في القرن الثاني:
(1) الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى من بني الجلندى بن معولة ابن شمس وهو أول إمام بعمان.
(2) محمد بن أبي عفان من اليحمد.
(3) الوارث بن كعب الخروصي.
(4) غسَّان بن عبدالله الخروصي. (1/64)
صفحة 65
أئمة القرن الثالث:
(5) عبدالملك بن حميد من بني علي بن سودة.
(6) المهنا بن جيفر اليحمدي الخروصي.
(7) الصلت بن مالك الخروصي.
(8) راشد بن النظر اليحمدي الخروصي.
(9) عزان بن تميم الخروصي.
(10) محمد بن الحسن الخروصي من أهل فشخ من أودية الرستاق.
(11) الصَّلت بن القاسم الخروصي من أهالي نزوى.
(12) عزان بن الهزبر المالكي من كلب اليحمد.
(13) عبدالله بن محمد الحداني المعروف بأبي سعيد القرمطي.
(14) ثم عقد للصلت بن القاسم الخروصي مرة ثانية.
(15) الحسن بن سعيد السحتني النازل نزوى وهو من بني خروص
(16) الحواري بن مطرف الحدَّاني النازل نزوى.
(17) ثم عقد لابن أخيه عمر بن محمد بن مطرف.
(18) محمد بن يزيد الكندي النازل بسمد نزوى.
(19) الحكم بن الملا البحري النازل سعال من نزوى.
أئمة القرن الرابع:
(20) سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب القرشي.
(21) راشد بن الوليد الكندي. (1/65)
صفحة 66
أئمة القرن الخامس:
(22) الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي.
(23) راشد بن سعيد اليحمدي.
(24) ابنه حفص بن راشد بن سعيد.
(25) راشد بن علي الخروصي.
(26) عامر بن راشد بن الوليد الخروصي.
(27) محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي.
(28) الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل بن شاذان الخروصي
أئمة القرن السادس:
(29) محمد بن أبي غسان الخروصي من أهل منح.
(30) موسى بن أبي المعالي بن موسى بن نجاد.
(31) خنبش بن محمد بن هشام.
(32) ابنه محمد بن خنبش بن محمد.
أئمة القرن التاسع:
(33) الحواري بن مالك.
(34) مالك بن الحواري.
(35) أبو الحسن بن خميس بن عامر.
(36) عمر بن الخطاب بن محمد بن أحمد بن الصَّلت بن مالك الخرُوصي.
(37) محمد بن سليمان بن محمد بن مفرج.
(38) عمر الشريف.
(39) أحمد بن عمر بن محمد الرُّبخي.
(40) أبو الحسن بن عبدالسلام النزوي. (1/66)
صفحة 67
أئمة القرن العاشر:
(41) محمد بن اسماعيل بن عبدالله بن محمد الحاضري الخروصي.
(42) ابنه بركات بن محمد بن اسماعيل الخروصي.
(43) عمر بن القاسم.
(44) عبدالله بن محمد القرن المنحي.
أئمة القرن الحادي عشر:
(45) ناصر بن مرشد اليعربي
(46) سلطان بن سيف بن مالك اليعربي.
(47) ابنه بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي.
أئمة القرن الثاني عشر:
(48) سيف بن سلطان قيد الأرض اليعربي.
(49) ابنه سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي.
(50) المهنا بن سلطان اليعربي.
(51) يعرب بن بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي وهو ابن الإمام بلعرب.
(52) محمد بن ناصر بن عامر بن رمثه بن خميس الغافري.
(53) سيف بن سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي وهذا الابن الثاني لقيد الأرض.
(54) بلعرب بن حمير اليعربي.
(55) سلطان بن مرشد اليعربي.
(56) أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي. (1/67)
صفحة 68
(57) ابنه سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي.
أئمة القرن الثالث عشر:
(58) عزان بن قيس بن عزان بن قيس البُوسعيدي.
أئمة القرن الرابع عشر:
(59) سالم بن راشد بن سليمان الخروصي.
(60) محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي الخروصي.
(61) غالب بن علي الهنائي.
فائدة في بيان أسماء الأئمة من بني خروص وهم الذين ملكوا عمان بالعدل:
كان بني خروص بيت الإمامة في عمان وهم من اليحمد من الأزد، وذلك لكثرة الفضل والعلم فيهم ولذلك يقول شاعر العرب أبو مسلم:
وأين قوّام أمر الناس قادتهم بنو خروص حماة الدين مذ كانوا
فلهم المحتد العالي والمنصب السامي وأولهم:
(1) محمد بن أبي عفان الخروصي.
(2) الوارث بن كعب الخروصي.
(3) غسان بن عبدالله الخروصي.
(4) المهنا بن جيفر اليحمدي الخروصي.
(5) الصلت بن مالك الخروصي.
(6) راشد بن النظر الخروصي.
(7) عزان بن تميم الخروصي. (1/68)
صفحة 69
(8) محمد بن الحسن الخروصي.
(9) الصلت بن القاسم الخروصي.
(10) الحسن بن سعيد السحتني الخروصي.
(11) الخليل بن شاذان الخروصي.
(12) راشد بن سعيد اليحمدي الخروصي.
(13) ابنه حفص بن راشد الخروصي.
(14) راشد بن علي الخروصي.
(15) عامر بن راشد بن الوليد الخروصي.
(16) محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي.
(17) الخليل بن عبدالله بن عمر الخروصي.
(18) محمد بن أبي غسان الخروصي.
(19) عمر بن الخطاب بن محمد الخروصي.
(20) محمد بن إسماعيل الخروصي.
(21) ابنه بركات بن محمد الخروصي.
(22) سالم بن راشد بن سليمان الخروصي.
(23) محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي الخروصي.
كتبناهم على الترتيب الذي ذكره نور الدين في تحفة الأعيان فعلى هذا
أن أكثر الأئمة بعمان من بني خروص فللّه ما أيمن نقيبتهم، وأعظم بركتهم على المسلمين.
لا ينكر الناس ما للقوم من قدم ... وكيف يلحق عين الشمس نكران
أحسابهم ومعاليهم ودينهم ... كواكب وهدايات واتقان (1/69)
صفحة 70
أن الملك بعد الإمام العادل عزان بن قيس رضي الله عنه، صار إلى بني عمه من آل بو سعيد، فلم يقسموا بالسوية، ولم يسيروا بالعدل بين الرعية، ففشا الظلم وكثر الجور ومرجت عمان، وصارأهلها يتقاتلون بالتعصب الباطل هذا هناوي وهذا غافري بل كل بلدة فرقتين، فكان السلطان يعين كل طائفة على الأخرى، فبثوا بينهم الضغائن وغرسوا بذور الأحقاد وبذلوا الجهد في الإنتقام والأخذ بالحقد على فطاحل العلماء الساعين في دولة الإمام الشهيد عزان بن قيس، فأوثقوا شيخ العلم سعيد بن خلفان الخليلي ودفنوه وابنه محمد حيين ولم تكن هناك جريمة سوى أنه بالحق لله قائم. وصفدوا العلامة الشيخ حمد بن سليمان اليحمدي بالحديد المثقل أربعة عشر شهراً لا يستطيع النهوض وما أفلته منهم إلا طول الأجل، ودسوا السم للعلامة الزاهد الشيخ محمد بن سليّم الغاربي في كتاب أرسله السلطان إليه فلما فتحه طار السم على خيشومه فانتفخت أوداجه فمات من ذلك رحمه الله، وذلك لما منعه آل سعد منه فأعيته الحيلة وكانوا ذلك الوقت أهل منعة وحدة جاهروا السلطان فشد عليهم وأغلظ لهم في المقال والفعال، فمن بعض كتبه لهم:
بسم الله الرحمن الرحيم
((من تركي بن سعيد بن سلطان إلى المفسدين في الأرض ولا يصلحون كافة آل سعد يصلكم كتابي هذا أخمدوا نار الفتن ما ظهر منها وما بطن وإن لم تتبعوا سُبُلّْ الهدى واتبعتم سبيل الهوى أقسمت بالذي مكنني رقاب عباده وجعلني خليفة في الأرض لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً)) ... والسلام ختام 7 رجب سنة 1299 هـ.
((الجواب)):
بسم الله الرحمن الرحيم
((من المعتصمين بالله ورسوله كافة آل سعد إلى تركي بن سعيد بن سلطان، وبعد والله لن نؤمن بك وإن جعلت نفسك فرعوناً لنكونن لك عصى موسى (1/70)
صفحة 71
وانظر الغالب، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار، والسلام على خير الأنام.)) يوم 12 ؤجب سنة 1299 هـ.
طرف من أخبار الشيخ المحتسب صالح بن علي
ابن ناصر بن عيسى بن صالح بن عيسى بن راشد بن سعيد بن رجب الحارثي، أول من أسس إمارتهم جدهم الخامس عيسى بن راشد وكان مركزه بسفالة إبرا، وبعد أن أجرى نهر القابل انتقل إليها فجعلها مركزه الرئيسي وبقى أبناءه بها إلى الآن واتخذ وابنه محمد بن عيسى جد آل حميد بن عبدالله المضيرب وطناً فهم بها إلى الآن.
ولد بالقابل عام 1250 هـ خمسين ومائتين وألف، ونشأ بها بعد ما قتل أبوه علي بن ناصر في معركة سيوي التي دارت بين السلطان سعيد بن سلطان والمزاريع.
كان هذا الشيخ أحد أقطاب الدولة الذين دارت عليهم شئون مملكة الإمام عزان بن قيس وقريناه في حمل أعباء الخلافة قدوة أهل عمان سعيد بن خلفان الخليلي والعلامة الزاهد محمد بن سليّم الغاربي، وبعد انقراض تلك الدولة بقي هذا الشيخ محتسباً للمسلمين حابساً نفسه لجهاد البغاة والجبابرة، ولصلابته وقوة جأشه وإخلاصه كان يقود الجيوش فيهاجم بها سلطنة مسقط في عاصمتهم، وهاجمهم مراراً والوقائع والحروب التي دارت بينهم مشهورة عند العمانيين، وأوتي حظاً عظيما وهيبة صدع بها قلوب المارقين، وكان يحاول إعادة الإمامة في عمان، وقد رشح لغرضه السيد سعود بن الإمام عزان بن قيس رضي الله عنهما فلم يكن يفارقه في غزواته رجاء أن ينال فرصة لأخذ البيعة له إذا فتح بعض المعاقل فما قدر الله.
كان أعلم أهل زمانه بالحلال والحرام وقد شهد له علماء عصره.
كان يقظاً حازما متواضعاً للحق سريع الرجوع إليه إذا نوقش.
كان رقيق القلب كثير الرحمة والشفقة على عباد الله مواسياً لهم ينفق في سبيل الله وعلى الأرملة والضعفاء واليتامى. (1/71)
صفحة 72
وقد هاجر إلى زنجبار في أيام السلطان ماجد بن سعيد فكان بينه وبين مهاجمات تعصب فيها للسيد برغش بن سعيد، فآل الأمر إلى تكعكعه عن موقفه وخرج إلى أرض الصومال فأقام في ضيافة حاكمهم سنتين، وقرأ هناك على أحد العلماء النحو والصرف والمعاني والبيان، ثم رغب في الرجوع إلى زنجبار فركب سفينة شراعية في جماعة من رؤساء عمان مروا عليه فدخل على السلطان ماجد بدون شفاعة ولا واسطة وألقى نفسه عليه فعفى عنه.
شيوخه: أجل شيوخه الذين أخذ العلم عنهم العلامة المحقق الخليلي ولا نعلم له شيخاً غيره، فإنه هاجر إليه وهو صبي لم يبلغ الحلم فأعطاه دروساً ورده إلى بلده ثم رجع إليه في العام القابل ولقنه دروساً أخرى، وكانت عادة المحقق الخليلي مع التلاميذ الاستخبار، فلما رجع إليه ثالثاً قربه إليه لما توسم فيه من الصلاح.
تلاميذه: الذين أخذوا العلم عنه منهم العلامة نور الدين السالمي والعلامة الكبير أبو مالك عامر بن خميس وابنه الأمير عيسى بن صالح.
مؤلفاته: رسالة سماها علَم الرشاد في أحكام الجهاد أتقن فيها احكام البغي وما يجازى به فاعله وله رسائل ومجلد ضخم أجوبة مسائل فقهية، رتبه شيخنا القاضي أبو الوليد ((سماه عين المصالح في أجوبة الشيخ صالح)).
غزواته: خرج في أواخر ذي القعدة سنة 1290 هـ تسعين ومائتين وألف على مسقط لما تقدم من بغي السلطان تركي على الإمام عزان، وقتله لمشايخ العلم سعيد ابن خلفان الخليلي وابنه محمد بن سعيد، ولم يقدر الله له الظفر.
ثم خرج ثانية على مسقط بمساعدة السيد عبد العزيز بن سعيد أخ السلطان تركي ولم يتم له الفتح. ثم خرج إلى بلدة سرور من وادي سمائل لإغاثة الرحبيين وهم قوم من همدان بغى عليهم جيرانهم بنوا جابر فمكنهم من بلادهم وردهم إلى أوطانهم. (1/72)
صفحة 73
ثم خرج في أول سنة 1312 هـ اثنا عشر وثلثمائة وألف إلى وادي دما وهو واد لبني شهيم قد اظهر أهله البغي وطلب منهم الإذعان للحق فكابروه فأظهره الله عليهم.
ثم خرج إلى مسقط مرة ثالثة سنة 1312 هـ اثنا عشر وثلاثمائة وألف وعليها السلطان فيصل بن تركي وهي الواقعة التي هاجمه فيها الأمير الشاب عبدالله بن صالح قبل وصول أبيه، ولم يقدر الله تمام هذا الأمر كله في كل الغزوات لقبول رؤساء القبائل الرشا وخذلانهم له.
ثم خرج إلى اللجيلة وهي مقر بني جابر، وكان أهلها في ذلك الوقت أنصار السلطان وكانوا أشد نكاية عليه في مهاجمته لمسقط فحمل عليهم بجيشه في أول النهار من اليوم السادس من شهر ربيع الأول سنة 1314 فأصيب رحمه الله برمية في فخذه الأيسر عند أول الحملة فبقي جريحاً إلى قرب العصر من ذلك اليوم، فهاجرت روحه الكريمة إلى ربها بعد ما أقر الله عينه في خصمه بدخول بلادهم وحمل أعيانهم على الأصفاد، وأمر ابنه الشيخ عيسى بحمل والده الشهيد فدفن رحمه الله بشرجة الإبراهيمية من علاية سمائل فرثاه الشعراء، ولسيدي نور الدين فيه مراث حسان.
وكان له أولاد أربعة كلهم سادة أنجاب، أكبرهم الأمير عيسى بن صالح وكان أكملهم عقلا ونجابة وعلماً، الثاني ذلك الزعيم الباسل عبدالله بن صالح وقد نبغ في حياة والده واشتهر بين أهل عصره، وقد توفي قبيل أبيه في ضحى السابع من ذي الحجة عام 1312 اثنا عشر وثلاثمائة وألف بعد رجوعه من غزوته لمسقط وهي الغزوة التي زلزل بها عاصمة السلطان وكاد أن ينصدع لها عرش المملكة البوسعيدية وعمره عشرون سنة يوم وفاته.
الثالث من أبناءه الشيخ أحمد بن صالح وكان سيداً مهاباً معيناً لوالده في حياته متحلياً بجميل الذكر في تصرفاته، وكانت وفاته يوم ثاني من شهر المحرم سنة 1322 هـ اثنين وعشرين وثلاثمائة وألف وعمره خمس وعشرون سنة. (1/73)
صفحة 74
الرابع الشيخ الوجيه علي بن صالح، فريد الطلعة، ميمون النقيبة، له القدح المعلى في سياسة الدولة أيام الإمام العدل سالم بن راشد الخروصي ومن أجل المعاضدين له وكان في مقدمة بعوث الإمام وسراياه، أصيب الإسلام بموته يوم خامس من شهر شعبان عند طلوع الشمس عام 1337 هـ سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف، وكان عمره خمس وثلاثون سنة.
إمارة الشيخ عيسى بن صالح رحمه الله تعالى:
قام الأمير عيسى بعبء الإمارة بعد أبيه الشهيد وسار في الناس سيرة أبيه الرضي وبدأ عهده بتخييب أمل السلطان فيصل في استغلال فرصة وفاة صالح فهاجمه في وادي بني رواحة الغربي وهزمه شر هزيمة ثم ان السلطان تلطف به وأكرمه وسالمه وأجرى له راتباً شهرياً فكانت أيامه أيام سكون واستراحة، وكان وجيها عند الناس لحسن سيرته، مقبولا عند الخاص والعام، سخيُّ النفس جواداً كريماً مشهوراً بالفضل، يؤمه المسترشد والمستنجد والمسترفد، وجمع شعث المسلمين وحثهم على الاجتماع وخرج بهم إلى نزوى لمبايعة الإمام الخليلي بعد وفاة الإمام الخروصي، فإنه عرف قدر الإمامة واستطاع إخضاع معانديه وإرهاقهم بقهرها بعد أن كان يحاذر من الدخول فيها.
فخير الناس ذو حسب قديم ... أقام لنفسه حسباً جديداً
تراه إذا ادعى في الناس فخراً ... تقيم له مكارمه الشهودا
كان يقول الحق لا يحترم الشريف أو العظيم إذا حاد عنه يرد الباطل في وجه قائله، وغلّط المفتي بحضرة سائله.
كان ملازما للإعتكاف حتى توفي.
كان كريما مضيافاً لا يفقد بساطه الضيف، يقدم له على حسب مراتبه، ويوسعه (1/74)
صفحة 75
إجلالاً وإكراماً، يتكلف فوق الطاقة، ويبذل فوق الوسع، ومع حصر يده لم يكن في أيامه بعمان من يطعم الضيف خيراً من طعامه.
مؤلفاته: منها الرد العزيز على أحكام الدريز، ومنها رسالة في منع الإسقاط بالجوايح، ومنها رسالة في الرد على الإمام الخليلي فيما حكم به بين الحجريين وبين راسب. وله مجلد ضخم يحوي أجوبة مسائل في مختلف الفنون.
ولادته: ولد في أول الفجر من يوم الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1290هـ تسعين ومائتين والف ونشأ في حجر أبيه الصالح وأخذ مبادئ علوم النحو والمعاني والبيان عن الشيخ خميس بن حويسن الهنائي وأكب على التعليم ودرس على أبيه الصالح ثم على نور الدين السالمي.
وفاته: توفي ضحى اليوم السابع من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ببلد الظاهر حيث ظل مريضاً حتى ثقل، ثم حمل على الأكتاف إلى بلده القابل، وبها توفي ولم يزل يحوط المسلمين بغيرته وصلابته.
اعتراضه الأول:
وكانت له آراء تخالف الجمهور فمن ذلك لما حكم العلامة عامر بن خميس المالكي في عصر الإمام سالم بن راشد الخروصي عام 1333 هـ باستغراق أموال الشيخ راشد ابن عزيز وإدخالها في بيت المال عكر عليه الشيخ عيسى وأخذ يشنع عليه في كثير من رسائله له وأغلظ له المقال لما اجتمع به في فلج مسعود حتى قال له لذد سبقت لك منزلة عندنا ولا ينبغي أن تحوّلها وامتنع من الأكل من غلة الموال فوقع في قلب بعضهم ريب وشك وانبثق أصحاب المقالات وأطلقوا ألسنتهم بالطعن على الدولة لكن العلامة المالكي لم يقف موقف المتقهقر كشف النقاب ورفع الحجاب فكتب أرجوزة طويلة سماها غاية التحقيق في أحكام التغريق، بسط فيها كل البسط وبين الحق فيما رآه وجمع الأدلة وحقق ودقق. (1/75)
صفحة 76
إعتراضه الثاني:
وفي عام 1363 كانت جوائح سماوية افسدت الثمار وكان من رأي الإمام الخليلي رضي الله عنه الإسقاط بالجوائح السماوية إذا بيعت بعد الدراك عملا بحديث رواه مسلم أقر صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح فعمل برأيه هذا في نزوى وكتب لعماله بذلك فأعترض الشيخ عيسى وكتب رسالة تحامل فيها على القاضي منصور الفارسي ولكن الإمام بقي على رأيه ولم يرى الرجوع عنه.
إعتراضه الثالث:
كانت حروب قديمة بين الحجريين وبني راسب وقع فيها سلب ونهب وسفك دماء فألزمهم الإمام الحضور للفصل بينهم وقطع شآفة الحنانات الشيطانية، فاجتمعوا بين بدية والمنترب من بدية فتكلم كل بدعواه وبعد أن فهم ما عندهم فصل الحكم بينهم قائلا إن ما كان قبل اليوم من قتل وسلب ونهب فهو هدر لإستحلالهم ذلك من بعضهم بعضا أخذا بما حكم به الإمام علي يوم الجمل ومن تعدى بعد اليوم نؤاخذه بتعديه وأعلن ذلك الفصل بمحضر من الخصمين واستثنى قائلا إلا إن كان الشيخ عيسى يرى غير ذلك فليقل والشيخ حاظر بجنبه أجاب الشيخ لا نرى غير ذلك والقول قولك فسجلت بينهم الوثائق وانفض المجلس وانتهت المشكلة ورجع كلا إلى بلاده.
بعد ذلك بأيام كتب الشيخ للإمام أنه لم ير لذلك الحكم وجها وطلب منه الرجوع عنه.
أجاب الإمام أنه لم يتبين لي باطله ولا يجوز الرجوع عن الحق.
فنشأ من ذلك خلاف عريض تعصب بعض القضاة كالرقيشي والخروصي وسفيان وبعضهم للشيخ كالأغبري وسالم الحارثي وكثرت الرسائل والأجوبة والأدلة وكادت أن ترجع الحرب ضروس بين الخصمين لولا لطف الله. (1/76)
صفحة 77
وكتبت المسألة بخط الإمام وأرسل بها القاضي سفيان بن محمد إلى علماء الحرم بمكة المشرفة.
فكان من جوابهم عليها، أن هذا السائل أعظم من أن يعترض عليه آخر جواب صدر من الإمام أن ذلك رأي رأيته وعندي انه حق ولا يجوز لي الرجوع عنه ما لم أر باطله وإن كان الشيخ يرى أن ذلك باطلا فليرده ولا يحل له السكوت على الباطل ولا معارضة مني لئلا تكون فتنة بين العلماء وأنا سببها. فبقيت الأمور على حالها معلقة وكلا الخصمين قابل لقول الإمام مُصَّر على قبول حكمه والتمسك به عاض عليه بنواجذه. ولا يحب نقضه فراراً من الفتنة ولما كابدوه فيها من المكروه طوال السنين الماضية، وببركة الإمام لم يكن في الحكم نقض من الطرفين إلى الآن.
وفي عام 1364 حدث تنافس بين الأميرين عيسى بن صالح الحارثي وعلي بن عبدالله آل حموده. سببه قبيلة الهشم فإنهم ضجروا من رئاسة أميرهم العلوي وأحبوا الإستبدال به.
ترددت رسائل الهشم ورسلهم إلى الإمام يطلبونه والياً على بلادهم الكامل وما اشتمل عليها واكثر رسائلهم على يد سالم بن الشيخ اليحمدي.
فلم ير الإمام إسعافهم في ذلك الأوان لما يعلمه من غدرهم ولما يحاذره من مكرهم لأنهم أبناء الذيب كذا يطلق عليهم عند العمانيين ولكونهم لا يصبرون على طعام واحد فهو يحاذر الفتنة ويراعي الذمة السابقة بينه والأمير العلوي إذ من الشروط فيها أن مرجع غافرية الشرقية إليه وأنه المسئول عنهم فيما يحدثونه والهشم كانوا من حزبه.
آيس الهشم من قبول الإمام لهم واستماعه لقولهم، وعرفوا أن أميرهم العلوي تنكر عليهم بهذه المخابرة وحاذروا انتقامه منهم فرجعوا في تدبير خطة أخرى فأرسلوا واردهم سالم اليحمدي إلى الشيخ عيسى فقبل قولهم ورحب بهم، ورسم الخطة في قهر بلادهم فأرسل إبنه محمد بن عيسى وإبن أخيه صالح بن أحمد لمناصرتهم فنزلوا المنترب من بدية. (1/77)
صفحة 78
فكانت بينهم وبعض أصدقائهم منافسة وعدم قبول لما عزموا عليه وجاءوا به فجاهروهم ولما يثن المشايخ الهرير والهدير عن تصميمهم فدخلوا الكامل واستولوا عليها فكانت مزاحمة جيوش بين الطرفين إذ كان جيش العلوي (بالوافي والجديد) يقوده ابنه خالد بن علي. وخرج من أعيان جنبة صور لتسديد الأمر والصلح بينهم ولكن الواقع الموجب للكفاف عن الشر تحامل سلطان مسقط على الأمير العلوي.
في أثناء ذلك وصلت دعوة من سلطان مسقط سعيد بن تيمور للأميرين عيسى وعلي بالوصول إليه وكان عيسى بالقابل وعلي بصور وأبنائهم في الرباط فسارعا إلى إجابته فأصلح أمرهما وتسلم الكامل واردفها وادي بني خالد وكان الوادي تبع للهشم ثم كان ولاة الإمام الخليلي عليه ثم تركوه فكان عمال العلوي عليه ثم أرسل الشيخ عيسى أبناءه المذكورين فأخرجوا خدم الأمير العلوي منه وجعلوا فيه علماً للإمام وعاملا من قبله وبالجملة فإن السلطان تسلم الوادي والكامل لقمة هنيئة سائغة من غير تعب فأرسل عماله لقبض المراكز بعد ما كان علم الإمامة على الوادي أصبح العلم السلطاني عليها وعلى الكامل وتوابعهن ولم يكن لحكومة مسقط علم في داخلية عمان قبل هذا العلم ولا وقت الإمامة القديمة ولا لسطنة مسقط بمثل هذه تطورت المور وطمع فينا السلطان سعيد بن تيمور.
خروج الشيخ عيسى إلى مسقط:
كان الشيخ عيسى يرى أن له من الحق في النظر لصالح الإمامة ما ليس للعمانيين وأنه أطول نظراً وأعلا كعباً وأغزر علماً. فهو يحب أن يكون قوله مقدماً على أقوال العلماء وأمره نافذ على الرؤساء لما يراه لنفسه من المزية ولما فيه من الأريحية، ويهوى أن من تعلق به، أو طلب شيئاً على يده أو أتم أمراً بان لا تكون فيه مراجعة، ولا يرضى إلا إتمامه والتوفير لما دخل فيه.
والإمام يرى أنفة العمانيين ونفوذهم من ذلك وأنه لا يلزم أن يكون عيسى موفقاً مسدداً في أقواله وأعماله إنما العصمة للأنبياء. (1/78)
صفحة 79
كان من رأي الشيخ عيسى أن يقطع مطامع العمانيين من جهة السلطان وأن يكون الحاجز بينهم وليكون نفوذه على الكل فتبادل الرسل مع السلطان سعيد ابن تيمور وكان رسوله حمد بن سليمان الحارثي من بني عمه وابن اخته، وقد منحه السلطان لقب (المخلص) في جميع رسائله.
خرج الشيخ عيسى أول مرة إلى مسقط في شهر شعبان من سنة 1352 هـ على طريق قريات بواسطة السيد سعود بت علي بن بدر البوسعيدي لمقابلة السلطان سعيد ابن تيمور، وما كان السلطان يطمع في وصوله إليه، ولا يتحقق ذلك حتى وافاه فأكرم نزله وأعلا منزله فرجع بجوائز وافرت واحترام كامل، فشجى ذلك رؤساء عمان وغاظهم، فتنكروا للإمام: وعاتبوه بأن هذا باب قد سد، وأن في فتحه خلل عليكم، فأجاب الإمام إنا لا نتهم عيسى فربما أن يعمل لمصلحة الكل، فلم يقنعهم جوابه، هنالك عملت الأيدي الباطلة والألسن الفاسدة فحركت الساكن، فأخذ الرؤساء يتسللون.
وجاهر الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري فوفد إلى السلطان مراراً فأحسن له الجوائز واستقضاه على صحار.
حَرِصَ الشيخ عيسى على منعه وحرّض الإمام على ذلك وطولب إبراهيم بالتأخير عن الخروج إلى السلطان، وبعد أخذ ورد وطول معاودة.
أجاب إبراهيم: لِمَ يؤذن لعيسى ونمنع فإن كان رئيساً فعلى قومه ونحن مثله رؤساء قومنا وإن كان عالماً فعندنا من العلم ما يحجزنا عن التهور، وإن كان مناصراً فالسبق لنا في المناصرة وهذا حالنا لم يزل ولا يزال وكيف نتهم مع العلم بنا في المواقف الحرجة، ليس هذا من الإنصاف في شيء.
بقي إبراهيم قاضياً للسلطان على صحار ثم بعد ذلك تبعه القضاة فسارع منهم جماعة ومن أعيانهم المشايخ خلفان بن جميل السيابّي تقلد القضاء بصور وسيف بن حمد الأغبري أصبح رئيس القضاة بمحكمة مسقط وعبدالله بن محمد الخروصي تكفل بقضاء مطرح (1/79)
صفحة 80
وسعيد بن احمد تولى قضاء ظفار وحمد بن عبيد تقلد التدريس بمسقط وغيرهم من الطبقة الثانية كثير.
ولما عنفوا أجاب بعضهم ان السلطان محتاج إلى القضاة الشرعيين فنحن إلى القيام بالواجب الديني نسارع وقد فتح عيسى باب الدخول على السلطان فلأي شيء نمنع ولا يمنع.
ثم قامت دعاة السلطان تمد حبائل الطمع إلى الشيخ سليمان بن حمير النبهاني فاستنفروه واستفزوه فاستأذن الإمام في الإتصال بالسلطان فمنعه في بادئ الأمر فامتثل على شرط أن يمتنع مشايخ عمان وإلا فلا يمكن نمنع ويؤذن لغيرنا ويأكل غيرنا ونحن جياع ويصانع غيرنا على بلاده وجماعته ولا نصانع، يعني بذلك عيسى.
وانتشرت كتب وزير الداخلية أحمد بن إبراهيم إلى أعيان عمان يدعوهم إليه بهذه الأسباب أيقن الإمام أنها فتنة دخلت عليه فكتب للشيخ عيسى ولأعيان عمان كتبا بلفظ واحد ونص كتابه للشيخ عيسى:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله إلى الشيخ الأكرم المحترم الأخ عيسى بن صالح وكافة آل حجر سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وإني أحمد الله إليكم إعلامنا خير وسرور أما بعد فإنه ربما يبلغكم إيفاد أهل عمان إلى مسكة ودعوة أهل مسكة القبائل إليهم غير منقطعة بثوا الرسل والكتب إلى كل أحد والناس يقولون ان فتح الباب وسده من الشرقية وانه لا يمكن أحد يفد مستجديا ويرجع ملأ الجقائب والآخر إذ سار عنف وسيء به الظن إما أن يحسن الظن بالكل أو يساء الظن بالكل وذلك أمر منعنا عن القول وقد تجرأ الوافدون بذلك والموفود إليهم ولا نرى إلا المنع فمن كان مع المسلمين وثابتاً على البيعة وغير خائس بعهده فلا يمكن مسيره إليهم (1/80)
صفحة 81
مستجديا وقد حجرت عليهم ذلك إلا من كان ناقضا لبعته وعهده فذلك نظره إلى المسلمين ولا يعجز الله واعلموا أيها الناس أن أولئك لا يعطونكم شيئا من دنياهم إلا وأخذوا به شيئا من دينكم هذا قولي واستغفر الله لي ولكم والسلام وحررته يوم 22 من شهر شعبان 1357.
ثم ترأس من بعده ابنه الشيخ أبو الفضل محمد بن عيسى بإجماع من إخوته وبني عمه وكان يوم وفاة أبيه بمسقط خرج إلى أرض الهند للعلاج فلما رجع من سفره قلدوه أمرهم، وكان أسنّ إخوته وأذكاهم فساس أمر قومه وقام بحقهم وله شأن في الأدب يقول الشعر ويجيب عليه.
وكانت بينه والسلطان سعيد بن تيمور مواصلات وصلات. كما كانت لأبيه من قبله وكان من أعز الأصدقاء إليه، وقد فوض إليه التموين العماني في الحرب العالمية الثانية فاستأثر به لنفسه ولم ير لغيره حقاص فيه فكانت في العمانيين ضجة المجاعة وشكوه حتى أن جماعته الحرث اجتمعوا إلى أبيه الأمير فتكلم ناصر بن سالم بن عمير المعمري وعبدالله بن راشد الطوقي وشكى الناس إلى الإمام فلم يسوّغ الإمام لنفسه الدخول في هذا التموين لعدم معرفته به وللشبهة الحاصلة أنه مال التجار أخذ منهم بالتسعير والنهي عنه غير منكور فخرجت خارجة من وهيبة على أثر زيارة محمد للسلطان لقبض تموين عام 1362، فأخذت إبل السلطان من الوطية بقرب مسقط فباعوها وأكلوا ثمنها انتقاماً لفعلة محمد، فطلب السلطان من الشيخ عيسى الإبل المأخوذة وسعى الشيخ في ردها بكل جهد فما حصل على مفيد، واستعان بالإمام على ذلك فتساهل وتغافل لما ينكره من عمل ابنه فدفع الشيخ للسلطان دراهماً عوضاً عن الذاهب منها.
ثم خرجت خارجة أخرى من وهيبة أيضاً فأخذت قافلة للرحبيين تحمل تمراً قرب الروضة وكانوا حلفاء للأمير عيسى، ووقع شقاق بين المساكرة والحرث في فلج بو منخرين بإبرا، فقام أخونا أبو حميد بن نورالدين وكشف القناع للأمير وأبدى لهما (1/81)
صفحة 82
آنسه وان المنافقين وسعوا النطاق ولابد إن لم يتدارك الأمر تكون العاقبة غير حميدة، فأذن له بالسعي فأجتمع أبو حميد بالإمام في سمايل بعد رجوعه من غزوة الطوّ وتكلم عنده بحرج الموقف فأصغى الإمام رحمه الله لقوله وقبل وساطته فأقبل الإمام من حينه إلى الشرقية، فأصلح الخصام الناشئ بين المساكرة والحرث في نهرهم وخرج أبو حميد إلى بلد الفتح واستعان باخواله الحبوس في رد الإبل والتمر الذي أخذته وهيبة فساعدوه فرده منهم، ودعى الإمام برؤساء وهيبة فأجابوه وتحسنت الحالة مؤقتة.
وفي العام الذي فيه تولى هذا الشيخ أمر قومه حجز زكاة سفالة إبرا، ومنع سيف بن محمد العيسري جابي الإمام عليها من صرفها في أمر الإمام، فاستعفى سيف من قبضها وسلم له ما بيده، وفي شهر ربيع الاخر من العام نفسه حركه السلطان على مشاغبة أمير جعلان على بن عبدالله آل حموده لكون هذا الأمير حريص على ما تحت يده من المراكز الساحلية بأن لا يكون للسلطان فيها نفوذ، وكانت بينه والإمام وثائق وأنه المسؤل عن طارفته فيما يحدثونه، أوْجَسَ الأمير العلوي الحركة فأرسل للإمام يبحث عن رأيه إذا قام السلطان عليه فكان من جواب الإمام:
((للأمير الخيار إما أن يكون تحت الرعاية وسندافع عنه وإما أن يكتفي بمنع رعايانا من مساعدة السلطان ومن تحرك منهم نكفيه امره، أما إذا قام السلطان بمساعدة الإنجليز فيجب علينا القيام شرعاً، وذلك دفاع عن المصر وعمان جزؤ لا يتجزء)) وكتب الإمام للشيخ محمد بالكف عن التعرض للأمير العلوي ومن كان تحت رعايته، فقام وقعد إلا أن المنية عاجلته قبل أن يعرف ما عنده.
وقد زار هذا الشيخ البحرين والهند وأفريقيا، ولم تكن إمرته أكثر من عام فإنه توفي في اليوم الثامن شهر جمادى الأولى سنة 1366 هـ بمرض أصابه في إحدى رجليه فأحضر له الطبيب فعجز عن علاجه، وكانت ولادته عام 1316 هـ. (1/82)
صفحة 83
ثم ترأس من بعده اخوه الشيخ صالح بن عيسى وكان القائم بامره ابن عمه الشيخ صالح بن أحمد لأنه أوسعهم علماً وفضلاً وأكبرهم سناً.
ولما تسلّم هذا الشيخ منصب إمارتهم خرج إلى الإمام الخليلي بنزوى وتكلم إليه أن السلطان عوَّدهم عند رجوعه من رحلاته أن يتحفهم بكتاب إشعاراص برجوعه وأنهم عودوه في مقابلة ذلك بالمسارعة للتسليم عليه والتهنئة له، فهو لا يتربص بعد علمه إلى طلب الإذن من الإمام.
وأنهم تعهدوا للسلطان بحماية وادي بني خالد وبلد الكامل لكونهما حدثتا إليه قريباً بواسطة أبيهم الأمير عيسى وأنه لا ينتظر سماح الإمام له متى دعت الحاجة إلى ذلك.
وفّى هذا الشيخ المودة حقها في أحكام روابط الصداقة بينه والسلطان سعيد ابن تيمور، ولم يسلّم له ابن أخيه احمد بن محمد بن عيسى الرياسة، فتزاحما على باب السلطان وظلت الطريق مشغولة بهم من القابل إلى مسقط، فمن جفاه السلطان انحاز بجنب الإمام ليغيظ سلطانه، فأحمد بعد موت أبيه غضب لترشيح عمه المنصب فَوَلّى للإمام جعلان الحسون وتوابعها، ولما فتح له السلطان باب الرضا ترك الإمارة التي تقلدها من الإمام وانقطع إلى السلطان حتى قلَّده رياسة قومه بعد احتلال عمان، وكتب السلطان للحرث كتاباً يخلع صالح من افمارة ومنح إخوتهم جايزة الولاية على نزوى وسمايل وجعلان ثم عزلهم، فكان هذا العمل في مقابلة ما يعمله آباءهم مِنْ قَبلُ في جنب السلطنة.
أما الشيخ صالح فإنه قام بواجبه في حق توفير الصداقة السلطانية لما كانت مشكلة وادي بني خالد حينما كان العلامة الأغبري عاملها من قبل السلطان، فإنه تقدم إلى بلدة الظاهر بمن معه فاعترضه ابن أخيه أحمد بن محمد، وكان ذلك الوقت في جفاء من السلطان محتجاً عليه أنها بلاد السلطان وهو أولى بإصلاح شؤنها وأنت من رعايا الإمام ولا دخل لك في هذا فأرغمه على الرجوع. (1/83)
صفحة 84
وفي ضحى يوم خامس من شهر ذي القعدة لسنة 1368 هـ أصدر هذا الشيخ على مسعود بن حميد خادم الحرث هجوما يرأسه بنفسه، ومسعود هذا شقيق القاضي أبو الوليد سعود ابن حميد عامل الإمام على المضيبي فدخلوا عليه وهو منفرد في بيته بالمضيرب فأطلق بعضهم عليه مسدساً فأصيب في فخذه وطعنه بعضهم بخنجر فعوفي من جراحته وأصيب بعض المهاجمين بجراح خفيف.
فتحرك أبو الوليد من المضيبي للواقع بأخيه وتوجه إلى المضيرب وقلبه يحمل حنقاص وأسنته علقاً، وصحبه أعيان الحبوس وآل شبيب فبلغ الخبر الإمام وأرسل الجميع بالوصول إليه فامتثلوا امره، قدمت القضية على بساط البحث وعرضت على القضاة فكان من رأي الإمام الصلح بينهم وان يسمح أبو الوليد من الدعوى وأن يسلم الأرش لمسعود بعد برئه، فعفى أبو الوليد وانتثل أمر سيده الإمام وسمح من دعواه.
ثم قدّم الشيخ صالح إلى الإمام طلباً بعزل أبي الوليد من ولايته على الحبوس لما يعتقده فيه من موالاته لابن أخيه الشيخ أحمد، فلم يرى الإمام إسعافه للهوى ولم يقف من طلبه ذلك على موجب يوجب عزله فخرج الشيخ مغاضباً واستفز آل حبس فكان من رأي بعضهم موافقته ليكدروا عيش القاضي فعسى أن يستعفي بنفسه، رفع أبو الوليد الخبر إلى سيده الإمام ففتش الإمام عن حقيقته فلما تيقن صحته كتب للشيخين صالح بن أحمد وصالح بن بن عيسى كتابا ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بيده إلى صالح وصالح اما بعد فإن الدين النصيحة ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين العباد ولم ينصحك من يداهنك.
أقول خرجتم من نزوى ونحن قد نصحنا سعود بن حميد ولم يكفنا تاخيره بل قلنا له يجب عليك يا يعود أن تسعى لمّ شعث أولا صالح لأن ذلك شكراً (1/84)
صفحة 85
للسلف ولا يكفي منك ان تقول قمت فلم أسعف حتى تبالغ في المسألة وتستعين ويظهر عذرك مع اجتهادك فاسعف فلم نشعر ولم نعلم إلا وكل يسعى في إفساد أمر صاحبه وكما ان على سعود حقاً فله عليكم أن راعيتم الحقوق وآخر الأمر أن حمد بن سليمان فيما بلغنا أنه دعى ابن عزيّز وسليمان بن راشد بالوصول أظهر الرجلان أن الدعوة من قبل أموال اولاد سالم بن خلفان قلنا هذا معنى ووجه ثم انهما رجعا وأرجفا وقالا يقول لا نعتقد صحته عنكم. ثم لما وصل أكابر الحبوس قالوا بلغنا رسول من المشايخ ونحن بالمخترع فأجبناهم أنا قاصدون لحضرة الإمام لامتثال أمره، ولم نبحثهم عن الخطاب ولا عن الجواب. ثم بلغنا أنكم دعوتموهم بالوصول قائلين أنا نرجوكم لنصلح ذات بينكم فرأينا ان هذه الدعوة ما المراد منها الا جمعهم على أهل الحق وكان الواجب أن لا تصغوا لقول علي وسليمان. بل تنفون قولهم وإن الأمر أمر الإمام وهو الناظر لنفسه وللمسلمين، وقد قال الله عز وجل وما كنت متخذ المضلين عضدا ولم يبلغنا ما بين هذين الرجلين، وجماعتهم أمر ولو كان هناك أمر يردون إلى الوالي والقاضي ومن كانت الشكاية منه فمرد أمره إلينا وهو وغيره في الحق سواء، وأعلموا أنا بحمد الله لا نتبع إلا الحق، ويجب علينا أن لا نقر سعوداً على باطل ولا نخذله مع الحق ولا نكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أحد من الخلفاء الشك مني لما سمع رجلا يطعن في صاحبه. هل غزوت الروم وفارس، فقال الرجل لا فقال سلم منك هؤلاء ولم يسلم منك عرض اخيك المسلم ما بالنا نجادل عن البغاة وأهل الفساد، وإذا قيل في أهل العلم بقول بادرنا على القدح فيهم ونريد ان قيل في أهل الفساد البينة العادلة. قالت كذبت او حملت على الرعونة والله هذه هي المصيبة العظمى.
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله أصلح ما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين العباد فهذا هو الميزان، ويا صالح إبن أحمد عرفتك من قبل حق علينا الأحمد بن محمد من قبل مثارة من المسلمين أن ندفع إليه ثلاثة أبهر من الزكاة أو يعطى حقه فأعرضت عن الأمرين، وما إعراضك إلا لأمر في النفس وما أرى ذلك إلا نزغة من نزغات (1/85)
صفحة 86
الشيطان لتقع العداوة والبغضاء وإفساد ذات البين هي الحالقة. فأقول المؤمن واه راقع. يا آل صالح لكم حقوق من قبل الآباء جميعاً وأنتم وإخوانكم نراعيكم بها مع الإستقامة. مع أنا لا نولي أمرنا الرجال إلا إن بان لنا الحق فنحن إن تمسكنا به لا نبالي، وإن ظهر من الضعف عندنا ركن شديد إلا إن أعوججنا ولم نسلك المحجة المستقيمة. نسأل الله التسديد والتأييد واستغفر الله لي ولأخواننا المسليمن ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. حررته يوم 25 من شهر المحرم سنة 1369.
بعد ان كتب الإمام هذا بلغه أن بعض الحبوس عزموا على إنفاذ الخطة الموجهة إلى القاضي أبي الوليد، وكان الإمام قد عزل القاضي قديماً عنهم. فرده عليهم قبل هذه الحادثة، وكتب لهم ما نصه.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله. بيده إلى المشايخ العزاز الجماعة الحبوس سلام عليكم ورحمة الله. وبعد فأنا نعلمكم أن سعود بن حميد. توفي الشيخ السالمي وهو عنه راض. ثم جعلناه في المضيبي. ثم جعلناه في سمد بأمر الشيخ عيسى ونظره وما عذرناه عنها لأمر نعده عليه ولو كان لأمر نعده عليه في دينه لقومناه وعزلناه إلا لم تحب للمسلمين إلا التوسعة والرفق لا جلباً للمال مع علمنا أن سعوداً قد مارس الأمر وحنكته التجارب، وفيه من العلم والحزم والعزم فاخترناه أن يكون بداركم والياً وقاضيا ونعلم يقيناً ان كثيراص من الناس لا يحب ذلك، وليس من يكره الحق يعطى سوله نحن علينا مناصرة الحق، ولا نصرنا الله إن لم ننصر الحق والله لم يضيع المسلمين في موطن نصرهم في مواطن ضعفهم فنحن على يقين أ ن الله ينصر من ينصره وما النصر إلا من عند الله. إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وإن جندنا لهم الغالبون اللهم اجعلنا من جندك الموقنين بوعدك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. حررته بيدي في رابع في صفر الخير سنة 1369، وكتب للقاضي ما نصه: (1/86)
صفحة 87
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله بيده. إلى الشيخ المحترم العزيز ابن خليفين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإني أحمد الله ولا خبر هنا إلا الخير أما بعد: فكتابك وصل يا سعود ينبغي للعاقل أن يكون في الزلازل وقوراً وعند الخراء شكورا ونوصيكم أن تتمسكوا بالكتاب والسنة. فمن تسمك بهما فقد هدي إلى صراط مستقيم ولا تهولنكم الأمور إن كنتم متبعين الحق. فإنه لا يمكن للإنسان أن لا يبتلى، وقد مضت سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا، وكفى بالقرآن حيث قال: إن تنصروا الله ينصركم، وقال والعاقبة للمتقين وإن جندنا لهم الغالبون فهذا وعد لن يخلف ولكن القصور والتقصير يكون من العبيد والسلام على الأولاد 11 محرم سنة 1369.
وفي عام 1372 خرج هذا الشيخ بأمر من السلطان سعيد بن تيمور لمصادمة ابن عطيشان بالبريمي وزوده أربعين كيسة عيش وعشرين صندوقا من الرصاص وشيئا من القروش فأنزلها ببيت زهران العزري بنزوى، وكان الإمام في ذلك الوقت مريضاً مدنفاً، وقد لعب المغرضين بالأمور لعباً غير منكور حتى أنهم كتبوا على لسانه كتباً وختمت بختمه. سار هذا الشيخ ببني عمه وجنده الذي جمعه حتى وصل بهلا فلما أفاق الإمام من علته ورفع إليه الخبر كتب إليه بالرجوع عن قصده وكتب لمن صحبه من الأعيان يلزمهم بالرجوع إن امتنع من ذلك فلما وصلهم رسوله بقوا بين إقدام وإحجام فكان من حظهم ان وصل رسول السلطان إليهم تلك الليلة بأن الانكليز تكفلت بالمشكلة وكفى الله المؤمنين القتال فرجع بمن عنده إلى نزوى، وحمل سعيد وسالم ابني حمد بن سليمان الحارثيين الرصاص والعيش الباقى إلى الدريز بالظاهرة ثم منها إلى الخابورة ثم إلى مسقط على طريق البحر.
وفي عام 1372 هـ خرج هذا الشيخ من داخلية عمان لشد الروابط الودية بينه والهناوية فكان نزوله على بني هناة أولا. ثم على بني غافر بالدريز من الظاهرة (1/87)
صفحة 88
ثم توجه إلى الشيخ زايد بن سلطان الفلاحي بالبريمي. وصادف وصوله النزاع بين السعودية والانجليز في واحة البريمي ثم قصد الشارقة وركب إلى البحرين واجتهد في منع دخول جوازات الإمام بها وزار الكويت وسأل حكامها الموافقة على ذلك فما أسعفوا وزار في رحلته هذه مصر واجتمع برجال دولتها وأقام بجوار الأستاذ العلامة أبي إسحاق إبراهيم أطفيش وتلقى منه دروساً دينية وسياسية وأدركه موسم الحج وبعد قضاء المناسك الحجية زار ولي عهد المملكة العربية السعودية سعود بن عبدالعزيز بمركز جدة. وبقي في ضيافة ولي العهد وزوده من الإكرام ماهم أهله. ثم رجع إلى الكويت. ثم إلى البحرين ومنها إلى الشارقة. ثم إلى عُمان.
وبعد احتلال الانجليز لبلدة عبري خرج هذا الشيخ إلى السلطان سعيد بن تيمور كان بظفار ويقول أنه وقع بينهما كلام في مادة عبري وأنه أغلظ على السلطان في المقال. فاجابه اعتمدوا على من شئتم ولو بالروس وزوده كرماً جزيلاً.
ولما تحقق الهجوم الثاني على نزوى كتب إليه الإمام غالب يستنجده فتلكأ عن إجابته وخرج للقنص بجبال بسيتين وهو واد غربي بلدة الظاهر فأدركه خبر احتلال نزوى بعد رجوعه إلى القابل فصمم عزمه على المسير إلى الظاهر فصحبه فتية من رجالها إلى صور فنزل على ضيافة ماجد بن تيمور وقصد ظفار فنزل بدار الضيافة وعليها بشيراً الغافري فأبرق بشير للسلطان سعيد بخبر قدومه فكان من جواب السلطان إن كان بالبحر فلا ينزل وإن كان بالبر فأخرجوه حالا وليذهب حيث شاء فازعج إلى ركوب سفينته التي نزل منها حتى ناخت به في حمى الملك المعظم سعود بن عبدالعزيز حامي حمى الحرمين، فأكرمه بما هو أهله وأنزله بجوار أمير المنطقة الشرقية سعود بن عبدالله الجلوي وزوده وبني عمه راتباً شهرياً فوق الإكرام ثم توجه إلى مصر. (1/88)
صفحة 89
وقد نشرت جريدة آخر ساعة في عدد 1259/ 10 / ديسمبر 1958 م مقالة عن هذا الشيخ منها: زأخذت أجمع الرجال ودارت معركة بيننا والإنكليز، خسر الإنجليز فيها أكثر من 450 قتيلا غير الجرحى إلى آخر ما ذكرته الجريدة عنه، فيا سبحان الله إن نزوى في ذلك الوقت سلمت الأمر بدون إطلاق رصاصة واحدة، وحصلت العملية للمهاجمين دون إراقة قطرة دم، وانسحب الإمام إلى بلاده لما خذله هؤلاء الأمراء ولم ينسحب إلى الجبل الأخضر كما ذكرته الجريدة أما الآن فلا يزال أبقاه الله ينشر الخطب في الإذاعة والصحف ضد السلطنة ويدعو مناصرة الإمام كما أنه عاضده على ذلك زملاؤه.
إني أخاً لك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زادا
وتحصل من هذه الدعاية على مساعدات ومعونات جزيلة قدمتها الدول والحكومات العربية والصينية للمسلمين المجاهدين ولما طالبه الإمام غالب بتسليمها وكانت المطالبة بحضرة إخوانه امتنع من أدائها إليه فكان هذا الطلب سبباً لشق العصى بينهم واستأثر فيما يقال عقاراً بزنجبار ويا للأسف أن جعلوا دعايتهم أحبولة للطمع وسمحوا برياستهم وبلادهم لعدوهم إنا لله وإنا إليه راجعون، وكتب العلامة أبو إسحاق أطفيش جواباً لسؤال صدر إليه في ذلك.
الجواب: أما بعد فالسلام عليك أيها السائل المسترشد وأقول جواباً لهذا السؤال اعلم حفظك الله أن صالح بن عيسى ومن معه قد بلغ بهم الأمر ما يستوجب البراءة بل يستوجب منهم ما هو أكبر من البراءة إن صح أنهم امتنعوا من تسليم ما جمعوه من الموال بإسم الإمام وإسم المجاهدين في سبيل الله والدفاع عن حوزة عمان والإمامة التي هي بيضة المسلمين إذ الواجب الذي دعى الله عباده المؤمنين إلى طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم هو اتباع سبيل المؤمنين وطاعة الإمام العادل إذ يقول سبحانه وتعالى: ((ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله (1/89)
صفحة 90
جهنم وساءت مصيراً)) وقال تعالى: ((من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً)) وقال سبحانه وتعالى: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)) وهؤلاء هم أئمة العدل وولاية البيضة من الواجبات والبيضة هي الإمام العدل ومن انتحل لنفسه اسم العامل ببيضة المسلمين فقد دلس والتدليس موجب للبراءة ومن جمع مالا بإسم إمام المسلمين أو إسم الجهاد أو الرباط وجب عليه تسليم ذلك المال لإمام المسلمين وإن لم يسلمه للإمام مع وجوده اعتبر خائناً لله ولرسوله وللمؤمنين والله يقول: ((يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)) والخيانة الغدر وإخفاء الشيء قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئس البطانة) رواه النسائي.
اعلم حفظك الله أن إمام المسلمين موجود والحمد لله وبيعته ثابتة في الأعناق ولو هاجر من بلاده لغلبة العدو عليها فغن ذلك يوجب على جميع المسلمين الانضواء تحت لوائه والجهاد تحت رايته ولا يسع أحداً من المسلمين أن يتخلف عن الدخول في بيعته بعد ان بايعه أهل الحل والعقد من جميع المسلمين الذين هم تحت لوائه ومن تخلف عنه فإنه طاعن مارق من الدين لأن الله تعالى أمر بطاعة إمام المسلمين العدل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (أطيعوا ولاة أموركم) وقال (وإن تأمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوه) وذلك كله فيما كان من طاعة الله والإمام غالب هو إمام المسلمين بالبيعة العامة الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين ومن أنكر هذا فقد أنكر الحق وإنكار الحق مروق من الدين والخروج عنه مروق من الدين ومحاربته مروق من الدين ومفارقة لما عليه المسلمون واتباع لغير سبيل المؤمنين ومن امتنع من تسليم ما جاء مدداً للمجاهدين من مال أو سلاح فقد امتنع عن أداء الحق وهذا مما قال فيه المسلمون أنه منع الحق ومانع الحق إن لم يتب ويرد الحق إلى أهله وجب القضاء فيه بما قاله العلامة عمروس (1/90)
صفحة 91
ابن فتح رحمه الله لأبي منصور إلياس بن منصور عامل الإمام عبدالوهاب على جبل نفوسه رحمهم الله أذن لي في ثلاث وإلا خذ عني خاتمك وكان قاضياً على نفوسه مانع الحق يقتل والطاعن في الدين يقتل، والدال على عورات المسلمين يقتل هذه المسائل الثلاث يستتاب صاحبها فإن لم يتب فإنه ينفذ فيه حكم الله.
أما من حارب إمام المسلمين ولو بشيء من سوء القول فقد أعان على هدم الإسلام وهو كفر إذ توهين إمام المسلمين توهين للدين والقول السيء في إمام المسلمين أو جيشهم أو قوتهم هدم لكيان المسلمين وعون للعدو على المسلمين وهذا من الخيانة لله ولرسوله وكذلك من فر من صفوف المجاهدين: فإنه قال الله سبحانه فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير، والذين يكتبون ما يضعف شأن المسلمين أو يمكن العدو من المسلمين خائنون لله ولرسوله إن لم يفيئوا وجبت البراءة منهم وذلك تفريق لكلمة المسلمين وهو كفر، والخروج عن افجماع كفر وقد أجمع المسلمون على بيعة إمام المسلمين فمن تخلف عن البيعة او ناوئ الإمام فقد كفر وجب عليه الإنابة إلى الحق إن كان مسلماً قبل أن يحل به الموت وهو على براءة المسلمين فنعوذ بالله من سوء الخاتمة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
(أبو إسحاق) (1/91)
صفحة 92
ترجمة الرئيس الحميري
حاكم الجبل الأخضر:
هو الرئيس المعظم والهمام المكرم القائم بحرية الوطن الشيخ الزعيم حمير بن ناصر ابن سيف بن سليمان بن حمير بن محمد بن عبدالله بن سليمان بن بلعرب بن سليمان ابن محمد بن صلت بن راشد بن إحياء بن حمد بن محمد بن صلت بن حمير بن نبهان ابن حافظ بن سليمان بن سليمان بن مظفر بن سليمان بن نبهان بن كهلان بن نبهان ابن محمد بن نبهان بن عمرو بن نبهان بن كهلان بن نبهان بن محمد بن عمر بن ذهل ابن نبهان بن عثمان بن أحمد بن زياد بن محمد بن المغيرة بن زياد بن البحتري بن ذهل بن زيد ابن الكعب بن الكبيد بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن مزيقيا بن عامر ماء السماء بن الحارث الغطريف بن امرؤا القيس البطريق بن ثعلبة البهلول ابن مازن زاد الراكب بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زياد ابن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن النبي هود عليه السلام.
هذا الأمير الجليل هو الذي أحيى رسم الإمامة بعمان بعد إندراسه وقام لإستعادة مجدها الباذخ بعد ذهابه وآوى نور الدين السالمي وزميله العلامة المالكي ومن عندهما من المسلمين والألسنة والأقلام شاهدة بمقامه.
ولد هذا الأمير في عام 1291 هـ وتوفي أبوه الشيخ ناصر بن سيف يوم 19 والإثنين من ذي القعدة عام 1294 وهو ابن ثلاث سنين فنشأ واخوته محمد وامراش وحارب في حجر عمهم الشيخ سليمان بن سيف النبهاني وكان حمير أصغر إخوته سنا وكلن للشيخ سليمان أولاد ثلاثة سيف وحمدان وسعود فسعى ذوو الإرادة بينهم فوقعت البغضاء وثارت الشحناء وما زال الإخوة يحسد بعضهم بعضاً حتى أوقع بهم عمهم الشيخ سليمان في عام 1306 بحصن تنوف فقتل في تلك المعركة محمد وامراش (1/92)
صفحة 93
ووالدتهم وبقي حارب وحمير فسقي حارب السم فمات وبقي حمير منفرداً فعملوا المكيدة للغدر به فتلقى خبر ذلك من المأمورين بالفتك به وأزعجوه إما أن ننفذ فيك ما أمرنا به وإما أن تعاجلهم فرأى أن لا محيص من ارتكاب إحدى المشقتين ولما كانت ليلة ثاني من ذي الحجة عام السادس عشر وثلاثمائة وألف سنة 1316هـ خرج الشيخ سليمان وبنوه الثلاثة للسمر بعد المغرب كعادتهم في مجلس قدام باب الحصن وقد كمن لهم حمير ومن عنده فرموهم بالرصاص من أعلاهم فأصيب الشيخ سليمان وابنه سيف وهرب الشيخان حمدان وسعود إلى بيت السليط بنزوى وإلى بيت البركة فقبض عليهما وبقي الشيخ حمير رئيساً على تنوف والجبل وما تعلق بهما وكل يلتمس غرة الآخر حتى خرج الشيخ حمير إلى بلد الحمراء للتعزية في الفقيد الشيخ حمد بن محسن أمير العبريين وقد نصب له بنو عمه مكيدة ارسلوا جامودياً من وقمهم فأثار عليه الرصاص في نجد المصلى بين تنوف والحمراء فأصابته في كتفه ولم تؤثر فيه تأثيراً قوياً فأخذه الحنق فقام على بلد البركة وحصر حصنها وكان فيه الشيخ محمد بن سالم الرقيشي بالنيابة عن الشيخين فخرج من الحصن بعد حصار شديد وبعدما أثير عليه من
البارود وبإفتراق الأمراء أختل نظام ريام فافترقوا وعاثوا في عمان ونهبوا أموال العباد واتجروا بالأحرار حتى أنهم قبضوا على جندي من جنود السلطان فيصل الذين بحصن أزكي وباعوه فطالبهم السلطان بالإذعان لأمره فأبوا من الإنقياد له.
هزهم بأس نزاري متى بردت نار الخصومات وقد
فجهز السلطان فيصل جيشا جعل القائد فيه خادمه (الوالي سليمان ابن سويلم) ورئيسه الشيخ عبدالله بن سعيد وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة السلطان فيصل وأقبل الشيخ حمير إلى أزكي وقت زحمة الجيش شادا لعضد قومه مخاطباً للوال في ترويج صلح يتفق عليه الكل فغدر بنو توبة وهم فرقة من (ريام) فخرجت خارجة منهم إلى الشيخ سعود بن سليمان وكان بالجبل الأخضر فأتوا به (1/93)
صفحة 94
واستحلوا بيت البركة من عسكر الشيخ حمير فما شعر الشيخ إلا والبركة قد خرجت من يده فكان من حظ السلطان أن استشاط غضباً وخرج بمن معه إلى تنوف وترك مناصرتهم وخلى بينهم والسلطان فقام الحرب على على ريام ونهض الشيخ سعود بواجب قومه وتقدم إلى إزكي لمقاومة الوال فدس السم له فما لبث أن مرض سريعا فحمل إلى البركة فمات فيها وأقيمت حرب أخرى من جانب السلطان على سمد نزوى وبها الشيخ حمدان بن سليمان شقيق سعود المسموم وإبن عم الشيخ حمير فانتزعت منه سمد نزوى وأخرج من بيت السليط فرجع إلى البركة أما الشيخ حمير فبقي على إمارته حاكما على ما تحت يده. حتى منَّ الله على العمانيين بمناصرته لعلمائها واستقلال البلاد على يديه.
توفي الشيخ حمير بعدما ترك المآثر الحميدة والشرف الخالد يوم الجمعة السابع من شهر جمادى الثانية ودفن بتنوف بجوار العلامة نور الدين السَّالمي. وترك إبنه الشيخ سليمان صغيراً وعمره يومئذ 13 سنة ولم يكن له في العقب سواه. وسليمان هو الذي قام بمناصرة الإمام الخليلي فكان أحد أقطاب الدولة وأحد الزعماء الأركان المؤسسة لحياة الشعب ونظام الوطن ولسان حاله ينشد:
وإذا إفتخرت بأعظم مقبورة ... فالناس بين مكذب ومصدق
فأقم بنفسك من فعالك شاهداً ... بحديث مجد للقديم محقق
قام هذا الشيخ أحسن قيام بأحسن نظام في مناصرة الإمام فشكرته الأمة والأئمة لما بذله من إجلاء الغمة في كل موقف وكشفه لكل محمة تحدث. ولما بذل وشخص فانه طمحت نفسه ورمقت عينه إلى ما هو أكبر من هذا ولا ريب فإنه من بني نبهان فرأى في نفسه الطموح للرئاسة ووسوس إليه شياطين الإنس الذين يحبون صدع العصا واتباع الهوى شبها تعكر الجو فبقي يرغم نفسه فيقرعها ويتبعها حينا آخر وعلى كل حال فما تخلف عن نصرة إمامه في كل موطن إلا في واقعة نخل فإن المتعصبين للباطل ثبطوه وأوهموه في قتل الشيخين أحمد وخلفان ابني ثنيان حتى ظفروا ببغيتهم (1/94)
صفحة 95
فلم يتحرك في تلك الثورة وتدارك أمره بعد إنتهاءها فأقبل إلى إمامه بجنوده وأدركه بنخل فقرب إليه البغات الخارجين عليه كما ستجده
أيها القارئ في محله إن شاء الله.
ولما انتشرت الدعاية لسلطنة مسقط بعمان وبث وزير الخارجية كتبه إلى العمانيين في عام 1357 هـ كان هذا الأمير ممن إستنفروه واستفزوه فرغب في الدخول فيما دخل فيه الشيخ عيسى فاستأذن الإمام فرأى منعه فامتنع في أول مرة ثم كررت مسقط الطلب فاستأذن ثانية فحجر الإمام عليه فامتثل وفي نفسه ما فيها فأشترط أن يكون المنع شاملا للعمانيين وإلا فلا لوم عليه بعد ذلك فلبث متأخراً إلى شهر جمادى الآخرة عام 1363هـ.
ثم خرج إلى الشرقية ثم إلى جعلان ثم إلى ضنك وفي صحبته إبنه سلطان ابن سليمان وياسر بن حمود المجعلي وأعيان قومه فاجتمع بالأمير علي بن عبدالله آل حموده وتبادلا الآراء بينهما في مقابلة السلطان فلبث بصور سبعين يوما، والسلطان ذلك الوقت بظفار، وقد بلغه الخبر فتريث مكانه ليفهم الناس حالة الزائر وما يتطلبه، وفي اثناء تلك المدة اتصل السلطان بجزيرة مصيرة قريباً من صور ثم رجع منها إلى ظفار مرة اخرى وأرسل للشيخين من مصيرة بواسطة سفيرهم خميس بن سعيد السنيدي معاشا وأن يكونوا مكانهم حتى يرجع، ولما رجع من ظفار اجتمع بهم في ساحل صور ثم توجه إلى مسقط وأرسل إليهم الوالي إسماعيل الرصاصي، مرحِّباً بهم فخرجوا في صحبته وصحبتهم أعيان ساحل صور فأجازهم واكرم نزلهم.
على أثر هذه سرى في العمانيين التنافس والتحزب بالباطل والتعصب لغير الحق فكان الشيخ سليمان يجمع أعيان الغافرية ومن تبعهم مرة بنخل ومرة بإمطي وامكنة أخرى ليكونوا عنده وقت الحاجة والشيخ محمد بن عيسى داعية للسلطان يمهد له الأسباب ويفتح له الأبواب وبعده قام أخوه صالح بذلك، وخرج إلى الظاهرة وأرض الشمال ليكونوا حزبه عند الضرورة.
وجاء الشيخ سليمان بسيارات وهي أول ما دخل عمان الداخلية فطلب مشايخ (1/95)
صفحة 96
الحرث من الإمام منعها فلم ير الإمام ذلك فحركوا وهيبة لصدعها من دخول سيوحهم وقرروا مؤتمراً ببلدة سناو يرأسه الشيخ أحمد بن محمد بن عيسى، وجاء سفيرهم محمد بن سلطان بن منصور الغفيلي إلى الإمام ببهلا، وقت الفتنة بين بني شكيل وبني هناه فلم يجبه الإمام على طلبه ولم ير وجها لمنعها ومثل هذا كثير أصبح كل يعمل ضد صاحبه ويهدم بناء الثاني، وبهذا حصل الإنحلال والتفاقم وتضعضع ركن الدولة وطمح فيها الغافل وعين الخصم لا تنام.
ترجمة اولاد الشيخ هلال بن زاهر الهنائي
هو هلال بن زاهر بن سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن خميس ابن خلف بن مبارك الهنائي ينتمون إلى هناة بن مالك بن فهم.
نذكر أسماء المساعدين على النهضة العمانية منهم:
محمد وعبدالله وعلي وخالد بني هلال بن زاهر وزاهر بن غصن بن هلال وسالم وسعود ابني بدر بن هلال.
كانت لآبائهم سابقة بعمان فقد ذكر أهل السير ما كان لأبيهم مالك بن فهم من المآثر وما كان لبنيه من بعده وما كان من الأهيف بن حمحام في حروبه وما كان من سيف بن محمد في أيام الإمام ناصر بن مرشد. وخلف بن مبارك المعروف بالقصّير في حال إمامة محمد بن ناصر إلى غير ذلك وأذكر الآن طرفاً من مآثر الشيخ هلال بن زاهر ليتمتع بها القارئ.
كان هلال في أيامه قد فاق الأقران وطار صيته بالبلدان حتى غنه ابتز قلعة نزوى من يد السيد حمد بن سيف البوسعيدي وبقى بها حاكما أرعة عشر سنة وكانت له حروب لاقى فيها الأهوال وزاحم بها الأبطال وما أشبهه بالمهلب بن أبي صفرة في الصبر وعدم الضجر وقلة السآمة وكان بنوه كالحلقة المفرغة لا يدرى أي طرفاها وهم محمد وبدر وعبدالله وعلي وغصن وخالد.
وقعت بينه، وجيرانه العبريين حروب أسبابها أن الشيخ هلال على (1/96)
صفحة 97
ما هو عليه من الإقدام والشجاعة أخذ يكابر ابن عمه سعيد بن محمد بن سعيد وكان سعيد هذا أمير في بني هناة ذلك الوقت فاستقل هلال ببلد العارض من كدم فاستعان عليه سعيد بالشيخ محسن بن زهران العبري أمير العبريين. فقام عليه فأحاطوا بهلال، ومن معه في برج العارض فخرج منها على واسطة الشيخ سليمان بن سيف النبهاني في شهر محرم 1276 هـ وما زالت حالته وابن عمه على ذلك حتى توفي الأمير سعيد في حادي شوال سنة 1282 فاشتد ساعد هلال وعظم أمره فوقع الشقاق بينه وأولاد الشيخ سعيد فاستعان أولاد سعيد بالشيخ محسن كما كان يستعين به أبوهم من قبل فاجابهم إلى ذلك قياماً بالصحبة ولانه يحاذر من هلال متى استفحل أمره وقد كان منهم ما كان في جانبه فدخلوا بلاد سيت عاصمة بني هناة يوم الأثنين 11 صفر سنة 1283 وأخذوا البرج الذي فيه الشيخ هلال وإخوته وأخرجوهم من البلد فتحيزوا بوادي سيفم، واستولى الشيخ محسن على غمر وهي بليدة صغيرة لبني هناة قريبة من الحمراء وبها محلة مانعة وفاض إلى وادي العلا وهو واد لبني هناة.
فوقعت بينه وهلال ملحمة قتل فيها كثير من العبريين وانهزموا عن الوادي فبقى الوادي بيد أهله وظن الشيخ محسن أن هلال لا يستطيع شيئاً بعد تتابع هذه الحوادث عليه فاهمل الحزم، وإذا رفع له عنه شيء لم يلق له بالا وبينما هلال يلتمس الفرصة ويظهر لبني شكيل الصداقة واللين فواثقوه على ذلك لما بينهم والشيخ محسن من التنافس على بهلا واستبداده في تولي أمر أولاد راشد بن حميد فإنه أبقى لهم الإسم وله السيطرة فاجتمع هلال وبنو شكيل وخدام اولاد راشد بن حميد بيبرين وكانوا يدا واحدة وخرج الشيخ فأجتمع محسن بجيشه وأقام ببهلا، ولما قدم هلال بمن معه خرج لملاقاتهم المقدام حمود بن الشيخ محسن فتصادم الجمعان خارج سور بهلا سهيلي اللجيلة فكانت وقعة يشهد لها التاريخ قتل فيها الشيخ حمود بن محسن وقتل معه من صناديد الرجال ومشاهير الأبطال قسور بن خلفان العبري وسالم بن سيف بن خميس وصقر بن محمد بن سالم وخميس بن مفتاح وجملة أناس من العبريين وأهل بهلا من أولئك كذلك (1/97)
صفحة 98
وما طالت الأيام حتى قام الشيخ هلال لإسترجاع بلدة غمر من يد الشيخ محسن وعنده حروة ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فدخلها ليلة 12 جمادي الثانية سنة 1283 فجاء الصريخ إلى الحمرا فخرج الشيخ محسن وأخوه محمد وجماعتهم لمقاومة بجنود هائلة وجروا المدافع إليه ورموا المحلة بمدافعهم فتفجرت وتكسرت وبقي الحصار إلى ليلة 12 من الشهر المذكور فهجم العبريون على المحلة وأطلق المحصورون عليهم البنادق ورموهم بالحجارة من تلك السرادق وهم لا ينكصون.
فلما طال الأمر ظن هلال أنّ رصاصهم لم يعمل شيئاً في عدوهم فنزل من حصنه، ودخل في المهاجمين فعرف أن الرماة لم تعمل شيئاً فما أمكنه السكوت حتى يرجع إليهم فناداهم وهو في وسط عدوه إن واطوا الضرب فعرفوا أنه هلال فتصادم القوم عليه والتقى الشيخان هلال ومحسن فتجللا بالسيوف فجرح الشيخ محسن واحتوش هلال ستة رجال من صناديد حكم فأفلت منهم فخارت العزيمة لما جرح الشيخ محسن وكانت الهزيمة على قومه وانجلت الملحمة عن عدد كبير من القتلى في العبريين وعلى أثرها وقع الصلح بين العبريين وبني هناة بواسطة الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري على أن تعود غمر وبلاد سيت إلى بني هناة وفي تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين للشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري: قال إن المقتولين ستون رجلا والجرحى نحو ذلك، ومن بني هناة وبني شكيل عشرون رجلا قال وإنما لم يقتل منهم أكثر من ذلك لأنهم كانوا محتجبين وراء الجدر في أسوار المحلة قال وبهذه الهزيمة ضعفت قوة الوالد محسن وكانت أيامه أيام إقبال ولم تعاكسه الأحوال إلى أن قتل ولده حمود ببهلا ثم وقعت هزيمة بلد غمر انتهى كلامه.
وبعد حادثة غمر استرد هلال الوادي كله، وأخذ يسعى في رقي قومه وعمارة بلدانهم ولم يقتصر على ذلك بل أخذ يفكر في ما هو أعظم من ادخال نزوى تحت سيطرته فحالت دونه الأيام بظهور الإمام عزان بن قيس رحمه الله، وهذا هو السبب الذي حمله أن لا يتساعد مع الإمام رحمه الله بإخلاص ونصح، وبعد موت الإمام حوّل فكرته إليها مرة ثانية فدبر حيلة فوصل نزوى بمن عنده ليساعد حاكمها على الأعراب الذين تجبروا على أهلها، وفي الباطن يبرم حيلة فرأى حاكمها السيد حمد بن سيف بن هلال النصح فقدمه في أموره شيئاً فشيئاً حتى قلده زمام (1/98)
صفحة 99
قلعة نزوى، وكان حمد يسكن ببيت الصاروج وبعد مدة مع هلال حمداً من دخول القلعة فاستيقظ حمد من غفلته ودبر المكيدة بقتل هلال ففشلت، وعلم هلال بذلك فأرسل إليه أن القيام بنزوى ليس من مصالحك فخرج إلى مسقط فصفى الجو لهلال.
وكانت بين هلال والشيخ سليمان بن سيف النبهاني حروب بنزوى إذ كان هلال أميراً على السفالة وبيده قلعتها، والشيخ النبهاني أمير على سمد وهي علاية نزوى وبيده بيت السليط فوقعت بينهم وقائع عظيمة ولا يقل من فقد بها عن ثلثمائة قتيل.
كانت أعمال هلال أفعال الأبطال فإنه عمر الحصون وأجرى الأنهار وغرس الأشجار فمن الأنهار التي أجراها فلج بلاد سيت. حيالة العقبة. فلج وحشا. فلج الغافات. فلج النطالة. فلج العقيصي. فلج القرى وأجرى بوادي العلا فلج الحديث، وحفر بنزوى فلج ضوت المعروف بالقبة. فهذه النهار احد عشر نهراً، وبنى من الحصون ستة وثلاثون حصنا أعظمها جامع سمد الذي هدمه الإمام سالم بن راشد الخروصي. قلعة السويق. قلعتان بفرق نزوى وببلد الغافات، الحصن الغربي، وبيت الزّامه. إلى غير ذلك: غرس من النخيل غحدى وعشرين الف نخلة سبعة آلاف بنزوى، وثمانية آلاف بالغافات وسبعة الآف ببلاد سيت وكانت وفاة الشيخ هلال بن زاهر بالقتل على يد سيف بن حمد البوسعيدي بنزوى سنة 1312هـ ثم ولي الأمر من بعده إبنه بدر بن هلال وأقام سنتين حتى قتله بنوا شكيل، وبعد قتل بدر ضعف أمر إخوته والدنيا أضداد فجهر السلطان فيصل بن تركي خادمه الوالي سليمان بن سويلمْ، وأحاط ببلد الغافات وعنده الغافرية وقام أمير بهلا ناصر بن حميد لتدمير فلج بلاد سيت وأحاط أهل سفالة نزوى، ومن عندهم بقلعة نزوى فحصرهم بها وكل ذلك في وقت واحد، وكان الشيخ عبدالله بن هلال وإخوته صغاراً فسلموا القلعة لينقذوا بلادهم.
ترجمة رئيس النهضة العمانية
هو والدنا السيد العميد المحقق المجتهد المطلق الولي نور الدين عبدالله بن حُمَيْد بن سُلُومْ بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي من بني ضبة وبقية النسب معروف عند أهل الأنساب. (1/99)
صفحة 100
ولد ببلد الحوقين بلدة من أعمال الرستاق وبها منازل قومه وأهله ونشأ بها وقرأ القرآن العظيم عند والده رضي الله عنهما.
كف بصره رحمه الله وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكان في صباه حافظا قوي الذاكرة لا يكاد يسمع شيئاً إلا وعاه وهي خاصية أودعها الله فيه وقد ذكر محدثاً بنعمة الله هذه انه يحفظ وهو ابن أربعة أشهر أو دونها تحريا.
ثم خرج من الحوقين لطلب العلم المحمود إلى الرستاق فتتلمذ للشيخ راشد بن سيف اللمكي عالم الرستاق ونواحيها في ذلك الزمان وأدرك الشيخ عبدالله بن محمد الهاشمي وأخذ عنه فهو أحد شيوخه الفضلاء.
نبغ في علم المعقول والمنقول واشتهر عند أهل عمان بالطلب وجودة الذكاء والحفظ النادرين حتى كان في مبدأ أمره أكبر من أشياخه الذين حمل العلم عنهم.
شرع في التأليف بالرستاق عام سنة 1305 هـ ونظم أرجوزة في الجمل وشرحها وهي أول ما صنفه، وكان سنه ذلك الوقت سبعة عشر سنة، وشرع في التدريس في سائر الفنون العلمية.
ثم هاجر إلى الشرقية سنة 1308 هـ ثمان وثلثمائة وألف لما يسمعه من أخبار الشيخ صالح علو صيته، وما يحاوله من إعادة الإمامة بالقطر العماني ثم عزم عليه الشيخ الصالح أن يستوطن القابل فأمتثل أمره ولبث عنده معاضداً له يلتقط من فوائده ويستخرج من فرائده. فكان الشيخ صالح أحد شيوخه الذين أخذ عنهم العلم وأوتي حظا وشهرة في العلم فضربت إليه أكباد الإبل ووفد إليه الأخيار من سائر النواحي ودرس في سائر فنون العلم كالتفسير والحديث وأصول الفقه وأصول الدين والنحو والمعاني والبيان والمنطق ودام على ذلك الحال إلى أن توفي الشيخ صالح ثم عاضد بعده إبنه الأمير عيسى بن صالح وساعده في تدبير أمور عمان وسياسة الإمارة وأبدى في ذلك من حسن السياسة وعلو الهمة كل عجيب. (1/100)
صفحة 101
أخلاقه وشمائله: كان رضي الله عنه شديد الغيرة في ذات الله تعالى لا تأخذه قيه لومة لائم يقول الحق وينطق بالصدق مشهور بالبسالة والصلابة كثير الرد على من خالف ملة الإسلام مشغول البال بأمته يفرح بما ينفعها ويحزن لما يضرها وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين.
لا تخلو مشاهده الكريمة من فائدة دينية او عائدة دنيوية او شارد أدبية مشتغلا بتدريس العلم والتأليف والفصل بين الخصوم بالحكم الشرعي.
كان خطيباً منطقياً يرتجل الخطب الطوال في المجامع والمحافل حسب ما يقتضيه المقام من السعي في إصلاح المة وجمع الشمل يرغب ويرهب بأبلغ بيان وأفصح لسان.
كان جوادا سخياً قلّ ما أكل طعاماً وحده لإزدحام الضيوف بناديه وكثر ملازميه المغترفين من فيض أياديه يقدم للضيف ما حضره بلا تكلف ولا بطر كثير التفقد والتعرف على حاجة اخوانه وتلامذته ليواسيهم.
كان قد ظلف نفسه عن التوسع في الدنيا والسكون إليها قليل التعلق بتبعاها وشواغلها العائقة عن طريق الآخرة.
كان عظيم الهيبة لا ينطق أحد في مجلسه إلا أن يكون سائلا أو متعلماً أو ذا حاجة جدية ولقد رأى ذات مرة خصما يتعنت خصمه، وقد قهره بفضول منطقه وكان الشيخ يحاول الصلح بينهما فلما رأى ذلك المتعنت زجرهما، وقال هلما إلى الحكم وضرب بعصاه أمامه، وكانت سوداء من حطب الأبنوس فما هو إلا أن سلم ذلك المتعنت المر وصالح خصمه فعوتب بعد ذلك فقال إني خفت من تلك العصا السوداء ومناقبه كثيرة العد.
كان رضي الله عنه الركن الأعظم في إعادة الإمامة إلى عمان ونيلها المرتبة العليا شديد الحرص على النهوض بالأمة العمانية، وإستعادة مجدها الباذخ الذي أباده التحزب والإختلاف دهراً طويلا وذلك دأب العلماء العاملين في كل حين. (1/101)
صفحة 102
كان يكثر من تلاوة هذه الآية في المحافل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الآية وغيرها من الآيات المشوقة للجهاد المرغبة لدار المعاد.
كان عفى الله عنه كثير التضرع إلى الله فتراه في بعض الأحيان في مجلسه او في الطريق أو في مصلاه، وقد رفع يديه إلى السماء قائلا: لبيك اللهم لبيك ثم يبسط يديه ويقول اللهم اجمع الشمل وألف بين القلوب وأيد الكلمة، ونحو ذلك من الأدعية التي يرجو بها نظام المسلمين، وتجد ذلك في أجوبة المسائل عنه إذا ما تاملتها.
كان كثيراً ما يقول: اختبرنا الله فوجدنا كاذبين.
يتأوه كثيراً لما يراه في الناس من الإختلاف، وعد الجد فيما يعود على حياتهم بالسعادة، ولما يراه من الفساد في البلاد فتراه قد قطع حديثه وتنفس الصعداء قائلاً: ذهب الوفاء. ذهب الدين. ذهبت المروءة. ذهبت الغيرة. ذهبت الحمية طبع فينا الخصم طلبنا بالمكائد. نصب لنا الحبائل فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن قوله:
حرب النصارى اليوم بالدواهي ... والكل منا غافل ولاهي
فيأخذون الدار بالخدايع ... وإنها أقوى من المدافع
وكثيراً ما يتمثل بقول دعبل.
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم إني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا
ويكرر قوله ولكن لا أرى أحداً لما يجيش في صدره من المور التي لم يجد من يساعده على القيام بها ويكثر الدعاء على النصارى والمستعمرين في اكثر مجالسه ومن أدعيته الجامعة اللهم خذ أعداء الدين وارددهم على أعقابهم خاسرين خاسئين.
منزلته في العلم والأمة: كان رحمه الله أحد أقطاب الأمة المجتهدين محققاً جليلا جامعاً للمنقول والمعقول معروفا بغزارة العلم والإجتهاد. إليه انتهت رئاسة العلم لعمان (1/102)
صفحة 103
في زمانه ويظهر ذلك من تآليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية وكانت بينه وبين علماء المغرب وبعض علماء مصر مراسلات ومواصلات وأبحاث حسنة ولا سيما الإمام القطب محمد يوسف أطفيش رحمه الله؛ فإن بينهما من المراسلات والإتصال ما لا يخفى، ودرّس القطب رضي الله عنه تلاميذه مؤلفاته وأعجب بها واثنى على مؤلفها ودعى له بصالح الدعاء.
ويحسن هنا أن نذكر سؤالاً وجواباً صدر إليه من حضرة الباشا سليمان إبن عبدالله الباروني لما كان بمجلس الأعيان وهذا نصه:
المرجو من حضرتكم أيها الإستاذ الذي سنعتمد على أقواله وأقوال أمثاله ممن تمسك بالمذهب المحترم إمعان المقالة المحررة تحت عنوان الجامعة الإسلامية في جريدة الأسد الإسلامي الآتية إليكم مع هذا.
ثم بعد إطلاق الفر بحثا وراء عين الحقيقة نطلب ابداء ما اقتضاه نظركم السامي عن الجواب عن الأسئلة الآتية بإيجاز غير مخل بالمراد خدمة للجامعة والدين ولحضرتكم الثواب والشكر ويكون الإمضاء هكذا حرره فلان البالغ من العمر كذا سنة في البلدة الفلانية شهر كذا سنة كذا.
هل توافقون على أن من أقوى أسباب إختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها.
على فرض عدم الموافقة على ذلك فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق.
على فرض الموافقة فهل يمكن توحيدها والجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الإتحاد من كل شيء.
على فرض عدم إمكان التوحيد فما المر القوي المانع منه في نظركم وهل لإزالته من وجه.
على فرض إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر في كم سنة ينتج. كم يلزم له من مال تقريباً. (1/103)
صفحة 104
كيف يكون ترتيب العمل فيه. وعلى كل حال ما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعا وسياسة مصلح أم مفسد.
ما الدليل القاطع على منع الصور التي لا ظل لها مما يرسم على الورق مثلا من صور الملوك والجيوش لحسن المقصد.
أجابه نور الدين بما نصه:
الجواب: قد نظرنا في الجامعة الإسلامية فإذا فيها كشف الغطاء من حقيقة الواقع فلله ذلك الفكر المبدئ لتلك الحقائق.
نعم نوافق على ان منشأ التشتت هو إختلاف المذاهب وتشعب الأراء هو السبب العظم في إفتراق الأمة كما اقتضاه نظرك الواسع في بيان الجامعة الإسلامية وللتفرق أسباب أخرى منها التحاسد والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة ومنها طلب الرئاسة والإستبداد بالأمر، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أول الأمر في أيام علي ومعاوية؛ ثم نشأ عنه الإختلاف في المذاهب، وجمع المة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمراً كان ((لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) والساعي في الجمع مصلح لا محالة وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك اللقاب المذهبية ويحثهم على التسمي بالإسلام فإن الدين عند الله الإسلام فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال ثم يظهر شيئاً فشيئاً فيصير الناس إخوانا ومن ضل فإنما يضل على نفسه ولو إستجاب الملوك والمراء إلى ذلك لأسرع في الناس قبوله وكفيتم مؤنة المغرم وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسر والمغرم ثقيل، وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة ومقصد الخاص والعام حرم الله الآمن لأنه مرجع الكل، وليس لنا مذهب الإ الإسلام فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً ونرد الباطل على من جاء به، وإن كان حبيباً، ونعرف الرجال (1/104)
صفحة 105
بالحق فالكبير معنا من وافقه، والصغير من خالفه لم يشرع لنا ابن أباض مذهباً وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق. أما الدين فهو عندنا لم يتغير ولله الحمد.
أما التصوير لذي الروح فإنه حرام. كان للمصور ظل أو لم يكن له لحديث النمرقة عند الربيع ومالك، والبخاري ومسلم وفيه إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم إحيوا ما خلقتم، وكانت الصورة في النمرقة ومن المعلوم إنه لا ظل لها وفي حديث ابن مسعود عند أحمد. إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون وهو عام يتناول ما كان له ظل وما لم يكن، ولا خلاف في منع ذلك، وإنما الخلاف في استعماله. إذا كان رقما في ثوب او استعمل للامتهان دون تصويره، ومحل المنع صورة ذي الروح فقط والله أعلم. من عبدالله بن حميد السالمي البالغ ثلاثا وأربعين 43 سنة تقريباً الساكن القابل من شرقي عمان سنة 1326 هـ.
وإنما نقلنا هذا الكلام بأسره لما فيه من الفوائد ولتعرف ما عليه هذا الشيخ من التيقظ لمراعاة الإسلام وأهله. فإنه كان عميد المسلمين وقدوتهم في عمان وزهرت في أيامه بالعلم والعلماء والمتعلمين.
تلاميذه: ومن حمل عنه العلم: قال الشيخ أبو إسحاق غبراهيم أطفيش أبقاه الله تلاميذه كثير ولا نبالغ إذا قلنا أن رجال العلم اليوم بعمان كلهم من تلاميذه وقد نبغ منهم كثير وفي مقدمتهم الأفخم المؤيد امام عُمان أبو عبدالله محمد بن عبدالله ابن سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي بويع بعد وفاة شيخه. قال وبقية العلماء من تلاميذه كثيرون وحسبك أن صفوة المة هنالك والذين قامت عليهم الإمامة والملك هم تلاميذه، وهذه الروح التي نفخها فيهم حتى كانوا حمى الدين والأمة من اكبر الشواهد على إخلاصه وعلو شأنه ومكانته رحمه الله. انتهى كلامه وهي شهادة من عالم عامل. ومشاهير تلاميذه كثير: (1/105)
صفحة 106
منهم الإمام العادل الزاهد سالم بن راشد الخروصي فقد كان ملازماً له منذ راهق الحلم إلى أن عقد عليه الإمامة العظمى.
ومنهم العلامة الأمير عيسى بن صالح أحد علماء عمان وله الفخر الكبير في تأييد النهضة الحالية.
ومنهم العلامة الجليل رئيس القضاة بعمان أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود الذي هو من بني مالك: كان معاضداً لشيخه في حلو الزمان ومره وله التآليف الضخمة.
ومنهم الزعيم الباسل العلامة أبو زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي الأزكوي عامل الإمامين الخروصي والخليلي على بهلا. كان يكتب عن شيخه مسودات التآليف.
ومنهم الشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي شقيق الإمام سالم وقاضيه وعامله على الرستاق والعوابي وتوابعهن كما أنه عمل للإمام الخليلي وهو عالم مجاهد غيور.
ومنهم أبو الخير عبدالله بن غابش النوفلي بالولاء. كان عالماً عاملا ورعا فاضلا ولي القضاء للإمامين الخروصي والخليلي. واستعفى آخر عمره شفقة على نفسه من تحمل ذلك. توفي رضي الله عنه والمسلمون عنه راضون.
ومنهم الشيخ سليمان بن سيف الحميري من حمير. كان أعلم أهل مصره بعلم الآلة طلبه أهل زنجبار من شيخه أن يكون مدرساً لهم فأسعفهم شيخه وأرسله إليهم.
ومنهم العلامة أبو عبيد حمد بن عبيد السليمي السمائلي وهو من أجل علماء عمان اليوم دراكة وفهامة، وقد أصيب آخر عمره بالعمى. عمل للإمامين الخروصي والخليلي وتقلد القضاء بسمائل وبدبد وفنجاء وتوابعهن.
ومنهم الشيخ العلامة سيف بن حمد بن شيخان الأغبري جمع علماً كثيراً وعمل للإمامين على منح وإزكي ودما والطائيين ونواحيها.
ومنهم الشيخ العالم سعيد بن احمد الراشدي. كان مسارعا للخيرات معروفا بالسكينة والوقار تاركا لحظوظ النفس ومتصفا بالكمالات الإنسانية مجداً في تحصيل (1/106)
صفحة 107
العلم النافع وفي الإستفادة والإفادة فيه ومهر في العلم مع صغر سنه ومات بعد أن شرع في التصنيف وقد توفي سنة 1314 هـ في حياة شيخه وهو ابن نيف وعشرين سنة.
ومنهم الشيخ الضرير سالم بن حمد البراشدي من علماء الآخرة ولياً تقياً تقلد القضاء للإمامين على بلدة سناو وما حواليها.
ومنهم أبو شيذان عامر بن عُلَيْ الشيذاني مشمر في العلم فقيها ورعا حصورا لم يقبل أن يتقلد شيئا من الأعمال لزهده.
ومنهم ملك الفصاحة بعمان شيخ البيان محمد بن شيخان السالمي ابن عم نور الدين كان نابغة زمانه إليه مرجع المشكلات في علوم الآلة من النحو والمعاني والبيان والمنطق تشهد بذلك عبقريته الشعرية وقد كان سخياً كريماً.
ومنهم سليمان ابن حامد البراشدي وهو من قضاة الإمامين عمل لهما على أبرا ووادي بني معولة بن شمس.
ومنهم قسور بن حمود الراشدي من أهل القريتين وقد استعمله الإمام الخروصي على منح فقلد الولاية والوقضاء وفي عصر الإمام الخليلي خرج إلى أفريقيا.
ومنهم القاضي الجليل أبو الوليد سعود بن حمد بن خليفين كناه الإمام الخليلي شمس القراء وداهية العلماء عمل للإمامين الخروصي والخليلي وتقلد القضاء نحواً من خمس وثلاثين سنة جمع علماً ودهاء وذكاء.
هؤلاء مشاهير تلاميذه والذين تحت طبقتهم كثير بل لا تجد عمانياً له ادنى مسكة من العلم إلا وقد إغترف من ذلك البحر والتقط من ذلك الدر بحسب ما قسم له الواهب من المواهب ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
تآليفه:
منها أنوار العقول أرجوزة في أصول الدين.
ومنها بهجة الأنوار شرح على هذه الأرجوزة وهو مختصر طبع بهامش الجزء الأول من طلعة الشمس. (1/107)
صفحة 108
ومنها مشارق أنوار العقول شرح آخر عليها وهو مطول كافل بالمقصود من أحسن كتب الأصول تحقيقاً وتحريراً وتنسيقاً قال القطب رحمه الله لما وقف عليه لقد أمعن صاحب المشارق.
ومنها غاية المراد أرجوزة في نظم الإعتقاد شرحها العلامة سليمان بن محمد الكندي شرحا مفيداً.
ومنها شمس الأنوار ألفية في أصول الفقه شرحها شرحاً نفيسا سماه طلعة الشمس جزآن طبعا بمصر أنفس ما ألف في أصول الفقه وقد درس فيه قطب الأئمة تلاميذه.
ومنها شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري من أئمة القرن الثاني وهو في ثلاثة أجزاء طبع الأول والثاني بمطبعة الأزهار البارونية.
ومنها مدارج الكمال نظم مختصر الخصال لأبي إسحاق الحضرمي وهي أرجوزة مفيدة جداً تربو على ألفي بيت في الفقه.
ومنها معارج الآمال شرح على هذه الأرجوزة في أسلوب غريب يحمل معنى الأبيات في مبادئ الشرح ثم يعقبه بالمسائل المتعلقة بذلك من الأثر ويقرنها بالأدلة ثم يذكر تفاريع المسألة ويردها إلى أصولها ثم ينبه على ما اقتضاه المقام من الفوائد ويرد إليها ما كان من تلك القواعد بعبارت رائعة حتى أن المسألة تصلح أن تكون رسالة مستقلة لو أفردت ومحاسن هذا الكتاب لا يعرفها إلا من وقف عليه كمل منه ثمانية أجزاء ضخام آخرها الصوم والإعتكاف وكان يحرزه أن ينوف على عشرين جزءا قطعته العلائق عن إتمامه والكمال عزيز.
ومنها جوهر النظام أرجوزة في الأديان والحكام والأخلاق والحكم تزيد على أربعة ألف بيت في أربعة أجزاء طبع بمصر مرتين وشهرته كافية عن التعريف به. (1/108)
صفحة 109
ومنها تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان وهو تاريخ تكفل ببعض أحوال أهل عمان منذ أنتقال العرب إليها إلى وقت إمامة الخروصي سالم بن راشد.
ومنها الفتاوى عن نوازل عمان وغيرها في مختلف الفنون وقد بلغت سبعة أجزاء ضخام والثامن لم يكمل وهي مسائل منثورة غير مرتبة أسأل الله أن يمن عليَّ بالإعانة على ترتيبها.
ومن هذه الفتاوى كتاب حل المشكلات وهو الرابع من أجزاء الجوابات حل فيها ما أشكل على تلميذه الكبير أبا زيد عبدالله ابن محمد الريامي وذلك أنه أشكلت عليه مسائل في الأثر فجمعها وطلب من شيخه نور الدين الجواب عنها فأجابه بما يشفي الغليل من واضح الدليل وهذا الجزء قد رتبه حال الجواب على الأسئلة.
ومنها المنهل الصافي في العروض والقوافي أرجوزة رائقة تنوف على ثلاثمائة بيت أولها:
حمدا لمانح العطا الجزيل وفاتح العروض للخليل
وقد شرحها شرحاً لطيفاً مقنعاً.
أما الرسائل فكثيرة نذكر ما شهر:
منها تلقين الصبيان وهي رسالة مفيدة فيما يجب على الإنسان من الإعتقاد بالجنان والعمل بالأركان وهي أول ما يقرأها أهل عمان أولادهم وقد أشتهرت شهرة كافية.
وله في النحو رسالة بلوغ الأمل في الجمل الثلاث رجز مفيد جدا شرحه شرحاً مختصراً وهو أول ما ألفه هذا الشيخ.
ومنها شرحه على العمريطيه أرجوزة ليحيى العمريطي شرحا موجزاً كافلا.
وله رسالة الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة طبع بهامش الجزء الثاني من طلعة الشمس. (1/109)
صفحة 110
وله رسالة الحجة الواضحة في الرد على التلفيقات الفاضحة ردّ فيها على من أدعى العلم ومن تعاطى منزلة الإجتهاد من أهل زمانه.
وله رسالة بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود حذر فيها من التشبه بالمشركين من أهل الكتاب وذكر فيها من دسائس العدو ما يوجب النفرة كل من له ادنى إلمام بملة الإسلام وذلك لما بلغه تهافت المسلمين على لباس النصارى والتخلق بأخلاقهم وهيآتهم أولها: ((يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيمت)).
وله رسالة اللمعة المرضية في أشعة الأباضية رد فيها على من قال أن الفرقة الأباضية حدثت بعد المذاهب الأربعة وانهم لا تأليف لهم أبدى فيها فصل الخطاب والوقوف على محجة الصواب.
وله رسالة الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي بيَّن فيها منزلة ذلك السيد بين أهل الإسلام وله كشف الحقيقة في الرد لمن جهل الطريقة أرجوزة كشف فيها عن حقيقة المذهب.
وله شرح على فيض المنان قصيدة للشيخ سعيد بن أحمد الراشدي
وله ديوان شعر في غاية البلاغة والفصاحة كله حماسه وتحريض على القيام بما يعز الإسلام.
وله كتاب مجموع المناظيم على قاعدة المتون جمع فيه أراجيز فنون العلم أنتخبها وقصائد من أشعار العرب اختارها انتهى ما استحضرنا ذكره من الكتب وهي كافية في معرفة ما كان عليه ذلك الإمام من عظيم المنزلة بين الأعلام
وفاته رضي الله عنه
في اليوم الثامن عشر من شهر صفر من سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة وألف شخص نور الدين رضي الله عنه إلى بلد الحمرا لمناظرة الشيخ ماجد بن خميس العبري رجاء أن يفهم الحجة في مسألة أوقاف القبور وملخص ذلك أن القدوة نور الدين (1/110)
صفحة 111
رأى ما أحدثه الناس من بدعة الوصية للقراءة على القور وتهافت طغام العوام على هذا الأمر المحجور بنص الخبر المشهور فصارت المقابر بالذكر معمورة والمساجد من ذلك مهجورة خلاف ما أمر الله ورسوله فحكم أن الوصية بذلك باطلة من أصلها ومرجع تلك الأموال لورثة الموصي إن وجدوا وإلا وهم مجهولون يتعذر الوقوف عليهم فقضى أن المجهول لبيت المال على أشهر ما فيه من الأقوال وأمر الإمام سالم بإمضاء ذلك الحكم وإنفاذه إذ لا ينفع قول بحق لا نفاذ له فامضاه الإمام سالم وأدخل تلك الموال العتيقة في بيت مال المسلمين لعز دولتهم فشرع في بيع بعضها في حاجة الدولة فلما بلغ ذلك العلامة ماجد وكان من مشايخ العلم في عمان له سن وفضل كتب إلى الإمام ونور الدين بإنكار ذلك الحكم قائلا أنه لا يجوز تبديل الوقاف عن سنتها التي جعلت لها فأجابه نور الدين بالحجج المقتضية لبطلان تلك الأوقاف المؤسسة على غير ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين له بيانا شافيا فلم يكن من العلامة ماجد إلا الإعتراضوأخذ يشنع عليهم وأظهر التخطئة لهم فخشي نور الدين أن تقع بذلك فرقة وتنتج المسألة ضررا يئول إلى تفرق كلمة المسلمين وكان عظيم الشفقة في الإسلام كثير التحرزمما يؤدي إلى الإختلاف والتناقض فشخص بنفسه إلى مناظرة الشيخ ليفهمه الحجة شفاها ويوقفه على المحجة لما رأى أن الرسائل من بعيد لم تغن شيئا بل كانت أقرب
إلى التبعيد وإجلالا للشيخ وهو أحد شيوخه الذين أخذ عنهم العلم فكان من قضاء الله وقدره أنه لما وصل ومن معه من الأعيان إلى قرية بني صبح عند غروب الشمس عزموا على المبيت بها فتوجهوا إلى المحلة السفى منها فصدعه غصن شجرة امبا معترضا على الطريق وهو على راحلته ولم يبصره لكونه ضريرا ولم ينبهه أصحابه لأمر أراده الله فألقاه على ظهره وهي القوى ولبث بها مريضا إلى اليوم السادس والعشرين من شهر صفر لا يستطيع الحركة ولا زال في تلك الأيام يراجعه الشيخ ماجد فتكلم عنده فيما جاء له من المذاكرة فاعترضهم التلامذة والأعيان وطلبوا من نور الدين أرجاء الخوض في المسألة رجاء عافيته ثم يتباحثان (1/111)
صفحة 112
بعد فيما اختلفا فيه فأجابهم نور الدين إني أخشى المعاجلة قبل أن يفهم الشيخ ما عندي فافترقا على أن الشيخ ماجد راجع عن تخطيته وأن المسألة من مسائل الإجتهاد وسنذكر تمام ذلك في ترجمة الشيخ ماجد ثم إنه طلب أن يحمل إلى نزوى فأمر الشيخ الحميري قومه بحمله على الأكتاف فحمل إلى تنوف وشق عليه الخروج منها وجاء الإمام سالم لعيادته ليلة التاسع والعشرين من الشهر المذكور وكان تلك الليلة في خفة من مرضه فرجع الإمام مسرورا بعافيته ثم تزايد به المرض فتوفاه الله بعد العتمة من ليلة الخامس من شهر ربيع الول من سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة وألف بعدما ترك للجباه العاتية صيحة الحق وللقلوب الغلف نداء الواجب وللضمائر الواعية طريق العمل وللهمم المتوانية شد العزيمة فرحم الله تلك الأوصال واوصلها إلى رضوانه وفسيح جنانه وقبر ببلدة تنوف تحت سفح الجبل الأخضر بعدما صلى عليه تلميذه الكبير أبو زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي فأصيبت عمان بموته مصابا عظيما أنساهم ما كان قبله من عظيم المصائب وجسيم النوائب إذ كان ذلك في صدر الدولة وغبطة العمانيين بالظهور وهو إذ ذاك عميدهم وقدوتهم في سياسة الدنيا والدين وما أشبه قضية وفاته بقضية سيبويه في محاورة الكسائي:
والغبن في العلم أشجى محنة علمت واعظم الناس شجواً عالم هضما
لما فتحت سمائل وأقيم الحد على المعترفة بالزنا تنفس الصعدا وقال خشيت معجلة الموت قبل اجتماع العمانيين على إمام يجمع الشمل ويقيم العدل فلما تم ذلك خشيت الموت قبل أن يكون لهم مأوى يرجعون إليه ومركزا يأوون فيه ثم خشيت أن أموت قبل أن أشاهد الإمام يصلي الجمعة بالمسلمين ثم خشيت أن أموت قبل أن أرى الإمام يقيم حداً من الحدود الواجبة اما الآن فقد كان ذلك كله فالحمد لله على تمام النعمة ثم تمثل بقول بن مقرب العيوني:
طبت يا موت فإن شئت فزر
ولم يزل يردد هذا الشطر في حال قيامه وقعوده حتى فارقت نفسه المطمئنة جسده (1/112)
صفحة 113
الطاهر في تلك الأشهر من صدر الدولة فإنه عاش في تسديدها بعد ظهورها ثمانية أشهر وسبعة عشر يوما.
وكان عمره رضي الله عنه ثمانية وأربعين سنة وأشهرا في رضاء الله وابتغاء ما عنده.
كان ضريرا يحتاج إلى قائد يهديه السبيل فأصبح يهدي الشعب السبيل.
كان لا جد له إلا التقوى وكفى بها فأصبح يؤلف من الشعب جندا.
كان فقيرا لا مال له فأصبح يجر الجيوش الضخمة ويبتز المعاقل من أيدي الجبابرة والظلمة:
ما فقدناك هماما مفردا بل فقدنا الخير في كل محل
صفته رضي الله عنه كان ربع القامة تعلوه سمرة ليس بالسمين المفرط ولا بنحيف الجسم مكفوف البصر نير البصيرة مدور اللحية سبط الشعر به أثر جدري أصابه في بندر جده على أثر عودته من حج بيت الله الحرام فعاقه عن زيارة قبر المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام وقد أشرف في مرضه على الموت سمعته يقول انه رأى عزرائيل عليه السلام في مرضه ذلك مرتين فسأله هل جئت قابضا أم زائرا فأجاب ما جئت إلا زائرا وقال مسلما وقد رثاه شعراء عصره بمراث طنانة وحسبنا ما رثا به شاعر العرب أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي فإنه لم يترك لقائل مقالا ولا لشاعر مجالا وقد أبرزها قالب الطبع:
نكسى الأعلام يا خير الملل ... رزيء الاسلام بالخطب الجلل
وانتثر يا دمع أجفان التقى ... قد أصيب العلم واغتيل العمل
وانفطر يا قلب واستقص الأسى ... ان حبل الدين بالأمس انبتل
أشعل البرق علينا جذوة ... فانطفا واتقدت فينا الشعل
حمل البرق مصابا فادحا ... ليته أعياه حملا ما حمل (1/113)
صفحة 114
يا رجال الدين هل جاءكم ... ان بدر الدين في الارض افل
رجال الدين لا تهنأ لكم ... فرصة ان مصاب الدهر حل
يا رجال الدين لم ينزل بنا ... فادح أعظم مما قد نزل
يا رجال الدين أهلا بالقضا ... غاض هذا البحر واندك الجبل
يا رجال الدين ما هذا الأسى ... والأسى بالعقل والعقل ذهل
يا رجال الدين ما حسن العزا ... عن فقيد في السما والأرض جل
ربما اعقب فقد بدلا ... وفقيد العلم ما عنه بدل
ان موتا وحياة حتما ... قبل هذا الخلق في لوح الأزل
والتماثيل التي نهذي بها ... صور يخلقها سحر الأمل
كل ما نهفو اليه عبر ... لو فقهنا الشأن أو ضرب المثل
ما يريد الحتف من أرواحنا ... يتقاضاه بكورا وأصل
انها مستودعات أقتت ... لا يزاد العمر شيئا ان كمل
يا لعمر ناصبته آفة ... تهدم المحيا وتزري بالحبل
بئس عمر حتم استرجاعه ... ريثما حل رأيناه قفل
وحياة وعدت ريب الردى ... كيف يغتر عليها من عقل
وهي في برهتها مرذولة ... حشوها لو فكر المرء العلل
خلق العقل لدرك المنتهى ... فتناسي وتلاهى وغفل
ليس من يجهل منا حاله ... لمحة تمضي وعيش يختزل
انما الشأن اغترار حاكم ... سلب الألباب واستدعى الأمل
ونفوس راقها من سوئها ... رنق العيش وفي العيش الغيل
هذه الدنيا وهذا أمرها ... تندف الأعمار ندفا لم تزل (1/114)
صفحة 115
كشفت عن قبحها في حسنها ... وراتنا السم في هذا العسل
لم تغادرنا على مشتبه ... في التفاصيل ولا طي الجمل
أيها العاقل لا تحفل بها ... سوف ترمي بك من رأس جبل
قد بلوناها ولكن سحرها ... ينزل الأعصم من أعلى القلل
هكذا تخبطنا فتنتها ... بينما نأنس منها بالحيل
كل ما يحسن منها عطب ... وهو من لا شيء في القدر أقل
أصدق الأنباء عن خستها ... ليس ما ينقل عنها مفتعل
لم تسالم جاهلا في غيه ... لا ولا عالمها الحر الأجل
كل حي السعته حمة ... أعيت الراقي فيها والحيل
رقمت آياتها في عبر ... بقرون طحنتهم ودول
لا تبالي بك في بطشتها ... كنت رب التاج أو كنت خول
يا رجال العلم اودى قطبكم ... بل جميع العلم اودى والعمل
فتكت بالسالمي المرتضى ... غارة شعواء ما عنها حول
فتكة أورثت الأرض البكا ... والسموات وما فيها استقل
فتكة لم يحم منها جيشه ... لا ولا دافعها وقع الأسل
عجبا من نعشه تحمله ... فتية وهو على الكون اشتمل
جمع العالم في حيزومه ... اترى العلم في القبر نزل
يا ولي الله اذ ودعتنا ... فمن الآن عليه المتكل
من يحل المشكلات المرتجى ... حيث لا ينفع من دق وجل
من يجلي ظلم الجهل ومن ... ينصر الدين اضطلاعا للجلل
من يهد الخطب من فورته ... من يقيم الوزن من يشفي العلل
من يقود الأرعن الجرار في ... نصرة الله على عزم الرسل
من يدير الحرب عن رأي له ... سعة البحر اذا ضاق المحل (1/115)
صفحة 116
من على المعروف وقف نفسه ... وبه النكر تولى واضمحل
من لبذل العدل والاحسان من ... يحمل الكل ومن يعطي النفل
كلها خلفتها ثاكلة ... يا عميد الدين تبكي من كفل
قمت لله بأمر عجزت ... همم الأبطال عنه فاستقل
فأتت معجزة خارقة ... جدها الرعب وأنواع الفشل
فدعاك الله منه دعوة ... ليكافيك على هذا العمل
قمت في خدمته محتسبا ... آخذا بالحق في أي محل
درجات الخلد قد بلغتها ... وسمات المجد في الدهر مثل
غير أنا في زمان حالك ... ضل فيه أغلب الناس وزل
كنت فيه الشمس نورا وهدى ... وارتفاعا وانتفاعا بل أجل
كنت فيه خلفا للمصطفى ... خير من قاد الى الحق ودل
كنت للناس ربيعا وحيا ... كنت للأكون غوثا وبدل
مجهدا للنفس في نشر الهدى ... خير من وفي واندى من بذل
صابرا في منشط أو مكره ... ثابت العزم شديد المكتهل
احمس الصفحة موهوب السطى ... باهر العزمة مأمون الزلل
شاسع النظرة لا يقصرها ... زخرف الدنيا وجاه وخول
راجح الايمان معصوم الخطى ... قوله الفصل وان قال فعل
سائر بالجد حتى نلته ... " كل من سار على الدرب وصل"
في سبيل الله انفقت العنا ... في مراد الله أنفقت العمل
في سبيل الله لم تحفل بها ... أسقيت الصاب أو كأس العسل
في سبيل الله تدعو جاهدا ... لتقيم القسط أو تلقى الأجل
في سبيل الله أجهدت القوى ... لم تحد ان جد خطب أو هزل
رافعا ألوية العلم الى ... ان دنا كيوان عنها وزحل (1/116)
صفحة 117
ونصرت الله حتى انه ... لك من أهل السما الجند نزل
ولقد يجدر من أهل السما ... نصرة القائم في خير النحل
تلك بدر نزلوها مددا ... وعلى بدر قياس يحتمل
هم وجبريل على حيزومه ... بالتسابيح لهم فيها زجل
نصروا الله بجيش المصطفى ... فانثنى بالخزي اشياع هبل
وفتوحاتك سر مدهش ... ظهرت فيها الكرامات الأول
يا ولي الله اني نادب ... لك ما دار بكور وطفل
طالما أملت ان يجمعني ... بك هذا الدهر فانسد الأمل
لهف نفسي ما الذي أقعدني ... عنكم غير الذي أعيا الحيل
كلما أزمعت ترحالا قضى ... لي بالتثبيط دهر مهتبل
والى أين ارتحالي بعدما ... أظلم الجو وأوحشت الطلل
كنت أرجو نظرة في حالتي ... منك فالآن رجائي معتقل
كنت في قيد شديد حله ... ضوعف اليوم بغل وكبل
يا أبا شيبة من أرجو لها ... حسبي الله اذا عز وجل
يا أبا شيبة عز الملتقى ... وقطين الرمس مقطوع النقل
يا أبا شيبة عزت حيلة ... عن دفاع الموت أو وصل الأجل
لو فرضنا ان ميتا يفتدى ... لغدت روحي أدنى مبتذل
غير ان الخلق فيه أسوة ... أجل يأتي على اثر أجل
تقتضي الموت حياة حددت ... ولو استعلت على برج الحمل
يا فقيد الفضل عندي اسف ... سل عن النار وعنه لا تسل
ذهب الصبر ولو حاولته ... وجميل الصبر احرى بالرجل
ما نعاك الكون حتى نعيت ... غضبة الاسلام والكفر بجل (1/117)
صفحة 118
ما حميد العيش من بعدك في ... هذه الدنيا وما معنى الجذل
والبكاء المر لا يشفي الجوى ... لو طفقت الدهر استمري المقل
كل فقد دخلت فيه عسى ... وهي في الموت محال كلعل
ما فقدناك هماما مفردا ... بل فقدنا الخير في كل محل
ما فقدناك وعرفانك في ... صفحات الكون ضوء يشتعل
ان رب العلم حي خالد ... ولو ان الذات بالموت انتقل
ما تركت الكون حتى تركت ... خطة الحمد لك الحمد الجلل
سيد العرفان دهري مأتم ... فيك ما أشرق نجم أو افل
اخرس الهول لساني في الرثا ... ولساني حده يفري الجبل
ما هنئت العيش مذ فارقته ... وهنيئا ً لك عيشا لا يثل
ما هناء المؤمن الحق على ... صدعة الدين وما برد الغلل
انا لا أعلم رزءا فادحا ... كمصاب الدين أو نقض الكمل
يرفع العلم برفع العلما ... وارتفاع العلم هلك وخبل
يا رمى الله يد الموت على ... أخذ عبدالله رميا بالشلل
ويلتاه استأثر الله به ... وبقي العلم على ظهر أزل
أكرم الله به أمتنا ... برهة ثم دعاه فرحل
يا لها من رحلة ما تركت ... خلفها من كرم الا انتقل
يا لها من رحلة صحت بها ... غربة الاسلام في أزكى محل
أمة الخير لكم حسن العزا ... انها داهية أم الغيل
بعد عبد الله يبقى أمل ... للهدى هيهات قد شط الأمل
خلها يا ابن حميد تلتوى ... فتنة عمياء كالليل المضل
ليس يغني عنك فيها أحد ... طمست اذ ذهب النور السبل
وهنئيا لك بالفردوس في ... جيرة الله على خير نزل (1/118)
صفحة 119
ان عاما نابك الحتف به ... عام سوء وبلاء ووجل
فأتى تاريخه بحزن ... نكسي الأعلام يا خير الملل
المرثية الثانية لأبي مسلم أيضاً:
ريب المنون مقارض الأعمار ... وحياتنا تعدو الى المضمار
والنفس تلهو فوق تيار الردى ... يا ليتها حذرت من التيار
قرت على رنق وزخرف باطل ... مثل القرار على شفير هار
ماذا يغر المرء من محياه في ... دنياه وهي قرارة الاكدار
يتساقط المغرور في لهواتها ... تفريه بالانياب والاظفار
كشفت سرائرها ونادت جهرة ... بعيوبها في سائر الاعصار
لم يبق شيء من شئون صروفها ... في نحت اثلتنا على الاضمار
نفقت تجارتها وما باعت على ... غرر ولا كذبت على التجار
يتهافت العمار في هلكاتها ... فعل الفراش على لهيب النار
تجري الى شهواتها سعيا على ... أنقاض ما هدمت من الأعمار
نصبت حبالتها وأنذرت الردى ... وكأننا صمم عن الانذار
صدعت بما جبلت عليه ولم تدع ... ذكرى ولا عظة وراء ستار
شر الغرور سكون ذي بصر الى ... عيش تمزقه يد الأخطار
عبر تلونها الصروف وأنفس ... تفنى وآثار على آثار
هل زاد عيشك ذرة عن هذه ... لو كنت في الدنيا على استبصار
هلا اعتبرت وفي حياتك عبرة ... مما تصرفه يد المقدار
لا تستمر لك السلامة لمحة ... وغوائل الأيام في استمرار
ما بالنا نبكي الفقيد ونحن من ... حب الذي أرداه في استهتار
شغف النفوس بما يراقبه الفنا ... أثر الهوى ومحبة الأوطار
جسر المنون أمام وجهك عابر ... ولسوف تعبره مع السفار (1/119)
صفحة 120
شمر لتعبره مخفا سالما ... من ثقل ما أوقرت من أوزار
ليس العظات بما يقول مذكر ... مثل العظات بمصرع الأعمار
كم للمنون لو اعتبرنا من يد ... في سلبها الأرواح بالتذكار
ما الحزن الفتنا لمقصود الردى ... يغتال في الايراد والأصدار
اترى يجد البين فينا هازلا ... ويريحنا بمصارع الأخيار
كلا ولكن الحياة بهيمة ... تجري عليها مدية الجزار
خلقت لما خلقت له من حكمة ... وتعود تتبع دعوة الجبار
مزمومة نير القضاء يقودها ... مربوبة لمشيئة المختار
كتب البقاء لنفسه مستأثرا ... باماتة الأحياء والأنشار
واذا اعتبرت حياتك الدنيا تجد ... ان الحياة مظنة الأعذار
ما بين معركة وأخرى يبتغي ... أملا لباقية ذوو الأبصار
لو كان يشترك البقاء لغادرت ... غيل المنيه أنفس الأبرار
يا صرعة الموت انتقرت خيارنا ... وتركت أمتنا بغير خيار
ناهيك من اطفاء أنوار الهدى ... غشى الظلام وضل فيه الساري
ناهيك من اعدام احبار التقى ... فالدين لا يبقى بلا احبار
ناهيك من قعص السراة فانهم ... سور لدين المصطفى وسواري
ناهيك من هلك الكرام فما بقي ... رسم الكرام ولا حماة الجار
ويلاه أوحشت الديار من الألى ... كانوا خلائف سنة المختار
أو كلما نجمت فضيلة سيد ... قدرتها وترا من الأوتار
أسرعت في الاغواث والاقطاب ... والاعلام والابدال والاخيار
مهلا فما أبقيت ثم بقية ... نزح القطين وجف روض الدار
ما زلت تعتقرين كل أعزتي ... فالجو خاو والديار عواري
افقدتني شهب الفضائل كلهم ... ويلاه من شهبي ومن أقماري (1/120)
صفحة 121
ويلاه أين سماؤها ونجومها ... وشموسها ذهبوا كأمس الجاري
من كل أروع لوذعي كامل ... يهتز عرفا كالقنا الخطار
عمد الديانة قطبها قوامها ... سحب المكارم أبحر الأنوار
تلألأ الأكوان من عرفانهم ... كالشمس تملأ هيكل الأقطار
أنضاهم التسبيح والترتيل ... والتهجيد بين جوانح الأسحار
خبت اذا جن الظلام رايتهم ... طاروا الى الملكوت بالأسرار
غر اذا سجد الظلام على الفضا ... سجدوا على الثفنات كالأحجار
قطع النحيب صدورهم وكأنما ... وضعوا السحائب موضع الأشفار
قربانهم أرواحهم ونعيمهم ... دأب على السبحات والاذكار
حصروا الشريعة والحقيقة والمعا ... رف والكمال بانفس الأطهار
فهم غياث الكائنات وسرهم ... مدد النفوس ومنبع الأنوار
نقلتهم الآجال من دار الفنا ... وتبؤوا سعداء عقبى الدار
سلكوا بمحياهم وبعد مماتهم ... اذ وفقوا بمسالك الأبرار
درجوا وأصبحت العراص عقيبهم ... من فقدهم مغبرة الآثار
يا موت أفنيت الأعزة فاقتصد ... ان كنت ترحم عبرة الأحرار
بأولئك الأبرار كنت معززا ... بأولئك الأبرار كنت أباري
أزرى اذا ضاق الخناق بحادث ... وهم اذا انطمس الطريق مناري
يا موت وقعك فيهم سلب الهنا ... وأقامني للنوح والتذكار
ترك الحمام النوح اذ ناوحته ... واستبردت كبدي لهيب النار
لم اسلهم حتى رزئت بصدعة ... أخذت بقية سالف الأكدار
أخذت بكظم الدين وانتحت السما ... فبكت لها بالمدمع المدرار
واستأثرت بقلوب حزب محمد ... لله فجعة ذاك الاستئثار
ما الهول في يوم النشور أشد من ... هول النعى بسيد الأبرار (1/121)
صفحة 122
العالم القطب المجدد عمدة العـ ... ـلماء طرا كعبة الأسرار
ليث المعارك مربع الفضل الذي ... رفع المنار ولات حين منار
غوث البسيطة معلم الدنيا ... أبي الضيم مولانا عزيز الجار
حامي حمى الاسلام حجته ... معز الدين سيف الملة البتار
بحر المعارف والكمال مسدد الأ ... عمال في الاقبال والادبار
السالمي أبي محمد المنيـ ... ـف الذكر طود المجد بدر الساري
تمضي وترسلها العراك مروعة ... والليل داج والذئاب ضواري
مهلا همام الاستقامة ما الذي ... غادرت من هول ومن اذعار
قومتها فتقومت فهجرتها ... يا هجرة طالت على السفار
ارجع اليها حيث قل حماتها ... ارجع فديتك يا غريب الدار
ارجع الى الاسلام تمم نصره ... فالعز تحت عزائم الأنصار
ارجع فان الاستقامة أرملت ... ارحم يتيمك وهو دين الباري
ارجع تشاهد كيف دمع السيف ... والعسال والأقلام والأسفار
ارجع وما ظني بأنك مشتر ... بجوار ربك جيرة الأشرار
أدعوك للجلى وأنت عظيمها ... عهدي وأنت لها شديد الغار
أدعوك للأمر الذي تدعى له ... شيم الرجال وهمة الأحرار
أدعوك للخطب الذي أعيا على ... رأي الفحول وانفذ الأنظار
أدعوك اذ فرغت يدي من كل من ... يدعى لنائبة وحفظ ذمار
أدعوك ان كنت السميع لدعوتي ... لخطابة التبشير والأنذار
أدعوك للحرب العوان وكنت في ... لهواتها تكفي كفاء الغار
أدعوك للقرآن تكشف سره ... وتبين منه غوامض الأسرار
أدعوك للسنن المنيرة انها افتـ ... ـتقرت مقاصدها الى الأبصار
أدعوك للاجماع والأحكام والـ ... اديان والتذكير والتذكار (1/122)
صفحة 123
هيهات يا أسفاه لا رجعى وقد ... جثمت عليك صحائف الأحجار
يسلون بالآثار بعد صحابها ... ومثار حزني فيك بالآثار
"ياطلعة الشمس" استري عنا الضيا ... وخذي الحداد "مشارق الأنوار"
سفران ان هديا لرشد ارشدا ... من فجعتي قلبي لغير وقار
كنت النصير وكان لي صبر الحصا ... فاصبت في صبري وفي أنصاري
اقدرت لي جلدا يقاوم نكبتي ... فاليوم لا جلدي ولا أقداري
ناهيك من جلدي يقيني بالرضا ... والسخط في أن المقدر جاري
وبأن هذا المرء عرضة طارف الـ ... ـحدثان تحت مخالب الأقدار
ما غاض من عيني رأيت عديله ... من طرف داجية وطرف نهار
لم تصغ نادبة لندبة جارها ... هي تستعد لندبة في الدار
سول لنفسك أن تعيش معمرا ... لكنه أمد الى مضمار
تلك المصائب مدركات صيدها ... سيان في فر وفي استقرار
أمعنت في هذي الصروف بصيرتي ... وسبرت ما تقضيه بالمسبار
فرأيت برد العيش احسان العزا ... والاطمنانة تحت حكم الباري
يا من أذاب الصخر حر مصابه ... من ذا تركت لدولة الأحرار
وزعت بين الدين والوطن الأسى ... توزيعك الطاعات في الأطوار
ودعوت في الاسلام دعوة مخلص ... ثابت إليك بها ذوو الأبصار
ثابت اليك عصائب وهبيه ... من أسد ذي يمن وأسد نزار
عشقوا المنايا واستماتوا في الهدى ... من قبل "صفين" ويوم الدار
حنيت ضلوعهم على جمر الغضى ... من حب ربهم وخوف النار
غضبوا لربهم فشدوا شدة ... متكاتفين على هدى عمار
ملأ اليقين صدورهم فاستصغروا ... عند اليقين عظائم الأخطار
لعزائم الأعيان فيهم وازع ... دينا وحاشاهم لزوم العار (1/123)
صفحة 124
باعوا لمرضاة الاله نفوسهم ... اربح ببيعتهم ونعم الشاري
ورضوا لأعباء الخلافة كفأها ... سبط النجاد موفق الأنظار
فلك الجلالة والنبالة والتقى ... بيدي الحيا عن ضياء نهار
ورث المهنا وابن كعب وارثا ... "والصلت " من أجداده الأطهار
أخذ الامامة كابرا عن كابر ... أخذ الثمار جواهر الأشجار
عرفته عاهلها ومفرق تاجها ... ولطالما لغبت من الانكار
عاذت به فأعاذها واقامها ... عمرية الميزان والمعيار
رقبته حتى أمكنتها نظرة ... ازلية من نجمة السيار
فاقتادها عزما وحزما آتيا ... بمعاجز طمست عن الأبصار
زهراء بين "السالمي" وسالم ... نشأت وبين حماتها الأخيار
لم توف حق الشكر حتى استرجعت ... صبرا بفقد الصابر الشكار
صبرا امام المسلمين فانه ... حكم على كل البرية جاري
صبرا فعنك الصبر والتأساء يؤ ... خذ بل وكل فضائل الأحرار
ما دامت الدنيا على أحد ولا ... دامت على السراء والأضرار
عارية هذي النفوس ولازم ... ان يسترد العدل كل معار
ومواهب الأيام حرص كلها ... اذ سوف تنزعها بغير خيار
ولبئس عيش ريثما استحليته ... كرت عليه غارة الأغيار
لا يستقر له اللبيب لأنه ... وقف شعوب له بباب الدار
رأت البصائر ما يعاقب عيشنا ... فالرأي ان نحيا على استبصار
يا شعر أجمل في الرثاء فان لي ... قلبا من الأحزان كالأعشار
هل زاد في " الخنساء" الا كربها ... شعر تردده ولبس صدار
يا صبر ان قر الأحبة في الثرى ... فاثبت لدي ولا تمل قراري
لا خل الا الصبر بعد فراقهم ... ان لم يزله نازل الأقدار (1/124)
صفحة 125
رحم الاله أحبة غادرتهم ... ولزمت صحبة دهري الغدار
ما كان في أملي التخلف بعدهم ... والعيش في الأشجان والتذكار
لكنه الحدثان يطلب وقته ... ومنية تأتي على مقدار
عرجوا عن الدنيا وأعرج في الهوى ... شتان بين قرارهم وقراري
تبكيهم الحسنى الى من أحسنوا ... ويضاحكون الحور في الأجبار
آليت لا أنفك أندب أثرهم ... ما دام تذرف أعين الأحجار
آسي واجرح ما تكن خواطري ... بنوازع الأحزان والأكدار
مددي بهم وشفاء قلبي ذكرهم ... وبحبهم يطفى لهيب اواري
بحياتهم ومماتهم أسرارهم ... توحي مواهبها الى أسراري
درجوا وجاء السالمي عقيبهم ... يحيي الرسوم بسيبه المدرار
حتى تدافعت الرياض نضارة ... بالسنة الزهراء لا الأزهار
حتم المصير له الى دار البقا ... ولنعم دار بدلت من دار
حيا الاله ضريحه بالروح والـ ... ـريحان بالآصال والابكار
يا عام أزهقت النفوس بفقده ... واطرت روح الدين أي مطار
يا عام لا يبعد فقيد الدين طـ ... ـلاع الثنايا معقد الابكار
حزن على حزن وهول مدهش ... يمضي المدى والغم في تكرار
يا عام لا عادت لبطشك دعوة ... كافيك منها بطشة الجبار
ارحم عيال الله قد حزبتهم ... أخطار ملتهم على أخطار
يا عام ازهقت الديانة خطة ... كالنار ذات ذوائب وشرار
اطفأت أزهر كوكب ملأ الفضا ... ضوءا وجئت بظلمة الاكدار
ختمت له الحسنى ووافى ربه ... متقبلا لمزية الاطهار
عفا عن الدنيا خميصا بطنه ... منها سوى ما كان سهم الباري
يا من أجاب الدعوتين لربه ... لم لا تلبي دعوتي وجواري (1/125)
صفحة 126
لمعاهد الاسلام بعدك رنة ... وعهود فضلك كالنجوم سواري
قدست من غوث وقدس مشهدا ... غبطته فيك عوالم الأنوار
شط المزار مع الحياة وويلتا ... بعد الممات متى يكون مزاري
ومن السعادة أن أمرغ جبهتي ... بعبير تلك التربة المعطار
يا وافد الرحمن أي كرامة ... لقيت في عدن وأي جوار
بمنازل الشهداء ترتع آمنا ... حتى رضيت لخوفنا الكرار
حلقت للطاعات خطفة طائر ... فحللت مسرح جعفر الطيار
بعت الحياة فنلت أربح بيعة ... لكنها رجعت لنا بخسار
لله ما سنة لك البشرى بها ... ولنا بها كالنار في اعصار
تأريخها ما طال ما لحب الردى ... الصبر أحرى يا أولى الأبصار
أسباب النهضة العمانية
لا يزال الصراع بين الملكية والإمامية فالملكية تحب السيطرة والعلو والإستبداد والإمامة مشربة بروح النظم الشرعية التي يجري علها الأئمة وهي الحكومة المبنية على الشورى وإنتخاب الإمام العدل والعمل بالشريعة.
قام العلماء وأهل البصيرة يقدمون النصايح العلمية والعملية إلى السلطان فيصل ويطلبون منه إجراء الأحكام الشرعية ويرغبونه في إظهار العدل ونشر الٍأمان والإطمئنان وأن العدل هو زمام القهر وأساس الملك ويحذرونه غوائل الإستعمار ويسألونه العدول عن معاهدة بريطانيا والكف عن الفتن التي أيقظها ببني عمان والتأخر عن إغراء بعضهم على بعض وإنفاقه الأموال ذلك أخذا بقول القائل (فرق تسد) فلما لم يجدوا بغيتهم منه وأعارهم أذنا صماء وأيقنوا عدم موافقته لهم خرج نور الدين إلى حج بيت الله الحرام فنزل على ضيافة السلطان سنة 1323 هـ وبعد رجوعه من سفره إجتمع به ثانية فطلب منه الخلوة ليقطع عذره ويقيم الحجة عليه فكلمه (1/126)
صفحة 127
في جمع العمانيين تحت راية واحدة وأبدى له ثمرة الإجتماع وما يخشى من التفرق وأوضح له حال العمانيين وما وقع بسببه من الشعابث والفتن المؤدية إلى الضرر بالوطن فأعتذر بأعذار لم يسوغها نور الدين له ولم يقبلها منه ثم ألحّ عليه فأعرض عنه وقال أنكم إذا حصل لكم ذلك يقول عمي نريد غيره وأراد بعمه عبدالعزيز إبن سعيد ومعناه إنكم إذا اجتمعتم على هذا الحال تقولون لا نريدك بل نريد عمك وانشد السلطان بعد خروجهما من الخلوة تهكما لمطلبه.
نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
فلم يثنه ذلك عنه وكرر إليه النصائح الدينية والمراشد القرآنية وما زال يحثه على إتباع أوامر السنة النبوية ويناشده الله في الوطن والرعية والسلطان يلطف له الجواب ولا يقبل منه الخطاب فلما ثقل عليه تكرار نصائحه دسَّ إليه الدسائس الخفية كما هي عادة الملوك إذا عاكستهم الرعية ولا زال ذوو السلطان يأخذ منهم الجبروت فلا يحبون أن يكون لأحد من رعيتهم فوق كلمتهم فيتجهمون لمن يبدي لهم نصيحة أو يعرفهم واجبا فحاربونهم لقصد إذلالهم وحط درجتهم ومن كان يريد الله واليوم الآخر فلا يضره شيء من ذلك.
حركة رئيس النهضة العمانية
كان سيدي الوالد نور الدين بجوار الشيخ عيسى بن صالح وكان يرجو منه القيام بالحق والتصلب على الجبابرة لما كان عليه أبوه الولي صالح بن علي والأمير يعتذر له ولا يساعفه فهو يخشى أن يتقدم في هذا الأمر فيخذله الناس ويسلموه إلى عدوه وكان من رأي نور الدين أن يكون الشيخ عيسى رأسا في الأمر وأن تكون الناس تبعاً له فلم يقدر الله ذلك فلما ثقل اعتذاره عليه عزم نور الدين أن يخرج إلى حج بيت الله الحرام وكان قد حج حجة الفريضة وله أمل أن يجتمع بعلماء أصحابنا من أهل المغرب بمكة زادها الله شرفا وتكريماً فيصحبهم لزيارة الإمام القطب (1/127)
صفحة 128
محمد بن يوسف ليكشف له حقيقة مطلبه ويستعين منه ومن أهل المذهب الذين بالمغرب بما يجده عندهم من مال وجاه أو فائدة يرجو بها نجاح مطلبه العزيز وقد كتب قبل ذلك للقطب فرحب بزيارته ولأهل المغرب ميل عظيم إلى محبته وقبول مراشده فطمع بذلك أن يتسنى له مراده مع ان في السفر ترويج للنفس وتجميم لها مما يعانيه من مقاساة تلك المطالب الجسيمة الصعبة وكتم ما عزم عليه من النية إلا على من انتخبه لمصاحبته فوعدهم في السابع من شوال سنة 1329 هـ أن يوافوه بمطرح فلما كان يوم عيد الفطر وصلّوا صلاة العيد وانتهت الخطبة قام نور الدين وارتجل خطبة بليغة حاصلها أن يطلب من إخوانه والشيخ عيسى أن لا يمنعوه الخروج إلى الموسم وأن لا يتعرضوا له وأقسم عليهم وألح إلحاحاً كبيراً فأجابه الكل أنهم لا يرضون خروقه وأن قيامه بين ظهرانيهم لنشر المعارف الإسلامية أفضل من حج نافلة وأبى إلا التصميم على عزمه واستشهد في خطبته بهذا البيت:
وإن ساءكم يوما مسيري فإنه يسركم يوم الرجوع إيابي
فانفض الجميع على غير جزم بمسير أو منع كلى فلما رجع كل إلى وكره دخل الشيخ عيسى على نور الدين في بيته وتلطف به وأقسم عليه في العدول عن طلبه واظهر له من الشفقة والحاجة العامة إلى قيامه بينهم وأخيراً قال له إن خرجت من عمان فسأخرج منها على أثرك ولا أقعد بها بعدك فثنى كلامه من عزمه وبعد أشهر عزم أن يخرج مهاجراً فيجس نبض العمانيين هل فيهم من يؤيد قصده ويعينه على مراده فكانت له رحلات كثيرة عرض فيها دعايته على من يرجو منه الوفاء والوفاق فنتجت البركة رحلته الأخيرة في شوال سنة 1330 هـ لما خرج إلى داخلية عُمان لزيارة الشيخ حمير بن ناصر النبهاني أمير الجبل الأخضر رئيس بني ريام ومن تابعهم ومشايخ بني هناءة أولاد هلال بن زاهر وكانوا مطاعين في قومهم وقد شدد السلطان الوطأة عليهم وضيق المسالك فهم يودون لو يجدون الظهر فيستندون إليه والمساعد فيقوون به لما يرون من الاضطهاد فلما اجتمع بالشيخ حمير النبهاني كلمه فيما يخفيه عن نفسه فصادف السهم (1/128)
صفحة 129
مرماه والسيل مجراه فأجابه بلا تلعثم ولا توان بما يثلج الصدر وينعش القلب وسأله الشيخ الحميري عن مسائل دينية فأجابه نور الدين عليها فأظهر التنصل والتوبة وشرع في الخلص من المظالم وبعد أن انتهى حق الزيارة رجع إلى وطنه وأنشده تلميذه الشيخ القاضي سعود بن حميد قصيدة يهنئه بالقدوم والظفر منها قوله:
فرح الورى بطلوع كوكب سعدكا وقدت نفوسهم النفيسة نفسكا
واستبشرت بكم البسيطة كلها فتزينت وتزخرفت لقدومكا
هذا هو السفر الوحيد وذا هو العـ ـــيش الحميد فغظ به أعداءكا
وبعد الاستراحة من السفر عرض على الأمير عيسى ما اتفق له من المصالح التي يأملها وحصوله على نجاح بغيته في سفره هذا وأنه خرج على موعد سرى مع زملائه تقرر أن يجتمع فيه العلماء والفضلاء من كل ناحية بتنوف في يوم 12 ربيع الآخر من عام 1331 هـ وفي أول شهر ربيع الآخر من العام نفسه جمع الأمير عيسى أعيان جماعته الحرث منهم المشايخ حمدون بن حميد وحمد بن حميد وسالم بن عمير المعمري ومحسن بن عامر الخنجري وسعيد بن مسعود البرواني وفيهم سيف بن بشير الحبسي وهو صديق حميم لنور الدين فوفدوا إليه ببلدة الظاهر واجتمعوا إليه مطبقين على تفنيد رأيه وعذله عن قصده وأنهم يحاذرون عليه أن لا يحصل على وفاء من المشايخ الذين تكفلوا بمعاضدته وربما أن يكون لهم غرض شخصي أو يسلموه لسلطنة مسقط وأن هذا الوقت غير صالح لبث الدعاية ولعدم توفر الأسباب ولأمور يروها وقد جربوها فلما أضجروه سكت سكوت إبهام وفي نفسه ما فيها.
وبعد ذلك أرسل لزميله شيخنا العلامة المالكي رحمه الله والشيخ عامر بن سيف الحجري الزاهد فقص عليهما القصص واستشارهما قائلا لعلي عاشق لأمري فأفتياني وأصدقاني رأيكما فأيّداه وثبتاه فقوي عزمه واتفق مع زميله أبي مالك أن يوافيه ببلدان الحبوس وأن يكتم كل أمره. (1/129)
صفحة 130
دعاية رئيس النهضة العمانية
إن الدعاية بين الأمم ترافقها العناية إلى أن تبلغ ما تشاؤه الهمم وتثبت في القلوب اليقين وتؤجج في النفس العزة وتزين أمام العيون القصد وتقرب من الرجاء الفوز في كل أمة أفراد خلقهم الله لينبهوا من حولهم من غفلتهم ويرشدوهم بعلم وحكمة وخلق ولقد كان سيدي نور الدين من هذه الصفوة المختارة.
بث رحمه الله الدعاية في هذا القطر وتكرم عن فتنة أهل العصر وتوجه ى خبر بلغ كلفه به خبر مبلغ فكان لا يألو فيه جهداً ولا يرى منه بداً وصار يشعر بلذة لا يحظى بها من هم على لهوهم عاكفون وبباطلهم لاهون ضرب أكباد الإبل وصرخ في العمانيين أن الاستقلال والحرّية لا تنالان بالمنى ولا تبنيان إلا بالجماجم وأجساد القتلى ولا يجلبان إلا بالدموع والدماء وأن الخوف هو لعنة الحياة وأن الشك في الانتصار هو الهزيمة العابسة واسمع إلى قوله في بعض أصواته:
المجدُ يُدرك بالقَنا الحسَّاسِ ... في كَفِّ مِقدامٍ شديدِ الباسِ
يرمي بهِ نحرَ العدوِّ فلا تَرى ... إلا الكَمي يخِرُّ بين الناسِ
وبقاضبٍ عَضبٍ إذا حَكَّمتَهُ ... في قسمةِ الشُّجعان والأفرَاسِ
أيقنتَ أن السيفَ عدلٌ في القضا ... وبه أساسُ الدين أي أساسِ
وإذا تضايقت الأمورُ رأيتَه ... حلاَّلُ مُشكلها بلا إلباسِ
لا مجدَ إلا إن شحذتَ حدودَه ... بعظامِ مَن عاداكَ والأضراسِ
قَضتِ المعالي بالبَعادِ عنِ الذي ... تُخطا مضاربُهُ أعالي الرَّاسِ
ما أبعدَ المجدَ الشريفَ منارُهُ ... عن منزلِ العجَّازِ والأنكاسِ
لا تحسبنَّ سلامةً موجودةً ... إن لم تكُن في قطعِ رأسِ الآسي
إن العدو لَعِلَّةٌ إن لم تُداوى ... أهلكت والسيفُ فهْو الآسي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم أجد للعلا طريقا قريبا ... مثل طعن اللهى وجز الغلاصم (1/130)
صفحة 131
فأشبع الوحش من لحوم الأعا ... دي واروِ من دمهم ظما كل هائم
واطلب المجد بالمهند إذ فيـ ... ـه لباغي العلا والمكارم
وامض في الأمر إن أردت فلاحا ... عازما فالفلاح عند العزائم
والبس الحزم في الشجاعة واعلم ... أنه لا يضيع في المجد حازم
وإذا لم يكن لك المجد مسعى ... ومقاما فأنت مثل البهائم
قد تفكرت في عواقب أمري ... فرأيت النجا ارتكاب العظائم
كيف يرحو الحسان في الخلد قوم ... ألفوا الذل بين غيد نواعم
قل لأهل الهوى عن المجد بعدا ... وعن الفوز بالحسان النواعم
أنا عبد أحرض الناس واللـ ... ـه تعالى أرجو بحسن الخواتم
ـــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــ
أسعد الأقوام في الحرب البطل ... الذي لم يدر أصلا ما الفشل
وأعز الناس من ليس يرى ... مكسبا غير المعالي بالأسل
اسلوٌ والعلا تطلبنا ... حقها والسيف سيف لم يفل
أم رقاد والهدى قد طمست ... أثره ما بيننا أيدي السفل
أم قعود والمعاصي ظهرت ... وأهيل الدين كل في وجل
أم خمول والورى قد أحدثت ... بدعا خالفت الشرع الأجل
ليت شعري هل أنا مدرك ما ... رمته يوما فأطفي ذي الشعل
ــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــ
هو المجد فاطلبه وإن عز طالبه ... وجد وإن ضاقت عليك مذاهبه
وسارع إلى تشييد أركانه فلا ... قرار لنا والعدل هدت جوانبه
ومن تحت ظل السيف فالتمس البقا ... إذا حكمته في المعادي مضاربه
وإن لقا الأقران في الحرب زينة الـ ... ـكمي إذا ما الوهن جلت مآربه
وأنت إذا فكرت أيقنت أنه ... بخوض المنايا يدرك العز خاطبه
ألا فاتخذ أعلى الأمور شهامة ... وخلف حليف العجز مع ما يراقبه (1/131)
صفحة 132
وإن فتى لم يطلب المجد عمره ... فقد خسر المسعى وضلت مطالبه
فهل مبلغ عني بني المجد أنني ... على العهد لا أنفك عما أطالبه
وإن صوبت نحوي الليالي سهامها ... ودق عظامي من زماني نوائبه
ما هو إلا صوت القدر يجلجل فيهدي الراكب إذا ظل والحادي إذا تنكب فاستهوى رحمه الله بأصواته عقول العاملين واسترق رضي الله عنه بأخلاقه قلوب الشامخين.
فر رحمه الله من ظلمة غشيت الناس إلى حيث يلقى السكينة والفرار إلى الله مشكور والخروج في سبيل الحق مبرور.
هاجر عفا الله عنه في الدارين بما يرومه من نفخ الروح في هذا القطر فانتعشت قواه وهبّت ريحه وأضاءت مصابيحه فأشربت القلوب حب الحق فهبوا يدافعون عنه وهل شيء أبقى أثراً من إنسان يخلف إنساناً فيعمر الأرض بالقسط ويكون أهلاً لخلافة الله.
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
فثابت إليه عصابة من كبار الفقهاء والعلماء يقدمهم ذلك العلامة الجليل أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود الذي هو من بني مالك سيد فطاحل عمان رضي الله عنه وأرضاه.
لبى دعوته الرئيس المعظم الزعيم المقدم حمير بن ناصر بن سيف النبهاني أحد ملوك عمان تسلسل إليه الملك من آبائه الكرام الأمجاد الذين وطنوا البلاد وملكوا السهل والحزن ملوك حمير ملوك اليمن. (1/132)
صفحة 133
أبقى له السؤدد الأعلا كواهله ... مظفر وسليمان وكهلان
هود عرار فلاح محسن ملكوا ... فنبهوا الملك حينا وهو نعسان
أجاب نداءه السادة العباهل بنو هناءة أولاد الشيخ هلال بن زاهر
بنو هناءة ما دينوا وكم دانوا
إنها لشيمة رجالنا الأحرار إذا رأوا الدين كاد أن ينهار ما أعظم تلك العصابة الذي أشربت قلوبهم الطمأنينة بوعد الله إن الله ناصر من ينصره كان حقاً علينا نصر المؤمنين. أحبوا الحق فهبوا يدافعون عنه هادين من زاغ عن المنهج رادّين من أدبر عنه لا يأملون ثواباً ولا يخشون عقاباً يقاتلون لله يؤنبون في سبيل الله تغلغل في قلوبهم الإيمان وخالط دماءهم وجرى ي عروقهم علموا أن الإسلام دين الرحمة ودين النور فيه نعيم الآخرة وفيه تهذيب النفس وصقل الروح وإلى ذلك أشار العلامة شاعر العرب في نونيته حيث يقول:
أمنية رقب الإسلام طلعتها ... أتاحها الله لم يضرب لها آن
وللأماني أوقات إذا قدرت ... وللأماني آيات وإيذان
تمنعت في خدور الغيب آونة ... ثم انجلت فانجلى عدل وإحسان
ما ساورتها صروف الدهر إذ نجمت ... وما لرد مراد الله إمكان
وحكمة الله في التدبير قاهرة ... وقائد العقل في المقدار حيران
يقضي بما يشاء والأسباب جامدة ... ويحكم الأمر والأفكار عميان
يختص من شاء بالرحمى ويصرفها ... عمن يشاء وفي الحكمين رحمن
ان الذي يتعاطاه الذكاء لدى ... حكم المقادير تخمين وبهتان
ما حيلة الظن والأوهام في قدر ... إلا قصور وعجز ثم إذعان
لابد أن تربط الأفهام وحدته ... ولو تطاول تقريب وإمعان
خذ ما أتاك وسلمها لخالقها ... فالشأن لا غير للأكوان ديان
انظر إلى دولة أعيت معاجزها ... رأى الفحول ففيها ثم برهان (1/133)
صفحة 134
أرادها الله فاحتلت مناصبها ... والعقل في نصب والكون أسجان
بأسهم الله ترمي من يقاومها ... ولا يقوم لسيف الحق بطلان
إلى آخره وهو كلام قد اخذ بمجامع البلاغة فهو يعرض بهذا التأنيب الدقيق إلى ما وقع بين العلامة نور الدين وجماعة من إخوانه العمانيين لما استنهضهم لهذا الأمر فلم يطاوعوه واستشارهم فلم يوافقوه لما يحاذرونه ولما يرونه من الآراء العقلية بأن الأمر جلل وأنهم أهل تجربة ونور في كل ذلك يأبى إلا السعي في إنقاذ الوطن من مخالب الاستعمار وتمزيق راية الاستبداد والاجتهاد في كل ما يعز الإسلام لما انتهكت محارمه وأضيعت شعائره مقتد بالخلفاء الراشدين والقواد الصالحين الذين جروا على الخطط التي وضعها صاحب الشريعة الإسلامية فوافقوا في جميع أعمالهم ونشروا راية الإسلام أينما حلّوا لا مستعمرين بل منصفين معلمين أخذوا دروس القيادة عن قائدهم النبي الأمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فتبعهم السلف الصالح المأثور عنهم نقيم الحق بالغداة ولو غليت لحومنا بالمراجل في العشي ولسان الحال يردد قول أبي مسلم:
سياسة الله في القرآن كافية وما يزيد على القرآن نقصان
خروج رئيس النهضة
إلى ذلك يشير شاعر العرب أبو مسلم في نونيته حيث يقول:
يا ناقل العيس من عليا (بدية) حـ ... ــيث اليحمد الحائزون المجد قطان
خلف وراءك (عزا) (والمضيرب) والـ ... ــدريز "والقابل" الراسي بها الشان
وخل (إبراء أعلاها وأسفلها) ... حيث القطين ملوك الناس قحطان
(وخذ) بأوجهها عن ساحتي (سمد) ... مياسر (الفتح حيث الحي كهلان)
ودع وراءك إن غربت (أخشبة) ... تجري المجرة فيها وهي (سدران)
(ويا من (الدوح) (والخضراء) منتحيا ... افناء حلفين حيث السوح جرنان)
واعمد إلى (الجوف) واستظهر أسافلها ... أرض لعامر أهل الفضل أوطان (1/134)
صفحة 135
إن هذه الأمكنة التي ذكرها أبو مسلم هي الطريق التي سلكها رئيس النهضة وسنذكرها مفصلة.
في اليوم السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 1331 هـ إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف خرج سيدي نور الدين من بيته بالظاهر من الشرقية وأقام بقية الشهر ببيته الذي بالقابل ثم خرج منه في اليوم الثاني من شهر جمادى الثانية، فقال بفلج مسعود ذلك اليوم وفي صحبته الشيخ سالم بن راشد الخروصي والشيخ عبد الله بن راشد الهاشمي وحمود بن ناصر المعولي وسالم بن ناصر الحبيشي وابنه محمد شيبة ثم راح عصر ذلك اليوم من فلج مسعود فكان مبيته في المكان المعروف (أبو ظلما) وقال في اليوم الثالث بقابل آل بو سعيد فأجتمع فيها بأحد أصدقائه من العراب حمد بن البليدي القناص الجحافيْ فأسرَّ إليه أن يأتيه بإبل تحمله إلى تنوف دار هجرته وأن يلاقيه بها في بلد خشبة العزور فخرج حمد لإحضار الإبل وتوجه نور الدين إلى المضيبي وقد سبق وعد بينه والعلامة أبو مالك عاكر بن خميس الذي هو من بني مالك فوافاه بالشارق وهي بلدة من أعمال المضيبي وبها وافاه صاحبه الخصوصي أبو هشمة سعيد بن عبد الله الهاشمي وهو رسوله السرّي ومن المساعدين له على غرضه وجاسوسه المنتخب ثم خرجوا جميعاً غرة يوم السادس من الشهر المذكور فقالوا ببلدة الأخشبة وفي ذلك اليوم أتاهم حمد القناص بالركاب فكان جملة من اجتمع في رفقته ثلاثة عشر رجلا:
1 - زعيم الأمة العمانية وهو رئيسهم عبد الله بن حميد السالمي.
2 - الشيخ سالم بن راشد بن سليمان الخروصي الذي عقدت عليه الإمامة.
3 - شيخنا العلامة الجليل أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود الذي هو من بني مالك.
4 - الشيخ العلامة عبد الله بن راشد بن صالح الهاشمي.
5 - الشيخ العالم عامر بن عُلى بن راشد الشيذاني الحبسي. (1/135)
صفحة 136
6 - الشيخ العارف حمدي بن مُسَلَّم بن عبيد الحجري.
7 - الشيخ الفقيه حمود بن ناصر المعولي.
8 - الشيخ الورع سالم بن ناصر الحبيشي.
9 - سعيد بن عبد الله بن خادم الهاشمي.
10 - حمد بن البليدي القنّاص الجحافي الوهيبي.
11 - سيف بن حمد ولد الصويّغ الهاشمي.
12 - خادمه خويطر بن زايد مولى الجحاحيف.
13 - أعرابي طناف الركاب لا يحضرني اسمه.
14 - محمد شيبه بن نور الدين السالمي.
عددهم عدد حروف النور عدد ما ناف على المائة من السور خرجوا فرادى مستخفين يتسللون تسلل القطا خوف أن يشعر بهم الظلمة فإنه شاع في الناس اعتراض الأمير عيسى لنور الدين أن يعدل عن هذا الطلب فخرج مستخفياً وأسرَّ إلى إخوانه المذكورين أن يجتمعوا ببلد الأخشبة فوافوه بها وقبيل الفجر خرجوا منها فقالوا يوم سابع من الشهر المذكور ببلد العاقل من بلدان العوامر من أرض الجوف وراحوا منها بعد العصر فعرّسوا بزكيت بلدة صغيرة سهيل أزكي ومنذ وصل العاقل أرسل إلى تلميذه الكبير أبي زيد عبد الله بن محمد الريامي الأزكوي وكان يسكن أزكي أن يوافيه بمن عنده من الأعلام والمطاوعة وفي غرة اليوم الثامن خرج من زكيت وقال بالبركة فوافاه أبو زيد عصر ذلك اليوم وعنده من الشراة ستون رجلا كلهم شار بايع نفسه لله وأنشد أمير الشراة الشيخ محمد بن سالم الرقيشي قصيدة منها هذين البيتين:
وكم جمل قد راعني بهديره ... فلما تهادرت أهدأت شاشقه
على أنني السيف الذي إن سللته ... على الدهر ما دارت عليك بوائقه
كانت ضيافتهم واجتماعهم ببلد البركة عند الشيخ حمدان بن سليمان النبهاني (1/136)
صفحة 137
ابن عمّ الشيخ حمير وقد علم الشيخ حمدان ما عندهم وما يحاوله نور الدين خرجوا من البركة قبيل الفجر مشاة وركبانا ليلة تاسع وقد أرسلوا أمامهم رهطا من ريام يرصدون لهم عقبة الرحبة خوفاً من عمال السلطان الذين بنزوى فصلّوا الغداة تحتها وأصبحوا فوقها ونزلوا ظهيرة ذلك اليوم فقالوا ببلدة (كَمَهْ) من بلدان بني ريام بسفح الجبل الأخضر وقبيل المغرب خرجوا منها وباتوا ليلة عاشر شرقي تنوف عند بئر تسمى الظليعة فأصبحوا أول النهار بتنوف.
اجتماع أعيان النهضة
(بتنوف وتشاورهم فيمن يقدمونه إماما)
هاجر مشايخ العلم من أوطانهم إلى تنوف عاصمة الشيخ حمير يعرضون عليه أمرهم ويسألونه نصرتهم لما خذلهم القادر واستخف بهم الجاهل واستهزأ بهم السفيه ولا بدع فقد هاجر من هو خير منهم فآواهم الهزبر الضاري وأكرم مثواهم فأعلنوا دعوتهم ونشروا رايتهم وعاضده على ذلك مشايخ بني هناة أولاد الشيخ هلال بن زاهر فاجتمعوا بتنوف ضحى يوم العاشر من شهر جمادى الثانية سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف وجالت الآراء بينهم فيما يرمونه من الظهور ولكون المسألة حرجة والسلطان فيصل على الكرسي قد قهر الدائرة العمانية وجعلها تحت سيطرته القوية واستظهر بمساعدة الإنجليز له ولتغلب جبابرة عمان على المعاقل الداخلية فنظروا فيما هم بصدده من الأمر الذي يحاولونه فاستشعروا العجز لكثرة من حولهم من الأعادي وقوة شوكة الجبابرة وزادهم فشلا إن نور الدين أرسل العلامة أبا مالك إلى الشيخ العلامة ماجد ابن خميس العبري والشيخ مهنا بن حمد رئيس العبريين وجماعتهم وكانوا قد وعدوه جميلا في أول الأمر فرجع إليه باعتذارهم في هذا الوقت للمحاذرات التي يحاذرها جُلُّ أهل عمان وكاد أن يتلاشى ذلك الاجتماع فخلصوا نجيا وكثر القيل والقال وبقي الرأي يجول وهم بين إقدام وإحجام قد هوّل عليهم الأمر أزبُّ العقبة فكان (1/137)
صفحة 138
نتيجة ذلك الموقف أن سلّم العلماء والأمراء والخاصة والعامة أرواحهم ومهجهم إلى رئيس النهضة العمانية وقلدوه أمرهم لعلمهم أن يستسهل الصعاب من الأمور اعتماداً على ربه وثقة بمولاه وتوكلا عليه فلما كانت الساعة الثانية عشر من يوم الاثنين من شهر جمادى الثانية قال لهم اختاروا زعيما تقدمونه للمسلمين أميناً على حمل الأمانة والدين يحمل الناس على احترام الشريعة المحمدية فوقع نظر الجميع إنا نرى ذلك الشخص وأشاروا إلى الشيخ سالم بن راشد الخروصي فكلمه فأبى وأمتنع فألح عليه العلماء والأمراء والأعيان فأجابهم إني ما خرجت لتبايعوني بل لأبايع من تبايعونه ولست أطيق
بمؤامكم حملا ولم أكن له أهلا بأبوا عليه إلا القبول وأبى إلا الامتناع ورووا له ما جاء في المأثور عن السلف الصالح من جواز قتل الممتنع من قبول الإمامة إذا وقع عليه اختيار المسلمين فلما أعياهم أمَرهم نور الدين بحمله وتقريبه إليه وكان قد قعد في أخريات الناس هضماً للنفس فحمل قسرا ثم تعلل بأمور وشرط شروطاً فأجابه نور الدين إنا لا نقبل هذه الشروط منك فإن أبيت قتلناك إذ بامتناعك متى وقع عليك اختيار المسلمين تتفرق الكلمة وينحل النظام وتتعطل الحدود وأمر نور الدين تلميذه الكبير أبا زيد بقتله متى أصر على الامتناع فسلَّ حسامه وصحّ عند الحاضرين إنه قاتله لا محالة فسألهم إن قتلتموني هل أنا عندكم في الولاية فصرخ الجمهور (لا) وملؤوا بها أفواههم فعقدوا عليه البيعة غصباً والدموع على وجهه وما ذلك منه رحمه الله جبناً ولكنه مخافة التقصير بما سيتحمله لعلمه إن الأمر جلل وإن الخطة صعبة المرتقى وحمل الناس على الجادّة ليس بالهوينا ولسان الحال ينشد:
(يا سالم) الدين والدنيا ابن راشد خذ ... أمانة الله والأقدار أعوان
أنت الضليع بها حملا وتأدية ... إذ كل أمرك تدبير وإتقان
ثم تعلق أن يسمح له بأداء فرض الحج عند الاستطاعة. وزيارة والدته لأنها عجوز ومحلها شاسع. أجابه نور الدين متى وجدنا الكفو عند عزمك الخروج للحج (1/138)
صفحة 139
أذنا لك. وزيارة والدتك أمر سهل ننظر فيه وقت طلبك أما بقية شروطك فلا نقبلها منك.
سئل نور الدين عن إباحته لقتله حال امتناعه.
أجاب إني سبقت إلى هذا أفتى أبو عبيدة الكبير تلاميذه لما استشاروه فيمن يقدمونه إماماً متى استطاعوا فأشار إلى أبي الخطاب المعافري وقال لهم إن أبى فاقتلوه.
اشترط الشيخ الحميري قبل وقوع عقد البيعة شروطاً.
منها أن لا يتعرض الإمام للمعاقل التي بيده وهي بيت تنوف. وبيت سيق بالجبل الأخضر وبيت المال الذي عنده.
في مقابلة ما تعهد به الحميري للإمام إذا دعت الحاجة أن يجهز ألف مقاتل على
نفقته لمساعدة الإمام: وكان هذا الاتفاق بخط شيخنا العلامة المالكي وتوقيع الإمام والشيخ الحميري عليه بعد العقد.
وكان هذا الرسم محفوظاً عندنا ولم يحضرني وقت التاريخ بل كتبت معنى ذلك.
تنبيه
ليست الإمامة أمراً مخترعا في الوقت الجديد بل هي سلطة دينية سياسية جرى عليها الخلفاء الراشدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت بعمان منذ القرن الثاني من الهجرة وهو القرن الذي عقد فيه على الجلندى بن مسعود أول إمام بعمان إلى القرن السادس الذي كان آخر إمام فيه محمد بن خنبش ثم حصلت فترة في القرن السابع والثامن حتى عقد على الحواري بن مالك في القرن التاسع ولم يخل قرن من بعده إلى هذا الوقت إلا وفيه إمام يجمع شملهم ويلم شعثهم إما شارياً أو مدافعاً أو إمام ظهور (1/139)
صفحة 140
ومتى صحت البيعة بإتفاق العلماء كان حقاً على العامة من الرعية أن يسمعوا ويطيعوا للإمام وإن يسلموا الأمر لأهل العلم وليس لحاضر أن يأبى منها ولا لغائب أن يتخلف عنها ولا لمختار أن ((يختار إن العلماء حكام على الملوك والملوك حكام على الرعية)).
وأساء الأوربيون في تفسير ظهور الإمامة أنها منشأ اعتداء وتمرد على السلطان واعتراض في ملكه وإنه لا حق للأمة في ذلك. وما فقهوا أن الحاجز خبين الإمامة والسلطنة هو حاجز ديني في طبيعته فالإمامة هي الحكومة المبنية على الشورى وانتخاب رجل أمين في نفسه ودينه وعلى رعيته قادر على العمل بالشريعة ورد كل شيء إلى حكم الدين فهي سياسة من غير محاباة ولا حيف حسبما كان عليه الخلفاء.
والملكية هي حب السيطرة والإستبداد كما هو معروف من حال المتغلبين على الأمر وإذا ضعف أسلوب الإمامة عن الحكم برزت الملكية إلى الميدان وهو كالصراع بين الملكية والجمهورية في الديار الغربية. ولعل الوهم سرى إليهم بعدم التوالي على ذروة المنصب ولا عبرة به عندنا فإنا نحرص على الإجتماع والإتفاق على توالي الأئمة توالياً غير منقطع متى وجد المرشح الصالح له كما سبق في عصر بني خروص واليعاربة. ومن درس التاريخ العربي والإفرنجي عرف انا لا نتمسك بطاعة قوم يعصون الله فإن الله لم يأذن لأحد من خلقه أن يعطى عهده من يعصي أمره فلا نخضع لأوامر السلطنة متى حادت عن الجادة كما نخضع في جانب الإمامة المحقة ديناً وطبعاً فتجد العمانيين مع ملوك آل نبهان وآل قحطان متى سنحت الفرصة وسَاعفتهم الأقدار عززوا النية إلى البيعة لمن يختارونه فانتزعوا السلطة من أيدي المتغلبين إذ لا حق لهم فيها.
واضطرت الأمة الإسلامية إلى انتزاع السلطة من عبد الحميد الخاقان العثماني في عام 1327 هـ الموافق ((1909م)) فأزعجوه من منصبه وأسلموه إلى هواه. (1/140)
صفحة 141
وأخفق إخواننا المصريون في عام 1371 هـ الموافق (1952) فاروق الأول من ذروته أخذوا برأينا والعمل لما حاد الملوك عن الجادة.
وفي كتاب عمان لشركة الزيت الأمريكية ص / 14:
((الإمامة منشأة قديمة في عمان ترتد إلى القرن الثاني من العصر الهجري الموافق للقرن الثامن المسيحي وقد أنشأ الإباضيون من المسلمين هذه المنشأة وصانوها هناك وهم فرع من الخوارج الذين قاموا بحركة عصيانية دينية محافظة وانفصلوا عن الكيان الرئيسي لأتباع الإسلام في أيام علب بن أبي طالب وقد قصد بعضهم إلى شرق الجزيرة العربية واستقروا في جبال عمان حيث نشروا عقائدهم التي تعرضت لتغييرات يسيرة في القرون المتتالية ويمكن اعتبار إمامة الإباضيين في عمان من المخلفات الحيّة للخلافة الإسلامية الأولى في القرن الهجري الأول وليس مما يغفل شأنه أن تعرف أن لقب الإمام نفسه كان يطلق على الخليفة أحياناً في تلك الأيام)).
وكتب أيضاً في ص 3/ 4:
((إمامة عمان دولة إباضية مستقلة تشغل الجانب الأكبر من أرض عمان في شرق الجزيرة العربية وقل ما يعرفه العالم عن هذه الدولة حتى الثقات في الشئون العربية بغير استثناء قريباً ليسوا على معرفة وثيقة بها أما الحكومتان البريطانية والأمريكية فتعترف كلتاهما بحاكم مسقط على أنه سلطان مسقط وعمان فكأنهما تعنيان أن بلاد عمان خاضعة لسلطة السلطان والحقيقة أن سلطان مسقط لم يكن له شيء يذكر من السيطرة الفعالة على عمان منذ أكثر من قرن وأما الإمامة نفسها فلها تاريخ يرتد إلى ما يزيد على ألف سنة وهي لم تزل تستمتع بوضعها الحاضر كحكومة مستقلة مستقرة في عمان منذ نحو أربعين سنة)). ا هـ.
ولم يزل أهل عمان مع ملوك آل سعيد في معارضة منذ السلطان سعيد بن سلطان (1/141)
صفحة 142
مع عظمته وقيامه بحقوقهم في جانب آخر فقد اعترضوه في عدة مواطن.
منها لما أسعف الإنجليز بقعود نائب لهم بمسقط عام 1214 وهي أول قدم استعمارية ثبتت بها.
واعترضوه عام 1237 هـ لما وقع اتفاقية مع المسيحيين في القضاء على تجارة الأرقاء.
واعترضوه عام 1270 لما تنازل للإنكليز عن جزائر المسلمين جزيرتي خوريا موريا بدون سبب ولا مقابلة.
أما أول معاهد رسمية بين حاكم عربي ودولة إفرنجية فهي الاتفاق الواقع من السلطان سلطان بن أحمد عام 1213 هـ وقد أنجزه البريطاني المقيم في أبو شهر وهو رجل إيراني من موظفي الشركة اسمه مهدي علي خان في مقابل 2820 روبية وبهذا الاتفاق التزمت بريطانيا أن تؤيد حكام مسقط ضد الشعب العماني وكان وصول علي خان مسقط في 3 أكتوبر سنة 1798 م وبعد مفاوضات استمرت عشرة أيام وقع في الثاني عشر منه أول معاهدة سياسية ربطت بين سلطان عمان وبين بريطانيا ويبدو من نصوصها إن الإحتياط ضد فرنسا كان مقصوداً.
واعترضوا السلطان ثويني في مواطن كثيرة.
واعترضوا ابنه السلطان سالم بن ثويني فأزعجوه من مركزه عام 1285 هـ وقلدوا الإمام عزان رضي الله عنه مكانه قائماً بالعدل.
ولا زالت حركات الشيخ صالح بن علي متوالية على السلطان تركي وابنه السلطان فيصل.
وفي عام 1330 هـ اشتدت حركة العمانيين على السلطان فيصل لما وافق الإنجليز على منع الأسلحة من دخولها عمان وقبوله المكافآت من البريطانيين بمبلغ مائة ألف روبية لإصداره ذلك وكتبوا إليه يخوفونه العاقبة فضرب عنهم صفحا وقد كتب بعض المسيحيين ما نصه: (1/142)
صفحة 143
إن الأسباب التي من أجلها زحف أهالي عمان مرة أخرى على سلطان مسقط قد سردتها المس جرنز وديل الرحالة والمستشرقة البريطانية في مقال كتبته في (نشرة الشئون العربية) السرية في نهاية عام 1334 هـ (16 أكتوبر سنة 1916 م) عندما كانت تعمل مع نهاية عام 1334 هـ (السربرسي كوكس في العراق).
(أصبح حكام مسقط معرضين للنفوذ الأجنبي الأمر الذي أفقدهم عطف القبائل في الداخل ويعود سبب القلاقل الأخيرة إلى هذا النفوذ الأجنبي وإلى اعتماد سلاطين مسقط على القوة البحرية العسكرية الجنبية وكذلك إلى خضوعهم مرغمين للمطالب الأجنبية فيما يتعلق بأمور المتاجرة بالرقيق والسلاح وقد رأى السلطان الراحل السيد فيصل بن تركي في قيام الحكومة البريطانية بالقضاء على تجارة الأسلحة فائدة جلية لنفسه حيث أصبح رعاياه الثائرون عاجزين عن التزود بالأسلحة لاستعمالها ضده ألا أن عدم ارتياح القبائل لذلك قد وصل إلى ذروته قبل وفاته ا هـ.)
واعترضوا السلطان فيصل في أواخر رجب عام 1319 هـ لما خرج كوكس الوكيل السياسي بمسقط عن إذنه على طريق صور لتفقد مناجم الفحم الحجري بجبال المشارفة فإنه خرج وفي صحبته السيد تيمور بن السلطان فيصل فأحس سيدي نور الدين إن القصد من ذلك التوغل في البلاد ودخولها بالسياسة واجتهد أن يوصد الباب في وجهه حتى ينزع عن رأيه فأعرب عن إحساسه هذا إلى أعيان العمانيين واستنهضم على منعه وحضهم على صدعه وحيث أن منزلته غير مجهولة ونصحه غير مستنكر هاج الشعب العماني لذلك واتفقت الكلمة على صده بكل ممكن وأول من أدرك صدق مقاله وصوب رأيه الشيخ عيسى بن صالح فكان في جبهة الشعب العماني وجاهر السلطان فألتقى بهم بالموضع المعروف (أم اللخم) وكاد أن تسمى أم اللحم كانت فيها مناوشات بينهم عثر فيها جواد (الجيولوجي) زميل القنصل برصاصة أثارها عليه أحد الأعراب فغضب السلطان لذلك وكتب بعض جلساء الملك شعراً انتقص فيه الثوار وتحامل على نور الدين تحاملا فاحشا عاب عليه تحريفه وقيامه بحق الوطن ومعاكسة السلطان فكتب نور الدين على ذلك جوابا ونصيحة للسلطان في شعر أعرب فيه عن إحساسه وشعوره. (1/143)
صفحة 144
كتب نور الدين نصيحة للملك فيصل بن تركي وجواباً على قصيدة شاعره:
الصدق قل وذر الكذب ... فالصدق ينجي في العقب
والحق فانشره ولا ... تخشى الدوائر تنقلب
ما قد مضى سيكون إن ... هبت الفنا أو لم تهب
قل للذي في زعمه ... أبدى النصائح ويك هب
إن الذي خوفتني ... إياه أمر لم يهب
خوفتني ما ليس عنـ ... ـه مهرب ممن هرب
الموت أخشى وهو في ... كل الورى حقا وجب
الموت أولى من حيا ... ة في المذلة والتعب
الموت عند الحر أحلـ ... ـى من دني يرتكب
فاركب من العلياء بالـ ... ـعزمات أعلى مرتكب
فإذا استويت على الذي ... تهوى فقد نلت الأرب
وإذا المنايا عاجلتـ ... ـك فقد عذرت لذي الطلب
قد خاب ذو علم إذا ... لم يبد لله الغضب
أخذ الإله عهودنا ... ألا نزين مخشلب
ربح التجارة من وفى ... بالعهد يوما واحتسب
فالله قد ضمن الوفا ... ء لمن وفى ولمن ندب
فالنفس تفدي ديننا ... لا نشري بالدين الذهب
والنفس أكرم عندنا ... من أن تهان وأن تسب
فارجع لنفسك وانهها ... عن ذا التعرض للعطب
واسمع أحاديث العلا ... تملى عليك وتكتتب
إن الذي أوضحته ... وذكرت من شيم العرب
عز يغادر كل قلب ... في الأعادي مضطرب (1/144)
صفحة 145
عز يذكرهم بما ... وجدوه عنا في الكتب
عز يريهم أننا ... عن حالنا لم نقلب
عز يريهم أننا ... والمجد أهل و الحسب
وبه يكون العذر للـ ... ـسلطان من أقوى سبب
إذ لم يكن عن رأيه ... ما كان منا وانتسب
لكننا قوم خشينا ... الخدع منه حين دب
أتكون ذمتكم لمن ... بالخدع أيانا حرب
والله يأمرنا بأن ... ننبذ إليهم إي نهب
فانبذ إليهم عن سواء ... إن تخف خدعا تصب
والخصم لا يخفى عليكم ... حاله حيث انقلب
سلب الممالك باحتيا ... ل قد علمتم ما سلب
وأتى يخادعكم فقلـ ... ـتم إنه الخل المحب
بتم وبات ينوشكم ... بمكائد لم تحتسب
شعواء دس إليكم ... تحت الليالي والحجب
من هم أن يصطاد من ... لم يخشه مكرا وقب
أيبركم ولديه أخـ ... ـبار الأوائل تكتتب
كم وقعة تركت جما ... جمهم هشيما محتطب
كم عرصة تركت ملو ... كهم عبيدا للعرب
كم غزوة تركت ذخا ... ئرهم غنائم تنتهب
أيكون مع هذا ودا ... د أو صفاء مرتقب
أيبرخصم خصمه ... وله الأمور كما نحب
ما خلفت أسلافكم ... إلا الكتائب والكتب
وسياسة تذر البعيـ ... ـد من المعالي مقترب (1/145)
صفحة 146
وبسالة يهتز منـ ... ـها الخصم رعبا مضطرب
لا بالخدائع حربهم ... والمكر ماكان السبب
لكنه ضرب المدافع يطيـ ... ـر الهام طيران السحب
وترى الأكف به تسا ... قط مثل أوراق تجب
وترى الدماء به تصـ ... ـب كمثل غيث ينسكب
وترى المهند فيه يلـ ... ـمع مثل برق من كثب
مع قلة منهم وخصمـ ... ـهم كأرمال الكتب
فغدوا نجوما يهتدى ... بهم من العليا طلب
من ينصر الرحمن ينـ ... ـصره ومن يخذل يتب
والله يبلو خلقه ... ليثيب منهم من أحب
وهو القدير فلو يشا ... نصر العباد بلا سبب
لكنه أعطاهم ... عمرا له حدا ضرب
لا ينقصن ولا يزيـ ... ـد على الذي منه كتب
وإذا مضى في طاعة ... فازوا بحسن المنقلب
وإذا مضى في غيرها ... كان الهلاك مدى الحقب
والعمر حتما ذاهب ... إن لم تداركه ذهب
ولمن عصى نهج المتا ... ب له سبيل فليتب
فأنا النصيح وإن يكن ... قولي عليكم قد صعب
وأنا الشفيق وإن حسبـ ... ـتم أنني الخصم الحرب
وأنا المحب وإن ظننـ ... ـتم أنني أعمى أدب
ما كان نصحي للبريـ ... ـة بالدراهم مجتلب
لكنه طبع طبعـ ... ـت عليه والمولى يهب (1/146)
صفحة 147
بئس المجالس للملو ... ك فتى به للدين جب
ما همه إلا امتلا ... ء البطن أو نيل النشب
أو كلمة من سيد ... يعلو بها وهو الذنب
يا رب ألهم رب دو ... لتنا المليك بأن يذب
واكشف له رتب الرجا ... ل على اختلافهم رتب
لا يستوي من يطلب الـ ... ـعليا ومن يبغي الذهب
فأخو الدراهم عينه ... حيث الدراهم تجتلب
وأخو المعالي همه ... يعلو الثواقب والشهب
ما كل من خطب المعا ... لي نالها لما خطب
مثل الكريمة لا تز ... وج ذا الحكاية والريب
تأبى العلا ينزو عليـ ... ها كل قاص مجتنب
لكنه من ليس يقـ ... ـرع أنفه مهما وثب
ما المال والدنيا وإن ... جاء فليسا بالحسب
با إنما تقوى الإلـ ... ـه عي العلا المكتسب
فإذا رزقت مع التقى ... نسبا فأكرم بالنسب
من كان ذا نسب شريـ ... ـف للمروة يصطحب
تأبى عليه نفسه ... رعي الوخيم وإن عشب
والكامل الرجل الذي ... حاز المعالي واكتسب
دارت به العلياء من ... كل الجوانب والرتب
فنشا تربيه السعا ... دة والعناية منذ شب
ذو أنفة لا تستطا ... ع وعزة لا تستلب
شهم ترى في وجهه ... أثر البسالة يلتهب
ندب يرى الأمر العظـ ... ـيم عليه سهلا لو صعب (1/147)
صفحة 148
ذمر يرى القاصي من الـ ... أشياء منه قد قرب
حر يرى فعل الدنيـ ... ـة كالحرام المرتكب
جلد لدى نوب الزما ... ن فلا تحركه النوب
صلد يساور عزمه ... صرف الخطوب إذا نشب
يلقى المنون كأنه ... يلقى الحبيب المحتجب
لا يثنه إلا مخا ... فة ربه عما طلب
لا جازع يوما ولا ... أسف إذا شام العطب
ماض على حلو القضا ... ء ومره لا يضطرب
راض بما قسم الإ ... له بفضله ربما وهب
فإذا دعي لملمة ... تلقاه أمضى من عضب
وإذا يسام الخسف وا ... ثب من يسوم على العضب
لا يصغ مهما زور الـ ... ـواشون قولا بالكذب
متأمل ما يعرضن ... له بفكر منتخب
كشفت له محض التجا ... رب عن أمور ترتقب
فهو الفتى فإذا ظفر ... ت به فكفك قد ترب
ربحت يداك إذا غدو ... ت لمثل هذا مصطحب
هذا الذي يدنيه من ... شاء العلا أن تنتصب
لا ينصح السلطان إلا ... من له رأي ثقب
وعزيمة ونصيحة ... وسياسة لا تقتضب
وشجاعة وبسالة ... منه الأعادي ترتهب
أما الذي من ظله ... يخشى فلا يقضي أرب
يا أيها الملك الذي ... حاز المعالي والرتب
أنظر هداك الله في ... أهل المشورة وانتخب (1/148)
صفحة 149
ما قام عز في البريـ ... ـة والرعاع له سبب
كالطود ليس يطيقه ... بيت يسقف من خشب
فابن العلا بجبال عـ ... ـز لا يزعزعها الرهب
وارم العلا بسهام من ... ترمي به حالا تصب
بأماجد شم لهم ... في الناس سابقة الحسب
لا يرهبون من المنو ... ن إذا الكمي لها رهب
لا يهربون إذا تو ... جهت الكماة إلى الهرب
تلقاهم وكأنهم ... في البأس نار تلتهب
بهم الممالك ترتسي ... حين الزلازل تضطرب
فاصلح هداك الله قو ... مك تلق منهم ما تحب
ما فيهم من يبغ غيـ ... ـرك لو نهضت بما يجب
فاجمعهم واصلح أمور ... هم وشمر واحتسب
فالعدل يكسو الملك إجـ ... ـلالا على مر الحقب
ما كان أول دولة ... إلا به كان السبب
فإذا تولى عدلها ... فالملك عنها قد ذهب
يا رب أظهر دينك الـ ... ـمرضي بالسيف العضب
وانصره يا رباه نصـ ... ـرا يكشفن عنا الكرب
نصرا به تمسي النصا ... رى مثلما كانوا ذنب
والحمد لله الذي ... قد ألهم النصح المحب
لا زالت العلماء تنـ ... ـصح للملوك وتحتسب
من قام فينا ناصحا ... فهو الوفي بما يجب
نصح الملوك على الرعـ ... ـية واجب لا مستحب
فإذا تقبله فقد ... ربحت يداه بما كسب (1/149)
صفحة 150
أولا فقد أعذرت إذ ... أديت شرعا ما وجب
ثم الصلاة مع السلام ... على النبي المنتخب
السيد المبعوث بالسيـ ... ـف الحسام وقد حرب
والآل والصحب الألى ... سادوا الأعاجم والعرب
وكتب المؤرخ المسيحي كاتب سيرة كوكس على أثر هذه الحادثة (نقلا عن كتاب شركة الزيت الأمريكية ص 68) " أن المتحمسين من جماعة الأباضيين كانوا يرون أن فرض الرسوم الجمركية عمل من أعمال الكفر لأنه لم يحظ بموافقة النبي ويعتقدون أن الرَّق دعامة مشروعة تسند نظامهم الإجتماعي والإقتصادي وقد اعترضوا على فرض أية رقابة على حركة تهريب الأسلحة واعترضوا كذلك على المعاهدات المعقودة مع الدولة الكافرة التي منعت الحكومة من التدخل في بيع التبغ والخمر وكأن هؤلاء المتحمسون للأوربيين بوجه عام وللإنكليز بوجه خاص ذلك لأن الإنكليز كانوا يتصدون لتجار الرقيق ومهربي الأسلحة، ولأن التجار الهندوس الذين كانوا يقيمون في موانيهم كانوا تحت حماية الإنكليز ومن تلك اللحظة راح كوكس وهو ذو العين النافذة في شؤون العرب يتتبع أعمال عيسى بانتباه شديد " ا هـ
وكان كوكس المذكور هو الوكيل السياسي في ذلك الوقت بمسقط.
بيعة الإمام سالم بن راشد الخروصي
جاءته ما كان بدعا من أئمتها ... من جده ابن تميم المجد (عزان)
في ضئضئ العزة القسعاء محتده ... اذا تفاخر قحطان وعدنان
بذروة اليحمد الصيد الملوك له ... اعراق مجد وأساس وبنيان
بويع الإمام سالم بن راشد الخروصي في السَّاعة الثانية عشر من يوم الإثنين الثاني عشر من شهر جمادى الثانية من سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف بمسجد الشرع من بلد تنوف. (1/150)
صفحة 151
وأول من بَايعه شيخنا العلامة سيَّد فطاحل عمان عامر بن خميس بن مسعود المالكي وألبسه الكمة والخاتم ثم تلاه الشيخ الباسل العلامة أبو زيد عبدالله ابن محمد بن رزيق الريَّامي الأزكوي وهو الذي أمسك العَلم الأبيض بحذاء الإمام.
خطب كل واحد من الشيخين أبي مالك وأبي زيد خطبة بليغة تحريضاً للناس وحثاً لهم على البيعة لإمامهم والمناصرة له.
ثم بايعه الأعلام يرأسهم الشيخ العلامة عبدالله بن راشد بن صالح الهاشمي.
ثم الشيخ العلامة ناصر بن عامر الريَّامي.
ثم الشيخ العلامة عامر بن علي الشيذاني الحَبسي.
ثم الشيخ العالم محمد بن سَالم بن زاهر الرقيشي.
ثم الشيخ العارف حمد بن مسلّم بن عبيد الحجري.
ثم بايعه الأمراء والرؤساء، يقدمهم الأمجد الأفخم، الأمير حمير بن ناصر ابن سيف النَّبهاني.
ثم المشايخ العباَهل أولاد هلال بن زاهر الهنائي.
ثم ازدحم الناس أفواجاً الخاصة فالعامة. ولما انتهى الناس من مبايعته زحف نور الدَّين إلى الشيخ حمير بن ناصر حتى أسند ركبتيه إلى ركبتيه وقبض على يديه وأملأ عليه عهوداً مؤكدة وشرائط موثقة وأيماناً مغلظة ليناصرن الإمام ولا يخونه ولا يخذله ولا يعين عليه ولا يغشه، وأن يكون معه على الحق، ما دام حياً ونحو ذلك من التأكيدات البليغة فأعطاه ذلك من نفسه بصدق وإخلاص ورَباطة جَأش.
ثم زحف إلى المشايخ أولاد هلال وأخذ منهم مثل ما أخذ من الشيخ الحميري من العهود والشرائط والأيمان والتأكيدات الموثقة على مناصرة الإمام وحرب الجبابرة والبغاة ولو لم يقم معهم أحد من أهل عمان فأعطوه ذلك. (1/151)
صفحة 152
ثم قام منتصباً في ذلك المحفل العظيم ورفع يديه إلى السَّماء مبتهلاً إلى ربه بصوت أجش رعب منه الحاضرون أن يعاقب من نكث أو تخلف أو نقض البيعة والكل يؤمن على دعائه قائلا: اللهم هذا مبلغ الجهد
وعليك التكلان فإن نكثوا فانتقم منهم كما فعلت بثمود وعاد. فكان لهذا الدُّعاء أثر عظيم في القلوب وذلك لشدة تصلبه جزاه الله عن الإسلام وأهله خيرا.
نص البيعة (قد بايعناك على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وأن لا تقدم على أمر إلا برأي العُلماء وقد بايعناك على إنفاذ أحكام الله تعالى وإقامة الحدود وقبض الجبايات وإقامة الجمعات ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف).
لما تقم العقد خطبت الخطب وأطلقت المدافع في تلك السَّاعة إعلاماً بالظهور ورفعت الراية البيضَاء وهي علم الإمامة عند العمانيين.
فأقاموا حكومة شعبية مستندة على الشريعة الإلهية يديرهَا ولي أمر منتخب مقيد في سلطته بمشورة العُلماء. خضعت لها عُمان وعشقَها الباقون وكان يعَاصره بالمملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن وبالمملكة المتوكلية اليمنية الإمام يحيى حميد الدين.
سئل نور الدين عن حكم هذه البيعة فأجاب أنَّ حكمها حكم إمامة الخليفتين وأني لم أعقدهَا على القوم شراء.
وسئل العلامة أبو مالك فأجاب أنَّ حكمها حكم إمامة الخليفتين رضوان الله وسلامه عليهما. والمراد أنها إمَامة ظهور وهل ظهور أعظم من ظهور الخليفتين رضي الله عنهما.
بعدما تمت البيعة وصفق الكل على الرضى قام شيخنا العلامة أبو مالك رحمه الله وغفر له خطيباً على رأس الإمام. (1/152)
صفحة 153
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على أنواره الزاهرة وأدلته الظاهرة وبراهينه القاهرة وعلى ما أولى وأنعم وهدى إليه وفهَّم من النور الواضح الأبهج والطريق اللائج الأبلج وصلى الله على من ختم به الرسل وأوضح به السبل محمد المصطفى وأمينه المجتبى وعلى آله وكفى.
أما بعد: فإن من أفضل ما أنعم الله به على العباد واختصهم به يوم المعاد نعمتين إحداهما الرسول الهادي الذي لا يُصاب علم الدين إلا من قِبلِهْ والأخرى الإمام العادل الذي لا تصلح الدنيا إلا على يده قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) وقال لإبراهيم عليه السلام (ِإنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) تنزيهاً للإمامة ورفعاً لقدرها وتعظيماً لخطرها أن ينالها عات ظالم أو يتحلى بإسمَها باغ غاشم وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله في ظله وذكر منهم الإمام العادل وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات ولم يعرف إمام زمَانه مَات ميتة جاهلية، قيل لبعضهم جاهلية كفر قال بل جاهلية ضلال، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من بات ليلة ليس عليه إمام إن مات فميتته جاهليه، وهذا مع القدرة، وقيل النظر إلى الإمام العدل عبادة، وقيل إقامة دين الله يوماً واحداً أفضل من إنفاق ملء الأرض ذهباً صدقة على الفقراء وقيل عدل يوم واحد أفضل من عبادة ستين سنة وقيل للإمام إذا عدل يوصل الله بركة عدله إلى الأرض كلها ويبقى عليه ملكه ويقال العدل يديم الدولة والشكير يزيد النعمة وإذا جار السلطان خرب العمران ألا وأن الله تعالى قد من عليكم بالإجتماع بعد التشتت وبالألفة بعد التفرق ففتح بصَائركم بنور الهدى وبصركم من العمى وأيقظ هممكم إلى طلب العلا وبعث عزائمكم بعد طول الثوى فمنّض عليكم بهذه النعم العظيمة والمنن الجسيمة وأنقذكم من الضلالة وأخركم من الجهالة فجمع على هذا الخير آراءكم فاشكروا نعم الله عليكم فإنَّ الشكر قيد النعم وأوفوا بعد الله يوف الله بعهدكم وانصروا الله ينصركم (1/153)
صفحة 154
الله ويثبت أقدامكم ألا وأنكم قد دخلتم في أمر ما هو بالهوينا فيجب عليكم أن
تعرفوا حقه وأن تؤدوا واجباته ألا وأنب أعرفكم حق ما دخلتم فيه بايعتم هذا الإمام وأعطيتموه صفقة أيديكم على السمع والطاعة ما أقام فيكم كتاب الله وأحيا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسار سيرة العدل واتبع آثار السَّلف من أهل الفضل فيجب عليكم أن تعطوه ثمرة قلوبكم وتبذلوا له النصيحة وتنصُروه إذا استنصركم وتعينوه إذا استعان بكم وتجيبُوه إذا دعاكم ويحرم عليكم غشه وغيبته وخذلانه والمظاهرة عليه والتقاعد عن نصرته فإن قمتم بما وجب عليكم من حقه وحق غيره فلكم فضل المجاهدين الصَّابرين وأجر الصَّادقين الموفين وكنتم خلفاً لخير سلف أعز الله كلمتكم وقوَّى دعوتكم ورد عليكم نعمتكم وأبلج حجتكم وكثر أموالكم وكثر على الحق رجالكم وصدق مقالكم وشكر أعمالكم ورضى آمالكم ورتق الله بكم الفتوق وأعطى بكم الحقوق وأحيا بكم سنة الصادق الصّدوق وأخمد بكم أهل الفتن وكان الله معكم وجعلكم معه وكان لكم وجعلكم له ودفع بكم الأسواء وداوى بكم الأدواء وأوضح بكم سبل الهدى أدام الله سيرتكم وأعز نصركم وقوى قلوبكم وطهر عيوبكم ومكن الله بكم الإسلام ووصل بكم الأرحام وجلى بكم الظلام شد الله أزركم ووضع وزركم أنار الله بكم الشرع وأطفأ بكم البدع سكن الله بكم الرَّوعات وأذهب بكم الفزعات وحقن بكم الدِّماء وجلى بكم العمى لا أراكم الله سوءا ولا شمت بكم عدواً حمد الله أمركم ومدح أثركم ورفع قدركم وقوى صبركم وشكر شكركم وأعاذكم جور المسالك ومحل المهالك أدخلنا وإياكم دار السَّلام مع الحور في تلك الخيام مع النبيين والصديقيين والشهداء والصَّالحين وحسن أولاءك رفيقاً في مقعد صدق عند مليك مقتدر ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما وفعل ذلك لنا ولجميع المسلمين أين كانوا آمين يا رب العالمين مكر الله بأعداءكم وكادهم بكيده المتين وأتى قواعدهم من حيث لا يشعرون وفعل ذلك بأعدائنا وأعداء المسلمين حيث كانوا إن ربنا سميع قريب ولدعائنا مجيب والسَّلام عليكم
ورحمة الله وبركاته وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آلاه وصحبه (1/154)
صفحة 155
والتابعين وعلى الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة المقربين وعلى صالح المؤمنين وختم لنا على خير يرضاه والحمد لله رب العالمين.
(ثم قام الإمام سالم خطيباً بالخطبة المأثورة عن أبي بكر الصَّديق رضي الله عنه).
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأومن به وأتوكل عليه وأستهدي الله بالهدى وأعوذ به من الضلالة والردى ومن الشك والعمى من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون إلى الناس كافة رحمة لهم وحجة عليهم والناس حينئذ على شر حال في ظلمات الجاهلية دينهم البدعة ودعوتهم فرية فأعز الله الدين بمحمد صلى الله عليه وسلم وألف بين قلوبكم أيُّها المؤمنون فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لك آياته لعلكم تهتدون فأطيعوا الله ورسوله فإنَّه قال عز وجل من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً أما بعد أيُّها الناس أوصيكم بتقوى الله العظيم في كل أمر وعلى كل حال ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم فإنه ليس فيما دون الصّدق من الحديث خير من يكذب يفجر ومن يفجر يهلك وإياكم والفخر وما فخر من خلق من تراب وإلى تراب يعود هو اليوم حي وغدا ميت فأعملوا وأعدوا أنفسكم في الموتى وما أشكل عليكم فردوا أمره إلى الله وقدموا لأنفسكم خيراً تجدوه عند الله محضراً فإنه قال عز وجل (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) فأتقوا الله (1/155)
صفحة 156
عباد الله وارقبوه فاعتبروا بمن مضى من قبلكم واعلموا أنه لابد من لقاء ربكم والجزاء بأعمالكم صغيرها وكبيرها إلا ما غفر الله إنه غفور رحيم فأنفسكم أنفسكم والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إن الله وملائكته يصلون
على النبي يا أيُّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما اللهم صل على محمد عبدك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك، وزكنا بالصَّلاة عليه وألحقنا به واحشرنا في زمرته وأوردنا حوضه اللهم أعنا على طاعتك وانصرنا على عدوك.
(ثم قام أبو زيد يخطب في العسكر يحرضهم على الجهاد وسلوك منهج الرشاد) فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وأكرمنا بالإيمان ورحمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهدانا به من الضلالة وجمعنا به من الشتات وألف بين قلوبنا ونصرنا على عدونا ومكن لنا في البلاد وجعلنا إخواناً متحابين فأحمدوا الله على هذه النعم وأسألوه المزيد فيها والشكر عليهَا فإنَّ الله قد صدقكم الوعد بالنصر على من خالفكم وإياكم والعمل بالمعاصي وكفر النعمة فقلما كفر قوم نعمة ولم يسرعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم وسلط عليهم عدوهم.
أيُّها الناس إن الله قد أعز دعوة هذه الأمة وجمع كلمتها وأظهر فلجها ونصرها وشرفها فأحمدوه عباد الله على نعمه واشكروه على آلائه جعلنا الله وإياكم من الشاكرين أيُّها الناس إن الله سبحانه وتعالى قد أمركم بالجهاد وحثكم عليه في كثير من آيات الكتاب العزيز وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومدح المجاهدين في سبيله بما لم يمدح به غيرهم وفضلهم على القاعدين فقال (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى (1/156)
صفحة 157
وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) وقال (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِه مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ).
فهذه الآيات ونحوها مرغبة في الجهاد أي ترغيب وناهيك بخصلة أخبرنا تعالى عنها بأنه يحب صاحبها فعلى العاقل أن يطلب محبة ربه وأن يتبع مراشده التي أرشد إليها ودله عليها وقد أخبرنا تعالى أن الصَّبر والمصابرة والمرابطة سبب للفلاح وأن الجهاد بالأنفس والأموال هي التجارة المنجية من العذاب الأليم وموصلة إلى جنات النعيم وهي السَّبب لنصر الله والفتح القريب وأخبرنا تعالى أنّض الشهداء أحياءَ عند ربهم في قوله عز من قائل (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ) وقوله عز من قائل (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) ويقال إنَّ الشهيد لا يجد من ألم الموت إلا كقرصة قملة وفي رواية كقرصة نملة وأنه يجار (1/157)
صفحة 158
من عذاب القبر ومن فتنة القبر ويقال إنَّ الناس من هول الموقف والشهداء على مَوائد تحت العرش يقولن امضوا بنا ننظر كيف يحاسب ربنا عبَاده وما من أحد يحب الرجوع إلى الدنيا إلا الشهيد فإنه يحب أن يرجع إليها ليقاتل فيقتل مرة أخرى وذلك لما رأى من سهولة الموت وكثرة الأجر ولو لم يكن في الجهاد إلا فضل الشهادة لكفى فكيف وفيه خير الدنيا والآخرة فيه الظفر على العدو وبه إقامة كتاب الله وإنفاذ أحكام الله وقهر أعداء الله يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل حسنات ابن آدم تحصيها الملائكة الكرام الكاتبون إلا حسنات المجاهد فإن جميع الملائكة الذين خلقهم الله يعجزون عن إحصاء حسناته ولو زيد أضعافهم وتعدل حسناتهم أدناهم رجلا
حسنات جميع العابدين من أول الدنيا إلى انقطاعها، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الجهاد في سبيل الله خاتمة كل عمل وكفارة كل ذنب وقيل من حرض رجلا على الجهاد في سبيل الله كان له مثل أجره وآتاه الله ثواب نبي بلغ رسَالات ربه ومن ثبط رجلا عن الجهاد فلو يفتدي يوم القيامة بملء الأرض ذهباً لم يقبل منه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس فلهذه الفضائل ونحوها كان السَّلف الصالح من الصَّحابة ومن بعدهم يبذلون الأنفس والأموال في الجهاد ويرون ذلك من أفضل الزاد وحديث حميد الطويل عن أبي حمزة المختار بن عوف قال أدركنا الناس وإن الرجل منهم لما يزداد من صلاة وصياَم وأنواع العبادة لكن لا تكون له رغبة في الشراء يعني المبايعة على الموت فيسقط من أعينهم يعني أنهم لا يرون له منزلة عالية بسبب رغبته عن الشراء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام يجاهدون المشركين على الدخول في الإسلام فيستحلون قتل مقاتلهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم (1/158)
صفحة 159
إلا من أدى الجزية من أهل الجزية وهم صَاغرون فدخل الناس في دين الله وبعد أن ظهر الإسلام في العرب أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الروم حتى قبضه الله إليه واختار له ما عنده بعد أن بلغ رسَالة ربه فلم يترك المسلمون دين الله سدى بل استخلفوا على أمرهم من رأوه أهلا لذلك واعترفوا بفضله بإشارات فهموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وهو ابو بكر الصِّديق رضي الله عنه فقام بحث الخلافة وقاتل المرتدين من العرب حتى ردهم بالرغم إلى الباب الذي خرجُوا منه وهو الإسلام ثم أخذ في قتال الروم من جهة والفرس من جهة ثم اختار الله له ما عنده فقبضه الله إليه بعد أن استخلف على المُسلمين عن رضى منهم من رجى أن يقوم بالأمر بعده وهو ثاني الوزيرين لرسُول الله صلى الله عليه وسلم ألا وهو عمر الفاروق فقام عمر مجتهداً وجاهد الروم
والفرس وغيرهم من الأمم وفتحت لهم الفتوح وانتشر الإسلام في زمانه كل الإنتشار ثم اختار الله له ما عنده فقبضه إليه شهيداً ثم استخلف المسلمون عثمان فكملت له فتوحات الدنيا إلا ما شاء الله ثم وقعت الفتنة في المسلمين وبغى بعضهم على بعض ورجع بعضهم يضرب رقاب بعض فصَار القتال يومئذ في الفئة الباغية حقاً لازماً وفرضاً واجباً لقوله تعالى (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) فقتال الفئة الباغية من واجبات القرآن وإنما يقصد بقتالهم إفاءتهم إلى أمر الله وهو الحكم الذي حكم به في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فإن قتالهم على ذلك كقتال الكفار على الدخول في الإسلام فهؤلاء يقاتلون على ترك الحكم وأولئك يقاتلون على ترك الإقرار غير أنَّ هؤلاء عصموا أموالهم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تغنم اموالهم ولا تسسبى ذراريهم لحرمة الإسلام الذي أقروا به ودخلوا فيه وإنما حل قتالهم لأجل ردهم إلى ما تركوه من حكم الإسلام فقد أبقى لهم الإقرار بالإسلام بعض الإحترام فلا يقتل أسيرهم لأنه صار مأسوراً موثوقاً عن البغي قد أمن شره وكذلك من تاب منهم إذا أمنت عودته فإنه يخلى سبيله وإن خيفت معاودته إلى البغي فإنه يحبس إلى أن (1/159)
صفحة 160
يؤمن ولا يجهز على جريحهم أي لا يوفى بالقتل وذلك من حبسته جراحته عن بغيه وأما إن كان الجريح مقيماً على الظلم والبغي أو كانت جراحته خفيفة غير حابسة له عن بغيه فسَبيله سبيل أصحَابه ولا يتبع مدبرهم إذا كانوا منهزمين إلى غير فئة يلتجئون إليها ولا يتراجعُون إلى الحرب المسلمين ويعودون إلى بغيهم وظلمهم تبعهم المسلمون وأخذوهم وحبسوهم وأسروهم إلَّا أن يأمنوا منهم وشاوروا فيهم الإمام إن كان لهم إمام وإلَّا شاورُوا أهل العلم ومن صح عليه أنه قتل أحداً من المسلمين قتل وأجاز بعضهم أن يتبعُوا ويقتلوا عشرة أيام وقول ما دام أهل البغي على
بغيهم فإنهم يقتلون مقبلين ومدبرين إلى أن يفيئوا إلى أمر الله ولا سبيل لهم على أموالهم معناه ليس للمُسلمين أخذهَا على وجه الغنيمة وجاز للمسلمين حبس ما كان آلة لحربهم ومعونة لهم على بغيهم ويجوز للمُسلمين أن يستعينوا على البغاة بسلاحهم وبخفهم وكراعهم حتى تضع الحرب أوزارهَا وما تلف منهَا في الحرب فلا غرم فيه وما بقي منها فمردود إلى اهله إذا أمن بغيهم وتعديهم وانكسرت شوكة ظلمهم ولا يجوز أن يقتل صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا الشيخ الفاني يعني الشيبة الكبير إلا من قاتل من هؤلاء فإنه يدافع فإن قتل في الدفاع فلا شيء فيه ولا تخشى أموال أهل القبلة ولا تحرق منازلهم ولا تنسف دورهم إلا ما كان لهم قوة على بغيهم فلا بأس بتخريب ذلك عند المقاومة في الحرب فإذا ألقوا بأيديهم وفاءوا إلى الحق امتنع التعرض لأموالهم إلا ما كان من حق الله فيها ولا امان دون الإمام بمعنى أنه ليسَ لأحد أن يؤمن أحداً من أهل الحرب إلا بإذن الإمام فمن شاء أن يؤمن أحداً فليأخذ في ذلك إذناً من الإمام ولا يجوز التعازي بالقَبائل فلا تقولوا يا آل فلان ويا بني فلان فإنَّها دعوة جَاهلية وعصبية وحمية لغير الحق وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولكن تداعوا بيا أنصَار الحق ويا أهل الإيمان ويا أهل القرآن ويا للمُسلمين، لتكون حميتكم (1/160)
صفحة 161
للإسلام وعصبيتكم للحق لا للآباء وبذلك تنالون فضل المجاهدين ودرجة الشهداء وهللوا لله وكبروه كثيراً واذكروه كثيراً فبذكر الله تطمئن القلوب وبالتهليل والتكبير وملازمة الحق ترزقون الظفر بالعدو والنصر على الخصم والهيبة في قلوب المعاندين والمحبة في قلوب المؤمنين، واعلموا أن الإجتماع رحمة والفرقة عذاب وأن قسمة القبائل التي اقتسم إليهَا أهل عمان إلى غافري وهناوي هي من عمل الشيطان ومكائد العدو وهي من أعظم مكائد إبليس فالله تعالى يقول إخوانكم في الدّين والشيطان يقول وإخوانكم في الشف الغافري والهناوي، ألا
فاتبعُوا أوامر الله واجتنبوا مكائد الشيطان واحذروا غروره فإنَّ الشيطان يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير واعتصمُوا بحبل الله جميعا واذكروا نعمة الله عليكم واعلموا أنَّ التقوى هي العروة الوثقى وهي باب كل خير ومفتاح كل مغلق وهي المخرج من كل ضيق وهي القوة على العدو فبها تمسكوا وبحبل الله اعتصمُوا وعلى الله توكلوا إن كنتم مؤمنين واحذروا التنازع في الأمور فإنه أصل الفشل ومفتاح كل شر ولا تنازعوا فتفشلوا، ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً وفي الخير أنصاراً وأعواناً فيد الله مع الجماعة وتعَاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واطلبوا النصر من الله واستعينوا به وتوكلوا عليه إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده هذه وصيتي لكم فاحفظوهَا واعملوا بها وتواصُوا بالحق وتواصُوا بالصَّبر ومن عرف قدر ما يطلب هان عليه ما يبذل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لا ملجأ من الله إلا إليه ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
اللهم يا من بيده ملكوت كل شيء ويا من عنده خزائن كل شيء يا من له ما في السماوات ومَا في الأرض ومَا بينهمَا ومَا تحت الثرى ألف بين قلوب المسلمين وأجمع شملهم وأظهر دعوتهم وقوي شوكتهم وارفع رايتهم وأيَّد دولتهم وقوّ سلطانهم وعز أمرهم وأخذل عدوهم واجعل كلمتك هي العلياء وكلمة الذين كفروا السُّفلى آمين (1/161)
صفحة 162
يا رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وآله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة المقربين وعلى صالح المؤمنين ختم الله لنا على خير يرضاه والحمد لله رب العالمين.
وهذا ما قيل من الشعر بعد البيعَة وقد أحسن شيخنا العلامة أبو مالك وأجاد حيث يقول:
حازت الفخر تنوف ... ولها الفخر المنيف
آوت الأخيار جهراً ... وبها اليوم صفوف
نصبُوا فيهَا إماماً ... لا تدانيه الشفوف
في جمادى الثاني عصراً ... عام لا غش يطوف
يوم ثاني عشر هذا الشـ ... ـــــهر قد تم الوقوف
من خروص اجتبوه ... إنه العدل العفيف
سَالم من كل شين ... برعاياه رؤوف
هب له اللهم نصراً ... إنك الرب اللطيف
أظهر الحق شموساً ... ليس يعروها كسوف
عجل اللهم فتحاً ... أنت مولانا الرؤوف
تعلم السِّر وأخفى ... قصدنا الدين الحنيف
وهو أقصى الجهد منّا ... رب لا الأمر المخوف
وعلى المختار صلى ... ربنا رب لطيف
وقد ذكر المر بن سالم الحضرمي شاعر الجوف صحة إجتماع المُسلمين بتنوف في قصيدته اللامية حيث يقول:
جنود الله قد سبقت تنوف ... إلى الفضل المؤبد والمعالي
إذِ انتدبت لأمر ساَلمي ... به يبيض مسود القذال (1/162)
صفحة 163
فحار له أولوا الألباب حتى ... رآه بعضهم مثل المحَال
فتمم ما أراد وشايعته ... جبَال زلزلت شم الجبَال
بهَا عقدوا الإمامة واستعدوا ... وهم نفر كرهط أبي بلال
أقامُوا سالماً لهم إماماً ... سُلالة راشد زاكي الخصَال
من القوم الكرام بني خروص ... مآثر فخرهم عدد الرِّمال
فسَالم سَالم من كل عيب ... وراشد راشد في كل حَال
وناصرهُ ابن ناصر حمير في ... دواهي الحرب والنوب العضال
فتى من آل حمير شمري ... بعيد الصّيت منقطع المثال
ولبّت من هناة بنوا هلال ... وكل منهم مثل الهلال
أقاموا سبعة الأيام فيها ... يديروا الرأي والسبع الليالي
مناصحة وانذاراً لنزوى ... ولم يجدوا بنزوى من يوالي
ا هـ المراد منها وهي قصيدة غراء سنذكرها مستوفاة في محلها وإلى هذا الإجتماع أشار شيخ البيان نابغة عمان العلامة محمد بن شيخان في قصيدته البائية
وهي قصيدة فريدة تكاد تسيل عذوبة ورقة وانسجاماً وستأتي القصيدة في محلها ونذكر منها المقصود حيث يقول:
نحن من قمنا على السلطان إذ ... جار لا نتركه أن ينكبا
نحن قوَّمنا ومكنّا بما ... فيهما المعوج والمضطربا
نعشت فينا قلوب للهُدى ... وجسوم فيه تشكو النصَبا
جذبتنا نفحة وهبية ... تجعل المنكر والجور هبَا
خرجت في الأرض تمحو باطلا ... وترد الظلم ممن ركبا
دولة غراء كالشمس بها ... تشرق الدنيا وتسمُو رتباَ
سهلة بيضاء لم تلف بها ... حرجاً أو كدراً أو متعبَا
وهب الله لها من لطفه ... سالماً ذاك الإمام المجتبى (1/163)
صفحة 164
سله الله حساماً لامعاً ... يقطع الكفر ويجلو الغيهبَا
بايعته العُلما والأُمرا ... والبرايا فترقى منصَبا
فهو فتاح الصياصي والقرى ... وهو وضاح الصَّحاري والرُّبا
زهت الدُّنيا به كالعيد في ... أهله وافق دهراً طيباً
أمره شورى فلا خلف لما ... يرتضيه العلماء النقبا
ومن ذلك قصيدة النحرير المبرز جمعة بن سليم بن هاشل الخنجري الحارثي قال:
بشر جميع المسلمين بالنصر والفتح المبين
فالله أعلن للهدى صبحاً لعين المبصرين
فجلت أشعته الدُّجى والليل مسود الجَبين
بأخ الهدى واليمن وا التقوى أمير المؤمنين
الطاهر الشيم الإما العدل سالم ن الأمين
من لا يزال كأسمه عمراً واخلاقا ودين
من يمينه اوحى على الباغين وحيا بالمنون
متأنق غض الحَيا متألق للعارفين
متعاظم متواضع للمعتدي والمهتدين
الدافع الذمر الذي يعلو الوغى وهي الزبون
خفقت لدعوته المعا قل مسرعات والحصون
وانحط من فيها له بالرغم منهم سَاجدين
من كل مصطلم المسَا مع زاهق واهي الوتين
بمدافع هزت روا جفَها السّهولة والحزون
وزوابع لفحت وجو ه أولي الضلال الملحدين
وأزب بحر غصص الأ رض فلم تبد الأنين
فاءت له اجبَالها منفوشة نفش العمون (1/164)
صفحة 165
عفر السماء بعيثر ترك الكواكب وهي جون
صك الضلال وأهله فغدوا حصيداً خامدين
فإذا المسمى كاسمه ابداً مهين لا يبين
يردى بأنجم رجمه أهل الضلال المارقين
بسوابق تطأ الملا غم والأخادع والجفون
تجري فلم يعلق بها لرجائها لحظ العيون
ما كان علم البرق فيهـ ــا أذ جرت إلا ظنون
تعدوا بأُسد مَالها إلا صوارمها عرين
من آل نبهان الجحا جحة الكماة المعلمين
فهم الملوك بنو الملو ك الأكرمين الأفضلون
وهمُ همُ الأعلون في علياءهم والناس دون
السابقون الأولون السابقون الأولون
وبنوا هناة الغالبون على البرايا السامقون
أصل الفخار وفرعه والمجد والعز المتين
قست الورى بهم فميز ت الشمال من اليمين
نهضوا وحمير ينشر ون الحق عن رأي رزين
كشفوا جميعاً للنهى عن واضح الحق اليقين
عن دولة سحَّ الزمَا ن بهَا وكان بها ضنين
من بعدما هدأت دوا عيها واخلفت الظنون
كانت ولا عجب فما شاء الآله له يكون
فأتوا بها مشحوذة تبري رقاب الناكبين
تعمي عيون أولي العمى تهدي الهداة الراشدين
تختال من سكر الصبا تهتز من طرب ولين
يزهو بها الدر المفـ ــصل والأسور والبرين (1/165)
صفحة 166
عن سعي من بالعلم والإ يمان يعلو العَالمين
علم الأئمة كلها خير البرية أجمعين
الزاهد الأواه عبـ ــد الله زين العابدين
السالمي المحتوي للفضل وهو به قمين
صبح المؤمل كعبـ ــة الإحسان خير المحسنين
الواهب الأبريز للـ ـعافين والدر الثمين
بحر الندى حتف العدى وحياً ملاذ اللائذين
عف المناقب والمكا سب والمصاحب والخدين
بصري ونور بصيرتي سهمي المسدد والمعين
هو عمدتي بل عدتي بل ملجأي في كل حين
مدحي له ومودتي عن خالص السر المصون
في الله لا في غيره والله خير الشاهدين
نعم الفتى أجلى لنا عن نهج خير المرسلين
والمالكي المالك الخـ ــيرات منقطع القرين
شد أزره ومن استوى ببطان هديهما الوضين
فالله يشكر سعيهم والمسلمون الصالحون
يا مسلمون تنظموا في سلك نصرته الوصين
صبراً لديه ورابطوا فالصبر عنوان اليقين
صدق الطوية بالوفا والسر تبرزه العيُون
فالله يعلم منكم ما تكتمون وتعلنون
والله ينصر من وفا والله يخذل من يخون
والله ينصركم على اعدائكم قولوا ىمين
ثم الصلاة على النبي وآله والتابعين (1/166)
صفحة 167
(نسب الإمام سالم وولادته ونشأته)
هو الليث الهصور والبطل الغيور الإمام سالم بن راشد بن سليمان بن عامر بن مسعود من نسل الشيخ عزان بن محمد بن مسعود بن الإمام عزان بن تميم الخروصي (نقلا من خط الشيخ خلفان بن عثمان الخروصي) ثم وجدت بعد ذلك بخط الشيخ محمد بن راشد أخ الإمام المذكور مما نصه.
سالم بن راشد بن سليمان بن عامر بن عبدالله بن مسعود بن سالم بن محمد بن سعيد بن سالم الخروصي والله أعلم أي أصح.
ولد رحمة الله ببلدة مشايق من قرى الباطنة في سنة واحد وثلاثمائة وألف سنة 1301.
ونشأ في جحر والده الزاهد راشد بن سليمان وعليه قرأ القرآن وقرأ مبادئ العلوم ببلده ثم خرج إلى العوابي وهي دار قومه بني خروص لتلقي العلوم.
ثم هاجر إلى الشرقية لطلب العلم وهو مراهق الحلم واقام بالقابل من الشرقية فقرأ على سيدي نور الدين وما فارقه منذ راهق الحلم إلى أن أرتقى عرش الإمامة إلا وقت زيارته لأبويه وأقاربه. توفي أبوه قبل عقد الإمامة عليه.
صفته وأخلاقه: كان مربع القامة نحيف الجسم أنهكته العبادة أبيض اللون بهي الطلعة أزج الحاجبين تبين على وجهه سيَما الصلاح أعبد أهل زمانه وأورعهم وأشدهم غيرة على محارم الله عرف بذلك منذ صغره ضرب به المثل في عمان قبل الإمامة وبعدَها زهداً وورعاً وعفافاً ترى يده اليمنى ترتعش إذا دخل في الصلاة وتسمع لصدره وجيب لا يحس بما يتحدث به الناس به إذا دخل صلاته حتى أن يغيب عن الكون إلى الجذب لا تراه طول عمره إلا راكعاً أو سَاجداً.
كان قوته كفافا كان يقعد على البسَاط والأرض المبسوطة بالحصبا كان لا يحتجب عن الناس يباسط إخوانه ويحضرهم ما يحضره من الطعام وأكثر ما يحضره القهوة (1/167)
صفحة 168
البنية والتمر أو الرطب في أوانيه وإذا حضرته فاكهة أحضرها لا يدخر الموجود ولا يطلب المفقود ولما تولى أمر المسلمين كانت حالته التعفف عن الأخذ
من بيت المال جهده إلا قوته وقوت من يعوله بالمعروف فمن ورعه أدركته فطرة الأبدان بعد فتح سمائل فلم يجد شيئاً يملكه لأدائها وأبى أن يقترض من بيت المال أو من الناس فباع عباءته (المنسول) في عرف العمانيين وانفق ثمنَها فيما وجب عليه.
ومن ورعه أن النفقة المقدرة له من بيت المال كان الخادم يأخذها من الشيخ إبراهيم بن محمد السيفي يومياً فكان من قدر الله أن أصابه إسهال ولم يشكه لأحد وانقطع بسببه عن الخروج إلى الناس فذكرت زوجته ذلك للنساء فوصفن لها هريسة الدجاج فجعلت تقصر من النفقة لشراء ذلك فعملتها له فلما قربتها إليه قال من أين هذا لكم فأخبرته فأمر الخازن الشيخ إبراهيم أن يقصر بقدره من النفقة إلى غير مما هو معروف وغير مستنكر ولا مجهول.
قام الإمام سالم بن راشد بما تَحلَ به من إظهار العدل أحسن قيام وأجرى الأمور على أحسن وجه واتقن نظام فأظهر الحق وعمل به واستبشر المسلمون بطلوع شمس الهدى بعد أفولها وأخذ في نزع الدولة من أيدي المتغلبين وبالحال في ليلة الثالث من شهر الإمامة أرسل الكتب بالدعوة وإقامة الحجة على عامل السلطان بنزوى السيد سيف بن حمد بن سيف البوسعيدي وكتب إلى أهل نزوى محلة محلة ومعقلا معقلا ولم يترك أحداً من اعيانها ووجوهها ومن عليه أي اعتماد في أمرها إلا كتب غليه أن يجيب غلى مناصرة الحق وأن يتقوا الله وأن لا يعينوا الظلمة إلى غير ذلك من النصايح الناجحة.
وكتب للسلطان فيصل يخبره بما قام به المسلمون من العدل ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون وإلى الإنقياد لازمة الشرع الشريف وإن له ما لهم وعليه ما عليهم وأرسل إلى سائر آفاق عمان ورؤسائها واعيانها بمثل ذلك من الخطابات النافعة ولبث بتنوف بعد عقد الإمامة سبعة أيام يدبر الأمر ويراسل القبائل من أهل عمان إعلاماً وإعلاناً وحجة وكتب أيضاً إلى الشيخ ماجد بن خميس العبري ما نصه: (1/168)
صفحة 169
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين المعتصم بالله سالم بن راشد الخروصي ومن معه من المسلمين.
إلى حضرة المشايخ الكرام الوالد ماجد بن خميس ومهنا بن حمد ومن معهما من المسلمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: ففي آخر ساعة من يوم اثني عشر من شهر الحال وقعت البيعة من جماهة المسلمين بعد أن أستوثقوا لأنفسهم من الرؤساء بالعهود والمواثيق وقد تم الأمر ونرجوا من الله النصر ونحب وصول من خف من المطاوعة وأنت أيها الوالد ماجد لابد من وصولك إلينا بتنوف وقد ألزمناك ذلك بالبيعة التي سبقت على يد الشيخ عبدالله بن حميد السالمي ندعوكم إلى إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ندعوكم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ندعوكم لإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم ندعوكم إلى التجارة التي دلكم الله تعالى عليها في كتابه العزيز في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ يا قومنا أجيبوا داعي الله والسلام كتبه عن أمرهم عامر بن خميس المالكي في ليلة 13 من جماد الأخرى سنة 1331 صحيح هذا كتبه إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي بيده.
فحين وافاه الكتاب لم يتباطأ الشيخ حتى شد رحله فكان أول قادم رحمه الله وعنده بعض أعيان قومه وكان هذا الشيخ عالماً جليلا ذا سن وفضل وكان ممن أدرك دولة الإمام عزان بن قيس رضي الله عنه وعمل له على بهلا وفرح بإجتماع المسلمين وبايع الإمام وكتب إلى والي نزوى لأنه كان يراسله ويقبل نصايحه وهذا نص ما كتبه إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى جناب سيدنا وعزيزنا المحب الناصح سيف بن حمد بن سيف، سلام عليك ورحمة الله وبركاته .. وبعد فكتابك الأول والثاني الذين نسبتهما إلينا والشيخ مهنا (1/169)
صفحة 170
أشرف عليهما المحب وعلم ما تضمناه من المعاني بداية ونهاية ومع وصولهما كان الشيخ مهنا ببلد بَهلا فتأجل الجواب لأجل ذلك، وأراد طارشاك الرجوع إليك
فلم أر أشفى وأنجع لبلوغ المراد إلا وصولي لإمام المسلمين ومن معه من المشايخ لكشف المراد فوصلت وعرفت مرادهم وما فيه وعليه فوجدتهم على جادة الصواب بلا شك ولا ارتياب وليس الأمر كما تصور في قلوبكم أن الشأن لكي يبلغ الخصم مراده فإن الأمر الذي هم عليه هو الجد وما عداه هو الهزل، فمن وافقهم على ما هم عليه فقد وافق أمر الله ومن خالفهم وعاداهم فقد عرض نفسه لسخط الله لأنه على كل عبد من عبيد الله أن يطيع الله ورسوله وأولو الأمر أئمة العدل وعلماء المسلمين والآن إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي والمشايخ الذين بايعوه، وإني أحب لك ما احبه لنفسي أن تطيع الله، ومن أطاع الله فإن حزب الله هم الغالبون، وإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وهو من ماجد بن خميس بن راشد العبري.
محرراً يوم 16 من جمادى الآخرة سنة 1331 ببلد تنوف.
وكتب أيضاً إلى مشايخ العلاية من نزوى ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى جناب المحبين الكرام الحشام الأولاد علي بن ناصر وسليمان بن عبدالله ومحمد بن سليمان ومن معهم من الجماعة الكنود سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد فكتابكم الشريف أشرف عليه المحب وعلم ما حواه بداية ونهاية، وقد أوجب النظر خروجنا إلى بلد تنوف لنتعرف حقيقة ما عند إمام المسلمين ومن معه من المشايخ المسلمين فوجدناهم مشمرين لإجابة مولاهم رب العالمين فمن اطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله وتعرض لغضبه ومقته في الدنيا والآخرة وأوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعة عبده إمام المسلمين، فإن الله يقول: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، وهذا الإمام ومن معه من علماء المسلمين هم حجة الله وهم أولوا الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ولا يرغب عن ذلك إلا من سفه نفسَه وأطاع هواه وكفر (1/170)
صفحة 171
بنعمة مولاه الذي سواه ونحن قد بايعناه طلباً لمرضاة الله. والله نسأله الإعانة والتوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. وأقول أن التخييل الذي ورد في القلوب والتعلل بما لا فائدة فيه لا يسوغ فإن الأمر ليس كما تظنون ا هـ. وهو من المحب ماجد بن خميس بن راشد العبري، حرر ليلة 17 جمادى الاخرة سنة 1331.
إجتمع للإمام بتنوف جيش جرار وخميس كرار، وذلك بأن الشيخ الحميري أرسل بعد البيعة إلى قومه من السهل والجبل أن يجتمعوا فسَال الجبل الأخضر برجال بني ريام فشدوا عضد الإمام وخرج المشايخ بني هلال لجمع قومهم من هناة ووعدوا الإمام أن يوافوه ليلة التاسع عشر على سفالة نزوى وقويت لذلك شوكة المسلمين، وإذ مهدوا أمرهم وقرروا رأيهم وكانت نزوى هي أقرب المعاقل إليهم وهي بيضة الإسلام ووطن الأئمة في كل زمان عزموا على الخروج إليها لإخراج عمال السلطان والإستيلاء عليها ونشر العدل فيها وكان الإمام قد كتب غلى واليها فرجع جوابه بما لا يفيد ولا يذعن للحق ولا للناصح الرشيد وحاصل ما في جوابه أنه أمين على نزوى للسلطان ولا يمكنه أن يترك رعايته إلا أن يستلبها الحرب العوان فذلك الذي دعى الإمام رحمه الله على الهجوم عليها مستعيناً بالملك الديّان فخرج الإمام ومن عنده من المسلمين والجيش كله من بني ريام يؤمهم ذلك البطل الضرغام الشيخ الأمير حمير بن ناصر وكان خروجهم عصر يوم الإثنين التاسع عشر من شهر جمادى الاخرة وهو شهر الإمامة فكان طريقهم على بلد كَمْه فصلوا بها العشائين واستراح الجيش قرب العلاية ينتظرون النزار وأهل البركة فوصلوهم قبيل الفجر وعندهم الكتب التي أرسلها السلطان فيصل إلى عامله بنزوى ذكر له فيها أنه لم يصله كتاب منه بالواقع من نهضة المسلمين وعقدهم للإمام وأن الخبر بلغه من غيره يوبخه ويلومه على ذلك فقبض عليه بنو ريام القائمين بطريق السَّحامة بأمر الإمام فأتوا بالكتب إلى الإمام وكان العامل قد أرسل إليه رسولا يخبره بالواقع فقبض الشيخ حمدان ابن سليمان على الرسول بالبركة وأرسلها أي الكتب مع رسول إلى الإمام فكانت (1/171)
صفحة 172
كتب السُّلطان لا تصل الوالي وكتب الوالي لا تصل السُّلطان وذلك من أعظم البرهان لظهور الحق إذ اطلع من كتبهم على الخلل الذي بالحصون فقوى لذلك عزم المسلمين وكان في أيديهم لما هاجموا نزوى ثلاثمائة فسْكه
أي (رمية) بلغة أهل عمان وإنما عدتهم التقوى وقد تحمل الشيخ حمير وأولاد هلال بما يحتاجه قومهم إلى الفراغ من حرب نزوى اما الذي حمله سيدي نور الدين عند خروجه هذا ثلاثمائة قرش فضة أخذها بالقرض من مطر بن حمودة الحجري ورددناه إليه بعد وفاته بعنا لها ماله الذي ببلد الزاهب من بلدان الحبُوس بقي منها في أيديهم لما هاجموا نزوى عشرون قرشاً فضة.
فتح نزوى
تقع هذه العاصمة العمانية في قلب عمان داخل النطاق الصخري للحجر في سهل ضيق تتخللها أودية تنحدر غامرة بسيولها تقسمها نصفين فتمتد عيون البلاد من عروق هذه الأودية فهي كالوريد في بدن الإنسان، وقد اكتنفتها الجبال من كل الجهات، فهي كسور أحاط بها لا يتوصل إلى داخلها إلا من طرق مخصوصة فتكون تلك المنافذ كأبواب عليها، تفجرت بها الأنهار فبعضها من قنوات وبعضها من الغيول الجارية بها وبسقت بها النخيل وزهرت بها الأشجار تأوي إليها فواكه الجبل كل غداة، وتمشي بها أغذية البحر، وهي المركز الرئيسي لإمامة الأباضية، وديانتهم وفقههم وعلمهم، وبها تتركز القوى الأدبية والدينية، ومنها تنطلق أوامر الإمام لتنتشر بين شعبه.
اتخذها الأئمة الأولون عاصمة ملكهم وقد انتد أسطولهم إلى الخارج وقهروا شطراً من الهند وأفريقيا فما رغبُوا عنها، وأول من رغب عنها إلى مسقط السيد حمد ابن سعيد بن أحمد لما ولي أمر أبيه عام 1198 هـ وكتب في ذلك المؤرخ لوريمو البريطاني في مجلد 1 ص 19 مقالا هذا نصه: (1/172)
صفحة 173
(أخرجت حكام عمان من موقف كانوا يستطيعون فيه أن يحتفظوا بمنزلتهم بوسائل القدرة العسكرية والسياسية فقط ووضعت في متناولهم دخلا مضموناً سهلا من الرسوم الجمركية ومكنتهم من أن يحتفظوا بسلطة شكلية بالرشوة وحدها وعرضتهم بعد ذلك لتأثير حضارة أجنبية أبعدتهم عن قبائل الداخل وقللت من شعبيتهم بين رعاياهم ولو بقيت العاصمة في الرستاق لكان من الممكن أن تتمتع عمان في القرن التالي بمزايا حكومة أكثر استقامة ونشاطاً وكان يمكن أن يكون الفساد الخلقي للأسرة الحاكمة أقل سرعة ا هـ كلامه).
فنزوى عند العمانيين هي أرجح من غيرها وتدلك على ذلك الآثار الموجودة بها وهي متوسطة بعمان وتسمى بيضة الإسلام واسمع إلى قول شاعر العرب أبي مسلم في ذكره لها:
وافرق بها البيد حتى يستبين لها (فرق) على "بيضة الاسلام" عنوان
فان تيامنت الحوراء شاخصة لها مع السحب أكناف وأحضان
فحط رجلك عنها انها بلغت ... "نزوى" وطافت بها للمجد أركان
فطالما وخدت تبغي لبانتها ... كأنهن مع الانضاء عقبان
انزل فديتك عنها ان حاجتها ... عدل وفضل وانصاف واحسان
انزل فديتك عنها ان وجهتها ... تخت الأئمة مذ كانت ومذ كانوا
هنالك انزل وقبل تربة نبتت ... بها الخلافة والأيمان ايمان
انزل على عرصات كلها قدس للحق فيهن أزهار وأفنان
انزل على عذبات النور حيث حوت أئمة الدين بطنان وظهران
حيث الملائكة احتلت مشاهدهم لها على الحل والتعريج ادمان
أرض مقدسةقد بوركت وزكت ... تنصب فيهامن الأنوار معنان
ما طار طائرها لله محتسبا ... له جناحان ايقان وعرفان
إلا وقام يمين الله ساعده والفتح والنصر والتأييد أعوان (1/173)
صفحة 174
ميمونة بركات الله تنفحها واليمن يثمره علم وإيمان
رست بها هضبة الاسلام من حقب وان قضت باستتار العدل أحيان
قديمة الذكر عاذ الدين عائذها ... من يوم أصبح توحيد وقرآن
قامت بها قبة الاسلام شامخة حتى تواضع بهرام وكيوان
ولم تزل عرصة للعدل عاصمة للاستقامة فيها الدهر سلطان
كم أشهر الله فيها من حسام هدى كأنها لسيوف الله أجفان
كنانة لهام الله ما فرغت مذ كان للجور سلطان وشيطان
زحف الإمام بجنود الله يحفهم النصر ويؤمهم الظفر فأقام الحرب على نزوى أسبوعاً.
كان دخول الإمام والشيخ الحميري من قبل العلاية وكان الموعد بينهم واولاد هلال أن يقدم بنوا هناة بجمعهم على السَّفالة في تلك الليلة حتى يشغل كل بجهة وتندفع ثورة الخصم فمن قدر الله أن تأخر مشايخ هناة عن الوعد لفتنة وقعت بين جماعتهم فرتق الله فتقها فأصبحوا غرة ذلك اليوم وما فاتهم إلا ليلة واحدة وعندهم زحف من جماعتهم يؤمهم الغضنفر الباسل زاهر بن غصن وأعمامه محمد وعبدالله وسالم ابن بدر وإخوانهم، وقد احدق الجيش الأول بالعلاية وضيقوا على محلاتها ومقابضها فهجم مشايخ هناة على السَّفالة من طريق العلاية وغنها لتقر بهم بالرياسة لأن أباهم هلالا كان اميراً عليها فسلمت لهم الأمر ونزلوا في بيت السيد سيف بن حمد لأن الله أخرجه منه إلى العلاية لما سوّلت له نفسه أن يرد جنود الله من هناك فكان من قدر الله وغريب الحظ انه أول جريح اصيب بالمدة فخرج بجراحته وتحصَّن بالجامع ودانت لهم قلاع فرق قبل فتح نزوى ودانت لهم السَّفالة إلا القلعة فإنها سلمت الأمر بعد ذلك وكان أنصار الإمام قد استقل كل منهم بحرب محلة من محلات نزوى فالشيخان أبو زيد ومحمد بن سالم الرقيشي تكفلا بالمدة وهي أحصن محلة بعلاية نزوى وكان الوالي سيف بن حمد قد جعل فيها وزيره الشيخ ناصر (1/174)
صفحة 175
ابن خميس السيفي محامياً في عدة قوية من أهل السَّفالة لما يخشاه من خيانة أهل العلاية إذا أتاهم جماعتهم بنو ريام وكذلك فعل في جميع المقابض لأنه كان شجاعاً باسلا مجرباً للحروب وبقي بمن معه من أهل السَّفالة متأهباً لأول صارخ وعسكر بجامع العلاية وكان مسجد الجامع من أعظم معاقل العلاية وفيه بنيان قوي أعدّه الشيخ هلال بن زاهر رئيس بني هناة في عصر السلطان تركي بن سعيد لأنه يحاذر من بني ريام
لكونهم خصمه فأعده هنالك لهم مقبضاً عظيماً وصيره حصناً حصيناً بعد ما كان عامراً برجال العلم غاصاً بحلقات الذكر ولضعف حظ العامل أخرج من السفالة أهلها فقاتل بهم في العلاية أما الإمام ومن معه فنزلوا بالمرفع من أعلا نزوى فكان فألا لعلوهم ورفعتهم وكان هجومهم عليها سحر يوم العشرين وعند الفجر الأول كانت الزحفة العظيمة فلا تسمع إلا دوي البنادق وهيعة الأبطال، وعظم الخطب والنزال وتحصن السيد سيف بالجامع لما أثخنته الجراحة واتخذوا نفقاً للبيت الكبير بالمدة فنزل الشيخ ناصر السيفي قبل تمام النفق وكان السيد حارب بن حمد أخ العامل سيف بن حمد قد تحصن بالحارة المعروفة بحارة الحديثة وعنده جماهة من قومه ثم طلب النزول منها على العفو عنه ومن معه وأن يسمح له ولخمسة أنفار من أعيان قومه بحمل السلاح عند نزولهم فأجابه الإمام أن تنزل على حكم الله فيك ومن معك ولا سبيل إلى حمل السلاح عند نزولك ولا بأس بالخناجر لك وللخمسة الذين عندك إكراماً لكم أما بقية أصحابكم فليكن سلاحهم عند أميننا، وسيرد إليهم بعد الإذعان والإطمئنان، وطلب السيد حارب من الإمام أن يرسلني إليه وأن نفسه لا تطمئن إلا بذلك فخرجت بأمر الإمام يصحبني سليمان بن ناصر العزري المعروف بزايد شر وخويطر مولى الجحاحيف، فنزل السيد حارب ومن معه وحمل كتارة زيادة على الخنجر المسموح له بحملها فوبخني شيخنا المالكي إذ لم امنعه من حملها ولم يقل الإمام شيئاً طلب السيد حارب من الإمام العفو عنهم فأستشار الإمام العلماء فرأوا الصفح عنه وإلزامه بالقيد حتى يتم فتح نزوى فأمر بإلزامه واثنين من أعيان قومه معه وهم (1/175)
صفحة 176
سليمان الوالي وراشد بن جمعة القسيمي فقام إلى القيد ولسان حاله ينشد:
خذاني فجرَّاني ببردي إليكما فقد كان قبل اليوم صعباً قياديا
وانشد بعدما لبس حلق الحديد ببيتين عن أبي العتاهية:
يا أيها الزمن المذل لأهله ومغيَّر الدولات عن حالاتها
إن كان عندك يا زمان بقية مما تهين به الكرام فهاتها
وبعد تمام فتح نزوى أطلق السيد حارب وسلم للمأسورين سلاحهم ولم يفقدوا منه شيئاً مع تكاثف الجموع العظيمة.
ثم سلم بيت السليط وأذع من فيه وسلم الجامع الأمر وسلم عقيد القلعة وكان تسليم القلعة والجامع وقتل السيد سيف نفسه في يوم واحد ولما فرغ الإمام من امر العلاية وكفى الله شرَّ الوالي سيف بن حمد أتاه الداعي من هناة أن السفالة تم أمرها وأنّها سلّمت القياد وألقت الزمام بمهاجمة الأبطال الذين حنكتهم التجارب، القائل أبوهم بأفصح لسان:
جلبت الخيل من برهوت شعثاً إلى قلهات من أرضي عمان
قتلت بها سراة بني قباذ وحاميت المعالي غير واني
وكان عقيد القلعة حضرمياً وعساكر بيت السليط حضارم واختار السلطان عساكر نزوى أيضاً من الحضارم لجراءتهم ولكونهم أجانب لا يحترمون الوطنيين ولأنه يخشى استبداد عامله السيد سيف بن حمد إن ترك أزمة المر بيده لأنه يدعيها فقد كانت بيد أبيه قبل الإمام عزان بن قيس.
في أثناء الحرب بنزوى وصل كتاب من أمير العبريين لما بلغهم جراح سيف واستيصال الإمام لأكثر معاقل نزوى انه سيصلهم بجيشه فأجابه الإمام إن من دخل نزوى وقت الحرب فهو حرب لنا فكفوا عن الوصول فكفّ وبعد ذلك قام إلى العوابي وسيأتي ذكر ذلك في محله. (1/176)
صفحة 177
لما أيقن عامل نزوى بفتحها للإمام انتحر غيظاً وحنقاً في الحصن المسمى بجامع سمد نزوى يوم الرابع والعشرين من شهر الإمامة وكتب في ذلك كتابا بخط يده.
" إن الموت خير من الحياة ولا يظن أن أحداً فتك بي بل قتلت نفسي بيدي والنار ولا العار ".
وكان قبل ذلك قد طلب من الإمام أن ينزل على يد شيخنا العلامة المالكي وله العفو فأرسل الإمام العلامة أبا مالك إليه وكان ممن شدد الحصار عليه إذ كان بنفسه رحمه الله يغدو ويروح لمرابطة الجامع ولما دخل عليه تكلم سيف عنده وشرط شروطاً منها أن يكون الجامع لي منزلا وأن تكون الرويشية بيدي وهي بستان لبيت المال وأن ما حواه الجامع من مال وآلة حرب هو لي إلى غير ذلك فما رأى العلامة له وجهاً وعده به على رأي الإمام وما لا وجه له رده عليه ثم سأله عن آلة الحرب والذخائر التي عنده لبيت المال فقر بها إليه وأحصاها العلامة ضبطاً فخرجوا عنه ووعدهم أن يأتوه غرة غد المقبل بعد استفهام الإمام فيما يسمح له به وتقدم أنه جرح أول هجوم الجيش إلى نزوى برصاصة في صدره خرجت من الجانب الآخر وقد أثخنه الجراح وأكثر ما يحاذر سيف من أبناء الشيخ هلال بن زاهر لما تقدم من قتله لأبيهم هلال فلما رجع العلامة أبو مالك إلى الإمام وأخبره بخر سيف أحضر نور الدين الأنصار وتكلم عن لسان الإمام وأخبرهم بما جاء به العلامة أبو مالك أن سيف بن حمد عزم على النزول وأن لكم عليه دماً وبينكم وإياه ضغائن ونحن قد عولنا على العفو عنه لأنه طلب منا ذلك ولكونه جريح لا نرى أن نجهز عليه بعد الإذعان وإنا لا نرى الغدر بعد الأمان فماذا ترون فتقدم في الجواب الهزبر الباسل زاهر بن غصن وكان زعيم هناة فقال كأنك بهذا الخطاب تريدنا فقال أجل قال إنا لم نتأخر عن سيف هذه المدة الطويلة إلا عجزاً وقد مددنا الوسائط المتلفة والحبايل الموصلة لحتفه فأعجزنا القدر من بلوغ الأمل وليس من شيمتنا قتل الأسير ولا نرى الغدر به أخذاً بالثأر ولو فعلناه فلا تخش من قبلنا محذورا إنما نحن نطلب من الإمام العفو عنه والأمان له وهو رجل منا له ما لنا (1/177)
صفحة 178
وعليه ما علينا فسرَّ المسلمون بجوابهم الجميل وخرج الشيخ زاهر بصحبة العلامة أبو مالك ليطمئن قلب سيف وكان في صحبتهم الشيخ العلامة عبدالله بن
راشد الهاشمي فلما وصلوا الجامع على الوعد السابق تلقاهم العسكر وأدخلوهم الجامع وأعطوهم كتاب السيد سيف وأروهم إياه طريحاً منتحراً والبندقية في رجله قد وضع على مثار النار حطبة مروحة فكان حتفه على يده آخذ بقول الزباء بيدي لا بيد عمرو وما كانوا ليغدروا به ولا يرون إلا استبقاءه ولكن قلم القضاء سبق بما كان وما سيكون ولله في عباده أمر هو بالغه. وجاء أصهاره آل سعد الله يستفتون في الصلاة عليه وأجابهم نور الدين أن في الصلاة عليه قولان ولما رجع أبو مالك وأخبر الإمام بالواقع من أمر سيف وذلك قبل تمام فتح نزوى حكم نور الدين أن أموال سيف بن حمد صافية فأمضى الإمام حكمه وأدخلها في حكم بيت المال.
كتاب الإمام لعقيد القلعة بنزوى:
بسم الله الرحمن الرحيم من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي إلى العقيد عبدالله بن أحمد الحضرمي سلام على من أتبع الهدى أما بعد فأنزل من معقل المسلمين وإلا فأذن بحرب من الله ورسوله. حرر لسلة 13 جمادي الثانية سنة 1331.
لما نزل العقيد واطمأن به المجلس سأله بعض الحاضرين كيف خرجتم من القلعة مع ما لكم من العدة والقوة والمنعة فأخبر أنهم رأوا اضطراباً في أركان القلعة وأدهشني من أول وهلة كتاب الإمام وأخذني الرعب حين قرأته ما هو إلا كتاب سليمان غلى بلقيس وها أنا أخرج به إلى حضرموت حتى أريه أهلها.
يذكر أهل المعاقل والمقاتلة بنزوى أنهم رأوا ما أدهش عقولهم من الأهوال وإلى ذلك اشار شاعر العرب:
ونصرت الله حتى انه ... لك من أهل السما الجند نزل
ولقد يجدر من أهل السما ... نصرة القائم في خير النحل
تلك بدر نزلوها مددا ... وعلى بدر قياس يحتمل (1/178)
صفحة 179
وفتوحاتك سر مدهش ... ظهرت فيها الكرامات الأول
ويقول شاعر الجوف المر بن سالم الحضرمي:
أبادتهم جنود لم يروها ومنها ما ترى مثل السعالي
وخيلت الأفاكل في المهامي لهم وقع الفوارس والبغال
ومن يعصي اليقين حبال إفك فأبطل للعصي وللحبال
جملة من قتل من البغاة بنزوى خمسة وأربعين رجلا والأسارى فوق الألف واستشهد من أصحاب الإمام خمسة رجال.
بعد تمام فتح نزوى واستقرار الإمام بها حكم نور الدين بهدم ما بها من القلاع والحصون والبروج التي أحدثت ايام الجور فأمر الإمام بإنفاذ الحكم فهدمت.
لما حضرت أول صلاة جمعة بنزوى واجتمع الناس بجامعها حضر نور الدين المسجد فسمع ضجيج الناس بتلاوة القرآن والصلاة والدعاء فقال الحمد لله الذ ردّ إلينا جمعتنا لو لم يكن لنا من هذا السعي إلا إقامة الجمعة لكفانا.
وفود القبايل إلى الإمام ومبايعتهم له
بعد استقرار الإمام بنزوى يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويميت البدع ويحيي السنن هرع إليه المسلمون من كل النواحي ولأنه لم يلبث بها بعد الفتح إلا سبعة أيام حتى خرج للجهاد فكل من الوفود أدركه بمكان.
فأول من وصله لما كان بتنوف قبل فتح نزوى العلامة ماجد بن خميس العبري حسبما ذكرناه وعنده بعض أعيان جماعته وكان الشيخ مطاعاً في قومه محترماً مقبول القول عن رأيه تصدر الأوامر والمناهي عظمه الناس لمنزلته في العلم والسن ولما وقر في قلبه من الإيمان. (1/179)
صفحة 180
ثم وفد إليه الشيخ حمد بن خليفين الدرعي رئيس النجادا من الدروع فبايع وتكفل عن الدروع أجمع.
ثم وفد إليه بنزوى الحجريون وفيهم جمع غفير من أفاضلهم وأعيانهم ومعهم عدة من المال إعانة للدولة وكان وصولهم يوم الجمعة الثاني من شهر رجب الفرد من تاريخ الإمامة فبايعوا الإمام بالجامع بعد صلاة الجمعة فقويت شبكة المسلمين وسرَّ بوصولهم الأنصار لكونهم في ذلك الوقت قبيلة واسعة عامرة بالمال والرجال ورأيهم إلى أفاضلهم.
وقدم إليه رئيس عبري الشيخ سلطان بن راشد اليعقوبي فبايعه وأذعن لما يراد منه ووعد وعداً جميلا إذا كان هو عمدة الظاهرة وما اشتمل عليها ولأن عبري كرسيها.
ووفد إليه المجاعلة سعد بن سعيد ناصر وإخوته وهم شيوخ الجنبة بطن من مذحج فبايعوا وقاموا بالواجب عليهم.
ثم وفد عليه شيوخ المحاريق من آدم فبايعوا وترادفت الوفود من أهل الجوف والسر واضطربت عمان بأسرها وصار لذكر الإمام في ذلك الوقت صيت عظيم وكتب نور الدين إلى الأمير عيسى يستحثه بالقدوم إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون كتاباً طويلا منه إلى متى ثم إلى متى ثم إلى متى وكان قد كتب إليه منذ يوم العقد وكتب إليه عند خروجهم إلى نزوى فلما وصل جيرانه آل حجر قبل وصوله كتب ذلك إليه إزعاجاً.
وعند ذلك شدد السلطان على عمان وقطع المدد عنها فغلت الأسعار الإقتصادية وأخذ العمانيون في إستجلاب حوايجهم بالحيلة فلم يكن لقطع الميرة عنهم كبير فايدة لخصمهم. (1/180)
صفحة 181
فتح منح
وهي كورة واسعة من أفخم بلدان عمان سهيلي نزوى بينها ونزوى ثلاثة فراسخ تجمع قرى كثيرة يردها الوارد من جميع جهاتها.
في أثناء قيام الإمام بنزوى بعد فتحها وهو اليوم الثالث من شهر رجب من التاريخ المتقدم وصل نزوى سيف بن سلطان البوسعيدي عامل السلطان على منح في جمع من قومه وأهل بلده وفي صحبته أخوه شيخ البلد حمود بن سلطان وأذعنوا للإمام وبايعوه وكان ابن الشيخ حمود ممن قام بمن عنده لمناصرة عامل نزوى وقت الحرب فقتل وقتل جماعة من حزبه ولما فتحت نزوى ولم يكن من أهل منح إلا الطاعة والتسليم للإمام من غير حرب فسلم والي منح ما بيده من بيت المال ونزل من الحصن والقلعة التي بالفيقين ورفع يده عن كل شيء وسأل العفو عما مضى منهم فعفى عنه كما هي عادته وأرسل إليهم بعد خروجهم الشيخ سالم بن بدر بن هلال الهنائي لقبض المعاقل من يد الوالي فسلموها له.
فتح إزكي
وهي المعروفة عن أهل عمان بجرنان وكانت من أقدم قرى عمان وفي التاريخ أن عمارتها قبل نزوى بسنين عديدة ويقال أنها سميت جرنان بإسم صنم كان بها ويذكر أهلها أن بها سفتجابة تمثالٍ ولطول الدهر امتنع دخوله لأهوال يصادفها من أراد ذلك وفي المثل العماني ما وقعت فتنة بعمان إلا وأصلها من جرنان وبها محلتان متقابلتان تسمى إحداهن اليمن يسكنها اليمانية والثانية النزار يسكنها النزارية وفي ذلك يقول شاعر العرب أبو مسلم:
وأين إزكي وطيس الحرب ما فعلت فإن عمدة هذا الأمر جرنان
كان بإزكي عاملا للسلطان السيد سعود بن حمد بن هلال رحمه الله وكام مؤمنا ورعاً صادقاً محب للمسلمين ولما بلغه إجتماع المسلمين سُرَّ بذلك سروراً عظيماً فأرسل (1/181)
صفحة 182
للإمام سراً وأوعدهم بتسليم إزكي لهم وغنه لا يمنعه من الإعلان بأمرهم والدعاء إليه إلا العسكر الذين معه فإنه يخشى منهم المعاجلة والتيقظ فيصعب الأمر لأن عسكره من اهالي حضرموت فهم أشد نكاية على المسلمين وأكثر مناصحة للسلطان فأرسل إليه الإمام سريّة يقدمها العلامة ابو مالك عامر بن خميس وعنده الحجريون ومن أنضم إليهم وقد بلغهم أن السيد حمود بن حمد أخ العامل سعود بن حمد وصل إزكي لضبطها وسد ثغورها وكان حمود شهماً جريا من أجل اَجِلّ قواد السلطان فيأتيه بالعدة والعدد وما يحتاج إليه من القابلات فخرج حمود وهو على ثقة من اخيه فوافق خروجه من البلاد ودخول أبي مالك لها فأحكم ثغورها وأحدق بالحصن فكان وصوله عوناً للسيد سعود فأجتمع به بمسجد الجامع من حارة اليمن وأخبره بما جاء به من قبل الإمام فأظهر السرور وأجابهم غني ما قعدت هنا إلا رجاء لقيام دولة تلم الشعث وتجمع الشمل وما أمسكت هذا المعقل إلا للمسلمين وإني واحد منكم فسرهم ما أبداه لسانه الصادق من النصح فكتب للإمام بذلك ورجع السيد لحصنه ودبر الحيلة لإخراج العسكر منه وفي ليلة التاسع من شهر رجب من سنة الإمامة وقت صلاة العصر بعد صلاة جمعتين بنزوى خرج الإمام وصحبته القواد والأنصار والعلماء والأخيار وقد استخلف على نزوى الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري فصلى العشائين بفرق وبات بالبركة ليلة عاشر ووصل إزكي نصف النهار من يوم عاشر وقبل وصول الإمام وصل السيد حمود بن حمد راجعاً من حضرة السلطان بما أحب فتعجل القدوم إلى بلد سدي وهي من أعمال إزكي وما ظن أنه أخرج خدعة فلما وصل الإمام كتب إليه صحيفة صغيرة لا بياض بها.
بسم الله الرحمن الرحيم من إمام المسلمين وحجة رب العالمين سالم بن راشد الخروصي إلى حمود بن حمد بن هلال أما بعد فإذا وصلك كتابي هذا فأرتحل من سدي وإلا فإن الشريعة أباحة دمك ا هـ. 10 رجب سنة 1331.
فلم ير السيد حمود مجالا للقيام ولا مقابلة عنده لخذلان الرعايا لهم فرجع إلى سمايل (1/182)
صفحة 183
وفي اليوم الثاني عشر من الشهر المذكور نزل السيد سعود من الحصن وتقدم إلى الإمام بمسجد الحبيب من إزكي وبايعه وسلم الحصن من غير حرب بل رغبة منه فرأى الحضارم وعقيدهم عوض إن لا طاقة لهم بالحرب وقد قهر الحصن عليهم بنوا راشد أهل القريتين فإن السيد سعوداً دخلهم مستعيناً بهم في الظاهر فأنزلهم بالقلاع المشرفة على مراصد الحصن وبعد خروجه أمرهم بإطلاق النار على الحضارم إن لم يرضوا بالخروج وإن المسلمين من وراءهم فما شعروا إلا والبنادق على رؤسهم فخرجوا كرهاً وتحملوا بمن عندهم.
وفي اليوم الخامس عشر دخل الإمام الحصن واستولى على البلاد ودانت له حواشيها وأصدر الأوامر بالرشاد والنهي عن الفساد ثم وجه الخطاب لبني رواحة ان يدخلوا فيما دخل فيه المسلمين وكان الشيخ حامد بن سيف بن أحمد الرواحي قد أمسك بيت القاروت والقلاع التي بناها الوالي سليمان بن سويلم خادم السلطان لحرب ريام وقد تجمع عند الشيخ حامد في ذلك الوقت جماعة كبيرة من سراة عبس فخرج إليهم العلامة أبو مالك مخاطباً أما الإذعان أو الحرب فتأجلوا إلى وصول الشيخ عيسى وسيد الوادي عبدالله بن سعيد الخليلي وإنهم لا يقطعون أمراً دونهم فأعطاهم ذلك.
قدوم الشيخ عيسى
في اليوم السابع عشر من شهر رجب من السنة المذكورة وصل إزكي الشيخ عيسى بن صالح وفي صحبته أخوه المجاهد علي بن صالح وأبناء عمه حمدون وحمد ابني حميد بن عبدالله وأعيان جماعته الشيخ سالم بن عمير والشيخ محسن بن عامر ملبياً دعوة الإمام فسّر به الصديق وبوصوله أنثنى كثيراً من الأعداء عن التعرض للدولة بالمكايد فتلقاه الأنصار خارج البلد وكان نزوله محلة اليمن من إزكي.
وبعد الإستراحة والمفاوضة بينه ونور الدين والعلامة أبي مالك رحمهم الله برحمته الواسعة أجابهم إلى البيعة. (1/183)
صفحة 184
بيعة الشيخ عيسى:
بايعناك على طاعة الله وطاعة رسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبايع أعيان قومه على مثل ما بايع الأمير ثم بايع بقية قومه ولما انتهت البيعة أرتجل سيدي نور الدين خطبة فايقة أظهر فيها النصح للمسلمين وحضهم على التمسك بسيرة الصالحين ولم تكن الخطبة محفوظة ولا مأثورة فنذكرها.
وبعد ذلك شرع الأمير عيسى في التوسط بالصلح بين السلطنة والإمام على أن لا يتعدى الإمام جوزته التي هو فيها إلى سمائل وشرط في الوفاق على ذلك وكادت أن تكون مشكلة فتؤدي إلى التخاذل لرغبة الأنصار في الجهاد ودفع سوق البغي إلى الكساد فقيض الله آل حجر جيران الأمير فجاهروه بعدم القبول.
وفي اليوم التاسع عشر من شهر رجب من التاريخ الأول قدم الشيخ حامد ابن سيف الرواحي لمقابلة الإمام بواسطة الشيخ عيسى فبايع الإمام وسلّم له بيت القاروت من إزكي والقلاع التي بنيت على طريق المسلمين للتضييق على النزار من غير حرب ودخل كثير من بني رواحة تحت طاعتهم فصارت بيعتهم من أقوى الأسباب لفقود دولة الإمام إلى سمايل وما يليها ولا طريق إلى سمايل إلا في واديهم المعروف بوادي الغربي.
أما بيت القاروت كان لبني ريام فسلبوا إياه فأتخذه الشيخ حامد مركزاً وأقام به إلى هذا التاريخ.
وأما القلاع فبناها سليمان بن سويلم مولى السلطان فيصل على أفلاج بني ريام وطرقهم لسد المنافذ عنهم وكان سليمان فاتكا ذا بسالة وتجربة للحروب يجر الجيوش السلطانية ويقودها على من ناواه وخالفه وقد ضيق على بني ريام ودمّر أنهارهم وأعانه على ذلك بنو رواحة لأن رياماً خصمهم في القسمة الشيطانية التي أهلكت عمان هذا غافري وهذا هناوي. (1/184)
صفحة 185
بعد أن استقر الأمر بإزكي حكم الإمام سالم بفتوى نور الدين أن تهدم القلاع المبنية بالبغي على طرق المسلمين فهدمت وأن يرد بيت القاروت الذي أغتصبه الشيخ حامد إلى أربابه وطلب الشيخ حامد ما انفق فيه للعمارة وما دفعه في زيادة البناء فلم ير له نور الدين ذلك وأجابه أن لا عناء لغاصب.
عين الإمام سالم واليا لإزكي الشيخ حمدان بن سليمان النبهاني والشيخ أبو زيد عبدالله بن محمد قاضياً وحجر على حمدان ان لا يقدم على أمر إلا بإذن أبي زيد.
واستراب بعض الفقهاء من تولية الشيخ حمدان وتلك مصلحة رآها الإمام في ذلك الوقت ثم عزله بعد ذلك.
أثناء هذه الحركة أرسل الإنكليز بطلب من السلطان شرذمة من عساكرهم الهنود لحماية عاصمة مسقط فقعدوا ببيت الفلج على ثغر مطرح.
فتح العوابي
(وهي المعروفة في الكتب القديمة بسوني القديمة وكان حصنها تحت سلطنة مسقط) أحسَّ الشيخ السياسي مهنا بن حمد العبري بإنتصارات الإمام وأعوانه في جميع المواقف فهاله قيامهم بحقوق الشعب وأزعجه استنقاذهم الممالك من أيدي المتغلبين في أسرع وقت وغبطهم في إنشاء حكومة شرعية أضاء لها المصر وفرح بها الشعب ولا نصيب فيها له فأسف لتأخره ولام نفسه على تلكأه من الإنضمام في السلك الذي جروا فيه فحاول أن يقوم بنفوذ جديد يجعله قطباً في دائرة الجمهور وأمتاز بمهاجمة العوابي لكونها لم تفتح بعد.
سحب هذا الرئيس كتائبه إليها وزحف بنفسه عليها فطبق أفقها رمياً ملحاً كشهب الرجم هاج بها إرتماء فما كان عاملها الشريف ليطيق ذلك وقد أخذ الأهالي الذين خضعوا لحكمه في السابق بالضغط عليه والإنتقام منه واضطروه للخروج من المعقل الذي جعله وكراً له غير أسفاً على فقده فما قرّت عينه ولا هنأت حياته حتى (1/185)
صفحة 186
سلم الحصن وفي مقدمة المحاصرين صنو الإمام الشيخ ناصر بن راشد الخروصي واتخذوا للحصن سرداباً كاد أن يحرق البارود لولا خضوع من فيه وفي اليوم السابع عشر من شهر رجب من سنة الفتح خرج الشريف عبدالله بن سالم الحضرمي من أهالي حضرموت من حصن سوني وهو بيت العوابي.
تبرع الشيخ مهنا بن حمد بقيامه هذا وجعله كفارة تأخره عن الدخول أول وهلة فيما اجتمع عليه المسلمون ويعدها التاريخ له منقبة كبرى قدمها بين يدي نجواه فإنه قدم بعد فتحها وسلمها للإمام بسمايل وبايع هو ومن بمعيته من بني عمه فشكر المسلمون صنيعه وفرحوا بدخوله عندهم.
ومما قاله شاعر الجوف المر بن سالم الحضرمي في فتح نزوى وإزكي ومنح والعَوابي:
جنود الله هبُّوا للقتال ... فثم تشم رائحة الغوالي
جنود الله هبُّوا واستعدوا ... بأنفسكم لنصرة ذي الجلالِ
جنود الله في الجنات حور ... أعدت للمجاهد والموالي
جنود الله إن بها قصوراً ... مفاتحهنّ أطراف العوالي
جنود الله إنَّ القتل فيه ... كإري النحل شيب بمَا الزلالِ
جنود الله لولاه بماذا ... يبين على النسا فضل الرِّجال
جنود الله قد سبقت تنوف ... إلى الفضل المؤثل والمعالي
علت قدراً ومقداراً وفخراً ... وتاهت بالمحاسن والجمالِ
إذِ انتدبت لأمر ساَلمي ... به يبيض مسود القذال
فحار له أولوا الألباب حتى ... رآه بعضهم مثل المحَال
فتمم ما أراد وشايعته ... جبَال زلزلت شم الجبَال
بهَا عقدوا الإمامة واستعدوا ... وهم نفر كرهط أبي بلال
أقامُوا سالماً لهم إماماً ... سُلالة راشد زاكي الخصَال (1/186)
صفحة 187
من القوم الكرام بني خروص ... مآثر فخرهم عدد الرِّمال
فسَالم سَالم من كل عيب ... وراشد راشد في كل حَال
وناصرهُ ابن ناصر حمير في ... دواهي الحرب والنوب العضال
فتى من آل حمير شمري ... بعيد الصّيت منقطع المثال
ولبّت من هناة بنوا هلال ... وكل منهم مثل الهلال
أقاموا سبعة الأيام فيها ... يديروا الرأي والسبع الليالي
مناصحة وانذاراً لنزوى ... ولم يجدوا بنزوى من يوالي
فما نفعتهم الإنذار إلا ... ليعتدوا على الحرب السِّجالِ
فأمهمِ الإمام بأسد غاب ... مصاليت أعدت للقتال
ومدَّ لأخذ مدتهم يميناً ... وأحرز ما تبقى بالشمال
ولما استفتحوا سمداً أفاضوا ... على نزوى السفالة من سفَال
فدانت عقرهم من بعد عقر ... رأت أبطالها يوم النزال
أبادتهم جنود لم يروهَا ... ومنهَا ما يرى مثل السعالي
وخيلت الأفاكل في المهامي ... لهم وقع الفوارس والبغال
فكم من آية ظهرت عياناً ... ونادرت رأوها كالخيال
رمى بعض اليفين خيال إفك ... فأبطل للعصي وللحبال
أتته من أقاصي الشرق قوم ... تبايعه ومن أقصى الشمال
ولما استفتحوا نزوى وقرَّت ... به عيناً وطابت بالوصال
سرت منه إلى منح سرايا ... ترى سفك الدما منح النوال
وفتحت القلاع لهم وحازوا ... ذرى الحصن المشيد بلا قتال
وبالركب الزكي سرى لإزكي ... مشيجاً بالنجائب والعرال
أتاها بالسعود لأنَّ فيهَا ... فتى حمد سعود فتى هلال
غدى لهم لفتح الحصن عوناً ... بتفريق العساكر والرجال
فثم لهم بها نصر وفتح ... وتم لهم بها حسن المآل
وخلص حصن قاروت ودانت ... له القلع المشيد في الجبَال
وبايعه بنو عبس فكفوا ... وبال الحرب منه إلى وبال (1/187)
صفحة 188
وقام بنوا خروص للعوابي ... ذووا العليا وسادات الشمال
وأيدهم فتى حمد مهنَّا ... بجيش من بني عم وخال
فأذعن حصنها وغدى ذليلاً ... شريفهُم بذل وارتذال
أدام الله نصرك يا إمام ... وأظهركم على أهل الضلال
وأبقى الدولة الغرا بسعد ... وإقبال وأرغم كل قال
فتح سمايل الفيحاء
سميت الفيحاء لكثرة فوران الماء بها وطفوحه على وجهها، تقع هذه العاصمة في إقليم بهي كبير سري به ثغور جليلة وبلدان جميلة، آهلة بالرجال، تحدق بها الجبال عن اليمين والشمال، فهي حمى لا يراع، ومعقل لا يستطاع، تجمع طرق المواصلات، لكثير من الجهات، محور تدور عليه رحلة الشتاء والصيف بين مسقط والباطنة والشرقية والجوف، حلقوم عمان الذي تتنفس منه، وبلعومها الذي تغص به، يصفها شاعر العرب فيقول:
وأين حلقوم ذاك الملك معصمه سمايل فهي للسلطان سلطان
وأين عن اجربيها منع بيضتها والأجربان بنو عبس وذبيان
فبنوا عبس وذبيان القبيلة التي تتكأ عليهما هذه العاصمة ذات الأسواق الرائجة، والحصون المشيدة والعيون الجارية، تدخل دورهم، فيتصرفون بها في قصورهم، تحف بهذه المياه بساتين ملتفة بها الأشجار، كأن الحور أعارتها
قدودها وكستها برودها، تحمل ضروباً من الفاكهة تهش لها النفس، ويجتمع بها الأنس، ولا ترى بها الشمس كأنما عناها الشاعر بقوله:
تفرح بالشمس إذا ما بدت كفرح الذمي بالسبت
هي أول بلد بعمان دخلها الإيمان هي بلاد مازن بن غضوبة العماني الصحابي الذي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم على يديه وقصته مشهورة، استوفى ذكرها سيدي نور الدين بتحفة الأعيان. (1/188)
صفحة 189
لما كان عصر اليوم السادس والعشرين من شهر رجب من سنة الإمامة خرج الإمام سالم بن راشد الخروصي من إزكي مع جنوده إلى سمائل وباتوا بالقاروت وأقالوا بالعين من وادي بني رواحة وباتوا ببلدة هيل ليلة الثامن والعشرين وأقاموا بها وباتوا بها إلى آخر ليلة التاسع والعشرين فخرج الجيش من هيل ودخل سمايل من جميع جهَاتها. كان دخول الإمام وأمير الشرق وبني هناة ومن معهم من جهة العلاية فنزل الإمام بمحلة الجبيلات من السفالة وأمير الشرق بالإبراهيمية في العلاية وكان دخول الشيخ الحميري ومن عنده من جهة اللجيلة ونزل بالجبيليات من السفالة فأقاموا محاصرين لحصنها وفي أثناء هذه الثورة تقدم إلى سمايل السيد نادر بن السلطان فيصل بأمر أبيع لمقاومة الثائرين ودفعهم فأجتمع إليه جمع عظيم من العمانيين وضبط ثغورها فجعل أمراء بنو بوعلي ومن عندهم على باب العق وهو الطريق الخارج إلى الشرقية والداخل من الشرقية إلى مسقط وأمر الشحوح ومن عندهم أن يكونوا ببديد وترك بقية قومه من البدو والحضر عنده بسمايل وأكثرهم من آل وهيبة وأقسموا لن أنهم يموتون أمامه ويقاتلون قدامه يستجلبون بذلك العطا ويبطنون لهم الخطا فأخذوا كثير من النفقات العظيمة والجوايز الجسيمة حتى أمتلأت عيابهم وفاضت أوطابهم فلما تحقق عندهم عزم الإمام العادل هرب أولئك المتوكلون تحت ظلام الليل وركنوا إلى الفرار وركبوا العار ولم يفد فيهم بذل الدرهم والدينار وأسلموا أسادتهم بعد أن أفرغوا مادتهم وتفرقوا أيدي أيادي سبأ.
وكل صداقة في غير دين تصير عداوة عما قريب
فحاول السيد نادر أن يجمع كتائبه الحائرة الفارة فلم يستطع فأوجب الأمر أن يغلق
باب الحصن ويدافع جهده بمن عنده ومن عنده من بني عمه وكانوا اثنا عشر سيداً وغيرهم من الرؤساء أهل الثبات حين لم يجد من يثق بهم فيهاجم الثوار خارج الحصن وكان دخول الإمام ضحى النهار والحصن يقذفهم بوابل الأمطار الرصاصية فلا تسمع إلا دوي المدافع الهايلة وقواصف البنادق القاتلة فأظلمت الأفاق واحتجب نور الشمس (1/189)
صفحة 190
من الإشراق وأدى بكثير من النفوس إلى الإزهاق وقتل في تلك الوقفة من أصحاب الإمام ثلاثة أو أربعة وجرح أناس ولا يعرف من أصيب بالحصن ولم يزل الحصار مستمراً وجعل للحصن نفقا وضعُوا البارود فيه وأضرموا عليه النار فتزلزل كثير منه وانكسر جانب من جدران السور المُحيط به ولم ير القائد زاهر بن غصن الوثوب عليه عند مثار البارود كما هي العادة لن ما بقي منه القوي المانع ولأن من فيه أسود تحفزت للوثوب فبقيت بنهم المراماة وبسبب إنهدام السور وقع فيهم تضعضع وسئموا الإقامة وأيسوا من المناصرة فدخل عليهم سيّد الوادي الشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي وأبدى لهم النصح الواجب فأدرك السيد نادر ضرورة القضاء إلى التخلي عن الحصن والخروج منه حين لم يغن عنهم الدفاع المجيد شيئا وتعهد الشيخ الخليلي أن يكون الحصن بيده إلى انقضاء خمسة عشر يوماً من يوم خروجهم فإن صحت للسلطان استطاعة إلى إرسَال نايب يقهره وإلا فلا لوم عليه بعد ذلك إن سلّمه للإمام وأن يحملوا ما بقي عندهم من العدة واستأذن في هذا التعهد الإمام وطلب الإجازة منه فاسعفه بما أراد لما رأوه من قدرتهم في ذلك الوقت وتضعضع أمر السُّلطان.
غادر السيد نادر حصن سمايل ليلة الثامن والعشرين من شهر شعبان من عام الفتح بعد بلاء عظيم وجهد كبير وقتال عنيف ورمي بالمدافع وكسر جانب من الحصن بإثارة البارود فمكث بعض تلك الليلة بسحراء محل الشيخ الخليلي وفي آخرها خرج على طريق وادي بني جابر وصحبه الشيخ الخليلي إلى بلد الخوض وابنه الشيخ علي بن عبدالله إلى مسقط.
أحتاجت هذه الغزوة من النفقة خمسين ألف قرش فضة صرف عمان وخمسين ألف فشقة وبالعبارة العمانية (رميه) ولسمايل أهمية خاصة فهي المنفذ الوحيد الفاصل بين الساحل والداخلية وقد أدى سقوط وادي سمايل إلى زعزعة مركز السلطان وفي كتاب (1/190)
صفحة 191
عمان لشركة الزيت الإمريكية ص 82 وكتب برسي كوكس الوكيل السَّياسي بمسقط قديماً أن السلطان بغير سمايل لن يكون أكثر من شيخ بمسقط ص 86 كتاب عمان وقد صرح الإنكليز بأنهم لم يسمحوا بالهجوم على مسقط ومطرح وكتبوا للإمام كتابا نذكره في آخر الفصل فأرسلوا شرذمة من الجنود الهنود إلى بيت الفلج ثغر مطرح وفي شهر شوال من السنة المذكورة ضاعف الإنكليز حاميتهم ببيت الفلج خارج مسقط وعرض الوكيل السَّياسي البريطاني على السلطان في نصيحته له لهذه العبارة ص 22 (قبل الحرب العالمين): " لقد كان الثوار قابضين على زمام الموقف بإحتلالهم وادي سمائل وحصن سمائل اللذين كانا ضرورين لإزدهار مسقط التجاري ".
فتح بدبد
هي بلدة واسعة كانت كلها بيت مال للمسلمين وهي ثغر وادي سمايل والشرقية من جهة مسقط فتكون أيضاً ثغر الباطنة من الشرقية وهي البلد التي اجتاحها السَّيل العارم عام إحدى وخمسين ومأتين هجرية فعمرت بعد ذلك.
في يوم ثاني من شهر شعبان سنة 1331 شرح الشيخ عيسى بن صالح من سمائل وفي صحبته السيد سعود بن حمد بن هلال ممتثلا أمر الإمام لحصار حصن بدبد وكان فيه الحضارم عسكر السُّلطان فيصل فأقام الحصار عليها ثم بلغه أن السيد تيمور بن فيصل قدم إلى بلدة الخوض وعنده جمع وأن قصده الهجوم على بدبد وكتب إليه أهل الخوض أنا لا نقدر على منعه ولا على الإمتناع من أمره متى أراد منا أن نقوم عنده ونحب وصولكم فأرسل الأمير إلى الإمام بالواقع وأن يرسل إليه من يقوم بحصار الحصن فأرسل الإمام طائفة من الجيش يقدمهم الباسل العفيف الشيخ علي بن هلال بن زاهر الهنائي وأفيهم مطاوعة الحجريين وآخرون من ريام وعبس وأجمع رأي الأمير ومن عنده على مصّادمة السيد تيمور قبل دخوله وادي سمائل فركبوا من ليلتهم ووصلوا فنجا بعد العتمة فنزلوا بالتصاوير وهو مكان آخر من فنجا من الجانب النعشي وأصبحوا هناك إلى بعد الظهر يستفسرون الأخبار ويطلعون ما عند السلطان ثم زحفوا إلى بلدة الخوض وقد خرج السَّيد تيمور منها فكانت ضيافتهم ذلك اليوم عند الشيخ حميَّد بن عمير الهنائي لأنه كبير أهل البلد ثم انتقلوا عنه بعد تناول الغداء وأقاموا بالجانب النعشي (1/191)
صفحة 192
منها مرابطين والسيَّد تيمور مقيم بالسِّيب في مقابلتهم في أثناء حصار حصني سمائل وبدبد وصل السَّيد حمد بن السلطان فيصل لبلد اللجيلة بمن عنده من جنود مناصراً لأخيه السيد نادر فما تيسر له دخولها ثم عزم أن يهاجم بدبد ومن فيها لأن عساكرهم بحصنها فعطف عليها وعطف معه أصحابه وقد شدد المرابطون الخنادق على من بها فوصلهم الخبر قبل وصوله فتلقاه أمير المرابطين الشيخ علي بن هلال عند بلد الوغله وغربي وادي الضبعون فصدقوهم القتال حتى ردوهم إلى مكانهم الذي خرجوا منه فرجع السَّيد حمد بغير طائل لا من بدبد ولا من سمائل كتب الإمام إلى بني جابر أما أن يخرجوا السيَّد حمد من بلادهم أو يتهياؤا للحرب فأخذوا ثلاثة أيام أجلا يدبرون
الحيله لإخراجه بوجه حسن حتى خرج وتوجه إلى مسقط وفي السَّاعة التي انهزم السَّيد فيها كر الشيخ المجاهد علي بن هلال بمن معه على الحصن وهو يمطر عليهم بوابل من الرصاص ويحرقهم بالمدافع وكان الوقت عصراً فكان من قدر الله أن قهروا البرج المنهدم سهيلي الباب وهو مشرف على الماء الذي يحتاج إليه القابضون فأوسعوهم مقاومة وأشبعوهم مصادمة فما لبثوا إلا قليلا حتى طلبوا الأمان وعزموا على الإذعان فأعطوهم ذلك وأخرجوهم وقتل في تلك الوثبة خادم للشيخ علي فكان فتح حصن بدبد يوم الخامس والعشرين من شهر شعبان من سنة الإمامة وتم أمرها قبل فتح حصن سمائل بثلاثة أيام.
بقي الشيخ عيسى مرابطا بالخوض إلى يوم سادس من شهر رمضان من السنة المذكورة.
ما قيل من الشعر في فتح سمائل وبدبد
قال الشيخ عيسى بن صالح بن عامر الطيواني وقد أرسلها سراً من مسقط وهي كلمة حر غيور ونفثة ليث مصدور وكان هذا الشيخ قاضي القضاة بمسقط:
للحق نور سناه مشرق أبدا ... لو أنكرته عيون ملؤها الرمدا
وإن غدا برهة بالحجب مستترا ... فإنما نحن لم نمدد إليه يدا
تبارك الله نور الحق منبلج ... فأشرقت بسناه الأرض حين بدا (1/192)
صفحة 193
فالحق في جذل والبطل في وجل ... والبر في سعد والبحر قد ركدا
قامت عمان على ساق النجاح ولو ... تأخرت ردحا ما استيقظت أبدا
قامت تدافع عن دين الإله ولم ... يجد مراما سوى من جد واجتهدا
فالغرب في دهش مما تحاوله ... والشرق في فرح لا يعرف الكمدا
قد كدتُ أقسم لولا أن ذا سرف ... بأن نهضتها قد زحزحت أعدا
يا أيها القوم هبوا من سباتكم ... وجاهدوا باطلا قد زادكم أودا
لا خير في عمر يمتد في رهق ... فلتبذلوا النفس في العلياء والتلدا
لا خير في العيش إلا أن يكون به ... عز وما عيش قوم عزهم فقدا
فثم جنات عدن قد أعدَّ بها ... مولاي حوراً لمن للحق قد رشدا
دعوا التحزب فالإسلام يجمعكم ... إن التفرق ليل والجميع هدى
بالإئتلاف ونبذ الإختلاف سمت ... فوق السماكين صحب المصطفى أبدا
أكرم بقوم غدت لله نهضتهم ... وصيروا الدهر عدلاً بعدما فسدا
من كالفتى ابن حميد ذي الأناة فتى ... قد عاش يجمع شمل الدين مجتهدا
حتى أتى حميرا زاكي الخصال وقد ... أسر في النفس أمرا طالما نشدا
لبى لدعوته لله محتسبا ... لم يستمع في العلا عذلا ولا فندا
لما غدا حمير في الأمر مشتركا ... جاء النجاح مجداً بعدما بعدا
صارت عصى الدين سيفا قاطعا فغدا ... يقد هامة من للحق قد جحدا
هل كالفتى الحميري اليوم من رجل ... فاقت مناقبه الإحصاء والعددا
لقد حمى الدين بالهندي منصلتا ... وجاد بالمال في إعلائه مددا
وشايعته ليوث من هناة هم ... بنوا هلال مصاليت بحور ندى
فبايعوا سالما لما رواه لها ... إمام صدق غدا في الله مجتهدا
أمست تنوف بلا ريب تنوف على ... كل البلاد بهم أكرم بها بلدا
وبعد ذا استفتحوا نزوى فسال بها ... ماء الهدى فأزاح الجور والكمدا (1/193)
صفحة 194
وأحرزت منحاً عظمى بهم منح ... وبدلت بعد خوف عيشة رغدا
وبعد ذاك أفاضوا بالجنود على ... إزكي فمدت إليهم بالسلام يدا
وكان فيها سعود حاكما فغدا ... للحق سيفا يقد الهام والجسدا
وبايعته بنوا عبس بأجمعهم ... والكل منهم تراه في الوغى أسدا
رامت سمائل أن تحضى بهم فاتوا ... كالسيل مندفقاً فاستفتحوا البلدا
وجاء يسعى من الرستاق نحوهم ... مليكها أحمد طوعاً بغير ندا
وصاحبته ليوث من بني حكم ... رسم المنية في اسيافهم وجدا
فعانقوا الحق إذ نارت أشعته ... أسود غاب سراهم في العلا حمدا
وبايعته شيوخ السر يقدمهم ... أمير بهلا فتى كالليث حين بدا
هنيت بالنصر والفتح المبين أيا ... إمامنا إذ نصرت الواحد الأحدا
شيدت للحق أركانا دعائمها ... فوق السماك وصيرت القنا عمدا
إذا ذكرتكم اهتز من طرب ... كأنني صائم في راحتيك غذا
صارت سيوف الأعادي غير قاطعة ... لما جعلت هواكم في الوغى زردا
رام العذول أرعوائي عن محبتكم ... وما درى ان صبري عنكم نفدا
وكيف أترك تياراً يمج هدى ... آليت لا أرد الضحضاح والثمدا
يا رب نصراً لأهل الحق قاطبة ... واجعل ملاكك في الهيجا لهم مددا
ولشاعر الجوف المر بن سالم الحضرمي:
رجاء الإله لنا شامل وما هو عن نصرنا غال
نعد صوارمنا للعدى وسيف افله هو الفاصل
يظن العدو بنا أننا قتلناهم وهو القاتل
رمينا ولكنه قد رمى ونفعل لكن هو الفاعل
نسوس الأمور بتدبيره ومهما نقل فهو القائل
نقوم بحق إله السمَّا ولا يستوي الحق والباطل (1/194)
صفحة 195
ومن حارب الله مستنكفاً فإن الإله له خاذل
ومن كان بالله مستعصماً فإن الإله له كافل
فبالشرع قام فتى شارع وبالعدل قام فتى عادل
أيا صاح بلغ إمام الهدى إذا كان يبلغه الناقل
فثم سرادق من هيبة وتلك مقام له هائل
فمهما بلغت إلى داره فبشره لو كره العاذل
أتتك البشائر يا سالم ويا السالمي الفتى الفاضل
بشائر قد ضاق منه الفضا ويشجع من ذكرها الخامل
وتجزع منها قلوب العدى ففي كل قلب بها واجل
فتحت سمائل يا سالم وفي حصنها البطل الباسل
بها نادر نادر في الوغى له يشهد البأس والنائل
تؤيده من مثله سادة كرام لهم شرف كامل
وفيه مدافع صمع لدى صواعقهَا ضرم شاعل
فحاصرتموه بلا شدة كأن الزمان لكم عامل
فما تم شهراً إلى إن أتى مطيعاً وأعلاهم السافل
ومن كان ناركم فوقه غداً تحته وهو النازل
وخيَر الفتوح الفتوح التي أعد لها السيف والذابل
وبدبد لابدَّ من ذكرها لأن الفتوح لها شامل
أتت بالبشائر من قبل أن تبشركم أمها الثاكل
فصار صداقهما عاجلا وخير صداقيهما الآجل
لك النصر والفتح يا سالم يدومان والشرف الطائل
ومجدك ليس له غاية وبحرك ليس له ساحل
أمدك ربك من فضله عطا ما تأمله آمل
ووالاك من فضله سادة غطارفة طلها وابل (1/195)
صفحة 196
هموا كالأساطين يوم الوغى وهم في الندى عارض هاطل
وهم فتية كنجوم السما ونجم عدوهم الأفل
ولم نسم أسماءهم إنما بأفعاله يعرف الفاعل
وصلى الإله على المصطفى نبي الهدى ما سرى راحل
بقى الإمام سالم بعد فتح سمائل مقيماً بها لتكويد أمورها والرؤساء تفد إليه البيعة.
وبقى الشيخ عيسى مرابطاً بالخوض إلى اليوم السادس من شهر رمضان من سنة الفتح ثم قصد الرستاق وكان الحاكم عليها ذلك الوقت السيد أحمد إبن إبراهيم فخاطبه في الدخول فيما دخل فيه المسلمون وأن يقدم إلى مبايعة الإمام فأسعفه وكان هذا السيد من أعظم دهاة عمان وأدراهم بأمور الرجال فكان وصولهم سمائل يوم التاسع عشر من شهر رمضان من السنة المذكورة وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان بايع هذا السيد الإمام وبعد إنتهاء الزيارة رجع إلى وطنه الرستاق وبقي بها إلى أن كان بينه والشيخ ناصر بن راشد الخروصي سوء تفاهم حصل منه شقاق أوجب قيام الإمام عليه وسيأتي في محله إن شاء الله.
وفي اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة وصل الشيخ الرئيس أمير بهلا ناصر بن حميد بن راشد الغافري حصن سمائل مذعناً للإمام ممتثلا طلبه وفي صحبته الشيخان حمير بن ناصر النبهاني وعبدالله ابن هلال بن زاهر فبايع الإمام مع أعيان قومه ثم رجع غلى وطنه بهلا ولم يزل بها حتى أحدث أحداثاً ناقضة للبيعة فقام الإمام عليه وسنذكره في محله إن شاء الله.
في أيام حصار سمائل وصلت كتب من قنصل الإنكليز بمسقط إلى الإمام سالم هذا نصها:
حرر يوم سادس شعبان 1331 هـ بمسقط. (1/196)
صفحة 197
من الميجر نكس نائب الدولة البهية القيصرية الإنكليزية في مسقط إلى جناب الشيخ سالم بن راشد الخروصي.
بعد السلام عليك لا بل أنت خبير يقينا بالفتنة الواقعة بعمان سنة 1331 هـ بينكم وبين حضرة سلطانكم المعظم فيصل بن تركي في تاريخ جمادى الثانية سنة 1313.
حضرة سلطانكم نشر لكم إعلاناً كما سيأتي.
إلى كافة من يراه وبعد تعرفكم بأنا وصلنا كتاب من أمير الخليج بهذا المضمون أنه يلي المصالح المهمة رعايا الدولة البريطانية في مسقط ومطرح وقد عزمت الدولة على إصدار وغنذار كافة مشايخ عمان أن فيما بعد مهما يقع من الخصومات في حضرة السيد فيصل بن تركي لا تترك الدولة المذكورة أحداً يهجم على هاتين البلدتين فتنذركم بهذا الأشتهار فإياكم والتعدي على مسقط ومطرح وكفى إخباركم بذلك ومن حيث بين بعض منكم نسوي هذه النصيحة والإنذار أكرر لكم ذلك ليصير عندكم والسلام.
صحيح الميجر ناكس نائب الدولة البريطانية البهية القيصرية الإنكليزية بمسقط.
جواب الإمام لهذا الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي.
إلى حضرة الميجر ناكس نائب الدولة البهية الإنكليزية السلام على من إتبع الهدى وخشي عواقب الردى أما بعد فقد وصلني كتابك المؤرخ سادس شعبان من هذا العام وذكرتم فيه ما ذكرتم وأنت تعلمون إن أمر عمان عند علمائها من قديم
الزمان وإن كل ملك خالف العلماء فهو خليع عند الدولة الإسلامية النبوية منبوذ عن أمر المسلمين لا تصرف له في دولتهم ولا نفاذ لحكمه وإن فيصلا قد قامت عليه الحجة (1/197)
صفحة 198
مراراً عديدة بعد خلعه وعزله فأبى أن يعتزل وإنه قعد هذه المدة بسبيل الغلبة والقهر والمسلمون لم يرضوا سلطنته ولا أفعاله وانتم معشر هذه الدولة يجب عليكم أن تكفوا عن أمر المسلمين ويلزمكم ان لا تعتدوا علينا ومن أعتدى علينا فالله يعيننا عليه وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل ومن كان مع الله كان الله معه ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لك شيء قدراً وإن ينصركم الله فلا غالب لكم.
حرر تاسع شعبان سنة 1331 صحيح إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي.
وهذا كتاب آخر منه:
حرر في مسقط 8 أكتوبر سنة 1913 7 ذي القعدة سنة 1331 من الميجر نكس نائب الدولة البهية الإنكليزية في مسقط إلى جناب الأجل الأكرم الشيخ سالم ابن راشد الخروصي المحترم السلام عليكم أما بعد فوصلاني كتابان المودة منكم مضمونها أحوال أهل عمان وسنعرضهما على حكومتنا العلية ولا شك أنها سوف تتأمل فيها بحكمتها العظيمة لكن لا شك أنه قد بلغكم في هذه الأثناء خبر وفاة صديقنا السيد فيصل بن تركي وهو الآن حاضر أمام القاضي الأعظم الذي هو أكبر منكم ومنا والجميع فغير مستحسن من واحد منا أن نحكم في حسنات وسيئات حياته الماضية وأنتم فصدقتم في قولكم أن الدولة البريطانية العظمى تحب العدالة والأمنية بين حكام عمان ورعاياهم ومما سرني هو علمي من الخطابات الودادية التي أعرضها لنا صديقنا السيد تيمور بأن عماد المذهب الإباضي الشيخ عبدالله بن حميد السالمي لم يزل يقدم إليهم النصائح الحكمية والإنسانية وبهذا لنا الأمل بأن الغمام الناشئة غير مسعود بين أهل عمان وحاكمهم في أواخر عمره سترتفع والقبائل ستبلغ إلى أحسن الصلة مع خليفته عن قريب هذا والسلام.
نص ماكتب في: (1/198)
صفحة 199
حد المعترفة بالزنا عند الإمام
في اليوم الثامن عشر من شهر شوال من سنة واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف في حصن سمائل أقرت سعده بنت مسلم العامرية وهي محصنة بزوج أنها زنت اقرارا أكثر من أربع مرات إقراراً بعد إقرار في مجلس واحد وذلك في حضرة إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي والسيد سعود بن حمد والشيخ حامد بن سيف الرواحي ومحمد ابن سالم الرقيشي وثنيان بن عديم البرطماني ومحمد بن حمود الصوافي وخميس بن حمد الرواحي ومحمد بن عبدالله الخروصي وسيف ابن سليمان الخروصي ورهين بن سالم الريامي في جملة من جماعة المسلمين من الشراة وأهل البلد والمذكورون بأسمائهم تحملوا على إقرارها الشهادة المذكورة كتبه محمد بن عبدالله السالمي عن إملاء سيده الوالد نور الدين عبدالله السالمي بحضرة الجماعة المذكورين وفي اليوم الثاني وهو اليوم التاسع عشر احضرناها مرة أخرى فأقرت بالزنا مرة أخرى وأقرت بالإحصان بزوجين رجل توبي جاءت منه بولد والثاني حراصي طلقها ثم مات وذلك في حضرة إمام المسلمين والسيد سعود بن حمد ومحمد بن سالم الرقيشي ومحمد بن حمود الصوافي ومحضر كبير من الشراة وغيرهم والمذكورون تحملوا الشهادة كتبه عن إملاء والده محمد السالمي في يوم 19 شوال سنة 1331 هـ.
بعد هذا الإقرار الثاني خرج الإمام والشهود والشراة وطائفة من أهل البلد إلى موضع الرجم وكان قد هيىء منذ أمس بين السوق والحصن ففعلوا فيها أمراً لله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وأقاموا عليها الحد على وفق السنة فرماها أولا الإمام ثم السيد سعود ثم محمد بن سالم ثم محمد بن حمود ثم رمى الناس أجمع من كل جهة وهم يكبرون على كل رمية وكانوا قد لقنوها التوبة فتابت وهي في الحضرة فأمر الإمام بها أن تخرج من حفرتها أخر اليوم وتغسل وتكفن ويصلى عليها وتقبر ففعل لها ذلك والله يتقبل من المسلمين التائبين.
وكان في أيامه يأمر بتعزيز من يشرب الدخان من عشر ضربات إلى عشرين جلده ولما كان الإمام الخليلي بعده ترك التعزيز ورأى أن يودعهم الحبس. (1/199)
صفحة 200
وجيء إليه بإمرأة قد أتت بولد من غير زوج فأمر بجلدها أربعين جلدة وانكر عليه الشيخ عيسى أمره بجلدها يقول أنها شبهة فلعلها غصبت أو غير ذلك من الإحتمالات ولم ير قبول ذلك الإعتراض وكان قد حضر مجلسه الشيخ عبدالله العزري وعبدالله بن غابش فقام من مجلسه وقال أنى أجلدها فمن كان له قول فليقل فسكت المشايخ عن إعتراضه.
وفاة السلطان فيصل
في خلال ذلك الإضطراب، وحدوث تلك الزلازل توفي السلطان فيصل ابن تركي بن سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي وكانت وفاته بمسقط عاصمة ملكه في اليوم الرابع من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1321 إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف.
كان السلطان فيصل جليلا مهاباً باسلا جواداً حليما متيقظاً للمكائد وقد أخذ حماية من الإنكليز في شهر جمادى الثانية عام 1313 هـ على مسقط ومطرح وفي كتاب عمان لشركة الزيت الإمريكة ص / 60 ((لم يعترف الإنكليز بفيصل سلطاناً على مسقط حتى عام 1307 - 1308 هـ الموافق 1890 م وفي عام 1308 هـ الموافق 1891 عقد الفريقان معاهدة صداقة وتجارة وملاحة حلت محل المعاهدة المعقودة في عام 1255 هـ الموافق 1839 م. ومن بين شروط المعاهدة الجديدة ما يلي)):
((لا تمنع أي سلعة من الدخول إلى أراضي صاحب العظمة سلطان مسقط أو الخروج منها وان تفرض رسوم جمركية على البضايع التي تصدر من تلك الأراضي دون موافقة حكومة صاحبة الجلالة البريطانية.
يستمتع رعايا صاحبة الجلالة البريطانية، فيما يتعلق بأشخاصهم وممتلكاتهم في داخل أراضي صاحب العظمة سلطان مسقط بإمتيازات خارج النطاق)) وفي ص 318 مجلد 11/ 1 يتشيسون (المعاهدات). (1/200)
صفحة 201
بعد توقيع هذه المعاهدة بيوم واحد وقع السلطان تعهداً.
((إن السيد فيصل بن تركي بن سعيد سلطان مسقط وعمان يعد ويتعهد على نفسه وورثته وخلفائه بعدم التخلي عن ممتلكات مسقط وعمان أو أي من ملحقاتها أو بيعها أو رهنها أو السماح بإحتلالها لغير الحكومة البريطانية)).
(وهذا هو التعهد السري الواقع عام 1308 هـ 20 مارس 1891 م).
ويتكلم الصحفي البريطاني لوفاة فريزر في كتاب نشره عام 1329 هـ (1911 م) عن زيارة قام بها لمسقط فيقول:
وحتى داخل دولة مسقط لم تكن سلطة السلطان تكاد تمارس بأمان خارج البلدتين المتجاورتين مسقط ومطرح وفي اليوم السابق لزيارتي مطرح كانت البلدة محصورة ومهددة من جانب عصابة من قطاع الطريق في الجبال والسلطان فيصل ابن تركي رجل رقيق وقور يحب التصوير ولديه اهتمام شديد بالسفن الحربية ولكن حكمه يمتد إلى مرمى بصره، ولا شيء أبعد من ذلك ولا يمكن لمثل هذا الوضع أن يدوم) ا هـ كلامه نقلا من كتاب التحكيم لعبدالرحمن عزام.
وكتب لوريمر مجلد 1 / ص 521:
(لقد كانت سياسته (أي فيصل) بليدة جعلت أكثر القبائل ميلا له تنفر عنه ومرد ذلك إلى إهماله أكثر منه إلى عدم كفائته).
وفي عام 1312 هـ الموافق عام 1894 م (كانت منافسة شديدة بين الإنكليز والفرنسيين على مسقط عاصمة السلطان وكانت للفرنسيين معاهدة تربط السلطان اتفق الفرنسيون والإنكليز على إصدار تعهد استقلال حاكم مسقط وزنجبار.
وفي عام 1315 هـ الموافق عام 1898 م) منح السلطان فيصل الفرنسيين استخدام (الجصة) لشحن السفن بالفحم الحجري (والجصه موضع على شاطئ البحر شرقي مسقط فقام الإنكليز بعنف على إكراه السلطان فيصل بإلغاء هذا العقد (1/201)
صفحة 202
فألغى المنحة فوراً وكتب عن ذلك فيليب جريفز (حياة السر برسي كوكس) 1941 م ص 62)، لقد غضبت الجكومة الفرنسية كما غضب اللورد سالزبري وفرض تقرير حكومة الهند (بأنه يجب أن لا يلزم الوكيل البريطاني نفسه في
مكاتبة رسمية بإقتراح يتعلق بمسألة قائمة بين حكومة جلالتها لول مرة بهذا الذي كتبه الوكيل عن طريق السفير الفرنسي فكان في هذه المعارضة ما يوشك أن يؤدي إلى خطر فادح لولا إنتهاء المشكلة بالتحكيم على وجه رضيه الإنكليز وقام بهذه الخطوة الوكيل السياسي الكابتن برسي كوكس في 8 إبريل سنة 1904 وتم التفاهم على تسوية المشكلة في 25 مايو من نفس السنة وقد نهج بسياسته في الخليج الفارسي كله على صورة لم يسبقه إليها غربي مثله، وقد ساعدت فرنسا العمانيين في تهريب الأسلحة والرقيق وكانت لها أعلام على سفن بعض أهالي صور ولا زال الإنكليز يحاولون قمعها لأن ذلك يمس بمصالحهم وفي ص 66 شركة الزيت الإمريكية.
وعلى أثر ذلك يقول (تلفت اللورد كرزون) نائب الملك بالهند وهو الذي اختار كوكس: ((أننا نمد حاكمها بالإعانة ونملي سياستها، ولهذا فعلينا ألّا نسمح بأي تدخل أجنبي في شئونها)) يعني بذلك حاكم مسقط.
كانت بين السلطان فيصل وقطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش المغربي رحمه الله مراسلات وكتب إليه نصائح دينية ودنيوية.
طالت أيام هذا السلطان فبقي في الملك نحو خمس وعشرين عاماً تقريباً كانت بينه والقبائل الداخلية حروب هائلة، فجرد خادمه سليما ابن سويلم قائداً للجيش السلطاني لقمع من خالف أمره لعلمه أن هذا القائد جريء جسور عارف بالحروب على النسق العماني.
فمن ذلك قيامه على أهالي صور لما أزعجوا عامله من حصنه وأنفذوه إليه فندب (1/202)
صفحة 203
إليهم هذا الوالي فسلموا له الأمر وأذعنوا له فبنى القلاع في رؤوس الروابي المشرفة على البلاد احتياطاً منهم وإذلالا لهم في منع الماء عن الساحل.
وقيامه على بني غافر أهل الدريز من الظاهرة في أيام الشيخ محمد بن سليمان الغافري ولكنه لم يفز بالظفر بل انهزم الوالي وأصيب بجراحة في أحد ساقيه.
وقيامه على إزكي وتضييقه على بني ريام وكبسه لفلج الملكي وذلك أنهم خالفوا أمر السلطان وجاهروه وأقاموا الحرب على عامله بحص إزكي حتى أنهم في أثناء الخصومة قهروا شرطيا من شرطة السلطان فباعوه ببلدة عبري.
وقيامه على سمد نزوى في شهر ربيع الآخر عام 1323 هـ والقائد لهذه الثورة السيد سيف بن حمد وكان ذلك في وقت حصار الوالي سليمان لإزكي وكان أمير سمد نزوى الشيخ حمدان بن سليمان بن سيف النبهاني ورث إمارتها عن آباءه وأجداده واستبدّ بها لما كانت الحادثة عليهم من ابن عمه الشيخ حمير بن ناصر، وقد كثر ظلم هذا الأمير وعظم غشمه وتغلبه على الأهالي والأوقاف والأنهار ولم يجرْ على الطريقة المثلى وعادة الإستبداد ذلك فسأمت الرعية جوره وغشمه فتقهقروا عنه عند نزول البلاء ولم يساعده ابن عمه الشيخ حمير الذي كانت دولة الإمام سالم على يديه.
أوقد السيد سيف بن حمد نار الحرب بنزوى وأيده السلطان بقائد جيوشه الوالي سليمان واستنهض آل حكم لمساعدته فأضطروا حمدان إلى النزول من بيت السليط وهو حصن سمد نزوى فتخلى عنه وعما تحت سيطرته من علاية نزوى وقد ذكر هذه الفتوح الشيخ الرئيس عبدالله بن سعيد الخليلي والد إمامنا الحالي في قصيدته الدالية وأولها:
أخا الحرب إياك أن ترقدا * ومن ترك الحزم لن يحمدا
ولا تحقرن العدو فكم * ضعيف رأى فرصة فأعتدا
وإياك والبغي كم رفعة * بناها فهدّم ما شيدا
ألم ترى أن رياماً علت * ومدت إلى من أرادت يدا (1/203)
صفحة 204
فكم سفكت من دم واعتدت * فكانت نزار لهم مرصدا
تقسم كالفيء مال الورى * وتجعل أحرارهم أعبدا
رأت عدداً ورأت عدة * وكابرت الملك الأصيدا
إلى أن قال:
وسيف هو السيف أنصاره * بنوا حكم إن سطا أو عدا
هم دوخوا أرض نزوى فلا * أسود الشراء ولا سؤددا
ولم يرض حمدان لكنه * رأى الموت فأختار أن يخلدا
فسلّم بيت السليط وما * حوى من بناء وما شيدا
وهي قصيدة طويلة.
ولشيخ البيان محمد بن شيخان قصيدة في هذا الفتح استوفى بها الأمر الموجب للقيام فنذكر منها طرفاً فيه ذكر القضية وأولها:
رفرفت بالنصر أعلام ... الرَشدْ" ... " فهنيئاً للعُلا في ذي ... الجُدَدْ
قرَع ... الأقلامَ ... صدراً ... للعُلا" ... " فغدا باليُمن مفتوحَ ... السُّدَد
دُرْ كذا يا دهر إن درت ... فقد" ... " هزَّتِ الأفراحُ أعطاف ... البَلَدْ
ولهذا ... الدهر ... كَفّانِ ... فذي" ... " تُكْمِد الأحشا وذي تُطفي ... الكمدْ
أيُّ قوم ثبتوا في ... جمعهم" ... " غِبطةً إلاّ وقد راحُوا ... بَدَدْ
كيف يلتذ بملك الدهر ... من" ... " هو والملكُ جميعاً ... يُفتقَدْ
إنَّ للدهر لألوانا فما ... أبي" ... " ضَ في يومك يسودُّ ... بغَدْ
والفتى في تعب من ... دهره" ... " من يعش يلقَ من الدهر ... النكدْ
غرّة ... الدنيا ... فلا ... يعرفها" ... " صادق إلا الذي فيها ... زهدْ
إنَّ سجنَ المؤمن الدنيا ... وقد" ... " خُلقَ الانسان منها في كَبَد
من يُرِدْ أوسعَ عيش ... صافياً" ... " فعلى نهر رضا المولى ... يَرِدْ
ولَعمري ... إنما ... الرّبحِ ... لمن" ... " ترك الفانيَ واستبقى ... الأبدْ
كلهُّم للرزق ذو كدح ... فذا" ... " جاءه عفواً ... وهذاك ... بكَدّ (1/204)
صفحة 205
والذي في اللوح باقٍ ... والذي" ... " قضتِ الأقدار حكمٌ لا ... يُردّ
سحبت حْمِير ... أذيالَ ... العُلا" ... " فغدت تمتدُّ في كل بلدْ
أسلفوا ... العِزّ ... وأعلوا ... هامَهُ" ... " ... فحَوَوْهُ ... بطَريفٍ ... وتَلَدْ
ورِثوا ... أرديةَ ... العَلياء ... عن" ... " كُبَراءٍ عن شديد عن ... أشدَ
ولقد ... كانوا ... ملوكاً ... بسَبا" ... " وبصنعاءَ وطالوا في ... سَمَدْ
ثم حاز الملكَ نبهان ... الذي" ... " حلَّ في ملك عُمان ... وعَقَدْ
نزلوا بالجبل الأخضر ... من" ... " عِزّهم أمنعَ من بُرج ... الأسَدْ
جبلٌ ... ممتلئ ... الخير ... لهُ" ... " شرف طار وللنجم ... صعدْ
كيف أهجو حِمْيراً وهي ... التي" ... " حازت المجد بِجِدٍّ ... وبجَدّ
غيرَ أني ذاكِرٌ أسبابَ ... مَا" ... " بذروا من حَبِهّمُ حتى ... انحصدْ
استطالوا ... يومهم ... أمناً ... ولم" ... " يشكروا المولى على العيش الرَغَدْ
نشروا الظلم ... وبثوا ... جَورهم" ... " في البرايا وتعدَّوا كل ... حَدّ
إن ... أتت ... قافلةٌ ... من ... بلد" ... " ... نهبُوها ... كسراحين ... الجَرَدْ
تَجَرُوا ... بالحُرّ ... بيعاً ... والرِّبا" ... " ولَبيعُ الحُرِّ مِن ذاكَ ... أشَدّ
كثر الجَورُ وقلَّ العدلُ ... من" ... " أمراءٍ خرّبوا سُبْل ... الرَشَدْ
أفسدوا مذ فسدوا جهراً ... ولا" ... " يَصلح الفرع إذا الأصل ... فسدْ
وإذا أُتْخِم بَطنُ المرء ... من" ... " قلّةِ الأكل فمن ضَعف ... المِعَدْ
ما كفاهُم ما جرى حتى ... عَدَوْا" ... " لحِمى من لا يكافوهُ ... بَردّ
فدعاهم مَلِكُ ... العصر ... إلى" ... " أن يؤدّوا ما عليهم قد ... وَكَدْ
لم يُرِد حربهم ... عمداً ... إذا" ... " أذعنوا للحق واختاروا ... السَّدَدْ
فاستخفوا ... أمرهُ ... وامتلؤوا" ... " أنَفَةً منهُ وكلٌّ قد ... جحدْ
هزَّهم ... بأسُ ... نزاري ... إذا" ... " بردت نار الخصومات ... اتّقَدْ (1/205)
صفحة 206
جرَّد السلطانُ فيهم ... صارماً" ... " من سُليمان إذا هزَّ ... قصَدْ
أي شيطان من الجنة وا " ... " لإنس إلا من سليمان ارتعد
علمُوا إنَّ ... النزار ... احتجبت" ... " بأسُود لم ... يقاومها ... أحَدْ
إنَّ في ... حَدِّ ... ريام ... شوكةً" ... " منهم اليومَ فإن تَنْبُ ... تُحد
فمضَوا كالطيرِ والوالي ... على" ... " مُقْدِم الجيش كريبالٍ ... وردْ
فأتوا ... إزكي ... بَغياً ... شَمخت" ... " سكن الجورُ عليها ... ووَلَدْ
والنزار اليوم مذ ضاعت ... فشا" ... " كلُّ ضعف في ريامٍ ... واطّردْ
وتنوف ... ربحت ... عيشتها" ... " باهتدَا صاحبها الرأيَ الأسَدّ
صالحَ السلطانَ فاعْتَزّ ... وما" ... " كاد يختلّ ومن كاد ... يُكَدْ
هدأت إزكي وشاعت ... خبَراً" ... " وغدت نزوى كحُبلى ... بَولَدْ
قام ... للحرب ... بنزوى ... ذِمْرُها" ... " ذلك الصنديد سيف بن ... حمدْ
حكَّم السيف ... عليهم ... عادلاً" ... " وبحكم السيف تقويم ... الأوَدْ
واستماج الجيش بحراً ... زاخراً" ... " وغدا يقذف بالنبل ... الزَبدْ
فتلقت ... سمد ... طُوفَانَه" ... " برجال قابلتهم مِثل ... سَدّ
وبهم ... حمدان ... محمود ... اللقا" ... " من سُليمان ونبهانَ ... استمدّ
فالتقى الجمعَان ... ثم ... افترقا" ... " إذ علا بينهُم بالصُّمع حَدّ
فرأت حِمْيرُ أَنْ حلَّ ... القَضَا" ... " فيهم مما جنوا والأمر ... جِدّ
فتخلّوا عن صَياصيهم ... ومن" ... " غالبَ الغالبَ يُغلَبْ ... ويُرَدّ
حَمِدَ ... البركة ... حمدان ... متى" ... " سمدٌ زُفّت لسلطان ... البلدْ
نادتِ ... العلياءُ ... في ... ذروتها" ... " بارك الله لِنزوى في ... سمدْ
ويَراعي طاب جرياً في ... الهَنا" ... " قلْت أرِخّ فَتحها خير ... يُودّ (1/206)
صفحة 207
عَتَبَ السلطان في صَمْتي ... ولم" ... " أتفرّسْ لمدى هذا ... المَدَدْ
قلتُ ... سوقُ ... الشعراء ... كاسِدٌ" ... " والأديب اليومَ ممضوض ... الكَبِدْ
يُخرج ... الجوهرَ ... من ... لُجَّتِه" ... " وإذا ما سامهُ بيعاً ... كَسَدْ
وإذا ... لم ... يُبْدِه ... من ... لُجِّه" ... " أجَّجت فكرتَه نارُ ... الكَمَدْ
وإذا ... ما ... تُليت ... آياته" ... " محكماتٍ عَابَها من لا يُعَدّ
كل غَمر ليس يدري الفرق ... من" ... " جلس العالم معنى ... وقعدْ
هل زمان من بني برمك ... أو" ... " من بني حمدان فينا يُستردّ
يشرق الشعر إذا ما ... ذُكرت" ... " حضرةُ الصاحب والملك ... العضُدْ
حشر الكُهّان ذا الفتحُ ... وما" ... " ساحر في الشِعر إلاَّ ... ووَرَدْ
وتلاقَوا ... زُمَراً ... في ... جمعهم" ... " بين خُلاّس ونُفَّاث ... العُقَدْ
كلُّ ذي سحرٍ بيانُ ... لفظِه" ... " يأخذ الفهم ويجتاح ... الخَلَدْ
ورمَوا من صنعهم ... أسبَابهَم" ... " فسعت تمتد تَمتاح ... المَدَدْ
ثم ألقيتُ عصا شِعري ... فما" ... " شاعر إلاَّ وطوعاً قد ... سجدْ
وفي شهر جمادى الثانية سنة 1323 خرج الوالي سليمان على المقابيل أهل الحلتي لما هاجموا المركز السلطاني فأستحلوه فبعث الوالي إليهم سرية فاستردته منهم فأصابوا غرة من صحبه بعد انقيادهم لأمره وإذعانهم له فجهز جيشاً وخرج إليهم فاسترد ما أخذوه وعاقب من نكث ولشيخ البيان في هذه الغزوة قصيدة استوفى القضية بأسرها في أولها:
نفح النصر فميلوا طربا * هكذا تبدي الليالي عجبا
وإذا السعد بدا كوكبه * ليس تثنيه العوالي والظبا
ولمن قام على المجد فلا * لوم أن يعلوا الثريا مركبا (1/207)
صفحة 208
وفي شهر ربيع الآخر سنة 1327 جهز السلطان جيشاً على آل المسيّب أهل نفعا عقد لواءه على ابنه السيد نادر بن فيصل والسبب الداعي إلى ذلك أن الوالي سليمان ابن سويلم يتهم حمد بن سليم السيابي بتهريب الأطعمة لبني ريام في أوان
حصاره لبلادهم إزكي وتضييقه عليهم في عام 1323 فقبض على قافلته فأعتذر حمد أن المتاع حمل لنزوى وكان الوالي حرداً لجوجاً فأنتهر حمد وكذب لحيته البيضا وأشار إليها وكان حمد شيخاً مسناً فخرج قابضاً على لحيته وهو يكتم صيحة العار، ويمزق حديد النار لما كان يراه العمانيون للحية من قدر وعظمة يود أحدهم أن يقضى عليه ولا تذكر لحيته فأقسم على أبناءه أن يأخذوا بثار لحيته فحذره قومه أن يعكر صفوهم وأن تصبح لحيته لهيب فتنة فتحرق صفوفهم فكتم رأيه إلى أواخر ذي الحجة من عام 1324 هـ.
كمن أبناء حمد برأس جبل من جبال وادي العق الشاهقة يرقبون رجوع الوالي من زيارته للشرقية وقد بلغهم أنه استصحب أعيان القبائل وفيهم إمامنا الخليلي قبل العقد عليه ورؤساء الحرث وشيخ بني جابر بالطو سيف بن سليمان وغيرهم وقد دخلوا هذا الوادي ضحوة النهار فبينما هم في وسطه أثار أبناء حمد النار فنثروا مخايل الرصاص على صدر الوالي العنيد فسقط من ظهر جمله قتيلا وأردفوه خادمه صريعا ولم يعتبروا من عنده ولا ما يكون بعد امتثالا لأمر أبيهم وبراً لِقَسمه وانتقاماً للحيته الشايبة قامت قيامة الأوتاد الذين صحبوه لكونه في خفارتهم وأصروا على الأخذ بثاره والقيام على آل المسيب فمنعهم نور الدين السالمي قائلا أنه قائد البغاة ويد الجبار ولا سبيل لكم عليهم بل لا يحل لكم أن تخفروه بقي الرؤساء بين أمرين وكلاهما مُرَّين إما اقتحام الأخطار أو الوقوف على العار وَحُمَّى الحقد وموجة الإنتقام تقذف بشررها لما يرونه من انتهاك حرمتهم وإهانة كرامتهم فكتبوا لقطب الأئمة المغربي أبحاثاً في الموضوع فكان جوابه كجواب نور الدين هنا كان الحاجز دينياً لا يستطاع انتهاكه، أما الشيخ الجابري لكونه من العتاة أبى إلا التعصب بالباطل (1/208)
صفحة 209
فقتل من السيابيين رجلين يسدد بهما خطاه من العار العربي ولم يلتفت لما وراء ذلك لكونه من العتاة.
دبر السلطان الأخذ بثأر واليه بواسطة رجلين معمري وهنائي ففتكوا بالشيخ سيف بن محسن رئيس آل المسيب وقنع في الظاهر بذلك ولكن جمرة الحقد لم تطفأ من الجانبين فبقيت نارها في الصدور حتى خرج السلطان متفقداً مملكته فعسكر ببلدة نخل وفي الليلة الثانية من وصوله عند السحر كان دوي البنادق على رأس الشيخين سالم بن مرهون وخليفة بن عبيد المعمريين من أعيان أصحاب السلطان ورؤساء جماعتهم تقرر عند السلطان أن آل المسيب أخذوا بثأر رئيسهم الشيخ سيف بن محسن فغضب لذلك وجهز ابنه نادر لحربهم فخرج بجيشه وأقام (ببدبد) واستعد آل المسيب استعداد ضعيف لقوي وقد تجمعت للسلطان قوة فوق العادة فأشفق عليهم جيرانهم بنو جابر فتوسطوا على أنهم يؤدون الطاعة وأن يقبل السلطان إلزام رئيسهم محسن ابن زهران فقبض عليه وأرسل مكبلا بالحديد إلى مسقط وهدم بنيانهم الشامخ.
ما قيل من الشعر في مدح السلطان فيصل
قد مدح السلطان فيصل شعراء عصره وأكثروا بيد أنه أحرز قصبة الرهان شيخ البيان محمد بن شيخان فإنه له ديوان ضخم فيه من المدائح الفائقة وذكر حروبه ودح أنجاله الكرم ما قصر دونه البلغاء فمن معلقاته البليغة هذه القصيدة الفريدة التي أودعها كثيراً من التورية:
شمس من الأنس صار الحسن هيكلها ... ألقت إليها النُهى طوعاً معوَّلَها
رمحية ... القدّ ... بَطّاشية ... خُلُقاً ... صُبحيَّة الخَدّ تعنو النيِّرات ... لَها
أُمنيَّةٌ شرعُها سفك الدماء ... على ... أهل الغرام ولا ... ذنبٌ ... فيحملَها
ما فوَّقت لحظَها في الناس ... راميةً ... إلا أصابت من الألباب ... مقتلها
ولا سرى نَشْرُها المسكيّ في ... رِمَم ... تَبْلى بحكم الهَوى إلاَّ وقُمن ... لها (1/209)
صفحة 210
يا بانة في رياض الحسن قد ... نشأت ... سُقِيتِ من صفوة اللذاتِ ... سلسلَها
نسيم عتبيَ يا سمرَاءُ مرَّ ... بكم ... والسُّمر أعدلُها ما كان أعدَ لها
هل آن ميلُك نحوي يا نسيمُ ... فمن ... عاداته ... للعوالي ... أن ... يميّلَها
ما قيّدت مهجتي حُسنَى ... حديثِكم ... إلاَّ رَوتْ مقلتي بالدمعِ ... مُرْسَلَها
يا نِعَم ... أيامنا ... بالرَّقمَتْين ... بكم ... وخَيرُ ... أيامنا ... ما ... كان ... أوَلَها
من يشتري مهجتي دهراً ... بيومِكم ... لله ... ما ... كان ... أغلاه ... وأسهلَها
أتت صروفٌ وحالت دونكم ... دولٌ ... وأرسلتْ ... نُوَبُ ... الأيام ... جحفَلها
والدهرُ من طبعه لم تصفُ ... منزلةٌ ... للمرء لم يرضَ إلا أن ... يبدلها
لمّا نَبت بي أحوالُ الزمان ولم ... يكن بَكَفي ما قدْ بَلَّ ... أنُملها
وأحدقت بي ديون أثقلت ... عُنْقي ... لم أُلْفِ مَنْ فَضلْهُ عني تحملها
والناسُ صنفان إما حاسد ... نعمى ... أو مستهين بنفسي إذ ... تخلَّلَها
نَفسُ التقيّ وإن هانت على ... سَفِل ... لا تُستهان ... لأنَّ ... الله ... فضّلَها
إنَّ الأفاضل محسودون ... نعمتَهم ... وبالأراذل تدري ... الناس ... أفضلَها
وقادني ... دعوة ... ممن ... مكارمه ... تحلُّ من عنق المأسور ... أكبُلَها
كساني الله ... رأياً ... أن ... أجشمه ... مصاعب الأمر كي أرتاد ... أسهلَها
عمدتُ ... عمدة ... عُقبانِ ... مُعمّمة ... بالسّحب أجبلُها ... تغتال ... أجدلَها
نعالها الصخرة العُظمى ... وهامتها ... الشِعّري ... وإكليلُها ... بالتاج ... كلَّلَها
كأننا ... في ... تعالينا ... بذروتها ... على ... المجرة ... أوردناك ... جدولَها
قد جُبْت عقبانَها المستشرفاتِ ... على ... عقبانِ عزمٍ يُقّوي الله ... أرجلَها
ومن يَجُب أوعر الأشياء في طلب الع ... لياء لا بدَّ أن يجتاح ... أسهلها
وصفو دنياك ... مسبوق ... بأكدرها ... لم تحلُ إلاَّ إذا جرعتَ ... حنظلَها
حتى أناخت بيَ الآمال ... كارعة ... في لُجِّها ضارباتٍ فيه ... كلكلها
يا من لِمسقطَ قد طارت به ... هِمم ... بشراك بَّوأتَ ... للحاجات ... منزلَها (1/210)
صفحة 211
إن رمتَ للحاجة السوداء فيصلَها ... فَيمّمَنْ ذا اليدِ البيضاءِ ... فيصلها
مَلْكٌ به شيمُ الإِحسَان ... مجملةٌ ... لكن يشنُّ على الدنيا ... مُفصَّلَها
والسَيل إن فتحت أبواب ... مخرجه ... عمّ ... النواحي ... أعلاها ... وأسفلَها
إني لأرحم هاتيك البحورَ ... على ... دَأمائها إذ ندى كفَّيْهِ ... أخجلَها
وأرحم الأنفس الهَلكى ... بصارمه ... لمَّا أثارت شهودُ الموت ... جحفلها
ما استقبلت هامةٌ للفقر في جهةٍ ... إلاَّ بماضي النّدى في الحال جند ... لَها
شديد بطش تقود الأُسدَ ... سطوتُه ... ولو سرى ذكرهُ في الشم ... زلزلَها
كبير حلمٍ بلا ذلٍّ ولو ... نشرت ... دنياهُ ... نكبتها ... فيه ... تحمَّلَها
ما ... جاءهُ ... أحد ... يوماً ... بمعذرة ... من ... زلَّةٍ ... زلَّها ... إلا ... تقبلَها
ومن ترقى بمرقى الحلم ما ... عرضت ... في قصده حاجة إلا ... وحصَّلَها
ميسور سَعْي تُرى الآمالُ ... واقفةً ... له فيلبسُ ... منها ... فيه ... أجملَها
إذا سواري العُلاَ مالت أعدَّ ... لها ... تمكينَ ... عزٍّ ... فسوّاها ... وعدَّلَها
يقي عُمانَ بألطاف السياسة ... من ... زلازل الشرِك أن تجتاحَ ... معقلَها
قويُّ عزمٍ إذا خطبٌ ألمَّ ... على ... أملاكها ... رَدَّه ... قسراً ... وثقلَها
سهران طرف على تدبير دولتهم ... وهم نيامٌ ... فما ... أغفى ... وأغفلَها
يقظان قلب يسوس الملك ... مجتهداً ... في ... حفظه ... بمقامات ... تأهّلَها
مدبّر ما ... رمي ... يوماً ... بداهية ... دهياء إلا رمى بالكشف ... معضِلَها
عُبّاد عيسى النبي صاغوا ... مُحاولةً ... في ملكه فانثنوا يبرون ... أنملَها
أهل الطواشي صبيح راعهم ... بحمى ... دار ابن لقمان لمَّا شد ... أرجلَها
لا بُوركُوا في مساعيهم ولا ... نهضت ... قناتهم ... لا ... ولا ... لاقَوا ... مُؤمَّلَها
يا أيُّها الملك ... المعمورُ ... دولته ... شكراً لمن عزّز الأشيا ... وذلّلها
أولاكها الله أنعاماً ... تجلُّ ... فقيِّ ... دْها بشكر طويل تُعْط ... أطولها
ما كان من دأبي الأشعارُ ... ممتدحاً ... لكن فتحتم لنا بالجود ... مُقفَلَها (1/211)
صفحة 212
إذا كُلَيب القوافي أهلكته ... ضبا ... عُ البخل إني بكم أغدو ... مُهلهلها
خذها بديعة حسن ... قبلةً ... لمل ... وك الشعر والله أدعوه ... ليقبلها
حازت من الحسن أقصاهُ ... وغايته ... وحُزت من رُتب العلياء ... أكملَها
إرتقاء السلطان تيمور بن فيصل سلطنة مسقط:
ولي الحكم في اليوم الذي توفي فيه أبوه السلطان فيصل وكان قد رشحه في حياته لمهمات الأمور وجعله من بعده ولي عهده لكونه أسن أخوته ولما يتخيله فيه من الصلاح لتوقد ألمعيته وعلو همته فقام بالأمر وأحكم ثغور مسقط ومطرح والباطنة، حذراً من مهاجمة العمانيين فوجد الإنكليز لهذا التحزب غرة وافقت مرادهم فأظهروا العصبية للسلطان والحماية له والمدافعة عنه والقتال دونه على شروط أخذوها منه فكانت منهم تعديات برميهم المسلمين في بركا وقريات والوطية فرأى المسلمون التأخر ذلك الوقت عن القيام على السلطان حذراً من إتساع الخرق وأن يجد الخصم بغيته فبقيت المنافسات المجاذبات كما هو مفهوم من حال الضدين حتى وقعت بينهم المعاهدة المعروفة بمعاهدة السيب في عصر الإمام الخليلي وسنذكرها في محلها ز ((وفي ص 93 كتاب شركة الزيت الإمريكية)).
وقد زار اللورد هاردنق (نائب الملك في الهند مدينة مسقط من خلال شهري ربيع الأول وربيه الثاني عام 1333 هـ) الموافقين لفبراير (1915 م) ونصح السلطان بمسالمة شعب الداخل، لأن الإنكليز لن يستطيعوا أن يظلوه بحمايتهم إلى أجل غير محدود وقد بسط الوكيل السياسي في مسقط العقبات التي تقف في سبيل الوصول إلى إنفاق يرضاه السلطان وهي:
1 - أن العصاة قابضون على مفتاح الموقف فإنهم يحتلون وادي سمائل وحصنه اللذين كانا لا غنى عنهما لإزدهار التجارة في مسقط.
2 - إن الثورة قد اتسمت بطابع ديني وأن الإمام يدعو إلى الجهاد وأكثر (1/212)
صفحة 213
من هذا فإن كثيرين من الثوار لقوا حتفهم على يد قوات الإنكليز في الهجوم الفاشل الذي شنوه في شهر يناير، وفضلا عن هذا فإن شعور السخط قد بلغ مبلغاً أصبح من العسير إزالته.
3 - إن التعرض الخاص بمنح إعانات للقبائل ليس خليقاً أن يكون وسيلة مغرية لإقناعها، وذلك لأن الإمام قد يحرم من قبول الإعانات بوازع ديني، وأن الزعيمين الآخرين ينعمان بدخل كبير من مركزيهما الحاليين ومن أراضي الدولة التي قد قبضا عليها في الداخل.
4 - إن خفض عدد رجال الحامية إلى العدد العادي سيترك السلطان دون مساعدة يعتمد عليها، ذلك لأن السفن البريطانية في زمن الحرب يغلب أن تكون على بعد غير يسير من مسقط بخلاف ما تكون عليه الحال في زمن السلم.
وذكرت هذه ((الحرب العربية ص 22)).
وكتب المؤرخ المسيحي في كتابه المسمى عمان لشركة الزيت الإمريكية ص 94 في الفترة الواقعة بين أواخر شهر جمادي الأولى وشهر شعبان عام 1333 هـ أي بين إبريل ويونية 1915 م، ظلت الرسائل والمباحثات متصلة بين زعماء الإمامة وممثليهم من ناحية وبين الوكيل السياسي البريطاني بوصفه وسيطاً من ناحية أخرى، وقد تمحضت هذه المباحثات عن الأسباب الجوهرية للعداوة التي يحس بها أتباع الإمامة حيال السلطان هي:
1 - إن قمع تجارة الرقيق يعد أمراً غير مشروع لأن هذه التجارة تسمح بها أحكام الإسلام.
2 - إن تجارة الأسلحة والذخيرة ينبغي ألا يسمح بالتدخل فيها.
3 - إن السلطان كان فاشلا في تطبيق شريعة الإسلام فيما يختص بكل القضايا المدنية والجنائية. (1/213)
صفحة 214
4 - كان السلطان يسمح بإستيراد التبغ والخمور وهذا مما تحرمه أحكام الإسلام.
5 - كان السلطان يعتمد على تأييد جنود الإنكليز، مع أن الواجب يقضي بإقصائهم.
6 - كان السلطان يفرض حصاراً على الداخل، بأن يقطع عنه تيار الواردات المألوف.
7 - إدعى الإنكليز سيطرتهم على البحر مع أنه ينبغي أن يكون مشاعاً للجميع.
ثم كتب بعد ذلك في ص 95.
وقد بعث الإمام بكتاب إلى الوكيل السياسي أكَّدَ فيه أنه لن يستطيع أن يجري أي إجراء يهدف إلى عقد صلح دون استشارة نواب شعبه الذي يقطن أفراده المنطقة الممتدة من الشرقية إلى نزوى كلها.
وفي شهر شوال عام 1334 هـ (الموافق لأغسطس 1915 م) تلقى الوكيل السياسي كتابا بتوقيع الإمام وعيسى بن صالح وحمير بن ناصر وقاضي الإمام وقد طلبوا إليه فيه أن يجتمع بعيسى بوصفه ممثلا للإمام على مقربة من السيب على الساحل. واستصحب عيسى قاضي الإمام إلى هذا الإجتماع الذي تم في شهر محرم عام 1334 هـ (الموافق لسبتمبر 1915 م) وإذا تقدمت المباحثات، أحس الوكيل السياسي إنه بات ممكنا الوصول إلى حل وسط، وكانت النقطة الرئيسية مثار الخلاف إصرار السلطان عل أن تجلو قوات الإمامة لمصلحته عن الإستحكامات القائمة عند سمائل ويبدو أن عيسى كان يوشك أن يقبل هذا لولا أن تدخل القاضي مؤكدا أن الإستحكامات المذكورة لن تخلى ما دام الإمام حياً. ا هـ كلامه.
وفي أيام هذا السلطان كثرت الشعابث واضطربت الأحوال وعاث اللصوص في الباطنة والشميلية حتى أن الفرد لا يستطيع الخروج من بلد إلى بلد آخر إلا بجماعة تحميه وتناولت أيدي المردة كل من صادفته وبلغ الأمر أنه في عام 1344 هـ خرج من صحار السيدان خالد ومحمد ابني محمد بن تركي ابنا عم السلطان تيمور بن فيصل بن تركي (1/214)
صفحة 215
فقبض عليهما الحراسيس وخليفة بن الحبل القتبي في سيح السميني فباعوا أحدهما على سيف بن راشد النايلي بالبريمي والآخر على العوامر فجلبوهما إلى ضنك ففكهما الشيخ حمد بن أحمد اليحيائي عن ألف وستمائة قرش فأرسل بخالد إلى والي صحار يعرب بن قحطان فاستلمه منه وبقي محمد عند الشيخ اليحيائي ثمان سنوات وبعد ذلك أرسل به ابنه خليفة إلى السيد حمد بن فيصل فسلمه إليه وما سبب هذا كله إلا الإهمال وإختيار السلطان للعزلة والسياحة بأرض الهند وتركه سياسة الأمر إلى الوزارة بالنيابة عنه.
خروج سيدي نور الدين من سمائل إلى الشرقية
في شهر ذي القعدة من عام 1331 بعد وفاة السلطان فيصل خرج سيدي نور الدين من سمائل وفي صحبته السيد سعود بن حمد بن هلال والتقى بالرئيس المطاع حمير بن ناصر بإزكي لوعد سبق بينهم في معارفة قبائل الشرقية والإجتماع بهم في مهمات الدولة ومناصرة الإمام واطفاء الفتن القديمة بينهم وقد فوض الإمام سالم الأمور في يد سيدي الوالد تفويضا مطلقا فيما يراه من المصالح العامة فهو يمضيها بإسمه ورسمه.
فلما نزلوا بالخضرا من وادي عندام أصلحوا ما بين أهلها من الرواشد والشروج وكانت بينهم حروب منذ بضعة وثلاثين سنة.
فكان من رأي نور الدين أن ما سفك من الدماء ونهب من الأموال بين القبائل في الحرب الماضية قبل دخولهم تحت طاعة الإمام وبيعتهم له يسكت عنه ومن تعدى بعد ذلك يؤاخذ بجنايته إذ لا يتهيأ الحكم بينهم لعدم الحجة العادلة على الباغي بل أكثر حروب أهل عمان بغي بعضهم على بعض فأعلن للرواشد والشروج عن ذلك فقبلوا قوله وامتثلوا لأمره ففتحت طرقهم بعد أن كانت مسدودة وقامت سوقهم بعدما كانت عاطلة ودخل بعضهم عند بعض وأعلن لبني رواحة وبني ريام (1/215)
صفحة 216
والحرث والمساكرة بذلك ثم خرجوا من الخضرا إلى سمد الشان وأصلح ما بين اهلها وأمر أن يرفع علم الإمام بحصنها وترك الشيخ سالم بن سيف بن سعيد البوسعيدي واليا وقلده القضاء عليها ثم انتقلوا إلى إبرا وأصلح شأن المساكرة والحرث وانحسمت المخاوف القديمة بينهم وببركة العدل صار هذا الصلح هادما لما قبله من الضغائن والأحقاد التي ورثها الأبناء عن الأجداد وتلقاهم الشيخ عيسى بإبرا. ثم توجهوا لزيارته بمعيته إلى مركزه بالقابل فقابلهم بالبشر والحفاوة والتقوا ببعض آل حجر وطلبوا زيارتهم وكانوا في ذلك الوقت أهل فضل ودين فأسعفوهم وفي بدية وافاهم أعيان الهشم الكرام وأخذ منهم نور الدين البيعة للإمام وبعد انتهاء الزيارة لبدية خرج الشيخ حمير إلى جعلان زائراً أمراءها علي بن عبدالله ومحمد ابن أخيه بن ناصر ابن عبدالله آل حمده فأستقبلوه
بحفاوة وإحتشام وقابلوه بما هو أهله من الإحترام فأبدى لهم بعد تمام الزيارة ما جاء به من الكلام وليعرف رأيهم بعدما طلب منهم أن يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون من النظام فتأجلوا في الدخول نظرا للمستقبل والمستقبل كفيل ووعدوه في حاضر الوقت لزوم الحياد وأن يكفوا عن مناصرة السلطان فقبل ذلك واكتفى به أمراء بني بو علي رؤساء على غافرية الشرقية يقر لهم يقر لهم قومهم بذلك ويرون لهم حقا عظيما وخطرا جسيما يقفون عند إشارتهم ولكونهم أنصار السلطان من قديم الزمان وتحت قيادتهم جمهور كبير كان من رأي الإمام وأنصاره مسير الشيخ حمير إليهم لإستفسار حالهم وأداء النصيحة الواجبة على المسلم لأخيه وإن للتحزب الباطل بعمان أثر عميق فلكونهم يعتقدون أن الشيخ الحميري من ملوك الغافرية كان ذلك أرجى للقبول منهم.
فوفوا بما وعدوه به وأتموا ما تعهدوه له فلم يطرقوا باب السلطان اثنا عشر عاما حتى طرقه أعيان عمان وكانت كتب السلطان غليهم متوالية ولكنهم رأوا الوفاء من شيم الأحرار. (1/216)
صفحة 217
تدخل الشيخ حمدان بن زايد الفلاحي
بالصلح بين الإمام والسلطان والإجتماع بالسيب
في أيام عيد الأضحى من سنة 1331 وصلت كتب من الشيخ حمدان ابن زايد آل خليفة الفلاحي الياسي حاكم أبو ظبي للشيخ عيسى بن صالح والعلامة نور الدين إذ كان نور الدين ذلك الأوان بالشرقية ذكر أنه مخيم ببلد السيب من الباطنة ويحب وصولهم إليه فهو يأمل التوسط بالصُّلح بين الإمام سالم والسلطان تيمور لأنها كانت بين بني ياس وملوك مسقط مواصلة ومعاضدة فلما رأوا تفاقم الأمر بين العمانيين أحبوا أن يدخلوا بينهم بالصلح لحسم مادة الشقاق فخرج الشيخان ومن عندهم من الأعيان فكان وصولهم سمد الشان في اليوم السادس عشر من ذي الحجة عام 1331 هـ على طريق وادي العق ولما أن خرجوا من الوادي توجه الشيخ عيسى ومن معه إلى السَّيب للإجتماع بالشيخ حمدان وقصد نور الدين والعلامة أبو مالك ومن معهما إلى سمائل وكان الإمام سالم بها فعرضا عليه ما
كتبه لهم الشيخ حمدان وما خرج به الأمير الشيخ عيسى فكان من رأيه عدم قبول الصلح ورضاءه به إذ كان رحمه الله لا يرى إلا المنابذة حتى يحكم الله بينه وبينهم فأجمع رأيهم أن يرسلوا للأنصار بأن يحضروا ليعرفوا رأيهم فلما اجتمعُوا أجمعوا على عدمِ القبوُل فأرسّل الإمَام شيخنا العلامة أبو مالك إلى السَّيب ليخبر الأمير بما اقتضاه نظر العمانيينَ.
وكان من رأي الشيخ عيسى اطفاء ثائرة السُّلطان واستبقائهم وتركهم وما بأيديهم شفقة على العمانيينَ من التضييق فهو يخشى أن يشتدَّ على العُمانيين البلاء فيكون منهم الخذلان للإمام فبقي الأمير مصراً على رأيه ولم يثنه عن قصده ومراده ووصول العلامة أبو مالك ويرى أن له النظر المطلق في مصَالح الإمام والإسلام.
ثم طلب الشيخ حمدان من الشيخ عيسى ومن معه من الأعيان الوصول إلى بيت السُّلطان بمسقط لإتمام المعارفة وتجديد الصَّداقة فسَاعفه الأمير ولكن أهل الرأي (1/217)
صفحة 218
لم يروا للأمير ذلك خوف غوائل الملوك وما يؤثر من خداعهم ودهائهم فلم ير الشيخ عيسَى إلا إتمام ما أجابهم إليه.
فركبوا (نور البحر) باخرة السُّلطان ومع الشيخ حمدان اخوانه الذين كانوا بصحبته وذلك في شهر المحرم في سنة 1332 هـ فما أن وصلوا مسقط حتى تلقاهم السُّلطان وقابلهم بالحفاوة والإكرام وضروب الجوائز فلبثوا إلى عصر ذلك اليوم ثم رجعوا إلى السَّيب ومنهَا إلى سمائل فعرض الشيخ عيسى على الإمام ما جاء به من الصُّلح وهذا نصَّه اشترط الشيخ حمدان بن زايد على الأمير شروطاً واشترط له شروطاً:
الأول: أن لا يتعدى الإمام الحوزة التي هو فيها وملكه على عمان الداخلية وأن يرد للسَّادة حصني بدبد وسمائل فيكونا تبعاً لحصون الباطنة وأن لا يضر بعضهم بعضاً وأنَّ الداخل من الطرفين آمن.
الثاني: أن لا يسلم السلطان شيئاً من المملكة العمانية للإنجليز.
الثالث: أن لا يأوي السلطان محدثاً على الإمَام ورعاياه.
الرابع: أن لا يسعى لهم بضر ظاهر ولا باطن.
الخامس: أن السلطان يقيم العدل على منهج الشريعة ويامر بالمعروف وينهى عن المنكر ويرفع المظالم.
السَّادس: إن العشور بالجمارك السُّلطانية في المائة خمسة على القاعدة ويرفع ما زاد.
السَّابع: أنَّ الصَّناديق النازلة بجمرك صور لا تفتش أصلاً.
الثامن: أن يرفع العشور عن الرُّمان النازل بالجمارك السُّلطانية.
أجابه الأمير أن يرد الحصون متعذر ولا يجوز لنا أن نساعفكم على ذلك وليس للإمام أن يرد معاقل المسلمين إلى الجبابرة أما بقية الشروط فنعرضها على الإمام فبيده الحل والعقد.
عرض هذا الصلح على الإمام فرفضه وأبى من قبوله وكثرت الأنظار مع الأنصار (1/218)
صفحة 219
وخافوا الفرقة في بدئ الأمر إذا ردَّ على الأمير ما جاء به وسعى فيه وهو يراه من أعظم المصالح.
فرءوا أن يسكتَ الإمام في الحال وأن يتأجل في الإتمام إلى مناظرة أنصَاره لأنهم تفرقوا قبل رجوع الأمير وأن يرسلوا إليه بالجواب بعد مفاهمة الأنصار وبعد وصولهم نزوى أرسلوا إليه الشيخ حامد بن سيف الرُّوَاحي فوافاه ببلد الظاهر وأخبره أن الأنصار أبوا من قبول الصلح وأن الإمام لا يرى إلى موافقتهم ولا يرى إلا المنابذة.
وفي وقت هذا الإجتماع بالسَّيب اتفق الشيخ عيسى بالشيخ العالم الفقيه راشد بن عُزيَّز الخصيبي الرجل الماهر الداهية الذي كان عظيم المدبرين للدولة السلطانية والمناضل عنها بسياسته وتدابيره وهو ممن له في العلم القدح المعلى بين أهل عمان وقد عرف هذا الشيخ بالكرم والجود وشُهر بالسخاء والبذل وزاده كرمه
نفوذاً في تمثيله أوامر السلطان ولم ير بداً من ملازمة الملوك لأنه نشأ في بساط فضلهم وتربى في مهد جودهم ولما ظهر العدل وعقدت الإمامة لم يكتب التوفيق له تجاه دولة المسلمين فأظهر للناس أن هذه فتنة صماء عند أهل عمان وأنهم ليسوا على الحق وبث كتبه في أقطار الأرض وشنع على المسلمين وأرجف بهم فعاتبه الأمير على ذلك فأعتذر أنه في تقية ولا يمكنه إلا ذلك وأن مقامه عند السلطان هو لإرشاده من ذهاب المملكة بيد الإنكليز ونحو ذلك من الأعذار وأنه لو دخل مع المسلمين لم يقبلوه لما بلغه بأنهم أهدروا دمه وأعترف أن الإمام محق وأن دولة المسلمين على هدى فقال له الأمير ألم تقل أنها فتنة؟ فأجابه أن الله يقول ولنبلونكم بالشر والخير فتنة فتخلص بها وكان منطقياً داهية عنقفيراً وطالت المحاورات بينه وإياه فأحسن التخلص منها وأجاد الجواب عنها ثم صار اجتماع آخر بالسِّيب بعد الإجتماع الأول كان دائرة عقده الشيخ سلطان بن محمد بن علي النعيمي حاكم البريمي حضره جم غفير من رؤساء العمانيين ورام هذا الشيخ أن يعقد صلحاً بين السلطان والإمام فما تم فيه أمر ورجع كل إلى وطنه.
وفي ذلك الوقت وصل أعيان معولة بن شمس يرأسهم سيف بن سالم بن سيف (1/219)
صفحة 220
وعنده حمد بن سعيد وسعيد بن خلفان الشاعر وسعود بن حمد بن سيف وراشد بن نبهان ورهط من جماعتهم فواجهوا الإمام سالم بسمائل وبايعوه وطلبوا منه أن يتصل بهم لقهر واديهم فوعدهم وسيأتي ذلك إن شاء الله.
جعل الإمام والياً على سمائل الشهم الفيصل الزاهد سعود بن حمد بن هلال البوسعيدي.
وفي اليوم الثلاثين من شهر المحرم سنة 1332 هـ خرج الإمام من سمائل على طريق وادي الغربي وفي صحبته الأمير عيسى وهذا كتاب الإمام ونو الدين لإخوانهم بنواحي تبوره من أفريقيا يتضمن الفتوحات.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي وعبدالله بن حميد السَّالمي إلى حضرة المشايخ الكرام الإخوة ناصر بن سالم ومحمد بن سالم وسيف بن خميس وسالم بن ساعد وسالم بن جمعة وكافة الإخوان العمانيين وغيرهم من كافة المُسلمين النازلين بنواحي تبورة، سلام عليكم فإنا نحمد الله إليكم ونشكره على ما مَّن به علينا من إقامة كتاب الله وإظهار دين الله فقد أتم الله علينا نعمته وجمع شتاتنا وألّف بين قلوبنا وقام أكابر عمان ورّعاياهم قومة واحدة على نية واحدة فمنحهم الله الفتح المبين والنصر العزيز عقد الإمامة بتنوف آخر اليوم الثاني عشر والأثنين من جمادي الثانية في ساعة الشمس وانتقلنا إلى نزوى في تلك الساعلة من الإثنين القابلة من يوم 19 ودخلناها وْقت السَّحر وهي في أمنع ما يكون عدة وعدداً وبأساً وشهامة فمنحنا الله أكتافهم للأسر ودمائهم للقتل بنصر من الله وإعانة وآتاهم الله من حيث لا يحتسوبن وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم فأنزلهم الله منها وواجه والي منح وسلم البلد وواجه سلطان عبري وبايع وواجه شيوخ الجنبة وشيوخ أدم وبايعوا وانتقلنا إلى إزكي يوم تاسع رجب بعد صلاة جمعتين بنزوى ففتحها الله لنا ببركة واليها الحميد سعود بن حمد وإنتقلنا منها إلى سمائل في يوم 26 رجب عصيراً وأحطنا بحصن سمائل صبح 29 بعد احتجاج ونصائح (1/220)
صفحة 221
وفيه نادر بن فيصل وحمود بن حمد بن هلال وحمود بن الإمام عزان بن قيس وغيرهم من سادة القوم عشرة وهو في أتم عدة فقام الحصار عليه سبعة وعشرين يوماً ونزلوا ليلة 28 وكان الشيخ عيسى ومن معه قد نزل بالخوض لمرابطة فيصل وأولادهم وهم بالسيِّب وطائفة أخرى من الجيش فيهم علي بن هلال بن زاهر ومطاوعة الحجريين وآخرون من ريام وعبس وقد حاصرت حصن بدبد وفتح يوم 25 شعبان وها نحن منذ فتح الحصن لم نفارقهما أقمنا لإظهار العدل
في البلدين وتوابعها مرابطين للعدو ومنظرين لفرصة النهضة على مسقط وقريباً إن شاء الله نزحف إليها ونسأل الله وصول كتابنا هذا إلى حضرتكم وأنتم في أتم نعمة وعرفونا بوصوله إذا وصل. كتابك أيها الأخ ناصر وصل وإعانتكم الأولى لم تصل والثانية لم يأتنا فيها بيان ولعله لإنقطاع الطريق والسلام.
كتبه عن إملاء والده محمد بن عبدالله بيده يوم ثاني ذي القعدة سنة 1331 هـ. وحينما نحن مقيمون بإزكي ثار بنو خروص والعبريون على حصن العوابي فخلص يوم 17 من شهر رجب ا هـ.
وفد معولة بن شمس إلى الإمام بسمائل
ولما أراد الله أن تنتظم بلادهم في سلك الإمامة ألقى الله في قلوب معولة حب الإيمان فخالفوا رئيسهم الشيخ سليمان بن ناصر بن محمد إذ كان هواه مع السُّلطان فخرج قسم منهم إلى الإمام على طريق عقبة القت إلى سمائل بعد فتحها وكان خروجهم في شهر المحرَّم سنة 1332 هـ فأجتمعوا بالإمام وأخبروه بما جاءوا إليه من استعدادهم للمناصرة وفرارهم من أئمة الجور وطلبوا منهُ المساعدة على خصمهم وحماية بلادهم فوعدهم جميلاً وجعل لذلك أجلا يوافيهم عليه وأكثر الخارجين من أهل مسلمات وكان أمير القوم سيف بن سالم وهم نيف وأربعون رجلا فناداهم نور الدين يا آل شمس هل من مبايع فأجاب القوم ما جئنا إلا لذلك وتقدم أبو البركات سعود بن حمد بن (1/221)
صفحة 222
سيف فمد يده للبيعة وهو يتلو الآية الكريمة (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) ثم بايع بقية القوم وأقاموا سبعة عشر يوماً في ضيافة الإمام وبعد انقضاء لوازم الزيارة استأذنوا الإمام في الرجوع فأذن لهم فرجعوا ملتزمين بالأمر والنهي في بلادهم وبالقيام على كل من لم يدخل في طاعة الإمام من قومهم وعلى أن يقوموا مع الإمام لحرب نخل فلما وصلوا همُّو بما كانوا أمَّلوُا به وعارضهم رئيسهم الشيخ سليمان بن ناصر فكتبوا للإمام بما كان من أمره فأجابهم أن لا تعجلوا وهمَّ سليمان أن يشرّد ببني خروص واتباعهم من وادي معولة عناداً للحق فمنعه المقدام سيف بن سالم وكان مناصحاً للإمام مجتهداً ولما شق عليه الأمر خرج مرة ثانية إلى الإمام في اثني عشر رجلاً من قومه واقتحم الجبل الأخضر طالباً من الإمام المساعدة على أمره والوفاء بالوعد الأول.
فتح نخل
في اليوم السَّابع من شهر ربيع الأول سنة 1332 هـ وصل الأمير الشيخ عيسى ابن صالح نزوى ملبياً دعوة الإمام وقبل وصوله وصل شيخنا العلامه أبو خليل محمد بن عبدالله الخليلي فتناظروا فيمن يخلف نور الدين السالمي فأجمع رأيهم على أن يكون العالم العلامة عامر بن خميس المالكي مديراً لشئون الإمامة كما كان عليه نور الدين السالمي فهو خليفته في العلم والعمل وتشاوروا في أمر نخل فاجمع رأيهم أيضاً في الخروج على أهلها والوفاء بالوعد السَّابق للمعاول فخرج الإمام وفي صحبته أبو خليل عن طريق الجبل وصحبهم الأمير عيسى بن صالح إلى تنوف مشيعاً وزائراً للشيخ حمير بن ناصر فنزل الإمام بلد العوابي وركب منها إلى بلد المعاول واستخلف الإمام على نزوى العلامة المالكي وكان قواد هذه الغزوة الرئيس المناصر حمير بن ناصر والشيخ سعود ابن بدر بن هلال الهنائي والشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي في جماعته فنزلوا بمسلمات من بلدان المعاول وتصدى الشيخ حمد بن سعيد بن أحمد المعولي لنفقة الجيش ومدد الإمام وقام بالواجب خير قيام. (1/222)
صفحة 223
أما الشيخ سليمان بن ناصر أمير معولة فقد امتنع عن الإنقياد في أول الأمر فقام عليه جماعته فلم ير بداً من موافقتهم فأنقاد وأذعن وبايع وسلمت معولة الأمر للإمام.
وكان رئيس نخل في ذلك الوقت الشيخ أحمد بن ثنيان الحرَّاصي وقد أقرَّه السلطان تيمور بن فيصل والياً على حصنها وملكه أزمة أمرها فخاطب الشيخ الحميري أعيان نخل في الإنقياد للحق والإذعان للإمام لأنَّ أهل نخل ميلهم إلى الحميريِّ وبها كثير من قومه فأجابوه بما يجمل ويحسن فخرج إليهم ليلا وأصبح بجامعها وواجهه أهلها إلا الشيخ أحمد بن ثنيان فإنه قد ترفع بحصنها المانع ومعه السيد حارب بن حمد البوسعيدي أخ سيف بن حمد الذي قتل نفسه بنزوى فأرسل الأمير الحميري إلى الشيخ أحمد أما أن تنزل على ذمتي أو تكون مخالفاً فطلب أحمد مهلة إلى أن يكتب للسلطان في قبض أمانته وإلا فلا تبعة عليه فأعطاه إلى
وصول جواب كتابه وبعد أيام وجيزة وصل الجواب من السلطان لأحمد بن ثنيان إن لم تكن لك قوة على الحرب فأعمل ما شئت. فأذعن أحمد بن ثنيان من غير حرب وطلب أن يسمح له بذخائر الحصن فأعطاه الحميري ذلك ولما عرف السيد حارب عزم الشيخ أحمد وما أنطوى عليه خرج ليلا وتوجه السلطان ببركا ودخل الإمام حصن نخل وأقام به وأصلح الفاسد وأدب المعاند وجعل الشيخ العلامة سيف بن أحمد الكندي قاضياً عليها والشيخ العالم علي بن ناصر اليحمدي قاضياً بوادي المعاول.
هذا وقد أمر الإمام سالم بقبض أموال السّيد الغشَّام التي هي بوادي المعاول لإستغراقها في المظالم فهو لأهله المظلومين وهم مجهولون يعتذر الوقوف عليهم وحكم المجهول لبيت المال وبهذا حكم الإمام المحقق رحمه الله في عصر الإمام عزان بن قيس. (1/223)
صفحة 224
صفة حكم الإمام
حكم الإمام سالم بن راشد الخروصي بإشارة العلماء الذين معه كالشيخ عامر بن خميس المالكي والشيخ العالم ناصر بن راشد الخروصي ومن عندهم في أموال السيد محمد بن أحمد بن ناصر الغشَّام والشيخ العالم راشد بن عزيز بأنها صافية لكونهما علملين للجبابرة يجبيان لهما الخراج ويقودان لهما جيوش البغي على المسلمين وأن أموالهما مستغرقة في مظالمها وإن الإمام حوزها وجعلها في عز الدولة اقتفاء لما مشى عليه الأئمة رضوان الله عليهم من عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه9 إلى عهد عمر بن الخطاب الخروصي إلى الإمام عزان بن قيس رضي الله عنهم فأمر الإمام سالم بحوز هذه الأموال وانفاقها في عز دولة المسلمين.
ولما بويع الإمام الخليلي نظر إلى حال العمانيين واضطراب كلمتهم وضعف هممهم التي كان عليها الأولون وأن سلاطين مسقط كثر ظلمهم وعظم عسفهم وغشمهم فصالحهم على الكفاف وتأمين البلاد وعلى أن يسكت عن تلك الأموال لا رداً لحكم الحاكمين ولا إبطالا وإنما سكوته لمصلحة رآها وحضرت مجلسه ذات
يوم وقد باحث القاضي سفيان بن محمد الراشدي في القضية فأجاب أن الحكم صحيح وإن تلك الأموال بيت مال وإنما سكوتنا عنها لمصلحة تحريناها وهي تخفيف الظلم وتأمين البلاد فكتب ذلك عنه القاضي سفيان بغرفة الإمام من حصن نزوى.
بقي الإمام سالم بوادي المعاول ونخل لتسكين حوادثهما وقد كثر بها الرهج والغيلة وفشا بهَا قتل الصلحاء فقتل من المعَاول جملة رجَال غيلة ومن جملتهم الزاهد الشيخ عبدالرحمن بن خميس بن أبي نبهان الخروصي وابنه وقتل من الفضلاء بنخل العلامة الولي سيف بن أحمد الكندي وهو شيخ كبير يناهز التسعين قتل ببيته هو وزوجته نائمين والشيخ العالم محمد بن عبدالله السَّلامي والثقة الفاضل ناصر بن سعيد الخروصي والشيخ الزاهد سيف بن محمد السَّلامي والشيخ العارف سعيد بن سالم العرفاتي وابنه (1/224)
صفحة 225
وغيرهم من الأفاضل كثيرون ومن العامة جم غفير أما الواقع بنخل فالسَّبب فيه أنَ الإمام أمر بقتل شيخ أهل نخل أحمد بن ثنيان الحراصي لما حدثت منه أحداثاً تخالف الشرع فقبض عليه الإمام وصفَّده بالحديد وأرسله إلى مطمورة نزوى فلبث بهَا طويلاً ثم أطلق بشفاعة أنه نادم وتائب فما هو إلا أن رجع إلى ما كان عليه فأمر الإمام بقتله فقتل في مجلسه أمام المسجد الجامع بنخل وقت صلاة العصر فقام أخوه خلفان بن ثنيان وابن أخيه حمود بن سَالم بن ثنيان يطلبون بثأره أمَّا خلفان فجمع اللصَّوص والمقاطيع وأقام بالرميس من الباطنة وكانت حكومة مسقط ظهراً له فشنَّ الغارات على نخل وقتل أنفساً كثيرة ظلماً وعدواناً وأكثر المصابين بالقتل السَّلاميون وبنو خروص لكون قاتل أخيه سَلامياً وبنو خروص جماعة الإمام رحمه الله.
وأما حمود فبقي عيناً لهم بنخل يدلهم على عورات المسلمين وفي اليوم التاسع من ذي الحجة أمر الإمام بالقبض على حمود ابن سالم فهرب إلى جماعته بجَّما فأمر بهدم بيوته وحرق منازله التي هي مأوى البغي.
وخلفان بقي بالرمّيس على تلك الحالة دهراً حتى رجع إلى نخل في عصر الإمام الخليلي ظناً منه الخير في استيلافه وأنه رئيس فلعل المروءة تقوده فما كان إلا كقوم موسى اختار منهم سبعين فعبدوا العجل واختار رسول الله صلى الله عليه
وسلَّم ابن أبي سرج كاتباً فأرتد. وكاد خلفان أن يتغلب على البلد وعاملها فأرسل الإمام الخليلي عصَابة من عسكره إلى عامله بنخل وأمره بالفتك فيه بعد إقامة الحجة عليه فأستخف بهم وأعارهم أذناً صماء ففتكوا به ضحى في مجلسه بحضرة قومه وقتل عنده خادمه ولم يصب أحد من عسكر الإمام ببأس ولا أذى وسيأتي بيان ذلك في سيرة الإمام الخليلي إن شاء الله.
ثم رأى الإمام سالم أن بقاء مثل هؤلاء الرؤساء من الجبابرة والبغاة داعية الفساد في الأرض فأمر بقتل رئيس المعاول وهو الشيخ سليمان بن ناصر المعولي وكان أيضاً (1/225)
صفحة 226
ممن كثر عسفه وغشمه وقد تمنع عن الإمام بعد رجوعهم من بركاء فهو ممن يبطن الصَّداقة لحكومة مسقط ويترقب الدوائر بالمسلمين فهجم عليه العسكر في بيته ليلاً بين عائلته وعسكره واخوته فأصبح قتيلا وقام بعد ذلك إخوته للأخذ بثأره لكنه قيام أعرج لأن جماعتهم خذلوهم فبقيت دسَائس ضاعت بسببها البلاد وخاف البري واستمرت أمورهم على هذا ردحاً من الزمن حتى ولى الأمر الإمام الخليلي فضغط عليهم إلى أن نكصُوا عن سفسفتهم فنصب في المعاول أميراً الشيخ خلف بن ناصر المعولي أخ المقتول سليمان لأنهم بيت رياستهم وكا هذا الشيخ عاقلا حصيفاً أريباً عارفاً بالأمور.
ذكر خروج الإمام إلى بركاء
وذلك على أثر فتح نخل وكان عامل السلطان عليهَا السَّيد هلال بن حمد السَّمار وقد جمع السلطان جيشاً عظيماً وتقدم إلى بكاء مناصراً لعامله مخافة المهاجمة عليها وقد أحضر القوات السلطانية فكانت مهاجمات بين الفريقين إذ كال منهم قريب من الآخر فرأى الإمام أن تكون بنوا هناة وبنو خروص ببلد حبرى من وادي المعاول للمرابطة بها وبقي الإمام بمن عنده ببلد نخل فخرجت خارجة من قوم السلطان وعليهَا السادة محمد بن حمد راعي طيبة ومحمد بن أحمد الغشَّام وهلال بن حمد السَّمار ولا يخلوا القوم من عين تغريهم فوصلوا إلى بليدة العريق من أعمال حبرى فكانت بينهم وبين البادية الذين كانوا حولها مرامات فأنهزم الخارجون من غير مفيد ثم جاء الخبر إلى الإمام أن السلطان وصل وادي المعاول ولكن بعد ذلك تبين للإمام أن الخبر عارياً من الصحة وإنما ذلك هو أن
الشيخ حمد بن هلال السَّعدي رئيس آل سعد جاء ليتوسط بالصُّلح بين الإمام والسلطان فتواصل الصَّريخ قبل استكشاف صحة الخبر فما وقف الجيش حتى هجم على بركاء فتفوق جيش السُّلطان الذي جمعه لأن أكثرهم لم يخرجوا إلا طمعاً وما لهم بالقتال من حاجة وكان نزول الإمام بمحلة نعمان من الثرامد والتجأ السلطان ومن معه من السَّادة وأهل الثبات بحصن بركاء (1/226)
صفحة 227
للمُحاماة فكانوا يخرجون لمقاتلة الثوار ويرجعون إلى حصنهم ووقع بينهم ذات يوم قتال عنيف على (البنك) وهو بيت الوالي سُليمان بن سويلم واستشهد في تلم المعركة من أصحاب الإمام الشيخ سيف بن سالم المعولي وهو المقدام الذي استعان بالإمام سليمان بن حمدان المعَولي وجرح كثيرون ولا نعلم من أصيب من جند السلطان وأعوانه.
وفي أثناء هذا الحصار طلب السُّلطان تيمور من الإنجليز الدفاع عنه لما رأى أن العمانيين خذلوه فأقبلت بارجة حربية إنجليزية وجعلت ترمي بنيران مدافعها جيش الإمام وثكناته فلما رأى الإمام ومن معه أن الأجنبي قد تدخل في القضية أجمع رأيهم على الرجوع إلى وادي المعاول وهناك عسكر الإمام وأصلح سئون البلاد والعباد أثناء قيامه بها.
خروج الإمام سالم بن راشد إلى الوطية
في منتصف شهر صفر سنة ثلاثة وثلاثين وثلاثمائة وألف سنة 1333 هـ خرج الإمام سالم بن راشد الخروصي لحرب مسقط بمن معه من الأمراء وفيهم الأميرين الحميري والحارثي والعلامة أبو مالك.
كان من رأى الإمام عدم التأخير عنها إذ لا ينتظم ملك عمان إلا بقهر العاصمة لإختلاف أهواء العمانيين أما رأي الشيخ عيسى بن صالح الحارثي فهو عدم التعرض للسلطان فيما بقي بيده من المراكز والبلدان ولكنه لا يرى مخالفة الإمام.
وما كانت مسقط لتنجو من السقوط لولا قوات بريطانيا.
اجتمع الإمام رحمه الله ومن معه من الأمراء بفنجاء فخرجوا منها وقصد الإمام
بمن عنده طريق بوشر وقصد الشيخ عيسى ومن عنده عن طريق الخوير واجتمع الكل بالوطية في اليوم الثالث والعشرين من شهر صفر.
من خبر الشيخ الأمير عيسى لما وصل بلدة سرور كتب للسلطان كتاباً يتضمن نقض الذمة بينهم وإياه وأنه لا يرى إلا امتثال أوامر الإمام. (1/227)
صفحة 228
فأجابه السلطان بكتاب وأنشد فيه قول أبي الطيب المتنبي:
ولابدَّ من يوم أغر محجل * يطول استماعي بعده للنوادب
ولما تحيز المسلمون عن الوطية ورد كتاب آخر من السلطان للأمير أيضاً كتب فيه.
وربَّ مريد ضره ضر نفسه * وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى
إن من خبر هذه الغزوة لما وصل الجيش العماني الوطية قبيل المغرب من مساء يوم الثالث والعشرين عزموا على الهجوم على العساكر الإنكليزية الذين هم برؤوس الجبال فوثبوا عليهم واستحلوها وكان مقدمة جيش السرية الزعيم المجاهد علي بن صالح.
فأصبح الزعيم بمن عنده قاهراً لتلك الجبال وحيث أنه لم يكمل وصول الجيش وإنما وصلت بوادره ولم يكن عند المسلمين شيء من أمر الحرب على النظام الجديد ولا شيء من السلاح الجديد وإنما هم على العادة العربية ورأوا أنهم قد أجلوهم في أسرع وقت داخلتهم النخوة العربية وبادرة الطيش وما عرفوا أنه الداء العضال الذي نهى الله عنه ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فما لبثوا إلا ليلتهم تلك وحين أصبح النهار أقبل الجيش النظامي من بيت الفلج الذي أعده السلطان معسركاً وفيه ضباط الإنكليز بمدافعهم الرشاشة والبنادق الجديدة فجعلت ترميهم من وجوههم والسلطان يرميهم بالقنابل من البحر فما لبث المسلمون على هذا الحال إلا يسيراً حتى أنجلوا من الجبال وانجلى الناس وثبت الزعيم المجاهد علي بن صالح بمن معه فلما رأى الإمام ذلك سل سيفه وتقدم متعرضاً للشهادة وعنده السيد سعود بن حمد والشيخ عيسى والعلامة المالكي وغيرهم من أفاضل
المسلمين فتبعوه ساعة يقفون أثره على الموت ولحقهم جماعة من المسلمين فأمسكوا الإمام وقالوا لا نرى فائدة في إلقائك لنفسك وهذه العصابة القليلة إلى العدو فإن في ذلك وهنا للإسلام فأجابهم إني لا أرجع إلا أن يفتح الله لي أو أموت والرجوع لا يجوز والفرار لا يحل. (1/228)
صفحة 229
وردت الفتوى إلى أهل العلم ثم رجعت إلى أبي مالك وكان مرجع العلماء في وقته فأفتاه أنك متحيز إلى فئة المسلمين وليس هذا هو الفرار من الزحف لأن أصحابهم انحازوا تحت جبل السليعة فأحبوا أن يتداركوهم ويدبروا رأيهم ويجتمع جيشهم ويصل بقية أصحابهم وبقي جماعة من المسلمين في رؤوس الجبال لم يعلموا بالواقع فقاتلوا إلى الليل حتى نفد ما عندهم من قوة وقتل أكثرهم واستولي على بعضهم فكان جملة من قتل وفقد من المسلمين نيفاً وخمسون رجلا ولا نعرف القتلى من جيش السُّلطان والناقل بين مقلل ومكثر وحمل الجيش السُّلطاني من وجدوه جريحا وداووه حتى شفي وردوه إلى أهله وكان فيمن أصيبَ من المسلمين الشيخ الغيور محمد بن سليمان بن حميد الحارثي.
حوادث سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف 1333 هـ
ثم أنه تحرك السيد محمد بن هلال البوسعيدي المعروف بصاحب المدفع وهو عامل السيد تيمور على بلد السيب فجمع اللصوص وآوى قطاع الطرق من أهل الطو وغيرهم فكانت الطو مأوى للبغاة لعجز أعيانها من طردهم فسفكوا الدماء وأخافوا السبل ونهبوا الأموال وتجمع إليهم كثير من السفهاء فأغتروا بجمعهم فعزموا على مهاجمة بلدة الآجال وهي بلدة تسكنها قبيلة النعب تابعة لوادي المعاول فأرسل الإمام سرية من آل معولة بن شمس يقودها الشاعر سعيد بن خلفان المعولي للمحافظة على الآجال وتثبيت أهلها وأن يكون رباطهم بها حتى يأتيهم أمره فحينما نزلوا بها وثبتت أقدامهم على منافذها وكان وصولهم قبيل الفجر أقبل البغاة عند طلوع الشمس بقضهم وقضيضهم وخيلهم ورجلهم فكانت بينهم مناوشات من بعيد فولى جيش البغاة منهزما ثم عزموا على الكرة فثبت القائد سعيد ثباتا لائقا بمقامه فأنهزم البغاة مرة ثانية بعد قتل ذريع وجراح فاحش
وما كان بأصحاب الإمام إلا جراح خفيف في بعضهم فنمى الخبر إلى الإمام وكان بوادي معولة فلم ير بدا من حسم هذه المادة وإستئصال هذه الجرثومة الفاسدة المقيمة بالطو فخرج إليهم بجيشه (1/229)
صفحة 230
فأستشعروا العجز عن المقاومة وأخرجوا السيد محمد من بين ظهرانيهم وسلموا الأمر للإمام على واسطة الأمير الحميري وأقبل أعيانهم إلى الإمام مذعنين سالم بن زاهر وناصر بن سالم وحامد بن حمد فعفى الإمام عنهم وألحقهم بإمارة والي نخل.
حكم الإمام في أموال قائد البغاة السيد محمد بن هلال أنها صافية لما اقترفه من ظلم العباد وما عاث في الأرض من الفساد من إزهاق الأنفس وإتلاف الأموال فأدخلت هذه الأموال في جملة بيت المال ثم بيعت في مصالح الدولة.
ثم كثرت الأراجيف بعد هذه الحادثة واضطربت الأمور ونجم النفاق فأجتمع كثير من زعماء وادي سمائل ورغبوا السُّلطان في قبض بدبد وسمائل وأملوه بذلك وأغروه فأغّروه فأرسل الإمام إلى الزعيم المجاهد علي بن صالح الحارثي فكان وصوله مسلمات في أوائل شهر شعبان من سنة 1333 هـ فجهزه إلى سمائل لتركيز أمورها وتسكين حركتها إذ كان يعرف وادي سمائل بإسم الرقاص فخرج الزعيم علي وصحبه السيد الفاضل سعود بن حمد وعنده نزر قليل من المؤمنين فأختاروا أن يكون رباطهم بالتصاوير من فنجا وهو أول مدخلها من جهة النعش وأيدهم بالشيخ سلطان بن سالم الرحبي الهمداني في رجال من قومه وكان هذا الشيخ مؤمنا مناصحا للمسلمين.
وفي شهر شوال من السنة المذكورة خرج الإمام سالم من وادي المعاول إلى وادي سمائل لقمع المنافقين والمفسدين وأقبل الرئيس الحميري بجنوده فأقام الحميري ببدبد وأمر بقبض نجد الورس المعروف بنجد السيابيين فخرجت من أعوان السلطان خارجة يقودهم الشيخ العلامة راشد ابن عزيز فنزلوا بالرسيل فأرسلوا رائدهم الصنديد سعيد بن أحمد الجابري الملقب بالعفريت وكان كسمه ليتجسس لهم الأخَبار ويرصد النجد فقبض عليه أصحاب الشيخ الحميري وأوثقوه بالحديد فلما بلغ الشيخ راشد رباط الحميري ومن معه ببدبد وقبضهم للنجد وأسرهم للعفريت رجع بمن عنده من غير حرب. (1/230)
صفحة 231
أمر الإمام بقطع عنق العفريت فأخرج إلى وادي الضبعون وأنفذ الحكم فيه.
ثم وصل الشيخ عيسى ملبيا دعوة الإمام وبعد أن حضر جيشهم وجه الإمام الخطاب لبني جابر وآل المسيب بالإذعان أو الحرب لأنهم جرثومة الفساد وبيت العناد فلم يروا إلا الإذعان والتسليم وانقادوا بواسطة أعيان المساكرة سعيد بن نصير وناصر بن سليمان وجماعتهم وسلموا لأمره فحملوا على الأصفاد وأرسل بهم إلى سجن نزوى وهرب أمير آل المسيب إلى مسقط عاصمة السلطان وكان كرسي ذلك الجمع بلدة سرور.
وبعد ذلك توجه الإمام إلى الشرقية وفي صحبته الشيخ عيسى فكان طريقهم على وادي الغربي ثم على عقبة الصفرية ثم على وادي عندام وبالعلية من وادي عندام قبض الإمام على محمد بن بخيت السلمي أحد رؤساء قطاع الطرق فأمر بإنفاذ الحكم فيه فقتل.
وفي أوائل ذي القعدة من السنة المذكورة وافاهم ببلد العلية من عندام رسول من كرنل الدولة الإنكليزية بمسقط يطلب الصلح بين الإمام والسلطان تيمور فأرسل الإمام الشيخ عيسى فخرج إليه وكان قد اجتمع به قبل هذه المرة بالسيب فلم تكن نتيجة وحضر الإجتماع الثاني الشيخ العلامة سعيد بن ناصر الكندي فأجتمعوا بالكرنل الإنكليزي بالسيب ورجع الأمير للعمانيين بشروط وافرة فعرضها على الإمام فرفضها الإمام لحدته على السلاطين.
جعل الإمام في غزوته هذه والياً على سمد الشان الشيخ أحمد بن سليم بن المر العريمي الجنيبي وعلى سناو الشيخ سلطان بن محمد بن رشيد الحبسي وفي يوم ثاني من ذي الحجة الحرام من السنة المذكورة أقبلت وهيبة بأفلاذ كبدها يقدمهم المشايخ سلطان بن منصور وعلي بن سلطان وسعود بن حمد آل بو غفيلة وسعيد بن راشد ووني بن سلطان وسالم بن حمود الجحاحيف وغيرهم من الرشداء في أربعمائة راكب وأذعنوا للإمام ودخلوا تحت طاعته وبايعوه على السمع والطاعة. (1/231)
صفحة 232
ثم خرج الإمام إلى بدية وهي بلدان آل حجر وأقام بالمنترب لنشر العدل والإنصاف وتأديب أهل الجرائم.
جعل الإمام والياً على بدية السيد محمد بن سليمان البوسعيدي المعروف بالكرّاخ وعنده الشيخ أبا الخير عبدالله بن غابش قاضياً ثم رجع إلى نزوى.
وفاة الشيخ اللمكي
وفي سنة 1333 توفي بالرستاق الشيخ العالم مدار الفتيا بالديار الرستاقية ورئيس قضاتها راشد بن سيف بن سعيد اللمكي رحمه الله، وكان له من العمر إحدى وسبعون سنة.
حوى هذا الشيخ من العلوم النقلية والعقلية ما سبق به أقرانه وكان ممن عاصر السادة العباهلة حكام الرستاق إبراهيم بن قيس ثم سعود بن الإمام عزان رضي الله عنهم ثم حمود بن عزان ثم سعيد بن إبراهيم ثم أحمد بن إبراهيم وكانت وفاته في عصر السيد أحمد بن إبراهيم لما كان حاكما على الرستاق.
ولد رحمه الله عام اثنين وستين ومائتين وألف بمحلة قصرى من الرستاق فنشأ بها وتعلم العلوم وكان ملازماً للسيد الزاهد فيصل بن حمود بن عزان والشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري وبقي مدرساً في فنون العلم بمسجد قصرى من الرستاق حتى كان جملة من اجتمع إليه من التلامذة يسرج لهم في مسجد قصرى بسبعة مصابيح.
تخرج عنه جملة من العلماء منهم أخاه الشيخ سالم بن سيف والعلامة نور الدين السالمي والشيخ العلامة الزاهد محمد بن شامس الرواحي وغيرهم كثير ولم يزل رحمه الله يحرض الأغنياء على المسابقة إلى الخيرات وببركته تبرع كثير منهم بحبس الأموال على المتعلمين وأبواب البر.
تأليفه: مجموع مسائل في مختلف الدعاوي والأحكام والديانات، وله منظومة في السلوك وأخرى في التحريض على نشر الحق، ومنظومة في فضائل العلم، وغيرها (1/232)
صفحة 233
من المواعظ والحكم: وله خطب وأوراد ورسالة سماها المسالك في علم المناسك.
وكان هذا العلامة من أعظم النصحاء لدولة الإمام سالم رحمهم الله.
كان بنو لمك بوادي السحتن من أودية الرستاق ولهم بهذا الوادي البلدتين طباقة
والخضراء وكانوا أهل صولة وقوة حتى أنهم تجرءوا فقتلوا الشيخ محمد بن علي ابن مسعود العبري أحد ولاة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي أرسله الإمام ليقبض على أحد البغاة منهم فغدروا به ليلة وصوله فقام عليهم الإمام فلما رأوا عجزهم عن المقاومة انقادوا من غير قيد ولا شرط بواسطة أعيان اليحمد فصفد الإمام من شاء من أعيانهم وأودعهم السجون وأنفذ فيهم الحق وهدم حصونهم التي أشادوها بذلك الوادي وقد ذكر القضية الشيخ عبدالله بن خلفان بن قيصر الصحاري في سيرته وتعقبها بهذه الأبيات.
لقد ظفر الإمام على الأعادي * بهدم حصونهم في كل نادي
فذلت بعد عز استكانت * وقد كانت لها خير البلاد
مضى اللمكي مأسوراً بقصرى * قصير الخطو من سوء العناد
فكان قراهم قتلا فسحقاً * لقوم خالفوا سبل الرشاد
وفي هذه السنة 1333 توفي بنزوى الشيخ العلامة محمد بن خميس بن محمد السيفي أحد علماء الأسرار كانت له اليد الطولى في ذلك يقصده الوفود من كل جهة للإستفادة منه فيعطي كلا طريقة على قدر حاله.
وكان عليه مدار القضاء بنزوى في زمن الشيخ هلال بن زاهر والسيد سيف ابن حمد.
وكان هذا الشيخ قد جمع أجوبة الشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي في سبعة أجزاء وسماه العقد الثمين وجمع أجوبة المحقق الخليلي في أربعة أجزاء وسماه التمهيد في أجوبة الشيخ سعيد. وله شرح على قصيدة الشيخ أبي نبهان والغشري في سير الأئمة. توفي وله من العمر اثنان وتسعون سنة بعد أن كف بصره. (1/233)
صفحة 234
خبر بني بطاش
بنو بطاش بطن من طيء وهم قبيلة واسعة عرفوا بالسخاء والكرم والبسالة وأثنى عليهم الشعراء ويقول أبو مسلم في نونيته:
وأين عنها بنو بطاش أين هم * من لي بهم وهم للحرب أخدان
طال الرقاد بكم هبوا فديتكم * فالشمس طالعة والسيل ارعان
عادات طيء تخضيب السيوف وار * واء المثقف وهو اليوم عطشان
أن من خبر بني باطش لما بلعهم خروج الإمام إلى بركاء دبت فيهم الروح بحب العدل وتشوقت نفوسهم إلى الإنضمام في سلك الإجتماع وأحبوا السعي إلى الجهاد والدفاع عن الوطن فوثبوا على قريات من ممالك السلطان وكانت بجوارهم فحاصروا حصنها تسعة أيام فأرسل إليهم السلطان باخرة حربية مملوءة رجالا وأسلحة فكمنوا له حذاء جبل دغمر فكانت المراماة بينهم من طلوع الشمي إلى منتصف النهار فجاءهم في أثناء تلك المقاتلة جنود إنكليز فجعل يرميهم بقنابله الضخمه ومافعه العظيمة فنزلوا من الجبل وتحيزوا إلى بلدانهم فما آنس المحصورون بالحصن أن القوم خرجت من البلاد فتحوا حصنهم وخرجوا فخربوا البلاد ونهبوا البيوت التي جعلوا لحمايتها فصار رعاتها ذئابها وهرب الأهالي من قريات كل هلى وجهه لما وقع بهم فبقيت قريات وعفا خاليتين عليهما العفا وعند ذلك طلب بنوا بطاش من الإمام والياً يقوم بأمرهم ويتحمل أعباء مهماتهم فأنتخب لهم الشيخ أحمد بن سليم العريمي الجنيبي فكان قيامه ببلد حبل الغاف فأظهر فيهم العدل والإنصاف فأشتدت وطأة السلطان عليهم فبقي الحرب بينهم سنتين وهجم قوم السلطان على دغمر مرتين فتقهقروا منهزمين ورجع أحد قواد الجيش الشيخ حارب بن محمد الهشامي بمن عنده بعد أن أصيب بجراح انصلمت منه إحدى يديه وبقي السادة في حصن قريات ورباط بني بطاش في دغمر وشرذمة منهم بمنزيف وبعضهم بالقحمة. (1/234)
صفحة 235
ولما تحقق عند السلطان عزم الإمام على مهاجمة عاصمته مسقط خرج من
قريات في أوائل سنة 1333 وزحف بنو بطاش على أثره مناصرين للإمام فلما وصلوا حاجر الخفيجي بلغهم رجوع الإمام فرجعوا إلى أوطانهم وبقي أمرهم نافذ من حدود الحاجر إلى دغمر وجبل الغاف وما تعلق بذلك وكلها تؤدي الطاعة لعامل الإمام.
وفي أثناء هذه المدة أغار بنو بطاش على الجنود الإنجليزية الذين بجبال الوطية حامية السلطان فقتلوا رجالا وأخذوا سلاحاً ورصاصاً.
وذلك بعد واقعة الوطية ثم أكثروا شن الغارات وضيقوا المسالك على رعايا السلطان فجمع جموعه ممن كان تحن طاعته من القبائل وسار إليهم وكان في جيشه الشيخ خلف بن سنان العلوي وبنو أبو حسن وبنو عمر وبنو أبو علي وأكثر جنوده من الغافرية فأجتمع الجيش بقريات وأرسل بنو بطاش للشيخ عيسى يستنجدون به وقد تجلدوا للحرب وأظهروا التصلب فلما رأى الشيخ خلف بن سنان الجد من الفريقين وخاف على بني بطاش كثرة جنود السلطان وكان ميل خلف إليهم ولم يبلغه وصول نجدة من الشيخ عيسى ولا قيام الإمام وحاذر المعاجلة كلم السلطان فيهم فأبى عليه فأجتهد في مناصحته عن حربهم فلما أكثر عليه فوَّضه فخرج إليهم وجاء برئيسهم سلطان بن محمد بن شماس ومن عنده من الأعيان فسامحهم السلطان وعفى عنهم ووقع بعد ذلك الأمان من الطرفين وكان ذلك في سنة 1334 هـ.
وبعد تمام هذا الصلح استعفى الوالي الشيخ أحمد بن سليم العريمي من ولاية بلادهم فسألوا الإمام والياً فأرسل إليهم الشيخ القاضي قسور بن حمود الراشدي فبقي عندهم زمانا.
ثم حدثت بعد ذلك ثورة عليهم من السيد نادر بن فيصل وكان أحد أعضاء المجلس الرسمي بالنيابة عن أخيه السلطان تيمور والسبب أن ابنة راشد بن محمد القاسمية (1/235)
صفحة 236
تطلب من الشيخ حبيب بن سليم الضنكي مالها الذي باعه ابن عمها عبدالله بن علي القاسمي وهو تركة أبيها لما كانت يتيمة فطلبت منه الحكم الشرعي وامتنع حبيب من ذلك واستغاثت بحكومة مسقط فما أسعفتها فوصلت
المرأة إلى الشيخ سلطان بن محمد البطاشي مستجيرة وطلبت منه أن يقوم بحقها فرأى ذلك من الواجب عليه مع قدرته على إغاثتها فخاطب الضنكي فامتنع وتغلب وبعد أن قامت الحجة عليه بتغلبه قبض عليه الشيخ سلطان من بلد الحيل وكبله بالحديد وأرسله إلى بلدة المزارع مربوط على ظهر جمل من رأسه إلى عنقه حيث أنه أمتنع من الركوب وأبى من الإمتثال فلما طال سجنه أرسل إلى الشيخ عيسى أنه مذعن للشرع على يديه فأمرني الأمير عيسى أن أقوم بالصلح بينه والمرأة وأن يفكه من سجن الشيخ سلطان فطلبت من الشيخ أن يفكه قبل كل شيء ففكه ساعة وصولي ثم شرعت في الصلح فأصلحت بينهم على تسليم خمسة الآف قرش يدفعها حبيب للمرأة المدعية صلحاً لا حكما قطعا للخصام وبراءة لحبيب من الشبهة في شراءه لمال اليتيمة ورضي الخصمان بذلك وجعلت لحبيب أجلا في أداء الحق وكتبت بينهم صكا فيه صفة الدعوى وصورة الصلح ليكون وثيقة محفوظة بينهم وأعطيت كل واحد وثيقته فلما رجع حبيب إلى مسقط ذهب إلى بيت القنصل مستجيراً وربط نفسه بعصابة العلم الإنجليزي يقول إنه مكره وما اذعن للصلح إلا جبرا فطولب بإحضار الوثيقة المتضمنة صفة الصلح فعرضت على العلامة الكبير سعيد بن ناصر الكندي فرأى ثبوت ذلك الصلح وصدق عليه ثم لم يستكف حبيب فأرسل القنصل إلى الشيخ عيسى بالصك فرأى إثباته فلم تلتفت القنصلانية إلى قوله بعد ذلك ورفضت دعواه فبقيت مراجل حقده تغلي فشكا إلى السيد نادر بن فيصل ودلس عليه فرأى مناصرته فجمع جنوده وركب البحر حتى نزل قريات وقصد منها في وقت الظهيرة جبل الغاف بتاريخ يوم عاشر ذي القعدة سنة 1334 هـ وقد بلغ بنو بطاش خبره فالتقوه بالقحمة موضع بين جبل العاف وقريات فكانت بينهم صدمة وقتال ثبت كلا لصاحبه (1/236)
صفحة 237
إلى بعد صلاة العصر من ذلك اليوم فأنهزم السيد نادر إلى قريات وقد خلف بالمعركة صناديق الرصاص والأثاث وثمانية جمال وأربعة رجال من قومه قتلى وثمانية جرحى وجرح من بني بطاش
الشيخ عبيد بن محمد وآخر توفي بعد ذلك فأرسل السيد نادر إلى مسقط يطلب المدد فلم يصله أحد وأقام بقريات وفي رابع يوم من وصوله أتت باخرة انكليزية فحملته إلى مسقط.
وفي اليوم الخامس عشر من شهر المحرم سنة 1335 هـ وصل رسولا من الإنكليز إلى بني بطاش يستفهم صفة الواقع بينهم والسيد نادر ويطلب وصولهم إليه للصلح بينهم فأجابوه بالقبول ووصلهم نائب الدولة يوم سادس صفر من العام المذكور بقريات وخاطب الشيخ سلطان بن محمد وبعد طول كلام أبى النائب من إتمام الصلح إلا بوصولهم مسقط فوعده الشيخ بذلك ثم أرسل الشيخ محمد بن عمرو البطاشي نائبا عنه واعتذر من الوصول وكان هذا الصلح بسفارة خان بهادر نصيب ابن محمد البلوشي أكبر تاجر بمسقط على أن يرد بنو بطاش ما بقي بأيديهم مما أخذوه في تلك المعركة وانتهت المشكلة.
وفي شهر شعبان سنة 1334 هـ حضر أهل سفالة بهلا عند الإمام فأدعوا بادة ماء من فلج كيد لمسجد الجامع وأظهروا ما بأيديهم من النسخ القديمة والحجج القوية فأحضر الإمام القضاة ليعرف رأيهم وجمع الحكام للفصل فلم ير الإمام ومن عنده من القضاة بعد إجالة النظر ردها للجامع لطول العهد ولأن من قبلهم من أئمة المسلمين من لدن الإمام ناصر بن مرشد فمن بعده إلى الإمام الجليل عزان بن قيس رضي الله عنهم ولم ينقل عن أحد منهم انهم تعرضوا لها ولا حكموا بردها للجامع وكفى بهم حجة لمن جاء بعدهم وانه يسع من بعدهم ما وسعهم ولا تكون الوراق القديمة التي خلا لها أكثر من ثلاثمائة عام أقوى من اليد وما كان فيه محتمل فلا يحول وإن كانت هنالك ظلامة فعلى من ارتكبها.
والأصل في هذه البادة ما ذكره بعض المتقدمين أن بادة ماء فلج كيد كانت (1/237)
صفحة 238
لجامع بهلا وأنهم لا يعلمون ما حولها من ذلك وفي بعض الكتب أن الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل حكم بهذه البادة لهذا الفلج ثم لم تترك له بعد ذلك وقد جهل الأمر الذي منعها وحولها عن كونها وقفا وبقيت منذ ذلك الزمان لفلج الجزيين أحد أفلاج بهلا مع جملة ماء ذلك الفلج فترك المسلمون المكاتبة في ماء فلج كيداً لهذه الشبهة.
ترجمة الشيخ ناصر بن حميد الغافري أمير بهلا
هو الشيخ ناصر بن حميد بن راشد بن حميد الغافري نسبة إلى غافر جدّ لهم وهو من نسل الإمام محمد بن ناصر بن عامر بن رمثة بن خميس من بني سامة بن لؤي. توفي جده راشد في حياة أبيه ولم يكن لراشد عند موته إلا أحفاده أولاد ابنه
حميد وهم برغش وراشد وناصر فصار الأمر بعد ذلك إلى برغش لأنه أكبر إخوته ولم يراهق الحلم فصار يدبر الأمر خادمه عبيد بن سرور ويرجع في المهمات إلى الشيخ محسن بن زهران العبري فبقيت الحالة كذلك إلى سنة 1283 هـ ثم تغلب بنو شكيل وأعانهم الشيخ هلال بن زاهر لكن الرئاسة لأولاد حميد بن راشد إلا أن التدبير انصرف عن الشيخ محسن وبقيت كذلك حتى استولى على بهلا إمام المسلمين عزان ابن قيس لما قبض على الشيخين هلال بن زاهر ومحمد بن علي بن سمح الشكيلي حتى أذعنا وسلما له حصن بهلا وبقي بها إلى أن قتله أخوه ناصر بن حميد ثم أردفه بأخيه راشد بن حميد بعد الإمام عزان وبقي بها إلى أن أخرجه الإمام سالم بن راشد الخروصي.
فتح بهلا
وهي من أشهر قرى الجوف بعمان وكان أميرها الشيخ ناصر بن حميد الغافري المتقدم ذكره وكان فتحها في اليوم الثالث من شهر شعبان من سنة 1334 هـ. (1/238)
صفحة 239
صدرت من أمير بهلا احوالا مناقضة لبيعته التي بايعها الإمام بسمائل ونقمت عليه أمور أغاره رؤساء قومه بها حتى أخذ يبحث عن وسيلة يتدخل بها في نقض الإمامة وانحلال المملكة فولى وجهه شطر بيضة الإسلام نزوى وأخذ يرتب كيفية الهجوم عليها ويحاول إن نبا عزمه عنها أن يتناول قلعة منح وحصنها فنجم من هذه أحقاداً ومنافسات أوجبت إشعال حرب عليه حتى قامت فكانت سبباً لسقوط إمارته وكان الإمام في ذلك الوقت بوادي المعاول فعجل إرسال رابطة إلى منح لقطع عرى الآمال عنها وأبصر قوام الدولة النيات الخفية من المتهمين بمخابرة أمير بهلا عن أسرار المسلمين ففكروا في إحباط ما ترمي إليه أهدافهم وكان الذي يعالج المسائل الإدارية متفقاً عليه العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي فأمر بسجن ثلاثة من أعيان نزوى ناصر ابن خميس السيفي وحمود بن سالم العفيفي ومحسن بن سالم آل صباحيه وأرسل الإمام إلى أنصاره بالشرقية وكان على رأسهم الشيخ عيسى بن صالح فقدمت إليه عصابة من آل حجر.
شعر أمير بهلا أن الروح الدينية هبت في الفواد والعناية الإلهية ساعدتهم
فأستنهض أتباعه من أهل الحجر وأعوانه من الظاهرة وعلل نفسه بالأماني ليدرك بها نشاطه فكتب إلى سلطان مسقط يستنجده فهاج السلطان نبأ القيام على هذا الأمير فسلح خادمه الوالي مظفر بن سليمان وجهزه بالعدة والعدد وأمره بجمع أهل السر من الظاهرة وأن يقوم بما يحقق الآمال وأصيب السابقون إلى الجهاد من أهل الشرقية بأمراض من وخم نزوى لأن دارهم كالبادية وسئموا الإقامة بنزوى في انتظار الشيخ عيسى فاستأذنوا الإمام في الرجوع فأذن لهم وبسبب رجوعهم أيقن أمير بهلا بتفرق جيش الإمام فأذن لأكثر جموعه وبقي أعيانهم عنده وهم نفر قليل أقاموا لقهر الحصن وثغور البلد خوف مهاجمة الإمام ولم يمض وقت قصير حتى خرج الإمام في اليوم الثالث عشر من شهر رجب سنة 1334 هـ بالكتائب عليها الشيخ الرئيس حمير بن ناصر فغشيهم غيم سحاب في الطريق وعصر ذلك اليوم وصلوا نهر المحمود من ناحية بهلا واستراحوا (1/239)
صفحة 240
فيه قليلا فوافتهم هناة بجموعها وقت المغرب من ذلك اليوم وخرج الأعلام من المحمود بعد العتمة من تلك الليلة تحت شآبيب المطر المؤذن لهم بنيل الوطر وحصول الظفر يسوقهم الرعد ويدلهم البرق وقد أعدوا حملة هائلة لإصطدام من قابلهم واقتحام سور بهلا حينما خبروا بسالة من بها ومن الكرامات التي تزين التاريخ خفة المطر عند المجاهدين المهاجمين وغزارته على البغاة حتى أنزلهم من صياصيهم فأدركوا أن لا يقدر الثوار على مهاجمتهم في ذلك الوقت وتركوا الحرس ولم يعجز المسلمون ذلك فأقتحموا سور البلد فوجدوه خالياً فلم يقفوا عند حد ما اكتسحوه حتى فتحوا أبوابا جديدة فأقتحموا جميع العوائق وقطعوا كل العلائق فهجموا على حرس الأمير ناصر وهزموه إلى وراءه فحمله الأمر على طلب النجاة وأن يتحصن وأعيان قومه بالطماح وهو قصر بهلا وكان أحد قواد الجيش شيخنا العلامة أبو مالك فأصيب بجراحة في فخذه فعافاه الله منها بعد مدة.
وبعد مضي أيام والحصن محصور لا يدخل عليه أحد ولا يخرج منه خارج أقبل الشيخ عيسى بجموعه فبصر بما حاق بالبلد من الأخطار وكان يفضل التمتع بالسلم مع إستعداده لمقاتلة أعدائه فاستأذن الإمام رحمه الله لمخابرة الأمير المحصور فأذن له واختار أن يكون رسوله أبو هشمة سعيد بن عبدالله الهاشمي لعلمه به إنه باقعة داهية وأمرني أن أكون عنده فشاهدته وقد جرى في داخليتهم
بدهاء ورشاء حمل أبو هشمة من الأمير عيسى كتاباً للشيخ ناصر وآخر للوالي مظفر بن سليمان خادم السلطان فأبدى لمظفر كتاب ناصر وستر عن ناصر كتاب مظفر ولما حصلت له الخلوة بمظفر أعجله في أخذ الأمان له ولمن عنده ودلس عليه أن ناصراً قد أخذ وجهاً على يدي وهذا جواب الشيخ عيسى له وإني اخشى أن يغدر بك ويسلمك إليهم إن كان لم يخبرك بذلك فحمس قلبه وأوغر صدره حتى تشوش فكره فتأثر من ذلك وخالطه الوهم وتبين الغضب في وجهه ثم تريث فما لبث أن كتب كتاباً إلى الشيخ عيسى يطلب الأمان من الإمام له ولمن معه فرجع أبو هشمة جذلا يحمل كتاب مظفر إلى ناصر فأسر إليه أن (1/240)
صفحة 241
مظفراً عزم على الخروج عنكم وهذا كتابه فأستشاط ناصر غيظاً وقال إن فعل لأوقعن به فنشأ من ذلك شحناء بسببها تفاقم الأمر ختى تعصب المحصورون بالحصن كل لفريق فكان أبو هشمة شؤماً على أهل القصر إذ كان هذا الإنقسام بسببه والحرب خدعة وأدرك من هذه السياسة التي نسجها أن خدع مظفراً حتى بقي عاطلا من انتصاراته فذهبت هباء وأصبح أمله وزبده جفاء فأستسلم لينقذ حياته وانصرف قانطا لا يلوي على شيء بعد أن سمح له الإمام بالأمان وأمرني أن أصحبه إلى يبرين خوفاً عليه من معرة الجيش، فصحبته ولم ينلهم سوء والحمد لله وبقي ناصر وبقية قومه بالحصن ينتظرون الشيخ محمد بن ناصر بجيشه الذي جمعه لينقذهم من ضيق الحصر.
وفي ضحوة النهار زحف الشيخ محمد بن أمير بهلا قادم بجنوده الذين جمعهم من أرض الظاهرة للإفراج عن أبيه رجاء أن يخلصه من ضيق الحصر فألتقت بهم طائفة من جيش الإمام سهيلي سور بهلا فدارت بينهم أشد المعارك حتى خانهم الحظ فهزمت كتائبهم شر هزيمة فرجعوا إلى جماح ومنها إلى يبرين.
كان من رأي الشيخ عيسى ان يكرر النصيحة إلى الأمير المحصور شفقة عليه من مغبة العناد فأرسل إليه ثانية الشيخ سليمان بن سنان العلوي فعرض عليه ما أملاه الأمير فلم يصغ لقوله في أول الأمر فدبَّ الشيخ العلوي إلى تفريق الرؤساء الذين حصروا عنده ومشى فيهم بخداع ومكر وتعهد لهم بجزيل العطاء وما هوَ إلا الرشا فتطرق الوهم إلى أذهانهم وطمعوا في وعده ورفضوا أميرهم وتنافسوا
في إكراهه فألزموه الإعتراف بالخضوع فخرج ليلة الثالث والعشرين من شهر شعبان من سنة 1334 هـ وتوجه إلى حصن يبرين وطلب أن يبقى هذا الحصن بيده والبلد وفلج الأجرد ما دام تحت الطاعة وما لم يحدث حدثاً فأسعف الإمام بذلك بعد مشورة العلماء فبقي به ولم يحدث من ضرر أيام حياته حتى كان بعد موته تخالف أبنائه في عصر الإمام الخليلي فأجتهد في إصلاح ذات بينهم فما قدر الله أن يقفوا فأمر بقبض الحصن منهم وإخراجهم عنه وتوسلن إليه أمهم ابنة الشيخ الجبري أن يردهم (1/241)
صفحة 242
فيه فما رأى الإمام ذلك وأجاب أن من صلاحهم وإبقاءهم على أنفسهم النزول منه وأن تكون مساكنهم خارج الحصن وأبقى لهم البلد وفلج الأجرد وكانت مدة الحصار لحصن بهلا تسعة عشر يوماً.
ولما استقر الأمر ردت المظالم والغصوب وأجري الأمر والنهي.
حكم شيخنا العلامة أبو مالك في أموال سليمان بن عبدالله المحروقي المعروف بإبن شَيخَه أنها صافية لما صح من معاملته بالربا وجمعه المال من الحرام وأكثرها من مظالم العباد التي عاضده عليها الشيخ ناصر من تغريم الناس الذين تحت رعايتهم بغير حق وغصبه لأموالهم وحيازتها عليهم قسراً وكان سليمان هذا صهر الشيخ ناصر ابن حميد ووزيره وكان موسراً كثير الأموال بنزوى وبهلا ووادي بسيا وأمضى الإمام ذلك الحكم وفي ذلك يقول شيخنا العلامة المفضال أبو مالك:
قد حكم الإمام بالتغريق * لمال ابن شَيخَة المحروقي
وهو سليمان بن عبدالله * مسكنه بَهلا بلا اشتباه
لكونه قد وازر الجبارا * فتى حميد تاصراً جهاراً
غرّقه بكونه جباية * بكل ماله من الحماية
وبيعه أكثره بالسود * وهو الربا في عرفنا المعهود
قضت بذلك شهرة لا تنكر * وأمره في عصرنا مشتهر
في عام دغشل بعدِّ الجمل * والحق في ذلك ظاهر جلي
جعل الإمام ببهلا عند خروجه منها والياً ذلك الهزبر الضاري أبو زيد عبدالله ابن محمد بن رزيق الريامي الأزكوي تحمل بوظيفتي الولاية والقضاء فأجرى فيها العدل والمعارف الإسلامية وردَّ شوارد القلوب الخائفة من إضطهاد الظلمة إلى أوكارها فهو واليها في عصر الإمام سالم ثم في عصر الإمام الخليلي إلى أن توفي رحمه الله في عصر الإمام الخليلي والمسلمون عنه راضون. (1/242)
صفحة 243
خروج الشيخ عيسى للرستاق
وبعد فتح بهلا خرج الشيخ عيسى إلى الرستاق وكان حاكمها ذلك الوقت السيد أحمد بن إبراهيم وقد ذكرنا آنفاً بيعته للإمام بسمائل وأن الإمام رده إلى مملكته وأقره عليها آمراً ناهياً ثم رفع للإمام عنه أشياء نكرها عليه كما هو دأب الملوك فرغب الشيخ في عتابه وإلقاء النصح إليه للصداقة السالفة بين آباءهم وبينه وإياه، فلما وصل الرستاق قابله السيد أحمد بالإكرام والإحترام وأظهر السرور والإبتهاج لوصوله وقبول ما جاء به، وكان هذا السيد حولا عنقفيراً نهاية في الذكاء والفطنة والدهاء.
فمن دهائه لما نزل الشيخ بعقوته فوَّض إليه الأمور الرستاقية وخلع في يده جميع الوظائف الدينية والدنيوية ورفع يده عن المالية فكان لا يبرم أمراً دونه ولا يستبد عنه برأي مدة قيامه في دار ضيافته.
ولا ريب فإنه تتبع سياستهم فيه ويحذر من نكايتهم عليه ويحوطهم بعين اللاعب المازح ويتفقدهم في القريب والنازح وفي شهر شوال سنة 1334 هـ خرجت من قصره خارجة من ذويه شقيقته السيدة ذات الحسب والحشم أصيلة بنت إبراهيم وهي أحزم من كاد ومكر فقهرت حصن الحزم من تحت أجنحة العقبان وابتزت الفريسة من ثم الثعبان إذ خافت أن يصبح ملكهم دعوى وعافيتهم بلوى وبقيت فيه ولما حوصر أخوها أحمد طلبت النجدة من سلطان مسقط فأسعفها بجيش يرأسه حمد بن فيصل كما سيأتي في محله وكان برفقته الشيخ عيسى الشيخ اللسن الفصيح سيف بن علي المسكري. ولما عزم الشيخ على الرجوع إلى وطنه في أواخر شوال رأى أن يخرج السيد أحمد بصحبتهم إلى الإمام بوادي بني معولة
فأسعفهم وامتثل ورافقه أمير العبريين الشيخ مهنا بن حمد فأجتمعوا بالإمام سالم واعترف السيد أحمد بجميع ما طلبه الإمام من الشروط وسلم زمام ما بيده إلى الإمام في الظاهر والغيب لله ثم رجع إلى الرستاق وكان ذلك في شهر ذي القعدة الحرام سنة 1334 هـ. (1/243)
صفحة 244
قيام الإمام مرة ثانية على البغاة من أهل الطوّ
ةفي ذي القعدة من سنة 1334 تحرك بنو جابر أهل الطوّ وشنو الغارات وقطعوا السبل وجعلوا مغارتهم الموضع المعروف (الكثيب) غربي بلدة الخوض وقريبا من بلادهم وقواهم على افعالهم السيد محمد بن هلال والي السلطان على بلد السيب لرجوعه الأول خائبا من سعيه بمهاجمة الآجال فنكث القوم العهود ورأى الإمام القيام عليهم من الواجب فضيق عليهم المنافذ وحصر بلادهم وكتب للشيخ المجاهد علي بن صالح أن يقوم على جماعتهم المساعدين لهم من أهل اللجيلة فيشغلهم عن مناصرتهم حتى يذعنوا للحق فخرج الشيخ علي بمن معه ونزل بالفلجات بلدة بواديهم وضيق عليهم من الجهة الشرقية فكانزا يترامون بالبنادق من بعيد وما المراد إلا اشغالهم فلما خشيت بنو جابر أن تدور عليهم الدائرة وأن يقتحم المسلمون عليهم بلادهم المنيعة بالجبال المتحصنة بالرجال فكروا لهذه الحادثة الوشيكة الوقوع فأجمع رأيهم أن يذعنوا للإمام وأن يسلموا أمرهم إليه فعسى أن يعطف عايهم بحنوه فيعفو عن إساءتهم قبل قدرته عليهم كما هي عادته فأقبلوا إليه بواسطة قائد الجيش الشيخ حمير بن ناصر النبهاني فقبل الإمام إذعانهم وعفا عن مجرمهم ودخل بلادهم فركد أمرها وأنفذ الأوامر الشرعية فيها وجعل أمرهم تحت نظارة عامله بنخل.
فتح الرستاق
هي كورة تشتمل على بلدان جمة من أفخر بلدان عمان بسفح الجبل الأخضر من جهة النعش إحتوشتها الجبال من كل الجهات وتتخللها الأودية بحيث تجتمع إلى أن يظهر واديها ممتداً إلى الباطنة ولها توابع وسوقها كبيرة وأنهارها غزيرة فمنها حمامات لا يستطاع دخولها، ومنها باردة مثلها، ومنها متوسطة.
تجلب إليها الفواكه البرية والبحرية والجبلية في كل غداة، تتصل بها السيارات من ساحل دبي وعاصمة مسقط.
كان الحاكم عليها السيد أحمد بن إبراهيم بن قيس. (1/244)
صفحة 245
سبب الثورة
ثقل على الإمام تردد الشعب الرستاقي يستصرخه ويستنهضه لكشف الإضطهاد والتضييق الواقع عليهم من حاكمهم السيد أحمد بن إبراهيم وأنهم يسامون الخسف ودخلوا عليه بمهارة أتقنوا فيها العبارة قدموها إلى صنوه الشيخ ناصر بن راشد الخروصي فأوغروا صدره ورأى أن لا محيص عن القيام بحقهم وكان إذا دهمه الأمر لا يبرمه قبل مشورة المسلمين، فجمع العلماء وأعيان دولته واستشارهم فكلهم رأوا إجابة صوتهم وتلبية دعائهم والناس تبع ما أخذ به الإمام من رأي أُولي الرأي فخرج من نزوى يوم ثاني جمادي الثانية سنة 1335 هـ وتسنم ذروة الجبل الأخضر بمن خف معه داعياً أتباعه إلى إتباعه راجياً من الأهالي الرستاقيين أن يضحوا بأنفسهم شفاءَ لما في صدورهم من حرص وحقد فخيم معسكره بالعوابي وكتب للسيد أحمد يشعره بنتيجة ما قام لأجله وأن يتنازل عن أمارته التي ورثها من آبائه ومجده الذي رضع ألبانه وبساطه الذي مشى فيه وقصره الذي نشأ به فصعب على الهزبر إتباعه وإمتثال أمره وشق عليه تأخره عن تلك المنزلة السامية التي هو بها ولا يدري ماذا يكون حاله بعد ذلك وفسح له المجال شبه وجدها أمامه حسنت له الإمتناع فأبدى حزماً فائقاً وعزوفاً عن الترف والزخرف وأيقن خذلان قومه له وركون رعاياه إلى الإمام ولم تتفق له حَامية للصراع خارج البلد حين باعته المسلمون وخاب رجاءه في القبائل الذين أعدهم في السلم للحاجة فلبس درع الصبر وشرب حميا الوطيس وأرغم أن يوصد باب الحصن والقلعة المشهورة بقلعة كسرى وهما في غاية المنعة وصعوبة المرتقى يقال ان القلعة من بناء كسرى أنو شروان في زمن الفترة.
اختار من الرماة أربعين رجلا يكونوا عنده واحب منادمة البحر الأسود الشيخ عبيد بن فرحان صاحب السر فأجتباه إليه تقدم الإمام إلى الرستاق وعسكر جيشه
ببرج المزارعة وتمكن من تخومها وسد الجيش منافذها واقتحم عسكره (1/245)
صفحة 246
سور الحوش الذي دار بالحصن بعدما غيمت السماء بدخان البارود وصمت الآذان بصعقات المدافع ولم تزل جموع الإمام في زيادة ونشاط وجلد خارق للعادة مناف لما يحصل من الضجر والتعب وفوقوا المدافع على الحصن لهدم ما قوى من بنيانه وهو يدافعهم بأعظم مما يراه حتى أنه هاجمهم خارج الحصن مراراً واختلس البارود الذي وضع لهدم الحصن حيث أنه قابله بنفق مثله من داخل. واختلف النصحاء إلى السيد أحمد يسألونه الرفق بنفسه وبالمسلمين ومع إختلاف الأهواء لم يجد في بدء الأمر قبول النصح وأنشدني شيخ البيان بيت شعر في حالة صواعق حضرتها وقت الحصار
ضربوني عمداً ليستنطقوني * وجدوني على البلاء صبورا
وأنفذ العون إليه إبن عمه سلطان مسقط خميساً جراراً زوده العدة القوية وجعل أميره أخاه السيد حمد بن فيصل وعضده بأعيان دولته السيد محمد بن حمد راعي ظبيه وخادمه مظفر بن سليمان والشيخين سلطان بن محمد النعيمي وخلف بن سنان العلوي فعسكر جمعهم بحصن الحزم ووجهوا إلى مختلف الأنحاء كتائب مفرزة لتستولي على أهم المدن فندب الإمام لفض جمعهم سرية أكثرها بنو حراص والتقى الجمعان بفلج الشراة وطال الصراع وكثر القتل وأثخن الجراح ثم شد المجاهدون شدة صدقوا فيها الحملة فأنكشف الجيش السلطاني وانتهى الفوز لجند الإمام ولم تكن بعدها إلا مناوشات أسفرت عن فجر النصر للإمام وجنده.
لبث الهزبر في الحصار خمسة أشهر إلا خمسة أيام نفذ فيها ما ادخره من عدة الحرب ومادة الأكل ولم يكن ليسلم القصر إلا رغماً فأرغمه الإضطرار إلى تسليمه في اليوم الثالث والعشرين من شهر شوال من سنة 1335 هـ وألقى مقاليد الأمر بواسطة الأمير حمير بن ناصر على أن تترك له الحزم مأكلة واستطاع أن يأخذ معه ذخائره وأمواله التي حواها القصر، فذهب مع حاشيته ليقيم بها وكان يطمع في وصول الشيخ عيسى ليخلصه من الإمام فيفوز بأوفر السهام للصداقة الودية بين آبائه الكرام وبينه وإياه في الوقت القريب فما قدر الله نجاح ذلك الأمل. (1/246)
صفحة 247
قام بمصرف هذه الغزوة الشيخ محمد بن طالب بن محمد الحراصي إلى مدة شهرين ودفع فيها ما احتاجت إليه من نفقة ورصاص كل ذلك صدقة من ماله ولابد أن تكون هنالك موجدة أسرها ودأب العمانيين ذلك.
ومن العجيب أن هذا الشيخ بعد تمام الفتح خرج مودعاً للإمام قافلا إلى وطنه جما وحينما وضع إحدى رجليه على الراحلة لم تساعفه الأخرى فسقط ميتاً ولم يكن به مرض من قبل.
فقد المسلمون في أيام الحصار خمسة عشر رجلا مضوا شهداء إلى ربهم وجرح كثيرون ومن جملة الشهداء الزاهد الفاضل عبدالله بن محمد بن علي الذهلي ولا تعلم من أصيب بداخل الحصن وفي وقت الحصار أنشد ابن شيخان الشاعر قائلا:
هذي هي الرستاق أبدت لكم * أسرارها كاشفة البرقع
جيوش حق قد أحاطت بها * إحاطة الخاتم بالإصبع
ما قيل من الشعر في فتح الرستاق
قد أكثر الشعراء من التهاني بفتح الرستاق كما أكثروا في غيرها ومن ذلك ما قاله شيخ البيان شاعر عمان محمد بن شيخان السالمي.
كسَا الأكوانَ هذا الفتحُ ... بُشرى ... وعطّر ... مسكهُ ... براً ... وبحرا
أيا فلكاً جرى بالخير ... هذا ... زمانك فاجرِ قد صادفت ... مَجْرى
وفي الدنيا عجائبُ ليسَ ... تفنى ... إذا إحدى مضت جاءتك ... أخرى
تؤلف ... هذه ... الأيامُ ... فينا ... صحائفَ عِبرةٍ بالقلب ... تُقرا
وفي طيّ القضاء بديع ... سِرِّ ... تبوح به عوادي الدهر ... جهرا
إذا اشتدت أمور الدهر ... فاصبر ... فإنّ الدهر لا يسطيع ... صبرا
ولا تستبطِ ... فالأيام ... تُوفي ... وتأخذ حقّها المبخوسَ ... وَفرا
ومن طلب القرار بأرض ... قوم ... يُطابِع ... دهرهم ... حُلْواً ... ومُرّا (1/247)
صفحة 248
وذو التقوى وإن ضعف ... ابتداءً ... فإن ... مقامه ... يزداد ... وِقرا
وذو الدنيا وإن طالت ... يداه ... فإنَ ... أموره ... ترتد ... خسرا
لواء ... الملك ... معقود ... بمالٍ ... وجندٍ دوّخوا سهلاً ... ووعرا
فلا جند بغير المال يُغني ... ولا بالعكس نيلُ الملك ... يُدْرَى
ومن يَستغن عن جند ... بمال ... يعش في الذل ممقوتاً ... مُعرَّى
ومن قطع القبائل عنه ... لاقى ... بيومٍ ... مّا ... هواناً ... مُستمرّا
ومن ينقض عُرى الحزم ... اتكالاً ... قضى أسفاً إذا المحذورُ ... كرَّا
ومن في الناس سيرته ... بمكر ... يلاقي منهم ... خَدْعاً ... ومَكرا
ومن في الناس سار مدى بعنف ... ذراعاً منه لم يقفوه ... شبرا
وذو الوجهين لا يصفو ... لخلق ... ولا يُحسَنْ به ظن ... فيَبْرَا
ومن سلك الطريق بلا دليل ... تخبّط ... هُوّةً ... واشتال ... شرَّا
زمام الأرض نشر العدل ... فيها ... وقائد ... أهلها ... للخير ... دهرا
تفانى الناس في الفاني ... ضلالا ... وما خُلقوا له ولَّوْه ... ظهرا
بهم ... حبٌّ ... لزَهرته ... مضرٌّ ... محبة عُروةَ ... العذريِّ ... عَفرا
وصار البغي بين الناس ... طبعاً ... فبعضهم على بعض ... تجرَّا
أليس الأمر بالمعروف ... فرضاً ... فيدرأ عنهم ... بغضاً ... وضرا
تعالى الله صار العلم ... جهلا ... وصار العدل والإِحسان نكرا
مضى زمن بعزّان بن ... قيس ... اماماً مرتضى ... عدلا ... وبِرا
لقد زهرت به الدنيا ... وطابت ... شمائلها ... به ... زمناً ... وقُطرا
ومرَّت بعده سنوات ... جور ... فَرَتْ أبناءَها ... ناباً ... وظفرا
إلى أن بان فجر الحق ... ممن ... تبدَّى في سماء العدل بدرا
وكان بغابر ... الأزمان ... سرّاً ... فنقَّله القضاء فصار ... جهرا
امام ... عادل ... غوث ... البرايا ... خروصّيٌ علا شرقاً ... وقدرا (1/248)
صفحة 249
نمته ائمة سلفوا وعمت .......... محاسنهم وطابوا الدهر ذكرا
كأنَّ بني خروص في ... البرايَا ... جبال قد رست براً ... وبحرا
وسالم الإِمام ... من ... الدنايا ... وناصر الهمامُ الدينِ ... نصرا
كريمِ أريحيُّ البذل ... أسخى ... بفيض ندىً من المُنْهَلَ ... قَطرا
شديد ... للأعادي ... ليِّنٌ ... للأ ... صادق بحر علم سال دُرّا
وسالم الإِمام ... بدا ... بعصر ... نتيه به على الأزمان فخرا
لقد فتح المعاقل من ... عمان ... وقام ... بحقها ... عدلاً ... وبرا
وما استكفى بملك العرب ... حتى ... تسنم صهوة من ملك ... كسرى
وما الرستاق إلا عرش ... ملك ... عليه يستوي المسعود ... قهرا
دعته لنفسها الرستاق ... كفئاً ... وكانت في حمى الماضين بكرا
فصدّقها بما ... تشكو ... إليه ... وأصدقها رضاء الله ... مهرا
ولبَّاها بجيش ... لو ... يلاقي ... صروف الدهر ولَّت عنه حسرى
بمنبثٍّ تغصّ الأرض ... منه ... يؤجج جانباه الماءَ ... جمرا
يطمُّ ... كأنه ... طوفان ... نوح ... تُصَادف أينما يممتَ ... بحرا
تلوحُ على ... بوادره ... المنايا ... فتوردهم حياض الموت ... حُمرا
رجالٌ ... كُمَّلٌ ... لله ... باعوا ... نفوسهم بها الجنات ... تشرى
فكم سمعوا الامام وكم ... أطاعوا ... وكم نصحوا لهُ سِرّاً ... وجهرا
فما أصباهم ... عنه ... لجين ... ولا ذهب ولا نظروه ... شزرا
دعاهم وعمّوا فأتوه ... شُعثاً ... كأمطار حدتها الريح عصرا
فجاؤوا مثل سدّ من ... حديد ... تحف به العناية أين ... مرا
عليه رفرفت ... رايات ... عدل ... بها كتب الإِله النصر ... سطرا
وبالرستاق قد نزلوا ... وسَدُّوا ... منافذها وعموا الطرق ... حجرا (1/249)
صفحة 250
وأحمد نجل ... إبراهيم ... فيهَا ... هزبر ... فارس ... لاقى ... هزبرا
عريق المجد منفرد ... المزايا ... عظيم الشأن أدهى الناس ... خبرا
أشد الناس صبراً في ... البلايا ... وأوسع فيهم ... كفّاً ... وصدرا
وأصحاب له كبروق ... خطف ... يصبُّون القضا خيراً ... وشرَّا
أُسود الحرب ورّادو ... المنايا ... رماة يفقؤُون الطرف ... نقرا
كثيرون الفعالَ ندى ... وبأساً ... وكانوا عندنا في العدل ... نزرا
ولمَّا لم يروْا قَبِلاً ... لديهم ... مبارزةً أصاروا الحصن ... ظهرا
وكم خيرٍ يجر إليك ... ضيراً ... وبعض الشر يدفع عنك ... شرَّا
فأحدقت الجيوش به ... وصارت ... جنود الله نحو الحصن تترى
كأنَّ القلعة ... الشهباء ... لمَّا ... أحيط بها وشاح ضمَّ ... خصرا
كمعصم ذات حسن حل ... يسراً ... أحاط به سوار ضاق ... عسرا
وشبت نارَها الحربُ اضطراباً ... وأبدت نابَها الهيجاءُ ... كشرا
بروق القلعة اهتزت ... دلالاً ... وزاد كلامها الأسماع ... وقرا
إذا برج الحديث أضاء ... برقاً ... فبرج الريح أبدى الرعد ... جهرا
وفي برج الشياطين ... المنايا ... سحاب تمطر الذيفان ... قطرا
وكسرى من عوائدها إذا ... ما ... أتى جيش العدا أولته ... كَسرا
وذا شيءٌ أتى يربو ... عليها ... وذات الشيء بالأقدار ... أدرْى
تباعدت الرُّبى عنها ... وأبدت ... منافذ تقرع ... الأرجاء ... قطرا
فكم قد أنفقوا نفقاً ... ملياً ... من البارود فاختلسته ... قسرا
وألسِنة ... المدافع ... كلَّمتها ... بهدي وهي تعلو ذاك ... كِبرا
فبان الخطب عن قتلى ... وجرحى ... من الرصدين كلٌّ غالَ ... شطرا
وفي فلج الشُّراة شُراةُ ... موتٍ ... لقوم أحدثوا في الحزم ... أمرا
ففاض من الامام خضمُّ ... جيش ... فشرَّد جمعهم عقلاً ... وعقرا (1/250)
صفحة 251
وعاق الصبر جمعاً واستمرا ... وضاق الأمر ذرعاً ... واستحرَّا
وقد يئس ابن إبراهيم ... ممن ... ترجى في الحمى نفعاً ... وضرَّا
وأيقن أنَّ أمر الله ... جار ... به أجرى لأهل الأرض ... أجرا
وكيف يغالب الغَلاّبَ ... قومٌ ... وسِرُّ الله يعلو الخلقَ ... طُرَّا
وقد ... بلغتهم ... الآيات ... منه ... وأنَّ له من الرحمن ... سِرَّا
وحالت حالُهم شيئاً فشيئاً ... وطال أولو الهدى جِسراً ... فجسرا
فمالوا ... للخروج ... لِما ... رأوهُ ... وقد نفِد الذي عدُّوه ذخرا
وأحمد صار أحمد ... لِلَّيالي ... وأرجى لإشتداد الأمر ... يُسرا
واقبل آخذاً بالحزم ... يسعى ... لحصن الحزم وهناً ... فاستقرا
وخمسة ... أشهر ... إلا ... قليلاً ... قضى حقاً لكسرى صار ... عذرا
وآخر ... شهر ... شوال ... فتوح ... بعام طيب الرّستاق ... بِشرا
لقد فتح المغالق مطلقاً من ... نهى وقرى بها وهلمَّ ... جرا
امام المسلمين أتتك ... طوعاً ... ملبية ... فصُغْ ... لله ... شكرا
به الرستاق قد مالت ... دلالاً ... كخود أقبلت في القصر ... سَكرى
لقد نلت السَّعادة في ... المغازي ... تدين لك القرى براً ... وبحرا
ولا زلت الدليل لكل ... خير ... يغاث بك الورى دنيا ... وأُخرى
انتهت القصيدة الغرا وقد أوفت بالمقصود وحصرت الغزوة المباركة ونكتفي بها عن الزيادة من ذكر الأشعار.
وفي عام 1347 هـ نشرت الصحف أن السيد أحمد بن إبراهيم كتب على أبواب حصنه بالحزم وباب ولايته بالسويق من الباطنة إنّ من كانت له مظلمة عنده فليحضر للخلاص منه والتخلص من التبعات الموبقة وأبدى التوبة والرجوع إلى الحق وزار الشيخ عيسى بالقابل في هذا العام فسر الجميع بذلك وتفائل الناس بالخير وبهذا كان في رأي بعضهم أن يستبدلونه إماما وبعد خروجه عنه عزم المشايخ صالح بن أحمد وحمد (1/251)
صفحة 252
ابن عيسى ومن معهم وكنت في صحبتهم فتوجهوا إلى الإمام بسمائل فأدركهم الخبر بالطريق أنه قدم إلى نزوى فعرجوا إليه ولما نزلنا بمسجد السنود بنزوى وصلني رسول سري من الإمام وقد بلغه خبرنا وما نرمق إليه فسألني ماذا عندكم فأخبرته وأصدقته فأحضرنا صبح يوم الثاني من وصولنا وقد أحضر الباشا الباروني والعلامة سعيد بن ناصر الكندي بغرفة الصلاة من حصن نزوى سألنا لماذا جئتم وماذا عندكم وماذا تريدون قالوا إنه صدر عدم إهتمام بشؤون الدولة وإهمال في الأمور وتساهلا أدى إلى إنتهاك الحرمات وحدث من الفساق تجرؤ لا يطاق وهذا شيء لا يمكن السكوت عنه فأما وإما. فأجاب رضي الله عنه سمعنا مقالتكم فهل عندكم غير ذلك أجابوه إن هذا
الشيخ صالح وصل إليك لعذر إلى ربه وليكون قد أبلغك ما عنده فقال أعذر صالح إلى ربه فماذا بعد فأفحمهم وعرض لهم عن مقصدهم ثم بين لهم مرامهم فرجعنا بخفي حنين ورضينا من الغنيمة بالإياب.
حوادث سنة 1336 هـ
وفي ليلة الخامس من شهر ربيع الثاني من سنة 1336 هـ توفي الشيخ العلامة ناصر بن عامر بن سليمان بن محمد بن خلف بن حسن بن سليمان بن محمد بن خلف الريامي وكان عالما فاضلاً أديباً شهماً آمراً بالمعروف نته عن المنكر يسكن حارة النزار من بلد إزكي وهو أحد العلماء الذين قاموا ببيعة الإمام سالم بن راشد الخروصي وخرج للجهاد عنده وهو شيخ كبير ابن ست وستين سنة وولي له القضاء وكان أديباً محباً للشعر وله ديوان كبير مزقه في حياته إلا ما بقي من القصائد التي فاتته بأيدي الناس وكان له من العمر يوم وفاته سبعون سنة.
وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر جمادى الثانية من السنة المذكورة قتل الشيخ أحمد بن سليم بن المر العريمي الجنيبي عامل الإمام على سمد والمضيبي وتوابعهن وكان قد عمل قبل ذلك له على بلدان بني بطاش، ولما بلغه انتقال الإمام على بني جابر والإجتماع ببلدة سرور وفد إلى الإمام رغبة في الجهاد وعنده رئيس بني (1/252)
صفحة 253
بطاش سلطان بن محمد البطاشي وبعد فراغهم من تلك الغزوة طلب أهل سمد من الإمام أن يولي عليهم الشيخ أحمد وكانت سمد وبلدان الحبوس من أجل مراكز الشرقية فأسعفهم على ذلك وأكد المساعفة رفق الإمام ببني بطاشُ لما أصابهم من الإضطهاد من حكام مسقط بسبب قيام العامل عندهم وكان أحمد من أعظم قواد دولة الإمام سالم وأمضى سيوفها بطلا غيوراً شهماً لا تلين قناته وهو من بلدة (واد) من بلدان وادي منقال وجماعته وقومه هم أهل ساحل صور وقد خالف مذهبهم ورغب في مذهب أهل الإستقامة هو وأولاده وحاشيته وقومه على مذهب الإمام الشافعي وكان قبل الإمامة يزور الشيخين عيسى ونور الدين ويتردد إليهم للتعليم.
خرج رحمه الله إلى صور لبعض لوازمه الخاصة وحذره الإمام وأعيان الدولة ما
يخشون عليه من عامل السلطان على صور فلم يلتفت إلى قولهم لأنه يظن عجز الوالي عنه بإستطالته جماعته وقوة قومه في بلادهم وإذا نزل القدر عمي السمع والبصر فخرج وفي رفقته ابن عمه الفاتك المشهور علي بن ناصر العريمي فنزلوا في بيت صهره الشيخ القاضي ناصر بن جمعه الشعيبي وقد سمع الوالي حمود بن حمد بمقدمه قبل وصوله فتهيأ للفتك به وفي الساعة التي نزل فيها أرسل إليه الوالي جماعه من عسكره يدعوه بالوصول إليه فأمتنع من صحبتهم ثم عززهم بمائة جندي فما شعر أحمد ومن عنده إلا وقد أحيط بهم من كل جانب وهجموا عليهم وهم في حالة استهانة بهم واستخفاف بأمرهم فأثاروا الرصاص على أحمد أول الأمر ثم على علي بن ناصر بعد أن قتل علي منهم عقيد العسكر وآخر غيره وجرح كثير من عسكرهم ووقع جراح في أصهار أحمد بن سليم ازوجته وما كان من جماعة أحمد الذين يرجو منهم النفع شيئاً لا في بدأ الأمر ولا في آخره ولله الأمر من قبل ومن بعد. (1/253)
صفحة 254
حوادث سنة 1337
في هذه السنة نزل وباء بعمان وأمراض فأجتاح جم غفير من الناس وفيهم جماعة من أفاضل العمانيين وفقهائهم.
منهم السيد الفاضل المقدام سعود بن حمد بن هلال وكان هذا السيد من أقوى أركان الدولة وتقد ذكر نصحه في فتح إزكي وإنها كانت في يده للسلطان فسلمها للمسلمين وما فتئ رحمه الله ملازماً للإمام معاضداً له في جميع الأحوال وانتقل بعد فتح إزكي إلى نزوى وسكن بمحلة العقر منها وأبى أن يتقلد شيئاً من الأعمال والتزم بمؤازرة الإمام وطاعته ومناصرته إلى أن توفي رحمه الله والمسلمون عنه راضون وكانت وفاته في ليلة الرابع عشر من شهر صفر سنة 1337 هـ.
ومنهم العلامة الزاهد الشيخ القاضي سليمان بن محمد بن أحمد بن عبدالله الكندي كان قاضياً للإمام على نزوى وما حولها وهو ابن عم الشيخ سعيد بن ناصر الكندي علامة ذلك الوقت وابن أخته كان سليمان هذا يسكن مسقط ولما كانت الإمامة بعمان الداخلية أصابهم تضييق من قبل السلطان بإتهامه ميلهم إلى دولة
المسلمين فخرج هذا الشيخ إلى نزوى مع رجال من بني عمه وإخوته فكانوا في رجال الدولة وأنصارها فبقي سليما قاضياً على نزوى وأعمالها حتى توفي ليلة 14 صفر من عام 1337 هـ كان رحمه الله عالماً جليلاً ناسكاً ورعاً غيوراً وآثاره جميلة في حال قيامه بنزوى وقد شرع في التأليف وله شرح مبهج سماه ((بداية الإمداد على غاية المراد)) في نظم الإعتقاد وهي أرجوزة جليلة لسيدي الوالد نور الدين وله أجوبة مسائل نظماً ونثراً وكانت وفاته والسيد سعود بن حمد في ليلة واحدة.
ولد هذا الشيخ سنة 1298 هـ فيكون عمره تسعة وثلاثون سنة رحمه الله. (1/254)
صفحة 255
محاصرة الإمام لحصن الحزم
وفي شهر شعبان من عام 1338 هـ أمر الإمام سالم بن راشد أخاه العلامة ناصر ابن راشد الخروصي بحصار حصن الحزم وكان فيه السيد أحمد بن إبراهيم آل بو سعيد لما صدرت منه أحداث أوجبت ذلك.
والسبب في ذلك أتخاذ الشيخ ناصر بن راشد الغافري وجماعته عند السيد أحمد ابن إبراهيم وتضغُنهم من الشيخ ناصر الخروصي في أحكام أجراها بينهم وجيرانهم الشراينة وظنوا أنه شطّ في حكمه عليهم وكانوا في أيام ملوك الرستاق لهم اليد الطولى في تناول رعاياها والتدخل في شئونهم فلما صارت في يد الإمام وأجرى العدل فيها كفت أيديهم وذهب ما ألفوه من التمكن والظلم فيها فأضمروا الكيد والخبث للشيخ الخروصي وكان هذا الشيخ صعب الشكيمة شديد الغيرة لا يرى المداهنة في الأمور فأنقلب هواء بني غافر إلى السيد أحمد وغرهم جراءتهم وسطوتهم فأنتهز السيد احمد هذه الفرصة بإنحرافهم وهمّ بحرب الإمام وظهرت منه بوادر الخلاف وتعلق بالإنكليز وصدرت مكاتباته بذلك فهجم ذات يوم وقت الظهيرة على المسفاة بلدة قريبة منه كانت معقل لرباط المسلمين جعل الإمام عليها السادة علي بن بدر وإبنه هلال بن علي وعندهم نزر قليل من خدمهم فوقع بينهم القتال ساعات من النهار أبلى السادة في ذلك الموقف بلاء حسناً وثبت كل لقرنه ولا شيء يقيهم حرارة الشمس والوقت حرارة القيض والأرض رمال
وزحف كل على صاحبه بل زحم فما كان إلا ان خاف السيد أحمد زيادة القوة لبني عمه لقرب الإمام منهم فترك موقفه ورجع إلى الحزم وكان الإمام سالم بالرستاق وعنده الجيش فنمى الصريخ إليهم فزحفوا عليه وحاصروه بحصن الحزم وضيقوا عليه ونضبت آبار الحصن حتى خرج بنفسه بين الرصد يستقي الماء من الباطنة على جواده مراراً وأدخله عليهم واستعان ببني غافر فتراخوا عنه وأستنجد بآل سعد فخذلوه وأستظهر بالإنكليز فما حصل منهم على طائل. (1/255)
صفحة 256
وبعد طول المدة وكما هو الحصار توسط مشايخ بني هناة على أن يترك الإمام حصن الحزم لأولاد السيد سعيد بن إبراهيم أبني أخ السيد أحمد وأن يخرجوا عمهم منه ويمنعوه من دخوله فرضى الكل.
ثم دخلوا مرة ثانية بالصلح بين الإمام والشيخ ناصر الغافري وجماعته على أن يكفوا عن مناصرة السيد أحمد وعداوة المسلمين ولا يخيفوا آمنا وأن يتأخر الإمام عن حربهم فقبلوا وأتموا ما وعدوا به.
وهذا كتاب من الإمام لبعض إخوانه بعد حذف أوله.
(سلام عليكم ورحمة الله وبركاته إني أحمد الله إليك لازلت في أتم الخير والذي نعرفك به اعلم أن المسلمين توجهوا على حرب أحمد بن ابراهيم بعدما طغى وبغى وعزم على أن يقوم الإنكليز على حرب أهل عمان ويدخل في حمايتهم قاتله الله فقد دمرنا فلج الحزم حتى لا تندي منه قطرة فها هو متحصن في حصنه والمسلمون محدقون بالحصن من كل جهة والله نسأله النصر والتمكين وأن يقصم رقاب الطغاة الباغين بمنه وكرمه) والغافري الآن يخطابه الأنصار يطلبون منه الإذعان لحكم كتاب الله والكفاف عن حرب المسلمين إن تيسر منه وإلا فلابد من حربه والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل والسلام في 19 شعبان سنة 1338 هـ
وفي ذلك يقول شيخ البيان مفخرة شعراء عمان محمد بن شيخان في تفصيل هذه الحادثة:
لا يزال الحق فينا ... مذهباً" ... "رضي الخصم علينا أم ... أبى
ما بقينا فعلى الحق ... وإن" ... "نَقْضِ أحسنّا ... به ... المنقلبا
إنما ... سيرتنا ... العدل ... ولن" ... "ننثني عن نشره أو ... نذهبا
نحن مَن قمنا على السلطان إذ" ... "جار لا نتركه أن ... ينكُبا (1/256)
صفحة 257
إنما البغي وظلم الناس لا" ... "يثبت الملك ... عليه ... مركبا
قومنا اضطروا إلى ... مذهبنا" ... "عزلوا ... سلطانهم ... مستوجبا
نحن ... قَوّمنا ... وسكنَّا ... بما" ... "فيهم ... المعوجَّ ... والمضطرِبا
ليس ... للدُّنيا ... لَدينا ... قدَر" ... "مثل ... قوم ... عظّموها ... طلبا
رفضُنا الدنيا وإن بَّرحت ... حرٍ" ... "كيف إن ولَّت وسَاءت ... حُقُبا
إنما ... الدنيا ... حطام ... زائل" ... "فاقضِ منها يا فتى ما ... وجبا
تعلمُ الدُّنيا وإن راقت لنا" ... "ما عداها المجتلى والمجتبى
نُعِشت فينا عقولٌ ... للهُدى" ... "وجسوم ... فيه ... تشكو ... النًّبا
لا نبالي إن بذلنا ... أنفساً" ... "في رضا المولى ونؤتى ... المطلبا
لم ... تَرعنا ... بارقات ... لمعت" ... "قد أثارت صاعقاتٍ ... بالظُّبا
كثرت ... أعدانا ... لكنَّ ... من" ... "صحب الحق وإن قلَّ ... رَبَا
شأننا الإِنصاف في الحكم ... ولا" ... "نلج الرشوةَ أو بابَ ... الرِّبا
ننصف العاجز من ذي ... قدرة" ... "كان مِنّا أبعداً أو ... أقرَبا
فإذا ... قلنا ... فعلنا ... أبداً" ... "ما حيينا لا نقول ... الكذبا
قولنا أنفذُ من صَوْلٍ ... وكم" ... "صولنا زلزل أركان ... الجِبَالِ
جذبتنا ... نفحة ... وَهْبية" ... "تجعل المنكر والجور ... هَبَا
خرجت في الأرض تمحو باطلاً" ... "وتردّ ... الظلم ... ممن ... ركبا
دولة غراء ... كالشمس ... بها" ... "تشرق الدنيا وتسمو ... رُتَبا
سهلة بيضاء لم تُلفِ ... بها" ... "حرجاً أو كدراً أو ... معتبا
وهب الله لها من ... لطفه" ... "سالماً ذاك الامامَ ... المجتبى
سلَّه ... الله ... حساماً ... لامعاً" ... "يقطع الكفر ويجلو ... الغيهبا
بايعته ... العُلما ... والأُمرَا" ... "والبرايا ... فترقّى ... منصبا
قام بالأمر فكان اليُمْنُ ... في" ... "سعيه حيث أتى أو ... ذهبا
فهو فتّاح الصيَّاصي ... والقرى" ... "وهو وضاح الصَّحاري ... والرُّبا (1/257)
صفحة 258
زهتِ الدنيا به كالعيد ... في" ... "أهله ... وافق ... دهراً ... طيبا
وبه لطف كبَرْد الماء ... من" ... "كَبِد الظمآن يُطفي ... اللهبا
فهو الماءُ جرى عند ... الرِضا" ... "وهو النار يُرى إن ... غضبا
دائم الصبر حَمول ... للأذى" ... "قائم الشكر ... يجلي ... الكربا
أمرُه شورى فلا خُلْف لما" ... "يرتضيه ... العلماء ... النقبا
حف بالنصر لما ... يقصده" ... "وببرهان ... يُزِيل ... الحجبا
ما عناه أصعب إلا ... وقد" ... "سهّل ... الله ... إليه ... الأصعبا
راشد الأُمّة ... مأمون ... البِنا" ... "واقد الهمة ... مسنُون ... الشَبا
سالم الجانب ممدود ... المدى" ... "طاهر الحُجْزة معقود ... الحُبا
آمِن المرصد ميمون ... اللقا" ... "صاعد المقصد يعلو ... الشهبا
وأخوه الناصر الشهم ... الذي" ... "قام في سبل الهُدى ... محتسبا
باسط الراحة محمود ... العلا" ... "واسع الساحة مأوى ... الأُدَبا
يا حُماة الدين يا أهل ... الوفا" ... "يا كرام الناس قومُوا ... غضبا
أيِّدوا هذا الامام ... المرتضى" ... "واعمروا بالعدل هذا ... المذهبا
وانزعُوا الأحقاد منكم واسلكوا" ... "سُبل الخير وداووا ... الوَصَبا
واجمعوا الأمر ولا ... تختلفوا" ... "واحذروا ريحكم أن ... تذهبا
واطلبوا الألفة وارعَوْا ... حقكم" ... "واذكروا إذ كنتم أيدي ... سَبَا
وابذلوا الفانيَ بالباقي ... فما" ... "يطلب الأشرفَ إلاَّ ... النُّجَبا
هذه دولتكم ... يدري ... الورى" ... "إنكم ... أركانها ... والخُطبا
وعجيب أصلها ... منا ... ولم" ... "نعتلق منها ... بأدنى ... سَبَبا
راقبوا ... مولاكم ... في ... دينكم" ... "واحفظوا ... دينكم ... والأدَبا
يا بني الاسلام هل من ... يغرة" ... "تُنهض ... المُقْعَد ... والمنقلبا
تلك عباد المسيح ... اختبرت" ... "أمركم هل طال سعياً أم ... كبا
فإذا ما استضعفوا ... أمركم" ... "جعلوكم مغنماً ... أو ... منهبا (1/258)
صفحة 259
وإذا ما استصعبوا ... أمركم" ... "أدبروا ... عنكم ... وولوا ... هربا
هذه ... حالتهم ... لم ... تختلف" ... "ومحال ... حالُنا ... أن ... تُغلبا
حالنا قد ... بَهرت ... أعلامنا" ... "رفرفت بالنصر فيها ... كتبا
ولْيروا منا ... سيوفاً ... رُهِفت" ... "قَطفت منهم رؤوساً ... حبحبا
فلْيروا ... منا ... خميساً ... لَجِبا" ... "عجلاً يحمل ... موتاً ... عجبا
قد ... سمعنا ... رنّةً ... صَافرة" ... "من بني الكفر فقلنا ... هبهبا
لم يكن كل صدىً ... تسمعه" ... "صلت السيف ولا صوت ... الظبا
هب صدى السيف فإنّا ... عرب" ... "بذباب السيف نقضي ... الأربا
نحن نهوى الموت في درك العُلا" ... "ولأن ... الموت ... حكم ... وجبا
فإذا الحرب علت ... أصواتها" ... "لا تلمنا إن رقصنا ... ضرَبا
أوَ لَم يَدْرِ بنو الكفر ... على" ... "قِلِّنا ... إنا ... كثيرٌ ... حَسَبا
نحتسي من ارؤس القوم ... الطلى" ... "ونعد الضرب فينا ... ضربا
وهم ... أكثر ... منا ... عدداً" ... "وهمُ ... أكثر ... منَّا ... نشبا
غير إنا عندنا الحق ... ومن" ... "عنده الحق علا فوق ... الربى
ولقد نُزّل في الذكر ... لنا" ... "كم ... قليل ... لكثير ... غلبا
عبدوا عيسى ... وقالوا ... إنه" ... "ولدٌ ... واعتقدوا ... الله ... أبا
حاشَ لله فلا نخِذل ... من" ... "صار في ... توحيده ... منتدبا
وابن ... إبراهيم ... أبدى ... أنه" ... "مستعين ... بهم ... كي ... يُرهبا
وتحدّى ... بهم ... مستظهراً" ... "أمره ... فينا ... وبث ... الكُتُبا
ورمى المسفاة حرباً ... فرأى" ... "سيئاً ... ثم ... انثنى ... محتجبا
فأثار الناصر الدين ... على" ... "حربه جيشَ ... مَنون ... لَجِبا
جيش صدق سُقيت ... أنصُلُه" ... "سُمَّ شجعان تُذِيق ... العطبا (1/259)
صفحة 260
فأحاطوا بجهات الحزم ... لا" ... "يجد الحصن إليهم ... مضربا
والمقاديم ... يشبّون ... وغىً" ... "ويدبّون ... إليه ... كالدَّبا
وعُمان ... حركت ... أرجاءها" ... "وغدت تجري دَبوراً ... وصَبا
فأماتوا ... نهرهم ... كَبْساً ... ولم" ... "يَدَعَوا ... فيه ... لطفل ... مشربا
وإِمام الناس ... في ... رستاقه" ... "يتوالون ... إليه ... رغبا
ومضى أحمد يستنجد ... من" ... "آل سعد والنصارى ... طلبا
والنصارى في الذي ليس ... لهم" ... "فيه نفع لم يكونوا ... سببا
إيعادي ... مُسلمُ ... ذو ... نهُيةٍ" ... "دولةَ الأسلام قل لا مرحبا
ظن ماء وهو آلٌ ... واعتلى" ... "بحبال ... مدّها ... وهي ... هَبَا
وأتى مسترضياً بالصلح ... في" ... "آل جنّي لا رِضاً ... مستعتِباً
لم يزل في غِرّةٍ ... ملتهياً" ... "وعلا ثم ... غلا ... ثم ... أبى
غالب الأيامَ ... فانحط ... وذا" ... "شأن من قام يعادي ... الأغلبا
ما درى أنَّ العوادي ... طرقت" ... "حوله ... لما ... دعاها ... كَثَبا
ليته ... أضمر ... طيباً ... وحلا" ... "مورداً ... واعتاد ... قولاً ... طيبا
ما عليه ثائر من ... أحد" ... "لا ولا ... كان ... له ... مرتقبا
أين ذاك العقل منه ... والذكا" ... "والدَها ... ولىَّ ... وأنى ... ذهبا
ما اقتفى آباءه الصيد ... الأُلى" ... "دوّخوا الأرض وهاداً ورُبى
فهم غوث الورى غيث ... الثرى" ... "عدلُهم شرَّق ... حتى ... غرَّبا
وبنو ... جني ... برأي ... غلَبُوا" ... "الجن والإِنس وراعوا ... مطلبا
أهل عقل وسكون قد ... رأوا" ... "ميلهم للصُّلح فوراً ... أصوَبَا
صالحوا ... فارتفعوا ... منزلة" ... "وهَمَوْا جوداً فبارَوا ... سُحُبا
يا إمام المسلمين ... استمعُوا" ... "بلبلاً يصدح في دوح ... الرُّبَى (1/260)
صفحة 261
تجدوا سِحراً حلالاً ... ضمَّه" ... "منطقٌ جزل ... وقولٌ ... عَذُبا
أطلبُ الأجر من المولى ... بكم" ... "وعليه ... أن ... يُتِمّ ... المطلبا
وكان تمام نظمها في شهر رمضان المبارك من سنة 1338 هـ.
وقد كتب الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري للإمام سالم رحمه الله لما استنهض آل حكم إلى الجهاد وألزمهم القيام معه في هذه الحرب كتاباً أغلظ فيه الخطاب يؤنبه من قبل أخيه الشيخ ناصر بن راشد الخروصي تحامل فيه على الإمام تحاملا عظيماً ومان هذا دأب علمائنا رحمهم الله متى استنكروا من القائم أمراً لم يتضح لهم صوابه لم يسامحوه ولا يرون إلا محاسبته ومناقشته حتى يخرج بوجه حق فشأنه عندهم شأن أي إنسان يتعرض للخطأ.
وردت هذه القصيدة من شاعر العرب بإفريقيا أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي لحضرة الإمام سالم بن راشد الخروصي في شهر شوال من عام 1338 فها هي بنص حروفها وجدناها في هيميان الإمام بخط ناظمها بعد وفاته بيوم ببلد الخضرا من وادي عندام وكانت وفاته ليلة خامس من ذي القعدة من ينة 1338 المذكورة.
مولاي أبشر لن تزال ... مجيدا ... حفظ الإله مقامك ... المحمودا
إقبال دهرك بالبشائر ... مؤذن ... تزجي جدودا أشرقت ... وسعودا
نظرت إليك من السعادة ... عينها ... فارفع يديك لتشكر ... المعبودا
وعد تحققه المشيئة قد ... أتى ... ولسوف تعرف ذلك ... الموعودا
قرب الزمان وأشرقت ... أيامه ... ليس الزمان بما أقول ... بعيدا
سترى العجائب مسرعات ترتمى ... تحيي جهارا ميتا ... مفقودا
خذ الإشارة من لسان صادق ... حتى تشاهد يومك ... المشهودا
و لقد أتيتك قبلها ... بإشارتي ... وأظن أنك تذكر ... المعهودا
أبدى الزمان بما يكن ... ضميره ... وترى زماناً بعد ذاك ... جديدا (1/261)
صفحة 262
أ خليفة الرحمان أيقن ... بالقضا ... ليس القضا بحيله ... مردودا
يا من أضل بعيره ... بمضيعة ... أبشر وجدت بعيرك ... المنشودا
فإذا انقضى خاء ودال بعدها ... ألفان لام فارقب ... المعدودا
ستفور من قعر البحار ... جهنم ... وتصير هاتيك البحار ... جليدا
ويعود مبيض السحائب ... أسودا ... ترمي الأفاعي جندلا ... وحديدا
ستبيد خضراء الجراد فلا ... ترى ... فوق البسيطة للجراد ... وجودا
فإذا انقضت يس طه ... بعدها ... أسقطت بندا إذا رفعت ... بنودا
وإذا انقضت حاميم قام ... محمد ... للاستقامة ... طالعا ... مسعودا
هذا كتابي قد تركت لذا الحجى ... مفاتحه في ... قفله ... معقودا
وأراك فاتحة وخازن ... سره ... عش في السعادة والجلال مجيدا
وفاة الإمام سالم
لما كانت الساعة الخامسة من ليلة خامس من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1338 هـ ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف عرجت النسمة الطاهرة التي عشقت الكمال فعشقها الأدب والحياء وانغمست في بحر المراقبة ففاضت إلى ربها آمنة مطمئنة فنالت الدرجة السامية والمحل الأعلى الذي أعده الله للشهداء من عباده فألهم الله الأمة الصبر والجلد على الرزء الفادح والمصيبة العظمى في العلم الذي نهض بهم حتى أبلغهم مقامات الرجال ونهج بهم طريقة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم فلطالما سهر في إحياء هذه الأمة الخاملة وتعب في راحتها وبذل نفسه الطاهرة في الذب عن حوزتها وانقاذ بلادها من يد الإستعمار قام بأمر الجهاد بعدما فقدناه وأحيا الحدود بعد اضمحلالها وأمات الجور بعدما شمخ أنفه وقذف الرعب في قلوب الظلمة فرحم الله روحه الطاهرة وأفاض شآبيب الرحمة على تلك الأوصال.
سبب وفاته أنه خرج رحمه الله من نزوى في عسكره لأنفاذ الحكم في وهيبة (1/262)
صفحة 263
وكان قد دعاهم فامتنعوا عليه فنزل بالخضرا من وادي عندام فنام بين أصحابه في
صفحة واديها ولا يحس من أحد بشر آمن غائلة الرعية لإنصافه الحكم بينهم بالسوية جعل الكبير أباً والصغير أبناً فأغتاله إعرابي فزاري يقال له سطين ولد التويلي كنيته أبو بسره وكان هذا الأعرابي من المطلوبين للإنصاف فأغراه سفهاء قومه على فعله.
وانتقم منه بالقتل في بلد عبري بأمر من الإمام الخليلي وماذا عسى أن يرد الفايت.
فليتها إذ فدت عمراً بخارجة * فدت علياً بما شاءت من البشر
كانت مدة إمامته سبع سنين وأربعة أشهر واثنين وعشرين يوما ودفن رحمه الله في سفح الجبل شرقي بلد الخضرا وقبره بها معروف.
كتبه لعماله:
إن له كتباً إلى عماله فيها مراشد وزجر ونصايح عن التهور والجور على الرعايا فنذكر منها كتابه لأبي زيد عبدالله بن محمد الريامي عامله على بهلا وكفى به دليلا على غيرته وصلابته وشدته فإذا كان كتابه لأبي زيد رحمه الله فما أدراك بغيره وأبو زيد ممن شهر عند العمانيين فضلاً وزهداً وعلماً وورعاً.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين المعتصم بالله سالم بن راشد الخروصي للشيخ الأكرم الفاضل أبي زيد عبدالله بن محمد الريامي حرسه الله تعالى سلام عليك ورحمه الله وبركاته إني أحمد إليك الله الذي عظم شأنه وجلَّ سلطانه وقام برهانه وعلت كلمته ووضحت حجته وبين السبيل ورزق عباده العقل والدليل ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وكان الله سميعاً بصيراً لطيفا خبيرا أما بعد فقد ورد إليَّ كتاب من شيخنا الأمجد البصير العالم الشهير ماجد بن خميس العبري ينقم عليك أشياء في احكامك ويعيب (1/263)
صفحة 264
عليك في أفعالك وعقوباتك وما جعلتك والياً في تلك البلاد إلا لتقوم بالعدل بين العباد على وفق ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وتتبع سبيل الخلفاء الراشدين فمما ينقمه عليك ذلك الشيخ جلبك دواب الناس إلى الحصن من المسافات البعيدة ومنعك أربابها عن الكسب عليها وتحكمك
عليهم في الإنفاق عليها وكل ذلك العدل والأصلح لك تركه والأسلم في الدين إذ لو صح لك الحبس لأربابها بتركهم لها في ذلك المكان الذي يقولون انه حمية فحجة التهمة تقوم بغير جلب الدواب إليك أرأيت في عقلك وعقل كل ذي لب سليم أن جلب تلك الدابة إليك هو الذي يقوم الحجة على صدق مقالة جالبها أنه وجدها في تلك الحمية فإن قلت نعم فجميع إخوانك المسلمين وأهل العلم في الدين ما اظن تلقى من يقول منهم بذلك فتبقى وحيداً على فعلتك وان سلمت أن لا يقوم ذلك بحجة غير أنه أقوى دلالة قلنا فحينئذ ما الحاجة عليه إلا منع الدواب عن أربابها والإنتفاع بها واعتبر بعقلك هل يصح الحبس إلا على الجنايات وأنت من جاءك يقول دابته منطلقة عليه وهو غير معتاد يطلقها لم تصدقه فأما حبسته أو منعته دابته ورجع عنك بدونها فعزيمة عليك أخبرني ما هذا الجرم الذي فعله صاحب الدابة المنفلتة عليه وأنت تعلم أن المسلمين محمولون على حسن الظن إلا من نظر منه الحاكم الإعتياد وعرف عنه تكرر الفساد بطلقه الدواب في الحروث وبعدم مبالاته يحجر الحاكم الذي يجوز له الحجر فيه مما يئول إلى الإفساد بين العباد وهذا الذي وصفته لك في الحروث التي يحرثها الناس بأنفسهم ويسقونها بأنهارهم فكيف بما يسقيه المطر الذي اشترك فيه الناس جميعهم بنص الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قلت إن الحميات للبلادين قد تقدم من أهل العلم بالكلام فيها ونصبوا للناس حدوداً لئلا يعدوا بعضهم على بعض وفي ذلك مكاتبات وأوراق يشهد بها من وقف عليها أترى ما صنعوه باطلاً أم تقر بعدله فتعرف ما فعلناه حقا وصوابا قلنا إن الذي فعله أولئك الأئمة والعلماء عدلهم غير منكور وحقه مخبور وسيرتهم بالعدل أشهر من نار على علم غير انه يخرج على وجوه كلها لأئقة مستحسنة جائزة منها أن (1/264)
صفحة 265
ذلك فعلوه إصلاحا بين العباد لا حكما جازما والصلح جائز على التراضي لدفع الإفساد حسما لمادة ما تعوده الجهلة من التطاول على
بعضهم بعضا وكلا منهم أعطوه في ذلك الصلح بقدر نصيبه على وجه التراضي من تلك البقاع للإنتفاع منها وما جعلوا ما كان مما يخص الغير من تلك الفلاة محرما كالحرم يعاقبون عليه العقوبة الشديدة ويتوغلون في حجره كل التوغل وما اشتهر لنا عنهم إنما أتاه من دواب الناس في تلك الفلوات يساق إليهم إلى حصنهم من المكانات النائية البعيدة يعاقبون ويحبسون الدواب على أربابها ويسلبوهم أسلحتهم رغما عليهم إلجاء لهم على العقوبة بما يرضي القائم
من المدة التي تخالف سيرة العدل من طول المكث في الحبس وعلى تقدير إنما فعلته ليس خارجا مخرج الخطأ في الدين إلا أنك خالفت فيه سيرة أهل العدل من إخوانك المسلمين ولم تصغ لنصحهم ولم ترغب فيما رغبوا وفيهم من هو أنفذ منك بصيرة وأكثر إطلاعا على أثر السلف وأغزر علماً وأوسع دراية وأعدل سيرة وأقدم هجرة وأترك للدنيا وحطامها وسيرته بالعدل والزهد أشهر من أن يصفها الواصف وهو الذي بلغك النصائح حتى مللت نصحه ولويت عنقك عن قبول ما أراد منك الرجوع عنه فكفى بذلك دليلا على ارتكابك المعيب وتخبطك العشواء وميلك على ما تهوى على تقدير إنما فعلته غير خارج مخرج التخطئة بالإجماع وأنت على ما رفع لنا الأمناء ما اقتصرت على ذلك حرمت على الناس الحلال بفتواك في مسائل مما لا يحصى من فتاويك بإعتقادك الفاسد أنك من أهل الإجتهاد وأهل الإجتهاد ما أباح الله لهم بإجتهادهم عدم المبالاة وما أحل لهم يقولون ما لا يعلمون بل إن اجتهدوا في مسئلة استنبطوا الدليل من محله أو قاسوها على غيرها من المسائل حتى ترجع إلى أصل صحيح فقالوا بإجتهادهم فيها لا عن هوى ولا عن ما يستحسنه الهوى فأقنع أنك لست من اهل تلك المرتبة وأعرف قدرك ولا تطاول فوق معرفتك فما أراك إلا من أهل المنزلة الأولى وإياك ثم إياك أن تقول في مسئلة بإجتهاد منك وقد ألزمتك ان تحكم بما تجده في أثر المسلمين والأئمة في الدين وحكمك يكون جريا على حكمهم في المسئلة التي تعرف حكمهم بذلك (1/265)
صفحة 266
الحكم لا غير بشرط معرفتك عدله وحقه وصوابه وإلا أرجعهم إلى إخوانك الذين هم أعَرف منك وهنالك جارك ذلك الجهبذة البصير الشهير ماجد فرد الخصوم إليه وإن رأيت في الأثر أن الحاكم إلى نظره احوج منه إلى أثره فذلك في حق قوم لا أنت منه اللهم إلا أن تشهد لك العلماء أنك منهم وتحققت ذلك من نفسك يقيناً لأن في الحديث (استفت نفسك .. )
ألخ فهذا كلام يخرج على وجهين إلى نظر اجتهاد في الرأي أو إلى ترجيح في مسائل الرأي وعلى كل حال فأنت لست من اهل المرتبة الأولى والإباحة لك في الثانية إن رأى العلماء أنك من أهل الترجيح فتب إلى الله من تخليطاتك فإن المخلط في دينه لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا وأنت تلعم أن الدين ليس طالمال إن أفسدت في بعضه انهدم كله فإياك ثم إياك يا أبا زيد احرص في حركاتك وسكناتك وقدم للسؤال جواباً وتدارك نفسك ما دام العمر ممدود وباب التوبة غير مسدود الله الله
اتق الله تعالى أوصيك ونفسي بتقوى الله تعالى وإن رأيتم من المبتلى عيباً فخذوا بيده وأنزلوه منزلته التي أمركم الله أن تنزلوه فيها والحق يعلو ولا يعلى عليه وما حرضتك هذا التحريض وجردت لك هذا النصح وبينت لك هذا التبيين إلا شفقة بك وشفقة على نفسي من السؤال في الموقف العظيم الذي ترتعد فيه الفرايص ويقول فيه الصديقون والمرسلون اللهم لا أسألك اليوم إلا نفسي وقد أبتلينا بأمر عظيم وخطر جسيم فالويل كل الويل لنا إن لم يتدراكنا الله برحمته الواسعة ويغمرنا بمغفرته ولطفه نعوذ بالله من سوابق الشقا ونسأله التوفيق لما يرضى ويسلك بنا لأحسن طريق يحبه ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه ويجعل لنا إخوانا وأعوانا وأنصاراً ورغبتهم في الدين لا في الدنيا وحطامها وزخاريفها وأسلحة القوم التي أحجرت بها عندك وحميرهم أرسل بها للشيخ ماجد أمرتك بذلك أمراً جازماً وإن رأيت ذلك المكان المعهود يحتاج إلى حكم فيه ورأي الشيخ مما تجوز فيه الأحكام قوله ذلك من لم يقنع بحكم وتطاول إلى ارتكاب بدعة كبدعهم القديمة والكبائر العظيمة التي كانوا يركبونها من تبكيت الآذان للدواب عاقب من فعل (1/266)
صفحة 267
ذلك العقوبة الشديدة هذا والسلام عليك ومن قبلك من الإخوان، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
في ذكر شيء من عهوده لعماله:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما عهده إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي لعامله محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي على إزكي ونواحيها فجعلها نائباً عنه فيها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى القيام بالعدل فيها يأخذ الحق من الظالم والمظلوم وإنصاف الضعيف من القوي بالشدة والرخا وأن ينصح في ولايته على قدر طاقته كما نصح محمد صلى الله عليه وسلم لأمته فيجعل الرعية كلهم كأسنان المشط على السواء وأن يعاقب أهل الجرائم كما عاقبت عمال الأئمة قبله من غير تساهل في الأمر وعلى قبض الزكوات من أهلها الأغنياء وجعلها فيما يأمر الإمام به ويجعله يجري بذلك على وفق كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة من المسلمين ومهما أشكل عليه من أمر فليرده إلى علماء المسلمين عهداً ثابتاً موثقا وكتبه بأمره عامله أبو زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي بيده بتاريخ يوم 25 شعبان سنة 1335 هـ
وهذا عهد آخر
بسم الله الرحمن الرحيم
قد جعل إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي الولد محمد بن عبدالله بن حميد السالمي والياً على بلدان الحبوس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنصاف المظلوم وأخذ الحقوق وأمره أن لا يقدم على أمر حتى يعرف عدله وذلك إلى أن يصل الشيخ سليمان بن سنان فإن وصل الشيخ سليمان بن سنان فقد جعل ابن سنان هو الوالي على المضيبي وسناو وجعل محمد بن عبدالله السالمي على سمد ونواحيها الخضرا وديار (1/267)
صفحة 268
الشروج إلا إن أراد ابن سنان أن يكون هو والسالمي يداً واحدة على هذا الأمر جميعاً واتفقا على ذلك فقد فوض ذلك إليهما وقد فرض لمحمد بن عبدالله لكل شهر ثلاثين قرشاً يأخذها من بيت المال وقد جعل هاشم بن يزيد قائما في العسكر وهم سبعة رجال هو سابعهم وقد جعل له لكل شهر اثنا عشر قرشا ولأصحابه لكل واحد منهم لكل شهر خمسة قروش إلا محمد بن عبدالله وسليمان الغزو فلكل واحد منهما ستة قروش فإن استعاضوا بغيرهم فله خمسة قروش ولسعود ابن حميد لكل شهر خمسة قروش ليكاتب بين الناس ويكون مساعداً للقائمين بالأمر حسب طاقته وله عشرة قروش من فضلة اموال المساجد ليتعلم ويعلم من جاء متعلماً وقد جعل محمد بن سعيد الجابري عاملا على جباية الزكاة من ديار الحبوس المضيبي وما حولها من الديار ويستعين بمن شاء من الأمناء وقد جعل له عشر ما يقبضه من الزكاة أجرة له على عمله وحرر هذا محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي بيده في يوم 28 رجب من سنة 1337 هـ قد أمر إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي محمد بن عبدالله السالمي أن يحاسب وكلاء المساجد لينفق ما فضل من عمارها في المعلم والمتعلمين وكتب هذا محمد بن عبدالله بن سعيد بيده وقد جعل الإمام سالم بن راشد لفاضل بن مسعود السالمي لكل شهر ستة قروش ليكون معيناً للولد محمد بن عبدالله في أمر الدولة وكتب هذا محمد بيده.
صحيح هذا عن أمري كتبه إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي.
وهذه قصائد شاعر العرب الإمام أبي مسلم اصر بن سالم بن عديّم البهلاني الرواحي في التحريض على الإجتماع والجهاد في سبيل الله أنشأها رحمه الله لما بلغه قيام دولة العمانيين وإجتماعهم على إمام يلم الشعث ويجمع الشمل ((ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)).
المقصورة:
تلك ربوع الحي في سفح النقا * تلوح كالاطلال من جد البلى
أخنى عليها المرزمان حقبة * وعثت الشمأل فيها والصبا (1/268)
صفحة 269
موحشة إلا كناس اعفر * ومجثم الرأل وافحوص القطا
عرج عليها والها لعلها * تريح شيئا من تباريح الجوى
نسألها ما فعلت قطانها * مذ باينوها ارتبعوا أي الحشا
هيهات أقوت لا مبين عنهم * لمحتف بشأنهم غير الصدى
تربع الآنس من أرجائها * واستأنست بها الظباء والها
فقف بنا عند غصون بانها * نشاطر الورق البكاء والأسى
بحيث اهريق بقايا دمعتي * واتبع النفس اذا الدمع انقضى
ان من الحق على مدامعي * ان تسبق السحب على ربع عفا
عهدي بدمعي طاعة ادكارهم * وبفؤادي أن دعا العذل عصى
وما قوفي عند بان نبتت * غصونه بين الضلوع والحشا
لولا علاقات هوى تحكمت * في رمق عاش على مثل الصلا
دعني أبكي دمنا تغيرت * وأطبق الجفن بها على القذى
واذكر الإلف الذي كان بها * وكيف شطت بهم عنها النوى
لم يبق فيها أثر لهم سوى * عيارة الخيل ومركز القنا
لتسرح البرحة في براحها * فانها قد بلغت رأس المدى
لطالما أطلحتها سارية * تمزع في الدو ولا مزع الطلا
يعملة قد أخذت سلاحها * من حقب يزينها على الونى
روعاء ترمي مقلتيها حذرا * بين عزيف وعواء وصدى
زيافة تحوذ في تجليحها * لا فرق ما بين الدماث والكدى
تخلف الريح تكوس خلفها * كأنها أعارت الريح الحفا
كأنها من حقب منحب * في سدفة الليل هلال قد خوى
كأنما تطير من لغامها * سرب ثغام فوق خيطان الغضا
بلبها البرق كأن سائقا * يزجها نحا بأسواط السنا (1/269)
صفحة 270
اذا استطار أرزمت رازفة * تواضخ الخال بأجواز الفلا
كأنما البرق لها أجنحة * اذا رأته حلقت الى السهى
أقول للبرق وقد أرقني * لهيبه أعلىثنيات الحمى
سقيت أجراز البلاد فارتوت * وحظ قلبي منك الهاب الجذى
خل نعاماك تداجي مهجتي * فانها محروقة من الجوى
اهفو الى روح النسيم راجيا * اطفاء ما بالقلب من حر الصلا
أعلل الشوق يصادي كبدي * نفح شميم الزهر من تلك الربى
فكان من حيث الشفاء علتي * ورى زناد الشوق من ذاك النثا
وربما منيت نفسي طيفهم * وهو حلال لي ان حل الكرى
ولو قصدت هفوة بحبهم * أو كنت من عاهدهم فما وفى
أرسلت طرفي رائدا لدهشة * بربعهم تذهلني عن الأسى
هيهات لا تمنعني طلولهم * وسانحات ذكرهم الا الضنى
ولو تركت واجبات حبهم * أو صدف الهجر غرامي والقلى
أو تركت لي كبدا صحيحه * أو جلد الحر على قرع النوى
لكان لي الطول وقفة * أبريء النفس بها من الهوى
لكن لي قلبا عرته سكرة * ما ضل في غمارها ولا غوى
وعاش في صبابة تعمده * مال اليها عامدا فما ارعوى
اسلو بمن أهواهم وان نأوا * وكيف يسلو دنف بمن نأى
وكيفما خامرني الحب فما * قلت رشادي يا ترى أين وخى
ليعمل الحب بنفسي ما يرى * ان ضلالي بهوى القوم هدى
ما زال بي مع الهوى تبصر * ينتقد الحب على شرط الحجا
ليت النهي مع الهوى تثبنت * راسخة فيها عزائم التقى
لو ارعوت مع الغرام نهية * لم يعبث الحب بأحلام النهى (1/270)
صفحة 271
اعمد ممن ضللته صبوة * وبين فوديه ضياء ابن جلا
لربما يهفو التصابي بالفتى * وماله وهفوة اذا عتا
اذا تباشير مشيب وضحت * لم تعذر المرء متى ولا عسى
وفي الصبا معتبة وزاجر * فكيف بالشيب اذا العود انحنى
وكيف بالشيب اذا تقاربت * خطاه أن يقصر في الجد الخطى
يبادر الكيس أخرى عمره * فيرقع الخرق ويوثق العرى
اذا تولى أمد موقت * لم يبق للرجعة منه مرتجى
وكل ما تلبسه من جدة * يعروه من كر الجديدين البلى
ليس الجديدان وقد تباريا * في حزبنا يرضيهما منا الفدا
حتى يثلا معهدا ومعهدا * ويمضيا ثم على الدنيا العفا
لقد بلوت الدهر في عفوته * فكدر الصفو وجد ما عقى
وكان ما اجتبيت في صروفه * بالصبر أجدى من تفارق العصا
وساءني الفائت اذ اكسبني * كنزا من الصبر وفوزا بالرضا
جبلة الدهر خؤون حول * ما راش في عافية إلا برى
محافظ الثبت على طباعه * حتى يحول الآل بحرا في الملا
لا يستقيل عثرة من ندم * ولا يقبل من به الحظ كبا
فاصحبه ذا عزم على علاته * تزجي الهموم للعلى على الوجا
مستحقب الصبر على مراسه * حرا سليم العرض من سوء النثا
تبلد الخطب اذا جالدته * بمرة تبسه بس السفا
محجب البث رحيبا شامخا * من رقة الشكوى وسورة الجفا
ان هزك الممض هز طوده * أو هزك الهول فسيف منتضى
توسعه مريرة ويتقي * من جدها ما تبقى من الردى
لا تعرف النكبة منك جولة * تخذو لها خذو مقودات البرى
تصارع الأخطار غير ضارع * لطودها الأعصم ساخ أو رسا (1/271)
صفحة 272
تحس كل حادث بسيفه * فان نبا حينا فأحيانا مضى
لا تعجل الأمر أمام وقته * ولا تفته حيث آن بالونى
وان تعارضك اثنتان فاتخذ * أولاهما بالحق وانبذ الهوى
ان القوي من ثنى شرته * ومن اذا مال الى النفس انتهى
والعقل والحق يحرران من * رق الهوى ويدعوان للعلا
وشر ما صاحب مرء جهله * مطية فارهة الى الردى
ومن تكن عادته طادية * بالسوء هد مجده بما طدا
أني أصون صفحتي مقتنعا * بما يطف من علالات الحسى
انبو والهوب أواري ساعيا * عن مشرب أشربه على القذى
يحمي الكريم عرضه ويحتمي * ان يرد الآجن من كل الركى
لم التفاني في براض آسن * لا يرتجى من نبضه بل الصدى
ولا أقامني طمعا مقادرا * ولست ولاجا بأسواء القمى
كي لا ترى عين خسيس موقفي * ببابه منتظرا من الجدا
في ظلف العيش على قناعة * تظلف للعرض عن السوء غنى
ومطعم تهافتت ذبانه * قضم الهبيد منه أحلى في اللها
ما أضيع النبل اذا تطاولت * خساسة العرق عليه بالحبى
حسبك عيش ماجد على الرضا * بما منى الله به من المنى
ما أقذر العرض يلب عاذبا * برأسه الى لئيم المنتحى
حتى بغاث الطير تسمو أنفا * عن مشروب تخزى به لمنتضى
آليت لا تعلو يدي يد أمرء * يسلفها اللؤم ويطغيها الغنى
ولا أرى وجهي ناظرا الى * وجه يحق أن يحيا بالحثى
وعيشة تمنها خساسة * أشد عندي قذرا من الوغى
قناعه المرء بما يمنى له * من حظه في عيشه خير المنى (1/272)
صفحة 273
ولا أذود الحظ عن طريقه * فالسيل حظ للوهاد لا الربى
ولا أبات شاكعا من حسد * قد هيأ الله لكل ما كفى
في قسمة الله وفي ضمانه * وفي اقتناع الرزق غايات الرضا
اذا سنا الله لعبد نعمة * فواجب العبد الرضا بما سنا
ففيم يصلى حاسد ضميره * والحظ والأرزاق تقدير مضى
فافطن لاقسام الحظوظ انها * قضية عادلة بين الورى
سوية وان تكن تمايزت * حالة ذي عدم وحال من ثرى
لم يظلم القاسم محروما ولا * كل سعيد بالثراء محتظى
ما سرني من الثراء وفره * ان كان بين اللؤم والحرص نما
اذا نفته هكذا وهكذا * صنائع في أهلها فقد زكى
فانهب المال حقائق العلا * وفك من أسر الزمان المهتدى
ما بليت موهبة في حقها * ووعد ما ضن به الحرص البلى
فربما تحسبه وضيعة * في متجر الفضل به الريح نما
عقائل المال اذا أطلقتها * خلدت الذكرى وأنت في الثرى
ما الحق الله بنفس حوبة * تحوبت من شحها بالمقتنى
أذل أعناق الرجال حرصهم * لاتستقيم عزة على الكدى
حتى متى كأسي ريق حية * ومطعمي من زمني مر الجنى
أطالب الدهر حقوقا كلها * كبارح الأروى منيعات الذرى
أقطع آمالي بما في بعضه * أكبر من كاف لدرك المبتغى
كأن تطلابي أمرا ممكنا * أصعب من أمر محال المرتجى
لست على الحمد من الأمر اذا * غالطته خلابة فيما أتى
آتيه نصا فاذا خادعني * فوضتها الله يقضي ما قضى
والخب لا تصحبه فضيلة * ولو إلى النجم بدهيه عسلا (1/273)
صفحة 274
ان وسع الدهر احتمال عاجز * فهو سلاحي وتلادي المجتبى
ينفق في اهانتي صروفه * وانفق العزم وانفاقي زكى
ذنبي اليه جنفي عن لؤمه * وقدرتي على احتمال ما حنى
وانني الحتف على لئامه * انكأ في حلوقهم من الشجى
أذود عن حريتي بحقها * واجهد النصر لحر مبتلى
وانني لا اعرف الحد لما * استطيع أن أنجزه من العلى
وانني لا ابطل الجهد الى * حد سكوني بين أطباق الثرى
وانني أدرك أن عازما * مثابرا يدرك غايات المنى
وانني في محن ساورتها * علمت ما جهلته من الورى
وان في حسن التدابير غنى * عن خدع وهو عماد من وهى
وانني لا أستثير سيئا * ولا أسيئ دفعه اذا عنى
ولا أداجي مالئا وذامه * علي غيظا بفقاعات النثا
ولا أحاجي ملقا ذا ظاهر * يشف لي ظاهره عما انطوى
مالي وجهان ولا ثلاثه * إن لم اكن حلوا أكن مر الجنى
تلك وما يفضلها خصائصي * وليسها عند الزمان ترتضى
أرى الحياة كلها ذميمة * وخيرها وشرقها الى مدى
يحبها المرء على آفاتها * وتظهر الآفة عند المنتهى
يعيش لاتندى صفاة كفه * يخزن للوارث كل ما اصطفى
لا تربح الدنيا بشح وافتقد * ما أوضع الجامع من خلد الغنى
نهب فيها هبة فتنسري * وكلنا مرتهن بما أتى
يفوز فيها كيس بربه * أمامه الرشد بمنهاج الهدى
فاستخلص المجهود في تخليصها * من ورطة الذنب واشراك الهوى
وانتهز الفرصة في استدراكها * أوامر الله وما عنه نهى (1/274)
صفحة 275
ان لها عدوا الى غاياتها * والحد وافاك ودربك انقضى
لاتهملن ذرة في عبث * فلست متروكا كما شئت سدى
تودع الأنفاس لا تبكي لها * ورجع ما ودعته لا يرتجى
والكل منها راحل ببضعة * من أجل مقدر على شفا
وآخر الأنفاس يرجو وقته * فهل ترى تأخيره اذا دنى
وربما فكرت في تأخيره * يكون أدنى لك من فكر الحجى
فودع الباقي منها مخلصا * بالباقيات الصالحات في اللقا
دراكها مبادرا دراكها * فالأجل المعدود للعمر خلا
أما ترق لحياة أوذنت * بغصة الموت وهول الملتقى
ارحم حياة طلحت بوزرها * في حمل ذر منه ايهان القوى
لو قرصتها ذرة تألمت * فكيف بالنار الى غير مدى
حتى متى تنصبني أمنية * في نصرة الله فتعدوني المنى
كأنني مكبل في شرك * يزداد في الشد اذا قلت وهى
أشاطر النجم السهاد ساريا * فيغرب النجم وعيني في السرى
كأن أفعى نهشت حشاشتي * من لازب الهم وتلهاب الحشا
أذكى من النار بقلبي زفرة * يخرجها المظلوم من حر الأسا
محترق الأكباد من حسرته * لاغوث لا منصف لا يلوي الى
أنفاسه تطرق باب العرش لا * تطرق بابا غيره ولا ذرى
وعبرة تسفحها أرملة * كالخلق السحق اصارها الضوى
شعثاء غبراء عليها ذلة * مهضومة الحق عديمة الحمى
وصفرة على يتيم شاحب * ادقعه الفقر واشواه الضنى
مفترسا على العفا اديمه * وهل له عافية على العفا
يغدو ويمسي ضاحيا تحت السما * كأنه عود خلال أو خلا (1/275)
صفحة 276
وضربة من سيف باغ نهكت * وجه تقي مثل تشهاق العفا
وسطوة من ظالم شباته * اقتل الاسلام من حد الظبى
يتنهك الحرمة لا تريغه * ضريبة من كرم ولا تقى
يرى عيال الله صيد قوسه * يترك ما شاء وما شاء رمى
جاس البلاد بالبلاء طاميا * فبز حتى بلغ السيل الزبى
وغيرة المؤمن في ضميره * يطفئها الخوف ويطغيها الأسى
يهان في حريمه وعرضه * ودينه وماله مثل اللقا
حامي الحميا مرس لكنه * شرارة في ضرر لا ما عدا
ما نتفع الغيرة في مكمنها * والسيف في قرابه لا ينتضى
حتى تكر الخيل كشفا ساقطا * تهوي هوي العاصفات في الوغى
تجمز جمزا بالكماة شزبا * عوابسا شمسا كسيدان الغضى
هوازجا غربا لجاجا ضبعا * غمر الأجاري بعيدات الشحا
في فلق حالكة أركانه * يجلل الأرض الدجى راد الضحى
مجر لهام أرعن هطلع * غمر دخاس لجب صعب الذرى
يقل في الجو عجاجا لو هوى * عليه رضوى لم يصل الى الثرى
تعشش العقبان في أحضانه * وتنشط الوحش اليه للخلا
لولا بروق المشرفيات به * لم يهتد الجيش الأمام والقفا
تضطرم الأرض بما تقدحه * سنابك الجرد وتقراع الشبا
يخلط غورا بيفاع وقعه * فالأرض في بطن رحاه كاللها
تلتحم الشكه في رعاله * فالجيش في بحر حديد قد طغى
مزجر الوغر له زمازم * زهاؤه الليل اذا الليل عسا
بكل صنديد عتيك داغر * مهول الكبة شداد السطى
يستحقب الحتف ويشهى حينه * ان يكن الحتف انتصارا ً للهدى (1/276)
صفحة 277
تهوى النسور سيفه ورمحه * لما يتيحان لها من القرى
يصدع قلب الروع في عزيمة * أسرع من برق واورى من لظى
كأنها جرازه من قلبه * لا ينتحي ضريبة الا فرى
مجرس مضرس ممارس * يمترس الخطب اذا الخطب شحا
على سراة شامس مطهم * معترق في جريه عبل الشوى
يخترق الحومة في وطيسها * يعارض الهول ويعتام الردى
كأنه صاعقة منقضة * لوصلك في خطفته الطود ثرى
محتمشا مضطغنا صمصامة * يحوش أكداس الرعال كالقطا
أخلصه الصقل شهابا قبسا * وكمن الموت به على الشبا
يفضفض الجحفل باهتزازة * منه ويجتز الاشم إن هوى
يشفعه بلهذم سطامه * أعصل رقشاء على الحتف انطوى
في مأزق بين كمي قد دمى * يحشرج الروح وضرغام شصى
يسوط فيه فيلقا بفيلق * كما يسوط البهم ضرغام الشرى
بهذه الخطة نشفي غيظنا * ان كان بالسيف أخو الغيظ اشتفى
بهذه الخطة نرضي ربنا * ان كان فينا طالب منه الرضا
بهذه الخطة نبتاع العلى * في الدين والدنيا ونستوفي المنى
بهذه الخطة نرقى سلبا * لغاية حض عليها ودعا
أين رجال الله ما شأنكم * الى متى في ديننا نرضى الدنا
الى متى نعجز عن حقوقنا * الى متى يسومنا الضيم العدا
كنا أباة الضيم لا يقدح في * صفاتنا الذل ونقدح الصفا
كنا حماة الأنف لا يطمع في * ذروتنا الطامع في نيل الذرى
لا يطرق الوهن عماد مجدنا * وكم ثللنا عرش مجد فكبا
على م صرنا سوقة إمعة * اتبع من ظل واقتى من عصا (1/277)
صفحة 278
ما أفظع الشنار أو يزيله * ضرب يزيل الهام من فوق الطلى
الى متى نخزى ولا يؤلمنا * كالميت لا يؤلمه حز الشبا
أذل من وتد حمار فيهم * وقدرنا أقصر من ظفر القطا
الى متى نهطع في طاعتهم * ونتقي وليتها تجدي التقى
الى متى نهرع في أذنابهم * لا ملتجى لا منتهى لا منتحى
الى متى يعرقنا نكيرهم * وجورهم وكفرهم عرق المدى
الى متى تقضمنا أضراسهم * الى متى نحن لهم عبد العصا
الى متى تعركنا أحكامهم * الى متى الى متى الى متى
أين محب الله فينا صادقا * لو صدق الحب لهان المختشى
لا ينتهي اذ نفست قروانها * محارم الليل الى العزم اللقا
أين ذوو الغيرة من لي بهم * قد حزب الأمر قد انقد السلا
اتسع الخرق على راقعه * من يشعب الوهى ويرتق الثأى
أما شعرتم أنها داهية * شعواء لا فصية منها بالولى
هبوا من النومات ان حية * تنباع ما بين شراسيف الحشا
حتى على الموت الزؤام نومكم * وليته موت على حفظ الحمى
قد استباحوا حرمان دينكم * ومنعوا الأرض الحياة والحبا
تحكموا في ملككم ورزقكم * وكبسوا البئر وقطعوا الرشا
منوا عليكم بغذاء طفلكم * وحسوة الماء ونفحة الصبا
وأزعجوكم عن ظلال ريفكم * وليتكم لن تزعجوا عن الفلا
وضايقوكم في بلاد ربكم * حتى على مدفن ميت في الثرى
لا يرقبون فيكم الا ولا * ذمة دين أو ذمام من رعى
قد سفكت دماؤكم وانتهكت * حرمتكم ولا حشا ولا خلا
نقعد يشكو بعضنا لبعضنا * وما مفاد من شكا ومن بكى (1/278)
صفحة 279
في بعض هذا غصة لعاقل * لو رجعت أفكارنا الى النهى
يسومنا الخسف خسيس ناقص * لا دين لا حكمة لا فضل ولا
أليس مما يذهل اللب له * عسف الطواغيت بشرع المصطفى
وحملنا على اتباع غيهم * مصيبة لحرها ذاب الحصى
هب ملكنا ورزقنا فيئً لهم * فديننا الأقدس فيئ وجزى
لله ما أفظعها داهية * لو عوفيت قلوبنا من العمى
فيا صباحاه وهل من سامع * لصرختي وهل يجيب من دعا
قد ذبح الملك وهذا دمه * ومدية الذابح في نحر الهدى
وأصبح استقلالكم فريسة * بين كلاب النار يا أسد الشرى
أليس عارا أن نعيش أمة * مثل اللقا أو غرضا لمن رمى
يلفنا الخزي الى أوكاره * ويحكم النذل علينا ما يرى
أنشرب الماء القراح ما بنا * من مضض وليس بالحلق شجا
ونهنأ العيش على اكداره * وتطعم الأجفان لذات الكرى
وجنبنا جنب صدئ صاغر * والسيف حران الحشا من الصدى
كم نظلم السيف بمنع حقه * أما يجازى ظالم بما جنى
ان السيوف طبعت لحقها * وحقها تحكيمها على الطلى
والسيف شهم لا يفيت حقه * أصدق من جد وأكفى من كفى
والسيف حر لا يقر خازيا * يصول ان ضيم وان صال اشتقى
والسيف لا يرضى الذليل صاحبا * ان الذليل بالشنار مكتوى
والسيف جلاء المخازي آخذ * بضبع من يكرمه الى العلى
والسيف مفتاح اذا تضايقت * على الهمام الحر آراء النهى
والسيف كالصدق من الرجال ما * هززته لخطة الا مضى
والسيف في عزومه مؤيد * ان شد سد وتقاضى وقضى (1/279)
صفحة 280
والسيف ذو نقيبة في أمره * ثبت على العلات ميمون الخطى
والسيف أقضى بالحقوق حاكما * أوفر حق ما به السيف أتى
والسيف أوفى صاحب رافقته * ان خانك الدهر وأهله وفى
والسيف فيه فرج معجل * ان الغموم بالسيوف تجتلى
والسيف يعطيك الذي اشتهيته * ان توله من حقه كما اشتهى
ان السيوف عاهدت أربابها * بالمصدر الأقصى وتقريب القصا
هن فحول الحرب منها لقحت * وهن يقتدن الفحول بالبرى
والمجد حيث أبرقت وأرعدت * ينبت من ساعته ويرتعى
ما بالنا نحصنها عقائلا * من المقاصير عليهن الحلى
أين بنو الآسلام ما يعجزنا * والعزة الكر بحومات الوغى
أين بنو القرآن هل ثبطكم * كتابكم عن الجهاد للعدى
أين غطاريف الجلاد بالظبى * أين مشائيم الطعان بالقنا
أين بنو التوحيد لو صدقتم * توحيدكم ما رقص الشرك على
أين بنو الأحرار ما سكونكم * والملك والدين حريب والحرى
كم ذا يناغيكم مبير خادع * أطرق كرى ان النعام في القرى
فجشموه جشما وبيلة * أو تهصروا العظم وتنزعوا الشوى
هلم شدوا شدة قاصمة * مريضة الشمس حمية الوحا
ثبوا الى الموت كراما واندبوا * عزائما تسعر تسعار الصلا
ان ضرابا بالصفاح خطة * ترد ما فات وترسي ما هفا
قدآن للاحرام ان نحله * وتنحر الهدي على رأس الصفا
قدآن لصائم وقت فطره * لطالما ارمض بالصوم الحشا
قد آن للوضوء أن ننقضه * بالسافح الثائر فرصاد الكلى
نقر احلاس البيوت خشعا * أبصارنا مغمضة عما دهى (1/280)
صفحة 281
ندرس تأريخ الالى تقدموا * وحسبنا الله تعالى وكفى
ان العظام لا تؤاتي شرفا * ولا أقاصيص الوغى تكفي الوغى
والسلف الصالح سل سيفه * وكان ما كان له ثم انقضى
تلك الرفات طينة صالحة * لغارس وحارث ومن بنى
أتبحثون بينها عن عزة * أوفي لعل فرجا أوفي عسى
تلكم إذاً أمنية مخلفة * وضيعة العقل وجهل وعمى
لنا صفاح ولها سوابق * لكننا نصفح عن سبق العلى
والمجد لا يملك عن وراثة * لكن بتحطيم الشبا على الشبا
عز على ما اثلت عهودها * كسب المعالي واندفاع ما عنا
ولو تقلدنا فعال أهلها * لم يعبث الفأر بهيصار الشرى
نعيش في هينمة بذكرهم * يعقبها واها وانى ومتى
نعم لهم سوابق لكنها * لا تنعش الجد إذ الجد كبا
معصومة الذروة لا يبلغها * الا همام باللهاميم اقتدى
اذا اتكلنا قعددا عليهم * لم يسلم المجد اذا من الأذى
شدوا الحزيم للهوادي فانثنت * ودوخوا بالعزم صعب المرتقى
واحمشوا الحرب اباء ضيمها * بل هم لها متى ذكت عين الذكا
هم علموا الدهر مراس قرنه * ثم انتهى بعد المراس مهتدى
هم علموا السيف مضاء عزمهم * فهو قرين عزمهم حيث انتوى
هم أدهشوا الهول بما يهوله * فانكفأ الهول شكيا بالضوى
هم شيدوا المجد بما ابيض به * فود عوادي دهرهم حتى غطا
هم عقدوا بالعز عين همهم * فلا تداني ذلة لهم حمى
لا يطرق الضيم عزيز ركنهم * ولا يضام عائذ به احتمى
هم أسبغوا للمكرمات دهرهم * فدهرهم للمكرمات في طوى (1/281)
صفحة 282
هم أجدبوا سوحهم من وفرهم * وهم لأرض الله غيث وحيا
هم أنضبوا غدرانهم بجودهم * وفجروا في الناس ينبوع الغنى
هم وسعوا الكون حلوما وهدى * وصائلا ونائلا ومجتدى
هم أمجدوا وانجدوا وأوجدوا * وأفقدوا وطولوا الباع الوزى
هم جردوا وشردوا وطردوا * وأوعدوا وأوردوا بحر الجدى
هم لكبات الخميس حدها * وجدها وشدها والمحتمى
هم اذا الخيل ارتجحن بحرها * في مأزق الروع تراموا للردى
أولئك القوم وصيت فخرهم * ان كان في أسماعكم ذاك الوحا
أسلافنا ومالنا من مجدهم * الاحديث بعدهم لا يفترى
لم التحجي بعدهم في شرف * عند رفات القوم في الأرض حجا
نرفع منا أنفسنا وننتخي * كأنها من كسبنا تلك النخا
نصحبهن أنفسنا مثقلة * بطيئة تحمل أوقار الونى
تعزف عن مضوفة إذا عنت * مجفلة عن المضاف ان دعا
الا نفوس عزم عارفة * لهن جأش ان طمى الهول رسا
الاشدا في أنفس أبية * يصبرها على مقاساة الشدا
تشفع احسابا زكت بمثلها * لها بها أصله الأصل أسى
هلم فلنحذو حذو سعيهم * فليس للانسان الا ما سعى
ليسوا رجالا لا نطيق فعلهم * لكنهم جدوا وقصرنا الخطى
تناولت أكفنا سيوفهم * يا أسفا وعجزت عن السطى
ما انطمست من دوننا سبيلهم * قد نصبوا الأعلام فيها والصوى
ما كابدتنا خطة عن شأنهم * أفظع مما كابدوه فانفأى
هم غربوا وشرقوا وأيمنوا * وأشأموا ومهدوا لنا الذرى
وهم سروا بجدهم وجهدهم * فحمدوا صباحهم غب السرى (1/282)
صفحة 283
همو أقاموا سننا شامخة * تمثل الشهب ارتفاعا وسنا
هم أقدموا ارتجرد السراحيب لها * تعطش الصادى الى نار الوغى
تزفي الخميس جحفلا فجحفلا * مثل الدبور انجلفت عنها الطخى
ياهي مالي وعشيري ارملوا * معاقل العز وايتموا العلى
أين رجال الله أين غارهم * قد هدم الحوض ودمت الركى
أين الذين استخلصت شيمتهم * كأنها الدر اليتيم المنتقى
أين الذين محصت سيرتهم * مكدرات دهرهم حتى صفا
أين الذين عرجوا الى السما * أعني سماء العلم والدين، الهدى
أين شموس الأرض أنى أفلت * وأبقت الناس على مثل الدجى
أين الخيار العائذ الكون بهم * وصفوة الصفوة من هذا الورى
أين ربيع الأرض أين غيثها * يا حربا لا غيثها ولا السدا
أين بقايا الله في عباده * ظنائن الله وقائذ التقى
أين أسود الغيل ماذا اغتالها * قد أسد الثعلب فينا وضرى
هيهات بعد القوم شدت رحلها * حمية الدين وصارت منتسى
أنشدها من مسجد فمعهد * فمنهج فمجمع فمنتدى
فلم أجد منشودتي في موضع * ثم حدست انها رهن الثرى
أرملة ناحت على أحرارها * ثم ثوت آسفة فيمن ثوى
اواه اواه رزئنا بعدهم * وليتنا في خلف عمن مضى
مافي الحمى من دافع ومتق * ما يعقب الخزي ولا من يتقى
قد ضاعت الحرمة بعد صونها * وشنت الغارة في عقر الحمى
وطرق الحي ذئاب جوه * ودعثر الزرب وخاس المرتعى
ادعوا رعاة الحي في قبورهم * ان سمع الميت دعاء من دعا
ادعوا لها الأموات اذ آيست من * احيائهم لعل فيهم من وعى (1/283)
صفحة 284
يا أيها الراعي انتبه فما بقي * حول المراعي ما ثغى وما رغى
يصخ صوتي مسمعا ومسمعا * لو كان من يزعجه هذا الندا
أصبح قومي جثة باردة * عي بها الطب وعيت الرقى
ما أثر النصح على ألبابهم * الا كآثار الحيا على الحصى
وما رسوخ الوعظ من قلوبهم * الا كما يرسخ في الصخر الصدى
ولا لاحرار الكلام عندهم * تكرمة ولا لحر مستوى
تنصحهم فتجتوى ديارهم * ان الكرام دارهم لا تجتوى
امحضهم نصائحا لو ذهبت * الى جماد ذاب أو ماء جسا
فتنثني نصائحي مكارها ً * يقرضها اللوم وينفيها القلى
سيدرك النصح لزاز محوذ * عزائم الرأي اذا لاح الجلا
لقد نفت عني الرجال شيمة * لو سكنتهم زلزلت قلب العدا
لكنني أعجز أن أفيتهم * تكذيبهم بينتي للمدعى
ان القلوب استشعرت جبلة * فتاركت أحلامها الى الهوى
ليس العصور الغر ان تكشفت * بحسنها هادية لمن غوى
كل امرئ بفعله معتبر * والسف بالشفرة يفضل العصا
فتحت عيني فرأيت غافلا * يحمله السيل وليته درى
ونائما والنار في جثمانه * كأنه جزل الغضى وما وعى
وراضيا بذلة مفتخرا * بأن يعيش خازيا ومزدرى
ومؤمنا مستضعفا يغمزه * ظالمه من الرجا الى الرجا
وعاقلا في رأيه متهما * وأرشد الآراء للحر الدوا
وحاسدا لنعمة تخاله * أسعر ما كان اذا قلت خبا
وبائعا لوطن فيه انتشى * بلقمة يلذها وهي الودى
فهل لنا استقامة وعزة * وحالنا مشؤومة كما نرى (1/284)
صفحة 285
وأغلب الناس الوفاء عندهم * مستهجن وعهدهم على شفا
يجرون في الأهواء لا تكبحهم * شكيمة عن دحل ولا هوى
وأدعياء الفضل ان دعوتهم * لغمرة الجلى تراموا للعرا
همهم في شهوات طبعهم * هم السوام في ارتياد المرتعى
سريهم من جمع المال ولو * أفلس من مروءة ومن حجى
اذا دعا المجد تفادى ناقصا * وان دعاه بذخ قال انا
لا يشرف اليوم بعقل مقتر * والسيد الأقعس من نال الغنى
فخذ من الغمر الدني رأيه * ان ملأ الكيس ودعه ان ضقا
تخاضعت له الرقاب عنوة * وان جست صفحته وان ظمى
عصائب الاسلام تلكم حالنا * وليس يخفى في الظلام ابن رجلا
ما تنظرون في التماس طبكم * قد نكأ الجرح وادنف الضنى
ليس لها الا التفاف قوة * بقوة ومقتدى بمقتدى
ليس لها الا نفوس طفئت * أضغانها واشتعلت فيها التقى
يلمها الايمان قلبا واحدا * وجهته الله وحشوة الهدى
اذا رمت فقوسها واحدة * وما رمت وانما الله رمى
دب اليكم داء من قبلكم * من حسد يسفعكم ومن قلى
فخلصوا الأنفس من أدوائها * فقل من مهما أصابته نجا
ولو تآلفتم على ايمانكم * وكانت الأوجه وجها ينتحى
ومحصت أنواره قلوبكم * فصفيت من فتنة ومن شذا
ضاق على الخصم الفضاء دونكم * وعزه الاركاس من حيث نزا
عسى الذي قدر ما يهولكم * يزيل باللطف الخفي ما عنا
ويمطر الروح على ربوعكم * فينضر الروض وان كان ذوى (1/285)
صفحة 286
النونية
لأبي مسلم البهلاني رضي الله عنه:
تلك البوارق حاديهن مرنان * ... فما لطرفك يا ذا الشجو وسنان
شجت صوارمها الأرجاء واهتزعت * تزجي خميسا له في الجو ميدان
تبجست بهزيم الودق منبثقا * ... حتى تساوت به أكم وقيعان
سقى الشواجن من رضوى وغص به * سر وجوف وغصت منه جرنان
وجلل السهل والأوعار معتمدا * ربوع ماضم عندام وجعلان
وراث ينصح للجرداء ساحتها ... * وطم ما رد صفنان وصحنان
يريق في الجو منه ريق هطل ... * في لوحة من سناء البرق ألوان
ان هيج البرق ذا شجو فقد سهرت * عيني وشبت لشجو النفس نيران
وصير البرق جفني من سحائبه * يا برق حسبك ما في الأرض ظمأن
اني أشح بدمعي أن يسح على ... * أرض وما هي لي يا برق أوطان
هبك استطرت فؤادي فاستطر رمقي * الى معاهد لي فيهن أشجان
تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت * وهن وسط ضميري الآن سكان
نأيت عنها ولكن لا أفارقها * ... بلى كم افترقت ورح وجثمان
وكيف أنسى عهودي في مسارحها * وهن بين جنان الخلد بطنان
أم كيف يمكن سلواني فضائلها * نعم لدي لذا السلوان سلوان
معاهد ساقني منها محاسنها * ... ان شاق غيري آرام وغزلان
لها على القلب ميثاق يبوء به * ان باء بالحب في الأوطان إيمان
نزحت عنها بحكم لا أغالبه * ... لا يغلب القدر المحتوم انسان
كأنني واغترابي والغرام بها ... * حي قضى خلفته بعد احزان
هي النوى جعلتني في محاجرها * مثل الخيال وروحي ثم جثمان (1/286)
صفحة 287
أعيش في غربة عيش السليم على * رغمي وليس الى الترياق امكان
يا برق حرك همومي ان تكن سكنت * فكل حظي تحريك واسكان
ما زال ينشط بي همي وأصبره * وناشط الهم لا تزويه ارسان
يا برق هل والحنايا من ضعاضع قاد * التام فالطف حياهن هتان
وهل ذرى القفص فالمقراة معشبة * وهل قطين بعليا قاعر بانوا
عهدي بها ونضير العيش يصحبها *والدهر في غفلة والشهب اخوان
نشأت فيها وروضاتي ومرتبعي * روح الفضيلة لارند وريحان
ارتاح فيها الى "خل" فيبهرني * صدق وقصد ومعروف وعرفان
فحال حكم النوى بيني وبينهم * هنا تيقنت أن الدهر خوان
حتى م يا دهر لا تبقى على بشر * حر وحتى م ضيم الحر احسان
أكل رأيك حربي أم لها أمد * فان عهدي وللحالات ألوان
حل العقال وأطلقني الى سعتي * ففي سجونك للميدان فرسان
يا دهر يا باخس الأحرار حقهم * اعط العدالة ان الله ديان
فيم التقصي بأهل الفضل ان نقصت *حسناك زادوا وان شان الورى زانوا
لا يثقلون وان خفت عيابهم * عن الندى ولهم بالحلم رجحان
أخفى غبارك يا دهري محاسنهم * فان دعوتهم في نكبة بانوا
أن تعرف الحق فيهم لم تذد أسدا * عن الورود وعير الحي ريان
يا ناقل العيس من عليا (بدية) حـ * ــيث اليحمد الحائزون المجد قطان
خلف وراءك (عزا) (والمضيرب) والـ * ــدريز "والقابل" الراسي بها الشان
وخل (ابراء أعلاها وأسفلها) * حيث القطين ملوك الناس قطحان
(وخذ) بأوجهها عن ساحتي (سمد) * ... مياسر (الفتح حيث الحي كهلان)
ودع وراءك ان غربت (أخشبة) * تجري المجرة فيها وهي (سدران) (1/287)
صفحة 288
(ويا من (الدوح) (والخضراء) منتحيا ... * افناء حلفين حيث السوح جرنان)
واعمد الى (الجوف) واستظهر أسافلها * أرض لعامر أهل الفضل أوطان
وافرق بها البيد حتى يستبين لها * (فرق) على "بيضة الاسلام" (1) عنوان
فان تيامنت الحوراء شاخصة * لها مع السحب أكناف وأحضان
فحط رجلك عنها انها بلغت * ... "نزوى" وطافت بها للمجد أركان
فطالما وخدت تبغي لبانتها * ... كأنهن مع الانضاء عقبان
انزل فديتك عنها ان حاجتها ... * عدل وفضل وانصاف واحسان
انزل فديتك عنها ان وجهتها * ... تخت الأئمة مذ كانت ومذ كانوا
هنالك انزل وقبل تربة نبتت * ... بها الخلافة والأيمان ايمان
انزل على عرصات كلها قدس * للحق فيهن أزهار وأفنان
انزل على عذبات النور حيث حوت * أئمة الدين بطنان وظهران
حيث الملائكة احتلت مشاهدهم * لها على الحل والتعريج ادمان
أرض مقدسةقد بوركت وزكت * تنصب فيهامن الأنوار معنان
ما طار طائرها لله محتسبا * ... له جناحان ايقان وعرفان
إلا وقام يمين الله ساعده * والفتح والنصر والتأييد أعوان
ميمونة بركات الله تنفحها * واليمن يثمره علم وإيمان
رست بها هضبة الاسلام من حقب * وان قضت باستتار العدل أحيان
قديمة الذكر عاذ الدين عائذها ... * من يوم أصبح توحيد وقرآن
قامت بها قبة الاسلام شامخة * حتى تواضع بهرام وكيوان
ولم تزل عرصة للعدل عاصمة * للاستقامة فيها الدهر سلطان
كم أشهر الله فيها من حسام هدى * كأنها لسيوف الله أجفان
كنانة لهام الله ما فرغت * مذ كان للجور سلطان وشيطان
بحجة الله قامت في الشقاق لها ... * بدين ذي الثفنات الحبر ايقان (1/288)
صفحة 289
لسرها واختصاص الله قائمها ... * بالنصر والفتح برهان وبرهان
تعاقبت خلفاء الله منصبها * من يوم (الجلندى) وختم الكل (عزان)
أئمة حفظ الدين الحنيف بهم ... * من يوم قيل لدين الله أديان
صيد سراة أباة الضيم أسد شرى * شمس العزائم أو اهوان رهبان
سفن النجاة هداة الناس قادتهم ... * طهر السرائر للاسلام حيطان
تقيلوا مدح القرآن أجمعها * اذا استحق مديح الله ايمان
جدوا الى الباقيات الصالحات فلم * يفتهم في التقى سر واعلان
على الحنيفية الزهراء سيرهم ... * والوجه والقصد ايمان واحسان
بسيرة العمرين استلأموا وسطوا * لشربة النهروان الكل عطشان
صعب الشكائم في ذات الاله فان * حناهم الحق عن مكروهة لانوا
مسومين لنصر الله أنفسهم * أرواحهم في سبيل الله قربان
سبق إلى الخير عن جد وعن كيس * ... دانوا النفوس فعزت حيثما دانوا
سيماهم النور في خلق وفي خلق * وهديهم سنة بيضاء تبيان
مقيدون بحكم الله حكمتهم * وهمهم حيثما كان الهدى كانوا
هم أسمع الناس في حق وأبصرهم * ... وفي سواه هم صم وعميان
لم تلههم زهرة الدنيا وزخرفها * اذ همهم صالح يتلوه رضوان
باعوا بباقية الرضوان فانيهم * كأن لذة هذا العيش أوثان
وقف على السنة البيضاء سعيهم * وفي الجهادين ان عزوا وان هانوا
ما زايلت خطوة المختار خطوتهم * ولا ثنى عزمهم نفس وشيطان
فجاهدوا واستقاموا في طريقته * عزومهم لصروح الدين أركان
وسلطوا بحدود الله حكمهم * ... حتى استقام لحكم الله سلطان
أولئك القوم أنواري هديت بهم ... * عقبى محبتهم عفو وغفران
أئمتي عمدتي ديني محجتهم * ... غوثي اذا ضاق بي في الكون امكان (1/289)
صفحة 290
لا يقبل الله دينا غير دينهم * ولا يصح الهدى الا بما دانوا
من عهد بدر وأحد لا تزعزعهم * عن موقف الحق أزمات وأزمان
حقيقة الحق ما دانوا به وأتوا ... * ما عداه أخاليط وخمان
ان يشرف الناس في الدنيا بثروتهم * ... فثروة القوم اخلاص وايقان
لله ما جمعوا لله ما تركوا * لله ان قربوا لله ان بانوا
أزكى الصنيعين ما كان الهدى معه * ... لديهم وله في الحق رجحان
تراهم في ضمير الليل صيرهم * مثل الخيالات تسبيح وقرآن
هم الأباضية الزهر الكرام لهم * بعزة الله فوق الخلق سلطان
لا يعرف العدل الا في استقامتهم * لم يوف الا لهم في العدل ميزان
في الذب عن حرمات الله شأنهم * لا شأن دنياهم نيل وحرمان
رضوا ببلغة محياهم على خطر * منها كأنهم بالبلغة اختانوا
سيما التعفف تكسوهم جلال غنى * فالقلب في شبع والبطن خمصان
سمت الملوك وهدى الأنبياء على * أخلاقهم فكأن الفقر تيجان
تمثلت لهم الدنيا فما جهلوا * ... حقيقة الأمر ان العيش ثعبان
جازوا الجسور خفاف الحاذ وقرهم * ... زهد وخوف واصبار وشكران
فاز المخفون من دار الغرور فلا * خوف عليهم ولا بالقوم أحزان
مضوا وآثارهم نور وذكرهم ... * رحمى ومضجعهم روح وريحان
تتابعوا دولة في أثر سابقة * ... كما جلى الرسل أحيان فأحيان
حتى انجلى الكوكب الدري فانكشفت ... * بنوره عن وجوه الحق أغيان
هنالك انبعثت روح الحياة الى ... * جسم الوجود وقد أراده طغيان
وقام للحق شأن بعدما لغيت * ... من الكوارث أحكام وأديان
واصلت الله أصليتا يحس به ... * سواعدا شدها بغي وكفران
وأعرب الكون عن بشرى ضمائره * ... فالكائنات أغاريد وألحان (1/290)
صفحة 291
أمنية رقب الاسلام طلعتها * ... أتاحها الله لم يضرب لها آن
وللأماني أوقات اذا قدرت * ... وللأماني آيات وايذان
تمنعت في خدور الغيب آونة * ثم انجلت فانجلى عدل واحسان
ما ساورتها صروف الدهر اذ نجمت * وما لرد مراد الله امكان
وحكمة الله في التدبير قاهرة * ... وقائد العقل في المقدار حيران
يقضي بما يشاء والأسباب جامدة * ويحكم الأمر والأفكار عميان
يختص من شاء بالرحمى ويصرفها ... * عمن يشاء وفي الحكمين رحمن
ان الذي يتعاطاه الذكاء لدى * ... حكم المقادير تخمين وبهتان
ما حيلة الظن والأوهام في قدر * الا قصور وعجز ثم اذعان
لابد أن تربط الأفهام وحدته * ... ولو تطاول تقريب وامعان
خذ ما أتاك وسلمها لخالقها * ... فالشأن لا غير للاكوان ديان
انظر الى دولة أعيت معاجرها * رأى الفحول ففيها ثم برهان
أرادها الله فاحتلت مناصبها * ... والعقل في نصب والكون اسجان
بأسهم الله ترمي من يقاومها * ... ولا يقوم لسيف الحق بطلان
ان الأسنة لا تعدو مقاتلها * ان شد بالجد والتوفيق مطعان
عادت الى جدلها من طول غربتها * ... خلافة الله والاسلام جذلان
عناية الله تحدوها لموطنها * ... وللخلافة في الاسلام أوطان
تنحو ابن بجدتها العليا وبؤبؤها * وشأنها لمصاص المجد خلصان
تقلد العقد منها صدر قيمها * صدر بخالصة الايمان ملآن
همامها العاصم الكافي لعصمتها * له على حملها جد وأقران
صميدع مثل صدر السمهري له * في هضبة المجد اجدال وأغصان
رحب المباءة قرم لا بواء له * ... بفضله شهدت سهل وأحزان
مشمر أحوذي رأيه فلق * وعزمه قبل وضع الرمح طعان (1/291)
صفحة 292
مروع ألمعي في بصيرته * من الذكاء لمحض الرأي تبيان
تحكمت من أصيل الرأي فطنته * كأنها فيه أبصار وآذان
يطوي عزائم بالتقوى وينشرها * كأنهن بخصم الله نيران
أصاره علمه بالله محض هدى * وغير بدع هدى يذكيه عرفان
لم يترك العلم منه موضعا كدرا * يمثل الشمس منه الذات والشأن
ما زال تمحصه التقوى ويمحصها * ... وسره ملك والشخص انسان
حتى تمحض نورا لا يكدره * ... خير وشر واغيار وأغيان
والعلم بالله والاخلاص عارفة ... * من الكريم وتخصيص واحسان
مواهب ساقها من فيض رحمته * لا نفس ما لها في الناس حسبان
يعدها الناس من أحجار سوحهم * وهن في ملكوت الله شهبان
يمشون بلها وهم النفس في كيس * والعقل في الوجد بالمشهود ولهان
والفتح يقصد قلبا ما به سعة ... * إلا لمن لم تسعه قط أكوان
محبة الله سر حيثما صدقت * ... لها على عالم الامكان سلطان
تعطيك فتحا وان سدت مغالقه ... * وطور عقلك في ذا الفتح حيران
فلا عليك اذا صحت محبته * ... اذا وفى لك هذا الخلق أو خانوا
لله ما أنفس في سرها اشتعلت * بالحب لله أنوار ونيران
تحل في الأرض والالباب طائرة * في عالم فيه أهل الله ندمان
ريانة بشراب الحب محرفة * ... والحال صحو وكل الشرب نشوان
تلك النفوس التي هذا (الامام) لها * قطب ومورده الصافي لها حان
خاض الحقيقة كشفا فاستقام له ... * شف وشرع وتكميل وسلطان
جاءت امامته والآرض مظلمة * والناس فوضى وأهل الجور ذؤبان
فاشرق العدل في أرجائها ولقى * عز المفاسد ارهاق وايهان
جاءته ما كان بدعا من أئمتها ... * من جده ابن تميم المجد (عزان) (1/292)
صفحة 293
في ضئضئ العزة القسعاء محتده * ... اذا تفاخر قحطان وعدنان
بذروة اليحمد الصيد الملوك له * اعراق مجد وأساس وبنيان
لا ينكر الناس ما للقوم من قدم ... * وكيف يلحق عين الشمس نكران
احسابهم ومعاليهم ودينهم * كواكب وهدايات ورضوان
ما اختاره الله صفوا من خلاصتهم * ... الا وللصفو من اكرامه شان
(يا سالم) الدين والدنيا ابن راشد خذ ... * أمانة الله والأقدار أعوان
أنت الضليع بها حملا وتأديه * اذ كل أمرك تدبير واتقان
احذر واصعد وايقن ان صاحبها * سيف من الله لا تحويه أجفان
يسوسها مؤمن بالله معتصم * ... وخير ما دبر الأملاك ايمان
للاستقامة في تقديره قبس * فظنه تحت نور الله ايقان
لا يصرف (الفكر) في شيء فيخلفه * ... لأنه من فيوض الكشف ملآن
والمؤمنون بنور الله ناظرة * ... عيونهم وعين الله أعيان
يا للرجال وداعي الله بينكم * ... لبوا الدعاء فان الصوت قرآن
يا للرجال ألم يأن الجهاد لكم * بلى لقد فات ابان وابان
يا للرجال أقيموا وزن قسطكم * فما لكم قبل وزن القسط ميزان
يا للرجال احفظوا أوطان ملتكم * فما لكم بعد خذل الدين أوطان
يا للرجال أحفظوا أحساب مجدكم * ان لم تكنن فيكم للدين أشجان
يا للرجال اندبوا لله غيرتكم * ... فالوقت قد ضاق والتثبيط خسران
يا للرجال الا لله منتصر * فناصر الله لا يعروه خذلان
يا للرجال أروني من شهامتكم ... * ان الحوادث آساد وسيدان
يا للرجال اجعلوا لله نجدتكم * ... فالغاية الفتح أو موت ورضوان
يا للرجال ألم يحزنكم زمن * ... طار (البغاث) به وانحط عقبان
يا للرجال ألم يدهش عقولكم * ... صوت الأرامل والأيتام إذهانوا (1/293)
صفحة 294
هذا اليتيم قد انحازت مفاصله ... * من جلبة الجوع والظلام تخمان
يا للرجال بيوت الله قد هدمت ... * وما لها للعدا نهب وحلوان
يا للرجال دماء المسلمين غدت * هدرا كما عبثت بالماء صبيان
فلا قصاص ولا أرش ولا قود ... * كأن لحم بني الاسلام جعلان
يا للرجال أفيقوا من سباتكم * ... فقد أحاط بكم بغي وعدوان
أخيفة الموت ظل العجز يقعدكم * وليس للأجل المعدود نقصان
لا يحجب الموت جبن عند موقعه * ولا يقدم وعد الموت شجعان
يا للرجال لقد ذلت حفيظتكم ... * اذا استطاعت على الأساد حملان
ان السيوف التي كانت لسالفكم * ما ضمها معهم رمس وأكفان
مريضة هي في الأجفان أم مرضت * قلوبكم أم نأى عنهن وجدان
بئس السيوف اذا حلت عواتقكم * وما بها لعتيق المجد أحزان
لا تحجبوها أناثا في مغامدها ... * فان تلك اليمانيات ذكران
فديتكم أوردوها انها عطشت ... * ان كان فيكم يلاقي الري عطشان
كانت بوارق في الأخطار ساهرة * وهم أصحابها في المجد سهران
فاليوم نامت هموم القوم في جدث * وساهر البرق في الأغماد وسنان
تكاد أن تتلاشى من تحرقها * ... غيظا على صار أو حزنا على كانوا
أورثتموها من الأوتار مشعلة ... * كأنها في دخان الحرب نيران
واليوم تغمط فيكم وهي مغضبة * وما بكم لحقوق السيف غضبان
ما عودتها بنو عدنان ما لقيت ... * منكم ولا أسكنتها الغمد قحطان
لا تحملوها اذا كانت لزينتكم ... * ان الرجال بفعل السيف تزدان
فليت أسيافكم صارت معاولكم ... * وليت خيلكم معز وثيران
حتى م طرف الهدى سهران من قلق * فيكم وطرف العدا في الظلم سهران
ليست بسنتكم مذكان عنصركم * وانما الحظ كالأزمان أزمان (1/294)
صفحة 295
يا للقبائل يا أهل الحفاظ ومن * أمجادهم في جبين الدهر عنوان
شدوا العزائم في استدراك فائتكم * ان العزائم للادراك أقران
أهل المكارم ان الله أكرمكم * ... بنعمة العدل اذ للجور بركان
لا تكفروا الله في نعماء أنعمها ... * فانما يربط النعماء شكران
فأين أين ذئاب الدو حمتها * ... بنو تمام ومن ربته (جعلان)
وأين عنها الجنيبيون أنهم * ... سعد العشيرة عليا مذحج كانوا
غاراتهم برياح الموت عاصفة * وفخرهم بحميد الذكر يزدان
وأين رأسب سيف الأزد أنهم ... * سارت بصيتهم في الأرض ركبان
وأين أهل الذمار الهشم بحرهم * بالمجد والفضل فياض وملآن
عهدي لهم نجدة في الحرب شاهرة * ... ومنهم لحقوق الله أعوان
ويا لشمس وكبات الخميس لكم * أنتم لها يا أسود الله أركان
أنتم سماء الوغى لبوا أمامكم ... * وعندكم من ثغور الله (جعلان)
وأين أولاد عيسى والحفاظ لهم * نجد ضراغم أو اهون رهبان
صميم كنده حي الملك من يمن * عهدي بهم للهدى حصن وايوان
شدوا فديتكم أنتم بواسلها * أم فيكم لمصاب الدين سلوان
وأين يحمدها الحرث الكرام ففي * عزائم القوم جنات ونيران
ضنائن الله أنتم لا يزال لكم ... * في نصرة الله صولات وسلطان
يبلى الزمان ولا تبلى محامدكم * ما دام يحمد مطعام ومطعان
ان كان (صالح) طود المجد فارقكم * ... فان اصلاحكم رضوان ونهلان
(عيسى) لكم خلف صدق لخير أب * ... وفي (علي) أخيه للعلي شأن
صنوان يستبقان المجد في حسب * سيارة الشهب في جنبيه صوان
وفيكم الأسد الكرار فارس شر * فاء ابن عمهما الكافي (سليمان)
السيد ابن حميد سطوتكم * ومن له في بناء المجد أركان (1/295)
صفحة 296
بحر المكارم غوث الخلق من شملت * للكون من بره رحمى واحسان
الباسل البطل المغوار من شهدت * بطول يمناه آباء وولدان
وفيكم من رجال المجد من خرست * ... عنه القوافي ولم يبلغه تبيان
أين المساكرة الصيد الغطارف من * ... ذوائب الأزد حيث المجد والشان
في ذروة المجد من فهم اذا انتسبوا * ... أساود الموت يوم الهول طوفان
شم اذا حزموا نار اذا عزموا ... * شهب اذا رجموا للفضل هتان
كواكب العز لا ترعى مسارحهم * ولا تراع لهم بالضيم جيران
وأين حبس كرام الخيم من قدم ... * وفيهم من عباد الله غسان
سيوفها وعواليها وأسهمها * ... وهم اذا افتخر الفرسان فرسان
وأين أسد شراها من وهيبة أهل * الجد والجود ان شدوا وان لانوا
وأين عامر والاحساب مشرقة ... * ناهيك من عامر والأصل عيلان
وأين همدان من صفين تعرفهم * اذ عك عك واذ همدان همدان
وأين قائدهم ليث المعارك صمـ * ـصام المعاضل بدر الفضل سلطان
وأين نار الوغى ال المسيب من * قضاعة وزعيم القوم زهران
وأين وائل والآثار شاهدة * ومجد وائل في التاريخ شهبان
وأين معولة قبل الرسول لهم * على (مزون) أتاوات وتيجان
وأين عنها ذئاب الخطم إن لهم * مناقبا لا يدانيهن انسان
وأين حلقوم ذاك الملك معصمه * سمائل فهي للسلطان سلطان
وأين عن أجربيها منع بيضتها * والأجربان بنو عبس وذبيان
يا جمرة العرب يا عبس الطعان الا * لا يطفئن جمركم بغي وعدوان
لا تشعلوا الحرب الا في مواقدها * حيث الجهاد على الباغين مونان
ويا بني عمنا ذبيان مجدكم * ... أنا وإياكم في المجد صنوان
بآل حصن وبالعمرين قد فرعت * عزا ونبلا جميع الناس غطفان (1/296)
صفحة 297
إذا مدحت بني ذبيان اخوتنا * ... أظهرت شمسا لها في العين برهان
فياليوث بغيض در دركم * هلا سباق الى خير وارهان
فرسان داحس والحنفاء حسبكم * من الرهان جهاد فهو ميدان
ذروا الضغائن تذروها الرياح فما * تبقى على خالص الايمان اضعان
ان الحظوظ التي ترجى بالفتكم * في الدين في محكم التنزيل فرقان
وما شفاء حزازات الصدور سوء * ان يستبد بطب القلب ايمان
وأين أزكى وطيس الحرب ما فعلت * فان عمدة هذا الأمر جرنان
وأين حمير أهل العز ما اعتتبوا * عن وعر عزتهم يوما ولا هانوا
صيد صناديد اقيال عباهلة * ... أسد كواسر في الهيجاء حردان
جاءت ريام بما أعلته حمير من * مجد وقام على البنيان بنيان
وأين حميرها الثاني وأسرته ... * ذوو المعالي ملوك الناس نبهان
أبقى له السؤدد الأعلى كواهله ... * مظفر وسليمان وكهلان
هود عرار فلاح محسن ملكوا ... * فنبهوا الملك حينا وهو نعسان
وكان من فرعهم ملك اليعاربة الـ * ـصيد الكرام وما ادراك ما الشان
سل سيف يعرب عن أخبار سيرتهم * ... فمنطق السيف اعراب وألحان
ويا بني غافر عليا قريش لكم ... * أصل وانتم لذاك الأصل أغصان
قوموا الى الله واعتدوا لنصرته * فموعد الله جنات وغفران
وأين أطوادها العليا بنوحكم * ... أين الذهول سراة المجد شيبان
وأين رهط بني سمح فوارسها ... * بنو شكيل وأين الأسد كلبان
وأين قوام أمر الناس قادتهم * بنو خروص حماة الدين مذ كانوا
وأين عنها ليوث الغاب مرتها ... * بنو هناءة ما دينوا وكم دانو
أين اليعاقيب أرض السر ملكهم * ومن مفاخرهم للفخران أركان
وأين أهل الغنى في كل معضلة * بنو علي بن سود أين حدان (1/297)
صفحة 298
وأين يا آل سعد عزم نجدتكم * وأنتم لرسول الله أحضان
هلم يا ابن هلال قم بنصرتها * فالمسلمون بهذا الدين بنيان
وأين من آل بدر سادة نجد * ... مبادرون الى الخيرات سرعان
أين الحواسنة النجب الكرام فما * عهدي لهم في كفاح الحرب أقران
وأين عنها عواديها بنو عمر * ... فان جانبهم بالفخر عمران
وأين ضنك واقبال النعيم بها * ... أين الصلوف وطود الفضل سلطان
وأين كعب وأين الحي من قتب * أين الظواهر والفرسان كهلان
وما رجاء بني يأس على خطأ ... * فانما القوم أعوان واخوان
قوم على صهوات الخيل طفلهم * يربو له من دم الأطفال ألبان
مساعر الحرب ان تنزل لهم نزلوا * وان تعاضلهم ركبا فركبان
أسد خدورهم سمر الرماح فان * شب الهياج فتلك السمر شهبان
صعب شكائمهم سحب مكارمهم * ان حاربوا صعبوا أو أكرموا هانوا
لا يقتنون رياشا فوق سابغة * ... كأنهن اذا ألقين غدران
وغير صفحة هندي مفللة * كأنها بنفاث الموت ثعبان
وغير أنياب أغوال مسننة * ... من عهد عادلها ذكر واسنان
وغير شمس سراحيب مفنقة * ... كأنها في قتام الحرب غربان
تعلمت من مراس الحرب نجدتها * فهن تحت يد الشجعان شجعان
كأنهن أعاصير اذا احتدمت * ... نار الوغى وهي في التسنين دؤبان
تلكم حصون بني يأس ومعقلهم * لا يحصن القوم أسوار وأفدان
وأين عنها بنو بطاش أين هم * من لي بهم وهم للحرب أخدان
طال الرقاد بكم هبوا فديتكم * ... فالشمس طالعة والسيل ارعان
عادات طيء تخضيب السيوف وار * واء المثقف وهو اليوم عطشان
أين العصائب من قحطان أجمعها * وأين من نتجت للمجد عدنان (1/298)
صفحة 299
هبوا لأخذ المعالي من مراقدكم * فليس يستدرك العلياء نومان
هبوا لداعي الهدى هبوا لعزتكم * وكيف نومكم والخصم يقظان
جدوا فديتكم في نصر دينكم ... * فاليوم فيكم لنصر الدين امكان
كتائب الله لا يحتل بيضتكم * ... خصم مساعيه في الاسلام ثعبان
كتائب الله ذودوا عن حياضكم ... * كي لا يهدمها بغي وكفران
كتائب الله ما عيش الذليل لكم * عيش ولا في منايا العز نقصان
كتائب الله لم يعهد بكم خور * ... وللجبال على الأزمات أقران
كتائب الله حاموا عن حنيفتكم * قد لوثتها خنازير وصلبان
كتائب الله دين الله في طلق * ... والمشرفيات في الأيمان طلقان
كتائب الله لم تخلق نفوسكم * ... لكي يسخرها ذل وأهوان
كتائب الله أدعوكم إلى شرف ... * عقباه أن تصدق النيات رضوان
كتائب الله يوم الهول عيدكم ... * فما لكم لبغيض الله عبدان
يا غارة الله والأحكام مرملة * ... لها من الحزن بالتعطيل اردان
يا غارة الله والحر الغيور له ... * صدع وما أذنت بالصدع آذان
يا غارة الله نخزى في ديانتنا ... * أليس عارا وحامي الدين خزيان
يا غارة الله نحيا كالبلية في ... * عقال سوء وما بالرجل عقلان
يا غارة الله كم نرضى مهانتنا ... * والسيف يرفع أقواما وإن هانوا
أين العزائم أين النخوة انتقلت ... * أين الحفاظ وأين العز والشان
أين الشكائم في الاسلام ما فعلت * أظنها مع آباء لنا بانوا
سلوا القبور التي ضمت أصولكم * ... هل واطنوا الذل أم في دينهم هانوا
ربوا لكم بالظبي والسمر ملتكم * وأنتم الآن تجار ورهبان
تركتم سنة الأسلاف مطرقة * ... ولا يؤنب بالأطراق خجلان
تمشون هونا كأن الزهد أثقلكم ... * وأنتم بهوان النفس ثقلان (1/299)
صفحة 300
أما يحرككم أن قال ناصحكم * الأصل كاس وفرع الأصل عريان
أقول للبعض منكم وهو عن أسف * والحر يأسف للأحرار إن شانوا
قد كنت نخبة هذا الأمر من قدم * واليوم أنت على الأبواب ذبان
ماذا تقول اذا كنت ابن بجدتها ... * والأصل معرفة والفعل نكران
طالع صحيفة مجد أنت وارثه * ان كان فيها مجيد القوم خوان
اذا تنكرت للاسلام عن حسد ... * فاسأل أباك وليَّ الله ما الشان
يخبرك أنك قد فارقت خطته ... * وانه للذي فارقت حسران
أبعد شيبك في الاسلام يفعلها ... * يبكي الخليل لها والحبر شاذان
أحسن عزاءك من علم ومن عمل * ... وأنت للطمع المرذول نجران
واليوم أنت على الأبواب ذبان ... * وأنت للطمع المرذول تجان
أين السوابق يا قمقامها طويت ... * أعاذك الله طاويهن شيطان
أساءت العدل اذ قامت به فئة * لها مع الله أقدار وأوزان
ألا تكون لها قطبا تدور به * ... هل أنت عن قطبها المعهود غفلان
(أظن عهد الشهيدين اللذين هما * يستنصرانك قد أعفاه نسيان)
(أبعد أحبارك الأبرار تنسفها ... * وأنت في بحرها دور ومرجان)
بنيت قبة ايمان وتهدمها * لله هل بعد هذا الهدم بنيان
نظرت أحمد حتى حل مسكنه ... * في الخلد من حوله حور وولدان
وصار عند أبيه في حظائر قد ... * س الله حظهما فوز ورضوان
عدوت تنقضها مثنى وواحدة ... * وكاكم في مقام الفضل صنوان
وقلت شأنك من باب السياسة في * دفع الأجانب لا بغي وعدوان
تسوسها أنت والايمان يتركها ... * ما قام عمرك في دعواك برهان
سياسة الله في القرآن كافية * ... وما يزيد على القرآن نقصان
فارجع الى الله وانظر في سياسته * ... فأنت من مشرب القرآن ريان
ماذا رأيت أباك الطهر يصنع في * ... سياسة الدين لما قام (عزان) (1/300)
صفحة 301
أنت الشهيد على اشراق سيرته * وللبصائر بالمشهود ايقان
أفي أمامة حق بعد ما ثبتت ... * بحقها أنت يا ذا اللب حيران
لا عذر لا عذر فيها حجة قطعت * عذر الخلاف لها في الدين تبيان
فما انحرافك عنها بعد ما وجبت * الا خروج عليها وهو عصيان
أبعد ستين عاما عشت تنفقها ... * في الله والحمد أنت اليوم خسران
فاتبع إمامك والزم غرز سيرته * ودع هوى النفس ان النفس شيطان
وصن بقية هذا العمر في كيس * فان دهرك لو فكرت كيسان
فارقت عزتك العليا الى طمع ... * حتى لقد قال أهل السوء ساسان
للمسلمين ظنون فيك عالية * ... يا ابن المعالي وهن اليوم خيلان
كنت السفينة للاسلام تحمله * ... ثم انكفأت به والغي طوفان
كنت المرزء للاسلام تكلؤه * ... واليوم من كثر ما يشكوك ضجران
فافتح فديتك عيني حاذر يقظ * ... فان كاتب ما تمليه يقظان
بيض العمائم لا تجدي اذا انكدرت * ... بيض القلوب وللايمان عنوان
طهر ثيابك واغسل راحتيك فها * تيك المطامع أوساخ وأدران
وأحمد نصيحة حر لا يريد بها * ذما وفيك لطود الحمد أركان
ان تعرف الصدق في نصحي فقد سبقت * عهود صدق واخلاص واحسان
ليس الخليل المداجي عند شائنة * إن المداجي في العوراء فتان
لكنه من رأى عيبا وحققه * أهداك عيبك غيظا وهو لهفان
أريك من أسفي خصما تباعده ... * والقلب من حبك المكنون ولهان
خذ من مضائق أقوالي نصائحها * وفي ضميري لكم بالحب ميدان
يا قوم أهل عمان كم تخالفكم ... * ان التفرق لا يرضاه ايمان
أطول دهركم خوف مداهنة * ... مطامع حسد بأو وخذلان
أهذه شعب الايمان عندكم * ... أهكذا سنة قالت وقرآن (1/301)
صفحة 302
ماذا الشقاق الذي يغري جنوبكم * والمؤمنون بذات الدين اخوان
أطلقتم السيف في أفراد ملتكم * وقيدته عن الأعداء أجفان
هب أن أسيافكم غرثى بها قرم * ففي لحوم العدا يعتاش غرثان
هانت عليكم تراث الكفر واشتعلت * ... فيكم على بعضكم للبعض أضغان
والفه الدين قربى لم يكن معها ... * أعلى وأدنى وأحزاب وأديان
يا قوم هذا إمام الدين بينكم * ... مقصوده الحق لا ملك وسلطان
يدعو الى الله قواما بملته * له حسامان أقساط واحسان
يا قوم طاعته في مصركم وجبت * فرضا عليكم وما في الدين أدهان
يا قوم لا تدبروا عنه فان لكم ... * ربا يحاسب والإدبار عصيان
يا قوم إن تدبروا يغضب الهكم * وأين ملجؤكم والله غضبان
ان تنصروا الله ينصركم فلا تهنوا * ... فالكفر في المقت والاسلام رضوان
ان الامام يمين الله بينكم * فبايعوه والا حل خسران
قامت عليكم بحكم الله حجته * ... ان كان فيكم لحكم الله إذعان
ان تتبعوه فعين الرشد خطتكم * أو تعرضوا عنه فالإعراض طغيان
فراقبوا الله فيه ان حجته * قد قام فيها بحكم الله برهان
تلكم وصية حسان لكم ثبتت * ... فانني اليوم للاسلام حسان
لا يصدق الدين الا من يناصحه * ولا يتم بغير النصح ايمان
فان تمكن نصحي من بصائركم * بدا لكم من ضياء الحق فرقان (1/302)
صفحة 303
الميمية:
له أيضاً عفى الله عنه:
معاهدة تذكاري سقتك الغمائم ... =ملثا متى يقلع تلته سواجم
تعاهدك الانواء سح بعاقه=فسوحك خضر والوهاد خضارم
إذا أجفلت وطفاء حنت حنينها=على قنن الأوعار وطف روازم
ولا برحت تلك الرياض نواضرا=تضمخها طيب السلام النسائم
تصافحها بالزاكيات أكفها=فيحسب فيها والرياض تراجم
معاهد شط البعد بيني وبينها ... =وحل بقلبي برحمها المتقادم
تزاحم في روعي لها شوق واله=وصبر وآن الصبر أن لا يزاحم
اذا لاح برق سابقته مدامعي ... =وليت انطفاء البرق للغرب عاصم
لئن خانني دهري بشحط معاهدي=فقلبي برغم الشحط فيهن هائم
وان هيام القلب فيها وقد نأت ... =وسائل في شرع الهوى ولوازم
فيا لفؤادي ما التباريح والجوى=فعلن إذا ازدادت عليه اللوائم
على ان ذكر النفس عهدا ومعهدا=امض بها مما تمج الأراقم
خليلي في أعشار قلبي بقية= ... اضن بها ان ناوحتها الحمائم
خذا عللاني عن أحاديث جيرتي=فاني بحب القوم ولهان هائم
ولا تسلما عقلي الى هيمانه= ... فذكرهم عندي رقى وتمائم
نزحت وفي نفسي شجون نوازع=اليهم ونازعت الأسى وهو خائم
فكم جعلت نفسي تطالب صبرها=بنصر فيأبى الصبر الا التناوم
يقوم فيعروه التياع مبرح= ... فينكص وهناً فهو يقظان نائم
على غردان الايك مني تحية=كما هيمنت ريح الصبا والبشائم
أثارت رسيسا في الفؤاد بما شدت=ففاض به من ماء جفني راسم (1/303)
صفحة 304
خليلي ما تذكار ليلى لبانتي= ... أقامت بنجد أو حوتها التهائم
ولا ربعها العافي عليه تناوحت=صبا ودبور أو بكته الغمائم
تهادى به الآرام والعفو رتُعا=كما تتهادى البهكنات النواعم
ولا شفني حب لغيداء كاعب= ... كما ارتاع خشف في الخميلة باغم
ولكن شجاني معهد بان أهله= ... فبان الهدى في أثرهم والمكارم
توشح منهم بالنجوم فمذهوت=تعمت على أهل البلاد المعالم
تمادت به العلياء ترفع شأوه= ... بما أثلث فيه السراة الأكرام
لعمري لنعم المعهد المهتدى به=وقد ملأ الدنيا ظلام وظالم
هو المعهد الميمون أرضا وأمة=وان زمجرت للجور حينا زمازم
هو المعهد الممطور بالرحمة التي= ... سقت من امام المرسلين المراحم
سيكثر ورادا على الحوض أهله=اذا جاء يوم الحشر والكل هائم
لقد صدقوا المختار من غير رؤية=وتكذيب جل الشاهدين مقاوم
أولئك قومي باركتهم وأرضهم=بدعوة خير العالمين المكارم
ومن شعب الايمان حب يشفني=تجاذبه تلك الديار الكرائم
عقدت بها أنس الحياة وطيبها ... =وان شردت بي للبعاد هوازم
ولو صارفتني في محبتها الدنا=رضيت بها منها وما أنا نادم
واني ولبس الدهر جلدة أجرب=تجاهي وآمالي محال محارم
ومر الليالي كالحات عوابسا= ... علي كأني للكوارث جارم
تجشمني والصبر بيني وبينها ... =أفاعيلها فيمن عدته المآتم
وحنكي صروف الدهر حتى تبلدت= ... وأبصرت ما أخفين والجو قاتم
وأعجزني أن أستطيع مطالبي ... =من الله ما لم تمتلكه العزائم
لأعلم أن الخطب يصبح آزما ... =ويمسي قد انحلت عراه الأوازم
الى كم يلز الدهر نفسي بلية= ... ويقطعني عما تريد العظائم (1/304)
صفحة 305
وما جشأت حينها لهول ينوبها ... =ولكن من الأقدار مالا يقاوم
أحاول أمرا لونبا السيف دونه ... =لما عيب والأقدار عنه تصادم
أيغمدني كالسيف دهري عن العلى= ... وما حُمدت قبل الفعال الصوارم
وما همة المقدام الا مضاضة ... =اذا منعتها عن مناها الشكائم
أيكبت همي خامدا غير حامد=له العدل أمرا وهو في النفس جاحم
وأصبر نفسا مرة لاذمارها= ... حمته ولا انقضت عليه اللهاذم
ويقدح زند الروع من زاد همه=كهمي وأقوى ما لزندي ضارم
كفى حزنا أن أحسو الموت ليس في=جناحي خواف للعلى وقوادم
ويركب ظهر الروع حر غشمشم=ويقطعني عما امتطاه القوائم
ويأتدم العداء لحمي مهنئا=وما مرئت للصائدين الضراغم
ائن لفجت كفي بتشتيت طولها ... =الى حيث احساب الرجال تزاحم
يلم علي الدهر اعزاق سوقه= ... سفاها كما التفت علي السماسم
أيهزل هذا الدهر أم جد جده ... =وهل سروات المجد فيه مغانم
وهل عرقه وجه السري نقيبة=تزين وهل بخس الكرام مكارم
أينهض أهل الله والحق عندهم ... =ونصري محصور وهمي عاسم
وما ورق الدنيا مراعي عزيمتي=اذا أمرعت روض الدنايا العزائم
وفي النفس هم فضفض الصدر لاعج ... =تساور ادراكي مداه الصيالم
وأطول ما أقضي به أقصر المنى=خيال اصطبار بينها لو يلازم
فيالهفا اما قضيت وما قضت=حقوق معاليها الهموم العوارم
وما النازع المقصود فارق أرضه=يحن وفي شد الحبال القوائم
إذا لاح برق نازع الحبل سادما=فيكبو على اللبات والحبل لازم
بأوسع حزنا من بقية مهجتي=وان قلت اني الصابر المتحازم
أفارق في أفريقيا عمر عاجز=وبي كيس كالطود في النفس جائم (1/305)
صفحة 306
كأني كهيم الطبع أو قاصر الوفا=أو الخصم مظلوم أو الحق ظالم
وتسري سيوف الله في جنب خصمه=بايمان أمجاد وسيفي نائم
تجردها لله أسد أبية=توادد في ديانها وتصارم
وترمي بقايا الصالحين نجيعها=فتمسحها حور الجنان النواعم
ويغنم أهل (النهروان) شهادة ... =وما هي الا طعنة فالمغانم
يبيعون دنياهم بمرضاة ربهم ... =وان لامهم في مطلب الحق لائم
واقعد مخشوشا على مبرك الونى=ويحكمني عن غاية القوم حاكم
أليس احتساء الموت أحجى بحالتي= ... على أن بيني والمنايا تلازم
ينادي لاحدى الحسنيين مؤذن ... =واقعد عن تأذينه أتصامم
أدون فتوح النصر ترضى دنية=وهل في سوى الفردوس يخلد نائم
وهل حمدت في الأرض بعد (محمد) ... =وأصحابه الا الشراة الصماصم
وهل فاز بالعلياء الا مصمم= ... تهون لديه المزعجات الجسائم
اليكم أسود الله مني تحية=يمور بها فلك وتحدو رواسم
اليكم صناديد الغبيراء مدحة= ... لها في ذرى السبع الطباق دعائم
اليكم ليوث الاستقامة مدحة= ... لها في الكروبيين قدر مزاحم
أخذتم بأمر الله قلبا وقالبا=وشاهدكم نصر من الله قائم
وكافحتم عن عزة الدين خصمها=فعزت وأس العز تلك الملاحم
وقام لأبناء الحنيفة معقل=بنته لهم تلك القنا والصوارم
وقمتم بحكم القسط حتى تشعشعت= ... بأنواره بيد الفلا والعواصم
وصادرتم الأخطار في نصر ربكم= ... وهانت عليكم في الجهاد العظائم
ضمنتم قيام العدل لله حسبة= ... فقام بحمد الله والجور راغم
ذكرتم عهود الصالحين واحدقت=بوائق دهر نكرها متفاقم
فآثر تم ما آثرت سنة الهدى= ... وغيرتم بالسيف ما الله ناقم (1/306)
صفحة 307
على الأمر بالمعروف والنهي منكم ... =عن المنكر اشتدت لديكم شكائم
عرتكم لأخذ الحق لله غيرة= ... فآضت بفتح والثواب المغانم
وقفتم وسيل الظلم طام وطالما ... =بأزمائها باتت لنصر حوائم
فباء بحمد الله بالخزي خاسئا ... =لداهية تنقد منها الحيازم
وابتم وحد السيف بالعدل بارق=يبشر أن الحتف للظلم داهم
نعم ثبتت أقدامكم وقلوبكم=فولت أمام الحق تلك المظالم
وخابت أماني البغاة مهيضة= ... وقامت على قرن الشقاق المآتم
وأصبح سيف الله في كف دولة=لها مدد من ذي الجلال وعاصم
فما خام عنها غير نكس منافق ... =كما قام فيها أروع النفس حازم
وأصبح سلطان الشريعة ثابتا ... =له عمد في تخته ودعائم
على بيضة الاسلام قر أساسه ... =وطائره فوق السماكين حائم
وكانت (عمان) الجور ملء أهابها= ... مجامل غفلا ليس فيها معالم
فأشرق نور الله في عرصاتها ... =الى أن أضاءت من سناها العوالم
وكانت حميات الرجال تحزبت=فأصبح كالعقد الشتيت العماعم
وصار جهاد المعتدين مشاعرا=يحج اليها المقسطون الأعاظم
منظمة ألبابهم وسيوفهم =ونياتهم والحق للكل ناظم
يؤلفهم ايمانهم واحتسابهم = ... كمؤتلف الأنصار والدخل عارم
فجمعهم فرد وفردهم به=غناء إذا كرَّ اللهام الخضارم
هنيئا للأهل الحق صدق انتصارهم =ويقظتهم في الله والدهر نائم
وفوا بوصايا الله في السخط والرضا ... =كراما وأفعال الكرام كرائم
فما حصروا في موقف الحق لمحة= ... ولا وسعوا ما ضيقته المحارم
ولا ختلبتهم زهرة العيش في الهوى= ولا زينتهم في المخاري العمائم
ولا حسدوا من نعمة الله ذرة =اذ الفضل مقسوم وذو الفضل قاسم (1/307)
صفحة 308
ولا احتقروا ذا القدر في منصب التقى= ولو زهدت للفقر فيه العوالم
ولا داهنوا في الدين من أجل مطمع=يسيل به أنف من الكبر وارم
تراموا على القرآن شربا بمائه=فأصدرهم والكل ريان هائم
مقدسة ألبابهم ونفوسهم=وأفعالهم والمنتحى والعزائم
لهم قدم في الاستقامة ثابت= ... وهمّ على الاخلاص لله قائم
وأيد عن الدنيا قصار قواصر=وفوق أعاديهم طوال قواصم
تمر بهم حالان للبؤس والرخا=وفيهم على الحالين وقر ملازم
ومن أذهلته طاعة الله أثرت= ... عليه فلم يحفل بحال تصادم
بأنفسهم شأن الى الله وجهه= ... شديد القوى تنبو عليه الصوارم
تجاذبهم وجهان وجه من الرجا=نضير ووجه بالمخافة ساهم
اذا خالفوا فالمسك طارت به الصبا= ... وان أفضلوا فهي اللجاج العيالم
وان حاربوا تستبشر الحرب منهم= ... لأن قراهم للحروب الملاحم
لهم في سبيل الله جد ونجدة ... =وثبت لكبات الوغى وصرائم
واقدام ضرغام اذا البهم أحجمت=وصخت بأذان النجوم الهماهم
وتشبيههم بالأسد تقريب ناعت=وشتان أقمار الهدى والبهائم
لقد وثبوا حياهم الله وثبة=رمى الكفر منها المخزيات القواصم
وشدوا بعزم الرسل لله غيرة= ... على قدر أهل العزم تأتي العزائم
فباءوا ونور القسط للجور باهر=عزيز وتيجان الضلال مناسم
وللحق أعناق البغاة خواضع ... =واذرعهم في بطشهن معاصم
وأبطال خيل الله تحكي أهلة= ... من الظفر الميمون منها المباسم
وألوية التحكيم تنشر عزها= ... وتدعو الى حكم به الله حاكم
وفتح (امام المسلمين) وقهره=وسلطانه لا ينتحي عنه عاصم
وخيل جنود الله تصبح شُزَّبا ... =بثارات "عزان بن قيس" تصادم (1/308)
صفحة 309
ومن همها ثأر"الخليلي" انها ... =اذا ذكرته طيرتها العزائم
أتذهب ادراج الرياح دماؤه= ... ولا كدم العصفور ما فيه قائم
وتعبث فعل الرافضي بوجهه ... =ولألاء ذاك الوجه في العرش ناجم
ويدفن حيا لا جريمة تقتضى=سوى أنه بالحق لله قائم
أليس من الغم المميت وقوعها ... =وطرف ولي الثأر في الأمن نائم
وتنسى قلوب المؤمنين مصابة=وللآن منه في السماء مآتم
ألا فاغضبي يا غارة الله ولتقم ... =نوادبه سمر القنا والصوارم
ولا تتركي ثأر المرزء حبرنا ... =" سعيد بن خلفان" لمن هو خائم
فان خام عنه وارتضى الضيم ملبا=وسالم فالأيمان ليس بسالم
ليحتكمن الله أخذا بثأره=ويعجز عند الاحتكام المقاوم
فلا تحسبوا أن الدماء مضاعة=اذا سفكتها في هواها المظالم
وان ضيعتها أهلها فحقوقها= ... يغار لها للعدل بالقسط قائم
خذي يا خيول الله في كل مرصد=بحملة غيظ تتقيها الصلادم
ولا تتناسي سيرة الحبر "صالح"=فسيرته للمهتدين معالم
قضى دهره لله محتسبا له= ... ومات شهيداً والقذائف ساجم
وما ساءني أن أكرم الله وجهه=بموت رجاه الطيبون الأكارم
تأسى بقوم بالشهادة أكرموا= ... لهم موطن في جنة الخلد دائم
وما قصرته همة عن مقامهم ... =الى أن تولى والتراث المكارم
فهل عند "عيسى" أن يقوم مقامه=وهل عنده أن القعود محارم
وهل عنده أن الجهاد فريضة=وقد وضح الامكان والخصم خائم
وهل عنده أن المقدر كائن= ... وان وقوع الحتف بالمرء لازم
وهل عنده أن المعالي صعبة الـ=ــمراقي وأهلوها السراة اللهامم
وهل عنده أن الحدود تعطلت=وان حقوق المسلمين عنائم (1/309)
صفحة 310
وهل عنده أن المناهي أكرمت ... =وناب أعادي الله في العرف آزم
وهل عنده للاستقامة نصرة= ... وقد هجمت للقاسطين الهواجم
وهل عند "عيسى" أن للفرض عادة=قديمة ذكر جددتها المقادم
وفرض على ذي الفرض عادة فرضه=اذا لزمت حامي الذمار اللوازم
فدى لك نفسي يا ابن" صالح" قم بها ... =فانك للسيف الأباضي قائم
تجرد لها واذكر وقائع "صالح"=ودونك أسلاف كرام ضراغم
وخذ من قلوب المؤمنين بشعبة=فان قلوب المؤمنين صوارم
أناديك للجلى وأنت شهابها= ... وقمقامها ان أعوزتها القماقم
فخذ من "امام المسلمين" بضبعه=فمثلك من تدعو الأمور العظائم
ولا تلق للتنفيذ أذنا فانه=له بيعة صدق وقدر ملازم
وأنت بأحكام الامام وحقه=عليك وأحكام الولاية عالم
وقد أمكنتكم فرصة لقيامكم=وكم رامها من قبل ذا الوقت رائم
فلا تهملوها بعد أن جد جدها=وقام بها حسب الشريعة قائم
ألا فالزموها سنة وجماعة=وقد طالما حنت اليها العوالم
وعضوا عليها بالنواخذ جهدكم=ففيها بدايات الهدى والخواتم
يكن جهدكم فيها دليلا لنهضة=لأزكى صفات الصطفين تلائم
وان لكم فيمن هدى الله أسوة= ... وان هداكم للعباد معالم
وانكم للصالحات أدلة=وانكم للمرتقين سلالم
وان للأباضيين في الأرض حجة=على الناس ذي جهل ومن هو عالم
وان الذي وفى بشرعة دينكم ... =ومات عليهم فهو لا شك سالم
وان أمام المسلمين على هدى=مخالفة باغ على الحق ظالم
امامته حق وفرض اتباعه= ... على ساكني المصر العماني لازم
وان الذي وفى بطاعة أمره ... =ولي والا فالعدو المخاصم (1/310)
صفحة 311
وهذا اعتقاد فوق كل مكلف= ... له من أصول الدين قطعا دعائم
لقد شكر الله الذين تعاونوا=على البر والتقوى وفي الله قاوموا
وحسب الامام المهتدي من كرامة=بأن قام والدنيا جميعا تراغم
ومن يكن المنصور من عند ربه=وقاومه المخلوق ذل المقاوم
امام الهدى أن ينتضي الدين سيفه=فأنت له حد ونصل وقائم
أبرر فيك الحمد واللسن أخرس=وأبسط فيك المدح والعي واقم
واسترشد الأفكار فيك فأنثني ... =بأوضح أفهامي كأني واهم
وهيهات لم تبلغ بدائع مدحتي ... =لفضلك الا حيث تعي التراجم
وانى لما أرضى لمدحك كاره ... =لأنك للدنيا جميعا مصارم
ولكن حر القول ينحو مقره= ... كما أن للتيجان تنحو اليتائم
وما انتقي التمجيد فيك وانما= ... إليك اهتدى حر الكلام الملائم
يسابق فيك الحمد قبل انتقاده ... =وهذا لأن الحمد فيه مكارم
ولست بأقصى الحمد فيك مموها=الى العرض الفاني بشعري أزاحم
ولكن رأيت الله يمدح أهله= ... ومن فضله بدء العطا والخواتم
هداهم اليه ثم أثنى عليهم=وذلك في احسانه متلازم
وحمد ولي الله عين ولاية= ... وتوقيره فيض من الله ساجم
فكل رجائي بالثناء عليكم=ذخائر عند الله لي ومغانم
وأسنى حظوظي أن أوفق معية=وحب الى يوم القيامة دائم
فان محب القوم لا ريب منهم ... =قسيمهم ان مغنم أو مغارم
أحاول فوزا من حياتي بقربكم=يراعي وسيفي والنهى لك خادم
وانى لدهر صدني عنك شانئ ... =وحتى متى من صرفه أنا واجم
ادبر حزم الرأي في حل قيده ... =وهيهات أعيا منه عي وحازم
واني أشيم البرق من حيث نفعه=وانك أجدى بارق أنا شائم (1/311)
صفحة 312
وسرك بالتفريج أوحى مؤمل=وان سدت الأبواب دوني البوازم
فصل يا ولي الله وصلي بخطرة=على القلب لا تبقى عليها الأوازم
فان قلوب الأولياء فواعل=لا بحر نور الله فيها تلاطم
محل تجلي الحق مشكاة نوره ... =له وسعت اذ لم تسعه العوالم
فلا بدع من تأثيرها حيث أثرت=ولو حييت منها العظام الرمائم
واني بحمد الله فيك لمخلص= ... ولو خاصمتني في الولاء الخواصم
ومالي وللأعداء جاشت صدورهم= ... وغصت بما تحوي الصدور الحلاقم
على أنني واليت في الله أهله=وعاديت من نيطت عليه المآثم
ومن لهم أن أخذل الحق ظالما ... =ويظفر مني بالولاية ظالم
وهذا محال لا ينالون نيله= ... ولو ضغمت جسمي عليه الضياغم
"يديرونني عن سالم وأريغه"=وجلدة بين العين والأنف سالم
ولو نصبوا جسمي وجروا جيوشهم= ... لرفع حياتي لم ترعني الجوازم
وما آنس الأعداء مني هشاشة ... =أبى الله لا حيث تدعو المكارم
وكم عجموا عودي على الدين فانثنت ... =كلالا عن المر الصليب العواجم
ولولا المقادير التي عزت القوى=وما اكتسبت مني الخطوب الغواشم
نذرت حياتي تحت ظل لوائه=وأحرزت خصلي اذ تحز الغلاصم
ولم يك قسمي غير ضربة قاضب=اذا قسمت فوق الفروق الصوارم
أو الطعنة النجلاء ترمي نجيعها=تفوز بها مني الطلى واللهازم
وتلك لعمر الله أبخس قيمة= ... لرضوان ربي يوم تعطى المقاسم
بحب (أمير المؤمنين ابن راشد) =أدين وأنف الخصم خزيان راغم
محبة من باع الضلالة بالهدى ... =يبيع ويشري مؤمنا ويساوم
محبة من لا يتقي الموت مسلما=يحارب في دين الهدى ويسالم
إليكم عباد الله مني نصيحة= ... يبررها قول من الله جازم (1/312)
صفحة 313
أحقاً تقاعدتم بها وهي دينكم ... =وخارت عن العز المقيم العزائم
أحقا ًعباد الله بعض سيوفكم ... =لدعوة أهل الاستقامة حاسم
أحقا عباد الله بعض قواكم=لقوة عباد الصليب دعائم
أفي عزة الطاغوت يشهر مؤمن=حساما وتهوي في أخيه اللهاذم
أحقا عباد الله أن خياركم=تناصب قوام الهدى وتقاوم
سيوفكم يا قوم سيفان خاذل= ... لحق وسيف في المحقين خازم
أيهدم ألف ما بنى الفرد منكم=وكيف بناء الفرد والألف هادم
ويا أسفا أن تهشم العقر فتنة= ... زبون وتزجيها رجال معاصم
عرفناهم بالخير حينا فمذ بدت ... =سرائرهم لم تبد الا الأراقم
نصبتهم الدنيا فكانوا سباعها= ... وصيدهم منها الذميم المصارم
تمنيتم أن يظهر العدل لمحة ... =فلما بدا شدت عليه الضياغم
أفي العدل حيف أم من العدل ذلة=عليكم وكل العز للعدل لازم
وكيف يعادي العدل من همه التقى= ... ولكنه بغي بكم وتعاظم
هممتم بأمر والرزايا تنوشه ... =ويعقبها عدل من الله قاصم
فيا فتنة عظمى تحرشتم بها= ... تقضكم أنيابها والملاهم
فما تنتهي الا وللبغي صرعة=وحد حسام الله في البطل حاكم
وتنصر أهل الله غيرة ربهم= ... وأين اذا غار الاله المقاوم
ويعلو (امام المسلمين) بعدله ... =عزيزا وميزان الحنيفة قائم
العينية:
لأبي مسلم رحمه الله:
ألا هل لداعي الله في الأرض سامع=فاني بأمر الله يا قوم صادع
وهل من يرى لله حقا ومرجعا ... =اليه وأن الدين لا شك واقع
وهل من يرى أن الحقوق التي دعا= ... اليها رسول الله غفل ضوائع (1/313)
صفحة 314
وهل من يرى الشرع الشريف تدرأت=عليه حثالات مبير وخانع
وهل من يرى أن الحنيفة سامها=بما شاء من ضيم لعين مخادع
تمالأ ظلما خيله ورجاله=وليس لهم حد سوى الله مانع
يدوسونها دوس الحصيد كأنها ... =لقى وأخو الايمان في الأسر خاشع
أفيقوا بني القرآن إن هداكم= ... الى الجبت والطاغوت في الذل ضارع
أفيقوا بني القرآن إن كتابكم= ... يناقض في أحكامه وينازع
تعيث قرود الجبت في سنة الهدى= ... اذا عقدوا شنعاء جاءت شنائع
يعدون دين الله بهتا وهجنة= ... وان ليس من صوب الاله شرائع
وأن وقوع الدين في الأرض مفسد= ... وان قوانين السماء فظائع
وان الذي جاءت به الرسل كله=مضر لأسباب الرقي مصارع
وان هدى الاسلام في الأرض ظلمة ... =ولو زال بانت للرقي سواطع
وان بني الاسلام في همجية= ... وحوش تعادي في الفلا أو صفادع
وان بني الانسان في الأرض طائر=على شرك عز الجناحين واقع
ولولا عرى إشراكه لتوسعت=مداركهم حيث الحدود الموانع
هلم بنا نقطع حبالة ديننا=اذ الدين عن نور التمدن قاطع
ونرسل أطيار النفوس إلى الهوى= ... فان هواها للسعادة جامع
ونذروا وصايا الله في الريح تربة= ... فليس بها، استغفر الله، نافع
وفي دولة التعطيل مرعى ونضرة= ... وفي دولة الدين الديار البلاقع
ولا كون الا للطبيعة انها=لها الضر في أكوانها والمنافع
وأن ننتحل شبها لدين سياسة=ففي دولة التبشير فعل مضارع
حبالة صياد ودين ودولة=وتعطيل انسانية وخدائع
فيا لبني القرآن أين عقولكم= ... وقد عصفت هذي الرياح الزعازع
أمسلوبة هذي النهى من صدورنا=وهل فقدت أبصارنا والمسامع (1/314)
صفحة 315
أما كذبوا لا قبح الله غيرهم= ... ولا أفلحت تلك الوجوه للواكع
لقد ملأوا الآفاق افكا وخزية= ... وبغيا ولا مقصود الا المطامع
نفوا ملة الاسلام اذ منعتهم= ... محارم في حكم العقول فظائع
ولو قلدوا الاسلام ضاق عليهم=سبيل الى ما تشتهي النفس واسع
ولا أطلقتهم في الرذالة رتعا ... =نذالتهم مهما اقتضته الطبايع
ولا حرشتهم شرة وفظاظة= ... لهم كلب في نهبنا وتنازع
كأن بني الاسلام صيد رماحهم=وأملاكهم إرث لهم أو قطائع
فلا غرو أن يستنكفوا من ديانة=وقد اسلبت فيها عداها الزرايع
وليتهم اذ عطلوا الدين سايروا=طبيعة تكوين العمار وتابعوا
فأي عمار قام والظلم أسه= ... وتلكم ديار الظالمين بلاقع
وليت بني الاسلام قرت صفاتهم=فما زعزعتها للغرور الزعازع
وليتهم ساسوا بنور "محمد"= ... ممالكهم اذ باغتتها القواقع
وليتهم لم ينحروا بسلاحهم= ... نحورهم اذ جاش فيها التقاطع
لقد مكن الأعداء منا انخداعنا ... =وقد لاح آل في المهامه لامع
وسورة بعض فوق بعض وحملة=لزيد على عمرو وما ثم رادع
وتمزيق هذا الدين كل لمذهب ... =له شيع فيما ادعاه تشايع
وما الدين الا واحد والذي نرى=ضلالات أتباع الهوى تتقارع
وما ترك المختار الف ديانة ... =ولا جاء في القرآن هذا التنازع
فياليت أهل الدين لم يتفرقوا= ... وليت نظام الدين للكل جامع
لو التزموا من عزة الدين شرطها= ... لما اتضعت منها الرعان الفوارع
وما ذبح الاسلام الا سيوفنا= ... وقد جعلت في نفسها تتقارع
ولو سلت السيفين يمنى اخوة=لدكت جبال المعتدين المصارع
وما صدعة الاسلام من سيف خصمه ... =بأعظم مما بين أهليه واقع
فكم سيف باغ حز أوداج دينه=بأفظع مما سيف ذي الشرك باخع (1/315)
صفحة 316
هراشا على الدنيا وطيشا على الهوى ... =وذلك سم في الحقيقة ناقع
وما حرش الأضغان في قلب مسلم= ... على مسلم الا من النعي وازع
ولو نصع القلبان لم يتباغضا ... =ولا ضام متبوع ولا ضيم تابع
وما هذه الدنيا لها قدر قيمة= ... يضاع له ذخر من الله نافع
وما نال منها لهائلا غير اثمها ... =وأكدارها المستأثرون الأمانع
ولو بعدت في النفس منزعة التقى=لما نزعت نحو الشقاق المنازع
ولا ضبحت تعلو بأسباب وهمها=على غير ذي ثبت جداه القوارع
أما هذه الدنيا التي يقتنونها= ... ستقتضب الاعمار منها الفجائع
قراضة آجال ومطلب جاهل= ... ونحن لناعيها الينا ودائع
فما بيعنا الحسنى ومرضاة ربنا=بها بيعة ينمى بها الربح بائع
على أي شيء يقتل البعض بعضنا=وتذكي فظاظات النفوس المطامع
ولسنا برغم العقل نطلب وادعا=ولا أحد منا وان عاش وادع
ويكشف عن ساق لنا الحتف دائبا=ونعجله في باطل نتقارع
أليس الذي يأتي من العمر مقبلا =كمثل الذي ولى وفيه المصارع
ولو أشربت منا النفوس تبصرا=لما كان منها للشرارة ناقع
بلى أشربت داءا دخيلا اصارها=كما كمنت في حجرهن الاقارع
ولو بحثت عن دائها كان كبرها=فمنه بلا قيد تثور الشنائع
ولو فكرت في أصلها ومصيره=لدافع داء الكبر منها التواضع
رويدا بني الانسان ان شروركم=يعود عليكم ويلها المتتابع
فما أرسل الانسان سهما محرما=سوى أنه في نحر راميه راجع
ولست وان برأت نفسك خالصا=من الشر والدعوى اليه ذرائع
أنلزمها الاشرار والداء شامل ... =وننفي اشتراكا فيه والسم نافع
ولو سلمت من صبغة الشر نسمة=لما راع في أوكاره الفرخ رائع (1/316)
صفحة 317
وكل لجاج المرء في الشر نهمة=من النفس تغريها عليه الطبائع
أليس عجيبا زرع نفس شرورها=وعند حصاد الزرع يحصد زارع
ولولا نواميس السماء لما زكت=نفوس ولم يعرف مضر ونافع
ومن سنن الله التدافع بيننا=ليصلح مدفوع ويصلح دافع
ومن سنن الله اختبار عباده= ... وابلاؤهم وهو الحبى والصنائع
يصب على من شاء صبا بلاءه=وذاك بلاء للمواهب جامع
ومن سنن الله اختفاء اصطناعه=فكم شق أمر ضيق وهو واسع
ومن سنن الله التفاضل في العطا=فذو الجهل موفور وذو العقل جائع
ومن سنن الله التأني بمن طغى=وتعجيل عقبى هفوة اذ تواقع
ومنها انتقام من ظلوم بظالم= ... وهذا حسام للمظالم قاطع
ألم تر أن الله سلط مشركا=على مسلم والعدل للكل وازع
فما الشأن الا العدل في أي حادث=والاخفي اللطف للزيغ رادع
وفي الشأن أسرار تجلت لذي النهى= ... عليها جمال الله باللطف شايع
ترى سلطة لا تعرف الله أفظعت=بعارفه والعدل تلك الفظائع
فأنت اذا فكرت لم تلف ذرة= ... من الظلم في شيء له الله صانع
وما يوجب المقت الالهي عدوة=عدوت بها في خرق ما هو شارع
ولو ثبتت رجلاك دون حدوده ... =لما كان عن رضوانه لك قاطع
وما يوجب الجود الالهي رحمة=وفضل وتوب منه للتوب زارع
أيحظر أمرا ثم تهتك حظره= ... كأنك مدعو بما هو مانع
وأنت مع الايعاد للسخط تنتحي=ومن حيث اتيان المساخط طامع
فما من وعيد الله يمنع عاصم=اذا لم يزع من حرمة الله وازع
نضج ضجيج النيب مما ينوبنا ... =ونحن الى ما تقتضيه نسارع
نطاوع أسواء المغبة رغبة= ... ولسنا لمحمود الجزاء نطاوع (1/317)
صفحة 318
وما هذه الأوقار فوق رقابنا= ... يدافع عقابهن عنا مدافع
وبعض عقاب الاثم أخذ معجل=وبعض على الاملاء جانيه وادع
ولو أمحض التقدير عقل لأظهرت= ... شوارقها بالحكمتين مطالع
فما هو في تعجيله البطش عابث=ولا عارضته في التأني موانع
ولا هو بالاعجال يحذر فائتا ... =سواه تعالى قبل فوت يسارع
فجل في مجاري حكمه وشئونه=تبن لك فيها حكمة وبدايع
وفي عدله حسب اقتضاه شئونه=تدابير وحدانية لا تمانع
فلا تخبطن في فهم أحكام عدله=اذا اختلفت أشكالها والمواقع
ورب بلاء حل في شكل عدله ... =وما هو الا الفضل واللطف واقع
فمن ذاك للتوفير وهو أجله= ... ومنه لتمحيص لذنب يواقع
وتقديمه انذاره ووعيده=الى عبده حد عن العدل مانع
وفي عين هذا العدل فضل محقق=الى مستقر الفضل والجود نافع
وذلك في الجود الالهي لازم= ... ليذكر اللاهي وينزع نازع
وعاقبة الانذار انقاذ عبده= ... حذارك مما قيل خلف وشافع
فقم نحو ما يدعو اليه بفضله= ... فداعيك قيوم برحماه واسع
ولا تعجب ان خالفته كيف بطشه=فمالك الا صحة التوب نافع
ولا تعجبن مما تراه مسارعا=الينا فعدل الله هذا المسارع
الى ما أفضنا فيه من ترك أمره=واتيان منهياته العدل صادع
ففيم صراخ المسلمين وجأرهم=وأغلبهم للمقسطين منازع
لهم في أساليب الشقاق طرائق ... =وكل طريق في الضلالة شارع
وأغلبهم للاستقامة شانيء=بسيف التعدي في حمى الله شانع
ولو شملتنا الاستقامة لم نزل= ... لنا ألفة ترفض عنها المطامع
سقى الله أرضا تنبت القسط سوحها ... =وبين رباها العلم والحق راتع (1/318)
صفحة 319
ربوع بمحمد الله نور "محمد" ... =عليها بنور الله أبلج ساطع
وحيت يمين الله بالروح والرضا=رجالا لهم تلك العراص مرابع
رجال سعوا لله سعيا مباركا ... =فما قطعتهم عن رضاه القواطع
أنابوا الى الله اتباع سبيله=فما صدعتهم في السبيل الصوادع
وقاموا بمفروض القيام عليهم ... =فما عز جبار ولا ذل ضارع
فما جمعوا ما فرق الله جمعه ... =ولا فرقوا في الدين ما الله جامع
ولا شرفوا الا بخالصة التقى ... =حظوظهم منها البحور الجوامع
بهم يقتدى في العلم والهدي والهدى= ... وعن خلقهم تروي النجوم السواطع
عليهم وقار الرسل أرست جباله=وهم لكمالات النفوس مطالع
تجلت لهم من باطن الشرع حكمة=ولو أظهروها ناقضتها الشرائع
ألحوا على الاخلاص حتى تفجرت= ... على لسنهم بالحمتين ينابع
ولو أظهروا من حكمة السر ذرة=لكانوا بحكم الظاهر الشرك واقعوا
فبورك علما طابع الشرع باطنا=وفي ظاهر الأحكام للعذر قاطع
أولئك أهل الله رحمة أرضه ... =بهم تمطر الارض السحاب الهوامع
أولئك أوتاد الوجود وغوثه= ... وأحوالهم في الاعتبار شوافع
أولئك أهل الحق ما ضل مقتف=هداهم ولا يغوي عليهم متابع
أولئك أهل الفهم ما جار فهمهم=عن الله ما يقضي وما هو شارع
أولئك أهل الخير أما حياتهم= ... فغنم وأما ذكرهم فذرايع
أولئك أهل الفضل حتى ولو فنوا=لهم بركات في الدنا ومنافع
أولئك أشياخي فجئني بمثلهم ... =اذا جمعتنا يا جرير المجامع
ولست بجاء في الوجود بمثلهم=وللقوم شأن في الولاية شاسع
وللقوم ارث صادق من "محمد"=لكل هدى للرسل لا شك جامع
وماذا عسى أن يبلغ الحمد فيهم=وهم لضياء المرسلين مطالع (1/319)
صفحة 320
نعم أن نور الرسل في قلب ختمهم= ... وفي القوم نور الختم أبلج ساطع
سرى علمهم بالله في سر سرهم=وهذا لصدق الاتباعين تابع
وما صدقوا في الاتباع لغاية= ... ولكن لحب الله فيهم نوازع
ومحترق الأركان من خوف ربه=له صعقات بينه ومصارع
له ما عدا العلم القديم صحيفة=يشاهد فيها صنعه ويطالع
ومهما يكن في الملك والملكوت من= ... بدائع لم تحجبه تلك البدايع
يرى كل شيء غير مرضاة ربه=رمادا به اشتدت رياح زعازع
ولو خالست منه العلائق لفتة=كفاها من التوفيق عنه ممانع
يطارد آفات الوجود بعزمه= ... فتنكص حسرى عنه والعزم ناصع
رمى عرض الدنيا وراء يقينه ... =بأن وراء الحد شأنا يسارع
يحرر نفسا من عبودة مطمع=سوى رغب فيه الى الله طامع
به أنف الأملاك في نضرة الغنى=وما نال منه ما تقل الأصابع
كفته لقيمات يقومن صلبه=وطمر من الانهاج بأياه راقع
يلذ فطام النفس عن كل لذة=ولذات هذا العيش بئس المراضع
يبيت اللأحزان جمرة قلبه=تشب اذا سالت عليها المدامع
اذا ذكر الأخرى تضاءل جازعا=كأن راعه من هادم العمر رائع
وان ذكر الدنيا تفانى وأصعقت=مشاعرة تلك الصعاب القوارع
على وحشة في السجن من بغتة الفنا ... =وما خلف يوم الموت كيف المفازع
وما زخرف الدنيا وان راق رونقا=على عينه الا العنا والفجائع
أحال على أنفاسه البر والتقى=فللبر والتقوى عليها طوابع
على الأرض منكور ويعرف في السما=له مخبر بين الملائك شايع
تراه متى ما الليل عمد بيته= ... عمودا على محرابه وهو راكع
يشعشع بالقرآن أنوار قلبه= ... فعنهن شقت للعيون المدارع (1/320)
صفحة 321
يرجع في الديجور رنة ثاكل ... =نحيبا كما ناح الحمام السواجع
يناوحه همان هم مخافة=وهم رجاء والبرايا هواجع
بأمثال هذا يرحم الله خلقه= ... وان عظمت أحداثهم والشنائع
بأمثال هذا تحفل الشاة ضرعها=ويسمن مهزول ويقطف يانع
بأمثال هذا يخصب الله أرضه ... =ويشرب عطشان ويشبع جائع
بأمثال هذا تنزل السحب رجعها=وينضر صدع الأرض وهي بلاقع
بأمثال هذا يدفع الله سخطه= ... وليس لسخط الله في الأرض دافع
لهم منزل في القرب للخلق نافع=وحدّث وأطلق كيف تلك الموانع
أولئك أبرار الأباضية الألى= ... على نهر حرقوص وزيد كوارع
هم القوم أحرار الوجود سمت بهم= ... الى الله من حظ سواه المنازع
محبتهم ديني بها أبتغي الرضا=الى الله والزلفى وهم لي ذرائع
ودعوتهم لي سنة وجماعة= ... أجهاد في احيائها وأقارع
واني وان يتركني السيف قعددا=فذلك للأمر الذي لا أدافع
قضى الله أن أحيا من العجز قابعا=وما أنا في همي الى الله قابع
اذ لمت نفسي أقنعتني قيودها ... =وما أنا دون النصر لله قانع
وما نصرتي بالقول والقول تشتفي= ... من الغيظ لولا دون عزمي موانع
الى الله أشكو حائلا صد همتي=فعشت كما عاش الجبان الموادع
أأحيا كسير النفس والسيف عانيا=وسيف الأباضيين في الخصم شارع
على أنني إن هدني الحزن هدة=ونهنهني مما قضى الله قادع
ليعلم قصدي عالم الجهر والخفا=وللعبد ما ينوي وان سد مانع
لعل ختام القصد نيل موفق= ... يهيئه حول من الله واسع
فأضحى بتهليل السيوف مهلالا=متى حيعلت نحو الجهاد الوقائع
ويرضى الهي في مواطن حربه=قيامي اليه والرماح كوارع (1/321)
صفحة 322
لعلمي ان لاقيت حتفي مجاهدا=فذلك فوز عشت فيه أنازع
وان وقوع الموت للمرء موضع=وليس لموت كالجهاد مواضع
وما مات من ألقى الى الله نفسه=وان حولت وسط اللحود المضاجع
وأي رجاء بعد ستين حجة= ... لعيش وهل ماض من العمر راجع
فهلا انقطاع العمر لله لحظة= ... أحق به والعمر يبليه قاطع
ولم يبق منه غير فضلة ساغب=سيخطفها من طائر الموت واقع
وأمنيتي في بيعها من إلهها=بسوق جهاد حيث تزكو البضائع
على الله احسان الخواتم انه= ... اذا شاء بين العبد والخير جامع
....
إجتماع العمانيين بنزوى
لعقد البيعة على الخليلي
ولما كانت الحاجة إلى القيام بمصالح الأمة وجب أن تكون المصالح العامة جارية على نظام ثابت لا يزلزله فقد الرؤساء، وأن ندرك أنا نعيش في ظل وطن تحكمه حكومة شرعية محترمة، وأن ندرك أنا نعيش في غاب لا تسوده شرعة القانون، وأنا لا نعتمد في معرفة الحق على وجود المعلم بحيث نتركهما عند موته بل نسير على منهاجهما حين وجوده وبعد موته، وأن قتل سالم لا يوجب ضعفا في الدين ولا فساداً فيه، وأنه بشر كسائر الخلق (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) ففي الآية هداية وإرشاد إلى أنه ينبغي أن يكون أمر البشر مستمراً ذا صلة بوجود القائد إذا قتل القائد إنهزم الجيش واستسلم للأعداء.
عقد العلماء والقضاة والرؤساء في اليوم الثاني عشر من ذي القعدة عام 1338 هـ مؤتمراً تمخض منه صلاح الأمة العمانية والسلوك بها إلى طريق الرشاد والأخذ بها إلى أيدي السعادة فألزموا الشيخ محمد بن عبدالله الخليلي قبول الإمامة وكلفوه ذلك بعد طول إحتجاج ومناظرة قرع صداها صم الآذان وفتح مسالك الأوهام لعجزهم عن مناظرته لكونه أعلمهم وبعد طول إحتجاج ما رأى من الواسع إلا قبول أمرهم فأصبح الناس بجامع نزوى غرة الثالث عشر من ذي القعدة والجمعة عام 1338 هـ. (1/322)
صفحة 323
إمامة الولي السعيد
محمد بن عبدالله بن سعيد
مولده:
ولد رحمه الله بقرية سمائل في سنة 1299 هـ، تسع وتسعين ومائتين وألف ونشأ في حجر أبيه العلامة عبدالله بن سعيد.
نسبه:
هو العلامة المحقق محمد بن عبدالله بن العلامة المحقق سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عامر بن ناصر بن عامر بن بوسالم بن أحمد من نسل الإمام الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل بن العلامة شاذان بن الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي نسبةً إلى خروص بن شاري بن اليحمد بن عبدالله، وعبدالله هو الحمى من سلالة نصر بن زهران بن كعب ابن حارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن أزد بن نبت بن مالك بن يزيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود النبي عليه الصلاة والسلام، كتبه نقلا من خط الشيخ خلفان بن عثمان الخروصي عن خط جده الشيخ الزاهد خميس بن العلامة أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي.
علومه: قرأ النحو على الشيخ محمد بن عامر الطيواني ويجالسه للمذاكرة البحر الأسود الشيخ عبيد بن فرحان والشيخ العلامة حمد بن عبيد السليمي ويناظرهم الشيخ أبو وسيم خميس بن سليم الأزكوي، نقلا عن لسان سيدي الإمام رحمه الله.
دروسه: درس فنون العلى على عمه الشيخ العلامة أحمد بن سعيد وأبيه الشيخ العالم عبدالله بن سعيد آل خليل.
ثم هاجر إلى شرقية عمان لدراسة العلوم فقرأ على نور الدين السالمي التفسير والحديث والأصول وفنون العلم فصار علماً من الأعلام وحجة في المعقول والمنقول والمنثور والمنظوم، فهو اليوم أكبر عالم بعمان إليه منتهى رياستها وفي (1/323)
صفحة 324
الحلم والعلم وحل المشكلات وكشف العويص، قضى أيامه مكباً على التعليم فأحرز قصبة السبق.
كانت الرئاسة لآبائه على بني رواحة وهم بنو عبس ومن تبعهم من قبائل عمان ثم كانت له قبل ارتقائه عرش الإمامة كما كانت لآبائه من قبل.
صفاته:
أبيض اللون، جميل الخلق، حسن الخلق، مدور اللحية، نحيف البنية، تنجذب النفوس إليه حباً.
أخلاقه:
بعيد عن الصلف، بعيد الغضب، لا نراه غضباناً أبداً إلا إذا انتهكت محارم الله، دائم الفكر، حمول للأذى، واسع الصدر، أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلم تكلم بعلم وإذا سكت فعن أدب أعطاه الله التوسم فإذا دخل عليه الزائر وجه نحوه شعاعاً قوياً من عينيه فأستخرج بتوسمه ما أكنه بين يديه فعبر له عن فكره قبل أن يفوه بمراده بعبارة وجيزة لا يحسنها الزائر وأعرب له عن قصده الذي جاء إليه إن خيراً أو شراً فيتحقق بعض الفحص صدق حدسه حتى أن بعض الوفود يرتج عليه أن يفوه عنده بشيء يباسط الناس الخاصة والعامة ويقص لهم القصص الدينية والآداب الدنيوية، أحرز الحالتين، يسلي المتوجع لا يرد سائلا ولا مسترفداً ولا يملك ما بيده أكرم أهل زمانه كأنما عناه القائل:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه * لجاد بها فليتق الله سائله
يجلس إلى الناس الخاصة والعامة يباسطهم ويعلمهم أمر دينهم ودنياهم يقضي نهاره في خدمة المسلمين، يجره المرأة والخادم والصغير والكبير والضعيف والقوي لا يأنف من أحد فيقضي حاجتهم ويرجع إلى مجلسه، حتى أنه في بعض الأوقات يتولى بيده علاج بعض المرضى من الضعفاء ويتولى كل أمور المسلمين حتى بروات الطعام لدواب الضيوف ودواب الدولة.
ملك روح الشعب بالمحبة والسياسة واللين لا بالقوة والجبروت عظمه الناس لصغر الدنيا في عينيه فلا يرى لها قدراً. (1/324)
صفحة 325
كان قبل ارتقائه عرش الإمامة في رغد من العيش وتأنق من اللباس لأنه كان غنياً، فلما ولي الأمر رغب عن ذلك مع كثرة غناه فكان يطوي الأيام والليالي ويفطر على التمر والعوال (1) كثير صيام التطوع حتى ابتلي بنقصان بصره لكثرة صيامه وتقشفه في المعيشة، بقي خمسة أشهر مكفوفاً فأحتاج إلى علاج الدكتور فأرسل إلأى تومس الأمريكي من مسقط فلبى دعوته فعالجه فأبصر من إحدى عينيه.
كان لا يلوم أحداً على ما يكون العذر في مثله، يلتمس العذر لإخوانه والتخلص له من العثرة لا يشكوا وجعاً ولا صاحباً ولا ينتقم من الولي على العدو ولا يغفل عن الولي، لا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه، ولا يتبرم ولا يضجر، تأتيه الحوادث وتطرقه الكوارث فلا يتغير ولا يتضعضع، يتلقاها بصدر أوسع من الدهنا فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا.
كانت له ثروة خاصة عدا بيت المال وهي مما ورثه من آبائه الكرام فباع أصولها بمائة ألف قرش وخمسين ألف قرش صرف عمان عبارة عن خمسمائة ألف روبية وخمسة وعشرين ألف روبية هندية أنفقها في سبيل الله لإعزاز الكلمة وأن تكون له ذخراً عند الله وتوفي ولم يعقب ولداً ولا مالا فهو رحمه الله منقطع القرين.
إن آباءه وأجداده الكرام وآباء الشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي من عنصر واحد تجتمع سلسلة نسبهم بالإمام الخليل بن العلامة شاذان بن الإمام الصلت بن مالك وكان وطنهم (بهلا) من أرض الجوف فأزعجهم سلطان الجور إلى الخروج منها فبقي أجداد الشيخ أبي نبهان بالعليا من وادي بني خروص وأتخذ آباء المحقق الخليلي وادي بوشر وطناً لهم فتراهم يتواصلون لما بينهم من القرابة والصهر لكن الشيخ أبو نبهان انتسب إلى الأصل خروص بن شاري والمحقق الخليلي انتسب إلى الفرع وهو الخليل بن شاذان انتهى نقلا من لسان سيدي الإمام محمد بن عبدالله رضي الله عنه.
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/325)
صفحة 326
وهذه زيادة من لسان السيد عبدالرحيم بن سيف الخروصي. أزعجهم سلطان الجور سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني في القرن التاسع من الهجرة بعد وقائع دامية كانت بينهم بسبب تغريق الإمام عمر بن الخطاب الخروصي لأموال النباهنة فأنتقل الشيخ أحمد بن عامر جد الإمام إلى إزكي فكانت بينه والجبار معارك ثانية كان النصر في جانب النبهاني فأنسحب الشيخ أحمد إلى وادي بوشر وبها توفي وبقي عقبه هناك حتى اتخذ المحقق الخليلي سمائل وطناً آخر , أما الشيخ مبارك بن يحيى فأنسحب إلى الجبل الأخضر المعروف بجبل اليحمد في القديم وجبل بني ريام في الحديث فكانت إمارة الجبل إليه حتى إنتزعها النباهنة منه وانتزعوا الجبل وصادروا أمواله الموجودة به في مقابلة ما أخذه الأئمة عليهم، انتهت الزيادة.
وكلهم من دوحة تطلب إحياء معالم الإسلام كما ذكره سيدي الوالد نور الدين بتحفة الأعيان من دخول أبي نبهان نزوى وعقد الخليلي الإمامة لعزان وابنه ناصر.
كانت ولادة المحقق الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي ببوشر في سنة 1236 هـ سنة ستة وثلاثين ومائتين وألف ونشأ بها في حجر جده أحمد بن صالح وقد توفي أبوه عنه صغيراً فرباه جده وأحسن تربيته ونشأ نشأة مباركة يطلب فيها المعالي ويكتسب المحامد ولا يبالي كثير الخلوة والتبتل والتلاوة، يقال عنه دخل الخلوة بالأسماء الحسنة كلها وله اليد الطولى في هذا الفن وقد أودع قطرة من بحره تأليفه المسمى (النواميس الرحمانية) وَعَرَفَ ذلك من لاحظ تبتلاته ودعواته وله في ذلك طرق متداولة عند العمانيين، وله في السلوك مناظيم تدل على طول باعه وبها ما يدل على ما منحه الله أياه، فمنها:
عرج على باب الكريم المفضل* والثم ثراه ساعة وتذلل
فلئن رزقت لدى حماه وقفة * تربت يداك بنيل ما لم تأمل
ولئن نشقت شذا ثراه ساعة * فلك البشارة بالمقام الأطول (1/326)
صفحة 327
ولئن ترى ذاك الجمال هنيهة * فاسحب ذيول التيه فاخرا وارفل
ولئن صددت أو ابتعدت فعد إلى * إرسال دمع كالعقائق مسبل
والهج بأنواع الضراعة وابتهل * مثل الغريق بلجة البحر الملي
لا يدهشنك ما ترى من هيبة * وجلالة وتعاظم العز العلي
وهي قصيدة طويلة وهذه لهجته التي ألحّ بالإبتهال بها إلى الله تعالى في طلبه الجليل من إحياء معالم الإسلام وتطهير البلاد من الطغام وأن يكون دائرة عقد ذلك النظام فإنه اتخذها ورداً في أوقاته حتى أناله الله بعيدات المطالب التي رامها من إعلاء الكلمة وتشتيت الجبابرة.
الخطبة:
سموط ثناء في ... سموط ... فريد" ... " بكل لسان قد ... بثثن ... وجيد
وحمد ... تغص ... الكائنات ... بنشره" ... " اذا نشرت منه أجل ... برود
وذكر له تحيا النفوس ... بذكره" ... " ويبعث قبل البعث من هو ... مودي
تعطرت الآفاق من طيب ... عرفه" ... " فما مسك دارين يشاب ... بعود
ويزري بنور الشمس نور ... ابتسامه" ... " اذا ما تجلى في صحائف ... سود
لمن هو أهل الحمد والمدح ... والثنا" ... " لذى الفضل والألاء خير مفيد
لمن ... سبحته ... الكائنات ... شواهدا" ... " ... بتوحيده ... والله ... خير ... شهيد
أعاد وأيدى من أياديه ... أنعما" ... " فيا أنعم المولى بدأت ... فعودي
الفصل الأول:
ويارب لطفا من ... لعبد ... مؤمل" ... " بسيط لسان ... بالدعاء ... مديد
ويقصر منه القول ذكر ... ذنوبه" ... " وقبح الخطايا فهو أي ... بليد
ويغضي ... حياء ... هيبة ... ومخافة" ... " ... لعزك ... اجلالا ... بكل ... شهود
فجد بمتاب عن مقر ... مصرح" ... " بذنب وتقصير وطول ... صدود
منيب ... يرجى ... عندك ... مول" ... " بذكرك لا ذكر اللوا ... وزرود (1/327)
صفحة 328
فقير لما أسديت من كل نعمة" ... " شكورلما أوليت غير ... جحود
الفصل الثاني
دعاك ولا يرجو ... سواك ... لفقره" ... " وأنت الذي تدعى لكل ... شديد
وما ظن يوما ان يخيب ... آمل" ... " بباب كريم في غناه ... حميد
ولم يك يشقى في دعائك ... عمره" ... " ومنك يرجى اليوم كل ... مزيد
الهي ... تداركني ... بلطف ... واغنني" ... " بواسع رزق من نداك ... عتيد
فمهما ترد شيئا يكن بمقال ... كن" ... " فهلا بكن تقضتي بأوسع ... جود
يجود به من جوده العمر ... شامل" ... " على كل موجود بكل ... وجود
فما كان لي في غير جودك ... مطمع" ... " وجودك منه طالارفي وتليدي
وجودك اذ عز الشفيع ... وسيلتي" ... " وجودك اذ عز البريد ... بريدي
واني ... لوقاف ... ببابك ... سائل" ... " لفضلك راج منك نجح ... وعودي
وقد ... دفعتني ... الكائنات ... بأسرها" ... " اليك ولم تحفظ وثيق ... عهودي
واني ان زايلت ... بابك ... قاصدا" ... " سواك فقد أبرمت نقض عقودي
الفصل الثالث:
وحاشاك عن طردي وقطع ... مطامعي" ... " لشؤم جدودي واتضاح ... جمودي
وان كان سعي لا يفي ... بمطالبي" ... " وان حظوظي عن مناي ... قيودي
فان بقصدي الله تغدو ... صعابها" ... " وان عظمت قدرا أذل ... مقود
ومن يتمسك ... بالاله ... تكن ... له" ... " اذا رامها العنقا أذل ... مصيد
ولما رأيت الحظ ... عني ... نائما" ... " وكان قيامي فيه مثل ... قعودي
وان فعالي مثل مالي ... كلاهما" ... " لدارس دين الله غير ... معيد
وان لساني مثل كفي ... كلاهما" ... " لاظهار دين الله غير ... مفيد (1/328)
صفحة 329
وان ... حسامي ... كاليراع ... كلاهما" ... " لأعداء دين الله غير ... مبيد
ودهري لم يأذن بغير ... اهانتي" ... " ... واكرام ... خصم ... للاله ... عنيد
وغاية محصولي المواعيد ... والمنى" ... " وان وعود الغدر أي ... وعود
ولم يبق عندي اليوم الا ... تمسكي" ... " ... بعروة ... ركن ... للاله ... شديد
جمعت همومي وانتجعت ... بهمتي" ... " الى باب وهاب الجدود ... مجيد
الى باب من يدعوه في الأرض والسما" ... " ومن فيهما من سيد ... ومسود
الى باب من في كل يوم ... بحمده" ... " له أي شأن في الأنام جديد
الى باب خير الناصرين وأكرم ... ال" ... " فيدين خير ... الفاتحين ... ودود
الى باب وهاب الممالك قالب ... ال" ... " ... كراسي ... قهار ... لكل ... عنيد
الى مالك الملك العظيم ... اقتداره" ... " الى من له الأملاك خير ... عبيد
وقوفا على أبوابه ... منه ... راجيا" ... " قيام حظوظي في العلى ... وجدودي
فتخرق لي فيه ... العوائد ... نفحة" ... " ... سماوية ... من ... مبدئ ... ومعيد
حظوظا يقوم به الدهر فيها ... بخدمتي" ... " ويسعى بما لا يشتهيه ... حسودي
تقوم ... بتدبير ... الاله ... وكيده" ... " لأمر عليه لم أكن ... بجليد
وتسعى بما يرضي الاله ... لدينه" ... " اذا ما أمات الحق كل مريد
بها قام من قلبي الأئمة ... بالهدى" ... " وكانت لرسل الله قبل ... وجودي
يتم بها ... النعما ... على ... متمها" ... " قديما على خير الخلائق ... صيد
الفصل الرابع:
ومن لي بهذا في زمان ... مضاعة" ... " به سنن الاسلام بين ... قرود
ومن لي بأن يرضى الاله ... لدينه" ... " بتعطيل أحكام ورفض ... حدود
ومن لي بأن يرضي لأمة ... أحمد" ... " وقد سامها بالخسف كل ... كنود
ومن لي بأنصار الى الله ... وحده" ... " اشداء بأس في الحروب ... أسود
تباري النعام الربد خليهم ... اذا" ... " بحيء على نصر المهيمن ... نودى (1/329)
صفحة 330
يغاث بهم داع الى الله قد ... دعا" ... " وخوصم في ذات الاله ... وعودي
ومن لي بسهم يقطع الهام ... والطلى" ... " ويفري من الأعداء كل ... وريد
حسام لدين الله والله ... ضارب" ... " بحدية والهيجاء ... ذات ... وقود
ولو عارض الشم الجبال ... بضربة" ... " لناحت على طود أشم ... فقيد
الفصل الخامس:
فيا غارة الله اغضبى ... وخيوله" ... " اركبي ومواضيه انعمي ... بورود
ومني على الأعداء منك ... بزورة" ... " تريحهم ... من ... كفرهم ... بلحود
ويا رب مزق كل سور ... وخندق" ... " عليهم وحصن شامخ ... ووصيد
وقد مكروا فامكر بهم ... وأذقهم" ... " عواقب مكر في البلاد ... شديد
فطهر بقاع الأرض منهم ... بأنفس" ... " من البغي تجريها بكل ... صعيد
وشرد بهم في كل أرض فلا ... سوى" ... " قتيل ... ومأسور ... يرى ... وطريد
وصب عليهم سوط منتقم ... كما" ... " لعاد ... وفرعون ... جرى ... وثمود
ولا تبق ديارا على الأرض ... منهم" ... " فما قوم ... نوح ... منهم ... ببعيد
الفصل السادس:
وعجل بنصر منك للدين ... مظهر" ... " وعن كيد من عاداك غير ... مكيد
يقوم ... بأرباب ... الديانات ... والتقى" ... " ويسطع نور الحق بعد ... خمود
وتنشر ... أعلام ... العلوم ... لواءها" ... " بأسياف عدل لم تلق بغمود
يدبرها ماضي ... العزيمة ... حاذق" ... " بانفاذ أمر الله غير ... مَؤُود
تذل له الآساد حتى النقاد لا" ... " تذاد عن المرعى بأطلس جيد
أمين على دين الاله ... وشرعه" ... " خليفته المأمون ... خير ... رشيد
به قرت الدنيا ... عيونا ... وأهلها" ... " على العدل والاحسان منه ... شهودي (1/330)
صفحة 331
الفصل السابع:
ومن على عبد دعاك ... بنظرة" ... " تجلي على الآفاق شمس ... سعودي
فتشمل من في الأرض حتى ... أراهم" ... " الى الله أنصاري وفيه ... جنودي
فاحشد في نصر الاله ... ودينه" ... " ومن قام بالدين الحنيف ... حشودي
فأصبح منصورا ... مطاعا ... مؤيدا" ... " ... بفتح ... وتمكين ... وجاه ... سعيد
عسى ولعل الله ... يظهر ... دينه" ... " على كل دين لم يكن ... بسديد
فتخضر ... آمالي ... وتورق ... منيتي" ... " ويثمر في دوح المكارم ... عودي
فانك ... فعال ... لما ... قد ... تريده" ... " قدير على ما شئت خير ... مريد
الخاتمة:
وقد وفقه الله لنيل مطالبه وأناله حظاً وافراً فكان عقد الإمامة لعزان بن قيس على يده كما هو محرر في تحفة الأعيان.
الهي استجب دعوى اليك ... بعثتها" ... " وقد طال ترجيعي بها ... ونشيدي
عقود ثناه قد ... أجدت ... نظامها" ... " وان كنت للأشعار غير ... مجيد
قصدت بها باب المليك ولم ... تزل" ... " على بابه الآمال خير ... وفود
انتهت هذه الإستغاثة وله في السلوك قصائد جمة ومناظيم في فتوحات الإمام عزان بن قيس وأجوبة مسائل نظما وله ألفية في الصرف سماها المقاليد شرحها شرحا جيدا، وله قصيدة في العروض سماها مظهر الخافي مضمن الكافي في علم العروض والقوافي وكتاب النواميس الرحمانية في تسهيل الطريق إلى العلوم الربانية وأرجوزة في الزكاة شرحها شرحاً لطيفاً ورسالة سماها السيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتاب تمهيد قواعد الإيمان وهو أجوبة مسائل وردت إليه في مختلف فنون العلم في أربعة أجزاء ضخمة وكتاب كرسي الأصول إلى غير ذلك مما لا يحضرنا ذكره. (1/331)
صفحة 332
ووما يؤثر من مناقبه أنه كان يتمتع بسلطة دينية عالية يصدر أوامر للإمام عزان فيُلْزمه اتباعها وأنه يذهب أمامه دخولا وخروجا ويأخذ القهوة قبل الإمام وسئل عن ذلك، فأجاب لأريكم شرف العلم وأن العلماء حكام على الملوك والملوك حكام على الرعية.
كانت وفاته رحمه الله في شهر ذي القعدة من سنة 1287 على يد السلطان تركي بن سعيد دفنه وابنه محمد حيين ولا جريمة سوى أنه قام بالواجب عليه في حق الله والله سائله عما صنع وعمره يوم وفاته إحدى وخمسين سنة رحمه الله ونأور ضريحه وكافأه عن الإسلام خيراً توفي وله من العقب اثنان عبدالله وأحمد وكان عبدالله في سن تسع سنين وأحمد ابن ست سنوات أما العلامة أحمد فإنه عاش علامة فقيها ورعاً عليه مدار الفتيا والقضاء بوادي سمائل وله أجوبة مسائل نظما ونثراً ولم نقف على شيء من تآليفه، وكان شهما جريئاً يأمر بالمعروف وينهى هن المنكر في وقت الكتمان ولا يرد أمره وابتلي رحمه الله بالصرع خرج ليغتسل أو يتوضأ من نهر السمدي بسمائل فهاجمه الصرع فغرق به في اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة من سنة 1324 هـ بقيت إمارتهم عليها الشيخ العلامة عبدالله بن سعيد والد إمامنا الحالي وكان عالماً جليلا كثير الإطلاع على فنون العلم كثير قيام الليل وهو الأمير والسيد المطلق في وادي سمائل وله اليد الطولى والنصيب الأوفر في المجد والحظ يجر الجيوش بعمان لقهر من خاصمه وردع من ناوأه واحتل كثيراً من بلدان من نازعه فأذلهم وأدخلهم تحت طاعته.
وقد تنكر هذا الشيخ على الإمام سالم بن راشد الخروصي في دخوله حصن سمائل بعد خروج السيد نادر بن فيصل منه وقبل مضي المدة المشروطة لأن الأمر كان على يده فهو يهوى إتمام ما تكفل به من الشروط على أوفر ما يكون. (1/332)
صفحة 333
خلاصة السبب
لما خرج السيد نادر بن فيصل من حصن سمائل على يد الشيخ الخليلي اشترط نادر أن يبقى الحصن بيد الخليلي إلى إنقضاء خمسة عشر يوما فإن كان لأبيه السلطان استطاعة للرجوع إليه فليسلمه الخليلي للسلطان أو لرسوله وإلا فبعد مضي الأجل المحدد فلا لوم عليه إن سلم للإمام وعلى ذلك كان الإتفاق فخرج نادر وصحبه الشيخ عبدالله الخليلي إلى الخوض وابنه الشيخ علي بن عبدالله إلى مسقط وبقي بالحصن إمامنا الحالي محمد بن عبدالله بالنيابة عن أبيه فرأى أحوالا توجب تسليم الحصن إلى الإمام سالم فسلمه إليه قبل رجوع أبيه من الخوض وقبل تمام الأجل المحدد فبقي الإمام بالحصن لأعتقاده أن السادة لا ترجع إليه بعدما خرجوا منه وأن الشرط غير معتبر إنما هو معرض إقناع.
وصل الخبر إلى الأمير الخليلي ببلدة الخوض فرجع إلى سمائل وقلبه يتميز غيظاً ومن اعتاد الأمرة والعزة يرى أن ذلك انتقاصاً لقدره وانتهاكاً لحرمته وانتهى خبر حنقه وغيظه إلى الإمام قبل وصوله سمائل وانتقل من الحصن احتراما له وتسكيناً لجأشه وبقي الإمام في ضيافة إمامنا الحالي بمحلهم المعروف (سحراء) وأقام الأمير الخليلي بالحصن إلى إنتهاء المدة المقررة ثم خرج منه وتركه للإمام وبهذا السبب وجد السعاة سبيلا لصدع العصا والغواة مجالا لبث الهوى فسعوا بينهم سعي متأله بالنصح والخسران في السعاية أكثر من الربح فهم لا يسكنون عن الحطب لإشعال نار الفتنة كلما قاربت الخمود فجرحوا قلبه وأوغروا صدره بنميمة لا أصل نتيجتها إذلاله والإستهانة به وكيف يقر على ذلك وهو ممن عرف مقامه محاط بمجد لا يدرك شأوه بين قوم يفضلونه على أنفسهم ويروه أليق بالإمارة عليهم من غيره، ما زالت الحالة على ذلك حتى أزعجه غليان الشنشنة العربية والنفس الأمارة فخرج من دار أمارته إلى جوار السلطان تيمور بن فيصل في شهر المحرم سنة 1332 هـ فأقام في ظله (1/333)
صفحة 334
إلى أن دعى الأمر إلى خروجه إلى بحبوحة الباطنة ومنها إلى بلدان الحواسنة فكان له إستقبال وإحتفال كما هي عادة العمانيين للأشراف والأجلاء وقبل ترجله عن راحلته أتته رمية سائبة من غير عمد فأصابته فكانت سببا لحتفه بهذا غضب السلطان على رئيس الحواسنة سيف بن محمد فأودعه السجن سنوات عديدة ثم أطلقه، فما تجده من تحامل شعراء الدولة على الأمير الخليلي هذا سببه وأشدهم تحاملا عليه وعلى الأمير عيسى شاعر العرب أبو مسلم في نونيته وميميته ففي نونيته يقول:
أقول للبعض منكم وهو عن أسف * والحر يأسف للأحرار إن شانوا
قد كنت نخبة هذا الأمر من قدم * واليوم أنت على الأبواب ذبان
إلى آخر القصيدة يعنفه ويلومه ويقول في ميميته:
أليس من الغم المميت وقوعها ... =وطرف ولي الثأر في الأمن نائم
فان خام عنه وارتضى الضيم ملبساً =وسالم فالأيمان ليس بسالم
ومن تحريضه للأمير عيسى:
فهل عند "عيسى" أن يقوم مقامه=وهل عنده أن القعود محارم
فدى لك نفسي يا ابن" صالح" قم بها ... =فانك للسيف الأباضي قائم
ولا تلق للتنفيذ أذنا فانه=له بيعة صدق وقدر ملازم
في أبيات طويلة.
كانت وفاة الأمير الخليلي في جمادى الثانية سنة 1332 وله من العقب إمامنا الحالي محمد بن عبدالله وأخوه الشيخ علي وكان علي أصغر سنا من الإمام بسبعة أشهر أما الشيخ علي فإنه بقي بجوار السلطان وقد عمل له على وادي بوشر حتى توفي بمطرح يوم 28 ربيع الأول سنة 1368 هـ في عصر أخيه الإمام.
كان الأمير عبدالله الخليلي عالماً بفنون العلم أديباً وعبقريته الشعرية غير مستنكرة وله ديوان ضخم في الحماسة والفخر والغزل والنسيب، بلغني أن ابنه سيدي الإمام مزقه ولم يبق منه إلا ما تداولته ألسن الناس. (1/334)
صفحة 335
فمن فخرياته:
لعمرك إني لا أبالي بحاسد * ولو كثروا ما هم لديّ كواحد
فلا ظفرت مني الأعادي بعورة * وإني على عوراتهم خير شاهد
وكيف أعادي من إذا أزددت رفعة * يموت ويأتي كل يوم بزائد
رمته قسي المجد عني بأسهم * أصابت مراميها ولست بقاصد
ألا مت فقد صادفت مني ماجدا * وهل قتل الحساد مثل الأماجد
ألست بنجم يهتدي بي في الدجى * وغيث يروّي سيله كل وارد
فلا قدمي تسعى لغير جمائل * ولا قلمي يجري بغير فوائد
ولا حملتني ظلم قوم عشيرتي * ولا عذت من ظلم الزمان بحاشد
ولا قلّت الأنصار والله ناصري * ولا وهت الأعضاد والله عاضدي
فليس لغير المجد أمري بنافذ * وليس لغير الجود مالي بنافد
إذا اعتد قوم للنوائب بالغنى * جعلت لنفسي عدة من محامدي
رعيت الورى طرَّا على قدر حالهم * وأصبحت للأخوان كإبن ووالد
أبحت لهم مالي ووفرت عرضهم * وحاميت عنهم غائباً مثل شاهد
وله أيضا:
زجرت شبابي والشبيبة تزجر * ووقرت شيبي والمشيب يوقر
سواي بنيران الغرام معذب * وغيري بأذيال الصبا متعثر
فألبست دهري كله حلل التقى * فذيلي من كل العيوب مطهر
ونافست في العلياء كل منافس * فقصر كسرى عن مرامي وقيصر
على أنني لم أرض بالشمس خلة * صبياً فكيف الآن والفود مقمر
فمالي والدنيا تروم مكيدتي * بفخ التصابي وهو جفن مكسر
أمثلي يعطي الغانيات زمامه * وهل صاد ليث الغاب قبلي جوذر
ألم تدر أني ما أحرك ناظري * لما لم يكن لي فيه عز ومفخر (1/335)
صفحة 336
إلى غير ذلك، وكما أن له في الفخريات أكثر مما ذكرناه فله في النسيب والغزل والتشبيب والمديح ما فاق به نظراءه وها أنا أذكر له قصيدتان في الغزل الحماسي تدلان على اقتداره.
قال:
لعمرك لو شئت أن نلتقي * ركبت على الفرس الأبلق
وجبت الفيافي مجهولة * وطرف الدجنة كالمطرق
ترى النجم حيران في سيره * يصوّب عينيه كالمحنق
يهز السماك به رمحه * وترمى الكواكب بالبندق
فكم دون ميّة من فدفد * وكم دون ميّة من فيلق
إلى م َ أكابد فيك النوى * وحتى مَ نفسي لم تشفق
إليك خرقت صفوف العدا * ولم أخش من صارم أزرق
إلى كل مسبعة مغربي * ومن كل ملحمة مشرقي
ولو أن غيري سعى لم يصل * ولو أن غيرك لم أشتق
إلى غير وجهك لم ألتفت * ومن غير طرفكم لم أتقي
لعمرك لولا الهوى لم أضم * ولولا محياك لم أعشق
وكيف أضام وكل الورى * إلى كل مجد بنا ترتقي
ومن نور مشكاتنا نستضيء * ومن ماء أبحرنا تستقي
متى ندع للحرب لم نعتذر * وإن نزل الضيف لم نسبق
فهل لي في الحب من مسعد * وهل لك يا مي من مشفق
وقوله:
عش فقلبي في كمود (1) * ناره ذات الوقود
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/336)
صفحة 337
إن دنا من جنة الخلد * صُلِيْ نار الوعيد
أحياة لرهين * فدية غير مفيد
لا ورب البيت ذرني * علَّ في قتلي سعودي
أنرى أهدى سلاماً * من قريب أو بعيد
إنني أحسست برداً * في الحشا بين الجلود
بأبيه يوميه حِبِّي * من شقي أو سعيد
من وداع في حتفي * وقدوم فيه عيدي
بأبي من بشره * بشر قلبي بالوجود
بأبي من لفظه * شنف أذني بالغريد
بأبي من طرفه * أوما لقلبي بالسجود
بأبي من خده * أشعل نيران الكمود
بأبي ظبي ولكن * صيده غلب الأسود
بأبي شمس تجلت * من سماء في برود
بأبي غصن تثنى * بأزاهير العقود
غصن بان فوق دعص * وهلال فوق عود
دمية تاهت دلالا * وتمادت بالوعيد
عاتبتني أي عتب * وهي أدرى بالعميد
كل شيء منك حلو * يا منى قلبي فزيدي
كم بصبح الوصل أضحى * ينجلي ليل الصدود
كم تمتعنا بوصل الغيد * والعيش الرغيد
كم شققنا من رداء * ونقاب لخرود
كم أمطنا من لثام * وضممنا من قدود
كم رشفنا من ثغور * ولمسنا من نهود (1/337)
صفحة 338
كم طلبنا غور خصر * فأختفى بين النجود
كم على الحب وردنا * نجتني ورد الخدود
كم شربنا من مدام * شيب من ريق البرود
طوقتني ساعديها * يا له طوقاً بجيدي
ولها مني نطاق * ووشاح من زنودي
يا رعى الله زماناً * مرَّ كالظبي الطريد
كلما مرَّ بقلبي * ذكره أبلى جديدي
يا لييلات التهاني * لك عادات فعودي
بيعة الإمام السعيد أبي الخليل محمد
بن عبدالله بن سعيد
في ضحى اليوم الثالث عشر والجمعة من شهر ذي القعدة من سنة 1338 ثمانية وثلاثين وثلاثمائة وألف اجتمع العلماء والأعيان وأرباب الحل والعقد بجامع نزوى وأجمعوا على مبايعة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي لعلمهم أنه أفضل الموجودين اليوم بعمان وأعلمهم وأنه جمع الشروط الشرعية التي تتوفر في القائم وأنه القادر بإذن الله على عبُء ما سيتحمله وذلك بعدما امتنع من القبول لأمرهم وإصرارهم على إلزامه ولم يأخذوا عليه تعهداً ولا شروطاً كما كانت تؤخذ على الإمام الضعيف إذ كان يحظى رحمه الله بالثقة المطلقة قبل انتخابه مأمون الجانب على تقاليد الإمامة وكان أعلم الجماعة الذين معه بل أعلم العاقدين عليه.
أول من بايعه شيخنا العلامة رئيس القضاة أبو مالك عامر بن خميس المالكي الذي هو من بني مالك وهو أحد العاقدين الإمامة على الإمام سالم بن راشد.
ثم الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري وهذا الشيخ قد أدرك الإمامين عزان بن قيس وسالم بن راشد وبايعهم وعمل لهم. (1/338)
صفحة 339
ثم الشيخ العلامة الزاهد أبو زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي وهو أحد العاقدين على الإمام سالم بن راشد.
ثم الشيخ الأمير العالم عيسى بن صالح الحارثي.
ثم الشيخ العالم محمد بن سالم الرقيشي.
ثم الشيخ أبو علي سيف بن عي بن عامر المسكري.
ثم الشيخ حمدان بن سليمان بن سيف النبهاني.
ثم الشيخ مهنا بن حمد بن محسن العبري ,
ثم الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد بن محسن العبري.
ثم الأشياخ العباهل الأوتاد أولاد هلال بن زاهر الهنائي.
ثم بقية العلماء والقضاة.
ثم الأمراء والرؤساء.
ثم الخاصة.
ثم العامة.
ولم يحضر الشيخ الزعيم سليمان بن حمير النبهاني مجلس العقد في ذلك اليوم لعذر وأنه لأحد الناهضين بأعباء الأمر وكان عنه بالنيابة العلامة أبو زيد عبدالله بن محمد الريامي والشيخ منصور بن ناصر المجعلي حاكم جزيرة مصيرة رئيس الجنبة فشكر المسلمون سعيه واجتهاده وقيامه في جمع الشمل إذ كان الموقف حرجا.
ثم حضر الشيخ الحميري بعد ذلك اليوم فبايع وناصر.
بعد أن انتهت البيعة قام العلامة أبو مالك فخطب في الناس خطبة العقد ثم قام بعده أبو زيد فخطب في العسكر وبعد انتهاء الخطبتين انفض المجلس ودخل الإمام دار الأمارة ففتحت له الأبواب وسلمت المدافع بالبشر وقام الصادح والباغم بالنشر.
هناء محا ذاك العزاء المقدما * فما عبس المحزون حتى تبسما (1/339)
صفحة 340
كيف يقضي ساعاته:
يقيم بحصن نزوى واتخذه مقراً له وفيه يستقبل الزوار والوفود، ويشرف على أحوال الدولة وشئون البلاد، وينهض في الثلث الأخير من الليل بل لا يهدأ الليل إلا قليلا حتى إذا حضرت صلاة الفجر صلى بالناس جماعة فيقعد في مجلسه ذلك لتلاوة القرآن العظيم، ويقعد من صلى بالجماعة عنده حتى تطلع الشمس ثم يؤتى بالفطور وهو الرطب في أوانه أو التمر والقهوة البنية، فيلبث بعد ذلك نحوا من ساعة ثم يدخل مسكنه فيغير لباسه ويصلي ما شاء الله ثم يخرج للناس فيقعد في مجلسه، ويؤذن للخاصة والعامة غير محتجب ولا ممنوع فبابه مفتوح للضيوف والمظلوم، وماله مبذول للسائل والرافد والمحروم، وسيفه مسلول للجائر الغشوم تكون الأحكام الشرعية بحضرته أكثر ما يفصلها القاضي بعد اطلاعه عليها، أما أحكام الحدود فيتولى فصلها بنفسه بعد مشورة العلماء لما فيها من الخطر عند الله وللتنقيح في آراء العلماء والقضاة، فيبقى في مجلسه ذلك إلى حضور صلاة الظهر، وبعض الأحيان يقوم قبيل الظهر بمقدار نصف ساعة خصوصاً وقت الصيف للاستراحة والقيلولة ثم يخرج فيصلي بالناس إما في الجامع أو في غرفة الصلاة بالحصن، وبعد الظهر يبرز للناس خارج الحصن إلى حضور صلاة العصر فيصلي بهم في الجامع، ثم يدخل الحصن فيأمر بإخراج الطعام للناس والأضياف على قدر مراتبهم ثم يحضر لصلاة المغرب بغرفة الصلاة فيصلي بالناس، ويقعد للمذاكرة والمباحثة في العلوم فيحضره جماعة من العلماء والطلبة، وقد أفرد هذا الوقت لهم حتى تكون الساعة الثالثة فيصلي بهم العشاء الآخرة فيدخل محله الخصوصي فيحي ليلته قياماً وقراءة لا ينام إلا خيالا.
ما تفرد به الإمام من المسائل:
كان مرجع للعمانيين في حل مشكلات العلم وفك عويصها وله آراء معروفة في الأحكام تفرد لها وخالف في بعضها أصحابه المشارقة بل جمهورهم ورجح بعض الأقوال وهذا ما حضرني وقت الكتابة: (1/340)
صفحة 341
• الأولى: صلاة ركعتين بعد صلاة الجمعة في الجامع والأمر بهما ندباً، وكانوا لا يصلونها في المسجد عملاً بحديث ابن عمر عند الربيع وكان لا يصلي بعد الجمعة شيئاً حتى ينصرف الحديث.
• الثانية: صلاة التروايح ثماني ركعات جماعة، وصلاة ركعتين راتبة العشاء قبلهن فرادى.
• الثالثة: من أفسد رمضان تعمداً فَلُيِكَفًّر وليصم ما أفسد لا ما مضى خلافاً للجمهور.
• الرابعة: حمل ما سقى بأزجر على ما سقى بالنهر في النصاب وإخراج الزكاة من كل بحسابه.
• الخامسة: يفتي ويحكم في البيّعين إذا اختلفا في المبيع والبيع قائم تحالفاً وترادداً إن لم يكن في الثمن القول قول البائع مطلقاً ولو كان البيع بيد المشتري.
• السادسة: من باع نخلاً وقد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المشتري، ويرى من فروع هذه المسألة أن من اختار ماله وقد أبره المشتري فالثمرة له ولو لم تدرك.
• السابعة: يقول بتحريم ربا الفضل ولو كان ذلك يداً بيد.
• الثامنة: أن من ابتاع سلعة ثم أفلس فوجد المشتري سلعته بعينها فهو أحق بها من سائر الغرماء عملاً بحديث الربيع.
• التاسعة: أن المولى عنها إذا خرجت عن زوجها بتمام مدة الإيلاء فعليها عدة الطلاق ولايكفيها مضي تلك المدة عن العدة.
• العاشرة: حكم بالشفعة للغائب في غير غزو ولا حج.
• الحادية عشر: حكم بالشفعة في القياض ولو كان أصلا بأصل وعلى الشفيع ثمن ما دفعه ذو شفعته في مقابلها.
• الثانية عشر: لا يرى الكلام والسؤال ونحوه من الشفيع مبطلاً للشفعة.
• الثالثة عشر: لا يرى رد اليمين على المدعي إلا أن يقبل أن يحلف على حقه جمعاً (1/341)
صفحة 342
بين الأحاديث، وقد سبقه إلى هذا قطب الأئمة رضوان الله عليه.
• الرابعة عشر: يرى الإسقاط بالحوائج السماوية إذا بيعت الثمرة بعد الدراك عملاً بحديث رواه مسلم أمر بوضع الحوائج.
• الخامسة عشر: لا يرى بأساً بالصلاة على الصوف، ولم ير للمانع حجة إلا الاستدلال بمفهوم اللقب.
• السادسة عشر: أجاز بيع المدبر في دين أو حاجة عملاً بالأحاديث، ويرى العموميات التي تعلق بها الجمهور لا تنهض لمعارضتها.
• السابعة عشر: يرى أن من كان ماله عبيداً فأعتقهم في مرضه أو أوصى بعتقهم كلهم فيعتق منهم الثلث بالقرعة ويسترق الباقون عملاً بالحديث الوارد في ذلك ويدفع به في صدر القياس.
• الثامنة عشر: يرى أن من سافر عن زوجته وأطال الغيبة وخافت العنت ورفعت إلى الحاكم أمرها له أن يطلقها دفعاً لضررها لأن الشارع راعى ذلك، وجعل للنساء على الرجال حقاً غير الإنفاق، ومن ذلك الحق العشرة ولكن لا يطلقها الحاكم إلا بعد الاحتجاج على الزوج إن كانت الحجة تناله.
• التاسعة عشر: يأخذ بمذهب زيد بن ثابت في ميراث الغرقى والهدمى، وأن لا يورث هالك من هالك.
• المتممة عشرين: يرى أن لا فرق بين الغائب والمفقود، وأن مدتهما واحدة أربع سنين محتجاً بالقضية الواقعة في عهد عمر رضي الله عنه.
وقد قَرأت عليه هذه المسائل في الغرفة المعروفة بغرفة الإمام بحصن نزوى وما أنكر إلا واحدة رفعها لنا عنه أحد القضاة فحذفناها ولم نثبتها.
وصف الأجنبي للإمام:
كتب المؤرخ بشركة الزيت في كتابه المسمى عمان ص 107 في عظمة الإمام وعلو مكانته بين قومه، قال المؤرخ: من العسير طبعاً أن يزن الإنسان شيئاً غير (1/342)
صفحة 343
محسوس كالهيئة الدينية بالمقابلة مع القدرة الحربية ولكن طبيعة الدولة الأباضية نفسها تقتضي أن يعترف للإمام بأنه صاحب السلطة العليا. انتهى.
يستند الإمام في حكمه على الأكثر إلى هيبة منصبه الديني ولا يعتمد على جيشه الكبير ص 105:
وفي رحلة تسيجر الإنكليزي المتسمي عن رحلته لعمان (مبارك لندن) أن البدو يعترفون بالإمام سيداً لهم وكثيراً ما تسمع منهم عبارة (أطال الله عمر الإمام) وهم يعنونها بإخلاص كلما قالوها وذلك لأن الإمام نشر الأمن والعدل بين ظهرانيهم بما وفق إليه من حل مسائلهم وفض الخلافات بينهم فهنا يستطيع الرجل أن يسير غير مسلح وأن يترك إبله بغير حراسة دون أن يخشى من يعتدي عليها بالنهب. أما نحن وقد تعودنا اضطراب الأمن المستعصي في الظاهرة فكنا قد احتفظنا ببنادقنا على منال منا حتى قال لنا بعض آل وهيبة وهم يضحكون أننا في أرض السلام.
أما إستتباب السلام والأمن في أرض الإمامة فيذكر المعنيين بشؤون الجزيرة العربية بما هي عليه الحال في المملكة العربية السعودية وما يخالفها من حال في بعض دويلات الجزيرة العربية حيث لا تجد حاكما قويا يحوز قبولا دينيا عريقا يستمد سلطانا لحكمه انتهى كلامه.
خروج الإمام إلى الرستاق
رأى الإمام أن يكون أول أعماله استنهاض القبائل للدفع عن الرستاق ومناصرة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي صنو الإمام الراحل وإنقاذه من البغاة المحدقين به في حصنها فخرج من نزوى في شهر ذي القعدة سنة 1338 وفي صحبته الشيخ عيسى بن صالح وأعيان عمان وفي أثناء تلك الحركة وصلت كتب السلطان تيمور بن فيصل إلى رؤساء العمانيين يدعوهم إليه وينصحهم أن لا يعدلوا عنه مرة ثانية ويخوفهم سوء (1/343)
صفحة 344
العاقبة فصادف رسله وكتبه قعود الإمام على كرسي الداخلية كما أن الجيش الذي جهزه إلى وادي سمائل رجع من الطريق لما صح عنده هذا الإجتماع واستخلف الإمام على نزوى في خروجه هذا العلامة أبو مالك وترك الشيخ أبو علي سيف بن علي المسكري معاوناً له ثم سار بجيشه ليذود عن المملكة ويدفع السيد أحمد بن إبراهيم عن الرستاق لأن هذا السيد لما بلغه خبر وفاة الإمام الراحل انتهز الفرضة فكرّ على الرستاق لكونها سلبت منه قريباً فعالجها لينال غرضه ظناً منه أن الأمر لا يستقيم مرة ثانية وأنه لابد أن يكون اضطراب وارتباك وخلل فشدد الحصار على عاملها الشيخ ناصر بن راشد الخروصي وعاضده على ذلك الشيخ ناصر بن راشد الغافري أمير خَفْدِي بسبب الموجدة التي أسرّها في نفسه على عامل الرستاق.
حمل الإمام من بيته الذي بسمائل دون بيت المال ما يحتاج إليه من سلاح ورصاص ودراهم ما يكفي لهذه الغزوة ثم نزل بفنجا ثم بالخوض ثم وادي معولة ابن شمس فأستنهضهم وجيرانهم أهل نخل فعسكر بجيشه في بلدة العوابي ورأوا التمهل في الأمور وإرسال عاقل لبيب ليكشف لهم نوايا السيد أحمد وما انطوى عليه ويبصره الخبر ويسأله موفقة المسلمين في الخروج من الرستاق بغير حرب فأختاروا من رجالهم الشيخ أحمد بن حامد الرواحي فخرج إليه فلم تنجح مقالته عنده ولا أصغى لكلامه لما يراه لنفسه من المزية وما يمارسه من الأريحية كيف وقد توطن بحبوحة البلاد ووجد أنصاراً يؤيدونه فهو يطمع في نجاح مطلبه والتوصل إلى غرضه ونيل حقه المسلوب منه فرجع الشيخ إلى الإمام وقص عليه الخبر وكان الإمام حريصاً على دماء المسلمين أن تراق عبثاً مع قلة العمانيين وضعفهم فأستعمل السياسة التي رجى فيها النجاح فأرسل الأمير عيسى إلى الشيخ ناصر ابن راشد الغافري أن يوافيه بالعوابي وكان الشيخ الغافري يرى للأمير عيسى حقاً لا يراه لغيره فهو يعتقد أنهم من عنصر واحد فلذلك يمتثل لأوامره.
اجتمع الشيخان فبحثا الموضوع واتفقا أن يقوم الغافري فيحتال لإخراج السيد (1/344)
صفحة 345
أحمد من الرستاق حتى يخرج إلى حصنه بالحزم وهو مركزه الباقي بيده بعد خروجه من الرستاق فرجع الغافري من العوابي يحمل سياسته التي تكفل بها جل إنفاذها ودخل على سيده من باب المكر فأوصد عليه أبواب مقصده وسد عليه منافذ مرصده وفتح له أوهاماً عرف منها السيد بواره عليه وانقلابه عنه وخروجه عليه ولا عجب فأللَّهى تفتح اللُّهى فلم ينته الأجل الذي حدده الغافري لنفسه حتى خرج السيد أحمد من الرستاق بغير قتال ودخلها الإمام على أحسن حال فنظم أمرها وجمع شملها وجعل السيد هلال بن علي البوسعيدي والياً عليها، وهذا السيد من أبناء عم السلطان سعيد بن تيمور فبقي بها إلى أن توفي وكان عاملا للإمام الخروصي على بدية قبل ذلك ثم أبقى ابنه محمد بن هلال والياً بالرستاق حتى عزل الإمام وجعل مكانه الشيخ الولي علي بن هلال الهنائي وصلحت البلاد وآمنت العباد فكان بها إلى أن توفي رحمه الله. وفي يوم الثاني من ذي الحجة من السنة المذكورة فسح الإمام للجنود واستعمل الشيخ ناصر بن سعيد الخروصي على العوابي فخرج من الرستاق إليها.
الإجتماع بالسيب
حضره الإمير عيسى بن صالح بالنيابة عن العمانيين والشيخ العلامة سعيد بن ناصر الكندي والمسترونكيت (أي سي أس) باليوز وقنصل بريطانيا الذي هو مفوض من دولته أن يكون واسطة بينهم فكان إجتماعهم ببلد السيب من الباطنة فعقد معاهدة بين العمانيين والسلطان تيمور وكان ذلك في اليوم التاسع من شهر المحرم من سنة 1339 هجرية وهذا صفة الإتفاق. (1/345)
صفحة 346
نقل معاهدة السيب التي بيد العمانيين:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما اتفق عليه الصلح بين حكومة السلطان تيمور بن فيصل والشيخ عيسى ابن صالح بن علي الحارثي نيابة عن العمانيين الذين يمضون أسماءهم هنا بواسطة المستر ونكيت (أي سي أس) باليوز وقنصل الدولة البريطانية العظمى بمسقط الذي هو مفوض من دولته في هذا الخصوص وأن يكون وسيطاً بينهم والشروط الآتي بيانها أربعة منها تخص حكومة السلطان.
وأربعة منها تخص العمانيين، أما التي تخص العمانيين هي:
الأول: منها أن يكون كل وارد من عمان من جميع الأجناس إلى مسقط ومطرح وصور وسائر بلدان الساحل لا يؤخذ منه زيادة عن المئة خمسة.
الثاني: أن يكون لجميع العمانيين الأمن والحرية في جميع بلدان الساحل.
الثالث: جميع التحجيرات على جميع الداخلين والخارجين في مسقط ومطرح وجميع بلدان الساحل ترفع.
الرابع: أن لا تأوي حكومة السلطان مذنباً يهرب من إنصاف العمانيين وأن ترجعه إليهم إذا طلبوه منها وأن لا تتدخل في داخليتهم.
وأما الأربعة التي تخص حكومة السلطان فهذا بيانها:
الأول: كل القبائل والمشايخ يكونوا بالأمن والصلح مع حكومة السلطان وأن لا يهاجموا بلاد الساحل وأن لا يتدخلوا في حكومته.
الثاني: كل المسافرين إلى عمان في مشاغلهم الجائزة والأموال التجارية يكونوا أحراراً ولا تكون تحجيرات على التجارة ولهم الأمن. (1/346)
صفحة 347
الثالث: كل محدث ومذنب يهرب إليهم يطردوه ولا يأووه.
الرابع: أن تكون دعاوي التجار وغيرهم على العمانيين تسمع وتفصل على موجب ما هو الإنصاف بالحكم الشرعي.
حرر هذا في بلد السيب يوم الحادي عشر من محرم سنة 1339 هـ مطابق 25 سبتمبر سنة 1920 م.
هذا نقل المكتوب في القرطاسة التي فيها تصحيح العمانيين وكتبه عيسى بن صالح بيده.
نعم صحيح وثابت أن هذا هو نقل الإتفاق الذي وقع ما بين حكومة سمو المعظم سلطان السيد تيمور بن فيصل والعمانيين بواسطتي وبحضوري كتبه بأمره إحتشام المنشي بيده حرر بمسقط في 12 سبتمبر سنة 1920 موافق 27 محرم الحرام سنة 1339 هـ.
صحيح المستر ونكيت (سي ا سي) باليوز وقنصل الدولة البريطانية العظمى بمسقط.
نقل معاهدة السيب التي بيد السلطان
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما اتفق عليه الصلح بين حكومة السلطان تيمور بن فيصل والشيخ عيسى ابن صالح بن علي الحارثي نيابة عن العمانيين الذين يمضون أسماءهم هنا بواسطة المستر ونكيت (أي سي أس) باليوز وقنصل الدولة البريطانية العظمى بمسقط الذي هو مفوض من دولته في هذا الخصوص وأن يكون وسيطاً بينهم والشروط الآتي بيانها أربعة منها تخص حكومة السلطان.
وأربعة منها تخص العمانيين، أما التي تخص العمانيين هي: (1/347)
صفحة 348
الأول: منها أن يكون كل وارد من عمان من جميع الأجناس إلى مسقط ومطرح وصور وسائر بلدان الساحل لا يؤخذ منه زيادة عن المئة خمسة.
الثاني: أن يكون لجميع العمانيين الأمن والحرية في جميع بلدان الساحل.
الثالث: جميع التحجيرات على جميع الداخلين والخارجين في مسقط ومطرح وجميع بلدان الساحل ترفع.
الرابع: أن لا تأوي حكومة السلطان مذنباً يهرب من إنصاف العمانيين وأن ترجعه إليهم إذا طلبوه منها وأن لا تتدخل في داخليتهم.
وأما الأربعة التي تخص حكومة السلطان فهذا بيانها:
الأول: كل القبائل والمشايخ يكونوا بالأمن والصلح مع حكومة السلطان وأن لا يهاجموا بلاد الساحل وأن لا يتدخلوا في حكومته.
الثاني: كل المسافرين إلى عمان في مشاغلهم الجائزة والأموال التجارية يكونوا أحراراً ولا تكون تحجيرات على التجارة ولهم الأمن.
الثالث: كل محدث ومذنب يهرب إليهم يطردوه ولا يأووه.
الرابع: أن تكون دعاوي التجار وغيرهم على العمانيين تسمع وتفصل على موجب ما هو الإنصاف بالحكم الشرعي.
حرر هذا في بلد (السيب) يوم الحادي عشر من شهر المحرم سنة 1339 هـ.
قد أتممت ما أتمه الشيخ عيسى بن صالح عني من هذه الشروط. كتبه إمام المسلمين الإمام محمد بن عبدالله بيده.
أقول وأنا نائب إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي أني رضيت الشروط المحررة هنا بتفويض من إمام المسلمين وكتبه عيسى بن صالح بيده وسليمان بن حمير بيده.
صحيح زاهر بن غصن الهناوي بيده. (1/348)
صفحة 349
صحيح حميد بن مسلم الندابي.
صحيح خلف بن ناصر بن محمد المعولي بيده.
صحيح ثاني بن حارث الجابري بيده.
صحيح محمد بن سيف بن سعيد الجابري بيده.
صحيح مهنا بن حمد بن محسن العبري بيده.
صحيح عبدالله بن هلال بن زاهر الهنائي.
صحيح محسن بن زهران السيابي.
صحيح سيف بن سالم بن عامر الحبسي بيده.
صحيح رسم إبهام محمد بن سلطان بن منصور الوهيبي.
صحيح خلفان بن محمد الهدابي بيده.
صحيح حمدان بن سليمان بن سيف النبهاني.
صحيح ناصر بن حميد بن راشد الغافري بيده.
وولده محمد بن ناصر بيده.
عرضت عليّ هذه الوثيقة الإتفاقية الرسمية التي بلغت أسنى أوج الإتحاد بين الشيخ عيسى بالنيابة كما حرره أعلاه وبين حكومة السلطان السيد تيمور بواسطة المسترينكيت (آي سي أس) قنصل الدولة البريطانية العظمى بمسقط كما هو محرر أيضاً بالتفويض الخصوصي فرسمت بيدي هذه الأسطر وحمدت الله على ذلك وكتبه سيف بن علي بن عامر المسكري بيده.
ولم تحدد المناطق بين الطرفين في هذه المعاهدة يحاول سلطان مسقط أن يوهم أن نفوذه يمتد إلى الداخلية وتحاول الإمامة تصفية حكمه وطرد الأجنبي الذي يتوكأ عليه. (1/349)
صفحة 350
وكتب الإمام:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله إلى المشايخ الكرام الحشام الإخوة عامر بن خميس المالكي وسيف بن علي المسكري سلمهما الله تعالى: سلام عليكم ورحمه الله وبركاته، محبكم بخير من فضل الله لا زلتم بحال الخير وما هنا علم إلا إجراء الصلح بيننا وسلطان مسقط بواسطة البالوز وتمت المكاتبة على تنزيل العشور من المائة خمسة وعلى تأمين الطرق البحرية والبرية لكل صادر ووارد وعلى رد كل من يحدث بعمان حدثاً لأخذ الحق منه وعلى عدم المعارضة لأهل عمان في داخليتهم كلها من غير إستثناء وعدم المعارضة في أحكامهم والقرطاسة التي بها رسم الصلح واصلة إليكم انظروها وصحح فيها أيها الشيخ سيف بن علي وبقية الأخبار بلسان سعيد بن عبدالله الهاشمي، هذا ما لزم بيانه في الحال والسلام عليكم وعلى من شئتم من هنا الشيخ زاهر بن غصن والولد صالح بن أحمد ومحرره حمد بن حميد بيده 13 المحرم سنة 1339.
وعبر عن هذه المعاهدة بعض المؤرخين المسيحيين بقوله:
وفي أوائل عام 1339 هـ (25 سبتمبر 1920 م) وقعت حكومة سلطان مسقط وممثلوا أهالي عمان معاهدة السيب وكان ذلك على ساحل الباطنة بتوسط الوكيل السياسي البريطاني (ونجيت) وكان رئيس مندوبي أهل عمان الشيخ عيسى بن صالح الحارثي وهو صديق حميم ومناصر قوي للإمام الجديد محمد الخليلي. وقد عملت كل من الحكومة البريطانية وحكومة مسقط جاهدتين على تحاشي نشر نص المعاهدة وذكر في عام 1345 هـ (1936 م) الكابتن اكلز وهو ضابط بريطاني قضى زمانا طويلا في خدمة السلطان في بيت الفلج وكان خبيراً في شؤون السلطنة قال:
لقد وقعت معاهدة بين مسقط والشيخ عيسى وهي (إعتراف فعلي بإستقلاله) مجلة جمعية آسيا الوسطى مجلد 14 (1927 م) ص 24. (1/350)
صفحة 351
ويقول تقرير أعد لوزارة الخارجية البريطانية عام 1950 م): " في الحقيقة أن قبائل الداخل يعتبرون أنفسهم بموجب معاهدة السيب عام 1920 مستقلين تماماً من سلطة السلطان ".
وقد أورد اكلز الملاحظات التالية ص 23 - 24:
(ولذلك سوف نقصر حديثنا على الأراضي التي تدعي حكومة مسقط بالسيادة عليها مع أن القسم الأكبر منها في الواقع مستقل تمام الإستقلال) ويقول مرة أخرى: (أن مراسيم السلطان لا يكاد يكون لها أي وزن خارج جدران مسقط). اكلز ص 38.
ويكتب مرة ثالثة:
(فقد عقدنا نحن والفرنسيون والهولنديون والأمريكيون معاهدات مع سلطان مسقط منذ بداية القرن التاسع عشر ولكن سلطنة مسقط قد تغيرت نوعاً ما منذ ذلك الوقت فقد انحصر حكم السلطان في موانئ الشاطئ وكاد يصبح انعدام سلطته في الداخل أمراً معترفاً به. اكلز ص 40 - 41.
إن سلطة السلطان في الوقت الحالي مقصورة على عاصمته والساحل وإن داخل عمان والغرب والشمال منها أو بعبارة أخرى القسم الأكبر من السكان لا يعترفون بسلطته ويعيشون مستقلين عنه بالفعل تحت زعمائهم وهم يدعون أن هناك اعتباراً دينياً لإتخاذ هذا الموقف فإن لقب السلطان في هذه الأيام هو السيد وليس الإمام وأن طوائف الأباضية السائدة فيها بين حكام عمان تمنح هذا اللقب الأخير لحكامهم لا على أساس أنه حق وإنما على أساس كونهم ذوي مؤهلات دينية استثنائية. دليل الأميراليه مجلد 1، ص 245 - 246.
لقد وضح بجلاء أنه بعد الحاكمين الأولين من آل بو سعيد تخلت هذه الأسرة عن إجراءات الأباضيين القديمة للإنتخاب وعن لقب الإمام غير أن الغربيين استمروا في إستخدام هذا اللقب سنوات طويلة بعد أن أصبح ذلك من الخطأ (1/351)
صفحة 352
واللقب الذي يمنحه سكان الجزيرة العرب عادة للحكام المتأخرين من آل بو سعيد هو (السيد) وإن كان مضللا قطعياً لأنه قد يوحي الإنتساب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما لم يدع به قط هذا البيت وعلى مر الزمن لجأ الغربيون أيضاً إلى إطلاق لقب (سلطان) على حاكم مسقط وفي عام 1237 هـ (1861 م) اعترفت الحكومة البريطانية رسمياً بهذا اللقب ا هـ.
راجع باجر ملحق (أ) ص 378 - 381 / ملحق (ب) ص 173 - 181 وقد قدم انكلز عرضاً للعلاقات بين بريطانيا ومسقط ولمؤهلات آل سعيد كحكام فقال:
ولا يكون هنالك أي شك في أن آل بو سعيد الأسرة الحاكمة كادت تندثر لولا المعونة البريطانية وقد ارتبطنا منذ عام 1892 م / بضمان الحماية في معاهدة لم تحتو على أي تحديد لوقت انتهائها ومع أن السلطان الحالي رجل قدير ويستحق الإحترام إلا أنه ضعيف وليس لديه أي طموح وأفراد عائلته فاسدون ومنحلون بإستثناء البعض القليل منهم ومع أنه يمكن أن نجد في الفروع البعيدة من هذه العائلة بعض الرجال الأقوياء الذين لم تنهكهم حياة الرفاهية او الخمول إلا أن أفراد هذه العائلة على العموم أضعف من أن يواجهوا موجة من الرأي العام الشعبي كذلك التي دفعت مؤسس العائلة إلى الحكم ثم أن مبدأ الوراثة الذي ارتبطنا به عند تعهدنا بحماية السلطان وخلفائه غريب على الشعور الأباضي خصوصاً عندما تفرضه على بلادهم قوة أجنبية وكافرة (اكلز، ص 24).
وفاة أبي الخير
وفي منتصف شهر صفر سنة 1339 هـ توفي العلامة الزاهد عبدالله بن غابش النوفلي بالولاء رحمه الله وغفر له كان يعرف الحبشي ابن غابش وشهر به ثم تسمى عبدالله وأصله من أهل ودام من الباطنة خرج من القابل إلى وادي نام لبعض (1/352)
صفحة 353
مهماته فمرض بالغلاجي بلدة من أعمال المضيرب وثقل عليه المرض فحمل منها إلى القابل على أكتاف الرجال فتوفاه الله بالتاريخ المتقدم.
خرج أبو الخير من ودام من الباطنة طالبا للعلم الشريف فنزل بالقابل ولازم العلامة نور الدين فكان من أكبر تلاميذه ومهر في سائر فنون العلم ودرس فيها.
وكان كاتباً مجيداً يكتب عن شيخه تساويد التآليف والمراسلات وإليه انتهت كتابة الصكوك والأوراق والوصايا الشرعية، وهو من أوحد أهل زمانه في الفقه والورع والديانة.
كان من حفظة القرآن العظيم كثير التلاوة، ظاهر النسك والخشوع، محباً للخلوة يفضلها عن المخالطة، ملازما لبيته في غالب أوقاته، مكباً على التعليم والعبادة في غاية الظرف والعفاف والكفاف.
كان قارئا حسن التلاوة جيد النغمة عليه آثار النعمة.
أرسله الشيخ عيسى ونور الدين السالمي إلى جعلان الحسون ليكون مساعداً للأمير سعيد بن سالم الحسيني لما خذله قومه وأرهبوا قاضيه الشيخ عبدالله بن سعيد ومنعوه من الفصل في الأحكام فخرج أبو الخير وكان غيوراً مهابا شديدا في الحق لا تأخذه لومة لائم فأفاد واستفاد وحمد سيرته أهل البلاد فكانوا يرجعون إليه في فتاويهم ومهماتهم ونوازلهم وبعد رجوعه من جعلان بمدة خرج إلى نواحي زنجبار فأقام فيها نحو سنة استفادوا منه فائدة عظيمة.
ولي القضاء للإمام سالم بن راشد الخروصي على بدية ثم ولي القضاء على إبرا وبعد برهة تكفل بوظيفتي القضاء والولاية فأجتهد وشمر وكان رحمه الله متبرما من ذلك ويخاطب الإمام في العذر من ذلك لتحرجه ولما يراه من أهل زمانه، ولما رأى الإمام إلحاحه عذره ورجع إلى بلاده ملتزماً بإعانة المسلمين في كل ما ينوء بهم من الدواعي إلى أن توفي. (1/353)
صفحة 354
مؤلفاته: رسالة سماها كلمة الصدق في تأييد الحق. أرجوزة في الميراث. أرجوزة في الأصول. وله قصائد طنانة. ومراسلات حسان.
عودة خلفان بن ثنيان إلى نخل
في شهر المحرم من عام 1339 رجع الإمام من الرستاق بعد إستقرار أمرها وأقام ببلدة نخل وكانت بها شعابث أثارها الشيخ خلفان بن ثنيان الحراصي بعد قتل أخيه أحمد فإنه أقام بالرميس من ناحية الباطنة وعنده جماعة من اللصوص وقطاع الطرق فشنوا الغارات المتوالية على نخل وشددوا المضايقة على أهلها وكانت حكومة مسقط ظهرا لهم فسفكت بها دماء كثير من العلماء الأفاضل، وبإشارة بعضهم توسط الشيخ سالم بن عمير بن حنظل المعمري أحد أعيان الحرث لحسم هذه المفسدة وقطع شأفة العدوان بأن يرجع خلفان بن ثنيان إلى نخل وأن يكون في سلك المسلمين رجاء أن تفوز البلاد باستيلافه الراحة والأمن والإطمئنان وظنا منهم أن به من الأنفة العربية والشيمة والحرية ما يحجزه عن التهور في المقبل.
خرج إليه الشيخ المعمري واجتمع به فعاتبه على أفعاله الدنية وأعماله الردية فأظهر الندم والأسف والتوبة عما سلف فقبل كلامه ورجى أوبته.
رجع الشيخ المعمري إلى الإمام يخبره وكان الأمر شورى فأحضر الإمام العلماء والأعيان فكلهم رأوا السكوت عنه والقبول منه لعدم القدرة عليه في ذلك الوقت فأقبل خلفان يسعى وما هو إلا الأفعى فأقروه رئيساً على أهل نخل وأجري عليه من بيت المال كفايته وجعل الإمام الشيخ محمد بن سالم الرقيشي متكفلا بوظيفتي القضاء والولاية.
بقي خلفان برهة من الدهر مستقيما ثم انعكس ولا يتحول الصبر عسلا وفي ذلك يقول شيخ البيان:
مذ كان أصل الجور منها غائباً * ردوه فيها للصلاح الشاملِ (1/354)
صفحة 355
قد اخطؤوا نظراً فإنَّ حضوره * قد زاد بغياً في القيام الطائلِ
ما كل مجتهد يصير موفقاً * في الخير أجر باجتهاد العاملِ
واختار موسى جاهداً من قومه * سبعين فانقلبوا بحالة جاهلِ
حادثة نخل
لما رجع الشيخ خلفان بن ثنيان إلى نخل بقي فيها أياماً تنقل عنه الألسن كرماً والأفواه حمداً حتى نزغت به النوازغ الشيطانية لشؤم جده العاثر فتحركت نفسه السبعية إلى ما خبأته وأثارت طبيعته الغريزية ما أكنته وحوته فبسط يده إلى أموال الأوقاف ومدها إلى عسف العباد وإرهاق أهل البلاد وكاد أن يتجاوز الحد فيتناول العامل بالحقد فبث العامل إليه النصائح الودية فما زادته إلا علوا واستكبارا فرفع أمره إلى الإمام فكتب إليه الإمام بالنصح فشمخ وأنف ثم أعذر إليه بعد الإحتجاج فبطر واستخف وما درى أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة.
جهز إليه الإمام سرية من رواحة يرأسها الفاتك سيف بن حمود بن محمد وعززه بمحمد بن سعيد القنط ومحمد بن سعيد بن سوَّاد وغيرهم فنزلوا بوادي معولة واجتمعوا بالعامل الشيخ الرقيشي وأبدوا له ما أمروا به فخرجوا إلى خلفان والشيخ الرقيشي أمامهم في الساعة الثالثة من النهار من يوم الثاني عشر من شهر ذي القعدة سنة 1341 هـ فوجدوه بمجلسه العمومي فأثاروا عليه الرصاص فخر صريعاً وقتل معه خادمه رصاص وجرح آخر يسمى خلف بن محمد ولد المعلَّم ورجعوا إلى الحصن فنمى الصريخ إلى من تعصب له بالباطل ومن كان يساعده على البغي من بني جابر وبني حراص والسيابيين وبني عوف فأحدقوا بالحصن وضيقوا المسالك وأحكموا الفجاج والروابي والقائد لهم على ذلك إبن أخ المقتول حمود بن سالم بن ثنيان وزهران بن محمد بن طالب الحراصيين فبلغ الخبر إمام المصر فخرج إليهم عن طريق عقبة قَرِىْ وعسكر بوادي معولة وقدم إليهم النصائح ووعدهم جميلا فأعاروه أذناً صماء ثم دعاهم إلى الأحكام (1/355)
صفحة 356
الشرعية فأبوا من ذلك فأرسل إلى قواده وأنصاره فأجتمعوا إليه وأرسل إلى الشيخ عيسى وكان ذلك الوقت مريضاً فلما عوفي وافاه بمسلمات من وادي معولة فكان وصوله يوم ثامن ذي الحجة سنة 1341 هـ وقد أخذ في صحبته أعيان وادي سمائل فأرسلوا شارفين إلى البغاة أداءً لواجب الدين ولقيام الحجة على المعتدين واحترازا من سفك دماء المسلمين في غير شيء إلا بغي فادح وجور فاضح فرجعوا إليهم بغير مفيد إلا العتو والعناد فلم ير الإمام بعد إلقاء النصح إليهم وعدم قبولهم له محيصاً عن القدوم إليهم ليكشف عن التضييق الواقع على أهل الحصن منذ شهر فشرع في تعبئة جيشه ليلة عيد الحج فأمر القائد الكبير أبا زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي والزعيم زاهر بن غصن الهنائي ومن عندهم من هناة ومعولة أن يهاجموا البلاد من جبل عاقوم مشرقاً إلى الجبل المعروف بالشيبة وهو عرق من الجبل الأخضر وأمر الشيخين صالح بن أحمد
وعبدالله بن سليمان الحارثيين على أهل الشرقية وأن يحلوا عليهم من جبل عاقوم إلى جبل الصافية وأمر السيد هلال بن علي عامله على الرستاق والشيخ ناصر بن راشد الخروصي والشيخ مهنا بن حمد العبري على رجالهم وأن ينزلوا عليهم من جبل الصافية إلى جبل اللبان وأمر الشيخ أحمد بن حامد الرواحي بمن عنده من رواحة أن يركبوا جبل ألبان ولم يأذن لأحد من القواد بإطلاق النار قبل أن يسمعوا وقع الشيخ أحمد بمن في الجبل فلما أخذ الكل مقاعدهم وبدأ المأمور بإطلاق النار حمل القوم حملة واحدة وكان الوقت عند الفجر الأول فنادى منادي الحمام حي على الأرواح ومنادي الصلاة حي على الفلاح فتعاطوا بالبنادق حتى كلت ثم بالقواضب حتى فلت ثم بالخناجر حتى بلغت القلوب الحناجر والكل في موقفه صابر فكم قتيل على تلك الأكام يتشحط في دمه وكم جريح ساقط على قدمه فلم ترتفع الغزالة إلا ورايات النصر ترفرف بالسعد على هامات الجند فأطلقت مدافع الفتح وحصل للإمام النجح وقد كانت الواقعة بيوم النحر وما أدراك ما يوم النحر يوم قلقل الجبال الشم ونفر الوحوش من العصم وفتحت البنادق كل أذن صماء وما كان شيء ليقاوم صولة المسلمين فقد دخلتها الكتائب عنوة (1/356)
صفحة 357
وفرَّ أهلها منها ضحوة وبقي الإمام والأمير بمسلمات بعد الواقعة يومان وفي اليوم الثالث من ذي الحجة الحرام عام 1341 هـ دخل الإمام المؤيد حصن نخل فأمر بهدم الصياصي ونسف الدور التي تحصن بها البغاة وقضى في نخيل البغاة بالقطع قبل انقيادهم وقبض على الشيخ حمود بن سالم بن ثنيان قائد البغاة من حارة الصَّعبة وصفد بالحديد ثم حكم الإمام بقتله فأنفذ فيه الحكم بحصن نخل وهرب المتجمعون بها في أقاصي الأرض فطلبهم الإمام والتجأ الشيخ زهران بن محمد الحراصي القائد الثاني ببلدة جَمَّا مع من فر من جماعته وغيرهم وطلبه الإمام إما الإذعان أو الحرب فلم يروا قبلا لهم بالحرب.
ولم يحضر الشيخ سليمان بن حمير النبهاني هذه الغزوة في أول الأمر لما داخله من التعصب بالباطل وبعد الفتح وصل بجنوده وردَّ شوارد الهاربين وتوجه بهم إلى افمام بوادي معولة وفيهم الشيخ القائد زهران بن محمد وأعيان قومه فسأله الصفح عنهم والتجاوز عن عثرتهم فأقالهم وعفى عنهم كما هي عادته إذ كان رحمه الله رحيماً كريماً غير فظ ولا منتقم.
وأبقى الشيخ الرقيشي بالبلاد آمراً ناهياً إلى عام 1352 هـ فعزل عنها وأبدل مكانه محمد شيبة السالمي وبهذه الحركة انكسرت سورة أهل الفساد وانقطعت آمال أهل العناد.
جملة الشهداء من أصحاب الإمام في هذه الحملة تسعة عشر رجلا وامرأة ومن البغاة نقلا عن الشيخ الرقيشي نحواً من سبعين رجلا.
وأطنب الشعراء في هذا الفتح ولشيخ البيان محمد بن شيخان قصيدة فيها خبر الواقعة مستوفاة قال من بحر الكامل:
دمغت شموسُ الحق ليلَ الباطل * ومحت أكفُّ العدل رسمَ الجاهلِ
وتمايل الإِسلام أعطافً متى * قامت بنوه له بنصر عاجلِ (1/357)
صفحة 358
والعدل يصعد راقياً درج لعلى * والجور يهبط هاوياً في السَّافلِ
وإذا تصادمت لكتائب والظُّبا * حكمت بما يرجوه قلب الآملِ
وارى عداواتِ الرجال يُزيلهَا * وقع الحديد يُقِلَ راس المائلِ
من يجعل الإسلام أصلاًيحترس * من أن يُدنسه بشيْءٍ هازلِ
من يَحظ بالتوفيق يمضي مسرعاً * كالبرق في جسرالمقام الهائلِ
من يعتصم بالله يَلْقَ وقاية * من كل صدمة واقع أو قائلِ
من يَرْجُ غير الله في الجلىّ ارتمى * في هُوَّة الأمر الشديد النازل
من يُكرِمِ الأحرار يحمد غِبَّة * عقبى بطَول لا يزول وطائلِ
في الناس أخلاق السباع فذَا * على هذا بظلم يستطيل وباطلِ
والرفق أنفع في عمومِ مصالحٍ * والسيف أقمع في زوال الباطلِ
ولقد علمتُ الداءَ قِدماً والدوا * وبكل قرح في البرية سَائلِ
فالاحتماء عند المضرَّة لازم * والقطع للمستأصل المستاكل
والناسُ أهل ضلالةلم يَهدِهم * للحق غيرُ مكارهٍ وسلاسلِ
وحوادث الأيام دولابية * تجري معاكسة بحكم حائلِ
والدهر ذو غِيرٍ فكم من ... سَاكتٍ * بالفكرأفصحُ من لسَانِ القائلِ
إن كنتَ لم يزجرك عقلك في الذي * تخشى ولادين فخف من غائلِ
صانع لنفسك ما استطعتَ ولا تكن * لأسود بيشة مضغة للآكلِ
إن كنتَ تطلب راحةً وسلامة * الدُّنيا فَرُحْ فيها بقدر خاملِ
كم معشرٍّ رتعُوا بنعمة محسن * وهمُ بحبّ عدوّه في شاغلٍ
عزُّوا بِعزته وأبدَوا ... حربه * بغضاً أتلك تكون حال ... العاقلِ
حقٌّ الكَفور زوال نعمته ومن * يشكر ففضل الله ليس بزائلِ
ولرب قوم وافقوا أهل الهدى * وسَموْا بسبق الفضل بين قبائلِ
ولربما فضحتهم البلوى ففـ*رّوا عن أولي التقوى فرارَ الجافلِ (1/358)
صفحة 359
ياآل حرَّاص مضى زمن لكم * في نصرة الاسلام همة كافلِ
ولقد حوى شرفاً سلالة طالب * منكم فمات على الجميل الآهلِ
هذي صفاتُ الليث ما للشِبل لا * يقفوه أم فيه فتورة ذاهلِ
هلاَّسلكتم في الرشاد طريقة * بأواخر مقرونة ... بأوائل
أم هذه أهواءُ نفسانيةٌ ... * فيكم تسلسل أمرُها من وائلِ
ياليتكم لم تحربوا ووقفتم * عنَّا وقوف محمد بن الفاضلِ
لوكان عندكم لأهل العدل من * ود صبرتم للمُلِمّ النَّازلِ
أحسبتم إن الرقيشي اجترى * جهلاً بكم هيهات ليس بجاهلِ
أو ليسه والي الامام وفعله ... * عن أمره حق وليس بباطلِ
لوكان كل القتل جوراً لم يكن * بين الضلالةوالهدى من فاصلِ
والله قد شرع الشرائع لم يدع * فيها اختياراً للمريد الآملِ
وأئمةُ العدل الخلائفُ في الهدى * للأنبياء فلا جواز لعاذلِ
والله أنزل في الكتاب عقوبة * الباغي وأوضح وهو أحكم فاصلِ
ولمن يحارب ربَّه ورسوله * فجزاؤه ما قال أصدقُ قائلِ
ولقد فشا من شيخكم خلفان ما * ضاقت به نخل بحمل الكاهلِ
تغييرأحوال ونصب مكائد ... * وتَلاف أموال وقتل أفاضلِ
وأمور نخل لا تزال كثيرة * مابين والدة وأخرى حاملِ
مذ كان أصل الجور منها غائباً * ردوه فيها للصلاح الشاملِ
قد اخطؤوا نظراً فإنَّ حضوره * قد زاد بغياً في القيام الطائلِ
واختار موسى جاهداً من قومه * سبعين فانقلبوا بحالة جاهلِ
ما كل مجتهد صير موفقاً ... * في الخير أجر باجتهاد العاملِ
حتى تَشَاهر أمر خلفان ... وزاد الهيل صبّاً فوق كيل الكائلِ
فأقام رب الخلق عبداً باسلاً * فأذاقه حر الحديد العاملِ (1/359)
صفحة 360
لله أنت فتى حمود لم تزل * سيفاً يقطّع كل باغ غائلِ
لو لم يكن في عبس غيرك حسبُها * شرفاً فكيف وهم كرمل حافلِ
لله يومك يا سلالة سالم * فلقد أذقت الجور ثُكْلَ الثاكلِ
ابني رقيش أنتم أهل الهدى * وفَنَا العِدا وبنو الوغى والنائلِ
لما رأت حراص قتل أميرهم * جمعوا جموعهم لقتل القاتل
من آل حراص وذيبان وأبنَـ*ـاء السيابي وجمع عوف الصَّائلِ
ذبيان أهل الطولا الأقصون * والأدنون من حزب السَّيابي الواصلِ
آساد كل عريكة وُرَّاد كـ*ـل ... شديدة أبطال كل مَقاتلِ
طلبوا زوال العار عنهم في الدُّنا * والنارُفي الأخرى أشرّ منازلِ
أوما درواأنَّ البُنوّة في الهدى * ترمي الابوّة في الضلال العائلِ
هذي الصَّحابة بعضهم عادى أبـ*ـاهُ أو ابنَه في الكفرعند تقابلِ
قد آثروا ديناً رَضي المولى ولم * تأخذهم فيه حميّة جاهلِ
وجنود حَّراص أبوا إلا الردى * بالمسلمين أو انقياد الفاعلِ
كم باذلٍ من ودّه نصحاً لهم ... * ياقومَنا للنصح هل من قابل
وإذا الهوى استولى على قلب الفتى * لا ينثني عنه بعذل العاذلِ
حَذَر الفتى لم يغنِ عن قدَر وإن * حان القضا ضاق الفضا بالنازلِ
ايغالِبُون الغالبين ومن لهُ * حول على حرب القوي الطائلِ
فتهافتوا بجنودهم وثباً على * نخل وسدوا كل ثغرٍ مائلِ
سدُّوا منافذها ولو أنَّ الصبا * مرّت بها رجعت بأقوى حائلِ
واستنزلواالعاقوم من فيه ولم * يدَعوا لأهل الحصن وقفة قائلِ
شادوا مقاعد للقتال وقبَّلوا ... * بالصُّمْع أوجُهَ كل قرم باسلِ
وتمكنوا في نَخْل شاذانٍ * ولم يدفعهم من أمل أو ماهلِ
قد زيّن النجدي حربَ المسلمـ*ـينَ لهم فأوقعهم بشر آيلِ (1/360)
صفحة 361
واستقبلوا الحصن المنيع ودونه * شهُب تَخطّفُ كل باغٍ خاذلِ
وامتدت الأعناق من قوم ... لهم * بمعاقل الإِسلام قصدَ محاولِ
واستقرحوُا نفقاً له وتطاولت * فيهم لحصرهم غواية جاهلِ
وتكاثرت فيهم ظنون أنَّ في * حزب الهُدى ضعفاً وطولَ تكاسلِ
فنما الصريخ إلى الامام وحزبه * يا غارة الله اغضبي بالعاجلِ
يا غيرة الاسلام هل من نجدة * تدع الضلال مجندلاً بجنادل
هذي جنود الاعتدا فمتى الهدى * يرمي العِدا بصواعق وزلازلِ
فأتى الإِمام أبو الخليلِ محمدٌ * أكرمْ بذيّاك الامام العادل
تاج العلا بدر الدجى شمس الضحى * دهر الهدى قهرالعدى والناكلِ
انسان عين الدهر عنوان الهنا * نور الدُّنا أقصى المُنى للآمل
زهرت به الدنيا وطاب مقامها * وحَلَتْ لنا بمشارب ومآكلِ
ذو رحمة للمهتدين ونقمة ... * للمعتدين ونعمة للسَّائلِ
متهلل للنائبات محلل للمـ*ـــشكلات مكشِّف لنوازلِ
بحر طمى علماً وجوداً للورى * والمستفيدِ وللفقيرِ العائلِ
لا يغضبن لنفسه لكنه ... * لله لا تثنيه صولة صائل
غوث الأنام وبهجة الأيام منـ * ـهل الغمام بصاعق و بنائل
محيي رفات الدين جامع شمله * بالمرهَفات وبالرشاد الحاصلِ
حازالعلا إرثاً وكسباً فاستوى * فيهاعلى كرسي المقام الكاملِ
أمسى لسالمٍ الإِمام خليفةً * وأقام مثل مقامه المتماثل
فرعان نافا من أعالي هضبةٍ * قد اثمرت عِزَّ الطريق الفاضلِ
أما الامام أبوخليلٍ فهو في * نشر العلوم غدا عديمَ مماثلِ
وإذا الشدائد ضيّقت حلَقاتها * رُميتْ بكشفٍ منه كاف كافلِ
ولذاك أقبل ماحياً جيشَ البغـ*ــاة ومثبتاً أمر الرقيشي الباسلِ (1/361)
صفحة 362
أفضى الامام على البغاة عرمرماً * تهتز منه الأرض هزّ الذابل
بحر طما متلاطم أمواجه * في قعره غرقت عصائب وائلِ
متأجج ناراً كأنّ لهيبَه * سقرٌ مُحرّقةٌ زروعَ أباطلِ
حفت بنصر عاجل راياته * وظُباته طبعت بسم قاتلِ
لايوم زحزحة ولا خضرية * يحكيه وقع تدافع وتداخلِ
كم نازل هو قاصف لمنازل * ومقاتل هو عارف بمقاتلِ
عبس هناة حمِيْرَ حكم خروص * ذهل شيبان وشمس معاولِ
وبنو شكيل فيهم وقبائل * الرستاق مقدمة الهلال الكاملِ
من آل بدر سيد متواضع * ساد الورى بفضائل وفواضلِ
وبنوخروص فيهم الشيخ المجاهد * ناصر صنو الإِمام الفاضلِ
لله جاد بنفسه وبماله ... * وسما ولاتَ منازل ومناصلِ
وجميع هاتيك القبائل سُبَّقٌ * للمكرمات ورُشّق بالنابل
كل غطارفة جحاجحة الوغى * شادوا العُلا بمكارم وشمائلِ
وأتى أميرالشرق والغرب الذي * سكنت به الدنيا بحجم فضائلِ
عيسى الأمير العادل الغوث الذي * كشف الخطوب بعزمه المتواصلِ
كهف البرية مظهر الاسلام ... نصّـ*ـاب الأئمة في الصلاح الشاملِ
لولاه ماقامت بنزوى دولة ... * بعد الخروصي الشهيد العادلِ
وكذلك الرستاق تشهد إنها * لولاه قد صارت بحال عاطلِ
وكذاك نخلُ على شفا فسرى لها * بجحافل موصولة بجحافلِ
في يحمد في آل عيسى في بني * حبس وآل وهيبة بذلائلِ
في مالك وبني علي في الشبول * بكل ليث في العرينة شابلِ
في آل همدان واخوتهم نداب * وشيخ نفعا في رؤوس قبائلِ
الواردين الموت أطيب مورد * والصَّادرين على الجميل الآهلِ (1/362)
صفحة 363
والعارفين الله في مسعاهم * في عاجل طلبوا رضاه وآجِلِ
والناشرين شعائر الاسلام في * اقطارهم ببنادق ومناصلِ
والمعلنين لكِلَّمة التوحيد والـ*ــمعلين واجبها بأسمرَ عاسِلِ
والباسطين أكفهم ووجوههم * في النازلين وفي الزمان البازلِ
والمخضبين سيوفهم بدم العدا * بسيوف حقٍّ في الدماء نواهلِ
سارالأمير بهم مسيرالبدر في * ظلل الغمام إلى المكان الماحلِ
لم يبقَ عند مرورهم من موضع * إلا وكاد يسير إثْرَ الواحل
ساروا وليلة ثامن وصلوا فكم * من نُجْح أمر قابل في الواصلِ
والمسلمون بمسلمات تماوجوا * كالبحر يقذف موجه بالسَّاحلِ
وأرى المعاول كالأسود تجمعوا ... * في مسلمات مع اللهام الحافلِ
حتى انتهوا وترادفت رسل إلى * نخل بنصح قبل صدمة نازلِ
لم يقبلوا نصحاً وكلهم أبوا ... * إلا القتال ببادرات قواتلِ
فتوشح الغضَب الإِمامُ وأقبلوا * لوجوه نخل كالجراف السَّائلِ
أسرى إليها المسلمون وأطبقوا * بجهاتها كخواتم بأنامل
قدموُا قبيل الصبح ليلة عاشر * بالعيد من ذي الحجة المتكاملِ
لم يغفلوا عن يوم نصرتهم * فأرّخ كلها والله ليس بغافلِ
صلوا الغداة امامها واستقبلوا * صدر العدا بضياء وجه كاملِ
لله درعصابة قدموا على ... * نخل سحيراً كالقضاء النازلِ
وَهْبيّةالتوحيد مرداسية * التجريد محبوبية المتباهلِ
بذلوا نفوسهم النفيسة قربةً * لله مغتنمين ربح الباذلِ
والحور مشرفة لتكرم ضيفها * تهتز بين أساور وخلاخل
وقعوا على الأعدا وقوع النسر من * جوالسماء على المكان النازل
فتوقدت نارالوغى و تصادم ... الـ*ــجمعان في رهج عظيم هائل (1/363)
صفحة 364
فالأفق بالبارود مظلمة ولكن* أشرقت في ضوئه بمشاعل
ضاءت وأصعقت البنادق وانكفت * كرواعد وبوارق ومخائل
والحصن فتَّح أهلُه أبوابَه * فغدوا كأسد للكما أو أكل
وعلا القَتام من الضرائب واختفت * عين السماء ومالها من كاحل
حتى استبان الخطب عن قتلى وعن * جرحى أفاضلَ جمّةٍ أسافِل
لم ينحروا للعيد ما اعتادوه فيهِ * سوى ضحايا سادةٍ وعباهل
ياصبح ذاك اليوم كم من حسرة * في قلب أيتام عنت وأرامل
كم باسل وردالوغى صِرفاًوكم * من فاضل شهد الحمام وفاضل
شهداء قد حيا الفَنَا أرواحَهم * في طيرخضرأُودعت بحواصل
والنصر صح لدى لامام وحزبه * والقهر حلَّ على حماة الباطل
حرَّاص من نخل تمزق جمعهَا * كسَبأ تمزق أهلها من بابل
كم من جريح أو قتيل أو أسيرٍ أو هزيم هالكاً بمجاهل
فقصورهم قد هدمت وجنانهم * قد صرّمت وسلاحهم في الشاعل
والبرج هدَّم برج عاقوم وما * منه يخاف من البناء الخاتل
وسُقِي حُمودٌ نجلُ سالمٍ الردى ... * من حَرّ ماضٍ للغلاصم فاصل
وتشوّهت نخل وجوهاً بعدما * كانت عروساًفي الشباب لخاذل
ياساكني نخل عجيب أمركم * صرتم مع الأعدا أشرَّ مقاتل
أوَما تقدم منهم محنٌ لكم ... * وغصصتم منهم بحر مناهل
أوَ مارميتم بالصغار وبالوبارِ * وبالشنار وبالنكال الخابل
أيليق فرعاًأن تعادوا خصمهم * ويحلُّ شرعاً نصر باغ غائل
لكنكم أنتم توابع غاشم ... * لاتخضعون إلى الرحيم العاقل
هلاسلكتم في رعاية حالكم * وصلاحه نهج الحكيم القائل
لالا أذود الطير عن شجر * جنيت المرّ من ثمر له متهادلٍ (1/364)
صفحة 365
فتندمُوا وتنصَّلوا واسترجعوا * إصلاح داركم بِبرّالعاملِ
وأمير حمير وارد بجنوده ... * حرباً كأسعد ذي الجيوش الكاملِ
متداركٌ عزّالامام وحزبه ... * مستعقب الماضي بنصر لعَاجلِ
لم لا يكون معزّزاً وأبوه من * لقوام هذا الأمر أول فاعلِ
حاشاه من أن تعتريه هوادة * أو ميلةٌ من قول لاحٍ عاذلِ
والفرع تابعُ أصلِه وكفى بذا * شرفاً لأصلٍ في الهدى متناسلِ
من آل نبهان الألى ملكواالقرى * بذوابل ومناصل وصواهلِ
هبطوامن الجبل الكبير وفيضوا * أرجاءه مثل السحاب الهاطلِ
وجدواالدِما جفّت وجذوتهاانطفت * وثغورها مفتوحة للداخِلِ
يا وقعة حلَّت بنخل شابهت * نفعاً قديماً في حديث الناقلِ
ولها إمام الأرض عِزّان وشيخ * العلم مرشده لخير شاملِ
علاَّمة الآفاق جَدُّ إمامنا ... * ... ذاك لمجلي في الظلام السَّادلِ
نثرالعلوم أجلها وأدلها ... * بمسائل للباقيات ... وسائلِ
لله عزان بن قيس مَنْ سخا * بالعدل في ذاك الزمان الباخلِ
من أحمد بن سعيد الأصل * الذي نارت عمان بعدله المتطاولِ
والحمد لله الذي أجلى الصَّدى * بترنم من شاديات بلابلِ
قل للذي يبغي انتقاص بدائعي * إني أُغرِّقُه ببحر الكاملِ
سبب الثورة الأولى على عبري
في ضحى اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة من سنة 1342 قتل أمير عبري الشيخ سلطان بن راشد اليعقوبي واولاده محمد وحمدان وثلاثة من مواليه وحمد بن علي الشكيلي فتك بهم الشيخ محمد بن سيف المنذري وأصحابه بمسجد السليف من الظاهرة إنتقاما منه لتغلبه عليهم وعلى بلادهم فبيتوا أمرهم ليلا فمن بعض ما حركهم عليه أنه طلب رجلا هرب عنه فقربه الشيخ المنذري بعدما أخذ له الأمان منه آملا (1/365)
صفحة 366
أن لا تخفر ذمته وأن الأمان أوثق عرى الإسلام فقتله الشيخ اليعقوبي في خفارته فأستشاط المنذري غيظاً وزاد حنقه وللعرب حمية وأنفة عربية وحمية جاهلية تحملهم على الهلاك.
ويقال أن الدروع عاضدوا المنذري على ذلك فإنهم غضبوا على اليعقوبي لما قتل أبو بسرة ولد التويلي في خفارتهم.
ولما قتل هذا الشيخ اجتمع غافرية الظاهرة وفي مقدمتهم بنو كلبان فهاجموا السليف بلدة المنذري فقتلوا من وجدوه ونهبوا ما وجدوه وخربوا البلاد وأصبح أهلها حيارى وكشفت وجوه العذارى وخرجوا من منازلهم يسترون عوراتهم بأناملهم يستغيثون بالمسلمين مما نزل بهم فطلبوا من الإمام القيام معهم وترددوا إلى أعيان الدولة وبعد إجالة النظر في القضية والبحث عنها علماً ورأياً جهز الإمام سرية بها أعيان دولته المشايخ عيسى بن صالح وسليمان بن حمير وقاضي المصر العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي وناصر بن حميد الغافري وإبراهيم بن سعيد العبري وياسر بن حمود (1/366)
صفحة 367
المجعلي وأمرهم أن يلقوا النصائح الدينية الجامعة للشمل المؤلفة بين القلوب وأن يمحضوا أمير عبري خلاصتها برد المنكوبين إلى بلادهم وأن يكونوا تحت إمره وأن يطوي الماضي في صحيفة الإهمال، خرجت السرية وعسكروا ببلدة الدريز من الظاهرة وبعد استراحتهم توجه المشايخ سليمان بن حمير وناصر الغافري وإبراهيم العبري وياسر المجعلي إلى أمير عبري ليؤدوا إليه ما تحملوه عن الإمام من النصيحة فجابههم بعناده وصدهم عن بلاده ولم يسمح لهم بدخول البلد فضلا من استماع الخطب ثم كرروا العودة إليه وخوفوه غبة الخلاف فأبى إلا إجلاءهم بذلك رأى أعيان السرية أن لا محيص من الإستنجاد بالإمام وعرض الخبر عليه فرجع جوابه يأمرهم أن لا يقدموا على أمر قبل وصوله وبعد شهر كامل جهز جيشاً يرأسه بنفسه وأرسل إلى عامله بالرستاق السيد هلال بن علي أن يوافيه بمن عنده ببلد العينين من الظاهرة ولما وصل الإمام ثقل الأمر على الشيخ اليعقوبي فكان من رأي الشيخ ياسر بن حمود المجعلي أن يعيد الكرة مرة أخرى فكلمه وأسدى إليه النصيحة وقد آن له أن يرغم نفسه الأمارة بالقهر عليها والإنقياد لما أراده الإمام منه فخلى عن مركزه بعبري وسلم البلاد على أن يكون الماضي معفو عنه غير مطالب به.
بهذا الإنقياد ودخول هذه البلاد التي هي كرسي الظاهرة وعليها الإعتماد تمكن المسلمون من الظاهرة وسلم السليف للمناذرة فجمعوا شملهم المتمزق بها.
بعد استقرار الأمر خطب الإمام بتولية الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري على الظاهرة بأسرها هنا قامت قائمة الخلاف وحصل الإختلاف حينما أبى بنو غافر من تسليم حصن العينين الذي هو تحت أيديهم لإبراهيم قائلين إن الحصن حصنكم ونحن عسكركم نكون فيه وليكن تحت أيدينا فلم ير الإمام إلا خروجهم منه وإجلائهم عنه، وكان أولاد الشيخ عيسى قد نزلوا به فاضطروهم للخروج منه بعنف فعزم الإمام على حربهم وتوجه إلى العراقي بقربهم فألتقاه الشيخ سعيد بن ناصر الصوافي وأكرم نزله وفتح له بابا من بيته بالجانب السهيلي فهو الآن يسمى باب الإمام، وكان من رأي الشيخ عيسى السكوت عن بني غافر وحصنهم ولم ير الإمام إلا المساواة وأن تكون المراكز من الظاهرة كلها تحت يده فكان في الجيش خداع ومكر وفي الرؤساء تعصب وفخر وعادة أمراء عمان الكذب والمراوغة فخاف الإمام أن يستفحل الأمر وأعرض عن قهر جميع المعاقل فبقيت بيد أهلها وبقي في نفسه شيء دخل به على أنصاره وأصيب الشيخ عيسى في هذه الغزوة بمرض فحمل على السرير إلى بلدة بهلا ولما استكملوا الوصول بها جمع الإمام مشايخ العلم واعتذر عن التصدر في المنصب وطلبهم الإستقالة والإستعفاء وأن يختاروا من يرونه إماما لهم وهو كفرد واحد فكانت بالمصر ضجة تعب لها المفكرون وما كان ليترك أمر المسلمين إلا لما رآه من التحزب الباطل في عدم إنفاذ الأوامر والمساواة في نزع المعاقد من أيدي الظلمة المتغلبين وأنه المسئول والمؤاخذ، فأجتهد القضاء في مكابرته وعجزوا عن محاورته وفي مقدمتهم العلامة أبو مالك فإنه شمر عن ساق وجدَّ وأجتهد وأخيراً صرح له (1/367)
صفحة 368
أن المسلمين لا يرضون سواك ولا يتفقون على غيرك وأن استقالتك تكون شؤما على المصر فلا تخلوا من نصيب بسفك الدماء المحقنة بالإمامة وما كاد
ليرجع لولا حدته عليه. وبالجملة فالنصيب من هذه الغزوة رجوع المناذرة إلى بلادهم كما هو المقصود أول الأمر. وفي عام 1359 وقع بأطراف نزوى ترهات من قطاع السبل واللصوص المساعدين لهم فأرسل الإمام سرية تحتوي على ما دون العشرة من عساكره إلى السليف من الظاهرة وأمرهم بالفتك بهم وكتب للشيخ محمد بن سيف المنذري أن يكون معهم فكان من الحظ الجديد بقدرة الله أن بلغ الخبر إلى المقاطيع فأقبل أربعة من أعيانهم فدخلوا على العسكر بنادي القهوة بالسليف مستهزئين متمردين غرهم أن العدد قليل وأنهم دخلوا عليهم في جحرهم الظاهرة ولن يفلتوا منهم فأخذوا يقرعونهم ويهددونهم فما كان جواب العسكر لهم إلا ما نطقت به البنادق على رؤوسهم فأختطفت ثلاثة منهم والرابع الحاتمي رئيسهم الأكبر تبادل مع الشيخ المنذري الخناجر فخرا صريعين ولم يصب السرية ولا من حضر النادي بأساً والحمد لله وبعد هذه الحادثة انقطعت آمالهم من الوقوف على الطرق إلى أن دخلت الظاهرة بعد أشهر قليلة تحت إمرة الإمام كما ستراه إن شاء الله.
الثورة الثانية إلى عبري
كانت في أواخر سنة 1359 هـ
لا زالت تصدر بين أمير عبري الشيخ عبدالله بن راشد اليعقوبي وأبنه محمد بن عبدالله منافسة أصلها حب الرياسة فنتج منها أحقاد وشحناء والله تعالى ... يقول: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) ولابد ان يكون الإبن مأمور أو مجبور أو عاق كفور فقويت حركة محمد على أبيه فخشي أبوه الضرر الأكبر فكتب إلى الإمام سراً بواسطة الشيخ زاهر بن غصن الهنائي إني أحب التخلي عن إمارة عبري فأرسل إليّ من يقبض معقلها، فكلم زاهر الإمام فيما جاء به سفيره إليه فكان من جواب الإمام إنى لا آمن غدر عبدالله ولا أرجو الوفاء منه ويحملنا على إجابته إنقاذ المضطهدين وإنصاف المظلومين الذين تحت إمارته. (1/368)
صفحة 369
ثم قرر الإمام أن يجهز الشيخ زاهر بمن معه بمظهر المتوسط لإصلاح ذات البين بين الشيخين وأن يجِسَّ نبض عبدالله فيما وعد به هل هوا ثابت على وعده.
سار زاهر وأناخ بجامع عبري وسعى فيما جاء إليه وعمل بتوصية إمامه له فما رأى من عبدالله إلا النكث ولم يكتف بذلك حتى انتهى أمره إلى قرعه باب الغدر به وكان زاهر نبيهاً فطناً أدرك منه ذلك قبل وقوعه فكتب إلى الإمام بذلك تفصيلا.
فصدر الأمر إليه بالإنتقال من عبري إلى السليف والمكان قريب فما لبث إلا أياماً حتى أوقد الدروع ومن شايعهم نار الحرب على زاهر وأهل السليف فكانت بينهم مناوشات ظفر فيها زاهر وأتباعه إلا أن أيامهما طالت فأوجبت تحرك الإمام لإطفائها فانتقل من نزوى إلى بهلا وأنفذ سرية فيها أربعون رجلا أمرّ عليها الشيخ محمد بن سالم الرقيشي وأمره أن يقيم الحجة على أمير عبري إما بالإذعان والتسليم للمركز حسبما وعد وإما أن يتهيأوا للحرب فلما وصلهم أدى رسالته التي تحملها كما هي وبعد أخذ ورد ركن أمير عبري إلى الإنقياد والوفاء بالمراد وتأجل ستة أيام حتى سلم زمام ما بيده.
وقسم شطراً كبيراً من ماله لإبنه محمد أستبقاء لوده فحازه محمد في حياة أبيه ولم ير الإمام بداً من الإنصاف من الدروع فأنتقل من بهلا إلى عبري وأنفذ الشيخ ياسر ابن حمود المجعلي إليهم أن يحضروا لفصل الأحكام بينهم وبني هناة فيما انتهكوه من الحرمات وسفكوه من الدماء ونهبوه من الأموال فتلكأوا ثم فاءوا لأمر الله فحضروا مجلس الحكم.
أمر الإمام قاضيه الشيخ أبا زيد بالفصل بينهم وأمر القضاة ان يحضروا استماع الدعوى وأن ترفع إليه بعد ذلك للنظر فيها والأمر بإنفاذها.
حكم أبو زيد أن ما أتلفه الدروع من دماء وأموال مؤاخذون به ويهدر ما تلف (1/369)
صفحة 370
عليهم للصحة القاضية ببغيهم ووقّع القضاة على ذلك ثم رفع إلى الإمام فرأى صحته وأمر بتنفيذه.
أبقى الإمام الشيخ الرقيشي عاملا على عبري وتوابعها متكفلا بوظيفتي القضاء والولاية.
قيام الرقيشي على مناذرة السليف
بقي الرقيشي بعبري وهمّ بإنفاذ الأحكام على المناذرة بالسليف فردوا أمره وتعسفوا وبنبذهم أحكامه على أنفسهم أسرفوا فكتب إلى إمامه يخبره عن حالهم فكتب الإمام نصائح دينية إليهم وأرسلها إلى الرقيشي ليقرأها عليهم واختار الرقيشي إبنه إبراهيم لحمل هذا الكتاب الكريم فعسى أن يهديهم الصراط المستقيم فلم يحصل منهم على وفاق ونسوا ما كانوا فيه من الإضطهاد والإرهاق فعزم العاهل على إنفاذ أمره بالقوة لا باللين والمروءة فحكم عليهم بالبغي والعناد وعاملهم بمعاملة أهل الفساد وانقض عليهم انقضاض الشهب للرجم ووقفوا في وحهه وقوف القرم للقرم فكانت بينهم ليلة خامس من ذي القعدة عام 1360 هـ ملحمة أسفرت عن قتل أربعة من أصحابه ثم كان من خظهم في مجابهته مريض فدخل بلادهم وكسر جناحهم المهيض وأوهى قوتهم فسقطت إمارتهم وهدم قصورهم حتى السور المحيط بحارتهم.
بهذه الحادثة أضرم المريخ ناره وكادت تشتعل وقّطب زحل وجهه وبقي الأنصار في وجل فكان من لطف الله في القضية أن فزعوا إلى حكم ربهم وقبلوا المراشد القرآنية فتقدموا إلى إمامهم أن يحضروا الرقيشي للمناقشة فيما جناه تحرجاً من دخولهم في البلوى وأن يجمع قضاته للنظر في هذه الدعوى لأن بعضهم يقول إنها حاجة في نفس يعقوب قضاها وإرادة للشيخ أنفذها وأمضاها فجمع الخصوم بجامع نزوى وعلت الأصوات وأسروا النجوى وكتبت الدعوى والمهج تتميز من الغيظ وجيء بالرقيشي وهو يزفر زفرات القيظ فقدم حججه المنيرة التي أسند عمله عليها من (1/370)
صفحة 371
الأثر وبررها بقوله إنه لم يكن به فيهم أرب ولا وطر وما حمله عليهم إلا الكبر والبطر فنظر الفقهاء في جوابه وحققوا ثم فكروا ودققوا وبعد الإجتهاد والتنقيح رفعت المحاكمة إلى الإمام وإليه في المشاكل الترجيح فكتب تحتها بخطه وهذا نصه:
أقول قد نظرت في جواب الشيخ الرقيشي وأقول أنه أخذ بأقوال أولئك الجهابذة الأعلام ونحن نقصر عن تتبع أقوالهم وهم القدوة وأفعاله كلها خارجة على وفق فتواهم ولم نرها خارجة عن الحق والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم كتب:
هذا ملحق لدعوى السليف هذا ما رأيته لبني هناة في دعاويهم في حرب السليف من قتل قتلاهم والناهب من أموالهم عند دخول محمد بن سالم هذه البلدة ورأيت ومن حضرني من أهل العلم أنه لا تهدر دماءهم لأنهم غير داخلين في الأمور وحين لم يظهر قاتلهم أن يكون على بيت مال الله خمسمائة قرش لمحمود بن عبدالله ومائتي قرش من دية المرأة المقتولة وأما الجرحى فذلك حكمهم بعد الصحة من الجراح واما أمر المال الذاهب فقد تحملته وصح العزم عن ستمائة قرش على وجه الصلح والمرافقة وأما الرمي الذاهب بدل الرمية رمية أنها أؤديها وذلك مائتي رمية صمع بوست وماية رمية موزر ليعلم ذلك وكتبه إمام المسلمين محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي بيده في سادس من شهر صفر سنة 1361 هـ.
وبعد هذا خطب الإمام بحضرة العلماء والرؤساء أن ما أمضاه محمد بن سالم في السليف فعن أمري وهو هدر إلا ما استثنى من ذلك وهو قتل رجل من أهل عملا من الغربا في البلد فكانت ديته في بيت المال. ا هـ.
ثم أمر برجوع أهل السليف إلى بلادهم وأذن لهم ببناء ما هدم من بيوتهم وأمر برد ما نهب من أموالهم وان يكون العزور والمناذرة على حال واحد كما كانوا في مسالكهم ودورهم ومساجدهم لأنهم كانوا في حارة واحدة بناها لهم الإمام سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي وعندهم فيها وثيقة هذا نصها: (1/371)
صفحة 372
بسم الله الرحمن الرحيم
بتاريخ يوم الجمعة الزهراء لعشر خلون من شهر رجب من سنة ثمان وثلاثين وماية وألف سنة منذ الهجرة ليعلم من يقف على كتابي هذا من المسلمين وأنا الفقير لله عمر بن مسعود بن ساعد المنذري بأن هذا الحصن المذكور هنا قد بناه الإمام العادل سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي لخدمة المشايخ صالح بن عبدالله العزري وجدي ساعد بن مسعود ولذريتهم من بعدهم ولمن معهم قبل كتابي هذا إلا لغيرهم من القبائل إلا على من يرضونه جميعا وأن الربع الذي فيه بيوت أولاد الشيخ صالح بن عبدالله فالرأي فيه لهم دون غيرهم من الجماعة والربع الذي فيه أولاد مبارك بن خميس فالرأي فيه لسليم بن ناصر ومحمد بن خميس وسليمان بن سعيد دون غيرهم من الجماعة والربع الذي فيه بيوت أولاد عبدالله بن مسعود فالرأي فيه لعامر بن عبدالله دون غيره من الجماعة والربع الذي فيه بيوت أولاد ساعد فالرأي فيه لهم دون غيرهم من الجماعة وأن كل من له رأي في ربع من أرباع هذا الحصن فغير محجور عليه ادخال من يشاء ويريد من الجماعة الجايز لهم الدخول فيه ببيع أو هبة وقد عاهدوا الله على القيام في هذا الحصن بطاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أهل الحل والعدل وطاعة أولي الأمر والإجتماع على ما فيه الصلاح من سلامة الدين والدنيا والإقتداء فيه بصالحي أسلافهم نسأل الله لهم التوفيق لطاعته ومرضاته والثبات على الصفا والوفا إنه سميع مجيب وكتبه عمر بن مسعود بيته بتاريخ ما تقدم. وكان الكاتب لهذا الصك من الفضلاء الأعلام من المناذرة.
وفي سنة 1363 هـ رأى الإمام عزل الرقيشي من علمه واستبدل عنه الشيخ العلامة زاهر بن سيف الفهدي من بني ريام وكان رجلا ورعاً ولكنه لم يمارس العظائم من الأمور وأهل الظاهرة بداة وحوش بل جلُّ أهلها أغبياء من العرب والبلوش فلم تكن في إستطاعته حملهم على الجادة فبقي بها سبعة أشهر واستعفى من القيام بها فقرر (1/372)
صفحة 373
أن يرجع إليها الشيخ الرقيشي ثانية فبقي بها كالعادة إلى أن أعفاه الإمام في شهر صفر من عام 1372 هـ وكانت مدة ولايته الأولى والثانية اثنا عشر عاما وأربعة أشهر.
من أحكام الرقيشي بعبري:
الحكم على أهل السليف بالبغي وإيقاعه بهم.
ومنها رجم امرأة محصنة أقرت بالزنا.
ومنها جلد امرأة بكر أقرت بالزنا.
ومنها قتل رجل معمري قتل أمه.
ومنها الحكم في أموال الشيخ عبدالله بن راشد اليعقوبي بأنه مستغرق في المظالم وإدخاله في بيت مال المسلمين وهو قول لبعض العلماء ورأى الشيخ صحته.
ومنها قتل الباغي سويدان بن علي بن حامد أحد شيوخ الدروع تحصن بحانوت تاجر من تجار عبري فأمر الرقيشي بحرق الحانوت بالنار ليخرج الباغي حتى خرج فقتل وحكم بالتالف على التاجر ضمانه في بيت المال.
ولاية إبراهيم بن سعيد العبري
ولما أعفي الرقيشي من ولاية عبري جعل عليها الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري فقبض مركزها في اليوم السادس من شهر ربيع الأول سنة 1372هـ فبقي ناشرا ألوية العدل قائما بالقسط وما بالرجل من قصور ولكن الحظوظ أقسام فكان من قدر الله أن بعضهم يأنف من إمرته ولا يراها وأحب أن يعطي نفسه مناها فطلبوا من الإمام عزله فلم ير ذلك فقام حمد بن سيف الكلباني ومحمد بن عبدالله اليعقوبي في اليوم العاشر من شهر شعبان من السنة المذكورة فاستلما المركز من الذين فيه بسياسة من غير قتال وكان إبراهيم غير حاضر بالبلد وهذه مكيدة قد دبرت ببلد إمطي إجتمع عليها المشائخ سليمان بن حمير ومحمد بن سالم الرقيشي وعلي بن هلال الدرعي وحمد بن سيف الكلباني وياسر بن حمود المجعلي حنقاً على الإمام لما أبى من إسعافهم (1/373)
صفحة 374
بعزل إبراهيم فأحبوا أن يفهموه بإقتدارهم وان يرغموه على امتثالهم حتى لا يخرج في المستقبل عن رأيهم وسليمان يعتقد أن الغافرية طوع أنمله وإن البلاد متى أرادها تكون في يده وهيهات وليس الأمر كما حسب إنما انتهت هذه الفكرة بالفشل ولم يقف شرها عند هذا الحد فإنها خلقت ديباجة الدولة واسقطت حرمتها حتى لم يكن لها في نظر العامة ولا في نظر متغلبي الأطراف حرمة.
بعد صدور هذه الحادثة أرسلني الإمام إلى عبري للفحص عن الواقع والبحث عن الحالة هناك فرجعت إليه وقد جمع جيشه فأبديت له ما شاهدته وعلمته وإني أرى بالأنصار خور يؤدي إلى خطر والأولى أن تترك الناس على ما هم عليه الآن ولا تظهر عزمك على القيام ولا عجزك عنه حتى تهدأ الحالة وتتبين الخلاصة وعاتبته على إصداره لأمر كان يأنف منه فأجابني رحمه الله إني لما خولطت في رأيي بإتهامي إن الشيب أخذ مني كان هذا نتيجة وكان رحمه الله به مرض يعوقه من الخروج إلى الجهاد كعادته فقرر أن يكون عبدالله بن الإمام سالم أميرا على الجيش فرأى من بعضهم أحوالا تعاكس رأيه.
ثم خرج الشيخ أحمد بن محمد الحارثي إلى مسقط ورجع إلى نزوى وقد زوده السلطان عشرة صناديق رصاص وعشرة الآف قرش ولم يأذن له بالتصرف فيها قبل خروجهم من نزوى فكان هذا من الأسباب الداعية للفشل والمحرضة على الشر من لم يركب.
ثم أصدر أمره إلى الناس والجيش بالرجوع إلى أوطانهم فأجتمع إليه المشائخ إبراهيم العبري وأحمد الحارثي وعبدالله الهنائي يلومونه على التأخير ويحرضونه على القيام حتى أسهبوا في الملام وأطنبوا في الكلام وقد حركتهم الإعانة المسقطية وكان رحمه الله يميل إلى الإقناع في المناقشة سواء كانت دينية أو سياسية فأخبرني من سمع كلامهم أنه أقنعهم أولا كل الإقتناع ثم رأى منهم إدلالا وإستخفافاً فقرعهم أشد (1/374)
صفحة 375
التقريع وذكر كل واحد منهم بما يعلمه منه من النكوب عن الجادة في عمله أو خلقه بمعرفة خبير بصير.
وقد أوردنا خبر عبري متتابعاً على طريق الإختصار لإستحضار الفائدة وإن خالف إسلوب التاريخ.
ترجمة الشيخ مهنا بن حمد العبري
في اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة الحرام من شهور سنة 1342 هـ توفي الشيخ مهنا بن حمد بن محسن بن زهران بن محمد بن إبراهيم بن راشد بن سالم بن راشد بن إبراهيم بن عيسى بن عمران بن راشد بن عمر بن عيسى بن عمران العبري الحمراوي ينتمي إلى عبرة بن زهران بن كعب بن حارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر ابن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان بن عابر وهو النبي هود عليه السلام وكانت وفاته ببندر جدة من أرض الحجاز خرج في أعيان قومه لأداء فريضة الحج فلما قضى المناسك وقفل راجعاً أصيب بمرضه الذي كان سببا لوفاته وكانت ولادته في عام 1289 هـ.
تولى هذا الأمير إمارة قومه بعد موت أبيه حالا بإشارة العلامة ماجد بن خميس وموافقة إخوانه وأبناء عمه وأعيان قومه فقام فيهم على ساق الجد والإصلاح وكانت همته عالية في عمارة الأموال والبلاد وخدمة الأنهار وتوسعت بذلك ثروته وكثرت أمواله وأخرج فلج زكت من بلد عمق فصار به انتفاع البلاد أكثر من انتفاعها بالفلج القديم في أيام المحل وبإعتناءه حصلت زيادة في فلج قلعة المصالحة من كدم وأحدث في بلد الحمرا مزرع الظهرة الكبير فعظمت منفعته لمن بعده وبالجملة فإنه مصلح كبير وفي صدر إمارته خرج على بلد العوابي لإخراجها من يد السيد سعيد بن إبراهيم بن قيس لما كثر الفساد بها من القائم فأحاط بهم في الحصن أياما فأخرجهم منه وسلمه للسلطان فيصل بن تركي وترك به عسكرا من أهل حضرموت تحت قيادة رجل منهم يقال (1/375)
صفحة 376
له عبدالله بن سالم الشريف فلما كانت دولة الإمام سالم بن راشد طلب شيخنا العلامة ماجد بن خميس من الأمير مهنا وكان ماجد يومئذ قاضياً للإمام بنزوى أن يقوم على الشريف القائم بحصن العوابي من قبل السلطان ليدخل مع عمان فيما دخلوا فيه من مبايعة الإمام والمجاهدة معه فأجابه إلى ذلك ونهض بقومه ودخل البلاد كما سبق ذكره.
وفي أيامه كان الحرب بنزوى بين السيد سيف بن حمد والشيخ حمدان بن سليمان النبهاني فكان الأمير مهنا مصلحاً في أول المر ثم استنهض قومه فأجابوه فكان عند السيد سيف في حزب السلطان وسبق ذكر ذلك وكانت همته غير قاصره في توطيد بلاده وإصلاح قومه ودفع الشر عنهم بكل سياسة لكونه الحوّل العنقفير الذي شهد له في وقته بالتقدم في السياسة على نظراءه فنمى آل عبرة في زمانه ومع هذا فغير متراخ عن طلب العلم والإجتماع بالعلماء وزهرت في أيامه عاصمته الحمرا بوجوده والشيخ ماجد وكثر الطلبة ا هـ. نقلا عن تبصرة المعتبرين في مآثر العبريين للشيخ إبراهيم بن سعيد وقال في موضع آخر عند ذكر العبريين بتصرف فيه وهذه القبيلة من أعرق قبائل الأزد اليمانية القحطانية وأخوتهم وأولاد نصر بن زهران وهم أبناء معولة بن شمس وبنو بو حسن وبنو خروص وبنو بحري وأولاد شاري بن اليحمد وأولاد عبدالله بن زهران وهم اولاد مالك بن فهم من بني هناة ودوس وعدنان وقد تفرقت هذه القبيلة في مواضع شتى من عمان كغيرها من قبائل اليمن المنتقلة منها إلى عمان وليس التفرق خاصاً بها بل كل قبائل عمان بهذه الصفة نفس كل غانية هند.
فمنهم من استوطن الشميلية من الباطنة ومنهم من انتقل إلى بلاد الحدان ومنهم من احتلَّ أرض السرّ والذي يؤيده آثارهم أن أكثرهم بها لأن أكبر قرى الظاهرة عبري وهي منسوبة إليهم ومنهم من نزل وادي النخر من الجبل الأخضر من أرض الجوف ومنهم من كان ببلد الهوب وبلد مدروج من وادي السحتن أما بلد الحمرا لم تعمر إلا في أيام الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي الباني لقلعة نزوى فإنه شرع (1/376)
صفحة 377
في عمارتها هو وانصاره العبريون في أول شهر جمادى الثاني سنة 1066 هـ وكانت عمارتها هي وبركة الموز في وقت واحد ولم تكن للعبريين قبل عمارة بلدهم الحمرا إمارة جامعة وإن كان فيهم أبطال القتال وفضلاء الرجال وأول إمارة كانت في بلد الحمرا إمارة أولاد طالب بن علي بت مسعود بن لاهي بن قاسم بن راشد بن مالك بن عمر بن سعيد لأنهم كانوا أهل علم وفضل وعلي بن مسعود هذا يجمع أولاد مالك وأولاد خلف وأولاد طالب ثم كانت الإمارة بعد ذلك لأولاد عمران بن راشد بن عمر بن عيسى بن عمران وآخرهم الشيخ راشد بن مالك فإنه توفي سنة 1242 هـ وكان اتقال الشيخ زهران بن محمد بن إبراهيم بن راشد العبري من العراقي إلى الحمرا في أيام الشيخ راشد بن مالك وكانت وفاة زهران سنة 1236 هـ بسبب جراحة أصابته في معركة دارت بينهم وبني صبح أهل القرية وبإنتهائها سالم أهل القرية ودخلوا مع العبريين وإنتشاب الفتن بين بني صبح والعبريين في أيام راشد بن مالك وكانت بينهم وقائع عديدة وحروب شديدة وفي سنة 1243 هـ اجتمعت إمارة العبريين لأولاد زهران.
وأولهم الشيخ محسن بن زهران بن محمد فصار باري قلمها ورامي سهمها وكان مطاع الأمر مسموع الكلمة فكان بنو غافر المعروفون بالميايحة اتخذوه كواحد من أمرائهم يرجعون إليه في كثير من مهماتهم ونصروه في عدة مواطن كما ناصرهم في عدة حروب فإنه ناصرهم في حرب بات التي دارت بينهم وبني كلبان وفي حروبهم وبني شكيل وفي وقعة الجبل المسمى قرن بوسعدين وقد ناصر بنو غافر رؤساء العبريين قبل هذه المناصرة فإنهم اجتمعوا لحرب بني عدي وبني لمك بوادي السحتن في إمارة الشيخ راشد بن مالك وفي حروب بني صبح وبني شكيل وفي أيامه كانت بلاده الحمرا أمل الوافد ومنهل الوارد وقصده الأعيان ووفد إليه الشعراء من كل مكان كان الأمير محسن مقداماً مهاباً وجواداً وهاباً وكانت له وقائع وحروب وقد اعتزل قومه في عصر الإمام عزان بسبب وقيعة نمت عليه بوادي السحتن ثم رجع إلى الحمرا بعد وفاة الإمام عزان فقضى عمره بها إلى أن توفي في يوم 12 صفر سنة 1290 هـ ثم صار الأمر إلى أخيه محمد بن (1/377)
صفحة 378
زهران وابنه حمد بن محسن بن زهران فبقيت كلمتهما واحدة مدة يسيرة ثم افترقا وبسبب افتراقهما قَبَضَ الشيخ برغش بن حميد أمير بهلا على الشيخ محمد العبري وابنه بدر بسياسة من ابن أخيه حمد بن محسن فصفدهما بحصن بهلا حتى قتلا فيه وفي ذلك الوقت كان بناء بيت الفوق المسمى حصن العوابي ثم كانت الإمارة بعد ذلك في الشيخ سالم ابن بدر بن محمد بن زهران وفي أيامه وقع الخلاف بين العبريين وبني غافر بوادي السحتن وكانت هذه الحركة داعية القتال والتنافر بينهم حتى سلب بنو غافر وادي السحتن من العبريين وساموهم سوء العذاب وذلك في سنة 1302 هـ وبقي الشيخ سالم أميراً إلى سنة 1305 هـ ثم ولى الأمر بعده ذلك الشاب الصالح الشيخ زهران بن محمد بن زهران وكان صالحاً محباً للأخيار ميالا لمعالي الأمور فكانت بينه وبنو غافر ثلاث ملاحم كلها بوادي السحتن إحداهما في سابع شوال سنة 1305 هـ ووقع الصلح بينهم
بواسطة حاكم الرستاق إبراهيم بن قيس على أن تكون عمق للعبريين وبلدة فشخ لبني غافر ووادي السحتن أكثره بيت مال ثم انتقضت الأمور بينهم فنهض ثانية في يوم 22 ذي القعدة سنة 1307 هـ فأصطلحوا على واسطة السيد إبراهيم مرة أخرى على أن تكون الحدود بينهم من مضيق الوادي ما بين بلد الخضرا والميحة فمنها عالياً للعبريين ومنها حادرا لبني غافر ثم نهض النهضة الثالثة يوم ثاني جمادي الثانية سنة 1308 هـ والوقت شديد البرودة فدخل الخضرا بعد معكرة وقعت بينهم بمكان يسمى ظهرة الفرس وبعد انجلاءها رجع الأمير زهران إلى الخضرا فجاءت بنو غافر بجموعها فالتقى الجمعان مرة ثانية فكان بينهم من الزلازل والأهوال ما لا يكيف فجرح في هذه الزحمة الأمير زهران جراحاً أثخنه فأنهزم قومه لما أصابهم من الفشل وحملوه إلى بلد فشخ فتوفي بها يوم 12 جمادي الثانية سنة 1308 هـ ودفن بها وكان هذا الأمير من فضلاء المسلمين وثقاتهم وقد أثنى عليه نور الدين السالمي ثناء حسناً وكذلك الإمام سالم بن راشد الخروصي وبموت هذا الأمير الفاضل كاد موقف العبريين أن يتضعضع من ذلك الوادي ولكن السيد إبراهيم اعترض القضية فأصلحهم على أن تكون حصون الوادي في قبضته وأن يترك فيها (1/378)
صفحة 379
عسكرا من قبله فبقي الأمر كذلك حتى قتل بنو غافر عبيد بن هلال بن سند العبري فقام العبريون على الحصون وأخرجوا عسكر السيد منها بدون قتال ولعلمهم وافقوهم وهدموا الحصون ولم يتغير السيد إبراهيم من ذلك فبقى لبني غافر من الوادي بلدتان الخضرا والطباقة وتقرر الصلح أن يكون الفاصل بينهم الشعبة التي بن الخضرا وميحة.
ثم ولي الأمر من بعده الشيخ حمد بن محسن وكان هذا الشيخ ببلاد سيت عاصمة بني هناة إنحاز بجوار الشيخ هلال بن زاهر للجفوة الصادرة إليه من قومه فسار إليه أعيانهم ومقدمتهم العلامة الشيخ ماجد بن خميس فطلبوه أن يرجع إليهم فأبى إلا أن يأذن له الشيخ هلال فكلموا هلالا فرضي وزال ما بينه وبين قومه من الوحشة إذ حلب شطري الدهر وعرف ثمرة الإجتماع وكانت إمارته أيام سلم وراحة وقام بواجبه في حق هناة لما دارت عليهم دوائر السلطان ودافع عنهم بسياساته وتوفي في شهر ربيع الأول سنة 1317 هـ وكان مولده في أثناء العشر بين الستين والسبعين بعد المائتين والألف ثم كانت الإمارة لإبنه الشيخ مهنا الذي ذكرناه بصدر الترجمة. ا هـ كلا الشيخ إبراهيم ببعض الحذف والتصرف فيه.
زيارة الباشا سليمان الباروني لعمان
في شهر المحرم سنة 1343 هـ زار عمان الشيخ المجاهد الغيور المحنك الدبلوماسي الماهر الباشا سليمان بن عبدالله بن يحيى بن زكريا الباروني النفوسي وذلك بعد رجوعه من حج بيت الله الحرام.
لما بلغ سلطان مسقط السيد تيمور بن فيصل نبأ وصول الشيخ الباروني مكة المشرفة كتب إليه يستحثه أن يقدم إلى مملكته وكان السلطان ذلك الوقت بالهند فأبرق لوزارته بإستقباله.
وحينما وصل مسقط استقبله الوزراء والعظماء استقبالا حافلا وخصص له قصراً (1/379)
صفحة 380
فخما أعد لمزوله ولا زالت السادة وأعيان الحكومة يتنازعونه في الضيافة والإكرام.
وفي أوائل شهر ربيع الأول من التاريخ كتب إليه الإمام يدعوه لزيارته بسمائل من داخلية عمان.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي إلى أخيه ذي الشرف الباذخ والمجد الشامخ المجاهد في الله الحامي لدينه، سليمان بن عبدالله الباروني: أما بعد فإنا نحمد الله إليك لا زلت أخانا محافظا شرف حريتك ساعيا في عز إستقلال بلادك ألا وأن أعلام مجدك منشورة وسيوف عدلك مشهورة فلله درك حيث أنت هكذا هكذا وإلا فلا لا.
الداعي لتحرير الكتاب إليك بعد إهداء السلام والتحية والإكرام اعلامك بأن اخوانك أهل عمان مسرورين بسلامتك وصحتك مستبشرون بقدومك وطلعتك وقد وجهنا إليك هذا الرسول طالبين منك الوصول على بركة الله زائرا إخوانك مشرفا أوطانك فأضرب لنا موعد لنوجه إليك رجالا من الخاصة رفقاء الطريق وأخبر رسولنا بكل ما يلزم لنحيط به علما والله الميسر والسلام. حرر في 13 محرم سنة 1343 هـ.
فلبى دعوته وفي صحبته العلامة سعيد بن ناصر الكندي بعدما زار هذا الشيخ ببلدة (المتهدمات) ثم خرج منها إلى بلد السيب من الباطنة فاستقبله بها رسل سيدنا الإمام فخرجوا وهو في صحبتهم.
كان وصوله سمائل يوم الثامن عشر من شهر التاريخ فاطلقت المدافع لوصوله 21 طلقة وأنشدت الشعراء التهاني ونشرت الخطباء المثالث والمثاني.
ولما ألقى عصى الترحال شرح في حل العقبات بين الإمام والسلطنة واجتهد في إيجاد كيان شامل لنظام الدين والدنيا وبقي أياما للتفاهم في إزالة الجفاء بين العاهلين حتى قربت المياه من مجاريها. (1/380)
صفحة 381
وفي أول شهر ربيع الآخر استدعاه الشيخ عيسى بن صالح لزيارته وأرسل إليه أبو هشمة سعيد بن عبدالله الهاشمي ومحمد شيبة السالمي فأجاب دعوة الأمير وخرج إليه وفي رفقته العلامة سعيد بن ناصر الكندي وأبناءه فتلقاه الأمير بوجوه قومه فكان يوم وصوله عيدا بل يوما مشهودا أطلقت فيها البنادق والمدافع وتزاحمت الفرسان للسباق بتلك المجامع وقد أصيب بحمى الملاريا لما كان بالقابل ثم عوفي وأحب الرجوع بعد انتهاء أمد الزيارة إلى مسقط فكان وصوله إليها في اليوم الثالث من شهر شعبان من العام المذكور وأنشد قصيدة مودعاً الإمام مبتهجاً بما رآه من الحفاوة وحسن الأخلاق.
وداع من فؤاد مستهام * إليك عمان يا مهد الإمام
إمام المسليمن أبو المعالي * محمد المؤيد بالحسام
سليل المجد طلاع الثنايا * لحضرته أبادر بالسلام
وداع والعيون تفيض دمعاً * لحزن لم تذق طعم المنام
تناجي القلب وهو يئن طورا * ويضرب تارة ضرب الرزام
كأن لسانه يتلو دواماً * وهل مثل التفرق من سقام
تركت عمان رغماً وهي تزهو * بإخوان كعقد في انتظام
أسود لا يرون الموت بأساً * وهم حصن منيع للمضام
لهم أدب به يجلى صدى من * دهته نوايب الدول الجسام
ويشرح صدر من ضاقت عليه * رحاب الأرض من دول عظام
ويشفي غلة المضنى ويحيي * نفوساً بالجهالة في ظلام
وحدث ما تشأ بالجود عنهم * وهم في الدين أمضى من حسام
لهم حكم بشرع الله يجري * به كل المحاكم في انسجام
فلا دول أجانب عن رعايا * تناضل أو تهدد بإنتقام
ولا عهد يقيد مقتضاهم * تحافظه القناصل بالخصام (1/381)
صفحة 382
فهم في روضة حفت بأمن * وفي حرية سمح النظام
فزد في عزهم واخصب ربوعا * بهم تختال يا رب الأنام
وهب لي دعوة تروي غليلي * إليهم يا مغيث المستهام
ولما وصل مسقط راجعا من عمان عزم أن يتصل بملك العراق فيصل الأول والتمس منه الإذن بالشخوص إليه فأجابه مبدياً عطفه الملكي السامي على شخصية الباروني التي يقدرها كل عربي ويعرف مكانتها في الكفاح العربي القومي فبقي ينتقل في ربوع العراق جاعلا بغداد محور مطافه وجولاته ونقل أسرته وقام بمهمته خير قيام واستوطن فيحاء سمائل وتزوج من عائلة الشيخ الجبري أحد حكام عمان في القديم ولما كانت الظروف قاضية على العمانيين بالتأخير عن الأوج والنكوص إلى الحضيض عظم أمره من المنافقين الذي استحوذ الشيطان عليهم وعلم أهل الأطماع اليأس من مطامعهم الفاسدة وعرفوا أن لا حظ عنده فأتقنوا سياستهم وأغضبوا الباروني فقد أوراق استقالته فكان من رأي الإمام في ذلك الوقت قبول استقالته وعدم احراجه، وما ذلك إلا لأمر أراده الله بعمان حتى يبتلعها المستعمرون الذين فاتتهم هذه النقطة من الأرض التي لم يكن في تاريخهم القديم ما يزين لهم الوطأة عليها ولو يوماً واحداً.
انتقل الباروني إلى مسقط بطلب من السلطان سعيد بن تيمور فأكرمه وأولاه منصب المستشار العام لحكومته وقام بإصلاحات متعددة حتى أدركته منيته خرج من مسقط في صحبة السلطان سعيد يوم المولد النبوي عام 1359 هـ ونزل بومباي من أرض الهند فأصيب بداء السكتى فمات فجأة مساء يوم الأربعاء 23 ربيع الأول عام 1359 هـ.
ولد رحمه الله بمدينة (جادوا) حاضرة متصرفية فساطو من أرض المغرب خلال عام 1287 هـ الموافق (1870 م) وتلقى العلوم الدينية والعربية في جامعات (1/382)
صفحة 383
تونس والجزائر ومصر وكثيراً ما أخذ من أبيه العلامة الزاهد عبدالله يحيى وعن قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش رحمهم الله ثم قفل راجعاً إلى وطنه بعد أن تزود ثقافياً بكل ما يمكن وكانت له آراء خاصة بسياسة الدولة العثمانية فاستوجب نقمة العثمانيين عليه واضطهدوه في عهد السلطان عبدالحميد بسجن ونفي وتشريد واختير عضواً بمجلس المبعوثان التركي نائباً عن الجبل المغربي مفوضاً من أربعين ألف نسمة فلم تتفق وجهة نظره الوطنية مع أنظارهم التوسعية وبقي في كفاح مرير شاق حتى اعتدت إيطاليا على طرابلس فشنت عليها هجوماً عنيفاً فساهم بجهوده في تحرير بلاده واستغل نفوذه في إثارة الوطنيين ضد إيطاليا وهب الجميع لتلبية نداءه فلما كان الصلح بين تركيا المغلوبة وإيطاليا الغالبة أبى الإعتراف بهذا الصلح فواصل كفاحه إلى أن اضطر مكرهاً إلى دخول الحدود التونسية فأقلته باخرة عثمانية إلى الآستانة فعيّن عضواً بمجلس الشيوخ العثماني فلم تستقر نفسه حتى أقنع المسئولين بإستئناف الجهاد فأجيب إلى طلبه فأرسلته الحكومة إلى مواصلة الدفاع بعد أن عينته والياً على طرابلس وظل كذلك حتى قررت تركيا الإنسحاب من طرابلس لإعتبارات سياسية فحاول العودة إلى الشام أو مصر أو تونس فوقفت بريطانيا وفرنسا في وجهه من دخولهن ولما وصل باريس عن طريق روما ظل بها عامان لا يؤذن له بالسفر منها حتى تبدلت الظروف ومهد له الملك المعظم حسين شريف مكة طريق اليفر من مرسيليا متعللا بأداء فريضة الحج.
كان هذا الشيخ وآباءه بمنزلة عظيمة في قومهم وجدت في قراطيس كتبها الباروني لسيدي الوالد نور الدين السالمي منها أن آباءه الكرام منذ تسعمائة عام لم يخل الجبل القوسي منهم إما عالم أو قاض أو زاهد أو مرشد.
وهذا كتاب له من الإمام اعتماد بتمثيل أمة عمان في المؤتمر الإسلامي المزمع عقده لأجل قضية الخلافة بمصر. (1/383)
صفحة 384
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين بعمان محمد بن عبدالله الخليلي - إلى جناب المجاهد في سبيل الله الغيور في دين الله أخينا الشيخ سليمان الباروني وفقه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
حيث أن العالم الإسلامي في اضطراب واهتمام بقضية الخلافة والأماكن المقدسة وقد تقرر على ما بلغنا عقد مؤتمر لأجل ذلك، فإنا نكلف جنابك بإسم الأمة العمانية أن تحضر هذا المؤتمر الذي سيعقد لهذا الغرض الديني السامي في مصر أو غيرها من البلاد الإسلامية وليكن رأيك في مسألة الخلافة مطابقاً لقواعد الشرع الصحيحة وهي لا تخفى عليك.
أما مسألة الأماكن المقدسة فليكن رأيك فيها مبنياً على حمايتها من عبث العابثين بها ووقايتها من تسلط كل يد أجنبية عليها مهما كانت مقاصدها وصبغتها وقد استحسنّا جداً تكليف جناب السلطان إياك بالتوجه إلى الحجاز مندوباً من طرفه وحاملا كتاب نصيحة منه إلى المتحاربين حول بيت الله الحرام.
فنعم الرأي رأيتماه فإن المسألة من أهم ما يجب أن يهتم به كل مسلم.
وأننا لا نزال في شغل من ذلك والمنتظر من جنابك موافاتنا بالأخبار الصحيحة بدون فاصلة والله تعالى نسأله أن يوفقك والمسلمين أجمعين إلى ما فيه خير دينهم ودنياهم آمين.
رمضان المعظم 1343.
ولكن لم يتيسر للباروني تلبية رغبة الإمام لحضور المؤتمر الإسلامي بمصر. (1/384)
صفحة 385
قتل أمير ينقل
في ليلة العاشر من شهر شعبان سنة 1344 هـ قتل أمير ينقل الشيخ خلف بن سنان ابن غصن بن سنان العلوي في مأمنه ودار خلافته بحصن ينقل غدر به بنو أخيه محمد ابن سنان طلبا للرياسة ثم قتلا من حينهما فولي الإمارة بعدهم ابن عمهم خليفة بن هلال بن غصن وبقي بها حتى خرج عليه بنو عمه سيف بن عامر بن غصن وسليمان ابن سنان بن غصن في شهر جمادي الثاني سنة 1346 هـ وكان مريضا فأحاطا به فنزل من الحصن واستوليا على البلد ثم استبد سليمان بالأمر وأخرج سيفا بخدعة وبقي سليمان أميراً عليها حتى توفي، وأستولى من بعده ابن أخيه حمدان بن ناصر بن سنان فما لبث طويلا حتى رصد له أبناء سيف بن عامر فقتلاه وتفردا بالإمارة فأرسلا لأبيهما وكان غائبا فقلداه الأمر فبقي بها وهو أميرها اليوم ولا زال الغصون على ذلك كان الشيخ خلف كريما جوادا عرف بالبسالة وحماية الجار وتفرد بمحامد لم ينلها غيره من نظراءه في وقته حتى ضرب به المثل والغصون أصلهم من الدوحة من أرض نجد كذا يقول الشيخ سليمان بن سنان العلوي.
ترجمة شيخنا العلامة ماجد بن خميس العبري
في فجر اليوم الرابع والعشرين من شهر المحرم سنة 1346 توفي ببلد الحمرا شيخنا العلامة الزاهد ماجد بن خميس بن راشد بن سعيد بن مسعود بن راشد بن خميس ابن عمر بن عيسى بن عمران بن راشد بن عمر بن عيسى بن عمران العبري الحمراوي ودفن بالجانب الغربي من مقبرة الحمرا كان أبوه ذو الغبرا خميس بن راشد من أفاضل المسلمين وثقاتهم وكانت بينه ومشايخ العلم المحقق الخليلي وناصر بن أبي نبهان مكاتبات ومراسلات حال اجتماعهم على تقديم السيد حمود بن عزان إماماً للعمانيين.
ولد الشيخ ماجد رحمَه الله ورضي عنه في شهر رجب عام 1252 وقيل عام 1254 ببلد الحمرا من كدم فنشأ في حجر والده فبقي يغذيه بحنوه عليه وعطفه إليه فشب على (1/385)
صفحة 386
مهاد البر وحب الخير والميل إلى المعالي ولم يصبو إلى اللهو واللعب من أول نشأته، تعلم القرآن والكتابة من الشيخ ناصر بن سالم العدوي وأخذ مبادئ النحو وشيئا من مهمات التوحيد من والده الشيخ خميس بن راشد وبعد وفاة والده انتقل إلى الرستاق في أيام السيد أبي عزان قيس بن عزان بن قيس بن عزان لما شاع من محبة هذا السيد في العلم وتقريبه للعلماء حتى كانت غرفة الإستقبال بحصن الرستاق المسماة غرفة الصلاة لا تجد فيها إلا مدرساً أو مكرراً أو ناسخاً أو مملياً أو مصححاً وكان السيد إذا ارتفع من مجلسه العمومي قعد عندهم فيجلب لهم الطرف والتحف ترغيباً لهم ولما توفي السيد قيس لازم ابنه عزان بن قيس الذي قلده المسلمون الإمامة العظمى فتولى السفارة بينه وشيخ العلم المحقق الخليلي فيما يرومونه من جمع الشمل وكان ممن خرج في الجهاد أول خروج افمام إلى بركا واستيلاؤه عليها ولما فتحت بهلا جعله الإمام عزان عاملا عليها وأبلى فيها بلاء حسنا، كان هذا الشيخ في زمانه من أكبر فقهاء عمان فأنه اشتغل في غالب حياته درسا وتدريسا وقضاء وفتوى ولم يتعرض للتأليف كانت له رغبة في قراءة الشعر وله قصائد جمة في الوعظ والحكمة ثم ندم على ذلك فمزق ما وجده ولم يبق إلا ما فاته في أيدي الناس فمن نظمه، هذه القصيدة في الوعظ:
هبك يا نفس مالنا لا نتوب * ذهب العمر والرحيل قريب
كل حي قد إحتواه طلوع * سوف يعروه بعد ذاك غروب
كنت بالأمس أرتجي الشيـ*ـب واليوم اراني أناخ فيّ المشيب
كلما سرني الزمان بشيء * ساءني بعد ذاك منه الذهوب
كيف يحلو دهر لنا وهو هذا * دأبه دائما وكيف يطيب
كل يوم للدهر فينا خطوب * تنقص العمر والنفوس تطيب
أين آباؤنا ومن قد صحبنا * أين آباؤنا وأين الحبيب
فرق الدهر شملنا وبنا من * ذلك الفرق حرقة ولهيب
وبهم ما بنا من الحزن والدمـ * ــع على الخد سائل وصبيب (1/386)
صفحة 387
فيهم الشيخ واهن الجسم قد سـ *ــار وفيهم كهل وطفل رطيب
كيف ينجو من المنايا عزيز * او ذليل أو جاهل أو لبيب
عجب يعشق الفتى هذه الدا * ر وإن الفتى بها لغريب
عشقوها ومالهم فارقوها * ضيعوا العمر ثم فات النصيب
ليت شعري ماذا التجاهل والأ * مر صريح وأنه لعجيب
زودتهم في سيرهم سيئات * موبقات وليس عنهم تغيب
فدعيها يا نفس لا تطلبيها * وأطلبي غيرها فإني حبيب
وأفعلي الخير وأتركي كل ذنب * أنا عبد قد أثقلته الذنوب
وأصدقي الله توبة وأعلمي من * يصدق الله تائبا لا يخيب
أنا عبد غرقت في بحر ذنبي * فأنقذ العبد مالكي يا مجيب
وقطعت الحَياة ظلماً لنفسي * فاعف واصفح والطف يا رقيب
أنت ربي إليك وجهت وجهي * أنت حسبي وأنت نعم الحسيب
كانت له أجوبة مسائل وردت إليه في مختلف الفنون نظما ونثرا. أما النثر فلا يقل أن لو جمع من أربع مجلدات. وكان شديد الحرص على إتباع العلماء المتقدمين وكثيرا ما يشتد على علماء عصره إذا رأى منهم مالم يألفه من شيوخه الأقدمين ولا يبالي في الرد عليهم.
فمن ذلك أن المحقق الخليلي أمَرَ ولاة القرى في أيام دولة الإمام عزان بطناء زكاة كل بلد قبل أن تجبى ثم يجبيها المستطني بنفسه لنفسه فوقع في نفوس جملة من علماء ذلك العصر ولم يتجاسروا أن يردوا على الشيخ فكتب الشيخ ماجد إلى زميله الشيخ عبدالله بن محمد الهاشمي إنكاره ذلك وكان فيما كتبه له: إني لم أعرف وجه ما انتخبوه من الرأي من طناء الزكاة مع ما في ذلك من الجهالة. فأرسل الشيخ الهاشمي إعتراضه هذا إلى المحقق الخليلي ولكنه وقع في العبارة تصحيف في لفظة انتخبوه فكان في موضعها انتحلوه قال الشيخ ماجد لا أدري أكان ذلك التصحيف سبق قلم مني أم من (1/387)
صفحة 388
غيري وأنا لم أرد ولم أقصد إلا انتخبوه بمعنى اختاروه رأيا، فلما وصل ذلك الإعتراض عند المحقق الخليلي ورأى عبارة انتحلوه اشتد غضبه على الشيخ ماجد وقال إن هذا العالم الذي ظهر الآن في عمان نصب الرأي دينا لأن معنى انتحل الشيء: أعتقده أو جعله نحلة: والنحلة: الدين فكتب ردا عليه رسالة أوضح فيها حجته وعكر عليه من أجل تعليله بالجهالة والجهالة في البيع لا تفسده ولا تكون علة لتحريمه كعلة الربا وغاية ما فيها إدراك نقض البيع لمن شاءه من المتبايعين وقيل لا يدركه إلا الجاهلين به منهما كما هو مبين في الأثر فمن ثم اعترض عليه بأنه نصب الرأي دينا وأصل ذلك مما وقع من التصحيف والشيخ ماجد لم يرد ذلك وهو ممن يعظم قدر الخليلي ويقر له بالسبق في الحلبة العلمية.
ولما جبل عليه هذا الشيخ من الغيرة والمحبة لإتباع آثار السلف اعترض على العلامة نور الدين السالمي لما أفتى بجواز بيع الأموال الموقوفة لزيارة القبور لعز الدولة في صدر دولة الإمام سالم بن راشد الخروصي محتجا بأن قراءة القرآن الكريم على القبور بدعة لا أصل لها من الكتاب ولا من السنة وأن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبور بعض أصحابه ولم ينقل عنه أنه قرأ معها قرآناً ولا أمر بذلك وأنه قال خير القبور ما درس وأنه نهى عن العبادة في المقابر وقال (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) إلى غير ذلك مما نقل عنه صلى الله عليه وسلم من التحذير عن تعظيم القبور وأن الإيصاء بتلاوة القرآن معها مناف لذلك ومخالف لهديه صلى الله عليه وسلم ومجانب لأمره وقد قال عليه الصلاة والسلام (كل شيء ليس عليه أمرنا فهو رد) ... وفي رواية (فهو مردود).
أجاب الشيخ ماجد: إني أسلم لكم أن القراءة على القبر لا تصلح فما المانع من أن تكون في مسجد من المساجد التي هي موضع للعبادة وينوي القارئ بالأجرة القراءة للميت الذي أوصى له بها وعن الموصي بها فيأخذ الأجرة حيث لا محذور مما قلتم.
أجاب النور السالمي: أن قراءة القرآن بالأجر مختلف فيها فبعضهم منع أخذ (1/388)
صفحة 389
الأجر عليها لأنها عبادة وبعضهم أجازه ونحن نأخذ بقول المانعين ونحكم به.
فقال الشيخ ماجد: أنا أسلم ثبوت الخلاف بين العلماء في جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه ولكن الموصي أخذ في ذلك بقول المجيزين والأوصياء والورثة أنفذوا تلك الوصايا وأخرجوها من أموالهم عملا بقول المجيزين والعامل بقول لا يعنف ولا يرد فعله فكما وسع المختلفين بالرأي في ذلك فكذلك يسع العاملين بشيء من أقوالهم.
فأجاب النور السالمي: أن أصل الإيصاء بذلك والإنفاذ له من الورثة والأوصياء لا يكون حجة تقطع الخلاف وتمنع رد الفعل لأنه فعل جاهل ولا يكون قطع الخلاف في مسائل الإختلاف إلا من إمام عادل فيصير حكمه في المختلف فيه كالمجمع عليه فلا يجوز نقضه لأحد من بعده في ذلك أو ممن يثبت حكمه في المختلف فيه من سائر الحكام والعلماء الأعلام. أما الجاهل فلا عبة به ولذلك لا تجد إماماً ولا عالماً أوصى أن يزار قبره أو يتلى معه القرآن فهي باقية لى هذا الأوان غير محكوم فيها بشيء نعلمه ممن سبقنا من الأئمة ولا هداة الأمة فقد حكمنا نحن الآن ببطلان هذه الوصايا كلها سواء كان الموصي معلوماً أو مجهولا ولكن المعلوم إذا كان ورثته معلومين المال على أصح الأقوال.
فأستمر النور السالمي على إثبات حكمه والشيخ ماجد على إعتراضه وطالت بينهما المراجعة والرد في ذلط ثم أخذ الشيخ في الإحتجاج على الإمام ويخوفه في قبول هذا الحكم ويغلظ عليه المقال حتى ظن الناس أنه قطع بذلك عذر نور الدين وأنه لم هذه من مسائل الإجتهاد ولا مما يشوغ في الرأي فتغيرت عليه القلوب وسيئت فيه الظنون وكتبت في الرد عليه الرسائل وصار العلماء بين ناصح له ومشنع عليه ولم يلبث نور الدين بعدما رأى تشديد الشيخ على الإمام حتى جاء قاصداً بنفسه إليه ببلد الحمرا ليبين له الحق أو يتبينه منه فكان من قضاء الله أن كانت تلك الرحلة (1/389)
صفحة 390
سبباً لوفاته وقد ذكرنا ذلك في ترجمته وبينا بعضاً من محاولته والتفصيل ليس غرضنا بقي في نفس الشيخ ماجد ما في نفسه على الإمام حرصاً على الإتباع وطلباً للسلامة لكنه لم يجد من علماء عصره من يعضده على هذا الإنكار.
وبعد موت سيدي الوالد نور الدين اجتمع الأشياخ بجامع سعال من نزوى مع الإمام سالم بن راشد الخروصي وفي مقدمتهم العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي والعلامة الإمام الخليلي قبل إمامته والعلامة عيسى بن صالح والعلامة ناصر ابن راشد الخروصي والعلامة عبدالله بن راشد الهاشمي والعلامة إبراهيم بن سعيد العبري والعلامة أبو زيد الريامي والعلامة محمد بن سالم الرقيشي والعلامة الزاهد عبدالله بن عامر العزري وغيرهم من العلماء والفقهاء وطلبة العلم والرؤساء فجرت المذاكرة في مسألة بيع أموال الزوار وكان العلامة ماجد حاضراً فبين لهم ما عنده فأجمع رأيهم واتفق نظرهم جميعا على السكوت عن تلك الأموال المباعة وعلى عدم بيع ما بقي منها وعلى عدم الخوض فيما سبق من الإختلاف فيها وعدم تخطئة نور الدين فيما صنع وإظهار ولايته رحمه الله وجزاه الله عن الإسلام خيراً، فأرتفع بذلك الإتفاق ما سبق من الشقاق وزالت الوحشة من القلوب.
ولم يقصد نور الدين إلا اتباع السُّنة في زيارة القبور بأن لا يزيد زائروها على السلام والدعاء شيئاً كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقابر ليست مواضع للعبادة وقراءة القرآن من أفضل العبادات وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور إذ كانوا حديثي عهد بالجاهلية لئلا يتوهم أحد عبادتها ثم أباح لهم زيارتها بعدما رسخ الإيمان في القلوب وانتشر الإسلام في الجزيرة وزال المحذور فقال (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا) أي كما تقول الجاهلية من الفحش والدعاء بالويل والثبور ونور الدين لا يمنع الزيارة إذا كانت لقصد الدعاء للميت والتذكير بالآخرة والإعتبار بمن صار إلى القبور بعد القصور وأنه إلى ما صاروا إليه صائر فتلين بذلك قسوته وعريكته وتذهب خنزوانته ونخوته. (1/390)
صفحة 391
وفي أجوبة المحقق الخليلي رضي الله عنه تصريح بأن المسألة من مسائل الإجتهاد وتخريج للرأي الذي رآه نور الدين وعمل به حيث قال في جوابه لمن سأله عن جواز بيع أموال الزوائر لعز دولة المسلمين: إني لا أعلم جواز ذلك من وجه أعرفه إلا على قول من لا يجيز قراءة القرآن بالأجرة فتكون أموالا جهل ربها والمجهول يرجع لبيت المال على قول ا هـ. وذكر بعضهم أن المحقق الخليلي عمل بذلك وباع بعض أموال الزوائر من بلد سمائل في عصر دولة الإمام عزان وطلب نور الدين صكوك ذلك المباع فما ظفر بها.
كان الشيخ ماجد ورعاً زاهداً عفيفاً باع داره التي يسكنها وتصدق بثمنها على الفقراء.
كان لا يتكلم باللغو ولا بالمزاح ولا يعظم أحداً لأجل دنياه ولا يداري أحداً في الحق.
تخرج عنه تلاميذ كثيرون فقد قرأ عليه نور الدين السالمي بالرستاق والشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري والشيخ سعيد بن صالح العبري والشيخ علي بن هلال ابن زاهر الهنائي والشيخ سالم بن راشد العبري والشيخ محمد بن سالم بن بدر العبري والشيخ القاضي ثابت بن سرور الغلابي وكثير غيرهم.
مما شهر من كراماته رضي الله عنه إن شعر لحيته غلب عليه السواد بعد موته في حال تغسيله وتجهيزه.
وأن الله سبحانه وتعالى حفظ له سمعه وعقله ولسانه إلى آخر عمره ولم يبتله بالهرم ولم ينقطع عن المسجد ولم يعجز عن شيء من عبادته وأوراده التي لازمها في أيام قوته ولا عن مجالس العلم والقضاء إلا في مرض موته.
سبب وفاته أنه عثر في النهر الذي يتوضأ منه فأصابته جراحات خفيفة في ساقه فأحتبس في بيته ثم أبتلي بمرض في سائر جسده وفي اليوم الذي أحسَّ فيه بإشتداد المرض أنشد هذه الأبيات من قصيدة العلامة ابن النظر: (1/391)
صفحة 392
إلهي انت أرأف بي وأولى * وألطف من جميع الوالدين
بلطفك صغتني بشراً سوياً * ولم أك كنت من ماء مهين
فهب لي منك مغفرة وعفواً * إذا ذهل الخدين عن الخدين
وقد ضعف بصره في أيام كبره وذهب بالكلية منذ عام 1332 فيكون عمر هذا الشيخ 94 على قول أو 92 على القول الآخر، وقد رثاه الشعراء بمراث حسان فمنها مرثية الشيخ سالم بن سليمان الرواحي:
جرى بحكم المنايا سابق القلم * على البرية قبل الخلق من عدم
لحكمة شاءها الرحمن جارية * فارض المقادير في حرب وفي سلم
ـــــــــــــــــــــــ
يا عالم الشرق يا قوام دعوتنا * وساير الصيت في قاع وفي أكم
من ذا تركت على الإسلام يخدمه * وليس يقرب فيه ساحة السأم
ترجمة شيخ البيان محمد بن شيخان
في لية الثامن عشر والجمعة من شهر ربيع الأول من شهور سنة 1346 هـ توفي ببيت القرن من الرستاق شيخ البيان منحه القطب رحمه الله هذا الإسم مفخرة شعراء عمان محمد بن شيخان بن خلفان بن مانع بن خلفان بن خميس السالمي ينتمي إلى بني ضبة وكنيته أبو نذير وهو ابن عم نور الدين السالمي.
ولد بالحوقين قرية من أعمال الرستاق وهي بلاد قومه ومنزل آبائه ونشأ بها وكان ابوه رئيس قومه ثم انتقل به أبوه إلى الرستاق للحوادث الواقعة بينهم وجيرانهم كما خرج ابن عمه نور الدين يحمله أبوه فأستقروا بالرستاق وكانا في سن واحد فنشأ بها وقرأ علوم الآلة واستكمل علم اللسان وعلم الكلام والفقه قراءة على ابن عمه نور الدين بعدما قرأ على الشيخ راشد بن سيف اللمكي إذ كانت الرستاق ذلك الوقت معدن العلماء ومجمعهم بقصرى وهي حارة من حوايرها فلا تسل عما هنالك من الأفاضل وكشفهم لمعضلات المسائل وبقي بها برهة من الزمن ثم هاجر إلى الشرقية بعدما هاجر (1/392)
صفحة 393
إليها ابن عمه نور الدين وأختار المضيبي مسكناً وبقي بها طويلا ثم انقلبت به الحال آخر عمره فرجع إلى وطنه الأول الرستاق وتولى بها التدريس في فنون العلم فكان له بجامع البياضة حلق عديدة كلهم تلامذة له وذلك في عصر الإمام الخروصي وصدر من أيام الخليلي فلذلك نرى له في فتوحهما قصائد.
تخرج عنه تلامذة كثيرون فقهاء فأكثر المتعلمين الموجودين بالرستاق اليوم من تلامذته وأفقههم علما الشيخ عبدالله بن عامر العزري الذي ولي القضاء بنزوى والشيخ محمد ابن حمد الزاملي الذي ولي قضاء الرستاق في عصر الإمام الخليلي وكلاهما مكفوفي البصر.
كان هذا الشيخ فارس عسكر الشعر واقتبس من أنواع العلم ما صار به في العلوم علما وفي الكمال عالما فهو فرد الزمان ونادرة الفلك وقبة تاج الأدب يشهد له بالتقدم في التبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته زلا يجترئ على مجاراته وعبقريته أعظم شاهد له.
كان كريماً جواداً ولا ثروة له.
كان جهوري الصوت.
كان في مشيته زهو فعوتب فقال هذا خُلقي.
كان حافظاً لأشعار العرب ويقدر حفظه بالكثير مما يعجز الكاتب عن رسمه.
كان ذكياً سريع الجواب سريع الإلتفات للسائل حاضر البديهة يحفظ من شرف واحد سريع الإجازة فمن ذلك أنه خرج وابن عمه نور الدين للنزهة في يوم شات فأمر الخادم أن يوقد النار لطبخ الزاد والإصطلاء، فأنشد نور الدين:
وقلت لخلي أوقد النار إنني * أريد اصطلاء ثم قام وقد وقد
فقال أجز أبا نذير فأجاز من غير تمهل:
فاصطلى الحشا جهداً وقال لعله * تفقد ما يشكو فقلت فقد فقد
كان حاضر الإستشهاد في النوازل والطوارق الكارثة بما يوافق المقصود وينظم بديهة فيها. (1/393)
صفحة 394
مما يروى من فرط ذكاءه أن سلمه والده لمعلم القرآن بمحلة قصرى وخرج أبوه لبحبوحة الباطنة من عمان يطلب له مصحفاً مطبوعاً إذ كان الطبع ذلك الوقت عزيز الوجود بعمان، فلبث أيام يسيرة لزيارة أصحابه ورجع يحمل المصحف الكريم فإذا هو قد ختم القرآن وذلك لفرط ذكاءه وحدة فهمه.
غلب على قريحته نظم الشعر فتكسب به لما ضاقت حاله فكانت بينه وسلاطين مسقط مواصلات وصلات فلذلك ترى معظم شعره في مدح السيد فيصل سلطان مسقط وأولاده واول قصيدة قالها في مدحه:
شمس من الأنس صار الحسن هيكلها * ألقت إليها النهى طوعا معولها
وقد تقدم ذكرها في ترجمة السلطان فيصل فهي من معلقاته وقد أجازه عليها جائزة فخمة فكتب لإبن عمه نور الدين إخباراً بالجائزة إذ كان يعنفه ويلومه ويبكته على إفراغ ذهنه في مدح الجبابرة والسلاطين فأجابه بعد كلام طويل فيه تقريع: ولعمري لو أنك أعطيت بكل شطر منها ألفا لكنت أنت المغبون، وبمدحه للسلاطين جفاه نور الدين قائلا: إن التكسب بمدح الجبابرة حرام وما أشبهه بمهر البغي. ولا زال شيخ البيان يعتذر عن ذلك بقوله: نحن بحاجة إلى ما بأيديهم من بيت المال ولا نصل إليه بسبب.
شهد له أهل عصره بأنه أشعر أهل مصره ويقول نور الدين: لولا وجود شاعر العرب أبي مسلم الرواحي بزنجبار لقلت أنه أشعر أهل عصره.
ولما كانت الإمامة ضد حكومة مسقط وكان القائم بها ابن عمه وهذا الشيخ يمت إليه بالقرابة حصلت به جفوة من سلطنة مسقط فخرج متكسبا بشعره إلى حكام الإمارت العربية بالساحل العماني فكانت له مدائح فيهم ثم رجع إلى الرستاق وأقلع عن ذلك وأقام بها مدرساً كما سبق ذكره ويعفو الله عما سلف. ولنذكر شيئا من شعره:
(فهذه بُلْغة المرام من شعر الغرام) وهذا نصها: (1/394)
صفحة 395
بلغة المرام من شعر الغرام
خليليَّ ما للنفس هاج ... غرامُها ... وعاودها ... نيرانها ... واضطرامُها
أما آن أن نَسْتَبقي المهجةَ ... التي ... عفا رسمُها وَجْداً وطال ... هيامُها
أأحبابَنا ... بِنْتُم ... وأودعتم ... الحَشَا ... سرائرَ وُدٍّ لا يُطاق ... اكتتامُها
سريتم فما للقلب إلا ... احتراقه ... وجُرتم فما للعين إلا ... انسجامُها
فهلا ... رحمِتم ... مُغرَماً ... بهِواكم ... سَهيرُ جفونٍ لم يَزرْها ... منامُها
إذا هبت النسماءُ من نحو ... أرضكم ... تعاطيتُها كالخمر إذْ دارَ ... جَامُها
صِلوني فإن الوصل من شيم ... الوفا ... فلي نفس صَبٍّ كاد يأتي ... حمامُها
وعودوا لما كنتم عليه من الصَّفا ... وما فُرصاتُ الدهر إلا ... اغتنامُها
أحمِّل ... نسماءَ ... الصباح ... إليكم ... رسائلَ شوق يُستهل ... انسجامُها
وما القصدُ إلا كشفُ وجدٍ ... مبرِّحٍ ... وتعليلُ ... نَفْسٍ ... واللقاءُ ... مُرامُها
إذا وردت سكَرْى إليكم ... سقيمةً ... فعَن سَقَمي يُروى إليكم ... سَقامُها
وإن أطلعتكم عن خبايا ... مودّةٍ ... ففي القلب أضعاف وفيكم ... مُقامُها
ولم أنسَ منكم ظبيةً يوم ... ودَّعت ... ولي زَفَرَاتٌ ليس يخبو ... ضرِامُها
رَنَت من بعيد والقلوب ... هواجس ... فلم تُخْطِ حبَّاتِ القلوب سهامُها
فما كان إلا عَبرةٌ إثْرَ ... حسرةٍ ... وما كان إلا مهجةٌ ... وانصرامُها
تَشارك مني الدمعُ والدمُ ... مثلماً ... تشارك شِبْهاً ... عقدُها ... وكلامُها
وقالت سآتي بعد عام وكم ... مضت ... شهور وأعوام ولم يأتِ ... عامُها
أُسائلُ باناتِ الحِمىَ عن ... ظِبائها ... وما القصدُ إلا جيدُها ... وقَوامُها
ولي شَجَنٌ بالدُّرِّ والبرق ... مَوهناً ... وما ذاك إلا ثغرُها ... وابتسامُها
وأبذل ... نفسي ... للنسيم ... لأنَّه ... يمرّ بأرض مرَّ فيها ... غُلامُها
ولي خَطَرات تُضرم النار في ... الحشا ... من الشوق في مَيدان قلبي ... زحامُها
أيا مَلْكةَ الحسن التي في ... قلوبنا ... جرت سطوةً أحكامُها ... واحتكامُها (1/395)
صفحة 396
لئن كنتِ في أهل الجمال مَلِيكةً ... فإني في أهل الغرام ... هُمامُها
عزيزةُ قَدر ذلَّلت نفسَ ... ماجدٍ ... وما قَدْرُه إلا السَّما ... واستلامُها
فوا عجباً للأُسْد تقنِصها الظِبّا ... وكم ظَبيةٍ صِيدت ونيل ... مُرامُها
أُذلِّل نفسي في الهوى ولقد ... درى ... جَماعاتُ بيت العِز أنّي ... إمامُها
ولي هِمَّةٌ في نيل كل ... جليلةٍ ... ونفس الأجِلاّ بالجليل ... اهتمامُها
وبي سَكرة لم أَصْحُ منها بحبِّ ... مَن ... تقوَّض ... عني ... ذاتُها ... وخيامُها
وأستعطف النسماءَ حتى تفوح ... من ... حماها فيأتي عندها لي ... سلامُها
خليليَّ قُومَا فاسألا البارق ... الذي ... أضا هل سقى ارضاً وفيها ... مُقامُها
وهل مطفئٌ لي جذوةً من لظى الجوى ... فقد طال ما يصلى بها مُستهامُها
وهل فيك يا صوتَ السحائب ... طاقة ... لحملي إلى دار جفتْني كرامُها
أأحبابَنا ... ماذا ... التمانُع ... والجفا ... أكانت كذا أخلاقكُم ... وانتظامُها
تقسّم دمعي في هواكم ... ومهجتي ... وبي صبوة يأبى لمثلي ... انقسامُها
إذا كان مني هكذا في جنابكم ... فما بال نفسي لا يراعى احترامُها
سلوا واديَ الصمَّان عن فيض أدمعي ... أما أعشبتْه ... سُحبها ... وغَمامُها
وإلاَّ فذا وادي الأراك سَلُوه ... عن ... مراتبِ شوقٍ ليس يخفى ... مَقامُها
وما طابت الجرداء إلا ... بنَشركم ... تعطّر ... منها ... رَندُها ... وخُزامُها
وما لي بظل الأنس إلا ... انتقاصة ... وما لكم في الشمس إلا ... تمامُها
عسى يجمع الرحمن شملي ... بقربكم ... فلله ... ألطاف ... تفيض ... رهامُها
إذا ما انتهت أوصافكم في ... كمالها ... فبالملك السلطان مِنْكٌ ... خِتامُها
ومن غرر قصائده:
قِفا سَاعةً نقضِي حقوقَ ... المرابعِ ... بأحمرَ قانٍ من ... كُنوز ... المدامعِ
ونلثَمُ ... من ... ساحاتها ... وعِراصهَا ... مواطئَ ... أقدام ... الظِبّاء ... الرواتعِ
وقفنا ... حَيارى ... والقلوبُ ... وديعة ... بهَا ... نتقاضاها ... رجوعَ ... الودائعِ
بلابلها ... هاجت ... بلابلنا ... فما ... ترى غير باك في الديار و ... ساجع (1/396)
صفحة 397
ديارٌ ... عهدناهُن ... للبيض ... مَطلِعاً ... وما الشرق ... إلا ... منزِل ... للطوالعِ
تقوض ... عنها ... أهلها ... فتوحّشت ... وما الجسم بعد الروح أصلاً بنافعِ
غدت عجباً بعد ... الأَنيس ... كأنها ... صفوف صَلاة بين ... هاوٍ ... وراكعِ
فكم كان فيها للمها من ... مصائدٍ ... وكم كان فيها للنُّهى من ... مصارعِ
خليليَّ ما هذا الوقوف إلى ... متى ... نصيحُ بشكوانا إلى غير ... سامع
قضينا بتبر ... الدمع ... حق ... مرابع ... وعدنا ... لأهليها ... بكل ... المجامعِ
وليسَ بمُجدٍ ... في ... الديار ... وقوفنا ... وأحبابُنا ... بين ... اللوى ... فَالأجارعِ
أمَا لعَشِيّات الحِمى ... رجعةٌ ... بها ... فليست ... عَشِيّاتُ ... الحِمىَ ... برواجعِ
خليليَّ هذي نفحة القيظِ ... صدَّعت ... صميمَ ... فؤادٍ ... للمَواطن ... نازعِ
تنفّس هذا الروح من صدر ... وامِق ... وإلاَّ ... فما ... هذا ... نسيم ... المرابعِ
أما ... فيكما ... من ... مُسعِدٍ ... لمتيم ... بعيدِ التلاقي هامل الدمع ... هامعِ
أصَاح ترى صبراً على ضوءِ ... بارقٍ ... بثغر ... الثنايا ... والثنياتِ ... لامعِ
ويهدأُ من ... قلبي ... خُفوق ... ونسمة ... أتت بعبير من حمى الغيِد ... ضائعِ
فهل لي سبيل لَلوامع ... بالضحى ... من الغيِد جَلَّت عن صِيان ... البراقعِ
فما دامَ لي عقدٌ بعيني ... خزنته ... من التبر حتى ضاع بين ... اللوامعِ
وإني ... لمصدوع ... الفؤاد ... فهل ... ل ... هُ انْجبار بشملٍ للأحبة ... جامعِ
كثير هموم الدهر شاكٍ ... صَنيعَه ... إليَّ ... ودهر ... الحُرِّ ... أسوأ ... صانعِ
رأيتُ جميع الناس يشكون ... دهرهم ... فبين ... مَليءٍ ... بالثراءِ ... وجائعِ
وكلهم ... منه ... تناول ... حظَّه ... من الهمِّ محفوفاً ... بسهمِ ... الفجائعِ
أقول لدهري كيف لي أنت قال ... لي ... أنا لأولي ... الآداب ... لستُ ... برافعِ
حبوتهم ... العقل ... الذي ... هو ... أش ... رف الجواهر واستعفيتهم عن ... مطامع (1/397)
صفحة 398
ترجمة العلامة أبي مالك بن عامر بن خميس المالكي
في الربع الأخير من الليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك من شهور سنة 1346 اوفي شيخنا العلامة الولي أبي مالك عامر بن خميس بم مسعود بن ناصر بن مسعود بن أحمد بن حديد بن خميس بن عبدالله بن عمر المالكي الشرياني نسبة إلى شريان ابن شاري بن يحمد بجتمع ببني خروص في يحمد نقلا عن الشيخ حمد بن سليمان بن ابن ماجد الخروصي وكانت وفاه بنزوى ودفن بها.
ولد رحمه الله بوادي بني خالد من الشرقية سنة 1280 - 82 وبها منازل قومه.
نشأ رضي الله عنه يتردد بين عز والقابل للإستفادة من شيوخ العلم ثم ركن إلى بدية فأختارها وطناً لحصول الأفاضل بها في ذلك الوقت فبقي فيها حتى ألزمه الإمام القيام بنزوى فأنتقل إليها وتأهل بها وألزم نفسه خدمة الوطن وإمتثال أمرإمامه.
كان رحمه الله أحد أقطاب العمانيين الفطاحل الذين دارت عليهم إمامة الإمامين سالم بن راشد الخروصي ومحمد بن عبدالله الخليلي رحمهم الله.
كان رضي الله عنه من الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم صريحاً لا يعرف المداجاة ولا يقر على الضيم يقول الحق وينطق بالصدق جسوراً في أيام الكتمان.
كان عظيم البنية طويل اللحية كبير البطن ومع هذا فلا يشق له غبار إذا اختلط الدخان.
ولي إدارة امر المسلمين بنزوى وما حولها في أيام الإمام الخروصي بعد شيخه نور الدين ثم في عصر الإمام الخليلي لكونهما يخرجان إلى الجهاد ولتفقد أمور المملكة وبالشيخ كفاية علماً وفضلاً وحرصاً وإجتهاداً وسياسة.
اشتغل في حال قيامه بنزوى بالقضاء فهو رئيس القضاة بعمان في عصره وجعل وقتاً للتدريس فتخرج عنه عدة علماء حملوا الفقه وفنون العلم عنه وجلب نساخاً للكتب وأحيا كثيراً من المؤلفات الغامضة التي أضاعها الإهمال وأكلتها الأرضة.
عمر بيت المال بنزوى فغرس نخل المبسلي وكان عزيز الوجود بها وحض أهلها على غرسه لكونه يدر أرباحاً كثيرة وحضهم على عمارة البلد وخدمة الأنهار وكل ذلك (1/398)
صفحة 399
لم يمنعه عن القيام بشؤون الدولة والنظر في مصالحها.
وقع في قلبه حرج في عصر الإمام الخروصي على المتعلمين الذين استناروا ببدره وشربوا من بحره فتوغر صدره وضاق قلبه فأحب الإعتزال والإنفراد وتخلى عن القضاء واستعفى من إدارة الإمور وخرج من نزوى إلى بيته ببدية ومما كتبه جواباً لسؤال صدر إليه من أحد المتعلمين الذين آنس منهم الجفا:
إني أقول كما قال الذين مضوا * صبر جميل فيا طوبى لمن صبرا
كفوا الملام فحسبي من ملامتكم * سكوتكم عندنا أولى فكن حذرا
نَزوّاكم لكم والله يرزقنا * واللن يكلأنا من كل من مكرا
ستعلمون غدا قدري ومنزلتي * إذا تكشف ما قد كان مستترا
متى ترحت عن قوم وقد قدروا * أن لا تفارقهم لوَّمت من قدرا
مع كلام طويل يتبين فيه غضب التحرير وفي حال قيامه ببدية لم يعذره الإمام وألزمه أن يتقلد إدارة القضاء بالشرقية فكانت تصدر أوامر الولاة وأحكام الشريعة عن رأيه وألزم والي بدية السيد هلال بن على إمتثال أوامره وأن لا يحل ولا يعقد إلا برأيه ولما أستشهد الإمام الخروصي كان أول من قام في الناس يحضهم ويحثهم على الإجتماع لعقد إمام لهم فيجتمع الشمل ويبقى النظام غير منحل وكان أول من بايع الإمام الخليلي وخطب على رأسه خطبة العقد كما أنه فعل ذلك في عهد الإمام الخروصي.
كانت بينه وسيدي الوالد نور الدين مراسلات ومباحثات وسؤالات كتبها إليه العلامة أبو مالك نظماً ونثراً وكان أحظى التلامذة عنده فهو يقرأ له ويكتب عنه فخرج ذات مرة لزيارة اولاده، فطالت غيبته، فكتب إليه نور الدين:
أعامر أنت عندي خير صاحب * وأنت فتى عددتك للنوائب
أترحل عن أخيك بلا إختيار * وتتركه بلا قارٍ وكاتب
لقد ضاق الفضاء على خليل * غدا بعد الأحبة دون صاحب
لئن لم تأتني في كل يوم * لأعتمد الرحيل على النجائب
وأضرب في نواحي الأرض شرقاً * وغرباً والجنوب وكل جانب (1/399)
صفحة 400
وهي قصيدة طويلة.
شيوخه: الذين أخذ العلم عنهم الشيخ العلامة سعيد بن علي الصقري وشيخنا العلامة صالح بن علي وسيدي نور الدين السالمي رحمة الله عليهم.
مؤلفاته: موارد الألطاف في نظم مختصر العدل والإنصاف، أرجوزة في الأصول. غاية المطلوب في الأثر المنسوب، في الأديان والأحكام مجلد ضخم. أرجوزة سماها (غاية المرام في الأديان والأحكام) في أربع مجلدات تنوف على ثمانية وعشرين ألف بيت نثر فيها كنانته وأوضح بها آراءه السديدة فيما تفرد به. وله رسالة رجز سماها (غاية التحقيق في أحكام الإنتصار والتغريق) أبدى فيها أدلة الإنتصار وأشعته وصفة التغريق وأحكامه وهي رد على الشيخ عيسى بن صالح لما شنع عليه في حكمه على أموال الشيخ راشد بن عزيز الخصيبي أنها بيت مال فإنه أطنب في تخريج الأدلة وإنتخابها من مظانها انتصاراً لحكمه أولها بعد المقدمة:
إن الإمام سالم بن راشد * هو الذي غرّق مال راشد
وأنه بذلك التغريق * أحق في مذهبه الحقيقي
وله منظومة في الدماء والأروش أولها:
بحمد الذي قد حرم السفك للدم * بدأت اقتداء بالنبيَّ المكرم
ذكر فيها أحكام الأروش وتقويمها بالصرف العماني الحاضر وهو القرش المتداول بينهم ليسهل على الطلبة ذلك وله أجوبة كثيرة على المسائل الواردة إليه نثرا ومجلد نظما وله رسائل كثيرة.
تلاميذه: الشيخ العالم محمد بن سالم الرقيشي والشيخ العالم سعيد بن أحمد الكندي والشيخ العالم سعيد بن ناصر السيفي والشيخ العالم سعيد بن سليمان الكندي والشيخ العالم منصور بن ناصر الفارسي وابنه الشيخ العالم القاضي الولي سعود بن عامر المالكي والشيخ القاضي راشد بن حمد الحجري ولي قضاء بدية بعده ولما توفي راشد ولي القضاء الشيخ سعود بن العلامة المالكي المذكور وغيرهم كثير. (1/400)
صفحة 401
عهود الإمام له
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله
قد أقمت الشيخ عامر بن خميس وجعلته نائباً عني وأجزت له ما يجوز أن أجيزه له من فصل الأحكام والنظر في مصالح الإسلام وجعلت فرائض العسكر في يده وألزمتهم طاعته وكذا ألزمت أهل الديار طاعته ما أطاع الله وجعلت له أن يعطى من بيت مال المسلمين على نظره وإجتهاده لمصالح المسلمين من جلب نفع أو دفع ضر عنهم وحررت هذا وأنا إمام المسلمين محمد بيدي يوم 22 الحجة سنة 1342.
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله
قد جعلت الشيخ عامر بن خميس المالكي نائباً عني في إقامة صلاة الجمعة بنزوى وفي إنفاذ الأحكام وتعزير أهل الجنايات وأجزت له كل ما يجوز لي أن أجيزه له من إجراء النفقات وتزويج من لا وليَّ لها بالمصر وتطليق من عجز زوجها عن إنفاقها إن طلبت ذلك وغير ذلك مما كان مرجعه إلى الولاة والقضاة وقد ألزمت أهل الديار طاعته وجميع العسكر مساعدته ومناصحته كما ألزمته هو النصح للمسلمين والإجتهاد والله أسأله لي ولهم الإعانة والتسديد وحررته بيدي وأنا إمام المسلمين محمد بن عبدالله.
إرتقاء السلطان سعيد بن تيمور على سلطنة مسقط
في أول الشوال عام 1350 خمسين وثلاثمائة وألف استولى سلطنة مسقط السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل بتخلي أبيه السيد تيمور عن الملك وحبه للعزلة والإنفراد والسياحة بأرض الهند فوضع أعباء الحكومة على عاتق إبنه وقد مهد لهم عرش المملكة الإمام أحمد بن سعيد واستولى على كرسيها في عام 1154 هـ ودانت له نزوى عام 1167 هـ وهي آخر ما سلم له الأمر من حصون عمان (1/401)
صفحة 402
ولد هذا السلطان ليلة الخميس سابع شعبان عام 1329 وأرتقى منصب الحكم فلم يكن له في بادئ أمره إلا إصلاح حكومته من الساحل وقطع الإتصال بالعمانيين حتى كثر ترددهم إليه للطمع فيه ففتحوا له الأبواب المؤصدة باب الدعاية وباب السياسة وباب الحرب وأغروه بما لم يكن في حدسه فنجم من ذلك دخول الإستعمار وهلاك الرعية وذهاب الوطن. ولما كان الإمام الخليلي من البارزين في السياسة العارفين بمطامع العدو ساس رعيته فلم يكن بينهم في أول الأمر ما يكدر البلاد والعباد حتى أنس السلطان منه الشيخوخة تقدمت إليه الدسائس السياسية كما ستقرأه بعد هذا قام السلطان بعمارة ظفار وأتخذها عاصمة ثانية فأصبحت بعمارته جنة غناء تروق الناظر وتنعش المشاعر فهو يقضي أكثر أوقاته بها ولا يخشى فيها كدرا.
ترجمة فارس الشرفاء
الشيخ سليمان بن حميد الحارثي
وفي عصر الإمام الخليلي توفي السيد الجليل فارس الشرفاء سليمان بن حميد بن عبدالله بن سليمان بن محمد بن عيسى بن راشد الحارثي وكانت وفاته ليلة الخامس عشر من شهر ذي الحجة عام 1354 ببلدة المضيرب من الشرقية.
ولد رحمه الله في عام 1270 فكان عمره يوم وفاته أربعة وثمانون سنة.
كان هذا السيد من علو القدر وبعد الهمة وجلالة المنزلة بحالة انفرد بها دون أقرانه فهو فرد دهره أدبا وفضلا وكرماً ومجداً وفروسية وشجاعة. أما جوده وسخاؤه فحدث عنه ولا حرج.
شهد بعض مواقفه ابن براك أحد أبطال النجديين في حادثة أبدى فيها من الفروسية والبسالة ما تكعكع عنه نظراؤه في ذلك الموقف حتى رمى جواده وهو على سرجه فرجع إلى قومه يطلب جوادا يقف عليه في حومة الوغى إلى أن تنجلي غمته فضنوا به عليه ولما انجلت المعركة ورجعوا إلى الشيخ صالح بن علي فسألهم عن الخبر فأجاب النجدي وكان ضيفا لهم يا صالح ضح بالحرث وأطعمهم سليمان فبقيت هذه الكلمة مثلا عندهم. (1/402)
صفحة 403
خرج طلبا وراء الرزق إلى مدينة زنجبار مراراً وأقام بها مكرما إذ جل العمانيين يترددون إلى أفريقيا ولما أراد الله تسليط بريطانيا على أهل زنجبار بما كسبت أيديهم وقع سوء تفاهم بين السلطان خالد بن برغش وبريطانيا فكان هذا السيد من المعاضدين الشادين أزر خالد.
ولما وضعت يدها على البلاد وابتزتها من يد العرب سجنته مع زملاءه القائمين بالنهضة ثم نفتهم إلى عمان بعدما ألزمتهم أداء مال باهظ عجزوا عنه فسلبت أموال بعضهم ودفع عن الشيخ بعض جماعته منابه ثم عاد إلى زنجبار في شهر شعبان عام 1321 هـ فلما عاد إلى زنجبار أزعجه حصر اليد ففتح الله له من فضله ما أغناه به عن شرار خلقه فبقي مورداً لا ينضب ماءه وأقام بها شريفا مكرما حتى رجع إلى وطنه المضيرب في اليوم الثاني من شهر رمضان عام 1338 هـ فكانت حاله بعمان كحاله بزنجبار محترما مكرما.
وفاة شيخنا العلامة سعيد بن ناصر الكندي
وفي ليلة حادي صفر سنة 1355 هـ خمس وخمسون وثلاثمائة وألف توفي الشيخ العلامة الفاضل الزاهد سعيد بن ناصر بن عبدالله بن أحمد بن عبدالله بن محمد الكندي ببلده المتهدمات من وادي حطاط.
ولد هذا الشيخ بمحلة السويق من سمد نزوى عام 1268 هـ وحفظ القرآن على ظهر غيب وهو ابن عشر سنين وأخذ مبادئ العلوم من مشايخ عقر نزوى وفي عام 1280 هـ أزعج من وطنه وابن عمه الشيخ الزاهد محمد بن أحمد وكان أكبر منه سناً أخرجهم الشيخ سيف بن سليمان النبهاني ظلماً وعدواناً بنميمة أهداها فاسق إليه فلم يرع حق الله فيهما وخرجا من نزوى وقلوبهم تتفطر لفراق الأهل والوطن والعناية تسدد ضعفهم فنزلا بمسقط بساحة السيد صاحب المروءة والإحسان هلال بن أحمد بن سيف البوسعيدي فأقاما عنده بأرغد عيش فكان بالنهار يقرأ عليه ابنه السيد محمد ابن هلال وبالليل يخرج هذا الشيخ لأخذ الدروس في علم الآلة كالنحو والمعاني (1/403)
صفحة 404
والبيان من الشيخين محمد بن صالح على مذهب الإمام الشافعي وحبيب بن يوسف الفارسي وكان يثني عليهما ثناء جميلا وأخذ علوم الفقه وما يتعلق عليه من الشيخ المحقق الخليلي والشيخ سعيد بن عامر الطيواني والشيخ مسعود بن صابر الكندي وواصل طلبه في درس العلوم مدة عمره بمسجد الخور من مسقط حتى كان من أفاضل عصره وأقطاب مصره، عاش سعيداً موقراً محترماً إلى حد الشيخوخة تؤخذ عنه العلوم ويرجع إليه في حل المشكلات بالعاصمة السلطانية.
وفي سنة 1299 خرج لحج بيت الله الحرام.
أدرك هذا الشيخ الإمام عزان بن قيس والإمام سالم بن راشد الخروصي والإمام محمد بن عبدالله الخليلي وبايعهم فقام بما يجب عليه في حقهم.
قام رحمه الله ورضي عنه في قطع عوايق الغشم والظلم الصادرة على العمانيين من سلطان مسقط وقت ظهور الإمام سالم بن راشد الخروصي وسعى بالصلح وتردد إليه مراراً فلم ينجح مراده لعدم قبول الإمام الخروصي ذلك ولما ولي الأمر الإمام الخليلي أشفق على العمانيين مما يراه عليهم من اضطهاد الظلمة فكانت معاهدة السيب التي حضرها الشيخ عيسى وهذا الشيخ بالنيابة عن العمانيين ونائب الدولة الإنكليزية وسيطاً بينهم والسلطان نظراً للصلاح وكفا للفتن والشعابث ولكل ما نوى.
تخرج عنه من التلامذة المعروفين بالعلم الشيخ سليمان بن محمد الكندي والشيخ هلال بن زاهر اليحمدي والشيخين محمد وعيسى ابني صالح بن عامر الطيواني قضاة مسقط في عصر السلطان تيمور ابنه سعيد وغيرهم كثير.
وفاة كريم المساكرة رئيسهم أبي علي المسكري
توفي الشيخ اللسن البليغ الألمعي الصيب الزعيم كريم المساكرة أبي علي سيف بن علي بن عامر بن سيف بن علي بن عامر بن سيف بن ربيعة بن علي بن سنان بن أحمد بن إبراهيم بن يوسف ينتمي إلى سليمة بن مالك بن فهم الأزدي نقلا من خط الشيخ (1/404)
صفحة 405
هاشل بن راشد المسكري وكانت وفاته بعلاية إبرا في ليلة السادس والعشرين من شهر المحرم سنة 1355 خمس وخمسين وثلاثمائة وألف وعمره يناهز التسعين سنة.
ولد هذا الشيخ بزنجبار ونشأ بها وتلقى مبادئ العلوم من أبيه القاضي الشيخ علي بن عامر ورتع في ظل ملوك زنجبار فكان كاتباً لهم مقرباً عندهم وكان أبوه من الأجلاء المحترمين لدى الملوك فكان أبو علي أحد الكتاب للسلطان برغش ثم كتب من بعده لإخوته إلى عهد السلطان حمد بن ثويني ولما مدت بريطانيا باعها في سلطنة زنجبار وأوقعت بالسلطان خالد بن برغش كان هذا الشيخ من جملة الرؤساء المسجونين بزنجبار وممن نفاهم الإنكليز إلى عمان فخرج مجبورا في سنة 1314 هـ وسلبته بريطانيا ما يملكه من مال فبقي بعمان معاصراً للإمامين سالم بن راشد الخروصي ومحمد بن عبدالله الخليلي إلى أن دعاه ربه فلباه.
كان أكرم أهل زمانه وأعلمهم بعلوم الآلة وإليه المرجع في علم الرسم وكان قارئاً مجوداً حسن النغمة وخطه مرغوب فيه لحسنه وضبطه.
كان كثير الحفظ للغة عارفاً بوحشيها ومستعملها لم يكن في زمنه من يباريه ويجاريه فيها وله أشعار ومناظيم أجاد فيها.
بقي مثلا في الكرم والذكاء والفطنة وبسرعة البديهة في الجواب إلى حال وفاته.
هجوم آل حكم على ستال بني خروص
شكى أهل ستال بني خروص إلى عامل الإمام أبي حميد حمد بن عبدالله نور الدين السالمي من الهطاطلة الذين جعلوا ستال مسرحاً لأغنامهم فأخربت بالزروع والنخيل فحكم أبو حميد بنقلها وإبعادها إذ كانت زروبهم قريبة من البلاد فكان في الحكم معارضة من بعض العلماء وتعصب كل لرأيه فبقيت منافسات (1/405)
صفحة 406
أنتجت حزازات في النفوس فأمتنع الهطاطلة وغيرهم ممن كان مرجعه إلى العبريين عن الإنقياد للحق وبسبب تزييف الحكم برزت حرب سافرة من أهل وادي السحتن حاولوا فيها الإستيلاء على حصن العوابي وإخراج الوالي منه وكان قد أحترس من الغيلة لما صح عنده التآمر عليه ولابد أن للقوم عيون تضيء لهم الطرق وما جهلوه من عورات المسلمين.
أرسل أبو حميد لإمامه بصحة خبرهم وكتب إليه يستنجده وأوضح له حقيقة المؤامرة المقررة على بلاده وشعبه وحرضه أن يتداركهم قبل التمزيق.
فلم يقبل الإمام منه ذلك ولم يصغ لمقاله ولم يسوغ رفيعته فكان من جوابه: إن الأحوال من حكم تخالف ما كتبت وهل تقوم الرعية بدون الرؤساء وهم عندنا بنزوى.
جمع المتآمرون قوتهم واستعدوا للهجوم وأيقنوا أن العوابي استعدت لمقاومتهم فحولوا وجهتهم إلى بلدة ستال فأنقضوا عليها غرة اليوم السادس عشر من ذي الحجة سنة 1356 هـ على حين غفلة من أهلها فعملوا فيها غير اللائق من الإعتداء الوحشي الذي تعافه الطبيعة وتمنعه الشريعة في المدنيين العزل من السلاح فقتلوا الأبرياء والأطفال والنساء ودافعهم أهلها بما قدروا عليه فكان النصر ذلك اليوم في جانب البغاة وأقاموا بها ثلاثة أيام ينهبون ما وجدوه، فنمى الصريخ إلينا بنخل وكنت عاملا للإمام بها فلبيت دعوة أخي أبي حميد بإخواني المتحليون فإنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم مع بني صبح وآل المسيب واعتذر آل معولة بن شمس في هذه الحملة من القيام مع مالهم من السابقة في نصر المسلمين وهب المجاهدون من كل حدب لهذه الحادثة المؤلمة واستهانوا بالموت للحفاظ على الشرف والدفاع عن إخوانهم المنكوبين فأخذوا في إجلاءهم بلا هوادة ولا شفقة في مقابلة عملهم الجارف فأخرجوهم مدحورين وأثاروا الذعر في قلوبهم وقد فاض الجبل الكبير بمن فيه يرأس الكل حاكمه سليمان بن حمير وقد حجز البغاة ما نهبوه ببلدة الهجير فخرج لهم جماعة من المسلمين واستردوا ما نهبوه بعد قتل وجراح وهزيمة شنعاء حتى ركبوا رءوس الجبال الشاهقة وقبض الإمام على (1/406)
صفحة 407
أعيان آل حكم يرأسهم الشيخ إبراهيم بن سعيد وإخوته وبنو عمه فأوثقهم بالقيود وأمضى فيهم الحكم الشرعي وألزمهم رفع أيديهم عن بيت المال الموجود بوادي السحتن فأشتروا منه المال الذي ببلدة فشخ من الوادي المذكور.
ووجدت في سيرة الشيخ إبراهيم اعتذار من هذه الحادثة أنه لم يكن له سبب فيها إنما هي مكيدة رتبت عليه وأخبرني بذلك أيضا السيد عبدالرحيم الخروصي.
هذا نقل ما حكم به أبو حميد حمد بن عبدالله السالمي عامل الإمام
بين بني خروص والهطاطلة في ستال من وادي بني خروص وهو الذي حمل آل حكم على التعصب للهطاطلة فكان بسببه الهجوم على ستال.
بسم الله الرحمن الرحيم
قد حكم عامل الإمام أبو حميد حمد بن العلامة نورالدين السالمي لأهل ستال الوادي من بني خروص لما شكوا إليه الضرر الكبير من أغنام الهطاطلة ومواشيهم وكثرت بالوادي إذ قاموا من الأطراف البعيدة ينتقلون بمواشيهم الجمة وقد أضرت بالبلاد من الحروث والنخل وحيث ما تطأ دوابهم ويسبلون لمنافعهم مما ثبت لهم من الحريم على ما نص أولوا المعرفة من أهل البصر ولما عارفناهم أعني الهطاطلة قالوا إنا شركاء في هذه البلدة فأجبناهم أن الشركة موقعها في غير المضار والمضار مرفوعة بين العباد حتى في مال الإنسان بنفسه الشرع الشريف يحكم عليه أن لا يضر بماله فأمرناهم بالإنتقال من البلاد إلى المكانات النائية عنها حيث لا ضرر على أحد يتبعون القطر ومنافعه حيثما أدركوه من الأمكنة المباحة من غير حمى البلدان والقرى التي النزول بها يضر بأهل البلاد ذلك الموضع الذي لا يمكنهم الخروج منه على ما عليه أهل المواشي وأخذنا لهم من أهل ستال الوادي أن أرادوا الورود لدوابهم أن لا يمنعوهم ووافقنا بينهم في ثلاثة مواضع يرجعون بها أعني أغنامهم للورد بشرط أن لا يضروا بحرث أحد ولا في أمواله إلا أن وقت القيظ منعناهم من (1/407)
صفحة 408
المورد الأوسط من الثلاثة وأن لا يمروا في المقبرة بأغنامهم وهي الموضع القريب من السوق وإنما منعناهم وقت القيظ لكون ذلك المكان لا يستقيم الورد منه إلا بالمرور في الوادي والوادي وقت القيظ فالناس وأمتعتهم وتمورهم وأشجارهم يضعونها في الوادي ويتوسعون به ومرور قطع الغنم يضر بذلك وأن قدر الله التوصل إليه بدون المرور في الودي حيث لا مضرة فلا بأس والمواضع التي جعلنا الورد منها أحدهما أعلا البلدة من مناة الفلج والثاني من المكان الذي مع حوض اللثبة أعلا مزرع السافل والثالث ما ذكرناه وهو الذي مع السوق والمكانات بعضها نذكرها مفصلة التي يقع بسكونهم فيها الضرر بعدما ذكرناها على طريق العموم وهي اللجيلة والحويجر وبطحة الصوير وكتب هذا الكتاب
بأمر عامل الإمام ناصر بن راشد الخروصي بيده حررته يوم الخامس عشر من رجب سنة 1353 هـ.
صحيح ما كتبه شيخنا العلامة الوالد ناصر بن راشد الخروصي وكتبه العبد أبو حميد بن عبدالله السالمي عامل الإمام أبقاه الله على العوابي.
عرض على هذا الحكم ولم أر فيه ما يوجب نقضه وهو صحيح كتبه إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي بيده.
ما زالت قلوب آل حكم في حرج من هذا الحكم ويدعون أن فيه حيفاً عليهم وترى ما حرره الإمام رضوان الله عليه من إمضاءه لصحته.
قيام الإمام على العبريين
في سنة 1358 ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف قام الإمام على عاصمة العبريين الحمراء لأسباب أوجبت ذلك. وهذا نقل كتاب من خط يد الإمام في ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه صفة الكائن بين العبريين وبين خروص الذي نريده من العلماء النظر والحكم فيه نسطره لينظر العلماء في الحكم الذي يصح فيه فيقبل الحق ويرد الباطل. (1/408)
صفحة 409
أقول أنها صحت فتنة سابقاً والباغي فيها العبريون ثم انحسمت وبعد ذلك عقرت دواب على أهل العوابي واتهم بعقرها رجال يخصون العبريين فأريد منهم الحكم ولم يتقربوا للحكم فمضت مدة ثم قتلت نخيل حروة ثلاثين نخلة على خلفان بن عثمان الخروصي فأدعى على أناس من العبريين وعد أناساً حروة أربعين رجلاً وأراد الذي له بالحكم وطال القول وكلم كبير العبريين فبقي يَعِدْ أنا لا نأبى الحكم ونؤديه ويلتمس أناساً يصلحون القضية وكلم خلفان بن عثمان أن يعفو ويصفح وخلفان يلح أنه يريد حقه بحكم الله عز وجل والمسلمون يكلمون كبير العبريين وهو يعدهم أن خلفان له ما يرضيه ولكن الرفق نحبه منه للجماعة ومضى لذلك حول سنة وزيادة ثم بعد ذلك صح ضر نخل في بلدة الرستاق على أناس جملة وضر مال لرجل من العبريين ضراً كبيراً تقارب مائة نخلة أو تزيد وبلغ ذلك والي الرستاق وسار إلى حيث وقع الضر وبعد ذلك قال الوالي إن القفار قفروا واتبعوا أثر الفاعلين إلى قرب العوابي وقال الناس لا يفعل ذلك إلا خلفان بن عثمان وأصحابه وفي ذلك الزمن خلفان وأولاد عمه بوادي المعاول، فلما بلغ الخبر هذا العبريين عمد أهل وادي السحتن زهاء ثلاثمائة رجل أو يزيدون وقصدوا مال خلفان بن عثمان وأفسدوه وأصابهم جراح وقتل في ذلك الوقت وبقوا هناك في ضربهم حروة نصف يوم ثم أرتحلوا وبعد يوم أو يومين صح قتل في رجلين يخصان العبريين ساكنيين في العوابي ورجل حراصي يدعي المقتولين أنهم قتلوا عدوه ويدعي خلفان أن رجال العبريين ضربوا رجلا من بني خروص ثم جاءوا محاربين فقتلوا وأن الرجل الحراصي دخل ما بين الفريقين لا ندري من ضربه وسألنا عن الرجل الخروصي فقالوا انه ضرب في حال القتال بين خلفان والعبريين المهاجمين وسئل وقال لا أدري الضارب من هو أتتني ضربة وأنا في بيتي وبعد ذلك قال الضارب فلانرجل يخص العبريين فهذه صفة القضية التي نريد أن ينظر فيها المسلمون فما رأوه من الأموال والدماء
مضموناً يضمنون الفاعل وما يرونه هدراً يهدر وكذلك ضر خلفان مال رجل ممن (1/409)
صفحة 410
يسكن العوابي وهو يخص العبريين ويدعي خلفان أن رجال العبريين الساكنين العوابي دخلوا في الفتنة وكانوا مع أصحابهم حين يضرون مال خلفان والدليل أنه وجد منهم قتيل في مال خلفان الذي يضره العبريون سائراً معهم فهذه القضية التي ظهرت لي كتبه إمام المسلمين محمد بيده انتهى نقلا من خط يد الإمام.
ثم على أثر ذلك وقع فعل في رجل من وهيبة في أطراف سعال من نزوى والفاعل فيه درويش الهطالي يخص العبريين فطلب الإمام من الشيخ إبراهيم الضارين لنخل عثمان والفاعل في الوهيبي فتمنع ثم وعد فمطل فرأى الإمام أن لابد من القيام لحسم هذه الكوارث ودفع هذه الحوادث فصدرت أوامره بالقيام على العبريين وتجمع جيشه ببهلا وتحمل أبو زيد رحمه الله وهو عامله على بهلا بمصرف هذه الغزوة وبقي الإمام ببهلا يخاطب الشيخ إبراهيم بالإنقياد وإبراهيم يعدهم وطالت الأيام ثم عزم على الهجوم على بلادهم الحمرا فلما تحقق إبراهيم ذلك خرج منها إلى وادي السحتن وأقبل أعيان حكم من بني عمه وإخوته محمد بن حمد بن محسن وحمد بن مهنا ومن عندهم فأذعنوا للإمام بما يريد وطلبوا منه الرجوع من بهلا فما رضي إلا أن يدخل بلادهم ويقيم بها فدخل بلادهم وأقام بها ثلاثة أيام ثم جمعهم وأمَّر عليهم الشيخ حمد بن مهنا وتكفل حمد بما يطلبه الإمام منه ومن جماعته فوفى يوعدخ ورجع الإمام مظفراً منصوراً وكفى الله المؤمنين القتال والحمد لله.
أما خلفان بن عثمان فمسئلته انحسمت بوجه الصلح في بهلا بعد رجوع الإمام من الحمرا وأما درويش فأرسله الشيخ حمد للإمام بنزوى فأمضى الحكم فيه. (1/410)
صفحة 411
ترجمة الشيخ العزري
في يوم الإثنين السادس عشر من شهر شوال من سنة 1358 ثمان وخمسين وثلثمائة وألف بعد صلاة الفجر توفي الشيخ العلامة الزاهد عبدالله بن عامربن مهيّل (مصغراً) العزري نسبة إلى عزرة من ولد سامة بن لؤي.
كان رضي الله عنه عالماً زاهداً ناسكا عابداً صلباً في دينه غيوراً ان تنتهك محارم الله شديداً على المنافقين لينا رحيما بالمؤمنين لا يزال لسانه رطباً بذكر الله.
ولد بقرية الأخشبة من أعمال المضيبي وأصيب في إحدى عينيه وهو في المهد ثم تبعتها الثانية بسبب شوكة شاكتها ولم يجاوز الرابعة من عمره فنشأ مكفوفاً واشتغل بالهلوم وحفظ القرآن العظيم في بلده وهو غلام ثم ارتحل إلى المضيبي وبها نور الدين السالمي فأدناه وقرّبه لما رأى من فطنته الوقادة وذكاءه اللامع فلقنه من لسانه منظومة غاية المراد في أصول الإعتقاد فحفظها.
ولما انتقل نور الدين من المضيبي إلى القابل خلّف على تلاميذه ابن عمه شيخ البيان محمد بن شيخان فلازمه العزري فكان بيته المسجد المعروف بمسجد الصّوار لا يخرج منه لا ولا نهاراً إلا لما لابد منه وانقطع في قراءة النحو فحفظ ألفية ابن مالك وشرح ابن عقيل عليها وكان يسردها على متن قلبه وقرأ على الشيخ المذكور سائر العلوم وهنالك قال الشعر وقدمه شيخه فيه على غيره ثم رجع إلى وطنه وقد نفحت فيه حياة العلم فخضّ أهل بلده على ما يصلحهم ثم رجع إلى المضيبي وأقام برهة يتلقى المعارف ثم رحل إلى زنجبار فأقام بها سبع سنين يدرس وينشر العلوم ويجتمع بالعلماء ثم انتقل إلى الجزيرة الخضراء فأقام بها سبع سنين أخرى وتلك حاله ثم تشوق إلى وطنه لا سيما وقد تعطرت الآفاق بالقومة العمانية من إتفاقهم على الإمام سالم بن راشد الخروصي رضي الله عنه وحنَّ كل مؤمن إلى لقياه فلم يهن له قيام بأفريقيا وأحب الإنتظام في سلك العلماء فتجهز آيباً رغم من حرص على قيامه فوصل إلى وطنه بعدما انتقل نور الدين إلى مولاه فأقامه الإمام سالم قاضياً بإبرا وأقام بها سنوات ثم احتاج إليه بنزوى فأستدعاه وعزم عليه أن يكون مقامه بها وكان (1/411)
صفحة 412
إنتقاله إلى نزوى سنة 1379 هـ فبقي بها قاضياً ومفتياً ومدرساً فأستخلفه الإمام على نزوى لما سافر سفره الذي قبض فيه وأبلى في عودة الإمامة بعمان والعقد على الإمام الخليلي بلاء حسناً وكان الإمام يجله ويعظمه ويعتمد على كثير من آراءه ويستخلفه على نزوى بعدما فقد المسلمون شيخ الإسلام العلامة أبا مالك ويقوم بالخطبة والصلاة في الجمعة حتى انتقل إلى رحمة الله فشيع جنازته جم غفير مع الإمام صلى عليه ودفن بنزوى رحمة الله عليه وكان سنه بين الستين والسبعين، والدليل على ذلك ما ذكره عنه تلميذه القاضي سفيان بن محمد يقول كثيراً ما كنت أسمعه يقول هذه العشرة دقاقات الرقاب وقد ورد عليه سؤال نظماً فأجاب عليه ومن جوابه:
فمالي والقريض وقد ترامت * بي الستون حالا بعد حال
تلامذته: القاضي سفيان بن محمد الراشدي والشيخ غالب بن علي الهنائي وغيرهم كثير، ومن شعره يخاطب شيخه ابن شيخان:
ليس ودي مضاهي الحرباء * لا ولا العهن في أكف الهواء
بل هواي ابو معاذ ثابتا * في هواكم وصاحب الخنساء
لست أنسى لياليا كنت فيها * أتلقى مناقب الأدباء
ولسان الأستاذ تلقي علينا * ما حوى عن أئمة أذكياء
عن خليل وسيبويه الكسائي * رفقاء الأستاذ ماض وجاءي
وربيع ومسلم وضمام * وابن عبدالعزيز كالندماء
كم نياق الأيضاح تحدو صباحاً * ومساء ما بين ضال وماء
إن يصبها الضماء أيام صيف * عرض النيل ما مقام الضماء
إن شيخي وعمدتي وملاذي * نجل شيخان ذو الحجا والذكاء
إن ألمَّت بساختي معضلات * وتجلت في حلة سوداء
حلَّ منها عويصها وكساها * بعد بت الأحداد برد الضياء
طرد رضوى قارفت أمراً فظيعاً * حلت ما بين سادتي واللقاء (1/412)
صفحة 413
مت بغيظ أرواحنا ما تناءت * لو تناءت أشباحنا في الفضاء
لهف نفسي ما بال نزوى بعصري * قد خلت من مواقف العلماء
هذه دورهم فأين تخلوا * أيها الدور أين أهل هوائي
ظنني القوم أهل علم وفهم * وذكاء يفوق ضوء ذكاء
اوقفوني في خطة حيرتني * ما اجتهادي ما فطنتي ما ذكائي
في صباحي مدرساً ومسائي * في مجر من حادثات القضاء
وتكلفت أن أقوم خطيباً * ما لمثلي مواقف الخطباء
هاك ثوب الثناء أحكم نسجاً * لا يحاكي ما حاك رب القباء
وله مناظيم وفتاوى نظماً ونثراً
قيام الإمام على الطوّ
وفي شهر صفر عام 1362 جهز الإمام جيشاً من الشعب يرأسه بنفسه فخرج إلى الطوّ ولم يستنهض الشيخين عيسى وسليمان والسبب الباعث لذلك أن أسرف السبوع ومن شايعهم من غوغاء بني جابر أهل الطوّ تلصصاً وانتهابا لأموال المسلمين من الباطنة وغيرها وجعلو الطو مغارة لهم لكونها محيطة بها الجبال منيعة لا يتوصل إليها إلا مشقة ولا منفذ لها إلا من جهات مخصوصة وغرهم بأسهم واطمأنوا إلى مغارتهم وظنوا أنها تقيهم المحذور وبقوا على إصرارهم حتى حكم الإمام الخليلي بهدر دماءهم وأمر بالفتك فيهم فقيض الله من قام بالواجب ففتك بأميرهم سعيد بن خلف المعروف بإبن زُعَيْلَة وقت الضحى حيث يظن أن لا سبيل إليه فقام أعوانه يطلبون بثأره فما زالوا يقتلون ويقتلون فرأى الإمام الخروج لقمع هذه الشرذمة الباغية. وفي يوم 23 من الشهر المذكور دخل الطو فهرب الفساق واللصوص فأمر بهدم بيوتهم التي هي مأوى لبغيهم وقطع نخيلهم وأجلى من بقي بها من أعوانهم وحمل على الأصفاد من إحتاج إلى الأدب ممن كان يساعدهم وأرسل إلى رؤساء بني حراص زهران بن محمد وأحمد بن ناصر أن يأتوا إليه بنخل لأنهم رؤساء على السبوع وأراد أن يحمّلهم أمر الهاربين (1/413)
صفحة 414
وأن يكلفهم ذلك كما هو الأمر الشرعي من إلزام الرئيس أمر مرءوسيه فتثاقلوا عن الوصول في بادئ الأمر حتى تحقق عندهم تحركه على عاصمتهم جَمَّا إن لم يمتثلوا فهرب زهران إلى مسقط وأذعن أحمد لما يراد منه بواسطة السيد محمد بن هلال عامل الرستاق ذلك الوقت.
ولم يكن للإمام وأنصاره في هذه الغزوة التي لبث بها سبعة عشر يوما إلا التمر والعوال وهو سمك يابس يدخره العمانيون إداماً إذا عدم السمك وقد كان وقت هذه الغزوة حرجا لغلاء الأسعار وقلة الأطعمة بسبب الحرب الطاحنة بين الدول.
وفاة الشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي
وفي اليوم الثامن والعشرين من شهر رجب سنة 1363 توفي الشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي صنو الإمام سالم بن راشد وكانت وفاته ببلد مشايق من الباطنة ودفن، بها وكانت وطن أباءه الفضلاء وقد استوطن هذا الشيخ بلد العوابي وسكن فيها لطلب العلم، خرج هذا الشيخ إلى الباطنة لفصل أحكام بين أهلها فمرض بها وتوفي وكان كثيراً ما يرغب أن يدفن بجوار أبويه فحقق الله أمله. كان هذا الشيخ معروفاً بالتصلب والشجاعة من غير مبالاة لما أمامه من القوة.
وكان من العلماء الأجلاء بعمان وقور النفس رقيق القلب كثير الخشية كثير الصلاة شديداً على المنافقين فظاً عليهم غيور في جنب الله جسوراً حديداً على السفهاء المارقين وكان من أهظم المؤازرين لخيه الإمام سالم بن راشد فإنه سعى جهده في تسديد دولته وتأييدها وقد ولي لأخيه الإمام على الرستاق وما حولها والعوابي وما اشتمل عليها وبقي عاملا للإمام الخليلي دهراً على العوابي وتوابعها وعمل له على إزكي وعلى وادي المعاول ووادي الأبيض.
نشأ رحمه الله منذ صغره في طلب العلم وهاجر في طلبه إلى الشرقية فتتلمذ لنور الدين وقرأ عليه التفسير والحديث والفقه وتردد مراراً إلى الشرقية بعد هجرته الأولى وكان حافظاً كبيراً أن لا يفوته ما سمعه لكنه سريع الغضب سريع (1/414)
صفحة 415
الرجوع إلى الحق كريماً جواداً لا يعرف قدر المال على قلة ما بيده.
تخرج عنه تلامذة كثيرون فمن فقهاء الشيخ خلفان بن عثمان الخروصي والشيخ القاضي عبدالله بن محمد الخروصي والقاضي سيف بن حماد الخروصي والقاضي خلفان ابن محمد الخروصي والقاضي سليمان بن ناصر الذهلي وابن أخيه الشيخ العالم عبدالله إبن الإمام سالم وكثير غيرهم.
مقتل العلامة الرواف ودخول جعلان تحت الإمامة
في ليلة الثامن عشر من شهر المحرم سنة 1359 قتل بجعلان الشيخ العلامة الفاضل العفيف عبدالله بن أحمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد من آل الرواف الذين هم من البيوت المعروفة بنجد ويتصل نسبهم بالرهبة من بني تميم وعمره يوم قتل خمسة وستون عاما قتله بنو أبو حسن في بيته ظلما وعدوانا في هدنة بينهم وجيرانهم وعهد وذمة لم يرعوا حقها والله يقول (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) وهذا ما كتبه إلى ابنه الشيخ سليمان بن عبدالله من ترجمة أبيه بتصرف فيه، ولد ببلدة بريدة من القصيم عام 1293 هـ كان هذا الشيخ ذا شيبة في الإسلام عالما عاملا على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل عرف بالإنصاف في أعماله وأقواله وعدم التعصب وكان من الرجال البارزين في ميادين الحياة فهو بليغ إن خطب أو تكلم، سديد الرأي إن إدلهم الخطب شجاع إذا اختلط الغبار بالدخان، كريم لا يرى للمال وزنا، صريح لا يعرف المداجاة جادا لا يعرف الهزل ولا يقبل الضيم ولا يرضى بالظلم مهما كانت صفة الظالم.
قرأ في شبابه على الشيخ العلامة إبراهيم بن حمد الجاسر من أهالي بريده ثم سافر إلى سوريا ومصر سعيا وراء الرزق ثم أقام بدمشق ثلاث سنين عكف فيها على مطالعة الكتب في مكاتبها وقرأ على علمائها ونسخ كثيرا من الكتب الموجودة (بمكتبة الملك الظاهر) ويبلغ ما نسخه بيده وما نسخ له عشرون مجلدا، وكان مولعا (1/415)
صفحة 416
بجمع الكتب وقد جمع مكتبة ضخمة تعتبر أكبر مكتبة في بلاد القصيم بل في نجد وهي باقية بأيدي أبناءه في بريده إلى يومنا هذا تحتوي على التفسير والحديث واللغة والأدب والتاريخ.
وفي عام 1326 هـ خرج وجماعته للدفاع عن بلادهم التي احتلها آل الرشيد فطردوه منها. وفي العام نفسه غادر بلاده إلى المدينة المنورة وأقام بها سنتين وقرأ على علماء الحرم النبوي ثم غادرها إلى عسير لما كانت تحت الإدريسي فلم يطب له المقام بها لما رآه من الشعوذة والمساخر التي تخالف الديانة فكان ضده ونبه الناس على ذلك فأراد أن يبطش به ففطن لكيده فركب البحر إلى عدن ثم إلى المكلا عاصمة القعيطي سنة 1329 هـ فأقام بها ستة عشر سنة فكان لقيامه أثرا حسنا بقدر ما يستطيعه فرد غريب وتولى القضاء بها في عهد السلطان عمر بن عوض القعيطي وكان يقضي على مذهب الإمام الشافعي وهو حنبلي المذهب مما دل على سعة علمه ثم خرج إلى سقطرى الجزيرة المشهورة بالمحيط الهندي فأقام بها سنة داعيا مرشدا وفي سنة 1346 توجه إلى عمان وأقام بمسقط سنتين أو أكثر فأكرم السلطان تيمور ابن فيصل وفادته وأحسن جواره ويرعى له حق علمه واستصحبه إلى ظفار وفي سنة 48 - 1349 هـ خرج إلى جعلان بدعوة من أمراءها الشيخين محمد بن ناصر وعلي بن عبدالله فأتخذوه مفتيا وقاضيا ووزيرا يعتمدون على أقواله ويستشيرونه في نوازلهم وكان يضرب به المثل في النزاهة والصراحة لا يجامل الأمير ولا يغتفر زلة الوزير ا هـ.
خرج الأمير علي وأكثر أهل البلد في موسم الربيع إلى النزهة كما هي عادتهم ولم يبق بالبلد إلا أفراد من الناس وهذا الشيخ فوجد المتآمرون فرصة لغرضهم فخرجوا ليلا وفتكوا به وسكت الأمير العلوي إلى انتهاء أجل الهدنة فتحزب الحسون وافترقوا شيعا فكانت فتنة شعواء سفكت بها دماء أبرياء وأكلت الحرب كثيرا من رجال المتآمرين وأموالهم وأسرف الأمير في سفك دمائهم والله يقول (وَمَن قُتِلَ (1/416)
صفحة 417
مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) ولم يرفع الأمير الحرب عنهم إلى أواخر شهر جمادي الثانية من عام 1363 ولما ضاق الخناق عليهم التجأ المتآمرون بالشيخ عيسى بن صالح يطلبون منه التوسط وبزعمهم أنهم يؤدون الأحكام فكتب الشيخ للإمام وكشف له الأمر وطلب منه المساعدة لرتق الفتق وحسم النزاع فخرج الإمام من نزوى إلى بدية وعسكر بها
وطلب وصول عبدالله ابن سعيد الصواعي رئيس المتآمرين فحضر فقال له الإمام:
الإمام: تطلب منا المساعدة.
عبدالله: نعم.
الإمام: انصف من نفسك أولا.
عبدالله: بماذا.
الإمام: أحضر الفتاك بالعلامة الرواف.
عبدالله: لا أستطيع.
الإمام: إذهب إلى السجن أولا حتى ينظر العلماء في أمرك.
عبدالله: ماذا فعلت حتى أسجن؟
الإمام: لبغيكم في قتله.
عبدالله: هل ترى غير ذلك.
الإمام: يجب أن ينصف الإنسان من نفسه أولا وبعد ذلك نخاطب الأمير العلوي فعند ذلك آثر عبدالله الشنشنة قائلا إن كانت مساعدتكم بهذه الطريقة سأنظر في أمري.
تركه الإمام وشأنه لأن جعلان لم تكن ذلك الوقت تحت سيطرته.
على أثر خروج الإمام من بدية إلى نزوى وصل السلطان سعيد (صور) وكنت (1/417)
صفحة 418
قد خرجت إليها لحاجتي فأجتمعت بالشيخ عيسى بن صالح الطيواني رئيس قضاة مسقط وطلب مني زيارة السلطان في بيت ناصر بن محمد ولدفنه فاستأذنت عليه وأخلى مجلسا ما حضره إلا هذا القاضي فجعل القاضي يبحث بحضرته عن وصول الإمام وماذا صنع بين عبدالله بن سعيد والأمير العلوي وكيف رجع ولم يتم أمرهم فما كتمته شيئا وأخيرا أنه جعل بينهم هدنة أربعين يوماً لأن هذا ليس
من لازم الإمام إنما توسط بينهم حقنا للدماء وما رأى أن يضغط أحد الخصمين لأنهما تحت رعاية السلطان. حينئذ تكلم السلطان قائلا:
السلطان: (لا نسمح بذلك ولا نعتذر من مساعدتهم).
الجواب: لذلك تأخر الإمام ولكن الناس ناظرة الآن فيما يعمله السلطان وهذا الأمير العلوي نزل (بشياع) وغرة غد سصبح عندك فيلزم أن ترغمه على الصلح فإنه لا يقدر أن يمتنع ان أرغمته وان أحببت أن أبلغه عنك فإني حاضر.
السلطان: إن آباءنا منذ قديم الزمان لم يتعرضوا بين أهالي جعلان إلا بالصلح أو الهدنة.
الجواب: إذاً لم يكن لك زيادة فضل على ما عمله الإمام، فسكت ساعة ثم قلت وهل يكفي ذلك منك وعبدالله قَتَل العلامة الرواف بأمرك والآن نشبت به مخالب عدوه، هنا غضب السلطان وتغير وجهه حيث أسأت الأدب في الخطاب ولكنه حلم عني سياسة.
السلطان: أنا آمر بقتل العلماء.
الجواب: إن كان لم يبلغك فلا أكتمك هذا خبر مستفيض فإما أن تولي عبدالله ولا بعيدة من بلاده أو تأمره أن يسكن ظفار وإلا فما دام بجعلان فالأمير العلوي لا يتركه. وهنا رأى آخر تكتب للشيخ عيسى يتوسط في الأمر وتساعده بالمال والإمام يساعده بالرجال فإن الحرب أكلت المسارير وهم جماعته فسكت عني وأتى بالقهوة فاستأذنت للخروج واجتمعت في عصر ذلك اليوم بالقاضي عيسى فقال تعال أخبرك لما خرجت عنا قلت للسلطان أعجبك كلام الرجل؟ قال: نعم ولكن لا يحترم (1/418)
صفحة 419
المجلس، قلت فهل قال غير الحق فإنه أصدقك بصراحة. قال والحق كله يقال أليس للمجلس حق.
ثم عمل بهذا الرأي بوساطة حمد بن سليمان الحارثي فكانت نفقة الشيخ عيسى وجماعته تجري من مادة السلطان.
استحرت الحرب ثانية وصعب الأمر وعجز المتآمرون عن المقاومة فكان جيرانهم وجماعتهم عونا لخصمهم وعينا يدلون على عوراتهم عقوبة من الله فضجروا ورأى عبدالله أن لا محيص من قبول الحق فاعتنق الشيخ عيسى مرة ثانية فأستعان الشيخ عيسى بالإمام لعلمه أن الحسون لا يوافقونه إلا بالضغط وضغطهم لا يكون إلا من قادر هذا في جانب الحسون ثانيا أن في مقابلته بني بو علي وهم بالنسبة إلى رؤساء عمان حكومة اكبر من إحدى إمارات الساحل الكبرى خرج الإمام من نزوى وكتب للأمير العلوي بما جاء لأجله وكان خروجه من بدية في يوم 27 جمادي الثانية عام 1363 هـ وأقام ببلاد الحسون وأصلح شأن الفريقين وانطفت النايرة وتكفل الأمير العلوي بمن تحت طاعته من الغافرية إنه المسئول عنهم والسائل لهم وصدرت في ذلك معاهدات وكتبت الإتفاقية ووقع الكل عليها فبقيت بلاد الحسون وتوابعها تحت طاعة الإمام وأرسل الشيخ عيسى لمحمد بن هلال البوسعيدي من بلاده فلبى دعوته وطلب الشيخ عيسى من الإمام أن يكون محمد والياً على جعلان فما رأى الإمام ذلك ثم ولّى الشيخ محمد بن زاهر الهنائي وترك عنده الشيخ سفيان بن محمد الراشدي قاضيا ولما دخلت الوادي والكامل تحت السلطان سأل السلطان الشيخ عيسى في إخراج محمد بن زاهر منها واعتذر له أنه قعد عن أمر الإمام ولا يمكن إخراجه أجاب السلطان أنكم ما خرجتم عني لتتركوا والياً إنما خرجتم مصلحين، فأجابه الشيخ أن الإمام ما قبل إلا أن يجعل بها واليا وأنت تعرف أني لا أستطيع إتمام ما طلبته مني إلا بالإمام والقبائل تعترف للإمام ولا تسلم بنا ما تمتثله في حقه فكان بينهم كلام أغلظ فيه القول وبقيت جعلان الحسون تحت الإمامة حتى تم أمر عمان للسلطان. (1/419)
صفحة 420
ترجمة أبي زيد
في اليوم الثالث من شهر رجب بعد العصر سنة 1364 توفي الشيخ العلامة الفاضل أبو زيد عبدالله بن محمد بن رزيق بن سُلَيْم الريامي الذي هو من أولاد راشد بن سالم بن مصعب بن ريام وأولاد راشد من أكبر فخوذ بني ريام وأكثرهم عدداً وإذا أطلق في الصكوك فلان بن فلان الريامي فهو من أولاد راشد عرفا مطرداً وبقية بني ريام كل ينسب إلى فخذه مقيدا به لا ينسب ريامي إلا في الجملة التي تعم بني ريام.
ولد أبو زيد ليلة خامس والجمعة من شهر رمضان سنة 1301 قيل إنه ولد بتنوف وقيل بإزكي.
نشأ أبو زيد بإزكي ثم انتقل أبوه وعمه إلى إبرا من الشرقية يعلمان القرآن العظيم فمات أبوه بها ونشأ في حجر عمه ثم انتقل إلى إزكي واتخذها وطناً. أما وطن آباءه وأجداده فبلدة تسمى العين في أعلا الجبل الأخضر انتقل منها جده سُلَيْم إلى إزكي فولد له محمد وسالم فنشئآ بالحارة المعروفة بالنزار خاصة تزوج محمد أمَّ أبي زيد من تنوف من أولاد حمير من النباهنة قوم شهروا بالبسالة.
رحل أبو زيد إلى الشرقية لطلب العلم فتلمذ لنور الدين السالمي فأخذ عنه أصول العربية وأصول الفقه وفروعه وصار من أكبر تلامذته وأكثر تساويد نور الدين بخطه وذلك لملازمته إياه ولقدره عنده.
رجع أبو زيد إلى وطنه إزكي عام 1328 هـ وعقد مجلساً للتدريس بمسجد الحواري فأخذ عنه جم غفير أكبرهم الشيخ العالم محمد بن سالم الرقيشي الريامي.
أمر أبو زيد بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقت الكتمان فما قصر
في شيء طاقته. (1/420)
صفحة 421
تآليف أبي زيد - كتاب في النحو. كتاب في المناسك. وسؤالات المشكلات فيما أشكل عليه من الأثر حال قراءته على نور الدين فسمي حل مشكلات أبي زيد.
ولي أبو زيد للإمام سالم بن راشد الخروصي القضاء بإزكي لما كان الشيخ حمدان بن سليمان والياً عليها.
ثم ولي أبو زيد للإمام سالم بلدة بهلا في شهر شعبان سنة 1334 هـ وتوفي الإمام سالم وهو وال عليها ثم أقره الإمام الخليلي على عمله فبقي عاملا للإمامين متقلداً وظيفتي الولاية والقضاء ثلاثون عاماً إلا شهراً كاملاً أجرى في ولايته العدل والمعارف الإسلامية ورد شوارد القلوب الخائفة من إضطهاد الظلمة إلى أوكارها وعاش إلى أن توفي والمسلمون عنه راضون وله مؤازرون ولم يكن للإمامين عامل يستحق الثناء ما يستحقه أبو زيد.
سبب وفاته جراحة أصابته في ساقه ولا زالت تعظم ولا يطلب لها دواء بل يكبسها بالتراب راجياً أن يكون ممن دخل تحت عموم الحديث النبوي وكان يفصل الأحكام ويقضي حوائج الناس وهو بهذه الحالة حتى عجز عن الخروج لفصل الأحكام فاستأجر من يحمله لمجلس الحكم للفصل بين الناس ولقضاء حوائج المسلمين طلباً للأجر.
وتوفي ببهلا ودفن بها وقبره معروف.
كان رحمه الله ملازماً للإعتكاف مدة عمره.
شهر رضي الله عنه بكتابة التعاويذ القرآنية وشفي أناس ببركته من الجان والجنون والمراض العسرة يخرج أيام إمارته على بهلا ويبرين وتوابعها حافيا هضما للنفس ذهاباً وإياباً.
يخرج عند العسكر لجمع الحطب للوازم الحصن فيساعدهم بيده.
يُخرج الطحلب من سواقي بيت المال بيده.
يخرج في البلاد ليلا ونهاراً منفرداً يجس البلاد وقد عرف بالبسالة وشهر بالشجاعة، أكثر أكله الخبز والقاشع. (1/421)
صفحة 422
يجلس على التراب وأحياناً يفترش قطعة من الجواني المعروفة هنا بالخيش وقت الحكم في جلوسه للناس كان ادام بيته في كل يوم نصف رطل يأخذه من بيت المال.
اشترى من فضلة أموال المساجد أموالا لها.
قام بشراء الآلة الحربية من السلاح والرصاص للمسلمين فوجد بعد موته في خزانة بيت المال فوق القدر المظنون ثم لعبت به أيدي العمال الذين استخلفوا بعده.
اشترى كثيراً من كتب العلم.
عمر حصن بهلا وحصن يبرين وأدخر فيهن ما تحتاجه الحصون عند الحاجة ادخر نصيباً وافراً من الأطعمة والأقمشة والعطور والبذور للتجر لبيت المال إستأجر من يقطع نجد الحديد بين نزوى وبهلا.
أمر بإصلاح الطرق من بيت المال.
أمر بحفر المقابر وكسوة فقراء الأموات والأحياء من بيت المال.
جعل عاملا يشتغل بالدلاء والحبال للآبار في القفار.
عمر في بهلا وقت القحط ثلاثين بيرا للزجر.
قام بخدمة ساعد فلج الجزيين أحدهما الحديث وهو الشرقي والآخر المحيول وهو الغربي وقد أثبت هذا الساعد الغربي الإمام الخليلي حكما بين أهل علاية بهلا والسفالة فأنفق أبو زيد في خدمة هذا الفلج مائة ألف قرش وأربعين ألف قرش صرف عمان عبارة عن أربعمائة ألف روبية هندية وتسعين ألف روبية.
أحدث ساعد الفلج المحدَث وأدخله به.
أحدث ساعد الفلج الميتا وأدخله بها وصرّج سواقيه من حارة الخضر إلى سور السفالة كل السواقي الجوايز والفروع.
استأجر وقت المحل لأموال بيت المال وأموال الأوقاف في كل يوم أربعة (1/422)
صفحة 423
وثلاثين مبخورا تزجر لها خشية فوات أموالها ورفقاً بالرعايا لأن الفضلة من الماء يقعدها الأهالي رفقا بهم.
قام بمصالح البلاد وأهلها من واجب ومستحب ومندوب وتصدق على أهلها من الضعفاء وأنقذهم من الحاجة وسهل المنافع للأهالي الأغنياء والضعفاء وتحمل المكاره.
لم يقبل هدية من أهل ولايته حتى انه أمتنع من شرب الماء من بيوتهم.
زرع السكر لبيت المال وما رضي أن يأكل منه تعففا.
أحسن إلى المتعلمين ونشر العدل والعلم وقام بالتدريس وقت فراغه فوق ما هو عليه من الإشتغال وعمَّر المساجد وأموالها وأصول بيت المال.
غرس من نوع نخلة الخلاص ببهلا خمسمائة نخلة لبيت المال ومن جملة أنواع النخل الباقي لبيت المال سبعة آلاف نخلة كل ذلك ببهلا دار ولايته.
أحيا كل موات كان حشرياً ببهلا.
عمر في سور بهلا بسبعين الف قرش صرف عمان.
انفق على قتل الهوام والحشرات والسباع من بيت المال.
وبالجملة فإنه الفرد المنقطع القرين في عمال الإمامين أحسن السيرة في ولايته وعدل في أحكامه وساس ولايته بأقوم سياسة ورتب العمال والقضاة والعسكر من الأمنا وتركهم في النقط المهمة ومراكز العمران وفق رغبة إمامه بحيث لم ينكر عليه شيئاً مدة ولايته وأدركته المنية والمسلمون في رضاء عنه.
وفي عام 1370 هـ تقلد الشيخ طالب بن علي الهنائي إدارة المالية فكانت ضجة العمانيين وفي مقدمتهم الشيخين سليمان بن حمير وزاهر بن غصن الهنائي فطلبا من الإمام إعفاء طالب من هذه الظيفة فلم يسعفهما بقي طالب عليها والتنافس مستمر وفرض للإمام شيئاً نزرا اكتفى به وإن لم يكفه، فكان القضاة قسمين من رضي على (1/423)
صفحة 424
طالب كان في جنبه ومن غضب عليه عنف الإمام على رأيه وقد غلب على الإمام المرض والشيب والعجز وعدم المساعد وواحدة من هذه كافية دون أخواتها فتضاءل نفوذه في المالية وأكثر برواته ترد فرأى بنو علي أخيه بن عبدالله أن يكونوا عنده وأن يحفظوه ويحافظوا عليه فقرروا اجتماعهم بنزوى وإذا خرجوا ينوب الآخر مكان أخيه والوقت قريب حتى توفي رحمه الله.
وكان قد استخلف عبدالله بن الإمام سالم منذ أمد طويل ولا شك أن بعضهم لا يرى ذلك ولكل نظر واجتهد أبناء الشيخ الخليلي عبدالله وهلال في إستبدال الشيخ غالب منه وساعدهم القاضي سفيان بن محمد الراشدي والإمام في حالو يرثى له من الضعف فكتب عنه الشيخ سفيان إستخلافه للشيخ غالب ورجوعه من إستخلافه لعبدالله بن الإمام ودخل أحمد بن محمد بن عيسى على الإمام ذلك الوقت ويقول أحمد أنه كلم الإمام معارضاً له في إستخلاف الشيخ غالب قائلا إنك فتنت العمانيين بما كتبته وإن الأنصار لا يرضونه إماماً لهم أجابه لم أرد فتنتهم إنما أريد جمعهم على الهدى فإن كان كما قلت فإني راجع عما كتبته ويقول أحمد انه خرج عنه يحضر منصور القاضي وغيره من القضاة فيكتبوا نقضه لذلك العهد فمنع من الدخول عليه عند رجوعه إليه.
أخبرني عبدالله بن علي الخليلي أن الإمام أخبره بمقالة أحمد ويقول قلت له صدوق أحمد إن الفتنة قائمة ولهذا نحن نحب أن يكون خليفة نرجع إليه لئلا نفشل بعدم الإجتماع ولا نجتمع إلا عن رأيك.
يقول هلال بن علي إن الإمام أوصى إليهم أن هذه الحصون وما بها أمانة في أيديكم ولا نصيب لكم فيها فإذا اجتمع المسلمون على إمام فسلموا إليهم أمانتهم قلت له فإن لم يجتمعوا. قال أحضروا عبدالله بن الإمام سالم وسلموها له وقد برئتم.
بخثت بعض أعوانه هلال بن علي وأصدقائه عن إجتهاد هلال في تقديم غالب لأي شيء مع علمنا أن حقيقته تخالف ذلك وما يعرفه من نفور غيره منه، أجاب (1/424)
صفحة 425
إنه يجب أن ينتقم منه لتقتيره على أبيه وتفنيده له واعتراضه لكثير من أوامره فهو لا يصل إلى غرضه فيه إلا بتصدره في هذا المنصب ويرى أن عبدالله أبن الإمام سالم من عشيرته ولا يجب أن يناله سوء من العمانيين كيف وقد ضجر العمانيون من العدل وملوا بقاءه وداخلتهم الأهواء ولا مناصر لعبدالله أن تصدر وأن مسقطا فتحت فاها لإلتهام المركز الرئيسي ولو كانت إستطاعة لهذا الشيخ لأصر أن تكون هذه الحصون تحت يده.
كتب الشيخ سفيان ورقة الإستخلاف للشيخ غالب وكتب القضاة عليها القبول وأبى الشيخ سليمان بن حمير من الموافقة عليها في ذلك الوقت فحذره أصدقاءه ورغبوه وخوفوه العاقبة وما كان قبوله عن رغبة إلا أنه يحاذر أن ينهدم السور فيخرب زرعه وما كان ذلك الوقت يوجد من هو أهل للإمامة بعمان ويستحق أن يقدّم على المسلمين إنها الإمامة العظمى والشروط المرعية بالكتب الشرعية غير متوفرة في شخص بل لو وجد لما قبلها لأن المغرضين لعبوا بالدولة لعباً فاضحاً.
حوادث سنة 1371 هـ ووصول ابن عطيشان البريمي
في عام 1371 هـ أنفذ جلالة الملك المعظم عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود تركي بن عبدالله العطيشان الوهبي التميمي من أهالي القصيم إلى البريمي وكان وصوله عصر يوم عيد النحر من السنة المذكورة فأستقبله أهلها بالتبجيل والتعظيم وقدمت إليه وجوه العمانيين فأحسن إليهم وأجازهم وفتح باب الضيافة ورتع الضعفاء والأغنياء في كرامته وكان رجلا عظيما حسن السياسة جيد الفراسة لين الجانب يعرف أين يضع سهمه وفيما ينفق وقته.
كان من رأي الإنكليز قبل وصول الأمير السعودي أن تتخذ حاكم أبو ظبي زايد بن سلطان هدفاً أساسياً تتوغل به إلى داخلية عمان وأن تكوي بناره مشاكلها حتى يسهل عليها خدع الشعوب في وقت كان السلطان ضدها فشجعت زايداً (1/425)
صفحة 426
وأمدته بالسلاح والعتاد والمال وأضرم وكيلها الفتنة بين زايد وأهل دبي زهقت فيها نفوس عزيزة على الطرفين وتلف فيها كثير من المال، نشب في هذه الفتنة مخلب زايد وفشلت سياسته الخرقاء ولم تنجح الدولة في تعاليمها.
وحاولت قبل هذا إشعال نار بين الإمام الخليلي والسلطان سعيد فلم تصادف قبولا.
وصل الأمير السعودي البريمي وصرح وكيل الدولة بالشارقة أنها أصابت خطا أحمر بعمان.
تحركت عمان لقدومه وتقدم السلطان سعيد بن تيمور بجيشه لمقاومته فكانت حركته إلى صحار رأت الإنكليز أن هذه المقاومة السلطانية ضئيلة في مقابلتها وأن هذه الحملة ستبوء بالفشل إن لم عززها فأحكمت خيوط المؤامرة وسددت رأيها لتنفيذ الخطط وهولت الموقف وألزمت السلطان الرجوع إلى عاصمته وإنها كفيلة بالأمر وقعدت بين الملك إبن سعود والعمانيين مقعد الحماية عن توتر الحالة وخاطبته بالنيابة عن العمانيين وتركتهم وراء الستار ونالت مرادها بما كانت لا تطمع فيه قريباً فأحدثت محطة للطيران ببلد العين من البريمي من بلدان زايد وأقامت بها نقطة عسكرية وأنزلت بقلعتها قواداً وضباطاً بصفة النيابة عن سلطان مسقط والحماية لحاكم أبو ظبي وجمهت حكام الساحل ليكونوا ضد السعودية ووعدتهم بالمادة والسلاح فما أسعفوا.
أسندت مشكلة البريمي للحكم بمجلس الأمن وضيقت على الأمير السعودي ورضينا أن تحكم فينا الإفرنج بما شاءت وتركنا حكم محمد صلى الله عليه وسلم وأصبحنا كملوك الطوائف كل واحد منا يزعم أنه سيد الآخرين فيهاجمهم موجهاً آخر طعنة إلى أخيه في وقت لم يبق كبير قوة للسيل الذي يهددنا وما فينا نافذ البصيرة لسد الثلمة وإفهام الأمة.
وفي يوم سادس المحرم عام 1373 هـ بدلت الإنكليز عساكرها المحدقة بأمير البريمي وأطلقت عليه الرصاص. (1/426)
صفحة 427
وفي يوم التاسع والعشرين من ذي القعدة عام 1373 هـ انحسم النزاع على منطقة الحدود المختلف فيها فنشرت جريدة أم القرى عدد 1527 الصادر يوم الجمعة 21 ذي الحجة عنوان السفارة البريطانية في جدة وحررت الشروط والجواب عليها وعملت الحكومة السعودية القيام بموجب الإتفاقية فأنسحب ابن عطيشان أمير البريمي إلى المملكة العربية وبدلت الحكومة السعودية ممثلا من طرفها الأمير عبدالله بن نامي وأقامت الحكومة الإنكليزية ممثلا من قبلها عن سلطان مسقط وحاكم أبو ظبي، بقي الممثلان خارج البلاد بالجانب الشرقي من بلد العين متجاورون حتى ينحسم النزاع بالمجلس فزال الضغط الذي يعانيه الأهالي واستراح الكل ودخل الناس بعضهم مع بعض.
وفي ليلة تاسع من شهر ربيع الأول عام 1375 هـ هجمت قوات الدولة الإنكليزية بقيادة ضباطها على الواحة المتنازع فيها بدون تقديم أي إنذار والناس في أمن وإطمئنان ولا يرجون الغدر من دولة تتسمى بالعدالة والإنصاف رفضت المجلس وحكمه وراءها ولم يقم المجلس المحترم بحقه في هذا التعدي السافر ولا الدول التي أقعدته للإنصاف فما كان لهذا المجلس من حظ إلا الهوى والعجز.
سلبت الدولة الأمن وركبت المحجور واضطرت رؤساء البريمي مع جميع الأهالي للخروج من بلادهم وجردتهم من سلاحهم وأموالهم وما استطاعوا أن يحملوا أثواباً غير ما عليهم فحملتهم في السيارات ثم في السفن إلى المملكة العربية وأوقعت بممثل السعودي ابن نامي فأصيب بجراحة وقتل من قتل من أعوانه ومن أهل البلد وحملته بالطائرة إلى حكومته فصفى لها الجو واستلمت البلاد بالقوة.
ثم فتحت عينها لإستلام بقية عمان لما قطعت العلاقة بينها والدول العربية بالإستيلاء على البريمي لأنها البلعوم الذي به يتنفسون ولما عرفت أنها أمسكت على خناقهم أصدرت الهجوم على عبري ثم على نزوى فأحتلت يوم 29 ربيع الآخر عام 1375 هـ بواسطة الرؤساء الذين سهرت عيون آباءهم في إستعادة مجدهم الباذخ فهدموا ما شيدّ (1/427)
صفحة 428
الآباء وبإنحلالها انحلت عُمان وسقطت في الهوة بلا شيء (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
فهل لنا استقامة وعزة * وحالنا مشؤومة كما نرى
كل امرئ بفعله معتبر * والسيف بالشفرة يفضل العصا
فتحت عيني فرأيت غافلا * يحمله السيل وليته درى
ونائما والنار في جثمانه * كأنه جزل الغضى وما وعى
وراضيا بذلة مفتخرا * بأن يعيش خازيا ومزدرى
ومؤمنا مستضعفا يغمزه * ظالمه من الرجا الى الرجا
وعاقلا في رأيه متهما * وأرشد الآراء للحر الدوا
وحاسدا لنعمة تخاله * أسعر ما كان اذا قلت خبا
وبائعا لوطن فيه انتشى * بلقمة يلذها وهي الودى
فهل لنا استقامة وعزة * وحالنا مشؤومة كما نرى
وهذا شيء ترومه الإنكليز من قديم وقد صرح عنه (كرزن عام 1892 م) في مجلد 2 / ص / 443 / حيث يقول:
(استدللت أن التفوق البريطاني قوي الدعائم ونظام محبوب في مسقط أما عُمان فيمكن النظر فيها بحق كملحقة بريطانية فنحن ندفع إعانة مالية لحاكمها كما أننا نملي سياستها ولهذا يجب أن لا نسمح بأي تدخل أجنبي وليس عندي شك كثير في أنه سيأتي وقت بعد أن تنحني هذه الدويلات البدائية أمام حضارة مطبوعة بالصداقة يصبح فيه من الضروري أن نفرض نفوذنا بشكل أكثر فعالية ويصبح العلم البريطاني يرفرف فوق قلاع مسقط.) ا هـ. (1/428)
صفحة 429
وفاة القاضي أبي الوليد
وفي عصر هذا الإمام توفي الشيخ القاضي أبو الوليد سعود بن حمد بن خليفين ببلدة المضيبي ليلة الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 1373 هـ وكان عاملا عليها وأعمالها منذ خمس وثلاثين سنة للإمام الخروصي ثم للإمام الخليلي متقلداً لوظيفتي القضاء والولاية لما عرف من أهليته ودرايته ونباهته وعلمه وأعفي أشهراً دون السنة ثم رد إلى عمله، كان قارئاً حسن النغمة جيد الصوت لقبه الإمام الخليلي شمس القراء وداهية العلماء.
قرأ على سيدي الوالد نور الدين وأخذ عنه العلوم فكانت له يد كبرى في فنون العلم وقد رباه في بيته صغيراً فنشأ وهو بمنزلة أحد أبناءه لا يفرق في شيء فكان يقرأ عليه ويقرأ له في أكثر الأوقات وكتب عنه تساويد جمة من مؤلفاته واختصه مدرساً بالمضيرب للمشايخ آل حميد بن عبدالله فهو شيخ المشايخ رحمه الله وعنه أخذوا دروساً كثيرة وعلوماً جزيلة.
واستعملني الإمام الخروصي وإياه على المضيبي وأعمالها وسمد وتوابعها فكنا نعمل للإمامين الخروصي ثم الخليلي، ولما استعفيت من العمل عام 1339 بقي أبو الوليد رضي الله عنه متقلداً للوظائف كافيا كافلاً.
وكان الإمام الخليلي يحبه كثيراً ويشكر آراءه لما تيقنه من غخلاصه للدولة ولم تستمله الأطماع المسقطية ولا استفزته الأهوية كغيره من القضاة ولا رغب في ذلك مع أن كثيراً من الرؤساء عرض عليه ذلك فأنتهره.
أصيب قبل موته بعام بمرض في مخه فكان سبباً لوفاته. عفى الله عنه وتقبل أعماله.
كانت له رسائل جمة وأجوبة مسائل نظماً ونثراً وكان يقول الشعر وله قصائد طنانة في فنون متفرقة.
وقد رتب أجوبة الشيخ صالح بن علي وسماه (عين المصالح في أجوبة الشيخ صالح). (1/429)
صفحة 430
وفاة الإمام الخليلي رضي الله عنه
لما أدركته المنية جمع إخوانه من العلماء والفضلاء فقال لهم في جملة وصيته بعد الشهادتين.
(إن ديني الإسلام ورأيي رأي المسلمين ومذهبي مذهبهم ثم قال: لا بل مذهبي محمدي).
يعني أنه مجتهد في الرأي غير مقلد لمن سبقه من العلماء إلا ما يراه حقاً وصوابا.
وفي الساعة الأولى من يوم الأثنين والتاسع والعشرين من شهر شعبان من سنة 1373 هـ ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف هاجرت إلى ميقات ربها الروح التي عكفت على الإرشاد في نصرة الدين الحنيف روح الجامع بين الحقيقة والشريعة، عميد العلم والدين والإسلام، حامي حمى الحوزة العمانية، العلامة المجتهد المطلق محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي، دعاه مولاه إلى سعة رحمته ودار كرامته فنقله إليها صابراً مجتهداً محتسباً مجاهداً.
مضى رحمه الله آخذا بالإرشاد وتقريب العباد إلى ربهم يسهل لهم طريق الوصول إلى حضرة الإيمان فالإحسان فالإيقان فالعيان.
ذابت نفسه حياء من الله عز وجل فأذابت من حولها وخشعت للحي القيوم فخشعت جوارح من يجالسها.
عرف نفسه وعرف ربه فعرف الحقوق الواجبة فلا ترى إلا ألسناً شاكرة مثنية على حلمه وعطفه وكريم أخلاقه.
وعكة بسيطة ألمت بهذا العلم أعقبتها حملات المرض فكانت سببا لما تزوده هذا الصّديق في اللحظة الأخيرة عند قدومه إلى ربه.
كانت وفاته بنزوى ودفن بين قبري الإمامين ناصر بن مرشد وسلطان ابن سيف. وكانت مدة إمامته أربعة وثلاثون سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما: (1/430)
صفحة 431
إن المروءة والسماحة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج
كان رحمه الله في آخر أيامه كثيراً ما يقول: كأني بالفتن على أفواه السكك وإني هامة اليوم أو غد.
قام رضي الله عنه في صلاح الأمة حتى بلغ حد الشيخوخة فضعف جسمه ونقص بصره.
وأقام الحدود القرآنية رجماً وقوداً وقصاصاً وحداً، قطع الأيدي في السرقة، ومن خلاف في قاطع الطريق، ورجماً في المحصن واللوطي.
عدد من أقيم عليه حد القتل بنزوى مائة وأربعين رجلا وفي خارجها من اللصوص وقطاع الطرق الذين لم يقدر عليهم إلا ببذل مال ينيف على أربعين رجلا.
هذا أقل الأقوال التي وصلت إلينا من القضاة الذين بنزوى، كانت سياسته في حكومته اقتفاء سيرة الخلفاء الراشدين، وتتبين الحقائق للباحث في سيرته الشخصية والنظام الذي يسير عليه.
كان رحمه الله لا يرى حمل الناس على العنف والإرهاق ولا تكليفهم ما لا يطاق أحسن السياسة وألان الجانب حتى أوغل القضاة الشرعيين في التعنت والتنطع والإستخفاف وطمعوا في عفوه فحصل فساد في العمال فاحتجنوا لأنفسهم المال من غير حله ووضعوه في غير محله ولتساهله رضي الله عنه وإغضاءه عنهم وقبوله العذر منهم وحملهم على حسن الظن كان يبيع أصول أمواله ليستر أعراضهم ولينقذهم من ضيق الحصر.
كثرت فيهم الوقيعة فأصبح كل فرد منهم مدلا بنفسه مستخفاً بالآخر، وكان رضي الله عنه من رأيه ما دام تنطعهم في الآراء التي تجلب لهم رياسة ولو كانت تافهة أنه لا بأس بالسكوت عنها ما لم يترتب عليها أثر ديني.
مرت سنوات والخلف يتسع والكلام من الفريقين يزيد وكل يتعصب لهواه (1/431)
صفحة 432
حتى لا يعترف بفشله وحتى تجرأ بعضهم فحاول عزل الإمام فأجتمعوا بحصن نزوى فكتبوا له ما لا يحسن أن نتكتبه.
أجابهم أني خارج عصر اليوم عنكم وانظروا لأمركم بهذا الجواب سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا فأرتبكوا وأختلفوا ولم تثبت أقدامهم إذ لم يكونوا من أهل تلك الطبقة فقام عليهم الشيخ حمود بن سلطان الوهيبي من شيوخ البدو وكان قد حضر بنزوى زائراً فأغلظ الكلام عليهم وهددهم وزجرهم فانقشعت سحابة صيفهم ولم يكن عند حمود من يحذر منه إلا أن الحق لا يقوم له الباطل.
ذكر شيء من عهوده
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم
قد جعلت سعود بن حميد بن خليفين قاضياً على ديار حبس وعلى سناو وديار الشروج والخضرا والخرما ووادي عندام الفليج وبلدة بَعْد وسمد وتوابعها ليحكم بين أهلها بحكم الله جل وعلا الذي يجده في كتابه فإن لم يجده فبسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فإن لم يجده فما أجمع عليه المسلمون حتى يخرج الحق من الظالم للمظلوم وليعدل بينهم في حكمه وجعلت له فرض النفقات والتوكيل للإيتام والغياب وتزويج من لا وليّ لها في المصر وتطليق من عجز زوجها عن نفقتها، كل ذلك على وفق ما يقتضيه الحكم وتجيزه العلماء وينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف ويؤدب من يستحق الأدب بما يستحقه. كتبته بيدي وأنا إمام المسلمين محمد بن عبدالله في ليلة 11 ربيع الآخر سنة 1352 هـ. (1/432)
صفحة 433
وهذا عهد آخر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم
قد أقمت محمد بن عبدالله بن حميد السالمي والياً على ديار المعاول ونواحيها وبلدة نخل وحواشيها من الطو والحسنات والقارة وأبيض بني صبح وبلدة الآجال ليقوم بإنفاذ الأحكام بين أهلها والأخذ بيد الظالم حتى يخرج منه الحق ويحمل الناس على الأخذ بما في كتاب ربهم من غنتثال أمره واجتناب نهيه ويحيي فيهم سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويسير فيهم سيرة السلف الصالح ويقبش الزكوات منهم ويضعها في مصالح المسلمين من إعطاء العسكر القائمين بالأمر ويواسي من يرى مواساته مجتهداً في ذلك رأيه وليكن أكبر همه ما يكون به إعزاز الدين وإظهاره وتقويته وجعلت له أن يؤدب المعتدين والمفسدين بما يردعهم عن الفساد والعناد وما كان من حد فليراجعني فيه وجعلت له أن يوكل من شاء في بيت مال المسلمين ويجعل الجباة ويحاسب العمال ويقوم بأمر الأيتام والغياب والأوقاف وهذا يكون معه القاضي سعيد بن أحمد الذي نجعله معه وجعلت لقاضيه سعيد بن أحمد فرض النفقات وتطليق من أبى واستكبر عن إنفاق زوجته إن طلبت هي الطلاق وكذا إن غاب زوجها بحيث لا تناله الحجة ولم يترك لها نفقة ولا مال تنفق منه وأرادات الطلاق وأن يزوج من لا وليَّ لها بالمصر من النساء بمن رضيته زوجاً وكان كفؤاً وقد جعلت لمحمد أن يقيم أحداً يستعين به على الأوامر ويجعل له من الجعل ما يراه له من بيت مال المسلمين وكتبه إمام المسلمين محمد بن عبدالله بيده يوم 14 من شهر شوال سنة 1352 هـ وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم. (1/433)
صفحة 434
عهد آخر
بسم الله الرحمن الرحيم
قد جعلت سفيان بن محمد بن عبدالله الراشدي قاضياً على بني بو حسن أهل جعلان ومن كان مرجعه إليهم ليحكم بينهم بما يراه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين وآثارهم المعتبرة مساوياً بينهم في الحكم وليعلمهم أمر دينهم آمراص بالمعروف وناهياً لهم عن المنكر وأجزن له عقوبة أهل الجنايات كل أحد بقدر جنايته وجعلت له إجراء النفقات وإقامة الوكلاء للإيتام والغياب ومن لا يملك أمره وتزويج من يكون مرجع أمر تزويجها إلى السلطان من النساء اللاتي لا وليَّ لهن أو غاب الولي أو امتنع بغير حجة وتطليق من أراد الطلاق من النساء لعجز الزوج عن الإنفاق أو لتمرده وعليه أن لا يمضي حكما حتى يبين له وجه الحق وما لا يعلمه يسائل أهل العلم ويطالع الأثر وجعلت له قبض الأموال المجهولة الأرباب التي يرجع أمرها للقائمين بالعدل ويبيع ما يرى بيعه من ذلك ليضعه في إقامة العدل وتقويته وإن عنا أمر مما يوجب الحد وحكم به فليقمه الوالي بحضرته والله عز وجل أسأله التسديد لي وله والإعانة وعليه مناصحة الوالي كما على الوالي النصح له والقبول منه وإنفاذ أحكامه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على رسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين كتبته وأنا إمام المسلمين محمد بيدي يوم تاسع من شهر جمادى الأولى سنة 1364 هـ.
ذكر شيء من احكامه
عرض عليه بعض أحكام قضاته.
صورة حكم أبي زيد عبدالله بن محمد الريامي بين النواصر وهم تبع العبريين وبني هناة في أيام الإمام سالم بن راشد رحمه الله. (1/434)
صفحة 435
بسم الله الرحمن الرحيم
ليعلم من يقف عليه أن الإمام سالم بن راشد الخروصي بعثنا ننظر المكان الذي غربي الوادي الكائن ما بين الغافات ووادي العلا لما تخاصم فيه النواصر وبنو هناة فحضر الفريقان ونظرناه على حضرتهم إلى جبل الكور فوجدنا في عمارات آبار لبني هناة وأوقافهم إلا بئراً واحدة للنواصر فحكمنا بثبوته لبني هناة مغربا إلى جبل الكور وكذلك الجبل هم أخص به من غيرهم لإتصال عماراتهم به بالأبيار ولكونه بين بلدانهم وليس للنواصر فيه سبيل هذا ما ظهر لنا في ذلك المكان قياماً بالعدل بين الطائفتين وبعد ذلك إمامنا أرسل الشيخ محمد بن عبدالله بن راشد الخليلي ينظر المكان المحكوم فيه فلم ير فيه إلا ذلك وكتبه عامل الإمام عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي بيده يوم 25 من ربيع الآخر سنة 1336 هـ.
ثم وقعت في هذا الحكم معارضة من الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري في عصر الإمام الخليلي وكتب رسالة طويلة وهذا ما كتبه الإمام الخليلي جواباً عليها وفيه الخلاصة.
نبين لكم الوجه الذي يتمسك به إبراهيم بن سعيد أنه وجد في الأثر أن الجبال لا تملك وأن مانع المباح كمبيح المحجور وأنه وإن كان تمسكهم بما جعل للديار من الحريم فقد قاله بعض العلماء واختلفوا في تعيينهم للمسافة مع أن الحريم للبلدان لا للاطوى التي لا تزرع إلا أيام الصيف ولا للقبلان التي لا تزرع صيفاً إلا أيام الخصب التام إن جاء المطر أيام الزراعة هذا كلامه وإن البلدان المعتبرة عند بني هناة بلدان وادي العلا وهي في أول الجبل والغافات وهي منتهاه وبين البلدتين مسافة جمع وأن بلدة النواصر المسماة العيشي توسطت بينهما وليس بنها وبين الجبل إلا نحو ميل وإن كان بينها وبين الجبل واد فهو غير قاطع وإن كان قاطعاً فقد يرضينا ذلك لأن الأودية المنصبة من جبل الكور كثيرة يكاد يكون بين كل طوي (1/435)
صفحة 436
وصاحبتها، نعم لبني هناة طوي مسكونة فيها رجال تارة تسقى بالزجر وتارة بالنهر المسمى قبيل إلا أن الطوي لا تنزح وهي تعد بلدة بإعتبار أن فيها سكنى نحو عشرة رجال أو أزيد بقليل فإن كانت مثل هذه تعطى الحريم فلا بأس نحن نرضى بذلك يعطى لأهل وادي العلا ولهذه الطوي وللغافات والعيشي حريمهن وحكم نراه أو قول أو فتيا نسمعها من قائل بغير هذا نعده خارجاً من الحق مبتغياً لأهواء قوم ونسأل المسلمين بالله أن ينصفونا إن رأوا الحق معنا وإن رأوا الحق مع غيرنا أن يبينوه لنا.
وإني أقول قد أرسلني الإمام سالم بن راشد الخروصي رحمه الله ورضي عنه أن أنظر بعد أن سار إليهم الشيخ عبدالله بن محمد ورجع إلى الإمام سالم وقال إن النواصر ليس لهم أن يسيموا في الجبل فأبى النواصر وشايعهم العبريون قائلون أنا نرى هذا تعدياً فنظرت المكان وذلك في زمن الخصب فوجدت الزراعة محيطة بالجبل وهي لبني هناة وإن تخللتها أودية أو بعض أماكن فمن رعى حول الحمى أوشك أن يقع فيه وأخرى أن بين الطائفتين شحناء ومكابرة نفوس وفي ذلك الوقت يكاد تقع فتنة إذ الفريقان أعني النواصر وبني هناة فيهم غشم وظلم شواوي لا يفقهون قيلا ولا يهتدون سبيلا فلما رجعت إلى الإمام أخبرته بما رأيته وقلت أنك إمام وعبدالله وال بذلك الطرف من قبلك فلكم أن تمنعوا النواصر عن السوم إن رأيتم ذلك صلاحاً للرعية هذا فلينظر الإخوان في القضية والحق مقبول ومطلوب والله الموفق المسدد المعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كتبه الفقير سعود بن حميد عن إملاء سيده إمام المسلمين محمد بن عبدالله أبقاه الله ونصره في 3 شعبان سنة 1350 هـ صحيح كتبه إمام المسلمين محمد بيده. (1/436)
صفحة 437
ومن أحكامه
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما رأيته من أهل الخوبي وأهل ضوت من نزوى نظراً لمصالح الكل أن يحفر أولا أهل الخوبي تلك الحفرة التي في الصفاة إلى أن يظهر ماؤها فإن رأوا ماءها يكفيهم شقوها لفلجهم على شرط أن يكون لجيرانهم أهل ضوت أن يمدروا فلجهم إلى حيث شاءوا ولو شاءوا تصريجه صرجوه وإن لم يظهر في تلك الحفرة ماء كافياً تترك الحفرة على حالها وتجعل علامة إلى منتهى فلج الخوبي من غير أن تشق عليه وتكون القواعد السالفة بينهم على ما وجدت مرسومة لا تغيير ولا تبديل والرزق بيد الله هو الباسط المانع عن حكمة لا نعلمها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكتبه إمام المسلمين محمد بن عبدالله بيده يوم 19 من جمادي الأولى سنة 1340 هـ.
ومن احكامه
جاءت امرأة من خوبار سمائل تشكو إليه أن زوج ابنتها جامعها وهي نائمة وتريد إخراج ابنتها منه فأرسل الإمام إلى الزوج وزوجته فسأل الزوج في خلوة فأخبره أني خرجت لسقي الأموال تحت ظلام الليل ورجع إلى بيتي وما كان أحد يشاركني في بيتي ولا فراش نومي فدنوت منه فإذا بالمرأة نائمة فأيقظتها لعلمي أنها زوجتي فلم تكلمني وباشرتها كالعادة ولم تتكلم فلما فرغت صرخت وقالت ما قالته.
ثم دعى بإبنة الشاكية فأخبرته أن زوجها خرج لسقي الأموال وأن أمها جاءتها بعد العشاء الآخرة تقول انها مريضة بالحمى وتأمرها أن تخرج إلى بيتها لتحلب بقرتها فأعتذرت لها بغياب زوجها وأنه سيرجع آخر الليل تعباناً يريد النوم، فقالت أفرشي له كالعادة وأنا أنتظره هنا حتى ترجعي، أو يرجع وكانت سابقاً تحرضني على النشور عنه (1/437)
صفحة 438
وأنا لا أشكو منه إلا خيراً فذهبت ممتثلة أمرها ولا أدري ما انطوت عليه فلما رجعت وجدتها تصرخ جامعني زوجك وقد حرمت عليه فانطلقي عندي ثم سأل الإمام المرأة أين نمت من البيت؟ فقالت نمت في الفراش الذي فرشته الإبنة لزوجها فقال لها أنت أم سوء ولا خير فيك وأوجعها ضربا ودرأ الحد عنها للشبهة وأمر الزوج أن يأخذ زوجته وقال لهما لا بأس عليكما.
ومن احكامه
أتاه رجل من بني حراص من أهل نخل وكان قد سافر إلى ساحل الشمال وأقام سنين عديدة وله زوجة وإبن منها، فلما رجع لم يجد زوجته ووجد ماله وبيته في يد غيره فسأل عن زوجته فقيل له أنها بسمائل تزوجت برجل من موالي بني هناة وأنه أولدها إبناً وبنتاً، فشكا إلى الإمام الخليلي فأرسل إليها والزوج فسألها عن الحراصي فقالت أن زوجها غاب عنها الشمال منذ سنوات فقال لها ماذا جاء بك سمائل وما صيرك إلى هذا الزوج الآخر، فقالت إني شكوت عند الشيخ خلفان بن ثنيان الحراصي طول غيبة زوجي فباع خلفان المال لنفقتي ثم باع البيت ثم طلقني ثم جئت سمائل وتزوجت هذا الرجل فقال لها هل أبلغت الرقيشي عاملنا بنخل وهو والي المسلمين فقال لا فقال كيف أبلغت خلفان وهو جبار مفسد، فقالت هذا ما فعلت وأظهرت كتابا بخط خلفان أنه طلقها من زوجها ثلاثاً فأحضر الإمام مشايخ العلم بسمائل فاتفقوا على عدم إجازة طلاق خلفان وعامل الإمام بالحصن موجود وحكم بالمرأة أنها زوجة الأول وأنها فراش له لم تخرج عنه وللعاهر الحجر والأولاد أولاده جميعهم ثم تذاكروا في إقامة الحد عليها وزوجها الثاني، فكان من جوابهم درأ الحد عنهما للشبهة ولابد من تعزيرهما فعزرا جميعاً وأخذ الأول زوجته والأولاد جميعاً. (1/438)
صفحة 439
ذكر شيء من مكاتباته
صدرت بين الإمام وعاهل الجزيرة العربية جلالة الملك عبدالعزيز الراحل وصاحب الجلالة عظمة الملك سعود بن عبدالعزيز مكاتبات ودية كما ترى بعضها.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله إلى الملك المحترم المعظم عبدالعزيز إبن عبدالرحمن: سلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعد فإني أحمد الله جل وعلا وأصلي وأسلم على نبيه المصطفى وعلى آله.
ثم إنه لما انتشرت في العالم سيرة الملك ابن سعود بتأمين السبل وإسداء المعروف سيرة عربية إسلامية ويرى إجتماع كلمة الإسلام فلأجل ذلك وفد الناس إليه أفواجا، منهم طالب رفد، ومنهم ناظر في السيرة، ومنهم من يحب إجتماع شمل المسلمين وإتحادهم. وكان محمد بن العلامة السالمي ممن يحب الإجتماع والإتحاد وأمن العباد والبلاد، وأراد الإتصال بالملك وأراد مني أن أعلمه بشأنه ومكانه. وفي الحقيقة أن فضيلة المرء مخبوءة تحت بيان لسانه والله المسدد في القول والعمل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لا ملجأ من الله إلا إليه. حرر يوم 10 شوال من سنة 1369 هـ.
جواب الملك المعظم.
بسم الله الرحمن الرحيم
المملكة العربية السعودية ... رقم 6/ 5 / 4465
تاريخ 3/ 1/ 1370
من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى حضرة صاحب المقام المكرم محمد ابن عبدالله حفظه الله وأبقاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فإنا نحمد (1/439)
صفحة 440
إليكم الله الذي جلت قدرته وتعالت أسماؤه، ونصلي ونسلم على نبيه المصطفى وعلى آله ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد فقد تسلمت كتابكم الكريم الذي حمله إلينا العلامة السالمي وشكرنا ما نقله لنا من حسن ودادكم وعظيم محبتكم وإنه ليسرنا تواصل المودة سائلين الله أن يوفقنا جميعا للعمل بكتابه وإتباع سُنة نبيه، وأن يوفقنا لما فيه الخير والسداد في القول والعمل هذا ما لزم بيانه والله يحفظكم والسلام.
وهذا كتاب آخر منه أرسله بيد الشيخ سعيد بن ناصر السيفي والحجاج.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله إلى الملك المعظم المحترم عبدالعزيز ابن عبدالرحمن، سلام الله عليكم ورحمة الله. وبعد فإني أحمد الله الكبير المتعال وأصلي وأسلم على النبي المصطفى والآل. ثم إنه لما منّ الله بأمن السبل وجعل الواسطة في ذلك الملك المحترم عبدالعزيز فلله الحمد أولا وآخرا وباطنا وظاهرا ثم إنه يجب على المسلمين شكر الملك وأن يغتنموا الفرصة لأداء فريضة الحج وأن يدعو الله بتأييد الدين وجمع شمل المسلمين وإتحاد كلمتهم وأن يصلح الرعاة والرعية وأن يطيل عمر الملك ويجعله جامعا لنظام الإسلام فدين الإسلام واحد ودعوتهم واحدة. وهؤلاء الحجاج هم وفد الله عز وجل دعاهم إليه فأستجابوا ونسأل الملك أن يجع لهم الإحترام التاك كما هي أخلاقه السامية وإنما قلنا ذلك لندخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله والله حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا ملجأ من الله إلا إليه. حرر يوم عاشر من شوال سنة 1369 هـ.
وهذا كتاب منه لصاحب الجلالة الملك الراحل.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه الذين جددوا عهده، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. (1/440)
صفحة 441
أما بعد فسلام من إمام المسلمين محمد بن عبدالله على الملك المبجل العزيز عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود المحترم ورحمة الله وبركاته، نحن ومن قبلنا بحال نحمد الله عليها ونشكره سبحانه راجين منه جل شأنه وعز أن تكونوا بأحسن حال وأطيب بال وما بطارفتنا من أخبار إلا ما يسركم فللّه الحمد ثم ان الموجب للبيان إقراءكم السلام الجزيل منا ومن الأعيان والسؤال عنكم وحب المواصلة وإعلامنا عن الولد محمد بن شيخنا العلامة السالمي وزميله فهاهما متوجهان لأداء فريضة الحج وحضور الموسم وليمرا عليكم مسلّمين مؤدين بعض واجبكم هذا ومهما لازم فالبيان والله يحفظكم والسلام عليكم وعلى من يعز لديكم ومن لدنا كذلك. محررا في 19 ذي القعدة سنة 1371 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله بيده إلى الأمير المحترم المعظم وليّ العهد سعود ابن الملك عبدالعزيز. سلام عليك رحمة الله ثم إني أحمد الله عز وجل وأصلي وأسلم على خاتم الرسل وعلى آله. وبعد فإن الولد الشيخ محمد بن العلامة عبدالله السالمي كان قصده الحج إن يسر الله له ذلك وأن يمر عليكم مسلما كما هو الواجب من أمر الإسلام الذي يحث على ذلك وكونوا عباد الله أعوانا وإخوانا ولابد له من الإتصال بمكة المشرفة إن فاته الحج لأن للعمانيين بيتا جعلوه لنزولهم فيه يحتاج إلى عمارة وهو المفوض من قبلنا وقبل العمانيين في النظر في الأمر هذا وحررته يوم 25 ذي القعدة سنة 1371 هـ.
ثم إن أتم السلام منا على أعيان أصحابكم ومن هنا كذلك يسلمون عليكم أعيان الأصحاب.
جواب الأمير وليّ العهد على ذلك. (1/441)
صفحة 442
بسم الله الرحمن الرحيم
المملكة العربية السعودية ... الرقم 191 / التاريخ 7/ 2/ 1372
ديوان سمو ولي العهد.
من سعود بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى حضرة الأخ الجليل الإمام محمد بن عبدالله الخليلي سلمه الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فقد تلقينا كتابكم المصحوب مع الشيخ محمد بن عبدالله السالمي الذي سرنا الإجتماع به وبما اطمئنا به من صحتكم وعافيتكم وما أنتم عليه وقد سهلنا له الغرض الذي جاء من أجله وهو العمارة في البيوت الخاصة بكم بما نرجوا ونأمل أن يكون طبق رغبتكم وإنا لنسأله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد في الدنيا والآخرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وهذا كتاب آخر منه لجلالة الملك المعظم:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي إلى حضرة الملك المعظم سعود ابن عبدالعزيز الفيصل آل سعود حفظه الله. سلام عليك ورحمة الله وبركاته وإنا نحمد الله على نعمه. وبعد فإن الشيخ مشعان بن ناصر زار بلادنا بعد زيارته الأولى التي عقدت بيينا وبينه روابط الصداقة والمحبة وتوثقت عرى الصداقة بينه وبين علماء البلاد حتى أحلوه بالمكان اللائق بأمثاله وقد ذكر لنا مودة حكومة جلالتكم وعطفكم على رعايانا واهتمامكم بشئوننا وحرصكم على دوام إستقلال بلادنا وإنكم لا تألون جهداً بالدفاع عنه وهذا وإن كان ظاهراً لنا سابقاً إلا أن الشيخ جعله كأنه رأي عين والحق إن هذا لا يستبعد من حكومة جلالتكم العربية الإسلامية التي يسرها أن ترى المسلمين والعرب في عز ومجد وهناء وسعادة وقد جعلتنا نيتكم الطيبة الخالصة ندعو لكم بالنصر والتوفيق على سعيكم الجميل في توحيد كلمة المسلمين وتكتلهم تحت لواء الإسلام وإنتسابهم إليه ودعاءهم إلى كتاب الله (1/442)
صفحة 443
العزيز وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإلى ذلك أرشد القرآن العظيم (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) إن الدين عند الله الإسلام وقال صلى الله عليه وسلم (كونوا عباد الله إخواناً وعلى الخير أعواناً). فيا صاحب الجلالة قد استخلفكم الله في بلاده فترغب إليه سبحانه أن يجعلكم من الذين وصفهم بقوله (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) ومن الأمر بالمعروف السعي في توحيد كلمة المسلمين وفي إماتة الإنتساب إلى المذاهب وإظهار التعصب لها اللذين قضيا على الإسلام وتسلط على أبنائه عبدة الأصنام الأجانب الأكالب وأن لزوم ما كان عليه السلف الصالح والسير بالمسلمين سيرهم هو الذي يعد علينا عزنا الشامخ ومجدنا الباذخ.
هذا والسلام عليكم وعلى من يعز لديكم. محررا يوم 23/ 5/ 1373 هـ.
جواب الملك على هذا الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
من سعود بن عبدالعزيز الفيصل آل سعود إلى حضرة المكرم الإمام الشيخ محمد بن عبدالله الخليلي حفظه الله. سلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو ونصلم ونسلم على خير أنبيائه ولقد وصلتنا رسائلكم التي أعربتم فيها عن عواطفكم الطيبة وشعوركم الجميل ونحن نقدر لكم ذلك في كل وقت فإننا كما تعلمون حريصون كل الحرص على جمع كلمة الإسلام والمسلمين والدعوة إلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكل ما نتمناه أن يأخذ بنواصينا ويسدد خطانا ويوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام.
وهذا كتاب منه لأمير المنطقة الشرقية سعود بن عبدالله بن جلوي:
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي إلى سمو المكرم الأفخم الأمجد الأمير سعود بن عبدالله بن جلوي المحترم سلام عليك ورحمة الله وبركاته إنا لله الحمد بحال (1/443)
صفحة 444
نشكر الله عليها وبعد فقد زار بلادنا الشيخ مشعان بن ناصر بعد زيارته الأولى التي عقدت بيننا وبينه روابط المحبة والصداقة وتوثقت عرى الصحبة بينه وبين علماء بلادنا حتى أحلوه بالمحل اللائق بأمثاله وقد ذكر لنا عن حومتكم وعطفها على رعايانا وإهتمامكم بشئوننا وحرصكم على استقلالنا وإنكم لا تألون جهدا بالدفاع عنها وهذا وإن كان ظاهراً لنا سابقاً إلا أن الشيخ أكده حتى حعله كأنه رأي عين ولا يستبعد هذا من حكومتكم السامية الإسلامية العربية التي لا تزال ساهرة على المحافظة على عز الإسلام والمسلمين وحفظ كيانهم ويسرها أن ترى المسلمين في عز ومجد وهناء وسعادة هذا والسلام عليكم وعلى من عز لديكم. محرر يوم 23 جمادي الأولى 1373 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
من سعود بن عبدالله بن جلوي إلى جناب الأجل الأفخم الأخ الفاضل الأكبر الإمام محمد بن عبدالله الخليلي. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ومرضاته نرجو الله أنكم بأتم الصحة والعافية وبعد فقد تلقينا خطابكم الكريم وتصفحنا ما تضمنه من لطيف التعبير وأنيس اللفظ وجميل العناية وما أبداه حضرة الأخ عن رعاياكم والمعاملة الحسنة معهم. فالواقع أن لا فضل لنا في ذلك لأننا مسلمو وأنتم مسلمون والمسلم لأخيه كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً وهذا هو دستورمور حثنا عليها المشرع الأعظم صلى الله عليه وسلم وواجبنا الديني المحافظة عليها والتمسك بها والمسلمون بخير ما داموا واضعين نصب أعينهم كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم عاملين بتعاليمها متمسكين بها فالحقيقة أيها الأخ العزيز إنا نعتبرك أخاً صديقاً وفياً وواجبكم علينا واجب الأخ نحو أخيه وننظر إلى رعاياكم كما ننظر إلى أبناءنا ورعيتنا ولا موجب لأن نشكر على ذلك أو نقدر عليه فهذا ندين لله به وما لا يمكن أن نقصر فيه، وفق الله الجميع لما فيه السداد والخير والصلاح للمسلمين جميعاً وحفظكم وأدام توفيقكم. 17/ 5 / 1373 هـ. (1/444)
صفحة 445
ذكر شيء من رسائله
كتابه لأبي مالك في بغي حمدان الحجري
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله بيده لحضرة الشيخ العلامة عامر بن خميس بن مسعود الذي هو من بني مالك سلام عليك كثيراً ورحمة الله. أما بعد فإني أحمد الله إليك وكتابك وصلني وفهمته وإني أتخوف التبعة كما ذكرت لعلمي بالتقصير والركون إلى الراحة والإستراحة وآل حجر لا أراهم يستقيمون وأنت تعلم ما هنالك ومن أين ترجى استقامة من أحد على هذه السيرة التي نحن عليها فشمروا لجهاد أعداء الدين بالتحريض على ذلك وإني قد دعوت الناس إلى المثار على آل حجر فإن نصر الله المسلمين هنالك فالمرجع إلى الغربية ولا قريب ولا بعيد ولا بغيض ولا حبيب إلا الإستقامة وعدمها وما عدا ذلك لغو وتملق وتشدق وظنك في الحجريين ذلك في أناس مضوا أمَّا اليوم فغيرهم أسرع إنقياداً للحق، أنظر إلى أشياخ بني هناة اما أنقادوا للأحكام وانظر أمر الحجريين كلما قيّد منهم أحد شرعوا يفاتنون العسكر أناس غرتهم نعمة الله عليهم وقالوا من أشد منا قوة وغرهم ثناء الناس ومدحهم لهم والأمر لله لابد من سر مكتوم في خزائن الغيب فلا تكرهوا ذلك والله حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. حرر يوم 16 رجب 1346 هـ.
كتاب آخر
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله إلى الشيخ الأكرم المحترم الأخ الأمير عيسى ابن صالح وكافة الجماعة آل حجر سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وإني أحمد الله إليكم اعلامنا خير وسرور. أما بعد فإنه فإنه ربما يبلغكم إيفاد أهل عمان إلى مسكة ودعوة أهل مسكة القبائل إليهم غير منقطعة بثوا الرسل والكتب إلى كل أحد والناس يقولون (1/445)
صفحة 446
ان فتح الباب وسده من الشرقية وانه لا يمكن أحد يفد مستجديا ويرجع ملأ الجقائب والآخر إذ سار عنف وسيء به الظن إما أن يحسن الظن بالكل أو يساء الظن بالكل وذلك أمر منعنا عن القول وقد تجرأ الوافدون بذلك والموفود إليهم ولا نرى إلا المنع فمن كان مع المسلمين وثابتاً على البيعة وغير خائس بعهده فلا يمكن مسيره إليهم مستجديا وقد حجرت عليهم ذلك إلا من كان ناقضا لبعته وعهده فذلك نظره إلى المسلمين ولا يعجز الله واعلموا أيها الناس أن أولئك لا يعطونكم شيئا من دنياهم إلا وأخذوا به شيئا من دينكم هذا قولي واستغفر الله لي ولكم والسلام وحررته يوم 22 من شهر شعبان 1357 هـ.
وبمثل هذه كتب إلى جميع عماله وإن يقرأوه على القبايل.
وهذا كتاب آخر له
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي إلى المشايخ الكرام العزاز الحشام الجماعة كافة رجال بني بو حسن. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام فإنا نحمد الله إليكم واعلامنا خير والحمد لله. وبعد فإنه بلغني تفرقكم وتلك عقوبة البغي وهي أول العقوبات فالمراد أن تراجعوا دينكم وتتراجعوا وتؤدوا الحقوق فيما بينكم وبين الخصم وتتوبوا إلى الله من خيانة العهود وكونوا يداً واحدة على الحق وتفرقكم وتخاذلكم عن إخوانكم إن كانوا يؤدون الشريعة المحمدبة ولم يكف الخصم يصير الخصم باغياً فقد أعنتم الخصم وخذلتم الدين وإني أخاف عليكم نقمة كما وقعت على الأتراك ونحن إن شاء الله لا نجد بداً عن مناصرة الدين والله عز وجل نستمده النصر والتأييد والتوفيق والتسديد وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حررته يوم 5 ذي الحجة سنة 1359 هـ. (1/446)
صفحة 447
وهذا جواب منه
لكتاب صدر إليه من المذكورين
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي إلى إخوانه المشايخ الفضلاء المرتضين صالح بن علي وصالح بن يحيى وسعيد بن على الميزابيين حجاج بيت الله الحرام وزواره وجيران حرمه، تقبل الله سعيكم وأثابكم رضوانه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى من جاور معكم من الإخوان وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأشكره على أفضاله وجزيل نواله راجياً منه أن يغمركم بنعمائه الشاملة ويغمر قلوبكم بأذكاره الفاضلة نحن ومن قبلنا بخير والحمد لله وبعد فإن الولد سيف بن سعيد الحاج المعولي وصل معنا سالماً وتناولنا من يده كتبكم الحاملة لمزيد التحيات ورسائلكم الحافلة بالأبحاث في المسائل التي أختلفتم فيها ولابد أن ينظر إخوانكم العمانيون فيها ويطبقون المسئلة على أثر السلف الصالح المستخرج من الكتاب العزيز والسُّنة المطهرة مع أني أقول إجمالا أوصيكم بالتثبت في الأمور وان لا تعجلوا على إخوانكم بقطع العذر والبراءة واحتملوا للمسلمين فيما كان فيه محتمل ومن دين المسلمين أن لا ينصبوا الرأي ديناً فإن الله عز وجل جعل هذا الدين يسراً وفتح للعلماء باب الإجتهاد وألزم كلا أن يأخذ بما أداه إليه إجتهاده فيما لم يكن فيه نص عن الله تعالى بكتاب صادق أو إجماع الأمة لثبوت العصمة لهم فلا يجتمعون على ضلالة وما كان وراء ذلك فهو محل إجتهاد وبحث لا محل قطع عذر وتخطئات فانظروا رحمكم الله بعين البصيرة واعتمدوا على الحق فهو السيرة التي آثرها الأسلاف وقد رأيت في غضون تلك الورقات ما لو برهن بالبرهان لتبين أي بيان أنه من مسائل الإجتهاد وأن للرأي فيه مجالا وللعلماء فيه مقالا فلا يقضى بها إلى التخطيات وقطع الأعذار واعلموا أن النصوص تتناهى والحوادث لا تتناهى فاقتضت حكمة العليم (1/447)
صفحة 448
الخبير الرءوف الرحمن الرحيم ان جعل للعلماء النظر والإجتهاد وأن يحكموا على الحوادث بما أداه إجتهادهم في الإستنباط والوزن والعيار لذلك جاء (ما فرطنا في الكتاب من شيء) فالله الله فيما يجمع الكلمة والتآلف ويبعد الشحناء والتخالف ولا تكونوا كالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً فما مني الإسلام بشيء أعظم وأطم من التخالف المؤدي إلى الفشل المنتج لأنحلال القوى وذهاب الدول.
هذا وإخوانكم أهل عمان حريصون على إجتماعكم ونظام جماعتكم ويسيئهم جداً ما يبلغهم عنكم من التفرق. جمعكم الله على الهدى وسلك بنا وبكم نهج سلفنا رضوان الله عليهم، والسلام عليكم حميعاً محرراً في يوم 20 جمادي الأولى سنة 1372 هـ.
وهذا جواب لسؤال صدر إليه من إخوانه المغاربة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة على نبينا محمد وآله وصحبه.
بلغنا السؤال عن فتوى العالم القراري المجيز الآخذ بخبر التلفون والبرق في هلال رمضان وشوال وقاسه على شهادة الأعمى والشهادة في الظلمة والشهادة من وراء حجاب واستماع المؤذن، فالذي نراه ونعمل به ونحكم عليه الأخذ بالكتاب والسُّنة وبما جرى عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم وتبعهم الخلف هوَ أنه إذا تباعدت الديار واختلفت المطالع فلكل قوم هلالهم والحجة في رؤية الهلال والشهادة العادلة أو الشهرة القاضية أو حكم من الحاكم بصحة الهلال ودينكم يسر، فاشكروا الله الذي جعلكم من أهل هذه الشريعة الحنيفية السمحة ولو شاء الله لأعنتكم. وأما الكلام في قياسه فنحن لا نعلم خبر التلفون على الحقيقة مع أنه لا داع لذلك صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، ولم أن الأوائل تكلفوا في طلب الهلال فإن أيام الحج طوال، فلو كان يلزم البحث لكان الأوائل أحرى بذلك فلم يبلغنا أنهم يلتمسون الخبر من الديار البعيدة النائية مع إمكان ذلك والله أعلم. (1/448)
صفحة 449
ونحن أهل المشرق نقر لكم ونسلم أنكم أكثر إطلاعاً للآثار والأخبار إلا أن فيكم شدة لا تسلمون الأمر ونحن بحمد الله نعظم علماءنا وننقاد إلى أقوالهم وأحكامهم لأنهم بالمنزلة العليا في العلم والورع و الجاهل منا يعظم العالم ويحترمه بل ونحترم علماء المغرب كالشيخ القطب محمد بن يوسف رحمه الله ويسوءنا ما يبلغنا من تخالفكم وعدم توقيركم لذلك الشيخ وأمثاله وإن إختلف المشايخ في مسئلة من غير مسائل الدين فليس ذلك بموجب فرقة ولا ينبغي لتلامذة هذا الشيخ أن يتحاملوا على الآخر لا حجة إلا لما يرونه من توقيرهم لشيخهم، الجاهل لا يتعدى طوره فلا تعجلوا على الفزاري بالبراءة واعلموا أنا نأخذ بالسنة وأرجو فيئته والله حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وذلك من إخوانكم المشارقة من أهل عمان إمام المسلمين محمد بن عبدالله ومن حضره من الإخوان.
كتاب رجال حزب الإصلاح بميزاب لأهل عمان عموما
بسم الله الرحمن الرحيم
إخواننا الكرام، رجال عمان الأمجاد الخاص منهم والعام. صانهم الله وأخذ بأيديهم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أما بعد فقد نعي إلينا والأسف يملأ الفؤاد والأسى يوشك أن يشق المرائر إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
أحقا أفل نجم عمان الذي طالما أزهر فأستضيء بنوره في ظروف محلولكة المنظر قاتمة المخبر.
أحقا سقطت دعامة من دعائم المذهب الشريف هنالك ومال ركن عدله القائم وتوارت شمس وحدته بالحجاب، أي وربك إنه لحق، وأنه لرزء عظيم وحادث جلل لولا حكم من الله يجب الإذعان له وقضاء منه يتحتم الرضاء به والإستسلام إليه وسنة من سنن الله في كل حي وإن طالت أيامه في هذا الوجود (1/449)
صفحة 450
كل إبن أنثى وإن طالت سلامته * يوماً على آلة حدباء محمول
إخواننا الكرام، إن حزب الإصلاح في ميزاب ليشارككم معشر الأحبة في هذه المصيبة العظمى ويشاطركم الأسى ويقاسمكم الألم فعظم الله أجركم وأجرنا وألهمنا وإياكم الصبر الجميل والثواب الجزيل، ولا ملجأ من الله إلا إليه قال الله تبارك وتعالى (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
جمع الله قلوبكم إلى رجل يجمع العلم الواسع والمعرفة بالله معرفة حقيقية دهاء وحنكة وإلى الأصالة في الرأي والحزم في المواقف والشجاعة في الإقدام والإحجام شفقة إلى الأمة ودماثة في الأخلاق ولطفا في المعاملة وإلى الورع الصادق وحسن السمت في السير معرفة بأساليب الحياة وإقدام على التطور في دائرة الدين ومصلحة الإسلام المشتركة فلن يصلح هذا الدين إلا بإستصلاح الدنيا ولن يسلم كيان الأمة وتحفظ جانبها من عدوان الإنسان إلا بالإعتصام بالله والتذرع بوسائل القوة والعزة وقديما قيل (الإستعداد للحرب يمنع الحرب).
إخواننا الأماجد، يسرنا جدا ما نسمعه عن وطن عمان من زكاء التربية والثروات الطبيعية بقدر ما يحزننا نكول إخواننا عن استثمارها وعدم أخذهم بالأساليب الحديثة في الإنشاء والتعمير شأن أمم العالم بأسرها ويسوءنا والله أن لا نسمع بعمان صوتا بين الممالك الإسلامية والدول العربية وأن يبقى مجهولا من أمم الدنيا كأن لم تكن الأمة التي حفظ لها التاريخ بين مطاويه بطولة نادرة ومجداً رفيعا والدولة التي ملأ دويها سمع الزمان ورتل فمه آيات أليست هي التي قمعت طغيان الإستعمار البرتغالي وتحطمت على صخرتها أساطيله العتيدة وظهرت منه الأماكن والبقاع ألم تكن فتحت الفتوحات الواسعة وحكمت فكان العدل منها سجية وشقت الأفلاج ونشطت حركة الإنتاج والإصدار والإيراد وغرست آلاف النخيل والأشجار وشادت للعلوم حصونا أخرجت العلماء النابغين والحكام النابهين فيهم الشاعر (1/450)
صفحة 451
والناثر والمحدث والسياسي المحنك والإداري الماهر وناهيك بحصن يبرين وما أصاب من علماء أجلة وشموس ساطعة فضاءت زاياه حينا من الدهر، يا عصابة الحق.
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا * وأقبح الجهل والإفلاس بالرجل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) فقلدوا أمركم شهما أخا ثقة يورد الأمور ويصدرها ويشق بكم الطريق إلى حيث العزة والسعادة والسيادة الحقة ويغشي بكم ميادين الحياة ويعدكم إعداداً قويا بتجديد عهود زاهرة مضى عليها أئمة الهدى أمثال ناصر بن مرشد وبلعرب بن سلطان وأخيه سيف بن سلطان قيد الأرض وكثير غيرهم ممن كان قبلهم أو جاء بعدهم:
فقلدوا أمركم شهما أخا ثقة * يكون ردءاً لكم للحادث الجلل
ماضي البصيرة غلاب إذا اشتبهت * مسالك الرأي صاد الباز للحجل
إن قال برَّ وإن ناداه منتصر * لبى وإن هم لم يرجع بلا نفل
يجلوا البديهة باللفظ الوجيز إذا * عز الخطاب وطاشت أسهم الجدل
إن قطر كقطر عمان العريق بالسيادة والمجاهدة الحافل برجال الكفاءة لا يتكأده أن يوجد خلفا للراحل العظيم يخلفه بإستحقاق ويسدد الثغور التي كان يسددها ويضطلع بالأعباء التي كان يقوى على الإضطلاع بها إذا ظفرتم بهذه الشخصية الكريمة وهذا مما لا شك فيه إن شاء الله. ولعل كتابنا هذا لا يكاد يصادفكم حتى سيكون قد تربع على عرش الإمامة فأسمعوا لع وأطيعوه ولا تفسدوا عليه أمره بالخلاف والتنطع ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ودعوه يتفرغ لتوجيه الأمة وجهة الأمم التي اعتنقت مبادئ الحياة سيما المجاورة لكم بتشييد المدارس والمعاهد والكليات وإرسال البعثات لتعليم الصناعات وتأسيس المطابع والشركات وإصدار الجرائد والمجلات وإنشاء المستوصفات والمستشفيات وتعبيد السبل والطرقات ومد السكك الحديدية والأسلاك الكهربائية وإنشاء المعامل بأنواعه وإستخراج المعادن وتحصيلها إلى غير ذلك مما يتوقف عليه نظام الملك وتستوجبه عزة السلطان. (1/451)
صفحة 452
أيها الأخوان الأماثل ألا يسوءكم أن سيبقى قطركم فقيراً وتحت أقدامكم الكنوز الطبيعية وعن اليمين والشمال مياه متدفقة وتربة خصبة أيبقى منعزلا عن العالم وله رءوس مفكرة وعقول راجحة ونفوس زكية ومنكمشا وبه رجال لو أطلقوا ألسنتهم وأقلامهم من قيودها ونشروا علمهم لأذاعوا صيته بين الخافقين ومكبل الأيدي حاله اليوم كحاله قبل قرن من الزمن والدول كل كاس حي إن لم يتطور دراكا دل ذلك على مرضه واعتلال مزاجه.
أيها الأصحاب، ان عصرنا هذا عصر العلوم والنور عصر الحياة وتنازع البقاء عصر الإجتماع والتكتل عصر الذرة والرادار من رام أن يعيش فيه منفردا ومنعزلا عن غيره داسته سنابك أيامه وازدروه ازدراء النهم لطعامه، والذئب يأكل الشاة القاصية من الغنم، فادفعوا بارك الله فيكم إلى الأمام وكونا حائطا لا صدع فيه، وصفاً لا يرقع بالكسالى، وابرزوا دولتكم للوجود وساهموا في إقامة ركن الإسلام المائل، وجاهدوا كسائر أممه عدوه الصائل، كل ذلك في حدود الدين ودائرة حفظ الكرامة والذاتية طبعا فالله معكم (لن يتركم أعمالكم).
هذه كلمة أملاها علينا حب الخير لأمة شقيقة تربط بيننا وبينهم وشيجة الدين ولحمة المذهب في دورة من دورات تاريخها نرجو منكم أن تمعنوا النظر فيها كل الإمعان وتحملوها على محمل حسن وتعملوا بمقتضاها فهي من صنع من طب لمن حب كما نأمل منكم أن تعرفونا بما تم لديكم وعلى من اجتمعت عليه كلمتكم ولا بأس أيضاً أن تطلعونا أيضاً على ترجمة الإمام الجديد وعلى ما ميزه الله به من الخصائص وعن نظريته في الحياة ومبدأه في تدبير الملك إلى غير ذلك وفصلوا لنا ذلك تفصيلا. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه دمتم لإخوانكم رجال حزب الإصلاح بميزاب.
عن القرارة الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر والشيخ أبو اليقظان إبراهيم الحاج عيسى ورجال جمعية الحياة. (1/452)
صفحة 453
عن غردايه الشيخ بابكر صالح بن قاسم والشيخ رمضان إبراهيم بن صالح ورجال جمعية الإصلاح.
وعن العطف الشيخ ابن يوسف سليمان بن الحاج داود الشيخ بكلي أحمد بن الحاج يحيى ورجال جمعية النهضة.
عن بنوره رجال جمعية النور.
عن بني يسجن ومليكه رجال كتلة الإصلاح.
عن بريان الشيخ الطالب باحمد صالح بن يحيى ورجال جمعية الفتح.
وكاتبه نيابة عن الجميع بلكي عبدالله جماع عمير بيده.
يوم 11 القعدة سنة 1373 هـ.
هذا ما قدر الله جمعه من الحوادث في عصر الإمامين رحمهما الله وما كان من إسهاب
في بعض الأحيان فلما يقتضيه الحال ومن الله نستمد القبول في جميع الأعمال
وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
وكنت قد شرعت فيه قبل وفاة سيدي الإمام الخليلي
فتأخر طبعه إلى الآن فلذلك ترى فيه زيادات
لم تكن في عصره وكتبه العبد
محمد بن عبدالله السالمي
في شهر شعبان عام 1380
من الهجرة النبوية
صلى الله وسلم
على صاحبها (1/453)
صفحة 454
ولما انتهيت من كتابة ما قدرت عليه من التاريخ أحببت أن أكتب بآخره أجوبة من لكتب صدرت من سيدي الإمام الخليلي رضي الله عنه وهي خمسة كتب وما بعدها فأجوبة لصديقي القاضي أبو الوليد وغيره من المخلصين:
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الحمد والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه:
حضرة مولاي وسيدي الإمام محمد بن عبدالله الخليلي أبقاه الله وعافاه.
بعد فائق السلام والإحترام:
وصلني أبقاك الله كتابك الكريم على يد أخينا الحميم القاضي أبي الوليد فأنعشني رجاؤك بعدما رمقني أعدائي وأعداؤك وحمدت الله على اهتمامك بنا وحفظك الحق لشيخك الذي أبقى للجباه العاتية صيحة الحق وللقلوب الغلف نداء الواجب وللضمائر الواعية طريق العمل وللهم المتوانية شد العزيمة، وإني لأشكرك كل الشكر إذ لم تحتكر رحمتك فها أنا مددت الباع بعد انقباض الذراع مقر أن عمتك قلادة عنقي لا يقطعها إلا غاسلي.
12/ 8 / 62
جواب آخر
لقد وصلني كتاباك الكريمان في يوم واحد كما أن تاريخهما في يوم واحد فسرى عني ما أجده من الأجراس وجرى في ماء الحياة بعد اليأس وقد عرفت أبقاك الله ما طبعك الله عليه من الرأفة والرحمة والتأميل الذي لا يكون إلا من حسن الظن وكل إناء بما فيه ينضح، وكل أمرئ ينفق مما عنده، وليس عندك الإ الخير، ولا في عينك إلا الرحمة، فلعل الله أن يجعل هذا سبباً للإنعام والإنعام سبباً للإنقطاع إليكم والكون تحت أجنحتكم فأنا على ساق الإمتثال راجياً أن لا أضيع بين عقلك وكرمك. (1/454)
صفحة 455
9/ 10 / 63.
جواب لكتاب ثالث
وصلني كتابك أبقاك الله سيدي وأنا بصور تدعوني إليك فحنيت القامة إجلالا لما حبوتني وطأطأت الهامة امتثالا لما أمرتني آملا من الله أن يكبت السفهاء الذين أرعفوا أقلامهم وفغروا أفواههم ينحتون من اثلتي، ويطعنون بحراب الكذب والبهتان حرمتي وينهشون بأنياب اللوم والصغار نعمتي ينسجون لي ثوباً من خيوط الوقيعة وإكليلا من شوك الإضطهاد حسداً من عند أنفسهم لما زاحمتهم بمنكبي حين عرفوا أني أنورهم شعاعاً وأمدهم باعاً.
9/ 10 / 63.
جواب لكتاب رابع
وصلني كتابك الكريم يا سيدي الذي رفعني في إكرامك بحيث وضعت نفسي من رجائك وسررت بعافيتك وسلامتك ورضى قلبي بما أحببته له وقرت عيني بما وصلتني به وحبب إلى الحياة على ما فيها من شظف ما رضيته لي فكيف أختار فوق ما اخترته ومنذ زانني اسم خدمتك ما رأيت إلا الإحسان من كل الجهات ولا شممت إلا الإخلاص من جميع الطرقات ولا أحسست إلا شفقة يطمئن إليها القلب وتسكن لها الجوارح وهل فوق ذلك من مزيد لشاكر عاقل ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا:
وإذا نظرت إلى أميري زادني * ضنا به نظري إلى الأمراء
10/ 5 / 1369.
كتاب آخر وهو الخامس
26 / قعدة / 1368.
كتاب آخر وهو الخامس كتب إلي وإلى القاضي سعود بن شيخنا المالكي في عتاب بلغه بيني وبين عامله على بدية فأجبته بهذا:
حفظ الله مولاي ومتعنا ببقاءه، لقد تلقيت كتابك الكريم بالقبول والإمتثال وما بلغك من العتاب بيني وبين عاملك الكريم سببه تخمين وسوء ظن (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا) إن بعض الظن إثم فوجد السعاة سبيلا لصدع العصاة والغواة مجالا لبث الهوى فسعوا إليه سعي متأله بالنصح والخسران في السعاية أكثر من الربح (ومن (1/455)
صفحة 456
يغترب يحسب عدواً صديقه) فعبث عبث الصبيان وأولاني درجة الإمتهان بعدما ألزمته الظل وأطعته طوع النعل فلعبت بي ظنون من كنت به لاعبا. قال علي لعثمان: إن قلت لم أقل إلا ما تكره وليس لك عندي إلا ما تحب والله يعلم سيدي أني ما غششت بعد النصح ولا انحرفت لطلب الربح ولا نصبت لفتح الجرح فلم يعاث في حقوقي ويرتع في مواتي وأنى على يقين أنه سيفاً سله الله على هؤلاء اللئام عاقبة من البوار فأبقيته أيها الصديق كما أبقى الصديق من قبلك على المنافقين والكفار وأرجو من الله أن يمنحنى الوفاء بحقه وحقك وأن يلهمني التأدب بأدبك والإحتمال على مذهبك وما ذلك على الله بعزيز ومبلغ مناي ومنتهى أملي أن لا يجد الحاسد مجال لحظة والقادح مساغ لفظة فإني على العهد الأول والأحوال أصدق شاهد وما تسكنه الضمائر تبديه المشاهد.
وهذا جواب لكتاب صدر من العامل المتقدم ذكره بكتاب سيدي الإمام في 20 رمضان سنة 1368.
حفظه الله من خطل القول وزلل الفعل بكفالته الواجبة لذوي أمره بعد السلام، وصلني كتابك تستلفتني ببرك بعدما نالني برك وقد كنت حر الأصل فأستعبدني برك وردني إلى الحرية جفاؤك فلست بعائد إلى الرق ببرك.
إيهِ أأنا المنافق والمشاقق وغيري الموافق والمرافق، أبعد خمسين عاماً احتسبها عند الله أكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) أبنميمة أهداها كاشح ونبأ جاء به فاسق وهم الهمازون المشاءون بنميم. والوشاة الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا والغواة الذين لا يتركون أديماً صحيحا (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).
لا غرو قد يغص الماء شاربه ويؤتى الحذر من مأمنه ما أردت إلا أن تغص مني فأتضرع إليك وأتذلل بين يديك ما حركت الحوار إلا لتحن ولا أبس للجزور (1/456)
صفحة 457
إلا لتدُر إلا لإني التنين وابن الأبيين فإن جهلت فسل عمن رتق فتق المصر بعد الشق وخلف للجباه العاتية صيحة الحق (أنا إبن جلا وطلاع الثنايا) ولعله غرّك مني المحاباة والدعابة فظننت أني رجل تلعابه.
أنا مثل الماء سهل سائغ * وإذا سخن آذى وقتل
أنا كالخبزور صعب كسره * وهو لين كيفما شيت انفتل
والله إن سيدي الذي ولاك على البلاد يعلم أني ما غششته ولا انحرفت عنه ولا نصبت له ولا هربت منه، إلا أن لكل شيء أمد وبعد اليوم غد.
10 محرم 1366.
جواب لكتاب وصلني من صديقي أبي الوليد
إلى من فك المعمىّ وفصل بين الإسم والمسمى وعناه القائل بقوله: أنا الذي نظر إلىَّ الأعمى.
فسح الله له في العمر وأعاننا وإياه على نوائب الدهر، السلام عليكم ما حفظ الوداد أهل الصفا وشكر الصنيعة أرباب الوفا إني أحمد إليك الله وأشكره وأستمده العاقبة والستر ما بهذا القطر من خبر فنرفعه لأولي الأمر، وصلني كتابك وفهمت ما به من الجمل وما أسفر عنه من بلوغ الأمل وإني لأحفظ لك الإيثار كما حفظه المهاجرون للأنصار وما أزمعت على يأس منك بضمان ما تكلفت به من المن بل خرجت على عهد أخذه عليك حسن الظن وإن كان في كل الشجر نار فقد استمجَدَ منها المرخ والعقار وأنفع الحياء ما صادف جدباً وألذ الشراب ما أصاب غليلا لقد أسندتني قبل أن يغلبني الغلب وأنهضتني قبل أن يفخر علي العاجز المذبذب ومنعتني من أن أفترس وتداركتني قبل أن يكبوا الفرس.
فأنا أشكرك على ستر الخلة، وحفظك للوداد والخلة، ومراعاتك للكرم والخِلة، لا زلت ثابت العهد واري الزند محفوظ الجناب وجيها بين الأصحاب. (1/457)
صفحة 458
وهذا جواب آخر مني له أيضاً يبحث عن قضية
السلام عليك والرحمة والبركة يتواليان إليك في القيام والقعود والحركة أخوك الصب يحمد إليك الرب ويسأله تذليل الصعب وتنفيس الكرب وتهوين الخطب تناولت لكل إحترام كتابك الكريم فأنساني سرح العيون ورسائل ابن زيدون وتدوين سهل بن هارون وتوقيع المأمون ما هو إلا صُبابة حرّكتِ الصبابة وجرس الدعابة ولقد استفزني الطرب حتى صفقت، ولولا أن الأدب إستفزني لحلقت ثم إني سلمت الميدان والرهان والمساحة وناديت على رءوس الأشهاد أن شيخ المشايخ فتق أديم الفصاحة وفتح سوق البلاغة فغنم أرباحه، وما البيان إلا أرج بغير ثيابه لا يعبق كما أن السعادة صب سوى تراب بابه لا يعشق.
أما الجعجعة فتحتاج إلى مقالة ومقامه والعاقل يطلب من القعقعة السلامه ولقد أدبرت الحيلة وأقبلت الغيلة والمقدس يغضي على القذى ويصبر على الأذى، يأمر بإصلاح ذات البين والقلب والجوارح والعين مرهونة بصاحب اللجين والعين ومن أشرب قلبه الرين لا يرى إلا النزاع والبيت، ذلك يرى أنه تحمل الدعامة وتقلد الزعامه وتوشح الصمصامه وأقره أبو نعامة وهذا يقول أنا فارس النعامة وخالد اليمامة وغضنفر أسامه ويأنف من أمره أسامه ومن لم يربع على ظلفه ويقيس الأمر بقلبه وكفه جلب عليه الدهر رجله وخيله واجتمع إليه الحشف وسوء الكيله والله يكلأنا بفضله ويحرسنا بعدله ودم محروساً سالكا مدارج الكمال راقياً معارج الآمال.
2/ 3 / 67
كتاب آخر
إلى من عرف بالرجاحة وصبغ أديم الفصاحة أخينا أبى الوليد، سلام عليك يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمال ما هبب الجنوب والشمال أني بخير لا زلت بجاه عريض ونعم بيض وخير مستفيض، وصلني بيانك المحلى بحسن السبك الموشى بصبغ السَّك (1/458)
صفحة 459
وتناثرت إلى درره تهافت الدر من السلك فهش السمع لوعيه وظفر الطرف لرعيه حتى خيَّل علي بأنك نزلت إليَّ فأمليته بين يدي أبا الوليد هذا مضمار يعرف به السابق والمسبوق واللاحق المقصر عن الملحوق. لا ساق لنا فنسوق هذا المساق ولا مطهمة فنجاريك في السباق ولقد نشرت لك فيما سبق من الصحف أخبار الطرف والنجف وما يحسن إملاءه من التحف، وبكل أسف أقول ليت لنا كنز النطف فنسد به هذه السفاسف والسخف ....
انتهت المشكلة من حرب البسوس بالحظ المبخوس والطالع المنحوس وطابت النفوس بعدما ضاق الفسيح وأغبَّر المليح وتكهن شق وسطيح.
وهذا آخر مني له
السلام عليك كما انهمر الغمام ما توالت الأيام أخبار هذه البلاد ل وخيال وسفاسف تعافها عقول الرجال سبقت لك مني كتب جمة وكلها مهمة ولم أر منك ما يروي الغلة لولا بلالة سمحت بها فمصحت العلة وهي المحررة من الدريز ما هي إلا سلاسل الإبريز مع ما ذكرته من الهزير والتريز. أما الواقع على ما بيد ابن الرماسة فما كان عن قصد ولا روية ولا سياسة ولكنها الحظوظ إذا قعدت هدت المشيد وقلعت أساسه وأضاعت العاقل وأبطلت قياسه ولقد أشرق الرجاء وبسم الأمل ا هـ.
وكأني بصحابك قد غشيته موجة الإضطراب وأغرقته لجة القلق واستمالته رقة الشباب ورخامة الكلم ومن أمجد الخصال وأشرف المكارم ان يكون للمرء من نفسه سلطان قاهر يحجزه عن استفزاز الأطماع واللذات وعزم قوي يقيه من القلقات وهمة قعساء تصرعه عن الفلتات إذ ما هنا إلا هدم البناء ومحض العناء على وجه مياه مسحة من ملامحه.
ثم انه أعوز الحال إلى استفهامه عن ذلك السؤال راجياً أن تفيض العين بدمعة السرور ففاضت زفرات الأحشا وغاضت مياه الرجا. (1/459)
صفحة 460
11/ 5 / 1367 هـ.
وهذا آخر مني له
حياه الله وبياه، وجمع بيننا وإياه، تناولت بكل سرور وإرتياح كتابك المبشر بإعتدال صحتك، أما ما أشرت إليه عزيزي أين يبسط الوافد إليهم قدميه وقد تَفَوْزَرَ في القبلة الغوث الأعظم وقعد في الشرق الوتد الأكرم وتربع على الجنوب الأستاذ الأفخم وانقفع على الشمال القطب الأثرم إن العاقل يحرص في توسيع نطاقه ليحظى بدنيا عريضة يبسط عليها سلطانه ويمد فيها يده ولسانه. أما من رضي بالأماني فكل شيء يكفيه لأنه نصب الأماني بين عينيه فرضي بملء فيه وإني لا أحب أن أقوم مقاماً لا أنال فيه إلا التمويه فألوى عناني متضائلاً ظامياً على ما في بطني من ثفل فيه فيقتنلي الأسف بميتة يضحك لها السفيه فها أنا قدمت إليك بياني للإطلاع.
5/ 11 / 1368 هـ.
وهذا آخر مني له
لقد بلغني الهجوم المشئوم على ذلك الشخص المعلوم، فما هذا الذنب الذي لم يسعه العفو وما هذا الجهل الذي لا يأتي من ورائه الحلم والسهو غفرانك الله إنا في زمن كنا نرجو أن نتناسى ما أضمرته الأجنة وأكنته الأفئدة (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ) لا غرو الحين يسبق جهدا الجريض. ولقد علمت بوصولك والقلوب تحمل حنقا والأسنة علقا خوف سبة الدهر وإذا امتحن العزيز لم تستل سخيمته إلا بالإنتقام، حنانيك أبا الوليد هل الرجل من مزق الأديم أو ضحى بالأشمط الكريم أو جاء بالإفك العظيم أم صلب العايذ ورجم الكعبة وجعجع بالحسين فأشفى قلبه. إني أعيذك ونفسي بالعظيم السلام من طوار الأيام واستمطار الجهام ويقال من (العدل المحض أن يحط هن الحاسد نصف العقاب) لأن ألم حسده كفاك غيظه
أعادي على ما يوجب الحب للفتى * وأهدأ والأفكار فيَّ تجول
سوى وجع الحساد دواي فإنه * إذا حل في قلب فليس يحول (1/460)
صفحة 461
19/ 4 / 1369.
وهذا آخر مني له
إلى جذوة الظلمات ونجدة الظلامات رحب الباع
سلام عليكم يا قاض سلام محب مجانب للأغراض قدمت إليك بطاقات طويلة الذيل تتوالى إليك كقطع الليل وكلها بعد الإستراحة من المُسْفِرة والسفر والذي جعلت مفتاحاً للحق وفتاحاً بين الخلق ما حلّ تلك الأواصر التي شدت ولا شد الرواجب بالخناصر.
أخبارنا لا زالت تدب وتسعى * حتى تحككت العقرب بالأفعى
واستغنت الفصال حتى القرعى
وبقيت الأيام سجال فاما محفل واما احتفال وكنا نظنها سحابة صيف فتقشع فإذا هي حركة سيف.
تبع تضرمها غزالة الرجل الحروري * متلفعة بوشاحها الحريري
من ورائها موالي عاملة ناصبة * صادقة كاذبة تحمل جمرة الغيظ
والغيلة وتعمل بكل اجتهاد وحيلة * فحينما تبين لتا الحيّ من اللهىّ
حللنا حبوة العي فوقفنا بذلك المركاض ولا وقوف قس بعكاظ ننشر الخطب الطوال العراض ويد الحق تصدع رداء الشك وخلاصة الجوهرتين بالسبك والحارث يزفر زفرات القيظ يكاد أن يتميز من الغيظ فضربنا دون مراده بالأسداد وبذلنا الجهد في الإرشاد والمثل في كل شجرة نار والحديث جرح العجماء جبار فشمخ بأنفه صلفاً وكبرا لكونهم جاءوا شيئاً إمرا فهو لا يستطيع معه صبرا ثم اعتذرنا له اعتذار الأكياس وخوفناه عقبى الشدة والباس وحذرناه الإدلال والإغترار وعاقبة المكر والعثار فسكن بعض الرهج واستقام شيء من العوج.
آخر
ذكرت تبحث عن القضية وما يبلغك من العواصف الصيفية عزيزي انها أمواج يدفع بعضها بعضاً تجزر وتمتد وتهدأ وتشتد وما هو إلا هو حب السيطرة (1/461)
صفحة 462
والإستعلاء والنفوس مملوءة بالشر فلذلك تجد المفاوضات والمعاهدات ولا يلزمون التعهدات فما أسرع ما ينفقون وما أعجل مَا ينكثون ولقد اشتد الحال فقمنا إلى نشر السلام وبث الكلام فلم نجد أذناً صاغية ولا قلوباً واعية وهل يجد المصلح حالا لنيل المراد وزوال الأحقاد وأن يكون المؤمنون إخوة ما دامت الكبرياء والأنفة والنخوة وطالما قلت لا يغرنك الدبا وإن كان في الما. ولما لم يطع لقصير أمر وقيس الشبر بالفتر فقد أسفر للناظر فجر وعرف الحلو من المر ولا يصلح رفيقاً من لم يبتلع ريقاً.
وكتاب سيدي المقدس وصلني وأقول ليس في استطاعتي تغيير الجبلة التي عليها طبعت وتغيير الحالة التي عليها فطرت ولو عاكستني الأيام ووقفت بوجهي مصائب الأيام وكفاني شرفاً والحمد لله ما زانني من اسم خدمته وما زهاني من وسم نعمته حتى تضرمت جوانح الأكفاء حسداً وتقطعت أنفاس النظراء منافسة فماذا ابتغي يا سعد.
آخر لصديق آخر
أما القاضي فما جوابه بشفاء العليل ولا ري الغليل وإصراره على تأخير شرح النيل ما هو بالرأي الأصيل وهنا صرح المخض عن الزبد وعرفنا منتهى القصد فهل هذا يحسن ممن تقام بهم الجمعات والحدود وتؤخذ عنهم الفتاوي وتزيف الشهود قيل للعارية: أين تذهبين قالت أكسب أهلي ذاما إلا أن الحية من الحيية وآخر الدواء الكية فأفصح لي جوابه كل الإفصاح بالعدم أو النجاح فقد أدرك شهرزاد الصباح.
أخبارنا بالأمس شمرت غزالة وقامت تفقد الخزانة لما يصلح للحالة من الآلة مستسلمة للحين كي ترمي بقدحين وها هي تلفعت بوشاحها طامعة في نجاحها وأولت زوجها الجحجاح قفل البيت والمفتاح وأسفرت بوجه الوقاح وثغر النباح وتقدمت للكفاح فإن تم لها المرام فهذه من التجاريب وإلا فما هي من أول الأعاجيب وإن لم تنجح الحيلة فجهيزة بالباقي كفيلة وشر الحرب الغيلة والحارث في جبهتها يقضم اللجم (1/462)
صفحة 463
ويتحرك تحرك النجم للرجم ينشر القشيب والرث وينتشل السمين والغث فتعلقنا به تعلق الحرباء بالأعواد طمعاً في السداد وبذلنا الجهد لمنعه من الكر ودفعه عن الشر وهو يأبى إلا الإنتقام وقطع شأفة اللئام نهاية الأمر أنه عرف كيف يقتطف وعرف من أين تؤكل الكتف وما بقي إلا الندم على ما وقع وترقيع الخرق بعدما اتسع.
آخر لآخر
آنس الله وحشته ولا حرمنا مواصلته وصلته كتابك الأكرم وافاني وعزازة الحاجة بملاذ العيوق وكونها أعز من بيض الأنوق لا بأس ارمها بحجر الحرمان وانقذ صاحبها من الإمتهان وان يهان فما هي الغرض الأقصى وما بلغكم فذلك قطرة من غيث والأمر لمن ملك زمامه وتقلد الزعامه وما لقينا من هذه الغمامة ألا لقلقة اللسان محمد بن شيخنا العلامة وان حاكمناهم إلى الدهر لعرفوا لمن الفخر فهم يأكلون ما زرعناه ويشربون ما حلبناه وينهبون ما جنيناه أما صاحبكم فيرى معاكستي فرض عين وكنت لزمته احتراماً للحق ووفاءا لمولانا المحقق ولم أرفع كلمة من هذه السياسة لما تمجه الطبيعة من هذه الهياسة إتكالا على الأقدار وتربصاً لعاقبة البوار، ولما خفت الورطة ورأيت الأمور تجري على غير الخطة لزمت البيت وبغيري اكتفيت، و (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) وما مضى فات وما هو آت آت والأيام تفصح والنكوص أقبح.
آخر لآخر
أيها المحب الظريف والأديب العفيف حفظه الله من الشين وملأ حجره اللجين والعَين استلمت من يد القافلة بين الفريضة والنافلة كتابك الكريم الصادر من قلب سليم إلى محب سليم فسفر عن رأي وسيم وفاح بأرج النسيم فشممت منه عرار نجد وما بعد العشية من شميم ثم رحت أجر ذيول الطرب وأقول يا للعجب
مالي شكوت إليك نار جوانحي * لتكون مطفئها فكنت المشعلا
أعياك إسعافي فصرت معنفي * ليت الذي منع الجميل تجملا (1/463)
صفحة 464
أيها الجار المكاسر والخل المواسر ما حل تلك الأواصر حتى غدوت العقاب الكاسر، لقد راعني انسياب قافيتك إليّ وتشمير ذيلك عليّ تسومني الدار وتطلب مني الإيثار وتحكمني في القيمة وتدفع فيها اليتيمة، ترى لنفسك القرار ولغيرك الفرار أليس هذا من العار عهدي بك طراز المجالس والخل المؤانس.
فغدوت، الحباب الموالس والذي زين الرجال بالعقول، إني بحق ما أقول ما أنت أول صديق دلس ومحب على إخوانه لبس
أبعين مفتقر إليك نظرتني * فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنني * أنزلت آمالي بغير الخالق
يا أعز صديق وأظرف رفيق لقد ثاب الفهم بعدما صرد السهم وأحسست بالخيال بعد ضيعة الغربال، فبت أناقي القلب المعذب، وأقلب العزم المذبذب، وأفكر تفكير المحترز من الوهم المتأمل مسقط السهم فأجمعت بعد أن أصحرت وأسمعت بعد أن أبصرت فخلعت العذار وناديت في الدار البدار البدار إلا أن الجار قد جار
واستظهر بذوي اليسار والذي نور القمرين ورفع الحجرين لو كنت أفس من ابن يومين ولا أملك درهمين لما نزلت عن داري ولا أكريتها لبدوي ولا تركتها لقراري أضاقت علي المجاري فتسومني داري.
ونديم محضته صدق ودي * إذ توهمته صديقاً حميما
وتوهمت أن يهب نسيما * فأبى أن يهب إلا سموما
بت من لسعه الذي أعجز الـ*ـراقي سليما وبات مني سليما
قلت لما بلوته ليته كان بعيدا * ولم يكن لي نديما (1/464)
صفحة 465
وهذا الكتاب للشيخ صقر بن سلطان حاكم الشارقة
سلام عليك ما غرد الحمام وسجّع وتلعب الغراب الأبقع محبك الذي ما زال تطوف به نياق الآمال فدافد الرجا يحمد إليك الحي القيوم لا زلت بعافية كتبت إليك قبل هذا كتاباً حسن القافية راجياً أن يكون وصلك وأنت بحال ترضاه فما سمح الدهر أن أقف منك على الجواب وعلى الحظ العتاب والله جل شأنه جعل الدنيا محبوبة فمن ساعده الحظ فيها سكن إليه برغبة ومن عضته بأنيابها سخط عليها فتجنى على الأحبة وقد أذاقتنا فواقاً استحلبناه وثمراً جنيناه وخراجاً جبيناه ومجداً امتطيناه.
فكنا نسوس الناس والأمر أمرنا * زماناً فصرنا سوقة نتنصف
ثم جمحت نافره ورمحت موليه فكان عذبها أجاجاً وجمالها زبرجاً وزجاجاً فأبعدتنا عن الأوطان وفرقتنا عن الأهل والإخوان والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العي العظيم.
لقد نظرت إلى الماضي فأضحكني * وقد نظرت إلى يومي فأبكاني
وإلى هنا انتهى ما أردنا كتابته والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/465)
صفحة 466
فهرس
الموضوع ... الصفحة
سيرة المؤلف ... 2
مقدمة الكتاب ... 5
تعريف بعمان ... 6
الغزو البرتغالي لعمان ... 10
تسلل الإنجليز إلى الشرق ... 13
أول عمان ... 15
ساحل صور ... 15
رأس الخيمة ... 18
دبي ... 30
أبو ظبي ... 34
قطر ... 39
الجبل الأخضر ... 39
جبل الكور ... 40
أشهر قرى الداخلية ... 42
البريمي ... 44
جعلان ... 45
جعلان آل حموده ... 46
ظفار ... 51
أهمية عمان الإستراتيجية والإقتصادية ... 52
الزراعة بعمان ... 56
حاصلات عمان ... 57
مذهب أهل عمان ... 58
إنقسام حكومة عمان ... 58
فائدة في بيان أسماء أئمة عمان ... 61
فائدة في بيان أسماء الأئمة من بني خروص ... 65
طرف من أخبار المحتسب صالح بن علي ... 67
إمارة الشيخ عيسى بن صالح ... 70
خروج الشيخ عيسى إلى مسقط ... 74
ترجمة الشيخ الحميري ... 86
ترجمة أولاد هلال بن زاهر ... 90
ترجمة رئيس النهضة العمانية ... 93
أسباب النهضة العمانية ... 115
حركة رئيس النهضة العمانية ... 116
دعاية رئيس النهضة ... 118
خروج رئيس النهضة ... 122
إجتماع أعيان النهضة بتنوف فيمن يعقدونه إماما ... 125
تنبيه ... 127
قصيدة قالها نور الدين في بعض الحركات العمانية ... 131
بيعة الإمام سالم بن راشد ... 136
خطبة الإمام سالم ... 140
نسب الإمام سالم ... 151
فتح نزوى ... 156
كتاب الإمام لعقيد القلعة ... 161
وفود القبايل إلى الإمام وبايعتهم له ... 163
فتح منح ... 164
فتح إزكي ... 164
قدوم الشيخ عيسى ... 166
فتح العوابي ... 168
فتح فيحا سمائل ... 170
فتح بدبد ... 173
ما قيل من شعر في فتح سمائل وبدبد ... 175
إقامة الحد على المعترفة ... 180 (1/466)
صفحة 467
وفاة السلطان فيصل ... 181
ما قيل من الشعر في مدح السلطان فيصل ... 191
إرتقاء السلطان تيمور للسلطنة ... 194
خروج سيدي الوالد نور الدين للشرقية ... 197
تدخل حمدان بن زايد بالصلح والإجتماع بالسيب ... 198
وفد معولة بن شمس ... 203
فتح نخل ... 204
صفة حكم الإمام ... 205
خروج الإمام إلى بركا ... 207 (1/467)
صفحة 468
خروج الإمام إلى الوطية ... 208
حوادث سنة 1333 هـ ... 210
وفاة قاضي الرستاق الشيخ اللمكي ... 213
خبر بني بطاش ... 215
ترجمة الشيخ ناصر بن حميد الغافري ... 218
فتح بهلا ... 219
خروج الشيخ عيسى إلى الرستاق ... 223
قيام الإمام سالم على الطو ... 223
فتح الرستاق ... 224
سبب الثورة ... 225
قصيدة بن شيخان في فتح الرستاق ... 227
حوادث سنة 1334 هـ ... 233
حوادث سنة 1337 هـ ... 234
محاصرة حصن الحزم ... 235
قصيدة إبن شيخان ... 237
قصيدة أرسلها شاعر العرب ... 242
وفاة الإمام سالم ... 243
كتابه لعامله أبي زيد ... 244
عهوده لعماله ... 247
قصيدة أبي مسلم المقصورة ... 249
قصيدة أبي مسلم النونية ... 268
قصيدة أبي مسلم الميمية ... 286
قصيدة أبي مسلم العينية ... 298
إجتماع العمانيين لعقد البيعة على الخليلي ... 308
إمامة الولي السعيد محمد بن عبدالله بن سعيد ... 309
مولده ... 309
نسبه ... 309
علومه ... 309
صفاته ... 310
أخلاقه ... 310
ثروته ... 311
آباؤه ... 211
بيعة الإمام الخليلي ... 224
كيف يقضي ساعاته ... 325
خروجه إلى الرستاق ... 329
الإجتماع بالسيب ... 330
معاهدة السيب ... 331
ما عبر به المستشرقون عن هذه المعاهدة ... 335
وفاة أبي الخير ... 337
عودة خلفان بن ثنيان إلى نخل ... 338
حادثة نخل ... 339
الثورة الأولى إلى عبري ... 350
سرية إلى الظاهرة لقتل اللصوص ... 351
الثورة الثانية إلى عبري ... 352
قيام الرقيشي على السليف ... 354
وثيقة المناذرة في حصنهم ... 355
أحكام الرقيشي لما كان بعبري ... 356
ولاية إبراهيم بن سعيد العبري ... 357
ترجمة الشيخ مهنا بن أحمد العبري ... 358
زيارة الباشا الباروني ... 362
قتل أمير ينقل ... 367
ترجمة العلامة ماجد بن خميس العبري وما كان بينه والعلامة نور الدين في مسئلة الأوقاف ... 367
ترجمة شيخ البيان محمد ابن شيخان السالمي ... 374
من غرر قائده ... 376 (1/468)
صفحة 469
ترجمة العلامة أبي مالك عامر ابن مالك بن خميس المالكي ... 380
إرتقاء السلطان سعيد بن تيمور وسلطنة مسقط ... 384
ترجمة فارس الشرفاء سليمان ابن حميد ... 384
وفاة العلامة سعيد بن ناصر الكندي ... 385
وفاة كريم المساكرة أبي علي المسكري ... 387 (1/469)
صفحة 470
هجوم آل حكم على ستال ... 387
نقل ما حكم به أبو حميد عامل الإمام ... 389
قيام الإمام على العبريين ... 390
ترجمة الشيخ العزري ... 392
قيام الإمام على الطو والسبوع ... 394
وفاة الشيخ العلامة ناصر بن راشد الخروصي ... 395
مقتل العلامة الرواف النجدي وقيام الإمام لجعلان ... 396
ترجمة العلامة أبي زيد ... 400
حوادث سنة 1370 هـ ووصول ابن عطيشان للبريمي ... 405
حوادث سنة 1371 هـ ... 407
وفاة القاضي أبي الوليد ... 408
وفاة الإمام الخليلي رضي الله عنه ... 409
عهوده لعماله ... 411
كتب الإمام إلى عاهل الجزيرة الملك ابن سعود ... 417
كتابه للأمير ابن جلوي ... 422
كتاب رجال الأحزاب في تعزية الإمام. ... 427
تم بحمد الله
غفر الله لمؤلفه ولطابعه ولناشره وللمؤمنين والمؤمنات
الصالحين والصالحات الأحياء منهم والأموات
وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه
وسلم (1/470)
صفحة 471
[صفحة بيضاء] (1/471)
صفحة 472
[خريطة عمان] (1/472)