صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: سير وتراجم - شخصيات - لغة عربية
------------------------------------------
العنوان: أبو مسلم الرواحي (حسّان عمان) قراءة أدبية في شعر شاعر العلماء وعالم الشعراء أبي مسلم ناصر بن سالم الرواحي
المؤلف: محمد بن صالح ناصر
تقديم: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: مكتبة مسقط
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1416ه/ 1996م
الطبعة: 1
ردمك: 96/35
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1729&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/533
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 28 شوال 1446ه/ 27 - شهر 04 - 2025م. أبو مسلم الرواحي
"حسان عُمان"
ت: (1920 م)
تأليف
د/ محمد بن صالح ناصر
الطبعة الأولى: 1416 ه/ 1996 م (1/1)
صفحة 2
د/ محمد صالح ناصر
أبو مسلم الرواحي
حسان عمان
قراءة أدبية في شعر شاعر العلماء وعالم الشعراء أبي مسلم ناصر بن سالم الرواحي العماني
(1273 - 1339 ه/ 1857 - 1920 م)
توزيع: مكتبة مسقط
سلطنة عمان: 1416 ه/ 1995 م (1/2)
صفحة 3
رقم الإيداع
35/ 96 (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
بقلم: سماحة الشيخ الموقر: أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان.
الحمد لله الذي أجرى على ألسنة الفصحاء روائع البيان، ففاضت أفواههم بينابيع الحكم التي تغذي الأفكار وتطرب الوجدان، والصلاة والسلام على أفصح العرب والعجم، الذي تسامى إلى ذروة البلاغة بما أوتي من جوامع الكلم سيدنا محمد القائل: "إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا" وعلى آله وصحبه وكل من سلك في الحياة جادة دربه.
أما بعد: فإن الله سبحانه يختص من يشاء من خلقه بما يشاء من هباته، وقد أكرم الجنس البشري بنعمة البيان، والناس فيها متفاوتون تفاوتهم في سائر الآلاء، وقد ميز سبحانه اللسان العربي فكان أبلغ الألسن وأفصحها في التعبير، ولا غرو فإنه اللسان الذي اختاره الله لأن يكون لسان كتابه الخاتم لما أنزل، المصدق لما قبله، المهيمن على ما سبقه، الميز ما بين كتب الله الموحاة إلى النبيين من قبل، بكونه معجزا بذاته، لا يفتقر إلى آية تعضده أو برهان يصدقه، لأنه أجل من كل آية وأبلغ من كل برهان. ومن أبرز وجوه إعجازه التي تتجاوز الحصر بيانه المحكم الباهر الذي خر له كل بيان ساجدا، وإن كان من قبله شامخ الأنف مرفوع الجبين، ورغم كل تحد ومكابرة من خصومه اللُّد لم يتجاسروا أن ينزلوا إلى حلبة مباراته، مع ما تكرر منه من دعوتهم إليها بعبارات تستفز عزائمهم وتستجيش نخواتهم وتؤجج حماسهم، وما ذلك إلا لأنه {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (1/4)
صفحة 5
ولئن كان اللسان العربي هيأه القدر الإلهي لأن يكون لسان هذه الرسالة -فكان لغة كتابها المحكم وبيان رسولها الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام- فلا غرو إن أضاف إليه الوحي مآثر لم تكن تذكر فتحول من لسان قومي إلى لسان عالمي، كيف وقد أصبح لسان الدعوة الحق وأمة الإيمان يفتح البصائر على معارف القرآن، ويهدي النفوس البشرية إلى خير الأخرى والأولى، ومن هنا تجلت لنوابغه الإسلاميين مواهب تحار منها الألباب إذا استطاعوا -بفيض من أسرار القرآن وهدي من أنواره- أن يجمعوا بين بلاغة القول، وصدق المعنى، وبعد المرمى، وخصوبة الخيال، ودقة النظر، والغوص في أعماق محيطات المعاني لاقتناص جواهر الحكم، فكان بيانهم زاخرا بالمعارف، مشيدا بالحقائق، تتهذب به النفوس، وتستنير به الأفكار، وترق به المشاعر، كيف والمعارف القرآنية غذّته بروحها، والهداية المصطفوية سقته صفو رحيقها.
ولئن كان التفاوت في كل شيء من سمات البشر التي لا تفارقهم فإن فرسان هذا الميدان هم أيضا في حلبته متفاوتون: فمنهم المجلّي، ومنهم المصليِّ، ومنهم من هو دون ذلك، وإن مما لا يمارى فيه من خبر هذا الفن أن من الذين أحرزوا قصبات السبق في مضماره العلامة الجليل الشاعر المفلق، والباحث المحقق/ أبا مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي، إذ آتاه الله عز وجل موهبة من لدنه ملِّكته نواصي البيان شعرا ونثرا، ومع تنوع مجالاته الشعرية كان في كل منها الفارس المُجَلِّي، فإذا ما انطلق بيعبوبه السباق في أي ميدان لم يكد يبلغ شأوه أو يشق غباره، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالحضرة الإلهية، أم كان فيما يخص مقام جناب المصطفى -عليه أفضل الصلاة والسلام-، أم كان عائدا إلى عقيدة الحق، أم مديحا لأهله الأبرار، أم دعوة إلى وحدة الأمة، أو استنفارا لعزائمها واستنهاضا لهممها، أو رثاء وتأبينا لأعلام إصلاحها، أو حكمة تجلو الحقيقة من خدرها المصون فتبدوا سافرة للناضرين، وهو مع ذلك كله العالم الرباني الذي عبّ إلى أن رَوِيَ من مناهل القرآن وينابيع السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فأشربت روحه وعقله وقلبه ومشاعره صفو الشريعة والحقيقة، وانعكس أثر ذلك على شعره ونثره، فتميزا بروح إيمانية لا يكاد يحس أثرها إلا في بيان من نحا هذا النحو، وشرب من هذا الكأس. (1/5)
صفحة 6
ومع كل ذلك فإن الدهر لم ينصف أبا مسلم، إذ لم يوف أدبه ما له من حق في الدراسة والتحليل، وذلك دَيْن في ذمة الأدباء الإسلاميين، ولا ريب أن كل من عرف أبا مسلم حق المعرفة من الأدباء يؤرق ليله ويقض مضجعه هاجس الضمير الذي يدعو بإلحاح إلى وفاء هذا الدَيْن، لذلك استجاب لهذا الداعي وتجرد لهذا الواجب أخونا الأديب الحاذق الأستاذ الدكتور محمد صالح ناصر بدافع من غيرته على الإسلام وأدبه، ولعمري إن كاهله لجدير بأن يحمل هذا العبء ليكفي بذلك نظراءه من الأدباء الإسلاميين مسؤولية إهمال هذا الواجب، وقد جاءت دراسته وافية بالمطلوب لائقة بمقام الشخصية المدروسة وأدبها، وليست بحاجة إلى التفريط من أمثالي، فحسبها أن تظهر للقراء بوجهها المشرق وحلتها القشبية ومفاتنها المتناسقة، ولا أملك إلا أن أقول: بارك الله في أديبنا الباحث وجزاه عن عمله هذا خيرا، ورحم الله أبا مسلم في المصلحين الخالدين.
أحمد بن حمد الخليلي
مسقط في 19 ذي القعدة 1416 ه
المفتي العام للسلطنة (1/6)
صفحة 7
[صفحة فارغة] (1/7)
صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يصدق الدينَ إلاَّ من يُناصحُه= ولا يتمٌّ بغير النُّصح إيمانُ
تلكم وصيًّة حسَّان لكم ثبتتْ = فإنني اليوم للإسلام حسَّانُ
"أبو مسلم" (1/8)
صفحة 9
[صفحة فارغة] (1/9)
صفحة 10
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
كلما حلت ذكرى مولد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حلت في نفسي ذكريات احتفالات المولد البهيجة، وتيقظت في أعماقي تلك المظاهر البهية التي تصاحب هذه المناسبة السعيدة، وقد ارتسمت في ذاكرتي الطفولية مع ما ارتسم فيها من ألوان وأضواء وأصوات ومناظر طالما ارتبطت بهذه الذكرى العظيمة.
ولكن أجمل هذه المناهج كلها تعمقا وتأصلا في نفسي هي تلك المظاهر الاحتفالية التي كنت أشهدها طفلا ويافعا مع والداتي في ساحة المسجد (القرارة) العامر، حيث يكتظ بالرجال والنساء والشباب والشيوخ، ليتمتعوا بالأناشيد الدينية والمولدية العصماء التي ينشدها أو يلقيها بصوته الرخيم وأدائه المتميز رائد الحركة الإصلاحية وإمامها بوادي ميزاب الشيخ بيوض إبراهيم (رحمه الله)، وما زلت أردد من حين إلى آخر ذلك المطلع الجميل للمولدية: "رَوّح اللهم شخصه الكريم، بنور مع صلاة وتسليم، اللهم صل وسلم وبارك عليه". لأن هذا المطلع كان الحاضرون في المسجد يرددونه جميعا مع الشيخ في آخر كل مقطع من المولدية. (1/10)
صفحة 11
وما كنت أعلم إلا بعد سنين أن صاحب المولدية هو الشاعر العماني الأصيل أبو مسلم الرواحي، وكانت تلك نقطة التعارف بيني وبين الشاعر التي عرفت فيها نفسا شعريا إسلاميا قويا.
وعندما حطت بي الأقدار في أرض سلطنة عمان وجدت بها الناس يرددون في إعجاب وفخر نونيته (الفتح والرضوان)، ففتحت هذه النونية أمامي أفقا جديدا من تاريخ عمان، وأطلعتني على صفحة أخرى من صفحات هذا الشاعر الملهم. مما دفع بي إلى البحث عن ديوانه وقراءته، وكنت كلما قرأت قصيدة وددت أن أقرأ له أخرى وأخرى.
وازددت اقترابا من شعر الشاعر عندما أسند إلي تدريس الأدب والنصوص لطلاب معهد القضاء الشرعي سنة 1413 هـ. فقد كان من بين ما اخترت للتدريس نصوصا للشاعر العظيم أبي مسلم، وهكذا استحوذ على مشاعري، واحتل من قلبي مكانة عظيمة؛ لأني اكتشفت فيه شاعرا مسلما قويا، وشاعرية متدفقة، ونفسا أدبيا فياضا، تميز بها عن الشعراء العمانيين الآخرين تعبيرا وتصويرا.
وكنت أعجب كيف ظل هذا الشاعر المسلم مجهولا في الشعراء الإسلاميين، لا يكاد يعرفه سوى القلة القليلة من الأدباء، بل وجدتني أمام جهل يكاد يكون كليا عن حياته ومسيرته الشعرية حتى عند العمانيين أنفسهم، وقد ازددت مع الأيام قناعة -بناء على دراسة متأنية في شعر الشاعر، ولو أنها جزئية- بأن هذا الشاعر لا يقل مرتبة، ولا يتأخر درجة عن المكانة التي يحتلها بعض الشعراء المعاصرين له من أمثال شوقي، وحافظ، ومطران، وغيرهم ... (1/11)
صفحة 12
على أن أبا مسلم يمتاز على هؤلاء بأنه شاعر مسلم بأتمِّ معنى الكلمة، إسلامي في رؤاه، وفي مواقفه، وفي أدواته الفنية، وبذلك يستحق أن يكون رائدا لمدرسة إسلامية في الشعر العربي الحديث.
وهكذا رأيت -بناء على ما سبق- أن أقدم للقارئ الكريم هذه الملاحظات التي كنت أسجلها أثناء قراءاتي لشعر هذا الشاعر الفحل، وأحسب أني جمعت منها ما يستحق أن يكون مدخلا لدراسة هذا الشاعر الذي سيظل في حاجة إلى دراسات أشمل وأكمل.
سائلا الله التوفيق فيما قدَّمت، والمغفرة فيما أخطأت.
محمد صالح ناصر
مسقط في يوم الخميس: 4/ 5/1414 هـ - 21/ 10/1993 م (1/12)
صفحة 13
من هو الشاعر أبو مسلم؟
حياته ومكانته:
هو ناصر بن سالم بن عديم بن صالح بن محمد بن عبدالله بن محمد البهلاني الرواحي العماني المكنّى "أبو مسلم".
ولد في أحضان بيت علم وفضل في مدينة محرم، أعز بلاد بني رواحة في عمان بعد انتقال أجداده من بهلا إلى وادي محرم. وتوجد روايتان لتاريخ ميلاده إحداهما تقول: إنه ولد سنة 1273 هـ وهي لابن أخ المترجم له الكاتب الأديب سالم بن سليمان الرواحي.
والثانية تقول: إنه ولد سنة 1277 هـ، وهي رواية ابن المترجم له مهنا بن ناصر البهلاني، وهي التي يرجحها الشيخ أحمد الخليلي لوجود قرائن تؤيد هذا الرأي.
والشاعر أبو مسلم ينتمي إلى أصول كريمة تعود إلى قبيلة عبس المشهورة، وتعتبر في عمان من القبائل الكبرى.
وقد أحاطت الرعاية الربانية بالشاعر منذ ولادته، فنشأ نشأة كريمة في حضن عائلة معروفة بالعلم والصلاح، فقد كان والده قاضيا للإمام عزان بن
1 - هذا ما جاء في مقدمة نثار الجوهر، ولكن الشيخ أحمد الخليلي يقول: إنَّ أحداده كانوا في إزكي) وليس في (بهلا).
2 - في النسخة المخطوطة للديوان بقلم سالم بن سليمان الرواحي يقول: إنه ولد سنة 1284 هـ
ولعله سهو منه. (1/13)
صفحة 14
قيس، وكان من قبله جدُّه الرابع عبد الله بن محمد قاضيا في وادي محرم أيام دولة اليعاربة، وكان توليه القضاء آنئذ دلالة على النضج العلمي والاستقامة الخلقية، إذا لا يختار له، بل لا يقبل فيه إلا من أهلته مواهبه وأخلاقه لهذا المنصب الهام.
نشأ الشاعر أبو مسلم في وادي محرم، وأخذ علمه عن عدد من المشايخ؛ أولهم والده سالم بن عديِّم، ثم انتقل إلى بلدة (السيح) حيث جلس إلى الشيخ محمد بن سليم الرواحي، وكانت دراسته لا تختلف عن زملائه، حيث يكون التركيز على المواد الشرعية واللغوية، وعلى رأسها حفظ كتاب الله الذي تبدو آثاره ظاهرة في شخصية أبي مسلم علما وأدبا وسلوكا، وكان قرينه وخلفه في هذه المرحلة الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، وكانت البيئة والعصر مساعدين على نبوغ أبي مسلم، إذ شاع بينهما الأدب وازدهر الشعر، فاشتهر غير واحد من الأدباء، نذكر منهم على سبيل المثال خميس بن سليم في مدينة سمائل، ومنهم الشاعر _صاحب الغزل الرقيق_ ابن شيخان الذي يكاد يعتبره الدارسون في مرتبة أبي مسلم.
وكان من زملائه في الدراسة كما قلنا الشيخ العلامة أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي، وهو الذي عناه بقوله في قصيدته النونية الشهيرة وهو يحن إلى عمان:
أرتاح فيها إلى خلّ فيبهرني =صدق وقصد ومعروف وعرفان
فالمحيط الأدبي الذي تنفس فيه الشاعر كان من أقوى العوامل المساعدة له على النبوغ والتفوق، هذا المحيط الذي يُعرّفه أحد الكتاب بقوله: "كان المحيط الأدبي في زمن الشاعر خصيبا، فكثيرا ما اجتمع الأدباء ودرسوا إنتاج رفاقهم، (1/14)
صفحة 15
وكانت القصيدة تلاقي حفاوة بالغة لدى الناس". وهكذا بدأ لقاؤه مع قرض الشعر منذ الخامسة عشرة من عمره. ويبدوا أن ما جلبت عليه نفس أبي مسلم من طموح وتفتح طوّحت به إلى الغربة بعيدا عن وطنه، لا ندري أسباب ذلك بالتحديد؛ ولكن المؤكد هو أن نفسية مثل نفسية أبي مسلم تضيق بالمجالات الضيقة والبيئات المختلفة، وطموح أي مسلم ما كان ليرضى بالحد الذي وصل إليه علما أو مالا.
كان دون العشرين من عمره يفيض حماسة واندفاعا حين زم حقائبه متوجها إلى زنجبار من شرق أفريقيا، وكانت زنجبار آنذاك في عصرها الذهبي الإسلامي العماني، عصر السلطان برغش بن سعيد، الذي وجد العمانيون في أحضانه الدفء والرعاية والحدب والعناية، وكان هذا السلطان يتطلع إلى الاستفادة من الخبرات العمانية في كل المجالات، يحرضهم على الهجرة إليه والعيش في ظل دولته، وكان من همه ألا يبقى بعمان من أخيارها أحد إلا جلبه إلى زنجبار ليكونوا جمالها العربي، وإظهارا لشرف عمان في وجوه أهل أفريقيا، فاجتلب أهلَ عمان تقديرهُ وإحسانه وفضله وامتنانه، فكانوا يزورون عمان ويستوطنون زنجبار، وكان والد المترجم له الشيخ سالم بن عديّم الرواحي ممن هاجر إلى زنجبار وعمل بها قاضيا من قضاة السلطان برغش.
وهكذا هاجر الشاعر أبو مسلم إلى زنجبار وبقي بها خمس سنوات، دون أن نعلم ما كان عمله في هذه المدة هناك، لأن المصادر لم تفدنا بذلك، وعاد إلى
3 - مقدمة الديوان ديوان أبي مسلم طبع ونشر صالح بن عيسى الحارثي، عمان 1986 م، ص.19
4 - الكلمة للشيخ سالم بن حمود بن شامس، مقدمة نثار الجوهر، ص 3. (1/15)
صفحة 16
زيارة عمان في سنة 1300 هـ، غير أن إقامته بها لم تطل، فما لبث أن حنَّ مرة أخرى إلى زنجبار لما وجد بها من رعاية السلطان المذكور.
وفي سنة 1305 هـ حط رحاله بزنجبار، وألقى بها عصى التسيار واستوطنها بكل معنى الكلمة، وكان قد أمضى فترة من حياته في الجزيرة الخضراء، ثم انتقل إلى زنجبار بعد وفاة والده. وأكب في زنجبار على تكوين نفسه بنفسه في دراسة عصامية جادة، واستهوته فيما استهوته كتب الفقه والأدب، وما لبث أن بزغ نجمه واشتهر أمره قاضيا نبيها، وعالما فقيها، وأديبا لامعا.
وفي عهد السلطان بن ثويني تقلد منصب القضاء، ثم تولى منصب رئاسة القضاء بها، وكانت له منزلة رفيعة، ومرتبة عالية لدى الحكام، لاسيما السلطان حمد بن ثويني، والسلطان حمود بن محمد بن سعيد.
يقول سالم بن سليمان عن مكانته في عهد حمد بن ثويني ومنزلته عنده: "فكان ممثلا لطاعته، منفذا لكلمته، ملبيا لدعوته، مستمعا لقوله، حاكما بأمره، وتنصب للقضاء الشرعي في دولته، حتى أيام السيد علي بن حمود بن محمد، ثم استقال من خدمة الشرع، وصرف همته في التأليف وإحياء آثار السلف الصالح، وإنشاد الأذكار، ولكن عيّنت له الحكومة مقدارا من المالية يأخذه كل شهر مكافأة على ما انتدب إليه سابقا من خدمة الشرع الشريف، وكان إليه المرجع في مهمات الدعاوى وعظائم الأمور".
ويبدوا أن شهرة الشاعر الفقهية ذاعت في العالم الإسلامي كله، نستدل على ذلك من علاقاته بأعلام الإصلاح في عصره مثل الشيخ السالمي، وسليمان
5 - الديوان المخطوط. ص 3. (1/16)
صفحة 17
الباروني باشا، ومحمد بن يوسف اطفيش الجزائري، واطلاعه الواسع على مجريات الأحداث الإسلامية من حوله، كما تدل على ذلك جريدته التي أصدرت بزنجبار تحت عنوان (النجاح)، بل تدل على عبقرية مؤلفاته القيمة، ولاسيما في ميدان الأدب والشريعة بشهادة كل من قرأ ديوانه، أو اطلع على نثار جوهره، ولا أحسب أن عالما يستطيع أن يتولى رئاسة القضاء في زنجبار لو لم يكن على هذا النحو من التفوق والتبحر في العلم.
يقول الشيخ سالم بن حمود البطاشي: "وفي زنجبار من رجال العلم الذين هم أشهر من نار على علم منا ومن غيرنا كانوا تحت علمه الخفاق بأصول الدين، وأصول الفقه، وقواعد السنة النبوية، فإن ذلك يشهد له به تأليفه ... وقد أخبرني جملة من أهل العلم الذين عاشوا في زنجبار عن أحوال هذا الشيخ الذي تخلد له حسن الأحدوثة في أمته وفي وطنه وفي ملته، فإنه قام بواجبات عديدة، وأحرز قصب السبق في ميادين النضال العلمي، فكان ولا يزال في الرعيل الأول بين أترابه، وكانت له نوادر أدبية حيرت عقول الكثير من أترابه ومعاصريه ... ".
ويبدو أن من أهم أعماله في زنجبار إصدار جريدة النجاح التي تعد من أوائل الصحف العربية ظهورا، وكم كنا نأمل أن لو اطلعنا على كلِّ أعدادها لنعرف مكانتها وقيمتها واتجاهاتها، ولو أن الشيخ أحمد الخليلي نوه بها تنويها كبيرا، وهذا العمل يدل على أفق هذا الرجل وتفتحه الواسع على الأحداث من حوله، وتطلعه إلى التعريف بالفكر الإسلامي والاستفادة من هذا
-6 - مقدمة نثار الجوهر، ص 5.
* أنظر الملحق وقد اطلعنا على عددين منها. (1/17)
صفحة 18
الفن الذي لم يكن يعرفه الكثير من المثقفين العرب آنذاك، حتى عدَّه شوقي الذي جاء من بعد "آية من آيات هذا الزمان":
لكل زمان مضى آية = ... وآية هذا الزمان الصحف
ويقول عنها الشيخ أحمد بن سعود السيابي:
"ومن منطلق نبوغه في الأدب واهتمامه به قام بتأسيس جريدة النجاح في زنجبار، وعنيت بخدمة الأدب العربي والقضايا الإسلامية والأحداث الدولية، وكان هو رئيس تحريرها لفترة غير قصيرة من الزمن".
وهكذا ظل بين وظيفة القضاء عاملا، ومطولات الفقه مجتهدا، وأمهات كتب الأدب والشعر أديبا لامعا، وجريدة النجاح صحفيا ناجحا، وبين بعض طلابه الذين تلقوا عنه مربيا حانيا، إلى أن توفاه الله في اليوم الثاني من شهر صفر 1339 هـ عن عمر يقارب ثلاثا وستين سنة، قضاها مجتهدا يعمل في سبيل العلم، والعقيدة، والأخوة الإسلامية. ودفن حيث مات في مدينة زنجبار التي يوجد بها قبره إلى اليوم.
7 - المصدر السابق، ص 11. (1/18)
صفحة 19
أبو مسلم أديبا لامعا:
ما من شك في أن الدراسات الأدبية والنقدية ستكشف ذات يوم بأن هذا الشاعر العبقري كان واحدا من رواد بعث الشعر العربي في أوائل القرن العشرين، وأن عمله في هذا الصدد لا يقل أهمية عن عمل محمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، وإن لم يفقهما في بعض الجوانب.
فأبو مسلم يمثل الشاعر الإسلامي الحقيقي الذي تجلت في شعره الشخصية الإسلامية في أجل مظاهرها وأصفى صفاتها، عقيدة وقولا وسلوكا. ولا يصنف أبو مسلم كما ذهب إلى ذلك الدكتور أحمد درويش في عداد أشهر شعراء عمان وحسب، وأنا حين أذهب إلى هذا الرأي لا أستند في قولي هذا إلى الموضوعات التي استقطبت الشاعر أبا مسلم، أو المواقف والرؤى التي تميَّز بها شعره، بل لأن أبا مسلم أوتي من الموهبة الشعرية، والتعبير الفني ما جعله يرقي بالقصيدة العربية من إطارها التقليدي المعروف إلى إطار فني جديد لم يسبقه أحد إليه فيما يعرف آنئذ من الشعر العماني.
والذي جعل شعر أبي مسلم لا يعرف إلا عند أهل عمان بخاصة هو عدم اطلاع الأدباء والنقاد في العالم العربي والإسلامي على شعره، إذ ما يزال هذا الشاعر وشعره مجهولا في وطنه بلْه خارج وطنه.
وحسبنا أن نجلي هنا بعض ملامح شعر هذا العبقري فنقول:
8 - ينظر د/ أحمد درويش، مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، دار الأسرة، 1992، ص 152. (1/19)
صفحة 20
أولا: الأغراض:
يتساءل الأديب صالح بن عيسى الحارثي: "هل عندنا نحن العمانيين شاعر يمثل ميولنا؟ هل عندنا شاعر يمثل روحانيتنا؟ هل عندنا شاعر يمثل أخلاقنا؟ هل عندنا شاعر في شعره أمجادنا؟ هل عندنا شاعر يربطنا بأمتنا العربية الكبرى؟ هل عندنا شاعر يخرج بنا من عزلتنا في الجنوب الشرقي من هذه الجزيرة فينبه إخواننا العرب إلينا؟ ".
ثم يجيب قائلا:
" لكن نفسي أيها القارئ الكريم، هذه النفس التي عجمتها المأساة في عمان، هذه النفس التي عاشت منذ حداثتها مع الأحداث في عمان تجيب مطمئنة واثقة بأنها وجدت الشاعر، بل لأنها وجدت شعراء لكل عصر، ووجدت شاعرا عبَّر عن عمان في كل العصور، إن شاعرنا في عمان هو أبو مسلم ناصر بن عديم الرواحي ... ".
إن هذا الأديب يعبر عن طريق غير مباشر عن اهتمامات الشاعر أبي مسلم الذي استطاع أن يعبر في شعره عن كل الأغراض التي تهم الإنسان المسلم المعاصر.
إن أبا مسلم يتخذ الأدب وسيلة هادفة لتربية الفرد المسلم لأنه يعتقد أن الأدب رسالة وتوجيه وأمانة، وهذا الإحساس إنما يدفعه إليه شعوره الإسلامي العميق.
9 - ديوان أبي مسلم، المقدمة، ص 8. (1/20)
صفحة 21
وقد صاحبته هذه النظرة العميقة في كل ما كتب شعرا كان أم نثرا، وأشير بصفة خاصة إلى رائعته المسماة "النشأة المحمدية" التي اتخذ فيها سيرة الرسول العطرة وسيلة لإيقاظ الشعور الإسلامي الصحيح في نفس المسلم منذ صغره، فهو عندما يحدثنا عن أخلاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يحدثنا عنه بأسلوب استعراضي وصفي تقليدي، وإنما هو يلمح إلى أخلاقه العالية ليلفت إليها نظر المسلمين اقتداء وتأسيا.
هذا التوجه هو الذي دفع أبا مسلم لأن يهتم في شعره بالإنسان المسلم في الواقع المعاصر، فعالج بشعره موضوعات حضارية على غاية من الأهمية والعمق والشمولية، فكتب في التاريخ، والحضارة، والعقيدة، واللغة، والشخصيات، والسيرة. واهتم بالجوانب الإنسانية، الجانب الروحي في شعر السلوك، الجانب العقلي في شعر التاريخ، الجانب العاطفي في شعر الحنين والطبيعة، فكان في ذلك يحرك في متلقي شعره كل هذه الأحاسيس التي تربط الإنسان بماضيه من جهة، وتجعله يعيش عصره وواقعه من جهة ثانية.
لذا فإنه من الصعب على الدارس التقليدي الذي ألف منهج التجزئة في دراسة الشعر أن يتوصل إلى تذوق حقيقي لهذا الشاعر، حتى في أبيات الحكمة التي تملأ شعره في جميع أغراضه ... إن شعره كل لا يتجزأ؛ لأن له رؤية شمولية تنظر إلى الإنسان المسلم من خلال كل موضوع يعالجه، فقد تبدو لك العقيدة حنينا إلى الوطن، ولكنك عندما تستبطنها وتغوص في أجزائها تجدها استنهاضا وإثارة، وقد تقرأ الأبيات فتحسبها رثاء، ولكنك عندما تتذوق هذا النوع من الرثاء تجده تجليات عميقة ونظرات نافذة في الكون والحياة والناس وهكذا ... وقد صدق من قال عنه: "وأنا أعتقد أن شعر أبي مسلم في حقيقته كله جانب (1/21)
صفحة 22
واحد، وإن تجزأ فهو يلتقي في ناحية واحدة وهي الاستنهاض، فأنت سوف تراه عندما يعبد ربه فيدعوا بالشعر ويسبحه به، يعود إلى الظالمين فيستنزل عليهم غضب الله، فكأنه يريد أن يطهر أولا نفس قارئ شعره بذكر الله ليهيئها للعمل خالصة في مقابلة الظلم".
ولا أحسب أننا نفسر هذا الموقف بهذا التفسير السطحي، إن الشاعر حسب رأيي- والله أعلم- يربط المسلم في كل مواقفه بما هو أصل وهو العقيدة الصحيحة، يربط مقاومة الظلم بالعقيدة، لأن المسلمين لو فعلوا ذلك ما غلبهم غلاب، ولو استشعروا بهذه القوة الكامنة في نفوسهم ما قهرهم جبار، وذلك هو الفهم الحقيقي لدور الدين الذي يتسامى عن الطقوس والعبادة الشكلية إلى روح تغشى نفس المسلم وتدفعه إلى الحركة الدائبة، والنشاط المستمر، والتغلب على الصعاب مهما تكن شاقة، والوقوف في وجه الظلم بكل القوة التي يحملها الإنسان المسلم بين جنبيه حضارة ودينا؛ وليس أدل على هذا المنحنى القوي عند أبي مسلم من رائعته المشهورة النونية المعروفة بقصيدة (الفتح والرضوان) كما سنوضح ذلك في مكانه.
وهذه الرؤية المتوثبة بين حنايا الشاعر هي التي تفسر ما يشعر به من تقصير في حق أمته الإسلامية؛ التي يود أن يناصرها ويؤازرها بكل قواه، ولكن الظروف قاهرة لا يجد إلا الشعر وسيلة، والعلم أداة، لأجل ذلك تجده مستنهضا مبشرا بكل حركة تقوم لاسترداد عزة الإسلام والمسلمين أينما كانوا فيقول:
لو يكون الشعر نصرا لم أزل =أنظر الأنجم لا أرضى الدور
لو ملكنا السيف لم نرجع إلى=قلم في النصر إن قام عثر
10 - مقدمة الديوان، ص 10 (1/22)
صفحة 23
وفهمه الرؤيوي الشامل هذا، هو الذي هداه إلى معارضة مقصورة ابن دريد بمقصورة طويلة لا لغرض الاستعراض اللغوي كما فعل ابن دريد، وإنما للاستنهاض وبعث الروح الإسلامية الجهادية في النفوس ليحطموا القيود التي أخذ الاستعمار الغربي بعامة والإنجليزي منه بخاصة يكبل بها الأوطان العربية قطعة قطعة وشبرا شبرا.
ليس لنا إلا التفاف قوة = ... بقوة ومفتدي بمفتدى
ليس لها إلا نفوس أطفأت = ... أضغانها واشتعلت بها التقى
يلمُّها الإيمان قلبا واحدا= ... وهيبة الله وسورة الهدى
إذا رمت بقوسها واحدة= ... وما رمت وإنما الله رمى
ثانيا: الفن الشعري:
إن براعة أبي مسلم لا تكمن في نظرته الشمولية التي تحدثنا عنها من حيث تناول مختلف الموضوعات، بل إن البراعة الحقيقية عنده تتمثل في مقدرته القائمة على المزج الكلي بين الشكل والمضمون، فهو لا يعرض عليك التاريخ أحداثا ووقائع جامدة، ولا يذكرك بالقبائل والقرى العمانية أسماء تترى وتتوالى، وإنما هو يصب ذلك كله في صور فنية متحركة نابضة بالحياة، متوثبة بالمشاعر، فترى العاطفة الصادقة بارزة في كل كلمة يخطها، حتى لو كانت أحداثا تاريخية مضت عليها القرون، كما فعل ذلك في النهروانية، أو كما جسّم ذلك من خلال الصور الفنية النابضة وهو يحن إلى كل قطعة في أرض عمان في (النونية). وصدق من قال فيه:
"إنه- فيما نعتقد- كان شاعرا فقيها، أو شاعرا مؤرخا، أو شاعرا نسّابة، أو شاعرا مفكرا، أو شاعرا متحمسا لفكرة وطنية، ولم يكن فقيها يلجأ إلى الشعر (1/23)
صفحة 24
ليصب فيه آراءه، أو عالما بالتاريخ والأنساب يقدم للناس فكرته في شكل منظوم، أو متحمسا لأفكار قومية يستعين بموسيقى الشعر على جمع القلوب حولها؛ لكنه كان قبل كل شيء شاعرا سلّط بصيرته الشعرية على حقول مختلفة فأكسبتها كثيرا من لون الربيع الشعري ومناخه".
ولا نشك إطلاقا في أن البيئة الجديدة التي عاش فيها في زنجبار كانت من العوامل القوية في إكساب أدبه هذه الشاعرية الفياضة، فقد انتقل من اللون الصحراوي الذي تغلب عليه الصفرة ووحشة الجدب إلى اللون الأخضر الذي يبعث البهجة في النفوس، ويضيء في حناياها الأمل والانشراح.
وأكسب كل ذلك لغته الشعرية حيوية وتجدّدا، فكثرت فيه الصور الفنية والاستعارات والمجاز، وأضفى عليها الخيال المجنح نوعا من الانطلاق وراء كل ما هو مجهول، ولحاقا بكل ما هو مطلق، أو بعبارة أدق: أكسب لغته نوعا من الحرية في التصوير والتعبير معا، على أن الشاعر ظل محافظا على بعض الأصول التي غزت شعره في الطفولة مثل القرآن الكريم والشعر العربي القديم، فأنت تلحظ بروز هذه اللغة التي تداخل قصائده وتمتزج بها امتزاجا فيعطيها كل ذلك مذاقا خاصا، ونكهة محببة هي المذاق والنكهة التي تجذبنا إلى شيء ما يجمع بين الأصالة والتجديد، ويحرك في أنفسنا الماضي والحاضر معا.
11 - د/ أحمد درويش مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، ص 155. (1/24)
صفحة 25
أبو مسلم فقيها
يتفق أغلب العلماء الذين تحدثوا عن مؤلف أبي مسلم (نثار الجوهر) بأنه يدل على علم غزير، وتعمّق أصيل في علوم الشريعة الإسلامية، ولا شك في أن حقيقة نثار الجوهر شرح لنظام الجوهر؛ لكن على أسلوب بديع، إذ كان وضع الشرح ممتزجا بالنظام امتزاج الدم باللحم، أو امتزاج اللبن بالماء بحيث لا يعرف الشرح من الأصل، فكأنه لحمة وسداه، لا تتميز إحداهما من الأخرى، مع تحقيق يشهد به العقل، وتدقيق وإيضاح يدعمه النقل، فإن العلامة أبا مسلم له إدراك قوي في الفقه، فينقل وينتقد، ويستدل ويرجح، ويفند ويصحح ويؤكد بقوة إدراك وبوعي لا يتطرق إليه ارتباك.
هذا العمل التأليفي القيم وصلنا مبتورا، فقد كان المؤلف -رحمه الله- يأمل على ما يقال أن يتم اثنين وعشرين جزءا يتناول فيها كل أبواب الفقه؛ ولكن المنية حالت دون أمنيته تلك، ولم يصلنا منه سوى ثلاثة أجزاء تنتهي عند نهاية باب الصوم.
ومع ذلك فإن ما ألفه فيه يدل على نبوغه الفائق، وتحقيقه الواسع، فهو يعتبر بحق مجتهدا مطلقا على حد تعبير الشيخ أحمد بن سعود السيابي.
12 - مقدمة نثار الجوهر ص 7.
13 - المصدر السابق، ص 11 (1/25)
صفحة 26
مؤلفاته:
من مؤلفات أبي مسلم التي وصلتنا ما يلي:
1 - النشأة المحمدية (في المولد النبوي الشريف).
2 - النور المحمدي والكنوز الصمدية (رسالة دينية).
3 - النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني (في القصائد الصوفية).
4 - كتاب السؤالات.
5 - العقيدة الوهبية، وهو كتاب في التوحيد في أسلوب حواري بين أستاذ وتلميذ.
6 - ديوان أبي مسلم.
7 - نثار الجوهر.
8 - كان آخر ما ألفه (ثمرات المعارف) وتدعى أيضا: (سموط تخميس الثناء)، وهذا العمل تخميس لميمية الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي العالم الرباني المعروف، فقد انتهى من كتابتها في يوم 28 محرم 1339، أي قبل وداعه الدنيا بثلاثة أيام.
وكانت وفاته في الثاني من شهر صفر 1933 هـ. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. (1/26)
صفحة 27
العقيدة في شعره
لعل من أهم المقاييس التي يعتمدها الدارسون والنقاد في معرفة الأديب الناجح من غيره ما يميز أدبه من سمات تفرده عن غيره، وتغدو طابعا له خاصا به.
وبعبارة أدق: إن الأدب الناجح هو الذي تبرز فيه شخصية الأديب واضحة جلية تعبيرا وتصويرا، موقفا ورؤية؛ لأن هذا المقياس أو هذا النجاح يدل على قوة شخصية الأديب وعبقريته، ومدى قدرته على السيطرة على أدواته وفنه.
وفي أدب أبي مسلم الرواحي -الشاعر العماني الأصيل- تتجلى هذه الميزة بكل الصفاء والنقاء، فأنت عندما تقرأ شعره تدرك لأول وهلة أنك مع شاعر مقتدر يتصف بالأصالة والقوة في كل بيت يقوله، وما سر قوته وأصالته غير التوافق التام بين شخصيته وبين إبداعه، أنت تشعر لأول قراءة بأنك مع أديب مسلم بحق يتجلى الإسلام في شعره بأحاسيسه الإسلامية الصادقة، ومشاعره الدينية النبيلة، ولغته المستوحاة من القرآن الكريم، ومواقفه الإيمانية الرصينة، وأفكاره المحمدية المستنيرة. نلمس ذلك كله في شعره السهل الممتنع، لأن أبا مسلم شاعر مسلم بكل ما في الكلمة من معنى، شعرا وشاعرية.
ومن هنا فإن المنهج الصائب في رأينا هو أن نذكر الاتجاهات التي تشتمل عليها تلك القصائد فنقول: شعر الاستنهاض، وشعر الحكمة، وشعر الابتهال، وشعر الوعظ، وشعر الرثاء، وشعر الحنين. (1/27)
صفحة 28
أما أن نقول القصائد الدينية أو القصائد القومية باعتبارهما موضوعين مستقلين عن بعضهما البعض فذلك ما لا يتماشى مع اتجاه الشاعر ومواقفه ورؤاه.
على أن هذا التقسيم نفسه لا يسلم إطلاقا من التداخل، فقد نجد للشاعر قصيدة في الاستنهاض وفيها الحنين والحكمة، كما نجد له قصيدة في الرثاء وفيها الوعظ والإرشاد وهكذا.
ويغدو الابتهال قسما هاما في ديوان أبي مسلم، ولعله أكبر الفنون التي استقطبت اهتمام الشاعر، استجابة لدافع ذاتي وموضوعي، بحكم ورعه وتقواه وزهده، لا بحكم منصبه قاضيا أو مفتيا، كلا! لأن الإحساس القوي بالامتثال للدين سيرة وسلوكا لا علاقة له بالمنصب أو الوظيفة. ولا أحب أن أوافق على تسمية هذا النوع من الشعر قصائد دينية، أو شعرا دينيا كما يذهب إلى ذلك بعض من كتبوا عنه؛ لأن شعر أبي مسلم كله شعر ديني، الدين سداته ولحمته، والدين مصدره ومورده، والدين باعثه وهدفه، إذ نخشى لو وافقنا على هذا التقسيم أن يظن أنّ لأبي مسلم قصائد دينية وأخرى غير دينية، أو يظن أن بعض الشعر عنده يخلو من الإحساس الديني، فقد يصح هذا المنهج مع غيره من الشعراء الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، أو الذين كتبوا في كل الفنون تلبية لرغبات قد لا تكون ذاتية تصدر عن أحاسيسهم الداخلية، بل هي استجابة لمناسبات ما، كما نجد ذلك عند شوقي وحافظ مثلا.
ولو نحن درسنا شعر أبي مسلم غير هذا النحو من اعتبار الدين عنصرا أساسيا في كل القصائد لأخللنا بالمنهج السليم لدراسة شعر أبي مسلم،
14 - ينظر: د/ أحمد درويش المدخل إلى دراسة الأدب في عمان ص 162. ومقدمة ديوان أبي مسلم للناشر صالح بن عيسى الحارثي، 1986 م، ص 10 (1/28)
صفحة 29
بل لظلمنا رؤية الشاعر نفسه لمكانة الدين في الشعر. ونحن عندما نقول: إن شعر أبي مسلم صورة صادقة لعقيدته الإسلامية فإنما نبني ذلك على ما عرف عن الرجل من سلوك قويم، وإيمان ثابت، وانقطاع إلى الله في أمور دينه ودنياه. وقد جاء شعره معبرا أصدق تعبير عن هذه الأحاسيس. الإيمان بالله هو مفتاح شخصيته، والإيمان بالله مفتاح شاعريته، والقارئ لا يستطيع أن يتذوق أو يفهم شعر أبي مسلم بعيدا عن هذا المنظور، وكم من شاعر تظاهر بالزهد في شعره وهو زنديق في حياته ومعاملاته! فإن هذا النوع عندما تقرأ شعرهم تشعر بالافتعال والتكلف، وقد لا نستطيع أن نصل إلى اكتشاف ذلك من خلال القصيدة أو القصيدتين، ولكن عندما نتناول شعرهم من رؤية شمولية وموقف متكامل ندرك هذا الانقطاع في الخيط الشعري الذي يربط بين الحالة الشعرية إن لم يكن في القصيدة باعتبارها وحدة عضوية متماسكة، ففي التناقض بين القصيدة والأخرى تدرك لا محالة أن الرجل يعاني من انفصام في شخصيته، وتقلقل في مواقفه، فهو يبدو متصوفا في بعض قصائده، ويبدو بعدها عربيدا ماجنا في أخرى، ولا أحب أن أضرب الأمثلة من الشعر العربي القديم أو الحديث فهي أوضح من أن تخطأها عين الدارس، أما أبو مسلم فهو من هذا النوع من الشعراء الذين سلكوا في طريق الدين من أول خطوة، وأخلصوا حياتهم لله من أول نفس.
إن شعر أبي مسلم صورة صادقة ونموذج حي لشعر الشراة الذين تميز شعرهم أبدا بصدق العقيدة الإسلامية وصفاتها ووضوحها، بحيث يغدو كل
15 - تراجع مقدمة الديوان المخطوط نسخة سيف بن محمد الرواحي.
16 استطاع الشراة أن يكونوا لهم نظرية في الأدب خاصة بهم، بعضها الصدق والفداء، ومازال هذا الأدب خاجة إلى دراسة عميقة شاملة. (1/29)
صفحة 30
شعره يصب في هذا البحر الخضم بحر الإيمان بالله ورجاء ما عنده قولا وعملا، وهذه العلاقة التي أثبتناها بين شعر أبي مسلم وشعر الشراة ليست قائمة على الاستنباط والاستنتاج واستنطاق النصوص وحسب، وإنما هي ظاهرة قلبا وقالبا في أشعاره، وهو طالما كتب مفتخرا بهذه العقيدة التي تربطه بأسلافه أصحاب (النهروان)، وقصيدته الشهيرة "النهروانية" أصدق دليل
وفيها يقول:
جزى الله أهل النهروان وضاءة =وما فوق مرضاة الإله أجور
كما جاهدوا في الله حق جهاده =وقاموا بما يرضى وفيه أُبيروا
وماتوا كراما قانتين وكلهم =على الموت صبار هناك شكور
شراة سراة لا يخط غبارهم =وإن أبلجت فوق الأمور أمور
إذا انتهكت من دين الإسلام حرمةفليس لهم عيش هناك قرير
نفوسهم حيث ابتلوا وجه ربهم=قرابين منهم قدمت ونذور
ندين لوجه الله طوعا بحبهم=وما شنآن الملحدين مضير
وفي رائعته (أفيقوا بني القرآن) يستعرض أخلاق صحابة رسول الله الكريم وسيرة السلف الصالح التي يراها دوما طريق هداية. على المسلمين التشبت بها إن هم كانوا يرغبون في الانتصار على أعدائهم، وبعد أن يعدد صفات العباد الزهاد المجاهدين من الشراة يقول:
-17 تراجع كتب التاريخ لمعرفة هذه المعركة المصيرية في التاريخ الإسلامي وهي التي حدثت سنة 38 هـ.
18 - الديوان، ص 32 (1/30)
صفحة 31
أولئك أبرار الإباضية الألى =على نهر (حرقوص) وزيد كوارع
هم القوم أحرار الوجود سمت بهم =إلى الله عن حظ سواه المنازع
محبتهم ديني بها أبتغي الرضا =إلى الله والزلفى وهم لي ذرائع
ودعوتهم لي سنة وجماعة =أجاهد في إحيائها وأقارع
هذا الإحساس القوي بالانتماء إلى الشراة كثيرا ما دفعه إلى الغوص في أعماق التاريخ مصورا حوادثه، مستنطقا أحداثه، مستخرجا منها العبرة، مبرزا كل ذلك من خلال أسلوب شاعري مؤثر، يعتمد الصور الحسية والمشاهد المتحركة.
وهو بهذا الإحساس عن عقيدة الشراة مثلَ نفي الباري جل وعلا حيث يقول في قصيدته (برهان الاستقامة):
سبحان ربي تقديسا لعزته= في عمله النفي والإثبات منحصر
بالذات للذات معلوماته انكشفت= ما ثم واسطه في الذات تعتبر
وكونه النفي والإثبات حكمته =يقضي بإدراكه المنفي لو نظروا
وبعد أن يبسط حجج النافين رؤية الله دنيا وأخرى في أسلوب يذكرنا بأسلوب الكلاميين يقرر في آخر القصيدة:
هذا هو الحق لا أبغي به بدلا=بأي حال ولو عادتني العصر
إني لا نصر ذا حتى يقوم به=والمؤمن الحق للإيمان ينتصر
-19 - هنا إشارة إلى الصحابين الجليلين حرقوص بن زهير السعدي المبشر بالجنة وزيد بن صرحان من أفاضل الصحابة.
20 الديوان، ص 334
21 الديوان، ص 39. (1/31)
صفحة 32
وكدليل على أن الخيط النفسي الذي يسلك فيه أبو مسلم شعره هو الإيمان بالله أولا وقبل كل شيء ما نراه في قصائده كلها من تفويض الأمر لله في كل نازلة ألمت به، جليلة كانت أم حقيرة، أصابته في نفسه أم ذويه أم أمته، تعلق الأمر بشيء مادي أم معنوي.
فهو طالما رفع أكف الضراعة إلى الله ليجيب دعوته ويحسن حاله وحال أمته، وهو طالما اشتكى سوء حظه وانقطاع حيلته وهوان أمره على الناس؛ ولكنه لم ينس قط أن يعلق أمره كله بالله رب العالمين.
وديوان أبي مسلم مليء بهذه المواقف الإيمانية المشرقة، ولعله من بين القلة من الشعراء الذين أفردوا قصائد مطولة في الابتهال، فقد كتب قصيدة تجاوزت الألف بيت في مناجاة الله مناجاة مبكية خاشعة تسيل رقة وعذوبة، بدأ كل مطلع فيها باسم من أسماء الجلالة، وإذا كانت هذه القصيدة في حاجة إلى وقفة طويلة فلا أقل من أن نستدل بها على ما نقول من هذا المقطع الذي عنوانه: الرحمن جل جلاله، وفيه يرفع الصوت ضارعا خاشعا:
إلهي افتقاري لازم لحقيقتي=إلى رحمة الرحمن في كل لحظة
إلى رحمة الرحمن تحت جماله=أبث اضطراري طارقاتي وشكوتي
إلهي يا رحمن أستعطف الرضا=وأستكشف البلوى وغمي وكربتي
إلهي يا رحمن أستوهب الغنى=ففي سعة الرحمن إلهي غنيتي
إلهي يا رحمن أسأل رحمة=تلم بها صدعي وترحم غربتي
22 - الديوان، ص 40.
23 - خصصنا فصلا خاصا لهذا الفن عند أبي مسلم. (1/32)
صفحة 33
بجودك يا رحمن كل بلية =وإن عضمت قد آذنت بتشتت
إلهي يا رحمن لاذ بك الرجا=فمن على ضعفي بأرحم نظرة
بعاطفة الرحمن عاذت حقائقي=وعمري وفقري وانقطاعي وذلتي
كأني بأبي مسلم حين يفوض الأمر إلى الله بمثل هذا اليقين الراسخ ينطلق من قول رسول الكريم: "لن تدرك حلاوة الإيمان حتى تعلم أن القدر خيره وشره من الله". أو كما قال في حديث آخر: "حتى تدرك أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك" والاستسلام لأمر الله زاده في حلة وترحاله، في حال سروره وحزنه، في أمنه وخوفه، وذلك موقفه بعد أن تلقّى خبرا بسوء أصاب ابنه (المهنا):
وإن أمرا قضاه الله منحتم=في الأمن والخوف والأسفار والوطن
وإن عاقبة الإنسان غايتها=أخذ على الحذر أو أخذ على السكن
والسر في الشأن تنبيه اللبيب على=أن المقادير لا تقاد بالرسن
وربما جزعت نفس لنازلة=وعلها كخيال طاف في الوسن
وربما سلم العصفور في شرك=وربما جاءه السكين فيالوكن
قد يأخذ المرء من كأس تلذ له=وربما اشتار شهد النحل من حبن
ويحرص أبو مسلم على إيراد الأمثلة من واقع الحياة اقتناعا وإلزاما، فهو شاعر حكيم يجيل النظر في الناس وعلاقتهم بالكون والحياة، وأيد رأيه بهذا
24 الديوان، ص 64.
25 - الديوان، ص 480. (1/33)
صفحة 34
المثال المضروب المستخرج من البيئة العمانية إمعانا منه في التوضيح وإقامة الحجة.
كما نلحظ ذلك في قوله:
ويشرب المرء من كأس تلذ به=وربما اشتار شهد النحل من حبن
فالحبن من الأشجار المشهورة في أودية عمان، وهي شجرة الدفلى كما يسمى في بعض الجهات، وكما كان أبو مسلم يوصي نفسه ومن خلال نفسه متلقي شعره كذلك كان يوصي أقرب الناس إليه وهم أبناؤه، فإن أعز ما يوهب الإنسان الأبناء الصالحين، وأحلى أمانيه أن يحقق الله آماله في ذريته، لذا فإن أبا مسلم عندما يوجه النصح لابنه (المهنا) يصدر في ذلك عن خلاصة تجاربه، ويهدي إليه رحيق علمه وحكمته. فما هي الوصية التي أوصى بها ابنه المهنا؟
صبرا بنيِّ على الزمان وصرفه =إن الزمان محارب الأحرار
أين الفرار عن المقدّر للفتى=إن الأمور رهائن المقدار
نكل الأمور إلى المهيمن إنه =تدبيره يقضي على الأفكار ..
واصبر فإنك ناجح إن كنت في=كل الصروف بمنهج الصبار
واجعل صلاحك مسلكا لتنال من=بر الكريم مواهب الأبرار
كم كربة نزلت وضاق نطاقها =فتفرجت باللطف والإيسار
ما خاب من وكل الأمور لربه=فهو المفرج كربة الإعسار
وإذا كانت هذه النصيحة موجهة إلى ابنه وفلذة كبده وهي أعز ما يقدمه والده لولده، لأنه خلاصة تجاربه وعلمه في الحياة والكون والناس. فإن أبا
-26 الديوان، ص 481. (1/34)
صفحة 35
مسلم يقدم النصيحة نفسها لأصدقائه وأحبائه ولعلهم عاتبوه على بعده واغترابه، فأجابهم, وفي إجابته توجيه وحكمة حيث يقول:
أحبتنا ما البعد شيئا نطيقه=ولكنه من جملة الحكم في الأزل
نريد قرارا واغتباطا وألفة=ذلك شأن لا يضاف إلى العلل
لقد دبر الرحمن أمر عباده=فدع عنك حتى أو متى أو عسى وهل
علينا الرضا فيما يجئ به القضا =وأهلا بما نحسو من الصاب والعسل
وهكذا يبدو أبو مسلم في هذا الاتجاه الذي هو جزء حي من شخصيته, وهو في سلوكه ومذهبه في الحياة شديد الخشوع لله مذعنا لعظمته وجلال سلطانه, مأخوذا بحكمته وحسن تدبيره وبديع صنعه في خلقه، صادق الرجاء في رحمته ولطفه به, يشكو إليه عجزه وضعف حيلته، وسأله أن يكون له عونا على عدوه، وأن يحبط كيده ويرد مكره إلى نحره. "إن كل دراسة لشعر أبي مسلم لا تنطلق من هذا المنطق العقدي تظلمه" وتبخسه حقه، ولن تستطيع بالتالي النفاذ إلى أسرار عالمه, ولا الغوص في محيطه النفسي العميق.
فقد ينظر الدارس السطحي إلى نزعة التصوف في شعر أبي مسلم, كما ينظر إلى هذه النزعة عند غيره من شعراء التصوف وما أكثرهم، ولا سيما في عصور الانحطاط، وهو إن فعل ذلك جانبه الصواب لا محالة، ولم يلمس حقيقة أفكار الشاعر ومواقفه ورؤاه؛ لأن منطلقات التصوف عند أبي مسلم منطلقات عقدية إيجابية لها علاقة بعقيدة الشاعر ونظرته إلى الحياة محاولة منه لفهمها لا للهروب منها. وهذا فرق أساسي ولا شك، وهذه النظرة عند أبي
-27 الديوان، ص 487.
28 ينظر على النجدي، الديوان، ص 4. (1/35)
صفحة 36
مسلم تعود بجذورها إلى السلف الصالح من الشراة الذين ما فتئ أبو مسلم يفتخر بالانتماء إليهم. "وإن الدارس لأدب الشراة في كل عصوره، ولا سيما في عصره الذهبي منتصف القرن الأول والقرن الثاني الهجريين يلاحظ ولا شك ما يتميز به ذلك الأدب من نزعة صوفية زاهدة تنظر إلى الدنيا وما فيها من لذات على أنها عرض زائل ومتاع باطل، خليق بالاحتقار والازدراء، وهي ترنو إلى حياة أخلد، ولذة أبقى وعالم أمثل ...
وسوف نعود إلى هذه القضية بحول الله عندم نتعرض لشعر الحكمة عند أبي مسلم، لأنها المفتاح الذي نفتح به مغاليق شعره، ونفهم على أساسها أبعاده العقلية والنفسية.
29 - د/ إحسان النص، الحطابة في عصرها الذهبي، ص 166 (1/36)
صفحة 37
الإسلام في شعره
قد يكون من عدم الإنصاف استخدام المنهج التقليدي الذي يقيم الدراسة الأدبية على أساس الأغراض أو الموضوعات، أو بعبارة أدق: المنهج الذي يقيم الدراسة على أساس المضمون دون اعتبار لجانب الشكل، وهذا في الواقع تجنٍّ على الشاعر بل هو تجن على الفن الشعري ذاته.
فمع الشاعر أبي مسلم الذي ينطلق من رؤية إسلامية يصعب الفصل في قصائده على أساس الأغراض فنقول: هذه قصيدة دينية، وهذه قومية، وهذه تصوفية، وهذه استنهاضية، وهذه في الحنين، وتلك في الغزل ... إلى غير ذلك من الأغراض التقليدية المعروفة، لسبب بسيط وهو أن الشاعر عندما يعالج موضوعا من موضوعاته إنما يعالجه من نظرة شمولية تنبع من أحاسيسه ومشاعره الدينية أولا وقبل كل شئ، ومن هنا يصعب أن نفصل في القصيدة الواحدة بين أبياتها على أساس الأغراض، فنقول: هذه غرضها ديني، وتلك غرضها قومي. وما دام الدين عند أبي مسلم هي الدائرة الكبرى التي تشمل في محيطها كل الدوائر الأخرى، وما دام الاستنهاض وبث روح اليقظة والانبعاث هدفا عاما في قصائده فإن أي محاولة للفصل تغدو فاشلة.
ومن هنا فإننا لا نوافق على ما ذهب إليه صاحب الترجمة في مقدمة ديوان أبي مسلم حيث تحدث عن أبي مسلم وقسم شعره إلى غرض ديني، وغرض قومي، وغرض وطني، لأن الشاعر أبا مسلم لم ينطلق قط من هذا المنطلق القومي الضيق حتى وهو يتحدث عن البلاد العربية.
والدارس المنصف
30 - تراجع مقدمة الديوان، طبع ونشر صالح بن عيسى الحارثي، 1986، ص 10. (1/37)
صفحة 38
حين يستعرض شعره لا يعثر فيه على ما يدل على هذا الاتجاه العروبي القومي، وعفا الله عن المترجم التي كتب المقدمة ونشرها تحت تأثير ما شاع في الستينات في بعض البلاد العربية من تيار قومي متطرف، وما كان شاعر إسلامي مثل أبي مسلم يدين بمثل هذه التيارات المشبوهة التي تفصل الدين عن الجنس، أو تحل الجنس فوق الدين، لأن هذا لا يتماشى مع عقيدة الشاعر التي تضع الدين الإسلامي أساسا للمفاضلة {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ولأن الشاعر أبا مسلم يدين في نظرته إلى الحكم بنظرة أسلافه الشراة الذين كانوا أبدا يدافعون عن هذا المبدأ الذي يرفض مبدأ القريشية في الحكم؛ على أنه ليس من الضروري أن يصبح الشاعر قوميا لمجرد كونه شديد الكره للاستعمار الأجنبي كما يذهب إلى ذلك صاحب الترجمة، وكأن كره الاستعمار حكر على القوميين وحدهم، ونستمد الدليل مما قاله صاحب الترجمة نفسه حيث يقول:
"كان الشاعر قوميّ النزعة، شديد الخصومة للاستعمار وسماسرته، حذر منه كثيرا، وتبصر فيه منذ أن رحل إلى شرق إفريقيا، وشهد الكثير من مآسيه، وأخص ما شهده هو تجزئة الدولة العمانية التي كانت تشمل زنجبار وكينيا، وتتولى السيادة على المحيط الهندي أجمعه، فلا عجب أن يزار محذرا منه داعيا إلى مقاومته، ولا غرابة في أن نراه في بعض أبياته يذكرهم باسم المشركين إذا كان لا يجد خلافا لتعبيره، ولكن اللفظتين صحيحتان فهم مشركون ومستعمرون".
31 - سورة الحجرات الآية 13.
32 الديوان، ص 12 (1/38)
صفحة 39
والذي يبدوا لي أن استخدام أبي مسلم للفظة (المشركين) استخدام له دلالة قوية، لأنه تعبير عن موفقه الإسلامي الثابت، فهو ينطلق من رؤية إسلامية إلى كل الأطماع الأجنبية ويحللها بمفهوم إسلامي، إذ لا ينظر إليها على أنها احتلال مستعمر لأرض وكفى، وإنما هو احتلال كافر لأرض إسلامية، ولذلك كان أبو مسلم دقيقا يعني ما يقول حينما استخدم لفظة المشركين، ووفق إلى حد بعيد.
إن الشاعر أبا مسلم حين يعتنق مبدأ الأفضلية للأتقى إنما يعود بذلك في أصوله إلى القرآن الكريم ثم إلى أجداده الشراة الذين صدعوا بعقيدتهم الثابتة النيرة هذه في عهود الفتنة المظلمة حين كان التعصب للقبيلة من أكبر الدوافع إلى الاقتتال والصراع. أو لم يقل قبله الشاعر الشاري عيسى بن فاتك الخطي هذا البيت الذي أصبحت الجماعات الإسلامية تردده اليوم:
أبي الإسلام لا أب لي سواه =إذا افتخروا ببكر أو تيمم
كلا الحزبين ينصر مدعيه=ليلحقه بذي النسب الصميم
وما حسب ولو كرمت عروق=ولكن التقي هو الكريم
وكما قال الشاعر الشاري المفلق عمران بن حطان:
ونحن بنو الإسلام والله واحد=وأولى عباد الله بالله من شكر
وبما أن الأمثلة عن هذا الاتجاه عند أبي مسلم كثيرة لا تتخطاها العين في ثنايا الديوان فإن ذلك لا يمنع من وقفة مع قصيدته النموذجية التي عنوانها:
33 - إحسان عباس، شعر الخوارج ص 13
34 - م - س ص 25 (1/39)
صفحة 40
أفيقوا بني القرآن التي يتحدث فيها الشاعر عن هدى الإسلام وبني الإسلام، ويستنهض بني القرآن والعاملين بشريعة القرآن. والمحور الرئيسي في هذه القصيدة العصماء هو واقع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وهم يواجهون عدوا كافرا يتهددهم بالمسخ والفسخ في مقوماتهم الروحية والعقلية، ويتهدد أوطانهم بالاحتلال والاستيطان، فالدعوة إلى الاستنهاض تشمل بني القرآن ليفتحوا أبصارهم وبصيرتهم ويتحدوا حول القرآن رمز وحدتهم وعزتهم.
وهذه الدعوة في حد ذاتها استجابة قوية لرؤية الشاعر أبي مسلم. فالدعوة إلى النهضة موجهة لبني القرآن لا لبني عدنان أو لبني قحطان، لأن أبا مسلم ما رفع صوته إلا استجابة لداعي الله، وما صدع بأمر قبيلة أو عشيرة وإنما صدع بأمر الله
كما جاء في مطلع هذه القصيدة:
ألا هل لداعي الله في الأرض سامع=فإني بأمر الله يا قوم صادع
وهل من يرى الله حقا ومرجعا=إليه وإن الدّين لا شك واقع
وهل من يرى أن الحقوق التي دعا=إليها رسول الله غفل ضوائع
وهل من يرى الشرع الشريف=تدرأت عليها حثالات مبير وخانع
وهل من يرى أن الحنفية سامها=بما شاء من ضميم لعين مخادع
فالدافع إسلامي واضح وهو الصدع بأمر الله، والهدف أيضا أشد وضوحا وهو الدعوة إلى نصرة شرع الله، وتطبيق ما دعا إليه رسول الله، والمعنيون بهذه الدعوة هم المسلمون بنو القرآن كما يسميهم.
35 الديوان، ص 327 - 335
36 - المصدر نفسه (1/40)
صفحة 41
أفيقوا بني القرآن إن هداكم=إلى الجبت والطاغوت في الذل ضارع
أفيقوا بني القرآن إن كتابكم=يناقض في أحكامه وينازع
تعيث قرود الجبت في سنة الهدى=إذا عقدوا شنعاء جاءت شنائع
فإن الله حين كرم قريشا بأن أرسل محمدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بينها لم يكن ذلك ليخصها بالسيادة والحكم دون خلق الله من المسلمين وإنما ليشعرها بأن المسؤولية عليها باتت أشد وطأة وأثقل حملا.
ولأبي مسلم مفهوم طريف وتعليل لطيف في قوله تعالى مخاطبا الرسول -صلى الله عليه وسلم-: {وأنذر عشيرتك الأقربين} إذ ليس هذا في رأيه من قبيل التفصيل والتمييز بقدر ما هو من قبيل التكليف وتحميل المسؤولية
كما يقول
فانظر إلى حكمة التخصيص كيف أتت=للأقربين من أهل البدو والحضر
ليعلموا أنه التكليف لا نسب=يغني ولا فيه دون الله من وزر
لو كان بالشرف التكليف مرتفعا=إذا تعطل عدل الله في لفطر
وحجة الله بالتكليف لازمة=سيان في الأمر مفضول وذو خطر
إن الشاعر أبا مسلم من هذا النوع من الشعراء الذين واكبوا عصر النهضة قبيل الحرب العالمية الأولى وأثناءها، كان واعيا الوعي كله بما يمور به المجتمع الدولي آنئذ من تكالب الدول الاستعمارية على المسلمين، ومن تجميع الصليبيين الجدد جندهم، بناء على تخطيط يهدف لضرب الوحدة الإسلامية. فما
37 - المصدر نفسه
38 - سورة الشعراء آية رقم 214.
39 الديوان، ص 24 (1/41)
صفحة 42
دام العامل الذي وحد المسلمين بالأمس هو الإسلام هذا الذي جعلهم قوة فتحت نصف الكرة الأرضية في نصف قرن، فلماذا لا يقضي على هذه القوة أولا ليسهل بعد ذلك الاحتلال والاستيطان
يعدّون دين الله بهتا هجنة=وأن ليس من صوب الإله شرائع
وإن وقوع الدّين في الأرض مفسد=وأن قوانين السماء فظائع
وأن الذي جاءت به الرسل كله=مضر لأسباب الرقي مصارع
وأن هدى الإسلام في الأرض ظلمة=ولو زال باتت للرقي سواطع
وفي دولة التعطيل مرعى ونضرة=وفي دولة الدّين الديار بلاقع
حبالة صياد ودين ودولة=وتعطيل إنسانية وخدائع
تلك دعواهم المبيتة، فكيف يكون الرد عليها:
لقد ملأوا الآفاق إفكا وخزية=وبغيا ولا مقصود إلا المطامع
نفوا ملة الإسلام إذ منعتهم=محارم في حكم العقول فظائع
ولو قلدوا الإسلام ضاق عليهم=سبيل إلى ما تشتهي النفس واسع
ولا أطلقتهم في الرذالة رتعا=نذالتهم مهما اقتضته الطبايع
ولا حرشتهم شرة وفظاظة=لهم كلب في نهبنا وتنازع
كأن بني الإسلام صيد رماحهم=وأملاكهم إرث لهم أو قطائع
40 الديوان، ص 328
41 الديوان، ص 328 (1/42)
صفحة 43
والحق أن الذي يتابع شعر أبي مسلم في هذا الاتجاه يدرك إلى أي حد كان الرجل واعيا بمصير أمته، متابعا لأحداثها ووقائعها، بصيرا بما يراد لها من أعدائها.
وأبو مسلم حين يعالج هذا الموضوع لا يقف موقف العاتب المتحامل، أو البائس المتهالك وإنما هو يبين الداء والدواء، وعندما يعرض العلة يوضح أسبابها بكل موضوعية مستخدما النقد الذاتي بصراحة وجرأة.
لقد مكن الأعداء منا انخداعنا=وقد لاح آل في المهامه لامع
وسورة بعض فوق بعض وحملة=لزيد على عمرو ومأتم رادع
وتمزيق هذا الدين كل لمذهب=له شيع فيما ادعاه تشايع
وما الدين إلا واحد والذي نرى =ضلالات أتباع الهوى تتقارع
وما ترك المختار ألف ديانة=ولا جاء في القرآن هذا التنازع
فيا ليت أهل الدين لم يتفرقوا=وليت نظام الدين للكل جامع
وما ذبح الإسلام إلا سيوفنا=وقد جعلت في نفسها تتقارع
وما صدعة الإسلام من سيف خصمه=بأعظم مما بين أهليه واقع
لقد نظر أبو مسلم في حال المسلمين فوجد أن داءهم من أنفسهم، وأن العدو الخارجي لم يتكالب عليهم إلا عندما وهن التضامن الداخلي، فقد مكنوا العدو من أنفسهم؛ لأن الفتن أوهنت قواهم وشتتت شملهم، على أن الإسلام
-42 آل المهامه سراب في الصحارى
43. سورة: غضب
44 - الديوان، ص 329. . (1/43)
صفحة 44
يدعوهم إلى التآخي والتآزر والجهاد في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، فإن الرسول ما ترك ألف ديانة، ولا جاء في القرآن ما يدعو إلى التنازع والشقاق، عندئذ فكل دعوى لا تنطلق من هذا المفهوم الإيماني الوحدوي الثابت تغدو دعوى باطلة مفرقة مشتتة، ولا يشفع لها أن تكون في إطار قومي أو عرقي أو طائفي؛ لأن الدين يضم المسلمين جميعا تحت جناحه، فلا حاجة لهم عندئذ إلى جناح آخر يضمهم أو فكرة تلم شعثهم.
إن الشاعر أبا مسلم لم يركن إلى الدعاوى القومية أو الإقليمية لأنه يرى كل هذه الدعاوى من رواسب الجاهلية، فإذا كان للمسلم أن يفخر فليفتخر بما أعزّه الله به وهو الإسلام، وإذا كان له أن يعتز فليعتز بالمنهج الرباني الذي وضعه القرآن، وكأني به يردد ذلك البيت الذي غدا على لسان كل مسلم يضع الانتماء إلى الإسلام فوق كل انتماء، وهو قول الشاعر الشاري عمران بن حطان حين رأى القوم يحتكمون في كل أمورهم إلى النسب والقبيلة والعشيرة وما أشبه مما حاربه الإسلام فقال بعد أو وجد في الأزد من عمان موطنا وإخوانا وعاش بينهم حتى مماته:
فنحن بنو الإسلام والله واحد =وأولى عباد الله بالله من شكر
هذه الروح الإيمانية المنتفضة التي تعيش للإسلام وحده لا لغيره، وتدعو إلى الاحتكاك إلى القرآن وحده دون سواه هي روح ودعوة الشعراء الشراة، وهذا معلم بارز في شعرهم.
وعلى نهجه سار أبو مسلم، فإن آباءه الذين يفتخر بهم هم رجال تزينوا بالإيمان، وتجملوا بالتقوى، وشرفوا بالإسلام.
45 - ينظر، شعر الخوارج، إحسان عباس، ص 164 (1/44)
صفحة 45
رجال سعوا لله سعيا مباركا=فما قطعتهم عن رضاه القواطع
أنابوا إلى الله أتباع سبيله=فما صدعتهم في السبيل الصوادع
فما جمعوا ما فرّق الله جمعه=ولا فرقوا في الدين ما الله جامع
أولئك أهل الحق ما ضل مقتف=هداهم ولا يغوي عليهم متابع
أولئك أهل الفهم ما جار فهمهم=عن الله ما يقضي وما هو شارع
أولئك أهل الخير أما حياتهم=فغنم وأما ذكرهم فذرائع
أولئك أهل الفضل حتى ولو فنوا=لهم بركات في الدنى ومنافع
أولئك أشياخي فجئني بمثلهم=إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهذه المقطوعة صرخة قوية من أبي مسلم في أذن كل من يدعو إلى عنصرية أو جمهورية أو إقليمية لأن ميزان الفخر عنده ميزان سماوي عادل لا يجوز، وحكم لا يتبدل ولا يتغير.
وما تضمنت لبيت الفرزدق في آخر هذه المقطوعة إلا تعويض مقصود بموقف شعراء النقائض، والذين من آثار عجاج شعرهم التفاخر بالأنساب، فقد غير كلمة واحدة في بيت الفرزدق فأصبحت كلمة أشياخي عنده بدلا عن آبائي عند الفرزدق، والفخر بالشيوخ لعلمهم وفضلهم ولسيرتهم الحسنة، أما الآباء فلعلة الدم والقربى والنسب، وشتان ما بين الاعتبارين.
وأبو مسلم حين يذهب هذا المذهب يربط ذلك بعقيدته التي لا يتنازل عنها، فحبه لهؤلاء الشيوخ ليس حب فخر واعتزاز، وكفى أنه حب امتثال واقتداء.
46 - الديوان، ص 332 (1/45)
صفحة 46
هل كان قوميا؟؟!
ونظلم أبا مسلم حين ندعي أنه كان قومي النزعة أو أنه ينظر إلى (أفق قومي) والذين يرون هذا الرأي أو يفرضون على أبي مسلم هذا التقسيم لا حجة لهم ولا دليل يساندهم من شعر الشاعر وإنما هي دعوى باطلة، ودليلهم الوحيد موقف أبي مسلم من المؤتمر الإسلامي الذي عقد بالقاهرة على يد رياض باشا سنة 1911 م إذ كتب قصيدة يوضح فيها موقفه، وكان المؤتمر قد كشف مؤامرة الأقباط ضد المصريين المسلمين استجابة منهم لبعض الأيدي الأجنبية التي تحركهم في الخفاء لبث الفتنة بين المسلمين والأقباط لتعكر ماء النيل على الجمع وتحوله إلى ذهب في أرضها.
وهذه القصيدة نفسها لا أثر للنفس القومي في أبياتها إطلاقا، وإنما هدفها ورؤيتها إسلامية محضة، وقد عبر أبو مسلم عن قناعته الإسلامية في هذه القصيدة التي رآها بعض الدارسين (قومية)
حيث يقول:
يا قطين النيل ما حادثة=بات جفن الدين منها في سهر
أقلقت مصر وغاظت غيرها =خطة القبط وذاك المؤتمر
يا لقومي والأسى كل الأسى=إن جرى النيل على هذا القدر
ضايقوكم في المراعي مطلقا=وأشربوا أبو الاختصاص وأشر
طلبوا أعظم من مقدارهم=شأن من أكسبه العدل البطر
47 - الديوان المقدمة ص، 14،12، تحقيق وتدقيق عبد الرحمان الخزندار ط 1406 هـ / 1986 م
48 أحمد درويش مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، ص 194
49 - الديوان، ص، 354. (1/46)
صفحة 47
يقول مقدم الديوان:
"يتجه اتجاها قوميا خالصا فيعلن في قصيدته له أن عمان سوف تقوم بحق العرب، وسوف تعيد للعرب مجدهم وتصير مع شقيقاتها قوة فيتخلصون بها من الاستعمار، وهذا اتجاه وجيه يعرف قيمته من فهم أحوال العرب في عصر الشاعر، أي زمن الحرب العالمية الأولى، ويدرك وعي الشاعر للفكرة القومية من يعرف أنه نظم هذه القصيدة القومية بزنجبار بعيدا عن العالم العربي الناهض آنذاك، وهذه هي الأبيات التي تظهر غيرته القومية مخاطبا شاعرا عاب على العرب تأخرهم ونومهم الطويل"
تفضل بالزيادة في عمان=تجد أفعال أحرار الرجال
تجد ما شئت من مجد وفضل=وأحساب عزيزات المنال
تجد من هيبة الإسلام شأنا=عليه الكفر مبيض القذال
تجد همم الرجال مصممات=بثأر الدين ترخص كل غاد
قطين الشرق نمتم نوم عبد =فنبهكم صناديد النكال
فقوموا عندنا أولا فناموا=هنيئا بين ربات الحجال
سنأخذ حقكم ونذود عنكم=ذيادا باليمين وبالشمال
كنا نود أن يقدّم المقدمة دليلا آخر غير هذه الأبيات؛ لأن هذه تصرخ بالانتماء الذي يعتز به أبو مسلم وهو الأمة الإسلامية لا القومية العربية، حيث
50 - الديوان المقدمة، ص 14.
51 - الديوان، ص 14 (1/47)
صفحة 48
يقول بكل وضوح مفتخرا بعمان وما بها من هيبة الإسلام، وأن الرجال بها من أجل الدين يرخصون كل غال إلى آخر الأبيات ... !
فموقف أبي مسلم من القومية الضيقة الراكنة إلى الجنس لا يحتاج إلى تعليق؛ ذلك لأن إحساسه القوي بالانتماء إلى الأمة الإسلامية والعربية كما جاء ذلك عن أسبابه وهو يتحدث عن وادي النيل.
يا قطين النيل ما حادثة=بات جفن الدين منها في سهر
وجفن الدين الإسلامي هو المؤرق لا جفن القومية العربية، ولقد كان أبو مسلم صريحا حين وجه نداءه إلى أمة التوحيد في مصر قائلا:
يا بني التوحيد في مصر لقد=صرتم في جبهة الدهر غرر
صبغة الله على نهضتكم=إن من كان مع الله انتصر
وبنو التوحيد صفوة الأمة الذين يقودهم رياض باشا بطل الإسلام كما يدعوه.
بطل الإسلام قمقام العلى=رجل المجد الهمام المقتدر
ناصع الحجة معصوم النّهى=جلد الهمة ذو العزم الذمر*
صاحب العز رياض من غدت=فطر التوحيد منه في وزر
إن أبا مسلم يفتخر برياض باشا لا لكونه عربيا، بل لكونه من رجالات الإسلام وحماة الإسلام، ومن أجل هذا الشعور الديني بالانتماء إلى الإسلام يهب أبو مسلم نفسه للوقوف إلى جانب إخوانه المسلمين في مصر ضد من
52 - الديوان، ص 356. الذمر الشجاع اللبيب
53 الديوان، ص 356. (1/48)
صفحة 49
يناوئهم من الأقباط ولو كانوا مصريين، وهو يأسف أن تكون مشاركته لإخوانه بالشعر، على أنه لو يعلم يقينا أن الشعر يأتي بالنصر إذا لأرسل الغرر تلو الغرر.
قم بحول الله لا تحفل بها=رقصت أم سكنت أم العبر
لو يكون الشعر نصرا لم أزل=أنظم الأنجم لا أرضى الدرر
لو ملكنا السيف لم نرجع إلى =قلم في النصر إن قام عثر
والغيور الحر يبدي نصره=لأخي ملته كيف قدر
فالنصر إذا من أبي مسلم لأخي ملته لا لأخي جنسه، وشتان ما بين هذا وذاك!!
إن أبا مسلم كما يقول (علي النجدي): "منازعه الدينية إسلامية شاملة لا قومية محدودة، جماعة المسلمين كافة هم معناه في إسداد النصح والدعوة إلى الحق ومن قبلهم يكون ما يسوءه وما يسره، وهو لذلك يأسى لتفرق كلمتهم وانصداع وحدتهم ... ".
ونود أن نقرر في آخر هذا البحث أن أي محاولة لحمل أبي مسلم على هذا الاتجاه القومي الضيق هو ظلم للشاعر، وظلم لشاعريته، وظلم للحقيقة التاريخية والموضوعية العلمية والدراسة النقدية، ولا عبرة بأولئك الذين يخضعون الأدب للسياسة ويطوعون المذهب المبادئ للمصالح؛ لأن الزيف إن توارى عن الأعين زمنا لا بد أن يجيء يوم تكتشف فيه حقيقته للناس، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
54 - الديوان، ص 356.
55 - مقدمة الديوان علي النجدي طبعة وزارة التراث 1400 هـ/1980 م، ص 2. (1/49)
صفحة 50
الابتهال في شعره
عندما يتوجه الدارس إلى شعر أبي مسلم إنما يفعل ذلك لأن أبا مسلم يمثل الشاعر المسلم بكل مواصفاته الأصيلة: عقيدة دينية راسخة، وسلوكا محمديا ثابتا، ورؤية إسلامية للكون والحياة والناس لا تذبذب فيها ولا اهتزاز، وهو إلى جانب هذه الخصائص السلوكية والعقدية يتميز بشاعرية فياضة تجمع الجماليات الفنية الرائعة التي تجعل التجربة الشعرية تنتفض وتتحرك وتؤثر.
وعندما يختار الدارس من بين هذا الشعر موضوعا محدد الأطراف مثل شعر الابتهالات فإنما يتوجه إليه بدافع موضوعي، لأن الأغلبية الساحقة من قصائد أبي مسلم إنما تنحو هذا المنحنى. فقد استحوذت قصائد الابتهال عنده على الأكبر من ديوانه، قد تبلغ ثلثي شعره أو تزيد.
على أن أبا مسلم لم ينظم قصائده الأخرى بموضوعاتها المختلفة حنينا واستنهاضا، مدحا ورثاء، إلا تحت هذا الإلحاح الديني الذي يمثل الشاعر أبا مسلم أحسن تمثيل، ويعبر عن شخصيته أبلغ تعبير.
فوطنياته ومديحه ومراثيه كلها تخرج عن إطار هذا النهج المستقيم. ولينظر المتأمل ملاحمه الوطنية: المقصورة والنونية والميمية والعينية، ثم لينظر تخميساته لقصائد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ولينظر بعد ذلك (1/50)
صفحة 51
مراثيه في العلماء الأجلاء يجدها قد صيغت كلها بقالب سلوكي رفيع، لأن شعره كله في الغالب متمحور حول الاستقامة، منبثق عنها داع إليها.
لذا فإننا عندما نجرؤ على الدخول إلى هذا البحر الزاخر نكون قد تجرأنا على أنفسنا أولا وبالذات، والجرأة هنا لا تأتي من عمق أمواج شعر أبي مسلم وحسب، وإنما تأتي من كون المركب الذي اخترناه لشق هذا الخضم ليس مأمون العواقب، فليس أخطر على المرء من تناول موضوع يتعلق بالنفس البشرية التي مهما قال العلماء فيها وعنها؛ فإنهم لن يصلوا إلى حدود تفسير الآية الكريمة التي تتحدانا {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}. فنحن إذا حين ندخل إلى هذا البحر المتلاطم فإننا ندخله على وجل وخوف للأسباب السابق ذكرها:
* صعوبة النفاذ إلى أبعاد هذا النوع من الشعر؛ لأنه يتعلق بالروحانيات، وهي أمر صعب الاحتواء والفهم.
* وسعة أطراف الموضوع؛ لأن جل ما كتبه أبو مسلم إنما يدور حول هذا المحور، لذا فإن بحثنا هذا لا يدعي الإحاطة أو النفاذ إلى الأعماق، وإنما
56 - ينظر أحمد بن سليمان الكندي، قصائد السلوك في شعر أبي مسلم يحلة المنتدى الأدبي العدد الصادر في 1991 ص 202. عدد أحد الدارسين أبياته الدينية فبلغ بها 5680 بيتا من مجموع 9000 بيتا وإن كنا لا نوافق على هذا التحديد المفتعل. ينظر ديوان أبي مسلم د اصلاح رزق (مخطوط) ص 13.
57 - سورة السجدة، الآية 27. (1/51)
صفحة 52
هو محاولة للتقرب من هذا البحر الخضم، والتأمل في عالمه العجيب تأمل استفادة وتجريب.
وسنحاول أن نقف مع قصيدة الابتهال عند أبي مسلم من خلال المحاور التالية:
*قصيدة الابتهال تعريفها وأبعادها
*مكانة هذا الفن عند أبي مسلم ولماذا اهتم به؟
*محاور هذه القصيدة عنده من جانبها الموضوعي.
*محاورها من جانبها الفني.
*قصيدة الابتهال بين الزهد والتصوف.
- قصيدة الابتهال: تعريفها، أبعادها:
جاء في لسان العرب لابن منظور: ابتهل في الدعاء إذا اجتهد ... والابتهال التضرع، والابتهال الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه لله عز وجل.
وفي التنزيل العزيز {ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} أي يخلص ويجتهد كل منا في الدعاء واللعنة على الكاذب منا.
قال أبو بكر ابن الأنباري: قال قوم: المبتهل معناه في كلام العرب المسبح الذاكر لله، واحتجوا بقول النابغة شيبان:
58 - سورة آل عمران الآية 61. (1/52)
صفحة 53
أقطع الليل آهة وانتحابا=وابتهالا لله أي ابتهال
وحديث الدعاء: والابتهال أن تمد يديك جميعا. وأصله التضرع والمبالغة في السؤال.
من هنا نرى أن معنى الابتهال: هو التضرع في الدعاء والاجتهاد فيه. وأما الدعاء فقد ورد في القرآن بمعنى العبادة، كما جاء في سورة الأعراف {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين}
وفي سورة الرعد: {له دعوة الحق والذين تدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} وقد وردت اللفظة في آيات كثيرة أخرى، وعندما نتناول تلك الشواهد كلها نجد الدعاء حين يرد بمعنى العبادة يتضمنه أيضا معنى النداء {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}.
والدعاء مما يوصي به القرآن الكريم عباده المؤمنين؛ لأنه حفظ الصلة التي لا تنقطع بين العبد وربه {وقال ربكم أدعوني استجب لكم} {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني}.
59 - سورة الأعراف الآية: 194.
60 - سورة الرعد، الآية: 14.
61 - سورة الأعراف الآية 180.
62 - سورة غافر، الآية 60.
63 - سورة البقرة الآية: 186. (1/53)
صفحة 54
وقد قص علينا القرآن نماذج من أدعية الأنبياء مما لا يزال المؤمنون يرددونها في صلواتهم وخلواتهم تأسيا واقتداء بهم، وقد وردت على لسان أنبياء الله: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد رغب الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- أمته في الدعاء في حالتي الخير والشر، وفي مواضع الشكر والضر؛ لأن الدعاء بالنسبة للمؤمن هو علامة استسلامه لله خالق كل شيء، ومدبر كل شيء.
فالدعاء بالشكر عند النعماء يزيده عطاء وإنعاما، والدعاء بالصبر عند الضراء يزيده أجرا وثوابا، وعند الإنابة والاستغفار يزيده من الله قربا وملاذا.
وقد جاء عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء، وقال: "إن الله حي كريم، يستحي إذا بسط الرجل إليه يديه أن يردها صفرا ليس فيها شيء". إلى آخر ما جاء في هذا الموضوع من أحاديث كلها تخض على الدعاء، وتدعو المؤمن على ملازمته سرا وجهرا، ليلا ونهارا، في المكره والمنشط.
وإذا عدنا إلى التراث الإسلامي فإننا نجد في أدبيات المتصوفة اهتماما بالدعاء والأذكار، وضعوا لها آدابا وشروطا ينبغي أن يكون المرء عليها في حالة الدعاء حتى يستجيب الله لدعائه. (1/54)
صفحة 55
ولهذه الآداب تفاصيل توجد في الجزء الأول من إحياء علوم الدين للغزالي، والجزء الخامس من نهاية الأرب للنويري، كما تكتظ بها كتب المتصوفة والرقائق.
وجملة هذه الآداب تبين كيف يحرص الصوفية على صفاء النفس حين تراض على هذه الآداب، فوصل النفس بالله، واستحضار فقرها إليه، ورهبتها منه، ورغبتها فيه، وانتظارها لفضله في ثقة ويقين، كل أولئك من العوامل في صقل النفس، وتطهير القلب، وتربية الوجدان، وانتظار الخير كله من الله، وتهيئة النفس لذلك باب أصيل في بناء الملكات الأخلاقية، ولا سيما إذا لاحظنا مخلصين أن الأمر بيد الله، وأن العبد لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. هذه الأسباب كلها تجعلنا نفهم موقنين لماذا يصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- الدعاء بأنه مخ العبادة!!
من هذا المنطلق الإيماني نفهم لماذا يتجه شاعر مثل أبي مسلم إلى هذا النوع من الشعر، ولماذا يكرس له من ديوانه كل هذه القصائد بحيث تصبح الجزء الغالب عليه، بل تصبح الروح الذي طبع أغلب أعماله الشعرية، وسنعود إلى هذه النقطة بالذات بالشرح والتوضيح.
64 - دازكي مبارك: التصوف الإسلامي وأثره في الأدب والأخلاق، ج 2/ص 40. (1/55)
صفحة 56
لماذا اهتم أبو مسلم بقصيدة الابتهال؟
يبدوا لي-والله أعلم- أن أبا مسلم حين كتب الشعر كان أول ما كتب منه هو الشعر الديني الخالص، أي شعر الابتهال والذكر؛ آية ذلك أننا عندما نعود إلى ديوانه المخطوط نجده عبارة عن مجموعة من الأذكار الدينية أعطاها هو بنفسه عنوانا دلاليا مقصودا: النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني، ويشمل أغلب قصائده كما ذكرنا آنفا، وهو الذي يعنينا من هذه الدراسة المتواضعة.
وقد قسم الديوان نفسه إلى عناوين تنطوي كلها تحت عنوان واحد هو الأذكار، فلم يميز بين قصائده إلا بأعدادها حسب الترتيب فكان منها:
الذكر الأول وعنوانه: الوحي المقدس، ومقدمة في شروط الذكر، ثم فاتحة الدعوة المباركة لأسماء الله الحسنى، وعدد أبياته 1567 بيتا.
الذكر الثاني وعنوانه: النامرس الأسنى في أسماء الله الحسنى، وعدد أبياته 262 بيتا.
الذكر الثالث وعنوانه: المعرج الأسنى في أسماء الله الحسنى، وعدد أبياته 114 بيتا.
الذكر الرابع وعنوانه: النفحة الفاتحة في التوسل بأسماء الفاتحة، وعدد أبياته 202 بيتا.
65 - في رواية أخرى (النفس الرباني) والمعنى واحد. (1/56)
صفحة 57
الذكر الخامس وعنوانه: درك المنى في تخميس سموط الثناء، وعدد أبياته 256 شطرا، لأن القصيدة يخمسها بقصيدة هي في الأصل للعالم الرباني الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي.
الذكر السادس وعنوانه: مقدس النفوس 795 بيتا.
الذكر السابع وعنوانه: الكلم الطيب 855 بيتا.
الذكر الثامن وعنوانه: الباقيات الصالحات، وعدد أبياته 700 بيتا، سقط منها حوالي ثلاثون بيتا لم ترد في الديوان المطبوع ولا المخطوط، وتلحق بهذه القصائد.
هذه هي القصائد التي يمكن أن يشملها جميعها الاتجاه الابتهالي، لأنها إنما نظمت أساس لهذا الغرض، كما تدل على ذلك مقدمة الشاعر نفسه؛ حيث يضع لها سلوكية معينة قبل الذكر وأثناءه.
وقد دلت المقدمات التي يفتتح بها تلك القصائد على احتفاله بأدائها، إذ كان يهيئ نفسه بالطهارة والوضوء والتبتل والخشوع والصلاة في جوف الليل، فتنساب تلك الأبيات على لسانه دعاء يناجي بها ربه في تلك اللحظات الروحية الرفيعة، تجيش بها عاطفته، ويفيض بها وجدانه، ويمتلئ بها قلبه، وتخفق بها جوانحه".
بعد هذا الاستعراض السريع الذي يقدم أمامنا انطباعا عن اهتمام الشاعر أبي مسلم بهذا الفن الشعري الذي يكاد يتفرد به من بين الشعراء
66 - أحمد بن سليمان الكندي، مرجع سابق، ص 202. (1/57)
صفحة 58
المعاصرين له، لا في عمان وحسب بل في العالم العربي على ما نعلم، ندرك أن أبا مسلم قد اتخذ الشعر وسيلة يتقرب بها إلى ربه كما يتقرب إليه بأي عمل صالح آخر، إنه المعاناة النفسية والخلوة الروحية التي اختار للتعبير عنها الفن الشعري، وما في ذلك غضاضة.
وبعيدا عن استنطاق الظروف السياسية والاجتماعية -وهي دوافع موضوعية ولا شك- نود أن نبدأ من دافع ذاتي نابع بكل قوة من حنايا الشاعر؛ لأن الدافع الذاتي في كتابه الشعر يكون أقوى ولا ريب من الدافع الخارجي، وكأن الشاعر توقع تساؤل الناس عن اختياره
هذا فقال:
بأسمائك الحسنى تقربت سيدي =إليك مُجدّا في هتافي وقربتي
جعلت سمير الطبع ترتيل ذكرها=لوجهك ربي خلوة بعد خلوة
بحقك أمطرني سحائب سرها= .............................
وهب لي بها من كل خير أتمه=إلهي في الدنيا وفي الاخرويه
أكف الضراعة وهو ينشد تلك القصائد، وهو الذي أضفى عليها جوا حميما من الصدق والتجلي الروحي، والقارئ عندما يردد تلك القصائد بتمعن يخيل إليه أن الشاعر لا ينشد شعر عاديا، وإنما هو يدعو خاشعا متبتلا في محراب الشعر، وهو موقف طالما طالعنا من شعره، ولا سيما في خواتم تلك المطولات التي يخصصها لأسماء الله الحسنى؛ حيث يتكرر لفظ الدعاء أكثر
67 - ديوان أبي مسلم، ط. الحارثي، ص 127. (1/58)
صفحة 59
من مرة، تعبيرا من الشاعر عن معاناته النفسية الصادقة، وإحساسه الإيجابي الفياض.
إلهي هذا موقف الخوف والرجاء=وهذا مقام العائذ المتثبت
إلهي ما أوقفتني موقف الدعا=لطرد وإبلاس ويأس وخيبة
إلهي لا يشقى دعاتك بالدعا=ولا باء بالحرمان إخبات مخبت
إلهي لولا نظرة أزليةإلي لما =أنهضتني نحو دعوتي
إلهي بشيري بالإجابة دعوة=أرتلها والله حاضر حضرتي
إلهي دعائي ما له عنك حاجز=وعزم إرادتي وثبت عزيمتي
إلهي أبواب الدعاء لمن دعا=مفتحة فاسمع دعائي وصرختي
هكذا يتجلى صدق الشاعر وخشوعه وخضوعه، واتخاذه الشعر وسيلة يدعو بها ربه ويناجيه، مما جعله يردد لفظة الدعاء، وما اشتق منها في هذه الأبيات أكثر من ثمان مرات.
فالابتهال عنده بالشعر وسيلة من وسائل التقرب إلى الله لا تختلف عنده عن دعائه بالنثر، أو بالأدعية المحفوظة المأثورة الأخرى. وقد قال عن نفسه في مقدمة تخميسه لقصيدة شيخه وإمامه في هذا الاتجاه الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي: "ولكني امرؤ حالفت خدمة الأذكار، وأشربت حب الاغتراف من بحار الأسرار، وعلمت أن لهذه الدعوة (سموط الثناء) أثرا ساطعا، وبرهانا قاطعا أشهر من الشمس في كبد السماء، وأغزر بركة من
68 - ديوان أبي مسلم الرواحي، طبع ونشر صالح بن عيسى الحارثي (د. ت) ص 125. (1/59)
صفحة 60
عيالم الدأماء (البحار)، فاستمسكت بعروقها، وأخذت بحجزتها، وجعلت مع التخميس لرب العزة نداء، ولبست لها من أديم السحر رداء".
فأبو مسلم يرتقي بهذا الفن الشعري رتبة في السمو الروحي أرقى من أن يكون شعرا ينشد أو يحفظ، وإنما يتخذ هذه القصائد أورادا يقسمها بين اليوم والليلة، فتصبح عنده عبادة قارة ورياضة روحية يصفّي بها نفسه من أدران المادة، وأوضار الدنيا، كلما أصابه شيء من غبارها.
سيدي سائل ... بأسمائك الحسنى =على بابك العظيم الأجل
سيدي عائذ بأسماك الحسنى=دؤوب بحبلها متدلي
سيدي مخبت بأسمائك الحسنى= وأذكارها حديثي وشغلي
فهو سائل عائذ مخبث، حتى أصبح الذكر حديثه وشغله فيما يقول، والدافع إلى ذلك طمأنينة يجدها قرب الله إذا استبد به قلق، وأمن في حمى الله إذا نزل به خوف، ذلك ما يقرره بنفسه
حيث يقول:
سيدي عزّني الوجود ملاذا=وتعمّت أمام وجهي سبلي
سيدي من يحلل حماك يصادف =كرما منزلا برحب وأهل
سيدي أيّ قاص طوّحته=في حماك الخطوب باء بحظل
إلى أن يقول:
سيدي من يصرف هواه إلى=غيرك لم يلف منه غير التولي
69 - الديوان المخطوط، ص 93.
70 - الحظل المنع والحرمان. (1/60)
صفحة 61
إنَّ قصيدة الابتهال عند أبي مسلم حاجة نفسية، واستجابة ملحة لخواء روحي يشعر به يشعر به عندما تدلهم أمامه الحوادث، وتتحكم حوله حلقات الأزمات النفسية، فلا يجد سلاحاً لدفعها إلا الإبتهال المتضرع إلى الله،
لأنَّه يشعر لا محالة بالضعف البشري، ويعترف بقلة حيلته وهوانه
عند
الناس، فيغدو الدعاء حينئذ سلاح المستضعف الذي لا يجد النصير إلاء الله قاهر المستبدين، والجبابرة، الطغاة، فأسماء الله تغدو عنده الجنود، والحصون والسيوف والنبال التي يقاتل بها، بل إنها البروق التي تخطف أبصارهم كلما أرادوا به سوءا:
ربِّ سلطانك النصير نصيري وخلوص الدعا سيوفي وتبلى وجنود الأسماء أنصار قهري وكنوز الأسماء كنزي وطولي وحصون الأسماء معقل أمني وغيوث الأسماء غيثي محلي وبروق الأسماء تخطف أبصار المريدين سوء حالي وذلي وفيوض الأسماء قوة تصري في وفصلي في الكائنات ووصلي فاكسني من لآلئ أسرارها نو را، وهب لي بفيضها كلَّ سُولي وأغثني متيما، مولع القلـ بأذكارها نهاري ولـ لست أخشى من الحوادث إن كن ت بانوار سرها متجلّي
إنَّ المتتبع لتلك الابتهالات الدافقة من أعماق القلب، ليشعر بحق إلى أي حد كان أبو مسلم وهو يسبح في ملكوتها، كما قال حقا متيما،
71 - الديوان، ط. التراث، ص 130.
-
-56 - (1/61)
صفحة 62
مولع القلب بأذكارها ليله ونهاره وما ذلك إلا لثقته لعظيمة في الله، فإنَّ الذكر والدعاء طاقة روحية هائلة تفيض على جنبات نفسه، فتملؤها بالطمأنينة والرضى واليقين فهي إذن عبادة، وحاجة وأمان:
إلهي أكرمني بقرب إجابتي فإني مضطر عظيم البلية وعدت بقرب واستجابة دعوة إذا عرجت عن ذلة وضرورة 72
قصيدة الإبتهال من جانبها الموضوعي
إنَّ قصيدة الابتهال عند أبي مسلم تسير وفق مخطط فكري مرسوم، ومنهج رؤيوي معلوم، يقسمها إلى محاور وعناصر، وما يزال يتبعها في خطى ثابتة موزونة حتى يصل إلى خاتمتها، بل تشعر وأنت تقرأ تلك الابتهالات أنَّ خيطا نفسيا رفيعا يسلكها في عقد واحد، يبدأ من الجزئي إلى الكلي، أو من الكلّي إلى الجزئي.
الله أن
ولأنَّ هذه القصائد في حقيقة أمرها أدعية تصعد من أعماق قلب الشاعر، اتسمت في الغالب الأعم بالتكرار اللفظي والمعنوي، لأنها ترجمة صادقة لحاجات الشاعر النفسية، يطلب من يستجيب لها، على النحو الذي أوضحناه، لذا جاءت محاورها على كثرتها متشابهة، وعناصرها متماثلة، فلا يكاد المرء يجد فرقًا بينها من ناحية الأفكار والمعاني، والمواقف، وليس المهم أن تتسم بالتكرار المعنوي ما دامت
72 - الديوان، ص 106.
- 57 -
- (1/62)
صفحة 63
استجابة صادقة لأحاسيس الشاعر وأدعية خالصة لهمومه وغمومه، ولئن لوحظ تشابه موضوعاتها بما عرف في الشعر الصوفي من اهتمام بالسلوك، والأخلاق والحب الإلهي، والمدائح النبوية، والتأمل الروحي، فإنَّ الشاعر أبا
من
مسلم قد وفق في عرضها بطريقة منهجية، تنداح في دوائر نفسية تبدأ همومه الخاصة الشخصية، ثمَّ تتسع شيئًا فشيئًا لتشمل هموم وانشغالات أمته الإسلامية، وهذه الرؤية في حد ذاتها تسم هذه القصائد بسمة الخصوصية، وتفردها بنكهة شعرية محببة.
الأعم:
وقصائد الابتهال عند أبي مسلم تسير وفق المحاور التالية في الأغلب
افتتاحية في تقديس اسمه تعالى.
تمجيد الذات الإلهية بذكر صفاته التي وصف بها نفسه.
الاعتراف بالذنب والتقصير في جنب الله.
التوبة وطلب الغفران.
مطالبه وحاجاته الدنيوية والأخروية، وهي:
تزكية نفسه العلم اللدني، القبول والرضى، الغنى الذي يغنيه عن ذل السؤال، الدعاء على أعدائه بطلب الانتقام منهم، طلب نصرة الأمة الإسلامية على الكافرين والمشركين والطغاة، ثمَّ الخاتمة بالصلاة والسلام على رسول الله الله
وبما أنَّه من الصعب على الدارس أن يقف عن هذا العدد الضخم من الأبيات، فقد رأينا الوقوف عند الذكر الثالث الذي عنوانه: «المعرج
- 58 - (1/63)
صفحة 64
الأسنى في أسماء الله الحسنى»، إذ خيل لنا ـ والله أعلم: أنها القصيدة الابتهالية النموذج التي أفردها للدعاء الخالص من أول بيت إلى آخر بيت، قد نظمها قصدا للدعاء بها عند الحاجة، كما أوضح ذلك في مقدمتها.
وقد افتتحها أبو مسلم بمقدمة نثرية يقول فيها:
وبعد فهذه نفثات عرشية، وكلمات قدسية، عبق عبيرها من رياض الأسرار الفرقانية، وأشرق ضوؤها عن مشكاة الأنوار الأسمائية، أجراها الله على لسان عبده المفتقر إلى رحمته، ولقد بلوتها عند الشدائد فوجدتها غيانا جميلاً، وركنا جليلاً، والحمد الله حد النهاية، وهاكها
حسب ما جادت به العناية».
ثمَّ يقسم الذكر شعرا على النحو التالي:
مقدمة في شروط الذكر.
- اللطيفة الأولى في سؤال تزكية النفس.
اللطيفة الثانية: في إمداد الأنوار العلمية والأسرار الحكمية.
- اللطيفة الثالثة في الدعاء لدفع الآفات، والكلاءة من طوارق
المخافات.
اللطيفة الرابعة في تطهير النفس بالاستغفار من الأوزار.
اللطيفة الخامسة لفتح خزائن النعم، وانبساط فيوض الكرم.
- اللطيفة السادسة في كسر شوكة الفساد، ووصم العباد.
- الخاتمة.
1
59
- (1/64)
صفحة 65
إنَّ الدارس عندما يقرأ هذه العناوين، أو هذه اللطائف الست يتذكر ولا شك مقامات وأحوال المتصوفة التي وضعوها للسالك في هذا الطريق، والمقيم عندهم مقام العبد بين يدي الله عزَّ وجل فيما يقام من العبادات والمجاهدات الرياضية، والانقطاع إلى الله تباركت أسماؤه (73).
والمقام الأوّل عندهم هو التوبة النصوح، وهي ندم القلب، واستغفار اللسان، وترك الجوارح، وإضمار أن لا يعود التائب إلى الذنب، وقد وصفوا عشر خصال ينبغي أن يتحلى بها العبد في مقام التوبة قبل أن يتجاوزها إلى المقامات الثابتة وهي مقام الصبر ومقام الرجاء، ومقام الرضى ومقام الرفعة ومقام الفقر، ومقام الورع، ويكون العبد في كل مقام على حال خاصة من أحوال يعرفونها، وهي متدولة في كتب
التصوف.
وقد وضع أبو مسلم لمن يريد الابتهال بها شروطا، تتعلق بالإعداد النفسي، بطهارة الظاهر والباطن، والتفرد بعيداً عن ضوضاء الدنيا وبهرجها وزخارفها.
كتبهم؟
أيكون أبو مسلم متأثراً بمثل هذه السلوكات التي وضعها الصوفية في
الواقع إنَّ هذه الشروط التي وضعها قبل الذكر هي من آداب الدعاء، قبل أن تكون طقوسًا صوفية، لأنَّها لا تخرج عن إطار الإعداد الروحي للسمو بالنفس البشرية من دنيا المادة، وأوضار الحياة اليومية، وهي ـ كما
73 - ينظر: د/ زكي مبارك: مرجع سابق، ج 2، ص 117، 118.
- 60 (1/65)
صفحة 66
ذكرها شعرا -: أولها: تطهير القلب، وثانيها: التفرد في الخلاء، وثالثها الإخلاص لله وحده، ورابعها استقبال القبلة عند الدعاء، وخامسها الوضوء؛ ويضيف إليها شروطًا أخرى يقول عنها: إنَّها مستحبة مثل صوم يوم الخميس، وأن تكون تلاوة الذكر ليلة الجمعة وسَحرا، لما للصوم من کسر غلواء الجسد ومطالبه المادية، ولما للسَّحَر من صفاء ونقاء وهدوء يؤثران على النفس، ويعدانها إعدادًا طيبا لتلقي الفيوضات الإلهية، وتحديده ليلة الجمعة بالذات، لأنَّ الله تعالى فضَّل ليلة الجمعة ضمن ليالي الأسبوع، لحكمة لا يعلمها إلا هو.
ثمَّ يقول: إنَّ من استكمل تلك الشروط ثمَّ دعا ربه منيباً متضرعًا، وجد الإجابة يقينًا.
ويختم نصيحته قائلا:
فعول عليها في المهمات داعيًا بياء النداء، مستهديا متوكلا 74 والواقع أنَّ أبا مسلم لم يبتدع طريقة جديدة للذكر حين وضع هذه الشروط، ويبدو أنَّ أبا مسلم نقلها عن كتاب شيخه وإمامه سعيد بن خلفان الخروصي الموسوم بـ «النواميس الرحمانية حيث نجد الشيخ يذكر الشروط نفسها، الخلوة والطهارة واستقبال القبلة واستدامة الصيام، والتقليل من الأكل والشرب والصبر والإخلاص، وهو يذكر أنه نقل ذلك عن الإمام الحجة أبي حامد الغزالي؛ ويضيف الشيخ سعيد: «وفي قول الإمام الحجة أنَّ الحصن من قواطع الطريق أربعة أمور: الخلوة والصمت
74 - الديوان ط. التراث، ص 138.
-
- 61 (1/66)
صفحة 67
والجوع والسهر، فقد قيل: صفة الأبدال أكلهم فاقة، ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة؛ فالصمت يسهل بالعزلة والسهر بالجوع، ومنها ينجلي القلب، ويصفو، ويتنور، ويكون كالمرآة المجلوة، فيلوح منها جمال الحق وتشرق منها أنوار الآخرة» (75).
على أننا لا يمكن أن ننفي الصلة بين ابتهالات أبي مسلم وشعر التصوف، لأننا لاحظنا في هذه القصائد استمداداً واضحا من عالم التصوف لغة وتعبيرا، وتوظيف مصطلحات لها دلالات خاصة عندهم، وسنعود إلى هذه القضية بالتفصيل في مكانها.
وبما أنَّ المجال لا يسمح بأن نأتي بأمثلة شعرية لكل ما ذكرناه، فإنه من الضروري الوقوف في بعض المحاور التي رأينا الشاعر يقف عندها طويلاً، ويردد الطواف حولها متبلاً؛ وإلحاح الشاعر على هذه المحاور بالذات استجابة نفسية طبيعية لما يشعر به، ودعاء من الله ليستجيب له حاجاته تلك، إذ تغدو أسماء الله وسيلة للدعاء وطلب الإجابة.
* من هذه المحاور التي يفتتح بها تلك المقاطع عادة: التوبة النصوح، والندم بما بدر منه في جنب الله، والندم والتوبة أو المقامات التي يشترطها
الصوفية في تنقية النفس وتطهيرها لتلقي المعارف اللدنية.
يقول:
إلهي قد اشتدت إلى الله فاقتي وشدت إلى معروف جودك نجعتي إلهي من حاجات نفسي توبة علي وغفران وعفو لزلّتي
75 - النواميس الرحمانية، طبعة حجرية، د. ت. ص 89 - 90.
62 - (1/67)
صفحة 68
وأكبرها الرضوان عني بجنة أجاور فيها خاتم الرسلية إلهي إن كانت ندامة من عصى مثابا فإني نادم من خطينتي ندامة مضطر، ندامة متق ندامة مغرور بدنيا دنية ندامة عبد فارق الكون كله إليك ولم يعبا بكثر وقلة (76) وقد يكون محور الذكر فرصة ليعرض نفسه على ربه دون مواربة أو تكلف، لأنَّ مقام الدعاء هو مقام استغفار من الذنب، كما جاء ذلك
عنده في المقطع الذي عنوانه: غافر الذنب جل جلاله.
يقول:
ويا غافر الذنب اغتفر لي قبائحا تجمتها في جهرتي وسريرتي تعودتها، لا عذر لي في اقترافها سوى خستي طبعا وشدة شهوتي إلهي اكتسبت الإثم عمدًا فإنه لكثرة ما آتيه أعظم قربة ينبهني القرآن في غفلة الهوى فأصدف عنه مستمرا بغفلتي وما صدقتي جحد، ولكنها هوى دهاني إلى أن صار وصفي وحيلتي أقل عثرتي يا غافر الذنب إنَّ لي يقيناً بغفران وجود ورحمة
إذا انتابك المستغفرون بحجة فجودك ربي حُجَّتي ووسيلتي "
77
* ومن المحاور التي يقف عندها أيضا، وتردَّدت في أذكاره وأدعيته، طلب العلم اللدني، وهو ما يسميه الحكمة، أو علم الأسرار، فقد كان فيما
I
63
76 - ص 126.
17 - ص 98. (1/68)
صفحة 69
يبدو شغوفا بهذا العلم الذي جاهد نفسه من أجل الوصول إليه، وقيل: إنَّه
كان مِمَّن يعلمونه تأسياً واقتداءً بشيخه الخليلي.
يقول:
عالم الغيب والشهادة علاً م الغيوب العليم، علمك هب لي واهب الفيض ادع قلبي بالحك مة والعلم يا حكيم وحل يا مفيض الأنوار، نور السماو ات، والأرض أجل رين ظلمة جهلي منعتني عن الحقائق حجب مزق الحجب يا مبين وجل يا بديع اكشف لي البدائع واقذف شعل الفهم والذكاء بعقلي يا سميع اكشف لي ستائر أسرا ر الأسامي، واسمع دعائي ووهلي (78)
لنفسه
يشكو إلى الله إملاقه وعسرته
* ومن مطالبه التي طالما ردَّدها أن يوسع الله له في الرزق، ليكفيه ذل السؤال والحاجة، ويسأله متضرعًا ألا تلجئه الفاقة إلى أن يذل نفسه، ويكسر خاطره أمام الخلق ببسط يد السؤال، فإنَّ موقف الذل لا يرضاه سوي أن يكون كذلك لمولاه. بطولك ملكني غنى غير نافد وهب لي ملكا مدة العمر كافيا ووفر لي النعماء وافتح خزائن الـ مواهب وابسط ووسع ثَرَاثِيَا وصن بالغني يا مالك الملك والرضا صحيفة وجهي من ذل مثاليا
78 - ص 124
-
- 64 ·
- (1/69)
صفحة 70
ولا تلق حاجاتي إلى غير قادر على النزع والإيتاء ما دمت باقيا فلا خير إلا من يديك ولا غنى لك الملك تؤتي الفضل توتي الأيادي (79)
دعا الله أن يوسع له في الرزق والثراء، يذكر أنَّ طلبه ليس
كلما دعا الله وهو
من أجل الدنيا وزخرفها، أو حبا في المال لذاته، وإنَّما ليصونه ذلك عن
التذلل للناس، ويبدو «رجالي وأسرتي».
أنَّ منهم أقارب له، وقد أشار إليهم صراحة بقوله:
عسي نفحات اسم الرحيم تكون لي على خطة أعيت لحالي وقوتي
عسى
نفحات
اسم الرحيم تنيلني بوسع ندى يجتاح فقري وعسرتي عسى نفحات اسم الرحيم تقوم بي وقد قعدت عني رجالي وأسرتي 80
وقد تنزل به عسرة، وتكثر حوله المطالب، فلا يجد سبيلاً لدفعها سوى الوقوف بباب الوهّاب، الذي لا تنفد خزائنه، وهو طالما أطال الدعاء
طالبا أن يرفع عنه الحاجة والفقر، مستجيرًا، متضرعًا، شاكيا.
ببابك ياوهاب أملقت مخفقًا وأقويت مجهودًا بأسر البلية ببابك يا وهاب أخلصت رغبتي أوردت آمالي وأنزلت بغيتي عنائي عناء المجهدين و. بعلمك، فاجبر عيلتي، واشف غلتي وأنت الجواد الحق لا وهب مطلقا من الخلق، إلا منك يا ذا العطية
اجتي
إلهي هب لي من مواهبك الغنى عن الخلق في نفسي وفي واجدَيَّتي 1
65
•
79 - ص 149
80 - ص 20
81 - ص 30. (1/70)
صفحة 71
ورب قائل يقول: كيف ينسجم هذا الخلق الحريص مع الزهد في
متاع الدنيا الذي هو الطابع الذي يفترض في شخص مثل أبي مسلم؟ يقول الإمام الغزالي في هذا الصدد:
«ولا بأس أن يحمد المتصوّف ما في المال من الحظوظ الدنيوية، کا الخلاص من ذل السؤال، وحقارة، الفقر، والوصول إلى العز بين الخلق، وإكثار الإخوان والأعوان والأصدقاء والوقار، والكرامة في القلوب» (82).
ونحن نعلم من أخبار أبي مسلم أنَّ من صفاته التي شهد بها الجميع كرمه الحاتمي حتى أنَّه لا يترك في يده درهما ولا دينارا كرما وسخاء، فما إن يصل يديه متاع من متاع الدنيا، إلا وبدَّده يمينا وشمالاً، ولذا نعته ابن عمه حين رثاه بأنه أبو اليتامى والفقراء والمساكين، فلا عجب إذن أن تضيق حاله المادية من حين إلى آخر مِمَّا يدفعه إلى طلب المدد من الله تعالى، لينقذة مِمَّا هو فيه من ضيق إلى سعة، ويحوله من عسر إلى يسر.
ربي أشكو إليك فقرا وذلاً واحتياجا لبين الفقر مثلي ربِّ أنت الغني ذو الرحمة الوا سع املأ كفي رجائي بفضل
رب لم تنفد الخزائن
والطو
ل ولا ضاقت الأيادي بنـ
ـيل
وهذه الحال المعسرة لم تغير حاله من الرضى إلى السخط، وما كانت شكواه عن احتياج وضيق بقدر ما هي طلب للرزق والعطاء مِمَّن لا تنفد
خزائنه.
82 - د/ زكي مبارك: مرجع سابق، ص 140 نقلاً عن إحياء علوم الدين، ج 3، ص 50.
- 66 - (1/71)
صفحة 72
رب تعطي لحكمة ربِّ إن تعطني فقد نضب الما ء، وجف المرعى، لشدة محلي ربِّ أشكو إليك طرق الرزا يا، جلبت لي حربًا بخيل ورجل (83)
بالمقادير وتعطي بغير وزن وزن وكيل
دعاؤه على الكافرين والمتجبرين:
إنَّ أبا مسلم حين يعبر بالشعر يعبر عن واقع أليم يعيشه هو، ويعيشه، قومه وتعيشه أمته الإسلامية معه، فهو شاعر حساس بآلام وآمال نفسه ومجتمعه من حوله، مما يميزه عن شعراء الأبراج العاجية، والكهوف المنعزلة، وينفي عنه كل سلبيات الزهد والتصوف، فبالإضافة إلى ما عرف عنه من أفكار في الإصلاح الديني والاجتماعي، حتى إنَّه ليعدُّ في زمنه أحد الإصلاحيين الذين حاولوا معالجة أدواء المجتمع العماني، على كلِّ الأصعدة: سياسيا، ودينيا وفكريا.
فقد عرف أيضا بمواقفه السياسية من إمامة سالم بن راشد، ومساندته له بالقصائد، ولا سيما قصيدته التي يحفظها أغلب العمانيين: النونية، أو قصيدة الفتح والرضوان، وليس هنا مجال الحديث عنها، فقد تحدثنا عنها في
دراسة سابقة.
إذن، فإنَّ الاتجاه نحو هذا الفن الشعري لم يحل دون أن ينطلق الشاعر الإسلامي المتحرك بسجيته التي عرفت عنه وطبيعته المتفتحة على
83 - الديوان نشر وزارة التراث، ص 123.
- 67 - (1/72)
صفحة 73
العالم الإسلامي من حوله ومعايشة هموم مواطنيه في عُمان، وزنجبار،
وشرق إفريقيا، والمغرب، وغيرها ...
هذا الإحساس نراه يهتبل كل فرصة في ابتهالاته ليرسل من وحي النبال المصمية إلى الظلمة، والكافرين، ومن لف لفهم فهو يستخدم الدعاء وسيلة، كما استخدمه الرسول الله في حربه مع المشركين والكفار، لذا نجده يتوجه بكل جوارحه حين يكون الذكر اسما من أسماء الله الحسنى، التي تحرك في نفسه هذه المعاني: مثل الجبار، والقهَّار، والقابض، والخافض، والمذل، والقوي، والقادر، والمنتقم، وسريع الحساب، وشديد العقاب والحضرة القاصمة .. وغيرها ...
ولنأخذ كمثال على هذا الدعاء الذي يدعو فيه على الظالمين الذين طالما ذكرهم دون أن يحدد صفاتهم وأسماءهم، أهم أناس عاديون أم حكام ظالمون، أهو ظلم لحق به وحده أم هو ظلم أصاب أمته ... ومن خلال الأبيات نستطيع أن نستشف ذلك من هذه المقطوعة.
تحت عنوان الحضرة القاصمة، يقول:
ربِّ قهر الرجال أشكو، فيا قا هِرُ هَبْ لي قهرا يدلُّ مدلّي يا شديد العقاب ذو البطش والأخر د الأليم الشديد خذهم بعدل وارث الأرض خدهم وأبدهم وانتصر لي منهم، وخد لي بدحلي (84) كادني الخصم يا حسيب فكده أمتن الكيد، لا تدعه بمهل
84 - الدحل: الثأر.
-
- 68 - (1/73)
صفحة 74
أرني العدل فيه يا قائما بالـ
قسط والعدل منك ليس بسهل
ربِّ أنت الشهيد والحكم العد ل انتصف لي من ظالي واشف علي 85
في المقطوعة السابقة أشار إلى ظالمه بقوله: قهر الرجال، والخصم، ولم يزد على ذلك، ولكننا نجده أحيانًا يشير إلى الظالم إشارة واضحة كما جاء في مثل قوله:
دعوت دعاء المستجير، وأنت يا قريب ترى ما مس جنبي فأعضلا أيدركني ضيم نصيري، ومن تكن له ناصرا مولاي كان المبجلا تري ظلم قومي يا مهيمن جابني فجرد عليهم من مواضيك مفصلا بعزك مجد يا مجيد مهابتي يظل لها خصمي العنيد مللا وكد من رماني يا ودود بكيده فكيدك للأعداء ما زال أمثلا (86) وقد يكون الظالم طاغية جبارًا، ولا يكون كذلك إلا إذا كان ذا نفوذ أو سلطة، وهذا نوع آخر من الظلمة الذين طالما رفع أبو مسلم أكف الضراعة لينزل الله عليهم عذابه وانتقامه.
ربِّ أشكو إليك طاغية فاكـ
بته كبتا، وابهله أعظم بهل
رب نكّل به وشدّد علـ
وطأة الانتقام في غير مهل
اعطني قوة عليه وحـ
ـولا
ليس يقوى بغير حولك حولي
واقتدار يطويه طي السجل 88
مُدَّ لي من قوى سطاك (87)
85 - الديوان، ط. الحارثي، ص 128
86 - الديوان، ط. التراث، ص 141.
بقهر
87 - السطا، جمع سطوة القهر والغلبة.
88 - الديوان، ط. الحارثي، 141.
69
-
| (1/74)
صفحة 75
والذي ضاعف من محنة أبي مسلم فيما يبدو قلة النصير، وخذلان الأقرباء والأصحاب، لذا فهو يطلب النصرة من ربه، مستخدما في ذلك
الفاظا قويَّة، تزلزل النفوس، وتهز الأفئدة:
غارة الله أدركي نصرتي إذ عز بي النصر من قريب وخل غارة الله جردي صارم المق ت على مفرق الظلوم المضل غارة الله بيتي الكفر والطف يان، أو صبحيه منك بشكل غارة الله قد ظلمت وشكوا ي، إلى من يرى ويسمع ذلّي غارة الله بالصواعق من نق مته فاحصبي (89) العدا واستهلّي (90) ي أشكو ظالمًا أنت حسبه ترفع طغيانا على ضعف قوتي تراءت له الدنيا كاكلة جائع فساغت له أكلاً ويا شر أكلة فيا خافضي اخفضه بأسفل سافل وسلّط عليه الرجز من كل وجهة وأدركه مخفوضا على أم رأسه إلى دركات المهلكات الوبيلة (91) وأحيانا يعينه بالذات، ويصوب إليه سهم دعائه ليصيبه في مقاتله:
إلهي عبد من عبيدك ظالم رماني بسهم الظلم منه فأصمت (92) تخطى خطر العدوان للمكر آمنا وعينك بالمرصاد في كل خطوة
89 - احصي العدا: أي القيهم في نار جهنم ليزداد اشتعالها.
90 - الديوان، ط. الحارثي، ص 141.
91 - الديوان، ص 35
92 - أصمت أصابت.
- 70 - (1/75)
صفحة 76
فيا عدل أو بقه بعدلك إنه تمادى على الطغيان والأشرية (93) تعاليت ما في الملك إهمال ظالم ولا رد مظلوم ببابك محبت (94)
وتنداح دائرة الدعاء على الظالمين أفرادا لتشملهم جماعات ودولاً. وما كان شاعر مثل أبي مسلم يعيش آلام أمته الإسلامية بكل خلجات قلبه، ويتابع أخبارها بكل جوارحه أن ينساها، وفي هدأة الليل، حين تصفو النفس، وتزال بينها وبين ربها حجب المادة، وأوضار الحياة اليومية، يرفع يديه لاهجا بالدعاء، إلى الله ليغير من واقع أمته التي كاد لها المستعمرون بكسر شوكتهم، ومحق دولتهم.
ويا قاهر اقصم دولة السوء وامحها وشرد بها واشدد عليها معجلا و يا باعث ابعث راية الحق حولها جنودك تبلو في رضاك وتبتلى ويا قائما بالقسط قوم مسددا قويا على إظهار دينك فيصلا يصول سريعا يا سريع بنقمة على كل ضليل عن الحق أجفلا و يا قابض اقبض بسطة الخصم وانتقم كفعلك في عاد ومدين أولا وشدّد عليهم يا شديدا عقابه ولا تبق منهم يا وكيل مبدلاً وعجل عليهم يا مقيت بوطأة وفرهم حصيدا خاملين كمن خلا 95
-
- 71
-
93 - الأشرية: البطر.
94 - محبت خاشع
95 - الديوان، ط. التراث، ص 143. (1/76)
صفحة 77
وعندما يكون الدعاء على الكافرين، فإنه يعني بهم أولئك الذين ظلموا بلاده واستباحوا خيراتها وفرَّقوا بين أهلها وتجبروا على أبنائها بالخبائث والمنكرات.
إلهي مدل الكافرين بكفرهم بعلمك فعل الكفر في القدمية إلهي تعدى خصمك الحد واعتدى على حرمات الله بالأغلبية فأرسل عليهم يا مذل قواصف الـ نكير، وسربله بسربال لعنة وصُبُ عليه الذل قلبا وقالباً وفي جاهه والمال والتبعية مصائب ذلّ تختطبن (96) حياته ويحطمنه حطم الدريس (97) المفتت
ومن خلال أدعيته على الكافرين ويقصد بهم الاستعمار الأجنبي وعملاءه، فإنه – وهو يدعو على الظالمين المعتدين يدعو لنصرة أهله وقومه، وبني ملته، وعقيدته من أهل الاستقامة، كما جاء ذلك في مثل قوله مسبحاً، معظماً اسم الله، القوي، مؤمناً بأنَّ العاقبة للمتقين، ولو كانت القوة إلى جانب الأعداء، فإنَّ قدرة الله أقوى وأعظم، تحيل القوي ضعيفاً، والغالب مغلوباً في لمح البصر.
قوي على التقليب والفتح عاجلاً لأهلك أهل العدل في أي بقعة فجرد النصر الاستقامة قوة تصول بسيف من سيوفك مصلت فليست قوى الأعدا وإن جد جدها بقائم بقائمة للقوة الأزلية
وما أثر الأحداث وهي ضعيفة مؤثرة للقوة القدرية
96 - تختطين حياته بما يفسد عليها أمرها ويعكرها بالشر والأذى.
97 - الدريس: هو كل ما يدرس ويخطم خطيما، من درس يدرس.
-
- 72 - (1/77)
صفحة 78
وهي
وفي الذكر الخامس الذي عنوانه درك المنى في تخميس سموط الثناء»، قصيدة للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي - كما هو معلوم – يبلغ أبو مسلم في هذا الاتجاه المبلغ الأسنى، ويتناغم صوته مع صوت شيخه في الدعاء، فيصعد إلى عنان السماء، دعوات ملتهبة، وصواريخ منقضة على رؤوس الكافرين والظالمين.
سعيد
وإنَّ المرء عندما يقرأ هذه القصيدة لا يكاد يميز بين ما كتبه الشيخ خلفان وبين ما كتبه أبو مسلم، لتوهج العاطفتين والتقاء الرؤيتين،
بن
و نشير بالتعيين إلى الفصول الآتية، منها:
فصل في شكاية إضاعة سنن الإسلام برفع حدوده، وتعطيل الأحكام؛ وفصل في الدعاء على أعداء الإسلام بقطع دابرهم، واستئصال أولهم وآخرهم؛ وفصل في المقصد الأسنى، وهو إظهار دين الله على يد قائم مولاه
وبما أن القصيدة طويلة، فإنَّنا نختار من كل فصل مقطعاً نحسبه دالاً على الفصل، معبراً عنه؛ ليتضح لنا ذلك الانسجام الكامل بين التلميذ وشيخه، أي بين أبي مسلم والشيخ سعيد بن
خلفان:
ومن لي وسيف العدل بين جفونه
وللجور سيف شاهر في يمينه
ومن لي وأهل الله تحت متونه
ومن لي بأن يرضى الإله لدينه بتعطيل أحكام ورفض حدود
إلى أن يقول في الفصل نفسه:
-
73 (1/78)
صفحة 79
إذا نقض هو الكون وارتعد الملا
ومن لي بسيف يقطع الهام والطلى ويفري من الأعداء كل وريد
ومن الفصل المعنون في الدعاء على أعدائه بقطع دابرهم واستئصال
أولهم وآخرهم، نورد ما يلي:
ومزقهم اللهم كل ممزق
بأهلك غُلباً فيلقاً بعد فيلق
ونكل بهم وألحقهم بالتفرق
ويارب مزق كل سور و خندق عليهم، وحصن شامخ ووصيد
لقد وطنوا الدنيا برجس مرجس
فعاثوا بظلم في عبادك مُضرس
شياطين ملعونين من كل مُبلس
فطهر بقاع الأرض منهم بأنفس من البغي تجر بها بكل صعيد
وفي المقصد الأسنى، وهو إظهار دين الله على يد قائم مولاه: متى تخفق الرايات فوق مؤزر
مظفرة تجري بجيش مظف
إلهي أيد قائم الحق وانصر
وعجل بنصر منك للدين مظهر وعن كيد من عاداك غير مكيد متى السمحة البيضاء ترقى سماءها
متى غزة الإسلام تحمي فناءها
- 74 - (1/79)
صفحة 80
متى قطرة التوحيد تلقى رجاءها
وتنشر أعلام العلوم لواءها
بأسياف عدل لم تلق بغمود
وقال من قصيدة أخرى:
وأيد الإسلام بالكرامة والمجد والعز والاستقام بحق لا إله إلا اللـ
واكسر قوى أعدائه معجلاً مستأصلاً شافتهم مذللاً حتى متى الإسلام منهم مبتلى نصرك يا غوثاه يا غوثاه بحق لا إله إلا اللـ
هكذا نجد الشاعر أبا مسلم في كل قصائده، ينتفض حزنا، ويتفطر ألما، لمصير أمته الإسلامية، حزن وألم شاعر مؤمن حساس، يدفعه أيمانه القوي المتشبع بروح القرآن إلى أن يكون حتى في أصفى ساعات التجلي الروحي، والسمو الابتهالي، قريباً من واقعه الأرضي، يعايش واقعه وواقع وطنه وأمته، وبذلك يصبح الدعاء سلاحاً حادا، فيه العبادة، والتجلي،
والحضور.
وذلك هو سرّ الابتهال الصادق النابع من قلب يؤمن بالله ربا، يخلص العبادة له وحده، ويتخذ من تلك العابادة الخالصة وسيلة ليتقرب منها إلى
رب العالمين، ليفيض رحماته على العالمين.
-
75
- (1/80)
صفحة 81
المدائح في شعره
من المحاور البارزة في قصيدة الابتهال عند أبي مسلم المديح النبوي وهو عنصر هام في الابتهال عند الشاعر، لأنه في تصوّره ركن أساسي لا يتم الذكر إلا به، صرح بذلك في مقدّمة تخميسه لسموط الثناء، ودلّ على خلال قصائد الذكر الكثيرة التي يختتمها دائما بمدح الرسول
ذلك
من
محمد معتبراً ذلك وسيلة ودعاء وذكراً.
يقول الدكتور زكي مبارك: «المدائح النبوية من فنون الشعر، التي أذاعها التصوف، فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع، لأنها لا تصدر إلا من قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص.
وأكثر المدائح النبوية قيل بعد وفاة الرسول، وما يقال بعد الوفاة يسمّى رثاء، ولكنه في الرسول يسمّى مدحاً، كأنهم لحظوا أن الرسول موصول الحياة .. في أمته التي ترك فيها سنته وهداه، فهم بهذا يخاطبونه كما يخاطبون الأحياء.
ولم يكن فنا ظاهراً بين الفنون الشعرية كالرثاء، والوصف، والنسيب، وإنَّما هو فن نشأ في البيئات الصوفية، ولم يهتم به من غير الصوفية إلا القليل» (98).
98 - د/ زكي مبارك: المدائح النبوية في الأدب العربي، منشورات المكتبة العصرية، بيروت
لبنان، ط 1، 1925 م، القاهرة، ص 17 (بتصرف).
-
76 - (1/81)
صفحة 82
قد يكون انتشار هذا الفنّ وتخصصه وذيوعه جاء في أعقاب التصوف كما يقول الدكتور زكي مبارك، ولكن لا يعني ذلك طبعاً أن المتصوفة وحدهم أو هم الأغلبية كما أشار في هذا الفن.
إذ نلحظ عناية بالمدائح النبوية في الشعر الإسلامي، وإن اختلفت بين الشعراء من جيل إلى آخر.
والدارس عندما يتتبع المديح النبوي عند شاعرنا أبي مسلم من خلال قصائد الابتهال، لحظ أنَّ الشاعر يعتبر المديح ركناً أساسياً في الابتهال لا يتم الذكر إلا به، فمن محاور القصيدة عنده أن تكون القصيدة مختتمة بالصلاة والسلام على أشرف الخلق محمَّد، وكان ذلك دأبه وقصده فيما كتبه من قصائد الابتهال إضافة إلى قصائد خصصها للمديح النبوي وحده، ومن ثُمَّ أشار أسلوب مهذب، وبطريقة ذكية إلى خلو قصيدة سموط الثناء لشيخه سعيد بن خلفان من هذا العنصر الأساسي الهام في تصوّره، حيث يقول: «إنّ هذه الدعوة لم تتصل بنا مذيلة بصيغة صلاة على رسول الله على أنني أجزم بطريق حسن الظن في حضرته جوانية، بأنه لم يترك ذلك احتمالاً للأولى، فإنَّ له في سوابق الخير وأعمال البر، وعلم الذكاء القدح العالي، فإنه وإن لم يأت بها في متن النظم، فلا نرتاب في إتيانه بها حالة الذكر، تشرعاً بالواجب، وتذرعا بالأفضل.
مثل الله
ولكن تجاسرتُ تجاسر العبد على مولاه بأن نظمت لها صيغة صلاة، وفاء بالواجب عليَّ، لا تلافيا لتقصير أعتده على ذلك القطب» (99).
99 - الديوان ط. التراث، ص 145.
-77 -
- (1/82)
صفحة 83
وأوَّل ما يلفت النظر في تلك القصائد هذا الحب الجارف الذي يشعر
بل الله به الشاعر لرسول الله، يستخدم لذلك كل ما لديه من طاقة تعبيرية وتصويرية، صادراً عن إيمان عميق، وإعجاب شديد بنبي الإسلام، حتى صار حبّه له حبا حبليا كما يقول:
(100)
أنوار حبك في قلبي قد انطبعت جبلة كانطباع الشمس في القمر ما زال حبك في روحي يخامرها حتى تجردت عن عيني وعن أثري ما للمحبة مقدار إذا اقتصرت الحق حبك حب غير مقتصر تجردا من هنات كلها حجب لا وصل والمحبوب محجوب بذي الستر أدعوك خلف حجاب الكون منبسطاً في بسط حبك لم أخلص من الأثر ذهلت عن كل شيء مذ علق ست به فلا أفرق بين الصفو والكدر لا أحسب الروح إلا أنها خُلقت من الهوى فاختفت عن عالم الصور وقال من قصيدة أخرى: عليل وما يي علة غير أنني سلوكي حب المصطفى صار علتي عليل غليل غالني حب أحمد فما حيلتي ألا أمرت بلتي فليت فنائي كان في فيء (طيبة) إذا فاه فوق القبر فهت بلهفتي قتلت قتيل العذل في دار حبه وقلت لقلبي اقبل، وكبدي تفتتي ويدلك شعر أبي مسلم في مديح النبيء محمد على حب عظيم، وإعجاب لا يوصف تراه يضفي عليه من الصفات العظيمة مصداقا لوصف سبحانه وتعالى لرسوله وإنك لعلى خلق عظيم، ولكنه ينأى
الله
100 - الديوان ط. التراث، ص 276.
78
- (1/83)
صفحة 84
أحيانا في هذا الاتجاه فيأتي بصفات يحتاج المرء في فهمها إلى فهم بعض
هر
مصطلحات الصوفية، يقول في أحد أذكاره وهو يصف الرسول هو الجامع الأسماء جمع تحقق ومشكاة مصباح الصفات الجليلة هو الجامع الأسرار في جيب سره هو المشرق الأسرار في أي وجهة هو الكاشف الأستار عن نير الهدى هو الباعث المبعوث بالحنفية الأول المكنون في أبحر الخفا هو الآخر المعقود في كل رتبة هو الظاهر المعلوم قبل ظهوره هو الباطن الخافي بكل حقيقة ويستمر في تتبع هذه الصفات التي يحتاج المرء في فهمها إلى الوقوف على بعض المصطلحات الصوفية - كما ذكرت - مثل قوله: هو الجامع الأسرار، وقوله: هو الكاشف الأستار، وهو الأول المكنون في أبحر الخفا. إلخ، إلى أن يقول مخاطبا الله عزّ وجلَّ:
توليته واخترته وملأته بنورك واستخلصته للمحبة و بواته من كل خير اتمه وأزكاه، والأكوان في العدمية فكل مزايا الرسل والأنبياء في بحار مزايا شأنه حكم نقطة وما طمع الأملاك والرسل مطلقا بأن يبلغوا مقداره مع نسبة ولا منح الأبرار أن يتزلّفوا إليك سوى من بابه عند قربة
إنَّ هذه الصفات التي يضفيها أبو مسلم على الرسول الكريم من أفضليته للخلق بما فيهم الأنبياء والمرسلين واستمدادهم من أنوار الهداية منه، يذكرنا - ولا شك - بقول البوصيري في بردته الذائعة الصيت:
-
-
- 79 - (1/84)
صفحة 85
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم وواقفون لديه عند حدهم من نقطة العلم أو من نسلة الحكم ... وكل آي أتى الرسل الكرام بها فإنَّما اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضل هم كواكبها يُظهرت أنوارها للناس في الظلم وأبو مسلم حين يصف الرسول الكريم، نراه يوظف كل أمكاناته
العقلية والفنية ليصل بمدحه إلى أعلى مستوى إلى الحد الذي يقف فيه الدارس أحيانا عاجزاً عن فهم بعض الرموز والصفات التي يأتي بها، لأنَّه مستمدة - ولا شك - من عوالم الصوفية، مثل قوله:
وآثرته من بين خلقك كلّهم بأن كان أصل الكائنات البديعة و آثرته من بين خلقك كلّهـ بأن كان عند الله خير وسيلة وآثرته من بين رسلك كلّهم بأن جاء مبعوثاً إلى خير أمة (101) إنَّ وصفه بأنه: خير الخلق وأنه خير وسيلة، وأنه خير مبعوث إ أمة، فذلك كله مفهوم ومشروع، ولكن الذي لم نفهمه ولم نسج حقيقته وأبعاده هو: قوله بأن كان أصل الكائنات البديعة.
خير
وقد تكرّر هذا الوصف من أبي مسلم في قصائد أخرى، نقدم منه هذا النموذج حيث يقول:
يا مصطفى الله يا مختار نظرته يا أصل ما أظهر الإبداع في الفطر يا رحمة الله يا مبعوث رأفته يا مظهر اللطف في الأرواح والصور يا أوّل الكل بعد الله مبتدعا وأول الكل عند الله في الخط
101 - الديوان، ط. التراث، ص 129
- 80 - (1/85)
صفحة 86
يا ظاهراً بكمالات الظهور على كل الظواهر في سلطان مقتهر يا باطناً لم تفته الباطنات ولم يدرك مقاماته علم من الفطر أنوار حبك في قلبي قد انطبعت جبلة كانطباع الشمس في القمر
إلى أن يقول:
فداً لك الكون لا أسلو بزهرته عن فرط حبك يا من حبُّه وَزَري وكيف تفدى يكون أنت عله لولاك ما أوجدت موجودة الفطر
ويقول في قصيدة أخرى:
أهلاً بمن خلق الوجود لأجله سر الوجود وفاتح الأقفال أهلاً بمغني العالمين بجوده دنيا وأخرى عتبة الأفضال فعلى يديه حظوظهم مقسومة حتى السعادة قسمة الأنفال (102) والواقع إنّي عاجز عن فهم قوله: أنت علة الكون، ولولاك ما أوجدت موجودة الفطر، إلا بعرضها على ما جاء عن محيي الدين بن عربي،
حيث يقول:
اعلم أنَّ الله لما خلق الخلق جعلهم أصنافا، وجعل في كل صنف
خيارا، واختار من الخيار، خواص، وهم المؤمنون، واختار من المؤمنين خواص وهم الأولياء، واختار من هؤلاء الخواص خلاصة وهم الأنبياء، و اختار من الخلاصة نقاوة وهم أنبياء الشرائع المقصورة عليهم، واختار من النقاوة شرذمة قليلين هم صفاء النقاوة، وهم الرسل أجمعهم، واصطفى
102 - الديوان، ص 283.
- 81 (1/86)
صفحة 87
واحداً من خلقه هو منهم وليس منهم، هو المهيمن على جميع الخلائق، جعله الله عمداً، أقام عليه قبة الوجود، وجعله الله أعلا المظاهر تعييناً وتعريفا، فعلمه قبل وجود طينة البشر، وهو محمد، لا يكاثر ولا يقاوم، هو السيد و من سواه سوقة» (103)
ويشرح الدكتور زكي مبارك هذه النظرية بقوله:
«إنَّ الصوفية يتصوّرون ذاتا، أحدية لا تتكثر إلا بالتعينات، والتعين الأول هو محمد، وهو الحكمة الفردية، وعنه الحكمة الفردية، وعنه نشأت جميع التعينات حتى الأنبياء، ومن أجل ذلك كان سيد جميع الناس، وكان خاتم الأنبياء، وقد حام حول هذه النظرية كثير من أقطاب الصوفية» (104).
إنّ أثر التصوّف الفلسفي واضح في هذه النظريات الغريبة عن الإسلام وبساطته ووضوحه، إنَّها نظرية متأثرة بالفلسفة القائلة بوحدة الوجود، التي ما فتئ كثير من المسلمين ينكرونها وهي الفلسفة التي أقام عليها ابن تصوفه، بل نقول مدرسته الصوفية، حتى قيل إنه لا يمكن أن يفهم ابن عربي في أي موقف من مواقفه الفكرية، إلا بفهم نظريته في وحدة الوجود، وإيمانه بوحدة "الحق" -الله- والخلق الكائنات- لأنها القاسم المشترك الأعظم، الذي يظل كافة آرائه ووجهات نظره، فوحدة الوجود هي
عربي
103 - الفتوحات المكية، ج 1، ص 97. 104 - التصوف الإسلامي، ج 1، ص 231.
-
- 82 · (1/87)
صفحة 88
المنظار الذي أبصر من خلاله ابن عربي كلّ شيء سواء أكان ذلك في عالم الفكر، أم في عالم السلوك (105).
وقد أفصح عن هذه النظرية ابن مشيش وهو من أقطاب الشاذلية وصلاته معروفة جدا عند أتباع هذه الطريقة يقرأها ألوف المريدين صباح مساء، حيث يذكرون أنّ محمدا أصل كلّ موجود، تقول هذه الصلاة:
«اللهم صل على من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزّلت علوم آدم بأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم، فلم پدر که سابق ولا لاحق، فرياض الملوك بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا هو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط» (106).
والواسطة هو محمد، والموسوط هم محمد، والموسوط هم الأشياء والناس، وغيرهم يقول: وصل وبارك على عين الأعيان والسبب في وجود كلّ إنسان»
والواقع كما يقول الدكتور زكي مبارك: لا سند لهذه النظرية من شرع ولا عقل، فالشرع يحكم أنّ محمدا مخلوق اصطفاه الله لتبليغ الرسالة، والعقل لا يوجب أن يكون تسلسل الموجودات على هذا النظام الذي
105 - د/محمد عمارة، نظرة جديدة إلى التراث دار، قتيبة ط 2، د. مكان الطبع، 1988 م،
ص 132.
106 - دازكي مبارك، مرجع سابق، ص 234.
-
- 83 -
- (1/88)
صفحة 89
يقضي
بأن الذات الأحدية صدرت عنها الحقيقة المحمدية، وأن تلك الحقيقة هي الواسطة بين الله وبين جميع ما ظهر من صنوف الموجودات» (107).
Litt
وأبو مسلم عندما يتوسل بالنبيء، يضفي عليه صفات ما تعودنا أن نضفيها إلا على الله سبحانه وتعالى، مثل: غوث الوجود، ونور الوجود، وروح الوجود، وإمام الوجود، وعين الوجود، وعز الوجود، ويتوجه إليه في دعوته كما يتوجه بها إلى ا
غوث الوجود أغثني ضاق مصيري سر الوجود استلمني من يد الخطر نور الوجود تداركني فقد عميت بصيرتي في ظلام العين والأثر روح الوجود حياتي إنها ذهبت من جعلها بين سمع الكون والبصر أنس الوجود قد استوحشت من زللي وأنت أنسي في وردي وفي صدري عين الوجود ترى بؤسي ونازلتي وفي محالك إنقاذي من الصرر (108)
ويتمادى أبو مسلم في هذا الاتجاه حيث يقول:
وجهت نحو رسول الله نازلتي وقلت يا نفس هم النصر فانتظري
أمنية الفوز منه غير خائب
ونائل الخير منه غير منقط
ومطمع النجح منه غير منحسر
وقائض البر منه غير منحصر
بسطت كفي إلى فياض رحمته على يقين بدرك السؤل والظفر (109)
107 - المصدر السابق.
108 - الديوان، ط. الحارثي، ص 275.
109 – مرجع سابق، ص 275.
-84 -
- (1/89)
صفحة 90
الواقع أننا لم نتعود من الزهّاد، الأوائل والذاكرين الأولياء في عصر الصفاء والنقاء، أن نسمع هذا الوصف هذا الوصف منهم لغير الله، ولكنها مفاهيم فلسفية داخلت الإسلام مع ما داخلها من فلسفات أخرى، وإلا كيف يمكن أن يطلب الغوث من الخطر، والنور للبصيرة، والأنس من وحشة الذنب، والانقاذ من الضرر كيف يطلب المؤمن هذه الصفات غير الله، وهو وهو يسمع ربه يقول: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم (110) أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له (111).
فهل نقول في الأخير ما دام الشاعر يعتقد في الرسول أنه وسيلة لا غير، فإنه يجوز له ذلك، وكأنّ الذي جرّا الصوفية على هذا المنحى استنادهم إلى التكريم الإلهي الذي كرّم به رسوله شفيعا للمؤمنين، وذلك ما جعله يرفع أكف الدعاء متوسلا برسول الله قائلا:
يا سيدي يا رسول الله قد وصلت إليك حالي فصلها منك بالنظـ فنظرة منك في حالي يكون بهـ فوزي بربي وإنقاذي من الضرر يا سيد الرسل ضاقت كل كائنة بناصر فلتكن لي خير منتصر وإن يضق بي أمري فهو متسع يوسع جاهك في وردي وفي صدري (112) وأحسب أنّ الأغلبية من علماء الاستقامة وأئمتهم ما زالوا متشددين متورّعين في إخلاص الدعاء لربّ العالمين، اللهم إلا بعض من شذ في ذلك
متأثراً بعصره وقراءاته.
110 - سورة غافر: 60.
111 - سورة الزمر، 54.
112 – الديوان، ط. الحارثي، ص 282.
85 - (1/90)
صفحة 91
على المؤمن إلا الرجوع إلى القرآن الكريم، وموقفه من هذا
الشطط صريح، حيث يقول: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً (113). هذه الآية تقرر حقائق منها: بشرية الرسول، وتفضيله بالوحي الإلهي، وأنّ الله واحد لا شريك له، وأن لقاء الله ورضاه لا يكون إلا بالعمل الصالح، وعدم الإشراك به أحدا من خلقه، وفي هذا تلميح خفي إلى خلوص التوجه إلى الله وحده، بدون واسطة أو وسيلة، والله أعلم.
وقبل أبي مسلم نجد شعراء آخرين يغالون في مدح الرسول، إلى حد قولهم: إنه لولا محمد ما ظهر شمس ولا قمر، ولا نجوم ولا أقمار، ولا بحار، ولا شجر ولا مدر، ولا جبال ... كما جاء ذلك عن ابن نباتة المصري حيث يقول:
لولاه ما كان أرض لا ولا أفق ولا زمان ولا خلق ولا جبل (114) فهل يعد هذا من المبالغات التي هي من وحي العاطفة المتأججة فنحمل قول أبي مسلم عليها؟ أم أنه بلل أصابه من مذهب المتصوفة وآرائهم التي لا تخلو من تطرّف وغلوّ على النحو الذي أوضحناه عند ابن
عربي؟
113 - سورة الكهف: 110.
114 - د/ زكي مبارك، مرجع سابق، ص 229.
86 - (1/91)
صفحة 92
إن محبة الرسول الله صفة المؤمن الحقيقي، صفة أوصى بها القرآن الكريم، قبل أن تكون سمة لتأثر بفلسفة ما.
ومحبة الرسول الله يتخذها أبو مسلم في دعواته، وأذكاره، وابتهالاته وسيلة يتقرب بها إلى الله ليتقبل دعاءه، وقربة يتفيّاً تحت ظلالها رحمته، ومن ثمّ جاءت في الأغلب الأعم خاتمة لتلك الأدعية والابتهالات، وهو يصرح بذلك قائلا:
إلهي بجاه السيد الأكرم الذي هو الرحمة العظمى لكل الخليقة محمد البر الرحيم الذي أتى حريصا علينا بين بر ورأفة توسلت ملتاذاً بسلطان قربه إليك وحسبي أن يكون وسيلتي ومن يتوسل بالرسول محمد يلاق المني من عين كل رغيبة (115)
بيل الله
من الواضح هنا كيف نظر أبو مسلم إلى شخصية الرسول، من
خلال منظار القرآن لا من خلال منظار ابن، عربي، ففي البيت الثاني إشارة واضحة إلى الآية الكريمة: ولقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم (116).
ويقول متوسلا بالرسول:
ـدي
بحق ذكر نورك المحمدي ببركات النفر المحمَّ بسر فيض المدد المحدي بنفحات روحك المحمدي
115 - الديوان، ط. التراث، ص 117.
116 - سورة التوبة: 128.
-
87 -
- (1/92)
صفحة 93
يا حبذا من نفحات وبشر
بقربات المصطفى المحمد بسبحاته من التهج
با الله في مصر ومورد من رتبة ومشهد و
بنور ما أبطنه وما ظهر
شد
ــدد
بالمعنويات التي بها انطوى وبالخصوصات التي لها احتوى بعرش زلفاه الذي فيه استوى يا فالق الحب وفالق النوى صل عليه مداً لا ينحصر
ويقول من الذكر السابع تحت عنوان "الكلم الطيب":
بجاه نور مولانا الشفيع من لم يزاحم في مقامه الرفيع محمد خير مطاع ومطيع من استمد النور من هداه بحق لا إله إلا الله (117)
والذي ننتهي إليه من هذا العرض، هو أنَّ التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم في حد ذاته أمر لا يمكن البث فيه جوازا أو حرمة، لأنه على حد تعبير الشيخ سعيد بن خلفان مما اختلف حوله العلماء والفقهاء، وقد أجازه الشيخ
القطب اطفيش محمد بن يوسف، معتمدا في ذلك على أدلة عقلية ونقلية. ولكن الذي نختلف فيه مع هذا الاتجاه هو التوسا بالصالحين، أو كلّ
من هم أقل رتبة من الرسول الكريم.
I
88
117 - الديوان، ط. التراث، ص 192. (1/93)
صفحة 94
وقد يتجاوز الأمر إلى حدّ التوسل بالأبدال والأقطاب، والأحباب والنقباء، وغير ذلك مما هو معروف عند المتصوّفة، وقد أشار أبو مسلم إلى
هذا صراحة:
بالسادة الأبدال والأقطاب بالسادة الأفراد بالأحباب وبرجال الغيب بالأنج
بالنقباء الطـ
الأطي
بالسادة الأوتاد والغوث الأبر
بدرجات الأزكياء السالكين وبمقامات نفوس العارفي
وبقلوب الأولياء الواصلي
بالخلفاء منهم والمرشديـ
حقيقة العين ابتغوا دون الأثر (118)
ن
إنه أثر التصوف في هذه المواقف واضح دون أن نحدد هذا الأثر وأبعاده، أهو أثر ينتمي إلى مدرسة الإمام الحجّة الغزالي، كما صرح بذلك الشيخ سعيد بن خلفان في النواميس الرحمانية، أم هو أثر يذهب أبعد من ذلك، إنّ الذي يقطع الإجابة عن هذا السؤال عالم متخصص في هذا المجال، ونحن أبعد ما نكون إليه.
من
خلال هذا العرض الذي اعتمدنا فيه النصوص الشعرية، نستطيع
القول:
118 - الديوان، ط. الحارثي، ص 184.
89 - (1/94)
صفحة 95
إن قصيدة الابتهال كشف جليٌّ للآلام والآمال التي تعتور نفس أبي مسلم، في حالتي الرضى والغضب، والأمن والخوف، والسعة والضيق، والقلق والطمأنينة.
وما تقسيمه لقصائد الذكر إلى محاور موضوعيه، إلا استجابة موضوعية لدوافع الحاجات النفسية، وأبو مسلم يعلم علم اليقين تلك الحالات التي تعتور النفوس البشرية، فتلجأ إلى الله داعية مبتهلة، كل حسب حاجاتها، وعن هذا يقول معلّلا تقسيم الذكر إلى ما يسميه حضرة، كل حضرة تشتمل على مقطع: «ثمّ إنّ مقاصد الداعين متعدّدة، فيأخذ الداعي ما ناسب مقصده ولا بأس من جمع حضرة بأخرى إذا ناسبتها بحسب المقاصد، ولو على غير ترتيب الأسماء الواردة، كما لو جمعت أسماء الجلال وأسماء الكمال كل منها على حدة، لما تقتضيه المظاهر» (119).
وبوسع الدارس المتمعن أن يداخل شغاف قلب أبي مسلم، ويتجول في أنحاء نفسه، من خلال تلك القصائد التي يعرض فيها نفسه على بارئها دون حاجز أو حاجب بطواعية ويسر، بعفو وتلقائية، وإن بعضها ليغدو صرخات غضب، ينفجر حمماً على أعدائه، ومن هنا يتوجه إلى الله قاهر
كل جبار، ونصير كل مستضعف، ومفرّج كل هم، داعيا متضرعا:
فارج الهم، كاشف الغم عجل فرجا عاجلاً ولطفا بدلي يا مغيث الملهوف يا راحم العب رة يا منجي الغريق استجب لي حيطة العلم بي مناب سؤالي وسؤالي فقري وذلُّ محلّ
-
90
119 - الديوان، ط. التراث، ص 191. (1/95)
صفحة 96
وليس عند أبي مسلم - وهو يقف هذا الموقف الذليل الخاشع
وسيلة سوى الدعاء بأسماء الله الحسنى، يقول:
هذه سيدي الوسيلة أدلوهـ
على بابك الكريم الأجل
ليس لي حجة ولا من شفيع بابتهال وذكر اسمك أُدلي
(120)
فأراني أخيب إذ قمت أدعو ك والقيت عند بابك رحلي ومن ألقى – بهذه الطمأنينة وهذا السمو النفسي – عند باب الله - رحله جدير به أن يجد الله عند دعائه له مجيبا، ما دام في نفسه قريبا.
قصيدة الابتهال من جانبها الفني
هل طبع الابتهال والقصيدة عند أبي مسلم بطابع فني خاص؟
إن الجواب على هذا التساؤل يستوجب دراسة فنية متأنية لهذه القصائد، وبما أنّ القصائد كثيرة تكاد تكون وحدها ديوانا كاملا، فإننا القارئ الكريم بالوقوف عند أبرز السمات الفنية لهذه القصائد،
نستسمح من خلال البنية العامة لقصيدة الابتهال وموسيقاها الداخلية والخارجية.
يعني
أولا: البنية العامة للقصيدة:
عندما اختار أبو مسلم لديوانه عنوانا "النفس الرحماني"، هل كان
توحي به هذه الكلمة
120 - الديوان، ط. التراث 125
من فيض رباني، ومدد عرفاني بحيث غدا
- 91 -
- (1/96)
صفحة 97
طابع الديوان هذا الفيض الزاخر من العطاء الشعري، الذي يمتد أحيانا ليصل 1595 بيتا في القصيدة الواحدة، كما فعل ذلك في "الوادي المقدّس" حيث بلغت أبياتها 1595 بيتا؟
هذا الطول المفرط هو أوّل ما يلحظ في البنية العامة لهذه القصائد،
جلسات
وقد بناها الشاعر على هذا النحو السامق الشاهق لتتماشى مع الذكر التي يفترض فيها أن تستحوذ على وقت طويل، كما أوضح ذلك في الشروط التي وضعها لهذه الأذكار الثمانية التي احتوى عليها ديوانه "النفس
الرحماني".
وأبو مسلم على وعي تام بهندسة، قصائده على نحو خاص يستجيب لما نظمت من أجله، وقد شرح لنا بنفسه رؤيته الفنية هذه، حيث يقول في مقدمة هذا الذكر الذي عنوانه "الوادي المقدّس":
وبعد، فإنه يحتوي على فاتحة بخصوص اسمه تعالى "هو" تشتمل على ستة وستين بيتا، ثم على حضرة بخصوص اسم الجلالة وهي عدد ستة وستين بيتا، ثم على ثمان وتسعين حضرة لكل اسم حضرة بخصوصه، أولها اسمه تعالى الرحمن، وآخرها اسمه تعالى الصبور، ثمّ على اثنتين وعشرين حضرة على الأسماء المستخرجة من القرآن العزيز مما لم يدخل في جملة الوارد به الحديث النبوي، ثمّ إنّ كلّ حضرة من هذه الحضرات المائة والعشرين ترتبت على أحد عشر بيتا بمناسبة عدد اسمه تعالى "هو" وبمناسبة
-
- 92 - (1/97)
صفحة 98
أحرف بسط اسم الجلالة تعظيما، ثمّ على خاتمة تشتمل على ستة وستين بيتا، ثمّ على خاتمة أخرى تشتمل على ستة وستين بيتا، موضوعها الصلاة مبتلا الله والسلام على رسول الله محمد بنية الاستمداد والتوسل به والثناء
عليه»
ويفصح أبو مسلم عن سبب هذا البناء الخاص لقصائده، عندما يذكر طريقة تلاوتها، ونلحظ أن طريقة التلاوة هي التي أوحت بهذه البنية الخاصة، حيث يقول:
«ثمّ إنّ طريقتي في تلاوته - أي الذكر - توزيعه على أيام الأسبوع مبتدئا بليلة الجمعة، مختتما بمساء يوم الخميس، والتوزيع على حسب الإمكان، لا بالتزام ترتيب مخصوص، ولكن الشرط إتمامها في أسبوع، ومن قدر على تلاوتها في أقل من ذلك ولو في مقام واحد، فلكل درجات تما عملوا» (121).
هكذا نلحظ أنّ البنية العامة للقصائد، خضعت أساسا ومنذ البداية لتستجيب لجلسات الذكر التي تتوزّعها أيام الأسبوع السبعة، كما شرح
وبين.
اللغة الشعرية:
إنّ أبا مسلم يملك قدرة هائلة في النظم وسيطرة معتبرة على أدواته الفنية، تتجلّى في هذا الفيض الغزير من الألفاظ والكلمات، التي لا تنضب
121 - الديوان، ص 7.
93
-
I (1/98)
صفحة 99
ولا تضعف، مما يدلّ على امتلاكه الراسخ القوي لناصية اللغة العربية، ويدلّ على رصيده الزاخر الذي يغترف من محيط القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والأدب العربي بكل فروعه ومحيطه الواسع أمثالا، وحكما،
ومواعظ.
هذا المدد اللغوي الغزير ساعده على أن يكوّن عوالم خاصة به، في بناء لغته الشعرية، وعندما نتحدّث عن اللغة الشعرية فإننا نقصد بها التعبير والتصوير معا أي الألفاظ بدلالتها المعجمية والخيالية، إذ من الصعب الفصل بين العنصرين في العمل الشعري الموحد.
وهذا أمر طبيعي، لأنّ هذه القصائد في حقيقة أمرها أدعية وأذكار وابتهالات، فلغتها ينبغي أن تكون مستوحاة من عوالم القرآن اللانهائية،
وتعابيرها الفنية، مستلهمة من أجواء الآيات القرآنية بصورة أو بأخرى. وكان أبو مسلم على دراية بهذا الاختيار المقصود لذاته، كما عبّر
بذلك بقوله:
مولاي بالأسماء والأسرار والأن وار، والآثار منها أبتهل أدعو بكل اسم لذاتك بالصفا ت الطاهرات وكل موحي نزل أدعو بكل وسيلة وسيلة أحببتها من سائليك فتستجيب لمن سأل فلغته التعبيرية إذا استيحاء ظاهر من الأسماء والصفات والآيات للذات العلية، وإذا كان الابتهال أساسا عماده لغة قائمة على أسماء الله الحسنى، فإن ذلك يعني بالتبع أنّ الاستيحاء من القرآن الكريم نفسه، لأن تلك الأسماء إنما وردت في القرآن الكريم أولا، فهو لهذا قد يكتفي ببناء الصورة
94 - (1/99)
صفحة 100
الشعرية مستخدما ما فيها من الاقتباس، فقد يتوغل في بناء الصورة الشعرية عن طريق ما يطلق عليه النقاد الصورة الإشارية"، أي يلمح إلى معنى الآية من خلال كلمة واحدة أو يستلهم الأجواء والظلال التي توحي بها الآية من خلال لفظة واحدة أو عدة ألفاظ في الآية الكريمة، دون أن يوردها بكاملها، حيث يترك استلهام ذلك للقارئ الكريم المفروض فيه حفظ القرآن وفهمه، وهذه الكلمة تفيض عليه عطاء ثرا من الصور الموحية التي تجسدها تلك الآية المشار إليها.
الصورة البلاغية:
ونعني بها الصورة التقليدية القائمة على التضمين والاقتباس، حيث يورد الشاعر الآية الكريمة أو جزء منها داخل البيت أو الأبيات، دون إضافة
كما وردت في القرآن الكريم.
كما يقول:
إلهي تؤتي الملك والعز من تشا وهذا اختصاص سره للألوهية (122)
هنا ضمّن الآية الكريمة: قل اللهم مالك الملكِ توتي الملك من الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير
تشاء وتنزع
إنك على كل شيء قدير (123).
وقوله داعيا الله على العدوّ الكافر:
122 - الديوان ص 282 123 - سورة آل عمران: 26.
- 95 - (1/100)
صفحة 101
إلهي لم تجعل سبيلاً لكاف
إلهي ما هذا المريد بمعج
على مؤمن مستمسك بالشريعة
(124)
ـز وأنت غيور شاهد صدق دعوتي)
وهنا استمداد من الآية الكريمة ولن يجعل الله للكافرين على
المومنين سبيلا) (125). أو استلهام من الآية الكريمة: ولا تحسبن الذين
(126)
كفروا معجزين في الارْضِ (6)
وقوله:
وأين فرار العبد من ملك ربه وما غربت عنه حقيقة ذرة (127)
من قوله: {ولا يعرب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في
الارض (128).
وقوله متوسلا:
برتبة الحق رفيع الدرجات ذي العرش ملقي الروح باعث الرفات (129) من قوله تعالى: {رفيع الدرجات ذو العرش يُلقي الروح من أمره
على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (130).
124 - الديوان، ص 40.
125 - سورة النساء: 141.
126 - سورة النور: 57.
127 - المرجع السابق، ص 42.
128 - سورة سبأ: 3.
129 - المرجع السابق، ص 183.
130 - سورة غافر: 15.
-
- 96 - (1/101)
صفحة 102
وقوله داعيا الله
على
أعدائه وأعداء الدين:
مكني اللهم في خير مقام في الدين والدنيا وبلغني المرام ورد أحزاب أعاديك الطغام بغيظهم عنا وخلهم. بانتقام
إني مغلوب إلهي فانتصر
ليسوا بمعجزين في الأرض وما كان لهم من دون ربي أوليا ضاعف لهم من العذاب والشقا معجلاً ما عجزت عنه القوى
حتى يكونوا کهشيم
وفي قوله:
(131)
وإني لغفار لمن تاب رني إليك فلا تردد متابي بخيـ وإني لغفّار لمن تاب وءامن وعمل صالحاً ثم اهتدى (132).
وقوله:
معشر إحسانك ربي مزدلف وفيك لي من كل فائت خلف قد انتهيت عن جميع المقترف إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
ففي الشطر الأخير اقتباس ظاهر من الآية 28 من سورة الأنفال.
ونراه أحيانا يستهلم الأجواء الروحانية من أدعية القرآن فيضمنها أبياته بطريقة ليست اقتباسا نصيا وإنما هي مزيج من التضمين والاقتباس، أو هي ازدواجية بين الصورة البلاغية والصورة الإشارية.
131 - المرجع السابق، ص 203.
132 - سورة طه: 82
- 97 - (1/102)
صفحة 103
من ذلك قوله:
وهبتني الذكر كما أجريته هب لي منه نجاة من أنجيته
وقني النار كمن وقيت
من تدخل النار فقد أخزيته
وما لظالم عليك منتصر
سمعت من نادى للإيمان وقد أمنت لا أعدل بالله أحد بحق الإيمان بغفرانك جُد معاذك اللهم من خزي الأبد توفني برا وانت خير بر
و آتنا وعداً على رسلك تم لا تخزنا يوم القيام في الأمم لا تخلف الميعاد ما قلت النحتم ولا تضيع عملاً فيك ولم تحرم إجابة الدعا من افتقر
وهنا استحضار كامل للآيات الكريمة التي علّمها الله عباده الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض في تأمل وخشوع:
وربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار، ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته، وما للظالمين من أنصار، ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن ءامنوا بربكم فئامنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (133).
133 - سورة آل عمران: 191 - 194. وانظر الصفحات التالية،12، 17، 23، 29، 30،
223 209 207 204 196 188 185 184 183.181 179.32
-
98 -
-
224 (1/103)
صفحة 104
وقد جاء هذا الاستلهام عنده في مثل قوله:
الله هو
هو
باسم الله يارب لا تدع أمارتي بالسوء نقطة خيرتي الله باسم الله أفرغ علي في بلاتك صبراً وإليك الشكر لهجتي من الواضح هنا أنّ أمارته بالسوء هي نفسه، وهنا صورة إشارية إلى الآية الكريمة، حيث يقول تعالى: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء (134). وفي البيت الموالي استلهام للآية الكريمة: وربنا أفرغ علينا صبراً (135).
دعاني قل ادعوا والفقر مطلق وإنك يا الله أهل لدعوتي ونور جلال من (قل الله) مشرق شريت به حتى شهود الحقيقة وعز كمال من (أنا الله) باهر له استسلم الأشياء طوعاً وذلت وحسن جمال من (هو الله) ظاهر به نشوة الأرواح تحت الهوية (136) البيت الأول إشارة إلى قوله تعالى في سورة الإسراء: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ... (137).
والبيت الثاني إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأنعام: قل الله ينجيكم منها ومن كلّ كرب ثمّ أنتم تشركون (138). أو قوله: {قل
الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (139).
I
99
-
134 - سورة يوسف: 53.
135 - سورة البقرة: 250
136 - الديوان: ص 17. 137 - سورة الإسراء: 110. (1/104)
صفحة 105
والبيت الثالث إشارة إلى قوله تعالى في سورة طه: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (140).
والبيت الرابع من قوله تعالى في سورة الحشر: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (141).
وقوله:
ضاقت علي الأرض سيدي بما رحبت الأرض ونفسي مأثما
إليك ألجأت اضطراري مسلّما
أسألك التوبة يا اللـ
(142)
والواقع أن ديوان أبي مسلم يكتظ بالأمثلة الشاهدة على ثقافته القرآنية الواسعة حفظاً، وتمثلا، واستلهاما لآيه بطريقة فنية بارعة تدلّ على حفظه القوي لكتاب الله، كما تدلّ على براعته الفنية في استخدام هذه اللغة المتيزة بإيحاءاتها وظلالها، وهي لغة منتقاة مقصودة لذاتها، لأنها تتماشى مع أجواء القصيدة الابتهالية في روحانيتها وشفافية إيمانها.
وإلى جانب تضمينه واستلهامه الآيات القرآنية، نجد الأحاديث النبوية الشريفة: اقتباساً نصيًّا، أو استلهاماً إشاريا، على أنه لم يكثر من الأحاديث
إكثاره من الآيات القرآنية الكريمة.
138 - سورة الأنعام: 64.
139 - سورة الأنعام: 91.
140 - سورة طه: 14. 141 - سورة الحشر: 44.
142 - الديوان، ص 224.
-
- 100 · (1/105)
صفحة 106
مثل قوله:
بشر الشهيد ارزقني الشبر سيدي لحكمك واجعلني شهيد عبوديتي أراك وكلُّ الكون من خلف رؤيتي لأعدك اللهم حقا كاني
كما نجده يستلهم الأمثال والحكم العربية، مثل قوله:
عند الصباح يحمد القوم السرى (144)
يا سيدي قد بلغ السيل الزبى (145)
(143)
اللغة الصوفية:
أما العنصر الثالث في لغته الشعرية فهو ما يتخللها ونعني بها تلك المصطلحات التي شاعت عند المتصوفة.
من لغة صوفية،
إذ لا مفر من الاعتراف بأنّ الصوفية كان لهم وجود أدبي ملحوظ، وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد عرفت عنهم ألفاظ وتعابير دونها المؤلفون، وتلك ن، وتلك الألفاظ والتعابير هي ثروة لغوية يقام لها وزن حين تدرس المصطلحات، وقد يقال: «إنّ لكلّ قوم ألفاظ وتعابير حتى النجارين والحدادين، ولا يكون ذلك عنوانا على سلطتهم الأدبية، ونجيب بأنّ الفاظ الصوفية جرت في الأغلب الأعم حول معان وجدانية وروحية ونفسية واجتماعية فهي الصق بالحياة الأدبية» (146).
143 - المرجع السابق، ص 180.
144 - المرجع السابق، ص 56.
145 - المرجع السابق، ص 220.
146 - د/ زكي مبارك التصوف الإسلامي، ص 58.
-
101 (1/106)
صفحة 107
وقد أورد الدكتور زكي مبارك في دراسته القيمة عن التصوف الإسلامي وأثره في الأدب والأخلاق مجموعة من هذه المصطلحات التي يكثر
ورودها عند المتصوّفة ولها دلالات لغوية معينة عندهم.
وعندما ندرس شعر أبي مسلم في الأذكار والابتهالات نجده مليئا بهذه الألفاظ والتعابير، ويبدو أنّ الشاعر تأثر بها تأثراً عميقا، فطبعت شعره الابتهالي بجوها الروحاني، ولعلّه تأثر بها من خلال إدمانه لقراءة تلك الأشعار التي تأثر بها قبله شيخه: سعيد بن خلفان الخليلي.
ونحن لا نستطيع أن نقطع برأي حول القصد من استخدام هذه التعابير عند الشاعر، أهو استخدام فلسفي اصطلاحي مقصود لما وراءه من معان وإشارات يعرفها المتصوّفة، أم هو استخدام لا يتعدى المجال الشعري الذي يستخدمه الشعراء عادة من كل الأجواء الأدبية حسب قراءاتهم ورؤاهم الفنية وأبعاد تجاربهم الشعرية.
يقول في التمهيد لأذكاره
نصبت لهم من نير الذكر معلما وبوأتهم من أنفع الذخر مغنما وصيّرت نفسي خادما لطريقة بها هام أهل الله في الأرض والسما فيا لرجال الحب والكأس مفعم هلم اشربوا هذا المغني ترنّما عصرت لكم من حمرة الله صفوها فموتوا بها سكراً فما السكر ماثما تمتع أهل الاستقامة قبلنا بها فانتشوا بين الخليقة هيما تراهم سكارى ينشر الجمع فهمهم ويطويه نور الفرق في أبحر العمى
- 102 - (1/107)
صفحة 108
ملات لكم دني شرابا مروّقا وحركت أو تاري فأنطقت أعجما وغنيت في شرب هم الرسل كلهم تقدم إلى باب المليك مقدما» (147) إضافة إلى هذه اللغة التصويرية الرائعة نلحظ كيف اعتمد الشاعر
الألفاظ الصوفية هنا، مثل: المَعْلَم، والمغنم، والخادم، والطريقة، والحب، والكأس، والمغني، والشراب، وحضرة الله والسكر، والنشر، والطي، والنور والأوتار وغير ذلك مما يشيع في قصائد المتصوفة حتى غدا علامة لهم، وسمة تطبع شعرهم ولغة خاصة بهم تحمل أبعادا وأخيلة ودلالات
معنوية رامزة.
وقد استوحى هذه العوالم الصوفية ليبني من لغتها صورة كاملة الأطراف، تعتمد اللغة المجازية أساساً، بل هي تعتمد الصورة أساساً، فقد صير نفسه خادما لأهل الذكر، يدور عليهم بكأسه التي ملأها بحب الله، وقد عصرها لهم من حمرة الله فلا ضير عليهم أن يموتوا بها سكرا، فقد سكر بها سلفهم الصالح من أهل الاستقامة، قبلهم، نقاء وصفاء وزهادة وإخلاصا الله، وهو الذي ملأ دنه ذكرا وحبا، وعبادة، وحرّك أوتار ابتهالاته الوجدانية فأنطق الأعجم تأثرا وسموا وما ندمانه سوى الرسل المصطفين
الأخيار.
إنّ الأجواء الخيالية والتصويرية في هذه المقطوعة استيحاء واضح من قصائد كبار الصوفية، مثل ابن الفارض وأبي منصور الحلاج، ورابعة
العدوية، وغيرهم.
147 - الديوان، ص 3.
103 (1/108)
صفحة 109
الفاظا
و لم يقتصر ذلك عنده - كما لا حظنا - على المعجم الشعري وتعابير، وإنما استوحى أيضا تلك الصورة المتميزة وتخيلاتها التي تحوم حول
الشراب والغناء والوجد والانتشاء.
ويقول في قصيدة أخرى مستخدما الرمز، والتصوير، متوسلا إلى ذلك كله بمصطلحات صوفية معروفة مثل: الوادي المقدّس، الأسرار، الذوق الحقيقة، والمقام، وغير ذلك:
طنبت بالواد المقدس خيمتي ورعيت بين شعوبه أغنامي قل للذئاب الكاسرات تفحي عز الحمى وأعز منه الحامي فلقد نزلت على عظيم قادر عز الجلال إليه والإكرام يقضي ولا يقضى عليه نزيله لو كاده الثقلان غير مضام من بعد ما طردت كل مطرد ونشبت بين أظافر الأيام سترتني الأسماء في ملكوتها فحجبت عن فهمي وعن أوهامي وسقتني الأسرار شربة ذوقها فعجزت عن تعبيره وكلامي
وذكرت من هو في الحقيقة ذاكري وحقيقتي لا شيء وهي مقام وحقيقتي أني محوت حقيق
إذ ثبتها صنم من الأصنام (148)
وتدخل في اللغة الصوفية تلك الأذكار والأدعية المعروفة عندهم وهي
في الواقع ليست خاصة بهم راح أبو مسلم يضمنها شعره، كما جاء هذا
الدعاء المعروف:
148 - الديوان، ص 5.
-
- 104 - (1/109)
صفحة 110
أعوذ بالله من الشح المطاع والحرص والجبن وخب وخاع والكبر والبهت ومذموم الطباع وحسد الخلق بما أعطاه (149)
التكرار:
ومن أبرز السمات التي ظهرت بها قصيدة الابتهال عند أبي مسلم سمة التكرار اللفظي والمعنوي، والذي له علاقة بموضوعنا هو التكرار اللفظي الذي لا يكاد يخلو منه مقطع من قصائده، بل إنّ التكرار اللفظي يغدو ضرورة لازمة للإنشاد أثناء الدعاء والابتهال والتضرع إلى الله، مثل أن يكرر كلمة الله «هو باسم الله» في فاتحة الذكر الأول، وعنوان الذكر هو الله جل جلاله» وتتكرّر هذه الجملة ستا وستين مرة، أي بعدد أبيات القصيدة كلها، كما يكرّر كلمة «تعلّقت بالله» في مطلع كل بيت من المقطع الثاني ستا وأربعين مرّة كذلك، وفي المطلع المعنون «الرحيم جلّ جلاله» تتكرّر جملة عسى نفحات اسم «الرحيم» إحدى عشرة مرة.
والملاحظ أنّ أغلب الأبيات تبدأ بكلمة "إلهي" أو يتكرر فيها الاسم الجليل الذي عنون به ذلك المقطع، فإذا كان عنوانه مثلا: «القابض جلّ جلاله» بدأت الأبيات بكلمة "يا قابض" فتجيء هكذا:
يا قابض الأشياء ...
يا قابض الإبداع ...
يا قابض الأكوان ...
149 - الديوان، ص 228
105 (1/110)
صفحة 111
يا قابض الأسرار ...
وفي المقطع الذي عنوانه القريب جلّ جلاله»، تتكرر جملة
"إلهي القريب":
إلهي القريه
إلهي القريب الفتح ...
إلهي القريب بالإجابة ...
وفي الذكر الثاني القاموس الأسنى في أسماء الله الحسنى» تردّدت جملة "باسمك الأعظم" ثلاث عشرة مرة. وفي خاتمة السعادة تكررت لفظة "سيدي" في مطلع كلّ بيـ
منها ثمان وأربعين مرة متتالية.
وفي الذكر السابع الذي عنوانه الكلم الطيب»، تكررت جملة "بحق لا إله إلا الله" في آخر كل مجموعة أربعة أشطر، كأن
يقول:
غفرانك اللهـ
اه
يا سامعا دعاء من دعاه
عبدك قد باء بم ناه
فاغفر له ما كسبت يداه
بحق لا إله إلا اللـ
تكررت هذه الجملة مائة وسبعين مرة.
کماهو
أما الذكر الثامن وهو الباقيات الصالحات» وهي معروف (150): «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».
150 - الديوان، ص 215.
-
106 - (1/111)
صفحة 112
فقد قسمها الشاعر إلى صباحيات ومسائيات، أي الأذكار التي تتلى في الصباح، والأذكار التي تتلى في المساء، وعمدتها التكرار من أوَّل بيت إلى آخر بيت وعدد أبياتها خمسمائة وعشرون بيتا تقريبا.
وهو لم يكتف بتكرار كلمة التسبيح في أول البيت، بل كان
يختم البيت بكلمة "الله" على النحو التالي:
سبحان ذي اللطف باسم الله بالله كم كربة حلّها لطف من الله سبحان ذي المن لم أرفع إليه يدي فقراً فلم يغنني من من الله سبحان ذي الفتح لا ينفك يدركني في كل منغلق فتح من الله
وكذلك فعل في باقي الأذكار تحميدا، وتهليلا، وتكبيرا، كأن يقول: في عالم الذكر إكرام من الله
إلهي الحق إيماني ومعرفت إلهي الحق خلصني بخالصة بالله في الله عند الله لله
وأحيانا
الذكر كله يبني
على تكرار الشطر الأخير من مجموعة كلّ أربعة أبيات أو خمسة أبيات كما فعل ذلك في "الكلم الطيب" الذي كان يكرّر ما بين كل أربعة أبيات هذا الشطر بحق لا إله إلا الله " (151) ..
هكذا نلحظ التكرار اللفظي لازمة من لوازم أغلب هذه القصائد الابتهالية، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ الشاعر إنما نظمها لتنشد في خلوة الذكر، والإنشاد لا يكون إلا بصوت موزون فيه جرس وإيقاع يبعث. النشوة في القلب، ويساعد الذاكر على الجذب والخروج من عالم الماديات
151 - وانظر الديوان ص 132 133، 192، 229، 234، 215
-
- 107
- (1/112)
صفحة 113
كما نرى ذلك في حلقات الذكر عند الصوفية، ولعلّ الشاعر مراعاة لهذه الموسيقى الخارجية والداخلية عند الأداء نوع التكرار بطريقة لا تبعث الملل التكرار الرتيب في حد ذاته وسيلة للاسترخاء والإنشاد،
في النفس بل يصبح تما دفعه في إلى التنويع في الأوزان الشعرية والقوافي، فكان يختار من الأوزان ما يساعد على الإنشاد مثل بحر الرجز الذي نظم فيه أغلب تلك القصائد،
وعلاقة بحر الرجز بالإنشاد علاقة حميمة معروفة في تاريخ الشعر العربي. ان ويبدو حرص أبي مسلم على توفير هذا الجو الموسيقي الخاص خلال الإنشاد في حلقة الذكر - وليس من الضرورري أن يكون جماعيا - هو الذي دفعه إلى مراعاة الموسيقى الخارجية في كل قصائده مراعاة تامة، بذلك القافية الموحدة أو المتراوحة، فهذا أمر مفروغ منه في القصيدة العمودية وإنما نعني أنّ الشاعر أحيانا يبالغ في اشتراط هذا الجانب.
ولا نعني
مثل أن يبدأ القصيدة بحرف الألف على أن تكون قافيتها كذلك، أو يبدؤها بالباء على أن تكون القافية كذلك.
يقول:
إلهي لاسمك الأعلى العلاء له التسبيح مني والثناء
أقمت لعزّ وجهك ذل نفس
فأمن النفس فيك لك البقاء
ويستمر على هذا النحو في قصيدة بلغت ثمانية وعشرين بيتا (152).
ويقول في قصيدة أخرى مراعيا هذه المرة حرف الباء:
152 - الديوان، ص 217.
-
108 ·
- (1/113)
صفحة 114
باسمك سيدي تجلى الكروب وذكرك تطمنن له القلوب
بحمدك سبحت نفسي وروح
أن
ويبدو
أنه كان ينوي
وقلبي فيك منكسر قطيب (153)
ينظم على هذا النحو قصائده من كل حرف من حروف الهجاء الباقية، ولكنه اكتفى بحرفين هما الألف والباء.
ولعله انصرف عن هذه التجربة اقتناعا منه بعدم بحاراتها لسماحة الفنّ الشعري، إذ أنّ ذلك يعد تكلّفا وإعناتا للنفس، والتكلّف سمة من سمات الضعف الفنّي لا من سمات القوة كما يقول النقاد، فإن الشاعر في النهاية يقع في الأخطاء الفنية واللغوية مهما يكن رصيده اللغوي قويا غزيرا.
الابتهال بين الزهد والتصوف:
يختلف التصوف عن بقية العلوم الإسلامية الأخرى في نشأته وتطوره، ذلك أنه
لم يعرف ف بهذا الاسم في القرن الأوّل الهجري، وعرف باسم الزهد والعبادة والنسك وما إليه في القرنين الثاني والثالث، وأخذ حدوده وأبعاده في نهاية القرن الثالث الهجري، ثمّ ظهر فيه التطرف والإفراط بعد ذلك، ودخلته الفلسفة وتسربت إليه الهلوسة والدروشة في عهد الانحطاط والتأخر، ثم بدأ يتراجع ويتصفى وتنقرض فيه الغلواء، واقترن بالأخلاق والتربية في عصرنا الحاضر (154).
153 - المرجع السابق، ص 280
154 - د/ محمد الزحيلي، مراجع العلوم الإسلامية، ص 668 (بتصرف).
-
109 (1/114)
صفحة 115
على ضوء هذا التفريق بين الزهد والتصوّف ينبغي النظر إلى قصائد الابتهال عند أبي مسلم متسائلين: أتعتبر هذه القصائد من قصائد الزهد والنسك والذكر النقي فهي تستمد جذورها من الشعر الإسلامي الأصيل، أم هي فن شعري يستقي لغته وأفكاره ورؤاه من الشعر الصوفي فهي إلى الشعر المتأثر بالفلسفة الصوفية أقرب؟
ومن خلال معرفة الدوافع والأسباب التي تقف وراء أبي مسلم ليتجه هذا الاتجاه وينحو هذا المنحى، نستطيع إدراك بعض الحقائق، وبالتالي الوصول إلى جواب مقنع، أو على الأقل متسم بالموضوعية.
غير أننا نود قبل نعرض الدوافع والأسباب أن نرسم ملامح شخصية أبي مسلم، لا من شعره وإنما كما حدثنا عنه عارفوه، ونذكر شهادات الذين عاشروه واختبروه.
كل الذين حدّثونا عن أبي مسلم عن طريق مباشر أو غير مباشر متفقون على عمق إيمان الرجل ونقاء دينه، وصفاء سريرته، واستقامة سلوكه، وأصالة سيرته، وقد وصفه سالم بن سليمان بن عمير الرواحي وهو من بني عمومته وأقرب عارفيه يرثيه قائلا:
سليل المجد محمود السجايا أبي الضيم محروس الذمار عنت شهباء تهلك بالذراري إلى العلياء جواب القفار لأعداء الديانة لا يداري
أبو الأيتام والفقراء مهمـ طويل الباع في كرم وحلـ
يغار لربه ويصول في
110 - (1/115)
صفحة 116
إذا همُّوا بهضم الدين وحيا يكافحهم بعزم واصطبار تسربل بالمعارف وارتداها ونهنه نفسه عن كل عار إلى أن يقول:
ويا أذكاره بورکـت هلا شجاك فراق شيخ الأذكار (155) إن أبا مسلم يبدو من خلال شعره كله مؤمنا راسخ الإيمان، متدينا يخلص الله الدين يحض على الجهاد فيه ذيادا عنه وتمكينا له، وإعلاء لكلمته مهما عظم فيه الخطب، وتألبت دونه الشدائد والمحن، فالدين أحق ما يجب فيه البذل ويهون النداء، ومنازعه الدينية إسلامية شاملة لا قومية ولا محدودة جماعة المسلمين كافة هم معناه في إسداء النصح والدعوة إلى الحق، ومن قبلهم يكون ما يسوؤه ويسره، وهو لذلك يأسى لتفرق كلمتهم وانصداع وحدتهم (156).
إن وراء السلوك السليم الذي نهج عليه أبو مسلم - ولا شك - عقيدة إيمانية راسخة وتربية دينية ملتزمة.
فأبو مسلم إباضي معتز بإباضيته، مستمسك بعقيدته ينافح عنها بكلّ قوة كما دلّت على ذلك كتاباته النثرية والشعرية: «لذا نجد شعره كله في الغالب متمحورا حول الاستقامة منبثقا عنها داعيا إليها» (157).
155 - ديوان أبي مسلم ط. الحارثي، ص، ك.
156 - الديوان، ط. الحارثي، ص، ن.
157 - أحمد بن سليمان الكندي، قصائد السلوك في شعر أبي مسلم، مجلة المنتدى، ص 202.
-
111
- (1/116)
صفحة 117
غير
أن هذه الحقيقة تدفعنا لسؤال آخر، إذا كان أبو مسلم معتراً بعقيدته ومذهبه الإباضي، فما الذي دفعه إلى هذا الشعر ذي الطابع الصوفي، في الوقت الذي نعرف فيه موقف الإباضية من التصوف وهـ موقف الإنكار والرفض تاريخا وفكرا، ولعلّ موقف إباضية المغرب المتأخرين أكثر تشددا في إنكار التصوف من إخوانهم المشارقة، كما تدل على ذلك كتبهم ومواقفهم التي يطرحها الفكر الإسلامي المعاصر، ونحن لا نريد أن ندخل في نقاش عقيم عن صواب نظرية المتصوفة أو عدم صوابها، فإن علم التصوف أكثر العلوم التي تختلف فيه وجهات نظر المسلمين، كما أننا لا نرغب في سرد الآراء المتباينة في قبول أو رفض هذا النوع من الفكر، فذلك شأن لا يعني هذا البحث على الأقل الآن.
وإنما الذي نريد الوصول إليه هو مدى ملاءمة الخط الفكري والعقدي
الموجود في ابتهالات أبي مسلم مع شخصية الشاعر وانتمائه المذهبي؟
وبما أنه قد سبق لنا أن درسنا العقيدة الإسلامية في شعر أبي مسلم في بحث سابق، فإننا نتوجه هنا مباشرة إلى شعر الابتهال ومدى قربه أو بعده عن النزعة الصوفية.
:أولا: البيئة العمانية بما عرفته من ظروف سياسية واجتماعية خاصة، اتسمت بالاضطراب وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، فمن اختلاف حاد بين قبائلها، وتسلّط القوى الأجنبية على بعض مناطقها، كل ذلك جعل أهل الفكر والرأي وذوي الغيرة على وطنهم ودينهم يشعرون بنوع
- 112 - (1/117)
صفحة 118
من الغربة، أدت بهم إلى طلب المدد الروحي من الله ليخلّص وطنهم مما هم
فيه من كل ذلك.
آية ذلك أنّ الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي كان يتخذ من سموط الثناء دعاء يلهج به إلى ربّه، ولعلّ أبا مسلم سلك هذا الطريق نفسه، فكانت قصائده الابتهالية الدعاء والابتهال إلى الله لبغير من حال وطنه وقومه وأمته.
وليس غريبا على من نشأ في بيئة مثل بيئة عمان، معروفة بمحافظتها الدينية الشديدة وتمسكها بحدود الله وأوامره ونواهيه، أن تكون سيرته على هذه الحال من الزهد والتقوى والورع.
فالسبب الرئيس كما نرى إذا نابع من الواقع بكل مناحيه وضغوطه، سياسية واجتماعية وفكرية ودينية أيضا، مما ينفي عن الشاعر أية سمة فلسفية خارجة من تصوف أو غيره.
الاتجاه وهو
وهذا العامل في رأينا يعتبر من أقوى العوامل دفعا لأبي مسلم إلى هذا طالما ذكر في قصائده، ومن خلال أذكاره وأدعيته الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية التي أحاطت به على النحو الذي أوضحناه في دراستنا للجانب الموضوعي في قصيدة الابتهال عنده، وهو عامل
موضوعي
لأنه
الله
رد فعل طبيعي لما آل إليه أمر المسلمين من تضييع شرع والإقبال على الدنيا وزخارفها، والخضوع للأجنبي الكافر يفعل بأرض
المسلمين ما يشاء.
113
- (1/118)
صفحة 119
أو لم يكن هذا العامل نفسه هو الذي دفع المسلمين الأوائل في أواخر
القرن الثاني الهجري إلى الزهد والتقشف مما يعدّ إرهاصا لظهور التصوف
الإسلامي.
يقول ابن الجوزي في هذا الصدد:
لم يكن عجبا أن يتقشف بعض المسلمين في عصر صدر الإسلام ويزهدوا في الدنيا، لأنهم تفرّقوا واختلطوا بالأمم التي دخلت في الإسلام، و شاهدوا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني، أحدث ذلك ردّ فعل ظاهر فابتعد بعضهم عن الدنيا مرة واحدة وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقاً تخلقوا بها» (158).
وقد أشار إلى هذا السبب القوي أبو مسلم في قوله:
إلهي صراخي بالدعاء سمعته وليس دعاء لافتخار وسمعة ولكن أحاطت بي بحور مصائب وأعظمها ذنبي وتسويف توبتي سمعت ففرجها بروح ورحمة وإن لم أكن مستأهلا للمثوبة (159) وهنا لا بد من استحضار واستنطاق الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي أحاطت بالشاعر في مسقط رأسه عمان وفي ديار غربته بشرق إفريقيا وزنجبار.
158 - محمد الحسن المذاهب والأفكار المعاصر في التصوف الإسلامي، دار الثقافة، قطر، ط.
1986 م، ص 53.
159 - الديوان، ط. التراث، ص 38.
-
- 114 - (1/119)
صفحة 120
ثانيا: إنّ أبا مسلم ينتمي في عقيدته إلى الشراة، يعتنق مبـ
وعقيدتهم، وموقفهم السياسي من الأحداث التي جرت بينهم وبين الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقصيدته النهروانية أكبر شاهد على
ذلك.
وهو طالما ردّد في قصائده العقدية ما يعبر صراحة عن اعتناقه المذهب الإباضي، ولاسيما في عدم رؤية الباري - جلّ وعلا – في الآخرة، وخلود مرتكب الكبير وغير ذلك مما هو مبثوت في كتب المذهب الإباضي. هذا الشاعر الملتزم بعقيدة الشراة لا نشك في إعجابه أيضا بسلوكهم
والتزامهم بتطبيق الشريعة الإسلامية في مسيرتهم الحضارية الطويلة.
وقد عرف عن الشراة زهدهم وتوجههم إلى الآخرة في كل مواقفهم سياسية كانت أم دينية، عقدية أم سلوكية، فهم أنضاء عبادة وأطلاح سهر، أكلت الأرض جباههم وركبهم، وأفنوا أعمارهم ورعا وتقى، وهم الذين أفنوا رجالهم دفاعا عن عقيدتهم التي لا ترمي إلى حب الدنيا بقدر ما ترجو ما عند الله في الآخرة.
والشراة «مسلمون بسطاء في تدينهم بساطة الإسلام الأول، لكن الذي يميز عقيدتهم هو الطريقة التي تدينوا بها تمسكا بالعقيدة، وتفانيا في سبيلها بالمراقبة الصارمة للنفس، وتكريسها في خدمة الآخرة» (160).
160 - أحمد سليمان معروف قراءة جديدة في مواقف الخوارج دار طلاس، دمشق، 1988 م،
ص 130.
-
115
- (1/120)
صفحة 121
وقد شهد بذلك كل الدارسين لتاريخهم وفكرهم وأدبهم شهادة اتفق عليها أصدقاؤهم وأعداؤهم، مناصروهم ومناوؤوهم، قديما وحديثا، ولعل ما يبدو في أدبهم وفكرهم من زهد وركون إلى الآخرة رشحهم ليكونوا نواة لنشأة الفكر الصوفي في مظاهره الإيجابية لا السلبية، حتى أن الدكتور زكي مبارك ليعد الخوارج من المتصوّفة، وقد وقف إعجابا أمام شخصية إمام الشراة أبي بلال مرداس بن حدير، ورأى في سلوكه وتصرفه مع عبيد بن زياد وهو في السجن ينتظر مقتله مثالا للزهد والإخلاص للعقيدة وهو ما دفعه إلى القول: «والخوارج تضرب بهم الأمثال في قوة العقيدة وصحة الدين، وقد يكون تصرفهم راجعا إلى هذه الناحية، ولكنا نرى
الله
ولم
التصوف في مذهبهم السياسي قبل أن نراه في عقيدتهم الدينية» (161) يأت هذا التفريق بين السياسة والدين من الدكتور إلا لجهله لتاريخ الخوارج الحقيقي، لأنها الفرقة التي رفعت شعار الحاكمية الله، أي لا فصل بين الدين
والسياسة.
ولا نشك إطلاقا في عدم اطلاع أبي مسلم على سيرة إمام مذهبه، بل نكاد نجزم بعد مقارنة عقدناها بين الرجلين أنّ أبا مسلم متأثر في سلوكه حدود التأثر بإمامه، مما يدفعنا إلى القول، أن جذور الزهد عنده
إلى أبعد حدود تضرب في أعماق تاريخ الشراة وتستقي منه. ثالثا: ظهرت في الأدب العماني هذه النزعة من الزهد في الدنيا باعتبارها زخرفا ومتاعا قليلا، كما ظهر إلى جانبها نزوع إلى التصوف العملي وليس الفلسفي، على الرغم مما يعرف عن مناهضة المذهب الإباضي
161 - التصوف الإسلامي، ج 1، ص 23.
116 (1/121)
صفحة 122
لهذا الاتجاه بدءاً من الشيخ جاعد بن خميس، ولعل أبرز من يمثله في الأدب العماني الحديث الشيخ العلامة الرباني سعيد بن خلفان الخليلي الذي
ظهرت في أشعاره نزعة صوفية واضحة قائمة على النسك والذوق وإخلاص الدين الله وحده، ومعاداة كلّ انحراف عن الصراط السوي، وكان يرى القعود عن التصوف قعودا مع الخوالف ومما تجدر الإشارة إليه، أنّ تصوف الشيخ سعيد بن خلفان لم يكن تصوّفا سلبيا، ولم يكن فيه تلك الشطحات الصوفية من الحلول والاتحاد أو وحدة الوجود التي وجدت عند ابن عربي وابن الفارض والحلاج أو أضرابهم، وإنما كان تصوفه تصوفا إيجابيا (162).
فقد كان الشيخ كثير الصلاة والتقرب إلى الله بأنواع القربات، كثير التوسل إلى الله تعالى والتضرّع له بقصائد نظمية أو نثرية لنيل العلم والفضل والتوفيق على القيام بالإصلاح الاجتماعي، كثير الأسى على فقدان الحق وأهله، وظهور الباطل، وانطماس السنة المحمدية وللشيخ سعيد مؤلف قيم عنوانه: "النواميس الرحمانية" يبدو من محتواه تأثره الواضح بمدرسة أبي حامد الغزالي الذي ينقل عنه كثيرا من آرائه ويشير إليه باسم الإمام الحجة، تقديرا وإكبارا، فالخيط الصوفي لهذه المدرسة العمانية إذا موصول بعروة المدرسة الغزالية إن جاز التعبير لا شك في ذلك ولا ريب.
وعن هذا التوجه في شعره وسلوكه يقول ابنه في مقدمة مخطوطة أشعاره: «إنّ والدنا العلامة الرباني، والنور الرحماني، السالك الراغب
162 - قراءات في فكر الخليلي، ص 103. والكلمة للدكتور عبد الحفيظ محمد حسن.
-
117 - (1/122)
صفحة 123
سعيد بن
خلفان - رضوان الله عليه - أحق من خدم ونشرت خدماته
الربانية، وأذكاره الرحمانية ... (163)»
ومن أشهر قصائده التي تركت أثرا في الأوساط الأدبية والفكرية في
عمان قصيدته "سموط الثناء" التي خمسها أبو مسلم، وقصيدته التي مطلعها:
تقدّم إلى باب الكريم مقدما
وقد شطرها أبو مسلم أيضا، في "المعراج لسالكي المنهاج"، ولعلّها
أبرز قصائده في هذا.
فالعلاقة الفكرية والروحية بين أبي مسلم وشيخه سعيد بن الخليلي كانت قوية مستمرة على أكثر من صعيد.
خلفان
أولا: عن طريق التتلمذ غير المباشر، فقد كان الشيخ بالنسبة
لذلك الجيل أستاذا أو شيخا عظيما تخرّجت في مدرسته مجموعة معتبرة من التلامذة، فبثوا المعرفة والعلوم التي تلقوها عنه في أنحاء عمان، وما من شك في تأثرهم بسلوكه وتدينه.
وكان والد أبي مسلم الشيخ عديم أحد الذين درسهم الشيخ سعيد، ولا نشك في تأثر أبي مسلم بوالده تربية وسلوكا على نحو ما من الأنحاء. ثانيا: الزمالة القوية بين أبي مسلم والشيخ أحمد بن سعيد
بن خلفان، فقد كانت بين الرجلين صداقة حميمة ربطت بينهما في الكتاب، وجمعتهما على درب الحياة الفكرية، ولم تكن تلك العلاقة
163 - مجموعة قصائد الشيخ سعيد بن خلفان، مخطوط، ص 20.
118 - (1/123)
صفحة 124
الروحية بينهما إلا وليدة انسجام وتقارب في الرؤية والمواقف، وقد وصف هذه الزمالة أبو مسلم حيث عدّها من أسباب حنينه الجارف إلى وطنه عمان وشعوره بمرارة الغربة على نفسه هذا الصديق الحميم الذي يقول
عنه:
أرتاح فيها إلى خل فيبهرني صدق وقصد ومعروف وعرفان ثالثا: الأثر الواضح الذي تركته أفكار الشيخ سعيد في أبي
يصبح
مسلم، وقد يجاوز هذا التأثر بالقراءة للآثار العلمية والأدبية إلى أن تأثرا بالشيخ نفسه أخلاقه وشخصيته ومواقفه وسلوكه، ورؤيته إلى الأحداث السياسية والاجتماعية والفكرية من حوله، ولاسيما تلك التي كانت تهز عمان وتعصره في شبه مخاض عسير ما بين فترتي الإمامين العظيمين عزان بن قيس وسالم بن راشد.
ولعلّ أقوى بصمات الشيخ سعيد ظهرت واضحة في شعر أبي مسلم ولاسيما في أذكاره وابتهالاته التي لا نشك إطلاقا في استفادتها من تجربة الشيخ سعيد الشعرية، ولاسيما في مجال الابتهال والذكر والزهد، وأكاد أقول والتصوف.
يقول أبو مسلم متحدثا بإعجاب شديد عن الشيخ سعيد
الخروصي:
خلفان
بن
«إنّ شهرة سيدي القطب الجليل العارف بالله سعيد بن خلفان الخليلي طيب الله ثراه وأكرم مثواه، شهرة الشمس في كبد السماء، وقد بلغ من علمي الظاهر والباطن مبلغا عظيما، دلّت عليه آثاره، وله كلام في
119
- (1/124)
صفحة 125
السلوك والحقيقة دلّ على قدم راسخ في الكمال والتكميل، وعلى مقام عال من المعارف اللدنية، ودرجة سنية من مراتب الذوق وكلامه نظما ونثرا برهان قاطع على أن علمه كشفي وهبي لا يطيق أداءه إلا من أكرمه الله بالوصول وأقامه مقاما رفيعا من المدد والفتح» (164)
وقد ظهر ذلك في شغف أبي مسلم بتخميس وتشطير شعر الشيخ خلفان، كما بينا ذلك في مکانه
سعيد بن
من هذا البحث.
والواقع أن هذا الاتجاه الزهدي عند الشيخ سعيد هو امتداد طبيعي
هذا
لمدرسة تضرب بجذورها في الأجيال السابقة من مشايخ عرف عنهم هـ السلوك الرباني مثل الشيخ العالم التحرير ناصر بن أبي نبهان الخروصي، وكان لهذا الشيخ باع طويل في علوم الشريعة الغراء، وأصبح شيخ زمانه، وقد تلقى العلم على يد والده العلامة الكبير المسمى العالم الرباني والسيد الرئيس جاعد بن خميس الخروصي، إذ كان هذا الشيخ راسخ القدم في علمي الحقيقة والشريعة (165) .. وهو معروف بأشعاره في الإلهيات.
ويبدو من آثار هؤلاء المشايخ تأثرهم الواضح بحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وأبو حامد الغزالي يعتبر من أشهر علماء الإسلام ترسيخا لعلم السلوك والروحانيات والتصوف العملي، ومن هنا نفهم جذور هذه المدرسة وتأثيرها الذي لا ريب فيه في كل هؤلاء الأقطاب.
164 - الديوان، مخطوط، ص 278
165 - قراءة في فكر الخليلي، ص 116، النص لمبارك بن راشد.
120 -
- (1/125)
صفحة 126
و لم تنفرد عمان أو زنجبار بهذا الاتجاه أو هذا السلوك، فقد كانت موجة عارمة اجتاحت العالم الإسلامي كلّه، فكثرت الطرق الصوفية هنا وهناك، وقد أدّى تطرّف بعضها إلى الوقوع فيما تحرّمه الشريعة الإسلامية من غلو وانحراف في السلوك.
،
ولكن كان إلى جانب هؤلاء أيضا العارفون الربانيون الذين كانوا دعاة مخلصين إلى إنشاء الروح والحقيقة في العبادات وشحن بطارية القلب بالإخبات والإنابة وشفع الأعمال بالإخلاص والاحتساب، وقد خرجوا في الإصلاح والتزكية والإحسان أئمة ومحققين انتفعت بهم أجواء واسعة من العالم الإسلامي (166) .. وإلى بعض شيوخ تلك الطرق الصوفية يرجع الفضل إلى بعث النهضة الإسلامية في قلوب المسلمين في مواجهة الكفر والإلحاد
والتغريب.
على
أن الدعوة إلى الزهد في الدنيا دعوة إسلامية صحيحة، احتفل بها القرآن الكريم وقدّمها للمسلمين في صور موحية شتى تُصوِّر الدنيا على أنها زخرف لا يدوم وخضرة ما تلبث أن تُصوِّح، وهذا لا إطلاقا أن يعني لا يأخذ المسلم منها بنصيبه إذ دعا الإسلام إلى العمل فيها مع عدم التعلق بها لأنها متاع قليل، ولأن الهدف الأسمى للإنسان أن يحيا الحياة الحقيقية في الآخرة، وأن يزهد في الدنيا، وأن يعيش فيها كأنه غريب أو عابر سبيل، ليرتفع عن أدرانها المادية ويسمو إلى المثل العليا، والأخلاق الفاضلة، والصلة
166 - محمد الحسن الندوي، التفسير السياسي، ص 64 (بتصرف).
121
- (1/126)
صفحة 127
الروحية برب العالمين، وهي العلة التي من أجلها خلق الإنسان وما خلقت
الجن والانس إلا لعبدون (167).
ومن هنا نشأ علم الزهد، ثمّ تطور إلى علم التصوف، واقترن
بالأخلاق والسلوك.
خاتمة:
ونخلص من هذا العرض إلى أنه لا بدّ من دقة موضوعية حين الحكم على هذا النوع من الشعر في علاقته بالشعر الصوفي، فالحكم ينبغي أن يستند إلى النصوص نفسها، إذ ليس كل شعر ابتهالي ينضوي تحت الشعر الصوفي، لأننا عندما نعود إلى التراث الإسلامي نجد مستويات متعددة في هذا النوع من الشعر، الذي وضع بذوره الشراة، وبلغوا فيه قمة السمو الروحي، لما تميز به من صدق وإخلاص وعفوية والتزام بالعقيدة الإسلامية الصافية، ورفض كلّ بهارج الدنيا وزخارفها، وقمة شعر الابتهال والدعاء والتضرع الله الصادر عن الشاعر في حالات وجده وحاجته إلى ربه تعبيرا عن ضعفه من جهة وتعلقا بربه من جهة ثانية وهو حال كل من له علاقة بالتصوف كالذي نجده عند أبي العتاهية والبوصيري والسهروردي مثلا، ولمة شعر التصوف الفلسفي الذي تتداخل فيه المصطلحات الصوفية، ويعرف بمواقف أصحابه المغاليه التي ينكرها الشرع الحنيف، مثل وحدة
167 - سورة الذاريات: 56
-
122 (1/127)
صفحة 128
الوجود التي هي مدار تلك الفلسفة المشبوهة، وأقطاب هذا المدرسة
معروفون وعلى رأسهم محي الدين بن عربي.
إذا لا بد من التفريق بين المواقف والرؤوى والتصورات حتى لا تظلم الشاعر، ولا نكتفي بمجرد ورود مصطلحات وألفاظ وتعابير قد يكون استعارها أو تأثر بها من خلال قراءاته ومعايشته لشعر التصوف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا بد أن نشير إلى أنّ بعض الأفكار التي طرحها أبو مسلم في قصائده مثل التوسل بالأولياء الصالحين والأقطاب والأبدال وما أشبهه، وعقيدته في شخص الرسول الله بأنه علة الكون، إضافة إلى اكتظاظ معجمه الشعري بالمصطلحات الصوفية كلّ ذلك يرجح تأثر شعر أبي مسلم بالشعر التصوفي، وهو تأثر لم يكن في الرؤية والموقف وإنما هو
تأثر في التجربة الشعرية من جانبها الفني، ولم يتجاوزه إلى أبعد من هذا. ومن طبع الشاعر المبدع أن تكون لغته منتقاة من العوالم التي يحياها سواء تلك العوالم التي يحياها واقعا معاشا أم تلك العوالم التي يندمج فيها
أثناء قراءاته الأدبية بخاصة، والمعرفية بعامة.
123 - (1/128)
صفحة 129
الاستنهاض في شعره
أبو مسلم شاعر صاحب رسالة ينفعل ليبلغ ويكتب ليوجه، لقد كان له من مواهبه الأدبية المعتبرة ما جعل القلم بين يديه طيعا لينا، فكتب الشعر والمقال الصحفي، والمؤلفات الدينية والتاريخية أداء لأمانة، ونفخا لروح التجديد والإصلاح في نفوس بني قومه وبني ملته.
ولعلّ الظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها في عمان وزنجبار، وما كان يمور به العالم الإسلامي من تحرّش الدول الاستعمارية به، ومقاومة التيار القومي المتعصب الذي أخذ يخطط لمقاومة فكرة الجامعة الإسلامية قبيل الحرب العالمية الأولى، وتطلع الأقطار العربية نحو النهوض والانبعاث الثقافي والسياسي والاجتماعي، وظهور الأحزاب الإصلاحية في كل من المشرق العربي ومغربه، هذه العوامل كلّها جعلت الأدباء والعلماء أكثر وعيا بواقعهم وإدراكا لمسؤوليتهم، فكان الأديب يحمل القلم ليصارع الطغاة والفساد ويكتب ليبث الإصلاح والتوعية بين الطبقات الشعبية من أجل غد أفضل، ومن هنا يمكننا أن نعتبر أبا مسلم ضمن هذه الكوكبة من العلماء الإصلاحيين الذين برزوا في الساحة العربية والإسلامية من أمثال: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والكواكبي والقطب اطفيش، ونور الدين السالمي وغيرهم.
لأنّ أبا مسلم لم يستخدم الشعر وحده وسيلة لهذه الغاية حتى يقال
عنه إنه شاعر إصلاحي، كما يقال ذلك عن أحمد محرم مثلا، بل استخدم
-
124 - (1/129)
صفحة 130
الصحافة أيضا، وأكاد أقول أن لو وجد الاستجابة من قومه سواء في عمان أو زنجبار لاتخذ وسائلها الأخرى مثل التعليم ومقاومة الفساد الاجتماعي، وتحرير الفكر من التعصب والابتداع والخرافات التي هي كلها مظاهر من
عصور
التخلف والانحطاط.
والدارس منا عندما يعود إلى ما كتبه أبو مسلم أكان ذلك نثراً أم
شعرا، أدبا أم تاريخا يلمس فيه هذه الروح، وهذا التطلع.
لقد كان أبو مسلم يتخذ من التاريخ عبرة لبث الروح الاستنهاضية في القلوب، فالتاريخ عنده ليس افتخاراً أو اذكارا فحسب، بل هو قبل هذا وذاك اعتبار ومقارنة، حث ومواكبة، وما وقفاته عند صور البطولة والجهاد إلا إحياء لهذه المعاني في النفوس؛ لأنّ الصراع بين الحق والباطل، كما كان في القرن الأول والثاني الهجريين، هو الصراع نفسه في القران الرابع عشر الهجري، وإن اتخذ لبوسا مختلفا وأرضية مغايرة.
والدارس عندما يريد استجلاء هذا الجانب الهام في شعر أبي مسلم، ينبغي عليه أن يلمس ذلك من خلال الديوان كلّه، إذ لا يجد الاستنهاض فيه موضوعا خاصا أو اتجاها معينا في هذه القصيدة أو تلك؛ لأنّ الاستنهاض موجود وراء كل كلمة يقولها الشاعر خاطب نفسه أو غيره، ابتهل إلى الله متضرعا، أو عاتب قومه محفّزا، وهو على وعي كامل بهذه الرسالة التي ندب شعره لها ومن أجل ذلك قال:
-
125 -
- (1/130)
صفحة 131
لو يكون الشعر نصراً لم أزل أنظم الأنجم لا أرضى الدرر لو ملكنا السيف لم نرجع إلى قلم في النصر إن قام عشر (168) إن الشاعر بإحساسه الإسلامي القوي يسخر ما وهبه الله من شاعرية لهذا الهدف الاجتماعي الإسلامي النبيل، ويرى نفسه قاصراً مقصراً عن بلوغ ذلك الهدف، وهذا الإحساس هو الذي يدفعه دوما إلى الاعتذار بأن الدهر يحاربه وأنّ الظروف تمنعه ولكن الصراع مستمر والمواجهة دائمة، ما دام هذا من طبيعة الحياة.
النونية
وتما خلّد أبا مسلم رائعته التي يحفظها العمانيون ويتفاخرون بها تلك المطوّلة الموسومة "الفتح والرضوان" أو "النونية" كما يحلو للبعض أن يسموها، وقد طال نفس الشاعر فيها حتى بلغت حوالي 383 بيتا وكلها نفس واحد، عمق تعبير، وجمال تصوير لا يعتورها التفكك ولا الإغراب إلا في بعض ألفاظها هنا وهناك.
وأحسب أنّ الذي أضفى على النونية هذا السحر عوامل موضوعية كثيرة، أولها موضوعها الوطني الملتهب وموقفها الاستنهاضي القوي، وأسلوبها الشاعري المتدفق وشاعريتها الحماسية الصادقة.
والحق أن أبا مسلم وفق إلى هذه القصيدة العصماء التوفيق كله، لأنه استطاع بموهبته الشعرية، وصدق عاطفته الوطنية، ورؤيته النافذة إلى
168 - الديوان، ص 14.
- 126 - (1/131)
صفحة 132
أوضاع وطنه آنذاك، استطاع أن يجمع قلوب العمانيين حولها، فيصبح الحفاظ يتذاكرونها في مجالسهم، ويتفننون في إنشادها بطريقة محببة، تزيد للإيقاع الموسيقي المتواتر جرسا ورنينا، فإذا كان الغرض العام لقصيدة الفتح والرضوان هو الاستنهاض والحث على مؤازرة الإمام سالم بن راشد، فإنّ القصيدة تحتوي على محاور يمكن حصرها فيما يلي:
1 - الحنين إلى عمان
(29) بيتا)
2 - الدهر الخؤون
(8) أبيات)
3 - أمجاد عمان
(25 بيتا)
4 - الهداة
من
أئمة عمان
(50) بيتا)
- إمامة سالم بن راشد
(47) بيتا)
6 - الاستنهاض
(38) بيتا)
7 - مفاخر القبائل العمانية
(88 بينا)
8 استنهاض وعتاب
(88) بيتا)
والحق أنّ "النونية" جديرة بدراسة مستقلة لما تفتحه أمام الداراس من
آفاق واسعة، ومرامي بعيدة، لا يقف الإدراك فيها عند وجه إلا ليجد أمامه
وجوهاً أخرى من الاستنهاض والاعتبار.
ولعل أبرز ما في "النونية" وصفها الصادق المنتفض للأحداث التي واكبت الإمام سالم بن راشد الخروصي الذي رأى أبو مسلم في إمامته نصراً مبينا، وتحولا تاريخيا ينقل عمان من عهد إلى عهد ويدخل به إلى رحاب
-
127 (1/132)
صفحة 133
القرن العشرين ليواكب النهضة والاستقلال التي أخذ كل العالم الإسلامي يتطلع إليها، ويعي بحق مصيره وما يراد به من أعدائه داخلا وخارجا. ومن ثمّ واستجابة لهذه الأحاسيس القوية نرى أبا مسلم يتخذ الدعوة إلى الاستنهاض مداراً ومحورا للنونية، ومن هنا تتابعت فيها اللوحات الفنية الرائعة التي تبث هذه المعاني في النفوس من لوحة فيها الحنين إلى عمان وأخرى فيها تجسيد لأمجاد عمان، وأخرى تنقل تاريخ عمان حيا نابضا أعلاما وآثارا إلى أخرى فيها العتاب الأخوي الحميم والاستصراخ النابض
الملتهب
وبما أن الحيز الدراسي لا يسمح بالوقوف عند هذه اللوحات كلّها، فلا أقل أن نتملّى هذه اللوحة الرائعة التي يصف فيها السيف باعتباره رمزا قويا من رموز الاستنهاض، وبث روح الجهاد.
وصف السيف:
في قصيدة الفتح والرضوان الاستنهاضية مكانة خاصة لوصف السيف، امتزج فيها المضمون بالشكل في صور رائعة، وإذا كان الشأن في أغلب قصائد الوصف في الشعر العربي القديم أن يقوم الوصف فيها على الانفصال الكلي بين الشاعر وموصوفه، إذ يصف الشيء دون أن يصف إحساسه تجاه ذلك الشيء، وكأنّ الشاعر في هذه الحالة يقوم بدور المصوّر الفوتوغرافي) الذي لا عمل له في إبراز الصورة لأنّ الآلة هي التي تلتقط الرسم بأمانة، لكن الوصف عند أبي مسلم - وهو يتحدث عن السيف
-
- 128 - (1/133)
صفحة 134
جاء حيا متحركا نابضا بأحاسيس الشاعر، وكأنه الرسام الماهر، الذي يبعث الحركة في أجزاء الصورة، فتبدو للعيان تنبض بالحيوية والنشاط.
إنّ الشاعر يدرك أن السيف رمز من رموز الجهاد المتواصل، وموروث حضاري يحمل دلالات الإباء، والشرف فقد ارتبط السيف في ذاكرة المسلمين دوما بملاحم الفتوحات الإسلامية، وإن لم يكن شرطا لها أو
أداة لازمة فيها.
-
هذا المنظور استغل الرصيد الفني – إن جاز التعبير ومن عند المتلقين وهو يدعوهم إلى رفع الضيم ورفض الظلم، ومقاومة الفساد، وبات استخدام رمز السيف أمراً لازماً لإكمال الجوانب الفنية والمعنوية
للموضوع. وقد سبق للشاعر أن افتتح عشرة أبيات من قصيدته هذه بكلمة " ياللرجال" وهي كلمة تدل بمعناها، وجرسها، ودلالتها المعنوية، على أن الشاعر يهدف إلى التحريك والإثارة، ويقصد إلى الاستنفار والاعتبار، لأنّ استخدام الكلمة بهذه الصيغة الجامعة بين النداء والاستغاثة، دعوة للمتلقين إلى الاستجابة والنفرة، لأنه لا يدفع العار عن الحمى إلا الرجال، ولا يغيّر المنكر، سواهم ومتى يتحرّك الرجال إن لم يتحركوا بعد استثارة حمية الرجولة في أعماقهم لهذه المعاني كلها ربط الشاعر هذا الربط المحكم ذا النظر البعيد بين الرجولة والبطولة، فرمز إليها بأداة فنية بحسدة وهي السيف، فكما أنّ الرجولة لا تكتمل بدون بطولة فإنّ البطولة لا تكتمل بدون سيف يحمي حماها ويحرك قواها، على حد قول المتنبي:
-
- 129 · (1/134)
صفحة 135
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه اللم
يقول أبو مسلم:
ياللرجال لقد ذلّت حفيظتكم إذا استطالت على الآساد حمل من (169) إن السيوف التي كانت لسالفكم ما ضمها معهم رمس وأكفان مريضة هي في الأجفان؟ أم مرضت قلوبكم؟ أم نأى عنهنَّ وجدان؟ بئس السيوف إذا حلت عواتقكم وما بها لعتيق المجد أحزان (170) لا تحجبوها إناثا في مغامدها فإن تلك اليمانيات ذكران فَدَيْتُكم أوردوها، إنَّها عطشت إن كان فيكم يلاقي الري عطشان (171) لقد تعوّدنا من أبي مسلم استخدام الأسلوب الخطابي المباشر،
ولاسيما في قصائده الاستنهاضية، فهو يحشد له كل المقومات الفنية والمعنوية، فإلى جانب التركيز على تجسيد المعاني الحماسية مثل رفض الظلم والتمرد على الضيم يوظف الأسلوب الخطابي باستخدام الأدوات الفنية واللغوية الدالة على ذلك مثل النداء، والندبة والاستغاثة، والتوكيد والقسم، والاستفهام الإنكاري، وغير ذلك مما هو معروف في هذه الأساليب؛ ولكن أبا مسلم لم يكتف بهذا الأسلوب الخطابي المعروف اعتمادا على الأدوات المذكورة، وإنما لجأ إلى أسلوب شعري آخر، أشدّ تأثيرا في النفوس، وأعمق تحريكا للأشجان والأحزان، حين انتقل من المقومات الفنية المخاطبة للآذان إلى المقومات الفنية المؤثرة في الوجدان،
169 - الحفيظة: الحمية والغضب.
170 - العواتق الأكتاف والعتيق القديم.
171 - الديوان، ص 307.
1
130 (1/135)
صفحة 136
حينما عمد إلى المقارنة بين الشيء وضدّه أو بين الشيء ومقابله، كما نلحظ ذلك في الأبيات السابقة، فقد قابل بين الآساد والحملان، وبين السلف والخلف وبين الذكر والأنثى، وبين السيوف عند الأجداد الفاتحين الذين كان لهم دور عظيم في نشر الدعوة الإسلامية، وبين السيوف عند الأحفاد الواهنين التي مرضت في أجفانها ونامت في أغمادها، حتى غدت وهي لا تؤدّي مهمتها الجهادية إناثا في مغامدها، وما خلقت إلا مذكرة يمانية تصول وتجول.
وهم عندما أهملوا الرسالة أهملوا وظيفة السيف، فعطّلوا أشرف ما تزين به المسلم الفاتح، وقد عبر عن ذلك، وهو يقارن بين العواتق الحاملة للسيف وعتيق المجد، حيث يقول:
بئس السيوف إذا حلت عواتقكم وما بها لعتيق المجد أحزان لا تحجبوها إناثا في مغامدها فإن تلك اليمانيات ذكران وقد تعمّد الشاعر هذه المقارنة المريرة التي تذكي الحزن والألم، كما تثير السخرية والتهكم، حيث قارن بين الذكر والأنثى، وهو يقصد إلى إثارة الحمية في قلوب الرجال الذين مهما يكن مستواهم في الرجولة يغضبون
أشدّ الغضب إن هم شبّهوا بالنساء، وكان صريحا في ذلك حين قال: لا تحملوها إذا كانت لزينتكم إن الرجال بفعل السيف تزدان (172) وإمعانا من الشاعر في إيصال المعاني والأحاسيس على هذا النحو من الإثارة، عاد مرة أخرى مستخدما لفظين لهما دلالة عميقة في المقارنة بين
172 - الديوان 307.
-
- 131
- (1/136)
صفحة 137
الأمس واليوم بين الماضي الزاهر والحاضر العاثر، وذلك حين استخدم لفظتي: "كانت" و"اليوم" فإنّ لفظة كانت ترتبط عند الشاعر بكل معاني البطولة والفحولة واليوم ترتبط عنده بكل معاني الكسل والفسولة، فكيف كانت السيوف التراثية، وكيف أصبحت السيوف العصرية:
كانت بوارق في الأخطار ساهرة وهم أصحابها في المجد سهران فاليوم نامت هموم القوم في جدث وساهر البرق في الأعماد وسنان تكاد أن تتلاشى في تحرقها غيظاً على صار أو حزناً على كانو (173) إنَّ الشاعر ببراعته وأسلوبه المعتمد على المقارنة والمقابلة يكاد يجعل السيف ناطقا في حد ذاته، متحرّكا غيظا في قرابه، لأنّ العيب ليس في السيف وإنما في حامل السيف، وشتان بين سيف في يد خالد بن الوليد وسيف في يد جبان رعديد.
ولا تخفى اللمسة الفنية الرائعة والبعد الإيحائي العميق، في قوله: غيظا على صار، وصار تعني الحاضر، أو حزنا على كانوا، وكانوا تعني الماضي.
الخيط النفسي
من خصائص الشعر عند أبي مسلم الصدق، ولا نعني بالصدق هنا مجرد الموقف والرؤية، بل نعني به الصدق الفنّي؛ فإنك حين تقرأ نونيته تحس إحساسًا عميقا بأنَّ الشاعر حاضر في كل بيت منها، بل هو حاضر فيها، حتى لا نلجأ إلى تفتيت العمل الشعري؛ وأداته في تحقيق ذلك هو
173 - نم.
-
132 -
- (1/137)
صفحة 138
هذا الخيط النفسي الرقيق الذي يربط بين أجزاء النونية، فلا تشعر بأنَّ الشاعر ينتقل من موضوع إلى آخر، أو من محور إلى محور، إلا إذا تعملت وبحثت، وأنت بعد بحثك يبهرك الشاعر بحسن التخلص، بل الالتحام الذي يستخدم فيه أدواته الفنيَّة، فلا تستطيع أن تتبين الخط الفاصل بين أجزاء القصيدة، تماما كما يفعل الرسام الماهر حين يلجأ إلى رسم جدارية ضخمة، فالعمل يضطره إلى فصل لوحته إلى أجزاء عند التنفيذ، ولكن المتأمل فيها لا يستطيع أن يتبين مواطن الفصل فيها، لأنَّ براعة الرسام تخفي ذلك بالألوان والظلال واللمسات الفنية الحاذقة.
إنَّ حسن التخلص وسيلة بارعة يتخذها الشاعر ليضفي على قصيدته الوحدة العضوية، فهو يتخذ من البرق وسيلة للوصول إلى هذا الهدف، فنجده ينتقل من وصف البرق إلى وصف مواجده وأحزانه، واتخذه خلوصا إلى موضوع آخر أفاض فيه المشاعر، وأثار الأحاسيس، حيث يشكو آلام الاغتراب وتباريح الشوق، واسمعه يقول:
معاهد شاقني منها محاسنها إن شاق غيري آرام وغزلان لها على القلب ميثاق يبوء به إن باء بالحب في الأوطان إيمان نزحت عنها بحكم لا أغالبه هل يغلب القدر المحوم إنسان (174)
174 - الديوان، ص 300.
-
133 -
- (1/138)
صفحة 139
الثنائية والعطف
وقد يتساءل الدارس لماذا هذه الثنائية الظاهرة في شعر أبي مسلم؟ نقدر - والله أعلم - أنَّ هذا الاتجاه في فكره يعود إلى نزعته التأملية، ومنهجية فكره التي تعتمد الموازنة بين الأشياء، والتقابل أو التضاد فيها، فهناك الخير والشر، والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، والرجل والمرأة هذه الثنائيات التي بنيت عليها الحياة والكون والناس.
فالمتمعن في قصيدة " الفتح والرضوان" ـ مثلاً ــ يلحظ في بنيتها الفنّيّة هذه الخصيصة، حتى لتكاد أن تصبح ظاهرة هذه المطولة؛ وقد يكون الدافع إلى هذا الاستخدام اللغوي حرص على توفير الموسيقى داخل بنية البيت بهذا التلاحق والترادف الصوتي بين كلمتين تتشابهان عادة في إيقاعهما الموسيقي: بطنان وظهران على وزن فَعْلان)، إيقان وعرفان على وزن (فعلان)، والفتح والنصر على وزن (الفَعْلُ).
ولنأخذ كمثال على هذا الاتجاه عند الشاعر هذه الأبيات من النونية السالفة الذكر، يقول واصفًا أرض عُمان، وما حباها الله به من أمن وازدهار: انزل على عرصات كلها قدس للحق فيهن أزهار وأفنان انزل على عذبات النور حين حوت أئمة الدين بطنان وظهران حيث الملائكة احتلت مشاهدهم فما على الحل والتعريج إدمان أرض مقدسة قد بوركت وزكت تنصب فيها من الأنوار معنان ما طار طائرها الله محتسباً له جناحان ايقان وعرفان
-
134 -
- (1/139)
صفحة 140
رست بها هضبة الإسلام من حقب وإن قضت باستتار العدل أحيان قديمة الذكر عاد الدين عائلها من يوم أصبح توحيد وقرآن قامت بها قبة الإسلام شامخة حتى تواضع بهرام و کيوان (175) ففي هذه المقطوعة التي احتوت عشرة أبيات، تجد الثنائية في تسعة أبيات منها، أحيانا تكون ثنائية مبنية على العطف والاقتران، وأحيانًا تكون ثنائية التقابل والتداعي، فقد جاء في هذه المقطوعة قوله: أزهار وأفنان بوركت، وزكت إيقان وعرفان الفتح والنصر، علم وإيمان، توحيد وقرآن، بهرام وكيوان؛ وكلها ثنائيات معطوفة بعضها على بعض كما جاء
قوله: بطنان وظهران الحل والتعريج وهي ثنائية التفاعل والتداعي. وقد يلحظ الدارس أنَّ هذه الثنائية ليست من قبيل الزخرف اللفظي، أو المحسنات البديعية التي يشغف بها بعض الشعراء على حساب المعنى والمضمون، بل إنَّ أبا مسلم يستخدمها فتأتي في ثنايا البيت متراصة متماسكة، لها علاقة بالسابق من المعنى وعلاقة باللاحق منه.
وتوضيحا لشغف أبي مسلم بهذا الأسلوب الذي يتخذ منه مادة لبناء قصائده، حتى تغدو و كأنها الهيكل العام الذي يبنيها منه، نأخذ هذه المقطوعة التي يصف فيها أئمة العدل في عُمان، وكيف أنهم كانوا فخرها وعزّها. يقول:
تعاقبت خلفاء الله منصبها منذ الجلندى، وختم الكل عزان أئمة حفظ الدين الحنيف بهم من يوم قيل لدين الله أديان
175 - الديوان، ص 301 – 302.
135 - (1/140)
صفحة 141
صيد سراة أباة الضيم أسد شرى شمس العزائم أواهون رهبان سفن النجاة، هداة الناس قادتهم طهر السرائر للإسلام حيطان تقبلوا مدح القرآن أجمعها إذا استحق مديح الله ايمان جدوا إلى الباقيات الصالحات فلم يفتهم في التقى سر وإعلان على الحنيفية الزهراء سيرهم والوجه والقصد إيمان وإحسان بسيرة العمرين استلاموا وسطوا الشربة النهروان الكل عطشان (176)
الاستنهاض بين أبي مسلم وأبي بلال (177)
كلما قرأت شعر أبي مسلم الرواحي تمثل أمام عيني شحص التابعي الجليل، المجاهد الصادق الشاري: أبو بلال مرداس بن حدير، ذلك أن أجلى ما يميّز شعر أبي مسلم الصدق والعمق تقرأ شعره بيتا بيتا، فتحس أنّ كلّ كلمة تصدر من أعماق نفس الشاعر ممتزجة بلحمه ودمه، موقعة بنبضات قلبه، وتأوهات أحشائه، وليس غريبا أن يشعر المرء بمثل هذه الأحاسيس وهو يقرأ شعره، فقد جمعت بين أبي بلال وأبي مسلم العقيدة الصافية، هذه العقيدة التي تستمد روحانيتها من القرآن الكريم وسيرة السلف الصالح، وتستروح معانيها وأغراضها، ورؤيتها وموقفها من نبع واحد أصيل، هو نبع الشريعة الإسلامية الدافق.
176 - الديوان، ص 302
177 - أبو بلال مرداس بن حدير من أبطال الشراة ومؤسسي المذهب الإباضي، كان مصاحبا لجابر بن زيد، جاهد ضد جور الأمويين حتى قتل في 61. ينظر منهج الدعوة عند
الإباضية لمحمد ناصر (مخطوط).
136 (1/141)
صفحة 142
ولا نستبعد أن تكون سيرة أبي بلال قد أثرت في الشاعر على نحو ما
من التأثير، فإنّ رجلا واسع الاطلاع مثل أبي مسلم معتد بسيرة أجداده وسلفه الصالح إلى أبعد حدود الاعتداد قلت لا نستبعد أن يكون قد قرأ سيرة أبي، بلال فتأثر بها، وأبو بلال يشد انتباه الإنسان العادي فكيف بمن عشق ضروب الفداء والتضحية، والإخلاص للعقيدة قولا وعملا، مثل أبي
مسلم. لقد كان أبو بلال بشهادة كل المؤرخين مثالا للرجل الزاهد، فقد كان متقشفا صحيح العبادة حسن حسن البصيرة، مرهف الإحساس بمعاني
الخوف والرجاء أبدا، وهو لحسن سيرته وصدق سريرته، وتفانيه في
حب
الله
تنافست الجماعات الإسلامية في نسبته إليها: فادعاه المعتزلة
والشيعة، واعتبره الشراة إمامًا من أئمتهم لا يعدلون به أحدا بعد
أصحاب النهروان، ومن شدة إشفاقه من عذاب الله يحكى أنه «أصيب
بالإغماء حين رأى بدويًّا يهنأ له بعيرًا بالقطران، لأنه ذكر به قطران
(179) «(178) ,
الله
و لم يشتهر أبو بلال بورعه وتقواه ووقفته الصارمة عند حدود ة حسب، بل اشتهر أيضا بمواقفه أمام الطغاة الجبابرة من بني أمية، وموقفه من ابن زياد حينما ألقى خطبته الشهيرة البتراء معروف ومتداول في مصادر الأدب والتاريخ يحكى أنه عندما كان في سجن ابن زياد الطاغية، كان
178 - وذلك في قوله تعالى: سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ... سورة إبراهيم:
الآية 50.
179 - د/ إحسان عباس شعر الخوارج دار الثقافة بيروت، لبنان، ط 2، 1974 م، ص 48.
-
137
- (1/142)
صفحة 143
أن
يعود
صاحب السجن يطلق سراحه كل ليلة إعجابا بورعه وتقواه، على للسجن فجرا حتى لا يفتضح أمرهما، وعلم صاحب السجن عن عزم ابن زياد على قتل أبي بلال إذا أصبح، فخاف أن يفتضح أمره وأبو بلال كان وقتها عند أهله كما هي العادة، وفوجئ السجان بعودته إلى السجن كعادته، وعندما أخبره عن عزم ابن زياد أجابه أبو بلال: لقد بلغني ذلك وأنا بين أهلي فعجلت إليك، قال السجان أو فعلت ذلك وأنت تعلم عن عزم ابن زياد على قتلك الغداة؟ قال: نعم ما كان لي أن أخون ثقتك في والآجال بيد الله على كل حال.
قصته
وفي الصباح عندما عزم ابن زياد على تنفيذ الحكم، تشفع السجان ركان ذا حظوة عنده أن يطلق سراح أبي بلال، وحكى له عن الغريبة فأطلق سراحه.
هذه الشخصية العظيمة بهذه السيرة العطرة، تركت في شعر الشاء بصمات ولا شك أضف إلى أنّ أبا بلال كان إلى جانب مواقفه الجهادية
شاعرا مغلقا، بليغ التأثير، صادق العبارة، مثير النبرة.
أراني قد أطلت في تبيان فضل أبي بلال حتى أبين مصادر الثقافة عند أبي مسلم. ذلك أن أجلى المعاني التي يدور حولها أغلب شعر أبي مسلم الزهد والتقوى والتفاني في حب شريعة الله، وإخلاص الأمر كله لخالق
هي
الكون.
138 (1/143)
صفحة 144
نلمس هذا واضحا في الأغراض الشعرية التي احتوى عليها ديوانه، فلا
تكاد تجد قصيدة واحدة خالية من هذه الروح الشفافة، هذه الروح القوية
التي تجعل الإيمان بالله موردا ومصدرا.
فنحن عندما نقرأ قصائده ذات الطابع الابتهالي لا نجد فيها ما تعودنا أن نجده في قصائد المتصوفة من نزوع انكفائي على الذات، وهروب من واقع الحياة، بل بالعكس نلمس هذا الربط المحكم بين العقيدة والسلوك، والقول والعمل، والتطلع إلى السماء دون نسيان الواقع الأرضي، دعاء يتوجه به إلى الله ليغير من واقع عباد الله، كما أوضحنا ذلك سابقا.
يقول أحد الدارسين: «وأنا أعتقد أنّ شعر أبي مسلم في الحقيقة كله جانب واحد وإن تجزا، فهو يلتقي في ناحية واحدة هي الاستنهاض، فأنت سوف تراه عندما يعبد ربه فيدعوه بالشعر ويسبحه به يعود إلى الظالمين فيستنزل عليهم غضب الله، فكأنه يريد أن يطهر أولا نفس قارئ شعره بذكر الله فيهيئها للعمل خالصة في مقابلة الظلم. (180).
وتتجلى لنا هذه الروح الاستنهاضية في مطولته الموسومة "الله جلّ جلاله" (181)، هذه المطوّلة التي تعد من أروع وأجمل وأعمق ما نظم أبو، مسلم، فقد تجاوزت الأربعمائة بيت على نفس واحد مبدؤها مثل منتهاها لا تشعر بين مقاطعها بالوهن والضعف، وقد قسمها إلى مقاطع كلّ مقطع عنونه باسم من أسماء الله الحسنى، فأدار معاني الأبيات حول معنى ذلك
180 - الديوان، ص 10.
181 - الديوان، ص 58، 130.
-
139 - (1/144)
صفحة 145
الاسم الأسنى من أسماء الله الحسنى بادئا بالله جل جلاله فالر فالملك، فالقدوس، فالسلام، فالمومن فالمهيمن، فالعزيز ... إلخ،
فالرحيم،
وقد احتوى كلّ مقطع أحد عشر بيتا، بقافية موحدة هي التاء. هذه المقاطع التي يفتتحها الشاعر بالدعاء والابتهال إلى الله مستخدما حرف أدوات النداء، فيقول: يا إلهي أو إلهي.
ولنأخذ كمثال على ذلك هذا المقطع الذي عنوانه المنتقم جل جلاله،
يقول فيه:
-
أمة
إلى الله أشكو وهو منتقم يدا عتت وبغت واستعبدت خير لها الويل – حق الكبرياء فشلّتِ يدا أسفت ذا الانتقام ونازعت إلى الله أشكو فعلها في عياله وغيرته للحق أعظم غيرة إلهي جهد العبد أن يرفع الدعا بتوفيقك اللهم عند البلية وقد حلّ بالإسلام ما لست راضيا من الفئة الباغين فوق البسيطة وكلمتك العليا وأنت بأخذهم قدير، وفي الإملاء أعظم أخذة فعاجلهم بالأخذ واقصم ظهورهم فقد أصبح الإسلام منهم بذلة كما أمعنوا في الظلم واستلاموا له ولم يرقبوا في الله أو حق ذمة وحزبك منصور وحربك نجدتي
فعينك بالمرصاد والله غالـ
تجل عليهم باسم منتقم وخ
ل قواهم بوهن، وابتدرهم بسطوة
أبدهم شديد الانتقام وردّهم مرداً وبيلا بين خزي ولعنة (182)
182 - الديوان، ص 104
-
- 140 - (1/145)
صفحة 146
فهذه الروح الإيمانية المنتفضة، وهذا الموقف الابتهالي الصادق، ألا يذكرنا بمواقف الشراة في صراعهم المرير ضد الظلم والطغيان في العصر الأموي، هذا المقطع الذي مرّ علينا سابقا بالذات، ألا يذكرنا بمقطع شبيه
ينسب
لإمام الماجهدين أبي بلال مرداس الذي نزعم تأثر أبي مسلم به؟
قال أبو بلال حين ألح عبيد الله بن زياد في طلب الشراة، وأعمل فيهم السيف إبادة، وتقتيلا، فعزم أبو بلال على الخروج في أربعين من أصحابه شاريا فارا من البصرة:
إلهي هب لي زلفة ووسيلة إليك فإني قد سنمت من الدهر وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا على ظلم أهل الحق بالغدر والكفر وفيك إلهي إن أردت مغيّر لكل الذي يأتي إلينا بنو صخر فقد ضيَّقوا الدنيا علينا برحبها وقد تركونا لا نقر من الذعر فيا رب لا تسلم ولاتك للردى وأيدهم يارب بالنصر والصبر ويسر لنا خيراً، ولا تحرمنا لقاء ذوي الإلحاد في عدد دثر (183) فلسنا إذا كمت جموع عدونا وجاؤوا إلينا مثل طامية البحر نكف إذا جاشت إلينا بحورهم ولا بمهابيب نحيد عن البتر (184) ولكننا نلقى القنا بنونا و بالهام نلقى كل أبيض ذي أثر (185) إذا جشأت نفس الجبان وهللت صبرنا، ولو كان القيام على الجمر (187 x 186)
183 - دثر كثير.
184 - البتر: السيوف القاطعة.
185 - أثر فرند السيف وقوته.
:
186 - حشأت فزعت وهللت نكصت وولت.
-
- 141 (1/146)
صفحة 147
ومن عجيب التوافق أن نجد هذه الروح الملتهبة شوقا إلى الجهاد تحت راية الحق والاستشهاد في ظلال السيوف عند أبي مسلم وهو يحن شوقا من زنجبار إلى أن يكون جنديا في جيش الإمام سالم بن راشد، وهو يقاتل (عباد الصليب كما يدعوهم الشاعر حيث يقول:
يديرونني عن سالم وأريغه وجلدة بين العين والأنف سالم ولو نصبوا جسمي وجروا جيوشهم لرفع حياتي لم ترعني الجوازم وما آنس الأعداء مني هشاشة أبى الله إلا حيث تدعو المكارم وكم عجموا عودي على الدين فانتنت كلالا عن المرّ الصليب العواجم ولولا المقادير التي عزت القوى وما اكتسبت مني الخطوب الغواشم نذرت حياتي تحت ظل لوانه وأحرزت نصلي إذ تحر الغلاصم وما كان قسمي غير ضربة قاضب إذا قُسمت فوق الفروق الصوارم أو الطعنة النجلاء ترمي نجيعها تفوز بها مني الطلي واللهازم وتلك لعمر الله أبخس قيمة لرضوان ربي يوم تعطى المقاسم بحب أمير المؤمنين) ابن راشد أدين وأنف الخصم خزيان راغم (188) إن الروح الجهادية التي تنتفض بها أحناء أبي مسلم تتجلّى من كلّ بيت يقوله لأنّ هذه الروح ترتبط بعقيدته الإسلامية، وذلك ما أضفى على ابتهالاته نوعا من التجديد فهي ليست من هذا النوع من شعر السلوك الذي ألفناه عند شعراء التصوف كلا، ولا أدل على ذلك من مطولته الموسومة "الله جلّ جلاله" التي أشرنا إليها سابقا، حيث لا يكاد يخلو مقطع
187 - شعر الخوارج، ص 28.
188 - الديوان، ص 325
I
-
142 -
- (1/147)
صفحة 148
واحد منها من الدعاء على أعداء الله واستنزال غضبه عليهم، وأخذهم أخذا وبيلاً ولاسيما في تلك المقاطع المخصصة للأسماء الحسنى الدالة على القوة، والجبروت والقدرة والانتقام، وما في هذه المعاني، وتوضيحا لأسلوبه هذا
نسوق هذه الأبيات التي عنوانها القوي جلّ جلاله" إذ يقول:
قوي على نصري وتمجيد هيبتي وتأييد أنصاري، وإعلاء كلمتي قوي على تدمير خصمي وقصمه وإلقائه في هوة العلمية قوي على التغليب والفتح عاجلا لأهلك أهل العدل في أي نفخة فجرد لنصر الاستقامة قة تصول بسيف من سيوفك مصلت فليست قوى الأعدا وإن جد جدها بقائمة للقوة الأزلية ضعيف أنادي تحت قة قادر قوي ولا سلطان لي غير ذلّتي
فما ظالمي من قوة القهر خارج ولا من أليم الأخذ يوما بمفلت هكذا كان أبو مسلم يسخر شعره من رؤية رسالية لأهداف استنهاضية، تستجيب لمتطلبات المرحلة السياسية والاجتماعية الصعبة، التي كانت تعيشها الأمة الإسلامية العامة، وعمان بخاصة قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وليس الاستنهاض عنده مقصورا على النونية، وحدها، وإنما نجده عنده في مطولات أخرى مثل المقصورة التي عارض بها ابن دريد الأزدي العماني، وهي أعرف من أن تعرّف، وقد وقفت معارضة أبي مسلم لابن دريد عند حدود الوزن والقافية ثمّ اختلفت السبل بينهما، إذ اختار أبو
-
-
143 - (1/148)
صفحة 149
مسلم موضوعا لمقصورته استنهاض المسلمين ليتفطنوا إلى ما يراد بهم من دسائس الغرب الاستعماري، بخطط ماكرة بعضها ينفذها داخل حدودهم، وبعضها يهيئ لها خارجها.
وقد بلغت هذه المطولة سبعة وأربعمائة بيتا كلّها استنهاض وحث على العمل الإسلامي المتواصل لإرجاع مجد السلف الصالح.
ويستخدم الشاعر في هذه القصيدة الرمز نفسه الذي نفسه الذي استخدمه في النونية وهو السيف، ولكنه هذه المرة يلح إلحاحا على هذا المعنى بتكرار لفظ السيف حوالي خمس عشرة مرّة، وللتكرار دلالة نفسية من بعض دوافعها التأكيد والإصرار والتحذير والإخطار، يقول
كم نظلم السيف بمنع حقه أما يجازي ظالم وقد عصى إن السيوف وضعت لحقها وحقها تحكيمها على الطلا والسيف شهم لا يفيت حقـ أصدق من جد، وأكفى من كفى
والسيف حر لا يقرُّ حاز با يصول إن ضيم، وإن صال اشتفى والسيف لا يرضى الذليل صاحبا إن الذليل بالشنار مكتوى والسيف جلاء المخازي آخذ بضبع من يكرمه إلى العلا والسيف مفتاح إذا تضايقت على الحمام الحر آراء النهى والسيف كالصدق من الرجال ما هززته لخطة إلا مضى والسيف في عزّ ومن مؤيد إن شد شد، من تقاضاه قضى والسيف أوفى صاحب رافق ته إن خانك الدهر وأهله وفي والسيف فيه فرج معجل إن الغموم بالسيوف تجتلى إلى أن يقول:
-
- 144 - (1/149)
صفحة 150
أين بنو الإسلام ما يعجزنا والعزة الكر، بحومات الوغى أين بنو القرآن هل تبطك كتابكم عن الجهاد للعدى
أين غطاريف الجهاد بالظبـ
أين بنو التوحيد لو صدقتم
أين مشانيم الطعان بالقنا
توحيد كم ما رقص الشرك على
توحيدكم
وهكذا ترك أبو مسلم بيته مبتورا، وهو بتر يحمل في دلالاته المعنوية معاني بعيدة، أحد أبعادها التي نظر إليها بفراسة المؤمن الصادق واقع المسلمين اليوم هوانا، وتفرقا، وذلة ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الحكمة في شعره
«إنّ الحكمة هو الكلام القائم على العلم والموجه إلى الصواب والسداد في القول والعمل» (190) وقد كرّم الله الإنسان الذي يوهب الحكمة، فقال: ومن يوت الحكمة فقد اوتي خيراً كثيراً لأن الحكمة دليل النضج العقلي، وشهادة على خبرة الشخص وتجربته الطويلة، لذلك عدت من جوامع الكلم.
والحكمة لا يستطيع التلفظ بها إلا من وهب المقدرة على النظر البعيد والتجربة السديدة، إضافة إلى موهبة صياغة كلّ ذلك في كلام فيه إعجاز وإيجاز، كأن يجيء ذلك في جملة نثرية أو بيت من الشعر.
190 – حنا الفاخوري، الحكم والأمثال، دار المعارف، (د. ت)، ص 8.
-
-
145 (1/150)
صفحة 151
وقد عرف الشعر العربي منذ القدم العديد من الشعراء الذين وهبهـ
،
الله هذه المكرمة فاشتهر لبيد، وطرفة وزهير في الجاهلية، وعرف أبو العتاهية والمتنبي، وأبو تمام والمعري، في العصر العباسي، كما عرف ابن الوردي والطغرائي، وعرف عصرنا الحديث شعراء ينحون هذا المنحى مثل شوقي وحافظ والرصافي.
وإذا جاءت صياغة الحكمة نثرا في الغالب الأعم مخاطبة العقل، فإنّ الحكمة في الغالب الشعري كثيرا ما خاطبت العقل والعاطفة معا، مما جعلها أكثر تداولا على الألسنة، وأسهل حفظا على الأفئدة.
وشاعرنا أبو مسلم عرف بهذا الاتجاه الذي يعد من أكثر الاتجاهات
عناية عنده.
ولأبي مسلم وقفات تأملية حكيمة في الدنيا وأحوالها وتقلباتها، تدلّ على خبرة واسعة وتجربة ميدانية عميقة ففي أغلب قصائد الرثاء نجد عنده المقدمات ذات الطابع الحكمي أو الوعظي، وهذه المقدمة عادة ما يتخذها مخلصا إلى الولوج إلى موضوع الموت والفناء المحتم باعتبار هذه النهاية من عيوب الدنيا، التي طالما أسرت الناس وخلبت، البابهم، فركنوا إليها ونسوا آخرتهم، فالموت هو المدخل أو الهزة العظيمة التي تعيد إلى الإنسان وعيه، ليدرك حقيقته البشرية الضعيفة التي طالما قهرها الموت، ومع ذلك فإن الإنسان لا يتعظ ولا يرعوي، وصراع الإنسان مع الموت طالما ألهم الشعراء رائعة في قيمة الدنيا وهوان أمرها رغم تشبث الإنسان بها وحرصه
أبياتا
على كل ثانية فيها.
-
146 -
- (1/151)
صفحة 152
ألهم الموت هذه الحكم لبيد بن ربيعة وطرفة بن العبد، وأبا العتاهية،
وابن الوردي وغيرهم من الشعراء الزهّاد، وقد ظلت الدنيا عند المتصوفة والزهاد محورا أساسيا في فكرهم وتأملاتهم في خطبهم ومواعظهم، في شعرهم ونثرهم حتى بات بابا في الأدب العربي مستقلا بذاته، له خصائصه وتوجهاته، وله أعلامه وعلماؤه.
فإبو مسلم يمكن أن يسلك من هذا المنظور الديني في عداد هؤلاء الشعراء الذين دفعهم زهدهم في الحياة الدنيا إلى التأمل الدائم في حقيقة
الحياة والموت.
وقد عرف أدب الشراة بهذا الاتجاه، حتى غدا سمة غدا سمة من سماته وموضوعا من موضوعاته وخطبة قطري بن الفجاءة في ذم الدنيا تناقلتها كل مصادر الأدب، ووقفت عندها الدراسات الحديثة تحليلا وتذوق (191). فليس بعيدا أن يكون أبو مسلم قد تأثر بهذا الأدب، وتشبّع بـ إضافة إلى ما عرف عنه من مقومات ذاتية وتربية روحية، أهلته أساسا إلى الاهتمام بهذا الموضوع والكتابة فيه.
وقد ساعد أبا مسلم على هذا الاتجاه ليجيد فيه، ما عرف عنه من نزعة تصوفية، وما تميز به من زهد في الحياة الدنيا ورغبة فيما عند الله، حتى غدا هذا الاتجاه في شعره من أكثرها وضوحا ودلالة على شخصية
191 - ينظر أحد المصادر التالية: البيان والتبيين أو العقد الفريد، أو صبح الأعشى، وقد نسبها ابن أبي الحديد في نهج البلاغة إلى الإمام علي كرم الله وجهه.
-
147 ·
- (1/152)
صفحة 153
الشاعر، واسمعه وهو يذكر بهذه المعاني بمناسبة رثائه للشيخ العلامة محمد
بن يوسف اطفيش الجزائري في سنة 1914 م، يقول:
عش ما تشاء وراقب فجعة الأجل سينقضي العمر في بطء وفي عجل تلهو بتصويرك الآمال مغتبط وبين جنبيك ما يلهي عن الأمل ماذا يغرك عن دنيا نضارتها ب المنون، ومجراها إلى الزلل قالوا دسائسها في طي زخرفها وقلت قد صرحت بالسم في العسل لم تخف عيبا ولم تأخذ مخالة ولا الهناء بها إلا على العلل (192) فالعيب إذن ليس في الدنيا، لأنها لم تخف طبيعتها عن الناس قط، ولكن العيب في الناس الذين يأمنون جانبها، ويحسبون أن السعادة في أحضانها، وينجذبون إليها رغم علمهم بحقيقتها.
ومن أكبر عيوب الدنيا أنها قاسية فانية ومن أقبح صفاتها أنها
غدارة غرارة.
ما شأن صولاتها البقيا على أحد وإنما أجل يتلو خطى أجل رأي الركون إلى آفاتها سفه وصفوها بين نابي مهلك جلل إنجاز إيعادها بالموت منتظر والقول عن مقتضاها غير مفتعل (193)
وجاء في قصيدة أخرى يرثي بها الشيخ اطفيش الآنف الذكر:
تعز عن الدنيا وأيقن بأنها لنيمة طبع في الهبات تعود وإنك إن تسكن إليها تركتها وليس بها لما تركت حميا
192 - الديوان، ص 385.
193 - الديوان، ص 385
148 -
- (1/153)
صفحة 154
تمنيك بالآمال وهي شحيحة وتعطيك لين القول وهي حقود تخائل حسناء وهي شوهاء غادر وأنت بها مضنى الفؤاد عميد تحذلق بالتمويه مكرا وخدعة ولا شيء لما تدعيه سديد ولو نلت منها طائلا كان آفة تداجي بها مغرورها وتكيد تدانيك حتى تؤنس الصدق والصفا وما الشأن إلا صائد ومصيد ولو صدقت فالصدق في طي كذبها إذا عاهدت بالوعد فهو وعيد (194) أن قلت إنّ أبا مسلم يقف وقفات طويلة، كلما جذبته خواطره التأملية إلى ذكر الدنيا ومكانتها من نفس المؤمن، وكيف ينبغي أن
لقد سبق
يعاملها به.
ما تريد من الدنيا تعانيها أما ترى كيف تفنيها عواديها؟ غدارة ما وفت عهدا وإن وعدت خانت وإن سالمت فالحرب توريها ما خالصتك وإن لانت ملامسها ولا أطمان إلى صدق مصافيها سحر ومكر وأحزان نضارتها فاحذر إذا خالست مكرا وتمويها وانفر فديتك عنها إنها فتن وإن دعتك وإن زانت دعاويها كذابة في دعاويها منافق والشاهدات على قولي معانيها (195)
وكثيرا ما جاء ذلك عند أبي مسلم في أسلوب وعظي يتوجه إلى نفسه، تحذيرا ومراقبة تذكيرا، ومحاسبة لأنّ الإنسان بطبعه ضعيف يجذبه هواه إلى حب الدنيا والانسياق لزخارفها، على الرغم مما يراه من اختصارها
-
149
-
194 - الديوان، ص 392
195 - الديوان، ص 374. (1/154)
صفحة 155
الأعمار أهله ومعارفه ومما يعانيه هو بنفسه من تلوّنها وتبدلها وعدم
استقرارها وفي هذا المعنى يقول:
متى
ومن عجب ميل النفوس لعاجل يحول على أكداره ويبور وإسراعها في الغي أسراع آمن وناقد أعمال العباد بصير أقلعت عنا المنون وهل لنا بغير طريق الغابرين عبور أم الأمل الملهي براءة غافل من الموت أم يوم المعاد يسير أتمرح إن شاهدت نعشا لهالك إليك أكف الحاملين تشير ستركب ذاك المركب الوعر ساعة إلى حيث سار الأولون تسير
نقي من غبار الأرض بيض ثيابنا وتلك رفات الهالكين تطـ لي الويل هلا أرعوي عن مهالكي أما في المنايا واعظ ونذير (196)
المال،
إن من أخلب مظاهر الدنيا للناس الجاه والمال، لذا نجد الزهاد التقليديين المهزومين يعادون الكسب، ويرونه أحبولة من أحابيل الشيطان، أما أبو مسلم ففهمه لمكانة المال في الدنيا فهم إسلامي عميق، يكسب المال لينفقه، ويجمعه ليفرّقه، وكان رحمه الله ذا كرم وبذل لما في يده من فعلى ما جمعه من المالية لم يخلّف شيئا كأنه لا يرى المال شيئا مذكورا، وحقه عنده أن يبقى هباء منثورا (197)، هكذا تصبح الدنيا مطية للآخرة والكسب الحلال وسيلة لحسن المآل وفي هذا المعنى يقول:
المال لا شيء عندي كي أضن به في موضع الفضل واللاشيء مبتذل علق المضنة ما تزكو مزيه والفضل في الله علق ماله مثل
196 - الديوان، ص 24 - 25
197 - الديوان المخطوط، ص 40.
150 - (1/155)
صفحة 156
يزكو الثراء على التوزيع يذهبه في الله والحمد ليس اللهو والختل عودت ربي إنفاذي فواضله فيه، وعودني التعويض ينهمل عوائد الله أغنى لي وإن تربت كفي، ونعمة ربي نعمة جلل يكفي من الوفر أن تبقى محامده ما أحمد الوفر حسن الحمد يأتثل (198) فهو لا يكره المال لذات المال باعتباره من مظاهر الاعتزاز والانخداع بالدنيا، وإنما يكره المال الذي لا ينفق في مواطن النفع والخير للآخرين، فما المال إلا مطية يمكن أن تحمل صاحبها على طريق الخير، ويمكن أن تحمله على طريق الشر.
لن يلبث المال تذروه الرياح ويبقى من صفاياه ما اشتدت به لخلل إن يعقل العسر فضلي عن مواقعه فلي خليقة برليس تعتقل لا تنفق النفس إلا من جبلتها والفضل في النفس ليس المال يؤتثل عقائل المال تؤتاها وتنزعها وما عقيلة فضل النفس تنتقل (199) والزهد عند أبي مسلم زهد إيجابي ليس من هذا النوع الانهزامي الهروبي، هو زهد المؤمن البصير الذي يعيش حياته ولكن لا ينساق لزخارفها، ويذكر نفسه بالموت لا هروبا من واجباتها، فهو مقتنع بدوره الإصلاحي وما ينبغي عليه القيام به إزاء دينه الإسلامي، عملا في الميدان أو
اعتقادا بالجنان.
198 - الديوان، ص 369.
199 - الديوان، ص 370.
151
- (1/156)
صفحة 157
إن أبا مسلم يستقي من هذا النبع الثر الذي فاض بين يدي الشراة الأولين الذين أعطوا للزهد طعما محببا طعما استمدوه من فهمهم العميق للدين الإسلامي، زهد إيجابي يرغب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا لا نافراً منها ولا كارها لها، مندمجا في الجماعة لا منعزلا عنها ولا مجابها لها. وفي هذا المعنى يقول أحد الدارسين متحدثا عن الزهد عند الشراة: «إنّ نغمة الزهد التي سمعناها منهم كانت أوّل نغمة من نوعها عند العرب والمسلمين، لقد جاء التزهد في الإسلام متأخرا، وكان الزهاد والتصوفون يمثلون الهروب من الحياة ومسؤولياتها، ويقومون بدور فردي يخدمون به ذواتهم للنجاة بأرواحهم من العذاب، أما زهد الخوارج فقد كان إضافة إلى ظهوره مبكرا إيجابيا، كان سعيا وراء خير الجماعة وإصلاح المجتمع وخدمة الحياة الدنيا والآخرة كان زهدا قويا أو كان زهد القوة، فالمتعبد المتهجد يمتشق السيف ليخوض غمرات الموت في سبيل الوصول إلى حق المعتقد بصحته» (200).
إن أبا مسلم حين يصارع الدنيا فمن أجل الحصول على الأفضل، وحين يذكر جانبها السلبي فمن أجل السيطرة عليها، وهذا موقف يدفع إلى الطموح وتزكية الفتوة.
ويبدو أبو مسلم بحكم الاحتكاك الطويل بينه وبين مصائب الدهر،
والمشاداة المستمرة بينه وبين الأيام على معرفة بطب -. ا وخبرة بكيفية التعامل معها حسبما يقول:
200 - أحمد سليمان، معروف قراءة جديدة، ص 359.
-
152 -
- (1/157)
صفحة 158
شكا الناس من أيامهم بعد فوزها لهم بين بحري مانها وسرابها
ولا أشتكي منهم ولست الومهم على الحلو والمر الذي في شرابها و شاهد كنه الحال خلف حجابها كشف الأيام كشفي خصالها ومن رماها بصبر لا تقيم ظهورها عليه وألقى حبله في رقابا (201)
ويقول:
صك الخطوب بخطب اسمه جلد والق الأمور بحلم شخصه جبل وصانع الناس لا نكسا ولا ملقا بما يسرك من تلقائه الرجل والبس لدهرك إن لم تزك سيرته من التجمل ما تزكو به الخلل (202) وقد عرف الشعراء أصحاب الطموح العريض، والتطلع إلى الأفضل بصراعهم الدائم مع ما يطلقون عليه الدهر، وفي شعر أبي مسلم يلحظ القارئ كثرة ورود هذه المفردة ورودا يكاد لا تخلو فيه صفحة من صفحات ديوانه ونحسب أنّ هذه المفردة من أكثر المفردات استثارا
بقاموسه الشعري.
وهو
كثير العناية بهذا الذي تميل إليه النفس إنه في صراع دائم معه، يعبر عنه أحيانا الدهر وأحيانا الليالي، وأحيانا الأيام، وغير ذلك الألفاظ من التي في هذا المعنى:
خليلي شأن الدهر بين مشتت فما أُلفة الإثنين إلا اعتنى بها
ولولا ولوع الدهر بالبين لم تزل جواهر هذا البحر تحت عُبابها
201 - الديوان، ص 364.
202 - الديوان، ص 309.
153 (1/158)
صفحة 159
ولا رجعت فوق الفنون حنينها
ولا خليت دور الفضائل والتقى
هتوف" شجتها مثلها بغيابها وطارت أعاصير الفنا بصحابها (203)
ذلك هذه الأبيات القوية التي تذكرنا بالشاعر الطموح "أبي ومن
طيب المتنبي" في صراعه الدائم هو الآخر الدهر.
يقول أبو مسلم
مالي وللدهر يغري بي حوادثه كان صبري على لأوانه زلل كان فضلي في عين الزمان قدى لقد درى أنه في عينه كحل كان همّي سهم في مقاتلـ ومذهبي في العلى في رجله كبل إذا نشطت لحقي في العلى عرضت أمام عزمي في أعراضه علل لا أجتي خطة إلا مخالة ودون إتمامها الأهوال تشتعل أقول للدهر أرسلها العراك فإن أجزع الخطتها فالويل والهبل وهات كأسك إن صابا وإن عسلا فقد تساوى لدي الصاب والعسل لا آمن الدهر في لين وفي شعث وطبعه للوفا والغدر محتمل ما أطيب العيش لولا أن يشاركني فيما ينقصه الهيابة الوكل ولست أرتاد ماء ما به کدر إلا إذا كان دهري ما به دغل من يعطه الله فيما نفسه كرهت صبرا فما كرهت بالخير مشتمل أصبحت والدهر من بغضيبه جرب آسيه نبلا وما ينفك يأتكل (204)
الفنون أغصان الشجر.
* هتوف: الحمام.
203 - الديوان، ص 360، 363 364
204 - الديوان، ص 368 - 369
-
-
154 - (1/159)
صفحة 160
إن الحرب المعلنة بين أبي مسلم والدهر، وإنّ الصراع النفسي والقلق المتأزم الذي يشعر به هذه الأحاسيس كلّها دفعت به إلى التأمل العميق فيما يدور حوله من أحوال وقضايا.
وأكسبه كل ذلك عمقا في التفكير وسدادا في الرأي، وبعد نظر في
تحليل الأوضاع الحياتية في شتى مجالاتها.
دفعه كل هذا إلى اتجاه آخر طبع شعره بطابع خاص وهو الاتجاه
الحكمي.
وهكذا يبدو أبو مسلم في جملة شعره مؤمنا راسخ الإيمان، متدينا يخلص الدين الله ويحض على الجهاد فيه ذيادا عنه وتمكينا له وإعلاء لكلمته، مهما عظم فيه الخطب، وتألبت دونه الشدائد والمحن، فالدين أحق ما يجب فيه البذل، ويهون الفداء (205).
ففي ديوانه قسم خاص بقصائد الحكمة والموعظة، ولعل أجمل قصائده وأعمقها أثرا في هذا مخصصة لهذا النوع من الشعر، أو تأتي ممتزجة بموضوعات أخرى مثل الرثاء، والزهد والتصوف وأبو مسلم يستخدم في الحكمة عادة أسلوب المخاطب الذي قذ يعني نفسه وقد يعني به أيضا متلقي
شعره.
قد يلحظ القارئ أن أبا مسلم وهو يصارع الدهر، نوعا من الاعتزاز بالنفس والثقة بها، قد يراه بعض الناس ادعاء وغرورا، ولكن عند التأمل
205 - مقدمة ديوان أبي مسلم والكلمة لعلي النجدي محقق الديوان، ط. وزارة التراث القومي سلطنة عمان، 1400 هـ/1980 م.
155
- (1/160)
صفحة 161
نتبين أنه اعتزاز مؤمن بربه مقر بضعفه مستجير دوما بنصرته، وتلك سمة طالما لوحظت عند الشعراء الذين يصدرون عن عقيدتهم الإسلامية الصافية في كلّ ما يفعلون وما يذرون، وهي سمة شعر الفخر عند الشعراء الفقهاء كما يقرّر ذلك أحد الدارسين، حين يقول عن هذا الشعر إنه «يسير على وتيرة غير التي يسير عليها فخر الذي يستحيل في بعض الأحيان إلى بهلوانية، أدعى ما تكون إلى السخرية منها إلى الإعجاب، وذلك بما يتضمن ين أن فخر العلماء الادعاء الفارغ والتطاول الذي لا حد له، في حين ينحو منحى تهذيبيا، ويمثل الاعتزاز بالعلم والهمّة العالية والخلق الكريم،
من
ولذلك أدخلناه في الشعر الحكمي ... » (206).
وللتأكد من هذه الخصيصة عند أبي مسلم يمكن المقارنة بين شعر الفخر عند المتنبي، فعلى الرغم من أنّ أبا مسلم يبدو متأثرا بالمتنبي ولاسيما في بعض القصائد التي استوحى أجواءها ومعانيها (207)، فإنّ أبا مسلم يظلّ متميزا عن المتنبي في هذه الناحية، بأنه لم يتجاوز قط ما رباه به الإسلام من تواضع وسماحة.
ولنأخذ له كمثال على ذلك هذه النظرات النافذة في العلم الجدير بالطلب، والصفات التي ينبغي أن يتحلى بها، والمفهوم الإسلامي للعلم، ومكانة العالم عند الله، فإن السعادة الدنيوية والأخروية مرتبطة بالعلم
وحده، حتى تقوى الله وطاعته لا تكون صحيحة إلا بالعلم، يقول:
206 - عبد الله كنون أدب الفقهاء دار الكتاب اللبناني، بيروت لبنان، ط.
1404 هـ / 1984 م، ص 20.
207 - للمقارنة يرجع إلى ديوان أبي مسلم، ص 423 - 430.
-
156
- (1/161)
صفحة 162
ورافق دليل العلم يهدك إنه طريق يحار العقل فيه وعه وفعلك حد المستطاع من التقى على غير علم ضيعة وغرور فما زكت الطاعات إلا لمبصر على نور علم في الطريق يسير أتدخر الأعمال جها بوجهها وأنت إلى علم هناك فق اك فقير وما العلم إلا ما أردت به التقى وإلا فخطأ ما حملت كبير فكم حامل علما وفي الجهل لو درى سلامته مما إليه يصير وحسبك علما نافعا فرد حكمة بها السر حي والجوارح نور تعلم لوجه الله واعمل لوجهه وثق منه بالموعود فهو جدير (208) إنّ أبا مسلم يضع لطلاب العلم القاعدة السليمة للانطلاق في طريق العلم، حتى يكون العلم موصلا إلى الخير مفيدا للبشرية، لا سببا مهلكا للبلاد والعباد:
كأين رأينا عالماً ضل سعيه وضل به جم هناك غفير معارفه بحر ويصرف وجهه إلى الباطل الخذلان وهو بصير وأفلح بالتوفيق قوم نصيبهم من العلم في رأي العيون حقير (209) إنَّ الشأن ليس في كثرة العلم، وإنما الشأن في التوفيق الذي يصحب العلم، ولا يكون التوفيق إلا لمن جعل تقوى الله زاده في سره
وعلانيته (210).
208 - الديوان، ص 26
209 - الديوان، ص 26.
210 - ينظر الملحق.
157 (1/162)
صفحة 163
الحنين في شعره
بحق
في شعر أبي مسلم الرواحي تصدق المقولة: «الأديب ابن بيئته» وصدق، لأنَّ القارئ لشعره يلحظ الحضور الدائم لبيئة الشاعر، والتمثل
الحي لها من خلال قصائده. ومن المعلوم أنَّ أبا مسلم غادر وطنه إلى زنجبار، وهو دون العشرين من عمره مِمَّا يجعلنا نقول: إنه عاش في بيئتين مختلفتين كل الاختلاف، جغرافية وتاريخا؛ ونحن لا نعني هنا البيئة التي انتقل إليها (زنجبار)، وإنَّما نعني البيئة الأصلية التي شهدت استهلاله صبيا، ورافقت خطواته طفلاً، وملأت عينه بمناظرها الجميلة يافعاً.
وحينما نقول: بيئة الشاعر، فإنَّما نعني بها عُمان، تلك البيئة التي ترعرع بين أحضانها، وتفياً ظلال نخيلها، تلك البيئة التي شب في وديانها، وكرع من مياه أفلاجها وسبح بنظراته في جبالها الشامخة وقممها المتأبية، هذه حقيقة مؤكدة لا يمكن للدارس أن يتخطاها أو يتجاوزها، لأنها تتحداه في كل بيت قاله الشاعر، وتطل برؤوسها من خلال الألفاظ
والمواقف والرؤى.
ولا نعني بالبيئة هنا البيئة الطبوغرافية سهولاً وجبالاً، زرعا ونخيلاً،
سماء وماء وحسب، وإنَّما نعني به البيئة التاريخية أيضًا ـ إن جاز التعبير
-
-
-
وبعبارة أدق: لا نعني البيئة المكانية وحدها، وإنما نعني البيئة الزمانية
أيضًا.
|
158 -
- (1/163)
صفحة 164
فأنت حين تقرأ شعر أبي مسلم تتحسّس يداك عُمان متحركا، برجالاته وتاريخ أبطاله بأحداثه ووقائعه بقبائله وعشائره بماضيه و حاضره على أنَّ أبا مسلم حين أبرز هذه القيم من أعماق تاريخ عُمان لم. يبرزها بطريقة العرض والوصف التقليدية، كما نجد ذلك عند بعض
الشعراء القدامى الذين يستبد بهم الحنين، أو يحركهم التذكر، فيقفون عند التفاصيل الجزئية من مواطن إقامتهم، ومضارب خيامهم؛ حتى أصبحت هذه الطريقة من بعد تقليدا معروفا عند الشعراء القدامي، مِمَّا اصطلح عليه بالمقدمات الطللية.
إنَّ أبا مسلم لا يقف هذا الموقف التقليدي الذي يؤتى به مقدمة من أجل الخلوص إلى موضوع آخر هو الذي يعنيه الشاعر، كأن يتخلص إلى الغزل مثلاً، ما دام قد ذكر منازل الأحبة.
منه
هذه
إنَّ أبا مسلم حين يقف تلك الوقفات نشعر به وكأنه يذوب شوقا وحنينا، إنَّه حين يصف أودية عُمان وقبائلها، أو حين يتذكر تاريخ شعبها وأئمتها، يفعل ذلك استجابة لمشاعر فياضة، وأحاسيس جياشة؛ حتى إنَّ بعض وصفه لهذه البيئة ليمتزج مع العناصر الشعرية الأخرى، فإذا بالصورة الشعرية نفسها أو الأسلوب الشعري نفسه مستخرج من البيئة؛ فأصبح تعبيرًا صادقًا للحالة النفسية التي يكون عليها الشاعر، في حالات وجد تشبه حالات الوجد الصوفي. وبما أننا سنقف وقفات متأنية عند ظاهرة الحنين عند أبي مسلم فإنَّنا نحيل القارئ الكريم إلى قصيدتين تمثلان هذه الظاهرة عنده وهما قصيدة الفتح والرضوان" و"النهروانية".
-
159 - (1/164)
صفحة 165
ومن هنا فإنَّ الحنين بقسميه المكاني والزماني يغدو من أقوى الاتجاهات في شعر أبي مسلم حنين إلى عُمان التي كتب عليه أن يعيش ثلثي حياته بعيدا عنها، وحنين إلى تاريخ عُمان الذي يرى فيه جزءًا من نفسه، ومثالية لشخصيته.
هذا الحنين الدائم، والشوق الأبدي إلى الوطن، وكل ما يمت إلى الوطن بصلة طبع شعره في هذا الاتجاه بالصدق، لأنَّ الشاعر عندما يندفع إلى الكتابة فيه يندفع بباعث داخلي، واستجابة لهاجس نفسي لا يزال متونبا بين حناياه لا يعرف الهدوء ولا السكينة حتى ينفس عن كربته عن طريق الشعر، وكأنَّ الشعر عندئذ يغدو متنفسًا طبيعيا لهذا الجيشان الذي تضطرب به أحناؤه؛ ومن ثمَّ فإنَّ كلَّ نأمة أو حركة أو منظر له علاقة بوطنه - قد تكون هذه العلاقة حسيَّة أو معنوية ــ تستطير في فؤاده نوازع التذكر والحنين.
فالبرق إن لاح من أفق الوطن يتحول إلى نار تلهب أحشاءه، حتى
ولو نزل بعدها الماء الغزير، والغدير النمير.
تلك البوارق حاديهن مرنان فما لطرفك يا ذا الشجو وسنان إن هيج البرق ذا شجو فقد سهرت عيني، وشبت لشجو النفس نيران وصير البرق جفني من سحائبه يا برق حسبك ما في الأرض ظمآن (211)
إنَّ الحنين إلى الوطن يفجر الدموع في عينه كما يفجر البرق الأمطار في السحب، وفي شرق إفريقيا - بحكم وجودها في خط الاستواء ـــ تغدو
211 - الديوان، ص 299.
160 (1/165)
صفحة 166
الأمطار فيها منهمرة، والسحب، ساحة، ولكن إذا كان الناس بحكم العادة يهللون ويفرحون، ولا سيما في المناطق الجافة، لقطرة ماء تنزل من السماء، فإنَّ كلَّ ذلك لا يعني أبا مسلم وهو يعيش في أرض ليست له أرضا، بل إنَّه ليضنُّ بدموعه أن تذرف على موطن ليس هو الموطن الذي بناه ورباه. إني أشح بدمعي أن يسح على أرض وما هي لي يا برق أوطان هبك استطرت فؤادي فاستطر رمقي إلى معاهد لي فيهنَّ أشجان تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت وهي وسط ضميري الآن سكان نأيت عنها، ولكن لا أفارقها بلي، کم افترقت روح و جثمان وكيف أنسى عهودي في مسارحها وهن بين جنان الخلد بطنان أم كيف يمكن سلواني فضائلها نعم لدي لذا السلوان سلوان (212)
لغة الحنين عند أبي مسلم لا تخضع للمقاييس المكانية والزمانية المعروفة، إنَّ عاطفته الجياشة تخرق كل هذه القوانين، وتتجاوز كل المسافات، ليصبح البعيد قريبا، والقريب بعيداً. إنَّ المسافة المكانية التي تفرق بين عُمان وزنجبار، إن أثرت في البعد المادي للجسد فإنها لن تستطيع أبدا أن تؤثر في البعد المعنوي للنفس، حتى إنَّ المعاهد والمرابع والمواطن التي يشتاق إليها في عُمان لم تنتقل عنه و لم تبعد، لسبب بسيط، وهو كونها حاضرة أبدًا بين حناياه ماثلة بين ناظريه، حية في أعماقه.
212 - الديوان، ص 299 - 300.
-
- 161 (1/166)
صفحة 167
وهذا الحضور الدائم للوطن في أعماق الشاعر هو الذي ضخم مأساة الاغتراب لدى الشاعر فأصبح لا يرى ببصيرته، ولا يتطلع إلى التشوف بإنسان عينه، وإنَّما يتطلع إلى المعايشة بكل خلجات نفسه.
هي
معاهد شاقني منها محاسنها إن شاق غيري آرام وغزلان لها على القلب ميثاق يبوء بها إن باء بالحب في الأوطان إيمان نزحت عنها بحكم لا أغاليه لا يغلب القدر المحتوم إنسان كانني واغترابي والغرام بها حي قضى خلفته بعد أحزان النوى جعلتني في محاجرها مثل الخيال وروحي ثم جثمان أعيش في غربة عيش السليم على رغمي، وليس إلى الترياق إمكان (213) إنَّ أبا مسلم يكابد شوقًا مبرحا عظيما، ويعاني واقعا على النفس اليما، فقد تحول الشوق المتأجج في أحشائه إلى وطنه صلة روحية قوية صارت مع مرور الأيام عهدًا وميثاقا، ولكنَّ المأساة أنَّ الشوق يزداد لهبا كلما أحس أنَّ العوائق التي أبعدته عن وطنه تزداد حلقاتها استحكامًا، وما كان ليرضى بهذا الواقع الممضُ لولا إيمانه القويُّ أنَّ هذا قدره المحتوم والقدر المحتوم لا يغالبه الإنسان.
وإذا تعود الشعراء أن يتحرك حنينهم إلى الأوطان لأغراض حسية بعضها الشوق إلى الأحبة والحبائب التي رمز إليها ـ على عادة العرب ــــ
-
بالآرام، والغزلان، فإنَّ الذي يحرّك الشوق في قلب أبي مسلم المحاسن لا
213 - الديوان، ص 300.
162 -
- (1/167)
صفحة 168
الحسن، والمآثر لا الآثار والمعاني لا المباني، لأنَّ الذي يربطه بهذا الوطن
أسمى وأعمق من أن يتمثل في طلل بال، أو غزال أهيف.
ومن هنا يصبح الشاعر أمام معادلة صعبة أطرافها الأساسية: الشاعر والغربة والشوق. الملتهب. إنَّ الشاعر أبا مسلم بين طرفين متجاذبين، الغرام بالوطن من جهة والغربة الحادة المؤلمة من جهة؛ وهو بين الطرفين ممزق الأحشاء جسد بلا روح، بل إنه الميت الحي، أو الحي الميت، إنَّه أشبه شيء بالملدوغ الذي لا يجد إلى الترياق سبيلاً وهو يتقلب على فراش الألم، سيظل - والحال هذه - يموت موتا بطيئًا، فهو بين أنياب الألم الحاد يمضغه مضعا، وهو بين الجزع من الموت المحتوم الذي يراه متقدما نحوه شيئًا فشيئًا، ولا يجد له شافيًا أو منقذا هكذا يجسد أبو مسلم الحنين
من خلال صورة نفسية حية تنبض بالمشاعر، وتتحرك بالأحاسيس. هي النوى جعلتني في محاجرها مثل الخيال وروحي ثم جثمان كأنَّ الغربة ليس لها في عباد الله هدف سوى أبي مسلم، فوضعه في محاجرها قصدًا ومعاينة، حتى أصبح مثل الخيال ضعفا وشوقا، بل حتى انفصل روحه عن جسده، فليس يعيش معه في زنجبار سوى شبح من جسده، لأنَّ روحه حين استقرت بعمان كأنها بذلك نقلت معها جثمانه أيضا؛ وهذه صورة نفسية وتعبير دقيق قلما رأيناه لغير الشاعر.
إنَّ هذا الحنين الجارف إلى وطنه عُمان هو الذي ولد في أعماق الشاعر هذه الصورة التعبيرية المختلفة، وهو موقف يختلف تماما مع موقف بعض الشعراء المهاجرين الذين آثروا زنجبار على وطنهم كما يقول أبو
-
163 - (1/168)
صفحة 169
وسيم خميس بن سليم الأزكاني، من شعراء القرن الثالث عشر والرابع عشر
الهجريين:
آثرتها حين نادتني على وطني دار صفا حسنها في السر والعلن تلك الديار التي لا زال يكشف لي طيف الكرى في الدجا عن وجهها الحسن أرض مباركة الأقدار شاملة الـ أفياء، طيبة الأرجاء والدمن إلى أن يقول بعد وصف طويل لمحاسنها:
خير القرى باتفاق لا نظير لها لا في العراق ولا في الشام واليمن (214) أما أبو مسلم فيكفي أن يحرك الألم في قلبه والشوق في أعماقه برق بلوح من أفق عُمان حتى يذرف الدمع مدرارا وينصرف بجسمه وروحه عن زنجبار ومحاسنها:
إذا لاح برق سابقته مدامعي وليت انطفاء البرق للغرب عاصم لئن خانني دهري بشحط معاهدي فقلبي برغم الشحط (215) فيهنَّ هائم وإن هيام القلب فيها وقد نات وسائل في شرع الهوى ولوازم فيالفؤادي ما التباريح والجوى فعلن إذا ازدادت عليه اللوان على أن ذكر النفس عهدًا ومعهدًا أمض بها مِمَّا تمج الأراقم (216)
214 - المدخل إلى دراسة الأدب في عُمان، ص 248.
215 - الشحط: البعد.
216 - الأراقم الثعابين.
-
164
- (1/169)
صفحة 170
خذا عللا لي عن أحاديث جيرتي فإني بحب القوم ولهان هاتم ولا تسلما عقلي إلى هيمانه فذكرهم عندي رقى وتماتم (217) إنَّ براعة أبي مسلم تتمثل في استطاعته البارعة في أن يسلك صوره في خيط نفسي يربط بين المعاني والأخيلة برباط محكم، ويعود مرة أخرى إلى البرق الذي افتتح به القصيدة ليقدم بين أعيننا لوحات فنية تعبيرية
أخرى:
يا برق حرك همومي إن تكن سكنت فكل حظي تحريك وإسكان ما زال ينشط بي همي وأصبره وناشط الهم لا تزويه أرسان يا برق هل والحنايا من (ضعاضع) (فال التام) (فالطف)، حياهن هتان وهل ذرى (القفص) (فالمقراة) معشبة وهل قطين (بعليا قاعر) بانوا عهدي بها ونضير العيش يصحبها والدهر في غفلة والشهب إخوان (218)
إنَّ الشاعر هذه المرة لا يهدأ حالاً، ولا يقرُّ خاطرًا، إلا إن سأل عن أماكن معينة يذكرها بأسمائها، وعن أصدقاء معروفين، صافاهم الود حقبة، وهكذا ارتبط بها وارتبطت به ومن أجلها أحب وطنه عمان، وأحب أهليه وسكانه.
نشأت فيها وروضاتي ومرتبعي روح الفضيلة لا رند وريحان أرتاح فيها إلى خل فيبهرني صدق، وقصد، ومعروف، وعرفان (219)
217 - الديوان، ص
316
218 - الديوان، ص 300.
219 - الديوان، ص 300.
-
165 -
- (1/170)
صفحة 171
ففي مزج جميل بين الجلال والجمال، بين جلال الموقف والتغنّي
بالقيم، وجمال الرؤية الفنّيَّة باستخدام الصور المعبرة يوازن أبو مسلم بين عناصر الشعر، مستوحيًا كلَّ ذلك من إيمانه العميق، وحسه الفني الرهيف فهو حين صور ما يشده إلى تلك المعاهد التي ذكرها بأسمائها، رغم نضارة العيش في أفيائها لم يتذكرها لهذه الاعتبارات المادية الدنيوية، وإنَّما يحن إليها لما تحمله بين جنباتها وظلالها من قيم معنوية وأخلاق إسلامية عالية. أو لم يقل: نشأت فيها وروضاتي ومرتبعي روح الفضيلة لا رند وريحان إنَّ روضاته ليست أجنَّة، وبساتين فقد تكون هذه في زنجبار حيث يعيش مغتربا) وإنَّما هي جنائن من الفضيلة والقيم، جمعها وفصلها في
قوله:
أرتاح فيها إلى خل فيبهرني صدق، وقصد، ومعروف، وعرفان قد يكون هذا الخل هو زميله في الدراسة الشيخ العلامة أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي كما يذهب إلى ذلك بعض الشارحين، ولكن سيظل هذا الشيخ في حد ذاته رمزا من رموز الوفاء والأخلاق العالية التي
افتقدها في مهجره، وتضخمت حاجته إليها في دار غربته.
ويصبح
هذا البيت بالذات - الذي هو لحمة الصلة بين الحنين إلى ـ
البيئة المكانية، والحنين إلى البيئة الزمانية - ملمحا فنيا بارعًا للتخلص من لوحة جسَّد فيها عُمان جغرافيا إلى لوحة يقدم فيها عمان تاريخيا.
-
166 - (1/171)
صفحة 172
عن
بني
نقلة فنّيَّة دقيقة يتحول فيها الحديث عن ذاته ونفسه إلى الحديث أهله وذويه ليكمل بها أجزاء اللوحة العمانية حيث يتحدث عن قومه جلدته قبيلة قبيلة وعشيرة عشيرة، ذاكرًا محاسن الكل ومميزات
الجميع، لأنهم جزء من عمان الحاضر والماضي، جزء من الحضارة التي يجسمها الأفراد، والأفراد هم الذين يكونون الجماعات المتضامنة، هؤلاء الإخوان الذين يصفهم بكلمة واحدة ولكنها معبّرة تحمل في طياتها كل معاني السمو والرفعة، إنهم كالشهب، علاء، ونورا، وضياء، وصفاء ... وكل ما تشاء من الصفات العالية والخلال الكريمة؛ وذلك أيضا ما جعل الغربة في نفس أبي مسلم قاسية مريرة، إذ لو كان الأمر متعلقا بالمناظر الطبيعية الجميلة لما وجد خيرًا مِمَّا تمتعت به زنجبار ـــ على حد وصف الشاعر الأسبق الأزكاني - لكنَّ الذي افتقده أبو مسلم ليس الجدول الرقراق المنساب في الأرض، وإنما الجدول الرقراق المنساب بين حنايا الإخوان الأصفياء، وليست الخضرة في الغابات والرياض، بل الخضرة المنبعثة من قلوب الإخوان دفئًا وحنانا، ولاءً ووفاءً؛ لذا فإنَّ المناظر الطبيعية قد
توجد هنا أو هناك، لكنَّ الذي لا يعوّض إطلاقا هم الإخوان الأصفياء. فحال حكم النوى بيني وبينهم هنا تيقنت أن الدهر خوان حتى م يا دهر لا تبقي على بشر حر، وحتى م ضم الحر إحسان؟ أكل رأيك حربي؟ أم لها أمد فإن عهدي وللحالات ألوان حل العقال وأطلقني إلى سجونك للميدان فرسان (220)
-
167 -
-
220 - الديوان، ص 300. (1/172)
صفحة 173
إِنَّ
إنَّ التمايز بين الحنين عند الشعراء القدامى وبين أبي مسلم واضح، الشعراء يحنون إلى معاهد حبيباتهم حيث يذكرهم كل حجر أو أثر بحديث
على ضوء القمر، أو مناجاة عذبة في ليلة سمر فيوغلون في وصف الأشياء دون أن يجسدوا أحاسيسهم نحوها.
أما أبو مسلم فالمعاهد التي يشتاق إليها ترتبط بالمآثر والمفاخر، وتتجسم فيها المشاعر والشعائر، لذلك صعب عليه فراقها، لأنَّ أهلها الذين كانوا بها أصبحوا في ذمة التاريخ، مِمَّا جعل الحنين حنينين: حنينا إلى المعاهد، وهي تمثل البعد المكاني؛ وحنينا إلى ساكنيها الذين طواهم الزمن، وهم يمثلون البعد الزماني. إنَّ حنين أبي مسلم على حد تعبيره هو حنين إلى المهد والمعهد، إلى الأرض والأمة.
خليلي ما تذكار ليلى لبانتي أقامت بنجد، أو حوتها التهائم ولا ربعها العافي عليه تناوحت صبا ودبور أو بكتة الغمائم ولا شفني حب لغيداء كاعب كما ارتاع خشف في الخميلة باغم ولكن شجاني معهد بان أهله فيان الهدى في إثرهم والمكارم هو المعهد الميمون أرضا وأمة وإن زمجرت للجور حينا زمازم هو المعهد المطمور بالرحمة التي سقت من إمام المرسلين المراحم سيكثر ورادًا على الحوض أهله إذا جاء يوم الحشر والكل هانم لقد صدقوا المختار من غير رؤية وتكذيب جل الشاهدين مقاوم أولئك قومي باركتهم وأرضهم بدعوة خير العالمين المكارم (221)
1
168 -
-
221 - الديوان، ص 317. (1/173)
صفحة 174
هكذا يتجلى لنا بوضوح كيف تغدو النفحة الشعرية عند أبي مسلم
رؤية يشملها الدين الإسلامي، إنَّها المنطلق لكلِّ أحاسيس الشاعر، حتى شوقه إلى وطنه فمن أجل ما تميز به هذا الوطن من بركات، وما خصه به الرسول الكريم من دعوات حين لبى بنو قومه نداء الإسلام على ظهر الغيب دون أن يشاهدوا الرسول الكريم، ودخلوا الإسلام دون مقاومة أو قتال، في حين رفع من شاهده وجاوره العداوة والسيف في وجهه؛ وهذا الإحساس الديني هو الذي ضخم من مأساة اغترابه في زنجبار بعيدا عن وطنه، لأنه لا يجد إلى المشاركة في نصرة الدعاة إلى الإمامة سبيلاً؛ إنَّ حنينه حنين سيف إلى الجهاد ألزمته الظروف أن يبقى في قرابه عاجزا عن أداء مهمته التي من أجلها خلق، كما يصرح بذلك قائلاً:
أفارق في إفريقيا عمر عاجز وبي كبس كالطود في النفس جاثم (222) الطبع، أو قاصر الوفا أو الخصم مظلوم أو الحق ظالم
كاني كهيم وتسرى سيوف الله في جنب خصمه بإيمان أمجاد وسيفي نائم تجردها الله أسد أبية توادد في ديانها و تصارم
وترمي بقايا الصالحين نجيعها فتمسحها حور الجنان النواع وأقعد مخشوشا على مبرك الونى (223) ويحكمني عن غاية القوم حا أليس احتساء الموت أحجي بحالتي على أن بيني والمنايا تلازم
إجابة لطلب الصحابي مازن بن غضوبة السعدي، الذي يقال: إنَّه كان أول من أسلم من العمانيين على يد رسول الله T.
222 - كهيم: لا يقطع.
223 - مخشوشا على مبرك الونى أي مقهورًا كالبعير في أنفه الخطام.
-
169 -
- (1/174)
صفحة 175
ينادي لإحدى الحسنيين مؤذن وأقعد عن تأذينه أتصامم أدون فتوح النصر ترضى دنية وهل في سوى الفردوس يخلد نائم
(224)
وهل حمدت في الأرض بعد (محمد) وأصحابه إلا الشراة الصماصم إنَّ هذا الموقف من أبي مسلم يذكرنا بمواقف الشراة فعلاً، هؤلاء
الأجداد الذين طالما افتخر بهم واعتز بمبادئهم، وآمن بعقيدتهم؛ حتى إنَّ الدارسس ليلمس هذه الآثار واضحة جلية في شعره.
ألا يذكرنا حنين أبي مسلم إلى الجهاد بحنين الشراة، حين يظهر في تطلعهم النوعي إلى الموت نغمة أخرى هي نغمة تأنيب النفس ولومها على التقصير بالواجبات، والتفريط بحق الإخوان، وقد أشار إلى هذا التلوم النفسي الدكتور إحسان عباس في مقدمة كتابه: "شعر الخوارج"، ويظهر ذلك في كثير من أشعارهم حسرة وندما، وتبرما بطول العمر وتأخر الأجل. يقول عروة بن أديَّة (225):
لعمرك ما بالموت عار على الفتى إذا ما الفتى لاقى الحمام كريما ولكنما ضر الحياة وعارها أحال عليه أن يموت ذليلا (226) ويقول آخر:
ولقد مضوا وأنا الحبيب إليهم وهم لدي أحبة أبرار قدر يخلفني ويمضيهم به يا لهف كيف يفوتني المقدار (227)
|
170
224 - الديوان، ص 319.
225 - ينظر شعر الخوارج، ص 52.
226 - شعر الخوارج، ص 52.
227 - المصدر السابق. (1/175)
صفحة 176
ويقول آخر، ومعنى بيته قريب مِمَّا جاء عند أبي مسلم:
إخوان صدق أرجيهم وأخذهم أشكو إلى الله خذلاني لأنصاري (228) هكذا يتجسد الحنين في شعر أبي مسلم حنينا إلى المبادئ والقيم، وتوقا إلى النعيم الأبدي والرضوان الخالد.
228 - ينظر أحمد سليمان معروف قراءة جديدة، ص 384 وما بعدها.
-
- 171
- (1/176)
صفحة 177
الرثاء في شعره
لا نحب ان نطوي هذه الصفحات دون الوقوف على جانب هام من جوانب شعر أبي مسلم، ألا وهو الرثاء، هذا الفن الذي أعطاه حيزا من شعره لعلاقته الوطيدة بمشاعره، وهو نابع من أحاسيس صادقة، متفجرة عن مشاعر الحزن وفقد الأحبة، إنَّه إحساس تمتزج فيه مشاعر الأنا والآخر، حزن أبي مسلم ولو كان مركزه القلب والدافع إليه جيشان داخلي، إلا من جانب آخر تعبير عن الإحساس الجمعي، لأنَّ أغلب الذين رثاهم أبو مسلم عُمَد في مجتمعاتهم وركائز من أوطانهم؛ ففقدهم عندئذ ليس فراغا يبقى في تلك المجتمعات أو الأوطان فحسب، وإنَّما هو فراغ في رقعة الملة الإسلامية.
انه
فهذا الإمام الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش الجزائري، أحد أقطاب الحركة الإصلاحية والتجديد الفكري الإسلامي، لدى الإباضية شرقا
ومغربا (ت: 1914 م).
وهذا الإمام الشيخ نور الدين السالمي، باعث النهضة العلمية
والإصلاحية في القرن الرابع عشر في عُمان (ت: 1914 م).
وعلى الرغم من أنَّ لأبي مسلم مرثيات في شخصيات سياسية أخرى، ولكنها لا ترقى من حيث الصدق الفني والموضوعي مرثياته للعلماء والمصلحين إحساسًا بلوعة الفقد، وعظم المصاب.
-
-
- 172 - (1/177)
صفحة 178
ومن هنا فمرثياته تلك تسلك في الضمير الجمعي العام الذي يصوّر فيه الشاعر من خلال إحساسه بالفقد والفراغ إحساس أمته الإسلامية من حوله أولاً وقبل كل شيء؛ ولذلك نلحظ كثرة دوران المعجم الشعري في هذه القصائد حول الدين الإسلام الملة الشريعة، العلم، الأمة، وغير
ذلك ...
يقول في رثاء الشيخ اطفيش:
تمضي وتترك هذا الدين في جزع والأرض مظلمة والدهر في خبل من للحنيفة ياقيامها علم يهدي إليها ومن يحمي من الغيل من للشريعة قد قامت قيامتها ومن يسدد فيها موضع الخلل قد كنت فيها مكان الروح في جسد وقمت فيها مقام السيف في الخلل من للطريقة من يصفي مشاربها للسالكين كؤوس العل والنهل (229) فمصبية الفقد عظيمة لأنها مصيبة في الدين والحنيفية والشريعة والطريقة، وكلها مدلولات تعبر عن شيء واحد، هو الأمة الإسلامية.
وقد يستخدم لفظة مباشرة أخرى كأن يقول:
يا راحلاً عن بني الإسلام تاركهم وللكآبة فعل السيف والأسل فوا مصاباه إن ودعت مرتحلا وما وراءك للإسلام من بدل (230) وفي رثاء الشيخ اطفيش قال في قصيدة أخرى، مؤكدا على الموقف
ذاته، والرؤية عينها:
229 - الديوان، ص 388.
230 - الديوان، ص 391.
|
173
- (1/178)
صفحة 179
فيا قطب هذا الدين يا غوث ملكه فديتك ما عن ذا الحمام محيد تقرب من مولاك قربا مؤبدا وأدعوك لا تبعد وأنت بعيد ترحلت فالإسلام مقلة ثاكل وأوجه أيام السعادة سود فقم يا سيد العرفان والجهل عامر وقد لويت فوق القيود قيود أتتركنا والليل مُرْخ سدوله وما بيننا هاد إليه نهود وإن كنت قد خلّفت فينا أشعة عرا الشمس من إشراقهنَّ حمود (231)
ويقول:
أبعد مليك الأولياء محمد يروق نضير، أو يلذ رغيد ألا تلبس الأكوان فيه حدادها كما نكست للدين فيه بنود عزاء بني الإسلام أن مصابكم عظيم، وأن الحزن فيه شديد (232) وكانت نكبة الشاعر بالإمام نور الدين السالمي عظيمة، فمكانة الإمام عُمان بخاصة، ومن العالم الإسلامي بعامة كبيرة، إذ يعتبر باعث النهضة العلمية والاجتماعية في القرن الرابع عشر الهجري؛ ومن ثم نجد أبا مسلم يكرر تأوهاته الحادة التي صعدها قبل حسرات على فقد الشيخ اطفيش، ومِمَّا زاد من هول المصاب أن ينكب الشاعر في صديقيه الواحد
من
تلو الآخر، وليس بين موتهما سوى شهور قليلة.
يقول في فقدان الإمام السالمي:
231 - الديوان، ص 395
232 - الديوان، ص 398
174 - (1/179)
صفحة 180
يا من أذاب الصخر حر مصابه من ذا تركت لدولة الأحرار وزّعت بين الدين والوطن الأسى توزيعك الطاعات في الأطوار ودعوت في الإسلام دعوة مخلص ثابت إليك بها ذوو الأبصار ثابت إليك عصائب وهبية من أسد ذي يمن وأسد نزار حنيت ضلوعهم على جمر الغضى من حب ربهم وخوف النار باعوا لمرضاة الإله نفوسهم أريخ بيعتهم ونعم الشاري (233)
وفي مطلع قصيدة أخرى نجد المفجوع بموت السالمي الإسلام، والتقى، والعلم والعمل والدين
نكس الأعلام يا خير الملل رزئ الإسلام بالخطب الجلل وانتشر يا دمع أجفان التقى قد أصيب العلم، واغتيل العمل وانفطر يا قلب واستقص الأسى إنَّ حبل الدين بالأمس انبتل (234)
وحق لأبي مسلم الورع التقي المنتفض حبا لأمته الإسلامية،
الجازع إلى حد الهلاك على مصيرها لا ضعفًا ولكن إشفاقا، أن يقول: سيد العرفان دهري مأتم فيك ما أشرق نجم أو أفل أخرس الهول لساني في الرثا ولساني حده يفري الجبل ما هنئت العيش من فارقته وهنيئًا لك عيشا لا يفل ما هناء المؤمن الحق على صدمة الدين أو نقص الكمل يرفع العلم برفع العلما وارتفاع العلم هلك وخبل (235)
233 - الديوان، ص 403
234 - الديوان، ص 407. 235 - الديوان، ص 410.
- 175 -
- (1/180)
صفحة 181
من هذه النماذج القليلة نلحظ أنَّ الرثاء عند أبي مسلم دافعه ذاتي
يتميز بالصدق، لا يتسم بالإنتحاب والعويل كما نلحظ ذلك في كثير من المراثي الشعرية، بل يتسم بمسحة من الحزن الهادئ، والتفجع الصامت؛ إنَّه حزن مؤمن بقضاء الله وقدره، مؤمن يدرك أنَّ الموت كأس كل الناس شاربوه، بل قد يكون راحة للأنفس التي تعبت من معاناة الألم في الحياة الدنيا، لأنها ليست غايتها ولا هدفها.
ومن ثم نلحظ أنَّ قصائد الرثاء تتحوّل في الأغلب الأعم إلى نصائح وعظات، ومواقف للتأمل والاعتبار، نصائح للإنسان حتى لا يغتر بالدنيا، ومواقف تأملية لاستخراج الحكمة، واستلهام العبرة حتى لا ينساق في الخطا، ويرجع إلى ربه مستغفراً تائبا قبل فوات الأوان. وهو عند الحديث المرئي لا يذرف عليه الدموع باكيا متحسّرًا لذاته، وإنما يبكي فيه عادة الإيمان، والتقوى والفضل، والعلم والعمل الصالح؛ ويبكي فيه أكثر الفراغ الذي سيتركه بعده، في وقت تكون فيه الأمة الإسلامية في حاجة شديدة إليه على النحو الذي فصلناه.
عن
وهذا يذكرنا بخصائص الرثاء عند الشراة، نقول هذا تذكيرا بهذه الرابطة الأصيلة بين أبي مسلم وعقيدة الشراة فهي المنطلق لشعره كما
أوضحنا.
إنَّ رثاء الشراة لم يكن آهات حزن ولا دموع أسى عقيمة، بل كان على قلته ـ حزن المؤمن الصابر، المعتز بالشهادة، المتشوق إلى الظفر بها،
-
176 (1/181)
صفحة 182
أو كان نوعا من الفخر بمناقب الفقيد، فخر المتطلع إلى الموت في ميدان
الجهاد في الدنيا، وجوار الله والإخوان في الآخرة.
قال أحمد أمين عن رثاء الشراة: «قد يرثون ويبكون، ولكنهم حتى في رثائهم وبكائهم أقوياء، يذرفون الدمع ليسكبوا الدم، ويبكون الميت ليتشجع الحي، ويقدِّمون المفقود ليتركوا المثل الأعلى للموجود» (236). يقول أبو مسلم في هذا الصدد:
لقد صدعت قلبي صوادع للردى لهن انحدار بالأسى وصعود ولا كمصاب القطب يوم تفطرت قلوب بمنعاه لنا وكبود فذاك لعمري صادع لا تطيقه جبال، ولا يقوى عليه حديد لقد جاز نزر العمر والعمر باند ولكن ما أبقاه ليس يبيد مضى وله كنزان: خير مقدم وکنز علوم للعباد عتيد
تخلص للعقبى وأعقب نافعا من العلم يلى الدهر وهو حديد (237)
236 - أحمد سليمان، معروف قراءة جديدة، ص 371.
237 - الديوان، ص 394.
- 177
- (1/182)
صفحة 183
أثر القرآن في شعره
كما سبق
إنَّ أبا مسلم شاعر إسلامي بكل ما في الكلمة من معنى، أن ذكرنا، إنَّه شاعر متشبع في ثقافته بالقرآن حفظا وتمثلاً، إنه ـ كما قال فيه أحد الدارسين ـ يعظم القرآن حق الإعظام، ويشيد بفضله على أهله، وبأثره في النهوض بهم، وإعلاء منزلتهم، ويدعو إلى الاهتداء بهديه، والتخلق بأخلاقه (238).
وكيف لا تكون للقرآن في ثقافته هذه المكانة، وهو يحله من نفسه ما ينبغي أن يحله فيه كل مسلم صادق الإيمان، إنَّه المعجزة الخالدة والدستور
الإسلامي، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
لو لم يكن غير إعجاز البلاغة في الذكر الحكيم لطوع الجن والبشر أتى وللبلغاء اللسن عارضة فصك ثغر بيان القوم بالحجر واستيقنوا أن خلقا لا يجيء به وأنه خارج عن طاقة الفطر (239) المسلم الحقيقي في نظر أبي مسلم هو الذي يتخذ من كتاب الله
أنيسا، ومن هداه رفيقا:
تراه متى ما الليل عمد بيته يشعشع بالقرآن أنوار قلبه
عمودًا على محرابه وهو راكع فمنهنَّ شقت للعيون المدارع
238 - علي النجدي: مقدمة ديوان أبي مسلم البهلاني نشر وزارة التراث، سلطنة عمان،
1400 هـ / 1980 م، ص: (ص).
239 - الديوان، ص 279.
-
178 -
- (1/183)
صفحة 184
يرجع في الديجور رنة ثاكل يًا كما ناح الحمام السواجع ينا وخه همان هم مخافة وهم رجاء، والبرايا هواجع (240) وقال في قصيدة أخرى:
والوحي يأتي نجوما معجزا قيما والشرك يكبت، والإسلام في ظفر وكلمة الله تعلو فوق جاحدها وآية الحجر تمحو آية الحجر حتى تجلّى منار الدين منبلجا بصارم الذكر والصماصمة الذكر (241)
إنَّ الشاعر الإسلامي الحق لا يتميز من خلال مواقفه أو رؤاه وحسب، بل يتجلى من خلال لغته الشعرية أيضًا، لأنَّ هذه اللغة دليل على ثقافته الإسلامية، وأبرز مظاهر هذه الثقافة طبعا القرآن الكريم، والدارس عندما يتعمق شعر أبي مسلم يلحظ بصمات القرآن الكريم واضحة جلية
في شعره، لا على مستوى المعاني بحيث يضمنها آيات من القرآن وحسـ وإنَّما يتضح هذا من خلال لغة شعرية تداخلها مفردات من القرآن الكريم تداخلاً فنيا رائعا.
وتأثر أبي مسلم بالقرآن في شعره يتخذ له مظاهر شتى، نجملها
فيما يلي:
البنية الشعرية العامة المتأثرة بإحدى سور القرآن موسيقى، ووزنا وقافية، وألفاظا، ومعاني، كما جاء ذلك في قوله:
240 - الديوان، ص 333.
241 - الديوان، ص 33.
- 179
- (1/184)
صفحة 185
يا غضيض الطرف هب لي نظرة إن إعراضك أدهى وأمر عجبًا، في خدك النار وفي مهجتي منها لهيب وشرر فاتني بعض رشادي في الهوى إن عدالي لقد قالوا كفر صدقوا غاب رشادي في الهوى وعلامات الهوى إحدى الكب وإذا ذكرته عهد الصبا قال لي: تلك الاعيب الصغر وإذا استعطفته القلب على فعل عينيه تعاطى فعقر (242) هذه الأبيات من مقطوعة له في الغزل، وهو مقل في هذا الفن إقلالاً واضحا، والذي يعنينا هنا هو استلهام اجواء سورة القمر، المتجلية في قافيتها، واستخدام ألفاظ مأخوذة من السورة نفسها، مثل قوله: «أدهى وأمر»، وقالوا كفر»، إحدى الكبر»، «تعاطى فعقر».
المظهر الثاني: تضمين آية من الآيات القرآنية بحيث تصبح شطراً
كاملاً أو بعضا منه، كما جاء ذلك في قوله:
إن تنصروا الله ينصركم فلا تهنوا فالكفر في المقت والإسلام رضوان يختص من شاء بالرحمى ويصرفها عمَّن يشاء، وفي الحالين رحمان مهاد رحمته عدن ونحن بها مقعد الصدق نحيا عند مقتدر
طوبى لنا قد جعلنا أمة وسطا خيرًا شهودا لمولانا على البشر
فروا إلى الله واستبقوا بجهدهم بقية الله ذخرا خير مذخر (243)
سبحانه عن منع مضطر دعـ
سبحانه نعمـ
أن ليس للإنسان إلا ما سعى
لأتم نعمتي عليك
242 - الديوان، ص 491
243 - ص 281.
-
180 - (1/185)
صفحة 186
سبحانه ما خاب منه المسرف قل يا يا عبادي الذين أسرفوا سبحانه لا ضيق في رأفته يدخل من يشاء في رحمته
سبحانه کم آنس المستوحشا الله يجتي إليه من يش سبحانه من كل شيء أقرب مطلع لا شيء عنه يعزب
سبحانه ربي حسبي منهم قد مكر الذين من قبل
سبحانه مورد من ينابه عذب فرات سائغ شرابه سبحانه وعيده حتما يكون هذا الذي كنتم به تستعجلون (244) والواقع أنَّ هذه الظاهرة طالما لاحظها الدارسون في شعر الشراة قديما، فغدت إحدى ميزات شعرهم، وسبب ذلك ـ فيما يقول أحد الدارسين - يعود إلى أنهم يصدرون في كلّ أفعالهم عن عقيدة إسلامية خالصة صافية من الشوائب، خالية من الفلسفات والتأويلات والتعقيدات، فكر واضح، وعقيدة ظاهرة تتفجر من ألسنتهم دونما عناء أو تكلف، وكما أنهم يصدرون عن مثل هذه العقيدة فهم يعبرون عن ذلك بمثل الصفاء والصدق السابقي الذكر، وبلغة علقت فيها عبارات القرآن الكريم والحديث الشريف، وتمثلت فيها روح الإسلام وصفاؤه ونقاؤه، وسبب ذلك كله أنَّ القرآن أكبر مصدر لثقافتهم - إن لم نقل: هو مصدرها الوحيد ـ فهم حفظة القرآن والمتصلون به، ليس لديهم كتب أخرى ولا ثقافات أخرى تلون شعرهم، فهم مدينون له بدينهم أولاً، وبلغتهم وشعرهم ثانيا» (245).
-
315
ص
181
244 - الديوان، ص 249 – 250.
245 - أحمد سليمان: معروف: قراءة جديدة ... ،
- (1/186)
صفحة 187
والحق أنَّ الدارس لا يخطئ هذه الظاهرة في الشعراء الإباضية الذين
هم أحفاد الشراة، إلى يوم الناس هذا، فالشعراء الملتزمون في عُمان ووادي ميزاب من جنوب الجزائر يتميز شعرهم بهذه اللغة التي تستقى من القرآن تعبيرًا وتصويرًا، ولا أدلَّ على ما نقول من شاعرنا أبي مسلم في عمان ومفدي زكرياء في الجزائر وهما من مشاهير الشعراء على مستوى العالم الإسلامي كله.
الأسلوب الخطابي
يغدو الأسلوب الخطابي من أبرز الخصائص الفنية في القصيدة عند أبي مسلم، وهو لم يلجأ إلى هذا الأسلوب تقليدا لنمط القصيدة العمودية التقليدية، بقدر ما هو استجابة لدافع موضوعي فرضه عليه الواقع الذي كان يعيشه، إنَّ أبا مسلم يتوجه بشعره إلى الآخر يخاطب فيه قلبه وعقله، وينبه في كيانه مشاعر النهوض والانبعاث. إنَّ هذا الإحساس في حد ذاته دافع قوي إلى استخدام الأسلوب المباشر المعتمد على الأدوات الخطابية: استفهام، وتعجب، وأمر ونهي، وحث وتحضيض، ونداء ودعاء، كأن هذه الأدوات أوعية يحملها مشاعره المنتفضة لتبلّغها إلى الآخر المخاطب في عمان أو زنجبار أو في الأقطار الإسلامية قاطبة، وقد لوحظت هذه النزعة قوية صارخة في الشعر العربي الحديث إبان عصر النهضة من أجل هذه الأسباب نفسها.
182
- (1/187)
صفحة 188
وقد دفع الإحساس النهضوي الشاعر أبا مسلم إلى حشد كل العناصر
الفنيَّة التي تضمن له تجسيد تلك المشاعر، فلم يكتف باستخدام أدوات الخطاب المتنوعة وإنَّما لجأ إلى أسلوب التكرار والتكرار الذي نعنيه هنا هو التكرار اللفظي، فهو قد يبدأ بكلمة أو جملة ثم يكررها في الأبيات المتتالية مرات عديدة، تصل أحيانًا عشر مرات، وقد يراه البعض تقليدا و حشوا، ويراه بعض لازمة من لوازم الأسلوب والهدف اللذين اختارهما الشاعر لشعره.
ولنسق كمثال على هذه النزعة عنده هذه الأبيات من النونية، حيث
يقول مستنهضا محفّزا، مستثيراً الحمية الإسلامية في بني قومه: هبوا لأخذ المعالي من مراقدكم فليس يستدرك العلياء نومان هبوا لداعي الهدى، هبوا لعزتكم وكيف نومكم والخصم يقظان جدوا فديتكم في نصر دينكم فاليوم فيكم لنصر الدين إمكان كتائب الله لا يحتل بيضتكم خصم مساعيه في الإسلام ثعبان كتائب الله ذودوا عن حياضكم كي لا يهدمها بغي و كفران كتائب الله ما عيش الذليل لكم عيش، ولا في منايا العز نقصان كتائب الله لم يعهد بكم خور و للجبال على الأزمات أقران كتائب الله حاموا عن حنيفتكم قد لوثتها خنازير وصلبان كتائب الله دين الله في طلق والمشرفيات في الإيمان طلقان كتائب الله لم تخلق نفوسكم لكي يسخرها ذل وأهوان
-
183 -
- (1/188)
صفحة 189
كتائب الله أدعوكم إلى شرف عقباه إن تصدق النيات رضوان عبدان (246) فمالكم لبغيض الله كتائب الله يوم الهول عيدكم
وهكذا تتوالى الأبيات وكأنها هزات متتالية يقصد منها إلى إيقاظ هذه الأجسام الراقدة، وكأني بالشاعر قد اقتنع بأنَّ القوم في غفلة ونوم عن مصيرهم وعدوهم، فبدأ مخاطبته إياهم بقوله:
هبوا لأخذ المعالي من مراقدكم فليس يستدرك العلياء نومان
-
وما دام القوم نوما فليس يليق بهم ـ والحالة هذه ـ إلا هذا الأسلوب الذي يقرع الآذان، ويوقظ النومان.
وهناك غرض آخر غير القصائد الاستنهاضية سلك فيها أبو مسلم المسلك نفسه، تلك القصائد الدينيَّة، أو بعبارة أدق: قصائد الذكر
والتسبيح.
هي
فهو غالبا ما يعمد فيها إلى التكرار الكثير، فيكرر السطر الأول بكامله، أو بمعظم كلماته على متداد القصيدة كلّها تكرارًا يصل أحيانا إلى سبعين مرة كأن يقول في مطلع التائية:
هو الله باسم الله تسبيح فطرتي هو الله إخلاصي وفي الله نزعتي هو الله باسم ذاتي تجردت وهامت بمجلى النور عين حقيقتي هو الله باسم الله ضاعت فأشرقت بأنوار نور الله س هديتي
|
184
-
246 - الديوان، ص 212. (1/189)
صفحة 190
ويستمر هكذا نحو سبعين بيتًا، يتخلّص بعده لمقطع آخر يكرر بعده كلمة تعلقت بالله نحو خمسين مرَّة. وهو تكرار يشيع في كل قصائد أبي مسلم الدينية التي تغطي ديواناً كاملاً. ولا شك أنَّ هذا التكرار أنسب إلى شعر السماع والترديد والتغني منه إلى شعر القراءة الصامتة، ولعله ترديد يتجلى في حلقات الدعاء والذكر، حيث تحتفظ هذه النغمة الثابتة بمرجع (موسيقي) يعود إليه الذاكر أو الداعي، ويستريح عنده الإنشاد أو ينطلق منه، ولا ينبغي أن ننسى ونحن نقيم هذا النمط من الصياغة من منظور القارئ المعاصر أنَّ أبا مسلم ينتمي إلى عصر المشافهة، ويكاد أن يلامس عصر الطباعة والقراءة (247).
فأبو مسلم إذن حين استخدم هذه الأدوات الفنية كان واعيا بمدلولاتها النفسية والتبليغيَّة كل الوعي؛ فقد اختار أن يكون شعره شعرا رساليا يبلغ القيم الأخلاقية، والتطلعات الوطنية، والمبادئ الإسلامية إلى الآخرين، فكان لابد من توظيف كل العناصر الفنّية لضمان وصول هذه
الغاية، وهو محق فيما ذهب إليه.
247 - أحمد درويش مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، ص 162.
-
185 -
- (1/190)
صفحة 191
[صفحة فارغة] (1/191)
صفحة 192
قال في العلم:
ملحوح
نماذج تطبيقية
لن ترضي الله حتى تخلص الورعا ولن ترى ورعاً بالجهل مجتمعا حق العبادة فرض لن تؤديه إن كنت تجهل مفروضا وممتنعا أمانة الله تسطيع الأداء لها إذا علمت بعون الله ما شرعا ولم يجد صانع إتقان صنعته حتى يكون على علم بما صنعا ومن مضى في طريق لا دليل لها ولا معالم تهدي ضل وانقطعا وفاقد العين محتاج لقائده لولاه لم يدر مهما جار أو سدعا فاستنهض النفس في إدراك ما جهلت حتى ترى العلم في حافاتها سطعا ... ولا تقولن علم ليس ينفعني بكل علم يعيش العبد منتفعا فاطلب وأطلق بلا قيد ولا حرج وقف إذا كان عنه الشرع قد منعا وقدم العلم بالطاعات تقض به حقا المحظوره، أو ما إليه دعا هذه الأبيات من قصيدة خصها أبو مسلم الرواحي لموضوع العلم
ودوره في حياة الإنسان وضرورته للإنسان المسلم، الموفي لدينه بصفة
خاصة.
-
187
- (1/192)
صفحة 193
وأبو مسلم لما عرف عنه من ورع وتدين وتقوى، فإنه يربط منذ البداية بين العلم وأهدافه التي ينبغي أن يسخر لها، فجاء في مقدمتها، كما دل على ذلك المطلع: رضى الله، ولكنَّ رضى الله لا يكون بدون علم لأنَّ الله لا يعبد يجهل، كما جاء في الأثر.
وطاعة الله فرائض نقوم بها، ونواهي وزواجر ننتهي عندها، وهذه الفرائض والموانع هي حق الله علينا، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، وحق الله أمانة في أعناقنا نحن بني الإنسان، كما جاء ذلك في قوله تعالى: وإنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنسَهُ, كَانَ ظَلُومًا جهولاً، ولا يتحمَّل الأمانة إلا من يقدرها قدرها، ولن يقدرها قدرها إلا العالم بقيمتها، عالم بشريعة الله أخذا وتركا، أمرًا ونهيا. ولكي يؤكد أبو مسلم هذه المعاني لجأ إلى تقريب المعنى بالمحسوس فقال:
ولم يجد صانع إتقان صنعته حتى يكون على علم بما صنعا». فإذا كانت العبادة هي الأعمال التي نقوم بها فهل يعقل أن تؤدى تلك الأعمال على الوجه الصحيح إن كنا نجهل قيمتها، ونجهل مواردها ومصادرها؟! وأي صانع يستطيع إتقان صنعته دون علم بأسرارها وخفاياها، فيما نسميه في تعبيرنا المعاصر: (سر المهنة).
ويقدم أبو مسلم أدلّة محسوسة أخرى، إمعانا في تقريب المعاني المجردة إلى الأفهام، فالحياة طريق لها بداية ولها نهاية، ومحال أن يستطيع امرؤ السير على هدى في هذه الطريق دون علم يوجهه ويهديه، فإذا فقد الإنسان
188 (1/193)
صفحة 194
العلم الهادي ضلَّ وغوى، فهو واقع في أحد افتراضين لا ثالث لهما، إما أن يضل عن الطريق، تماماً فيتبع السبل كما يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلاً تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ وإما أن ينقطع به الطريق انقطاعا كليا، وحينئذ يتوقف ولا يصل الغاية، لأنَّ الدليل ضروري للوصول إلى الغاية، ولا دليل دون علم يهدينا إلى الطريق السوي. والإنسان في هذه الحياة في حاجة أكيدة إلى علم يبين له الطريق استقامت أو اعوجت؛ وبنو الإنسان في حياتهم فاقدوا الأبصار، والعلم وحده هو الذي يأخذ بأيديهم إلى غاية الرشاد، لذا فإنَّ العلم بمثابة الهادي الذي يأخذ بيد فاقد البصر السائر في الطريق لن يستطيع أو ضلاله فيها إلا بالدليل القائد كما قال:
التأكد
اهتدائه من
وفاقد العين محتاج لقائده لولاه لم يدر مهما جار أو سدعا والسدع هو الاهتداء، والجور هو الضلال، فالإنسان في كلتا الحالتين محتاج إلى العلم ليبين له الطريق.
لذا يستنهض أبو مسلم النفوس إلى طلب العلم بكل وسائله، ومن جميع طرقه، لا فرق بين علم وعلم إلا بمقياس واحد هو طاعة الله، فكل علم
ينفع الإنسان إن أخلص الله النية، وكابد واجتهد، وسعى وقصد. فلا تقولن علم ليس ينفعني بكل علم يعيش العبد منتفعا وكأنَّ أبا مسلم يلخص هنا الأثر القائل: «ما من علم رديء إلا والجهل أردأ منه»، ليراً بذلك على فكر شاع في أوائل القرن العشرين يزهد الناس في العلوم الدنيوية، ويضع حواجز وهمية بين الفنون والتخصصات
189
- (1/194)
صفحة 195
الفكرية، وهو بهذا الفهم العميق يعرض ببعض من يدعي أنَّ الأجر في العلوم الشرعية وحدها دون العلوم الأخرى، ويؤكد أبو مسلم على هذه
النظرة الأفقية الواسعة التي استلهم فيها الدين الإسلامي نفسه. فاطلب وأطلق بلا قيد ولا حرج وقف إذا كان عنه الشرع قد منعا لأنَّ الحياة تقوم على كلِّ المعارف دنيوية كانت أو دينية، نظرية أم
تطبيقية.
والمسلمون رواد الحضارة الإسلامية إنَّما تفوقوا عندما ولجوا كل أبواب المعارف والعلوم؛ ولن يصيروا رواد حضارة إنسانية راقية لو أنهم نظروا إلى العلم من زاوية ضيقة بحصره - كما يريد بعض المتزمتين ــ في الفقه وما إليه وحده، إذ العبرة في تقوى الله وليست في هذا الفن أو ذاك، فرب عالم فيزيائي يبتغي رضى الله في كل أنفاسه، ورب فقيه متزمت يأكل
الحرام، ويتجاوز الحدود.
مسلم
فالأصل إذن هو التقوى، طاعة الله الحل والميزان، كما يقول أبو
هي
وقدّم العلم بالطاعات تقض به حقا لمحظوره، أو ما إليه دعا هذا هو الرفيق الأمين الذي ينبغي أن يصحب العلم، إنها الطاعة، طاعة الله في الأوامر، وطاعة الله في النواهي. وهكذا نرى أبا مسلم هنا يحدد دور العلم والعلماء، ويربطه بدورهم الحضاري الإسلامي.
وقدَّم لنا هذه المعاني العالية بأساوب سهل كما رأينا. وهو نموذج
يجسد مرة أخرى هذه الرؤية الإسلامية للفن الشعري، والأداء الشعري،
-
190 (1/195)
صفحة 196
بحيث يغدو الشاعر حامل رسالة سامية يدعو من خلالها إلى الخير والحق
والجمال.
وقد دلت نظرة أبي مسلم للعلم عن نظرة تتسم بالعمق والشمول وفهم أصيل يتخذ الدين الإسلامي أساسًا لتغيير الظاهر، والوقوف عند النواهي، والحث على تطبيق الأوامر، وصب كل ذلك في أسلوب سهل ينزل إلى مستوى الناس عامة، وهذا الاتجاه في حد ذاته اتجاه مقصود متعمد، يعبر عن الرؤية الفنيَّة للشاعر أبي مسلم.
وقال في المال:
المال لا شيء عندي كي أضن به في موضع الفضل، واللاشيء مبنتذل علق المضنة ما تزكو مزيته والفضل في الله علق ما له مثل ماله يزكو الثراء على التوزيع يذهبه في الله والحمد ليس اللهو والختل عودت ربي إنفاذي فواضله فيه، وعودني التعويض ينهمل عوائد الله أغنى لي وإن تربت كفي، ونعمة ربي نعمة جلل ... لن يلبث المال تذروه الرياح ويبـ قى من صفاياه ما شدت به الخلل ضمانة الله للإنان كافية ففيم تدبيره، والحرص والعجل إن كنت تملك بالتدبير رزق غد فلتر تجع فانتا من أمرك الحيل كلاً لقد أعجز التدبير ما ختمت به الأمور فلا جد ولا خول ثبت يقينك فيما الله قاسمه لا بد آتيك لا فوت ولا ميل
-
191
- (1/196)
صفحة 197
لأبي مسلم الشاعر التقي نظرات نافذة في شؤون الحياة والناس، وله رؤى شفافة عليها مسحة من الإيمان واليقين الثابت الذي لا تزعزعه الحوادث، ولا تغيره الظروف الزمانية أو المكانية.
وما من شك في أنَّ المال وحب الكسب والجمع منفذ ينفذ منه الشيطان، فيجعل التقي في صراع مع نفسه، ويجعل الشقي مقودًا بشهواته
ولذائذه.
وفي هذه الأبيات حكم غالية، وتجارب مفيدة، تدلُّ على عقل رصين،
ويقين متين.
وأبو مسلم يحدد موقفه من المال منذ البداية، فيقول: إنه لا يأبه للمال، ولا يعطي له قيمة فهو لا يبقي على شيء منه عنده، يسخو به للفقراء والمحتاجين، وينفقه ذات اليمين وذات اليسار؛ وإنما تعود الناس على الضنِّ بما في أيديهم على الغير حرصًا وشراهة، فإنَّ موقفهم هذا خطل في الرأي، وسوء تدبير، لأنَّ البخل لا يمكن أن تزكو معه مزية أو فضل، والفضل لا يزكو إلا مع البذل والسخاء، على أنَّ البذل والسخاء ينبغي أن يبتغى بهما وجه الله الذي يدَّخر ذلك الإنفاق في ميزان الحسنات، وما عند خير وأبقى ومَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ باق، فإذا كان الإنسان حريصًا على الاكتناز فأولى به أن يكتنز الباقي لا الفاني؛ وكل المال يفنى مهما ادخر، وكلُّ ما أنفق في سبيل الله يبقى ولو استنفد.
الله
على أنَّ الله تعالى قد عوّدني - كما يقول الشاعر - تعويضا لكل ما
أنفق في الدنيا قبل الآخرة، فأنا عودته الإنفاق، وهو عودني الإخلاص؛
-
- 192 - (1/197)
صفحة 198
إضافة إلى ما أرجو عند الله من أجر ومثوبة، مصداقا لقوله تعالى: {مَثَلُ الذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةِ مَانَةُ حَبَّةٍ، وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. والمال ما جعل ليبقى وإنَّما جعل لينفق، وإلا فقد وظيفته، لأنه لا يسمَّى مالاً إلا إذا أنفق، فمن شأنه أن تذروه الرياح، وتبقى آثاره المعنوية في المجتمع إذا أنفق في طرق الخير ومساعدة المحتاجين وذوي الخصاصة؛ إضافة إلى ما يضفيه على المنفق من خلال، كريمة وصفات حميدة، بعضها الإيثار وحب الآخرين، وقهر النفس الأمارة بالسوء، الحاضة على الأنانية وحب المنفعة الشخصية والبخيل حين يبخل إنَّما يفعل ذلك حرصا على الجمع، وخوفًا من الفقر، وهو لو تفكر في أمره بإمعان وروية لأدرك أنَّ الرزق بيد الله وحده، وهو الكفيل الضامن بأن يأتينا منه ما كتب وقدر، فلم الحرص إذن والجري وراء متاع الحياة الدنيا لهفة وجشعا؟ فنخسر بذلك روابطنا الاجتماعية دنيا، وجزاء الله آخرة؟ وقد لا يقتنع الإنسان القليل الإيمان بهذه النظرية، فيدعي بأنَّ الرزق يأتي بالسعي، والغنى شطارة ومهارة. لو كان ما يدعيه الإنسان من أنَّ الكسب بيده هو فلم لا يُرجع – وهو الحريص على الجمع - ما فاته أو ما أنفقه وبوده أن لا ينفقه، أليس الأولى أن يردَّ الشيء الضائع قبل أن يفكر في أمر غيبي؟ هكذا يعالج أبو مسلم هذه القضية بمنطق وحكمة مصدرها إيمانه بالله واتكاله عليه، و مرجعهما تجربته الواسعة ونظراته النافذة. .
إن كنت تملك بالتدبير رزق غد فلتر تجع فانتا من أمرك الحيل
-
-
193 -
- (1/198)
صفحة 199
إنَّ الإنسان لا محالة عاجز أمام إرادة الله ولن يحصل على شيء
يكتبه الله له، وأمام تدبير الله
?
*
ينفع حظ ولا جاه.
كلاً لقد أعجز التدبير ما ختمت به الأمور فلا جد ولا خول إذن فإنَّ قمة العقل وخلاصة الإيمان، ورأس الحكمة في هذه القضية أن يلوذ الإنسان باليقين، واثقًا في الله، مؤمنا به، معتصما بفضله اعتبارًا بأنَّ الأرزاق بيده وحده، فما قدَّره لا بدَّ، آت وما لم يكتبه لا محالة فائت.
ثبت يقينك فيما الله قاسمه لا بد آتيك لا فوت ولا ميل هكذا رأينا أبا مسلم شاعراً ضليعا، فعلى الرغم من أن الموضوع حكمي فلسفي، ولكنه استطاع لموهبته الشعرية أن يسيطر عليه فيفرغه في قالب تصويري، وأسلوب بياني، حتى إنَّ بعض أبياته لتغدو أمثالاً جديرًا بها أن تحفظها القلوب كأن يقول:
عوائد الله أغنى لي وإن تربت كفي، ونعمة ربي نعمة جلل ضمانة الله للإنسان كافية فقيم تدبيره، والحرص والعجل
وأجمل ما في شعر أبي مسلم أنه يعلّم الفكر والأدب معا، ويخاطب العقل والقلب سويا، وقلة من الشعراء هم أولئك الذين يجمعون في شعرهم
هذه الخصائص.
1
-
194 - (1/199)
صفحة 200
خاتمة
وبعد، فقد حاولنا - من خلال الفصول السابقة – أن نلج إلى عالم الشاعر الفحل أبي مسلم الرواحي "حسان" عمان"؛ ونحن لا ندعي إطلاقا الإحاطة بشعره، وإنما هذه الدراسة محاولة لإلقاء بعض الضوء على خصائص هذا الشاعر الذي ما يزال مجهولا أو مغمورا، في ساحة الشعر
العربي
الحديث.
ولعلّ القارئ الكريم يوافقنا على النتائج التالية:
أولا: إنَّ الشاعر أبا مسلم شاعر إسلامي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، قوَّةً في اللهجة، وثباتاً في العقيدة ووضوحاً في الأهداف؛ اتخذ من الشعر أداة لإبلاغ صوته إلى الآخر من خلال الكلمة الطيبة، والدعوة الصريحة إلى مبادئ الإسلام النقية الصافية، كما نبعت بين يدي الرسول، والإشادة ببعض القيم والأخلاق والمبادئ التي آمن بها، واعتقد صادقا أنها الحق كل الحق.
ثانيا: إنَّ الشعر كما هو أداة دعوة إلى الله، فإنه أيضا أداة دعاء، فبالشعر يمكن أن نبتهل إلى الله داعين متضرعين. فالشعر أداة يمكن استخدامه للسموّ النفسي والتطهر من أدران الذنوب، والتخلص من أوضار الدنيا وليس أداة لهو وتسلية وبحون.
ومن هنا استقطب منه الابتهال أغلب ما كتبه الشاعر، واستحوذ على
اهتماماته، لأسباب موضوعية ذكرناها في مكانها.
-
195 · (1/200)
صفحة 201
ثالثا: عالج الشاعر أبو مسلم بشعره كل الموضوعات التي عرفها
الشاعر في زمانه ما كان منها ذا طابع ذاتي وما كان منها ذا طابع غيري، فمن العقيدة الإسلامية والإشادة بخصائصها في الفرد والمجتمع، إلى الواقع الإسلامي بآماله وآلامه، وإلى الابتهال والدعاء والذكر، إلى تحريك الأمة الإسلامية؛ في الإطار الإسلامي العام، وفي الحيز العماني الخاص، إلى الحنين والتذكر والإنشاد بمآثر عمان وتاريخها وحضارتها، إلى رثاء العلماء المصلحين إلى الحكمة والنظر في أحوال الناس والمجتمع.
همم
رابعا يملك الشاعر موهبة شعرية معتبرة، مكنته من الغوص في أعماق المعاني واستخراج الحكمة من مطاويها، إلى جانب امتلاكه أجنحة رفرافة تطير به في آفاق بعيدة خيالية، فجاءت صياغته الشعرية مزيجا من المتعة والفائدة؛ فهو يبهر النفس، وقد يوزّها بالمفاجئ والمدهش من التعابير الشعرية المبدعة، إلى جانب لغة قوية متينة تستقي من الأدب العربي الأصيل، وتتزوّد من القرآن الكريم والثقافة الإسلامية، وهي محصلة لاطلاع واسع، وامتلاك رصيد غزير في اللغة العربية.
لهذه الأسباب جميعا نستطيع القول - مطمئنين – أن الشاعر أبا مسلم كان شاعراً إسلاميا في رؤيته وفي موقفه وفي لغته، وفي آدابه، وهو بذلك يحق له أن يسمّى حسان عمان كما يطلق على نفسه بدون منازع.
-
-
196 - (1/201)
صفحة 202
(توطئة))
بعد الانتهاء من هذا البحث عثرنا على هذه الوثيقة الهامة التي تنشر لأول مرة، فرأينا إكمالاً للفائدة، وكشفا عن المغمور إلحاقها بالكتاب. فإن هذه الرسالة التي توجه بها الشيخ أبو مسلم إلى الإمام سالم بن راشد لتُعد من أصدق الوثائق دلالة على عمق فكر أبي مسلم وعبقريته واطلاعه، وسعة أفقه. وسيطلع القاريء الكريم من خلالها على جزء هام من تاريخ عُمان في مطلع القرن العشرين، كما أنه سيستجلي منها جوانب نيّرة من فكر هذا الإصلاحي المسلم الرائد في السياسة الشرعية والنهضة الثقافية والتعليمية، والعدالة الاجتماعية، والعلاقات الخارجية، سبق بها عصره، وبذ فيها أقرانه. والأجمل فيها
أن تكون مستقاة من كتاب الله العظيم، وسنة نبيه الكريم.
وهي تشهد بأن أبا مسلم لم يكن شاعراً، فحلاً، أو فقيهاً متضلعاً، أو عابداً متبتلاً، وحسب. بل كان إلى جانب هذا رجُل سياسة وزعامة، وعالم دين ودنيا، لا يقل فهمه بالعروض والقوافي، والعبادات والمعاملات عن فهمه سياسة تسيير الشعوب وقيادة
المجتمعات.
رحم الله الشيخ أبا مسلم شاعراً ملهماً، ومُصلحاً، راشداً، وزعيماً قائداً. وجزاه عن أمته الإسلامية خير الجزاء في الصدّيقين والشهداء وحَسُن أولئك رفيقا.
(1) ملحوظة: إجتهدنا قدر الطاقة والإمكان في إصلاح ما أفسده الناسخ، ولم نعثر على نسخ أخرى للمقابلة، فعسى أن يكون ما صححناه هو الصواب.
197 - (1/202)
صفحة 203
کتاب ورد من زنجبار من أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي إلى إمام المسلمين بعمان
سالم بن راشد بن سليمان الخروصي أعزه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
(1)
اللهم صل وسلم وبارك على رسولك سيدنا محمد أنفع عبادك لعبادك، من كاتبه العبد المذنب المفتقر إلى رحمة ربه وعونه أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي، إلى جناب إمام المسلمين وأمير المؤمنين وعصمة المهتدين وخليفة ربّ العالمين، العبد الصالح القائم بأمر الله سالم بن راشد بن سليمان الخروصي المعتصم بربه، المتوكل عليه، الأمر بالمعروف الناهي عن المنكر، الناهض النهضة الصادقة في دعوة أهل الاستقامة، الداعي إلى الله ورسوله المجاهد لأعداء الله أيّدك الله ونصرك، وسدّدك وثبت فيه قدمك، وأعلى حجتك، وأنفذ أمرك، وقوّى شوكتك (2)، وعظم سطوتك، وقصم ظهور أعداء الله، بدولتك، وقطع دابر الظالمين بقهرك، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، وعلى من قبلك من إخواننا السادة المسلمين، وعلى أعوانك وأنصارك والقائمين بأمر الله معك، والذابين عن حرمات الله تحت إمامتك، والمجتهدين المجاهدين في حق الله حق جهاده بأنفسهم وأموالهم.
(r).
أيها العبد الصالح: إن الله نظر نظرة في عباده، فرآك للوقت أصلبهم عوداً، وأتقاهم قلباً، وأنفذهم بصيرة (3)، وأزكاهم نفساً، وأوفاهم ميزاناً، وأعظمهم صبراً، وأشدهم شكيمة، وأنفذهم عزيمة، وأزهدهم في الدنيا، وأرغبهم في العقبى (4)، ولا يصلح للخلافة الكبرى إلا من كانت هذه الصفات صفاته، ولله السياسة الكاملة، والخيرة التامة، والتربية، الزاكية يختار لعباده ما فيه الخيرة لهم، وإذا اختارك لحمل هذه الأمانة العظيمة فولاك قسماً من بلاده، وحكمك على طائفة من عباده، فقف الله حيث أنت، يكن لك في عونه وتسديده وتوفيقه حيث هو، إن الله لم يورثك سلطاناً وملكاً دنيوياً، ولكن قلدك سلطاناً نزل به جبرائيل عليه السلام من فوق سبع سماوات، أنت
(1) من أشهر أئمة الهدى والعمل الصالح بعمان، كانت إمامته ما بين عامي (1232 - 1238 هـ).
(2) شوكتك: الشوكة: السلاح. (3) يقال: فلان نافذ البصيرة: أي صائب الرأي.
(4) العقبي: الدار الآخرة.
- 198 - (1/203)
صفحة 204
مسئول عنه يوم الفزع الأكبر، عن مثقال ذرة وأقل منه، فقدم للسؤال جواباً في الحركات
والسكنات ...
(*)
.. عما يوجبه العدل ولا يتسلط الإنصاف على الطالح بأكثر مما قدره القسط، إنك أصبحت أمين الله على ميزان الحنيفية الطاهرة، ليس لك من الأمر فوق ما يوازن
(1).
(2)
معيار هذا الميزان ولا دونه فاجعل مركز قدميك على مركز قدم نبيك، وأقدام الخلفاء الراشدين من أئمتك في الدين، فإن المحجة (1) واضحة المعالم قائمة، والسنة نيرة، وسير أهل الاستقامة في الأنفس والأموال وجهاد البغاة والمشركين غير طامسة الصوى (2)، ولا هي مؤسسة على الهوى، إن الله قد أوجب على المكلفين من أهل مصرك (3) طاعتك، والإنقياد لأمرك ونهيك، فأوجب عليهم حقاً ظاهره لك وباطنه الله، وليس لك من الأمر شيء، إنَّما أنت [حافظ] الحجة وسيف الحد، تأمر بما أمر به، وتنهي عما نهي، فأوجب على نفسك شرطة الله. ..... والشقاق وغلب على أغلبها الجهل والنفاق، قصرت أنظار أكثرهم عن الخطر الداهم من العدو المحيط بهم، فضلاً عن واجب الله عليهم في القيام بالقسط وإنفاذ الحقوق وإقامة الحدود واستثثار العدل وسلوك السنة، فتهارشوا (4) في الظلم، وتحالفوا في الجور، وتهافتوا في الفتنة، واتفقوا على أن [(0) يتفقوا، وإنا لله وإنا إليه
راجعون.
(**)
(?) ,
أيها العبد الصالح: إني لا أسددك عن عوج، ولا أقومك عن زيغ، ولا أنبهك عن غفلة، ولكنها نصيحة مسلم على أخيه مفترض أداؤها، متعيّن اخلاصها، أعط السياسة حقها الديني في تربية هذه الأمة، بأن تتجاوز عن مسيئهم إلا في حق حتى يؤدى، ولا في حد حتى يقام، فاحتمل الكريهة حيث يكون الاحتمال مرضاة الله، وارحم الضعيف كما ترحم نفسك، ولا تؤخر حداً عن وقته، ولا حقاً عن أجله، وكن على القوي حتى تأخذ
(*) هنا خرم في الأصل بقدر ستة أسطر، وقد يمن الله علينا بالعثور على نسخة أخرى للمقابلة والاستدراك.
(1) المحجة: الطريق. (2) الصُّوى: علامات الطريق، أي غير خافية المعالم.
(3) مصرك: بلدك.
(*) خرم في الأصل بقدر سبعة أسطر.
(4) تهارشوا: تنازعوا، وتشاجروا.
(5) هكذا في الأصل وقد سقط حرف «لا» وهو سهو واضح.
- 199 - (1/204)
صفحة 205
الحق منه، ومع الضعيف حتى: تأخذ الحق له، إن صلاح المملكة في الرفق بالرعية وأخذ الحق منها بغير عنف، والتودد إليها بالعدل، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم، وصلاح الملك بوزراء الحاكم إذا صلحوا صلح، ولا يثير الفتنة إلا ضغائن تظهرها جراءة عامة واستخفاف خاصة وانبساط الألسن بضغائن القلوب واشفاق مؤسر وأمن معسر، وغفلة مرزوق، ويقظة محروم، ولا يسكن الفتنة إلا أخذ العدّة إلا للمخوف، وإيثار الحد حين يلتذ الهزل والعمل بالحزم وادراع الصبر والرضا بالقضاء، إنك لن تنال من هذه الأمة خير العامة وصرفهم عما اشربت به قلوبهم من الآفات النفسانية والقاذورات الشيطانية حتى تشربهم محبتك، وتشعرهم هيبتك، ولا سبيل لك إلى ذلك إلا بخمس وسائل: إكرام شريفها، ورحمة ضعيفها، وإغاثة لهيفها، وكفّ عدوان عدوها، وتأمين سبيل رواحها وغدوها، واعلم انك تحقدها بقدر ما تفقدها من هذه الخصال (1).
أيها العبد الصالح العدل العدل! قال: زين الله السماء بثلاثة: الشمس والقمر والكواكب، وزيّن الأرض بثلاثة: العلماء والمطر والسلطان العادل»، وما لم يُغل السلطان ملكه بإنصاف الرعيّة خرّب ملكه بعصيان الرعية وأوفى الخير الدين، وأقوى العدد العدل، لا عليك من فساد النيات وخبث الضمائر، إذا حكمت بالعدل لا بالهوى، وفحصت عن الأعمال لا عن السرائر، ولا يكون العمران إلا حيث يعدل السلطان، والعدل حصن وثيق في رأس منيف لا يحطمه سيل، ولا يهدمه منجنيق، والعدل ميزان الله والجور مكيال الشيطان.
رحم
الله أمير المؤمنين عمر، كان يعدل في رعيته ويجور في نفسه، ويطعمهم الطيب ويأكل الغليظ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن ويعطيهم الحق ويزيدهم ويمنع ولده وأهله، أعطى رجلاً عطاءه أربعة آلاف درهم ثم زاده ألفاً فقيل له: «ألا تزيد ابنك عبدالله كما تزيد هذا؟» فقال: «إن هذا ثبت أبوه يوم أحد، وإن عبد الله فرَّ أبوه ولم يثبت».
أوفد سعد ابن أبي وقاص جرير بن عبدالله البجلي الى عمر بالمدينة فقال له عمر:
(2)
كيف تركت الناس؟ قال: تركتهم كقداح الجعبة منها الأعصل الطائش (2)، ومنها القائم الرائش. قال فكيف سعد لهم؟ قال هو ثقافها الذي يقيم أودها (3) ويعمر أصلها، قال فكيف طاعتهم؟ قال يصلّون الصلاة لأوقاتها، ويؤدون الطاعة إلى ولاتها، قال الله
(1) في هذه الفقرة يتبيّن بجلاء عمق فكر أبي مسلم وبعد نظره السياسي والاجتماعي.
(2) الأعصل الطائش: الأعصل هو السهم الشديد.
(3) أي: هو الذي يقيم اعوجاجها.
- 200 - (1/205)
صفحة 206
أكبر إذا أقيمت الصلاة أديت، الزكاة، وإذا كانت الطاعة كانت الجماعة.
أيها العبد الصالح: إن قلوب رعيتك هي خزائنك، فما أودعته فيها وجدته، وانك ورعيتك متلازمان إن صلح أحدكما صلح الآخر، وظلم الرعية استجلاب للبلية، وانك لا تزيل أحقادها إذا اشمأزت بمثل الرفق، ولا تكشف لك عن سوء غيبته ضمائرها بمثل الخرق في السياسة، وهب أنها ثماراً مجتناة وذخائر مقتناة وسيوفاً منتضاة وأحراساً مرتضاة، فان لها نفاراً كنفار الوحوش، وطغياناً كطغيان السيول، ومتى قدرت على أن تقول قدرت على أن تصول، وإنما أيديها تبع لألسنتها، فلن تملك ألسنتها حتى تملك جسومها، ولن تملك جسومها حتى تملك قلوبها، ولا واسطة للاستيلاء على القلوب إلا المساواة بالعدل على الخاص والعام، وتخفيف المؤن والكلف والإعفاء من رفع الأوضاع والأرذال، على أعناق الأشراف والأماثل، وهذه الثلاثة تحقد عليك علية الرعية وتطمع الأوباش في الرتب السنية
أيها العبد الصالح: إن رعيتك ثلاثة أصناف، صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرياسة والسياسة، يعلمون فضل فضيلتك وعظيم عنائك، ويرثون لك من ثقل أعبائك فهؤلاء نصحُك فاستبق مودتهم يبشر اللقاء، واستجلب نصائحهم بحسن الإصغاء، وصنف فيه خير وشر ظاهران فاستصلحهم بالترغيب والترهيب، وصنف سفلة رعاع أتباع لكل داع لا يمتحنون في أقوالهم وأعمالهم بنقد ولا يرجعون في الموالاه إلى عقد، فترك معاقبتهم على صغار الجرائم مدعاة لهم إلى ارتكاب العظائم، فإن أول كلمة المرء كلمة سوء سومحت بها، وأول حوان (1) الدابة حيدة سوعدت عليها، وإنَّ مثار الفتنة أثرة تضغن الخاصة، وافراط حلم بجرئ العامة، والمحمد لها عمل بسيط وهو استقالة العثرة في أولها، وعمل عظيم من فحول الأعمال في آخرها، وهو الصبر.
أيها العبد الصالح: انك في سلطانك الديني بين بحرين عظيمين مخطرين أحدهما: وهو أعظمها وهو بحر الشريعة، فلست والله ناجياً في غمرات هذا البحر حتى تكون سفينتك فيه السيرة المحمدية فتبَصَّر في هذا البحر العميق تبصر يقظ حذر، وليكن سيرك فيه مهتدياً السنة السنيّة، وتوخ الطريق التي سلكها وسلكها خلفاؤه على أمته وأمناؤه على ملّته فاسلكها، ومواقع أقدامه وأقدام الخلفاء المهتدين من بعده لم تعفها
(1) هكذا وردت في الأصل، ولعلها حران الدابة.
- 201 - (1/206)
صفحة 207
السنون، وإن هبَّت عليها ريح البدع وحرفتها سيول الفتن، ولي على أحكام من تولّى نفسه، ولدولتك نصحاء في الدين تحرياً للعدل ووقوفاً على حد القسط وثباتاً على مخالفة الهوى، ورد أحكام حكامك إلى من هو أرفع درجة منهم في العلم وأقوى ممارسة للأحكام والأنفذ بصيرة في المشاكل، وإذا رجع الأمر إليك في قضيّة فشاور فيه علماء وفقهاء المذهب، وناهيك ان الله أمر نبيه بمشاورة أصحابه وهو المصطفى المعصوم، والمختار الموفق والوحي ينزل عليه، وكتابه القرآن فيه علم ما كان وما يكون فأمره بمشاورة ذوي البصائر من الصحابة ليس الخمود بصيرته ولا من مره) درايته ولا لركة رأيه، ولكن علم الله أن كل صدر فيه رأي، وربما وقع لغيره من صواب الرأي موهبة من الله سبحانه ما لم يتفق البشريته، وحسبك بقضية أسارى بدر وما وهب الله
(1)
لغيره من وقوع البصيرة على رأي يطابق الحادثة لا ينقص من مقدار مقامه، والمقامه الدرجة العليا، وله الفضل على كل من عرف الله ومن لم يعرفه، فإن قدر الله انتفاعاً من رأي غيره فلا يعتبر ذلك الغير له فضل عليه:
كالبحر يمطره السحاب وماله من عليه لأنه من مائه وقد أشبعنا الكلام على هذا المقام في كتابنا السياسة بالإيمان ()، فارجع إليه وهاهو موجه إليك كنا ألفنا الكتاب على هذه الوتيرة كما تراه قبل أن يمن الله علينا بظهور دولتك المؤيدة بمشورة وطلب من أعزّ الأصحاب وأحب الأحباب الشيخ / سليمان بن سيف اليعربي، فمن الله تمامه، وعلى أثر إتمامه بأيام جاءتنا البشائر ببزوغ شمس الحق، فكان الواقع هو عين موضوع الكتاب، ولم يتيسر لنا إرساله قبل الأوان الحاضر، وما ذلك إلا لأن بعض الأصحاب ممن نثق به وعدنا بطبعه على نفقته ولرغبتنا الأكيدة في نشره بأقطارنا العمانية، وثقتنا بالوعد الذي أصبح سراباً بقيعة، وهكذا تذهب أموال مذهبنا في غير طائل، وأصعب الأشياء عليهم إنفاقها فيما تعود مصلحته على أهل الدعوة، لا جرم الكتاب أرسلناه إليك وهو عين المسوّدة التي هي بخط يدي، وعسى الله يمن علينا بتوسيع الدولة وقرار الأمور على قواعدها فتتمكنوا إن شاء الله من اتخاذ مطبعة لبيت مال المسلمين تنشر فيه كتب المذهب والنشرات العربية الدينية، وذلك يسهل عليكم ان شاء
(1) مرة: من باب فَرح معناه: فسد، ويقال: رجل مَرِه الفؤاد: سقيم الرأي (القاموس) مادة: مرة.) يشير هنا إلى كتاب له تحت عنوان (السياسة (بالإيمان ولم نره مطبوعاً، ولم نسمع عنه مخطوطاً، ولعل الأيام ستكشف عن هذا الكنز الثمين إلا إن كان القصد هنا بالكتاب الرسالة أو الجواب).
- 202 - (1/207)
صفحة 208
الله بمخابرة الشيخ الشماخي (1) أيده الله في مصر، وأحنّك سيدي على فتح المدارس العلمية في بلادك وحث أهل الخير على التبرعات في سبيل هذا المشروع العظيم، فان مصرك عمان لم يسقط هذه السقطة العظيمة إلا من جهة الجهل، والجهل أم المصائب في الدين والدنيا، وبودي لو ساعدني العلماء هناك على الرأي الذي أراه، وهو جواز جبر الأولاد على التعلم، وهي لعمري مصلحة عظيمة في الأمة، ثم تجعل نفقة الفقراء منهم على بيت المال، ونفقة أبناء الأغنياء على آبائهم، وهي طريقة سياسية دينية تدل لها أصول من الكتاب والسنة، وبقاؤكم على تعليم الجهلة على اختيار الآباء لأبنائهم مضر جدا بالأمة لا يتقدم بها شبراً عن مركزها في الجمود، ولو تركت الأمم الراقية على جمودها في الظلمة والجهل ولم يزعها وازع قسري من جهة الحكومات لما بلغت مبلغها من التقدم في العصرية، وأحق ما يكون بالإيزاغ والقسر هي العلوم الإسلامية التي تخرج بها الأمة من الظلمة إلى النور ومن الرذالة والنقص إلى الفضيلة والكمال.
فاجهد جهدك مولاي في هذه الخطة واجمع خيار المسلمين وعلمائهم وزعماء القرى والبلاد وألزمهم بالنهضة العلميّة، وأقم لهم الخطباء في الجمع والمحافل والمجتمعات يحثوهم على هذه النهضة) ويبصرونهم بسوء المغبة في البقاء على هذه الحالة الراهنة، وبحسن العاقبة والتقدم إذا تنوّرت هذه الأمة بالمعارف الدينية والعلوم الإسلامية، ويكشفون عن وجه رداءة الجهل، وأنه هو الداء الوحيد والسبب الأصيل للتوحش وشرارة التقاطع والعداوات والضغائن إلى غير ذلك مما تقع فيه الأمم الجاهلية من الشرور والسقوط وموت الأمم موتاً أدبياً ودينياً، وذلك ما لا يختلف فيه اثنان ومشاهد
بالعيان.
ولتعلم سيدنا أن هذه النهضة لا تتمكن من الشكل شكلاً حسيا إلا بالصرامة التامة منك، إذ مرجع الأمر إليك، أما البحر الثاني فهو بحر السياسة، أنت تعلم أن من لا يسوس الملك يترعه) ودونك من السياسة النبوية المحمدية بحر لا ينزف وكنز لا
(2)
(1) لعله قاسم بن سعيد الشماخي مؤلف كتاب: القول المتين في الرد على المخالفين)، وكان يعيش في تلك الفترة بـ (القاهرة) وهو معدود من رجال الفكر الإباضي معروف بنشاطه، وله
مؤلفات.
() المطبعة، التعليم المتطور، اعتماداً اعتماداً على تبرعات المحسنين، وإجبارية التعليم، آراء نيرة سبق بها /الشيخ ناصر بن سالم زمنه وهذه عينة بسيطة عن قدراته العقلية والفكرية في مجالي الإصلاح
والسياسة.
(2) ترع: منع وثنى، يقال: تَرَعَهُ عن وجهه: منعه، ولعله يقصد من لا يحسن سياسة الملك يمنعه.
- 203 - (1/208)
صفحة 209
يفني فانفق منه في تدبير دينك ودنياك وأمر سلطانك تجد الكفاية وفوق الكفاية، ولقد سئل أمير المؤمنين عمر من أين تعلمت السياسة فأجاب سائله من جمال الخطاب التي كنت أرعاها في شعاب مكة، والله أعلم حيث يجعل رسالته وحيث يجعل سياسة عبادة؟ لقد ساس عمر هذه الأمة سياسة أتعب فيها من بعده من ساسة الأمة، وتاريخ سيرته کافل طافح بذلك، ومع هذا فما أحوجك أن ترمي كل حادثة بحجرها، وتداوي كل جرح بمرهمه، ومعك بحمد الله من رجال الحنكة والتجارب والسياسة وذوي الأصالة في الرأي من لا يؤلوك جهداً في المناصحة ومن لا تقصر به البصيرة دون إدراك الحقيقة، والحقائق لا تفوت البصائر مع إمعان النظر واستثبات الأمور ومخض الرأي.
ومن كلام سيدنا عبدالله بن وهب الراسبي ذي الثفنات (رضي الله عنه) خمير الرأي خير من فطيره، ثم ان الحقائق التي يشتغل الفكر فيها الى حد إصابة الرأي فيها قسمان، قسم محذور، وقسم مطلوب فاستعن بالمحذور وبالاحتياط والتحفظ والحزم والتيقظ وكتمان السر إلا عن خاصة أمرك ووزراء تدبير سلطانك، واستعن على القسم المطلوب بالصبر والثبات والعزيمة والتثبيت وعدم التسرع فيما يفتقر إلى الأناة والتؤدة وعدم التكاسل والتثاقل والتثبط فيها تعوزه المبادرة والعَجَل.
هذه فذلكه أهديها لك تذكرة، والذكرى تنفع المؤمنين، أكتبها وأنا أعلم أنك فوق ما أدعوك إليه، وأذكرك بها دراية ورواية وسياسة وإيماناً ورغباً فيما عند الله ورهباً من عقابه وفراراً مما يلهيك عنه، فثبتك الله على ما أنت عليه، وزادك سلطاناً في الذب عن حرماته، والجهاد في سبيله، وقطع دابر أعدائه، وجزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله، أنت ومن ناصرك ووازرك وقام بأمر الله معك، ويا ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً، ولكن الله في خليقته شئون - ولولا ما قضاه الله عليَّ من وقوعي في حبائل الديون التي لا مخرج لي منها إلا بعون الله ونعمته وعلى كل حال فأسألك الدعاء الصالح بتعجيل الفرج، وأنا أعلم أنك من الله بمكان لكنت بمشيئة الله معك في المكره والمنشط حتى يقضي الله بإحدى الحسنيين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
سيدي: هذه قصيدة (1) موجهة إليك وضعتها وقصدت بها الدعوة إلى الله وكان القصد طبعها لتنشر في الأقطار العمانية بكثرة، إلا أن المقادير حالت بيننا وبين طبعها
(1) الإشارة هنا إلى قصيدته المشهورة الفتح والرضوان المعروفة بالنونية وهي دعوة حارة للعمانيين
لمؤازرة الإمام سالم بن راشد.
- 204 - (1/209)
صفحة 210
لأن محسوبكتم العبد العاجز أصبح بين ما ضغي الأسد ممقوتاً مع ..... السبب ولائي لكم وميلي إليكم وتعلقي بأسبابكم، وزاد في الحلقة لياً ما كتبناه في جريدة الأهرام إحدى ..... المصرية (1) بواسطة الشيخ الشماخي من نشر دعوة المسلمين لما قامت دولتكم المؤيدة فكان ذلك داعياً إلى امتناعنا عن بيت الحكومة وقطع جميع الأسباب التي يترتب عليها الضروروات الحيوية وبحمد الله اعترفنا بانها نعمة من الله أنعم بها علينا، وما عند الله خير وأبقى وبقية ما معنا خذوه من لسان خادمكم فيروز سريح السيد فيصل بن حمود ومصيبة سيدنا الشيخ السالمي قصمت الظهور (3) وأسالت المهج من الآماق، فلنا ولكم فيه حسن العزاء، وفي الله من كل فايت خلف والله يعوضك ويعوّض المسلمين ان شاء من يقوم بأمر المسلمين معك، ورضي الله عنه لقد أحيى السنة وأمات البدعة وقوم الأود (3) ونشر العلم والعدل، فرحمة الله عليه، وقد بلغنا أن المسلمين اختاروا لك بعده الشيخين ماجد بن خميس العبري ومحمد بن عبد الله الخليلي، ولعمري أنهما كفاية وكفاءة، والله المسئول أن يعينكم وينصركم ويؤيدكم ويقوّي أمركم ويكسر أعداءكم وينشر العدل والإحسان والإنصاف بهمتكم.
الله
ولتدم يا إمام المسلمين خادماً للحق موفقاً له واصلاً إليه عاملاً به، والمدد والنصر والتيسير والفتح، وحسم صائلة الأعداء حليفكم إن شاء الله، وأرجو أن تشرفني بالمكاتبة فإني في هذا القطر داعيك وخادم أمرك ومؤيد حجتك، أرجو الفوز في العقبى بطاعتك وولايتك حتى يمنّ الله عليَّ بالفرج فأتصل بخدمتك لوجه (4) لا لأجل الزلفي والتكسب، والله قادر على ذلك، واسألك الدعاء لي في أعقاب صلواتك، كما أنني أدعو لك مبتهلاً إلى الله في إعلاء كلمتك واقامتها وإدامة نصرك وتوفيقك وتسديدك في الأقوال والأعمال والأفعال وسائر الأحوال ..
ثم اني أشير عليك بمصادقة أمير نجد وأمراء الساحل على الخليج الفارسي، ولابد من ارسال وفد لتوثيق عرى الألفة والصداقة بينك وبينهم، ففي ذلك من حسن السياسة وخير المغبة ما لا يخفى عليك (5)، وتخيّر الوفد الذي ترسله أن يكون من علماء المسلمين نفرين أو أكثر، ومن العقلاء الساسة ذوي البصائر والفطنة ممن ترضيك بصيرته ويؤدي
(1) هكذا في الأصل، ولعله إحدى الجرائد المصرية .... ».
(2) الإشارة هنا واضحة إلى موت الإمام نورالدين السالمي سنة 1333 هـ
(3) الأود: الإعوجاج.
(4) هكذا في الأصل، ولعل الصواب «الوجه الله».
(5) سياسة حسن الجوار المشهود بها لعُمان دوماً.
- 205 - (1/210)
صفحة 211
(3)
عنك فوق ما في نفسك، وكاتب شريف مكة وإمام صنعاء) وسلطان الحج (2)، واتخذ مع كل أمير من أمراء جزيرة العرب يداً وسياسة وان استطعت أن لا تدع جزيرة العرب إلا كتلة واحدة يؤدي لك الصداقة فافعل، ولابد لكم من مكاتبة الشيخ سليمان بن عبدالله الباروني (3) فقد صار بعد حرب طرابلس الغرب وزيراً في مجلس الأعيان في استانبول و مجلس الأعيان مجلس أبناء ملوك الأتراك، وفي مكاتبة هذا الرجل والتعرف إليه و إلى الدولة العثمانية بواسطته سياسة معتبرة النفع عظيمة الفائدة، أما صداقتكم مع أمير نجد (4) فأقل فوائدها فسح الطريق لوصول السلاح والآلات النارية إلى مملكتك العمانية، هذا رأي توجه لي وأراه ضرورياً لكم لازماً لسياستكم، وقصركم النظر على إقامة الشعائر الدينية في مملكتكم فقط دون طول النظر في سياسة الدين والإكثار من الصديق أمر يحتاج إلى النظر، ثم ان في الهند جمعيات دينية إسلامية سياستها حياطة الإسلام، فإن رأيتم ان تعقدوا معها حبلاً فاكتبوا كتاباً ونحن نتكفل بإرساله إليهم، وقد وصلتنا عنهم إعلانات ونشرات وجهنا إليكم منها نسخة، وهذا إن لم ينفع لم يضر، فأقل ما فيه إشاعة دعوة المسلمين في الممالك الإسلامية)، والإظهار مع اعدائنا الكفرة ان أهل الإسلام قد ارتبط بعضهم ببعض وجمعتهم الجامعة الإسلامية بعواطف الاخاء الإيماني والوئام الملي واظهار دعوة المسلمين إلى جميع الأمم الإسلامية (6) يكشف لسائر الانحاء الإسلامية ما أنتم عليه من حسن المقصد ومراعاة اقامة الشعائر الدينية واحياء السنة وإماتة البدعة وانكم لم تنهضوا للملك والسلطان، وإنما نهضتكم غيرة لله لانتهاك حرماته وتعطيل حدوده ووقوفكم حجرة في بلعوم القوم الكافرين ()، وإنما نهضتكم ليست كما يشيعه
(8)
(1) يقصد بهم على التوالي: الشريف حسين، والإمام يحيى الملقب بالمتوكل. (2) هكذا وردت والخطأ من الناسخ، والصواب، سلطان لحج، وهي مدينة في جنوب اليمن، وكانت تحت سلطة العبادلة اليمنيين قبل أن تضم إلى عدن (3) سليمان الباروني باشا (ت 1940 م) مجاهد ليبي عظيم، وكاتب إسلامي قدير، أدى للدولة العثمانية خدمات جلى، وقد نفاه الاستعمار الأوروبي إيطاليا انجلترا فرنسا وحرم عليه دخول البلاد العربية التي كانت تحت سيطرته.
(4) أمير نجد هو: عبدالعزيز بن عبدالرحمن مؤسس المملكة العربية السعودية. (5) وهذا الموقف وغيره مما سبق يوضح تفتح الشيخ ناصر بن سالم الرواحي على العالم الإسلامي، ووعيه بواقعه في تلك الظروف العصيبة.
(6) هذا الموقف وما سبقه من المواقف، يوضح بجلاء فكر الشيخ ناصر الإسلامي ووعيه السياسي، واطلاعه الدقيق على مجريات العالم من حوله
(7) هذا الرأي يلخص الفكرة التي كان هذا المصلح العظيم يكرس لها شعره ونثره، وأعماله.
- 206 - (1/211)
صفحة 212
عنكم أعداؤكم وأولياؤهم في الجرائد وغيرها، وبودي لو صنف أحد العلماء عنكم منشوراً في صورة رسالة تهدى إلى جميع المسلمين في جميع الممالك تكشف عن عقيدتكم وسيرتكم وموضوع نهضتكم، وما مقصدكم وما هو عين سياستكم، ثم ترسلونها إلينا لنطبعها في زنجبار ونفرقها في الأقاليم أو ترسلونها إلى الشيخ الشماخي يطبعها في مصر أو إلى الشيخ الباروني بواسطة الشيخ الشماخي.
وبالجملة هذه سياسة أشير بها عليكم ونظركم أعلى وأتم وأكمل، وعليك السلام ورحمة الله وبركانه وعلى كافة من قبلك من إخواننا المسلمين. ويسلّم عليك من لدينا الشيخ المخلص سليمان بن حميد بن عبدالله الحارثي وشبله الكريم عبدالله بن سليمان، والمخلصون لكم يسلمون عليكم ويدعون لكم بالنصر والأيد، وقد أجرى الله على لسان عبده العاجز الضعيف مرثيتين لسيدنا الشيخ رحمه الله (1) وهما تحت الطبع وبعد تمام طبعها سنوجه إليكم بعض النسخ إن شاء الله، وهذه القصيدة النونية (2) أرجو منك تأمر بالإكثار من نسخها واشهارها مع شيوخ القبائل عساها ان تحرك من عواطفهم وتهز من أريحياتهم، ولهذه الغاية وضعناها على هذه الوتيرة سياسة منا للدين وتحريكاً لعواطف
(3).
المسلمين)
14
13 ربيع
قد تم الكتاب الوارد، ولقد جزى الله منشئه وكاتبه عن الإسلام خيراً يوم 13 الثاني عام 1333 هجرية (4)، وتحرير الكتاب يوم ربيع الثاني من صاحبه من زنجبار في العام المذكور، تم بقلم الحقير/ سالم بن خلفان بن سرور بن سليمان بن مهنا اليعربي ..
بيده ...
***
(1) يشير هنا إلى مرثيتين في الشيخ السالمي، وقد نشرتا في ديوانه. (2) قصيدة الفتح والرضوان منشورة بديوانه أيضاً.
(3) هذه هي نظرة الشاعر إلى رسالة الشاعر ودور الشعر في النهضة، وقد حققها عمليا في شعره. (4) يوافق 27 فبراير 1915 م.
- 207 - (1/212)
صفحة 213
أهم المراجع
- إحسان عباس، شعر الخوارج، دار الثقافة، بيروت، لبنان، 1974 م. - إحسان النص، الخطابة العربية في عصرها الذهبي، دار المعارف مصر
1963 م. - أحمد درويش، مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، دار الأسرة، سلطنة عمان
1992 م.
- أحمد سليمان معروف، قراءة جديدة في مواقف الخوارج وفكرهم طلاس، دمشق، سوريا 1988 م.
وأدبهم. دار
- حنا الفاخوري، الحكم والأمثال، دار المعارف، مصر، (د. ت). - زكي مبارك، التصوف الإسلامي وأثره في الأدب والأخلاق، القاهرة
(د. ت).
- زكي مبارك، المدائح النبوية في الأدب العربي، منشورات المكتبة
العصرية،
بيروت، 1965 م.
- الشيخ سعيد بن خلفان الخروصي، النواميس الرحمانية، ط. حجرية،
(د. ت).
- عبد الله كنون، أدب الفقهاء، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان،
ط. م،
1404 هـ/1984 م.
- ناصر بن سالم بن عديم الرواحي، أبو مسلم:
-208 - (1/213)
صفحة 214
ديوان أبي مسلم تحقيق وتدقيق عبد الرحمن خزندار، طبع
نزوي، سلطنة عُمان، 1986 م.
* ديوان أبي مسلم، مقدمة: علي النجدي، وزارة التراث
والثقافة، سلطنة عمان، 1980 م.
القومي * المولد النبوي المسمّى: النشأة المحمدية، نشر ديوان البلاط
السلطاني، دائرة المدارس والمساجد، (د. ت).
نثار الجوهر، نسخة مصوّرة، نشر وزارة التراث القومي
والثقافة، سلطنة عمان، 1980 م.
?
A 4
- 209 - (1/214)
صفحة 215
(1
كتب صدرت للمؤلف
المقالة الصحفية الجزائرية (1903) - 1931) جزآن - الجزائر ش. و. ن. ت
1978
الصحف العربية الجزائرية (1847 - 1939) - الجزائر: ش. و. ن. ت،
(2
1980
(3
(4
(5
(6
(7
(8
(9
أغنيات النخيل (شعر) - الجزائر: ش. و. ن. ت، 1981. أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ط 2 - الجزائر ش. و. ن. ت، 1984.
عمر راسم المصلح الثائر - الجزائر لافوميك، 1984. مختارات من شعر الأمير عبد القادر - الجزائر: م. و. ك، 1984. البراعم الندية (شعر) للأطفال) - الجزائر: ش. و. ن. ت، 1984. الشعر الجزائري الحديث: اتجاهاته وخصائصه الفنية (1952 - 1975) -
بيروت دار الغرب الإسلامي، 1985 (رسالة دكتوراه).
:
رمضان حمود حياته وآثاره ط 2 - الجزائر: م. و. ك، 1985. 10) أخبار الأئمة الرستميين ابن الصغير) تحقيق بالاشتراك مع إبراهيم بجاز، ط 2 - الجزائر: جمعية التراث، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986. (11) ديوان أبي اليقظان دراسة وتحقيق جزآن - الجزائر: جمعية التراث
1989
(12) حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ط 2 - الجزائر: جمعية التراث، 1989.
- 210 - (1/215)
صفحة 216
13) في رحاب القرآن (الشيخ إبراهيم بيوض - الجزائر: جمعية الترا
.1989
(14) مفدي زكرياء: شاعر النضال والثورة، ط 2 - الجزائر: جمعية التراث
1989
(15) أعمالي في الثورة للشيخ إبراهيم بيوض: إعداد وتقديم - الجزائر: جمعية التراث، 1989.
(16) محمد بن الحسن بن دريد - سلطنة عمان، 1991.
17) الإمام عبد الحميد بن باديس سلسلة أعلام الفكر) - الجزائر: 1991. 18 الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي - الجزائر: 1991. ط 2: مؤسسة الضامري - سلطنة عُمان، 1991.
(19) ما أحوجنا إلى أدب إسلامي - سلطنة عمان: 1992.
20 في رحاب ا الله (شعر) - الجزائر: 1992.
(21) فيوض النور - سلطنة عمان: 1992 أنوار من سورة النور، جمعية التراث،
الجزائر، 1992.
(22) من سلسلة القصص المربي للأطفال - سلطنة عمان: 1992:
1: في الاتحاد قوة.
2: جزاء الإحسان.
(23) دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ط 2 ـ (معهد القضاء
الشرعي سلطنة عمان: 1993.
(24) مكانة
ـة الإباضية في الحضارة الإسلامية حلقتان: إعداد، نشر: الاستقامة
- سلطنة عمان: 1993.
(25) الأدب والنصوص للمرحلة الثالثة ثانوي معهد القضاء الشرعي -
سلطنة عمان: 1992.
- 211 - (1/216)
صفحة 217
(26) الشعر الجزائري من الرومانسية إلى الثورية (معد للطبع).
(27) الصحافة الجزائرية في مواجهة الاستعمار (معد للطبع). (28) تلخيص القسمة وأصول الأرضين (في فقه العمارة الإسلامية) (لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر تحقيق بالاشتراك مع الشيخ بكير الشيخ
(29
بلحاج باشعادل) (مؤسسة الضامري) سوريا، 1993.
ألحان وأشجان (شعر) المطبعة العربية - الجزائر: 1995.
(30 هموم جزائرية - دمشق (معد للطبع).
31) تراثنا الإسلامي والعصر - مؤسسة الضامري) - سلطنة عمان 1994.
(32) حداثة أم ردَّة؟! (مؤسسة الضامري) - سلطنة عمان، 1993. (33) خصائص الأدب الإسلامي (مؤسسة الضامري) - سلطنة عمان، 1993. (34 الأصول العقدية للناشئة المحمدية مؤسسة الضامري) - سلطنة عمان
1993
(35) الإباضية تاريخا وفكرًا (معد للطبع) - سلطنة عمان. (36) الشيخ إبراهيم اطفيش (سلسلة أعلام الفكر - الجزائر، (معد للطبع). (37) الشيخ أبو اليقظان إبراهيم (سلسلة أعلام الفكر) - الجزائر (معد للطبع). (38 الشيخ محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ (مطبعة البعث) قسنطينة - الجزائر، 1995.
(39) القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب - الجزائر، (معد للطبع). (40) مصادر البحث في العلوم الإسلامية (معهد القضاء الشرعي) - سلطنة
عمان، 1995.
- 212 - (1/217)
صفحة 218
(41) منهج
1995
البحث وتحقيق النصوص معهد القضاء الشرعي) - سلطنة عمان،
(42) فواكه العلوم، تأليف عبدا لله بن محمد بن عامر الخنبشي، تحقيق بالاشتراك مع الأستاذ مهني التيواجيني - الأجزاء: 1، 2، 3 - سلطنة
عمان، 1995.
43 وصية والد لولده العروس، ط. جمعية التراث القرارة، 1994.
- 213 - (1/218)
صفحة 219
مقدمة
من هو الشاعر أبو مسلم؟ أبو مسلم أديبا لامعا
أبو مسلم فقيها
العقيدة في شعره
الإسلام في شعره
هل كان قوميا؟
الابتهال في شعره المدائح النبوية
محتويات الكتاب
قصيدة الابتهال في جانبها الفني
الاستنهاض في شعره
الحكمة في شعره
الحنين في شعره
الرثاء في شعره
أثر القرآن في شعره
الأسلوب الخطابي ملحق: نماذج تطبيقية
خاتمة
أهم المراجع
كتب صدرت للمؤلف
- 214 - (1/219)