صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ إسلامي - تراجم
------------------------------------------
العنوان: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية
البيانات الأساسية:
المؤلف: الباروني، سليمان باشا - 1870م، 1940م
مؤلف مشارك: محمد علي الصليبي
بيانات النشر: لندن، بريطانيا: دار الحكمة، 2005م
التصنيف الموضوعي: الديانات | العقيدة الإسلامية
المواضيع: الإباضية (فرق إسلامية)
رقم الطبعة: 1
بيانات متقدمة (Metadata):
المؤلف
الاسم كما ورد بالكتاب: سليمان باشا الباروني
الاسم الاستنادي: الباروني، سليمان باشا
تاريخ الميلاد: 1870م تاريخ الوفاة: 1940م الجنسية: ليبي
المشارك
المصطلح الرابط: مؤلف مشارك
الاسم الاستنادي: الصليبي، محمد علي
الاسم كما ورد بالكتاب: محمد علي الصليبي
بيانات النشر
مكان النشر - الولاية: لندن
مكان النشر - الدولة: بريطانيا
اسم الناشر: دار الحكمة
تاريخ النشر: 2005م
التصنيف الموضوعي: الديانات -- العقيدة الإسلامية
الموضوع - مصطلح موضوعي
المصطلح الموضوعي: الإباضية (فرق إسلامية)
الشكل (الصيغة): رقمي
الوصف المادي
عدد الصفحات: 378
الطبعة: 1
المعرف (المحدد): ISBN: 01252742590
المصدر
بيانات أخرى: المكتبة السعيدية
بيانات أخرى: https://alsaidia.com/
اللغة الأصلية للمادة: العربية
البيانات نقلا عن موقع المقصورة:
https://maqsurah.com/home/item_detail/58751
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/193
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 02 ربيع الأول 1447ه/ 26 - شهر 08 - 2025م. الأزهار الرياضية
في
امة وجلوك الأباضية
تأليف سليمان باشا الباروني براجمعة محمد على الصليبي
دار الحكمة لندن (1/1)
صفحة 2
الأزهار الرياضية
في أئمة وملوك الأباضية (1/2)
صفحة 3
حقوق الطبع محفوظة
الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الاباضية
المؤلف: سليمان باشا الباروني
الطبعة الأولى 2005.
الناشر: دار الحكمة ـ لندن
ISBN 0 1252742590
88 Chalton Street, London, NW 1 1 HJ Tel: 44 (0) 20 7383 4037 Fax: 44 (0) 20 7383 0116 E-Mail: al_hikma_uk@yahoo.co.uk
DAR ALHIKMA
Publishing and Distribution
88 Chalton Street, London NW 1 1 HJ Tel: 44 (0) 20 7383 4037 Fax: 44 (0) 20 7383 0116
E-Mail: al_hikma_uk@yahoo.co.uk Website: www.hikma.co.uk (1/3)
صفحة 4
الأزهار الرياضية
في أئمة وملوك الأباضية
تأليف سليمان باشا الباروني
مراجعة
محمد
علي الصليبي
دار الحكمة
لندن (1/4)
صفحة 5
المقدمة
من القضايا البارزة في الحضارة الإسلامية العظيمة، والتي يقف عندها الباحثون طويلا، قضية الجهاد، حيث أدرك هؤلاء الباحثون أن الإسلام نظام شامل لأمور الدين والدنيا معا.
فقد انطوت نصوصه على مبادئ أساسية في أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع بل والجهاد والفكر العسكري، وان الأحداث التاريخية المختلفة تثبت مدى التنسيق والانسجام التام بين الروحانيات والماديات، وبين العقيدة والتشريع، والعبادات والمعاملات.
وقبل أن ندخل في الكلام عن الجهاد في الفكر الإسلامي، ينبغي أن نعرف كلمة الجهاد عند المسلمين حيث نجدها تعني بادئ ذي بدء بذل الجهد في مدافعة الشر، واستجلاب الخير، وعندما نطلق لفظ (الجهاد) يتجه التفكير لأول وهلة إلى الجهاد في المعركة بالنفس أو المال، ولكننا إذا ما أمعنا النظر بحثاً وتدقيقاً وجدنا أن هناك أنواعا من الجهاد شملها الفكر الإسلامي على رأسها جهاد النفس، وجهاد الكلمة.
وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر، لأن النفس التي نجاهدها، كثيرا ما يختفي فيها الشيطان، عدو الإنسان الأكبر الذي كثيرا ما يوسوس له بالشر، ويجره إلى سوء النهاية، ومن هنا كان تهذيب النفس ومقاومة وساوس الشيطان فيها، الجهاد الأكبر وبهذا يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه بعد عودتهم ظافرين منتصرين من إحدى المعارك: (رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) قالوا وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: (جهاد النفس. (1/5)
صفحة 6
نعم انه الجهاد الأكبر، جهاد يصارع فيه الإنسان نفسه، ويقاوم فيها ميلها نحو الهوى، ويقمع فيها عنصر الشر إذا ما حاولت أو نزعت إلى الميل نحو الشر والسوء، ولأنه يوجهها إلى جهة الخير والصواب.
من هنا نجد اهتمام الإسلام أولا بمقاومة شرور النفس ووساوس الشيطان، والعمل على توجيهها صوب البناء الخير، استعدادا لبناء المسلم الحق، صاحب النفس الأمارة بالخير، صاحب النفس المطمئنة، ولأنه لو صلحت النفوس لأصبح للإنسان قوة تستطيع مواجهة العدوان والشر ..
أما الجهاد بالكلمة فانه أيضا من أفضل الجهاد لأن هذه الكلمة قد تجر على قائلها المتاعب، وقد تشمل كلمة الحق دعوة الناس وحثهم على الجهاد أو تعليمهم ومنها أيضا الكلمة المقولة أو المكتوبة وفي ذلك يقول الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام: (جاهدوا المشركين بأيديكم وأموالكم وألسنتكم) ...
ولكن لابد أن نشير هنا إلى أن الهدف الأسمى من الجهاد في الإسلام هو العمل على بناء مجتمع جديد متكامل يقوم على أساس الخير والعدل والمساواة، ويسوده القانون والنظام، انه المجتمع الجديد الذي جاءت الشريعة السمحاء لتدعو إليه ولتقيمه، ولتجعل منه مجتمعا مثاليا فاضلا، فلقد جاء الإسلام للدعوة إلى الخير، خير الناس وسعادتهم في دنياهم وأخراهم كما جعل من الرحمة والفكر السليم واليسر وسائل لتحقيق دعوته: وقد صور لنا القرآن الكريم هذه الأمور في آيات كثيرة، كما فصلته السنة النبوية الشريفة. وفي ضوء هذه التعليمات سار النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، جاعلا من تعاليم القرآن وأواصره وسيلة لهذه الدعوة، فاستجاب له من استجاب، وأعرض عنه من أعرض، وانه في الوقت الذي سارت فيه الدعوة إلى الإسلام بحكمة في طريقها (1/6)
صفحة 7
السلمي الهادئ قابلها الكثير من العقبات، والمقاومة من كبار رجالات قريش، حيث أخذت في بعض الأحيان جانب العدوان والقسوة البالغة من إيذاء وضرب وتدبير القتل، بل والقتل الفعلي، وهكذا حتى أمر الله رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى دار الأنصار يثرب، حيث انتشرت كلمة الحق بين الأوس والخزرج، وأصبحت المدينة هي مركز الدعوة
الإسلامية.
وإذا كان المسلمون في مكة تعرضوا لشتى صنوف الإيذاء، وذاقوا مرارة الاضطهاد والتعذيب من كبار قريش بل من أقرب المقربين إليهم، فان الإسلام في المدينة نراه يواجه عدوانا من لون آخر يتمثل في عداوة أشد أعداء الله اليهود، حيث عارضوا الدعوة الجديدة، وقاوموها، وألبوا الأعداء على الرسول الكريم، وتأمروا على إيذائه وقتله، فكان لابد للإسلام أن ينتهج سياسة جديدة غير سياسة المسالمة نحو أعدائه، وقد قامت السياسة الجديدة على أساس الدفاع عن النفس ضد أي عدوان، وحفظ حقوق المظلومين والمغلوبين على أمرهم في مكة والدفاع عن حرمة العقيدة، ونزلت الآيات الكريمة تحث على قتال الأعداء وسحقهم، وتلقينهم دروسا في الدفاع عن حرم الإسلام، والحفاظ على حرية المسلمين وعزتهم وكرامتهم، ولقد صورت هذه المبادئ السماوية الجديدة أمور الجهاد، وفصلته من حيث الاستعداد له، وبيان أسبابه، ومقاصده، وآدابه، وأهابت بالصلابة والتضحية، وحثت على مجالدة القوم ومقارعتهم لفرض هيبة الإسلام، ونفرت من الفرار، وبينت منزلة الشهداء والمجاهدين، وأوضحت أحكام الأسرى والغنائم ونظمها.
وبدأت الاستعدادات الحربية والعسكرية والتنظيمات المتصلة بها تأخذ شكلا جديدا تقوم على أسس ومبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة،
V (1/7)
صفحة 8
والتفت الفيالق الإسلامية حول راية الإسلام تحتضنها وتعانقها معاهدة الله على الحفاظ عليها حرة كريمة خفاقة، ووجدت دعوة التوحيد طريقها إلى القلوب، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانضوت الجزيرة العربية تحت لواء الدين الحنيف لتنطلق الفيالق المحمدية إلى بلاد الشام والعراق وفارس وليحقق الله وعده بنصر المسلمين (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).
وما أن فرغ المسلمون من فتح الشام ومصر حتى اتجهت أنظارهم نحو المغرب، فأخذوا يعدون العدة لنشر الإسلام في هذا الجزء من العالم والذي أضحى بعد إسلامه الحارس اليقظ المخلص الأمين للدولة الإسلامية في الغرب، والبوابة الرئيسية التي انطلقت منها الجحافل المؤمنة لترفع رايات الحق والحرية والإخاء حتى جبال البرانس.
وانه بفتح المسلمين لهذه المنطقة بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الفتوحات الإسلامية.، فقد كانت عملية الفتح هذه حاسمة بالنسبة لجميع البلدان الواقعة في الشمال الأفريقي، وفعّالة بالنسبة للقارة الأفريقية بشكل عام كذا أوربا، وذلك نظرا للموقع الاستراتيجي الذي يتمتع به المغرب في أقصى الركن الشمالي الغربي من العالم العربي، فقد حبا الله هذه المنطقة موقعا يعتبر المنفذ السهل إلى أوربا عن طريق جبل طارق.
عبر
عدة
لقد حسمت الفتوحات الإسلامية مشكلة هوية ومستقبل المغرب لصالح العروبة والإسلام بشكل نهائي لا رجعة فيه، ولقد تم هذا كله. مراحل وبفضل قادة مسلمين أكفاء ملهمين يتصدرهم عقبة بن نافع وغيره من عباقرة القادة الذين رووا بدمائهم الزكية أرض العروبة والإسلام، وضحوا بالغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على هذه الأرض حرة عزيزة كريمة لا تطأطئ الجبين إلا لخالقها عز وجل، ومنذ ذلك اليوم والمغرب العربي (1/8)
صفحة 9
بشكل عام بموقعه الاستراتيجي، ونشاطه الفعال أضحى بمثابة العمود الفقري للامة الإسلامية بما قام به من دور رائد في وحدة شعوب المنطقة مما أهله ليكون ملتقى انصهرت في بوتقته مختلف التيارات الحضارية عبر) العصور،
وللمواقف ا الخالدة التي سجلت لأبطاله الأوفياء على مدى التاريخ. والتاريخ الإسلامي زاخر بعمالقة الرجال في مختلف شؤون الحياة، شخصيات ممتازة قوية بإيمانها، معتزة بدينها، مخلصة لرسالتها، والشخصية التي نقدم لها هنا تعتبر علما من أعلام الإسلام، والحديث عنها ممتع، يؤكد لنا ما فعلته روح الإسلام في هؤلاء الأبطال، حيث دفعت بهم جميعا علماء وفقهاء ومحدثين ومفكرين، وقادة سياسيين إلى ساحات المجد والفخار، في البر والبحر يطلبون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لم يقعدهم البحث والدرس، ولا غفلت قلوبهم، ولا ملت ألسنتهم من ذكر الله، فجفوا المضاجع، ونفروا خفافاً وثقالا يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فالإسلام بتعاليمه السمحة، ومبادئه الكريمة مزج الشعوب مزجاً عجباً، ودفع بكل مسلم من أي قطر لكي يؤدي رسالة دينه ورسالة الحق حيثما وجد وأنى استطاع لذلك
سبيلا.
كان شيخنا. رحمه الله ــ قوي الشخصية، عالي الهمة كبير النفس، رابط الجأش، مهيب الطلعة، لم يفت من عضده تجمع المراكب، ولا تكاتف جموع الأعداء، وكان أن عرف الباب العالي عن الشيخ قدره وعزمه فعينه أميرا على طرابلس، فقد رفعه علمه، وعلت به همته ونخوته، فقام بالأمر خير قيام، فأدى الأمانة، ونذر نفسه للجهاد في سبيل قضية أمته حتى توقف القلب الطاهر عن النبض والحياة، بعد أن سطر في سجل المجد سجلا دقيق المعاني، مشرق الصورة، عميق البيان لما يعتلج في قلوب أمته من حب للوطن وإخلاص للعقيدة السمحاء (1/9)
صفحة 10
جاء في كتب (حياة سليمان باشا الباروني زعيم المجاهدين الطرابلسيين ص 36 لمؤلفه أبي القاسم الباروني أن الشيخ ـ رحمه الله ــ ولد بمدينة (جادو) حاضرة متصرفية (فساطو) خلال عام 1870 م، وانه لما شب عن الطوق أبدى ذكاء نادرا في مراحله التعليمية، وظهرت عليه مخايل النبوغ والمقدرة منذ الصغر، وأحب العلوم الدينية والعربية حتى دفعه ذلك الحب إلى أن يتلقى علومه في جامعات تونس والجزائر ومصر، ثم قفل إلى وطنه، وكانت له آراء خاصة فيما يتعلق بسياسة الدولة العثمانية.
سافر إلى مصر. سنة 1907 م، وحينما استقامت له الأمور بالقاهرة شرع في مواصلة دعوته الوطنية عن طريق النشر والاجتماعات والمؤتمرات وسواها، حيث افتتح في شارع محمد علي بالقاهرة مطبعة عرفت باسم المطبعة البارونية، وقام بإصدار صحيفة الأسد الإسلامي)، وظل يواصل إصدارها وإدارة سياستها بتوجيه حسن، وحذق ومهارة بالغين حتى امتدت أصابع النفوذ العثماني اليها فأمرت بمصادرة أعدادها، وإيقاف صدورها.
(1)
في
وجاء في مقدمة فضيلة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم طفيش للكتاب ترجمته للباروني بأنه العلامة سليمان باشا الباروني ابن العلامة الشيخ عبدالله بن يحيى الباروني رجل الدين والعلم والسياسة والحرب والنزاهة من
الأرومات العربية العثمانية وهي (البروانية) - كما يقول الباروني نفسه. ثم نراه يذكر رحلته في طلب العلم إلى وادي ميزاب بالجزائر حيث عكف على الاعتراف من بحر العلوم قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، مرجع المذهب الاباضي يومئذ على الإطلاق، وواصل الليل والنهار مدة ثلاث سنين حتى إذا أخذ ما كان يصبو اليه من العلم كر راجعاً إلى بلده
1 ـ حياة سليمان باشا الباروني - زعيم المجاهدين الطرابلسيين، ص 12 ط 2 /
1367 هـ 1948 م أبو القاسم الباروني.
10 (1/10)
صفحة 11
ثم إلى مصر حيث أخذ يظهر إنتاجه العلمي في مؤلفاته ويبرزها في عالم المطبوعات، ثم في جريدة الأسد التي كانت مظهرا من مظاهر سياسته وطموحه إلى المعالي والعوالي.
ويكتشف السلطان عبد الحميد فيه نابغة من نوابغ الدهر بعد أن امتحنه أشد امتحان، فانتخب عضوا في مجلس (المبعوثان) عن الجبل الغربي سنة 1908 - 1911 م حيث نشبت حرب طرابلس الغرب مع ايطاليا، فشمر عن معا ساق الجد، وجند من جبل نفوسة قوة باعت نفسها لله، فجاهدت في سبيله حق جهاده، ثم انضمت اليها فرق المجاهدين من سائر البلاد الطرابلسية تحت لواء الباروني فأخذ يصول بها ويجول حتى بهر العالم بقيادته، فأكبر شأنه الباب العالي وانتخب عضوا في مجلس الأعيان العثماني، وبلغ جهاده في طرابلس إلى حد أنه أسس جمهورية في مؤتمر ثمريان)، وكادت إيطاليا تعترف به.
ودارت به الدوائر بعد الخيبة والفشل والنجاح والأمل حتى حط الرحال في الأراضي المقدسة بناء على دعوة الشريف حسين بن علي آنئذ الذي أرسل اليه جواز السفر إلى الأراضي المقدسة، واستقبله أجمل استقبال، واكرم وفادته، ونزل في رحابه، ولما بلغ نبأه إلى السلطان تيمور بن فيصل أرسل يستحثه على القدوم إلى مسقط، فاستجاب لهذه الدعوة الكريمة، وألقى عصا الترحال في تلك الربوع العامرة من عمان واستقبله السلطان تيمور أجمل استقبال ورحب به، وأكرم وفادته فساهم في إصلاح النظم والإدارات ولم يأل جهدا في تلمس البلوغ إلى غاية يصبو اليها كل مسلم
مخلص لله ولرسوله وللمؤمنين في إبراز مظاهر القوة في تلك الدولة العريقة
1 - مؤتمر مشهور دون فيه المؤتمرون القانون الأساسي، وأصبحت الأمة ذات كيان سياسي ذات قانون وجند ونظام (أبو القاسم الباروني) حياة سليمان باشا الباروني ط 2
/ ص 13.
11 (1/11)
صفحة 12
ونقلب صفحات کتاب (سليمان الباروني باشا في أطوار حياته) بقلم
أبي اليقظان الحاج إبراهيم الجزء الثاني، والذي طبع سنة 1376 هـ، سنة 1956 م في المطبعة العربية بالجزائر لنطلع على سياحته الثانية إلى دواخل عمان وما يكتنفها من أعمال حيث يتضح من رسائله أنه زار كلا من السباخ وأزكى ونزوى وبلاد بني بو حسن والقابل وابرا، وأنه استقبل هناك استقبالاً مهيباً.
كما جاء في الكتاب (ص) (10) أن موكب الباروني مر ببلدة السباخ من بلاد ابرا في طريقه إلى نزوى، وانه استقبل استقبالا حارا من قبل الأهالي،
الله
خلفان وأقيم له في يوم 22 صفر سنة 1344 هـ حفل، وان الشيخ عبد بن
الجهضمي ألقى قصيدة طويلة ختمها بهذه الأبيات:
هذه الدار أضاءت بهـ
وتجلى.
هـ
اللناظرين
بقدوم الليث كشاف الدجى
قدوة الدين منار المتـ
قين
ذا سليم ن البروني الذي
صار في الهيجا سمام المجرمين
حاز فخر الدين والدنيا معا
زده توفيقا ونص
ا يا معين
وأظهر الحق الهي دائم
L
وأخ
مد الباطل يارب أمين
وفي مركزا أزكي ألقى الأديب الشيخ سالم بن سليمان الرواحي المدرس
بجامع أزكي قصيدة يوم 27 صفر سنة 1344 هـ، نجتزئ منها هذه الأبيات:
12 (1/12)
صفحة 13
بشر الأمة بالوفد الحـ
يت وافي دارنا بدر الزمن
الملة
الخلق أياد ومنن
أبلغ الناس ــــــــــالا يرتضى
يصطفي القول
إلى أن يقول:
يا سليمان ومن ساد على
هذه الأمة جالم يهن
أنت للأرض ربيع وحـ
أنت كهف وملاذ في الزمن
أنت من يحفظ عهدا للورى
ويصون العرض صونا عن منن
إلى آخر الأبيات.
وفي أوائل ربيع الأول سنة 1344 هـ، وصل الباروني إلى نزوى حيث استقبله الإمام الخليلي في موكب مهيب، وفي أول جمعة من ربيع الأول سنة 1344 هـ، ألقى الباروني بعد صلاة الجمعة خطابا بجامع نزوى،
وقصيدة نذكر منها هذه المقتطفات:
وبدت لعصر الراشدين دلائل
إذ لاح من جبل ا راة سناء
فأضاء واسطة البلاد وأشرقت
بعمان شمس أمانة سمحا
13 (1/13)
صفحة 14
ويقول منها:
فانهض وشمر فالعوائق جمة
ولذا الزمان سيا
تذر العقول الراجحات بحيرة
ويري بليدا من لديه ذكـ
خل القضا لرجاله واعكف على
تنظيم جندف النظام دواء
ويقول أيضا:
وأرى الحصون على الجبال تزينها
كالتاج تلك الراية الشـ
تهتز ان قذفت صواعقها الربي
وتضيق من أصدائها الأرجاء
وامح التداعي بالقبائل إنه
سهم العدو ومحنة سوداء
واجمع قلوبا بالخلاف تمزقت
حتى يضم شتاتهن لواء
ولشبل (فيصل) ول طرفك عاقدا
معه الخناجر فالشقاق شقاء
دع ما تقدم واعملن المقبل
فلال (فيصل) همة ووفاء
14 (1/14)
صفحة 15
ويدعو إلى اجتماع الصف ووحدة القلوب فيقول:
وهنالك اتحدوا ولا تتفرقوا
وتعاهدوا ولتشهدن حواء
ودعوا وساوس من يفرق واذكروا
مجد الجدود ليسعد العقلاء
وهكذا حتى يصل بنا إلى قوله داعيا إلى رأب الصدع، واجتماع
الكلمة:
أما التطاحن والعدا بمراصد
ذلة وبلاء
هذي نصيحة مخلص في دينه
ماشا
مدح ولا اطراء
اني امرؤ ترك المديح لأهله
مذ أنشبت أظفارها الهيج
فاعذر ففي نصحي مديح كامل
وعليك يا قطب الشراة ثناء
كما جاء في كتاب (سليمان الباروني باشا) لأبي اليقظان ج 2 / ص 15 أن الباروني زار بلدة الحمراء، وأن أهلها استقبلوه استقبالا عظيما ثم يورد المؤلف خبر هذه الرسالة كما جاء على لسان الباروني نفسه حيث يقول ـ رحمه الله:
لما بلغ الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري الذي كان تقلد خطة القضاء بمدينة (الرستاق) خبر توجهنا إلى (تنوف) وأعيان بلاد الحمراء، ودعونا للزيارة فتقدمه إليها، وهي على مسافة نصف يوم من تنوف واستقبلنا أهلها رجالا وركبانا على مسافة ميلين، وكان لدخولنا إلى الحمراء منظر مطرب،
15 (1/15)
صفحة 16
فقد تلبد دخان بنادقهم ومدافعهم في الجو كالسحاب، وكنا نمر بين مزارعها الخضراء تحف بنا الرجال والخيل والمهر، وقد بلغ عدد البنات والخادمات اللاتي يحملن جرار الماء المغطاة بأكواب الزجاج على رؤوسهن نحو المائة، يراهن الناظر كأسراب الظباء يمينا وشمالا، ينادين هل من شارب؟ وترى الأكواب والجرار تلمع كالنجوم عند مقابلة الشمس، فكان الموكب من أجمل ما شاهدته - الباروني ـ من المواكب.
12
ربيع الأنوار
وعند مدخل البساتين لاقانا العلامة بقية السلف شيخ عمان علما وسنا الشيخ ماجد بن خميس البالغ من العمر ـ آنذاك ـ أربعا وتسعين سنة ـ أي قدر عمر قطب الأئمة. الشيخ طفيش ـ رحمه الله وبعد الاستراحة أنشد الشيخ إبراهيم المذكور آنفا القصيدة الآتية وذلك في يوم سنة 1344 هـ) اهـ. وهذه أبيات مختارة من القصيدة نوردها على سبيل المثال لا الحصر ومن شاء المزيد فليرجع إلى سليمان الباروني باشا في أطوار حياته، تأليف أبي اليقظان الحاج إبراهيم ج 2، المطبعة العربية - الجزائر ـ 1376 هـ، سنة
(1956
شرقت عمان وأهلها
بوفود
البطل الكمي
سلا
واب الفلا
باشا سلي مان الهـ
في زين الملا
ذاك ابن بارون النف
16
و ابن الجلا (1/16)
صفحة 17
ذاك الذي:
ظلم الج
هـ ــالة قد جلى
ويصف ـ رحمه الله ـ بعض قمم الجبل الأخضر فيقول:
(من الحمراء صعدت إلى إحدى قمم الجبل الأخضر المشهورة بالارتفاع
(9) آلاف قدم، وأقمنا يوما وليلتين، ورجعنا وهناك قلت هذه الأبيات وذلك
يوم 16 ربيع الأنوار سنة 1344 هـ.
في جانب الحمراء طود شامخ
متمنطق متـ
يممت قمته الرفيعة راجلا
وسجدت للخلاق في محرابي
ومع الأثير بعثت منه تحيتي
لجميع من في الأرض من أحبابي
ومع الشعاع رفعت صاعدة إلى
عرش الإله مطالبي ومـ
أرجو من المولى قبول جميعها
ويقول أيضا:
وشمول كل أقاربي وصحابي
أصفي المياه شربت أعلى قمة
فوق السحاب إلى السماء قريبة
فيها الرياحين الزكية اعبقت
ومناظر للعلم ــلان غريب
17 (1/17)
صفحة 18
واء منقح وطيورها
فوق الغصون لدى الصباح عجيبة
ويذكرون له منظر نزوى وقلعتها التاريخية فتجود قريحته بهذه الأبيات
وذلك في 16 ربيع الأنوار سنة 1344 هـ.
قف ههنا وانظرن نزوى وقلعتها
ومسقطا قابلا جعلان والجارا
وانظر صحار وحي البحر ملتفتا
إلى البريمي تجد حصنها نارا
واقبل بوجهك للعينين متجها
نحو الحجاز وحي الغرب والدارا
هذا سليمان أحيا الليل مبتهلا
وههنا أوقد الباروني النارا
يتلو الكتاب يناجي الله منفردا
والليل داج وكان الدمع مدرارا الثاني. سنة 1344 هـ تقدم الشيخ
وبعد مؤتمر بهلا الذي انعقد 10 ربيع
عيسى بجيشه إلى الظاهرة، فقابلته وفودها استقبالا مهيبا وهناك ارتجل الأديب الألمعي - وكان بصحبة الباروني - الشيخ أبو سلام سليمان بن سعيد الكندي قصيدة في 16 جمادى الأولى سنة 1344 هـ مطلعها:
نفح النصر فهبوا مسرعين
وارف
وامرحوا في الأرض شكرا فلقد
وا الراية بين العالمين
الله!
سام المسلمين
18 (1/18)
صفحة 19
الباروني من وجهة نظر رجال السياسة والفكر
المواقف تصنع الرجال وان المرء ليدهشه في الباروني قوة احتماله المكاره، وصبره على الشدائد، حتى انه في سنة 1913 م عندما قام بتأسيس الحكومة الوطنية في طرابلس الغرب بعد صلح كل من تركيا وإيطاليا المعروف، لم تترك إيطاليا أية وسيلة في الضغط عليه دون أن تجد إلى ذلك سبيلا، وان المرء إذ يستعرض الصفحة الطيبة من تاريخه ليعجب من نزاهته وقناعته، والقصص على ذلك كثيرة منها: أنه لما ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وارتحل بمن معه من الأبطال الصابرين في الجهاد إلى تونس وجد أن الأمير عمر طوسون باشا قد أرسل اليه بستة آلاف جنيه كإعانة للمجاهدين، فلما وصلته ردها وقال في خطابه للأمير طوسون: لقد كنت أريد المال للمجاهدين والآن لا جهاد فلا حاجة لي به، لذا لا غرو ولا عجب أن تحظى شخصية الباروني بالإعجاب والإكبار من قبل الساسة والمفكرين ممن عرفوه واحتكوا به فهذا أبو القاسم الباروني يورد في كتابه (حياة سليمان باشا الباروني – المجاهدين الطرابلسيين 1948 م ص 4) وتحت عنوان (الزعيم الباروني في
زعيم
سطور يورد بعض آراء من عاصروا الباروني وعرفوه حق المعرفة. يقول الأمير. أمير عمر طوسون (1)
عرفت الزعيم الباروني المجاهد في الحرب الطرابلسية، فأكبرته وأصبحت
1 - الأمير الجليل عمر طوسون باشا رئيس الجمعية الزراعية الملكية من سنة 1933 - سنة 1944 م، وتوفى إلى رحمة الله يوم الأربعاء 30 المحرم سنة 1363 هـ 26 يناير سنة 1944 م، وكان - يرحمه الله - صاحب اليد العليا في كل مرافق الإصلاح، كما كان له أثر كبير في الحرب الطرابلسية الإيطالية وممن قدموا للطبعة الأولى من كتاب حياة سليمان باشا الباروني) في 21 مارس 1941 م، ونشرتها جريدة الأهرام بعددها رقم (30364) والصادر في 1941/ 5/19.
19 (1/19)
صفحة 20
له في نفسي منزلة سامية بأفعاله المجيدة وخلاله الحميدة، وبما قدمه لبلده ووطنه من صادق الإخلاص والوفاء، ولاشك عندي أنه من الذين باعوا
الحياة في سبيل الله، واشتروا بها الجنة ورضوان الله اهـ.
ويقول محمد زاهد الكوثري (1):
إن سليمان باشا الباروني رجل التضحية في سبيل الإسلام، وإعزاز كلمة الإسلام، قلما يدانيه مدان من أهل عصره في هذه الخصيصة النيرة، اهـ.
ويقول أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (2):
لقد ترك الباروني باشا زعيم المجاهدين الطرابلسيين فراغا لا يمكن أن يسده رجل اليوم، وأين الرجل الذي تجتمع فيه تلك الخصال التي اجتمعت للباروني من علم وشريعة وسياسة رشيدة، ومعرفة تامة بالفنون الحربية وممارسة القتال؟!، مما أفاده في جهاده المستمر ضد الغاصبين المستعمرين، ويتوج كل هذا سمو في الأخلاق وكرم في المحتد، وطاعة لله ورسوله، مما
هيأه لأن يكون مصلحا اجتماعيا لا يجود الزمان بمثله اهـ.
(3)
وجاء في كلمة اليوزباشي محمد إبراهيم لطفي المصري قوله:
1 - من شغلوا منصب المشيخة الإسلامية بالأستانة.
2 ـ من العلماء الإجلاء، وممن لهم إسهامات علمية وفكرية لا تنكر، وهو خليفة قطب الأئمة، وممن قدموا للباروني في كتاب حياة سليمان باشا الباروني لأبي القاسم الباروني ص 11).
- من المجاهدين الذين ساهموا في الكفاح العربي في طرابلس وممن شاركوا في العديد من المعارك ضد إيطاليا، تجلت في جميعها شجاعته الخارقة ومقدرته الفائقة، مما استحق عليه ثناء العرب جميعا، كما ساهم في الكفاح بقلمه وماله، فأخرج عدة مؤلفات وطنية، وظل عاملا في حقل الكفاح إلى أن توفاه الله في أوائل سنة 1948، وكان ممن صدروا للطبعة الأولى من مؤلف أبي القاسم الباروني (حياة سليمان باشا)
20 (1/20)
صفحة 21
لقد كان سليمان الباروني أمة مجتمعة في جسد واحد وقوة عظيمة أوجدها الله وهيأها للزعامة في أمة كانت أحوج ما تكون إلى مثله اهـ. أما أبو القاسم الباروني فيقول:
(1)
كان سليمان باشا الباروني - رحمه الله - مثال الشجاعة والمروءة والجلد على الشدائد، والأقدام على الصعاب، معتمدا على الله وعلى
نفسه.
(2)
ويصفه فضيلة الشيخ سالم بن حمود السيابي في حديث شفوي دار
بيننا فيقول: (الباروني من خيرة الرجال، وله همة لا ترضى إلا العمل الأرفع لدى منزل يشتاقه كل سيد ويقصر عن إدراكه المتطاول)
ويذكر لي فضيلته انه ممن عاصروا الباروني وجالسوه، وشاركوه في مسقط رحلاته وانه ما ان وصل الباروني. حتى لقي. من السلطان تيمور كل احترام ورعاية وحفاوة، حيث أكرم وفادته واستقبله استقبالا يليق به، ويقال ان الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رغب في استضافة الباروني، فقام برحلته إلى عمان الداخل واستقبل من قبل العمانيين استقبالا لا يليق إلا بالملوك، ولم يزل يتنقل من بلد إلى آخر حتى استوطن في عمان وصاهر
وكان ذلك في صيف 1944.
1 - هو مؤلف كتاب حياة سليمان باشا الباروني) زعيم المجاهدين الطرابلسيين والذي صدرت الطبعة الأولى منه في صيف 1360 هـ في (72) صفحة من القطع المتوسط والطبعة الثانية بعد مرور سبع سنوات من الطبعة الأولى مزيدة ومنقحة في (160) من القطع المتوسط وذلك سنة 1367 هـ ـ سنة 1948 م بتصدير الأمير عمر
صفحة
طوسون باشا.
2 - من أعلام مفكري وفقهاء ومؤرخي وأدباء عمان، وممن لهم إسهامات جادة في الفقه والأصول والأدب والتاريخ وهو واحد من العلماء الذين يندر أن يجود الزمان
بأمثالهم، أثرى المكتبة العربية بمؤلفاته التي تعتبر مراجع للدارسين والباحثين.
21 (1/21)
صفحة 22
عائلة الشيخ الجبري علي بن جبر بن محمد بن ناصر الجبري، وسكن بالقرب منهم بموضع فاروه بسفالة سمائل، وعاش مع زوجته المذكورة إلى أن
توفيت وورثها من سمائل.
ويضيف فضيلة الشيخ سالم بن حمود السيابي إلى ذلك قوله: وفي عهد السلطان سعيد بن تيمور تولى الباروني نظارة شؤون الولاة فخرج إلى الشمال وكان بصحبته الشيخ علي بن عبد الله الخليلي، وكنت (1) من المصاحبين، ثم عاد إلى مسقط حيث أصيب بمرض استدعى سفره إلى بمباي للعلاج حيث قضى هناك نحبه ودفن فيها.
ومما يذكره فضيلة الشيخ سالم بن حمود السيابي للباروني أيضا أنه بنى بيتا في علاية سمائل بموضع الإبراهيمية واتخذه مدرسة حاول أن يدخل في مناهجها التعليم العصري، وأن هذه المدرسة انتقلت إلى الشيخ سعود بن
علي الخليلي، كما يذكر فضيلته بأن للباروني ديوانا شعريا اطلع عليه
وتحت عنوان (أبي كما عرفته) تقول زعيمة الباروني
(2)
لم يكن والدي ـ رحمه الله ـ يخشى الخطر مطلقا فلم يثنه عن عزمه وتصميمه ما قاساه من تعب ونصب، وما مر عليه من مشقة وتعذيب، وقد ظل معتصما بالصبر، فظل مثابرا على أداء واجبه مهما أحاطت به الظروف، ومهما اكتنفته (النوازل اهـ.
1 - الحديث لفضيلة الشيخ سالم بن حمود السيابي.
2 - السيدة زعيمة الباروني كريمة سليمان باشا الباروني ومؤلفه كتاب (صفحـ خالدة من الجهاد، كما ترك الباروني طارق الباروني وعز الدين الباروني حفيدي
الزعيم ونجلي ولده إبراهيم.
22 (1/22)
صفحة 23
الباروني شاعراً
عرفنا الباروني رجل السياسة المحنك العارف، والأسد الذي يصول في ساحات الوغى، والمجاهد البطل، وأن لنا أن نتعرف على الباروني الشاعر الإنسان ذي القلب الكبير والعاطفة الأخاذة الجياشة، وذلك بإيراد بعض من نماذجه الشعرية على سبيل التمثيل لا الحصر، وسنختار هذه الأبيات كما وردت في حياة سليمان باشا الباروني لأبي القاسم الباروني)
نبدأ بإيراد أبيات مختارة من رائية له يرثي فيها أخاه الشقيق الشيخ يحيى بن الشيخ عبد الله الباروني، وقد بلغه نعيه عندما كان مقيما بمسائل عمان، فنظم هذه القصيدة في ليلتي 28 و 29 من جمادى الأولى سنة 1346 هـ، وأرسلها إلى خليفة قطب الأمة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش
ويقول فيها:
يحيى أخي أين أنت اليوم مستتر
يا خير عون إذا ما أحدق الخطر
يا مخزن السر يا رب الوفاء ويا
فخر الرجال ويا من وجهه قمر
نعاك لي اليوم كل الكاتبين ولم
أجد سوى الصبر فيما شاءه القدر
بالطبع نحزن لكن هل لنا أمل
في عودة منك؟ كلا! ما لذا أثر
أنا حزنا وطال الصمت وانزعجت
منا النفوس ولكن هل شفى الضجر؟
23 (1/23)
صفحة 24
هيهات هيهات الاعود ولا صلة
من بعد موت ولا نعت ولاخ
إلى القيامة حيث الحشر يجمعنا
نرجوا
اللقاء وذنب الكل مغـ
والقصيدة طويلة تقع في (82) بيتا من الشعر.
ومن شعره في الخلافة الإسلامية: الله أكـ ر حارت الأفكار
في حكمه سبح
حكموا وظنوا أن حكمهم معنا
وطغوا فغار ألهنا فانهاروا
(نزلوا) وها أنا قد صعدت فهل لهم
ان يهدموا ما شاده الأقدار
مالي أرى (بونكاريا زلت به
قدماه أم قد دكه الجـ
الجبار
زمنا قضيت بحكمه متفرنس (1)
فكأننى لص إليه يشـ
1 - يقول هذا من باب التشنيع وكأنه يقول (أصبحت كالمتفرنس) يشير بذلك إلى الحضارة في فرنسا وانغلاق أبواب البلاد الإسلامية عليه (ص 156 حياة الباروني
باشا).
24 (1/24)
صفحة 25
الباروني والشعراء
نعرض
وللباروني ديوان شعري وأشعار عديدة في مناسبات مخ عنها هنا صفحاً عن الإطالة، ولنتعرف على الباروني من وجهة نظر الشعراء
والأدباء الذين عرفوه في حياته وواسوه في مصابه وأحزانه ورثوه بعد رحيله إلى العالم الآخر.
جاء في قصيدة نظمها العالم الجليل الشيخ سليمان بن سالم الكندي يرثي فيها صديقه الحميم سليمان باشا الباروني:
ان العروبة والشهامة والحجا
طالت به ش فا وطابت تربة
قد ضمنت قبرا به الباروني
بمباي فـيـالله من مدفون
أبدا فلا يفنيه ر قرون
أعظم به خطبا جليلا باقيا
خطب ألم بنا فدم ركننا
وأباد صنوتنا يب منون
ما هذه الدنيا بدار إقامة
أبدا فلا تغتر كالمفتون
تلد العجائب فهي حبلى دائما
وخطابها لهم حذار شجوني
کم حسنت للمرء لذته ولم
يشعر فغالته بحرب زبون
20 (1/25)
صفحة 26
والقصيدة في خمسة وعشرين بيتاً.
وينظم العلامة الجزائري الشيخ أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى الميزاني هذه القصيدة الغراء مخاطبا الباروني في زمن الحرب الطرابلسية الإيطالية في
(6) جمادي الأولى 1331 هـ ومطلعها:
أحرك لي شوقي وهيج لي وجدي
تبسم زهر الياسمين أو الورد؟
وأغصان ريحان الربا عبثت بها
رياح الصبا تشفي الحزين من الكمد
أم غضة غيداء ذات تغنج
مفلجة الأسنان وردية الخـ
لها الثغر عن حب العمائم باسم
يجود بعذب الريق أحلى من الشهد
لها فاحم فاق الغراب ومرسن
ومقلة ظبي لا نظير لها عندي
حمام إذا ماشت، كثيب إذا ونت
قضيب إذا جاءتك مربوعة القد
سلوب متى قصت، خلوب إذا حكت
لعوب إذا لاقت شغفت بها وحدي
يلوح سناها يملأ الجو نشرها
إذا أسفرت عن وجهها وعن الجعد
تقبل کعبيها ذوائبها إذا
مشت والبرود لا تمس سوى النهد
26 (1/26)
صفحة 27
لها من بديع الحسن ما لو توزعا
على الغيد أغناهن عن زينة العقد
تحب وصالا ما لها عنه سلوة
وليس لها عني إلى ذاك من بد
فقلت دعيني ياسليمى فان في
سويداء قلبي حائلا عنك كالسد
تواري فلست مغرما بك إنني
مشوق إلى من حق بالنصر والمجد
همام عظيم ساقه الله رحمة
إلى الدين والأوطان والفضل والمجد
مس لكن لا يغيب وانه
والقصيدة تقع في ثلاثين بيتاً.
لبحر ولكن لا بذي الجزر والمد
ولأبي اليقظان قصائد في الباروني منها قافيته المشهورة والتي قالها بمناسبة حفلة تكريمية أقامها أبو اليقظان للباروني وذلك في 24 من المحرم
1343 هـ ومنها قوله:
هلالان هلا بالرحاب والسا
وبدران من أفق السماء ين أشرقا
هلال به عام جديد تلألأت
مباسمه فوق السما فترونقا
وآخر لاحت من سماء كماله
أشعته في جونا فتألقا
27 (1/27)
صفحة 28
وضاءت به الأرجاء بشرا وبهجة
وفي وجهها ماء السور ترقرقا
والقصيدة تقع في 40 بيتا من الشعر.
28 (1/28)
صفحة 29
الباروني وشعراء عمان
جاء في (حياة سليمان باشا الباروني لمؤلفه أبي القاسم الباروني ط 2 / ص 215) أن مجلة المنهاج الشهرية كانت تعني من حين لآخر بنشر أنباء الحركتين الفكرية والقومية في عمان وكانت تورد في ذلك الكثير مما يتعلق بالباروني مستشار حكومة سلطان عمان إذ ذاك، ومما جاء في ذلك إحدى
فرائد الشيخ عيسى بن صالح الطائي قاضي مسقط حيث يقول: أقومي ان للعلي
رج
لهم في نيله ا رأي وفكر
لها دحروا الكرى بنصال عزم
وفي وثباتهـ قصد وكر
إذا ليل الغباوة مد سج
جلاه منهم علم وخـ
وكم ظلمات جهل قد محوها
كما يمحى من الأسفار سطر
غذوا أرواحهم بلبان علم
فطال لهم على النظراء قدر
ففرق بين من ساس البرايا
وجربها ومن في الناس غمر
وفرق بين من هزم السرايا
وبين فتى له في الحرب فر
وفرق بين من قال فعلا
وبين فتى له خدع ومكر
29 (1/29)
صفحة 30
أقومي أين مجدكم قديما
تقاصر عنه عيوق و
إلى أن يقول:
لقد سمح الزمان لكم بقرم
له في خـ
ة الإسلام بر
هو الشهم (البروني) ذو المزايا
سليل المجد في الهيجاء ذمر
نمته نفوسة شرفا وجادت
به لع
ان أيام ودهر (1/30)
صفحة 31
منهج التحقيق
تناول الكتاب الموضوعات الرئيسية التالية:
إمامة طرابلس وانتقال الإمامة منها إلى تيهرت بالمغرب الأوسط وتأسيس مدينة تيهرت وأقوال العلماء والكتاب الذين تناولوا تاريخ هذه
المدينة بالإشارة والذكر والمدن التابعة لها والعلماء المنسوبين اليها.
كما تناول الكتاب الحديث عن (درعة) وعلمائها وخلافة الإمام عبد الرحمن والإمام عبد الوهاب وقتل ميمون ابن الإمام والأخذ بثأره وخروج الواصلية من المعتزلة على الإمام وحروبه معهم والمناظرة والمبارزة، ثم الحديث عن أبي أيوب ابن العباس على الجبل وحكاية ابن يانس وعماله، وخلافة الامام أفلح بن عبد الوهاب وخبر فرج النفوسي المعروف بنفات الخارج عن الطاعة، وجوابات الامام أفلح إلى المسلمين وهروب نفات إلى الشرق واستنساخه ديوان الامام جابر بن زيد رضي الله عنه وولاية أبي ذر أبان على جبل نفوسة، ومن ثم خلافة الإمام ابي بكر ابن أفلح ورجوع أبي اليقظان من بغداد وخبر قتل ابن عرفة وحرب نفوسة وأبي اليقظان مع أهل المدينة واجتماع الاباضية والمعتزلة للمناظرة وحكاية العلامة أبي عبيد الاعرج مع الامام وأخباره، وولاية أفلح ابن العباس على جبل نفوسة، وولاية أبي منصور على نفوسة وأخباره، وجواب أبي منصور إلى ابن طولون وحكاية أبي اليقظان مع أخي الخليفة المسجون معه، وعقد الخلافة لرفيق أبي اليقظان
وأخباره معه معه بعد ذلك، وطلب الخليفة من أبي اليقظان الاقامة ببغداد. ويتناول الكتاب خلافة الامام أبي حاتم يوسف بن محمد وسعي بعض المفسدين في المروق عن طاعة الامام وحربه مع عمه يعقوب واجماع
31 (1/31)
صفحة 32
المسلمين على خلافة الامام وهروب عمه يعقوب إلى طرابلس ودخول الإمام المدينة، وولاية العلامة أفلح بن العباس على نفوسه وحول أرباب المذهب بتيهرت ووفاة الامام وانقراض ملك بني رستم فيها واستيلاء الشيعة عليها
ورثاء مدينة تيهرت بعد خرابها، وسياحة المؤلف في المغرب.
لقد تحدث المؤلف باسهاب عما عرض له من موضوعات ويتضح ذلك من حماسه للمادة التي يؤرخ لها مشيرا في ثنايا مؤلفه إلى أن مجاورته لقطب الأئمة العلامة الشيخ محمد بن يوسف اطفيش وملازمته له ثلاث سنين، ومما كان. يسمعه من استاذه الفاضل عن تيهرت وعمرانها وبني رستم وعدلهم فيها، اشتاقت نفسه إلى زيارة أطلالها والوقوف على ما بقي من آثارها اعتبارا بمن مضى، وتزودا من بركات من وطئوا ثراها، وعمروا بذكر الله سماها ورباها، فاستأذن استاذه الذي زوده بدعائه الصالح وتوجيهاته القلبية إلى تيهرت ليجدها ولم يبق منها الا آثار ورسوم وأنقاض متراكمة، وبقي من سورها شيء قليل في ناحية يدل على منعته وقوته، كما زار المؤلف الغار الموجود فيها بالقرب من الشجرتين اللتين يقال ان عمرها يعود إلى وقت عمرانها، ويذكر المؤلف ان المشهور عن الغار انه كان معبدا لبعض زهاد ذلك الوقت، كما يستمع من الأعراب المجاورين إلى بعض الكرامات.
وهكذا يتضح لنا ان حب الباروني واعجابه بتيهرت دفعاه إلى التأريخ لهذه المدينة فكان والحق يقال موفقا فيما ذهب اليه، عالما بأخبار من أرخ لهم، لا يصدر الأحكام جزافا، بل يخضعها للعقل والمنطق فنراه بين الفينة والفينة يدلي بآرائه ويعلق على ما يؤرخ له ايجابا أو سلبا بأسلوب المؤرخ العالم العارف المسلم بمادته المالك لزمام المبادرة في كل حال وعلى كل حال: لذا جاءت كتاباته هامة لأنها اعتمدت على سرد الحقائق واخضاعها للعقل
والتحليل المنطقي السليم ودعمها بالحجج والبراهين.
32 (1/32)
صفحة 33
ويلقى الباروني كل رعاية واحترام من قبل المسئولين في عمان ويحظى باهتمام السلطان تيمور الذي أعد قصرا فخما لنزوله، وأنه قام بمهمة اصلاحية جليلة الشأن حيث لعب دورا كبيرا في إزالة ما كان هناك من جفاء بين الامام محمد بن عبد الله الخليلي وبين السيد تيمور بن فيصل سلطان عمان، فتقاربت وجهات النظر، وعادت المياه إلى مجاريها من جديد مما كان له أكبر الأثر في نفوس الجميع.
المتغلغلة
ويشير أبو القاسم سعيد يحيى الباروني في كتابه (حياة سليمان باشا الباروني زعيم المجاهدين ط 2 ص 40) أن الباروني سار على نهج. هذه العقيدة في نفسه حتى تغلب عليه مرض عضال أعلى نفس الاطباء فأشار عليه طبيبه الخاص بالسفر إلى بمباي حتى اعتلت صحته ولزم الفراش اياما، ولم ينجح دواء، ولم ينفع طبيب، فصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها، وكانت وفاته - رحمه الله ـ في مساء 1 مايو سنة 1940 م.
وهكذا سطر الباروني صفحات مضيئة في سجل الخالدين وانتهت حياة شمعة أضاءت طريق الحرية والعزة والكرامة ردحا من الزمن، ذلك هو
الباروني المكافح، المناضل، المجاهد في سبيل عروبيته واسلامه ووطنه.
مراجعة: محمد علي الصليبي
ربيع الثاني 1407 هـ الموافق 5 ديسمبر 1986 م (1/33)
صفحة 34
/ (1/34)
صفحة 35
التقطت هذه الصورة للمؤلف في عام 1916
35 (1/35)
صفحة 36
/ (1/36)
صفحة 37
B B B B BY Y B B BAYBAY
الحمد لله وحده
قائمقام النواحي الاربعة سابقا علي شالابي بالا وفقه الله
اما بعد فقد اقتحني را نينا تعيكم وفيلا القائمقام
فعليک با لتوجه اليها ومباشرة الامور محرم و تامين الراحة و اصلاح ذات البين ومنع التقربي ومحافظة حقوق الضعفاء واستعن في امور که بالله و باشراف البلدة وعليك بتقوى الله والله الموفق}» صفر 1770
سلمان اوربيت
بخط المؤلف
رسالة بخط المؤلف
27 (1/37)
صفحة 38
/ (1/38)
صفحة 39
القسم الأول (1/39)
صفحة 40
/ (1/40)
صفحة 41
1 - إمامة طرابلس
يعتبر
سلمة بن سعيد الحضر مى أول شخصية تذكرها المصادر الاباضية مقرونة بالدعوة الأباضية في شمال إفريقية، وقد ارتحل إلى شمال إفريقية بعد عام 95 هـ / 713 م. وقد استقر سلمة في جبل نفوسة في منطقة طرابلس، وكان سلمة شديد الحماس حريصا على نشر الدعوة بين قبائل المغرب، ويروي عنه أنه قال: وددت أن يظهر هذا الأمر بأرض المغرب يوما واحدا من غدوة إلى الزوال فما أبالي أن ضربت عنقي.
وقد أرسل سلمة بن سعد بعض الأشخاص بالذهاب إلى المشرق ليأخذوا العلم ويتفقهوا على يد زعيم الحركة في البصرة الامام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وكان أشهر هؤلاء الاشخاص أبا عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغيطر الخباواني، وقد أصبح ابن مغيطر مقدم
الأباضية في منطقة طرابلس بعد اختفاء سلمة عن مسرح الأحداث. وقد سنحت الأحوال باعلان الامامة الأباضية في طرابلس عام 140 هـ / 757 م، حيث اتفق الأباضية أن يبايعوا الحارث بن تليد إماما عليهم، فقام الحارث باحتلال طرابلس وبقية ليبيا ولكنه قتل غيلة على أيدي أعوان عبد الرحمن بن حبيب، والي طرابلس العباسي، وبويع بعده أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري إماما للأباضية، وتمكن الأباضية بقيادة أبي الخطاب من الاستيلاء على طرابلس وإتخاذها مركزا كما استولوا في العام نفسه على جزيرة جربة وجبل دمر وقابس ودانت لابي الخطاب معظم بلاد
الأدنى واستطاع الاستيلاء على القيروان قصبة إفريقية في العام التالي. وقد استمر الأباضية في صراعهم مع الولاة العباسيين طيلة خمس سنوات وانتهى النزاع بمقتل الامام المنتخب أبي الخطاب المعافري من معركة
41 (1/41)
صفحة 42
تاورنما عام 144 هـ / 761 م على يد الوالي العباسي محـ بن الأشعث
الخزاي.
وبعد
هذه الأحداث بويع أبو حاتم يعقوب بن حبيب المعروف بالملزوزي الذي قتل هو الآخر في معركة حامية مع والي الحبة جعفر المنصور، وكان قد حارب الأغالبة وتغلب عليهم وبعد مقتل أبي حاتم انتقل مركز الأباضية من
طرابلس إلى تاهرت بالجزائر حيث تكونت دولة الرستميين.
2 - تاهرت
مدينة من مدن المغرب الأوسط (الجزائر) .. وتذكر الروايات أن عبد الرحمن بن رستم، والي القيروان من قبل الامام أبي الخطاب، في إمامة طرابلس، قد بنى هذه المدينة عقب فراره من جيوش محمد بن الأشعث بعد هزيمة أبي الخطاب عام 144 هـ / 761 م، وقد بناها على بعد خمسة أميال في الجنوب الغربي لمدينة تاهرت القديمة التي ترجع إلى العصر الروماني، وقد أصبحت هذه المدينة مضرب الامثال في جمال طبيعتها وموقعها الممتاز، واتخذها الأباضية عاصمة لامامتهم في المغرب الاوسط.
ـ عبد الرحمن بن رستم
هو عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سام بن كسرى، من أصل فارسي، أحد تلامذة أبي عبيدة مسلم من حملة العلم إلى المغرب، كان قيامه مع أمه بالقيروان، قدم به أبوه حاجا من فارس فتوفي بمكة وتزوجها رجل مغربي من أهل القيروان فحمل الولد معه ثم عاد إلى البصرة مع رجال من المغاربة إلى طلب العلم فاستقر بها في رحاب أبي عبيدة خمس
42 (1/42)
صفحة 43
سنوات، ثم خرج وقام بدولة الامام أبي الخطاب، وتولى له القيروان، ولما قتل أبو الخطاب خرج عبد الرحمن مع رجال الأباضية إلى الجزائر وبويع له بالامامة، وطار صيته في أطراف الأرض شرقا وغربا، وظل إماما في تاهرت أحد عشر عاما، وجعل الأمر من بعده شورى بين سبعة رجال العلم والصلاح وهم ولده عبد الوهاب، ومسعود الأندلسي، وأبو قدامة يزيد بن فندين، وعمران بن مروان الأندلسي، وأبو الموفق سعدوس ابن عطية، وشكر بن صالح الكتامي.، ومصعب بن سلمان، وقد اتفق الجميع على اختيار ابنه عبد الوهاب.
وكان عبد الرحمن قد هرب إلى تاهرت وترك القيروان بعد انتهاء إمامة طرابلس، وبدأ في بناء مدينة تاهرت على موضع تاهرت القديمة (الشيخ سالم الحارثي) (العقود الفضية في أصول الأباضية
ـ الامام أبو الخطاب
ص
(239/ 240
هو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح |، وقد اجتمعت الأباضية على اختياره إماما عام 141 هـ / 758 م، بعد مقتل الحارث بن تليد على أيدي أعوان عبد الرحمن بن حبيب، وفي عهده دانت معظم بلاد المغرب الأدنى له واتخذ من طرابلس عاصمة له.
ه - طرابلس:
من أهم مدن الشمال الأفريقي، وكانت تقع إلى الغرب من برقة، كما
تبدأ بعدها مدن المغرب الأدنى (تونس).
43 (1/43)
صفحة 44
6 - القيروان: من مدن المغرب الأدنى التي أقيمت في زمن الدولة الأموية، لكي تكون مركزا للجيوش الإسلامية التي تقوم على فتح إفريقية، وترجع إلى ايام عقبة بن نافع، وكانت أعظم مدن إفريقية وأكثرها تجارة وأمولا وأحسنها منازل وأسواقا، وكان فيها ديوان جميع المغرب ودار السلطان.
- قابس:
من مدن المغرب الأدنى، تقع على الساحل، ويحدها جبل نفوسة من الجنوب، وبلاد الجريد من غربها كما أن جزيرة جربة تقع بالقرب منها
- عبد الرحمن بن حبيب
عامل إفريقية العباسي.
9 - قبائل بربرية قبائل بربرية خارجة من صلب زناتة وتعتبر لواتة
ومزاتة وهم بنو الخطاب ملوك مزاتة.
10 - إفريقية والمغرب
أطلق المؤرخون والجغرافيون المسلمون في العصور الإسلامية على المنطقة التي تقع غرب إقليم برقة إسم إفريقية، والمنطقة التي تجاورها من الغرب اسم المغرب الذي يمتد حتى ساحل المحيد الأطلسي، وقسموا بلاد المغرب إلى ثلاثة أقسام هي: المغرب الادنى (تونس (حاليا) والمغرب الأوسط (الجزائر الحالية) والمغرب الأقصى مراكش أو المغرب حاليا).
{{ (1/44)
صفحة 45
القسم الثاني (1/45)
صفحة 46
/ (1/46)
صفحة 47
كذلك
الباب الأول
في انتقال الإمامة من طرابلس إلى مدينة تيهرت بالمغرب الأوسط ومبدأ ذلك وأسبابه
قد تقدم ان عبد الرحمن بن رستم لما ورد عليه أمر الإمام أبي الخطاب من طرابلس، وهو عامل له بالقيروان، جهز جيشا وسار به، ولما وصل (قابس) أدركه خبر وفاة الإمام، فتقرق عليه الجيش وقامت (قابس) على عاملها فعاد إلى القيروان فوجدها قد قامت على وكيله أيضا، ووجد عبد الرحمن بن حبيب ثائرا بها كما مر مفصلا في القسم الأول، ولما وجد الأمر خرج مستخفيا قاصدا المغرب، ولم يكن معه شيء إلا ما خف من ماله وابنه عبد الوهاب ومملوكه وفرسه وما ساروا غير قليل حتى ماتت الفرس فدفنوها كي لا يعلم بموتها أحد من حزب ابن حبيب فيطمع فيهم ويتبع أثرهم. ولما تعب عبد الرحمن من السير لكبر سنه تناوب حمله ابنه عبد الوهاب على ظهره مع المملوك، وقال كل منهما للآخر إذا لحقنا من العدو ما دون خمسمائة فارس فلا نضع الشيخ أي عبد الرحمن) إلى الأرض، وأنا أكفيك مؤونة الدفاع وظلوا سائرين قاصدين رحاب المغرب وأكنافه (1) الواسعة المزدانة (2) برجال الأباضية اخوانه ومحبي سيرته، حيث يعمه الأمن
1 - أي جوانبه.
2 ـ أي المتزينة.
47 (1/47)
صفحة 48
ويحيط به العز والشرف، ويشمله الاجلال والاحترام، إلى أن بلغوا جبلا يعرف بسوفجج، وهو على ما وصف به في التواريخ في غاية المنعة وصعوبة المرقى، فتحصن فيه وسمع به وجوه الأباضية، وعلماؤهم فقصدوه من كل النواحي، حتى اجتمع عنده من طرابلس وجبل نفوسة من العلماء فقط ما يزيد على ستين من أكابر العلماء وأهل الفضل والرأي، ولما بلغ ابن الاشعث وهو في القيروان كما خبر. هذا الاجتماع اشتد به الرعب وداخله الفزع، ولم يطب له طعام ولا شراب ولا منام، حتى جهز جيشا وسار به إلى الجبل المذكور المحاصرته قبل أن يعظم ذلك المجتمع، ولما وصله نزل في. سفحه (1) وحفر خندقا على معسكره (3) خوفا من هجوم عبد الرحمن، ومن معه عليه
(r)
وأقام محاصرا للجبل زمنا مستعملا كل الحيل في دخوله والاستيلاء عليه، ولم يتمكن من ذلك، ولما سئم" الاقامة وتوقع انقلاب الحال عليه وخاف سوء العاقبة ولاسيما بعد أن انتشر داء الحمى والجدري في عسكره حتى منهم خلق كثير استشار في الامر خواصه، فأشار عليه بعض بالارتحال وبعض بالاقامة، فأخذ برأي الأولين وارتحل قائلا ان سوفجج لا يدخله الا
هلك
(4)
دارع ومدجج، ولم نقف على ما نستدل به على تعيين هذا الجبل وأي الجبال هو لتبدل الأسماء بتبدل اللغات مع طول الزمن، فدخل القيروان وتحصن بها، وأقام عبد الرحمن هنالك حتى اجتمع عليه من أهل الفضل 1 - سفح الجبل أسفله.
- المعسكر موضع اجتماع العساكر.
ـ أي مل بتشديد اللام.
4 - دارع كلابن وتامر هو الرجل الذي عليه الدرع بكسر الدال وهي - حلة من حديد تلبس حال الحرب ـ تذكر وتؤنث ـ والمدجج ـ بتشديد الجيم الأولى ـ هو الرجل المتقلد بسلاحه الحديد القوي.
-
-
قال الحموي في 488 كأنه من الديجوج وهو الظلام كانه يختفي في الظلام كما
يختفي في السلاح (1 هـ) ولعله بالعكس.
48 (1/48)
صفحة 49
والعلم والصلاح جم غفير وارتحل إلى جهة (تاهرت) وهي إذا ذاك مدينة قديمة يسكنها وما حولها قبائل من البربر مثل هوارة، ومكناسة، ونفوسة، ولماية، ومزاتة، وغيرهم، وكلهم أباضية إلا النادر ويعدون بمئات الألوف، قال المؤرخ ابن خلدون، وقتل أبو الخطاب وطار الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن رستم بمكان امارته في القيروان، فاحتمل أهله وولده ولحق بأباضية المغرب) الاوسط من البربر الذين ذكرناهم، ونزل على لماية، لقديم حلف (2) بينه
(1)
وبينهم، وذكر مثل ذلك العلامة الحموي في تاريخه أيضا، ولما وصلهم استبشروا به لما يبلغهم من استقامته وعدله وعلمه وورعه، أيام كان عاملا لأبي الخطاب على القيروان والتفو حوله واستظلوا بحمايته، ووقفوا عند أوامره ونواهيه بدون ان يدعي فيهم خلافة أو يطلب بيعة أو ملكا ثم اجتمعوا
1 - الذي يظهر أن الذي سار فيه عبد الرحمن ومن معه من ذلك الجيل إلى حد تاهرت كله عامر بالاباضية لا غير أو لهم السيادة فيه، وإلا لما أمكن له الوصول بدون أن يعرض له عارض مع اشتهار أمره وشدة طلب العدو له، ولم نعلم السبب المرجح الذهابه إلى المغرب دون جبل نفوسة وما حوله العامر بالاباضية مع قربه منه وقوتهم اللهم إلا أن يكون ذلك الحلف الذي سيأتي ذكره عن ابن خلدون.
2 - الحلف – بالكسر – العهد بين القوم والصداقة والصديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به (1 هـ)، قاموس (فائدة) قال والاحلاف قوم من ثقيف (بفتح الثاء) وفي قريش ست قبائل، عبد الدار، وكعب، وجمع، بضم ففتح وسهم، ومخزوم، وعدي، لأنهم لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والسقاية (في المسجد الحرام وأبت عبد الدار عقد كل قوم على أمرهم حلفا (بكسر الحاء) مؤكدا على أن لا يتخاذلوا فاخرجت عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعتها لأحلافهم وهو، اسد، وزهرة، وتميم، وعند الكعبة فغمسوا أيديهم فيها وتعاقدوا وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤهم حلفا آخر مؤكدا فسموا الاحلاف وقيل العمر رضي الله عنه،، احلافي، (بياء النسب) لأنه عدوي) (هـ)، ولعل مراد بن خلدون بالحلف ها هنا. مجرد الصداقة وإلا فلم نعثر في كلام المؤرخين على حصول معاهدة بين عبد الرحمن وبين قبيلة لماية أو غيرها من القبائل قبل توجهه الى جهة تيهرت إلا أن يكون ذلك أيام امارته بالقيروان ولم نطلع عليه والله أعلم.
،
49 (1/49)
صفحة 50
اليه (1) وقالوا له: لابد لنا من امامة ظهور بعد تأسيس مدينة حصينة منيعة بعيدة عن مهاجمات العدو (3) تكون مأوى ومقرا لامامتنا (3) وملجأ لنا في حربنا وسلمنا فأجابهم عبد الرحمن إلى ذلك واستحسن رأيهم.
- الظاهر ان هذا الاجتماع كان قبل أن يحصل تقديم أبي حاتم ـ رحمه الله ـ في جهات طرابلس كما يتبين بالنظر إلى تاريخ تأسيس تاهرت وتاريخ ولايته على ما تقدم وما سيأتي.
2 - يريدون بذلك أن تكون في وسط مواطنهم ومعظم جموعهم وقوتهم ولا تكون قريبة من حدود مملكة قوية من مالك غيرهم حتى لا يسهل هجوم العدو عليها
کطرابلس فانها على البحر وقريبه من حدود مصر ولذلك لم يستقر لهم فيها قرار. 3 ـ أي الامامة التي يضمرون عقدها لعبد الرحمن أو غيره في مستقبلهم أما أبو حاتم فلا ذكر له إذ ذاك ولم نقف على نص يوضح حال أباضية طرابلس والجبل ومايلي ذلك في الزمن الذي بين وفاة أبي الخطاب وامامة أبي حاتم ـ رحمهما الله ـ فانها مدة لا يمكن أن تخلو من عمل مع ما هم عليه من القوة عددا وعدة. (1/50)
صفحة 51
الباب الثاني
ابتداء تأسيس مدينة تيهرت
فاختاروا إذ ذاك من أهل العلم والخبرة بالارض جماعة ليرتادوا (1) مكانا جيد الهواء كثير المياه خصب الأرض، قابلا للعمارة مأمونا من العدو كما طلبوا، فطافوا أقطار تلك الجهات إلى أن عثروا على المكان الذي بنيت فيه، وكان غابة ملتفة بالاشجار يسكنها أنواع الوحوش، قال العلامة الشماخي رضي الله عنه في تاريخه نقلا من تاريخ ابي زكريا رحمهما الله، ان بقية المسلمين ورؤساء العابدين وكبراء الزاهدين من جماعة المؤمنين، اتفقوا على أن يتخيروا موضعا يبنون فيه مدينة تكون حرزا وحصنا للإسلام، فأرسلوا الرواد (2)، فطافوا أطراف تلك البلاد فاستحسنوا موضع تاهرت فاتفق رأي المسلمين على بنائها، فجعلوا لأهلها خراجا (3) معلوما يأخذونه من غلتها،
1 - أي ليطلبوا فهو مضارع ارتاد وفي الحديث إذا بال احدكم فليرتد لبوله اي فليطلب مكانا لينا أو منحدرا).
جمع رائد وهو الذي يرسل في طلب الكلاً كما في القاموس والمراد هنا المرسلون في طلب أرض على النعت المذكور.
- أي مقدارا معينا من المال يدفعه لارباب الارض أصحاب البيوت والاسواق والحمامات بقانون متفق عليه في كل شهر أو كل سنة وقد عرف بعضهم الخراج فقال: الخراج والخرج (بفتح فسكون بمعنى واحد وهو أن يؤدي العبد اليك خراجه أي غلته
01 (1/51)
صفحة 52
عن
وذلك بعد أن راودهم عبد الرحمن على البيع ولم يقبلوا كما سيأتي. الحموي، وأمر مناديا فنادى بأعلى صوته قائلا، يا من بها من الوحوش والسباع، ان اخرجوا وارتحلوا، فانا نريد عمارتها ونازلون بها، ولكم أجل ثلاثة أيام، أو ما في معنى هذا الكلام، قال أبو زكريا، وذكروا انهم رأوها
تحمل اولادها في افواهها وهي خارجة من تلك الاشجار فرغبهم ذلك فيها، وزادهم بصيرة في عمارتها).
(1)
ولما تم الاجل ولم يبق بها من تلك الوحوش شيء، أو قدوا شجرها نارا فأحرقته، ولما خمدت النار، وتمت تنقية الاشجار (2) وصارت صالحة للعمارة
?
والرعية، تؤدي الخراج إلى الولاة وأصله من قوله تعالى: «ام تسألهم خرجاه وقرئ خراجا معناه أن تسألهم اجرا على ما جئت به فأجر ربك وثوابه خير، وأما الخراج الذي وظفه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على السواد فأراضي الفئ فان معناه الغلة ومنه قوله عليه السلام، الخراج بالضمان، قالوا هو غلة العبد يشتريه الرجل فيستغله زمانا ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع ولم يطلعه عليه فله رد العبد على البائع والرجوع عليه: بجميع الثمن والغلة التي استغلها المشتري من العبد طيبة له لأنه كان في ضمانه ولو هلك هلك من ماله وكان عمر رضي الله عنه أمر بمسح السواد ودفعه إلى الفلاحين الذين كانوا فيه على غلة كل سنة ولذلك يسمى خراجا ثم بعد ذلك قيل للبلاد التي فتحت صلحا ووظف ما صولحوا عليه على أرضهم خراجية لأن تلك الوظيفة اشبهت الخراج الذي لزم الفلاحين وهو ا الغلة لأن جملة معنى الخراج الغلة وفي الحديث (1 هـ) ان أبا طيبة لما حجم النبي صلى الله عليه وسلم امر له بصاعين من طعام وكلم أهله فوضعوا عنه من خراجه (أي من غلته). 1 - ذكر بعض المؤرخين مثل هذه الحكاية في شأن الصحابة لما فتحوا افريقية وأرادوا تأسيس مدينة القيروان ولعل الامام عبد الرحمن اقتدى بهم في تأسيس تاهرت أيضا ولم نجد من نسب له هذه الكرامة من مؤرخي غيرنا أما عندنا ففي كل تاريخ والله
أعلم.
2 ـ ذكر العلامة الشماخي والعلامة أبو زكريا - رحمهما الله ـ انهم وضعوا في أصول تلك الأشجار جيسا (أي معجونا اتخذوه من ثمر واقط وسويق مخلوطين بسمن)
02 (1/52)
صفحة 53
قصدوا إلى اختيار محل ليؤسسوا فيه المسجد الجامع قبل كل شيء، فانتخبوا أربعة أماكن، ورموا القرعة عليها فجاءت على المكان الذي خصصوه
لصلاتهم أيام إقامتهم في تنقية الأشجار، فشرعوا في تأسيسه واختطوها
(2)
بيوتا وقصورا وأسواقا وحمامات، ومساجد، وفنادق (1) يحيط بالكل سور"
محكم وتفننوا تدريجيا في عمارتها وتنظيمها، حتى كانت عروس تلك الأقطار وفخر تلك الديار، وأصبحت كما وصفها المؤرخون من انها عراق المغرب، وانها بلخ (3) المغرب، وانها قاعدة المغرب الاوسط، لما كان بها من
فجاءت الخنازير في الليل (وكأنها موجودة بكثرة وتحب هذا المعجون جدا لما شمت رائحته وصارت تحفر تحت تلك الأصول بحثا وراء ذلك الحيس حتى نزعتها كلها، وبالتأمل يظهر أن هذه الأمر يحتاج إلى شيء كثير من السمن ولوازمه لما في المكان من كثرة الشجر، ثم انظر كيف يتأتى للخنازير نزع تلك الاصول العظيمة ذات العروق الراسخة المتفرعة في باطن الأرض من أحقاب لا يعلمها إلا خالقها التي يكل في قطعها الحديد الحاد، فالله أعلم كيف كان ذلك ولعل هناك أمر آخر سهل نزعها مع الخنازير وأهمله التاريخ أو جعلوا ذلك لما بقى بعد الحرق من أصول الأشجار الرقيقة لكثرتها وأما العظيمة فباشروا إزالتها بأنفسهم وعلى كل حال فلاحظ للنظر مع وجود الأثر إذ ما نقلوا رحمهم. الله ذلك ودونوه إلا عن يقين وصحة.
1 - الفنادق
جمع
فندق
وهو لغة الخان اي محل التجارة وفي اصطلاح عصرنا يطلق غالبا على محل كبير ذي بيوت معدة لنزول المسافرين به بالاجرة ويختلف باختلاف المدن والبلاد وفي معداته وترتيباته.
2 - بقي إلى الآن من هذا السور قطعة تدل على متانته وسيأتي في الأصل كلام
عليه
- العراق، وبلخ، من البقاع التي كان يضرب بها المثل في الحضارة والمدنية والعمران بالشرق في صدر الإسلام خصوصا في دولة بني العباس المعاصرة لدولة الرستميين، أما العراق فكائنة في مصب النهرين المباركين، نهر دجلة ونهر الفرات، ومن مدنه المشهورة (مدينة بابل) وسيأتي زيادة كلام عليه، ولا نزيده الآن تقريظا على ما ذكره الحموي حيث قال في صحيفة 630 من المجلد الثالث هكذا، والعراق أعدل الأرض هواء وأصحها مزاجا وماء فلذلك كان أهل العراق هم أهل العقول الصحيحة
53 (1/53)
صفحة 54
والآراء الراجحة والشهوات المحمودة والشمائل الظريفة والبراعة في كل صناعة. (لا تغفل أيها القارئ فاننا ما سقنا هذا الكلام هنا إلا لتشبيههم تيهرات بالعراق) مع اعتدال الأعضاء واستواء الاخلاط وسمرة اللون، وهم الذين أنضجتهم الارحام فلم تخرجهم بين أشقر واصهب وأبرص كالذي يعتري نساء الصقالبة من الشقرة ولم تتجاوز ارحام نسائهم في النضج إلى الاحراق، كالزنج والنوبة والحبشة الذين حلك لونهم ونتن ريحهم وتفلفل شعرهم وفسدت آراؤهم وعقولهم فمن عداهم بين أحمر لم ينضج ومجاوز للقدر حتى خرج من الاعتدال، قالوا وليس (بالعراق) مشات كمشاتي (اجبال) ولا مصيف كمصيف (عمان) ولا صواعق كصواعق (تهامة) ولا دماميل مدماميل (الجزيرة) ولا جرب كجرب (الزنج) ولا طواعين كطواعين (الشام) ولا كطيحال (البحرين) ولا كحمى (خيبر) ولا كزلازل (سيراف) ولا كحالات الاهواز) ولا كأفاعي (سجستان) وثعابين (مصر) إلى ان قال واقليم بابل موضع التميمة من العقد وواسطة القلادة ومكان اللبة من المرأة الحسناء والمحة من البيضة والنقطة من البركان، قال عبيد الله المفتقر إلى رحمته وهذا الذي ذكرناه عنهم من ادل دليل على أن المراد بالعراق أرض بابل، الا تراه قد افرده عنه بما خصه به وقال شاعر يذكر العراق:
الى الله أشكو عبرة قد أظلت ونفسا إذا ما عزها الشوق ذلت تحن إلى أرض العراق ودونها تنائف لو تسري بها الريح ضلت و أما بلخ، فقد قال فيها وبلخ من أجل مدن خراسان وأذكرها وأكثرها خيراً وأوسعها غلة تحمل غلتها الى جميع خراسان والي خوارزم (1 هـ).
ثم نسب اليها جماعة من العلماء والفضلاء، وبها ذلك البناء الفخيم المسمى (بالنويهار) وقد قال فيه أيضا نقلا عن ابن الأزرق الكرماني هكذا، كانت البرامكة أهل شرف على وجه الدهر ببلخ قبل ملوك الطوائف وكان دينهم (قبل الإسلام) عبادة الاوثان فوصفت لهم مكة وحال الكعبة بها وما كانت قريش ومن والاها من العرب يأتون إليها ويعظمونها فاتخذت بين النويهار مضاهاة لبيت الله الحرام، ونصبوا حوله الاصنام وزينوه بالديباج والحرير وعلقوا عليه الجواهر النفيسة وتفسير النو بهار الجديد، لان (نو) الجديد وكانت سنتهم إذا بنو حسنا أو عقدوا بابا جديدا أوطاقا شريفا كللوه بالريحان ويتوجون ذلك بأول ريحان يطلع في ذلك الوقت فلما بنوا ذلك البيت جعلوا عليه أول ما يظهر من الريحان وكان البهار قسمي نو بهار لذلك وكانت الفرس تعظمه وتحج اليه وتهدي له وتلبسه أنواع الثياب وتنصب على أعلى قبته الاعلام، وكانوا يسمون قبته الاستن (بضم الهمزة والتاء وكانت مائة ذراع في مثلها وارتفاعها فوق
54 (1/54)
صفحة 55
طرخان
السدانة
مائة ذراع بأروقة مستديرة حولها وكان حول البيت ثلاثمائة وستون مقصورة يسكنها خدامه وقوامه وسدنته وكان على كل واحد من سكان تلك المقاصير. خدمة لا يوم يعود إلى الخدمة حولا كاملا ويقال ان الريح ربما حملت الحرير من العلم الذي فوق القبة بترمد (بكسر التاء والميم وبينهما اثنا عشر فرسخا وكانوا يسمون السادن الاكبر برمك لتشبيههم البيت بمكة يسمون سادنه بن مكة فكان كل من ولي منهم! برمك وكانت ملوك الهند والصين، وكابل شاه وغيرهم من الملوك تدين بذلك الدين وتحج إلى هذا البيت وكانت سنتهم إذا هم وافوه ان يسجدوا للصنم الأكبر ويقبلوا يد برمك وجعلوا للبرمك ما حول النويهار من الأرضين سبعة فراسخ في مثلها وجميع أهل ذلك الرستاق عبيد له يحكم فيهم بما يريا وصيروا للبيت أوقافا كثيرة وضياعا عظيمة سوى ما يحمل اليه من الهدايا التي تتجاوز الحد وكل ذلك يصل إلى برمك الذي يكون عليه فلم يزل يليه برمك بعد برمك إلى أن افتتحت خراسان في أيام عثمان بن عفان وانتهت السدانة إلى برمك أبي خالد بن برمك فسار إلى عثمان مع رهائن كانوا ضمنوا. مالا عن البلد ثم أنه رغب الإسلام فأسلم وسمي عبد الله ورجع إلى أهله وولده وبلده فانكروا إسلامه وجعلوا بعض ولده مكانه برمك فكتب اليه، نيزك، أحد الملوك يعظم ما أتاه من الإسلام ويدعوه إلى الرجوع في دين آبائه فأجابه برمك أني إنما دخلت في هذا الدين اختيارا له وعلما بفضله من غير رهبة ولم أكن لأرجع إلى دين بادي العوار مهتك الاستار فغضب نيزك وزحف إلى برمك في جمع كثير فكتب اليه برمك، وقد عرفت حبي للسلامة واني قد استنجدت الملوك فانجدوني فاصرف عني أعنة خيلك وإلا حملتني على لقائك، فانصرف عنه ثم استغفره وبيته فقتله وعشرة بنين له فلم يبق له سوى طفل وهو برمك أبو خالد فان امه هربت به وكان صغيرا إلى بلاد القشمير من بلاد الهند، فنشأ هناك وتعلم علم الطب والنجوم وأنواعا من ا الحكمة وهو على دين آبائه ثم ان أهل بلده أصابهم طاعون ووباء فتشاءموا بمفارقة دينهم ودخولهم في الإسلام فكتبوا إلى برمك حتى قدم عليهم فاجلسوه في مكان آبائه وتولى النويهار ثم تزوج برمك بنت ملك الصغيانيان فولدت له الحسن وبه كان يكنى وخالد وعمر وأختا لعل فيه هنا سقطا وهو لفظ لهم) يقال لها أم خالد وسليمان بن برمك أمه امرأة من أهل بخارا وكان ابن برمك وأم القاسم من أمرأة أخرر بخارية أيضا، ولما فتح عبد ا الله بن عامر بن كريز خراسان أنفذ قيس بن الهيثم حتى قدم مدينة بلخ وقدم بين يديه عطاء بن السائب فدخل بلخ وخرب النوبهار وقال بعض الشعراء يذكر النوبهار:
55 (1/55)
صفحة 56
الحضارة الأسلامية ورواج المعارف والتجارة الواسعة، إذ كانت ترد اليها وتصدر منها أنواع البضائع إلى السودان وأقصى المغرب وبلاد الاندلس ومصر والشام والحجاز واليمن وبغداد وغير ذلك من البلاد، وكان لها على البحر مراس متعددة معروفة ترسو بها مراكبها، ومدن عامرة ذات أسواق رائجة وأسوار منيعة وحصون مشيدة وغير ذلك مما سيأتي في أقوال المؤرخين من اخواننا المالكية والحنفية، حتى لا يخطر ببال القارئ ان ما قلناه وسنقوله مجرد مبالغة منا أو تمويه لا سند له، وحتى يعلم ذلك قال ما الذي جهل الاباضية لقلة بضاعته في العلم وعدم إطلاعه حتى. قال (1)، انهم قد أخذوا دور ظهورهم ونفوذ كلمتهم في مقدمة الآخذين
أوحش النوبهار من بعد جعفر ولقد كان بالبرامك يعمر قل ليحيى أين الكهانة والسحر وأين النجوم عن قتل جعفر أنسيت المقدار أم زاغت الشمس عن الوقت حين قمت تقدر وقال أبو بكر الصمولي حدثنا محمد بن الفضل المذاري (بفتح الميم) عن علي بن محمد النوفلي قال كان برمك يعمر النوبهار ويقوم به وهو اسم لبيت النار الذي كان يبلغ يعظم قدره بذلك فصار ابنه خالد بن برمك بعده فقال أبو الهول الحميري يمدح الفضل بن الربيع ويهجو الفضل بن يحيى ابن خالد البرمكي:
فضلان ضـ
آثار
تبار
ــاجـ
د ومنار
ببلخ
آثاره النوبهـ
بار
بين
وبيت شرك وكـ
انتهى بحروفه.
1 - عما قاله هذا القائل أن الاباضية شرذمة قليلة لا ذكر لهم وشأن لا قديما ولا حديثا، فهم أحقر الفرق وأقلها لم تقم لهم قائمة ولا نسب اليهم ملك ولا فخر منذ وجدت الفرق وتعجب تعجبا زائدا بناء على فكره هذا) لما علم بزيارتي إلى مكان
56 (1/56)
صفحة 57
في عنصر الإسلام وشباب العصر القريب من أصحاب مرشد الأنام خاتم الرسالة عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر ابن خلدون المغربي المالكي تاريخ انشائها فقال في صحيفة 112 من المجلد السادس من تاريخه، واجتمعت اليه (أي إلى عبد الرحمن طوائف البربر الأباضية من لماية، ولواتة، ورجالة، ونفزاوة، فنزل بها (أي بتاهرت) واختط مدينتها سنة مائة وأربعة وأربعين من الهجرة، وهو موافق لما ذكره الشماخي في في سيره) وأبو زكريا في تاريخه (2)، والدرجيني في طبقاته) والبرادي
(2)
من
أكبر
(تيهرت) كما سيأتي واستعظم ذلك مني ورآه من العبث، فكان ذلك. الاسباب الداعية لي إلى ابراز فضائل هذه المدينة والبحث في صفحات التواريخ عنها بعد أن مضى عليها ما لا يبعد عن ألف سنة وهي خراب، ولقد نبهنا إلى ما لم يكن خاطرا لنا يبال فنشكره على ذلك ونتمثل فيه بقول الشاعر الحكيم: وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حود لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب نشر العود
كلمة سوء من سيء
قصد بها
فهو قد نصح من حيث غش وأرشد من حيث أضل فكان سببا لاظهار المخبأت وابراز المجوهرات، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، ورب: سوءا جرت منافع.
1 ـ السير: تأليف جامع المناقب كثيرين من علماء وأئمة المذهب من المغاربة وبعض
من مشاهير المشارقة مع بيان اسمائهم وتواريخهم غالبا، لا نظير له في بابه إلا. نفوسة الكبير الذي أكثر مؤلف هذا من النقل منه وهو من كتب المذهب المعتبرة المفقودة أما هذا فموجود مطبوع ومؤلفه العلامة الكامل الشيخ أحمد الشماخي بن سعيد بن الشيخ عبد الواحد صاحب المزار المشهور تحت قصبة ابن مادي بجبل بني يفرن من جبال نفوسة توفي رحمه الله سنة 928 هـ، وقد ذكر العلامة الشيخ محمد بن زكريا الباروني رحمه الله أن له فضائل ومناقب جمة عزم على جمعها وكأنه لم يتيسر له ذلك أو فقد المجموع إذ لم يسمع بوجوده أحد والله أعلم والشماخي نسبة إلى شماخ وسيأتي الكلام عليه ان شاء الله
2 - سير أبي زكرياء تاريخ متوسط فيه كثير مما لم يكن في.، سير الشماخي ـ رحم الله ـ وإن كان الثاني أشمل من الأول ألفه الامام الناثر الناظم التقي الشيخ أبو زكريا (1/57)
صفحة 58
رحمهم
في جواهره (1) الله والله أعلم بالحقائق.
يحيى من ذرية الشيخ محمد بن بكر رحمهم الله.
- الطبقات تأليف جليل مشهور يتكلم في أئمة المذهب وعلمائه المشهورين بذكر فضائلهم وبعض أخبارهم إلا انه غير جامع للكل وقد وقفت عليه وأنا صغير / لا أعرف قدره فلم أعرف منه شيئا ولتعذر الحصول عليه حال تحرير هذا فاتني كثير؟ مما يليق بما نحن بصدده ما يمكن نقله من، مؤلفه العلامة التحرير، الشهير بطول الباع في الانشاء والتحرير، ومن كانت له اليد الطولى في كل الفنون الشيخ أحمد ابن العلامة الكامل الشيخ سعيد الدرجيني رحمهما الله وسيأتي الكلام عليه.
1 - الجواهر كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة تمم بعض ما أهمله صاحب الطبقات من الأخبار.
58 (1/58)
صفحة 59
الباب الثالث
(1) أبو العباس الدمشقي
قال العلامة أبو العباس الدمشقي في تاريخه المطبوع في الهند ـ تاهرت وقد رسمها بالنون غلطا، إذ ذكرها في باب النون .. اسم مدينتين متقابلتين بأقصى المغرب، كثيرتي الأشجار والثمار والمياه.
(2) ابن واضح العباسي
وقال المؤرخ ابن واضح العباسي الشهير باليعقوبي من علماء الخمسين الأولى من المائة الثالثة للهجرة المعاصر لأئمة بني رستم في تاريخه المطبوع في مدينة (ليدن) من بلاد الافرنج سنة 1760 م عند ذكر مدن المغرب ما نصه والمدينة العظمى مدينة (تاهرت جليلة المقدار عظيمة الأمر تسمى عراق (1)، بها أخلاط (2) من الناس، تغلب عليها قوم من الفرس يقال لهم
المغرب"
1 - بشهادة هذا المؤرخ المحقق المتقدم على كثيرين من أرباب التاريخ وشهادة من سيأتي كلامهم أيضا من غيره يعلم القارئ حيف بعض متأخري المؤرخين من أهل مدينة فاس إذ ذكر أن فاس تعرف بعراق المغرب في سابق الزمان ولم يقل هذا أحد من ال المتقدمين من أهل التاريخ فمن أين جاءه؟ وما هو إلا جاحد فضل (تيهرت) غاصب حقها وان كنا لا ننكر فضل فاس وشهرتها العظيمة فما أهون التساهل على مثل هذا المؤرخ من المؤرخين في تبديل وتغيير الأخبار تبعا لاغراضهم وكأنه لم يفكر في اتيان زمن (كهذا) تنكشف فيه السرائر وتتضح الخفايا ويستوي الماضي والحاضر في الوضوح بقيام آلات الطبع لاظهار كل مكنون من نفيس الكتب العتيقة ذات الشأن والتحقيق في التاريخ
59 (1/59)
صفحة 60
بنو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي، وكان عبد الرحمن يتولى افريقية وصار ولده إلى تاهرت، فصاروا أباضية ورأس الأباضية، فهم رؤساء أباضية المغرب ويتصل بتاهرت بلد عظيم ينسب الى (1) تاهرت في طاعة محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وسيأتي بيان أسماء تلك البلاد والمدن كلها) والحصن الذي على ساحل البحر الاعظم ترسو به مراكب تاهرت يقال له مرسي فروخ،
(2)
التي كانت تحت حجب الخفاء والضن بها على حد قول الامام أبي: نصر رحمه الله في شأن اليوم الآخر.
النفوسي
سينكشف السر المغطى وتنجلي غيابات هذا الشك عن واضح الخبر
ولو تأمل هذا المؤرخ في كلام الشاعر القائل:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وقولهم ان الزوايا خبايا لا نصف في كلامه واعطى كل ذي حق حقه ولو فيما هو بين الجمادات وبين العامر والدامر بقضاء الله ولعله على رأي القائلين (الدنيا مع الواقف). 2 - الاخلاط خلط بكسر الخاء أراد أن من فيها من الناس أصناف شتى جمع. مختلطون من بربر وعرب وترك وعجم وسودان وافرنج ويهود ومشارقة ومغاربة شأن أغلب المدن الكبيرة ذات الحضارة والامن والعدل. 1 - كل من يدرك معنى هذه الكلمة وما تقدم وما سيأتي من ألفاظ التعظيم والتفخيم لا ريب يستصغر في جانب تاهرت ما سنذكره من بعض ما ينسب اليها من
البلاد ويعلم انه قليل من كثير لم نعلمه وربما كان مخزونا في بطون الدفاتر. - ليس المراد البحر المحيط بالقارة الأفريقية المشهور بالبحر الأعظم الذي فيه الجزائر الخالدات (وكانت عامرة في قديم الزمان ببعض الحكماء المنجمين وأما الآن فقد أفسدها البحر على ما يقال ويعرف قديما ببحر الظلمات وبالاقيانوس والآن بالبحر الاطلانطيقي لأنه بعيد عن تيهرت ولم يمتد حكمها اليه لما بينهما. مملكة الادارسة
من
بفاس وغيرها، بل المراد بحرنا هذا الذي نحن على شاطئه المسمى بالبحر الرومي وبالبحر الأبيض المتوسط الممتد من البحر المحيط بواسطة بوغاز جبل طارق الكائن بالقرب من شبه جزيرة الأندلس التي بلغت في صدر الإسلام الدرجة القصوى في الحضارة والعلم والآن بيد الدولة الأسبانية ومن مدينة طنجة ثغر مملكة الدولة المراكشية إلى أن ينتهي بأرض الشام وعلى شاطئه هنالك من المدن المشهورة (مدينة
7. (1/60)
صفحة 61
والذي يشف من كلام هذا الفاضل ابن واضح، أن له بتاهرت شغفا وتعلقا زائدين، إذ كرر ذكرها في كتابه دون غيرها فقال في صحيفة 149 مستطردا الكلام عليها هكذا.
بيروت) ومنها ابتداء خط سكة الحديد الحجازية المنشأة بمساعي وعناية أعظم سلاطين الإسلام الآن 1 السلطان عبد الحميد الثاني أحد ملوك آل عثمان أيده الله بنصره وحفظ ملكهم ملجأ للمسلمين وحصنا للحرمين الشريفين و (مدينة طرابلس) و ومدينة حلب) ويتصل بواسطة بوغاز الأستانة العلية (القسطنطينية) بالبحر الأسود وبقنال السويس (الفتحة الجديدة بالبحر الأحمر ويتسلسل على جانبيه ممالك دول
كبيرة وامارات ممتازة ومحتلة صغيرة، فعلى جانبه الجنوبي مبتدئاً من الغرب. (حكومة فاس) وهي دولة إسلامية يلقب حاكمها بالسلطان مفقودة منها القوة الحربية الجديدة برا وبحرا وتتنازعها عوامل الإفرنج صباحا ومساء حفظها الله من الوقوع في
شبكتها. ثم (الجزائر) وهي ولاية محتلة (2) لفرنسا داخلة في إدارتها من حدود سنة 1830 م - أي سنة 1248 هجرية وفي جنوبها (مدينة وارجلان) (ومدن بني ميزاب) الاباضية الحافلة بإقامة شعائر الدين كما يجب.
ثم (تونس) وهي ايالة ممتازة إسلامية يلقب حاكمها بالباي تحت حماية فرنسا ويتبعها (جزيرة جربة العامرة بالأباضية ومعهم المالكية ثم (طرابلس الغرب) وهي ولاية عثمانية إسلامية لا يوجد بها من الأجانب (الأفرنج) أحد إلا في المدينة نفسها وفي بعض موانيها ولأهلها مزيد طاعة وشدة تعلق بالدولة العلية العثمانية، وبجنوبها على مراحل من البحر جبال نفوسة الاباضية المشهورة العامرة بهم ومعهم. المالكية في
مؤاخاة وملائمة
1 - الفترة التي عاش فيها المؤلف. 2 ـ في الفترة التي أرخ فيها المؤلف.
ثم (مصر) وهي حكومة ممتازة عثمانية إسلامية يلقب حاكمها بالخديوي محتلة بدولة الانجليز ولأهلها ارتباطا بالدولة العثمانية لا تحل عراه، وعلى جانبه الشمالي مبتدئا من الغرب أيضا دولة اسبانيا ثم دولة فرنسا ثم دولة إيطاليا ثم اليونان وغيرها ثم (الدولة الإسلامية العثمانية ناشرة لواء الدين وحامية حمى الإسلام والمسلمين أيدها الله بنصره المبين ومقر سلطنتها (القسطنطينية المسماة بدار الخلافة ودار السعادة والاستانة العلية واستانبول، وهذا باب يطول شرحه وليس هذا محله. (1/61)
صفحة 62
حدثني (أبو معبد عبد الرحمن بن محمد بن ميمون بن عبد الوهاب
بن عبد الرحمن بن رستم التاهرتي، قال: (تاهرت) مدينة كبيرة أهلة بين جبال وأودية ليس لها فضاء، بينها وبين البحر المالح مسيرة ثلاثة مراحل في مستوى من الأرض، وفي بعضها سباخ وواد يقال له وادي شلف (1) وعليه قرى وعمارة، يفيض كما يفيض نيل مصر، يزرع عليه القصبر والكتان والسمسم وغير ذلك من الحبوب، ويصير إلى جبل يقال له (انقبق)، ثم يخرج إلى بلدة نفرة ثم يصير إلى البحر المالح، وشرب أهل مدينة تاهرت من أنهار وعيون يأتي بعضها من صحراء وبعضها من جبل قبلي، يقال له: جزول لم يجدب زرع ذلك البلد قط لكثرة مياهه وأمطاره) إلا أن يصيبه ريح أو برد (فهو بلد خصب وخير دائم).، وهو متصل بالسوس يسميه أهل السوس درن ويسمى بتاهرت جزول، ويسمى بالزاب أوراس، فليتأمل المنصف في كلام هذا المحقق، فانه من أصح ما حرره المؤرخون في هذا الباب لتقدمه على أكثرهم في الزمن، إذ كان حاضرا لبني رستم فهو لم يكتب إلا ما شاهده أو
نقله
عن
ثقة أمين.
(3) الأدريسي
ووصف المؤرخ الادريسي المغربي في تاريخه هذا المرس فقال: وهو مرسي حسن، وعليه قرية عامرة، وذكره الملك المؤيد أيضا، كما سيأتي. وقال أبو عبد الله الأدريسي الشريف في تاريخه المطبوع ببلاد الافرنج في صحيفة 87 واصفا (تاهرت) القديمة التي أحسن تجديدها وأتقن تمدنها الاسلامي ميمون بن عبد الوهاب، إذ كان عاملا لوالده عليها حتى صارت تنسب اليه دون غيره من الرستميين ما نصه.
1 - سيأتي الكلام على شلف.
62 (1/62)
صفحة 63
ومدينة (تاهرت كانت فيما سلف من الزمان مدينتين كبيرتين احداهما
قديمة، والاخرى محدثة، والقديمة من هاتين المدينتين ذات سور، وهي على قمة جبل قليل العلو، وبها ناس، وجمل من البربر، لهم تجارات وبضائع وأسواق عامرة وبها مزارع وضياع (1) جمة وبها من تاج الخيل والبراذين كل حسن وأما البقر والغنم فكثير بها جدا وكذا السمن والعسل وسائر غلاتها مباركة وبمدينة (تاهرت) مياه متدفقة وعيون جارية تدخل أكثر ديارهم ويتصرفون (2) فيها ولهم على هذه المياه بساتين وأشجار تحمل ضروبا من
(T).
1 - الضياع جمع ضيعة وهي على ما في القاموس العقار والأرض المغلة، وما يكون منها عطية لبعض الناس من طرف الملوك يسمى قطيعة كما كان يفعله بعض بني أمية وبني العباس إذ كانوا لا شركاء لهم في بيوت أموال المسلمين يتصرفون على حسب (1) أهوائهم فيعطون الأموال الطائلة لشاعر مدحهم بقصيدة أو بيت ولنديم اطربهم في مسامرتهم بحكاية غريبة أو قصة مضحكة، وليس ذلك مما يفتخر به الإسلام والدين إذ فقد العدل، وقد عرفها بعضهم فقال. وأما القطيعة فلها معنيان احدهما أن يعمد الامام الجائر الامر والطاعة إلى قطعة من الأرض يفرزها عما يجاورها ويهبها من يرى ليعمرها وينتفع بها أما أن يجعلها منازل يسكنها من يشاء، واما أن يجعلها مزرعة ينتفع بما يحصل من غلتها ولا خراج عليه فيها وربما جعل على زارعها خراج وهذه حال قطائع المنصور وولده بعده ببغداد في محالها فمن ذلك قطيعة الربيع وقطيعة أم جعفر وقطيعة وقد ذكرت في مواضعها من الكتاب، وأما القطيعة الاخرى فهي أ أن يقطع السلطان من يشاء من قواده وغيرهم القرى والنواحي ويقطع عنها شيئا معلوما يؤدونه في كل عام قل أو كثر توفر محصولها أو نزر لا مدخل للسلطان معه. في أكثر من ذلك
فلان
اهـ.
- لم نتحقق كيف التصرف في هذه المياه وادخالها البيوت للانتفاع بها والغالب انه كان على طريقة لا تبعد عن الطريقة الموجودة الآن في المدن المتمدنة وان خالفتها في الكيفية إذ لا توجد غالبا في ذلك الوقت أنابيب (مواسير) من الحديد كالموجود الآن، وربما كانت من الفخار الملطي، ولا يقال انها كانت تجري في الشوارع والأزقة هكذا بدون انتظام لأن مدنيتها ورقيها لا يسمحان بذلك على أن موقعها فيه بعض ارتفاع حسب التخمين عن العين الموجودة الآن المسماة بعين السلطان فبدون صنعة هندسية لا
63 (1/63)
صفحة 64
الفاكهة الحسنة وبالجملة فهي بقعة حسنة (انتهى).
وقد نقل هذا الشيخ مقديش السفاقسي في تاريخه المطبوع في تونس
ببعض تصرف وان لم ينسبه اليه، فلا لزوم لنقله
(4) ابن خلدون
(1).
،
وكلما ذكرها ابن خلدون وان كان غير منصف في جانب الأباضية عبر عنها غالبا بقاعدة (2) المغرب فمن ذلك قوله في صحيفة 39 من المجلد الخامس، وفتح أبو القاسم (الشيعي سنة 315 هـ) بلد مزاتة، ومطماطة، وهوارة، وسائر الاباضية، والصفرية، ونواحي (تاهرت) قاعدة المغرب
الأوسط.
يمكن توزيعه فيها وقد كان بيت رستم مشهورا بالتضلع في العلوم الرياضية فلا يصعب عليهم ذلك، وليست هذه الكيفية موجودة ذلك الوقت في تيهرت فقط بل توجد في زواغة مدينة نفوسة سابقا في جهات طرابلس على البحر آثار تدل على أنها كانت كتلك أيضا إذ يوجد فيها مجرى نهر كبير أت من ناحية جبال نفوسة الشرقية اخترق أراضي وأودية كثيرة حسب ما تدل عليه بعض القطع الموجودة منه الآن، وهو مجصص بكيفية محكمة ذكر الذين رأوا بعض قطع منه أنه يشبه مجرى عين زبيدة الموجودة بجهة مكة المكرمة وعلى كل حال فهو عمل دال على القوة والحضارة التامة والله
أعلم.
1 - عدم إنصافه هو جحوده أو إهماله ذكر ما كان لهم من الأخبار الحسنة وما كان لملكهم الذي شهد به المؤرخون من الصيت في تاريخه الطويل العريض المعدود في مقدمة التواريخ الإسلامية فهو أولى بأن يوجد فيه ما ذكره غيره من المؤرخين عن الاباضية ولا نظن به الجهل بأخبارهم لأنه من نشهد له كما شهد له غيرنا بسعة الاطلاع وكثرة النقل مع انه مغربي، على أنه قد يشير احيانا اليهم بعض اشارات بدون بسط في الكلام فاهماله اخبارهم وذكره بعضها مفرقا بحيث يصعب جمعها منه لابد وان يكون لامر في باله يعلمه الله ولعل له عذراً فلا لوم عليه والله أعلم. 2 - قاعدة المملكة أو الأقليم هي مدينته العظيمة التي يكون فيها كرسي الملك.
TE (1/64)
صفحة 65
(5) الملك المؤيد
وقال السلطان الملك المؤيد في تقويمه المطبوع بباريس سنة 1840 م بصحيفة 124 نقلاً عن العزيزي المغربي (تاهرت القديمة)، وهي تاهرت عبد
الخالق، وبينها وبين تاهرت الجديدة مرحلة.
وهي مدينة جليلة وكانت تسمى قديما عراق المغرب ولها من أعمالها مرسى على البحر يقال له مرسى (فروخ) ومدينة (تاهرت) الأولى على جبل متوسط، وبها منبر)، وكذلك المحدثة بها منبر، وهي أعظم من القديمة،
المملكة
ولأهلها مياه تخرق دورهم، قال ابن سعيد، وكان لتيهرت في الرستمية صيت عظيم، وبها كان كرسي ملك الأباضية، ثم رسم لها جدولا كغيرها بين فيه طولها وعرضها (2) واقليمها وهكذا.
ألفاظ المنجميه
- أراد بالمنبر المسجد الجامع الذي يقيم فيه الامام (الخليفة) أو وكيله الجمعة وأما ما سواه من المساجد ففيها كثير كما نص عليها ابن الصغير. 2 - (طول البلد) هو بعده عن منتهى العمارة من جهة الغرب وهو من أ مستنبط من آراء اليونانيين قال الحموي إلا أن في هذه النهاية بينهم اختلافا فان بعضهم يبتدئ بالطول من ساحل بحر أوقيانوس الغربي وهو البحر المحيط وبعضهم يبندي به من سمت الجزائر الواغلة في البحر المحيط قريبا من مائتي فرسخ تسمى جزائر السعادات والجزائر الخالدات ولهذا ربما يوجد للبلد الواحد في الكتب نوعان من الطول بينهما عشر درج فيحتاج في تمييز ذلك إلى فطنة ودرية هذا كله عن أبي الريحان (1 هـ).
وأما (عرض البلد فهو بعده عن خط الاستواء نحو الشمال قال الحموي لأن البلد والعمارة في هذه الناحية وتحاذيه قوس عظيمة شبيهة به واقفة بين سمت الرأس وبين معدل النهار ويساويه ارتفاع القطب الشمالي فلذلك يعبر به عنه وانحطاط الجنوبي وان ساواه أيضاً فانه خفي لا يشعر به وهذا كلام صاحب التفهيم (1 هـ).
65 (1/65)
صفحة 66
طول
عرض
الحقيقي العرفي
عدد الأسماء المنقول عنهم درج
دقايق درج
دقائق الاقليم الاقليم
اطوال
که
ل
کط
كط
من
19 تاهرت
بعضهم كـ
الثالث الغرب الأوسط
(6) اللباب
ومن اللباب (تاهرت) بفتح التاء المثناة من فوق، وألف وهاء وسكون الراء المهملة، وفي لآخرها تاء ثانية، وفي خط ابن سعيد عوض الالف ياء من تحت، وهو الاصح عندي، لأن ابن سعيد مغربي فاضل.
مثناة
ثم قال عن ابن حوقل وتيهرت مدينة كبيرة خصبة كثيرة الزرع) وقد قيل: ان كورة تيهرت من افريقية، وهي غربي سطيف (1)، وهي كانت قاعدة للمغرب الاوسط، وكان بها مقام بني رستم ملوك المغرب الأوسط، حتى
انقضت دولتهم بدولة الخلفاء الفاطميين الذين صاروا ملوك مصر
(r)
(7) كتاب الأطوال
1 - مدينة من عمل الجزائر مشهورة عامرة بها من الاباضية بني ميزاب جماعة معتبرة لهم بأنواع التجارة معرفة تامة وفيهم رجال محترمون كما في غيرها من المدن.
2 - يعني بهم الشيعة الذين كان ملكهم بالمغرب وامتد إلى مصر وهم الذين أنشأوا الجامع الازهر المشهور في أقطار الأرض بعمله وبظهورهم انقرضت دول الغرب كلها كما سيأتي ان شاء الله.
77 (1/66)
صفحة 67
وقال في كتاب الأطوال: تاهرت العليا طولها وعرضها كما ذكر، ثم قال: تاهرت السفلى طولها (كو)، وعرضها (كط) فدل على ان هناك مكانا
آخر يسمى تاهرت، كما نقلناه عن العزيزي في الهامش.
(8) القانون
وقال في القانون: و (تاهرت) السفلى طولها (يط (ن) وعرضها (لديه) قال الأدريسي: وتيهرت كانت فيما سلف مدينتين كبيرتين، والقديمة على جبل ليس بالعالي ولها سوق، كلام المؤيد وقد نقله برمته صاحب أوضح المسالك، فلا حاجة إلى نقله.
(9) الاستبصار
وقال صاحب الاستبصار المؤلف سنة 587 هـ المطبوع بالمطبعة الأوسترياوية في مدينة (وين) من بلاد الافرنج سنة 1852 م بصحيفة 66، (مدينة تاهرت) وهي مدينة مشهورة قديمة كبيرة عليها سور صخر (أي حجر) ولها قصبة منيعة تسمى المعصومة)، وهي في سفح جبل يسمى قرقل وهي على نهر يأتيها من ناحية المغرب يسمى مينة، ولها نهر آخر يجري من عيون
(2)
(1).
تجتمع يسمى تانس، منه تشرب أرضها وبساتينها، وكان لها بساتين كثيرة، فيها جميع الثمار، وفيها سفرجل يفوق سفرجل جميع البلاد حسنا و مطعما ورائحة، وبلد تاهرت شديدة البرد كثيرة الغيوم والثلج، وقد ذكر ابيات ابن حماد، وحكاية السودان وحكاية الحاد، وسيأتي كل ذلك في
1 - في هذا الاسم ما يدل على القوة التي كانت بهذه المدينة وقصبتها فان العصمة لغة المنعة فقد طابق اسمها وصفها.
2 - في بعض التواريخ بالنون كما هنا وفي بعضها بالتاء.
67 (1/67)
صفحة 68
كلام غيره قريبا، ان شاء الله.
(10) أبو إسحاق الفارس
وأما أبو إسحاق الفارسي المعروف بالكرخي من علماء صدر المائة الرابعة للهجرة فانه اعتبر (تاهرت) قسما عظيما عند تقسيمه المغرب في تاريخه المأخوذ من كتاب صور الأقاليم للبلخي المطبوع بمدينة (ليدن) الافرنجية سنة 1870 م وهذا نص كلامه بالحرف الواحد، قال:
وأما المغرب فهو نصفان يمتدان على بحر الروم، نصف من شرقيه ونصف من غربيه، فأما الشرقي فهو برقة وافريقية (وتاهرت) وطنجة والسوس وزويلة (1).، وما في أضعاف هذه الاقاليم، واما الغربي فهو الاندلس»
فيعلم من كلامه هذا أن في عصره من أشهر ما كان من المدن العظيمة بالمغرب (مدينة تاهرت) إذ لم يذكر في التقسيم فاس، ولا الجزائر ولا مراكش ولا عنابة (3) ولا غيرها من المدن الكبيرة في هذا العصر، وان ذكر
- أراد وزيلة الغرب الأقصى كما هو واضح لا (زويلة) القريبة من (ودان) في قبلة
2 - فاس هي
طرابلس العامرة في صدر الإسلام بالاباضية كما بين في محله. قاعدة ملك الدولة المراكشية الآن وهي من أشهر وأعظم مدن الغرب الأقصى في هذا العصر وقد بناها إدريس بن إدريس بعد (تيهرت) بنحو خمسين سنة أي عام 192 هـ وفي سنة 245 هـ خصصت فاطمة بنت محمد الفهري الهواري القيرواني جانبا من المال وكانت غنية وبنت به مسجد القرويين المشهور بفاس، ولعلها كانت أباضية لأن هوارة أباضية وفي سنة 345 هـ اختط أحمد بن سعيد اليفرني صومعتها (وهو أما صفري أو أباضي) ذكر ذلك ابن خلدون في صفحة 15 من المجلد 4 ومن مدنها الشهيرة طنجة على البحر وأما مراكش فقد اختطها يوسف بن تاشفين سنة 454 هـ وذلك بعد خراب تيهرت بمدة والسلطان يسكن مدة بفاس ومدة بمراكش كما يفعل خديوي مصر بينها وبين اسكندرية، وأما الجزائر فسيأتي الكلام عليها، وأما عنابة ويقال لها (بونة) قديم
68 (1/68)
صفحة 69
بعضها في أثناء سرده البلاد ثم قال: وأما ناكورة، وجزيرة بني مزغنا، في مدن وقرى قريبة من (تاهرت) الأعلى، ومدينة كورة (1) (تاهرت) اسمها تاهرت، وهي مدينة كبيرة خصبة واسعة البرية، والزروع والمياه، وبها الاباضية هم الغالبون عليها.
سجلماسا (2) مدينة وسطة من حد (تاهرت) إلا إنها منقطعة لا يسلك إليها إلا في القفار والرمال إلى أن قال: ويقال ان كورة (تاهرت) بأسرها من أفريقية إلا إنها مفردة بالاسم والعمل في الدواوين (وقال في صحيفة 45) وكان ملوك أفريقية وبرقة أولاد الأغلب، وملوك طنجة أولاد إدريس وبينهم، وبين أفريقية (تاهرت) الشراة (الاباضية) وهم الغالبون عليها باختصار قليل.
(11) أبو بكر القزويني
وقال أبو بكر القزويني في تاريخه المطبوع ببلاد الإفرنج بصحيفة 113، (تاهرت) اسم مدينتين متقابلتين بأقصى المغرب يقال لاحداهما (تاهرت) القديمة، وللأخرى الحديثة، وهما كثيرتا الأشجار، وافرتا الثمار، سفرجلهما يفوق سفرجل الآفاق طعما وحسنا، وبهما كثرة الأمطار والأنداء والضباب وشدة البرد قلما ترى الشمس بها، وذكر أيضا حكاية السودان الآتية.
كما هو عند الإفرنج الآن فمدينة مشهورة قديمة وفيها. في الجزائر ومدنها كافة من تجار الاباضية بني ميزاب رجال لهم اليد الطولى في ضروب التجارة أولو شهامة واتحاد في الرأي.
1 - الكورة اسم لكل صقع أي ناحية تشتمل على عدة قرى ولها قصبة أي مدينة ينسب ذلك الصقع اليها كما هنا.
2 - سيأتي الكلام على سجلماسة مفصلا لأنها من مواطن الاباضية قديما.
?? (1/69)
صفحة 70
(12) ياقوت الحموي
وأما المؤرخ أبو عبد الله ياقوت الحموي البغدادي صاحب المعجم المطبوع ببلاد الإفرنج، فانه أطنب فيها الكلام، ووضح ما يقتضيه المقام، وأجاد في ذلك، وإن كان فيه بعض تكرار لما تقدم إذ قال في صحيفة 813 من المجلد الأول. (تاهرت) بفتح وسكون الراء وتاء فوقها نقطتان، اسم لمدينتين متقابلتين بأقصى المغرب يقال لاحداهما (تاهرت) القديمة وللأخرى تاهرت المحدثة بينهما وبين مدينة المسيلة (1) ست مراحل، وهي بين تلسمان وقلعة بني حماد، وهي كثيرة الأنداء والضباب والامطار حتى ان الشمس بها قل أن ترى، ودخلها إعرابي من أهل اليمن يقال له أبو هلال، ثم خرج إلى أرض السودان (مع ركب التجار، فأتى عليه يوم له وهيج وحر شديد وسموم في تلك الرمال، فنظر إلى الشمس مضحية (2) راكدة على قمم الرؤوس، وقد
(r).
1 - اختطت المسيلة على قول ابن خلدون في 82 من الجزء 4 سنة 315 هـ بعد انقراض دولة بني رستم من تيهرت بقليل وذكر الحموي انها كانت تسمى المحمدية اختطها أبو القاسم محمد بن المهدي الشيعي، وهو ولي عهد أبيه، وأما (قلعة بني حماد) فمدينة منيعة جدا اختطها حماد بن محمد من آل زيري بجبل كتامة المعروف بجبل عجيسة سنة 398 هـ على قول ابن خلدون أيضا في 171 من الجزء 6. 2 - أي كائنة في وقت الضحاء وهو عند ارتفاع النهار الاعلى كما قاله المختار ولذلك وصفها بقوله راكدة أي ساكنة وذلك لأن الشمس في وقت الزوال تظهر للناظر غير متحركة أو بطيئة السير بخلاف ما إذا كانت صاعدة في شروقها أو نازلة في غروبها فانها تظهر سريعة السير، والحال ان سيرها في الحالات الثلاث واحد، وليس هناك صعود ولا هبوط ولا وقوف في الواقع، وإنما ذلك في الظاهر فقط بالنسبة الينا بل بالنظر إلى سكان الارض كافة يصدق عليها في كل دقيقة، مثلا انها مشرقة ومغربة وزائلة وهذا أمر واضح، وقوله صهرت معناه أذابت وذلك لشدة حرارتها ذلك الوقت
ومنه قوله تعالى: يصهر به مافي بطونهم والجلود، أي يذاب والله أعلم.
70 (1/70)
صفحة 71
صهرت الناس فقال مشيرا إلى الشمس، أما والله لئن عززت في هذا المكان
لطالما رأيتك ذليلة بتاهرت وأنشد.
ما خلق الرحمن من طرفة
أشهى من الشمس بتاهرت
(13) صاحب جغرافيا
وذكر صاحب جغرافيا أن (تاهرت) في الاقليم الرابع، وأن عرضها ثمان وثلاثون درجة، وهي مدينة جليلة، وكانت تسمى قديما عراق المغرب، ولم تكن في طاعة صاحب أفريقية، ولا بلغت عساكر المسودة (1) اليها قط، الاغلب، وإنما كان آخر مافي طاعتهم مدن
ولا دخلت في سلطان
بني
الزاب).
(2)
1 - لفظ المسودة مذكور بكثرة في سير الشماخي - رحمه الله ـ وطالما سألت عنه من قبل طلبة عصرنا ولم أجد من يشرح لي معناه وغاية ما يقولونه انه اسم لقبيلة كانت في ذلك الوقت وفاتني أن أسأل عنه: شيخي أو والدي حفظهما الله ولتعلق خاطري به لما أراه لهم فيه من الوقائع الدالة على قوتهم لم أقنع بأنهم قبيلة فقط، ولا زلت أبحث حتى وقفت على تفسيره ببني العباس في تاريخ ابن مسكويه في أماكن متعددة منها قوله لما رأى المأمون انكار بني العباس وغيرهم عليه (وهو منهم) ببغداد حتى اخرجوا (عامله) الحسن بن سهل منها كأنه أراد معاكستهم باخراج الخلافة منهم فأصدر أوامره سنة 201 هـ في رمضان، بلبس الثياب السود التي كانت من شعارهم وبها سموا بالمسودة وأعلن بأنه جعل علي بن موسى بن جعفر من ذرية علي ولي عهده (اهـ) المراد منه
2 - بهذا يعلم أن ما بين الزاب وبين فاس وسجلماسة كله داخل في دائرة تيهرت وما فيه من المدن والقرى كله تابع لها ما علمناه وما تعلمه فالمدن الآتية في كلام العلامة البنا هي بعض من ذلك وإنما خصصها بالذكر لشهرتها لاغير والله أعلم.
71 (1/71)
صفحة 72
(14) أبو عبيد
وقال أبو عبيد (مدينة تاهرت مسورة، لها أربعة أبواب، باب الصفا
(1)
وباب المنازل، وباب الاندلس، وباب المطاحن)، وهي في سفح جبل يقال له جزول لها قصبة مشرفة على السوق، تسمى المعصومة، وهي على نهر يأتيها من جهة القبلة، يسمى مينة، وهو في قبلتها ونهر آخر يجري من عيون تجتمع تسمى تاتس (بالضم)، زمنه شرب أهلها وأرضها وهو في شرقيها، وفيها جميع الثمار، وسفرجلها يفوق الآفاق حسنا وطعما، وهي شديدة البرد كثيرة الغيوم والثلج، قال بكر بن حماد أبو عبد الرحمن: وكان بتاهرت من حفاظ الحديث، وثقات المحدثين المأمونين، وسمع بالمشرق ابن مسدد وعمر بن مرزوق وبشر بن حجر، وبافريقية ابن سحنون وغيرهم، وسكن تاهرت وبها توفي وهو القائل:
(ما أخ
رد وريعانه
وأطرف الشـ
بتاهرت)
1 ـ ما ألطف هذه الأسماء وما أحسن هذا التقسيم المحكم الذي لم يدع للازدحام مجالا إذ خصص لكل شغل من هذه الأشغال الأربعة التي عليها مدار حركات الناس بابا، فالذين ينقلون أنواع الحبوب كالشعير والقمح لأجل الطحن ويردونها دقيقا له باب المطاحن، والغالب على هؤلاء كثرة القيل والقال والصياح لما أن أكثرهم عادة خدم ومماليك وأتباع لاحياء لهم، والذين يريدون السفر أو عبور البحر إلى الأندلس من التجار وغيرهم له باب الاندلس، وهم في الغالب أصحاب همم ونزاهة والمشتغلون بالعمل في البساتين لهم باب المنازل، والذين يريدون النزهة والرياضة البدنية وتسلية النفس لهم باب الصفا، فلا يكدرهم حنين المودعين ولا أنين المفارقين ولا لجلجة المهنئين للمسافرين بباب الاندلس، ولا تصدعهم عربدة الذاهبين وصيحات الراجعين باب المطاحن، ولا تعلوهم غبرة ازدحام الداخلين والخارجين إلى المنازل من | بحميرهم وبغالهم وأرباب المنازل بخيلهم وبراذينهم بباب المنازل، وبهذا يعلم ما كان في هذه المدينة من حسن الانتظام والترتيب ولا تخلو من متنزهات والمشهور منها متنزه
الأمير الأتي ذكره في كلام ابن الصغير.
العملة
72 (1/72)
صفحة 73
(تبد
ما بدت
كأنها تنشر مر
(نفرح بالشمس إذا ما بدت
كفرح الذمي بالسبت)
وسيأتي زيادة كلام عليه في باب العلماء المنسوبين إلى تاهرت.
قال ونظر رجل إلى توقد الشمس بالحجاز (وهو من أهل تاهرت ذهب
حاجا) فقال (مخاطبا للشمس احرقي ماشئت، والله انك بتاهرت لذليلة. قال وهذه تاهرت الحديثة، وهي على خمسة أميال من تاهرت القديمة، وهي حصن ابن بخاتة، وهو شرقي الحديثة، ويقال انهم (أي عبد الرحمن ومن معه) لما أرادوا بناء (أي تجديد تاهرت القديمة، كانوا يبنون بالنهار فإذا جن
(1)
،
الليل وأصبحوا وجدوا بنيانهم قد تهدم، فبنوا حينئذ تاهرت السفلى وهي الحديثة، وفي قبلتها (قبائل) لواتة، وهوارة، في قرارات، وفي غربيها زواعة، وبجنوبيها، مطامة، وزناتة، ومكناسة، وكان صاحب (أي حاكم) تاهرت (القديمة)، ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام مولي عفان (2)، وهو بهرام بن بهرام جورين شابور ذي الاكتاف ملك
عثمان
بن
الفرس، وكان ميمون هذا رأس الاباضية وامامهم، ورأس الصفرية، والواصلية، وكان يسلم عليه بالخلافة، وكان مجمع الواصلية قريبا من تاهرت، وكان عددهم نحو ثلاثين ألفا في بيوت كبيوت الأعراب، يحملون
1 - لم يذكر هذه الحكاية أحد من أصحابنا وهي من الغرائب وانظر ما حكمة الله في ذلك وهي مما يؤيد القول بوجود الملائكة والجن وإلا فمن الفاعل لذلك بأمر الله على مذهب المنكرين حيث لا زلزال ولا رجة إذ ذاك هنالك. - المولى هو المعتق بالفتح ولعله أخذ أسيرا لما فتحت فارس وأعتقه عثمان فسبحان المعز المذل وسيأتي زيادة كلام في هذا النسب.
73 (1/73)
صفحة 74
وتعاقب مملكة تاهرت بنو ميمون (1) واخوته إلى أن قال مبينا على أكمل) سبب بنيانها وكيفيته هكذا.
وجه
فاجتمعت اليه (يعني عبد الرحمن الاباضية واتفقوا على تقديمه وبنيان
(2)
مدينة تجمعهم فنزلوا موقع تاهرت اليوم، وهو غيضة أشبه (3) ونزل عبد
(r)
الرحمن من موضعا مربعا لا شعراء فيه فقال البربر: نزل تاهرت وتفسيره
1 - لعله أراد عبد الوهاب بدل ميمون وألا فميمون لم يتول الإمامة حتى يسلم عليه بالخلافة والذي كان رأسا لمن ذكره من الصفرية والواصلية وغيرهم هو عبد الوهاب وبشهادة هذا المؤرخ مع ما تقدم وما سيأتي بما فيه تلقيب بني رستم بالخلفاء والملوك يعلم بطلان قول بعض المتأخرين من أرباب التاريخ بأن بني رستم لم يبلغوا درجة الخلافة والملك ولا ندري ماذا صنع في تلك الملايين من الناس التي كانت تدين بطاعتهم وتتمتع بعدلهم ولا في تلك العساكر التي كانت تؤلف بمئات الالوف تحت كلمتهم ولوائهم وان يكن جاهلا ذلك فما الحامل له على الدخول في باب لا يتقنه حتى يبتكر كلاما لم يسبق اليه؟ والواصلية والصفرية فرقتان مشهورتان من فرق الإسلام لا جود لهما الآن بالمغرب وتوجدان بالمشرق كجزيرة العرب وبالزنجبار بكثرة كما توجد فرق الازارقة والنجدية والزيدية والمعتزلة والشيعة وغيرها وبين الكل تنافر دائم كما تنفر كلها من مذهب الاباضية ومذاهب الاشعرية الاربعة نفورا كلياً نظراً لتباين المشارب في بعض المعتقدات الدينية التي تركت الإسلام أشتاتا وأحزابا حتى صارت مضغة سهلة للطامعين من الافرنج والامر لله سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. 2 - الغيضة بالفتح محل تجتمع فيه المياه من أردية أو عيون فينبت فيه الشجر وهي لغة أيضا الغابة كما هو مشهور على السنة العامة الآن وقوله أشبة بفتح الشين أي ملتفة مشتبكة لكثرتها واجتماعها من أصناف الشجر عظيمه وصغيره وفي القاموس أشب الشجر كفرج التف، قال، وفي حديث ابن ام مكتوم (بيني وبينك أشب) (بفتح الشين) محركة يريد النخل الملتفة (1 هـ).
- الشعراء شجر الحمض وهو كل شجر مالح أو مر في طعمه وضرب من الخوخ جمعها كواحد ومن الأرض ذات الشجر أو كثيرته ذكر صاحب القاموس فقوله لا شعراء فيه أي لا شجر، وانظر حكمة الله إذ جعل بين تلك الأشجار الملتفة والغابة العظيمة هذا الموضع فضاء حتى امكنتهم الاقامة والصلاة فيه إلى أن تم شغلهم «صنع
74 (1/74)
صفحة 75
(1)
الدف لتربيعه) وادركتهم صلاة الجمعه فصلى هناك،
بهم
الصلاة ثارت صيحة شديدة على أسد ظهر في الشعراء، فأخذ حيا وأتي به
(2)
إلى الموضع الذي صلى فيه وقتل فيه، فقال عبد الرحمن بن رستم هذا بلد لا يفارقه سفك دم ولا حرب أبدا، قال ذلك بعد أن نظر نظرة في النجوم
كما ذكره المراكشي في تاريخه.
وابتدأوا في تلك الساعة، وبنوا في ذلك الموضع مسجداً، وقطعوا خشبه من تلك الشعراء وهو على ذلك إلى الآن، (يعني وقته وهو مسجد جامعها، وكان موضع تاهرت ملكا لقوم مستضعفين من مداسة صهناجة، فأرادهم عبد الرحمن على البيع فأبوا فوافقهم على أن يؤدوا لهم الخراج من الاسواق،
الله الذي اتقن كل شيء وإذا أراد تمام أمر هيأ له أسبابه. 1 - الذي يؤخذ من هذا الكلام ان اسم تيهرت لم يكن موجودا قبل نزول الامام عبد الرحمن بهذا المكان وقد تقدم انه اسم للقديمة وهو الذي يقرب صحته العقل لما تقدم وما سيأتي، وذكر الشماخي رحمه الله في صحيفة 145 أنها تسمى أيضا (تاقدمت) ولم نره لغيره إلا إنني وقفت في (الكتبخانة) المصرية الخديوية على الصناديق التي صففت فيها تحت صفائح الزجاج النقود المضروبة بأسماء الملوك والمدن قديمها وحديثها لاطلاع الناس عليها وفوق كل عملة منها ورقة صغيرة توضح ما في ذلك المضروب من التاريخ والاسم، وقد رأيت فيها عملة نحاسية صغيرة لا اتقان في نقوشها فوقها ورقة فيها هكذا تاقدمت (1255 وبجنبها ورقة أخرى فيها اسم الامير عبد القادر الجزائري المشهور القائم على فرنسا بعد دخولها قطر الجزائر وقد بنى بتيهرت بعض بناء لما نوى أن يجعلها مركزا لحكومته ولم يطل أمره ولعله ضرب تلك العملة لما كانت هناك وهو صاحب علم واطلاع والله أعلم.
قصد
معنى للاتيان به حيا إلى مكان الصلاة وقتله فيه لما ورد من النهي عن: تنجيس البقاع المعدة للاجتماع مطلقا وبالخصوص المعدة للصلاة والذي رأيته في تاريخ ابن عذاري المغربي فيما أظن أن الاسد خرج عليهم وبعد محاورة بينه وبينهم اتفق قتله في مصلاهم فالقتل هنالك غير مقصود ولكوني اطلعت على هذا الكلام قبل أن هذا يخطر ببالي تحرير شيء من. فاتني. نقله بالحرف.
Vo (1/75)
صفحة 76
ويبيحوا لهم أن يبنوا المساكن فاختطوا وبنوا وسموا الموضع معسكر عبد
(1)
الرحمن بن رستم إلى اليوم.
(15) المهدي
وقال المهدي بين أشير وتاهرت أربع مراحل، وهما تاهرتان القديمة والحديثة، ويقال للحديثة تاهرت عبد الخالق، ومن ملوكها بنو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وممن ينسب اليها أبو الفضل أحمد بن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله التميمي البزاز التاهرتي، روي عن قاسم بن أصبع، وأبي عبد الملك بن أبي دكيم، وأبي أحمد بن الفضل الدينوري، وابي بكر محمد بن معاوية القرشي ومحمد بن عيسى بن رفاعة، روى عنه أبو عمر بن عبد البر وغيره، (انتهى
معجم).
وسنذكر بعد هذا الباب جماعة من أهل العلم المنسوبين إلى تاهرت إن
شاء الله
(16) البشاري الحنفي
علماء المائة وأما العلامة أبو عبد الله البنا المعروف بالبشاري الحنفي من. الرابعة من الهجرة، فإنه ألف تاريخا سنة 375 هـ وطبع بمدينة ليدن. الإفرنج سنة 1876 م قال في أوله هكذا:
من
بلاد
وتجنب الكذب والطغيان، وتحرزت بالحجج من الطعان، ولم أودعه الجائز
1 ـ الذي يسمى الآن بالمعسكر مدينة غير تيهرت إلا انها قريبة منها وسيأتي الكلام
عليها.
76 (1/76)
صفحة 77
والمحال، ولا سمعت إلا قول الثقات من الرجال، وأعلم أني مع هذه الوثائق والشروط لم أظهره، حتى بلغت الأربعين، ووطئت جميع الأقاليم وخدمت أهل العلم والدين، وقد ذكر اصطلاح المؤرخين في معنى الأمصار وذكر اصطلاحه الذي جرى هو عليه في كتابه فقال:
(وأما نحن فجعلنا المصر، كل بلد حله السلطان الأعظم، وجمعت إليه
الدواوين، وقلدت فيه الأعمال، وأضيف إليها مدن الأقاليم).
ثم قال في صحيفة 47 وأعلم أنا جعلنا الأمصار كالملوك، والقصبات كالحجاب، والمدن كالجند، والقرى كالرجالة، ثم ذكر في صحيفة 48 تاهرت من الامصار فيصدق عليها حينئذ انها بلد سلطان عظيم، جمعت اليه الدواوين إلى آخره، وقال في صحيفة 56 عند ذكر الحجاب لكل.
هكذا:
مصر
لبرقة، رماد، طرابلس، اجدابية إلى آخر ما ذكره لها، للقيروان، صبرة،
صفاقس، المهدية، سوسة، تونس إلى آخر ما ذكره لها أيضا ثم قال: ولتيهرت يممة، تاغليسة، قلعة ابن الهرب، خرارة، الجعبة، غدير، الدروع، لماية، منداس، سواق ابن جبلة، طماطة، جبل تجان، وهران، شلف، طير الغزة، سوق إبراهيم، رهبايه، البطحة، الزيتونة، تمما، يعود، الخضراء، واريفن، تنس، قصر الفلوس، بحرية، سوق كري، منجصة، اوزكي، تبرين، سوق بن مبلول، ربا، تاويلت أبي مغول، تمزيت، تاويلت لغو، أفكان (وبها نهر يأتي إلى تاهرت) انتهى
(1)
1 - أغلب هذه الأسماء بربرية لأنها لموطن البربر ولذلك وقع للمؤرخين اختلاف كثير في رسمها فكتب بعضهم أجذابية بالذال المعجمة وبعضهم خرارة بالهاء بدل الخاء، وبعضهم أفكان بياء قبل الفاء وغير ذلك وما رسمناه هنا هو الذي اتفق فيه أكثرهم
على ما رأيناه.
VV (1/77)
صفحة 78
فهذه ما يقارب أربعين مدينة غير ما سيزيد، نسبتها إلى تاهرت كنسبة
صفقاس، وتونس إلى القيروان، وكنسبة طرابلس، واجدابية إلى برقة، بمعنى ان كل واحدة من هذه المدن تعتبر كمركز ولاية صغيرة أو متصرفية كبيرة باصطلاح عصرنا، بدليل تقسيمها إلى عدة ولايات بعد انقراض إمامة بني رستم منها، فافكان و تاهرت نفسها كانت ليعلى بن محمد اليفرني وأشير، وأعمالها لزيري بن مناد الصهناجي، والمسيلة واعمالها لجعفر بن علي الاندلسي وباغاية واعمالها لقيصر الصقلي إلى غير ذلك مما ذكره المؤرخون، ومنهم ابن خلدون فانه قد ذكر بعض ذلك في صحيفة 46 من المجلد الرابع، ولو لم تكن كذلك لما قام بها ملك قاهر كهذا ودام، رغما عن تلك الفتن والحروب الواصلية وغيرها.
(1)
وبهذا يظهر للقارئ ما كان لتاهرت من اتساع الدائرة، وما كان لبني رستم فيها من عظيم الملك، ولاسيما إذا فكر فيما هو تحت نفوذهم قوة أو فعلا من سرت إلى أرض الجريد، وسنبين ذلك، وإذ ذاك لا يستعظم ولا
يشك فيما سيتلى عليه من الكلام الآتي منقولا عن المؤرخين أرباب الاطلاع
والتحقيق.
ومن أمعن الفكر في كلام هذا المؤرخ، وقاعدته التي أسسها وهي قوله
،
ا - ربما يقول قائل ان بعض المؤرخين ذكر بعض هذه المدن في أقليم افريقيا وبعضها في أقليم ف فاس أو سجملماسة مثلا وان بعضها إنما أسس بعد انقراض دولة بني رستم فلا يصدق عليها انها دخلت في ملكهم، فنقول ان ما ذكره هذا المؤرخ أقرب إلى الصحة لقرب عهده ببني رستم بخلاف غيره فان أغلبهم متأخر وأكثر ما حرروه على هذه الجهات تلقوه عن غيرهم بمجرد السماع والنقل على انه يمكن دخول هذا البعض تحت غيرهم في مبدأ ظهور دولتهم قبل اتساع خطتها أو في آخرها عند تقهقرها كما سيأتي وما كان من المدن حادثا بعد انقراضها فالمراد بذكرها بيان أن موضعها وما يليه
من البلاد كان في طاعتهم وعلى هذا يحمل كلام من خالف هذا المؤرخ من المؤرخين والله أعلم فليحرر.
78 (1/78)
صفحة 79
واما نحن فجعلنا المصر إلى آخره يظهر له الامر جلياً)، ثم قال ولله دره في انصافه وتقريره الحق كما عرفه ورآه أو حقيقة عن ارباب المعرفة والصدق ما نصه، اقليم المغرب هذا اقليم بهي، كبير سري، كثير المدن والقرى، وعجيب الخصائص والرخا، به ثغور جليلة، وحصون كثيرة، ورياض نزهة، وبه جزائر عدة، مثل الاندلس الفاضلة العجيبة، و (تاهرت) الطيبة النزيهة، وطنجة البلدة البعيده، وسلجماسة المحتارة الفريدة، واصقلية الجزيرة المفيدة، إلى أن قال: فأول كورة من قبل مصر برقة ثم افريقية ثم (تاهرت)، ثم سجلماسة، ثم فاس، ثم السوس الأقصى، ثم جزيرة اصقلية
ثم طرب قلمه السابح في لجة معارفة اليقينية، واستخرج من مكنون جواهره كل يتيمة نقية، واندفع يسطر على صفحات الطرس، ما علمه لهذه المدينة الزهراء من الفضائل والكمالات، مترددا في تفضيلها على دمشق الشام وقرطبة الاندلس ذات المآثر الباهرات، وإليك ما طرزه وحقه ان ينظم اللآلي، وقل لله رجل انصف وما حاد عن الحق إذ قال:
(تاهرت) هي اسم القصبة أيضا، وهي بلخ المغرب قد أحدقت بها الانهار، والتفت بها الاشجار، وغابت في البساتين، ونبعت حولها الأعين
المملكة
1 - وجه ذلك هو ان المصر في اصطلاحه يطلق على المدينة التي بها كرسي! كالآستانة العلية الآن وقد سمي تيهرت مصرا، وان الحجاب في اصطلاحه يطلق على مراكز الولايات كطرابلس الآن وكولاية الحجاز وولايات الشام، بالنسبة إلى الآستانة وقد ذكر تلك المدن كلها من الحجاب لتيهرت فيلزم أن تكون بمقام ولايات في اصطلاح عصرنا وان كان بعضها أكبر من بعض وأكثر في العمران كما. هو الحال الآن في
ولايات كثيرة ولا يقال ان بالنظر إلى قربها من بعضها بعض يظهر أنها لا تكون كذلك إذ لا يكون في دائرة كل واحدة من الانفس والعمارات ما يخول لها درجة ولاية أو متصرفية لأن من نظر إلى مديريات مصر والاسكندرية مثلا وتقاربها لا يستبعد ذلك هنا مع وجود تلك الانهار الجارية والعيون السائلة والاودية الكبيرة والاعداد الكثيرة من القبائل المؤلفة من
الآلاف والله أعلم.
V 1 (1/79)
صفحة 80
وجل بها الاقليم وانتعش فيها الغريب، واستطابها اللبيب، ويفضلونها على دمشق واخطأوا وعلى قرطبة (1) وما أظنهم أصابوا، هو (اقليم تاهرت) بلد
1 - أما دمشق فقد سميت باسم بانيها دمشق بن فاني بن مالك بن أرفخشذ بن سام بن نوح وقيل غير ذلك، وقد اقسم سبحانه وتعالى بجبلها في قوله: «والتين» قال كعب هو الجبل الذي عليه دمشق والزيتون هو الجبل الذي عليه بيت المقدس وطور سيناء هو الجبل الذي كلم الله فيه موسى عليه السلام والبلد الأمين هو مكة وقال جنان الدنيا ثلاث غوطة دمشق ونهر بلخ ونهر الابلة وقد فتحت دمشق سنة 14 من الهجرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومما قاله البحتري الشاعر المشهور في قوله:
الاصمعي.
يسي
أما دمشق فقد أبدت محاسنها وقد وفي لك مطريها بما وعدا إذا أردت ملأت العين من بلد مستحسن وزمان يشبه البدا السحاب على أجبالها فرقا النور في صحرائها بددا ويصبح فلست تبصر إلا واكفا خضلا ويانعا خضرا أو طائرا غردا كأنما القيظ ولي بعد جيئته أو الربيع دنا من بعد ما بعدا ومما قاله فيها أبو تمام الشاعر:
لولا حدائقها وأني لا أرى عرشا هناك ظننتها بلقيسا وأرى الزمان غدا عليك بوجهه جذلان بساما وكان عبوسا
الناس
قد نورت تلك البطون وقدست تلك الظهور بقريه تقديا ذكر هذا صاحب مختصر البلدان وقال: ولما أراد الوليد بن عبد الملك بناء مسجد دمشق دعا نصارى دمشق فقال: إنا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه ونعطيكم موضع كنيسة حيث شئتم فحذروه ذلك وقالوا: أنا نجد في كتابنا انه لا يهدمها أحد إلا وخنق فقال الوليد: فأنا أول من يهدمها فقام عليها وعليه قباء أصفر فهدمها بيده وهدم ا معه ثم زاد في المسجد، فلما هدمها كتب اليه ملك الروم انك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها فإن كان حقا ما عملت فقد أخطأ أبوك، وإن كان باطلا فقد خالفت أباك فلم يعرف الوليد جوابا فاستشار الناس، وكتب إلى العراق فقال الفرزدق أجبه يا أمير المؤمنين بقول الله عز وجل: وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلماء وكتب اليه الوليد بذلك فلم يجبه والوليد ممن زاد في المساجد وبناها فبنى المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد قبا ومسجد دمشق، وأول من حفر المياه في طريق مكة إلى
80 (1/80)
صفحة 81
فقال
بتوسيع
الشام وأول من عمل البيمارستانات للمرضى، وكان في ذلك انه خرج. بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم فدخله فرأى بيتا ظاعنا في المسجد شارعا بابه فقال ما بال هذا البيت فقيل هذا بيت علي بن أبي طالب أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم وردم سائر أبواب أصحابه فقال ان رجلا نلعنه على منابرنا في كل جمعة نقر با به ظاعنا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الأبواب أهدم يا غلام روح بن زنباع الجذامي لا تفعل يا أمير المؤمنين حتى تقدم الشام ثم تخرج أمرك مساجد الامصار مثل مكة والمدينة وبيت المقدس وتبني بدمشق مسجدا فيدخل هدم بيت علي بن أبي طالب فيما يوسع من مسجد المدينة فقبل منه وقدم الشام وأخذ في بناء مسجد دمشق وانفق عليه خراج المملكة سبع سنين ليكون ذكرا له (وهذا مما لا يجوزه الشرع قطعاً) وفرغ من المسجد في ثمان سنين فلما حمل اليه حساب نفقات مسجد دمشق على ثمانية عشر بعيرا أمر بإحراقها قال في كتاب المسالك والممالك أنفق على مسجد دمشق خراج الدنيا ثلاث مرات وبلغ ثمن البقل الذي أكله الصناع في مدة أيام العمل ستة آلاف دينار وهذا المسجد مقعد عشرين ألف رجل وان فيه ستمائة سلسلة ذهب للقناديل، قال زيد بن واقد وكلني الوليد على العمال بمسجد دمشق فوجدنا فيه مغارة فعرفنا الوليد ذلك فنزل في الليل فإذا هي كنيسة لطيفة ثلاثة أذرع في مثلها وإذا فيها صندوق وفيه سفط مكتوب عليه هذا رأس يحيى بن زكرياء) فرأيناه فامر به الوليد أن يجعل تحت عمود معين فجعل تحت العمود! الشرقي ويعرف بعمود السكاسك قال زيد رأيت رأس يحيى بن زكريا حين وضع تحت العمود والبشرة والشعرة لم تتغيرا قالوا فمن عجائب مسجد دمشق ان لو بقي الرجل فيها مائة سنة لكان يرى فيها كل وقت اعجوبة لم يرها قبل وقال كعب ليبنين في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الارض أربعين عاما والمئذنة التي بدمشق كانت ناطورا للروم في كنيسة. فلما هدم الوليد الكنائس وادخلها المسجد تركت على حالها يحيى
المسقط الرابع
وهدم الوليد عشر كنائس واتخذها مسجدا ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة قال: إني أرى في مسجد دمشق أموالا أنفقت في غير حقها فانا مستدرك ما ادركت منها ورادها إلى بيت المال أنزع هذا الرخام والفسيفساء وأطينه وانزع هذه السلاسل وأصير بدلها حبالا فاشتد ذلك على أهل دمشق فخرج أشرافها اليه وكان فيهم يزيد بن سمعان وخالد بن عبد الله القشري فقال خالد لهم دعوني والكلام قالوا: تكلم فلما دخلوا عليه، قال له خالد: بلغنا انك هممت بمسجدنا بكذا وكذا قال: نعم.، قال: والله ما ذلك لك قال فلمن ذلك لأمك الكافرة؟ وكانت امه نصرانية، فقال: ان تك
81 (1/81)
صفحة 82
كافرة فقد ولدت مؤمنا فاستحى عمر وقال: صدقت وورد على عمر رسل الروم فدخلوا مسجد دمشق لينظروا اليها فرفعوا رؤوسهم إلى المسجد فنكس رئيس منهم رأسه واصفر لونه، فقالوا له في ذلك فقال: انا كنا معاشر أهل رومة تحدث ان بقاء العرب قليل فلما رأيت ما بنوا علمت ان لهم مدة سيبلغونها فأخبر عمر بذلك فقال: أرى مسجدكم هذا غيظا على الكفار فترك ما هم به من أمر المسجد والمسجد مبني بالرخام والفسيفساء مسقف بالعاج منقوش بالازورد والذهب والمحراب مرصع بالجواهر المثمنة والحجارة العجيبة، وبني معاوية الخضراء بدمشق في زمن عثمان بن عفان وأمر على الشام وهو ابن ثمان وثلاثين سنة واستخلف وهو ابن ثمان وخمسين سنة وتوفي لثمان وسبعين سنة وهو أول من اتخذ المحاريب والمقاصير والشرط والحرس والخصيان وأصفى الاموال وقد أنكر قوم بناء الدور والابنية والنفقة والتبذير عليها وهذا طلحة بني داره بالأجر والقصة وأبوابه ساج وبنى عثمان بن عفان بالحجارة المنقوشة المطابقة وخشب الصنوبر والساج وحمل له من البصرة في البحر ومن عدن في البحر وحمل له القصة من بطن نخل وبنى الزبير أربعة دور دارا بمصر واخرى بالاسكندرية وأخرى بالكوفة وأخرى بالبصرة وأنفق زيد بن ثابت على داره ثلاثين ألف درهم ثم قال وبدمشق جبل لبنان وهو الذي يكون عليه العباد (بتشديد الباء والابدال وعليه من كل الثمر والفواكة وفيه عيون كثيرة عذبة (1 هـ).
وأما قرطبة بضم أوله وسكون ثانيه وضم الطاء المهملة والباء الموحدة فقد قال صاحب المعجم كلمة فيما أحسب عجمية رومية ولها في العربية مجال: يجوز أن تكون من القرطب وهو العدو الشديد، وقال وهي مدينة عظيمة بالاندلس وسط بلادها وكانت سريرا لملكها وقصبتها وبها كانت ملوك بني أ أمية ومعدن الفضلاء ومنبع النبلاء، من ذلك الصقع بينها وبين البحر خمسة أيام قال ابن حوقل التاجر الموصلي وكان طرق تلك البلاد في حدود سنة 350 هـ وأعلى مدينة بالاندلس قرطبة وليس لها في المغرب شبيه في كثرة الاهل وسعة الرفعة ويقال انها كأحد جانبي بغداد وان لم تكن كذلك فهي قريبة منها وهي حصينة بسور من حجارة ولها بابان يشرعان في نفس السور إلى طريق الوادي في الرصافة والرصافة مساكن بأعالي البلد متصلة بأسافله من ريضها وابنيتها مشتبكة محيطة من شرقها وشمالها وغربها وجنوبها إلى أن قال وممن تشوق اليها القاضي محمد بن أبي عيسى بن يحيى الليثي قاضي الجماعة بقرطبة فقال
فيها:
يلم ذكراي من ورقا مغردة على قضيب بذات الجزع مياس
82 (1/82)
صفحة 83
كبير كثير الخير رحب، رفق، طيب، رشيق الاسواق، غزير الماء، جيد الاهل، قديم الموضع، محكم الرصف، عجيب الوصف، غير أنه متى يقاس المغرب بالشام، وأين مثل دمشق في الإسلام؟! ولقرطبة اسم وذكر وشأن، بها (أي تاهرت) جامعان على ثلثي البلد قد بنيا بالحجارة والجيل، قريبان من الأسواق من دروبها المعروفة أربعة درب مجانة، درب المعصومة، درب حارة الفقير، درب البساتين، بقربها مدينة تسمى رها، وقد خربت وتنس
(1)
رددن شجوا شجا قلبي الخلي فقل في شجو ذي غربة ناء عن الناس
الأ. بين
ة في لهو وإيناس
ذكرنه الزمن الماضي بقرطبة هجن الصبابة لولا همة شرفت فصيرت قلبه كالجندل القاسي وينسب اليها كثيرون من أهل العلم والأدب ولما أدبر رثاها شعراؤها بمراث كثيرة والله أعلم. وقد نقل الشيخ مقديش وصف جامعها المشهور فقال وبها الجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله فيه من السواري الكبار ألف سارية وفيه مائة وثلاثة عشرة ثريا، للوقيد أكثر ما تحمل الواحدة ألف مصباح وفيه من النقوش والرقوم مالا يقدر على وصفه وبقبلته صناعات تدهش العقول وعلى فرجة المحراب سبع قسي قائمة على عمد طول كل قوس فوق القامة قد تحير الروم والمسلمون في وصف حسنها وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة اثنان اخضران واثنان لازورديان ليس لهما قيمة وبه منبر ليس على معمور الأرض مثله في حسن صنعته وخشبه ساج وابنوس وبقص وعود قافلي ويذكر في تاريخ بني أمية انه أحكم عمله ونقشه في سبع سنين وكان يعمل فيه ثمانية صناع لكل صانع في كل يوم نصف مثقال محمدي فكان جملة ما صرف على المنبر أجرة لا غير عشرة آلاف مثقال وخمسين مثقالا وفي الجامع حاصل كبير فيه أنية الذهب والفضة لاجل الوقود وبهذا الجامع أربع ورقات من مصحف عثمان بن عفان بخط يديه وفيه نقط من دمه وله عشرون بابا مصفحات بالنحاس الاحمر الاندلسي محزمات تحزيما يعجز البشر عن وصفه وفي كل باب حلقة في نهاية الصنعة والحكمة وبه الصومعة التي هي من عجائب الدنيا ارتفاعها مائة ذراع بالملكي المعروف بالشراشي كل ذراع بثلاثة أشبار (1 هـ)، بحروفه.
ا - في كل ما رأيناه من النسخ (القفير) بتقديم القاف على الفاء ولم نعلم له معنى مناسبا للمقام ولعله بتقديم الفاء أو بالخاء مكان القاف أو بالغين على لغة العامة وعلى هذا تكون علة التسمية واضحة وهي وجود مركز للخفراء بذلك الدرب يجتمعون فيه (1/83)
صفحة 84
مسورة على البحر، شربهم من نهر، وكذلك قصر الفلوس، وتاهرت السفلى على واد عظيم، ذات أعين وبساتين، وافكان مسورة على واد جار ذي بساتين، ويلل، وجبل توجان، على ما ذكرنا سواء، وهران، بحرية مسورة يقلعون منها إلى الاندلس في يوم وليلة (1) ترى منها البرين وهي احد المعابر المشهورة، جبل زلاغ، مدينة على جبل عال يطل على كورة فاس بناها خلوف بن أحمد المعتلي، وبقية المدن أكثرهن مسورات ذات بساتين
(انتهى).
(17) شمس الدين الدمشقي
وقد ذكرها شمس الدين أبو طالب الدمشقي، باختصار في تاريخه ولم يذكر ما يحتاج إلى نقل كما لم يذكر غيرها من المدن إلا سردا.
(18) ابن فضل العمري
وعدد العلامة ابن فضل الله العمري، في مسالك الابصار ممالك المغرب ليفضل عليها ممالك المشرق تعصبا للشرق، فلم يذكر من مزايا المغرب إلا ما لم يمكنه انكاره وقال، ويليها أي تونس الغرب الاوسط كان في صدر الإسلام قد اقتطعه بنو رستم وكانوا أباضية وادعوا الخلافة وكان قطب امامتهم مدينة تاهرت.
ثم يوزعون في أنحاء المدينة بمعرفة رئيسهم كما هو جار الآن بمصر عند كل مغرب 1 ـ في نسخة هكذا (وسبتة على زقاق بحر الاندلس ترى منه البرين إلى آخره) فيؤخذ من هذا ان سبتة قد أتى عليها وقت وهي في دائرة حكم تيهرت وفيه تأمل
لبعدها عنها جدا وقربها من طنجة والله أعلم.
84 (1/84)
صفحة 85
(19) ابن الصغير
وأما المؤرخ ابن الصغير العلامة الخطير، المالكي الشهير، الذي بحث في أحوال تاهرت عن النقير والقمطير، فقد نظم في الثناء عليها العقود الحسان، ووصف بني رستم ملوكها الأئمة أهل العدل والاحسان، بكل وصف جميل وذكر جليل، وسيأتي موزعا في الباب الآتي عند ذكر كل امام منهم فانتظره، وكل آت قريب، ولمناسبة هذا المقام نأتي بكلمات منه وان
تكررت بعد ذلك ليعلم منه مشربه، ويدرك منه مرمى كلامه قال:
ثم شرعوا (يعني الاباضية بتاهرت في العمارات والبناء وأحياء الموات وغرس البساتين، واجراء الانهار، واتخاذ الرحى والمستغلات وغير ذلك، واتسعوا في البلد وتفسحوا فيه، وأتتهم الوفود والرفاق من كل الامصار وأقاصي الأقطار، فقل أحد أن ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتني بين أظهرهم لما يراه من رخاء البلد، وحسن سيرة امامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ومربعتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين، واستعملت السبل إلى بلاد السودان والى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة، وضروب الأمتعة إلى أن قال في حق الامام أفلح، وشمخ في ملكه وابتني القصور واتخذ ابوابا من الحديد، وبنى الجفان وأطعم فيها الجيعان وعمرت معه الدنيا وكثرت الاموال والمستغلات، وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات وتنافس الناس في البنيان، حتى ابتنى الناس القصور والضياع، إلى آخر ما سيطرق سمعك غير بعيد ان شاء الله ولا فائدة في
التكرار.
وقال ابن خلدون في صحيفة 121 من المجلد السادس، فشرعوا (أي
85 (1/85)
صفحة 86
الاباضية في بناء مدينة تاهرت في سفح جبل كزول ياح على تلول منداس، واختطوها على وادي ميناس النابعة منه عيون بالقبلة وتمر بها، وبالبطحاء إلى أن تصب في وادي شلف فأسسها عبد الرحمن بن رستم واختطها سنة أربع وأربعين ومائة هـ فتمدنت واتسعت خطتها.
وقال ابن حوقل في المسالك المطبوع بليدن سنة 1872 م بصحيفة 60 بعد أن وصفها كما تقدم، والتجار والتجارة (بتيهرت) المحدثة أكثر ولهم مياه تدخل أكثر دورهم وأشجارهم، وبساتين كثيرة وحمامات وخانات وهي أحد معادن الدواب، والماشية والغنم والبغال والبراذين الفراهيد ويكثر عندهم
العسل والسمن وضروب الغلات.
(20) ابن عذاري المغربي
وأما ابن عذاري المغربي، فأنه ذكرها في بيانه، وخالف في تاريخ تأسيسها كل ما رأيته، من التواريخ إذ قال في صحيفة 203 فاجتمع عليه (أي عبد الرحمن الاباضية وعزموا على بنيان مدينة تجمعهم، فنزلوا بموضع تيهرت وهي غيضة بين ثلاثة أنهار، فبنوا مسجد من أربع بلاطات، واختط الناس مساكنهم وذلك سنة 161 هـ، وكانت في الزمان الخالي مدينة قديمة فاحدثها الآن عبد الرحمن بن رستم، وبقي بها إلى أن مات سنة 168 هـ، وهذا تاريخ في وفاة عبد الرحمن، وهو مخالف لما هو مشهور عندنا، ولكلام ابن خلدون الآتي.
وقال أيضا وكانت حول تيهرت بساتين من أنواع الثمارة كثيرة الأشجار، وهي شديدة البرد كثيرة الأمطار قيل لبعض الظرفاء من أهلها: كم
الشتاء عندكم من شهر في السنة؟ قال: ثلاثة عشرا شهرا.
86 (1/86)
صفحة 87
(21) دائرة المعارف
هذه وقد وقفت على ذكرها في كتاب دائرة المعارف، ولم يزد على ما سمعته غير بيان المسافة التي بينها وبين وهران باصطلاح هذا العصر، وذلك 220 كيلومترا واستظهر إنها هي (تنغرتيا) القديمة التي كانت كرسي اسقفية) في القرن الخامس للميلاد فهي إذا عريقة في الفخر عظيمة
1 - الأسقفية وظيفة مخصوصة برجال الدين عند النصارى وكرسيها هو المدينة أو القصبة التي يقيم فيها الاسقف، والأسقف كلمة عربية وقيل معربة من (ابيسكوبوس) باليونانية ومعناها ناظرا أو رقيب وكل القاب خدمة الدين عند النصارى هي أما من أصل يوناني كالأسقف والبطريرك والشدياق، وغيرهم أو من أصل سرياني كالقسيس والشماس وغيرهما والاسقف (بالفرنساوية أفك) و (بالانجليزية بشب) وهما من اليونانية أيضا وهو في الكنائس البرتستانية في اسوج ونروج والدانمرك لقب يلقب به خدمة الدين إلا انهم لا يعتبرون من رتبة ممتازة عن غيرها من درجات الكنيسة وقد ذهب بعض البروتستانت إلى أن ما ورد في سفر أعمال الرسل (20: 17 و 28) يستفاد منه أن مدلول الاسقف والقسيس واحد وأما معلمو الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ومن وافقهم من معلمي البروتستانت فقد خالفوا في ذلك وقالوا ان الاسقف والقسيس درجتان ممتازتان، وكان انتخاب الاسقف منوطا بقسم من الأهالي ولما في ذلك. التخالف في الرأي المؤدي إلى العناد غالبا استعملت الوسائل إلى ابطال ذلك حتى صار الملوك يعينون بأنفسهم أساقفة مالكهم إلا أن (البابا) لم يطق ذلك وقاوم هذا الطريق بكل عناية حتى جعل الانتخاب مخصوصا بقسيسي الكنائس الاسقفية وقد اختلفت في هذا العهد طرق الانتخاب، فبعضهم خصصه بالقسيسين وبعضهم جعله مشتركا بينهم وبين الاهالي وبعضهم خصصه بالملك ورجال دولته وبعضهم اشترط في المنتخب (بالكسر) كونه من أبوين شرعيين بالغاسن الثلاثين مشهورا بالعلم
من كثرة
والأدب مقبولا عند الحكومة وكونه من أهالي البلد الواقعة فيها الاسقفية ان أمكن. وعلامات الأسقف في أوربا التاج رمزا إلى القوة والعصا رمزا إلى فروضه الرعائية والخاتم رمزا إلى اقترانه بالكنيسة وصليب معلق على صدره وكفوف مخصوصة وحذاء لا يغطي إلا قسما من أعلى رجليه وقباء مخصوص وذلك كله تمييز له عمن هو دونه من خدمة الدين، وأما في الكنيسة الشرقية فالعلامات المميزة للأسقف عن القسيس عند الروم الارثودكس) والروم الكاثوليك والأرمن هي منديل يجعل فوق القلنسوة تحت
87 (1/87)
صفحة 88
الشأن، محط رحال العظماء والرؤساء من رجال الدين من قديم الزمان، وزاد
في أبيات ابن حماد المتقدمة بيتا بعد قوله تبدو من الغيم إلى آخره والبيت
هذا: هو
بلا لج ـة
(حمداً لله على موافقة الحق)
تجري بنا الريح على،
ثم وقفت في أثر هذا على عين ما استظهرته في الحاشية قبل هذا بصحيفة (19) عند الكلام على كيفية توزيع المياه على بيوت تيهرت، فحمدت الله على موافقة ذلك الفكر للحق، راجيا أن تكون أفكاري كلها كذلك ان شاء الله، وإليك ما كتبه بالحرف حيث قال: وأما (تيهرت) الحديثة فكانت أكثر تجارة والماء يجري اليها في أقنية وأنابيب إلى كل البيوت، انتهى وبهذا نختم هذا الباب وختامه مسك والحد لله رب العالمين.
الاساقفة
وصيروهم
هي
بمنزلة
القاووق وفي الشرق الصليب على الصدر والخاتم في البنصر وثوب يخالف أثواب القسيس ويكون في الغالب أحمر وللأسقف دون القسيس حق فحص التأليف الدينية التي تنشر في ابراشتيه (الدائرة التي يتولاها الأسقف وتكون تحت نظره) فيثبتها أو يحكم بفسادها والكثير من البروتستانت سلخوا السلطة عن القسيسين ومنهم من أبطل هذا الاسم: بالمرة والبعض منهم! ابقاها كما. عليه بناء على انها نظام إلا هي لا يجوز تغييره وهذا في إنجلترا والولايات المتحدة، والأساقفة من جميع الطوائف النصرانية إلا البروتستانت لا يباح لهم الزواج وكذا القـ ون من الكنيسة اللاتينية والرهبان عموما لا يباح لهم الزواج واما القسيسون من غير الكنيسة اللاتينية فيباح لهم الزواج مرة واحدة وإذا توفيت نساؤهم منعوا من الزواج مرة ثانية، ووظيفة الأساقفة المقيمين في ممالك الدولة العلية العثمانية النظر والحكم في جميع المسائل المتعلقة بالأمور الدينية من زواج وطلاق وإقامة أوصياء للقصر وولاية الأوقاف والتركات وما أشبه ذلك، كذا قيل والله أعلم.
88
مي (1/88)
صفحة 89
الباب الرابع
الكلام على المدن المنسوبة إلى تيهرت)
تقدم عن العلامة البشاري الحنفي نسبة عدة مدن إلى تيهرت، وقد تكلم عليها المؤرخون، وتتميما للفائدة نأتي ببعض ما قالوه في بعضها
فنقول: ان من أشهر تلك المدن في ذلك العهد.
(1) مدينة تنس
بفتح التاء والنون، وهي آخر افريقية مما يلي الغرب، بينها وبين مدينة وهران ثمانية أيام، ومليانة في جنوبها على ثلاثة أيام، وقيل أربعة وبينها وبين تيهرت خمس مراحل أو. ست، نقل ذلك الحموي عن البكري وقال: قال أبو عبيد هي مدينة مسورة حصينة داخلها قلعة صغيرة صعبة المرتقى، ينفرد بسكناها العمال الحصانتها، وبها مسجد جامع وأسواق كثيرة، وهي على نهر يأتيها من جبال على مسيرة يوم من جهة القبلة، ويستدير بها من جهة الشرق، ويصب في البحر، وتسمى تنس الحديثة، وعلى البحر حصن، ذكر أهل تنس انه كان القديم المعمور قبل هذه الحديثة، وتنس الحديثة أسسها وبناها البحريون من أهل الاندلس، منهم الكركدن، وأبو عائشة، والصقر، وغيرهم وذلك سنة 262 هـ (في دولة بني رستم)، وسكنها فريقان من أهل الاندلس، من أهل البيرة، وأهل تدمير، وأصحاب تنس من ولد إبراهيم بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن
>
89 (1/89)
صفحة 90
ذلك
علي بن أبي طالب، وكان هؤلاء البحريون من أهل الاندلس يشتون هناك إذا سافروا من الاندلس في مرسى على ساحل البحر، فاجتمع اليهم بربر القطر، ورغبوهم في الانتقال إلى قلعة تنس، وسألوهم أن يتخذوها سوقا
(1).
ويجعلوها مسكنا ووعدوهم بالعون وحسن المجاورة)، فأجابوهم إلى ذلك، وانتقلوا إلى القلعة وانتقل اليهم من جاورهم من أهل الاندلس، فلما دخل عليهم الربيع اعتلوا واستوبأوا الموضع، فركب البحريون من أهل الاندلس مراكبهم، وأظهروا لمن بقي منهم أنهم يمتارون لهم ويعودون، فحينئذ نزلوا قرية بجاية، وتغلبوا عليها، ولم يزل الباقون في تنس في تزايد وثروة وعدد، ودخل اليهم أهل سوق إبراهيم، وكانوا في أربعمائة بيت، فوسع لهم أهل تنس في منازلهم، وشاركوهم في أموالهم وتعاونوا على البنيان، واتخذوا الحصن الذي فيها اليوم، ولهم كيل يسمونه الصفحة وهي ثمانية واربعون قادوسا والقادوس ثلاثة إمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم ورطل اللحم بها سبع وستون أوقية ورطل سائر الأشياء اثنتان وعشرون أوقية ووزن قيراطهم ثلث درهم عدل بوزن قرطبة، وقال سعد بن أشكل التاهرتي في علته التي مات منها (بتنس).
نأى النوم عني واضمحلت عرى الصبر
وأصبحت عن دار الأحبة في اسر
وأصبحت عن (تيهرت) في دار غربة
وأسلمني مر القضاء من القدر
إلى تنس ذات النحوس فأنها
يساق إليها كل منتقص العمر
1 - انظر كيف كانوا يهتمون بالبقاع المهجورة القابلة للعمارة ويستميلون الناس إلى
الاقامة بها باحسانهم ومعروفهم وحسن جوارهم.
?? (1/90)
صفحة 91
هو الدهر والسياق (1) والماء حاكم
وطالعها المنحوس صمـ امة الدهر
بلاد بها البرغوث يحمل راجلا
ويأوي إليها الذيب في زمن الحر
يرجف منها القلب في كل ساعة
بجيش من السودان يغلب بالوفر
ترى أهلها صرعى دوي أم ملدم
وقال غيره (2):
يروحون في سكر ويغدون في سكر
1 - في نسخة السياف بالفاء وله مناسبة للمقام.
2 - قد بالغ هذان الشاعران في ذم هذه المدينة الممدوحة عند ارباب التاريخ وقد علمنا السبب الحامل للاول منهما على ذمها فعذرناه إذ لا مصيبة تعادل الداء العضال المقضي بصاحبه إلى الهلاك كالذي أصابه ولم نعلم للثاني سببا قويا غير ما يفهم من كلامه من أنه كان سائلا وكأنه لم يقنع بما ناله فيها، وقد ورد أن النفس جبلت على حب من أحسن اليها وبغض من أساء اليها، وسئل (جحا) فيما يقال عن المحسن من الناس فقال هو الذي أحسن الي وسأل عن المسيء منهم فقال هو الذي أساء إلي. وعلى كل حال لا يكون قولهما دليلا على نقصها لأن الذم والمدح لا يكونان غالبا إلا على. سب الاغراض والطبائع والأحوال والأزمان ولا يخلو شيء من مخلوقات الله عموما من كمال ونقص، وما قصد الانسان إلى مدح شيء ما إلا ووجد مجالا: فوق مراده ولو عمد إلى ذم ذلك الشيء عينه من جهة أخرى لا نفتح له أوسع باب في ذلك بدون أن يكذب ان شاء، وهذا مما يدل على حدوث الكائنات وافتقارها إلى مدير حكيم وهو الله الذي لا إله إلا هو ذو الكمال الذي لا يشوبه نقص ولا يلحقه عدم، مصر القاهرة الغنية بشهرتها عن البيان مهبط الفراعنة والجبابرة وعظماء الملوك وبيت الحكم ومعدن الآثار العظيمة والصناع الغربية من قديم الزمان قد مدحها الشعراء بما إذا سمعته توهمت انها روضة من رياض الفردوس وذمها آخرون بما إذا تلي عليك ظننت انها حفرة من حفر النار ومما قاله في وصفها وأجاد سليم بيك العنحوري
هذه
يسع
91 (1/91)
صفحة 92
الدمشقي من شعراء هذا العصر هذه القصيدة. (شوارع مصر)
ست
ست نده
الانظارا
تلك الشوارع عرضها أمتارا يجري الهواء بها رخاء مطلقا يمحو السقام ويذهب الاكدارا تزدان بالأنوار فوق منائر فيعود ليل المدلجين نهارا وعلى الجوانب الف حانوت زهت بنفائس تدع العقول حيارى فيها الجواهر كالنجوم وجامها فلك يزيغ بهاؤه الابصارا فيها لأصناف النسيج زخارف النساء وتسلب الدينارا شادت يد الاتقان في أكنافها قللا يناطح روقها الاقمارا من كل صريح باذخ شرفاته تبدي متى حان الاصيل عذارى غر الوجوه فواتنا تزري الدمى بيضا وسمرا خردا ابکارا يختلن من فوق العروش بواسما جذلا وهن من النعيم سكارى يرمقن أبناء السبيل بأعين توحي الى أهل الهوى أسرارا
حفت بجنات الازاهر قد حوت
تسبي
در را وأسا. نرج ا وعرارا جمعت لاسباب الهناء ذرائعا تولي النزيل من المنى أوطارا
يمسي ويصبح والنعيم مهاده وما ورد في ذمها من أقوال المتقدمين قول الشاعر:
ر دار الفاسينا
أهله والجارا
تستفزا
وإذا شد اهدت شاهد
ت جنونا ومـ جـ
ونا
وبغـ
اء وقـ
رونا
علن الفق دينا
فهي موت الناسكينا وقول الآخر من قصيدة:
قلت منافعها فضح ولاتها وشكا التجار بها كاد السوق ما أن يرى فيها الغريب إذا رأى شيئاً سوى الخيلاء والتبريق قد فضلوا جهلا مقطمهم على بيت بمكة للاله عتيق المصارع لم يبق في اجدائهم منهم صدي بر ولا صديق ان هم فاعلهم فغير موفق أو قال قائلهم فغير صدوق شيع الضلال، وحزب كل منافق ومصارع للبغي والتنفيق
92 (1/92)
صفحة 93
أيها السائل عن أرض تنس
بلدة لا ينزل القطر بهـ
مقعد اللوم المصفى والدنس
والندى في أهلهـ حرف درس
اء النطق في (لا) أبدا
وهم في (نعم) بكم خـ
فمتى يلمم بها جاهلها
يرتحل عن أهلها قبل الغلس
نجس يجـ ري على ترب نجس
ماؤها من قبح خصت به
تى تلعن بلادا مرة
اجعل اللعنة دأبا (التنس)
ثم قال: وقد نسبوا الى تنس إبراهيم بن عبد الرحمن التنسي، دخل الاندلس وسكن مدينة الزهراء (1)، وسمع من أبي وهب بن مسرة الحجازي
أخلاق فرعون اللعينة فيهم والقول بالتشبيه بالمخلوق لولا اعتزال فيهم وترفض من عصبة لدعوت بالفريق وهكذا الحال في البصرة والكوفة على ما سيأتي وغيرهما وبالجملة فلا شيء في الوجود غيره تعالى إلا وله كمال ونقص ومادح وقادح على حق أو باطل إلا ان الحق يعلو والكمال لله وحده.
ا - الزهراء مدينة وقيل سراية كما ذكره بعض المؤرخين وهو أقرب لأنهم ذكروا ان طولها الفان وسبعمائة ذراع وان عرضها ألف وخمسمائة ذراع وهي قريبة من (قرطبة) على ستة أميال منها وقيل أربعة وزيادة اختطها عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الملك بن مروان بم الحكم الأموي، وهو يومئذ سلطان تلك الجهات وذلك سنة 325 هـ (بعد انقضاء دولة بني
93 (1/93)
صفحة 94
وأبي علي القالي، وكان في جامع الزهراء يفتي، ومات في صدر شوال سنة (307 هـ) انتهى حموي.
هكذا في النسخة المنقول منها، وهي من طبع الإفرنج ومصححه باعتناء كامل، وأما العلامة الضبي، فانه ذكر في تاريخه المطبوع ببلاد الإفرنج أيضا انه توفي سنة 387 هـ والفرق بينهما فاحش فليتأمل.
المائة وتكلم عليها الادريسي المالكي المولود في عشرة التسعين من الخامسة في تاريخه فقال: ومدينة تنس على مقربة من ضفة البحر المالح على ميلين منه وبعضها على جبل، وقد أحاط به السور، وبعضها في سهل الارض، وهي مدينة قديمة أزلية، عليها سور حصين وحظيرة مانعة دائرة بها وشرب أهلها من عين، ولها في جهة الشرق واد كثير الماء، وشربهم منه في
12
رستم من تيهرت أنفق في عمارتها ما تجاوز حد الاسراف وجلب اليها الرخام من الأقطار وأتاه من الهدايا للاعانة على اتمامها من ولاته ومن ملوك الافرنج المجاورين له ما لا يحد وصفه وجلب اليها من القسطنطنية حوضا مذهبا كبيرا وجعل فيها حوضا أصغر منه فيه صور حيوانات متعددة كالاسد والغزال والعقاب والثعبان وكل ذلك بالذهب المرصع بالجواهر وكان يدخلها في اثناء العمل في كل يوم 6000 صخرة مع ما لا يعد كم الأجر ويعمل فيها كل يوم ألف صانع مع كل صانع 12 أجيرا فالجملة ثلاثة عشر ألفا حتى تمت في 16 سنة فكان فيها 4300 سارية و 15 بابا وقدر ما أنفق عليها من بيت مال المسلمين بما يقارب ستمائة وخمسين قنطارا فضة خالصة وكانت على ثلاثة أقسام قسم فيه قصر السلطنة وقسم فيه خدمه وقسم فيه متنزهة وعلى سورها 300 برج ولم يغنها ذلك شيئاً إذ حل بها القضاء المبرم فقد دخلها البرير سنة 400 هـ واحرقوها وخربوها ونهبوا ما فيها حتى لم يبق منها الا الرسوم والاطلال وقد ذكرها الشعراء في قصائدهم كثيرا ومن بينهم أبو الوليد بن زيدون القائل: اني ذكرتك بالزهراء مشتاقا والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا وللنسيم اعتلال في اصائله كأنما رق لي فاعتل أشفاقا والروض عن مائه الفضي مبتسم كما حللت من اللبات أطواقا يوم كأيام لذات لما انصرمت بتنا لها حين نام الدهر سواقا
94 (1/94)
صفحة 95
أيام الشتاء، والربيع، وبها فواكه وخصب واقلاع وحط وبها اقاليم واعمال ومزارع، وبها الحنطة ممكنة جداً، وسائر الحيوانات موجودة، وتخرج منها الى
المعنق
كل الآفاق في المراكب، وبها من الفواكه كل طريفة، ومن السفرجل الطيب (1) ما يفوق الوصف في صفته وكبره وحسنه، وذكر في صحيفة 82 ان بينها وبين مدينة تلسمان التي ينتهي عند عملها ملك مراحل، وقال في كيفية السير فيها هكذا:
بني
تسع
تخرج من تلسمان (مشرقا الى قرية العلويين، وهي قرية كبيرة عامرة على ضفة نهر ولهم بها جنات ومياه جارية من عيون، ومنها الى قرية (بابلوت) مرحلة، وهي قرية جليلة كثيرة الأهل والعمارة، على نهر ليس به أرجاء، وتسقى منه مزارع، ومن بابلوت الى قرية (سي) التي على نهر مرغيت مرحلة وهو صغير والعيون بها والمياه تطرد في كل وجهة، ومنها الى رحل الصفصاف مرحلة، وهو رحل عامر، أهل على نهرياتي من (افكان) من جهة المشرق، ومن الرحل الى أفكان (2) مرحلة، ثم ذكر في صحيفة 88 جملة قبائل، منها ورماكسين، وورشفانة ومغراوة، وبنو راشد وزقارة، وذكر أن تلسمان (وتاهرت) ثم قال:
مواطنهم بين وكل هذه القبائل بطون زناتة، وهم أصحاب هذه الفحوص، وهو قوم رحالة ظواعن، ينتجعون من مكان الى مكان غيره، لكهنم متحضرون، وأكثر زناتة فرسان يركبون الخيل، ولهم عادية لا تؤمن، ولهم معرفة بارعة وحذق
وكياسة ويد جيدة في علم الكف
1 - أي له عنق طويل كعنق الكمثرى مثلا.
2 - أي ومن أفكان الى المعسكر مرحلة ومنها الى جبل فرحان ثم مدينة يلل مرحلة ومنها الى مدينة غزة ثم سوق إبراهيم مرحلة ومنها الى بلدة التين مرحلة ومنها الى تنس مرحلة فهذه تسع مراحل. (1/95)
صفحة 96
وقد تعرض لها صاحب كتاب المعارف، فذكر أنها كانت مدينة عظيمة
ذات تجارة واسعة مع عرب اسبانيا، وأن الماء خربها في نيف وعشرين وستمائة، وتراجع اليها بعض أهلها، ودخلها أبو الربيع الملياني في تلك المدة، وهم ساكنون بين الخراب، ثم قال ومنذ القرن الثالث عشر ميلادي
(1)
صارت قصبة مملكة صغيرة خربها خير الدين سنة 1518 م، ثم ذكر ما هي عليه وقت تأليفه الكتاب من الحالة
عليه الآن. لا تبعد عما، وهي هي
حالتها الحاضرة
فقال: وسنة 1843 م أي في أوائل عشرة الستين بعد ألف ومائتين هجرية) دخل (تنس) الفرنسيون، وأنشأوا الجانب الحديث منها سنة 1848 م، وهي الآن ذات أسواق جميلة، وأبنية بهيجة ومنازل عسكرية، ومستشفى، وبها قناة رومانية أصلحت وجرى فيها الماء من مسافة (5) كيلومترات، وفيها كثير من العيون منها لكل محل نبع، فضلا عن العيون العمومية، وهي قصبة دائرة تشمل على 11 ألف نفس من القبائل البربرية، وه آلاف من العرب والمدينة ذات تجارة رائجة يرجى سرعة تقدمها لأن محاصيل ولاية (ارليا نفيل) (2) تنقل إليها، وقد بلغت قيمة وارداتها سنة 1854 م سبعمائة وخمسين ألف فرنك وصادراتها مليوني فرنك، لكن مرفأها
1 - هذا كله كان في زمن تأليف الكتاب ومن ذلك الوقت الى الآن ما يقرب من خمسين سنة وهي كل يوم في التقدم فلا شك أنها زادت على ذلك كثيراً والله أعلم. 2 - ارليا نفيل هي قصبة جهة من عمل الجزائر واقعة على ضفة وادي شلف اليسرى تبعد عن الجزائر بقدر 210 كيلومترات الى الجنوب الغربي بناها الفرنساويون سنة 1842 م وهي مدينة حسنة البناء وأزقتها منتظمة وبها مسرح، ويقام بها سوق في يوم الأحد من كل اسبوع ووجدوا فيها آثار كنيسة قديمة منها بلاط مزين بالفسيفساء
(اهـ).
96 (1/96)
صفحة 97
يحتاج إلى إصلاح، وفي ضواحيها معادن نحاس وافرة الركاز، تكون لها بها يوما ما ثروة جزيلة، وعدد سكانها بلغ سنة 1856 م نحو 2600 نفس،
ويقال ان أهلها القدماء اشتهروا بالسحر، وان منهم كان سحرة مصر في أيام فرعون موسى (عليه السلام).
(2) مدينة وهران
وهي من تلمسان على ثلاث مراحل تقريبا، وقد قال الادريسي فيها، هكذا، مدينة وهران على مقربة من ضفة البحر، وعليها سور ترابي متقن. وبها أسواق مقدرة وصنائع كثيرة وتجارات نافعة، وهي تقابل مدينة المرية من ساحل الأندلس، ولها على بابها مرسى صغير لا يستر شيئا (من السفن إذا هاج البحر) ولها على ميلين منها المرسى الكبير وبه ترسوا المراكب الكبيرة والسفن السفرية وهذا المرسى يستر من كل ريح، وليس له مثال في مراسي حائط البحر من بلاد البربر، وشرب أهلها من واد يجري اليها من البر، وعليه بساتين وجنات، وبها فواكه ممكنة وأهلها في خصب، والعسل بها موجود، وكذلك السمن والزبد، والبقر والغنم بها رخيصة بالثمن اليسير، ومراكب الاندلس اليها مختلفة، وفي أهلها دهقنة وعزة نفس ونخوة (1 هـ). وقال البكري: (وهران) مدينة حصينة ذات مياه سائحة وأرحاء، ولها مسجد جامع وبنى مدينة وهران محمد بن أبي عون ومحمد بن عبدون وجماعة من الاندلسيين الذين ينتجعون مرسى وهران باتفاق منهم مع نفرة وبني مسقن، وهم من أزداجة وكانوا من أصحاب القرشي) سنة 290 هـ
1 - أراد بالقرشي صاحب الاندلس فان ابن خلدون ذكر ان من رجال الامويين الذين ملكوا وهران ابن أبي عون هذا ومن معه. دخلوها في هذا التاريخ وخطبوا لبني امية الاندلس ولعل هؤلاء جددوها تجديدا ولم ينشئوها انشاء كما يؤخذ من هنا وإلا فكيف
97 (1/97)
صفحة 98
(في آخر دولاة بني رستم فاستوطنوها سبعة أعوام، وفي سنة 297 هـ (لما ادبر أمر بني رستم)، زحفت اليها قبائل كثيرة يطالبون أهلها باسلام (1) بني مسقن، فخرجوا ليلا هاربين واستجاروا بأزداجة، وتغلبوا على مدينة وهران، وخربت واضرمت نارا، ثم عاد أهلها اليها بعد سنة 298 هـ بأمر أبي حميد دواس بن صولات وابتدأوا في بنائها، وعادت أحسن مما كانت، وولي عليهم داود بن صولات اللهيصي محمد بن أبي عون فلم تزل في عمارة وزيادة، الى أن وقع بعلي بن محمد بن صالح اليفرني بأزداجة في ذي القعدة. من السنة المذكورة، فبدد جمعهم وحرق مدينة وهران ثانية وخربها، وكذلك بقيت سنين، ثم تراجع الناس اليها، وينسب اليها أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمذاني الوهراني، يروي عن أبي بكر أحمد بن جعفر القطيعي روى عنه ابن البر وأبو محمد بن حزم الحافظ الاندلسي
(اهـ). هذا حالها القديم، وأما بعد ذلك فقد ذكر الشيخ مقديش ان افرنج الاندلس قد استولوا عليها مرارا وأخرجهم منها المسلمون، قال: وساعة تاريخ الكتاب سنة (1207 هـ سبع ومائتين وألف بأيدي المسلمين فتحها الامير محمد باي أحد أمراء الجزائر سنة (1205 هـ) خمس ومائتين وألف.
يذكرها العلامة البنا فيما ذكره لبني رستم فتأمل.
1 - بنو مسقن بطن من بطون ازداجة التي هي بطن من البرانس البربر وقد رسمها بعضهم هكذا (مسكن) بالكاف مكان القاف ولعل القبيلة المعروفة الآن ببني يسقن في وادي ميزاب من هذا البطن وابدل اللسان الميم ياء لطول العهد وقوله باسلام أي بمسالمة واتحاد بني مسقن معهم على مطالبة أهل وهران، فالضمير في قوله خرجوا يعود الى أهل وهران لا الى بني مسقن كما هو ظاهر والله أعلم.
98 (1/98)
صفحة 99
(حالتها الحاضرة)
وأما الآن أعني سنة (1325 هـ) فهي بيد الدولة الفرنسية من الافرنج تابعة لولاية الجزائر، مستبحرة العمران متقدمة في التمدن الأوربي، بها من السكك الحديدية والأنوار الكهربائية والأسلاك التلغرافية والمباني الفخيمة والأسواق التجارية، ما بغيرها من المدن الكبيرة، وهي أحدى الموانئ الشهيرة الآن)، بها من تجار الاباضية بنو ميزاب جماعة لهم القدح المعلى في
ميادين التجارة والله أعلم.
(3) مدينة شلف
وبينها وبين مدينة، يلل، مرحلة، قال ابن حوقل: وهي مدينة ذات سور وحصن ونهر وأشجار ومزارع (1) هـ)، ولا منافاة بين هذا وبين ما سيأتي من خرابها إذ كل في زمان، وقد تكلم على شلف صاحب كتاب المعارف بما هو أوضح إذ قال: وشلب أيضا (بالباء) أو شليف على لفظ الافرنج نهر بالجزائر يسميه المغاربة وادي شلب، وهو أهم أنهر تلك البلاد، وتجري القوارب فيه في قسمه الأسفل، وهو مؤلف عند أعلاه من جدولين ينحدران من جبل (امور)، وبعد اتحادهما يسمى وادي الطويل، ويجري شرقا الى (تاجوين) حيث استولى (دوق اومال) على معسكر (الامير) عبد القادر سنة 1843 م ثم يقطع سهل سرسو، ثم ينصب اليه من ضفتها اليمني جداول تجري من جبل الناطور، تتألف من 70 نبعا، ثم إذا وصل الى بوغر يسمى بأسم شلب، ويصب في البحر المتوسط بين (تنس) و (أرسوف) على بعد 13 كيلومترا من مستغانم الى الشمال الشرقي، وينصب اليه قبل وصوله الى البحر جدولان آخران من ضفته اليسرى، وطول مجراه (260) كيلومترا
1 - الفترة التي عاشها المؤلف.
?? (1/99)
صفحة 100
وتلاعه (1) مؤلف من أرض ابليزية غير خصبة يشتمل على مدن بوغر، وتنية الأحد، ومدية، ومليانة، ومستغانم، وارليانفيل، واسمه القديم (شينالاف) وقيل (ازان) (1 هـ) أقول ولو لم يكن (لتيهرت) من الأنهر الا هذا النهر الكبير الغزير المياه لكفاها عمرانا إذ كان يفيض النيل، وتزرع عليه أنواع الحبوب
والله أعلم.
(4) المدينة الخضراء
يوم
واحد:
وقد قال فيها الحموي في تاريخه: بلدة بينها وبين. مليانة وهي مدينة جليلة كثيرة البساتين على شاطئ نهر من أخصب مدن افريقية
(اهـ).
وأما الادريسي فقال فيها: وهي مدينة صغيرة حصينة على نهر صغير عليه عمارات متصلة، وكروم، بها من السفرجل كل بديع ولها سوق وحمام، وسوقها يجتمع اليها أهل تلك الناحية (1 هـ).
،
(5) مدينة افكان
وقد قال فيها الادريسي: مدينة كانت في مدة بني) لها أرحاء (تدور بالماء) وحمامات وقصور وفواكه كثيرة، وكان عليها سور ترابي لكنه
الآن في (أول المائة (السادسة) تهدم، وبقي أثره وواديها يشقها نصفين ويمضي منها الى (تاهرت).
وقال ابن حوقل: وافكان مدينة لها أرحية وحمامات وقصور وفواكه، وكانت (بعد بني رستم) ليعلى بن محمد، ذات سور من تراب في غاية
1 ـ قال في المختار التلعة بوزن القلعة ما ارتفع من الأرض وما انهبط وهو من الاضداد
" .. (1/100)
صفحة 101
الارتفاع والعرض، واديها يشقها نصفين، ومنها إلى (تيهرت) بالعرض إلى المشرق ثلاث مراحل، وافكان على واديها أعمال عريضة وجنات ومزارع
(ها).
(6) مدينة غزة
وقد قال الادريسي فيها، هي مدينة صغيرة القدر، فيها أسواق مشهورة مشهود لها يوم معلوم، وبها حمام وديار حسنة، ولها مزارع وذكرها ابن حوقل بمثل هذا وقال: هي مدينة صالحة
(7) سوق إبراهيم
وبينها وبين غزة مرحلة واحدة، وقد ذكرها ابن حوقل بقوله: وهي مدينة أيضا صغيرة، فيها حمام وسوق، وهي على نهر شلف (1 هـ). قال الصفاقسي: ومن سوق إبراهيم الى بلدة التين مرحلة، وهي بلدة صغيرة حسنة، كثيرة شجر التين جدا، ويعمل بها من التين شرائح أعظم من الطوب وبذلك تسمى ويحمل منها الى كثير من الأقطار، ومنها الى مدينة
تنس مرحلة (1 هـ)
(8) واريفن
وهي على مرحلة من مدينة تنس، في جبال وعرة شاهقة متصلة، وعلى مرحلة أيضا من الخضراء، وقد قال فيها الصفاقسي قرية كبيرة (لا مدينة لها كروم وجنات ذوات سوان لزرع البصل والكمون، ومعظمها على
نهر شلف.
101 (1/101)
صفحة 102
(9) مدينة أوزكي
وقد ذكرها المؤرخ البنا المتقدم، في مدن تيهرت ثم كررها في مدن فاس، فاما أن تكون هذه غير تلك، والاسم و واحد، واما أن يكون التكرار اشارة الى انها تتبع تيهرت، وتارة تتبع فاس، وعلى كل حال فقد ذكرها المؤرخون كغيرها، منهم الأدريسي في نزهته قال:
وأما مدينة اوزكي فانها من بلاد مسوقة ولمطة، وهي أول مراقي الصحراء، ومنها الى سجلماسة 13 مرحلة، ومنها الى نول 7 مراحل، وهذه المدينة ليست بالكبيرة، لكنها متحضرة، وأهلها يلبسون مقندرات ثياب الصوف، ويسمونها بلغتهم القداور الى أن قال: تسمى هذه المدينة بالبربرية (أزقي) وبالجناوية (قوقدم)، من أراد الدخول الى بلاد (سلى) وتكرور وغانة من بلاد السودان،، فلا بد له من هذه المدينة (1 هـ).
(10) مدينة الغدير
قال الحموي: بلد أو قرية على نصف.
قلعة يوم من
بني
حماد بالمغرب،
ينسب اليها عبد الله الغديري المؤدب احد العباد (1 هـ).
وقال الادريسي: مدينة حسنة وأهلها بدو، ولهم مزارع وأرضون مباركة. والحرث بها قائم الذات، والاصابة في زروعها موجودة، والبركات في معاملاتهم كثيرة.
،
وقال صاحب كتاب الاستبصار المؤلف سنة 587 هـ: وهي مدينة كبيرة أزلية بين جبال قد أحدقت بها، ولها نهر يجتمع من العيون في موضع دهس يخرج منه هذا النهر، ويسمى نهر سهور، ويمشي من هناك الى مدينة المسيلة، وهو نهرها ثم قال: وبقرب مدينة الغدير فحص عجيسة، هو فحص
102 (1/102)
صفحة 103
مدبر
شير الزرع والضرع، إلا أنه شديد البرد والثلج، ولقد دخلت هذا الفحص في زمان الصيف، فرأيت الجليد ينزل فيه بالغدو، وفي أمثال تلك البلاد (برد عجيسة في الصيف، وأما في الشتاء لسكرات الموت) (1 هـ).
(11) مدينة زلاغ
ولم نقف لها على ذكر في كتب التاريخ سوى ماذكره صاحب الاستبصار حيث قال: في قلعة أبي جندب) وكانت مدينة كبيرة لها أسواق ولها جنات وأشجار، وهي كثيرة الزرع والضرع مشحونة بالعمائر متصلة المحارث والمزارع، في السهول والجبال، منها جبل زالغ (وقد رسمه هكذا)، وهو مشرف على مدينة فاس، كان فيه حصن بناه المظفر بن أبي عامر (1 هـ).
(12) مدينة يلل
وهي غير بعيدة عن مدينة غزة، قال الادريسي: بها عيون ومياه كثيرة وفواكه وزروع، وبلادها جيدة الفلاحة وزروعها نامية (1 هـ).
أقول: وقد استقلت هذه المدينة زمنا عن تيهرت وصارت دار امارة اباضية
صغيرة كما سيأتي، والله أعلم.
(13) مدينة قصر الفلوس
ولم يذكر المؤرخون عنها فيما رأيناه شيئا أكثر من انها مدينة بالمغرب
قريبة من مدينة وهران.
103 (1/103)
صفحة 104
(14) مدينة كرا
وقد كتبه الحازمي هكذا (كران) وقال: حصن على مدينة شلف بالمغرب في بلاد البربر، وذكره ابن حوقل وقال: هو حصن أزلي، يقال له
،
سوق كران، وبينه وبين مليانة مرحلة، وبينه وبين اشير ثلاث مراحل، وكتبه الشيخ مقديش هكذا (كرتاية) وقال: وهو حصن قديم، له مزارع وأسواق، وهو على نهر شلف، وله سوق يوم في الجمعة يقصده بشر كثير (ها)، وقد ذكره الحموي ورسمه كالأولين، والله أعلم.
1.8 (1/104)
صفحة 105
الباب الخامس
ويدخل أيضا في دائرة (تيهرت) عدة مدن، وذكرها المؤرخون، ولم ينبه عليها العلامة البنا، لأن من قواعده، أن لا يتعرض غالبا إلا للمدن الكبيرة
المشهورة منها:
(1) مدينة انكاد
ولها على تيهرت ثلاث مراحل إلى ناحية تلسمان، قال الحموي: كانت قديما ذات سور من تراب في غاية الارتفاع والعرض، وواديها يشقها نصفين (1 هـ).
(2) مدينة مازونة
وهي تلي حصن فروخ في البر الى الشرق، على ستة أميال من البحر، قال الادريسي فيها: وهي مدينة بين جبال وهي أسفل خندق، ولها أنهار ومزارع وبساتين وأسواق عامرة، ومساكن مؤنقة، ولسوقها يوم معلوم يجتمع اليه أصناف من البربر، بضروب من الفواكه، والألبان والسمن والعسل كثير بها، وهي من أحسن البلاد صفة وأكثرها فواكه وخصبا (1 هـ)
(3) قلعة هوارة
وقد ذكرها صاحب الاستبصار على أثر (تيهرت) عند ذكره مدن المغرب
100 (1/105)
صفحة 106
الاوسط فقال:.: هي قلعة منيعة في جبل خصيب، فيه بساتين وثمار وأشجار ومزارع وأعناب، وتحتها فحص طوله نحو أربعين ميلا، يخترقه نهر سيرات، ويسقي أكثر أرضه، يسمى (ذلك الفحص سيرات باسم النهر، ونهر سيرات نهر كبير مشهور، يصب في البحر عند مدينة (أزواوا)، وهي مدينةة قديمة رومية، وفحص سيرات يسكنه قبائل كثيرة من البربر مطغرة، وغيرهم من قبائل زناتة، وزناتة تشعبت على قبائل كثيرة، وبلادهم واسعة، الى أن قال: وللمغرب الاوسط مدن كثيرة، فقد ذكرنا أكثرها في البلاد الساحلية، وهي كثيرة الخصب والزرع كثيرة الغنم (1) هـ)، والمذكور في النخبة أنها تسمى بالبربرية، (تاشقدالت)، وأنها على جبل فيه معدن الحديد والزئبق.
(4) مدينة مليانة
ولها على (تيهرت) ثلاث مراحل، وعلى الخضراء مرحلة واحدة، وقد ذكرها الادريسي بقوله: وهي مدينة قديمة البناء، حسنة البقعة كريمة المزارع، ولها نهر يسقي أكثر مزارعها وحدائقها وجناتها، ولها ارحاء على نهرها المذكور (تدور بقوة الماء)، ولإقليمها حظ من سقي نهر شلف، وعلى ثلاث مراحل منها وفي جنوبها الجبل المسمى بجبل وانشريش)، يسكنه قبائل من البربر (أباضية وغيرهم منها مكناسة، وأوربة، وبنو أبي خليل، وكتامة، ومطماطة، وبنو مليلة، وبنو ورتجان، ووبنو أبي خليفة، ويصلاتن، وزولات، وزواوة، ونزار، ومطغرة، ووارترين، وبنو أبي بلال، وايز كرو، وبنو أبي حكيم، وهوارة، وطول هذا الجبل أربعة أيام، وينتهي طرفه الى قرب تاهرت (1 هـ)، (باختصار).
وقال صاحب كتاب الاستبصار: مدينة مليانة قريبة من مدينة اشير، وهي مدينة كبيرة من بنيان الروم جددها (بعد بني رستم) زيري بن مناد
106 (1/106)
صفحة 107
أيضا: وفيها آثار قديمة، وهي مدينة حصينة في سفح جبل يسمى زكار، وشعار هذا الجبل كله ريحان وتنبعث منه عين خرارة عظيمة تطحن عليها الأرحية لقوتها، ولمدينة مليانة مياه سائحة، وبساتين فيها جميع الفواكه، وهي من أخصب بلاد أفريقية، وأرخصها أسعارا، ومدينة مليانة مشرفة على فحوص واسعة وقرى كبيرة عامرة ومزارع واسعة وحولها قبائل كثيرة من البربر، ويشق تلك الفحوص نهر شلف، هو نهر كبير مشهور، وعلى نهر شلف مدينة أزلية فيها آثار أولية تسمى شلف، واليها ينسب النهر الكبير، وهي اليوم خراب، والله أعلم لقد ذكرها الحموي أيضا بمثل هذا.
(حالتها الحاضرة)
وهي
الآن ذات حضارة ومدنية من الأهمية بمكان، وفيها من تجار
الاباضية بنو ميزاب رجال افاضل.
(5) مدينة تاجنة
وقد ذكرها صاحب المعجم بقوله: بفتح الجيم وتشديد النون مدينة صغيرة بافريقية بينها وبين تنس مرحلة وبين سوق ابراهيم مرحلة (1 هـ).
(1) مدينة أشير
قال صاحب الاستبصار: بناها أي جددها زيري بن مناد الصهناجي وتعرف بأشير زيري وكانت مدينة قديمة فيها آثار عجيبة، وإنما بني زيري سورها وحصنها، وعمرها فليس في تلك الأقطار أحسن منها، وهي بين جبال شامخة محيطة بها، وداخل المدينة عينان لا يبلغ لهما غور، ولا يدرك
107 (1/107)
صفحة 108
لهما قعر، من بناء الأوائل، وبالقرب من المدينة بنيان عظيم عجيب، يعرف بمحراب سليمان، لم ير بنيان أعظم منه ولا أحكم، فيه من الرخام والاعمدة والنقوش ما يقصر عنه الوصف، والله اعلم.
أقول: وكان تجديدها المذكور بعد انقضاء دولة بني رستم، وذلك لما ادعى زيري الامارة سنة 324 هـ، وهو جد المعز بن باديس وتملكها بعده بنو حماد، وهم بنو عم باديس، وقاوموا بني عمهم ملوك افريقية المعروفين بآل باديس، كما ذكر في المعجم، والله اعلم.
(7) المعسكر
هكذا
وتعرف اليوم بأم عسكر، وبينها وبين تاهرت مرحلة قال الادريسي فيها
والمعسكر قرية عظيمة لها أنهار وثمار، ومنها الى جبل فرحان مارا مع اسفله، إلى قرية عين الصفصاف، وبها فواكه كثيرة وزروع ونعم دارة مرحلة ومنها إلى مدينة يلل مرحلة.
(حالتها الحاضرة)
أقول: وهي الآن (سنة 1325 هـ) من أشهر مدن الجزائر، ذات سور محكم جديد، وأسواق حافلة وأشجار متنوعة، بلغت في المدنية الحديثة ما تضاهي به المدن الشهيرة، وبها من تجار الاباضية، بنو ميزاب جماعة لهم الاسم المحترم في دوائر التجارة، وبها في الغالب مقام قاضي محكمتهم الشرعية الحاكمة على قسم وهران من تلك الجهات، وقد زرتها سنة (1316 هـ) في أول شهر رجب عند رجوعي من عند استاذي النحرير، قطب
108 (1/108)
صفحة 109
الأئمة على الاعلام شيخ الاسلام والمسلمين، أمحمد بن يوسف الميزاني،
ومعي
جماعة
من ادباء وأفاضل بني ميزاب، وفي يوم الاثنين الموافق 6 من الشهر زرنا محل سرادق الامام يوسف بن محمد بن افلح الذي كان يضرب له عند استعراضه العساكر، وجمعه الجيوش، ولذلك سميت هذه المدينة بهذا الاسم فيما يقال، وهو موضع فيه بعض ارتفاع على ما يليه في مستوي من الأرض، بعيد عن المدينة بمقدار 2 كيلومتر، وقد نبتت فيه سدرة يعقد امامها جماعة بني ميزاب عشية كل خميس غالبا مجلس قرآن، ويوزعون الصدقات على فقراء المدينة، الذين يأتون اليهم هنالك لشهرة ذلك عندهم. وأعراب تلك الجهة، يعتقد فيه البركة رغما عن علمهم، بأنه للاباضية ويشهدون له بكرامات متعددة.
منها انهم استسقوا مرارا لقحط أصابهم، فلم يسقوا، ولما استسقى فيه بنو ميزاب على الطريق المسنون، لم يصلوا باب المدينة حتى ابتدأ الغيث وكان سيل عظيم. ومنها: ان اعرابيا رأى والدته في المنام، وقالت له لم يبق لكم مكان لاجابة الدعاء إلا مقام يوسف.
ومنها: ان صبيا هجر رضاع أمه، حتى توقعت هلاکه، ولما ذهبت به الى هذا المقام، وسألت الله شفاءه من تلك العلة، رضع في الحال هكذا سمعت من بعضهم، والله أعلم بالحقائق.
وقد رأيت في سور المدينة قبة صغيرة، فعجبت من ترك الحكومة قدماء اياها، ولما سألت عنها قيل لي: ان فيها ضريحا يقال: انه لولي من الاباضية، ولما عزمت الحكومة الفرنساوية على هدمه عند تأسيسها للسور، رأت من كراماته ما صدها عن ذلك، فجددت القبة ورفعت السور عليها، ولذلك كان بعضها داخل السور وبعضها خارجه كما هو مشاهد، والعهدة
1.9 (1/109)
صفحة 110
على المخبر في ذلك، وما كتبت الا ما سمعته ولا غرابة فيه، والله أعلم
وأحكم. هذا ما تكلم عليه المؤرخون من المدن الداخلة في دائرة (تيهرت) أيام بني رستم، ولم نقف على ذكر لغيرها إلا أن الادريسي ذكر في نزهته بعض مدن ومراس متعددة فيما بين (وهران) وبين (تنس) ولعدم الاطلاع على تواريخ تأسيسها تركت ذكرها إذ ربما تكون حديثة الوجود.
ومن تتبع التواريخ، رأهم يجعلون (تاهرت) مركزاً وسطاً لتقدير مسافات البلاد، وبيان طرق المدن في المغرب كله، فيقولون في المدينة أو البلد، ولو كانت بعيدة، بينها وبين تيهرت كذا وكذا مرحلة أو ميلا مثلا، وكأنها لشهرتها كانت معلومة لكل أحد، والله أعلم.
110 (1/110)
صفحة 111
الباب السادس
(العلماء المنسوبون إلى تيهرت)
ينسب اليها من العلماء والأدباء والشعراء والعباد، من الاباضية وغير الاباضية الذين أخذوا العلم بها، أو نزلوها أيام بني رستم أو بعدها ما نحتاج
في حصره الى تطويل.
111 (1/111)
صفحة 112
الفصل الأول
علماء الاباضية)
أما الاباضية منهم، فيعدون بالألف، ومن أراد معرفتهم، فعليه بتاريخ الشماخي، رحمه الله إذ هو حظيرة الأولياء، وروضة العلماء، وان لم يحصرهم هو أيضا إلا أنه أتى بأغلب مشاهيرهم وان لم ينبه على ذلك ولم يخصص له بابا، ونخص منهم بالذكر ذلك الشيخ الجليل العلامة النبيل أبا يوسف يعقوب ابن سيلوس الطرفي السدراتي - رحمه الله ــ الذي قال فيه العلامة أبو العباس كما في السير: العالم الفقية، الفطن النبية، اليقظان الذكي، الورع الزكي، ذوالجهادين الأكبر والأصغر، والاجتهادين المصلى والدفتر، كانت قراءته على الأئمة بتاهرت قال له ابنه: أوصني، فقال له: ما أراك تقبل فتردد عليه ثلاثة أيام، ولما رأى جده قال له (ونعمت الوصية): لا يكن ندبك الناس إلى الخير أوكد من ندبك نفسك، ولا يكن غيرك أسبق إلى الخير منك وكن للناس كالميزان، وكالسيل للادران، وكالسماء
للماء.
وكان رحمه الله ذا رأي صائب ونصيحة مخلصة مشهورا بالمعروف موسوما بالسخاء، يقصده المحتاجون، فيسدد أحوالهم، ويستشيره الحائرون فيحسن دلالتهم، وقد ذكر الشماخي رحمه الله ان رجلا من أهل دمر، قصده في مجاعة يطلب منه الإعانة، ولما رأى أن الكثير ربما يجحف به حيث كان
112 (1/112)
صفحة 113
القحط عاما، والقليل لا يجديه نفعا، أمره أن يذهب إلى السوق، ويستفهم عن أرخص شيء فيه، ويرجع إليه، فذهب وسأل، ولما عاد قال له: لم أجد أرخص من الإبل، فأقرضه أربعة وعشرين دينارا، فاشترى بها ثلاثة جمال، وأحسن مرعاها إلى أن تحسنت حالتها، فباع جملا منها بأمر الشيخ بأربعة وعشرين دينار دفعها للشيخ، وباع آخر واشترى بثمنه ما لزمه من الطعام وغيره، وحمله على الثالث ورجع إلى أهله على أحسن حال بإحسان الشيخ وتدبيره، وله مصلى معروف بإجابة الدعاء يزار - رحمه الله ورضى عنه: ومنهم: التقي الورع العلامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الشيخ قاضي الإمام أبي اليقظان.
ومنهم: ابنه العلامة أبو محمد عبد الله قاضي الإمام أبي حاتم وسيأتي
ذكرهما.
ومنهم: الخطباء الخمسة المشهورون الآتي ذكرهم في كلام ابن الصغير. ومنهم: الزاهد المتعفف الشيخ أبو سهل صاحب التأليف الكثيرة باللغة البربرية، فانه كان أفصح أهل زمانه فيها، وكان ترجمانا للإمام أفلح، ثم للإمام يوسف، ومنزله قيل بمرسى الخرز، وقيل بمرسى الدجاج بجزائر بني مزني قال في السير: قال أبو العباس: الغالب من أحواله إهمال الدمع، والتلهف على فائت ليس له رجوع، فجل هجيره في مراثي الدين وأهله، والبكاء عليه بوابل الدمع وطله، فدونت الدواوين من كلامه، فكانت اثني عشر كتابا وعظا وتذكيرا وتخويفا وتاريخا لأهل الدعوة، احترقت كلها لما أخذت قلعة بني درجين، ففقدت كما وقع لكتب أهل المذهب كلها والأمر
لله.
ومنهم:
: العلامة الشهير بالعدل الشيخ أبو عثمان سعد بن أبي يونس
عامل الإمام أفلح على قنطرار.
113 (1/113)
صفحة 114
ومنهم: رفيقه في طلب العلم عن الإمام بتيهرت، ذلك الفهامة الذكي الذي كان يضرب بحفظه المثل، نفاث بن نصر الذي ضل في بداية أمره عن
الحق، ومال وتاب في آخر عمره على ما يقال، وستأتي أخباره مع الإمام إن
شاء الله
ومن شعرائها النبغاء صاحب القصيدة الآتية القائل فيها:
سقى الله تيهرت المنى وسويقة
بساكنها غيثا يطيب به المحل
ومنهم: الولي الصالح الزاهد معدن العلم والعمل، أبو مرداس التبرستي حامل المذهب عن الإمام عبد الوهاب رحمهما الله صاحب المناقب
والكرامات المشهورة في الكتب.
ومنهم: العلامة المشهور بالزهد والورع، عيسى بن فرناس الذي ذكر ابن الصغير، أنه كان يجلس أمام الإمام أبي اليقظان.
ومنهم العلامة محمود بن بكر، وهو من خواص الإمام أبي اليقظان أيضا، وسيأتي كلام ابن الصغير فيه.
ومنهم: المتكلم العظيم الشيخ عبد الله بن اللمطي، الذي ذكره ابن الصغير وأثنى عليه وقال الشماخي عند ذكرهما، وكان الشيخان (عبد الله بن اللمطي ومحمود بن بكر) غاية في علم الكلام، وكانا يردان على الفرق وينقضان مقالات المبتدعة وألفا كتبا في ذلك (1 هـ).
ومنهم:
: العلامة أبو عبيدة الأعرج قال فيه الشماخي رحمه الله: وكان
غاية في العلم والعمل والورع والأدب، وقال فيه ابن الصغير المالكي: كلهم مقرون له بالفضل، مسلمون له في الورع، إذا اختلفوا في أمر من الفقه أو من الكلام، صدروا عن رأيه، وقد رأيت أنا هذا الرجل، وجلست
118 (1/114)
صفحة 115
إليه فما رأيت في أسود الرأس أخشع منه (1 هـ)، ولي معه حكاية طويلة
ستاني.
ومنهم:: الفقيه الكامل ابن العفير، والفقيه البارع عبد العزيز بن الأوز الآتي ذكرهما في كلام ابن الصغير. (1/115)
صفحة 116
الفصل الثاني
المشكوك في نسبتهم)
وأما الذين لم نتحقق مذهبهم، فمنهم ذلك العلامة الأديب صاح النظم العجيب والإنشاء الغريب المشهور في الشرق والغرب بين أرباب العلم والأدب (وهو أما أباضي أو صفري على الغالب بكر بن حماد بن سهل بن أبي إسماعيل الزناتي المتقدم الذكر القائل في حق (تيهرت):
ما أخشن البرد وريعانه
وأطرف الشمس (بتاهرت)
وهو القائل مادحا أبا العيش عيسى بن إدريس العلوي حاكم مدينة
جراوة المجاورة لتاهرت على ثلاث مراحل منها:
سائل زواغة عن. طعان سيوفه
ورماحه في العارض المتهلل
وديار نفرة كيف داس حريمها
والخيل تمرغ في الوشيج الذبل
غشي مغ بالسيوف مذلة
وسقى جراوة من نقيع الحنظل
قال ذلك المراكشي في تاريخه وذكر أنه ولد ونشأ (بتيهرت)، ورحل إلى
117 (1/116)
صفحة 117
الشرق سنة 217 هـ، وهو. السن (أي في دولة الإمام أفلح، ولعله ذهب هاربا على ما يؤخذ من أبياته التي قالها يستعطف بها الإمام أبا حاتم كما سيأتي).
فسمع بالمشرق من العلماء والفقهاء، وكان عالما بالحديث وتمييز الرجال، وشاعرا مغلقا، ومدح المعتصم ووصله بصلات جزيلة، واجتمع بحبيب وصريع ودعبل وعلي بن الجهم وغيرهم من شعراء العراق، وله أبيات إلى
المعتصم يحرضه فيها على دعبل وهي: المؤمنين ورهطه
أيهج
ويمشي على الأرض العريضة دعبل
أما والذي أرسى تبيرا مكانه
لقد كادت الدنيا لذاك تزلزل
ولكن أمير المؤمنين بفضله
يهم فيعفو أو يقول فيفعل
فعاتبه حبيب فيه وقال له: قتلته والله يا بكر، فقال في قصيدته هذه:
وعاتبني فيه حبيب وقال لي
وإني وان صرفت في الشعر منطقي
لسانك محذور وسمك يقتل
لأنصف فيما قلت فيه وأعدل
ولما عاد من المشرق، قصد القيروان فوشى به إلى صاحبها فهرب وكان معه ابنه عبد الرحمن، فاعترضهما في الطريق بعض اللصوص، فجرحوا بكرا وقتلوا ابنه، وذهب هو في طريقه إلى أن وصل (تيهرت) كثبا حزينا يندب ابنه عبد الرحمن هذا، وكانت له فيه مراث كثيرة تسيل الدموع،
117 (1/117)
صفحة 118
وتجرح الفؤاد لما بها من الألفاظ المؤثرة الدالة على عظيم أسفه وتلهفه عليه
ومنها قوله:
بكيت على الأ- بة إذ تولوا
ولو أني هلكت بكو عليـ
فيا نسلي بقاؤك كان ذخرا
وفقدك قد كوى الأكباد كيا
کفي حزنا بأني منك خلو
وأنك ميت وب
ولم أك آيس
شست لما
رميت الترب فوقك من يديا
فليت الخلق إذ خلقوا أطاعوا
وليتك لم تکن يا بکر شيا
تسر بأشهر تمضي سراعا
وتطوي في لياليهن طيا
فلا تفرح: اليس تبقى
ولا تأسف عليها يا بني
فقد قطع البقاء غروب شمس
ومطلعا علي:
وليس الهم يجلوه نار
تدور له الفراقد والثريا
وله في الزهد والمواعظ وذكر الموت وأهواله شعر كثير، وهو في قوة التأثير
والقبول بمكان، ومن ذلك ما رواه عنه ابن اللباد وهو قوله:
118 (1/118)
صفحة 119
لقد جمحت نفسي فصدت وأعرضت
وقد مرقت نفسي فطال مروقها
فيا أسفي من جنح ليل يقودها
وضوء نهار لا يزال يسوقها
إلى مشهد لا بد لي من شهوده
ومن جرع للموت سوف أذوقها
ستأكلها الديدان في باطن الثرى
ويذهب عنها طيبها وخلوفها
مواطن للقصاص فيها مظالم
حاب المنايا كل.
يوم
تؤدي إلى أهل الحقوق حقوقها
مظلة
فقد هطلت حولي ولاح بروقها
وللنفس حاجات تروح وتغتدي
تجهمت خمسا بعد سبعين حجة
ولكن أحاديث الزمان يعوقها
ودام غروب الشمس لي وشروقها
إذا فتقت لا يستطاع رتوقها
يصبح أقواما على حين غفلة
وأيدي المنايا كل يوم وليلة
ويأتيك في حين البيات طروقها
ومن كلامه في الاعتبار بالنظر إلى القبور، والتفكر فيمن مضى ممن أنشبت فيهم المنية أظفارها، ما حكاه أبو بكر اللباد حيث قال: دخلت على
119 (1/119)
صفحة 120
بكر بن حماد فقال: اكتب فاملى علي لنفسه قوله:
زرنا منازل
وم لن يزورونا
أنا لفي غفلة عـ
لو ينطقون لقالوا الزاد ويحكم
حل الرحيل فما يرجو المقيمونا
الموت أجحف بالدنيا فخربها
وفعلنا فعل قوم لا يموتونا
فالآن فابكوا فقد حق البكاء لكم
ماذا عسى
فالحاملون لعرش الله باكونا
لو كان جمع فيها كنز قارونا
تنفع الدنيا مجمعها
أقول ولعله قال هذا لما حل بتيهرت) بلده ما حل من قضاء الله كما
يفهم من بعض كلامه عند التأمل ومن كلامه أيضا قوله:
لقد جفت الأقلام بالخلق كلهم
فمنهم شقي خائب وسع
تمر الليالي بالنفوس سرية
ويبدأ ربي خلق
أرى الخير في الدنيا يقل بكثرة
وينقص نقصا والحديث يزيد
فلو كان خيرا قل كالخير كله
وأحسب أن الخيز منه بعيد
وقال أيضا مذكرا ولقد أحسن وأصاب:
120 (1/120)
صفحة 121
قف بالقبور فناد الهامدين بها
من أعظم بليت منها وأجاد
قوم تقطعت الأسباب بينهم
من الوصال وصاروا تحت أطواد
راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا
والله والله لو ردوا ولو نطق
فلن يروحوا ولن يعدو لهم عاد وا
إذاً لقالوا التقى من أفضل الزاد
فبرز القوم وامتدت عساكرهم
كيما يوافوا الميقات وميعاد
ما بالقلوب حياة عند غفلتها
والله سبحانه منها بمرصاد
بينا نرى المرء في لهو وفي لعب
حتى نراه على نعش وأعواد
هذي أبا مالك دنيا منصة
فيها حرارات أحشاء وأكباد
وكلنا واقف منها على شفر
وكلنا ظاعن يحدي به الحادي
في كل يوم نرى نعشا نشـيــعه
فرائح فارق الأحباب أو غاد
الموت يهدم ما نبنيه من بذخ
فما انتظارك يا بكر بن حماد
121 (1/121)
صفحة 122
ذكر هذا صاحب رياض النفوس، وكان نقله من نسخة عتيقة جدا لا نقط فيها على الاصطلاح القديم مع رداءة الخط فلا يفهم إلا بالقوة والله
أعلم. وقال في أحمد بن القاسم بن إدريس حاكم مدينة (كرت) بالمغرب. ان السماحة والمروءة والندى
جمعوا لأحمد من بني القاسم
فافخر بفضل محمد وبفاطم
وإذا تفاخرت القبائل وانتمت
وبجعفر الطيار في درج العلا
اني!
وعلي العصب الحام الصارم
تاق إليك وإنما
فابعث الي بمركب أسو به
يسمو العقاب إذا سما بقوادم
علي أكون عليك أول قادم
واعلم بأنك لن تنال محبة
إلا
عض ملابس و دراهم
122 (1/122)
صفحة 123
الفصل الثالث
(علماء غير الاباضية
واما علماء غير الاباضية، فينسب منهم إلى تاهرت جماعة نذكر هنا بعض المشهورين منهم نقلا عن مؤرخي أفاضل المالكية فنقول:
منهم: العلامة زكرياء بن بكر بن أحمد الغسالي التاهرتي قال المؤرخ الفرضي في تاريخ علماء الأندلس عند ذكر الغرباء لما تكلم عليه، يعرف بابن الأج والأشج هو أحمد (والده) ويكنى أبا جعفر من أهل تيهرت، يكنى أبا يحيى دخل الأندلس مع أبيه وأخيه سنة 326 هـ إلى أن قال: قال لي ولدت بتيهرت سنة 310 (1 هـ) وذكر أنه توفي في رمضان سنة 393 (1 هـ)، وذكره صاحب (بغية الملتمس) وخالفه في تاريخ وفاته مخالفة فاحشة، ان لم يكن تحريف في إحدى النسختين، قال في صحيفة 279 زكريا بن بكر بن الاشج التاهرتي توفي بقرطبة سنة 524 هـ والنسختان من مطبوعات الإفرنج، فتأمل وبمثل هذا يتأكد على طالب الحق ان لا يعول على أقوال المؤرخين فيما يحتاج إلى النظر والتدقيق الابعد إمعان الفكر.
ومنهم: العلامة عبد الله بن حمود بن هلوب بن داوود بن سليمان ذکره المؤرخ ابن بشكوال في الصلة فقال في صحيفة 293 يكنى أبا محمد. طنجي فقيه موضعه وأصله من تاهرت (1 هـ).
123 (1/123)
صفحة 124
ومنهم:: الأديب ابن هرمة، وقد جاء قاصدا الأندلس، فسمع بيت شعر لأحد علمائها، فترك العبور إليها وبقي بتاهرت، كما قاله (صاحب البغية). ومنهم: أبو الطيب محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي بردة الشافعي البغدادي، قال العلامة الفرضي: ووصل أبو الطيب إلى الأندلس سنة (361 هـ) فأكرمه أمير المؤمنين المنتصر بالله وأمر بإجراء النزل له، إلى ان قال: وكان ينسب إلى مذهب الاعتزال، ورفع ذلك إلى السلطان، فأمر بإخراجه من البلد، وكان في رجب سنة (373 هـ) فصار بتيهرت عند بنت له (اهـ).
ومنهم: العلامة محمد بن عيسى بن حنين التميمي القاضي، نزيل سبتة ذكر العلامة ابن الأبار في. معجمه بصحيفة 96 انه انتقل مع أبيه من فاس إلى سبتة، وأصله من (تاهرت) ويعرف بابن الدقاق.
ومنهم: العلامة عبد الله بن محمد بن عيسى بن حسين التميمي التاهرتي نزيل سبتة، ذكره ابن الأبار في الصلة منسوبا إلى (تاهرت)
بصحيفة 526.
ومنهم العلامة الحسن بن علي بن طريف أبو علي النحوي، نزيل سبتة قال ابن الأبار في المعجم بصحيفة 72 يعرف بالتاهرتي، روى عنه القاضي
عياض.
ومنهم: العلامة قاسم بن عبد الرحمن تلميذ ابن حماد نسبه المؤرخ الضبي إلى (تيهرت) وقال في صحيفة (188) من البغية: دخل الأندلس وكان من جلساء بكر بن حماد التاهرتي، وممن أخذ عنه قال أبو محمد بن
حزم (1 هـ) وذكر ابن بشكوال في الصلة انه من أهل الحديث.
ومنهم: ابنه العلامة أبو الفضل قال ابن بشكوال في الصلة، ومن الغرباء أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي
124 (1/124)
صفحة 125
التاهرتي البزاز، يكنى أبا الفضل، إلى أن قال: مولده الثلاثاء عند
يوم
انصداع الفجر في أول ربيع الأول سنة (309 هـ) وولد (بتاهرت)، إلى أن قال وكان أبوه محدثا، قال أبو الفضل بدأت بطلب العلم سنة (334 هـ)، وأنا ابن (25) سنة) ودخلت الأندلس سنة (317 هـ)، وأنا ابن ثمانية أعوام، وتوفي في جماد الآخرة سنة (395) (1 هـ) وذكره الضبي في البغية أيضا. وقال: توفي سنة (396 هـ) فزاد سنة على ابن بشكوال، وأثنى عليه وقال: وقد روى عنه أبو عمران الفاسي موسى بن عيسى بن أبي حاج فقيه القيروان.، وهو روى عن منذر بن سعيد القاضي.
،
ومنهم: ابن الخزاز وقد سافر إلى البصرة المدينة المشهورة بالمغرب، وهي من فاس على أربع مراحل، فأعجب بجمال نسائها كما ذكره الحموي، نقلا من كتاب المسالك، حيث قال ونساء البصرة مخصوصات بالجمال الفائق، والحسن الرائق ليس بأرض المغرب أجمل منهن قال أحمد بن فتح المعروف
بابن الخزاز التيهرتي يمدح أبا العيش عيسى بن إبراهيم بن القاسم.
نبح الإله الدهر إلا قينة
بصرية في
وبياض
الخمر في لحظاتها والورد في
وجناتها والكشح غير نغاض
في شكل مرجي ونسك مهاجر
وعفاف سني وسمت إباض
(تيه
رت) أنت خلية وبرقة
لا عذر للحمراء في كلفي بها
أو تستفيض بأبحر وحياض
عوضت عنك ببصرة فاعتاض
125 (1/125)
صفحة 126
وساق المراكشي الحكاية بعينها إلا انه أتى بدلا من صدرا
الأول بقوله:
ما حاز كل الحسن إلا قينة
وأتى بدلا من عجز البيت الثاني بقوله:
وجناتها هيفاء غير نخاض
وهما أرق وألطف من الأولين فيما يظهر.
ومنهم: سعد بن أشكل التيهرتي القائل فيما تقدم بتشوق إلى مدينة
(تيهرت) مسقط رأسه ويهجو مدينة تنس دار وفاته:
وأصبحت عن (تيهرت) في دار غربة
إلى آخر الأبيات.
ومنهم
وأسلمني مر القضاء من الـ
أعمال: العلامة السلفي قال الحموي: والولجة ناحية بالمغرب من أ
(تاهرت) نسب إليها السلفي أبو محمد عبد الله بن منصور التاهرتي قال: وكان من الفضلاء في الأدب والفقه، وله شعر وكتب عني من الحديث كثيرا
(اهـ).
126 (1/126)
صفحة 127
الباب السابع
(مدينة سجلماسة)
ولما انتهى الكلام بقدر الإمكان على (تيهرت) وما نسب إليها من البلاد وما دخل في دائرتها ابان عمرانها بالاباضية تحت سيادة بني رستم لزم أن
تأتي استطرادا بطرف.
•
127 (1/127)
صفحة 128
الفصل الأول
المؤرخون يصفون سجلماسة
مما وصف به المؤرخون مدينة سجلماسة قاعدة ملك
بني
مدرار التي
كان
بعض ملوكها اباضية كما سيأتي، وكانت عامرة بالاباضية حافلة بعلمائهم الأدباء ورجال العلم من أطراف البلاد، للإفادة والاستفادة كما يؤمون تيهرت، وقد تكلم عليها المؤرخون.
(1) الحموي
قال المؤرخ الحموي (سجلماسة) بكسر أوله وثانيه وسكون اللام وبعد الألف سين مهملة، مدينة في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان، بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب، وهي في منقطع جبل درن، وهي في وسط رمال كرمال زرود، ويتصل بها من شمالها جدد من الأرض يمر بها نهر كبير يخاض، قد غرسوا عليه بساتين ونخيلا مد البصر، على أربعة فراسخ، منها رستاق يقال له تيومتين، على نهرها الجاري، فيه من الأعناب الشديدة الحلاوة ما لا يحد، وفيه ستة عشر صنفا، ا من التمر، ما بين عجوة ودقل، وأكثر أقوات أهل سجلماسة من الثمر، وعلتهم قليلة ولنسائهم يد صناع في غزل الصوف، فهن يعملن منه كل حسن عجيب بديع من الأزر، تفوق القصب الذي بمصر، يبلغ ثمن الازار خمسة وثلاثين ديناراً وأكثره، كأرفع ما يكون القصب الذي بمصر.
128 (1/128)
صفحة 129
ويعمل منه غفارات يبلغ ثمنها مثل ذلك ويصبغونه بأنواع الاصباغ، وبين سجلماسة ودرعة أربعة أيام، وأهل هذه المدينة من أغنى الناس، وأكثرهم مالا، لأنها على طريق من يريد غانة التي هي معدن الذهب، ولأهلها جرأة على دخولها.
(2) الادريسي
وقال الادريسي في النزهة: وأما (مدينة سجلماسة) فمدينة كبيرة كثيرة العمران، وهي مقصد للوارد والصادر، وكثيرة الشجر والجنات، رائقة البقاع والجهات، ولا حصن عليها وإنما هي قصور وديار، وعمارات متصلة على نهر كثير الماء، يأتي إليها من جهة المشرق من الصحراء يزيد في الصيف، كزيادة النيل سواء ويزرع بمائه حسبما يزرع فلاحو مصر، ولزراعته إصابة كثيرة معلومة، وفي بعض الأعوام الكثيرة المياه المتواترة بخروج هذا النهر، ينبت لهم ما حصدوه في العام السابق، من بذر وفي الأكثر من السنين، إذا فاض النهر عندهم، ثم رجع بذوره إلى العام القادم، فينبت ذلك من غير حاجة
إلى بذر زراعة.
(3) الحوقلي
(وحكى) الحوقلي أن البذر بها يكون عاما والحصاد كل سنة إلى تمام سبع سنين، لكن تلك الحنطة التي تنبت من غير بذر تتغير عن حالها، حتى تكون بين الحنطة والشعير، وتسمى هذه الحنطة (يردن تيزواو)، وبها نخل كثير وأنواع من الثمر لا يشبه بعضها بعضا، وفيها الرطب المسمى بالبرني، وهي خضراء جدا، وحلاوتها تفوق كل حلاوة، ونواها صغار في غاية الصغر، ولأهل هذه المدينة غلات القطن وغلات الكمون، والكروياء
129 (1/129)
صفحة 130
والحناء، تجهز منها إلى سائر بلاد المغرب وغيرها.
وبناءاتها حسنة، غير أن المخالفين في زماننا هذا أتو على أكثرها هدما
وحرقا انتهى.
(4) المقدسي
وقال العلامة المقدسي (سجلماسة) قصبة جليلة على نهر بمعزل عنها يفرغ في قبليها، وهي طولانية نحو القبلة، عليها سور من طين، وسطها حصن يسمى المعسكر، فيه الجامع ودار الامارة شديدة الحر والبرد، صحيحة الهواء كثيرة الثمار والأعناب والزبيب والفواكه والحبوب والرمان، والخيرات، كثيرة الغرباء، موافقة لهم يقصدونها من كل بلد، ومع ذلك ثغر فاضل، برستاقها معادن الذهب والفضة، وهم أهل سنة وقوم جياد بها علماء وعقلاء لها باب القبلي، باب الغربي، باب غدير الجزارين، باب وقف زناته وغيرها وهي في رمال (1 هـ).
(5) صاحب المسالك
وقال صاحب المسالك ان سلجماسة مدينة عظيمة في جنوبي مدن بر العدوة متصلة بالصحراء الكبيرة من أكبر مدن المغرب، واشهرها ذكرا في الآفاق، وعليها نهر كبير، ذات قصور مشيدة وأبنية عالية وأبواب رفيعي، صحيحة الهواء لمجاورة البيداء، إلى أن قال: وبها نخل كثير ثمره على أصناف يحمل منه إلى عامة الغرب، ويفضل ثمره ما سواه حتى
يضاهي به.
130 (1/130)
صفحة 131
الباب الثامن (درعة)
الفصل الأول
المؤرخون يتكلمون عن درعة
وقد تكلم عليها المؤرخون:
(1) الادريسي
فقال الادريسي، في درعة (ودرعة) ليست بمدينة، يحوطها سور، ولا حفير، وإنما هي قرى متصلة وعمارات متقاربة ومزارع كثيرة، يتناول ذلك فيها جمل، واخلاط من البربر، وهي على سجلماسة النازل إليها، وعليه، وعليه يزرعون غلات الحناء، والكمون والكروياء والنيلج ونبات الحناء، يكبر بها حتى يكون في قوام الشجر يصعدون إليه، ومنها يؤخذ بذره ويتجهز به إلى كل الجهات، ونبات الحناء لا يوجد بذره إلا في هذا الإقليم يوجد بغيره من الأقاليم البتة، وأما النيلج في درعه فليس طيبه هناك، ولكنه يتصرف به في بلاد الغرب لرخصه، وربما خلط مع غيره من النيلج الطيب يباع معه (1 هـ).
فقط، ولا
ثمر العراق، وثمرها يضرب به في المغرب المثل، ولها بساتين خضرة نضرة (1) هـ)، وكان لها أعمال واسعة، ومدن كبيرة مشهورة، ذكر العلامة البشاري منها في الحجاب هذه درعة، تاد نفوست، اثرايلا، ويلميس،
131 (1/131)
صفحة 132
حصن ابن صالح، النحاسين، حصن السودان، هلال، إمصلي، دار الأمير،
حصن برارة، الخيامات، تازروت (1 هـ).
(2) البنا
وقال العلامة البنا: درعة لها رستاق واسع ومنابر على نهر جرار نحو 6 أيام و (عريش) رستاق فيه منابر، وسائر المدن محيطة بها في الرمال عامرات ومعادن الفضة بتاززروت، ومعدن الذهب بين هذه الكورة وبلد السودان وليس في العالم أصفى ولا أوسع منه (1 هـ)، وهكذا تكلموا على غيرها من المدن،
والله أعلم.
132 (1/132)
صفحة 133
الفصل الثاني
علماؤها الأفاضل
وقد تلقى العلوم بسجلماسة رجال صاروا للدين حياة، وللامة هداة فسارت بذكرهم الركبان، وافتخر بوجودهم الزمان، ولو لم يكن منهم إلا ذلك الطود الفاخر، والبحر الزاخر، لسان الحكم، ونبراس الظلم، الشيخ العلامة أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي لأغناها فخرا، كما خلد لها ذكرا فقد رحل إليها مع العلامة التحرير أستاذه ابن الجمع من علماء اباضية الشرق وتجارها العظام.
ارتحل هذا الأستاذ من المشرق إلى المغرب، وقصد سجلماسة (قال الشماخي رحمه الله وكانوا يعني أهلها يومئذ من أهل الدعوة (1 هـ). فأقام بها خير مرشد، وأفضل أستاذ حتى ابتهجت به محافلها، وتنورت مجالسها وعمرت بالعلوم ربوعها، ثم سار إلى رحمة مولاه تاركا من تلامذته علماء راسخين وأدباء مهذبين منهم: ذلك الذكي الماهر الأمير أبو يزيد مخلد بن كيداد الفرني، الذي طغى، وتجبر في آخر أمره حتى استوجب براءة المسلمين منه كما سنأتي بحكايته بعد هذا ان شاء الله، ذكر هذا صاحب السير – رحمه الله ـ نقلا من تاريخ أبي زكريا رضي الله عنه وقال في صحيفة 279 فحضره (أي الأستاذ ابن الجمع الموت هناك أي في سجلماسة) وأوصى بكتبه لأبي الربيع فرجع إلى قصطالية (أي توزر ونفطة وما يليها من بلاد
133 (1/133)
صفحة 134
الجريد) واشتهر في العلوم واضطربت قصطالية كلها من أجله، واختلف أهل سجلماسة بعد أن خرج من عندهم في مسألة كادوا يقتتلون عليها، فاتفق رأيهم على أن يرسلوا أمينين إلى أبي الربيع ليعلموا بما يجيبهم به،، فأدركه الرسولان وأجابهم، فأخذوا بما قال واصطلحوا، وممن أخذ عنه التفسير والفقه واللغة والفنون كافة، غير علم الكلام ذانك الإمامان النيران، فخر زمانهما وزهرة عصرهما، أبو القاسم يزيد بن مخلد وأبو خزر يغلي بن زلتاف رحمهما
الله وسيأتي خبرهما، والله أعلم.
ir? (1/134)
صفحة 135
الباب التاسع
(الإمامة في المغرب)
عود إلى المقصود بالذات
هذا ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أمر الإمامة بالمغرب، وظهورها فيه فنقول: (ثم اجتمع أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء، وقالوا: قد علم ما حل بنا من الشتات والافتراق بعد وفاة إمامينا، ومبارحتنا طرابلس، وقد اجمعنا على انتخاب مكان غيرها يليق بمنصب الإمامة، ويكون ملجأ للإسلام، وإذا رزقنا ولله الحمد بهذا المكان، وتم تحصينه على حسب المرام،
ظالمنا،
وجب نصب إمام، إذ لا يستقيم أمرنا ولا ينتظم شأننا ولا تجتمع كلمتنا إلا بإمام، نرجع إليه في أحكامنا ومشكلاتنا، وينصف مظلومنا من ويقيم فينا ما أوجبه الله ورسوله من حدود الشرع الشريف، ويظهر الدين ويؤمن السبيل ويحقن الدماء، ويعضد قنطرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعدل في الرعية ويوسع دوائر العلوم، فان ذلك كله ما لا يسعنا التفريط فيه والتواني، إذ كنا ولله الفضل في درجة القيام بالإمامة، ولدينا من القوة عدد وعدة وعلماء ما هو كاف لحمايتها، والذود عن حوضها، مع الاعتصام بالله تعالى).
135 (1/135)
صفحة 136
فتبادلوا الرأي فيما بينهم بقلوب سليمة من داء الغش والنفاق، مطهرة
من شوائب كدورات والإذعان، وذلك في القرن الثاني من الهجرة عام مائة وستين هجرية وقيل اثنين وستين ومائة هجرية.
136 (1/136)
صفحة 137
الفصل الأول
(1) خلافة الإمام عبد الرحمن رضي الله عنه
فاستقر رأيهم بعد طول مذاكرة، على نصب الإمام الولي ناشر لواء العلم والدين، عبد الرحمن بن رستم رحمه الله لما رأوه فيه من حميد الخصال، ومجيد الأعمال، ولعزم المسلمين على تقديمه بطرابلس، لولا امتناعه، ولرضاء الإمام أبي الخطاب رحمه الله عنه إذ ولاه قاضيا ثم عاملا كما مر وقد تكلم العلامة المؤرخ ابن الصغير المالكي المغربي في تاريخه على خلفاء بني رستم (بتيهرت) كلاما ا يروح الأنفس، ويشفي الغليل، نأتي ببعض ما ووقفنا عليه منه، مع الأسف على ما فقد، ولم نعثر له على خبر كلما بحثنا
عنه.
قال عند ذكره لهذا الإمام الجليل ما نصه: (ثم نهضوا إليه بأجمعهم، وقالوا يا عبد الرحمن: رضيك الإمام أبو الخطاب) في ابتدائنا، ونحن الآن نرضى بك ونقدمك على أنفسنا، فقد علمت انه لا يصلح امرنا إلا إمام نلجأ إليه في أمورنا، ونحكم عنده فيما ينوب من أسبابنا، فقال لهم: إن أعطميتوني عهد الله وميثاقه على الطاعة فيما وافق الحق وطابقه، قبلت ذلك منكم، فأعطوه عهد الله وميثاقه على ذلك، وشرطوا عليه مثل ما شرط عليهم، وقدموه على أنفسهم، والقوا إليه بأيديهم (قال ابن خلدون في 121 من (6) وبايعوه على الخلافة فسار فيهم سيرة جميلة، حمدها أولهم وأخرهم، ولم ينقموا عليه في أحكامه حكما، ولا في سيره سيرة، وسارت بذلك الركبان إلى كل البلدان، وكانت له قصص حكوها عنه، لا يمكن
137 (1/137)
صفحة 138
ذكرها إلا على وجهها، وأن أتحرى فيها الصدق ولا أحرفها عن معناها، ولا أزيد فيها ولا أنقص منها، إذ النقص في الخبر والزيادة فيه، ليس في شيم ذوى المروءات، ولا من أخلاق ذوى الديانات، وان كنا للقوم مبغضين، وليسرهم كارهين (1 هـ).
ثم شرع في بيان تلك القصص حسبما وعد ألا أن في عباراته من التطويل وبعض التكرار، ما هو معروف من تأليف أغلب المتقدمين، فخذها مني أيها القارئ مقتبسة من كلامه، بعضا باللفظ وبعضا بالمعنى، مشيرا إلى ما كان بلفظه خالصا لأمر ما بكلمة (قال)، وإلى ما كان باللفظ تارة وبالمعنى أخرى، مع إضافة شيء نزر من كلام غيره، مما له إلمام بالمقام بلفظه، (ممزوج) تنشيطا للنفس بالتفنن في الأسلوب، وطلبا للاختصار بطرح المكرر، مع كمال التحري، والله على ما أقول وكيل.
قال: لما ولي عبد الرحمن بن رستم ما ولي من أمور الناس، شمر مئزره وأحسن سيرته، وجلس في مسجده للأرملة والضعيف، لا يخاف في الله لومه لائم، وطار صيته في أطراف الأرض شرقا وغربا، حتى اتصل ذلك بإخوانهم أهل البصرة وغيرها من بلاد الشرق، فتباشروا وقالوا: قد ظهر بالمغرب إمام ملأه عدلا، وسوف يملك الشرق ويملؤه عدلاً أيضا، فأنشطوا لإمداده وجدوا لإعانته، ورب يوم يأتي يشملكم فيه عدله، ويعمكم
حكمه، إن قدر الله بذلك وأراد بكم خيرا.
الإعانة الأولى من أهل المشرق لإمام المغرب
امتحانا واستكشافا لأحواله
(ممزوج) وعند ذلك دبت فيهم الغيرة، وسرى فيهم روح النش
وتسابقوا إلى البر، فجمعوا أموالا عظيمة، ووجهوها إليه مع نفر من ثقاتهم،
،
138 (1/138)
صفحة 139
وقالوا لهم: انهضوا بهذه الأموال، حتى تردوا عاصمة إمامته، فإذا وجدتم الأمر كما نقل إلينا من حسن السيرة وإقامة العدل بالكتاب والسنة، وإعلاء كلمة الدين فادفعوها إليه، ليستعين بها على ذلك، وإلا ففرقوها في فقراء المسلمين هناك، فسار القوم على بركة الله إلى أن بلغوا مدينة (تيهرت) ونزلوا بالمصلى الذي به قبر مصالة اليوم، فأناخوا جمالهم ووضعوا أحمالهم ودخلوا من باب الصفا يسألون عن دار الإمام، إلى أن اهتدوا إليها وكانوا يظنون إنها على شيء من العظمة كديار ملوك الشرق، ولما وصلوها وجدوها دار زاهد ورع، ووجدوا عند الباب غلاما يعجن طينا ويناوله لآخر هو الإمام يصلح به بعض خلل فيه، فسلموا على الغلام وطلبوا منه أن يستأذن لهم على الإمام، ويخبره بأنهم رسل إخوانه المشارقة إليه، فرفع الغلام رأسه نحو السطح، وقد علم ان الإمام سمع كلامهم، فأشار إليه أن يصبرهم قليلا، فصبرهم إلى أن نزل وغسل ما كان بيديه من الطين، وجدد الوضوء، و أذن لهم فدخلوا، فوجدوا رجلا جالسا على جلد فوق حصير، وما في البيت شيء سوى سدة ينام عليها وسيف ورمح، وما أشبه ذلك من السلاح الوقتي، وفرس، فسلموا عليه وبلغوه سلام إخوانه، فحياهم بأحسن تحية، وأمر الغلام فأحضر مائدة عليها قرص سخنه وشيء من سمن وملح، فهشم القرص في السمن، وقال: على اسم الله ادنوا وكلوا، فتقدموا وأكل معهم إكراما لهم، وهضما لنفسه ثم قال: ما وراءكم، وما الذي جاء بكم أيها الأخوان؟ فقالوا: دعنا نخلو ببعضنا ساعة ثم نكلمك، فأخلى لهم المكان، وقال بعضهم لبعض: يكفينا عن السؤال عنه ما رأيناه منه مشاهدة من إصلاحه لداره بنفسه، ومن طعامه ولباسه وحلية بيته، فما لنا إلا أن نسلم له المال، ولا نستشير فيه أحدا، ثم أقبلوا عليه وقالوا له: أعزك الله، بعثنا إليك إخوانك بثلاثة أحمال من المال تتقوى بها على عملك، وتصلح بها
139 (1/139)
صفحة 140
بعض شأنك فتفضل علينا بقبولها: فقال: هذه الصلاة قد حضرت ونحن ذاهبون إلى المسجد الجامع، فنعلم المسلمين بما جئتم به، حتى نرى رأيهم فيه، فقالوا: الأمر في ذلك إليك، وخرجوا، ولما أتو المسجد وأدوا الفريضة نادي منادي الإمام قائلا: لتذهب العامة، وليتخلف من كل قبيلة وجوهها،
فخرج عامة الناس وبقي الوجهاء، وأهل الشورى، وعقدوا مجلسا ثم قـ
قال
للرسل: اخبروا إخوانكم بسبب مجيئكم، وبما أتيتم به، ولما اخبروهم استشارهم في أمر المال فقالوا: الرأي رأيك والأمر أمرك، ولكن هذا رزق ساقه الله إلينا بطوع من إخواننا، وبدون سؤال منا، والمناسب إن وافقتنا ان تحضره بين يديك، وتجعل منه ثلثا في الكراع، وثلثا في السلاح، وثلثا في فقراء المسلمين وضعفائهم، فقال للرسل: قد سمعتم رأي إخوانكم، فما تقولون؟ فقالوا: سمعنا وأطعنا وأحضروا المال في الحال، وما خرجوا من هناك حتى قسم على الوجه المذكور، وبعد أن أقامت الرسل ما أقامت، من المدة بين إكرام واحترام، توجهت حامدة تلك السيرة شاكرة، ذلك الصنيع، وبعد وصولهم المشرق، اخبروا إخوانهم بما رأوه، مما أدهش عقولهم.
، وحير أفكارهم
من زهد الإمام واستقامته وعدله، فازدادوا بذلك فرحا واستبشارا.
ثم شرع الإمام في شراء الكراع والسلاح، وقوى بيت مال المسلمين بالذخائر الحربية، ومهمات الدفاع الوقتية، وتقوى الضعيف، وانتعش الفقير وتحسنت الأحوال، وسارت الركبان بأخبارهم في الآفاق، ودخل الرعب كل من اتصل به خبرهم من الملوك والأمراء، على أختلاف مراتبهم، وأنسوا من أنفسهم قوة دعتهم إلى توسيع نطاق العمران، والتمدد في الأقطار، لتمهيد البلاد وبسط العدل، ونفخ روح الاخوة والاتحاد بين أفراد العباد، فشرعوا في العمارات والبناء، وإحياء الموات وغرس البساتين وأنواع الأشجار وأجراء الأنهار، وسوقها من مكان إلى مكان، واتخاذ المطاحن عليها والمستغلات،
140 (1/140)
صفحة 141
وتفننوا في الصنائع، وتسابقوا في ميادين المعارف وفنون العلم، ونصبوا لواء الأمن والهناء، وطمحت أنظارهم إلى إخضاع كل من نا وأهم وحاد عن جادة الإنصاف، من أولي الإمارات الخارجة عنهم، فمهدوا لذلك تأمين السبل وتسهيل المواصلات، وفتح أبواب التجارة، حتى استمالوا الألباب، وذللوا
الصعاب.
قال
وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار، وأقاصي الأقطار فقل أحد أن ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم، وابتنى بيتا بين أظهرهم لما يراه من رخاء البلد، وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وامانه على نفسه وماله، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ومربعتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين، واستعملت السبل إلى بلاد السودان، وإلى جميع من مشرق ومغرب بالتجارة، وضروب الامتعه والعمارة زائدة، والناس والتجار من كل الأقطار قابلون بلفظه (1 هـ).
البلدان
أقول ولهذا والله أعلم، يوجد بالمغرب وخصوصا بجبل نفوسة أماكن وقبائل كثيرة تسمى بأسماء أماكن في المشرق، ولعلهم أتوا في ذلك الزمن من المشرق، والله أعلم.
المسماة
فمن ذلك قبيلة الحمران الاباضية بجبل فساطو القاطنة بقريتهم بهذا الاسم، وفيها مقام أبي نوح المرساوني صاحب الكرامات الظاهرة
المذكور في تاريخ الشماخي رحمهما الله
•
ومن. ذلك الموضع المعروف بحزوي في ظاهر جبل فساطو أيضا، ومن ذلك قبيلة طرميسة التي منها الشيخ عيسى الطرميسي العلامة المشهور في
141 (1/141)
صفحة 142
السير، و الآن قرية صغيرة على رأس جبل بين بلدة (جادو) (وتاردية)،، وهي ومن ذلك الموضع المسمى بجندوبة بناحية ككلة، وهو جبل صعب المراقي جدا بجنب جبل يفرن لناحية الشرق، يتحصن فيه الثائرون على الملوك في تلك الجهات من قديم، ومن ذلك جبل غريان، العامر الآن بقبائل مالكية المذهب، خرجوا عن. مذهب الاباضية أيام عمهم الجهل وانقطعت منهم العلماء والمرشدون، وذلك في. عصر الشيخ الجليل العلامة إسماعيل بن موسى الجيطالي من ناحية فساطو مؤلف كتاب (القناطر) وكتاب (قواعد الإسلام) وغيرهما، وكان له معهم في هذا الباب كلام، وغير هذا من الأماكن كثير، لو تتبعناه لخرجنا عن موضوع كلامنا، والله أعلم.
الإعانة الثانية من أهل المشرق لإمام المغرب
عبد الرحمن بن رستم
ممزوج
ثم في العالم الثالث من رجوع الرسل إلى البصرة، اجتمعت الاباضية بالمشرق، وعنصرهم بالبصرة، وراسلوا من لم يمكنه الاجتماع بهم، وقالوا: ان أخبار التقدم في الاستقامة عن هذا الإمام لازالت شائعة، ومحاسنه مستفيضة وعدالته ذائعة، فهو جدير بأن يكون في المغرب خلفا عن الإمام أبي بلال، وأبي حمزة المختار بالمشرق، فلا تدخروا عنه مالا، ولا تحبسوا عنه عطاء، وأعينوه بكل ما قدرتم عليه إذ بالمال (مع العلم والعدل) تشد أركان الدولة، وبه يوطد عماد الدين وبه تعلو كلمة الإسلام وأهله، ولكم في ذلك الشرف العاجل والثواب الآجل.
فما كان غير بعيد حتى اجتمع عشرة أحمال ذهبا، فكلفوا بتبليغها الرسل الأولين لخبرتهم واطلاعهم على كنه الحال في تلك الأقطار، حتى إذا
142 (1/142)
صفحة 143
رجعوا إليهم اخبروهم بما رأوه من الفرق بين الحالين، فساروا من (مدينة) البصرة في كنف الله وحفظه، إلى أن وصلوا (مدينة تيهرت) ونزلوا بمنزلهم الأول، ودخلوا المدينة فرأوا هيئتها قد تبدلت، ولاح عليها رونق المدنية والملك، وعلت وجوه أهلها سيماء الحضارة والرفاهية، وبدت من محياهم آثار النعمة والغنى، وازينت المدينة بقصور مشيدة، ودور منظمة وأبنية مبهجة، وقباب مرتفعة وأسواق مزدحمة ومساجد متعددة، بمنارات عالية، وحمامات متقنة يحيط بها بساتين متنوعة، ومطاحن منتصبة على تلك الأنهار الجارية، واتخذ أهلها الفرش والستائر المزخرفة والخيل المسومة (وقد مر أنها معدنها وتنوعت الألبسة، وتعددت اللغات والأزياء ورأوا ما لم يخطر لهم ببال، ولا سمعوه في مجيئهم الأول بحال من الأحوال.
ا هي.
وعند ذلك دار في خلدهم، قائد الوهم وتسلطن عليهم سوء الظن بحال الإمام، فتسارعوا إلى داره ليروا ما تغير من هيئته وحاله، فألفوه بأحسن ما عرفوه به قبل ذلك من حسن المقابلة والتواضع والزهد في الدنيا مع الحزم الكامل في إدارة شؤون الإمامة، وداره كما. عليه من قبل، فاطمأنت خواطرهم بعض الاطمئنان، إلا أنهم خافوا أن يكون ذلك من ظواهر الأمور، فلم يخبروه بشيء من شأنهم، وخرجوا من عنده ليكتسبوا الحقيقة ممن يظنون فيه الصدق، والأمانة في القول فلاقوا رجالا يثقون بهم،، ويستأنسون إليهم، فسألوهم عن الأحوال فأخبروهم بحسنها، وبأن الإمام على ما هو مشهور به وأكثر من ذلك من حسن السيرة والعدل في الأحكام، وإعلاء شأن الإسلام وأهله، ثم أخبروهم بما معهم من المال، واستنصحوهم، فأشاروا عليهم بتقديمه له، وقالوا لهم انا لا نراه يقبله منكم، وان قبله لم يصرفه إلا في مواضعه الشرعية، وفي مستحقيه كأول مرة، فأتوا إلى الإمام بعد ذلك وأخبروه بالمال، وبحال من خلفوه بالمشرق من إخوانهم، وما هم عليه من موالاته
143 (1/143)
صفحة 144
وولايته، والدعاء له فسر بذلك وانشرح صدره، ثم سألهم عن أحوالهم من حيث الظهور والكتمان والقوة والضعف والغنى والفقر في العامة (تلك الأمور التي تهم كل حاكم سياسي وعاقل غيور فاخبروه بضد ما أراده فاستاء لذلك، ثم أمرهم بالحضور إلى المسجد الجامع ليخبروه بضد ما أراده فاستاء لذلك، فحضروا ونادى منادي الإمام بذهاب العامة، وبقاء الوجوه من العلماء وأهل الشورى، فكان ذلك كله في الحين وأمرهم بإحضار المال وأخبار إخوانهم فأحضروه، وأخبروهم وبلغوهم سلام إخوانهم، ثم استشار جماعته في شأنه فقالوا له: الأمر في ذلك إليك، فافعل ما شئت، فقال: أما أنا إذ رددتم الأمر فيه إلي فلا أرى إلا رده إلى أربابه ليعينوا به ضعفاء هم وفقراءهم، وما قبلنا منهم من قبل هذا ما أتوا به إلا لما بنا إذ ذاك. الحاجة إليه، وأما من الآن فكلنا ولله الفضل، خاصتنا وعامتنا وبيت مالنا في غنى عن الإعانة، وهم أحق به منا، فليتفضلوا علينا برده، ولهم منا مزيد الشكر، فوافقوه كلهم على هذا واستصعبته الرسل لما في رده من المشقة والعناء لبعد المسافة، فترددوا إليه المرة بعد المرة مع من التمسوا منه المساعدة من أهل الرأي المقربين عنده في قبوله فلم يساعدهم، وإذ ألحو عليه آلي بأيمان مغلظة أن لا يقبل منهم دينارا ولا درهما، ولما استيأسوا من إمساكه ولوا به راجعين إلى أن وصلوا البصرة.
قال: فعظم ذلك عند القوم خطر عبد الرحمن وزاد في قدره ورأوا أنه لو كان طالبا دنيا أو مؤثرا لها لرغب في الأموال، فعند ذلك رغب القوم في إمامته، ورأوا انها فرض عليهم، ثم لم تزل الرسل تختلف وتطلع الأخبار والبلدة زائدة والعمارة في ذلك كله نامية والسيرة واحدة وقضاته مختارة وبيوت أمواله ممتلئة وأصحاب شرطته والطائفون قائمون بما يجب، وأهل الصدقة على صدقاتهم يخرجون في أوان الطعام فيقبضون أعشارهم، ويأتون
122 (1/144)
صفحة 145
أهل الشاة والبعير فيقبضون ما يحب على أهل الصدقات، لا يظلمون ولا يظلمون، فإذا حضر جميع ذلك صرف الطعام للفقراء، وبيعت الشاة والبعير، فإذا صارت أموالا دفع منها إلى العمال بقدر ما يستحقون على عملهم، ثم نظر في باقي سائر المال، فإذا عرف مبلغه أمر بإحصاء من في البلد، وفيما حول البلد، ثم أمر بإحصاء الفقراء والمساكين، فإذا علم عددهم أمر بإحصاء ما في الاهراء من الطعام، ثم أمر بجميع ما بقى من مال الصدقة، فاشتري منه أكسية صوف وجباب صوف وبراوزيتا، ثم دفع في كل أهل بيت بقدر ذلك، ثم ينظر إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الارضين وما أشبه ذلك، فيقطع منه لنفسه ولقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره، ما يكفيهم في سنتهم، ثم أن فضل فضل صرفه في مصالح المسلمين (1 هـ)
بلفظه
دهاء هذا الإمام وحسن تصرفه مع إمارة مستقلة
(عن تيهرت بعض ملوكها أباضية)
كان هذا الإمام - رحمه الله - ذا بصيرة وقادة، وفكرة نقادة، موفقا في أعمال متدبرا في حركاته وسكناته، مراعيا كل المراعاة بكل حذق عواقب الأمور، متحرزا (بباديها عن أواخرها، شأن كل حكيم حنكته التجارب، وتواردت عليه عوامل تقلبات الدهر وأحواله، حتى انه لما توفي أبو حاتم (الإمام قبله) بنواحي طرابلس سنة 155 هـ كما مر، وانتقضت نفراوة بعد ذلك في أفريقية سنة 161 هـ، وولوا عليهم صالح بن نصير (قال ابن خلدون ودعوا إلى رأيهم رأي (الاباضية وانهزموا بعد وقائع متعددة ولم تقم لهم قائمة. تروى عبد الرحمن في الأمر وتثبت في الرأي، فاستنتج ان السكون والمهادنة أولى بهم وأصلح لشأنهم، حتى يندمل جرحهم ويلتئم فلهم وتشتد
145 (1/145)
صفحة 146
وجنح
قوتهم، وتجتمع قواهم، فمال إلى الدعة راكنا في ذلك إلى استجلاب الخواطر، واستعمال المجاملة مع المتاخمين لحدوده، فكاتب صاحب القيروان على أن يكف نفسه عنه، ويستقل كل بما لديه وما واليه من حيزه، فقبل منه ذلك بكل ارتياح، كما ذكره ابن خلدون إذ قال في 113 من (6) ورغب عبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت سنة 171 هـ في موادعة صاحب القيروان، روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، فوادعه، ومما يعد من سياسته وآرائه النافعة، مصاهرته لمدرار بن الياس، أحد ملوك سجلماسة حتى آل الأمر إلى ما ستسمعه أيها القارئ ان شاء الله
(خطبة رئيس الصفرية لأروى)
(كريمة الإمام عبد الرحمن - رحمه الله ـ وأخبار ذلك)
-
كانت الصفرية في نواحي سجلماسة في جموع كثيرة تفوق الحصر، غير مستقلين بالأمر، ثم اجمعوا على تأسيس مدينة سجلماسة، فكان ذلك سنة 140 هـ أي قبل تأسيس (تيهرت) بأربع سنين، ودخل أكثر مكناسة المجاورة لهم في مذهبهم، ولما قوي أمرهم وتألفت كلمتهم، قدموا عليهم بالبيعة عيسى بن يزيد ثم قتلوه، وولوا أبا القاسم سمكو بن واسول، وكان أباضيا كما ذكر ابن خلدون في صحيفة 130 ثم مات سنة 167 هـ، فولوا ابنه الياس ثم خلعوه، وولوا أخاه اليسع، وهو الذي شيد سور سجلماسة وحصونها، وعلى عهده استفحل أمرهم واشتد ملكهم، وكان يرى في نفسه العظمة لكثرة الجنود والاتباع، وله ابن يعرف بمدرار، فلم ير له كفؤا للمصاهرة غير الإمام عبد الرحمن، وكانت له ابنة تعرف بأروى، فخطبها اليسع، وبعد أن أظهر الأمام العزة والامتناع مع إلحاح الخطيب أجابه إلى طلبه، وزوجها من مدرار ابنه، ولم يصغ للمعترضين والمنكرين عليه، مؤملا
146 (1/146)
صفحة 147
هو
أن يأتي يوم ما على أولادها ان قدر الله بحملها وهم على مذهبه، فيضمهم أو خلفه إليه، أو تتوثق علائق الوداد بين المملكتين، فلا يطرقه منهم طارق س سوء، ولا يأتيه من قبلهم ما يكدر راحته أو يوجب له قلقا أو خللا في داخليته، إذ كان تحت حكمه من الصفرية ما يعد بعشرات الألوف من المقاتلين الموصوفين بالشجاعة والبسالة، كما أن بسجلماسة من الاباضية أمثال ذلك من الفرسان الأشداء، ولولا حكم القدر بهذه المصاهرة مع قرب
الجوار، لكانت الحروب بينهم متوالية والفتن متتابعة حيث يطلب كل فريق منهم الانضمام إلى إمام مذهبه، ويظهر التظلم حقا أو باطلا من مخالفة في المذهب الحاكم عليه، وهذا أمر طالما سفكت به الدماء أنهار يجعله من مريد الخروج عن الطاعة ذريعة يتوصل بها إلى غرضه، وحسب المعتبر شاهدا ما أجراه الإفرنج في عصرنا هذا بجزيرة كريد، إنقاذا لإخوانهم المسيحيين من أحكام المسلمين، وما هم الآن في نسجه بمقدونيا ادعاء بهذا الوجه عينه، غيرة على بني جلدتهم وحمية دينية لا إنصافا وحقا، وبأمر هذه المصاهرة التي دبرها الإمام كفى شر ذلك كله، وكانت العاقبة ما ستراه.
حمل أروى بنت الإمام بولدها ميمون
كان من قدر الله وقضائه ان حصلت الألفة وحسن العشرة والوفاق التام بين الزوجين المتبائنين مذهبا ومشربا، المتباعدين دارا ونسبا (مدرار وأروى)، وحملت أروى ووضعت ولدا سموه ميمونا، وكان لزوجها ولد آخر من البغي اسمه ميمون أيضا، ولما مات والد مدرار تولى هو أمر الصفرية سنة 208 هـ، وتلقب بالمنتصر وطالت ولايته، فكان مع الرستميين في ولاء ومسالمة لجانب المصاهرة، ولشغفه بزوجته أروى مع ما رأه في ابنها ميمون من الكفاءة، حدثته نفسه بتسليم أمر مملكته اليه في حياته، ولما أحس ابنه ميمون الثاني
147 (1/147)
صفحة 148
بذلك أوعز إلى رؤساء الصفرية ومقدميهم بذلك، فهاجوا وماجوا واضطربت أقوالهم واستعظموا الأمر خوفا من انضمام ملكهم، الى ملك بني رستم، من سيادة الاباضية عليهم في المملكتين، فثار ميمون بمن تبعه من الصفرية على والده ونازعه الملك، وكان بينهما ماكان من الفتن والمقاتلات إلى أن توفى سنة 253 هـ، لخمس وأربعين من ملكه، وأقام ميمون في الإمارة إلى أن مات سنة 263 هـ، وولى ابنه محمد.
الثمان
من
قال ابن خلدون في صحيفة 131: وكان أباضيا وتوفي سنة 270 هـ ملكه فولى اليسع بن المنتصر (مدرارا)، إلى أن اقتحم عليه الشيعي سجلماسة سنة 296 هـ وقتله، وولى عليها إبراهيم بن غالب المراسي الكتامي وبقي فيها إلى أن قامت عليه أمراء سجلماسة سنة 298 هـ وقتلوه وولوا عليهم الفتح الأباضي ابن ميمون.
مصالة
عليه
قال ابن خلدون: وبايعوا الفتح بن ميمون الأمير ابن مدرار، ولقبه وسول، وميمون ليس هو ابن البغي الذي تقدم ذكره، فيظهر أنه أراد ميمون بن الرستمية، إذ لا ميمون آخر لمدرار غيره قال: وكان أباضيا وهلك قريبا من ولايته لرأس المائة الثالثة، فولي أخوه أحمد واستقام أمره إلى أن هجم بن حيوس من طرف الشيعي، فنزعه وولى مكانه ابن عمه المعتز، فاستبد ومات سنة 321 هـ، وولي ابنه المنتصر إلى أن ثار عليه، كما قال ابن خلدون ابن عمه محمد بن الفتح (الاباضي) بن ميمون (الاباضي) الأمير، وتغلب عليه الخ، وذكر أن محمدا هذا رجع في آخر أمره أشعريا وتلقب بالشاكر، واتخذ السكة باسمه وكانت تسمي الشاكرية إلى أن زحف اليه جوهر الكاتب في جموع كتامة وصنهاجه سنة 347 هـ، ففر امامه تاركا ملكه، ثم قبض عليه وأخذه اسيرا إلى القيروان، وانقضى ملك الذي علمت أيها القارئ أن بعض ملوكه صفرية وبعضهم أباضية على ما
بني
مدرار
148 (1/148)
صفحة 149
ذكره مؤرخو غيرهم كما سمعته، وأما مؤرخوهم فلم يتعرضوا لهذا الأمر قط، إذ لا ذكر لذلك في. سير الشماخي (رحمه الله ولا في الطبقات، ولا غيره، فاما ان يكونوا قد احدثوا احداثا أوجبت البراءة منهم فاهملوا ذكرهم، (ولا نظن انهم ارتكبوا من الموبقات أكثر مما أتاه أبو يزيد صاحب الحمار الآتي خبره، وقد ذكروه كثيرا، واما أن يكونوا مذكورين في تاريخ نفوسة الكبير
وغيره من الكتب القديمة التي لا وجود لها الآن إلا بالاسم، والله أعلم. والحامل على ذكرهم هاهنا مجرد الافادة للمطالع، وبيان ما آل اليه تدبير الإمام عبد الرحمن رحمه الله وما نتج عن مصاهرته لمدرار من بث دعوته في هذه العائلة القابضة على زمام ملك الصفرية بدون رمح ولا سنان، وهذا لاشك مما يشهد له بطول الباع في القيام بادارة مملكته، وأخذ الاحتياطات لدفع كل طارئ يطرأ عليها، وأمر المصاهرة وقع كثيرا قديما وحديثا من الملوك لغرض التوقي من فتنة قبيلة كبيرة أو سلطان آخر، كما وقع للإمام عبد الوهاب على ما سيأتي في كلام ابن الصغير، ولتميم بن المعز بن باديس الشيعى صاحب افريقية فأنه صاهر بابنته الناصر صاحب القلعة سنة 374 على ما ذكره ابن خلدون في صحيفة 160، وانطفئت نار الفتنة بينهما ذلك، وفي زماننا هذا يقع بكثرة، خصوصا عند الافرنج، حتى صار أغلب ملوكهم وأمرائهم أقارب لبعضهم بعضا. وبهذا عظم اتحادهم وفتر ما كان بينهم من الخلاف، وتناصروا على المسلمين وتحالفوا على محو كلمة الإسلام وأهله، الذين لم تربطهم ببعضهم بعض إلا كلمة الشهادة، وهي رابطة عند التحقيق منحلة لما تهدد به منذ ظهرت من الاختلافات المذهبية والمشاكل الاعتقادية، التي صارت أساسا متينا لا تزلزله الازمان والدهور، لكل شقاق وتباين بين أفراد الجامعة
بسبب
الاسلامية.
149 (1/149)
صفحة 150
ومن طالع التاريخ ورأى الوقائع الماضية التي جرت بين أهل الاسلام من
عهد الصحابة بعد الخليفتين أبي بكر وعمر الى ما لا يبعد عن عصرنا هذا،
رأى بلا ريب ما يرعب فؤاده ويكدر صفو راحته، وأغلبه ان لم تقل
کله
متولد من انتحال المذاهب، ولو كانت لديهم آلات الحرب الحاضرة برا وبحرا لقضى أمر هذا الدين وأهله من زمان بعيد ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون متخلفين إلا من رحم ربك).
فلو فتح امراء الاسلام باب المصاهرة بينهم، وسعوا في توحيد المذاهب لأصبحوا وكلمتهم واحدة، والحق في ذلك على أعظمهم سلطانا وأشدهم شوكة في هذا العصر أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد خان، فانه لو صاهر الامراء المنفصلين عن دائرة نفوذه وحكمه، ببنات وزرائه فضلا عن كريماته، لبادروا الى معاضدته وعضوا بنواجذهم على حبل الاتصال بعرشه،، وأضحوا ولا وجهة لهم غير انتظار اشارته، وفي ذلك مما يهم العالم بأسره، ويزلزل دعائم السياسة مالا يخفى على الناقد البصير.
وكان الامام بالمشرق في عاصمة عمان ذلك الوقت، الإمام الوارث، وذكر أبو زكريا رحمه الله ان في مدة الإمام عبد الرحمن توفى أمام المذهب الكبير أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة البصرى رضى الله عنه والصحيح. سنذكره بعد ان شاء الله
وكان رحمه الله مشهورا بالعلم معدودا من فحول العلماء الراسخين، له تفسير جليل القدر، تكلم عليه المؤرخون، ولا وجود له الآن، وله ديوان خطب نفيسة، ذكر العلامة الوارجلاني - رحمه الله ــ انه رأه، وله رسائل متعددة وجوابات كثيرة مفيدة في فنون من العلم، بعضها موجود وبعضها مفقود، وبالجملة فقد كانت مدة هذا الإمام بالمغرب أيام سكون وراحه وعدل، لا حرب ولا شقاق، وكان محبوبا عند الجميع مهيبا مطاع الاوامر
والنواهي.
10. (1/150)
صفحة 151
وفاته
قال: فلم تزل أموره كذلك، وعلى ذلك، والكلمة واحدة والدعوة مجتمعة، ولا خارج يخرج. عنه، ولا طاعن يطعن عليه، الى أن اخترمته منيته وانقضت أيام مدته، وكنت قد وقفت على عدد امارته، كم كانت، ولكن نسيتها مع مرور الأيام، وكان قد نشأ له في أيامه ولد يعرف بعبد الوهاب، وكان محمود الأفعال، وكان قد رشحه لقيام بعده، فلما انقضت أيامه صيرت الاباضية اليه الامر بعده (1 هـ)
أقول لما أيقن رحمه الله بدنو الاجل، وانقضاء العمر، وأيس من الحياة تأسى بأمير المؤمنين ثاني الخليفتين عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقتفى أثره اعتناء بشأن الاسلام والمسلمين، فجعل الامامة شورى بين سبعة رجال ممن تفرس فيهم الصلاح، لتلقيها بما أحرزوه من كمال الاقتدار، وبما علمه فيهم من التضلع في العلوم، مع التقوى والورع، وهم ولده الهمام العلامة المقدام عبد الوهاب، والعلامة مسعود الاندلسي، ذلك الرجل الفاضل البارع في الفقه وغيره الشهير بالورع، والعلامة أبو قدامة يزيد بن فندين اليفرني، والعلامة عمران بن مروان الاندلسي، والعلامة أبو الموفق سعدوس بن عطية، والعلامة شكر بن صالح الكتامي، والعلامة مصعب بن.
ولما ختمت أنفاسه
سدمان
الله وسيقت روحه الطيبة الى حيث أراد - رحمه
-
بارئها من مواقع التنعم ان شاء الله شيع المسلمون جنازته ودفنوه، ولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا، وأفئدتهم ترجف فزعا، وكانت خلافته أحد عشر عاما لا أربعين كما قيل ولا سبعة كما قاله المراكشي، وسيأتي وجه ذلك، ثم اجتمع أهل الشورى منهم والصالحون للنظر فيمن يولونه الامر بعده، ولشدة تحريهم - رحمهم الله - لم يقصدوا بها أحدا الا وتبرأ منها، ودفعها علما بحرج موقفها وبقي الامر كذلك موقوفا نحو شهر كامل، لم
151 (1/151)
صفحة 152
يثبت لهم فيها قرار، ولم يستقر لهم رأى.، الا ان لعامة الناس ميلا زائدا اثنين من السبعة المذكورين، وهما الامام عبد الوهاب والعلامة مسعود الاندلسي فبعض يريد هذا وبعض يرغب في ذاك، ثم مال الكل الى مسعود، وقاموا لمبايعته، وفي حين ما أدركه الخبر اختفى فرارا من الوقوع فيها وإذا لم يجدوه أعرضوا عنه، وابتدروا عبد الوهاب لمبايعته، ولما سمع مسعود بذلك خرج
الى مجتمع الناس ليكون في مقدمة المبايعين منهم، وكان فيهم يزيد بن فندين، وقد أدركه من الغيرة ما لم يستطع أخفاءه، إذ لم يرغب فيه أحد، ولما رأى أنه لاحظ له في الامامة، اشتدت رغبته في تولية عبد الوهاب، رجاء أن يدرك في ظله بعض المناصب العالية، وأن يقلد مهام الأمور اعتماد على علاقة النسب التي بينهما، لما أنه من أخوال عبد الوهاب فان والدة عبد الوهاب كانت يفرنية، إلا أن لعلمه هو ومن معه بما انطوت عليه بواطنهم من المقاصد السيئة، أيقنوا بأن عبد الوهاب على ما هو معروف به من الشدة في الحق والصلابة في الدين، لا يدع لهم مجالا يبلغون به أمانيهم، ولو أدركوا من المنزلة عنده ما أدركوا، ولما وقف الكل بين يدي عبد الوهاب، وقام ابن فندين خطيبا فقال: انا نقدم لك بيعتنا يا عبد الوهاب على شرط واحد، وهو أن لا تقطع أمر دون اتفاق جماعة معلومة معك على شرط واحد، وهو أن لا تقطع أمرا دون اتفاق جماعة معلومة معك عليه، راجيا أن يكون هو من المنتخبين في ذلك المجلس وبمثل هذا المطلب ينادي الحزب المسمى بالأحرار من الترك وغيرهم من أهالي الدول، ذات الحكم المطلق في هذا الزمان، فوقف مسعود وأجابه قائلا على طريق الانكار ما سمعنا بهذا وما علمنا أن في الامامة شرطا غير أن يحكم الامام بكتاب الله وسنة رسوله وآثار الصالحين أهل الحق والصدق ممن تقدم، فسكت يزيد تاركا ذكر الشرط،
وأجمع هو ومن معه من المسلمين على البيعة.
152 (1/152)
صفحة 153
الفصل الثاني
خلافة الامام عبد الوهاب - رحمه الله
وكناه المراكشي بأبي الوارث ولم نره لغيره
بهم من
فقام مسعود الى الامام عبد الوهاب وبايعه، ثم بعده الحاضرون وحملوه الى دار الامامة في موكب حافل غصت به طرق المدينة ومناهجها، وهنالك تمت البيعة العامة، وامتلأ الناس فرحا وسرورا، وسكن بعض ما كان الجزع على والده، إذ حل هو في محله ورجوا سعادة مستقبلهم، وذلك في صدر عشرة للسبعين بعد المائة تقريبا، إذ لم نقف على ما يوجب اليقين في ذلك كلما بحثنا، غير اننا علمنا أن تولية الامام عبد الرحمن كانت سنة 160 هـ وانه في سنة 171 هـ عاهد صاحب القيروان كما مر غير بعيد، وعلمنا أن الإمام عبد الوهاب كان راسخ القدم في الإمامة في تلك السنة نفسها، أعني سنة 171 هـ أيضا على ما ذكره ابن خلدون حيث قال في صحيفة 194 من الجزء: 4 ورغب يعني (روحا صاحب القيروان) في
موادعة عبد الوهاب بن رستم، وكان من الوهبية فوادعه (1 هـ).
ولم نعثر على ما يحقق وجود عبد الوهاب في الامامة قبل هذا التاريخ، ولا على ما يثبت وجود عبد الرحمن بعده، فالموادعتان وقعتا في سنة واحدة كما رأيته، فاما أن تكون الاولى وقعت مع عبد الرحمن مباشرة، والثانية مع
153 (1/153)
صفحة 154
معني
عبد الوهاب بالنيابة عن والده، وهذا مما لا له لاختلاف الطالبين لها،
واما أن يكون عبد الرحمن طلب المعاهدة ووقعت، وعلى اثرها توفي فطلب روح تجديدها من عبد الوهاب توقيا منه لما شهر به من علو الهمة والشدة فساعفه عبد الوهاب جزاء لما ساعف به والده من قبل، وما جزاء الاحسان إلا الاحسان، وهذا هو المناسب والله أعلم فليحرر.
فقام ـ رضي الله عنه ــــ بالعدل أحسن قيام، وأجرى الأمور على أحسن وجه وأتقن نظام، فظهر ما انطوت عليه أخلاقه الكريمة وأنفاسه السليمة الى عالم الظهور من الآثار الشريفة والمقاصد الخيرية والبسالة الكاملة والانعامات الشاملة، وأرسل في أطراف مملكته ودواخلها أوامره الشديدة بامتثال الاوامر واجتناب المناهي الشرعية، ورتب العمال والحكام والقضاة ورجال الشرطة في سائر أنحاء اتباعه، فعمهم عدله وشملهم حكمه، ولم ينقم عليه أحد شيئا في أحكامه وسيرته الى أن حدث خروج ابن فندين
عليه
خروج ابن فندين عن طاعة الامام
لما رأى ابن فندين ما عليه الامام من الحزم، وتنقية ارباب الخبرة والعفة والاستقامة، في تعيين الموظفين، ولم يبلغ هو ما كان يؤمله من التقديم ونيل بعض المناصب، لم يطق صبرا على ذلك، وأظهر الانكار على الامام في توليته لبعض من كان يرى انهم لا ينالون مع وجوده شيئا، وقال: ان هؤلاء الذين ولاهم الأمور ليسوا بأحسن منا سيرة، ولا أقوى منا اقتدار على اشغال الدولة وتدبير أمر الرعية، بل نحن أولى بالتقديم إذ كنا نحن السبب في أخذ، وغير هذا من الكلام الذي لم يصب من الناس كافة اذنا صاغية، ولم يستمل به قلب أحد، ولما علم ان ذلك لا يجديه نفعا قام مطالبا بالشرط
البيعة له (1/154)
صفحة 155
المقصد
الذي تكلم به أولا (مجلس الشورى باصطلاحنا تقريبا)، وتدرج بذلك الى انكار الامامة قائلا: انا قد شرطنا عليه أن لا ينهي أمرا دون موافقة جماعة عليه، وها هو قد استقل برأيه ولم يشارك أحداً في شيء، ونبذ الشرط وراءه ظهريا، فطاعته غير واجبة علينا لفسخه البيعة بتركه الشرط، ثم زاد تدرجا في دركات الشقاق واعلن بفساد البيعة من مبدئها بدعوى ان في المسلمين (الاباضية) من هو أكثر منه فهما وأغزر علما، وأوسع ادراكا وفكراً، فلا يجوز تقديمه ولا البيعة له، ما داموا موجودين، وطفق ينشر هذه الاقوال في المجامع والمنتديات حتى استمال لفيفا من الناس، ممن كانوا على شاكلته في والطبع، واكثروا النجوى والاجتماع، والدخول الى المدينة والخروج منها الى المنازل والجبال، جماعات يتلو بعضها بعضا قصدا لاثارة الفتنة وتشويشا ذلك لخواطر العامة، وارهابا لنفوس رعاع الناس فأبلغهم الامام النهي عن وحذرهم سوء العاقبة ان لم ينتهوا فقالوا للمرسل اليهم من طرف الامام هذه مدينتنا، وتلك منازلنا، فان عصينا في الدخول والخروج إليها، فليخبرنا الامام بوجه ذلك، فاعرض عنهم وتركهم وشأنهم مع مراقبة حركاتهم وسكناتهم بالتدقيق التام بواسطة الامناء (البوليس السري في اصطلاحنا
الآن).
،
تدبير مكيدة لقتل الامام
ولما رأى ابن فندين ومن معه خيبة مساعيهم، وتحققوا عدم نجاحها واتيانها بنتيجة تضمن لهم حصول مأمولهم، فكروا فيمن تقدمهم من الثائرين على الملوك والخلفاء فوجدوهم لم يظفروا بشيء مما كانوا يحاولونه إلا بالقتل، فلووا أعنة أفكارهم الى تدبير مكيدة يتوصلون بها الى الفتك بالامام والغدر به، ولشدة تحفظه ـ رحمه الله ـ وأخذه الحذر من نفسه، بما ارتسم
-
155 (1/155)
صفحة 156
في صحيفة ذهنه مما درسه في وقائع المتقدمين، ووقف عليه في اخبارهم من قتل الملوك في الطرقات والغدر بالخلفاء في المساجد، حيث كانوا بسطاء الحالة لم يجدوا له سبيلا، ثم بعد استعمالهم الجهد في التفكر ضلوا الى مكيدة لو لم يعارضها القدر فذهبت أدراج الرياح، وردت عليهم لكانت القاضية على الامام، والمصيبة العظيمة على المسلمين.
وذلك ان الامام كان له بيت خصصه لنفسه، فيه ما يحتاج اليه من كتبه يخلو فيه للمطالعة والتهجد بالليل على ما يؤخذ من كتب السيرة، داخله فاتفق القوم على أن يجعلوا رجلا بسلاحه في صندوق ذي قفل من ويحمله اثنان منهم ممن لاريبة فيهم إلى الامام، ويظهران له انهما متنازعان فيه ويطلبان منه حفظه على وجه الامانة حتى يعودا إليه، وكأنهم علموا انه إذ قبله لا يضعه إلا في ذلك المحل المخصوص به، محافظة على الامانة وحرصا عليها، فيخرج صاحبهم من صندوقه في الليل ويقتله، إذا علم انه نام، فاتفقوا على هذا الرأي وتيقنوا بنجاحه، وقاموا لانجازه على نحو ما ذكر، فزجوا صاحبهم بطلب ورغبة منه في صندوق مصيبته متقلدا سيفه، وهو لا يعلم انه وقع في هوة هلاكه، واتفقوا معه على انه إذا قتله يذهب الى المنارة ويؤذن فيها ليعلموا بتمام مرادهم، فيهاجموا المدينة،)، ويحتلوا في الليل دار الامارة، ويتمكنوا من الحصون والنقط الحربية، من سور ا وغيره، مما لا حرس فيه، ولما أتوا به الى الامام أجاب طلبهم، وأمرهم بحمله الى المحل المخصوص، ولاحظ حركاتهم عند حمله، فرأى فيهم من الرفق بالصندوق ما دله على ان ما في جوفه انسانا، وأدرك بفطنته الوقادة في الحال أن المسألة لا تخلو من مكيدة غريبة، فوضعوه في المكان، وذهبوا مستبشرين فرحين بما توفقوا اليه من الرأي.
ذلك
المدينة
فأقبل الامام على الصندوق وتأمل فيه مليا وجسه من جهاته الاربع فلم
يجد له قفلا من خارج فازداد يقينا فيما فهمه أولا.
156 (1/156)
صفحة 157
حسب.
ولما جن عليه الليل قضى ما يجب عليه من أمور البيت ثم عكف عادته على مطالعة الكتب جانبا من الليل ولما حان وقت النوم عمد الى زق (قربة) ونفخ فيه حتى امتلأ هواء وربطه ربطا خفيفا بحيث يخرج منه نفس خفيف ذو حس كنفس النائم، ووضعه في احدى زوايا البيت وغطاه برداء أبيض ليرى في الظلام، وأوقد قنديلا في زاوية أخرى وغطاه بوعاء يحجب ضوءه عن الناظر، وتنحى لجانب من البيت لاحياء بقية ليله بالصلاة والاستغفار، ولما أحس صاحب الصندوق بعدم وجود القنديل، وسكون حركة الامام ظن انه نام ففتح الصندوق برفق وخرج وسيفه في يده، ووقف مصغيا الى ان سمع. النفس من القربة، وتخيل بياض الثوب في: الظلمة، فظن انها الامام فحمل عليها حملة الابطال وقدها نصفين، وعند ذلك كشف الامام الغطاء عن القنديل فبهت الآخر وأدركه الفشل، وسقط في يديه فبادره الامام بسيفه البتار، وقده نصفين أيضا، وضمه في ثوبه ورده في صندوقه حفرة الخداع وبيت الخيانة، وأتم بقية ليله بالذكر والصلاة حامدا لربه على ما وفقه اليه من التنبه لهذه المكيدة، ولعمري انها لمن أعظم المكائد لو صادفت المرمى، وانها لأشبه شيء بحكاية الزباء، وهي من أقوى الدلائل على ما كان لهذا الامام من الانتباه والذكاء المفرط.
تلك
ولما أصبح الله بالصباح، ولم يقع بالمنارة أذان، وقد قضى القوم ليلتهم في سهر تساءلوا فيما بينهم عن صاحبهم، وقالوا: اما انه لم يفعل شيئا، وأما أن يكون قد دارت عليه الدائرة وقتل، ثم اتفقوا على الذهاب الى الامام شأنه لأخذ الصندوق بدعوى انهم أصلحوا، ولم يبق بينهم في نزاع، ولما أتوه قابلهم بكل بشاشة بحيث لم يفهموا منه مما كان له مع صاحبهم شيئا، وهذا لعمري الحق أيضا من الثبات الذي لا يطيقه إلا أمثال هذا العظيم مكانه القلب، وإذ سألوه رد الصندوق قال لهم هو في الذي وضعتموه فيه، لم
157 (1/157)
صفحة 158
يتحول فخذوه ولما حملوه وذهبوا به الى مأمنهم وفتحوه وجدوا صاحبهم
ملفوفا في ثيابه مخضبا بدمائه وقد صدق عليهم قولهم:
(من حفر حفرة سؤ لأخيه المسلم أوقعه الله فيها.
وعندئذ توقعوا فتك الامام بهم، فخرجوا من المدينة وأعلموا أنصارهم بالتأهب للحرب، وصاروا يردون الى المدينة بالسلاح في جموع مع اظهار الشدة فكرر لهم الامام النهي عن ذلك بواسطة بعض خواص دولته، فقالوا ما في امساك السلاح معصية، ولا في حمله من بأس، والمؤمن بسلاحه، وان رأى الامام أن في ذلك معصية فليقنعنا بالحجة، فتركهم وشأنهم أيضا، وأمر أهل المدينة بأخذ الحذر بحمل السلاح مثلهم، وبالاستعداد للحرب عند مجرد الاشارة منه فازداد الناس خوفا، واشتدت وطأة الثائرين وأكثروا من التعدي حتى فتحوا مع الامام باب الحرب، وكانت وقائع متعددة سفك فيها الدماء ما اضطر به الامام والمسلمون معه الى طلب الهدنة ووضع أوزار الحرب حقنا للدماء، الى ان يكتبوا لاخوانهم المشارقة بإيضاح القضية وتفصيلها ويعود اليهم الجواب منهم بتخطئة المخطئ وتصويب المصيب من الفريقين، فقنع الطرفان بهذا الرأي، وأذعنوا للسلم وكتبوا الكتب على نحو ما اتفقوا من حكاية الواقع وبكل أسف لم نعثر على شيء من هذه الكتب قط مع طول البحث عنها، ووجودها مع امناء مخصوصين ليعرضوها على علماء أباضية الشرق ورجالهم، بمصر والحجاز واليمن والبصرة وعمان وخراسان وغير ذلك من بلاد الشرق العامرة بهم.
عليه
ولما وصل الرسل مصر، قصدوا العلامة أبا المعروف شعيبا ومن معه وأخبروهم بما كان من وفاة الامام عبد الرحمن ومبايعة عبد الوهاب وخروج ابن فندين وادعائه الشرط في الامامة وغير ذلك مما وقع كله، وتوجهوا الى مكة المكرمة وكان بها يومئذ من معتبري علماء الاباضية ورجالهم، ذلك
158 (1/158)
صفحة 159
العلامة الجليل المحدث المشهود له بالورع المقدم في الفتوى والمرجع في الرأي عند المشارقة كافة أبو عمرو الربيع بن حبيب صاحب كتاب (المسند في الحديث والعلامة أبو غسان مخلد بن معمر الغساني، والعلامة وائل بن ايوب وغيرهم من رجال العلم والدين، فدفعوا لهم الكتاب وبينوا لهم مشافهة ما استفهموهم عنه وانتظروا الجواب.
جواب علماء المشارقة إلى المغارب
فجمع الربيع - رحمه الله - خيار المسلمين وعلماءهم، والوجوه من أهل الفضل والصلاح، وطرح الكتب في المجلس، وبعد مطالعتها وفهم معانيها وادراك روح القصد منها، أجمع رأيهم على رد الجواب بما اقتضته قواعد الشرع العزيز وميزانه المحكم، ولم يألوا جهدا في النصيحة وبيان الحق، فجازاهم الله
عن الاسلام وأهله خيرا، وهذا نص ما كتبوه بالحرف الواحد.
بسم
الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين أما بعد: فقد بلغنا يا اخواننا ما كان قبلكم وفهمنا ما كاتبتمونا به، أما ما كتبتم به من أمر الشرط، فليس من سيرة المسلمين أن يجعلوا الشرط في الامامة ان لا يقضي أمرا دون جماعة.
ولو صح في الامامة شرط لما أقيم لله حق ولا حد، ولعطلت الحدود وبطلت الاحكام وضاع الحق، على أن الامام إذا قدم إليه سارق فلا يصيب أن يقيم عليه حدا فيقطع يده حتى تحضر الجماعة التي ذكرنا، أو زنى أحد فلا يرجم ولا يجلد، حتى تحضر أيضا، ولا يجاهد الامام عدوا ولا ينهى عن فساد إلا بحضرة الجماعة المعلومة، والجماعة يتعذر اتفاقها، فالامامة صحيحة والشرط باطل.
159 (1/159)
صفحة 160
واما ما ذكرتم من تولية رجل من المسلمين، إذا كان فيهم من هو أعلم
منه، فذلك جائز، إذا كان الثاني من القناعة والفضل بمنزلة حسنة، فقد ولى أبو بكر الصديق ـ رضى الله عنه ـ وزيد بن ثابت أفرض منه، وعلي بن أبي طالب أقضى منه، ومعاذ بن جبل اعلم منه، وهذا ليس فيه اختلاف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفرضكم زيد وأقضاكم علي وأقرأكم أبي وأعلم أمتى بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وقوله صلى الله عليه وسلم القيامة ـ امام العلماء)
(معاذ بن جبل سيد العلماء سيحشر
غداً -
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته (1 هـ).
يوم
ثم ألقى العلامة مخلد الكتاب الى العلامة عبد الله بن محمد بن مسلمة، وأمره بنقل نسخة منه وحفظها لتكون حجة للمسلمين بعدهم في مثل هذه الحادثة، والله أعلم.
ارتحال شعيب من مصر الى تيهرت طمعا في الامامة هذا ما كان من أمر الرسل مع علماء الحجاز، وأما العلامة شعيب المصري فانه لما أخبرته الرسل مع من معه بمصر من العلماء، بما صدر من ابن فندين من شق عصا الطاعة ومفارقة الامام هزته شنشنة الطمع في الامامة، وسولت له نفسه ما لم يكن له أهلا، فعزم على التوجه الى (تيهرت)، ولما سمع من في بمصر من عقلاء وعلماء الاباضية ورجالهم، وكانوا أهل فضل وورع نهوه عن السفر الى المغرب، وقالوا له: لا يسوغ لك الذهاب الى قطر فيه من الاختلاف والشقاق بين الامام ورعيته ما سمعته ووعيت تفصيله، وان كان ولا بد فالزم مكانك حتى تنفرج أزمة هذه الحوادث، وينحسم الأشكال ويزول الاختلاف، ثم ان شئت الزيارة فاذهب في أمان سالما من التهمة، فلم يقنع برأيهم وكأنه أظهر للملأ أنه يريد بذهابه إلى المغرب
160 (1/160)
صفحة 161
اصلاح ذات البين (وما هو إلا من المفسدين)، إذ جعل الامامة نصب عينيه، ورأى ان حصولها له أقرب اليه من جنبيه. وما ذلك إلا غرور وغلط وجهل بمقام الامامة، فهي بعيدة عنه بعد ما بين المشرق والمغرب، ومصر وتيهرت لو
تأمل.
ثم انه خلا ببعض خواصه وأصدقائه منهم الرجل المعروف بالمتوكل وكشف لهم عن خفي سره، واستشارهم فيه، وأظهر لهم من وجوه التحسين وضروب الترغيب ما أخذ بمجامع قلوبهم، ومناهم بما حملهم على مساعفته وتصويب رأيه.
فخرج بهم في الليل من مصر، وطفق يمسح الأرض مواصلا الليل بالنهار رغبة في دخول تيهرت قبل رجوع الرسل من المشرق، فبلغها يوم العشرين من خروجه من مصر، وقد أضنى السير رواحلهم، وكأنها من الهجين الذي يطوي مراحل في يوم، ويعرف عند بعض القبائل بالمهري،
وإلا فان المسافة بعيدة جدا لا تقطع بالسير العادي إلا في اضعاف هذه المدة وقبل أن يجتمع بأصحابه استأذن على الامام لتقديم الزيارة، فأذن له وقابله بما يجب من الاكرام والاحترام، إذ كان من مشاهير العلماء رجال المذهب، ولم يخطر له انه انطوى على نية سوء وفساد، لما عرف به قبل ذلك من حسن الحال وبعد السلام والسؤال عن الأحوال الشرقية سأله الجواب عن المسألتين المختلف فيهما، ولعلمه بما عليه الامام من غزارة العلم والاطلاع لم يمكنه إلا أن يجيب بما هو الحق طبقا لما أجاب به الربيع ومن معه، وهو أن الامامة صحيحة والشرط باطل، وأن امامة من استكمل أوصاف الامام
جائزة، ولو كان في المسلمين من هو أعلم منه
161 (1/161)
صفحة 162
اجتماع شعيب بابن فندين وخروجهما عن الطاعة
ثم خرج وذهب الى ابن فندين وأصحابه، فأظهروا له الاستبشار بقدومه وبالغوا في اكرامه واحترامه، وأكثروا التودد له والخضوع بين يديه، حتى طمع في الامر ورجا نيل ما كان يؤمله، إلا انه ندم كل الندم على ما أجاب به الامام في المسألتين واغراء لابن فندين واستمالة له، بالغ في الرضاء عنه وفي تخطئة الامام وآزره على رأيه، ورأي جماعته، وتداعوا إلى الاجتماع خارج المدينة، فخرج اليهم كل من كان على رأيهم، واجتمعوا بكدية غير السلطة بعيدة عنها واتفقوا على انكار امامة عبد الوهاب، والسعي في نزع ا من يده وعولوا على الحرب، إلا انهم لم يجمعوا رأيا على تقديم واحد منهم باسم امام ولو مؤقتا، إلا ما كان من تقدم ابن فندين في الرأي لاغير، ولما لم يدرك شعيب من. هذا الحال نتيجة ولم ينل شيئا مما كان يمني به نفسه وأصحابه الذين أتى بهم معه من مصر، ضاق صدره وخاف أن يكون من المذبذبين لا الى جهة الإمام، لما ظهر منه من مؤازرة ابن فندين، ولا الى جهة ابن فندين لما صدر منه من الجواب للإمام في المسألتين بمحضر من الناس وخاف رجوع الرسل من المشرق بتخطئة ابن فندين وحزبه، وهو منهم فتقوم عليهم الحجة، ويفارقهم كل عاقل ممن استغفلوه، واتبعهم على غير
هدى وبصيرة.
فقال لابن فندين ما الذي تنتظرونه من القوم، وقد أظهرتم انكار الامامة وشهرت عنكم ومالكم في رسل الشرق وكتبه من نفع، فناوشوهم الحرب لعلكم تنصرون، فلا تعود الرسل الا وأنتم قد توليتم الامور وصفت لكم الولاية وارتفع النزاع.
فأجابوه الى ذلك، وهيأوا أنفسهم وتفقدوا أسلحتهم وجعلوا ينتظرون غرة الوثوب على المدينة على حين غفلة من أهلها، الى أن صادفوا خروج
162 (1/162)
صفحة 163
الامام لبعض مأرب بعيدة عن المدينة، فزحفوا بجيشهم وثارت الصيحة الى المدينة وكان أفلح فيها عند أخته قد ظفرت له أحد شقي شعر رأسه فقام قبل
أن تتمم له الشق الآخر، وتقلد سيفه وقد اشتد غيظه، وزفرت نيران غضبه على الثائرين، وكان عظيم البنية قويا شديدا، واقتفى أثره أهل المدينة مسلحين وتلاقي الفريقان لدى بابها، فوقف أفلح على العتبة مدافعا و انسلخت رجله الى العرقوب ولم يشعر بها وصارت الأبطال تتوارد عليه وهو يناضل بسيفه متقيا بدرقته الى أن أبادتها السيوف، ولم يبق بها ما يصلح للتوقي به فاختطف احدى دفتي باب المدينة بيده وصار يتقي بها، وكان ممن أثقل كاهله بشدة البأس والقوة من مقابليه ابن فندين نفسه، فلوي عنان الطرف اليه وقصده وهو يسوق الناس ميمنة وميسرة، وعلى رأسه بيضتان وضربه على قمة رأسه فشقه مع البيضتين نصفين، وصوب معه السيف الى أن نشب في الباب فحس أفلح عند ذلك زلزلة واضطرابا في يده، لم يعهدها قبل ذلك فظن أن ذلك من صلابة رأس ابن فندين فقال ما أقوى رأسك يا بربري يا مشئوم ولما خر صريعا ورآه قومه بين القتلى، ولوا منهزمين وقد مات منهم بشر لا يقل عن اثني عشر ألفا سالت بدمائهم البطاح، وتلطخت بها الابواب ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم. فياليت الإمام كفى المؤمنين عناء الحرب، بتسكين هذا الرجل من أول الأمر، ولو بأدنى وظيفة من وظائف الدولة، حيث كان قيامه وخروجه إنما هو لمجرد ذلك على ما صرح به حسبما مر، ولكن القضاء المبرم غالب «وما تشاءون إلا أن يشاء الله.
•
ولما افترق الجيشان قصد جمهور من أهل المدينة الى رد دفة بابها في مكانه فلم يقدروا، فقالوا لأفلح هلم لترد ما نزعت فقال ردوا علي ذلك
163 (1/163)
صفحة 164
الغيظ الذي كان بي أوان نزعه حتى أرده، وإلا فأنا الآن كواحد منكم،
فتعاونوا عليه وردوه. كما كان.
ثم عاد الامام من سفره، ووجد القتلى في أماكنهم والناس على أثر حرب مهولة في رعب وانزعاج، فاستغرب السبب وسأل عنه فأخبره بالواقع فأمر بجمع قتلى الفريقين، وصفت صفوفا وصلى على الجميع صلاة الجنازة تطبيبا لنفوس بقية أتباع ابن فندين، وتأنيسا لهم وتأليفا لقلوبهم، ولما وقع البحث عن شعيب وجد قد خرج عقب الهزيمة هاربا الى مدينة طرابلس، ولما وصلها أظهر البراءة من الإمام والانكار عليه، وتغالى في ذلك حتى صار يعترض الحاج ابان التشريق ويعلن بذلك، فاتصل خبره بالمشرق فأجمعوا كلهم على البراءة منه ومن ابن فندين وأتباعه، إلا من تاب، وأشد الناس عليهم في البراءة منهم العلامة الربيع رحمه الله، فانه كان يجهر بذلك في مجالسه، ويعلن بولاية الامام قائلا عبد الوهاب امامنا وثقتنا وامام المسلمين أجمعين، فإنا بريء ممن خالفه أو أنكر عليه شيئا على غير حق، وإذا قيل له كيف تبرأ من شعيب بدون حدث؟ قال: وأي حدث اعظم من براءته من عبد الوهاب أمير المؤمنين.
وبموت ابن فندين انقطعت القلاقل وسكنت الحركات وانحسمت جرثومة الفساد، وانحاز من بقي من أصحابه الى ربوة خارج المدينة يعلو ظواهرهم الخضوع والمسكنة، وفي القلوب حزازات وضغائن لم ينشأ عنها شيء يكدر الراحة.
عودة الرسل من المشرق وما وقع بعد ذلك من قتل ميمون بن الامام ولما عادت الرسل من المشرق بكتاب الربيع المتقدم، ومن معه من المسلمين، وفيه ما مر من صحة ولاية الامام، وبطلان الشرط وغير ذلك، فرح المسلمون بموافقتهم الحق، وتأكدت أسباب المودة بينهم وبين امامهم،
164 (1/164)
صفحة 165
وازداد هو نشاطا في التقدم في الاصلاحات، وبينما الحال كذلك إذ أصبح ميمون ابنه قتيلا ممزق اللحم مفرق الاعضاء، ممثلا به تمثيلا شنيعا غدر به أصحاب ابن فندين، لما كمن في صدورهم من الحقد على الامام بسبب تلك الوقائع المتقدمة، ووقعة صاحب الصندوق، وكأنهم أرادوا بهذه فداء تلك، وإذ بلغ الخبر الامام، قام مسرعا الى موقع الحادثة، ووجد ابنه ميمون الناصية ثمرة فؤاده على تلك الحال، فتسربل ثياب الصبر وأبرز من شهامته عظيم التجلد، وكامل الثبات، وان كان في نفسه من الكآبة والحزن ما يذيب المهج ويدك الجبال وقال وهو ينظر اليه.
أي بني اجتمع فيك ثلاثة، قولهم: ويل لمن مرت الخيل على كسائه، وقولهم، ويح من أصيب بليل، وقولهم: إذا مسست ابن السلطان فامسسه مساً عنيفاً، ثم أمر به فكفن وشيعت جنازته حسب الواجب وغض طرفه عن الطلب بدمه، إذ لم يثبت ذلك على أحد ولم يعول على الظنون وأقوال المحركين وأرباب الاغراض، وكان شديد التحري في الدماء وحسب القائل بذلك حجة هذه الحادثة التي قل من يتربص إمامها التحقيق مع الاقتدار، وتوجه التهمة من أول وهلة الى أرباب الجريمة.
وكان لميمون ولد وهو من النجابة والذكاء بمكان، رفيع فرق جده الامام لحاله، وولع به ولوعا زائدا واقامه مقام والده يتسلى به عنه، صارفا همته في تدريبه معمرا جل أوقات فراغه في تربيته وتهذيب اخلاقه وطبعه على الآداب اللطيفة، حتى شب على ذلك وحصل من العلوم النافع منها، ولا غرابة إذ كان يغترف من ذلك البحر الزلال، كل ما رق وطاب من السحر الحلال ويختار النفيس من اللآلي، من معدنها المباح له في الغدو والأصال، فما كذب إذاً من أطنب فيه المقال، ولا ينسب الى الاتيان
بالمحال.
165 (1/165)
صفحة 166
ولما حسن ذكره، وتأكدت الثقة به وتحلى بمحاسن الصفات، ورأى منه
منه،
جده القدرة على القيام بمعالي الأمور ـ قدمه على جباية الحقوق الشرعية وغيرها من مطالب بيت مال المسلمين، فقام بما عهد اليه قيام عاقل حكيم، يعامل الرعية بكل رفق وسياسة، وصار ينتقل من حي الى حي، حتى استخلص مطالبه بطيب نفس لا ازعاج ولا قهر، فيها لأحد الى أن بلغ مجتمع بقايا ابن فندين، فطالبهم برفق حتى استوفى حقه، وقبل أن يرتحل عنهم سمع بعضهم يقول وهو يعنيه يا ابن المهدور دمه)، فتغافل عنه، وأوهم الحاضرين بأنه لم يسمع ذلك أو لم يدرك المراد.، ولم يفه ببنت شفة سياسة ودهاء وتأدبا مع جده بعدم الدخول في أمر كهذا قبل استئذانه، وهذا يعد من نتائج تلك التربية وذلك، الارشاد، فما أحسن العمل بالعلم، وما أبهى مراعاة الحقوق وجانب الأدب، وما أسلم عواقب الثبات، وما أشد تأثير الدهاء، ونفوذ أعمال السياسة، وبعد استيفاء ما كلف بجمعه من الحقوق قفل راجعا يحمله تيار الغيظ الى أن وصل (تيهرت) وفي الحال دخل على الامام جده وباح له بما حل به وما سمعه من القول، فأمره بالصبر والكتمان وعرفه بما لسفك الدماء في نظر الشرع العزيز من التعظيم، وأفهمه بأنه سيأخذ بثأر والده متى وجد لذلك سبيلاً شرعياً ببينة لا تقبل الشك، ولو طالت المدة وامتد الزمان ان ساعد القدر، وكان للعمر مجال ثم عمد الى البحث عن الجاني وثابر على ذلك حتى اتضح جليا بالحجة التي لاريب فيها أن ذلك القائل من القاتلين لميمون الممثلين به، فأرسل في طلبهم فامتنعوا واحتموا بمن كان معهم من بقايا قوم ابن فندين.
الأخذ بثأر ميمون
يسع
ذلك،
فوجه اليهم حينئذ جيشا يرأسه ابن ميمون المذكور، فوافاهم في مواطنهم ر أيام من المدينة مستعدين للقائه متحصنين، وما كاد يصلهم حتى
على
مسير
177 (1/166)
صفحة 167
شمروا لمبارزته وصففوا صفوفهم، وأوقدوا نار الحرب والتحم القتال بين الفريقين مدة أظهر فيها ابن ميمون من البسالة سعيا وراء ثأر والده ما شتت أعداءه، فولوا الأدبار منهزمين وتركوا من قتلاهم ما يكثر عدده، وقد قيل بعضهم رام حصرهم، ولما رأى كثرتهم عمد الى أقل الاسماء استعمالا عندهم وهو هارون، فعد من سمى به من القتلى، فكانوا ثلاثمائة فانكسرت هذه الوقعة شوكتهم، وتفرق جمعهم، وأخلد من بقي منهم الى الطاعة والانقياد فاستراح الامام عند ذلك الطاعة، وعمت سائر رعيته، إلا أن بسبب توالي هذه الوقائع، وحصول هذا الافتراق في عصابة هذه النحلة، وهو أول افتراق وقع فيها صارت الدولة مظنة للضعف، ومرمى لسهام الطاعنين والطاغين من سائر الفرق الأخرى الداخلة تحت سيطرة هذا الامام
من
ولوائه
ولشدته ـ رضى الله عنه ـ مع ذلك اقامة الحدود المرعية، والانتقام من كل من ظهر منه انتهاك حرمة من شعائر الدين المقدسة، تضايقت النفوس الميالة الى الهوى وحب اللذات والشهوات، وانقياد لقائد الاغراض، وطلبا لحل عرى عقدة الاجتماع القاضية بالضغط على نفوس الشريرة، والمنع من تنفيذ المقاصد الخبيثة، ثار الثائرون من ذوي العصابات القوية، والأتباع الكثيرة من رؤساء العشائر والقبائل من اخوانه الاباضية وغيرهم، من الفرق الموجودة تحت لوائه كالواصلية من المعتزلة، وكالصفرية والازارقة، والعجم، فتكدر صفو الخواطر وتغير سماء الراحة، وكثرت الآراء والاقوال، وانتحل البحث في المذاهب، وعظم الجدال وفشت المناقشة في المسائل الخلافية بين علماء الفرق وأهمها مسألة الامامة، فقام كل فريق يطلب الاختصاص بها ويدعي انه أولى وأحق بها، ويقيم على ذلك الحجج ويرتب الأدلة
فعظم التباغض، وظهرت مبادئ الاختلال والفساد، ونبغ في كل جهة
167 (1/167)
صفحة 168
داع للجدال، ومناد للمبارزة والنضال، وشنت الغارة في الأطراف ونصبت أعلام الفتن والحروب فسفكت الدماء بين أهل الاسلام والامر لله، وقطعت المواصلات من الجهات، لعموم البلوى بقطع السبل ونهب الاموال، فكان ذلك سببا لنهوض الامام رحمه الله واقتحامه المفاوز والوهاد لكبح جماح الطاغين، وقطع دابر المفسدين، فشمر عن ساق الحزم وكشف عن ساعد، وجمع العساكر وجهز الجيوش، ووالى الحروب الهائلة وصرف الأموال، حتى أخمد نيران تلك الفتن، وشتت شمل تلك الجموع القوية الطاغية، بعد وقائع يشيب لهولها الشباب، وأعظمها خطرا تلك الحروب
الجد،
الطائلة
الواصلية.
168 (1/168)
صفحة 169
الفصل الثالث
خروج الواصلية من المعتزلة عن الامام وحروبه معهم
كانت الواصلية، وهي فرقة من المعتزلة في جموع قوية عددا وعدة بجهات المغرب، وهم قوم من البربر أكثرهم من قبائل زناتة، لهم رئيس في مدينة قريبة من مدينة طنجة، وهو الذي بايع ادريس صاحب المغرب الأقصى، وكان بنواحي تيهرت، منهم فريق لايقل عن ثلاثين، وقيل عن أربعين ألف مقاتل، فيهم من مشاهير العلماء وأبطال الحرب، وأولى الثروة عدد وافر لا ينكر قدره، يفوق الكل رجلان أحدهما عالم غائر اللجة حائز قصبة السبق في ميادين المناظرة ذو علوم جمة ولسان طلق، ومنطق بليغ وله في المجادلة أطوار وطرق يعجز دونها فحول العلماء، قد أعجب بنفسه فأضحى يزخرف للملأ مذهبه ويزين حججه، ويطلب مناظرة كل من ينسب الى العلم من علماء غيرهم من الفرق، وبفوزه في مواطن متعددة، تطاول الى الامام وفتح معه أبواب البحث وجرت بينهما محاورات عديدة، كاد الامام يعجز فيها عن الجواب.
والآخر وهو ابن رئيسهم، فتى عرف بالشجاعة وشدة الاقدام والبسالة وشهر بالفروسية والبطش بكل من بارزه، حتى صار أشهر من نار على علم في تلك الأقطار.
169 (1/169)
صفحة 170
فاهتدت رجال هذه الفرقة الى تأليف القلوب، وبث روح التعارف بين أفرادها،، حتى اتحدت كلمتهم وتوحد رأيهم، فقامت تشق عصا الطاعة تأسيا
بابن فندين وتطلب الاستقلال والخروج عن حكم الامام، زاعمة انها في درجة يمكنها أن تحكم فيها نفسها بنفسها، وأن تقوم بادارة شئونها، وكأنها رأت أن من العار عليها خضوعها لمخالف لها في المذهب، مع وجود رئيس لها يدعي الامارة، ولعل هذا الرئيس أغراها على ذلك، فتكاتب رؤساؤها على الخروج ومناصبة الامام الحرب، وأتوا من أقاصي الأطراف رجالا، وعلى كل ضامر من كل حدب ينسلون، حتى اجتمع منهم وممن انضم اليهم ممن يسعى في الأرض فسادا من غيرهم قريبا من المدينة، جيوش غطت السهل والجبال، فناصحهم الامام المرة بعد المرة، وخوفهم الوعيد وكرر لهم الارشاد والتنبيه، ودعاهم الى ترك ما به ضلوا، والى الاستسلام والسكون، فلم يكن منهم إلا العتو والعناد والجهر بانكار امامته، ثم بدأوه بالحرب، فصار يجهز اليهم العساكر ويسوق الجيوش فتظفر تارة، وتهزم أخرى، وفي كلها لم يدرك ذلك الفتى ابن الرئيس المعتزلي أحدا من الفرسان، إلا ويقتله ويتولى سلبه حتى تقهقرت امامه الأبطال، وطار صيته فها به كل موسوم بالشدة والبسالة. ولما كان الامام لا يقل عن درجة والده في الدهاء، ان لم يتجاوزها وعلم انه قد انتقل من حرب قوية حرب ابن فندين، الى حرب أقوى منها مع قوم هم أشد من الاولين بأسا، وأكثرهم قوة، وان الاسترسال في ذلك ربما يؤدي به الى ما لا تحمد عقباه، دعاهم الى الاتفاق على هدنة الى أمد معلوم، يكف فيها القتال ويقصر فيها الفساد، وينظر فيما هم قائمون لأجله، ولعله يهتدي الى ما فيه اصلاح الحال، فأجابوه الى ذلك وكف القتال واستراح
الناس.
170 (1/170)
صفحة 171
طلب الامام الاعانة الحربية من جبل نفوسة لمحاربة الواصلية لما أنهى الامام عقد الهدنة مع الواصلية، صرف همته الى الاستعداد لهم وتهيئة ما يطفئ به جذوة نفاقهم، ولما كان جبل نفوسة وما يليه من حيز طرابلس من جملة ولايات مملكته التي تدين بطاعته، وتتفانى في رضائه، وفيه من أهل النجدة والشجاعة وأبطال الحرب وفحول العلماء ما يعد بالألوف، رأى أن يطلب منهم الاعانة على مستقبل حروبه،، فأرسل الى عامله بالجبل كتابا طلب منه جندا يتألف من أربعمائة نفر مائة منها من خيرة فرسان نفوسة، وصناديدهم الممارسين لفنون الحرب الماهرين فيها الموصوفين بشدة الأقدام، ومائة من المتبحرين في علم التفسير، ومائة من علماء الكلام الواقفين على نزعات الفرق العارفين بطرق الرد على المخالفين،
ونقض مقالاتهم، ومائة من العلماء المتضلعين في مسائل الحلال والحرام. ولما بلغ العامل أمره المطاع جمع أهل النظر في الأمور وأصحاب الرأي وعرض عليهم كتاب الإمام، وبعد مذاكرة وتربص في الأمر اتفقوا على توجيه أربعة من خيار رجالهم قد شهروا في اصنافهم بعلو المنزلة والكمال ليقوم كل واحد منهم مقام مائة من طلبهم الامام، وهم العلامة المتكلم مهدي النفوسي والعلامة المفسر محمد بن يانس، والعلامة الفقيه أبو الحسن
الأبدلاني، والفارس الشجاع البطل الشهير العلامة أيوب بن العباس. فأرسل العامل اليهم، ولما حضروا عنده أخبرهم باتفاق اخوانهم المسلمين على ارسالهم الى المغرب، اجابة لطلب الإمام، فاجابوا بالسمع والطاعة مسرورين وبعد أن هيأوا أنفسهم للسفر، وودعهم اخوانهم ودعوا لهم بالفوز، ساروا على بركة الله ملحوظين بعنايته محفوظين برعايته
ولما تجاوزا حد جبل نفوسة، ودخلوا البادية احتاجوا الى من يقوم
171 (1/171)
صفحة 172
فطل، ابن يانس وهو منهم أن يتولى ذلك بنفسه، وأن يقوم بخدمتهم. بأمورهم الى أن يصلوا المغرب، فامتنعوا وأبوا نظرا لعلو مقامه ورفعة مكانه عندهم، فألح عليهم في الطلب الى أن ساعفوه، وصار كلما نزلوا منزلا هيأ لهم مقعدهم ومصلاهم، وربط خيلهم وأحضر لهم الطعام والماء، حيث يلزم للشراب أو الوضوء، ثم إذا صلوا وناموا قام الى التهجد والصلاة فيظل راكعا ساجدا حتى يطلع الفجر، فينبههم ويهيئ لهم الخيل، وبعد الصلاة جماعة يركبون وكان هذا دأبه ودأبهم، وهو صائم النهار قائم الليل، فشق عليهم الأمر شفقة عليه فسألوه الرفق بنفسه والتخفيف مما هو. عليه، إما بترك الصوم، وإما بترك جانب من السهر والقيام بالليل، فأبى إلا التمادي، وأبوا إلا التخفيف، ولما لم يتمثل قالوا له أما أن تترك السهر، واما ان ننظر غيرك لخدمتنا، وأما قيامك بخدمتنا، بالنهار مع الصوم والقيام بالليل الى الصباح
فلا نرضاه منك بعد هذا اليوم، وان لنفسك عليك حقا فحافظها. ولما لم يجد ملجأ مما الزموه به قال لهم: اني رضيت بحكمكم إلا اني أستاذنكم في صلاة ركعتين كل ليلة مع البقاء على خدمتكم، فرضوا بذلك
وأذنوا له.
وفي الليلة المقبلة قام بعد أن ناموا ليصلي الركعتين فقرأ في الأولى النصف الأول من القرآن وفي الثانية النصف الثاني، وما سلم حتى طلع الفجر وفطنوا له فازدادوا اشتغالا، وقالوا له قد نهيناك عن طريق فسلكت أشد منه فانك كنت تستريح في كل ركعتين برهة من الزمن لقراءة التحيات فصرت تقف من العشاء الى الفجر، فارجع الى ما كنت عليه أولا، فانه أخف مشقة وقد رضينا بك خادما
فرجع إلى ذلك ولم يسأم رحمه الله ولم يقطع عادته طال الليل أم قصر صحا الجو أم أمطر إلى أن وصلوا تيهرت ومما يحكى عنه انه قام.
عادته
172 (1/172)
صفحة 173
في ليلة ذات برد شديد ورياح عاصفة ومطر قوي، فانتبه أحد رفقائه فرآه واقفا يصلي والريح تعبث بطرف كسائه كالعلم، فقال ان كان لا يدخل الجنة إلا من كان مثلك يا ابن يانس ستصيبك فيها الوحشة، فلله دره من مجاهد صابر مخلص جامع بين خدمتي الظاهر والباطن، ورحمه الله رحمة واسعة، هذا ما كان من أمر هؤلاء.
وأما الامام فانه بقي في انتظار جيش نفوسة منذ أرسل الكتاب إلى الجبل ونذر أن يعتق من يبشره من مماليكه بوصوله فصاروا يترقبون ويقفون على قارعة طريق الشرق، ويستخبرون من القادمين أخبارهم، وكان له مملوك أعرج لا يقدر على الخروج فلازم إحدى شرفات السور ناظرا نحو طريق الشرقيين غير غافل عن المماليك الواقفين هناك، إلى أن رآهم يوما يتسابقون إلى المدينة، فأدرك انهم ما تسابقوا إلا ليبشروا بوصول الوفد، فنزل ودخل على الإمام قبل أن يصلوا وأخبره، فوفاه بما وعد به من العتق، ولما وصل الآخرون ليبلغوه الخبر قال لهم فاز بها الاعرج، فأرسلها مثلا، وهو أول من قالها ثم وصل النفوسيون، وإذ علم انهم أربعة لاغير وقع في نفسه ما وقع من اتهام نفوسة بالتقصير في إعانته، إذ طلب أربعمائة وقيل أربعة آلاف وجاءه أربعة رجال فقط
فأمر بانزالهم في دار الضيافة، وبعد استراحتهم اجتمع بهم وأظهر لهم
السرور التام بقدومهم، وان كان في نفسه من الأنكسار ما كان وبعد أن أخبروه بوظائفهم، وبما كلفهم به اخوانهم وتعهدوا لهم بالوفاء به طابت نفسه، وقال لمهدي اصغ إلي حتى أعرض عليك ما جرى بيني وبين المعتزلي من المحاورات لتكون على بصيرة من الأمر، وتعلم مقدار معرفته فأصغي اليه، وصار يسرد له الحديث، وكلما رأى خطأ في كلام المعتزلي قال ها هنا حاد عن جادة الصواب، وسفسط، وكان من الصواب ان تجيبه يا أمير
173 (1/173)
صفحة 174
المؤمنين بكذا وكذا، فأطلع الامام عند ذلك على جميع أخطاء المعتزلي في كلامه وأدرك حيلته في السؤال والجواب، فازداد بذلك سروراً، ورجا بلوغ القصد وهم بالأمر بالمناداة في القبائل للاجتماع، وفتح باب المناظرة أولاً ثم المبارزة فقالوا له دعنا أياماً نستريح فيها، وتستريج دوابنا فقد أضناها السفر ولحقها التعب، فترك الامام ما هم به، والنفوس من الفريقين في اشتياق إلى رؤية النفوسيين اذ كان لمجيئهم صدى أطبق الاقطار.
دين
عالماً
وفي بعض تلك الايام تغيب مهدي عن رفقائه من الصبح، لم يأتهم الا في الليل، فغلط في عجين كان في وعاء بجنب عشائه فأكله، وبعد أن أتمه قال لهم أرى ان عشاءكم لم ينضج كثيراً، واذ تحقق غلطه قال احمد اني الله على ثلاث خصال، لم أرها لغيري، أقضي أربي من كل طعام صادفته، ولا يلحقني ضرر منه، وأقل شيء من النوم يكفيني، ولا يضرني السهر ولو توالى، ولا أخاف باذن الله مخالفاً ان يدحض حجتي الا ان داهنت في الله (لا سامح الله، ثم قال لهم: قد أفحمت في هذا اليوم تسعين من المخالفين واسترحت منهم والحمد لله، ولما قرب انتهاء مدة استراحتهم تقدم أيوب إلى الامام وقال له: ان جوادي قد أضعفه السير وأدركه الحفاء، وأخاف أن لا يقوم بحاجتي عند مبارزة فارس المعتزلة فاختر لي غيره من خيل بيت المال، فأمره الامام ان يدخل المحل ويختار ما أعجبه منها، فدخل وكلما رأى جواداً حسن الصورة قوي البنية قبض على ناصيته بيده وجذبه اليه فلا يثبت ويكاد يقع على ركبتيه فيتركه، وينتقل لغيره وهكذا حتى أتى عليها كلها ولم يجد فيها ما يناسبه فقال علي بجوادي فأوتي به اليه وفعل به كما فعل بغيره فرآه لم يتزحزح عن مكانه وأرسى أرجله في الارض ثابتة كأنها ضربت بماسمير فقال البركة في البرذون فأرسلها مثلاً، وأخذه وعالجه بالدهن والرمل المجمس حتى زال ما به من أثر التعب. (1/174)
صفحة 175
المناظرة والمبارزة
وبعد أن انتهت مدة استراحتهم دعا الامام المعتزلة إلى الطاعة فأبوا فنادى مناديه بالحضور إلى المناظرة والمبارزة، فهرعت من الفريقين أمة كالجراد المنتشر شاكة السلاح في خيول تدك حوافرها الجبال، ورجال تذيب لامة حربها مهج الابطال، أزعج ضجيجها الثقلين وسد نقع غبار حركتها ما بين الخافقين، فيوم بلغت فيه أرواح الفريقين الحناجر، وخطب فيه خطباء الرخم والسباع على المنابر، وزلت فيه عند الامتحان أقدام الطاغين ورفعت فيه رايات النصر لاهل الحق المبين، وكان القائم بأمر المناظرة في هذا اليوم المشهود من الاربعة المذكورين.، ذلك العلامة المقدام السميدع الهمام خائض لحج الفنون على الاطلاق، حائز قصبات السبق في ميادين السباق، الشيخ مهدي النفوسي بعد أن عرضها على العلامة ابن يانس، وقال له تقدم أنت ولست بأعلم مني.
وكأن المعتزلي داخله الرعب أو قصد الخيانة فقال لمهدي: مالنا ولا بداء عوراتنا للناس، وكلانا ممن شهر في قومه ونال الصيت البعيد، فهلم لنتعاهد على أن يستر كل منا صاحبه سواء حاججتني أم حاججتك، ولا يعلم أحد بمن كانت له الغلبة منا على صاحبه، أجابه مهدي لذلك وقد أدرك انها مكيدة منه منه، وقال لأصحابه: اني قد عاهدته على الستر وعدم التكلم، ولكن اذا نزعت القلنسوة من رأسي ووضعتها تحت ركبتي فادركوا اني قد فزت عليه، وظفرت بالقضية
ولما خرجا إلى ما بين الصفوف، ومع كل منهما خواصه من العلماء كان الامام معهم فتناظرا في المسائل الخلافية وأطالا في ذلك، ودخلا أبواباً وفنوناً صعب على الحاضرين فهمها، حتى كان الكلام بينهما كصفق الحجر لا يدرك أحد من الحاضرين معنى له على ما قيل ثم عجز المعتزلي
وسلم.
175 (1/175)
صفحة 176
فنزع مهدي قلنسوته كما وعد به أصحابه، فكبروا لما رأوا ذلك تكبيرة رجل واحد بلغ صداها عنان السماء، فبهت المعتزلي، وقال: غدرت يا مهدي وخالفت العهد، وما هكذا كان الوعد بيننا، وقاما والفخر يصاحب هذا والقهر يؤازر ذاك، فبرز على أثر ذلك فارس المعتزلة وابن رئيسهم في هيئة مرهبة شاك السلاح على جواد سابق، وهو يزأر كالأسد ويرمح كالعقاب، ويظهر للناس من أنواع فروسيته ما جعلهم في غرابة وعجب.
فخرج أيوب من بين الصفوف يقود جواده مع سكينة وهدوء إلى أن تراءى للفريقين، وكانت العيون شاخصة لرؤيته مصوبة السهام نحوه من كل الاطراف، لما يبلغهم من أخباره في الفروسية وشهرته، ولما أراد الركوب وكلهم ينظرون تجاهل فركب من جهة اليمين خلافاً لما هو المتعارف عند الناس من الركوب من جهة الشمال.
فضحك المستعجلون من المعتزلة، الذين لا علم لهم بمكائد رجال الحرب واستبشروا وضمنوا الفوز لصاحبهم، الا والده فانه أدرك ذلك في الحال وقال متأوهاً وقلبه يرجف، ولسانه يتلجلج هيهات هيهات الآن حل أجل ولدي اذ
جاء قاتله بلاشك.
فسأله بعض الناس عن ذلك، فقال ألم تروا كيف تدلى اليه فرسه ولا يفعل الفرس ذلك الا مع الفارس الحاذق.
وبعد أن استوى مهدي على ظهر جواده قذف حربته في الهواء كما هي كادت تغيب وكانت تزن ثمانية عشر رطلاً وهيأ لها رمحه
عادته،
، حتى
فجاءت فيه مستوية متمكنة لا تحتاج إلى تركيب، وذلك أول ما ألقى به الفزع في قلوب الناظرين، فاستعظموه وهالهم أمره ثم جال في ذلك المضمار جولان الاسد الضائر، وأقبل وأدبر مع المعتزلي على جواد كالعقاب الطائر.
176 (1/176)
صفحة 177
(مکرمفرمقبل مدبر معا
کجلمود صخر حطه السيل من عل)
حتى رأى منه الاقران من فنون الاحتيال وغريب طرق الفروسية في النزال وبديع الخداع في الاقوال والافعال، ما قذف في قلوبهم الرعب وصدهم عن القتال.
وما كان غير ساعة حتى التقم فارس المعتزلة وابن رئيسهم التقام عصا موسى سحر سحرة فرعون، وجندل به الارض مع ذلك الجواد المستأسد، وذلك السلاح المكنون، فتحمست المعتزلة وزحفت إلى القتال فتسعرت نار الحرب بين الفريقين برهة من الزمن، حمى فيها الوطيس واشتد الخطب وعظم المصاب، وكان افلح بن الامام وأيوب يجزان الهام ويشتتان الصفوف ميمنة وميسرة، إلى أن سقط في أيدي القوم ورأوا أنهم قد ضلوا وضربت عليهم الذلة، وباءوا بغضب من الله وولوا الادبار منهزمين، وقد مات منهم خلق كثير حسبوا منه ما قتله افلح وما قتله أيوب فوجدوا لأيوب قتيلاً زائداً على أفلح، وكأن كلا منهما استقل بجهة، والا فكيف يصح تمييز ذلك خصوصاً في يوم كذلك اليوم المزدحم والله أعلم.
وكان أيوب قد أحس في اثناء الضرب بزلزلة شديدة في ذراعه، فاخبر بها بعد ذلك، وقال اني قد ضربت شيئاً صلباً لا أدري ما هو ولا أظنه آدمياً فتصفحوا القتلى فوجدوا بينها عموداً قائماً، ولما جسوه بأيديهم وقع إلى الارض نصفين فعلموا أنه هو الذي أخبر به أيوب، وقد ضربه وهو يظن أنه رجل، وكان لسيفقه مقدار شبر لا حد له مما يلي مقبضه لكي لا يضره ان جعله على عاتقه اذا سئم من حمله، أو تعب من الضرب به، وبعد استسلام المعتزلة واقرارهم بالطاعة التامة، لم يبق لهم طمع ولا رجاء في القيام بعد هذه الحادثة
177 (1/177)
صفحة 178
فعاد الامام إلى عرش خلافته يكتنفه الظفر، ويتوجه الفخر، وقد ناله
من الجذل ما حمله على نشر الثناء الفاخر، والذكر العاطر على ذلك الوفد النفوسي المنصور.
اذا نام
استدعاء المعتزلة أبا العباس للضيافة بقصد الغدر به ثم بعد ذلك بيومين على ما قيل، أرسل وجوه المعتزلة إلى أبي العباس يدعونه للضيافة عندهم، فمنعه خواص المسلمين وحذروه الغدر به، فأبي الا اجابة دعوتهم والمسير اليهم، ولما وصلهم رحبوا به وأظهروا له من أنواع التبجيل ما ظنوا انه أغتر به، ولدى اجتماعهم وتبادل الرأي في كيفية غدره وقتله، رأوا أنه لا يمكنهم ذلك وهو في اليقظة لما علموه من شدة بأسه، وأجمعوا أخيراً على أن يكثروا له من الاطعمة الجالبة للنوم، حتى قتلوه، فقدموا له عند العشاء قصعة طعام عليها عجل صغير برمته، وقربة من اللبن الحامض وكان رحمه الله عظيم البنية جداً كثير الاكل فاستوفى الطعام أكلاً، وانتقى العظام عظماً عظماً، وشرب ذلك اللبن كله اظهاراً للقوة أمامهم، اذ فهم مرادهم من ذلك، ثم استوى في وسط الخص متربعاً، وأخذ في تلاوة القرآن العظيم حتى طلع الفجر فصلى الصبح بوضوء العشاء اذ لم ينتقض.، لا بنوم ولا بحدث وكأن ما أكله من الطعام واللحم، وما شربه من اللبن لم يكن شيئاً مذكورا.
في
منه
ولما طلعت الشمس طلب جواده ليذهب فأحضره وقد أبهرهم ما رأوه م تلك الليلة، وقالوا له: ان فتيان الحي طلبو منك ان تعلمهم شيئاً من الفروسية ومما عندك من فنون الحرب، فقال أجل: وليحضروا فركبوا خيلهم وبأيديهم قضبان ليعلمهم كيفية العمل بها عوضاً عن السيوف، وكان فيهم رجل مشهور عندهم بالاقدام والقوة تعهد لهم بقتله، وبينما هم في اثناء
178 (1/178)
صفحة 179
هم به
التعلم أخذ الرجل في الاحتيال لضربه ففطن له وتغافل عنه، فاتقى ضربته، والتفت اليه فصرعه إلى الارض ميتاً، ومال عن يمينه فقتل
ثمانية ثم عن شماله فقتل مثلها، وصاح بنساء الحي وهن يرقبن ويبكين فقال: أزيد أم يكفيكن، وترك الكل في نحيب وعويل وتوجه راجعاً من حيث أتى فمر بواد فيه سباع، قل من يتجاوزه وينجو سالماً، ولما أحسو به تسارعو اليه فشمر لهم عن ساعده، وقطع أرجلهم وتركهم يزحفون، وجاز على بعض أحياء البربر فقال لهم من أراد اللحم المكروه فليذهب إلى الوادي الفلاني، ولما جاء إلى الامام ورفقته أخبرهم بما جرى فحمدوا له السلامة وشكروا الله على نجاته وخلاصة من هذه المكيدة.
ذكر هذه الحكاية كما سمعتها كل من العلامة الشماخي والعلامة أبي زكرياء رحمهما الله والظاهر ان في كلامهما اختصاراً مجحفاً بما يقتضيه المقام من الايضاح، والا ففي بعضها عندي نظر فان استدعاء المعتزلة أبا العباس بعد يومين من: تلك الحرب العظيمة، مع ما حصل منه فيها مما يستبعده العقل جداً، ثم أجابته دعوتهم وذهابه اليهم بدون رفقة كما يفهم من كلام الشيخين أشد بعداً، اللهم الا ان تكون الحكاية واقعة قبل اعلان الحرب رسمياً لا بعدها أو كان الذين دعوه لا دخل لهم في هذه الحرب، وانه استصحب معه رفقة، وأهمل الشيخان ذكرها، والله أعلم بالحقيقة، وكان يقول لا أعلم أن لي مقابلاً يبارزني فيما بين مصر وفاس، وبعد أن قضوا وطرهم من (تيهرت) في أيام وليالي قطعوها بين احترام وتعظيم، ونالوا حسن التوجه من الامام وتزودوا بالدعاء من أكابر العلماء، وأفاضل الصالحين، والاولياء عطفوا أعنتهم نحو وطنهم، ومقر عزهم موطن الفخر والعلاء، اذ ذاك ذلك الطود الشامخ عالي القمم والهمم مرتفع الرؤوس والنفوس (جبل نفوسة) سيد جبال الغرب، ومجمع الفحول من الرجال ومنبع علوم المعقول والمنقول في ذلك الوقت بلا جدال.
179 (1/179)
صفحة 180
ولهؤلاء الاربعة فضائل ومآثر كثيرة وكرامات، ذكر الشماخي
بعضاً منها فلتراجع هناك.
رحمه الله
ومما يؤثر بالذكر من كرامات العلامة مهدي في هذا السفر، ما ذكره الشماخي من انهم ضربوا أخبيتهم في الطريق أثناء رجوعهم (تيهرت) لحر أصابهم:، وكان مهدي خارج الأخبية فسمعهم يتمنون أموراً خطرت لهم فقال أحدهم: 1: لا أتمنى في هذا الحر الا لبناً صافياً بارداً، وقال آخر ما مناي الا شربة من ماء (أيندل) وهي عين بقرب الجزيرة المعروفة بقرب (مدينة شروس)، ولم اقف على ما تمناه الثالث، ولما سمع ذلك منهم دخل اليهم وسألهم، عهد ا الله وميثاقه على كتمان ما سيطلعهم عليه من السر، فاعطوه العهد على ذلك فحل وكاء قربة لهم فيها شرابهم، وصب منها لمن تمنى اللبن لبناً خالصاً، ولمن تمنى الماء ماء لا يشك في انه من عين (أيندل)، وصب للثالث ما تمناه أيضاً، فحمدوا الله على نيل مطالبهم، وشكروا فضل مهدي وزادوا في توقيره لما رأوه من الكرامة على يديه، وجدوا السير إلى أن وصلوا الجبل، وقد خلفوا الامام بتيهرت راضياً مستريح البال، لا حرب ولا شقاق ولا نفاق، إلى أن تنوسي الامر بمرور الزمان، وبلغ الامن منتهاه، وحدث من لم يحض تلك الوقائع من حديثي السن وقريبي العهد بالدخول في زمرة المعدودين من الرجال، وأولي الثروة فنبت في قلوبهم بذر النفاق، وسرى فيهم سم الخيانة، فكانوا سبباً لحصول وقائع وحروب اخرى، حملت الامام ودولته مشاق التجهيزات والخسائر القوية في الاموال والرجال، وقد ذكرها ابن الصغير المالكي مفصلة على وجه لم يذكره غيره من المؤرخين، فخذها على سبيل الاجمال طبقاً للقاعدة المتقدمة.
180 (1/180)
صفحة 181
حرب أخرى لهذا الامام
(ممزوج) جرت عادة قبائل البربر وغيرهم من سدراتة ومزاتة وغيرهما من أهل البوادي، أن يرتحلوا من أوطانهم التي يجتمعون فيها من بلاد الزاب وغيره من الجهات في زمن الربيع الى حوالي (تيهرت) وما يليها من الأودية والجبال والغابات، لما فيها من العشب والاتساع مع الأمن، ولما يجري لرؤسائهم عادة من الاكرام، والضيافات والاحسان من أقاربهم وأحبابهم الذين هم بالمدينة، ومن وجوهها وتجارها مع مشاركتهم في الرأي فيما يختص بمصالح الاسلام، والامام ولأداء حق التزاور في الله وصلة الرحم.
من
ولما دار في الخواطر هاجس الفساد وسرى سم النفاق في صدور أهل البغي والعناد، من أهل المدينة، كان الارتحال من قضاء الله في سنة من السنين (ولم يعين ابن الصغير تاريخ تلك السنة)، خارقاً للعادة فجاء من كل قبيلة وفرقة خلق لا يحصى، حتى امتلأت المدينة برؤساء تلك العشائر فوجد ارباب الفساد، ومن قصد الشقاق من رجال المدينة فرصة لبث وسائل غفلة البغضاء، وبذر ناقع السم في الدسم، فاستمالوا القوم على حين. انفسهم وناجوهم بالطعن في ولاة الامام وقضاته وأصحاب شرطته، وقالوا لهم: ا: قد ساقكم الله الينا وأنتم من أكرم الأضياف يسمع لكم القول، ويقبل منكم النصح، وقد تعين عليكم الدخول إلى الامام لتسألوه عزل هؤلاء الولاة وتبديلهم بغيرهم ممن يحمد الناس سيرتهم، ولا يخفى على العالم الخبير ما عليه غائب أهل البوادي من جهل السياسة الحضرية، وعدم ادراك حيل ومقاصد أهل الحضر، شأن سائر أرباب البادية)، فأثر ذلك في نفوسهم، وظنوا أن ذلك من النصيحة في الدين بمكان كبير، به ينال المرء عظيم
الدرجات عند ربه.
فأجتمعوا واستأذنوا على الامام فاذن لهم، ولما دخلوا تلقاهم حسب
181 (1/181)
صفحة 182
عادته بكل بشاشة وقابلهم أحسن مقابلة، بعد تبادل عبارات التحية قام متكلمهم فحمد الله وأثنى عليه وقال: ان رعيتك يا أمير المؤمنين قد ضجت من قاضيك، وصاحب بيت مالك، والقائم بشرطتك، وقد جئناك نطلب منك أن تستبدلهم بغيرهم ممن يرضونه من خيارهم، وبذلك تحوز رضاءهم وتفوز برضاء مولاك.
من وفد
فأضهر الامام الارتياح لهذا الطلب، وقال لهم جزاكم الله خيراً، فقد افتقدتم من الاسلام ما يفتقده من كان مثلكم وها أنذا قد فوضت
لكم الامر في ذلك، فبينوا لي من ترونه صالحاً لذلك لأقدمه
فدعوا له وأثنوا عليه بخير، اذ ساعفهم فيما اقترحوه عليه، وانصرفوا فدخل على الامام بعدهم وجوه رجال دولته وقواده وأهل الاصلاح من جماعة المسلمين، وقالوا له ما بال اخواننا أتوك اليوم بأجمعهم، وأخليت
منهم
لهم المجلس وحجبت غيرهم، ولعلهم أشاروا بخير ودلوا على صلاح؟! فذكر لهم ما قالوه مفصلاً، وما أجابهم به فاغتموا وقالوا له: قد أسأت إلى نفسك وإلى جميع اخوانك المسلمين ورجالك، فقال: وكيف ذلك وقد قالوا خيراً وما سألوا شططا؟!، فقالوا: لو كان ذلك القصد الاصلاح والنصيحة في الله لهان الامر، ولحسن المآل، ولكنهم سألوك عزل من أرادوا من رجالك بدون سبب ليحرفوا عنك قلوب العامة، ثم اذا فعلت ما طلبوه شكروك وحمدوا فعلك، وأتوك بعد ذلك قائلين ان المسلمين قد نقموا عليك أشياء أخرى فاتركها، فان أجبتهم إلى ذلك شكروك وان أبيت خلوعوك، ثم لا تأمن وإن أجبتهم إلى كل ما سألوه ان يقولوا لك ان المسلمين لم يجتمعوا عليك في ابتداء أمرك، فاردد اليهم أمرهم حتى يجتمعوا عليك، ويكون ذلك زيادة في شرفك. وعلى كل حال فسؤالهم هذا هو عين الفساد وأس الاضطهاد.
182 (1/182)
صفحة 183
فأمعن الامام النظر، وقدح زناد الفكر في الكلامين، إلى أن أدرك. الطلب، وما كمن فيه من المكائد، فقال: وما الرأي الآن وقد تقدم مني لهم
من الجواب ما سمعتموه، ولا يجمل بمثلي الرجوع فيما قال؟، فقالوا له: ان الامر في ذلك سهل، قال وكيف ذلك؟ قالوا: اذا رجعوا اليك غداً لانجاز الوعد فقل لهم ان لنا ولكم اخواناً لا غنى لنا عن مشاركتهم في الرأي في أمر عظيم كهذا لما فيه من العزل والتولية، فيجب حضورهم معنا ثم اجمع بيننا وبينهم فنكفيك مؤونة الجواب ان شاء الله.
عن
وفي الغد دخل القوم على الامام في الوقت المعين لهم لاتمام ما وعدهم به، وبعد تمكن كل من مجلسه سأل مقدمهم من الامام الوفاء بالوعد فقال ـ رضي الله عنه -: اني على ما عاهدتكم به من قبل، ولكني أرى من القبيح بي وبكم أن نستأثر بمثل هذا الامر دون اخواننا، لما فيه من تغيير قلوبهم وكسر خواطرهم الموجبين لشتات الرأي والاختلاف، فقالوا: صدقت وأصبت فأحضرهم، ولا، ولا نراهم الا موافقين لنا، فأمر بهم فحضروا في الحال، وقال لأولئك أخبروا اخوانكم بما به أشرتم وبما لأجله اجتمعتم، فبينوا لهم الله عند ذلك ما دار بينهم وبين الامام من الكلام، فقالوا لهم: جزاكم الاسلام وأهله خيراً على هذا الاهتمام الا اننا نطلب منكم بيان علة هذا الطلب والداعي اليه، اذ لا يخفى على كل عاقل مثلكم ان العزل بدون بب بين وجرحة واضحة، لا يمكن ان يصدر من الامام لما قد ينشأ عن ذلك من المضار، فأبرزوا ان علمتم شيئاً يوجب ذلك حتى يجعله الامام حجة عليهم جبراً للخواطر، وأما العزل لمجرد سعي السعاة فلا نرى انكم تطلبونه مع ما أنتم عليه من الدراية والعقل، فلم يكن منهم الا أن قالوا هذا رأي حادث وأمر مبرم، وما هكذا كان اتفاقنا مع الامام بالامس.
ثم خرجوا ممتلثين غيظاً حالفين على أن لا يدخلوا في أمر دون عزل من
183 (1/183)
صفحة 184
سألوا عزله أو محاك لامام، فشاع خبرهم بين قبائلهم وانضم اليهم لفيف من الناس، ومن كان على رأيهم، وظهرت المناقشات في ذلك وفشى الخلاف واتسع خرقه، فاستشار الامام رجال دولته ومن تجب مراجعته من ذوي الرأي والعلم، فأشاروا عليه بالقاء المواعظ اليهم، واعلامهم بحرج موقفهم وانذارهم بسوء عاقبة ما انتحلوه من الشقاق، ان لم ينتهوا عما يقولون، ثم ان أصروا وأبوا الا العناد والعتو في الارض، كانوا بغاة فيجب على الامام والمسلمين ردعهم وقتالهم عملاً بقوله تعالى: (فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله). فعمل الامام بمقتضى هذه الاشارة ولم ير منهم الا الاعراض والعناد
والسعي في اثارة الفتنة، فشمر لاقناعهم بالسيف.
، فما كان الا
قال: فلما رأى ذلك عبد الوهاب، ومن معه برز اليهم. كلمح البصر الا وجميعهم صرعى، الا من شذ، وولوا ولم يتبعوا لهم مولياً، ولا أجهزوا لهم على جريح، ثم انصرف عبد الوهاب قافلاً بمن معه، وولت القبائل الداعية إلى مواضعها واستملك الأمر لعبد الوهاب، وبقيت حزازات في النفوس في قلوب عشائر من قتل، ثم اشتد أمر عبد الوهاب وقوي وانتقل من حال الامامة إلى الملك (1 هـ).
تزوج الامام من قبيلة لواتة وحرب بني مسالة معه لذلك «ممزوج» لا يخفى أن القبائل الكثيرة العدد، قلما تخلوا في الغالب من رؤساء
متعددين متفاوتين في كثرة الاتباع، والمنتسبين اليهم، وقد كانت القبائل
?
القاطنة بازاء (تاهرت)، على هذا المنوال فكانت في هوارة تلك القبيلة الطويلة العريضة من الاباضية رؤساء مقدمون، يقال لهم الاوس ويعرفون مسالة، فتقرب رئسيهم لرئيس قبيلة لواتة، (وقيل لغيرها من قبائل
ببني
184 (1/184)
صفحة 185
البربر الكبيرة) بقصد مصاهرته في ابنة كانت له، توصلاً إلى تعزيز جانبه بضم تلك القبيلة اليه.
ولما أحس من له بصيرة وعلم بحقيقة ذلك، أشار على الامام بالمبادرة إلى تلافي الامر، بأن يخطب البنت ويتزوجها او يسعى في تزويجها ممن يأمن شره إضعافاً لشوكة ذلك الرئيس، وابعاداً له من الالتحام بقبيلة البنت وانضمام القبيلتين بطريق المصاهرة، اتقاء من حصول الاتحاد على الفساد والتعصب وهكذا شأن الملوك في سياستهم حتى الآن، فانهم يخافون من حصول الوفاق بين القبائل ولا يطمئنون لكل من رأو له اتباعاً من الرؤساء وأصحاب الطرائف، لما ينشأ عن ذلك غالباً من الفتن وظهور الثائرين،
حسبما قضت به التجربة وشهدت به التواريخ بما دون فيها من الوقائع).
واذ ذاك خطب الامام البنت وتزوجها، ولما بلغ خبر ذلك إلى الرئيس الأوسي غضب، والى أن لا يساكن الامام في مدينته، وارتحل منها إلى واد ينسب إلى هوارة على بعد نحو عشرة أميال من المدنية، وهنالك انضمت خطة اليه عشيرته، ومن غضب لغضبه ممن ضاقت بهم سبل الحق، وقيدتهم. العدل، وراموا الزيغ عن جادة الاستقامة، ولما صار في جموع كبيرة أعلن
الخلاف
ولم تزل السعاة بين الفريقين رائحة غادية إلى أن أوقدت نار الحرب، وبدأت بالغارات فأصابت أول غارة لهوارة ولداً لبقال على نهر هناك يعرف بنهر أبي سعد الله فقتلوه وتركوه، ولم يغيروا من حاله، ولا من ماله شيئاً، وثارت الصيحة إلى المدنية فابتدر الناس الغلام فأصابوه ولا روح له، ولما لم
يجدوا فيه تغييراً حاروا في الامر، ثم صاروا يبحثون في متاعه إلى أن فقدوا
خاتماً كان في أصبعه. قال: فكبروا وقالوا هؤلاء قد استحلوا الاموال والسلب، فحل للمسليمن
185 (1/185)
صفحة 186
وامامهم قتالهم، فحملوا قتيلهم وواروه التراب، وأخذ الامام في التهيؤ للحرب والخروج اليهم، فاجتمع له من العسكر خيلاً ورجلاً ما ملأ البقاع واجتمع
للآخرين من الجموع مالم يجتمع لمثلهم.
قال
حتى عدوا في خيلهم من لون واحد الف فرس أبلق، وخرج عبد الوهاب بعاكره من المدينة في جموع لا يعلم عددها إلا الله، واتصل خروج عبد الوهاب ببني أوس، فجمعت جموعها وعبأت كتائبها على نهر يقال له اسلان قالوا: وكان عبد الوهاب قد أصابته ريح فأمر براحلته فرحلت وجعل عليها محمل، وجعل عديله رجلاً من نفوسة وقائد راحلته رجلاً من نفوسة، وكان القائد ربما عجل، ويقال له رويداً رويداً، قال: فيقال له ويحك انما قيل رويداً فيقول هو ذلك، فلم يزل يسير حتى تراءى العسكران (1 هـ).
«ممزوج»
فرتب الامام قواده وصفوفه، وجالت الخيل في ميدان الحرب ميمنة وميسرة، وتنازلت الابطال من الصفين، والتحم القتال فسد غباره ما بين الخافقين، وكلما نظر الامام ذات اليمين وذات الشمال، والقلب رأى فارساً فاق الاقران ودوخ الكتائب، فيقول من الفارس؟ فيقال له: هو ابنك أفلح، فقال معجباً به قد أستحق أفلح الامامة فانها انما تنال بامثال هذا الاقتدار لا
بغيره).
قال: فكان أول يوم عقدت له فيه الامامة، قال: فلم يزل الناس يقتتلون لا يولي بعضهم لبعض الدبر إلى أن سال وادي سلى ذلك اليوم. دماً (1 هـ).
186 (1/186)
صفحة 187
(مزوج) ولما رأى الامام -
صبر
الفريقين، وعدم تزحزح العدو عن موقعه
والسيوف تحز الهام ولبرقها لمعان في سحب تلك السمهام اشتد غضبه، وزاد في الثقل ونادى يا دينار زم الخطام وتقدم بنا ففزع زميله النفوسي وخف فرجح الامام به، ولما شعر بذلك قال: ما بال المحمل؟ فقيل له: قد خف زميلك النفوسي (وقد يكبو الجواد والا فان لنفوسة الثبات في الحرب) فقال ثقلوه بحجر، ولا زال دينار يتقدم والامام يثقل والنفوسي يخف فيزيدون معه حجراً إلى ان هزم العدو، وولى الادبار ولحق بجبل ينجان، واستكان للطاعة وخمدت نار الفتنة، ورجع الامام يحف رايته النصر والظفر، فأقبل على ابنه أفلح وقربه اليه ورشحه للامامة
قال
وانقطع له (أي لأفلح المنقطعون، ودارت الحوائج اليه والعطاء من: يده (اهـ).
وصار الامام: بعد ذلك في راحة، ودولته في تقدم، إلى ان كان كما
وصفه بعد ذلك.
قال: وكان عبد الوهب هذا ملكاً ضخماً وسلطاناً قاهراً، قد اجتمع له من امر الاباضي وغيرهم، ما لم يجتمع لأباضي قبله، ودان له منهم ما لم يدن لغيره، واجتمع له من الجيوش والحفدة، ما لم يجتمع لأحد، حتى انه لقد حكى لي جماعة من الناس، انه لقد بلغت همته إلى ان حاصر مدينة طرابلس، وملك المغرب بأسره إلى مدينة يقال لها تلمسان (1 هـ).
ومدينة تلمسان الآن من اعمال الجزائر، وهي نهاية حكمها مما يلي مملكة فاس، فيها من الأبينة العجيبة والصنائع المهمة، ما يستحق الذكر، وأهلها أولو رفاهية ونظافة، غير بعيدين في ذلك عن سكان مدينة تونس
187 (1/187)
صفحة 188
ذات الأدب والعلم والحضارة في المغرب بهذا العصر، ولهم في التجارة غرباً وشرقاً حسن، اقتدار، وقد استبحرت في العمران بعد استيلاء الدولة الافرنجية (فرنسا) عليها تبعاً للجزائر، ونمت تجارتها بما جرى فيها من تسهيل طرق المواصلات، والنقل كغيرها من مدن قطر الجزائر وتونس، التي لا تبعد كلها في الوضع والشكل والترتيب عن بعضها لبعض، اذ كان نافخ روح العمران والحضارة العصرية وبث الصنائع على اختلاف أنواعها وفنونها في الكل دولة واحدة.
فضله من
عزم الامام على اداء فريضة الحج ومروره بجبل نفوسة ولما رأي الامام و) رحمه الله من سائر اتباع دولته كمال الانقياد، واستيلاء الامن والعافية على البلاد وانقطاع دواعي الفساد، وجرثومة العتو والعناد حن متشوقاً إلى زيارة ضريح أفضل الخلق على الاطلاق نور الوجود، ونبراس اليوم المشهود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الابرار، والى تلك الديار المقدسة الطاهرة، وقد علم من نفسه رحمه الله انه ممن تعين في حقه القيام بأداء فريضة الحج المعظم، لما لديه مما أتاه الله من الثروة الواسعة اذ كان رحمه الله قبل تحمله أعباء الامامة من أعاظم أولي الاموال الوافرة في عصره، فكانت تجارته في أشهر المدن والجهات كالسودان والحجاز واليمن والبصرة وغيرها من مدن الشرق حتى قال شاهداً على نفسه بالغنى شكراً لله تعالى، وتحدثا بالنعمة ما معناه (لو لم أكن الا أنا وابن جرني وابن زلغين لأغنينا بيت مال المسلمين بما علينا من الحقوق الشرعية)، فهو ذو ذهب وفضة وابن جرني فلاح عظيم كانت زكاته في السنة آلاف حمل من البر والشعير، وقيل ان أندر زرعه يرى من مسافة أيام كالجبل، وابن زلغين ذو ابل وغنم له من ذلك ما يعد بمئات الالوف ذكر المؤرخون ان له
188 (1/188)
صفحة 189
من صنف الحمير وحده اثني عشر ألف حمار.
وبعد أن أبرأ ذمته من التباعات، وقضى ماعليه من المطالب ديناً ودنيا امتطى متن جواده مستصحباً معه (زوجته) وتوجه إلى الحجاز مع البر في جمع كبير، فمر على جبل دمر وأقام فيه أياماً، اعترفوا له فيها بالامامة وقدموا له البيعة مباشرة، واستعمل عليهم عاملاً يعرف بمدرار.
وله هناك مسجد كبير ومصلى مشهور به في موضع يقال له (تلالت) فيه رخامة كان يستند اليها تساوي رأسه عند قعوده، وقد ذكر صاحب السير رحمه الله وهو من علماء آخر المائة التاسعة انها في وقته تساوي صدر الواقف، وكأنه رحمه الله كابنه أفلح عظيم البنية، وله في وادي تطاوين بجهة أفريقية، مصلى أيضاً أصلح خرابه العلامة الشماخي رحمه الله
باعانة مجاوريه من العرب كما حكاه في سيره أثابه الله.
ثم سار الامام من جبل دمر إلى أن دخل حدود جبل نفوسة، وبينما هو يسير بين المنازل والقرى الغربية اذ أدركه المطر، واشتد البرد، وكان ذلك بالقرب من قرية (ويغو) الكائنة فوق جبل مدينة (سروس)، وهي قرية جميلة المنظر تدل اطلالها ورسومها العتيقة، على اتقان صنعة بنائها، فقصد الامام دار العلامة مهدي فيها، فوجدها دار رجل زاهد عابد، لا غطاء ولا وطاء، وقد حصل للامام ومن معه من البرد والمطر تعب كبير. وكان الشيخ فرج ابن خالة مهدي رجلاً مترفاً متحظراً، ذا بسطة في المال، وكثيراً ما عاتب مهدياً على غلوه في التقشف والاعراض عن الدنيا، وكأنه يميل إلى استحسان أمثال قولهم (لا يستقيم الدين الا بالدنيا) وقول
الشاعر:
ما أحسن الدين والدنيا اذا اجتمعا
وأقبح الجهل والافلاس بالرجل
189 (1/189)
صفحة 190
فيعكس مهدي عليه القضية، ويعاتبه على اشتغاله بالدنيا وتعلقه بأسباب جمعها تعلقاً زائداً، حتى انهما اجتمعا ذات مرة بتيهرت بين يدي الامام قبل قدومه إلى الجبل، فشكا له كل منهما صاحبه، فقال مهدي ان ابن خالتي هذا يا أمير المؤمنين قد اشتغل بدنياه حتى كاد يضر بآخرته، وقال فرج ان مهدياً هذا ابن خالتي، قد اشتغل بآخرته حتى أحجف بدنياه، وطالما نهيته عن ذلك ولم يقبل، فمن المصيب منا يا أمير المؤمنين؟ فسكت الامام ولم يرد لهما جواباً إلى ان كان قدومه هذا إلى الجبل بعد سنين متعددة، وبينما هو بدار مهدي على ما وصفناه من عدم توفر أسباب راحته من مشقة السفر والمطر، إذ أقبل ابن خالته من غيبته، فطلب منه نقل الامام ومن. معه اليه فساعفه، وفي الحال حضرت الخدم، وهيأ لهم ولدوا بهم ما يكفيهم من المحلات، وخصص لكل واحد منهم فراشاً ووسادة وغطاء، وبدله ثياباً نظيفة طاهرة، ونشر أثوابهم المبلولة بالمطر، وقدم لكل واحد كانوناً من الجمر أمامه، وأحضر لهم في الحال ما كفاهم من أ أنواع الطعام الفاخر، وأكرم دوابهم بما لزم من ا العلف والشعير، وبسط عليهم مما لديه من الخير ما جعلهم في راحة تامة.
واذ ذاك تذكر الامام الحكاية المتقدمة، فدعا مهدياً وقال له: قد حاجك ابن خالتك يا مهدي (لأن للدنيا في اقامة الدين يداً طولى)، وقد تعجب القوم من استحضار فرج في أقرب وقت على حين غفلة تلك الكوانين كلها، ويقال انها محابس فخار كان اعدها للغرس، وكأنهم كانوا يستعملونها على نحو ما يستعملها الناس اليوم في المدن، وهذا دليل على أنهم كانوا أهل اعتناء وعمل للدين والدنيا، لا أهل بطالة وكسل، على حد قول حكيم زمانه وامام أوانه العلامة أبي نصر الماوشائي النفوسي
رحمه الله.
190 (1/190)
صفحة 191
احب فتى ماضي العزائم حازما
لدنيا وأخرى عاملاً بالتشم
وأما أخو النومات لا مرحبا به
ولا بالجثوم الراكد المتدثر
وبعد أن قضى الامام في قرية (ويغو) أياماً، استراح فيها من تعب السفر ارتحل إلى بلدة (ميري)، وهي قرية متوسطة بقرب حصن بني زمور المشهور في التواريخ، ولبلدة ابي يحيى الترديتي، وبلدة أبي الشعثاء السنتوتي مستجابي الدعاء الشهيرين في جبل نفوسة بالعلم والورع والكرامات الباهرة، وتعرف تلك الناحية في زماننا هذا بناحية الرجبان لعمرانها بعد خرابها وجلاء نفوسها منها، بعرب يسمون بهذا الاسم، يتمذهبون بمذهب الامام مالك، وهي تابعة في الحكم الآن لحاكم فساطو المقيم في بلدتنا (جادو) المسماة باسم مدينة جادو المشهورة في التواريخ التي خربتها قبائل العرب عند ضعف نفوستها، ولا تبعد عنها الا بمقدار نصف
ميل تقريباً.
منع نفوسة الامام من الذهاب إلى الحج وخبر ذلك ولما فشى خبر توجه الامام إلى الحج اجتمع العلماء واصحاب الرأي من نفوسة وغيرهم واتفقوا على منعه والتعرض له خوفاً من غدر ملوك الشرق (بني العباس) به ومن قبضهم عليه لان الملك في تلك الاقطار لهم، و، ولانهم كانوا منه في رعب شديد.
فاستأذنوا عليه فأذن لهم، ولما دخلوا وأخذوا مجالسهم قام متكلمهم وقال: انك قد تقلدت يا أمير المؤمنين أمور المسلمين فأحسنت السيرة وقمت
191 (1/191)
صفحة 192
بالعدل، ولا يخفاك ما لملوك الشرق نحوك من الحقد وخبث النية، وانا لنخاف أن يقبضوا عليك أو يغروا أحداً على قتلك فتعظم مصيبتنا وتضيع الحقوق وتتعطل الاحكام، ولذلك اجمع اخوانك المسلمون الرأي على أن يشيروا عليك بالاستخارة في ترك ذلك، والرجوع أخذاً بالرخصة (لانه ورد أن الله يحب أن يؤخذ رخصه، وما كلفت به من امر الامامة ومصالح
الاسلام والمسلمين واقامة العدل شيء عظيم عند الله تعالى.
وبعد أن أثنى عليهم بما أظهروه من الاهتمام بالدين بين لهم شدة تعلق قلبه بزيارة تلك البقاع المقدسة، وانه لا يمكنه الرجوع الا بقول معتمد ظاهر الحجة من أكابر علماء المذهب، وكأنه لم يطمئن إلى الاخذ بقول علماء الغرب بانفراده، وبما علمه هو وأراد تقويته بقول علماء المشرق، وكان المرجع في الفتوى لاصحابنا في المشرق اذ ذاك العلامة المحدث الربيع بن حبيب والعلامة ابن عباد - رضي الله عنهما - فارسل الامام اليهما رسولاً بكتاب من عنده يستفتيهما في ذلك، وبقى في انتظار الرسول إلى أن عاد بالجواب، فكان من جواب الربيع جواز اعطاء الاجرة لمن يحج عنه، حيث كان مشغولاً بأمر المسلمين والاسلام، مع خوفه على نفسه من ملوك كان الشرق، وكان من جواب ابن عباد سقوط فرض الحج بالكلية عمن بهذه الصفة وبكل أسف لم نعثر على كلامهما حتى ننقله بعينه). فأخذ الامام احتياطاً بقول الربيع، واستأجر رجلاً من بلدة (تمزدا) بفتح التاء والميم وسكون الزاي، وهي من احدى القرى الكبيرة في ناحية جبل فساطو عامرة الآن بالاباضية، وفيها قليل من العرب المالكية، وبعد أن توجه الاجير إلى الحج أقام الامام بقرية (ميري)، وكأنها من أشهر بلاد الجبل في ذلك العهد، ولذلك اختارها لاقامته أو فعل ذلك لانها جاءت وسطاً بين طرفي الجبل، وبنى فيها مسجده المشهور الآن بمسجد سيدي عبد الوهاب،
192 (1/192)
صفحة 193
وقد تهدم بعضعه الخراب البلدة بجلاء أهلها، وتفرقهم في البلاد بتسلط العرب عليهم بالغارة عند قلتهم، وفي هذا الوقت يضع عرب الرجبان في وسطه وفيما يليه من الارض، مما يعد من حريمه زروعهم تأميناً له من السرقة كما هي العادة في كثير من القرى وبالبوادي، لما يشاهدونه لتلك المساجد والمقامات من الكرامات، حتى هابها المفسدون، وطالما نبهنا عليهم هنالك على هذا العمل، ولم يغن الكلام شيئاً لما عليه العامة في كل الجهات من شدة التمسك بالعوائد، وأشدهم تمسكاً بذلك أهل البوادي والقرى الصغيرة، والتي لا علم فيها، حتى انهم قد يعدون العادة من الدين، وان كانت في الواقع معصية فتراهم يهتكون الحرمة توصلاً إلى الاحترام، فيدخلون دوابهم إلى المسجد فتبول فيه، وتروث ليضعوا فيه زرعهم حماية له باعتقاد البركة فيه، وقد زرت هذا المسجد مراراً، فوجدته في غاية الاتساع والكبر، وما بقى فيه من البناء الاول وانقاضه، يدل على ما كان فيه من حسن الترتيب والصنعة، طالما عمره هذا الامام بمجالس الذكر العظيم، وأضاء فيه الليالي الطوال بالعبادة والقاء الدروس على اختلاف فنونها ويقال: ان غالب دروسه
في السبع سنين التي أقامها هناك في مسائل الصلاة خاصة ولم يتمها. وبالجملة فقد نشر في تلك المدة من درر البيان وجواهر التبيان ما اهتدى به کل جاهل، واستضاء به کل مظلم، وتنبه به كل غافل من علوم زاهرة، ومواعظ زاجرة، وأحاديث فاخرة، عطفت عليه الالباب، وأخضعت له الرقاب، فاتسعت حلقة مجلسه المهيب وانتظم في سلك عقدها العلماء الراسخون وأمها من الفقهاء والعلماء والادباء والعباد وأهل الصلاح من نفوسة وغيرهم من يثلج ذكرهم الصدور، ويملأ حديث مفاخرهم ومزاياهم الدفاتر والسطور، فرحم الله الكل ورضي عنهم.
193 (1/193)
صفحة 194
حكاية أبي عبيدة في نهي الامام - رحمهما الله
ومما دون في التاريخ، ان خيل الامام ودوابه أفسدت بعض المزروعات والاشجار المجاورة لمرعاها بتهاون الرعاة واهمالها، فبلغ الخبر أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني ذلك الرجل الباسل علامة عصره، وكان شديد الشكيمة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، عالي الهمة بعيد الجاه لا يخاف في الله لومة لائم، ذا علم غزير، وورع زائد وزهد فائق، وفصاحة بالغة، فأتى إلى الامام مستأذناً، فأذن له، ولما دخل وسلم كما يلزم قال: وهو قابض على سيفه مخاطباً للامام يا أمير المؤمنين، قد آذيت الضعفاء والفقراء واليتامي بخيلك لاهمال رعاتك، فكفها عن المضرة، والا حال بيننا وبينك هذا (يعني السيف)، فأطرق الامام لحظة من الزمن مفكراً، وقال: ان كان أبو عبيدة في شيء من هذا القطر، فهو هذا، فقال له الحاضرون الامر كذلك فقال: صدق المشائخ الذين زارونا بتيهرت وأعجبنا حالهم، وسألناهم عمن خلفوه في الجبل فقالوا: تركنا من هو خير منا، وهو أبو عبيدة ثم قرب مكانه منه وشرف منزلته ورسخت محبته عنده، حتى اختاره بعد ذلك لامارة الجبل، كما سيأتي ذكر الحكاية كل مؤرخينا، وفيها ذكروه اختصار مجحف بما يقتضيه المقام، بل في كلامهم ما يوهم ان الحكاية وقعت بعد وصول الامام، إلى قرية ميري واقامته فيها، وهو أمر يستبعده العقل جداً فان أبا عبيدة مع جلالة قدره وشهرته، لا يمكن ان يجهله الامام حتى يستفهم عنه، بل لا يمكن أن يعرف أحداً قبله، فالمناسب أن يقال ان القضية وقعت حال مسير الامام، بين قرى الجبل قبل وصوله ناحية فساطو، وقبل اجتماعه برجال تلك الجهة، أو يقال ان أبا عبيدة كان مسافراً في بعض جهات بعيدة، ولم يأت الا بعد وصول الامام واقامته، والله أعلم بالواقع، وعلى كل حال فالمسألة دليل قاطع على ما كان لرجال الأباضية، من قلة المبالاة
?
194 (1/194)
صفحة 195
في الدين، وما كان لائمتهم من الخضوع للحق، وقبول المراشد من أربابها، والمكافأة عليها بزيادة الاحترام والاعتبار والرضاء التام، وفي ذلك من الترغيب في ابداء النصائح ما لا يخفى رضي الله عن الجميع.
محاصرة هذا الامام لمدينة طرابلس
كانت قبيلة هوارة من البربر، قبيلة كثيرة الافخاذ، واسعة الاطراف ذات جموع كثيرة، رجالاً وفرساناً تحيط منازلها بطرابلس احاطة السوار بالمعصم، وكلها أباضية المذهب، والآن كلها مالكية، وكانت كلها او غالبها خاضعة لعامل بني الاغلب بطرابلس، ثم وقع بينهما خلاف كبير، (لم يذكر المؤرخون سببه أدى إلى وقوع شقاق، فخرج اليها الجند من طرابلس إلى وادي الرمل، ولما التقى الجمعان وانتشبت الحرب، ولى الجند منهزماً إلى المدنية فاتبعته جنود هوارة اليها، وحاصروها، قال ابن خلدون عند الكلام على ذلك في الجزء (6) هكذا:
ثم ثارت هوارة من بعد ذلك على ابراهيم بن الاغلب سنة 196 هـ، وحاصروا طرابلس وافتتحوها وخربوها، وتولى كبر ذلك عياض ووهب، ولا ذكر لهذين الرجلين في كتب الاباضية أصحابنا، ولعلهما في غير الولاية عندهم، ولما ضاق الحال بالجند خرج هارباً إلى ابراهيم بن الاغلب بافريقية وكان بمدينة القيروان والياً لهارون الرشيد ثم لابنه الامين.
ولما بلغه بعد أن لاقى من الخسارة فى الاموال والرجال شيئاً كثيراً، وجه إلى طرابلس ابنه عبد ا الله في ثلاثة عشر الف فارس، وعدد وافر من الرجال وجدد القتال مع هوارة، حتى كاد يأخذ بثأره منهم، فاستغاثوا بالامام عبد الوهاب، ولما لم يمكنه الا تلبية دعوتهم للعلاقة المذهبية، ولما في اغاثة المظلوم للقادر من الثواب الجزيل، جهز من الجبل جيشاً جراراً، وسار
195 (1/195)
صفحة 196
نزل على المدينة وحاصرها محاصرة شديدة مدة من الزمن، لم
يبينها المؤرخون فسد عبد الله باب زناتة، وصار يقاتل من باب هوارة، وفي أثناء ذلك استشهد العلامة الشيخ مهدي النفوسي، المتكلم الجليل الذي تقدم انه ذهب إلى تيهرت في مقام مائة عالم، وذلك انه انفرد عن العسكر على شاطيء البحر، ورأوه من المدينة فسبحوا اليه وقتلوه، وأخذوا رأسه وعلقوه على السور، فان قالوا له: انهزم أصحابك الاباضية عبس وانقبض، وان قالوا له انهزم الجند تبسم وانبسط، نقل ذلك الشماخي وغيره رحمهم الله وان لله خرق العوائد فلا غرابة، وقد صعب موته على الامام والمسلمين كثيراً، واستعظموا مصيبته، وان كان القضاء لا يرد وكل حي خلق للموت، الا ان لموت مثله في مثل ذلك الوقت الذي هم في حاجة فيه إلى أمثاله وقع عظيم. وحيث ان المدينة حصينة جداً وسورها في غاية المنعة، صعب على الامام افتتاحها، فصار يجمع رجاله لتدبير الوسائل المعينة على ذلك كل ليلة، وكلما دبر بالليل رأياً وجده بالنهار فاشياً في العسكر، فيؤخر عن
ذلك
حضور مجلسه في الليلة المقبلة من يتهمه بافشاء السر، وصار يفعل. كل ليلة إلى أن بقي هو ووزيره ذلك السياسي الكبير المدير الخطير العاقل الشهير باصابة الرأي، والصدق في الاقوال والافعال (مزور بن عمران)، فقال عند ذلك لا أحاصر مدينة كهذه في المنعة برجل واحد، وفي ذلك الوقت أرسل اليه عبد الله رسولاً يطلب منه الصلح لما بلغته وفاة والده ابراهيم بالقيروان، أجاب الامام طلبه وخفف وطأة الحصار، وأبرم. معه عهداً على أن تكون المدينة والبحر لعبد الله، وما كان خارج المدنية كله إلى نهاية أرض سرت للامام، فدخلت هوارة كلها ومن معها من القبائل في دائرة حكم الامام، وولى على الكل عمالاً من عنده، وعاد بعساكره راجعاً إلى الجبل،
196 (1/196)
صفحة 197
وقد نودي بالأمان في العسكرين، وفتحت أبواب المدينة وعادت المعاملة الناس إلى مجراها، واستقل كل بما خصصته له تلك المعاهدة.
والظاهر أن حركة هوارة، وتشبثها بمخالفة
بني
بين
الاغلب، انما كانت والله
مكان
أعلم لغرض خاص، وهو التوصل إلى الانضمام إلى دولة بني رستم الحاكمة على جبل نفوسة الموافقة لها في المذهب، وزادها رغبة في تلك حضور الامام بالجبل طمعاً في اعانته أياها، كما وقع وهو المفهوم من كلام ابن خلدون حيث قال: وحجي هوارة بعبد الوهاب بن رستم من امارتهم بتاهرت فجاءهم واجتمعوا اليه، مع قبائل نفوسة، وحاصروا أبا العباس الخ، وان كان الصحيح أن اصل مجيء الامام من تيهرت إلى الجبل كان لاجل الحج كما، لا بطلب من هوارة كما قال، والله أعلم.
مر
محاصرة عسكر الامام لمدينة قابس
ولما توجه الامام من طرابلس إلى الجبل، أرسل من طرفه قطفان بن سلمة الزواغي في عسكر إلى البلاد الغربية من طرابلس، فرتب فيها العمال ولما وصل مدينة قابس، امتنع عامل بني الاغلب فيها من الدخول في الطاعة والتسليم، فشدد قطفان الحصار على المدنية، إلى ان استولى عليها، وهي مدينة مستبحرة العمران، ذات نخل وافر وأنهار جارية، مشهورة بين مدن الغرب في ذلك العصر، ثم انتقل منها إلى ما يليها من القرى والجبال كمطماطة وزنزفة إلى جبال دمر التي هي في حكم الامام من قبل
ذلك، وإلى جزيرة جربة فاستولى على الكل ورتب فيها العمال.
197 (1/197)
صفحة 198
رجوع الامام إلى تيهرت وتعيينه السمح
عاملاً على الجبل بعده وبعد أن اطمأن الامام على ما استولى عليه في رحلته هذه، ورتب
ما يلزم ترتيبه مما يعود على الرعية بالراحة والامن في هذه الولاية الطرابلسية، التي تحد شرقاً بأرض سرت، وغرباً بجبال مطماطة ودمر
وعاد
اجتمع
ذلك اليه أجيره من الحج عزم على العود إلى تيهرت، ولما شاع خبر اليه اهل الفضل والصلاح من نفوسة وغيرهم، وسألوه أن يولي عليهم والياً قبل سفره يسندون اليه امورهم، ويقيم فيهم العدل، ويقبض حقوق بيت مال المسلمين ويرسلها اليه.
فخيرهم في بعض وزرائه، فأبوا الا وزيره السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى، الامام الاول بطرابلس، وكان الامام ضنيناً به محباً له، لما رآه من من النصح لدولته مع سداد الرأي، وحسن السياسة، فصعب عليه فراقه، ولما لم يجد مخالصاً من توليته لشدة رغبتهم فيه، أجاب طلبهم وقال (قد علمتم يا معشر المسلمين ان السمح وزيري وأخص الناس بي وأحبهم الي، وأنصحهم لدولتي، وبذلك لا أصبر على فراقه، وقد أثرتكم على نفسي تتميماً لرغبتكم، فها أنذا قد ولييته عليكم فاحسنوا الطاعة له، والانقياد لا وامره ما سار فيكم بسيرة المسلمين، ولم يحد عن جادة العدل والانصاف. ولم يرتكب ما يؤذن بسخط الرب وبمخالفتنا.
وقد ذكر العلامة الشماخي رحمه الله في السير أن من كان مع الامام من الفرس والاتباع تزوجوا أيام اقامتهم معه في الجبل باماء بني زمور خوف
العنت.
ولما أرادوا الرجوع معه أيضاً إلى تيهرت، رفعوا ما ولدن منهم من الاولاد أمامهم على الخيل، فجاد أبو عبيدة ـ رحمه الله ـ وأنزلهم عن السروج قائلاً خذو عبيدكم يا بني زمور، لان) ولد الامة ملك لسيدها).
198 (1/198)
صفحة 199
ثم ودعهم الامام وودعوا بأعين سائله، وقد حل بهم من ال
والحسرة بفراقه وفراق مجالسه العلمية، ما جعلهم في حيرة وزاده محبة في
من
امناء
قلوبهم، فأحسن السيرة فيهم بعده واليهم السمح، وعدل في الاحكام وساس الرعية بأقوم سياسة، ورتب العمال والقضاة ورجال الشرطة. الاهالي في النقط المهمة، ومراكز العمران وفق مرغوب امامه، بحيث لم ينكروا عليه شيئاً في مدة ولايته كلها، لا يخرج عن رأي الامام ولا يخالف
له أمراً إلى ان أدركته منيته والمسلمون والامام في رضاء عنه
وفاة السمح - رحمه الله ـ وولاية ابنه خلف
وما نشأ عنها من الفساد
ولما حضرت السمح الوفاة، اجتمع اليه أهل الرأي من المسلمين، وقالوا له أوصنا بما بدا لك. . يرحمك الله وانصحنا فاننا مطيعون لأمرك، وقابلون
-
لنصيحتك، اذ لم تقصر من قبل هذا في كل ما يجلب لنا الخير ديناً ودنيا،
وانا نقدم لك على ذلك الشكر، ونسأل الله تعالى أن يكافئك بما هو أهله
•
فقال لهم أوصيكم بتقوى الله تعالى، وباتباع ما أمركم به الشرع الشريف، وبطاعة امامكم عبد الوهاب، وتأييده ونصرته مادام مستقيماً على الحق الذي مضى عليه السلف الصالح من المسلمين.
ثم سار إلى رحمته تعالى مأسوفاً عليه يندبه كل من عرف سيرته، وأطلع على أحكامه، وقد بلغ في الناس موته مبلغاً عظيما وبعد تشييع جنازته ودفنه اجمعوا للنظر فيما يصلح أمرهم، ويحفظ جامعتهم إلى أن يعرفوا الامام بوفاته ويأتيهم الامر منه بتعيين غيره.
ولدى المذاكرة بادرت العامة، ومن لا نظر لهم في عواقب الأمور إلى
199 (1/199)
صفحة 200
نصب ابنه خلف مكانه ظناً
منهم
ان ذلك أرضى لامير المؤمنين، وأوفق لرأيه
لما فيه من احياء أثر السمح، وجبر خاطر عائلته، وتهوين مصيبتهم، وأنكر الخاصة ذلك كأبي الحسن أيوب بن العباس، وأبي المنيب اسماعيل بن درار الغلماسي وغيرهما، وقالوا: لا يجوز لنا أن نقدم أحداً قبل ان نستأذن ولي الامر في ذلك، فتعللت العامة ومن رغب في تقديم خلف ببعد المسافة قائلين نقدمه مؤقتاً، ونعرف الامام، فان رضي به رضينا به، وذلك ما كنا نبغي وان عين لنا غيره وقبلناه وتركنا هذا، فسكت من انكر ذلك طلباً للسلامة وفراراً من التفرق وتشعب الآراء، ووصولها إلى درجة المراء ثم كتبوا كتاباً إلى الامام بينوا له فيه وفاة السمح، وتقديم بعض الناس ابنه خلف وانكار بعضهم ذلك، وقالوا له: الامر موقوف إلى أن يأتي كتابك، فان رضيت به قبلناه، وان أخرته أخرناه، وأرسلوا إلى الامام مع رسول مخصوص، ولما بلغ الامام تأسف وأغتم وتحسر تحسراً لا مزيد عليه لوفاة وزيره السمح، وأجابهم عن كتابهم بهذا الجواب.
جواب الامام - رحمه الله - إلى جبل نفوسة في مسألة خلف بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله. من أمير المؤمنين عبد الوهاب إلى جماعة المسلمين بحيز طرابلس. اما بعد: فاني آمركم بتقوى الله، واتباع ما امرکم به واجتناب ما نهاكم عنه. وقد بلغني ما كتبتم به إلي من وفاة السمح، واستخلاف بعض الناس خلفاً ورد أهل الخير ذلك. خلفاً. فان من ولي. اً من غير رضاء امامه، فقد اخطأ. أسيرة المسلمين ومن أبى من توليته، فقد أصاب فاذا أتاكم كتابي هذا فليرجع كل عامل استعمله منكم السمح إلى عمالته التي ولي عليها، الا خلف بن السمح فحتى يأتيه
200 (1/200)
صفحة 201
امري وتوبوا إلى ربكم وراجعوا التوبة لعلكم تفلحون (1 هـ).
تخطئة
ودفعه للرسول فأتى به إلى طرابلس، ولما فتحوه في الجبل ووجدوا فيه من نصب خلفاً والرضاء عمن أنكر ذلك، استعظم الذين قدموه الامر وأنفوا من إبطال الامام عملهم، وقد ذاق خلف في تلك المدة حلاوة الحكم وتلذذ بطلاوة الأمر والنهي، فعض بنواجذة عليها وحث أصحابه على التمسك بما فعلوه، وأن يكرروا الكتابة إلى الامام في تنفيذ ما كان منهم من
تقديمه
وكأني به وقد وعدهم بالوظائف ومناهم بأماني جعلتهم أشد الناس حرصاً على الطلب، كما فعل ابن فندين وشعيب فكتبوا عند ذلك إلى الامام كتاباً آخر في ذلك، وأرسلوه، ولما وصل الامام استشعر من القوم الدخول في دور العناد، وأحس بوقوع التفرق فتربص في الجواب، وتفكر في سد هذه الثلمة ملياً ولا ريب في انه لا محيص له من احد أمرين خطيرين فاما أن يجيبهم إلى ما طلبوه فيعدون ذلك عجزاً عن معاكستهم ويستفحل أمرهم وتنكسر شوكة الآخرين، وربما يعود خلف إلى التسلط عليهم. استبد بالرأي واستقل (والناس أتباع لمن غلب، واما ان يصدهم عن طلبهم ويعين غيره فينموا غيظهم ويتضاعف شرهم ويفسدون في الارض، ويجعلون ذلك ذريعة إلى طلب الاستقلال متى وجدوا فرصة بمساعدة أولي الفساد وعلى كلا الحالين فالأمر مشكل.
اذا
الخطأ
ثم جزم بعد اقدام واحجام على طريقة اكتشف بها الحقيقة، ووقف على نوايا خلف وحزبه ذلك انه كتب باسم خلف كتابين، احدهما فيه عزله وأمره بتقوى الله تعالى واعتزال أمور المسلمين والتوبة مما صدر منه من وحرم عليه فيه أخذ صدقات الناس، وثانيهما فيه توليته، وكتب كتاباً ثالثاً الى من ائتمنه من وجهاء المسلمين بحيز طرابلس أمرهم فيه أن يعطوا لخلف
201 (1/201)
صفحة 202
كتاب عزله أولا، فان قبل وسلم الامر ولم يعد على ذلك، امرهم الآخر الذي فيه امر ولايته وفوضوا له الامر، وان ابي ترك الامور والتسليم والتفكير تركوه وغيه وعرفوه بذلك ليبدي لهم فيه رأيه.
ولما وصلت الكتب إلى من وجهت اليهم بطرابلس، امتثلوا الأمر سلموا الخلف الكتاب الأول، ولما وجد فيه عزله أبى واستكبر وأصر على مباشرة الامور غير مكترث بعزل الامام، رضي المسلمون أم كرهوا، وساعده على ذلك جماعته واختل نظام الحكم عند ذلك، ثم ان جماعته كتبوا كتاباً إلى العلامة أبي سفيان محبوب بن الرحيل، وهو اذ ذاك مرجع أهل الدعوة بالشرق بعد الربيع ومعاصريه، يستفتونه في المسألة راجين أن يجوز لهم الخروج عن طاعة الامام، ونصب خلف اماماً مستقلاً، بدعوى انهم منقطعون عن تيهرت ومنفصلون عنها بولايات بني الأغلب، كما مر فكتب اليهم بعد أن وصله كتابهم مع رسلهم بتخطئة من ولى خلفاً، وأمرهم بطاعة الامام وحرم عليهم الخروج عنه وكلما بحثنا عن هذين الكتابين لم نقف لهما على أثر)، ولما وصلهم الكتاب وكان على خلاف مأمولهم، نبذوه وراء هم ظهريا، وأنكروا امامة عبد الوهاب وبايعوا خلفاً، وعند ذلك حرر
جماعة المسلمين إلى الامام كتاباً في ذلك مفصلاً.
202 (1/202)
صفحة 203
الفصل الرابع
ولاية أيوب بن العباس - رحمه الله ـ على الجبل
ولما وصل كتابهم الى الامام، كتب بالولاية إلى العلامة الباسل أبي الحسن أيوب بن العباس، أحد الاربعة المتقدمين في الذكر، وكان ذا بأس وشدة في الدين، ولما بلغه الامر فرح المسلمون بذلك وها به خلف وأتباعه، فالتزموا السكينة، ورفع هو راية العدل، وحمل الناس على الواضحة، وسار فيهم سيرة حمدها جليلهم وحقيرهم، ولازال في رضاء الامام وقبوله إلى ان حضرته منيته، وسار إلى عفو ربه وسعة رحمته، وهو في رضاء المسلمين (ولم نقف على ما يبين مدة ولايته، فلحق المسلمين بفقده من الكدر مالم يلحقهم على أحد قبله لما أظهره في مدة ولايته من العدل، ولاخماده فتنة
خلف.
وبعد أن شيعت جنازته ودفن، أرسل المسلمون من نفوسة ومن معهم إلى الامام كتاباً بوفاته، وطلبوا منه تعيين من يقوم مقامه، ولما وصله الكتاب أدركه من الكدر ما أنساه حرارة جمرة وفاة السمح قبله، ثم تفكر ملياً فيمن يوليه الأمر، فلم يهتد إلى أحد لارتباك أفكاره وتغير سماء ذهنه بمصيبة هذا الشهم الجليل التي ذكرته رزية ذلك الطود الفاخر، فأرسل اليهم ان يختاروا من كان منهم أهلاً لها ويعرفوه ليأذن لهم في تقديمه (1/203)
صفحة 204
الفصل الخامس
ولاية أبي عبيدة عبد الحميد رحمه الله على الجبل
ولما ورد عليهم كتاب الامام اجتمعوا لقراءته، واتفقوا على أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني ذلك الرجل المشهور بالعلم والورع، وكتبوا إلى الامام بذلك كتاباً، ولما وصله رد في الحال اليهم كتاباً بالاذن في توليته، ولما بلغهم استبشروا وأرسلوا إلى أبي عبيدة، (وكأنه لم يبلغه خبر اتفاقهم الاول، ولعله كان سراً) فحضر إلى المجتمع، وبلغوه اذن الامام، وقالوا له ان أمير المؤمنين يأمرنا بطاعتك والانقياد لأوامرك، على ان تقضي فينا بكتاب الله وسنة رسوله وآثار الصالحين فماذا تقول؟
فاستعظم أبو عبيدة الامر، ورهب من ذلك الموقف الجلل لما في مستقبله من الصعوبات بوجود خلف واتباعه الشاقين لعصا الطاعة، ولما في تقلد أمور العاقبة ديناً ودنيا ان زاغ يوماً ما (لا سامح الله)
المسلمين من المشقة وسوء
عن جادة الصواب، فلم يكن منه الا أن دفع ذلك عنه. وتبرأ قائلاً: أنا
ضعيف أنا ضعيف أنا ضعيف عن القيام بهذا الامر العظيم فانظروا غيري). ولما لم ينالوا منه طوعاً، ولم يظفروا بمراد بعد كل رجاء، أعادوا الخبر إلى الامام وبينوا له ما جرى مفصلاً فازدادت رغبة الامام فيه وتفرس فيه
النجاح.
فأرسل اليهم كتاباً مصدراً بأيمان مغلظة بأربع لغات عربية وحضرية
،
204 (1/204)
صفحة 205
وبربرية وحبشية (لانه كان رحمه الله يتكلم بلغات متعددة)، على انه لا يقلد أمر المسلمين الا رجلاً يقول انا ضعيف، وكأنه رحمه الله أدرك بذكائه حكمة تكرير ابي عبيدة جملة انا ضعيف ثلاثاً، فكتب اليه الامر بالدخول في العمل وحتم عليه قبول الولاية، وقال له: ان كنت ضعيفا في البدن فادخل في امور المسلمين، والله يقويك، وان كنت ضعيفاً في المال فبيت مال المسلمين يسعك ويسع غيرك، وان كنت ضعيفاً في العلم فعليك بأبي زكرياء التوكيتي.
ولما ورد الكتاب على نفوسة اجتمعوا وطلبوا أبا عبيدة فحضر، وأطلعوه على قول الامام، وقالوا له لا يسعك الآن الا القبول وامتثال الامر، واذ ذاك علم انه لا محيص له عن القبول، الا أن من باب الثبات والتأني في ذوات البال من المسائل، سألهم المهلة في الجواب، ثم توجه إلى عجوز هنالك مشهورة بالعلم والزهد، وكان بيتها مجمعاً للعلماء واهل الصلاح من المسلمين، وقال لها: ان امير المؤمنين قد ألح علي في التولية على الجبل بعد كل امتناع مني، وقد جئتك مستشيراً، فما رأيك؟ فقالت له: ان كنت تعلم ان في نفوسة من هو افضل منك واقوى على القيام بالامر، وتقدمت فستكون خشبة في جهنم، وان علمت انه لا يوجد فيهم ذلك وتأخرت فكذلك (وليس هذا الكلام من قبيل كلام ابن فندين ومن معه فليتأمل) فقال لها: أما في امور الرجال فلا أرى أن احداً يقوم مقامي، (وهذا ايضاً منه رحمه الله حكاية للواقع لأنه في مقام الاستشارة الموجبة لذلك لا افتخار) فقالت له: ادخل حينئذ في الامر، واشهر الحق، والا فسخ النار، فرجع إلى الجماعة وهم في انتظار، وقبل الأمر ففرح الناس فرحاً شديداً، وعمهم السرور حتى قالوا امضوا بنا لزيارة (وقاية)، فانها افضل من
عمائمنا حيث كانت السبب في قبوله الولاية.
الله عظامك في
205 (1/205)
صفحة 206
فشمر رحمه الله لأحياء السيرة وعدل في الاحكام، واستعمل على
النواحي من حسنت سيرته وطابت سريرته من المسلمين، واستصحب معه للمشورة في مهمات الامور خيار المسلمين وارباب العلم والنصيحة في الدين، كابي زكريا المذكور وابي مرداس وابي الحسن الابدلاني وغيرهم ممن يطول
ذكرهم.
وقد ذكر العلامة الشماخي رحمه الله نقلاً من الطبقات انه كان احد علماء نفوسة الموصوفين بالاخلاق النفيسة ميالاً إلى ما طبع عليه من الورع، واطراح الحرص في الدنيا وترك الطمع، وقال كان غاية في انقاذ الامور وامضائها وقائماً بالمدافعة لأحوال البغاة، ودفاعها ووافياً بما أمر به من اصلاح النفس والدين والدنيا وتحصينها (1 هـ).
ولما بلغ خبر قبوله الولاية إلى خلف، طارت شرارة غضبه بين قومه، وتولى الشيطان كبره فرفع راية العناد وجدد الخلاف والانكار على الامام، ثم شن الغارة على بعض الاطراف، مما تحت حكم أبي عبيدة وعتا في الارض، فأخاف السبل، وقطع المواصلة بين الناس فأرسل أبو عبيدة إلى الامام ببيان ذلك كله، وأستأذنه في محاربته، وكان الامام كما قلناه شديد التحري في سفك الدماء، واعلان الحرب، فلا يقدم على شيء من ذلك الا بوجه شرعي لا خلاف فيه، فرد إلى أبي عبيدة الجواب بملاطفة خلف ومناصحته وعدم المبادرة إلى فتح باب القتال معه، الا ان فاجأهم بمكروه، فليدفعوه عن أنفسهم بأقرب وسيلة وأبعد طريق عن المضرة، فامتثل أبو عبيدة الامر، وعدل إلى السكون فهدأت حركة خلف، قانعاً بما في حيزه ساعياً
في استمالة الناس إليه.
206 (1/206)
صفحة 207
حكاية ابن يانس المفسد التابع لخلف وجواب الامام إليه وكان من خواص رجال خلف، عمرو بن يانس، منبع النميمة ومعدن الفساد وجرثومة الشر، وأس المفتريات الذي كان دابه، تتبع خطايا المسلمين وزلاتهم، والتجسس عن أحوال الناس، خاصتهم وعامتهم، لا لينهاهم عن منكر فعلوه، أو يأمرهم بمعروف ضيعوه، بل ليتوصل بتلك الاكتشافات إلى القاء العداوة والبغضاء بين الناس، وايقاد نار الفتنة، فان هذا الرجل كان يكاتب الامام بكل ما يسمعه من خطأ، في فعل أو قول، من أعيان المسلمين مع زيادة أضعاف ذلك زورا وبهتاناً بدون أن يكلفه الامام بشيء من ذلك، زاعماً انه يخدم دولة الامام والاسلام، تشبهاً بأرباب الاصلاح (وما هو الا مفسد كذوب) شأن كثيرين من شياطين الانس في كل زمان ومكان، ويعبر عنهم في بعض البلاد الآن بالشاشيدات، فان شأنهم مخابرة الحكام سراً بعورات الناس مع الطعن في خواصهم، على افتراء في أكثر الاحوال غواية من الشيطان الرجيم، وحسداً وطمعاً في حطام الدنيا والعياذ بالله هذا ولما أكثر عمرو. من مخاطبة الامام، وتبين له زوره وكذبه، كتب اليه كتاباً في غاية الايجاز، كله حكم وجواهر، ترشد الحائر وتهدي الضال وتبكت الكاذب، كما تدل على ذلك قطعة منه، عثرنا عليها تصدق ما يقال من أن كلام الملوك ملوك الكلام وهذا نصها.
أعاذنا الله يا عمرو بن يانس من النزول بعد الطلوع، ومن الترك بعد الاجتهاد، ومن بغض المسلمين بعد محبتهم، ومن نفاق تخفيه الصدور، ومن اقتحام الاشياء من غير تجارب (1 هـ).
وأمر رسله أن يبلغوه اليه، وقال لهم: ما أظنكم الا أن تدركوه ميتاً، وقد كفى الله المسلمين شره، ولما أشرف المرسلون على بلدته، رأوا نعشاً خارجاً فقالوا من هذا فقيل لهم عمرو بن يانس، فقالوا: الحمد لله الذي استجاب دعوة الامام فيه
207 (1/207)
صفحة 208
وكان عمر و هذا ممن يتلقى العلوم عن شيخه العلامة الكامل، أخيه أبي
المنيب ما مد (محمد) بن يانس، مع الشيخ العلامة أبي خليل، الا أن للشيخ رحمه الله فرقاً فيهما في المعاملة بالهام من الله، فكان اذا دخل عليه أبو خليل أظهر احترامه وتعظيمه، حتى انه ليقعد اذا دخل عليه، وهو مستند بخلاف ما اذا دخل عليه عمرو، فانه يعكس الامر، ولما سئل عن ذلك قال: اما أبو خليل فانما يتعلم لله، وأما عمرو، فانما يتعلم ليؤذي المسلمين ويعنتهم، فآل أمر خليل إلى أن صار قدوة في الدين وكهفاً للمسلمين، وآل أمر عمرو إلى ما ذكرناه من الانضمام إلى خلف، ولله في خلقه تصرف غريب، يضل من يشاء ويهدي من يشاء (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا) وبقي أبو عبيدة رحمه الله قائماً بأموره في حيزه، مواصلاً للامام بما يجب من المال، حتى انقضى أجل الامام، فذهب رحمه الله إلى دار البقاء، والمسلمون شرقاً وغرباً راضون - عنه، كما ستطلع عليه في هذا الجواب.
جواب إلى امام عمان
وقد وقفت على رسالة من أرباب الصلاح والاصلاح من أهل الدعوة الاباضية بالشرق، كتابها مجهولون أرسلوها إلى امام عمان بتاريخ 237 هجرية تقريباً ينصحونه فيها كما هو شانهم في كل عصر، افتتحوها بما نصه
بسم
الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله
إلى امام المسلمين الصلت بن مالك، المبتلى بأمور أهل عمان، ومن وصله كتابنا هذا من المسلمين أهل عمان، من أهل النصيحة لهم والشفقة عليهم اخوانهم، وأهل دعوتهم من أهل الستر في أمكنتهم، سلام عليكم إلى آخرها، وهي طويلة تتجاوز عشرين ورقة، كلها مراشد وقواعد لشد
208 (1/208)
صفحة 209
دعائم الامامة وحفظ هيكلها، وفيها ما يدل صريحاً على أن أباضية المشرق في مسألة الامام عبدالوهاب مع ابن فندين كلهم على رأي واحد موافقون لرأي الربيع - رحمه الله - في الرضاء عنه، والاقرار بامامته في المغرب، وتخطئة المنكرين عليه، وهذا ما حرره كاتب تلك الرسالة في ذلك بالحرف الواحد. قال: ولو أن فرقة من المسلمين خرجوا عن الامام، يلتمسون منه أشياء ويدعونها عليه، مما لا يستدل المسلمون على أنهم صادقون فيه، او كاذبون، والامام ينكر ذلك ويدعي عليهم ظلماً أيضاً، لا يعرف المسلمون ما يذكر فيه فخرجوا عليه، واستحلوا قتاله من قبل أن يوضحوا عليه تلك الاشياء، التي ادعوها، فهم بغاة علي الامام، ويحل للامام قتالهم، وذلك لانه لا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا امامهم بالاشياء التي يدعونها عليه، حتى يوضحوا له ما ادعوه، ويستتيبوه فيصر، ولا يتوب، ويأبى الاختلاع عنهم، فان تعدوا عليه فقاتلوه وزحفوا اليه يطلبون ازالة امامته بمجرد الدعوى لاغير، فقد حل للامام وجميع المسلمين قتالهم لبغيهم، وتركهم رأي من كان قبلهم من
المسلمين.
وبهذه المنزلة كانت الخارجة على عبد الوهاب (امام المغرب)، لاستحلالهم الخروج عليه بدعوى الشروط التي يقرون على أنفسهم بالظلم فيها، وقولهم نعز لك لاننا أصبنا من هو أعظم منك، وقد كان المسلمون رحمة الله عليهم ولوا من ولوه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الرعية من هو أعلم منهم في الاحكام ولو كان الأمر كما زعموه من عزل الامام كما حدث من هو أعلم منه، لكان أمر المسلمين مختلطاً أبداً، ولكانوا كل يوم في انتظار ظهور من يزيل امامة امامهم، والحال أن المسلمين قد ولوا أبا بكر رحمه الله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعاذ بن جبل حاضر وقد قال رسول الله صلي
الله
عليه وسلم
209 (1/209)
صفحة 210
«معاذ أعلم العلماء»، وقال معاذ أعلم أمتي بالحلال والحرام، فلما استحل الخارجون على عبد الوهاب الخروج عليه بالاشياء التي يعلم المسلمون انها بدعة وخطأ، وانها لا تزيل امامته، علموا انهم مخطئون مبتدعون، فدعوهم إلى ترك ما دخلوا فيه من البدعة، وإلى مراجعة الحق، فأبوا الا تمادياً علي المعصية، ثم زحفوا إلى المسلمين فقاتلهم المسلمون، وامامهم عبد الوهاب على اصرارهم علي المعصية، وادعائهم زوال امامته بلا حدث واضح عند
المسلمين انتهى المراد منه
تصحيح قول
كنت أعتقد أن الامام الكبير ابا عبيدة مسلماً. - رضي ا الله عنه - توفي في أواخر دولة الامام عبد الرحمن - رضي الله عنه ـ لما يؤخذ من ظاهر كلام أبي زكريا رحم الله، وقد مر ذكره، ولعدم ذكره في الكتب الموجهة إلى المشرق مدة خروج ابن فندين عن الامام عبد الوهاب، ثم عثرت في رسالة للعلامة محمد بن محبوب العماني إلى أهل المغرب، علي ما يؤذن بخلاف ذلك، اذ قال رحمه الله: بعد كلام هكذا وذلك في زمان ابي عبيدة مسلم، وعن رأيه كان ذلك من عقد أهل المغرب لابي الخطاب، ثم ابن رستم بعده ثم عبد الوهاب بعد ذلك (1 هـ).
فدعاني هذا إلى البحث علي اكتساب حقيقة ذلك، حتى وقفت على قطعة رسالة في مجموع لبعض أصحابنا المشارقة، ذكر كاتبها انها من الامام أبي عبيدة إلى الامام عبد الوهاب، فتحققت انه حضر له، وانه كتب الرسالة في صدر امامته، وتوفي قبل خروج ابن فندين عنه، ولذلك لم يذكر في جوابات الشرق، والله اعلم.
والموجود من هذه الرسالة آخرها لا غير، لان صاحب الكتاب المنقول
منه قال هكذا.
210 (1/210)
صفحة 211
وسلم)
(بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
ومن سيرة الامام أبي عبيدة الى الامام عبد الوهاب ابن عبد الرحمن
بن رستم
قال: لا يخلو اما أن تكون دعوت الناس الى نصرتك على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يجيبوك، وأفردت فهلك القوم وثبتت ولايتك لاخوانك وزالت امامتك، واما أن لا تكون دعوتهم، فزالت امامتك بالتضييع، واستعلان الباطل قبلك واماتة الحق فلا امامة لك، واما أن تحمل سيفك على عاتقك فتفيء الله بما ضمنته له، وتلحق بائمة المسلمين قبلك فيهلك من استنصرته فخذلك، واما ان تكون رجلاً قد عزت نفسك عليك
ومن قبلك، فحللت المسلمين من ولايتك والسلام انتهى
وعلى أثر هذا تفسير له لم ينسبه صاحب الكتاب لاحد، الا ان الذي يدل عليه بعض منه انه له، والذي يدل عليه البعض الآخر انه لغيره، وعلى كل حال فقد سلك فيه كاتبه طريق الشدة معرضاً فيه بما اشتهر به بيت الرستميين - رضي | الله عنهم ـ من علمي التنجيم والرمل، مشيراً الى بعض ما ادعاه قوم ابن فندين على الامام، والله أعلم بالحقيقة قال صاحب
الكتاب.
وتفسير ذلك - والله أعلم - ان الامام اذا رأى الرعية لم تستقم لله على
،
الطاعة التي ينالون بها ثواب الله عليه ان يدعوهم الى الوفاء لله بطاعته فان لم يجيبوه الى طاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبقى منفرداً بنفسه هلك كل من كره الاجابة الى الاستقامة، وبقيت ولاية الامام عند من حضر من المسلمين، وزالت امامته عند الناس، لانه قد صار في هذا الوجه الى حد الكتمان، واذا كتم الامام خرج من حد الأمامة والظهور
211 (1/211)
صفحة 212
بالاسلام، لان البيعة انما هي على اقامة كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام، واتباع آثار المسلمين منه ومن الرعية، واذا لم توف الرعية بذلك ضلت، وصار الامام الى حد الكتمان لانه لا يظهر المنكر بحضرته، الا على احد
وجهين: اما ان يكون مقهوراً ذليلاً، فعليه ان يخرج من الامامة ويعتزلها. واما ان يكون مداهناً مقصراً، فلا امامة له بالنكث وتركه الوفاء بما عاهد الله والمسلمين عليه.
وقد بلغنا ان ابا بكر الصديق - رضي الله عنه ـ بلغه أن أناساً من المسلمين كرهوا مقامه، فصعد المنبر وحمد الله واثنى عليه، وقال: (أيها الناس كرهتموني فاستقيلوني اقلكم. فقال له علي بن ابي طالب: هيهات هيهات لا تقال ولا تستقال). فاجمع صالحو المسلمين على الرضاء بامامته، وذلك لانه لا يلتفت في هذه الامور الى انكار العامة، ولا الى رضائهم، وانما ينظر الناظر لله ولدينه، وللاسلام وأهله وهم المستنبطون، واما سواهم من الناس، فانما عليهم الاتباع والانقياد، وليس لهم من النظر للاسلام وأموره، والتقديم فيها شيء قال الله عز وجل (واذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، وهم أهل العلم بالكتاب والسنة، لانهم المنهاج، ألا ترى انه ذمهم حين لم يردوا الأمر الى الرسول والمستنبطين.
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ اذا رأى من المسلمين تقصيراً قال لهم: اما ان تقوموا بما عاهدتم الله به، والا خرجت اليكم من الامامة. فكذلك ينبغي، لان كلاً قد وجب عليه الوفاء لله بما عاهده به وذلك اذا كان عن مشورة من خيار المسلمين ورضائهم به لله كان ولدينه، ثم الوفاء بذلك والاستقامة فيه، فان عمر ـ رضي الله عنه ـ قال:
منهم
(الخلافة) ما أئتمن عليها يعني ماكنت عن مشورة أهل العلم والصلاح،
212 (1/212)
صفحة 213
و (الملك) ما أخذ بالسيف فكل امامة كانت عن غير مشورة من أهل العلم
والصلاح، فهي ملك، وكذلك من عقد له الاشرار فهي ملك. (أصل) واما أن لا تكون دعوتهم، فزالت امامتك بالتضييع واستعلان الباطل قبلك واماتة الحق فلا امامة لك، (تفسير) وذلك لان الامام اذا ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، واقامة الحدود وصلاة الجمعة بالناس، من غير عذر يعذر بذلك مثله الفقهاء، وترك جهاد العدو ودفعه عن المسلمين زالت امامته بما قصر فيه من أمر الظهور بذلك كله أو ببعضه، وكذلك اذا بدل السيرة، فسار بغير سيرة من مضى، وبغير ما هو معروف من سيرتهم وكذلك اذا ترك الاحكام.
(أصل) واما ان تحمل سيفك على عاتقك فتفيء لله بما ضمنته ته له أو
تلحق بأئمة المسلمين قبلك فيهلك من استنصرته فخذلك.
(تفسير) هذا تفسير لاول الكلام، لانه اذا بقى معه أ أربعون رجلاً من أهل الصلاح، فلا عذر له في الضعف، فاذا لم يبق معه أربعون من أهل الصلاح والامانة، فعليه ان يعتزل الامامة، ويحل اللواء وتسعه التقية، فان رجعوا اليه فليلزم بيته، ولا يقبل. ذلك، فقد اختبر غدرهم ويقال لا
يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
منهم.
فكل من دخل في الامامة والعمالة، وله فيها رأي اذا كان يعجبه ذلك يعني يجب الدخول فيه، ويحن اليها وامام المسلمين وعاملهم فيها كالمسجون، وهو كاره لذلك، فانه على خطر عظيم، والذي يوجد عن المسلمين ايما امام جبى ارضا جباها غيره من الجبابرة، فلم يمنعهم من الظلم لضعف منه، أو مداهنة هو امام جائر فاسق نخلعه، ونبرأ منه ولا نلبس الحق بالباطل، ونحن نعلمه لا تختلف احكامنا على الناس، وهذا ديني ومذهبي واعتقادي، ولست ممن يصدق النجوم والكهانة ولا بالملاحم، لكني اتبع
213 (1/213)
صفحة 214
النبي محمداً صلى الله عليه وسلم وأقتدي بآثار الصالحين الذين لم يتخذوا
دينهم لهواً ولعباً، و
، ديني دينهم، وان كنت قد بان لك الحق فالحق مقبول، والسلام عليك وعلى المسلمين من تلك البلاد أجمعين، وصلى الله على
رسوله محمد وآله وسلم تسليماً. انتهى فليتأمل.
وفاته وعدد مدته وأولاده ومقدار علمه ـ رضي الله عنه (هذا) والذي يوجد في بعض التقاييد، أن إمامته كانت 40 سنة، والذي ذكره المؤرخ المراكشي المالكي، انها كانت عشرين سنة، لانه على رأيه ولي سنة 168 هـ وتوفي سنة 188 هـ، والصحيح ان ولايته كانت سنة 171 هـ، كما تقدم ومدته 19 سنة فوفاته تكون سنة 190 هـ تقريباً كما سيتضح، وكان له من الاولاد المشهورين ميمون المقتول في حياته ويوسف وافلح الامام بعده، ومن الحفدة محمد بن يوسف ومحمد بن ميمون، (ولعله هو الذي قدمه قائداً للجيش المذكور (سابقاً) وأبو معبد عبد الرحمن حفيد ميمون، وكان له عدة رسائل واجوبة مفيدة جداً في فنون شتى بعضها موجود وبعضها مفقود. قال ابن الصغير: وكان لعبد الوهاب كتاب يعرف بمسائل نفوسة الجبل، كتبت اليه في مسائل أشكلت عليها، فأجابها عن كل مسألة مما سألت عنه، وكان هذا الكتاب في أيدي الاباضية مشهوراً عندهم معلوماً يتداولونه قرناً عن قرن، الى أن لحق الفضل .. ، فأخذته من بعض الرستميين فدرسته ووقفت عليه ألخ.
وله أقوال مشهورة معتمدة في كتب الفقه وغيرها، وذكر ابو زكرياء وغيره ارسل الى اخوانه بالبصرة في الشرق ألف دينار ليشتروا له
انه ـ رحمه
الله
به كتباً ولما وصلتهم اتفقوا على أن يشتروا بها كلها رقا فكان ذلك، واستنسخوها من عندهم، فكانت وقر أربعين جملاً، ولما بلغته اجتهد في
214 (1/214)
صفحة 215
قيل
مطالعتها، وتصفحها أوقات فراغه من الاشغال، وجد في ذلك انه يتجرد من ثيابه ولا يترك الا السراويل، حتى اتممها فقال: الحمد لله الذي علمني كل ما فيها من قبل ولم استفد منها إلا مسألتين، وقيل ثلاث مسائل، ولو سألت عنهما لاجبت فيهما قياساً كما رسمتا فيها. فلله دره
من بحر.
الله عنه
وكانت مكتبته تشتمل على آلاف من المجلدات، وذكر الشماخي - رضي نقلاً عن ابن سلام ان نفات ابن نصر النفوسي حدث ان هذا الامام أرسل الى الامام الربيع بالمشرق اثنى عشر ألف درهم (اعانة له كما أعانوا والده الامام عبد الرحمن قبل ذلك فاشترى بها الربيع سلعة، وأرسلها اليه مع اخيه، فكلف الامام بها بعض تجار تيهرت فباعوها، واشتروا له بثمنها غيرها في ثمانية ايام وأرسلوها اليه.
سألوا
بعد
وقيل ان علماء من أصحابنا المشارقة زاروا جبل نفوسة وتيهرت، ولما ذلك اختاروا من تيهرت الامام ووزيره مزور بن عمران، ومن جبل نفوسة أبا مرداس وابا زكرياء التوكيتي، والعباس بن أيوب، وقال ابو العباس في الطبقات: وكفاك في فضل الامام وعدله قول ابي مرداس: لا أعرف الا الامام ووزيره، وهذا الفزاني، ولم أره وانما أعرفه بكتابه يعني عبد الخالق الفزاني المشهور، واخبار هذا الامام كثيرة، والله اعلم.
عمال هذا الامام
وكان من ولاته وعماله المشهورين، العلامة وكيل بن دراج النفوسي من بني يخلف عامله على مدينة (قفصة) وما يليها. والعلامة سلام بن عمرو اللواتي عامله على (سرت) ونواحيها، والعلامة محمد بن اسحاق الخزري عامله على (نفزاوة) والعلامة جارون بن القمري الزناتي، والعلامة نهدي بن
215 (1/215)
صفحة 216
عاصم الزناتي، والعلامة ييران اليزمرتني المزاتي، وهؤلاء لم أعلم اماكن
ولا يتهم إذ لم يبين الشماخي - رحمه الله ـ - ذلك.
هذا
والعلامة ابو يونس وسيم النفوسي التمزيني عامله على قنطرارة (مدينة تيجي) والعلامة أبو عبيدة الجناوني، واليه على (جبل نفوسة)، ويعرف الآن بجبل الغرب، والعلامة مدمان الهرطلي، وقد امتحنه الامام فبعث اليه ذات مرة كتابين في احدهما عزله وفي ثانيهما ولايته، ولما فتح الاول قال: رحم الله الامام علم ضعفي وقصوري عن هذا الامر، فكتب بعزلي، ولما رفع اليه الثاني، وقرأه قال: رحم الله الامام، علم أن لا أحد يحلني من. الامر، فاستحسن الناس منه هذا الانقياد التام، وكان مستقيم الحال، والعلامة ايوب بن العباس واليه على جبل نفوسة)، والعلامة سلمة بن قطفان الزواغي عامله على مدينة (قابس). والعلامة مدرار عامله على (جبل دمر)، والعلامة مناد، والسياسي الشهير مزور بن عمران الهواري قبل تقليده الوزارة، ولم يذكر أحد محل ولايته هو، والذي قبله، والعلامة السمح بن ابي الخطاب واليه على (جبل نفوسة والمشهورون من وزرائه السمح ومزور، وغير هؤلاء كثيرون أهمل ذكرهم المؤرخون المتأخرون لعدم وجود المادة بفقدها بالحرق في أواخر الدولة، وبعدها كما سيأتي خبر ذلك، والله أعلم.
216 (1/216)
صفحة 217
الفصل السادس
خلافة الامام أفلح بن عبد الوهاب - رحمهما الله - وكناه المراكشي بأبي سعد ولم نره لغيره
لما كانت الامور بجبل نفوسة مضطربة بخلف وأتباعه، وقد وقع بأطراف تيهرت ما مر ذكره من الحروب التي أبقت في النفوس حزازات وربت في الضمائر أحقاداً، خاف أهل الرأي وأصحاب الشورى من المسلمين بعد وفاة الامام عبد الوهاب ان يحصل بتأخير نصب امام غيره بعض حركات فسادية فبادروا في يوم وفاته إلى ابنه الامام أفلح، الذي كان مترشحاً للامامة بأعماله العالية وعلومه ومداركه الواسعة، فبايعوه وسلمو له مقاليد الامور، بدار الامارة قطعاً للخلاف على أن يسير فيهم بالكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، فقبل منهم ذلك على ذلك سنة 190 هـ مائة وتسعين من الهجرة، وعلى قول المراكشي يكون ذلك سنة 188، وليس كلامه في هذا الباب بسديد لما سيأتي تحقيقه
وما كاد ينتشر خبر وفاة الامام عبد الوهاب، وولاية الامام افلح حتى وردت اليه كتب العمال وصلحاء المسلمين من كل الجهات، والولايات بالتعزية مع تقديم البيعة، ومن ذلك كتاب ابي عبيدة ومن معه في حيز طرابلس، وفيه استأذنه في محاربة خلف وحزبه اذ اشتد فسادهم، وكثر جورهم وتعديهم بعد سماعهم بوفاة الامام ظناً منهم أن الامر بتيهرت لا
217 (1/217)
صفحة 218
يستقيم بعده، وأن الذي يتولى الامامة سيكون له اضطراب، وارتباك فلا يلتفت اليهم فينالون في تلك المدة، غرضهم، فأجابه الامام بكتاب امره فيه بمسايرة خلف، واستعمال كل سياسة توطد الأمن وتحقن الدماء، وتسد أبواب الحرب كما صنع والده قبله، فامتثل أبو عبيدة الأمر وزاد خلف في العناد فوالى النهب والقتل والسلب في كل من عثر عليه من أتباع أبي عبيدة، وتحيز بجيوشه إلى مكان يعرف بتمتي والظاهر، والله أعلم انه قرية من القرى التي يسكنها عرب الرجبان في وقتنا هذا، وتغلب على ما وراء من الجبل إلى جهة الشرق، وقطعه عن أبي عبيدة وهم بين راض وساخط، وشدد المضايقة على أبي عبيدة في حدوده حتى مل الناس واستمالهم،، ومن حكمة القضاء والقدر أن أخصب الله جهته، وأجذب جهة أبي عبيدة في بعض السنين، فرغب أرباب الحيوانات وأهل البادية في جهة خلف، ورحلوا اليها تبعاً لرخص الأسعار وجودة المرعى، فكثرت بذلك اتباعه وقوى جنده وأعجب بذلك حتى حدث نفسه بالهجوم على أبي عبيدة والاستيلاء على ما في يده وضم الجبل كله اليه
ذلك
•
المحاربة الاولى لأبي عبيدة - رحمه الله - مع. خلف فخرج خلف بجيش كبير قاصد ناحية (جادو)، ولما سمع أبو عبيدة خرج بمن معه إلى طرف غابة الزيتون، وعسكر بمكان هناك يبعد عن الجبل بمسافة ساعة تقريباً غير بعيد من قرية (أدرف) بلدة العلامة أبي محمد
بذلك
حتى
الدرفي، وهي مشهورة إلى الآن بهذا الاسم، الا أنها خراب مأوى لقطاع الله الطريق والسراق ومكمن للصوص، ولم يشعر أبو عبيدة رحمه غشيته فرقة من جيش خلف فيها أربعمائة فارس بين مواليه، وأقاربه واخوته، فأمر أبو عبيدة بالكف عنهم وعدم التعرض لهم، إلى ان يبدأوا
218 (1/218)
صفحة 219
بالشر، ويدخلو حريمه فأغاروا على قرية (أدرف)، وهي في طاعة أبي عبيدة. وشرعوا في النهب والقتل، وكان أهلها ضعافاً قلالا، ولما بلغ أبي عبيدة أنهم قتلوا نحو عشرة رجال وتحقق ذلك، قال لأصحابه الآن وجب الدفاع، واندفع
من
هو واصحابه اليهم وناجزهم القتل، فولوا الادبار منهزمين، بعد أن هلك منهم هلك، حتى وصلوا خلفا ومن معه من العسكر وقد ترك ابو عبيدة سبيلهم، ولم يتبع أدبارهم ونهى عسكره عن ذلك، فرجع بهم. خلف إلى (تمتي)، وعاد أبو عبيدة إلى جناون، وهو يظن ان ذلك يقنعهم ويردعهم عن
الرجوع.
ثم ان أبا عبيدة كتب إلى خلف كتاباً يعظه فيه، ويرشده رجاء أن يتيقظ من غيه، ويكف عن الفساد ويقول له فيه هكذا (واذ نزعت يا خلف يدك عن الطاعة فكن في حيزك وأكون في حيزي وما بال الحرب) فلم يقنعه ذلك، وحرض قومه على الاعتداء والمثابرة على الغارة والفتك بأصحاب ابي عبيدة أينما وجدوهم، ودام الحال على ذلك نحو سنة، وأبو عبيدة يناصحه ويلاطفه، ولم تنفعه الذكرى (ومن يضلل الله فلاهادي له)
المحاربة الثانية لابي عبيدة - رضي الله عنه ـ مع خلف ولما اشتد الحال، وضاق الفضاء بأبي عبيدة ومن معه من فساد اتباع خلف، وبلغ خبر ذلك إلى خلف، خرج بعساكره قاصداً أبا عبيدة كأول مرة، وكان في أربعين ألف مقاتل، فلاقاه أبو عبيدة لما بلغه خبر خروجه في في قليل من أصحابه، اذ جاءه الخبر على حين غفلة، ويقال أن الذين كانوا معه لا يتجاوزون عدد أهل بدر، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وقيل كانوا سبعمائة من أهل الفضل والعلم الذين لهم الثبات في الحرب.
ولما ترأى العسكران تاه خلف اعجاباً بكثرة جنده وقوته وقلة جند
أبي
219 (1/219)
صفحة 220
الذين
عبيدة غافلاً عن قوله تعالى (وما النصر الا من عند الله) وقوله (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين) وقوله (ان الله مع اتقوا والذين هم محسنون) واذ ذاك رأى أن قتالهم عبث وتلاعب، وان محوهم وابادتهم بالسيف على زعمه مع اقرارهم بامامة الامام أفلح، مما يورث له فخر يذكر، اذ لم يكونوا كفئاً له و لجيشه على حسب غروره، واستظهر أن يدعوهم الى خلف الامام ومبايعته هو، والاقرار بامامته طمعاً منه في رهبتهم و مبادرتهم الى اجابة طلبه، فيكون ذلك زيادة تعظيم لشأنه واعلاء لقدره، واهانة لهم واماتة لقلوبهم، وجعل لذلك مقدمة كانت السبب في انهزامه فسرح عسكره فيما قرب منه من قرى أبي عبيدة ورعيته تسلب وتقتل، ثم أرسل الى أبي عبيدة رسولين يأمرانه بخلع الامام والدخول في طاعته هو، ولما بلغا أبي عبيدة طلبه قال لهما: وكيف نخلع امامنا بدون حدث يوجب خلعه والبراءة منه، وما الذي سوغ لصاحبكما (خلف) هذا الخروج والعصيان، وقد كان أبوه السمح أعلى منه شأناً وقدراً وكان راضياً على الامام طائعاً له الى أن توفي، فتعللا له على لسان خلف ببعد ما بين تيهرت والجبل، وفصل بعض ولايات بني الاغلب بينهما وزعما ان ذلك مما يجوز لهم الاستقلال، فقال لهما ولم لم يفعل ذلك والده، ولم يقله بل كان يجمع الحقوق ويرسلها الى الامام لما كان عاملاً له.
ولما طال الكلام بينه وبينهما وأفحمهما بالحجة القاطعة عدلاً ألى اظهار القوة والارهاب، فقالا انا نخاف عليك ان لم تجبه إلى ما دعاك اليه أن تكون سبباً في اراقة دماء لا يعلم قدرها الا الله، وذلك أمر عظيم عنده فقال: وأي الأمرين عندكم اعظم، ترك القيام بدين الله واضاعته، أم اراقة الدماء؟ فقالا: اراقة الدماء أعظم. فقال: لو كان ذلك صحيحاً لما اجتمع أهل النهروان للدفاع، ولا اهل النخيلة ولا أبو بلال واصحابه، ولا أبو يحيى
220 (1/220)
صفحة 221
طالب الحق وابو حمزة وأصحابهما، ولا ابو الخطاب ومن تبعه، ولا ابو حاتم ومن معه، وما اشبه هؤلاء فان كل فريق منهم قام للدفاع في زمانه عن الدين واحيائه، عالماً بأن في ذلك من اراقة الدماء واتلاف الانفس ما
تعلمونه، وقد استشهد بعضهم على تلك النية الحسنة وانما الاعمال بالنيات)، وبلغ بعضهم القصد فأنار الملة وأظهر الحق وأخمد الباطل ما شاء الله من الزمن، وما نحن الا بضعة منهم وبقية من آثارهم فنحن على نهجهم القويم سائرون لا نبغي به بدلاً ولا عنه حو حولاً، ومن أراد غيره فالله يحكم بيننا وبينه بالعدل وهو خير الحاكمين، ثم اعارهما جانباً من اللين. فقال: حيث انكم تعظمون أمر الدماء على الدين فأبلغا خلفاً بأن نترك غداً، (وهو يوم الجمعة) صائمين ويأتي لنصعد على
الله
القتال اليوم ونصبح. الجبل، ومعنا ابو المنيب اسماعيل بن درار الغدامسي، ثم نبتهل الى تعالى فنجعل لعنة الله على الظالمين، ونسأله ان يفتح بيننا وبينكم بالحق وهو خير الفاتحين.
فقام الرسولان الى خلف، واخبراه بما دار بينهما وبين ابي عبيدة من الكلام، فامتلأ غيظاً وأمر في الحال بالتهيء للهجوم عليه بدون انتظار، واذ سمع ابو عيدة بذلك استعد له، ولما التقى الجمعان ورتبت الصفوف جاء الى ابي عبيدة رجل من بقايا قوم ابن فندين، وقال له:: دع عنك فانك لا طاقة لك اليوم بمقابلة خلف وعساكره، ولاحاجة لك في لقائه،
القتال
وكان ابو عبيدة يحسن التكلم بعدة لغات، فحلف له بالبربرية والكانمية قائلاً: لأقاتلنه ولو ألقاه منفرداً بسيفي هذا، وضرب بيده على قائم سيفه ثم انسل اليه رجل من جيش خلف، وقال له: اني مشير عليك بسبيل ان سلكته ظفرت بلا شك، أزحف بجيشك الى ناحية الجبل، فان ظفرت ادركت ما أردت بسهولة، وان انعكس عليك الحال كنت في حصن وملجأ
221 (1/221)
صفحة 222
لا يستطيعون لك فيه كيداً، فقال ابو عبيدة لما استحسن رأيه (نصيحة نزعها عدو) وهذا الرجل اما ان يكون مائلاً في الباطن الى أبي عبيدة واما خلف على غير طائل، فأراد هلاكه ليستريح
الله
من
ان يكون قد سئم من القتال مع. والله أعلم. فأمر أبو عبيدة الجيش بالانتقال الى المحل الذي أشار اليه الرجل، واسندوا ظهورهم الى الجبل، ولعل هذا المكان هو المعروف عندنا اليوم بقصبة المصلى، فانه قريب من الجبل وفيه مصلى ينسب الى أبي عبيدة يزار ويجتمع فيه الناس في وقتنا هذا من قرى متعددة لصلاة العيدين اذا حضر (والدنا أو بعض أنجاله وهو الذي سن هذا الاجتماع هناك حفظه الله) أو هو المكان الذي فيه الآن المسجد الجامع المسمى (ام) بيدت)، وهذا اللفظ منحوت من عمي عبيدة نحتاً بربرياً فيما يظهر بعد تصحيف لفظ الآن في وسط بلدتنا جادو مركز الحكومة، والمشهور ان المسجد بني على مصلاة وانه اغتسل هناك كما سنذكره، ولا يبعد عن شافة الجبل الا بخطوات، ولولا الشهرة المذكورة لقلنا ان المكانين قريبان جداً من مدينة جادو القديمة، فلا يمكن وصول العدو الى هناك والله أعلم.
عمي
، وموقعه
ولما رأى خلف ما حصل من أبي عبيدة من الرجوع الى ورائه، ولا علم له بما ابداه بعض أفراد جيشه من النصيحة، ظن أن ذلك من أبي عبيدة جبن وفرار تخلصاً من الهزيمة ففرح وهذه الطرب، وقدم الابطال والفرسان من عسكره واقتفى اثرهم، ولما غشيت ابا عبيدة الخيل دعا رجالاً من قومه فنصبوا له ستراً واحضروا له ماء فاغتسل وتوضأ وصلى ركعتين، ودعا الله سبحانه وتعالى بما حضر له من الدعاء سائلاً انتصار جنده، ثم بسط كفيه مواجهاً بهما السماء (وهي الجهة المطلوب استقبالها عند الدعاء) مع تضرع وخشوع وقال: (اللهم يا من لم أعرض. عنه منذ استقبلت أمره لا تفرق هذه
222 (1/222)
صفحة 223
- رحمه الله -
العصابة على يدي انك على كل شيء قدير وذكر الشماخي. أن أهل مدينة سروس أقبلوا مسلحين لاعانة خلف فقال أبو عبيدة إذ رأهم
على ذلك: هيجوا فينا حرارة الخوف، فلا أعدمهم الله ذلك. قال: فبقى فيهم ذلك الى يومنا هذا (1 هـ)، وقام أبو عبيدة بين عسكره خطيباً محرضاً،
ومرغباً فشوق النفوس الى الاندفاع في الحرب، وأزال الرهبة من القلوب. ثم تداني الصفان، وانتشبت الحرب ساعة من الزمن، أظهر فيها رجال عسكر أبي عبيدة من الشدة والاقدام، ما ترك اعداءهم في انهزام، وكان م من الابطال المشهورين العباس بن أيوب، وقد اظهر من شجاعته ما حمى به
معه
الميمنة والميسرة حتى قال فيه ابو عبيدة اذ رأه يجول بجواده في أثناء الحرب يميناً وشمالاً (اني أرى العباس في عيني كالعقاب معصم لا أكلته النار) ثم خرج من عسكر خلف رجل يعرف بعبيد بن سيدي، ورجلان معه لطلب المبارزة فخرج اليهم أبو عبيدة وأبو مرداس والعباس، أما العباس فأسرع الى صاحبه بالقتل، واما أبو عبيدة فطال أمره مع صاحبه، وكانا متماثلين، وأما أبو مرداس فقد لاقى من صاحبه عبيد المذكور مشقة حتى كاد يفترسه، ولما رأى العباس ذلك عطف على عبيد فضربه على ركبته بالسيف، فأبانها ثم حز رأسه، وقال: لما رأه طائراً في الهواء من شدة الضربة (الى النار)، فقال الرأس: (وبئس المصير) فقال العباس: (إنا له وإنا اليه راجعون) جسد طالما دعوت له بالجنة ستأكله النار، لان الرجل كان من شهر بالنسك والعبادة، سخي اليد محباً لاهل العلم يهاديهم بأكباش الغنم وأحمال الطعام، وكان العباس يعتقد فيه الصلاح لذلك، ولكن الاعمال بخواتمها. وكلكم ميسر لما خلق له، ولما رأى أبو مرداس فعل العباس بصاحبه عبيد قال (ضربة فتى لا أكلت معصمه النار). وبعد أن هلك من عسكر خلف ما لا يعلم عدده، ولى الادبار خائباً، (1/223)
صفحة 224
فنادى أبو عبيدة حسب عادته (ونعمت العادة) في عسكره ان لا يتبعوا لهم مديراً، ولا يجهزوا لهم على جريح، ولوى عنان جواده غير منغص ولا مفلول الى مكانه، وذلك عشية الخميس الثالث عشر من شهر رجب سنة 221 احدى وعشرين مائتين هجرية، وعاد خلف الى قرية (تمتي) المشؤمة عليه، وأمر باخراج جميع من كان فيها من نفوسة وغيرهم، ممن يميل الى ابي عبيدة وأجل لهم ثلاثة أيام، فارتحلوا تاركين أرزاقهم ومنازلهم، ومنهم الارامل واليتامي والضعفاء، ومن لا ذنب له، ولا دخول له في شيء من امر هذه الفتن، وأجلى معهم كثيرين من اصحابه الذين ظن فيهم الميل الى أبي
عبيدة غلظة وجفاء.
ولما أكثر من ذلك تقهقرت نفوس اصحابه، وعلموا بأن أمره قد أدبر فتفرقوا عنه، وأتوا الى أبي عبيدة تائبين، فقبل منهم من قبل ورد من رد، خطأه ممن عضم.، وبقى. خلف وحيداً ينتظر وثبة من أبي عبيدة تقضي
عليه، وعلى من بقى معه بالهلاك، وأبو عبيدة صارف عنه النظر، سائر فيما كلف به من الامر بسيرة العدل والانصاف، وأرسل الى الامام بوهن شوكة خلف وافتراق حزبه.
ولما بلغ اصحابنا المشارقة انتحال خلف الخروج، وما وقع من الفتن، قاموا بما وجب عليهم من النصيحة في الدين كما هي عادتهم، فأرسل منهم العلامة أبو عيسى الخراساني رسالة مع جماعة الى أهل المغرب يرشدهم فيها الى اتباع الحق ونبذ الباطل، وجمع) الكلمة واتباع أهل الاستقامة، واقتفاء آثار الاولين من المسلمين وبالغ فيها في الثناء على الامام عبد الوهاب والامام افلح وعلى السمح، وفي الانكار على خلف ابنه واتباعه في كلام طويل جازاهم الله عن الاسلام خيرا.
ومن كان مع. خلف: منيب ابن حامل العلم أحد ائمة المذهب اسماعيل
224 (1/224)
صفحة 225
ابن درار الغدامسي، وأبو يوسف حجاج بن وفتين ـ ذكر الشماخي - رحمه الله - ان أبا يوسف أتى أهله، فقالت له زوجته وهو لدى الباب: (عندك يا بائع دينه فوقف في مكانه الى الصبح، واحدى رجليه داخل الباب والاخرى خارجه، وهو يميز بين أبي عبيدة وخلف، ثم ثبت عنده ان الحق
مع ابي عبيدة فجاءه تائباً وصار بعد ذلك من أفاضل المشايخ.
ثم ادركت أبا عبيدة منيته، فسار الى رحمة الله الواسعة يبكيه العدل والعلم، ويندبه المحراب وقيام الليل، وله مسجد مشهور متوسط، وآثاره تدل على انه كان أكثر اتساعاً مما هو عليه الآن، قيل: انه اجتمع فيه سبعون عالماً من أكابر علماء قرية جناون، وقد كانت معدن العلم والعلماء، حتى انها لا تحتاج فيها دار الى أخرى في العلم، كما كانت قرية تندميرة، ولأهل القريتين الى الآن شهرة في الذكاء وجودة الفهم، وتمسك بالدين، وقد دفن ـ رحمه الله - في المقبرة الكائنة بالجنوب الغربي من القرية المذكورة، الا ان قبره مجهول، تغمده الله برحمته الواسعة، وسيأتي زيادة كلام على هذه القرية ان شاء الله.
ولاية العباس بن أيوب علي الجبل بعد أبي عبيدة - رحمها الله ولما توفي أبو عبيدة، كتب المسلمون من نفوسة الجبل، ومن معهم الى الامام بذلك كتاباً يعزونه فيه، ويطلبون منه تعيين غيره، ولما بلغه الخبر اشتد اسفه وبلغ منه الكدر مبلغاً عظيماً، وأرسل في الحال أمر الولاية الى العلامة العباس، ولما وصله ولم يجد عذراً لدفعه التزم قبوله، وجمع أهل الرأي ومن عليهم المدار من رجال نفوسة، تلاه عليهم، فأملوا حسن مستقبلهم وضمنوا لانفسهم الراحة والامن، لما يعهدونه في العباس من الحزم والنشاط، مع ما أوتيه من المهابة وعزة النفس في مواطنها، وكان الامر
225 (1/225)
صفحة 226
كذلك وأكثر من ذلك اذ قضى فعدل وحكم فانصف وحارب ففاز، (وكأن خلفا انتعش حاله بعض انتعاش وانضم اليه من جمعه بعض من تشتت أولاً، وذلك فيما بين وفاة ابي عبيدة وتوليه العباس، فتحرك كعادته مكدراً صفو الامن، وجدد الغارة والنهب وهو من أعلم الناس بما للعباس من الشدة. فناصحه لعباس ونهاه، ولما لم ينته عن غيه خرج اليه في عسكر لا يزيد عن عسكره في الكثرة، بل كان أقل على ما قيل، الا أن فيه من الفرسان من يعد في مقام العشرات من الابطال، ومنهم العالمان الشهيران بالشحاعة: أبو مرداس التبرستي وأبو الحسن الابدلاني.
ولما تقابل الجمعان بموضع يعرف بفاغيس، واظن انه قريب من تمتي هال بعض أهل النظر من عسكر العباس ما رأه من كثرة جند خلف، فاتي الى ابي مرداس وكلمه في ذلك. فقال له: لا اخاف انهزاماً على عسكر فيه ابو الحسن الابدلاني، ثم اتى الى ابي الحسن وكلمه ايضاً فقال له: لا اخاف على عسكر فيه ابو مرداس، فتعجب الرجل من اتحاد كلاميهما، ولعمري انها لموافقة غريبة تشهد لهما بما كانا عليه من صدق النية وصفو القلوب وتوارد الخواطر الناشيء ذلك كله عن الحب في ذات الله، ولأبي مرداس كما لابي الحسن فضائل عالية، ومناقب فاخرة، تكفل بذكرها المؤرخون، وكان في العلم آية من آيات الله، وفي الزهد نادرة من نوادر الدهر صاحب الامام عبد الوهاب، حتى مات وصاحب أيوب بن العباس، ثم أبا عبيدة بعده ثم العباس، هذا وكان معه كبيراً في السن وهو قصير القامة يجر كلما سيفه على الارض اذا مشى امام الجيوش، ومن غرائب الاتفاق، ا، انني ذكرته أو تذكرته خطر ببالي المشير أدهم باشا العثماني قائد الجيوش هذا الشاهانية المنصورة في حرب اليونان سنة 1315 م، وهو بطل مشهور في العصر، وكلما ذكرت هذا ايضاً تذكرت ذاك.
226 (1/226)
صفحة 227
ولما التحم القتال واشتد خلف وعساكره، وثبتوا للعباس ثبوت الابطال ولم تزحزحهم عن أماكنهم الرماح والنبال، أتى أبو مرداس إلى العباس وقال له: قد طال وقوفهم معنا في ميدان الحرب، وما كان للباطل ان يقف امام الحق هذا الزمن كله، ولعلك أضمرت سوء أو صدر منك ذنب عظيم كان عقابه لنا من الله ما تراه، فأظهر التوبة وارجع إلى ربك واستغفره لعل الله يؤيدنا بنصر من عنده ويبدل الحال، فكرر العباس عند ذلك الاستغفار وأظهر التوبة (ولا) معصوم من الذنب إلا الانبياء والملائكة).
ويقال ان أبا مرداس قال عند ذلك: ماذا فعل العباس، وما علمناه منه إلا الخير، ولكن الحرب عدمت رجالها، ثم امتطى ظهر جواده واندفع للميدان بسلاحه، ولم يمض بعد ذلك من الزمن الا قليل حتى انهزم خلف وتخرمت صفوفه، فنادى أبو مرداس في العسكر بعدم اتباعهم، فقال بعض أصحاب الرأي: لا نتركهم حتى نخرجهم من حيزنا، فسكت أبو مرداس واقتفوا أثرهم حتى تجاوزوا (لالت)، كما في السير وهو نهاية حكمهم اذ ذاك، والظاهر ان المراد بلالت هو الوادي الفاصل بين الزنتان من جهة (تغرمين) والرجبان من جهة فساطو المسمى الآن وادي الآخرة لصعوبته وعمقه ويسمى (متلالة) أيضاً بالاسم القديم، مع زيادة ميم وتاء في أوله على ما يؤخذ من كتاب السير وان عبر في بعض الاحيان بلالت على لالوت، وهي في طرف الجبل من ناحية الغرب، ولعل هذا الاسم كان يطلق على قريتين شرقية وغربية والله أعلم.
وكأن (مدينة تغرمين لم تدخل في الطاعة، ولم تحز الشهرة التي كانت لها في دولة بني رستم الا بعد هذا، ثم رجعوا وأقبلوا على العباس يهنئونه بانتصاره فقال لهم: انما يهنأ بهذا أبو مرداس وأبو الحسن اللذان لم يناما ليلهما يدعوان الله ويتضرعان اليه، وبذلك آتانا الله من فضله ما آتانا، فله الحمد الشكر.
227 (1/227)
صفحة 228
ثم لما وصل المعسكر ترجل عن جواده، وأقبل يعزي المشايخ الحاضرين في اقاربهم الذين كانو مع خلف وماتوا قائلاً: أجركم الله على مصيبتكم في اخوانكم واقاربكم فقالوا له: يا عباس اما أولئك فأقاربنا وأولو أرحام منا وأما انتم فاخواننا حقاً.
ثم لم يزل العباس يوالي الوقائع والهجوم على خلف، ويستميل أولي الالباب بعدله واستقامته، ويرهب اهل الفساد بشدته وحزمه، إلى ان اوهن شوكة خلف، وتشتتت بقية جموعه، واضمحل امره ومات، وترك ولداً
الله
هرب مع من رام محافظته واحياء اثر والده إلى جزيرة جربة، وك، وكان من امره بعد ذلك ما سنذكره عند الكلام على الامام يوسف ان شاء الله، وبقي العباس محمود الخصال ممدوح الحال يتابع الوقائع والحروب مع من لم يخلد إلى الطاعة من جهات الجبل الشرقية، كجبل شماخ وجبل يفرن وككلة وما حتى اطاعوا كلهم واعترفوا للامام افلح بالامامة.
حول ذلك
وكان ابو مرداس رحمه الله كثير التعرض له ومنعه من محاربة تلك الجهات، وكأنه يؤمل منهم الدخول في الطاعة بدون حرب حيث كان المذهب واحداً او علم منهم القوة والكثرة، فأراد استجلابهم بالملاطفة واللين ومن ذلك ما ذكر من ان العباس، خرج ذات مرة (بعد هلاك خلف) بعسكره إلى جهات جبل يفرن، وكان معه ابو مرداس، فخلا به وأمره بالرجوع، فأبى فقال له: ان لم ترجع صحت في العسكر فتفرق عنك، (لأنه يعلم ان كلمته مسموعة) فجمع العباس رجال عسكره، وقام فيهم خطيباً فقال: (نفد الزاد وضعف الكراع فارجعوا حتى اذا سمنت الدواب وجددنا الزاد رجعنا) فامتثلوا الامر ورجعوا.
وكأن الواقعة كانت في الشتاء، ثم خرج اليهم مة ثانية فجاء أبو مرداس واشار عليه بالرجوع، فامتنع فقال ابو مرداس معاتباً نفسه على ذلك
228 (1/228)
صفحة 229
هكذا ما أكثر جنون مهاصر (يعني نفسه الذي يطلب رجلاً مثله (يعني العباس ويترك ربه) ثم دعا ربه وسأله الغيث، فأنزل الله عليهم ماء غدقا وتابع المطر حتى طلب العسكر الرجوع، وتفرقوا، فقال ابو مرداس للعباس: ارددهم الآن ان قدرت يا عباس، وخرج اليهم مرة أخرى فتأخر أبو مرداس وابو زكرياء عن الحضور، فافتقدهما فقيل له: قد رجعا فخاف ان يكون رجوعهما الحدث او منكر انكره عليه فأوقف العسكر في مكانه واقتفى أثرهما إلى ان وجدهما عند أم الخطاب، وهي عجوز عالمة مشهورة بالورع والزهد في بلدة (اغرميمان) بناحية تغرمين ومعنى هذا الاسم (قصر النفس في مجلس الذكر) فقال لهما: ولم رجعتما؟ فقالا: انك على الحق لم ننكر عليك شيئاً وما رجعنا الا لكراهة لمعان السيوف، فحمد الله على موافقتهما وقال: اتركا لمعان السيوف لمن يطيقه.
وكانت ام الخطاب لم تعلم برجوعهما من العسكر، فذبحت لهما شاة ولما سمعت ذلك اخذت اللحم كله ووضعته في خرج على فرس العباس، وقالت للشيخين هذا هو الذي يستحق اللحم، وأنتما يكفيكما الجالبان (تعني العدس وما اشبه مما طبخ مع ذلك اللحم) فرضيا بذلك واستحسناه وكأنها لم تعلم العباس بذلك فركب جواده ولحق بعسكره.
وممن كان معه في هذه الواقعة على من رواه الشماخي رحمه الله التمصمصي أحد فضلاء جبل نفوس علماً وعملاً وزهداً دار
العلامة ابو نصر
الجبل أربعين مرة يحذر الناس من فتنة نفات، وقيل من فتنة خلف قال: وكان ضرير البصر، فنزل إلى القتال وقال: اللهم اني لا أبصر ما اتقي ولا ما أضرب فلم تقع به ضربة، ولم تخط له ضربة (1 هـ)، وهذا من غريب ما يسمع ويدل على ما كان لهم من الاعتناء والله أعلم.
وكان رحمه الله على جانب عظيم من الآداب وحسن الخلق، ولاسيما
229 (1/229)
صفحة 230
مع أهل الفضل والعلم، خصوصاً العلامة أبا مرداس، فقد ذكر الشماخي - رحمه الله ـ نقلاً من تاريخ نفوسة الكبير، الذي لا وجود له الآن، أنه
هو
قطعة
وجماعة معه فيهم ابو مرداس، جاوزوا في طريقهم وهم مشاة بموضع الماء، فتخطاه العباس وعجز عنه ابو مرداس، لانه قصير القامة وطاعن في السن، فوقف يحاول ذلك، ثم قال للعباس: لم أقدر على الوثوب مثلك، ولا أريد ان أخالف طريقاً سلكته، ولو صعدت مع حائط لسلكته لما لك علينا من حق الطاعة و الانقياد، فرجع العباس اليه وسلك طريقاً آخر سهلاً، واظهر لهم التوبة مما صدر منه أولاً،، من تغافله عما ورد من الامر بمراعاة الضعيف، والسير بسيره، فما ألطف هذه الآداب، وما أبلغ هذا الانقياد الى الحق منهما، ولا يظن القارئ أن هؤلاء الذين يقاتلهم أبو عبيدة في الاول، والعباس في الآخر، كانوا على مذاهب أخرى، بل كانوا كلهم من الاباضية، وشقوا عصا الطاعة وانتحلو الخلاف في مسائل طفيفة لا تخرجهم من الانتساب الى المذهب طلباً لاستقلال عن خلافة تيهرت، لما رأوه في أنفسهم من القوة والكثرة، اذ لم يكن الجبل وجهات طرابلس في ذلك الوقت على هذا الحال الموجود الآن من صغر القرى وقلة الناس، بل كان ن في الجبل وحده وفي ظاهره من قبائل نفوسة ومزاتة ما يتجاوز مائة الف فارس وعشرة آلاف فارس.، وكان فيه من الرجال مالا يحصى، و، وكانت هذه الفيافي الخالية الآن بجهات طرابلس والجبل، كلها عامرة بالقرى وأهل البوادي، كما تدل على ذلك آثارهم المؤيدة لصحة ما في التواريخ، وبعد أن علم الناس قيمة العدل وعرفوا فائدة الأمن، وذاقوا طعم السلامة والراحة انقطع الثائرون واستراح العباس وصفا الحال للامام، وانتظمت له الأمور فبسط العدل في الرعية، وسار فيهم سيرة مرضية، واستقامت له الاحوال، وساعدته الأقدار، فاقتفى سيرة أبوية، ولم ينقم عليه أحد في شيء من
230 (1/230)
صفحة 231
والبنان
أحكامه، وكان من المهابة والفروسية وغزارة العلم والحلم والكرم والاقدام والورع، بمنزلة يكل عن وصفها اللسان، ويعجز عن حصر صغيرها القلم، هو السيد والأبطال عبيده، وهو الأسد الضاري والأقران صيده، اذا زار دخل الرعب القلوب، واذا جال في ميادين الوغى هيأت اللحود وشقت الجيوب، ملأت أخبار بسالته البقاع، وصدعت هيبته الاسماع، وأدهش اقدامه في معامع الخطر عقول العقلاء، وكان حتماً الجواد بعد فيضان بحره الطافح من البخلاء، حدث عنه من باب الكرم ولا حرج، وقل ان شئت هو ممن عن دائرة ممكنات العقل في هذا الحديث خرج، فلله دره من امام واسع العطايا، كريم السجايا، باسط يمينه لادرار الخير وافاضة الصلات قابض شماله على سيف النقمة لنكال الخاطئين وحصاد أعناق العصاة، خاض عباب سياسة الملوك بذكائه المستقيم، واستخلص جواهرها الثمينة بمسبار عقله الكامل الحكيم، وجعلها نبراس سيره في حناديس مهمات الأمور، فكانت سيرته جارية على محور الاستقامة رغماً عما يطرأ من حوادث الدهر
?
وتقلبات السنين والشهور، فهو وأيم الحق جامع الخصال الحميدة، ناظم عقد الكمالات بفضائله الفريدة.
ليس على الله
ستنكر
أن يجمع العالم في واحد
فمن سرح جواد فكره في صفحات التواريخ والسير، وريض نير عقله في رياض ذكر رجال السلف، ومالهم من النوادر والعبر، رأى لهذا الامام العظيم من بينهم الذكر الجميل، والأثر الجليل، ما يبهر الألباب، ويؤدي إلى الوله والاستغراب، وقد تكلم المؤرخ ابن الصغير المالكي على سيرته فخذها على القاعدة المتقدمة استدلالاً على صحة ما قلناه في حقه وان كان قليلاً. قال: فلما ولى أفلح أخذ بالعزم والحزم ونشأ له من البنين مالم يكن
231 (1/231)
صفحة 232
، وعمرت
لغيره من قبله، وطار له الصيت وأتته نفوسة الجبل، يسألونه أن يقدم عليهم من يتولى أمرهم، ولم تكن الشراة تطعن عليه في شيء من أحكامه، ولا في صدقاته ولا في أعشاره، إلى ان قال: وكان قد عمر في امارته ما لم يعمره أحد ممن كان قبله، أقام خمسين عاماً أميراً حتى نشأ له البنون وبنو البنين، وشمخ في ملكه وابتنى القصور واتخذ أبواباً من الحديد، وبنى الجفان وأطعم فيه أيام المجاعة الجيعان، وقد تقدم ذكرها قبل. هذا معه الدنيا وكثرت الأموال والمستغلات، وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات، وتنافس الناس في البنيان حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة، وأجروا الأنهار فابتني أبان وحموية القصرين المعروفين بهما، بأملاق، وابتنى عبد الواحد قصره الذي يعرف به اليوم، وغيره مما يطول ذكره ولقد حدثني من أثق به أن أبان وحموية خرجا يوماً الى
أنه
قصريهما متنزهين، ومعهما جماعة من اخوانهما، فذكر عن بعضهم أن قال: لما اشرفنا على القصرين أحس بنا بعض عبيدهما فأعلموا سكان القصرين بقدومهما قال: فتشوف من كان بالقصرين اليهما قال: فوالله ما رأيت شرافة من شرافات القصرين الا وعليها ثوب أحمر أو أصفر على الجدار كالبدور، وانتشرت القبائل وعمرت العمائر وكثرت الأموال بأيديهم وكانت العجم قد أبتنت القصور، ونفوسة قد أبتنت العدوة والجند، والقادمون من أفريقية قد أبتنوا المدينة العامرة اليوم، وأمنت الساحات وكثرت الأموال، حتى أطغت أهل الحواضر والبوادي حتى لقد حدثني غير واحد أنه كان للعجم مقدم يقال له ابن وردة قد ابتنى له سوقاً يعرف به فكان صاحب شرطة أفلح اذا تخلل المدينة لافتقادها، لم يجسر أن يدخل سوق ابن وردة
ولا يتخلله هيبة، وكانت نفوسة تلي عقد تقديم القضاة وبيوت الاموال. وانكار المنكر في الاسواق، والاحتساب على الفساق (1 هـ) بلفظه:
232 (1/232)
صفحة 233
يعني أن نفوسة هم الذين ينتخبون له من يصلح لتلك الوظائف، سواء كان منهم أو من غيرهم، وهو يعينه وكانت الأجناد تلي بطانة السلطان وأولاده
وحشمه
دهاء هذا الامام (ممزوج)
وبينما هو في أرغد عيش وأصفاه، وأتم حال وأهناه، على نحو ما حكيناه، اذا أوجس من القبائل المنتشر حول المدينة، وداخلها خيفة، ورأى من مبادئ الثورة آيات جلية وحركات خفية، لما رأه رؤساء القبائل والمقدمون في أنفسهم من القوة والجاه، ونفوذ الكلمة لدى عشائرهم بما ملكوه في ظل عدل ذلك الامام من منقوش الدرهم، ومدور الدينار وحمر النعم ورؤوس البقر والشاة وجياد الخيل، ولما اتخذوه من الخدم والعبيد والفرش والستور والاسرة، فأشروا وبطروا وخامرهم الكبر ودخلتهم الانفة من أن تقام عليهم حدود الشرع الشريف، أو أن يتقيدوا بقانون من قوانين الدين المطهر الحنيف تصديقاً لقوله تعالى وهو أصد القائلين: ان الانسان ليطغى أن رأه استغنى) وقوله (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء) شمر - رحمه الله. . عن ساق الحزم، وكشف عن عضد العزم، لضم الخرق قبل اتساعه، واطفاء لهب تلك المقاصد الشريرة قبل ارتفاعه، فألقى موجبات التخالف بين كل مقدم واتباعه، وبث الجواسيس بين شعوب تلك القبائل بطرق سياسية، وتدبيرات باطنية، كفته مؤونة القتال، قامت مقام تجنيد الجنود وسفك دماء الابطال، شأن من تقدمه من حكماء الملوك الذين حنكتهم التجارب، وكرعوا في بحار الحكمة واعترفوا من حياض السياسة» البالغة من آبائه وأجداده وغيرهم.
فعندها
وما كان غير بعيد حتى اختلفت الآراء بين تلك القبائل، وتضادت (1/233)
صفحة 234
الأهواء وصار بين كل قبيلة وحليفتها من الشقاق، أضعاف ما كان بينهما من الألفة والاتفاق، فنفرت قبائل زناتة من قبائل لواتة ومطماطة، وعظم التشاحن بين الجند والعجم، وفشت البغضاء بين كل رئيس ومقدم، وصاروا كلما أوقدوا ناراً للحرب مع الامام أطفأها الله.، ورد العاصين بالخيبة وكفى امام المسلمين القتال، فالت راضخة لسيطرته بدون محال، خاضعة الرقاب باسط الأكف لقبول أوامره ونواهيه بدون جدال، كل يخاف ان يسعى به قرينه إليه أو يستميله فيقربه منه، ويغضب عليه، وعندئذ أمن مكرهم بهذه السياسة، ورد كيدهم في نحورهم بهذا الدهاء والفراسة. قال: فلما رأى ذلك استلقي على ظهره آمناً ومد يديه ورجليه مطمئنا وعلم انه كفي أمرهم وبقيت تلك الضغائن في القلوب (1 هـ).
أحوال الامام أفلح مع الملوك
وكان له مع أغلب الملوك مودة، ولاسيما ملك (صوصو) أو (كوكو) التي تبعد عن تاهرت بمسافة ثلاثة أشهر تقريباً، وكان أكثر المسافرين لتجارة السودان في ذلك العهد من أهل مدينة (وارجلان)، وهوارة قال الشريف في نزهته: ومدينة كوكو مدينة كبيرة مشهورة الذكر في بلاد السودان، وهي على ضفة نهر يخرج من ناحية الشمال، فيمر بها، ومنه شرب أهلها إلى أن قال: ثم أن ملك كوكو، ملك قائم بذاته خاطب لنفسه، وله حشم كثير ودخل كبير، وقواد وأجناد وزي كامل وحلية حسنة، وهم يركبون الخيل والجمال، ولهم بأس وقهر لمن جاورهم من الامم المحيطة بأرضهم، ولباس عامة أهل كوكو الجلود، يسترون بها عوارتهم، وتجارهم يلبسون القداوير (الجبب) والأكسية، وعلى رؤوسهم الكرازي، وحليهم الذهب، وخواصهم وجلتهم يلبسون الأزر، وهم يداخلون التجار ويجالسونهم، ويبضعونهم بالبضائع على جهة
234 (1/234)
صفحة 235
المقارضة، و نبت في أرض كوكو العود، المسمى بعود الحية، ومن خاصيته
يأخذ من
انه اذا وضع على جحر الحية خرجت اليه مسرعة، ثم ان ماسك هذا العود الحية ما شاء بيده من غير أن يدركه شيء من الجزع، ويجد في نفسه قوة عند أخذها، والصحيح عند أهل المغرب الاقصى، وأهل وارقلان، ان ذلك العود اذا مسكه ماسكه بيده، أو علقه في عنقه، لم تقربه حية البتة، وهذا مشهور، وصفة هذا العود كصفة العاقر، فرحاً مفتولاً لكنه اسود اللون، ومن مدينة كوكو إلى مدينة غانة شهر ونصف (1 هـ)، ثم ذكر أن بين غانة ومدينة (أودفست في شمالها 12 مرحلة، وبين أودغست ومدينة وارقلان 31 مرحلة، فتحصل أن ما بين تيهرت وكوكو على هذا الطريق يقارب ثلاثة أشهر، والطرق اليها مسلوكة مأمونة بما أبداه أئمة بني رستم من الهمة بمحافظة قوافل التجارة إلى الشرق والغرب والسودان كما سيأتي عن
ابن الصغير.
وقال في صحيفة 120: ومن مدينة المسيلة إلى وارقلان 12 مرحلة كباراً، وهي (أي وارقلان) مدينة فيها قبائل مياسير، وتجار أغنياء، يتجولون في بلاد السودان إلي بلاد غانة، وبلاد ونقارة لهلها هكارة)، فيخرجون منها التبر ويضربونه في بلدهم باسم بلدهم أي) يطبعون منه سكة دراهم ودنانير)، وهم وهبية أباضية، ومن وارقلان إلى غانة 30 مرحلة، وهذا الطريق اقرب من الأول إلى كوكو، وذكر أهل وارقلان في التواريخ بشأن التجارة إلى السودان كثير جداً.
وكذا رأيت لهوارة ذكراً كثيراً فى هذا الباب، ومن ذلك ما قاله في النزهة أيضاً: وان أراد بذلك حالهم بعد انقضاء دولة الرستميين فنقول: إنه نشأ في مدتهم، قال: وهم (يعني هوارة) أملياء تجار ميساير، يدخلون إلى
بلاد السودان بأعداد الجمال الحاملة لقناطير الاموال من النحاس الاحمر
235 (1/235)
صفحة 236
والملون والأكسية وثياب الصوف والعمائم والمآزر، وصنوف من الزجاج والأصداف والاحجار وضروب من الأفاوية والعطر وآلاف الحديد المصنوع،
وما منهن من يسفر عبيده ورجاله الاوله في قوافلهم المائة جمل والسبعون والثمانون جملاً، كلها موقرة ولم يكن في دولة، الملثم «بعد دولة بني رستم» أحد أكثر منهم أموالاً ولا أوسع منهم أحوالاً، وبأبواب منازلهم علامات تدل على مقادير أموالهم إلى أن قال: وأما الآن في وقت تأليفنا لهذا الكتاب (وهو أول المائة السادسة) فقد أتى على أكثر أموالهم (قبائل) المصامدة، وغيرت ما كان بأيديهم من نعم الله (1 هـ).
وله مع ملوك الاندلس وغيرهم مواصلة وارتباط ومودة يهادونه بالهدايا النفيسة ويهاديهم بمثلها وله عندهم شهرة ومقام رفيع، ينظرونه بعين المهابة ويرمقونه بأعين الاجلال والاعتبار، بحيث لم يحم حول مملكته طامع من الملوك الاخرى توقياً من وثبته واندهاشاً من صولته، الا ما كان من أبي العباس محمد بن الاغلب، لما استولى علي غالب شطوط افريقية، فانه دعاه الطمع الى التوغل في المغرب حتى تاخم حدود (تاهرت)، وشرع في بناء مدينة هناك، فسكت الامام - ولم ينكر عليه مع علمه بما سينشأ عن عمرانها من المضايقة في الحدود، ونقص التجارة الى أن تم بناؤها وترتيب اسواقها على نسق عجيب وترتيب غريب، فوثب عليها وثوب الأسد بجيوشه وأجلاهم منها، وأبقاها خاوية على عروشها يعمرها العنكبوت
واليوم.
سبع
قال المؤرخ ابن خلدون المالكي وشيد (يعني أبا العباس محمد بن الأغلب) مدينة بقرب (تيهرت) وسماها العباسية، وذلك سنة 27 وعشرين، وأحرقها أفلح بن عبد الوهاب بن رستم، وكتب إلى صاحب الاندلس يتقرب إليه بذلك فبعث اليه بمائة الف درهم (1 هـ).
236 (1/236)
صفحة 237
وقد ذكر الحكاية أبو العباس البلاذري كذلك في تاريخه فتوح البلدان
المطبوع ببلاد الافرنج في صحيفة 234 الا أنه قال: ان ذلك كان سنة 231 لا 27 ولم يذكر التقرب، وأنت ترى أيها القارئ ما في كلام ابن خلدون مما يدل على ما كان له من الحقد نحو بني رستم كما قلناه من قبل، ولم نعلم له سبباً، والا فكيف يتقرب أفلح إلى صاحب الاندلس وهو يهاديه بالمال كما قال، وهذا على فرض صحة النسخة المنقول منها، والا فربما كان الاصل هكذا (فبعث اليه بمائة الف درهم يتقرب اليه بذلك (فتأمل) والله أعلم.
بعض رسائل هذا الامام - رحمه الله
وله - رحمه الله - عدة مؤلفات ورسائل وأجوبة جامعة لنصائح ومواعظ وحكم، دلت على ماله في الفضل والكمال والعدل من طول الباع وفي غزارة العلم وقوة الادراك من الاتساع، ومن كلامه رحمه الله لبعض عماله
قوله:
م الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله بسم وصحبه وسلم:
من أفلح بن عبد الوهاب، إلى البشير بن محمد سلام عليك، واني أحمد الله الذي لا اله الا هو، واسأله أن يصلي على سيدنا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، أ، أما
بعد:
ألبسك الله عافيته فاني أذكرك عظمة الله لا تنساها، وفكر في صغير خلقتك وفي عظيم ما خلقه الله، وما جعله من النكال والعذاب لابن آدم، خلقه وما عافي به من فاز برحمته من عظيم. السموات والارض والجبال من والشجر، وأذكرك ما اعده الله لا بن آدم من الكرامة التي تكل الالسن عن وصفها، فلو لم تكن كرامة تطلب الا النجاة من جهنم لكان في ذلك ما
237 (1/237)
صفحة 238
ينبغي للعبيد أن ينصفوا من أنفسهم، ويفارقوا.
جميع
اللذات، الا اني أقول لك: ان الدواء في هذا هو الاستغاثة إلى الله في العصمة، فمن أراد به الاحسان عصمه، أي حفظه من الاصرار على المعاصي ووفقه إلى التوبة) وجعله من أوليائه الذين قال لا بليس فيهم ان عبادي ليس لك عليهم سلطان) فاطلب الله وارغب اليه في العصمة والتوفيق، وان يحول بينك وبين عدوك وأعلم أن لا شيء لمن عقل خير ممن وعظه، ومن موعظة يأخذها، فاقبل واجتهد في القبول إلى أن قال: وأما ما ذكرته من أن أجعل لك سبيلاً وأطلق يدك، وأن الحاضر يرى مالاً يراه الغائب، فلعمري انه لكذلك، ولكن ليس في هذا انما هي أسهم جعلها الله وأوقفها، وهي وسخ أموال الناس، وليس لنا فيها فضاء ولا زيادة ولا نقصان ولا أمر ولا نهي، الا على قدر الاجتهاد فاتق الله واجتهد جهدك في توفير الحقوق وتوجيهها الينا،
على هذا مضى من كان قبلك الخ ومن كلامه أيضاً قوله:
بسم
الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله، أما بعد:
عافانا الله وإياك عافية المتقين الذين أنعم الله عليهم بطاعته وهداهم إلى ما اختلفوا فيه من الحق باذنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الالباب، كتبت اليك ومن قبلي في عافية، والله لا شريك له أحببت أن أعلمك ذلك بالكتابة به اليك لتحمد الله على ذلك وتشكره كما هو أهله، وأوصي نفسي واياك بتقوى الله، ولزوم طاعته، والتوقي على دينه، والتوكل عليه وحده لا شريك له، فانه عز وجل يقول ومن يتق | الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا فالزم التقوى نفسك واشعرها قلبك، واصبر على ما أصابك ان ذلك لمن عزم الامور، والتقوى من بمكان عظيم، والمتقون هم الفائزون، خلصوا من هموم الدنيا وأشغالها ونجوا
الله
،
الله
238 (1/238)
صفحة 239
من عذاب الآخرة ونكالها، فمهدوا لانفسكم وقدموا المعادكم واعملوا عملاً يسركم. غدا مكانه فكأني بكم وقد فارقتم الدنيا ولحقتم بالموتى، وعليكم التمسك بما مضى عليه سلفكم الصالح أهل الفقه واليقين والبصيرة في الدين نظروا إلى الآخرة بقلوبهم فهان عليهم فراق الدنيا ومافيها، فلا تغرنكم فأنها فانية زائلة، فكأننا واياكم قد فارقناها فوقفنا بين يدي الله تعالى، فيجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى عصمنا الله واياكم بالتقوى، ورزقنا العمل بطاعته، فانه ولي ذلك ومنتهى الرغائب لا شريك له، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
شعره
الله
عنه من الادباء ذا اقتدار على النظم، وحفظه له منه
وكان رضي ا
التلامذة
كل ما رق وطاب، فمن شعره الرائق تلك المنظومة المشهورة بين) الجامع لحكم ونصائح هي جديرة بالحفظ والاعتناء بل يحق لها أن تكتب
بمداد التبر على صفحات اللجين، وأن يجعلها كل من كان ذا اعتناء العلم والعمل به من مكنونات فؤاده، ومن درر محفوظاته، حتى يصبح مهذب الاخلاق والخلق، متحلياً بمحاسن الآداب العالية والعلوم النافعة، وقد عنى بتشطيرها ذلك الرحالة الشهير الاديب الكامل العلامة المفلق الشيخ علي بن أحمد العماني من علماء أباضية الشرق في أثناء سياحته بالقارة الافريقية في أواسط القرن الثالث عشر من الهجرة، لما زار مشاهد جبل نفوسة ورأى ما عليه أهله اذ ذاك من التهور في المناهي الشرعية مع خراب المساجد وانطماس معالم السير، ومن هناك توجه إلى السودان، وفي طريقه ذلك سرق منه ديوانه الجامع لأشعاره وقصائده، وما حرره من رحلته، فاغتم لذلك غماً لا
239 (1/239)
صفحة 240
مزيد عليه، وهنالك توفي - رحمه الله - واليك نص المنظومة الرائقة مع تشطيرها البديع رضي الله عن صاحب الاصل ورحم من
حاذاه بالمثل.
(بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم) العلم أبقى لأهل العلم آثاراً
وليلهم بشموس العلم قد نارا
يحيي به ذكرهم طول الزمان وقد
يريك اشخاصهم روحاً وابكارا
حي وان مات ذو علم وذو ورع
ان تان في منهج الابرار ما مارا
أو أنها غبرت أشخاصهم ومضوا
مامات عبد قضى من ذاك أوطارا
وذو حياة على جهل ومنقصة
ولا يبالي أخيراً نال أم عارا؟!
حياته عدم في طول مدته
کميت قد ثوى في الرمس اعصارا
لله عصبة أهل العلم ان لهم
في كل أفق من الآفاق أنوارا
نالوا الاماني به طراً وبان لهم
فضل على الناس غياباً وحضارا
العلم علم كفى بالعلم مكرمة
ومن يرد غير خير العلم ما اختارا
240 (1/240)
صفحة 241
كم جاهل بأمور الدين مختبط
والجهل جهل كفى بالجهل ادبارا
العلم عند اسمه أكرم به شرفا
للمرء اذ يكتسي بالعلم اطمارا
ما للفتى غير نور العلم من رتب
والجهل عند اسمه اعظم به عارا
يشرف العلم للانسان منزلة
ويجتني من جناه العذب اثمارا
العلم فخر علا عن كل مرتبة
ويرفع العلم للان ان اقدارا
العلم در له فـ ضل ولا أحد
محص له كل عقل دونه حارا
فسل خبيراً وجب غور العقول ومن
في الناس يدري لذاك الدر مدارا
للعلم فضل على الاعمال قاطبة
کان ذووه لدين الله انصارا
وفضله الجم قد نص الحديث به
عن النبي روينا فـ
يقول طالب علم بات ليلته
بارا
برغبة تورد الظمان تيارا
ومن يبيت في الدجى بالجد مبتذلاً
في العلم اعظم عند الله اخطارا
241 (1/241)
صفحة 242
من عابد سنة لله مجتهداً
ومنفق من كنوز التـ
ما نال فضلاً كفضل العلم قط ولو
ر قنطارا
صام النهار وأحيا الليل اسهارا
وقال ان مداد الطالبين على
دوامهم فيه أصالاً واسحارا
ان اثر النضخ منه حين يبدي على
ثيابهم وعلى القرطاس اسطارا
مثل دم الشهداء المكرمين لهم
في جنة الخلد حور العين ابكارا
فضل ذوي العلم حتماً لا يماثله
فضل فأكرم بأهل العلم اخيارا
وقال هم يرثون الانبياء كذا
مراتب العلم لا يرتاب من مارا
فهم ولاة لرب العرش لا عدموا
فيهم روينا أحاديثاً واخبارا
أكرم به من ذوي الفضل المبين لهم
سرکسا ظلمات الأرض انوارا
ما ارتاب في فضلهم أولو العقول وهم
ارث النبوءة في ايديهم صارا
الكاشفين معاني كل مشكلة
من العلوم وما فيه النهى حارا
242 (1/242)
صفحة 243
النادبين الـي ديــن الاله به
والمظهرين خفي الغمض اظهارا
اشدد الى العلم رحلاً فوق راحلة
وكن الى طلب التعليم سيارا
واعص الكرى واصطبر دهراً على أرق
وصل الى العلم في الآفاق اسفارا
واصبر على دلج الاغساق معتسفاً
واقطع من الارض غيطاناً واقفارا
وابذل من الجهد ما يشفي الفؤاد وجب
مهامه الأرض احزاناً واقطارا
حتى تزور رجالاً في رحالهم
عان لهم واقتبس من نارهم نارا
واصل زيارتهم طول الزمان تجد
فضلا فأكرم بأهل العلم زوارا
والطف بمن أنت منه العلم مقتبس
وکن به مشفقاً براً ولو جارا
لو كان فظاً غليظ القلب منقبضاً
دد له كل يوم منك ابرارا
فا للطف
رج منه فوائده
دون اللالي ترى لليم تيارا
واجعل بقلبك بر الوالدين له
وكن لصولته ان صال صبارا
243 (1/243)
صفحة 244
فصدر ذي العلم ان راجعته حرج
راع الرضا منه واخمد حين
واخفض جناحك ان تهدر شقاشقه
فقد بري الله هذا الخلق أطوارا
وارصد خواطر ساعات النشاط له
واستمطرن سحاباً منه مدرار
وحاذر الزيغ واحسن في السؤال له
اذا أردت لبعض القول تكرارا
واحسن الكشف عن علم تطال به
وانصت بحسك اسماعا وأبصارا
ودم عليه ولا تسأم له طلباً
والزم دراسته سراً واجهارا
ولا تكن جامعاً للصحف تخزنها
تملا التوابيت بالأسفار أوقارا
وأنت عن طلب التعليم في شغل
كالعير يحمل بين العير أسفارا
نعم الفضيلة نعم الذخر تورثه
فكل ذخـ و کـنز دونه بارا
والعلم خير كنوز المرء وهو غنى
لنفسك اليوم إن أحسنت آثارا
وان هممت بخير الناس تألفهم
تلق أفاضلهم مثنى وأوتارا
244 (1/244)
صفحة 245
لقد وجدت اصطحاب الأكرمين وقد
ألفت بالعلم أبراراً وأخارا
فاطلب من العلم ما تقضي الفروض به
واردف به علا في القلب نوارا
وطهر النفس من أوساخ شهوتها
واعمل بعلمك مضطراً ومختارا
واطلبه ما عشت في الدنيا ومدتها
وكن بعزمك والترغيب مغوارا
واجعله ذخراً ليوم لم يفد ندم
لموقف العرض أن لا تورد النارا
واجعله لله لا تجعله مفخرة
بين الأنام لذيل الكبر جرارا
وصنه عن كل جبار تفق عملاً
ولا ترائي به بدواً وأحارا
تعساً لكل مراء غير مقتصد
كانت بطينته شوباً وأكدارا
ـد تقلد أثام
ا وأوزارا
لقد عدا طوره فيما يخوض به وق
يصطاد بالعلم أموال العباد كما
ساءت خلائقه واختارت العارا
يلقي الحبالات راج للقنيص كما
يصطاد مقتنص بالباز أطيارا
245 (1/245)
صفحة 246
لو كان في فلوات الأرض معترضا
ذره ولا تغ تنم. ذاك دينارا
ولو ترى الارض من أطرافها ذهبا
وللدراهم في الأسواق طرارا
فلا تخادع بما تبديه خالقنا
واحذر وكن عن قبيح الفعل فرارا
واجهر وسر التقى واذرف دموع دم
والله يعلم ما تخفيه اضمارا
مولاك يعلم ما تخفي الصدور فلا
تفتن بفعلك مهما كنت غدارا
ان حدث عن ربك الباقي الرؤوف فلا
يكن لك الحلم من مولاك غرارا
ولا تداهن اذا ما قلت مألة
وكن من العدل والانصاف ممتارا
ولا تداهن بفتياك الانام لقد
أضررت بالدين ان داهنت اضرارا
واجعل لنفسك حظاً من مذاكرة
ولا تكن لأخيك البر هجارا
ومل الى مجلس تجلو الهموم به
مع الصديق اذا استوحشت اسمارا
وانشط لعلمك اذ لابد من ملل
اذا عرى قلبك التهمام وانضارا
246 (1/246)
صفحة 247
وجانب النذل لا تنزل بساحته
ولا تكن من جميع الناس فرارا
وعاشر الناس وانظر من تعاشره
فان في الناس صداقاً ومكارا
صاحب أخا الصدق مع علم تسر به
فرب مکثر صحب لا يزال يرى
قصداً ولا تكثرن الصحب اكثارا
مذاق ود وبالاسنان كشاراً
ورب صحبة من يهوى الفتى جلبت
لنفسه قرناء السوء أشرارا
الخير في الناس معدوم وفاعله
أرى الزمان له قد صار غدارا
ما في الزمان بقي خل تسر به
الا القليل وذاك القل قد بارا
وكن بربك لا بالناس معتصما
فالناس كانوا كلمع الآل غرارا
وثق به واستكن فيما دعاك له
كفى بربك رزاقاً وغفارا
ــباد عباد الله ان له
طرفاً إلى خشية الرحمن نظارا
ترى له عند خوف العبد من ضرر
لطفاً خفياً يرد العر أيارا
247 (1/247)
صفحة 248
سبحانه و د لا شيء يشبهه
فرد قديم مديد الملك قهارا
أنا الفقير اليه أرجو رحمته
تمت القصيدة مع تشطيرها)
أقررت الله بالتوحيد اقرارا
هي
وكفى المطالع دليلاً على غزارة علم هذا الامام، أنه تصدر للتدريس والقاء العلوم على اختلاف فنونها قبل أن يبلغ الحلم، وكانت عليه أربع حلق وقيل سبع من طلبة العلوم كلها حتى الرياضية والتنجيم مبلغاً لا يدرك شأوه، حتى أنه كان ذات ليلة مع أخته يتجاذبان أطراف الحديث ويتحاوران في المباحث العلمية والفنون الأدبية، اذ كانت أيضاً كسائر عائلتهم ممن رضع لبان العلوم، ولها القدم الراسخ في المعارف، فجرهما الكلام إلى علم التنجيم، وبعد أن تحاورا فيه ملياً قال لها: لينظر كل منا أول ما سيذبح من الحيوانات في السوق غداً فحسب هو فقال: أول ما يذبح بقرة صفراء في بطنها عجل أغر، فضبطت هي الحساب وقالت له صدق حسابك في البقرة ولونها والعجل، وأخطأ في الغرة، فان العجل لا غرة له، وذلك البياض الذي استظهرته من حسابك هو في رأس ذنب العجل، وقد التوى حتى صار على جبهته، وفي الصباح أمر أن يعرضوا عليه أول ما يذبح، هو اخته بدون خلاف، و ما،، ومع. سردناه من درجته في العلم، كان والده الامام عبد الوهاب - رحمه الله - يحرج عليه الدخول في التجارة تورعاً وبعداً عن الوقوع في بعض الشبه من حيث البيع والشراء، حتى أنه عزم مرة على التوجه إلى جهة (صوصو) بقصد التجارة في حياة والده، لأن السبل إلى السودان للتجارة اذ ذاك ممهدة مأمونة، وبعد أن هيأ نفسه وبرز برحله خرج اليه والده، ووقف له عند باب المدينة، وصار يسأله ويناقشه في مسائل الربا
كما قالت، فاذا
248 (1/248)
صفحة 249
والبيع والشراء، حتى غفل في مسألة وأجاب فيها بخلاف الواقع، فقال له: ارجع يا أفلح عما قصدته حتى تستعد لهذا الامر، والا أطعمتنا الحرام من حيث لا ندري، فرجع امتثالاً لأمر والده وتورعا، اقتداء بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في الحرام، ذكر الحكاية الشماخي - رحمه الله ـ ولعلها كانت في
حال صباه قبل رسوخه في العلم كما يدل عليه سياق الكلام.
خبر فرج النفوسي المعروف بنفات الخارج عن الطاعة
وخبر العلامة سعد بن أبي يونس معه
وفي أيامه الله رحمه خرج عن دائرة الآداب فرج المعروف بنفات ابن نصر النفوسي، واتخذ الطعن في الأئمة الرستميين ديدناً، وخالف المسلمين
في مسائل استحق بها البراءة.
1 - منها قوله ان
الله
هو
الدهر الدائم، ولما سئل عن ذلك قال هكذا
وجدته في الدفتر، يعني الكتاب المسمى بهذا الاسم.
2 - ومنها انكاره الخطبة في الجمعة، وادعاؤه أنها بدعة وضلال. 3 ـ ومنها، انکاره استعمال الامام العمال والسعاة، لجباية الحقوق
الشرعية ومطالب بيت مال المسلمين من الرعايا.
4 - ومنها قوله: ان ابن الأخ الشقيق أحق بالميراث من الأخ للأب. ه - ومنها قوله إن المضطر بالجوع لا يمضي بيع ماله، اذا باعه لأجل ذلك، وعلى من شهد مضرته تنجيته
- ومنها قوله: ان الفقد لا يتحقق الا فيمن تجاوز البحر، إلى غير ذلك من المسائل التي انتحل فيها الخلاف، وقد كان ذا فهم عجيب وذكاء
249 (1/249)
صفحة 250
غريب، واطلاع وادراك زائدين، أخذ العلوم من منبعها، والتقط غرائب الفنون من معدنها مع زميله العلامة سعد بن أبي يونس النفوسي، وذلك عن الأئمة (بتاهرت)، وسنبين خبره مفصلاً على ما ذكره أبو زكرياء وغيره فنقول وبالله التوفيق.
كان نفات هذا من احدى القرى الغربية من جبل نفوسة، وأظنها هي القرية المعروفة الآن بنفاتة العامرة، بقبيلة مالكية المذهب، تعرف بهذا اللقب، ولعلها من سلالته، اذ كان هذا اللقب موجوداً فيها من زمن جدنا ذلك الشهير بالعلم الغزير، والكرم الواسع، والعدل في الاحكام بجبل نفوسة في أوائل المائة السادسة، أبي زكرياء رحمه الله تعالى، وهي في قمة جبل صعب المراقي في. سمت بلدة (تنزغت) من جهة الشرق الشمالي تلي بلدة (إجريجن) من جهة الشمال، أهلها فقراء جداً وبينها وبين بلدة (تمزين) مسير خمس ساعات تقريباً إلى ناحية الغرب، وهذه لم تزل عامرة بجماعة من أهل المذهب لا تخلو في الغالب من فقهاء، ولأهلها محافظة زائدة على عمارة مسجدهم بالصلاة جماعة، وبمجلس القرآن العظيم ولهم اعتناء خاص بالسؤال عن مسائل الدين، كلما اجتمعوا بمنتسب إلى العلم، وذلك لكثرة المترددين منهم على جبال بني مصعب، لطلب العلم من. الزمان نادرة العصر شيخ الاسلام أستاذي الشيخ محمد بن يوسف المصعبي صاحب الصيت الكبير بمؤلفاته العظيمة وكان أبو يونس، وسيم النفوس منها، وقد ولاه الامام عاملاً على قنطرارة المعروفة عندنا الآن (بثيجي) ذات العمارة الواسعة، والثمار المتنوعة، والعيون الجارية في ذلك العهد، وان لم يبق فيها الآن الا شيء قليل من النخيل، وعيونها تسيل على وجه الارض، لارتفاع كثير من منابعها، ولا ينتفع بها أحد بشيء. فتوجه العلامة سعد بن أبي يونس باشارة من والده
علامة
250 (1/250)
صفحة 251
الى (تاهرت)، لتلقي العلوم فيها، فصحبه نفات هذا، وأقاما هنالك ما قدره الله من الزمن، يلازمان فيه مجالس الامام وغيرها، من نوادي العلم حتى أدركا درجة استحقا بها الذكر. وكانت تظهر في أثناء تلك المدة من سعد دلائل للصلاح، وتلوح عيه سيماء العفة والاستقامة أكثر من نفات، وان حاز نفات قصبة اسبق في الذكاء والفهم، على كثيرين من أترابه، وبينما هما كذلك، اذ بلغ الامام وفاة أبي يونس عامله على قنطرارة، ووالد سعد، ولما سمع سعد بذلك حن إلى الرجوع إلى وطنه للقيام بأشغاله، فاستأذن الامام في السير فأذن له، وطمع نفات في الولاية لما رآه في نفسه من القدرة عليها، فعزم على السفر سعد راجياً أن يعينه الامام حاكماً في مكان أبي يونس، ويرجحه على سعد اذا رأه متوجهاً معه، ولكن الامام بعد استشارته أهل الرأي ترجع لديه صلاحية سعد للقيام بهذا الأمر، لما شاهده منه بعد تكرار التجربة من
مع
الصلابة في الدين والشدة والوقوف عند مناهي الشرع الشريف.
فكتب السجل البيورلدي أو الفرمان) باسم سعد وطواه وختمه وسلمه لهما بدون أن يخبر نفاتا بشيء، ولابد من أن يكون قد أخبر سعداً وأمرهما بالمحافظة على ذلك الظرف إلى أن يسلماه لمن وجهه باسمه من جماعة المسلمين بقنطرارة، فاستراب نفات القضية واستفزه الشره وسوء الظن بالامام، فتخلف في طريقهما عن سعد وفتش في الرحال واستخرج الكتاب وفتحه، فاذا هو محرر باسم سعد لا باسمه فامتلأ حقداً وأضمر في نفسه كل شر قدر عليه، وبعد أن وصلا وسلما الظرف لصاحبه واتضح ان الامام عين سعداً حاكماً جمع سعد أهل النظر والرأي، وقرأ عليهم أمر الامام تعيينه عاملاً عليهم، فاستبشروا به وشهدوا باصابة رأي الامام، موقع الرضاء والقبول منهم فأحسن سعد السيرة، وأقام منار العدل جارياً على سنن والده
251 (1/251)
صفحة 252
في التعفف، وجمع الكملة، وكان له مسجد معروف به يقيم فيه الجمعة والعيدين، والأوقات كلها.
المتقدمة
من
التي.
هذا ما كان من أمر سعد، وأما نفات فانه ذهب إلى قريته وهي لا تتجاوز في البعد عن قنطرارة مسيرة أربع ساعات أو خمس تقريباً، وشهر هنالك الطعن في الامام قائلاً: انه يلبس الطرطور وسيرج إلى الصيد، ويصلي بالأشبر ويزيد في الخلقة (يعني انه عظيم العمامة كبير الوجه طويل اللحية جداً) إلى غير ذلك مما يعده في زعمه طعنا، وجهر بالقول بمسائله خالف فيها، فخاف سعد من أن يغر العامة بكلامه، فصار يكرر له النصائح، وكلما اجتمع به وبخه وهدده، وربما الان له القول، اذا خلا به سياسة وتأنيساً له، أملاً في رجوعه ومحافظة على الهيئة الجامعة الشقاق، الا انه لم يجد نفعاً، وبلغ من ملاطفة سعد اياه والاحتراس من فتنته، أن اشترى داراً بجنب داره، وشرع في بنائها، ففرح أهل القرية والقرى المجاورة لها بذلك، لما شهر به سعد من الاستقامة في أحكامه بقنطرارة، وصار الناس يأتونه لزيارته واعانته بلوازم البناية، ولقضاء حوائجهم أفواجاً أفواجاً، وللعلاقة التي بينه وبين نفات من حيث العشرة، صار نفات هو المقدم في مباشرة الأمور ساعياً بقدر طاقته في الاعانة بما يلزم من نفسه، ومن غيره، وكان مؤدياً حق الصحبة والجوار مجتهداً في العمل بيده، اذ كان بناء عظيماً، له معرفة بطرق البناء، فاذا رأى سعد الناس قد اجتمعوا قال لنفات، وهو في عمله: متى تترك كفرك وضلالك يا نفات؟ خوفاً من أن يتوهم الناس أنه راض عنه، وأنه في ولايته اذ استعمله في البناء وقدمه في أشغاله فيقول نفات منزها نفسه: معاذ الله أن أكفر وأضل يا شيخ، وربما قال له ليس الشتم بعبادة يا شيخ، وإذا خلا المجلس من نفات قال سعد للحاضرين: انما جزاء نفات مني على عمله هذا، وخدمته الخبز الشتم والتهديد، وما فعلت ذلك الا ليعلم الناس أني غير راض
واللحم،
،
بسيرته، فلا يغترون بأقواله وفتنته.
252 (1/252)
صفحة 253
ولما بلغ الامام خبر نفات، وانتقاده عليه قال: ليأت الينا نفات فيوضح لنا ما أنكره منا، فان كان حقاً قبلنا (والرجوع إلى الحق فريضة)، وان كان
باطلاً (فايه) فلما. سمع نفات ذلك، وعلم بطلان حجته قال: ان كلمة (إيه) القتل عينه، فالى أين أذهب؟ وبقي على ذلك، والامام لم
السلطان من
هي
يأذن فيه بشيء، والعمال لم يتجاسروا على معاملته. انتظاراً لاذن بسوء الامام فيه بما يراه من الحكم، إلى أن شاع أمره وذاع خبر خلافه وفساد عقيدته، فكتب عمال الامام الذين بلغهم خبره اليه ببيان حاله ومسائله
التي خالف فيها.
جواب الامام أفلح - رضي الله عنه ـ إلى المسلمين في شأن نفات
ولما كثر ورود أخبار نفات على الامام من عماله أجابهم، رحمه الله بهذه الرسالة موجهاً بها إلى عامله على نفزاوة، وهي تراها بعيدة عن جبل نفوسة - وطن نفات - مستقلة عنه، وعن قنطرارة، الا أن العمال لشدة احتراسهم ومحافظتهم كاتبوا كلهم الامام بشأنه، حتى لا يكونوا مقصرين في النصح، وكأن عامله هذا من المقبولين عنده أكثر من غيره لحسن سيرته،
ولمكان أبيه عنده اذ كان وزيراً له.
الله
-
عنه قال ـ رضي سيدنا محمد وعلى آله وسلم:
: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على
من أفلح بن عبد الوهاب إلى ميال بن يوسف، يقرأه على من بحضرته ويوجهه إلى كل من يرى توجيهه إليه، أما بعد: فالحمد لله المحسن إلى أوليائه المنعم عليهم بحسن بلائه، معز أهل طاعته وناصر القائمين بحقه، فليس من اتبع أمره بمخذول، أحمده على ما أنعم به علينا، وأحسن فيه
253 (1/253)
صفحة 254
الينا حمداً أبلغ به رضاءه وأستوجب به المزيد إنه قدير، انتهى. إلى الكتاب الذي كتب به اليك، تحية ابن عبدين، فقرأته وفهمت كل ما ذكره لك فيه عن كل خائب جاهل، بما هو عليه متحامل على مالا علم له به، متخبط في أموره خبط عشواء، لم يبلغ العلماء فيقتبس منهم، ولم يصحب أهل الورع فتحجزه آثارهم عن الهجوم على مالا علم له به، لكنه نشأ وحيداً، وأقام متوحشاً من العلماء، فتقلب في جوانحه الشيطان بنفخاته، فأورثه الكبر، وعظم عليه الوقوف دون مالا يعلم، حتى يعلم، فهجم على مالا يحل له، فكل شيء خطر على قلبه تكلم به مصيباً كان أو مخطئاً. وما أصابه من شيء على غير علم فاصابته خطأ اذ تكلم بما لا علم له به، وما اصابه من خطأ، أ، فهو مخطئ فيه،. الخطأ،، فهو يتردد في، ان أصاب لم يدر، وان أخطأ لم يدر فهو راكب مشكلات يخبط خبط عشواء، كحاطب ليل لا يدري ما يحطب، ولعله يحتطب ما فيه حتفه، أو حية تأتي على نفسه فنعوذ بالله من الفتنة، ومن السلوك على منهاج ذلك الرجل، لقد كان ومن مضى قبلكم من المسلمين لا يدعون مثل هذا يدخل مجالسهم، ولا يشهد جماعتهم، وكان عندهم مقصياً مبعداً مدحورا، يهجرونه ولا يجالسونه، حتى يرجع الى سنة المسلمين، وانتم محقوقون باتباع آثار سلفكم والسلوك على منهاجهم، وان تفعلو بهذا التائه المتخبط ما كان يفعله سلفكم بمن كان قبله لكي ينزجر من أراد الله به خيراً وينتبه غيره ممن يخاف عليه الاقتداء به، واتباعه ولا تظهر سنن أهل البدع ولا تقوم للشيطان دعوة وأنا مبدئ لكم ما ذكره وراد عليه ضلالته، ثم شرع في الرد عليه، وفي ابطال مسائلة التي انتحل فيها الخلاف للمسلمين بحجج واضحة، وبراهين قاطعة، وهي رسالة طويلة، فاطلبها في غير هذا.
ثم ان نفاتا لم ينته عن غيه، ولم يتيقظ من ضلاله، ولم تؤثر فيه مراشد العلماء وأهل الفضل، مع توالي النصائح اليه مشافهة وتحريراً من
254 (1/254)
صفحة 255
الامام وغيره ممن له اعتناء بشأن الدين، واصلاح الأمة، بل ازداد عناداً ورياء، فكثرت الكتابات في حقه إلى الامام من عماله وغيرهم، ممن ائتمنهم وخصهم بمكاتبته واخباره بأحوال الولاة والعمال والرعية، في
الجهات فأجابهم - رضي الله عنه ـ بواسطة مكاتبه بهذا الجواب.
الرسالة الثانية للامام أفلح إلى المسلمين في حق نفات الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
بسم
وصحبه وسلم.
من أفلح بن عبد الوهاب إلى ........ ()
اما بعد، ألبسنا الله وإياك عافيته، وكفانا واياك مهمات الامور برحمته، كتبت اليك، وأنا ومن قبلي من خاصتي والرعية عامة، على أحسن حال جرت به عادة الله، وتواترت به نعماؤه، فله الحمد كثيراً والشكر دائماً، أتاني كتابك بالذي أحب علمه من سلامتك وحسن حالك، وتواتر نعم الله عليك واحسانه اليك، والى من قبلك من الرعية وأهل الطاعة، فسرني بذلك وحمدت الله كثيراً عليه، وسألته تمام النعمة علينا وعليكم برحمته أنه مجيب، وذكرتم أمر نفات، وأكثرتم فيه الكتب وصفتم عنه أشياء لا يشك أحد منكم في أنها بدعة وخلاف لما مضى عليه سلفكم، فان يك ذلك كما وصفت فما ينبغي لاحد منكم أن يخالجه الشك في أن ذلك ضلال، لأن الهدى في أيديكم والحق ما شرعه لكم سلفكم الصالح، والائمة المرضيون رضي) الله. عنهم، فمن أتي من بعدهم بما يخالف شريعتهم، ويأخذ في غير طريقهم، فهو ذو بدعة وكل بدعة ضلال، وكل ضلال كفر، وكل كفر في النار، وأنتم على يقين من سنة أسلافكم، ولا يتبع الهدي الا في موافقتهم، ولا يخاف العاقل الهلاك الا في خلافهم،
255 (1/255)
صفحة 256
وقد قلتم في كتابكم: هو غلام حدث غر لا تجربة له في الامور فنخاف ان جشمناه السفر والشخوص، أن تحمله اللجاجة مع اعجاب الرأي والتيه بالنفس على التمادي فيما يهلك به نفسه، فما وجه ما سألتم من ذلك، وهل أنتم على شك من دينكم أو ريبة في أمركم، السنة في أيديكم وأسلافكم الماضون كانوا على مثل حالكم، بل كانت لهم عمال في حال كتمانهم وكبار يقومون بكل أمر من الحقوق وغيرها في حال الكتمان، وليس أحد منهم يقول ما حكيتموه عن هذا الغلام.
فلما حدث منه ما ذكرتموه كان أمره واضحاً، وهو أنه أخذ بخلاف ما مضى عليه سلفه وأحدث مقالة لم يقلها عنهم غيره، وأنتم على يقين من أمركم، فما أحوجكم إلى مجيئه واشخاصه، وان كنتم تريدون أن تعلموا ما نحن عليه فنحن على ما مضى عليه سلفنا، ومقرون لما حكيتموه عنه ان قاله، فقوموا عليه، فان رجع. عن مقالته، ونزع عن بدعته فمقبول منه رجوعه، ومرحباً بالتائب حيث كان، وممن كان، وأين كان، وان أبي الا التمادي، فانتم تعلمون السيرة فيمن ابتدع في دين الله، وشق عصا الاسلام، وقال بخلاف الحق، فانه محقوق بأن يهجر ويقصى ويبعد، ونفات مثل واحد من الناس لا أخصه بشيء دون غيره، والسيرة فيه وفي غيره واحدة، والسنة قائمة، وحكم الله لا يزول ولا يتبدل، فانا نشهد الله على من كان من أهل هذه الدعوة، وعمالنا وقوادنا وأهل العلم من أصحابنا، ومن ألتف اليهم من رعيتنا أن لا يسمع أحداً يبتدع في دين الله أو يسلك طريقة غير طريقة أصحابنا الماضين من أسلافنا، الا ويكون قد غير ذلك وأطفأه واستتاب من أظهره، فان لم يتب خلعه، فهذه مني عزيمة واجبة وأمر لازم وفرض محرم، أن يتعدى، وأن يقال بخلافه، فمن قرئ عليه كتابي هذا فليسمع وليطع وليتنبه إلى ما أمرت به، فان من انتهى اليه كتابي هذا في حرج ان قصر عما أمرت به، ومن عاب أحداً من عمالنا بخصلة من
الخصال
256 (1/256)
صفحة 257
أو أنكر عليه شيئاً فليرفع ذلك الينا، فنكون نحن الذين يغيرونه ان كان مما يغير، وليس للرعية الوثوب على السلطان حتى ترفع ذلك الينا، لان الوثوب على السلطان والاقتفاء للخصال التي نحن أولى بالنظر فيها، خطأ من الرعية، وضرب من ضروب السائبة، لان هذا وضربه مما لا يعلم باطنه، الا بالبحث، وقد يظن الظان في الأمر فيراه خطأ.، وهو، من حيث لا عدل يعلم، ولم يظلم من دعاكم إلى نفسه، وكلفكم بأن ترفعو أموركم اليه، لان في ذلك شفقة منا عليكم ان تهلكو من حيث لا تعلمون، والله ولي عصمتنا وتوفيقنا وإياكم، وهو المستعان لا شريك له.
وقد كتبت اليك جواب مسائلك فعليك بتقوى الله، والعمل بطاعته وحسن النظر لنفسك، فانها ان سلمت لك فقد نجوت وفزت فوزاً عظيما، ولا تدع الكتابة إلى بحالك وسلامتك، فانك تسرني بذلك والسلام
(اهـ)
ولما بلغ نفاتا خبر هذه المكاتبات في حقه، وأمر الامام عمله بتحقيق ما شهر عنه واثباته، ثم اظهار البراءة منه ونفيه وابعاده، ان لم يرجع بعد استتابته، ضاقت به الارض، وتوقع الهلاك، فكتب إلى الامام كتاباً (لم
نعثر عليه يتفهم فيه عن متوجب الأمر بالبراءة منه، ويشتمل على كلام
حمل الامام رحمه الله
منه ـ رضي
الله
على مكاتبته.
برسالة لا بسملة فيها، ولاسلام اشارة
عنه ـ إلى البراءة منه وعدم الرضاء عنه.
الرسالة الثالثة للامام أفلح - رحمه الله ـ أرسلها إلى نفات من أفلح بن عبد الوهاب إلى نفات بن نصر، أما بعد:
فالحمد لله المنعم علينا، والمحسن الينا، الذي بنعمته تتم الصالحات، ولا يهتدي مهتد الا بعونه وتوفيقه، فله المنة علينا ولا منة لنا عليه، وهو
257 (1/257)
صفحة 258
المحسن الينا اذ هدانا لدينه، وجعلنا خلفا من بعد أسلافنا الصالحين وأئمتنا
المهتدين الذين في اتباعهم نرجو الهدى، وفي مخالفتهم نخشى الهلكة
ولن يعتدي من خالف العدل ولن ينجو من ابتدع غير الحق، لأن تلك البدعة ضلالة وكل ضلالة كفر وكل كفر في النار.
وقد كتبت اليك غير كتاب، أنصح لك فيه وأدعوك إلى رشدك، وفي كل ذلك لا يبلغني من عمالنا فيك الا ما أكره، ولا أرضاه لدين ولا دنيا، حتى حررت كتاباً منشوراً إلى عمالنا أمرتهم فيه بخلع كل من خالف سيرة المسلمين واتبدع غير طريقتهم، وسار بغير سيرتهم، وبنفيه وهجره واقصائه، فكتبت إلي كتاباً كأنك تسخط ذلك، أترى اني أؤازر من ابتدع في ديننا (كلا) ما كنت بالذي يفعل ذلك، ولا أؤازر من يسعى في خلافنا ما كنا على الهدى.
،
ثم قلت: انا أمرنا في كتبنا بالبراءة منك، فان كنت كما كتب به الينا عمالنا فأنت محقوق بالبراءة، ومقصي من جماعتنا، لأننا ما كتبنا كتابنا ذلك الا على ان كل من ابتدع في ديننا خلاف أسلافنا، وزعم أن عمالنا أساقفة وانهم لا طاعة لهم في حال كتمانهم، فهو محقوق بالبراءة ومقصى من جماعة المسلمين، فان تكن أنت منهم، فأنت الذي أبحت لنا البراءة منك، وأحلت بنفسك ما لابد لنا أن نفعله بك وبغيرك، وان لم تكن كذلك فاظهر الانتفاء من ذلك، وكذب عن نفسك ما قيل عنك، لتكون عندنا بالحالة التي تستحقها وتستوجبها. وأما قولك (تب مما كتبت به فهو منك عبث اذ لم أشاهدك ولم أشاهد موافقتك حتى يجب لك علي أصل ولاية، ولم يكن لك الموافقة، وانما رفع الينا عنك ما رفعه أهل الثقة عندنا، فأمرنا عمالنا أن
تقدمة عندي
في
يسيروا في كل من ابتدع بسيرة المسلمين وكتبنا اليهم بذلك، فجعلت (1/258)
صفحة 259
تكتب الينا فيما ليس لك به كتاب، فعلام تتجاهل في الأمور، فان كانت
غايتك انما
هي
ان نكتب اليك وتجيب، وتكتب الينا ونجيب، فهذه غاية
قصيرة والسكوت عنك أهنأ واولى بنا، ونحن بأمنينا به أحق من مجاوبة أهل التكلف، ومن ليس له غاية الا أن يقال فيه كتب فلان، وقال فلان و فلان يفعل ويفعل فلان، وان كانت غايتك التصحيح فانف عن نفسك ما رقي عليك، وكن من جماعتنا وموافقي اسلافنا، فاذا تبينت منك الموافقة والانتفاء مما رقي عليك، كان ذلك هو الذي نحبه منك ومن غيرك، وليس لك عندي غير هذا، وان يكن حقاً ما رقي عليك وما قيل فيك من مخالفة اصحابنا، فأنت وما رضيت به لنفسك، واني غير كاتب اليك كتاباً بعد هذا، الا ان انتهى الينا منك ما نحبه فننزلك من انفسنا بحيث تحب، والله المستعان ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم (1 هـ).
هروب نفات إلى الشرق واستنساخه ديوان الامام جابر بن زيد - رحمه الله ـ من مكتبة الخليفة ببغداد
فلما قرأ نفات هذا الكتاب، وفهم اشارات الامام فيه، وأدرك منتهى ما ترمي اليه آخر عبارة منه، وهي قوله: (واني غير كاتب اليك كتاباً بعد هذا، علم أن دور الكتابة واللين قد انتهى، وانسد بابه ولم يبق الا دور الشدة والعنف، الذي فهمه قبل ذلك من قول الامام (إيه)، فانتهز الفرصة المال نقداً تحته، وكان غنياً مثرياً وهرب طالباً للنجاة
وجمع
ماعنده
من
بنفسه إلى أن تجاوز حد نفوذ الامام، وهو (أرض سرت)، وظل سائراً نحو
الشرق حتى أتي مدينة بغداد، وهي اذ ذاك مقر خلافة بني العباس بالمشرق، وأقام فيها ما شاء الله ان يقيمه، متردداً على صديق له بغدادي في السوق يتأنس اليه، ويمضي جل أوقات فراغه عنده، إلى أن طرأت على
259 (1/259)
صفحة 260
السلطان مسألة علمية أشكل عليه الأمر فيها، وعجز علماؤه عن حلها، فأمر أن ينادي في الاسواق بأن كل من أجاب عنها بجواب مقنع له ما يسأله من
السلطان، وبينما نفات عند صاحبه اذ سم ذلك النداء، فقال لصاحبه:
سمع
اختطفه
اني سأذهب إلى السلطان وأسأله بيان مسألته لأجيبه عنها، فقال له:: الزم نفسك فان الحال ليس بسهل وكأني بك وقد عجزت عن اداء ما تحملت به، فأمر بقطع رأسك، وليس هذا بميدان يجول فيه كل أحد، فأصر نفات على كلامه، ولما مر المنادي أمام الدكان قال له صاحبه ان هذا المغربي ذكر أنه يقدر على جواب السلطان، فلم يك الا كلمح البصر حتى الشرطي، وذهب به إلى أن مثل بين يدي السطان فقربه اليه وأدناه وأنسه، وسأله عن أحواله ونسبه ومسقط رأسه فأجابه عن كل ذلك بأوجز بيان، ثم رأى أن يمهد لنفسه عذراً حتى يكون مطمئناً آمناً من الهلاك ان هذا هفوة في اللغة كلامه عالماً بأن آفة الانسان اللسان، فقال له: اعلم اني رجل بربري والطبع، مغربي المشرب، لم أتخلق بالآداب الشرقية حتى أقوم بما يجب علي من حسن القول امام مقامك العالي، فأطلب الاذن في التكلم بما يخطر ببالي مع العفو عما يصدر مني من الخطأ الغابر لسنن الأدب، وبعد أن تلفظ له بالأذن كما طلب، سأله مسألته فأجابه في الحال بجواب كاف شاف اقنعه كل اقناع، واعجاب الخليفة به، صار يكرر له السؤال عن معضلات
?
المسائل، وهو يجيب.
عن
وكان المجلس حافلاً بالعلماء والفقهاء والأدباء والأمراء، وأولي الوجاهة من أكابر بغداد اذ كانت للمسألة شهرة عظيمة، ولها من قبل ذلك في الدوائر والمجالس ذكر شائع، وطفق أولئك العلماء يسألونه سؤالاً بعد سؤال. وهو يجيبهم إلى أن أعياهم الأمر، وملوا الجلوس، ولحق الخليفة من العجب ما أبهر عقله وحير فكره، فنظر اليه وهو على هيأته المغربية فيما يظهر من قرائن الاحوال، وقال معرضاً به: (نعم) العسل في ظرف سوء) ففطن لها
260 (1/260)
صفحة 261
نفات وقال في الحال معرضاً بديوان جابر المتقدم ذكره وهو موجود بخزانة (مكتبة) الخليفة: (نعم الرجل في قبر سوء) ففطن الخليفة أيضاً لمراده واشتد به الحنق، وكاد يأمر بالفتك به، لولا ما صدر منه من الاذن في التكلم والعفو عن الخطأ، ثم قال له: اسأل حاجتك لنوافيك بها جزاء لعملك هذا، فقال له: ان حاجتي هي صدور أمرك بالاذن لي في نسخ ديوان جابر بن زيد الموجود في مكتبتك، فما توانى السلطان في اذنه بذلك، وقام نفات فرحاً بما ناله من الاقبال والفوز، وكان الحاضرون من وزراء السطان وخواصه فأدركهم من الجزع ما كدر راحتهم اذ رأوا السلطان مسايراً لنفات في أمر الديوان، فقالوا له بعد خروج نفات: كيف يصح لك يا أمير المؤمنين أن تأذن فينسخ الديوان؟ وهو معدود من مهمات خزانتك وغرائبها، حيث أنه لا يوجد في غيرها قط، وهذا مما لا نرضاه منك، فتنبه اذ ذاك وندم وقال: اني قد وعدته، ولا يمكن لي الرجوع في كلامي فانظروا لي وجهاً مناسباً لا يحط بشرفي، وأمنعه به من ذلك فقال له أحد الوزراء: اذا رجع اليك فاعلمه بأنك موف له بالوعد، الا أن مدة النسخ لا يمكن أن تتجاوز يوماً وليلة، فانه منك ذلك ترك الطلب، لأن هذا القدر من الزمن لا يغنيه شيئاً،
اذا سمع
فاستصوب السلطان هذا الرأي، وأرسل في الحال إلى نفات يعلمه بذلك. ففطن نفات لهذه المكيدة وأدرك أن المسألة دبرت على أثر خروجه من عند السلطان، فرضي بالشرط، وذهب فاشترى ما يكفيه بالتقريب مداداً وأقلاماً وورقاً، وصنع أحواضاً مجصصة بالجير مصففة على هيئة يتمكن بها من الكتابة كل ناسخ.
ثم أمر مناديه فنادى في المدينة بأن كل من يحضر إلى المحل الفلاني في يوم كذا ويكتب طول يومه فله دينار، وللذي يملي عليه نصف دينار، وغير خفي ما كان في ذلك العصر العامر بالأدب والعلم من الكتاب والقراء، فاجتمع له خلق لا يحصى وشرعوا في الكتابة إلى الليل وقبل انتهاء وقت
261 (1/261)
صفحة 262
هؤلاء نادى المنادي أيضاً بأن من يكتب ليلته هذه فله ديناران، ولمن يملي عليه دينار، فبقي من الأولين من بقي، وخلف من ذهب غيره، واستمروا في الكتابة، وما طلعت الشمس حتى تم له نسخ تسعة أجزاء، وبقي له جزء واحد منعه السلطان. اتمامه لانتهاء الوقت المحدد المأذون به، فأستأذن عليه من ودخل فطلب منه أن يتصفحه مرة واحدة، ويرده فسلمه له، وبعد أن أتمه سردا قال له قد حفظته وان أردت أن أقرأه عليك لتعلم صدقي فعلت، فتعجب الخليفة من ذلك وأمره بقرءته فقرأه إلى آخره بحيث لم يترك.
شيئاً قط.
منه
ثم ان الخليفة جمع وزراءه، وقال لهم قد أعيانا أمر هذا الرجل، وما قدرنا له على حيلة، وها هو قد أتم الكتاب، وأراد السفر، لابد لنا من رأي نتوصل به الى سلبه منه، فأشار كل برأيه، ثم قال هو: ان يسأله عند خروجه الى سفره عن اسئلة، فان عجز عنها سلبته منه بوسيلة انه ليس له بأهل، أو قتلته، وان اجاب فاسألوه انتم واحداً بعد واحد، حتى يعجز فنفعل به ما ذكرناه، فاتفقوا على ذلك وافترقوا، ولما بلغهم ان نفاتاً برز برحله للسفر حضروا ومعهم الخليفة بصورة انهم يودعونه، وابتدأوه بالاسئلة المتتابعة زمناً طويلة، حتى تنبه إلى أنهم ما فعلو ذلك الا لقصد ارجاع
الديوان منه.
ولما رجعوا ولم يقدروا له على شيء أجمعوا علي أن يرسلو وراءه من ينتزعه منه، فتحذر هو وحاد عن الطريق المعروف فلم يدركوا له أثراً، وتوجه إلى مكة ثم منها إلى طرابلس، ولما بلغها سأل عن الاحوال فوجدها قد تغيرت، ووجد دولة الامام في قوة عظيمة ونفوذ كامل، واذ ذاك علم انه لا مطمع له في شيء مما كان يقصده من الخروج عن الطاعة، واستغفال العامة، ورأى ان السكون أسلم وأصلح له، إلا ان الشيطان غره وضاعف حسده، وسولت له نفسه ان. ذلك الديوان حتى لا ينتفع به أحد بعده،
يعدم
262 (1/262)
صفحة 263
ولعله خاف ان يطلبه منه الامام لينسخوا منه نسخة للمكتبة المشهورة بخزانة نفوسة الجامعة اذ ذاك للآلاف المؤلفة من الكتب بمدينة (سروس) في جبل
نفوسة، أو لمكتبة تيهرت، فحفر له في الارض ودفنه وأخلد إلى السكون إلى أن مات.
غليظ
وقد ذكر هذه الحكاية أبو زكرياء - رحمه ا
الله
|-
وغيره، ولا غرابة فيما ذكروه من حفظ نفات، فان ما يحكى عن. حفظ الشيخ السيوطي وغيره لا يبعد عن هذا، وانما الغرابة في نسخ الديوان في تلك المدة القصيرة مع قولهم انه كان وقر عشرة جمال، وانظر على هذا كيف تأتي لجابر رحمه الله تأليفه ونسخه مع اشتغاله بأمور المسلمين، إلا ان يقال ان الخط في ذلك الوقت جداً، ولا سبك فيه كما نشاهده في الكتب العتيقة، وان المكتوب فيه جلد لا كاغد، ولو كتب الآن لكان في أقل من ذلك بكثير، وقد تعرض صاحب کشف الظنون لذكر هذا الديوان، ولم يقل فيه شيئاً والله أعلم. والذي ذكره بعض أصحابنا فيما رأيته، ان نفاتاً تاب ورجع عن مسائله خالف فيها، وهو كلام قريب، اذ لم يرو أحدا أنه ذكر الامام بسوء، أو تكلف لاثارة فتنة أو سعى في فساد. بعد رجوعه من المشرق، بل كان الامام بعد ذلك نافذ الامر، ظاهر السيطرة في نفوسة وغيرها والله أعلم
التي.
بالحقائق.
263 (1/263)
صفحة 264
امتحان الشراة من المسلمين للامام أفلح - رحـ
بتولية العلامة.
محكم
القضاء
الله -
(الشراة) في اصطلاحهم تقريباً، لفظ يطلق ويراد به جماعة تتركب من أربعين رجلاً فما فوق ذلك، اشتروا آخرتهم بدنياهم، بمعنى انهم تخلوا عن
، فهم.
الدنيا وعاهدوا الله على انكار المنكر، والامر بالمعروف، بدون مبالاة ولا خوف من الموت، ولو أدى بهم ذلك الى القتال،، دائماً يمتحنون الائمة والعمال بما يستدلون به علي سرائرهم، وخفايا مقاصدهم واعمالهم ويحمدون سيرتهم أو يذمونها، وعلى ذلك يكون مدار أقوال الناس فيهم، ولذلك تجعل الائمة والحكام مراشدهم نصب أعينهم لعلم الجميع باخلاصهم العمل لله، في اصلاح الامة واقامة الدين.
وقد امتحنوا هذا الامام ايضاً بما جعله في أرفع درجات الرضاء والقبول، عند الخاصة والعامة، من المسلمين، وقد ذكر ذلك ابن الصغير المالكي في تاريخه مفصلاً، فخذه أيها القارئ منه بعبارته.
قال: وكان أول ما امتحنته به الشراة، أن قاضياً من قضاة أبيه مات في أيامه، فاجتمعوا اليه وسألوه أن يولي القضاء من استحق ذلك عنده، فقال لهم: اجمعوا جمعكم وقدموا خيركم، ثم اعلموني به أجبره لكم، وأعضده على ما يكون فيه الصلاح لكم، فقلبوا أمرهم فلم يرتضوا أحداً منهم، وأجمع رأيهم على محكم الهواري الساكن بجبل أوراس (صاحب التفسير المشهور)، فأتو إلى أفلح ابن عبد الوهاب، وقالوا له: قد تدافعنا هذا فيما بيننا، فلم نرض أحداً منا، وقد رضينا جميعاً بمحكم الهواري الساكن بجبل اوراس لخاصتنا وعامتنا، وديننا ودنيانا، فقال افلح: ويحكم دعوتم إلى رجل هو كما وصفتم في ورعه ودينه، ولكنه هو رجل نشأ في بادية لا يعرف لذي القدر قدره، ولا لذي الشرف شرفه، وان كان ليس منكم أحد يحب أن (1/264)
صفحة 265
يظلم، ولا يظلم، ولكن تحبون ان يجري فيكم الحقوق على وجهها بلا نقص لاعراضكم، ولا امتهان لأنفسكم، قالوا: فانا لا نرضى لقضائنا أحداً غيره، فقال الذي حدثني أخبرني أبي أن أشد الناس بولاية محكم على أفلح أخوه أبو العباس قال أفلح: أما اذا أبيتم غيره بعد نصحي لكم، فابعثوا رسلكم اليه على بركة الله، قال: فخرجت الرسل بكتاب من أفلح،
وكتاب من الشراة في داخل كل كتاب منهما بعد اثبات اسم الله العظيم. أما بعد: فانه قد نزل بالمسلمين أمر لا غنى بهم عن حضورك، وهم منتظرون لقدومك، ولا يسعك التخلف فيما بينك وبين الله عن اللحوق بهم، والاجتماع معهم، ليجمع رأيك ورأيهم على ما فيه صلاح المسلمين، فلما ورد كتاب القوم ورسلهم على محكم عمد إلى دابة له وركبها، وأخذ كساءه وعصاه، ثم توجه نحو القوم، حتى أتى البلد وقصد المسجد الجامع، فنزله وابتدر اليه أصحابه، فأحاطوا به، وقالوا: ان فلاناً ابن فلان القاضي توفي، وقد أجمع رأي المسلمين، ورأي الامام عليك، (واعلم) انك متى تخلفت عما دعوناك اليه كنت المسؤول عن كل دم يراق بغير حله، وفرج يوطأ بغير وجهه، فاتق الله ولا تخالف الامام والمسلمين، فيما دعوك اليه، وانك ان خالفت أجبرناك، وان أطعتنا شكرناك، فقال لهم: أن الحق مر أمر من شرب الدواء، الا كرهاً، وأنتم مترفهون ابناء نعم، وغيري احب اليكم مني نصحتكم، فاقبلوا نصيحتي، وذكروا كلاماً يطول، ثم قال: اما اذا أبيتم الا هذا فارجعوا ألى امامكم، فاعلموه بما أعلمتكم، وشاوروه في أموركم، قالوا: لقد فعلنا، قال: على بركة الله، فأنزلوه في الدار المعروفة بدار القضاء، واشتروا له خادمة صفراء تخدمه، وأجروا عليه من بيت المال قوته، وسار فيهم السيرة التي أملوها منه، ورجوها عنده، فبينما هو على من أمره، اذ تنازع أبو العباس أخو أفلح المشير له والمرغب فيه، وصهر لأفلح في أرض، فارتفعا إلى أفلح، أبو العباس أخوه، والآخر صهره، فقال لهما أفلح: كلا كما يعز علي، ولكن ارتفعا إلى محكم.
ذلك
265 (1/265)
صفحة 266
وكان أبو العباس يحب ذلك لتقديمه لمحكم، وايثاره اياه، وكان الآخر يكره ذلك ويحب ان لو كان امرهما عند أفلح، فأغتنم أبو العباس كلام أفلح، وبادر الى بغلة له شهباء هملاجة فركبها، وكان صاحبه على رمكة بطيئة المشي، فأتي ابو العباس محكماً فوجده خالياً في سقيفة داره، ولم ير مع أبي العباس أحداً فأجلسه محكم الى جنبه، وأقبل عليه يحدثه وخصمه متخلف على دابته، فبينما هما كذلك إذ أقبل خصمه حتى نزل على باب دار محكم فلما رأى أبو العباس خصمه قد نزل نادى باسم جارية محكم، فخرجت اليه فاستسقاها ماء ليرى ابو العباس خصمه دالته على القاضي ليردعه بذلك، فلما صار القدح الى الجارية قال الخصم: في نفسه الى من احاكم، خصمي جالس الى جنب القاضي ويستقي الماء من داره، وأنا ملقى على باب الدار، لا يلتفت إلي ولا ينظر نحوي، قال: ثم حانت منه التفاتة فاذا بالرجل جالس، فقال له: ما بالك يا هذا وما قصتك؟، فقال له: جئت خصماً لأبي العباس فوجدته جالساً إلى جنبك، فجلست في موضعي هذا، قال: فغضب محكم على أبي العباس، فقال يا أبا العباس: تأتي مع خصمك فتجلس إلى جنبي دونه، وتستقي الماء من داري وبيد جاريتي، يا غلام خذ بيد أبي العباس فاقعده مقعد خصمه، ولا يبرح، وخذ بيد خصمه فاقعده إلى جنبي، ومر الجارية فلتسقه ماء، فعل الغلام ما أمره به، فخرج أبو العباس مغاضباً قد شق جيبه حتى دخل على أخيه (الامام أفلح، فلما رآه قال له مالك: وما عراك؟ قال له: نزل الهواري .. الجافي مالم ينزل بأحد، فقال: وما ذاك؟ فقص عليه القصة من أولها إلى آخرها، فلما فرغ من كلامه قال له: يا أبا العباس قد كنت أعلمتك بهذا من قبل، والصواب ما فعل، والحق أولى ان يؤثر ولو فعل غير هذا لكان مداهنا، فاتصل ذلك من كلامه بوجوه الأباضية فأعجبهم وسروا به (1 هـ) بالحرف الواحد، ومما امتحنه به وفد نفوسة، أنهم نزلوا عنده أضيافاً ولما حضر الطعام وقف على رؤوسهم بالقنديل، وهم يأكلون، فمد له واحد منهم لقمة مما بين أيديهم باتفاق مع رفقائه، ولما كانت احدى يديه ـ رحمه
بي
من
هذا
266 (1/266)
صفحة 267
الله ـ مشغولة بالقنديل ولم يكن من الأدب قبوله اللقمة بيد واحدة، وضع القنديل فوق كبته حتى لا يختفي عنهم نوره، وتلقى القمة بيديه، ولم
يتكبر فشكروه على ذلك
رحمهم
الله أجمعين.
ولم يزل - رضي الله عنه - يوالي الارشاد ويتابع كتب النصائح إلى عماله في الجهات، والى الجموع في البلاد تارة باللين والسياسة استمالة للنفوس الشاردة وتأميناً للقلوب الوجلة، وتارة بعبارات الشدة وجمل الارهاب والفاظ التهديد قهراً لذوي المقاصد السيئة، وقطعا لأمال أولي الألباب الفاسدة والنيات الخبيثة، عادة كل ملك حكيم مدير جامع للضداد من الشدة واللين، والا كان عاجزاً عن ضبط ملكه وقهر أعدائه، فليتتبع من رام معرفة قدر علو همم الكمل من الرجال، غصون رسالة هذا الامام القائم بالعدل الشاهر للحق التي اتحف بها عامة رعيته وخاصتهم، نصيحة لله وهدية، وتليت عليهم بواسطة عماله في المجالس، فكان لها في النفوس وقع عظيم، وفي صفحات الصدور تأثير جسيم، لما اشتملت عليه من النصح
والترغيب والترهيب، وهاكها بمعانيها الفائقة والفاظها الرائقة
النصيحة العامة من الامام أفلح رحمه الله إلى كل من كان
تحت لوائه من المسلمين
بسم
الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم.
من أفلح بن عبد الوهاب، إلى من بلغه كتابنا هذا من المسلمين، أما بعد، فالحمد لله الذي هدانا للاسلام، وأكرمنا بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأبقانا بعد تناسخ الأمم، حتى أخرجنا في الأمة المكرمة التي جعلها أمة وسطا شاهدة لنبيها بالتبليغ، ومصدقة لجميع الانبياء، وشاهدة على جميع الام بالبلاغ:، من الانبياء عليهم السلام، اليهم منا من الله، ورحمة أرسل
267 (1/267)
صفحة 268
الينا نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى، ووعده بالنصر علي
الاعداء، وضمن له الفلج والغلبة ووعده بالعصمة، وقال له عز وجل: «يأيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس، فأدى عليه الصلاة والسلام ما أمره الله به، ونصح لأمته، ودعا إلى سبيل ربه، وجاهد عدوه، وغلظ على الكفار، ولان للمؤمنين، فكان لهم كما وصفه الله عز وجل رءوفاً رحيما» حتى أنقضت مدته وفنيت أيامه، واختار له ربه ما عنده، فقبضه محمود السعي مشكور العمل، صلى الله عليه وسلم، فلم تبق خصلة من خصال الخير الدالة على الرشد الداعية إلى النجاة، الا ودعا اليها وسنها أو فرضها، أو أوجبها، ولم تبق خصلة من خصال الشر الداعية إلى الهلكة الا وزجر عنها، وأمر باجتنابها رحمة من الله لعباده، فله الحمد على ذلك كثيراً، ثم أمر تعالى بالجهاد في سبيله، والقيام بحقه والاخذ بأمره، والانتهاء عما نهى عنه، وفرض الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، واغاثة الملهوف والقيام مع المظلوم، والقمع للظالمين، لكي لا تقوم للشيطان دعوة، ولا تثبت لأهل حزبه قدم، ولا ينفذ لهم حكم، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عماد الدين واعزازه، وهو الجهاد وتأدية الحقوق الواجبة لله تعالى، فعليكم معشر المسلمين بتقوى الله العظيم، والقيام له بحقه فيما وافق هواكم أو خالفه، وتقربوا إلى الله بالقيام بطاعته، وطلب مرضاته لتنالوا بذلك ما وعد به من جزيل الثواب، وكرم المآب.
وعليكم بتقوى الله واتباع آثار سلفكم فقد سنو لكم الهدى، وأوضحوا لكم طريق الحق، وحملوكم على منهاج، ففي اتباعهم النجاة وفي خلافهم تخشى الهلكة فاتبعوا ولا تبتدعوا، واجتهدوا في ادراك ما أدركوه، واياكم والبدع فان البدع هلكة وسوء طريقة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة كفر،
268 (1/268)
صفحة 269
وكل كفر في النار، فمن ترك آثار سلفكم الصالحين واتبع غير سبيلهم، فقد أحل بنفسه الهلكة ووجب عليكم القيام عليه، والبراءة منه، وخلعه مما هو عليه، حتى لا يجد عندكم هوادة ولا ادهانا، وحتى لا تقوم لظالم حجة، ولا تطاع له مقالة، فانكم متى لم يجد ظالم فيكم ولا عندكم مقاماً، عززتم وعز دينكم، وكان لكم ذلك عند الله فوزاً عظيما.
(واعلموا أن الله قد أوجب عليكم أن تقوموا الله بالعدل في عباده وبلاده، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، فليس لاحد منكم عذر ولا حجة يحتج بها على الله، فقد أوضح لكم المنهاج، وأنار لكم طريقة الحق، وجعل لكل زمان رجالاً تسند اليهم الأمور، ويأمرون فيطاع أمرهم، ويدعون فيجاب نداؤهم، وأنتم رجال أمانكم والكبراء من أهل موضعكم، فأعرضوا أعمالكم على اعمال من تقدم قبلكم من سلفكم، وأهل الزمان الأول من أوائلكم.، فان كانت اعمالكم موافقة لاعمالهم، فالله على ذلك محمود، عليكم الثبوت والازدياد من كل خير، وان كانت أعمالكم قد قصرت عن اعمالهم، وحطمكم الذنوب عن بلوغ درجاتهم، فاحسنوا محاسبة انفسكم وانتبهوا من نومة الغفلة، وخذوا لانفسكم من أنفسكم وانتم سالمون من قبل ان تؤخذوا ويؤخذ منكم بالكظم، وتصيروا إلى حالة لا يستغيث فيها مستغيث، ولا تقبل من نفس فدية، فاتقوا الله حق تقاته، وتواصو بالبر والتقوى، ومروا بالمعروف المفترض عليكم، وانهوا عن المنكر الذي قد نهيتم عنه (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين) فانكم لن تسارعو اليها بالأماني والتوكل، وانما تسارعون اليها بالعمل الصالح والمسارعة إلى مرضاة ربكم، ولن تنالوا ذلك، الا بعون من الله وتوفيقه. ثم أحذركم أهل البدع الذين لم يعرفوا حقاً فيتبعوه، وان يلقو أهل العلم
269 (1/269)
صفحة 270
فيقتبسوا منهم الذين، عاشوا مع أهل الجهل فخلا
بهم
الشيطان، ونفخ في قلوبهم الكبر، وأورثهم العجب، فاستحيوا أن يقولوا فيما لا يعلمون لا نعلم، فأفتوا برأيهم أقواماً جهلة لا يعرفون ما يقال لهم، قلدوهم دينهم وألزموا أنفسهم الرأي، فاتبعوهم على بدعتهم فضلوا وأضلوا كثيراً، وضلوا عن سواء السبيل، فويلهم ماذا سوغت لهم أنفسهم، وما الذي ظنوه وأملوه اذ تركوا آثار من مضى من السلف الصالح، هل يخافون الهلكة في اتباع آثارهم أو يرجون النجاة في خلاف سبيلهم؟ كلا ولكنهم اتبعوا أهوائهم بغير حق، فألزمتهم فتنة الجهل، وانتفخت صدورهم من نفخة الكبر، لم يحاسبوا أنفسهم فينكشف لهم خطأهم، فاحذروا معشر المسلمين من كانت هذه صفته، ومن حل بهذه المنزلة ورضيها لنفسه، واعلموا أن من كان كهذا فقد صار من حزب الشيطان وأوليائه، لان الشيطان لم يضل ولم يهلك الا من باب الكبر، أمره الله أن يسجد لآدم صلى الله عليه وسلم فتكبر عليه وقال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فويله ماذا عليه من آدم اذ خلقه من طين لو سجد له كما أمره الله تعظيماً لله لا لآدم، وطاعة لله لا لآدم، وان كان آدم من طين فهو انما يطيع الله لا آدم، لكنه تكبر فهلك،
الله
وعاند فكفر، وغوى فضل، وأصر فأهلك نفسه، ولم يضر ذلك آدم. فهكذا هؤلاء المبتدعون الراغبون عن آثار سلفكم، واتباع منها جكم، والسلوك على طريقتكم، لم يضروا الا أنفسهم، ولم يحطبوا الا على ظهورهم، ولم ينقصوا الا حظهم، ولم يذهبوا الا نصيبهم، فأما أنتم فعلى بصيرتكم ان تجنبتم طرقة المبتدعين، وخالفتم سنة الظالمين، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله. عليكم واحسانه اليكم وارغبوا اليه في التوفيق والعصمة، واحذروا ما حذركم منه من اليم عقابه، وارغبوا فيما رغبكم فيه من جزيل ثوابه، واذكروا ما نهاكم عنه، وما وصفه لكم عن كل المبتدعين قبلكم،
270 (1/270)
صفحة 271
ومن أضل من الناس فيما مضى، قال عز من قائل: «ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم لعمري ما تفرقوا واختلفوا الا ببدعة ابتدعوها، وضلالة أحدثوها وفتنة رماهم الشيطان بها، فنفخ في قلوبهم الكبر، وأورثهم العجب، فحملهم على ترك المنهاج الذي مضى عليه صالح سلفهم، وزين لهم بدعتهم وصيرهم بعد الهدى ضلالاً، وبعد الايمان كفار، فقال عز وجل لهم وفيهم: «أكفرتم بعد ايمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون فسماهم كفاراً بعد الايمان بما أحدثوه وابتدعوه، اذ تركوا ما شرع لهم من الدين وقال عز من قائل: «وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون فمدحهم اذ ثبتوا على دينه، واتبعوا امره وسلكوا على منهاج اوائلهم، فعليكم معشر المسلمين باتباع الآثار، العمل بما عمل به اسلافكم المتقدمون قبلكم، فقد سنو لكم الهدى، ففي اتباعهم كل رشد، وفي مخالفتهم كل غي، والرشد خير من الغي والهدى خير من الضلالة، والجنة خير من النار، ولن يستوي عند الله من عمل بطاعته، وامره، ومن عمل بمعصية وركب سخطه، ألم تسمعوه يقول عز وجل «أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون» (هذا) وقد بالغت اليكم في النصيحة وشرحت لكم الموعظة، ورضيت لكم بما رضيت به لنفسي، ونهيتكم عما انهى عنه نفسي، نصيحة لله واجتهاداً في طلب رضائه، والله اسأل أن يوفقنا وإياكم لطاعته، والقيام بحقه برحمته انه قدير والسلام عليكم ورحمة الله (اهـ)
النافعة
فتأمل ايها القارئ حفظك الله في هذه الموعظة البالغة، والحكم التي ما صادفت قلباً قاسياً الا ولان، ولا طبعاً جامداً الا وهان فهي لعمري الحق أكسير الهداية والتوفيق، ونبراس النهج الحقيق، منجية الغريق، ودليل الحائر إلى أقوم طريق، وهدية الصديق إلى الصديق، هكذا والله شأن أئمة
271 (1/271)
صفحة 272
الاسلام، وهكذا خلفاء الله على الأنام، وما سواهم ممن أطنبوا فيهم الكلام، وسيكوا في وصفهم النشر والنظام، الا أوهام في أوهام وسراب
كأضغاث أحلام.
عمال هذا الامام ـ رضي الله عنه
ومن ولاته وعماله المشهورين، العلامة أبو عبيدة واليه على جبل نفوسة، والعلامة ميال ابن وزيره يوسف، عامله على نفزاوة وما يليها، والعلامة سعد بن أبي يونس، عامله على مدينة تيجي، والعلامة العباس بن أيوب واليه على جبل نفوسة، بعد أبي عبيدة، والظاهر أن هذا بقي الى آخر دولته أو توفي قبله بقليل، اذ لم نعثر قط على مكاتبة تدل على شيء من ذلك، ولم نقف على من ولى الجبل بعد العباس، وقبل ابنه أفلح، الا ما ذكروه من ولاية العلامة ابي ذر ابان - رحمه الله ـ ولكن مدته كانت قصيرة، فاما أن تكون في آخر دولة هذا الامام، واما ان تكون في صدر امامة أبي بكر أو محمد، ولكونها في مدة هذا أقرب على ما هو المتبادر نتكلم عليها ها هنا فنقول.
ولاية العلامة أبي ذر أبان - رحمه الله ـ على جبل نفوسة ولما توفي العباس بن أيوب - رحمة الله - بعد أن أطاع الجبل كله، وما يليه وانقطعت الفتن، كتب المسلمون إلى الامام في ذلك، فولى عليهم العلامة الزاهد أبا ذر أبان بن وسيم النفوسي من بلدة (ويغو) المذكورة سابقاً وكان عفيف النفس، لا تعلق له بالدنيا، ولما كلف بهذا الأمر استثقل حمله، ولم يجد مسلكاً للتخلص منه، فتوجه إلى الله تعالى وسأله أن يقصر مدته، وأن لا تتجاوز سبع أيام فإن مضت فلا تتجاوز سبع أشهر فان
272 (1/272)
صفحة 273
مضت فلا تتجاوز سبعة أعوام، هكذا ذكر الشماخي - رحمه الله ـ وقال: كان مستجاب الدعاء فلم تصل مدته سبعة أشهر، ولم يذكر هو ولا غيره انفصاله، ولعله توفي، والا فمثله لا يعزل ولا يقبل منه التسليم ان
سبب
سلم، لما كان عليه من التقوى والعلم، والمشهور عنه كما في السير انه أخذ العلم بعد أن كبر، والحامل له على طلبه هو أنه أصابه مرض لازم به الفراش، وكان معه في بيته أخوه أبو عبد الله مريضاً أيضاً، فاذا جاء الناس لزيارة أبي عبد الله مروا على أبان مروراً ثم يقعدون بجنب أخيه يتحدثون معه، ويؤنسونه بالكلام، فاذا قال له أحد وهو مارّ عليه كيف حالك يا أبان؟ قال: ان عاش أبان جعل للدنيا جزاءها ان شاء الله، وذلك لما يراه من تعظيم الناس لأخيه واستهانتهم به لجهله، ولما شفي من مرضه اجتهد في طلب العلم عند العلامة أبي خليل الدركلي، حتى صار علامة زمانه، فقال له شيخه أبو خليل: افت يا أبان للناس بالرخص، فان لكل زمان نذيراً، وأنت نذير زمانك، وكان يقول: أدركت الناس الذين كانت أحاديثهم ذكر، وزيارتهم في الله، ومعانقتهم بالمودة والصحبة والمحبة، وبقيت حتى صحبت ناساً أحاديثهم الدينا وزيارتهم الحوائج ومعانقتهم التناطح، وله رحمه الله ذكر كثير في كتاب السير، واقوال مشهورة في كتب المذهب،
الله
والله أعلم.
وفاة هذا الامام وعدد مدته وأولاده رحم الله الجميع وفي آخر دولته ـ رحمه الله - استأذنه ابنه أبو اليقظان محمد في الحج، فأذن له وذهب، وبينما هو يسعى في الحرم الشريف، اذ أحاطت به رسل بني العباس وأخذ محفوظاً تحت المراقبة إلى بغداد، وأودع في السجن مع أخي الخليفة العباسي، وستأتي القصة مشروحة ان شاء الله عند الكلام عليه، وكل آت قريب، فبلغ الخبر إلى الامام فاغتم، واغتم المسلمون لذلك،
273 (1/273)
صفحة 274
وتحققوا أن ما صنعته نفوسة قبل ذلك كما سبق مع جده الامام عبد الوهاب من منعه من الحج خوف الغدر به، هو صواب محض، وأخذ بجانب من الحذر والاستعداد المأمور بهما شرعاً، وبقي الامام مكسور الخاطر كئيباً لا يطيب له مقام، ولا يهنأ له منام لما أصاب قرة عينه ونخبة بنيه، وان كانت شهامته فارسية تأبى الا اظهار التجلد والاصطبار كما قيل:
وتجلدي للشـ تين أريهم
أني لريب الدهر لا اتضع
إلى أن وافته منيته والناس عنه راضون، وبحسن سيرته يتحدثون، وقد قال ابن الصغير في ذلك هكذا: (وان) افلح بن عبد الوهاب لما فقد ولده أبا اليقظان هذا، وعلم أنه قد رفع الى بغداد اشتد حزنه عليه، وطال غمه به، فلم يزل مهموماً محزوناً الى ان وافته منيته وابنه محبوس! ببغداد (اهـ)، وذلك سنة مائتين وأربعين من الهجرة (240 هـ)، وعلى رأي المراكشي في ولايته كما تقدم تكون وفاته سنة ثمان وثلاثين ومائتين (238 هـ)، وكانت مدته في الخلافة خمسين سنة على قول ابن الصغير، وقال ابو زكرياء - رحمه الله ـ مكث في امامته ستين سنة والياً محسناً واماماً حسن السجية رؤوفا بالرعية لا يخاف في الله لومة لائم (1) هـ)، وعلى رأيه هذا تكون وفاته سنة مائتين وخمسن (250) هـ)، وبهذا يتضح ان ما قاله المراكشي من ان وفاته كانت سنة خمس ومائتين هجرية (205) (هـ)، ليس بسديد لما يلزم عليه من كون مدته 17 سنة فقط، وهو باطل لمخالفته لكلام ابن الصغير مخالفة فاحشة وهو أقرب منه عهداً بهؤلاء الائمة، وأكثر اطلاعاً على أخبارهم، وأصح رواية اذ كان من سكان (تيهرت) معاصراً للامام محمد كما سيأتي في كلامه والله أعلم.
وقد ترك من البنين ذرية صالحة، رضعوا من لبان علومه الصفو الزلال.
،
274 (1/274)
صفحة 275
العلامة يعقوب الآتي
والتقطوا من بحور آدابه ومعارفه السحر الحلال،.، منهم خبره، فكانوا كما ذكره ابن الصغير المالكي في حقهم حيث قال: وكان لأفلح أولاد قد بلغوا من السن والتجارب والممارسة، ما يستحق به كل واحد منهم الامامة، إلا أن الناس لا يرشحون من جميعهم الا رجلين، احدهما يكنى بأبي بكر، والآخر يكنى بأبي اليقظان، وبهاتين الكنيتين يعرفان، وكان ابنه ابو اليقظان حسن الحال عند الجميع منسوباً الى الورع
(اهـ)، وقد مر من علمه ما هو كاف.
270 (1/275)
صفحة 276
الفصل السابع
خلافة الامام أبي بكر بن أفلح رحمهما الله
وبعد وفاة الامام أفلح - ر الله اجتمع حسب العادة أهل الحل - رحمه
والعقد من نفوسة وغيرهم ممن انتخبوه من العلماء والوجهاء، وعقدوا الامامة لابنه أبي بكر اذ كان هو المترشح لها بعد أبي اليقظان لو كان موجوداً، ولما تم أمر البيعة واعلن للعامة أنكر بعض الناس ذلك، ورأوا أنه غير أهل لها، وعابو نفوسة باستقلالهم بهذا الامر واختصاصهم به ثم سكتوا، وقد تكلم ابن الصغير المالكي عليه وعلى سيرته بما لم يأت به غيره، فخذ ما قاله على ما مر من القاعدة فيما نقلناه. من
کلامه
قال: فلما مات أفلح بن عبد الوهاب قدم الناس ابا بكر ابنه، وأخبرني غير واحد قال: كان عبد العزيز بن الاوز ينادي بأعلى صوته الله سائلكم معاشر نفوسة، اذا مات واحد جعلتم مكانه آخر، ولم تجعلوا الأمر للمسلمين وتردوه اليهم ليختاروا من هو اتقى وأرضى، فلا يلتفتون الى كلامه، ولا يشتغلون بمقالته، فلما ولي أبو بكر لم يكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن كان قبله من آبائه، ولكن كان سمحاً جواد لين العريكة يسامح أهل المروءات ويشايعهم على مروءاتهم، ويحب الأدب والأشعار، وأخبار الماضين، وكان بالبلد رجل يعرف بمحمد بن عرفة، وكان وسيماً قسيماً جميلاً جواداً سمحاً، وكان قد وفد على ملك السودان، (ملك صوصو)
276 (1/276)
صفحة 277
بهدية من قبل أفلح بن عبد الوهاب فعجب ملك السودان مما رآه من هيبته وجماله، وفروسيته اذا ركب الخيل بين يديه وقال له كلمة بالسودانية ليست تعبر بالبربرية، لأن مخرج كلامهما انما هو فيما بين القاف والكاف أو القاف والجيم، الا ان معناها أنت حسن الوجه حسن الهيئة والافعال (1 هـ).
مصاهرة الامام ابي بكر لابن عرفة
وما نشأ عنها من الفتن «ممزوج»
وكانت لابن عرفة أخت أو بنت، لها من الجمال الباهر وحسن الخلقة،
،
ماهو مشهور في تلك الاقطار في ذلك الزمان، ولأبي بكر أخت كذلك فتزوج كل منهما أخت الآخر، فنال ابن عرفة عند ابي بكر المنزلة العليا من الاقبال والجاه، حتى صار الرأي في مهمات الامور كلها بيده فعلقته خواطر العامة لنيل مطالبها وقضاء مآربها من أبي بكر، فكان ابن عرفة اذا ركب من داره يتبعه في ذهابه وايابه من ذوي الحاجات والدعاوى ما لا يحصى من الناس حتى عاد كأنه الامام ولا ذكر لأبي بكر، فضاقت لذلك صدور أهل الحل والعقد من الرستميين وغيرهم من أرباب الاصلاح، ورأوا أن ذلك مما يؤدي الى الاستهانة بأمر الامام والى تضيع حقوق العباد وان مثل ذلك لم يعهد في سيرة السلف، وربما خيف باستمرار ذلك الحال من حدوث حوادث يصعب حل مشكلاتها فتغيرت القلوب، وتبدلت الأفكار من العامة، وساءت الظنون بأبي بكر الا انه لم ينشأ عن ذلك ما يكدر راحته أو يوجب الاختلاف والتفرق بل بقيت الكلمة مجتمعة والدعوة واحدة، والرأي متفق والعمارة زائدة والتجارة رائجة، وان وقع بعض مشاحنة وتنافر بكثرة الاموال والاتباع بين القبائل ولاسيما بين هوارة فانها تحاسدت حتى انقسمت فانجاز قسم مها يعرف ببني أوس إلى من والاه من القبائل الاخرى وانحاز القسم
277 (1/277)
صفحة 278
الاخر ويعرف بترهنة كذلك الى غيرها وبقي الحال ساكناً لا حرب ولا نزاع
ولا خروج عن طاعة الامام.
رجوع أبي اليقظان من بغداد
وتحسن أحوال الامام بأعماله العالية «ممزوج»
وفي هذا الاثناء عاد ابو اليقظان من بغداد فوجد الحال على ما وصفناه، ولم ينكر على أخيه شيئاً ولم يدع امارة ولم ينتحل خروجاً طلباً للسلامة وحقناً للدماء، بل لم يقنع بذلك حتى أدى مع أخيه واجب الطاعة والانقياد وشمر عن عضد الجد في اعانته واصلاح شؤون امامته على نسق ما رآه من الاجراءات الشرقية وشرح له كل ما شاهده، وما سمعه من سياسة ملوك الشرق بني العباس وغيرهم، واعمالهم الملكية فارتاح أبو بكر لذلك وكان ميالاً الى الراحة والرفاهية ولذات المطعم والملبس وحب الرياضة، فأقبل على أخيه أبي اليقظان وصرف اليه النظر في الامور، وسلم له المقاليد، لما ظهر له فيه من الكفاءة والاقتدار والنصح والامانة، وكان شهيراً بالورع والصدق، النافعة فقبل منه ذلك بطيب نفس وانشراح صدر، وجد في التحسينات)
والانشاءات الخيرية، وضبط الأمور على اتقن وجه وأسلم نظام.
«قال»
وكان أبو اليقظان يركب إلى أعلى مسجد في المدينة، فيجلس فيه فمن
ذلك
تكلم إليه من الناس بين العمال والقضاة وأصحاب الشرطة نظر في نظراً شافياً، وأجرى الحق على من رضي، وسخط وعظم قدره وصغر، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فحمد له الشراة ذلك وحمد له أخوه فعله، فاذا كان آخر النهار أتى باب دار أخيه أبي بكر، فان وجده جالساً دخل عليه وأعلمه بما حدث في يومه من خبر وحكم، وان ألفاه مشتغلاً قال لمن علم
278 (1/278)
صفحة 279
انه يصل اليه الى حرمه أقرئ الامير السلام، وقل له أصبحت مدينتك اليوم هادئة، واذا كان الليل ركب وطاف في المدينة حتى يرتب الحرس، ويحكم امر الدروب ويأمرهم ان حدث حادث أن يوافوا داره، فاذا أحكم جميع ذلك انصرف الى داره، فاذا كان بالغداة غداً الى باب أخيه فان وجده جالساً أعلمه بما كان في المدينة من حدث ان كان حدث أو هدوء ان كان هدوء، فلم يزل كذلك، وعلى ذلك حتى خلب قلوب الناس، واشر أبت اليه و مالت نحوه، وفي كل ذلك محمد بن عرفة في دوي وصيت عال، لا ينظر ابا اليقظان في حزبه، ولا في طائفته ولا بالناحية التي هو بها، ولا ينظر بهيبة له واجلال وحذر، وكان محمد بن عرفة اذا أتى باب ابي بكر لم يحجب، كان ابو بكر في مجلسه أو في حرمه، وكان أبو اليقظان وجميع اخوة ابي بكر واعمامه لا يدخلون علي أبي بكر الا بالاستئدان اذا كان في مجلسه، والا انصرفوا، وكان محمد بن عرفة علي غير ذلك (1 هـ).
فتوقع أولو البصيرة منه الميل عن مركز الاستقامة والحيادة عن منهج الفتنة الانقياد والمروق عن الطاعة، ورأوا ان بقاءه على ذلك من دواعي ومؤسسات الخراب، ولكنهم لم يتوصلوا الي عرض حقيقة حاله على أنظار أبي بكر لشدة حجابه، وولوعه به، ولا زالوا بترقيون فرصة الوصول اليه لتنبيهه الى ان جمع رجال دولته وخواصه ذات مرة للمذاكرة معهم في بعض
شئون مهمة
مذاكرة رجال الامامة مع الامام
في شأن ابن عرفة وتنبه الامام لذلك
(ممزوج) ولما اجتمعوا عنده، وخلا لهم المجلس ممن لم يدخل في الدعوة اذ كانت رسمية، وانتهت المذاكرة عما اجتمعوا لأجله، فتحوا مع الامام باب البحث عن أحوال ابن عرفة، وما هو عليه من العظمة وازدحام الناس
279 (1/279)
صفحة 280
عند بابه واتباعهم اياه رائحاً وغادياً، وما يتوقعونه من سوء عاقبة ذلك، فاذا الامام يجهل ذلك كله، ولا يعلم بشيء مما حكوه عنه، فعاتبوه على التغافل عن مثل ذلك وعن عدم الاعتناء به والاحتياط، لدفع كل ما بحدوثه ربما تزعزع اركان الامامة ويختل نظام الهيئة الحاكمة، وعرضوا عليه ما ظهر لهم من الرأي في ذلك، الا انهم لم يشيروا عليه في ذلك الوقت بالقتل، واظهروا له ما لديهم من الرضاء بالأحوال الراهنة الجارية بحسن مساعي أبي اليقظان الذي صرف عنايته الكاملة وابدا غيرته الخالصة، في موجبات
الاصلاح وتسديد الامور.
قال: فلما
سمع
ابو بكر ما سمع شق صدره، وأراد أن يعلم ذلك ففتح طاقاً في أعلى قصره، يقابل الناحية التي يأتي منها محمد بن عرفة، فلما كان بالغداة جلس في الطاق، فبينما هو كذلك اذ تحرك محمد بن عرقة من قصره فبادر الناس اليه من كل جانب ومكان، وذلك كله بعين أبي بكر، وأقبل وبين يديه أم وخلفه أم، وعن يمينه أم وعن شماله أم، حتى أتى الباب فنزل أبو بكر من طاقه الى مجلسه، وقد هاله ما رأه، ودخل محمد فخلا معه ملياً ثم انصرف، وصعد أبو بكر الى الطاق فاذا بالام التي أقبلت قد انصرفت، وبقي بابه خالياً فتحقق عنده ما قال القائل، ثم أرسل الى من ذكر له من أمر محمد بن عرفة ما ذكر فقال له: قد رأيت ما وصفت فما الرأي؟ فقال له: ان هممت به وأظهرت ذلك امتنع منك وغلب عليك ملكك، لأن مطيعيه أكثر من مطيعيك، ولكن ألطف في أمره (1 هـ).
خبر قتل ابن عرفة «ممزوج» ثم بعد أخذ ورد في الكلام اشار عليه ذلك المستشار، (وبئست الاشارة) بطريقة رأى أنها مناسبة، والله يعلم ما أراد بها، نصح الامام ام غشه، فقال به: لا سبيل الى الاتقاء من سوئه، وكسر شوكته الا بقتله واخفاء جثته،
280 (1/280)
صفحة 281
بحيث لا يبقى له أثر ولا يوجد له خبر، ويعد مفقوداً لئلا ينشأ عن ذلك التعصب للأخذ بثأره من ذويه وأقاربه، وتذاكرا في الطريق الموصل الى ذلك على النعت المذكور ملياً ثم أمره بكتمان السر لاتمام الغرض، وافترقا وقد صعب عليه الحال صعوبة لا مزيد عليها، لما كان بينهما من الألفة وشدة العلاقة بالمصاهرة وصار يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، الى ان جزم بامضاء ذلك الرأي، وكان له متنزه يعرف بجنان الامير، طالما خلا فيه مع ابن عرفة لترويح النفس، ورياضة البدن والتنزه في الايام المناسبة، لما فيه من الأشجار الملتفة، والازهار المتنوعة والعيون السائلة والأنهار الجارية، وأنواع الطيور، فأرسل اليه واحداً من خدمه يدعوه الى الحضور اليه للذهاب الى المتنزه، كالعادة ويعلمه بأن لا يبيع بذلك لأحد، وأن لا يستصحب معه من الخدم والاتباع أحداً، وأنه سيفعل مثل ذلك، وأن يكون مجيئه ليلاً، حتى لا يتعلق به في طريقه أحد من الاصدقاء والخواص، الذين لا يمكنه منعهم من الحضور، فبادر ابن عرفة عندما أخبره الخادم بالخبر ملبياً ممتثلاً كل ذلك، وهو غافل عما قدر له في علم الله تعالى من الهلاك في ذلك اليوم، ذاهل من قبل عما دونه الحكماء المتقدمون، ورسخ الادباء والسياسيون في شأن مصاحبة الملوك والسلاطين تحذيراً من بطشهم وتنبيهاً الى تقلبات أحوالهم، فوجد الامام في انتظاره متهيئاً للخروج فركبا وخرجا ومعهما خادم للامام له علم بحقيقة الحال، وكان قد اتفق معه على الفتك به اذا بلغوا المتنزه، وساروا الى أن وصلوه، وأقاما يومهما ذلك فيه على بساط المؤانس ولسان حالهما يردد عبارات الوداع، الى ان دخل وقت المغرب فأسبغا الوضوء، وقاما الى الصلاة وبينما هما في اثنائها اذ هجم الخادم على ابن عرفة بحربة فصادفت ما بين كتفيه فخر الى الأرض ميتاً من ساعته، وكان على قرب المتنزه جبل فيه شق غائر في الأرض يعرف بالشفة الحمراء) فأمره بالقائه فيه فزمله في ثيابه وحمله الى أن ألقاه هناك، وأخفى فرسه ورجعا يكتنفهما ستر الليل
281 (1/281)
صفحة 282
ففقد ابن عرفة أهله، لما بلغهم رجوع الامام، ولم يكن معه، وباتوا في أشأم
ليلة، واتصل الخبر ببطانته وشاع خبر فقده، فخرج الناس في اليوم الثاني يتجسسون خبره ويقتفون أثره الى أن أتو الى المتنزه، وكان من قدر الله ان تغافل الخادم عن دمه فبقى في المكان ليكون دليلاً على مصرعه، ه، وداعياً الى رغبة الناس والحرص في الوقوف على جثته
ومهما تكن عند امرئ من خليفة
وان خالها تخفي على الناس تعلم
فتفرقوا حين وقفوا على الدم في الأودية والجبال للاطلاع على المكامن، والاماكن الغائرة الخفية، ثم دلهم بعض أهل الخبرة بالأرض على الشق
المذكور فقصدوه وأنزلوا اليه رجلاً فوجده.
ستبدي لك الايام ما كنت جاهلاً
ويأتيك بالاخبار من لم تزود
فأخرجوه وحملوه الى النهر الذي قتل فيه وغسلوه وطيبوه، وبعثوا الى بيته، فأرسلوا اليهم فرسه وسيفه وكسوته المخصوصة فألبسوها اياه، وقلدوه السيف وأركبوه الفرس، وركب خلفه رجل ليمسكه حتى يكون على هيأته التي يكون عليها اذا ركب في حياته، وقصدوا به المدينة وامامه مناد ينادي بأعلى صوته قائلاً: ألا وان القتيل المظلوم يأمركم بطلب ثاره ودمه) فهرع لرؤيته الرجال والنساء والصبيان، ولحق الناس في ذلك اليوم من الرعب والجزع ما لم يلحقهم قبله، لما كان له في اعينهم وقلوبهم من المهابة بما قدمه لدى أكثرهم من الأيادي البيضاء، وقضاء المآرب، وقد قيل من قبل، جبلت النفس على حب من أحسن اليها وبغض من أساء اليها، وقيل أيضاً
الناس عبيد الدرهم والدينار) وقال الشاعر:
282 (1/282)
صفحة 283
رأيت الناس قد ذهبوا الى من عنده ذهب
ومن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا
رأيت الناس منفضة الى من عنده فضة
ومن لا عنده فضه فعنه الناس منفضة
ولعمري ان هذه القصة لأشبه شيء بقصة جعفر البرمكي مع هارون
الرشيد.
قيام أهل المدينة للأخذ بثأر ابن عرفة
وحربهم مع الامام «ممزوج»
قتله
ثم عجلوا جهازه ودفنه، وهاجت النفوس وكثرت الاقوال في. وقاتله، واشتد الحنق في الصدور وعظم الخطب، وكان في المدينة من الوجهاء وذوي الكلمة رجل يعرف بمحمود بن الويليلي يرى أن قتله ظلم، وان القيام لأخذ ثأره واجب، وكان له على ابي بكر من الانكار، ما كان، فانتهز الفرصة إذ وجد للقصد سبيلاً، فأرسل رسله الى مجتمع الناس يتعرف أحوالهم، ويتحق ماهم عليه من الرأي، فأخبروه بأن الشقاق في الناس قد بلغ منتهاه، وان الثورة لم تتوقف الا على محرك ورأس يعلن بذلك، فاسرع الصعود الى موضع بأعلى المدينة يعرف بالكنيسة وقرع الطبل للاجتماع، فبادر الناس اليه من كل الاطراف لتعودهم بضرب الطبل للاجتماع في المهمات، وهو قصعة كبيرة من الخشب أو النحاس مغطاة بجلد بعير بعد خدمته خدمة مخصوصة، حتى يكون كالرق، ومتى يبس وضرب بعقال من وبر أو ما أشبهه، صار له صوت يسمع من بعيد على مسافة أربع ساعات وأكثر، وأقل، هذا ان كان على النعت الموجود الآن، عن رؤساء
283 (1/283)
صفحة 284
القبائل من البوادي والقرى الكبيرة، من جبل نفوسة وغيره ولهم في ضربه طرق معروفة عندهم يستدلون بها على المقصد من ضربه، فبمجرد سماع الواحد منهم صوته يعلم أن المراد خير أو شر، كما يعلم النفر العسكري في الحرب الامر والنهي من رئيسه الموسيقى، والبوق وما أشبه ذلك.
قال: فأمرهم بأخذ السلاح والزحف الى أبي بكر وحربه، واتصل الخبر بذلك بأبي بكر فبادر اليه خاصته من الرستميين والسمحيين وغيرهم، فتهيأ لملاقاتهم وزحف الناس من اعلى المدينة من ناحية المشرق، وزحف حزب ابي بكر وشيعته وخاصته من المغرب، ولبس كل واحد من الفريقين الدروع، والبيض والرايات، حتى اجتمع الناس جملة، الا اليسير بموضع بمسجد ابي .. فلم تزل ايد تتطاير وأرجل كذلك، وهامات تقلع، وافرغ
على الفريقين الصبر (1 هـ).
(مزوج) فاغتنم العجم فرصة الوثوب، لما كمن في قلوبهم قديماً من الغل، وقالوا ما لنا وللسكون والدعة، وقد وقع بين الجند والعرب ومواليهم وبين السلطان ما نراه من الاضطهاد والحروب، وماذا يصدنا هذا الاشتغال مع ببعضهم عن الهجوم على طرف من أطراف المدينة فننهبه ونخربه، ونقتل كل من عارضناه فيه، ثم تميل الى الكل فنهلكهم عن آخرهم، ويصفو لنا البلد ونستقل بالسلطان، فقصدوا الناحية المعروفة بموقف الدواب، وكان أهلها في استعداد وحذر مما اضمره العجم فناهزوهم القتال وحمى الوطيس، وقامت الحرب على ساق وقدم في سائر أنحاء المدينة بين العجم وبين مقابلهم، وبين الجند والعرب، وبين ابي بكر، واستمرت الحال الى أن سقط واحد من وجوه العجم فتقدم من رام ايقاف تيار الحرب اليه، فخز رأسه وبرز به الى الميدان منادياً (يا معشر الجند والعرب تقتلون أنفسكم والعجم قد دخلوا عليكم ساحتكم يقتلون رجالكم ويستحيون نساءكم ويستحلون
284 (1/284)
صفحة 285
أموالكم) ثم ألقى الرأس بين الصفين، فلما نظروه وعرفوه ألقوا السلاح، وتعانقوا وعادوا يداً واحدة في الحال، مالوا نحو العجم فأبلوهم البلاء الشديد، حتى ولو منهزمين، وانحاز ابو بکر الي داره آخذاً طريق الانفراد لا أمر ولا نهي، ولا حكم وقد تشاءم الناس به.
تجنب نفوسة وأبي اليقظان لهذه الفتنة «ممزوج»
وفي كل ذلك أبو اليقظان معتزل في المحل المعروف بعدوة نفوسة لا يظهر ميلاً الى أحد، وان اتهمه الجند والعرب بالميل الى غيرهما، وكذا نفوسة لم يدخلوا في امر هذه الفتنة بقول ولا فعل، كأبي اليقظان، وبقيت الحرب متحركة بين العجم وبن الجند والعرب خاصة، يتبادلان النصر والهزيمة، فتارة لهؤلاء وآونة لاولئك، الا ان الجند متى تغلبوا على جهة وخرج أهلها من ديارهم ابقوها على حالها، ولا يغيرون منها شيئاً الى ان تغلبوا ذات مرة على جهة بجوار درب النفوسبيين فيها بعض نفوسة، وكان مع الجند والعرب خلف الخادم، مولى الاغلب، وهو ذو مال عظيم لا يضن به في اعانتهم،
الكلمة كلما احتاجوا، فصار متبع الرأي مسموع | عندهم، فقال لهم: ما أراكم صنعتم شيئاً اذ أبقيتم الديار بدون احراق فاضرموها حينئذ نار والعياذ بالله
حرب نفوسة وأبي اليقظان مع أهل المدينة «ممزوج» فأخذت الغيرة نفوسة، وغضبت لذلك، وقالت هذا جزاؤنا منهم اذ لم نتعرض لحربهم، فلم يقنعهم الا احراق ديارنا واستحياء حريمنا، وكأني بهم
ولسان حالهم ينشد قول الشاعرك
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
285 (1/285)
صفحة 286
فعندئذ قامت قيامة نفوسة، وتعصبت للمدافعة عن حرمها وحماية مجاوريها ضمت العجم اليها، ودعت ابا اليقظان في مكانه الى الموافقة على ذلك، فأجاب واتحدت الكلمة، وتقوت العصبة بانضمام العجم والرستميين وابي اليقظان الى نفوسة، وتجددت الحروب وتوالت المصادمات، وكانت وقائع يشيب لشدة هولها الرضيع، كانت الدوائر فيها لنفوسة والعجم على
الجند والعرب
قال
ثم كانت بينهم وقائع كلها للعجم، ونفوسة على العرب (منها) وقعة تعرف بقنطرة الدفنس، (ومنها) وقعة تعرف بقنطرة سليس، وفرغ في هاتين الوقعتين وجوه العرب وصناديدها ثم كانت (وقعة) تعرف بيوم (الرد المعوج)، وانما سمي الرد المعوج فيما ذكر أن (نفوسة) أخذ بعضها على بعض العهد، وقال بعضهم لبعض: كيف يجوز لنا الفرار من الزحف؟ قالو: فما وجه الرأي؟ قالوا ان نضم أرجل بعضنا الى بعض بالحبال، ونثبت للحرب، فكلما دارت الى ناحية درنا معها بوجهونا، ولا نبرح من امكنتنا حتى تقطع السيوف في هاماتنا، فكان في ذلك اليوم قتال لم يتقدم قبله قتال مثله، فكلما دارت الحرب على ذلك الرد دار اليها ودار معها، حتى افترق القتال وهو على حاله (1 هـ).
فلله نفوسة من رجال وأبطال، ولم يخل الله الأرض حتى الآن من رجال منهم ملئوا يقيناً وايماناً، فهم مثال الشجاعة والاقدام، لو ضمتهم المحافل وأظلتهم ظلال الريات الحميدية وسط تلك المعامع الادهمية وأشباهها، لكان لهم الفخر المقدم والصيت الاسمى، ولكان حاديهم يترنم بدون خجل، ولا وجل وهو يسوقهم الى تلك الميادين ببيت الشاعر القائل:
286 (1/286)
صفحة 287
واني وان كنت الاخير زمـ
4
لات بما لم تستطه الأوائل
ولما قصروا عن درجة أولئك ان لم يجاوزوها بأضعاف، وبالامتحان يكرم
المرء أو يهان (ومن يشابه اباه فما ظلم).
(ممزوج) ثم مع استمرار الحرب، وتتابع الوقائع عكس القضاء المبرم الأمر وعاد النصر حليف الجند، والعرب والتقهقر والضعف، زميل نفوسة والعجم (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا، وتلك الايام نداولها بين الناس، وما النصر الا من عند الله حتى اجلوهم من الامصار واضرموا في ديارهم النار، وذهب كل ملتجئ الى حيث ينجو من القتل، ثم انحازت نفوسة والرستميون والعجم مع أبي اليقظان الى المحل المعروف بعدوة نفوسة، وبنوا فيه حصناً منيعاً مشيداً يأوون اليه ابان تضايقهم من عدوهم، فخلا للجند والعرب الجو، وخلصت لهم المدينة، وواسع البسائط، وكثرت اتباعهم، وعظم جيشهم، وكان فيهم من. عظماء التجار والاغنياء عدد، منهم ابو محمد الصيرفي وابن الواسطي، وأمثالهما من حركتهم الغيرة القومية والحمية الجاهلية، فجادوا بما لديهم من الأموال، وأمروا ببناء حصن يقابل حصن نفوسة ويضاهيه في المنعة على بعد رمية سهم منه، فشرعوا فيه على ضفة نهر يعرف بالنهر الصغير، وهو الحائل بين الحصنين، فوالت عليهم نفوسة والعجم الهجوم لصدهم عن البناء، فاشتغلوا بالعمل ليلاً، وربما جعلوا في النهار ستراً عن العملة يرد عنهم سهام نفوسة، واجتهدوا فيه الى ان تم على النحو المطلوب من القوة والمنعة، ونزلوه واشتد اذ ذاك باسهم، وتقوت شوكتهم وناصبوهم الحرب، فجرت بينهم مفاخرات وملاطمات، وعادت الحرب رياء وسمعة، ونبغت في الفريقين ابطال وفرسان وتمارت الاغنياء والتجار في صرف الدينار والدرهم على شراء السلاح وآلات الحرب للمستحقين.
287 (1/287)
صفحة 288
قال
اخبرني بعض المشائخ قال: عبت نفوسة والعجم ومن لف لفهم بين يدي حصنهم، وعلى حصنهم فبرز رجل من العجم يقال له ابن وردة وبيده سيف ودرقة، وكان قلماً يلقى قرناً الا قتله فنادى هل من مبارز فهابه الناس (1 هـ).
ثم مع استمرار الحرب والزمن دوار، والقادر الخالق مختار، يفعل في ملكه ما يشاء ويختار، أخذ دور نفوسة والعجم في الانحطاط وجموعهم في القلة واحوالهم مع عدوهم في التقهقر، الى ان بارحوا حصنهم عنوة يحنون اليه ويئنون من فراقه، واتخذ كل وجهة متفرقين في الجهات طلباً للنجاة. واذا الديار تنكرت عن حالها
فدع الديار وأسرع التحويلا
ليس المقام عليك فرضاً لازماً
في بلدة تدع العزيز ذلي
سلا
قال
قالوا: ان العجم ونفوسة والرستميين لما نزل ما نزل
بهم
،
أقاصي البلاد فنزلت العجم بموضع يقال له (تابغيلت)، وهي على مرحلتين من (مدينة تاهرت)، واما الرستمية ومن لف لفها، فلحقوا بأبي اليقظان بالموضع الذي يقال له (اسكيدال)، وهو بقبلة تاهرت على مسيرة اليوم، أو أزيد قليلاً في مجمع الاباضية، وأما نفوسة فنزلت بقلعة مانعة يقال لها اليوم (قلعة نفوسة) (1 هـ).
288 (1/288)
صفحة 289
خروج الامام واستيلاء ابن مسالة على المدنية
ملتجأ،
(ممزوج) هذا، وحال أبي بكر في المدينة لا يزال في ضعف وادبار، لا يقمع ظالماً ولا يجير مظلوماً ولا يقيم حداً ولا يغير منكراً ولا يحمي الى أن ضاق به الحال وقلت انصاره، وتوقع الهلاك، فخرج بمن معه نجياً الى حيث لا يصاب ولا يدرك هكذا ها هنا وقال ابو زكرياء سلم لأخيه محمد، وقال المراكشي اخرجوه ثم ردوه الى أن مات، والظاهر أن مدته كانت قصيرة جداً لم تبلغ سنتين والله أعلم.
فاستولى على المدينة محمد بن مسالة، وهو أمير مستقل عن تيهرت أباضي المذهب يدير شئونها ويدبر أحوالها على حسب ما يراه مساعداً، لاغراض العامة والكثير، وأخذت الهدنة في الناس مأخذا صار به كل مستقلاً بجهة اخذا حذره، مما يطرأ عليه من مقابلة، غير متشبث بما يثير شرر الحرب، فهدأت الحركات، ووضعت الحرب أوزارها، وت ها، وكاد يقع في الخواطر ميل الي حب الانفة والاجتماع، مللاً وسآمة من وطأة الشقاق، كذلك اذا تحركت بين هوارة ولواتة بعض تلك الضغائن الكامنة
وبينما
هم
في الصدور، منذ عهد قديم، فشبت بينهما نار الحرب وعلا لهبها، فأعان أهل المدينة هوارة حتى أجلوا منها لواتة، رغماً عما قاسته في اثناء تلك الحروب الشنيعة من الاهوال وما تكبدته من المشاق ولاقته من الخسائر في الاموال والرجال، فنزلت حصنها المعروف بحصن لواتة، على قرب من الموضع المعروف (بتاسلونت)، الذي منه تنبع عيون نهر مينة الجاري من قبلة تا هرات، الذي نصبوا عليه المطاحن، وخاطبت ابا اليقظان على النزول بجوارها، والدفاع عنها فأجابها الى ذلك وتحول اليها.
289 (1/289)
صفحة 290
خلافة الامام ابي اليقظان محمد بن أفلح - رحمهما الله ولما بلغ أهل المدينة انتقال ابي اليقظان الى حصن لواتة، خرج وجوهها وأهل الرأي منها الى لواتة، واتفقوا معهم على تقديمه، ثم أتوه وبايعوه
بالخلافة، وذلك سنة احدى وأربعين ومائتين من الهجرة تقريباً (241 هـ). قال ابن الصغير: وكان معه بعض الأموال التي أتى بها من بغداد، والمدينة بها رجال، هواؤهم وقلوبهم عند أبي اليقظان، فخرجوا إليه فصارت الدعوة والامامة كلها لأبى اليقظان، واتته الأباضية من كل الاقطار، وبقى لا يوالون أبا اليقظان، ولا يرأون من رأيه، ويوالون محمد
بالمدينة أم ممن هم / بن مسالة على عماية لا على الديانة، فتجردت الحرب وعادت جذعة، و حمل ابو اليقظان الناس على الخيل، ودعى له بالامارة والامامة، والغى ذكر أبي بكر ومحمد بن مسالة (1 هـ).
(ممزوج) وما سمعت القبائل الأخرى حتى أتت لتقديم البيعة من كل الأقطار فقبلها، وقام خطيباً فرغب الناس في الاعتصام بحبل الله لحقن الدماء، وحفظ الأموال التي طالما ذرتها رياح الظلم والاستبداد، وسفكتها سيوف الطاغين، ووالى الهجوم والوثوب على المدنية فاستمر الحصار على من تحصن فيها، وعصى من اتباع ابن مسالة (سبع سنين)، حتى ضعفت الاقوياء وأولو الثروة الذين كان عليهم مدار رحى الحرب، وفنيت تلك الاموال ودكت تلك الأبطال، وعمت المصائب، وكثرت الاهوال، وكره الناس الحرب والفتنة، وملوا من الحصر، وشكا بعضهم لبعض ما حل بهم من الفناء والفقر، الا ان النفوس الميالة بطبعها إلى الشر تأبى الخضوع، وتأنف من العدل، وتمج طلب الصلح والرجوع الى الطاعة، غواية وعناداً (ان
النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي).
290 (1/290)
صفحة 291
طلب الامام للاعانة الحربية من جبل نفوسة
(ممزوج) ولما رأى أبو اليقظان استمرار الحال مع طول الزمن رأى أن (يتأسى) بجده الامام عبد الوهاب، ويحذو حذوه في الاستمداد من نفوسة الجبل، فاستنجد بهم فامدوه ملبين دعوته ممتثلين أمره بجيش عرمرم جامع
لكل بطل همام، وأسد ضرغام، وما هم بقليلين عندهم في ذلك الوقت. قال: ولما وصلوه جددوا له البيعة، وعقدوها له، وانه لما نزلت (يعني نفوسة الجبل) بأبي اليقظان اجتمع الى أبي اليقظان جمع عظيم، فرحل بجميع جموعه من نفوسة وغيرهم حتى نزل بالقرب من مدينة (تيهرت)، فلما نزل منزله قالت نفوسة: لا نقاتل حتى نرسل الى اخواننا وننذرهم، فان فاءوا ورجعوا إلى الطاعة كانت أيدينا وأيديهم واحدة، وإن أبوا من نزلنا معهم على حكم الله، قال: افعلوا ففعلوا، فأرسلوا رسلهم وخوفوا الناس سوء العواقب، ووجدوهم قد ملوا الحرب، فقالوا لرسلهم قد تقدمت فيما بيننا دماء وأموال لا منا ولا منهم، ونخشى أن يؤخذ الباقي من الغابر، احد بدم، ولا مال، فسمعاً وطاعة.
أن لا
يتبع
ذلك
،
فان كان عقد وصلح على قال: فاعلمت نفوسة ابا اليقظان بما قالت لرسلهم، فقال: معاذ الله ان نأخذ أحداً بما سلف، ولا أخذ الا بمستقبل، فاعطوهم على هذا ما أحبوا من العهود والمواثيق قال: ثم خرجت طائفة من أهل المدينة، فعقدوا ذلك فيما بينهم فقالت (نفوسة): نحن انما جئنا لاصلاح بيضتنا وتأليف امرنا وقوام ديننا، ولم نأت لطلب علو في الأرض ولا فساد، فرحل ابو اليقظان بعساكره حتى أتى الظاهر المشرف على المدينة المعروفة (بقلعة نفوسة)، فضرب بها سرادقة التي قدم بها من بغداد قالوا: ولم ير سرادق مضروبا قبله، وانما كانت مضارب وقباب.
ثم أن أهل المدنية عمدوا الى داره التي هدموها، وكانت مزبلة
291 (1/291)
صفحة 292
من المزابل وكدية من الكدى، فكنسوها في يومهم. ذلك، فابتنوها في أسرع الأيام، فلما فرغت نزلها أبو اليقظان، ورفع مضاربة ونزل الناس المدينة (1 هـ).
فنادى مناديه في الناس بالأمان، وولى وظيفة القضاء بعد استشارة أولي
الرأي العلامة الزاهد الورع التقي ابا عبد ا الله محمد بن عبد الله بن أبي
الشيخ وستاتي له حكاية معه، وعلى بيت المال رجلاً من نفوسة، وقدم على منبر مسجده من ارتضاه من صلحاء الائمة العاملين.
قال: ثم امر قوماً من نفوسة يمشون في الأسواق، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قالوا: فان رأوا قصاباً نفخ في شاة عاقبوه، وان رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها، وامروا صاحبها بالتخفيف عنها، وان رأوا قذراً في الطريق امروا من حول الموضع ان يكنسه، ولا يمنعون احداً من صلاته في مساجدهم، ولا يكشفونه عن حاله، ولو رأوه رافعاً يديه في صلاته خلا المسجد الجامع المسجد الذي يصلي فيه الامام نفسه فانهم اذا رأوا فيه رافعاً يديه منعوه وزجروه (1) (هـ)، ولعلهم يفعلون ذلك بدون اذن من الامام، ولم يبلغه الخبر والله أعلم.
وثابر رضي الله عنه على اصلاح ما انثلم في أثناء تلك الحروب، حتى عادت الناس الى خطة سيرها القديم في سبيل العمارة والتجارة والبنيان، واشتغلوا بطلب العلوم، وقضاء ما فاتهم في فترة تلك السنين القاسية التعيسة من العبادة، نادمين على ما اجترموه فيها من السيئات، وما اضاعوه من الاموال، وما سفكوه من الدماء عبثاً وطغياناً، وكاتب الامام بعد اصلاحه الشئون الداخلية رؤساء سائر اتباع الامامة في كل الجهات، فأتت طائعة خاضعة، وقدمت البيعة برضاء، فرتب الولاة والعمال والحكام والقضاة، وأصحاب الشرطة في الولايات كلها، وأسرع السير في التقدم في
292 (1/292)
صفحة 293
الاصلاح دينا ودنيا، حتى اجمع الناس قاطبة على حبه وولايته والراضاء بأحكامه، وبلغ في الفضل والعدل والورع والزهد مع حسن السيرة مبلغاً عظيماً، استحق به تشبيه ولايته بولاية جده الامام عبد الرحمن - رضي الله
الله عنه ـ اذ كان كمثله في الاتفاق على ولايته، واشتغل
رحمه بتجديد ما
اندرس من الدين بكمال جد واجتهاد، يباشر القاء الدروس وتعليم العلوم للطالبين بنفسه، طلباً للأجر وقياماً بالواجب، وترغيباً للغير، فشدت اليه الرحال من كل الاقطار، فقلد الواردين عليه من جواهر فنونه وغرائب علومه، العقود الثمينة، وكانت له اليد الطولى والقدح المعلي في سائر الفنون، حتى صاروا قادة ومصابيح يهتدي بهم في الآفاق في دجى المشكلات، ويلجأ اليهم في المعضلات، وامتلأت عموم ولاياته بالعلم والعلماء والزهاد، وأصحاب الكرامات، خصوصاً جبل نفوسة كما هو مبسوط في كتب السير كلها،، ومع ذلك لا يفتر عن الاشتغال أوقات خلوته واستراحته من التعليم، ومصالح دولته بالتأليف والتحرير، ومكاتبة العمال والولاة، وجموع الرعية بالنصائح المرشدة، والحكم النفيسة، والرد على المخالفين من سائر الفرق والمذاهب، حتى انه ألف في الاستطاعة وحدها أربعين كتاباً، ومما يوجد من
رسائله هذه النصحية العامة
رسالة الامام الى جميع رعيته ارشاداً ونصحاً
ولما أحس من الناس بعض فتور وتقاعد عن الواجب، افتدى بأبيه وأجداده الكرام أهل النصح لله والارشاد الى دينه، فحرر نصيحة عامة تليت بواسطة العمال في جميع الجهات، ايقاظاً للنفوس الغافلة وتنشيطاً للهمم الخامدة، فخذها أيها القارئ، وهي قليل من كثير، مما كتبه - رحمه
الله ـ في
هذا الباب، لتستدل بها على بعض ما كان لهذا الامام العظيم من الاعتناء
293 (1/293)
صفحة 294
بمصالح الملة والامة، وواجب النصيحة في الدين لاخوانه المسلمين، فجزاه
الله عن الاسلام وأهله خيراً قال:
بسم
الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم.
(من محمد بن أفلح الى جميع من بلغه كتابنا من المسلمين، سلام عليكم واني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله الصلاة على نبي الرحمة وهادي الامة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أما بعد): فان أفضل ما يتواصي به العباد ويتحاضوا عليه، تقوى الله تعالى، ولزوم طاعته والزجر عن معصيته، والترغيب فيما يورث الثواب من القول الطيب، والعمل الصالح (وعليكم معاشر المسلمين بالتهيؤ للقدوم على الله، والتأهب والاستعداد ليوم تشخص فيه الابصار، وتتغير فيه الألوان، ويشيب فيه الولدان، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)
(واعلموا) رحمكم الله أن أهل العلم بالله القائمين بهذه الدعوة، قد انقرضوا وقلت الخلوف منهم، فرحم الله أمرء مسلماً احتسب بنفسه وأرصدها الله في طلب العلم، والنقض على من حاد الله وعدل عن منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضاد المحقين من عباده، حتى تكون كلمة رسول الله العليا، والباطل زهوقاً، وعليكم معاشر المسلمين باتباع الماضي
هي
من اسلافكم، والمتقدمين من ائمتكم الصالحين، من أهل دعوتكم، فاقتفوا آثارهم واهتدوا بهداهم، واحذروا الزيغ عن طريقهم، والميل عن منهاجهم، وخالفوا أهل البدع المضلة والاهواء المزلة، ممن أراد ان يبدل دينكم ويلبسكم شيعا ويلبس عليكم امركم ممن اتبع هواه واستحوز عليه الشيطان ونبذ ما جاء به القرآن، فألبس على الضعفاء امرهم، وزين بدعته في قلوبهم فخدع من
294 (1/294)
صفحة 295
لا بصيرة له ولا علم بما مضى عليه الائمة الراشدون ـ رحمة الله عليهم - والسلف الصالحون من أهل دعوتكم فأضل كثيراً وضل عن سواء السبيل، وقد ذكرنا لكم ما فيه الكفاية ان شاء الله، وبه نستعين وعليه نتوكل، وما توفيقنا الا بالله (1) هـ).
وقد تكلم على بعض سيرته المؤرخ ابن الصغير المالكي، وأجاد في ذلك فخذه على القاعدة المتقدمة ايضاً.
قال: وكان ابو اليقظان عاش من السنين مائة أو نحوها، وكان عمره في امارته نحوا من أربعين سنة، ولحقت أنا بعض امارته وايامه، ورأيته وحضرت مجلسه وقد جلس للناس خارج المسجد الجامع مما يلي الجدار الغربي منه ورأيته يوماً ثانياً في مصلى الجنائز، وقد رميت له وسادة من أديم (جلد)، فجلس عليها ينتظر فراغ دفن رجل مات من وجوه الناس، وكان ربع القامة أبيض الرأس واللحية، وكان اذ جلس للناس امرهم بالجلوس، لم ينطق احد بين يديه الا ان تكون ظلامة ترفع اليه، وكان زاهداً سكيناً ورعاً ناسكاً (ما أحسنها من شهادة)، وكان اذ جلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من أديم مستقبلاً الباب البحري، وله سارية تعرف به، يجلس اليها، ولم يكن غيره يجلس إليها، وكان يقابله نصب عينيه رجل من نفوسة، يعرف بعيسى بن فناس، وكان عندهم من الورع بمكان ويلي عيسى رجل من هوارة يقال له ابن العقير، لسانهم في الفقه، ولم يكن في ورع عيسى، وكان عن يمينه وعن يساره وبين يديه وجوه الناس، وكان أخص الناس به رجل من العرب يسمى بمحمود بن بكر، وكان مدرتهم الذي يذب عن بيضتهم، ويدافع عن دينهم، ويرد على الفرق مقالاتهم، ويؤلف الكتب على مخاليفهم رجل يقال له عبد الله بن اللمطي (1 هـ)، (وانا لنتأسف كثيراً جداً لفقد مثل هذه التأليف، فلو وجدت مع ما جمع من المناظرات الواقعة من المعتزلة للعلامة مهدي وغيره، لكانت حجة بالغة والامر لله
295 (1/295)
صفحة 296
اجتماع الأباضية والمعتزلة للمناظرة
قال: أخبرني أحمد بن بشر عنه قال لي: اجتمعت الأباضية والمعتزلة بنهر مينة الموعد جعلوه فيما بينهم للمناظرة، وكان كثير من هوارة ممن حضر المجلس يتسمى بعبد الله بكسر الدال، وكذا اسم هذا الرجل، ولما اجتمع القوم وضمهم المكان، نادى رجل من المعتزلة يا عبد الله بكسر الدال، فاجابه رجل ثان فقال: لست أريد، قال عبد الله وقد علمت أنه إياي يريد فكرهت أن أجيبه خوفاً من سؤاله، فقال عبد الله بن اللمطي أريد، فقلت: لبيك، فقال لي: هل تستطيع الانتقال من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه؟ فقلت: لا، فقال لي: هل تستطيع الانتقال من مكان أنت فيه الى مكان لست فيه؟ فقلت: اذا شئت فعلت، فقال: خرجت منها يا عبد الله
حكاية العلامة أبي عبيد الأعرج
مع الامام وأخباره - رحمهما الله -
(قال) وكان منهم رجل يعرف بأبي عبيد الأعرج مقرون له بالفضل، مسلمون له في الورع، اذا اختلفوا في أمر من الفقه أو من الكلام صدروا عن رأيه، وقد رأيت أنا هذا الرجل، وجلست إليه، فما رأيت في سود الرأس أخشع. منه، وكان قليل الدخول على أبي اليقظان، ولم يكن يجمعه وإياه سوى المسجد الجامع، فحدثني أحمد بن بشر قال: وعلم الناس ذلك فخرج إليه الفقهاء والقراء، وضربوا أخبيتهم حول سرادقه، خلا أبا عبيدة قال فبينا الناس ذات يوم جلوس، إذ أقبل أبو عبيد راكباً على دابة، فقال الناس: هذا أبو عبيدة قد أقبل متفقداً للأمير مسلماً عليه قال: فاعلموا بقدومه أبا اليقظان، فلما دخل عليه أدناه الى نفسه، فقال: ما جاء بأبي عبيدة إلينا متفقداً أم مسلماً أم ماذا؟ فقال: أصلح الله الأمير ما جئت متفقداً ولا مسلماً
296 (1/296)
صفحة 297
غير أن لي جارة خرج ولدها البارحة في طلب معاش له ولها، فأخذه المحروق صاحب حرسك وحبسه فأتتني الغداة باكية شاكية تسألني أن أسألك في اطلاق ولدها، فأمر بأن يطلق كل من حبس تلك الليلة، ممن لا حد عليه
ولا حق للناس، اجلالاً لأبي عبيدة، ثم سلم وانصرف، فعجب الناس من صدقه وتركه التصنع واظهاره على لسانه ما أسر في قلبه.
ألفه
وكان أبو عبيدة هذا عالماً بالفقه والكلام والوثائق واللغة، وكان مع ديانته حسن الادب والمرءوة، أتيته يوماً اسمع كتاب اصلاح اللغة، الذي الله عبد بن مسلم بن قتيبة على أبي عبيد، فلما افتتحت قراءته وقلت لعل ناظراً في كتابنا هذا ينفر من عنوانه، ويتنفر من ترجمته ويربأ بأبي عبيد عن الذلة فقال لي: ويربأ بأبي عبيد بهمز الوصل وضم الألف، وانما ذكرت هذا الحروف لأدل على براعته في اللغة، فلما قرأت من الكتاب مثل ورقة أو أزيد، أتاه قوم فقالوا: يا أبا عبيدة، شهادة يأجرك الله عليها فأخذ نعله وعصاه ثم قام مع القوم، فلما كان اليوم الثاني أتيته فلما قرأت ما قرأت بالأمس، أتاه قوم فقالوا: يا أبا عبيدة شهادة يأجرك الله عليها، ففعل مثل ما فعل بالامس، فقمت معه، وقلت: أصلحك الله ان لي بالرهادنة دكاناً أبيع فيه وأشتري أتركه وأتى اليك فيأتيك الناس، فتشتغل عني، لا أنا في دكاني ولا أنا في مقابلة كتابي، فسكت، فلما كان بالغداة أتيته كما كنت أتيه فلما قرأت بعض جزء أتاه أناس فسألوه كما سألوه قبل هذا، فقال: ان هذا اليوم لهذا الفتى فان آثركم على نفسه وأذن لي سرت معكم، فلما رأيت سر اذا شئت: ذلك قلت: يا سيدي ولا كل هذا.، أو أقم، وانما ذكرت هذا لأدل على مرءوته وحسن أدبه، وكان المغرب كله مفتوناً بهذا الرجل، حتى ان
من كان من الأباضية ونفوسة يبعثون بزكاتهم إليه يفرقها حيث شاء.
297 (1/297)
صفحة 298
شدة تعلق نفوسة بهذا الامام «قال»
قال: كانت نفوسة الجبل مفتونة بأبي اليقظان، وكان أكثرهم لا يحج إلا باستئذانه، وكانت المرأة تبعث بأبنها أو ابنتها يأخذ لها الأذن منه، وكان اذا ضرب سرادقة وأتته وفودهم لا ينامون الليل حول فساطيطه، شأنهم التهليل والتكبير، من أول الليل حتى إلى الفجر، فاذا صلوا الفجر معه ضربوا بأنفسهم الى الأرض فناموا (1) هـ)، جازي الله عنا ابن الصغير خيراً على شهادته بالحق ولو علمنا قبره لشهرناه وزرناه وتصدقنا عليه.
ولاية أفلح بن العباس على جبل نفوسة
قال: وان أبا اليقظان لما استقام له ملكه، وأتته وفود نفوسة ليقدم عليهم أميراً من أنفسهم، فأنزلهم في دار الضيافة، فقال: اكتبوا اسماءكم كلكم وارفعوها إلي، وأمر الكاتب ان يكتب السجل (الفرمان)، ويبقي بياضاً
لموضع المقدم، فلما رفع الكاتب الكتاب اليه، كتب بخط يده اسم المقدم وطواه وطبعه، ولم يعلم أحد من الناس من قدم، ثم جمع القوم وقال لهم ها كم السجل ولا تفتحوه الا بجبل نفوسة اذا بلغتم منازلكم، وقد تقدم أن والده أفلح صنع هكذا مع سعد ونفات، فأخذ القوم السجل وقد اغتموا اذ لم يعلموا من المقدم عليهم، ثم دخلوا على حمود بن بكر، وكان من الخاصة بأبي اليقظان، فسألوه فقال لهم: لا أعلم بما فيه، ثم دخلوا على عيسى بن فناس فأجابهم بمثل ما أجابهم به حمود، ثم لم يزالوا يدخلون على واحد بعد واحد من الأباضية، ويسألونهم فيخبروهم بأن لا علم لهم، فلم يزالوا كذلك إلى أن مروا بعبد العزيز بن الأوز، وكان له فقه بارع ورحلة نحو المشرق، ولكنه سفيه اللسان، خفيف العقل ينزهون مجالسهم عن حضوره، ولا يستغنون عنه في معضلات مسائلهم، فما شعر أن دخلوا عليه، فقال ما
298 (1/298)
صفحة 299
بالكم وما جاء بكم؟ فقالوا: فرحنا بشيء واغتممنا منه، قال: وما ذلك؟ قالوا: فرحنا بتقديم الامام لنا واغتممنا اذ لم نعلم من قدم علينا قال: أو لم تعلموا من قدم عليكم؟ قالوا: لا، قال: قدم عليكم أفلح بن العباس قالوا: أعلمك بذلك؟ قال: أبو اليقظان، قال: فخرجوا من عنده فأتوا حمود
ومن
بن بكر وعيسى بن فناس فقالوا لهما: مكانكما من الامام مكانكما، فقالا: والله ما علمنا الا كعلمكم فمن اخبركم؟ قالوا عبد العزيز بن الأوز، قالا ومن أخبر عبد العزيز؟ قالوا: أبو اليقظان قال: فخرجا يجران ارديتهما حتى دخلا على أبي اليقظان فقالا: أنت أعلمت عبد العزيز أن المقدم في سجلك على نفوسة أفلح بن العباس؟ فقال: لا، فقالا: فقد ذكرت نفوسة أنك أعلمته بذلك دوننا ودون غيرنا؟ قال: أو قال ذلك المجنون؟ قالا: نعم فنادي يا بشير خذ معك أعواناً أكفياء وجئني بعبد العزيز شر مجيء، ثم قال: ادخلا على نفوسة واجلسا حتى يأتي المجنون، قال: فما شعرنا أن جيء به قال: من أعلمك يا مجنون أني قدمت على نفوسة أفلح بن العباس؟ فقال: أنت أعلمتني، قال: في اليقظة أم في النوم؟ قال: لا ولكن في اليقظة. قال: وكيف ذلك؟ قال: رأيتك اذا سمي لك رجل منهم انقبض ما بين عينيك واذا سمي لك أفلح انبسط ما بين عينيك، فعلمت أنك اياه تريد، فقال: خليا عن المجنون، فقد كشف سرنا فلم تزل أيام أبي اليقظان لا ينقم عليه شيئاً احد مما ولي من أفعاله، ما خلا أولاده فانهم ربما خرجوا عن الواجب من أفعالهم (1 هـ).
حكاية القاضي مع الامام وتركه القضاء
كان أحد أولاد الامام على ما رواه ابن الصغير، غير محمود السيرة،
(والكمال لله وحده، وكان العلامة أبو. الله
عبد
محمد بن عبد
الله
بن أبي
299 (1/299)
صفحة 300
الشيخ قاضي الامام حازماً في الامر، جريئاً على تنفيذ أحكامه غيوراً على الحقوق، وقد صدر من أبن الامام المذكور ما يوجب عليه الحد الشرعي، ولم يصل القاضي الى اثبات الفعل عليه، لعدم البينة بعد أن استعمل كل حيلة في الوقوف على حقيقة الأمر، فقدم استعفاءه وترك القضاء، لما عجز عن الاثبات مع تحققه عنده، وقد ذكر ابن الصغير تفصيل الحكاية فخذها من
كلامه باختصار قليل.
(وقال)
قال: فلم يزل قاضيهم محمد بن عبد الله يأمر بأمر أبي اليقظان، وينتهي الى نهيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، الى أن حدث حادث فأصبح بالغداة فرمى اليه خاتمه وقمطره، وقال له: ولّ على قضائك من تريد، فقال له: ما بالك وما عراك؟ فقال: ما نقمت عليك شيئاً ولكن نقمت على ابنك، فغضب أبو اليقظان مما استقبله به، ولم يرد عليه شيئاً، وكان للقاضي حاسدون ومبغضون، فلما انصرف من عند الامام قال لمن حوله، اذا كان بالغداة أمضوا الى محمد واسألوه علام نقم عليّ، وعلى من نقم لنزجره عما كان منه قال: فقدموا إليه فاعلموه، فقال لهم: دعوني من هذا، والله ما وليت له قضاء ابدأ فانصرفا عنه.
وقد وافق ذلك سرورهم الحسدهم إياه وبغيهم عليه، وأتوا أبا اليقضان وقالوا: اصلح الله الأمير الرجل به حمق وجفاء، ولك في المسلمين من هو انفع للمسلمين منه، فلم يزالوا به حتى صرفوه عنه، وولوا القضاء رجلاً يقال له شعيب بن مدمان فقلت يوما لسليمان مولي محمد بن عبد الله القاضي: ما السبب الذي كره به محمد بن عبد الله القضاء حتى ألقى الخاتم والقمطر، وحتى شافه أبا اليقظان بما شافهه به؟ فقال: نعم أخبرك
300 (1/300)
صفحة 301
معه
والله يا بني بينا نحن ذات ليلة جلوس بعد العشاء الأخيرة، وكان كثيراً ما يؤثرني بحوائجه على غيري، فبينما نحن كذلك اذ دق علينا الباب دقا عنيفاً، فقال لي ياسليمان قم فاني خشيت أن يكون حادثاً من قبل السلطان، ففتحت الباب، فاذا بجارية منبهرة ومعها صقلبي سراج، قال فقلت: ما بالك أيتها المرأة؟ فقالت: القاضي أريد، فرجعت اليه فأعلمته، فقال لي: ادخلها قال: فأدخلتها، فلما مثلت بين يديه قال لها ما بالك أيتها المرأة، وما جاء بك هذه الساعة؟ فقالت: نعم دخلت الساعة خدام من قبل زكرياء بن الامير، وأخذوا ابنتي من بين يدي فقلت لابني: قم فاتبعهم، فقال: أخاف أن يقتلوني أو يدسوا علي عاملاً من عمالهم فيقتلني قال: فسقط كالمغشي عليه، ثم أفاق فقال لي يا سليمان قم، ثم قام فقال لي خذ السراج ولا يشعر بك أحد، وتقلد سيفاً واعطني عصاي قال: ففعلت، ثم قال اخرجي أيتها المرأة فخرجنا ثم قال لها الى اين تظنين يقصد بابنتك؟ فقالت: الى دار (الركات)، قال فسار وسرت معه والجارية معنا، حتى أتينا قرب دار الرجل، فقال لي يا سليمان غيب السراج لئلا يشعر، قال فسترته، وقال لي: دق الباب دقا لطيفاً، فاذا فتح الباب فاظهر السراج، قال: لما رأى صاحب الدار وأهل الدار القاضي ارتاعوا ارتياعاً شديداً، وقالوا ما بال القاضي أعزه الله وما جاء به؟ فقال لي: يا سليمان اصعد الى أعلى الدار واحذر ان ينزل احد من جوانب الدار، قال: ففعلت، قال: ثم أقبل يتخلل بيوت الدار بيتاً بيتاً وموضعاً موضعاً فلايرى شيئاً، قال: ثم صعدا الى أعلى الدار والمرأة م، فلم يجد شيئا قال: عطف علي صاحب الدار فقال: هل رأيت زكرياء بن الأمير أو كان معك اليوم، فقال: نعم كان
معه،
ثم.
اليوم عندي. فلما كان الليل أوتي بفرس فركبه فقال هل تعرف له موضعاً؟ قال: لا والله أصلح الله القاضي قال: فخرجنا ثم قال للمرأة هل تعرفين له موضعاً؟ (1/301)
صفحة 302
قالت: لا والله أصلح الله القاضي قال ــقط في يده، ثم لم يصب الا ان وصلها الى دارها، ثم انصرفنا الى دارنا، فلما نام تلك الليلة، حتى طلع الفجر، فغدا بخاتمه وقمطره فألقاه الى صاحبه (1 هـ)، ومن تأمل في هذه الحكاية وحكاية ابن عرفة، تحقق ما للمقربين من السلاطين من قوة التأثير على افكارهم بقلب الحقائق، واظهارها لهم في صورة تجبرهم على قبول اشاراتهم، وان كانت خطأ أو فيها خراب ملكهم، وهم لا يشعرون، فان بالتأمل فيما أشار به مستشار الامام ابي بكر من قتل ابن عرفة، يتضح لنا لم يقصد النصيحة بلا ريب، والا فكيف يتأتى لابن عرفة الخرورج عن الطاعة، وهو صهر من جهتين، ولم يكن في كلام ابن الصغير ما يدل على انه يتكلف للخروج، بل قال: ان الامام أدرك بعد فوات الامر، ان المشير بالقتل لم يقصد النصيحة، بل له غرض خصوصي.
انه
وهكذا الحال في مسألة حمل هذا الامام على قبول استعفاء القاضي، هذا ولم نقف على كل ما تصفحناه من التواريخ، وفيما لدينا من تارخ ابن
الصغير على قول سوء، أو ظلم أو خروج عن العدل ينسب الى ائمة بني رستم، أو الى عمالهم أو أقاربهم، الا هذه الحكاية، لا تعد. شيئاً في، وهي جانب ما سمعته وستسمعه أيها القارئ من سيرتهم المستقيمة في مدة لا تبعد عن مائة وخمسين سنة، ولو وجد لهم غيرها لذكروه.
ورع هذا الامام
قال: ومما يذكر عنه من ورعه وتعففه، ان رجلاً يكنى بأبي سابق، كان خادماً لأبي اليقظان في جميع اسبابه، وكان يتولى علف فرسه قال لي أحمد بن بشير قال لي ابو سابق: خرج ابو اليقظان يوماً الى منزله الذي كان اختصه (بتسلونت) يتفقد سائمته وعبيدة، وأبطأ في انصرافه الى أن
302 (1/302)
صفحة 303
دخل الليل قال ابو سابق فحططت عن الفرس وربطته على مدرة، وخرجت لآتي له بعلفه من عند حريف له فألفيته وقد اغلق حانوته، فملت الى بيت المال ففتحته وأخذت منه علف الفرس وأغلقت عليه، ثم رجعت الى موضعي من القصر، واذا بأبي اليقظان قد افتقدني مرة بعد أخرى، فلما رأيته صعد إليه خادم فأخبره بمجييء ء فقال له: اصعده الي وكان يستريح إلي ويسألني عن أخبار الناس فقال: وما حبسك وما أبطأ بك فأعلمته خبر الحريف وغيبته، وفتحي لبيت المال وأخذي العلف منه وتعليقي اياه الفرس فقال: آه يا أبا سابق، والله لا نام محمد ولا أكل ولا شرب، حتى تمضي وترد في بيت المال ما أخذت منه، قال: فمضيت والله في ليلتي تلك حتى أتيت حريفي وأخرجته من داره، وأخذت منه علف الفرس، ثم مضيت وانتزعت المخلاة عن الفرس فكلت ما بقي واتممت ما أخرجت من بيت المال ورددته فيه، وعلقت ما بقي على الفرس، ومضيت اليه فاصبته جالساً ينتظرني فقال: ما وراءك يا أبا سابق؟ فأعلمته بما صنعت فقال لي: أحسنت أما الآن فاجلس. فمات ابو اليقظان فكل شيء وجد له من العين في تركته سبعة عشر ديناراً، وكانت لابي اليقظان في امارته وقائع صارت تاريخاً لموالد الناس (1 هـ)، بلفظه، هذا حاله وقد حكمها من تاهرت بالمغرب الى أرض سرت بالمشرق، فهكذا والله العدل، وهكذا الزهد والورع، وهكذا كان الخلفاء الراشدون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أهل الانصاف والفضل، فهو ورب البيت الجدير بأن ينشد في حقه البيتان اللذان رواهما ابن عباس رضي الله عنهما عن ابي بكر رضي الله عنه ونصهما:
اذا أردت شـ ريف الناس كلهم
فانظر الى ملك في زي مسكين
ذاك الذي حسنت في الناس سيرته
وكان يصلح للدنيا وللدين (1/303)
صفحة 304
ولاية أبي منصور الياس النفوس
نفوسة واخباره
بسبب
-
حمه الله ـ على جبل
تقدم عن ابن الصغير: أن الامام ـ رحمه الله ـ عقد الولاية لأفلح بن العباس على جبل نفوسة، وكأنه لم تمتد ايامه فانفصل عنها، ولم نعلم انفصاله وكيفيته، اذ لم يتعرض لذلك أحد، وعلى كل حال فهو أما بعزل أو استعفاء، فولى الامام رحمه الله بعده على الجبل العلامة الباسل أبا منصور النفوسي التندميرتي، من احدى قرى جبل نفوسة المشهورة بالعلم، ذكر الشماخي ـ رحمه الله عند الكلام عليه، انه كان في أول حاله من أهل الجملة، ثم قال نقلاً من تاريخ نفوسة الكبير هكذا، فنزل مرة الى (مدينة) تيجي فالتقى بأبي مرداس مهاصر (الزاهد المشهور) حافي الرجل، قد أدماها الشجر والحجر في سنة قحط وشدة، فأعطاه نعليه، قال أبو مرداس (داعياً له) نزع الله منك يا فتى ما لا يرضى، ورد فيك ما يرضى، قال أبو منصور: فحسست حين دعا بما غشيني، فوقع في نفسه التعلق بالمراتب العالية من العلم والعمل، بركة الشيخ، وقد تقدم، وكان بعد أن تولى أمور المسلمين، اذا خرج لقتال العدو يركب بغلة، ولا يتقي نبلاً ولا ضربة عن نفسه ولا عن مركوبه، ولا تقع به، ولم يهزم له جيش، ولم تنكس له راية (1 هـ)، قال ابو زكرياء، ولا يبالي في الله لومة لائم (1 هـ).
وكان القاضي الكبير على الجبل في زمانه ذلك، العلامة العادل عمروس ابن فتح النفوسي ر الله رحمه الذي قال فيه ابو العباس في الطبقات، بحر العلم الزاخر، بل حاز المفاخر، وحاز قصب السبق، وان كان في السن متأخراً، كان ضابطاً حافظاً محتاطاً محافظاً، لم يكن تشغله المجاهدة في عن دراسة العلم، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادرة تلك الهموم، لازم الدرس والاجتهاد، ثم رابط على الجهاد، له مصنفات في
الله
الفروع والعقائد.
304 (1/304)
صفحة 305
وكان عزم على أن يفرز مسائل الفروع، فيبين ما استخرج من الكتاب،
وما استنبط من السنة، وما كان من الاجماع فيد كلا الى اصله، قال العلامة أبو العباس: وصرف الى ذلك وجه العناية، حتى يكون تأليفه طرازاً لما صنف في علوم الشريعة، فعاجلته المنية - رحمه الله ـ، وذكر في السيرة أن أبا منصور خرج الى قوم بلغه انهم غصبوا عيراً لآخرين، ولما وصلهم ادعى كلا من الفريقين أن العيرة له، فاشتبه عليه الامر، اذ كان الخلاف بينهم شديداً، ولا شاهد عليهم غير الله، فارسل الى عمروس بالمسارعة اليه، ولما أتاه قبض على المتاع، وصار يسأل كلا من الفريقين على حدة، عما اشتمل عليه من الاصناف، وعما في الأجربة من الزاد وغيره، حتى اتضح لديه أصحاب العير، وعرف المتعدين لعجزهم عن بيان ما خفي عنهم من المتاع، اذ لم يطلعوا عليه، فقال لأبي منصور: هؤلاء (يعني غير الغاصبين) أصحاب الرفقة، وهؤلاء (يعني الغاصبين) أضيافك كني بذلك عن حبسهم وتأديبهم، فجرى أبو منصور الأمر على حسب ما حكم به عمروس، ويذكر عنه أنه توجه الى مكة لاداء فريضة الحج، فدخل هو ومن معه على العلامة محمد بن محبوب، عالم أباضية الشرق في عصره، وهو في مجلسه، فسلموا فرد عليهم السلام، وأدنى مجالسهم تعظيماً، واكرمهم، ثم فتحوا باب المباحثة في العلوم، فسأله عمروس عن مسألة من مكنونات العلم، فتعجب أبن محبوب وقال: ان كان أبو حفص (يعني عمروساً) في شيء من هذا البلد، فهذا السؤال منه، فأخبره الحاضرون بالحقيقة، فزاد في تعظيمه ورفع مقامه، وصار عمروس يسأله في مسائل الدماء، حتى قال له هذا من مكنون العلم، فلا يعلن به امام كل أحد.
وكان عمروس أوصى الذين معه، وقال لهم: احفظوا لي السؤال، وعلي حفظ الجواب، ولما قضوا مناسكهم وعادوا إلى الجبل، جمعهم وقال: هاتوا
305 (1/305)
صفحة 306
ما تكلفتم بحفظه فقالوا: لم يبق في علمنا الا قولك: احفظوا السؤال احفظ لكم الجواب، وعندئذ صار يسرد الاسئلة والاجوبة، حتى أتي عليها، ولم منها شيئاً، وهو الذي نقل مدونة أبي غانم بشر الخراساني، ولولاه لما
ينس
نقطة
كان لها أثر، وذلك ان ابا غانم، وفد على الامام عبد الوهاب بتيهرت. ولما مر بجبل نفوسة ترك مدونته عند عمروس.، فألهمه الله نسخها فاجتهد في ذلك، وكانت اخته عالمة جليلة فلازما مكاناً واحداً، فهو يكتب وهي تملي عليه، وكلما ادركتهما الشمس تزحزحا الى الظل، حتى كمل نسهخا، وكانت في اثنى عشر جزءاً، ولما عاد ابو غانم من تيهرت، وجد حبر في بعض صحائفها، فتنبه الى ما صنعه عمروس، وكأنه لم يستأذنه ولم يخبره، فقال به: قد سرقتها يا عمروس فقال عمروس: سماني سارق العلم، ولما وقع ما وقع من حرق كتب أهل المذهب بتيهرت وغيرها حتى فقدت بقيت هذه النسخة ينتفعون بها، قال الشماخي: ولولاها لبقي أهل المذهب من غير ديوان بالمغرب يعتمدون عليه، وذلك ببركة عمروس وحسن نيته (1 هـ)، وقد طلب منه بعض أهل الكلام من علماء أحابنا بفزان، ان يؤلف كتاباً في الاصول فكتب الكتاب المعروف بالعمروسي، وكتب اليه رسالة فلما رأهما الفزاني، وهو صاحب الكتابين المعروفين بأصول، قال: النفوسي أقوى مني، هكذا ذكر في السير، وفيه انه مكث في
الكلام
المغرب يتعلم العلم عشرين سنة، ولما رجع الى الجبل قال له أخوه: انظر إلى
الأجراف التي في فدادينك، كأنه يلومه على طول غيبته في طلب العلم. فقال له: لو رأيت أجرافاً تثلم دينك لهان عليك امري.
وفيه انه اشتكى اليه عبد من مولاه فقال له: اصطلح مع مولاك، وكان
ابو مهاصر حاضراً، وهو شديد الامر والنهي في دين وقال له: اعطه حقه من مولاه، والا نزعك الله.
الله
، فغضب من جوابه
من ذلك المكان، ورد فيه
6
306 (1/306)
صفحة 307
القضاء غيرك، فنفذت فيه دعوة الشيخ، فنزع من ذلك بعد، في زمن قريب بدون حدث، ثم طلبوا منه الرجوع فأبى، ولما سمع بوفاة أبي مهاصر اشتد أسفه، وعظم فزعه حتى انه كان يلبس نعليه، فلبس واحدة وأخذ الاخرى في يده ذهولاً وجزعاً، وذهب مسرعاً لحضور الجنازة، فما أدركهم الا وقد دفنوه، فرمي بنفسه الى الأرض وتخبط في التراب متحسراً، فتوهم جهال (افاطمان) بلدة أبي مهاصر، وهي الآن خراب آثارها تدل على كبرها، أنه فعل ذلك تشفياً، وقالوا: قد استراح منه، لأنه كان كثيراً ما يعترض عليه في بعض المسائل، فيقبل منه تارة ويرد عليه أخرى بدون أن تنشأ بينهما عداوة أو شيء في الخواطر، ومما حكاه الشماخي عنهما نقلا من سير نفوسة، أن بعضاً سأل عمروساً عن الحكم فيمن أخذ خرجاً من مال ابن طولون في المحاربة الآتية، وتاب ولم يعلم له صاحباً فقال له يسأل عن صاحبه فان اعياه طلبه تصدق له، لأن مال الباغين من الموحدين لا يحل بخلاف دمهم، وكان ابو مهاصر حاضراً، ولا يحب الترخيص فغضب، وقام قائلاً لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا فقال له.: ان شئت ان عمروس تفعل فاقعد، فان من شأن المسلمين ان لا ييأسوا من رحمة الله وكأن ابا مهاصر يرى وجوب البحث عن صاحب الخرج، حتى يرد اليه أو لورثته ان
مات، ولا يصح التصدق به الا بعد تحقق ان لا وارث له والله أعلم.
محاربة أبي منصور - رحمه الله ـ مع أبي العباس ابن طولون صاحب مصر
كان أبو العباس هذا عاصياً لوالده، وثأثراً عليه، فحدثته نفسه في أثناء غيبة والده عن مصر، بالذهاب الى جهات القيروان، وانتزاعها من بني الاغلب والاستقلال بها عن أبيه، وقد ذكر أغلب المؤرخين منا ومن غيرنا (1/307)
صفحة 308
حكايته، وأقوالهم كلها متقاربة، الا أن بعضهم ينسب طلب الاعانة من نفوسة والاستغاثة بهم إلى أهل طرابلس، وبعضهم ينسب ذلك الى أهل حصن (لبدة)، وعلى كل الاقوال فالسبب في قهره وتشتيت جموعه وانقاذ طرابلس، وبني الاغلب من ظلمه واستبداده، هو أبو منصور وعساكر
نفوسة، وهي واقعة خلدت لنفوسة وأبي منصور في بطون التواريخ ذ ذكراً جليلاً، وكان شاهد عدل اعترف بها كل المؤرخين ببسالة (نفوسة)،
وشجاعتهم وبتعففهم وتنزههم عن المال الحرام، اعترافاً لا يمحوه مرور الزمان
وتوالي الاعصار، قال المؤرخ المراكشي المالكي في بيانه.
وفيها أي في سنة 267 هـ كانت فتنة ولد ابن طولون)، وذلك ان العباس بن أحمد بن طولون ولد صاحب، مصر، قدم في هذه السنة في ثمانمائة فارس وعشرة آلاف راجل من سودان أبيه، على خمسة آلاف جمل الى مدينة برقة في ربيع الآخر، يريد افريقية والتغلب عليها، واخراج بني
الاغلب عنها.
وحمل مع نفسه من بيت مال. مصر ثمانمائة حمل دنانير ذهباً، فأعطى أصحابه الارزاق بها، وقيل ان مبلغ ما حمل من المال ألف ألف دينار ومائتا، معه أبو عبد الله أحمد بن محمد الكاتب مكبلاً، لأنه أظهر
ألف دينار: الامتناع من الخروج معه، وكان اشار عليه بأن يؤخر التقدم الى طرابلس حتى يصانع البربر، فقال اخشى أن تقدم العساكر من الشام قبل احكام هذا الامر يعني عساكر ابيه، لأنه كان ثائراً على أبيه، ويكون ايضاً في ذلك فسحة لابراهيم بن أحمد، فيتمهل في الاستعداد ولكني أمضي على فوري هذا فنأتي لبدة وطرابلس فجأة، ثم أخذ في استمالة البربر بعد ذلك بالعطاء والافضال، وأبعد من مصر، فلا يقوم لأحمد بن طولون يعني أباه أمل في مطالبتي لبعدي عنه
208 (1/308)
صفحة 309
وخرج يريد لبدة فاتصل خبره بابراهيم بن أحمد، فأخرج اليه أحمد بن قهرب في ألف وستمائة فارس خيلاً مجردة، لا رجل فيها باعداد السير والسرى بالليل، حتى دخل طرابلس قبل وصول العباس بن أحمد بن طولون الى لبدة، ثم حشد ابن قهرب من امكنه من جند طرابلس وبربرها، ثم بادر الى لبدة ودخلها، واقبل العباس بن طولون وقد صنع له ببرقة خمسة آلاف بند فحمل له علي كل جمل رجلاً ببنده، وزحف بثمانمائة فارس وخمسة آلاف رجل، فالتقى به أحمد بن قهرب على خمسة عشر ميلاً من
لبدة، وقد تأخرت الجمال بالرجل أصحاب البنود، فلم يكن بينهم الا
الا
مناوشة يسيرة حتى انهزم أحمد بن قهرب وهو يظن ان من ناوشه القتال من أصحاب ابن طولون كانوا مقدمة للجيش، ووصل أحمد بن قهرب الى طرابلس منهزماً، وركب العباس بن طولون أثره حتى نزل طرابلس، ونصب عليها المجانيق وناصبهم الحرب، وأقام محاصراً لهم ثلاثة وأربعين يوماً، فتعدى بعض سودانه على بعض حرم البوادي، وهم اتباع بني رستم، كما مر، وهتكوا الحجب فاستغاث أهل طرابلس بأبي منصور، صاحب نفوسة، فقام محتسباً وناصرا جيرانه من المسلمين، وزحف في أنثي عشر ألفاً من رجال نفوسة الى العباس بن أحمد بن طولون فناشبوه الحرب، فقال العباس لأبي عبد الله الكاتب: ما الرأي؟ فقال له: خليفته، وألح أهل نفوس في محاربة ابن طولون فانهزم، وخرج الى برقة بعد انتهاب أهل طرابلس لجميع عسكره، ولم يلتبس النفوسيون منه بشيء بل تورعوا عنه، وكان ابراهيم بن أحمد قد حشد الاجناد وضرب حلي نسائه دنانير ودراهم، اذ لم يبق ابو الغرانيق مالاً، ثم خرج بنفسه يريد طرابلس فلقيه خبر هزيمة ابن طولون، فبحث ابن الاغلب عن الاموال واخذها ممن وجدت عنده، فكان الرجل من أهل العسكر يبيع مثاقيل ابن
ببرقة (1/309)
صفحة 310
طولون سراً بما امكنه خوفاً من ان تؤخذ منه (1) (هـ)، وقال ابن سعيد المالكي في تاريخه الدر المكنون هكذا.
وخرج (العباس بن طولون بأكثر تلك الاموال العظيمة، والنعم والذخائر معه الى ان انتهى الى حصن يعرف بلبدة ففتحه أهله له، وخرج اليه عامل ابن الاغلب، فاطلق العباس لاصحابه نهب الحصن، فقتلوا الرجال وفضحوا النساء وذاع الخبر، واستغاثت طائفة من أهل هذا الحصن الى الياس بن منصور النفوسي رئيس الاباضية، فدخله منهم غضب شديد وحمية غليظة، وكان العباس قد كتب الى النفوسي ان اقبل بسمعك وطاعتك، والا وطئت بلدك بخيل ورجلي، وابحت رحمك، وهذا متغول ذو منعة، وله أهل كثير عددهم ولم يود الى ابن الاغلب طاعة قط.
جواب أبي منصور إلى ابن طولون
بينهم
مناوشة،
فقال الياس ابو منصور النفوسي (تحقيراً له): قل لهذا الغلام أما انك اقرب الكفار مني وأحقهم بمجاهدتي، فقد بلغني من قبيح افعالك ما لا التخلف يسعني معه عن جهادك، وأنا على اثر رسالتي اليك (1 هـ)، وقد كان ابراهيم بن الاغلب انفذ الى محمد بن قهرب عامل طرابلس بخادم، يعرف ببلاغ في جمع من أهل القيروان كثير، فكان القتال وانصرفوا على غير مناجزة، وصبح الياس أبو منصور النفوسي في اثنى عشر ألف مقاتل مستنصرين، والخادم من خلفه، فأطبق الجيشان عليه، فقتل أكثر من كان معه، واستبيحت أمواله وذخائره، وما كان حمله معه من مصر من السلاح والخيل، وأفلت بحشاشة نفسه، وكان معه ايمن الاسود مقيداً، فخلصه تقييده من القتل، لانهم علموا انه حرب له، ورجع العباس على برقة (1 هـ).
310 (1/310)
صفحة 311
فلله در أبي منصور، ما أشد كلامه وما اعظم خطابه، فمن تأمل في جوابه هذا حق التأمل، اتضح له ما كان له الله - رحمه - من الشهامة وعلو الهمة، والاقدام وشدة الحرص، على محافظة بلاده، والقيام بحقوق جيرانه ورعاياه، فلمثله تسلم مقاليد الولايات البعيدة كالجبل، ولقد أصاب الامام الله في انتخابه وتعيينه رحم الجميع.
حكاية سجن هذا الامام ببغداد في حياة والده
قد تقدم منا وعد بذكر قصة سجنه، فهاكها موضحة مأخوذة من كلام ابن الصغير على القاعدة المتقدمة، ولا يخفى مما مر على سمعك ان لدولة الرستميين في ذلك العهد، بين سائر دول الاسلام ذكراً ذائعاً وشنشنة شائعة، تؤذن بالرعب وتقضي نظراً لميل العموم إلى العدل بامكان اتساع دائرة ملكها بين طبقات الأمم، إلى أمد بعيد غير معلوم الحد والنهاية، وبذلك أخذ الخليفة العباسي في الشرق المتاخم بالحدود من جهة مصر لأرض سرت، وجبل نفوسة التابعين لهذه الدولة شدة الاحتياط والحذر،
ناظراً إلى المغرب بعين الخشية وقلب المخافة، ولاسيما ابان الحج الشريف
لكثرة الوافدين منه
الله
الله والده رضي ا عنه في آخر
(ممزوج) وقد استأذن هذا الامام رحمه ايام دولته في الحج، فأذن له وتوجه مع الركب بصحبة رجل من نفوسة اتخذه مؤنساً وخادماً، إلى أن وصل مكة المكرمة، وقد اتصل خبر مجيئه
ببني العباس في بغداد فاشتد خوفهم ورعبهم.
قال: فلما طاف وسعى، اكتنفته رسل بني العباس اذ قد سعى به عندهم، وقيل لهم: ان مقدم الشراة قد قدم من المغرب من عند أبيه يرتاد البلاد، ويرسل رسله في كل الآفاق إلى من كان على رأيهم ومذاهبهم،
211 (1/311)
صفحة 312
مائة
ليأخذوا على أنفسهم إلى أن يأتيه والده من المغرب، فحمل أبو اليقظان من مكة وحمل معه رجل من نفوسة كان يخدمه، حتى ورد بهما مدينة السلام (في بغداد)، وكان العامل اذ ذاك لأبي جعفر المتوكل أو غيره ممن كان في عصره، ه، فأمر بحبسه قال الذي حدثني: حدثني أبي عن أبي اليقظان انه قال: وافق حبسي حبس أخي الخليفة، كان قد نقم عليه ما نقم، فأمر بنا جميعاً فحبسنا في موضع واحد، قال: وكان يجري علي في كل يوم. وعشرين درهماً، كما يجري على أخيه (1) هـ)، وذلك عبارة عن عشرة آلاف وثمانمائة قرش في الشهر، ومائة ألف وتسعة وعشرين ألفاً وستمائة قرش في السنة بعملة عصرنا تقريباً، وهكذا جرت سنة الملوك وعادتهم مهما أسروا في حرب أو قبضوا في حين غفلة أو خيانة على واحد من أسرة ملوك غيرهم، اظهاراً للقوة وتوقيراً لمقام الملك.، وعن الملوك لا تسأل.
معه
خبر أبي اليقظان مع أخي السطان المسجون. (عزوج) فبقي مع أخي السلطان على أحسن حال وأنس، قد رسخ في خاطر كل مودة الآخر، فلا يطيب لأحدهما طعام ولا شراب الا بحضور الثاني، وصارا شركين في الفرح والحزن، والرضاء والسخط، وكان أخو الخليفة كثير التعلق بأبي اليقظان، لما رآه فيه من حسن الأدب والتضلع في العلوم، والورع الكامل، وكثير الأعجاب به من حيث اتقان الطهارة ومراقبة أوقات الصلوات، والقيام بالليل والناس نيام، فتآلفا وامتزجت مودتها، وعقدا أخوة الصفا وجعلا الصبر ديدنا، والتسليم للقضاء المبرم من عند المدبر الحكيم القادر عماداً، لا يغفلان عن النظر في قوله تعالى: (انما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب وقوله: واصبر على ما أصابك ان ذلك من
عزم الأمور وكأني بهما ولسان حالهما يردد قول الشاعر:
312 (1/312)
صفحة 313
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانه الدم
وقد رأى أخو الخليفة من أبي اليقظان في تلك المدة من أنواع البر والاكرام، والجود والثبات والتجلد ما أدهشه، وأدى به إلى الاستغراب وذكره بمحاسن الصفات، ورأى ابو اليقظان منه مثل ذلك، وفي كل ذلك رفيقه النفوسي مسرح في المدينة تحت النظر والمراقبة، يتردد عليه في السجن لقضاء ماربه وتدبير شئونه، بما يحتاجه من الخارج، وبينما هما في تلك الحال بين الشدة والرخاء والخوف والرجاء، لا ييأسان من رحمة الله ولا يسأمان من قدر الله، اذ اختل نظام داخلية الخليفة، وقامت قيامة الرعية وأصبح مقتولاً.
عقد الخلافة لرفيق أبي اليقظان وأخباره معه بعد ذلك (ممزوج) وبعد أخذ ورد وقيل وقال، تمخضت الخلافة لرفيق أبي اليقظان أخي الخليفة، فنودي باسمه، وما شعر حتى دخلت الصقالبة والأجناد عليه في السجن، واختطفته من بين يدي أبي اليقظان إلى دار الخلافة، وقدمت له البيعة وما تم له الأمر وثبت على الكرسي، حتى امر باخراج أبي اليقظان
من السجن، ودعا أحد وزرائه وكلفه بحفظه واكرامه إلى ان يتفرغ لطلبه. فبادر الوزير ممتثلاً للامر، ودخل على أبي اليقظان وأخبره بالقصة، وحمله إلى محله وقام بواجب حقوقه براً واكراماً، فطاب نفساً وانشرح صدراً وأمل الخلاص من ربقة التغرب، واستقرب اللحوق بالوطن العزيز مسقط الرأس،
ومقر الاهل ومنبع. العدل.
كم منزل في الارض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لاول منزل
6
212 (1/313)
صفحة 314
ثم ان الخليفة أراد إظهار ما لديه من القوة، وكثرة الجنود لأبي اليقظان لكي يعلم ذلك ويخبر والده ورجال دولته، اذا رجع اليهم فييأسوا من الطمع
فيه ان خطر ببالهم.
(قال)
قال: الذي حدثني، حدثني أبي عن ابي اليقظان انه قال: فبينما انا عنده (أي عند الوزير) ذات يوم اذ انصرف من قصر الخليفة، فوقف في صحن داره على فرسه، وخرجنا اليه، ووقفت معه، فبينما نحن كذلك، اذ أقبل عشرة اناس فنزلوا عن دوابهم، وبادروا نحوه يقبلون يديه ورجليه فقال لهم: أتدرون فيما ذا أرسلت اليكم؟ فقالوا: اصلح الله الامير مالنا، ذلك في. من علم، فقال: اذا كانت الغداة فاحضروا إلي عشرة آلاف فارس فقالوا نعم اصلح الله حال الوزير، قال: فعجبت من قوله ومن قولهم، وقلت يهزأ بهم
لعلك
أم يهزأون به أم اراد أن يظهر لي شيئاً أتحدث به في المغرب لا اصل له؟ قال: فنظر إلي والى انكساري، فشعر بي قال: فقال لي مالك يا مغربي استعظمت، ما سمعت؟! فقلت: اصلح الله الوزير، وكيف لا استعظمه، ولو كان ما سألتهم اياه دارهم في اكمامهم لما استطاعو احضارها اليك بالغداة، وكيف بعشرة آلاف فارس فقال: يا مغربي ترى هؤلاء العشرة؟ قلت:، نعم، قال: تحت يد كل واحد منهم عشرة، كم معك؟ قلت: مائة، قال: وتحت كل واحد من الألف عشرة كم هذا؟ قلت: عشرة آلاف، قال: انما تخرج هذه العشرة، فيدعو كل واحد. . منهم من كان تحت يده فيجتمع في اقل من. لحظة العين، ولولا سعة هذه الارزاق وأخذوها يا مغربي لما
کله
ذلك
صببنا هذه الاموال الا في الدجلة والفرات قال: فأعجبني قوله وقلت يمكن
ما قاله (1 هـ).
314 (1/314)
صفحة 315
طلب الخليفة من ابي اليقظان الاقامة ببغداد
قال: (أبو اليقظان فبينما انا كذلك عنده اذ أمر الخليفة باحضاري قال: فلما مثلت بين يديه أمرني بالجلوس فجلست قال: فذكر ماكنا عليه (من الحال في السجن تأنيساً له قال: فكان يرى مني اجتهاداً في الصلاة وغيرها فقال: اني أحب أن أوليك من المشرق أي بلد أردته فقلت له: الخيار لي في المشرق دون المغرب، أم في المشرق والمغرب فقال لي: بل الخيار اليك في المشرق والمغرب، الا أني أختار لك المشرق لكثرة خيره، وأرغب لك عن المغرب لكثرة شره فقلت له: اذ رددت الخيار إلي فأنا اختار ما شئت قال ذلك اليك فقلت: اجمع بين وبين والدي، فقال لي: ماتريد بالمغرب من خير، ولكن اذا أردت ذلك فالأمر اليك، ثم عطف علي فقال لي جرايتك في الحبس، انظر إلى من توصي بها لئلا يعفو اسمك من عندنا، فقلت إلى فلان ابن فلان الخياط، رجل بقرب الحبس قال: وكنت أقبلت على النفوسي المرفوع معي، وقلت له اقم تقبض كل يوم عشرين ومائة درهم من المغرب، فأبى علي فقلت له: فإذا أبيت فإلى من ترى أن تصرفها؟ فقال لي: إلى فلان بن فلان الخياط، فاني كنت أجلس عنده واستريح اليه وأشاوره في أمرك قال: فما ذكرت اسم الخياط للخليفة قال لي: بم استحق ذلك منك؟ قال فأعلمته بما قال النفوسي، قال فأمر به فأجريت عليه، وأصبح بعد ان كان فقيراً من الاغنياء المعروفين عند السلطان وخير الصدقة ما اورثت غني، قال: فكان النفوسي بعد ذلك بتيهرت اذا كربه امر، ونزل به ضيق، يقول لأبي اليقظان: لم اقبل منك، لو قبلت منك لكان العشرون والمائة درهم في كل يوم أعود علي مما أنا فيه، قال: ثم أمر الخليفة الوزير بالنظر في أمري وأمر جهازي وأمر لي بسرداق فضرب لي، ثم أمر لي بنفقة وكسوة، وكتب لي كتبا الى عماله في
فذلك خيرا
لك
?
315 (1/315)
صفحة 316
الامصار بالحفظ والرعاية والبر والاكرام، فأقمت حتى قضيت حوائجي، ثم
خرجت (1 هـ)، بلفظة.
غريبة
ومما يحكى عنه أنه بعد أن تحرك من بغداد مقبلاً نحو المغرب. منجمو الخليفة العباسي حسابهم، فرأوا أنه لا بد من أن يتولى الملك بالمغرب فضاق صدر الخليفة ورجاله لذلك، وقالو قد أطلعناه على أمرنا وكشفنا له أحوال بلادنا وتركناه، وذلك هو عين ما كنا نخافه، ولا نأمن أن يهاجمنا يوما ما اذا تقلد الملك، وهموا بالارسال في أثره ليردوه، وكان هو - الله ـ ممن لا يسابق في علمي التنجيم والرمل، فصادف الحال أن حسب لهم وقت حسابهم له، فرأى أنهم يبحثون عن موقعه ليقتفوا أثره، فأمر باتحضار قصعة كبيرة مملوءة ماء، ودخل في وسطها، وبينما هم في تحرير حسابهم اذ ظهر لهم أنه في الماء، فقالوا قد دخل البحر ونجا، فتركوا تتبعه ومر هو في طريقه إلى أن وصل، والله أعلم.
رحمه
ولاته وعدد اولاده ومدته
لم نعلم له ـ رضي الله عنه - من الولاة والعمال، غير أفلح بن العباس والي جبل نفوسة، وأبي منصور، ولم نر لوزرائه ذكراً، وقد أهمل التاريخ المتأخر ذلك كله لقلة المواد، فله عذر وفيما قدمناه عن علومه من الكلام ما يغني عن الاعادة هنا.
(ممزوج) وله ـ رضي الله عنه - من الاولاد الذكور عدد منه: يقظان الذي كنى هو باسمه، وقد خرج إلى الحج في حياته ويوسف، وهو المكنى بأبي
316 (1/316)
صفحة 317
حاتم وأبو خالد وعبد الوهاب، ووهب وزكرياء وغيرهم، ممن له ذكر، وكان من بينهم أبو حاتم شابا، حسن المجاملة طلق المحيا باسط الكف جميل الهيئة كثير المرءوة واسع الاحسان والبر بأترابه، يطعم ويكسو ويجود، وكانت أمه غزال مالكة لأمر أبي اليقظان وحشمه، فوقعت محبته في النفوس ورشحته العامة للامامة بعد أبيه، حتى أنه في بعض الاعياد تخلف والده عن الحضور إلى المصلى مع الناس، فخطر ببالهم ما خطر، وكان أبو حاتم موجوداً فحملوه على الاعناق، نادوا بطاعته ولما اتصل الخبر بالامام والده قال لأمه: احذري يا غزال فقد أصبح ابنك اليوم سلطاناً، أو ما في معناه من الكلام، ولازال بعد ذلك يقلده مهم الأمور، ويقدمه في حل مشكلات الامارة، تدريباً له واعلاء ء لقدره، وتعظيماً لشأنه في انظار الرعية، واظهاراً لما لديه من الاقتدار على الاعمال الشاقة إلى أن ارسله في جيش من وجوه زناتة لمحافظة قوافل اقبلت من المشرق، فيها من الاموال ذهباً وبضائع مالا يحصى، خوفاً من اعتداء سفهاء زناتة عليها، اذ كانو مخيمين بطريقها، فأدركت الامام أبا اليقظان منيته وانقضى اجله عن عمر يناهز مائة سنة قضى منه اربعين سنة في خدمة الملة واعلاء كلمة الدين، واقامة شعائر الاسلام ومحافظة المسلمين، وما قاله المراكشي من أن مدته 27 سنة عار عن الصحة جداً، ولا معنى له، فجهز ودفن والناس عنه راضون وولداه غائبان، يقظان بالحج وأبو حاتم بعسكره في محافظة قوافل تجار الشرق، فلحق الناس من الكدر والأسف والنحيب مالا يوصف، فرحمه الله رحمة واسعة، وذلك سنة احدى وثمانين بعد المائتين 281 هـ باتفاق المؤرخين حتى المراكشي الذي
خالف في عدد مدته
317 (1/317)
صفحة 318
الفصل الثامن
خلافة الامام أبي حاتم يوسف بن محمد ـ رحمه الله (ممزوج) وما كاد يتم دفن الامام - رحمه الله ـ حتى سارعت العامة إلى المناداة باسم ابنه أبي حاتم يوسف اماماً في الأزقة والأسواق، بدون اجتماع وتشاور مع رؤساء القبائل، وأسرعهم إلى ذلك رجلان أحدهما محمد بن رباح وثانيهما محمد بن حماد، ولعله أخا بكر بن حماد الشاعر المشهور، وفي الحال أرسلت اليه الرسل فوافته وهو مع القوافل وبلغته وفاة والده، وعقد الامامة له فكر راجعاً معهم إلى المدينة.
(قال)
فنادوا لا طاعة لأحد الا لأبي حاتم، على مسيرة يومين من المدينة أو
خلفه
أكثر، فلما وصل إلى باب المدينة ازدحم الناس من بين يديه ومن وعن يمينه وعن يساره، فبايعوه فما وصل المسجد الجامع الا وقت الظهر، فأصعدوه المنبر وبايعوه، وكبروا حوله وحملوه على الأيدي والاعناق، حتى أوصلوه إلى داره، ثم أرسلوا إلى القبائل فبايعوه (1 هـ)، فتمت له البيعة وخلصت له الامامة بدون انكار ولا معارضة من أحد، الا ما كان خفياً في نفوس بعض من أهل المدينة، ولم يبوحوا به، كعمه يعقوب بن أفلح، فانه منذ عقدت له البيعة بارح المدينة ورحل إلى زواغة فسكنها، ولم يدخل للرستميين جمعاً ولا أعان ابن أخيه بشيء من قول أو فعل، وان لم يصدر
318 (1/318)
صفحة 319
منه
مع ذلك ما يكدر الراحة قط، فشمر أبو حاتم المباشرة أموره عن ساق الحزم وسار بسيرة أسلافه الصالحين، واستقام له الامر وأجمع الناس على ولايته، وسلمت بواطن العامة من جهته مدة سنة على ما قاله المؤرخ المراكشي، وأقر من أقر من عمال والده على أعماله، وبدل من بدل، ومن أقرهم على عملهم أبو منصور النفوسي في الجبل، ثم تكلف بعض رجال دولته واخوته وأعمامه أن يجعلوا له ما يقتضيه مقام الملك من الأبهة والحجاب، وأبى الناس الا الدنو منه والدخول عليه في كل وقت مست الحاجة اليه مثل ما كان عليه قبل الامارة، فوقع بذلك في الخواطر شيء من التنافر.
سعي بعض المفسدين في المروق من مناطقة الامام ونفيه اياه وما نشأ عنه
(مزوج) وكان بالمدينة من مسموعي الكلمة من المشائخ، من غير الاباضية، أبو مسعود وأبو دنون الكوفيان المتفقهان على مذهب الكوفيين وعلوان بن رعلان وغيرهم ممن وقع عليهم من الامام بعض اعراض وغض نظر، لما تشبثوا به قبل ذلك من اتخاذ الوسائل لاثارة الفتنة، وتحريك الفساد وتناجيهم بالطعن والقدح في السيرة، فانضم اليه محمد رباح ومحمد بن حماد، اذ لم يجدا مع الامام نفوذ اغراضهما وقضاء مقاصدهما، مع انهما أول من نادى بالبيعة له، فاتفقا على الغدر به، ووعداً من المشائخ المذكورين بذلك، وهكذا كان وقع لجده الامام عبد الوهاب مع ابن فندين وشيعته الحكاية السابقة، فبلغ الخبر الامام أبا حاتم، فلم يشك في صحته لما انه في حياة والده خرج ذات مرة من عنده على غضب، فلاقاه رباح هذا وابن حماد، وقد علا بما وقع بينه وبين والده فقالا له: دع لنا هذه الخوخة (وهي باب صغير كان معداً له خاصة يدخل معه إلى والده) فنقتله وتتولى الامر
319 (1/319)
صفحة 320
وتستريح، فزجرهما وأضمر لهما في نفسه ما أضمر، اذا أمكنته الفرصة فيهما لما قصداه من الخيانة، وهاله أمرهما ولم يجد سبيلاً لذلك إلى أن بلغه ما ذكر، فأمر بابعادهما ونفيهما.
قال: وكان لمحمد بن حماد على بعد أميال من المدينة منزل، يقال له
الثلة، قد جمع الاشجار والانهار والمزارع والنخيل والقصور (1 هـ). فطلبا تعيينه لمكثهما مدة النفي، فأصدر الامام أمره بذلك، وتوجها اليه (وليس ذلك من الامام بمناسب اذ النفي لمثل هذين انما يكون بالاخراج عن الحوزة رأساً، حتى لا يتمكن من مواصلة ذويه، ولا يتمكنون من امداده وحمايته، وبذلك تحصل التربية والتأديب، كما هو شأن سلطاننا المظفر عبد الحميد ابن عبد المجيد العثماني، من نفيه أبناء الترك وغيرهم ممن هم من ناحية القسطنطينية دار خلافته، إلى فزان وغدامس وغات وجبل نفوسة وطننا من ملحقات طرابلس الغرب بقطعة افريقيا ونفيه أولاد العرب منها ومن غيرها، إلى أرض الروملي والأناضول وغيرهما من بلاد أوربا وآسيا، حتى ان المنفى غالباً لا يعلم بحالة مدة اقامته، إلى أن يرجع أو يموت)، والقائل ان يقول ان أمثال هذه الأمور تؤخذ بالتجربة والتكرار، فكلما حدث داء اخترع له دواء، فان أفاد فذاك والا اخترع له غيره، وعلى ذلك جاء قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه (أحدثوا أي الناس أموراً لم تكن من قبل فأحدثنا لهم أي أتينا لهم بما يليق بذلك من التأديب الذي لم يكن قبل ايضاً.
ولعل للامام في ذلك نظراً لم ندركه، أو لم يصب المرمى، اذ كانت العاقبة سيئة فبقيا هناك في أنعم عيش وأرغده، الا أن كلمة النفي حملتهما حملاً ثقيلا لما هما عليه في نظر العموم من الوجاهة والقبول حسب زعمهما، وظلا يراسلان أصحابهما بالمدينة لاستعطاف الامام والعفو عنهما،
320 (1/320)
صفحة 321
ولما أعياهما الأمر ولم يتحصلا على نتيجة عادا إلى توجيه العتاب إلى أصحابهما، أولئك المشائخ، والى لومهم وتوبيخهم على السكوت عنهما. وصرف النظر عن الاعتناء بما يوجب ردهما إلى المدينة مع أنهما ممن يأبى العدل والانصاف ابعادهما، وحط منزلتهما بصفة النفي وصارا يتابعان الرسائل، ويكرران الطلب بعبارات التعجيز والتكدير لأصحابهما، إلى أن استفزهم الكبر وغرهم اللعين فاجتمعوا وقالوا: ان كيف يسعنا السكوت عن مثل هذين الرجلين مع ما لحقهما من الاهانة والذل على غير جناية، وما هذا الا منكر يجب علينا انكاره وتغييره، وقد علمتم انه لا سبب لنفيهما الا توجيه التهمة اليهما بمجاملتنا وموافقتنا، ثم عقدوا لرأي على ادخالهما رضي الامام أم سخط، وأرسلوا اليهما من انتخبوه من رجالهم تهيئوا لملاقاتهم.
(قال)
فما شعر أبو حاتم الا والتكبير عليهما بالمدينة ففزع لذلك وارتاع، وعلم انها ليست بدار قرار، فاجتمع اليه قومه وأهل بيته فقالوا له: قد أعلمناك هذا" أولاً، ولكن أقم بين ظهراني القوم ونحن نخرج إلى حصننا الذي به مواشينا وعبيدنا، وهو حصن يعرف (بتالميت) في طرف من لواتة فاذا صرنا اليه واجتمعنا به، ورأينا به لواتة وغيرها من القبائل ناصرنا أخرجناك الينا ففعلوا ذلك، فلما رأت بقية العجم الساكنين بمدينة (تيهرت) ما فعلت الرستمية خرجت إلى حصنها وفعلت نفوسة مثل ذلك.
خروج الامام من المدينة (قال)
، قال: ثم أقام أبو حاتم بعد ذلك أياماً، ثم خرج وخرج معه من وجوه البلد السمحيين وغيرهم، نحو مائتي رجل، وكان الخارجون معه حماة البلد
321: (1/321)
صفحة 322
منهم رجل يعرف ببكر بن يبيب، ومن السمحيين رجل يعرف ببكر بن عبد الواحد، وكان هذان الرجلان فارسي المغرب، وبقيت العامة ومشائخ البلد في جمع عظيم، وعلموا ان الحرب قد دهمتهم، فشرعوا في بنيان حصنهم، ثم ان أبا حاتم لما خرج اجتمعت لواتة كلها اليه، فأعطى الأموال وحمل على الخيل واجتمعت أهل قبائل الصحراء إليه خلا الحصن المعروف (بتالغمت)، وأهله الصفرية فانهم مالو إلى المدينة (1 هـ).
وقد وقفت على موضع هذا الحصن اثناء رجوعي من بني ميزاب عام ألف وثلاثمائة وستة عشر 1316 هـ، وهو في ربوة عالية يحيط بها كالهالة واد كثير الأشجار، ذو منظر لطيف، اذا امتلأ بماء الامطار وصار كالبحر كما رأيته وبقيت فيه تلك الاشجار مصطفة كالسفن السابحة في البحر، وقد بنى بأعلاها الفرنساويون الآن (فندقاً)، على هيئة حصن متسع يوجد فيه كل ما يستحقه المسافرون، وفيه بيوت معدة للنوم بأسرة وفرش لا تتجاوز اجرتها في الليل ثلاثة دراهم، وقد بني من انقاض الحصن القديم، علي حسب التخمين، اذ لم يبقى منه الا آثار وأطلال قليلة، وهو الآن محط رجال القوافل والمسافرين والعربات الكروصة)، لجهات متعددة. من أعمال الجزائر، وقد جمعني القدر فيه بأفاضل من تجار بني ميزاب أتو من بلاد ومدن متفرقة، وبتنا جميعاً في ليلة أنس وسرور، ثم ذهب كل إلى حيث كانت وجهته، وبهذا الاسم يسمى الآن أيضاً، وان سمي هذا باسم ذاك وهو في
محل آخر فالله أعلم.
محاصرة الامام للمدينة
وبعد أن اجتمع للامام جموع ملأت السهل والجبال، غول على محاضرة المدينة، وقد ذكر ابن الصغير الحادثة مفصلة فخذها على القاعدة
المتقدمة: -
322 (1/322)
صفحة 323
قال: ثم جمع أبو حاتم جموعه، وزحف إلى المدينة. من ثلاثة مواضع، من القبلة والمشرق والمغرب، فتولى بنفسه القبلة مع لواتة والرستمية ومن شائعها، وتولى المشرق العجم، وصنهاجة ومن شائعها، وتولى المغرب طوائف من الناس مع نفوسة، وكان قتال شديد من الأوجه الثلاثة، وكانت الدائرات في الأوجه الثلاثة على أهل المدينة (1 هـ)
(ممزوج) فقتل من المعروفين بالمدينة من ناحية المشرق رجل يعرف بابن مادة، قتلته العجم، ومن المعروفين من ناحية القبيلة رجل من أهل دمر، ولما رأى مادة ابنه مقتولاً داخله الغضب، فحمل على رجل عجمي يسمى (برجا) فقتله ولما علم به الناس، بادروا إليه ليقتلوه، فلم يمكنهم، وكادت الفتنة تعود فينما بينهم داخل المدينة، فاعترفوا لأنفسهم بالخطأ، في اثارة الفتنة، وأيقنوا بأن أمر الرعية لا يضبط بدون سلطان، وقالوا: قد كان في أول الأمر قيامنا لأجل نفي رجلين فقط حسبناه منكراً، وقصدنا تغييره ثم وقعنا فيما هو أعظم من سفك الدماء ظلماً وعدواناً، فقوموا بنا إلى تسليم مقاليد الأمور لصاحبها وادخاله المدينة، حتى ينتقم من. وشيعته، ويحكم كيف شاء، وما لنا في الحرب والفساد من خير، ثم أرسلوا إلى الامام بما قرروه، فأجابهم بأنه لا يقبل منهم شيئاً الا ان سلموا له الرؤساء والمشائخ، الذين كانوا سبباً في الفتنة ليحكم فيهم بما يراه مما يوافق الشرع الشريف، فصعب عليهم ذلك ونكصوا على أعقابهم وأبوا فعاد الامام
إلى حربهم.
هذا المتعدي
مبايعة أهل المدينة للعلامة يعقوب ابن أفلح عم الامام (ممزوج) ولما ضاق بهم الحال من الحصار، أجمعو على أن لا طاقة لهم بالاستقلال دون رأس من الرستميين، وقال قائلهم: قد علمتم من كان
223 (1/323)
صفحة 324
ليعقوب بن أفلح من مصارمة ابن أخيه مندولي الأمر، وهو بزواغة غير بعيد فارسلو اليه واعرضوا عليه البيعة، حت نرى رأيه، فكتبوا كتابهم ووجهوه
منهم
اليه مع أمناء لولا هذه الفعلة التي تاب منها وندم تبع ذلك، كما قال ابن الصغير في قوله: كان بعيد الهمة نزيه النفس ما جس بيده ديناراً ولا درهماً، وكان اذا أتى وكيله بغلاته أمره ان يجعلها تحت بردعة له يجلس عليها، واذا أراد اخراج شيء منها دفعه بقضيب في يده، وكان اذا سافر ونزل بقوم لم يأكل لهم طعاماً، وكانت له بقرات يأمر بحلبها بين يديه في اناء جديد، فاذا امتلأ شربه أجمع، ثم يقوم عليه ثلاثاً لا يأكل طعاماً ولا يشرب شراباً، ولا يخرج لبراز، وكان وضوؤه وضوء طاهر في الموضع الذي يكون فيه، شهد منه ذلك جماعة من صحبه، واستفاض ذلك عنه حتى صار كالعيان، وكانت له أخلاق في لباسه وركوبه تخرج عن طبع البشر، حجزه سراويله في جنبه، وركوبه فرسه من بين يديه، وكان له فرس أشقر لم يكن بالمغرب قبله ولا بعده، به يضرب المثل إلى اليوم (1 هـ).
، فما توانى عن قبول طلبهم، واجابة دعوتهم، وقد كان
(ممزوج) ولما وصلهم ودخل المدينة عقدوا له الولاية، ورجعت اليه جماعة من لواتة، وعاد أهل المدينة في نشاط إلى الحرب مؤملين الفوز (وما
علموا ان بيعة أبي حاتم الامام (حقاً لم تبرح من رقابهم.
حرب الامام مع عمه يعقوب
(ممزوج) وعندئذ تجددت الحرب بين الامام أبي حاتم، وبين عمه يعقوب
معه
أياماً، ثم ضعفت وسكنت بعض السكون إلى ان تحرك الامام زاحفاً بمن. إلى المدينة من جهة، والرجل الموسوم (بوانودي) ومن معه أيضاً من جهة أخرى، فأمر يعقوب بأبواب المدينة فأغلقت، وترك واحداً وقف عليه بنفسه
324 (1/324)
صفحة 325
مع من كان معه، ودارت الحرب بين الفريقين إلى أن حضر وقت الظهر، ونودي في الصفوف بالآذان، ولعمري ان هذا من أهل المدينة لمن العبث فما يغنبهم عند الله شدة هذا الاحتياط، بمراقبة وقت الفريضة في لجة العصيان والنفاق، ثم اشتغلوا بالصلاة فتبدلت نية (بوانودي) ومن معه اذ رأوا ذلك، وندموا على قدومهم للحرب، وتنحو إلى جهة، ولما قضيت الصلاة دار الامام أبو حاتم بفرقة ممن في عسكره من العجم إلى الجهة الشرقية، وترك العسكر بحاله راجياً أن يصيب غفلة من أحد الأبواب فيدخل المدينة، ولما قصد الباب وكان عامراً بالرجال فتحوه، وحملوا عليهم حملة رجل واحد، فتولى منهزماً وانصرف (بوانودي) بمن معه تاركاً للقتال، فضعفت الحرب بعد
ذلك، وطمع الناس في العافية واشتاقت أرواحهم إلى الصلح وأذعنوا
للراحة.
عقد
صلح بين الامام وعمه
(ممزوج) وبينما الناس في ذلك يترقبون من أهل الخير والاصلاح السعي في كف هذه الفتن، وايقاف سيره، اذ قدم ذلك الرجل الشهير في قومه صاحب الرياسة والتقدم، والقدر الجليل أبو يعقوب المزاتي بجميع جموع مزاتة، أولئك الاغنياء أولو الثروة الواسعة، والعدد الوافر، أهل الحرث في بطون الأودية والنسل من حمر النعم والبقر والغنم، في بسائط الارض وجبالها الذين امتلأ بأموالهم، واسع بيت مال المسلمين بما يؤدونه مما وجب
الله
عليهم من الحقوق الشرعية، حتى قال فيهم الامام عبد الوهاب - رضي عنه ـ ما قام هذا الدين الا بسيوف نفوسة، وأموال مزاتة، ونزل حول المدينة فتقدم اليه رؤساء القبائل، وأهل الفضل، ممن يسعى في اصلاح ذات البين، وشكوا له ما حل بالناس بسبب تلك الفتن، من قطع السبل وفراغ الأيدي،
325 (1/325)
صفحة 326
الله
الله
وهلاك الحرث والنسل، واهراق الدماء وارتكاب الفواحش، والمجاهرة بمعاصي الله وكلفوه بالدخول بين الفريقين، بجعل هدنة إلى مدة معلومة يتعامل فيها الناس، وتمتد الخطا مع العافية، والأمن وتتعارف الناس، وربما بذلك تلين القولب وتنحسم العداوة، ويعقد صلح ينقطع معه الفساد، فأجاب وجد في السعي في ذلك، ورغب وصرف عنايته إلى أن رضي الطرفان، فطلب من كل أن يقدم اليه من يختاره ويأمنه لعقد الهدنة، فقدم الامام أبو حاتم مكنوداً وابن أبي عياض اللواتيين، وقدم يعقوب ذلك العلامة الجليل الشيخ عبد بن اللمطي المذكور آنفاً وبرزوا للاجتماع، وسلموا الأمر لمتولي العقد، فاتفقوا على رفع يد الامام أبي حاتم ويد يعقوب عن النظر في الأمور مدة أربعة أشهر، يسود فيها الأمن وتنطلق السبل، وتتخالط الناس إلى أن يأذن في ملكه بما يشاء، فقبل الفريقان ذلك، وانقطعت الحركة، ووجد الناس حلاوة الطمأنينة ورجوا العافية، ولم يبرح الامام في اثناء ذلك. وجوه المدينة وشبانها بجميع أنواع السياسة من حسن الملاطفة والاكرام، ومواصلة المنقطعين بصلات البر سراً وعلانية، إلى أن أطبقوا على ولايته والرضاء به جميعاً الا من نذر ممن استحب العمى على الهدي، ورغب في الفتنة لنهب أموال الناس بالباطل وأبو يعقوب المزاتي في ذلك كله لم يلو العنان عن الجد في حصول الصلح، واتمام عقدة الاتحاد، وشد عرى الاجتماع، وكان في المدينة رجلان يسمي أحدهما بأحد، والآخر بمحمد، ويعرفان بابني دبوس، لهما من عظيم الجاه ونفوذ القول والشهرة بالشجاعة، وشدة الأقدام، وكثرة الاتباع لدى الخاصة والعامة حظ وافر، لم يكن لغيرهما من الوجوه والأعيان، ولهما دار تعرف بالكنيسة.
عن
استمالة
326 (1/326)
صفحة 327
اجماع أهل المدينة مع عموم المسلمين على خلافة الامام وهروب يعقوب إلى طرابلس
(ممزوج) وبينما الناس ذات يوم في عيد من أعيادهم، اذ ابتدأ الرجلان السير من طرف المدينة، وامامهما نفر يقولون من أراد العافية فليصعد إلى الكنيسة، فبادر الناس اليها، ولم يتخلف أحد غير يعقوب وشيعته، وبعض مشائخ منهم أبو مسعود شيخ المدينة (رئيس البلدية)، الا أنه لما رأى الناس كافة ذاهبين أفواجاً أفواجاً إلى مجتمعهم.، صعد معهم ليعلم حقيقة أمرهم ومنتهى غرضهم، فوجدهم قد فوضوا الامر في المسألة لابني دبوس.، فانحدر ممتلئاً غيظاً، لما فهمه من مال الاجتماع، وانفض المجلس، ولما جن عليهم الليل ركب محمد وأحمد مع من له علم من أهل الرأي بلباب القضية، قاصدين الامام أبا حاتم، ولما بلغ الخبر إلى يعقوب وحزبه، تسارعوا إلى خيلهم، وخرجوا في ستر من الليل راجعين من حيث أتو بعد أن كدروا سماء الأمن وحيروا مركز الامامة نحو أربع سنين كاملة على ما ذكره المراكشي، وقصدوا زواغة ملجأ الفارين لقربهما من البحر، وكونها في الحدود يسهل الوصول منها الى حيث شاءوا، متى وقع عليهم الطلب والبحث، وان كانت قريبة من جبل نفوسة أهل الشدة والبأس، وحصن الخلافة وسيف
الامامة
دخول الامام أبي حاتم المدينة بالاجماع من المسلمين (ممزوج) وبينما الامام في قصره بأبي مينة، اذ دخل عليه ابنا دوبس ومن معهما وقالو له: اركب معنا الساعة ولا تتأخر ولا تنتظر رفيقاً، واخبروه بالقصة ولثقته بالرجلين لأمانتهما خرج معهم، ولم يصحب من عسكره ولا من رجاله أحد، ولم ينفلق الصبح الا وهم بباب المدينة، واذا بها خاوية من
327 (1/327)
صفحة 328
يعقوب وزمرته ومن كان على شاكلتهم، فهرع من بلغه الخبر من الناس إلى الجهات وتباشروا وعمهم الطرب جميعاً، فدخل المدينة ولا نزاع
ملاقاته
من
ولا حرب، بعد أن هجرها وحاصرها أربع سنين، فقصد دار الامارة وأتته الوفود، وتقدمت الخطباء والشعراء وأرباب الجرائم إلى بابه لطلب العفو والتهنئة، ومن بينهم أبو بكر بن حماد الشاعر المشهور المتقدم الذكر القائل لما
مثل بين يديه:
اذا يدبر ربنا في أمره
سبحانه في أرضه وسمائه
رد الملوك إلي. حل قرارهم
بفضله وعطائه
فتبارك الله اللطيف بصنعه
ما أغفل الثقلين عن نعـ
رفع السمـ اء بلا عماد بين
ائه
والبحر أمسكه على ارجائه
لولاه فاض على العباد بموجه
وعلى الجبال الراسيات بمائه
ان المتوج يوسف بن. نمد
تتزين الدنيا بطول بقائه
أخذ البلاد بسيفه فاستسلمت
وبعدله وبفضله وسخائه
وهو القائل أيضاً على ما ذكره العلامة البرادي ـ رحمه الله - في كتابه
(الجواهر): (1/328)
صفحة 329
ومونسة لي بالعراق تركتها
وغصن شبابي في الغصون تضير
فقالت كما قال النواسي قبلها
عزيز علينا ان نراك:
فقلت جفاني يوسف بن محمد
فطال علي الليل وهو ة
ولكن أتت بعد الامور أمور
أبا حاتم ما كان ما كان بغضة
فأكرهني قوم حشيت عقابهم
فداريت
وأكرم عفو يوثر الناس أمره
ـهم والدائرات تدور
اذا ما عفا الانسان وهو قدير
الله
فصفح وسامح ووعد وأوعد، وأمر المنادي فنادى بالامان وأعرض عن طلب من كان. مع عمه وعفا عن الكل، فصفا له الجو وخضعت الرقاب. قال: ولما دخل أبو حاتم مدينة تاهرت، جمع مشائخ البلد أباضيتها وغير أباضيتها، فاستشارهم فيمن يوليه قضاء المسلمين، فقالوا له: ان أباك لما دخل كدخولك ولي محمد بن عبد بن أبي الشيخ، وهو الذي قدمنا الله ما ذكره قبل هذا، ولمحمد ولد يسمى بعبد هو دون أبيه، وأنت عالم بورعه ودينه كما نحن عالمون به فقال: اشرتم وأحسنتم، وولاه القضاء، فقال: من ترون أن نولي بيت المال؟ فقالوا عبد الرحمن بن صواب النفوسي فقال: أصبتم وأحسنتم، من ترون أن نولي الشرطة؟ فقال قوم: زكار قد قتل ابنه بين يديك، وله نصيحة، وقال قوم: ابراهيم بن مسكين، فان له صلابة
329 (1/329)
صفحة 330
في الحق، فولاهما جميعاً، وكان البلد قد فسد أهله في تلك الحروب، واتخذوا المسكن أسواقاً والغلمان اخداناً، فلما ولي هذان الرجلان الشرطة قطعا ذلك في أسرع من طرفة العين، وحملا الناس على ضرب السوط والسجن والقيد، وكسرت الخوابي بكل دار عظم قدرها أو صغر، وشردت الغلمان وأخدانهم في رؤوس الجبال وبطون الأودية، وحملا الناس على الواضحة وخاف المنافق وأمن البريء، وشرد السراق وقطاع الطرق، وأمنت السبل ومشى الناس بعضهم إلى بعض، ولم ينقموا على أبي حاتم شيئاً (اهـ)، هذا كله بالنظر إلى تيهرت وما حولها من الولايات، واما جهة طرابلس وجبال نفوسة وما يليها، فانها لم تكتسب راحة منذولي هذا الامام، وكثرت فيها الفتن والحروب حتى انها لم تتمكن من اعانة الامام بشيء في حروبه هذه، وسنأتي ببيان ذلك ان شاء الله.
خبر أبي منصور - رحمه الله ـ مع الطيب بن خلف تقدم ان الامام أبا حاتم - رضي الله عنه ـ جدد الولاية لأبي منصور الياس على جبل نفوسة لما آل اليه الأمر، وفي صدر مدة هذا الامام، على حسب التقريب، ان لم نقل في آخر أيام والده، تحرك ابن خلف الذي تقدم ذكره ساعياً في احياء سيرة أبيه، وتجديد الخلاف والخروج من الطاعة، فصدر أمر الامام إلى أبي منصور بالمبادرة اليه، والقبض عليه قبل استفحال أمره، وكان قد هر هرب رب إلى زواغة وهم في جموع كثيرة، وكلهم على رأي أبيه، فقصدهم أبو منصور بعساكرة، ونزل قريباً منهم وكلمهم في. شأنه، فتحزبوا وأبوا أن يسلموه، واتفقوا على حمايته والمدافعة عنه، وكان في بني يهراسن شيخ كبير صاحب رأي وادراك، رأى انهم لا طاقة لهم على مناصبة أبي منصور الحرب، فجمع القوم وقال لهم يا معشر زواغة، اقترح عليكم
330 (1/330)
صفحة 331
ثلاثة أمور، ان اخترتم منها واحداً أصبتم، والا فمصيركم إلى الذل، اما ان تتركوا حوزة طرابلس، وتدخلوا إلى جزيرة جربة لتتحصنوا فيها وتمنعوا صاحبكم، واما ان ترسلوا إلى تيهرت رسلاً بكتاب من عندكم، تطلبون فيه من الامام، أن يخصصكم بعامل مستقل عن جبل نفوسة، حتى لا تدخلوا تحت أحكامهم وسيطرتهم، واما ان تسلموا إلى صاحبكم (ابن خلف) لأسلمه لنفوسة بأمان، وأنا أضمن لكم سلامته، وأنهم لا يتجاوزون فيه
الحق، فلم يعجبهم قوله، وأجابوه بكلام غليط أغضبه، فقام وتركهم. ولما وصلهم أبو منصور بجنوده دعاهم إلى الانقياد والطاعة، فأبوا
(
فناجزهم الحرب وكان بين الفريقين قتال شديد، انهزمت على أثره زواغة، وكان القتال قريباً من أرض ذات غرس جديد، ومن عادتهم ان يحوطوا الغرس، أو الجنان بحائط أو حبال، توصل بين أعمدة مغروزة في الأرض، محافظة عليه من الوحوش والحيوانات، فصدت تلك الحبال زواغة عن الهروب، وحبستها حتى أخذ منها أبو منصور غرضه من القتل، ثم رجع عنهم فدخلوا إلى جزيرة جربة، تحصنوا فيها والتجأ ابن خلف إلى رجل من وجوه زواغة هناك، فأدخله في قصر من قصور الجزيرة، وظنوا انهم قد نجوا، ثم لما استراح أبو منصور مدة واكتشف حقيقة حالهم وخبرهم في الجزيرة، جدد النهوض اليهم فسار في عسكر جرار إلى أن قرب من الجزيرة، ثم فكر في الأمر فرأى أن الدرهم والدينار يفعلان مالا يفعله الرمح والسنان، ويمهدان من الطرق مالا تمهده الفرسان، ويذللان من الصعوبات مالا تذلله السيوف عند الطعان، فأرسل مع رجل من بني يهراسن مائة دينار إلى الزواغي، الذي عنده ابن خلف، هدية، ولما وصله وسلمها له وهو في بني معقل من زناتة، صار يسأله عن أبي منصور وأحواله، ويقول له لو أتيت الينا في أولادنا لدفعناهم لك، فعاد الرسول إلى أبي منصور وأخبره فطوى أبو منصور المراحل في أقرب وقت، وكان له طبل يأمر بضربه اذا حان وقت الصلاة،
331 (1/331)
صفحة 332
فيقف أول العسكر آخره فيصلي بهم ركعتي السفر، ويأمر بضربه للرحيل. وجد السير حتى دخلو جربة بلا حرب ولا قتال فتوجه الزواغي إلى ابن خلف، وهو في قصره وقال له انزل يا أيها الأمير فقد أرملت كثيراً من نساء
زواغة.
قال أبو زكرياء: فقال له: ولد خلف ليتكم لم تسموني أميراً يا مشئومات بالبربرية، فأنثهم لأنه رجل عربي لا يحسن البربرية (1 هـ)، فنزل ودفعوه إلى أبي منصور فقيده ومضى به إلى الجبل فحبسه، فكان في سجنه إلى أن وجب حد السرقة على رجل أقيم عليه الحد قبل ذلك، فاختلفوا في محل قطع الرجل منه فوجهوا اليه السؤال فأجاب بأنها تقطع ما دون العقب،
أن
وقال: سجنوني وأتوا يتعلمون مني العلم، فأطلق أبو منصور سبيله بعد أظهر التوبة وتحسنت أحواله، بعد ذلك ك ورجع إلى الحق فيما قيل، وكانوا يلقبونه بالطيب بن الخبيث بن الطيب، والله أعلم.،
وانما كان أبو منصور يضرب الطبل عند دخول وقت الصلاة، لأن النداء أو الآذان لا يكفي لايقاف تلك الجيوش المنتشرة الكثيرة الممتدة مع الطريق، ولا بد من أنهم يؤذنون قبل اقامة الصلاة، فالطبل علامة على الأمر بالوقوف لا على الصلاة، ولعل اختلافهم في مسألة قص الرجل كان لقصد امتحان الطيب، وجعله وسيلة إلى اظهاره من السجن، والا فكيف يختلفون في مثل هذه المسألة، وهم في. كان الجبل فيه مملوءاً بفحول العلماء والله أعلم.
عصر
ولاية العلامة أفلح بن العباس - رحمهما الله ـ على جبل نفوسة وواقعة (مانو)
ولما توفي أبو منصور - رحمه الله - كتبت نفوسة إلى الامام بذلك، فولى عليهم العلامة أفلح، وفي مدته كانت واقعة (مانو)، التي فل فيها حد
322 (1/332)
صفحة 333
سيوف نفوسة، وفنيت فيها أبطالهم، وأبقت فيهم ثلمة عظيمة، وهي المصيبة الكبرى التي تضعضع بها ركن الامامة بتيهرت، اذ كانوا حصنها المنيع وسيفها البتار ودرعها المتين، ولما ضعفوا أخذت في التقهقر بطمع
الأعداء فيها، وتسلطهم عليها حتى اضمحل أمرها كما سيأتي بيانه. وتفصيل هذه الحادثة الشنيعة، هو كما ذكره المؤرخون كلهم منهم الشماخي ـ رحمه الله ـ حيث قال: وكان ابراهيم بن أحمد من بني الأغلب، والي بني العباس على أفريقية ظالماً جائراً، فقدم طرابلس، ولعله أفسد فاجتمع رأي أكثر نفوسة على ملاقاته، فأبى لهم أميرهم أفلح بن العباس، وسعد بن أبي يونس عامل قنطرارة (تيجي)، ومعبد الجناوني، وعزم من رغب في الجهاد واظهار المعروف ودين الله، لتكون كلمة الله هي العليا قال ابن الرقيق: وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين تحرك ابراهيم بن أحمد، يريد محاربة ابن طيلون، وامر بالحشد، فلما اجتمع له ما يريد، خرج من تونس لعشر خلون من المحرم، فأقام برقادة إلى سبع بقين من صفر، ثم خرج بجميع من معه فاعترضته أهل نفوسة في جمع عظيم، وذلك في النصف من ربيع الاول، فكان. قتال عظيم، فقتل من جنده جماعة من الرؤساء وغيرهم، ثم انهزم أهل نفوسة، وكان في أيام المعتضد فتبعهم وقتلهم قتلاً ذريعاً، وتطارح منهم في البحر بشر كثير، وقتلهم فيه حتى غلبت حمرة الدم على الماء (1 هـ).
بينهم
هذا ما ذكره صاحب السير - رحمه الله - نقلاً عن ابن الرقيق، ولا سبب فيه ولا داعي إلى حمل نفوسة على المعارضة، والوقوع في هذه، مع انهم أعانوا بني الاغلب قبل ذلك على ابن طولون كما تقدم، والذي أراه مناسباً، وان كان قابلاً للنقض ما قاله العلامة أبو زكرياء -
المصيبة،
، هو
أن الجند كان قادماً من المشرق، وسببه هو أن أخبار نفوسة رحمه
الله
-
من
322 (1/333)
صفحة 334
وقوتهم قد تواترت عند بني العباس ملوك الشرق، ولازالت الرسائل تتوجه اليهم من القيروان وطرابلس، تفيدهم بأن دولة بني رستم بتيهرت لم تقم الا
بنفوسة.
وكان ذلك في عهد المتوكل ببغداد، فأنفذ إلى المغرب جيشاً، وقدم عليه ابراهيم بن الاغلب، ولما وصل طرابلس اجمعت نفوسة على منعه من الجواز خوفاً من أن يكون قاصداً تيهرت دار امامتهم، فأرسل اليهم يستأذنهم في الجواز، فأجابوه بالمنع، فطلب أن يتركوا له مقدار طول عمامة على ساحل البحر، ليمر فيه، فأبوا، فلما رأى عزمهم أمر عسكره بأخذ الحذر، وقال لهم اتخذوا طريقاً على ساحل البحر، فان تركونا كان مراد وان تعرضوا لنا قاتلناهم ولما بلغ الخبر الى نفوسة قال بعضهم دعو الرجل ولا تتعرضوا له، وأبى بعضهم الا ملاقاته، وممن كره ذلك العلامة سعد ابن أبي يونس، فقال له بعضهم: عز عليك شداخ قنطرارة (صنف من ثمرها)، وكرهت الموت، ولذلك تعرضت، فقال: خفت أن تذبح البقرة فيتبعها العجل، يعني بالبقرة نفوسة والعجل قنطرارة، وممن وافقه على رأيه العلامة معبد الجناوني وأميرهم أفلح، ثم كانت الغلبة للرأي العام، فلاقوه بموضع يقال له (مانو)، وهو قصر قديم بين قابس وطرابلس، واقتتلوا قتالاً لم يعهد مثله قبله فيما قيل، وكان فيهم رجل من شجعانهم ما برز له أحد الا قتله فخرج اليه أفلح بنفسه، وكان صاحب البند (أي العلم الكبير) العلامة شبيه الدجي فأمره أفلح بأن يثبته في الارض فأبي، فأمره ثانياً فأبى، ثم أمره ثالثاً، وكأنه أضمر في نفسه للمشائخ الذي ألزموه بالحرب ما أضمر من الشر، فقال له: حملته مع ابيك وجدك ولم يأمراني بذلك، وسأحفر له حفر الله لك، ثم حفر له في الارض وركزه فانصرف أفلح، وحام العسكر حول البند لا يولون الأدبار والحرب قائمة.
334 (1/334)
صفحة 335
ولما رأى بعض أهل البصائر ما حل بالعسكر من الفناء صرع البند فتفرقوا، وقد مات منهم اثنا عشر ألفاً، أربعة آلاف منها من نفوسة والباقي من غيرها، وأربعمائة عالم، فيه من المشاهير العظام والعلماء الكرام: أبو ميمون وعمروس وماطوس وشيبة وميال ومعبدو جنا التنزغتي، وقد كان شرع في بناء مسجد بتنزعت بلدته فجاءه الامر فتوجه قبل أن يتمه، وهو باق إلى الآن لا سقف له وسواريه من الحجر الصلد واقفة كما نصبت في ذلك الوقت، ثم زحف ابن الأغلب إلى قنطرارة (مدينة تيجي)، فنزل عليها بغتة بعد طلوع الفجر، وحاصرها حتى سلمو فقتل من قتل، وأخذ منها ثمانين عالماً، و، وارتحل إلى جهة نفزاوة، وكان بها من العلماء المشهورين العلامة أبو بكر يوسف النفوسي، فوجه اليه رسله، ولما وافته سألهم أن يمهلوه حتى يصلي ركعتين، فلما صلاهما أخذ في الدعاء سائلا ربه أن يصرفهم عنه، فبعث الله ريحاً عاصفاً شتتهم وحالت بينه وبينهم، وكان ضريراً فأخذ ابنه يوسف بيده وذهب، فلم يدركوا له أثراً، فعطف ابن الأغلب بالأساري إلى القيروان، ومنهم. العلامة ابن يتوب، وكان مقطوع العرقوب، ولما أرادوا وضع القيد فيه مد لهم الرجل المقطوعة، ثم استأذن أصحابه في الهروب فأذنو له
فهرب
ولما بلغ ابن الأغلب خبره أمر بقتل الباقين فقتلوا عن آخرهم رحمهم الله، وممن أخذ أسيراً عمروس رحمه الله وكان على فرس سابق يذود عن العسكر ويحمي الأطراف، ولما أعياهم أمره نسجوا له شبكة من حبال في طريقة فعثر فيها جواده فأخذوه الى ابراهيم، فقال له: سلني العفو عنك لأترك سبيلك فقال له: ذلك بيد الله لا بيدك، وتلك كلمة لا أقولها أبداً، حتى ألحق بالله، وانما اسألك أن لا تكشف عورتي، فقرضوه بمقراض من حديد، ولما بلغو المرفقين فاضت روحه رحمه الله تعالى، ولعن ابن الاغلب
335 (1/335)
صفحة 336
العنيد، ومن الأسارى أخت عمروس تلك العالمة الجليلة، وبعض نسوة كن خرجن مع العسكر في أول الأمر، ولما خافت أخت عمروس على نفسها وعلى من معها الفساد من فاسق بني الأغلب أمرتهن أن تستخلف كل واحدة منهم على نفسها من يزوجها ممن يريد بها سوءاً، ثم ان نفوسة رجعوا إلى الجبل وتحصنو فيه، واجتمع أهل الرأي منهم واتفقوا على عزل أفلح فعزلوه، وولوا ابن عم له، ولما بلغه الخبر غضب لذلك ونوى الشقاق والفتنة ولما سمع أبو معروف بذلك وهو ممن كره عزله خوفاً من الاختلاف بادر اليه وحذره الشر، ونهاه عما كان يقصده، وأمره بالصبر والسكون فامتثل أمره، ثم ان ابن عمه لم يحسن القيام بأمور الناس فعزلوه بعد ثلاثة أشهر وولوا أفلح، وقد ذكر المراكشي الحكاية في تاريخه، وبين ان نفوسة كانوا في عشرين ألف مقاتل، ولا أظنهم الا أكثر من ذلك بأضعاف حسبما تقتضيه كثرتهم ومعارضتهم، ثم قال، ولما قتل أكثرهم تمادى إلى طرابلس، فقتل بها أبا العباس أحمد بن زيادة الله بن الأغلب، وكان أديباً ظريفاً له تواليف، قتله ان المعتضد بالله العباسي كتب إلى ابراهيم بن أحمد يعنفه على سوء فعله بأهل تونس، ويقول له ان انتهيت عن أخلاقك هذه والا فسلم العمل الذي بيدك لا بن عمك محمد بن زيادة الله ثم نهض من طرابلس إلى تاورغا فقتل به خمسة عشر رجلاً، وأمر بطبخ رؤوسهم وأظهر يريد أكلها هو ومن معه من رجاله، فارتاع أهل العسكر منه، وقالوا قد
وسبب
أنه
خولط، فانفض الناس عنه، فلما رأى ذلك خشي أن يبقى وحده فرجع إلى تونس، فجعل عقوبة من انفض عنه غرم ثلاثين ديناراً، فـ، فسمي غرم الهاربين (اهـ)، فليتأمل فانه مباين لما قلناه أولاً، اعماداً على كلام أبي زكرياء ـ رحمه الله ـ، والله أعلم بالحقيقة
236 (1/336)
صفحة 337
واقعة أخرى لابن الأغلب مع نفوسة
وبعد مضي سنة على محاربة (مانو)، حدثته نفسه الخبيثة بالعهود إلى نفوسة وتجديد الحرب معهم، مادام جرح الأولى جديداً، فأرسل ابنه أبا العباس بعسكر في رجب من سنة أربع وثمانين ومائتين إلى حيز نفوسة، فقتل من وجده في الأطراف واستباح النساء، وأتى إلى والده ابراهيم بجماعة منهم أسارى فأمر بقتلهم، ذكر الشماخي ـ رحمه الله ـ انه قدم اليه رجل منهم، وكان أحسنهم منظراً، فقال له: أظنك معلم القوم وامامهم فقال: لست كذلك قال: فما تقول في؟ قال: ما أقول الا انك فاسق ظالم سفاك لدماء المسلمين أبعدك الله فغضب، وقال له: والله لأقتلنك قتلة لم أقتل بها أحداً من أصحابك، فقال له: ان كان الأمر بيدك ستفعل ما قلته، وان كان بيد الله فهو أقوى، فزاده غيظاً وقال ومن ذا الذي يمنعك مني؟ ثم سمع الآذان فقام ليصلي بأصحابه، فألقى الله في قلبه اللطف به فتركه، وتحقق أن الأمر بيد الله، واستأصل من قدر عليه من أهل قنطرارة، فصح ما خاف منه العلامة سعد حتى، قال ما سبق ذكره، وقد ذكر هذه الواقعة المراكشي أيضاً، ولما فيها من زيادة علي ما ذكرناه نأتي بكلامه، قال: وفي سنة 284 كانت وقعة نفوسة لأبي العباس ابن ابراهيم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم نحو ثلاثمائة، فلما وصل بهم إلى والده ابراهيم بن أحمد دعا بهم، فقرب اليه شيخ منهم فقال له ابراهيم: أتعرف عليا ابن أبي طالب (يشير إلى مسألة الحكمين والنهروان فقال له: لعنك الله يا ابراهيم على ظلمك وقتلك، فذبحه ابراهيم وشق عن قلبه وأخرجه بيده، وأمر أن يفعل ببقية الأسرى كذلك، حتى أتى على آخرهم، ونظمت قلوبهم في حبال. ونصبت على باب تونس، فانظر أيها القاريء إلى هذا التمثيل الشنيع، والفعل الفظيع الذي لا يصدر من الوحوش الخسيسة فضلا عمن يدعي
337 (1/337)
صفحة 338
التحيد، فقبح الله الاستبداد وأربابه، ولعن كل جبار عنيد
وقد ابتلى الله ابن الاغلب بعد واقعة (مانو) بفساد العقل فارتكب افعالاً لا تصدر من المجانين، اذ شرع في قتل رجاله وأولاده وبناته ونسائه وكتابه وحجابه، حتى أنه قتل ثلاثمائة خادم من خدامه، لأجل خادم واحد رفع منديلاً سقط من احدى جواريه، وقتل ابنه المكنى بأبي الأغلب صبراً بين يديه وثمانية اخوة كانوا من رجاله، وست عشرة بنتاً في يوم واحد، قال الشماخي رحمه الله: قال ابن الرقيق: وأتى بأمور لم يأت بها أحد قبله ولم يتقدمه إلى مثلها ملك، واتخذ الأحداث حتى جمع أربعاً حدثاً، وجعل لكل واحد منهم فراشاً، ومقداً ولحافاً وبلغه عن وستين بعضهم أمر فقتلهم جميعاً، منهم من ضرب بعمود حديد فطار دماغه، وكان يحرق منهم كل يوم خمسة أو ستة، حتى أتى على آخرهم، وادخل بعضهم الحمام فسد عليهم وماتوا من حينهم، وقتل ندماءه وطبيبه وقتل كتابه وحجابه، وسجن بعض كتابه واستعطفه على نفسه، ومن جملة كلامه ان الملوك اذا ما استرحموا رحموا فأجابه، بأن الملوك اذا ما استرحموا قتلوا، فقتله، وألجأه وابل المطر إلى مسجد قرية فسقط بعضه وخشي من سقوط الباقي عليه وعلى أصحابه فخرجوا، ووقفوا في المطر فأبصرهم فتى فأنزلهم وأحسن بما قدر وباتوا بأحسن مبيت، وكان زمان التين فأدخلهم بستاناً له وأطعمهم ما أرادوا، فأمر به فضرب ضرباً وجيعاً، وكانت له عبيد صقالبة فرمى بعضهم من اعلى القصر وبعضهم أدخلهم بيتاً، وبنى عليها حتى ماتت جوعاً، فوجدوا في البيت سيفاً فقتلهم واحد منهم ثم قتل نفسه، فحزن عليهم اذ لم يموتوا جوعاً، وقتل صاحب الديوان وشريكه لا لأمر عظيم، بأن قطع يدي أحدهما ورجليه وحمل رأسه إلى صاحبه فقال له: ان لك خدمة وقديم صحبة، ولأقتلنك قتلة فقال: ما خنت لك مريح
338 (1/338)
صفحة 339
عهداً منذ توليت، فأمر بضرب عنقه وقتل ابنه أبا عقال اذ قال لأخيه ان أبي زال عقله، وقتل جواريه وبناته فمنهن من خنق ومنهم من بنى عليه حتى ماتت جوعاً وله أفعال غير هذه، واضطرب أمره ثم أظهر التوبة، وأراد الحج ثم رجع غازياً إلى صقلي فمات طريداً ملعوناً، ولم تبق أيامهم بعد ذلك الا قليلا، حتى اباد الله ملكهم وأهلكهم، وأزال الأمر من ايديهم الخ (اهـ)، والمراد منه، وهذه الاخبار مذكورة عنه في اكثر التواريخ، بل فيها هذا والله أعلم، وقع هذا كله بجهات نفوسة، والامام بتيهرت لم يتوصل إلى اعانتهم لبعد المسافة، وخوف الفتنة بتلك الجهات أيضاً، الا أن العدل عنده سائد والأمن عام في الرعية.
اكثر من
أحوال أرباب المذاهب بتيهرت
وخطب الجمعة في مدة هذا الامام
المشهور أن لهؤلاء الائمة كلهم دواوين خطب للجمع والأعياد، اذ كانوا يخطبون بأنفسهم، ولا يعيدون خطبة خطبوا بها قط، وكلما بحثنا لم نعثر على شيء منها، وقد تعرض ابن الصغير لشيء قليل من هذا الأمر حيث (قال) ولم ينقموا على أبي حاتم شيئاً، ثم نقموا عليه بعد ذلك أشياء أخذه ناساً بالتهمة وضربه بالسوط على الظنة، الا ان البلد وقضاته وأصحاب بيت امواله واصحاب شرطته، ومن بالبلد من فقهاء الأباضية وغيرهم من
الكوفيين والمدنيين لم يطالب بعضهم بعضاً ولا سعى بعضهم ببعض.
وكانت مساجدهم عامرة وجامعهم يجتمعون فيه، وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئاً، الا أن الفقهاء تباحثت المسائل فيما بينها، وتناظرت واشتهت كل فرقة ان تعلم ما خالفتها فيه صاحبتها، ومن أتى إلى حلق الاباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى من الاباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك، إلى أن قال وحضرت الخطبائهم خطباً كثيرة،
339 (1/339)
صفحة 340
أولهم ابن أبي ادريس، والثاني أحمد التيه، والثالث أبو العباس بن فتحون، والرابع عثمان بن الصفار، الخامس أحمد بن منصور، وكل من رأيت من خطبائهم على المنابر فليس يستعملون في خطبهم الا خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خلا خطبة التحكيم، فانهم كانوا اذ رفعوا من الخطبة الاولى قاموا إلى الخطبة الثانية، وحكموا، وسوف اذكر خطبة التحكيم فيما يلي هذا الكلام، فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي الخطابة رجل منهم يقال له أحمد بن منصور، وسمعته يخطب هذه الخطبة، ثم يخطب بعدها بخطبة التحكيم فلقيته، وعاينت وقلت له أن خطبتك التي سمعت منك اليوم ليست من خطب اسلافك، فقال لي حملني عليها عثمان بن احمد بن بجباج، وكان مقدماً عندهم ولا يكادون يخالفونه فيما استحسن لهم،
فخطبت بها لأنه استحسنها لي.
والخطبة هي هذه
(الحمد لله) الذي ابتدأ الخلق بنعمائه، وتغمدهم جميعاً بحسن بلائه فوفق كل امرئ منهم في صبائه، إلى ما يحتاج الله من غذائه، وسخر له من يكلؤه إلى وقت استغنائه، ثم احتج على من بلغ منهم بآلائه، وأنذرهم بأنبيائه، الذي لم يزل بصفاته واسمائه لا يشتمل عليه زمان، ولا يحيط به مكان خلق الأماكن والازمان (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ايتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقدرها أحسن تقدير، واخترعها من غير نظير، لم يرفعها بعمد تدرك بالمعاينة، ولم يستعن عليها بأحد استكباراً عن الشركة والمعاونة، وزينها للناظرين، وجعل فيها رجوماً للشياطين، فتبارك الله أحسن الخالقين، تعالى ان تطلق في وصفه آراء المتكلفين، وأن تحكم في دينه اهواء المقلدين، بل جعل القرآن اماماً للمتقين،
340 (1/340)
صفحة 341
وهدى للمؤمنين، وملجأ للمتنازعين، وحكماً بين المتخالفين، ودعا أولياءه المؤمنين إلى اتباع تنزيله، وأمرهم عند التنازع في تأوليه بالرجوع إلى قول رسول صلى الله عليه وسلم: بذلك نطق محكم كتابه اذ يقول جل ثناؤه (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) وتعبد نبيه صلى الله عليه وسلم عند رجوع الأمة في تأويل ما اشكل عليها اليه، بأن يبين لهم معنى ما انزل عليه فقال: (وما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) ولم يكلهم دائماً إلى القول في دينه بآرائهم، ولا اذن لهم في مسامحة اهوائهم، فتكون الاحكام مبتدعة والآراء مخترعة، والحكام متبعة، بل أحصى كل شيء عددا، وضرب لكل شئ أمدا ليهلك من هلك عن بينة ويحب، من حيى عن
بينة).
أحمده حمداً يبلغ رضاءه ويحتسب آلاءه، واستعينه على ما استحفظنا من ودائعه، وحفظ ما استودعنا من شرائعه، ونؤمن به ايمان من أخلص عبادته، واستشعر طاعته ونتوكل عليه توكل من انقطع اليه ثقة به، ونرغب فيما لديه واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة معترف له بالربوبية والتوحيد، مقر له بالعظمة والتمجيد، خائف من انجاز ما قدم له من الوعيد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اصطفاه لنفسه وليا، وارتضاه لخلقه نبياً، فوجده على حفظ ما ضمنه قوياً، وبأداء ما استودعه ملياً، وبالدعاء إلى ربه حفياً، ومتوقفاً. عند ورود المشكلات، ومشمراً عند انجلاء الشبهات، لا يرعوي لمن عذله، ولا يلوي على من خذله، ولا يطيع غير من ارسله، يصدع بالامر ويطفي نار الكفر، لم تأخذه في الله لومة لائم، ولم ينحرف لزعم زاعم، ارسله على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، وتضامن من أهل الملل، والناس فريقان عالم مستكبر، وجاهل مسـ
عنه
241 (1/341)
صفحة 342
في أمره
فالعالم الذي قد سبق له الخذلان ينزعه الشيطان، ويجمح به الطغيان، فيستنكف عن الدخول في الايمان، والاهل متسكع في غيه متحيرة منتظر ما يكون من غيره، فلم يزالا يعكفان على الأزلام، ويعتصمان بالأصنام، والرسول عليه السلام يرعاهم رعي السوام، ويدعوهم إلى دار السلام، فلم يزل عليه الصلاة والسلام يعظهم بالآيات، ويقرعهم بالمعجزات حتى استقام من احب الله توفيقه من سائر أهل الديانات، فبلغ المحكمات، وأوضح المشكلات وزجر عن القول في الدين بالشهوات، فختم الله له النبيين، وأكمل له الدين، وأوجب به الحجة على العالمين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين واخوانها المرسلين وأوليائه من المؤمنين، ثم جلس ثم قام
فقال.
خطبة التحكيم
أعمالنا
(الحمد لله) الذي نستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونستهديه ونستنه ونبرأ من الحول والقوة اليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، الله ربنا ومحمد نبينا والاسلام ديننا، والكعبة قبلتنا، والقرآن امامنا، ورضينا بحلاله حلالا، وبحرامه حراما، لا نبتغي به بدلا ولا عنه حولا، ولا نشتري به ثمنا، لا حكم الا لله اتباعاً لكلام الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، وخلافاً لأهل البدع، لا حكم الا لله خلعا ونبذا وفراقا لجميع أعداء الله، لا حكم الا لله ولو كره الجبارون الحاكمون بغير ما أنزل الله، وأشهد أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون، اللهم صلي على
342 (1/342)
صفحة 343
محمدا وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد كما صليت ورحمت وباركت على ابراهيم، وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم صل على العصبتين المباركبتن من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم باحسان، اللهم وارحم الشراة في سبيلك أهل الفضل في الاسلام، اللهم أرض وصل على الخليفتين المباركتين بعد نبيك، أبي بكر وعمر، امامي الهدى بما عملا به من كتابك، وما أثراه من نبيك، اللهم واصلح الأمير يوسف بن منحمد أصلحه وأصلح على يديه، ووفقه للخير وأعنه عليه، وافتح له من عندك أعواناً وأنصاراً على طاعتك، اللهم اعزز به الاسلام وأهله، واذلل به الكفر وأهله، وانصره نصراً عزيزا، وافتح له فتحاً لدنك سلطاناً نصيرا، كفى بك وليا وكفى بك نصيرا،
من
يسيرا، وهب له اللهم اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان، ربنا ولا تجعل في قلوينا غلا للذين آمنو ربنا انك رؤوف رحيم، ثم قرأ قل هو الله أحد) ثم نزل (1 هـ). الى هنا انتهى ما وقفنا عليه من كلام العلامة ابن الصغير، المؤرخ المالكي في أئمة بني رستم ومدينة (تيهرت)، دار امامتهم، وهو كلام لم يجد به أحد من المؤوخين منا ومن غيرنا لا قبله لوا بعده والله أعلم.
وفاة هذا الامام وعدد مدته
ثم ان الله سبحانه وتعالى، قضى على هذه الدولة بالانتهاء، وحكم بخراب ملك هذه العائلة، كما قضى على من قبلها ومن بعدها من الملوك والسلاطين والخلفاء، تصديقاً لقوله تعالى وهو أصدق القائلين كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون وقوله يعز من يشاء ويذل من يشاء، فتغلب الشيطان على عقول أبناء أبي اليقظان أخي الامام، وصور لهم انهم أحق بالامامة من عمهم، ولعلمهم بأن الرعية كلها راضية به
0343 (1/343)
صفحة 344
و باحكامه، وأنهم لا يمكنهم الوصول إلى عزله وخلعه، ولا إلى اثارة فتنة يكتسبون بها استقلالا، ولو ببعض الجهات، أجمعوا على الغدر به ظنا
منهم انهم لا ينازعون بعده في شيء، فهجموا عليه وقتلوه على حين غفلة ونصبوا مكانه باتفاق مع من شايعهم واحداً منهم، وهو اليقضان، وذلك
سنة أربع وتسعين ومائتين 294 بعد أربعة عشر عاماً من يوم ولايته ذاق فيها الحلو والمر، ثم ختم له بالشهادة فرحمه. الله ورضي عنه، فأقام اليقظان في الامارة سنتين مهدد الجوانب مضطرب الأحوال، لما كان في ذلك العهد من استفحال أمر عبيد الله الشيعي، وظهور دعوته في المغرب وملكه الذي به انقرض ماكان بالمغرب ومصر من الممالك والامارات، وممن سعى في تقديم اليقظان وتسليم أمر الامامة له العلامة أبو الخطاب وسيل بن سنتين الزواغي، الذي أثنى عليه صاحب الطبقات وقال: مذكور فيمن أفنى بدنه في العبادة
وماله في الصدقة موسوم بسمة الصلاح معدود في ديوان علماء وقته الخ. وعلى هذا فاليقظان في رضائه، ولعله غير داخل مع اخوته في مسألة قتل الامام أو لم يصح عنده اتفاقه معهم، ولذلك لما عاتبته نفوسة الجبل على بعض أمور منها التزامه الامر لليقظان قال: الحمد لله الذي جعل لي اخواناً يعاتبونني على ما بلغهم مني من التقصير قبل يوم القيامة، ثم قال
انما التزمت الامر لليقظان احتساباً لله لا لليقظان.
6
344 (1/344)
صفحة 345
الباب العاشر
الله
الشيعي
انقراض ملك بني رستم من تيهرت واستيلاء الشيعة عليها (لا ملك الا ملك الله ولاحول ولا قوة الا بالله كان عبيد رجلاً من المشرق على مذهب الشيعة، ينتسب إلى فاطمة الزهراء ـ رضي الله عنها ـ قدم ألى المغرب يطلب الملك فيه لرؤيا رأها في نومه، وقد صدقت
الرؤيا ونال الملك، وقهر الملوك وطغى وتجبر، وآل ملكه بعد الى الاضمحلال
كغيره، والله أعلم.
بني رستم.
ذكر كل المؤرخين ان زوال ملك، كان على يد الشيعي، الا أنهم لم يذكروا خبره بالتفصيل، وغاية ما قالوه ان للشيعي مع بني رستم في تيهرت خبراً طويلاً، والذي ذكره أبو زكرياء رحمه الله ان للامام أبي حاتم بنتاً اسمها (دوسرا)، ولعبيد الله الشيعي مولى اسمه الحجاني (أبو عبد الله)، أرسله إلى قبيلة كتامة فأقام فيها، إلى أن ظهر أمره، وملك سجلماسة، فأرسل اليه بالقدوم، وكانت (دوسرا) توجهت اليه مع أخ لها لما قتل والدها الامام، وأخبرته بما وقع، ووعدته بالتزوج به ان أخذ لها ثار أبيها، فلم يجبها بشيء ولما دعاه عبيد الله إلى سجلماسة مر بالقرب من تيهرت، فخرج اليه من فيها من وجوه فرق الشيعة والواصلية والصفرية والمالكية، وقدموا له الشكاية في اليقظان، ووعدوه بالاعانة بالمال والرجال، ورغبوه في استيصال هذه العائلة كلها، وانتزاع الأمر من أيديهم، ولا رجال
345 (1/345)
صفحة 346
ولا عسكر لليقظان، ولا قوة له لادبار الناس عنه بما وقع من قتل الامام، فأرسل اليه الحجاني رسلاً يطلب منه الاجتماع به، فخرج اليه ومعه بنوه واخوته وأتباعه، ولاقاه على أميال من تيهرت، ولما اجتمع به قال له (متجاهلاً): ما اسمك؟ فقال له: اسمي اليقظان، فقال الحجاني: بل أنت الحيران ما بالكم قتلتم أميركم، وسلبتم من أنفسكم ملككم، وأطفئتم نور الاسلام، وألقيتم الينا بأيديكم بغير قتال ولا حصار، ثم أمر بقتلهم فقتلو عن آخرهم، وذلك في شوال سنة 296، ولما سمعت دوسرا بنت الامام بذلك هربت خوقاً من ان يطلبها الحجاني للتزوج بها كما وعدته، ثم ان الحجاني دخل تيهرت ونهبها واستباحها، وقصد المكتبة المعروفة المعصومة وأخذ ما فيها من الكتب الرياضية والصنائع وغيرها من الفنون الدنيوية، کله وأحرق الباقي، ومن هناك فقدت أغلب مؤلفات المذهب اذ كانت المكتبة عظيمة جامعة، وطلب (دوسرا) بكل جهد فلم يقف لها على أثر.
خبر العلامة يعقوب بن أفلح - رحمه الله
ذكر أبو زكرياء - رحمه الله - ان يعقوب - رحمه الله ـ لما بلغه مجيء الحجاني إلى (تيهرت)، خرج منها في خيل من أصحابه وأقاربه وأهله، قاصداً مدينة (وارجلان)، ولما سمع به الحجاني أرسل في أثره عسكراً، وكان يعقوب على جواد عظيم الشأن، يضرب به المثل في المغرب كله، ولما لحقه العسكر اعترضهم في الطريق، وصدهم عن الاتصال به، وبمن معه، وكلما رآهم سائرين نحوه أمر من معه بالمسير، ووقف هو في الطريق، فاذا رآه العسكر واقفاً ينتظرهم وقفوا في مكانهم رعباً منه لما كان له من الهيبة والشدة، ولما اعياهم أمره ولم يقدروا له على شيء رجعوا وتركوه لحاله، فنظر ألى الطالع في السماء، ثم قال لأصحابه افترقوا فقد انقضت ن أيامكم وزال
346 (1/346)
صفحة 347
ملككم، فلا يعود اليكم إلى يوم القيامة، وما اجتمع منكم ثلاثة الا. وقع عليهم الطلب، فتفرقوا، وأقبل هو بمن معه على وارجلان، وذلك على عهد
الله العلامة أبي صالح جنون بن يمريان - - رحمه فتلقاه أبو صالح في جموع وارجلان، لما بلغه وصوله، وأدخلوه أكرموه أحسنوا القيام به، ثم طلبوه ان يولوه الامامة هناك، فامتنع وقال: لا يستتر الجمل بالغنم، فأرسلها مثلاً ومكث فيهم زمناً طويلاً، ثم توفي ودفن في مقبرة أبي صالح قال أبو زكرياء وقبره في عصرنا هذا لم يندرس كأنه ربوة (1 هـ). وذكر ان بعض أهل وارجلان قال له: أتحفظ القرآن كله؟ فقال له: معاذ الله أن ينزل على موسى وعيسى مالم أحفظه، وأعرف معناه، فكيف بكتاب الله الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومما يحكى عن خشوعه انه كان في بعض الليالي قائماً يصلي، فوقع سقف البيت ولم يبق منه الا ما كان فوقه، ولما جاء الناس للبحث عنه وجدوه واقفاً على ما هو عليه، ولما سألوه قال لهم: ظننت ان القيامة قد قامت، أي لما وقع من الزلزلة، ولم يعلم بأن ذلك من السقف لاشتغاله، وله أخبار غير هذه
مذكورة، والله أعلم.
347 (1/347)
صفحة 348
الباب الحادي عشر
بيان بعض من ولي تيهرت بعد بني رستم
ذكر المراكشي طرفاً من أخبار تيهرت، بعد بني رستم، وهو أحسن ما وقفت عليه من كلام المؤخين في هذا المقام، وان كان مفرقاً مشتتاً في تاريخه، فخذه مجموعاً موصولاً من لفظه، قال: فسار أبو عبد الله (الشيعي سنة 296 هـ) حتى حل بمدينة (تيهرت)، فدخلها بالأمان وقتل من بها من الرستمية، يقظان بن أبي اليقظان، وجماعة من أهل بيته، وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي العباس وأبي زاكي خليفته برقادة، وطوفت بالقيروان ونصبت علي باب مدينة رقادة، وانقضت دولة بني رستم بتيهرت (1 هـ).
فتوالت عليها بعدهم المصائب وتتابعت عليها النوائب، وتراكم على أهلها البلاء، وفشا فيهم الثقل والجلا، وامتحنوا بالزلازل والقتال، وتجرعوا كؤوس الذل والوبال، وما ينزل بهم عامل الا وتحضر عمال، وما يطرأ عليهم حال الا وتظهر أحوال.
وقد وضح المؤرخ المراكشي بعضاً من ذلك حيث قال: ثم ولى أبو عبد الله على (تيهرت) أبا حميد دواس بن صولات اللهيصي، وكان يلقب بالسيد الصغير، ثم نهض حتى احتل مدينة سجلماسة وحاربها يوم الاحد لسبع خلون منه ففتحها في هذا اليوم، وأخرج منها عبيد الله الشيعي وابنه أبا القاسم، وكانا محبوسين في غرفة عند مريم بنت مدرار، وفي سنة 297 خالف على أبي عبد الله الشيعي محمد بن خزر بن صولات الزناتي،
348 (1/348)
صفحة 349
وأقبل إلى مدينة (تاهرت) وطمع بأخذها واخراج دواس بن صولات منها، وان يقطع بأبي عبد الله وبمن معه، في انصرافهم من سجلماسة، وباطنه علي ذلك قوم من أهل (تاهرت)، يعرفون ببني دبوس، فاستدعوه فوشى بهم إلى دواس عامل الموضع فحبسهم في حصن ابن بخاتة المعروف (بتاهرت)
القديمة
حارب محمد بن خزر (تاهرت) وتغلب على بعض أرباضها، فلما رأى ذلك دواس هرب إلى ابن حمة صاحب القلعة، ووثب أهل حصن ابن بخاتة على بني دبوس عندهم فقتلوهم، ودفع أهل (تاهرت) محمد بن خزر وحاربوه، ثم كاتبوا دواساً فانصرف الهيم، ورجعت قبيلة زناتة إلى (تيهرت)، وحاصروا دواس بن صولات فيها، فأخرج اليهم عبد الله قائداً يعرف بشيخ المشائخ، فهزم زناتة وقتل كثيراً منها، وفي سنة 299 فتحت (تيهرت)، وكان أهلها قد ثاروا على دواس عاملها وأرادوا قتله فهرب منها إلى (تيهرت) القديمة، وتحصن بها وقتل فيها أكثر أصحابه، وكانوا في نحو ألف فارس، واستدعوا محمد بن خزر، فقدم عليهم وأدخلوه البلد وولوه وبرزوا اليه بأم دواس وعياله، وأكثر سلاحه، ثم خذلوه وخذلهم، فزال عنهم وانصرف إلى موضعه، ثم أخرج عبيد الله العساكر إلى (تيهرت) في أعداد عظيمة، وخلق لا يحصى كثرة، فنزلت عليها يوم الجمعة لانسلاخ المحرم، وحورب أهلها ثلاثة أيام، ثم اخذوا بالكيد ودخلت العساكر (تيهرت) يوم الثلاثاء لأربع خلون من صفر، فقتلوا وسبوا النساء والذرية وانهبوا الأموال وحرقوها بالنار، وبلغ عدد القتلى بها ثمانية آلاف رجل، ثم ولى عبيد الله (تيهرت) مصالة بن حبوس بن منازل بن بهلول المكانسي، وانصرف دواس بن صولات إلى مدينة رقادة، وقتله عبيد الله بعد ذلك، وفي سنة 304 مصالة بن حبوس من (تيهرت) المحاربة سعيد بن صالح بن ادريس
خرج صاحب (ناکور) فدارت بينهم حروب كثيرة.
349 (1/349)
صفحة 350
أقول: قال صاحب الاستقصاء وفي سنة 305 أحرقت النار أسواق مدينة فاس، وأسواق (تيهرت) قاعدة زناتة، واحرقت اسواق قرطبة وارباض
مكناسة من بلاد جوف الأندلس، وكان ذلك كله في شوال من المذكورة فسميت سنة النار (1 هـ).
السنة
وفي سنة 310 قدم مصالة إلى المهدية على عبيد الله، فأقام بها أياماً ثم صرفه إلى (تيهرت)، فخرج اليها في شعبان، وفي هذه السنة خالفت نفوسة على عبيد الله، وقدموا على انفسهم أبابطة فاجتمع اليه عدد كثير، واشتدت شوكته، فأخرج اليهم عبيد) الله علي بن سليمان الداعي في جمع كثير، فلما قرب منهم ثبتوا فقتلوا كثيراً من أصحابه، وانهزم الباقون وتفرقوا
الله
عن علي ابن سليمان، فسار علي إلى طرابلس، وكتب إلى عبيد بذلك، فكتب عبيد الله إلى علي بن لقمن عامله على قابس، بأن يقتل كل من مر به من المنهزمين، فقتل منهم جماعة، وأمد عبيد الله علي بن سليمان بالجيوش، وأخذ في حصار نفوسة بعزم، وفي سنة 311 هـ أوقع علي بن سليمان بأهل نفوسة، ودخل حصنهم وهدمه، وقتل الرجال وسبى الذرية، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان.
وفي سنة 312 هـ خرج مصالة بن حبوس من (تيهرت) إلى زناتة فأداخ بلدهم، وقتل وسبى وأخرج خيلاً إلى بعض نواحي ابن خزر، وكان فيها اكثر حماته ووجوه وجاله، وبقي مصالة في نفر من اصحابه، فبلغ ذلك ابن خزر، فقصد نحو مصالة، ودارت بين الفريقين حرب عظيمة، قتل فيها مصالة وانهزم اصحابه، وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان، وفي سنة 314 هـ زحف ابن خزر إلى (تيهرت)، وحاربها فانهزم عنها، وأخرج عبيد في اثره موسى بن محمد الكتامي في جماعة من القواد، فلما صار بطبنة دخل محمد بن خزر الصحراء، وأبقى اخاه عبد الله مع وجوه رجاله
الله
350 (1/350)
صفحة 351
بوادي مطماطة، فدارت بينه وبين جند الشيعي. عظيمة، كان الظفر فيها والغلبة لا بن خزر.
ثم أخرج عبيد الله اليه أسحق بن خليفة واصحابه، وخالفت على
الشيعي لماية، وما جاورها من القبائل، واستمدوا بابن خزر، فكتبوا إلى عبيد الله مستمدين، فأمدهم بجيش كثير فهزموه، وراسلت هذه القبائل محمد بن خزر، فولي عليهم أخاه عبد الله، ودارت بينه وبين جيوش الشيعي وقائع كثيرة، وبعد وفاة مصالة تولى (تيهرت) أخوه يصل بن حبوس، إلى أن توفي سنة 319، ثم وليها أبو مالك بن يغمراسن بن أبي شحمة اللهيصي، فقام عليه أهل البلد وأخرجوه سنة 323 هـ، ووليها أبو القاسم الأحدب بن مصالة بن حبوس، فقدموه على انفسهم، فأقام عليهم سنة واحدة، فلما انصرف ميسور من ارض المغرب إلى افريقية، حاربهم حتى ظفر بالبلد، فقتل ابا القاسم بن مصالة المذكور وولى على بسائط أفريقية والمغرب الأوسط، وتكرر دخوله اليها عنوة مرة بعد أخرى، إلى أن احتمل سكانها وخلا جوها وعفى رسمها، لما تناهى عشرون من السابعة والأرض لله (1 هـ)، والذي يؤخذ من التاريخ انها خربت مراراً،
المائة
وعمرت ولعل ما ذكره ابن خلدون هو خرابها الاخير الذي لم تعمر بعده. هذا وبعد أن تبادلتها أيدي الشيعة وغيرهم من سعى في الأرض فساداً، أضمحلت اثار العدل منها تغيرت معالمها، وساد فيها الجهل. وسارت في التقهقر والادبار، على نسق ما كانت عليه أيام بني رستم من التقدم في العلوم والعمران، وقد بلغ الجهل بأهلها في آخر امرها مبلغاً يكاد يكذب به ذلك ما ذكره المؤخ القزويني حيث قال: ويحكى أنه رفعت، ومن إلى قاضيهم (يعني أصحاب تيهرت) جناية، فما وجدها في كتاب الله، فجمع الفقهاء والمشائخ (صورة) فقالوا بأجمعهم: الرأي للقاضي، فقال
سامعه
351 (1/351)
صفحة 352
خرج
القاضي: اني أرى أن أضرب المصحف بعضه ببعض، ثم افتحه فما عملنا به، فقالوا وفقت الى الصواب أفعل، ففعل فخرج قوله تعالى: (سنسمه على الخرطوم) فجدع (قطع) أنفه (1 هـ).
وقد تضاربت أقوال المؤرخين، وتباينت في تقدير مدة عمرانها بامامة بني رستم، كما اختلفوا في مدة كل امام منهم، وقد قدمنا الراجح من ذلك. فقال بعضهم: 130 وبعضهم 150 سنة، وعلى هذا القول جرى والدي ـ حفظه الله ـ في قصيدته التي رثى بها استاذه عمه الشيخ سعيدا الباروني نزيل جزيرة جربة وعالمها الوحيد في عصره ـ رحمه الله ـ حيث
قال:
وأين الأئمة الكرام جميعهم
بنو رستم كأس المنايا تجر عوا
لقد أسسوا (تيهرت) بالغرب وارتقوا
مدارج عز الملك فيها وأبدعوا
وداموا بها خمسين عاماً ومائة
يحفهم من كان بالعضب يقطع
فبددهم ريب المنون وأصبحت
منازلهم قفراً بها الريح زعزع
وأنهاها بعضهم إلى 160 سنة، وهو صاحب المكتبة الصقلية المطبوعة بمطبعة ليبسيك الأفرنجية (قال): وزال ملك بني الأغلب وبني مدرار، الذين منهم اليسع، وكان لهم ثلاثون ومائة سنة متفردين بسجلماسة، وزال ملك بني رستم من (تاهرت)، ولهم ستون ومائة سنة، وملك المهدي (الشيعي) جميع ذلك (اهـ).
252 (1/352)
صفحة 353
والذي يؤخذ مما رجحناه فيما سبق من مدة كل امام، انها لم تتجاوز
140 سنة، ولعل من
قال بأكثر من. هذا يرى ان امامة عبد الرحمن - رحمه الله - مؤسس (تيهرت) كانت قبل 160 من الهجرة، وهو غير بعيدان اعتبرناها من يوم وفاة أبي الخطاب، وخروجه هو من القيروان كما قدم، والله
أعلم بالحقيقة.
253 (1/353)
صفحة 354
الباب الثاني عشر
رثاء مدينة تيهرت) لما خربت
تقدم ما هو كاف، فبيان بعض ما كان فيها من العلماء والأدباء والشعراء، ولا نشك في انهم رثوها بقصائد كثيرة، وبكل أسف لم نعثر علي شيء منها، كلما بحثنا الا بعض أبيات ذكرها العلامة المراكشي، وهي تسيل الدمع وتكلم الروح، وتحرك الأحزان، وتدل على ما كان لقائلها من القدرة علي اختيار العبارات المؤثرة، بمعانيها المهيجة المثيرة للحنين إلى معاهد الأول، وآثار المتقدمين، قال: ومما قيل حين قضى الله بخرابها، وانتقل
أهلها و ربابها عنها.
خيلي عوجا بالرسوم وسلما
على طلل أقوى وأصبح أغبرا
ألما على رسم (بتيهرت) دائر
عفته الغوادي الرائحات فأقفرا
كأن لم تكن (تيهرت) دارا المعشر
فدمرها المقدور فيمن تدمرا
وقال: وقال بعض شعراء (تيهرت) من قصيدة أولها:
فراغ الهوى شغل ومحيا الهوى قتل
ويوم الهوى حول وبعض الهوى كل
354 (1/354)
صفحة 355
وجود الهوى بخل ورسل الهوى عدا
وقرب الهوى بعد وسبق الهوى مطل
سقى الله تيهرت) المنا و (سويقة)
بساكنها غيثاً يطيب به المحل
كأن لم يكن والدار جامعة لنا
ولم يجتمع وصل لنا لا ولا أهل
فلما تمادي العيش وانشقت العصا
سلام علي من لم تطق يوم بيننا
تداعت أهاضيب النوى وهي تنهل
سلاماً ولكن فارقت وبها شكل
وما هي آماق تفيض دموعها
ولكنها الارواح تجري وتنسل
،
قال: وتيهرت القديمة هذه هي التي خربها الخير بن محمد بن خزر
الزناتي.
355 (1/355)
صفحة 356
الباب الثالث عشر
سياحة المؤلف في المغرب وزيارته تيهرت
كنت ارتحلت من مصر، بعد أن جاورت في الأزهر العامر نحو ثلاث سنين إلى المغرب الاوسط سنة 1313 هـ، فقصدت جبال بني مصعب من أعمال الجزائر لطلب العلم،، من عالم الاسلام امام الأئمة الاعلام أستاذي الشيخ محمد بن يوسف الميزابي، صاحب الصيت البعيد والذكر الحميد، الذي عرفت الدول حق قدره، فرصعت صدره بالنياشين المعتبرة بدون ان يسألها، أو يتصدى لها، وناهيك من رجل حاز ذلك على بعد مكانه، وقلة الوسيلة من أمير المؤمنين، وسلطان المسلمين المعظم عبد الحميد بن عبد المجيد خان العثماني، صاحب مملكة القسطنطينية العظمى، ومن السطان المعظم ملك دولة الزنجبار، ومن الدولة الفرنساوية الكبرى، فأقمت عنده. ملازما مجلسه الفاخر، نحو ثلاث سنين أيضاً أظهر - رضي الله عنه ـ في أثنائها
من الاعتناء بشأني والاجتهاد في ارشادي، مالا أقدر قيمته ببيان، فجازاه بما هو أهله، وأسكنه بعد عمر طويل غرف الجنان، كما لاقيت من
الله
عني:
الاخوان الكمل، والأصدقاء الافاضل، أهل المروءة والأدب الكامل، ممن عرفتهم وعرفوني هناك، كل حفاوة واكرام، وتبجيل واحترام، حتى كدت أهجر بلادي وأتخذ بلادهم وطناً لي، ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم تعاب بنسيان الأحبة والأهل.
ولما كنت أسمعه كثيراً من أستاذي هذا على تيهرت وعمرانها، وبني
356 (1/356)
صفحة 357
من
رستم وعدلهم فيها، اشتاقت نفسي إلى زيارة اطلالها والوقوف على ما بقي آثارها، اعتباراً بمن مضى، وتزودا من بركات من وطؤا ثراها، وعمروا بذكر الله سهلها ورباها، فاستاذنت الامام في السفر وبعد مماطلة وتسويف طويل، أنعم بالاذن وشيعني مسافة أخجل من بيانها لعلو مقامه وصغر مقامي.، وان علم بها الخاص والعام، ولقبني بما لا أتحمل حمله، مما لم يجد به لغيري، وزودني من دعائه الصالح، وتوجهاته القلبية، ما لم ازل استمد منه الرشد والتوفيق، ولا أضام. معه بأذن الله مادمت حيا، فقصدت الجزائر، ومنها عطفت إلى (تيارت)، وهي (تيهرت) القديمة، عدد لا أنسى ذكرهم، ولا أقدر فضلهم، على متن وابور السكة الحديدية، فاخترق بنا جبالاً وقطع أودية، وهو يزأر كالأسد كلما دخل غارا، أو تجاوز قنطرة، وكأنه يدرك ببصيرة نقاده، ويبصر بأبصار وقادة، أو يهتدي بالدليل، فيقتحم المفاوز بالليل، إلى ان وصلنا (تيارت)، ونزلنا عند صديق لنا من افاضل تجار بني ميزاب فأكرم نزلنا، ثم سار معنا على ظهر البابور إلى
(تيهرت).
، يصحبني من
الأصدقاء
فنزلناها، وذا هي لم يبق منها الا آثار ورسوم وأنقاض متراكمة، يجمعها الفلاحون ليحرثو أماكنها، وبقي من سورها شيء قليل في ناحية يدل على منعته وقوته، وزرنا الغار الموجود فيها بالقرب من الشجرتين اللتين يقال انهما من وقت عمرانها، والمشهور عن الغار أنه معبد لبعض زهاد ذلك الوقت، ويعترف له الاعراب المجاورون لها ببعض كرامات منها: ما أخبرني به بعضهم من أن نصرانياً كان في السنين القريبة يرعى خنزيراً له، ويأوى اليه في بعض الاوقات للمبيت أو المقيل فيه، ولما سمع بنو ميزاب التجار (بتيارت)، أو غيرها نهوه عن ذلك مراراً، وحذروه فلم ينته، ثم أصبح في بعض الايام وهو فيه أعمى، وخنزيره هباء بجنبه، فاعتبر وندم حيث لا عادة بني ميزاب زيارتها في كل سنة مراراً، والتصدق فيها ينفعه الندم، ومن
357 (1/357)
صفحة 358
وقراءة القرآن، فكان يبعث اليهم يسألهم أن يقبلوا منه صدقته مع صدقاتهم، رجاء أن يرد الله عليه بصره فلا يقبلون منه، فأتى مرة بنفسه وذبح وتصدق، وذهب وقد سألت عنه لما سمعت الحكاية لأجتمع به وأخذ منه حقيقتها مشافهة، فلم يتيسر ذلك لموانع، أهمها استعجالي ولعملاء الأفرنج من الفرنساويين وغيرهم حقيقة علم، بأحوال هذه المدينة وأخبارها، وما كانت عليه من العمران، فهم يقصدونها في سياحتهم، وقد وجدنا هناك فرنساوياً فلاحاً لا يعرف من العربية إلا يسيراً ولما رأنا بفم الغار جاءنا فقال بكلام لا يفهم الا بالقوة، ان لبني ميزاب هاهنا في الزمن الأول خمسة ملوك أقوياء، وأشار بأصابع يده، ومن وسطها الان تمر السكة الحديدية، وطريق الكروسة إلى (تيارت) وغيرها، وبالقرب من العين المسماة إلى الآن بعين السلطان بنيت المحطة، وعلى العين شرع الفرنساويون في العمارة، ولا يمضي زمن حتى يقال: عاد إلى (تيهرت) شبابها القديم، نزلها تجار الاباضية أربابها القدماء وغيرهم، من بني ميزاب، وما ذلك على الله بعزيز، وفي جانب منها هنشير عظيم، ذو أنقاض كثيرة، يعرف الآن بدار السلطان، ولعله بقية من دار الامارة الاولى، والله أعلم.
وبعد أن قرأنا ما تيسر من كلام الله العظيم، وتصدقنا على الحاضرين بما استصحبناه معنا لأجل ذلك من (تيارت)، انفردت إلى أعلى جهة منها، أكيف هيئاتها، وأرمي بنظري إلى أرجائها، وأنا أردد قول الشاعر القائل:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
إلى أن لاحت لي قطعة السور الباقية منه، فانتقلت إليها فاذا بها زاوية من زواياه محكمة البناء، متينة الأساس، كأنها بقية برج، فاسترحت في ظلها بجنب عود من تين، أو خروع عتيق، فيما أظن برهة من الزمن أجول
358 (1/358)
صفحة 359
بفكري في أخبارها وتاريخها، وبببصري في آثارها، حتى أدركتني رقة لانت لها الطبيعة الجامدة، والقريحة الكاسدة، فجادت بما لم يكن من عادتها قبل ذلك أن تجود به، واستحضرت مالم أكن أظنها تسبح فيه، فقلت والقلب في حسرة وانكسار، والدمع ينحدر من عين مدرار، وان لم أكن من ينظم من الشعر عقوده ويدرك منه سننه وفروضه، هذه القصيدة التي لم أغير منها ما قلته اذ ذاك شيئاً سيرا في منهج الصدق، الا ما كان من
قولي:
واستعبدوا البر والبحرا) فانه قد أبدلته الآن بقولي، (واستسهلوا الخ) كما ستراه لما في لفظ استعبدوا من مجاوزة حد المبالغة المنهي عنها، فخذها
أيها القاريء على ما فيها، وان بالبدر كلفا.
قفا نبك أطلالاً تقلص ظلها
ونندب آثار الذين بقو ذكرا
فأمست بهم تيهرت كالروضة الزهرا
بني رستم من قام بالعدل ملكهم
تحف بها الانهار والزهر باسم
بروض بساتين هي الجنة الخضرا
أقاموا منار الدين دهراً وشيدوا
معالمه واستسهلوا البر والبحرا
فكم نظموا جيش وكم نشروا عدلا
وكم هندوا سيفاً وكم ضربوا تبرا
وكم من حصون أحكموا ومعاقل
وكم مسجد أحيوا وكم عمروا قطرا
359 (1/359)
صفحة 360
وظل لواء النصر يخفق فوقهم
وتيهرت دار العلم والدولة الكبرى
فكم من أمير تحت ظل ابن رستم
تقلد فيها السيف واكتسب الشكرا
وكم من امام كان في الدين حجة
وكم في سياسات الملوك ترى بدرا
فأمست خلاء تذرف الدمع حولها
عيون بها قرت وسادت بها دهرا
كذا الدهر خوان فيضحك تارة
ويبكي مراراً صاغ من حلوه المرا
أيا دار كم عمرت والسعد مقبل
عليك وكم بالعلم سادت بك الغبرا
عمرت وعمرت البلاد سويعة
من الدهر كانت من نوادره الغرا
يشد اليك الرحل من كل وجهة
بك العيش رغد طيب وبك الاخرى
فهل فيك من يدري وقوف متيم
يكفكف دمعاً نادياً مربع الذكرا
يئن أنيناً يجـ القلب والكلى
يفتت أكباداً ولما يطق صبرا
سلام سلام من قلوب كثيبة
تسائل اطلالاً ولم تكت، خبرا
360 (1/360)
صفحة 361
على معهد الاسلام والدين والهدى
وربع ملوك كان ملكهم صدرا
ألا أيهـ ا الخل المرافق قف وقل
حيال ديار طالما جب
سقى الله تيهرت) بوابل رحمة
يجدد ذكراها وي الها فخرا
واه وهل ي
،ميتا
ومن ذا يرى عمرانها مرة أخرى
د لكن الله ربنا
قدير على أن المغيب لا يدرى
ثم تحولت إلى أصحابي، وعدنا إلى الجزائر، ومنها وليت وجهي نحو
وطني العزيز، جبل نفوسة الشامخ العامر، فكانت لهذه الزيارة بعد ذلك رنة أطبقت أفاقت تلك الجهات، وبني عليها وعلى ما عطف عليها من الوسائل حدث أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وأهان وأكرم، وأذل وأعز، وأبعد وقرب، وأسخط وأرضى، وكان وكان وكان، مما لو سطر لملأ بطون الدفاتر وضاقت دونه صفحات الطروس، وماهو وأيم الله الا أوهام في أوهام، وأفكار كأضغاث أحلام، وحيل ومراصد، يتوصل بها إلى خبيث.
361 (1/361)
صفحة 362
تنبيه
بمعني
حيث ان أغلب تحرير هذا الكتاب كان مجارياً لطبعه ان ما أحرره اليوم يطبع غداً مثلاً. حصل فيه بعض تساهل من حيث اللغة والاعراب والرسم، وربما أطلع على شيء من ذلك بعد فوات طبعه فأتأسف اذ لا يمكنني تصليحه، ومن نظر إلى قولي في صحيفة 12 عن تيهرت (بعد أن مضى عليها مالا يبعد عن ألف سنة وهي خراب) والى ما ذكرته أخيراً من وليها بعد بني رستم، يصدق ما قلته، فاني كنت عند تحرير الاول اعتقد انها لم تعمر بعد بني رستم قط، ثم اطلعت على الأخير بعد ذلك، ولم أغير مما نقلته من كلام المؤرخين شيئاً غير لفظ الخوارج، الذي يقرنونه أحياناً بلفظ الاباضي أو يعبرون به عنهم. نا فيهم فأني أسقطته، وأرجو من أرباب الاطلاع أن يصلحوا الفساد، ما أمكن بدون اعتراض، فاني مقر
، طعناً
بالعجز والتقصير، والكمال لله وحده الذي خلق النقص والكمال.
وأصلح الفـ اد بالتأمل
وان بديهـ
بدل
اذ قيل كم مزيف صحيحا
لأجل كون فهـ
والحمد لله العالمين وصلى الله
على سيدنا محمد وآله الطاهرين
رب
ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
362 (1/362)
صفحة 363
تم بحمد الله
خاتمة
وتوفيقه الفراغ من تحقيق هذا الكتاب لمؤلفه العلامة الشيخ
سليمان باشا الباروني ابن العلامة الشيخ عبد الله
بن يحيي الباروني والمولود في مدينة جادو حاضرة متصرفية (فساطو) عام 1870 هـ، الموافق الخامس
من ديسمبر 1986 م.
واننا اذ نتقدم بهذا العمل فاننا نرجو الله جلت قدرته ان ينفع به البلاد
والعباد والله من وراء القصد .. نعم المولى ونعم النصير.
363
المراجع (1/363)
صفحة 364
190
25
29
41
42
42
43
43
{{
{{
{{.
{{
{{.
المحتويات
المقدمة
الباروني من وجهة نظر وحال السياسة والفكر
الباروني شاعراً.
364
الباروني والشعراء
الباروني وشعراء عمان
منهج التحقيق
القسم الاول
1 - امامة طرابلس
2 ـ تاهرت
- عبد الرحمن بن رستم
4 - الامام ابو الخطاب
ه - طرابلس
6 - القيروان
7 - قابس
- عبد الرحمن بن حبيب
9 - قبائل بربرية
10 ـ افريقية والمغرب (1/364)
صفحة 365
القسم الثاني الباب الاول:
في انتقال الامامة من طرابلس الى مدينة تيهرت بالمغرب الاوسط ومبدأ
47
51
59
59
62
64
65.
66
67
670
68
71
365
ذلك واسبابه
الباب الثاني:
1 - ابتداء تأسيس مدينة تيهرت
الباب الثالث:
1 ـ ابو العباس الدمشقي
2 ـ ابن واضح العباسي
3 ـ الادريسي
4 ـ ابن خلدون
ه - الملك المؤيد
6 - اللباب
7 ـ كتاب الاطوال
- القانون
9 - الاستبصار
10 - ابو اسحاق الفارسي
11 ـ ابو بكر القزويني
12 - ياقوت الحموي
13 - صاحب جغرافيا (1/365)
صفحة 366
n
n
840
??
85
86
87
89
89
97
99
100
100
1.1
1.1
1.1
102
102
14 - ابو عبيد 15 ـ المهدي
16 - البشاري الحنفي
17 - شمس الدين الدمشقي 18 ـ ابن فضل العمري
19 ـ ابن الصغير
20 ـ ابن عذاري المغربي
21 - دائرة المعارف
الباب الرابع:
الكلام على المدن المنسوبة الى تيهرت
1 - مدينة تنس
2 ـ مدينة وهران
3 - مدينة شلف
4 - المدينة الخضراء
ه - مدينة افكان
6 ـ مدينة غزة
7 - سوق ابراهيم
- وايفن
9 - مدينة اوزكي
10 - مدينة الغدير
11 - مدينة زلاغ
12 - مدينة يلل
366 (1/366)
صفحة 367
103
104
1.0
100
1.0
1.0
1.7.
107
107
108
111
112
367
13
مدينة قصر الفلوس
14 - مدينة كرا
الباب الخامس:
مدن اخرى تدخل في دائرة تيهرت
1 - مدينة امكاد
2 - مدينة مازونة
3 - قلعة هوارة
4 - مدينة مليانة
ه - مدينة تاجنة
6 - مدينة أشير
7 - المعسكر
الباب السادس:
العلماء المنسوبون الى تيهرت
الفصل الاول:
علماء الاباضية
الفصل الثاني: المشكوك في نسبتهم
الفصل الثالث: (1/367)
صفحة 368
123
127
128
128.
129
129
130
130
131
131
131
132
133
368
علماء غير الاباضية
الباب السابع:
مدينة سجلماسة
الفصل الأول:
المؤرخون يصفون سجلماسة
1 ـ الحموي
2 ـ الادريسي - الحوقلي.
4 ـ المقدسي
ه - صاحب المسالك
الباب الثامن:
درعة
الفصل الاول:
المؤرخون يتكلمون عن درعة
1 ـ الادريسي
2 - البنا
الفصل الثاني:
علماؤها الافاضل (1/368)
صفحة 369
الباب التاسع: الامامة في المغرب
الفصل الاول:
خلافة الامام عبد الرحمن رضي الله عنه
1 - الاعانة الاولى:
من اهل المشرق لامام المغرب امتحانا واستكشافاً لا حواله
2 - الاعانة الثانية:
من اهل المشرق لامام المغرب عبد الرحمن بن رستم.
135
137
13800000 ....
142
3 ـ دهاء هذا الامام وحسن تصرفه مع امارة مستقلة (عن تيهرت بعض
ملوكها الاباضية)
145
4 - خطبة رئيس الصفرية لاروى (كريمة الامام عبد الرحمن ـ رحمه الله -
واخبار ذلك)
ه - حمل اروى بنت الامام بولدها ميمون
187
147
الفصل الثاني:
خلافة الامام عبد الوهاب - رحمه الله - وكناه المراكشي بابي الوارث ولم نره
لغيره
1 - خروج ابن فندين عن طاعة الامام
2 ـ تدبير مكيدة لقتل الامام
- جواب علماء المشارقة الى المغربة
4 - ارتحال شعيب من مصر الى تيهرت طمعاً في الامامة
153
104
???
159
17 ......
269 (1/369)
صفحة 370
ه ـ اجتماع شعيب بابن فندين وخروجهما عن الطاعة
162
6 ـ عودة الرسل من المشرق وما وقع بعد ذلك من قتل ميمون ابن الامام 164
7 ـ الاخذ بثأر ميمون
الفصل الثالث
166
خروج الواصلية من المعتزلة عن الامام وحروبه معهم
1 - طلب الامام الاعانة الحربية من جبل نفوسة لمحاربة الواصلية
2 - المناظرة والمبارزة
- استدعاء المعتزلة ابا العباس للضيافة بقصد الغدر به
- حرب اخرى لهذا الامام ه - تزوج الامام من قبيلة لواتة وحرب بني مسالة معه لذلك - عزم الامام على اداء فريضة الحج ومروره بجبل نفوسة.
V
- منع نفوسة الامام من الذهاب الى الحج وخبر ذلك - حكاية ابي عبيدة في نهي الامام ـ رحمهما الله
9 - محاصرة هذا الامام المدينة طرابلس
10 ـ محاصرة عسكر الامام لمدينة قابس
169
171 0.00
175
178
181
184
188
191
194
197
11 - رجوع الامام الى تيهرت وتعيينه السمح عاملاً على الجبل بعده. 198 12 ـ وفاة السمح - رحمه الله - وولاية ابنه خلف وما نشأ عنهما
من الفساد
199.
13 ـ جواب الامام ـ رح - رحمه الله ـ الى جبل نفوسة في مسألة خلف .. 200
الفصل الرابع:
ولاية أيوب بن العباس ـ رحمه الله ـ على الجبل
370
203 (1/370)
صفحة 371
204
207
208
214
215
217
219
225 ..
233
234
239
الفصل الخامس:
ولاية أبي عبيدة عبد الحميد ـ رحمه الله ـ على الجبل
1 - حكاية ابن يانس المفسد التابع لخلف وجواب الامام اليه
2 - جواب الى امام عمان
3 - وفاته وعدد مدته واولاده ومقدار علمه
رضي
الله
عنه
4 ـ عمال هذا الامام
الفصل السادس:
خلافة الامام افلح بن عبد الوهاب - رحمهما الله 1 - المحاربة الاولى لابي عبيدة - رحمه الله.
خلف - مع
الله عنه 2 - المحاربة الثانية لابي عبيدة - رضي - مع
خلف
ولاية العباس بن ايوب على الجبل بعد ابي عبيدة ـ رحمهما الله
1 - دهاء هذا الامام
2 ـ احوال الامام افلح مع الملوك
- شعره
- خبر فرج النفوسي المعروف بنفات الخارج عن الطاعة وخبر العلامة سعد
معه
24900
بن ابي يونس ه - جواب الامام افلح - رضي الله عنه ـ الى المسلمين في شأن نفات. 253
255
6 - الرسالة الثانية للامام افلح الى المسلمين في حق نفات - الرسالة الثالثة للامام افلح. - رحمه الله - ارسلها الى نفات ...... 257 هروب نفات الى الشرق واستنساخه ديوان الامام جابر بن زيد - رحمه
الله - من مكتبة الخليفة ببغداد
259.
371 (1/371)
صفحة 372
9 - امتحان الشراة من المسلمين للامام افلح - رحمه الله ـ بتوليه العلامة
محكم القضاء
264
-1.
1 - النصيحة العامة من الامام افلح - ر الله
- رحمه الى كل من كان تحت
لوائه من المسلمين
11 - عمال هذا الامام - رضي ا
الله عنه
12 - ولاية العلامة ابي ذر أبان - الله
- على جبل نفوسة - رحمه
13 ـ وفاة هذا الامام وعدد مدته واولاده ـ رحم الله الجميع -
267
272
27200000
273
الفصل السابع:
خلافة الامام ابي بكر ابن افلح - رحمهما الله
2760
1 - مصاهرة الامام ابي بكر لابن عرفة وما نشأ عنها من الفتن ..... 277 2 - رجوع ابي اليقظان من بغداد وتحسن احوال الامام باعماله العالية. 278 3 ـ مذاكرة رجال الامامة مع الامام في شأن ابن عرفة
وتنبه الامام لذلك
279
- خبر قتل ابن عرفة
ه - قيام اهل المدينة للاخذ بثأر ابن عرفة وحربهم مع الامام
6 ـ تجنب نفوسة وابي اليقظان لهذه الفتنة
7 - حرب نفوسة وابي اليقظان مع اهل المدينة 8 - خروج الامام واستيلاء ابن مسالة على المدينة
9 - خلافة الامام ابي اليقظان محمد بن افلح - رحمهما الله.
10 - طلب الامام للاعانة الحربية من جبل نفوسة 11 - رسالة الامام الى جميع رعيته ارشاداً ونصحاً.
12 ـ اجتماع الاباضية والمعتزلة للمناظرة
372
280
283
...
285
285
289
290
291
293
296 (1/372)
صفحة 373
13 - حكاية العلامة ابي عبيد الاعرج مع الامام واخباره
14 - شدة تعلق نفوسة بهذا الامام. 15 - ولاية افلح بن العباس على جبل نفوسة
16 - حكاية القاضي مع الامام وتركه القضاء
17 ـ ورع هذا الامام
296
298.
298
299
302
18 ـ ولاية أبي منصور الياس النفوسي - رحمه الله ـ على جبل نفوسة
واخباره
الله
304
19 ـ محاربة ابي منصور - رحمه مع ابي العباس ابن طولون صاحب
مصر
-
20 - جواب ابي منصور الى ابن طولون هذا الامام ببغداد في حياة والده 21 - حكاية سجن. 22 - خبر ابي اليقظان مع اخي السلطان المسجون معه 23 - عقد الخلافة لرفيق ابي اليقظان واخباره معه بعد ذلك
24 - طلب الخليفة من ابي اليقظان الاقامة ببغداد
25 - غريبة
310
311
312
313
315
316
316
318
319.
321
322
26 ـ ولاته وعدد اولاده ومدته
الفصل الثامن:
محمد خلافة الامام ابي حاتم يوسف بن. - رحمه
الله
- سعي بعض المفسدين في المروق عن طاعة الامام
ونفيه أياه وما نشأ عنه
2 - خروج الامام من المدينة
- محاصرة الامام للمدينة
372 (1/373)
صفحة 374
4 ـ مبايعة اهل المدنية للعلامة يعقوب بن افلح عم الامام
ه - حرب الامام مع عمه يعقوب
6 - عقد صلح بين الامام وعمه
323
324
325
? اجماع اهل المدينة مع عموم المسلمين على خلافة الامام وهروب يعقوب
الى طرابلس
- دخول الامام ابي حاتم المدينة بالاجماع من المسلمين
الله 9 - خبر أبي منصور - رحمه - مع الطيب بن خلف
327
327
10 - ولاية العلامة افلح بن العباس - رحمهما الله ـ على جبل نفوسة
وواقعة (مانو)
11 - واقعة اخرى لابن الاغلب مع نفوسة
332
337
12 - احوال ارباب المذاهب بتيهرت وخطب الجمعة في مدة هذا الامام 339
13 - خطبة التحكيم
342
343
345
346
348
354
14 - وفاة هذا الامام وعدد مدته
الباب العاشر:
انقراض ملك بني رستم من تيهرت واستيلاء الشيعة عليها 1 - خبر العلامة يعقوب بن افلح - رحمه الله
الباب الحادي عشر:
بيان بعض من ولي تيهرت بعد بني رستم
الباب الثاني عشر:
رثاء (مدينة تيهرت لما خرجت)
374 (1/374)
صفحة 375
356
363
الباب الثالث عشر:
سياحة المؤلف في المغرب وزيارته تيهرت
خاتمة (1/375)
صفحة 376
من الكتاب
التاريخ الإسلامي زاخر بعمالقة الرجال في مختلف شؤون الحياة، شخصيات ممتازة قوية بإيمانها، معتزة بدينها، مخلصة لرسالتها والشخصيات التي نقدم لها هنا تعتبر من أعلام الإسلام، والحديث عنها ممتع، يؤكد لنا ما فعلته روح الإسلام في هؤلاء الأبطال، حيث دفعت بهم جميعا علماء وفقهاء ومحدثين ومفكرين، وقادة سياسيين إلى ساحات المجد والفخار، في البر والبحر يطلبون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين لم يقعدهم البحث والدرس، ولا غفلت قلوبهم، ولا ملت ألسنتهم من ذكر الله فجفوا المضاجع، ونفروا خفافاً وثقالا يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فالإسلام بتعاليمه السمحة ومبادئه الكريمة مزج الشعوب مزجاً عجباً، ودفع بكل مسلم من أي قطر لكي يؤدي رسالة دينه ورسالة الحق حيثما وجد وأنى استطاع لذلك سبيلا.
DAR ALHIKMA
Publishing and Distribution
88 Chalton Street, London NW 1 1 HJ Tel: 44 (0) 20 7383 4037 Fax: 44 (0) 20 7383 0116 Email: al_hikma_uk@yahoo.co.uk
Web site: www.hikma.co.uk (1/376)