صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه - سير وتراجم - تاريخ
------------------------------------------
العنوان: الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه 45-145ه
المؤلف: مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي
[تقديم]: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: مطابع الوفاء
مكان النشر: المنصورة
تاريخ النشر: 1413ه/ 1993م
الطبعة: 1
أصله: أطروحة دكتوراه
الكلمات الدالة: أئمة المذهب الإباضي، الإمام أبو عبيدة مسلم، المذهب الإباضي
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=143&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/114
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 شعبان 1446ه/ 04 - شهر 02 - 2025م. الإمام
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي
45 - 145ھ
إعداد
مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي
مدرس بجامعة السلطان قابوس
سلطنة عمان
1412 هـ / 1992 م (1/1)
صفحة 2
كافة حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1413 هـ 1993 م (1/2)
صفحة 3
كراية
ابو مسارة إلى ك القيمى
وَفِتْهُهُ
45 - 145 هـ
إعداد
مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدى
مدرس بجَامِعَة السلطان قابوس سَلْطَنة عُمان
1412 هـ ـ 1992 م (1/3)
صفحة 4
*
الإهداء
أهدى هذا الكتاب إلى أساتذتى الكرام.
وإلى كل مسلم غيور على الدعوة الإسلامية يحب أن يقتدى بالسلف الصالح من هذه الأمة المسلمة.
وإلى جميع من مد لى يد العون والمساعدة على إخراجه إلى حيز الوجود. (1/5)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا بنبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد.
فقد عرض على الشيخ الفاضل مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي أطروحته المباركة وبحثه القيم الذى قدمه بالجامعة الزيتونية بالجمهورية التونسية، لنيل شهادة الدكتوراة. وموضوع هذه البحث القيم: «الإمام أبو عبيدة وفقهه» وهو بحث قويم في حياة إمام عظيم، أجل إمام للفرقة المرضية، أهل الدعوة الأباضية بعد إمامهم الكبير التابعي الشهير التقى الوفي جابر بن زيد العماني رضى الله عنهما جميعاً، فقد جاء بحث الشيخ المبارك مستوفيا لحياة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي مستوفيا لجوانب فقهه، ومشايخه الذين تتلمذ عليهم، وتلاميذه الذين حملوا عنه العلم إلى عمان واليمن والمغرب، وفي سعة علمه، وعمقه في تفهم معانى الشريعة وأسرارها، واستنباط الأحكام من أدلتها، وفيما خالف فيه شيخه الإمام جابر بن زيد. وما خالفه فيه غيره. وفي اهتمامه بنشر الدعوة فى ذلك الوقت الحرج الذي يلقى فيه أشد المضائقة من يطالب السلطة بتطبيق الإسلام الصحيح، جاء البحث مستوفيا لهذه المناحى كلها وملما بأكثر من ذلك جزى الله الباحث المبارك خير الجزاء، وجعل عمله هذا في ميزان حسناته، وأثابه عليه مغفرته إنه کريم رحيم. فهو وبحثه والإمام. كما أصفهم بمنظوم الكلام:
بحث المبارك وافانا بتبيان
مرصع السبك من در وعقيان
وافي فوفي بما للحير سيدنا
أبي عبيدة ذى التحرير والشان
هو التميمي بحر العلم عمدتنا جم المعارف أصل النهضة الباني
التابعي لقى من صحب أحمد من
إذا فمسلمنا الحبر الرضى يُرى
قرت به العين في تحرير برهان
مع جابر تابعي صحب بإحسان
V (1/7)
صفحة 6
ما جاملا أحداً في دينهم أبداً ما داهنا
لك وسلطان
سارا على نهج خير الخلق واتخذا
قواعد الدين من هدي وقرآن
من هدى أحمد والصحب الكرام لهم مآخذ الحق أهل الفضل والشان
صلى عليه إلهي ما سعى أحد
وآله وعلى الأصحاب قاطبة
لأخذ علم بتحرير وإتقان
والتابعين لهم في فضل بنيان
سعيد بن خلف بن محمد الخروصي
في 24 القعدة 1412 هـ 26/ 5 / 1992 م (1/8)
صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد و على آله وصحبه ومن والاه.
وبعد.
وقد
كان
فإن الفقه في دين الله لمن أسنى المطالب وأغلى المكاسب لأن إحسان العبادة مرهون به و سلامة الدنيا والآخرة معقودة عليه، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله: «من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين» وقد أولى الراسخون في العلم هذا الجانب في العلوم ومعظم عنايتهم، فكان علم الفقه ثروة هائلة لا تضارعها ثروة علمية أخرى، وذلك لاتساع مباحثه، وأمثاله ومصادره وكثرة موارده ومتانة قواعده وتشعب فروعه. القدح المعلى في هذه العلم الجليل بعد رسول الله له الصحابته الكرام رضوان الله عليهم، فقد كانوا متميزين بما اختصهم الله به من شرف صحبة خير الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، ومهيئين لأن يكونوا حملة رسالته إلى أمته، فكانوا أنور بصيرة، وأصفى ذهنا، وأوسع أفقًا، فاستطاعوا أن يقودوا العالم إلى طريق الهدى وصراط الحق وأن يحكموه بما عنده من ال الفقه الواسع حكما ربانيا تتقاصر دونه ملكات البشر، وقد استجد في عصرهم كثير من القضايا التي لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلوا عويصها وأوسعوها بحثًا بما كان عندهم من! ثم جاء دور التابعين بإحسان، فأخذت دائرة الفقه تتوسع باتساع القضايا التي يغرزها احتكاك الناس بعضهم ببعض وبدأ اختلاف الفقهاء يتوسع أكثر مما كان بين الصحابة رضوان الله عليهم، وبدأت كل مدرسة من مدارس الفقه تتطبع بطابع خاص تتميز به، كمدرسة أهل الحديث في الحجاز ومدرسة أصحاب الرأى في العراق، وكان لمدرسة الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدى رضى الله عنه ما يميزها بين المدارس إذ جمعت في فقهها بين الرواية والدراية فلم توفر لأحد الجانبين على حساب الآخر، وكان من أبرز من كونته هذه المدرسة ذلك العلامة العليم القائد الملهم العملاق أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء، وهو تابعى تلقى العلم عن جابر وغيره من التابعين، كما تلقاه عمن
الفقه الواسع. (1/9)
صفحة 8
?
أدركه من الصحابة، وكان جامعاً بين اجتهاد الفقيه الراسخ في العلم وسياسة القائد
المحنك.
وقد عنى ببحث تراثه الفقهى ودراسة شخصيته الفذة أخونا الفاضل الشيخ مبارك بن عبد الله الراشدى فى هذه الأطروحة التي تقدم بها إلى الجامعة الزيتونية بتونس، وهى بعنوان: «الإمام أبو عبيدة التميمي وفقهه».
وإذا كانت هذه الدراسة بكراً فى موضوعها فإنها لتدل على ما قام به صاحبها في عمل وبذله من جهد، فجزاه الله خيراً ونفع بما قدم المسلمين وألهم غيره السير في منهاجه، فإلى طلبة العلم هذا الكنز الفقهي الواسع.
والله ولي التوفيق!!
أحمد بن حمد الخليلي مسقط ـ 19 ربيع الثاني 1413 هـ (1/10)
صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذى شرف العلم واشتقه من اسمه العليم، ورفع قدر العلماء وقرن ذكرهم بذكره وذكر ملائكته ورسوله الكريم، إذ قال: وشهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام (1)، وقال ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (2)، وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله فقال: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) (3).
والصلاة والسلام على إمام العلماء وخير من فى الأرض والسماء سيدنا محمد وآله وصحبه الذين جاهدوا في سبيل ربهم حق جهاده وأبصروا نور الله فدعوا الناس إليه وسلم
تسليما. أما بعد:
فهذا بحث عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي قمت بعمله أيام كنت ملتزماً بالدراسة في تونس بالجامعة الزيتونية وبعد مناقشته نلت عليه شهادة الدكتوراه الحلقة الثالثة - (ماجستير (على نظام تلك البلد بدرجة امتياز، وها أنا ذا قمت بطبعه ونشره ابتغاء ما عند الله ورغبة في الاستفادة العلمية منه، وذلك بعد أن أشار بذلك من عزت على مخالفته من مشايخي.
وإنني أقر بالتقصير الناتج عن القصور في الوفاء بحق هذا الإمام ولكنها محاولة على طريق البحث وجهد مقل يطلب من ا الله الزيادة والتوفيق ويصدق على قول القائل:
(1) آل عمران: 18، 19.
(2) النساء: 83.
(3) النساء: 59.
11 (1/11)
صفحة 10
إذا جهل الإنسان تحقيق أمره
فكيف بتحقيق الأمور البعيدة
فيا عجبا للمرء يجهل نفسه
ويطمع في فهم الأمور الغريبة
وأسأل الله الكريم أن يغفر لى زلاتى وأن يقبل عثراتى وأن يوفقني لما يحب ويرضى،
إنه قريب مجيب.
مبارك بن عبد الله الراشدي
سلطنة عمان
12 (1/12)
صفحة 11
رسالة أبى بلال مرداس بن حدير رحمه الله، واسم أمه أدبة
لأصحابه جوابًا لهم حين سألوه عن سبب خروجه من البصرة عام 61 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم ...
أما بعد:
إلى من بلغه كتابنا هذا من المسلمين سلام عليكم فإنى أحمده إليكم الذي لا إله إلا هو الذي يكرم بطاعته وليه و فإن الله تعالى بعث المرسلين بدعوته إلى كلمة واحدة فبلغها المرسلون قدمهم بأن يعبدوه وحده ولا تجعل له أنداداً وأن يخلص له الذين أرسلهم بالكتاب ليحكم بين الناس فيما أنزل من كتابه على رسوله: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون من الآية.
فإنا ندعو خصماءنا إلى كتاب الله تعالى ليحكم بيننا وبينهم في الله وإنما نختلف نحن وهم في حق السمع والطاعة حتى يدعوه الله وهو الذي نختصم فيه هذه الأيام حين بدلوا كتاب الله وسنة رسوله التي يعرفها المؤمنين بالقرآن وفيما كنتم تعرفون. ومن سنن العدل أبدلها القادة. حين اتبعوا أهواءهم فتركوا حكم الله فقالوا لنا على ذلك الطاعة لله في حكم القرآن وقد أنزل فيه: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فالله الله يا عباد الله لا تظاهروا على ربكم عصاته، فإن الكافر على ربه ظهير، والله اشترى منكم أنفسكم وأموالكم فإن كنتم مؤمنين بالجنة أن تبصروا فله الطاعة وعليه الثمن وانظروا عباد الله على ما أنتم عليه ببيعكم الذي بايعتكم في الله بها، واعلموا أن الله ليس بغافل عن حقه حين عصي و كفر بآياته، واستحل حرامه وحرم حلاله ونقض عهده وقال: أوفوا بعهدى أوف بعهدكم الآية، فالله الله عباد الله لا توجهوا حق الله عليكم الآثم الكفور فقد نهاكم أن تطيعوا داعيا إلا سواه قد خالفت دعوته دعوة الله إن اتبعت دعوته تركت دعوة الله وإن اتبعت دعوة الله تركت دعوة الآثم والكفور.
13 (1/13)
صفحة 12
من رسائل وقع نسخها بجامع الماى على يد يوسف بن سمعود بن الحاج يونس الساطوري بجربة صدويكش.
نقلت هذه الوثيقة حسبما ذكرت أعلاه حرفًا بحرف من غير تبديل ولا تغيير والظاهر أن فيها شيئًا من التحريف بأقلام النساخ على مر الأيام.
مبارك بن عبد الله الراشدي
13 (1/14)
صفحة 13
المقدمة
أولاً المصادر: إن المصادر القديمة التي وقعت بين يدى الباحث في تاريخ الدولة الإسلامية تتسم بالشمولية العامة؛ والاهتمام بالدولة وما يدور حولها، لا بالفرق والأشخاص، فمثلاً نجد تاريخ الطبرى، وتاريخ ابن الأثير، وتاريخ ابن خلدون منصباً على ذكر الخلفاء ومزاياهم وفتوحاتهم ومن يخرج عليهم على سبيل الانتقاد للمعارضين، ولم تحفل بتاريخ الفرق والشخصيات إلا عرضاً نادراً، وأستطيع القول: بأن جل هذه الكتب تهتم بالتاريخ السياسي العام فقط ولم تهتم بالتاريخ العلمى الخاص.
ولكن الباحث يستفيد من هذه الكتب فى الشواهد السياسية والاجتماعية لأى بحث علمى في تلك الفترة حتى عصر أولئك المؤلفين، إذ هي دليل شاهد على مجرى الحوادث التاريخية بلا جدال.
وأما التواريخ الأخرى التي ينتمى مؤلفوها إلى فرق معارضة فتجدها أكثر وضوحا في إظهار الصورة الحقيقية لواقع الدولة الإسلامية فى عصريها الأموى والعباسي، ومن هذه التواريخ تاريخ المسعودى، وتاريخ اليعقوبي وغيرها وكما قيل، (وبضدها تتميز الأشياء) وقد استفاد الباحث من هذه الكتب أيضا في مجال المقارنة والاستشهاد في مواضع الاختلاف بين هذه التواريخ كلها، وحاول الباحث أن يأخذ منها كلها بحذر. أما كتب التاريخ الأخرى التي تهتم بالبلدان كتاريخ الموصل وتاريخ حضرموت وتاريخ عمان وتاريخ مصر وتاريخ المغرب، وكتب الأدب والفنون كالعقد الفريد لابن
عبد ربه والبيان والتبيين للجاحظ، وكتب الشعر كمناقضات الفرزدق وجرير وقيس الرقيات وشعر من يسمون بالخوارج وكالأغانى لأبي الفرج الأصفهاني والشعر والغناء
في مكة والمدينة لشوقي ضيف. وكتب تاريخ الفرق كتاريخ الشيعة وتاريخ الأباضية وتاريخ الخوارج وتاريخ القدرية والمعتزلة وغيرها من الفرق فمعظم هذه الكتب تبين بوضوح أكثر حال المعاناة التي يعاني منها المسلمون من جراء الافتراق الذى حصل للأمة الإسلامية منذ عهدها الأول ولا زالت تتجرع مرارته حتى الآن. (1/15)
صفحة 14
وانصهرت تلك الخلافات الدائرة بين المسلمين لتفرز وجود المذاهب الإسلامية الموجودة اليوم والمعدوم منها، وانعكس ذلك على أمور العقيدة والفقه وتطبيقاته فصار لكل مذهب مؤيدوه ومؤرخوه ومناهضوه، إلا أن بعض الفرق لم تهتم بتاريخها بنفسها رغبة منها عن ذلك إلى ما هو أهم، أو قد يكون بعض أفرادها اهتم بذلك ولكن المعارضين لها أتلفوا ذلك عند الغلبة عليها بصب كأس الانتقام على تراثها.
ما
إلا أنه في العصر الحديث ظهرت كتابات تهتم نوعاً ما بتاريخ هذه الفرق المغمورة كالأباضية مثلاً، وأوضحت معالم عقيدتها وفقهها، وسواء من هذه الكتابات هو من نتاج المستشرقين أو من نتاج المسلمين أنفسهم، ومن المسلمين من هو من تلك الفرقة، ومنهم من هو من غيرها وقد تعوز البعض منهم الدقة وعدم الاطلاع في بعض الأحيان والموضوعية في أحيان أخرى حاشا من اطلع وقرأ تاريخ الفرق والشخصيات من نتاجها بنفسها فأنصف في حقها.
ويرى الباحث أن أخذ تاريخ كل أمة من نتاجها الموجود الذي كتبته عن نفسها بنفسها أولى عن الأخذ من نتاج غيرها، ذلك لأن أهل كل بيت أدرى بما فيه، وكما قيل: أهل مكة أدرى بشعابها، ولا يجوز توجيه اللوم والشتم على فرقة من الفرق ولا
شخصية
من
كتب مناهضيها.
الأخذ شخصياتها بسبب من فحاول الباحث أن يبذل ما في وسعه في التوفيق بين هذه الكتابات والاستفادة
منها والجمع بين الموجود في كتب التاريخ وتضييق شقته
المتناقضات وترجيح بعضها ليسهم ذلك فى تخفيف حدة الخلاف
ثانياً سبب اختيار البحث عن شخصية الإمام أبي عبيدة:
أ ـ سبب الاختيار:
من
من
إن شخصيات الصحابة والتابعين الذين بلغوا رسالة الإسلام إلى السواد الأعظم الأمة لمما يجب الاهتمام به، ذلك لأن الواجب الاعتراف بفضلهم والتنويه بحقهم، فهم الذين صنعوا تاريخ الإسلام وأظهروه على حقيقته، فبينما الناس يتهافتون على الدنيا وجمع حطامها كانوا هم يتهافتون على المساجد لعقد حلقات العلم وإيصال دعوة الإسلام وترسيخ مبادئه في قلوب الناس، فغرسوا الروح في الجسم ووجهوا الناس إلى الطريق المستقيم وجاهدوا في سبيل ربهم بالسيف والقلم واللسان
? ? (1/16)
صفحة 15
حتى أتاهم اليقين، فعاشوا عيشة الروح لا عيشة الجسد وكابدوا الأذى في سبيل ذلك والصمود عليه، وقد حظيت أكثر الشخصيات الإسلامية من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وخاصة من اعتنى بالحديث منهم بالبيان عنه من قبل المهتمين بالكتابة عن طبقات الرواة والمحدثين، وطبقات أصحاب الفرق الإسلامية عامة، فمنهم من أفرد بكتاب مستقل لبيان مقامه وإظهار ومنهم من
ذكره ضمن طبقة الطبقات
مكانته
من
كان
وقد لفت نظري في السنوات الأخيرة ما تقوم به بعض الجامعات العلمية من إبراز الشخصيات التاريخية العلمية كجامعة الأزهر، وجامعة بغداد، والجامعة الزيتونية للشريعة وأصول الدين، فاطلعت على عناوين كثيرة لبحوث كثيرة تقدم للمناقشة في هذا المضمار، وهذا في حد ذاته عمل علمي هادف إلى إبراز أعلام الإسلام الذين يشار إليهم بالبنان الذين من حقهم أن يخلد ذكرهم ويتبع أثرهم
-
فرأيت ـ وأنا منتظم في سلك من يطلب منهم بحث بالجامعة الزيتونية ـ أن من هؤلاء الأعلام ـ خاصة وأنا في تخصص فقهى –
أخذوا هذا المنهج فأختار علماً لأظهر تكوينه العلمى ومكانته التاريخية من جهة، ورسوخ الفقه قدمه في منهجه ومأخذه الفقهي وطريقته في التطبيق من جهة أخرى.
وسمو
فتقدمت بطلبي إلى المجلس العلمى الأكاديمي (لجنة الأطاريح) بهذه الجامعة العريقة التي ما زالت ولا تزال تؤدى دورها المطلوب منها فى احتضان صنوف المعرفة الإسلامية عامة ببركة القائمين عليها والمشجعين لها فحظى طلبى بالموافقة والحمد لله ب ـ لماذا أبو عبيدة بالذات:
عندما يبحث شخص ما في شخصيات التاريخ العلمي والاجتماعي يجد الكتاب قد كتبوا عنه باستفاضة فيجد بغيته ويكتفى بذلك عن مؤنة البحث والعناء، ولكنه قد يبحث عن شخصية لها شهرتها التاريخية والعلمية ولكنه لا يجد ما يكفيه ويرفع عنه العبء إلا متفرقات هنا وهناك، مما يستوقف القارئ ويجعله يتساءل في نفسه: لماذا هذه الشخصية مغمورة ولم يعتن بها أحد من الباحثين فيبين مكانتها ودورها في الدعوة وتاريخ الإسلام؟
1 ـ ومن هذه الشخصيات شخصية الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي
17 (1/17)
صفحة 16
التابعي الشهير عند الأباضية، فمع أنه مشهور عندهم ولكنه لم يخصص ببحث مستقل عدا بعض الصفحات في كتب الطبقات الأباضية، أو الإشارات في كتب غيرهم، وعدم ذكره أصلاً في كتب المحدثين والرواة مما يستوقف الباحث وطالب العلم ليعرف شخصية هذا الإمام فيحدد هويته الإسلامية ومقدرته العلمية هذا
ناحية.
من
بين
2 ـ ومن ناحية أخرى فإنك تجد ذكر الإمام جابر بن زيد (أبي الشعثاء) مستفيضاً كتب التاريخ والطبقات، وهو شيخ أبي عبيدة واعتنى أحد الباحثين وهو عمر مسعود أبو القاسم بالكتابة عن الإمام الربيع بن حبيب تلميذ الإمام أبي عبيدة وراوي الحديث عنه في أطروحة ماجستير قدمها إلى جامعة الفاتح بليبيا ولم يحظ الإمام أبو عبيدة بمن يبحث عنه فسقط من وسط السلسلة: مما شجعني على القيام بهذا البحث عنه
سألت
ـ علاوة على ذلك فقد بحثت عما إذا كان قد كتب عنه في عمان والعراق أو المغرب ليبيا وتونس والجزائر) مدير جامعة قسنطينة بالجزائر قدماً الكتابة عنه وشجعنى فى نفس الوقت على المضى عن
علمه
، حتى
فأجابني بعدم نحو هذا العمل، وراسلت الدكتور عوض خليفات أستاذ التاريخ بجامعة عمان، ووزير الشباب حالياً بالمملكة الأردنية الهاشمية ـ الذي يعتبر من أحسن الباحثين عن تاريخ الأباضية الأول - فشجعني على الكتابة عن أبي عبيدة أيضاً، كما حصلت على التشجيع أيضاً من مشايخ الأباضية بعمان أمثال الشيخ أحمد حمد الخليلي، والشيخ سالم بن حمد الحارثي وغيرهما، ومن في تونس أمثال الشيخ الصادق بن مرزوق، والشيخ فرحات الجعبيرى، ومن الجزائر أمثال مشايخ معهد الحياة جميعاً وغيرهم فزاد اطمئناني على طراوة البحث
جـ ـ الصعوبات التي عانى منها الباحث:
-
بن
تلك الصعوبات التي عانيت منها وكلها
لا أنسى ـ وأنا أذكر بداية البحث تتركز حول المادة التاريخية التي أستقى منها معلومات البحث، وهذا هو السبب الرئيسي الذي جعل الباحثين قبلي يحجمون عن الكتابة عن أبي عبيدة كما يعاني
غيري في بحوثهم عن الشخصيات المغمورة.
18 (1/18)
صفحة 17
مما كلفني السفر إلى الجزائر (ميزاب) موطن الأباضية حتى وصلت وارجلان
الموطن الثاني لهم بعد تيهرت (مقر الإمامة الرسمية قديماً) وإلى القاهرة وإلى سوريا، وبالطبع إلى جربة فقد سرت إليها ثلاث مرات، فضلاً عن تونس العاصمة التي أنا مستضيف فيها وعن عمان التى هى بلدى الأصلى، فحاولت من كل هذه الأماكن الحصول على ما يمت إلى ذكر الإمام أبي عبيدة بصلة ولم أرجع خائباً ـ والحمد لله ـ من رحلاتى عن التوصل إلى ما يعينني على البحث.
-
كما أنني قمت بمراسلة الدكتور عوض خليفات بالأردن، والشيخ سالم الحارثي والشيخ يحيى النبهاني بالقاهرة، والشيخ الجعبيري بتونس ـ وغيرهم
بعمان، للاستفسار والاستفادة
کتاب
ولا أنسى التشجيع الذي منحنيه الدكتور الأستاذ المشرف عبد الله الأوصيف عميد الكلية الزيتونية سابقاً والأستاذ في الجامعة نفسها الآن وما قام به معى من عمل جاد وإشرف متواصل حتى خرج البحث في صورته التي ترونها الآن بين أيديكم. وتجدر الإشارة إلى أن الاستفادة الرئيسية في صلب البحث كانت من التاريخ الأباضي الذي كتبه الأباضية أنفسهم سواء منه ما كان في التاريخ أو العقائد أو الفقه، وبالتالي ـ كذلك ما كتبه الباحثون عن الأباضية مما يوضح الواقع الحقيقي عنهم، سواء من الكتب القديمة كابن الصغير المالكي وما كتب عن الدولة الرستمية بالمغرب، أو الحديثة كنشأة الحركة الأباضية لعوض خليفات الأردني، والحركة الأباضية في المشرق العربي المهدي طالب هاشم العراقي، ومن هم الأباضية لعمربا
السنغالي وغيرهم.
هذا
وكم حاولت مع الأستاذ المشرف ـ اختصار البحث وتنظيمه وتعديل فصوله
ومباحثه إلا أنه كلما حاولنا حذف شيء وجدنا أنفسنا إلى ذكره أحوج.
وقد يترآى للقارئ تكرار فى بعض الفقرات إلا أنه بعدما يعيد النظر فيه يجد أن ذكر الفقرة في مبحث تتعلق بموضوع يختلف من وجه عما يراد بها في مبحث آخر، يعود إلى ندرة المادة وشحاحة المصادر فليعذر الباحث في ذلك
وذلك كله
ومع أنني اعتمدت على ما ذكرت آنفاً من المصادر إلا أنني لم أستغن عن الأخذ من كتب التاريخ العام والطبقات والتاريخ الخاص، وكتب العقائد الأخرى مع
19 (1/19)
صفحة 18
ما استطعت عليه من البحوث العلمية الحديثة.
ولا أدعى الوصول إلى الكمال فالكمال صفات الله من
وحده، ولا إلى بلوغ
يسهم
الذروة فى البحث العلمى فذلك أنا بعيد منه، ولكنها محاولة باحث أحب أن في نشر العلم وتأدية بعض حقوقه، وأسأل الله عز وجل أن لا يؤاخذني بما أخطأت ولا ما نسيت مما يجب على عمله في هذا البحث وغيره، وأتضرع إليه أن يلهمني رشدى ويسدد خطاى، ويجعل عملى هذا نافعاً للمسلمين وخالصاً لوجهه الكريم إنه على ما يشاء قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
الباحث: مبارك بن عبد الله الراشدي
20
من
سلطنة عمان (1/20)
صفحة 19
الباب الأول
شخصية الإمام أبو عبيدة
المبحث الأول: نشأة الإمام أبو عبيدة.
المبحث الثاني: عصر الإمام السياسي والاجتماعي
والاقتصادي.
المبحث الثالث: الوسط الفكري في
عصر الإمام أبو عبيدة.
21 (1/21)
صفحة 20
المبحث الأول
نشأة الإمام أبو عبيدة
23 (1/23)
صفحة 21
المطلب الأول ولادة الإمام أبي عبيدة ونسبه:
هو
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة البصرى التميمى بالولاء (1)، إذ لم يكن أصيلاً في بني تميم (2)، وإنما هو مولى فيهم، إذ ولد فيهم أو آل إليهم فنسب إليهم، وكان مولى لعروة بن أدية التميمي، أخى مرداس بن أدية (3)، ولد في البصرة ونشأ وعاش فيها، ويقال: أن أبا عبيدة كان زنجياً أسود اللون، أعور، فقيراً، يقتات بعمل السعف يصنع منها قفافا ولذلك كان يلقب بالقفاف (4)
(1) هو غير معمر بن المثنى (أبو عبيدة) لأن معمر بن المثنى نحوى عاش فى زمان المأمون وهارون الرشيد، واستقدمه هارون الرشيد عام 188 هـ إلى بغداد، وهو عالم بالأدب واللغة، وكان أباضياً ولكنه تيمى بالولاء، وليس تميمياً، وله مؤلفات عدة وكان عالماً واسع المعرفة، وقد ولد ومات بالبصرة وقيل: إنه صفرى وليس أباضياً، أما الإمام أبو عبيدة فهو في عصر الأمويين وصدر الدولة العباسية، انظر عن معمر بن المثنى، دائرة المعارف الإسلامية: 476/ 8، الزركلي - الأعلام، 272/ 7 و مراجعه. (2) تميم قبيلة عظيمة من قبائل العرب من ولد نزار، وهو تميم بن الأدرم بن غالب بن فهر بن مالك بن النظر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو أخو جد القرشيين الذين هم نسل لؤى بن غالب، وتميم قبيلة واسعة موطنها تهامة واليمن، ثم سكنوا البصرة بعد تمصير عمر لها والكوفة ولهم في البصر حيان، ورئيسهم في عهد عمر بن الخطاب الأحنف بن قيس التميمي، وقد أبليت قبيلة تميم في الإسلام بلاء حسناً و شاركت مشاركة فعالة في أكثر الفتوح في عهد عمر وغيره، و، وألحقهم عمر بالعطاء بطلب من الأحنف وأجرى لهم نهراً يشربون منه، وكان يحسب لهم في البصرة ألف حساب، وفيهم الرجال الشجعان والفقاء والخطباء، فمنهم عبد الله بن وهب الراسبي إمام أهل النهروان، وأصله من عمان كما في الطبقات، وجل أصحابه ومنهم أبو بلال مرداس وأخوه عروة اللذان قتلهما عبيد الله بن زياد، ومنهم عبد الله بن أباض المرى التميمي، ومنهم الأحنف كما قدمنا، ومنهم الخطباء، يقول الجاحظ فيهم بعد ما ذكر أياد وخطبهم: (وكذلك ليس لأحد في ذلك مثل ما لبني تميم لأن النبي عليه السلام لما سأل عمرو بن ا الأهتم: هتم عن الزبرقان بن بدر قال: مانع الحوزته مطاع في أذينه، فقال الزبرقان: أما إنه قد علم أكثر مما قال ولكنه حسدنى شرفى، فقال عمرو: أما لئن قال ما قال فو الله ما علمته إلا ضيق الصدر زمر المروءة لئيم الخال حديث الغنى، فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول: ورأى الإنكار في عيني رسول الله قال يا رسول الله: رضيت. فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت ما علمت، وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الآخرة، فقال رسول الله الله عند ذلك: إن من البيان لسحراً، وقال فيهم معاوية بن أبي سفيان: لقد أوتيت تميم الحكمة مع رقة حواشى الكلم. انظر: الجاحظ: البيان والتبيين: 41/ 1 - 42، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب: 1 - 12/ 2، البلاذري - فتوح: 350 - 351، ياقوت - معجم: 435/ 1 - 436 (3) سيأتي التعريف به في الملاحق. (4) أبو الفرج الأصبهاني - الأغاني: 97/ 20، الجاحظ - البيان والتبيين: 230/ 1، الشماخي – سير التاريخ: 78/ 1، خميس الرستاقي الشقصى - منهج الطالبين: 620/ 1، ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 130، سالم الحارثي ـ العقود الفضية ـ 139، عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 103، أطفيش ـ المدونة الكبرى ـ الملحق: 308، دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 150/ 31، سالم بن حمود - إزالة الوعثاء: 33.
25 (1/25)
صفحة 22
وبالنسبة لتاريخ ميلاده فلم نعثر له فى الواقع على تاريخ محدد ومنضبط ومتفق عليه، بل كثيراً ما نلحظ فيما توافر لدينا من معلومات، عدم إعطاء هذا الأمر مكانته من البحث على أهميته، إلا أن صاحب العقود الفضية يذكر: أن أبا عبيدة كان جالساً في مجلس فيه أبو بلال مرداس بن حدير، فدخل عليه طواف بن أصحابه وهم يبكون، أسفاً على ما وقع منهم من قتلهم للموالى فطردوهم (2)
المعلا (1)
و بعض
فإذا كانت وفاة أبى بلال مرداس بن حدير سنة واحد وستين هجرية وذلك بمقتله على يد عباد بن أخضر المازني (61 هـ) في موقعة آسك بالأهواز (3) في زمن ولاية الله زياد (67 هـ)، وقد حضر الإمام أبو عبيدة مجلسه هذا، فإنه يمكن القول بن أن ولادته كانت في حدود سنة 45 هـ أو ما قبلها بقليل، وذلك أن يتصور يجالس أبو عبيدة مرداساً وعمره لا يتجاوز الخامسة عشر من عمره وهو سن التمييز
عبيد
والمجالسة (4).
لأنه لا
وهذا لا يبعد كثيراً عما ذكره صاحب العقود الفضية، من أنه قد (ثبت وجوده أبا عبيدة عام ثمانية وخمسين للهجرة) (5) في دولة معاوية بن أبي سفيان (60 هـ)، ويحتمل أن يكون عمره آنذاك قرابة الثلاثة عشر عاماً، على ما ذهبنا إليه من إمكانية احتمال ولادته عام خمسة وأربعين هجرية.
وقد روى أنه نصب نفسه للتعلم أربعين عاماً وأنه انتصب للتعليم أربعين عاماً أو تزيد، وأنه تولى إمامة أهل الدعوة بعد جابر وذلك بعد خروجه من سجن الحجاج بن يوسف (95 هـ) عام 95 هـ، فتكون بداية دخوله في مرحلة التعلم عام 55 هـ وعمره آنذاك ـ عشر سنوات تقريباً، فيتحقق أن ولادته - كما قلنا ـ عام 45 للهجرة. و كنى الإمام أبو عبيدة بابنته عبيدة التي أخذت العلم عن والدها فرويت عنها آثار
-
(1) طواف بن المعلا هو الذي خرج على ابن زياد في سبعين رجلاً فقتلهم ابن زياد عن آخرهم بالبصرة عام ثمانية وخمسين للهجرة، انظر ابن الأثير ـ تاريخ: 254/ 3، خليفات ـ نشأة الحركة: 68.
-
(2) انظر: سالم الحارثي - العقود الفضية: 108 – 109.
(3) موضع بالعراق.
(4) وذلك لأن طوافاً قد خرج عام 58 هـ فتكون مجالسة الإمام في حدود عام 57 هـ لذكر طواف وأصحابه بمجلس
مرداس بن حدير. انظر: ابن الأثير تاريخ: 254/ 3.
-
(5) سالم الحارثي - العقود الفضية: 139.
26 (1/26)
صفحة 23
في كتب الفقه الأباضى سواء فيما يتعلق بأخبار النساء (1) أو غير ذلك، فمثال ما يتعلق بالنساء ما رواه العلامة السالمي في المعارج عن الأثر أن جهانة بنت عبيدة حدثت عن أمها عبيدة بنت أبي عبيدة: أنها كانت تقعد في ولادة بنيها الذكور خمسين يوماً، وفي ولادة بناتها ثلاثة أشهر، فقالت عبيدة: فسألت والدى أبا عبيدة: فقال: ذلك جائز فاقعدى ثلاثة أشهر.
(Y).
(3)
عن
ومما ورد عنها مما عدا ذلك، ما حفظ عنها العلامة محمد بن محبوب جهانة أيضاً أن والدتها عبيدة بنت أبي عبيدة نذرت: أن قدم ابنها محمد لتعتكفن في كل جمعة في المسجد الجامع، فأمرها أبوها أن تعتكف فى مسجد الحى. وعلل محمد ابن محبوب بأنه لا يصلح لها إلا أن تعتكف في أقرب المساجد إليها المعمور
بالجماعات.
وكذلك حفظ أبو صفرة: فيما رواه صاحب بيان الشرع) عن جهانة بنت عبيدة بنت أبي عبيدة أنها نذرت أن تصلى في عدة مساجد في البصرة، فأخبرت أباها أبا عبيدة فأمرها أن تخرج إلى الجبان فتعمل مصلى تجعل أمامها أحجاراً أو عوداً ثم تصلى فيه ما جعلت على نفسها من الصلوات
فهذه الآثار دالة على أن الإمام إنما كنى بابنته ولعله لم يكن له ولد فيكنى به. وإذا كان الإمام أبو عبيدة تميمياً بالولاء كما ذكرنا، فإن أصله لم تبينه المصادر
(2) السالمي، معارج الآمال: 135/ 4.
(1) انظر: ن م ص 148. (3) انظر: ابن جعفر (أبو جابر) الجامع: 557/ 3 ومحمد هذا هو ابن محبوب بن الرحيل المكني بأبي سفيان، وكان محمد علامة زمانه في عمان، وهو الذى يطلق عليه في الأثر العماني أبو عبد الله، وكان من العلماء الأفذاذ، وله سيرة أرسلها إلى أهل المغرب وتوجد ضمن سير المسلمين، وتنسب إليه سيرة أخرى إليهم في سبعين جزءاً ولم تعثر عليها، وامتلأت كتب الأثر الأباضي بفقهه وعلمه وقد أخذ العلم عن والده هو وأخوته وأخذ عنه أولاده بشير ومجبر وعبد الله وغيرهم، وأسرة آل محبوب كلها أسرة علم، وعاصر محمد المذكور الإمام الصلت بن مالك بعمان ولكنه مات قبل الفتنة التي حدثت في زمان الصلت ومات عام 250 هـ. (4) انظر: محمد بن إبراهيم، بيان الشرع 11/ 250 ولكنه ورد مصحفاً إلى جهانة بنت أبي عبيدة كما ورد في غاية المطلوب للمالكي: 153 وأبو صفرة هو: عبد الملك بن صفرة عماني الأصل من تلاميذ الربيع ومن علماء عمان الأفذاذ في أوائل القرن الثالث الهجري، فقد عاصر العلامة محمد بن محبوب، ولعله أخذ أيضاً عن أبي سفيان (محبوب)، واعتني بروايات الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء، ويقول عمرو النامي:: أن نسخة منه بالبارونية بجربة وأخرى بدار الكتب بمصر والله أعلم بذلك، وقد تحصلت على نسخة البارونية وينسب إليه جامع لم نعثر عليه ولا نعرف تاريخ ولادته ولا تحديد سنة وفاته. انظر: ابن خلفون، أجوبة: هامش.
27 (1/27)
صفحة 24
والمراجع إلا ما ذكره صاحب كتاب الفكر الأباضي عن أنه كان أفريقى الأصل أسود البشرة (1).
عنه
أما عن زوجته فلم تعثر على شيء عنها سوى أن اسمها أم جعفر، وقد روت بعضاً من أحواله كقولها: صحبت أبا عبيدة في السفر غير مرة فلم أره يوتر إلا بركعة (2)، ولا ندرى هل أن جعفراً هذا هو ابن لأبي عبيدة هذا أم لغيره، ويمكن للباحث أن يتساءل: إذا كان ابنه فلماذا لم يكن به بدلاً من أن يكنى بابنته على عادة العرب إذ تكنى الرجل بابنه لا بابنته؟ والراجح أن جعفراً هذا ربيب لأبي عبيدة، فهو ابن لأم جعفر من زوج آخر قبل الإمام أبي عبيدة، فكنيت به دون أبي عبيدة، وقد يكون أم جعفر اسماً لزوجة أبي عبيدة من غير أن يكون هناك ابن اسمه جعفر والعرب يستعملون ذلك، ويبقى التساؤل مفتوحاً في هذا الموضوع.
أما
عن
منه
والد الإمام أبي عبيدة وهو أبو كريمة فيبدو أنه كان معاصراً للإمام أبى الشعثاء أو أكبر عنه كما أخذ عنه قليلاً وأخذ أبو عبيدة، وكان هو السبب في توجيه ابنه أبي عبيدة للتعلم والتلقى من أبى الشعثاء. وقد روى أبو كريمة والد أبي عبيدة جواباً عن أبى الشعثاء فيمن جعل ناقته هدياً لبيت الله، فقال له أبو الشعثاء: اهدها، فقال له: ماتت فقال: اهد مثلها (3).
فهذا دليل على اهتمام والد أبي عبيدة بالعلم والسؤال عنه، وأنه على اتصال بالإمام أبي الشعثاء (4)
أما عن مولاه عروة بن حدير التميمي، ويقال: عروة بن أدية وهى أمه أو جدته وعروة من بني ربيعة بن حنظلة، وهو أخو مرداس بن حدير، كان في جيش على في وقعة الجمل وصفين حتى قبل التحكيم فرفض التحكيم مع الرافضين، ولما جاء الأشعث ليرى الناس كتاب التحكيم، قال له: (ما هذه الدنية يا أشعث؟ وما هذا التحكيم؟ أشرط أوثق من شرط الله؟) (5)
(1) انظر: عمربا ـ الفكر الأباضي:: 113 ولعله اعتمد على ما ذكره دبوز في تاريخ المغرب الكبير: 3/ 150. (2) الديوان المعروض: 178، عامر بن خميس المالكي - غاية المطلوب: 120.
(3) انظر: جوابات الإمام أبى الشعثاء جابر بن زيد: 77. (4) ستأتى ترجمة أبى الشعثاء في مطلب «شيوخه من هذا المبح
(5) الدرجيني ـ طبقات: م/216.
28 (1/28)
صفحة 25
وحين لم يعبأ به الأشعث سل سيفه وقال: لا حكم إلا لله يا أشعث
عجز
بغلة الأشعث فكبت البغلة وسقط الأشعث، ونفرت اليمانية وكانوا جل أهل العسكر
فنهض الأحنف
بن قيس (72 هـ) وحارثة بن قدامة ونفر من بني تميم فسألوا الأشعث
الصفح عن عروة ففعل.
بن
قتلة عباد بن
أخضر
وهذا هو معنى ما يقال أن أول سيف سل من سيوف المحكمة هو سيف عروة بن أدية، واشترك في حرب النهروان ولكنه نجا فيمن نجا وسكن البصرة فلم يزل باقياً مدة خلافة معاوية بن أبي سفيان، حتى صار عبيد الله زياد يتتبع المازني الذي قتل مرداس بن حدير وأصحابه، هرب عروة إلى الكوفة ولجأ إلى العلاء ابن سوية المنقرى () فكان معه في سربه وذلك بعد ما طلبه عبيد الله بن أبي بكرة خليفة عبيد الله بن زياد على البصرة فكفله، فلما طلب ابن زياد من ابن أبي بكرة إحضار عروة قال له: لا أقدر عليه قال: إذا أقتلك به، فطلبه فوجده في سرب العلاء ابن سوية، فجيء به إلى ابن زياد فقرأوا عليه كتاباً أنه وجد في شرب فقال للكاتب: صحفت والله ولؤمت إنما هو في سرب العلاء بن سوية المنقرى ولوددت أنه ممن يشرب النبيذ، فلما أقيم عروة بين يدى عبيد الله حاوره في الكلام وبعد ذلك قال له: جهزت أخاك على فقال: والله لقد كنت به ظنيناً، وكان لي عزاً ولقد أردت له ما أريده لنفسي، فعزم عزماً فمضى عليه وما أحب لنفسي إلا المقام وترك الخروج قال له: أفأنت على رأيه: قال: كلنا نعبد رباً واحداً، قال: أما لأمثلن بك، قال: اختر لنفسك من القصاص ما شئت، فأمر به فقطعوا يديه ورجليه، ثم قال: كيف ترى؟ قال: أفسدت على دنياى وأفسدت عليك آخرتك، فأمر به فقتل ثم صلب على باب داره، ثم دعا مولاه فسأله عنه)
(1)
كان
فقال مولاه: أأطيل أم أختصر، فقال: بل اختصر، فقال: ما أتيت له بطعام في نهار قط، ولا فرشت له فراشاً بليل قط، وذكر الشماخي: أنه صلبه بعد ما قتله ثم رأى نوراً عليه فأنزله وأمر بدفنه فاستدعى مولاه وسأله. عنه بعد ذلك (2). وقيل أن ابن زياد خرج في رهان، فقال عروة: خمس كن في الأمم قبلنا ثم صرن فينا، تبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين وخصلتان لم يذكرهما أصحاب السير، فترك ابن زياد رهانه وطلبه،، ولعل هذا
(1) المبرد، الكامل: م/ 190–191. (2) الشماخي -.
سير
170/ 1:
هو
29 (1/29)
صفحة 26
السبب في. ابن زياد له
وكان قتله في عام 61 هـ أو 62 هـ في عهد يزيد بن معاوية (61 هـ) (1). ولا نعرف مولاه هذا هل هو والد أبي عبيدة أم لا؟ أم. هو أبو عبيدة ولكن ذلك مستبعد
ولا تسعفنا المصادر التاريخية عن التفاصيل في هذ الموضوع، وذلك لندرة المصادر وعدم اهتمام الناس بمثل هذه الأمور يومئذ، فأهل الدعوة يومئذ من المسلمين اهتموا بالمبادئ والأخلاق وإصلاح المجتمع أكثر مما اهتموا بالعناية بالشخصيات من حيث الولادة والوفاة إلى غير ذلك، بل إنك تجد تاريخ الوفاة أحياناً لبعض الشخصيات في التاريخ ولكنك لا تجد تاريخ الولادة.
المطلب الثاني شيوخ الإمام أبي عبيدة:
تمهيد:
أخذ الإمام أبو عبيدة العلم عن شيوخ أجلاء مثل صحار بن العباس العبدى وهو صحابي، وجابر بن زيد، وجعفر بن السماك، وهما من التابعين
وقد أدرك أبو عبيدة كثيراً ممن أخذ عنهم جابر واستقى من مناهلهم رضى الله عنهم جميعاً (2)، وعاصر كثيراً منهم، منهم أبو سعيد الخدرى (ت 74 هـ)، وأنس بن مالك (ت 93 هـ)، والبراء بن عازب ت 72 هـ، وجابر بن سمرة (ت 74 هـ)، وجابر بن عبد الله (ت 78 هـ). آخر الصحابة بالمدينة، ورافع بن خديج (ت 74 هـ)، والسائب بن يزيد (ت 92 هـ)، وسهل بن سعد الساعدى (ت 91 هـ)، وعبد الله بن الزبير (ت 73 هـ)، وعبد الله بن عباس (ت 68 هـ)، وعبد الله بن عمر (ت 74 هـ)، ووائلة بن الأسقع (ت 83 هـ)، وغيرهم كثير (3)
ولذلك فإن الإمام أبا عبيدة يعد من
التابعين
، لأنه.
من لقى بعض الصحابة وإن لم
(1) انظر: المبرد - الكامل: 134/ 2 - 192، الدرجيني - طبقات: 216/ 2، 224 وما بعدها، سير المسلمين: 508، الشماخي – سير: 65/ 1 وما بعدها، الزركلي ـ الأعلام: 246/ 4، اليعقوبي ـ تاريخ: 190/ 2، البلازري - الأنساب: 336/ 2، البرادي - الجواهر المنتقاة: 112، 167.
(2) انظر: الباروني - مختصر تاريخ الأباضية: 25، السالمي - جوهر النظام: 552، أطفيش، ملحق المدونة الكبرى لأبي غانم: 309/ 2، سالم الحارثي، العقود الفضية: 139.
(3) انظر: محمد محمد أبو زهو - دراسات في الحديث النبوي: 92 وما بعدها.
30 (1/30)
صفحة 27
يصحبه مدة طويلة، بل لا قاه وعاش في عصره فهو من التابعين حسب اصطلاح الباحثين في علوم الحديث، واشترط ابن حبان أن يكون هذا التابعي مميزاً عند لقياه للصحابي فلو كان صغيراً لا يضبط ما يسمعه فلا يعد من التابعين
(1)
ويقال أن أبا عبيدة أخذ عن جعفر بن السماك أكثر مما أخذه عن جابر، ولكن بما أن جابراً كان مشهوراً بين الأمة، فقد اشتهر أخذه عنه أكثر من شهرة أخذه عن جعفر، أضف إلى ذلك أن بعض ما أثر عن جابر في الحديث والفقه قد وصل إلينا وخصوصاً من روايات الإمام أبي عبيدة عنه، وصارت متداولة بين الناس (قال أبو سفيان ـ في
جعفر ـ: كان معلم أبي عبيدة الأكبر وما حفظ عنه أكثر مما حفظ عن جابر) (2). ويروى أن ضمام بن السائب (3) كان شيخاً للإمام أبي عبيدة، علماً بأن ضماما هذا كان قريناً للإمام أبي عبيدة وكلاهما أخذ عن جابر بن زيد، وروى أبو عبيدة عن ضمام حديثين فقط فيما جاء عنه في الجامع الصحيح: أولهما في نواقض الوضوء (4)، والثاني في باب الضيافة واليتيم (5)، على أن ضماماً كان شيخاً للربيع لا لأبي عبيدة (6)، ولذا لم نعثر على أثر عن الإمام أبي عبيدة عن ضمام إلا نادراً.
وكان لأبي عبيدة شيوخ كثيرون، ولكن لم تتوافر لدينا المعلومات الكافية عنهم، (وله شيوخ كثيرة وأكثر ما أخذ عن صحار بن العباس العبدي) (7)
وهنا ذكر السالمي: أن صحار بن العباس هو الذى أخذ عنه الإمام أبو عبيدة أكثر من غيره، فالآراء هنا متضاربة حول هذا الموضوع، ولعل هذه الرواية أرجح من غيرها باعتبار أن صحاراً صحابي، وكان بنو عبد القيس أقرب إلى تميم من الأزد في بادئ الأمر وتحالفوا ضد الأزد في بداية الأمر أيام معاوية (60 هـ)، وكانت مساكنهم قريبة من بعضها البعض في البصرة، بعكس تميم التي كان لها حيان مستقلان (8) وقد عول الإمام على الأخذ عن الصحابة أكثر من غيرهم، وأثر عنه قوله في هذا
(1) انظر: الأعظمي - الحديث والمحدثون: 172. (2) الشماخي - سير: 75/ 1. (3) ستأتي ترجمته في الملحق 2.
(5) انظر: ن م ص: 181
(6) انظر: السالمي - مقدمة الجامع الصحيح: 3. (7) السالمي - مقدمة الجامع الصحيح: 4. (8) انظر: الحموى ياقوت ـ معجم البلدان: 431/ 1
(4) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 34.
31 (1/31)
صفحة 28
الشأن (من لم يكن له أستاذ الصحابة فليس هو على شيء من الدين (1) وقد من الله من علينا بعبد الله بن عباس بن عبد المطلب عم رسول الله الله الله، وعبد بن مسعود
(32 هـ)، وعبد الله بن سلام (43 هـ)، وهم الراسخون في العلم وعلى آثارهم اقتفينا وعلى مناهجهم سلكنا) (2)
وبقولهم اقتدينا وعلى سيرتهم اعتمدنا
ويفهم من. هذا أنه لقى هؤلاء الثلاثة (3) وأخذ عنهم وتتبع آثارهم واقتدى بهم، ونعم من اقتدي بهم، ولكنه لعله يريد ابن عمر لا ابن سلام ولا ابن مسعود إذ توفوا
قبله والله أعلم بحقيقة الأمر.
ومع هذا فقد روى الإمام أبو عبيدة جملة أحاديث جملة عن
من الصحابة، تدل في مجموعها على لقياه بهم وأخذه عنهم، ولا ريب في ذلك فمواسم الحج كفيلة بالالتقاء بكثير من أهل العلم في زمانه من صحابة وغيرهم، سوى من كان منهم بالبصرة.
وقد جاء في الجامع الصحيح قوله: (سمعت ناساً من الصحابة يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حكم بين اثنين فكأنما، ذبح نفسه بغير سكين» (4)
وذكر صاحب الطبقات شيوخ الإمام أبي عبيدة في تعداد الطبقة الثانية وهى الخمسون الثانية من المائة الأولى، وهو تعداد طبيعي، إذ هم عاشوا فعلاً في هذه الحقبة من التاريخ (5)
(1) المقصود بذلك - بالطبع من كان في زمان الصحابة، وأما في زماننا فلا.
(2) سالم الحارثى - العقود الفضية: 139 - 140.
(3) يظهر أن رواية الإمام أبي عبيدة مسلم عن عبد الله بن مسعود (ت 32 هـ)، وعبد الله بن سلام (ت 43 هـ) رضي الله عنهما ليست رواية مباشرة، كما هو الحال عن ابن عباس وغيره ممن ذكر من الصحابة ممن تأخرت وفاتهم، ولكن قد تكون بواسطة بعض شيوخه كأبي الشعثاء وغيره، وذلك لأننا حققنا ولادته قبل وفاة ابن سلام و ابن مسعود فلينظر في ذلك.
انظر: عمر مسعود: الربيع محدثاً: 151، الديوان المعروض: 46.
-
(4) الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 157، وانظر: الصفحات 72، 81، 181، وانظر: أبو غانم – المدونة الكبرى: 256/ 2، أبو داود بلفظ من ولي القضاء كتاب الأقضية باب طلب القضاء: الترمذي: كتاب الأحكام ـ باب ما جاء عن رسول الله الله في القاضي: 298/ 3، و / 614، ابن ماجة: كتاب الأحكام ـ باب ذكر القضاة بلفظ: من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين: 774/ 2. (5) انظر: الدرجيني - طبقات: 7/ 1، سالم بن حمود السيابي - إزالة الوعثاء: 37.
32 (1/32)
صفحة 29
وهو
التأكد.
كما أثر عن الإمام أن العلم لا يؤخذ إلا من الثقات الصادقين لا من أهل البدع والزندقة والمخلطين (1)، وقد سئل: أرأيت من لا يحفظ الحديث عن رسول الله له ثقة أيؤ خذ عنه العلم؟ قال: سبحان الله وكل الناس يحفظون الحديث، بل يؤخذ الثقات ولو كانوا لا يعلمون حديثاً واحداً) (2) وكان شديد ا من النقل عن الصحابة، سواء بالرفع إلى النبي الله، أو من اجتهاد الصحابة أنفسهم فإذا كان قول الصحابي موافقاً للحق أخذ به وإلا فلا يأخذ به، وقد سئل ذات مرة عن ذلك فقيل له: أتعمل به إذا كان إنما رواه عن الصحابة؟ قال: إن عرفت، عملت به وإلا
العلم عن
فلا (3).
وكما قلنا سابقاً: فإنه لم تتوفر لدينا الأدلة الكافية والمعلومات الكاملة عن بقية شيوخه غير الثلاثة الذين ذكرهم من قبل، وهم: صحار وجعفر وجابر، وذكر صاحب منهج الطالبين (4): أن الإمام أبا عبيدة تتلمذ على عبد الله بن وهب الراسبي، وزيد بن صحوان العبدى (5)، ولكن يظهر للباحث أن هذا بعيد، وذلك لأن هذين الرجلين قتلا معاً في معركة النهروان (6) عام 39 هـ، وأبو عبيدة يومئذ غير موجود حسب تقديرنا، أما لو قال: عبد الله بن أباض التميمى (7) لكان من الصواب بمكان إذ هو من معاصريه مع أننا لم نعثر على نصوص أخرى تدل على بيان في هذا
الموضوع.
التابعين
(^)
ومن الجدير بالذكر أن الشماخي في السير ذكر الإمام أبا عبيدة في طبقة تابعي، مع أنه قد لقى جمعاً من الصحابة وأخذ عنهم كما قدمنا، ولعل الذي دعاه إلى هذا القول أن صاحب الطبقات جعل هذا الإمام في تعداد أصحاب الخمسين الأولى من المائة الثانية (9)، وذلك لا يضر، إذ ليس معنى جعله في هذه الطبقة باعتباره
(1) انظر: سالم الحارثي - العقود: 140. (2) سالم الحارثي - العقود: 140. (3) انظر: ن م والصفحة. . (4) انظر: الرستاقي الشقصى - منهج الطالبين: 640/ 1. (5) عبد الله بن وهب الراسبي التميمي إمام أهل النهروان يدعى ذو الثفنات لعلامات السجود في وجهه صحابي جليل
قتله علي بن أبي طالب وجيشه في. ركة النهروان وهو من أسلاف الأباضية البارزين. انظر عند الدرجيني ـ طبقات: 201/ 2 وأما زيد بن صحوان العبدى صحابي قتل في.
علماً وعملاً.
معر كة النهروان عام 39 هـ وكان من خيار الناس
(6) معركة النهروان هى التي دارت بين على والمعتزلين للتحكيم بموضع يقال له: النهروان بالعراق.
(7) ستأتي ترجمته في مشاهير الأباضية. (9) انظر: الدرجيني - طبقات: 238/ 2.
(8) انظر الشماخي - سير: 78/ 1
33 (1/33)
صفحة 30
أبرز من
كان فيها من الفقهاء أن يكون من تابعي التابعين، لأن تابع التابعين هو من لم يلق الصحابة إطلاقاً، فعند علماء الحديث هناك طبقة أخرى بينهما وهي ما بين كبار التابعين وتابعيهم أى صغار (التابعين فعلى أبعد تقدير نجعله من صغار التابعين إن لم يكن من
كبارهم.
ولنعد الآن إلى ذكر نبذة عن الشيوخ الثلاثة للإمام الذين اعتمدنا الكتابة عنهم وعولنا على ذكرهم، وهم الذين تردد ذكرهم في المصادر أنه أخذ عنهم، وكان لهم تأثيرهم المباشر والفعال على تكوين شخصية أبي عبيدة العلمية والفكرية، وهؤلاء هم: صحار بن العباس العبدى، وجعفر بن السماك العبدى، وجابر بن زيد الأزدى (1). أولاً صحار بن العباس العبدي:
(2)، وهو
من عبد القيس من عمان، وكان من الصحابة الذين شاركوا في الفتوح الذي حمل غنائم فتح کرمان و سجستان إلى الخليفة عمر بن ا الخطاب (3) ا وهو من شيوخ الإمام أبي عبيدة بل أكبر شيوخه (4)، وفى بعض المصادر العمانية ابن العبد وأنه من خراسان (5) وذكر ابن حجر عن البخارى أن له أخباراً مع معاوية بن أبي سفيان وكان بليغاً
(1) ستأتى ترجمة أخرى لهؤلاء الثلاثة في الباب الثاني لتأثيرهم عليه في الفقه بحيث لا تغنى هذه الترجمة عما كتب
هناك.
(2) ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة: 176/ 2 - 177 وقال: ابن شراحيل بن منقذ بن عمرو بن مرة العبدى، ويقال: اسمه صخر، وذكر السالمي عن الإمام أحمد أنه من الصحابة وأسند له بعض الأحاديث آنفاً، السالمي – شرح الجامع الصحيح: 606/ 3، السيابي - إزالة الوعثاء: 64.
(3) كتب الحكم بن عمر والتغلبي إلى عمر بن الخطاب بالفتح وأرسل إليه بالغنائم مع صحار العبدي وطلب رأيه في الفيلة التي غنموها، فلما قدم صحار المدينة سأله عن بكران وكانوا قد انتهوا إليها، فقال يا أمير المؤمنين: (هي أرض سهلها جبل وماؤها وشل وثمرها دقل وعدوها بطل وخيرها قليل وشرها طويل، والكثير منها قليل والقليل فيها ضائع، وما وراءها شر منها، فقال: أسجاع أنت أم مخبر؟ لا والله لا يغزوها جيش لي أبداً، وكتب إلي سهيل والحكم ابن عمرو أن لا يجوزن بكران أحد من جنودكما واقتصروا على ما دون النهر، وأمرهما ببيع الفيلة التي غنمها
- المسلمون ببلاد الإسلام، وقسم أثمانها على القائمين) ابن الأثير - الكامل في التاريخ: 23/ 3 - 24. (4) انظر: الشماخي - سير: 76/ 1، السير والجوابات: 291/ 1 - 292، خميس الشقصي الرستاقى - منهج الطالبين: 627/ 1، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 606/ 3، أطفيش ـ ملحق المدونة الكبرى لأبي غانم: 309/ 2، عمر مسعود ـ الربيع محدثاً: 199، الحارثي - العقود الفضية: 139، السيابي ـ طلقات المعهد
الرياضي: 23، إزالة الوعثاء: 37.
(5) انظر الرستاقى الشقصى - منهج الطالبين: 627/ 1.
34 (1/34)
صفحة 31
وكان بليغاً لسناً مطبوع البلاغة (1)، ويقول عنه ابن النديم: (أحد النسابين والخطباء في أيام معاوية بن أبي سفيان وله مع دغفل أخبار وكان صحار عثمانياً. من عبد القيس روى عن النبى الله حديثين أو ثلاثة وله من الكتب كتاب الأمثال (2) وهو أول من صنف في الأدب من الصحابة في صدر الإسلام (3) ومما يؤيد مكانته في الأدب ما ذكره صاحب العقد الفريد من محاورة معاوية له: (قال معاوية لصحار بن العباس العبدي: يا أزرق قال البازى أزرق، قال: يا أحمر قال الذهب أحمر، قال: ما هذه البلاغة فيكم عبد القيس؟ قال: شيء يختلج في صدورنا فتقذفه ألسنتنا كما يقذف البحر الزبد قال: فما البلاغة عندكم؟ قال: أن نقول فلا نخطئ ونجيب فلا
نبطئ) (4).
وكان
مع هذا فقيهاً بارعاً ومتكلماً مفحماً لأهل هذا الفن يقول عنه الدرجيني: (ذو المآثر الأثيرة ومن كان يدعو إلى الله على بصيرة، حمل فقهاً جزيلاً وكان باعه في العقائد طويلاً وكان أحد الزهاد وأحد الزاهدين عن معتقد فاسدى الاعتقاد) (5).
وله محاورات مع القدرية إذ كان يقول لتلاميذه فيهم: كلموهم في العلم فإن أقروا به نقضوا أقوالهم وإن أنكروه كفروا (6).
وهو من العلماء العاملين الذين عاصروا الإمام جابر بن زيد رحمه الله وعاصر الحجاج، ويقول أبو سفيان: أنه بقى بعد الحجاج، ولما صليت الجمعة لوقتها قال صحار: (الحمد لله الذي رد علينا جمعتنا لو كانت الجمعة بخراسان لكانت أهلاً أن
تؤتى)
(7)
وعلى هذا فقد عمر طويلاً إلى نهاية القرن الأول للهجرة تقريباً ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا مآثره الفقهية سوى بعض المتفرقات.
(1) ابن حجر - الإصابة: 177/ 2.
(2) ابن النديم الفهرست: 232.
(3) انظر: عمر مسعود - الربيع محدثاً: 199، السيابي – طلقات: 23.
(4) ابن عبد ربه ـ العقد الفريد: 101/ 4.
(5) الدرجيني - طبقات: 233/ 2 وانظر: الشماخي - سير: 76/ 1، السير والجوابات: 291/ 1.
(6) انظر: الدرجيني - - طبقات: 233/ 2، الشماخي - سير: 76/ 1، الجعبيرى ـ فرحات ـ البعد الحضاري:
394/ 2
(7) السير والجوابات: 292/ 1، وانظر: ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 118.
35 (1/35)
صفحة 32
ثانياً جعفر بن السماك العبدى:
وهو تابعى من الفقهاء المفتين الذين لهم باع طويل فى العلم (1)، أخذ عنه ا ه الإمام أبو عبيدة وهو من أكبر شيوخه ولكنه فاق عليه (2)، وقد أرسل حديثاً واحداً عن النبي الله الإمام أبو عبيدة في الجامع الصحيح حديثاً واحداً وروى عنه
،
(†)
فيما ذكر ابن حجر أيضاً في باب المساجد (4)
قال فيه الدرجيني: شيخ الصيانة والنزاهة وركن الديانة والفقاهة المحافظ على طريق الصديقين والمطرح في حرمة الخالق حرمة المخلوقين (5)، وقال الشماخي: (المشهور في
الورع والعلم والنباهة له الفضل العالي بين الفضلاء والنصيب الأوفى بين الأتقياء) (6).
و كفى بشهادة هذين العالمين شهادة على نزاهة جعفر ورسوخ قدمه في العلم، وكان متواضعاً لله يعرف حظوظ نفسه، قلبه موصول بربه وأثر عنه أنه كان يقول في خطبه التي
يعظ فيها الناس: كم مذكر بالله ناس لله، وكم من مخوف من الله جرئ على الله وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله، وكم من داع إلى الله فاتر من الله، وكم من قال لكتاب الله منسلخ من آيات الله) (7). وكان جعفر من ضمن وفد الأباضية بالبصرة إلى الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بدمشق (101 هـ) (8)، الذي طلب من الخليفة إحياء السنن وإماتة البدع التي دأب عليها بنو أمية من قبله، ومن جملتها ترك لعن على بن أبي طالب على المنابر، وكان جعفر ألطفهم بعمر حتى قال عمر: ما فيكم أرفق بالأشح من هذا ويعنى جعفراً (9).
(1) انظر: ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 136، الشماخي، 74/ 1 - 75، أطفيش ـ ملحق المدونة الكبرى لأبي غانم: 309/ 2، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 386/ 1، السيابي - طلقات العهد: 31: ابن حجر ـ
الإصابة: 268/ 1، الدرجيني - طبقات: 232/ 2
(2) انظر: أطفيش - ملحق المدونة الكبرى: 309/ 2. (3) انظر: ابن حجر - الإصابة: 268/ 1.
(4) انظر: الجامع الصحيح: 69، السالمي - شرح الجامع: 385/ 1 - 386.
(5) الدرجيني - طبقات: 232/ 2.
(7) عامر بن خميس المالكي ـ غاية المطلوب: 43. (8) سيأتي تعداد الوفد إلى عمر في مبحث! مبحث الأباضية.
(6) الشماخي - سير: 74/ 1.
(9) انظر الدرجيني ـ طبقات: 232/ 2 - 233، الشماخي ـ سير: 75/ 1 ..
6
36 (1/36)
صفحة 33
ولما خرجوا عن عمر قال، هو مثل الحسن بن أبي الحسن البصري يقدم رجلاً ويؤخر أخرى (1).
ومن المؤكد أنه عاش إلى ما بعد المائة الأولى للهجرة، ولكننا لم نعثر على تاريخ محدد لوفاته وكذلك مولده، وقد عاش بالبصرة وتتلمذ عليه الإمام أبو عبيدة هناك وتهل من معينه حتى توفاه الله إليه، وذكر الحارثى: أن جعفراً قتل في المعركة التي دارت بين حبيب بن المهلب (102 هـ) والخوارج هو والحتات بن كاتب (2)، وكان الإمام أبو
عبيدة يتولا ولاهما على ذلك (3).
ثالثاً أبو الشعثاء جابر بن زيد:
هو أزدى من عمان من قرية فرق بولاية نزوى حسب أصح الأقوال لأن قبر ابنته الشعثاء يوجد إلى الآن بهذه البلدة (4)، وليس أصله من البصرة كما يقول بعض المؤرخين (5)، ولعل نسبته إلى البصرة لأنه نشأ وعاش بها فترة طويلة من الزمن، وهو من اليحمد بن الأزد.
ولد عام 21 هجرية لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، وأخذ العلم عن الصحابة أمثال ابن عباس وابن مسعود (32 هـ)، وابن عمر (73 هـ)، وأنس بن مالك، وعائشة، وجمع غفير غيرهم، وروى عنه أنه قال: لقيت سبعين من أهل بدر فحويت ما عندهم إلا البحر ابن عباس، والاستثناء هنا منقطع إذ ليس ابن عباس منهم، وذلك قبل عام 61 هـ الذي كانت فيه وقعة الحرة التى لم يبق بعدها بدرى (6).
نهل الإمام جابر من معين علم الصحابة والتابعين، وكان مفسراً ومحدثاً وفقيهاً، ومؤسساً من مؤسسي الفكر الإسلامي ورواد المعرفة الأوائل، وهو إمام عظيم.
(1) انظر: المرجعين السابقين و الصفحات.
(2) وكانت تلك الموقعة عام 102 هـ.
من
أئمة
(3) انظر: الحارثي - العقود: 140 ولكن هذه الحركة ليست على الخوارج وإنما هي ثورة يزيد بن المهلب على يزيد بن عبد الملك بالعراق بعد خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز. انظر عنها ابن الأثير ـ التاريخ: 173/ 4. (4) انظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى: 179/ 7، الحارثي - العقود: 94، السيابي – إزالة الوعثاء: 14، الصوافي - الإمام جابر بن زيد: 30.
(5) انظر: ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 129، د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 86. (6) انظر: الحارثي ـ العقود الفضية: 64، د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 87، السيابي ـ إزالة الوعثاء: 18 - 19، الصوافي - الإمام جابر بن زيد: 34
37 (1/37)
صفحة 34
الأباضية بل هو أكبر أئمتهم (1)، وتضلع فى العلم فكان من أئمة السنة ومن الذين بذلوا ما عندهم من العلم لمن يطلبه منهم، ومن الذين حرروا العلم ودونوه في القرن الأول الهجري، يقول الدرجينى: بحر العلوم العجاج وسراج التقوى أصل المذهب
وأسسه الذي قام عليه نظامه ... صاحب ابن عباس ... وكان أمهر من صحبه) (2) شهد له الصحابة والتابعون بغزارة العلم وبكفاءته للفتيا، وبأنه كان مفتياً في البصرة، منهم ابن عباس الذي قال: لو نزل أهل البصرة عند قول جابر لأوسعهم علماً عما في كتاب الله (3)، وقال: عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا ومعهم جابر ابن زيد
،
(4)
وقال: جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق (5)، وقال: اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه (6)، وقال أنس بن مالك لما مات جابر: مات اليوم أعلم من على الأرض (7).
ووصفه ابن عمر بأنه من فقهاء البصرة ونصحه بأن لا يفتى إلا بقرآن ناطق أو سنة متبعة (8). أما التابعون فقد أجمعوا على توثيقه منهم الحسن البصرى، وقتادة شيخ البخاري (118 هـ)، وعمرو بن دينار (126 هـ)، وعمر بن هرم ()، وإياس بن معاوية
(122 هـ)، وحبيب بن أبي حبيب وغيرهم، فضلاً عن شيوخ الأباضية في عصره (9).
(1) لا عبرة بما قاله ابن سعد في الطبقات من أن أبا الشعثاء تبرأ من الأباضية، فإنما قال ذلك لسؤال الجواسيس له عن ذلك، والشرع أباح التقية باللفظ بالكفر فضلاً عن التبرئ من الأباضية من جابر إذ هو يعلم أن تلك الكلمة ـ يومئذ ـ تهمة من قبل الأمراء لأنهم سيسلطون عليهم العذاب ومن قبل السائرين في ركابهم، لأنهم سوف لا يأخذون عنهم العلم رضاً لأمرائهم، فاختار جابر تلك الكلمة إن صحت الرواية ـ على الاعتراف وإلصاق التهم. انظر: ابن سعد - الطبقات الكبرى: 181/ 7
(2) الدرجيني. - طبقات: 205/ 2، وانظر: د. خليفات - نشأة الحركة: 87، السيابي – إزالة الوعثاء: 18، الشماخي ـ سير: 67/ 1، الصوافي - الإمام جابر بن زيد: 34.
(3) ابن سعد - الطبقات الكبرى: 179/ 7 - 180
(4) الحارثي - العقود: 95. (6) الدرجيني - طبقات: 205/ 2
(5) ن م والصفحة.
(7) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 129، د. خليفات ـ نشأة الحركة: 87. (8) البكوش يحيى محمد - فقه الإمام جابر بن زيد: 70، التنوخي - مقدمة شرح الجامع الصحيح للسالمي 3/م. (9) انظر: ابن سعد - الطبقات الكبرى: 179/ 7 - 1 - 180، ابن الجوزى - رفع أعلام: 38، السالمي - مقدمة شرح الجامع الصحيح: 7/ 1 - 8، د. خليفات - نشأة الحركة: 88، السيابي - إزالة الوعثاء: 17، الصوافي ــ الإمام
جابر بن زيد: 37.
38 (1/38)
صفحة 35
وأخذ. عنه خلق كثير من أباضية وغيرهم، وكان على صداقة وثيقة من يزيد بن أبي مسلم (102 هـ) كاتب الحجاج، وكان يصلى وراء الحجاج الجمعة، ويقول: إنها صلاة جامعة وسنة متبعة فحضورها من شعائر الإسلام ولو خلف الجبابرة (1). وكان جابر عابدا زاهداً متواضعاً لله مقبلاً إلى الآخرة، وقد وصف بأنه مسلم عند الدينار والدرهم، وروى عنه قال: سألت ربي ثلاثاً فأعطانيهن، زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقاً كفافاً يوماً بيوم) وقال لأصحابه: ليس منكم رجل أغنى منى ليس عندى درهم ولا علي (دين) (2).
وطلبت.
منه بنته ذات يوم ـ أن تدهن رأسها بزيت فقال لها: إن ما عندنا من الزيت
سنستعمله لإيقاد السراج وأمرها أن تغسل رأسها بماء ساخن (3).
عن
وكان وقافاً عن الفتوى إلا بتثبت ويقين آخذا بوصية ابن عمر له حيث قال: يا جابر إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت (4)، وروى عن جابر أنه قال: لقد أدركت جماعة من أصحاب رسول الله: إذا سئل أحدهم. حادثة أو نازلة ود لو أن أخاه كفاء فتياه (5)، وله مناظرات مع الخوارج (6)، ومواقف مع يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج في استفتاء الحجاج له عن طريق يزيد حتى أنه كان يستفتيه وهو في السجن، إذ كان. من الذين ذاقوا سجن الحجاج وعذابه ومع هذا فهو يأخذ العطاء منه ولم يوافق على أن ينضم إلى الكتبة في ديوان الخراج (7).
وكان جابر كثير الحج ويقال: أنه حج أربعين مرة، وصادف ذات مرة أن سجنه
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 211 - 214، الشماخي - (2) الدرجيني - طبقات: 213/ 2 - 214، الشماخي.
الحارثي ـ العقود: 96.
(3) الرستاقي الشقصى - منهج ا الطالبين: 1.
- سير: 70/ 1، المالكي - غاية المطلوب: 302.: 72/ 1، ابن سعد - الطبقات الكبرى: 181/ 7،
- سير
(4) السالمي - شرح الجامع الصحيح مقدمة للتنوخي: 3/م. (0) المالكي غاية المطلوب: 44.
(6) انظر: الدرجيني - طبقات: 208/ 22 - 209، 70، ابن سعد - الطبقات الكبرى: 180/ 7، الحارثي - العقود:
98
(7) انظر: الدرجيني - طبقات: 209/ 2، 211، 212، الشماخي – سير: 70 - 71، الحاري ـ العقود: 98 -
39
99 (1/39)
صفحة 36
أمير البصرة فأطلقه لما هل هلال ذى الحجة ولم يمنعه
الحج (1)
ذلك من الذهاب في تلك الحال
وكان جابر أعور العين، أبيض الرأس واللحية في آخر عمره ولكنه كان يصفر لحيته، ويؤثر الناس على نفسه في الطعام، حتي فيما يهدى إليه ولا يقبل هدية على عمل الطاعة ولا يكافئ غير الجميل بمثله ولكنه يكافئه بالجميل (2).
الذي هو
أخذ عنه خلق كثير كقتادة، وعمرو بن دينار، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة شخصية البحث، ومعظم رواياته عنه في الجامع الصحيح للربيع، وكذلك جل الفتاوى التي وردت في المدونة عن الإمام أبي عبيدة فكثيراً ما يسندها إلى شيخه أبى الشعثاء (3)، وأخذ عنه أبو نوح صالح الدهان، وضمام بن ا السائب، وحيان الأعرج، وأبو مودود حاجب الطائي (4) وغيرهم كثير.
واختلف في وفاة الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد فقيل: في عام ثلاثة وتسعين للهجرة في العام الذى توفى فيه أنس بن مالك رضى الله عنهما (5)، وقيل: عام ستة وتسعين (6). وقيل: عام ثلاثة. ومائة (7)، والأصح الأول لأنه من رواية تلميذه الكبير أبي عبيدة في
(1) انظر: ابن سعد ـ الطبقات: 181/ 7، الدرجيني - طبقات: 208/ 2، الشماخي – سير: 68/ 1، الحارثي - العقود: 99، السيابي - إزالة الوعثاء: 22 - 23. (2) انظر: ابن سعد ـ الطبقات الكبرى: 179/ 7، 181، الدرجيني - طبقات: 210/ 20 - 211، الشماخي - سير: 70/ 1 - 71، الحارثي - العقود: 100 - 101. (3) انظر ــ الربيع بن حبيب ــ الجامع الصحيح: معظم الصفحات، أبا غانم بشر بن غانم والمدونة الكبرى: 325.98/ 2 على سبيل المثال وكثير غيرها، وانظر: السيابي - إزالة الوعثاء: 33.
(4) ستأتى تراجمهم في الملحق 20. (5) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 193، السالمي - شرح الجامع: 609/ 3، البخاري ـ التاريخ الصغير: 241/ 1، ابن سعد - الطبقات: 182/ 7، الذهبي - دول الإسلام: 64.
(6) انظر: الشماخي - سير: 72/ 1، علي يحيي معمر - الأباضية في موكب التاريخ: 143/ 1: الباروني – سلم
العامة والمبتدئين: 6.
(7) انظر: الرستاقي الشقصى - منهج الطالبين: 616/ 1، ابن سعد - الطبقات: 182 ولمزيد من التفاصيل عن حياة الإمام أبي الشعثاء انظر: الدرجيني - طبقات: 205/ 2 وما بعدها، الشماخي - سير: 67/ 1 - 72، علي يحيي معمر. نمر - الأباضية في موكب التاريخ: 143/ 1 - 151، دبوز ـ تاريخ المغرب الكبير: 138/ 3 - 149، الحارثي، العقود الفضية: 93 - 105، الصوافي - الإمام جابر بن زيد: 4930، د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 86 - 103، عمربا ـ الفكر الأباضي: 109 - 113، بكلى عبد الرحمن ـ هامش قواعد الإسلام:
74/ 1
40 (1/40)
صفحة 37
أبي عبيدة في الجامع الصحيح كما ذكرنا، وقال به الإمام أحمد (241 هـ)، وذكره البخاري أيضاً وهما عمدة في تاريخ الرجال، ولاتفاق المؤرخين على وفاة أنس في هذا
العام.
أنه
وقد مات حتف أنفه بالبصرة وطالما تمنى الشهادة ولكنه لم يوافقها روى عنه قال: مضى على من عمرى ستون سنة أصبت فيها ونعمت فنعلى الآن أعز على منها إلا أن يكون خيراً قدمته) (1).
ولأجل شهرة الإمام جابر فإننى أثرت الاختصار لترجمته وذلك لشهرته عند المحدثين والفقهاء وغيرهم، فالإمام أبو عبيدة اكتسب العلم من هؤلاء الثلاثة وإن كان له شيوخ آخرون إلا أننا نكتفى بذكر هؤلاء.
المطلب الثالث صفاته وأخلاقه:
أ - صفاته:
ثم عمى آخر
كان الإمام أبو عبيدة أعور العين وعاش طيلة عمره على هذا عمره. فكان يقاد إلى صلاة الجمعة مسافة ميلين في البصرة (3)، وأصابه مرض الفالج ومكث فيه سنة كاملة فلم يستطع صوم رمضان حتى أدركه الثاني فصامه وصام شوال بدل الذي أفطر فيه (4)
وعمر
عمراً طويلاً
حتى لم يستطع السجود إلا على وتد في مسجد البصرة (5)، وكان يأكل من عمل يده فاشتغل بعمل القفاف السعف وبيعها، فكانت مصدر من رزقه الحلال، ولم يكن ليدخل على الأمراء فيأخذ للتعلم والتعليم فاشتهر بلقب القفاف (6).
منهم
شيئاً بل حبس
نفسه
عنهم
فعاش في فقر مدقع، وقناعة نفس أظهرت فيه الغنى، يأكل فتات الخبز رضاً
(1) ابن سعد - الطبقات الكبرى: 180/ 7 (2) انظر: البرادي - الجواهر المنتقاة: 35، دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 150/ 3، الحارثي - العقود الفضية: 139، الشماخي ـ سير: 78/ 1، المالكي غاية المطلوب: 156.
(3) انظر: البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 35، المالكي ـ غاية المطلوب: 74.
(4) انظر: قطعة من المدونة المخطوطة لأبى غانم: 193 موجودة عندى، الدرجيني ـ طبقات: 243/ 2.
(5) ن م ص 158
(6) انظر: الشماخي - سير: 78/ 1، دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 150/ 3، الحارثي ـ العقود: 139.
41 (1/41)
صفحة 38
بالكفاف (1)، وهي من صفات العلماء العاملين إذ همهم تقويم المجتمع وصالح الدين
والدنيا معاً لا إشباع الرغبات والتلذذ بصنوف الملذات
وكان الإمام سديد الرأى نير البصيرة، ولما جاء عبد الله
بن
بن الحسن الحسن (145 هـ) إلى جماعة المسلمين بالبصرة يطلب منهم معاونته فى الخروج على مروان الحمار (132 هـ) آخر ملوك بني مروان، واتفقوا على أن يرسلوا معه صالح بن كثير وهو رجل منهم، فلما أخبروا الإمام بذلك فقال: لا تفعلوا، فإذا كان عبد الله بن الحسن صادقاً فيما يقول فليلحق بعبد الله بن يحيى في حضرموت فيقاتل بين يديه حتى يموت، ولكنه لا يريد ذلك وإنما يريد الفوز بالسلطة، ولن يجعلها شورى بعد فوزه فلو فعل ذلك فماذا أنت قاتل له يا صالح؟ فوافقه جماعة المسلمين على رأيه ولم يوافقوا على مساعدته (2)، وكان رحب الصدر لين العريكة ينبسط وجهه لزائره ولمن أصحابه بذلك. دخل ذات يوم يعود أحد أصحابه فقال للخادمة هات المخلاة (3) من غير أن يستأذن صاحب المنزل، فأكل منها الخبز وأعطى أصحابه ليأكلوا ففرح المريض وأعتق الخادمة فرحاً بعمل الإمام، وسر بذلك سروراً عظيماً (4).
دنا منه ويوصى
كان ذا ذكاء حاد وبصيرة نيرة، ينطق لسانه بالحكمة يقول السالمي: (ولقد
وطلعت
(0)
تفجرت ينابيع الحكمة قلب أبي عبيدة، من لسانه شموس العلم) من وبهذا استطاع أن يتولى زعامة أهل الدعوة بالبصرة بعد وفاة الإمام جابر بن زيد ويلم
شعثها وينظم شئونها وعلى يده تبلورت جماعة الدعوة (6)
الأحيان
واتصف بقوة اليقين والصبر، ولما سجنه الحجاج مع ضمام وغيره من فقهاء المسلمين وخيارهم، كان ضمام يضيق في بعض يلاقونه في السجن فيرد عليه الإمام قائلاً على من تضيق يا ضمام؟ (7).
ويتبرم من العذاب الذي
(3) المخلاة: قفة من السعف يوضع فيها الخبز.
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 243/ 2، دبوز - تاريخ: 154/ 3. (2) انظر: الشماخي -. - سير: 78/ 1. (4) انظر: السالمي ـ العقد الثمين: 124/ 3، وانظر رسالته إلى أهل المغرب: 1 - 3. (5) السالمي - شرح الجامع الصحيح: 6/ 1، وانظر: دبوز ـ تاريخ: 150/ 3 - 151. (6) انظر: دبوز ـ تاريخ المغرب الكبير: 161/ 3 وما بعدها، خليفات: نشأة الحركة الأباضية: 103، وانظر ص
196 من هذا البحث (مكانته).
(7) انظر: الدرجيني - الطبقات: 2/ 240، الشماخي - سير: 81/ 1، الحارثي ــ العقود: 145.
42 (1/42)
صفحة 39
وقد صقل سجن الحجاج وتعذيبه وقتل مولاه عروة بن أدية وأخيه أبى بلال وغيرهم من مشائخ المسلمين مواهب الإمام أبي عبيدة، فكان شجاعاً قوى الجنان مربوط الجأش لا يخاف في الله لومة لائم، ومع هذا فهو متواضع لله وللمؤمنين، شديد على أهل المعاصي كما سنبينه.
رضا)
(2)
وكان لا يضحك قهقهة ولا يعدو أن يكون تبسماً وسمع ذات مرة ما يوجب الضحك من رجل آذاه زحام الناس بجامع البصرة فأمسك على شفتيه ولم يضحك (1)، وعندما كان يجيب أصحابه على مراسلاتهم يشير إلى أنه لا يمنعه مانع من الرجوع إلى الحق إن أخطأ في جوابه، ويعقبه بالاستغفار من الخطأ غير المتعمد (فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان، أستغفر الله مما ليس له وكان شديد الاحتياط في دينه، فقير اتخذ جوارب يغطى بها رجليه لئلا تصيب مذاكيره الأرض في الصلاة، ولهذا قال حيان الأعرج (3): (لقد أشقانا الله في ديننا إن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة) ولا يقوم من مجلسه لمن يقدم عليه في جميع الأحيان، إلا ما روى من أنه كان لمحمد بن حبيب، ومحمد بن مسلمة المدنيين، لجوارهما لمثوى النبي عليه الصلاة والسلام (5)، ولم يكن يحب المقام بمكة وخاصة بعد موسم الحج، فقد طلب ه أبو الحر على بن الحصين (6) ذات مرة أن يقيم للناس فأبى، وكذلك طلبت منه ذات مرة امرأة من المهلبيات أن تقيم بمكة فقال لها: الخروج أفضل وأمر رجلاً آخر بالإقامة بها لأنه من أهلها (7).
ينهض
منه
(4)
وكان متمسكاً بالكتاب والسنة حريصاً على إحيائهما، روى أن رجلاً سأل الإمام أبا عبيدة وهو يشيع جنازة ـ عن مسألة فرد عليه قائلاً: أنا في شغل عن كلامكم، ولم يرد بأكثر من. هذا ويريد بذلك عدم التكلم فى حالة التشييع للجنازة لئلا
(1) انظر: المالكي - غاية المطلوب: 90.
(2) رسالته في الزكاة ص 513 من هذا البحث وما بعدها.
(3) ستأتي ترجمته في الملحق 2.
(4) الشماخي -. سير: 78/ 1
(5) انظر: الدرجيني ـ طبقات: 243/ 2، الشماخي - - سير: 90/ 1، المالكي ـ غاية المطلوب: 191.
(6) ستأتي ترجمته في ملحق 2.
(7) انظر: الدرجيني - طبقات: 245/ 2، الشماخي ـ سير: 82/ 1.
43 (1/43)
صفحة 40
(1)
يحبط العمل وكان رحيماً بالفقراء ويجالسهم، ويبكى عليهم، ويحث الناس على بذل فضول أموالهم للفقراء حتى في وقت الخروج إلى الحج، فإذا أراد الحاج الخروج أمره ببذل الصدقة للمستحقين لها، وسئل عن امرأة نذرت أن تبذر على ابنها جوزاً أو سكراً فاستحب الإمام أن تعطيه للمساكين، وأما جابر فأجاز أن تبذره على ابنها (2). ب ـ شدته في الحق:
كان الإمام أبو عبيدة شديداً في ذات الله لا يحب التقرب إلى الأمراء، سواء من حيث أخذه الأعطيات أم من حيث التقرب إليهم بالمناصب والتزويج وغير ذلك، وشدد على رجل زوج ابنته رجلاً ذا مال كثير ومنصب عال وهو منافق (3)، وذلك كله ناتج عن تشدده على أهل المعاصى، وكان يرى أن قتال المسلمين بعد الخلافة الراشدة لبعضهم البغض إنما هو لأجل الرئاسة وطلب الدنيا، إذ يعلم يقيناً أن الفائز بها لن يجعلها شورى بين المسلمين، وهي قاعدة الإسلام في تنصيب الخليفة، ولذلك استحدثوا ولاية العهد منذ أن استولى معاوية بن أبي سفيان على أمر المسلمين وهلم جرا (4).
منهم
(قال شعيب بن المعروف والشعبى: أنه سأل أبا عبيدة عن الجبابرة آتيهم؟ قال: لا. فأعدت المسألة ثانية فقال: لا. قلت له: تكون جمعة إلا عند إمام؟ فسكت كأنه
معهم)
(0)
تبعاً لشيخه
كاره أن ينهى عن الصلاة فكان الإمام أبو عبيدة يصلى معهم بالبصرة ويقاد إليها من بعيد، الإمام أبي الشعثاء في كل هذه الأمور وتبعاً لشيوخه الآخرين، إذ صلاها المرداس بن حدير وجابر وحيان الأعرج وصحار وضمام وغيرهم خلف زياد وابنه والحجاج
(1) انظر: المالكي - غاية المطلوب: 138.
(2) انظر: أبا غانم - المدونة الكبرى قبل الترتيب: 27، الجيطالي إسماعيل - مختصر مناسك الحج: 13، المالكي -
غاية المطلوب: 156.
(3) انظر: أبا غانم ـ المدونة الكبرى: 13/ 2، دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 152/ 3 - 153.
(4) انظر: الشماخي - - سير: 78/ 1، الحارثي - العقود: 141.
(5) المالكي ـ غاية المطلوب: 132.
44 (1/44)
صفحة 41
(1)
وغيرهم: بالبصرة (1
لأنه
ولما عوتب الإمام جابر على ذلك قال: إنها صلاة جامعة وسنة متبعة (2)، ولكنه نهى عن الدخول على الجبابرة والتزلف إليهم لقصد نيل الدنيا والثروة العاجلة (3) وذلك لأن الجبار ـ وإن أتى بالفروض فإنه جائر في الأحكام، فلا تصح مداراته على هذا هدم أعماله بتركه العدل في الأحكام، فهو ممن حاد الله. ورسوله بعدما العدل وإقامة معالم الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكان يشفع على العلماء الذين يتقربون إلى الأمراء وهم علماء الدنيا، لأن الناس تبع لهم وهم قدوة المجتمع (4). وكان شديد الاحتياط والاحتراز وخاصة في أمر الفروج والدماء والطهارات والعبادات عامة، وقال له بعض أصحابه يوماً: إذا جاوزت نهر البصرة فأنا أفقه منك لو كنت نبياً ما أجابك أحد (5)
وسأله سائل ذات مرة عن زكاة الفطر وعلى السائل ثوبان من النوع الجديد وليس عنده غيرهما فقال له: بع ثوبيك هذين فاشتر دونهما وأخرج زكاة الفطر بالباقي وذلك لئلا تفوته زكاة الفطر، فلم يرخص له في تركها علماً بأنه لا يجد إلا ذينك
الثوبين (
(7)
كما أنه كان شديداً على أهل المعاصى بشتى أصنافها، فقد سئل عن القاذف هل يعطى من الزكاة؟ وكذلك الذى فسق المسلمين أو لعنهم أو ظلمهم أو شهد بزور على أحد ولو كانت فى الغلس فما دونه؟ فأجاب بأنه لا يجوز أن يعطى مثل هؤلاء من الزكاة حتى يتوبوا ويرجعوا إلى الله تعالى، وذلك لأن أصحاب المعاصي كلهم في البراءة فيجب هجرانهم، ولا فرق في ذلك بين الرجل الصالح الذي بدت منه الأمور عيانا أو كان من غيرهم فالمعاصي حكمها واحد (7)
مثل هذه
(1) انظر: الحارثي - العقود: 97، وانظر: السير والجوابات: 291 – 292، 309 - 311. (2) انظر: الحارثي - العقود: 97 (3) انظر: السالمي - جوهر النظام: 556 (4) انظر: الربيع بن حبيب ـ ا الجامع الصحيح: 15 - 16، 273، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 518. (5) انظر: الدرجيني ـ طبقات: 239/ 2، الشماخي - سير: 178/ 1، 83، غاية المطلوب 195، 227. (6) انظر: المالكي - غاية المطلوب: 149. (7) انظر: رسالته في الزكاة من هذا البحث. (1/45)
صفحة 42
العصاة
من
خير
وسئل ذات مرة عن رجل يتصدق على رجل صالح له فضل ويترك ولداً لا فيه يفسق ويفسد فى النساء والشراب قال: لا بأس عليه) (1) فهذا دليل على شدته على المسلمين، وبهذا أباح الصدقة لغير القريب ولو كان مستحقاً لانغماسه في فعل المعاصى إذ هو ضرر على المجتمع في حد ذاته كما أنه سئل عن امرأة مسلمة ولها ولى مشرك فهل يجوز أن تزوج بغير إذنه؟ قال: هو ليس بولي لها ولا كرامة له، ولكن يزوجها رجل رشيد من أولى من المشرك، فالمشرك في نظره ـ ليس بولى ولا رشيد (2).
المسلمين
لأنه
ودعى مرة إلى وليمة من ولائم الأعراس التي كانت تقام بالبصرة، وذلك قبل أن يكف بصره فلما وصل ورأى اللعابين يلعبون وسط الناس رجع من وقته وترك الوليمة ومن فيها غضباً مما رأى (3)
وهو بهذا كان محافظاً على السلوك الإسلامى السوى، متخلقاً بأخلاق الإسلام. جـ ــ ورعه وعدالته:
هذا
رأينا أن الإمام أبا عبيدة كان شديداً في الحق فلم تفتنه الدنيا ولا زخارفها، ولا جره الطمع إلى نيل ما في أيدى الأمراء، وأنه شديد الحدة على أهل المعاصي، ومع. فإنه عفيف النفس، بعيد عن الشبهات، فضلاً عن الوقوع فيما هو محرم، روى أنه
من
،
سافر إلى مكة في بعض السنين ومعه رجل يقال له: سابق العطار (4) أصحابه. وكان خيراً فاضلاً فنزلا فى بعض المنازل، فمرت عليهم أعرابية معها لبن وسمن
وجدى فاشتراها سابق منها بقارورة فيها خلوق (5) وقلادة، فطلب من الإمام أن يشرب من اللبن، فأبى وقال له: أخر عنا لبنك يا سابق قال: لم يا أبا عبيدة؟ فقال له: (ويحك يا سابق كم ثمن القلادة؟ قال: دانق أو نحوه، قال: فكم ثمن القارورة؟ قال: دانق أو نحوه: فسأل الإمام أبو عبيدة الأعرابية: كم ثمن اللبن عندكم؟ فقالت: لا ثمن له عندنا، قال: وبكم ثمن السمن؟ قالت: در همان، قال: بكم ثمن الجدى؟ قالت: در همان قال: فأخرج سابق أربعة دراهم فدفعها إليها قال:
. 6
(2) انظر: ن م 178.
(1) المالكي - غاية المطلوب: 224. (3) انظر: أبا غانم - المدونة الكبرى: 305/ 2. (4) لم أهتد إلى ترجمته. (5) الخلوق: نوع من العطر وهو مائع فيه صرفت. انظر الفيومي - مختار الصحاح: 180.
46 (1/46)
صفحة 43
فقال أبو عبيدة: الآن هلم لبنك إلينا يا سابق)
وذلك ابتعاد عن الشبهة من أجل أن القلادة والخلوق ليستا بثمن للأشياء فلعله يحدث فيها غرر، فالورع عن ذلك مطلوب من أمثال هذا الإمام، وهذا ما حدث بالفعل. . وسأله سائل ـ ذات مرة ـ أنه تولى بعض المدن من قبل الأمراء فأحسن الولاية
-
في أهل تلك المدينة فلم يكن ليظلم أحداً فيها، فلما أراد الخروج من المدينة أعطاه أهلها ثلاثمائة درهم هدية فأخذها وتاجر بها حتى نمت وكبرت فتزوج منها واشترى العبيد، فقال له أبو عبيدة: لو كنت فى بيتك أفيعطونك شيئاً؟ قال: لا. قال له: إذن رده عليهم، فقال له: أو ليس لي عناء؟ قال: لك ما تزوجت واشتريت ولأهل المال ما أنه أوجب عليه رد رأس المال ومازاد فهو له فرده عليهم
أعطوك بمعنى.
(2)
وطالما تهرب من الدخول فى أمور الأحكام والقضاء لتنفير الشرع الشريف من ذلك خوفاً من الهلكة. فعندما طلب منه أن يخرج على ولاة الجور وأن الناس كلهم معه قال: ما أحب ذلك، ولو أني فعلت فلا أحب الدخول في الأحكام بين الناس لأنها تبعة عظيمة وهلكة، قيل لأبي عبيدة: ما يمنعك من الخروج؟ ولو خرجت ما تخلف عنك أحد؟ قال: ما أحب ذلك، ولو أنى فعلت ما أحببت فلا أحب أن أقيم الظهر والعصر مخافة الأحكام) (3) بين
ما
ولهذا أجمع معاصروه ومن جاء بعدهم على عدالته ونزاهته، ولم ينكر عليه شيء من أقواله وأفعاله طيلة حياته، ولم يذكر أنه خلط آخر عمره بل أثر عنه أنه عندما يشتكى ينيب الربيع أو غيره عنه في الفتوى (4)
وشهد ذات مرة - شاهدان على شهادة الإمام أبي عبيدة عند قاضي البصرة، فقال المشهود عليه: إنما شهدا على شهادة رجل واحد فرد عليه القاضي
يومئذ (5)،
(1) الدرجيني - طبقات: 239/ 2 - 240 وانظر: الشماخي. - سير: 1/ 106، دبوز ـ تاريخ المغرب الكبير: 152/ 3، المالكي - غاية المطلوب: 4 20. (2) انظر: المالكي ـ غاية المطلوب: 305.
(3) الشماخي - سير: 78/ 1 و انظر: المدونة الكبرى المخطوطة: 11، الحارثي - العقود: 142، دبوز ـ تاريخ المغرب الكبير: 153/ 3.
(4) انظر: الدرجيني: 243/ 2، 245، الشماخي – سير: 95/ 1.
(5) لعل هذا القاضي هو إياس بن معاوية المزني في عهد عمر بن عبد العزيز، لأنه كان عالما بالإمام أبي عبيدة، بل =
47 (1/47)
صفحة 44
بقوله: ويحك أنا به عارف، ولو جاز لى أن أحكم بشهادة رجل واحد لحكمت
بشهادته (1).
وعدله تلميذه ابن عبد العزيز فى أكثر من موضع من المدونة الكبرى وكان لا يتجاوز إلى قول غيره عن قوله، وعدله أيضاً أبو سفيان في سيره إلى عمان وحضرموت في أكثر من موضع فهو ثقة عدل ثبت بإجماع المؤرخين الأباضية سواء من تلامذته أو من غيرهم من معاصريهم أو ممن جاء بعدهم (2)
أما فراسته: فقد كان يتفرس في تلاميذه ويلاحظ فيهم سمات الوفاء والشجاعة وتحمل المسئولية، فهو الذي أشار بنصب أبى الخطاب (3) إماماً في المغرب، وكذلك أذن لطالب الحق بالقيام في اليمن (4)، وعندما أراد تلاميذه المغاربة العودة إلى بلادهم أوصى عبد الرحمن بن رستم (5) بأن يفتى بما سمع منه وما لم يسمع، وأوصى أبا الخطاب بأن يفتي بما سمع منه دون ما لم يسمع، وأوصى إسماعيل بن درار (6) بأن لا يفنى بما سمع ولا بما لم يسمع (7)، وهي فراسة من الإمام فى تلاميذه، إذ رأى في كل واحد سمات تميزه عن الآخر فأوصى كل واحد منهم بما يناسبه وسكت عن الباقين. وهكذا المؤمنون ينظرون
بنور الله.
المطلب الرابع وفاة الإمام أبي عبيدة:
اختلف فى وفاة الإمام أبي عبيدة كما اختلف فى ولادته، وذلك شأن كثير من الفقهاء في القرن الأول بحيث لم تكن هناك عناية بتاريخ الوفيات، فقيل: إنه مات حوالى عام 145 هـ، وذلك بعد عودة حملة العلم المغاربة (8)، لأنهم رجعوا حوالى
= عده أصحاب السير من الأباضية، وهو مشهور لا يحتاج إلى تعريف. انظر: الدرجيني ـ طبقات: 236/ 2، الشماخي - سير: 76/ 1
(1) انظر: الدرجيني ـ طبقات: 239/ 2، الشماخي - - سير 79/ 1، الحارثي ـ العقود: 142. (2) انظر على سبيل المثال: المدونة المخطوطة: 43، المدونة الكبرى المطبوعة: 244/ 2، السير والجوابات: 304/ 1،
r.o
(3) سيأتي بيان ذلك. ص 370 وما بعدها.
(5) سيأتي بيان ذلك ص 262 وما بعدها.
(4) سيأتي بيان ذلك. ص 235 وما بعيها.
(6) سيأتي ترجمته ص 262 و ما بعدها.
(7) انظر: الشماخي ـ سير: 127/ 1، أطفيش ـ ملحق المدونة الكبرى: 309/ 2، السالمي ـ شرح الجامع الصحيح: 6/ 1، المالكي - غاية المطلوب: 60، السيابي - إزالة الوعثاء: 39، الحارثي ـ العقود: 142. (8) حملة العلم مصطلح جرى عليه المؤرخون الأباضية، ويطلقونه على من جاء بالعلم من البصرة إلى المغرب أو إلى =
48 (1/48)
صفحة 45
140 هـ قبل نصب الإمام أبي الخطاب بطرابلس بسنة واحدة أو أقل، وكان يراسله، وقتل أبو الخطاب عام 144 هـ على يد عبد الرحمن بن
عام بعد نصبه
إماماً الأشعث (185 هـ) (1) فكان موت الإمام بعده (2).
محمد
بن
وأكثر الباحثين على هذا الرأى، وذكر الحارثي أن وفاته كانت حوالي عام 135 هـ (3)، مدللاً على ذلك بأنه لو كان حياً إلى زمان ثورة أبي الخطاب بالمغرب على والى المنصور بطرابلس، لما سكت عن أبي عبيدة، فقد عاقب أبا حنيفة بل قتله لفتواه بجواز الخروج عليه (4).
هو
المشير
ومع إمكانية هذا الاحتمال، إلا أنه ليس بالضرورة أن يعلم المنصور أنه بنصب أبي الخطاب ولا انتقاله من البصرة إلى المغرب، علماً بأن المنصور كان يقرب الفقهاء في زمانه، وما كان يتوقع وجود جماعة بالبصرة تدبر القيام على ولاته بأطراف الدولة الإسلامية يومئذ.
ولهذا فالباحث يرجح الرأى الأول لقربه مما ذكره أصحاب السير من وداعه لحملة
العلم الخمسة الذاهبين إلى المغرب، وكان رجوعهم عام 140 هـ (5). أما ما ذكره أبوزكريا في السيرة (6): من أن وفاة الإمام أبي عبيدة كانت في زمن إمامة الإمام عبد الرحمن بن رستم، وأنه كان معاصراً للإمام الوارث بعمان فذلك بعيد
= عمان في القرن الثاني الهجري.
(1) سيأتي تفصيل هذه الموقعة انظر ص 316 من هذا البحث. (2) انظر: أبا زكريا ـ السيرة وأخبار الأئمة: 9 5 - 61، الشماخي - سير: 85/ 1، أطفيش ـ ملحق المدونة الكبرى: 309/ 2، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 6/ 1، دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 169/ 3. (3) الحارثي - العقود الفضية: 139.
(4) رأيت أن أثبت نص الجواب الذي أجابني به صاحب العقود الفضية الشيخ سالم الحارثي: (إنما المقصود تحديد وجوده ما بين عام 58 هـ إلى 135 هـ، لأن خلافة المنصور كانت عام 136 هـ، وقد أثبت المشائخ في تواريخهم أن أبا عبيدة أمر حملة العلم بتقديم أبى الخطاب إماما وكانت إمامته عام 144 هـ، وأرسل إليه المنصور جيشا قاتله به، والظاهر أن أبا عبيدة كان غير موجود في ذلك التاريخ، لأن المنصور لو علم وجوده وأنه أصل المذهب ودعامته لما تركه، وقد قتل أبا حنيفة لاتهامه بأنه أفتى بالخروج عليه، ومع هذا فقد نقل أبو سفيان أن المنصور تأسف لموت أبي عبيدة وقال: ذهبت الأباضية، وعند بيعة الإمام عبد الرحمن بن رستم لم أجد له ذكرا ولا مراسلة، ولعل إشارته بتقديم أبى الخطاب تفرسا، توقعا بأنه يتم لهم ذلك، وقد أصيب رضى الله عنه بالفالج آخر عمره). (5) انظر: د. خليفات: نشأ: أخركة الأباضية: 137، عمر مسعود ـ الربيع محدثا: 161، بكلى عبد الرحمن ـ هامش قواعد الإسلام: 88/ 1 بل قال: بأنه مات عام 150 هـ وقد تفرد بهذا.
(6) انظر: أبا زكريا: السيرة و أخبار الأئمة: 87.
49 (1/49)
صفحة 46
جداً
، ومن العجيب أن يتابعه عليه الدرجيني في الطبقات (1)، والباروني في الأزهار (2)، وتابعهم أطفيش في شرح العقيدة (3)، على هذا القول، وكلهم ينقلون عن صاحب السيرة، بل ذهب صاحب الأزهار إلى أبعد من ذلك حيث قال: إن وفاة هذا الإمام كانت فى زمان إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن وأنه حضر له وكتب إليه رسالة في صدر إمامته وذلك بعد عام 171 هـ، مدللا على ذلك بما وجده في رسالة ابن محبوب (4) إلى أهل المغرب حيث جاء فيها: (وذلك في زمان أبي عبيدة مسلم وعن رأيه كان ذلك من عقد أهل المغرب لأبي الخطاب ثم ابن رستم بعده ثم عبد الوهاب بعد ذلك وأنه وجد قطعة رسالة من المشارقة إلى الإمام عبد الوهاب عنوانها هكذا: (ومن سيرة الإمام أبي عبيدة إلى الإمام عبد الوهاب) فقرر أنه. ذاك وأنه توفى قبل خروج ابن فندين (5) على الإمام عبد الوهاب (6)، وهذا بعيد من
وجوه:
حى
إذ
أولا: أن وفاة الإمام أبي عبيدة كانت في خلافة أبي جعفر المنصور (ت 158 هـ) حسبما ذكره الشماخي في السير، وبعد وفاة حاجب وذلك في زمان الربيع بن
(1) انظر: الدرجيني ـ طبقات: 45/ 1
(2) انظر: الباروني ـ الأزهار الرياضية: 98/ 1
(3) انظر: أطفيش محمد بن يوسف ـ شرح عقيدة التوحيد: 96 وما بعدها، ولعله اعتمد على ما وجد من قصة المأمون وردت في مخطوطة قديمة بوادي ميزاب وأخرى بجربة استطعت الحصول عليهما، وهي محاورة دارت بين الرشيد ورجل آخر يدعى أبا عبيدة، وكتب في المخطوطة أنه الإمام أبو عبيدة مسلم (شخصية البحث) ولكن ذلك غير ممكن لقرينة صدور الحاورة من قاضى المأمون يحيى بن أكثم، والحال أن الإمام أبا عبيدة مسلم غير موجود يومئذ وذلك لما سنذكره في الصفحة الموالية، ولعل هذه القصة وقعت لأبي عبيدة الصغير عبد الله بن القاسم الذي سيأتي ذكره، وقد ذكر النسيخ أطفيش هذه القصة في شرح العقيدة بكاملها.
انظر: شرح عقيدة التوحيد: 96 وما بعدها.
(4) هو الإمام محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي المخزومي العماني، ويكنى أبو عبد الله، واشتهر بهذه الكنية في الأثر المشرقي الأباضي، وهو من علماء عمان الكبار العاملين بعلمهم، وممن له آثار تزخر بها كتب الفقه العماني، وكان من الذين عقدوا البيعة للإمام الصلت بن مالك، وكان قاضيا للإمام غسان بن عبد الله الفشجي، ثم للإمام الصلت بن مالك على صحار، وهو من أسرة عريقة في العلم وأبناؤه كلهم علماء، وتوفي وهو قاض بصحار عام 260 هـ ومن أشهر آثاره سيرته إلى أهل المغرب وتوجد منها قطعة عندى.
(5) يزيد بن فندين كان أحد الستة النفر الذين عينهم الإمام عبد الرحمن بن رستم ليكونوا شورى في نصب من يختارونه بعده، وبعد تمام الاختيار كتب البيعة، وخرج عن طاعة الإمام ونصب الحرب ضده، وقد أرسل الإمام الرسل إلى المشرق هل تثبت إمامته فأجابه الربيع ومن معه بثبوتها، وسار يزيد إلى مصر مستنجدا بمن فيها أمثال شعيب بن المعروف فأجابوه وحاربوا الإمام وانتهى الأمر بهزيمة يزيد وأصحابه. انظر: الباروني ـ الأزهار الرياضية: 102 - 115.
(6) انظر: الباروني، الأزهار الرياضية: 159 - 160. (1/50)
صفحة 47
(1)
حتى
أن أوصياء حاجب لما اختلفوا في مسألة الوصية ردوا الأمر إلى
الربيع ولم يكن أبو عبيدة حياً، والربيع مات عام 170 هـ. وثانياً: أن المعونة التى أرسلت من البصرة إلى تبهرت (2)، لمساعدة الإمام عبد الرحمن كانت من قبل الربيع ومن معه من إخوانه، وهو الذي أرسل إليه عبد الرحمن بالدراهم لشراء الكتب وهذا باتفاق أصحاب السير (3)، ولم يكن أبو عبيدة يومئذ حياً
وثالثاً: له دليل في الرسالة التي أوردها الباروني في الأزهار على أنها من الإمام أبي لم يسمه، وهناك أبو عبيدة الصغير عبد
عبيدة
لأنه
الله
(4)
بن القاسم.
مع
أنه
الربيع بن حبيب بالبصرة، بعد وفاة شيخه أبي عبيدة الكبير فيحتمل ويحتمل أن يكون أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني (5) فلعل أحد هذين الشخصين كتب إلى الإمام عبد الوهاب بتلك الرسالة (7).
هو
وهو من نفوسة (6)
(1) ستأتي ترجمته ص 369 من هذا البحث. (2) تبهرت هي عاصمة إمامة الرستميين وتقع في المغرب الأوسط (الجزائر (خاليا ولكن تبهرت القديمة خربها أبو عبد الله الشيعي، وتوجد أنقاضها الآن وتقع على مسافة 350 ميلا من العاصمة، وتقع تبهرت الجديدة على بعد 6 كيلو متر من القديمة.
(3) انظر: الشماخي – سير: 125/ 1 - 126، الباروني - الأزهار الرياضية: 141/ 1. (4) ستأتى ترجمته ص 256 من هذا البحث.
(5) أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني من جبل نفوسة بليبيا، ومن علماء الطبقة الخاصة بالمغرب العربي، كان رجلا عالما ورعا شديد الشكيمة شجاعا، كان قاضيا للإمام عبد الوهاب على الجبل وجارو وبعدن للإمام أفلح فقام بشئون القضاء والدعوة وأمور الأمة خير قيام، وقاتل البغاة على الإمام أفلح وهم خلف السمح وأصحابه فهزمهم. انظر: الدرجيني ـ طبقات: 70/ 10 وما بعدها، 291/ 2، علي معمر الأباضية في موكب التاريخ: 89/ 1 وما
بعدها.
(6) هو جبل بليبيا يقطنه الأباضية منذ بداية وجودهم في المغرب الأدنى ولا يزالون ولكنه اليوم فيه مالكية. (7) استبعد دبوز أن تكون تلك الرسالة من أبي عبيدة، وقد اطلعت على مقاله بعد ما حررت الموضوع وهذا نص كلامه: (وقد أورد الشيخ الباروني في الأزهار الرياضية رسالة نسبها إلى أبي عبيدة في موضوع الخلاف الذي وقع في إمامة الإمام عبد الوهاب وقال: إن أبا عبيدة أرسلها إليه وهي عجيبة الأسلوب غامضة لا يمكن أن تكون من أبي عبيدة الذي نشأ في البصرة معدن البلاغة والفصاحة والذى قارع فصحاء المعتزلة كواصل بن عطاء، فظهر عليهم بغزارة علمه وحدة ذكائه وبالفصاحة التي هي أكبر عدة في منازلة الفصحاء والبلغاء، وأرى أن تلك الرسالة لأبي عبيدة عبد الحميد الجناونى وقد عاصر الإمام عبد الوهاب وكان من أئمة. جبل نفوسة في العلم والتقوى في ذلك العهد). دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 181/ 3 (1/51)
صفحة 48
ورابعاً: أن الباروني نفسه ذكر أن الرسالة التي بعثها الإمام عبد الوهاب إلى المشرق في خلاف ابن فندين له لما وردت إلى البصرة كان يومئذ بها الربيع وابن عباد (1)، ولم يذكر الإمام أبا عبيدة (2)، فالظاهر أنه ليس موجوداً، إذ لو كان موجوداً لما أعطيت للربيع دون الإمام.
-
كما
وخامساً: لا يمكن أن نعتمد على ذلك بسبب أن ولادة الإمام أبي عبيدة ذكرنا ـ كانت في حدود 45 هـ، ونصب الإمام عبد الوهاب كانت في عام 171 هـ وقد يكون ورود الرسالة إليه حوالى عام 173 هـ، فعلى هذا يكون الإمام أبي عبيدة 128 عاماً، ولم يبلغنا أنه
عمر
عمر هذا العمر.
وسادساً: أن الربيع قد توفى عام 171 هـ وهو خليفة الإمام فلا يعقل أن يكون الإمام حياً يومئذ لأن الربيع أدرك جابراً وهو شاب، وعلى هذا فالأرجح أنه توفى حوالي عام 145 هـ قبل وفاة أبى جعفر المنصور لما ذكرنا في الأدلة، وأن الذي ذكره صاحب الأزهار لا يمكن الاعتماد عليه لاشتباه الاسم
وتوفى الإمام أبو عبيدة بالبصرة ولم نعثر على سبب وفاته هل هو بمرض الفالج لم يستطع الوضوء فكان يوضع له تراب في
الذي أصابه آخر عمره وقد أدنفه أنه
حتى
إناء ليتيمم منه (3) أم توفى بغيره من الأسباب
وقد عاش الإمام أبو عبيدة على هذا حوالى مائة عام قضاها في التعلم والتعليم وجاهد فيها لإحياء معالم الإسلام أكبر الجهاد في زمان الوطأة والاستبداد والاضطهاد، وبذل ما في وسعه من أجل إيصال الدعوة الإسلامية إلى مشرق الدولة الإسلامية يومئذ وإلى مغربها، فساهم في إنارة عقول المسلمين بالمعرفة والفكر الصحيحين. فكان عمره مباركاً، وسعيه سعيه موفقاً، وعندما مات قال عنه أبو جعفر المنصور: (اليوم ماتت الأباضية) (4).
لمن
يقول الشماخي: (قال أبو سفيان: وقع غلام كان الحاجب عند أبي جعفر فسأله: كان؟ فقال: الحاجب: ـ وكان عالماً به وبأبي عبيدة ـ فدخل عليه يوماً فرآه
(1) ستأتي ترجمته ص 267 من هذا البحث. (3) انظر: أبا غانم - المدونة الكبرى: 32/ 2.
(2) أنظر: الباروني ـ الأزهار الرياضية: 141/ 1. (4) انظر: الشماخي - سير: 85/ 1. (1/52)
صفحة 49
رحم
حزيناً فسأله؟ فقال: مولاى الذى كنت له مات يعنى حاجباً فرجع أبو جعفر (1) فقال: الله حاجباً ثم دخل عليه بعد ذلك فرآه حزيناً فقال: ما لي أراك حزيناً؟ فقال: مات صديق لمولاى يقال له أبو عبيدة قال: وإنه قد مات قال: نعم، فرجع وقال: (ذهبت الأباضية) (2).
(1) رجع أى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(2) الشماخي - سير: 85/ 1، واستبعد الجعبيرى صدور هذا القول من أبي جعفر ولكنه غير مستبعد إذ من المعروف أن أبا جعفر كان مسالما للفقهاء في أول أمره، ويجب أن ننوه بأن هذا المطلب جاء أقل من غيره وذلك بسبب ضحالة ما بذله الباحث من الجهد الجهيد نحو الحصول على معلومات أوسع فى هذا المجال إلا أن المادة لم تزل
المادة
شحيحة إلى حد بعيد.
03 (1/53)
صفحة 50
المبحث الثاني
عصر الإمام أبي عبيدة
السياسي والاجتماعي والاقتصادي
55 (1/55)
صفحة 51
تمهيد في البصرة ومكانتها:
1 - وصفها:
البصرة هي ثاني أكبر مدينة في العراق، وهي مدينة تجارية على شط العرب وتقع على مسافة ثلاثمائة ميل إلى الجنوب الشرقي من بغداد، وإذا قيل البصرتان فهما البصرة والكوفة (1).
وقد أنشأها عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما فتح المسلمون توج (2)، وتوبندجان وطاسان إذ كتبوا إليه إنا وجدنا بطاسان مكانا لا بأس به وذلك لأجل إقامة الجيش به، فأجابهم عمر: إن بيني وبينكم دجلة فلا حاجة لى في مكان بيني وبينكم دجلة أن تتخذوه مصراً فأشار عليه رجل من بنى سدوس بمكان البصرة الآن وقال: يا أمير المؤمنين إنى مررت بمكان دجلة فيه قصر وفيه مسالح للعجم ... بينه وبين دجلة أربعة فراسخ له خليج يجرى فيه الماء إلى أجمة القصب فأعجب عمر هذا المكان وأمر بإقامة
الجيش فيه (3)
فبناها المسلمون وقسموها أحياء، وولى عليها عمر عتبة بن غزوان وكان من المهاجرين الأوائل (4، 5) وكان اختيار عمر لهذا المكان موفقاً، لأن فيه الماء والقصب من ناحية، ولأن العرب كانوا لا يعجبهم هواء المدائن والقادسية فاختاروا مكا البصرة لنقاء جوه واعتدال هوائه وخصوبة مراعيه (6)
(1) انظر: الحموى - ياقوت بن عبد الله - معجم البلدان: 430/ 1، دائرة المعارف الإسلامية: 669/ 5. (2) كان هذا الفتح على يد عثمان بن أبي العاص الثقفى في جيش قوامه ثلاثة آلاف رجل أكثرهم من أهل عمان أو كلهم، وقتل باب الحميرى ملكها شهرك وكان جيشه ثلاثين ألف مقاتل، وله مدينة خاصة في البصرة بيعت بعد الفتح بثلاثين ألف دينار، وكان عمر بن أبي العاص يومئذ واليا على عمان وفيهم كعب بن سود الأزدي العماني
قاضي البصرة في عهد عمر.
انظر: الشماخي - سير: 24/ 1 فوق وبالهامش.
(3) الحموى ياقوت ـ معجم البلدان: 430/ 1.
(4) عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب بن نسيب حليف بني عبد مناف وهو حارثى مازنى أول وال على البصرة وعاصر إنشاءها، صحابي قديم في الإسلام شهد بدرا والقادسية وافتتح ميسان وأمر قباذ وهو من الرماة المعدودين، روى عن النبي أربعة أحاديث، ولد 40 قبل الهجرة وتوفى عام 17 هـ عائدا من المدينة إلى البصرة في الطريق.
نظر: الزركلي - الأعلام: 201/ 40.
(5) انظر: الحموى ياقوت - معجم البلدان: 431/ 1.
(6) انظر: أحمد أمين - فجر الإسلام: 84.
07 (1/57)
صفحة 52
وكان بناء المساكن من قصب وبني عتبة المسجد من قصب أيضاً، وكذلك دار الإمارة والديوان، وقد بناها فى منطقة الدهناء وقيل لها من بعد رحبة بنى هاشم، واستمر الحال هكذا فترة من الوقت فكانوا إذا غزوا نزعوا القصب وإذا رجعوا أعادوا بناءه، ثم بنوا المساكن ودار الإمارة والمسجد باللبن والطين (1)
وأول مولود يولد للمسلمين بالبصرة هو عبد الرحمن بن أبي بكرة ونحر أبوه
جزوراً يوم ولد عبد الرحمن أشبع أهل البصرة وكانوا يومئذ قلة (2)
،
(4)
أبيه
واختلف في تأسيس البصرة فقيل عام 14 هـ، وقيل 16 هـ (3)، وقال أحمد أمين: الأمر معاوية بن أبي سفيان وولى على العراق زياد بن ولما ولى جدد بناء المسجد بالجص والآجر وسقفه بالساج وكان يومئذ ــ أغرب بناء هناك فقال
عام 15 هـ
فيه البعيث المجاشعي
(°):
بني زياد لذكر الله مصنعة من الحجارة لم تعمل من
الطين
لولا تعاون أيدى الإنس ترفعها إذا لقلنا من أعمال الشياطين (6)
وكانت البصرة ولا تزال ميناء العراق الرئيسى الذى تنقل منه معظم صادرات العراق المزروعة والمصنوعة إلى مدن العالم المختلفة، وتمتاز بقنواتها الكثيرة وبساتينها الجميلة وآثارها القديمة ونخيلها المتنوعة، وكان للعرب الدور البارز في حياة البصرة وتطورها العمراني، وقد قيست في زمان ولاية خالد بن عبد الله القسرى عليها
(1) انظر: البلاذرى أبو الحسن - فتوح البلدان: 241 - 242، الحموي ـ معجم البلدان: 432/ 1 (2) انظر: الحموى - معجم البلدان: 432/ 1.
(3) انظر: ن م و الصفحة، دائرة المعارف: 669/ 3 مادة بصرة. (4) انظر: أحمد أمين ـ فجر الإسلام: 84.
(V)
(5) البعيث هو خداش بن بشرى خالد أبو زيد التميمي خطيب شاعر من أهل البصرة قال فيه الجاحظ: أخطب بني تميم إذا أخذ القناة كانت بينه وبين جرير مهاجاة دامت نحو أربعين سنة، ولم يتهاج شاعران في العرب في جاهلية ولا
إسلام بمثلها تهاجيا به وتوفى بالبصرة نحو عام 134 هـ. انظر: الزركلي - الأعلام: 302/ 2.
(6) انظر: بلاذرى - فتوح البلدان: 342. (7) خالد. عبد الله بن
ه بن يزيد بن أسيد القصري أمير العراقيين وأحد خطباء العرب وأجوادهم يماني الأصل، وولى مكة عام 89 هـ للوليد بن عبد الملك ثم ولاه هشام العراقيين البصرة والكوفة عام 105 هـ إلى عام 120 هـ، فعزله وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي وأمره أن يحاسبه، فسجنه يوسف وعذبه بالحيرة ثم قتله في أيام الوليد بن يزيد، وكان يرمى بالزندقة وللفرزدق هجاء فيه. انظر: الزركلي - الأعلام: 297/ 2.
58 (1/58)
صفحة 53
فوجدوا طولها فرسخين وعرضها كذلك إلا دانقاً واحداً (1).
واشتهرت البصرة منذ زمان أبي موسى الأشعرى بأنهارها الجارية التي درج الناس في حفرها منذ عهد عمر بن الخطاب، وبلغت أوجها في عهد معاوية بن أبي سفيان، وولاية زياد بن أبيه على البصرة (2)، ولم يقتصر الناس على ذلك بل تهافتوا على بناء الحمامات بعدما بنى عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي حمامه الذي
كان يدر له الرزق الوفير، واندرج الناس من بعد ذلك في هذا النوع من البناء (3) وصار للبصرة بعد ذلك دور كبير فى الجياة السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي، إذ شهدت اشتعال ثاني فتنة عرفها الإسلام، وكانت ذات أهمية اقتصادية أدت إلى تطورها وتموها العمراني كما سنراه.
2 - حياة البصرة السياسية والاقتصادية:
لقد تم تقسيم العراق إلى منطقتين إداريتين، البصرة والكوفة منذ عهد الخليفة عمر ابن الخطاب، وذلك لكي يسهل الإشراف عليهما وجمع مواردهما المالية، فتم فصلهما إدارياً ومالياً وقضائياً، وأضيفت إلى إدارة البصرة جميع الأقاليم المجاورة مثل الأهواز وفارس وكرمان ومكران و سجستان و خراسان، فيمين والى البصرة على هذه المناطق ولاة يديرون شئونها وهو المسئول عنهم وهم مسئولون أمامه، وبالتالي يكون والى البصرة مسئولاً أمام الخليفة عن هذه الأماكن (4).
وقد حرص الخلفاء الراشدون على أن يأخذوا برأى أهل العراق في تعيينهم الولاة عليها وعزلهم عنها، ومع أنهم قد أعطوا الولاة صلاحيات واسعة في إدارة الولاية إلا أن الخليفة هو الذي السياسة العامة للإدارة، وكان يسأل وفود الحجاج عن حال الولاة معهم، وإذا اشتكى أحد من المواطنين من الوالى قبلت شكواه وجمع الخليفة بينه وبين المشتكى فإذا صح قوله فيه عزله (5)
يرسم
(1) انظر: الحموى ياقوت - معجم البلدان: 434، ابن عبد ربه - العقد الفريد: 242/ 7. (2) انظر: الحموى - معجم البلدان: 435/ 1 - 436، البلاذرى - فتوح: 352 وما بعدها. (3) انظر: الحموى - معجم البلدان: 348.
(4) مجموعة من الباحثين - حضارة العراق: 110/ 6.
(5) ن م والصفحة.
09 (1/59)
صفحة 54
ولما توفى عتبة بن غزوان واليها الأول ولى عليها عمر المغيرة بن شعبة (50 هـ) ثم عزله عنها لما شهد عليه بالزنا. وولى عليها أبا موسى الأشعرى (44 هـ)، ثم وليها في عثمان عبد الله عامر بن كريز (59 هـ) (1). بن
عهد
ولما استولى على الأمر معاوية بن أبي سفيان: ولى عليها زياد بن أبيه بعد وفاة المغيرة بن شعبة سنة 50 هـ إذ جمعها له مع الكوفة ولأول مرة (2) فوطد زياد الملك لمعاوية في العراق وجرد سيفه لمن خالفه وأخذ الناس بالظنة وعاقب على الشبهة، ونتج عن ذلك مخافة الناس لبعضهم البعض.
بن
وبعد وفاة زياد ولى معاوية عبيد الله بن زياد بن أبيه، ولما خلف يزيد أباه في الخلافة استمر عبيد الله في ولايته وأخلص ليزيد ووطد له ملكه وفتك بمعارضيه تنفيذاً لأوامره، وولى عليها مصعب بن الزبير (71 هـ) في إبان مبايعة أهل البصرة لعبد الله الزبير (73 هـ)، ثم ولى عليها عبد الملك أخاه بشراً (75 هـ) بعد إجلاء ابن الزبير عنها، ثم بعد وفاة بشر ولى عليها الحجاج بن يوسف الثقفى على البصرة والكوفة معاً (3)، وبنى مدينة واسط بينهما (4)، فأخلص الحجاج لعبد الملك أيما إخلاص، وفتك بمعارضيه وتتبعهم ثم خلفه يزيد بن أبى مسلم (102 هـ) بعد موته في خلافة يزيد بن. عبد الملك، ولما استخلف عمر بن عبد العزيز ولى عليها عدى بن أبى أرطأة الغزارى (102 هـ) (5).
وكان عمر بن عبد العزيز شديد الرقابة على عماله لئلا يبطشوا بالأمة بالقهر والعسف، وعرفت الأمة الإسلامية طيب العيش فعاشت فترة راحة واستقرار وطمأنينة
(1) انظر: البلاذري - فتوح البلدان: 433.
(2) انظر: مجموعة من الباحثين - حضارة العراق: 112/ 6، وخطب زياد في البصرة خطبته المشهورة بالبتراء بمعنى أنها خالية عن ذكر الله في أولها جاء فيها: (إني لأقسم بالله لأخذن الولى بالولى، والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج. سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم).
انظر: ابن الأثير - التاريخ: 222/ 3 - 223 وغيره من كتب الأدب والتاريخ.
(3) انظر: مجموعة من الباحثين - حضارة العراق: 115/ 6.
(4)
كان.، سبب تأسيسه مدينة واسط هو أن تكون مقرا للجنود الشاميين لئلا يختلطوا بالقبائل الأخرى،
انظر: حضارة العراق: 237/ 6
(5) انظر: ن م ص 116. (1/60)
صفحة 55
وذاقت طعم العدل والإنصاف من الظالم للمظلوم، حتى تبرم منه بنو مروان، وس وساءهم
عدله
و حسن سيرته
(1)
وبعد وفاة عمر بن عبد العزيز عاد الأمر كما كان قبله وشهدت العراق بأكملها اضطرابات وفتن متوالية، وخاصة بعد وفاة هشام بن عبد الملك، حتى جاءت الدولة العباسية وصارت العراق مقراً للخلافة وإنشاء بغداد عاصمة لها فتغيرت الأوضاع السياسية بعض الشيء (2).
أما على الصعيد العسكرى:
حنيف
فقد شهدت البصرتان صراعات دموية ابتداء من معركة الجمل وصفين والنهروان (3) إضافة إلى ما دار قبل ذلك بين والى البصرة لعلى عثمان بن (41 هـ) وبين طلحة (36 هـ) والزبير (36 هـ) وعائشة (58 هـ)، لما أرادوا دخول البصرة للدعوة إلى أنفسهم في القيام بطلب دم عثمان (4)
أضف إلى ذلك ثورات المحكمة والخوارج من بعد والمعركة التي دارت بين ابن الزبير وولاة عبد الملك بن مروان، والثورات المتوالية على الدولة الأموية والعباسية كل ذلك جعل البصرة ذات أهمية سياسية جعلت الخلفاء يحفلون بها، ويهتمون بما يدور
فيها
أما على الصعيد الاقتصادي:
فقد نشطت الحياة الاقتصادية فى البصرة بسبب الفتوح واتساع التجارة، وظهرت بوادر الغنى بين الناس، ويحكى أن سبب إنشاء الخاتم عند معاوية أنه أرسل رجلاً إلى عبيد الله بن زياد برسالة يطلب فيها أن يعطى حاملها مائة ألف درهم، فقضها الرسول وكتب فيها مائتي ألف، فلما رفع عبيد الله حسابه إلى معاوية استنكر ذلك ثم استعاد المائة ألف وأنشأ الخاتم (5).
(1) انظر: ابن الجوزى - سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز: 107.
(2) انظر: أبو الحسن الندوي - رجال الفكر والدعوة: 80 وما بعدها.
(3) هذه المعارك الثلاث دارت في صدر الإسلام من عام 32 - 36 هـ بين المسلمين أنفسهم وكلها بالعراق. (4) انظر: الطبري - تاريخ: 172/ 5 – 219.
(5) انظر: الطبري - تاريخ: 184/ 6، ومجموعة من الباحثين - حضارة العراق: 144/ 6.
61 (1/61)
صفحة 56
وبلغت البصرة قمة الازدهار زمن العباسيين فقد كنت هي وضاحيتها الأبلة مركز
تجارة العرب البحرية، تلك التجارة. التي انتشرت حتى بلغت بلاد الصين، ولم يقتصر الناس على المبانى الصغيرة، بل دأب البعض منهم على بناء القصور وذلك مظهر من مظاهر الحياة الاقتصادية، وخاصة في زمان معاوية ولم تكن تعرف قبل ذلك (1)، ومن أكبر الشواهد على ذلك، أن ربيعة بن عسل اليربوعي طلب من معاوية معونة لبناء داره بإمداده باثني عشر ألف جذع، حتى أن معاوية نفسه استغرب من ذلك، فكتب إليه: دارك في البصرة أم البصرة في دارك (2)
وبهذا كان لذلك أثر في النواحى الاجتماعية والعلمية، إذ لم يكن دور البصرة مقصوراً على النواحى السياسية والاقتصادية فحسب كما سنراه
3 ـ أهمية البصرة الاجتماعية والعلمية:
بعد تأسيس البصرة واستقرار المسلمين بها، أصبحت مركزاً لاستقطاب القبائل العربية التي هاجرت لغرض الاشتراك في الفتوح، ذلك لأن البصرة كانت لها دور بارز في حركة الفتح الإسلامي، وكان للقبائل العربية التى استقرت فيها نصيب وافر في تلك الفتوح وتحقيق النصر في الجناح الشرقي للدولة الإسلامية (3).
وفي أواخر عهد معاوية بن أبي سفيان هاجر كثير من الأزد إلى البصرة، لينضموا إلى من كان فيها من قبل، وتحالفوا مع ربيعة ضد تميم وقيس، كما كان للموالى شأن كبير فيها بعد انتشار الفتوح الإسلامية في الشرق، وأصبحوا يمثلون ثقلاً كبيراً في السكان، وتروى بعض المصادر أن عدد سكان البصرة حوالي عام 50 هـ كان يقدر بثلاثمائة ألف نسمة (4).
ويدلنا هذا العدد على ازدحام السكان فيها أواخر عهد معاوية، ثم ازداد العدد أضعافاً عندما حلت العصبية بين القبائل محل الوداد والأخوة في عهد الدولة الأموية
والدولة العباسية.
(1) انظر: البلاذري - فتوح البلدان: 350 - 351.
(2) انظر: محمود مصطفى - الأدب العربي وتاريخه: 199/ 1.
(3) انظر: مجموعة من الباحثين - حضارة العراق: 235/ 6 (4) انظر: دائرة المعارف الإسلامية: 670/ 1 مادة بصرة.
62 (1/62)
صفحة 57
وقد بلغ عدد الجند المقاتلة بالبصرة في أيام يوسف بن عمر لما كان والياً على
،
ديوان جند البصرة لزياد بن أبيه ثمانين ألفاً، وبلغ عدد عيالاتهم مائة ألفاً وعشرين بينما بلغ عدد جند مقاتلة الكوفة ستين لا ألفاً فقط، وعيالهم ثمانون ألفاً (1)، فبهذا يتبين أن عدد سكان البصرة كان أكثر من عدد سكان الكوفة بكثير. فاستقر الجند بها، لأنه كان من بين شروط ديوان الجند في عهد عمر أن المقاتلة إما في البصرة أو في الكوفة (2).
أما مكانتها العلمية:
يقيم
فقد لعبت البصرة في القرنين الأول والثاني للهجرة دوراً مهماً في الإسلام، فكانت مركزاً علمياً بارزاً، وملتقى للثقافة والمعرفة، وعاصمة لنشأة مختلف العلوم الإنسانية حيث وفد إليها الكثير من الصحابة والتابعين، واستقروا بها، ثم تتلمذ عليهم التابعون ونهلوا من بحورهم الفياضة، وعاشوا جواً واسعاً من الحياة الفكرية
والعقلية.
وكان للأفكار المتباينة من جميع الأجناس أثر عظيم في امتزاج العلوم والثقافة مما ساعد البصرة على أن تصبح مركز نشاط فکري، نهض بسببه المسلمون لمعالجة تلك القضايا الجديدة على المجتمع الإسلامى فكرياً واجتماعياً على ضوء الإسلام وتعاليمه القويمة، فامتزجت فيها الثقافة الإسلامية الجديدة بغيره من الثقافات ولهذا كانت البصرة مرتعاً لنشأة علم الكلام، لما للحروب التي دارت في العراق من أثر في نشأة ذلك الفن من العلوم الإسلامية فكثر تساؤل الناس من المخطئ ومن المصيب؟. هل أخطأ قتلة عثمان أم أصابوا؟ وهل لعلى يد في دم عثمان أم لا؟ وهل لطلحة والزبير وعايشة حق في قتال على أم لا؟ وهل أصاب على في التحكيم أم لا؟ وهل يحل الخروج على عبد الملك لظلم واليه الحجاج أم لا؟ وهل أصاب من فعل ذلك وخرج مع ابن الأشعث؟ (85 هـ) كل هذه الأسئلة تتردد بين الناس، وتلوكها الألسنة حتى فى دروس الصحابة والتابعين في المساجد)
(3)
(1) انظر: الحموى ياقوت - معجم البلدان: 434. (2) حضارة العراق: 235/ 6.
(3) أحمد أمين ـ فجر الإسلام: 183.
63 (1/63)
صفحة 58
فلابد إذن من أن تختلف فيها الآراء وتتعدد المناهج حول هذه القضايا وغيرها من علم الكلام، ونتج عن ذلك ظهور المذاهب الإسلامية.
وإلى جانب ذلك فقد كانت البصرة داراً للحديث إليها يرد الوارد ويؤمها القاصدون، وقد كان الزعيم الأول لمدرسة الحديث بالبصرة الصحابي الجليل: أنس بن مالك (93 هـ)، والبحر عبد الله بن عباس، وعتبة بن غزوان، وعمران بن الحصين (52 هـ)، وأبو برزة الأسلمى (65 هـ)، ومعقل بن يسار (65 هـ)، وأبو بكرة (52 هـ)، وعبد الرحمن بن سمرة (50 هـ) وجارية بن قدامة () وغيرهم، ومن التابعين خلق لا يحصى عددهم منهم الحسن البصري (110 هـ)، وأبو الشعثاء جابر بن زيد صاحب ابن عباس (93 هـ)، ومحمد بن سيرين (110 هـ)، (118 هـ)، ومطرف بن عبد الله بن الشخير (87 هـ)،، وأبو (103 هـ)، وغير هؤلاء كثير (1).
دعامة، وقتادة بن
بردة
بن
أبي
موسي
كما أن علم النحو قد اشتهرت به البصرة إذ نشأ فيها قبل الكوفة، وذلك لوجود المسلمين غير العرب، ثم نشأ فى الكوفة ولكن التفوق كان للبصرة لقربها من بادية العرب، وأنشئت القواعد النحوية ليحفظ اللسان العربي من اللحن الذي طرأ على
العربية، ولرغبة غير العرب في تعلم القرآن والحديث وعلوم العربية وغيرها (2).
وتخرج من مدرسة البصرة علماء كثيرون من التابعين وتابعيهم، وعجت البصرة بفطاحل المحدثين والفقهاء وكبار الأدباء والشعراء وقامت فيها حلقات التدريس
والمناظرات واشتهرت بفنون المعرفة، الفكر، وصارت حاضرة الشرق. وسمو
في هذه البيئة عاش الإمام أبو عبيدة وفيها قضى معظم حياته وعاصر الدولة الأموية بكاملها وجزءاً من الدولة العباسية، وساير تطورات الدولة السياسية وغيرها من المتغيرات والأحداث، مما جعل منه شخصية لها مكانتها في التاريخ، وتستحق البحث والدراسة.
ولهذا فلابد لنا من بحث الأحداث التي سايرت حياة هذا الإمام لتتجلى الظروف والملابسات التي كونت هذا الإمام وأثرت فيه كما في المبحث الآتي:
(1) انظر: محمد محمد أبو زهو - الحديث والمحدثون: 105.
(2) انظر: أحمد أمين - فجر الإسلام: 183.
64 (1/64)
صفحة 59
المطلب الأول الأحوال السياسية:. لا أجدني بحاجة إلى ذكر الخلفاء الأربعة بالتفصيل، لأن فترة خلافتهم لا تهم
البحث، ولما تنطوى عليه هذه الحقبة من اضطرابات وقلاقل خاصة في خلافة عثمان (35 هـ) وعلى (39 هـ) عمت العالم الإسلامى يومئذ ولا تزال مما جعل المؤرخين مختلفين في سياقهم لتلك الحوادث
ثم إن الخوض في مسألة الخلاف الدائر بين الصحابة الأول ممن أسلموا قبل الفتح وخاصة من شهد منهم بدراً - ليس بالأمر الهين، وما تلى ذلك الخلاف من فترة دامية ومعارك طاحنة ذهب ضحيتها خيرة الرجال، مما يجعل الباحث يرجع البصر كرتين. وإن كنت أكره ذكر شيء من القضايا التاريخية ـ التي يجب أن يسكت عنها حتماً ـ فإنني أكره ذكر تلك الفتن التي يقتل المسلمون الأخيار بعضهم بعضاً فيها، وما جرته من ويلات على الأمة الإسلامية، وما نتجت عنه من تحول بالخلافة من قيادة دينية على أساس الشورى إلى ملكية وراثية محضة
ولكن ظروف البحث تقتضى ذكر الظروف والأحداث التي عاشت فيها الشخصية محل البحث وما أنتجته هذه الأحداث - سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو فكرية ـ من انقسامات المسلمين وتكتلات بين الأحزاب، مما أدى إلى ظهور بين الفرق الإسلامية، المتباينة فى الفكر المتباعدة في وجهات النظر
-
ولهذا فسأذكر نبذة عن الخلفاء الأربعة، وما كان في أواخر خلافة الخليفة الثالث انتقادات وجهت إليه أدت إلى قتله، ونشبت عن ذلك القلاقل التي خاض من غمارها الخليفة الرابع، ولكن بعجالة، والله من وراء القصد
عثمان
1 - ظروف الخلافة الراشدة:
تشاء،
لما لحق النبي بالرفيق الأعلى، وقع الناس في حيرة من أمرهم إذ لم يستخلف على المسلمين خليفة يلزم الأمة اتباعه، بل ترك الأمر إلى الأمة لتختار هي من ساعدة، وبعد الأخذ والرد بين المهاجرين والأنصار تم
فاجتمع الصحابة في سقيفة بني
العقد على أبي بكر الصديق (13 هـ) خليفة للأمة (1).
:
(1) انظر: ابن قتيبة عبد الله بن مسلم - الإمامة والسياسة: 16/ 1، المسعودى على بن الحسين - مروج الذهب: = (1/65)
صفحة 60
وبايعه المسلمون بإجماع إلا ما روى من أن الزبير بن العوام وعلى بن أبي طالب لم يبايعاه في أول الأمر ثم بايعاه (!). وسار أبو بكر سيرة حسنة في الأمة الإسلامية، ولكنه ابتلى بحروب الردة، لما ارتد كثير من العرب عن أداء الزكاة أو عن الإسلام بأكمله، فأحرز الانتصار على المرتدين وأعادهم إلى جادة الإسلام، وبذل ما في وسعه من النصح للإسلام والمسلمين، وكان زاهداً قنوعاً شجاعاً في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم (2).
وعندما أحس بالوفاة نظر نظرة تأمل فى مصير المسلمين من بعده، وفيمن يوليه عليهم فتفرس فيمن حوله من الصحابة ليستخلفه للأمة، فلم يجد رجلاً أكفأ من عمر ابن الخطاب فخطب الناس وذكر لهم أنه لم يأل جهداً في نصح المسلمين والنظر في قيادتهم، وأنه عهد من بعده بالخلافة إلى عمر بن الخطاب فقبل الناس.
منه (3)
وتوفى والمسلمون عنه راضون ولم ينكروا عليه من سيرته شيئاً وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر ونصف تقريباً (4)
بعينه
ثم بويع عمر بن الخطاب خليفة للمسلمين عام 13 هـ (5)، فسار في الناس سيرة حسنة ودون الدواوين، وكثرت الفتوح في عهده، وكان مثالاً حياً للحاكم المسلم الشجاع ونظر فيمن يعهد إليه بأمر الأمة، فلم يعهد على أحد. على أن عهد أبي بكر له بالخلافة ليس من قبيل ولاية العهد لأقرباء الخليفة، وإنما حيث أنه كان أكفأ الناس يومئذ للخلافة مع أنه استشار
كان ذلك لمصلحة الأمة
، من
في ذلك كبار الصحابة قبل أن يكتب العهد له (6)، ثم أنه من تيم بن مرة وعمر من
بني
عدى، فليس بينهما قرابة ر-
= 375/ 2، السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر - تاريخ الخلفاء: 69 - 70، البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 37. (1) انظر: المسعودى ـ مروج الذهب: 329/ 2، السيوطي - تاريخ الخلفاء: 69، البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 37. (2) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 23/ 1، السيوطي - تاريخ الخلفاء: 75.
(3) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 25/ 1، حسن إبراهيم حسن - تاريخ الإسلام: 332/ 1. (4) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 323/ 1، المسعودى - مروج الذهب: 325/ 2، السيوطي - تاريخ:
210
(5) انظر: المسعودى ـ مروج الذهب: 33/ 2، السيوطى - تاريخ الخلفاء: 27، حسن إبراهيم - تاريخ الإسلام:
333/ 1
(6) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 25/ 1، البرادي - الجواهر المنتقاة: 42 - 43.
|–
66 (1/66)
صفحة 61
وعندما طعن عمر وأحس بدنو أجله نظر فيمن يستخلفه من بعده، فلم يجد شخصاً لا يخالجه فيه الشك (1)، وأشار إليه بعض أصحابه بأن يعهد إلى ابنه فلم يوافق (2) وخاف على الأمة من الفرقة فجعل الأمر شورى بين ستة نفر، هم: على (39 هـ)، وعثمان (35 هـ)، وطلحة (35 هـ)، والزبير (35 هـ)، وسعد بن أبي وقاص (55 هـ)، وعبد الرحمن بن عوف (32 هـ)، وأوصاهم بأن لا يختلفوا فتختلف الأمة باختلافهم. وليحضروا عبد الله بن عمر (73 هـ) مستشاراً فقط، وأن يرجح الجانب الذي يؤيده ابن عمر، وقال لصهيب: إن لم يتفقوا على رجل منهم فاضرب أعناقهم (3).
ولما توفى عمر في مرضه ذلك وقع الاختيار على عثمان بعد التزامه بالميثاق الذي أخذه عليه عبد الرحمن بن عوف على أن يحكم بما في كتاب الله وبما مضى عليه رسول الله الله وأبو بكر وعمر بويع بالخلافة وكان قد بلغ السبعين من عمره، وكان سهلاً لين العريكة ليس فيه حزم أبى بكر وعمر (4).
ولم يستطع تسيير أمور الدولة إلا ست سنوات استقامت أموره فيه، وذلك بسبب تغير أحوال الأمة واختلاف ظروف الحياة عما كانت عليه في عهد أبي بكر وعمر، وكثرة الأموال واتساع الفتوح وكثرة المطامع وتعود الناس على الحياة المترفة (5). (قال الزهرى: ولى عثمان الخلافة اثنتى عشرة سنة يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئاً، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب،، لأن. عمر كان شديداً عليهم، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى فى أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر، وكتب لمروان بخمس أفريقية، وأعطى أقرباءه وأهل بيته المال، وتأول فى ذلك الصلة التي أمر الله بها وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما لهما، وأنى أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك) (6)
هو
(1) انظر: حسن إبراهيم - تاريخ الإسلام: 254/ 1، البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 51. (2) انظر: المسعودى - مروج الذهب: 333/ 2، حسن إبراهيم - تاريخ الإسلام: 254/ 1. (3) انظر: المسعودى - مروج الذهب: 254/ 2، 433، البرادي - الجواهر المنتقاة: 51، حسن إبراهيم ـ تاريخ الإسلام: 354/ 1، ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 28/ 1، ابن الأثير ـ تاريخ: 35/ 3.
(4) ن م والصفحة، حسن ـ تاريخ: 354/ 1.
(5) ن م: 434، 454، السيوطى ـ تاريخ الخلفاء: 156
(6) السيوطى - تاريخ الخلفاء: 156، وانظر البرادي - الجواهر: 53، ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 35/ 1.
67 (1/67)
صفحة 62
لطالبه كثير من الصحابة بتغيير سياسته فيما عيب عليه فيه فوعدهم خيراً ولكنه لم يف (1) وكانت اليد الأولى لمروان بن الحكم (65 هـ) في عدم تراجع عثمان عما عيب عليه لأنه مستشاره، وكاتبه من أقربائه الذين لم يستطع إلا محاباتهم
(2)
فأدى ذلك الحال إلى حصاره وقتله عام (35 هـ) ولم يستخلف أحداً على الأمة
،
فعقدت البيعة لعلى في نفس الشهر الذي قتل فيه عثمان بالمدينة في ظروف قلقة وكانت بيعته بإجماع الصحابة بالمدينة إلا ما قيل من أن طلحة والزبير بايعاه كارهين، كما أن أمية توقفوا عن البيعة وكذلك عبد الله بن عمر (73 هـ)، وسعد بن أبي بني
وقاص
(3)
بن
واجه الإمام على بن أبي طالب بداية تلك الفتنة من يومها الأول، وخرج عليه طلحة والزبير واستمالا السيدة عائشة للمطالبة بدم عثمان من على، فخرجوا جميعاً إلى مكة أولاً. وجمعوا الناس، وساروا إلى البصرة ودخلوها بقتال مع واليها. عثمان حنيف كانت لهم النصرة فيه، ولما قدم على البصرة طالبهم بالعودة إلى الطاعة يوافقوا، فكانت بينهم الوقعة المعروفة بوقعة الجمل، وصار النصر فيها حليف على وقتل طلحة وفر الزبير إلى المدينة فقتل في الطريق (4)
فلم
ثم إن علياً حاول أن يصلح ما عابه الناس على عثمان (5)، فرد الإقطاعات التي أقطعها عثمان إلى بيت المال، وعزل ولاة عثمان على الأمصار، ونصحه ابن عباس تهدأ الأمور ويسلم الولاة له بالبيعة فأبى، وفي ذلك
حتى
والمغيرة بن شعبة عن ذلك (1) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 35/ 1، المسعودى - مروج: 373/ 2، ابن الأثير ـ تاريخ: 49/ 3، 51،. 55، 56، 75 وما بعدها.
(2) انظر: ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة: 57/ 1، ابن الأثير – تاريخ: 98/ 3 - 99، السيوطي ـ تاريخ: 17، حسن إبراهيم، تاريخ الإسلام: 334/ 1. (3) انظر: ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة: 57/ 1، ابن الأثير – تاريخ: 98/ 3 - 99، السيوطي ـ تاريخ: 17، حسن إبراهيم، تاريخ الإسلام: 334/ 1. (4) انظر: ابن قتيبة: 70، 73، ابن الأثير - تاريخ: 105/ 3 - 135، المسعودى - مروج الذهب: 389/ 2 وغيرها من مصادر التاريخ، وكانت وقعة الجمل في الموضع المعروف بالخريبة من البصرة عام 36 هـ في جمادى الأولى. انظر: اليعقوبي ـ تاريخ: 182/ 2 - 184 ويروى عن الإمام مالك بن أنس المدنى كان يقول: في عثمان وعلى وطلحة والزبير: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر. انظر: المبرد - الكامل: 159/ 2.
(ه) انظر ما عابه الناس على عثمان في كتاب: الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 35/ 1، البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 53
وما بعدها.
68 (1/68)
صفحة 63
يقول المغيرة: نصحته فلم يقبل فغششته (1)، وذلك حينما نصحه عن عزل معاوية حتى يبايع.
وكان هدف على من عزل ولاة عثمان تلبية رغبة أهل الأمصار فقد كانت تولية
عثمان لهم من جملة ما عيب عليه.
من
قتلته،
ولم يدخل معاوية مع المسلمين في طاعة على بحجة المطالبة بدم. عثمان وهب أنه كذلك فكيف لعلى أن يأخذ القتلة قبل أن تتم بيعته، لأنه لا يأخذ الحق إلا
الإمام، فجهز معاوية جيشاً من أهل الشام قوامه ستون أو سبعون ألف يقوده بنفسه،
،
ومعه أبناء عمه كالوليد بن عقبة (61 هـ) المجلود على الخمر، ومروان بن الحكم وغيرهم من أمثال عمرو بن العاص السهمى (43 هـ) (2) المحاربة على، قصد الاستيلاء على الخلافة تحت ستار المطالبة بدم عثمان (3)، وبعد الأعذار من على لمعاوية والمراسلات المستمرة بينهما للدخول تحت طاعة الإمام الشرعى ظهر تعنت معاوية، وقصده قتال على عياناً، ونشبت بينهما معركة صفين (4)، مما أدى إلى الاتفاق على التحكيم بين على ومعاوية، ورفض جمع كبير من جيش على الموافقة على التحكيم فوافقهم فى البداية وقالوا لعلى: إنها خدعة ولكن أصر بعض أصحاب على أيضاً على التحكيم فوافقهم عمرو بن العاص من الإمامة بعدما كان النصر أن يكون لعلى فخلعه
في المعركة (5)
6
وتفرق الناس عن على بعدما رفض جماعة كبيرة من جيش على الذين يدعون بالقراء التحكيم فلم يوافقهم على الرفض وكانوا خيار جيشه، وعاد لمحاربتهم بدلاً. أن يحارب الذين خلعوه ونكثوا بيعته وقضى عليهم فى معركة ضارية بالنهروان
(1) انظر: المسعودي - مروج: 391/ 2، ابن الأثير ـ تاريخ: 102/ 3.
(2) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 140/ 3 - 141.
(3) انظر: ن م والصفحة، المسعودى - مروج: 415/ 2 وما بعدها. (4) موضع بالعراق.
(3)
من
،
(5) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 141/ 3 - 166، ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 95/ 1 وما بعدها، المسعودي مروج الذهب: 388/ 2 وما بعدها، البرادي - الجواهر المنتقاة: 106 - 117.
(6) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 169/ 3 وما بعدها، 121 - 128، البرادي - الجواهر المنتقاة: 118 - 139، المسعودي ـ مروج: 449/ 2 - 452. (1/69)
صفحة 64
وهم الذين يدعون بالحكمة وسماهم على بالحرورية لاجتماعهم بحروراء (1) فقضى على عليهم فى تلك المعركة إلا نفراً يسيراً منهم، هربوا بعد الهزيمة،
وترك عدوه الخارج عليه وهو معاوية ومن معه، فهو بهذا قد فل جيشه بنفسه، فكان
ذلك سببا في تفرق الناس عنه وفشله في سياسته وانتصر معاوية بهذه المكيدة (2)
على أننا إذا نظرنا في ثورة معاوية على على في المطالبة بدم عثمان، لم نجد لها مبررا البته، وكذلك ثورة عائشة وطلحة والزبير، لأن عثمان له أبناء يطالبون بدمه إن أرادوا لا عصبية قوم، وذلك لأن المسلمين قد عقدوا على على البيعة بالمدينة وفيهم أهل
بدر وكانت البيعة صحيحة، وقد بايعه طلحة والزبير مع من بايع، ولم ينتظروا حتى تهدأ الأمور وتستقيم أوضاع الأمة ويقيم الأحكام وينفذ الحدود، وبالتالي فلابد من أن ينظر هو والمسلمون في أمر قتلة عثمان، علما بأنه قد وعد المطالبين له بذلك، ولكنهم عاجلوه بالقتال ليقضى الله أمرا كان مفعولا) (3) وكان على مصيبا في قتاله لهم إذ هو على حق وهم بغاة، ولكنه أصيب فى مقاتله بمكيدة التحكيم وذلك خطأ في الرأي،
(1) قال على لأهل النهروان: (أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء) المبرد محمد بن يزيد ـ الكامل: 136/ 2، و حروراء مكان معروف بالعراق بالقرب من نهر الفرات. (2) كان من الواجب على على أن لا يقبل التحكيم من أول الأمر، وحكم الله ظاهر في قتال الفئة الباغية، إذ أن معاوية هو الذي شق عصا الطاعة، وخرج على الإمام الصحيح البيعة بغيا عليه لا لطلب دم عثمان، وإنما ذلك لأجل ما تمليه عليه أحقاد الجاهلية بين هاشم وأمية، ومعاوية لم ينصر عثمان وهو حى مع علمه بالفتنة فإنها ما كانت بين يوم وليلة بل دامت أكثر من شهر، و (إن هذه النتيجة السيئة لازمة الحكمين قد حكما بكتاب لم تبين فيه المعالم التي ينتهيان إليها، ولا الحدود التي ليس لهما أن يتجاوزاها، بل الكتاب كله كلام مفكك العرى غير ظاهر الحدود والمعالم، وأحد الحكمين رجل فيه غفلة وعدم تقدير للأمور وهو حاقد على على منذ عزله عن الإمرة فخذل عنه من قبل ذلك، وقد قعد عن نصرته، ورآه سائرا في فتنة أزكت النار بين المسلمين، فهو لأمر على كاره ومن خلافته نافر، فما كان لأصحاب على أن يشيروا باختياره لهذا الأمر الذى هو فوق إدراكه ولا قدرة له على حمله، وكان خيرا لعلى أن يجعل أمره بيد خصمه معاوية من أن يجعله في يد رجل لا يقدر الأمور. فما كان حكم معاوية إذ جاء على على بأكثر ضررا ولا أشد إيلاما من حكم أبي موسى، وهل يوجد أكثر غفلة من رجل يريد ابن عمر للخلافة مع أن عمر منعه إياها، ولو لم يكن بينهما كتاب على ما اتفقا عليه، جورا كان أو عدلا، وهل كان عزل على في كتاب الله الذي أخذ عليهما العهد أن يعملا به). ابن الأثير ـ التاريخ: 169/ 3 بالهامش، وانظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 114/ 1 - 115، حسن إبراهيم تاريخ الإسلام: 366/ 1 - 367. (3) 42 الأنفال وتمام الآية إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا .... إلخ.
70 (1/70)
صفحة 65
ثم
40 هـ (1)
كان مصيره القتل على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي عام وهكذا كانت العراق موطن هذه القلاقل، وأصاب شررها جميع مدن المشرق، وأصيبت الأمة بالشتات والتمزق، وكان لقتل أهل النهروان أثر عظيم في نفوس المسلمين إضافة إلى ما سبق من معركتي الجمل وصفين، ودعى أهل النهروان ومن والاهم بالمحكمة، ولقبهم على بالحرورية، وسموا أيضا الثراة، ورماهم الأمويون باسم الخوارج على ما سيأتى بعد، وانتهت بقتل على الخلافة الراشدة، ودخلت حقبة دولة بني أمية وبنى مروان كما سيأتي
أ ـ الدولة الأموية (2):
ابتدأت الدولة الأموية باستيلاء معاوية بن أبي سفيان على مقاليد الحكم بعد عمل شتى الحيل لإقصاء الإمام على عن الخلافة
أن
ومما لا شك فيه أن الدعايات التي كان يبثها معاوية بين أتباعه من أهل الشام وغيرهم ضد الإمام على من أنه باغ، وناكث للعهود، صار لها الأثر الكبير بين أتباعه، فعندما بلغه أن عليا يدعو الناس إلى حربه بعث فى نواحى الشام الصرخاء بأن عليا با باغ وناكث نكث فإنما ينكث على نفسه، وقد جاء لحربكم، فأعار أهل، ومن الشام رؤوسهم لمعاوية عند القتال بسبب تأثير مثل هذه الإشاعات (3) وسمعوا أيضا. منه ومن عمرو بن العاص (47) هـ) قولهما:
: أن عليا
هو
الذي
(1) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 138/ 1، المسعودى ـ مروج: 450/ 2 وما بعدها، ابن الأثير تاريخ: 194/ 3 وما بعدها.
(2) الدولة الأموية:: اسم غلب على فترة ما بعد الخلافة الراشدة منذ عام 37 هـ إلى قيام الدولة العباسية عام 132 هـ، والحال أن الأمراء من بنى مروان كانوا أكثر عددا وزمنا منهم من بني أمية، ولكن لقب: «الدولة الأموية» غلب على جميع هذه الحقبة، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الدولة الأموية ابتدأت باستيلاء معاوية بن أبي سفيان على الأمر، وميزت عن الخلافة الراشدة لأن معاوية سار بها سيرة الملوك. وما كان لي أن أخوض في تاريخ الدولة الأموية لأن ذلك مما يخرج بي عن نطاق البحث، ولكن الضرورة تستدعى ذكر الظروف السياسية التي مرت بها الدولة الإسلامية في زمان الإمام أبي عبيدة منذ عهد معاوية بن أبي سفيان إلى وفاة الإمام أبي عبيدة، في خلافة أبي جعفر المنصور حوالي عام 145 هـ، وذلك لتغير مسار الحكم عما كان عليه الأمر في عهد الخلفاء الراشدين فنحن نشنف آذاننا على تلك السيرة العطرة في عهد الخلافة الراشدة ونحن في القرن الخامس عشر الهجري، فكيف بمن كان قريب عهد بتلك الحقبة؟ وسيكون ذكرنا لها باختصار شديد إن شاء الله. (3) انظر: بلاذرى - أنساب: 384/ 2.
71 (1/71)
صفحة 66
قتل عمار بن ياسر (36) هـ)، لكونه هو الذى أخرجه للقتال. وذلك قلب للحقيقة إذ المعروف أن جيش معاوية هو الذي قتل عمارا، ولم يكن صنيعهما هذا إلا فرارا من الوقوع في وصفهم بالفئة الباغية القاتلة لعمار (1)
من
وقد بلغ من كيد معاوية لعلى أنه (لما بلغه قتال على لأهل النهروان كاتب وجوه من مع على مثل الأشعث بن قيس (40 هـ) وغيره ووعدهم ومناهم، وبذل لهم حتى مالوا إليه وتثاقلوا عن السير مع على فكان يخاطب جيشه، فلا يلتفت إليه، ويدعو فلا يسمع لدعوته، فكان معاوية يقول: لقد حاربت عليا بعد صفين بغير جيش ولا
عناء) (2).
كما أن من مظاهر السياسة العدوانية من معاوية لعلى قتله لمحمد بن أبي بكر (35) هـ) على يد معاوية بن حديج (52) (هـ)، وإحراقه في جيفة حمار (3)، وهذا في حد ذاته خرق للقواعد الإسلامية التى تمنع المثلة والحرق بالنار، إذ لا يعذب بها إلا الله عز وجل.
وكذلك قتل معاوية للأشتر (38 هـ) الذي بعثه على إلى مصر لمساندة محمد بن أبي بكر، فأمر معاوية من يدس له سما يسقيه إياه في شربة عسل فسقاه إياه رجل من أهل المدينة على مرحلتين من الفسطاط بمصر، فمات منها عام 38 هـ مضرب مثل لذلك فى أيام معاوية فقيل: إن لله جنودا من عسل (4).
C
فصارت
(1) من المؤكد أن عمارا قتله جيش معاوية في صفين وبأمره خاصة، وذلك أنه لما ازدحم القتال في صفين وأضجر عمار معاوية وعمرو بن العاص، وكاد أن يصل عمار إليه ويقتله من شدته ومعه القراء من أصحاب على، أرسل إليه معاوية خيلا فاختطفوه وقتلوه وسموا ذلك فتح الفتوح، ثم اختصم رجلان في رأس عمار كل واحد منهما يدعى قتله فقال لهما عبد الله بن عمرو بن العاص: - وكان في جيش معاوية - ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله له يقول لعمار: (تقتلك الفئة الباغية وورد فى رواية أخرى: (ما لهم ولعمار يدعوهم إلى
الجنة ويدعونه إلى النار).
انظر: ابن عبد ربه ــ العقد الفريد: 82/ 5، وابن خلدون: تاريخ: 1107. (2) بلاذري ـ أنساب: 383/ 2، وانظر: ابن خلدون ـ تاريخ: 1134/ 2. (3) انظر: اليعقوبي ـ تاريخ: 194/ 2 (4) انظر ن م والصفحة، البلاذرى - الأنساب: 398/ 2 - 399، الطبري - تاريخ: 141/ 6، وقد استبعد ابن خلدون هذه القصة، والواقع أنها غير بعيدة لأنها لم تكن مجرد رواية بل صارت مضرب مثل لشهرتها. انظر: ابن
خلدون ـ تاريخ: 1135/ 2.
-
72 (1/72)
صفحة 67
وهذا بدوره كذلك خارج عن الأعمال المتعارف عليها في الإسلام ولم يحمله
على ذلك إلا النيل من على وكسر شوكته، والواقع أن عليا يمثل حق الدولة الإسلامية والمسلمين آنذاك، أما معاوية فهو يمثل حقوقا ويطمح إلى آمال شخصية وهي في رأى بعض الباحثين تمت إلى الجاهلية بصلة (1)
ولم يكتف معاوية بذلك بل جعل لعن على سنة وعادة وأمر بها ولاته في الأمصار وأمرهم أن يعاقبوا من أبى عن ذلك، فكانت كبقية العادات المستحدثة في الدولة يومئذ فنشأ عليها الصغير ومات عليها الكبير، واستمرت تلك العادة حتى قام بتغييرها عمر ابن عبد العزيز (101 هـ) (2)، وقتل حجر بن عدى (51) هـ) وأصحابه على عدم لعنه عليا أيام زياد بن أبيه (53) هـ) (3)، ونال معاوية من وخز الضمير والجزع من حجرا شيء كثير، وقد روى الطبرى عن ابن سيرين أن معاوية لما حضرته الوفاة جعل يغرغر بصوته ويقول: (يومى منك يا حجر يوم طويل) (4) وقال: (ما أعد نفسى حليما بعد قتلى حجرا وأصحاب
حجر)
(o)
قتله
واستعان معاوية على تنفيذ طموحاته بمن عرف منهم الإخلاص له وأعطاهم ما شاءوا أمثال عمرو بن العاص (47 هـ) فقد أعطاه
،
(1) انظر: مجموعة من الباحثين، دائرة المعارف الإسلامية: 668/ 3.
مصر طعمة (6)، والمغيرة بن
(2) انظر: المسعودى - مروج الذهب: 39/ 3، 40، الزبيري ـ نسب قريش 47 - 48.
(3) انظر: الطبري ـ تاريخ: 143/ 6، الأصفهاني ـ الأغاني: 2/ 16، اليعقوبي ـ تاريخ: 231/ 2، ابن الأثير –
الكامل: 223/ 3 (4) الطبري ــ تاريخ: 143/ 6.
231/ 2:
(5) اليعقوبي ـ تاريخ: 2
(6) انظر: البلاذرى - أنساب: 282/ 2، وذكر المؤرخون أن معاوية كتب إلى عمرو بن العاص بعد انتهاء معركة الجمل يستقدمه لتدبير سياسة بيعة معاوية وإقصاء على عن الخلافة، فاستشار عمرو ابنيه عبد الله ومحمد فأشار عليه عبد الله بالقعود، وأشار عليه محمد بالمسير، فناشدهما مرة ثانية فقال عبد الله: إن كان لابد فإلى على، وقال محمد: إلى معاوية، فقال لعبد الله: أردت ديني، وقال لمحمد: أردت دنياى، ثم سار إلى معاوية وتدارسا أمر على وأقرا له بالسبق، ولكن قال معاوية: نقاتله على ما في أيدينا ونلزمه قتل عثمان، فرد عليه عمرو بعدم ذكر عثمان لأنه هرب إلى فلسطين ومعاوية لم ينصره بأهل الشام، وأمر معاوية على البيعة فقال له: عمرو: لا والله لا أعطيك من دينى حتى تعطيني من دنياك، فقال له: لك مصر طعمة، واحتال معاوية على إخراج قيس بن سعد فكتب إليه قيس من قيس بن سعد إلى معاوية بن صخر. أما بعد: فإنما أنت وثن من أوثان
مصر
عامل على على. مكة دخلت في الإسلام كارها وخرجت منه طائعا).
فكان لكل من عمرو وابنيه ومولاه ألوية في معركة صفين ضد على، ولما اشتد القتال عاتب عمرو معاوية وجعل =
73 (1/73)
صفحة 68
شعبة (50 هـ، وقد أعطاه الكوفة أيضا (1)، وجعل ولاية عهده ليزيد ابنه واستلحق زياد من أبيه إلى أبي سفيان لذكائه ودهائه، وكان من عمال على فأقنعه المغيرة فوافق على إلحاقه بأبي سفيان (2)
ينفس من همه ويقول: لولا مصر وولايتها لركبت النجاة منها، فإني أعلم أن على بن أبى طالب على الحق وأنت على ضده، فقال معاوية: مصر والله أعمتك ولولا مصر لألفيتك بصيرا، وقال له عمر و ذات مرة: أترى أننا خالفنا عليا لفضل منا عليه، لا والله إن هى إلا الدنيا نتكالب عليها وأيم الله: لتقطعن لى قطعة من دنياك وإلا نابذتك، وهذا يخالف ما ذكره ابن خلدون من أن معاوية لما أراد فتح مصر تخير من يسير إليها فاختار عمراً لكفاءته القتالية، ذلك لأن مصر قد فتحت في عهد عمر بن الخطاب، وقد كتب معاوية عهدا على مصر لعمرو قبل معركة صفين لسابق اتفاق بينهما فابتزوها من عمال على.
نعم لقد كان عمرو واليا لعمر بن الخطاب على مصر وكان يتلكأ فى تسليم الخراج إلى عمر. فلم يمالئه عمر ولا داهنه، بل كتب إليه: أما بعد: فإني قد عجبت ـ مع كثرة كتبى إليك ـ من إبطائك بالخراج وكتابك إلى بثنيات الطرق، وقد علمت أنى لست أرضى منك إلا بالحق البين، ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك، ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء المسلمين، وعندى من قد تعلم أنهم محصورون، والسلام. فانظر الفرق الشاسع بين عمر ومعاوية في النصح
للمسلمين.
هم
-
الخلافة
ومن الجدير بالذكر أن عمرا لما دخل في خدمة معاوية كان قد بلغ من الكبر عتيا، وقد أبلى قبل ذلك في خدمة الإسلام بلاء حسنا، ولكنه لم يصبر على ذلك وأمضى سبع سنين فقط في خلافة معاوية وتوفى بمصر عام 47 هـ. انظر: اليعقوبي - تاريخ: 184/ 2 - 187، البلاذرى - أنساب: 282/ 2، المقريزي - خطط: 87/ 1، المسعودي ـ مروج: 35/ 3، ابن خلدون - تاريخ: 96/ 2، العقاد - معاوية بن أبي سفيان: 32 - 34. (1) انظر: عبد المنعم ماجد ـ التاريخ السياسي: 27/ 2. (2) كان المغيرة بن شعبة واليا لعلى على الكوفة فلما استقرت الأمور لمعاوية بعد قتل على وتنازل الحسن له عن ا أن يعزل المغيرة، فلما بلغه ذلك سار إلى الشام حتى أتى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين قد علمت ما لقيت هذه الأمة من الفتنة والاختلاف، وفى عنقك الموت وأنا أخاف أن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان، فاجعل للناس بعدك علما يفزعون إليه واجعل ذلك يزيد ابنك فأجابه معاوية واستحسن مشورته ونفذ رأيه وألزم الناس بيعته، وعدل عن نقله المغيرة عن الكوفة، وطلب منه معاوية أن ينظر فيما يصلح السلطان ويرضى نفس معاوية وأن يقوم بلعن على وشتمه وشتم أصحابه وشتم قتلة عثمان والترضى عنه وأن يدنى أصحابه ويستمع لحوائجهم ويقصى أصحاب على وقد أورد الطبرى تلك الوصية (ول، تاركا إيصاءك بخصلة إلا تتحم عن شتم على وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب على والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والإدناء لهم والاستماع (منهم) فأخلص المغيرة في تنفيذ ما وصاه به معاوية من لعن على وسبه وشتمه إرضاء لمعاوية، وكان ذلك سببا من الأسباب التي أدت إلى قتل معاوية الحجر بن عدى وأصحابه عندما جعلوا ينادون برفض السب والشتم كلما سمعوه من المغيرة، ولكنه يعرض عنهم حتى رفع زياد أمرهم إلى معاوية والمغيرة. وهو الذي أقنع زيادا بقبول ادعاء معاوية أنه ابن لأبي سفيان لكي يكسبه إلى صفه حتى مال زياد واقتنع بطلب =
=
?? (1/74)
صفحة 69
والمهم في الأمر أن معاوية استطاع أن يحقق أحلام أبي سفيان لحنقه على بنى هاشم وعدم تولى بني أمية إبان الخلافة الراشدة شيئا من الأمر فكم من مرة يجيئ إلى الإمام على عندما تولى أبو بكر الخلافة بعد النبي فيرد عليه على بما يوغر صدره (1) وبلغ أبا بكر ذلك فخطب الناس وقال: (يأيها الناس إذا كرهتمونى فاستقبلوني أقلكم فقال له على بن أبي طالب: هيهات هيهات لا تقال ولا تستقال) (2).
(r)
وتغيرت الحياة منذ استيلاء معاوية على الحكم فحول الخلافة إلى ملك والخشونة إلى اللين، (وما كان إعلان الخلافة منه على الناس كافة إلا بعد إعلان قتل على وتنازل الحسن بن على (50 هـ) له عن الحكم (4)
وسار فيها بسيرة الملوك، وعندما جاء عمرو بن العاص ومعه وفد من أهل مصر أمر معاوية الحجبة أن ينغصوا الوفد قبل أن يدخلوا، فلما دخلوا سلموا عليه بالرسالة فأعجبه ذلك (5) وأغلظ له رجل القول - ذات مرة - فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: (إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا ملكنا) و بين
(7)
يقول العقاد: (كان الرجل من النصحاء يدخل عليه كأنما يبكته فيسلم عليه بالملك ولا يسلم عليه بالخلافة، وتتابع عليه في أيامه الأولى من يقول له: السلام عليكم أيها الملك فكان ينكر الاسم ولا ينكر السمة إلى أن تنازعه الخيار بين ترك السمة أو التمادى فيها فتمادى فيها، وقال جهرة لمن حوله: نعم أنا أول الملوك) (7)، واستحدث أمورا
= معاوية، وذكر السيوطى عن الثعالبي وغيره أن استلحاق معاوية بن أبي سفيان زيادا بنسبه إلى أبيه أبي سفيان كان أول قضية غير فيها حكم الإسلام ورد فيها حكم الله عز وجل: لأن الله يقول: وادعوهم لآبائهم له (ه الأحزاب)، و أن ينسب الزنيم إلى أمه، ولذلك سمى زياد الدعى لأنه مدعى وإنما استلحقه معاوية لما علم فيه من الذكاء والفطنة، وكان مع على فأراد صرفه عنه ولم يرد نسبه إلى أبيه إلا في زمن المهدى فصار اسمه زياد بن عبيد. انظر: الطبرى ـ تاريخ: 141/ 6 - 143، البلاذرى - أنساب: 352/ 2، ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة: 142/ 1، المسعودي. - مروج: 7/ 3 - 8، وانظر عن الحاق زياد بنسبه إلى عبيد: الطبري - تاريخ: 335/ 9، السيوطي - تاريخ الخلفاء: 1960، جورجي زيدان - تاريخ التمدن الإسلامي: 82/ 1، ابن الأثير ـ الكامل:
219/ 3
(1) انظر: البلاذري _ أنساب: 588/ 1
(2) الباروني - الأزهار الرياضية: 161/ 2.
(3) انظر: المبرد - الكامل: 172/ 2، أبو الأعلى المودودي - الخلافة والملك: 93 – 97. (4) انظر: ابن الأثير - الكامل: 203/ 3، عبد المنعم ماجد ـ التاريخ السياسي: 14/ 2. (5) انظر: الطبري - تاريخ: 184/ 6.
(6) انظر: ن م ص 187
(7) عباس العقاد ـ معاوية بن أبي سفيان: 134 - 135 وانظر: ابن الأثير - الكامل: 194/ 3 – 460.
Vo (1/75)
صفحة 70
لم تكن موجودة زمان الخلافة الراشدة فبنى لنفسه قصرا سماه الخضراء، واتخذ فيه السرير للجلوس، ووضع حوله الستائر، وأحاط نفسه بالحجاب، وجعل الحراس تمشى بالحراب بين يديه وأوجد الشرطة الحراسته، وكان إذا صلى في المسجد جلس في بيت منفرد، بجدران عرف بالمقصورة بقصد حمايته أثناء الصلاة، وهذه الأمور ما كانت موجودة عند العرب بل هى من سيرة الملوك (1) واتخذ ديوان الخاتم وحزم الكتب وكانت لا تحزم (2).
يمس
من
وسار معاوية في الأمة بهذه السيرة سيرة الأبهة والسيادة – وفي الناس ما فيهم من الغيظ على تغير وجه الخلافة من الاستقامة إلى ترك الناس وشأنهم فيما يعملون ما لم ذلك شيئا من سياسة الملك فسلك الناس مناهج شتى، والسواد الأعظم من الأمة وراء ما يمليه معاوية عليهم باستثناء الخاصة، ولا يستغرب أن حدث هذا التغير من أناس لا صلة لهم بقرب الرسالة المحمدية، ولكنه أن حدث من مثل معاوية وأعوانه الذين عاصروا نزول الوحي برهة من الزمن وقلبوا أبصارهم في وجه النبي عليه الصلاة والسلام والمهاجرين والأنصار والذين قال الله فيهم: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه ... إلخ الله (3) هؤلاء هم الذين تربوا في معهد النبوة، فاتصفوا بهذه الأوصاف وتغيّر هذه الحالة هو الذى أدهش الناس يومئذ، فثبت الله الذين آمنوا حق الإيمان بالقول الثابت وتمسكوا بالمحجة البيضاء، فما حدث من معاوية لمما يدهش المسلم. وعندما توفى معاوية خلفه ابنه يزيد (14) (هـ) فغير وبدل فأصابت الأمة نكسة في الأخلاق والآداب وانتشرت فيها المادية والعبث، ووجد المغرضون سبيلا إلى وصول المثل الإسلامية إلى الحضيض، وصار كثير من الناس يجرون وراء النفع العاجل، واتصف يزيد بشربه للخمر وسفكه للدماء وسمعه للغناء، يقول البلاذرى: (كان يزيد بن معاوية من شرابي الخمر. سماعى الغناء، المستهترين وممن اتخذ الصيد حرفة واتخذ الفتيان والغلمان والتفكه بالقرود والمعاقرة بالكلاب والديكة، وجرى
-
(1) انظر: اليعقوبي ـ تاريخ: 223/ 2، ابن خلدون - مقدمة: 328/ 1، عبد المنعم ماجد ـ التاريخ السياسي: 22/ 2 - 23، وانظر: عن الفرق بين الخلافة والملك: أبو الأعلى المودودي - الخلافة والملك: 99 - 112، جورجى زيدان - تاريخ التمدن الإسلامي: 1/ 81 - 83.
(2) انظر: الطبري - تاريخ: 184/ 6.
76
(3) الفتح: 29. (1/76)
صفحة 71
على يده قتل الحسين، وواقعة الحرة، ورمى البيت الحرام، وإحراقه، وكان يضع قرده الذي سماه «أباقيس» بين يديه يسقيه النبيذ ويضحك عليه ويركبه على حمار وحشية ومات وهو سكران) (1)
ويكفى ما فعل يزيد بأهل المدينة فى واقعة الحرة، لأن الحنق والغيظ قد ملأ صدر معاوية وابنه على أهل بدر وعندما حضرت معاوية الوفاة أوصى ابنه يزيدا بأن له يوما من أهل المدينة فإذا فعلوا فليرمهم بمسلم بن عقبة المرى (62 هـ) فإنه رجل عرف (2)، ولما جاء يزيد خبر انتصار المرى على أهل المدينة تمثل:
نصيحته
من
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا ولقالوا ليزيد لا فشل (3)
ويروى أنه لما كتب إليه المرى بانتصاره وقع في أسفل الكتاب: فلا تأس على القوم الفاسقين) (4) ودخل الجيش المدينة. ويقال: أن عددا كبيرا من الأبكار حملن من معرة الجيش، وقتل فيها خلقا عظيما من الأبرياء، وانتهكت الحرم، وأخذ البيعة كل مبايع بأنه عبدقن ليزيد ومن يخالف يقطع عنقه (5) وكذلك قتله للحسين بن على (61 هـ) ظلما وعدوانا، وقد طلب الأمان فلم يؤمن وذلك على يد عبيد الله زياد، وقتل معه كثيرا من أهل بيته، وكذلك انتهاكه حرم مكة الكعبة، ورميه بالمنجنيق (6)، واستخلف يزيد ابنه معاوية (63) (هـ)، ولكنه لما مات يزيد كان عمره ثمان عشرة سنة ومكث مدة لا يخرج من منزله ثم خرج فخطب الناس وتنازل عن الخلافة، وطلب منه بعض الحاضرين أن يؤمر عليهم من يرضاه لهم، فقال: «لا
بن
(1) البلاذرى ـ أنساب: 1/ 4 - 2، وانظر: المسعودى - مروج: 82/ 3، المبرد - الكامل: 172/ 2، ابن الأثير - الكامل: 263/ 3، ابن خلدون ـ مقدمة: 266/ 1.
(2) انظر: الطبري - تاريخ: 5/ 7 - 15.
(3) انظر: ابن عبد ربه ـ العقد الفريد: 120/ 5 - 121، 129، ابن الأثير - الكامل: 310/ 3 - 315، ابن قتيبة الإمامة والسياسة: 153/ 1 - 188
(4) الأدب العربي وتاريخه: 199 وهذه آخر آية 26 في المائدة.
(5) انظر: الطبري - تاريخ: 5/ 7 وما بعدها، اليعقوبي - تاريخ 251/ 2، البلاذرى ـ الأنساب: 30/ 4، 46، المسعودي ـ مروج: 83/ 3، ابن الأثير - الكامل: 311/ 3 - 315، السيوطي - تاريخ الخلفاء: 209، ابن عبد ربه - العقد الفريد: 5/ 120 - 121.
(6) انظر: ابن الأثير - الكامل: 316/ 3، ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 10/ 2، الطبري - تاريخ: 15/ 7.
VV (1/77)
صفحة 72
والله، لا أتزودها، ما سعدت بحلاوتها فكيف أشقى بمرارتها (1) وفي رواية أنه قال: لم أنتفع بها حيا فلا أقلدها ميتا، لا يذهب بنو أمية بحلاوتها وأتجرع مرارتها) (2) وبموت معاوية هذا انتقلت الخلافة من آل حرب إلى آل الحكم، وفي خلافة معاوية أطلق يد زياد وابنه في البصرة حسبما يريدان (3)، ونشأ الإمام أبو عبيدة في هذا الجو السياسي القاتم، بين سياسة الولاة الغشمة وكره الفقهاء وانفصامهم عن الجو السياسي ونال موالى هذا الإمام من التنكيل والعذاب من ابن زياد ما نالهم (4) ولم يكن الحال أخف وطأة على الأمة بعدما تولى مروان بن الحكم (64 هـ) وابنه عبد الملك (86) هـ)، فقد كان هناك الزبيريون عبد الله بن الزبير (73 هـ) وأنصاره، وكان على العراق مصعب بن الزبير (71) (هـ) فعاصر الإمام أبو عبيدة ذلك الجو المضطرب الذى أدى إلى مقتل مصعب عام (71) (هـ (5) ومبايعة أهل العراق لعبد الملك،
(1) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة: 11/ 2.
(2) ابن عبد ربه ــ العقد الفريد: 132/ 5، السيوطي - تاريخ: 212.
(3) انظر: ابن الأثير - الكامل: 222/ 3، مجموعة من الباحثين - دائرة المعارف الإسلامية: 669/ 3، المالكي ـ غاية
المطلوب: 133.
(4) انظر: الطبري - تاريخ: 174/ 6 – 175. وسيأتي بيان هذا الموت، وانظر: عن مروان: ابن الأثير - الكامل: 326/ 1 - 347، حسن - تاريخ الإسلام: 1/ 289 – 291.
(5) انظر: ابن الأثير ـ الكامل: 9/ 4 - 10، وكان مصعب بن الزبير واليا لأخيه عبد الله بن الزبير على العراق فقاتله عبد الملك ليخرج العراق من تحت يده، وكان عبد الملك يكاتب أهل العراق ويخذلهم عن مصعب ويشترط لكل من يفى له أن يعطيه أصبهان طعمة، وكان يكاتبهم سراً ولا يعلم كل واحد منهم ما عند غيره، ولم يف لواحد منهم بذلك الوعد، ولما قتل عبيد الله بن زياد مصعبا احتز رأسه وحمله عبد الملك إلى الكوفة ثم أرسله إلى مصر، ثم سيره إلى الشام، فنصب بدمشق وأرادوا أن يطوفوا به في أنحاء الشام فأخذته عاتكة بنت يزيد زوجة عبد الملك فغسلته ودفنته وقالت: أما يكفيكم ما فعلتم به وهو حى، إن هذا لبغى فكانت عاتكة أر- عبد الملك، ولابد من الإشارة إلى ما يثيره ذلك الاحتزاز والتطواف بالرأس من حفيظة النفوس بين الموالين لمصعب في العراق وفي مصر، أو في الشام أو في غيرها من البلاد الإسلامية. وقد قال فيه عبد العزيز بن مروان حين أتى برأسه في مصر وقد رأى جدع أنفه -: رحمك الله، أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا وأشدهم نابا وأسخاهم نفسا، وقال فيه عبد الملك نفسه ـ عندما قيل له إنه يشرب النبيذ -: كان ذلك قبل أن يطلب المروءة، فأما من طلبها فلو يعلم أن الماء ينقص مروءته ما ذاقه: وقد رثاه عديد من الناس: قال فيه عبد الله بن قيس الرقيات:
إن مصعبا شهاب من الله
منا تجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه جبروت منه ولا كبرياء
يتقى الله في الأمور وقد أفلح من كان همه الاتقاء.
انظر: ابن الأثير - الكامل: 9/ 4 - 14، المسعودى ـ مروج: 3
72/ 3:
وانظر: عن عبد الله بن الزبير وقيامه بعد يزيد بن معاوية: الطبري - تاريخ: 13/ 7 و ما بعدها السيوطي - تاريخ -
78 (1/78)
صفحة 73
وتعسف الولاة في معاملة الناس، حتى أن الحجاج بن يوسف (95 هـ) صار يأخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمة وذلك لأجل زيادة الخراج لأنه نقص من أجل إسلام أهل الذمة، وقد علم بذلك عبد الملك، حتى أنه كتب إلى أخيه عبد العزيز بمصر أن يأخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمة، ولكن رجلا من الناس نصحه فكف (1)
جميع
ما يغلب
ولما أرسل مروان بن الحكم عبيد الله بن زياد إلى العراق أعطاه عليه من الخيل والسلاح والأموال وأمره بنهب الكوفة إن ظفر بأهلها، وذلك إبان قيام المختار بن عبيد الثقفى (67 هـ)
لدولة بني
(2)
واستمرت المعارضات من العراق وغيرها لعبد الملك إلى أن مات عام (86 هـ)، ولم تصح خلافته إلا بعد قتل بن الزبير على يد الحجاج (3) ويعتبر هو المؤسس الثاني أمية بعد معاوية، وكادت أن تزول بخلافة مروان من قوة العصبية القبلية (4)، يعتبر عبد الملك أول من نهى عن الأمر بالمعروف أمام الخلفاء وعن الكلام بحضرتهم، حكى عنه في خطبته بالمدينة بعد قتاله ابن الزبير: (والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه) (5).
وكان عابدا زاهدا فقيها بالمدينة قبل أن يتولى الخلافة ولكنه لما جاءته بشرى الخلافة وكان يقرأ القرآن أطبق المصحف وقال: هذا فراق بينى وبينك (6).
،
وسلط الحجاج على الحجاز والعراق ليوطد له الملك، فبعث إلى ابن عمر من يضربه بطرف رمح مسموم فمات منها وأذى بقية الصحابة بالمدينة، يقول السيوطى: (لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلا توليته الحجاج على المسلمين وعلى الصحابة رضى الله عنهم يهينهم ويذلهم قتلا وضربا وشتما وحبسا لكفى، وقد قتل الصحابة وأكابر التابعين ما لا يحصى فضلا عن غيرهم، وختم في عنق أنس
من
= الخلفاء: 211 - 2014، حسن إبراهيم حسن - تاريخ الإسلام: 1/ 406 - 416، محمد عبد القادر ــ دراسات في أدب ونصوص العصر الأموى: 43 - 44.
(1) انظر: المقريزي - خطط: 69/ 1 - 70.
(2) انظر: محمد أبو الفضل إبراهيم، على محمد البجاوي - أيام العرب في الإسلام: 450.
(3) انظر: السيوطى ـ تاريخ: 214 - 215.
0218:
(4) انظر: حسن ـ تاريخ الإسلام: 1/ 292. (5) انظر: الطبري - تاريخ: 13/ 7، السيوطي - تاريخ: 8 (6) انظر: ن م / 216 - 217، المبرد ـ الكامل: 172/ 2.
79 (1/79)
صفحة 74
وغيره من الصحابة ختما يريد بذلك إذلالهم فلا رحمه الله ولا غفر عنه) (1)
وعلى الرغم مما فعله الحجاج بالمسلمين على علم من عبد الملك فقد أوصى ابنه الوليد به، به، وأمره أن يسمع له ويطيع، وأن لا يسمع فيه قول أحد من الناس مهما كان، وذلك هو الذى وطأ لهم الملك على المنابر حسب قوله، وقال الوليد فيه: (الحجاج جلدة ما بين عيني وأنفى)
وضرب الحجاج الكعبة بالمنجنيق بأمر عبد الملك وكذلك كان مقتل مصعب بن الزبير على يده أيضا بالعراق (2)
وغدر بعمرو بن سعيد الأشدق (70) هـ) فقتله بجامعة) وضعها في عنقه وكان أول غدر في الإسلام (3).
وقد عايش الإمام أبو عبيدة ذلك الجو السياسي المرعب في العراق، منذ أن تولى الحجاج لها إلى أن مات عام 96) هـ) في خلافة الوليد بن عبد الملك الذي خلف أباه في أبهته وجبروته عام (86) (هـ)، فقد كان من الجبابرة العتاة (4) ولكن الفتوح كثرت في عهده (5)
قال فيه عمر بن عبد العزيز وكان الوليد بالشام، والحجاج بالعراق (96 هـ)، وعثمان بن حبارة بالحجاز، وقرة بن شريك بمصر، وخالد بن عبد الله بمكة (126 هـ): (امتلأت الأرض – والله – ظلما وجورا فأرح الناس) (1)
(1) السيوطي - تاريخ: 220 وانظر ابن قتيبة: الإمامة والسياسة: 25/ 2 وما بعدها. (2) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 9/ 4 - 11، 23، ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 13/ 2 - 24. (3) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 397/ 3 - 400، السيوطي ـ تاريخ: 218 – 219.
وقال أحد الشعراء في ذلك:
يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد أمسوا وقد قتلوا عمراً وما رشدوا ويقتلون الرجال البزل ضاحية تلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا
السيوطي - تاريخ الخلفاء: 218.
جربتم الغدر من أبناء مروانا يدعون غدرا بعهد الله كيسانا لكى يولوا أمور الناس ولدانا هواهم في معاصى الله قرآنا
(4) انظر: ابن الأثير – تاريخ: 4/ 105، ابن كثير - البداية والنهاية: 70/ 9، السيوطي ـ تاريخ: 223.
(5) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 225/ 9، حسن - تاريخ الإسلام: 1/ 00
(6) انظر: ابن الأثير – تاريخ: 132/ 4، السيوطي - تاريخ: 223.
-
80 (1/80)
صفحة 75
وكان قد تولى الخلافة بعهد من أبية عبد الملك فسار السيرة التي سار عليها والده (1) ثم لما توفى عام (96) (هـ) خلفه أخوه سليمان بعهد من أبيه أيضا (2)، ومكث في الخلافة ثلاث سنوات، كانت سيرته فيها أحسن من سيرة الوليد وعين عمر بن عبد العزيز وزيرا ومستشارا له وقد عد هذا من حسناته وكذلك استخلافه له بعد وفاته (3).
وقد عزل ولاة الحجاج وأخرج من كان في سجنه بالعراق وأحيا الصلاة لمواقيتها (4)، وكان الإمام أبو عبيدة ممن خرجوا من سجن الحجاج في هذه الفترة إذ
ذاق من
أليم عذابه شيئا كثيرا سيأتي بيانه في الفصل الثاني من هذا البحث
سبقه
وعهد بالخلافة بعد وفاته إلى عمر بن عبد العزيز (5) الذي اشتهر بعدله وحسن سيرته في الناس، فأحيا من السنة ما اندرس على أيدى من من بني أمية وبنى مروان، وذاق الناس في خلافته طعم الراحة وحلاوة الإيمان إذ كانت الدنيا حالكة كأنما الظلام تنتظر من يقشع عنها ظلامها ويريها نور العدل والإيمان، وأعرض عن ركوب براذين الخلافة عندما استخلف ولم ينزل فى بيت الخلافة (6) وسئل العلامة أبو محمد بن بركة: بماذا صحت خلافة عمر بن عبد العزيز؟ قال: (بعدله وبتسليم الجميع له) (7) والمعنى أن خلافته صحيحة بالإجماع من موافق ومخالف لمن قبله من
الخلفاء.
وعده الفقهاء خامس الخلفاء قال ابن سيرين: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعمر بن عبد العزيز) (8)
وتدل خطبته التي خطبها بعد توليه الخلافة على عدله وحسن سيرته: (يأيها الناس
(1) انظر عن سيرة الوليد: ابن الأثير ـ تاريخ: 104/ 4 - 137، حسن ـ تاريخ: 299/ 1 - 322. (2) انظر: ابن الأثير – تاريخ: 138/ 4، ابن كثير - البداية والنهاية: 166/ 9، حسن تاريخ: 322/ 1. (3) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 138/ 4، السيوطي - تاريخ: 225، ابن كثير ـ البداية والنهاية: 182/ 9، حسن ـ تاريخ: 334/ 1.
-
-
(4) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 151، السيوطي ـ تاريخ: 226.
(5) انظر: ابن الأثير: 152/ 4، ابن كثير - البداية والنهاية، 184/ 9، حسن ـ تاريخ: 325/ 1.
(6) انظر: الطبري - تاريخ: 130/ 7.
(7) انظر: مجموعة من العلماء - سير المسلمين ص 502 مخطوطة بمكتبتي.
(8) السيوطي ـ تاريخ: 228.
81 (1/81)
صفحة 76
من
فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة لا من يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدى إليه، ولا يغتابن عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه) (1)
هذه قطعة
من تلك الخطبة المباركة التي طبقها تطبيقا كاملا، ولم ينحرف عنها
قيد أنملة، فتقرب إليه العلماء والزهاد ونفر منه الخطباء والشعراء المحترفون (2).
مصر
وقد ذهب قوله لحيان بن شريح واليه على مصر - عندما أراد أن يلزم من أسلم من أهل الذمة بدفع الجزية – مضرب المثل حيث قال: فقد بلغني كتابك وقد وليتك جند وأنا عارف بضعفك، وقد أمرت رسولى بضربك على رأسك عشرين سوطا فضع الجزية عمن أسلم، قبح الله رأيك، فإن الله إنما بعث محمدا لله هاديا ولم يبعثه جابيا، ولعمرى: لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على يديه) (3). وطالبه بنو أمية أن يعطيهم الأعطيات مثل من سبقه فقال لهم: إني أخاف إن
عصيت ربي
(4)
عمر
عذاب يوم عظيم وكانت وفاته عام (101 هـ) بسبب سم دسه له بعض أقاربه على يد خادمه فأطعمه إياه أو سقاه، وقد أعطى ألف دينار فاستدعاه وسأله فأقر فأخذ الألف وأدخله في بيت المال (5)، وقيل: بل مات بمرض السل (6) وكان مثالا في التواضع والزهد والإعراض عن الدنيا والإقبال إلى الآخرة ثم ولى الخلافة بعده يزيد بن عبد الملك فى اليوم الذى مات فيه عمر بعهد من سليمان وكان عمر يزيد يومئذ تسعا وعشرين سنة (7).
وانتقض عليه الشر بمجرد اعتلائه عرش الخلافة، فقضى على آل المهلب الذين
وطدوا لهم الملك منذ أبيه عبد الملك (8)
(1) ابن الجوزى - سيرة عمر بن عبد العزيز: 257 (2) ن م والصفحة. (4) السيوطي - تاريخ: 238 والآية 15 من يونس.
(3) المقريزي - خطط: 78/ 1.
(5) انظر: ابن عبد ربه ــ العقد الفريد: 174/ 5، ابن كثير - البداية والنهاية: 209/ 9، السيوطي ـ تاريخ: 245.
(6) انظر: الطبري - تاريخ: 130/ 7.
(7) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 209/ 9.
(8) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 4/ 166 - 169، ابن كثير - البداية والنهاية: 9/ 221 - 222، ولما قتل يزيد بن =
82 (1/82)
صفحة 77
وكان صاحب لذات وطرب، واشتهر بصحبته لحبابة وسلامة المغنيتين (1) وهم في أول أمره أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز لمدة أربعين يوما، ثم شهد عنده أربعون شيخا ممن يحبون التقرب إليه: أن الخلفاء ليس عليهم حساب ولا عذاب فعدل
عن سيرته (2)
(3)
ومات بسبب جزعه على موت حبابة ولم يمكث بعدها إلا أياما قلائل فمات على أثرها عام (105 هـ)، وعهد بالخلافة بعده على أخيه هشام وكان أخف وطأة من يزيد، وكان حازما صلبا وعدوه من سواس أمية الثلاثة وهم معاوية، وعبد الملك وهشام، وكثيرا ما كان يقتدى به أبو جعفر المنصور (4) في سياسته (5).
=
بني
ومما يؤخذ على هشام غلظ طبعه و خشونته وتنكيله بالعلويين
(1)
، فقد أوقع بزيد
المهلب على يد مسلمة بن عبد الملك صار الناس يقولون: ضحى بنو أمية يوم كربلاء بالدين ويوم العقير بالكرم، ويوم العقير هو اليوم الذي قتل فيه يزيد بمكان يدعى العقير من سواد العراق. انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 232/ 9، السيوطي - تاريخ: 247.
(1) انظر: ابن عبد ربه - العقد الفريد: 176/ 5، ابن كثير - البداية والنهاية: 232/ 9، حسن ـ تاريخ الإسلام:
331/ 4
(2) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 144/ 4، السيوطي ـ تاريخ: 247.
وورد في خطبة الإمام الشاري أبي حمزة المختار بن عوف: وصف يزيد حيث قال فيها: (ثم ولى يزيد بن عبد الملك غلام ضعيف سفيه غير مأمون على شيء من أمور المسلمين لم يبلغ أشده ولم يؤنس رشده، وقد قال الله عز وجل: فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم. (النساء: (6) فأمر أمة محمد في أحكامها وفروجها ودمائها أعظم من ذلك كله، وإن كان ذلك عند الله عظيما، مأبون فى بطنه وفرجه يشرب الحرام ويأكل الحرام ويلبس الحرام، يلبس بردتين قد حيكتا له وقومتا على أهلهما بألف دينار وأكثر، قد أخذت من غير حلها وصرفت في غير وجهها بعد أن ضربت فيها الأبشار وحلقت فيها الأشعار، واستحل ما لم يحل الله لعبد صالح ولا لنبي مرسل، ثم يجلس حبابة عن يمينه وسلامة عن شماله تغنيانه بمزامير الشيطان ويشرب الخمر الصراح المحرمة نصاً بعينها، حتى إذا أخذت مأخذها فيه، وخالطت روحه ولحمه ودمه، وغلبت سورتها على عقله مزق حلتيه ثم التفت إليهما، فقال: اتأذنان لي أن أطير؟ نعم فطر إلى النار وإلى لعنة الله حيث لا يردك الله).
انظر: الطبري ـ تاريخ: 179/ 8، ابن الأثير – تاريخ: 191/ 4، المسعودى - مروج: 243/ 3، الحارثي، سالم بن حمد ـ العقود الفضية: 213.
(3) انظر: السيوطي - تاريخ: 247، ابن الأثير ـ تاريخ: 190/ 4.
(4) سيأتي البيان عنه.
(5) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 352/ 9، السيوطي ـ تاريخ: 246.
-
(6) انظر: المسعودى - مروج: 256/ 3، حسن - تاريخ: 333/ 1. ولقد نال بني أمية من عبد الله بن على العباسي عم السفاح عقابا أليما جزاء ما فعلوه بالعلويين، إذ قتل منهم اثنين =
83 (1/83)
صفحة 78
ابن على بن الحسين (122) هـ) على يد عامله يوسف بن عمر (127 هـ) فقتله واحتز رأسه وأرسله إلى هشام وصلبه على خشبة عريانا فمكث خمسين شهرا عريانا، ثم كتب إليه أن يحرقه ويذروه في الرياح (1).
وحكى
عنه أنه قال (ما بقى شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته إلا شيئا واحدا،
أخا أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه) (2)
وتوفى هشام عام 125) (هـ) وهو ابن خمس وخمسين سنة (3)، وخلفه الوليد بن يزيد بن عبد الملك (126) (هـ) الذى عهد إليه بالخلافة بعد هشام.
وكان شرابا للخمر خليعاً ماجنا ولم تصلح له سيرة وحاول أن يشرب الخمر على ظهر الكعبة، وأن يسير الحج بالكلاب وازداد انهماكا في اللذات والشهوات بعد توليه الخلافة (4)، وعكف على البطالة وحب القيان وحب النساء والصيد وسماع الغناء، وحمل إليه المغنون من المدينة إذ كانت مرتع الغناء عندهم (5)
ومكث في الخلافة عاما واحدا، ودخل عليه رجال من قومه ودولته وفيهم ابن عمه يزيد بن الوليد فقتلوه (6)، وعقدوا من بعده ليزيد المذكور، وهو المعروف بالناقص، ومكث في الخلافة خمسة أشهر فقط وكان عادلا ديناً محباً للخير وقد قيل فيه وفى عمر بن عبد العزيز: (الأشج والناقص أعدلا بن مروان) (7).
= وثمانين رجلا في جلسة واحدة بعد ما نادى لهم بالأمان فاجتمعوا إليه ومنهم محمد بن عبد الملك، ويزيد بن هشام، والغمر بن يزيد بن عبد الملك، وعبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وقال يومئذ: أحسبت أمية أن سترضى هاشم عنها ويذهب زيدها، وحسينها، كلا ورب محمد لبناه و كفورها و خؤونها، كما قتل في دمشق يزيد ابن معاوية بن مروان، وعبد الله بن عبد الجبار بن يزيد، ونبش قبور بني أمية من لدن يزيد بن معاوية إلى آخرهم فأحرقهم بالنار ووجد جثة سليمان سليمة فضربها ثم أحرقها. أنظر: المسعودى - مروج: 252/ 3، أبو زكريا البلازدى - تاريخ الموصل: 132 – 138.
(1) انظر: المسعودى - مروج: 252/ 3. (3) انظر: الطبري - تاريخ: 283/ 8.
(2) السيوطي ـ تاريخ: 248.
(4) انظر: المسعودي - مروج: 259/ 3، ابن كثير – البداية والنهاية: 2/ 10، ابن الأثير ـ تاريخ: 256/ 4 السيوطي ـ تاريخ: 250، حسن ـ تاريخ: 334/ 1.
(5) انظر: المسعودى - مروج: 258/ 3، ابن عبد ربه - العقد الفريد: 185/ 5 - 187، حسن ـ تاريخ: 334/ 1. (6) انظر: المسعودي - مروج: 286/ 3، ابن كثير - البداية والنهاية: 9/ 10.
(7) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 12/ 10.
?? (1/84)
صفحة 79
وسمى الناقص لنقصه أعطيات الجند الحجازيين الذين زادهم الوليد بن يزيد في أعطياتهم (1) ومات فى نفس السنة التي ولى فيها، وعقدوا من بعده لابنه إبراهيم بن
الوليد (127) هـ)، ولم يمكث في الخلافة إلا مدة قصيرة ثار عليه الشر فيها وعلى بنى أمية بسبب استفحال العصبية القبلية وتنازل عن الخلافة لمروان بن محمد الجعدي (132 هـ) الذي ثار عليه (2)
ولم يذق مروان طعم الراحة، إذ خرجت عليه فئات كثيرة، وقتل جميع مناوئيه من بني أمية وقاتل الخوارج الصفرية بقيادة الضحاك بن قيس (129 هـ) فهزمهم وقتلهم (3)، وثار عليه بنو العباس بقيادة الداعية أبي مسلم الخراساني (137 هـ) الذي كان يدعو إلى قيام دولة العباسيين، ثم من بعده عبد الله بن على عم السفاح فسار لحربه، فالتقيا قرب الموصل، فانهزم مروان، ثم فر إلى مصر فلحقه صالح بن علي (151 هـ) فقتله في قرية أبو صير بمصر عام 132 هـ
(4)
(0)
،
كما قاتل مروان جيش الأباضية بالحجاز واليمن في عام 131 هـ، وكان قائد جيش الأباضية الإمام عبد الله بن يحيى الكندى المعروف بطالب الحق (131 هـ)، وقائده في الحجاز المختار بن عوف (أبو حمزة) (131 هـ)، وكان قائد جيش مروان: عبد الملك بن عطية السعدى فأباد جيش الأباضية بعد بلاء كبير ومعارك ضارية كان النصر فيها في البداية لجيش الأباضية، ولقى عبد الملك حتفه على يد ابني جمانة المراديين في طريقه إلى الحج عائدا من اليمن (6) على ما سيأتي إن شاء الله (7) بدأت الدعوة العباسية منذ عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز عام 100 هـ وأول من قام بها محمد بن على بن عبد الله بن عباس إذ أرسل إلى خراسان مجموعة
من
الناس
(1) انظر: المسعودي - مروج: 268/ 3، ابن كثير - البداية والنهاية: 16/ 10، السيوطي ـ تاريخ: 252. (2) انظر: المسعودي - مروج: 282/ 3، ابن الأثير - تاريخ:: 283، السيوطي - تاريخ: 254، ولقب مروان بن
محمد بالحمار لأنه لا يجف له لبد ويواصل السير بالسير. انظر: السيوطي ـ تاريخ: 254.
(3) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 23/ 10 - 28.
(4) انظر: ن م / 30 0
(5) انظر: المسعودى - مروج: 282/ 3، ابن كثير - البداية والنهاية: 22/ 10 - 44. (6) انظر: الطبري - تاريخ: 107/ 9 وما بعدها، ابن الأثير – تاريخ: 314312/ 4، ابن كثير ـ البداية والنهاية:
35/ 10 - 37
-
(7) سيأتى مزيد بيان عن هذا الموضوع في الفصل الثاني من الباب الأول في هذا البحث.
85 (1/85)
صفحة 80
يدعون إليه (1).
وقد أداهم إلى ذلك اعتقادهم أنهم أولى بالخلافة من الأمويين لأنهم أهل بيت النبي
والناس تمد أعناقها إليهم (2)
وألفوا لأجل ذلك جمعية سرية تدعو إليهم واتخذوا من خراسان مقرا لهذه الدعوة (3)، فانتشرت هناك ثم امتدت إلى بقية الأمصار الأخرى، حتى انتهت بقيام الدولة العباسية على ما سنذكره فيما يلى.
وبقتل مروان انتقلت الخلافة إلى بني العباس، وأولهم أبو العباس السفاح.
الدولة العباسية:
أبو العباس السفاح يسمى عبد الله بن محمد بن على (4) وكان أصغر من أخيه المنصور (°)
، ولما استولى على الخلافة خطب خطبته المشهورة التي ذكر فيها أحقيتهم بالخلافة وأن بني أمية اغتصبوها منهم، وأنها عادت إلى نصابها بتوليهم لها، ووعد الناس بالجميل ومناهم بإظهار العدل وإخماد الباطل (6)
(V)
6
وقتل كثيرا من الناس في سبيل توطيد ملكه وسمى نفسه السفاح المغير والثائر وقتل أبا سلمة الخلال ومن تبقى من بني أمية، وقتل سليمان بن هشام الذي ساعده على قتال مروان كما قتل ابن هبيرة (110 هـ) (8)
المبير
(1) انظر: الطبري - تاريخ: 135/ 8 وما بعدها: ابن الأثير – تاريخ: 159/ 4، جورج زيدان ـ تاريخ التمدن:
280 - 283، 89 - 88/ 1
(2) انظر: جورجى زيدان ـ التمدن الإسلامي: 88/ 1، حسن إبراهيم - تاريخ الإسلام: 2/ 14 - 20. (3) انظر: الطبري - تاريخ: 130/ 8، ابن الأثير - تاريخ: 159/ 4، 182، 197، محمد الخضر بك ـ الدولة العباسية: 15 - 32، حسن إبراهيم - تاريخ الإسلام: 2/ 12 - 14.
(4) كان عم السفاح عبد الله بن على يكنى أيضا بالسفاح.
انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 120/ 2.
(5) انظر: م س: 118، ابن الأثير – تاريخ: 322/ 4، ابن كثير - البداية والنهاية: 40/ 10، السيوطى ـ تاريخ:
256
(6) انظر: ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة: 118/ 2، ابن الأثير – تاريخ: 324/ 4 - 325، ابن كثير ـ البداية والنهاية:
41/ 10 - 42
(7) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 325/ 4.
(8) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 120/ 2 – 130، ابن كثير - البداية والنهاية: 53/ 10 - 55.
86 (1/86)
صفحة 81
وفي أيامه حصل افتراق كبير وتفكك في الدولة الإسلامية وشق عصا الطاعة كثير من البلاد مثل المغرب العربي والأندلس، وفى زمانه بدأ نصب الأئمة في عمان، وبجانب كون السفاح سفاكا للدماء فقد كان جوادا بالمال فاقتدي به عماله في جميع النواحي (1).
ومكث في الخلافة أربع سنين وتسعة أشهر وعشرين يوما وخلفه أخوه أبو جعفر
المنصور سنة ست وثلاثين ومائة (2)
واسم أبي جعفر عبد الله
بن محمد بن على بن عبد الله عباس، وقد تولى الخلافة عام 137 هـ وأول ما فعل أن قتل أبا مسلم الخراساني (137 هـ) صاحب دعوتهم ومعهد مملكتهم) (3) وضرب أبا حنيفة لامتناعه عن القضاء ثم سجنه ومات بعد أيام، وقيل: إنه سمه لإفتائه بالخروج عليه، وكان ذا حزم وجبروت وشجاعة وجمع
للمال (4).
وخرج عليه عمه عبد الله
بن على فقتله (5) على وشريك بن عون فانتصر عليهما (6)
وكذلك ثار عليه عيسى بن زيد بن
وقتل عبد الله وإبراهيم ابنى حسن بن الحسن وأخاهما لأمهما محمد بن عبد الله العثماني وكثير من أسرة آل الحسن في سجن الهاشمية بالعراق (7)، وهو أول من أوقع الفرقة بين العباسيين والعلويين وكانوا كتلة واحدة من قبل في محاربتهم للأمويين (8). ولقى منه العلماء عنتا كبيرا وبالأخص منهم من أفتى بجواز الخروج عليه مع عبد الله الحسن، ومن هؤلاء أبو حنيفة (150 هـ)، ومالك بن
محمد
بن
بن
أنس
(1) انظر: السيوطي - تاريخ: 259، كان لا ينصرف أحد من ندمائه ولا من مطربيه إلا بكسوة ومال، ويقول لا يكون سرورنا معجلا ومكافأة من سرنا وأطربنا مؤجلا.
انظر: المسعودى - مروج: 322/ 3.
(2) انظر: المسعودي ـ مروج: 344/ 3، ابن الأثير ـ تاريخ: 347/ 4، ابن كثير - البداية والنهاية: 61/ 10
السيوطي - تاريخ: 259. (3) السيوطي ـ تاريخ: 260.
(4) انظر: ن م ص 259.
(5) انظر: المسعودى - مروج: 354/ 3، ابن الأثير ـ تاريخ: 348/ 4، ابن كثير - البداية والنهاية: 61/ 10. (6) انظر: ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة: 134/ 2 - 139، السيوطي - تاريخ: 260.
(7) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 82/ 10، السيوطي ـ تاريخ: 261.
(8) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 84/ 10، السيوطي ـ تاريخ: 261.
87 (1/87)
صفحة 82
(179 هـ وقد أفتى الإمام مالك بأنه ليس على مكره يمين لأنه أخذت عليه البيعة وهو
كاره ومنهم عبد الحميد بن جعفر () وابن عجلان (1)
ينهب
الذي
وأباح لخازم بن خزيمة أن الأهواز ويبيحها ثلاثة أيام عند دخوله لها (2) كما أباح له أن يدخل عمان ويبيحها وينهبها (3)، وخلع عمه عيسى بن موسى عهد إليه أبو العباس السفاح بالخلافة بعد المنصور وذلك لأنه عهد إلى ابنه محمد الملقب بالمهدى (4) وتلك مكافأة لعيسى بن موسى (167) هـ) لأنه أخلص له في قتله
الأبرياء.
وادعى المنصور أنه سلطان الله فى الأرض (5) وبنى مدينة بغداد لتكون عاصمة الخلافة العباسية وسماها مدينة السلام (6) وقد كان المنصور ممن ناله سجن الولاة بالكوفة لدعوته ضد الأمويين، وذلك قبل اندلاع الثورة العباسية وبلوغها أشدها (7).
وعاصر الإمام أبو عبيدة المنصور فترة من خلافته ومات في أيامه حوالي عام 145 (8)، ولكنه لم يتقرب إليه بل لم يظهر نفسه إذ اتبع سياسة الاختفاء طيلة حكم الأمويين ومن أدركه لأجل الضغط السياسي الذي سلطه الخلفاء العباسيين، من الأمويون والعباسيون وولاتهم على الفقهاء باستثناء الخليفة عمر بن عبدالعزيز كما
سيأتي.
الضغط السياسي:
ما أن اعتلى معاوية بن أبي سفيان عرش الخلافة إلا وتغير مسار السياسة عما كان عليه من قبل، وذلك لتغير الاتجاه السياسي بين ما كان عليه عهد الخلافة الراشدة عن
(1) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 84/ 10، السيوطي ـ تاريخ: 261.
(2) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 83/ 10 - 90. (3) انظر: ن م / 63 ـ 64، السيوطي ـ تاريخ: 261. (4) انظر: الطبري ـ تاريخ: 150/ 9 وما بعدها. (5) انظر: ن م ص 263.
(6) انظر: ابن كثير - البداية والنهاية: 96/ 10، مجموعة من الباحثين - حضارة العراق: 238/ 6.
(7) مص: 59
(8) سيأتي بيان ذلك.
88 (1/88)
صفحة 83
الحال الذي سلكه معاوية، لأن سياسة الاستبداد والانفصال عن الاتجاه الديني هي التي ميزت عهد معاوية عمن سبقه، فامتحن المسلمون في ذلك العهد لقربهم من عهد النبوة كامتحان المسيحية في نصف القرن الأول الهجرى بظهور الإسلام (1). فسلك معاوية سياسة الضغط واللين وهاتان الخصلتان قد عرف بهما معاوية
ووصف بهما نفسه وسماه عبد الملك بن مروان «الخليفة المداهن».
وذكر اليعقوبي: أنه: (لما أمر معاوية بسر بن أبى أرطأة (86 هـ) بأن يخرج إلى المدينة ومكة وصنعاء للدعوة له أمره بأن يخيف من يلقاه وينهب كل مال يجده، وأن يطرد كل من يخالف طاعته ففعل الذي أمره فكان لا يمر بحى من الأحياء إلا يخيفه وينهبه وخطب خطبة في المدينة فقال: (يا أهل المدينة: مثل السوء لكم شاهت الوجوه) إلخ. ما جاء في تلك الخطبة وفيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدم دورا وسفك الدماء باليمن فقتل البلغ والصبيان) (2) وكفى بما فعله معاوية بمحمد بن أبي بكر لما كان واليا على مصر وما فعله بالأشتر (38 هـ) (3)، فكان هناك المعارضون له في سياسته ولكنهم لم يجاهروا بذلك (4)، ونشأت الطوائف والأحزاب السياسية في عهده وخاف العلماء على أنفسهم (5)، وعندما أراد المبايعة لابنه يزيد كان الناس
بالمدينة
بين مؤيد ومعارض
(7)
و كفى بما فعله يزيد من الضغط السياسي والعسكرى بأهل المدينة إذ أباحها ثلاثة أيام، وحاصر مكة وسلط عمرو بن سعيد (71) (هـ) على الحسين بن على (61 هـ) وذريته (7)، وحمل رؤوسهم إلى الشام إذ كانت هناك خزانة الرؤوس)
(^)
ومن جملة ما سلطه معاوية وابنه على أهل العراق أن سلط عليهم زيادا وابنه فاتخذا ما عرف بالمنكبين والعرفاء والشرطة ورؤوس القبايل لأجل الضغط على
(3) انظر: ن م ص 194.
(1) انظر: الندوى أبو الحسن - رجال الفكر والدعوة: 69. (2) اليعقوبي - تاريخ: 198/ 2، 199. (4) انظر: محمد الخضرى - الدولة الأموية: 100 - 108. (5) انظر: أبو يوسف ـ الخراج: 117 – 118، درويش - الخطابة في صدر الإسلام: 44. (6) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 142/ 1 - 150.
(7) انظر: ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة: 2/ 5 - 6، ابن الأثير ـ تاريخ: 311/ 3 - 316.
(8) انظر: ن م ص 296 - 303.
89 (1/89)
صفحة 84
الناس (1).
فحدث بذلك انحراف سياسي استکان الناس بسببه لمعاوية ومن بعده إما خوفا أو طعما فيما لديه (2)، وكانت هناك ماس كثيرة من تلك السياسة الجديدة على الأمة
الإسلامية (3).
ويجب أن لا ننسى تلك التغييرات التي حدثت في زمان معاوية ومن جملتها: توريث الكافر من المسلم، وجعل دية المعاهد نصف دية المسلم، وشتم على وسبه على المنابر، واصطفاء الذهب والفضة من الغنائم لنفسه، وإلحاق زياد بأبيه أبي سفيان لأجل الاستفادة منه، وكان من أصحاب على، وعدم محاسبته لعماله وعدم القود كما فعل بسر بن أبى أرطأة وغيره، وسبى بسر لنساء همدان، وقطع الرؤوس والطواف بها وأولها رأس عمار وعمرو بن الحمق وحجر بن عدى وغيرهم حتى صار سنة في بني أمية (4).
منهم
واتخذ زياد لابنه وسائل شتى للضغط على الناس حتى أن عبيد الله كان يدعو على المسلمين المعارضين جهرا فى صلاة الجمعة وهم لا يستطيعون الرد عليه (5) وكانت سياستهما غاشمة في المعارضين فلم يفلت أحد، بحيث كانا يسجنانهم
ويعذبانهم تارة ويقتلانهم أخرى (6)
منهم
ولم يقتصرا على الفتك بالرجال بل شمل النساء كما فعل عبيد الله بالبلجاء (7) وغيرها من النساء، حتى أنهن إذا طلب منهن مرافقة الخارجين على الجور لم يترددن في ذلك لخدمة القوم، ولكنه كان يأمر بتعريتهن فتخوفن بعد ذلك
من
المسير)
ولم يكن الحجاج بن يوسف بأقل عنفا وشراسة على من يخاف منه
(1) انظر: صالح أحمد العلي - التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة: 112 – 121. (2) انظر: الشماخي – سير: 57/ 1، على يحيى معمر ـ الأباضية في موكب التاريخ: 7/ 1. (3) انظر: درويش - الخطابة في صدر الإسلام: 34 - 35. (4) انظر: أبو الأعلى المودودي - الخلافة والملك: 112 - 117.
(5) انظر: المالكي ـ غاية المطلوب: 133.
(6) انظر: المبرد ـ الكامل: 191/ 2، عوض خليفات: نشأة الحركة الأباضية: 64 - 76.
(v)
ويحس
(7) البلجاء هي من جملة المحكمة بالبصرة وهى من بني تميم، ولم نعثر لها على ترجمة ضافية وقتلها عبد الله بن زياد.
انظر: المبرد - الكامل: 182/ 2
(8) انظر: عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 64 - 65.
منه
90 (1/90)
صفحة 85
منه،
المعارضة فاتخذ نفس الأسلوب بل أكثر. وقد هدد ابن عمر بقطع عنقه عندما عاب عليه إطالة خطبة الجمعة حتى اصفرت الشمس (1)، وامتلأت سجونه من المعارضين ولم ينج منها إلا من أقر بالولاء له ولأمرائه الذين يخدمهم، وهو الذي أمر بسم ابن عمر فمات من إثر ذلك (2)
سمع من
ودخل ابن عمر وابنه سالم عند الحجاج ذات يوم فأتى برجل للقتل فأمر الحجاج سالما أن يأخذ السيف ويقتل الرجل، فأخذ السيف فلما تقدم إليه سأله: هل صليت الغداة الصبح؟ قال الرجل: نعم، فرجع سالم إلى الحجاج وأخبره أنه أبيه حديثا عن النبي (إذا صلى العبد المسلم صلاة الصبح فهو في ذمة الله وذمة رسوله) فقال له: دع السيف فأمر رجلا آخر بقتل الرجل، فلما قتل أمر الحجاج سالما أن يجره من رجله ويخرجه ففعل وقال: لأن آخذ برجلك يا أخي أحب الى من أن أضرب عنقك (3)، أليس هذا إهانة للصحابة وأبنائهم، وإلا فما بال سالم بن عبد الله وقتل
الناس.
(4)
واستمر الحجاج في حبس الأبرياء، وكان نصيب الأزد وبني تميم من ذلك وافرا، وقد حبس يزيد بن المهلب وذويه وحبس الإمام أبا الشعثاء، والإمامين: أبا عبيدة، وضمام بن السائب، وأبا فقاس الأسود بن يزيد وغيرهم من فقهاء الأباضية وغيرهم ممن ينكرون سيرته الشنعاء (5)
واتخذ الفقهاء والمصلحون طريقة الاستخفاء من هؤلاء الولاة وأمرائهم كما فعل الحسن البصرى (6) والإمام أبو عبيدة (7)، ونهجوا نهج الخائف المستعمل للتقية، ويروى عن الحسن البصرى أنه كان يصلى وراء الحجاج الجمعة ثم يعيدها في منزله ظهرا، وكان جابر يصلى بالإيماء إذا خاف فوت الوقت (8)، وأثر عن ابن سيرين
(1) انظر: المالكي ـ غاية المطلوب: 132.
(2) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 26/ 2 - 44، الزبيرى - نسب قريش: 35، أبو غانم ــ المدونة الكبرى:
213/ 1
(4) انظر: الطبري - تاريخ: 132/ 7، 71/ 8 - 74.
(3) انظر: سالم بن يعقوب - تقييدات: 76. (5) انظر: الدرجيني - طبقات: 208/ 22، 247، الشماخي - سير: 57/ 1
(6) انظر: الدرجيني - طبقات: 207/ 2، 288، الشماخي - - سير: 69/ 1، الحارثي - العقود: 99.
(7) انظر: ص 184 من هذا البحث.
(8) انظر: أبا غانم - المدونة الكبرى: 113/ 1، المالكي - غاية المطلوب: 133.
91 (1/91)
صفحة 86
والشعبي أنهما استعملا المداراة أمام أحد ولاة البصرة من قبل يزيد بن عبدالملك ولم
يرض بذلك الحسن البصرى بل جهر بالحق أمام الوالى (1).
و بسبب
ضغط الحجاج على الناس فقد كثر الناقمون عليه، ويكفى أنه قتل من. الصحابة والتابعين ما يقارب مائة وعشرين ألفا (2)، أليس ذلك من الكوارث التي منيت بها الأمة الإسلامية في ذلك العصر، ولو كان القتل المذكور للمنافقين لهان الأمر
ولكنه كان قتلا لخيرة الناس وفقهاءهم الذين يقودون المجتمع إلى الصلاح والنجاة. وسلك ولاة البصرة هذا المسلك إلا من رحم الله إلا أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز قبض على أيدى الولاة وأمرهم بإقامة العدل ولم يرضى بأخذ الناس بالتهمة. وكما ذكرنا فإنه لم يسلم سلف الإمام أبي عبيدة من السجن والطرد، وأحيانا القتل كالإمام مرداس، وأبى الشعثاء جابر بن زيد، وعمران بن حطان وغيرهم، ونال الإمام أبي عبيدة من السجن والعذاب ما ناله مع زميله وقرينه ضمام بن السائب
وغيرهما.
وصاحب الانحراف السياسي عما كان عليه الأمر في العصر الراشدي تطور في النواحى الاجتماعية والاقتصادية مسايرة للعصر الأموى عانى منها الفقهاء والمصلحون لإدخالها الفساد وضياع الأخلاق في المجتمع الإسلامي، ولاشك أن ذلك يحتاج إلى بذل جهود كبيرة لإنقاذ الناس منه، وهذا ما سنحاول بيانه في المطلب الآتي: المطلب الثاني الأحوال الاجتماعية والاقتصادية:
أ ـ حياة الترف عند الأمراء: لم تكن هناك ثروة طائلة أيام النبى عليه أفضل الصلاة والسلام لأن موارد المال الزكاة والصدقات والغنائم، وكان النبي يوزعها على أهلها بحيث لا يبقى منها شيء، ولو بقى منها شيء ادخره لأجل الحاجة إليه عند إعالة فقير أو إنفاق في
هي
غزوة (3).
(1) انظر: أبا الحسن الندوي - رجال الفكر والدعوة: 74 - 75. (2) انظر أبا غانم - المدونة الكبرى ـ 113/ 1.
(3) انظر: جورج زيدان - التمدن الإسلامي: 264/ 1.
92 (1/92)
صفحة 87
أما في عصر الخلفاء الراشدين فقد سلك أبو بكر رضى الله عنه مسلك النبي الله في الأموال العامة، وسلك عمر أيضا نفس المسلك، إلا أن الأموال بدأت تكثر في عهده بسبب فتوح الشام وفارس وغيرهما، وما كان ليدخر الأموال إلا أنه نظم العطاء ودون ديوان الجند ومنع الصحابة من مغادرة الحجاز إلى بقية الأمصار لئلا يفتنهم المال ويتخذون الضياع، وقال لعثمان وهو على فراش الموت: يا عثمان إن عرف لك أصحابك سنك فاتق الله ولا تحمل بنى أبي معيط على رقاب الناس وكرر النصيحة لعلى قائلا: إن وليت من أمر المسلمين شيئا فلا تحملن بنى عبد المطلب على رقاب الناس) (1)
وما كان عمر ليسمح للصحابة بادخار المال وخاصة النقود، وينهى عن البناء الكثير واتخاذ المزارع ليكونوا على أهبة الاستعداد للنفير عند الحاجة جنودا للإسلام (2)، وهذا مشهور في تاريخ عمر، إذ لم يكن همه الدعة والراحة ولا ينظر الادخار للحاجة طاعة الله ورسوله، وما وراء ذلك فهو فتنة للناس وخوفاً من الانشغال عن
سوي
الآخرة ونصرة الإسلام.
وكانت سيرة على بن أبى طالب في المال كسيرة عمر فلم تكن له حاجة إلى اختزان الأموال واتخاذ الضياع، بل رد القطائع التي أقطعها عثمان إلى بيت المال (3). أما عثمان فقد كان على العكس من ذلك، فقد اتخذ الضياع وادخر النقود وأقطع القطائع لخاصته، واعتز به الأمويون وطلبوا الإيثار فأعطاهم، وأبطل عثمان محاسبة العمال كما كان يفعل عمر، بل أطلق أيديهم في ولاياتهم كما يشاؤون فشجعهم ذلك على التوسع في اقتناء الأموال، وسمح للصحابة بالخروج من المدينة الحجاز عامة إلى الأمصار مما جعل الناس يتهافتون إلى المسير إلى الشام ومن
خاصة
وفارس وغيرهما (4).
منه
(1) الحبيب الجنجاني - التحول الاقتصادي والاجتماعي: 114، وانظر: جورجي زيدان ـ التمدن الإسلامي: 265/ 1، محمد الخضرى بك ـ الدولة الأموية: 90/ 2 وما بعدها.
(2) انظر: جورجى زيدان - التمدن الإسلامي: 265/ 1، الحبيب الجنجاني - التحول الاقتصادي: 114، 115. (3) انظر: الحبيب الجنجاني - التحول الاقتصادي: 145 وما بعدها.
(4) انظر: المسعودي ـ مروج الذهب: 367/ 2 - 369، الطبري: تاريخ: 340/ 4، ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة: 32/ 1، زيدان - التمدن الإسلامي: 269/ 1، الجنجاني - التحول الاقتصادي: 115.
93 (1/93)
صفحة 88
ومن
هنا بدأ الترف في عهد عثمان لكثرة ما في أيدى الأغنياء من الأموال. وظهر
البذخ في المأكل والملبس وغير ذلك من أمور الترف (1).
ولما ولى على بن أبي طالب الخلافة بدأ برد القطائع التي أقطعها عثمان لذويه إلى بيت المال، وكذلك رد الأموال التي استطاع ردها (2). وكانت هذه من جملة المطاعن المتفق عليها على عثمان وكذا سياسته في بيت المال، ليس من معارضى عثمان
فحسب بل حتى من مؤيديه سابقا كعمرو بن العاص وزيد بن أرقم وغيرهما (3). فتار عليه التيار المعارض ويمثله معاوية بن أبي سفيان حفاظا على ثروته وثروة قريش وخاصة بنى ومن يرجو معاوية منه التأييد والنفع، فكاتبهم معاوية سراً فأظهروا العداء والمخالفة لعلّى، واتبع معاوية سياسة البذل والبذخ ليستقر له الملك وهذا
أمية
ما لا يستطيع إنكاره أحد من الناس (4)
وتدرج
الأمويون في اتخاذ أبهة الملوك مع أنهم تسموا بالخلفاء فاتخذوا القصور
والعبيد والديباج والحرير وغير ذلك، يقول ابن خلدون (ثم استحضر عبدالله بن مروان فقص عليه خبره مع ملك النوبة لما دخل أرضهم فارا ــ أمام بني العباس ـ قال: أقمت مليا ثم أتاني ملكهم فقعد على الأرض وقد بسطت لي فرش ذات قيمة، فقلت له: ما منعك من القعود على ثيابنا؟.
فقال: إنى ملك وحق لكل ملك أن يتواضع لله إذ رفعه الله، ثم قال: لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ فقلت: اجتراً على ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم، قال: فلم تطأون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم، قال: فلم تلبسون الديباج والذهب والحرير وهو محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: ذهب منا الملك وانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا، فأطرق ينكت بيده فى الأرض، ويقول: عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا ثم رفع رأسه إلى وقال: ليس كما ذكرت بل أنتم قوم
(1) انظر: شوقي ضيف - الشعر والغناء في مكة والمدينة: 187/ 1.
(2) انظر: الجنجاني - التحول الاقتصادي: 145.
(3) ن م: ص 139
(4) ن م ص 148 وما بعدها، زيدان - التمدن الإسلامي: 371/ 1 وانظر الجاحظ: التاج في أخلاق الملوك:
94
108 (1/94)
صفحة 89
استحللتم ما حرم الله وأتيتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله العز وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله نقمة لم تبلغ غايتها فيكم، وأنا خائف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدى فينالني معكم، وإنما الضيافة ثلاث فتزود ما احتجت إليه وارتحل عن أرضى) (1).
هذا هو الواقع الذي كان يعيشه ملوك الأمويين في حياتهم الاجتماعية وإن كان أنهم يقيمون العدل ويفتحون الفتوح ويقسمون الفيء، ولكن السلوك
ظاهر هم
الشخصى منحرف عن التعاليم الإسلامية الصحيحة (2).
وقد اشتهر عنهم أنهم يبذلون أموال الدولة في اصطناع الناس، مما أدى بالأمر إلى أن يفرض الولاة الضرائب على الناس ليسدوا النقص الذي يطلبه الخليفة إرضاء له (3) فلم يقتصر الخلفاء الأمويون على ما يفرض للخليفة من الراتب كما كان الحال في عهد الراشدين. ولكنهم اعتقدوا أن المال مالهم يأخذوا منه ما يشاءون ويتركون منه ما يشاءون، فاستأثروا بالأموال العامة وصرفوها حسب هواهم (4).
وتبارى الخلفاء الأمويون أيضا فى اتخاذ القصور على غرار قصور الأكاسرة: (وقد تشبه خلفاء بني أمية بالملوك وأبهتهم فكان قصر الخليفة في دمشق غاية في الأبهة، وقد ازدانت جدرانه بالفسيفساء وأعمدته بالرخام والذهب وسقوفه بالذهب المرصع بالجواهر، ولطفت جوه النافورات والمياه الخارجية والحدائق الغناء .. إلخ) (5). فأين هذا مما كان عليه العهد أيام الخلفاء الراشدين، وأيام. عمر بن عبد العزيز؟ ولم يقتصر الحال على البنيان بل تلذذوا بشتى الملذات من المأكل والمشارب وفاخر
اللباس (6).
(1) ابن خلدون - المقدمة: 260/ 1 - 261.
(2) كان مما وصف به يزيد بن معاوية بأنه: يزيد الفهود ويزيد الخمور يعزف بالطنابير وتضرب عنده القيان، ويلعب
بالكلاب ويسامر الخراب والقيان واستباح المدينة ثلاثة أيام على يد عامله مسرف.
انظر: الزبيري ـ نسب قريش: 127، البجاوي - أيام العرب في الإسلام: 420.
(3) انظر: حسن إبراهيم - تاريخ الإسلام: 468/ 12 - 475، زيدان ـ التمدن الإسلامي: 384/ 1، 272. (4) انظر: حسن إبراهيم - تاريخ الإسلام: 1/ 538 - 539.
(5) انظر: ن م ص 543.
(6) انظر: الزبيرى - نسب قريش: 164.
?? (1/95)
صفحة 90
ومن طريف ما ذكر عن هشام بن عبد الملك أنه حملت فرشه وملابسه على سبعمائة جمل عندما أراد المسير إلى الحج (1).
وعم الترف كثيرا من البلاد الإسلامية وخاصة بلاد الحجاز بما أغدق عليهم معاوية، ومن بعده من الأموال والأعطيات ليشغلوهم باللهو والبذخ فيتناسوا المطالبة أن المدينة ومكة كثر فيهما اللهو والغناء (2)
بالخلافة
، حتى
وانتشر البذخ بين الأغنياء تقليدا للملوك لأنهم يملكون الوسيلة الموصلة إليه،
فانتشر بسبب ذلك الفساد والدعة والركون إلى الدنيا واتباع الراحة (3).
حتى أنه لما جاء عمر بن عبد العزيز ولم يبسط لبنى أمية ولا غيرهم شيئا من المال لم يجد من يعينه، وحكى عن عمر قوله: (ما طاوعنى الناس على ما أردت حتى
(4)
بسطت لهم من الدنيا شيئا) وكان الحال في أيام الدولة العباسية أكثر إسرافا وترفا وذلك لأجل زيادة الخراج في الدولة واتساع المملكة الإسلامية فكثر البذخ وبناء القصور واتخاذ الجوارى وأنواع الفرش الثمينة والملابس الفاخرة (5).
ونتج عن هذا الترف ظهور اللهو والشراب والغناء فكان الولاة يشترون المغنيات ليرسلوها إلى الأمراء، فهذا عبد الله بن عامر الأموى 59 هـ) اشترى المغنيات من البصرة إذ كان واليا عليها ليرسلها إلى الخليفة (6).
وسنوضح شيئا.
من
ذلك فيما يلى:
ب ـ اللهو والغناء:
أصابت الناس هزة عندما تغير وجه الخلافة عما كان عليه الحال في عهد الخلفاء
(1) انظر: الزبيرى - نسب قريش: 164.
(2) انظر: محمود مصطفى - الأدب العربي وتاريخه: 157 – 158.
(3) انظر: أحمد أمين - ضحى الإسلام: 121/ 1.
(4) انظر: ابن الجوزى - سيرة عمر بن عبد العزيز: 108.
(5) انظر: زيدان - التمدن الإسلامي: 287/ 1، حسن ـ تاريخ الإسلام: 277/ 1 - 0 - 290، أحمد أمين ـ ضحى
الإسلام: 129/ 1
(6) انظر: شوقي ضيف - الشعر والغناء: 182.
96 (1/96)
صفحة 91
الراشدين وأنساب الناس في طلب الجاه والمال، وافترق الناس على ثلاث فرق: فرقة مشت وراء ركب الخلافة وابتغاء ما عند الخلفاء ونيل رضاهم، وفرقة كانت في غفلة الأمر فسارت وراء اللهو والعبث وهم عوام الناس، وفرقة تمسكت بهدى الشريعة المحمدية وهم بقايا الصحابة وفقهاء التابعين والزهاد من. هذه الأمة.
عن
من
ما عدا الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فإنه اعتنى بأخلاق الناس وإصلاح ما فسد في المجتمع وإحياء ما أماته السنن، فأرسل الدعاة إلى الآفاق وعندما قبله من شكي إليه بعض عماله نقص أموال الدولة بسبب إسلام أهل الذمة كتب إليه قائلا: (إن الله بعث محمدا لله داعيا ولم يبعثه جابيا)
(1)
وكان الحال قبل ذلك في بني أمية سيئا للغاية إذ فسدت أخلاق الجمهور بسبب
الغناء
عدم اهتمام الخلفاء بذلك، وبما أنهم هم أنفسهم استعملوا اللهو والغناء فقد شا شاع واللهو في عامة الناس، ووصف الجاحظ ملوك بني أمية وحالهم في طربهم والتذاذهم بالغناء وصفا دقيقا، بحيث قسمهم إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى: ترفعت عن الالتذاذ بالغناء وسماعه وشغلت بشغل المسلمين والنظر
في مصالحهم، والسهر على قضاء حوايجهم ويمثل هذه الفئة رجل واحد وهو عمر بن عبد العزيز، فإنه منذ أن ولى الخلافة لم يستمع لغناء أبدا إلى أن لقى الله راضيا مرضيا بدون مظلمة (2)
من
خلف
والفئة الثانية: استعملت اللهو والمجون والغناء ولكنها تستعمله الستارة، ولا يظهر أحد من الندماء على فعل الخليفة من خلف الستارة إلا بسماع الصوت أو النعير أو الطرب أو الرقص أو الحركة بزفير تجاوز المقدار، فيوهم صاحب الستارة الندماء بأن ذلك صوت جارية لا صوت الخليفة، فيناديها بالكف بقوله: حسبك يا جارية كفى انتهى أقصرى، ويمثل هذه الفئة منهم معاوية، ومروان، وعبد الملك، ومروان بن محمد، والوليد، وسليمان، وهشام (3).
(1) أبو يوسف - كتاب الخراج: 134، وانظر: أبا الحسن الندوي - رجال الفكر والدعوة في الإسلام: 49. (2) الجاحظ ـ التاج في أخلاق الملوك: 39. (3) انظر: الجاحظ ـ التاج في أخلاق الملوك: 39.
ويذكر الطبري: أن معاوية سمع الغناء من بديح المغنى لما قدم به عليه عبد الله بن جعفر فحرك رجله من الطرب وقال: (إن الكريم لطروب وقدم إليه عبد الله بن جعفر أيضا بسائب خائر المغنى وهو مولى لبنى ليث، فغناه =
97 (1/97)
صفحة 92
وأما الفئة الثالثة: فقد زال منها الحياء البتة ولم يكونوا يبالون بالتعرى والرقص والتجرد من ثيابهم بحضرة الندماء والمغنين مما ينافي الإسلام وقيمه، ويمثل هذه الفئة الباقون من بني أمية كيزيد بن معاوية، ويزيد بن عبد الملك، والوليد بن يزيد (1)
أما خلفاء بني العباس ممن عاصرهم الإمام أبو عبيدة وهم أبو العباس السفاح، وأبو جعفر المنصور، فلم يكونا بمنأى عن الغناء والطرب، فقد كان أبو العباس يسمع يطرب ويصيح بأعلى صوته: أعد هذا الصوت فيعاد له مرارا وتكرارا حتى يكتفى ولا ينصرف عنه المغنى والمنادم إلا بصلة أو كسوة مكافأة له على عمله الجليل (2).
الغناء
حتى
أما أبو جعفر فكان يسمع الغناء وراء الستارة ويصفق بيديه ولكنه لا يظهر للنديم (r)
من
واشتهر الحجاز بالمغنين والمغنيات أكثر من غيره من الأقطار، وذلك لأن الأمويين أرادوا أن يجعلوه معهداً يتخرج منه المغنون فيلهى أبناء الصحابة عن مد أعناقهم إلى الخلافة
20 ألف دينار
(7)
، وشهر
أن
، فإن بانتقالها من الحجاز ازداد ميل الناس - ولاسيما حواشى الخلفاء وعامة الناس ـ إلى الغناء منشغلين بها عن طلب الخلافة التي ما نالهم منها إلا السوء (4). فاشترى يزيد بن عبد الملك سلامة القس (5)، وقد تخرجت من معهد الغناء. بالمدينة المنورة على أيدى المغنين هناك، فاشتراها بـ .. الوليد بن يزيد كان يجيد الغناء والعزف على الآلات فيضع الأشعار ثم يتغنى بها، ويقال: أن أحد المغنين غناه حتى طرب فزحف إليه من مجلسه (7)، ويقول أحد = بثلاثة أبيات كان يغنى بها، فقال معاوية: أحسنت والله، وقضى حوايجه كلها، ولم ينكر عليه ما فعل. انظر: الطبري - تاريخ: 188/ 6. ويكفي بما جاء في كتاب الأغانى لأبي الفرج الأصبهاني من ذكر الغناء والمغنين في ذلك العهد أي في القرنين الأول والثاني الهجريين بما لا يدع مجالا للشك فيما ينقل عنهم في كتب التاريخ: وهذا كان من أسباب انحطاط القيم والأخلاق في ذلك العهد.
(2) ن م ص: 40.
(1) ن م والصفحة. (4) سليم الحلو ـ الموشحات الأندلسية: 28.
(3) ن م ص: 41.
(5) إنما سميت سلامة القس لأن أحد قراء أهل مكة وكان يسمى عبد الرحمن بن أبي عمار الحشمي، وكان يلقب بالقس لعبادته سمعها فشغف بها، وكانت سلامة جميلة وصارت مشهورة ولذلك اشتراها يزيد.
انظر: ن م والصفحة.
(6) انظر: شوقى ضيف - الغناء في المدينة ومكة: 184. (7) انظر: سليم الحلو ـ الموشحات الأندلسية: 30.
98 (1/98)
صفحة 93
الباحثين: (ومن المؤكد أن المدينة امتازت فى الغناء هذا الامتياز بسبب كثرة الموالي الخلفاء الراشدين، وساعد على ذلك أن أشرافها ونبلاءها كانوا يطلبونه
فيها منذ عصر
عن
بل نرى منهم من جعل داره أشبه بفندق للمغنين على نحو ما عبد الله معروف هو ابن جعفر سيد بني هاشم، فقد كان الناس يؤمون داره لسماع من بها من المغنين والمغنيات (1). ويقول أيضا: (ويخيل إلى الإنسان أنه لم يبق أحد في المدينة إلا وكان يعجب بالغناء حتى ليقول صاحب الأغانى: إن الأغانى كانت في المدينة لا ينكره عالمهم ولا يدفعه عابدهم واستمرت المدينة مشهورة بذلك حتى العصر العباسي إذ نرى أبا يوسف يقول لبعض أهلها: ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها) (2)
وصارت مكة بعد ذلك مثل المدينة لكن المركز الأول هو المدينة فالخلفاء من دمشق يطلبون المغنين منها وكذلك بقية الأقطار الأخرى (3).
أن عبد الله ويروي
بن عامر اشترى إماء صناجات وأتى بهن المدينة فكان لهن
يوم الجمعة يلعبن فيه، وسمع الناس منهن فأخذوا عنهن، وقدم رجل فارسي فغني فأعجب به عبد الله بن جعفر، فقال له سائب خائر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسى ولكن بالعربية فصنعه له وغناه فأعجب به (4)
ومن الغريب جدا أن يذكر بعض الفقهاء بالمدينة ممن هم مشهورين بالمعرفة بأنهم يحبون الغناء ويغنون. وذكر الدكتور شوقي ضيف مجموعة منهم (5)، أليس هذا من الغريب في بلد فيها مثوى الرسول صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي السماوى وقد نهى الله عز وجل عن اتباع لهو الحديث،، والأعجب ذلك قادة الدولة الإسلامية لهذا الأمر
من
حب
وولعهم به فما ظنك بعامة الناس ولم يبق إلا المتقون الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، وكانت مدينة العراق أقل اكتراثا بالغناء لانشغالها بالجدل الكلامي والفكرى واللغوى ولبعدها عن مركز الخلافة وإن كانت لا تخلو من شيء من ذلك.
(1) شوقي ضيف ـ الغناء في المدينة ومكة: 107. (2) ن م والصفحة.
(3) ن م والصفحة.
(4) انظر: سليم الحلو - الموشحات الأندلسية: 28.
(5) انظر: شوقي ضيف: الشعر والغناء فى مكة والمدينة: 99 - 109، عبد السلام رستم ـ أبو جعفر المنصور
الخليفة العباسي الأول: 98 - 99.
99 (1/99)
صفحة 94
وكما أن الأمويين والعباسيين بعدهم غرقوا في اللهو والغناء فإنهم – أيضا – شجعوا الشعراء على مدحهم والثناء علهم بإغداق الأموال عليهم وتكريمهم وإعطائهم الهدايا والكسوة، إلى غير ذلك من أموال المسلمين وسوف نذكر بعضا من ذلك فيما
يلي:
جـ ـــ المديح والثناء:
اتخذ
بنو أمية الشعر وسيلة للتنويه بهم في استحقاقهم للخلافة وقوامتهم على الأمة، وصار عندهم من أكبر الوسائل الإعلامية، فاصطنعوا الشعراء وأغدقوا عليهم من العطاء، فكم من شاعر قال بيتين من الشعر في مدح خليفة من الخلفاء جوزى عليها بعشرة آلاف درهم، فاتخذ الشعراء مدح الملوك وولاتهم حرفة يكسبون من ورائها أكبر المكاسب (1) واحتل مدح خلفاء أمية جانبا كبيرا ذا أهمية من الشعر العربي، ويختلف بني خليفة منهم إلى آخر بقدر طول مدته وكثرة سخائه وبسط يده في العطاء، وضخامة الفتوحات التي تمت في عهده، فمن شعراء معاوية: أبو الأسود الدؤلي (69 هـ)، ومسكين الدارمي (89 هـ)، والأخطل (90 هـ)، والنعمان بن البشير (65 هـ)، وعبد ا ابن همام السلولي (100 هـ) وغيرهم (2).
الله
وقيل في عبد الملك بن مروان المدح الكثير والتف حوله كثير من الشعراء كالأخطل وهو شاعر نصرانى كان أفضل شعرائه، وجرير (110 هـ)، والفرزدق (110 هـ)، وأعشى ربيعة (100 هـ)، وعبد الله بن قيس الرقيات (85 هـ)، وعمر ابن أبي ربيعة المخزومي (93) هـ)، والنابغة الشيباني (125 هـ)، وكثير عزه (105 هـ)، وغيرهم كثير (3)
فمما قيل في مدح عبد الملك بن مروان الذى خطب بالمدينة على منبر النبي الله (والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه) (4)
(1) انظر: محمد عبد القادر أحمد - أدب ونصوص العصر الأموى: 100، عبد القادر القط ـ في الشعر
الإسلامي والأموى: 206
(2) انظر: ن م ص 101. (4) السيوطي: تاريخ الخلفاء: 219.
(3) انظر: ن م ص 103 (1/100)
صفحة 95
قال الأخطل في عبد الملك:
إلى امرئ لا تعدينا نوافله أظف
الله فليهنأ لـ
الظف
الخائص الغمرة الميمون طائره خليفة الله يستسقى به المطـ
إلخ ما قال (1)
و من قول جرير من قصيدة له:
تعزت أم حزرة ثم قالت رأيت الواردين ذوى لاح أغثني يا فداك أبي وأمي بسيب منك أنك ذو ارتياح فإني قد رأيت على حقا زيارتي الخليفة وامتداحي سأشكر إن رددت على ريشي وأنبت القوادم في جناحـ ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح (2) ومن قوله:
ولولا أمير المؤمنين وأنه إمام وعدل للبرية فاصل وبسط يد الحجاج بالسيف لم يكن سبيل جهاد واستبيح الحلائل خليفة عدل ثبت الله ملكه على راسيات لم تزلها الزلازل (3) و من قول الفرزدق: فالأرض لله ولاها خليفته وصاحب الله فيها غير مغلوب
وقوله:
هو المصطفى بعد الصفيين للهدى وفي العيص من أهل الخلافة والقرب (4)
(1) محمد عبد القادر ـ أدب ونصوص في العصر الأموي: 103.
(2) ن م ص 105.
(3) عبد القادر القط - في الشعر الإسلامي والأموى: 308.
(4) ن م والصفحة.
101 (1/101)
صفحة 96
ومن قول جرير في الوليد بن عبد الملك:
إن الوليد هو الإمام المصطفى بالنصر لز لواؤه والمغنم (1) ومما قاله الفرزدق في مدح يزيد بن عبد الملك صاحب حبابة وسلامة القس: ولو صاحبته الأنبياء ذوو النهى رأوه مع الملك العظيم المسودا فلا أم إلا أم عيسى علمتها كأمك خير الأمهات وأمجدا (2) وقال يمدح ابن الوليد:
إلى ابن الإمامين الذين أبوهما إمام له لولا النبوة يسجد (3)
وقوله يمدح يزيد بن عبد الملك أيضا
:
رسل الله مقبور
يا خير حى وقت نعل له قدما وميت بعدره
إني حلفت ولم أحلف على فند فناء بيت على الساعين معمور
لو لم يبشر به عيد
كنت النبي الذي يدعو إلى النور (4)
وقال فيه أيضا:
فإن منى النفس التي أقبلت بها وحل نذورى إن بلغت الموقرا سوى من به دين البرية أسفرا أهل الأرض حيا وميتا به خير إلى خير أهل الأرض أما وخيرهم أبا وأخا إلا النبي وعنصرا
سائني علي خير البريد والذى على الناس ناء الغيث منه فامطرا أرى الله في كفيك أرسل رحمة على الناس ملء الأرض ماء مفجر ا (5)
وقال الفرزدق أيضا في مدح سليمان:
سليمان غبث المملحين ومن به عن البائس المسكين حلت سلاسله
(1) محمد عبد القادر - دراسات في أدب ونصوص العصر الأموى: 107.
(2) عبد القادر القط - في الشعر الإسلامي والأموى: 308.
(3) ن م والصفحة.
(5) ن م ص 109.
(4) ن م والصفحة.
102 (1/102)
صفحة 97
وما قام مذ مات النبي محمد وعثمان فوق الأرض داع يعاد له (1) وقال في مدح هشام: ولو أرسل الروح الأمين إلى امرئ سوى الأنبياء المصطفين الأكارم إذن لأتت كفى هشام رسالة من الله فيها منزلات العواصم (2) و من أغراب ما قال الشعراء ما قالوه في الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاجر الماجن
فقد قال فيه جرير:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كأهله (3) وقد أفاض المؤرخون القول فى مجونه واستهتاره حتى قتل على سوء فعله وقال
فيه الفرزدق:
إلى خير مأتى يطلب الناس خيره إليه من الآفاق مجتمع الركب إلى باب من لم نأت نطلب غيره بشرق من الأرض الفضاء ولا غرب إذا ما رأته الأرض ضلت كأنها تزعزع تستحى الإمام من الرعب (4) ولا يحب الباحث أن يطيل الكلام على ما قيل في مديح خلفاء بني أمية وبنى العباس رغبة فيما لديهم ورهبة منه. وتقربا إليهم. ولكن نظرة إلى ما أوردناه تبين مدى التزلف والاستجداء والمبالغة في وصف هؤلاء الأمراء بما هم ليس من أهل من حيث وصفهم بالاستقامة والاصطفاء حتى بلغ الحد أن لا يسأل غيرهم فى الرزق والعطاء في أرض الله، أليس هذا من الانحراف؟. وإذا نظرنا إلى مديحهم السياسي وجدناه قد بلغ الحد الأقصى ووصلوا الذروة في التزلف، انظر إلى قول الأخطل في بني أمية:
حشد على الحق عيافوا الخنا أنف إذا ألمت بهم مكروهة صبروا
(1) ن م والصفحة.
(2) ن م والصفحة.
(3) محمد عبد القادر ـ أدب ونصوص في العصر الأموى: 114.
(4) ن م والصفحة.
103 (1/103)
صفحة 98
وإن تدجت على الآفاق مظلمة
كان لهم مخر
و
شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
حربهم ولا يبين في عيدانهم خـ
ـور
لا يستقل ذوو الأضغان. ويقول جرير في المروانيين إذ نسب أن دينهم وعقيدتهم وسلوكهم هو الحق وأن سلوك غيرهم بدع ويشير إلى عبد الملك: يا آل مروان إن الله فضلك فضلا عظيما على من دينه البدع إن البرية ترضى ما رضيت لها إن سرت ساروا وإن قلت أربعوا ربعوا
صار
وبالجملة فقد أفاض الشعراء في مدح الخلفاء واصطنعهم الخلفاء لذلك بحيث كانوا لسان الخليفة يدافعون عنه ويمجدونه، ويغدق عليهم الخليفة العطاء الشعر حرفة لهم.
(1)
حتى
وما ذكرته هو من قبيل ذكر الواقع الحقيقى الذى فاضت به كتب المؤرخين وامتلأت: به كثير من دواوين الشعر، لقد كان بنو أمية في أشد الحاجة إلى هذا المديح السياسي ليظهروا به حقهم فى الخلافة فقربوا إليهم الشعراء وأفاضوا عليهم الهبات، وتنافس الشعراء في مدحهم والدفاع عنهم. وكانت الأحزاب الأخرى غير راضية عن سلوك الأمويين بالطبع ولا تؤيد الشعراء في مدحهم وخصوصا المحكمة فلم يكن شعرهم شعر المتكسبين المتزلفين بل كان ضد من يحترف ذلك، وليستمد قوته من روح الإسلام والشجاعة وقوة العاطفة الروحية ونحول الجسم من العبادة والسهر.
يقول عمران بن حطان (2)
:
أيها المادح العباد ليعطى إن لله ما بأيدى العب
فاسأل الله ما طلبت إليهم وأرج فضل المقـ
لا تقل في الجواد ما ليس فيه
وتس
(1) انظر: محمد عبد القادر أدب ونصوص في العصر الأموى: 130. (2) انظر: ترجمته في ملحق 2.
(3) انظر: محمد عبد القادر أدب ونصوص في العصر الأموي: 132.
1.2
باد
ــواد
واد (3) (1/104)
صفحة 99
ويقول الإمام أبو بلال مرداس بن حدير) (1) عندما اشتد إيذاء ابن زياد له ولمن على طريقته من أهل الاستقامة والخلاف ليزيد بن معاوية:
إلهى هب لى زلفة ووسيلة إليك فإني قد سئمت من الدهر وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا على ظلم أهل الحق بالغدر والكفر وفيك إلهى إن أردت مغير لكل الذي يأتي إلينا بنو صخر فقد ضيقوا الدنيا علينا برحبها وقد تركونا لا تقر من الذعر فيارب لا تسلم ولاتك للردى وأيدهم يارب بالنصر والصبر وليس لنا خيرا ولا تحر مننا لقاء ذوى الإلحاد في عدد دثـ فلسنا إذا جمعت جموع عدونا وجاءوا إلينا مثل طامية البحـ نكف إذا جاشت إلينا بحورهم ولا بمهاييب نحيد عن البتر ولكننا نلقى القنا بنحورنا وبإلهام نلقى كل أبيض ذي أثر إذا جشأت نفس الجبان وهللت صبرنا ولو كان القيام على الجمر (2)
ومما ينسب إلى عيسى بن فاتك الخطى (3) يذم المفاخرة بين القبائل التي شاعت وكثرت في زمان بني أمية:
أبي الإسلام لا أب لى سواه إذا فخروا يبكر أو تميم ليلحقه بذى الحسب الصميم
كلا الحيين ينصر مدعي
وما حسب ولو كرمت عروق ولكن التقى هو وبالجملة فإن من كان في حزب بني أمية وهم سواد الأمة فكان يهوى مدحهم
(1) انظر: ترجمته.
(2) إحسان عباس - شعر الخوارج: 5251.
(3) من بني تيم اللات بن ثعلبة كان من أصحاب نافع بن الأزرق وقتل بعد خروج الأزارقة وذكر البلاذرى أن له شعراً
كثيراً. ن م ص 54.
(4) ن م ص 58 والظاهر أن كلمة الكريم مكسورة تبعاً للقافية وحكمها الرفع لكونها خبراً للمبتداً. (1/105)
صفحة 100
عنهم
والثناء بشعر أو نثر، ذلك لأنهم يسيرون فى ركابهم، واستخدم الأمراء هؤلاء الشعراء والخطباء فى سبيل أغراضهم السياسية واستفاد هؤلاء منهم. العطاء والإكرام. وفي المقابل نجد العكس، فهناك الأحزب المناوئة لبنى أمية وبنى مروان، فمن قيل أنهم خوارج كانوا يدافعون عن العقيدة وحرمات الدين لا يطلبون بشعرهم التكسب ولا الهجاء فى نفس الوقت، وحزب الشيعة كانوا ضد بني أمية كذلك ويؤيدون ذرية على بن أبى طالب، وعامة بنى هاشم، واستفاد منهم بعد ذلك، وحزب الزبيريين من أيام مروان وابنه عبد الملك كانوا ضد بني أمية وبنى مروان كذلك ولكنهم يعتبرون أنفسهم الأحق بالخلافة، فكانت الأحزاب
العباسيون
(1)
تتصارع، وبالطبع فإن القوة للغالب.
ومما ظهر في زمان بني أمية التعصب القبلى الذى فرق بين القبائل واشتغلت يبعضها البعض بسببه وكثرت المهاجاة مما أظهر نعرة الجاهلية كما سنوضحه: د ـ العصبية والمهاجاة:
لما جاء الإسلام حرص كل الحرص على إماتة العصبيات القومية التي كانت تسود الأحياء العربية، وقد نعاها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله في خطبته عام حجة: إن الله قد أذهب عنكم النخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، كلكم من آدم وآدم
الوداع
من تراب
،
?
(2)
فخر العربي على عجمى ولا لعجمى لعربى إلا بالتقوى (2)، وحرص الرسول على إماتة تلك النخوة في جميع الأحيان والمناسبات، حتى في أحرج الأوقات وأضيق المناسبات، إذ آخى بين المهاجرين والأنصار وفيهم القرشي والمولى،
وزوج زينب بنت جحش القرشية بالمولى وهو زيد بن حارثه، ونهى من سمع الافتخار بقومه من الصحابة في بعض الغزوات.
منه
فامتزجت الشعوب التي دخلت الإسلام بالشعب العربي، ولم تشعر بتفاضل بينها وبين غيرها من القبائل بأى نوع من أنواع التفاضل سوى السبق إلى الإسلام وشدة البلاء من أجله
(1) كان من الأحسن أن أضع شيئاً من شعر الشيعة في ذم بني أمية ومدح بني هاشم، وأحياناً عند التقية يضطرون إلى مدح بني أمية - ضمن هذا المبحث ولكنى رأيت الموضوع سيطول فاقتصرت، خوفاً من الخروج عن المقصود من ذكر الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تسود الدولة الإسلامية أيام الإمام أبي عبيدة، ليعلم ذلك. (2) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 112.
106 (1/106)
صفحة 101
وسادت هذه الظاهرة خلافة العمرين، وما أن اعتلى الخليفة الثالث عثمان منصب الخلافة إلا وبدأ ظهور العصبية من غير قصد من الخليفة نفسه، ولكن من بني أمية الذين كانوا يتحينون الفرصة للظهور على بني هاشم الذين بعث منهم النبي فكان الشرف الأكبر لهم وسار الأمر فى استفحال، حتى تولى الإمام على منصب فحاول اطفاء تلك العصبية بالسياسة الدينية كما رسمها الإسلام بين المسلمين،
الأمور
الخلافة
وحاول تسيير من غير محاباة، ولكن معاوية عاجله بالدهاء والسياسة المادية والعسكرية، فغلب على أمره بخطئه في اجتهاده الذي لم يطاوع على تركه، حتى
قتل عام 40 هـ.
ولما انفرد معاوية بتسيير أمور الدولة، وانقلبت ولاية المسلمين من الخلافة الراشدة إلى ملك (1) ظاهره مظهر الخلافة وباطنة وطبعيته طريقة الملك، فكان من آثار ذلك أن عادت العصبية الجاهلية جذعة فتية واسعة النطاق متعددة النواحى) (2). وتعددت ألوان العصبيات: فعصبية بين بني أمية وبنى هاشم كما أسلفنا. وقال في ذلك بعض الشعراء:
عتبة
عبد شمس قد أضرمت لبنى ها شم حربا يشيب منها الوليد
فابن حرب للمصطفى وابن هند لعلى، والحسين يزيد (3) ومن مظاهر ذلك: أنه لما توفى أبو هريرة أمر معاوية وانيه على المدينة الوليد بن أن يحسن على بناته بعشرة آلاف درهم ويحسن جوارهن لأن أباهن ممن نصر
عثمان (4)
سعيد:
ولما بكت نساء بني هاشم - عندما جاءهن نعى قتل الحسين ـ قال عمرو بن
هذا ببكاء نساء عثمان (5)
(1) أبو الأعلى المودودي ـ الخلافة والملك: 93.
(2) محمد طاهر درويش - الأدب العربي وتاريخه: 151. (3) محمد طاهر درويش - الخطابة في صدر الإسلام: 39/ 2. (4) ابن كثير - البداية والنهاية: 115/ 8.
(5) ن م: ص 196.
107 (1/107)
صفحة 102
وقال ابن عمر لما صاح صبيان ونساء المدينة بهزيمتهم عندما دخلها مسلم بن عقبة المرى بأمر يزيد بن معاوية: بعثمان ورب الكعبة (1).
واستفحلت العصبية بين بني أمية أنفسهم حتى تأججت نارها بعد موت يزيد فطائفة مع أخيه خالد وطائفة مع مروان بن الحكم (2). وكان تعصب الأمويين لغيرهم ومع بعضهم البعض سببا في عودة العصبية بين
يحيى
القبائل بعضها على بعض، وقد شجع ذلك الأمويون (كان مِنْ هَم معاوية أن العصبية التي عمل النبى وخلفاؤه على قتلها لأنه يرى في حياتها صرفا صرف فا للعرب عن التفكير فى اغتصابه للسيادة ثم خضدا لشوكتهم بجعل بأسهم بينهم، وظفرا بعد اصطناعه ذلك باصطناع من يريد. وكان فى حياة هذه العصبية حياة لكثير المهاجاة والمفاخرة وفاحش الغزل والاجتماع في الأسواق بظاهر
من
منهم
.
أمور الجاهلية من الكوفة (الكناسة) أو بظاهر البصرة (المربد) (3).
بقوله:
وبلغ الحال أن رجلان بني أسد بن خزيمة يمدح يحيى بن حيان ويذم اليمنيين:
ألا جعل الله اليمانين كلهم فدى لفتى الفتيان يحيى بن حيان ولولا عريق في من عصبية لقلت وألفا من معد
عدنان بن
ولكن نفسى لم تطب بعشيرتي وطابت له نفسي بأبناء قحطان (4)
وقوى أمر العصبية بين القبائل من أزد وتميم ومن قيس ومضر ومن يمن ونزار إلى الأزد أن رجلا منهم كان يطوف
غير ذلك، ويحكى المبرد أنه حدثه رجل ثقة من بالبيت الحرام وهو يدعو لأبيه ولا يدعو
تميمية (5).
لأمه، فقيل
له
: لم ذلك؟ فقال لأنها
واشتد العداء بين القبائل حتى بلغ الأمر إلى القتال فيما بينها كما وقع بين اليمنية والمضرية فى موقعة مرج راهط وكان في ذلك مصلحة للدولة الأموية لتفريق عصا
(1) ن م ص 221.
(2) حسن ـ تاريخ الإسلام: 336/ 1 - 337.
(3) محمود مصطفى ــ الأدب العربي وتاريخه: 156/ 1. (4) المبرد - الكامل: 198/ 1.
(5) المبرد - الكامل: 198/ 1.
108 (1/108)
صفحة 103
القبائل بين بعضها البعض.
واشتد النزاع بين عرب الشمال وعرب الجنوب، وامتد لهيبها إلى أن وصلت إلى أقاصى البلاد الإسلامية والبلاد التي وصل إليها الإسلام واشتعلت الحروب بين القبائل، وظهرت الفوارق بين العرب والموالى، وكان تنكر العرب للموالى أشد وأفظع من. القبائل بعضها بعضا (1)
عداء
وصار الحجاج ـ بعد ثورة القراء والموالى عليه مع ابن الأشعث ـ ينفيهم إلى بلدانهم وينقش على أيدى الموالى اسم البلد الذى ينفى إليه، وفي هذا قال رجل لأهل الكوفة وكان قاضيهم مولى:
إن القيامة فيما أحسب اقتربت إن كان قاضيهم نوح بن دراج لو كان حيا له الحجاج ما بقيت صحيحة كفه من نقش حجاج (2) ولما ولى الحجاج سعيد بن جبير (95) (هـ) قضاء الكوفة وهو مولى تذمر عرب الكوفة من ذلك طبقا لوجهة نظرهم أن القضاء لا يتولاه إلا عربي وقد عزم معاوية على قتل شطر الموالى لما رأى كثرتهم ويترك النصف لإقامة
(3)
(1) انظر: أحمد أمين - تاريخ الإسلام: 20/ 1 - 25، أبو الحسن الندوي ـ رجال الفكر والدعوة: 23. ويروى صاحب العقد الفريد عن ابن أبي ليلى الفقيه قوله: (قال لى عيسى بن موسى وكان جائراً شديد العصبية: من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: ثم من؟ قلت: محمد بن سيرين، قال: فما هما؟ قلت: موليان، قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موالى، فتغير لونه ثم قال: فمن أفقه أهل قباء؟ قلت: ربيعة الرأى، وابن أبي الزناد، قال: فما كان؟ قلت: من الموالى، فأربد وجهه، ثم قال: فمن كان فقيه اليمن؟ قلت: طاووس، وهمام، ووهب بن منبه، قال: فما هؤلاء؟ قلت: من الموالى، فانتفخت أوداجه فانتصب قاعداً، ثم قال: فمن كان فقيه خراسان؟ قلت: عطاء بن عبد الله الخراساني، قال: فما كان عطاء هذا؟ قلت: مولي، فازداد وجهه تربداً واسود اسوداداً حتى خفته ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟ قلت: مكحول، قال: فما كان مكحول؟ قلت: مولى، فازداد تغيظاً وحنقاً، ثم قال: فمن كان فقيه الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: فما كان؟ قلت: مولى، قال: فتنفس الصعداء ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟ قلت: فوالله لولا خوفه، لقلت الحكم بن عيينة، وعمار بن أبي سليمان، ولكن رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم، والشعبي، قال: فما كانا؟ قلت: عربيان، قال: الله أكبر وسكن جاشه.
ابن عبد ربه - العقد الفريد: 328/ 3 - 329.
(2) ابن عبد ربه - العقد الفريد: 330/ 3 (3) مجموعة من الباحثين - حضارة العراق: 169/ 6.
109 (1/109)
صفحة 104
السوق وعمارة الطريق، فاستشار الأحنف فأشار عليه بتركهم لأنهم امتزجوا بالعرب فقبل رأيه وترك ما عزم عليه (1)، فهذا يدل على مدى الكره الذي كان يحمله العرب على الموالى، حتى أنهم كانوا يقولون لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة: حمار أو كلب أو مولى، ويجلسون أصحاب الفضل منهم في طرف المجالس
و بسبب
(2)
هذا التفريق العنصري غضب الأعاجم والموالي فانضموا إلى الثورات التي
كانت تقوم ضد الأمويين، وسماهم المؤرخون الشعوبيين» وما هم إلا فئة أغضبتهم
التفرقة
وسوء
المعاملة
إذ بهذه العصبيات يتجلى الفرق بين ا الخلافة الدينية و بين الخلافة السياسية، إذ تمتزج بالخلافة الدينية النظرة العالمية والإنسانية فتزداد الشعوب ارتباطا وتآخيا تحت راية الإسلام وهذا هو سر انتصار المسلمين على غيرهم في صدر الإسلام.
ويرى الباحث أن الموالى والمعارضين للسياسة الأموية كان لهم نصيب كبير في خدمة الإسلام بدراسة الفقه والحديث واللغة وإثراء المعرفة الفكرية للعقيدة، حينما
اشتغل غيرهم بجمع الأموال والتقرب إلى الدولة، ومنهم من أحرقتهم نار العصبيات، ومنهم من أغرقهم اللهو والترف وممالأة الولاة ومداراتهم.
ونحن لا نغض الطرف عن أن الأمويين حافظوا على اللغة العربية نثرها ونظمها، وأنهم كانت على أيديهم كثير من الفتوحات الإسلامية، ولكنهم يلامون على عدم القيام بإصلاح أخلاق المجتمع والحفاظ على النظام الإسلامي لأجل المصلحة العامة لا
للمصالح الخاصة، إذ أصبح بذل الأموال للشعراء والخطباء والمحترفين والمغنين أمراً. وهل يصدق عاقل أن يكون فى زمان معاوية رجل من النصارى يستعمله الخليفة لجباية الخراج (3)؟ أليس في المسلمين يومئذ ـ من يصلح لذلك على سبيل المثال. فلابد إذاً من أن يغضب الفريق المقابل وهم أصحاب الفكر الإسلامي النظيف الذي يعمل من أجل الإسلام لا غير، والذى يؤثر المصلحة العامة على المصالح الشخصية والفردية، الذي خلت منه روح التعصب الجنس أو لون وهم القراء والفقهاء، لأن
(1) انظر: ابن عبد ربه - العقد الفريد: 327/ 3.
(2) انظر: ن م ص 326.
(3) انظر: دائرة المعارف الإسلامية: 272/ 9.
بهم
110 (1/110)
صفحة 105
بقيت آثار الإسلام حية ومعالمه ظاهرة، ولنسمع إلى قول أحدهم في الافتخار بالقبائل،
حيث أنه افتخر بالإسلام: أبي الإسلام لا أب لى سواه إذا فخروا ببكر أو تميم
كلا الحيين ينصر مدعيه
ليلحقه بذى الحسب الصميم
وما حسب ولو كرمت عروق ولكن التقى هو الكريم (1)
ولننظر فيما يلى موقف الفقهاء من هذه المواقف والنزعات التي سادت هذه الحقبة من الزمن، ليتبين الفرق بين موقف أولئك وموقف هؤلاء واضحا جليا نظرة الإسلام الصحيحة، فنقول:
المطلب الثالث: موقف الفقهاء من تلك الأحوال:
أ ــ موقف الصحابة والتابعين:
والتي
ذكرنا فيما سبق شيئا من الأحداث والظروف التي سادت الحقبة الأولى في الإسلام وخصوصا ما بعد الخلافة الراشدة إلى منتصف القرن الأول تقريبا، كانت فيه المحنة والابتلاء. الله من عز وجل لهذه الأمة، وذلك قضاء الله وقدره المحتوم لأن تتفكك أواصر الأمة الإسلامية الوشيجة. وعظمت المحنة وكثر الابتلاء فيها على فضلاء الصحابة والتابعين وتابعيهم وعلى فقهائهم، إذ كانت الفتن والمحن تتوالى فالناجي من نجى منها والهالك من هلك فيها وانغمس في لذاتها ونعيمها، وهم الذين يعنيهم أبو سفيان في سيرته وفرقة أخرى دخلوا مع المسلمين من الباب الأعظم و خرجوا من النفق الأصغر) (2).
وإذا كان الإسلام ـ وهو دين
الحق
-
دين الحرية والسماحة والمساواة كما هي حقيقته التي ينادى بها أمام تيار الكفر والإلحاد، فمن الطبيعي أن تكون فيه حرية لمعارضة أساليب الحكم المحايدة لنظام الإسلام الصحيح بحرية الرأى. (وإذا استقامت حرية الرأى فى أى أمة كانت طبقا لموازين الإسلام التي هي معارضة المواقف والأساليب، لا معارضة مبدأ الحكم العادل، بمعنى أنها لا تخرج عن الطاعة ونفى
(1) إحسان عباس ـ شعر الخوارج: 58. (2) أبو سفيان ـ السير والجوابات: 237/ 1.
111 (1/111)
صفحة 106
المشروعية لمبادئ العدالة، إذن فلابد من أن تسمح تلك الحرية بالمعارضة، وإذا نفينا حق المعارضة التي تهدف إلى تصويب الأخطاء وتعديل الاعوجاج لا نفى المبدأ، فإننا بهذا نفينا حرية الرأي في الإسلام) (1).
ومن يتتبع صفحات التاريخ يجد ـ إلى جانب التيار الأعظم في الإسلام الذين
-
جاروا الخلفاء كما يسمونهم في زمان بنى أمية - صنفا آخر من الناس اصطبغوا بصبغة الله التي أرادها للناس، وما أحسنها من صبغة، إذ جعل الإسلام منهم أناسا عكس ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم تنفذ الأقلام ولم تجد الألسن سبيلا إلى إعابة شخصياتهم، وإشانة تاريخهم بما هم ليس من أهله، وليس من شأن الباحث أن يلقى اللوم على فئة من الناس في الصدر الأول من الإسلام ويعيب أحدهم بما هو غير موجود في كتب التاريخ المعترف بها. رغم أن ذلك أمر لا ينكره الواقع ويحققه المتخصصون في هذا الفن، ولا له أيضا أن يطرى قوما بما هو غائب عن الأنظار، ولكنه يذكرهم بما لا يحتاج إلى بحث ولا مزيد عناء
وأول
من تكفل بذلك القرآن الكريم والسنة الصحيحة، أليس في الصحابة من
افتخر بهم التاريخ و وكذلك
؟
،
بل إن هذا من بعدهم
هو الذي افتخرت به
الأمة
وستفتخر به إلى يوم القيامة.
إذن فالناس من يوم أن خلق الله الأرض ليسوا على وتيرة واحدة، وخير دليل على ذلك: تقسيم الصحابة أنفسهم عند أهل الحديث على طبقات في رواية الحديث وقبولها منهم وكذلك من بعدهم، والله سبحانه هو الذى قسم الناس من صحابة وغيرهم قبل تقسيم البشر، قال تعالى: و لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى (2).
ولذا فإن الوضع الذي ساد حقبة ما بعد الخلافة الراشدة لم يكن ليرضى به جميع الناس، بل إننا نجد فقهاء الأمة من الصحابة والتابعين غير راضين بما كان عليه نظام
(1) من نشرة صادرة عن المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم بالمغرب ص 15 عدد 4 في رجب
1986/ 1406 م
(2) الحديد: 10.
112 (1/112)
صفحة 107
الحكم الذي سار به معاوية (1). وتلك حقيقة لا ينكرها التاريخ
ويكفى أن نذكر بعضا من هؤلاء الصحابة والتابعين وآراءهم في المنهج الذي رسمه معاوية لنفسه، وترسمه من جاء بعده من أمراء بني أمية وبنى مروان، ليكون ذلك دليلا على أن المعارضة كانت قائمة ولكنها مكبوتة عند بعض وأحيانا تظهر على الساحة عند آخرين.
وإذا تجاهلنا المعارضة فمن أين لنا أن نعرف الحقيقة، ونميز الحق من الباطل، ولا
يعرف الضد إلا بمعرفة ضده
فهذا جابر بن عبد الله الأنصارى (78) (هـ) وهو الصحابي الجليل يستأذن على معاوية فمكث لا يؤذن له فلما أذن له، ذكره بحديث عن النبي فغضب معاوية ونهره وخرج جابر من عنده ولم يعد إليه إلى أن مات، ولم يقبل هداياه، وقال: لا أحب أن تكتب لمعاوية حسنة وأنا السبب فيها (2).
وهذا على بن أبي طالب كرم الله وجهه يأمر رسله إلى معاوية بن أبي سفيان قبل نافلة فقط (3) صفين أن يصلوا فى رحالهم ويجعلوا صلاتهم معهم وهذا ابن عمر عندما أراد معاوية أن يعطيه الدنانير للموافقة على مبايعته لابنه يزيد بالخلافة بعده قال: (يريدون أن يجعلونا جسرا يعبرون علينا في جهنم (4) وذلك لأنه لم يؤيده في استخلافه لابنه يزيد إلا بنو أمية وأنصارهم من أهل الشام، ولكن فقهاء الأمة وخيارها لم يرضوا به، وإنما أشار عليه المغيرة بن شعبة باستخلافه بعده بعزله عن ولاية الكوفة (5).
عندما
هم
وعندما خطب مروان بالمدينة وأخبر الناس عن عزم معاوية على استخلاف ابنه. يزيد بعده على الناس وقال: بسنة أبي بكر وعمر، رد عليه محمد بن أبي بكر: بل بسنة كسرى وقيصر، إن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما ولا في أحد من أهل
(1) انظر: محمد طاهر درويش - الخطابة في صدر الإسلام: 32/ 2 وما بعدها.
(2) انظر: المسعودي - مروج الذهب: 3: 139. (3) انظر: الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 205. (4) انظر: المالكي ـ غاية المطلوب: 73. (5) انظر: ابن قتيبة - الإمامة والسياسة: 1: 142.
113 (1/113)
صفحة 108
بيتهما (1)
وخطب عبد الله
بن عمر أمام معاوية برفضه بيعة يزيد بعده (2)، وقد بذل معاوية
في سبيل ذلك الأموال واصطنع الرجال.
وهل كان التحكيم إلا فتنة يقول عنها الحسن البصرى عندما يتحدث عن صفين والتحكيم: (إن القوم نعسوا نعسة في دينهم) (3)
ويروى الطبري في تاريخه عن الحسن البصري قوله في معاوية: (أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله الله: الولد) للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجرا، ويل له من حجر
عبد
(4)
وأصحاب حجر مرتين) وكما أن الصحابة لم يرضوا بسيرة معاوية فكذلك لم يرضوا بسيرة ولاته، فهذا الله بن عمر يدعو على زياد بن أبيه عندما ولاه معاوية الحجاز، فدعا عليه في مسجد المدينة ومعه أهلها يؤمنون. فأهلكه الله وقال سعيد بن المسيب في معاوية: فعل الله بمعاوية وفعل فإنه أول من أعاد هذا
(1) انظر: السيوطي - تاريخ الخلفاء: 196.
(3) انظر: البلاذري _ أنساب: 338/ 2.
ذلك (5) بسبب
(2) ن م والصفحة. (4) الطبري - تاريخ: 156/ 6.
(5) انظر: اليعقوبي - تاريخ: 229/ 2، المسعودى - مروج: 31/ 3 - 32، الطبرى ـ تاريخ: 162/ 6 وذكر الطبري أن زياداً مات عام 53 هـ وتولى العراق خمس سنين، وكان ذلك في رمضان بالكوفة، وأن سبب وفاته دعاء ابن عمر عليه حينما كتب إلى معاوية: إني ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة، فأضاف له الحجاز فأصابته بشرة طاعون في يده فلم يقطعها، فأشار عليه قاضيه أن لا يفعل، وقيل: أنه هم ولكن لما رأى المكاوى والنار جزع،
وقال الفرزدق فيه:
أبلغ زيادا إذا لا قيت مصرعه إن الحمامة قد طارت. طارت فما زال ينميها قوادمها حتى استغاثت إلى الأنهار والأجم وعندما مدح مسكين بن عامر بن شريح زيادا في رثائه بعد وفاته قال له الفرزدق: أمسكين أبكى الله عينك إنما جرى في ظلال دمعها فتحدرا بكيت امرءا من آل ميسان كافرا ککسرى على عداته أو كقيصرا أقول له لما أناني نعيه به لا بظني بالصريمة أعفرا الطبري: نفس الجزء والصفحة. (1/114)
صفحة 109
يسمى
الأمر ملكا، وكان معاوية يقول: أنا أول الملوك (1). وكان ابن المسيب أيضا. سنى يزيد سنى السوء ففي السنة الأولى قتل الحسين، وفي الثانية استبيحت المدينة، وفي الثالثة سفكت الدماء بمكة وأحرقت الكعبة (2). وقد أعابت الأمة كلها وعلى رأسها ابن عباس قتل يزيد للحسين (3) ولم يقتصر الأمر على الفقهاء فحسب بل أن بعض رؤساء القبائل يعيبون على معاوية ولكنهم سكتوا تقية، فهذا الأحنف بن قيس يعيب على معاوية بيعته ليزيد فقد تكلم الناس في ذلك والأحنف ساكت، فقال له: ما لك لا تقول يا أبا؟ قال بحر الأحنف: أخافك إن صدقت، وأخاف إن كذبت (4)
ويكفى أن نذكر هنا عمرو بن الأهتم (57 هـ) عندما خطب إمام عمر بن عبد العزيز وذكر النبي له، وذكر الخليفتين من بعده وأثنى عليهما قال: (ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوج) (5) فسكت جميع الناس ولم يتكلم إلا هشام ابن عبد الملك فقال: كذبت. ولم يكن الحجاج الذى ولاه عبد الملك العراق أخف وطأة من مولاه، ألم يقتل الأبرياء ويأخذ بالظنة ويغير السنة، وكان التابعون يصلون يوم الجمعة نافلة كالحسن، وسعيد بن جبير، وكان جابر بن زيد يصلى بالإيماء خلفه لأنه يطيل الخطبة حتى يخرج وقت الظهر (7)
خلفه
(6)
واستمر الصراع طويلا بين الحجاج وابن عمر: فقد عاب عليه فقال لابن الزبير وسماه كافرا لقتالهما بعضهما البعض على الدنيا (8) وامتنع عن الصلاة خلفه إذ نهاه ابن عمر عن تطويل الخطبة فهدده بقطع رأسه (9)
وسمعه ذات مرة يسب ابن الزبير في الخطبة ويقول: إنه بدل كلام الله فنهره ابن عمر عند ذلك، إذ ذلك محض افتراء وصدع ابن عمر بالحق أمام الحجاج (10).
(1) انظر: اليعقوبي ـ تاريخ: 232/ 2
(2) ن م ص 253.
(3) انظر: ن م ص 248، ابن كثير - البداية: 135/ 9، السيوطي - تاريخ: 205.
(4) انظر: ابن عبد ربه - العقد الفريد: 97/ 4.
(5) انظر: ن م ص 157 - 158، الجاحظ - البيان والتبيين: 107 - 109
(6) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 205. (7) انظر: المالكي ـ غاية المطلوب: 132.
(8) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع: 270.
(9) انظر: المالكي - غاية المطلوب: 132.
(10) انظر: السباعى مصطفى - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 77.
110 (1/115)
صفحة 110
وقد ثار التوابون على مروان بن الحكم (1)، وخرج القراء وأهل الصلاح على الحجاج مستنكرين لظلمه وجبروته (2) وثار عليه إبراهيم بن الأشتر ومن معه (3) وكان آخر من قتله الحجاج سعيد بن جبير عام 95 هـ، إذ كان ضمن التوابين الذين ثاروا عليه (4).
في سير
ولم يكن الفقهاء يدارون الأمراء والولاة إلا بعد إبادتهم في ثورة التوابين، وذكر أعلام النبلاء أن الشعبي قال: لما أتى بى إلى الحجاج موثقا حتى انتهيت إلى باب القصر لقيني يزيد بن أبى مسلم كاتب الحجاج، فقال: إنا لله يا شعبى لما للأمير بالشرك والنفاق على نفسك فبالحرى أن
دفتيك من العلم وليس بيوم شفاعة بؤ
تنجو، ففعل الشعبي فنجا (5) هذا واقع الامر عهد الحجاج.
بين
وكان الشعبي بعد ذلك عندما يلحن الحجاج يلحن معه، مهادنة له وتقية منه (6)
إلا أنه قيل أن أول من فتح باب الدخول عند الأمراء هو ابن شهاب الزهرى وقبل هداياهم إلى أن مات ومع هذا فقد كان مقبول الحديث.
(V) (
وانقطع بعد ذلك حماد الرواية (155) هـ إلى يزيد وهشام ابنى عبد الملك وأعطوه الدراهم والهدايا من الجوارى وغيرها (8).
وأما العباسيون فقد تظاهروا بتقريبهم للفقهاء في بادئ الأمر ولكنهم تنكروا بعد ذلك، فهذا ابن كثير يلعن المنصور على أفعاله (9)، إذ لم يكن أخف وطأة على الناس من الأمويين، وهو أول من عمل بالتنجيم فكان من جملة. عيوبه (10)، ويبذر الأموال حسب هواه.
(1) انظر: ابن الأثير ــ تاريخ: 340/ 3. .
(2) انظر: ترجمة الحجاج وأفعاله في سير أعلام النبلاء: 306/ 4 وما بعدها. (3) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 11/ 4 وما بعدها، البجاوي ـ أيام العرب في الإسلام: 478. (4) انظر: الطبري - تاريخ: 93/ 8 - 94، ابن الأثير - تاريخ: 130/ 4 وما بعدها.
(5) انظر: سير أعلام النبلاء: 314/ 4.
(6) انظر: محمود مصطفى - الأدب العربي وتاريخه: 165/ 1.
(7) انظر: محمد. محمد أبو زهو ـ الحديث والمحدثون: 177، السالمي - - جوهر النظام: 556. (8) انظر: محمود مصطفى - الأدب العربي وتاريخه: 183. (9) انظر: ابن کثير ر - البداية والنهاية: 84/ 10.
(10) انظر: ن م ص 94، وانظر: السيوطي ـ تاريخ الخلفاء: 24.
116 (1/116)
صفحة 111
وكان المهدى يلعب بالحمام ويعمل بما عمل به أسلافه من الإسراف في تبذير أموال المسلمين والاستهتار واللهو، ولما وضع له رجل يدعى غياث بن إبراهيم () حديثا في اللعب بالحمام منحه عشرة آلاف درهم ولم يعاقبه (1)
ب ــ موقف الإمام أبي عبيدة وشيوخه من الدولة الأموية:
بني
لقد ألقينا بعض الضوء على التأثيرات السياسية والاجتماعية التي كانت في زمان أمية ورأينا أنها أثرت فى الميول والنزعات وغيرت كثيرا من مقاييس الحياة، ونتج عن ذلك تغير في الأخلاق والاجتماع، وفقدت الشخصيات الدينية نفوذها، وآثرت الاختفاء على الظهور، وأخفقت جميع محاولات تغيير السياسة الأموية، وظلت الحكومة وراثية كسلسلة متتابعة الحلقات، ما عدا ما أحدثه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز من تغيير في الأوضاع كحجة قائمة على فساد الوضع الذي ساد في الأمة من
على
الدين
معه
(1) انظر ـ السباعى مصطفى ـ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 88 يقول السباعي تعقيباً على ذلك عندما لاحظ تساهل الخليفة المهدى مع الراوى: (وهى ما كان لتساهل الخلفاء والأمراء مع الوضاعين من آثار سيئة جرت كثيراً من البلاء، ولو وقفوا منهم موقف الجد وقضوا على رؤوسهم كما هو حكم الله في مثل هذه الحالة لما انتشرت هذا الانتشار، بل رأينا - مع الأسف - خليفة كالمهدى زعماً عن اعترافه بكذب غياث بن إبراهيم وزيادته في الحديث تقرباً إلى هواه كافأه بعشرة آلاف درهم، وما تقوله الرواية من أنه أمر بذبح الحمام لأنه كان سبباً في هذا الكذب فهو مدعاة للعجب، إذ كان خيراً للمهدى أن يؤدب هذا الكاذب الفاجر ويترك الحمام من غير ذبح، بدلاً من أن يذبح الحمام ويترك من يستحق الموت حراً طليقاً، ينعم بمال المسلمين، بل نحن نرى للمهدى تساهلاً آخر مع كذاب آخر وهو مقاتل بن سليمان البلخي، فقد قال له مقاتل: إن شئت وضعت لك الأحاديث في العباس وبيته، فقال له المهدى: لا حاجة لى فيها ثم لم يفعل. شيئاً.، بل نجد أنهم ذكروا عن الرشيد وقد روى له أبو البخترى حديثاً مكذوباً أن النبي كان يطير الحمام، لا يزيد في تأنيب أبي البختري ــ وقد أدرك كذبه ـ على أن يقول له: أخرج عنى لولا أنك من قريش لعزلتك، وقد كان هذا الكذاب قاضياً للرشيد، إن هذه المواقف مما يحاسب الله عليها هؤلاء الخلفاء إن صحت عنهم تلك الروايات، وإذا كنا نذكر لهم فضل تعقبهم للزنادقة الذين أفسدوا دين الإسلام فإننا لا ننكر أن من الدوافع التي حملتهم على تعقبهم بالقتل، هو أنهم كانوا خارجين على حكمهم، بدليل أننا لم نرهم فعلوا بالكذابين الوضاعين الذين تقربوا إليهم بالكذب على رسول الله إرضاء لأهوائهم عشر ما فعلوه مع الخارجين على حكمهم، ولقد كان القصاص يملأون المساجد بأكاذيبهم على مسمع من الأمراء والملوك، وكان الكذابون من الزهاد وغيرهم يسرحون ويمرحون دون أن يجدوا من يضرب على أيديهم ويوقفهم عند حدهم، ولولا أن هيأ الله لدينه العلماء الأثبات والأئمة الحفاظ في كل مصر وعصر يذبون عن شريعة الله تحريف المحرفين، ويجردون سنة رسول الله من كل ما خالطها من دس وتحريف، كانت المصيبة شاملة ولكانت معالم الحق في دين الله مدروسة مطموسة ... إلخ.
-
السباعي - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: ص 88 - 89.
117 (1/117)
صفحة 112
قبله، فالتف الفقهاء والمصلحون من حوله، ولم يلبث أن اختفى وعادت الأمور إلى ما كانت عليه من قبل بل وإلى أسوأ.
وكان من الطبيعى أن يعكف العلماء على التدريس والتعليم والدعوة إلى الله سراً. وعلانية خوفا من اندراس العلم ورغبة في إيصال الدعوة إلى المجتمع، وتبصير الناس أن هذا المبدأ الذى يسير عليه أمراء بني أمية ليس هو من قواعد الإسلام الصحيحة، لأنه ارتكب فيه خطأ التوريث والاستبداد، وأنه يجب أن ينظر الناس إلى البديل الأصلح وتصويب الخطأ الواقع لا قلب الحقائق الصائبة، بل تغيير المبدأ من أصله، والتماس الصواب لأجل تحقيق المصلحة العامة كما أرادها الإسلام لبقاء المجتمع صالحا متماسكا.
وقام في هذا الأمر عدد غير قليل من الصحابة الكرام والتابعين العظام، ومن فتح الله بصيرته وألهمه الحكمة الدعوة إليه، لإنقاذ الأمة وحب الانحطاط الأخلاقي من والروحي، وطغيان المادة والترف والشهوات، فضلا عن تصويب الخطأ السياسي، ولو كانت هذه الدعوة بالكلمة وبث روح العلم فى الناس وتكوين حلقات الدرس وجلسات الوعظ، وأحيانا بتذكير الناس بالقيام بالمعروف والقبض على أصحاب الظلم بالسيف وإن كانوا لم يفلحوا ولم ينجحوا ولكنهم أيقظوا دعوة الإسلام، وأبطئوا قافلة رکاب طغيان بني أمية بوسيلة أو بأخرى
وبلا شك فإن بمثل هؤلاء المخلصين والمؤمنين العاملين والعلماء المصلحين بقيت
الأمة الإسلامية أمة ذات عقيدة وشريعة كما جاء بها النبي عن ربه عز وجل عندما أراد لها أن تكون خير أ أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لا لتنهي عن المعروف وتأمر وتفعل المنكرات.
،
وليس الدولة الأموية فحسب بل وكذلك الدولة العباسية لأنها قامت على أنقاض الدولة الأموية ولم تصلح من الأمر شيئا، بل اتبعت نفس المناهج والأسس في عدم الشورى في الحكم والأستبداد بمال المسلمين والأثرة والترف، ولا تختلف عنها في أي أن الفضل في بقاء الدولة عربية في ظل الحكم الأموى المرواني، أما في الدولة العباسية فاستعجمت وأصابتها أمراض الدول الأعجمية أكثر من ذي قبل.
شيء سوء
ولقد بذل الدعاة إلى الله في سبيل تغيير ذلك الوضع جهودا مضنية، وإن كانوا لم ينجحوا في هذه الحقبة في إقامة دولة مستقيمة بالقرب من الحواضر الإسلامية، لكنها
118 (1/118)
صفحة 113
أقامت الحجة بين الناس وبين ربهم وبذلت النفس والنفيس في نيل رضى الله والجهاد
في سبيله
ويرجع السبب الأول فى عدم نجاحهم في الحواضر ـ وإن كانوا قد نجحوا في أطراف الدولة الإسلامية خلال الدولة العباسية - إلى أنهم ليسوا من قريش ولا من أهل البيت الحاكم فمن الطبيعي أن لا يؤيدهم السواد الأعظم من الأمة. إذ لا يقرع الحديد إلا الحديد، وذلك لاعتقاد عامة الناس أنهم أولى وأحق بالخلافة في الأرض، فلذلك تميل إليهم النفوس وتهوى إليهم الأفئدة
ولكن جزءا كبيرا من المؤمنين الصادقين كانوا لا يبالون بمثل هذه الدعوات التي بدأها بنو أمية بوضع الأحاديث على يد المتقربين إليهم (1)
فهذا أبو حنيفة ومالك يناصران محمد بن عبد الله بن الحسن (145 هـ)، الذي يقال له النفس الزكية ضد المنصور. وهذا مالك بن أنس أيضا يفتى أهل المدينة بجواز الخروج من بيعة المنصور والقيام مع محمد أيضا لأنه ليس على مكره يمين، وذلك
كله ابتغاء ما عند الله
وقد فطن أولو البصيرة من أهل العلم والإيمان من صحابة وتابعين منذ عهد الخليفة الثالث عثمان، إلى حيل بني أمية وعصبيتهم فاستولوا على أمور عثمان وغلبوه على أمره فاجتهدوا في هذه المسألة، كما اجتهدوا أيضا في قضية التحكيم فخرجوا من اجتهادهم برفض التحكيم من أوله إذ ليس له أن يخلع خليفة المسلمين من غير إنكار عليه وأن يقلدها شخصا آخر عن. غير رأى المسلمين (2)
(1) ذكر السيوطي أن حديث استخلاف بني أمية حديث غريب ومنكر نقلاً عن الترمذى وعن الحافظ أبي الحجاج المزى وعن ابن كثير.
انظر: السيوطي - تاريخ الخلفاء: 13.
(2) يقول ابن خلدون في مقدمته: (فلكل هؤلاء عذر فيما وقع، وكلهم كانوا مهتمين بأمر الدين، ولا يضيعون شيئاً من تعلقاته ثم نظروا بعد هذا الواقع، واجتهدوا والله مطلع على أحوالهم وعالم بهم، ونحن لا نظن بهم إلا خيراً لما
شهدت به أحوالهم ومقالات الصادق فيهم).
ابن خلدون - مقدمة: 270/ 1 وانظر: ص 272 ن م.
ومن المعلوم أن الناس اختلفوا كثيراً في القديم والحديث في فتن الصحابة، فمنهم الذين يعذرهم كما قال ابن خلدون، ومنهم الذي يلوم فئة ويعذر فئة، ونحن نسكت عنهم ونكف ألسنتنا وأقلامنا لأنه أمر غاب عنا، لكن يجب على الباحث ذكر من أظهروا الدعوة إلى الله ضد الجور والفسد الأخلاقي، وانظر رأى الأباضية في هذه المسألة في: البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 143 - 145.
119 (1/119)
صفحة 114
ولننظر الآن ما هو موقف الإمام وشيوخه من: تلك التطورات؟
إن موقف الإمام أبي عبيدة من السياسة الأموية والعباسية ـ على حد سواء ــ لا يختلف عن موقف أسلافه، كالإمام أبى بلال مرداس بن حدير وأخيه عروة (1) أيام معاوية وابنه يزيد، والإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد شيخ الإمام (2) أيام معاوية، ويزيد وعبد الملك بن مروان وابنه الوليد، والإمام عبد الله بن أباض (3) أيام يزيد، وعبد الملك بن مروان وعمران حطان (4) أيام يزيد الملك، وغير هؤلاء من
بن
،
وعبد
(°)
6
السماك العبديين ()
المشائخ كالصحابي صحار بن العباس شيخ الإمام، وجعفر بن وحاجب أبي مودود، وعلى بن
وضمام بن السائب، وأبى نوح صالح الدهان
الحصين (6) وغيرهم.
البصرى
C
6
بن
وهو موقف جل الصحابة كأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله الله وعبد مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن أبي بكر، وعائشة أم المؤمنين، وموقف كبار التابعين كمحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وغيرهم الذين لا يحصى عددهم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم الذين وقفوا ضد السياسة الأموية بألسنتهم وأقلامهم واستعملوا التقية ودانوا لله بالكتمان. فقد كان موقف شيوخ الإمام أبي عبيدة كصحار وجعفر وجابر بن زيد هو موقف أبى بلال وأخيه عروة من زياد بن أبيه وابنه عبيد الله، ومن المعلوم أن ذلك الموقف انتهي بقتل أبى بلال في موقعة آسك بالأهواز (7)، وقد كان موقف شيوخ الإمام موقف المستنكر، والكل لا يحبون تجريد السيف في وجه الخليفة لعلمهم ـ مسبقا بالنتيجة ـ بل استعملوا التقية، ولكن قضاء وقدره آل بأبي بلال وأخيه إلى القتل والتمثيل، وأما عمران بن حطان فقد نفاه الحجاج وشرد به وبمن على شاكلته إذ
(1) ستأتي ترجمتها في الملحق 20. (2) انظر: شيوخ أبي عبيدة ص 37 من هذا البح
(3) ستأتى ترجمته في الملحق 2.
(4) ستأتي ترجمته في الملحق 2.
(5) انظر: شيوخ الإمام ص 25 من هذا البحث. (6) ستأتى تراجمهم في الملحق 2.
(7) انظر: الطبري - تاريخ: 271/ 6، ابن الأثير ـ تاريخ: 303/ 3، الدرجيني – طبقات: 218/ 2 وما بعدها، المبرد ـ الكامل: 158/ 2، 182.
120 (1/120)
صفحة 115
عبد الملك
سمع منه ما لا يرضيه ولا يرضى عبد الملك (1)، وأما عبد الله بن أباض فكان يناوئ وواليه الحجاج، ورسالته إلى عبد الملك مشهورة في كتب السير (2)، ولا يعلم مصيره بعد هذه الرسالة ولا أين كانت وفاته، وأما ضمام بن السائب وأبو نوح وعلى بن الحصين وحاجب فكانوا كلهم فى زمان الإمام أبي عبيدة، وكان موقفهم المتكتم مناوأة الاستبداد والقهر فعكفوا على نشر العلم وبث روح الإسلام، وكونوا الأباضية المتماسك، وذلك لأنهم نالهم من العسف والغشم ما نالهم
مجتمع
كما
سيأتي بحثه في موضعه. فبعد متابعة الأحداث وسيرها من الإمام أبي عبيدة ومن معه من الفقهاء والمصلحين، ومناقشة نتائج ما حدث على الساحة العملية في الدولة الإسلامية، إذ رأى أن حزب ابن الزبير وحزب من أدعى الخلافة في آل البيت وهم على بن أبي طالب ونسله، وحزب العباسيين الذين يحصرونها فى بنى هاشم، كلها تؤول إلى الاستيلاء على الحكم من فئة معينة من الناس، وليس اختيار الكفء عن طريق الشورى، ولو كانت الغلبة في أول الأمر ستكون لمن يقوم بها من قريش ثم يوضع الأمر شورى لهان الأمر ولوضح الهدف وسهل الخطب.
ولكن النتيجة معروفة لديهم مسبقا وهى أن القصد والاستيلاء والقبض على الرئاسة من بعد بيد من حديد (3)، أليست دعوى بني أمية أنهم من قريش فماذا كان الأمر عندما استولوا عليها وتداولوها واحد تلو الآخر؟
تلك هى نظرة أسلاف الإمام أبي عبيدة، وكانت هي نظرته التي برزت على الساحة العملية على أيدى تلاميذه كما حدث في اليمن وعمان والمغرب (4).
وليس الهدف
ذلك من
-
كما هو معروف ـ إلا تقويم اعوجاج
الأمة. وإعادة الأمور إلى نصابها شورى بإظهار الحق ونصرة أهله وإخماد الباطل والقضاء على أنصاره، وخير دليل على ذلك ما نجده في خطب الإمام أبي حمزة تلميذ الإمام أبي
(1) انظر: المبرد - الكامل: 191/ 2، الدرجيني - طبقات: 226/ 2 - 232 (2) انظر: سير المسلمين: 224 وما بعدها، البرادي - الجواهر المنتقاة: 156 وما بعدها، الحارثي - العقود الفضية: د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 172 وما بعدها.
(3) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ 335/ 3.
(4) سيأتي البيان عن هذه الحركات في المبحث ص 275 من هذا البحث وما بعدها.
121 (1/121)
صفحة 116
عبيدة حيث قال في مكة: الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن أو كفرة أهل الكتاب أو إمام جائر) (1).
نبيها
عظمت
6
كما جاء في خطبته بالمدينة: (أوصيكم بتقوى الله وطاعته والعمل بكتابة وسنة وصلة الرحم، وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله عز وجل وتصغير ما، وإماتة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن الباطل من الله يطاع العباد في طاعته، والطاعة لله عز وجل ولأهل طاعته، ولا طاعة ويعصى لمخلوق في معصية الخالق، ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، والقسم بالسوية والعدل في الرعية، ووضع الأخماس مواضعها التي أمر الله بها، إنا والله ما خرجنا أشرا ولا بطرا ولا لهوا ولا لعبا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيها ولا لثأر قد نيل منا، ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت، ومعالم الجور قد ظهرت، وكثر الادعاء في الدين، وعمل بالهوى وعطلت الأحكام، وقتل القائم بالقسط، وعنف القائم بالحق، سمعنا مناديا ينادى إلى الله وإلى طريق مستقيم، فأجبنا الداعي إلى الله .. إلخ) (2). فالناظر في هذه المبادئ التي يدعو إليها أبو حمزة يجد أنها التي أرادها هي الإسلام من الناس، وما ذلك إلا لأجل القيام بالحق وإخماد الباطل، لتستقيم أمور المجتمع الإسلامى ويعود المجتمع طاهرا من الرذائل والانحرافات السياسية والاجتماعية. ويقول أبو سفيان تلميذ الإمام أبي عبيدة في وصيته لطالب الحق عندما ظهر
باليمن: (وقديما اتخذت الجبابرة عباد الله خولا، ودينه دغلا، وماله دولا، واستحلوا الخمر بالنبيذ، والمكس بالزكاة، والسحت بالهدية، يأخذونها من غضب الله، وينفقونها في معصية الله، واتخذوا على ذلك من خونة العلم أعوانا، ومن الوراع أعوانا:، ومن الصناع إخوانا، ووجدوا على ذلك من المستأكلين أعوانا، فهؤلاء الأعوان خطبة أهل الجور على المنابر، وبهؤلاء الأعوان قامت راية الفسق في العساكر، وبهؤلاء الأعوان أخيف العالم فلا ينطق (3)، ولا يفطن بذلك الجاهل فيسأل (4)، وبهؤلاء الأعوان مشى المؤمن في أطراف الأرض بالتقية والكتمان، فهو
(1) الدرجيني ـ طبقات: 267/ 2 (2) الدرجيني - طبقات: 267/ 2 - 268. (3) قال المعتمر بن عمارة تلميذ الإمام أبي عبيدة: حق على كل ذي علم أن يدين لله بكتمانه ما لم يحتج إليه. المالكي ـ
غاية المطلوب: 19.
(4) بايع أهل الشام معاوية على ما أحبوا وكرهوا من غير مناقشة ولا تردد وبايع أهل الكوفة علياً بعدما رجع من =
122 (1/122)
صفحة 117
كاليتيم المفرد يستذله من لا يتقى الله) (1).
فهذه المبادئ هي التي أفرزتها مدرسة الإمام أبي عبيدة، وبالطبع فإن لسان تلاميذ الإمام هي لسانه
ولم يقم أهل اليمن وعمان والمغرب إلا بعد مشورته ولم تظهر تلك الحركات إلا برأيه كما سيأتي بيانه
من
إذن فقد علمنا هذا الاستعراض موقف الإمام من تلك الأحداث السياسية والاجتماعية، وهو موقف العلماء العاملين والدعاة المخلصين لا موقف الأصدقاء المتملقين ولا موقف علماء السوء المتكسبين الذين أغرتهم المطامع وباعوا آخرتهم بدنيا غيرهم (2).
وهناك إفرازات كثيرة وأفكار متباينة أحيانا ومتداخلة في بعض الأحيان نتيجة اختلاط الشعوب في الإسلام، وخصوصا العراق التي كانت فيها كثير من الشعوب غير العربية التي دخلت في الإسلام، هذا من ناحية ونتيجة تغير الاتجاه السياسي والاجتماعى والفكرى أيام بني أمية وبنى مزوان، كل هذه العوامل ساعدت على ظهور الفرق الإسلامية في المجتمع الإسلامي تبعا لاختلاف النزعات والميول، وهذا ما سنقوم بالبيان عنه باختصار في المبحث الآتي وهو في مطلبين:
=
: صفين على أنهم أولياء من والى وأعداء من عادى فالبيعة متشابهة. لا تدور الشورى في النوازل. انظر: البلاذرى - الأنساب: 348/ 2.
(1) الدرجيني - طبقات: 287/ 2
(2) قد يعيب القارئ على ما كتبه الباحث في هذا المبحث لأجل طوله مع قصر المبحث الأول، والجواب عن ذلك هو أن المادة في هذا الفصل غزيرة ومتوفرة فأخذ الباحث منها ما ناسب الموضوع من كتب التاريخ والأدب، والأمر بعكس ذلك في المبحث الأول فلم يجد المادة الكافية لاستقصاء الموضوع، ولكنه كتب بقدر ما وجد، وقد يكون الباحث معذوراً من هذه الناحية.
123 (1/123)
صفحة 118
المبحث الثالث
الوسط الفكري في عصر الإمام
أبي عبيدة
120 (1/125)
صفحة 119
تمهيد: في سبب نشأة الفرق:
طالما ترددت في كتابة موضوع الفرق الإسلامية على وجه العموم، مع أنه من
واجب البحث نفسه أن أذكر الوسط الفكرى الذى نشأ فيه الإمام أبو عبيدة، لمعرفة مدى التأثر والتأثير من هذا الوسط الفكرى على الإمام
وسبب ترددى هو أنني لا أحب أن أكتب عن أى فرقة من الفرق ـ، والموضوع ليس من اختصاصي - ولكنني حررت هذا المبحث من الناحية التاريخية فقط، وليس من الناحية الفلسفية الكلامية.
ذلك لأن علم الكلام فن مستقل له تعريفاته ومصطلحاته ومباحثه، وليس بحث كهذا يستقصى تلك المباحث والناظر في تعداد فرق المسلمين التي ذكرها كتاب النحل والفرق. وما ذكروه من اعتقاداتهم وانتحالاتهم ليحار فى الأمر، ويتأسف على هذا الافتراق الذي أحدث فجوة بين المسلمين، أدت إلى التنازع والفشل والتمزق، ولكن قضاء الله وقدره لابد واقع.
كما أنه مما يدعو إلى الأسف ذلك الافتراق السياسي الذي حصل بين الصحابة في الصدر الأول من الإسلام وهم من هم؟ هم الذين عاصروا النبي الله ونزول الوحى وحداثة التشريع إذ نعى على الجاهلية ناعيها، وخمد صوتها وداعيها، ولكن ما لبث المسلمون فترة طويلة إلا. ودب الخلاف بينهم والأمر لله وحده.
وإن الثقافة المختلطة بين العرب والعجم الداخلين في الإسلام، ونمو الأدب الذى عاد بجذور ما قبل الإسلام في عصر بني أمية وبنى مروان (1)، وظهور المسائل الجديدة على ساحة العمل السياسي والاجتماعي منذ بداية الإنكار على سياسة عثمان إلى مقتله، وما حدث في خلافة الإمام على، وما آل إليه أمر التحكيم وانتصار معاوية بالحيلة والدهاء على على (2) ومقتل على، وما جاءت به سياسة الحكم. مستجدات عملية كانت كل هذه لها آثار فى بروز الفرق الإسلامية، وتسمياتها (3)،
من
عند
بني
أمية
(1) انظر عن هذا الموضوع: أحمد أمين - فجر الإسلام 79 - 112، الطبري - تفسير: 73/ 28. (2) انظر ص 169 و ما بعدها من هذا البحث. (3) انظر: محمد خليل ـ تاريخ الفرق الإسلامية: 37، 51 وما بعدها، الجناوني أبو زكريا يحيى بن أبي الخير -
127 (1/127)
صفحة 120
الأمة الإسلامية في
ولكن ما هو أول خلاف نشأ من الناحية الفكرية الكلامية بين المسلمين: يقول الشهرستاني في الملل والنحل (1)، أن نشأة الخلافات بين ا أمور العقيدة بمعنى نشأة بذور هذه الخلافات كان منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحال المنافقين ومناقشاتهم للرسول عليه السلام.
ويرى الدكتور الشواشي: إن أول خلاف شغل هم المسلمين هو تحديد حكم مرتكب الكبيرة هل كافر أو مؤمن؟ انطلاقا من قضية الخليفة الثالث عثمان، إذ كثر النزاع فيها بين الصحابة أنفسهم، وبين التابعين من بعدهم، وتفرعت عن هذه المسألة بقية المسائل التي وقع فيها الجدل في صدر الإسلام، فكانت سببا في ظهور المذاهب (2). ويؤيد الدكتور على الشابي هذا الرأى ويرى أن مصدر هذه الفرق التفرق السياسي والفسق والبغي في زمان بنى أمية (3)
وأيا ما كان الأمر: فإن هذه العوامل متفرقة أو مجتمعة فقد كان كل منها له دخل في نشأة الفكر الكلامى، ولكن الاتجاه العام إلى توحيد الله وتنزيهه والتصديق برسله وما جاء عنهم وكتبه، وما جاء فيها واحد بين المسلمين فضلا عن أنهم متفقون في بقية أركان الإسلام العملية.
و ميزان الخطأ والصواب وهو التمسك بشعائر الدين والانتهاء عما نهى الله عنه عباده في الكتاب العزيز وعلى لسان نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا يزيغ به الاعتقاد الحق فى الله عز وجل وتنزيهه عما لا يليق به من الأوصاف، والله
الهوى عن يتقبل عمل المتقين.
ولنطرق الآن موضوع الفرق الإسلامية، ولنبدأ بنشأة فرقة الشيعة:
الوضع:: 28، الدكتور: على الشابي - المعتزلة بين الفكر والعمل: 8 - 9، الجعبيرى فرحات ــ البعد الحضاري:
31/ 1 وما بعدها، على يحيى. الأباضية في موكب التاريخ: 55/ 1، 111، مجموعة. ة من العلماء
المسلمين: 35.
سير
(1) انظر: الشهرستاني - محمد بن عبد الرحيم - الملل والنحل بهامش الفصل بن حزم: 17/ 1 وما بعدها. (2) انظر: مقال الدكتور سليمان الشواشي - مجلة الزيتونية سابقاً ـ عدد 314/ 7، عدون جهلان ـ الفكر السياسي عند الأباضية: 16 رسالة ماجستير مرتون.
(3) د. على الشابي ـ المعتزلة بين الفكر والعمل: 11 نقلاً عن الشواشي مجلة الكلية الزيتونية سابقا عدد 7.
128 (1/128)
صفحة 121
المطلب الأول: أشهر الفرق الكلامية في عصر الإمام:
أ ـ الشيعة:
عرفهم الأشعرى (1) بأنهم قوم شايعوا على بن أبي طالب كرم الله وجهه وقدموه على سائر أصحاب النبي ع (2)
ونفى محمد محيى الدين محقق كتاب مقالات الإسلاميين أن يكون كل الشيعة يفضلون عليا على صحابة النبي عل الله كما حكاه عن الجاحظ (3)
ويرى الدكتور حسن إبراهيم: أن تذمر المسلمين من سياسة عثمان أتاحت للشيعة تحويل الخلافة (4)، ويعتقد الباحث: أن الخلافة جاءت إلى على عن طريق الصدفة
بسبب
الاختيار
،لا
بسبب
الإعابة على عثمان ولا بقتله، ولكن كثرة حب
من
فئة
كان
من
مع
الناس في على أداهم إلى التفاني في الدفاع عنه، وكان المسلمون في البداية يدافعون عن الإسلام في خلافة على إلى أن وقع التحكيم فحصل الافتراق، فظهر من على على الساحة، على أن سواد الأمة يومئذ مع على عدا كان معاوية ورأى هذا السواد أن عليا هو الخليفة الشرعي ولكن متى ظهر هذا اللقب (الشيعة) على الساحة العملية وصار فرقة مستقلة تدافع عن مبدأها بالسيف، وتقارع خصمها بالحجة دفاعا عن العقيدة؟ هذا سؤال يطرح نفسه والجواب عنه هو أن المؤرخين اختلفوا فمنهم القائل أن هذا الاسم ظهر من عهد وأوردوا على ذلك أحاديث يدل ظاهرها على وجوده في حياة النبي
،
(1) أبو الحسن على بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعرى من نسل الصحابي عبد الله بن قيس الأشعري أبي موسى، عاش في البصرة، وكان من الكتاب عن الملل والنحل، له كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، وسمى بشيخ
أهل السنة والجماعة وتوفى أوائل الربع الثاني من القرن الرابع الهجري.
انظر: مقدمة: مقالات الإسلاميين تحقيق محى الدين عبد الحميد: ص 3. (2) انظر: الأشعرى - مقالات الإسلاميين: 65/ 1، القلهاتي ـ محمد بن سعيد ـ الكشف والبيان: 252، محمد الطاهر النيفر ـ أهم الفرق الإسلامية: 70. (3) انظر: الأشعرى - مقالات الإسلاميين بالهامش 65/ 1 - 66.
(4) انظر: حسن ـ تاريخ الإسلام: 394/ 1 - 395. (5) انظر: محمد خليل - تاريخ الفرق الإسلامية: 108 - 112.
129 (1/129)
صفحة 122
وأكثر المؤرخين يذهب إلى وجوده منذ عهد عثمان فقط، ثم نما وتطور وساعده على هذا النمو استيلاء بني أمية على الحكم وفساد في السياسة والأخلاق، وما سلطوه من البغض الشديد لعلى حتى أدى الأمر إلى لعن على لصرف الناس إليهم (1)،
بهم
وإسرافهم في قتل آل البيت وكل من يحب عليا، كما قتلوا حجر بن عدى وأصحابه وغيرهم (2). وأيا ما كان الأمر فهم حزب عظيم من أحزاب الإسلام المعارضة للحكم الأموى، واستمرت معارضتهم طوال القرن الأول الهجرى من الناحية السياسية، وأما بقاؤهم كأصحاب مذهب ديني فقد بقوا إلى يوم الناس هذا
ويوجدون في كثير من الدول الإسلامية كجمهورية إيران الإسلامية وباكستان والهند والعراق وعمان والخليج العربي وغيرها، وتعتبر جمهورية إيران الوطن الأم حاليا لحزب الشيعة الإمامية وأما الزيدية فوطنهم الأصلي اليمن.
(1) كان الأباضية من أشد الناس استنكاراً للعن الإمام على منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، فمن طريف ما يذكر في هذا الشأن: ما ذكره صاحب العقد الفريد: أن معاوية بن أبي سفيان كان جالساً ذات يوم ومعه وجوه الناس إذ دخل رجل من أهل الشام فقام خطيباً، فكان آخر كلامه أن لعن علياً، فأطرق الناس، وتكلم الأحنف فقال يا أميز المؤمنين: إن هذا القائل ما قال آنفاً، لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم فاتق الله ودع عنك علياً، فقد لقى ربه وأفرد في قبره، وخلا بعمله، وكان والله ما علمنا - المبرز بسبقه الطاهر خلقه، الميمون نقيبته العظيم مصيبته، فقال له معاوية: يا أحنف لقد أغضيت العين على القذى وقلت ما ترى، وأيم الله لتصعدن المنبر فتلعننه طوعاً أو كرهاً، فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين: إن تعفنى فهو خير لك، وإن تجبرني على ذلك فو الله لا تجرى فيه شفتاى أبداً قال: قم فاصعد المنبر، قال الأحنف: أما والله مع ذلك لأنصفنك فى القول والفعل، قال: وما أنت قائل يا أحنف إن أنصفتني؟ قال: أصعد المنبر فأحمد الله بما هو أهله وأصلى على نبيه لله ثم أقول: أيها الناس إن أمير المؤمنين معاوية أمرنى أن ألعن علياً، وأن علياً ومعاوية اختلفا، فاقتتلا، وادعى كل واحد منهما أ أنه بغى عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، اللهم العنهم لعناً كبيراً، أمنوا رحمكم الله. يا معاوية: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه حرفاً ولو كان فيه ذهاب نفسى. فقال معاوية: إذا نعفيك يا أبا بحر. العقد الفريد: 99/ 4 ومما يدل على ذلك أيضاً ذهابهم إلى الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ومن جملة ما طلبوه
تغيير
لعن على فأجابهم.
انظر ص 161 من هذا البحث، أحمد أمين - فجر الإسلام: 266 وما بعدها، ضحى الإسلام: 208/ 1. (2) انظر: حسن إبراهيم - تاريخ: 397،394/ 1 وغيره في كتب التاريخ. وانظر: أحمد درويش - الخطابة في صدر الإسلام: 49، محمد خليل - تاريخ الفرق الإسلامية: 108 وما بعدها، أبو الأعلى المودودي ـ الخلافة والملك: 1410 - 142.
130 (1/130)
صفحة 123
وهم على فرق عدها الأشعرى إلى خمس وأربعين فرقة صنفها إلى ثلاثة أصناف: الأول: غالبية الشيعة وفيها خمس عشرة فرقة. والثاني: الإمامية وفيها أربع وعشرون
فرقة. والثالثة: الزيدية وفيها ست فرق فمجموع الفرق خمس وأربعون (1). أما الشهرستاني فقد قسمها خمس فرق فقط وهى: الكيسانية والزيدية والإمامية والغلاة والإسماعيلية (2). ولهم مبادئ واعتقادات تكفلت بذكرها - وأحيانا الرد عليها ـ كتب الفرق والتاريخ (3) ولا داعى إلى ذكرها في هذا المطلب.
معهم،
أما موقف الإمام أبي عبيدة من الشيعة في زمانه، فقد وقف منهم موقف المحايد ولم نستطع العثور على شيء يدل على تعاطفه وذلك لأن المجتمع الأباضي يومئذ منغلق على نفسه، بالإضافة إلى أن الإمام لم يكن يومئذ له دور سياسي بل كان مقتصرا على الدور التعليمى والانطواء تحت الكتمان، وإنما كان دوره السياسي في زمان ظهور الدعوة العباسية (4)، فقد عارض الأباضية الذين وافقوا على مناصرته حتى معه (5) تركوا المسير
ويدلنا ذلك على أنه لم يكن على ارتباط معهم في شيء، إلا أن الإمام أبا حمزة الشارى تلميذ الإمام أفصح عما يكنه تجاه الشيعة في زمان مروان الحمار عندما خطب بمكة كما حكاه الجاحظ حيث قال: (وأما هذه الشيع فشيع ظاهرت بكتاب الله، وأعلنوا الفرية على الله، لم يفارقوا الناس يبصر نافذ في الدين، ولا بعلم نافذ في، ينقمون المعصية على أهلها، ويعملون إذا ولوا بها، يصرون على الفتنة ولا يعرفون المخرج منها، جفاة عن القرآن أتباع كهان، يؤملون الدول في بعث الموتى،
القرآن
(1) انظر: الأشعرى - مقالات الإسلاميين: 65/ 1 - 150.
(2) انظر: الشهرستاني: الملل والنحل بهامش الفصل لابن حزم: 195/ 1.
(3) انظر: المراجعين أعلاه وانظر: القلهاتي - الكشف والبيان: 252/ 2 وما بعدها، حسن ـ تاريخ الإسلام: 394/ 1 وما بعدها، عبد العزيز التمينى - معالم الدين: 208/ 2، أحمد أمين - فجر الإسلام: 266/ 3 وما
بعدها، محمد الطاهر النيفر - أهم الفرق الإسلامية: 70 وما بعدها.
(4) راجع ص 1294 ء ما بعدها في هذا البحث.
(5) انظر: الشماخي – سير: 1.
131 (1/131)
صفحة 124
(1)
ويعتقدون الرجعة إلى الدنيا، قلدوا دينهم رجلا لا ينظر لهم .. إلخ) ولعله يشير إلى اعتقاد الفرقة الغالية منهم، والله أعلم هل كان ذلك هو موقف الإمام أبي عبيدة منهم أم لا.
ب ـ المرجئة:
له
نشأة عقيدة الإرجاء بالشام، وذلك لأن دمشق كانت حاضرة الخلافة الأموية وصار فيها دعاة يدعون المسلمين إلى الخضوع للحكام الأمويين، فكان الغالب على الشام عقيدة الإرجاء بتأثير بعض العوامل المسيحية خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجرى (2)، والإرجاء: هو تيار ظهر بعد ظهور الخوارج والشيعة، أي ما بين من يظهر بغض على بسبب قبوله للتحكيم، وبين من يفرط في حبه يفضله على بقية الصحابة، فالأصل أن عقيدة المرجئة قامت فلسفتها السياسية على أسلوب يبرر أفعال خلفاء بني أمية المخالفة للقواعد الشرعية، كأسلوب القهر السياسي وشرب الخمر وقتل النفس بغير الحق واستعمال المجون واللهو، إلى غير ذلك من تبذير الأموال في غير حلها وأخذها من غير محلها، فقالوا عنهم أنهم مؤمنون، ونحن نطيعهم بل تجب
حتى
علينا طاعتهم، وهم الذين افتعلوا الأحاديث القائلة بطاعة الأمير برا كان أو فاجرا. فأخذ بذلك عوام الناس، وانصرفوا عن التفكير فى السياسة وساعدت هذه العقيدة ملوك الأمويين ومن والاهم على تبرير أفعالهم، فبهذا فصلوا الدين والدولة، ورأوا أن الحاكم السياسي يمكن أن يكون عاصيا ظالما للناس لأن تسلطه على الناس يجعله واجب الطاعة عليهم من أجل ذلك كان المرجئة منذ ذلك الزمن البالغ في القدم طليعة الرأى السياسي الخالص الذى يأخذ به كثيرون في أيامنا) (3).
ولم يشتد المسلمون الحقيقيون على الأمويين في بادئ الأمر، إلا بعد أن بدأ ظهور مثل هذه العقيدة التي تفتت الإسلام وتبعد المسلمين عن الواقع الإسلامي، فجاهر الشيعة والمحكمة حكام الأمويين بالإنكار عليهم باللسان والسيف بعد منتصف القرن الأول الهجرى هذا ما يراه الباحث.
(1) انظر: الجاحظ: البيان والتبيين: 111/ 2، أبو الفرج الأصفهاني - الأغاني: 107/ 20، ابن عبد ربه ـ العقد الفريد، 144/ 4 مع اختلاف.
(2) انظر: حسن - تاريخ الإسلام: 416/ 1 - 417، محمد خليل ـ تاريخ الفرق الإسلامية: 60. (3) عمر فروخ - عبقرية العرب: 60، وانظر: سليمان الشواشي: مجلة الكلية الزيتونية سابقاً عدد 184/ 7.
132 (1/132)
صفحة 125
الترتيب فإنما
يتم
ويذكر المؤرخون للفرق (1) المرجئة بعد ذكر الخوارج والشيعة، فإذا سلمنا هذا لهم ذلك من الناجية السياسية،، وأما من الناحية الفكرية فإنه يعزى بعض المؤرخين ذلك إلى زمن افتراق الأمة في عهد عثمان فالمتوقفون عن القول في فتنة عثمان، وهم المعروفون بالشكاك فشكوا في حكم مرتكب الكبيرة، وأساس الإيمان. والكفر فوكلوا أمرهم إلى الله (2)
وأيا ما كان الأمر فإن عقيدة الإرجاء لقيت قبولا عظيما من جمهور الأمة يومئذ، ذلك لأن عقيدتهم تدور على أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فالإيمان عندهم هو الاعتقاد بالقلب فقط وهم مجمعون على ذلك، وغلا آخرون حتى قالوا ولو أظهر اليهودية والنصرانية لأن الإيمان هو التصديق ومحله القلب، ومنهم من اشترط التلفظ باللسان مع الاعتقاد بالقلب ولكنهم مجمعون على أن العمل ليس بشرط في الإيمان (3). (وقال جمهور المسلمين: هو مؤمن عاص لربه أمره بيد الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهم يقربون في آرائهم الاعتقادية من آراء الجمهور بل يتلاقون إلى حد كبير مع آراء أهل السنة) (4).
فقط
ولكننا نقول: إن الحق غير هذا بل إن الإيمان الحق هو ما اقترن بالعمل الصالح، إذ لو كان الأمر كذلك لبطل ما جاء به القرآن من الوعد والوعيد وبعث الرسل والجنة
والنار فلماذا الحساب إذن؟
وانبرى المحكمة ومن قال بقولهم من المعتزلة للرد عليهم، وإبطال قولهم ورد الناس إلى جادة الصواب، ولا شك أن المرجئة كانوا أكثر وبالا على الإسلام، إذ فسد المجتمع الإسلامي وظهرت فيه الموبقات بسبب هذا الاعتقاد (5)، وقد تفرعوا إلى فرق كثيرة:
(1) انظر: حسن ـ تاريخ الإسلام: 416/ 1، النيفر - أهم الفرق الإسلامية: 51، أحمد أمين ـ فجر الإسلام، 279، أبو الأعلى المودودي - الخلافة والملك: 144، الأشعرى - مقالات الإسلاميين: 213. (2) انظر: محمد الطاهر النيفر: أهم الفرق الإسلامية: 51، أبو الأعلى المودودي ـ الخلافة والملك: 144_145، ويقول الشيخ أحمد بن النظر العمانى فى ذلك وإني أرى الشكاك قوماً تحيروا فتاهوا كما تاه الشرود من النعم. انظر: أحمد بن النظر ــ الدعائم (3) انظر: الأشعرى - مقالات الإسلاميين: 213 – فوق والهامش، ابن حزم - الفصل: 212/ 2، 204/ 4، الشهرستاني - الملل بهامش ابن حزم: 154/ 1، 186، أحمد أمين - ضحى الإسلام: 316/ 3 وما بعدها.
(4) محمد الطاهر النيفر - أهم الفرق الإسلامية: 51. (5) انظر: أحمد أمين - ضحى الإسلام: 3: 318.
133 (1/133)
صفحة 126
أوصلها الأشعرى إلى اثنتي عشرة فرقة.
وقال ابن حزم: أن غلاتهم فرقتان فقط، وعدهم الثميني في كتاب المعالم إلى خمس فرق (1)، ولا عبرة بتعداد الفرق، فإنما يجمعهم المبدأ، الذين كانوا أشد وهم. الناس تحطيما على الإسلام. ويذكر المؤرخون أن كثيرا من عقائد المرجئة هي عينها عقيدة المذاهب الأربعة المعروفة اليوم مثل قولهم بعدم تخليد عصاة المؤمنين فى النار، وذلك لقولهم بخلف الوعيد والقول بالشفاعة، وأن دائرة المؤمنين تكون أوسع وأكثر بذلك (2)، والله يقول: وقليل من عبادى الشكور) (3) (وهؤلاء هم - في الحقيقة ـ كتلة المسلمين التي رضيت حكم بني أمية مخالفين في ذلك الشيعة والخوارج، ومع هذا فإنهم يتفقون في العقيدة إلى حد ما مع طائفة المحافظين وهى أهل السنة) (4)
ومن الغريب أن نرى مثل مؤلف كتاب أهم الفرق الإسلامية يقول: (والحق أن مذهبهم لا ضرر فيه لأنه يحوم حول مفهوم الإيمان هل هو تصديق فقط أم لا؟) (5) علما بأنه قال: أن كبار المتكلمين قالوا في هذا، إنه يقلل من شأن الأعمال الصالحة والإتيان بالطاعات لأن ذلك يجعلها في منزلة ثانوية بالنسبة للإيمان، وفي ذلك خطر على العامة فضلا عن غيرهم من أهل النفوذ، إذ أن اعتقادهم هذا يجعلهم غير ملتزمين بمنهج الشريعة بعكس ما لو فهموا أن الأعمال جزء من الإيمان (6)، فقد رد على نفسه بنفسه، وهل المحذور إلا تهاون الناس بالعمل الصالح والتقليل من أهمية فعل الطاعات واجتناب المعاصى لأن فيهما صلاح المجتمع، فبدونهما يصبح المجتمع
الإسلامي لا يميزه شيء عن بقية المجتمعات إلا بالإيمان بالقلب
ومع الأسف فقد أصبح سواد الأمة اليوم يعتقدون هذا الاعتقاد، ويتركون العمل على اعتبار أن الله سيغفر لهم إذا آمنوا بالله بقلوبهم وتركوا العمل الصالح، والله وصف اليهود بأنهم يعرفون الله كما يعرفون أبناءهم، ويعرفه المسيحيون، ويعرفه أهل
(1) انظر: الأشعرى - مقالات: 213 وما بعدها، ابن حزم - الفصل: 204، التميني ـ معالم الدين: 221/ 2. (2) انظر: أحمد أمين - ضحى الإسلام: 323/ 30، حسن -: تاريخ الإسلام: 417/ 1، النيفر ـ أهم الفرق
الإسلامية: 55.
(3) سبأ: 13.
(4) حسن ــ تاريخ الإسلام: 417/ 1.
(5) النيفر - أهم الفرق الإسلامية: 54. (6) ن م والصفحة (1/134)
صفحة 127
عز
الجاهلية قبل البعثة، صحيح. أن اعتقاد المسلمين يختلف عن ا الله اعتقاد التشريك مع ا وجل، ولكن تشبهوا بهم في انتهاك المحرمات، وذلك مما حط قدر الإسلام والله يقول: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (1) أما موقف الإمام أبي عبيدة من هذه الفئة، فكان واضحا من موقفه في ولاية المطيع المؤدى للأعمال الصالحة بالجوارح البرئ من المعتقدات الفاسدة، والبراءة من
كل من أفسد عقيدته بقول أهل القدر أو الجبر أو الإرجاء أو ترك شيئا من الطاعات كما تدل على ذلك خطبة الإمام أبي حمزة وما جاء فيها في مكة من إعابته على أمية عملهم بالمعاصي واعتقادهم الشفاعة في الآخرة، وما مدح به أصحابه ووصفهم به من استقامتهم في الدين وخضوعهم لله وابتعادهم عن المعاصي وعن لهو الدنيا ولذاتها (2).
بني
جـ ــ الجبرية:
يقول أبو القاسم البلخي: إن أول من قال بالجبر معاوية بن أبي سفيان لإيهام الناس أن غلبته عليهم هو أمر الله وجعل يقول: (لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر ما تركني وإياه ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيره ويقول: (أنا خازن من خزان الله تعالى أعطى من أعطاه الله تعالى وأمنع من منعه الله تعالى ولو كره الله أمرا لغيره) (3)، وجرى ملوك بني أمية على هذا القول (4). فالجبر نشأ في زمان معاوية وترعرع في أمية وبنى مروان، وقالت به الولاة لأنهم يسيرون في ركابهم وانتشر في الشام، وساعد الأمويين على فرض نفوذهم)
خلافة
بني
(°)
جبر
عليه
ومؤدى اعتقادهم أن الإنسان لا حيلة له فى أفعاله، بل أن ما يفعله قد جبرا وسيق إليه من غير اختيار فلا مفر ولا حيلة من فعل ذلك الفعل (6)، ولذلك سموا
(1) البينة: 3.
(2) انظر: نص الخطبة: الجاحظ - البيان والتبيين: 111/ 2.
(3) أبو القاسم البلخي - فضل الاعتزال: 143. (4) ن م والصفحة، سليمان النواشى - مجلة الكلية الزيتونية سابقاً: 84/ 7 ص 334.
(5) محمد خليل - تاريخ الفرق الإسلامية: 69
(6) انظر: الشهرستاني - الملل والنحل: 108/ 1 بهامش ابن حزم، القلهاتي - الكشف والبيان: 137/ 2،
الشواشي ـ مجلة الكلية الزيتونية سابقاً: 84/ 7 ص 414.
135 (1/135)
صفحة 128
جبرية لا ة لأن معنى ذلك أن الله
جبر
العباد على ما فعلوا بلا إرادة منهم
دعاة الخمود ونذير الدمار نتجت عن بحث غير علمي) (1)
،
ف (الجبرية
وهذا المذهب مستمد من نظريات الفلاسفة القدماء، ولذلك ذكر الله في القرآن العزيز: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم. حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (2) وهذه عقيدة فاسدة شلت المسلمين عن الحركة والتفكير، وهل بعد أن يعتقد الإنسان أنه مجبور على عمله
من رجاء فيه.
فهذا ضرر بالمسلم وتثبيط له عن العمل وأعتقد أن لهذه العقيدة من جملة الأسباب التي أخرت المسلمين إلى ما نراه ونشاهده من تأخر منقطع النظير.
وموقف الإمام أبي عبيدة من هذا المذهب واضح وهو أنه يشترط أن يكون الإيمان مؤلفا من الاعتقاد بالقلب والقول باللسان والعمل بالأركان، وهذا هو موقف الصحابة والتابعين والمصلحين من الأمة الإسلامية.
من
6
ولكن قابل هذه الفئة الناس فئة القدرية القائلين بأن العبد يخلق أفعاله (3) فتحدث المسألة العكس وهو أن الله تعالى مجبور في أفعاله، فكلا الفرقتين حاد عن الصواب ونذكر الآن هذا المذهب بشئ من الاختصار.
د ـ القدرية:
كان
ابتلى المسلمون في القرن الأول الهجرى بفئة القدرية، وقد ظهرت بالعراق، لأنه يعج بالأهواء والنحل، واختلف المؤرخون فى أول من قال بالقدر من الأمة فقيل: إن أول. من قال بالقدر كان نصرانيا من أهل العراق أسلم، ثم تنصر وأخذ عنه معبد الجهني وغيلان بن مروان الدمشقى، فهو دخيل على الإسلام على هذا الرأى (4) وتوقف البعض عن الجزم بالقول فيمن قال بالقدر أول مرة، إلا أنه كان في أوائل العصر
-
(1) محمد خليل ـ تاريخ الفرق الإسلامية: 62، وانظر: عبد العزيز الثميني ـ معالم الدين: 224/ 2. (2) الأنعام:)
148:
(3) انظر: الشهرستاني - الملل والنحل: 54/ 1 بهامش ابن حزم، القلهاتي - الكشف والبيان: 111/ 2. (4) انظر: النيفر ـ أهم الفرق الإسلامية: 49.
136 (1/136)
صفحة 129
الأموى (1). ويؤرخ الإمام أبو عبيدة لابتداء القول بالقدر، باحتراق الكعبة المشرفة عندما نصب الحجاج عليها المنجنيق لمحاصرة عبد الله بن الزبير فاحترقت الكعبة، فتكلم الناس فى ذلك فمن قائل: بأن ذلك بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه، ومنهم من قال: إن الله لم يشأ أن يحترق بيته، وقد روى هذا القول عن الإمام جابر بن زيد، ولكنه يقول: إن احتراقه كان بسبب شرارة طارت بها الريح، وقال الإمام أبو عبيدة: (كان احتراقه يوم السبت لست ليال خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين) وقد أنكر الصحابة على القائلين بالقدر حين عمت الفتنة ورمي بالقدر من رمى من التابعين كالحسن البصرى وغيره، ولكن أصحابنا الأباضية برأوه من القدر منذ ذلك العصر، فهذا أبو محمد النهدى يقول: لا تقولوا في الحسن بشيء من القدر فإني عاتبته فقال: إنما أضلنى واصل لما كنت مستخفيا عنده، وأما أنا فمعاذ الله أن أقول بشيء من القدر (3).
(2)
ويظهر أن القول بالقدر كان قبل الإسلام، وهو ملتبس مع القول بالجبر، فقد سأل الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام عن القول بالقدر، والرسول صلى الله عليه وسلم ذكره في أركان الإيمان الستة (4). وكذلك كان الكلام فيه فى زمان الخلفاء الراشدين فهذا على ابن أبي طالب يرد على من ادعى أنه مجبور ومقضى عليه في مسيره إلى صفين وكذلك في جوابه للسائل (5)، وهذا ابن عباس يرد على قدرية أهل الشام وهم من كانوا في كتلة غيلان الدمشقى الذى ناظره الإمام أبو عبيدة، وكذلك عمر بن عبد العزيز يناظر غيلان (6)
ويقول الدكتور الشواشي: إن العوامل السياسية والاجتماعية هي التي أدت إلى
(1) انظر: محمد خليل - تاريخ الفرق الإسلامية: 69 (2) الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 111.
(3) الشماخي ـ سير: 97/ 1، وانظر: الشواشي - مجلة الكلية الزيتونية سابقاً: 84/ 7 ص 323 - 335.
(4) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 25 وقد عقد الربيع باباً لذلك وأورد فيه عدة أحاديث. (5) انظر: أبو ستة ـ حاشية الترتيب: 114/ 1 - 115، محمد خليل ـ تاريخ الفرق الإسلامية: 73 - 74. (6) انظر: ابن الجوزي ـ سيرة عمر بن عبد العزيز: 103، 104، النيفر - أهم الفرق الإسلامية: 49 - 50.
137 (1/137)
صفحة 130
نشوء القدرية (1)، ولو كان نشوءها في ذلك الحين لما كان لها أثر في عهد النبى الله وأوائل الصحابة، ولكن يحتمل أن إثارة الجدل فيها كانت متأخرة بسبب انشغال المسلمين في صدر الإسلام بالفتوح والتفقه فى الدين ولم يخوضوا في المسائل الجدلية
العقائدية.
ويمكن القول: أن هناك تداخل وترابط بين الجبر والقدر ما عدا القول بعدم خلق الله للمعاصى فإنها من خلق العبد، وهو القول الذى ورثت به المعتزلة القدرية ودافعت عنه وعرفت به ولذلك سموا أهل العدل والقدرية إلى غير ذلك من الأسماء، وكل هذه الفرق نمت وترعرت في النصف الثانى من القرن الأول الهجرى، ونضجت في أول القرن الثاني، وعاصرها الإمام أبو عبيدة فما موقفه من القدرية؟.
لقد كان موقف الإمام أبي عبيدة موقف السلف كما وردت السنة بذلك، فقد روي حديثا عن جابر بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل شئ بقضاء وقدر حتى العجز والكيس (2) وكان هذا الموقف هو موقف الصحابة كابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعلى وعمر بن الخطاب وغيرهم.
وناظر الإمام أبو عبيدة غيلان الدمشقى (3) في القدر فبرئ منه الإمام أبو عبيدة وحذر منه الناس، ولكننا لم نعثر على تفصيل لهذه المناظرة إلا عندما جاء حمزة الكوفي (4) يناظر الإمام في القدر، فدخلا منزل حاجب أبي مودود الطائي (5)، وكان آخر ما سمع من أبي عبيدة: يا حمزة على هذا فارقت غيلان (6): بمعنى تبرأت منه
(1) انظر: د. الشواشي ـ مجلة الكلية الزيتونية سابقاً: عدد 84/ 7 ص 315 - 322.
(2) الربيع بن حبيب ــ الجامع الصحيح: 25. (3) غيلان بن مسلم أبو مروان الدمشقى أخذ مذهب القدر عن معبد الجهمي وخاض فيه، وصار يدعو الناس إليه حتى كان عهد عمر بن عبد العزيز فناظره عمر فتوقف عن القول فيه، ثم عاد إليه بعد وفاة عمر رضي الله عنه، وصار يدعو الناس إليه بالشام حتى قتل بأمر هشام بن عبد الملك لأمور سياسية لا لأجل معتقده، حيث صار يدعو إلى التشيع ويعيب على بني أمية أفعالهم فقتلوه عام 105 هـ. انظر: محمد خليل - تاريخ المذاهب الإسلامية: 82 - 83، الشهرستاني - الملل والنحل: 194/ 1 بهامش ابن حزم، الزركلي ـ الأعلام: 124/ 5، أبو القاسم الجشمى - فضل الاعتزال: 229.
(4) حمزة بن خبيب بن عمارة التيمي الزيات من أهل الكوفة، وهو القارئ وليس هو حمزة بن نمر الكوفي الشاعر، وقد انعقد الاجتماع على تلقى قراءته بالقبول، وكان يناظر في القدر ويتجر ما بين حلوان وسواد العراق. انظر: الزركلي - الأعلام: 276/ 2.
(ه) ستأتي ترجمته في الملحق.
(6) انظر: الدرجيني - طبقات: 243/ 2، الشماخي - -
- سير: 85/ 1.
138 (1/138)
صفحة 131
إذ لم يرجع إلى الحق ويقتنع بالحجة
ولم يجد اعتقاد القول بالقدر سبيلا إلى الدخول في مدرسة الإمام أبي عبيدة وورثت المعتزلة القدرية في القول بأن العبد خالق لفعله القبيح لأن الله منزه عن القبائح ولذلك سموا قدرية (1) كما يلي:
هـ ـ المعتزلة:
المعتزلة منسوبة الى مؤسسها واصل بن عطاء (131) (هـ) الذي اعتزل حلقة التدريس التي كان يجلس فيها مع شيخه الحسن البصرى، فكانت له آراء خالف فيها الحسن، فلما لم يقتنع الحسن اعتزل مجلسه فقال: الحسن اعتزلنا واصل (2)، ولم يكن المقصود بهذا اللقب المدح ولا الذم ثم صار لقباً يرمى به من يخالف عقيدة المرجئة والشيعة والخوارج، فكان يشبه الذم (3)، ولكن المعتزلة يمتدحون بذلك ويقولون: قد جاء القرآن بهذا اللقب في قوله تعالى: وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) (4) وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله} (6،5)
ويؤيد ما قيل أن مؤسس فرقة المعتزلة هو واصل بن عطاء ما يقال أن أول ما من قالت به المعتزلة هو المنزلة بين المنزلتين (7).
ومن المؤرخين من يقول: إن تسميتهم تعود إلى ما قبل هذه الفترة بل إلى عهد الافتراق بين الصحابة (8).
ويعزى الدكتور على الشابي ظهور فرقة المعتزلة إلى واقع المسلمين السياسي والاجتماعي ذلك الحين كما نشأت بعض الفرق الأخرى (9)، والواقع أني أؤيده فيما يقول، وذلك لأن المذاهب الفكرية تبدأ في النشأة والنمو كأي كائن آخر، فلا حي
(1) انظر د. الشواشي - مجلة الكلية الزيتونية سابقاً: 84/ 7 ص 314. (2) انظر: د. الشابي - المعتزلة بين الفكر والعمل: 19، محمد خليل - تاريخ الفرق الإسلامية: 62، أبو القاسم البلخي. فضل الاعتزال: 115: (3) انظر: محمد خليل - تاريخ الفرق الإسلامية: 131 نقلاً عن البغدادي.
(4) مريم: 48.
(5) الكهف: 16. (6) انظر: أبو القاسم البلخي - فضل الاعتزال: 167، وانظر: ن م ص 12. (7) انظر: ن م ص 21، 115. (9) انظر: د. على الشابي - المعتزلة بين الفكر والعمل: 12 - 13.
(8) انظر: ن م ص 13، 18.
139 (1/139)
صفحة 132
يمكن أن يكون ظهور مذهب متكامل له من يؤيده في لحظة اللحظات أو جلسة من الجلسات كمثل ما يعزى إلى واصل مع الحسن، وقد فرض واقع المسلمين يومئذ ظهور مثل هذه العقائد
من
وقام المعتزلة بدور رائد في صد هجمات الفلاسفة على العقيدة الإسلامية ولم يألوا جهدا في مقارعة الخصوم بالحجة (1)
(1)
وترتكز معتقدات المعتزلة على خمسة أصول هي: التوحيد، العدل، الوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد أجمع عليها المعتزلة (2)، وقالوا بوجوب نصب الإمام من غير شرط أن يكون من قريش، كما أنهم قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين
(3)
بين
عام
6
واحتضنتهم الدولة العباسية، وكافحت عنهم، وكان أكثر نشاطهم ما 100 هـ إلى 255 هـ، وبثوا دعاتهم في الأمصار من المغرب إلى خراسان واليمن (4) وقام بأمر المعتزلة عمرو بن عبيد (5) بعد واصل عطاء واشتهر مذهب المعتزلة، وخاض أهله معارك كلامية كبيرة في الشرق والغرب، وكانت لأصحابه مواقف مشهورة في هذا المجال، ومن جملة هذه المواقف:
موقف واصل مع الإمام أبي عبيدة حسبما تذكره كتب التاريخ والعقيدة الأباضية، وكان سؤال واصل سابقا على سؤال أبي عبيدة حيث قال له: هل أنت الذي تقول أن (1) انظر: د. على الشابي ــ المعتزلة بين الفكر والعمل: 30 - 32، محمد بن يوسف أطفيش ـ الإمكان: 165، أبا القاسم البلخي - فضل الاعتزال: 162 - 166، 196 - 201.
(2) انظر: أبا القاسم البلخي - فضل الاعتزال: 63 - 64، الشهرستاني - الملل والنحل: 55/ 1 وما بعدها بهامش ابن حزم، ابن حزم - الفصل: 192/ 4، وما بعدها، التمينى - معالى الدين: 200/ 2 وما بعدها، القلهاتي ـ الكشف والبيان: 111/ 2 - 122، النيفر - أهم الفرق الإسلامية: 37 - 39، حسن ـ تاريخ الإسلام: 420/ 1.
(3) انظر: أبا القاسم البلخي - فضل الاعتزال: 139 - 142، د. على الشابي ـ المعتزلة: 101 - 102. (4) انظر: أحمد أمين - ضحى الإسلام: 90/ 3 - 96، النيفر - أهم الفرق الإسلامية: 35/ 33 - 47، (سليمان الشواشي - مجلة الكلية الزيتونية سابقاً: 313 عدد 84/ 7، أبو الحسن الندوى - رجال الفكر والدعوة: 114
وما بعدها.
(5) عمرو بن عبيد من أهل البصرة وهو من أجلاء أصحاب الحسن البصرى، له فضائل كثيرة حج أربعين سنة ماشياً وبعيره يقاد معه يركبه الضعيف والفقير، وكان يحيى الليل في ركعة في غالب الأحيان، وتوفي في خلافة أبي
جعفر المنصور.
انظر: أبا القاسم البلخي ـ فضل الاعتزال: 68 - 69.
12. (1/140)
صفحة 133
الله يعذب على القدر؟ فقال له: لا، ولكنى أقول: إن الله يعذب عل المقدور ولكن
هل أنت الذي تقول: إن الله
ومن
هذا
يعصى باستكراه؟ فسكت واصل ولم يجب
(1)
نعلم موقف الإمام أبي عبيدة من المعتزلة، والحقيقة أنها وريثة القدرية
ولكنهم سموا أنفسهم أهل العدل، ولا تزال كتب الفرق إلى اليوم ترد على المعتزلة في آرائهم، كل فيما يخالف فيه مذهبه
ولا أحب أن أطيل الكلام على الفرق ولنذكر الآن فرقة أخرى كان لها أثرها الكلامي والسياسي وهي فرقة المحكمة التي أطلق عليها لفظ الخوارج:
و ـ الخوارج:
1 - تعريف الخوارج:
أ ـ الخوارج في نظر غير الأباضية:
عرفهم الشهرستاني: بأنهم الخارجون على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه سواء كان في عصرا الصحابة أو من بعدهم (2).
وعلى هذا التعريف فكل من قاتل عثمان بن عفان، وقاتل على بن أبي طالب كعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان هم خوارج، ولا يدخل فيهم المحكمة الذين فارقوا عليا بعد التحكيم وذلك لأنهم أنصاره في جميع الحروب إلى أن قبل المصالحة ثم خرجوا عنه ولم يخرجوا عليه. ويقول كثير من المؤرخين والباحثين: إن الخوارج هم الجبهة التي خرجت على على: لأنهم كانوا أنصارا له ثم انشقوا عنه، فقاتلهم حتى أفناهم إلا من هرب منهم (3).
ويعتقد البعض أن الخوارج هم أقدم تاريخا من ذلك إذ تعود بداية أمرهم إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونسب إلى حرقوص بن زهير أنه القائل للنبي عندما كان يقسم غنائم
(1) انظر: السالمي ـ مارك أنوار العقول: 314 وانظر مبحث علم الكلام في هذا البحث.
(2) انظر: الشهرستاني - الفصل في الملل والنحل: 155/ 1، الأشعرى - مقالات: 150 وما بعدها. (3) انظر: الطبري - تاريخ: 51/ 5، أحمد أمين - فجر الإسلام: 256 - 257، حسن ـ تاريخ الإسلام: 376/ 1 - 377، النيفر - أهم الفرق الإسلامية، 57، محمد خليل ـ تاريخ الفرق الإسلامية 55، د. عوض
خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 5554، عمار الطالبي - آراء الخوارج الكلامية (الموجز): 19/ 1.
141 (1/141)
صفحة 134
هوازن: اعدل يا محمد ... إلخ (1)
وعلى هذه التعريفات لا يدخل المحكمة الذين قاتلهم على في النهروان في جملة الخوارج، وذلك لأنهم لم يخرجوا على الإمام على بل انحازوا عنه في جهة لما رأوا نتيجة التحكيم قد باءت بالفشل:
بل إن كثيرا من المؤرخين والباحثين يرون أولئك المنحازين عن على كانوا من جفاة الأعراب الذين لا يفقهون شيئا من الدين بل إن انحيازهم كان لأغراض دنيوية (2).
وأطلقوا عليهم عدة أسماء كالحرورية والمارقة والخوارج والمحكمة، فالحرورية لأجل نزولهم بحروراء، وهو مكن قرب النهروان والمارقة المروقهم من الدين حسب زعمهم، والخوارج لخروجهم عن على، والمحكمة لرفضهم التحكيم وقولهم لا حكم إلا لله (3).
وقالوا عنهم: إنهم قتلوا عبد الله بن خباب (37) (هـ) وزوجته الحامل (4). ويكفى ما انتحله المهلب بن أبي صفرة من أحاديث في ذم الخوارج التي ملئت بها كتب التاريخ والسير، وقد جنت تلك الدعاية على الخوارج أشنع الجناية وجرت عليهم ويلات المحن (5).
هذا ما وصفهم به المؤرخون وأصحاب المقالات
ب ـ أما الخوارج في نظر الأباضية:
وحسبما تقتضيه نظرة أصحاب الفرق فإن الأباضية يعرفونهم بأنهم الذين مرقوا
(1) انظر: محمد خليل - تاريخ الفرق الإسلامية 88، د. عمار الطالبي - آراء الخوارج الكلامية: (الموجز): 35/ 1. (2) انظر: د. عمار الطالبي - آراء الخوارج (الموجز): 46/ 1 - 88، النيفر - أهم الفرق الإسلامية: 57، د. عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 54.
(3) انظر: محمد خليل: تاريخ الفرق الإسلامية: 89.
(4) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 172، د. عمار الطالبي - آراء الخوارج الكلامية (الموجز): 18/ 1، النيفر ـ أهم الفرق الإسلامية: 5958 أما القاتل لعبد الله بن خباب فهو معسر بن فدكى خرج من البصرة ومعه أصحابه، ولما وصل النهروان وأخبرهم أنكروا عليه وتبرأوا منه وطردوه، فليس القاتل له أهل النهروان وإنما ذلك تلفيق. انظر: الشماخي - سير: 51/ 1.
(5) انظر: أحمد أمين ـ فجر الإسلام: 361، د. عمار الطالبي - آراء الخوارج الكلامية (الموجز): 34/ 1.
142 (1/142)
صفحة 135
من الدين كالأزارقة والصفرية والنجدات، بمعنى أنهم خرجوا من الدين بانتحالهم أمورا لم يأذن بها الإسلام، وليس لهم من الله فيها من سلطان كوجوب الهجرة واستحلالهم دماء مخالفيهم وأموالهم وسبى ذراريهم، إلى غير ذلك من الأحداث (1). وهم يتفقون في بعض المبادئ مع الأباضية كوجوب إنكار المنكر على أهله، والقول بجواز أن يكون الإمام من غير قريش (2)، وأن الإيمان قول وعمل، وأن لا يخلف وعيده كما لا يخلف وعده
(3)
وقد عرفهم الأباضية بهذا التعريف تطبيقا للحديث الوارد في المروق من الدين،
وهو في أوصافه يتفق مع الطريقة التي انتحلها الخوارج المارقون.
أما بالنظر إلى المعنى الذي قصده غير الأباضية ـ مع دمجهم الأباضية فيهم ـ وهو الخروج على الخليفة، فهذا لا ينطبق عليهم وحدهم، وذلك لأننا إذا أتينا على الذين خرجوا على الخليفة فقد أسلفنا القول في الخارجين الذين خرجوا على الإمام الشرعي على بن أبي طالب ومن خرج بعدهم على بني أمية، من الشيعة وغيرهم، إذ لا يمكن أن يطبق هذا اللقب على فئة دون فئة
وخاصة إذا قلنا: إن نشأة المحكمة تمتد جذورها إلى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان وسمينا الخارجين عليه خوارج، وذلك لأن الخارجين على عثمان أكثرهم من الصحابة، وبين سمع الصحابة وبصرهم، وكل من شهد الوقعة ولم ينصر عثمان أو
كان خارجا عليه فهو خارجي، هذا إذا طبقنا الخروج السياسي على الخوارج. أما إذا طبقنا المعنى الدينى وهو المروق من الدين فالأزارقة والصفرية والنجدات ينطبق عليهم هذا الاسم.
-
(1) انظر: الوسياني: أبو الربيع - سير: 65 وما بعدها مخطوط مصور، مجموعة من العلماء ـ سيرا المسلمين: 568 مخطوط مصور، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 59/ 1، على يحيى معمر ـ الأباضية في موكب التاريخ: 33/ 1، السيابي ـ أصدق المناهج: 21 - 32، الصوافي ـ جابر بن زيد: 211. (2) هذه المسألة يجب أن تكون من المسائل المتروكة كمسائل العتق وغيرها لأنها لم يعد لها أثر على الواقع العملي، وأين نحن من كون الإمام قرشياً أو غير قرشي، فتلك أمة كان لها المبرر في خلافتها فيما بينها، وإذ نحن في عصر لا يمت إلى هذه المسألة بصلة فيجب علينا عدم إثارتها.
(3) انظر: على يحيى معمر ـ الأباضية في موكب التاريخ: 37/ 1 وما بعدها، رفعت فوزى ـ الخلافة والخوارج: 12
143
Y.- (1/143)
صفحة 136
وإذا كان هناك بعض النقاط التي يتفق فيها الخوارج مع الأباضية فإن هناك نقاطا يختلفون فيها معهم، حتى أنه وقعت بينهم مصادمات سياسية وعسكرية فيا ترى ما الذي جمعهم في بعض النقاط؟.
إن مما يجمع الأباضية والخوارج هو كونهم ينحدرون من أسرة المحكمة الذين
بن
اعتزلوا على بن أبى طالب بعد التحكيم، إذ كان إمامهم عندما قاتلوا عليا عبد الله وهب الراسبي، الذي استشهد في معركة النهروان في المعركة التي دارت بينهم وعلى ابن أبي طالب عام 37 هـ، ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة، ومن هرب قبل المعركة (1). وإنما سموا محكمة لرفضهم التحكيم، وقد رضوا هذا الاسم، كما سموا أنفسهم بمعنى دينى غير المعنى الذى قصده أصحاب المقالات والمؤرخون وهو الخروج على الجور والظلم انطلاقا من الآية الكريمة: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة كم (2)، وقوله تعالى: {فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا له وهو يقابل القعود الذى ذم الله به المنافقين في قوله تعالى: ولا يستوى القاعدون غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله (4)
خوارج
أيضا
(3)
فالخروج المقصود هنا صفة مدح وهو ما يعنيه قدماء الأباضية في سيرهم أما الذي قصده غيرهم بهم فهو صفة ذم، ولذلك رفضوه وذلك من باب الاشتراك اللفظى فقط مع اختلاف المعنى. وكانت المحكمة على رأى واحد، حين وقع القتال بمكة الله عبد بين بن الزبير، الحصين بن نمير السكونى قائد جيش يزيد بن معاوية انتدبت المحكمة للسير إلى مكة لمساندة ابن الزبير في الدفاع عن الكعبة (6)
وبين
ولما رجعوا مفارقين لابن الزبير بعد موت يزيد بن معاوية خرج نافع بن الأزرق
(1) انظر: جعفر بن محمد بن عبد السلام: إبانة المناهج: 1/ 155، الأشعرى - مقالات الإسلاميين: 167/ 1 هامش، الشهرستاني ـ الملل والنحل: 157/ 1 - 159، د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 60 - 61، الجعبيرى فرحات - البعد الحضاري: 37 هامش، د. عمار الطالبي - آراء الخوارج (الموجز): 88/ 1 - 95.
(2) التوبة: 46.
(3) التوبة: 83.
(4) النساء: 95
(5) انظر: مجموعة من علماء عمان - السير والجوابات: 206/ 1 - 207، سير المسلمين - مخطوط: 564، الجعبيرى فرحات - البعد الحضاري: 54، القلهاتي - الكشف والبيان: 227/ 1 وما بعدها، سليمان بن داؤد -
الخوارج أنصار الإمام على: 103 - 162، د. عمار الطالبي – آراء الخوارج: 7/ 1.
(6) انظر: الطبري ـ تاريخ: 57/ 7، ابن الأثير ـ تاريخ: 316/ 3.
144 (1/144)
صفحة 137
الله
(65 هـ) في ثلاثمائة من أصحابه إلى اليمامة مستعرضا المسلمين بالسيف حاكما عليهم بالكفر، وذلك بعد ما فشا القتل والتشريد بالمحكمة المعارضين للحكم الأموى، وبعد مقتل أبى بلال وكتب ابن الأزرق إلى عبد الله بن الصفار (60 هـ)، وعبد ابن أباض حوالي (86) هـ)، يطلب منهم الهجرة إليه وترك البصرة نادبا لهم إلى قتال الناس وخصوصا الظلمة وولاتهم، فأبى عبد الله الخروج معه وبرئا منه،، فأطلق على هؤلاء اسم القعدة (1)
الصفار وعبد بن
الله
بن
أباض
ومن هذا يظهر أن المحكمة ما هم إلا جبهة أو حزب معارض للانحراف السياسي الذي حدث في عهد الأمويين، وطبق عليه اسم «الخوارج» من منطلق سياسي لأنه معارض، ثم قلبت التسمية إلى الخروج لمعنى المروق، وقد كانت للخوارج مع الدولة الأموية مواقف دموية، ولهذا تتبعهم زياد بن أبيه وابنه عبيد الله بن زياد والحجاج من بعدهم، فأبادوهم، واستمر الصراع بينهم إلى آخر الدولة الأموية (2).
وبسبب خروج ابن الأزرق افترقت المحكمة إلى الأزارقة والنجدات والصفرية، والأباضية، وتميزت مبادئ الأباضية عن مبادئ الخوارج، وكتب الله لها البقاء إلى
يومنا هذا
بسبب تثبتهم في العقيدة، واعتدالهم في السلوك، وإن حشرهم غيرهم ضمن الخوارج المارقة، وأحيانا يصفهم المؤرخون بالفرقة المعتدلة من الخوارج فمن هم الأباضية؟ هذا ما سنبينه في المطلب الاتي:
المطلب الثاني:: الأباضية:
تمهيد:
لا أحب أن أدخل في موضوع الخلاف في نسبة الأباضية ونشأتهم حسبما جاء في كتب المقالات والفرق، ولكنى أذكر نبذة عنهم مما اتفق عليه الكاتبون أو ما يشبه الاتفاق، وذلك لأن الدخول في كة الخلافات لا يهمني في هذا البحث، بقدر ما
معر
(1) انظر: الطبري - تاريخ: 5857/ 7، مجموعة من فقهاء عمان - سير المسلمين: 132، 565، د. عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 14 – 16، البرادي ـ الجواهر المنتقاه: 155 وانظر: عن ابن الأزرق الزركلي
الأعلام: 351/ 7.
-
(2) انظر: ابن عبد ربه ـ العقد الفريد: 96/ 4، ابن الأثير – تاريخ: 353349/ 3، 389 - 392، أحمد أمين - فجر الإسلام: 256 - 257، 264، رفعت فوزى - الخلافة والخوارج في المغرب: 20 21، سليمان بن داود الخوارج أنصار الإمام على: 71 وما بعدها.
145 (1/145)
صفحة 138
يهمني ذكر الأباضية أجل مكانة الإمام أبي عبيدة فيهم، بالإضافة إلى كثرة من التناقضات التي جاءت فى كتب الفرق فيما كتبوه عن هذه الفرقة وغيرها، إذ من المعلوم أن أى مؤرخ لابد له من أن يقع فيما يحاول الابتعاد عنه من الهفوات، وذلك لأن المؤرخين ينقل بعضهم عن بعض، ولذا حرصت أن أعتمد على ما كتبه قدماء الأباضية عن أنفسهم سواء كان في التسمية أو النشأة وأسبابها فأقول:
1 ـ من هم الأباضية:
الأباضية هم فرقة من الفرق المعتدلة في الإسلام، اتبعت الرأى الإسلامي في السياسة والحكم والسلوك وقد استندت فى أرائها السياسية والاجتماعية على الكتاب. والسنة وإجماع الأمة (1)، ولعلها تبنت فى هذا رأى الأنصار الذي أعلنوه يوم السقيفة حين استنكروا أن تكون الإمامة في قريش فقط من ناحية، وبآراء الصحابة الذين فارقوا على بن أبي طالب عندما قبل التحكيم في معركة صفين وتوقف عن قتال الفئة الباغية من ناحية أخرى (2).
وأطلق عليهم لقب الأباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض المرى التميمي من قبل الأمويين، إذ أنه كان يناصح عبد الملك بن مروان (3)، ولا زالت رسالة من رسائله
(1) انظر: سالم بن ذكوان من علماء القرن الأول الهجرى: سيرة سالم بن ذكوان، ضمن سير ا المسلمين: 556 وما بعدها، ولاب بن سلام - الإسلام وتاريخه: 93، 162، الدرجيني ـ طبقات: 288/ 2 من سيرة أبي سفيان من علماء القرن الثاني الهجري، القلهاتي - الكشف والبيان: 294/ 2
(2) انظر: سير المسلمين: 564 من سيرة سالم بن ذكوان، القلهاتي - الكشف والبيان: 294/ 2 (3) كثر الخبط واللبط من المؤرخين في نسبة الأباضية فمنهم الذي ينسبهم إلى عبد الله بن أباض، ويقول: إنه خرج في زمان مروان الحمار 131 هـ، ومنهم الذي ينسبهم إلى الحارث بن عمرو، ومنهم الذي ينسب عبد الله بن أباض إلى قرية بالعراق اسمها أباض وكثير من مثل هذه المتاهات، بحيث يقولون ما لا يعلمون، ومن المؤرخين من نسبهم إلى الخوارج وهم يقولون: إنه فارق الخوارج حين خرج نافع بن الأزرق وغيره بأحكام خالفوا فيها تعاليم الإسلام وقواعده، ومنهم من جعل للأباضية عدة فرق ونسبهم إلى أشخاص لا يعرفهم الأباضية، ولا يوجد لهم ذكر في كتبهم القديمة والحديثة فجعلوهم أصحاب بدع وهوى وزندقة وطردوهم من المساجد وحكموا عليهم بالكفر في كثير من الأحيان، ونالهم بسبب هذا الإدماج لهم في الخوارج من بغض وكراهية وحقد ونبذ بالألقاب، وأحياناً القتل والتشريد وتخويف الناس منهم الشيء الكثير، وقالوا أيضاً عنهم مقولات في الدين ومخالفة التعاليم الإسلامية ما لا يقره العقل ولا يرضاه المسلم لنفسه، وعندما طالع الباحث كتبهم وجدهم برآء من هذه التسميات وهذه الألقاب وهذه الافتراءات سواء من حيث فرقهم أو من حيث تعاليمهم عقيدة وعملاً، ولكن من جهل شيئاً
عاداه.
انظر على سبيل المثال: الأشعرى - مقالات الإسلاميين: 183/ 1 - 189، ابن حزم - ا حزم - الفصل في الملل =
146 (1/146)
صفحة 139
باقية إلى يومنا هذا (1).، فنسبوا من كان على شاكلة هذا الرجل إليه نسبة غير قياسية، ولم يتسم بها الأباضية ولا توجد فى مؤلفاتهم الأولى إلا بعد ثلاثة قرون تقريبا (2). وإذا طالعت كتب الأباضية لم تجد لعبد الله بن أباض شيئا من المسائل الفقهية سوى ما أورده مؤرخو الأباضية من رسالته التي عبر فيها عن معتقداته في الصحابة والخلفاء الأمويين (ويين والخوارج، ولكن النسبة إليه جاءت من قبل الأمويين من حيث أنهم يريدون التنديد به، وذلك لأن نافع بن الأزرق وعبد الله بن الصفار وغيرهم لم يعد لهم وجود في أواخر خلافة عبد الملك
وسمى
الأباضية أيضا بالمحكمة لسلوكهم مسلك أهل النهروان في مسألته السياسة والاجتماع، ولكن الأباضية ما كانوا في القرون الأولى يسمون أنفسهم بذلك، بل يطلقون على أنفسهم: أهل الدعوة أو جماعة المسلمين فقط (3). ولكن طغيان اللقب
1
،،
محمد
= والأهواء والنحل: 188/ 4 وما بعدها، الشهرستاني بهامش بن حزم - الملل والنحل: 180/ 2 وما بعدها، أحمد أمين ـ فجر الإسلام: 260 - 261، ضحى الإسلام: 320/ 3 وما بعده، حسن ـ تاريخ الإسلام: 392/ 1 وما بعدها، محمد خليل - تاريخ الفرق الإسلامية: 106 وما بعدها، جعفر بن عبد السلام - إبانة المناهج، المبرد - الكامل: 136/ 2، أبو زهرة - تاريخ المذاهب الإسلامية: 8685/ 1، د. محمود إسماعيل ــ الخوارج في بلاد المغرب: 50 - 51، د. عمار الطالبي - آراء الخوارج الكلامية (الموجز): 201/ 1 - 208 الرعيني. أبو القاسم - المونسي في أخبار أفريقيا وتونس: 50، وانظر عن التاريخ الصحيح للأباضية: سير المسلمين مخطوطة، الدرجيني ـ طبقات، الشماخي - سير، السالمي - تحفة الأعيان، ابن سلام ـ الإسلام وتاريخه، البرادي الجواهر المنتقاة، الحارثي - العقود الفضية، القلهاتي - الكشف والبيان جـ 2، السيابي ـ إزاذه البعثاء، أصدق المناهج: طلقات المعهد الرياضي، على يحيى معمر - الأباضية بين الفرق الإسلامية، الأباضية في موكب التاريخ: الجعبيري، فرحات - البعد الحضاري (مقدمة)، د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية. (1) انظر هذه الرسالة في: سير المسلمين المخطوطة: 224 وما بعدها، البرادي - الجواهر المنتقاه: 155 وما بعدها، السيابي - إزالة الوعثاء: 86 - 100، د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية، ملحق عمر با ـ الفكر الأباضي - 121 - 134 وانظر عن عبد الله بن أباض على سبيل المثال: الدرجيني - طبقات: 214/ 2، الشماخي ـ سير: 1 /، البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 155، أطفيش محمد بن يوسف - رسالة شافية: 68، د. عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 75، الأصول التاريخية: 9 - 10، أجوبة ابن خلفون: 9، الحارثي ـ العقود الفضية: 183، على يحيى معمر - ر - أضواء على الأباضية: 1 وما بعدها، السيابي - أصدق المناهج: 20، أطفيش – الإمكان: 113، 114، مهدي طالب هاشم - الحركة الأباضية: 45، الباروني ـ مختصر تاريخ الأباضية:
19، خليفات ـ النظم الاجتماعية: 15، الزركلي - الأعلام: 184/ 3 - 186.
(2) انظر: د. عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الأباضية: 15، نشأة الحركة الأباضية: 75. (3) انظر مطلب الخوارج من هذا الفصل وقد فصل الشيخ على يحيى معمر القول في هذا الموضوع في كتابه (الأباضية في موكب التاريخ: الحلقة الأولى فليراجع هناك.
147 (1/147)
صفحة 140
عليهم من خصومهم الأمويين ومن جرى مجراهم في ذلك الحين، ثم أطلق المؤرخون عليهم ذلك اللقب: (الأباضية) فإنهم ارتضوه لأنهم لم يجدوا عيبا فيه، بعكس كلمة الخوارج وإن أطلقها المؤرخون الأباضيين القدامى على أنفسهم في بادئ الأمر، فإنهم
(1)
يعنون الخروج على الجور وهو الخروج في سبيل الله، ويرادفها كلمة الشراء عندهم) وأطلق الأباضية على أنفسهم أيضا لقب (الوهبية) مع اختلاف بين أباضية المشرق وأباضية المغرب في هذا اللقب (2)
ولذا فإن المذهب الأباضى ينتمى في قواعده وأصوله وفقهه إلى الإمام جابر بن زيد أبي الشعثاء، وقد امتلأت كتب الأباضية بآثاره العقائدية والفقهية، ولكن الأباضية لا ينكرون ائتمامهم بعبد الله بن أباض فهو واحد من أئمتهم، ويقول الشماخي: إنه يصدر في أمره عن جابر بن زيد (
(3)
وتنحدر هذ المبادئ التي ينادى بها لأباضية من لدن الصحابة المنكرين على عثمان وغيرهم، والمنكرين على على قبوله للتحكيم، ثم التابعين أمثال أبى بلال وغيره من بقايا أهل النهروان، ويوصلون سلسلة حملة العلم والمذهب إلى النبي
:
والمتتبع لآثار الأباضية يجد أن حقيقة المذهب الأباضي منبنية ـ كما يقولون عن أنفسهم - على الكتاب والسنة، ليس فيه غموض ولا التواء ولا تطرف مذهبي، وذلك لأنهم ليسوا من الغلاة المارقة كفرق الخوارج وغيرهم، فليس لهم مذهب خاص. ويعتبرون من اتباع السنة المحمدية الصحيحة)
(°)
-
(1) انظر: الجعبيري، فرحات - البعد الحضارى: 24/ 1، الحارثي - العقود: 45، عدوى جهلان ـ الفكر السياسي: 34 - 38
(2) انظر: الدرجيني - طبقات: 214/ 2، الشماخي - سير: 77/ 1، سير المسلمين المخطوطة: 118، السيابي – طلقات المعهد الرياضي: 77، عدوى جهلان ـ الفكر السياسي: 38 - 44، ابن رزيق - الشعاع الشائع باللمعان: 12، بحاز إبراهيم - الدولة الرستمية: 7473، على يحيى معمر ـ أضواء على الأباضية: 1 وما بعدها. (3) انظر: الباروني - سلم العامة والمبتدئين: 5، خميس الشقصى - منهج الطالبين: 615/ 1 - 640، عمر مسعود الربيع محدثاً:.: 176 نقلاً عن البعطورى، الصوافي صالح - الإمام جابر بن زيد وآثاره::203، عبد الحافظ عبد ربه ـ الأباضية مذهب وسلوك، د. عوض خليفات - الأصول التاريخية للفرقة الأباضية: 5 - 7، السير
والجوابات: 238/ 1، 297.
(5) انظر: دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 173/ 3 - 18، 190 - 203، أجوبة ابن خلفون: 12.
148 (1/148)
صفحة 141
وهم يمقتون التعصب لفرقة من المسلمين دون أخرى، وخصوصا عند الباحثين المحدثين إذ لا مجال لوجود التحيز المذهبي الآن. وقد ظهر في العصر الحديث ما يؤيد نظرتهم في الخلافة وغيرها (1)
فالقلة والكثرة لا عبرة بها في ميزان الحق، وإنما الميزان بوجود التقوى بتنفيذ ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه في جميع مناحي الحياة، فليس الحق حكرا على الأكثر ولا اتباع السنة مقصورا على فئة من الناس، فإذا كان اتباع السنة يوصف به شيء من الفرق الإسلامية، فالأباضية في نظر الباحث اتباع للسنة المحمدية أيضا (2) وإذا كان الأباضية ليسوا من الخوارج بل هم فرقة مستقلة غيرهم.
والخوارج؟.
2 ـ الفرق بينهم والخوارج:
فما الفرق بينهم
ما كان للباحث من عودة إلى ذكر الخوارج إذ أن دورهم السياسي ومعتقدهم الفكرى معروف لدى المؤرخين والباحثين، إلا أنه حينما يذكرون يذكر الأباضية ضمنهم للتداخل في النشأة من ناحية وربما التوافق فى بعض المبادئ من ناحية
أخرى (3).
(1) السيابي ـ طلقات المعهد الرياضي: 80، أصدق المناهج: 20، إزالة الوعثاء: 49، عدوى جهلان ـ الفكر السياسي عند الأباضية 129 - 133.
(2) إن هذه التسميات شغلت بال مجموعة من الناس إبان الخلافة الأموية، وطبقت على نفسها ما تريده ونبزت أعداءها بما تريد تبعاً للسياسة وعدولاً إلى حسن السمعة وضدها، وإلا فما الداعى إلى مثل هذه التسميات التي تفرق بين المسلمين التي آل الأمر بها إلى أن تدعى كل فرقة من فرق المسلمين النجاة وتنسب الهلكة إلى غيرها، مما سبب تمزق المسلمين وانشغالهم بعضهم ببعض. انظر عن هذا الموضوع: الجعبيرى فرحات ـ البعد الحضاري للعقيدة الأباضية: 4/ 1 وما بعدها. (3) ليس من الضروري إذا تشابه شخصان في صفة من الصفات أن ينتميا إلى فصيلة واحدة أو أب واحد، وكذلك الحال بالنسبة للفرق فهل يا ترى لو تلاقت الأشعرية والمعتزلة أو الشيعة أو الأباضية في بعض المسائل فهل تكونان فرقة واحدة بذلك التلاقي؟ فالأباضية يتوافقون مع المعتزلة في شيء من مسائل علم الكلام، ويتفقون مع الأشعرية أيضاً في مسائل، ومع الشيعة كذلك، والعكس صحيح فهل ينسبون إلى هذه الفرق؟ فما الذي يدخلهم إذن في الخوارج؟ فإذا كان التوافق مع الخوارج في رفض التحكيم وهي مسألة اجتهادية وقد أخطأ فيها على فماذا نقول؟ وإذا كان التوافق من قبل الاشتراك في حرب النهروان مثلاً والخروج عن على فقد خرج قبلهم فئات. الصحابة من كثيرة متأولة وهم متأولون فهل يكونون خارجين عن الدين؟ ذلك لأن نسبة الخروج إلى الأباضية بالخروج من الدين لا يجب أن ينطق به عاقل ولا أن يكتبه باحث عنده حسن طوية فليتأمل.
149 (1/149)
صفحة 142
وكان لزاما على الباحث أن يذكر الفرق بين الفرقتين كما ذكر المؤرخون التوافق بينهما ليضفى ذلك إلى البحث قيمة علمية مهمة قد تغيب عن بعض الكاتبين في الملل والنحل لأخذهم عن بعضهم البعض، كما تغيب عن الباحثين في العصر الحديث الأباضية والخوارج فيدمجونهم ضمنهم، إذ عسر عليهم التفريق بينهم حتى أنهم ذكروهم بالتشدد والغلو، وقد نفى الأباضية ذلك عن أنفسهم منذ عبد الله ابن أباض نفسه في رسالته إلى عبد الملك (2)، وتارة ينسبونهم إلى الاعتدال والإيمان
للتوافق بين
(1)
،
القوى والعقيدة الراسخة، وتاريخ الإيمان السطحى الساذج، وأحيانا إلى الكفر (3) وتارة يدمجون أبا الشعثاء جابر بن زيد وعمران بن حطان في الخوارج، ويزيد بن أنيسة والحارث وغيرها (شخصيات مجهولة ضمن الأباضية (4) إلا من رحم من الكاتبين (5).
الله
(V)
بمعنى
وقد ذكر المبرد: (إن الفرق الغالية هى المغيرية والمنصورية والخوارج (6) وليسوا هم الأباضية.، وروى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن النبي قوله: (لا تنال شفاعتى الغالى فى الدين ولا الجافي عنه) أن يكون الإسلام وسطا بين الإفراط والتفريط، فمن هذا المنطلق وجب على الباحث ذكر الفرق بين الأباضية والخوارج وبعد البحث والتقصى عن الفوارق بين الأباضية والخوارج استخرجت أحد عشر دليلا تبين ذلك، وها أناذا أذكرها باختصار: الأول: براءة عبد الله بن أباض التميمى الذى نسبت إليه الأباضية من نافع بن الأزرق (1) د. عمار الطالبي - آراء الخوارج الكلامية (الموجز): 201/ 1، د. محمود إسماعيل ـ الخوارج في بلاد المغرب: 51، د. عبد المجيد بن حمدة - المدارس الكلامية: 72. (2) انظر رسالة ابن أباض ضمن سير المسلمين: 224، البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 156، خليفات ـ الحركة الأباضية: 106، 172 وما بعدها.
(3) انظر: أحمد أمين - فجر الإسلام 261 - 264، حسن - تاريخ: 392/ 1 - 393،، محمد خليل ـ تاريخ الفرق
الإسلامية.
(4) انظر: الأشعرى - مقالات الإسلاميين: 183 - 188، الشهرستاني - الملل والنحل: 185/ 1 بهامش ابن حزم:
(5) انظر: عبد العزيز المجدوب - الصراع المذهبي بأفريقية: 110 وما بعدها. (6) المبرد ـ الكامل: 144/ 2
(7) انظر: الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح 279 ولم نعثر عليه في كتب الحديث بهذا اللفظ وغير موجود في ونسنك.
10. (1/150)
صفحة 143
وغيره من الخوارج، وقد جاء ذلك في رسالته إلى عبد الملك بن مروان: (86) هـ) (إننى أبرأ إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه فنبراً إلى الله منهم) (1).
الثاني: سلوك عبد الله بن أباض وتفضيله عدم قتال المخالفين السالكين غير الطريق المستقيم كما فعل نافع بن الأزرق في إشهاره السيف وكذلك النجدات وهذا الموقف معروف، قد ملئت به كتب التاريخ، وقد سلك الأباضية مسلك أبي بلال وجابر بن زيد ولم يستعرضوا الناس.
الثالث: احتجاج الإمام جابر بن زيد على الخوارج فيما ذكر عنه المؤرخون حكاية عن ضمام، فكان يأتى الخوارج فيقول لهم: (أليس قد حرم الله أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ قال: فيقولون بلى. قال: ويقول: وحرم ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ قال: فيسكتون ولا يجيبونه بشيء) وقال الدرجيني قلت: وهؤلاء أصحاب نافع بن الأزرق ومن قال بقوله في استحلال أموال المسلمين بدين)
(2)
الرابع: اجتماع الحرورية بالموصل للخروج على عمر بن عبد العزيز، فوقف واليه يحيى بن يحيى وكاتبهم عمر بالترك للقتال فأبوا إلا القتال، وكتب عمر إلى الوالى (من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يحيى بن يحيى أما بعد: فإني ذكرت آية في كتاب الله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (3) وإن من العدوات قتل النساء والصبيان فلا تقتلن امرأة ولا صبيا ... إلخ) (4) فناجزهم الوالى القتال وليس هؤلاء من الأباضية، فالأباضية سالموا عمر بن عبد العزيز هكذا:
يوجد في تاريخهم
(1) رسالة عبد الله بن أباض: سيرا المسلمين: 228، البرادي - الجواهر المنتقاه: 165، د. عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 178
(2) الدرجيني - طبقات: 209/ 2، وانظر: الحارثي - العقود: 98، الشماخي - سير: 72/ 1، الربيع بن حبيب ـ
الجامع الصحيح: 203، 205
(3) البقرة: 190، المائدة: 87.
(4) ابن الجوزي - سيرة عمر بن عبد العزيز: 115 - 117. (1/151)
صفحة 144
الخامس: إرسال الأباضية الوفد إلى عمر بن عبد العزيز طالبين منه تغيير ما
أمية من طمس بعض معالم الشريعة، ومنها ترك لعن على على المنابر
سنة،
فأجابهم أن يميت كل يوم بدعة، وأن يحيى كل يوم، ومنها استبدال لعن على بقوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرونه (1) فهذه الحادثة سجلتها كتب التاريخ الأباضية حتى أن الوفد حضر
وفاة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز وصلوا عليه (2)
الأباضية
من
السادس: محاربة يزيد بن المهلب. وهو أزدى أباضي من عمان للخوارج، وهو يدين
بولاء الأباضية يومئذ، وهذا غير مستنكر وعمله هذا غير مرضى عند حيث التعاون مع الدولة الأموية، ولكنهم ارتضوه بسبب الضرر الذي حاق بالأمة يومئذ عن خطر الخوارج فارتكبوا أخف الضررين، وكان يقاتل الخوارج عن مصعب بن الزبير ثم عن عبد الملك ثم كان واليا لهم على العراق وخراسان وأخوه زياد على عمان وحروب المهلب وأولاده للخوارج مشهورة (3)
بن
السابع: اشتراك الحتات كاتب وجعفر بن السماك شيخ الإمام أبي عبيدة في حرب الخوارج مع حبيب بن المهلب إلى أن قتلا معه، فتولاهما الأباضية (4) وذلك في زمان يزيد بن عبدالملك، فكيف يقاتل شيوخ الأباضية الخوارج وهم منهم؟ أعتقد أن ذلك بعيد
الثامن: براءة الإمام الربيع بن حبيب ممن قال: في أهل القبلة المتأولين فيما يوهم التشبيه بأنهم مشركون وأخرجهم الربيع من حلقة الأباضية وبرئ منهم. (°)
التاسع: الاستنكار الشديد من الأباضية الأوائل إذ امتلأت به سيرهم وكتب علم
(1) النحل: 90.
(2) انظر: ص 36 من هذا البحث و مراجعه وانظر: سيرا المسلمين: 133.
(3) انظر: الطبري - تاريخ: 195/ 7، ابن الأثير – تاريخ: 16/ 4 وغيرهما من كتب التاريخ، د. عوض خليفات ــ نشأة الحركة الأباضية، 104، السالمي - تحفة الأعيان: 63/ 1 ومن المعلوم أن المهلب وإخوته عمانيون.
(4) انظر: الحارثي - العقود الفضية: 140.
(5) انظر ن م ص 153، الشماخي - سير: 97/ 1.
152 (1/152)
صفحة 145
الكلام الأباضية فضلا عن غير الأباضية لما اعتقده الخوارج من تحليل دماء أهل القبلة ومعاملتهم معاملة المشركين في السلم والحرب، وهذا أمر لا يحتاج إلى كثير عناء، فقد تكفلت بذلك كتب السير والتاريخ والفرق من أباضية وغيرها، فلم يعامل الأباضية غيرهم بمثل ما عامل به الخوارج بقية الفرق بل عاملوهم بمعاملة المسلمين وأجازوا مناكحتهم وموارثهم والصلاة خلفهم (1).
العاشر: ما دار بين الإمام الجلندى بن مسعود بعمان وشيبان الصفرى من المعركة العسكرية التي آلت بقتل شيبان وأصحابه ثم بقتل الجلندى وأصحابه (2) ولو كانت هناك علاقة بين الأباضية والخوارج لما دارت
الحرب بين الفريقين التي يقتل فيها عشرات الآلاف، ولمزيد رحي البيان راجع فصل إمامة عمان. من هذا البحث
الحادى عشر: إزالة أبى الخطاب المعافرى للصفرية لما عاثت فسادا في القيروان الأفريقية بحملة دموية قاسية، رغبة من الإمام وأصحابه في إزالة
المنكر (3)، ولو كانت هناك علاقة وترابط لما حدث ذلك الصراع الرهيب بين الأباضية والصفرية بالمغرب والمشرق.
هذا ويكفى ما ذكرناه دليلا على التفريق بين الفريقين، فلذا لا يحسن دمجهم في فرق الخوارج، بل لا يمكن ذلك خصوصا إذا نحن اعتبرنا الخروج خروج دين (مروق)
(1) انظر على سبيل المثال: سير المسلمين: 52،35. 128 وما بعدها، 132، 276، 457، 565، 574، البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 155، القلهاتي - الكشف والبيان: 136/ 2 وما بعدها، 215، 230 وما بعدها، 24، الباروني ـ سلم العامة والمبتدئين: 4، المالكي - غاية المطلوب: 379، سليمان بن محمد الكندى ـ بداية. لإمداد: 113، السالمي ـ جوهر النظام 516، على يحيى معمر ـ أضواء على الأباضية: 9، 10، السيابي – أصدق المناهج:: 12، 17، 20، 32، عدون جهلان - الفكر السياسي: 116 - 127، الصوافي - جابر بن زيد وآثاره: 213 وما بعدها، سيدة كاشف - عمان قبل وبعد الإسلام: 35. وانظر: الطبرى ـ تاريخ: 5855/ 9. - حزم - الفصل: 4/ 188، الشهرستاني - الملل والنحل بهامش ابن حزم: 165/ 1، 183 وما بعدها، د. عوض حنيفات: 53، 131. .
(2) انظر ص 293 من هدا البحث وانظر: سير المسلمين: 154، اليعقوبي - تاريخ: 331/ 2، تاريخ عمان المقتبس من كف. نعمة جهول: 43، السالمي - تحفة الأعيان: 77/ 1 وما بعدها، جوهر النظام: 481، مهدي طالب - الحركة الأباضية: 8584، خليفات - نشأة الحركة الأباد ــة: 131، السيابي - عمان عبر التاريخ:
245/ 1
(3) راجع ص 310 من هذا البحث وما بعدها.
153 (1/153)
صفحة 146
حسبما أوله الأباضية، وأما إذا اعتبرنا الخروج خروج سياسة فسوف لن ينطبق على
المفارقين لعلى وحدهم يوم النهروان، بل ينسجب على غيرهم.
والمتتبع لمنهج الأباضية الكلامي والفقهى يجد فرقا بينهم والخوارج أيضا ولذا لابد من ذكر المنهج الأباضى لمعرفة الطريقة التي يسلكها الأباضية تجاه الغير
المطلب الثالث: منهج الأباضية:
أ ـ في علم الكلام:
منهجهم
قلة
إن المتتبع لآثار الأباضية القدامى والمحدثين في علم الكلام يجد أن الجدل الكلامي والخوض فيه، فمنهجهم ينبنى على تثبيت العقيدة بالحجة من الكتاب والسنة التي لا تميل إلى التعمق الفلسفى الذى أدى بكثير من الفرق إلى الزلل كتحكيم المعتزلة للعقل، ومذهب القدرية والجبرية فى أفعال الإنسان، ومذهب المرجئة في إرجاء جزاء المعاصى إلى الله مع ما أنزله من التهديد والتخويف والوعيد ولم يأخذوا بالحديث الأحادي في مسائل العقيدة فعندما كثرت المناظرات وارتفعت أصوات مثل هذه الفرق بالجدال الطويل ـ وقد كانت في بدايتها من أجل البحث عن الحق والصواب ـ المجتمع الأباضي متماسكا لم تدخله البدع والخرافات بفضل التنظيم الذي جعلوا منه سياجا للمجتمع الأباضى يومئذ، وبفضل سلاح الولاية والبراءة بحيث إذا انزلق في مثل مزالق القدرية وغيرهم طردوه من مجالسهم، وقد حدثنا التاريخ
كان
أحد
منهم
بوقائع كثيرة في هذا الميدان.
فقد كان هناك حوار لجابر بن زيد مع الخوارج والحجاج في القدر (1)، ولصحار ابن العباس وتلميذه أبي عبيدة مع القدرية (2)، والتزموا القول بأن الإيمان قول وعمل، فاهتموا بالعمل كثيرا، وكان ميزان الولاية والبراءة يدور حول العقيدة وثباتها وعدمه، وحول مقارنة العمل للإيمان وعكسه، ومسألة الخلافة وذلك لأن التوحيد الخالص في العقيدة والعدل في الاجتماع بين الناس والعمل الصالح في المجتمع هي التي تقوم عليها
المجتمعات
ولكن مع هذا فقد اتفقوا فيما بينهم على القواعد الأصولية الكلامية كتنزيه البارى
(1) انظر ص 40 من
(2) انظر ص 138 من هذا البحث. (1/154)
صفحة 147
وتأويل المتشابه والإيمان والكفر والوعد والوعيد والشفاعة والولاية والبراءة والخلافة على المسلمين إلى غير ذلك (1)، فاتخذوا منهجا يسيرون عليه في هذه القضايا وغيرها من القضايا العملية، وسنبدأ بذكر المنهج الكلامي إذ هو الأهم ثم السلوك العملى من غير دخول في التفاصيل وذلك لأجل إعطاء القارئ نبذة فقط حسبما يتطلبه الحال
فنقول:
1 ـ منهجهم في المتشابه والتشبيه: سلك الأباضية مسلك التنزيه لله سبحانه وتعالى، عن تشبيهه بالمخلوقات وبما لا يليق بجلال الله وكماله إذ قال الله عن نفسه: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (2).
وأولوا جميع الآيات الموهمة للتشبيه كالنفس واليد والعين وغير ذلك من الأشياء التي تقتضى التشبيه، إذ لا يليق بجلال الله تعالى أن يشبه خلقه في شيء من الصفات، وعالجوا هذه القضية من أول وهلة وكان هذا الموقف هو موقف
الصحابة رضوان | الله
عليهم
(3)
2 ـ من أجل تنزيه البارئ عن مشابهته المخلوقاته فهم ينفون رؤية البارئ سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة ويعتمدون في ذلك على الآيات المحكمة كقوله
،
،
(4)
تعالى: و لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) وغيرها من الآيات، ويؤولون الآيات الموهمة للرؤية ولا يقبلون الحديث الأحادي في أمور العقيدة لأنه عندهم يوجب العمل ولا يوجب العلم، فهم يأخذون في العقيدة بما يوجب العلم القطعى، ولا يقبلون الظنيات في هذا
المجال (5)
(1) انظر: ما جاء في هذا الموضوع في الجزء الثالث من الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، وانظر سيرة سالم بن ذكوان المسلمين: 552، سيرة حاجب أيضاً 576، سيرة شبيب بن عطية أيضاً 205، سيرة أبي سفيان أبي طالب المهنا بعمان: 298، رسالة ابن أباض: 224. .
ضمن سير
(2) الشورى: 11.
(3) انظر فى هذا الموضوع: خميس الشقصى - منهج الطالبين: 392/ 1 وما بعدها، جميل السعدى ـ قاموس الشريعة: 227/ 5 وما بعدها، السالمي - شارق أنوار العقول: 207، 215، أبو عمار ـ شرح الجهالات: 282، الموجز: 351/ 1 وما بعدها، الثميني ـ شرح نونية أبي نصر: 88 - 92، الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 230 - 249، الجعبيرى - فرحات: البعد الحضاري: 271 - 298. (4) الأنعام: 103.
(0) انظر: الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 212 - 230، القلهاتي - الكشف والبيان: 146/ 1 - 148، =
100 (1/155)
صفحة 148
و
لها
كذلك يتعلق بهذا الموضوع كون الصفات عين الذات غير زائدة على الذات، فصفاته تعالى هى ذاته وذلك لأن الصفات إذا كانت غير الذات وجب أن تكون ذاته تعالى محلا لهذه الصفات فتكون محتاجة إليها، ويلزمها أن تكون محلا، والله ينزه عن الحلول والحدوث، وليست هي صفات قديمة قدمه تعالى فيتعدد القدماء، أو أن تكون قديمة قبله، أو حادثة بعده فيلزم إما أن يكون خاليا منها قبل أن حدث أو خالية منه قبل أن تكون فهى عندهم لا يمكن أن تكون إلا أن الذات العملية متصفة بها في ذاتها (1) ـ هل القرآن مخلوق أم لا؟ اختلف الأباضية فى هذه المسألة في أوائل القرن الثالث الهجرى فقال أباضية المغرب: إن القرآن مخلوق (2)، ولعلهم تأثروا في ذلك بقول المعتزلة، وكانت بينهم والمعتزلة مناظرات، إبان وجود المعتزلة بالمغرب، وأما أهل عمان: فقالوا بعدم خلقه، وأنه كلام الله ووحيه وتنزيله، وحدث بينهم صراع، ثم اتفقوا على ما وصفنا، وأنه لا يبرأ ممن قال بخلقه، وهذا الموقف كان عند قدماء أباضية عمان إلى القرن الثالث عشر الهجري (3) ثم قال جميع الأباضية بعد ذلك بخلق القرآن (4)
حاد
هذه المسائل الأربع أهم المسائل في الآلهيات التي اختلف فيها الأباضية مع
هي
= أبو عمار ـ شرح الجهالات: 78 - 87، الثمينى - معالم الدين ـ 29 - 41، السعدى ـ قاموس: 347/ 5 وما بعدها، السالمي ـ شرح الجامع الصحيح: 104/ 1 - 105، مشارق أنوار العقول: 186 - 205، الكندي ـ بداية الإمداد: 19 وما بعدها، الجعبيرى ـ البعد الحضاري: 265 - 314، وليس في هذا ضيق نظر كما يقول بعض الباحثين بل فيه تحرز من الوقوع في الهلكة، لأن القائل بعدم الوقوع سالم حتى ولو حدث الوقوع، والقائل بغير ذلك وقع في التشبيه ولو لم يحدث وقوع الرؤية. انظر: د. عبد المجيد بن حمده ـ المدارس الكلامية: 109 -
111
(1) انظر: أبو عمار - الموجز: 429/ 1، الثميني - شرح نونية أبي نصر: 118 وما بعدها، معالم الدين: 216/ 1 وما بعدها، الشقصى - منهج الطالبين: 350/ 1 وما بعدها، السالمي - مشارق أنوار العقول: 175 وما بعدها، الجعبيري - فرحات، البعد الحضارى: 240 وما بعدها. (2) انظر: أبو عمار ــ الموجز ضمن آراء الخوارج الكلامية: 132/ 2 وما بعدها، الثمينى ـ معالم الدين: 20/ 2 وما
بعدها.
(3) انظر: محمد بن إبراهيم - بيان الشرع: 129/ 1 وما بعدها، القلهاتي - الكشف والبيان: 289/ 1 وما بعدها، السعدى - قاموس الشريعة: 198/ 3 و ما بعدها، الشقصى - منهج: 203/ 1 وما بعدها.
(4) انظر: السالمي ـ مشارق أنوار العقول: 244 وما بعدها وانظر في هذا الموضوع: الجعبيري ــ البعد الحضاري:
349 وما بعدها.
?? (1/156)
صفحة 149
غيرهم وقد يوافقون فيها غيرهم وقد يخالفونهم، شأنهم في ذلك شأن بقية الفرق
الكلامية وخاصة الباقية منها.
أما
منهج الأباضية في الإنسانيات فيتحدد في جملة مسائل:
1 - مسألة الإيمان والإسلام، فالإيمان عندهم التصديق لغة، أما في الشرع فهو التصديق بالقلب والتلفظ به باللسان والعمل بالأركان. والإسلام في اللغة هو الاستسلام والإذعان. وفي الاصطلاح عندهم هو مرادف للإيمان، ولكنهم يجيزون إطلاق اسم المسلم على غير الموفى بشرط عدم إعطائه أحكام الموفى من الولاية والبراءة، فلا يخرج العاصى الذى يأتى بالشهادتين من الإسلام، أما الإيمان عندهم فهو: قول وعمل ولا يطلقون على من أخل بالواجبات أو أتى المنهيات اسم مؤمن احتجاجا بما ورد من أحاديث في ذلك (1)
من.
2 ـ أما الكفر فينقسم عندهم إلى قسمين: كفر شرك، وكفر نفاق ويسمى عندهم كفر النعم، فكفر الشرك هو: الخروج من الملة بإنكار الوحدانية لله تعالى، أو إنكار صفة صفاته، أو بإنكار شيء من كتبه أو بعض منها، أو بإنكار نبى من أنبيائه من قامت الحجة على المكلف بأسمائهم فى القرآن الكريم، فضلا عن إنكار نبينا محمد، ورسالته، فهذا حكمه عندهم القتل والسبى والغنيمة وعدم المناكحة والموارثة، والدفن في مقابر المسلمين، والمقاطعة في الحياة الاجتماعية بمعنى البراءة منه،، فليس له عندهم إلا الإسلام أو السيف ما عدا أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والصابئون فتقبل منهم الجزية إن أتوا بها
صاغرين.
وأما كفر النعمة فهو: الإتيان بشئ من الكبائر، أو الإخلال بما أوجبه الله
على المسلم كترك الصلاة أو الصيام أو الحج مع الاستطاعة حتى حل الأجل
،
سواء كان الإتيان بهذه الكبائر من قبيل الانتهاك أو الاستحلال إذ لا جهل ولا
16، سير
(1) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 264، 267 وما بعدها، يحيى بن أبى الخير الجناولي ــ الوضع: 14 ـ المسلمين: 110 – 113،: 57، 576، 577، 585، الكندى ـ بداية الإمداد: 6057، أبو عمار - شرح الجهالات: 247 - 250. 310 - 315، السالمي - مشارق أنوار العقول: 329 - 336، الجعبيري ـ البعد الحضاري ـ 472 وما بعدها، على يحيى معمر ـ الأباضية في موكب التاريخ: 77 وما بعدها، السيابي ـ أصدق المناهج:: 33 وما بعدها.
157 (1/157)
صفحة 150
،
تجاهل في الإسلام، وهذا القسم هو الذى يسميه أهل الحديث بالكفر دون الكفر وقد استدلوا على هذه التسمية للعاصى بآيات كثيرة من القرآن الكريم، وأحاديث كثيرة من السنة، وحكم الكافر كفر النعمة أن يعامل معاملة المسلم الموفى ما عدا الولاية، وذلك بتحريم دمه ما لم يظهر فسقه وتحريم ما له وتحريم سبى ذريته، وأن يعاد مريضه وتشيع جنازته، وأن يناكح ويوارث ويعطى حقوق المسلمين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون أباضيا أو غير أباضي، فالعاصى عندهم كافر كفر نعمة ولو كان من الأباضية (1). ا
عاص
وقد ادعى بعض الباحثين بأن الأباضية يعنون أهل السنة بهذا الحكم، مع أن هذا الموضوع قد بحث عند الأباضية منذ بداية الفتن في القرن الأول الهجرى، فهو حكم عام عندهم على كل مرتكبى الكبائر، فلا داعي إلى تخصيصه بفئة من العصاة دون أخرى، إذ لا وجود لذلك على التخصيص في كتب الأباضية (2) ـ أما مسألة القضاء والقدر فقال الأباضية فيها بقول السلف من الصحابة والتابعين وهو: أن الله خالق لكل شيء، وأن الأفعال هي الله واكتساب من العبد، إذ جعل له قدرة واستطاعة على الفعل وعدمه عند الإتيان به، فلا هو مجبور على ما يأتى ولا ما يذر ولا هو خالق لفعله كله ولا هو خالق لفعله القبيح لتنزيه الله تعالى عن خلق القبائح كما قالت المعتزلة، فمناط الثواب والعقاب عندهم على كسب العبد (3)
خلق من
(1) انظر في هذا الموضوع: سير المسلمين: 110 - 112، الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 198 وما بعدها، ابن سلام ـ الإسلام وتاريخه: 109، أبا عمار ـ شرح الجهالات: 239 - 241، الجيطالي ـ قواعد الإسلام، 36/ 1 - 39، القلهاتي ـ الكشف والبيان: 153/ 1، الثمينى - معالم الدين: 140/ 2 - 142، السالمي - مشارق أنوار العقول: 414395، شرح الجامع الصحيح: 115113/ 1، على يحيى معمر ـ الأباضية في موكب التاريخ: 89 وما بعدها، عدون جهلان - الفكر السياسي: 74 - 75، الجعبيري ـ البعد الحضاري: 508 وما بعدها.
(2) انظر: د.: د. عبد المجيد بن حمده - المدارس الكلامية بأفريقية: 84. (3) انظر: محمد بن إبراهيم - بيان الشرع: 258 - 259، أبا عمار - شرح الجهالات: 40 - 43، الموجز: 72 - 22/ 2، الجيطالي - قواعد الإسلام: 29/ 1 وما بعدها، الشقصى - منهج الطالبين: 422/ 1 - 473، السعدى - قاموس الشريعة: 49/ 5 - 151، الثمينى - معالم الدين: 265/ 1 - 281، القلهاتي - الكشف والبيان: 247/ 1 وما بعدها، السالمي - مشارق أنوار العقول: 310 - 329، شرح الجامع
الصحيح: 121/ 1 - 125، الكندى ـ بداية الإمداد: 51 - 55. (1/158)
صفحة 151
4
وكانت للأباضية الأوائل مواقف مع القدرية والمعتزلة والجهمية وغيرهم في الدفاع عن هذه العقيدة تنزيها لله عن الجبر وعن العجز ذكرتها كتب التاريخ والسير الأباضية (1).
الشفاعة عندهم لمن تاب من معصيته، وذلك لأنه. من مات على فسقه فهو ظالم فاسق ولا تنال الشفاعة الظالمين لقوله تعالى: و ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) (2) فالشفاعة عندهم قسمان: الشفاعة العظمى وهي بداية الحساب، إذ لا يفرج هول الموقف حتى يأتى سيدنا محمد الله فيأذن بالإفراج بأمر الله التي أخبر عنها بنفسه، والشفاعة لأهل المعاصى التائبين من معاصيهم لتخفيف هول الموقف ورفع الدرجات وتسهيل الحساب (3).
الله
وهى
به
ه ـ مسألة نفوذ الوعيد الوارد عن الله عز وجل فى أهل الكبائر يقول الأباضية بنفوذ هذا الوعيد، فكل كبيرة أوعد الله عليها العقاب أو أوجب عليها الحد في الدنيا إذا مات صاحبها من غير توبة دخل النار خالدا مخلدا لا يخرج منها أبدا، فهو خالد خلود داخل الجنة كلاهما سيان، لأن ذلك جملة ما من امتدح سبحانه فلا يخلف الله وعيده، كما لا يخلف وعده، ولم يأخذوا بالأحاديث. الواردة في خروج مرتكبى الكبائر من النار ممن أتوا بالشهادتين، وذلك لأنها أحاديث أحادية فهى توجب العمل ولا توجب العلم، والاعتقاد ثمرة اليقين، ولا يحصل اليقين بالحديث الآحادى، ولم يتغير موقف قديما وحديثا، فلا شفاعة ـ عندهم ـ إلا لمن تاب من الكبيرة، أما من دخل النار فإنه لا يخرج منها. إذ لا معنى للوعيد الذى توعد الله به أهل المعاصى لو كان الداخل في النار يخرج منها بعدما يعذب بقدر عمله (4)
الأباضية
هذه المسألة من
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 212/ 2، 241، 246، 277، الشماخي - سير: 71/ 1 وما بعدها، 80 - 81 وما بعدها.
(2) غافر: 18.
(3) انظر: الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 211، 278 - 282، القلهاتي - الكشف والبيان: 150/ 2 - 151، السعدى - قاموس الشريعة: 505/ 5 وما بعدها، الثمينى - معالم الدين: 192/ 2 وما بعدها، الشقصى - منهج: 520/ 1، السالمي - مشارق أنوار العقول: 287 - 290، الكندى - بداية الإمداد: 41 وما بعدها، الجعبيري - فرحات - البعد الحضاري: 654 - 665.
(4) انظر: الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 269 - 277، سير المسلمين: 53، 110، أبا عمار ـ شرح الجهالات: 49 وما بعدها، الموجز: 104/ 2 وما بعدها، الجثاوني - الوضع: 23 و ما بعدها، القلهاتي ـ الكشف والبيان: 148/ 20 - 150، الشقصى - منهج الطالبين: 525522/ 1، الثمينى ـ معالم الدين: 194/ 2 = (1/159)
صفحة 152
ويظهر للباحث أن هناك تناقض بين حدوث شفاعة الرسول للعصاة
وبين دخولهم النار، فإذا كانت هناك شفاعة فلماذا للبعض دون البعض، بل إن كثير الذنوب أولى بها، ثم إنه إذا أخرج الداخل في النار واغتسل في نهر كما يقولون، ثم يتمنى الموفون فى الجنة أن لو فعلوا فعل العصاة الخارجين من النار في الدنيا فيدخلون النار ويخرجون منها، فإنه لا يتميز الموفى عن المقصر بشيء، بل إنه يحب لو الله وهذا أمر لا يمكن أن يقع، فمن هنا أرى صحة القول بدوام الخلود في النار وعدم الشفاعة للعصاة. والأباضية بهذا لا يقولون بأن الله ليس له أن يعفو عن العاصى، كما يقول بعض الباحثين (1) إلزاما منهم عز وجل عدم العفو، فهذا لا يقوله عاقل وإنما ذلك إخبار الله عز وجل عن نفسه، فهم يحتجون بالآيات والأحاديث الدالة على الخلود ولا يقولون بذلك
لله
عصى
من أنفسهم فيفهم منهم إلزام البارئ ما لم يقله عن نفسه. 6 - الولاية والبراءة عند الأباضية أصل من أصول علم الكلام، فلا يكاد كتاب من كتبهم التي تبحث في هذا الفن إلا ويذكر الولاية والبراءة، ومنهم من يفردها في كتب خاصة، وقسموهما إلى أقسام وفرعوا عليهما التفريعات الكثيرة وأدخلوا كل عمل مناقض للتعاليم الإسلامية ضمن قسمه الخاص، وجعلوا ذلك سياجا للمجتمع لأجل المحافظة على سمعة الموفى والعقوق للعاصى، وقد أصلوا هذا الأصل بما استدلوا به عليه من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة (2). والولاية هي الحب والمناصرة فى الله والبراءة عكس ذلك، وكان لهذا المسلك كبير الأثر في المحافظة على نقاء المجتمع وطهارته من أكثر الرذائل وخصوصا عندما كانوا يطبقونه تطبيقا كاملا كما هو الحال في المجتمع الأباضي الأول في البصرة (3).
= وما بعدها، السالمي ـ مشارق أنوار العقول: 291 - 310، الجعبيري ـ البعد الحضاري: 527509، 550. (1) انظر: د. عبد المجيد بن حمده ـ المدارس الكلامية: 136.
(2) انظر على سبيل المثال: الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 24 - 25، سير المسلمين: 32، 33، 36، 61 وما بعدها، 68، 569، 574، 577 وما بعدها، ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 99، 107، الجثاوني – الوضع: 32 - 34، أبا عمار - شرح الجهالات: 230، 232، الجيطالي ـ قواعد الإسلام: 1: 45 وما بعدها، محمد بن إبراهيم ـ بيان الشرع: جزء 3 بكامله، السعدى - قاموس الشريعة: 45/ 8 إلى آخر الكتاب، الثميني معالم الدين: 105/ 2، محمد أطفيش ـ الذهب الخالص: 33 - 46، السالمي - مشارق أنوار العقول: 336 - 373، الكندى - بداية الإمداد: 69 - 76.
-.
(3) انظر: التنظيم الاجتماعي من هذا المطلب. (1/160)
صفحة 153
- موقف الأباضية من الصحابة على الإطلاق، ويعتبرونهم خير القرون، لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم
الصحابة: إن المتتبع لآثار الأباضية الأوائل يجد أنهم يجلون
وعاصروه وشدوا عضده ونصروا الإسلام من غير استثناء في بداية الأمر
ويأخذون بأقوالهم وآرائهم ورواياتهم مطلقا، هذا رأيهم فيهم قبل الفتنة (1)
أما
،
بعد الفتنة فيرون صواب قاتلى عثمان من الصحابة وخطأ عثمان والبراءة منه، وذلك لأن جل الصحابة الذين كانوا بالمدينة وغيرها لم يناصروا عثمان ومنهم عايشة ومعاوية وعلى وغيرهم، وذلك لأنهم قد شاهدوا ما نقم الناس على عثمان (2) وكانوا يتولونه فى الست السنوات الأولى من خلافته، وأما على فيرون فيه مثل الفقيه الورع الشجاع المؤمن ويحتجون بآرائه الفقهية في كل مجال إلا أنه أخطأ بقبوله التحكيم ولو أنه رفض النتيجة، إذ أنه خلع نفسه ولم يرض بعد ذلك بالدخول تحت إمامة عبد الله بن وهب الراسبي فتبرأوا منه لهذا السبب (3).
وقد استتاب أبو بلال مرداس، وجابر بن زيد عايشة أم المؤمنين فتابت (4)، ولو أن عليا ـ عندهم ـ تاب من خطئه إجمالا لم يجب عليه قود في قتله أهل النهروان لأنه متأول (5)، ولم يقولوا إنه هو الحيران المعنى في آية الأنعام كما يقول بعض الباحثين، ولم يقفوا من على موقف الشيعة من أبي بكر
تحامل فقط (6).
وعمر
فهذا
- 217، 169،80،09،3،21:
(1) انظر على سبيل المثال: الربـ ع بن حبيب - الجامع الصحيح: 219، فقد روى الربيع عن عثمان وعلى ومعاوية ومروان بن الحكم وطلحة بن عبيد الله رغم أن هؤلاء دخلوا في
الفتنة.
(2) انظر: الخلافة الراشدة من هذا البحث ص 65 ومراجعة وانظر: سير المسلمين: 560، 563، 568، القلهاتي - الكشف والبيان: 2/ 109، الشماخي.: 55/ 1 وانظر خروج على إلى الكوفة يدعو لفراق عثمان، سير
المسلمين: 568.
سير
(3) انظر: سير المسلمين: 126، 127، 563، 564، القلهاتي - الكشف والبيان: 109/ 2، أبا يعقوب - الدليل والبرهان: 62 - 63، أبا غانم - المدونة الكبرى: 67/ 1، 29/ 2، 30.
(4) انظر: سير المسلمين: 128، الدرجيني - طبقات: 206/ 2، 267، 2 30، 305، السالمي - جوهر النظام:
353352، 110
(5) انظر: السالمي ـ مشارق أنوار العقول: 448، الوارجلانى أبا يعقوب: العدل والإنصاف: 47/ 20. (6) انظر: د. عبد المجيد بن حمده: المدارس الكلامية: 130 - 131، ويروى عن الحسن البصرى تخطئة على في قبوله التحكيم وتخطئة عثمان ولكنه يلعن قتلته تقية، ويقول: لو لم نلعنهم للعنا ويروى عن الإمام مالك بن أنس أنه =
?? ? (1/161)
صفحة 154
وهم لا يشكون في شرعية الخلافة الراشدة لكن القدوة عندهم تتمثل في أبي بكر وعمر، إذ لم يختلف اثنان فيما أنكر على عثمان ولا خطأ التحكيم من على، ولكن المتأولين تأولوا لشرعية هذه الأخطاء فقالوا: كل مجتهد مصيب وله الأباضية أن المجتهد إذا أخطأ فليس له أجر لأنه غير مصيب وهذا في
أجر
وعند
المسائل القطعية وهذه من المسائل القطعية التي نزل فيها حكم البغاة والأمر بقتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله (1).
أما رأيهم في معاوية فهو باغ خارج على على وخلافته ليس شرعية واستعان على غلبته على على بعمرو بن العاص والأشعث بن قيس وغيره فهم في
البراءة عندهم، ولكنهم يقبلون رواياتهم في غير ما يتعلق بالفتنة (2) ويتوقفون في الشكاك الذين توقفوا عن إجراء الحكم في فتنة الصحابة ويتولون أهل النهروان ويردون على من يطعن فيهم، ويعتبرون ما روى في حرقوص بن زهير السعدى ملفقا وليس هو المقصود بتلك الرواية، ويروون عن على بن أبي طالب أنه تأسف لقتله إياهم (3)
أما
الفتنة
وهم يقولون بعدالة الصحابة جميعا كما ذكرت، وهم عدول إلى حين) بعد الفتنة فالصحيح عندهم أنه. يبحث عنهم (4) هذا رأى الأباضية الأوائل فى الصحابة، أما المتأخرون فيفضلون عدم الخوض في فتنة الصحابة، وذلك لأن الأوائل أقرب عهدا بتلك الوقائع، أما الآن فقد بعدت علينا أخبارهم فالكف عنهم أولى وأسلم وهم من هم، فهم أصحاب
= قال في الفتنة: (والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر). انظر: المبرد - الكامل: 159/ 2 وقد أظهرت بحوث الباحثين في العصر الحديث خبايا كتب التاريخ التي ذكرت الفتنة وما جرى فيها وما نتج عنها، فظهر صواب قول من رأى الصواب صواباً والخطأ خطأ من أول الأمر. انظر في ذلك: سيد قطب - العدالة الاجتماعية في الإسلام: 214 وما بعدها، أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم: 147 - 148، أبا الأعلى المودودي - الخلافة والملك: 63 - 92، 205 - 210.
(1) انظر: أيا يعقوب ـ العدل والإنصاف: 13/ 2، 47، السالمي - طلعة الشمس: 284/ 2.
(2) انظر: سير المسلمين: 34 وما بعدها، 543، 569، 572
(3) انظر: سير المسلمين: 115، 213 216، 219، 275، 572، السالمي ـ شرح الجامع الصحيح: 5956/ 1، 67 - 69، الدرجيني - طبقات: 202 - 204، الشماخي ـ سير: 52/ 1.
(4) انظر السالمي ـ شرح طلعة الشمس: 42/ 2 - 43.
162 (1/162)
صفحة 155
رسول الله له ولو أنفق أحدنا مثل جبل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه
فالسكوت عنهم أولى (1).
مع
ملاحظة أن الأباضية الأوائل والمحدثين لا يدعون الناس إلى البراءة من الصحابة ولا يشيعون أمر الفتنة عند العامة، وإنما ذلك أمر الخاصة ممن بلغهم علم تلك الوقائع (2)
يهم
فواقع الأمر أن الأباضية كان موقفهم من الصحابة موقف التعديل والاحترام والإجلال إلا من صح منه الحدث عند القدماء منهم، أما المحدثون فيختارون عدم الخوض في فتنة الصحابة ولا البحث عنها، إذ ليس من وراء ذلك فائدة ولا هي ركن من أركان الدين بل تزيد التفرق وتحدث التمزق في شمل الأمة، فالأولى السكوت عنهم بما فيهم أهل النهروان، وعدم سبهم والنيل منهم ووصفهم بالمروق ومحاولة إلصاق التهم بهم. - أما قول الأباضية في التقية فقد أجازوها في عهد الكتمان بالقول دون الفعل، إلا إذا أمر الجبار شخصا من الناس بفعل شيء هو فى أصله جائز، يقول فيها
السالمي:
أجز تقية بقول إن خلص من نيل ضر من به القول يخص وامنعها في إتلاف نفسي إن جنى والخلف في إتلاف مل ضمنا (3)
ب ـ المنهج الأباضي في الحياة العملية:
1 - رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
عندما عزمت على كتابة هذه الفقرة جال في خاطري أن أتركها، لأن قلبي كاد
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 2/ 2، 6، الحارثي - العقود: 29، 82، 85، الجيطالي – قواعد الإسلام: 1/ 83 ـ 85 هامش، الجعبيري ـ البعد الحضاري: 72 - 73 نقلاً عن المصعبي وأبى مهدى، على يحيى معمر ـ أضواء على الأباضية: 20، محمد بن يوسف أطفيش ـ الذهب الخالص: 43، إزهاق الباطل: 31، السالمي - كشف الحقيقة: 25، أحمد بن حمد الخليلي، على قيد الحياة: استجواب أجرته. معه مجلة جبرين التي تصدر عن نادى سلطنة عمان بالأردن من: 29 - 33.
(2) انظر: سير المسلمين: 58.
(3) انظر: الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 206، 207، السالمي - مشارق أنوار العقول: 451 - 456.
163 (1/163)
صفحة 156
أن ينفطر وذلك لأن المؤرخين وكتاب المقالات درجوا على تمييز فرقة المعتزلة ومن يسمونهم بالخوارج، بقولهم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوه أصلا أصولهم فصار وقفا عليهم. وكأن الأمة الإسلامية من غير هؤلاء معفية عن القيام بهذا الأصل الذي هو من خصائص الإسلام. أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (1)
من
وها أنا ذا أذكر هذا المبدأ القويم والنهج المستقيم بحيث كان أصلا للأباضية، وما أنا بباخل به عليهم ولكني أغبطهم به
وسأقتصر على ما أوردته كتب السير القديمة خلال الفترة موضوعة البحث، لنتبين هذه الدعوة التي حاول الأباضية أن يظهروا بها على مسرح الحياة وقد كان فعلا
في القرن الثاني (2)، فما الذى يطلبه الأباضية؟ وما هو الواجب في هذا المقام؟. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأصول الهامة في المجتمع الإسلامي فهو من القواعد الاجتماعية البحتة، ولا يمكن أن يبقى المجتمع صالحا إلا بها، لأن الإنسان معرض للخطأ والإهمال فيحتاج إلى من يرشده ويأخذ به نحو الطريقة الصحيحة التي جاء بها الإسلام. وقد تتبعت السير الأباضية القديمة لمعرفة ما يراه الأباضية في هذا الشأن فتبين لي
ما يلي:
حسب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على من قدر عليه عند الأباضية مراتب الاستطاعة، وذلك عندما تظهر المعاصى سواء منها ما يتعلق بولاة الأمر أو بالأفراد إلا إذا لم يستطع الأفراد مناصحة ولاة الأمر خوفا من القتل، فإن المقام حينئذ کتمان فتسعهم التقية، كما كان الحال فى عهد الدولة الأموية، إذ سلك الأباضية يومئذ مسلك الكتمان، وذلك لعدم استطاعتهم مجاهرة الدولة بمنكراتها.
مقام
(1) آل عمران: 110
(2) سيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع في الفصل الثاني عند الكلام على الدعوة ودور الإمام أبي عبيدة فيها. وقد حاولت الاختصار فى هذا المطلب لئلا يخرج بنا الحال عن المسار الصحيح لتنظيم البحث، فهذا كمثال على التعبير عن
الأباضية.
164 (1/164)
صفحة 157
والسير الأباضية المتوفرة عن الفترة موضوعة البحث تناشد المجتمع يومئذ أعنى خاصته بالعمل بما في كتاب الله، وبما في سنة رسوله، وبعمل السلف الصالح الأمة، وتحذر من الانحراف عن الطريق السوى وعن الانجراف وراء الشهوات طاعة العصاة من الخلفاء، ولذا ارتضوا سيرة الخليفة العادل عمر بن
من
والمطامع
، وعن
عبد العزيز (1)
ونأتى بالنماذج من تلك السير، فأولا ما جاء في سيرة سالم بن ذكوان الهلالي (2) المعاصر للإمام أبي عبيدة من قوله: ونرضى من سائر قومنا أن يتقوا الله ربهم، ولا يجعلوا حكمه تبعا لحكم قومهم، وأن لا يمسكوا بعهد قوم يعصونه، فإن الله لم يأذن لأحد أن يعطى عهده من يعصى أمره، فهذا الأمر الذي ندعو إليه والذى
(3)
نحن عليه إن شاء الله وندعو إلى أن يطاع الله فنحل حلاله ونحرم حرامه، ونحكم بما أنزل الله في كتابه، ونتبع سنة نبيه وسنة الصالحين من عباد الله، ليمن من رأينا – بحمد الله - الغلو في ديننا ولا الغشم فى أمرنا، ولا العدا على من فارقنا، حكمنا اليوم فيمن ترك قبلتنا ووجه غيرها حكم نبينا فيمن ترك قبلته، وحكم المسلمين فيمن وجه غير قبلتهم، وحلالنا اليوم فى دار قومنا حلالنا إذا خرجنا، وحرامنا إذا خرجنا حرامنا اليوم في دار (قومنا) و من سيرة حاجب أبى مودود قرين الإمام أبي عبيدة وزميله التي وجهها إلى طالب الحق باليمن: وأن تنظروا في حقوق الله التى أحكمها في كتابه وسنة نبيه، وعمل بها أولياؤه، وأتوا بها من جميع ما ألزمكم من صلاتكم وزكاتكم وأحكامكم، وجميع حقوق الله عليكم من فرائض الإسلام التى تعنى أئمة العدل ومن سواهم القيام بها، ويكون الإسلام ثابتا لهم بحفظها والوفاء بها، ويحق لهم الحق عند العلماء بدين الله، وإثبات الولاية لهم، ونزول ذلك عليهم إذا أضاعوا وخالفوا إلى غيرها، فإن
،
خطأ الأئمة. هو أعظم الخطأ وأشده على الناس بلاء، وذلك أنهم إذا أخطأوا وجاروا. فاتبعوا على خطئهم هلكوا وهلك من تولاهم على خطأهم بعد الحجة عليهم بالعلم بما
أتوا به مما به هلكوا، وكذلك فلتم ودنتم إليه به أنه الحق في جبابرة قومكم أنهم قد
(1) سير المسلمين: 502.
(2) ستأتي ترجمته في الملحق.
(3) سير المسلمين: 575. (1/165)
صفحة 158
ضلوا بما عملوا به من المعاصى، وادعوا تثبيت الطاعة لأنفسهم، وظل العلماء والقراء
والعباد وأتباعهم بولايتهم وجهالة كفرهم، وضلالهم .. ) (1).
أصل من
فهذان النصان يوضحان الاهتمام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه الأصول الاجتماعية التي تمثل الإسلام الصحيح في الحياة، ولأجل ذلك أجمعوا على إمامة عبد الله بن يحيى طالب الحق باليمن (2)، وأجمعوا على إمامة أبي الخطاب بالمغرب (3)، وإمامة الجلندي بعمان (4)، بعدما أجمعوا على خلافة عمر بن عبد العزيز لأنهم رأوا في سيرته وسيرتهم المثل الأعلى لتطبيق الشريعة الإسلامية بعد خلافة الإمامين أبي بكر وعمر.
وهم ليس لهم من وراء ذلك مطامع شخصية ولا دوافع سياسية، وإنما ذلك يعود إلى أمر في صلب العقيدة واستقامة المنهج ممن كان (5)، وليس القيام على الإمام الجائر واجبا عندهم بل هو مندوب وهو ما يسمى بالشراء عندهم، وجعلوه أحد مسالك الدين الأربعة: الظهور والدفاع والشراء والكتمان (6).
ولهذا لم يتعاونوا مع الدولة الأموية في كل شيء من أعمالها حتى في جباية الزكاة المفروضة (7)، ولم يقوموا عليهم بل لزموا طريقة الكتمان، ليتفهم عدم القدرة؛ ولكنهم أصلوا مبدأ الأمر بالمعروف ومتى يجب والنهي عن المنكر ومتى يجب، وماذا يجب على الأمة إذا شاهدت المنكر، وكذلك مبدأ الولاية والبراءة (8).
والناظر في مخاطبة أبي حمزة تلميذ الإمام أبي عبيدة) لأهل المدينة قبل البدء بالقتال، إذ أنه ما جاء لقتال أهل المدينة وإنما جاء للمسير إلى الشام لأجل الأمر
(1) سير المسلمين: 578577.
(2) سير المسلمين: 35.
(3) انظر: دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 231/ 3 - 232.
(4) انظر: السالمي ـ تحفة الأعيان: 88/ 1 وستأتى تراجم الثلاثة في مبحث التلاميذ.
(5) انظر: حسن - تاريخ: 471/ 1، سيدة إسماعيل كاشف - عمان في فجر الإسلام: 51.
(6) انظر: سير المسلمين: 195 وما بعدها وهذه المسالك الأربعة حفلت بها الكتب الأباضية وخصوصاً المغربية منها.
(7) انظر: م ص: 574 وما بعدها.
(8) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 273 - 274، 205، سير المسلمين: 30، 31، 60، 61،
210 - 208، 119، 118، 119، 90 - 92، 89،88
?? (1/166)
صفحة 159
بالمعروف والنهي عن المنكر، ورد أهل المدينة إليه بعزمهم أن يردوه إلى طاعة مروان وآل مروان من ناحية، وإفصاح أبي حمزة للقوم بأنه ما جاء لينال سلطانا ولا أشرا ولا ثأرا، وإنما جاء ليحيى معالم الحق بين الناس من ناحية أخرى يجد أن الأباضية الأوائل حاولوا أن يبينوا للناس وخصوصا الموالين لبنى أمية أن الواجب عليهم أن يقيموا أحكام بين أظهرهم، وأن يحيوا سنة رسوله، ويطأوا أثر السلف الصالح
كتاب الله
من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وكل خطبة في مكة والمدينة وغيرهما تدل على
ذلك (1)، كما أن رسالة أبي سفيان (تلميذ الإمام أيضا إلى طالب الحق باليمن واضحة غاية الوضوح فى أن وصاياه له تدور حول إحياء معالم الدين الحنيف، والتحذير له من الاغترار بالدولة والدنيا، وحثه على السلوك القيم في الحكم، وبذل أقصى الجهد في العدل بين الناس، ومعاداة الفرق الضالة عن سبيل الرشد (2).
فهم ينشدون في تطبيق الإسلام سيرة أبي بكر وعمر، يقول أبو أيوب تلميذ الإمام: (الله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا وبيت الله الحرام قبلتنا والإسلام ديننا، وهو من الإيمان والإيمان من الإسلام، والتقوى من الإيمان، والبر والوفاء من الإيمان بعض ذلك من بعض على استكمال الإيمان بما فيه وإقامة حدوده والعمل بحقوقه، ولا يثبت الإيمان بانتقاص فرايض الله ولا بالمقام على حرام الله) (3)
ويجب
أن يكون تطبيق أحكام الله تعالى فى الحاكم والمحكوم فالحاكم كأحدهم، يلزمه أن يسلك بالأمة مسلك الإسلام وأن ينهج في نفسه منهج
الإسلام.
2 ـ اختيار الإمام:
سبق الأباضية غيرهم إلى تسمية القائم بأمر المسلمين باسم «الإمام»، ولم يتسم به خلفاء الدولة الأموية أحد وتسمى به المأمون من الدولة العباسية (4). وقد سمى من الأباضية طالب الحق المنصوب في اليمن عام 129 هـ إمام المسلمين، واستمر الحال
على ذلك.
(1) انظر: الطبري - تاريخ: 108/ 9 و ما بعدها. (2) انظر: الدرجيني - طبقات: 279/ 2 - 290.
(3) انظر: سير المسلمين: 20.
(4) انظر: مجموعة من الباحثين - حضارة العراق: 18/ 6.
167 (1/167)
صفحة 160
أما الإمام
(1)
عند
الأباضية فهو ليس منصوصا عليه كما هو عند الشيعة، وليس
بسلطان الله في الأرض وخليفته فيها كما هو عند الدولة العباسية وما قبلها (2)
فهو عند الأباضية منذ أن جعلوا هذه القاعدة هي السبيل الأمثل لقيادة الناس –
جنس
لا بد وأن يختار عن طريق الشورى من ذوى الحل والعقد من أهل العلم والبصر تأسيا بفعل الصحابة رضوان الله عليهم، فيختار الإمام الكفء لقيادة الأمة أي من ولون فلا يقدم القرشى إلا بالتفاضل فى التقوى فلو اجتمع القرشي وغيره وتساووا في الفضل قدم القرشى لمكانته من أجل تسليم الناس لقريش يومئذ ()
(3)
(4)
فيبايع الإمام على أن يقيم العدل بين الناس وأن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله فإذا حاد عن المنهج المستقيم يستتاب، فإن تاب وإلا عزل وقدم غيره ولا يجيزون تولية الجاهل الذي لا. يحسن التصرف (5)، وقد توسعوا في الشروط التي يجب أن تتوفر في الإمام، وفى الواقع أن هذه الشروط ذكرها ابن خلدون في مقدمته إلا شرط القرشية الذى هو شرط أساسي عند غير الأباضية (6).
وكذلك عقد البيعة عند ابن خلدون وإن كانت شكلية (7) ولكنها عند الأباضية
عملية.
وسيان عند الأباضية الإمام المنصوب والملك إذا كان عادلا فالمهم العدالة والعدل وهو أمر يزين الملك، وذلك لأن أصل كل ملك هو الدين. والعدل بين الناس هو
(1) نحاول الاختصار هنا ... التوضيح والبيان فليراجع ص 145 وما بعدها من هذا البحث ومراجعه والإضافة. إلى المراجع الأباضية المتخصصة.
(2) عندما خضب أبو جعفر المنصور في مكة بعد توليه الخلافة قال: أيها الناس أنا سلطان الله في أرضه ... إلخ. ما قال، ووصف الخليفة يومئذ بأنه حبل الله الممدود بينه وبين خلقه، ومن ثم فقد اعتقد بعض الناس أن الخليفة فوق مستوى البشر وأن الخلافة ستبقى إلى الأبد في بني العباس.
انظر: حضارة العراق: 18/ 6
(3) انظر: سير المسلمين: 113، 582، 217، ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 113، 110، 117، الدرجيني ـ طبقات: 21/ 1، الحارثي - العقود: 141، الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 84، 21.1.
(4) انظر ص 272 من هذا البحث ومراجعه وانظر ابن خلدون ــ مقدمة: 256/ 1.
(5) انظر: سير المسلمين: 90 - 91.
(7) انظر: ن م ص 263.
(6) انظر: ابن خلدون - مقدمة: 246/ 1.
168 (1/168)
صفحة 161
المطلوب في المبادئ الأباضية
ويجب على الإمام النصح لرعيته، وسياسته لهم بالقسط والنظر في مصالحهم وعليهم التسليم له ومناصحته ومعونته على الحق (1).
3 ـ معاملة الأباضية لغيرهم في السلم والحرب:
الباغية
6
الولاة هناك
الأباضية لا يجيزون التقدم إلى القتال من غير دعوة، وإذا عقدوا صلحا أو هدنة فلا يجيزون نقض العهد بحال من الأحوال، وإذا حدث قتال بين المسلمين والفئة فلا يستحلون إلا الدماء فقط، ولا يستحلون أخذ الأموال ولا السلاح والكراع لا كما يقول غيرهم فيهم، لأن سيرتهم تبين منهجهم، فقد حدثت هناك عدة وقائع كتوزيع طالب الحق الأموال على فقراء أهل صنعاء التي وجدها في خزائن، وعدم استحلال الجلندى لخاتم شيبان وسيفه عندما انتصر عليهم، وعدم نقض العهد من أبي حمزة عندما أراد عبد الواحد بن سليمان نقض العهد بمنى، وعدم موافقة أبي حمزة على قتل أسرى أهل مكة عندما أشار عليه العلامة على بن الحصين العنبري بذلك، وعدم استحلال أبي الخطاب المعافري بالمغرب لأموال أهل القيروان، أخذه سلب الصفرية الورفجومية بعدما انتصر عليهم، وعدم قتل الولاة بعد القدرة عليهم كوالى اليمن ووالى طرابلس (2).
وعدم
أما في حال السلم فيجيرون من استجار بهم كما استجار عبد الرحمن الداخل بعبد الرحمن بن رستم عند توجهه إلى الأندلس، واستجار أيضا بابنه عبد الوهاب عندما ولى أخوه الخلافة، واستجار إدريس بن عبد الله أول ملوك الأدارسة بالمغرب بعبد الرحمن أيضا فأجاروهم كلهم. ويجيزون الصلاة خلف غيرهم كما صلى
(1) انظر: سير المسلمين: 76 وما بعدها.
(3)
(2) انظر أبا غانم - المدونة الكبرى: 300/ 2، سير المسلمين: 24، 25، 80، 128، 129، 153، 154، 168، 176، 177، 511، 564، 565، 573، 574، 599، 602، ابن سلام ـ الإسلام وتاريخه: 99، 100، أبا زكريا ـ السيرة وأخبار الأئمة: 64 650، 67، 69، 70، الدرجيني ـ طبقات: 29/ 1، 30، 31، أبا الفرج الأصفهاني - الأغاني: 97/ 20، 98، 109، 1، الأزدي ـ تاريخ الموصل:
Yo
108 ، 109 ، وانظر: من 275 إلى 321.
المذهبي بأفريقية: 200.
،102،77:
من هذا البحث ومراجعه وانظر: عبد العزيز المجدوب ـ الصراع
(3) انظر: جودت عبد الكريم - العلاقات الخارجية المدولة الرستمية: 126، 127، 130، 131، 180. (1/169)
صفحة 162
الأئمة أبو بلال وأبو الشعثاء وأبو عبيدة وحاجب وغيرهم خلف زياد وابنه والحجاج وغيرهم (1).
ويعاملون الناس من غير فرق بين محب لهم وغيره فهم عندهم سواء ويناكحونهم ويوارثونهم ويؤدون لهم حقوقهم المشروعة من حرمة غيبتهم وقذفهم إلى غير ذلك من الحقوق (2).
ج -
منهجهم الفقهي وإنتاجهم فيه:
الفقه الأباضي فقه متميز له قواعده وأصوله التي يعتمد عليها، وهو يعتمد بالدرجة الأولى على الكتاب العزيز وهو قطعى المتن، وإن كان ظني الدلالة في بعض المواضع كالعام مثلا، ويعتمد على السنة النبوية الشريفة الثابتة بالسند الصحيح ويعتمد بعدهما على إجماع الأمة (3)
فمصادر التشريع عندهم ثلاثة: هى الكتاب والسنة والإجماع ورابعها القياس المستكمل للشروط، وعند المغاربة كلمة الرأى بدل القياس والإجماع، وهما بمعنى واحد، إذ أن الإجماع والقياس أصلهما الرأى، فهم يعترفون بالسنة الثابتة ولكنهم يثبتون في الرواية تثبتا واضحا وخاصة موقفهم من أحاديث الآحاد، فإذا صح الحديث قدموه على القياس، إذ لا قياس - عندهم – مع ورود النص (4)
فهم لا يأخذون بحديث الآحاد في العقيدة، وكذلك في الصلاة لأنها مجاورة
(1) انظر: سير المسلمين: 457، المالكي، غاية المطلوب: 124، السيابي - أصدق المناهج: 1 (2) انظر: سير المسلمين: 554، 572، 573، 574، 580، 586 وما بعدها، السالمي ـ شرح الجامع الصحيح: 310/ 1، 311.
(3) انظر: سير المسلمين: 29، 30، 197. 206، 464، 581، 582، الوار جلاني ـ العدل والإنصاف: 1 / مبحث القرآن والسنة، أبا عمار - شرح الجهالات: 232 – 234، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 51/ 1، 65، 70 ـ 73، مشارق نوار العقول: 70 وما بعدها، علي يحيي معمر ـ أضواء علي الأباضية: 11،
19
(4) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 44، 56، 131، 269، أبا غانم ـ المدونة المخطوطة: 132، 181، 182، المدونة: 203/ 2. 261، 264، 274، 325، سير المسلمين: 29، 32، أحمد بن عبد الله بن موسى - المصنف: 38/ 1 - 68، عمر مسعود ـ الربيع محدثاً: 92، محمد الشيخ بالحاج ـ القرآن
والسنة: 71.
170 (1/170)
صفحة 163
للعقيدة (1)
وجعلوا القرآن معيارا المسنة الصحيحة، إذ لا يمكن تناقض القرآن والسنة
فيما عدا النسخ والتخصيص (2)، ويقبلون مرسل التابعي الثقة (3)
ويقبلون رواية الثقة مطلقا فى غير ما يتعلق بالفتنة ممن خاض فيها أما غير ذلك فروايته مقبولة عندهم (4)، وقد ساهموا في نقل الحديث وتدوينه والحفاظ عليه من الوضع، وقاموا بالذب عن السنة، وما كان مجتمعهم وسلوكهم يقبل الوضع ولا يقره، من منطلق البراءة من أهل المعاصى عامة، وهم لا يستحلوا الكذب حتى على كان خصومهم ومن على براءة كالأمويين وغيرهم فلم يضعوا فيهم الحديث فكيف على النبي (5) ودافع عنهم السباعى أشد الدفاع وحقق هذا الموضوع (6).
معهم
يعلم
يوجد
وقد كان للوضع أسباب كما هو معلوم عن الباحثين في علوم الحديث لا منها شيء عند الأباضية (7)، ومن. هذا خطأ النسبة إليهم بوجود الوضع (8)، وقد احتجوا بالإجماع - كما ذكرت - وجعلوه أصلا من أصول التشريع، ولا يجوز خرقه بحال من الأحوال (9).
ولم يرضوا بالتقليد فأخذوا بالقياس فيما ليس فيه نص ولا إجماع، لأن كثيرا من مسائل الفقه لم تبين أحكامها، بل هي داخلة ضمن الأدلة الشرعية فقاسوا ووضعوا
شروطا للقياس)
(10)
وقد ساهموا في تدوين العلوم الإسلامية كالتفسير بشروط (11) والحديث والفقة
(1) انظر: الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 131. (2) انظر: محمد الشيخ بالحاج ـ القرآن والسنة: 74. (3) ن م ص 88، 89.
123 - 152:
(4) انظر: مقدمة المدونة الكبرى للسالمي: 7/ 1. (5) انظر: سير المسلمين: 207 و ما بعدها، 217، عمر مسعود - ا الربيع محدثاً: 197. (6) انظر: مصطفى السباعي - السنة ومكانتها: 81، 82، 83، 132، 133، 161 - 163. (7) ن م ص 7775، 88، الحسيني - هاشم معروف - الموضوعات في الآثار والأخبار: (8) انظر: د. عبد المجيد بن حمده - المدارس الكلامية: 140، 141. (9) انظر: سير المسلمين: 33 وما بعدها، مبارك الراشدي - تدوين الفقه الإسلامي: 79 - 82. (10) انظر: أبا غانم - المدونة الكبرى: 170/ 2، 207، 213، 261 وغيرها من مراجع الفقه ال (11) انظر: محمد الشيخ بالحاج ـ القرآن والسنة: 4944.
ه الأباضي.
171 (1/171)
صفحة 164
وعلوم العربية والتاريخ وغيرها (1) ولكن كثيرا من كتبهم تلفت وقد نبه على ذلك ابن
(2)
النديم) وغيره.
د ـ حياتهم الاجتماعية والاقتصادية في القرن الأول والثاني:
رغم التأثير الذي تحدثة الغالبية من الأكثرية المسيطرة على الوضع الاجتماعي في القرن الأول والثانى الهجريين على الأقليات من الحركات المناوئة لحكم بني أمية في حكم العادة الجارية كما يذكرها ابن خلدون (3).
فإن الأباضية – بفضل تنظيمهم للحياة الاجتماعية يومئذ – استطاعوا أن يحافظوا على كيانهم، ويبلوروا المبادئ الإسلامية الصحيحة ويطبقوها تطبيقا مثاليا، وذلك لأنهم اتخذوا أسلوب تربية مميز
إذ أنهم حينما رأو التناقضات والأهواء التي تفشت في المجتمع الإسلامي يومئذ، وشاهدوا الضغط السياسي المسلط على من يرفع صوته بالمعارضة لزموا الكتمان واستعملوا التقية كما يذكر ذلك أبو سفيان تلميذ الإمام أبي عبيدة في سيرته إلى طالب
الحق باليمن (4).
ومن
هذا القبيل يورد الدرجينى مقالة عن أم نافع ابن خليفة في وضع الناس يومئذ: (إن الناس يومئذ على ثلاثة أصناف: صنف جبابرة وأتباعهم، وصنف فساق يشربون النبيذ، ويضيعون الصلاة، ويعملون بالفواحش، وليس هنالك يومئذ صفرية ولا أزارقة ولا شكاك وإنما الذين يسمون القراء: يدينون بقتال الجبابرة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع الفساق عما يصنعون، فلما رأى ذلك زياد جعل يتخذ الأدلاء عليهم ويأخذهم فيقتلهم، فلما رأوا ذلك خشوا منه أن يقتلهم على فرشهم (5).
(1) انظر: السالمي - اللمعة المرضية: 17 – 30، البرادي ـ الجواهر المنتقاه: على يحيى معمر ـ أضواء على الأباضية: 2 وما بعدها، مبارك الراشدي - تدوين الفقه الإسلامي 83 - 104. (2) ابن النديم - الفهرست: 258، 329. (3) انظر: ابن خلدون - المقدمة: 195/ 1. (4) انظر: الدرجيني - طبقات: 285/ 2 وجاء في تلك السيرة: (فهؤلاء الأعوان خطبة أهل الجور على المنابر وبهؤلاء الأعوان قامت راية الفسق في العساكر، وبهؤلاء الأعوان أخيف العالم فلا ينطق ولا يفطن بذلك الجاهل فيسأل وبهؤلاء الأعوان مشى المؤمن في أطراف الأرض بالتقية والكتمان فهو كاليتيم المفرد يستذله من
الدرجيني - طبقات: 287/ 2.
لا يتق الله)
(5) الدرجيني ـ طبقات: 235/ 2 وانظر: سير المسلمين: 35 وما بعدها ومن هذا المنطلق يقول أبو حمزة في =
172 (1/172)
صفحة 165
تدلنا هذه المقالة على أن الوضع يومئذ قد حدثت فيه تغيرات وفوارق اجتماعية
فبدأ الإمام أبو بلال مرداس بن حدير، والإمام جابر بن زيد بتنظيم الأوضاع لأهل الدعوة – كما يسمون أنفسهم يومئذ واتخذوا المجالس لتعليم العلم وبث روح الإسلام (1).
-
وقسموا الرعاية الاجتماعية إلى أربعة أقسام سموها مسالك وهي الظهور، ويقابلها الكتمان والشراء والدفاع، ومثلوا لذلك بأمثلة للظهور بأبي بكر وعمر في ظهور دعوة المسلمين وكذلك عثمان وعلى مثلوا للكتمان ولزوم التقية بجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة شخصية البحث إذ أنهما لم يستطيعا أن يظهرا صوتهما علانية بالدعوة، ومثلوا للشراء بأبى بلال مرداس بن حدير ومثلوا للدفاع بن وهب الراسبي أمام الدفاع لأهل النهروان من حيث أن القوم لزمهم تقديم إمام يدافع عن الأمة ويرد عنها أعداءها (2).
بعبد الله
وقاموا بهجران العصاة داخل مجتمع أهل الدعوة، ولم يتعاونوا مع الولاة ولم يقبلوا العمل معهم، وأجازوا اغتيال من يدل عليهم، وامتنعوا عن مداخلة الولاة إلا بسبيل التقية ولكنهم حضروا الجمعة معهم، وكانوا يأخذون أعطياتهم منهم لأنها من الفيء (3).
=
والتحم المجتمع الأباضي رجالا ونساء فصار النساء يخفين الرجال ويساعدنهم في
خطبته: (الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن، أو كفرة أهل الكتاب، أو إماماً جائراً، أو شاداً على عضده).
ابن عبد ربه ـ العقد الفريد: 200/ 4. (1) أنظر: الدرجيني ـ طبقات: 244/ 2، 271، الشماخي - سيراً: 85/ 1، 86، 90، 91، 93، 101، 107، 108، د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 105، 106،، الأصول التاريخية: 13، 14، الحارثي - العقود: 107، 119، 143، المالكي - غاية المطلوب: 59، الصوافي - جابر بن زيد: 100 - 102، 171 وانظر ص 20 120 من هذا البحث وما بعدها.
(2) انظر: الدرجيني - طبقات: 262/ 2 وما بعدها، الشماخي - سير: 58/ 1، عمرو بن جميع مقدمة
-
التوحيد: 71، 72، الجناوني ـ الوضع: 29، الثمينى - معالم الدين: 107/ 2 وما بعدها، محمد أطفيش ـ رسالة شافية: 120، الكندى ـ بداية الإمداد: 65، 66، على يحيى معمر ـ الأباضية في مركب التاريخ:
93/ 1 وما بعدها.
(3) انظر: الدرجيني - طبقات: 234/ 2، 249، 252، 253، 276، 277، الجيطالي - قواعد الإسلام: 74/ 1، 75، الحارثي - العقود الفضية: 100، 101، 102، المالكي ـ غاية المطلوب: 132.
173 (1/173)
صفحة 166
عن
شئونهم التي يمكن أن تتعاون فيها النساء وصاحبتهم في حروبهم، وقد نال النساء أيضا من ظلم الولاة لهن وتعذيبهن وقتلهن الشيء الكثير (1) وبهذا التنظيم استطاعوا أن يحافظوا على كيان الدعوة، وقد اعتمدوا على أنفسهم فى حياتهم الاقتصادية، إذ تكاتفوا فيما بينهم فعلى الرغم من الواردات الهائلة التي كانت تصب في خزانة الدولة الأموية والعباسية وسيلان المادة في أيدى الناس يومئذ، وتغير الحياة المعيشية في المأكل والملبس والمركب في البصرة وغيرها وخاصة أيام الدولة العباسية (2) لم يتغير أسلوب حياتهم التقشف كما أن أهل الدعوة يومئذ لم يتعاملوا مع رجال الدولة ولم يعملوا معهم. والأباضية يومئذ اشتغلوا بالتجارة بين البصرة وعمان بحكم التقارب بينهما وبينها وبين الجزيرة، وبينها وبين الهند والصين، وبرع الأباضية يومئذ في التجارة فأفادتهم أموالا استطاعوا أن يقوموا بها ذلك المجتمع، فصار الأغنياء يعطفون على الفقراء على كل حال، وصاروا يجمعون الأموال من يد الأغنياء عند الحاجة إليهم في سبيل الدفاع عن الدعوة. وقامت المجالس بدور ريادى فى هذا الميدان، ووصف بذلك أناس عرفوا بالاهتمام بجمع المال لمساعدة الناس والبذل عند الحاجة كحاجب أبي مودود في زمان الإمام أبي عبيدة وقاموا أيضا بجمع الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء، وقام الربيع بعد الإمام أبي عبيدة في إبان إمامته للأباضية بعد شيخة. ولم يقتصر الحال على ذلك بل صاروا يتاجرون في أموال بعضهم البعض بالمقارضة أو الشركة وأحيانا بالاقتراض من الأغنياء (3)، فكان بفضل هذا التعاون - أن نهض المجتمع واستطاع أن يظهر على الوجود (4)، ولا ننسى أن طبيعة الأباضية يومئذ فيها جانب كبير من الزهد والتورع عن الشبهات، وعن التشبه بالأغنياء من غيرهم في المأكل والملبس والمركب
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 209 - 211، الشماخي - سير: 63/ 1، 88، 89، 95، 108، المالكي ـ غاية المطلوب: 272، 274، دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 163/ 3 - 166، سير المسلمين: 154 (2) أنظر: صالح العلي - التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية بالبصرة: 131 - 145، 146 - 173، 174 - 182، 183 200، 209 - 299 جورجي - زيدان - تاريخ التمدن الإسلامي: 172/ 1، 173، الجنحاني ـ التحول
الاقتصادي: 01 - 78.
(3) انظر: السالمي - تحفة لأعيان: 106/ 1، د. عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 110 وغيرها من كتب التاريخ الأباضي.
(4) انظر: الحارثي - العقود: 144، سالم بن يعقوب - كراس مخطوط بخط يده: ص 25.
174 (1/174)
صفحة 167
بل كانوا يحاولون التوسط ومسايرة الفقراء في معيشتهم لكى يوفروا للفقير ما يسد وقد وصلت المساعدات التي ترسل من البصرة إلى اليمن وعمان والمغرب أيام قيام أهل الدعوة هناك كما سنذكر ذلك في الفصل الآتي إن شاء
رمقه ويقضي حوائجه
الله
هـ
6
علاقة الإمام أبي عبيدة بأهل الدعوة يومئذ:
تزعم الإمام أبو عبيدة قيادة أهل الدعوة بعد جابر بن زيد، وكان قبل ذلك له دوز واضح في الدعوة كالتدريس والتنظيم، ولذا سجنه الحجاج مع زميله ضمام بن السائب، وسيأتي بيان ذلك (1)
فقام الإمام بدور تنظيم المجالس والتعليم والإرشاد لأهل الدعوة في ذلك المجتمع المغلق، المغلوب على أمره، وكانت في ذلك إشارة إلى أن أهل الدعوة يومئذ – لم يكونوا ليراعوا عامل النسب والحسب فبتقديمهم الإمام أبي عبيدة وهو مولى ظهرت الديمقراطية والمساواة بين الأجناس وذابت الفوارق، ذلك لأن فيهم القرشي والعربي والمولى وغيرهم (2). وأدى الحال بالإمام يومئذ أن يمنع الزواج من غير الأباضية لفترة مؤقتة إذا اقتضت الحاجة ذلك ثم أباحه (3).
وعندما تكون المجتمع وبدأت وفود الطلاب تفد إليه من المشرق والمغرب حاول أن يمد نطاق الدعوة إلى خارج البصرة، فكان من نتائج ذلك أن أرسل الدعاة فقاموا بدورهم فى اليمن وخراسان وعمان ومصر والمغرب كما سيأتي في الفصل الثاني إن
شاء الله (4)
أكمل
ولم يأل جهدا في حث الناس على التبرع للمجاهدين، والذي قام بذلك على وجه هو أبو مودود حاجب الطائى، ولكن بأمر الإمام أبي عبيدة على ما
(1) انظر: ص 213 من هذا البحث.
(2) انظر: الدرجيني ـ طبقات: 241/ 2، د. عوض خليفات - الأصول التاريخية: 32 - 45، نشأة الحركة الأباضية:
105103، 1020
(3) انظر: أبا غانم - المدونة الكبرى: 12/ 2.
690_ VV:
(4) انظر من 235. وما بعدها من هذا البحث ومراجعه وانظر: مهدي طالب هاشم: الحركة الأباضية: 77 د. رفعت فوزى - الخلافة والخوارج في المغرب: 27 - 30.
175 (1/175)
صفحة 168
سنذكره إن شاء الله (1)
بهم
علاقة
فكانت آثار الإمام واضحة في المجتمع الأباضي يومئذ وصارت علاقته الولد بأبيه، إذ بهمته وإدارته البارعة انتشرت دعوة المسلمين في المشرق والمغرب
وسنذكر ذلك في الفصل الآتى إن شاء الله (2).
(1) انظر: ص 594 من هذا البحث ومراجعه
(2) قد يلاحظ القارئ طول هذا المطلب عما قبل في هذا المبحث، وأن السبب في ذلك يعود إلى أمرين: الأول: توفر المادة في هذا المطلب أكثر عما قبله. والثاني: لأجل علاقة الإمام به أكثر مما قبله فاقتضى الأمر البيان بشيء من
التوسع لا الإسهاب والتفصيل، فليرجع إلى ذلك من مظانه في الكتب المهتمة بذلك
176 (1/176)
صفحة 169
الباب الثاني
آثار الإمام أبي عبيدة وتأثيره
المبحث الأول: دور الإمام أبي عبيدة في الدعوة.
المبحث الثاني: تلاميذ الإمام أبي عبيدة.
177 (1/177)
صفحة 170
من المعلوم أن البصرة والكوفة كانتا في العصر الذهبي الأول (صدر الإسلام)
حاضرتي العلم بالعراق (1)، وذلك لاستقرار كثير من الصحابة فيهما إذ كانوا هم المنابع الصافية لنشر العلم، وتكوين حلقات الدرس في المساجد وغيرها والبصرة على وجه الخصوص ـ كما أسلفنا. من قبل ـ لأنها يومئذ تعج بفطاحل العلماء من الصحابة
ومن بعدهم التابعون.
-
وقد كون هؤلاء الصحابة والتابعون حلقات لنشر العلم على اختلاف طبقاتهم في العلم، واختلاف هممهم في توصيل دين الله إلى الناس، فكان كل حي من أحياء البصرة لا يخلو من مجلس لنشر العلم. ويكفى الباحث دليلا أن عدد القراء في البصرة قبل أن يغادرها أبو موسى الأشعرى عام 29 هـ قد بلغ ثلاثمائة قارئ (2)، والقارئ يومئذ بمعناه المفهوم هو الفقيه، لأنهم كانوا يسمون بالقراء، وكان لهم دور بارز في حركة الدعوة تدريسا وافتاء ونشراً للإسلام بين المجتمع البصرى. وسلك التابعون مسلك الصحابة في هذا الميدان، وقد كان للموالى فى البصرة دور بارز في هذا الشأن، فقد استطاعوا أن يسيطروا سيطرة شبه تامة على مجال نشر العلم وانشغالهم به بعد أن اشتغل العرب بالفتوح، ورأوا أن الالتفات إلى هذا الأمر لا يفيدهم في حقل الحياة إلا من رحم ربك من فقهاء التابعين من العرب (3).
فكان عداد كثير من الموالى فى كبار التابعين أمثال عكرمة مولى بن عباس، وحمران مولى عثمان، والحسن البصرى مولى أنس، وسيرين مولاه أيضا، وأبو العالية، ومكحول وغيرهم، وهناك عوامل أخرى لتسابق الموالى إلى العلم سبق ذكرها (4)
وكان الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى عروة بن أدية التميمي من هؤلاء الموالى المعدودين فى طبقة كبار الناشرين للعلم والدعوة الإسلامية بشتى فروعها، ولو
(1) أحمد أمين - فجر الإسلام: 182 - 183. (2) د. عون الشريف قاسم: شعر البصرة: 9. (3) نفس المرجع ص: 25. (4) انظر: الفصل الأول ص: 109.
179 (1/179)
صفحة 171
أنه
عد
من صغار التابعين إلا أنه برز فى هذا الميدان، وكان له إسهام جيد ولم يلتفت إلى الثورات التي قامت بالبصرة وملابساتها في النصف الأول من عمره مره أى. حتى نهاية القرن الأول تقريبا، إذ كرس جهده لنشر العلم وبث روح التآخي بين المسلمين ويؤيد ما قلناه جوابه لمن قال له حسب رواية الشماخي عن أبي سفيان (1): قيل لأبي عبيدة: ما يمنعك من الخروج؟ ولو خرجت ما تخلف عنك أحد، قال: إني لا أحب الخروج ولو أني فعلت ما أحببت ولا أحب أن أقيم ما بين الظهر والعصر مخافة الأحكام (2).
فقد اهتم بالعلم تدريسا وافتاء ونشرا للدعوة ومحاربة البدع وغير ذلك من واجبات العالم الفقيه، وذلك لتضلعه بمهمة سلفه الإمام أبى الشعثاء جابر بن زيد (3) وغيره من فقهاء أهل الدعوة.
وقد لاقى عنتا كبيرا في حياته من ولاة البصرة وخصوصا الحجاج بن يوسف الثقفى (95) هـ)، ولم يكن وحده الذي لاقى مثل هذا، فقد لاقاه سلفه جابر وزميله ضمام بن السائب (4)، ومولاه عروة بن أدية (5)، لمقاومتهم الظلم والطغيان بكلمة الحق وتبصير الناس بأمور دينهم.
فة هذا
وسنذكر الدور الذي قام به الإمام أبو عبيدة فى مجال النشر للعلم وإظهار الإسلام على حقيقته وتأثيره في مجتمعه الذي يعيشه قدر الإمكان بما يتيح للقارئ معرف وإنني أعترف بالقصور عن بيان كل الأدوار التي قام بها لقلة المصادر
الإمام
6
وشحاحتها. ولعل باحثا آخر يكشف النقاب بصورة أوسع في هذا الميدان
(1) ستأتي ترجمته في مبحث تلاميذه.
(2) الشماخي – سير: 78/ 1.
(3) سبقت ترجمته في مبحث شيوخ الإمام. (4، 5) سبق التعريف به.
180 (1/180)
صفحة 172
المبحث الأول
دور الإمام أبي عبيدة في الدعوة
181 (1/181)
صفحة 173
المطلب الأول: قيام الإمام أبي عبيدة بالتدريس:
التدريس:
كرس الإمام أبو عبيدة جهوده للتدريس طيلة حياته ولا تسعفنا المصادر التاريخية عن الوقت الذي ابتدأ فيه التدريس، ولكن من المؤكد أن تكون بداية نشاطه في الدعوة في عهد الحجاج بن يوسف الثقفى لأنه لقى محنة كبرى زمان الحجاج كما سنذكرها
إن شاء الله
ومن المعلوم أن وفاة الحجاج كان عام خمسة وتسعين للهجرة (1) فتكون بداية عمل أبي عبيدة قبل ذلك بكثير، ولكن الشيخ أطفيش يقول: إن الإمام أبا عبيدة قد نصب نفسه للتعليم أربعين عاما، ثم نصب نفسه للتعليم مثل ذلك فتكون حياته العلمية والعملية ثمانين عاما (2)
ويفهم من هذا أن طلبه للعلم كان مدة أربعين سنة متواصلة، إذا قلنا أن ولادة الإمام كانت حوالي عام 45 هـ، فتكون بداية تعلمه في سن العاشرة مثلا، أي أن بداية تعلمه في عام ه ه هـ، وعلى هذا ينتهي بنا القول إلى أنه ابتدأ التعليم في
عام 95 هـ
ولكن ذلك لا
يتم
لنا إذا نظرنا إلى سجن الحجاج له وخروجه من السجن بعد موت الحجاج إذ: لا يمكن أن يسجنه إلا على نشاطه فى أمر الدعوة مثل ما لاقاه شيوخ الأباضية كجابر بن زيد، وضمام وغيرهما
إلا أننا نعود فنقول: إن المصادر المتوافرة لدينا تذكر أنه اضطلع بمهمة الدعوة بعد وفاة جابر عام 93 هـ، وبعد خروجه من السجن عندما أطلق سليمان بن عبد الملك
-
(1) انظر: محمد بن يوسف أطفيش - الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان: 113 الحارثي ـ القعود: 139. (2) الطبري ـ تاريخ: 127/ 7.
183 (1/183)
صفحة 174
صراح المسجونين عام 95 هـ، أو 96 هـ (1)، فابتدأ الإمام أبو عبيدة نشاط الدعوة، وهذا يتفق مع ما ذكره صاحب السير من أن وفاته كانت في خلافة أبي جعفر المنصور، وأيضا حسبما ذكره الباحثون من بعده من أن وفاته كانت عام خمسة ومائة للهجرة (2)، وعلى هذا فقد بقى في التدريس وبث روح العلم والمعرفة ما يزيد على أربعين عاما
وأربعين
وقد بذل فى هذه الفترة جهدا متواصلا في إعداد الجيل الذي حمل لواء العلم من بعده إلى اليمن وعمان والمغرب بالإضافة إلى العراق والحجاز وخراسان والسند
وغيرها (3)
ومن الواضح أن جهود العلماء العاملين وإسهاماتهم لا تقف عند حد معين،، لأن وجهتهم إلى الله عز وجل ورغبتهم في نشر الإسلام وتعاليمه طلبا لثواب الله في الآخره. ورفعا لراية العلم ليقضى على الجهل من غير انتظار ثواب عاجل من الدولة، بل قد تكون الدولة لا تسعفهم فى تنفيذ ما يصبون إليه من نشر العلم واستقطاب المتعلمين، وهذا ما حدث بالفعل للإمام أبي عبيدة وغيره في زمان الحجاج وكذلك غيره من الأئمة كما سنذكره إن شاء الله تعالى في آخر هذا المبحث. مما اضطر الإمام أبا عبيدة إلى أن يختفى عن أعين الحجاج.
مكان التدريس: سبق أن ذكرنا الضغط السياسي من ولاة الأمويين بالعراق، وكانت الدعاية ضد الأباضية منتشرة وذائعة الصيت حتى أن كلمة الأباضية جعلوها تهمة يومئذ، وبلغ أنهم سألوا الإمام أبا الشعثاء بقولهم: قلت لجابر بن زيد: إن الأباضية منهم،، قال: لا أبرأ إلى الله منهم قال وإنه قال له ذلك وهو يموت) (4)
الحال بهم
يزعمون أنك
و قال آخر: كان الأباضية ينتحلونه وكان بريئا مما يقولون
أن نذكره هنا فيخرج بنا عن نطاق البحث
(°)
، وغير ذلك مما لا.
يجب
(2) عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية.
(3) انظر مبحث تلاميذه من هذا الفصل.
(1) الشماخي: سير: 85/ 1.
(4) ابن سعد - الطبقات الكبري: 181/ 7 ولعله يريد نفى البراءة منهم.
(5) ن م والصفحة.
184 (1/184)
صفحة 175
مما يدل على أن القرناء أغروا الولاة بمثل هؤلاء الفقهاء من حيث أنهم يواصلون نشر الرسالة المحمدية كما وصلت إليهم، فكان الإمام أبو عبيدة من بين هؤلاء الفقهاء الذين اضطروا إلى الاختفاء فأبقوا في طي الكتمان لا يستطيعون الخروج مثل بقية
الناس، وهذا ليس بغريب حتى في وقتنا الحاضر عصر الحرية والوصول إلى الحق. فكان الإمام أبو عبيدة تارة يعلم تلاميذه في المسجد، كما هي عادة الفقهاء، ويظهر للباحث أنه مسجد الحزيبة بالبصرة فهناك يجتمع عنده طلبة العلم من كل حدب وصوب، وتارة يضطره الحال عندما يقع التطرف من الولاة عليه فيختفي في غار في الأرض، أو هو كهف جبل فيختفى فيه هو وطلاب العلم الذين ينهلون من
معينه، ويغترفون من يمه.
وإذا كان الإمام جابر وهو من هو في مقامه وشهرته ويتهمونه بأنه إباضي فكيف بالإمام أبي عبيدة وهو فقير ومولى وليس له مناصر من بني جلدته إلا نصرة الله التي ادخرها للمؤمنين الذين ينصرونه بنصرهم لدينه، وقد اتفقت المصادر المتوفرة لدينا على أن أبا عبيدة كان يدرس في سرداب (غار) وجعل على بابه سلسلة أو ما يشبه السلسلة، وقد يكون شيئا مثل الجرس المنذر بوجود قادم إليهم وهم يعملون القفاف دخل الغار، وكان أحد التلاميذ ممن لهم خبرة بالمراقبة قاعدا أمام الغار فإذا أحس بشخص قادم حرك السلسلة ليسمع الشيخ وتلاميذه صوتها فيكفون عن التعليم وهي صنعة الإمام الأساسية التي يكتسب منها قوته
القفاف ويشتغلون بصنع
اليومي (1).
وإذا لم يشاهد أحداً فإنهم يعودون إلى الدراسة والتحصيل، وكانت هذه الحال التي استمروا عليها حقبة من الزمن لا نستطيع تحديدها، إذ لم يتوفر لدينا شيء من المصادر التي تتحدث عن ذلك
وتجمع المصادر المغربية على تسمية طلبة العلم المغاربة الذين وفدوا على الإمام أبي
(1) أبو زكريا ـ السيرة وأخبار الأئمة: 59 الدرجيني - طبقات: 20/ 1 الشماخي سير: 113/ 1، الحارثي العقود: 147/ 139 على يحيى معمر: الأباضية في موكب التاريخ: 153/ 1 دبوز ـ تاريخ المغرب العربي الكبير:
189/ 3، 194، خليفات نشأة الحركة الأباضية: 108.
185 (1/185)
صفحة 176
عبيدة (بحملة العلم، وهم الخمسة الذين كان منهم الإمام أبو الخطاب المعافري (1)، ولا تطلق على من سبقهم من المغرب إلى الإمام أبي عبيدة أمثال ابن مغطير وغيره من
التلاميذ (2).
والحال كذلك في طلبة العلم المتأخرين الذين وفدوا من عمان، ولكن تلقيهم قد كان على يد الإمام الربيع بن حبيب فسموا بحملة العلم أيضا، وسيأتي ذكرهم إن شاء
الله
وتذكر المصادر الأباضية أن الإمام نفسه هو الذى يقف حارسا للسرداب الذي يلقي دروسه فيه وهو الذى يحرك السلسلة (3). والحال أن ذلك فيه شيء من البعد، ويخيل للباحث أن التلاميذ جعلوا ذلك بالمناوبة بينهم، على أن الشماخي في كتابه السير لم يذكر أن الإمام هو الذى يقوم على الباب، كما أن الدكتور عوض خليفات لم يشر إلى ذلك، ولكنه لم يذكر أيضا أن الإمام القائم بذلك، وكذلك غيرهم من
الباحثين (4).
التلاميذ:
هو
لم يكن التلاميذ الذين أخذوا العلم من الإمام أبي عبيدة من مكان واحد بل كانوا من أمكنة مختلفة، وخصوصا البعيدة عن عيون السلطة الحاكمة، فقد تجمعوا من مختلف ولايات الدولة الإسلامية كالحجاز والعراق وعمان واليمن وخراسان والسند ومصر والمغرب وغيرها من البلدان.
ولم نعثر على وجود أحد من الشام حاضرة الدولة الأموية يومئذ وذلك لأنها في متناول السلطة، ولأنها أعطت الولاء التام للدولة، ومن الطبيعي أن تكون عاصمة الدولة فى مراقبة شديدة وأن يكتشف أمر التلاميذ بسهولة.
ولا تسعفنا المصادر التاريخية المتوفرة لدينا عن إعداد التلاميذ وبلدانهم بدقة كاملة سوى بعض المتفرقات، ويظهر أن اختيار هؤلاء التلاميذ كان بخطة جيدة، إذ لو كان
(2) انظر: التعريف به في فصل (تلاميذه).
(1) انظر: التعريف به في فصل (تلاميذه). (3) انظر: أبا زكريا - السيرة وأخبار الأئمة: 59 الدرجيني ـ طبقات: 20/ 1 (4) الشماخي – سير: 113/ 1، خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 108، عمر مسعود الربيع لحدنا / 160.
186 (1/186)
صفحة 177
من الموالين للسلطة الحاكمة لفشى أمرها وقضى عليها، فكان من الضروري إخفاؤها واختيار المنضمين إليها من الذين يسهل عليهم القيام بواجبهم في المستقبل لدى بلدانهم التي وفدوا منها
ولا ريب في أن قدوم هؤلاء التلاميذ إلى البصرة لتلقى العلم من هذا الإمام الخير
دليل على شهرته عندهم وعلو مقامه ورسوخ قدمه، وتفرق هؤلاء الطلبة إلى بلدانهم
حاملين مشعل العلم ونور الإسلام فساهموا في إظهار دين الله في هذه المواطن
وسوف نبين أسماء هؤلاء التلاميذ وبلدانهم في المبحث الخاص بهم إن شاء الله
تعالى.
المطلب الثاني: قيام الإمام أبي عبيدة بالفتوى:
مكانته في الفتوى:
تقلد الإمام أبو عبيدة أمر الفتوى فى زمانه وذلك لأنه هو المقدم يومئذ في جماعة الأباضية فاعتبروه قدوتهم لغزارة علمه وثقتهم به، وكان أبو نوح صالح الدهان (1) وهو من قرناء الإمام ومن تلاميذ الإمام أبى الشعثاء، جابر بن زيد ينهى عن أن يستفتى والإمام أبو عبيدة حاضر، فقد حدث ذات مرة أن تقدم إليه بعض السائلين بمسألة فأجابه فيها، وكان أبو عبيدة غائبا فلما حضر قيل له: اسأل الشيخ عن مسألتك، فلما سأله أجابه بغير جواب أبى نوح، فقال السائل: لقد أفتاني أبو نوح بغير هذا فرد الإمام أبو عبيدة أبا نوح جوابه في المسألة، فقال أبو نوح بعد ذلك: (ألم أنهكم أيها الفتيان أن تستفتونى إذا كان أبو عبيدة حاضرا) (وذات مرة تذكروا مسألة - وكان ذلك في موسم الحج ـ وقد حضرها جملة من
(2)
مسلمة
المشايخ منهم حاجب أبو مودود الطائي (3)، ومحمد بن حبيب، ومحمد بن، ومشايخ من أهل حضرموت لم أعثر على أسمائهم، ويقول عنهم
المدنيان (4)
سفيان (5)
أبو
: (فقهاء علماء) (6) فيمن اكترى دابة إلى موضع معلوم فجاوز الموضع الذى
(1) سيأتى التعريف به في الملحق.
(2) انظر: الدرجيني - طبقات: 239/ 2، الشماخي - - سير: 83/ 1، 102.
(3) سيأتي التعريف به.
(5) سبق التعرف به.
(4) سيأتي التعريف بهما.
(6) سبق التعريف به.
187 (1/187)
صفحة 178
اکترى الدابة إليه إلى مكان أبعد منه، فكان جوابهم جميعا أنه ضامن للدابة وليس عليه كراء لها، إذ لا يجتمع الكراء والضمان في وقت واحد حسب رأيهم، وكان أبو عبيدة غائبا فلما حضر قال حاجب للسائل وهو وائل بن أيوب (1)، سل الشيخ عن فسأله: فألزمه الكراء والقيمة فسكتوا كلهم (2)
مسألتك يا حضر مي
ثلاثمائة
من
وذكر الشماخي في السير أن تلميذ الإمام أبي عبيدة وهو إسماعيل بن درار، عندما أراد الرجوع إلى بلاده وتهيأ الشيخ لموادعتهم سأل التلميذ عن مسائل الأحكام، فأجابه الشيخ وقال له: أتريد أن تكون قاضيا يابن درار؟ قال: أرأيت إن ابتليت بذلك (3)، وتابعه الشيخ محمد بن يوسف أطفيش على هذه الرواية من غير تعقيب عليها (4)
(°)
ولكن أبا زكريا قال: والله أعلم أفى ذلك الوقت سأله أم قبل ذلك؟) وتابعه الدرجيني على هذا الشك وقال: وقد ذكر أنه إنما قال له ذلك في موطن قبل الموطن المذكور (6)، وتعقيبا على ذلك نقول: إن الاستغراب فى هذه الرواية يفرض نفسه لو لا ما قاله أبو زكريا والدرجينى من أنه يمكن أن يكون قد سأله عن هذه المسائل قبل ذلك وذلك من وجهين ..
من
الوجه الأول: أن الوقت وقت توديع ورحيل ولا. لبحث ثلاثمائة مسألة. يتسع مسائل الأحكام التي تحتاج إلى نظر واستدلال، فلو كانت هذه المسائل مكتوبة لم يتسع لها مجلد كامل فكيف وفيها مراددة سؤال وجواب.
الوجه الثاني: هل يمكن أن يستحضر التلميذ هذه المجموعة من المسائل مرة واحدة، فلو كانت ثلاثين مسألة لسلمنا الأمر، ولكن الثلاثمائة عدد خيالي، وقد تناقل ذلك كثير من الباحثين ممن أخذوا عن الشماخي وغيره فأوردوا المسألة من
تعقيب
غير
ولهذا فإنني أرجح الرواية الثانية القائلة بأنه ربما سأله قبل ذلك وفي وقت أوسع
(1) سبق التعريف به.
(2) الدرجيني - طبقات: 243/ 2، الشماخي – سير: 90/ 1 انظر الشماخي ـ سير: 114/ 1.
(3) الشماخي - - سير: 1/ 114. (0) أبو زكريا ــ السيرة: 60.
(4) أنظر:: محمد بن يوسف أطفيش: الإمكان: 113.
(6) الدرجيني - طبقات: 21/ 1.
188 (1/188)
صفحة 179
من وقت الرحيل لما ذكرته من التعليل.
استفتاء أهل الآفاق له:
لما كان الإمام أبو عبيدة حجة في الفتوى لدى الأباضية في زمانه أينما وجدوا فإن استفتاءاتهم كانت ترد إليه في الآفاق، يقول أبو المؤرج (1): (وبه جرت أحكام المسلمين وورد جوابهم عن أبي عبيدة في جميع آ ع آفاق الأرض وأقطارها) (2) فهذا يدل على أن أكثر الأباضية من أهل الولايات الإسلامية كانوا يرسلون أسئلتهم إلى الإمام أبو عبيدة فيرد لهم الجواب فكانت عندهم يتراددونها بينهم
1 ـ يروى أبو سفيان قال: أخبرنى رجل من المسلمين من أهل خراسان أن. عندهم في الأثر عن أبي عبيدة أنها تتربص ما بينها وبين التسعين فإن انقطع وإلا فلنتطهر ونصلي. بمعنى أن تتربص المرأة إذا دام بها دم النفاس أكثر من ستين يوما، فيرى أبو عبيدة أن تتربص حتى تكمل التسعين.
(3)
فهذا يدل على أن أبا عبيدة يستفتيه أهل خراسان وهم يحتفظون بآثاره عندهم، فإذا كانت خراسان وهذه حالها عنده فكيف بما هو أقرب من البلاد إلى
البصرة.
واختلف أيضا أهل خراسان فى زمان الإمام أبي عبيدة في قوم من الخوارج من خراسان، خرجوا من بلادهم وهم في الولاية فلقوا قوما في الطريق من المسلمين فتقلوهم وسلبوا أموالهم، ثم وجدوا جيشا فأخبروا أمير الجيش بما فعلوه وأنهم فعلوا ذلك برأى لا بدين، وأنهم يرضون بحكم المسلمين فيهم بمعنى أنهم تائبون و راضون بحكم الله فيهم فقتلهم الجيش، فبلغ ذلك قومهم في خراسان فنظروا فيما أصابوه من الدماء والأموال فإذا هو حرام، فاختلفوا فيهم فبرئ منهم بعض قومهم لما أصابوه من الحرام، وتولاهم البعض الآخر لرضاهم بحكم كتاب الله ورأى المسلمين وقولهم، فردوا الأمر إلى أهل دينهم من الخوارج في البصرة
فاختلفوا كما اختلف أهل خراسان.
(1) سيأتي التعريف به.
(2) أبو غانم بشر بن غانم - المدونة الكبرى: 254/ 2. (3) ابن خلفون يوسف بن خلفون - أجوبة: 94.
189 (1/189)
صفحة 180
ثم اتفقوا كلهم أى أهل خراسان وأهل البصرة أن يردوا الأمر إلى إمام الأباضية وعالمهم أبي عبيدة مسلم بن أبى كريمة فقصوا عليه القصة، فقال لهم: إن كل من أصاب شيئا من دم أو مال برأى لا بدين، ولما خوطب في ذلك رضى بحكم كتاب الله عز وجل ورأى المسلمين فإنه لا يبرأ منه لأنه لم يعتقد ذلك دينا، وإنما رأى بمعنى الاستحلال فرضى الفريقان بقول الإمام وعادوا إلى ولاية
هو
أصحابهم (1).
2 ـ كما أن أهل عمان كانوا يرسلون إليه المسائل للإجابة عنها وخصوصا المسائل التي يقع فيها الخلاف والجدل بينهم، فقد كتب إليه الإمام الجلندى بن مسعود (2) فيما رواه عنه العلامة أبو سفيان محبوب بن الرحيل في سيرته إلى الإمام المهنا بن جيفر بعمان، وكان معه حاجب أبو مودود بالبصرة في جملة مسائل سألهم الجلندى عنها ومن جملتها مسألة فيمن يأتى من المرأة الأجنبية من اللمس والمضاجعة وغيرها فيما دون الفرج فماذا على الإمام أن يفعله؟ فقالا في جوابهما: يعزرهما الإمام وذلك إلى رأى الإمام في التعزير) (3) وقال العلامة السالمي: إن أهل عمان كتبوا إلى أبي عبيدة وحاجب في مسألة أخرى يطلبون فيها الرأى الحاسم، وهى مسألة قتل عبد العزيز الجلنداني على يد قوم نزلوا عليه فقتلوه (وكان المسلمون يرجعون الى قولهما (4)، وأن بنى الجلندي قد طلبوا إلى أبي عبيدة وحاجب ما طلبوا من قتلة عبد العزيز فلم يسمعا دعواهم (5)، والحاصل أن أهل عمان كانوا على اتصال وثيق بالبصرة ومشايخها قبل. عصر الإمام أبي عبيدة منذ تمصيرها في عهد عمر، لأن أزد البصرة ومنهم آل المهلب نزحوا من عمان إلى البصرة فبقى الاتصال قائما بينها وبين عمان إلى ما شاء الله من الوقت بحكم قرب المسافة بين البصرة وعمان، واتصالات التجارة المستمرة بين ميناء صحار بعمان وميناء البصرة، بالإضافة إلى روابط الإسلام الوطيدة بينهما.
وكما أن الاتصال بين خراسان وعمان والبصرة قائم زمان أبي عبيدة وبعده، فكذلك الحال بين شمال أفريقيا والبصرة، فكانت المراسلات مستمرة بين
(2) سيأتي التعريف به ومن تلاميذ الإمام.
(1) المالكي عامر بن خميس - غاية المطلوب: 21 - 22. (3) مجموعة من مشايخ عمان - السير والجوابات: 284/ 1 - 285 (4) أي أبي أبا عبيدة وحاجباً. (5) السالمي عبد الله بن حميد - تحفة الأعيان: 85/ 84/1.
190 (1/190)
صفحة 181
أباضية مصر وشمال أفريقيا على وجه العموم وبين البصرة منذ وقت مبكر. فعندما حدث الخلاف بين أهل المغرب في مسألة الحارث بن تليد الحضرمي وعبد الجبار بن قيس المرادى، وإذ وجدا مقتولين في طرابلس وسيف أحدهما في جثة الآخر، وكانا في الولاية وهى مكيدة من قبل الوالى عبد الرحمن بن حبيب الفهري، فاختلف فيهم الأباضية فمن قائل بولايتهما استصحابا للأصل، ومن قائل بالبراءة لوضوح آثار القتل من كل واحد منهما للآخر، ومن قائل بالوقوف لعدم اليقين فيهما جميعا، فأرسلوا المسألة إلى الإمام أبي عبيدة وحاجب فكتبا إليهم بالكف هذه المسألة. وعدم إثارتها لئلا تحدث الفرقة ويطول فيها الجدال،
عن
فامتثل الجميع لقولهما (1). ولذلك اشترط الإمام أبو الخطاب المعافري على الذين أرادوا عقد البيعة له بالإمامة أن لا تذكر في عسكره هذه المسألة لئلا تحدث الفرقة فى صفوف العسكر فأجابوه على شرطه هذا (2)
رحمه
الله
بالإضافة إلى الاستفتات الأخرى التي كانت ترد بين حين وآخر في المغرب إلى الإمام أبي عبيدة. وحكى أبو المؤرج فى المدونة أن أهل المغرب سألوا الشيخ عن النخلة تكون لرجل في أرض رجل آخر إذا قلعها الريح أو قلعها صاحبها فهل له ذلك (3) فأجابهم أبو عبيدة بالجواز وأن ذلك من حقه حتى ولو أراد أن يغرس الزيتون والجوز وغيره بشرط أن يكون مثل نخلته وفى موضعها فقط (4)، وكذلك رسالته المشهورة فى أحكام الزكاة التي أرسلها للمغرب في عهد الإمام أبى الخطاب المعافرى والتي سنضمنها هذه الأطروحة إن
شاء الله
وقد استمرت المراسلات بين أهل المغرب والبصرة حتى بعد وفاة الإمام أبي عبيدة أي في زمان الإمام الربيع بن حبيب ومن معه (5) ثم إلى عمان بعد ذلك
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 24/ 1 الشماخي - 114/ 1 خليفات - نشأة الحركة الأباضية 141. (2) انظر: الدرجيني ـ طبقات: 23/ 1 الشماخي - سير - 114/ 1 أبو زكريا ـ السيرة ـ 63. أبو إسحاق إبراهيم أطفيش - مقدمة كتاب الوضع: 7.
(3) كان هناك كلاماً ساقطاً يدل عليه سياق ولعله: فأراد أن يضع بدلها شجرة أخري فهل له ذلك؟. (4) أبو غانم المدونة الكبرى: 345/ 2. (5) الرسالة التي بعث بها المغربة في شأن إمامة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم عندما اختلف عليه بعض أصحابه الذين سموه بالنكار. انظر: أبو زكريا - السيرة: 94/ 93 الدرجيني ـ طبقات: 49/ 1 - 50، =
191 (1/191)
صفحة 182
4 ـ ولم يقتصر الحال على استفتاءات من ذكرنا إلى الإمام فكذلك أباضية الحجاز كانوا يرسلون بمسائلهم إلى الإمام أبي عبيدة لمعرفة القول الفصل في كثير من المسائل فقد اشتكى إليه أهل مكة القاضى الموجود يومئذ فيها.
منهم
إذ حكم على أحد. بجلده أربعين سوطا لقوله لآخر: ما أنا بزان ولاشارب فأخبروا أبا عبيدة فقال: (أصاب القاضي، عرض فعرض له ولو صرح
خمر
لصرح له. مما يدل على أن الاتصال بعلماء مكة كان مستمرا بين حين وآخر.
الله
ه ـ ولم نعثر على مراسلاته إلى اليمن إذ لم نطلع على شيء من الآثار التي حلقها أباضية اليمن في القرن الأول، وأغلب الظن أنها لم يبق منها شيء سوى ما أورده أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغانى من استفتاء الإمام طالب الحق عبد الكندي (1)، عندما شاهد العسف والجور باليمن من ولاة الأمويين بن يحيى. فكتب إلى الإمام أبي عبيدة يستشيره ويستفتيه في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابه بما نصه: (إن استطعت أن لا تقيم يوما واحدا فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدرى متى يأتى عليك أجلك، ولله خيرة من عباده يبعثهم إذا شاء لنصرة دينه ويخص بالشهادة منهم من يشاء (2)، فهذه الرسالة تبين العلاقة القائمة بين الإمام أبي عبيدة وبين أباضية اليمن وذلك
عام 129 هـ
6 ـ لم نعثر كذلك على مراسلاته إلى مصر رغم بحثنا تنقيبنا عن ذلك، ولم نجد إلا رسالته في الزكاة إلى المغاربة وأما إلى فلم نجد شيئا، ولعل عوامل التلف أتت على كثير من آثاره ومراسلاته. وكذلك مراسلاته إلى مدن العراق الأخرى
فلم نعثر منها على شيء.
مراعاته لظروف السائل:
مصر
كان الإمام أبو عبيدة يراعى ظروف السائل فالفقيه كالطبيب الذي يحاول أن يعطى مريضه الدواء الذى يناسبه وذات مرة سأله سائل عن من حلف أيمانا كثيرة وهو
= الباروني 106/ 2.
(1) سيأتي التعريف به. (1) أبو الفرج الأصفهاني - الأغاني: 97/ 20.
192 (1/192)
صفحة 183
جاهل بأحكام الإسلام فكيف يصنع؟ ولا يستطيع أن يتذكر أيمانه ولا أن يكفر عنها كلها. فأجابه الإمام أن عليه التوبة إلى الله تعالى ولا يعود إلى الأيمان مرة أخرى،
،
(1)
وليس عليه شيء غير ذلك تسهيلا له وترغيبا في التوبة النصوح فلو أفتاه بوجوب الكفارة وهو لا يجد لنفره من التوبة ولكنه رغبه فيها بعدم إيجابه شيئا عليه مع التوبة النصوح والله يقبل التوبة من عباده.
كما أنه أفتى رجلا من خراسان وكان يتكلم بالفارسية بعدم الاستنجاء والاستبدال عنه بالتيمم مع وجود الماء وذلك لأن بلادهم بلاد ثلج فيريق البول ولا يستطيع استعمال الماء للاستنجاء بل يجفف المحل حتى ينشف، وكان هناك شخص آخر يترجم ما يقوله الخراساني.
وقد رجع إلى العرف في بعض المسائل التي تستوجب ذلك يحكى أبوسفيان أن رجلا اشتري غلاما فبرئ إليه البائع من الرمد، فلما برئ الرمد خلف في عينيه بياضا، فاستفتوا الإمام أبا عبيدة في هذه المسألة .. فأمرهم أن يسألوا أحد النخاسين فقال: إن برئ إليه من الرمد وما جر فلا شيء على البائع، وإن لم يشترط عليه إلا البرء من الرمد فعليه ما جر الرمد أويسترد غلامه، فأخبروا أبا عبيدة بذلك فاستحسن
الجواب (2)
تحرجه في أمر الفتوى:
الكتاب
كان الإمام أبو عبيدة يتحرج كثيرا من الفتوى بالرأى مما ليس فيه نص من ال والسنة خوفا من الزلل وعدم إصابة الحق، وقد أورد حديثا عن شيخه أبي الشعثاء جابر ابن زيد بالبلاغ قال: قال رسول الله له: (من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر له ولو أنه أصاب الحق (3)،
(1) انظر: مجموعة من علماء عمان - سير المسلمون: 480 وانظر: ن 0/ 160.
(2) الشماخي - سير: 86.
(3) (من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر له ولو أنه أصاب الحق، رواه الربيع حديث رقم 15/ 35، 20/ 53 ولم أهتد إلى تخريجه بهذا اللفظ. ورواه ابن ماجة حديث رقم 53 عن أبي هريرة بلفظ: «من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أ أفتاه 109 فهارس - ط دار الباز بمكة ص
للنشر والتوزيع.
أحمد بن حنبل 321/ 2 فهارس دار الكتب العلمية بيروت لبنان (مثل لفظ ابن ماجة.
193 (1/193)
صفحة 184
فهو يتوقف في كثير من المسائل عن الفتوى وخاصة في الدماء والفروج. قيل له ذات مرة - فيما يرونه أبو سفيان - إن أهل عمان يفتون بالرأى فقال: (ما الدماء والفروج) (1) المعنى أن الدماء والفروج تحتاج إلى النظر والاستدلال أكثر لأن فيهما نوع من الاستحلال كالأموال فالدم والعرض والمال من حرمات المسلم على المسلم والقول فيهما بالرأى أمر له خطره فيجب التأنى فيهما أى الدماء والفروج
نجوا من
والتماس المخرج بيقين. وكان يستغفر الله خوفا من الزلل ويشكر الله على الصواب ويقول: (إن كان
صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى، أستغفر الله من جميع ما ليس له رضا) (3). ويتوقف أيضا في أمر الشفعة فلا يوجبها لليتيم ولا للغائب، بمعنى أنها لا تحبس يبلغ اليتيم ويرجع الغائب فابتلى بها بعض أصحابه بالبصرة.
الشفعة
حتى
فتوقف فيها وأمر أصحابه أن يسألوا عنها أحدا من فقهاء البصرة المعاصرين له كضمام، وأبى نوح، وحاجب وغيرهم، هل عندهم فيها أثر عن أبى الشعثاء؟ فقيل له: إن جابراً. يوجبها فأمرهم أن يأخذوا بقول جابر (3).
وكان يتراجع عن فتواه إذا أحس بشيء من
وخصوصا إذا كان في عذر.
الخطأ وتلك هي
سمة الفقيه العامل
مسألتك
اشتکي ذات مرة من المرض فعاده أبو محمد الأزدي فسأله مسألة فأجابه فيها عن ثم قال له: أذهب إلى الربيع فأت به، فجاء الربيع ودخل على أبي عبيدة وهو مستلق وعلى صدره صحفة فيها فتات خبز يأكل منه. فقال له: اسأل الربيع عن قال: فسألته فأجاب بغير جواب أبي عبيدة فرادده أبو عبيدة القول: فقال الربيع: إنى حفظت عنك غير هذا القول، فقال له: أو حفظت عنى؟ قال الربيع: نعم، فقال أبو عبيدة للرجل: خذ بما قاله الربيع فإنه حفظ عنى، قال أبو سفيان: (كأن الشيخ أحس نفسه لأجل تشاكيه كأنه من
وهم فيها) (4).
(1) مجموعة من علماء عمان ـ سير المسلمون: 296.
(2) مقدمة رسالة في الزكاة انظر المبحث من الفصل الثاني من هذه الأطروحة.
(3) انظر: الشماخي - - سير: 87/ 1، الدرجيني - طبقات: 238/ 2. (4) انظر: الدرجيني - طبقات: 243/ 2، الشماخي - سير: 96/ 1 الحارثي - العقود: 152. (1/194)
صفحة 185
الاستخلاف في الفتوى: كان الإمام أبو عبيدة يستخلف الربيع بن حبيب في الفتوى وإذا ذكر عنده أثنى عليه وقال: فقيهنا وإمامنا وتقينا (1)، ولما أصاب أبا عبيدة مرض الفالج (2) وحضر موسم الحج استشار حاجب أبا عبيدة أن يبعث الربيع ومعه عبد الله بن عبد العزيز (3)، فوافق أبو عبيدة على الربيع، ولم يوافق على عبد الله بن عبد العزيز، فأشار إليه بأن يبعث معه المثنى (4)، فأبى المثنى فبعثوا الربيع وحده (5). وأكثر ما كان الاستخلاف في موسم الحج لأن الإمام أبا عبيدة قد تخلف عن السير بنفسه إلى الحج، وكان الذي يستخلفه ـ في العادة ـ الربيع بن حبيب لأنه يثق فيه لعلمه وورعه، فهو أكبر تلاميذ الإمام والراوين عنه وخير دليل على ذلك كتابه الجامع الصحيح فمعظم رواياته عن شيخه الإمام أبي عبيدة إن لم نقل كلها، وكذلك الحال إذا كان في شكاية مرضية كما
أسلفناه
وقد تناثرت فتاوى هذا الإمام وانتشرت في كثير من الأقطار كما رأينا سابقا قول أبي المؤرج، ولكنها مع الأسف لم تصل إلينا كلها وإنما حفظ لنا أبو غانم في مدونته عن تلاميذ هذا الإمام مجموع وعة لا بأس بها من. هذه الفتاوى، وسوف نضع نماذج منها
في الباب الثاني إن شاء الله
هذا ومع فلم يكن الإمام أبو عبيدة يبيح لتلاميذه أن ينشروا عنه كل ما سمعوه منه إذ كان يتفرس فيهم ويروى عنه. أنه عندما أراد حملة العلم المغاربة العودة إلى بلادهم أوصى ثلاثة منهم، كل واحد منهم بتوصية تختلف عن توصية الآخر. يروى الشماخي عن سير نفوسه: (أن أبا عبيدة قال: أي إسماعيل بن درار الغدامسي لا تفتى بما سمعت منى ولا بما لم تسمعه. وقال لعبد الرحمن بن رستم: (أفت بما سمعت منى وما لم تسمع. وقال لأبى الخطاب: أفت بما سمعت منى (6). فالثلاثه الإمامان: أبو الخطاب، وعبد الرحمن، والثالث قاضيهما وهو إسماعيل بن درار. ويحكى الشماخي أنه صار: ... قاضيا للإمام عبد الوهاب (7) بعد وفاة الإمامين السابقين، إذ
(1) الدرجيني - طبقات: 276/ 2 (3) سيأتي التعريف به.
(2) هو مرض. (4) سيأتي التعريف به.
(5) انظر: الدرجيني - طبقات: 276/ 2، 243. (6) الشماخي - سير: 129/ 1، المالكي غاية المطلوب: 60. (7) ن م والصفحة.
هم
195 (1/195)
صفحة 186
إنه عمر عمرا طويلا فكان الإمام عبد الوهاب على سعة علمه حين يجلس بين يديه كالصبي أمام المعلم لغزارة علمه
المطلب الثالث: قيام الإمام أبي عبيدة بالدعوة:
اهتم الإمام أبو عبيدة بأمر الدعوة إلى الله وبث الروح الإسلامية بين المسلمين اهتماما بالغا، وأعطاها جل جهده المتواصل، ولم يزده الضغط السياسي في البصرة يومئذ إلا تمسكا بأهداب الشريعة ولم تؤثر فيه التناقضات الاجتماعية الثقافية الموجودة في مجتمعه الذي يعيش فيه، بل جعلته صامدا أمام الأحداث والمؤثرات حتى لقى الله
تعالى بنفس راضية مرضية. فكان هذا الإمام من جملة العلماء المجددين والأفذاذ المصلحين وحاول أن يساهم في توصيل الإسلام كما هو نقيا من الشوائب والبدع إلى كثير من الأقاليم فكان فردا في مقام دولة، مثل ما فعل الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز إذ بعث دعاته إلى
الأمصار.
فابتدأ هذا الإمام بتنظيم شئون الدعوة داخل البصرة، واستطاع بإخلاصه المستمر وعمله المتواصل أن يكون جيلا متكاتفا في العمل متعاطفا في الروح، وآوى طلبة العلم من جميع الأقطار فعاشوا في رعايته ورعاية مساعديه حقبة من الزمن طيلة إقامتهم
معه
بالبصرة.
واهتم كذلك بالاستعداد لموسم الحج كل عام لإرشاد المسلمين والمساهمة في تبليغ كلمة الله، وبذل جهدا جهيدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقد مجالس الذكر لكل مناسبة وفى كل حين، وحارب المادية والطغيان اللذين طغيا في عصره على كثير من! الأمة، وقشع ركام الخوف من نفوس الخائفين، فأنار لهم الطريق السليم فأظهروا الحجة وبينوا السبيل أمام المسلمين كما سنوضحه إن شاء الله تعالى.
1 - إدارة الدعوة:
لم تسعفنا المصادر التاريخية المتوفرة لدينا عن بداية نشاط هذا الإمام، هل كان قبل وفاة شيخه أبى الشعثاء ومن معه من المشايخ كعبد الله بن أباض، وضمام السائب، وجعفر بن السماك، وأبى نوح وغيرهم، أم كان بعد وفاة هؤلاء فقط.
196 (1/196)
صفحة 187
ولكن من المتفق عليه أنه تواصل نشاطه بعد خروجه من السجن عندما توفى الحجاج، وأطلق سليمان بن عبد الملك المسجونين بعد ما تولى الخلافة عام 96 هـ، وقد ذكرنا ذلك من قبل. فواصل هذا الإمام نشاط الدعوة وابتدأ بتنظيم إدارى مغلق داخل جماعة أهل الدعوة، ومنع أن يتصل أحد من الجماعة بالسلطة الحاكمة ولا أن يختلط بغيرها. وكان لسلاح الولاية والبراءة الذين أو جهما الإسلام لمن أطاع أوامر الله تعالى وعلى من عصاه أثر فعال في تكاتف المجتمع الذي نظمه هذا الإمام.
6
وقد أثر الضغط السياسي في البصرة (1) على كل من كان منكرا لسياسة الغشم (2) التي ينتهجها الولاة، مما أدى بالمناوئين إلى التخفى والكتمان (3)، فكان ذلك سببا مباشراً في تنظيم إدارة لجماعة أهل الدعوة الأباضية، ولو من داخل السراديب (بلغ التنظيم الأباضى أوج نشاطه حين تبلورت تنظيماته على يد أبي عبيدة أبي كريمة الداهية السياسى الذى يعتبر واحداً من الشخصيات اللامعة في
مسلم بن
مجال التنظيمات السرية في تلك الحقبة من تاريخ الأمة الإسلامية) (4) ولذلك كان الأباضية في البصرة لا يقطعون أمرا دونه وإذا داهمهم أمر فلابد من أن يقول فيه بالرأى الحاسم، يروى أبو سفيان أن حمزة الكوفي لما قال بالقدر، وصار يستميل النساء والضعفاء من الناس أمر أبو عبيدة حاجبا أن يجمع له الناس، فاجتمعوا وذلك لتحذيرهم من حمزة الكوفى وغيره ممن قال بالقدر، وأخبرهم حاجب أن من آواهم فهو الخائن المتهم ولما أراد عبد الله بن الحسن بن على الخروج ضد الدولة وجاء إلى الأباضية
(°)
(1) انظر: المبحث الثاني الفصل الأول من هذا البحث. (2) انظر: الفصل الأول من هذا البحث.
(3) الكتمان اعتمده الأباضية مسلكاً من مسالك الدين الأربعة ومثلوا له بحال الرسول الله، وحال الإمام ابن الشعثاء جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم أبى كريمة. انظر: مختارة عقيدة التوحيد ابن جميع - 31، الشماخي، أبو العباس، شرح مقدمة التوحيد 72.
(4) مهدي طالب هاشم - الحركة الأباضية في المشرق العربي: 78/ 77 - انظر: رفعت فوزى ـ الخلافة والخوارج
في المغرب العربي: 27
(5) انظر: الدرجيني - طبقات: 244/ 2، الشماخي - سير: 79/ 1.
197 (1/197)
صفحة 188
ليستنجد بهم
اتفقوا أن يرسلوا إليه بصالح بن كثير، يقول عنه الشماخي: وكان من متكلمى المسلمين إلا أنه أحدث أشياء قلاه المسلمون عليها. فلما علم أبو عبيدة بذلك لم يوافقهم، وأفسد رأيهم فانصاعوا إلى قوله (1)
وبهذا فإن الإمام أبا عبيدة كان قطب الدائرة بين شيوخه وتلاميذه الذين انتشرت الدعوة على أيديهم واكتملت صورة المذهب وتم تحرير أقواله وآرائه في صورتها النهائية فى أواخر أيام أبي عبيدة مسلم بن أبى كريمة الذي خلف جابرا على إمامة أشياخ المذهب في البصرة) (2) (وفي عهده ارتفع شأن الدعوة واشتد ساعدها) (3) كما أنه على الرغم أن المذهب الأباضي في قاعدته الأساسية لا يمنع التزاوج بين الأباضية وغيرهم (4)، إلا أن الإمام أبا عبيدة منع ذلك فى الفترة المبكرة من غير تجريم له. وخاصة على أرباب الدولة إذ قد يكون وبالاً على غيره خصوصا في تلك الفترة الحرجة (5).
من
هجر
يحكى أبو غانم في المدونة عن أبي المؤرج قال: (أخبرني أبو عبيدة أنه رجلا من المسلمين زوج بنته رجلا من الفساق، فأقام أياما لا يكلمه، فاستعان عليه بجلسائه واستعذر إليه بمعاذير، وكان فيما اعتذر إليه أنه لم يخطبها إلى أحد من المسلمين وخشيت عليها الفتنة فارضى عنى، رضى الله عنك فأعرض. عنه، ثم قال: أحببت الغنى والشرف قال: وكان الرجل الذى زوجها إليه كثير المال جيد المنصب قال: أردت أن أضعها موضعا حسنا لا تحتاج إلى قال: قد أصبت الذي لا تريد وأعترضها لمن يفتنها عن دينها ويردها عن بصيرتها، فتعسا لك تعسا) (
(6)
ويقول أبو المؤرج: أنه رأى أبا عبيدة يومئذ قد غضب غضبا شديدا ما رآه غضب مثل ذلك اليوم .. فصار الجلساء يشفعون له ليرق له ويهدأ الغضب عنه حتى
(1) انظر: الشماخي - سير: 78/ 1 الحارثي ـ العقود الفضية: 141.
(2) عمرو خليفة التامي - مقدمة أجوبة ابن خلفون: 11.
(3) د. محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب: 53 وانظر: د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 102، النظم الاجتماعية: 15 عمرياً ـ الفكر الأباضي: 114 - 117. د. محمد رشيد العقيلي ــ الأباضية في عمان:
A
(4) انظر: الشماخي - سير: 104/ 10. (0) أبو غانم – المدونة الكبرى: 13/ 2. (6) أبو غانم - المدونة الكبرى: 13/ 2.
198 (1/198)
صفحة 189
(1)
سكن غضبه وكلم الرجل
وبهذا التنظيم الذكى الدقيق استطاع الإمام أبو عبيدة أن يجعل الجماعة متماسكة مترابطة يسودها الوئام ويسيرها الإخلاص الدائب للعمل من أجل الإسلام وترسيخ جذوره، وتنظيم أمور الجماعة الداخلية، حتى أنهم استطاعوا أن يكونوا بيت مال خاص بهم فكانوا يجبون الزكاة ويجمعون الصدقات فتوزع على نظر الإمام أبي
عبيدة (2)
وكما اهتم بأمور الدعوة في البصرة اهتم بها أيضا في موسم الحج، فكان لا يفوته الموسم في غالب الأحيان، وإذا كان له عذر أناب عنه من يقوم بالفتوى في
الموسم
كما سنرى
- الاهتمام بموسم الحج:
للاستفادة
الأمة
عن
اهتم الإمام أبو عبيدة بموسم الحج اهتماما بالغا فقد كان لا يفوته إلا نادرا، وذلك من اجتماع الإسلامية فيساهم في تأدية رسالة الإسلام، وقد كانت رحلات الحج للفقهاء عادة معروفة ومتبعة ومن جانب آخر فإنها عبادة، وكان يجب أن لا تفوته تلك المناسبة كما اعتاد سلفه الإمام أبو الشعثاء إذ كان لا ينقطع الحج كل عام، حتى أن بعض ولاة البصرة فى عام من الأعوام منعه من مغادرة البصرة حتى إذا كان اليوم السابع وهو يوم النزوية، أطلق سراحه فهيئات له زوجته زاده من ساعته وخرج إلى الحج فسافر من البصرة واستمر في مسيرة ليلا ونهارا حتى أدرك الناس في عرفة. وقال عندما خرج من البصرة: و ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها کمي (3)
فسلك الإمام أبو عبيدة هذا المسلك وقد استفاد من تلك الرحلات عدة فوائد
أولا: تأدية العبادة والحصول على الثواب الجزيل من أداء نافلة الحج. ثانيا: اجتماعه مع فقهاء الأمصار وخاصة من بقى من الصحابة وكبار التابعين، فكان
(1) ن م ص: 12.
(2) عامر بن على الشماخي - الإيضاح: 125/ 2 السالمي – معارج الآمال: 254/ 16.
(3) الآية 2 فاطر. انظر: الدرجيني - طبقات: 208/ 2، الشماخي - سير: 68/ 1، الحارثي - العقود: 99.
199 (1/199)
صفحة 190
الحج هو أنسب وقت ومكان لمثل هذه اللقاءات إذ هو لقاء جامع للأمة الإسلامية من شتى أنحاء الأرض، كما يشير إلى ذلك لقاؤه بواصل بن عطاء في مكة المكرمة في أحد مواسم الحج (1). ثالثا: التقاؤه بحجاج الأباضية القادمين من الأمصار كعمان وخراسان واليمن ومصر والمغرب وغيرها، بالإضافة إلى من كان بالحجاز: قال وائل بن أيوب كنا بمني في خباء أبي عبيدة وحاجب حاضر، ومحمد بن سلمة المدني
-
و محمد بن حبيب المدنى ـ وكان محمد بن حبيب من العباد الأخيار، قال:
ولم ير أبو عبيدة قام من مجلس يسلم على أحد إلا على محمد سلمة
بن
،
و محمد بن حبيب، فإنه إذا رآهما قام إليهما فاعتنقهما. قال وائل: في الخباء مشايخ من حضرموت فقهاء علماء (2)، فهذا يدل على أنهم مجتمعون لأجل مذاكرة العلم ومناقشة الأمور المطروحة على ساحة الأمة الإسلامية يومئذ
رابعا: قد تكون هناك بعض المشاكل الحادثة بين الجماعة الأباضية ... الأقطار فيقوم هو وحاجب أو غيره من المشايخ بحلها كما حدث من. لأهل حضرموت، خلاف كبير بعد قتل الإمام طالب بحق وكاد يؤدى إلى الفرقة لولا
..
إذ وقع بينهم. أنهم كتبوا إلى الإمام بالبصرة فأرسل إليهم حاجباً في موسم الحج لحل المشكلة، قال وائل: (فدخلنا معه وهو أرمد فقال: لقد خرجت من البصرة فما أبصر سهلا ولا جبلا وأخرجنى ـ بعد ما أرجو. من قضاء نسكي ـ إلا أمركم يأهل
(3)
حضرموت فكم قد غلبتمونا) ()
-
خامسا: الرد على الاستفسارات والأسئلة في أمور مناسك الحج وغيرها وتلقى المسائل الواردة أيضا من البلدان الإسلامية للإجابة على ما جاء فيها وإرسالها مع وفود الحجاج. إلى غير ذلك من الأمور التي تهم الإسلام والمسلمين وترفع من
مكانته
مكانة أهله ومن
وإذا حدث في عام من الأعوام مانع للإمام أبي عبيدة من السفر إلى الحج أناب
عنه
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 246/ 2، الحارثي - العقود: 144، الشماخي – سير: 80/ 1. (2) الدرجيني - طبقات: 242/ 2، الشماخي - سير:: 79/ 1، د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 110. (3) الدرجيني - طبقات 252/ 2، الشماخي - سير: 85/ 1، د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 109.
200 (1/200)
صفحة 191
حاجبا أو ضماما أو الربيع بن حبيب (يقول الدرجيني عن أبي سفيان: لما بعث أبو عبيدة الربيع للناس أيام مرضه قال له الربيع: يا أبا عبيدة قد كنت تحضر أنت وحاجب الوائلي فما تكادون تقومون لما يرد عليكم فكيف بي؟ فقال أبو عبيدة: يا ربيع إنه ليس بيني وبين الناس سوط ولا سيف من جاءك موافقا لك يقول بقولك فيها ونعمت، ومن تك مخالف عليك فأبعد الله من أبعده، وقل بما تعرف ودع الناس ما هم فيه)).
وقد سبق أن ذكرت
حضر موت
مسير
حاجب عنه الحل مشكلة الخلاف القائم بين نهر
ويجمدة فقد كان لموسم الحج دور كبير في نشر الدعوة الإسلامية ومتابعة أحوال
الأياضية وغيرهم في جميع الأقطار.
3 ـ الدعوة في الأمصار:
إن أهل الفكر والدعوة لا يهدأ لهم منام ولا يطيب لهم عيش ولا يستلذون للحياة إذا سمعوا بالفساد في المجتمع الإسلامي، وخصوصا في عهده المبكر، ولو صدر من عامة الناس فكيف إذا كان من ولاة الأمر هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القيادة الأمة لا تستمد شرعيتها من عوام الناس أو الاستيلاء بالقوة على الشعوب وإنما تكتسب تلك من الشرعية بالشورى بين العلماء الإسلاميين كما هو في عهد الخلفاء الراشدين. ورأى الإمام أبو عبيدة أن من الواجب تغيير هذا المتكر باللسان عندما لم يمكنه التغيير باليد تنفيذاً للحديث الوارد في ذلك ونقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا شاهده وينكر الباص إذا قمر عبيده) ().
فحاول أن يستقطب للدعوة رجالا يقومون بها وخصوصا من الأماكن التي وصلت إليها كالمغرب ومصر والحجاز واليمن وعمان وخراسات وغيرها، ووفد إليها
101
(1) الدرجيني - طبقات: 245/ 2، وانظر: الشماخي - - سير: 1021، العقود: 151. (2) حديث رقم 789 ص 205 رواه البيهقى بلفظ: (لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بحق إذا علمه) قال أبو سعيد الخدرى): فما زال بنا البلاء حتى قصرنا وإنا لنبلغ في السن: 90/ 10 السان الكبرى. وعند ابن حبان بزيادة إذا رآه أو عرفه حديث رقم 278 - 28/ 1، ورواه أحمد فهارس 47/ 3، وعند الطيار ? بلفظ آخر عن أبي سعيد بلفظ (لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أو مهابة الناس (ما أشبه أحدهما) أن يتكلم بحق يعلمه، فما زال الأمر ينسى حتى قصرنا) ص 286، وعند الطيراني بلفظ: (رهبة الناس أن يقول بحق إذ رأه أو يذكر بعضيم فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعضيم حديث رقم 2825.
201 (1/201)
صفحة 192
طلاب العلم من. هذه الأقطار لينهلوا. العلم والمعرفة وقائمين بحدود الله والحقيقة أن حملة العلم للأمصار الذين أرسلهم أبو عبيدة للولايات كانوا من سكان البلد سواء كان ذلك في عمان وحضرموت واليمن أو الحجاز وشمال أفريقيا (1).
من عمله الواسع ثم يعودوا إلى بلادهم حاملين لواء
الذي
ويظهر للباحث أن هذا الأمر طبيعى وذلك لأن إيفاد أبناء البلاد ـ وهم أعرف ببلادهم وظروفها - أجدى وأنفع من غيرهم، ثم إنه لا يلزم أن يكون هو استدعاهم للحضور لطلب العلم وإنما جاءوا بمحض إرادتهم وعن سابق رغبة منهم ولا شك أن عسف الولاة في الدولة الإسلامية وخصوصا في أواخر أيام بني أمية وأتباعهم لسياسة القمع وإثقال كاهل المواطنين بالضرائب وغيرها، سواء في المشرق أو المغرب قد أدى إلى تبرم أبناء البلاد (2)
وبالتالي إلى قيام الثورات ضدهم لإزالة المنكر عن البلاد وإقرار العدل والأمن فيها. ولكن الإمام مع هذا ــ لم يثنأ الخروج المبكر على هؤلاء الولاة، وقد سبق أن ذكرنا
جوابه لمن قال له: ما يمنعك من الخروج
(3)
وسنذكر سبب وصول الفكر الحر إلى عمان واليمن وشمال أفريقيا حسبما توفر للباحث من مصادر والأخذ بفكرة خلافة الشورى
وجهه
لما تبدد شمل المسلمين بعد قتل الإمام على بن أبي طالب كرم الله لأهل النخيلة، وتمكن معاوية بن أبي سفيان من الوصول إلى الخلافة الإسلامية عن طريق الخداع والاحتيال والدهاء السياسي، فكان ذلك الأسباب الرئيسية التي جعلت من الناس يومئذ يبحثون عن الحرية الإسلامية في تنصيب الحاكم بأن يتولى ذلك علماء
الأمة بالشورى بينهم أما
في عمان فقد اتفق المؤرخون العمانيون على أنه لما استولى معاوية بن أبى سفيان على الملك لم تكن له يد على عمان ولا أبنه يزيد حتى استولى عبد الملك بن
(1) د. عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 109.
(2) انظر: على يحيي الكبير: الأباضية في موكب التاريخ حلقة أولى 126/ 116، تاريخ المغرب الكبير 182/ 3 – 183، حلقات - 154 - 157 دبوز. - الفكر الأباضي: 118/ 116 الحارثي العقود: 147.
(3) انظر: ص 305 من هذا البحث ومراجعه وما بعدها.
202 (1/202)
صفحة 193
عباد
بن عبد
مروان، وولى الحجاج على العراق، وكان ولاة عمان يومئذ سعيد وسليمان أبناء بن الجلندى (1)، وهما حفيدا ثانى اثنين كتب لهما النبي عليه الصلاة والسلام رسالة الدخول فى الإسلام، وقد أحسنا السيرة في أهل عمان م أن. ومن المعلوم أد سكان عمان أغلبهم من الأزد وتميم، وكثير منهم قتل في معركة النهروان على يد على ابن أبي طالب لأنهم كانوا معه في صفين ضد معاوية، وبعد ما قضى عليهم علي انحاز من بقى منهم إلى جهات أخرى من العراق وإلى اليمن وعمان
وبهذا فقد لاقوا هزيمة نكراء فقد ساروا ليناصروا الإسلام والمسلمين فقتلوا وأيقنوا أن الإسلام جاء بالسماحة وحقن الدماء وحرية الرأى لا بضد ذلك، وقد استقر الإيمان في قلوبهم وعكفوا على شرائع الإسلام والعمل بها تطبيقا لما أنزل الله
ولما تولى الحجاج على العراق بعث إلى والى عمان الغزاة كي يخضع لحكم آل مروان (وكان الحجاج يبعث غزاته إليهما وينتخب عليهما أميرا بعد أمير وهما يفضان جموعه ويبيدان عساكره في مواطن كثيرة، وكلما خرج عليهما جيشا هزماه واستوليا على سواده (2).
ثم أرسل عليهما القاسم بن شعوة المزنى وجمع لهما الجموع من الشام والعراق، وقسم الجيش نصفين مكيدة منه لهما وصار الظفر له فى هذه المرة، وهرب سعيد وسليمان إلى أفريقيا، ودخل جماعة عبد الرحمن الذى أنجد به الحجاج مجاعة، وفعلا في عمان فعلا شنيعا وأذلا أهلها وشوها صورة الإسلام الحقيقية، وهذه المرة الثانية التي لاقاها أهل عمان من ا القهر.
ثم تعاقب ولاة الأمويين على عمان إلى أن جاء سليمان بن عبد الملك فولى يزيد ابن المهلب العراق وخراسان، فولى يزيد أخاه زيادا على عمان (3)، فاستراح أهل.
عمان.
وفي كل هذه الحقبة الزمنية ما عدا عهد زياد ـ وأهل عمان يضيقون ذرعاً
-
بالولاة لأنهم يتبعون السياسة التي يرسمها لهم والى العراق، وخصوصاً الحجاج،
(1) حميد بن محمد بن رزيق ـ الفتح المبين: 213 السالمي: تحفة الأعيان: 61/ 1. (2) ابن رزيق ـ الفتح المبين – 213 وانظر تحفة الأعيان: 61/ 1. (3) ابن رزيق ــ الفتح المبين ـ 215 - 216 السالمي - تحفة الأعيان 62/ 1.
203 (1/203)
صفحة 194
ولم يكونوا بعيدين عما يحل بشيوخهم في الدين سواء من الأزد أو من تميم ـ بالعراق على يد الحجاج من التنكيل والقتل والتشريد، ثم إن عمان كانت منفى للحجاج ينفى إليه من العراق من يشاء كما نفى أبا الشعثاء، ومهرباً يهرب إليه كل من يلاقي العنت في العراق من الأزد وتميم لأنها بلاد قومه.
بالإضافة إلى أن الاتصال بأفراد القبائل اليمنية العمانية بأبناء جلدتهم في العراق سواء عن طريق الزيارة أو عن طريق التجارة المتصلة بين عمان والعراق منذ عهد قديم. كان سهلاً وميسوراً باستمرار.
-
عهد
كل هذه الأسباب جعلت العمانيين يومئذ متمسكين بمبادئ الإسلام والبحث عن العدل، وعن طلب العلم بالعراق على يد شيوخهم أبى الشعثاء وغيره من العمانيين كحاجب أبى مودود قرين الإمام أبي عبيدة، وعمران بن حطان، وضمام السائب، وأبي نوج صالح الدهان، وأبي عبيدة الصغير عبد الله بن القاسم وغيرهم، وكل هؤلاء عمانيون (1) فلا غرو أن يبعث أهل عمان إليهم من يأخذ العلم عنهم منذ مبكر، وخاصة على يد الإمام أبي عبيدة مسلم شخصية هذا البحث. كما أن معظم هؤلاء المشايخ قد لاقوا عنتاً من الحجاج بن يوسف وخصوصاً أيام حروبه لعمان، فسئموا من حكم الأمويين واضطهادهم للناس كل هذه العوامل متفرقة أو مجتمعة كانت من الأسباب المؤدية للأخذ بمبادئ المذهب الأباضي قولاً وعملاً، فرحلوا إلى عن الصحابة أيام التابعين، وأخذوا بمبدأ الشورى في الخلافة استناداً إلى عمل الصحابة أيام الخلافة الراشدة، يوم أن كان الإسلام جديداً وفقهاء الإسلام الصحابة هم الذين يمثلون قيادة الأمة، فأنف أهل عمان من الجور بعد ما ذاقوا طعم العدل، وهربوا من ظلام الجاهلية بعدما رأوا النور في الإسلام، فنهلوا من العلم من الإمام أبي عبيدة بالبصرة فكان للإمام أبي عبيدة دور في
الأخذ
(2)
هذا الشأن، إذ كان يجتمع بالقادمين من عمان ويتدارسون جميعاً مع مشايخ البصرة الآخرين الأمور التي تهم الخلافة العادلة، فقاموا جميعاً بالتفقه في الدين، وقاموا بالدعوة إلى الله عز وجل، وأرسلوا إلى التلاميذ فأخذوا منه وأصلوا قواعد الإسلام
(1) انظر: الشقصى - منهج الطالبين: 616/ 1، السيابي - إزالة الوعثاء: 65.64. (2) انظر: ابن رزيق - الشعاع الشائع باللمعان: 12 – 15، المراجع السابقة.
204 (1/204)
صفحة 195
الدولة
فسهروا على توصيله إلى الناس واستحبوا أن يبيعوا أنفسهم إلى الله فكان الشراء (1) من مسالك الإسلام عندهم وأحيوا من قواعد الإسلام ما اندرس رغم أنهم عاشوا طي الكتمان في البداية، وبهذا يعرف كيف استطاع العمانيون الانفصال عن جسم ا الإسلامية منذ عهد مبكر وتسيير أمورهم على خلافة الشورى. ويجب عن البال أن قواعد دفاع الخوارج عن البصرة كالمهلب وأولاده وقواد إمامة اليمن وعمان كلهم عمانيون.
أن لا يغيب
من
ذهاب
وأما اليمن فوضعها مشابه تماماً لعمان (2) وقد أصابها كذلك ما أصابها. أركان الأمة فيها في وقعة النهروان، وقبلها صفين، ومنيت بالذل والهوان أيام زياد
أصول
ابتداء من
وابنه الحجاج عند توليهم على العراق، ولم يذوقوا طعم العدل والاستقرار ورأوا المثل الأعلى في الخلافة الراشدة، فكان الخاصة منهم يبحثون عن تطبيق المبدأ وعمن ينادى به حتى وجدوا ذلك في قواعد المذهب الأباضي على يد مناهضي الدولة الأموية المنددين بحكومة الاستبداد كما أنه لا يغيب عن الباحث أن القبائل العمانية واليمنية تنحدر من واحدة، وشيوخ تلك القبائل الروحيون هم القاسم المشترك فما حل بهم صفين إلى عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز كان مشتركاً بين القطرين. وكان لاجتماعات مواسم الحج دور مهم في نشر المبادئ الإسلامية السمحة، ومن العجيب أن يتوالى المؤرخين الواحد تلو الآخر ـ وكأنهم يعيشون عهد الدولة الأموية إلى الآن، وقد زرع الخوف فيهم ـ أن يقولوا ويتبعوا مقالتهم في تسمية مناهضيهم بالخوارج، فصار الناس يكرهونهم لهذا السبب ولا أعتقد أن ذلك وارد ونحن في عصر التفتح وحرية القول.
أن هؤلاء المؤرخين يخلطون بين عبد الله وحتى
الكندى إلا من رحم
بن
أباض
وعبد
الله
بن يحيى
الله (كان أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي السلمي أحد أهل البصرة ممن لبى دعوة عبد الله بن أباض التميمي الحارجى صاحب دعوة الأباضية في
(1) الشراء هو أن يبايع أربعون رجلاً فأكثر رجلاً منهم إماماً للشراء بائعين أنفسهم لله ولا يعودون إلى منازلهم حتى يموتوا فيكون وطنهم حيث يحلوا ويصلون سفراً في منازلهم. أنظر: عمرو بن جميع ـ مقدمة التوحيد وشروحها:
071
(2) انظر: صالح حامد العلوى ـ تاريخ حضرموت: 207/ 1. (1/205)
صفحة 196
عهد مروان بن محمد، واعتنق مذهبه فكان أبو حمزة يوافي مكة كل عام يدعو إلى خلاف مروان وإلى المذهب الأباضي، فلم يزل كذلك حتى وافي عبد الله بن يحيى الكندى من أهل حضرموت سنة 128 هـ، فأسمعه كلاماً فاستحسن بن يحيى ما يقول أبو حمزة وقال له: إني رجل مطاع في قومي فانطلق معى فخرج معه حتى وصلا حضرموت فدعيا إلى خلاف مروان وبايعه أبو حمزة على خلافه، ذلك أول سنة
129 هـ فهذا أول وجود للمذهب الأباضى بحضرموت وسبب تسربه إليها) (1). وجدت نفسي مضطراً إلى نقل هذه الفقرة بكاملها لعدم مطابقتها للواقع، ما عدا قوله: إن أبا حمزة كان يوافى مكة كل عام، أما ما عدا ذلك فغير صحيح،، فأبو
حمزة ليس من أهل البصرة وإنما هو عماني من مجز الصغرى بولاية صحم من عمان
وعبد
،
الملك
الله بن أباض التميمى ليس هو صاحب الدعوة الأباضية وحده (2)، وإنما نسب الأمويون ومن مال إليهم كل من كان يحمل ذلك الفكر إليه، وذلك لأن عبد كاتبه ليعرف ما عنده فأوضح له ذلك في رسالته المشهورة (3)، ثم إنه غير خارجي وذلك واضح من رسالته إلى عبد الملك إذ هناك فرق شاسع بين الأباضية والخوارج (4) ثم إن ابن أباض لم يكن موجوداً على قيد الحياة في أيام مروان بن محمد إذ توفي في حكم عبد الملك بن مروان (5).
بن يحيى
،
الله وأما عبد الكندى فهو منذ زمن بعيد من أتباع المذهب الأباضي. تلاميذ الإمام أبي عبيدة، إذ ليس من السهل أن يدعوه أبو حمزة فيجيب ويثور في نفس الفترة، فالمذهب في اليمن قديم قدم الدعوة الإسلامية منذ عهد خلافة
ومن
الراشدين.
(1) صالح حامد العلوى - تاريخ حضرموت: 206/ 1.
(2) انظر: الحارثي ـ العقود الفضية: 187، إزالة الوعثاء للسيابي: 65/ 64.
(3) انظر الحارثي ــ العقود الفضية: 123/ 122، السيابي إزالة الوعثاء: 49، خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 79. (4) انظر: مجموعة من علماء عمان - سير المسلمون: 264، أبو القاسم البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 156، د. عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 172، الحارثي - العقود: 123، وانظر الفرق بين الأباضية والخوارج: ص:
149 أمن هذا البحث.
(5) انظر: أبا إسحاق إبراهيم أطفيش - الفرق بين الأباضية والخوارج (رسالة مطبوعة)، الجعبيرى فرحات ـ البعد الحضاري (مناقشة تسمية الفرق بالمقدمة، السيابي - أصدق المناهج في تمييز الأباضية من الخوارج.
206 (1/206)
صفحة 197
وعسفهم
ثم إنه صور المذهب هناك في صورة ثورة بدون مبرر مع أنه بنفسه يقول: (لا سيما وقد برم بالحالة في اليمن وحضرموت من عمال بني أمية الثقفيين وظلمهم (1)، إضافة إلى ما ذكره الدكتور عوض خليفات من أ أن الولاة الثقفيين توالوا على اليمن وحضرموت منذ عهد عبد الملك والحجاج إلى أن ثار عليهم الأباضية عام 129 هـ، وقد تبعوا سياسة مالية جائرة على السكان وأثقلوا عليهم بالضرائب، ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز ألغى هذه الضرائب فأعادوها بعد وفاته (2)، إذن فهناك أسباب دعت اليمنيين إلى البحث عن بديل لهذا العسف وهذا الجور في البلاد من ولاة الأمويين، وهم ـ بلا شك - يعرفون سماحة الإسلام وقاعدة الشورى فيه ولا يغيب عنا أن الأنصار كلهم من أزد اليمن، وهم قد عايشوا الخلافة الراشدة فصاروا يبحثون
عن الحل المناسب فوجدوه منذ عهد مبكر
ولهذا فقد كان هناك اتصال وثيق بين الإمام أبي عبيدة وعامة شيوخ البصرة بأهل اليمن، وتتلمذ عليه العديد من طلاب العلم النابغين كما سيأتي ذكره، ولا يمكن أن بن يحيى الكندى لأبى حمزة في موسم الحج صحيحة، إذ لو بن يحيى الكندى عندما خرج من حضرموت قاصداً
نعتبر استجابة عبد الله كان كذلك لما استخلف عبد
الله
إخراج الوالي الثقفى صنعاء، عبد الله من بن سعيد الحضرمي وهو غير مؤهل لذلك من قبل بالإضافة إلى تحكيمهم للإمام أبي عبيدة وحاجب في أمر عبد الله بعد ما قتل الله بن يحيى وأصحابه فوافاهم حاجب فى موسم الحج)
عبد
(3)
فالأباضية يوجدون في اليمن منذ أول النصف الثاني من القرن الأول الهجرى أو
قبل ذلك. وكانت لهم اتصالات وثيقة بالبصرة، وكانوا يقتدون بأبي بلال مرداس ابن حدير شيخ الأباضية قبل جابر بن زيد، ولما قتل أبو بلال عام 64 هجرية على يد عمال عبيد الله زياد، وقتل عروة - وكان الوضع سيئاً في اليمن ـ ثار عباد بن الجحافي على الجبابرة من الولاة هناك حتى قتل. ثم خرج على الجبابرة بعد أبى بلال رجل يقال له عباد الجحافي باليمن شارياً بمن اتبعه على منهاج أبى بلال فقاتل حتى قتل (4)، لم يدع للإمامة على أحد من المسلمين ممن لم يخرج معه وكانوا
رحمه الله
(1) العلوى: تاريخ حضرموت: 207/ 1. (2) انظر: د. عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 116. (3) انظر: ص 200 من هذا البحث. (4) قتله الوالى يوسف بن عمر وقتل. معه ثلاثمائة رجل، انظر: الطبري - تاريخ: 188/ 8.
207 (1/207)
صفحة 198
(1)
على أمر واحد. يتولى المقيم الخارج والخارج المقيم) ففى هذا ما يدل على أن الأباضية أتباع أبى بلال موجودون باليمن منذ ذلك العهد المبكر ولكنهم لم ينصبوا إماماً يقوم بالأمر بينهم، بل ثارت فئة منهم بقيادة عباد المشار إليه وهذا ينقض ما قاله صالح العلوى.
أما فى المغرب العربي ومصر فإن المصادر التاريخية والمتوفرة لدينا تكاد تتفق على سعد تلميذ الإمام أبي عبيدة قادماً سلمة هو
أن أول جاء بالمبادئ الأباضية
البصرة
من
بن
ومعه عكرمة مولى ابن عباس (2) فحط سلمة
،
بن سعد
من
رحاله في المغرب
الأدنى بينما اتجه الآخر نحو أفريقيا (تونس)، فأقام بالقيروان وذلك حوالى عام.
تقريباً (3).
100 هـ
ولكن المصادر الأباضية لا تعطى تاريخاً لوصول سلمة إلى المغرب كما أنها تنص على أن سلمة وصل القيروان بصحبة عكرمة فكلاهما يتعاقبان على بعير واحد، وهى رواية أبي زكريا والدرجينى والشماخي الذين ذكروا وصول عكرمة وسلمة عن الإمام عبد الوهاب عن أبيه الإمام عبد الرحمن بن رستم (حدث غير واحد من أصحابنا وحدث به الإمام أفلج عن أبيه عبد الوهاب ابن أبيه عبد الرحمن بن رستم رضى الله ... أول يريد مذهب الأباضية ونحن بقيروان أفريقية سلمة جاء بهذه الصفة من ابن سعد يدعو إلى الأباضية، وعكرمة مولى ابن عباس يدعو إلى الصفرية) (4). وزاد الدرجيني أنهما جاءا علي بعير واحد أنهما وصلا أفريقيا معاً، ولعله عاد إلى المغرب بعد ذلك هذا من جهة.
عنهم
الأدنى
ومن جهة أخرى فإن الباحث يترجح لديه أن وصول المذهب إلى المغرب قبل هذه الفترة، ومن جهة أخرى بكثير فبينما يذكر المؤرخ أبوزكريا أن أول من قام بالأمر بعد سلمة في المغرب الأدنى هو تلميذ الإمام أبي عبيدة الأول: أبو عبد الله محمد بن
(1) ابن سلام: لواب بن سلام - الإسلام وتاريخه: 132، وانظر: الطبري - تاريخه: 188/ 8. (2) انظر: أبو زكريا ـ السيرة وأخبار الأئمة: 42، الدرجيني ـ طبقات: 11/ 1.
(3) الشماخي ـ سير: 60/ 1 ـ د. محمود إسماعيل ـ الخوارج في بلاد المغرب: 46، د. عوض خليفات - الأباضية: 132.
(4) أبو زكريا ـ السيرة وأخبار الأئمة: 42، وانظر: الدرجيني ـ طبقات: 11/ 1.
نشأة
208 (1/208)
صفحة 199
سعد هو
عبد الحميد بن مغطير النفوسى (1) إلى أن ر رجعت البعثة العلمية (2) وإنني أوافق الباحث الدكتور عوض خليفات في أن المبادئ الأباضية قد كانت في المغرب قبل سلمة بن سعد، بدليل ما ذكره المؤرخ الأباضي ابن سلام من أن أول من علم القرآن في جبل نفوسه عمر بن بمكتن بمنزل يقال له: أفاطمان من طريق مغمداس علي يد المارة من المشرق والمغرب فكلما مر عليه أحد سأله وكتب عنه فأدى به ذلك إلى التعلم للعلم والقرآن، وذكر أنه سمع ذلك من أبي صالح النفوسي بتوزر قبل عام 240 هـ (3). وتبين أن ما ذكره الشماخي في السير من أن سلمة بن الذي دل حملة العلم للسير إلى أبي عبيدة ــ وقد كان مسيرهم في حدود عام 135 هـ بعيد جداً، وذلك لأن سلمة لم يجتمع بهؤلاء الطلبة جميعهم من ناحية ولم يبق - تقريباً - إلى تلك الفترة من ناحية أخرى، فلا يلزم أن يكون هو الذي دلهم بل دلهم غيره، وذلك لأن ابن درار ـ وهو أحد طلبة العلم من أبي عبيدة (حملة العلم قد عاش إلى أوائل القرن الثالث الهجري، وسلمة قد وصل المغرب حوالى آخر القرن الأول الهجرى، فابن درار يومئذ صبي صغير لم يبلغ الحلم تقريباً. كما أنني أوافق على ما ذكره بعض الباحثين نقلاً عن أبن حوقل من أن مبادئ الأباضية والصفرية قد وصلت المغرب بعد معركة النهروان أي بعد استقرار الأمر لمعاوية وذلك لأسباب:
1 ـ أن الهزيمة التي منيت بها المحكمة في النهروان قد اشترك فيها جميع المسلمين فلابد أن يكون فيهم من هو من المغرب أو مصر، بل إنه من المؤكد أن فيها من المصريين عدداً كبيراً لأنهم قد اشتركوا في حصار الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فصار لها ردة فعل بين المسلمين لما تولى الأمر معاوية بن أبي سفيان بعد انتصاره على
علي.
2 ـ فقدان المسلمين لسيرة الخلفاء وولاتهم سواء في المشرق أو المغرب على حد سواء واجتماع المسلمين في موسم الحج وتناقلهم الأخبار من بعضهم البعض جعلهم
يشمئزون من الحال التي ينتهجها الأمراء ضد الرعية.
(1) ذكره عوض خلفيات مغيطر والصحيح مغطير كما سمعه من الشيخ ناصر محمد المرموري. (2) انظر: أبو زكريا - بالسيرة وأخبار الأئمة 42، الدرجيني ـ طبقات: 11/ 1.
(3) انظر: أبي سلام الأباضي: الإسلام وتاريخه: 149: الشماخي - سير: 127. انظر الشماخي ـ سير: 91/ 1.
209 (1/209)
صفحة 200
3 - انتقال هذه المبادئ عن طريق مصر إلى المغرب العربي حسبما ذكره بعض الباحثين (1) نقلاً عن كتاب الولاة والقضاة للكندى والنجوم الزاهرة لأبي تغرى
-
بردى، إذ إنهم أى الخوارج كما يسميهم قاموا بثورات في مصر في عهد الوالي مسلمة بن مخلد: 47 - 62 هـ.
?
يستبعد أن يكون انتقال الأباضية إلى المغرب العربي عن طريق الواحات المصرية، إذ هناك تشابه كبير بين سلوك عرب الواحات وبين سلوك الأباضية، كما أنه يمكن أن تكون قبائل البربر نفسها تعيش في واحات مصر (2)، إذ ليس هناك كبير فرق فى القديم بين تلك القبائل ولا حدود جغرافية فالاتصالات بين مصر والمغرب موجودة ومتيسرة بدون مشقة
هي
الطريق الوحيد الذي يربط بين المغرب والمشرق، فالحجاج
كانت ه ـ إن مصر المغاربة مثلاً لابد لهم من المرور بمصر ليتزودوا لرحلة الحجاز بالغذاء والمحامل وغيرها منها، فكان لذلك أثر كبير في انتقال تلك المبادئ.
وبهذا يتبين أن الدعوة رة الأباضية بالمغرب بدأت منذ عهد مبكر، ولا نستطيع أن نقول الدعوة | رة الأباضية ولكنها الدعوة الإسلامية التي تدعو إلى خلافة الشورى وقواعد العدل في الحكم، وهذا ما ينشده البربر بديلاً من العسف والاستبداد الذين لا قوهما من الولاة الذين تعاقبوا على المغرب منذ عهد معاوية إلى عهد العباسيين، ما عدا تلك الفترة التي حكم فيها عمر بن عبد العزيز الذي بذل في المغرب فأرسل المعلمين إلى المغرب لبث الدعوة ونشر العدل ورفع الظلم بين ربوعه (3).
وكانت أخبار الولاة تصل إلى المشرق وخصوصاً على أيدى الذين يطلبون الدخول إلى الخليفة فلا يؤذن لهم فترة طويلة من الزمن، فاهتم الإمام أبو عبيدة بالدعوة في هذه المنطقة، وأرسل إليهم من يبين لهم تعاليم الإسلام ويبرهن لهم أن الاضطهاد
(1) انظر: د. رفعت فوزي - الخلافة والخوارج في المغرب العربي: 31 وما بعدها.
(2) انظر: ن م والصفحة. (3) اتفق الباحثون جميعهم تقريباً على السبب الرئيسي على أن عسف الولاة هو العامل الأول وليس الوحيد لتقبل البربر. مبادئ المحكمة. انظر: د. عبد الحميد بن حمده - المدارس الكلامية بأفريقية: 97، د. عبد العزيز المجذوب - الصراع المذهبي في أفريقية: 112. جودت عبد الكريم يوسف - العلاقات الخارجية للدول الرستمية: 24، أبو إسحاق أطفيش: مقدمة كتاب الوضع: 7، بحاز إبراهيم بكير ـ الدولة الرستمية: 61.
7:
210 (1/210)
صفحة 201
الذي يلقونه من الولاة في الضرائب التي يفرضونها عليهم التي تثقل كاهلهم بالقوة ليست من الإسلام في شيء، يقول أبو إسحاق:
بذلوا
(أساءوا السيرة في البربر يأخذون الخمس من المال ويزعمون أنه الفيء ـ وهم مسلمون ـ ويأخذون الأدم العسلية الألوان وأنواع طرف المغرب. أن، وبعد جهوداً في صرف العمال عن الظلم، بل وجهوا وفداً إلى الخليفة بالشام فبقي مدة ينتظر الإذن له في مقابلة الخليفة ليبلغوا إليه شكواهم فلم يؤذن لهم) (1) فكانت هذه القسوة من أسباب إرسال الدعاة إلى المغرب، ويظهر من كلام أبي إسحاق أن سلمة بن سعد كان ضمن دعاة آخرين إما معه وإما قبله. (هنالك وفد إليهم من البصرة وفد على رأسه سلمة بن سعد البصرى (2) من أصحاب أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصرى، فدعاهم إلي الحق وأفهمهم أن ما يشاهدونه من الظلم هو من حيف الولاة لا دخل فيه للعرب ولا للإسلام إذ لا عصبية فيه وبين لهم الهداية المحمدية الكاملة، فأخذوا بها وسكنوا إليها، وتبين لهم الرشد من الغي فانتشرت تلك
الهداية التامة بين البربر إلى أقصى المغرب فتمكن منهم الإسلام الكامل) (3). ويظهر للباحث أن عدم تمكن الإسلام بين صفوف البربر من قبل وخصوصاً في القرن الأول كان بسبب الشكوك التي تساورهم في الإسلام وتعاليمه من جراء ما يشاهدونه من الأعمال، لهذا استبشر البربر بتعاليم الدين الإسلامي عن طريق مدرسة البصرة بزعامة الإمام أبو عبيدة.
وكما كان للإمام يد في بعث الدعاة إلى الأمصار كانت له يد في مجالس الوعظ والإرشاد كما سنرى:
(1) أبو إسحاق أطفيش - مقدمة كتاب الوضع: 7، عبد العزيز المجذوب: 112. (2) سلمة بن سعد ليس بصرى الأصل وإنما أقام بالبصرة للعلم، وما ذكره أبو إسحاق عن سلمة إذ جاء المغرب على رأس وفد من البصرة. يخالف ما ذكره مؤرخو الأباضية المغاربة أنه جاء هو وعكرمة، ويظهر أن هذه الرواية صحيحة للخلاف بين الأباضية والصفرية منذ النشأة. إلا إذا أثبتنا أن عكرمة ليس صفرياً، ويقول الباحثون: إنه صحب سلمة للدعوة لله فقط ليس للمذهبية كما تقول الروايات التاريخية، إنه مجرد تخمين وظن، انظر:
عوض خليفات ـ نشأة الأباضية 135. (3) أبو إسحاق ـ مقدمة كتاب الوضع: 7. (1/211)
صفحة 202
4 ـ مجلس الوعظ والإرشاد:
ذكرنا فيما سبق
(1)
من خلق الإمام أبي عبيدة وورعه عن حطام الدنيا ورغبته فيما
دعاة
عند الله تعالى ما يكفينا عدم إعادته يقول علي يحيى معمر في وصفه للإمام أبي عبيدة: (لقد كان مسلماً في دينه وفى خلقه وفى عمله وفي علمه وكان داعية من الإسلام، لا يفتنه زخرف الحياة ولا تغره زينة الدنيا ولا يجد الباطل عنده لينا أو هوادة) (2). واتخذ هذا الإمام مجلساً للذكر فإذا قعد للذكر ازدحم هذا المجلس بالناس من كثرة ترغيبه وترهيبه، يقول عنه الشماخي: (ويزدحم إليه لاستماع ما يقع الأسماع من زواجر و وعظة). فكان يعظ الناس رغم ما يلاقيه من محن وبلاء من قبل السلطة الحاكمة ولا يخاف في الله لومة لائم.
(3)
وفي يوم من الأيام كان يذكر في مجلسه الذي أعده لهذا الغرض فذكر الجنة والنار، وذكر ما أعد الله لأهلهما فيهما وخوف من النار ومن عذابها، ورغب في الجنة ونعيمها، وكان ذلك أيام قيام طالب الحق باليمن فقال له أبو الوزير: لو أنك ذكرت أصحابنا باليمن ورغبت في نصرتهم لكان أحسن ولو أننا أردنا الاستماع إلى ما قلته: لجلسنا إلى من هو أوصف منك، فرد عليه الإمام أبو عبيدة: إن الرجل ليتكلم بقدر ويسكت إلى أجل (4). والمعنى أن الرجل وإن طال سكوته عن التذكير والإرشاد فإنما يكون ذلك لفترة محددة ولكنه لابد من أن تحر که نفسه وتلتهب عاطفته فيقوم بتذكير الناس وإيقاظهم من غفلتهم.
في
وكان من مواعظه أن قال يوماً: عجبت لتقصيرنا في بقية عمرنا) ألا ترون أن نعمة الله علينا وعليكم أنا نرجو أن تصل مودتنا إلى أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود، إلى أنبياء الله الأولين القدامى فكيف تقصر مودتنا في إخواننا وشركائنا في الله وأعواننا على ذكره بالبر والتقوى، ولو تعلموا ما سبق به أولكم ـ إن كنتم صادقين ـ الحزنتم طويلا ولبكيتم في الليل كثيراً، ولبكيتم كما بكى الذين من قبلكم من المسلمين) (5)
حب
(1) انظر: ص 37) من هذا البحث وما بعدها. (2) الأباضية في موكب التاريخ حلقة أولى: 157.
(3) الشماخي - سير
78/ 1:
(4) الدرجيني - طبقات: 259/ 2 - 260، الشماخي - 1 - سير: 103/ 1، الحارثي ـ العقود: 139. (5) أبو غانم ـ قطعة من المدونة القديمة: 18/ 17، الديوان المعروض 587.
212 (1/212)
صفحة 203
ويروى ابن عبد العزيز أن الإمام أبا عبيدة وعظ الناس يوماً ـ وعندما اجتمعوا
—
ازدحموا ازدحاما عجيباً ـ وكانت سنة مجاعة فذكر الصدقة وأمر أهل الطول من أهل الأموال بالعيادة بفضل ما عندهم على الفقراء والمساكين. يقول ابن عبد العزيز: (فلم أذكر أني سمعت أحداً من أهل الدنيا أبلغ خطبة وأنجح موعظة وأأخذ بالقلب من
عظته تلك، حتى قال بعضنا البعض: إن هذه الموعظة. مو
منا به وجزعنا من فقده، وكان ـ لعمري ـ ظننا
-
ظنا
من شيخنا الموعظة مودع. به ما ما آتاه ذلك إلا بأن قبض من قابل
حتى دخل حضرته فقيداً حميداً رحمة الله عليه ومغفرته ورضوانه (1)، ثم قال: (ولقد بالبكاء ينتحب ويشرق وينهق وما يملك دموعه
تخنقه العبرة في مو عظته
(2)
فهذه بعض من مواعظ الإمام أبي عبيدة وهى قليل من كثير، ويكفى أن السامعين لمواعظه يتزاحمون إليها ويتنافسون بالركب وحسب قول ابن عبد العزيز فإن هذه أواخر خطب ومواعظ الإمام.
من
وتشير مقدمات رسائله إلى الآفاق إلى بلاغة خطبه ومواعظه الآخذة بالقلوب والبصائر، جاء في مقدمة رسالته في الزكاة إلى أهل المغرب (إلا الذين رأيته أصلح الجماعتكم وأقوم لشأنكم وأرفق لضعيفكم وأعطف لقويكم وأجمع لأموركم وما توفيقي إلا بالله) (3).
"
ففى هذه المقال حكمة وبلاغة منطق ووضوح مقصد ليأخذ بقلوب من أرسل إليهم الرسالة. ويجمعهم على كلمة واحدة وليلتم شملهم. كما أنه أبلغ المقال وأكثر النصح فيه للمغاربة أيضاً بالموعظة في رسالته هو وحاجب إليهم في شأن قضية الحارث وعبد الجبار، فالرسالة مملوءة بالموعظة والكلام بالتي هي أحسن وهي قوية الأسلوب بعيدة المأخذ (4)
وبسبب جهود الإمام أبي عبيدة في الدعوة إلى الله وممارسة الدين الإسلامي ومحاربة البدع والخرافات فقد لاقى عنتاً ـ كما لاقي غيره من أهل الدعوة إلى الله. من والى البصرة يومئذ الحجاج بن يوسف الثقفى كما سنراه في المطلب الآتي: المطلب الرابع: محنة الإمام أبي عبيدة:
إن الجهود التي بذلها الإمام أبو عبيدة في سبيل الدعوة الإسلامية وإظهار ما
(1) مقدمة من رسالة الزكاة: ص 513 من هذ البحث. (3) مقدمة رسالة الزكاة: 513 من هذا البحث.
(2) انظر: ملحق 2 من هذا البحث. (4) انظر: الملحق 1 من هذا البحث.
213 (1/213)
صفحة 204
اندرس من شريعة الإسلام الخالدة سببت له تلك المحنة التي لا قاها من الحجاج بن يوسف الثقفى الذى وطد الملك لآل مروان بن الحكم، فكان ساعدهم الأيمن في العراق، وملكوه الحجاز أيضاً بعد هزيمة ابن الزبير، كما جاء ذلك في كتب التاريخ
الإسلامي، وأعماله البشعة بفقهاء المسلمين وخيارهم مشهورة لا داعى إلى ذكرها. فالذي لاقاه هذا الإمام شبيه بما لاقاه سلفه جابر بن زيد، وزميله ضمام بن السائب، وغيرهما من المشايخ الأباضية وغيرهم، ناهيك بمن قتلهم من خيار المسلمين وكان آخر من قتل سعيد بن جبير رحمه الله
بن
حنبل
وكأني بالزمان يقول لأبطال الدعوة من المسلمين لابد من إيذائكم، والذهب الصافي لا تعرف جودته إلا إذا أدخلته النار، ولقد لاقى الأئمة المصلحون أنواعاً من البلاء فقد سجن الإمام أبو حنيفة المتوفى (150 هـ) ومات في السجن بسبب أنه رفض القضاء أو أنه أفتى بجواز الخروج على المنصور، وضرب الإمام مالك بن أنس (ت 179) بسبب فتواه بعدم نفاذ طلاق المكره على البيعة، وضرب الإمام أحمد ت 241) وعذب وسجن بسبب مجاهدته للدولة العباسية وخدمته للسنة، ولاقي الإمام الشافعي (ت 204) أشد العسر والضنك أيضاً فى سبيل الدعوة (1)، وكذلك غيرهم من أقطاب الأمة الإسلامية في كل عصر وفي كل مصر إلا من رحم الله فالحجاج بن يوسف بذل كل جهد لتوطيد حكم المروانيين بما أوتي من براعة وحنكة وسياسة وجبروت وقسوة، وقرب وضاع الحديث لتنتفع منهم الدولة وينتفعوا منها، فوضعوا وجوب طاعة الأمير عدل أم جار برَ أو فجر مهما كان أمره، علماً بأن القرآن الكريم إنما نزل ليبدد الظلم لا ليقره، وينزع الجبروت لا ليوجب طاعة الطواغيت، والسنة النبوية أيضاً تؤيد رفع الظلم والطغيان، فمن غير المعقول أن تثبت أحاديث هذا شأنها وأخذوا يتأولون قوله تعالى: {وأولى الأمر منكم) (2) بولاة الأمر فتجب طاعتهم على كل حال ما داموا يوحدون الله ويقرون برسوله.
وقد غفل هؤلاء أو تغافلوا عن بداية الآية الكريمة وهى قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا فالنداء فيها للمؤمنين، فالحاكم المؤمن حقاً الذي تجب طاعته الذي لا هو
(1) أبو الحسن الندوي - رجال الفكر والدعوة في الإسلام: 111.
(2) النساء: 51.
214 (1/214)
صفحة 205
شيء
يخرج عن أمر الله وأمر رسوله، وأما من خرج عن أمرهما فليس هو من الإيمان في (1) قال تعالى: وما كان المؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) (2) وكما أن ذلك مناف لعمل الصحابة رضوان الله عليهم في طلبهم النصيحة من الأمة الإسلامية مثلما فعل أبو بكر فى خطبته الأولى، ومثل ما قال عمر رضى الله عنهما، فكان الإمام أبو عبيدة مناهضاً لفكرة الطاعة العمياء للدولة سواء إن جارت أم عدلت، وروى عن شيخه جابر عن أبي عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله أحدث من في الإسلام حدثاً أو آوى محدثاً» (3). فكان أن يري بني أمية وبنى مروان جورة لا
تجب طاعتهم إذ توصلوا إلى الحكم عن طريق الغصب لا عن طريق الشورى فهم غير مرضيين عند المسلمين، وقد تعسفوا بأخذهم المال من غير محله ووضعه في غير محله، وأظهروا فى الأرض الفساد وبطشوا بالذين آمنوا وكفى بهم ما حدث في وقعة الحرة (4)، ولم يبق بدرى بعد تلك الموقعة وحملت الأبكار وهتكت الأستار إذ استبيحت المدينة المنورة ثلاثة أيام وأخذ الناس بالقوة، وهتك الحجاج حرمة الكعبة إذ قصفها يومئذ بالمنجنيق فى حربه لابن الزبير ليوطد الملك لعبد الملك بن مروان وغير ذلك كثير (5). فكان الحجاج يدرك تمام الإدراك أن الإمام أبا عبيدة لا يرضى بهذا ولا يرضخ له وكما هو مشهور فقد تتبع من يناهضه في الفكر أشد التتبع بكل ما أوتى
من قوى (6).
لذلك ألقى الإمام أبو عبيدة وضمام بن السائب في السجن ومعهما من شاء الله أن يختبر إيمانه ويقينه من شيوخ الأباضية، ونفى أبا الشعثاء إلى عمان وأعتقد أن ذلك
(1) مراسلة مسموعة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ـ مفتي عام السلطنة.
(2) الأحزاب: 36. • (3) ولعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً أو روى. محدثاً. . رواه مسلم / أضاحي / 45/ 44، رواه الربيع بن حبيب حديث رقم 977 ص 272، أحمد بن حنبل بلفظ آخر عن الطفيل قال: قلنا لعلى: أخبرنا بسر أسره إليك فقال: ما أمرني شيئاً كتمته الناس ولكن سمعته يقول: ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً ... إلخ، 10/ 1/1، 118، 152، النسائي ضحايا / 34 معجم ونستك 124/ 6. (4) وقعة الحرة المشهورة كانت على يد مسلم بن عقبة المري بأمر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان عام 62 هـ. انظر الإمامة والسياسة لابن قتيبة 287/ 179/1، المسعودى مروج الذهب: 84/ 3. (5) انظر الفصل الأول من هذا البحث.
(6) من المراسلة المسجلة لمفتي عام السلطنة.
210 (1/215)
صفحة 206
كان متزامناً مع سجنه للأزد بما فيهم أبناء المهلب بن أبي صفرة مثل ما قرره الدكتور
عوض خليفات (1)
أن
أن
ومنع
ومكثوا في سجن الحجاج مدة طويلة حتى طالت شعورهم ومنع عليهم يوصل إليهم شيء من الحديد ليقصوا به فصاروا يقصون شواربهم بأسنانهم (2)، يوصل إليهم شيء من الطعام إلا ما يطعمون به المسجونين، فاشتهوا اللحم ذات مرة فصانعوا صاحب السجن أن يشترى لهم أربعة أرغفة ودجاجة مشوية، فجاء بها إليهم فقسموها أربعة أجزاء وقبل أن يبتدئوا بالأكل سمعوا جلبة (3) داخل السجن فخافوا أن يكونوا فطن بهم، فرموا بالدجاجة والأرغفة داخل الكنيف، ولم يكونوا قد فطن بهم فيما تبين لهم من بعد، فكان طرحهم لها فى الكنيف بعد ما عاينوها أشد عليهم لاشتهائهم لها قبل ذلك وهم لم يروها، يقول أبو سفيان: (ولما آمنوا استدركوا خطأهم) (4).
منه
وساموهم في السجن أشد العذاب فكان الشرط يأتونهم بسراكن عظام (كبار) فيجعلون فيها الماء والملح فيضربونهما حتى تظهر الرغوة فوق الماء ويأمرونهم بالشرب، ويقولون نهم: يأهل السجن خذوا ماءكم وقال ضمام: (فمن أخذ من أوله كان أمثل قليلاً وأما من أخذ أسفله فهو العذاب. وربما كان ضمام يضيق من ذلك الأمر لشدة العذاب الذى يذوقونه من الشرط، وكان طعامهم خبز الشعير وملح الجريتني فإذا ضاق ضمام يقول له الإمام أبو عبيدة: ويلك ما هناك على من تضيق؟ وعلى من
تدل) (5).
وطال بهم
الأمر في السجن حتى إنهم ينفضون لحاهم فيتساقط القمل منها كتساقط المطر، ولم يخرجوا من السجن حتى هلك الحجاج فخرجوا بعد موته (6)
(1) انظر: عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 101/ 100. (2) انظر: الدرجيني - طبقات: 247/ 1، الشماخي - سير: 81/ 1. (3) جلبة يعني: أصوات مرتفعة.
(4) الدرجيني - طبقات: 240/ 2، الشماخي - سير: 89، الحارثي - العقود: 145 وما بعدها. (5) الدرجيني ـ طبقات: 247/ 2، الشماخي - سير: 81/ 1، الحارثي - العقود: 145، دبوز تاريخ المغرب الـ
107/ 3 السيابي - إزالة الوعثاء: 34.
(6) الدرجيني - طبقات: 247/ 2، الشماخي - سير: 81/ 1.
216 (1/216)
صفحة 207
وعمد إلى ثلاثة رجال من كبار الفضلاء المناوئين له فقصد تعذيبهم أكثر من غيرهم، فبنى لهم بيتاً صغيراً من القصب وطلاه بالعذرة من داخله وخارجه، فألقى بهم فيه فمثلوا ثلاثة أيام فقط ثم ماتوا إذ لم يستطيعوا مقاومة الرائحة الكريهة منه (1) وفي أواخر أيام الحجاج كثر الموت في المسجونين فصار يلتمس لهم طعاماً يعذبهم ولا يموتون، ثم وقع الموت فى أهل السجن فبلغ ذلك الحجاج فأرسل إلى فقال له: ويحك إن أهل السجن قد وقع فيهم الموت وإني لأحب تعذيبهم، قال: اجعل طعامهم الزيت والكراث، قال أبو سفيان: قال ضمام: لما جاءنا الزيت والكراث قوينا عليه وسمنا، قال: فيقال للمجوسي: ويحك ماذا أردت بهذا لو تركتهم فماتوا لكان أروح لهم، قال: وأى راحة لهم في الموت؟ ولعل هذا أن يموت فيخرجوا، ومن مات فلا مطمع فيه) (2)
طبيب له
مجوسي
فانظر كيف كان المجوسى أرأف بالمساجين من الحجاج، وأرجى لحياتهم لأن موتهم - في نظره - ليس فيه فائدة لهم ولا للمجتمع فلعل الحجاج يموت ويعود هؤلاء إلى طبيعة الحياة وهذا ما وقع بالفعل.
فقد مات الحجاج ولم يحمل معه سوى الإثم وسوء الذكر ولم ينل من الحياة إلا ما استهلكه من اللذات العاجلة والأثرة الزائلة عند أوليائه بني مروان، فزالوا كلهم من الحياة وبقى أولئك الأعلام ينشرون الإسلام ويبلغون الناس صوت الحق ويؤدون أمانتهم حسبما أمر الله، فكان سجنه لهم كرمى العود العطري في النار، إذ بلغت رائحته كل من كان فيه بقية من حاسة الشم وبقيت آثارهم الخالدة
عموماً
وكان للإمام أبي عبيدة دور مهم في محاربة البدع المنتشرة في البصرة والعراق، وله مواقف سنبينها في المطلب الآتي
المطلب الخامس: موقفه من البدع:
عاش أبو عبيدة في عصر تموج فيه البصرة بالتيارات المتناقضة والمدارس الكلامية المختلفة والنزاعات المتباينة، فقد عاصر نشأة الشيعة والقدرية والمرجئة الخوارج الذين استحلوا دماء المسلمين وأموالهم وحرمة نسائهم وعاصر أيضاً تيار الزندقة، وعاصر
(1) نفس المرجع السابق.
(2) نفس المرجع السابق
217 (1/217)
صفحة 208
من
بين
مستجدات في ساحة العمل، مع هذا كله فقد استطاع أن يبلور الفكر الأباضي من
هذه المبادئ والنزاعات.
وكان له موقفه الواضح من البدع المنحرفة وتمسكه بالحديث الصحيح الذي رواه ابن عباس بواسطة شيخه أبى الشعثاء عن النبي الله قال: «لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً أو آوى محدثاً» (1) .. وقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) أي مردود على صاحبه .. فقاوم الإمام أبو عبيدة البدع بشتى أشكالها عقائدية كانت أم عملية فعندما قيل له أن مقاتلاً يقول: إن الله خلق آدم على صورته قال: كذب مقاتل) (3) ولم يبلغ به إلى التشريك، ولكنه رد عليه بدعته بتكذيبه فيما يقول بلا دليل علمى، ولعله يتأول أن الله خلق آدم على صورته التي أوجده عليها في الدنيا أى على هيئته هو أى آدم فيكون الضمير عائداً على آدم. وكان يقول فى أهل الأهواء لما نزل قول الله تعالى ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً (4) قالت الشياطين لإبليس: ذهب عملى فى ابن آدم باطلاً فقال: سأحدث لهم ذنوباً لا يمكن لهم التوبة والاستغفار منها فأحدث لهم هذه الفرق والأهواء) (5).
وكان من جملة البدع التي دأب على محاربتها وراثة الخلافة بأن لا تكون شورى بين المسلمين وبذل جهداً كبيراً فى هذا الميدان إلى أن استقامت دول في ثلاثة أقطار إسلامية على طريقة الشورى، وحذر من ابتغاء المنزلة عند أمراء الجور على حساب طاعة الله عز وجل لئلا يفتنون الأمة ويظهر الفساد في الأرض (6)، وحذر من اتباع علماء السوء لأنهم هلاك للأمة بتقربهم إلى الأمراء فيغتر بهم الناس (7)، ومثل
(1) الربيع: الجامع الصحيح: السالمي شرح الجامع الصحيح: 70/ 1، وسبق تخريجه ص 215) من هذا البحث. (2) المرجع السابق: 80 .. الحديث من عمل عملاً ليس أمرنا فهو رده أبو داوود: باب لزوم السنة: 200/ 4 – أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب النجش: 145/ 8 كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول: 153/ 9، مسلم كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة الأمور: 1343/ 3 أبو داوود كتاب السنة - باب لزوم السنة 200/ 4.
(3) مجموعة من علماء عمان - سيرا المسلمين: 306.
(4) النساء: 110.
(0) المالكي غاية المطلوب: 74.
(6) لأي غانم بشر بن غانم الخرساني ـ المدونة الصغرى: 146/ 2.
-
(7) ربيع حبيب ـ جامع الصحيح: 18 وشرحه.
ورد
محدثات
218 (1/218)
صفحة 209
،
ذلك كان موقفه فى إنكار المعاصى وبيان بطلان اعتقاد بقاء الإيمان العصاة وسمى من اعتقد ذلك بالمحدثين كما تقدم، والواقع أن تلك المسألة شائكة تحتاج إلى بحث مطول ولا مجال هنا لذلك، ولعل الله يقيض لها من يبحث فيها ويبرهن عليها. وكان الإمام أبو عبيدة يحرم التصوير وكره عمل التصاوير ولو كانت مرقومة في ثوب، ولا يدخل بيتاً فيه التصاوير على الجدران (1) وسأله أهل المغرب في يوم من الأيام ـ وكانوا حاضرين في مجلسه النحلة التي ينحلها الرجال الأجانب، إذ تكشف لهم جسدها وتلبس خامة رقيقة فيرون جسدها فينحلونها شيئاً مقابل نظرهم إليها فاستقبح منهم هذا السؤال وأنكر عليهم هذا العمل وقال: (لا نحلة لها على هؤلاء الذين أعطوها على النظر إلى الحرام، لأنه محرم عليهم النظر إلى ما
المرأة
ينتمى
-
عن
(2)
من
ذكرتم من صدرها وثدييها وسائر جسدها، فسأله رجل منهم وهل ذلك قبيح؟ فأجابه وما أقبح من هذا أبقى أحد يعقل يفعل مثل هذا ويرضى به أما موقف الإمام أبي عبيدة من الخوارج فإنه كان من المجافين لهم والمباعد لمن إليهم إقتداء بشيخيه جابر بن زيد، وجعفر بن السماك، فيروى عن جابر أنه كان يجادلهم فيفحمهم الحجة، وأن جعفر قاتلهم مع حبيب بن المهلب هو وحتات ابن كاتب فقتلا معه في حربهم، فتكلم الناس فيهما فأظهر أبو عبيدة ولايتهما، واعتبر أن جهاد الخوارج طاعة لاستحلال ما الله حرم من دماء المسلمين وأموالهم (3). كما أن موقفه من اللهو موقف صلب، فكان يحرم اللهو وقد دعى ذات مرة إلى وليمة فنظر اللعابين فرجع وتركهم (4)، ولم يحفل بهم واعتبر ذلك مانعاً من إجابة الدعوة للوليمة المأمور بحضورها لأنها اختلطت بالمعصية، وبالجملة فإنه يقف موقف
المتصلب من البدع والخرافات فلا يمنعه مانع من إنكار ما يراه منكراً كما رأينا. وتشح علينا المصادر عما إذا كانت له مواقف أخرى في هذا المجال وقد حاولنا العثور على أشياء أخرى فلم نتحصل على شيء.
وقد حمل حديث أبي بشير الأنصارى الذى نهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره
(1) الديوان المعروض: 187. (3) الحارثي ـ العقود: 140.
(2) أبو غانم - المدونة الكبرى: 48/ 2.
(4) أبو: غانم - المدونة الكبرى: 105/ 2، المدونة الصغرى: 99/ 2.
219 (1/219)
صفحة 210
-
عن ن أن تبقى أى قلادة في أعناق الأبل سواء كانت من وبر أو غيره، ونادى مناديه بذلك فى الجيش حملها الإمام أبو عبيدة على أن الناس يومئذ يعتقدون أن ذلك يرد العين وأنها تصيب دوابهم، فنهاهم النبي عن ذلك، وكذلك حمله مالك في الموطأ ورواه عنه البخارى ومسلم (1) وذلك لأن هذا ينافي العقيدة الإسلامية الصحيحة وينافي القدر، فالله تعالى قضى فى ما كان وما سيكون، فقلادة الوبرلا ترد القضاء ولا القدر
وقد آثر الإمام أبو عبيدة علماً جليلاً انتقل عنه بواسطة تلاميذه الذين كان منهم العلماء والقواد الكبار والمصلحون والمخلصون استطاعوا أن ينقلوا عنه ثروة علمية خالدة وتلاميذه أنفسهم هم ثروة كبرى وأثر عظيم من آثاره وسوف نبين ذلك في
المبحث الآتي.
(1) لا يبقين في رقبة البعير قلادة من وبر ولا غيره إلا قطعها. رواه الربيع بن حبيب حديث رقم 729 ص 189 الجامع ر الأنصاري، البخاري - جهاد / 139، مسلم لباس / 105، أبو داوود ـ
الصحيح عن أبو عبيدة بالبلاغ عن أبي بـ بشير
جهاد / 45 مالك في الموطأ في صفة النبي الله / 36 أحمد بن حنبل 216/ 5.
220 (1/220)
صفحة 211
المبحث الثاني
تلاميذ الإمام أبي عبيدة
221 (1/221)
صفحة 212
:
من
6
(3)
مضايقات
لما كان الإمام أبو عبيدة طوداً من أطواد العلم وبحراً خضماً يشار إليه بالبنان بين أقرانه في التعلم والتعليم (1) إذ هو (كبير تلاميذ جابر) (2) فكان ثالث أركان المذهب الأباضي وحامل لواء العلم والإمامة فيه، وقد حبس نفسه أربعين سنة للتعليم فانتشرت العلوم في مشارق الأرض ومغاربها عن أبي عبيدة) (4)، وأخذ عنه خلق كثير لا يحصون عدداً (5)، كانت مدرسة أبي عبيدة ـ رغم ما يكتنفها الحجاج ومعاكساته ـ مصدر إشعاع دينى أضاء مشرقاً ومغرباً (6)، فقد كانت هذه المدرسة تستقبل البعوث من المغرب وغيره كى يتعلموا فيعودوا إلى أوطانهم معلمين داعين إلى الله وانضم إليها عدد كبير من التلاميذ النابغين النابهين الذين قاموا بعد ذلك بالعمل الجاد (7)، وصار التلاميذ يتهافتون فى تلك المدرسة فهذا صادر وهذا وارد (8). فانتقل عنه العلم بواسطة هؤلاء التلاميذ الذين أقبلوا من العراق نفسها، ومن اليمن والحجاز وخراسان وعمان وشمال أفريقيا ومصر وغيرها (9).
—
يقول بعض الباحثين: (ولا يبالغ الباحث إن قال: إن جل علماء الفقه الأباضي الأول كان أستاذهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، فمدونة أبي غانم بشر بن غانم الفقهية التي تعتبر من أقدم ما دون فى الفقه الأباضى ما جاء فيها كان كله من طريق تلامذة أبي عبيدة، وعنه كذلك ما جاء عن طريق حملة العلم إلى المغرب من علم، حتى إن كل من جرت على أيديهم نسبة الدين في ليبيا أو تونس أو
فعنه
أيضاً الجزائر من أتباع هذا المذهب ينتهون إليه) (10)
(1) انظر: أبو غانم - المدونة الكبرى: 308/ 22 الشماخي: 78/ 1. (2) الدرجيني ـ طبقات: 238/ 2، السالمي - مقدمة شرح الجامع الصحيح: 1/هـ. (3) انظر: الحارثي - العقود: 139/ 2، محمد أطفيش - الإمكان: 13. (4) السالمي - - سير: 86/ 1.
(5) انظر: الشماخي - سير 86/ 1 اللمعة المرضية: 13، السيابي - إزالة الوعثاء: 38. (1) الجيطالي إسماعيل بن موسى – قواعد الإسلام 88/ 1، رفعت فوزى ـ الخلافة والخوارج 27.
(7) ن م الصفحة.
(8) الحارثي - العقود: 309/ 2. (9) اللمعة المرضية: 13، العقود 147، السيابي سالم حمود ـ طبقات المعهد: 41. (10) عمر مسعود ـ الربيع محا محدثاً::: 158، وانظر طبقات المعهد الرياضي: 41.
223 (1/223)
صفحة 213
وأجل هؤلاء التلاميذ قدراً الربيع بن حبيب، في المكانة العلمية والمعرفة التالية وهو راويتهم للحديث الشريف، وإليه انتهت رئاسة الأباضية بعد الإمام أبي عبيدة بالبصرة، فلهذا أرسل إليه أهل المغرب رسالة للاستفتاء في مسألة إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن عندما وقع الخلاف بينهم وبين يزيد بن
فندين
(1)
أما مفهوم حملة العلم فهم التلاميذ الذين تخرجوا من مدرسة الإمام أبي عبيدة ثم رجعوا إلى بلدانهم معلمين (2)، والعدد لا مفهوم له عندما يقولون حملة العلم خمسة إذ قد يكونون أكثر خمسة، وقد يكون بعضهم أسبق فى وصوله إلى بلده من البعض الآخر، ولكنهم أطلقوا هذا الاسم. على من جاء دفعة واحدة كالخمسة الذين رجعوا إلى
من
المغرب ومعهم أبو الخطاب المعافري اليمني.
وهناك فريقان من تلاميذ الإمام، فريق الأكابر من التلاميذ وفريق الأصاغر، وهذا أمر طبيعي في تلاميذ كل إمام إذ ليس من الممكن أن يتجمع التلاميذ في حقبة واحدة، خصوصاً وأن الفترة التي قضاها الإمام في التدريس والدعوة طويلة إلى حد ما، قد
تصل إلى الخمسين عاماً أو أكثر.
فالأكابر
منهم
مثل الربيع وطالب الحق الكندى وبلج بن عقبة المقورى وأبو حمزة المختار بن عوف السليمي، وسلمة بن سعد الحضرمي، والجلندى بن مسعود الأزدى
الجلنداني ومن في مستواهم.
والأصاغر مثل وائل بن أيوب الحضرمي، وأبوعبيدة عبد الله بن القاسم البسيوى العماني، وشبيب بن عطية العماني، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل وأبوعبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسى، وحملة العلم المغاربة، وأبو المهاجر الكوفي، و محمد بن مسلمة المدنى، ومن في مستواهم.
الله
بن
الفقهاء
وقد دارت منافسات علمية بين بعض طبقة الأصاغر وعلى رأسهم عبد عبد العزيز، وطبقة الكبار وعلى رأسهم الربيع، وهي منافسة طبيعية بين وخصوصاً إذا كانوا في جيل واحد وينتمون إلى مدرسة واحدة، وقد تدخل الإمام للإصلاح بينهم وأيد الربيع عليهم فسكنوا حتى توفى الإمام، فلما خلفه الربيع عادوا
(1) انظر: ترجمة الربيع ص 249، ما بعدها. (2) انظر: محمد أطفيش: الإمكان – 113.
224 (1/224)
صفحة 214
إلى المنافسة فهجرهم الربيع ويقول الشيخ بكلى عبد الرحمن بن عمر: (وفي الحق أن
هذه الظاهرة لا يصح. أن نعتبرها خلافاً. بل تمخض فكرى يبشر بنهضة زاهرة لأن
مي
يوجد له منفذاً ومتنفساً وإن
الآراء، والمعلومات لا تستكن بل هي كالبخار لابد أن أحدث زلزلة) (1). وقد بات من الواضح أن الأكابر من تلاميذه كان أكثرهم من العراق واليمن والحجاز وخراسان وعمان، وذلك لكثرة اتصال سكان هذه الأقطار بالبصرة ولاختلاط القبائل بعضها ببعض هناك، فحصل بسبب ذلك الالتقاء بين طلبة العلوم وشيوخهم بصورة أسرع وفي فترة مبكرة، أما التلاميذ المصريون والمغاربة فقد جاءوا في فترة متأخرة بعد انتشار العلم والمعرفة ووصول المبادئ التي نادى بها الأباضية إلى الأقطار المجاورة وغيرها ولذلك كان مجئ تلاميذه المغاربة متأخراً بعد ما أرسل الإمام إليهم من يعلمهم ويرشدهم فاتجهوا بعد ذلك صوب البصرة، ولهذا قدم الباحث المطالب الخاصة بالمشارقة وجعل الأخير خاصاً بالمغاربة.
ثم إن الذين أخذوا من هذا الإمام عدد كبير، ولكن تشح علينا المصادر بالمعلومات المفصلة بل وجدنا عن بعضهم إشارات فقط ولذلك لم أستطع وضع وخصوصاً أماكن ولادتهم ووفاتهم أو حتى إقامتهم بدقة ولكن حاولت
تفاصيل عنهم و تحديد ذلك بقدر الإمكان.
كما اتضح أن الذين كان لهم دور في السياسة استطعنا الوصول لبعض المعلومات عنهم بصورة أكثر، أما الذين لم يكن لهم دور في ذلك فالمعلومات عنهم شحيحة.
وقد قسمت هذا المبحث إلى أربعة مطالب:
المطلب الأول: تلاميذ الإمام أبي عبيدة في العراق.
المطلب الثاني: تلاميذ الإمام أبي عبيدة في اليمن والحجاز وخراسان المطلب الثالث: تلاميذ الإمام أبي عبيدة في عمان
المطلب الرابع: تلاميذ الإمام أبي عبيدة في مصر وشمال أفريقيا.
(1) انظر تعليقه على قواعد الإسلام: 176/ 1
225 (1/225)
صفحة 215
المطلب الأول: تلاميذ الإمام أبي عبيدة في العراق:
حمل العلم عن الإمام أبي عبيدة إلى العراق جم غفير من الناس (1) وها أنا أذكرهم
على التوالي:
1 ـ أبو غسان مخلد بن العمرد الغساني (2) وعده صاحب الطبقات من رجال
(4)
الخمسين الثانية من المائة الثانية (3)، وقال عنه: (ومنهم أبوغسان مخلد بن العمرد رحمه الله أحد علماء الفروع والكلام، والمناضلين عن كلمة أهل دعوة الإسلام، وممن أصحاب أبي عبيدة وضع يده في العلوم وأيده إن أفتى، فالشمس مشرقة الشعاع وإن ناظر فالقمر مقتد في البقاع، وهو من أقاد واستفيد منه ورويت الأحاديث والفتاوى عنه) (5)
نجب
من
فهو من طبقة الربيع بن حبيب، وممن أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة، وكان فقيهاً متكلماً (6)، وروى بشر بن غانم في مدونته كثيراً أقواله من، ومروياته عن الإمام أبي عبيدة فكان من جملة السبعة الذين روى عنهم مدونته.
بن
وحدثت مناظرات بينه وبين عبد الله بن عبد العزيز من تلاميذ الإمام أبي عبيدة، جملة هذه المناظرات ما رواه أبوسفيان قال: (جاء رجل إلى مخلد ومن العمرد فقال له: يا أبا غسان، إن عبد الله بن عبد العزيز وجماعة معه يقولون: بن أفتى الناس بما لا يعلمونه حقاً فإن لهم أن يقفوا عنه، فقال له أبو غسان (7): أنت سمعته؟ قال: نعم قالي: فارجع إليه وقل له: يابن عبد العزيز: ما تقول فيما أفتيتنا به من أمر حجنا فإنا لا نعلم ما تقول حقاً! ألسنا: يجب لنا أن نقف؟ قال: ففعل الرجل: فقال له ابن عبد العزيز: أنت رجل متعب ولم يجبه بشيء فانصرف الرجل إلى أبي غسان فأعلمه
(1) أبو غانم - المدونة الكبرى: 305/ 1.
(2) اين سلام - الإسلام وتاريخه: 135، الدرجيني - طبقات: 290/ 2 الشماخي - سير: 102/ 1 ابن خلفون ـ
أجوبة: 15
110:
(3) الدرجيني - طبقات: 7/ 1.
(4) ورد اسمه (المعرد) وهو خطأ: الطبقات: 290/ 2.
(5) ن م الصفحة.
(6) ابن خلفون - أجوبة: 115، الجيطالي - قواعد الإسلام: 264/ 1.
(7) هذا هو الصواب وما ضبط في الطبقات (سفيان) سهو من الناسخ والتصويب من الشماخي – سير: 102/ 1.
226 (1/226)
صفحة 216
بذلك، فقال أبو غسان: إن الذي قال لا يجوز في الدين ولا يسع نقضى ولاية أهل الدين إلا بما يسع مفارقتهم (1)، ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته ولكنه كان موجوداً عند ورود رسالة المغاربة إلى الربيع بمكة في مسألة الإمام عبد الوهاب في خلافه مع ابن قندين (2)
خلف بن زياد البحراني، نشأ بالبحرين ثم خرج منها يلتمس العلم
والهدى، فجاء إلى البصرة ولقى الإمام أبا عبيدة كان كلما لقى أحداً من المسلمين من أهل الفرق طلب منه أن يعرف مذهبه فإذا عرفه قال له: الحق في غير هذا، حتى بلغ البصرة ولقى بها الإمام أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة فسأله عن مذهبه، فلما أخبره هو، فتمسك به حتى مات) (3).
قال: الحق هذا
وكان من طبقة الربيع بن حبيب ولما ارتضى مذهب أبي عبيدة مكث في البصرة ليأخذ العلم عنه ثم ارتحل منها إلى عمان ومات بها، وكان من الذين ساهموا في نشر العلم بعمان في النصف الأول من القرن الثاني الهجرى لأنه كان من أصحاب الجلندى بن مسعود. وتوجد له سيرة طويلة (رسالة) ضمن كتاب سير المسلمين العمانيين وتشتمل هذه السيرة على أبواب واسعة من علم الكلام وخصوصاً في ما بالأسماء والأحكام، وهى تدل على رسوخ قدمه وسعة اطلاعه في العلم
يسمى
و المعرفة بالفرق (4)
ومما جاء في هذه الرسالة ولتحضر نكم مع ذلك نياتكم، باتقاء مقته والمخافة لعقوبته في انتهاكها، فإن الله لا ينفع بترك المعصية إلا على ذلك من النية فاتركوا ما تركتم منها لوجه الله تكرمة له، وتحلة، وذلك جماع أهل التقوى. فإنه لذلك منكم أهل، وأنه هو أولى بطاعتكم وأحق بعبادتكم لما تولاه من خلقكم، والنعم التي هي لكم مع أن حضور النية منكم ولكم في الذى حضضتم. عليه من الطاعة، وفيما نهيتم المعصية، دركاً لما تطلبون من ثواب الطاعة والنجاة عما تخافون من العقوبة
عنه من
102/ 1:
(1) الدرجيني - طبقات: 290/ 21، الشماخي - - سير: (2) أبو زكريا ـ السيرة: 93، الدرجيني ـ طبقات: 49/ 1 50، سليمان الباروني - الأزهار: 106/ 2. (3) خميس الشقصى الطالبين: 620/ 1، وانظر محمد بن يوسف أطفيش - إزهاق الباطل:
-
-
132/ 7 - 134 هـ.
منهج
(4) مجموعة من علماء عمان - سير المسلمين: 583 سيرة خلف بن زياد البحراني).
227 (1/227)
صفحة 217
في المعصية فاعقلوا ذلك وانتفعوا بما عقلتم منه، ولا تكونوا فيما عقلتم منه كمن لا يعقله، فهذا والقوة لله، لا قوة إلا بالله
حين
ثم ليكن مما تتقون به وتتقونه فيه طلب المخرج لأنفسكم من شبهات الأمور والفرقان بنور البرهان من لبس الفتن وليست في الدين، فإن خصمكم فيه غير واحد من الناس، ولا واحد من الملل فاحذروا الزلل في الدين فإن مهاوى من زل فيه في نار جهنم، واحذروا التقول على الله بغير الحق فإنه مسود من كذب فيه على الله غداً إليه بتحريم ما أحل من حلاله وإحلال ما حرم من حرامه ... إلخ) (1). وسيرته تقع في إحدى وثلاثين صفحة من القطع الكبير. ولم نعثر على تاريخ ولادته، وإنما ذكرناه مع تلاميذ العراق لإقامته بها، وتوفى زمان إمامة الجلندى بن مسعود (132 - 134 هـ)، بازكي من غسان
يصير
(2)
3 ـ المعتمر بن عمارة بن سالم بن ذكوان الهلالى وكان من مشايخ المسلمين و خيارهم ومن أولى الفضل)، وتلقى العلم على يد الإمام أبي عبيدة وكان يقول له يا أبا عبيدة: إنك لأحب إلى من والدى فقال له الإمام: كذلك ينبغي لك يا معتمر تكون، لأنك بذلت لي ما لم تبذله لأبيك) (3). ويعنى بذلك النصح في الدين
والولاية والرضا.
أن
ويحكى أبو سفيان عنه أنه كان يقول: ما لقى الله أحد ممن يقر بالإسلام بذنب أعظم، من ترك الصلاة متعمداً) (4).
من
أن
وقال عنه أبو سفيان: إنه من خيار من أدركه المسلمين، وكان يحب يكتم نفسه عن الظهور بعلمه، وكان يقول: إن للعالم أن يعبد الله بكتمان علمه ما لم يحتج إليه، وقد حفظ العلم عن الإمام أبي عبيدة وضمام). وهو من طبقة الربيع من
(0)
علماء القرن الثانى الهجرى، ومن ضمن الذين طلبوا إلى الربيع الخروج إلى موسم الحج
(1) مجموعة من علماء عمان - سير المسلمين: 583. (2) الشماخي - سير: 101/ 1.
(3) ن م والصفحة، الدرجيني ـ طبقات: 245/ 2.
(4) انظر: الشماخي - سير: 101/ 1، المالكي - غاية المطلوب: 21.
(5) الشماخي - سير: 101/ 1، المالكي ـ غاية المطلوب: 19.
228 (1/228)
صفحة 218
عبيدة (1) بعد وفاة الإمام أبي
ومن ضمن الذين طلبوا من الربيع أن لا يكلم أبرهة بن عطية الذي قدم من الجزيرة إلى البصرة لئلا يفسد جماعة أهل الدعوة والربيع ما كان يعرفه، وكان يدنيه ويقربه حتى جاءه المعتمر وعبد الملك الطويل (2)
وكانت له مناظرة شعيب بن المعرف الذى رأى أن لا تصلى الجمعة خلف مع الجبابرة ذكرها صاحب السير عن أبي سفيان قال: قال شعيب بن المعروف للمعتمر ابن عمارة: أقبل منى أن أقول: إن المسلمين جمعوا مع الجبابرة وهم أفضل منا، فقال المعتمر: هم أفضل منك في حضورها وتركك لها، قال: لا تحمل عنى ذلك، قال المعتمر: إنما كلامك في الجمعة، فإن زعمت أنهم أفضل منك في حضورها، قبلت منك قال: لا أعطيك ذلك، قال المعتمر: ذلك لتعلم أنك طاعن عليهم في حضورهم
لها) (3)
ولم نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته إلا أنه ممن انتهت إليه رئاسة العلم بعد أبي عبيدة (4)
وفاة
4 ـ عبد السلام بن عبد القدوس العراقى البصرى، وكان من تلاميذ الإمام أبي عبيدة وكان ثقة، وفياً لشيخه الإمام وارتضاه مع الربيع أن يأتيه الفتيان الذين تبرأ الإمام فعادوا إليه تائبين، فيبلغونه هو والربيع توبتهم، ومعنى ذلك أن يشهد العدلان على توبتهم، فلما أتوهما وأخبروهما بتوبتهم أعادهم الإمام أبو عبيدة إلى المجالس التي يحضرها التلاميذ (5)
منهم
فكان
من طبقة الربيع ومن معاصريه ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته، وكان
ممن روى عنهم الربيع بن حبيب وهى رواية تابع التابعين عن مثلهم (6)، ونفى
(1) الدرجيني - طبقات: 273.
(2) الدرجيني - طبقات: 277/ 2، الشماخي -
(3) الشماخي -
سير
1.1/ 1:
سير
(4) مجموعة من علماء عمان - السير والجوابات: 292/ 1 - 293.
(5) الشماخي – سير: 80/ 1.
(6) السالمي - مقدمة الجامع الصحيح: 1/ هـ.
229 (1/229)
صفحة 219
صاحب السير عن عبد السلام بن عبد القدوس أن يكون من المجاهل، وقال: إنه من شيوخ أهل الدعوة البصريين إذ ذكر أبو يعقوب مرتب الجامع الصحيح هذا الشيخ من من روى عنهم الربيع وقال: إنه لم يعثر على ذكره (1).
جملة
عنه
6
(2)
ه - عبد الملك الطويل، من البصرة ممن أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة، يقول الشماخي: (كان شيخاً فاضلاً وعالماً متقناً استفاد وأفاد، وكان له مجلس وبلغ حاجباً أبا مودود أن مجلس عبد الملك الطويل تؤمه جماعة كثيرة بالليل في البصرة لسماع العلم – وكان ذلك في عهد الحجاج أو بعده ـ وقد كان صوتهم يخرج حتى يسمعه الجيران، فأرسل حاجب إليه ونهاه عن رفع الأصوات لئلا يفطن بهم فقال عبد الملك: إن أمرتنا أن نفعل فعلنا، وإن أمرتنا بالترك تركنا فقال حاجب: لئن تخافون وتعمرون لأحب إلى من أن لا تخافون وتخربون (3).
-
وكان يؤدبه حاجب أبو مودود وينصحه وينهاه وقال له ذات مرة فيما يأمره به: إذا كان رجل من المسلمين يعيب عليه المسلمون في أمر بينه وبين ربه، فاستروا عليه وغطوه وأحضروه مجالسكم، وإن كان عليه على خلافهم في الدين فاهجروه وأعلموا الناس به كي يحذروا من أمره (4).
يريد أن يحدث فسقا بين المسلمين وقد عابوا
تلاميذ الإمام
وهو
ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته ولكنه من طبقة الربيع فهو من أبي عبيدة وحاجب، وممن انتهت إليهم رئاسة العلم بعد أبي عبيدة (5) 6 ـ المثنى بن المعرف، وهو من البصرة وكان أخاً لشعيب بن المعرف الذي خالف الربيع بعض المسائل يقول عنه الشماخي: (وكان شيخاً تقياً فاضلاً) (1) علماء الطبقة الرابعة أى النصف الثانى من القرن الأول الهجرى، وأراد الإمام من أبو عبيدة إيفاده مع الربيع لموسم الحج ورغب في خروجه فأبى وقال: ما كنت لأفعل: أخرج مع الربيع والربيع غاية في سنه وفضله ومعرفته، فما أشير عليكم أن تبعثوا غلاماً حدثاً مثلي کفي به، فازداد له أبو عبيدة حباً (7) ولم نقف على تاريخ ولادته
(1) الشماخي ـ سير
(3) ن. م والصفحة.
(2) الشماخي - سير: 99/ 1.
(4) الشماخي -
(5) مجموعة علماء عمان - السير والجوابات: 292/ 1 - 293.
(6) الشماخي – سير: 101/ 1.
سير
./\
(7) المرجع السابق: 102، الجيطالي - قواعد الإسلام: 103/ 1، السيابي – طبقات: 37.
230 (1/230)
صفحة 220
ولا وفاته.
7 ـ المليح، ولا نعرف اسم أبيه ولكن ورد في السير اسمه مجرداً من غير ذكر الأب قال عنه الشماخي: (ومنهم المليح، وكان من العلماء الأخيار والفضلاء الأبرار) (1). ويروى أبو سفيان عنه: أن المليح سمع ذات ليلة بمجلس منعقد في منزل حاجب فسار إليه فاستأذن هو وشخص عماني آخر شعيب بن المعرف أخ معه ومعهم المثنى، فأذنوا للمليح والعماني بالدخول وردوا شعيباً: فبعثه حاجب أن يأتى ببلج بن عقبة السقورى العماني، فجاء فصلينا العشاء وسهرنا حتى أصبح الصباح (2)، ولم نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته
الصدقات
من
يجمع
ـ ديال بن يزيد، وكان من أهل الصلاح والفضل، وكان دأبه أن الأغنياء للفقراء فيوزعها بينهم (3) ولم نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته، الأكسية والطنافس والقطف يستأجرها ليوزعها على الفقراء، وليس عنده وفاء ثم يجمع لها التبرعات من الأغنياء فيوفى أصحابها.
وكان يجمع
9 ـ أبو النظر بسطام بن عمر بن المسيب بن زهير الضبي، وكان صفرياً من أصحاب شبيب، ففر من الحجاج فنزل في حي الأزد بالبصرة وكان اسمه مصقلة ثم غلب عليه اسم بسطام، فدعاه المسلمون فقالوا: ندعوك إلى ولاية من قد علمته يقول الحق ويعمل به، وإلى براءة من قد علمته يقول بخلاف الحق ويعمل به. والوقوف عمن لا تعلم حتى تعلم، قد: فعلمت أنه الحق وأنه دينا الله (4). وذكر الشماخي: أنه من خيار المسلمين وفضلائهم وله عندهم فضل وشرف، وإذا حضر المجالس كان أول من يتكلم (5)، ولم نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته.
10 ـ أبو محفوظ، ولم نعثر على اسمه واسم والده، وحكى عنه أبو سفيان أنه من خيار من أدركه، فهو من فضلاء المسلمين، وكان ذا ثقة ومنزلة عند الإمام أبي
عبيدة
(
(6)
ولم.
نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته.
(1) الدرجيني - طبقات: 248/ 21 - 249، الشماخي - سير: 2/ 1
(2) انظر: الدرجيني - طبقات: 249/ 2.
(3) الشماخي - سير: 104/ 1، 105. (4) الشماخي - سير: 102/ 1 - 103. (5) ن. م والصفحة.
(6) ن. م والصفحة.
231 (1/231)
صفحة 221
11 ـ أنس المعلا بن، وهو من مشايخ المسلمين: قال أبو سفيان: (وهو من خيار من أدركته من مشايخ المسلمين) (1)، ولم نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته. 12 ـ سفيان، ولم أقف على اسم أبيه وكان من الذين هجرهم المسلمون فتابوا فاعتبر من التائبين. وكان حاجب يقول: يا لها من توبة كتوبة سفيان (2)، ولم نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته.
(0)
(3)
13 ـ أبو سعيد عبد الله عبد العزيز البصرى بن وهو من علماء القرن الثاني الهجرى، من طبقة الربيع بن حبيب الذين أخذوا العلم عن الإمام أبي عبيدة رحمه الله (4) كان واسع الصدر لتلاميذه ويظهر ذلك من محاورات أبي غانم له في المدونة حكى ذلك عنه،، أبو غانم نفسه، وقال فيه زميله حاتم بن منصور: (لا نزال بخير مادام فينا أبو سعيد فلافات عنا داره، ولا أوحشنا الله بفقده (6)، عاش بالبصرة ولا أدرى هل انتقل منها أم لا، ويقصد الباحث أنه انتقل إلى مصر آخر عمره هجره الربيعه بن حبيب، وكان شغوفاً بالعلم وكتابته، فكانت له ألواح يكتب فيها مسائل العلم وقال فيه زميله أبو المؤرج: (أكثر الله فينا مثل ابن عبد العزيز، إنه لطالب العلم لا يريد أن يفوته منه شيء) (7). وهو من تلاميذ أبي عبيدة السبعة الذين روى عنهم أبو غانم مدونته، بل يكاد يكون أكثر ما فيها عنه، وله آثار يوجد منها كتاب نكاح الشغار، وأكثره روايات عن شيخه أبي عبيدة مسلم، وعن أبى نوح صالح الدهان (8).
لما
وكان ابن عبد العزيز كثير القياس فى المسائل الفقهية عنده نزعة التحرر، ولكنه يلتزم الدليل، مما جعل الأباضية فى تلك الحقبة يعرضون عن آرائه ويأخذون بقول
(2) ن. م والصفحة.
(1) الشماخي – سير: 104/ 1. (3) أبو غانم - المدونة الكبرى والصغرى ومعظم الصفحات، ابن خلفون - أجوبة: 107، الجيطالي - قواعد الإسلام:
176/ 1
(4) السيابي - طبقات: 36، الجيطالي - قواعد الإسلام 176/ 1، الجعبيري: فرحات - البعد الحضاري 70/ 1. (0) أبو غانم - المدونة الصغرى: 175/ 2. (6) المدونة الكبرى: 260/ 2. (7) ن. م ص 132.
-
(8) انظر: الجعبيري، فرحات - البعد الحضاري: 70/ 1.
232 (1/232)
صفحة 222
الربيع، ولكن تراجع في زمان شيخه (1) ولما توفى شيخه أظهر الخلاف في تلك المسائل فهجره الربيع وسئل عنه الإمام أفلج بن عبد الوهاب فقال: لا يؤخذ بقوله في تلك المسائل فقط، وأما غيرها فيؤخذ بروياته وفقهه، وأما غيرها فما فيه خلاف أصحاب النبي الله و اختلاف فقهائنا فلا يدفع إسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين) (2)
و من
أ
-
هنا تظهر براءة ابن عبد العزيز من الخلاف في المسائل الفقهية لأمور هي: لم يكن خلافه في العقيدة التي لا يسع الناس الخلاف فيها مما يهلك المخالف فيها (3).
مرت بنا فتوى الإمام أفلح وهو أقرب إلى الزمن الواقع فيه الخلاف، وقد أجاز الأخذ بأقواله الفقهية إذ هو خلاف في الرأي فقط (4)
ذلك
جـ ـــ علل مخالفته لشيخه وللربيع - ولكنه لا يذكر الربيع ـ، ويعتذر من في مواضع كثيرة من كلامه في المدونة محتجاً بأنه ينظر إلى الدليل الأقوى ـ وذلك أمر واجب على الفقيه المجتهد فهو من الفقهاء المفتين (5). وبالفعل فقد أخذ الأباضية بأقواله في المدونة وغيرها. ولم نعثر على تاريخ
-
14
ولادته ولا وفاته.
، شعيب بن المعرف، ويقال المعروف البصرى وهو أخ المثنى وكنيته أبو المعروف، وهو من طبقة الربيع، وأخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة (6). وقد خالف شيخه في بعض المسائل ومن جملة هذه المسائل تشريكه للمتأولين من أهل القبلة فعاتبه شيخه وهجره مع أصحابه فتابوا على يد الربيع وحاجب (7)، ثم لما توفى (1) و كانت توبتهم ورجوعهم على يد حاجب والربيع هو وزملاؤه: شعيب وأبو المؤرج وسهل بن صالح: الدرجيني ـ طبقات: 233/ 2، الشماخي - سير: 97/ 1، وانظر هناك المسائل التي خالفوا فيها.
(2) الشماخي – سير: 109/ 1 - 110 المدونة الكبرى: 307/ 2.
(3) الجيطالي - قواعد الإسلام: 60/ 1.
(4) المصدر السابق، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 55/ 1.
(5) انظر على سبيل المثال: أبا غانم - المدونة الكبرى: 175/ 2، 294، المدونة المخطوطة: 32، 35، 36، 43،
0111
(6) انظر: الجيطالي - قواعد الإسلام: 103/ 1، ابن خلفون - أجوبة: 113 سير المسلمون: 58/ 57
(7) انظر: الدرجيني - طبقات: 233/ 2، الشماخي – سير: 97/ 1
233 (1/233)
صفحة 223
الإمام .. أظهروا خلافهم في زمن الربيع ولم يكن خلافهم في العقيدة، وقد نسبت إلى شعيب فرقة تخالف الأباضية فى بعض المسائل فقيل لهم: الشعيبية (1)، ولكن الأباضية يأخذون بأقوالهم فى الفقه عن شعيب ومن معه ممن خالف الربيع ويعتمدون إسنادهم، وقد أفتى الإمام أفلح بذلك لأن الخلاف متسع في الفقه (2)
ولكن شعيباً سافر إلى مصر فى زمن الربيع، ولما أظهر ابن فندين الخلاف في مسألة إمامة الإمام عبد الوهاب عاضده شعيب وسافر إلى تيهرت، وبقى مدة يعاضد ابن فندين في حروبه للإمام ثم انتقل إلى نفوسة والله أعلم مات بها أم لا؟ ولهذا تبرأ منه من يسمون بالنكار (3)، ولم نقف على تاريخ ولادته ولا
الأباضية وصار من وفاته.
جملة
سهل بن صالح وكان من طبقة الربيع، ومن تلامذة الإمام أبي عبيدة
بن
وكان من ضمن الثلاثة نفر الذين خالفوا شيخهم في بعض المسائل وهم عبد الله عبد العزيز، وشعيب، وأبو المؤرج وتابوا على يد حاجب والربيع، وأظهروا الخلاف مرة أخرى بعد وفاة الإمام فى عهد الربيع، ويأخذ الأباضية بأقوالهم في الفقه في غير تلك المسائل ولم يكن خلافهم في العقيدة وقد أفتى الإمام أفلح بذلك (4) وهناك ثلاثة من تلامذة الإمام خالفوه في القدر وهم حمزة الكوفي، وعطية، وغيلان الدمشقيان، ووقعت بينهم محاورة فى مجالس عدة وحاول الإمام إقناعهم فلم يقتنعوا، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك فصاروا يدعون الضعفاء والنساء من المسلمين. إلى مذهبهم، فأمر الإمام بمقاطعتهم وهجرهم وأعلن البراءة منهم فقوطعوا (5)
،
(1) انظر: سير المسلمون: 58/ 57 وهذه الفرقة كانت موجودة باليمن حتى انصهرت فى الشيعة. انظر: الجيطالي - الكشف والبيان: 51.
-
(2) انظر: الجيطالي - قواعد الإسلام: 60/ 1، الشماخي - سير 109/ 1، الجعبيري ـ البعد الحضاري: 70/ 1، السيابي ـ الطبقات: 37، السالمي - المدونة الصغرى: 8/ 7/1، المدونة الكبرى: 307/ 22، ابن خلفون ـ أجوبة:
0113
(3) انظر الدرجيني ـ طبقات: 50/ 1 وما بعدها، الشماخي - سير: 132/ 1 وما بعدها، ابن خلفون ـ أجوبة:
113
(4) انظر: الشماخي - سير: 109/ 1، السالمي - المقدمة المدونة الصغرى: 8/ 7/12، المدونة الكبرى: 307/ 2، الجعبيري ـ البعد الحضاري: 70/ 1.
(5) الدرجيني ـ طبقات: 243/ 2، الشماخي - سير: 79/ 1، الجعبيري ـ البعد الحضاري: 70/ 1.
234 (1/234)
صفحة 224
كما أن هنالك تلاميذ آخرون من العراق لم نعثر على ترجمة ضافية لهم سوى ما ذكره الشماخي، وحاولنا العثور على أكثر من ذلك فلم نستطع وهم:
1 ـ حيان بن حاجب (1)
2 - قرة بن عمر (
3 ــ أبو طاهر (3)
حبيب بن سابور
7 ـ أبو جميل (7).
4 ـ أبو سنان (4).
6 ـ أبو الوزير (6).
- عمارة (8).
المطلب الثاني: تلاميذ الإمام أبي عبيدة في اليمن والحجاز وخراسان:
أولاً: تلاميذه اليمنيون:
-1 سلمة بن سعد بن على بن أسد الحضرمي اليمني (9)، الذي جاء إلى
المغرب داعياً إلى الله ومعلماً متجشما للصعاب (10)، (أول من جاء بهذه الصفة ـ يريد مذهب الأباضية ـ ونحن بقيروان أفريقية سلمة بن سعيد (11)، وكان من طبقة الربيع. وتمنى سلمة لو يظهر ما يدعو إليه من الصباح إلى المساء أي في يوم واحد، ثم لا يبالي بما يقع له بعد ذلك ولو أدى إلى ضرب عنقه (12)، وكان لوصوله إلى المغرب صدى في أوساط البربر إذ دخل كثير منهم في المذهب الأباضي وظل قائماً إلى يوم الناس هذا، وقد ذكر أصحاب السير أن سلمة قدم المغرب ومعه عكرمة مولى ابن عباس
(1) المدونة الكبرى: 308/ 2.
(2) الشماخي – سير: 99/ 1 مجموعة مشايخ عمان - السير والجوابات: 293/ 292. (3) الشماخي - سير: 103/ 1، السير والجوابات: 293/ 292.
(4) انظر: الشماخي – سير 99/ 1:
(5) ن. م والصفحة.
(6) ن. م ص: 103
(8) ن. م والصفحة.
(7) السير والجوابات: 293/ 292.
(9) أبو زكريا ــ السيرة: 42 بالهامش، وفي الطبقات للدرجيني سلامة بن سعيد 11/ 1.
(10) ن م والصفحة، الدرجيني ـ طبقات: 11/ 1 أبو إسحاق ــ مقدمة كتاب الوضع 7. (11) أبو زكريا - السيرة 42، طبقات: 11/ 1، الشماخي ـ سيرة: 90/ 1، محمود إسماعيل ـ الخوارج في بلاد المغرب: 46، خليفات - نشأة الحركة: 136/ 134/132/ 37/11، دبوس ـ تاريخ: 183/ 3 (12) أبو زكريا - السيرة: 42/ 1، طبقات: 111 الشماخي - سير: 90/ 1، سير المسلمين ـ 581 وانظر: عن وصوله إلى المغرب وانتشار الدعوة هناك مر 208 من هذا البحث وما بعدها.
235 (1/235)
صفحة 225
متعاقبين على بعير واحد فسلمة يدعو إلى الأباضية وعكرمة إلى الصفرية.
ولا تسعفنا المصادر التاريخية عن حياة سلمة ولا عن ولادته ولا وفاته، ويحتمل أنه توفى فى المغرب أو أنه عاد إلى البصرة، وقد أرسله شيخه الإمام أبو عبيدة إلى المغرب ليعلم الناس أمور دينهم وليشارك فى دعوة الإسلام هناك، فتم له ما أراد بفضل إخلاصه وثقته الموصولة بالله عز وجل.
-
2
الكندى اليمنى: أول إمام من الأباضية وقد الإمام عبد الله بن يحيى عقدت له الإمامة بحضرموت (1) ويلقب بطالب الحق، وينتسب إلى جده عمرو بن الأسود ابن عبد الله الحارث الكندى، وكان قاضياً لإبراهيم الحارث بن معاوية بن بن
(2)
ابن جبلة عامل القاسم بن عمر الثقفى على حضرموت، وقد عرف طالب الحق بالفضل والورع والاستقامة والخشوع، ووصفه أبو سفيان بأنه السلف الصالح من وأنه على الحق المبين والصراط المستقيم وأنه ليس من أهل الابتداع ولا من أهل الحدث
ودعا له بالرحمة والرضوان (3)
وبجانب هذا فقد كان على جانب كبير من الورع وأخذ بحظ وفير من العلم،
كان
،
يقول عنه الدرجيني: (أما ابن يحيى فنعم الإمام الداعي إلى نصرة الإسلام أسداً في نجدة وشجاعة في دين الله .. وخشية لله وطاعة والبحر جوداً وعلماً والطود سموا وصيانة وحلماً (4). ولا تكاد توجد أي سيرة أو رسالة قديمة من سير الأباضية إلا ويذكر طالب الحق بجميل الصفات وحميد الخصال والنزاهة والأمانة، كما أنهم يذكرونه في سلسلة نسبة المذهب
ومن ورعه أنه لما استولى على صنعاء وأخرج منها العامل الثقفى أمر بإخراج ما في خزانة الوالي فجاءوا به إلى المسجد، فقسمه الإمام طالب الحق على الفقراء بصنعاء وهم على ما هم من حداثة الدولة وبلاء الفقر، فلم يستحلوا منه شيئاً فيجنبوه لأنفسهم وكان قد أمر أصحابه قبل ذلك أن لا يقتلوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح ولا يأخذوا شيئاً من الأمال (5)، وسيأتى مزيد بيان في إمامته. ولم نعثر على تاريخ مولده، أما
(1) انظر: البخارى التاريخ الصغير: 17/ 2 قواعد الإسلام 64/ 1 الدرجينى - طبقات 258/ 2 السيابي ـ طبقات 63 الشماخي – سير: 91/ 1 الزركلي ـ الأعلام 144/ 4. (2) الشماخي. - سير: 91/ 1.
(3) مجموعة علماء عمان: السير والجوابات: 1: 302.
(4) الدرجيني - طبقات: 259/ 2. (5) الشماخي - - سير: 92/ 91/12 جوهر النظام /353.
236 (1/236)
صفحة 226
وفاته فكانت عام 131 هـ. 3 ـ أبو الخطاب الإمام عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني، جاء لطلب العلم من الإمام أبي عبيدة (1) و هل جاء من اليمن فوافق الطلبة المغاربة الأربعة وهم المعروفون بحملة العلم (2)، فسار معهم إلى المغرب كما ذكره أصحاب السير؟ (3)، أم أنه كان من نسل التابعي أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المعافري الأفريقي الذي شهد فتح الأندلس مع موسى بن نصير ثم سكن القيروان، وبنى بها داراً ومسجداً وتوفى فيها عام مائة هجرية (4). فكان الإمام أبى الخطاب من نسله فسار مع الإمام عبد الرحمن إلى البصرة كلا الأمرين ممكن، ويظهر للباحث أنه من نسل الصحابي المذكور، وإن كان أصحاب السير الأباضية المغربية تذكر الأول، إذ لا يوجد أثر عن أبي سفيان فيه. وعده صاحب الطبقات من الأئمة الخمسين الأوائل. المائة الثانية (5)، من
وهو من جملة الذين حملوا العلم إلى المغرب عن الإمام أبي عبيدة ومن طبقة الربيع بن
(7)
وكان قوى الشكيمة حسن السيرة ولم نعثر على تاريخ ولادته، أما وفاته فقد كانت عام 144 هـ، وسيأتى مزيد بيان لهذا الموضوع في إمامته.
-
4
أبو أيوب وائل الحضرمي اليمنى (7)، قال عنه الشماخي: (وهو من أفاضل أصحابنا علماً وزهداً وتقى وأمراً ونهياً) (8)، وهو من تلاميذ الإمام أبي عبيدة، وممن روى عنهم أبو غانم مدونته عن شيخهم أبي عبيدة، فهو من طبقة الربيع بن حبيب، يقول الدرجينى: (صنو الربيع وتلوه ومن له حلبة الفضائل ومثواها، فإنهما رضيعا لبن التفقه في الدين والعلوم فما منهما إلا له فيه مقام معلوم ... فإن لوائل أنواعاً من
(1) الشماخي - سير: 113/ 1، الدرجيني - طبقات: 7/ 1، عمر مسعود، الربيع محدثاً: 123 بالهامش: السيابي ـ طبقات: 53، إزالة الوعثاء: 39 دبوز - تاريخ: 195/ 3، خليفات ـ النظم الاجتماعية: 18 (2) الدرجيني - طبقات: 19/ 1، الشماخي - سير: 113/ 1، أبو زكريا ـ السيرة: 58/ 57
(3) المرجع السابق: 61، وما قبله من مراجع الزركلي ـ الأعلام: 269/ 3. (4) الزركلي ـ الأعلام: 146/ 2.
(6) هامش 3، محمد ـ الإمكان: 112 - 113.
(5) الدرجيني - طبقات: 7/ 1.
(7) انظر: أبي سلام ـ الإسلام وتاريخه: 136، الدرجيني - طبقات: 278/ 2، الشماخي – سير: 97/ 1،
الباروني ــ مختصر تاريخ الأباضية: 25.
(8) ن م والصفحة.
237 (1/237)
صفحة 227
حميد الصفات) (1). وبهذا يعرف أنه كان تلميذاً للإمام أبي عبيدة لا للربيع فقط (2)، فهو من طبقة الربيع وخلفه على رئاسة الأباضية بعد وفاته، وكانت له مساهمة فعلية في إمامة طالب الحق باليمن (3)، وكان ورعاً شديداً على أهل البدع (قال بشير: اجتمع الأباضية (المسلمون بالبصرة لذكر الله، وكان فيهم أبو أيوب وائل رحمه الله، وكان أولئك العلماء يعظمون أبا أيوب على أنفسهم بعد الربيع، وكان فيهم إبراهيم أيوب القارى، وكان له ألحان وصوت فطلب المسلمون إلى أبي أيوب وائل أن يقرأ إبراهيم يومئذ فكره أبو أيوب حتى جهدوا فلما رآهم يشتهون ويجتهدون أخذ ثوبه وأراد الخروج عنهم قال: ليس هذه قراءة أصحابي الذين أدركت فسكتوا (4)، يريد بذلك أن قراءة السلف ليست بالألحان وتنغيم الصوت.
ولأبي أيوب قدم راسخة فى العلم سواء فى الفقه أو في علم الكلام ولولا ذلك لما خلف الربيع في الفتوى، بل إن أبا عبيدة الصغير عبد الله بن القاسم عندما يسأل يقول: عليكم بوائل فإنه أقرب عهداً بالربيع (5)، ولأبي أيوب آثار، يقول الشماخي: إنه رأى له جزءاً فيه مناظرة رجل من المعتزلة يقال له أبو كهلان (6)، وله سيرة توجد ضمن سير المسلمين (7) ولعله أرسلها إلى الإمام الجلندى بعمان، واغترف من علم أبى
أيوب كثير من وانتشر فقهه في هذه المناطق فبركته شاملة فى حياته وبعد الموت). وآثاره المثقفات بالعراق والمغرب وعمان وحضرموت فله الحظ الأوفر في طريقة
الطلبة العراقيين والحضرميين والخراسانيين والحجازيين وغيرهم.
المتفقهين وله فى مسالك الصلحاء رتبة وقوانين) (8)
(1) الدرجيني ـ طبقات: 187/ 2، وانظر: ابن خلفون ـ أجوبة: 10 ملحق.
(2) انظر: الجيطالي - قواعد: 103/ 1 بالهامش
(3) انظر: الدرجيني - طبقات: 261/ 2، الشماخي - سير: 98/ 1، الجيطالي - قواعد: 103/ 1 بالهامش، ابن خلفون ـ أجوبة: 110 ملحق، المالكي - غاية المطلوب: 20.
(4) ن م والصفحة.
(5) الشماخي – سير: 97/ 1، الجيطالي - قواعد: 103/ 1، ابن خلفون - أجوبة:: 110 ملحق، عمر مسعود ـ
الربيع محدثاً: 174.
(6) انظر الشماخي - سير: 97/ 1، الدرجيني - طبقات: 298/ 2. (7) سير المسلمين: 20.
(8) الدرجيني - طبقات: 278/ 2.
238 (1/238)
صفحة 228
وكان في فتواه يحب التسهيل ويقول: (إنما الفقيه الذى يعلم الناس ما يسع الناس فيه مما سألوه عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط) (1). وهو حضرمي من اليمن والتبس الأمر على صاحب المنهج حين قال: إنه من العراق (2). وقال في موضع: إنه حضر مى سكن البصرة وتزوج بها (3)، وهذا هو الصحيح، فجاء في بداية الأمر إلى البصرة ليتلقى العلم على يد الإمام ثم رجع إلى حضرموت لما نصب طالب الحق إماماً بها، وقد يكون من جملة الذين أرسلوا إليه لعقد البيعة فشارك في حروب طالب الحق حتى قتل ثم عاد إلى البصرة بعد حين ومكث فيها مع الربيع بعد وفاة الإمام، وكان يومئذ موجوداً. معه لما وردت رسالة المغاربة في شأن إمامة عبد الوهاب وخلاف ابن قندين له (4)
ه ـ أبو المهاجر هاشم بن المهاجر الحضرمي اليمني، فقيه كبير من حضرموت (5)، وكان من كبار الفقهاء المفتين، أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة وأخذ أهل عمان بقوله: في وجوب الزكاة على المال المطنى إذا أكله صاحبه رطبا وبسراً إذا كان لصاحب المال غيره تجب فيه الزكاة فيحمل عليه، أو كان المطنى يبلغ النصاب (6). وله أقوال موجودة في الآثار الأباضية وبعد وفاة الإمام أبي عبيدة انتقل من البصرة إلى الكوفة فنسب إليها (7)، ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته، وقد عده الباروني في علماء الخمسين الثانية من القرن الثاني (8)
6 ـ أبو المؤرج: عمر بن محمد القدمي اليمنى (9) وكان من الفقهاء الكبار، ويعتبر من طبقة الربيع، وهو من السبعة الذين روى عنهم أبو غانم مدونته الكبرى والصغرى، وقد خالف الإمام أبو عبيدة في بعض المسائل هو وابن عبد العزيز وسهل ابن صالح و شعيب فعاتبهم شيخهم فتابوا ولكنهم عادوا إلى الخلاف في زمن الربيع بعد
(1) الدرجيني - طبقات: 278/ 2
(3) ن م و الصفحة 628.
(2) انظر: الشقصي - منهج الطالبين: 620/ 1 (4) انظر: الباروني - الأزهار الرياضية: 106/ 2
(2) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 135 وقد وهم حين قال: إنه كوفى الشقصى، منهج الطالبين: 620/ 1 ـ سيرة
ابن مداد: 14
(6) مجموعة علماء عمان - سير المسلمين: 472.
(7) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 135، الشماخي -: 117/ 1.
(8) ابن خلفون ـ أجوبة: 115 ملحق.
(9) ابن خلفون - أجوبة: 110 ملحق المدونة الصغرى: 7/ 1.
239 (1/239)
صفحة 229
وفاة الشيخ (1)
-
وأفتى فيهم الإمام أفلح خصوصاً أبا المؤرج ـ بالولاية وبالأخذ بأقوالهم ومروياتهم فيما عدا تلك المسائل التي خالفوا فيها (2)، وكان من الآخذين بالرأي في
المسائل الاجتهادية
وقدم أبو المؤرج إلى عمان فناقشه فقهاؤها في تلك المسائل واحتجوه فيها فتاب على أيديهم ورجع وطلبوا منه أن يبلغ من أفتاهم بتلك المسائل في بلاده اليمن فخرج عمان قاصداً إليها فمات فى الطريق قبل أن يصل (3)، ولم يكن خلافهم في العقيدة من وإنما خلافهم في الأمور الاجتهادية (4)، وهذه يلزم فيها المجتهد أن ينظر إلى قوة الدليل كما هو مقرر في أصول الفقه، وكان حريصاً على اتباع شيخه في كثير من فتاويه فهو أقل توغلا في القياس من ابن عبد العزيز. ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته. ـ هناك مجموعة من الفقهاء الحضارم الذين لهم دور في الفقه والاشتراك في إمامة طالب الحق، وممن اتصلوا بالإمام أبي عبيدة وحاجب ولكن لم نعثر على معلومات تفيد الباحث وهم:
أ ــ زجر الحضرمي كان ذا فضل وعبادة وورع وهو الذي قتله معن بن زائدة بعد ما أمنه على يد ابن عمه: الشماخي – سير: 107/ 1.
ب - أبرهة بن الصباح الحميرى ـ خليفات: نشأة: 122
عبد الله ج ?
بن ران - الشماخي: سير: 91/ 1
خير
د ـ أسد بن كثير ـ الشماخي: سير: 1/
هـ ـ عبد الله بن مسعود ـ الشماخي
سير
91/ 1:
و ـ عبد الله بن سعيد الحضرمي وهو من قادة دولة طالب الحق إذ استخلفه على
(1) الشماخي - سير: 6/ 1، الجعبيري - البعد الحضاري: 70/ 1 بالهامش، قواعد الإسلام: 60/ 1، السالمي -
المدونة الصغرى: 7/ 1 مقدمة.
(2) الشماخي ـ سير: 109/ 1، السالمي - مقدمة المدونة الصغرى: 7/ 1.
(3) السالمي - المدونة الصغرى: 7/ 1 مقدمة.
(4) الجيطالي - قواعد: 60/ 1، السيابي ـ طبقات: 37.
240 (1/240)
صفحة 230
حضرموت عند شخوصه إلى صنعاء وقام بالأمر بعد مقتل الإمام طالب
الحق وقاتل بن عطية في عدة معارك، واتصل بأبي عبيدة وحاجب
ولكن لم نعثر على معلومات هامة عن حياته
ثانياً: الحجازيون:
، (1)
أما تلاميذه الحجازيون فكثير ولكن المصادر التاريخية لا تسعفنا بشيء من التفصيل عنهم وسنذكر منهم من أمكننا ذكره:
1
محمد بن سلمة المدنى، وفى طبقات الدرجيني (سلامة) من فقهاء الأباضية بالمدينة (2) وكان الإمام أبو عبيدة لا يقوم من مجلسه لمن يأتيه إلا لمحمد بن سلمة، ومحمد بن حبيب المدنيين، احتفاء بهما لأنهما من مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وكان يعتنقهما (3)
ولم نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته، ولعله توفى بالقتل في المعركة التي انهزم فيها الأباضية بوادى القرى على يد عبد الملك بن عطية السعدي في حربه مع أبي حمزة وبلج عام 131 هـ، وله ابن يسمى عبد الله وكان حاضراً إذ رد الربيع وأبو غسان ووائل جواب الرسالة التي أرسلت من تيهرت فى أمر إمامة الإمام عبد الوهاب وخلاف ابن قندين فأمره أبو غسان بنسخها والاحتفاظ بالنسخة (4)
2 ـ محمد بن حبيب المدني، وهو ثاني اثنين يجله الإمام أبو عبيدة وكان من الفقهاء الأخيار، وقد قام هو ومحمد بن سلمة السالف الذكر بدور كبير في تفقيه الناس بالمدينة وتخرج على يدهم جمع من التلاميذ، وشاركا في معارك أبي حمزة ضد مروان بن محمد في الحجاز، ولم نقف على تاريخ ولادته، أما وفاته فلعله في تلك المعركة التي كان القضاء فيها على الأباضية فى وادى القرى على يد عبد الملك بن
عطية السعدي (5)
(1) ابن خلفون - أجوبة: 117 ملحق ومراجعه، خليفات - عوض - نشأة: 126/ 125/120/ 109. (2) انظر: الدرجيني - طبقات: 242/ 2، الشماخي – سير: 90/ 1. (3) ن م و الصفحة.
(4) انظر: الباروني ـ الأزهار الرياضية: 108/ 20.
(5) انظر: الدرجيني - طبقات: 142/ 2، الشماخي - سير: 1/ 90.
241 (1/241)
صفحة 231
3 ـ ومن تلاميذه بالمدينة إسحاق بن معذير المدني، وكان فقيهاً فاضلاً (1) ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته 4 ـ إسماعيل بن القديد المدنى من شيوخ الأباضية بالمدينة وكان فقيهاً فاضلاً، وعده أبو يعقوب في المجاهيل، ولكن الشماخي نفى ذلك عنه (2) ولم نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته
أخ
محمد بن
مسلمة
ه ـ أبو محمد عبد الرحمن بن مسلمة المدنى (3) وهو السالف الذكر، وكان من فقهاء الأباضية بالمدينة، ولم نعثر على تاريخ مولده ولا
وفاته
عنه،
(^)
6 ـ أبوسفيان محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المكي (4)، وعده المؤرخون العمانيون من حملة العلم إلى عمان باعتبار أنه رحل آخر عمره إليها، ومات بها (5)، وكان ربيباً للإمام الربيع بن حبيب فتتلمذ في بداية أمره على الإمام أبي عبيدة، ثم لازم الربيع وأخذ وخلف العلامة وائل بن أيوب في رئاسة الأباضية بالبصرة بعد ما توفى وائل (6)، وانتقل بعد ذلك إلى عمان ويقال: إنه أقام بمكة قبل انتقاله إلى عمان (7)، وله أخ فقيه محمد، وهو من التلاميذ الأصاغر عند الإمام أبي عبيدة، وقد حضر مناظرة الإمام أبي عبيدة وحاجب لحمزة الكوفي في أمر القدر (9). كان أبو سفيان فقيهاً بارعاً ومؤرخاً جامعاً، يقول عنه الشماخي: (أحد الأشياخ الأخيار والمقيد غرائب الفقه وعجائب الأخبار ساد الفضلاء علماً وحفظ الآثار (10)، وله آثار فقهية كثيرة مبثوثة ضمن كتب الفقه الأباضية ذكر الشماخي
يسمى
(2) انظر: الشماخي - سير: 111/ 1.
(1) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 135. (3) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 135، الشماخي - سير: 111/ 1. (4) الشقصى. - منهج الطالبين: 619/ 1، الدرجيني - طبقات: 278/ 2، ويقال: إنه عبدى وليس كذلك .. فهو مکي قرشي من بني مخزوم: السيابي - إزالة الوعثاء: 47، الدرجيني ـ طبقات: 49. (5) الحارثي ـ العقود: 154، السيابي - إزالة الوعثاء: 47، الدرجيني - طبقات: 49، أصدق المناهج: 49. (6) عوض خليفات ـ نشأة الحركة: 101/ 19، ابن خلفون ـ أجوبة: 119 ملحق. (7) الشقصى - منهج الطالبين: 621/ 1. (9) الشماخي - سير: 108/ 1، الباروني ـ مختصر تاريخ الأباضية: 25. (10) الشماخي ـ سير: 108/ 1، ابن خلفون - أجوبة: 119 ملحق.
(8) الشقصى - الطالبين: 620/ 1.
242 (1/242)
صفحة 232
طرفاً منها، وهو ممن روى عنهم أبو غانم مدونته، وكان حجة في السيرة، وهو حجة أيضاً في رواية الحديث عند الأباضية (1)، وقيل عنه إنه تابعى (2)، والظاهر أنه ليس كذلك بل هو تابع التابعي فقط
الأوائل، ومع
وهو صاحب كتاب السير الذى يروى عنه الدرجينى والشماخي الأباضية سير الأسف فالكتاب - مفقود لولا ما تناوله المؤرخون عنه (وممن سبق إلى السلف الأخيار وألف ما يحصل عنده عنهم من الآثار وجمع ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه وعجائب الأخبار) (3)
تخليد سير
وعمر
زمناً طويلاً، فقد كتب عهداً إلى الإمام طالب الحق (رسالة) فيها من الوعظ والتذكير الشيء الكثير (4)، وعندما كان رئيساً للأباضية بمكة خالفه هارون بن اليمان وخصوصاً في المسائل التي خرج بها تلاميذ الإمام أبي عبيدة الأربعة، وحاول إقناعه فلم يقتنع، وهارون هذا من أهل اليمن فتوجه إلى اليمن فكتب إليهم أبي سفيان رسالة يحذرهم فيها من هارون وأحداثه، وقد أرسل هارون رسالة ضد أبي سفيان إلى الإمام المهنا بعمان فأرسلها الإمام المهنا إلى أبي سفيان فكتب إليه في أمر هارون وكلتا الرسالتين موجودتان (5)، كما أن سيرة هارون إلى الإمام المهنا في شأن أبي سفيان موجودة أيضاً (6).
وتظهر براعة أبى سفيان من هاتين الرسالتين وأيده أهل عمان فيما قاله في المسائل التي خالف فيها هارون (7) وكان أبو سفيان شديداً على المحدثة من الجهمية والخوارج وغيرهم، وينقض عليهم إحداثهم مبرهناً على خطئهم في تلك الأحداث (8)
ويظهر للباحث أن الرسالة التي أرسلت لطالب الحق ليست عنه وإنما نسبت إليه، وذلك لأن إمامة طالب الحق كانت عام 129 هـ وقتل عام 131 هـ، فالرسالة لابد أن
(1) انظر: الجيطالي ـ قواعد: 60/ 1 بالهامش، ابن خلفون ـ أجوبة: 119 ملحق وانظر الجزء الرابع من الجامع
الصحيح فكل ما فيه عنه. (2) الجيطالي - قواعد: 60/ 1. (3) الدرجيني – طبقات: 278/ 2 - 279
(4) ن م والصفحة.
(6) ن م ص: 325
(5) مجموعة علماء عمان: 325:276.
(7) السالمي - تحفة الأعيان: 99/ 1.
(8) انظر: السير والجوابات: 313/ 305/1 وما بعدها.
243 (1/243)
صفحة 233
تكون مكتوبة خلال الفترة هذه، ومن جانب آخر فالإمام المهنا الذي أرسلت إليه الرسالة بعمان في أمرها هارون بن اليمان كانت بعد عام 226 هـ، لأن هذا الإمام قد نصب في العام المذكور فتكون الرسالة أرسلت بعد ذلك، فإذن لابد أن يكون عمر أبي سفيان ثلاثين سنة على الأقل عندما كتب رسالته إلى طالب الحق، فتكون ولادته قبل عام 100 هـ، ومعنى ذلك أنه عاش أكثر من (130) سنة، أضف إلى ذلك أنه كتب رسالته إلى الإمام المهنا حين كان في مكة ثم قدم عمان آخر عمره وسكن صحار وبقى بعد الربيع مدة طويلة
وهو
وإذا كان الربيع أدرك الإمام جابر بن زيد المتوفى عام 93 هـ، وبعد ذلك صغير يومئذ فتزوج والدة أبي سفيان وأبو سفيان موجود فمتى تزوجها الربيع؟ من أن العهد المذكور فى طبقات الدرجينى ليس لأبي سفيان، ولعل
هذا التحليل يتبين باحثاً آخر يحقق في هذا الموضوع فيصل إلى نتيجة محققة (1)
وعلى كل حال فإننا لم نعثر على تاريخ ولادته ولا تاريخ وفاته بالضبط، ولكن
-
يبدو أنها في زمان إمامة المهنا بن جيفر بعمان بل آخر إمامته والله أعلم بذلك ـ وأبو سفيان والد لأسرة عريقة في العلم بعمان ولهم آثار عظيمة ولا تزال عائلة الرحيل
موجودة أيضاً بعمان إلى اليوم.
ــ المجبر ولم أعثر على اسم أبيه، وقد أخذ الفقه من الإمام أبي عبيدة وهو من مكة (2)، ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته ولعله أخ لأبي سفيان، ويوجد أن له
أخاً بهذا الاسم. - هناك كثيرون من مكة لم نعثر على أسمائهم وقد هلكوا في معارك أبي حمزة المختار بن عوف عند دخوله المدينة، وكان عنده من الأباضية بمكة ما يزيد على
الأربعمائة
(1) ثم ظهر لي ـ والله أعلم - من فحوى هذه الرسالة نفسها أن أبا سفيان أرسل هذه الرسالة ولكن ليست لطالب الحق وإنما إلى آخر، والله أعلم، وقد ركز فيها على التبرئ من المقصر الذى لم يرتكب الكبيرة أو أنه تاب فلم يقبلوا توبته ولعل ذلك وقع الخلاف أهل حضرموت على تقديمهم رجل يقال له: حسن فبايعوه على الشراء وتركوا عبد الله بن سعيد وصار الخلاف، وقد دلني على ما قالته هذه القصة لأن حاجبا كان أرمد لا يستطيع الكتابة يومئذ وكان في موسم الحج وإنما خرج حاجب إلى الموسم ليصلح بين هؤلاء - الدرجينى - طبقات: 252/ 251/2. (2) انظر: ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 130.
244 (1/244)
صفحة 234
ثالثاً: أما الخراسانيون: فهم كثير، إذ كان الإمام أبو عبيدة على صلة وثيقة بأهل خراسان منذ أن كان أبناء المهلب ولاة عليها، ولبعض رجالهم منزلة عظيمة عنده لأجل علمهم وفضلهم وكانوا من. حملة الدعوة فى بلادهم ومنهم من كانوا تلاميذه وهم: 1 - هلال بن عطية الخراساني (1) ويظهر لى أنه جاء إلى عمان بعد عودته من اليمن بعد نصب الإمام طالب الحق، ويحتمل أنه كان من ضمن النفر الذين أرسلهم الإمام أبو عبيدة لمعاضدة طالب الحق فجاء إلى عمان بعد انتهاء أمر الإمامة هناك وقام ـ فيمن ـ قام بنصب الإمام الجلندى، وكان قاضياً له: وهو من الفقهاء الأخيار والقادة المناضلين (وكان من أصحاب الجلندى بايعه وقاتل في صفوفه) (2)
-
وكان هلال بن عطية على رأى الصفرية ثم تاب ودخل في الأباضية فلم يقبلوا منه حتى يخرج إلى من كانوا يعرفون بدعته فيبلغهم توبته وخروجه من مذهبهم ففعل ثم عاد إلى الأباضية فكان مع الإمام الجلندى بن مسعود حتى قتل معه: شهيداً (3). ولهلال هذا سيرة مشهورة أظهر فيها رسوخ قدمه في العلم أرسلها إلى أهل عمان (4)، وكان بطلا شجاعاً، قاتل مع الإمام الجلندى فأكثر النكاية في الأعداء، وقتل في المعركة التي كانت بين الإمام الجلندى و خازم بن خزيمة الذي أرسله المنصور لقتل شيبان وأصحابه في جزيرة كاوان، فلما هرب شيبان يريد الدخول إلى عمان تصدى له الجلندى، ودارت بينهم المعركة وكانت الهزيمة على شيبان وأصحابه فقتل فيها شيبان ومن معه، وجاء خازم يتبع شيبان حتى جاء إلى جلفار من التي تعرف الآن برأس الخيمة - فطالب خازم الإمام الجلندى بإعلان الطاعة للمنصور فأبى بعد ما شاور هلال ومن معه من علماء المسلمين وقالوا له إن الإمام الشارى لا تسعه التقية، فتقاتل الفريقان، وكانت الهزيمة في أول الأمر على أصحاب خازم لولا المكيدة التي دبروها بحرق منازل سكان المدينة، فألهاهم إنقاذ حريمهم فهجموا عليهم ولم يبق إلا الإمام وقاضيه فقال الإمام لهلال تقدم يا هلال فقال له: أنت إمامي فكن
(1) الشماخي - سير: 109/ 1، السيابي - طلقات: 133. (2) الجيطالي - قواعد الإسلام: 52/ 1 بالهامش، الشقصى - منهج الطالبين 620/ 1
(3) الجيطالي - قواعد الإسلام: 52/ 1، السالمي - تحفة الأعيان: 78/ 1. (4) الشقصى - منهج الطالبين: 1: 620/ 1، مجموعة علماء عمان ـ سير المسلمين.
عمان وهي
245 (1/245)
صفحة 235
أمامي ولك على أن لا أعيش بعدك، فتقدم الإمام للقتال حتى قتل ثم تقدم خازم فكان يكر عليهم كالأسد فتعجبوا من إتقانه المبارزة وإصابته للهدف، فلما علموا أنه هلال جماعتهم ـ سابقاً ـ ومن بلادهم احتولوه حتى قتلوه (1)
وأنه من
2 ــ أبو عبد الله هاشم بن عبد الله الخراساني، ممن أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة، وهو من طبقة الربيع بن حبيب، وله قدم راسخه فى العلم والمعرفة، يقول ابن سلام: (وهاشم بن عبد الله فقيه مفت) (2). وله آثار توجد في ثنايا الكتب الأباضية، ومن أقواله أنه ليس على من قال: أقسمت أو حلفت ولم يقل بالله يمين، وروى ذلك عن الإمام أبي عبيدة وهو قول الربيع وخالفهم أبو نوح فقال: وهو ممن كان له دور في نشر العلم في خراسان ومن. حملة العلم إليها (4)، وحاولت العثور على معرفة تاريخ ولادته فلم أجد وكذلك وفاته.
الفقهية
يمين
أخذ
(4)
عن
3 ـ أبو منصور حاتم بن منصور الخراساني، من الفقهاء البارزين وممن أ الإمام أبي عبيدة: قال أبو سفيان كان فقيهاً عالماً) (5)، وهو من ضمن الذين دون
عنهم أبو غانم الفقه في مدونته فهو من شيوخه البارزين وآثاره في المدونة كثيرة. ومن أقواله المشهورة: إن النفساء إذا تمادى بها الدم لا تزيد على ستين يوماً في تركها العبادات فإذا بلغت ذلك القدر ولم ينقطع عنها الدم فلتغتسل وتصلى وتجمع بين الصلاتين فتعطى أحكام المستحاضة ويجوز لزوجها جماعها (6).
وكان حاتم بن منصور من المحدثين الثقات عند الأباضية، وقد وردت له عدة روايات في الجامع الصحيح من روايات الإمام أفلح وغيره (7)، ورحل إلى مصر في آخر عمره ولم نعثر على تاريخ مولده ولا وفاته.
4
أبو عيسى الخراساني، اشتهر بكنيته، يقول ابن سلام: (أبو عيسى
(1) السالمي - تحفة الأعيان: 77/ 1 - 78، ابن الأثير ـ الكامل في التاريخ: 343/ 4، الجيطالي ـ قواعد: 52/ 10. (2) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 135، الشقصى - منهج الطالبين: 620/ 1، اللمعة المرضية: 13، السيابي -
أصدق المناهج: 50
(3) المالكي - غاية المطلوب: 157.
(4) السالمي - اللمعة المرضية: 13.
(5) الشماخي. سير: 106/ 1، وانظر: السالمي - اللمعة المرضية: 13، الشقصى - منهج الطالبين: 620/ 1.
(6) الشماخي - - سير: 106/ 1 - 107، ابن خلفون ـ أجوبة: 94.
246
(7) انظر: الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 261 (1/246)
صفحة 236
(1)
عن
خراساني، فقيه مفت. فكان من العلماء البارزين ومن الذين أخذوا العلم الإمام أبي عبيدة، ولعله عاش إلى زمان الإمام عبد الوهاب عبد الرحمن فقد كتب رسالة إلى أهل نفوسه بليبيا، وتتضمن النصائح لهم وترك الخلاف والاجتماع
على إمامة الإمام عبد الوهاب، وقد وردت هذه في تاريخ ابن سلام
غير مستبعد لأن الإمام عبد الوهاب كانت إمامته عام 171 هـ)
(3)
(2)
وذلك
سكن البصرة، وكان الإمام أبو عبيدة من الثقة به على مكان عظيم، يقول أبو فأكرمنا وأنعمنا طعاماً فأجابه فسرت معه
نبيذ
المؤرج: (عالج أبو عيسي لأبي عبيدة فاستسقى أبو عبيدة وأتى بنبيذ فأخذ القدح فلما تله في يده نظره، فإذا هو فشرب أبو عبيدة ثم ناولني فشربت وشرب من كان معنا، قال أبو المؤرج ولم يسأل أبو عبيدة عن شرابه وكان أبو عبيدة من الثقة به والاطمئنان إليه على ما ليس لأحد من نزل منزلته من أصحابنا، قال ابن عبد العزيز، وأين فينا مثل أبي عيسى المسلمين وحرامه حرام المسلمين (4).
حلاله حلال
فهذه شهادة شيخه الضمنية وشهادة زميله القولية فلا ريب في أنه كان على جانب كبير من الورع والفضل. ولم نعثر على تاريخ مولده ولا وفاته.
ه ــ وقد خلف هؤلاء المشايخ جمعاً غفيراً من التلاميذ الفقهاء بخراسان أمثال أبي غانم بشير بن غانم صاحب المدونة، وأبى النظر ونصر بن سليمان وابنه محمود بن نصر وغيرهم (5)
وأما خوارزم فقد كان فقهاء أباضية أيضاً
(7)
منهم.
ومنهم
العلامة أبو يزيد الخوارزمي، وهو من تلاميذ الإمام أبي عبيدة أيضاً حتى قال فيه بعض فقهاء
المشهور بكنيته زمانه: لا أعلم من يخرج مسائل دماء أهل القبلة في زماننا هذا إلا عبد الرحمن بن رستم بالمغرب وأبو يزيد الخوارزمى بالمشرق (7).
(1) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 135.
(2) المرجع السابق: 161 وذكر اسمه هناك إبراهيم إسماعيد (3) الباروني - الأزهار الرياضية: 100/ 2.
(4) أبو غانم - المدونة الكبرى: 262/ 2.
(5) اللمعة المرضية: 6/ 13.
(6) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 135، الشماخي - سير: 88/ 1، الدرجيني ـ طبقات: 258/ 21. (7) ابن سلام بـ الإسلام وتاريخه: 135.
247 (1/247)
صفحة 237
لقى
وقال
عنه
عنه الشماخي: وكان من السادات الأخيار والمشار إليهم في العلم والأخبار) (1)، وله يد طولى في علم الكلام والفقه ومما يؤثر أنه سئل عن رجل عالماً فقال له العالم: إن الأمر الذى أنت عليه أو أنت فيه حرام فقال له الرجل: هل تعلم عالماً أعلم منك فقال نعم: قال الرجل: سأترك هذا الحرام ولكن ما آخذ منك أسأل من هو أعلم منك، فلم يسأل الرجل حتى مات، فقال أبو يزيد مات هذا مسلماً إذا مات في طلب السؤال تائباً) (2)
حتى
عنه
وللعلامة أبي يزيد: كتاب في السير وكان موجوداً عند الإمام أفلح بن عبد الوهاب في تيهرب، وقد أخذه الإمام من العلامة أبى غانم بشر بن غانم الخراساني، ومن المحتمل أن يكون قد احترق في جملة ما احترق بالمكتبة المعصومة)، وروى الإمام أفلح من هذا الكتاب حديثين فى الجزء الرابع من الجامع الصحيح (3) أحدهما. ما في رجل من وجد مع رجل سيف لأخيه في السوق، والثاني في رجل وجد قريباً يباع في السوق أيضاً (4)، ولم نستطع العثور على تاريخ ولادته ولا وفاته.
الأنصار
كما أن الأباضية كانوا في (السند) أيضاً منذ زمان الإمام أبي عبيدة، وكان واحد منهم في البصرة ويدعى أبا المضا (5)، وهو من طبقة الربيع، وقد بقى الأباضية فيها إلى نهاية القرن الثالث الهجرى أو أكثر، وتوجد رسالة من الإمام راشد بن سعيد العماني إلى أهل منصورة من بلاد السند وأخبارهم مشهورة (6)، وقد أرسلت هذه السيرة (الرسالة) إلى ثلاثة من فقهاء أهل منصورة وهم:
أبو العباس بن مريج، والمهند بن سدها، وأبو عبد الله محمد بن بروازة.
ولا تزال السيرة موجودة فى كتاب (سير المسلمين) (7).
المطلب الثالث: تلاميذ الإمام أبي عبيدة العمانيون:
لم نعثر على معلومات مفصلة عن تلاميذه بعمان إذ لم تسعفنا المصادر بذلك ومن
(1) الشماخي - - سير: 88/ 1
(2) الشماخي - سير: 88/ 1، الدرجيني - طبقات: 258/ 2، الباروني ـ مختصر تاريخ الأباضية: 25.
(3) أنظر: الجامع الصحيح: 259.
(5) الدرجيني - طبقات: 2/.
(7) مجموعة علماء عمان: سير المسلمين: 375.
(4) ن م: صفحة 260. (6) السالمي ـ اللمعة المرضية: 12.
248 (1/248)
صفحة 238
المعلوم أن لمدرسة الإمام أبى الشعثاء جابر بن زيد العلمية بالبصرة أثر كبير في هجرة
العلم.
عمان،
طلاب العلم من عمان إليها لأخذ. عنه، ومن أوائل من هاجر، ضمام بن السائب وأبو نوح صالح الدهان، وأبو مودود حاجب الطائى وغيرهم. بالإضافة إلى زيارات الإمام أبي الشعثاء إلى عمان، وزيارات غيره من الذين سكنوا البصرة من بالإضافة إلى بقايا مدارس الصحابة فيها أمثال عمرو بن العاص، وكعب بن برشة الطاحي العماني، وصحار بن العباس العبدى، وكعب بن سوار قاضى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على البصرة وغيرهم، وأكثر هؤلاء سكن البصرة من بعد، فنتج عن ذلك هجرات طلاب العلم إلى البصرة لاغتراف المزيد من المعرفة أمثال الربيع بن حبيب الغراهيدى، وأبي حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة، والجلندى بن مسعود وغيرهم كثير.
وها أنا أذكر من توفرت لدى المعلومات عنهم، ولعل باحثاً آخر يبحث في هذا فيتوصل إلى ما هو أكثر وأفضل، وهؤلاء التلاميذ الذين أخذوا العلم عن
الموضوع.
الإمام أبي عبيدة مسلم هم:
1 - الإمام الكبير: الربيع بن حبيب الفراهيدي، نسبة إلى فراهيد بن مالك وهو من غضفان من ولاية صحار بعمان، أو من ولاية لوى (1)، وكان أفقه تلاميذ الإمام أبي عبيدة ومن أكابرهم سناً إذ أدرك الإمام جابر بن زيد، ويقال: إنه روى عنه حديثاً واحداً (2) وهو يتوسط سلسلة نسب المذهب الأباضي عندما ينسبه المؤرخون الأباضية (3)، يقول فيه الدرجيني: طود المذهب الأشم وعلم العلوم الذى إليه الملجأ
(1) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 130، الدرجيني - طبقات: 273/ 2، الشماخي – سير: 95/ 1، السالمي - مقدمة: شرح الجامع الصحيح: 3/ 1، أبو غانم - المدونة الكبرى: 305/ 2 ملحق، الجيطالي ـ قواعد: 29/ 1 الهامش، الحارثي ـ العقود: 149، الباروني ـ مختصر تاريخ الأباضية: 25، البعد الحضارى: 68/ 1، السيلبي - إزالة الوعثاء: 64/ 40، أصدق المناهج:: 48، طبقات:: 30، سيدة كاشف - السير والجوابات 62، 280 بالهامش -: 131، الصوافي - الإمام جابر بن زيد 201، الشقصى - 620/ 1.
(2) ن م: 628، الحارثي - العقود: 149.
(3) ن م ص 640، 641 وسلسلة نسبة الدين أو المذهب يقصدون بها وصول العلم والمعرفة لدى العلماء إذ يأخذه الخلف منهم عن السلف، وهذه الطريقة متبعة عند المغاربة إلى الآن تقريباً، أما في عمان فإنها تكاد تقف عند نهاية القرن الرابع - حسب اطلاعى والله أعلم. وقد رفعه الشيخ خميس الشقصى حتى وصل إلى الشيخ أبي الحسن على ابن محمد البيسيوى وأبى محمد عبد الله بن محمد بركه السليمي البهلوى، والإمام سعيد بن عبد الله بن:
249 (1/249)
صفحة 239
في معظمات الخطب الأصم ومن تشد إليه حبال الرواحل وتزم، صحب أبا عبيدة فاغترف من بحره الزاخر ولزم مجلسه فكان الأول والآخر) (1). وقال الشماخي: (صحب أبا عبيدة وأفلح وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح) (2)
وذكر ذات يوم عند الإمام أبي عبيدة فقال: (تقينا وأميننا وثقتنا) (3)، وكفى بهذه الشهادة تزكية للربيع، سكن البصرة وكان والده حبيب أحد تلاميذ أبي الشعثاء (4)، ولا ندرى هل ولد بالبصرة أم بعمان وسكن محلة (الخريبة) من البصرة، وتعلم فيها وعلم وبقى معظم عمره طالباً ومطلوباً، ولكنه انتقل آخر عمره إلى عمان ومات بصحار ودفن في لوى وصلى عليه تلميذه الشيخ موسى بن أبي جابر الأزكوى عام (181 هـ) (5). وكان الإمام أبي عبيدة يستخلفه للمسير إلى موسم الحج ليقوم بالفتوى وإرشاد الناس إلى طريق الهداية (6).
فكان رئيس
الأباضية ومرجعهم بعد وفاة الإمام أبي عبيدة بالبصرة، ولذلك أرسل إليه أباضية المغرب يستفتونه ومن معه في شرعية إمامة عبد الوهاب الرستمي (وهو الذي أفقده أبو عبيدة للناس فى حياته بالبصرة ورضى ورعه وفهمه وعقله ولبه وفتياه للناس، وكتب إليه الإمام عبد الوهاب من تاهرت بمسائل أراد أن يفتيه فيها
فأفتاه) (7)
وأخذ عنه خلق كثير ومنهم حملة العلم إلى عمان (8) وهم ما بين سبعة وأربعة، ثم كثر الفقهاء في عمان بعد ذلك وانتشر العلم في جميع أنحائها إذ توزعوا في جهات البلاد، وله آثار يعتمد عليها الأباضية إلى اليوم، وهي الجامع الصحيح في
كثيرة من
= محمد بن محبوب رضي الله عنهم وهؤلاء من علماء القرن الرابع الهجري في عمان ـ انظر
78./1
(1) الدرجيني - طبقات: 273/ 2.
(3) ن م والصفحة، الدرجيني ـ طبقات: 276/ 2
(4) انظر: الحارثي - العقود: 150، السيابي ـ طلقات: 30.
(2) الشماخي - سير: 95/ 1.
(5) المدونة الكبرى: 306/ 2 ملحق الحارثي - العقود: 149، السيابي – إزالة الوعثاء: 40.
الطالبين:
(6) انظر: ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 130، الدرجيني - طبقات: 276/ 2، الشماخي – سير: 95/ 1،
الحارثي - العقود: 151.
(7) انظر: ن م والصفحة، الباروني - الأزهار الرياضية: 106/ 2، الحارثي ـ العقود: 153.
-
(8) انظر: العقود الفضية: 154، السالمي - مقدمة شرح الجامع الصحيح: 5/ 1.
250 (1/250)
صفحة 240
الحديث (1)
وفتاويه في مدونة أبي غانم وكتاب فتيا الربيع بالبارونية بجربه وغيرها
من الآثار المبثوثة في بطون موسوعات الفقه الأباضي.
سلمة
مالك
2 ـ أبو حمزة المختار بن عوف بن عبد الله بن يحيى بن مازن بن محامن بن بن بن فهم الأزدي (2)، وهو من مجز بعمان من ولاية السويق، وله أبناء عم بالكوفة منهم جابر بن جبلة الذى كان في معرك ركة قديد يجمع القبائل الأزد المتفرعة من نصر بن زهران ولسليمة بن مالك بالبصرة، أيضاً خطة ومسجد مشهوران هناك بهم تدعى خطة سليمة وكان لهم بالبصرة شرف وقدر، وقد مدحهم جرير بقوله يخاطب ابن جرموز قاتل الزبير:
غدرتم بالزبير وما وفيتم وفاء الأزد إذ منعت زياداً
فهلا في سليمة كنت جاراً وجاورن اليحامد أو هدادا (3)
الخطفي
وتتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة فأخذ عنه ما شاء الله، وكان يحضر مجالس الأباضية الكبار بالبصرة (4)، وكان عالماً وقوراً قدوة فى الدين وقائداً شجاعاً، وخطيباً بارعاً (ه)، ووصفه الدرجينى بقوله: (وأما أبو حمزة فأسد في الحرب، المستعد للطعن والضرب، ليث فى الهيجاء إن ركب، وغيث في الآراء إذا وهب، وبحر عجاج إذا وعظ وخطب (6)، وقال عنه شيخه أبو عبيدة يخاطب طالب الحق: (وأرسلنا له برجل إنجيله في صدره) (7)
ولما سمع الإمام مالك بن أنس خطبة أبي حمزة وهو يومئذ بالمدينة قال: (خطبنا أبو حمزة خطبة شك فيها المستبصر وردت المرتاب)
(^)
(1) الشقصى ـ منهج الطالبين: 627/ 1، التنوخي - مقدمة شرح الجزء الثاني: 5/ 3، عمر مسعود ـ الربيع محدثاً:
200/ 179
الأنساب.
(2) تاريخ الموصل 78، سلمة بن مسلم ا (3) انظر: الأزدى ـ تاريخ الموصل: 78، الزركلي ـ الأعلام: 71/ 8.
(4) انظر: السيابي - طبقات: 173، الدرجيني - طبقات: 249/ 2. (5) دبوز ـ تاريخ المغرب الكبير: 174/ 3، السيابي ـ طبقات: 64. (6) الدرجيني - طبقات: 259/ 2.
(7) الشماخي - سير: 91/ 1.
(8) ابن سلام ـ الإسلام وتاريخه: 133، الدرجيني - طبقات: 266/ 2 - 272، وغيرها من كتب التاريخ في
الأدب.
251 (1/251)
صفحة 241
وخطبته فى مكة والمدينة مشهورة لا تحتاج إلى ذكر وذلك حينما دخلها قائد الجيش طالب الحق لأخذ الحرمين من يد مروان.
محمد (1) بن
وقد وصفه أبو سفيان محبوب بأنه على المنهاج المستقيم وأنه النور المبين، وأنه من أئمة الدين، وأنه قدوة للمؤمنين، وأنه من السلف الصالح (2). ومع. هذا فهو فقير مدقع ليس له ما يركب عليه، وعندما يذهب إلى الحج يتصدق عليه ـ وعلى أمثاله ـ الأثرياء بما يركبون إلى الحجاز قال سلمة بن سنان لأبى نجائب يحمل عليها مشايخ المسلمين ممن لا سعة له إلى مكة شبه المختار بن عوف وغيره) (3)
وكان من الشراة المخبتين بل هو سيد الشراة وأورد الشماخي عن أبي سفيان قوله: سمعت عبد الملك الطويل يتحدث عن أبي حمزة المختار قال: أدركت المسلمين إن كان الرجل منهم ما يستزاد في صلاة ولا في صيام ولا فى حج ولا في اعتمار ولا في وجه من الوجوه إن عرف أنه ليس بشديد الحرص في الشراء سقط من أغنيتهم وتسقط منزلته عندهم) (4).
وتوفى مقتولاً بمكة على يد جيش عبد الملك بن عطية السعدي الذي أرسله مروان ابن محب لانتزاع الحرمين من طالب الحق وقائده أبي حمزة وذلك عام 131 هـ (5)، وصلبه ولم ينزل من الصلب حتى جاءت دولة العباسيين (6)
بن فهم، وهو من عمان
أبي
ـ بلج بن عقبة الفراهيدي، نسبة إلى فراهيدي بن مالك من مجز من الباطنة، وقد تتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن كريمة التميمي ونهل من لما علمه الوفير، ثم هم طالب الحق باليمن بالقيام بالعدل، وأرسل إلى شيخه الإمام أبي عبيدة يستشيره ويستنجده، كتب إليه رسالته المشهورة وكتب له فيها (أرسلنا لك باثني عشر رجلاً وألف رجل)، ويعني بالألف رجل
(9)
(1) ابن عبد ربه ـ العقد الفريد: 200/ 4، أطفيش محمد يوسف ـ إزهاق الباطل: 65. (2) مجموعة علماء عمان - السير والجوابات: 302/ 1، ن م ص: 241/ 240. (3) الشماخي - سير: 91/ 1:
(4) الشماخي – سير: 1/ 100، الدرجيني ـ طبقات: 262/ 2
(5) الدرجيني - طبقات: 259/ 2، الشماخي - سير: 91/ 1، السير والجوابات: 241/ 1. (6) انظر: أبو فرج الأصفهاني ــ الأغاني:
(7) الدرجيني - طبقات: 2/ 260.
0110:20:
(8) الشقصى - منهج الطالبين: 260/ 1.
(9) الشماخي ـ سير: 91/ 1، دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 174/ 3.
252 (1/252)
صفحة 242
بلج بن عقبة فهو في شجاعته يعادل ألف رجل، ولله در القائل: (والناس ألف كواحد وواحد كالألف إن أمر عنى).
منهم
وكان من الشجعان البارزين يقول الدرجينى فيه وفي أصحابه: (متخلقون بمحمود الخلائق ليس من الكل إلا جاهداً ومجاهداً مخالف الأرق ساهد قاطع ليله في الهجود بالركوع والسجود وتلاوة القرآن والضراعة إلى الرحمن) (1).
ووصفهم العلامة المنير بن النير الجعلانى فى سيرته إلى الإمام المهنا جيفر بقوله: (وقد بلغنا عن أبي يحيى رحمه الله (2) والمختار بن عوف وبلج بن عقبة وأصحابهم من مكارم الأخلاق ما ليس لأحد من أهل الباطل عليهم فيه متعلق إلا من ظلم نفسه وترك الحق، ودخل في الباطل) (3)
كة
وكان من العباد الزهاد ومن الشراة الذين باعوا أنفسهم لله لا لطلب دنيا ولا لزهرة متاعها وأبلى بلاء حسناً في حروبه مع طالب الحق حتى وافته المنية بمقتله فى معر وادي القرى على يد عبد الملك بن عطية السعدى قائد جيش مروان بن محمد عام 131 هـ (4)
4 ـ الإمام الجلندى بن مسعود بن جيفر بن الجلندى بن المستكبر بن مسعود بن الجرار بن عزين معولة بن عبد شمس ملوك عمان بعد مالك بن فهم (5)، (وكان الله إماماً فاضلاً عادلاً حليماً تقياً عالماً عاملاً بالكتاب المبين وسنة النبي
الجلندى
الأمين
رحمه
(7)
محمد عليه الصلاة والسلام، ووصفه العلامة المنير بن النير في سيرته هو
وأصحابه الشراه بقوله: (وما عرفوا به من المعروف والعدل والإحسان والصدق والصبر والاقتصاد والبصيرة والمعرفة والورع والتزهد والتحرج والعبادة والسمت بالحسن الجميل لم يأخذوا الصدقة بغير حقها ولم يضعوها في غير موضعها ... إلخ) (7).
(1) الدرجيني - طبقات: 259/ 2.
(2) يعني به طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي وقد مرت ترجمته.
(3) السير والجوابات: 240/ 1 - 241.
(4) الدرجيني ـ طبقات: 2/ 260، أبو الفرج ـ الأغاني: 108/ 2.
(5) الشماخي ـ سير: 109/ 1، ابن رزيق الشعاع - الشائع باللمعان: 21، السالمي - تحفة الأعيان: 272/ 1،
الحارثي - العقود: 253.
(6) الشعاع الشائع باللمعان: 21.
(7) السير والجوابات: 241/ 1، مختصر تاريخ الأباضية: 25.
253 (1/253)
صفحة 243
وكان الإمام الجلندى كما وصفه الشيخ المنير براً رحيماً عادلاً عالماً عاملاً أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة ووجهه إلى طالب الحق واشترك في بيعته، ثم لما قتل طالب الحق رجع الجلندى إلى عمان فبايعوه إماماً بها (1).
أقام بصحار (2) إذ كان مقر الإمامة فيها، وكان جده الجلندى صاحب الخليفة وصلح الحال في عمان في أيامه، وظهر العدل واستقامت
الثالث عثمان عفان بن
6
(3)
الحياة كأحسن ما عليه أئمة العدل، وكان هو أول الأئمة في عمان وسيأتي بمزيد بيان عن إمامته في مبحث الإمامة.
ولم نعثر على تاريخ مولده وتوفى شهيداً بالقتل في المعركة التي دارت بينه وبين خازم بن خزيمة الذى أرسله السفاح إلى عمان ليدخلها تحت سلطانه، وكانت المعركة في جلفار التي يقال لها الآن رأس الخيمة (4) وقال ابن رزيق في وصفه:
ومن ذا كابن مسعود الجلندى إمام سيفه هجر القرابا
حميداً عاش ثم قضى شهيداً بجلفار فلا عدم الثوابا
تخضب جسمه بدم
فأضحى إليه ثواب خالقه الثيابا (5)
من
فقهاء
ه - شبيب بن عطية العمانى، وليس هو بشبيب الصفري، كان المسلمين وفضلائهم وهو من أصحاب الجلندى بن مسعود الشادين لعهده (6)، ولما قتل الإمام الجلندى وأصحابه قام شبيب بالأمر في بعض نواحي عمان محتسباً ينفذ القرى (وكان رجلاً صلباً في دينه شديداً على الجبابرة داعياً إلى
أحكام الله ويحيى
(1) الحارثي - العقود: 253.
(2) صحار مدينة عظيمة من عمان على سهل الباطنة وتبعد عن العاصمة مسقط حوالى 360 كيلو متراً فيها ـ في القديم. - سوق عدة المؤرخون من أسواق العرب العشرة، والتي يجتمعون فيها لتجارتهم، ويأمنون فيها على أموالهم ودمائهم، ويتسابقون فيها في الشعر، وكان يقوم أول يوم من شهر رجب ولا يحتاق الزائر فيها إلى خفارة لأنها مملكة آل الجلندى وهم يأخذون العشور، هكذا كانت فى القديم وقد عادت نضارتها إليها في العهد الجديد الحالي لعمان، انظر اليعقوبي ـ تاريخ: 270/ 15.
(3) ابن عبد الله - العقد الفريد: 301/ 3.
(4) السالمي - تحفة الأعيان: 78/ 1، الحارثي - العقود: 253. (5) ابن رزيق: الشعاع الشائع اللمعان: 26/ 25.
(6) الشقصى - منهج الطالببين: 620/ 1، السالمي - تحفة الأعيان: 85/ 1.
254 (1/254)
صفحة 244
مخالفتهم) (1)
، ومما جاء في هذه السيرة قوله: (وقد
وسيرته التي وجهها على أهل عمان تنبئ عن غزارة علمه وتصلبه وشدته ولا تزال موجودة ضمن المسلمين بعمان (2) سير يعرف ذووا الألباب أن الإمام رجل من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ليس له أن يستحل مما ولاه الله من أمر عباده وبلاده حراماً ولا يحرم حلالا بل يزداد بتلك الولاية لحق الله تعظيماً وقد قال خليفة رسول الله: أبو بكر الصديق رحمة الله عليه. وهو يذكر المسلمين إنني لست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، فيأمر أبو بكر أن يقوم إذا أساء وترك العدل، ... إلخ) (3).
-
وقال في موضع آخر من السيرة: وقد يعرف ذووا الألباب أن لو كانت النجاة والعصمة باتباع الكثرة والجماعة حيث دارت من الطاعة والمعصية، ما حمد الله صاحب يس وامرأة فرعون وأصحاب الأخدود وهؤلاء الذين كانوا ينهون عن السوء، والذين يشرون أنفسهم ويبتغون مرضات الله وقد يعلم ذووا الألباب أن من اتبع من ضيع حقوق الله وحدوده وقتل من أطاع الله ورسوله، أعظم جرماً وأكبر معصية وأحق بالجهاد ممن منع، وقد يعلم ذووا الألباب أن من ترك القيام وترك جماعة الهدى ونهى عن القيام معهم ودعا إلى غيرهم ورد الناس عنهم. أعظم جرماً وأكبر معصية وأحق
عقالاً.
بالجهاد ممن منع عقالاً) (4)
وهكذا يظهر من
هذه السيرة براعة الشيخ شبيب ورسوخ قدمه في العلم والمعرفة
ويجمع
الكلمة
وبعد نظره في سياسة الأمة، وهو يحاول إصلاح المجتمع العماني يومئذ ليقفوا صفاً واحداً أمام الأعداء وخصوصاً الجبابرة الذين حكموا عمان بعد قتل الإمام الجلندى سواء كانوا من ولاة السفاح أم من العمانيين أنفسهم.
واستمر على هذا الحال صابراً مجاهدا محتسبا حتى قضى نحبه في عمان، ودفن وهي المعروفة اليوم بالمنطقة الداخلية ولكنا لا نعرف مكان قبره، ولم
بالغربية منها (5)
نقف على تاريخ ولادته
(1) السالمي - تحفة الأعيان: 85/ 1. (2) انظر سير المسلمين: من 205 - 225.
(3) سيرا ير المسلمين: 210
(5) الشقصى - منهج الطالبين: 620/ 1.
(4) سير المسلمين: 218.
255 (1/255)
صفحة 245
6 ـ أبو عبيدة الصغير أو الأصغر: عبد الله بن القاسم البسيوى العماني من قرية بسيا التابعة لولاية بهلا من عمان (1)، أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة، ومن بعده على الربيع، وهو ممن روى عنهم أبو غانم مدونته، قال أبو غانم: (قال أبو عبيدة بن الشيخ يعنى أبا عبيدة الكبير ... إلخ. قال أبو عبيدة بن القاسم وأرى أن يدخل بخنش خصب أرضه ولا يمنع من ذلك، ولم أسمع من أبي عبيدة مسلم فيه
القاسم
سألت
شيئاً) (2)
أخذه فذلك صريح في عن الإمام وهو يرد قول من قال: إنه تلميذ للربيع فقط (3)، وهو من علماء القرن الثاني، النصف الأول منه وكان رجلاً عالماً وقوراً زاهداً، يقول عنه الدرجيني: (أحد فضلاء من أقام بالأمصار وفقهاء تلك الأعصار، والمستعين على إقامة الدين من أولئك الأنصار) (4). وقال الشماخي: (كان ممن حاز السبق في حلقة الرهان علماً وعملاً وغاص في بحور الزهد والتقوى شاباً وكهلاً) (5).
وهى أوصاف تنطبق على أبي عبيدة بن القاسم فكان زاهداً لا يأكل من منازل الأثرياء، فإذا زار الفضل بن جندب العماني الصحارى بالبصرة مثلاً حمل عنده أقراص الخبز والملح ليأكل منها فسأله عن ذلك، وكان الفضل يطيب الطعام الكثير قال له: دعنى وإلا لم أدخل عليك منزلاً (6).
أصحابه
وكان تاجراً يخرج إلى الصين ومع ذلك فهو زاهد، خرج ذات مرة مع إلى الصين فاشتركوا جميعاً فى شراء عود فأخذوا يعيبون العود كي ينقص لهم في الثمن، فلما اشتروا العود ونقد معهم عشرين ديناراً فيه ولما خرجوا من عند التاجر أقبلوا يمدحون العود، فقال لهم: (سبحان الله! أتعيبون عوداً بلا عيب، ردوا على رأس مالي، فردوا عليه رأس ماله واعتبروا ذلك مغنماً لهم) (7)
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 235/ 2، الشماخي - سير: 87/ 1، الشقصى سيابي ـ طبقات: 35، 2، أصدق ا المناهج: 1
(2) أبو غانم - المدونة الكبرى: 146/ 2.
29:
-
منهج الطالبين: 622/ 1،
(3) السيابي ـ طبقات: 35، الجيطالي - قواعد: 201/ 1 هامش، الشقصى - منهج الطالبين: 622/ 1.
(4) الدرجيني - طبقات: 253/ 2.
(5) الشماخي - - سير: 87/ 1
(6) انظر: الدرجيني - طبقات: 253/ 2، الشماخي - سير: 78/ 1. (7) انظر: الدرجيني - طبقات: 253/ 2، الشماخي - سير: 78/ 1.
256 (1/256)
صفحة 246
وعاش فترة من الزمن عزباً ثم تزوج امرأة مؤسرة بمكة وأقام هناك، ولما اعتلى أبو
(1)
جعفر منصب الإمارة كان هو والفضل بن جندب، وعلى الحضرمي، ووائل بن أيوب بالمسجد الحرام، فأغلقت أبواب المسجد لأخذ البيعة فنجوا واستطاعوا الخروج من المسجد، ولم يعطوا البيعة فسئل عبد الله بن القاسم بعد ذلك عما لو أخذ بالبيعة ماذا هو صانع؟ فقال: (تذهب ـ والله ـ نفسي دون أن أعطيهم هذه البيعة) (ودعا على بن سابور فقال: اللهم أدخل بيته قناطير الذهب والفضة فقيل له: إنك دعوت له، قال: لا والله ولكن دعوت عليه وأى شر أشد عليه من أن يدخل بيته قناطير الذهب والفضة) (2). فكان لا يرى هوادة في مقاطعة الظلمة ولا يخاف في الله
لومة لائم.
وعاش إلى ولاية الإمام عبد الوهاب ولما جاءت الرسالة. من المغاربة للاستفسار عن إمامة عبد الوهاب الرستمي كان يومئذ موجوداً مع الربيع، وقد وقع الالتباس على صاحب الأزهار الرياضية وتابعه الشيخ محمد بن يوسف أطفيش (3) في أن الموجود يومئذ هو الإمام أبو عبيدة الكبير، ولو كان ذلك كذلك لما أجاب الربيع وأبو غسان على سؤال المغاربة ولدفعوه إلى شيخهم، والباروني بنفسه يقول: إن المقدم في الشارقة يومئذ هو الربيع بن حبيب (4)، فظهر من هذا أن الموجود يومئذ هو أبو عبيدة الصغير، ولعلهم تبعوا ما ذكره أبو زكريا في السيرة من أن الإمام أبا عبيدة الكبير، توفى في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم، وكلام صاحب السيرة نفسه لا يفيد أن الإمام أبا عبيدة هو الذى توفى فى عهد الإمام عبد الرحمن إذ قال: (وبلغنا أن الوالى على أهل عمان في إمامة عبد الرحمن رجل يقال له الوارث، وأبو عبيدة رحمة الله عليه حي وفي إمامة عبد الرحمن توفي) وقد تقدم بيان ذلك
(1)
(0)
ثم انتقل أبو عبيدة عبد الله بن القاسم إلى عمان، واختلف في وفاته فقيل: إنه توفى بحضرموت وهو الذي ذكره صاحب المنهج (7)، وذكر الشماخي عن أبي سفيان سمع رجلاً من خراسان عن أبي عبيدة الصغير وهو الذى تولى أمره ـ أى أبا عبيدة.
أنه
(1) انظر: ن م والصفحة.
(2) الدرجيني - طبقات: 254/ 2
(3) الباروني - الأزهار الرياضية: 159/ 2. (4) الباروني - الأزهار الرياضية: 106/ 2.
(5) انظر: أبوزكريا - السيرة: 87.
(7) انظر: الشقصى - منهج الطالبين: 622/ 1.
(6) ن م والصفحة.
257 (1/257)
صفحة 247
عند وفاته فى خراسان: أنه كان يصلى قائماً فلما غلب حمله حتى قعد على المسجد فكبر ثم ركع ثم هوى إلى السجود، فظن أنه غلب عليه فبادر ليرفعه فجبذه فأرسله فسجد وهو جالس، فلما فرغ التفت إليه وقال له: إنما الإيماء على من كان على
(1)، وعلى هذا
الفراش أو دابة أو سفينة، وأما من كان فى المسجد فإنما يركع ويسجد فتكون وفاته في خراسان والله أعلم بحقيقة الأمر، ولم نعثر على تاريخ مولده ولا خروجه من عمان إلى البصرة لتلقى العلم ولا تاريخ وفاته.
7 ـ الفضل بن جندب من صحار بعمان أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة، وهو الذي سأل أبا نوح بحضرة الإمام أبي عبيدة عن المرأة التي يدخل رجل يده تحت ثيابها هل له أن يتزوجها؟ (2) قال عنه الشماخي: كان من خيار المسلمين وفضلائهم وكان ذا مال سخياً) (3) وهو الذي حمل دين حاجب عندما توفى وعليه مائتان وخمسون درهم كان قد أنفقها في عز دولة المسلمين في اليمن وعمان وغيرهما، فابتدر أربعة رجال ليحملوا الدين قبل أن يصلى عليه فلما حضر الفضل قال: هو على دونكم فبيعت داره بصحار لوفاء هذا الدين إذ مات ولم يوفه بعد كما بيعت داره بالبصرة لوفاء هذا الدين أيضاً (4).
ألف
ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته .. ويقال: إنه أزدى من الحدان (5)، وذكر الشماخي والدرجيني أنه مولى للأزد (6) والأظهر أنه أزدى.
فكان من
ـ يحيى بن نجيح (7) ولعل أصله عراقي ثم جاء إلى عمان زمن إمامة الجلندى، جملة الذين شدوا عضد الإمام أو أن أصله خراساني، ولكن الثابت أنه قدم هنو وهلال عطية الخراساني معاً. من البصرة لشد عضد الإمام (8) فكان هلال قاضياً للإمام وقتل معه في آخر لحظة كما تقدم،، أما يحيى بن نجيح، فكان قائد الحملة
بن
(1) انظر: الشماخي - سير: 108/ 1.
(2) انظر: الدرجيني - طبقات: 239/ 2، الشماخي - سير: 98/ 1.
(3) الشماخي - سير: 98.
(4) انظر: المرجع السابق والصفحة، الدرجيني ـ طبقات: 2/ 250.
(5) انظر: هامش ص.98 سير الشماخي: 1. .
(6) انظر: الدرجينى - طبقات: 2/ 250، الشماخي - سير: 98/ 1.
(7) الشماخي.- مير 108/ 1:
هو
(8) انظر: المالكي - غاية المطلوب: 279.
258 (1/258)
صفحة 248
الأولى على شيبان الصفرى وأصحابه التى انهزموا فيها وكانت الدائرة فيها عليهم، ولم يكن معهم الإمام الجلندى يومئذ.
يروى أنه لما تقابل الفريقان وصاروا صفين قام يحيى بن نجيح بين الصفين ثم دعا بدعوة أنصف فيها الفريقين وأمن الفريقان عليها جميعاً فقال: (اللهم إن كنت تعلم أنا على الدين الذي ترضى به والحق الذى تحب أن يؤتى به فاجعلني أول قتيل من أصحابي، ثم اجعل شيبان أول قتيل من أصحابه، واجعل الدائرة على أصحابه، وإن كنت تعلم أن شيبان وأصحابه على الدين الذي ترضاه والحق الذي تحب أن تؤتى به فاجعل شيبان أول قتيل من أصحابه فأمن الفريقان، ثم زحف القوم بعضهم على بعض فكان أول قتيل من المسلمين يحيى بن نجيح، وأول قتيل من أصحاب شيبان شيبان، ومكن الله المسلمين منهم واستولوا عليهم فلم تبق لهم بقية فيما علمنا) (1).
وعلى هذا فقد كانت وفاته فى قتاله لشيبان الصفرى بعمان عام 133 هـ، وكان ليحيى بن نجيح دور في جمع المال والتبرعات بالبصرة لتوزيعها على الفقراء سواء كانت من الدراهم أو من الأغذية، وكان معه رجل يقال له: ديال يفعل مثله وأكثر (2). ولم نقف على تاريخ ولادته.
المطلب الرابع: تلاميذ الإمام أبي عبيدة من شمال أفريقيا ومصر:
تمهيد:
أن سبق
هو
ذكرنا نبذة عن وصول المبادئ الأباضية إلى المغرب ومصر ووصول الداعية الكبير سلمة أنه سعد بما يغني عن إعادة القول فى ذلك، وما يهمنا هنا بن كان لوصول تلك المبادئ آثار طيبة جعلت البربر يقبلون على تعلم شريعة الإسلام ويبحثون عن المعرفة بالدين بغض النظر عن كون الفكر أباضياً أو غير ذلك، إنما هو نهر من أنهار الإسلام المتدفقة التي تنبعث كلها من بحر الإسلام.
على أن اتساع دائرة المذهب الأباضى كدعوة إسلامية سياسية عامة، جعل المذهب لا يكتسب طابعاً خاصاً يغلب عليه مدرسة بعينها أو ينسب إلى مدينة بعينها
(1) السالمي - تحفة الأعيان: 77/ 1، المالكي - غاية المطلوب: 279، الشماخي - سير: 104/ 1.
(2) ن م والصفحة.
259 (1/259)
صفحة 249
كالبصرة) (1). كما أنه لا يمكن لأى دعوة إلا أن يكون لها مرجع ولها من يشجعها ويدرس مبادئها من قريب أو من بعيد.
الأباضي
ولهذا أراد المغاربة أن يتتلمذوا على مدرسة البصرة التي هي مر مركز التجمع يومئذ، وإن كانت هناك تجمعات أخرى يومئذ فى الكوفة والموصل ومكة والمدينة واليمن وعمان وخراسان، ولكن كان تجمع المشايخ بالبصرة خصوصاً شيخ الأباضية أو شيخ أهل الدعوة الإمام أبا عبيدة
ولذلك قيل لعبد الرحمن بن رستم: إن كنت تطلب هذا الأمر فعليك بالبصرة فإن. فيها أبا عبيدة، وكذلك الحال في بقية أنحاء المغرب.
من
ها هنا سافر طلبة العلم المغاربة إلى البصرة لتلقى العلم على الإمام، وقد جاءوا من أنحاء متفرقة، وتذكر المصادر أنهم ساروا دفعة واحدة عام 135 هـ تقريباً وعادوا سنة 140 هـ، وهم إسماعيل بن درار الغدامسي ويكنى أبا الزاجر، وأبو داؤد المقبلي النفزاوى، وعاصم السدراتي، وعبد الرحمن بن رستم الفارسي، ولما عادوا عاد بن السمح المعافري الذي نصبوه إماماً بعد عودتهم وهو من
أبو الخطاب عبد الأعلى
اليمن وسموا فيما بعد بحملة العلم (2)
معهم
بن
على أنه كان هناك من سبقهم إلى البصرة كأبي عبد الله محمد عبد الحميد بن مغطير النقوسي، وهناك من قام بالأمر أمثال الإمام الحارث بن تليد الحضرمي، وعبد الجبار بن قيس المرادى، وأبو حاتم الملزوزى، ولكنهم لا يطلقون لفظة (حملة العلم إلا على هؤلاء الخمسة، ولا مشاحة في الاصطلاح ولهذا الاصطلاح ما يبرزه من كونهم جاءوا دفعة واحدة، وأما من كانوا قبل ذلك فجاءوا متفرقين فصار الابتهاج بوصولهم جميعاً وقيام دولتهم أكثر أثراً فى النفوس من الذين جاءوا قبلهم، والفضل للسابق وإن أفلح اللاحق في نظر الباحث.
(1) مقدمة أجوبة ابن خلفون لعمرو النامي: 10.
(2) انظر: أبو زكريا - السيرة: 57، الدرجيني - طبقات: 19/ 1، الشماخي - السير: 113/ 1، السالمي - مقدمة شرح الجامع الصحيح: 6/ 1، محمد يوسف أطفيش - المدونة الكبرى: 109/ 2 ملحق، الإمكان – 111 - 114، سالم يعقوب ـ وثائق: 83، دبوز - تاريخ العرب الكبير: 188/ 3 و ما بعدها، خليفات ـ النظم الاجتماعية: 17، د. محمود إسماعيل - الخوارج في بلاد المغرب: 55 وما بعدها، عمرو النامي ــ مقدمة أجوبة ابن خلفون: 11.
260 (1/260)
صفحة 250
ا أن النهضة العلمية والسياسية للأباضية فى المغرب كانت أكثر أثراً من مثيلتها أو قل العلمية فقط في مصر - فإننى أبدأ بذكر المغاربة، ثم أذكر تلاميذ مصر، وإن كان الأولى ذكر مصر أولاً لكونها أقرب إلى المشرق علماً بأنني قد ذكرت أول حملة العلم وهو أبو الخطاب في تلاميذه اليمنيين فلا داعي لإعادته هنا (1).
أولاً: تلاميذه المغاربة:
،
(2)
1 - أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسى الجناوني تتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة قبل من يعرفون بحملة العلم، وصار معلماً مفتياً لأهل الجبل وغيره في ليبيا، يقول عنه الشماخي: (وكان شيخاً فاضلاً فقيهاً مفتياً) (3)
ولما قدم حملة العلم الخمسة من البصرة ووصلوا بلادهم توقف ابن مغطير عن ا فعوتب على ذلك فقال: إني أخذت عن أبي عبيدة ولم يحرر لى المأخوذ. الأقوال، وهؤلاء أخذوا آخراً وقد حرر المختار عنده من الأقوال) (4)
الفتيا
عنده من
وعاش مدة طويلة حتى نصب الإمام عبد الوهاب فجاء إلى الجبل بليبيا، وكان ابن مغطير شديداً في الحق قوى الشكيمة، وذات يوم اختصم عند الإمام عبد الوهاب وهو بالجبل - رجلان فاستردد الإمام الجواب من المدعى عليه فلم يجب، فقال الإمام: هل ها هنا ابن مغطير؟ قالوا: لا فأمرهما بالخروج والعودة إلى غد وهكذا إلى اليوم الرابع، وكان ابن مغطير حاضراً فلما سأل الإمام المدعى عليه وأبي من رد الجواب وسأل عن ابن مغطير، نهض ابن مغطير إلى المدعى عليه ووثب إليه ورفسه بركبته فصاح المدعى عليه يطلب النجدة من الإمام فأمر الإمام ابن مغطير أن يتركه فتركه فأذعن للحق وأجاب (5)
100 هـ
(1) وقد ذكرت من قبل تساؤلاً عما إذا كان أبو الخطاب من نسل الصحابي المعافرى الأفريقى المتوفى عام. فلينظر في ترجمة أبي الخطاب في تلاميذه اليمنيين. (3) انظر: الشماخي - سير: 128/ 1، محمد يوسف - رسالة شافية: 88، سالم بن يعقوب ـ وثائق: 109، خليفات ـ نشأة الحركة:: 136، النظم الاجتماعية: 17، عمر مسعود - ا الربيع محدثاً: 191، الصوافي -
جابر بن زيد: 191، جودت - العلاقات: 46. (3) الشماخي - سير: 128/ 1.
(4) ن م و الصفحة، محمد يوسف - رسالة شافية: 88. (5) انظر: الشماخي – سير: 128.
0261 (1/261)
صفحة 251
ويقول الباحث عوض خليفات: إن ابن مغطير بقى هو وسلمة بن سعد في جبل نفوسة واشتركا في نشر التعاليم الأباضية وأنه عاد من البصرة إذ كان سلمة بالمغرب (1).
ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا حياته الاجتماعية، ولا المدة التي قضاها بالمشرق ولا وفاته. 2 ـ أبو درار إسماعيل بن درار الغداسي الليبي (2) وذكر أطفيش بأن كنيته أبو المنيب (3) والله أعلم. أى هذه الكنى الثلاث تنطبق عليه، ويقول عنه الشماخي: (هو أحد الشيوخ المشهورين في العلم والتعليم والعمل والورع) (4)
وذكر المؤرخون أن إسماعيل بن درار سأل شيخه عند الوداع عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام عند إرادتهم الارتحال، فأجابه عليها وقال: أتريد أن تكون قاضياً يابن درار فقال: أرأيت إن ابتليت بذلك يا شيخ، فكان قاضيا للإمام أبي الخطاب على طرابلس (5)، ويغالى بعض المؤرخين حيث يقول: إنه سأله عن تلك المسائل ورجله على الركاب فأجابه قبل أن يلوى رجله الثانية على الركاب (6). والذي يظهر للباحث أن ذلك غير ممكن لأنه من المستبعد جداً أن يستحضر السائل في موقف واحد ثلاثمائة مسألة التي لا يتسع لها مجلد، ويجيبه الشيخ في تلك الحال فكم وقفا للسؤال والجواب يا ترى؟.
على أن صاحب الطبقات أشار إلى هذا الموقف حيث قال: (وقد ذكر أنه إنما قال له ذلك في موطن قبل الموطن المذكور) (7)، والمعنى أنه سأله هل يريد أن يكون قاضياً مما يدل على أن هذه الأسئلة قد وجهت قبل ذلك. ويشير أبو زكريا نفس الإشارة حيث يقول: ولا أدرى أسأل في ذلك الوقت أم قبل ذلك (8). فكأن أبا زكريا نفسه
(1) انظر: عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 136. (2) انظر: الشماخي – سير: 127/ 1، الدرجيني - طبقات: 19/ 1، الباروني - مختصر تاريخ الأباضية: 30،
السالمي - مقدمة شرح الجامع الصحيح: 6. (3) أطفيش - رسالة شافية: 126، الإمكان: 113
(4) الشماخي – سير: 127/ 1.
(0) أبو زكريا ــ السيرة: 60، الدرجيني - طبقات: 21/ 2، الشماخي ـ سير: 127/ 1.
(6) عبد الله الباروني - سلم العامة والمبتدئين: 8.
(7) الدرجيني ـ طبقات: 19/ 2
(8) أبو زكريا ـ السيرة: 60.
262 (1/262)
صفحة 252
شك فى الرواية ولهذا فإننى أرجح أن يكون سؤاله قبل ذلك
وقد أخذ العلم عن ابن درار كثير من الناس، وممن أخذ عنه مامد بن يانس الدركلي النفوسي وغيره (1). ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته ولا حياته
الاجتماعية.
- عبد الرحمن بن رستم الفارسي الإمام القيروانى التونسى (2)، أخذ العلم عن عبيدة مسلم بالبصرة ومكث عنده خمس سنين، أو أكثر جاداً في طلب العلم منه (3)، العلماء العاملين وله كتاب تفسير القرآن (4)، فهو أول من فسر القرآن تفسيراً كاملاً من الأباضية.
فكان من
كان أصله من العراق من جهة فارس فارتحل أبوه وأمه إلى الحج إلى بيت الله الحرام فحملوا معهما عبد الرحمن، فمات أبوه وبقيت أمه ومعها عبد الرحمن بمكة، فتزوجها رجل من أهل القيروان فحملها معه واستقر المقام بهم بالقيروان (5)، ولما كبر اجتهد في طلب العلم والسؤال عنه، ويروى أبو زكريا: أن رجلاً من أهل الدعوة دل عبد الرحمن إلى الارتحال إلى أبي عبيدة بالبصرة ليطلب منه العلم لما رأى شغفه به يا فتى إن كنت طالباً لما أراك تطلبه فاقصد إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي - رضي الله عنه ـ تجد عنده ما رجوت)، فسافر إليه وقد وافق ارتحاله سفر طلبة العلم المغاربة إليه.
سلمة
(6)
وتتفق هذه الرواية مع الدرجيني (7). أما الشماخي فيقول إن عبد الرحمن سمع سعد الما قدم المغرب ونزل القيروان يقول: إنى أتمنى أن يظهر هذا الأمر يوماً
بن
واحداً ثم لا أبالى بضربة عنقى (فلما سمع ما سمع من سلمة بن سعد تعلق قوله بقلبه
(1) انظر: الشماخي – سير: 127/ 1.
(2) أبو زكريا ــ السيرة: 58، الشماخي ـ سير: 113/ 1.
(3) أبو زكريا - السيرة: 59 - 62 - 63، الدرجيني - طبقات: 19/ 1، الشماخي - سير: 113/ 1، 124، المالكي ـ غاية المطلوب: 307، الباروني ـ مختصر تاريخ الأباضية: 30، الجيطالي – قواعد: 13/ 1، السالمي
شرح الجامع الصحيح: 6/ 1.
(4) أبو زكريا ــ السيرة: 42.
(5) ن م: 58، الدرجيني - طبقات: 19/ 1، الشماخي - سير: 113/ 1.
(6) انظر: أبوزكريا - السيرة: 59.
(7) انظر: الدرجيني - طبقات: 20/ 1.
263 (1/263)
صفحة 253
وطلب ذلك)
(1)
المقالة
وهنا يتفق معهما في أن رجلاً من أهل الدعوة أشار إليه بالسير إلى البصرة، ولكنه يزيد رواية أخرى أن أمه هى التى قالت له ذلك (2)، ولكن يتساءل الباحث هل كان عبد الرحمن لما قدم سلمة إلى القيروان ـ موجوداً وسمع بنفسه؟ فإذا كان كذلك فرواية الشماخي أرجح ولكن أبا زكريا أقرب إلى زمان عبد الرحمن، وكذلك الدرجيني أسبق ثم إن أبا زكريا كان اهتمامه بالرستميين أكثر من غيرهم، فلماذا لم يذكر أن عبد الرحمن التقى بسلمة، وأراني مضطراً إلى ترجيح رواية أبي زكريا والدرجينى لقربهما واهتمامهما بالدولة الرستمية
وعلى أي حال فقد اتفق الكل على أن عبد الرحمن مكث عند الإمام أبي عبيدة سنين يطلب العلم، ولم يحددوها بمدة معلومة إلا أن الشيخ أطفيش قال: إنهم مكثوا عنده خمس سنين وتابعه على ذلك الدكتور عوض خليفات (3)
عدة
ويشك الباحث في هذه الرواية إذ إن خمس سنوات لا تكفي للتبحر في العلم إضافة إلى ما قاله الشماخي من مقالة سلمة أن عبد الرحمن سمع بن سعد بنفسه، وما رواه أبو زكريا عن عبد الرحمن من قصة قدوم سلمة.، كما أنهم ذكروا جميعاً أن الإمام أبا عبيدة وجدوه حينئذ مستخفياً من بعض أمراء البصرة فمن هو
الأمير؟ (4).
بن
سعد،
هذا
ظلم
ثم عاد عبد الرحمن من البصرة إلى القيروان فأرادوا منه القيام بالإمامة فأبى، ثم كان قاضياً للإمام أبي الخطاب على القيروان فعاملاً (5) بعد تخليصها من ورفجومة، وسيأتي بيان ذلك .. وكان عبد الرحمن حسن السيرة شديداً في الحق متواضعاً يخدم نفسه بنفسه) ثم ارتقى منصب الإمامة فكان أول الأئمة الرستميين بتيهرت على ما سنذكره.
(7)
ولم نعثر على تاريخ ولادته إلا أن وفاته كانت عام 171 هـ أو 173 هـ (7) على
(2) ن م والصفحة.
(1) الشماخي - سير: 113/ 1. (3) انظر: الإمكان: 112، نشأة الحركة الأباضية: 137. (4) انظر: أبو زكريا ـ السيرة: 42 - 69، الدرجيني - طبقات: 20/ 1، الشماخي – سير: 113/ 1. (5) انظر: أبو زكريا ـ السيرة: 69/ 1، الدرجيني - طبقات: 29/ 1، الشماخي – سير: 118/ 1. (6) انظر: أبو زكريا - السيرة: 88/ 1، الدرجيني ـ طبقات: 45/ 1. (7) انظر: الباروني - الأزهار الرياضية: 99/ 2.
264 (1/264)
صفحة 254
حسب الاختلاف في عام توليه الإمامة
وقد ذكرنا من قبل أن الإمام أبا عبيدة أجاز له الإفتاء بما سمع. منه بنفسه وبما لم لثقته فيه ومعرفته بذكائه و نبوغه (1) يسمع
4
عاصم السدراتي (2) ولم نعثر على اسم أبيه، والسدراتي نسبة إلى قبيلته سدراته وليس إلى البلد الموجودة بالجزائر فيما ذكره الشيخ أطفيش، وهو معدود من حملة العلم الخمسة الذين أخذوا العلم عن الإمام أبي عبيدة بالبصرة (3).
يقول عنه الشماخي: (جمع العلم والعمل، والجهاد والحزم، وشدة العزم والرأى، وحيد الدهر وفريد العصر (4) وقال: (من أئمة المغرب ومشاهير أشياخها وقادة أهلها) (5)، وكان من خيار المسلمين وأكثرهم نجدة وشجاعة، ومن خيار من صحب الإمام أبا الخطاب المعافري وساعده في نضاله لإظهار دعوة الإسلام (6). وذكر الشماخي عن أبى الرقيق أن فرقة من الجيش التي كان يقودها عاصم في حصاره للقيروان مع الإمام أبى الخطاب كان عددها ستة آلاف شخص وعاش حميداً مجاهداً ولم نعثر على حياته الاجتماعية ولا تاريخ ولادته، أما وفاته فقد اختلف فيها، وأكثر المؤرخين ذكروا موته في حصار الإمام أبي الخطاب للقيروان لما أراد تخليصها من رفجومة الصفرية.
(V)
وذلك أن عاصماً مرض مرضاً شديداً وانتشر خبر مرضه بين أهل القيروان، واشتهي ذات يوم - أكل القثاء وكان هناك رجل جوال يبيع ا القثاء فاتفق معه من أراد القضاء على عاصم بأن يسم قثاءة، فإذا مر وجاء أحد من أصحاب عاصم ليشتروا له القثاءة المسمومة عسى أن يأكلها عاصم فيموت بها.
القثاء أن يبيعهم
(1) انظر: الشماخي - سير
129/ 1:
(2) ما قدمنا ذكر عبد الرحمن مع أنه توفى بعد عاصم إلا لتوليه الإمامة، وعاصم توفى قبله.
(3) أبو زكريا ــ السيرة:، الدرجيني - طبقات: 19/ 1، الشماخي – سير:: 113/ 1 - 126، أطفيش ـ الإمكان:
112، السالمي - مقدمة شرح الجامع الصحيح: 6.
(4) الشماخي - سير: 126/ 1.
(5) ن م والصفحة.
(6) الدرجيني - طبقات: 29/ 1، الشماخي - سير: 126/ 1، أبو زكريا ــ السيرة: 68.
(7) الشماخي ـ سير: 126/ 1
-
265 (1/265)
صفحة 255
سلفا
فاشترى أصحاب عاصم القثاء من البائع وقدر الله أن يأكل عاصم القثاءة المسمومة فيموت بسببها فمات شهيداً، ولكن أصحاب عاصم لم يعلموا بأن سبب موت عاصم ذلك السم الموضوع في القثاء إلا بعد ما نادى أحد أهل المدينة بالتهكم بأصحاب السدراتى من قولهم أين عاصمكم يا بربر (1)، فتكون وفاته على هذا خلال حصار أبي الخطاب للقيروان، فخادعهم أبي الخطاب بعد ذلك
عليهم.
انتصر
أما ابن سلام وهو أقدم زمناً من أبي زكريا ومن بعده فيقول: (إنه توفى ـ بالسبب نفسه - في حصار أبي حاتم للقيروان بعد وفاة أبى الخطاب ببرهة من الزمن، وذكر أن أبا حاتم عمل نفس الحيلة التي وردت ورويت عن أبى الخطاب لفتح القيروان (2)، والله أعلم بصحة ذلك. ويرجح الشماخي رواية ابن سلام لأنه رواها عن سليمان بن زرقون وأن في كتب المخالفين ما يدل على ذلك (3). ه ـ أبو داؤد القبلى النفزاوى من بلاد نفزاوة فى الجنوب التونسي وهي ما تعرف ببلاد الجريد (4)، وكان أحد حملة العلم عن الإمام أبي عبيدة بالبصرة، وهو ممن يشار إليهم بالبنان في عمق المعرفة والتواضع والورع وسعة الاطلاع، وقد أوصاه شيخه الإمام بألا يفتى فلما كثر اطلاعه في العلم ورسخت قدمه صار مفتياً وقاضياً للإمام عبد الوهاب، وكان الإمام عبد الوهاب مع كثرة علمه إذا جلس بين يدى أبى داؤد كان كالصبي أمام المعلم (5)، واشتهر بكنيته ولا يذكرون اسمه
ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته ولا حياته الاجتماعية.
أما
عيسى بن سليمان المغربي الذي جاءت على اسمه رسالة الإمام أبي عبيدة في
(1) انظر: أبو زكريا - السيرة: 68، الدرجيني - طبقات: 29/ 28، الشماخي - سير: 126/ 113، أطفيش ـ الإمكان: 112، السالمي - مقدمة شرح الجامع: 6.
(3) الشماخي – سير: 122/ 1.
(2) ابن سلام ـ الإسلام وتاريخه: 152 (4) أبو زكريا ــ السيرة: 58، الدرجيني - طبقات: 19/ 1، الشماخي - - سير: 129/ 1، السالمي - مقدمة شرح الجامع الصحيح: 6/ 1، الباروني - مختصر تاريخ الأباضية: 30، خليفات - النظم الاجتماعية: 18، السيابي –
طبقات: 61.
(5) الشماخي – سير: 129/ 1، أطفيش - ملحق المدونة الكبرى: 309/ 2، السالمي مقدمة شرح الجامع الصحيح:
266 (1/266)
صفحة 256
الزكاة زمان أبى الخطاب (1)، فإننا لا نعلم يقيناً هل تتلمذ على يد الإمام أم لا، وذلك لأنا لم نعثر على شيء مما يدل على ذلك.
وكذلك الإمام الحارث بن تليد الحضرمي، وعبد الجبار المرادي الذين قتلا عام 131 هـ على يد عبد الرحمن بن حبيب والى المنصور على طرابلس، وكذلك إسماعيل ابن زياد النفوسى الذى عقد عليه بالإمامة عام 132 هـ (2)، فلا ندري هل تتلمذ على الإمام أم لا؟ ولكنهم قاموا بثوراتهم في حياة الإمام.
أما أبو حاتم الملزوزى الذى نصب عام 154 هـ بعد قتل أبي الخطاب بعشر سنوات (3) فإننا لا ندرى - كذلك عمن أخذ العلم، ولذلك لا نستطيع ذكر هؤلاء من
ضمن تلاميذ الإمام أبي عبيدة وإن كانوا قد نشأوا في عصره لعدم التثبت في أمرهم. هؤلاء الذين استطعنا ذكرهم، بل الإشارة إليهم حسبما توفر في المصادر الموجودة لدينا وسنذكر بعدهم أهل مصر.
وأما تلاميذه المصريون:
فأولهم ابن عباد عبد الله بن عباد المصرى الفقيه المفتى أحد الذين روى عنهم أبو غانم مدونته (4)، وهو غير محمد بن عباد المدني الذي اجتمع به الإمام محمد بن محبوب الرحيلي العماني في القرن الثالث الهجرى، فهذا متكلم، أما الأول فهو
فقيه (9)
ويقول عنه أطفيش: (هو في الولاية (6) أخذ عن أبي عبيدة ثم عاد إلى مصر واجتمع به أبو غانم بمصر، وأرسل إليه الإمام عبد الوهاب بمسائل فأفتاه فيها، وكان
(1) جاء ذلك في نسخة سالم بن يعقوب بجربه.
(2) أطفيش ـ الإمكان:: 53، خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 139 - 142.
(3) الدرجيني - طبقات: 39/ 36، أبو زكريا - السيرة: 78/ 73، الشماخي – سير: 121/ 1. (4) الشماخي - سير: 112/ 1 - 113، ابن سلام - الإسلام: 31، السالمي ـ اللمعة: 13. (5) ن م والصفحة، وسماه الدكتور عمر النامي في ملحق أجوبة ابن خلفون محمد عباد - أجوبة ابن خلفون: 108، أطفيش - ملحق المدونة: 308/ 2، الجيطالي ـ قواعد: 63.
(6) ابن سلام: 131، والمسائل التي أفتى بها الإمام عبد الوهاب من جملتها عن لزوم الحج على من خاف على نفسه في الطريق كالإمام عبد الوهاب فأفتاه بعد وجوب الحج عليه، فلم يخرج الإمام للحج أخذاً بفتوى ابن عباد في عدم اللزوم وأخذ يرسل أحداً وهو حى، أبو زكريا ـ السيرة: 116، الجيطالي ـ قواعد: 63 هامش.
-
267 (1/267)
صفحة 257
(1)
، وهو من جلة فقهاء الأباضية وممن انتهت إليه الرئاسة طبقة الربيع بن حبيب من العلمية بمصر أيام الربيع) (2) ولم نعثر على شيء من التفصيل عن حياته ولا ولادته ووفاته، ومن الأكيد أنه توفى بمصر إذ كان مستقراً بها آخر عمره.
ومنهم عيسى بن علقمة المصرى، ولعله هو الذي صاحب أبا الحر على بن الحصين العنبرى المكي وروى عنه، وقال الشماخي: إنه غيره والظاهر أنه لا فرق بينهما، فلعله عاد إلى مصر بعد ما تتلمذ على المشائخ بالبصرة وعلى أبى الحر بمكة قال عنه الشماخي: (وهو من متكلمى الأباضية وحذاق علمائها) (3). وقال أبو عمار عبد الكافي: إن مثل عيسى لمن حذاق متكلمى هذه الدعوة المباركة فيما بلغنا عنه .. عارض من قال إن أسماء الله مخلوقة وصفاته محدثة فى كتاب التوحيد الكبير) (4) ولم يضلنا هذا الكتاب. ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته.
وهم
،
وهناك اثنان من مصر من قدامى الأباضية أبو إسحاق إبراهيم المصرى. وابن اليسع (5)، ولا ندري هل أخذوا العلم عن الإمام أم لا؟ لأننا لم نعثر عن آثارهم عن أبي عبيدة ولا ما يثبت تلمذتهم عليه.
،
وفي الحقيقة لم تسعفنا المصادر عن تلاميذه المصريين بشكل واف وواضح: وذلك لأنهم لم يقوموا بدور فعال متداول في كتب التاريخ، ولعل هناك لهم آثار لم نطلع عليها أو ضاعت فيما ضاع من التراث فلهذا نتوقف عن
ولا يزال بعض الأباضية موجودين بمصر إلى اليوم.
الكتابة عنهم
(1) الدرجيني - طبقات: 269/ 2، الشماخي - سير: 112.
(2) الشماخي - سير: 112.
(3) الشماخي – سير: 112/ 1.
(4) ن م والصفحة.
(5) ن م والصفحة.
268 (1/268)
صفحة 258
المبحث الثالث
تأثير الإمام أبي عبيدة السياسي
(الإمامة)
269 (1/269)
صفحة 259
تمهيد:
الإمام لغة (الخليفة) والإمام العالم المقتدى به والإمام من يؤم به في الصلاة، ويطلق على الذكر والأنثى (1). وعرفه الجرجاني بأنه هو الذى له الرئاسة العامة في الدين والدنيا جميعاً) (2)
واصطلاحاً: الخليفة الشرعى والقائم بها إمام وخليفة (الخلافة هي حمل الكافة
C
على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية والراجعة إليها) وسمى القائم بها خليفة وإماماً، وإنما سمى إماما لتشبيهه بالإمام في الصلاة في الاتباع ولهذا قيل: الإمامة الكبرى، إما تشبيهه بالخليفة فلكونه خليفة عن النبي في الأمة (3). ويجب على الأمة أن ينصبوا إماماً ليقيم فيهم أحكام الشرع عن طريق الشورى من أهل الحل والعقد من علماء الأمة (4).
هو
الإمام لأنه
فالإمام فرض بالكتاب والسنة والإجماع والاستدلال فأما الدليل من الكتاب فقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم (5) ... على قول من قال: هم الأئمة، وقوله تعالى: ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين) (6) وفاعل ذلك هو الذي يقيم الحد، وقوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) (7) وآيتان مثلها، أما السنة فقد دلت على ذلك قولاً وعملاً ولا داعى إلى الإطالة فيها. وأما الإجماع ففعل الصحابة الكرام لها وإجماعهم عليها، وأما الاستدلال فإن رعاية حقوق الأمة والقيام بشئونهم واجبان، وكذلك أخذ الجبايات وسد الثغور وحرب الأعداء وإقامة الحدود فيجب على ذلك نصب حاكم يقوم بهذه الأمور (8)
فيعقدوا له على أن يقوم بالحكم بما في كتاب الله وبما تقتضيه سنة رسول الله، وإجماع المهتدين من الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرعاية لمصالح
(1) الفيومي - المصباح المنير: 3/ 1 (3) ابن خلدون - المقدمة: 224/ 1
(2) الجرجاني - التعريفات: 20.
(4) مس والصفحة - الخالدى - محمود - البيعة في الفكر الإسلامي: 124.
(5) النساء: 59 (6) النور: 08 (7) المائدة: 45.
(8) انظر: سير المسلمين - 530، ابن خلدون - مقدمة: 245/ 244، السالمي - الجامع الصحيح: 75/ 74/1.
271 (1/271)
صفحة 260
الأمة والدفع للضرر عنها (1).
وعند الأباضية لا يشترط للإمام جنس معين أو طبقة مميزة من الأمة، فمن كان أكفأ لها هو الأولى فليس قريش أولى من غيرها إلا إذا توفرت فيها الكفاءة وإلا لزم أن تحكم قريش إلى زماننا لوجودهم على الأرض الإسلامية (وليس من الحكمة الإلهية أن بطائفة جاروا أو عدلوا صلحوا أو فسدوا لأن ذلك مناف للمعنى الذي
تخص
الأمة
لأجله شرعت الإمامة في الناس) (2) .. كيف وهو شرط مختلف فيه (3) والقول بأن إمامة القرشي صحيحة ولو عجز عن القيام بأمر المسلمين (4) ليس بشيء لأن حكمة تنصيبه وهى القيام بأمر الأمة انتفت فلا تتم إمامته لانتفاء الحكمة ويشترط في الإمام أن يكون مسلماً عالماً عدلاً ذا كفاءة سليم الحواس والأعضاء وذا تدبير وسياسة للأمور الدينية والدنيوية (5) (ليس للمسلمين أن يثوروا وإن كانوا في عدد وقوة حتى يعقدوا لإمام يقوم بهم الموثوق به في صلاحه وورعه وعفافه وفقهه وفهمه وعقله وعلمه بالكتاب والسنة فيما يحكم ويقسم بينهم ويحلوا به ويحرموا) (6).
وذلك لأن منصب الإمام عظيم جسيم فيجب أن يكون ممن تتوفر فيه هذه الصقات، فإذا تم نصبه وهو على هذه الحال وجب على كل المسلمين طاعته والانقياد لحكمه طالما أطاع الله ورسوله وأجمعت أهل الاستقامة على طاعة الإمام العدل ما أطاع الله ورسوله وعمل بكتاب الله وسنة رسوله، وإجماع المسلمين المحقين من الأمة، ولم يعلم منه خلاف لأحد في ذلك بقول أو عمل من ارتكاب كبيرة أو إصرار
على صغيرة من أحكام الكتاب والسنة وإجماع المحقين من الأمة) (7)
(1) السالمي - تحفة الأعيان: 95/ 1، الخالدي - البيعة: 126، دائرة المعارف الإسلامية: 14/ 1. (2) شرح الجامع الصحيح: 77/ 1، المودودى أبو الأعلى ـ الخلافة والملك: 21.
(3) ابن خلدون - المقدمة: 246، ن م صفحة 48.
(4) السير والجوابات: 85/ 1، ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 113، ابن خلدون ـ المقدمة: 246/ 1، أبو غانم - المدونة: 36/ 35، الطبري - تاريخ: 78/ 5.
(5) السير والجوابات: 85/ 1، ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 113، ابن خلدون ـ المقدمة: 246/ 1، أبو غانم – المدونة المخطوطة: 36/ 35، الطبري: 175.
(6) ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 113 ..
(7) سير المسلمين: 520، السير والجوابات: 78/ 1
272 (1/272)
صفحة 261
ويجب عليه هو
أن ينصح الأمة في عمله فيقوم بواجبه الذي كلف به خير قيام، ولا يألوا جهداً في القضاء الحوائج المسلمين ومما ينبغي للإمام أن يكون صدوقاً وافياً جواداً قيماً كريماً عفيفاً، ورعاً قنوعاً نزيهاً عن الطمع مصلحاً بين الناس بجهده، بين رعيته وبحكمه وقسمه لا يتفاضلون معه إلا بقدر فضلهم في الخلق وحسن المعرفة بالحق والنصيحة (1).
عادلاً.
فإذا كان الإمام بهذه الصفة فلا يجوز الخروج عليه حتى يحدث ما يوجب عزله من عمل كبيرة من الكبائر أو الإصرار على صغيرة أو الإصرار عن التوبة من كليهما أو تقصيره في واجب أمر المسلمين أو ارتكابه لخيانة فى الدين أو أمر الدولة أو هلكت إحدى حواسه لأعضائه فيطلبون منه الاعتزال فإن اعتزل وإلا جاز الخروج عليه
وقتاله) (2).
إذن فإمامة المسلمين واجبة ولا تكون إلا بالشورى في الإسلام ويعقدها أهل الحل والعقد من الأمة، وتجب له الطاعة ما أطاع الله ورسوله فإن عصاهما فلا طاعة له، ولم يطبق هذا المبدأ إلا في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة والخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز، لأن إمامته ثبتت بتسليم الجميع له ولكونه طبق العدل وأظهر المعروف وأنكر المنكر بين الأمة.
أمية وبنى
وقد دهش الصحابة وكبار التابعين لما رأوه من توريث الحكم مع بنى مروان وتهربوا من المبايعة على ذلك، ولكنهم كانوا أمام الأمر الواقع ولا طاقة لهم إلا
بالإنكار باللسان والقلب. وبدافع الغيرة على الدين وعلى تطبيق العدل وإخماد البدعة أصل أئمة الأباضية
الأوائل، وأولهم جابر بن زيد، ومرداس ومن على شاكلتهم هذه القاعدة وظلوا
يكافحون من
أجلها
، وذهبت فى سبيلها أرواحهم وقطعت بسببها أوصالهم وتبنى الإمام أبو عبيدة هذا المبدأ وهو مبدأ شريف يقرر للأمة حقها الأصيل، فإن المطلوب إقامة العدل لا غير ممن كان ولو من عبد حبشى.
،
وقد سجن وعذب على ذلك وناله ما ناله من قبله من القتل والتشريد، ولكنه
(1) ن م ص 85.
(2) انظر: سير المسلمين: 449، السير والجوابات: 78/ 1، 79.
273 (1/273)
صفحة 262
واصل ذلك العمل بنفس راضية راغبة فيما عند الله حتى قام تلاميذه بالتطبيق العملي لهذا المبدأ عن رغبتهم بأنفسهم لا بتكليف منه لهم، والدليل على ذلك أن الإمام اليمني طالب الحق قد كتب له يستأذنه. فأذن له وأرسل إليه من يعاونه ويشد عضده كما
سيأتي.
والقاعدة عنده أنه لا يلزم نصب الإمام إلا إذا كان المسلمون نصف عدوهم في العدد والعدة، وهى قاعدة إسلامية عامة في وجوب الجهاد بنص القرآن الكريم، ولكنهم إذا تطوعوا وباعوا أنفسهم لله جاز لهم والله ذو فضل على الناس إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون. ويقتلون وعداً عليه حقاً فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) (1)
الله
ولذلك سلك الأباضية مسلك إمامة الشراء أو الدفاع، فالشراء لا يشترطون فيه أن يكونوا نصف العدو كإمامة مرداس بن حدير وطالب الحق (2)، وأما الدفاع فقد مثلوا له بإمامة عبد الله بن وهب الراسبي، وأما الظهور وهو الأمة المأمور به في فجعلوه كإمامة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما (3) والإمام أبو عبيدة أقر تلاميذه المغاربة على إقامة العدل إن استطاعوا ورشح لهم من ينصبونه إماماً عليهم، وأمرهم أن يقتلوه إن أبى عن القبول، واستدل بفعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه في استخلافه أصحاب الشورى الستة فإن اتفقوا على واحد منهم وأبى أمرهم يقتله (4).
ويروى الدرجيني عن حملة العلم الخمسة عندما أرادوا الرحيل إلى المغرب أنهم قالوا لشيخهم أبي عبيدة: يا شيخنا أرأيت إن كانت لنا قوة بالمغرب ووجدنا في أنفسنا طاقة أفنولى علينا رجلاً منا؟ فقال أبو عبيدة: توجهوا إلى بلادكم فإن يكن في أهل دعوتكم من العدد والعدة ما تجب معه التولية عليكم فولوا على أنفسكم رجلاً منكم، فإن أبى فاقتلوه وأشار إلى ابن الخطاب) (5)
(1) التوبة: 111
(3) ن م ص: 70.
المقدمة. (2) عمر بن جميع.
التوحيد وشرحها: 69 وما بعدها.
(4) محمد بن يوسف أطفيش ـ رسالة شافية: 89.
(5) الدرجيني - طبقات: 21/ 1، أبو زكريا ـ السيرة: 60.
274 (1/274)
صفحة 263
فالعدد والعدة شرطان فى قيام الإمامة، وعلى هذا فقد قامت إمامة اليمن وعمان والمغرب، وكان جميع المنصوبين فيها من تلاميذه وعن رضى منه، وسنبين ذلك في
المطالب التالية:
المطلب الأول: الإمامة في اليمن.
المطلب الثاني: الإمامة في عمان
المطلب الثالث: الإمامة في المغرب.
وقد رتبناها حسب التسلسل الزمنى لقيام الإمامة في هذه الأماكن الثلاثة
المطلب الأول: الإمامة في اليمن:
أولاً الأسباب:
1 ـ توالى الولاة الثقفيون على حكم اليمن منذ عهد عبد الملك بن مروان إلى عهد مروان الثانى وهو مروان الحمار، وقد اتبع هؤلاء الولاة سياسة قاسية ضد الرعية بحملهم عليهم الضرائب القاسية مما لم يستطيعوا تحمله، وقد أدى ذلك إلى تذمر وحنقهم على الولاة، حتى لم يسيروا سيرة الإسلام في الرعية تبعاً لإرضاء بنى مروان ليوقروا لهم مطالبهم من المال، باستثناء الفترة التي حكم فيها عمر بن عبد العزيز (1)
السكان
ـ التعسف من الولاة في الأحكام وسوء السيرة فيهم، بتقديمهم المنتمين إلى الملوك وإلى قريش ومن مال إليهم على غيرهم، والإسلام قد أمات ذلك من قبل.
ـ إشاعة العصبية بين القيسية واليمانية، وقد نادى الإسلام بإماتة العصبية فأحياها أمثلة ذلك ما قاله أحد الشعراء
بنو أمية وبنو مروان حتى القيسبين:
استفحلت
، ومن
حيان
عدنان
ألا جعل الله اليمانين كلهم فدى لفتى الفتيان يحيى بن ولولا عريق في من عصبية لقلت وألفا من معد بن. ولكن نفسى لم تطب بعشيرتي وطابت له نفسي بأبناء قحطان (2)
(1) الأغاني:.: 97/ 20، خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 116. (2) سبق ذكر ذلك. (1/275)
صفحة 264
فلا شك أن مثل هذه الأشعار تثير حفيظة اليمانيين، وكان ذلك على مسمع
ومرأى من الولاة فيقرونه بين الناس طالما لا يمس بسياستهم.
4 ـ وكان الإمام أبو عبيدة وأصحابه يتحينون الفرصة للقيام بالأمر بالمعروف وتبليغه للناس حسبما أمر الله في كتابه العزيز وللنهي عن المنكر الشائع بين الناس، وكان الإمام أبو حمزة المختار بن عوف يوافي موسم الحج كل عام يدعو الناس إلى طاعة الله ومخالفة مروان فيما عصى الله فيه، وبين للناس طريق الهدى والحق ويكشف للناس ظلم مروان ومن شايعه (1) وخصوصاً في تلك الفترة التي كانت الدولة المروانية خلالها في الاحتضار.
ه ـ بالإضافة إلى أن الدعوة العباسية قد قامت تدعو إلى نفسها في خراسان في تلك كة لابد لها من دعوة الناس إلى أتباعها في بداية عهدها كي
الفترة،
فكل
حر
تجلب الأتباع وتضعهم في صفها، خصوصاً وأن الدعوة العباسية نشطت على يد أبي مسلم الخراساني نشاطاً باهراً وبصورة علنية، وهم يدعون إلى استيلاء فئة معينة من الناس (2)، فحينئذ رأى الإمام أبو عبيدة أن الدعوة إلى القيام بالإصلاح أولى وأجدر بأن يضحى من أجلها وهذا ما تنشده جماعة الدعوة بالبصرة.
حينئذ رأى الإمام طالب الحق باليمن الفرصة سانحة في ذلك الوقت للقيام بالإصلاح في اليمن، ولم يتعمد الثورة بنفسه بل استشار جماعة الدعوة
بالبصرة كما يلى:
ثانياً: عقد الإمامة:
1 ـ قام الإمام طالب الحق باستشارة أصحابه الموجودين في حضرموت وهم يومئذ عدد لا يستهان به، وفيهم الفقهاء الكبار أمثال أبي أيوب وائل بن أيوب، بن سعيد وغيرهم ممن يحكى عنهم وائل بقوله: (أدركت بحضرموت
وعبد الله
رجالا لو ولى أحدهم على الدنيا لا حتملها في عقله وحلمه وعلمه وورعه)
(3)
وكانوا كثيراً ما يجتمعون مع الإمام أبي عبيدة وحاجب في موسم الحج
(1) الأزدي - تاريخ الموصل: 77.
(2) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 299/ 4 وما بعدها.
(3) الشماخي - سير: 97.
،
276 (1/276)
صفحة 265
ويحكى عنهم وائل عندما اجتمعوا في خباء أبي عبيدة ذات مرة ـ بقوله:
-
و مشائخ من حضرموت فقهاء علماء (1). فوافقوا القيام ووعدوه من أنفسهم ببذل النفس وما دونها في تغيير المنكر القائم (2)
2 ـ استخار الإمام طالب الحق ربه فى القيام فرأى من الرؤيا ما يشجعه على القيام بأمر الدعوة وإظهار الحق (3). وكان دائماً يقول:
كوى بالأسى قلبي وأبكي نواظرى بكاء اليتامى وابتسام الجيابر، إلى شيخه الإمام أبي عبيدة بالبصرة ومن معه يستشيرهم ويطلب منهم النجدة إن رأوا الصواب فى ذلك، وأوضح لهم فى كتابه جميع البدع التي ظهرت باليمن فرأوا الصواب في القيام وكتبوا إليه (إن استطعت أن لا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل ولست تدرى متى يأتي عليك أجلك ولله خيرة من عباده يبعثهم ـ إذا شاء لنصرة دينه ويخص بالشهادة منهم من يشاء) (4).
-
4 ـ أرسل إليه الإمام أبو عبيدة وحاجب بأربعة عشر رجلاً منهم أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي السليمي العماني وكتب له عنه، وقد أمددناك برجل إنجيله في صدره، ومعه بلج بن عتبة الفراهيدى العماني وكتب له عنه،، وأمددناك باثني عشر رجلاً وألف رجل ويعنى بالألف عتبة (5) بلج بن. . ومن جملة الاثنى عشر الإمام الجلندى بن مسعود الجلندانى الأزدى العماني الذي نصب إماماً بعد ذلك، ومعهم يحيى بن نجيح الذي كان الأموال لمعاونة المسلمين يجمع بالبصرة، وكان حاجب هو الذى يجمع الأموال لمساعدة طالب الحق وأصحابه أقام حاجب فجمع له أموالاً كثيرة ليعينه بها .. فكتب على كل مؤسر قدر ما فما امتنع عليه أحد، ودعا أبا طاهر وكان شيخاً فاضلاً قال: عليك
بعمان
يري
-
(6)
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 242/ 2، الشماخي – سير: 90/ 1.
(2) انظر: الأغاني: 97/ 20.
(3) م س و الصفحة، وانظر: مهدي طالب هاشم - الحركة الأباضية: 103.
(4) انظر: الأغاني: 97/ 20، المسلمين: 102، خليفات - نشأة الحركة: 130، السيابي - إزالة الوعثاء:
، سير
38، مهدي طالب هاشم ـ الحركة الأباضية: 103. (5) الأغاني: 97/ 20
(6) الساني - تحفة الأعيان: 72/ 1.
277 (1/277)
صفحة 266
وجدته
(1)
بالنساء والوسط فإنا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون .. فلم يأتوا امرأة ولا رجلاً إلا وجده مسرع رعاً فيما سألوه، قال: وكان رجل من المسلمين لم يكن أحد يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم الثلاثة آلاف درهم قال: فقال له أبو طاهر: أى أخى العيال فقال: الله لهم، والله ما رأيت منذ كنت وجهاً مثل هذا أنفق فيه فإذا أفأدعه؟ ولا يرجع إلى منها شيء ولكن يا عبد الله لا تخبروا باسمى فأبقيت ... فلم تمضى تلك الليلة إلا وجمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم) مما يدل على أنهم موافقون على القيام ومؤيدون له، وقد طالب أبو الوزير الإمام أبا عبيدة. عندما سمعه يخطب - ويعظ الناس - أن يطالب الناس بنصرة الإمام طالب الحق وأصحابه في اليمن، كما أن الإمام نفسه طلب من أصحابه أن يقولوا لعبد الله بن الحسن بن الحسن عندما أراد أن يقوم بالثورة على مروان، وأتى إلى الأباضية يطلب منهم التعاون - (إذا كان لابد أن يفعل فليلحق بصاحبنا في حضرموت فليقاتل بين يديه حتى يموت) (2). وبالطبع فإنه لن يوافق لأنه يطلبها لنفسه، أما طالب الحق والأباضية عموماً يريدون لها الأصلح، ولا يقبل بن الحسن ـ وهدفه واضح - أن يقاتل جندياً فقط في جيش طالب الحق.
عبد الله
ومن كل ما ذكره يتضح أن القيام كان بمشورة وتخطيط، لا بالصدفة في لقاء أبي حمزة بطالب الحق عام 128 هـ في موسم الحج كما ذكر ذلك الطبرى وابن الأثير وغيرهم، وذكروا كلاماً يفيد لقاءهم بمحض الصدفة (3) والواقع ما ذكرته
سابقاً (4). ه ـ أكد الإمام أبو عبيدة في رسالته إلى طالب الحق وأصحابه بأن يتبعوا سيرة السلف " في قتالهم لعدوهم وأن يبلغوهم الدعوة قبل القتال، احتجاجاً واتباعاً لفعل على
(1) الدرجيني - طبقات: 262/ 2.
(2) الشماخي - - - سير: 78/ 1
(3) انظر: الأزدى ـ تاريخ الموصل: 77، ابن الأثير – تاريخ: 297/ 4، صالح العلوى ـ تاريخ حضرموت:
1.7/ 1
(4) خير دليل على هذا أن الأباضية لا تجيز نصب الإمام من واحد فقط كما قال المؤرخون: إن أبا حمزة هو الذي عقد على طالب الحق، وإنما يشترطون أن يعقد عليه ستة نفر عدد أهل الشورى الذي أوصى إليهم عمر بن الخطاب، ولذلك أرسل الإمام أبو عبيدة المدد بالرجال الفقهاء من البصرة ليعقدوا عليه وهم عدة كاملة لا شخص واحد، وإنما يذكر المؤرخون ذلك لأجل تشويه الصورة فقط (إذا لم تكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصبح
مسفر).
278 (1/278)
صفحة 267
ابن أبي طالب في مناجزته لأهل الجمل وصفين ومعاملته لهم، قال في الرسالة: (1) فلا تغلوا ولا تغدروا، واقتدوا بسلفكم الصالحين وسيروا سيرتهم،
(إذا خرجتم
فقد علمتم أن الذى أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم) (2)
6 ـ تم العقد على الإمام ورتبوا أمورهم ولا تسعفنا المصادر عن الكيفية التي تم بها عقد الإمامة، ولابد أن تكون على شرط إقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاجتمع إليه أباضية حضرموت وغيرهم ممن له رغبة في الدعوة إلى الخير وأراد المشاركة في الجهاد. ـ كان الإمام طالب الحق قاضياً لإبراهيم بن جبلة على حضرموت وهو من أهل العلم الفقهاء، فلابد للناس من أن يلتجئوا إليه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا ما حدث بالفعل، فليس من الصدفة نصبه إماماً، فهو فقيه بالإضافة إلى كونه مشهوراً في قومه وعندما ذكره المؤرخ العلوى ذكره وكأنه لا يعرفه من كونه قاضياً لإبراهيم بل قال وإنه اعتنق مذهب أبي حمزة ذلك العام فصار صاحباً له فنصبه إماماً (3). وهذا بعيد عن الواقع لأنه لا يمكن ـ والحال هذه ـ أن حمزة وإلا فأين غيره من المشايخ أمثال وائل،
(4)
ينصب
إماماً بمجرد موافقته لأبي بن سعيد وغيرهم إذ لم تعقد عليهم الإمامة، وعقدت لطالب الحق؟ (5).
وعبد
الله
ولا تسعفنا المصادر عن سبب تسميته طالب الحق، والظاهر أن أهل حضرموت أطلقوا هذا اللقب عليه لقيامه بطلب الحق ورفع الظلم فعرف بذلك.
(1) أى مقاتلين لعدوكم ... ويعنى بهؤلاء أبا بلال وأصحابه ومن على شاكلتهم الذين ثاروا لتغيير الأوضاع السيئة في الدولة.
(2) الأغاني – 20 – 97.
(3) صالح حامد العلوى - تاريخ حضرموت: 206 ... وتتلخص أسباب قيام أباضية اليمن بالدعوة واستلام زمام الحكم في فقرة قالها أبو حمزة في المدينة: (إنا والله ما خرجنا أشراً ولا بطراً ولا لهواً ولا لغيا ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيها ولا لثأر قد نيل منا، ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت ومعالم الجور قد ظهرت وكثر الادعاء في الدين وعمل بالهوى وعطلت الأحكام، وقتل القائم بالقسط وعنف القائم بالحق سمعنا منادياً ينادى الحق وإلى الطريق المستقيم فأجبنا الداعى إلى الله. . ومن. لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين، فأقبلنا من قبائل شتى مستضعفين فآوانا الله وأمدنا بنصره فأصبحنا بنعمة الله إخواناً وعلى الخير أعواناً. الدرجيني - طبقات: 267/ 2 - 268).
(4) انظر: الأزدى ـ تاريخ الموصل: 77 وما بعدها، الأغاني: 97/ 20.
(5) انظر: الشماخي – سير: 91/ 1
279 (1/279)
صفحة 268
ثالثاً صفات هذا الإمام وأصحابه:
كان طالب الحق رجلاً ناسكاً فقيهاً ورعاً غيوراً في الحق عادلاً في الحكم لا يخاف في الله لومة لائم، فمن ورعه أنه لم يعاقب إبراهيم بن جبله نائب الوالى إلى حضرموت بالقتل عندما ظفر به بل سجنه فقط خوفاً عليه من اعتداء العامة، ومن المؤكد أنه لو بقى طليق السراح لقضى عليه أحد من أصحاب طالب الحق، ولكن الإمام رأى سجنه لتعلم العامة بسجنه وإطلاقه، فلم يفتك به ولم يأخذ الحق منه لنفسه (1)، وذلك دليل على أن قيامه لأجل الإصلاح لا لأجل إراقة الدماء فكان تغييراً للحكم من غير إراقة لقطرة دم، ولولا أن القاسم بن عمر والى اليمن هو الذي خرج لقتال طالب الحق لدعاه طالب الحق إلى الخروج والاستسلام ولفعل فيه مثل ما فعل في
صاحبه
أسد
بن
كثير
ومن ورعه أنه لما دخل صنعاء أمر بإحضار ما في بيت المال من أموال فقصد إليها الله بن خبران، فأتيا بها إلى الجامع وكانت قد جباها الثقفيون، وعبد بالقوة من أصحابها، ولكن طالب الحق لا يعلم أصحابها، فقام بتوزيعها على فقراء صنعاء ولم يأخذ هو منها شيئاً تعففاً عنها لأنها في حكم المغصوب، مع قلة ذات اليد ذلك اليوم والدولة حديثة، فدل ذلك على أن الهدف هو الإصلاح وتغيير المنكر وإزالة
الجبروت والظلم عن كاهل اليمنيين لا غير.
ويقول في ذلك العلامة السالمي:
وطالب الحق بصنعاء حكما
لم يأخذن عند مضيق يومه
بجعله في أهلها واحتشما شيئاً لنفسه ولا لقومه
تعففاً منهم ومن كمثلهم أكرم من عصبة أكرم بهم كانوا يموتون على ما أبصروا من المهدى ما بدلوا وغيروا (2)
ووصف العلامة منير بن النير الجعلاني طالب الحق وأصحابه بقوله: (خرجوا جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته، لا يريدون شيئاً من أعراض الدنيا ولا يخافون في
(1) الأغاني: 97/ 20، الأزدي - تاريخ الموصل: 77 وما بعدها.
(2) السالمي - - جوهر النظام: 353.
280 (1/280)
صفحة 269
الله لومة لائم، ولا يخشون الدوائر ولا يهتمون بالعواقب، ولا ينزلون الناس عندهم لشرف ولا قوة ولا أرحام ولاقرى وفقه ولا قرابة من رسول الله له، ولا منهم إلا بحيث ما أنزلوا أنفسهم من طاعة الله و معصيته)
(2)
(1)
أنكروا المنكر على أهله وردوا البدع مما لم يأذن به الله وفارقوا الخوارج، وبينوا ضلالهم بالقول والفعل وحكموا بالعدل وليس في سيرتهم متعلق لأهل الباطل في النيل من سيرتهم. وقد أجمع المسلمون على إمامة طالب الحق وتصويبه في مجاهدته للجبابرة فسار هو وأصحابه سيرة السلف الصالح، وأوضحوا الخير وبينوا الحجة على السنة، وأنكروا المحدثات من الأمور حتى مضوا شهداء في سبيل الله (3)
من
ولم يتبعوا مدبراً في خروجهم ولم يجهزوا على جريح ولم يسلبوا مالاً ولا متاعاً الفئة المحاربة، فهذا عبد الله بن يحيى ينهى عن اتباع يزيد بن الفيض وأصحابه عند دخولهم صنعاء وملاقاتهم لواليها فانتصر عليه وأصحابه (4) وأحسن السيرة في أهل اليمن وألان لهم الجانب، وحمد الناس فعله وارتضوا، ووصفهم عمرو بن الحصين مولى تميم بقوله:
خلقه (5)
كم من أولى مقة صحبتهم شروا فخذلتهم ولبئس فعل الصاحب متأوهين كأن في أجوافهم ناراً تسعرها أكف حواطب تلقاهم فتراهم من راک أو ساجد متضرع أو ناحب
يتلوا قوارع تمتري عبراته فيجودها مرى المرئى الحالب سبر لجائفة الأمور أطبة للصدع للنبأ الجليل مدائب ومبر أين من المعائب أحرزوا خصل المكارم أتقياء أظائب (6) كما وصفهم بقوله:
في فتية شرطوا نفوسهم للمشرفية والقنا السـ
(1) السير والجوابات ـ 239/ 1.
(3) ن م ص 35 - 36. (5) انظر: ن م و الصفحة.
(2) سير المسلمين: 133/ 132 (4) أنظر الأغانى: 98/ 20.
(6) الأغاني: 103/ 20، د. إحسان عباس - شعر الخوارج: 229، الحارثي ـ العقود: 205.
281 (1/281)
صفحة 270
متراحمين ذوو يسارهم يتعاطفون على ذوى الفقر وذوو خصاصتهم كأنهم من صدق عفتهم ذوو وفر متجملين بطيب خيمهم لا يهلعون لنبوة الدهر فكذاك مثريهم ومقترهم أكرم بمقترهم وبالمثرى أو في بذمتهم إذا عدوا واعف عند العسر واليه متأهبون لكل صالحة ناهون من لاقوا عن النكـ
صمت إذا احتضروا مجالسهم وزن لقول خطيبهم وق
ألا تجيد
متأوهون كأن
جمر
رجف القلوب بحضرة الذكر
للموت بين ضلوعهم يسرى
تلقاهم ألا كأنهم الخشوعهم صدروا عن الحشر فهم كان بهم جوي مرض أو مسهم طرف من السحر
لا ليلهم ليل فيلبسهم فيه غواشى النوم بالبكـ ألا كذا خلساً وآونة حذر العقاب فهم على ذعر (1) ووصفهم أبو حمزة الشاري في خطبته بالمدينة عندما عاب أهلها حداثة سنهم - بقوله: (أتعيرونني بأصحابى وتزعمون أنهم شباب وهل كان أصحاب رسول الله الله إلا شباباً .. شباب - والله - مكتهلون في شبابهم غضيضة عن ا
الشر
، ثقيلة عن الباطل أرجلهم أنضاء عبادة وأطلاح سهر، فنظر الله إليهم في
مر
،
أعينهم جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية ذكر الجنة من بكي شوقاً إليها، وإذا بآية ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه موصول كلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم واستقلوا ذلك في جنب الله حتى إذا رأوا السهام قد فوقت (2)، والرماح قد أشرعت (3)، والسيوف قد انتضيت، ورعدت الكتيبة
(4)
(1) الأغاني: 111/ 20، إحسان عباس ـ شعر الخوارج: 222 – 224، الحارثي ـ العقود: 224 ـ ببعض النقص.
(2) فوقت: ركبت في الأقواس للرمي.
(4) انتضيت: سلت وخرجت من أغمادها.
(3) أشرعت الرماح: سددت وصوبت.
282 (1/282)
صفحة 271
حتى
بصواعق الموت وأبرقت، استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله قدماً ومضى الشاب منهم. اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه فأسرعت إليه سباع الأرض وانحطت إليه طير السماء فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله (ولكم من جبين قد فلق بعمد الحديد طالما سجد عليه صاحبه خاشعاً لله) (1)
هذه بعض صفات طالب الحق وأصحابه حسبما ذكرها المؤرخون، وهي تدل على أن هذه النهضة إسلامية محضة وأن أهلها مؤمنون قاصدون للإصلاح وإزالة لا هذه صفاتهم يتصور الباحث عنهم إلا أن يقوموا بتطبيق قواعد الإسلام فى السياسة والاجتماع، ولنتبين الآن كيف تم دخولهم إلى صنعاء والحجاز وماذا عملوا لنستوضح الهدف من هذه النهضة.
المناكر
، وقوم
دخول طالب الحق وأصحابه حصن حضرموت:
لما عقدت البيعة للإمام طالب الحق على يد الستة النفر وهم: أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي، وعبد الله بن سعيد الحضرمي، وهلال بن عطية الخراساني، والجلندى بن مسعود الجلنداني العماني، وبلج بن عقبة الفراهيدي، وأبو حمزة المختار ابن عوف السليمي العماني، وغيرهم ممن حضر وتشاوروا فيما بينهم وأتتهم رسائل أصحابهم فقرأوها وتعاهدوا بأن يأخذوا بما فيها فمن هذه الرسائل رسالة الإمام، ومن هذه الرسائل أيضاً رسالة حاجب أبي مودود إليهم
سابقاً.
(2)
من
أبي عبيدة المذكورة بأن يأخذوا بالشورى فيما بينهم وأن لا يألوا جهداً في أخذ الرأى من ذويه أهل الأباضية وغيرهم ممن دخل فى رأيهم، وأن يبذلوا جهدهم في النصيحة لإمامهم والإشارة عليه بما هو صالح من الرأى في تنصيب الولاة وتجهيز الجيش إلى غير
حضرموت
ذلك (3)
(1) انظر: الأغاني: 104/ 20، محمود درويش ــ الخطابة في صدر الإسلام: 252/ 251/2، ابن الأثير ـ تاريخ: 40/ 325 - مع بعض الاختصار، الحارثي ـ العقود: 207.
(2) الدرجيني - طبقات: 261/ 260/2، الشماخي - سير: 90/ 1، السالمي - تحفة الأعيان: 72/ 1 ويقال عنه.
أبي حمزة السقورى السليمي.
(3) سير المسلمين: 583/ 576
283 (1/283)
صفحة 272
ومن
هذه الرسائل رسالة أبى الحر على بن الحصين العنبري البصرى أولاً ثم المكي أخيراً إذ كتب للإمام طالب الحق فيها بما حضره من النصيحة، وذكره فيها بسيرة السلف الصالح ممن أنكر المنكر من المسلمين فأعرضوا عن الدنيا واشتروا الآخرة وجاهدوا في سبيل ربهم حتى أتاهم اليقين
(1)
هذه الرسائل رسالة محبوب بن الرحيل أبو سفيان) كتب له فيها بسيرة و من المسلمين الأوائل، وذكره تفرق الناس إلى أحزاب وطوائف، وذكره بالتزام الطريقة المثلى في العدل والقيام بالقسط إلى غير ذلك من المواعظ والحكم التي تبصر العاقل و ترشد من له رغبة فيه (2).
ثم بعد ذلك قصدوا دار الإمارة بحضرموت وكان عليها يومئذ إبراهيم بن جبلة ابن مخرمة الكندى، فطالبه الإمام بتسليم الأمر للمسلمين فلم يذعن في البداية فهجموا عليه وقبضوه وأمر الإمام بسجنه خوفاً عليه من أن يقتله أحد العامة (3) ومكث في حضرموت ما شاء الله، ولما أراد المسير إلى صنعاء استخلف عليها الله سعيد الحضرمي، واجتمع إليه الأباضية من أنحاء اليمن مع من جاء من البصرة وغيرها، واجتمع من الجند لطالب الحق ألف وستمائة على ما يقول الشماخي وألفين حسب رواية الأصفهاني (4)، فلما سمع بهم القاسم بن عمر الثقفى وهو أخ
عبد
بن
يوسف بن عمر خرج للقائهم في جيش عظيم، وقدره ابن خياط بثلاثين ألف (5) واستخلف القاسم على صنعاء الضحاك بن زمل (6)، فالتقوا خارج صنعاء في قرية من قرى أبين فاقتتلوا قتالا شديداً، فانهزم القاسم ورجع مدبراً وقبض عليه طالب الحق
،
(1) مجموعة آثار أباضية لسالم بن يعقوب: 187/ 176، المالكي ـ غاية المطلوب: 69/ 68 باختصار. (2) الدرجيني ـ طبقات: 289/ 279/2، المالكي - غاية المطلوب: 69/ 68 باختصار، وكانت لي رغبة أن أضع بعضاً من نصوص هذه الرسائل ولكني خشيت الإطالة فآثرت تركها، وكانت لى وقفة في موضوع إرساله هذه الرسالة إلى طالب الحق ذكرتها قبل ذلك في ترجمة أبي سفيان من هذا البحث ص، وذلك لأن أبا سفيان يومئذ صغير لا يتصور أن يكتب تلك الرسالة إلى طالب الحق، ولكنى ذكرتها هنا تبعاً للدرجيني فلينظر في ذلك حسبما
ذكرته في ترجمة أبي سفيان ص 242 0 ما بعدها. (3) الأغاني: 97/ 20، الأزدى ـ تاريخ الوصل: 77 وما بعدها.
(4) الشماخي – سير: 91/ 1، الأغاني: 97/ 20
(5) الأغاني: 97/ 20، خليفة بن خياط ـ تاريخ: 583/ 2.
(6) لم أهتد إلى ترجمة له.
284 (1/284)
صفحة 273
بن
وحبسه وحبس إبراهيم بن جبلة مرة ثانية لأنه صار يحرض عليهم وأخذ الضحاك زمل فحبسه أيضاً ثم أرسلهما وخيرهما في البقاء أو الظعن من صنعاء، فخرجا منها (1) وأحسن طالب الحق السيرة في أهل صنعاء، وأقام شعار العدل ووزع الأموال التي جباها الولاة الثقفيون على فقراء صنعاء (2) أما غير المصادر الأباضية فتقول: إن طالب الحق قوى بتلك الأموال ويظهر للباحث أن الأصح ما ذكره فقهاء الأباضية إذ هو موجود ضمن القواعد الفقهية، ومما
يستدلون به على توزيع الأموال المشتبهة على الفقراء لأنها مجهولة الأرباب (3)
على أنه يوجد القول عند الأباضية بجواز إدخالها في بيت المال إذا كان يقصد بها عز الإسلام ورفع شأنه، لأن ذلك يعود إلى مصلحة المسلمين عامة، ولكن طالب
الحق وزعها على الفقراء لئلا يلقى الناس عليه مطعناً بخلاف ما كتبه المؤرخون. وخطب في صنعاء خطبة بين فيها التعامل الإسلامي، والأسلوب الذي سيتبعه، وهو أشبه بدستور للحكم الجديد وما يطلبه من الناس فيما بينهم فوعظ الناس وذكرهم بأمور آخرتهم ودنياهم، فبعدما حمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: (إنا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه وإجابة من دعا إليها، الإسلام ديننا ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالاً، لا نبغى به بديلاً ولا نشتري به ثمناً قليلاً، وحرمنا الحرام ونبذناه وراء ظهورنا ندعوكم إلى فرائض بينات وآيات محكمات وآثار، مقتدى بها ونشهد أن الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم، وندعو إلى توحيد الرب واليقين بالوعيد والوعد، وأداء الفرائض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاية لأهل ولاية الله والعداوة لأعداء الله، أيها الناس: إن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون على الألم في جنب الله تعالى يقتلون على الحق في سالف الدهور شهداء، نسيهم ربهم وما كان ربك نسياً، أوصيكم بتقوى الله وحسن القيام على ما وكلكم الله بالقيام به، فأبلوا الله بلاء حسناً في أمره وذكره، أقول قولى هذا وأستغفر الله لي ولكم (4)
فما
(1) المرجع السابق، ا ن، الأزدى ـ تاريخ الموصل: 101.
(2) الأغاني: 98/ 20، الشماخي - سير: 91/ 1، السالمي ـ جوهر النظام: 353.
(3) المرجع السابق، المالكي ـ غاية المطلوب: 208
(4) الأغاني: 98/ 20
285 (1/285)
صفحة 274
فالمتتبع لهذه الرسالة يجد الهدف واضحاً من هذه النهضة التي طمحت إلى إظهار معالم الإسلام، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين أمر بهما كل مسلم كل على قدر استطاعته
ثم إنه كتب العهود لولاته على اليمن بعدما رحل القاسم بن عمر ومن معه إلى الشام، ومن جملة هذه العهود ما كتبه لواليه عبد الرحمن بن محمد (1) على بعض مدن اليمن: (إذا اجتمعت الصدقات قسمت بين الفقراء والمساكين والغارمين وفي الرقاب وابن السبيل فلهم النصف على منازلهم فى الفاقة والحاجة، وترفع النصف للجند والعاملين عليها والبردة وما ينوب من الحوائج وما يلى أمر فقهاء البلد أمور
الناس) (2).
من
ومن عهده إلى عبد الرحمن أيضاً: (فنذكركم بالله لما أطعتم من دعاكم إلى طاعة الله الله وجاهدتم من عصى حتى تمنعوا أنفسكم ويسلم ولكم دينكم، فإنا لا نكره على الجهاد أحداً فمن رغب في الجهاد فليجاهد ومن رضى ولم يرغب في الجهاد فليقم في بلده آمناً ونذكركم الله لما نصرتم الله ومنعتم أنفسكم وامتنعتم من الظلم والعدوان ... ورغب الناس في الجهاد وليقوى المقيم الطاعن فمن لم يقدر على ما يتقوى به فله عندنا المواساة ولا قوة إلا بالله) (3)
وفي هذا العهد ما يدل على الأمر بطاعة الله تعالى في السلم والحرب، وأنه من رغب في الجهاد فله من الحقوق والواجبات ما للمجاهدين ومن، يرغب فليقم في منزله آمناً فلا إكراه في الجهاد المندوب، ومن استطاع أن يحمل نفسه في الجهاد كان بها وإلا فسيعان على الجهاد من بيت المال
وقد أعلن أبو حمزة المختار فى خطبته بمكة موقفه من الناس وبلا شك فهو موقف إمامه عبد بن يحيى: قال أبو حمزة: الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن أو كفرة أهل الكتاب أو سلطاناً جائراً أو شاداً على عضده. (4).
الله
وأسقط منها الدرجيني: أو شاداً على عضده (5)
(1) لم أعثر على ترجمة له.
(2) المالكي - غاية المطلوب: 145.
(3) خليفة بن خياط - تاريخ: 585/ 2. (4) المرجع السابق: 302.
(5) الدرجيني ـ طبقات: 267/ 2، أوردها بهذا اللفظ: الناس منا ونحن منهم إلا ثلاث: حاكم بغير ما أنزل الله =
286 (1/286)
صفحة 275
التوجه إلى الحجاز: لابد لكل ثورة من أسباب ودوافع تدعو إليها، ولما كانت نهضة طالب الحق باليمن، والحجاز غير اليمن فلابد من أن نبحث عن الأسباب الداعية إلى ذلك، ومع كثرة البحث عن هذه الأسباب. فإني لم أعثر على شيء مكتوب في كتب المؤرخين ولكنهم يترجمون للحادث بدخول أبي حمزة المدينة، وقد تجد من يترجم (الحجاز) بغض النظر عن الدوافع المؤدية إلى ذلك
ويظهر للباحث أن خطبة أبي حمزة نفسها بينت الأسباب سواء خطبته التي ألقاها بمكة أو التي ألقاها بالمدينة فالهدف من الخطبتين واحد وسنضع ما استخلصته من الأسباب أمام القارئ:
1 ـ ما يذوقه الناس من البطش والعسف والقتل والتمثيل والغدر، وشراء الضمائر واستمالة أكابر الناس بالمصانعة والحلم والسخاء والدهاء والمخادعة، وهذه الأمور كلها ينكرها الدين الإسلامى وتأباها المروءة والشرف، فلا يتصور العاقل أن مثل هذه الأمور تصدر من خلفاء الإسلام، وقد صدرت من خلفاء بني أمية بالفعل و بنى مروان ما عدا عمر بن عبد العزيز، فلا يمكن الادعاء بأنها خلافة دينية (1). العصبية الأموية التي تجلت في تداول الخلافة والولاية على البلدان المترامية الأطراف في جعلهم من بنى، وبنى مروان أو ممن ينتمى إليهم بنسب أو بولاء، وتلك المظاهر جاء الإسلام لتبديدها وتمزيقها، وقد تحدثت عن كتب التاريخ والأدب.
أمية
ذلك
ـ إشاعة الغناء بمكة والمدينة خصوصاً، إذ جعلها بنو أمية معهدين لتخريج المغنين والمغنيات، وربوا على ذلك أبناء المهاجرين والأنصار (أما البيئة التي نشأ فيها الغناء حتى ترعرع فهى الحجاز عموماً، وأخص بلاده مكة والمدينة، فقد كان للغناء فيهما سوق نافقة وحركة دائمة، ولم تسعد عواصم البلاد إلا بما خرجت هاتان المدينتان من بلابل هذا الفن. أوليس عجيباً أن تكون هذا شأن مدينة بها
= ومتبع له في الأرض) ولعل هذه تمليها الظروف الواقعة بالمدينة المنورة، إذ كانت فيها الخطبة فيها وكان أهل المدينة موالين لبني أمية فيختلف الحال عن مثيله لما كان بمكة إذ دخلها من غير قتال.
(1) انظر: خطب أبي حمزة، وانظر: محمد طاهر درويش - الخطابة في صدر الإسلام: 37/ 2.
287 (1/287)
صفحة 276
بيت الله وأخرى هي مهاجر نبيه، وموضع قبره الشريف؟. فقد تعمد خلفاء هذه الدولة أن يوقعوا أولاد المهاجرين والأنصار في أمر الترف، وأن يشغلوهم باللهو، هذا كان حال الحجاز في العهد الأموى أليس من
حتى
لا ينهضوا المنا وأتهم)
(1)
الأحرى به أن يرتفع فيه شأن الإسلام، ويظهر فيه نور النبوة وعلم الزهد، ونور
العلم.
خفاقاً
بين البلاد الإسلامية في كل.؟
عصر
ـ عندما مر أبو حمزة المدينة فى زمان هشام بن عبد الملك وسألهم عن ولاتهم فقالوا له: إنهم جورة يحكمون بالهوى، ويقتلون الناس بالظنة، ويأكلون المال الحرام، ويستحلون الفرج الحرام، وأنهم اتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً فجعلوا لأنفسهم سهماً تاسعاً من الصدقات يصطفونه لأنفسهم (2)
ه ـ هناك سبب آخر وهو إشاعة عقيدة الجبر بين الناس بحيث يقولون: إن ما يعملون من عمل إنما قضاه الله ولا حيلة لهم فيه (3). وقد أشار إليها أبو حمزة في خطبته بالمدينة من قوله: (يا أهل المدينة من زعم أن الله عز وجل كلف نفساً فوق طاقتها، أو سألها ما لم يؤتها فهو لله عز وجل عدو ولنا حرب) (4) لهذه الأسباب ـ وما أحراها بالتغيير - قام الإمام طالب الحق بتجهيز الجيش إلى الحجاز وجعل عليه قواداً ثلاثة، أو بالأحرى أن يكون واحداً وهو أبو حمزة المختار بن عوف، وأما الآخران فهما على الميمنة والميسرة وهما بلج بن عقبة (5)، وأبرهة بن الصباح الجميرى، فساروا إلى مكة وذلك 129 هـ (6)
واختلفت رواية الأزدى بين أبي حمزة وبلج في قيادة الجيش، فتارة يقول: إن أبا حمزة قدم في عشرة آلاف وأمره أن يقيم بمكة، والظاهر أن الأزدى لم يتثبت من الروايات فجيش أبي حمزة وبلج لا يتعدى الألف ومائة رجل، بالإضافة إلى أن أبا حمزة وبلج وأبرهة سارا جميعاً في الجيش قادمين من اليمن (7)
(1) نفس المرجع السابق، شوقي ضيف - الشعر والغناء في مكة والمدينة: 374. (2) راجع خطبة أبي حمزة بالمدينة.
(3) د. على الشابي، أبو لبابة حسين، عبد المجيد النجار - المعتزلة بين الفكر والعمل: 11. (4) الطبري - تاريخ: 108/ 9.
(د) قال عنه في تاريخ الموصل: بلج بن المثنى والصحيح ما أثبتناه، وكذلك قال خليفة بن خياط.
(6) الأزدى ـ تاريخ الموصل: 101، خليفة بن خياط – تاريخ: 583/ 2، الطبري - تاريخ: 95/ 9 – 96 - 129. (7) الأغاني: 98/ 20، الطبري - تاريخ: 96/ 95/9، خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 122/ 121.
288 (1/288)
صفحة 277
عمه،
وهنا يبرز دور أهل الموصل في البداية وهم جماعة أبي حمزة المختار وأبناء ويقدمهم جابر بن جبلة السليمى ومعه قبائل الأزد المتفرغة من نصر بن زهران، وهم اليحمد وبنو الحارث الغطريف، وبنو طمثان وبنو معولة، وبنو مخلد، وبنو معن وغيرهم من نسل نصر بن زهران وسليمة ومعن، وكذلك بنو عمران وبنو رزين الموصليون من نسل جابر بن جبلة، وكان فارساً شجاعاً، وقد لاقى أبا حمزة في موسم الحج من عام 129 هـ على موعد سابق بينهما وصاحبه حتى آخر اللحظات في القتال بمعركة قديد ودخول المدينة المنورة (1).
من
مكة
كما يبرز دور العلامة أبى الحر على بن الحصين العنبري الذي كان بالبصرة، ثم كان شيخ أهل الدعوة بمكة وقد أعد العدة للقاء أبي حمزة في عرفات مع من كان عنده مكة وما حولها من الأباضية، والظاهر أن مروان قد علم بأبي الحر وتأليبه الناس عليه فأرسل إليه ليؤتى به إلى الشام مكبلا في الحديد، فأخذ حتى كان خارج مكبلا ومعه رجل من الشبيعة فخرج إليه عيسى بن أبي عمرو في أربعة عشر راكباً فمشوا أياماً فى الطريق إلى الشام، فلما قربوا منه - وغلامه يتردد عليه وعليهم – و جاوزوا المدينة بمراحل، وهو يأبى أن يأتوه ويفكوه حتى قربوا من الشام، وأصر عيسى ومن معه إلا أن يلحقوه ويفكوه، فأخذ من أهل الشام وطلبوا من عيسى وأصحابه الأمان فأعطاهم أحدهم الأمان، فقال أبو الحر: إذن فلا تخيفوهم فأشروهم حتى أبعدوهم عن الشام فأطلقوهم، ففكوا عن أبى الحر والرافضي حتى وصلوا مكة مستخفين فخرجوا إلى عرفات من غير إحرام حتى رأى أبو الحر أبا حمزة أمرهم بالإحرام، فأحرموا ودخلوا معهم في العسكر وكان ذلك بعرفات يوم الموقف (2).
6
هو
الآن
منشأ
فكان أبو الحر ينتظرهم مع الذين معهم على موعد محدد، وكان الجيش في بداية الأمر سبعمائة فقط (3)، ثم انضم إليهم من خزاعة أربعمائة بمكة (4)، وهذا الخلاف في عدد الجيش ما بين سبعمائة وألف ومائة، وبالفعل فإن هذا هو
الصحيح.
العدد
وكان على موسم الحج عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ أمير
(1) الأزدى ــ تاريخ:
088:
(2) الدرجيني - طبقات: 262/ 2، 3 ذ 2، المالكي ـ غاية المطلوب: 274.
-
(3) الطبري - تاريخ: 96/ 95/9، ابن الأثير ـ تاريخ: 307/ 4.
(4) الدرجيني - طبقات: 265/ 2.
289 (1/289)
صفحة 278
النفر
مكة والمدينة، فسألوهم عن شأنهم بعرفات فأخبروهم أنهم ثائرون على مروان، فسألهم الهدنة فقالوا: (إننا بحجنا أظن وعليه أشح)، فصالحهم على الهدنة حتى الأخير، ثم إن عبد الواحد لامه أصحابه على الهدنة فأراد نقض العهد فأبى أبو حمزة عليه النقض رغم موافقة زميليه بلج وأبرهة، فقال أبو حمزة: (معاذ الله أن ننقض العهد أو نحبس، والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه، ولكن تنقضى الهدنة بيننا وبينكم) (1).
ثم لما انقضى النفر الأول هرب عبد الواحد إلى المدينة، فدخل أبو حمزة وأصحابه مكة غير قتال وخطب خطبته المشهورة فيها وجباها سنتين وأحسن من السيرة في أهلها (2)
يوجه
وأقام أبو حمزة بمكة وكان طالب الحق قد أمره بالمقام بمكة، وأن. بلجاً وأبرهة إلى الشام، ولكنه ترك أبرهة بن الصباح الحميرى على مكة واليا، وذهب مع بلج إلى الشام ولم يكن هدفهم المدينة، ولكنهم (3) قصدوا إلى الشام عن طريق بدر هو الطريق الموصل إلى الشام.
لانه
فلما وصل عبد الواحد المدينة استنفر الناس للقاء أبي حمزة وبلج وزادهم في
بن
الله عبد
عمرو بن
عثمان (4)
أعطياتهم وأمر عليهم عبد العزيز، فخرجوا لملاقاة أبي حمزة في قديد، فقال أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى تعذروا لهم فأرسل إليهم بلجاً في ثلاثين راكبا، وما كان أبو حمزة يريد المسير إلى المدينة لولا ما سمعه من حسد أهل المدينة له، فسار مع بلج فلما وصل إليهم دعاهم إلى عدم القتال وقال لهم: خلوا لنا
،
سبيلنا لنسير إلى من ظلمكم وجار عليكم، ولا تجعلوا أخذنا لكم فإنا لا نريد قتالكم فشتمهم أهل المدينة وقالوا: (يا أعداء الله أنحن نخليكم وندعكم تفسدون في الأرض فقال بلج: إنما خرجنا لنكف أهل الفساد ونقاتل من قاتلنا، واستأثر بالفتى فانظروا لأنفسكم واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة فإنه لا طاعة لمن الله وادخلوا في السلم وعاونوا أهل الحق، فقال له عبد العزيز: ارجع إلى أصحابك فليس بيننا وبينهم
(1) المرجع السابق والصفحات.
عصى
(2) الدرجيني ـ طبقات: 264/ 2 - 265، الشقصى - منهج الطالبين: 627/ 1، الأغاني: 98/ 20، ابن الأثير –
تاريخ: 307/ 4.
(3) الطبرى ــ تاريخ: 9: 108/ 9، الدرجيني ـ طبقات: 265/ 2، الأزدى ـ تاريخ الموصل: 108. (4) الطبري - تاريخ: 96/ 9، الأغاني: 20/ 100، ابن الأثير ـ تاريخ: 308/ 4.
290 (1/290)
صفحة 279
إلا السيف، فرجع إلى أبي حمزة فأخبره فقال: كفوا عنهم ولا تقاتلوهم حتى يبدأوا بالقتال فوافقوهم ولم يقاتلوهم، فرمى رجل من أهل المدينة في عسكر أبي حمزة فجرح رجلاً، فقال أبو حمزة: شأنكم الآن فقد حل قتالهم) (1).
فاقتتلوا وانهزم أهل المدينة وكان عددهم ثمانية آلاف فارس وجيش أبو حمزة ألف
ومائة فقط (2)، وكانت المعركة فى اليوم السابع من شهر صفر عام 130 هـ. وقال بعض المؤرخين: إن خزاعة هي التي دلتهم عليهم فداهموهم (3) ـ فكيف يتم تصديق هذه المداهنة – والمؤرخون متفقون، على أن أبا حمزة وبلجاً أعذروهم وأبو إلا القتال وهم الذين بدأوا به، وطلب العلامة على بن الحصين من أبي حمزة أن يتبع المدبر ويقتل الأسير لأنه أعرف بهم فلم يوافقه أبى حمزة وقال: لا أخالف مسيرة
(4)
،
السلف من قبلي ودخل أبو حمزة المدينة المنورة ومكث فيها ثلاثة أشهر وأحسن السيرة في أهلها. و خطب على منبر رسول الله الله خطباً عديدة مشهورة (5)، ولا داعى لأن نذكرها هنا، وهذه الخطب تبين الطريقة الواضحة التي هم باتباعها أبو حمزة ويلاحظ أنها في المؤلفات غير الأباضية بها زيادة (ذهب الخفا أين ما بك يذهب وبعضهم يقول أين عن يابك يذهب، من سرق فهو كافر، ومن زنى فهو كافر، ومن شرب الخمر فهو كافر) (6)، وبعضهم ينسب هذه الكلمات إلى طالب الحق، ولم نجد لها أثراً في تاريخ الأباضية (7) مما عمداً يتبين أنها قد زيدت لتتغير الناس منها ومن صاحبها، ثم ما فتئ الحال أن بلغ الأمر مروان بن محمد بالشام فأرسل إليهم جيشاً قوامه أربعة آلاف مقاتل، وأجاز كل واحد منهم بمائة دينار وأعطاهم العدة وفرساً لركوبه وبغلاً لحمل أثقاله وأمرهم أن لا يعودوا إلا من اليمن ظافرين، وأمر عليهم عبد الملك بن عطية السعدى
(1) الأغاني: 101/ 20، خليفة بن خياط: 593/ 592، وقال: إن بلجا جاء في ثلاثين ألف فارس، والصحيح،
ثلاثون فارساً.
(2) الأغاني: 100/ 20، الطبري - تاريخ: 108/ 9.
(3) ن م والصفحة.
(4) خليفة بن خياط - تاريخ: 593/ 2، مهدى طالب هاشم - نشأة الحركة في المشرق العربي: 127. (5) الطبري - تاريخ: 107/ 9، الأغاني: 103/ 20، ابن كثير - البداية والنهاية: 35/ 10، ابن الأثير: 314/ 4، الأزدي ـ تاريخ: 88، حسن إبراهيم ـ تاريخ: 521/ 1.
-
(6) الأغاني: 105/ 20، ابن الأثير ـ تاريخ: 4/ 315، ابن كثير – البداية والنهاية: 36/ 10. (7) الحارثي - العقود: 192، سالم بن يعقوب - مجموعة آثار الأباضية: 155، الدرجيني - طبقات:
291
269/ 266/2 (1/291)
صفحة 280
وفيهم من وجوه أهل الشام شعيب البارقي ورومى بن ماعز المرى وغيرهم (1)، ويقول الأزدى: أن عدد الجيش كان اثنى عشر ألفاً (2)
ولما سمع أبو حمزة بقدوم مروان إلى المدينة ودع أهلها ثم خرج لملاقاة مروان، فالتقوا في وادى القرى خارج المدينة وعلى مقدمة الجيش بلج بن عقبة، فدعاهم أبو حمزة التأخير فأبو إلا القتال فصاح بهم أبو حمزة ما تقولون في القرآن والعمل به، فأجابه ابن عطية يا أبا حمزة نضعه في جوف الجوالق (3)، قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكل ماله ونفجر بأمه وأشياء أخرى لم يذكرها المؤرخون، وأصر عبد
(4)
الملك على إرجاعهم إلى مروان فالتقى الجيشان. وكان أبوحمزة في شكاية ـ فانكشف أهل الشام في البداية، ثم صارت الهزيمة على أبي حمزة وأصحابه وقتل بلج وكثير من الجيش، وتبارز أبو حمزة وعبد الملك فتعانقا فهوى جابر بن جبلة على برمح فأطلق عن أبي حمزة (5).
عبد الملك
ويظهر للباحث عدم صحة هذه الرواية إذ أن أبا حمزة كان مريضاً فبقى بالمدينة، و خرج بلج مع الجيش ولما عادت فلول جيش بلج التأموا إلى أبي حمزة وكانوا قد وجدوا في نفسهم ضيقاً وخوفاً ألا يكونوا وقعوا فى الفرار من الزحف، فقال لهم أبو حمزة: فررتم إلى فأنا فئتكم (6) وقد علم طالب الحق بما حدث فكتب إلى أبى حمزة أن يلاقيه بمكة، فخرج أبو حمزة من المدينة وولى عليها رجلاً اسمه المفضل، فلما خرج أبو حمزة تأمر أهل المدينة على المفضل ومن بقى معه فقتلوهم ولما قدم ابن عطية المدينة وجدها خالية من الأباضية فأقام فيها شهراً ثم سار إلى مكة ولم يصل
(1) الأغاني: 108/ 20، ابن كثير - البداية والنهاية: 36/ 10، ابن الأثير ـ تاريخ: 315/ 4.
-
(3) الجوالق: جمع جولق. -
(2) انظر: الأزدى ـ تاريخ الموصل: 110. (4) الطبري ـ تاريخ: 110/ 9، الأزدي ـ تاريخ الموصل: 110. (5) في هذه الآونة قال أحد أصحاب عبد الملك:
لما رآه جابر بن جبلة وكاد أن يطعنه بالأسله
فرد عليه رجل من أصحاب أبي حمزة:
الأزدي ـ تاريخ الموصل: 9
79:
(6) الأغاني: 109/ 20.
خلى عن المختار خوف المعضلة
إذا أراد الله أمراً عجله وإن يرد تأخير أمر أجله لم ينقذ المختار عند المعضلة إلا طعان جابر بن جبله ينسل بين الخيل مثل الأصله ويل أمة من فارس ما أبسله
292 (1/292)
صفحة 281
طالب الحق بعد، فقاتل أبا حمزة وأبا الحر ومن معهما فانتصر عليهما وقتلهما وصلبهما
مع أبرهة بن الصباح على فم الشعب بمكة، وقتلت زوجة أبي حمزة معه، وأسر من أصحاب أبي حمزة أربعمائة فقتلهم ابن عطية وهذه عادة أهل الشام، لأنهم لا يقاتلون على مبدأ إلا للقهر والملك فهم يمثلون، ويحزون الرؤوس كما فعل برأس بلج ويقتلون الأسرى إلى غير ذلك مما استباحوه لأنفسهم، وعلى العكس من ذلك أبو حمزة فلم يرضى يقتل الأسرى ولا أتباع المدبرين ولا قتل الجرحى (1).
ثم سار لملاقاة طالب الحق فالتقوا بتبالة (2) فاقتتلوا، فانهزم طالب الحق إلى جرش فتبعه ابن عطية فقاتله حتى قتله وأصحابه وأرسل برأسه إلى مروان كما فعل ببلج ليوضع في خزانة الرؤوس بالشام وكان ذلك عام 131 هـ)
(3)
و دخل ابن عطية صنعاء فأخذ في قتل من بقى من أصحاب طالب الحق، ونهب أموالهم وتبعهم إلى حضرموت فقاتله عبد الله بن سعيد، ووائل ومن معهم، حتى عجل الله بمسيره إلى موسم الحج فقتل فى الطريق قبل أن يصل، وأتم شعيب البارقي ما أبقاه ابن عطية فقتل ونهب وبقر بطون النساء، وأخذ الأموال وخرب القرى ولم يخطر بباله شيء إلا فعله (4) تقرباً بذلك إلى ما أعده الله له من الجزاء.
وعلى الرغم من هذا فقد بقيت الأباضية في اليمن إلى أواخر القرن الخامس الهجرى وأكثر (5)، فكان ذلك من نتائج الدعوة الأباضية في اليمن بالإضافة إلى إبلاغ مسامع الناس بقاعدة الأحقية في الخلافة من أنها حق مشاع لجميع الناس، أضف إلى ذلك إماتة البدع والأحداث التي انتهجها الخلفاء وولاتهم، إذ يجمع المؤرخون أن الأباضية في اليمن والحجاز لم يسيئوا السيرة في أحد من الناس.
ويظهر للباحث أن السبب الأول فى القضاء على هذه النهضة هو استعمالهم فإنه كان ينبغي التركيز فى البداية على نشر تعاليم الإسلام وتعميق جذوره، ونشره بين الناس لكي تتوسع القاعدة حتى يتوفر العدد والعدة الكافيتان لمثل حرب مروان وغيره
(1) ن م: 109/ 108، الأزدى ـ تاريخ الموصل: 112/ 78، ابن كثير البداية والنهاية: 37/ 36/10. (2) موضع على. ست مراحل من مكة.
(3) ابن الأثير – تاريخ: 316/ 4، ابن كثير - البداية والنهاية: 36/ 10، الأغاني: 111/ 109/20. (4) الأغاني: 114/ 113/20، ابن كثير: 37/ 10، ابن الأثير – تاريخ: 316/ 4، الدرجيني. - طبقات: 261/ 260/2، محمد الخضرى بك - الدولة الأموية: 208/ 2، حسن إبراهيم - تاريخ الإسلام: 387/ 1
(5) أيام الإمام راشد بن سعيد المتوفى عام 445 هـ بعمان.
293 (1/293)
صفحة 282
وفي عام 132 هـ قامت الإمامة بعمان على نحو ما نذكره في المطلب الآتي
المطلب الثاني: قيام الإمامة في عمان:
قبل أن ندخل في موضوع إمامة الجلندى بعمان يحسن أن نبين الظروف المهيئة لقيام الإمامة بعمان في أواخر الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية
1 - الظروف التي سبقت الإمامة بعمان:
بعد
بن
-
لم يكن لمعاوية بن أبي سفيان بعد استيلائه على الحكم – يد على عمان، فقد ظلت بيد أهلها حتى استولى على الملك عبد الملك بن مروان، وأراد الحجاج أن يضع. قبضته على عمان فأرسل إليها قوات عديدة و يهزمها أهل عمان، المرة تلو المرة حتى. مل الحجاج و استنجد بأهل الشام، وكان ولاة عمان يومئذ سليمان وسعيد ابنى عباد ابن عبد الجلندى الأزديين، وفى الأخير استطاع الحجاج أن يخضع عمان لسيطرته أن فقد كثيرا من رجاله (1)، وبعد أن أذل عمال الحجاج أهل عمان ولى عليها الخيار بن سبرة المجاشعي، وقد خلف ذلك الانتصار على أهل عمان ضغنا في نفوسهم وكراهية للحجاج و بنى مروان وهم لم يألفوا ذلك، ولما مات الحجاج واستعمل الوليد على العراق يزيد بن أبي سلم، عين يزيد سيف بن هاني الهمداني واليا على عمان، ولما مات الوليد وولى سليمان استعمل على عمان صالح بن عبد الرحمن بن قيس الليثى، و لما ولى يزيد بن المهلب العراق وخراسان ولى يزيد على عمان أخاه زياداً ابن المهلب الأزدى فمكث واليا عليها ولما جاء عمر بن عبد العزيز ولى على عمان ولاة أساءوا السيرة (2) فكتب أهل عمان إليه فعزلهم وولى عمرو بن عبد الله الأنصارى فأحسن السيرة، وأمره عمر أن يوزع صدقات أغنيائها على فقرائها، وظل واليا عليها حتى. مات عمر بن عبد العزيز ثم تنازل عمرو عن عمان لزياد بن المهلب عن طيب نفس منه وقال له: هذه البلاد بلاد قومك فشأنك بها وظل زياد واليا عليها
بن صبيحة
(1) ابن رزيق - الفتح المبين: 213 216، الشعاع الشائع باللمعان: 16/ 12، السالمي - تحفة الأعيان: 60/ 1 620، الأزكوى - سرحان بن سعيد ـ تاريخ عمان: 42/ 40. (2) العامل الذي عزله عمر وهو عامل عدى بن أرطاة الفزارى الذى كان أميراً على البصرة في عهد عمر بن عبد العزيز - فتوح البلدان: 88.
294 (1/294)
صفحة 283
(1)
حتى جاءت دولة العباسيين) ولما ولى أبو العباس السفاح وولى على العراق أبا جعفر المنصور عين أبو جعفر جناح بن عبادة بن قيس ابن عمر الهنائى واليا على عمان، ثم عزله وولى ابنه محمد ابن جناح الهنائي وهو من الأزد و كانت فترة قليلة بين توليته على عمان وتولية أبيه، ولم يلبث مدة طويلة حتى سلم الأمر إلى أهل الحل والعقد من فقهاء عمان (2)
هذا وجناح
هو صاحب المسجد المعروف بصحار باسم مسجد جناح وكان
رجلا صالحا و مال إلى أهل الصلاح فسلمهم الأمر.
فعند ذلك سنحت الفرصة لإقامة الإمامة الشرعية بعمان على يد الأشياخ الذين نهلوا من مدرسة الإمامين جابر و أبي عبيدة بالبصرة لتسير الحكومة فيها بطريقة إسلامية انتخابية صحيحة و يسود الأمن، والاستقرار فيها.
،
يقول البلاذرى: (ولم تزل عمان مستقيمة الأمر يؤدى أهلها صدقات أموالها، ويؤخذ ممن بها من أهل الذمة جزية رؤوسهم حتى كانت خلافة الرشيد (3)، وهو يريد بذلك أنها خاضعة للدولة الأموية منذ تولية عمر بن العزيز عليها عمر بن عبد الله الأنصارى، و ذلك ظاهر أنه تنقصه الدقة فى هذا البيان إذ لم يذكر خروجها عنهم بإمامة الجلندى ابن مسعود و انفصالها عن الدولة الأموية، ولعله يقصد أن فترة إمامة الجلندى كنت قصيرة إذ لم تمتد أكثر من سنتين وأشهراً فلا تعتبر فاصلا كبيرا وفي ظل ما ذكرناه من الوضع الذى حدث لعمان بتسليم محمد بن جناح الأمر إلى فقهاء الأباضية سرا تم عقد الإمامة للجلندى
عقد الإمامة للجلندى بن مسعود:
جيفر
بن
اجتمع أهل الحل والعقد في عمان فعقدوا الإمامة للإمام الجلندى بن مسعود بن الجلندى الجلنداني الأزدى العمانى، وذلك في أواخر عام ثلاثة وثلاثين ومائة هجرية في صحار على إحدى الروايات، وذلك لأن أبا العباس السفاح الذى ولى (1) البلاذري - فتوح البلدان: 88، الأزكوى - تاريخ عمان المقتبس من أهل الغمة: 43/ 42، ابن رزيق ـ الفتح المبين: 216 - 221، تحفة الأعيان: 64/ 63/1
(2) الأزكرى - تاريخ عمان: 43، ابن رريق - الفتح المبين: 221، السالمي - تحفة الأعيان: 64/ 1. (3) البلاذرى - فتوح البـ البلدان: 88.
290 (1/295)
صفحة 284
محمد بن جناح الهنائي، ووالده قد ولى الخلافة في شهر ربيع الآخر عام ثلاثة وثلاثين ومائة (1)، وقيل: في عام اثنين وثلاثين ومائة (2)، فعلى الخلاف الواقع في خلافة السفاح يكون نصب الإمام الجلندى وهو أول إمام بعمان (3)، وينفرد صاحب المنهج بالقول: بأنه نصب عام واحد وثلاثين ومائة (4) ويجمع بينهما فإن ذلك كان في أواخر 131 و أوائل 132 هـ. فى الظروف التي انتهت فيها إمامة اليمن كما سبق، وذلك لأن الجلندى كان في اليمن.
(°)
6
وكان الإمام الجلندى من شراة الإمام طالب الحق فرجع إلى عمان بعد انتهاء الإمامة فى اليمن هو وهلال بن عطية الخراساني، و يحيى بن نجيح ومن معهم وقد كان الإمام أبو عبيدة مسلم على قيد الحياة يومئذ، خلافاً لما ذكر عن أبي الحسن أنه كان في زمان الجلندى حاجب والربيع البسياني في سيرته من الإمام الجلندى أرسل إلى الإمام أبي عبيدة وحاجب بمسائل يطلب الإجابة فيها، فأجاباه على تلك المسائل مما يؤكد وجودهما معا بالبصرة (7).
(9)
،
(7)
وذلك
لأن
وقد عقد الإمامة على الإمام الجلندى (8) مجموعة من الفقهاء منهم العلامة خلف ابن زياد البحراني، ولعله أرسله الإمام أبو عبيدة مددا للعمانيين فمات في عمان بأزكى، وهلال بن عطية الذي رافق الإمام الجلندى عندما عاد من اليمن ثم كان قاضيا للإمام وقتل. معه، وشبيب بن عطية العمانى الذى خلف الإمام الجلندي في القيام ببعض مناطق عمان محتسبا يقوم بأمور المسلمين، والربيع بن حبيب الفراهيدي، ولعله كان قبل ذلك بعمان ثم عاد إلى البصرة ثم عاد إلى عمان آخر عمره وتذكر المصادر أنه ممن
(1) المسعودى - مروج الذهب: 304/ 3، وغيره.
(2) ابن الأثير - تاريخ: 322/ 320/4، ويظهر أن هذا هو الصحيح.
(3) سير المسلمين: 133، ابن رزيق - الفتح المبين: 221، الشعاع الشائع: 21، السالمي - تحفة الأعيان: 72/ 1، الأزكوى ـ تاريخ عمان: 43، الحارثي - العقود: 253، السيابي - عمان عبر ا التاريخ:
(4) الشقصى - منهج الطالبين:
628/ 1
229/ 1:
(5) انظر: الشقصى - منهج الطالبين: 628/ 1، السالمي - تحفة الأعيان: 72/ 1، الحارثي - العقود: 253.
(6) السالمي - تحفة الأعيان: 72/ 1، الحارثي - العقود: 253.
(7) السير والجوابات: 284/ 1، السالمي - تحفة الأعيان: 77/ 1.
(8) يقول القطب أطيفش: إن كل ملك بعمان يقال له الجلندى إذا كان من العرب، والظاهر ليس الأمر كذلك - رسالة
شافية: 112.
(9) سبقت ترجمته ص: 227 من هذا البحث.
296 (1/296)
صفحة 285
بيعة الإمام الجلندى بعمان، ويحيى بن نجيح العماني الذي عاد مع الإمام الجلندى اليمن بعد قتل الإمام طالب الحق، وقتل في معركة شيبان الصغرى عندما الإمام الجلندي لدفاعه. عمان (1). عن
من
وجهه
المعلا،
ويقول الحارثي: إن حملة العلم الأربعة (2) قد حضروا بيعة الإمام الجلندى بن مسعود وهم أبو المنذر بشير بن المنذر، و موسى بن أبي جابر، ومحمد بن ومنير بن النير نقلا عن السالمي في تحفة الأعيان (3). والظاهر أن حملة العلم قد عادوا إلى عمان أيام الإمام الجلندى لمعاونته والجهاد معه، و، ولتعليم الناس أمور دينهم، ولعل منهم من ولى بعض ا الأعمال له.
ولا تشير المصادر إلى ولاة الإمام الجلندى بعمان ولا قضاته فيها ما عدا هلال بن عطية الذي كان قاضيا معه خاصة
وقد أجمع الأباضية قديما وحديثا على صحة إمامة الإمام الجلندى وولايته لقيامه بواجب المسلمين خير قيام على ما سنبينه إن شاء الله
صفات الإمام الجلندى و أصحابه:
،
تظافرت الروايات على وصف الإمام الجلندى و أصحابه بأحسن الصفات التي اتصف بها المؤمنون المصلحون، كما أن شراته كانوا على قمة من الدين والخلق ولين
ضه، ومن
الجانب للمؤمنين وغلظهم على الفاسقين والناس شهود الله في أرضه ذلك ما
(1) انظر: السالمي - تحفة الأعيان: 72/ 1، الحارثي - العقود: 253، الباروني - سلم العامة والمبتدئين: 29 وذكر في غاية المطلوب: أن هلال بن عطية ويحيى بن نجيح أرسلوا من البصرة إلى الإمام الجلندى بعمان، المالكي - غاية المطلوب: 279.
(2) لا يبعد أن يكون المشايخ موسى بن جابر الأزكوى وبشير بن المنذر النزوى وهاشم بن غيلان السيجاني من حملة العلم عن أبي عبيدة، وذلك لأن وفاتهم مقاربة لوفاة الربيع خصوصاً وأن موسى لما مات كان عمره أربعاً وتسعين سنة، فهذا يكون قد أدرك الإمام أبا عبيدة وقد وجدت له روايات عنه مباشرة لا يتسع المقام لذكرها، وكذلك بشير روى عن الإمام وتوفى عام 178 هـ، كما أن هاشماً روى عن الإمام أيضاً فلعله أدركه، وكان هاشم من العاقدين على الإمام الوارث بن كعب الخروصى عام 177 هـ فهو من العلماء الكبار المعدودين، ولعل الإمام أرسلهم من البصرة مدداً للجلندى، وهذا مجرد استنتاج من الباحث لما وجده من الرواية عنهم عن الإمام، وتأييدا لما ذكره الحارثي عن السالمي، وإلا فإن كثيراً من المؤرخين العمانيين يعدون حملة العلم من تلاميذ الربيع
فقط فلننظر فيه.
(3) انظر: السالمي - تحفة الأعيان: 72/ 1، الحارثي - العقود: 253.
297 (1/297)
صفحة 286
ذكره العلامة منير بن النير فى سيرته إلى الإمام غسان بن عبد الله حيث قال: (وعن الجلندى بن مسعود ومن معه من بوارع كل قوم وما عرفوا به من المعروف والعدل والإحسان، والصدق، والصبر، والاقتصاد، والبصيرة، والمعرفة، والورع، والتزهد والتحرج والعبادة، والسمت الحسن الجميل، ولم يأخذوا الصدقة بغير حقها ولم الأرض
يضعوها في غير موضعها، ولم يستحلوها من الناس على غير الإثخان في والحماية والكفاية والمجاحشة عن حريم المسلمين ولا على غير زيادة عن حمى
(1)
الله، بل أخذوها بحقها التي تعنيهم في الدين و أهل الرعية ثم وضعوها في مواضعها وقسموها على أهلها بحكم القرآن فريضة من الله والله عليم حكيم (2)
وقال في موضع آخر: أهل فقه و أهل علم، وحلم ووقار وسكينة ولب وعقل وبر و رحمة وصدق ووفاء، و تخشع وعبادة وورع وتحرج وصلة ونصيحة ظاهرة مقبولة، لا يطمعون بمطامع مع السوء ولا يتعاطون من الناس الحقوق، ولا يدخلون في خصومات الناس ولا يجتعلون على استخراج الحقوق، ولا يسترشون على طلب الحوائج التي تعنيهم من أهل الرعية ولا يستفضلون في الرزق على السعة، ولا يغتاب بعضهم بعضا، ليس من شأنهم الغيبة ولا البغى ولا الحسد ولا التقاطع ولا التدابر ولا البغضة ولا شيء من خلاق أهل الريبة، يحرصون على ما رابهم في الدين مع أهل الدين ويكرهون العيوب ويهجرون أخلاق الفجور والمعاصى) ووصفهم بأنهم باعوا أنفسهم لله ينتظرون حتفها صباحا ومساء وأنهم مصابيح في الأرض، و أنوار في الناس، لا يخافون في الله لومة لائم، لا ينظرون إلى شيء إلا
بالحق ولأجل الدين (4).
وقال عبد الله
بن محمد
(3)
بن أبي المؤثر: لا نعلم في أئمة المسلمين بعمان أفضل من سعيد بن عبد الله إلا أن يكون الجلندى بن مسعود. وقال أبو الحسن البسياني: سار الجلندى في عمان بسيرة حسنة فأظهر الحق وعمل به وأخذ الدولة من أهل الجور وبرئ من الجبابرة و أشياعهم، ودان بقتال أهل البغى، ولم يستحل مع ذلك غنيمة ولا. ذرية ولا استعراضا بالقتل. من غير دعوة) (5).
سبي
(1) المجاحشة - المدافعة.
(3) ن م والصفحة: 244. (5) السالمي - تحفة الأعيان: 72/ 1.
(2) السير والجوابات: 241/ 1.
(4) ن م والصفحة: 245.
298 (1/298)
صفحة 287
وقد عدل في أحكامه ورضى الناس سيرته وظهر الإسلام وخمد الباطل وأهله وانتشر العلم، (كان إماما فاضلاً عادلاً حليماً تقياً عالماً عاملاً بالكتاب المبين وسنة النبي الأمين) (1).
ومن تواضعه ما ذكره نور الدين السالمي من أن الإمام الجلندى عزل ليختبره أصحابه، فانعزل فصار كواحد من الرعية أو من الشراة في إمامته، ثم طالبوه بالعودة فامتنع ثم جبروه على العودة إلى الإمامة لأنه خيروه بين الرجوع أو البراءة منه فوافق على الرجوع مع الولاية (2). وهذا من قمة التواضع لله تعالى ونبذ حظوظ النفس الأمارة بالسوء وكان هذا العزل عندما دمعت عيناه حين قتل آل الجلندي (3)
وعبد
الله
وجعل أبو سفيان محبوب الإمام الجلندى في مرتبة الأئمة مرداس بن حدير، بن يحيى (طالب الحق)، وأبي حمزة المختار بن عوف، وقال عنهم: إنهم السلف الصالح الذين يقتدى بهم فى الدين، ويهتدى بهداهم، وهم سلفنا وأولياؤنا وأئمتنا فقد دعونا وأدبونا ودلونا على الطريق، والسبيل والمنهاج المبين الذي فيه النور (4). وذلك في سياق رسالته إلى الإمام المهنا في أمر هارون بن اليمان (5)
وعلى كل حال فإن الثناء على الإمام الجلندى صار مثل المتواتر.
ولم نعثر على شيء من الأمور التى أنكرت على الإمام الجلندى طيلة حكمه، وقد قام الإمام بإصلاحات عديدة في عمان على الصعيد السياسي، والاجتماعي. الإصلاحات التي قام بها الإمام الجلندى:
أما على الصعيد السياسي:
فقد وطد الأمور في عمان، على المبادئ الإسلامية الصحيحة فكانت أموره شورى وكان أول الأئمة الشراة بعمان، ولما أخذ جعفر بن سعيد الجلنداني وابناه النظر وزائده بكتاب بيعة لهم من بعض الناس فحكم عليهم بالقتل لمخالفتهم المسلمين، وعزمهم القيام ضد الإمام فقتلهم الإمام، وعند ضربهم سالت عيناه بالدموع فقيل له
(1) ابن رزيق - الشعاع الشائع باللمعان: 21، الأزكوى ـ تاريخ عمان: 43.
(2) السالمي - جوهر النظام: 482
(4) السير والجوابات: 302/ 2.
(3) السالمي - تحفة الأعيان: 77/ 1.
(5) سبق البيان عن ذلك في ترجمة أبي سفيان في تلاميذه بعمان.
299 (1/299)
صفحة 288
أعصبية يا جلندى فقال: لا ولكن الرحمة فكان هذا من توطيد الحكم.
وعندما أراد شيبان اليشكرى دخول عمان و من معه، وهم صفرية خاف الإمام من دخولهم عمان، لأنه لابد من بث دعوته بعمان، والأباضية لا يرتضون مذهب الصفرية فأرسل إليه الإمام جيشا ليلاقيه على حدود عمان، وكان قائد الجيش يومئذ يحيى بن نجيح فلاقاهم بجلفار، وقد جاءوا عن طريق البحر فلما تقابل الصفان ودعى يحيى شيبان للرجوع فلم يوافق إلا على دخول عمان دعى يحيى بن نجيح ربه بدعوة أنصف فيها الفريقين، فاقتتلوا، وكانت الهزيمة على شيبان، وأصحابه وقتلوا
(1)
-
وقتل يحيى بن نجيح وعين الولاة والقضاة وجبى الصدقات، وجند الشراة، وجعل قوادهم من أهل الفضل والحجى والبصيرة والثقة والمعرفة والعلم والفقه والحزم والقوة، وجعل على كل عشرة منهم مؤدب فقيه يعلمهم الفقه والدين، ويؤدبهم على الخلق الحسن والمعروف، ويسددهم عن الزيغ ويقيمهم على الطريقة ويهديهم سبيل الرشاد) (2) فإذا كان هذا حال الجيش فما بالك بالرعية، وقد أمنت السبل في زمانه وعم العدل وخمد الباطل وسدت الثغور
أما على الصعيد الاجتماعي:
بدأ الإصلاح الاجتماعي من القاعدة فأصلح النساء بأن أمرهن بالتزام الحشمة والوقار، وأن يدنين الجلابيب ورفع الخمر فوق الأذقان وستر النواصي والزينة، وستر كل شيء ما عدا الوجه و البنان ونهاهن عن الجلوس على الطريق والخروج في حال الريح و المطر (3). وأمر الرجال بغض النظر ورفع ذيول الثياب وتقصير شعورهم إذا وصلت العوائق، وأن لا يتشبه المسلمون بلباس أهل الذمة الذين بقوا في عمان يومئذ، وأمر أهل الذمة أن لا يتشبهوا بالمسلمين فى اللباس وأن لا يبدى الرجال ما فوق الركب، وقام بإصلاح التعامل بين الناس (4) فكان بداية تركيز على إصلاح المجتمع في كل النواحي مع قصر المدة التي أمضاها الإمام الجلندى في الإمامة فما إلا سنتان و أشهر وبقيت آثاره
هي
(1) الأزكوي ـ تاريخ عمان: 43، ابن رزيق ـ الفتح المبين: 222، السالمي - تحفة الأعيان: 77/ 1.
(2) السير والجوابات: 242/ 1 (4) ن م والصفحة.
(3) ن م والصفحة: 244.
300 (1/300)
صفحة 289
العطرة من بعده ولا تسعفنا المصادر عن النواحى التربوية ولا مراكز التدريس في عمان في أيام الجلندى، ومما لا شك فيه أن صحار يومئذ كانت قلعة العلم ومركز الإشعاع على عمان، وذكر في غاية المطلوب أن الإمام الجلندى قد رد على الناس يومئذ ما اغتصبه الجبابرة من الأموال وأن يسترجعوا ما باعوه لهم أيضا لأنه رأى أن بيعه غير جائز
منهم
إذ هو في معنى الغصب، فيردوا ما باعوا ويرجعوا الثمن (1) لبيت المال إلى غير ذلك من الإصلاحات الاقتصادية، وكأمور البيوع في الأسواق و أمور الزراعة والسقى مقتل الإمام الجلندى بجلفار:
وجه أبو العباس السفاح خازم بن خزيمة التميمي إلى جزيرة ابن كاوان وعمان لمحاربة شيبان بن عبد العزيز اليشكري في الجزيرة والمحاربة الأباضية في عمان وكان ذلك في عام 134 هـ، وذلك أن أبا العباس غضب على خازم وهم بقتله لما قتل أخواله من بني عبد المدان النازلين بذات المطامير بالعراق، ولأنه مز عليهم فلم يسلم عليهم فشتموه، ولأنهم آووا رجلا يقال له: المغيرة من قوم بسام بن إبراهيم الخراساني الذي خلع طاعة السفاح فقتله خازم وقتل أصحابه، وهرب المغيرة منهم، والواقع أن أخوال السفاح لم يعرفوا المغيرة فآووه كعابر سبيل ..
فلما
هم
السفاح بقتل خازم بسبب قتله أخواله ومواليهم ومن معهم وكان عددهم
سبعين رجلا جاء موسى بن كعب، وأبو الجهم بن عطية فدخلا على السفاح وخاطباه في ترك قتل خازم لأن له يد سابقة على العباسيين في خراسان، وأنهم آثروهم على الأهل والأقارب وطلبوا منه العفو عن خازم وتوجيهه إلى جزيرة ابن كاوان وعمان فإن
قتل
كان هو
المطلوب وإن ظفر فقد سعد به السفاح ..
فوافقهما السفاح وبعثه فى سبعمائة انتخبهم من العراق وانتخب خازم معهم من
يثق به من مرو الروذ ومن أهله ومواليه وعشيرته ممن تقر عينه بهم ليكونوا رفقاءه
أهله
إلى مصيرهم الأخير.
(1) المالكي - غاية المطلوب: 291.
301 (1/301)
صفحة 290
فمروا على البصرة فحملهم سليمان بن على على السفن حتى وصلوا جزيرة ابن كاوان فقاتلوا الصفرية فانهزموا، وهرب شيبان ومن معه إلى عمان، فقاتلهم جيش الجلندى كما سبق فظفر عليهم وقتل شيبان (1)، وقعد خازم في البحر ينتظر الخبر حتى بلغه قتل شيبان (2)
معه خلف
لك
ثم قدم خازم إلى عمان فخاطب الجلندى بتسليمه سيف شيبان وخاتمه، وأن يخطب بالسمع والطاعة للسفاح فشاور الإمام الجلندى أصحابه بجلفار، وكان يومئذ بن زياد البحراني، وهلال بن عطيه الخراساني، و شبيب بن عطية العماني وغيرهم، فقالوا له: إن الإمام الشارى لا تسعه التقية فلا يصح أن تعطى خازما سيف شيبان وخاتمه لأنه لورثة شيبان ولا يؤمن أن يسلمهما لهم بل يسلمها السفاح لأنه جبار ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هذه رواية، وأما الرواية الثانية فإن خازم لم يطلب سوي خاتم شيبان وسيفه، فلم يجيزوا للإمام إعطاءه إياهما، ورواية ثالثة تقول: إنه طلب في أول الأمر خاتم شيبان و سيفه فأجازوا له إعطاءه إياهما على نية ضمانهما من بيت المال، فلما وافق على إعطائه إياهما أبى إلا الخطبة من وأصحابه بالسمع والطاعة للسفاح والظاهر أن الروايتين الأولى و الأخيرة هما الأصح إذ لو كان المطلوب السيف والخاتم فقط لأعطوه إياهما على نية الضمان، إذ ليس فيهما تقوية له من جهة وليس ذلك دفعا لمال تقوى به من جهة أخرى، إضافة إلى أن التقية بما لا يوجب إتلاف النفس ولا تقوية الظالم ولا دفعا لمال فيه تقوية له أو إتلاف مال الغير على خلاف (4)، ولا تذكر المصادر غير الأباضية المخاطبة التي صارت بين شيبان والجلندى لأنها قضية
(1) انظر: صفحة 153 من هذا البحث.
(3)
(2) انظر: الطبري - تاريخ: 149/ 9 / 150، ابن الأثير ـ تاريخ: 343/ 4.
الجلندى
(3) الأزكوى - تاريخ عمان المقتبس من كشف الغمة: 43، السالمي - تحفة الأعيان: 78/ 1، السيابي - عمان عبر التاريخ: 250/ 1، ابن رزيق - الفتح المبين: 222.
(4) السالمي - جوهر النظام: 481، مشارق الأنوارص: وفي ذلك يقول:
أجز تقية بقول إن خلص من نيل خير من به القول يخص
وامنعها في إتلاف نفس إن جنى والخلف في إتلاف مال ضمنا
ولعل أحسن ما يجمع به بين هذه الروايات: أن الفقهاء اختلفوا فقال كل واحد منهم بقول من هذه الأقوال والله
أعلم.
302 (1/302)
صفحة 291
حتمية إذ أنه أرسل لإخضاع شيبان وأهل عمان لا لشيبان فقط، كما ذكر ذلك
المؤرخون.
أنفاسه
وبما أنه لم تكن هناك فترة طويلة للإمامة واستقرار الأوضاع من ناحية ولم تمض مدة طويلة أيضاً من مقاتلة شيبان فيسترجع الجيش ناحية أخرى، ويعد من العدة ويتهيأ للقاء الغير مرتقب، فإنه لما التقى الجيشان جيش خازم وجيش الإمام كانت الغلبة فى أول الأمر لجيش الإمام وفي اليوم الثاني قتل من أصحاب الإمام تسعمائة شخص، وأحرق منهم نحو تسعين رجلاً تمثيلاً بهم وهم الشراة الذين باعوا أنفسهم لله وخرجوا من أموالهم وأهليهم وهما من شروط الجندى الشارى عند
الأباضية.
ثم تحاجزوا سبعة أيام عملوا بعدها الحيلة لجيش الإمام إذ قدموا وأشعلوا النار في قماش مبلول بالزيت جعلوه على أطراف الرماح فرموها في منازل العمانيين فاشتعلت فيها النيران وفي داخلها النساء والأطفال، لأنهم يستجيزون (لأنفسهم قتلهم بلا مبدأ إسلامي) وكانت البيوت من خشب فاشتغل الجيش بإنقاذ الذرية، فهجموا عليهم وقتلوهم عن آخرهم، وبقى الإمام وقاضيه فقال الإمام للقاضي: هل يجوز لنا تسليم الأمر؟ فقال له القاضي: لا فقال الإمام: احمل يا هلال، فقال القاضي:: أنت إمامي فكن أمامى ولك على أن لا أبقى بعدك، فقاتل الإمام حتى قتل، ثم قتل القاضي بعدما أبدى بسالة فائقة في القتال وقتل جمعاً منهم، وكانت الموقعة بجلفار المعروفة حالياً برأس الخيمة ـ ويذكر أن عدد القتلى من الجيش والذرية كان عشرة آلاف (1) وبعث خازم برؤوسهم إلى البصرة ثم بعث بها إلى أبي العباس حيث مخازن الرؤوس بالعراق، تصديقاً لفعلهم وليعلم بها من ليس له علم لأجل زيادة الميزان (2).
-
أمر عمان بعد الإمام الجلندى:
لما كان الإمام الجلندى ومن معه من خيار الناس وفقهائهم، قد قضى عليهم عن آخرهم في هذه المعركة عام أربعة وثلاثين ولم تكن الأمور قد توطدت كما ينبغى،
(1) الطبري - تاريخ: 150/ 9، ابن الأثير ـ تاريخ: 343/ 4، الأزكوى - تاريخ عمان: 44/ 43 ـ السالمي: جوهر النظام: 481، تحفة الأعيان: 78/ 1، السيابي - عمان عبر التاريخ: 251/ 1 - 252.
(2) الطبري - تاريخ: 9/ 150، ابن الأثير: 298/ 4 - 343.
303 (1/303)
صفحة 292
وجل الفقهاء قد استشهدوا، انتكست راية الإسلام في عمان وصار أمر الأحكام في نزول واستولى الجبابرة على عمان، فعاث فيها خازم كما يشاء وولاها جبابرة من أهلها ممن لهم الحقد على الإمام الجلندى من عشيرته وهم محمد بن زائدة، وراشد بن شاذان بن النظر الجلندانيان فأساء السيرة فى عمان، وظلما الناس وظهر المنكر واختفى المعروف وكثر القتل بين القبائل ودانت لبنى العباس مدة ثلاث وأربعين سنة تقريباً (1).
بقية من
منهم
ما
حتى قيض الله لعمان من رفع راية الإسلام وأظهر معالم الشريعة وكان يومئذ السلف (حملة العلم) وهم شيخ شيوخ عصره مره أبو جابر موسى بن أبي جابر الأزكوى وهو أحد حملة العلم ومن حضر بيعة الجلندى، وبشير بن المنذر النزواني، وهاشم بن غيلان السيجاني، ومحمد بن المعلا الكندى. ومن معهم فعقدوا الإمامة على محمد بن أبي عفان، إمام دفاع فقط إلى أن تهدأ الأمور، ثم ظهرت له استوجب عزله من الكبرياء فعزلوه وقدموا عليه الوارث بن كعب الخروصي، فاستتب الأمن واستنارت البلاد، وكانت مدة إمامة ابن أبي عفان سنتين فقط (2) وكانت الإمامة الأولى أثراً من آثار الإمام أبي عبيدة ونواة لاستمرار الإمامة في عمان بعد ذلك، وكان الإمام الجلندى طيلة فترة إمامته على اتصال بالإمام أبي عبيدة بالبصرة فيما يعنيه من أمور الدين والفتوى، واستمر الحال كذلك بعده بين فقهاء عمان وبين الإمام بالبصرة حتى في عهد جبابرة بنى جلندى، إذ بعثوا إليه هو وحاجب في أمر قتلة عبد العزيز الجلنداني الذي قتله الجلندانيون بالبصرة فصح في قتلته الاختلاف في أمر ولايتهم والبراءة منهم حتى كتب إليهم الإمام حاجب بأن من كانت له ولاية فهو على ولايته، وأما من لم تكن له ولاية فيوقف عنه حتى يمتنع من أداء ما عليه (3)
وفي هذه الفترة من الزمان جاء طلبة العلم من المغرب إلى البصرة للأخذ عن الإمام أبي عبيدة وفيه كان مقتل الحارث وعبد الجبار بطرابلس على ما سنبينه في المطلب
الآتي:
(1) السير والجوابات: 245، من سيرة منير بن النير، الأزكوى - تاريخ عمان: 45/ 44، السالمي - تحفة الأعيان: 87/ 79/1، السيابي - عمان عبر التاريخ: 260/ 1.
(2) الأزكوى - عمان: 45، السالمي - تحفة الأعيان: 99/ 89/1، الحارثي - العقود: 254/ 253، ابن رزيق ـ الفتح
المبين: 224.
(3) السالمي - تحفة الأعيان: 85/ 84.
304 (1/304)
صفحة 293
المطلب الثالث: الإمامة بالمغرب:
الأسباب:
ما لبثت الأحوال بالمغرب بعد انتقال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز إلى الرفيق الأعلى، واستيلاء يزيد بن عبد الملك على الحكم بالمشرق إلا فترة وجيزة، وتغيرت بتغير الولاة تبعاً لتوجيهات الخليفة، إذ ذاق المغرب العربي كمثيله في المشرق طعم العدل والأمن والاستقرار فى عهد عمر بن عبد العزيز، ولما جاء عهد يزيد بن عبد الملك عادت الأمور على ما كانت عليه
عاملاً
على
بعث يزيد بن عبد الملك الخليفة الجديد بالمشرق، يزيد بن أبي مسلم أفريقيا سنة إحدى ومائة فسار فيهم بسيرة الحجاج بن يوسف بالمشرق، لأنه تتلمذ عليه وكان كاتبه فعامل البربر معاملة أهل الذمة، وأخذ عليهم الجزية وعزم على أن يجعل في قفاهم علامة يعرفون بها فذاقوا المهانة وسوء العذاب وساس البربر بالظلم والغشم (1).
ولما تولى عبيد الله بن الحبحاب أفريقية وجميع بلاد المغرب في عام عشر ومائة، كان عامله فى طنجة وما والاها عمر بن عبد الله المرادى (أساء السيرة وتعدى في الصدقات والعشر، وأراد تخميس البربر وزعم أنهم فئ للمسلمين وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله، وإنما كان الولاة يخمسون من لم يجب للإسلام) (2)
وكذلك تلبية لرغبات الخلفاء بالمشرق بحيث كانوا يرغبون في طرائف المغرب، فصار الولاة يرسلون إليهم بالبربريات، ومناهم ابن الحبحاب بأن يبعث إليهم بما يريدون مما كلفه إساءة السيرة فى الرعية والتعدى عليها (3)
ولما وفد البربر إلى هشام بن عبد الملك ليرفعوا إليه أمرهم مكثوا على بابه مدة طويلة فلا يؤذن لهم بالدخول، ثم أخبروا الإبرش بأحوالهم ليبلغها لهشام فانتظروا
(1) ابن عذارى ـ البيان المغرب: 48/ 1، ابن الأثير - الكامل: 182/ 4، د. محمود إسماعيل ـ الخوارج في بلاد المغرب: 61.
(2) ابن عذارى ــ البيان المغرب: 52/ 51/1، وانظر: الرقيق القيرواني - تاريخ أفريقية: 109/ 99، د. محمود إسماعيل ـ الخوارج والخلافة: 34. (3) د. محمود إسماعيل ـ الخلافة والخوارج: 34، بحاز إبراهيم - الدولة الرستمية: 61، المجدوب ـ الصراع المذهبي بأفريقيا: 12 - 113، محمود إسماعيل - الخوارج: 33.
-
305 (1/305)
صفحة 294
الجواب حتى
المؤمنين
طال مقامهم، ونفدت نفقاتهم وملوا فرجعوا خائبين، وقالوا: (أبلغ أمير أن أميرنا يغزو بنا وبجنده فإذا غنمنا نفلهم دوننا ويقول: هذا أخلص لجهادكم وإذا حاصرنا مدينة قدمنا وأخرهم: ويقول: هذا ازدياد في الأجر ومثلنا كفى إخوانه، ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فبقروا بطونها عن سخالها يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد فاحتملنا ذلك، ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ونحن مسلمون فأحببنا أن نعلم أعن رأى أمير المؤمنين هذا أم لا؟) (1)
إن مثل هذه الأحوال لمما تثير الإحساس وتحرك السواكن وينشد الناس بسببها العدل فلا مساواة بين العرب والبربر ولا عدل في الجبايات والخراج، ولا مخافة من هلاك الأموال والنسل وإهانة العرض، (ولا نشك في أن ولاة المغرب كانوا يمثلون مشيئة الخلافة وينفذون سياستها، وأن الخلفاء درجوا على اختيار عمال يأتمرون بأمرهم وإلا فما تفسير معنى الإصلاح والعدل التي شهدها المغرب إبان ولاية إسماعيل ابن عبد الله؟ والظلم الذي حاق بالبربر على يد يزيد بن مسلم، أما تم تحت سمع الخلافة وبصرها؟!) (2)، كيف لا والجبايات والهدايا والتحف ترسل إلى الخليفة وهو يشاهدها ويعرفها ويتمتع بها، وقد نعم الخلفاء بهدايا وطرف المغرب طيلة تولية يزيد، وبشر بن صفوان، وابن الحبحاب وغيرهم، يقول بن خلدون: (إن الخلفاء كانوا يطالبون الولاة بالوصائف البربريات والأردية العسلية الألوان، وأنواع طرف المغرب فكانوا يتفألون في جمع ذلك وانتحاله حتى كانت الصرمة من الغنم تهلك بالذبح لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها، ولا يوجد مع ذلك إلا الواحد وما قرب منه) (3) (وأن ما كان يحدث بالمغرب لا يمكن للخلفاء أن يتهربوا من العلم به، ولا لمن يدافع عنهم مخرج وملاذ من الوقوع في الشباك) (4)
(1) ابن الأثير ـ الكامل: 47/ 3، الطبري - تاريخ: 264/ 4، رفعت فوزى - الخلافة والخوارج في المغرب العربي: 71/ 70، محمود إسماعيل - الخوارج: 34/ 33.
(2) محمود إسماعيل - الخلافة والخوارج في المغرب العربي: 37.
(3) ابن خلدون - العبر: 119/ 6.
(4) مؤلف: مجهول - أخبار مجموعة في فتح الأندلس: 37 حيث يقول: (وقد يقول من يطعن على ا الأئمة أنهم إنما خرجوا ضيقاً من سير عمالهم، وأن الخليفة وولده كانوا يكتبون إلى عمال طنجة في جلود الخرفان العسلية فتذبح
مائة شاة فربما لا يوجد فيها جلد واحد وهو قول أهل البغض للأئمة).
306 (1/306)
صفحة 295
من
إن هذه الظروف جعلت البربر يشكون في عدالة الولاة وصاروا يتلمسون المخرج هذا الطغيان والجبروت والظلم، فالتفوا حول من ينادى بوجوب العدل ويدعو إلى مساواة الناس بعضهم ببعض في الإسلام الذى جعل المسلمين أمة واحدة لا فضل لأحد منهم على الآخر إلا بالتقوى، ولا يشرف الشريف إلا بها ولا تنال العزة فيه إلا باتباع منهجه، والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه. وجعلوا يتفهمون قواعد العدالة والمخرج من الأزمة، ونور الهداية فوجدوها في الحقبة الراشدة التي سارت الخلافة بالشورى فيها فكان الأمير كأحد الرعية ولا يحتجب عنهم ولا يعدو عليهم، وينصف من نفسه للناس قبل أن ينصف من الناس للناس، ورأوا أن تقديم خليفة يسوسهم بهذه الطريقة هو مخرج وملجأ يلجأون
إليه.
خير
لمهنة
لذلك سلكوا مسلك الاختيار والانتخاب وأخذ العهد والمواثيق على من يختارونه قائداً وإماماً لهم أن يحكم بينهم بكتاب الله وسنة نبيه له، وأن يطأ أثر السلف الصالح من الأمة وهكذا ظهرت الإمامة في المغرب على نحو ما سنرى في المبحث الآتى إن شاء الله:
الأباضية قبل أبي الخطاب بطرابلس:
لا تعتنى المصادر الأباضية القديمة كبير اعتناء بالثورات التي قادها الأباضية بالمغرب قبيل إمامة الخطاب المعافرى التى يسمونها إمامة (الظهور)، ولعل ذلك يعود إلى عدم تنظيمها وقوتها قبل أبي الخطاب
والملاحظ أن أول قيام للأباضية على ولاة المغرب كان عام اثنين وعشرين ومائة بقيادة عبد الله بن مسعود التجيبى، وكان عالماً فقيهاً ذا شخصية وحسن تدبير وقد آزرته قبيلة هوارة (1)
إلا أن مدة قيامه لم تطل ذلك أن إلياس بن حبيب الفهرى الذى ولاه أخوه عبد الرحمن بن حبيب على طرابلس قضى على عبد الله بن مسعود قبل أن يستفحل أمره، وكان عبد الرحمن حينئذ والياً على القيروان وانتهى أمر التجيبي حوالي عام
(1) سالم يعقوب - تاريخ جربه: 60، محمود إسماعيل - الخوارج في بلاد المغرب: 83. (1/307)
صفحة 296
سبع وعشرين ومائة (1).
ويذكر الدكتور محمود إسماعيل أن التجيبي قد قام عام ست وعشرين ومائة (2)، ويظهر أن هذا هو الأرجح، وذلك لأن مدته لم تمتد فلو كان قيامه عام اثنين وعشرين ومائة، ومقتله سبعة وعشرين ومائة لكانت مدته خمس سنوات يستطيع من خلالها توطيد ثورته والاستيلاء على كثير من مناطق المغرب.
ثم قدم الأباضية عليهم الحارث إماماً يقودهم بسياسة العدل تليد الحضرمي بن وينفذ فيهم أحكام الإسلام ويرفع عنهم ظلم الولاة، وكان قاضيه عبد الجبار بن قيس المرادي (3)، ويذكر الشماخي أن قيامهما كان عام واحد وثلاثين ومائة أو اثنين وثلاثين ومائة (4).
وكانا أخوين لأم أو أبناء خالة وهما من فلول جيش طالب الحق الذي هزم في معركة وادى القرى بالحجاز عام 131 هـ، فهربا إلى المغرب فاختارهما أهل طرابلس للقيام بالأمر فيهم (5)
بايعته قبائل هوارة ونفوسة وزناته ولماية، والتفت حوله فنظم شئونها ورتب أمورها وساسها بالعدل والدين فتنفست طرابلس الصعداء وزال عنها النكد والشقاء بارتفاع كابوس الظلم والجبروت والتعصب القبلي الجاهلي عليها)
محمد
(6)
ثم جهز عبد الرحمن بن حبيب جيشاً لقتال الإمام الحارث بن تليد وسيره بقيادة
بن مفروق، وأرسل به من القيروان، وكتب إلى واليه بطرابلس أن ينضم إليه
6
فهزم الحارث ومن معه جيوش عبد الرحمن، وفشا فيهم القتل، ثم عاد إليه بجيش آخر بقيادة خيرة قواده عمر بن عثمان فالتقوا بأرض زناتة فهزمه الحارث مرة ثانية، وأرسل
(1) ن م والصفحة، عوض خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 138، كلاهما عن ابن عبد الحكم. (2) الخوارج في بلاد المغرب: 38. (3) البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 17، الشماخي – سير: 114/ 1، أبو زكريا - السيرة: 63، سالم يعقوب ـ تاريخ جربه: 60 عوض خليفات - نشأة الحركة: 139، محمود إسماعيل: 83، أبو إسحاق ـ مقدمة كتاب
الوضع: 7.
(4) الشماخي - سير: 114/ 1.
(5) الشماخي - - - سير: 1/ 114، سالم يعقوب ــ تاريخ جربه: 60.
(6) ن م والصفحة:
308 (1/308)
صفحة 297
إليه مرة ثالثة جيشاً لإبادته ومن معه، فهزم ولم يفلح في القضاء عليه وعلى الأباضية
بالقوة (1).
ثم أعمل حيلته الناجحة التي كفته القتال بأن دس إليه من يقتله هو وقاضيه، فوجدوهما في مجلسهما الذي خصصاه للقاء الناس لأجل التعليم والقضاء بين المتخاصمين، وإصلاح ذات البين بين الناس، كما كانا يجلسان أكثر الصلوات بين في المسجد، فأرسل إليهما وهما منفردان من يقتلهما ويجعل سيف كل واحد منهما في جسم صاحبه، فوقع بذلك الشقاق بين الأباضية (2)
فكثر الشقاق بين الأباضية بالمغرب، وكذلك المشرق، فمن قائل بولايتهما لأنه لا يعلم من قتلهما فهما على ولايتهما السابقة ومن قائل بالبراءة منهما لأن حدثهما ظاهر ولا يعلم الباغي من المبغى عليه، ومن قائل بالوقوف للجهل أيضاً حتى تصح براءتهما، أرسلت المسألة إلى الإمام أبي عبيدة وحاجب بالمشرق فأرسلوا إلى أهل المغرب بالكف عنهما (3) تجنباً للشقاق والأحقاد، فأراح الله العباد من الخوض فيها بسبب
حتى
هذه الرسالة (4).
ثم جمع الأباضية أمرهم وولوا عليهم إسماعيل بن زياد النفوسي، ولا تذكر المصادر تاريخ توليته، وكان يكنى أبا الزاجر إلا أن الدكتور عوض خليفات قال: (إن توليته كانت عام اثنين وثلاثين ومائة هجرية) (5)، وهذا يتناقض مع ما ذكره الشماخي من إمامة الحارث بن تليد عام واحد أو اثنين وثلاثين ومائة، ولعل خليفات اعتمد على ما ذكره أطفيش في كتابه الإمكان (6)
والظاهر أن رواية الشماخي أرجح فتكون ولاية إسماعيل بن زياد بعد تلك الفترة بما لا تقل عن أربع سنوات، فتكون حوالي ستة وثلاثين ومائة تقريباً، ومما يدعو إلى
(1) البرادي - الجواهر المنتقاة: 170، محمود إسماعيل - الخوارج:: 83، خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 141/ 139، سالم بن يعقوب ـ تاريخ جربه: 61/ 60.
(2) الشماخي ـ سير: 114/ 1، أطفيش - الذهب الخالص: 52، سالم بن يعقوب ـ تاريخ جربه: 61، خليفات ـ نشأة الحركة: 141، محمود إسماعيل - الخوارج: 83.
:
(3) أبو زكريا ـ السيرة وأخبار الأئمة: 64/ 63، الدرجيني - طبقات: 24/ 1، الشماخي ـ سير: 115/ 114/1، أطفيش - الذهب الخالص: 52، خليفات ـ الحركة: 142.
(4) انظر: الملحق رقم (1) من هذا البحث. (1) أطفيش ـ الإمكان: 53
(5) نشأة الحركة الأباضية: 42
142: (1/309)
صفحة 298
هذا الترجيح هو
على
أن مسأله الحارث وعبد الجبار مكثت مدة تذكر في المجالس وتتردد الألسن:، حتى كتب إلى المشرق مع انتظار الرد، ولم يجتمع شمل الأباضية على إسماعيل إلا بعد ورود كتاب أبي عبيدة، فإذا كان مقتل الحارث وقاضيه عام خمسة وثلاثين ومائة، أو أربعة وثلاثين ومائة هجرية، فتلك المدة الفاصلة الحارث
وإسماعيل
هي
بين
ولم يمهل عبد الرحمن بن حبيب الإمام الجديد بحيث عاجله بجيش جرار قضي عليه وعلى أعوانه قبل أن يجهزوا أنفسهم للدفاع، رغم أنهم استطاعوا السيطرة على معظم مدن طرابلس وقابس، وقتل إسماعيل بن زياد في نفس العام الذي ولى فيه، وأخلد الأباضية إلى الكتمان مرة أخرى بعد ما أفناهم عبد الرحمن بن حبيب، وسفك دمائهم وغنم أموالهم حتى عاد حملة العلم من البصرة عام أربعين ومائة هجرية، وهى السنة التي بويع فيها أبو الخطاب (1)
إمامة الإمام أبي الخطاب المعافري:
عقد
رأينا فيما سبق بدايات التحرك الأباضي في المغرب ضد الولاة بهدف إصلاح أحوال الرعية في طرابلس وما حولها، ولكن جميع التحركات لم تعمر فخلال أقل من الزمان توالى على طرابلس ثلاثة أئمة، ولكن مع من الأباضية ما هذا لم ينس حدث لهم، بالإضافة إلى أنه لم يصلح حال الولاة في تلك المنطقة إذ أن أحوال ولاة العباسيين كانت شبيهة بأحوالهم فى دولة من قبلهم، والناس ينشدون العدل ولا يجدونه مما حدا أن يثوروا مرة أخرى لإصلاح الأوضاع.
بهم
وكانت المكاتبات والمراسلات الشفوية مستمرة ومتواصلة بين المغرب الإسلامي ومشرقه، وكل ما يحصل هنا من قتل وتشريد فى جماعة أهل الدعوة بالمغرب وخصوصاً في أعقاب انتصار ابن حبيب على إسماعيل بن زياد، وتمزيقه شمل الأباضية ونهب أموالهم يصل إلى مسامع أهل الدعوة بالبصرة.
وخلال تلك الحقبة أو قبلها بقليل سافر حملة العلم المغاربة إلى البصرة لتلقى العلم على الإمام أبي عبيدة ـ كما ذكرنا سابقاً ـ بالبصرة مع إخوانهم الذين أتوا من الآفاق،
(1) سالم بن يعقوب ـ تاريخ جربه: 61، محمود إسماعيل - الخوارج: 84، خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية:
310
142 (1/310)
صفحة 299
وكانوا موزعين على ثلاث مناطق من المغرب، ولما أكملوا دراستهم وحان رحيلهم إلى المغرب استشاروا شيخهم الإمام أبا عبيدة فيمن يولونه عليهم إن أنسوا من أنفسهم وإخوانهم بالمغرب قدرة على ذلك، فأصحبهم أبا الخطاب المعافري اليمنى وأشار عليه بتوليته وأمرهم أن يقتلوه إن أبى ذلك (1)
ويظهر للباحث أن المذكورين تدارسوا الأمور جيداً في هذا الشأن قبل سيرهم على انفراد عن أبي الخطاب في الإمام والقضاة، وكيفية التنظيم إلى غير ذلك بناء على ما حدث بالمغرب من انتكاسات وفشل ذريع، بالإضافة إلى ما قد يحدث بين أفراد
القبيلة
من
منهم
من تعصبات، للإمام المنصوب وخصوصاً العامة لهذا حدثت الاستشارة المغاربة للشيخ فيمن يولونه إماماً عليهم ليعطيهم رأيه الحاسم، فأرسل معهم أبا الخطاب وهو معافرى يمنى، وذلك لأن المذهب الأباضي لا يفرق بين جنس فالشرط الأساسى هو الكفاءة العلمية والإدارية والعسكرية.
(2)
(فلما عزموا على السفر إلى بلادهم كلموا أبا عبيدة واستشاروه في شأنهم فقالوا: ياشيخنا إن كانت لنا فى المغرب قوة ووجدنا من أنفسنا طاقة أفنولى على أنفسنا رجلاً منا أو ما ترى؟ فقال لهم الإمام أبو عبيدة: توجهوا إلى بلادكم فإن يكن في أهل دعوتكم ما يجب به عليكم التولية في العدد والعدة من الرجال فولوا على أنفسكم، فإن أبى فاقتلوه وأشار إلى أبى الخطاب رضى رجلاً منكم. الله عنه) وبعد مشاورات متداولة بين فقهاء الأباضية وغيرهم، وتعبئة بين القبائل المنتمية إلى الأباضية بالمغرب مكثت برهة من الزمن، تم العقد على أبي الخطاب المعافري إمام ظهور بطرابلس في حدود أول عام واحد وأربعين ومائة هجرية، وبايعوه على أن يحكم بينهم بكتاب الله وسنة نبيه الله، وآثار الصالحين من بعده، واشترط عليهم
المغرب
(1) أبو زكريا ــ السيرة وأخبار الأئمة: 60، الدرجيني ـ طبقات: 21/ 1، الشماخي – سير: 113/ 1، دبوز – تاريخ المغرب الكبير: 77/ 3 وما بعدها، نجاز إبراهيم - الدولة الرستمية: 60، الباروني - سلم العامة والمبتدئين: 9/ 8، أطيفش - رسالة شافية: 88. وقد ذكرت من قبل تساؤلاً حول ما إذا كان أبو الخطاب جاء من! لطلب العلم فهو من نسل التابعي أبي عبد الرحمن القيروانى أو أنه جاء من المشرق فأجاب طلب شيخه للمسير إلى المغرب كما تذكر كتب التاريخ الأباضى انظر: ص 237 من هذا البحث. (2) أبو زكريا ـ السيرة وأخبار الأئمة: 60، وانظر: الدرجيني - طبقات: 21/ 1، الشماخي – سير: 114/ 1، والإمام استدل على الأمر بقتل أبي الخطاب إذا امتنع عن قبول الإمامة، بفعل عمر في الستة الذين جعل بينهم شوري في قضية الخلافة من بعده،) ه، وأمرهم بقتل من يقع عليه اتفاقهم عليه ولا يوافق هو، لأجل المصلحة في ذلك.
311 (1/311)
صفحة 300
أن لا تذكر فى عسكره مسألة الحارث وعبد الجبار السابق ذكرها لئلا تحدث اختلافاً وفرقة داخل العسكر (1) ..
وقد حفلت المصادر التاريخية الأباضية بالمغرب بإمامة أبي الخطاب واعتبروه أول إمام ظهور، حتى عده بعض الباحثين أنه مؤسس الإمامة بالمغرب (2)، ويعتقد الباحث أنه لولا إمامة أبي الخطاب لما وقع ذكر لمسألة الحارث وعبد الجبار الذين قتلا وسيف أحدهما في جثة الثاني، وذلك لأنها تذكر في المصادر تبعاً لشروط الإمام أبي الخطاب حين اشترط عليهم أن تذكر في عسكره. ولكن الإمامة الأباضية قبل أبى الخطاب ذكرها المؤرخون غير الأباضية ممن اهتموا بتاريخ المغرب ومصر السياسي، وحينما يذكرونها لا يسمونها إمامة وإنما يسمونها ثورات على الولاة.
منظمة
،
ولعل السبب فى اهتمام المؤرخين المغاربة بإمامة أبى الخطاب من حيث أنها وبداية الإرهاصات للدولة الرستمية بتاهرت من ناحية أخرى. ناحية، من وبجهود حملة العلم الخمسة كانت إمامة أبى الخطاب وابن أبي حاتم بعده وعبدالرحمن مؤسس الدولة الرستمية فلذلك تذكر إمامة أبى الخطاب وأبي حاتم مقدمة وتمهيداً للدولة
الرستمية.
عدل الإمام أبي الخطاب وإصلاحاته:
كان توسم الإمام أبي عبيدة في أبى الخطاب صادقاً واختياره للإمامة بالمغرب موفقاً من حيث عدله وتواضعه وعلو همته وحسن سيرته وشدته في الحق، إذ أنه لما تم العقد عليه دخل طرابلس من غير قتال ونادوا بالأمان لكل من يلزم داره من
سكان
وبين
طرابلس، وخيروا واليها عمرو بن عثمان القرشي بين الإقامة كفرد السكان من المغادرة فغادرها إلى المشرق، وسلم مفتاح بيت المال فصلح الحال وأمن الرعية ورد
(1) انظر: ـ السيرة وأخبار الأئمة: 63/ 62، ابن سلام - الإسلام وتاريخه: 139، الدرجيني ـ طبقات: 23/ 22/1، الشماخي. - سير: 115/ 114/1، أطفيش - ملحق المدونة الكبرى: 309/ 2 - الإمكان: 113، رسالة شافية: 88، الباروني - سلم العامة والمبتدئين: 9/ 8، عدوى جهلان ـ الفكر السياسي الأباضي:
48 - 49، الحارثي - العقود: 238/ 237
(2) انظر: عمر بن مسعود ـ الربيع محدثاً: 160.
312 (1/312)
صفحة 301
المظالم إلى أهلها وساوى بين الناس فى الحقوق والواجبات (1) (وأحسن أبو الخطاب السيرة في أحكامه وعدل في أيامه، وكان قاضيه الخاص إسماعيل بن درار الغدامسي، وعين الولاة والقضاة في البلدان الأخرى وسارت الأموز على أحسن حال فسلكت ورعيته مسلكه) (2).
عماله.
ومن أخلاقه أنه لم يجهز على جريح ولم يتبع مدبراً في حروبه ولم يغنم. مالاً، بل إنه أدب أحد جنوده لما أخذ متاعاً لبعض الناس من القيروان، ونهى الجيش عن إفساد الزرع والأموال وعن قتل النساء، والأطفال، فسار سيرة السلف في معاملاته سلماً وحرباً (3).
هناك مجال
ولما تغلبت ورفجومة الصفرية (4) على مدينة القيروان وعاثوا فيها فساداً لم يكن من الاستغاثة بأبي الخطاب بطرابلس، وذلك أن ورفجومة لما حكموا القيروان تتبعوا من كان بها من قريش قتلاً وتمثيلاً وسلطوا عليهم أسوأ العذاب وربطوا دوابهم فى الجامع الكبير ولم يخافوا الله من ارتكابهم الجرائم وفعلهم المنكرات، وكان ذلك أيام عبد الرحمن بن حبيب الفهري، وقد استعان جماعة من القيروان على إخراج عبد الرحمن منها فقتل ابن حبيب على أيدى الورفجومية عام 140 هـ، واستحلت ورفجومة المحرمات وسبوا النساء والصبيان وربطوا دوابهم في الجامع وأفسدوا فيها) (5).
بهم
فاستغاث أهل القيروان بأبي الخطاب في طرابلس إذ أرسلوا إليه رجلاً يخبره بفساد الورفجوميين في القيروان ويطلبونه لتخليصهم منه،، وأن يمدوا له العون، فسار إليهم فاقتتلوا قتالاً شديداً وكانت الهزيمة على الورفجومية، فأمن أبوالخطاب البلاد وولى عليها عبد الرحمن بن رستم والياً وقاضياً، ولم يجهز على جريح ولم يتبع مدبراً (1) أبو زكريا ـ السيرة: 65، الرقيق القيرواني - تاريخ أفريقيا والمغرب: 142، الدرجيني ـ طبقات: 26/ 1، الشماخي ـ سير: 115، رفعت فوزى - الخلافة والخوارج 140/ 139، أطفيش ـ الإمكان: 88. (2) الشماخي - سير: 115 سالم بن يعقوب - تاريخ جربه: 62، دبوز - تاريخ المغرب الكبير: 136/ 221/3. (3) أبو زكريا ـ السيرة: 69، الدرجيني ـ طبقات: 29/ 1. (4) يقول ابن خلدون أن ورفجومة أباضية، والواقع ليس كذلك إذ أن الأباضية هم الذين طردوا الورفجوميين من القيروان عام 141 هـ، ابن خلدون: 232/ 231/6، أطفيش - الإمكان: 54، وورفجومة هم: من البر بر كانوا صفرية، ابن الأثير: 280/ 4.
(0) ابن الأثير ـ تاريخ: 281/ 280/4، وانظر: الرقيق القيرواني ـ تاريخ أفريقيا والمغرب: 141.
313 (1/313)
صفحة 302
الخطاب
ولم يفسد زرعاً وأثنى عليه أهل القيروان خيراً (1) فتعجب الناس من عدل أبي وسيرته وطاعة أصحابه له فيما يأمرهم به من الحق وقال الشيخ لمن كان بحضرته: (إنما تشبهون دينكم بدين أبى الخطاب وأين مثل أبي الخطاب في عدله
وفضله) (2)
وتتحدث المصادر أن الإمام أبا الخطاب أمر بتفقد القتلى فوجد واحد منهم مسلوباً فأمر من ينادى بالناس بأن من أخذ شيئاً من سلب القتلى فليرده، فلما أيس من
رده إليه دعا
ربه أن يفضح آخذ السلب على رؤوس الأشهاد فسقط السلب من حزام
رجل يقال له: جميل السدراتي فأدبه الإمام على فعله ذلك وأمر برد السلب إلى وطالبه رجل من أصحابه أن يأكل أموال الورفجوميين كما أكلوا ـ أى الولاة
معهم
القتيل (3) سابقاً - من أموالهم فقال له الإمام: (حقيق على الله أن يدخلنا. كلما دخلت النار أمة لعنت أختها) (4)، (وأقام حدود الله وأحيا السيرة بالعدل بعد أن أماتها الأئمة الجورة وقهر الجبابرة وعظم أولياء الله مع زهد وتواضع (5).
وكان طوال هذه المدة يكاتب شيخه الإمام أبي عبيدة بأخبار الانتصارات المتتالية وقيام العدل، ويرد عليه الإمام بما يثلج الصدر ومن جملة ما أرسله إليه رسالته إليه في شئون الزكاة وتنظيمها أخذاً وعطاء، أتاني كتابكم تذكرون فيه ما من الله به عليكم من جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمرى ما كثرتهم وإن كثروا بأكثر ممن كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم على خلافكم نسأل الله لكم العون والتوفيق في جميع أموركم، وأن يكفينا وإياكم بأسهم، وأن يجعل لنا ولكم ولجميع المسلمين الدائرة عليهم، ويشفى صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، فلعمرى لقد سرني
(1) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ: 241/ 4، الرقيق القيرواني - تاريخ أفريقيا والمغرب: 142، أبو زكريا ـ السيرة: 66/ 65، الدرجيني - طبقات: 249/ 246، الشماخي - سير: 216/ 215، محمود إسماعيل ـ الخوارج بالمغرب: 86، المجذوب - الصراع المذهبي بأفريقيا: 114/ 113، دبوز - تاريخ المغرب: 231/ 230/3، أطفيش - رسالة شافية: 88 وما بعدها.
(2) أبو زكريا ـ السيرة: 69.، وانظر: الدرجيني ـ طبقات: 30/ 1، الشماخي – سير: 117/ 1. (3) انظر أبو زكريا ـ السيرة: 70، الدرجيني ـ طبقات: 30/ 1، الشماخي – سير: 117/ 1. (4) أبو زكريا ــ السيرة: 70، الدرجيني - طبقات: 31/ 1، الشماخي – سير: 117/ 1. (5) الشماخي - سير: 118/ 1.
314 (1/314)
صفحة 303
ما انتهيتم إليه من أمركم وإن كان ذلك لم يخف عنا، غير أنا لم نظن الذي كتبتم به
إلى والله سيتم لكم الخير كله بعونه وتوفيقه) (1).
حملات المنصور على أبي الخطاب ومقتله:
لم تكن أعين أبي جعفر المنصور غافلة عما يجرى في المغرب، ولكنه كان مشغولاً بتوطيد ملكه في المشرق، وعندما عين المنصور محمد بن الأشعث الخزاعي والياً على مصر أوعز إليه باسترجاع شمال أفريقيا (طرابلس والقيروان) إلى مركز الخلافة، وذلك بعد ما وجه حملتين إلى أبى الخطاب عام 141 هـ،.، وقبل أن ينصرف أبو الخطاب من القيروان إلى طرابلس، وكانت الأولى بقيادة العوام بن عبد العزيز البجلي فأرسل إليهم أبو الخطاب جيشاً يدافعهم بقيادة مالك بن سحران الهوارى فالتقى الجمعان بأرض سرت من ليبيا فاقتتلا وانهزم العوام ومن معه وكروا راجعين إلى
مصر
(2)
ثم وجه إليهم حملة أخرى بقيادة عمر بن الأحوص العجلى فخرج إليه أبو الخطاب بنفسه، والتقى الجيشان بمكان يقال له مغمداس خارج طرابلس فالتحم القتال بينهما وانهزم العجلي بعد أن قتل من جيشه جمع غفير، وكان ذلك عام 142 هـ (3). وبعد ذلك أرسل إليهم عبد الرحمن محمد بن الأشعث الخزاعي في خمسين ألفاً كما تقول بعض المصادر (4)، وسبعين ألفاً كما ذكرت مصادر أخرى (5)، وكان مع ابن الأشعث الأغلب بن سالم التميمي، والمحارب بن هلال، والمخارق بن غفار الطائي، وأمرهم بطاعة أميرهم ابن الأشعث وكان هؤلاء الثلاثة من كبار قادة المنصور، وحدد تنظيم القيادة بنفسه إن حدث لكل واحد منهم قتل أو غير ذلك وساعدهم بعض أهل
القيروان وطرابلس (6).
(1) انظر: الرسالة صفحة 513 من هذا البحث.
(2) الشماخي ـ سير: 118/ 1، خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 152. (3) ابن الأثير تاريخ: 281/ 4، الشماخي - سير: 118/ 1، نشأة الحركة: 152. (4) ابن الأثير ـ تاريخ 281/ 4، الدرجيني ـ طبقات: 32/ 1، أبو زكريا ـ السيرة: 71. (ه) م ن، أبو زكريا ـ السيرة: 71، الشماخي ـ سير: 118/ 1. (6) الشماخي - سير: 118/ 1، خليفات - نشأة الحركة: 152. (1/315)
صفحة 304
مسير
فلما جاوز مصر أرسلوا عيونهم ليكتشفوا أمر أبى الخطاب، وبلغ أبا الخطاب ابن الأشعث إليه فجمع جيشه للدفاع عن نفسه ولما رجعت عيون ابن الأشعث أخبروه بأنهم مستعدون لمناجزته وتتفق المصادر الأباضية على أن العيون ردوا إليه بقولهم: (رأينا رهباناً بالليل وأسوداً بالنهار يتمنون لقاءك كما يتمنى المريض لقاء الطبيب خيلهم من نتاجهم، ليس لهم بيت مال يرتزقون منه وإنما معاشهم من كسب أيديهم) (1) وفكر ابن الأشعث في حيلة يباغت بها أبا الخطاب وأصحابه بطرابلس، فتآمر مع أناس من أصحابه أن يدفعوا إليه كتاباً يظهر للناظرين أنه من المنصور يأمره فيه بالرجوع عن السير، فلما دفع الكتاب إليه تراجع لمدة ثلاثة أيام يسير فيها سيراً قليلاً، فرجعت عيون أبى الخطاب فأخبرته بما رأته فتفرق عنه الجيش وخوفهم أبو الخطاب المباغتة والمكيدة ولكنهم ما سمعوا، وكان الوقت وقت حصاد فسار الناس إلى حصاد زراعتهم،، فلما أحس ابن الأشعث بعدم وجود ود أحد من عيون أبي الخطاب في جيشه، وجاءته العيون بتفرق الناس عن أبي الخطاب كر راجعاً يطوى المراحل حثيثاً حتى دخل غفلة حدود طرابلس على حين. من الإمام وأهل المدينة، فأرسل الإمام إلى الجند والقواد واستنصر واليه على القيروان عبد الرحمن بن رستم، وأشار بعض قواد أبي الخطاب عليه بالتأنى حتى يصل الجنود والمدد وقال: لا يجوز لى التأخير عن الدفاع وقد غشى العدو المدينة، فخرج للقاء الأشعث قلة في من الناس ومعظمهم من خيار الناس
بن
الذين باعوا أنفسهم لله مع الداعى الأول (2)
فالتحم القتال بين الفريقين ووقعت الهزيمة على أبى الخطاب إذا استشهد هو وعامة أصحابه وكانوا ما بين اثنى عشرة ألف إلى أربعة عشر ألف، ولما يصل مدد عبد الرحمن بن رستم إذ كان بقابس بعد فكر راجعاً إلى القيروان، ودخل ابن الأشعث طرابلس، وتفرق من كان بها من جماعة أبى الخطاب ومؤيديه في شعب الجبال ولجأوا إلى الحصون والقلاع لأنهم يعلمون أن مصيرهم الهلاك لو ظفر بهم ابن ا الأشعث (3)،
(1) أبو زكريا - السيرة وأخبار الأئمة: 71، الدرجيني - طبقات: 32/ 1، الشماخي – سير: 119/ 1. (2) ابن الأثير ــ تاريخ: 4 ع: 281/ 4، أبو زكريا - السيرة: 73/ 72، الدرجيني - طبقات: 34/ 32/1، الشماخي - سير: 119/ 1، نشأة الحركة الأباضية: 153. (3) ابن الأثير ــ تاريخ: 281/ 4، السيرة: 75/ 74، الدرجيني - طبقات: 35/ 34/15، الشماخي – سير: =
316 (1/316)
صفحة 305
وكان ذلك عام 144 هـ في شهر صفر كما يقول ابن الأثير (1)
ويعزى مؤرخو الأباضية هذه الحملة الشنعاء التي أدت إلى ذهاب إمامة أبي
سبب
الخطاب، إلى أن جميلاً السدراتى الذى أدبه الإمام على أخذ السلب من القتيل قد شعر
بافتضاحه
بين الناس، فسار إلى أبي جعفر المنصور فمكث سنة كاملة يطلب الدخول
حتى لقى أبا جعفر، فأخبره الخبر وطلب منه أن يجهز جيشاً إلى أبي الخطاب (2) ويذكر ابن الأثير أن سبب تفرق الجيش عن أبي الخطاب حدوث نزاع بين قبيلتي زناتة وهوارة فتفرقت زناتة عنه لاتهامهم له بالميل إلى هوارة ((3) وليس لهذا النزاع ذكر في المصادر الأباضية.
وقبل أن تعقد الإمامة على تلميذ آخر من تلاميذ الإمام هو الإمام عبد الرحمن بن رستم بتيهرت، تجمع أنصار الإمامة العادلة حسبما رأينا فعقدوا على أبي حاتم الملزوزى ليكون إمام دفاع عن الدعوة كما سنرى
إمامة أبي حاتم الملزوزي:
دخل
الأباضية
مرحلة الكتمان على أثر مقتل الإمام أبي الخطاب وبعد القتل
والنهب اللذين لا قوهما من ابن الأشعث وولاته على طرابلس وغيرها، ثم تشاوروا في أمرهم لنصب إمام يدير شئون الدعوة ويتولى جباية الصدقات ويوصلها إلى أهلها، فعقدوا على أبي حاتم يعقوب بن حبيب الملزوزى (4) إمام دفاع ليقوم بأمور المسلمين ويرفع الظلم عنهم، وتتحدث المصادر الأباضية أن ابن الأشعث طغى وبغي في الأباضية، وأن عامله الجزيرى فعل مثله حتى أهان كرامة الحرائر من النساء (5)
= 120/ 1، ابن سلام ـ الإسلام وتاريخه: 142/ 139، خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 153، محمود إسماعيل - الخوارج في المغرب: 88/ 87. (1) ابن الأثير: 281/ 1.
(2) أبو زكريا ـ السيرة: 71/ 70، الدرجيني ـ طبقات: 31/ 1، الشماخي – سير: 118/ 1.
(3) انظر: ابن الأثير تاريخ: 281/ 4.
(4) في سيرة أبي زكريا لبيد والدرجينى لبيب ويرسمه الشيخ سالم يعقوب حبيب، وكذلك الدكتور خليفات فوضعناه هكذا، إذ لعل تحريفاً وقع في ا أ وقع في السير القديمة - السيرة: 78 الدرجيني - طبقات: 36/ 1 ــ ابن يعقوب: تاريخ: 62 ـ خليفات - نشأة الحركة 157 - ، و، وإنما ذكرناه لأن إمامته وقعت بين إمامة تلميذين من تلاميذ الإمام. (5) الشماخي – سير: 121/ 1.
317 (1/317)
صفحة 306
ومات.
ويقول الدرجينى والشماخي: إن العقد على أبي حاتم كان عام أربعة و. ومائة هجرية (1)، إلا أن أبا زكريا ينفرد بالقول بأنه ولى عام خمسة وأربعين وتابعه على ذلك الباحث عوض خليفات (2)، ويتفق ابن الأثير ثير مع الدرجيني والشماخي في أن تولية أبى حاتم كانت عام أربعة وخمسين ومائة في عهد ولاية. ابن حفص المهلبي على أفريقية (3).
حتى
لاقته
عمر
وسار أبو حاتم سيرة أبى الخطاب في حروبه، ولم تهدأ له الأحوال مدة طويلة جموع المنصور مرات عديدة وهو يهزمها وكلل جهاده بالظفر، ويقول ابن الأثير: (كان بين الخوارج والجنود من لدن قاتلوا عمر بن حفص إلى انقضاء أمرهم ثلاثمائة وسبعون وقعة (4)
وكانت الوقعة الأخيرة التي قضى عليه فيها يزيد بن حاتم بن قبيصة المهلبي، وكان عدد جيشه ستين ألف مقاتل، وذكر أن لقاءهما كان في ربيع الأول عام خمسة وخمسين ومائة هجرية، وقتل من أصحاب أبي حاتم ما يقارب ثلاثين ألفاً، ومكث عدة أشهر يتتبع من وجده أباضياً بالقتل والسلب (5)
وتذكر المصادر الأباضية أن أبا حاتم كان يجبى الصدقات من الأغنياء، ويرسلها إلى عبد الرحمن بن رستم الذي كان لائذاً بالفرار ويظهر للباحث أن تلك مبالغة إذ أن أبا حاتم فى حاجة ماسة إلى الصدقات من ناحية، وهو إمام يحق له التصرف في تلك الصدقات لأنه الأمين عليها، وهو خليفة المسلمين من ناحية أخرى، ثم إن الإمام عبد الرحمن لم يكن إماماً يومئذ فيحق له التصرف في الصدقات.
ثم أجمع الأباضية أمرهم حول التلميذ الثاني من تلاميذ الإمام وهو عبد الرحمن بن رستم الفارسي، الذي كان والياً وقاضياً للإمام أبى الخطاب على القيروان عندما انتزعها من الصفرية.
(1) الدرجيني - طبقات: 36/ 1، الشماخي - سير: 121/ 1، ابن سلام ـ الإسلام وتاريخه: 151. (2) أبو زكريا ـ السيرة: 78، خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 157.
(3) انظر: ابن الأثير ـ تاريخ 31/ 5.
(4) ابن الأثير -
ثير - تاريخ: 33/ 5، البرادي ـ الجواهر: 173.
(5) ابن الأثير – تاريخ 33/ 5، أبو زكريا ـ السيرة: 84، الدرجيني - طبقات: 40/ 1، الشماخي – سير: 123/ 1، الأزدى ـ تاريخ الموصل: 218، ويقول الأزدى: إن رأس أبي حاتم أرسل إلى أبي جعفر المنصور وأنفق على تلك الحملة ثلاثة ألاف درهم.
318 (1/318)
صفحة 307
إمامة عبد الرحمن بن رستم الفارس
سبق
سي
أن ذكرنا أن الإمام أبا الخطاب استنجد بواليه على القيروان عبد الرحمن بن رستم على الفور الذي وصلت فيه طلائع جيش ابن الأشعث حدود طرابلس ووقعت المعركة وانتهت بقتل أبى الخطاب قبل أن يصل إليه المدد من عبد الرحمن، فرجع من قابس إلى القيروان فوجدها قد قلبت له ظهر المجن وتفرق عنه جيشه واضطر إلى مغادرتها
وعند ذلك خرج من القيروان مستخفياً يصحبه ابنه عبد الوهاب وخادم له ومعهما فرس واحد مات عليهم فى الطريق، وأصاب عبد الرحمن العياء، فصار ابنه والخادم يتناوبان حمله حتى وصلوا جبل سوفجج جنوب تيهرت في المغرب الأوسط (الجزائر)، فتحصنوا فيه ولحقه ستون شيخاً من مشايخ طرابلس، وتبعهم ابن الأشعث و حاصر الجبل مدة طويلة ولم يستطع الوصول إليهم، وأصابه وجيشه وباء حتى فنى كثير منه فرجع خائباً وبقوا هناك في الجبل
ابن
(1)
ظل عبد الرحمن وابنه وخادمه هناك والأباضية من طرابلس والقيروان وما حول الجبل من القبائل هوارة ومكناسة ونفوسة ولماية ومزاتة وغيرهم، كلهم فيهم جروح الأشعث وخدش نهبه، وسلبه لأهلهم وذويهم فالتفوا حوله وصار مكرماً معززاً بينهم وإذ هو من كبار الفقهاء يومئذ، ومن العادلين في سيرتهم وأحكامهم لما تولى القيروان إضافة إلى أنه من تلاميذ الإمام أبي عبيدة، ومن حملة العلم إلى المغرب، فأتموا به واستمعوا إليه لأوامره، وقبلوا منه، وأخذوا. فالتأم شمل الجماعة وصلح الحال
عنه،
وذلك في العقد الخامس بعد المائة من الهجرة (2). ثم ائتمروا بينهم أن يقوموا ببناء مدينة تيهرب وكانت موضع غياطيل وأشجار وسباع لتكون مقراً حصينا لهم، ويتمكن فيه الناس من الدخول والخروج من ناحية،
(1) انظر: أبو زكريا - السيرة: 77/ 76، الدرجيني - طبقات: 36/ 35/1، الباروني - الأزهار الأباضية: 5/ 2، دبوز ـ تاريخ المغرب الكبير: 23/ 22/3، خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 166 (2) انظر: الباروني ـ سليمان - الأزهار الأباضية: 5/ 4/1، خليفات - نشأة الحركة الأباضية: 166، ويقول أطفيش: إن عبد الرحمن كان بينه وبين لماية حلف وهم في المغرب الأوسط فلحق بهم، فاجتمعوا إليه فبايعوه في مدينة منصور وبعد ذلك شرعوا في بناء مدينة تيهرت: ولا نجد لهذا الأمر ذكر فى مصادر الأباضية سوى ما نقله صاحب الأزهار عن ابن خلدون، والظاهر أنه لم يعقد عليه إلا بعد بناء تيهرت كما ذكر ابن الأصغر .. أطفيش - الإمكان: 57 - الباروني - الأزهار: 4
319 (1/319)
صفحة 308
إذ هو
أسهل من الصعود إلى الجبال، بعد ما بحثوا عن أنسب الأمكنة فوجدوا هذا المكان حصيناً وسهلاً وبعيداً عن متناول السلطات الحاكمة في القيروان وطرابلس
وغيرها (1)
يقول أبو زكريا في السيرة: وبعد ما استقروا في تيهرت وأمنوا على أنفسهم تشاور أهل الحل والعقد من الفقهاء والمقدمين فى الرأى منهم في أن يولوا عليهم رجلاً منهم يدير شئونهم، ويجمع كلمتهم ويوحد صفوفهم وينصف مظلومهم من ظالمهم، ويقيم فيهم الحدود ويجمع الصدقات فتشاوروا فيمن يولونه عليهم، فلم يجدوا
شخصية تجتمع فيها الشروط بالإضافة إلى كونها ليست لها عصبية تساندها إن وقع عزلها سوى عبد الرحمن بن رستم الفارسي
فتم
(2)
العقد عليه على أن يحكم بينهم بكتاب الله وسنة نبيه لله واتباع الخلفاء الراشدين فى سيرتهم وأحكامهم، فقام بأمر المسلمين خير قيام وعدل بين الناس وساوى بين القوى والضعيف، ولم ينقم عليه في سيرته ولا في حكمه شيء، ومع هذا فقد كان متواضعاً زاهداً حليماً فاجتمعت إليه الأباضية وتوسعت مسافات إمامته وانتشرت أخبار عدله، فسار بهم سيرة جميلة حميدة أولهم وآخرهم ولم ينقموا عليه
في أحكامه حكماً ولا في سيرته سيرة وسارت بذلك الركبان إلى كل البلدان) (3)
ويعتبر الإمام ـ على هذا ـ هو مؤسس الدولة الرستمية واتصلت أخباره بالمشائخ بالبصرة، فأرسلوا إليه المعونة الأولى فقبلها وأتوه بالثانية فردها، وكان على رأسهم يومئذ بالبصرة الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدى (4)، وضمت الدولة الرستمية أنحاء كثيرة من المغرب الإسلامى على ما يراه أغلب المؤرخين والباحثين، فـ (الدولة الرستمية تضم المغرب الأوسط كله ما عدا تلمسان التابعة للأدارسة غربا ومنطقة الزاب التي
(1) انظر: أبا زكريا ـ السيرة: 86/ 85، الدرجيني ـ طبقات: 41/ 1، الشماخي ـ سير: 125/ 1، الباروني – الأزهار: 8/ 5/2، إبراهيم - الدولة الرستمية: 88/ 85، البرادي: 173. (2) انظر: أبا زكريا ـ السيرة: 87، ابن الأصفر - أخبار الرستمية: 30/ 28، الدرجيني ـ طبقات: 42/ 2، الدولة الرستمية 81، الشماخي - سير: 125/ 1، الباروني - الأزهار: 85/ 84/2. (3) ابن الصغير - أخبار الدولة الرستمية: 31، وانظر: - أبا زكريا ـ السيرة: 87، الدرجيني ـ طبقات: 42/ 1، الشماخي ـ سير: 125/ 1، الباروني - الأزهار: 85، إبراهيم ـ الدولة الرستمية 96.
-
(4) انظر: أبا زكريا ـ السيرة: 99، الباروني - الأزهار: 87/ 85/2، الشماخي - سير: 125/ 1، الدرجيني - طبقات: 45/ 1.
320 (1/320)
صفحة 309
يسيطر عليها الأغالبة شرقاً، ويدخل ضمن الحدود الرستمية أيضاً جبل نفوسة وكل المناطق جنوب طرابلس وجزيرة جربه إضافة إلى الجنوب التونسي أي بلاد الجريد) (1).
وعلى هذا فمدينة تيهرت هي العاصمة فقط، وتتبعها بقية البلاد إما بالولاء المذهبي فينقاد سكان تلك المناطق لتيهرت دينياً وسياسياً، وإما بالولاء السياسي رغبة في الحكم العادل والعيش المستقر.
ستة
ولما أحس الإمام عبد الرحمن بدنو الأجل جعل الإمامة من بعده شورى بين. نفر تأسياً بفعل عمر بن الخطاب وهم (مسعود الأندلسى وكان رجلاً فاضلاً فقيهاً من شيوخ المسلمين، وأبو قدامة يزيد بن فندين ـ وهو الذي خرج على الإمام عبد الوهاب، ورجل يقال له: عمران بن مروان الأندلسي ـ، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن، وأبو الموفق سعدوس بن عطية، وشاكر بن صالح الكتامي، ومصعب
من بعد.
ابن سدمان (2)
فتوفي رحمة الله عليه مرضياً حوالي عام ثلاث وسبعين ومائة، على الخلاف في توليه الإمامة، وعلى أصح الأقوال عام اثنين وستين ومائة هجريه، وكانت مدة إمامته عاماً، وولى من بعده ابنه عبد الوهاب إذ هو الذي وقع عليه الاختيار (3)
أحد عشر
واستمرت الدولة الرستمية إلى حدود عام 297 هـ، وهكذا كانت هذه الدولة ثمرة من ثمار جهود الإمام أبي عبيدة رحمه الله وأثراً من آثاره الباقية في ذمة التاريخ، ويعتقد الباحث أنه لولا جهود الدولة الرستمية لما بقى للأباضية أثر بالمغرب إلى يومنا
هذا.
هذه نبذة عن آثاره في الدعوة شرقاً وغرباً، وسنضع في المبحث الآتي نبذة عن
آثاره الفكرية.
(1) إبراهيم - الدولة الرستمية: 99، وانظر: الباروني - الأزهار: 82/ 45/2. (2) أبا زكريا - السيرة: 89، الدرجيني ـ طبقات: 46/ 1 ولم يذكر الأخيرة، الباروني ـ الأزهار: 99/ 2، ولم يذكر عبد الوهاب، الشماخي: 130/ 1.
(3) الباروني - الأزهار الأباضية: 99، أبا زكريا - السيرة: 90، الدرجيني ـ طبقات: 47/ 2، الشماخي – سير:
321
130/ 1 (1/321)
صفحة 310
المبحث الرابع
أثر الإمام أبي عبيدة العلمى
323 (1/323)
صفحة 311
المطلب الأول أثره في مجال التفسير:
انتقل الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى ولم يترك تفسيراً شاملاً لجميع القرآن، وإنما ترك تفسير بعض الآيات المتناثرة حسبما يقتضيه الحال من الأحكام وأجوبة الاستفسارات (1)، ولكن الصحابة حافظوا على أسباب نزول كثير من سور القرآن الكريم وآياته.
وتم تداول ما أثر تفسيره عنه عليه الصلاة والسلام وما عرف سبب نزوله من القرآن على ألسنة الصحابة يرويها الصحابي أثراً من آثار الرسالة المحمدية لمن يتلقى عنه إما تدريساً وإما جواباً على سؤال، وإما إخباراً عن حكم حادثة تشبه تلك الحادثة التي نزلت فيها السورة أو الآية.
إلا أن بعض الصحابة زادوا تفسير بعض الآيات التي لم يرد فيها تفسير مأثور عن. الرسول أمثال ابن عباس، وعلى بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، كعب، وتابعهم على ذلك بعض التابعين كجابر بن زيد، وسعيد بن جبير،، وعكرمة
حسب
، وأبي بن
وأضرابهم (2). وقد انقسم الصحابة فى هذا الشأن إلى قسمين: منهم من أثر عنه شيء من التفسير الذي ظهر لهم في معانى القرآن وهم من ذكرنا سابقاً، ومنهم من تحرج في أن يقول برأيه في تفسير آيات القرآن أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وأكثر الصحابة على هذا المنوال، وذلك لأنهم نظروا إلى القرآن نظرة إجلال وتقديس، وخافوا من الجرأة أن يقولوا في القرآن بغير تثبت من صحة ما يقولون، حتى أنهم عدوا ذلك من المساس بالدين، وقد ضرب عمر بن الخطاب رجلاً كان يسأل عن متشابه القرآن حتى أدمى رأسه وأمر المسلمين أن لا يجالسوه (3).
واتبع كثير من التابعين هذه الطريقة فكانوا يتهيبون من تفسير القرآن مخافة الوقوع في الخطأ، وقد سلك الإمام أبو عبيدة هذا المسلك فلم يؤثر عنه شيء كثير من
(1) حسن إبراهيم حسن ـ تاريخ الإسلام: 502/ 1.
(2) انظر: ن م والصفحة، وانظر: يحيى محمد البكوش - فقه الإمام جابر بن زيد: 39/ 38. (3) انظر: حسن إبراهيم حسن - تاريخ الإسلام: 502/ 1، أحمد أمين - فجر الإسلام: 200.
325 (1/325)
صفحة 312
المنوال
تفسير القرآن سوى تفسير بعض الآيات، وليس الإمام أبو عبيدة فحسب على هذا الأباضية، فإن الأباضية الذين عاصروا الإمام لم يؤثر عنهم شيء في التفسير من كذلك، ولعل ذلك يعود إلى اتباعهم مبدأ التحرج من القول في القرآن، ولم يؤثر تفسير شامل للقرآن عن الأباضية في المشرق في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة مثلما أثر عن أباضية المغرب، فقد روى عن الإمام عبد الرحمن بن رستم تلميذ الإمام أبي عبيدة، وأول الأئمة الرستميين أنه فسر القرآن الكريم، وكذلك العلامة هود بن محكم الهوارى قاضى الإمام أفلح بن عبد الوهاب (1) في القرن الثالث الهجرى أنه فسر القرآن الكريم (2).
وتفسير الإمام عبد الرحمن للقرآن، وهو تلميذ للإمام أبي عبيدة مما يدل على أن الإمام متضلع وخبير بتفسير القرآن رواية ودراية، كيف لا؟ وهو من التابعين ومن الفقهاء الذين كان لهم باع طويل فى علم الحديث، وكان التفسير ضمن الحديث إلى بداية القرن الثالث الهجرى.
، فلم
ولم يشأ الله. عز وجل أن يصلنا تفسير الإمام عبد الرحمن بقدر ما بحثنا عنه، نجد لنستدل به على ما أثر عن الإمام أبي عبيدة من تفسير ولعله أحرق أو تلف عندما خربت تيهرت على يد أبي عبد الله الشيعي.
والذي عثرنا عليه من تفسير للقرآن للإمام أبي عبيدة إنما هو بالرواية فقط، وقد تحذف منه الرواية ولكن حال الإمام من التوقف فى أحوال كثيرة ـ كما هي عادته فإن ذلك دليل على أن معظم تفسيره بالرواية.
ومما يدل على ذلك ما جاء من تفسير لآية الصدقات استناداً إلى عمل الصحابة أو قولهم، وقد برز ذلك في رسالة الزكاة إلى أهل المغرب فقد دلل على أن المراد من آية أصناف الزكاة إنما هو البيان فقط، لا على طريق القسم فقد يزاد صنف على الآخر وقد
(1) هود بن الحكم الهوارى النفوسى قاضى للإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمى بالمغرب و كان فقيهاً مفسراً للقرآن، وتفسيره مطبوع في أربعة مجلدات بتحقيق الباحث شريفي بالحاج من الجزائر / وادي ميزاب، ولا نعرف تاريخ ولادة ووفاة الشيخ هود.
(2) الراشدي مبارك - تدوين الفقه الإسلامي: 97.
326 (1/326)
صفحة 313
يطرح صنف من الأصناف المذكورة فى الآية وقد يخص بها صنف واحد (1)، كما أن استدلاله بالآيات الكريمة، على الأحكام من خلال المدونة كان ـ في معظمه. ـ مرفوعاً إلى الصحابة رضوان الله عليهم إما سنداً وإما موقوفاً عليهم مما يدل على ما
قلنا.
عنه من
وذكر أطفيش أن الإمام أبا عبيدة، والإمام مالكاً ممن يفسرون القرآن بالدراية (2) ولعله اطلع على ما نطلع عليه فقال بذلك، وإلا فإنه يظهر للباحث أن ما أثر تفسير كان من طريق الرواية فقط
أولاً: علوم القرآن:
إن ما وصل إلينا من الروايات الإمام الربيع عن شيخه أبي عبيدة ضمن الجامع
،
الصحيح إنما كان في ذكر الوحى وكيفية نزوله والقراءات ونجوم القرآن في النزول. مثال ذلك ما رواه عن الإمام أبى الشعثاء عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، أنها
ما الله
قالت: سأل الحارث بن هشام رسول الله، كيف يأتيك الوحى يا رسول الله؟ قال: «أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً فأعى ما يقول قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، وأن جبينه ليتفصد عرقاً (3)، ومثل ما رواه في ترتيل القرآن والمحافظة على حفظه وتعليمه للأولاد الصغار فيمن حفظ القرآن على عهد النبي الله ستة نفر حسب روايته عن جابر عن أنس وهم: أبي بن كعب، وزيد ابن ثابت، وأبو زيد على اختلاف فيه ـ وأبو أيوب، وعثمان وكل هؤلاء من الأنصار، وليس عثمان الخليفة فإنه من المهاجرين أما بقية الصحابة فقال عنهم: إن منهم من يحفظ السورة والسورتين (4)
هو
وهم
-
وقد روى حديث أبي هريرة في الذي يردد قراءة «قل هو الله أحد»، وأن النبي ذكر فضلها، فأراد أبو هريرة إبلاغ الرجل بوجوب الجنة له على قراءته وحبه لقل
الله أحد، ولكنه آثر الغداء معه عليه الصلاة والسلام فوجد الرجل قد ذهب (5)
(1) انظر: رسالته في الزكاة ص 517 من هذا البحث. (2) أطفيش ـ إزهاق الباطل: 191 مخطوط.
(3) الربيع بن حبيب - الجامع: 7/ 6. (5) الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 8
(4) ن م: 8/ 7.
327 (1/327)
صفحة 314
وفى نزول سورة الفتح وأن هذه السورة نزلت فى حال سفر النبي الله ولم يوضح الجهة التي سافر إليها، وفى عدم قراءة القرآن من الجنب والحائض، وأن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو وفى نسخ القرآن، وفي مخاصمة عمر بن ا الخطاب لهشام
ابن حكيم حين سمعه يقرأ سورة الفرقان على غير قراءته رأس
(1)
هو
إلا أن الإمام ذكر خلاف التابعين في معنى نزول القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، وذكر أن بعضهم قال: على سبع لغات، وبعضهم قال: على سبعة أوجه، وعد ووعيد، وحلال وحرام ومواعظ وأمثال، واحتجاج. وبعضهم قال: حلال وحرام، وأمر ونهى، وخبر ما كان قبل، وخبر ما هو كائن، وأمثال وذكر، أنه قيل: لا يوجد حرف من القرآن يقرأ بسبع قراءات (2)، وذلك لأن أقصى القراءات في الحرف الواحد لا يزيد على ثلاثة أوجه. وذكر أن ترتيب القرآن حسب وضع الآيات والسور إنما كان بتوقيف من النبي له فلا دخل لأحد فيه (3).
وذكر أن ابن عباس كان يرى أن البسملة آية من القرآن، وأنه أمر بقراءتها في فاتحة الكتاب وكان ابن عباس يقرأها، وهو رأى الإمام جابر بن زيد وسعيد بن
جبير
(4)
ثانياً نماذج من تفسير بعض الآيات:
مستم
النساء بمعنى
1 ـ فسر الإمام أبو عبيدة اللمس في قوله تعالى: أو لا الجماع، وقد روى ذلك عن أبى الشعثاء عن ابن عباس: (والذي ذكره الله هو الجماع، ولكن الله تبارك وتعالى يكنى وتلى الآية: أو لا النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً (5)، قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: ـ أو لا مستم ــ أو جامعتم النساء (6).
(1) ن م - 9/ 10.
(3) ن م - 11.
(2) ن م - 10.
(4) الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 60.
هستم
(5) المائدة: 6. وتمام الآية: و يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون). (1) أبو غانم - المدونة الكبرى: 10/ 1
328 (1/328)
صفحة 315
2 ـ وقال في قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (1) المراد في الآية الشيخ المسكين الكبير والعجوز الكبيرة: قلت لأبي عبيدة: أخبرني عن قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين (2) قال: هو الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة كانا يصومان ثم كبرا فضعفا عن الصوم ولم يطيقاه وهما ميسران، فرخص لهما في الإطعام كل يوم مسكيناً، فمن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم، وكذلك الغلام المراهق والجارية المراهقة لا يطيقان الصوم وهما يحبان أن يصوما ولا يطيقان ذلك فيؤمر أهلهما أن يطعما عنهما إن كانا مياسير
عندهما طول الطعام وطاقته) (3).
- وفى المراد بالذي بيده عقدة النكاح من قوله تعالى: و إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح الله (4) أنه الزوج إذ ندب له أن يسلم لها الصداق كاملاً إذا طلقها قبل المس ولم تكن هناك فريضة مفروضة لها (سألت أبا المؤرج عن قول الله تعالى: لو إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح} (قال: سألت عن ذلك أبا عبيدة فقال: إن الله تعالى قال: لو إلا أن يعفون، يعنى فيتركن النصف الذي وجب لهن على أزواجهن، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعنى الزوج يسلم لها الصداق كله كاملاً كما فرض لها) (5).
النساء
وقال ابن عباس وعائشة وطاووس وعطاء والحسن وعلقمة والزهرى والشافعي في قوله القديم: هو الولى مطلقاً، وقيل: هو الأب (6)
مي
4 ـ وفي قوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المحسنين (7) المتعة التي أعطاها المرأة المطلقة ما عدا التي لها النصف فلا متعة لها: (قال أبو المؤرج ـ قال أبو عبيدة: لكل مطلقة متاع بالمعروف إلا التي لها نصف الصداق،
-
(1) البقرة: 184. وتمامها: أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون).
(3) أبو غانم ــ المدونة الكبرى المخطوطة: 120
(2) على قراءة قالون. (4) البقرة: 236. وتمامها: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون
بصير.
(0) أبو غانم - المدونة الكبرى: 82/ 2.
(6) ن م والصفحة.
(7) البقرة: 241.
329 (1/329)
صفحة 316
قال الله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المحسنين} وقال: على الموسع قدره وعلى المقتر قدره (1) (2).
ه ـ وفي قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (3) يرى. الإمام أبو عبيدة أن عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها الحامل أبعد الأجلين بمعنى أن المرأة إذا ولدت قبل مضى ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وعشرة أنها لا تخرج من العدة حتى تكمل هذه المدة جمعاً بين الآيات الواردة في العدة في سورتي البقرة والطلاق، وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن عباس، ويرى الجمهور خروجها العدة أخذاً بآية الطلاق وبحديث سبيعة الأسلمية، ولكن الإمام يرى
من
حديث سبيعة خاص بها فهى رخصة لها فقط ولا تتعداها إلى غيرها (4).
أن
6 ـ وفي قوله تعالى: {يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله عليم حكيم الله (5) أن المراد بها الحلف فعليه كفارة يمين وجعل ذلك فيمن يحرم الحلال على نفسه هو قول ابن عباس، وعمر بن الخطاب، وأبى الشعثاء جابر بن زيد، وهو قول ابن مسعود أيضاً) (6).
7 ـ وفي قوله تعالى: وكتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المحسنين، أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، إذ جعل الله لكل واحد من الوالدين السدس فصارت الوصية لغير الوارث بنص الحديث حدثنى أبو عبيدة أن الله تعالى أمر الإنسان أن يوصي لوالديه ولقرابته، قال أبو عبيدة: ثم نسخ أمر الوالدين، فجعل لهما نصيباً معلوماً في سورة النساء لكل واحد منهم السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس، وجعل لكل ذى ميراث نصيبه من الميراث، فصارت الوصية لمن لا يرث من قريب
(1) أبو غانم - المدونة الكبرى: 92/ 2 - 93. (2) هذا إشارة إلى قوله تعالى: و لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاع بالمعروف حقاً على المحسنين.
(3) الطلاق: 4.
(4) انظر في ذلك: أبو غانم - المدونة الكبرى: 99/ 2: 102، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 520/ 3 وما بعدها، يحيى البكوش - فقه جابر بن زيد: 473.
(5) التحريم: 1.
(1) أبو غانم - المدونة الكبرى: 68/ 67.
330 (1/330)
صفحة 317
أو غير قريب .. غير أن أوصى لغير قرابته رد لقرابته الثلثان من المثلث وأجيز لمن أوصى له ثلث الوصية) (1)
وفي قوله تعالى صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدونه (2) أى دينه وفطرته التي فطر الناس عليها (3).
ـ وفي قوله تعالى: تلك حدود الله فلا تعتدوها
فرضها على عباده (5).
(4)
هي فرائضه تعالى التي
10 - وفي قوله تعالى: و أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (1) أى أهل بيته وذريته وقومه، ومن كان على ملته ولو بعد حين
(V)
11 ـ وفي قوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض) (8) السنن
معناها الأعلام والأمثال (9).
ولم تسعفنا المصادر عن وجود نسبة كبيرة من التفسير عنه إلا ما يوجد في ثنايا
استدلاله به على الأحكام، وقد أتينا بنماذج منها ولسنا في مقام حصر ما جاء عنه من
تفسير للآيات، ويكفى ما أتينا به للاستدلال به على ما سواه.
أما الحديث فكان نصيبه
أكثر من الموجود ود وإن كنا لم نعثر على الشيء الكثير، باعتبار أن القرن الأول والنصف الأول من القرن الثانى لم يشع فيهما التدوين الرسمي
للحديث، ومن ضمنه تفسير القرآن إلى النصف الثاني من القرن الثاني بعد وفاة الإمام (10)، وهو حال كثير من التابعين الذين لم نعثر لهم على تفسير ولا مرويات في الحديث سواء من حيث عدم شيوع التدوين من ناحية، أو من حيث تهيبهم من الكتابة ورواية الحديث، فضلاً عن تفسير القرآن من ناحية أخرى.
ولهذا فسوف نبين أثر الإمام أبي عبيدة في مجال رواية الحديث استدلالاً على جهده في هذا الميدان كواحد من فقهاء عصره وذلك في المطلب الآتي.
(1) نفس المرجع: 209.
(2) البقرة: 138.
(3) أحمد بن عبد الله بن موسى - المصنف: 38/ 2. (4) البقرة: 229. (5) أحمد بن عبد الله بن موسى - المصنف: 7/ 2. (6) غافر: 46.
(7) أحمد بن عبد الله - المصنف: 7/ 2.
(9) أحمد بن عبد الله _ المصنف: 17/ 2.
(10) الراشدى مبارك - تدوين الفقه الإسلامي: 29/ 27.
(8) آل عمران: 137.
331 (1/331)
صفحة 318
المطلب الثانى أثره في مجال الحديث:
به،
إن الذي وصلنا من آثار الإمام أبي عبيدة في الحديث قدر مهم لا بأس لأن يكون دليلاً على جهوده فى تحمل الحديث وأدائه، وليس هو كل الذي
ويصلح
حفظه في الحديث قطعاً، إذ أن ما ضاع من التراث أكثر مما وصل إلينا.
ونظراً إلى أنه تابعى عاصر بعض الصحابة والتابعين، وروى عنهم (1) فإنه كان حذراً في نقل الحديث لا ينقل إلا عن الثقات، وقد أثر عنه قوله: (لا يؤخذ العلم من أربعة، رجل مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا سفيه يدعو إلى سفهه، ولا ممن يكذب وإن كان يصدق في فتواه، ولا ممن يعزز مذهبه عن. مذهب غيره)
(3)
، يعني
(2)
وعندما سئل هل يعمل بالحديث إذا روى عن الصحابة رد على ذلك قائلاً: (إن عرفت عملت به وإلا فلا) أنه إن عرف الراوى وضبطه عمل به، وإن كان الراوى مجهولاً. عنده فإنه لا يأخذ به، وهذه طريقة مثلى في الأخذ بالحديث الصحيح ونقد رجال السند، ولا يستغرب من ذلك فقد عاش في زمان كثر فيه الوضع في
الحديث.
وقد روى حديثه عن الفقهاء الذين يسمونهم بالقراء، وابتعد عن مرويات غير الفقهاء الذين لا يعرفون معانى ما يروون (4)، وأثر عنه قوله: (كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، فلولا أن الله تعالى من علينا بجابر بن زيد لضللنا) (5). ويحذر المسلمين من الانزلاق في مبادئ القدرية والزنادقة وغيرهم، ومن رأى منه ذلك هجره وأوعز إلى المسلمين أمره ولذلك هجر حمزة، وعطية وغيلان (6) لقولهم بالقدر، فلم يجد المبتدعون والزنادقة والسفهاء والقصاص والوضاع سبيلاً إلى بث ما يريدونه في المجتمع الذى يرعاه الإمام أبو عبيدة، فكان ذلك صوناً له من دس الأحاديث
الموضوعة.
(1) الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 81.
(2) الحارثي - العقود: 140، عمر بن مسعود ـ الربيع محدثاً: 153/ 152.
(3) ن م والصفحة.
(4) سيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع فى الباب الثاني (منهجه الفقهي).
(5) الحارثي - العقود الفضية: 140.
(6) راجع المبحث المذكور.
332 (1/332)
صفحة 319
فلذا وضع شروطاً دقيقة في الأخذ بالحديث من حيث السند والمتن (1)، فهو من المتثبتين في نقل الحديث والأخذ به. ومن الموالى الذين يعتبرون شيوخاً في الحديث كشعبة بن الحجاج بن الورد (ت 160 هـ)، وعبد الله بن المبارك الحنظلي التميمي بالولاء، (ت 181 هـ)، وعبد العزيز بن جريج البصرى (ت 150 هـ)، ومعمر بن راشد (ت 153 هـ)، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (ت 158 هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (ت 156 هـ)، والربيع بن صبيح (ت 160 هـ)، وسفيان الثوري (ت 161 هـ)، وحماد بن سلمة بن دينار (ت 167 هـ)، وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي (ت 157 هـ)،
وهشيم بن بشير (ت 183 هـ)، وأخيراً البخاري (ت 165 هـ)، وغيرهم. وقد توسعنا في موضوع موقف الإمام أبي عبيدة من الحديث في الباب الثاني (منهجه الفقهي) فليرجع إليه هناك
وأما موقف الإمام من المسائل الجدلية علم الكلام فسوف نراه في المطلب الآتي. ولم نعثر على مؤلف خاص في الحديث عن الإمام أبي عبيدة ولعله كان له شيء من ذلك ولكن ضاع فيما ضاع من التراث، أو لعله لم يكتب شيئاً لانشغاله بالتدريس والدعوة، وتنظيم شئون جماعة المسلمين مما لم يمكنه الكتابة. من
ويقال: إنه حاز ديوان أبي الشعثاء الذي دون فيه الحديث وآثار الصحابة (3)، ثم صار من بعده إلى الربيع بن حبيب، ثم آل أمر ذلك الديوان إلى خزانة العباسيين، فذهب مع ما ذهب فى مكتبتهم المشهورة على يد التتار.
عنه،
الذي
وبلا شك فقد استفاد ذلك الديوان هذا
من
فلم يؤثر رواية واحدة مكتوبة ومع
أو أنه يرويها من الديوان مباشرة إلا عن طريق الحفظ والإلقاء الشفوى، والشيء من مروياته في الحديث هو ما جاء في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب،
وصلنا
(1) منهجه الفقهي صبار، من هذا البحث .. ولم يكن الصحابة رضوان الله عليهم يتفقون في رواية بعضهم عن بعض لوجود التقوى والورع والتثبت، وكذلك كبار التابعين من بعدهم حتى وقعت الفتنة بالدس من ابن سبأ وأضرابه بدعوتهم الأئمة، وأخذ الدس يربو ويزيد فألقى الله في روع المخلصين المتقين من عباده أن يقوموا بالتحري في قبول الرواية ولا يقبلونها إلا من الثقات المعروفين، يقول ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيقبل حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) انظر السباعي - السنة ومكانتها: 91/ 90.
(2) يحيى بن محمد البكوش - فقه الإمام جابر بن زيد: 75.
333 (1/333)
صفحة 320
وقد كان
يسمى
المسند
حتى رتبه الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني
(1)
على غرار الصحاح، فسماه الجامع الصحيح، وضم إليه الجزء الرابع منه روايات أبى سفيان محبوب عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب المسمى قبل ذلك بترتيب أبي
سفيان (2).
كما أنه وصلنا شيء من مرويات أبي عبيدة عن طريق تلاميذه في مدونة أبي غانم، ولم تكن هذه الأحاديث من ضمن ما جاء في الجامع الصحيح، وإنما جاءت من
(1) انظر: مقدمة شرح الجامع الصحيح: 4/ 2/1 محمد محمد. أبو زهو - الحديث والمحدثون: 248/ 247 عمر مسعود ـ الربيع محدثاً: 213/ 211 نفتاجي - مناهج التشريع الإسلامي: 570/ 2، الأعظيمي سعيد - دراسات في الحديث وتاريخ تدوينه: 90/ 85، محمد الشيخ الحاج - التفسير ومفسروه والسنة ورواتها: 125/ 120، السيابي - إزالة الوعثاء: 41، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 66/ 1، ابن تيمية ـ رفع الملام عن الأئمة الأعلام: 15 يوما بعدها، ابن حمدة ـ المدارس الكلامية بأفريقيا إلى ظهور الأشعرية: 139. (2) المسند أو الجامع الصحيح: هو المتداول اليوم بين الناس فى العالم، ويعتبر من أمهات كتب الحديث وأصحها إسناداً ومتناً لعدالة رواته وثقتهم وضبطهم، وتفقههم في الدين وتحليهم بالورع الكامل والتقوى، وإنما سمى مسنداً في البداية لكونه غير مرتب على أبواب الفقه، ولا ضير في ذلك لأنه ألف في القرن الثاني، وإنما حدث التبويب في القرن الثالث في زمان البخاري ومسلم، ولما رتبه أبو يعقوب على أبواب الفقه سماه الجامع الصحيح، واشتهر بهذا الاسم ولم تكن فيه زيادة في ثنايا الأبواب إلا ما أضيف إليه في الجزء الرابع منه، لا كما يدعى صاحب المدارس الكلامية، أما احتجاج الربيع الموجود في الجزء الثالث فهي آثار صحيحة تليق بوضعها في الكتاب لأن تلك الروايات عن الربيع والكتاب من تأليف الربيع نفسه فليس هناك إدخال بعيد عنه، أما قول صاحب المدارس الكلامية المسند يتضمن أحاديث تتماشى في أغلبها مع مذهب الأباضية فيما عدا البعض فإن الأحاديث تتماشى مع إسلام المسلمين جميعاً فمؤلفات التابعين ملك المسلمين وقدوة لهم لا للأباضية فحسب، ويعتمده الأباضية كما يعتمدون غيره من كتب الصحاح والمسانيد والسنن فليس هو المعتمد الوحيد لديهم، ولا، ولكنه يعتبر. صحيحاً لديهم بلا جدال، وقد يكون فيه غير الصحيح عند البحث ولكنه نادر إذ أن جميع ما به موجود بالصحاح والسنن والمسانيد وما من شك في أنه لا توجد فيه ألفاظ التحدث والأنباء وغيرها، ذلك لأنها لم تكن مستعملة في القرن الثاني الهجرى وإنما حدثت من بعد وهذه الصفة هي التي سادت الموطأ للإمام مالك، أما ما هو موجود وضروري في ذلك العصر فهو موجود كالسماع والبلاغ والعنعنة وتلك العنعنة مقطوع باتصالها لثقة أصحابها وغيرهم عن الإيهام لأن الأباضية لا يأخذون إلا الحديث الصحيح، فهم يرون المتشابه على آيات القرآن فهو الحكم الفصل، وقد عوتب الإمام مالك بن أنس على أخذه من الأباضية، فأجاب بأنهم يسهل عليهم أن يخر أحدهم من السماء ولا يكذبون، روى ذلك عند ابن عبد البر. ومن المعلوم أنه لم يثبت تاريخ محدد لولادة رواة أحاديث الجامع الصحيح ولا وفاتهم وهم قليل:، لأن سلسلته من السلاسل الذهبية فهي ثلاثية، وهذا لا يعيب الرواة إذ أكثر المحدثين والرواة لم يثبت تواريخ ولادتهم ولا وفاتهم، إذ لم تكن هناك عناية من رجال ذلك العصر بهذا، ومن المعلوم أنه لا يجوز ادعاء انحصار الأحاديث في دواوين معينة كما قرر ذلك ابن تيمية في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص 15
عن
وما بعدها.
334 (1/334)
صفحة 321
غير طريق الإمام الربيع فأحياناً تكون من طريق أبي المؤرج، أو من طريق ابن عبد العزيز
أو غيرهما.
ولم يقع للجامع الصحيح الذى رواه الربيع من التفاوت في نسخه، إذ كلها متفقة مثل التفاوت الذي وقع في موطأ الإمام مالك من حيث التقديم والتأخير، وقد روى عن السيوطى أن المشتهر عن الرواية بالنسبة للموطأ أربع عشرة نسخة والمستعملة منها هذا فلا يطعن في الموطأ لصحته وضبطه.
أربعة (1)، ومع. ولا توجد الأحاديث التي رواها أبو زكريا ومن تبعه من المؤرخين المغاربة في فضل البربر ضمن أحاديث الجامع الصحيح، وكذلك لا توجد الأحاديث التي وردت في فضل أهل عمان، وقد سئل الشيخ أحمد الخليلي (2) عن مدى صحة هذه الأحاديث فأجاب: إن الأحاديث التي وردت في فضل أهل عمان وفي فضل عمان ذاتها أخرجها مسلم في صحيحه، وأما التي ذكرها أبوزكريا في البربر فلا يعلم صحتها من عدمها (3)
أن
ومن الطبيعى أن الأباضية يقاومون الوضع والوضاعين، لأنهم يعتقدون خلود مرتكب الكبيرة في النار فمن الطبيعى أن يكون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر كما نص على ذلك الحديث، إذاً فليس لما يقوله بعض الباحثين دليل من تلك الأحاديث وضعها الأباضية لإغراء البربر من أجل الدخول في مذهبهم، أما ما قاله من حيث المساواة بين الأجناس فتلك حقيقة لا جدال فيها لأنها ثبتت والسنة، وقبل أن نحكم على تلك الأحاديث بالوضع يجب أن نرجع إلى أمهات الحديث لمعرفة صحتها ثم بالتالي نحكم عليها
القرآن (4) بنص
ومع هذا وعلى فرض أنها لا توجد في الصحاح فليس معنى ذلك أنها موضوعة،
(1) محمد محمد أبو زهو ـ الحديث والمحدثون: 250/ 249. (2) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلى علامة عمان في زمننا هذا وهو مفتى عمان أيضاً وتكوينه عصامي عن طريق الجد والاجتهاد بلا خوض الدراسة بالمدارس والجامعات يفسر القرآن حالياً، وله عدة ندوات ولقاءات إذاعية وصحفية،
وقد ولد عام بزنجبار من مقاطعات تنزانيا جاء إلى عمان عام 1387 هـ، 1967 م.
(3) جواب مسجل لمفتى سلطنة عمان وجهه إليه الشيخ فرحات الجعبيرى. (4) انظر: عبد المجيد بن حمده - المدارس الكلامية: 141 وقد وضعت أحاديث كثيرة من جهلة السنة. السباعي. السنة ومكانتها: 81.
335 (1/335)
صفحة 322
(
(2)
وكما قال ابن تيمية: لا يجوز ادعاء انحصار الحديث في دواوين أو مصنفات معينة (1) طالما جاءت عن الثقة، فنحسن الظن بالراوى طالما أنها لا تحرم حلالاً وتحلل حراماً ولا تمس الدين بشيء. وقد يقوم الإمام أبو عبيدة بتفسير لغوامض الأحاديث التي تحتاج إلى إيضاح، ولكنها ليست مدرجة ضمن المتن بل هي مفصولة عنها بقوله: (قال أبو عبيدة) وهكذا بحيث لا يوجد لبس في لفظ الحديث ومعظم روايات الإمام أبي عبيدة عن شيوخه، وأكثر ما في الجامع الصحيح عن شيخه جابر بن زيد ولم يرو عن ضمام بن السائب فيه إلا ثلاثة أحاديث فقط (3) وللإمام أبي عبيدة جهد كبير في مقاومة الوضع إذ عاصر فتنة الخوارج ونشأة القدرية والمعتزلة والمرجئة كما رأينا (4).
فقد وقف منهم موقف الرجل المتثبت المتصلب ويحاربهم أشد المحاربة.
(1) انظر: ابن تيمية - رفع الملام عن الأئمة الأعلام:: 15 وما بعدها. (2) انظر: الجامع الصحيح: 152/ 126/11/ 117/73/ 09/40/ 29 (3) الجامع الصحيح: 4.
(4) راجع المبحث الثالث الفصل الأول من صفحة 125 إلى 142. وقد كان الإمام جابر بن زيد شيخ أبي عبيدة لا يقبل إلا حديث الثقات، لأنه عاش في هذه الأثناء، وقبل نصيحة ابن عمر له و بلغه قول ابن عباس في بشير العدوى حينما جعل يحدث عن النبي الله كثيراً ولا يلتفت إليه ابن عباس، فلما عاتبه قال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله: ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف، وعاصر أبو عبيدة كذلك معمعة الفتنة وسار سيرة المتثبتين في الرواية تبعاً لشيخه أبى الشعثاء، وقال فيه قولته المشهورة: كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، فلولا أن الله من علينا بجابر بن زيد لضللنا، وقولته الأخرى: لا يقبل العلم من أربعة ... إلخ. وعاصر الإمام أبو عبيدة التابعين فضلاً عن صغارهم وكان يتحرى أشد التحرى، فلذلك لا تراه يروى عن غيره من الثقات بل بالأحرى إلا عن شيوخه الذي وثق فيهم ووثقهم غيره، وأخذ عنهم وليس معنى ذلك أنه لم يأخذ عن ثقات غيرهم على الإطلاق فقد روى عن إبراهيم النخعي وعاصر ابن المبارك الذى قال: (الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وقال أيضاً: بيننا وبين القوم القوائم ويعنى بالقوم ضراب الحديث وبالقوائم الإسناد حيث وضع الثقات فى قوائم بأنسابهم وصفاتهم، ولا ننسى أن الإمام أبا عبيدة كان لا يحب أن يروى عن كما رأينا. وقد شهر عن الإمام مالك بن أنس قوله: العراق دار الضرب بمعنى أنها تختلق فيها الأحاديث فاستطاع الإمام أبو عبيدة بفطنته الوقادة وحكمته البارعة أن لا يدخل الاختلاف والدس في مجتمعه
جميع
الناس
الصغير (الأباضية).
انظر: السباعى - السنة ومكانتها: 91، يحيى البكوش - فقه الإمام جابر بن زيد، مسعود ـ ا
|_
205
د ـ الربيع محدثاً: 5.
336 (1/336)
صفحة 323
المطلب الثالث أثره في علم الكلام:
عرف الجرجاني علم الكلام بأنه علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات المبدأ من والمعاد على قانون الإسلام، (وهو أيضاً) علم باحث عن أمور يعلم منها المعاد وما يتعلق به من الجنة والنار والصراط والميزان والثواب والعقاب، قيل: علم الكلام هو العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من الأدلة (1) .. وقال فيه ابن خلدون: (علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف) (2).
والمعنى أن الكلام يتعلق بالمسائل الاعتقادية في الإلهيات والإنسانيات بتقديم الأدلة العقلية والنقلية لمجادلة المنحرفين عن العقائد الصحيحة في الإسلام، وخرج بقول الجرجاني: (على قانون الإسلام تقديم الأدلة العقلية على قانون الفلاسفة في الإلهيات، فإنهم يتوصلون بالمنطق الفلسفي إلى إثبات الإله لكنه لا يوصلهم إلى معرفة ذات الله سبحانه وتعالى
هناك
وقد ابتدأت معرفة علم الكلام منذ عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ووردت عدة أحاديث نبوية فيما يخص علم الكلام كأحاديث الرؤية ونفيها، إذ لو لم تكن معرفة من هذا القبيل ووقع الخلاف فيها لما تضاربت الروايات بالنفي والإثبات، وكذلك مسائل الإيمان والكفر والقضاء والقدر والشفاعة والخلود إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذا الفن (3)، إذ كان القرن الأول الهجرى هو نقطة الانطلاق لتوسيع العلوم فيه ونمو الحركة الثقافية فى الجزيرة العربية والحجاز، واختلاط الناس بعضهم
البعض.
كما أن ظهور الفتن وما أفرزته من إشكالات علمية كقضية الخلافة والولاية والبراءة وإيمان المتقاتلين وكفرهم، وظهور المعاصى والخلاف في خلود مرتكبيها في النار والشفاعة لهم، وفتنة الخوارج إلى غير ذلك من الأسباب التي دعت إلى ذلك.
(1) الجرجاني - التعريفات: 98.
(2) ابن خلدون - المقدمة: 557/ 2، الجعبيري بن فرحات - البعد الحضارى: 75/ 1.
(3) انظر: ما يتعلق بهذا الفن من الصحاح والمسانيد من الأحاديث الواردة في علم الكلام وهي كثيرة وأيضاً ... الشيخ بالحاج - القرآن والتفسير والسنة ورواتها: 140، الجعبيرى فرجات ـ البعد الحضاري: 64/ 1.
337 (1/337)
صفحة 324
ولهذا فإن نشأة علم الكلام وقيام الجدل فيه قد كان في زمان الإمام أبي عبيدة (1)، فاتخذ فيه سلفه مسلكاً مستقلاً فى هذا الشأن، ولكن الإمام بلور هذا المسلك على
الواقع العملى، وكان له احتكاك بمخالفيه في هذا المجال وخصوصاً في السمعيات.
وقد أثرت بعض المقالات عن الإمام جابر بن زيد في هذا المجال وكذلك صحار العبدي شيخا الإمام أبي عبيدة، وعبد الله بن إباض في رسالة إلى عبد الملك بن مروان، وسيرة سالم بن ذكوان الهلالي وسيرة خلف بن زياد البحراني، وخطب أبي حمزة المختار بن عوف وسيرة أبي أيوب وائل بن أيوب، ورسالة حاجب الطائي، وسيرة أبي سفيان محبوب، وسيرة المنير بن النير، وسيرة شبيب بن عطية العماني والجامع الصحيح للربيع بن حبيب، وغير ذلك من آثار الأباضية خلال القرن الأول والنصف الأول من القرن الثاني (2)
وكانت طريقة الإمام أبي عبيدة في الجدل الكلامي طريقة المتكلمين لا طريقة الفلاسفة إذ لم تسد تلك الطريقة في ذلك العصر، وإنما كان الجدل عقلياً ونقلياً من غير قضايا حملية وشرطية، إلى غير ذلك من قواعد الفلسفة المنطقية.
يجب
ومع
الذي لا
أن
هذا فإنه لم يكن يحب الخوض في المسائل الجدلية الكلامية كثيراً، ولكنه يسير سيرة السلف في مثل هذه القضية ليحمل الناس على التوحيد السهل يتعمق فى البحث والجدل (3). وبهذه الطريقة كان دخول الناس في الإسلام
اختلطوا بغيرهم واختلط
بهم
الغير
في أول الأمر. حتى أنه سئل ذات مرة عمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده ولم يقل لا
حتى
شريك له) فقال: نفى الشريك عن الله وليس عليه غير ذلك، حتى لو لم يقل وحده (4). وهذا إسلام الصحابة رضوان الله عليهم.
وقال: العزم على الإيمان إيمان، والعزم على الكفر ليس بكفر حتى يفعل ما
(1) انظر: الجعبيرى فرحات - البعد الحضاري: 779/ 2.
(2) سير المسلمين: 583/ 576/552/ 312/307/ 298/284/ 205/20، الربيع - الجامع الصحيح: 18/ 19/ 21/ 249/247/ 224/207/ 202/198/ 26، الجعبيرى فرحات - البعد الحضاري: 71/ 68/1 (3) رسالة فى الزكاة إلى أهل المغرب، الملحق ا من هذا البحث أيضاً.
(4) عبد الله بن يزيد الفزاري: رسالة في التوحيد: 2.
338 (1/338)
صفحة 325
يوجب
الكفر (1)، والمعنى أن نية عمل الخير خير في حد ذاتها لأنها طاعة وتستوجب · زيادة الإيمان، وأما العزم على المعصية فهو معفو عنه وليس معصية في حد ذاته لعفو أو أنه معصية ولكن يمحوها عفو الله تعالى عنها.
الله عنه،
و برئ من الذين قالوا: (إن دعاه رجل مسيحى لم تبلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، والمدعو لم تبلغه الدعوة أيضاً، فأجابه على الدخول في ملة عيسى عليه السلام، إن المجيب كافر والداعى مسلم).
فقال لهم: (كيف يكون الداعى مسلماً وتحكمون بالكفر على المجيب وقد أجاب حقاً لأنه دخل فى دين الله فهو مسلم على ملة الداعى فأصروا على قولهم، فبرئ منهم ثم تابوا على يدى الربيع، وعبد السلام بن عبد القدوس فقبل توبتهم وردهم إلى مجالس المسلمين، ولهذا فلم يكن الإمام يتعمق في الجدل في هذه المسائل ولا يحكم بالكفر مباشرة في كل صغيرة وكبيرة.
ويروى عنه أنه
(2)
قيل
له: (يا أبا عبيدة ما تقول فى غربة من الأرض فيها رجل على
دين عيسى عليه السلام ولم تأته رسالة محمد الله؟ قال: (مسلم ما لم تأتيه الحجة ويدفعها، قال: فقالوا له، فما ترى إن هو دعا رجلاً من المجوس إلى دينه،، فأجاب؟ قال: هو مسلم، فقالوا له: انظر في هذا، قال: فما تقولون أنتم؟ قالوا: نقول: الرجل مسلم، والآخر المستجيب كافر قال: فقال لهم الشيخ: ألستم تزعمون أن الرجل مسلم على دين الله وطاعته؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون ـ الحكم ـ الداعي إلى دين الله وطاعته مسلماً؟؟ ويكون المستجيب لدين الله وطاعته كافراً؟ قال: فراودوه الكلام فغضب عليهم وبرئ منهم) (3).
-
ولذلك يقول: (فيمن قال لغيره يا كافر فهو كافر لأنه ابتدأه باسم الكفر ولكن إذا رد عليه صاحبه بمثل ذلك فقد كفر أحدهما، وإن البادئ أظلم (4) ولم يكن الإمام ممن يشركون أهل القبلة بالمعاصى حتى وصل أمرهم إلى حد
(1) الشقصى - منهج الطالبين: 574/ 1
(2) الشماخي - سير: 80/ 1، الدرجيني - طبقات: 242/ 2.
(3) الدرجيني - طبقات: 242/ 2، الحارثي - العقود: 143.
(4) الربيع بن حبيب ـ الجامع الصحيح: 24.
339 (1/339)
صفحة 326
التشبيه إذا كان ذلك بتأويل، روى عنه أنه لما قيل له: إن مقاتل بن سليمان يقول: إن الله خلق آدم على صورته، قال الإمام: كذب مقاتل ولم يزد على ذلك بحيث اعتبره متأولاً ولم يشركه لأنه أخطأ في التأويل فقط (1) هذا المنطلق فإنه كان يتوقف عن الخوض في فتن الصحابة الكرام وذلك لأن ومن الخوض في هذه المسائل يؤدى بصاحبه إلى إصدار حكم عليهم من غير تثبت. (ومن رأى أبي عبيدة الكف عن فتن الصحابة للأوائل أقوالهم وأعمالهم التي شاهدوها وحكموا فيها، إنما هم صحابة وتابعون ونحن نسمع ونكف ولا نصوب باطلاً ولا
نبطل حقاً، وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) (2))
(3)
أما بالنسبة لرأيه في ذات الله تعالى فإنه:
أ ـ لا
يرى صواب القول بالرؤية لله تعالى من البشر وغيرهم، لا دنيا ولا أخرى، لا للنبي عليه الصلاة والسلام ولا لغيزه، عملاً بقوله تعالى: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) (4)
وبآية نفى الرؤية عن موسى عليه السلام لربه، وهذه آيات محكمات عضدتها الأحاديث أيضاً، وأما بالنسبة لما أول من الآيات فى الرؤية البصرية فهي محتملة للتأويل لا شتمالها على أوجه أخرى فى اللغة والأحاديث التي وردت في الرؤية أحاديث لاتعارض القطعى من القرآن، وعلى فرض أنها صحيحة فإنها مؤولة، لأن الأحاديث الأحادية لا يحتج بها في العقيدة لكونها ظنية الثبوت مع وجود القطعى من القرآن الذى لا يحتمل التأويل، ولكونه فى مقام الامتداح ولاستلزامها تشبيه الخالق بالمخلوق في شيء من الأشياء - إن لم نقل - في كثير من صفاته ـ إن قلنا ـ
بثبوتها (5).
وهذا القول هو مذهب ابن عباس، وعائشة أم المؤمنين، وعلى بن أبي طالب، ومالك بن أنس، وإبراهيم النخعى، ومجاهد، ومكحول الدمشقى، وعطاء بن
(1) انظر: السير والجوابات: 302/ 1. (2) البقرة: 141.
(3) الحارثي - العقود الفضية: 134.
(4) الأنعام: 3.
103:
(5) انظر: الجامع الصحيح: 231/ 26، أبا عمار عبد الكافي - شرح الجهالات 79، سليمان بن محمد الكندي ـ
بداية الإمداد: 19 وما بعدها.
340 (1/340)
صفحة 327
يسار، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح صاحب التفسير، وعكرمة، ومحمد بن كعب، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن الحسن، وفضيل بن عياض، وخليل بن عبد المجيد الطائى، وعمار بن أخت سفيان الثورى، والليث بن سعد، ومنصور بن المعتمر، وجابر بن زيد، ووكيع: بن الجراح، والحسن بن البصري (1). وهو مذهب الشيعة، والأباضية والمعتزلة والخوارج وغيرهم.
(2)،
أما في باب الاستطاعة فإنه سئل الإمام أبو عبيدة (هل يستطيع الكافر الإيمان فقال: من يستطيع أن يأتى بحزمة حطب من حل إلى حرم يستطيع أن يصلى ركعتين ولا أقول يستطيع ذلك إلا بتوفيق من الله) (3).
والمعنى فى ذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل للعبد استطاعة العمل والقدرة عليه منه، لا لأن الله تعالى خلق الخير وأمر به وبصر الإنسان بذلك ـ قال بجبر تعالى: وهديناه النجدين (4) فإذا كان الأمر كذلك فلا جبر.
بتوفيق
من
الله
وقد خاض أبو عبيدة معارك عديدة في هذا المجال، إذ انزلق في هذه الفتنة انزلق ونجى منها من نجى، ويذكر أبو سفيان أن الإمام أبا عبيدة اجتمع به رجل يقال له ابن أبي الشيخ البصرى (5) في منى، فسأل الأخير الإمام أبا عبيدة فقال: هل جبر أحداً على طاعته أو معصيته فرد عليه الإمام قائلاً: ما أعلم أن الله جبر العباد على طاعته أو معصيته، ولو كنت قائلاً ذلك لقلت قد جبر أهل التقوى على التقوى لعظم تخويفه لهم وشدة ترغيبه لهم، فقال البصرى فالعلم هو الذى قاد العباد إلى ما عملوا قال: لا ولكن سولت لهم أنفسهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فعملوا ما عملوا بعلم
الله تعالى
(6)
ويؤرخ الإمام أبو عبيدة حسبما روى عنه تلميذه الربيع بن حبيب لابتداء الخلاف في القدر بوقوع الحريق في الكعبة المشرفة بسبب شرارة طارت إليه من بعض الأماكن القريبة فتسببت في إحراقها، وكان ذلك في اليوم السادس من شهر ربيع الأول
(1) الجامع الصحيح: 228/ 226
(2) الظاهر أن هذا السؤال قد وجه إليه وهو بمكة.
(3) الشماخي - سير: 1/ 80، الدرجيني - طبقات: 240/ 2، الجعبيرى فرحات - البعد الحضاري: 459/ 2.
(4) البلد: 10.
(5) الحارثي - العقود: 143.
(6) الدرجيني ـ طبقات: 241/ 2، الشماخي - سير: 1/ 80، الحارثي ـ العقود: 144. (1/341)
صفحة 328
عام 64 هـ، فمن ثم وقع الخلاف الأول في القدر، فقال بعض الناس: إنه قدر الله، وقال بعضهم: لم يقدر الله أن يحترق بيته، وتبعهم بعد خلاف الأمة في هذا الأمر وظهرت طائفة القدرية (1)
وكان موقف الإمام أبي عبيدة في القدر منبثقاً من موقف شيخه صحار بن العباس العبدي، فإنه أثر عنه أنه قال: كلمهم فى العلم فإن أقروا به نقضوا أقوالهم، وإن أنكروه كفروا، إذ لابد من الوقوع في إحدى هذين الأمرين (2)
وعن الإمام جابر بن زيد أنه قال ليزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج حين سأله - لأجل أن الحجاج وقع نفسه في شيء من أمر القدر ـ قال له: (يردد خطبته فإن فيها جواب عما سأل، فلما بلغه يزيد ردد خطبته مراراً حتى انتبه إلى قوله: من يهدى الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى (له فقال الحجاج ليزيد: ويحك يا يزيد ما أعلم
صاحبك (3)
فكان أبو عبيدة يقلل من الكلام في القدر ولا يحب أن يخوض الناس فيه، لأنه لا يخلو من أمرين: إما علم الله بالأشياء قبل وقوعها وإما جهله بها، وكان يقول: والله ما فيه نكاح ذات بعل ولا انتحال هجرة ولا حكم بغير ما أنزل الله، إنما هو رأى أحدثه الناس فيما بينهم، فمن أقر بأن الله علم الأشياء قبل أن تكون فقد أقر بالقدر (4)، وبهذا تعرف متابعة الإمام أبو عبيدة لشيخيه صحار وأبى الشعثاء إذ اختاروا جميعاً الموقف الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط
وروى الإمام أبو عبيدة روايات في شأن القدر، وأنه من الله تعالى حسبما جاء
عن الربيع في الجامع الصحيح (5).
(1) الجامع الصحيح: 111، الحارثي ـ العقود: 144.
(2) الدرجيني - طبقات: 233/ 2، الشماخي - سير: 76/ 1، فرحات - البعد الحضاري: 390/ 2. (3) الدرجيني - طبقات: 233/ 2، الشقصى - منهج الطالبين: 429/ 1، الجعبيرى فرحات ـ البعد الحضاري:
393/ 2
(4) الجامع الصحيح: 189/ 26/25/ 22.
(5) الدرجيني - طبقات: 246/ 2، السالمي ـ مشارق أنوار العقول: 314، عمر مسعود ـ الربيع محدثاً: 159، بداية الإمداد: 53، الحارثي - العقود: 144، الجعبيري فرحات: 391/ 2.
ويعلق الجعبيرى على الاستفادة من هذه المناظرة قائلاً: ذلك لأن النص يستعمل كلمة أباضية للحديث عن أتباع =
342 (1/342)
صفحة 329
أن ويروي الإمام أبو عبيدة التقى بواصل بن عطاء المعتزلي في المطاف بالحرم الشريف، وكان واصل يحب أن يلقى الإمام أبا عبيدة ويتمنى أن يجادله في أمر القدر، فلما التقيا قال واصل للإمام: أأنت الذى تقول أن الله يعذب على القدر؟ قال له: لا، ولكن قلت: أن الله يعذب على المقدور لا على القدر، ولكن ألست أنت
أن الله
الذي تزعم. يعصى بالاستكراه؟ فسكت واصل ولم يجب فسئل عن عدم إجابته
= أبي عبيدة، وقد بينا فيما سبق أن هذه التسمية لم تستعمل في النصوص إلا من القرن الرابع الهجري .. هذا من جهة، أما من جهة أخرى فيصعب أن نتصور أ. أن مثل هذين العلمين يتم تعارفهما في الحج، وهما يعيشان معاً في مدينة البصرة، فهذا الاستشكال جاء من ناحيتين الأولى: استعمال واصل لكلمة (أباضية) مع أنها لم تبرز بعد، والثانية: عدم التقاء واصل بأبي عبيدة بالبصرة، ويظهر لى جواباً على هاتين النقطتين ما يلي: الأولى: أن الواقع التاريخي يقول: إن الأمويين ومن شايعهم ابتداء من عبد الملك بن مروان هم الذين سموا أتباع ابن أباض، أو بالأحرى من كان يحمل نفس المبادئ الأباضية، فالأباضية لم يسموا أنفسهم بهذا الاسم، وإنما سماهم غيرهم به فشاع على السنة الناس وإن كانوا هم لم يتعارفوا به فيما بينهم، إما لعدم رضائهم به في أول الأمر، أو أنهم لم يحفلوا به كبقية الألقاب التي سمى بها فئة من الناس إذ تحتاج إلى فترة من الزمن غير قصيرة حتى تهضم ويعترف بها، فقد يكون واصل انطلق في هذا المنطلق أو لعل صاحب الطبقات بنفسه استعمل هذه الكلمة، ولم يكن قد استعملها واصل باعتبار أنه أخذ الفكرة فصاغها من كلامه هو في بداية الفقرة وإذا فلا جدال ولا شك في الأمر.
لقائه
أما الثانية: وهي مهمة فعلاً ولكن يقال: إن دخول الإمام أبي عبيدة في الكتمان هو السبب الرئيسي في عدم لـ بواصل في البصرة لأنه بالغ في الاستخفاء إلى حد بعيد، فكم من موال للإمام أبو عبيدة ومن معه و، ولكنه ضعف مثلاً لا يدخل المجالس ولا يلتقى بالمشايخ فكيف بواصل وهو قدرى معتزلى، فالإمام أبو عبيدة لا يحتك بمثل هؤلاء وكم من شيخ في البصرة من شيوخ الفرق الأخرى لم يلتق به أبو عبيدة لعدم رغبته في ذلك أولاً، ولاستخفائه
ثانياً.
كان منذ زمان عبد
ثم إنه يجب ألا يغيب عن البال أن الإمام أبا عبيدة إنما خرج من السجن عام 96 هـ في عهد سليمان بن عبد الملك، لأنه هو الذي أطلق المساجين كما يقول الطبرى وبقى مستخفياً بعد ذلك في مدرسته السرية مشغولاً بما هو أهم:، وقد بقى في السجن فترة لا تقل عن عقد من الزمان لأن تتبع الحجاج للأباضية وسجنهم - الملك، وقد توفى فى عام 85 هـ، ولم تتح الفرصة للقاء واصل به إلا فى موسم الحج لا للقائه هو بواصل، ويدل على ذلك سياق القصة وبلا شك فإن هذا كان بعد ترأسه للأباضية أى بحوالى أواخر القرن الأول الهجرى علماً بأن ولادة واصل كانت عام 80 هـ، وكان يبنى قاعدة القول بالقدر منذ (40 سنة) ووفاته كانت عام (131 هـ)، فإذا افترضنا أنه كان بينهما منذ أن كان سنه 20 عاماً فيكون لقاؤه بالإمام أبي عبيدة في أحلك الظروف في عام 130 – 131 هجرية، أى فى عام الإمامة في اليمن، وتلك فترة حرجة يمر بها الأباضية فلا تسمح بلقائهما في البصرة. إلا أن موسم الحج كان ولا يزال يجمع بين الأشتات من الناس فى مواطن المسلمين يومئذ، فكان لقاء واصل بأبي عبيدة صدفة وكان يتمنى لقاءه هذا ما حضرنى من تحليل لهذا الموضوع إن صح ذلك والعلم عند الله
راجع الجعبيرى ــ البعد الحضاري: 392/ 2، الطبري - تاريخ: 7، الزركلي ـ الأعلام: 108. (1/343)
صفحة 330
(1)
له، فقال: ويحكم، بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمه وهو واقف وقد استمرت معركة الكلام فى القدربين أتباع الإمام أبو عبيدة وتلاميذه، وكانت هناك عدة مواقف من هذا القبيل فمن ذلك المناظرات الحادة المتكررة التي جرت بين غيلان الدمشقى، وبين الإمام أبي عبيدة وكان صديقاً له، لأن غيلان كان ممن يقول: يجوز الإمامة فى غير قريش لمن كان كفؤاً لها وهو من بلغاء العرب
وفصحائهم
وكان غيلان يقول: إن الحسنة من الله والسيئة خلق من العبد فعاتبه الإمام أبو عبيدة إذ لم تجد المناظرة ثم فارقه وتبرأ منه، ثم سلك حمزة الحنفي الكوفي (2) مسلكه، وجاء يوماً إلى الإمام أبي عبيدة فكان موقفه شبيهاً بموقف غيلان وآخر ما قاله الإمام: يا حمزة على هذا فارقت غيلان، ثم عاد إليه مرة ثانية فقال له: سر إلى حاجب فقال: ماذا أصنع به قال: سآتيك هناك فتناظرا فأحسنوا الظن فيه ولكن تراجع فصار يدعو ضعفاء الناس إلى بدعته، فأمر أبو عبيدة بجمع الناس فجمعهم حاجب وأعلمهم يبدعته وهجره (3). وقد فعل رجل من أصحابهما اسمه عطية (4) مثل ذلك فهجروه أيضاً مع حمزة وغيلان وشخص رابع اسمه الحارث (5)، فكان هؤلاء الأربعة ممن يترددون على
(1) غيلان مسعود الدمشقى أبو مروان تنسب إليه الغيلانية من القدرية وهو ثانى من تكلم في القدر ودعا إليه بعد سعيد الجهني، وهو من المؤلفين وقتله هشام بن عبد الملك وصلبه بفتوى الأوزاعي حوالي 105 هـ. راجع البخارى ـ التاريخ الصغير: 289/ 1، ابن كثير - البداية والنهاية: 257/ 9، الزركلي ـ الأعلام: 124/ 5، وتذكر السير العمانية أن الغيلان كان أباضياً فانزلق فى القول بالقدر.
(2) حمزة بن بيض بن نمر بن عبد الله بن شمر الحنفى الكوفى من بنى بكر بن وائل شاعر محيد سائر القول كثير المجون من أهل الكوفة انقطع إلى المهلب بن أبي صفرة وولده، ثم إلى بلال بن أبي بردة، وحصلت له أموال كثيرة وتخباره مع عبد الملك بن مروان ولكنه انزلق فى القول بالقدر فبرئ منه الجماعة أهل الدعوة بالبصرة، وسار إلى الموصل ومات بها ... انظر: الزركلي - الأعلام: 277/ 2، الدرجيني - طبقات: 244/ 243/2، الشماخي – سير:
111/ 19/1
-
(3) الدرجيني ـ طبقات: 244/ 2، الشماخي - سير: 110/ 79/1، الحارثي ـ العقود: 142. (4) لم أهتدى إلى ترجمة سوى الذي ذكر، الشماخي – سير: 110/ 1 من أمر أبي عبيدة وحاجب للناس بهجرانه. (5) عطية بن الأسود اليمامي الحنفى من بني حنيفة من علماء الخوارج وأمرائهم، كان في أيام نافع بن الأزرق ولما قال نافع بتكفير العقدة فارقه مع آخرين، وانصرف إلى نجدة بن عامر فبايعه، ثم أنكر على نجدة أنه كان يرى الجهل بالشريعة عذراً لمن خالفها ففارقه مع أبي فديك عبد الله بن مور، ثم برئ من أبي فديك فانقسموا إلى فرقتين فرقة أبي فديك وهم فدكية، وفرقة مع عطية فقيل لهم: عطوية ورحل عطية إلى سجتان فكان الخوارج في تلك البلدة عطوية ما عدا خراسان ... انظر: الزركلي ـ الأعلام: 237/ 4.
344 (1/344)
صفحة 331
الإمام أبي عبيدة ولكنه هجرهم بسبب انزلاقهم في أمر القدر
المهلبية
(2)
تؤويه
?
أن حتى عبد الملك الطويل عدل حمزة عند سوار بن عبد الله قاضي البصرة في شهادة، فلما علم أبو عبيدة ذلك عاتب عبد الملك وقال له: (أتعدل من هجره المسلمون (1)؟ ولعل عبد الملك لم يعلم بهجران المسلمين لحمزة، وكانت هلبية هجره المسلمون من غير علم منها بالهجران فعاتبها أبو النظر بسطام (3) إذ قالت له: قد علمت أنسى بك وراحتى فى لقائك فأبطأت عنى: قال: كيف أتيك وأنت كهف من هجره المسلمون؟ قالت: أوقد فعلوا؟ قال: نعم قالت: أما ما مضى فلم أعلم، وأما ما يستقبل فلن يدخل على فلما هجرته خرج من البصرة إلى الموصل يبتغى ضعفاء المسلمين فلما بلغ أمره أبا محفوظ (4) تتبع القرى يحذر منه وأنه على خلاف المسلمين وتعجب حمزة الكوفى من هجران الإمام له إذ أن نفراً من شباب المسلمين وقعوا في القول بالقدر ولكنهم غلوا في إثباته إذ كانت الفتنة عامة والصراع في البصرة على أشده - فقال حمزة متعجباً عجباً: لأبي عبيدة قد أمر بهجراني، وهؤلاء الفتيان يقولون: أراد وشاء وأحب ورضى عنهم، وهو يقربهم ويدنيهم ويجالسهم مع أنه لا يقول بمثل قولهم؟ فبلغ حمزة قولة الإمام أبي عبيدة فقال: هؤلاء أرادوا إثبات القدر فغلوا فيه، وأما حمزة فإنه يريد إزالته وليس مثبته كمزيله (6)
(0)
أما في مجال الوعد والوعيد ففي مسألة الشفاعة لأهل الكبائر إذا ماتوا من غير توبة، فإنه يرى عدم الشفاعة لهم احتجاجاً بما ورد في القرآن من الآيات الدالة على ذلك كقوله تعالى: وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (7)، وكقوله: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً
(1) انظر: الشماخي – سير. سير: 110/ 1.
،
(2) هلبية المهلبية من فاضلات أهل الدعوة بالبصرة كانت تعاون المسلمين بالحال وتذاكر فضلاء المسلمين في مسائل ... انظر: الشماخي – سير: 1/ 110.
العلم ...
(3) تقدم التعريف به. (5) الشماخي ـ سير
110/ 1:
(4) تقدم التعريف به.
(6) الشماخي - سير: 80/ 1، الحارثي ـ العقود: 143. (7) غافر: 18
345 (1/345)
صفحة 332
رحيماً) (1). وما رواه عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخوانى الذين يأتون من بعدى، قالوا يا رسول الله: ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإنما إخواني الذين يأتون من بعدى وأنا فرطهم على الحوض، قالوا يا رسول الله: كيف تعرف من يأتي بعدك؟ قال: أرأيتم لو كان لرجل خيل غر ألا محجلة في خيل دهم بهم رف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يعر يأتون يوم القيامة غراً محجلين وأنا فرطهم على الحوض، ليزادن رجال عن حوضى كما يزاد البعير الضال فأناديهم ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقاً
فسحقاً) (2).
وفى مسألة الولاية لأولياء الله والبراءة من أعداء الله فإلى جانب ولاية الجملة المتفق عليها، فقد ظهرت عنده مسألة ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص، وهى: أن تظهر
الطاعة والوفاء لله سبحانه وتعالى من شخص معين فإنه يحبه لله ويدينه ويعاونه. له ويدعو وإن ظهرت منه ضد الطاعة بعمله المعصية وإخلاله بترك الفرائض وثبت عليه ذلك فإنه يبرأ منه ويقاطعه ويأمر بهجرانه ويحذر الناس منه،، إن كان معصيته مما تشيع في الناس كأمور العقائد مثلاً (3)، ولذا هجر أصحاب البدع في الاعتقاد الداعين إلى بدعتهم كغيلان وحمزة وعطية والحارث (4).
ويجب على من دعا الناس إلى البدعة إذا أراد التوبة أن يعلم من دعاهم إلى تلك البدعة بخطئه وتوبته ورجوعه عنها، ولذا لم يقبل أهل عمان من، أبي المؤرج توبته إلا بإعلام من دعاهم (5).
وبهذا لم: يجد العاصي مكاناً بين المجتمع الذي كونه الإمام أبو عبيدة وجعله ينشد الطاعة بأي ثمن ليدخل ضمن الجماعة، وتلك صفة مثالية في المجتمع الإسلامي لو طبقت وهي تطبق اليوم في المجتمع الأباضي بالجزائر فكان مجتمعاً متماسكاً تسوده
(1) الفرقان: 68 - 70.
(2) الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 18/ 17، البيهقى ـ السنن الكبرى: 78/ 4.
(3) انظر سير المسلمين: 80/ 79/1، المالكي - غاية المطلوب: 22، الحارثي - العقود: 142، الجعبيرى ـ البعد الحضاري: 581/ 2.
(4) سبق التعريف به.
(5) انظر مقدمة المدونة الصغرى لأبي غانم: 8/ 7/1.
346 (1/346)
صفحة 333
المودة والإخاء.
و من الملاحظ أننا لم نعثر على نصوص كثيرة عن الإمام أبي عبيدة في علم الكلام سوى ما أورده الإمام الربيع في الجامع الصحيح، وما أورده أصحاب السير کالدرجينى والشماخي وسير المسلمين.
ولعل ذلك نوعاً ما يعبر عن موقفه فى هذه المسائل التي أوردناها وإذا كانت له آثار أخرى فقد فقدت فيما فقد من التراث الأباضى بالبصرة وغيرها، مثل مكتبة ومكتبات جربه وعمان وغيرها من الأقطار، والله غالب على أمره. وبقى علينا أن نذكر آثاره في الفقه لأنها من ضمن عمله العلمي، وبالأخص ما الأولى
الرستميين
هو متداول وموجود مع إيراد نماذج منها كما فعلنا في هذا البحث بل هو لاختصاص الأطروحة في هذا المجال.
ولذا عقدت الباب الثالث في هذا الفن لتستوضح مكانة الإمام أبي عبيدة العملية التي أشعت على عمان، واليمن، والحجاز، وخراسان، ومصر، والمغرب من البلدان، ولا زالت باقية إلى يومنا هذا وذلك فيما يلى:
347 (1/347)
صفحة 334
الباب الثالث
فقه الإمام أبي عبيدة
المبحث الأول: تكوينه الفقهي ..
المبحث الثاني: منهجه الفقهي.
349 (1/349)
صفحة 335
تمهيد:
الفقه في اللغة:
العلم بالشيء والفهم له، واشتقاقه من الشق والفتح، وفقه فقهاً بمعنى علم، وقد فقه فقاهة، وهو فقيه من قوم فقهاء والأنثى فقيهة من نسوة فقائه، وحكى اللحياني: نسوة فقهاء وهي نادرة وهو بالكسر للفهم يقال: فقه عنه بالكسر فهم، يقال: فقه ما بينت له يفقه فقهاً إذا فهمه، وأما فقه بالضم فإنما يستعمل في النعوت، يقال: رجل فقيه، وقد فقه يفقه فقاهة إذا صار فقيهاً وساد الفقهاء وتفقه تعاطى الفقه، وفاقهته إذا باحثته في العلم وكل عالم بشيء فهو فقيه (1).
فلان عنى
أما في الاصطلاح الشرعي:. فقد غلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريا، والعود على المندل. يقال: أوتى فلان فقها في الدين أي فهماً فيه وقد جعله العرف خاصاً بعلم الشريعة، وعلى الأخص علم الفروع منها، وقال الله تعالى: ليتفقهوا في الدين (2) أى ليكونوا علماء به
حيا
يصح
أن
ودعا النبي عل الله لابن عباس (3 ق هـ 68 هـ) فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (3) أى فهمه تأويله ومعناه، فاستجاب الله دعاءه فكان من أعلم الناس في زمانه بكتاب الله تعالى (4) وهو علم مستنبط بالرأى والاجتهاد، ولذا لا الله فقيهاً لأن هذه الصفة اتصف بها الخلق فالله لا يخفى عليه شيء (5) يسمى وقال الفقهاء في تعريفه: (هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية)، وقيل: هو
(1) ابن منظور - لسان العرب: 512/ 13، الزاوى - ترتيب القاموس: 513/ 3، مجموعة المستشرقين ـ قاموس اللغة والأعلام: 591، الجرجاني ـ تعريفات: 90.
(2) التوبة: 123.
(3) اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» رواه البخاري بلفظ آخر قال ابن عباس: ضمني رسول الله له وقال: «اللهم علمه الكتاب، کتاب العلم باب قول النبي علا: اللهم علمه الكتاب: 49/ 1، وفي كتاب الوضوء باب وضع الماء عند الخلاء: 1/ 80، مسلم - فضائل الصحابة - باب فضائل عبد الله بن عباس الله عنهما بلفظ اللهم فقهه: 1927/ 4، أحمد واللفظ له: 266/ 1.
(4) الزركلي - الأعلام: 95/ 4. (5) انظر: الجرجاني - تعريفات: 95.
351 (1/351)
صفحة 336
الإصابة والوقوف على المعنى الخفى الذى يتعلق به الحكم. وقيل: (هو علم النفس ما لها وما عليها فعلاً وتركاً)، وعند الرجوع إلى التعريف الأول نجده يتكون من جزأين فقوله: (الشرعية (العلمية مخرج للعلم بالتوحيد كوحدانية الله، ومعرفة رسله، وتبليغهم الرسالة، ومعرفة اليوم الآخر، وغير ذلك من مباحث علم الكلام، إذ لا يدخل ضمن تعريف الفقه
والجزء الثاني: العلم بالأدلة التفصيلية لكل مسألة فقهية كذكر الواجبات في الدين، مثل الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وحقوق الوالدين والأقارب، فإنه لابد له من استحضار الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، وكذلك عند ذكره للمحرمات كالربا، والزنا، وقتل النفس المحرمة بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها، فإنه لابد له من ذكر الاستدلال على التحريم، وهذا الجزء الثاني من موضوع الفقه (1)
هذا ونبحث في هذا الباب فقه الإمام أبي عبيدة باعتباره من الفقهاء البارزين
وذلك على التفصيل الآتي
:
(1) الجرجاني - تعريفات: 95، أبو زهرة ـ أصول الفقه: 7.
352 (1/352)
صفحة 337
المبحث الأول
تكوين الإمام أبي عبيدة الفقهي
353 (1/353)
صفحة 338
المطلب الأول: عمن أ أخذ الفقه:
اجتمع الإمام أبو عبيدة من فقهاء عصره وتلك صفة طبيعية للعلماء، إذ لابد لهم من الاحتكاك بغيرهم ممن اتصف بهذه الصفة، وإن كان الإمام مختفياً إذ هو في أمس
الحاجة إلى ذلك يومئذ لئلا تؤثر فيه التيارات ... المنتشرة يومئذ بالبصرة (1).
فقد التقى أبو عبيدة بجمع من الصحابة رضى الله عنهم، وقد جاء ذلك في رواياته في الجامع الصحيح إذ ذكر أنه لقى كثيراً منهم وسمعهم ونقل عنهم، فمثال ذلك ما جاء فى باب ما يفطر الصائم قوله: (وجملة من أصحاب الرسول). روى ذلك عنه الربيع بن حبيب فيمن أصبح جنباً وهو صائم (2). وفي قوله في باب الأحكام: قال: سمعت ناساً من الصحابة يروون عن النبي ... إلخ) من حكم بين اثنين فكأنما ذبح نفسه بغير سكين) (3)
وفي قوله في باب الوعيد في الأموال: قال: سمعت ناساً من الصحابة يروون عن النبي لله ... إلخ (4)، فهذا يدل دلالة قاطعة أنه لقى جماعة من الصحابة وهو في
(1) المقصود بهذه التيارات الأفكار المنتشرة هنا وهناك بالبصرة كالقدر والإرجاء والاعتزال والوضع في الحديث والقصاصين وغيرهم ممن وجدوهم أتباع، وصارت فرقاً فيما بعد فصار المجتمع الأباضي مغلقاً للابتعاد عن تلك المؤثرات، فلم تؤثر فيه وفي معتقداته رغم ما أصابه من شررها. راجع سيرة سالم بن ذكوان الهلالي ضمن سيرة المختار المسلمون (المخطوطة) (ص) 565 وما بعدها، خطب أبي حمزة المختار بن عوف في مكة والمدينة في البيان والتبيين للجاحظ (ص) 109/ 3 و ما بعدها.
(2) من أصبح جنباً مفطراً ـ أخرجه البخاري في كتاب الصوم - باب الصائم يصبح جنباً جـ 69/ 3، مسلم كتاب الصيام باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب: 780/ 2.
أن النبي كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم).
أبو داوود باب فيمن أصبح جنباً: 312/ 2، أخرجه البخاري بلفظ: (كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم) كتاب الصوم - باب الصائم يصبح جنباً: 68/ 3 باب اغتسال الصائم: 71/ 3، مسلم کتاب الصيام - صحة الصيام لمن أصبح جنباً: 780/ 2.
أبو داوود: كتاب الصوم - باب فيمن أصبح جنباً في شهر رمضان واللفظ له: 312/ 2. (3) نفس المرجع: ص 57. من حكم بين اثنين فكأنما ذبح نفسه بغير سكين، بلفظ من ولى القضاء - كتاب الأقضية باب طلب القضاء: 29/ 3 - الترمذى ـ كتاب الأحكام ـ باب ما جاء عن رسول الله الله في القضاء: 614/ 3 ـ ابن ماجة كتاب
الأحكام - باب ذكر القضاء بلفظ: من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح نفسه بغير سكينه: 774/ 2. (4) نفس المرجع: ص 181 ... الذنوب على وجهين: ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه ... ولم أهتدى على تخريجه.
355 (1/355)
صفحة 339
سن التلقى والأخذ، بدليل هذه الروايات فهو من التابعين وقد عاصر كثيراً منهم فهو من التابعين، والتقى أيضاً بمحمد بن سيرين (33 ـ 110 هـ)، وقتادة بن دعامة (61 -
118 هـ)، وروى عنه (1)
—
93 هـ)
والتقى أيضاً من التابعين بعروة بن الزبير، والحسن البصرى، (22 (110 هـ) وإبراهيم النخعى (46) ـ 98 هـ)، وقد روى عنهم وأخذوا عنه ولكنهم كانوا أكبر سناً منه (2)
کلامه
وقد شك الشيخ محمد بن يوسف أطفيش (3) في كون الإمام أبي عبيدة من التابعين فيما جاء عنه في المدونة (4)، ولا يبقى لهذا الشك أثر بعد ما عرفنا من بنفسه أنه لقى جماعة من الصحابة، وأنه عاصر التابعين خاصة، وأن الصحابي الجليل أنس بن مالك مات هو وشيخ أبي عبيدة أبو الشعثاء جابر بن زيد في جمعة واحدة عام 93 هـ على ما ذكر البخارى، فليس هناك أدنى شك في أنه تابعي، ولما توفى شيخه جابر أمسك بزمام قيادة الأباضية ولا يكون كذلك من كان صغيراً، ثم أنه كان في سجن الحجاج وقت وفاة أبى الشعثاء ولم يخرج منه إلا بعد موت الحجاج 95 هـ، فهذا يظهر أن الإمام أبا عبيدة من التابعين، وعلى الأقل هو من صغارهم إن لم يكن من متوسطيهم ورحل أبو عبيدة إلى الحجاز ولم ينقطع عن موسم الحج إلا نادراً وإلا عندما أقعده
(1) روى عنه محمد بن سيرين جواباً على سؤال وجهه إليه في الزكاة ونصه: في رجل يرى هلال رمضان .. وهو مقيم ثم سافر من بلده فقال: ألم يقل الله فمن شهد منكم الشهر فليصمه، قال أبو عبيدة: كان أصحابنا يكرهون الخروج إلا لما لابد. . انظر: الديوان المعروض ص: 75 ... وسأله قتادة أيضاً عن رجل تحل عليه الزكاة وعنده متاع أو رقيق للتجارة كيف يزكيه؟ قال: يزكي على رأس ماله. وأما ضمام فيقول: يزكيه على سعر يومه. انظر
منه.
المرجع السابق ص: 71. (2) انظر: الجامع الصحيح ص: 14.
(3) محمد بن يوسف بن عيسى اليسجنى الجزائرى عالم بالتفسير والحديث والفقه واللغة العربية بفروعها، وفي تاريخ الفلسفة له عدة تأليف في الفنون كلها، وكان له أثر بارز في القضايا السياسية في بلاده، وقد ولد وتوفي في بلدة أجداده بني يسجن من وادي ميزاب بالجزائر، ولد في عام 1236 هـ، وتوفى فى عام 1332 هـ، وكان. من. الأباضية الكبار ومن المجتهدين المشهورين، وله مراسلات إلى علماء عمان في زمانه، الزركلي ـ الأعلام:
157/ 156/7
(4) انظر: المدونة الكبرى: 308/ 2.
علماء
356 (1/356)
صفحة 340
المرض آخر عمره.
كما سافر إلى مدن العراق الأخرى، فكان لذلك أثر في اكتسابه العلم والفقه وبعد
النظر وعمق الفهم فى القضايا الفقهية المطروحة يومئذ على ساحة النظر والعمل بالعراق، وكان لذلك أثر في نظره في الأدلة الفقهية وتطبيقاتها.
فأخذ الحديث والفقه
عنهم
هذا فقد لازم أبو عبيدة شيوخاً مخصوصين ومع وعلوم العربية أكثر من غيرهم، وإذا صح ما قيل: إن أبا عبيدة، كان أصله زنجياً أنه كان أسود البشرة، فإنه قد استعرب وأتقن العربية، ولكنه لم يؤثر عنه شيء في التأليف فيها لا شعراً ولا نثراً وذلك لعدم اهتمامه بها بقدر ما هو مهتم بدراسة الحديث والفقه ونشر الدعوة،، وهذا شأن الدعاة الأوائل.
بسبب
عنهم
فأشهرهم: ثلاثة:
أما الشيوخ الذين لازمهم أبو عبيدة وكثر أخذه الأول: الصحابي الجليل: صحار بن العباس العبدى وهو من عبد القيس
بعمان (1)
الثاني: أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني التابعي الشهير (2)
الثالث: التابعى الجليل: جعفر بن السماك العبدى من عبد القيس (3) أيضاً، وقد أخذ كذلك عن مولاه عروة بن حدير التميمي، وهو الذي قتله عبيد
الله
بن
زياد صبراً (4) فى البصرة أيام معاوية بن أبي سفيان، ولكنه عندما تلقى عنه كان صغير السن، ولعله لم يبلغ الحلم يوم قتل عروة. ويظهر للباحث أن مولاه أوصى أبا الشعثاء ليقوم بشأنه وهو طفل، فنشأ في ظل الإمام جابر في حي الأزد، وذلك لأن مولاه تميمي. وقد علمت مما سبق في هذا البحث (5) أن البصرة وزعت على أحياء منها حي تميم، وحى الأزد، فالحيان
(1) راجع ترجمته في ص 34 و ما بعدها من هذا البحث ـ العقود: 1415. (2) راجع ترجمته في ص 37 وما بعدها من هذا البحث ـ العقود: 1415. (3) راجع ترجمته في ص 36 و ما بعدها من هذا البحث - العقود: 139. (4) راجع ترجمته في ص 28 و ما بعدها من هذا البحث - العقود: 139. (5) راجع هذا البحث - الباب الأول: 61.
ويرعاه
357 (1/357)
صفحة 341
مختلفان و من هنا يظهر سبب ملازمته جابراً وأخذه عنه أكثر من غيره وتأثره به
وكذلك ملازمته لصحار، وجعفر العبدين لمسيره إليهما للطلب في دارهما في بني عبد
القيس بالبصرة.
ولعله لم يكن لبنى عبد القيس حى معروف بالبصرة لقلتهم وإنما أحياء الأزد وتميم، فلقياه بصحار وجعفر من السهولة بمكان
هم ساكنون في
أضف إلى ذلك أن صحاراً، وجابراً، وجعفراً من شيوخ الأباضية الكبار، بل هم شيوخهم الأوائل وهم يلتقون باستمرار المدارسة العلم وتحرير مسائله ومعرفة بنا أن الإمام مرداس بن حدير المستجدات يوماً بيوم، وقد مر أخا عروة مولى أبي عبيدة كان رئيس هو أن يقتله عبيد الله بن زياد على يد عباد بن الأباضية قبل أخضر المازني في آسك بالأهواز (1)، وذلك قبل تولى الإمام قيادة الأباضية بمساعدة عبد الله بن أباضى التميمي، وكل هؤلاء قد عاشوا بالبصرة، وقد كان الإمامان جابر، ومرداس متلازمين لا يفترقان فنشأ أبو عبيدة في كنفهما. ولنرجع الآن إلى بيان أخذ أبي عبيدة عن هؤلاء الشيوخ.
فأما صحار فقد كان صحابياً، ومن المعلوم أن أكثر الصحابة قد تفقهوا في الدين، وكان صديقاً لمعاوية بن أبي سفيان. ويساجله في الأدب (2)، وله كتاب في، وروى عنه البخاري ثلاثة أحاديث ثقة عنده، ويحتمل أن يكون الإمام أبو عبيدة قد أخذ عن صحار العربية أكثر من أخذه للفقه، ولكنه معدود في
الأمثال
شيوخه الذين
أخذ
عنهم
وهو
(3)
العلم عامة، وتشح علينا المصادر عن بيان المدة التي أخذ أبو عبيدة عنه العلم فيها، حيث إننا نجهل وقت وفاة الصحابي المذكور، ومن المؤكد أن تكون وفاته قبل وفاة زميليه الآخرين جعفر، وجابر بكثير. إذ أن جعفراً عاصر فتنة الخوارج، وجابر توفى فى العقد العاشر من القرن الأول ولم يكن يومئذ ذكر لصحار.
ولكنه معدود في أصحاب الدعوة الكبار، يقول عنه أبو سفيان: (وكان من فقهاء المسلمين وعلمائهم، وهو معلم أبي عبيدة الأكبر الله جميعاً) (4)، ويقول
21:
(1) راجع هذا البحث ـ الباب الأول: 21 (3) عمر مسعود ـ الربيع محدثاً: 118.
رحمهم
(2) ابن عبد ربه ـ العقد الفريد: جـ 1 (4) السير والجوابات: ج 898/ 891/1
358 (1/358)
صفحة 342
الدرجيني: (حمل فقهاً جزيلاً وكان باعه في العقائد طويلاً) (1)، ويوجد في الآثار الأباضية أنه قال في مناظرة القدرية: كلمهم فى العلم فإن أقروا به نقضوا أقوالهم وإن أنكروه كفروا) (2). فكان متضلعاً في الفقه، وقد التقى ذات مرة بعبد الله بن عمر فيما يرويه عنه الإمام أبو عبيدة، فسأله عن قراءة البسملة في الصلاة فقال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها، ثم صليت خلف أبي بكر فقرأها، ثم صليت خلف فقرأها، وأنا أقرأها ما دمت حيا) (3).
عمر
يستثن
من مقالته هذه وهى حيث إنه لم
قال صحار: أساءتني من ابن عمر خصلة (4) ... فهو صحابي جليل ومن جملة الفقهاء العاملين.
وأما جعفر بن! الأثر الأباضي
-
السماك العبدى ويقال: السمان، والكلمتان كلاهما موجودتان في فهو من شيوخ أبي عبيدة ومن شيوخ الأباضية عامة، وكان تابعياً، وهو من ضمن الوفد الأباضي إلى الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز (61 - 101 هـ) (6)، وهو المعروف بالأشج (7).
كما تقدم
(0)
ويروى أن الإمام أبا عبيدة أخذ عن جعفر أكثر مما أخذه
(1) الدرجيني - طبقات: 2 ص: 233.
(2) نفس المرجع ص: 24.
أبي الشعثاء (8)، عن
(3) الحديث: (قال) صحار بن العباس: التقيت ذات مرة بعيد الله بن عمر رضى الله عنهما فسألته عن قراءة البسملة في الصلاة؟ فقال: (صليت خلف رسول الله الله، فقرأها، ثم صليت خلف أبي بكر فقرأها، ثم صليت خلف عمر فقرأها، وأنا أقرأها ما دمت حيا) رواه النسائي - كتاب الافتتاح - باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم بلفظ .... ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا له: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت على آ آنفاً - سورة بسم الله الرحمن الرحيم و إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر: 134/ 2.
(4) كراس مخطوط ورقة بمكتبه الشيخ سالم بن يعقوب بجربة، خميس الشقصى - منهج الطالبين: 127/ 1، شرح الجامع الصحيح: 330/ 1
(5) وترجمته في ص 36 من هذا البحث.
(6) قصة الوفد توجد في سير الشماخي: 75/ 1، الدرجيني - طبقات: 232/ 2
(7) الأشج هو عمر بن عبد العزيز حسبما هو موجود في كتب التاريخ وليس جعفراً إذ إن المؤلفات التاريخية للأباضية تذكر أن جعفراً هو الأشج.، وقد جاء في سير الشماخي ص 75 ما نصه: (وكان جعفر الطفهم به، فقال: ما فيكم أرفق من (الأشج) فهذا يدل على أن جعفراً هو الأشج، ولكن كتب التاريخ تذكر أن تلقيب عمر بالأشج لشجة كانت فى وجهه من جراء دخوله اصطبل الخيل الذى كان لوالده بمصر إذ رمحه حصان منها في وجهه فشجه
فلقب بذلك فلينظر فيه: انظر: الدرجيني - طبقات: 232/ 2.
(8) الدرجيني - طبقات: 232/ 2، الشماخي - سير
vo/1: (1/359)
صفحة 343
ولعل السبب في ذلك أن جعفراً قد عاش بعد جابر زمناً طويلاً وعاصر الحسن البصرى. ولما سئل عن عمر بن عبد العزيز ورأيه في بني أمية قال: هو مثل الحسن بن أبي الحسن البصرى يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وهذا دليل على أنه بقى بعد جابر إذ كان ضمن الوفد إلى عمر، فعلى هذا فإن أخذ أبي عبيدة العلم عنه قد امتد، وإن كان أبو عبيدة أمر الأباضية يومئذ بعد وفاة جابر فلا ذلك يمنع أن يكون قد حمل من
الذي يدير هو
عنه
، فقهاً في تلك الفترة، فالعلم غير الإدارة ورب حامل فقه إلى من هو
أفقه
منه
فجعفر من شيوخ الأباضية وفقهائهم وقد حمل عنه الفقه أناس كثيرون ومن جملتهم أبو عبيدة، وكان جعفر قرين الإمام جابر ومن أخذ عنه لكنه كان أكبر من أبى عبيدة، وقد ذكره المؤرخون الأباضية في السلسلة التي نسب إليها حملة العلم والمذهب كله مرفوعاً إلى الصحابة مما ينبيء عن علم جعفر ومكانته بين الأباضية يومئذ، وحمل جعفر العلم عن صحار وغيره من الصحابة ومن التابعين عن أبي الشعثاء وغيره، فكان ممن يشار إليه بالبنان وناهيك أنه كان ضمن وفد الأباضية إلى عمر بن عبد العزيز،
وتوفى مقتولاً في فتنة الخوارج
(1)
مع
حبيب بن
المهلب بن أبي صفرة (2) ومع
هذا
عنه عن
فإننا لم نعثر على روايات الإمام أبي عبيدة عن شيخه جعفر مثل ما هو مأثور جابر إلا رواية في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب في باب المساجد في النوم في المسجد (3)، ولعل رواياته عنه ضاعت مع ما ضاع من التراث الأباضي، بل إننا لا نجد في فتاويه المتوفرة بين أيدينا ـ ذكراً لشيخه جعفر مثل ما نجد لجابر، والله أعلم بحقيقة المدة التي أخذ فيها الإمام أبو عبيدة عن جعفر.
كما أنه قد يكون السبب في ذلك أن شهرة جابر في كونه شيخاً لأبي عبيدة من نشر آثاره بين الناس، ولم تشتهر تلمذة الإمام أبي عبيدة على جعفر لعدم وجود آثار
عنه منشورة بين الناس.
(1) العقود الفضية: 140 ..
(2) حبيب بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي الأزدى العماني (102 هـ)، وهو أحد شجعان العرب وفرسانهم وأشرافهم في العصر المرواني، كانت له ولاية كرمان وعزله الحجاج عنها سنة 87 هـ، ثم. صحب أخاه يزيد بن المهلب في أعماله وغزواته وقتل معه في خروجه بالعراق على يزيد بن عبد الملك ويقال من كلام حبيب لبنيه: لا يتعدى أحدكم في السوق فإن كنتم لابد فاعلين فإلى زراء أو سراج أو وراق، الزركلي ـ الأعلام: 166/ 2 ومراجعه.
(3) الجامع الصحيح:
19:
360 (1/360)
صفحة 344
عنه
فلهذا لم يؤثر فقه مدون عن جعفر بن السماك، والعوامل في ذلك كثيرة فمنها الضغط السياسي على الأباضية لكونهم فرقة معارضة، ومنها عدم شيوع التدوين يومئذ، ومنها تهرب كثير من الفقهاء من كتابة آرائهم وفتاويهم وخصوصاً الأباضية منذ العهد المبكر وإلى اليوم، وخير دليل على ذلك ما أثر عن الإمام جابر من قوله حين قيل له: إنهم يكتبون عنك فقال: إنهم يكتبون ما عسى أن أرجع. غداً) (1). أما شيخه الثالث: فهو أبو الشعثاء جابر بن زيد (2)، وكان من المفتين بالبصرة، ثقة بإجماع المحدثين والفقهاء (3)، وقد تتلمذ عليه الإمام أبو عبيدة فحمل الحديث والفقه عنه،، ثم خلفه في رئاسة الأباضية بالبصرة، والجابر ديوان بقى عند الإمام أبي عبيدة بعد وفاته، ويحتوى هذا الديوان على الحديث وفتاوى وأقضية الصحابة (4)، ثم بعد وفاة الإمام أبي عبيدة صار إلى الربيع ثم لا يعرف بعد ذلك، ولعله أحرق، ضمن ما أحرق في مكتبة بغداد العظيمة، ويروى أن نفاث بن نصر النفوسى (5) نسخه من
وهو
بغداد (6)
وروى عن جابر بن زيد البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم من علماء الحديث، وله مؤلفات غير الديوان، ويقول أبو سفيان: (انظروا في سيرة هلال بن عطية، وكتب جابر بن زيد، وكتب خلف بن زياد (7)، مما يدل على أنه له مؤلفات أخرى كانت في عمان
وأخذ أبو عبيدة عن جابر الشيء الكثير، وكان يحبه حباً عظيماً، ولما وقعت مسألة الشفعة مع بعض أصحاب أبي عبيدة بالبصرة وأبو عبيدة يضعف شفعة الجوار (8) قال: (اسألوا أشياخ البصرة هل لجابر فيها ذكر؟ فقيل له: إن جابراً يوجبها
(2) العقود الفضية: 93 وما بعدها.
(1) البكوش فقه الإمام جابر بن زيد: 40. (3) راجع ترجمته في الباب الأول من هذا البحث. (4) أبو الربيع سليمان بن خلف الوسياني - سير مخطوط مصور: 218.
(5) نفاث بن نصر النفوسى من ليبيا من علماء الجبل في القرن الثاني الهجري، في أيام الإمام عبد الوهاب الرستمي
فقه الإمام جابر: 75.
(6) السير والجوابات: جـ 1/ 304، الربيع محدثاً: 5.
(7) انظر ص 227) من هذا البحث وما بعدها.
(8) النسير والجوابات جـ 1 ص: 304.
361 (1/361)
صفحة 345
فحكم بقول جابر) (1). وأبو الشعثاء مشهور بعلمه وورعه حتى قال عنه شيخه ابن عباس لأهل العراق: اسألوا جابراً بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه، وقال: جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق، وقال لأهل العراق: عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا ومعهم جابر بن زيد؟ لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه (2)
بن
وشهد له أنس مالك لما بلغته وفاته حيث قال: (مات أعلم من في الأرض. أو قال: خير أهل الأرض) (3).
وشهد له ابن عمر أنه من الفقهاء المفتين إذ قال له: يابن زيد إنك من فقهاء البصرة، وإنك ستستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت) (4).
فهذه شهادة ثلاثة من الصحابة الكبار فكيف بالتابعين، وقد قال فيه عمرو بن دينار: (ما رأيت أحداً أعلم بفتيا من جابر بن زيد) (5). وقال إياس بن معاوية: أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل (عمان) (6). وقال قتادة لما دفن جابر بن زيد: اليوم دفن أعلم أهل الأرض) (7)، فالإمام جابر من الفقهاء المشهورين. الصحابة أمثال ابن عباس ـ وكان من أكبر تلاميذه ـ وعن
وقد
أخذ
العلم
عن
جابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت، وعائشة أم المؤمنين وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وغيرهم.
،
ويكفى أن الصحابة شهدوا له بالقدم الراسخ في الفقه وأمروا الناس بالرجوع إلى فتياه، كما أن أقرانه من التابعين قد أقروا له بالسبق، وأنه كان فعلاً مفتياً لأهل البصرة، فإياس بن معاوية ـ وهو قاضى البصرة - يعلم جيداً أن المفتى في زمانه هو جابر بن
-
(1) أنظر: ص 470 من هذا البحث.
(2)
طبقات: 205/ 2، الشماخي - سير: 68/ 67، العقود: 95.
(3) نفس المراجع والصفحات.
(4) ابن كثير الدمشقى - البداية والنهاية: 99/ 9.
(5) انظر البكوشي - فقه الإمام جابر بن زيد: 70، ابن كثير - البداية والنهاية: 99/ 9 (6) انظر البكوشي ـ فقه الإمام جابر بن زيد: 70، ابن كثير - البداية والنهاية: 99/ 9. (7) نفس المراجع والصفحات.
362 (1/362)
صفحة 346
زيد البصرى الموطن، كما أن تلميذه عمرو بن دينار وهو أقرب الناس إليه ـ يعرف
مكانة جابر وتوافد الناس إليه للاستفتاء.
حتى
أن الولاة في زمانه يستفتونه – فيما ينوبهم من أمور هامة، فقد أرسل إليه الحجاج يستفتيه إذ طلب من كاتبه يزيد بن أبي مسلم أن يسأله حين وقع في نفسه شيء من أمر القدر، فأرسل يزيد إلى جابر يستفتيه للحجاج، فأجابه (أن قل للأمير يكثر من ترديد خطبته، فإن فيها بياناً لما سأل عنه) فرددها الأمير جتى انتبه إلى قوله:
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى (له
(1)
كما يرسل إليه الاستفتاء وهو في السجن فقد بعث إليه الحجاج حين سجنه في زمان ثورة آل المهلب والأزد على الحجاج يستفتيه في الخنثى كيف يورث؟ فقال جابر: (تحبسونني وتستفتونى، يورث من قبل مباله، أو قال: انظروا من أيهما يبول فورثوه) (2).
ومن هذا يعرف أن جابراً كان مفتياً بالبصرة، وكان فقيهاً عالماً فتتلمذ عليه أبو عبيدة، ونال القسط الوافر من علمه، وروى عنه الحديث إذ أن معظم روايات الجامع الصحيح للربيع وخصوصاً الجزئين الأول والثاني، بل يكاد كلها من رواياته عن جابر
،
مما يدل على تلقيه عنه، كما أنه حفظ عنه كثيراً من فتاويه في الفقه وغيره.
كما تتلمذ أبو عبيدة على زميله ضمام بن السائب (3)، ولكنه لم يأخذ عنه شيئاً كثيراً لأنهما تتلمذا جميعاً على الإمام أبي الشعثاء، وروى عنه روايتين في الجامع للربيع بن حبيب، وكان أبو عبيدة أفقه من ضمام ولكنه يوصى إليه بالفتوى عند غيابه (4)، ولا عجب فقد يروى الصحابي عن الصحابي فكيف بالتابعين، ولقى أيضاً بعض الصحابة وروى عنهم ولم يؤثر عن أبي عبيدة أنه تردد على بلدان أخرى لأخذ العلم غير الحرمين
(1) الدرجيني - طبقات: 212/ 2.
(°)
(2) الدرجيني - طبقات: 214. يحيى البجوشي - الإمام جابر بن زيد: 72.
(3) ضمام بن السائب الندبي العماني، عالم كبير من علماء الأباضية أخذ العلم عن جابر بن زيد، وغيره، ومات قبل أبي عبيدة بالبصرة. انظر ترجمته في: الدرجينى - طبقات: 246/ 8، الشماخي - سير: 81/ 1، صفحة 599 و ما
بعدها من هذا البحث. (4) الدرجيني - طبقات: 247/ 2
(5) الشقصى - منهاج الطالبين: 627/ 1.
363 (1/363)
صفحة 347
الشريفين، وربما كان مسيره ه لأجل الحج، ولكنه يجمع مع الحج اللقيا بعلماء الحجاز وذلك مما لا شك فيه، وكأنه اكتفى بالأخذ عن فقهاء البصرة وبالأخص من ارتضى على الرغم من أن الارتحال للطلب في ذلك الوقت من أهم مقومات العالم
الأخذ
عنهم
يعرف
ولكن البصرة كانت تعج بفطاحل الفقهاء من صحابة وتابعين. ومن هذا أن ويتبين عدم ارتحال العالم للطلب إذا تيسرت له بغيته في مقره لا ينقص من قيمته العلمية. وقد أثر عن الإمام مالك بن أنس أنه لم يرحل - كذلك ـ لأجل الطلب إلى غير الحجاز ولم ينقض ذلك من عظمته كعالم من علماء الإسلام (1).
منه
وكان أبو عبيدة يبتعد عن الأخذ عن أصحاب الأهواء والقصاص والكذابين، ومما أثر. عنه قوله في هذا الشأن (لا يؤخذ العلم من أربعة: رجل كذاب وإن كان يصدق في فتواه ـ ورجل مبتدع في الدين - ورجل سفيه مشهور السفه ـ ورجل لا يفرز مذهبه عن مذهب غيره) (2)، وهذا يدل على شدة تحرزه، إذ إن الأخذ عن الكذاب ريبة لا يمكن معها نقل العلم بأمانة وصدق، فمن صار متهماً بالكذب ابتعد عنه الناس اتقاء كذبه، ولو كان يصدق في بعض الأحيان قياساً على قول عمر: (من رأينا منه خيراً قلنا فيه خيرا وظننا فيه خيرا ومن رأينا شرا قلنا فيه شرا وظننا فيه شرا) كما أن المبتدع في الدين لابد وأن يدعو الناس إلى بدعته، ومن الواجب أن يحارب على بدعته، فكيف يتلقى عنه العلم وهو مبتدع، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (3). كما أن السفيه الذى اشتهر بسفهه بين الناس لا يؤخذ عنه لأنه ليس بورع في الدين، ومن لم يكن ورعاً في الدين فأحرى أن لا يكون ورعاً في النقل للعلم، كما لم يفرز رأيه وطريقته في الاعتماد على الأخذ للعلم، بل كان مخلطاً تارة يميل مع هذا، وتارة يميل مع ذلك. فهو غير مرتكز على طريقة معينة بل يميل مع الرياح حيث مالت، فهذا لا يستحق أن يؤخذ عنه لأنه.
برهان
(1) مناهج التشريع الإسلامي: 555/ 2
(2) عامر بن خميس المالكي - غاية المطلوب: 57.
يسير
بلا
(3) الحديث: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد رواه أبو داود: باب لزوم السنة: 200/ 4 ــ أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب النجش: 145/ 8 ـ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم خطأ خلاف الرسول: 153/ 9، مسلم: كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور: 1343/ 3، أبو داود كتاب السنة ـ باب لزوم السنة: 4/ 200.
364 (1/364)
صفحة 348
وقد وردت هذه الجملة بلفظ آخر في رواية أخرى: (لا يؤخذ العلم من أربعة ـ
رجل مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا من سفيه يدعو إلى سفهه، ولا ممن يكذب وإن كان يصدق في فتواه، ولا من يعزز مذهبه عن مذهب غيره) (1). فاختلفت الروايتان في المبتدع، وصاحب المذهب، ففى الرواية الثانية أن المبتدع يشترط فيه أن يكون داعياً إلى بدعته، وأما إذا لم يدع إليها فيجوز الأخذ عنه.
، و
وأما تعزيز المذهب من صاحبه فمعناه التمسك بالرأى في مسائل الرأى وتخطئة الغير فيه، فقطع العذر في الرأى حرام عند الأباضية وغيرهم، لأن مسائل الرأي التي
ليس فيها نص مما يعذر المسلمون في الخلاف فيها، فمن قطع عذر غيره في مسائل
الرأى فإن أبا عبيدة ينهى عن الأخذ وقد أباح الأئمة في المذاهب الأخذ
عنه،
جميع
بغير رأيهم إذا جانبوا الصواب فى قولهم ولهذا فإن التعصب في الرأي ممقوت. ونستنتج من هذا أن أبا عبيدة لا
يحب التعصب في الآراء الفقهية، فاختلاف
المسلمين رحمة إلا فى مسائل الدين التى لا تجوز مخالفة النصوص القطعية فيها. وأبو عبيدة ينظر إلى ثقة من يأخذ عنه فقط بغض النظر عن كثرة الرواية وقلتها وغزارة العلم وضحالته، فالتقوى هى ميزان العدالة فى المأخوذ عنه إذ لا تجدى كثرة العلم شيئاً مع عدم توفر شروط العدالة في العالم وقد قال القائل:
معارفه بحر ويصرف وجهه إلى الباطل الخذلان وهو بصير كأين رأينا عالماً ضل سعيه وضل به جمع هناك غفير
وأفلح بالتوفيق قوم نصيبهم من العلم في رأى العيون حقير (2)
وقد سئل أبو عبيدة في هذا الشأن: قيل له: يرحمك الله أرأيت من يحفظ
الأحاديث
عن
رسول الله الله
ثقة أيؤ خذ وهو
عنه
العلم؟ قال: سبحان الله أو كل الناس يحفظون الحديث؟ بل يؤخذ العلم عن الثقات وإن كانوا لا يعلمون حديثاً
واحداً) (3) .. ولهذا قل من أخذ عنه أبو عبيدة العلم ولازمه. إذ وجد بغيته عنده ومن. هنا اختار ملازمة الإمام أبى الشعثاء لأنه كان من أكبر تلاميذ ابن عباس، وكان معروفاً
(1) الحارثي - العقود: 14/ 5
(3) الحارثي - العقود: 140.
(2) ناصر بن سالم الرواحي ـ الديوان: 342.
365 (1/365)
صفحة 349
مشهوراً لدى الخاص والعام كما لازم شيخيه الآخرين صحار بن العباس، وجعفر بن
السماك العبديين.
وكان أبو عبيدة لا يأخذ الحديث عن غير الفقيه كالأعمش وغيره من
الفقهاء، وربما كان
شائعاً
الحفاظ غير
يومئذ أن من كثر تحديثه عن الرسول لله فهو بين الناس
العالم، فخالف أبو عبيدة هذا الفهم الشائع إذ رأى أن من يروى ولا يفقه معنى الرواية فهو في ضلال، إذ لا فائدة في حفظه للحديث، وقد يغلط فى الرواية من حيث لا يدرى، فإن كان فقيهاً تفقه فى الحديث وبحث عن محتواه وعن سنده وضبط وروى عنه في ذلك قوله: كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، فلولا أن الله تعالى من علينا بجابر بن زيد لضللنا) (1).
ألفاظه،
ومن
هذا يظهر أن المحدث إذا لم يكن له إمام فقيه يهتدى به في أخذ العلم وحمل الحديث وروايته فإنه لا يؤمن عليه من الانزلاق والخطأ. ولا يقبل أبو عبيدة رواية أى راو للحديث، ولكن هذه الرواية إذا فقدت نور النبوة، وبلاغة الكلام وانحياز المعنى أو غرابته، أو مخالفتها لنصوص قطعية غيرها فإنه يردها، وهذا هو الظاهر من تروايات في الجامع الصحيح من رواية الربيع عنه.
ولذلك سلك أبو عبيدة مسلكاً حذراً فى أخذ العلم ورواية الحديث، فلم يرو ولم ينقل عمن اتهم بشيء أو قدح في أخلاقه بشيء من القوادح، وقد تعلق بالصحابة أشد التعلق وافتخر بتمسكه بهداهم فقال: من لم يكن له أستاذ من الصحابة فليس هو على شيء من الدين، وقد من الله علينا بعبد الله بن عباس بن عبد المطلب عم رسول، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وهم الراسخون في العلم و على آثارهم اقتفينا وبقولهم اقتدينا وعلى سيرتهم اعتمدنا وعلى منهاجهم سلكنا (3).
الله الا الله
(2)
فاعتماد أبي عبيدة في الفقه واضح من مقالته هذه أنه يعتمد على رواية العدول من
رهم، فهو قد لمس غزارة العلم ورسوخ القدم فيه
الصحابة والأخذ والاقتفاء لآثاره
عنهم
(1) نفس المرجع السابق والصفحة.
(2) لعل المقصود عبد الله بن عمر رضى الله عنه لأنه أدركه أبو عبيدة ومات سنة 84 هـ بمكة، أما عبد الله بن سلام فقد مات في العقد الرابع للهجرة فلم يدركه إلا إذا كان يقصد تتلمذ أشياخه عليه، ومنهم صحار بن العباس، وتتلمذ
جابر وجعفر علي ابن عباس وابن مسعود فيصح المعنى.
(3) الحارثي - - العقود: 140.
366 (1/366)
صفحة 350
من هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم في مقالته، فاعتمد أقوالهم وسلك مسلكهم، وكفى بهم حجة في الدين إذ إنهم عدول لم يدخلوا في شيء من الفتن، وقد جالسوا رسول الله وأخذوا. عنه فاغترفوا من نور النبوة ونهلوا من منهل الوحى.
فتلقى أبي عبيدة عن من أخذ عنه وكان موصوفاً بالصلاح والتقوى والورع والأمانة، تلقي واغتراف من بحر الرسالة مباشرة إذ لم تشبه شائبة وضع ولا تدليس ولا قدح في شيء، وقد تأثر أبو عبيدة بمنهجهم وسار على سيرتهم، ولذلك كانت له مكانة الصدارة بين فقهاء الأباضية وصار مرجعاً لهم ومنارة علم بينهم يهتدى بها، فتبوأ رئاسة الأباضية في العلم والقيادة خلفاً لشيخه أبى الشعثاء جابر بن زيد كما سنبينه في المبحث الآتي:
المطلب الثاني: انتماء مدرسته:
قبل أن ندخل في موضوع انتماء الإمام أبي عبيدة إلى أى مدرسة يحسن بنا أن نبين بإيجاز نشأة الحديث والرأى. مدرستي
فقد نشأت هاتان المدرستان نتيجة إفرازات اجتماعية وبيئية متعددة، وكان مقر مدرسة الحديث الحجاز المدينة (ومكة)، ومدرسة الرأى العراق (الكوفة والبصرة) (1). وكان لذلك عدة عوامل: منها توفر الحديث ورواته بالحجاز لأنها مهبط الوحي، ومنها عدم الحاجة إلى الفقه الافتراضي بالحجاز، إذ لم تكن تعتريه المشاكل والنوازل التي استجدت بالعراق، ومنها تحذير الصحابة الأوائل الناس من كثرة الرواية فأخذت موقف التحرى والتوقف عن الفتوى فيما لم يرد فيه نص، وقد نتج هذه الأسباب ظهور مدرسة الحديث بالحجاز، ويعتبر الإمام سعيد بن المسيب عن ركتها الأولى لتتلمذه على الصحابين الجليلين عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت
والتحديث
رائد حر رضى الله عنهما
(2)
كما أن من عوامل ظهور مدرسة الرأى بالعراق كثرة الحوادث المتجددة والتوقف عن قبول كثير من الروايات بسبب ظهور الوضع في الحديث، وميل رواد المدرسة هذه
(1) انظر: محمد يوسف موسى - المدخل لدراسة الفقه الإسلامي: 53/ 52، النبهان ـ المدخل للتشريع الإسلامي:
153/ 50
(2) نفس المرجع أعلاه والصفحة: 150.
367 (1/367)
صفحة 351
من
الصحابة أمثال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه إلى إعمال الفكر والنظر فيما لم يرد فيه نص، كل هذه أدت إلى وجود كثرة القياس في العراق.
وليس ثمة فرق كبير بينهما سوى عدم توفر الحديث على شروطه في العراق مع كثرة النوازل، ولا يعتبر المصر فاصلاً بين المدرستين إذ أن ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك نشأ بالمدينة وهو من رواد مدرسة الرأى، والثورى والشعبي بالعراق وهم من رواد مدرسة الحديث، والأوزاعى والزهرى بالشام وهم من مدرسة الحديث أيضاً (1). ويبدو لى والله أعلم أنه لو ابتلى أهل الحجاز بمثل ما ابتلى به أهل العراق لتوسعوا في الرأي، والعكس صحيح، وما دام الأمر كذلك فليس ثمة خلاف جوهرى بين المدرستين .. وذلك لأن الكل منهم يعمل بالأحاديث الصحيحة، كما أن الكل يضطر إلى القياس في كثير من المسائل، ولذا وجدنا في المدينة من يستعمل الرأى وفي العراق من ينتمى إلى مدرسة الحديث كالشعبي والثورى (2).
وكما رأيت فإن لكل من المدرستين مميزاتها الخاصة، فقلة رواية الحديث وشيوع الرأى والافتراضات من مميزات مدرسة الرأى والعكس من مميزات مدرسة الحديث (3). وأن إفرازات تطور البيئة الإسلامية والتحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي في أواخر القرن الأول، كان من أكبر الأسباب والدواعي إلى كثرة الاختلافات الفقهية وتباين وجهات النظر العلمية والفقهية، إذ دخلت على المجتمع الإسلامي عدة عوامل اجتماعية وغيرها عادات وتقاليد وأعراف مختلفة من المشارقة والمغاربة بين وأهل الشمال وأهل الجنوب، ولكل قوم نظرتهم تجاه الحياة، مما أدى بالفقهاء أن يتأثروا وأن يظهر ذلك جلياً في تطبيق الفقه على الواقع العملي في الساحة الإسلامية، فمن الضروري أن تظهر هاتان المدرستان وغيرهما فى الحجاز والعراق وما والاهما، بيد أن هناك كان وسطاً بين هذين الخطين على ما سنبينه إن شاء الله
من
(1) النبهان - المدخل التشريعي الإسلامي: 150.
(2) انظر: محمد فاروق النبهان - المدخل للتشريع الإسلامي: 150
،
(3) المرجع السابق ص 156 وما بعدها ـ عبد الكريم زيدان - المدخل لدراسة الشريعة: 136 وما بعدها، مناع القطان - التشريع والفقه في الإسلام: 225 وما بعدها، محمد يوسف - مدخل لدراسة الفقه الإسلامي:
54/ 46، مبارك الراشدي - نشأة التدوين للفقه: 47/ 42.
368 (1/368)
صفحة 352
تبين لنا مما ذكرناه في المبحث الأول أن الإمام أبا عبيدة قد تتلمذ على بعض الصحابة، فهو من صغار التابعين، كما تتلمذ على كبار التابعين كالإمام أبي الشعثاء، وقد عاصر نشأة المدارس الفقهية والخلافات المحتدمة بينهما، فإلى أي مدرسة منهما ينتمى هذا الإمام؟. عند بحثنا لهذه المسألة تبين لنا أن الإمام أبا عبيدة ينتمى إلى المدرسة الوسط التي ينسب إليها الحبر ابن عباس، فقد كانت لا تهمل الرأى بتاتاً بالحديث، ولا تذهب إلى الرأى إلا بشروط وقيود، وإلا عندما لم تجد نصاً في المسألة.
(1)
، وهي مع
ذلك غنية
ذلك لأن آثار الإمام شاهدة على وجود القياس وبالمقارنة بين تلك النصوص مع النصوص التي أثرت عنه في ذم القياس يظهر أن للإمام شروطاً في القياس لئلا يؤخذ به على الإطلاق، ولئلا يهمل العمل بالحديث .. ثم إن الإمام أبا عبيدة لم يكن له اتصال كبير فضلاً. التتلمذ على رواد مدرسة الرأى بالكوفة، لأنه عاش بالبصرة، من ولم يكن الإمام أبو الشعثاء. يروى عن ابن مسعود إلا نادراً، وإنما أكثر مروياته عن ابن عباس، وأبى هريرة، وأبى سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر، وهؤلاء عاشوا بالحجاز ولم يوصفوا بالرأى، إلا أن مدرسة الحبر ابن عباس قد اشتهرت بوفرة تلاميذها الكبار كأبي الشعثاء، وعكرمة، وابن دينار جبير، وغيرهم. ولم تكن تهمل القياس بجانب أخذها بالسنة.
،
وسعيد بن
ولم يتتلمذ أبو الشعثاء على عمرو بن مسعود وهما موصوفان بالرأى (2)، ولكنه تتلمذ على عبد الله بن عمر الموصوف بتوقفه المستمر عن القول بالرأى، (ولقد لقى أبا الشعثاء يوماً بالطواف فقال له: إنك من فقهاء البصرة، وإنك تستفتى فلا تفتين إلا
بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت) (3).
فإلى جانب وجود الإمام أبي عبيدة بالعراق التي انتشر فيها أتباع مدرسة الرأى، نجده يتحفظ تحفظاً كبيراً من الانسياق وراء القول بالرأى، ولذا قال: (من ذهب في القياس ذهب فى الدمار) (4)، ورأينا أيضاً تحفظه في سند الحديث
(1) راجع المطلب الرابع من المبحث الثاني من هذا البحث. (2) انظر: مناع القطان - التشريع والفقه في الإسلام: 224. (3) يحيى محمد بكوش - فقه الإمام جابر بن زيد: 70 و مراجعه. (4) راجع ص 499 من هذا البحث ومراجعه.
369 (1/369)
صفحة 353
ونتبين
محيص
مما سبق أن الإمام لا يهمل الرأى بشروط واضحة، إذ إن الرأى لا عنه للمجتهد، فالنوازل المتكررة لابد من إيجاد حلول شرعية لها، وتلك هي مهمة العالم، كما أنه يعتبر من رواد السنة وظهر ذلك من المحافظة على الرواية والأخذ بها، وقد ذكرنا بعضاً شروطه في رواية الحديث فهو أقرب إلى أن يكون وسطاً بين من مدرستي الرأى والحديث، وبسبب عبقريته في هذا الشأن كانت له مكانة مهمة بين فقهاء الأباضية في عصره، ولابد من توضيح ملامح هذه المكانة وهذا ما سنبحثه فيما يلي:
المطلب الثالث: مكانة الإمام أبي عبيدة بين فقهاء الأباضية:
تبوأ أبو عبيدة مركز الزعامة فى أهل الدعوة علماً وقيادة بعد وفاة شيخه جابر بن
لأنه
،
زيد، ولذلك جعله صاحب الطبقات أول رجال الخمسين الأولى من المائة الثانية (1) وذلك اشتهر بين أقرانه بالعلم والفتوى والقيام بشئون الدعوة والإصلاح، وهذا لا ينافي قيامة بالدعوة والإصلاح قبل ذلك، ولذلك سجنه الحجاج مع زميله ضمام ولم. يخرجا إلا بعد موت الحجاج، إذ صدر العفو عنهما من سليمان بن عبد الملك (2) وعلى جميع المسجونين.
وإنما سجنه لعلمه بالدور الذى كان يقوم به في قيادة أهل الدعوة المعارضين للحكم الأموي الوراثي، ولمكانته بين معاصريه ولو لم يكن كذلك لما سجنه الحجاج، ولأنه قد خشى جانبه ويظهر من هذا أنه قد قام بدور التعليم والدعوة قبل موت شيخه جابر ولعل سجنه كان عندما نفى الحجاج جابراً إلى عمان فأبو عبيدة من أكبر علماء الأباضية في عصره بل كان أكبرهم وأفقههم، وله قدرة فائقة على تنظيم الدعوة في مرحلتها السرية المبكرة، مما يدل على ذكائه وقوة إرادته (3)، فاستطاع بذلك أن يواصل مسيرة العمل الذي أرسى قواعده مشايخ أهل الدعوة القدامى، كالإمام مرداسى بن حدير، وجابر بن زيد، وعبد الله بن أباضي وغيرهم من كبار المشايخ.
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 7/ 1.
(2) الخليفة بعد الوليد ما بين (96 هـ - 715 م و 99 هـ - 717 م).
(3) انظر: خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 103
370 (1/370)
صفحة 354
وقد أوكل إليه أهل الدعوة الأباضية جميع الأمور المتعلقة بالدين والفتوى، يقول عنه الدرجيني: (وكان عالماً مع الزهد فى الدنيا، والتواضع مع نيل الدرجات العليا، والاعتراف بضيق الباع على ما عليه من اتساع) (1).
ويساعده حاجب أبو مودود في شئون الدعوة من أمر الدفاع وجمع المال، وإعداد العدة، وحل المخاصمات، وتكفل هو بالتعليم والفتوى وتسيير الأمور
(2)
وهو
الذي
يقوم بجمع الناس للوعظ والتذكير ومدارسة أمر الدعوة بأمر أبي عبيدة، ثم يقوم أبو عبيدة بتذكير الناس وإرشادهم (3)
وذكر القطب أطفيش: أن أبا عبيدة طود من أطواد العلم، وأنه بحر من بحوره التي يشار إليها بالبنان في التعلم والتعليم وترتيب الرواية، وكان أفقه من أقرانه ضمام، وأبى نوح،، وأفقه من شيخه جعفر بن السماك العبدى، وإن كانوا كلهم حجة في الدين (4). وقد أشار إليه الترمذى بأنه ثقة، وهو معظم عند الأباضية نقل ذلك عنه القطب في رسالة شافية (5)
وبحق فإن أبا عبيدة كان إمام أهل الدعوة في عصره. يردون إليه الفتوى ويعلمهم أمور الدين وكان أبو عبيدة زنجياً أسود اللون أعور فقيراً، وكان يقتات بعمل السعف يعمل منها قفافاً فلقب بالقفاف، ولكنه كان سيد البيض بعقله المشرق بالمعارف ونفسه الساطعة بالدين، وأبصر الناس بذكائه الحاد ونظره البعيد وإدراكه العميق وملاحظته الدقيقة، وأغنى الناس بكنوز عمله وجواهر معارفه وتاج الدراية والعرفان الذي يشرق به جبينه وعرش الزعامة الذي تربع عليه في عصره)
(7)
هذا
ولقد تزعم أبو عبيدة الأباضية ـ وقد كان أعور ثم صار أعمى ـ وهو مع مولى في بني تميم إلا أن علمه وذكاءه هو الذى أهله لذلك مما يدل على ديمقراطية الإدارة عند الأباضية (7).
فإذا قال أبو عبيدة قولاً في مسألة ما فقوله المقدم وله الحجة على غيره لقوة أدلته:
(1) انظر: الدرجيني - طبقات: 138/ 2. (2) انظر: الشماخي - سير: 86/ 1. (3) انظر: الدرجيني - طبقات: 144/ 1. (4) انظر: أطفيش - المدونة: 308/ 2. (5) انظر: أطفيش – رسالة شافية: 64. (6) دبوز - تاريخ: 150/ 3.
،
(7) دبوز - تاريخ: 170/ 3.
371 (1/371)
صفحة 355
استفتاه تلميذه وائل بن أيوب الحضرمي ذات مرة وهو في خبائه في الحج عمن أكرى دابة إلى بلد معلوم فجاوز البلد الذي أكرى إليه تلك الدابة، فتلفت الدابة هل يضمن الدابة وكراءها أم يضمن الدابة فقط؟ وكان في الخباء مشايخ من حضرموت من أهل الدعوة فقهاء علماء، ومحمد بن حبيب، ومحمد بن مسلمة، المدنيان الأباضيان، وحاجب أبو مودود فاجتمعوا كلهم على تضمينه الدابة دون الكراء، ولم يكن أبو عبيدة حاضراً حينئذ، فلما رجع قال حاجب: سل الشيخ عن فسأله: فألزمه الكراء والقيمة، فقال له محمد بن مسلمة: من أين يضمن
حضر مي
الكراء؟ قال:
(1)
حيث لا تعلم من من مجلسه لأحد إلا لمحمد مسلمة
بن
مسألتك يا
وكان أبو عبيدة حفياً بالمدنيين ولم ير أنه نهض، ومحمد بن حبيب، فإنه ينهض لهما مسلمة ما سبق.
ويعانقهما (2)، ومع. هذا كان رده لمحمد
بن
وقد أخذ أهل خراسان والسند وعمان والمغرب ومصر وغيرها من الأباضية بأقوال أبي عبيدة إلا أنهم قد يطرحون أقواله في بعض المسائل، وامتنع أبو نوح صالح الدهان (3) عن الإفتاء مع حضور أبي عبيدة، وأعلن نهيه عن ذلك مرة أخرى حينما جاء المليح، وعبد الملك الطويل إلى أبي عبيدة، ومعه أبو نوح فسألاه. عن رجل أدخل يده تحت امرأة فغضبت وأنكرت إنكار الحرة، أله يتزوجها؟ فقال أبو نوح: بالجواز اعتماداً على قول شيخه جابر بن زيد، ولكن أبا عبيدة نهاهما عن زواجه منها، ثم قال لأبي نوح: إنها الفروج يا أبا نو نوح، فقال أبو نوح: صدقت ولكن أفتى بها جابر، فقال: إنها الفروج، فقال: نعم، ثم قال: ألم أنهكم يا معشر الفتيان أن تسألوني إذا كان أبو عبيدة حاضراً (4).
وعندما حدثت الفرقة بين الأباضية بالمغرب بسبب الولاية والبراءة من الإمام الحارث بن تليد الحضرمي، وعبد الجبار بن قيس المرادى، ووصل شررها إلى المشرق، فكثر الخلاف فى أمرهما إذ وجد سيف كل واحد منهما في جثة الآخر مقتولين، فتولتهما طائفة لأنه لا يعلم المحق منهما من المبطل، فهما على أصل ولايتهما حتى يصح الخروج منها، وتبرأت منهما طائفة إذ لا يخلو كل واحد منهما من البغى على
(1) انظر: الشماخي - سير: 20/ 1، الدرجيني - طبقات: 242/ 2 - 243. (2) الشماخي - - سير: 90/ 1.
(3) أبو نوح صالح بن نوح الدهان انظر ترجمته ص من هذه الأطروحة.
(4) انظر: الدرجيني - طبقات: 239/ 2، الشماخي - سير: 83/ 1، الحارثي - العقود: 146.
372 (1/372)
صفحة 356
حتى
صاحبه والحكم علينا بالظاهر وتوقفت طائفة عنهما، ولم تنطفئ نار الفتنة أبو عبيدة وحاجب إلى أهل المغرب رسالة (1) بالكف عنهما، وعن الكلام في أمرهما فخمدت الفتنة (2)، ودل ذلك على مكانة أبي عبيدة بين معاصريه في المغرب
والمشرق.
وعندما أراد تلاميذه من شمال إفريقيا الذهاب إلى وطنهم وتوديع شيخهم أبي عبيدة سألوه أن ينصبوا منهم قائماً يقود مسيرتهم بالمغرب خلفاً للإمام الحارث بن تليد الحضرمي، وليسير بهم سيرة المسلمين ويقيم فيهم حدوده، ويرعى أحكام الله عز وجل. فوافقهم، ثم سألوه عن المرشح فيهم لهذا الأمر فأشار إلى أبي الخطاب المعافري اليمنى (3)، ولكنه قال لهم: (إن أبى فاقتلوه) (4)، وعندما أبي أخبروه بأمر شيخهم لهم في شأنه فطلب منهم أن لا تذكر مسألة الحارث، وعبد الجبار في عسكره، فوافقوه ووافقهم هو على تقليده أمر الإمامة تنفيذاً لأمر شيخه أبي عبيدة، واستمرت المراسلات بينهم فى أمر الإمامة وما ينوبهم من نوائب وأبقى لنا الزمن رسالته في الزكاة إليهم بالمغرب (5)، وقد احتوت على مبادئ اقتصادية وسياسية لتكوين الدولة الفتية.
واستمرت المراسلات بينه وبين المغاربة حتى بعد أبي الخطاب، وكانت وفود المغرب تجتمع به في موسم الحج وذات مرة سأله أهل المغرب سؤالاً عجيباً عما يسميه المغاربة يومئذ (الجلوة)، وهو أن تكشف المرأة أجزاء من جسدها لغير محرمها بالأجرة؟ فضحك منهم وقال: ما أشد جفاءكم يأهل المغرب (6)
ثم أجابهم بالمنع والتحريم إذ لا تكشف المرأة شيئاً من جسدها سوى وجهها
(1) مما جاء في هذه الرسالة قوله: (وقد كف الله عنا وعنكم أن يكون واحد منهما ألقى بعده حراماً يدين به أحد من بعده أو تكون شبهة في أنفس بعضكم وهذا هو الذى يكون فيه الاختلاف ثم لا يسلم الناس إلا بفراق أهله عليه،. فاتقوا الله إنكم إنما اختلفتم فيما يسع الناس جهله وفيما يسلمون برده 1 هـ من نسخة بخط الشيخ سالم بن يعقوب الجربي ـ وسنذكر الرسالة في الملحق الأول.
(2) أبي زكريا - سير: 64/ 63، الدرجيني ـ طبقات: 24/ 1.
(3) انظر: ترجمته في ص 237 من هذا البحث.
(4) انظر: أبو زكريا - السيرة: 60، الدرجيني - طبقات: 21/ 1.
(5) السيابي ـ طبقات المعهد الرياضي: 54، الشماخي ـ سير: 114/ 1، انظر ص 512 من هذا البحث وما بعدها. (6) المقصود بالمغرب بلاد المغرب عامة.
373 (1/373)
صفحة 357
وكفيها لغير محارمها أو زوجها (1).
وقد مر بنا أيضاً أمره لتلميذه عبد الله بن يحيى الكندي الملقب بطالب الحق، عندما استشاره للقيام باليمن ضد ولاة الجور هناك، أشار إليه بالقيام وحثه على العدل بين الناس (2)، ذلك لأنه يهاب من القيام بدون استشارة قطب أهل الدعوة بالبصرة، ولأنه ينتظر المدد منه عدداً وعدة، فأرسل إليه بالرجال وأمده بالمال، وكفى بأبي حمزة الشارى قائداً ولو لم يكن أرسل أحداً إليه إلا هو لكفى، فكان قائده في المعارك إذ وثق فيه أبو عبيدة وسماه بصاحب الإنجيل وكتب إليه: إنا أمددناك باثني
يومئذ
(3)
عشر رجلاً وألف رجل، وأمددناك برجل إنجيله في صدره) (، ويعنى به أبا حمزة، بالألف الرجل الذي أرسله إليه القائد: بلج بن عقبة السقوري العماني (4)،
كما أنه: يعني والذي قتل في معركة وادى القرى قرب المدينة على يد جيش عبد الملك بن عطية
السعدي (5).
(7)
فأبو عبيدة قطب الأباضية يومئذ بلامنازع، وبيده الحل والعقد والإحجام والانطلاق، والتحرير والتقرير، ولم يكن انطلاقه عشوائياً بل بعد دراسة وتمحيص، فكان انطلاقه بعيداً عن أيدى السلطة الغاشمة إضافة إلى كونه يفر من القيام بالأحكام بين الناس، وقيل له ذات يوم: ما يمنعك من الخروج، ولو خرجت ما تخلف أحد عنك؟ ويعنى السائل بذلك أن الناس مطيعون لك سامعون لأمرك فلو علموا بخروجك على أئمة الجور لنهضوا معك فشدوا أعضادك، ولكن أبا عبيدة قال: ما أحب ذلك ولو أنى فعلت ما أحببت، ولا أحب أن أقيم ما بين الظهر والعصر مخافة
الأحكام (7). ومن المعلوم أنه يخاف من تحمل أمر المسلمين والسؤال عنهم يوم القيامة، فورعه يبعده عن ذلك إذ لم يكن همه الملك والمال، وإنما همه إصلاح المجتمع الإسلامي ليسير
على نهج الحنيفية السمحة
(1) أبو غانم - المدونة الكبرى: 48/ 2 (3) انظر ص 277 من هذا البحث.
(5) انظر ص 293 من هذا البحث.
(2) انظر ص 277 من هذا البحث. (4) انظر 277 من هذا البحث.
(6) ابن حمده - المدارس الكلامية بإفريقيا: 77.
(7) الشماخي - سير: 78، انظر: الحارثي - العقود: 141.
374 (1/374)
صفحة 358
الله
بن
وظهر ذلك من رده على أصحابه وإفساد رأيهم عليهم عندما جاءهم عبد الحسن بن الحسن بن علي (14570 هـ)، ليقوم بثورة ضد الدولة الأموية في خلافة مروان الحمار آخر ملوك الأمويين، فطلب من أهل الدعوة مساندته ومعهم أبو عبيدة، فاتفقوا أن يرسلوا معه صالح بن كثير رجل منهم ليشد أعضاده فقال لهم أبو عبيدة: (إن هذا ليس برأى، أترون رجلاً يخاف على نفسه ويطلب الملك ألا يعطيكم كل ما سألتموه؟ وإذا طاوعكم على ما تدعون إليه قال: أنا مقر بدعوتكم ولكن الناس إلى أسرع وأنا أحق؟ فماذا تقول يا صالح وقد صدق؟ فإن أراد الدين فليلحق بصاحبنا بحضرموت عبد الله ابن يحيى فليقاتل بين يديه حتى يموت)، ففرق جماعتهم وأفسد رأيهم (1). ويعنى أبو عبيدة بمن يطلب الملك عبد الله بن الحسن لأنه خرج على الأمويين اعتقاداً. منه بأنه أولى بالخلافة من الأمويين فيطلبها منهم بالقوة، ولم يكن خروجه عن طريق الدين والنية الصالحة، وهذا ما يمقته أهل الدعوة يومئذ، فلو أنه ـ إن انتصر جعلها شورى لوافق أبو عبيدة، ولكنه يشم منه رائحة حب الملك وهو صادق في أن عامة الناس إليه أسرع، وفي اعتقاده واعتقادهم أنه أحق، فماذا. أن عسى يجيبه صالح
على قوله هذا
-
-
ويعلم أبو عبيدة ـ بحنكته السياسية ـ مصير الأمر لوقاموا بتلبية طلبه، إذ لابد له من الاستبداد بالأمر، وكان هذا هو الذي توقعه أبو عبيدة من قيام الدولة العباسية على غرار ما يطلبه العلويون، والأمر الذى يرمى إليه أهل الدعوة أن تكون الخلافة شورى المسلمين، وهذا هو الذي تم تطبيقه على يدى تلاميذ أبي عبيدة في اليمن وعمان
بين
والمغرب.
وكانت لأبي عبيدة مكانة كبيرة فى الفقه ومنزلة عظيمة بين أقرانه في المناظرات الكلامية، ترد إليه المشكلات فيقوم بحل عويصها وبيان مشكلها، وقد وقعت له عدة مناظرات في القدر إذ كانت معر ركة القدرية حامية الوطيس فى زمانه، وكلما حدثت هذا النوع وجهت إلى أبي عبيدة ليقول القول الفاصل (2)، وكان هو الركن
قضية من
(1) الشماخي - - سير: 78/ 1، وانظر: الحارثي ـ العقود: 141.
(2) الذي وصلنا من هذه المناظرات قليل بالنسبة إلى ما وقع من الابتلاء بالقدرية في زمان أبي عبيدة، وقد رمى بعقيدة القدر كثير من الفقهاء في زمانه ومنهم الحسن البصرى، ولكن أصحابنا برأوه فانظر ذلك في: الدرجيني ـ =
375 (1/375)
صفحة 359
في المذهب الأباضي بعد جابر بن زيد، وابن عباس لدوره في خدمة الدعوة
الثالث الإسلامية (1).
وكان تلاميذه قد وهبوه نفوسهم، وأشربت قلوبهم بحبه ويرجعون الأمور إليه ولو كانوا على معرفة بها، روى أن المعتمر بن عمارة وهو من تلاميذه قال له: (إنك أحب إلى من أبي. قال: فذلك ينبغى لك يا معتمر أن تكون، لأنك بذلك بذلت لى ما لم تبذل له) يعني الولاية (2).
طالباً للعلم
(3)
وبالفعل فقد
ولما أراد تلميذه إسماعيل بن درار الغدامسى الرحيل إلى إفريقيا بعد انتهاء مهمته، سأل شيخه عن ثلاثمائة مسألة في الأحكام، فقال له أبو عبيدة، أتريد أن تكون قاضياً يابن درار؟ قال: أرأيت إن ابتليت بذلك يا شيخ كان قاضياً للإمامين عبد الرحمن بن رستم، وابنه عبد الوهاب الفارسين، وقد بلغ أبو عبيدة في العلم منزلة اعترف له أقرانه وغيرهم بها، ولم ينازعه فيها منازع وكان الأباضية في الصدر الأول من الإسلام يعتمدون على أقواله في البلدان التي
(4)
طبقات: 258/ 2 وغيره، والذي وصلنا من مناظرات أبي عبيدة كاف في الأدلة على طوال باعه في علم الكلام، و على براءته مما رمي به كثير من أهل زمانه، فمن هذه المناظرات مناظرته مع ابن أبى الشيخ البصري ومناظرته مع حمزة الكوفى، ومناظرته مع غيلان الدمشقى، ومناظرته مع واصل بن عطاء، ومناظرته مع سهل بن صالح وعبد الله بن رزيق الهداوى، ومناظرته مع عطية والحارث: انظر المناظرات في: الدرجيني طبقات: 241/ 2/
246
(1) محمد بن إبراهيم - بيان الشرع: 64/ 1، عمر - الفكر الأباضي: 113. (2) الدرجيني ـ طبقات 245/ 2، الشماخي - - سير: 101/ 1.
سير
(3) انظر: أبي زكريا - السيرة: 60، الشماخي -: 1/ 127/114، ويظهر للباحث أن هذا يحتاج إلى نظر، وذلك لأن الوقت لا يسمح بالسؤال عن ثلاثمائة مسألة في لحظة واحدة وهو الوقت الذي جعل فيه إسماعيل بن درار رجله في الركاب، وقد شك أبو زكريا نفسه في هذه العبارة فقال: (والله أعلم في ذلك الوقت سأل أم قبل ذلك)، أبي زكريا ـ سير: 60، والظاهر أنه سأله قبل ذلك، ويبدو أنه في سائل الأحكام فلينظر في ذلك، وقال الأستاذ عبد الرحمن أيوب في تعليقه علي إسماعيل بن درار أن الإمام أبا عبيدة عينه قاضياً وذلك نقلاً عن لينفسكي 270، والظاهر أن ذلك إقرار فقط من الإمام لتلميذه إسماعيل فيما إذا ابتلي بهذا العمل في المستقبل لما رأى من كفاءته ومقدرته العلمية، ذلك لأن الوقت لم يحن بعد لتعيين القاضي للإمام، وإنما هو استعداد إذا لزم ا الأمر ولعل إسماعيل رأي أن ذلك من الفروض العينية التي لا يرجو أن يقوم بها غيره فرأي وجوبها فأقره الإمام لهذا
الغرض فلينظر في ذلك.
(4) نفس المرجع السابق: جـ 78/ 1/1.
376 (1/376)
صفحة 360
انتشر فيها المذهب الأباضي، وتجد أثر ذلك في العمل إلى يومنا هذا (1)
ومع أن فقه الإمام أبي عبيدة منتشر بين الأباضية إلا أنك لا تجد له ذكراً في كتب غيرهم، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنه من الأباضية بل من رؤسائهم،، إذ أن كل من ينسب إلى هذه الفرقة من الناس يومئذ تطرح روايته، ويبتعد عن الأخذ عنه، ولا أدل على ذلك مما ذكره ابن سعد في الطبقات: أنهم كانوا يسألون جابر بن زيد هل تعرف الأباضية؟ فنفى جابر ذلك، بل أجاب بالإثبات في صيغة النفي حيث قال: (لا أبرأ إلى الله منهم) (2)، وذلك لأنه لو قال: إنه يعرفهم لوشى به، ومن المعلوم المؤكد أن جابراً إمام الأباضية يومئذ، وهو رئيس للفرقة المعارضة للحكم الأموى، بالإضافة إلى كثرة النقل والرواية عنه فى الكتب الأباضية حديثاً وفقهاً، فأبو عبيدة ـ وهو إمام الأباضية بعد جابر ـ لابد أن يناله نفس الاتهام، وبالتالي فلا يروى عنه حديث ولا فقه عند غير الأباضية.
(4)
وكان أبو عبيدة عندما يذهب لموسم الحج تنهال عليه القضايا وطلب الاستفتاء، فإذا جلس مجلساً لا يكاد يقوم منه من كثرة المسائل العلمية وورود الناس إليه، فكان مجلسه حافلاً بمذاكرة العلم وتفقيه الناس (3). وكانت له هيبة عظيمة ووقار وسكينة وعندما يعظ الناس ويذكرهم لا يتكلم أحد في مجلسه من عظم هيبته، ويرجع إليه أمر أهل الدعوة في خراسان واليمن وعمان وغيرها مثل المغرب، ويحتكمون إليه فيما يهم الدعوة وأبناءها هناك، فيقوم بدور الفيصل في حل المعضلات، فقد رفع إليه أهل حضرموت قضية زجر الحضرمي. عندما استأمن معن بن زائدة على ابن عمه، إذ هرب من معن حين قتل المسلمين وشردهم فقال أبو عبيدة: يقتل ابن عم زجر سر سراً وعلانية، فقالوا له: إنا لا نتهمه في زجر، فقال: (أيعرف أن معناً يقتل بعدما يؤمن؟ قلنا: نعم، قال: يقتل سراً وعلانية (5).
كما رد إليه أهل خراسان مسألة إخوانهم المقتولين، وذلك أن قوماً من المسلمين
(1) أبو غانم - المدونة الكبرى: 315/ 304/1 وما بعدها.
(2) وللعلم فإن هذه العبارة تحتمل الإثبات كما أنها تحتمل النفي، فهل لا منفصلة عن الفعل أم متصلة به؟ فيه احتمال
فلينظر في ذلك.
(3) الدرجيني - طبقات: 245/ 2.
(5) انظر: الشماخي - سير: 1/ 107.
(4) نفس المرجع: 244.
377 (1/377)
صفحة 361
،
القائد
بخراسان أصابوا دماء. وغنموا مالاً، فلم يزالوا كذلك حتى لقيهم جيش فصار بينهم وقائد الجيش خطاب فقالوا للقائد: إنا أصبنا تلك الأموال وسفكنا تلك الدماء برأى وقولنا فيها قول المسلمين، ونرضى فيها بحكم كتاب الله، فلم يقبل منهم فقتلهم الجيش، فبلغ ذلك أهل دينهم من خراسان فتولاهم بعضهم لإذعانهم الحكم المسلمين، واستحلالهم بالرأى، وتبرأ منهم قوم لهتكهم الحرمات، فردت المسألة إلى البصرة فاتفقوا أن يرجعوا الأمر إلى أبي عبيدة، فقال لهم: (إن كل من أصاب شيئاً دم أو مال برأى ولم يصبه بدين، ثم رضى بحكم كتاب الله ورأى المسلمين لم من يبرأ منه، فرضى الفريقان بقوله، وخرجوا على ولاية أصحابهم (1)
واشتهر بالعدالة والثقة بين الخاص والعام في عصره، وذات يوم شهد رجلان على شهادته عند قاضى البصرة في زمانه (2) بحق على رجل، فقال المشهود عليه: إنما شهدا على بشهادة فلان، فقال له القاضى: ويحك: (أنا به عارف ولو جاز لي أن أحكم بشهادة رجل واحد لحكمت بشهادته) (3)
وشهد له تلاميذه بغزارة العلم ورسوخ القدم فى المعرفة، ومنهم تلميذه (4)، وتلاميذه الفقهاء الآخرون وهم عبد الله بن عبد العزيز،
الأكبر الربيع بن حبيب وأبو المؤرج. وأبو سفيان: محبوب بن الرحيل وغيرهم كثير
(°)
وكان هو الإمام المقدم فيهم للصلاة، ولا يقبل أصحابه أن يتقدموه في الصلاة، ويعلمهم الاقتداء بالسنة، وذات مرة صلى بقميص واحد ألقاه على عاتقه وأخرج يديه تحته (6) من، ولعله لم يجد غير ذلك القميص حين صلى بهم على تلك الهيئة. والعمل على أقواله في كثير من المناطق الأباضية، فمن ذلك صلاة الوتر ثلاث ركعات بدون فصل، وهو قول لأبى نوح صالح الدهان، وعليه عمله، ونقل ذلك
(1) المالكي ـ غاية المطلوب: 222، ويحكى أبو سفيان أن رجلاً من أهل خراسان أخبره أن من آثار أبي عبيدة عندهم أن المرأة النفساء التي يدوم بها دم الحيض تتربص ما بين ستين وتسعين يوماً. وبعدها تتطهر وتصلى ومعنى ذلك أن آثار أبي عبيدة موجودة فى فقه أهل خراسان ويرجعون إليها، وقد تم نقلها إلى خراسان عن طريق تلاميذ
أبو عبيدة الخراسانيين. انظر: الشماخي ـ سير: 116.
(2) لم اهتد إلى اسم هذا القاضى. (3) الدرجيني - طبقات: 239/ 1، الشماخي – سير: 79/ 1.
(4) الشماخي - سير: 96/ 1
(ه) أبو غانم - المدونة الكبرى: 244/ 2.
(6) مجموعة من فقهاء - الديوان المعروض: 54.
378 (1/378)
صفحة 362
عنه
أبو المؤرج، وأبو المهاجر، وحاتم بن منصور، والعمل على هذا القول في خراسان وعمان وغيرها (1)
ويعقد أبو سفيان مقارنة بين أقوال الإمام أبي عبيدة وأقوال هارون بن اليمان،
الذي انشق عليه بعد وفاة الربيع في رسالته إلى الإمام المهنا بن جيفر بعمان (2) والى حضرموت، حيث جاء من جملة كلامه: ولابد أن يكون أبو عبيدة هو المخطئ وهارون هو المصيب، بل نعلم - والحمد لله - أن أبا عبيدة عندنا أولى بالصواب وأحق به) (3)
ولما عاتب أبو غانم شيخه عبد الله بن عبد العزيز فى أخذه مرة بقول إبراهيم النخعي، ومرة بقول أبي عبيدة، حيث قال: قلت: أفأنت مخير إن شئت أخذت بقوله وإن شئت تركته؟ قال له عبد الله بن عبد العزيز تلميذ الإمام أبي عبيدة: (وهل يكون العدل والإنصاف إلا هكذا؟ أفأتبعه في كل ما قال فيما أصاب فيه وفيما أخطأ، لو كنت فاعلاً ذلك وراضياً به لنفسى لكان غيره أحق باتباعه في جميع أقاويله وقلت: ومن هو؟ قال أبو عبيدة)
(4)
،
ويقول أبو غانم: (وأى قول أقوى من قول أبي عبيدة وغيره من أصحابنا) (5) وذلك في مسألة العمرى والرقبى فى جعلهما كالميراث.
وقال العلامة أبو سفيان محبوب عند ذكره لسيرة السلف الصالح - ومنهم أبو عبيدة ـ في رسالته إلى الإمام المهنا بعمان فى أمر هارون بن اليمان أيضاً: (وهم الفقهاء والعلماء والمأخوذ عنهم والموثوق بهم وأنهم خلافهم وضنيعه غير صنيعهم سبحان الله ما أقبح هذا الخطأ) (6)، فقد نسب الخطأ إلى هارون في عدم اقتدائه بأبي عبيدة وأضرابه، ومخالفته لهم وهم القدوة والأولى بالاتباع.
وعندما ذكر أبو سفيان الربيع بن حبيب ومكانته العلمية أثنى عليه وعلى شيخه
(1) انظر: المدونة الكبرى: 192/ 1
(2) هو الإمام المهنا بن جيفر، وهو من اليحمد من أهل عمان، بويع له بالإمامة لثلاث ليال خلون من رجب عام 226 هـ، بايعه الشيخ موسى بن على رحمهما الله عن مشورة من المسلمين على طاعة الله وطاعة الرسول، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقام بالحق إلى أن مات والمسلمون عنه راضون ولم ينقم عليه في سيرته شيء وتوفي عام 136 هـ، وكانت إمامته عشر سنوات وأشهر. انظر السالمي - تحفة الإيمان: 150/ 1 (3) السير والجوابات: 305/ 304. (4) المدونة الكبري: 176/ 175. (5) المرجع السابق: 187.
(6) السير والجوابات: 292.
379 (1/379)
صفحة 363
أبي عبيدة فقال: فأنكرنا عليه (1) بما حفظنا عن الربيع بن حبيب فقيه المسلمين وعالمهم بعد أبي عبيدة، وشيوخ من المسلمين بالبصرة، كانوا هم مفزع المسلمين وعلماءهم (2). ومستندهم رحمهم الله (3)
فذكر مكانتهم في هذه المقالة بأنهم هم المفزع للمسلمين عند النوائب، وهم أولو الذكر والاهتداء بهداهم، ويكفى بهذه الشهادة توثيقاً للإمام أبي عبيدة من تلاميذه وهم أعلم بمكانته، وثقته عندهم وسعة علمه بين أباضية البصرة،، كما أشار إلى كان قدوة للأباضية بعد أبي عبيدة، مما أن الإمام أبا عبيدة كان
الكبار
أن الربيع
المرجع والقدوة لهم يومئذ.
يبين
هو
واشتهر أبو عبيدة عند الخاص والعام، وصار العمل على أقواله وفتاويه، فالعمل عندنا على قوله في التسليم على اليمين فالشمال من الصلاة، وأما أهل المغرب فيعملون بقول الربيع في التسليم على جهة واحدة فقط (4).
ويتصل به أهل عمان للاستفتاء حتى فى موسم الحج، فقد سألته أم عثمان العمانية في منى عن إنسان حفر حفرة بمنى فقطع شجرة صغيرة من أصلها؟ فقال: (ليس عليه شيء) (5)
وعلى العموم فإن أكثر أقوال الإمام أبي عبيدة هى التى عليها العمل في المواطن الأباضية، إذ انتشر العلم فيها على يدى تلاميذه وحملة العلم عنه.
،
فمن الطبيعي إذا أن ينتشر فقه الإمام أبي عبيده، وتلمع شخصيته من بين أقرانه ويصبح قدوة في الدين، وإماماً عظيماً لأهل الدعوة من المسلمين، وركناً وثيقاً عندهم بالبصرة وغيرها (6).
يقول عنه العلامة السالمي: (ولقد تفجرت ينابيع الحكمة من قلب أبي عبيدة، وطلعت من لسانه شموس العلم، وحمل عنه خلق كثير لا يحصى عددهم فقه أبي عبيدة على يدى تلاميذه، وعمت فتاويه جميع الأباضية في المشرق والمغرب كما ذكر ذلك تلميذه أبو المؤرج (8)، وسوف نبحث ذلك ونبينه فيما يلى إن شاء الله
الأقطار التي كان يوجد فيها
(7)، وانتشر
(1) ابن هارون بن اليمان.
(3) السير والجوابات: 280/ 279
(5) الإيضاح: 287/ 2.
(2) في الأصل وعالمهم ومسندهم.
(4) انظر: المدونة الكبرى: 91/ 1.
(6) قاسم سعيد الشماخي ــ الرد المتين: 13.
(7) عبد الله بن حميد السالمي - شرح المسند: 6/ 1. (8) مدونة: 254/ 2.
380 (1/380)
صفحة 364
المطلب الرابع: تدوين فقهه:
لقد تم نقل فقه الإمام أبي عبيدة إلى من بعده عن طريق تلاميذه الذين حملوا عنه العلم من مشارقة ومغاربة، وعن طريق أجوبته للاستفتاءات التي توجه إليه وحفظها المستفتون غير التلاميذ في كثير من الأقطار الإسلامية.
لكثير
ولا
يوجد
لأبي عبيدة فقه مصنف منظم من تأليفه هو بنفسه، وذلك أمر طبيعي
في تلك الفترة، ولعله كان موجودا ولكن لم نعثر عليه كما لم نعثر على فقه مصنف من التابعين، أمثال عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري، وربيعة الرأى، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعى، وغيرهم على الرغم من عظمتهم فى العلم، وقيامهم بتعليم الناس، والفتوى إلا أنهم لا يؤثر عنهم مصنفات فقهية، إذ لم تنتشر بعد فكرة التأليف في تلك الفترة حتى منتصف القرن الثاني تقريبا (1)، وبحجة أن عكرمة كان يرى رأى الخوارج فقد ضاع أكثر فقهه وفتاويه (2) وهذا دليل واضح على أن أكثر فقه المعارضين المتهمين بالخروج لم يصلنا نتيجة الملاحقة السياسية التي استمرت وراءهم طوال حكم الأمويين والعباسيين، وهناك عدة احتمالات لعدم وصول شيء من تأليف أبي عبيدة إلينا، إن كان ثمة تأليف له وهى: 1 ــ لعل أبا عبيدة ـ وهو يدرس في غار في الأرض – خوفا من بطش الأمويين ـ لم يكن يرغب فى الكتابة فى تلك الحقبة خوفا من العثور عليها وتقطيعها والتنكيل بصاحبها، خصوصا وأنه قد وضع سلسلة على باب الغار لمعرفة القادم إليهم هو وتلاميذه، وكانت مهمة الواقف على الباب - بالتناوب ـ تحريك تلك السلسلة ليتركوا الدراسة ويشتغلوا بصنع القفاف، فلو أتى آت إليهم يرغب في معرفة ما يصنعون لم يجد عندهم سوى تلك القفاف والسعف الذي يصنعون منه، وتختفى الأقلام و الأوراق والحبر تحت تلك القفاف (ومن ذلك السرداب الخفى الذي تصلصل السلاسل على بابه وتتكدس فيه القفاف الأقلام والأوراق انطلقت الدعوة الحرة الكريمة للمحافظة على تراث محمد كما جاء به محمد، فبلغت هذه الانطلاقة أقصى المشرق، وأقصى المغرب، وأقصى الشمال وأقصى
(1) انظر: بلتاجي - مناهج التشريع الإسلامي: 91/ 1
93:
(2) نفس المرجع: 3
381 (1/381)
صفحة 365
الجنوب) (1).
2 ـ لعل أبا عبيدة قد أثر. عنه فقه مؤلف ولكنه ضاع مع. اع من التراث الذي خلفه أهل الدعوة بالبصرة، عندما أحرقت مكتبة بغداد العظيمة، أو أنه أتلف قبل ذلك لأجل إذهاب ما تبقى للأباضية من تراث في ذلك القطر، خصوصا وأن كل من وصف بهذا الوصف فهو منهم فى تلك الفترة، فإذا كانت دماؤهم تراق هدرا فكيف بتراثهم (2)؟
ـ أنه كان مشغولا عن التأليف والكتابة ببث الروح الإسلامية، وتفقيه الطلبة الذين أصبحوا فيما بعد حملة للعلم إلى المشرق والمغرب، وقاموا هم بدورهم بنقل ما حملهم إياه من أمانة إلى الناس تدريسا ودعوة وتأليفا وكان هذا الواقع، يقول تلميذه أبو المؤرج: إن جواب أبي عبيدة قد انتشر في جميع آفاق الأرض
-
4
وأقطارها) (3).
أن أبا عبيدة كانت عنده نسخة من ديوان شيخه أبى الشعثاء المتوفى عام 93 هـ (4)، وكان يرجع إليه ويغترف من الآثار الموجودة فيه، وتعففت نفسه عن التأليف خصوصا وأن الأباضية كان كثير منهم يهربون من التأليف خوفا من طلب الشهرة، فرأى أبو عبيدة أن القيام بأمر الدعوة أهم من التأليف، طالما أن بين يديه ديوان جابر وتلاميذه الذين بدأوا في التدوين في حياته، كالإمام الربيع ابن عبد العزيز، وأبي المؤرج، وأبي سفيان، وغيرهم كما سيأتي. فاشتغل ببناء العقول والشخصيات التي صنعت التاريخ على مر القرون.
(1) على يحيى معمر ـ الأباضية في موكب التاريخ: 158/ 1. (2) يقول ابن النديم في كتابه الفهرست: إن كتب الخوارج مستورة، وأن رؤسائهم كثيرون، وأنه يمكن أن يكون من لا نعرف أنه ألف قد صنف كتباً لم تصلنا 258، وقال عند حديثه عن الشراة ما نصه: (هؤلاء كتبهم مستورة قلما وقعت بأيدينا) وبين السبب في ذلك وقال: إنه يعود إلى أن الناس كانت تبغضهم وتؤذيهم) انظر: ص 329 ـ ويعنى بالشراة الأباضية لأنهم المسمون قديماً بذلك.
منهم
(3) أبي غانم - المدونة الكبرى: 254/ 2. (4) يقول على يحيى معمر: (إن جابراً يعتبر من أوائل المؤلفين في الإسلام إذا لم يكن أولهم على الإطلاق، وقد كان لكتابه الضخم القيم المسمى ديوان جابر، رنة فى صدر الإسلام، وكان موضع تنافس بين دور الكتب الإسلامية، واستطاعت مكتبة بغداد أن تتحصل عليه، وأن تبخل به على غيرها من المكتبات، ولن تنتقل منه نسخة واحدة وكافح أحد عباقرة جبل نفوسة للحصول عليه الأباضية في موكب التاريخ: 149/ 1 ... انظر: الوسياني – سير مخطوط ص: 208.
382 (1/382)
صفحة 366
وتتجلى المبادئ التي قام بها أبو عبيدة وأسلافه، وجمع من معاصريه ومن تلامذته
الحضرمي
أو تلاميذتهم فى مثل رسالة سالم بن ذكوان الهلالي (1)، وأبي أيوب وايل بن أيوب (2): وأبي مودود حاجب بن مودود الطائي (3) وسيرة الربيع بن حبيب (4)، وسيرة أبي سفيان إلى طالب الحق (5) تاه اللتان كتب بهما إلى عمان وسير وحضرموت (6)، وسيرة شبيب بن عطية العماني) سيرة خلف بن زياد البحراني (8)
وغيرهم.
(V)
أما الفقه المدون الذى وصل إلينا فكان عن طريق تلاميذه فقط، ماعدا رسالته في
الزكاة إلى أهل المغرب التي سنضعها في المبحث الثاني من الفصل الثاني إن شاء الله
ويعتبر الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب العماني البصرى، ومدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، وكتاب النكاح لأبي سعيد عبد الله بن عبد العزيز، ورسالة الإمام أبي عبيدة نفسه في الزكاة، خير ما يمثل فقه الإمام أبي عبيدة (9)، وله آثار
كثيرة مبثوثة في (بيان الشرع والمصنف) وغيرهما. من الكتب الأباضية، فأما صحيح الإمام الربيع فهو من روايته عن أبي عبيدة، وأبو عبيدة يرويه بالسماع والمشافهة عن شيخه أبي الشعثاء جابر بن زيد، أو عن أحد الصحابة الذين أدركهم، أو عن أحد معاصريه كضمام وغيره
ويحتوى على معظم أبواب الفقه و أوله باب النية، وآخره حلية رسول الله، وهناك خمسة أحاديث في الجزء الثالث من الجامع المطبوع من رواية أبي عبيدة، أما. بقية الثالث و الرابع فليسا من روايته بل روايات تلاميذه أو تلاميذهم، وروايات هذا الجامع ثلاثية السند كما يطلق عليها السلسلة الذهبية.
(1) مجموعة سير المسلمين - مخطوط من ص (2) المرجع السابق من ص: 27/ 25.
576/ 552:
(3) المرجع السابق من ص 583/ 576.
(4) لم أهتد إليها وإنما ذكرتها سماعاً من الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي!
السلطنة
(5) مفقودة ولكن جاء كثير مما فيها في طبقات الدرجينى وسير الشماخي وغيرهما. (6) ضمن مجموع سير المسلمين من ص 307/ 292
(7) ضمن مجموع سير المسلمين من ص 224/ 205.
(8) ضمن مجموع سير المسلمين من ص 613/ 583
(9) يذكر ابن عبد العزيز: أنه رأى مسألة في مسائل أبي عبيدة ولم يسمعها سماعاً، وإنما قرأها فلعله، كان له ديوان فيه مسائل مأثورة عنه، ولكن لم يصلنا، انظر الديوان المعروض: 465.
383 (1/383)
صفحة 367
بالمسند لأنه. وكان
يسمى
كان
مجموع
عا غير مرتب حتى تناوله علامة زمانه الشيخ
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، وهو فقيه محدث مفسر مؤرخ، وقد ولد عام 500 هـ بوارجلان، وتوفى فيها عام 570 هـ، فقام بترتيبه على أبواب الفقه على
غرار كتب الحديث الأخرى، ولم يزد فيه شيئا إلا أنه ضم إليه روايات الربيع
عن
شيخه ضمام، عن جابر وروايات أبى سفيان، عن شيخه الربيع، وهما في الجزءين الثالث والرابع، وروايات الإمام أفلح، عن أبي غانم صاحب المدونة الكبرى
ومراسيل الإمام جابر بن زيد، فصار الكتاب أربعة أجزاء في مجلد سماه أبو يعقوب
بعد ذلك (الجامع الصحيح).
،
ويسميه بعض الأباضية كتاب الترتيب لترتيب أبي يعقوب له، وتناوله العلامة
الله أبو عبد محمد بن عمر، وابن محمد بن أبى ستة القصبي الجربي المولود سنة بن 1022 هـ، المتوفى 1087 هـ بالحاشية، فكانت الحاشية فى ثمانية أجزاء صغار سميت حاشية الترتيب، وشرح جزأين منه العلامة المحقق عبد الله بن حميد السالمي رحمه الله في ثلاثة أجزاء، وكان هذا الشرح من الشروح الجليلة على هذا المسند
وقد وصل إلينا هذا المسند سليما لم تشبه شائبة الوضع، ونستطيع أن نطلق على رواته أنهم قمة في العدالة والأمانة والضبط والصيانة، وبنى الأباضية عليه معظم فقههم، وهو المعتمد الأولوى عندهم لا الوحيد، كما أن السلسلة التي وصلنا بها مما يطلق عليه السلسلة الذهبية إذ إن رواته إما تابعيون أو تابعوهم عن الصحابة مباشرة.
أحد.
وبلا شك فإن أبا عبيدة يعتمده في الفقه، لأنه من روايته بنفسه عن شيوخه، ولكنه قد يخالف روايته في بعض الأحيان في العمل، أو يؤول الحديث إلى الندب، مع أن ظاهره للوجوب لقرينة يعلمها هو، وهذا إما أن يكون ناتجا عن نسيانه للرواية، أو أن يكون قال ذلك القول قبل أن يسمع الحديث.
ولذلك وردت عنه عدة مسائل تراجع عن العمل بها آخر عمره، وسيأتى مزيد بيان لهذا الموضوع في المبحث الأول من الفصل الثاني إن شاء الله.
ويحتوى الجزء الأول من المسند على عدة كتب وأبواب هي:
باب في النية، باب في ابتداء الوحى، باب في ذكر القرآن، باب في العلم وفضله، باب في طلب العلم لغير الله، باب في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، باب في الولاية
384 (1/384)
صفحة 368
والإمارة، باب في الرؤيا، باب في الإيمان، الإسلام والشرائع، باب في ذكر الشرك والكفر، باب في الحب، باب في القدر والخير والتطير باب في الفتنة. كتاب في الطهارات: ويحتوى على 13،بابا كتاب فى الصلاة ووجوبها، ويحتوى على 32 بابا، وكتاب في الصوم ويحتوى على 6 أبواب، وكتاب في الزكاة والصدقة ويحتوى على 9 أبواب:
أما الجزء الثاني فيشتمل على 13 كتابا هي:
كتاب الحج وفيه 12 بابا، وكتاب الجهاد وفيه خمسة أبواب، وكتاب الجنائز وفيه ثلاثة أبواب، وكتاب الأذكار وفيه أربعة أبواب، وكتاب النكاح وفيه أربعة أبواب، وكتاب الطلاق وفيه أربعة أبواب، وكتاب البيوع وفيه ثلاثة أبواب وكتاب الأحكام وفيه أربعة أبواب، وكتاب الأشربة وفيه ثلاثة أبواب، وكتاب الأيمان والنذور، وكتاب الحقوق وفيه ستة أبواب، وكتاب الآداب وفيه ستة أبواب، و كتاب حلية الرسول الله.
هذا ما قام بشرحه العلامة السالمي، والباقى وهو الجزآن الثالث والرابع لم يقم أحد بشرحها والتعليق عليها وتخريجها، وعسى أن الله من يقوم بهذا العمل الجليل
من ذوى الاختصاص.
يقيض
والأحاديث الأربعة التي هي من روايته في الجزء الثالث هي في إنكار المنكر، وفي
النهي عن قتل الذراري والنساء، وفى النهى عن القتال قبل توجيه الدعوة الإسلامية إلى الخصم، والرابع في غرائب العلم.
ومما جاء في هذا الجامع:
1 ـ قال أبو. الربيع بن حبيب بن عمرو البصري (1)، حدثني أبو عبيدة مسلم بن
عمر
أبي كريمة التميمي عن جابر بن زيد الأزدي عن عبد الله بن عباس عن ا
النبي
?
قال: «نية المؤمن خير من عمله. وبهذا السند فى رواية أخرى عنه عليه السلام
قال: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» (2)
(1) البصري نسبة إلي البصرة لأنه عاش فيها، وإلا فهو عماني ولد وتوفي في عمان. (2) مسند ند الربيع: 6.
385 (1/385)
صفحة 369
2 ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن
أطلقها ذهبت» (1).
ــ قال الربيع بن حبيب: حدثني أبو عبيدة، عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد الله به خيراً فقهه في الدين» عن
(2)
ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قالت عائشة رضى الله عنها: قدمنا لرسول الله حيساً ملتنا بسمن فأكل منه ولم يتوضأ» (3)
ه ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن امرأة وقع في ثوبها دم من دم الحيض كيف تصنع؟ قال لها رسول الله: «إذا أصاب ثوب إحداكن دم من دم الحيض فلتعر كه ثم لتنضحه بماء ثم تصلى» (4)
= وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوي» البخاري باب الأعمال بالنية والحسبة: 37/ 1 - كتابة بدء الوحي الحديث الأول الكتاب 2/ 1 وفي النكاح باب من هاجر أو عمل خيراً لتزويج امرأة فله ما نوي: 5/ 7. مسلم: كتاب الإمارة - باب قوله له: «إنما الأعمال بالنيات: 1515/ 3 - النسائى كتاب الطلاق – باب الكلام إذا قصد به فيما يحتمل معناه: 158/ 6. (1) مسند الإمام الربيع: 7. مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت أخرجه مسلم: باب قلاة المسافرين - باب فضائل القرآن وما يتعلق به 543/ 1 - أحمد واللفظ له: 17/ 2 - 64 - 112. النسائي كتاب الافتتاح - جامع ما جاء في القرآن: 154/ 2. (2) مسند الإمام الربيع: 12 ... الحديث - من أراد الله به خيراً فقهه في الدين، أخرجه الترمذي في كتاب العلم ـ باب إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين بلفظ من يرد الله به خيراً فقهه في الدين»: 28/ 5. البخاري كتاب العلم ــ باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين بلفظ الترمذى 46/ 1. ابن ماجة ـ المقدمة باب فضل العلماء والحث علي طلب العلم: 80/ 1. (3) مسند الإمام الربيع: 34 .. الحديث: قدمنا رسول الله الله حيساً مليئاً بسمن فأكل منه ولم يتوضأه أخرجه البخاري بلفظ السويق فى كتاب الأطعمة باب المضمضة بعد الأكل 147/ 6. أبوداود كتاب ترك الوضوء مما مست النار: 48/ 1. النسائي: كتاب الطهارة باب ترك الوضوء مما مست النار: 107/ 1. أخرجه مسلم بلفظ: أكل كتف شاة ثم ضلي ولم يتوضأه - كتاب الحيض ـ باب نسخ الوضوء مما مست النار: 273/ 1. - الإمام الربيع: 41 - الحديث إذا أصاب إحداكن دم من دم الحيض فلتعر كه ثم تنضحه بالماء ثم تصلى» رواه البخاري في كتاب الحيض - باب غسل دم الحيض: 138/ 1 .. النسائي: كتاب الطهارة - باب دم الحيض يصيب الثوب: 154/ 1.
(4) مسند
386 (1/386)
صفحة 370
6 ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغنى عن على بن أبي طالب قال: (نهاني رسول الله عن لبس القسى وعن لبس المعصفر وعن خاتم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود) (1).
-
ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره، ولا ننازع الأمر أهله:
وأن نقول الحق، ونقوم بالحق حيث ما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم)
(2)
ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله له عن الصلاة في ثوب واحد؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو كلكم يجد ثوبين» (3). 9 ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فجاء عمر إلى رسول الله الا الله فسأله عما فعل؟ فقال: «مره أن يرجعها ويمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء» (4).
10 - أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن ا أسامة بن زيد قال: قال رسول الله: «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم «الكافر قال الربيع: يعنى بالكافر ها هنا
(1) مسند الإمام الربيع: 62، الحديث نهاني رسول الله علي الله عن لبس القسى ولبس المعصفر وعن خاتم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع والسيجوده رواه البخارى فى كتاب اللباس باب لبس القسى: 277/ 276/7 و مسلم - كتاب اللباس - باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر 1648/ 3 واللفظ له والنسائي في كتاب الزينة ـ خاتم الذهب: 165/ 8
(2) بايعنا رسول الله الله على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ... إلخ، النسائي كتاب البيعة على السمع والطاعة: 138/ 137/7 .. مسند الإمام الربيع: 121.
(3) مسند الإمام الربيع: 69 الحديث وسئل رسول الله الله عن الصلاة بثوب واحد فقال: أو كلكم يجد ثوبينه أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب الصلاة في الثوب الواحد: 162/ 1 - مسلم كتاب الصلاة ـ باب الصلاة في ثوب واحد: 367/ 1 - النسائي - كتاب القبلة - الصلاة في قميص واحد: 70/ 2 ـ أبو داود ـ كتاب الصلاة ـ باب جماع أثواب ما يصلى فيه: 169/ 1. (4) مسند الربيع: 142 ـ الحديث مره أن يرجعها ويمسكها حتى تطهر، فإن شاء طلق وإن شاء أمسك ـ أخرجه مسلم ـ كتاب الطلاق ـ باب تحريم طلاق المرأة الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق يؤمر برجعتها: 1093/ 2 ـ النسائي ـ كتاب الطلاق - باب ما يفعله إذا طلق تطليقة وهي حائض: 140/ 6 ـ أبو داوود ـ كتاب الطلاق ـ باب في طلاق السنة: 255/ 2.
387 (1/387)
صفحة 371
المشرك (1).
حجم
11 ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن أبا طيبة رسول الله ع فأمر له رسول الله له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه (2)
12 ـ أبو عبيدة عن جابر قال: بلغني عن
كعب
بن
عن
مالك النبي الله يقول: «إنما
نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم
يبعثه» (3).
13 ـ أبو عبيدة قال: سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اتقى الله كفاه الله مؤنة
الناس، ومن اتقى الناس ولم يتق الله سلط الله عليه الناس وخذله» (4)
14 ـ قال الربيع: قال أبو عبيدة: بلغني عن رسول الله قال: «لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا شاهده، وينكر الباطل إذا قدر عليه» (5)
هذا ومعظم إن لم نقل كل روايات المسند عن الإمام جابر بن زيد، ولو وصلنا
(1) قوله المشرك ذلك لأن الكافر كفر نعمة وهم الفساق من أهل القبلة يناكحون ويورثون كغيرهم من المؤمنين عند الأباضية .. الحديث ولا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافره ـ رواه البخاري ـ في كتاب الفرائض ــ باب لا يرث المسلم الكافر ... إلخ: 279/ 8 .. أبوداود ـ كتاب الفرائض - باب هل المسلم يرث الكافر: 125/ 3 ولفظه: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.
(2) مسند الإمام الربيع:: 182 .. الحديث: أن أبا طيبة حجم رسول الله الا الله فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يحففوا عنه من خراجه أخرجه البخاري في كتاب الإجارة ـ باب من كلم موالى إلى العبد أن يخففوا عنه من خراجه بلفظ: ودعا النبي لا اله غلاماً حجاماً فحجمه وأمر له بصاع أو صاعين أو مد أو مدين، وكلم فيه فخفف من ضريبته: 190/ 189/3 ... وفي كتاب البيوع: باب ذكر الحجام واللفظ له: 132/ 3 - مسلم كتاب المساقاة -
باب حل أجرة الحجامة: 1204/ 3 - أبو داود كتاب الإجارة - باب كسب الحجام: 266/ 3. (3) مسند الإمام الربيع: 184 .. الحلويث: إنما نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة النسائي كتاب الجنائز ـ في أرواح المؤمنين: 108/ 4.
(4) مسند الإمام الربيع: 183 .. الحديث: من اتقى الله كفاه الله مؤنة الناس، ومن اتقى الناس ولم يتق الله سلط الله عليه الناس وخذله، أخرجه الترمذى بلفظ من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس كتاب الزهد باب منه حديث: 610/ 64 ... (5) مسند الإمام الربيع:: 205 .. الحديث ولا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا شاهده، وينكر الباطل إذا قدر عليه ـ ورواه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدرى: 92/ 87/84/ 72/47/ 44/3 ورواه الطبراني في الأوسط حديث رقم 2825 بسنده عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولا يـ يمنعن أحدكم رهبة
الناس أن يقول بحق إذا رآه أو يذكر بعظيم فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق».
388 (1/388)
صفحة 372
ديوانه لوجدنا فيه الشيء الكثير من مثل هذه الأحاديث من إضافات تلاميذه كأبي عبيدة وغيره، ولكن إرادة الله غالبة ومثل ذلك يقال في آثار أبي عبيدة، إذ لم تنصره دولة. لة كما وقع لفقه الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك في عهد الخليفة المنصور ومن بعده في المشرق والمغرب، ولولا حفاظ الدولة الرستمية بعد مدة بتيهرت على بعض تلك الآثار، ومنها المسند والمدونة لضاع أكثره فيما ضاع.
وأما مدونة أبي غانم الخراساني فهي فتاوى تلاميذ أبي عبيدة عن شيخهم، وقد نقلها أبو غانم عنهم مشافهة على شكل سؤال وجواب، فيسألهم هو فيقومون هم بإجابته، ويسندون الجواب غالباً إلى الشيخ وهؤلاء التلاميذ هم: الإمام الربيع بن حبيب، ووايل بن أيوب، وأبو عبيدة عبد الله بن القاسم، وأبو غسان مخلد العمرد، وأبو منصور حاتم بن منصور، وأبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز، وأبو المؤرج عمرو بن محمد المقدمي (1)
بن
وقد يرد فيها لغير هؤلاء السبعة كأبي سفيان محبوب بن الرحيل، وهو من تلاميذ أبي عبيدة أيضا ملازمى الربيع لأنه كان ربيباً له.
،
و من
ولكن الأكثر منها للسبعة المتقدمين وأكثر ما فيها عن أبي المؤرج، وأبي سعيد وقد صنفها أبو غانم في اثنى عشر مجلداً (2)، ولما فرغ من كتابتها وعلم بقيام إمامة الإمام عبد الوهاب الرستمى بتيهرت، عزم على زيارته فجاز بها من مصر إلى جبل نفوسة بليبيا، فمكث هناك أياماً التقى خلالها بعالم زمانه الشيخ عمروس بن فتح (3) في أواخر القرن الثاني، فأودع المدونة عند الشيخ عمروس، فأطلع عمروس على ما فيها فتاقت نفسه إلى اقتنائها، ولكن الشيخ أبا غانم قد غادر الجبل، ثم إنه يعلم أنه لم يتركها له لأنها نسخته الوحيدة فرأى من الأصلح استنساخها، فقام
النفوسي
(1) سبق التعريف بهؤلاء التلاميذ في (تلاميذه). (2) الوسياني. - سير: ص 4، الشماخي ـ سير: 194/ 1.
سير
: 194/ 1
(3) الشماخي. ... وما بعدها وعمروس هو حفص عمروس بن فتح المساكن النفوسي عده الشماخي من طبقة الإمام أفلح عبد الوهاب في القرن الثالث الهجري وقال: إنه قاضي أبي منصور إلياس، وإنه من العلماء العاملين، وصفه الدرجينى بأنه بحر العلم الزاخر، ولم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلم، له مصنفات في الفروع والعقائد، وقد هم أن يؤلف كتاب يفرز فيه المسائل المستخرجة من الإجماع علي حدة، والمسائل المستخرجة من السنة على حدة، والمستخرجة من الكتاب على حده، فعاجلته المنية، وله ترجمة طويلة في سير الشماخي: انظر: الدرجيني -: 223/ 2 ... الشماخي - سير: 194/ 1 وما بعدها.
389 (1/389)
صفحة 373
أكملها
بنسخها وأخته تملى عليه حتى، فكانت تلك النسخة موجودة في نفوسة، وجاءت بقية النسخ إلى جربة ووارجلان وميزاب من تلك النسخة فاحترقت مع جملة النسخ والكتب التي أحرقها أبو عبد الله الشيعي في مكتبة تيهرت (1).
يقول الدرجيني: (وذكروا أن أباغانم بشر بن غانم الخراساني خرج من المشرق متوجهاً إلى المغرب ليفد إلى الإمام عبد الوهاب رضى الله عنه، ومعه مدونته المشهورة التي رواها عن تلاميذ أبي عبيدة رحمه الله، وقيد سماعها عنهم فاجتاز على جبل نفوسة فاستودع عمروس الكتاب المذكور، وتمادى في تاهرت بعد أن استأذنه عمروس في استنساخ الكتاب المذكور فلم يأذن له (2)، وعمروس حينئذ حدث (3)، فحسن عمروس الظن، وحمله الحرص في العلم على استنساخه، وكان الكتاب في اثنى عشر جزءاً، وفي أثر هذا كان ما كان تلف ديوان تاهرت غصباً وحرقاً، ولولا تمسك بهذا الكتاب لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمد
عليه
(4)
عمروس
، وذلك بحسن نية عمروس وبركته و
من
(°)
ويمنه (ه
وقد فقدت المدونة الأولى برهة من الزمن، ما عدا ما عثر عليه العلامة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش وهي جزآن، وحتى عليها والتلف فيها واضح، ولعله وجد بعض الكراريس المتفرقة فقط كما هو الحال عليه اليوم في النسخ الباقية بجربة، ذلك لأنك تجد كتاب الأشربة يحتوى على خمسين صفحة، والحدود كذلك، بينما تجد كتاب الحج نصف صفحة، والزكاة عشر صفحات، وهكذا في بقية الأبواب، فهذا يدل على أن ما فقد منها أكثر مما هو موجود.
وقد تم طبع هذا الباقى مع حاشية الشيخ أطفيش، وتم تصويرها قبل ذلك
النسخة الخطية
(1) نفس المرجع السابق: 195.
منه،
من
ولعله لم
(2) هكذا ورد في طبقات الدرجينى ولم يذكر الشماخي وعلى معمر هذا الاستئذان للنسخ والمنع. يستأذن وإنما أحسن الظن كما قاله المؤرخون، ولما رأى أبو غانم نقطة الحبر سماه سارق العلم لكونه نسخها بلا إذن ولم يغضب عليه، فلو أنه استأذن فلم يأذن له لغضب عليه فلينظر في ذلك.
(3) حدث: بمعنى صغير السن. (4) يعنى من آثار المشائخ الأولين وإلا فهم يومئذ عندهم ما يغنيهم من الكتب وخصوصاً في تاهرت أيام ازدهارها وانتشار الحركة العلمية فيها في سائر أنحاء المغرب. (5) الدرجيني ـ طبقات: 323/ 2، الشماخي – سير: 194/ 1، معمر الأباضية في موكب التاريخ: 138/ 1.
390 (1/390)
صفحة 374
ولكن عثر أخيراً على بقية أجزائها بمصر إلا جزءاً واحداً، ويجرى تحقيقها على يد
بعض المشائخ بعمان، وعسى أن يمن الله بطبعها فتكون في متناول الباحثين. غير أن هناك مدونة أخرى وهى جزآن تسمى بالمدونة الصغرى طبعت أيضاً بعمان من غير حاشية، وتنسب إلى أبى غانم أيضاً، وعند مقارنتها بالمدونة الأخرى المطبوعة نجد تشابهاً كبيراً بين الأولى والثانية، تارة في اللفظ بعينه، وتارة في المعنى، وكذلك فى الأبواب والفصول، ووجدت (1) أن المدونة الصغرى هذه تنسب إلى أبي يزيد الفزاوى عبد الله بن يزيد، وذلك من عنوانها فى مكتبة الباروني بجربة، ويشتمل الجزء الأول من المدونة الكبرى على مائة واثنين وثلاثين باباً، فواحد منها في التكليف، وسبعة في الطهارات، وتسعة وستون في الصلاة، واثنان وخمسون في الصوم، وواحد في الحج، واثنان في الذبائح والصيد.
أما الجزء الثاني فيشتمل على تسعة وثمانين باباً، وهي في النكاح وما يتعلق به من طلاق وعدة وغيرها، وفى البيوع، والمعاملات، والإجارات، والشركة، والقسمة، والشفعة، والحريم، والوصايا والشهادات والأحكام، والأقضية والصلح، وغيرها. وفي المواريث، والأشربة، والحدود، والديات، واللهو، وفي أربعة فصول أخرى وتتمة. وفيه أيضاً تكملة خارجة عن المدونة ختمها بها الشيخ أطفيش وهو رتبها على هذه الأبواب.
وإليك بعض النماذج من الجزأين:
الذي
1 - سألت أبا المؤرج عن الرجل يذكر في صلاته أنه قد أصاب ثوبه بول ولم يغسله قال: (سألت عن ذلك أبا عبيدة قال: لينصرف وليغسل ما أصابه من البول أو يغسله غيره، فإن غسله هو فليتوضأ، وإن لم يغسله فليلقه وليأخذ غيره، ثم يعيد صلاته) (2).
2 ـ قال أبو المؤرج: قال: أبو عبيدة: إن الاحتلام في الثوب أهون من الدم، والدم أهون من البول، والبول أشد. ذلك (3) من
(1) توجد نسخة من هذه المدونة بمكتبة الباروني بجربه حومة الحشان منسوبة إلى عبد الله بن يزيد الفزاري، وهو من الأباضية النكار، وهم المنكرون لإمامة الإمام عبد الوهاب الرستمي، والنكار إصطلاح مغربي.
(2) أبو غانم - المدونة الكبرى: 7/ 1.
(3) نفس المرجع والصفحة.
391 (1/391)
صفحة 375
سألته
3 ـ سألت الربيع، وأبا المهاجر، وأبا المؤرج، وأبا سعيد عبد الله بن عبد العزيز، وأبا غسان مخلد بن العمرد، وأبا أيوب، وحاتم بن منصور، فمنهم من مشافهة، ومنهم من أخبرني عنه من سأله مشافهة عن الوضوء. حدثني الربيع أنه سأل أبا عبيدة مسلم بن أبى كريمة عن الوضوء والصلاة، قال: تبدأ فتغسل كفيك، ثم تستنجى، ثم تمضمض فاك، ثم تستنشق بالماء، وتغسل وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وتمسح برأسك وأذنيك ظاهرهما وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين (1).
4 ـ قلت لأبي عبيدة: ما يقال في الركوع والسجود؟ قال: أما في الركوع فيقول: سبحان ربي العظيم، وأما في السجود فيقول: سبحان ربى الأعلى، وإذا سجدت فضع ثم اسجد وقل حين توطى رأسك للسجود: الله أكبر، وإذا رفعت رأسك فقل: الله أكبر، وإذا كنت فى أول ركعة تريد القيام فانهض قائماً ترفع رأسك في السجدة الأخيرة قبل أن تستوى جالساً (2).
يجزى
(4)
حين
ه ـ أبو المؤرج والربيع بن حبيب عن أبي عبيدة: إن قرأ في ركعة ولم يقرأ في ثلاث أعاد، وإن لم يقرأ في الظهر والعصر شيئاً أعاد، وإن قرأ في العشاء الأولى والأخرى في الركعتين الأوليين بسورة، والسورة غير فاتحة القرآن أعاد، وفاتحة القرآن في كل صلاة تجزى عن غيرها، وغيرها لا 6 ـ وقال أبو المؤرج، والربيع بن حبيب، عن أبي عبيدة: أول صلاتك ما تقضى وقال أبو المؤرج، وضمام وحاجب، وربيع الأول مثله، وجابر بن زيد مثله (4) 7 ـ سألت أبا المؤرج عن رجل يصلى يوم الجمعة ولا يستطيع أن يسجد من الزحام؟ قال: سألت عن ذلك أبا عبيدة قال: إذا قام الناس فليسجد. وكذلك قال الربيع أبي عبيدة، وسألتهما أيتخطى الرجل رقاب الناس يوم الجمعة ليدنو من الإمام؟ قال: حدثني أبو عبيدة قال: إذا أتى أحدكم المسجد حيث يدرك، ولا يتخطى رقاب الناس، يحضرها بالإنصات والاستماع (5).
عن
(1) أبو غانم ـ المدونة الكبرى: 12/ 11. (2) نفس المرجع صفحة: 56.
(3) المدونة الكبرى: 106/ 1.
(4) مرجع سابق: 123.
يوم الجمعة فليجلس
(0) المدونة الكبرى: 194
392 (1/392)
صفحة 376
- حدثني محبوب عن الربيع أنه سئل أيصوم الرجل رمضان وهو مسافر؟ قال: (صيامه أفضل. قال محبوب: عن الربيع أخبرني أبو عبيدة قال: إن صمت وأنت مسافر فحسن جميل، وإن أفطرت وأنت مسافر فحسن جميل، فالصيام لمن أطاقه أفضل (1)
9 ـ قال أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز: سألت أبا عبيدة عن رجل أكل وشرب و جامع ناسياً في رمضان، قال: سألت أبا الشعثاء جابر بن زيد عن ذلك، قال: لا قضاء عليه، ثم قال: عبد الله بن عبد العزيز: مضت السنة وأجمعت الأمة بهذا الحديث عن رسول الله لعل الله أنه قال: «أطعمه الله وسقاه، وكذلك في الجماع، قال: أما الناسي فلا شيء عليه» (2)
10 ـ أبوالمؤرج والربيع ووائل عن أبي عبيدة في رجل أكل أو شرب أو وطئ ناسياً، فذكر صومه فظن أنه. حين فعل فسد صومه مه فأكل متعمداً أنه فسد ما مضى من صومه وعليه القضاء والكفارة، لأنه أكل ولم يكن مفطراً بالنسيان (3).
(4)
11 ـ قال حمزة بن بزيخ: عن
أبي المؤرج، والربيع ووائل، وحاتم بن منصور،
وحاجب، عن أبي عبيدة عن رجل أصبح مفطراً ثم بدا (5) له الصوم نصف النهار، قال: لا صوم له، إن الصوم من الليل إلى الليل فلا صوم له في ذلك
اليوم (6).
12 ـ وأخبرني محبوب عن الربيع بن حبيب أنه قال: لابأس بالضحية أن تكون مجرورة أو خصية أو مقطوعة القرن، قال الربيع: سمعت ذلك من أبي عبيدة، وسمعته أيضاً وقد سأله رجل: عن كم تجزى البقرة؟ (7) تذبح وتجزى عن سبعة
والبعير كذلك يشتركون فيه (8).
(1) نفس المرجع: 252. (2) المدونة الكبرى: 325/ 1.
الحديث وأطعمه الله وسقاه الناسي) رواه البخاري في كتاب الصوم باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً: 71/ 2
مسلم ـ كتاب الصيام - باب أكل الناسى وشربه وجماعه ولا يفطر: 209/ 2.
(3) المدونة الكبرى: 330.
(4) لم أعثر على ترجمة له.
(5) لعل هناك كلمة ساقطة تقدر بالصوم. (6) المدونة الكبرى: 332/ 1. (7) لعل هنا أسقط كلمة قال. (8) المدونة الكبرى: 350/ 1.
393 (1/393)
صفحة 377
13 ـ قال: وأخبرني وائل ومحبوب وأبو غسان أن الربيع بن حبيب كان يقول: إن الفداء طلاق. فإذا فاداها ثلاث مرات فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، قال:
وقال أبو المهاجر: عن أبي عبيدة أنه أخبره أن الفداء طلاق (1).
عن
14 - سألت أبا المؤرج قول الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين) (2): قال أبو المؤرج: حدثني أبو عبيدة أن الله تعالى أمر أن يوصي لواليده ولقرابته. قال أبو عبيدة: ثم نسخ أمر الوالدين فجعل لهما نصيباً معلوماً في سورة النساء لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس، وجعل لكل ذي ميراث نصيبه من الميراث، فصارت الوصية لمن لا يرث من قريب أو غير قريب، قال أبو عبيدة: غير أنه إن أوصى لغير قرابته رد لقرابته الثلث، وأجيز لمن أوصى له به ثلث الوصية (3) من
الثلثان
15 - سألت أبا المؤرج عن الحيوان بالحيوان قال: أما الإبل بالغنم والغنم بالبقر فلا بأس بذلك، قال: قد سمعت الشيخ (4)، وضماماً يقولان ذلك، وكانا يكرهان الإبل بالبقر، والبقر بالإبل، وأنهما يريان أنهما بدن كلها، قلت لابن عبد العزيز: فما تقول أنت فى هذه المسألة؟ قال: فما عسيت أن أقول لك بعد قول الشيخ وضمام، ولم يبلغنى فيها أثر عن فقهائنا أفضل من هذا فاختاره (ه)
16 - سألت أبا المؤرج وابن عبد العزيز وأبا غسان مخلد العمرد، وأخبرنا من بن سأل الربيع بن حبيب عن خلط التمر والبسر فلم يختلفوا جميعاً، أن ما يصلح لك نبيذه وحده فهو حلال لك أن تخلطه مع غيره من الحلال (6). أما كتاب النكاح الذي ألفه أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز فإنه يوجد مخطوطاً بالمكتبة البارونية بحومة الحشان جربه، وقد تحصلت على صورة منه، وهو في أربعة
(1) مرجع سابق: 55. (3) المدونة الكبرى: 209/ 2.
(2) البقرة: 180.
(4) يعنى بالشيخ أبا عبيدة مسلماً.
(5) المدونة الكبرى: 244/ 2 - وهذه تزكية من ابن عبد العزيز لقول شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام.
(6) المدونة الكبرى 291/ 2
394 (1/394)
صفحة 378
أجزاء صغيرة، وقد ضاع منه الجزء الثاني، ويقع ضمن مخطوطة كبيرة
عنوانها (الديوان المعروض) أو كتاب (الوصايا).
ونذكر منه النماذج التي تعبر عن آراء أبي عبيدة:
1 ـ قلت: أرأيت نكاح الشغار، وإذا وقع ودخلا بالنساء فإذا جامعهما حتى ولدن أولاداً أيكون ذلك جايزاً أم يفسخ؟ قال: قال أبو عبيدة: يفسخ على كل حال. قلت أرأيت نكاح الشغار أيقع طلاق عليها قبل أن يفرق بينهما؟ أم يكون بينهما الميراث؟ أم يكون فسخ السلطان لنكاحهما طلاق (1) ولا يقع الطلاق عليها ولا ميراث لها؟ قلت: وهذاقول أبي عبيدة، قال: نعم هو قوله، ألا ترى أن النكاح في قول أبي عبيدة لا يترك على حال (2)
يولد له من غيرهن
(3)
2 ـ قلت: فإن فرق السلطان بين العنين وبين امرأته أتكون الفرقة طلاقاً في قول أبي عبيدة؟ قال: نعم، قلت: أرأيت إن كان عنده جوارى وحراير وهو يصل إلى الجوارى ولا يصل إلى الحراير أيضرب له أجل سنة لكل حرة في قول أبي عبيدة؟ قال: نعم، يضرب أجل سنة لكل واحدة منهن، وإن كان 3 ـ قلت: أرأيت الخنثى والشغار ما قول أبي عبيدة فيه أينكح أم تنكح؟ أم تصلى حاسرة عن رأسها؟ أم تجهر بالتلبية؟ أم ما حالها؟ قال: لست أسمع من أبي عبيدة فيها شيئاً، قال: سمعته يقول: ننظر إلى مبالها فإن كان البول من ذكره فهو غلام، وإن كان يبول من فرجه فهو جارية، لأن النسل حكمه في موضع المبال، ومنه الوطئ فيكون ميراثه وشهادته وكل أموره على ذلك (4)
ـ قلت: وكم يتزوج العبد من الإماء في قول أبي عبيدة؟ قال: سمعته يقول: يتزوج اثنين، وكان بعض أصحابنا يقول: يتزوج أربعة، والقول في ذلك قول أبي عبيدة وبه نأخذ (5)
ه - أرأيت لو أن رجلاً أخبرني أن فلانة حرة فخطبها فزوجنيها غيره فولدت لى أولاداً ثم استحقت الأمة (6)، أيكون لى على الذى أخبرني أنها حرة شيء في
(1) لعل الواو هنا ساقطة فالجواب يبدأ من هنا. (2) الديوان المعروض: 451.
(3) الديوان المعروض: 453. (5) الديوان المعروض: 460.
(4) الديوان المعروض: 458.
(6) لعل المعنى ثم ظهر أنها أمة. (1/395)
صفحة 379
قول أبي عبيدة أم لا؟ قال: لا شيء لك عليه في قول أبي عبيدة (1) 6 ـ قلت: أرأيت الرجل يتزوج المرأة فينظر إلى شعرها، أو إلى صدرها، أو شيء من محاسنها تلذذاً، أو قبل، أو باشر ثم طلق، أو مات إلا أنه لم يجامعها أتحل ابنتها؟ وقد قال الله: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم؟ (2) قال: قال أبو عبيدة: إذا نظر إلى شيء من هذا تلذذاً لم يصلح له أن ابنتها (3). قال
يتزوج
أبو عبيدة: وكذلك الخادم إذا نظر إلى ساقها أو معصمها تلذذاً لم تصلح له ابنتها ولا تحل الخادمة لأبيه ولا لابنه أبداً (4).
، قلت له. قال: نعم
لا
لأنه
7 ـ قلت: أرأيت رجلاً تزوج امرأة بغير إذن الولى استخلفت رجلاً على نفسها، فزوجها ودخل بها الزوج، أيكون هذا النكاح نكاح إحصان في قول أبي عبيدة؟: وهو يجيز هذا النكاح؟ قال: نعم، يثبت فيه الميراث ما لم يفرق الولى بينهما وكل نكاح تكون الفرقة فيه طلاقاً فالمسيس فيه إحصان، فقلت: فهل يحللها وطئ هذا الرجل لرجل طلقها في قول أبي عبيدة إذا فرق بينهما؟ قال: لا (5).
ـ قلت: أرأيت المرأة إذا تزوجت بغير إذن وليها فطلقها بعد الدخول بها، أو قبل الدخول، أيقع الطلاق عليها في قول أبي عبيدة أم لا؟ قال: من قول أبي عبيدة في ذلك: أن كل نكاح لو أجازه الأولياء وغيرهم جاز، فإن ذلك يكون إذا طلاقاً، وأرى أنه في هذا بعينه أن الطلاق واقع عليها، قلت: لم جعل أبو عبيدة هذا الطلاق واقعاً عليها وهو لا يدعها على هذا النكاح؟ قال: لأن فسخ هذا النكاح لم يكن عنده على وجه التحريم للنكاح أصلاً، ولم يكن عنده بالأمر المبين، ولقد سمعته يقول: ما فسخة بالبين ولكنه أحب إلى (6)
فسخ
ومما جاء عنه في فتاوى قتادة بن دعامة السدوسي:
(سئل عن
الابتغاء بأموال اليتيم؟ قال: كان أصحابنا يكرهون أن يحرك مال
(1) الديوان المعروض: 458. (3) الديوان المعروض: 470.
(5) الديوان المعروض: 477.
(2) النساء: 23.
(4) الديوان المعروض: 471. (6) الديوان المعروض: 497.
396 (1/396)
صفحة 380
اليتيم. وكان أبو عبيدة يقول: إذا حركت فما كان من ربح فهو لهم، وما كان من
وضيعة فعلى الذى حركه) (1)
أما رسالته في الزكاة:
فهي أصدق شيء يعبر عن فقهه، ذلك لأنها من تعبيره بنفسه وهي جواب إلى أهل المغرب في الزكاة والخراج وغيرهما، ونأتى منها بنماذج فقط وسنضعها في آخر مبحث هذه الأطروحة محققة إن شاء الله ومما جاء فيها:
1 ـ وأما ما ذكرتم هل لمن جمعه من أمناء المسلمين الذين بين أظهر قومنا سهم أو
كراء؟.
فليس لهم سهم ا
أو كراء إلا أن يكون فقيراً فيأكل بالمعروف على نحو ما يأخذ غيره من الفقراء ليس له غير ذلك، وله أجر ما نوى وقام وعنى لضعفاء.
المسلمين (2).
2 ـ وأما ما ذكرتم من الوالدين هل لهما في عشور أولادهما شيء في جماعة أو
فرادي؟
أما في الجماعة فالجماعة تعطيهم من الجملة، وأما فرادى فلا يحق لهم أخذه ولا يجزى عن أولادهم إذا أعطوهم (3)
3 ــ وأما ما ذكرتم عن الوالد له ولد أو أخ غنى هل يعطون من الزكاة؟ فالقول في ذلك: أنه كان أبوه غنياً أعطى ولا ينظر إلى غنى أبيه، وأما إن كان ولده غنياً وكان يحمله لم يعط. وإن كان الولد لا يحمله وكانت أحكام الإمام ظاهرة يحكم عليه فالسنة لا يعطى، وإن كان في دار تعطل فيها الأحكام وكان الولد عاصياً لم يقم بحق الوالدين أعطى الوالدان بجملة المسلمين ولم ينظروا إلى غنى ولده، هذا بمنزلة رجل غنى أحيل بينه وبين ماله في بلد لا يقدر عليه، وأما الأخ الغنى فلا يحرم أخاه الأخذ (4)
4 ـ وأما ما سألتم. عنه من الشريك يقول: لا أودى أو يقول لا أودى لمن تؤدى أنت
(1) الديوان المعروض (اقرأ أقوال قتادة): 73. (2) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة - رسالة الزكاة: 9/ 8. (4) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة - رسالة الزكاة: 15/ 14
(3) نفس المرجع: 11.
397 (1/397)
صفحة 381
إليه، أو يقول: أودى ولا يذكر أحداً ما قولكم هل يجب على الشريك الآخر غرم سهمه إذا لم يؤده؟ فالقول في ذلك: أنه إذا قال: يؤدى إلى غير من تؤدى إليه أو قال: يؤدى ولم يذكر شيئاً أنه يجزى شريكه ذلك (1)، ويبتدأ من ضمانة وإن قال: لا نؤدى فالشريك ضامن ذلك ويؤدى من ماله للفقراء مثله، وفيه قول آخر: أنه لا ضمان عليه ولا يلزمه فرض فيما ليس له: لأن كل واحد منهم قد بان سهمه عن سهم صاحبه، و به نأخذ إن شاء الله (2)
ه ـ وأما ما ذكرتم هل يبنى بها مسجد إذا استغنى عنها الفقراء، أو داراً للحرب، أو إصلاح طريق، أو غزاة، وما أشبه ذلك مما يراه الإمام والمسلمون، أو داراً
للإمام؟
فالقول في ذلك: أنه لا يحل بناء المسجد من الزكاة، لأنها لا تصرف مصرفاً عما سماه الله فى كتابه نصاً مما أمر الله به، وإنما سبب توجيهها من الله وفرضها لتقوية الفقراء لا لاتخاذ المساجد وغيرها (3)
ومن كتاب جوابات أبي الشعثاء:
ـ الربيع عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة قال: إذا معك الرجل القملة انتقض وضوعه) (4).
2 ـ الربيع قال: سمعت مسلم بن أبى كريمة قال: جاء رجل قارن بين الحج والعمرة فنهاه أبو الشعثاء عن القرآن قال: قد فعلت، قال له: فانطلق وطف بالبيت وصل ركعتين ثم جدد إحراماً آخر، ولم يأمره بالإحلال وقال: أقم على إحرامك (5).
- الربيع عن مسلم عن مجاهد قال: أقبلت من البصرة حتى إذا كنت غير بعيد فتلقاني ابن عمر خارجاً فقال: يا مجاهد أين تريد؟ إنى تركت هؤلاء كفاراً
يضرب بعضهم رقاب بعض)
(7)
وبالجملة فإن آثاره مبثوثة في كثير من الكتب، وعسى أن يقدران لها من يجمع
(1) لعل المقصود وبدأ من ضمانه.
(3) نفس المرجع سابقاً: 25. (5) جوابات الإمام جابر بن زيد: 74. (6) جوابات الإمام جابر بن زيد: 127.
(2) نفس المرجع سابقاً: 19. (4) جوابات الإمام جابر بن زيد: 3.
398 (1/398)
صفحة 382
شتاتها على يد أحد الباحثين ليسهل الرجوع إليها، وإنما أتينا منها ببعض المسائل
ليتبين للقارئ طريقة أبي عبيدة في استخراج المسائل الفقهية من أدلتها
و سنتبين هذه الطريقة ومدى اعتماده على الكتاب والسنة والإجماع وغيرها من أصول الفقه في المبحث الآتي إن شاء الله (1)
المطلب الخامس: الاحتياط في فقهه:
إن فقه الإمام أبي عبيدة يتسم بشيء من الاحتياط في كثير من المسائل الفقهية بجانب الأمور العقائدية، ذلك لأنه كان يعيش بالعراق وهو معروف بكثرة نزعاته العقائدية والفكرية وبالاجتهادات الفقهية، كما أنه موطن مدرسة الرأى، فكان من حكمة هذا الإمام أن يكون المجتمع الأباضى هناك مجتمعاً متماسكاً متشدداً إلى أبعد الحدود، وقد استعمل سلاح الولاية والبراءة في الدين بين الأباضية لئلا تؤثر فيهم الأهواء والنزعات الموجودة بالعراق، فصار كما أراد، وقد أخذ بالاحتياط في كثير من المسائل الفقهية سواء في العبادات أو المعاملات أو الجنايات أو غيرها، وكان فيه شيء من التشدد في الفتوى (2).
ولنذكر الآن بعض النماذج التي تدل على هذه الظاهرة:
أولاً: العبادات:
أ ـ الطهارات والصلاة:
1 ـ لم يأخذ أبو عبيدة بحديث أبي بن كعب الذى رواه بنفسه بالبلاغ في عدم وجوب الغسل من الجنابة بعدم الإنزال ولو التقى الختانان، وعقب على هذا الحديث بقوله: والله أعلم بما يروى عن أبي بن كعب، وهو من علماء الصحابة
وفضلائها (3)
(1) سيأتي هذا المبحث بعد المطلب الموالى إن شاء الله. (2) حكى أن رجلاً اسمه خيار بن سالم الطائى من سمائل بعمان قال لأبي عبيدة: إذا جاوزت نهر البصرة فأنا أفقه منك، لو كنت نبياً ما أجابك أحد، أنت شديد على الناس، فضحك أبو عبيدة من كلامه ذلك، والمعنى أنه لا يتساهل في مسائل الرأى. انظر: الدرجيني ـ طبقات: 239 .. الحارثي ـ العقود: 148.
-
(3) الجامع الصحيح: 38 .. الحديث حديث الماء من الماء - رواه البخارى بالمعنى في كتاب الوضوء باب نواقض =
399 (1/399)
صفحة 383
وإنما أخذ برواية عائشة، وأم سلمة زوجى النبى الله بأن الغسل واجب بالتقاء
الختانين
(1). وكذلك حديث: إذا قعد المرء بين شعبها وجب الغسل (2)
وذلك لأجل الاحتياط في غسل الجنابة خروجاً من الخلاف. 2 ـ ألزم على الجنب أن يغسل ما خفى من البدن ولو يسيراً مثل الرفغين، والمابضين، والمسربة، والسرة قياساً على الفنيكة، والعنفقة والعنقفة (3) الواردة في حديث جابر بالبلاغ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرني حبيبي جبريل عليه السلام أن أغسل فنيكتي وعنفقتي وعنقفتى عند الجنابة) (4)
وذلك لئلا يهمل شيئاً من جسده عن إصابة الماء عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «تحت كل
شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر» (5)
3 ــ يحكى أبو سفيان محبوب بن الرحيل أن الإمام أبا عبيدة رحمه الله كان يتخذ
= الوضوء: 1/ 93 ـ وأخرجه مسلم في كتاب الحيض باب إنما الماء من الماء: 269/ 1 ـ وروي حديث نسخه: 271 - النسائي كتاب الطهارة باب الذى يحتلم ولا يرى الماء: 115/ 1 أبو داوود كتاب الطهارة باب في
الأكسال: 56/ 1 (1) الجامع الصحيح: 38 .. إذا التقى الختانان وجب الغسل: أخرجه البخاري عن علي، والزبير وأبي بن كعب كتاب الوضوء باب نواقض الوضوء: 93/ 1 ووجوب الغسل بالتقاء الختانين: 272/ 1، وأخرجه مسلم في كتاب الحيض باب نسخ الماء من الماء - النسائي - كتاب الطهارة باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان: 110/ 1 - أبو داود - كتاب الطهارة باب الاكسال بلفظ وإذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسله:
(2) الجامع الصحيح: «إذا قعد المرء بين شعبها وجب الغسل أخرجه البخارى من كتاب الغسل باب إذا التقى الختانان: 133/ 1 رواه مسلم في كتاب الحيض باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل إذا التقى الختانان: 271/ 1 - النسائى كتاب الطهارة باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان: 1/ 111/110 - أبوداود كتاب الطهارة ــ باب في الأكسال: 56/ 1.
(3) فسر الربيع هذه الكلمات بقوله: الفنيكة: هي المسربة التي في وسط الشارب، والعنفقة: هي المسربة التي في الرقبة من خلف قفاء الرأس، والعنقفة: هي الشعيرات المتحازة من اللحية تحت الشفة السفلى، والرفغان: ما بين الذكر والفذين، والمابضان: ما تحت الركبتين، والمسربة: هي التي فصلت الصدر إلى السرة ـ الجامع الصحيح:
40/ 39
(4) الجامع الصحيح: 39 ــ ولم اهتد إلى تخريجه.
(5) نفس المرجع والصفحة: الحديث: «تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر ونقوا البشرة) النسائي كتاب الطهارة باب الابتداء بالوضوء في غسل الجنابة بلفظ: وإذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده:
206/ 205 .. ابن ماجة: اللفظ كتاب الطهارة وسننها ـ باب تحت كل شعرة جنابة: 196/ 1.
400 (1/400)
صفحة 384
جوارب حال الصلاة لئلا تصيب مذاكيره مواضع الوضوء من رجليه، وعندما علم حيان الأعرج (1) بذلك قال: لقد أشقانا الله في ديننا إن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة (2)،، والقصد من ذلك الابتعاد عن نقض الوضوء بمس المذاكير للرجلين، وهذا يدل على شدة الحوطة والأمر أهون من ذلك، لأن هذا ليس مساً باليد وإنما لأن الصلاة تقوم على الطهارة فأمرها عظيم
ـ كان أبو عبيدة شديد الاحتياط والتوقى في الصلاة لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فإذا صلحت صلحت العبادات الأخرى، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتربى التقوى والخشوع عند المسلم الوفى، وقد رأينا كيف يتوقى من انکشاف عورته في الصلاة، أو إصابتها لمواضع الوضوء من رجليه. وهناك مثال آخر للحذر والتحرز، فإنه بعد صحة الرواية عنده في تحريم كلام الآدميين في الصلاة كان لا يرى جواز القنوت فيها، لأنه كلام خارج عن ألفاظ الصلاة وهو من كلام الآدميين، وإذا صح عن النبي الله فعله فإنما كان لعارض ولم يداوم عليه، وبالتالي فإنه ناقض للصلاة عنده لكونه زيادة على ما في الصلاة
-
ويقول بنقض صلاة من يصلى خلف من يقنت وهو يعلم بذلك، أما إذا دخل عنده وهو لا يعلم فلا نقض عليه، روى أنه خرج هو و - وحاجب أبو مودود الطائي إلى الحج، فلما كانا بالأبطح من مكة حرمها الله ـ قادمين من البصرة وجدا جماعة يصلون الصبح فصلوا معهم، فقنت الإمام فلما فرغا الصلاة افتقد أبو من عبيدة حاجباً، فسأل عنه فقيل له: خرج. فقال لعل اللحياني ـ وكان حاجب كبير اللحية - يريد أن يعيد الصلاة فإنه ليس علينا إعادة لأننا
لم نتعمدهم
(3)
،
وذلك احتياط لئلا يدخل شيء من كلام الآدميين في الصلاة، ومن المتفق عليه عدم نقض الصلاة بترك القنوت، ولكن القنوت مختلف في نقض الصلاة به، فالأخذ بالمتفق عليه أحوط من المختلف فيه.
ب ـ الصيام:
1 – إيجابه الإفطار على من أصبح جنباً في الصيام إذا لم يكن باحتلام في نهار، أو جنابة نام عنها على أمل أن يقوم قبل الصبح للاغتسال، ومع عدم التواني بعد
(1) صيان الأعرج.
(2) الشماخي - من اخي - سير: 79/ 78/1.
(3) انظر: شرح الجامع الصحيح: 311/ 1. (1/401)
صفحة 385
قيامه من النوم، وذلك أنه روى عن جابر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله:: (من أصبح جنباً أصبح مفطراً) (1) وحكاه أبو عبيدة عن جملة من أصحاب، وعن عروة بن الزبير والحسن البصرى، وإبراهيم النخعي، إذ هو، وذلك لأن هذا الخطاب للأمة وهو عام والفعل خاص به، إذ ليس ينسخه إلا قول
النبي
مذهبهم (2)
فعله هذا من قبيل ما ينسخ به القول لأنه مستتر، ولأن القول لا
مثله، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بالإجماع (3).
-2
لا يعذر الجاهل الذي ظن جواز الأكل بقية اليوم الذي أكل فيه بالنسيان جهلاً بالحرمة، فأوجب عليه القضاء والكفارة وصيام ما مضى، لأنه أكل عامداً فلا فرق بينه وبين من أكل متعمداً لأول مرة
روى أبو المؤرج والربيع ووائل عن أبي عبيدة في رجل أكل وشرب أو وطئ ناسياً، فذكر صومه فظن أنه حين فعل فسد صومه فأكل متعمداً، أنه فسد ما مضى من صومه، وعليه القضاء والكفارة لأنه أكل ولم يكن مفطراً بالنسيان (4). 3 ـ عندما أصابه الفالج أفطر أياماً من رمضان وأطعم من كل يوم مسكيناً، ثم أنس في نفسه صحة فصام بقية الشهر، ولكنه صام شهر شوال كاملاً عدا العيد يوم الذي أفطره، وهذا ليس بواجب، وإنما عليه قضاء ما أفطره فقط، من والظاهر أنه احتاط بصيام بقية الشهر (5).
-
بدلاً
(1) الحديث: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً ـ أخرجه البخاري في كتاب الصائم يصبح. جنباً: 69/ 3 ـ مسلم كتاب الصيام باب صحة الصوم من طلع عليه الفجر وهو جنب: 2/ 780.
(2) المرجع السابق: 20/ 2 - رواه الموطأ عن رسمى مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن مولاه عن أبي هريرة، وزاد في آخره من قول أبي هريرة عندما سئل عنه إنما أخبرنيه مخير. انظر الموطأ: 290/ 1 وقال شارح الجامع في مسلم: قال أبي هريرة: سمعت ذلك من الفضل بن عباس. وكذلك في البخاري قال: وعلى كل حال فهو ثابت الإسناد ومشهود الصحة، وكون أبي هريرة لم يسمع من رسول الله له بل من الفضل لا يضره، لأن مرسل الصحابي مقبول إجماعاً ـ انظر شرح الجامع: 20/ 2.
(3) شرح الجامع الصحيح: 21/ 2. (4) المدونة الكبرى: 330/ 1 - لكن أبا المؤرج في مقابل ذلك قال: سألت أبا عبيدة عن رجل جامع امرأته في رمضان متعمداً، قال: يتم صومه ذلك اليوم وبطل ما مضى ولا كفارة عليه، وهذا يدل على أن أبا عبيدة لا يقول بالقياس فى الكفارة، فكان هذ من قبيل القياس وذلك من قبيل الجهل ولا عذر عنده بالجهل، انظر المرجع السابق:
327
(5) الديوان المعروض: 74.
402 (1/402)
صفحة 386
وفي باب النكاح:
-
خوفاً
يكره زواج الرجل بالمرأة التى أدخل يده تحتها فأنكرت إنكاراً تاماً، وذلك من الشبهة وإمعاناً في الاحتياط. روى أبو سفيان قال: (قال المليح: دخلت أنا وعبد الملك الطويل. على أبي عبيدة فسألناه عن رجل أدخل يده تحت امرأة فأنكرت إنكاراً تاماً ونهضت له أن يتزوجها، فقال أبو عبيدة: إنها الفروج يا أبا نوح، قال: صدقت، ولكن أفتى بها جابر، فقال: إنها الفروج، فقال: نعم) (1).
2 ـ يحرم زواج المرأة ممن زنى بها ويقول: إنها محرمة حرمة أبدية، فإذا كان الله قد شرع اللعان بين الزوجين وهما في حالة عصمة، وحرم الفقهاء نكاح الواهلة في عدتها، وهي في حالة غلط، فمن باب أولى أن تحرم المزني بها على من زنى بها، هذا من حيث القياس، فكيف وأن الله حرم الزاني على الزانية بالقرآن (2). 3 ـ يقول: بعدم المنع من زيادة الرضاع للطفل على الحولين احتياطاً إلى مدة أربع سنين، وجعله محرماً للنكاح في هذه المدة، لأنه يعتبره في غير فصال خلال هذه المدة، وقد تفرد بهذا القول بين الأباضية (3)، وقد قال الإمام مالك بزيادة الشهر والشهرين (4).
يثبت النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثاً، وهو قول عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة، وقال به أبو المؤرج، وابن عبد العزيز من تلاميذ الإمام أبي عبيدة (5)، وخالفهم ابن عباد وكثير من الصحابة والتابعين)
وفي جانب المعاملات:
(7)
1 - عرضت مسألة فيمن اكترى دابة إلى موضع معلوم، فجاوز المكترى ذلك الموضع فتلفت الدابة: فأجمع جميع المشايخ الحاضرين في خباء أبي عبيدة في موسم
(1) الشماخي - - سير: 83/ 1.
(2) المدونة الكبرى: 36/ 2/2 أجوبة ابن خلفون: 35 وما بعدها، الأباضية في موكب التاريخ: القسم الأول:
111
(3) المدونة الكبرى: -: ج 254/ 2
(0) المدونة الكبرى: 64/ 2
(4) ابن رشد ـ بداية المجتهد: 37/ 2. (6) نفس المرجع والصفحة.
403 (1/403)
صفحة 387
2 -
الحج، وعندهم مشائخ من البصرة وحضرموت، ومن المدينة وغيرها، فقالوا: عليه القيمة وليس عليه كراء، ولا يجتمع الكراء والقيمة، فلما حضر أبو عبيدة قال: عليه القيمة والكراء، وذلك لأن الكراء ثابت بالعقد السابق بين المكرى والمكترى، وأما القيمة فبمخالفته شروط العقد وتجاوزه الموضع المحدد (1) وخالفه من تلاميذه الربيع وابن عبد العزيز أيضاً في ذلك (2)
فقال الربيع: عليه القيمة فقط ولا كراء عليه، ولا يجتمع الكراء والقيمة، وقال ابن عبد العزيز: عليه غرم ما زاد على المكان المحدد وعليه الكراء.
،
الذي
ويرى أبو عبيدة أن الحيازة التى لا يدرك صاحبها العقار الذي عمره الحائز له وهو يراه حين يعمره مدتها عشرون وسنة لأجل الاحتياط، وكان هذا القول هو يفتي به حتى آخر عمره حسبما ذكر عنه أبو المؤرج في المدونة (3). وفي مجال السياسة الشرعية:
أ ـ البيعة:
-
1 ـ سئل الربيع عن رجل إذا أخذه الأمير فقال له: احلف بالعتق والطلاق ومالك للمساكين صدقة، وعليك المشى إلى مكة إن أنت لم تخلص الطاعة لي وتعادى عدوى، وإلا قتلناك، فحلف على ذلك فهل يلزمه ما قال في امرأته ورقيقه وصدقة ماله؟
فأجاب الربيع فيها بجواب الإمام أبي عبيدة حيث قال: (كان أبو عبيدة يقول: إذا جاءه الأمر مفاجأة فأخذوه وقدموه فقالوا احلف لنا بهذا وإلا قتلناك، فليس عليه شيء، وأما إن علم أن الناس يبايعون ويحلفون فوجد مذهباً ومهرباً ولم يذهب ولم يهرب فأقام في البلد حتى أخذوه فاليمين له لازم (4). فأخذ الحوطة في عدم إثبات البيعة على نفسه واجب، وذلك اعتبره مضيعاً في عدم التماس المخرج والذهاب من البلد إذا وجد مخرجاً، فألزمه الحنث في اليمين
لأنه
لذلك
(1) انظر: الشماخي - سير: 90/ 1. (3) المرجع السابق: 254.
(2) انظر: المدونة الكبرى: 130/ 2.
(4) کراس مخطوط بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب جربه: 79، المدونة الكبرى: 232/ 2.
404 (1/404)
صفحة 388
ب - العمل مع الخلفاء:
1 - روي عبد الله بن عبد العزيز أن رجلا من العمال مع بني أمية قال لرجل من
المسلمين (الأباضية): تعال عندى حتى أثبت اسمك في الديوان وأنا آخذ عطاءك وأكفيك أمر البيعة، أو يقول: اعط من بعض عطاءك هذا أخي يدفع عنك البيعة، وتأخذ أنت هذه الدراهم عفواً.
فأتيت أبا عبيدة فسألته فقال: لا تأتيهم ولا تقربهم ولا خير لك في هذا
فتركته (1) .. وذلك خوفاً من التعامل مع المغتصبين للسلطة واحتياطاً للدين.
2 ـ حكى الربيع بن حبيب: أن رجلاً استعمل على عمل في بعض الدور في البصرة، فأراد رجل المسلمين أن من يصحبه في الطريق، أو أن يخرج معه قال: الربيع: فقلنا له: من أمرك أن تخرج مع هذا الرجل العامل، فقال بعض الناس: أبو عبيدة رخص له في ذلك، قال الربيع: فأتيت أبا عبيدة فسألته: أنت أمرت بكذا و كذا؟
تسعاً
فقال: لا، لم آمره بشيء من ذلك، ثم قال أبو عبيدة: (قال في المثل: إن لي وتسعين خدعة فليس منها باب خيراً من أن لا يراني الكلب ولا أراه وكذلك المسلم ليس له خير من أن لا يراهم ولا يرونه، والله إني أخاف على
مؤذنهم أن لا يسلم في الآذان فكيف غير المؤذن)
(2)
فهذا الجواب من الإمام أبي عبيدة يرينا بوضوح مدى تنفيره من التقرب إلى العمال، وذلك من عدة أوجه:
الأول: نفيه عن نفسه أن يكون آمراً لرجل بمصاحبة العامل.
الثاني: ضربه المثل لمن يعمل مع هؤلاء العمال الذين عناهم بالمحتال على السرقة، وليس منها أشد. احتياله على كلب الحراسة، فكذلك العمل مع هؤلاء العمال أراد من
أن
يبتعد عنه المسلم لئلا يختلط بهم.
الثالث: خوفه على من يعمل معهم من سوء العاقبة ولو كان مؤذناً، فكيف بمن كان يعمل فيما هو ذلك وأكثر انهماكاً في أمور الدين.
(1) نفس المرجع والصفحة: 26.
أشد
من
(2) کر اس مخطوط بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب بجربه: 26. (1/405)
صفحة 389
وهذا من خالطهم في دينه ندم.
الاحتياط في الدين بمكان كبير، لأن
من ابتعد عنهم سلم، ومن
3 ـ سئل الربيع أيضاً عن رجل عامل مع الأمير أخذ من رجل حايطاً رشوة، لأن العامل أراد أن يغزو بابنه فمحا اسم ابنه ولم يغز به، وأخذ الحايط رشوة فمات الوالد، فقال العامل لابن المعطى: اشتر منى هذا الحائط الذي أخذت من أبيك، فاشتراه منه دون الورثة؟ قال الربيع: ليس له أن يشترى منه شيئاً دون الورثة (1). هذا أن الفترة التي عاشها أبو عبيدة، والربيع بالبصرة كانت من حرجة للغاية إلى درجة تفشى الرشوة بهذه الصورة التي ذكرها، فاحتاطوا في قطع هذه المادة لئلا يتعامل ابن المعطى مع العامل فيما ارتشاه مقابل محو اسم ذلك الابن من جند الجهاد، فيكون كالمتعامل مع الغاصب، وبالطبع فإن جواب الربيع يدل على رأى شيخه أبي عبيدة لأنه أخذ
نلاحظ
جـ ــ التعامل في الأموال:
عنه
1 ـ لم يكن أبو عبيدة يقبل الهدايا من الأمراء، وكان يشدد في ذلك كثيراً، ويؤثر أن كثيراً من الفقهاء قبلوها من المنصور منهم الإمام مالك بن أنس (179 هـ)، وابن سمعان (2)، وغيرهم. 2 ـ كان يتشدد كثيراً في أمر الزكاة وجمعها، ولم يرخص للعاملين أن يأخذوا شيئاً ماداموا سعاة، إلا علف دوابهم ونفقتهم أنفسهم، فإذا فرغوا أدوا ما جمعوه إلى بيت مال المسلمين (3)، وكذلك الوالى لا يأخذ إلا نفقته على أهله ونفسه قبل أن يتولى أمر المسلمين، احتجاجاً بعمل أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، فلم يأخذوا إلا نفقتهما وكسوتهما ونفقة عيالهما (4) ولم يرخص أيضاً في بناء المساجد منها، أو لشراء المصاحف والكتب، وجعل سبيل الله الجهاد فقط، وذلك للالتزام بما حدده الله في كتابه من تسميته الثمانية وليس منها بناء المساجد والمدارس والكتب (5)
(1) كراس مخطوط بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب: 22. (2) ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة: 144/ 2 ولم أحصل على ترجمة ابن سمعان.
(3) رسالة الزكاة: 5.
(4) رسالة الزكاة: 6.
(5) رسالة الزكاة: 25.
الأصناف
406 (1/406)
صفحة 390
ـ لا يجوز حبس الأموال في سبيل الله، وقد سئل أبو المؤرج عن هذه المسألة فقال:
سئل أبو عبيدة عن ذلك وأنا جالس عنده فقال: قال ابن عباس: إنما كان الحبس قبل أن تنزل سورة النساء، فلما نزلت سورة النساء نسخت الفرائض الحبس، وأجاز تلميذه ابن عبد العزيز حبس | الأموال في سبيل الله للجهاد، وإعلاء كلمة الإسلام، وجهاد أهل الأهواء المضلة، والبدعة الجائرة، والذين يعملون المعاصي وينتهكون حرمات الله ويدينون بذلك (1)
وفي مجال إبلاغ الدعوة وإنكار المنكر:
:
1 ـ يقول الإمام أبو عبيدة: إن الدعوة غير منقطعة إلى يوم القيامة، فلا يجوز للإمام أن يحارب قوماً حتى يدعوهم إلى دين الله وطاعته، قال ابن عمر، والحسن البصري: إن دعوة النبي الله لقد تمت في حياته، وانقطعت بعد موته، فلا دعوة وفي قول الإمام أبي عبيدة احتياط أكثر لئلا يقاتل قوماً لو دعاهم إلى الإسلام أو الطاعة لدانوا، فلا ينبغى التسرع في سفك الدماء قبل إيصال الدعوة
اليوم
،
(2)
إلى أهلها.
من
2 ـ ويرى الإمام أبو عبيدة: أن تسبب في قتل مسلم جاز قتله سراً أو علانية. حكى أبو سفيان عن وائل بن أيوب الحضرمي أنه لما قدم معن بن زائدة اليمن، وقتل من قتل من المسلمين، وذلك في زمان أبي عبيدة، وكان رجل يدعى زجراً الحضرمي (3) قد هرب إلى قلعة استخفاء من معن، وكان لزاجر ابن عم له منزلة كبيرة عند معن فاستأمنه على زجر فأمنه، فلما قدم به ابن عمه قتله، فسألنا أبا عبيدة عنه فقال: يقتل سراً أو علانية، فقالوا له: لا نتهمه على ابن عمه فقال: أيعرف أن معناً يقتل بعد أن يؤمن؟ قلنا: نعم، قال: يقتل سراً أو علانية، وذلك لأجل التوقى والاحتياط من التسبب بأى سبب في سفك دماء الأبرياء من
المسلمين (4).
هذا
ومن يتصفح فقه الإمام أبي عبيدة يجد الكثير من أمثال هذه المسائل التي
(1) المدونة الكبرى: 186/ 2
(2) الجامع الصحيح: 206.
(3) قال الشماخي عنه: ومنهم زجر الحضرمي، قال أبو سفيان: كان ذا فضل وعبادة وورع، انظر: الشماخي ـ
سير: جـ 152/ 1
(4) الشماخي - سير: 107.
407 (1/407)
صفحة 391
يأخذ فيها بالأحوط والأحزم من الأقوال، بفضل قدرته وملكته الفقهية، ولأجل حمل الأباضية يومئذ على الأخذ بما هو أليق بمجتمعهم المتماسك في عدم التهاون بأمر الدين
والسلوك.
ولا شك في أن الإمام أبا عبيدة كغيره من الفقهاء كثيراً ما يوافق شيوخه وخاصة أبا الشعثاء، وشيخه ابن عباس، ولكنه يخالفهم أيضاً، كما أن تلاميذه يوافقونه في أكثر أقواله، وقد يخالفونه في بعض المسائل فضلاً عن غيرهم من الفقهاء في عصره، وهذا ما سنقوم بالكشف عنه في المبحث الأول من الفصل الثاني إن شاء الله (1)
(1) انظر: ص 465 من هذا البحث وما بعدها.
408 (1/408)
صفحة 392
المبحث الثاني
منهج الإمام أبي عبيدة الفقهي
409 (1/409)
صفحة 393
تمهيد:
إن الشريعة الإسلامية منذ أن قامت قامت على أساس متين، ودعائم ثابتة لا تزعزعها الأحداث، ولا تتبدل على طول الزمان، ألا وهو القرآن وهو كتاب الله الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة النبوية الشريفة وهي أقواله عليه الصلاة والسلام وأفعاله وتقريراته.
وقد اغترف منها علماء المسلمين عامة ما يروى ظمأهم ويشفى صدورهم، وما ينير الطريق أمام المسلمين جميعاً فأناروا السبيل وبينوا الدليل، ونصبوا الحجة
وأوضحوا المحجة ساطعة فكانت الشريعة الإسلامية واضحة المعالم ليلها كنهارها.
ومن بين هؤلاء العلماء الفقهاء الذين اشتغلوا بعلم الفقه الإسلامي فسلك كل الأخذ هذه الأدلة واحد منهم في من بما يترأى له في الأمور المختلف فيها بعد اتفاقهم
على النصوص والمبادئ العامة للشريعة التي لا يصح الخلاف فيها،، أما فيما وراء ذلك فقد سلك كل واحد منهم مسلكاً ارتضاه لنفسه، وأول من قام بهذا الجهد من النظر والاستدلال الصحابة رضوان الله عليهم، ومن بعدهم التابعون وتابعوهم، واشتهر جمع من الفقهاء ومن بينهم أئمة المذاهب الأول.
بذلك
وكان للإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمى البصرى وهو محل هذا البحث نصيب في هذا الشأن، إذ يعتبر من أئمة التابعين، ذلك لأنه له مسلك في الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع وغيرها من الأدلة، ظهر ذلك من اجتهاداته وفتاويه
وأعماله.
ولذا رأينا أن نعقد هذا المبحث لبيان المنهج الذي سلكه هذا الإمام في الأخذ بالأدلة الشرعية للاستدلال والاستنباط الفقهيين ليتبين للقارئ طريقة الاجتهاد عنده، وذلك لأن كل إمام من أئمة الفقه له طريقته الخاصة ونظرته المنفردة في الأخذ
بالنصوص
الشرعية والاستفادة منها
وقد قسمت هذا المبحث إلى أربعة مطالب حسبما يقتضيه المقام وتمليه الضرورة.
وإليك بيان ذلك: (1/411)
صفحة 394
المطلب الأول: أخذه بالقرآن الكريم:
القرآن عند أبي عبيدة هو كلام الله ووحيه وتنزيله على نبيه الله بلفظه ومعناه. ولم يؤثر عنه شيء في أن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق لأن فتنة خلق القرآن لم تكن في عهده، كما أنه لم يؤثر عنه أنه قسر شيئاً من القرآن برأيه، بل كل ما ورد عنه من تفسيره لبعض الآيات فإنما كان عن طريق الرواية عن جابر، أو عن الصحابة رضوان الله عليهم فهو فى هذا المجال من جملة السلف الذى يحذرون من تفسير القرآن
بالتأويل مخافة القول على الله بغير علم، وسأبين منهجه تجاه أحكام القرآن: 1 - تخصيص العام:
يرى أبو عبيدة جواز تخصيص العام بالعقل كقوله تعالى: والله خالق كل شيء (1)، حيث أخرج ذاته تعالى، وكقوله تعالى: و كل من عليها فان (2)، حيث أخرج ذاته أيضاً، وأخرج الجنة والنار. ويرى أيضاً تخصيص كتاب بالكتاب كقوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (3)، لأن الآية عامة في كل مطلقة، وخصصتها آية سورة الطلاق، وهي قوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (4) تخصيص لها من وجه إذا كان الوضع هو الأجلين (5)، كما أنه يخصص عموم آية سورة الطلاق فى عدة الحامل بآية البقرة في عدة المميتة الحامل التي ولدت قبل أربعة أشهر وعشراً، عملاً بالدليلين فبين الدليلين عموم و خصوص وجهى، وهذا هو مذهب ابن عباس، وعلى (6)، وقال أبو عبيدة: (هو قول الله عز وجل في كتابه (7).
، وهو
أبعد
ويرى جواز نسخ القرآن بعضه ببعض، حيث سئل أبو عبيدة: عمن يجعل داره أو أرضه أو شيئاً من ماله حبساً في سبيل الله، فحكى أبو المؤرج أنه أجاب وهو جالس عنده فقال: قال ابن عباس: (إنما كان الحبس قبل أن تنزل سورة النساء، فلما
(1) الرعد: 16، الزمر: 62
(2) الرحمن: 26.
(3) البقرة: 288.
(4) الطلاق: 4.
(5) الربيع ص: 147، شرح الجامع: 122/ 121/3.
122/ 3:
(6) شرح الجامع: 3
(7) الجامع الصحيح: 147.
412 (1/412)
صفحة 395
نزلت سورة الن النساء نسخت الفرائض الحبس) (1)
ويري
أيضاً.
جواز تخصيص القرآن بالسنة سواء كانت متواترة كتخصيص القاتل
من عموم توريث الأولاد في قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم} (2) بقوله: «القاتل لا يرث» (3)، وكرجم الزاني المحصن في قصة ما عز من قوله تعالى: الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة كم (4)
وكتخصيص عموم جواز الوصية للوارث وغيره بقوله: «لا وصية لوارث (5)، وكتخصيص آية الميراث لقوله الله: «لا يقسم ورثتى ديناراً ولا درهماً ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملى فهو صدقة (6)، وكقوله تعالى: {أحل لكم ما وراء ذلكم (7) بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، وقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (9) ويري جواز تخصيص عموم القرآن بالإجماع كقوله تعالى: الزانية والزاني (10) كتنصيف جلد العبد والأمة وكون طلاقها وعدتها وغير ذلك مما ورد
ولا
بين
بإجماع
وخالتها» المرأة
الأمة
(^)
(1) أبو غانم - المدونة الكبرى: 186:2.
(2) النساء: 11.
(3) الجامع الصحيح: 176. القاتل لا يرث أخرجه الترمذي في كتاب الفرائض - باب إبطال ميراث القاتل: 425/ 4 .. ابن ماجة واللفظ له: كتاب الفرائض - باب ميراث القاتل: 913/ 2 - الديات ـ باب القاتل لا يرث:
883/ 2
(4) النور: 2.
(5) الجامع الصحيح: 176. ولا وصية لوارث أبو داوود: ما جاء في الوصية للوارث: 114/ 3، النسائي: كتاب الوصايا ـ باب إبطال الوصية للوارث: 247/ 6. (6) الجامع الصحيح: 176. ولا يقسم ورثتى ديناراً ولا در همان قول النبي الله لا نورث ما تركناه فهو صدقة: 1379/ 3 - أخرجه مسلم، الجهاد والسير باب / .. أحمد: بن حنبل واللفظ له ولكنه أسقط درهماً:
464/ 376/2
(7) النساء: 23.
(8) الجامع الصحيح: 139. ولا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتهاه أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب لا تنكح المرأة على عمتها: 314/ 6 .. مسلم كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح 1028/ 2 .. النسائى كتاب النكاح تحريم الجمع بين المرأة وعمتها: 97096/ 6 .. أبو داوود كتاب النكاح باب ما يكره أن يجمع بين النساء: 224/ 2. (9) الجامع الصحيح: 141. يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أخرجه البخارى: كتاب النكاح باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم: 314/ 6 .. مسلم كتاب الرضاعة ما يحرم من الولادة: 1067/ 2 .. النسائي كتاب النكاح ما يحرم من الرضاع: 99/ 6 أبو داوود: كتاب النكاح باب (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب): 221/ 2. (10) النور: 2.
413 (1/413)
صفحة 396
لأنه
مجملاً فى القرآن نصف الأحرار كما كان أبو عبيدة يخصص النص العام بالقياس المستند إلى حديث صحيح، وذلك كمثل نهيه عن بيع القمح بالشعير نسيئة، وذلك ربا لا يجوز (!). فالآية المحللة للبيع عموماً وهى قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا (2) عامة في جواز كل بيع، وقد جاء النهي في الحديث الصحيح عن البر بالبر وغيره نسيئة وهو قوله لله ولا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة. بيع ولا البر بالبر، إلا مثلاً بمثل ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير» (3) فهو صريح في النهى. فتحريم بيع القمح بالشعير إنما هو بالقياس على بيع البر بالبر نسيئة، ولهذا مخصصاً لعموم الآية عنده.
صار
وأبو عبيدة أيضاً يخصص عموم القرآن لغوياً بالعرف والعادة فقال تعالى: تدمر كل شيء بأمر ربها (4) إنما يقصد بها تدمير ما يقضى به العرف والعادة من أملاك قوم عاد التي ينتفعون بها، لا السموات والأرض والجبال والبحار وغيرها. إذ أن العرف والواقع يقضيان بأن كلا من هذه الأشياء بقى على حاله، فكان العرف بهذا مخصصاً لعموم اللغة في القرآن.
عموم
هو
من جمهور فقهاء
أما الأمر والنهي عند أبي عبيدة فهما للوجوب لغة وشرعاً، ويظهر ذلك من استقراء رواياته في الجامع وفتاويه في المدونة " نة كما الحال رأى الأمة (5)، وأحياناً يؤوله على الاستحباب والندب لأجل وجود قرينة في السياق والمعنى، أو تقتضيه قواعد الشريعة الإسلامية، ففى روايته الحديث سجود السهو عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم إذا قام يصلى جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته، حتى لا يدرى كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس» (6) تعقب هذا الأمر بالسجود من رواية الربيع بقوله:
(1) المدونة الكبرى: 118/ 2.
(2) البقرة 275.
(3) الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح: 154، والحديث رواه البخارى فى كتاب البيوع باب بيع الفضة بالفضة، باب بيع الذهب بالذهب: 154/ 3، مسلم - كتاب المساقاة، باب الربا: 1208/ 2، النسائي ـ كتاب البيوع ـ بيع البر بالبر بلفظ: «نهانا رسول الله له عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر قال: أحدهما والملح بالملح ولم يقله الآخر إلا مثلاً بمثل يداً بيد -: /
(4)
الأحقاف:
25:0
TV?/V:-
(5) السالمي - عبد الله بن حميد السالمي - طلعة الشمس: 40/ 1. (6) الجامع الصحيح ص: 66. وإن أحدكم إذا قام يصلى جاءه الشيطان فيلبس عليه صلاته. حتى لا يدرى كم صلى ... إلخ» أخرجه البخاري في كتاب السهو باب إذا لم يدر كم صلى: 152/ 2 .. وأخرجه مسلم كتاب =
414 (1/414)
صفحة 397
ذلك إذا كان الرجل خلف إمامه، وأما إذا كان وحده فليعد صلاته) ولعله نظر إلى القرينة لحمل الأمر بالسجود على صلاة الجماعة لأن المأموم فيها تبع للإمام. وكحمله الأمر على الندب أيضاً للقرينة في حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله أن يأمر غلامه بلبس ثوبيه الجديدين، حين رآه عليه الصلاة والسلام لابساً ثوبين خلقين، فسأل جابراً عنه هل له غيرهما؟ فأجابه بنعم، فأمر جابراً أن يأمره بلبسها، فحمل أبو عبيدة ذلك الأمر على الندب، وقال: هذا ترغيب من النبى الله للمسلمين في التزين باللباس الحسن (1) .. وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن رسول الله تصيبنى الجنابة من الليل ماذا أصنع؟ فقال له الرسول: «توضأ واغسل ذكرك ثم نم» (2) فقد حمل أبو عبيدة الأمر فيه على الوضوء اللغوى، وهو غسل اليدين، ولم يحمله على الوضوء الشرعى، وعلل شارح الحديث ذلك بأن هناك قرينتين تمنعان إرادة الوضوء الشرعي، الأولى: أن إيقاع الوضوء من قبل غسل الذكر حسب ظاهر الحديث لا يمكن لوجود النجاسة. والثانية:: أن مس الذكر بعد الوضوء ناقض له ولو من غير نجاسة (3).
الخطاب حين
ها الله
سأله.
وسواء كان الأمر بصيغته المعروفة أم بطريق آخر كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (4)، حيث قال أبو عبيدة: ذلك ترغيب من النبي عله في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله) (5)
فهو يعتبر القرائن مع النظر إلى مقاصد الشريعة، لأنه قريب عهد بالصحابة الذين عندهم العلم بأسباب التشريع.
أما النهى فهو عنده للتحريم والاستمرار إلا إذا وردت قرينة تصرفه عن ذلك،
السهو باب اتباع المصلى على ما ذكر إذا شك بلفظ «إذا شك أحدكم في صلاته فليدع الشك وليبنى على اليقين، فإذا استيقن بالتمام فليسجد سجدتين وهو قاعد، فإن كان صلى خمساً شفعتا له صلاته، وإن صلى أربعاً كانت ترغيماً للشيطان: 37/ 3.
(1) الجامع الصحيح: 73 ـ ولم أهتد إلى تخريجه من الصحاح الأخرى. (2) توضأ واغسل ذكرك ثم نم، رواه البخارى بألفاظ مختلفة في كتاب الغسل باب الجنب يتوضأ ثم ينام: 132/ 1 أبو داود ـ كتاب الطهارة - باب في الجنب ينام: 57/ 1 - النسائي - كتاب الطهارة ـ باب وضوء الجنب وغسل ذكره إذا أراد أن ينام: 140/ 1 (3) شرح الجامع الصحيح: 101/ 11. (4) الجامع الصحيح: 66. (5) مسند الربيع: 29.
415 (1/415)
صفحة 398
،
لأن القول بغير ذلك فيه إغراء بالفعل، بل هو للتحريم الجازم مع عدم القرينة الصارفة وسواء كان النهى حقيقياً باللفظ والمعنى كلا تفعل أو مجازاً كقوله تعالى: و حرمت عليكم أمهاتكم ... الآية (1) وقد يأتى النهى لغير الاستمرار كنهى الحائض عن الصلاة أيام الحيض فقط، فإذا أدبرت الحيضة اغتسلت وصلت.
كما أن النهى يأتى بصيغ كثيرة ومنها قوله تعالى: و فاجتنبوه
کم
(2) الذي
جاء في النهي عن شرب الخمر، والمعنى فى ذلك تحريم الخمر والنهي عن شربها، كالتحريم لعبادة الأوثان، وقول الزور فالمعنى في ذلك واحد (3).
أما مفهوم
،
المخالفة فهو دليل الخطاب وعرفوه بأنه: إثبات نقيض حكم المنطوق للسكوت عنه نحو في الغنم السائمة زكاة، وقد أخذ به الجمهور ولم يأخذ به الحنفية لأن حكم السكوت عنه ثابت عندهم بالإباحة الأصلية، فيثبت فيه حكم
الاستصحاب (4).
ومع
وقد أخذ به أبو عبيدة ما عدا مفهوم العدد، إذ يخصصه بالعادة في بعض الأمور وذلك مثل الحديث الوارد في أقل الحيض وأكثره (5). وقد رواه عنه الربيع بن حبيب في الجامع، علماً بأن الحنفية قد أخذوا به، وأخذ به الأباضية أيضاً، وقال به الثورى، هذا فإن أبا عبيدة خصص العدد الوارد فيه بالعادة عند بعض من الناس، كنساء الماجشون فإن نساءهم تحيض سبعة عشر يوماً، فقال أبو عبيدة بذلك لئلا تترك المرأة التي ترى الدم فوق العشرة الأيام الصلاة، فتدع الصلاة خلال هذه المدة تصلى بعد ذلك. ولعله حمل الحديث على غالب أحوال الناس في ذلك الوقت، فيعتبر. عنده ـ الدم الجامع لأوصاف الحيض حيضاً حتى يرتفع إلا إذا زاد على سبعة عشر يوماً، فإذا تغير أو زادت أيامه أعطى حكم الاستحاضة. وقد تابعه على ذلك شارح الجامع حيث
(1) النساء: 23.
(3) المدونة الكبرى: 257/ 2.
(2) المائدة: 90.
(4) طلعة الشمس: 260/ 1
الحديث في المرجع أعلاه رقم (1) ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه؛ رواه أبو داوود ـ كتاب الطهارة ــ باب التسمية على الوضوء: 25/ 1 ... النسائي - كتاب الطهارة - باب التسمية عند الوضوء: 61/ 1. (5) الحديث: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك أن النبي عل الله قال: وأقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام» .. أخرجه الترمذى بلفظ: «فتحيضى ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله أبواب الطهارة - باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد: 223/ 1 ولم أجده في الصحاح الأخرى.
416 (1/416)
صفحة 399
قال: إن العدد هنا لا مفهوم له، فإن الدم قد يزيد على عشرة أيام، وقد ينزل عن ثلاثة
أيام (1)
ودليل مفهوم المخالفة
من القرآن قوله تعالى: {فمن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة
مؤمنة لك (2) فعنده أن حكم المتعمد يخالف حكم المخطئ (3).
والباء عنده للتبعيض في مثل قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم) (4) حيث كان يكتفى بمسح مقدم رأسه فقط في الوضوء، وكان سلفه جابر بن زيد يأخذ بذلك أيضاً (5).
وعنده أن الخطاب للنبي الله في القرآن الكريم يعم أتباعه، وفيه خلاف عند الأصوليين (6)، كما لو جعل الحرام عليه حلالاً فإن ذلك من قبيل الحلف وعليه كفارة اليمين آخذاً من قوله تعالى ليأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (7)، فالنبي عليه الصلاة والسلام كفر عن يمينه هذه ولو لم تكن يميناً لما قال الله وتحلة أيمانكم (8). المطلب الثاني موقفه من السنة النبوية:
السنة لغة:
مي
الشرعي
الطريقة المسلوكة، وقد تكررت في الكتاب العزيز بهذا المعني وفي العرف تطلق على: ما أمر به النبي ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً وتقريراً مما لم ينطق به الكتاب العزيز. ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أى القرآن والحديث (9).
وتأتى مرتبة السنة بعد القرآن الكريم مباشرة إذ هى وحى من الله على رسوله لكنه
غير متلو.
ويختلف مفهوم السنة الاصطلاحي فالمحدثون يطلقونها على: كل ما أثر عن النبي
(1) شرح الجامع الصحيح: 128/ 3.
(3) المدونة الكبري: 292/ 2.
(5) غاية المطلوب: 88.
(7) التحريم: 1، 2.
(2) النساء: 52.
(4) المائدة: 6.
(6) طلعة الشمس: 122/ 1
(8) المدونة الكبري: 68/ 67/2.
(9) ابن منظور - لسان العرب: 13، السباعي - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 47
417 (1/417)
صفحة 400
،
من
قول أو فعل أو تقرير. والفقهاء يطلقونها: على غير الواجب من فعلها
أو على ما يقابل البدعة (1)، ولئلا نذهب بعيداً في مباحث السنة وحجيتها فإننا نقصر الحديث على نظرة الإمام أبي عبيدة إلى السنة.
إن الآثار الواردة عن الإمام أبي عبيدة ناطقة بأنه يعتبر السنة هي المصدر الثاني للتشريع من غير شك (2)، وسواء كانت فى أجوبته أو رواياته أو على لسان تلاميذه، ولا داعي إلى الإطالة في هذا الموضوع.
ولكن ما هي الطريقة التي روى بها أبو عبيدة كثيراً من السنة هذا ما سنتكلم
فيما يلى:
1 ـ من حيث السند:
عنه
إذا تتبعنا روايات الإمام أبي عبيدة للحديث نجد أنه ما كان يلتزم الإسناد المتصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بسلسلة الرواة. ذلك لأن الجامع الصحيح الذي هو رواية الربيع بن حبيب عنه نجد فيه الروايات المتصلة، بل هي أكثر الروايات، ولكن نجد بجانبها الروايات المرسلة، والمرسل هو: ما سقط منه الصحابي. وقد اختلف الفقهاء في الاحتجاج به وإن كان المحدثون قد اتفقوا على عدم الاحتجاج به (3)، وذلك لأن مراسيل الإمام جابر وأبي عبيدة أقرب إلى الصحة لضبطها وعدالتها. (فإذا كان التابعي الثقة أسقط الصحابي وهم كلهم عدول فما الذي يضير الحديث) فمثال ما جاء في الجامع متصلاً: قال أبو عمرو الربيع بن حبيب البصرى: حدثني أبو عبيدة مسلم بن أبى كريمة التميمي، عن جابر بن زيد، عن عبد الله بن عباس عن النبي الله قال: «نية المؤمن خير من. عمله» قال: وبهذا السند في رواية أخرى عنه عليه السلام قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (6).
(العماني)
الأزدي
(o)
(1) عمر مسعود ـ الربيع محدثاً: 29/ 20. (2) المدونة الكبرى: 74/ 2.
(3) السباعي - السنة ومكانتها: 94.
(5) سبق التعريف به وهو من تلاميذ الإمام أبي عبيدة.
(4) نفس المرجع: 96
(4)
(6) الجامع الصحيح: 6 (الحديث: وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى البخاري باب الأعمال بالنية والحسبة: 37/ 1 كتاب بدء الوحي الحديث الأول في كتاب: 2/ 1 وفي كتاب النكاح باب من هاجر أو عمل خيراً لتزويج =
418 (1/418)
صفحة 401
وأبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: (نهى رسول الله الله أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو لئلا يذهبوا به فينالوه قال الربيع: يعنى بالقرآن ها هنا المصحف. (1). وأمثال هذا كثير. أما الإرسال فهو: إما من إرسال الإمام جابر شيخ الإمام أبي عبيدة، وإما إرسال الإمام أبي عبيدة. فمثال الأول:
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله الله فى الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة: «لا يقرأون القرآن، ولا يطأون مصحفاً بأيديهم حتى يكونوا متوضئين» (2).
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (3)
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله له: «من
فليتوضأ» (4).
قاء أو قلس
وغير هذا كثير في الجامع، وقد اشتهر الإمام جابر بصدقه وعلمه وأمانته بين = امرأة فله ما نوى: 5/ 7 - مسلم: كتاب الإمارة - باب قوله: وإنما الأعمال بالنبات: 3/ 1515، النسائي الطلاق ـ باب الكلام إذا قصد به فيما يحتمل معناه 158/ 6 (1) الجامع الصحيح: 5، نهى رسول الله الله أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو لئلا يذهبوا به فينالوه. ه. أخرجه مسلم کتاب الإمارة - باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم: 1490/ 3 أبو داوود كتاب الجهاد ـ باب المصحف يسافر به إلى أرض العدو: 36/ 3، وأحمد: من حديث ابن عمر: 10/ 7/6/ 2/
(2) الجامع الصحيح: 9 .. (في الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة لا يقرأون القرآن ولا يطأون مصحفاً بأيديهم حتى يكونوا متوضئين). النسائي ـ كتاب الطهارة ــ باب حجب الجنب من قراءة القرآن: 144/ 1 ... أبو داوود: كتاب الطهارة - باب في الجنب يقرأوا القرآن بلفظ: وكان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن بعجبهه ـ أو قال بحجزه ـ عن القرآن شيء ليس الجنابة: 59/ 1. (3) الجامع الصحيح: 54 .. إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس أخرجه البخاري: في كتاب الصلاة باب إذ دخل أحدكم المسجد ... إلخ: 193/ 1 .. مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب تحية المسجد بركعتين وكراهة الجلوس قبل صلاتها: 495/ 1 .. أبو داوود: كتاب الصلاة ــ باب الصلاة عند دخول المسجد: 127/ 1.
(4) من قاء أو قلس فليتوضأه أخرجه الترمذى فى أبواب الطهارة - باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف بلفظ: أن رسول الله لقاء فأفطر فتوضأ: 143/ 1.
419 (1/419)
صفحة 402
المحدثين والفقهاء، فمراسيله في حكم الاتصال إذ قد وصلت من طرق أخرى. أما مراسيل الإمام أبي عبيدة فلها حكم الاتصال، وذلك لأنه التقى بجمع من الصحابة وقد ذكر ذلك بنفسه. فمثال ذلك ما جاء في باب الأموال من الجامع من قوله: سمعت ناساً. الصحابة، وكذلك في حديث صوم (1)، فبهذا يعرف أنه. التابعين فإما أنه. سمعه بنفسه أو سمعه عن التابعين عن الصحابة
من
من
الجنب
النبي عن
أمثلة ذلك: أبو عبيدة قال: بلغنى عن رسول الله أنه قال: «خلفت ومن فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً كتاب الله عز وجل، فما لم تجدوه في كتاب الله ففي سنتي، فما لم تجدوه في سنتي فإلى أولى الأمر منكم» (2
(2)
أبو عبيدة قال: بلغنى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير قراءته هو. قال عمر: وكان رسول الله الله أقرأنيها فلببته بردائي ... إلخ» (3)
أبو عبيدة قال: بلغني عن كبيشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت أبي قتادة الأنصارى أنها سكبت لأبي قتادة وضوءاً، فجاءت هرة تشرب منه فأصغى أبو قتادة لها الإناء حتى شربت، قالت كبيشة: قرآنى انظر إليه فقال: أتعجبين مما رأيت؟ قالت: قلت: نعم فقال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ليست بنجسة إنما هي من الطوافين والطوافات عليكم» (4).
أبو عبيدة قال: لما أذن الله تعالى لنبيه أن يحج حجة الوداع، وهي حجة التمام فوقف بعرفة وقال: «يأيها الناس إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، فلا شهر ينسى ولا عدة تحصى إلا وأن الحج فى ذى الحجة إلى يوم القيامة)
(1) انظر الجامع الصحيح: 81. (2) الجامع الصحيح: 14. الحديث وخلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، أخرج مثله أبو داوود ـ كتاب السنة باب لزوم السنة: 200/ 4 ولم أجده في الصحاح الأخرى.
(3) الجامع الصحيح: 15. الحديث (سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير قراءته هو .. إلخ) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها ـ باب إن القرآن على سبعة أحرف: 560/ 1 وما بعدها .. النسائي - كتاب الافتتاح، جامع ما جاء في القرآن: 150/ 2 أبو داوود كتاب الصلاة - باب أنزل القرآن على سبعة أحرف:
75/ 2
(4) الجامع الصحيح: 43. الحديث: إنها ليست بنجسه إنما هي من الطوافين والطوافات عليكم، النسائي: کتاب الطهارة ــ باب سؤر الهرة: 178/ 1 ولم أعثر عليه في الصحاح الأخرى.
420 (1/420)
صفحة 403
وقال: فقال: إن أهل الشرك والأوثان كان يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس هدينا مخالف لهدى أهل الشرك والأوثان) (1
(1)
وقال أبو عبيدة: (نهى رسول الله الا الله أن يعمد الرجل إلى شر ماله فيزكى منه) قال: (وخيركم عند الله من يخرج من ماله أحسنه) (2).
وأما الموقوف من الآثار فقد وجدنا في الجامع أثراً واحداً حسبما توصلنا إليه وهو قوله: أبو عبيدة قال: قد سمعت عن ابن عمر لا يرى القنوت في الصلاة ولم يقنت في صلاته قط، وكان يراه بدعة (3)
ومع هذا فإنه لم يكن يروى عن المجهول إذ لم نعثر على شيء من ذلك، رغم أنه قد وجد في مثل الموطأ من كتب الأئمة، ولم يقدح ذلك في عدالة الراوى ولا في قبول الحديث ومثال ذلك:
تستقبل
عن نافع عن رجل من الأنصار أن رسول الله الله مالك عن (نهي أن القبلة لغائط أو بول) (4). وقد روى الإمام أبو عبيدة هذا الحديث بلفظ آخر عن أبي أيوب الأنصارى قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ذهب أحدكم لبول أو غائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه
(0)
(1) انظر الجامع الصحيح: 114. الحديث: (لما أذن الله لنبيه أن يحج حجة الوداع وهي حجة التمام فوقف بعرفة وقال: «ألا إن الزمان قد استدار ... إلخ» أخرجه 8 مسلم كتاب الحج ـ باب حجة النبي له: 886/ 2 ـ أبو داوود كتاب المناسك ـ باب الأشهر الحرم: 195/ 2. (2) نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يعمد الرجل إلى شر ماله فيزكى قال: وخيركم عند الله من يخرج من ماله أحسنه) أخرجه مسلم بلفظ: «ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت غرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله. كتاب الصيام باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها: 702/ 2. النسائي: كتاب الزكاة - قوله عز وجل ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} 43/ 5، أبو داوود بلفظ: «لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها وقال: إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة: 2/ 111.
انظر الجامع الصحيح 86. (3) انظر الجامع الصحيح: 78.
(4) انظر: مالك ـ الموطأ: 193/ 1
(5) الجامع الصحيح: 27. الحديث إذا ذهب أحدكم لبول أو غائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجهه. أخرجه البخاري ـ كتاب الوضوء - باب لا يستقبل القبلة بلفظ: «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره شرقوا أو غربواه: 80/ 1. النسائي - كتاب الطهارات ـ باب عن النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة: 22/ 1 - أبو داود كتاب الطهارة - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة: 3/ 1.
421 (1/421)
صفحة 404
الرواية مع
هذا الاستعراض لمرويات الإمام أبي عبيدة يتضح أنه ما كان يلتزم بوصل و من تثبته الشديد في الراوي على ما سنذكر إن شاء الله، ولذلك عدة أسباب منها: أن أبا عبيدة - كما علمنا - تابعى ولم تكن عادة التابعين في زمانه التقيد الحرفي بذكر الرواية، بل تقيد المحدثون بعد ذلك بذكر السند لما كثر الوضع في الحديث وأرادوا أن يوثقوا رواية الحديث بمعرفة الرجال، فاشترطوا وصل السند وليس معنى ذلك أنهم نفوا رواية التابعي بالإرسال أو الانقطاع إذا كان عدلاً ثقة، لب في التابعين (1)
وهذا هو الغالب ومنها أن أبا عبيدة له شروط دقيقة في رواية الحديث، فحين يطمئن على رواة الحديث أخذ به من غير ذكر الراوى، وذلك لأن عصر أبي عبيدة لم تسد فيه ظاهرة ذكر السند كاملاً، بل يعتمدون على عدالة الراوى فقط، فحين يطمئن على الحديث لم يعتن بما عدا ذلك. بل نجده في بعض الأحيان يصل السند كاملاً ولا يعمل بروايته ومثال ذلك: (أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رسول الله له كان متخذاً به بعد الوضوء، وكان بعض أزواجه يناوله إياه فيجفف به. قال الربيع: يمسح. قال أبو عبيدة: المعمول به عندنا أن يمسح أعضاءه بعد الوضوء، وهو استحباب من أهل العلم وترغيب منهم في نيل الثواب ما دام الماء على أعضائه) (2)
منديلاً
على
أنه لا
فهذا التعقيب من أبي عبيدة على روايته بنفسه يدل أنه لا يعمل بهذه الرواية، وذلك دليل أيضاً. يفرق بين الحديث المتصل وغيره بعدما يطمئن على راوى الحديث، وقد يكون متصلاً عنده ـ وهذا هو الضن به ـ ولكنه لم يروه بالسند. ومنها: أننا إذا تتبعنا رواياته في الجامع وجدنا أكثرها إما متصلاً، وإما بالبلاغ، والبلاغ قد يكون بلاغاً مباشراً إلى النبي الله فهو تابعى ثقة، ولا يمكن أن يوهم الناس به من غير اطمئنان إلى عدالة راويه، وإما بالبلاغ عن صحابي لم يثبت التقاؤه به (3)، وإما بالبلاغ عن تابعى أكبر منه كروايته بالبلاغ عن عروة بن الزبير أو غيره (4).
(1) انظر: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 96. (2) الجامع الصحيح:.: 30. الحديث: كان متخذاً منديلاً يمسح به بعد الوضوء، وكان بعض نسائه يناوله إياه فيجفف به). أخرجه البخاري ـ كتاب الغسل ــ باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة: 128/ 1. النسائي – كتاب الطهارة - باب ترك المنديل بعد الغسل: 138/ 1.
0110:
(3) انظر: الجامع الصحيح:.
(4) المرجع السابق والصفحة.
422 (1/422)
صفحة 405
وإما بالإرسال إلى النبي له وهو قليل جداً، بل معظم الروايات إما بالاتصال وإما بالبلاغ وحكاية السماع.
وهذه الروايات المرسلة أو المنقطعة لابد وأنها متصلة من روايات أخرى، ولا يظن برجل كأبي عبيدة عدم تثبته في النقل. قال انتنوخي: (إن رجال هذا المسند إذا نقلوا عن غير مشافهة بينوا ذلك بقولهم: بلغنى، أو سمعت عن فلان، أو نحو ذلك مما يبعد بالمسند عن التدليس، فهم أجل وأوثق من أن يوهموا الناس بالسماع وليسوا بسامعين، وبذلك يظهر أن عنعنة هذا السند مقطوع باتصالها، لأن أبا عبيدة أخذ عن الصحابة مباشرة. على أن أبا عبيدة أدرك كثيراً ممن
جابر بن زيد، وجابر أخذ
أدركهم جابر أبو الشعثاء) (1).
عن
فسلسلة رواة الجامع من أحسن الثلاثيات الذهبية إذ رجالها مشهورون بضبطهم وأمانتهم وورعهم، فهى رواية تابعي عن تابعي عن صحابي أو رواية تابعى عن
صحابي. (وقد وقع الإرسال والانقطاع في الموطأ، وأقر له علماء الحديث بالصحة لاتصال رواياته المرسلة والمنقطعة من طرق أخرى) (2)
وفي الحقيقة لم يسلم من الإرسال أحد من رواة السنة، فنجد البخاري ــ مثلاً ـ يروى الأحاديث المرسلة من أن جامعه قد قيل عنه: أنه أصح ما ألف في الحديث، وقد انتقده الحفاظ في (110) حديث، منها ما وافقه مسلم على تخريجه وهو ثمانية وثلاثون حديثاً، ومنها ما انفرد بتخريجه وهى ثمانية وسبعون حديثاً، واعتذر له النقاد على هذه الأحاديث علماً بأن جامعه عند الجمهور، كما أن النقاد أيضاً صحيح ضعفوا نحو ثمانين رجلاً من رواته، ومع هذا فإن هذا النقد لم يؤثر في أحاديثه بالغ ابن الصلاح فجزم بحصول القطع بما جاء فيه، ولكن الجمهور على أنه لا يفيد إلا الظن ولو بلغ أعلى درجات الصحة (3)
حتى
فإذا كان البخارى هذا شأنه وهو فى القرن الثالث فكيف بأبي عبيدة وهو من ثقات التابعين في النصف الأول والثاني من القرن الأول؟
(1) شرح الجامع الصحيح: 1/هـ مقدمة.
(2) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 432.
(3) نفس المرجع: 447/ 446.
423 (1/423)
صفحة 406
ويقول بعض الباحثين فى مراسيل الإمام جابر بن زيد بعد ما ذكر مرسل التابعي الثقة وحكمه: (ولعل كثيراً من أحاديث الجامع الصحيح من هذا النمط حتى قيل: مراسيل جابر بن زيد أصح من مسانيده، لأنه لا يرسل الحديث إلا إذا تعددت له طرقه بتعدد الصحابة الذين روى عنهم، فبدل أن يسوى بينهم بذكرهم جميعاً.، فيطول
السند بتعدد طرقه يسوى بينهم فى الحذف من السند اختصاراً واكتفاء بعدالته وعدالتهم
(1)
ونزاهته ونزاهتهم ومن الأسباب التي تجعلنا نطمئن إلى مراسيله استغفاره من نقل الحديث بالخطأ، فكان يستغفر الخطأ في رواية الحديث أو الأثر من عن الصحابة رضوان الله عليهم، مما يدل على تحريه في النقل، وخوفه من الزيادة أو النقصان في متن الحديث، فذلك
الله
(2)
ينبئ عن ورعه وضبطه، فلم يتعمد نقل شيء بالوهم.
ولا ريب في أن الجامع قد تكون فيه روايات لم يروها غيره وهي متصلة الإسناد
-
من رواية أبي عبيدة عن شيخ من شيوخه عن الرسول (3)، كما يخلو ـ بالطبع ـ من كثير من الروايات التي وردت في الصحاح والسنن والمسانيد الأخرى.
الصحابة فضلاً أحد من
أنه أحاط بعلم
إذ لم يدع عن التابعين ومن بعدهم الحديث، وأنه لم يشذ عنه منه شيء، فإذا نظرنا إلى الصحابة ـ مثلاً ـ وجدنا أن كثيراً منهم خفيت عليهم بعض الأحاديث، مع أنهم عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن بعدهم؟ وفى هذا الشأن يورد السباعي جملة من الصحابة خفيت عليهم أحاديث رواها لهم غيرهم، فقد خفى على عمر حديث الجزية على المجوس، وحديث الربا، حتى أخبره بهما عبد الرحمن بن عوف، وخفى عنه حديث الاستئذان حتى أخبره به أبو. موسي. . وخفى عنه وعن ابن مسعود حديث التيمم، وعلمه من عمار وغيره من الصحابة، وخفى على عمر، وزيد بن ثابت حكم الإذن للحائض في أن تغفر قبل أن تطوف، وعلمه ابن عباس وأم سليم، وخفى على ابن عباس تحريم المتعة حتى أخبره به الصحابة، وخفى على طلحة وابن عمر وابن عباس حديث الصرف، وعلمه عمر
(1) القرآن والسنة عند الأباضية: 89/ 88.
(2) رسالة أبي عبيدة في الزكاة إلى أهل المغرب ص: 513 من هذه الأطروحة وما بعدها.
(3) مثل: حديث النية الذى رواه من طريق جابر بن زيد عن ابن عباس مع الشائع أنه لم يرو إلا من طريق عمر بن
الخطاب فلا يضير الجامع ذلك بل هو زيادة فضل فيه.
424 (1/424)
صفحة 407
وأبو سعيد وغيرهما. وأمثال هذا كثير (1)
لكنه
من
وبهذا يظهر أن الإمام أبا عبيدة كان يأخذ بالمرسل والمنقطع مثل أخذه بالمتصل، فعندما يطمئن إلى صحة الحديث أخذ به من غير نظر إلى طريقة الرواية، التثبت في هذا الأمر بمكان وقد لا يعمل بالرواية مع اتصالها، ولا بد لنا ـ مع من معرفة مدى تثبته ومقياسه للرواية التى تجعلنا نزداد وثوقاً واطمئناناً إلى روايته، هذا
ما نجيب عنه في الفقرة التالية
2
-
مقياس الرواية عند أبي عبيدة:
ذلك -
التزم أبو عبيدة بمبدأ عدم الرواية عن كل من يروى الحديث عن النبي لله وذلك لأنه وضع لنفسه شروطاً التزمها عندما كثر الوضع، وفشت رواية الحديث خصوصاً ـ في العراق، إذ سماها مالك بن أنس دار الضرب (2)، فليس هو من المكثرين لرواية الحديث إذ لم يكن راوية فقط بل هو فقيه أكثر محدثاً منه الاستقراء والتتبع لشروط أبي عبيدة في الرواية نستطيع أن نوجزها فيما يلى: أولاً: نورد ما قاله في رواية الحديث:
المقال الأول:
، وبعد
،
الله
من لم يكن له إسناد من الصحابة فليس هو على شيء من الدين، وقد من علينا بعبد الله بن عباس بن عبد المطلب عم رسول الله الله الله، وعبد بن مسعود، بن سلام (3)، وهم الراسخون في العلم، و على آثارهم اقتفينا وبقولهم اقتدينا وعلى سيرتهم اعتمدنا وعلى منهاجهم سلكنا (4)
وعبد الله
المقال الثاني:
لا يؤخذ العلم من أربعة: رجل مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا من سفيه يدعو إلى
(1) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 422. (2) السباعي ـ السنة ومكانتها: 93. (3) هكذا وردت ولعله يريد عبد الله بن عمر بن الخطاب فصار تحريف من النساخ، أو يريد عبد الله بن سلام بواسطة شيخه جابر، وذلك لأن جابراً أدرك ابن سلام ولم يدركه أبو عبيدة، إذ توفى ابن سلام 35 هـ. أما ابن عمر وابن عباس وابن مسعود فقد أدركهم أبو عبيدة فلينظر في ذلك.
(4) الحارثي - العقود الفضية: 145: ابن مسعود ـ الربيع محدثاً: 151.
425 (1/425)
صفحة 408
سفهه، ولا ممن يكذب وإن كان يصدق فى فتواه، ولا ممن لا يفرز مذهبه من
غيره (1)
المقالة الثالثة:
مذهب
قيل له: يرحمك الله أرأيت لا يحفظ الأحاديث عن رسول الله وهو من ثقة أيؤخذ عنه العلم؟ قال: سبحان الله! أكل الناس يحفظون الحديث؟ بل يؤخذ الثقات وإن كانوا لا يعلمون حديثاً واحداً) (2).
العلم عن المقالة الرابعة:
قيل له: يرحمك الله يا أبا عبيدة أتعمل به إذا كان إنما رواه عن الصحابة؟ قال:
إن عرفت عملت به وإلا فلا) (3).
المقالة الخامسة:
الله
(قال أبو عبيدة: كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، فلولا أن علينا بجابر بن زيد رضي الله عنه لضللنا (4)، وقال عن الدرجيني: (رتب من روايات الحديث وأحكمها) (5). وقال الشماخي: وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم) (6).
هذه النصوص وإن كانت تبدو وكأنها قليلة إلا أنها كافية في الدلالة على معرفة مقياس الرواية عند أبي عبيدة، بالإضافة إلى حديث حرمة الكذب على رسول الله (7)، وحديث «أما إنكم ستختلفون من بعدى فما جاءكم عنى فأعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعنى، وما خالفه فليس عنى (8)، ومع ما حصل من الاستقراء والتتبع لمروياته فها أنا ذا ألخص تلك الشروط فيما يلى:
،
(9)
الشرط الأول:
رواية عن الثقات الأثبات. من الصحابة والتابعين ممن لقيه منهم واطمأن إليهم
(1) المرجع السابق: 140 - المالكي - غاية المطلوب: 56. الربيع محدثاً: 152.
(2) الحارثي - العقود الفضية: 140.
(4) نفس المرجع والصفحة.
(5) الدرجيني - طبقات: 238/ 2، الشماخي - سير: 78/ 1.
(6) الشماخي - سير: 78/ 1:
(8) الجامع الصحيح: 17 ولم أهتد إلى تخريجه.
(7) الجامع الصحيح: 191. (9) منهج الطالبين: 627/ 1.
(3) الحارثي - العقود الفضية: 140.
426 (1/426)
صفحة 409
وذلك ظاهر من مقالته فيمن يقتدى بهم، ولم يرو عن أناس مجاهيل، وذلك ظاهر من روايته عن شيوخه ومن لقيه من الصحابة رضوان الله عليهم ومن الراسخين في العلم منهم، على الأخص، ومراسيله موصولة من طرق أخرى، وهذا الشرط من جملة شروط البخاري في الرواية فشرط اللقاء أساسى عنده، وأبو عبيدة لم يرو إلا عمن لقيه
من
الصحابة أو التابعين.
الشرط الثاني:
أن يكون الراوى ثقة ثبتاً يعرف كيفية التحمل والأداء.
الشرط الثالث:
أن يكون الراوى فقيهاً، وقد دل على ذلك قوله: (كل صاحب
إمام في الفقه فهو ضال ... إلخ) فمعرفة معنى الحديث شرط من شروط قبول الرواية عنده (وقد روى أن رجلاً سأل الأعمش عن مسألة فلم يجبه فيها، ونظر في المجلس فإذا أبو حنيفة جالس فقال: ما تقول فيها يا نعمان؟ فقال أبو حنيفة: القول فيها كذا وكذا، قال له الأعمش: من أين قلت بهذا؟ قال: من حديث حدثتناه، فقال الأعمش: نحن الصيادلة وأنتم الأطباء) (1). وكان الأعمش ذات جالساً عند أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فسأل يوم الأعمش عن مسألة فأجابه فيها، فقال من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقال: من الحديث الذي حدثتنيه، فقال له: يا يعقوب إنى لأحفظ هذا من قبل أن يجتمع أبواك ما عرفت
تأويله إلا الآن (2).
الشرط الرابع:
أن لا يكون الحديث مروياً من طريق واحد عن الصحابة إلا إذا اطمأن على
الراوى، وخصوصاً إذا كان يجب أن
يرويه جماعة
كحديث ابن مسعود في النبيذ، ولذلك لا يقبل الأباضية الروايات الشاذة، يقول عبد الله بن عبد العزيز تلميذ أبي عبيدة: لا ينبغى أن يؤخذ بشواذ الأحاديث ويترك
المعمول به في العامة
من الصحابة والتابعين
(1) السنة ومكانتها: 421.
(3)
(2) السنة ومكانتها: 421. (3) الديوان المعروض: 256.
427 (1/427)
صفحة 410
الشرط الخامس: أن لا يكون الحديث من روايات أهل البدع الداعين إلى بدعهم والمقصود بها البدعة في الدين، كبدعة الأزارقة والنجدات من الخوارج، ولذا لا تجد رواية واحدة، الخوارج يرويها أبو عبيدة على الرغم من معاصرته لهذه الفرقة، فلن تجد أفكارهم سبيلاً إلى مجتمعه المتماسك، وقد رأينا مقالته في رواية أصحاب البدع.
عن
الشرط السادس:
أن لا يكون الراوى سفيهاً يدعو إلى سفهه، فهذا ممن لا تقبل روايته، فالسفيه من ضمن الذين قال بعدم قبول روايتهم.
الشرط السابع:
أن لا يكون الراوى كذاباً في حديثه مع الناس وإن كان يصدق القول في روايته وفتواه، لأن ذلك يجعله متهماً في روايته ومطعوناً في سيرته
الشرط الثامن:
فلذا
يجب
تجنبه
أن لا يكون مخلطا لا يغرز مذهبه وطريقته فى أخذ العلم وتأديته عن طريقة غيره، فهو غير ثابت فيما يرويه ولا ما يستنبطه من تلك الرواية، وهذه الأربعة ظاهرة من مقالته الثانية التي ذكرها من قبل.
الشرط التاسع:
أن لا يعارض خبر
الآحاد الأصول المجتمعة عنده كما عمل بالآية في عدة الحامل
المتوفى عنها زوجها من أنها تعتد بأبعد الأجلين، جمعاً بين الآية والحديث وهو مذهب ابن عباس، ولعدم أخذه بالروايات الأحادية المعارضة لظواهر القرآن وخصوصاً في مسائل العقيدة، ومثل المسح على الخفين في الوضوء وغير ذلك، وذلك لأجل العمل بالدليل الأقوى، فالأقوى ظاهر القرآن من الخبر الآحادى.
الشرط العاشر:
أن لا يعارض خبراً مثله فإذا تعارض رجح أحدهما بأحد وجوه الترجيح
الشرط الحادي عشر: أن لا يتعارض العمل المتوارث بين الصحابة كما في أحاديث الخلافة وإجماع
428 (1/428)
صفحة 411
الصحابة على الشورى، فلذا لم يقبل الروايات التي تقصر الخلافة على فئة أو لون من
الناس، ويؤول بعضها بما يتناسب وروح الشريعة الإسلامية
الشرط الثاني عشر:
عدم الرواية من الكتاب، فلم نقف على حديث واحد رواه بالكتاب مع العلم بأن ديوان الإمام جابر كان تحت يده بالبصرة، وذلك لاعتماده على الحفظ أكثر من الكتابة، وهذا من شروط أبى حنيفة ومالك والبخارى، وهذه الشروط كلها صعبة
التحقيق ولا تتوفر إلا بعناء وتثبت بالغين احتياطاً في نقل الحديث عن النبي الله. وقد وافقه أبو حنيفة في جملة هذه الشروط، كعدم معارضته للأصول، وكعدم معارضته لعموميات وظواهر الكتاب، وعدم معارضته لحديث مثله، وعدم الطعن في الحديث، وعدم معارضته للعمل المتوارث بين الصحابة، وأن تقتضى القرائي والبلوى في أن يروى من أكثر من طريق (1)، وأن لا يكون مروياً عن طريق الكتابة (2).
ولعل تشدد أبي عبيدة في الأخذ بهذه الشروط يعد مأخذاً عليه، من أنه يرد كثيراً من الأحاديث ولكن العكس هو الصحيح، فإن هذه الشدة لم تكسبه إلا عدالة وتوثيقاً، فكم من فقيه ما تركه من الحديث أكثر مما أخذ به، وقد طعن على أبي حنيفة بعدم الأخذ بالسنة لتشدده في قبول الرواية، وهو من ذلك الطعن برئ، وإنما ذلك لأجل الحيطة والحذر فى القبول والرد (3).
ولهذا لم يكن أبو عبيدة من المكثرين من رواية الحديث اقتداء بالصحابة الذين تحرجوا في الرواية، أمثال الخلفاء الأربعة، وسعد بن مالك، وأبي عبيدة بن الجراح،
وعمران بن
الحصين
، وسعيد بن زيد، والعباس، وغيرهم. وقد نهى الفاروق عن ذلك أشد النهى في خلافته. وهذا أبو هريرة الذى يعتبر من أكثر الناس رواية للحديث ـ يتوقف في عهد عمر عن الرواية ويقول: لولا آيتان من آيات الله ما حدثت بحديث، وتلا الآيتين: إن الذين يكتمون ... إلى قوله أليم} (4)، وذلك خوفا
(1) کروايته الحديث النية الذى تقتضى البلوى أن يروى من أكثر من طريق .. لأن النية عماد
والتركية للإنسان.
(2) انظر: السنة ومكانتها: 422، 423. (4) البقرة 174.
(3) انظر: السنة ومكانتها: 420.
جميع
الأعمال الفعلية
429 (1/429)
صفحة 412
من التزيد والتزييف، ولئلا تزل أقدام المكثرين، ولئلا يختلط القرآن بالحديث، ولئلا يشتغل الناس بالحديث عن القرآن الكريم (1)
فكان أبو عبيدة يتحرج أشد التحرج، فلذا لم يتصف أمام أصحابه بالمحدث بقدر فقيه في الدين، كما أن الربيع أغلق على نفسه بابه لما كثر عليه طلاب الحديث إلا عن من يثق به من أصحابه خشية الزيادة والكذب (2).
ما
هو
ومهما يكن من أمر ـ فإن أنظار الفقهاء تخلف في صحيح حديث أو تضعيفه من حيث الرواة، فقد يرى هذا الفقيه رجلاً وعنده أنه ثقة مقبول الرواية، وعند غيره ضعيف لا تقبل روايته، خاصة إذا كانت الرواية عن شيوخ الراوى فهو أعرف بشيوخه الذين روى عنهم، ومدى تثبتهم في الرواية، هذا، وأبو عبيدة من القبيل فتراه لا يروى إلا عن قلة من الناس الذين وثق في روايتهم، وترك روايات كثير من المحدثين خاصة غير الفقهاء منهم. ولا ريب في أن الإمام أبا عبيدة قريب من الصحابة، بل روى عنهم، وفي بعض الروايات ليس بينه وبينهم إلا شيوخه التابعون فلذا اكتفى برواياتهم. وبهذا يظهر أنه توقف عن روايات كثير ممن كانوا في العراق أو غيرها، وخاصة ممن لم يلتق بهم، أو لعله لم تبلغه تلك الروايات التي رواها غيره، فلا يلام المحدث الذي وضع لنفسه شروطاً خلفه فيها غيره، وعلى هذا فمن الضروري أن يطرح كثيراً الحديث الذي يخالف تلك الشروط (3).
من
6
أضف إلى ما ذكرناه كونه روى حديثاً في وجوب رد الحديث إلى معنى القرآن وروح الشريعة الإسلامية، ونص الحديث، (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي له قال: «إنكم ستختلفون من بعدى فما جاءكم عنى فأعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعنى، وما خالفه فليس عنى وذلك لأن معاني الأحاديث المروية عن النبي الله لا ينبغى أن تكون مخالفة لما جاء في مقتضيات الشريعة، وتعبر عن مقاصدها وإلا فسيقع التناقض.
(4)
فميزان الأخذ بالأحاديث الأحادية هو ردها إلى ما جاء في القرآن العظيم من روح
(1) محمد محمد أبو زهو ـ الحديث والمحدثون: 67/ 66.
(2) انظر: شرح الجامع الصحيح: 4/ 1.
(3) انظر: أحمد عبد الحليم بن تيمية - رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص: 19.
(4) شرح الجامع الصحيح: 66/ 1.
430 (1/430)
صفحة 413
التشريع عموماً، فما كان موافقاً له في الجملة أخذ به، وإلا فلا
وقد ضعف شراح الحديث والباحثون فى علومه هذا الحديث وقالوا: إنه من وضع الزنادقة. وتارة يقولون: هو من وضع الخوارج. وتارة يقولون: من وضع الشيعة والخوارج (1).
(1) انظر: السنة ومكانتها: 82 .. ويجب أن نعلم أن كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم قد ردوا كثيراً من الأحاديث برجوعهم إلى القرآن، فقد رد عمر بن الخطاب حديث فاطمة بنت قيس في المرأة المطلقة ثلاثاً، حيث أن
فاطمة روت أن لا نفقة لها ولا سكنى، فقال عمر: لا ندع كتاب الله لقول امرأة لا ندرى أصدقت أم كذبت؟ وفي رواية: لا ندري حفظت أم نسيت. فالله يقول: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ... إلخ الآية من سورة الطلاق. وقد روى ذلك الشيخان (حديث فاطمة بنت قيس في أبي داوود كتاب الطلاق باب نفقة المبتوتة: 285/ 2 ـ كتاب الطلاق باب من أنكر ذلك، فاطمة: 288/ 2 النسائى كتاب الطلاق ـ نفقة البائنة: 210/ 6. وكذلك ردت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها حديث ابن عمر لما بلغها أنه روى حديثاً يقول: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: يغفر الله لأبو عبد الرحمن إنه لم يكن ليكذب لعله نسى أو سهى، في اليهودية التي مر عليها وهي تعذب في قبرها، فقال له، إنها لتعذب ببكاء أهلها عليها ثم قالت: حسبكم القرآن و ألا تزر وازرة وزر أخرى) الآية 38 من سورة النجم، وروى الحديث الشيخان أيضاً.
وضع
وإذا كان المحدثون يردون الحديث الضعيف لمخالفته الحديث أصح منه، فكيف بالحديث الآحادي الذي خالف القرآن، فرد الحديث على محكم الكتاب هو الميزان الذي يقبل به الحديث الآحادى أو يرد وعمل الصحابة الذي ذكرناه سابقاً شاهد على ذلك، على أننا نقول: إن الحكم والكلام في الأحاديث الأحادية المختلف فيها، أما الأحاديث المتفق عليها فلا كلام فيها. وبناءً على ما ذكرناه فلا نستبعد صحة هذا الحديث الناطق بعرض الأحاديث الأحادية المختلف فيها على نصوص) الكتاب العزيز، وخصوصاً ما جاء منها أحادياً في مسائل العقيدة، ة، لأنها لا تثبت إلا باليقين، وكذلك بقية أركان الإسلام الخمسة لأنها عماد الدين .. وقد قالوا: إن من علامات الحديث مخالفته النصوص الصريحة من القرآن. وقد قال السباعي في كلامه على الحديث الذي أوجب رد ما جاء في الحديث الآحادي المختلف فيه على نصوص القرآن الكريم ما نصه: أما قول عبد الرحمن بن مهدى عن حديث: إذا أتاكم ... إلخ». أنه وضعته الزنادقة والخوارج، فلا أدرى مدى صحته بالنسبة لابن مهدى، بل هو قول لا دليل عليه إذ لم يذكر لنا من هو واضعه؟ ومتى تم هذا الوضع؟ ومما يؤكد شكنا في هذه النسبة أنه أضاف هذا أيضاً إلى الزنادقة، فكيف اتفق الخوارج والزنادقة على وضعه؟ هل وضعوه في وقت واحد؟ أم سبق الخوارج إلى ذلك أم الزنادقة؟ (السنة ومكانتها: 82) فكلام السباعي هذا يدل على أن الحديث غير موضوع، بل إن الذى يفهم منه هو ما اتفق عليه أهل العلم بالحديث والفقه على أن السنة الصحيحة لا تخالف كتاب الله تعالى فى قليل ولا كثير، وما جاء زائداً على ما في القرآن بحكم جديد ولا يخالف روح القرآن ومعانيه أخذ به كذلك، أما ما خالفه - كما دل عليه هذا الحديث ـ فهو
مردود.
وذكر السباعي أن أهل العلم غير متفقين على وضع هذا الحديث بل حكم فيه بعضهم بالضعف فقط، فإذا أثبتت روايته من طريق صحيح حكم له بالصحة وقال: ولئن كان رده من جهة المتن فهذا الحديث قد روى بألفاظ
431 (1/431)
صفحة 414
ولكن قال شارح الجامع الصحيح ما نصه: (إثبات هذا الحديث من هذا الطريق قاض بصحته وعلو، سنده، وإن لم يثبت عند قومنا بل رووا معناه من طرق ضعيفة) (1). ثم ذكر أقوال المحدثين في إسناده، وأنه لا يخلو من مقال، ولكن واقع الحال يؤيد صدق هذا الحديث، وذلك لأن رد الحديث إلى ما جاء في الكتاب العزيز والمتواتر، والثابت الصحيح السنة يجعل الحديث متمشياً مع أهداف الشريعة، كما يسكن
من
القلب إلى صدق ما جاء فيه.
وقد صرح الشارح أيضاً بأن المتفق عليه من الأحاديث أنه عن رسول الله له، فلا يحتاج إلى عرض بل يجب العمل به لأنه إما ناسخ الحكم أو مخصص لعموم، ولو كان في الظاهر مخالفاً لما في القرآن، ومثل للأول وهو الناسخ بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا وصية لوارث (2). فإنه ناسخ للوصية للوالدين والأقربين الواردة في سورة البقرة. ومثل للثاني بالحديث الذي جعل لهذه الأمة ما سعت وما سعى لها مع قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) (3).
ولا يمكن أن يخالف الحديث القرآن وهو هداية الله لنبيه فبهذا لا يرد إلى القرآن
الأمة.
إلا ما هو مختلف فيه بين ثم قال شارحه أيضاً: (وهذا قانون يعرف به مقبول الأخبار من مردودها، فمن تمسك بظاهر كتاب الله عند اختلاف الأمة في حكم أو خبر، فقد تمسك بالعروة
الوثقى التي لا انفصام لها، وأخذ بوصية رسول الله الله في هذا الحديث) (4).
وأورد السباعى ما قاله نقاد الحديث في هذه الرواية وإبطالهم له، ولكنه استدرك الأمر بأن هؤلاء النقاد لم يتفقوا على وضعه، بل وصفه بعضهم بالضعف فقط، هذا في جهة الرواية، وأما إن كان رد هؤلاء له من جهة المتن فإنه روى بألفاظ مختلفة وأكثرها متفق على فما وافق الحق فاقبلوه، وما خالف أو لم يوافق فردوه)، ثم قال:
مختلفة، ففى أكثر الروايات فما وافق فاقبلوه، وما خالف أو لم يوافق فردوه، وهذا النص ليس فيه ما يقتضى الحكم بالضعف، فضلاً عن أن يقول فيه عبد الرحمن بن مهدى: إنه من وضع الخوارج والزنادقة: السنة ومكانتها: 162، وعلى هذا فقد تبين ا ن أن سند الحديث تلوح عليه بوادر الصحة لأنه رو رواية ثقة عن ثقة كما علمت، ويسطع من متنه نور النبوة، وهو محور اتفاق العلماء في صحة الحديث، والله تعالى أعلم. (1) شرح الجامع: 66
(3) النجم: 39.
(2) الحديث سبق تخريجه.
(4) أنظر: شـ ر: شرح الجامع: 1 م: 66/ 1 - 67.
432 (1/432)
صفحة 415
(وهذا النص ليس فيه ما يقتضى الحكم بالضعف، فضلاً عن أن يقول فيه عبد الرحمن ابن مهدى: إنه من وضع الخوارج والزنادقة. وذلك لأن من علائم وضع الحديث أن يكون مخالفاً للكتاب والسنة القطعية (1)، فإذا جاءنا حديث بحكم يخالف أو لا
الحق
يوافق ما في كتاب الله من أحكام ولا مجال لتأوله، أو الجمع بينه وبين ما جاء في تلك الآية أو ذلك الحديث الذى خالفهما ـ، فإننا نحكم بوضع ذلك، وهذا هو في قبول الرواية، وإنني أؤيد السباعي في هذا الرأي.
فرواية الإمام أبي عبيدة لهذا الحديث من طريق ابن عباس ليس فيها ضعف ولا غرابة، فرجالها مشهورون، فتقتضي بصحة هذا الحديث، وهذا مقياس صحيح للسنة المختلف فيها، وذلك من جملة شروط أبي عبيدة لقبول الحديث وبلا شك فإنه مقياس دقيق لا يجد الحديث الموضوع سبيلاً إلى اختلاط الصحيح بالسقيم في رواياته مما يجعله متثبتاً إلى أبعد الحدود في قبول الحديث وسط خضم رواة
للحديث
،
الحديث في العراق يومئذ، فحديثه من ا
مدى
الأخذ بالسنة عند أبي عبيدة:
الأحاديث الصحيحة.
رأينا فيما سبق أن الإمام أبا عبيدة كان يرى تخصيص القرآن بالسنة ونسخه بها أيضاً (2)، وبجانب ذلك نجده ينظر إليها بالمقاييس التالية:
1 ـ أنه يرى أن السنة تستقل بحكم تشريعي جديد، كتحريم غير الأم والأخت من الرضاعة، في قوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3). وكذلك تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها في قوله الله في حديث عائشة مع أبي
(4)
القعيس: «نعم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وكعدم وطئ السبايا الحوامل في قوله الا الله: «لا تطأوا الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى يحضن (5). وكذلك ثبوت الرجم بالسنة لا بالقرآن عنده، مع أن القرآن الكريم
(1) السباعي - السنة، مكانتها: 162.
(2) انظر: ص 413 و ما بعدها من هذه الأطروحة.
(3) الجامع الصحيح: 139، وقد سبق تخريج الحديث.
(4) المرجع السابق: 141.
(5) المرجع السابق والصفحة: الحديث: «لا تطأوا الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى يحضنه أخرجه مسلم بلفظ آخر ـ كتاب النكاح ـ باب تحريم الحامل المسبية: 1079. أبو داوود بلفظ: «لا تطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة: 248/ 2
433 (1/433)
صفحة 416
لم يتطرق إلى ذلك كله، فكان هذا من قبيل التشريع المستقل، زيادة على كون السنة تبياناً للقرآن وإيضاحاً له، وكان حريصاً جداً على إحياء السنة والأخذ
بها (1).
فالسنة عنده مصدر تشريعي يأتي بعد القرآن الكريم، إما إيضاحاً وبياناً، وإما تشريعاً مستقلاً، وقد تكون نسخاً لسنة سابقة كما في نسخ صلاة الحضر من
ركعتين إلى أربع (2).
2 ـ يأخذ
-
بخبر
الآحاد الموثوق بهم، وقد رأينا أن كثيراً من الأحاديث التي يأخذ بها باستقراء فقهه ـ آحادية، وذلك لقرب عهده بالصحابة ولدقة شروطه في الرواية، فهو من التثبت بمكان، إذ لم نجد في رواياته المجهول أبداً فأبو عبيدة يأخذ بحديث الآحاد ولا يرده، ولو صح عنده العمل عند الناس
أخذه
بخلافه فهو يقدم الحديث على العرف الجارى، لا كما فعل الإمام مالك فى بعمل أهل المدينة قبل حديث الآحاد، لهذا وقع النزاع بينه، والشافعي، والليث بن سعد، وقد لا يتوفر إجماع أهل المدينة في العمل به، فيكتفى بعمل أكثرهم بدلاً من الأخذ بحديث الآحاد (3)
وأبو عبيدة على النقيض من ذلك، نجده يقدم الحديث على عمل أهل المدينة، وذلك واضح من الاستقراء لفقهه. إلا إذا خالف الحديث الأحادي ظواهر القرآن، وخاصة إذا كان في العقائد فلا يأخذ به، وكذلك في العمليات، أما إذا لم يخالف ظاهر القرآن فيأخذ به في العمل دون العلم كما هو مذهب كثير من
الفقهاء ()
3 ـ لا يفرق بين أنواع السنة الثلاثة: القولية والفعلية والتقريرية في الأخذ وجوب والاحتجاج بها، ولكنا نجده في بعض الأحيان لا يوجب العمل بالحديث إذا اعتبر فيه الخصوصية بالنبي الله، أو بذلك الوقت الخاص كصلاة الرسول داخل الكعبة، وعدم الترتيب في أعمال الحج في حجة الوداع.
4 ـ إذا خالف ظاهر القرآن دون أن يعضده الإجماع لن يأخذ به، لذا لم يأخذ بحديث
(1) المصنف: جـ 1 / ص: 178، الجامع الصحيح: 158. (2) انظر: المدونة الكبرى: 174/ 1. (3) مناهج التشريع الإسلامي: جـ 583/ 1. (4) السنة ومكانتها: 168/ 167,
434 (1/434)
صفحة 417
القلتين في تنجيسه بوقوع القليل من النجس فيه، ولكن اعتبر حديث التغيير بأحد أوصاف التغيير لأعضاده بالإجماع على نجاسة ما تغير بالنجاسة، ولكون الأصل في الماء الطهارة (1).
وكذلك حديث المسح على الخفين لمخالفة ظاهر الأمر في القرآن بغسل الرجلين، وعضدت الآية روايات كثيرة في عدم المسح عن جملة من الصحابة، فهذه الأحاديث مؤيدة لوجوب الغسل فلم يقبل الأحاديث النافية للغسل
(2)
ه ـ يرى تخصيص السنة بالسنة كقوله: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه خصصه بقوله الله: أنت ومالك لأبيك، وبقوله لهند: «خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف فهذا خصصته السنة إذ أجاز للوالد أن يأخذ ابنه بالمعروف، وكذلك الزوجة (3)
مال من
، يرى تخصيص السنة بالإجماع كما روى عن جابر عن ابن عباس حديث عدم وجوب الزكاة في العبيد والخيل والإبل، والعوامل فقد خصصها بالإجماع على. وجوب الزكاة في التجارة، فأوجب في هذه الأشياء إذا اتخذت للتجارة، وذلك لأنها أصبحت من المقومات كبقية الأشياء المتخذة للتجارة، لأن الإجماع انعقد على ذلك (4)
، أما -
حديث القلتين فهو
(1) الجامع الصحيح: 43/ 42 كما أن حديث تغير الأوصاف جاء متصلاً عن ابن عباس: مرسل من طريق جابر بن زيد، فقدم المتصل على المرسل. هذا وقد ألحق أبو عبيدة العذرة والدم وسائر النجاسات بالبول إذا وقع شيء منها في الماء، وكان أقل من الماء ولم يغلب على شيء من أوصافه، أنها لا تنجسه. وبذلك يقول هاشم الخراساني، وأبو عبيدة اعتمد روايته في عدم تنجسه للماء إلا بما غير أحد أوصافه الثلاثة: انظر: غاية المطلوب: 74 إلى 81. (2) حديث المسح على الخفين - أخرجه البخارى فى كتاب الوضوء باب المسح على الخفين: 103/ 1 ــ النسائي – كتاب الطهارة - باب المسح على العمامة: 75/ 1، والمسح على الخفين: 81/ 1 .. ومسلم كتاب الطهارة ــ باب
المسح على الخفين: 227/ 1 أبو داوود ـ كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين: 37/ 1 وما بعدها. (3) المدونة الكبرى: 186/ 2، والحديث كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله، أخرجه ابن ماجة ـ باب حرمة المؤمن وماله: 1298/ 2، الترمذى ـ كتاب البر والصلة ـ ما جاء في شفقة المسلم على المسلم: 325/ 4، أحمد: 277/ 2، وحديث أنت ومالك لأبيك التجارات - باب ما للرجل من مال ولده: 769/ 2 واللفظ له، النسائي: كتاب البيوع ـ باب الحث على الكسب بلفظ آخر: 241/ 7، الترمذى ـ كتاب الأحكام ـ باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده: 639/ 3، أبو داوود - كتاب البيوع - باب في الرجل يأكل مال ولده: 288/ 3 وحديث: خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف النسائي - آداب القضاة ـ باب قضاء الحاكم على الغائب إذا عرفه: 246/ 8، ابن ماجة ـ كتاب التجارات - باب ما للمرأة في مال زوجها: 769/ 2. (4) الإيضاح: 72.
435 (1/435)
صفحة 418
7 ــ وكان ـ أيضاً ــ يرى نسخ السنة بالسنة، وذلك كعدم عمله بحديث غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، ورأى أن ذلك منسوخ، حكى ذلك عنه
صاحب المصنف
كما حكاه عن الإمام مالك: اتفق أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والإمام مالك ابن أنس على إجازة سؤر الكلب، وطهارة فضل مائة، وكذلك سائر السباع، وأكل لحومها، وضعفا الخبر عن النبي عل الله في تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وطعنا في رجاله) (1)
أما عمل الإمام أبي عبيدة بروايته فقد سبق أن ذكرنا أنه يقدم السنة إن وجدت على القول بالرأى، حتى ولو جاءت السنة من طريق الآحاد (2). وقد سأل سائل أبا عبيدة فقال: (إن السمن يؤتى به من الأهواز من بلاد المجوس فلم جاز أن نشتريه غير مضمون، ولا أن نشترى الجبن إلا مضموناً، فقال له أبو عبيدة: هكذا جاء يجوز الأثر في الجبن، ولم يجيء ذلك في السمن (3).
مما يدل على الوقوف أمام الأثر (السنة)، وتجنب الرأى إذا أمكن، وذات مرة سأله سائل ـ قبل أن يصيبه العمى ـ عن زكاة الفطر وليس عنده شيء؟ وكان على السائل ثوبان غاليان، فقال له أبو عبيدة: اذهب فبع ثوبيك هذين واشتر دونهما، ثم أخرج زكاة الفطر) (4). وذلك لأجل اتباع السنة في إخراج زكاة الفطر ولأجل الخروج من
الخلاف.
والقاعدة الأساسية عنده العمل بروايته وهذا هو منهج الأئمة ... المحدثين، ولكنه قد يخالف روايته للحديث فيعمل بخلافه وذلك يرجع إلى عدة أسباب: السبب الأول:
نسيان الرواية إذ لعله نسى روايته فأفتى بخلاف ما تدل عليه تلك الرواية، وقد
(1) المصنف: جـ 3: 196/ 195 الحديث كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام» أخرجه البخارى بلفظ: «نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، 174/ 7 - النسائي - كتاب البيوع - باب بيع المغانم قبل أن تقسم: 301/ 7 ـ الترمذى ـ كتاب الأطعمة ـ باب ما جاء في لحوم الحمر الأهلية 254/ 4 أبو داود - كتاب الأطعمة باب النهي عن أكل السباع:
355/ 3
(2) انظر: 434 من هذه الأطروحة. (4) المالكي ـ غاية المطلوب: 153.
(3) المالكي ـ غاية المطلوب: 20.
-
436 (1/436)
صفحة 419
ذلك لكثير من المحدثين، ولم يكن عيباً في الرواية، ولكنه قد ساغ للفقيه ذلك بسبب النسيان (1)، كما سئل الإمام أحمد عن حديث فقال بما معناه: (انظروه في المسند فإن كان فيه فهو عنى)
السبب الثاني:
(2)
قد يكون الحديث فيه تفسير من صحابي ويعلم القرينة لصدور الحديث من
المعصوم عل الله، فعقب الصحابي على رواية الحديث بتوضيح العلة، فترك أبو عبيدة الحديث من أجل ذلك مثل ما روى عن ابن عباس من أنه فسر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة بالبول أو الغائط إذا كان فى الصحارى والقفار، وأجازه في البيوت احتجاجاً بحديث استقباله لالالالالالي للقبلة في بيت زوجته حفصة بنت عمر، فجعل ابن عباس النهي عن الأمكنة التي ليس بين الناس فيها وبين القبلة حيال، فالنهي عند أبي عبيدة غير عام (3) لأن العلة فيه واضحة. وكعدم العمل بحديث عدد الرضعات فالتزم عموم ما يسمى رضاعة إسناداً إلى ظاهر الآية، وذلك ترجيح للرواية المؤيدة لظاهر. القرآن في عدم تحديد عدد الرضعات (4)
السبب الثالث:
وقد خالف أبو عبيدة روايته لعلة يراها بنفسه، وقد تكون هذه العلة من قبيل العادة، كما جاء في روايته الدالة على وجوب الاغتسال من الجنابة على المرأة عندما سألته له أم سليم أن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فهل عليها غسل؟ قال: نعم (5). ولكن أبا عبيدة خالف هذه الرواية حسبما جاء عنه في مدونة أبي غانم، فقال: إن للمرأة الحيض وللرجال الاحتلام فليس عليها غسل من الاحتلام (6)، وكمخالفته لأجل علة الاحتياط - لحديث الحيازة الذي ورد في الجامع الصحيح، وهو قولة أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حاز أرضاً وعمرها
(1) ابن تيمية ـ رفع الملام عن الأئمة الأعلام: 1. (3) انظر: الجامع الصحيح: 27.
(2) السباعي ـ السنة ومكانتها: 443. (4) نفس المرجع: 141.
(5) الجامع الصحيح: 38 (ترى المرأة ما يرى الرجل فهل عليها غسل؟) أخرجه فى كتاب الغسل باب إذا احتلمت المرأة: 130/ 1 وأخرجه مسلم في كتاب الحيض باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المنى منها: 250/ 1، النسائي ـ كتاب وجوب الغسل - الطهارة باب الغسل للمرأة ترى في منامها ما يرى الرجل: 61/ 1.
(6) المدونة الكبرى: جـ 1: 325.
437 (1/437)
صفحة 420
عشر سنين والخصم حاضر لا يغير ولا ينكر، فهى للذي حازها عمرها عشر سنين، ولا حجة للخصم فيها) (1)، فكان رأيه أن تكون مدة الحيازة عشرين سنة، وهو قول شيخه الإمام أبى الشعثاء، وقد جاء ذلك في المدونة الكبرى. وبهذا يتبين أنه خالف روايته لأجل الاحتياط، وكذلك عدم تقيده بمدة الرضاع وهي الحولات بحيث جعل الرضاع المحرم ممتداً إلى أربع سنين (2).
السبب الرابع:
قد تكون مخالفته للرواية لأجل الأفضلية والمصلحة الدينية، فمثال المصلحة الدينية مخالفته لحديث ميمونة وهو: (أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رسول الله له كان متخذاً منديلاً يمسح به بعد الوضوء، وكان أزواجه يناولنه إياه فيجفف به فخالف أبو عبيدة هذه الرواية بتعقيبه على هذا الحديث بقوله: (قال أبو عبيدة: المعمول به عندنا أن لا أعضاءه بعد الوضوء، وهو استحباب من
يمسح
لأنه
نظر
أهل العلم، وترغيب منهم فى نيل الثواب ما دام الماء على أعضائه) (3) وذلك إلى مدة بقاء الماء في أعضاء المتوضئ، فكان إبقاء الماء على الأعضاء ــ في نظره ــ فيه ثواب جسيم، وكحديث التسمية على الوضوء (4)
أما المصلحة الدنيوية وذلك كصلاته خلف أئمة الجور للفرائض وخصوصاً صلاة الجمعة، مع أنه روى عن أبي الشعثاء جابر بن زيد عن ابن عباس: (أن النبي له أئمة قال: «إنكم ستدركون من بعدي يؤخرون الصلاة عن وقتها، فإذا أدركتم ذلك فاجعلوا صلاتكم معهم سبحة أى نافلة (5)، فالحديث ناطق بأن صلاة المأموم خلف من يؤخرها عن وقتها يجب أن تكون نافلة، لكن الإمام أبا عبيدة جعلها فريضة، وذلك لأنه لم يدخل فيها ما يفسدها، فلعل ذلك كان لمصلحة دنيوية كالتقية مثلاً وقد رأى
(1) الجامع الصحيح: 159 ولم أهتد إلى تخريجه. (3) الجامع الصحيح: 30 وسبق تخريجه.
(2) انظر المدونة الكبرى: 254.
(4) الجامع الصحيح: 29. ونص الحديث: (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي الله أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه الربيع قال أبو عبيدة: ذلك ترغيب من النبي عل الله في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله. فتراه في هذه الرواية يؤول الأمر بالتسمية علي الوضوء بالترغيب في نيل الثواب ولعله نظر إلى القرينه الصارفة له عن
الوجوب وهي عدم نقض الوضوء بتركها فكانت التسمية من السنن غير الواجبة .. الجامع الصحيح: 29. (5) ابن ماجة كتاب الإمامة ـ باب ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها: 398/ 1، النسائي ـ كتاب الإمامة ـ الصلاة مع أئمة الجور: 76/ 2، الترمذي: كتاب الصلاة ـ باب في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام: 332/ 1.
438 (1/438)
صفحة 421
ذلك بعض
الأئمة كمالك وأبو حنيفة، فمالك لم يعمل بروايته في بيع الخيار مثلاً (1)
السبب الخامس:
شئت
قد يكون ترك الرواية من قبيل الجمع بين الآيات وتغليب جانب الرخصة، فيأخذ بعمل الصحابي تغليباً لها، وذلك كروايته لحديث سبيعة الأسلمية عن جابر بن زيد، عن ابن عباس في أنها تعتد بوضع الحمل وتحل للأزواج (2)، واعتبر ذلك رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم. وأما العمل فعلى ما قال ابن عباس وهو المأخوذ به عندنا، فكأنه غلب رأى ابن عباس لأجل الجمع بين الآيات. وقد أورد شارح الجامع قصة تؤيد رأى أبي عبيدة وهى ما في رواية الأسود عن أبي السنابل أن النبي الله قال لها: «فانكحى من: ولو رغم أنف أبى السنابل». وذلك أن سبيعة ولدت بعد وفاة زوجها خطبها رجلان أحدهما شاب، والآخر كهل وهو أبو السنابل، فمالت إلى الشاب فقال أبو السنابل: لم تحلى بعد وكان أهلها غيباً ورجى إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها ـ فجاءت إلى رسول الله الله فقال: «قد حللت فانكحى من شئت» قال: (فهذا كان لها لأجل إرغام أبى السنابل (3) فلعل أبا عبيدة نظر إلى هذه القصة. فاعتبر ذلك رخصة لسبيعة، فاستحب الجمع بين الآيات مما أدى به ـ في ظاهر الأمر - إلى مخالفة الرواية عملاً بقول ابن عباس كما سبق.
الترخيص
-
-
وقد يروى أبو عبيدة نفسه الحديث من طريق واحد في الأمور العملية بهيئتين، فيختار هيئة واحدة منها رجحها بمرجحات عنده، كروايته عن جابر حديث صلاة الخوف عن جمع من الصحابة بهيئتين، وقد يكون المرجع عمل أكثر الصحابة بواحدة منها، أو عمل شيوخه، أو ترجيحهم لواحدة منهما، وكصلاة السفر ووجوب صلاة الوتر وغيرها من الأعمال (4).
وبالجملة فإن الإمام أبا عبيدة كغيره من الفقهاء قد يخالف روايته في العمل، إذ
(1) موطأ الإمام مالك: جـ 2: 681
(2) الجامع الصحيح: 147 - الحديث (حديث سبيعة الأسلمية في الخروج من العدة بوضع الحمل) أخرجه مسلم - كتاب الطلاق ـ باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل: 1122/ 2، أبو داوود كتاب الطلاق في عدة الحوامل: 293/ 2، النسائى كتاب الطلاق - باب العدة للحامل المتوفى زوجها: 190/ 6.
(3) الجامع الصحيح: جـ 3: 125/ 131 ـ ومخرجه نفس مخرج الحديث السابق والاختلاف في السند فقط. (4) الجامع الصحيح: 111/ 180.
439 (1/439)
صفحة 422
لعله
أخرى
من
يرى في الحديث دلالة تخرجه عن ظاهره في الرواية أو المتن، أو اعتبارات وجه نسخه أو تقييده، أو تخصيصه، أو غير ذلك، مما لا يعد تركاً للعمل بالحديث، وقد وقع لكثير من الفقهاء مثل ذلك أمثال الإمام مالك إذ روى مجموعة أحاديث في الموطأ ترك العمل بها (1)، وهذا لا يعنى أنها ضعيفة الإسناد أو المتن، بل لاعتبارات ومرجحات أخرى جعلته يخالفها في العمل بغيرها.
وقد نص ابن تيمية على جواز تقليد هؤلاء العلماء (2)، فالخلاف في هذه الأمور ليس من الأمور المفضية إلى الخروج عن قواعد التحديث، بل لكل واحد من المحدثين وجهة نظره فى التقيد بشروط وهو أعلم بما يرويه، فلابد من حدوث بعض الفوارق
في التطبيق.
وأخيراً هل يروى الإمام أبو عبيدة الحديث بالمعنى أم لا؟
فإننا نجده يروى الحديث بالمعنى، فمثلاً روايته الحديث الركاز وهو قوله: (أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: جرح العجماء جبار، والبثر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» (3) فبينما رواه بلفظه في الجامع تجده يرويه بالمعنى ونصه: أبو المؤرج قال: (حدثني أبو عبيدة رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل تجتمع فيه الدواب فهو جبار، وكل قليب يحفرها صحبها جبار، وكل معدن جبار، وفي الركاز الخمس» (4). فروايته الثانية للحديث نفسه مختلفة في اللفظ عن الرواية الأولى إذ الأولى باللفظ، والثانية بالمعنى
حمى
ويظهر مما سبق أن الإمام أبا عبيدة كانت عنده عدة اعتبارات أدت به إلى مخالفته للعمل بروايته، أو رواية غيره، ومرد هذه الاعتبارات النظر إلى القواعد التحديثية، أو الأصولية الشرعية، ولم يكن رداً لحديث الآحاد ولا تقديماً للقياس عليه، إذ تبين لنا أنه كان يلجأ في ذلك إلى مستند أصيل، ولابد لنا من أن نعرف موقف أبي
(1) انظر: السنة ومكانتها في التشريع: 421. (2) انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام: 38/ 37.
(3) الجامع الصحيح: 85.
(4) المدونة الكبرى: 237. الحديث: جرح العجماء جبار، والبئر، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» .. أخرجه البخاري في كتاب الديات - باب المعدن جبار والبئر جبار: 21 بلفظ العجماء جرحه جباره .... إلخ، النسائي كتاب الزكاة - باب المعدن: 45/ 5، الترمذى ـ كتاب الزكاة ـ ما جاء أن العجماء جرحها جبار وفي الركاز الخمس: 34/ 3، أبو داوود - كتاب الديات: باب العجماء والمعدن والبئر جبار: 196/ 4.
440 (1/440)
صفحة 423
عبيدة من الأحاديث الموقوفة، أى أقوال الصحابة قبل أن ندخل في موضوع الإجماع.
وذلك لتعلق أقوال الصحابة بموضوع الاستدلال بالسنة فنقول:
ب ــ قول الصحابي:
لم نجد في فقه الإمام أبي عبيدة مصطلح عمل أهل المدينة لأنه كان يعيش بالبصرة، مصطلح (عندنا) ويقصد به مجتمع الأباضية هناك، وسوف نتعرض
ولكنه قد أثر
عنه
للمصطلحات في آخر المبحث إن شاء الله
وإذا نظرنا إلى ما أثر عن الإمام أبي عبيدة من الأخذ بأقوال الصحابة نجده يعتبرها قابلة للصواب والخطأ، فقد يوافقها وقد يخالفها، وقد يختار منها عند التعدد للأقوال في المسألة الواحدة وندخل في الموضوع بشيء من التفصيل: 1 ــ نجد الأحاديث الموقوفة في روايات أبي عبيدة بالجامع الصحيح لكنها قليلة جداً، وكذلك إذا كان قول الصحابي تفسيراً لما غمض في الحديث، أو توضيحاً لمفهوم الأمر أو النهى، أو معرفة الناسخ من المنسوخ، كما في روايته الفطر عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره الله (1)، فالأمر هنا واضح من أن ابن عباس يقصد
بذلك أن غير هذه الصورة منسوخة.
2 ـ يأخذ بقول الصحابي إذا لم يخالفه غيره،، فكثيراً ما يحتج بفعل الصحابة إذا لم يكن لهم نكير، لأن ذلك يدل على ارتضاء الصحابة لذلك القول أو الفعل من الصحابي، وهو ما يدل على الإجماع السكوتى. وسنتعرض له في مبحث الإجماع إن شاء الله، وسواء أخذ شكل العلنية بحيث يصدر من ما الخليفة وهو ذكرناه، أو كان يصدر من أحد الصحابة غير الخليفة فيتابع عليه، مثال ذلك:
(1) الجامع الصحيح: 79. الحديث: خرج النبي عل الله إلى مكة في رمضان عام الفتح حتى بلغ الكديد فأفطر فأفطر الناس معه) .. أخرجه البخاري بلفظ: خرج رسول الله الا الله من المدينة إلى مكة في رمضان حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه بيديه ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله له وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر: كتاب الصوم - باب من أفطر في السفر ليراه الناس: 77/ 3 .. مسلم - كتاب الصيام - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر غير معصية: 784/ 2. النسائي - كتاب الصيام باب الصيام في السفر وذكر اختلاف خبر ابن عباس فيه: 183/ 4 ... أبو داوود ـ كتاب الصوم - باب الصوم في السفر: 316/ 2 بمثل لفظ البخارى.
441 (1/441)
صفحة 424
أخذه برأى أبى بكر فى أن أفضل الوصية الخمس لمن له ولد، والربع لمن لا ولد له، حذراً من الوقوع في النهي (1).
أثر
عنه
الصحابة
ـ ينظر إلى دليل الصحابي فإن رأى حجته ظاهرة تابعه عليه وإلا توقف عنه، ومم في ذلك (إن عرفت عملت به وإلا فلا) (2). والمعنى أنه ينظر في سند النقل وحجة القول فإن ظهر له صوابه تابعه، والناس فيهم المصيب وفيهم المخطئ ولا يسلم من الخطأ إلا المعصوم له، ومن المؤكد ـ وقد تتلمذ على بعض أن يكون قد أخذ بأقوالهم ولكنه ـ باستقراء فقهه ـ يتبين أنه يميل إلى أقوال بعض الصحابة دون بعض، فكثيراً ما كان يأخذ بأقوال ابن عباس وابن عمر، فهو يجمع بين رخص ابن عباس وتشديد ابن عمر، وقد أخذ بقولهما في كثير من المسائل، منها مسألة القنوت في الصلاة مع وجود المخالف لهما، ولكنه اختار قولهما لوضوح أدلته عنده، وغير ذلك من المسائل.
-
(3)
-
-
4 ـ بما أنه كان هياباً من التوسع في القياس فكان كثيراً ما يعتمد على أقوال الصحابة، فتجد الأحاديث الموقوفة وفتاوى الصحابة أحاديثه المرفوعة والمرسلة (4)، بين وكان غالب الفقهاء والمحدثين من التابعين يسلكون هذا المنهج، كجابر بن زيد، والإمام مالك في الموطأ (5)، وكذلك البخارى إذ أن صحيح البخاري: الموقوف والمعلق وفتاوى الصحابة والتابعين وآراء العلماء (6)، بل إن أبا عبيدة لا
يوجد فيه
(1) المدونة الكبرى: 210. المراد بالنهى هو ما ورد من مفهوم النهي في حديث سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه عندما سأل النبي له وهو على فراش المرض في أن يوصى بثلثى ماله، أو نصفه، أو الثلث، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم في الثلث: «نعم والثلث كثيره، رواه الربيع - الجامع الصحيح: 178/ 1، أحمد: 1/ 168، البخاري ـ كتاب الوصية باب ما جاء في الوصية بالثلث: 548,4، الترمذى ـ كتاب الجنائز - باب الوصية بالثلث والربع: 3/ 305، النسائي ـ كتاب الوصايا - باب الوصية بالثلث: 241/ 6. ولم يكن لسعد ولد فلأجل الخوف من الوقوع في المحذور، قال أبو بكر بالربع لمن لم يكن له ولد، والخمس لمن له ولد.
الصحة
(3) الجامع الصحيح: 87.
(2) العقود الفضية: 140. (4) بالرغم من أن موطأ الإمام مالك قد شهد المحدثون بصحة ما جاء فيه من الروايات وأنه في الدرجة الأولي من والوثوق، فقد تتخلله المراسيل عن الأحاديث وعدها بعض الباحثين 222 حديثاً، والموقوف وعددها 613، بالإضافة إلي أقوال التابعين وعددها 285، والمسند من مجموع ما في الموطأ. 600 حديث فقط، ولكن جميع ما ورد فيه قد وصله غيره وشهد للإمام مالك بتثبته في النقل ولهذا لم يسلم محدث من المحدثين من الأخذ بالمرسل والموقوف. انظر: مناهج التشريع الإسلامي جـ 2: 572. (5) السنة ومكانتها: 446
(6) الديوان المعروض: 384
442 (1/442)
صفحة 425
تجد عنه لآراء التابعين ذكراً إلا رواية فقط، أو تفسيراً لما جاء في الرواية. روى أبو المؤرج عنه قوله: (إن في اتباع الآثار والاقتداء بالأئمة الفضل والشرف الجسيم) فهذا نص فى أنه لا يحب التوسع في القياس مع ورود الأثر ولو
كان موقوفاً عن الصحابة.
المطلب الثالث: موقفه من الإجماع:
الإجماع في اللغة: الإحكام والعزيمة على الشيء، وأجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه بمعنى واحد، أو أجمع أمره أى جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً (1)، و بمعنى الاتفاق ومنه يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه، فاتفاق كل قوم يعتبر إجماعاً (2).
وفي اصطلاح الأصوليين: هو إجماع أمة محمد الله في الأمور الدينية أو الدنيوية، فعرفه الغزالي بقوله: (الإجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد ع خاصة على أمر. من الأمور الدينية)، وقد أورد على هذا التعريف ثلاثة إيرادات وعرفه الآمدى بقوله: (الإجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد له في عصر من الأعصار على حكم واقعة في الواقع) (3). وعرفه نور الدين السالمي بقوله: (الإجماع اتفاق علماء الأمة على حكم في عصر، وقيل: اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم في.
هو
على أمر) (1).
هذا
هو
عصر
تعريفه، ومن الطبيعى أن هذه التعريفات لم تكن في زمان أبي عبيدة
به
ولكنها لاحقة لعصره فماذا كان يسميه الإمام أبو عبيدة؟ وكيف كان أخذه وردت كلمة الإجماع في فقه أبي عبيدة وكما عثرنا على قول لتلميذه أبي المؤرج في الموضوع وهو: (وقد قال السلف من أئمة المسلمين أقاويل كثيرة ورجعوا عن ذلك وقالوا بغير أقاويلهم، وذلك كله اختلاف فى الرأى، ولم يكن اختلافهم لا في كتاب ولا في سنة ولا أثر مجمع عليه إلا اختلافاً في الرأي) (5)
(1) ابن منظور - لسان العرب: 58/ 57/8. (2) الآمدي أبي الحسن - الإحكام في أصول الأحكام: جـ 1/ 280. (3) المرجع السابق: 282/ 281/1/ 1.
(4) السالمي - طلعة الشمس: جـ 2/ 65 (5) المدونة الكبرى: جـ 92/ 1، والمعنى في ذلك كلمة الإجماع واردة في أجوبته وفتاويه كما وردت مشتقاتها، مثل مجمع عليه، وأجمع عليه الناس، وغير ذلك مما سنبينه إن شاء الله، ولكن قول أبي المؤرج لا يدل =
443 (1/443)
صفحة 426
وهذا يدل على أن الإجماع بمعناه موجود ومعروف عند الإمام وأتباعه ولكنه لم
يكن متبلوراً في الاصطلاح الأصولي، وتكررت كلمة (من غير نكير) في رسالته في الزكاة إلى أهل المغرب سواء كان فعلاً أو قولاً أو سكوتاً، كما يطلق عليه الإجماع السكوتى فمثلاً قوله: (نظر فيه خواص من أهل الفقه والفضل والمعرفة في الدين، واجتهدوا رأيهم فيه على أمر الله به، من تفريقه لمن أمر الله بإعطائه إلى أن قال: (فما راه المسلمون حسناً فهو كذلك إن شاء الله) (1)، وقوله: ألا ترى أن الخبر جاء عن عمر رضي الله عنه، وأصحاب رسول الله الله حضور ... إلخ) (2) وقوله: (وجاء عن
عمر أنه جعلها لصنف واحد، وجماعة المسلمين لا ينكرون ذلك ولا يغيرونه). (أجمع المسلمون فقالوا: افرضوا لخليفة رسول الله شيئاً يغنيه) (3). وقوله: (وهو في إجماع قول العامة لا زكاة عليه فيها) (4)، وقوله في إجماع الأمة: (إذا أصاب خمسة أوسق فعليه عشرة) (5)، وقوله: (فلا أرى له مخالفة الجماعة لعدل رأوه) (6). إن مجموعة هذه النصوص تدل على أن إجماع الجماعة حجة عند الإمام أبي عبيدة بنوعيه القولى والسكوتى، كما أن الإمام يقر الاجتهاد الجماعي، فمثال الإجماع القولى: ما رآه المسلمون حسناً فهو كذلك إن شاء الله، وهذا نص في الإجماع العملى، وقد جاء الحديث من طريقه عن الإمام جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبى الله قال: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله. ومن المعلوم أن حسن الحديث هو مذهب الراوى ما لم يقل صراحة بخلافه أو يعمل أو يفتى بخلافه أيضاً، فما دام الأمر كذلك فالإجماع العملى حجة قطعية عنده، وهو داخل تحت الإجماع القولى، ويدل على ذلك أيضاً قوله: (فهو في إجماع الأمة إذا أصاب خمسة أوسق فعليه عشرة) فمصطلح الإجماع ظاهر في هذه العبارة، ثم إنه يتبين منها أيضاً اشتراط إجماع الأمة المحمدية على هاديها أفضل الصلاة والسلام، فيكون الإجماع ـ على هذا ـ دليلاً شرعياً ثالثاً بعد الكتاب والسنة. أما الإجماع السكوتي فهو حجة عنده
(7)
= على إجماع المشار إنما يدل على السنة المتفق عليها لأنها هي التي تسمى الأثر يومئذ، وتقصد بالاستدلال اشتقاق
الكلمة فقط
(1) رسالة في الزكاة: 4 طبعة التراث العماني.
(3) رسالة في الزكاة: 8. (5) نفس المرجع: والصفحة.
(2) نفس المرجع: 6.
(4) نفس المرجع: 13. .
(6) نفس المرجع: 24.
(7) الجامع الصحيح: 17 .. الحديث (فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) رواه أحمد: 379/ 1.
444 (1/444)
صفحة 427
يتصور
أنه
أيضاً وذلك يتضح من النصوص التي وردت في السياق السابق فقوله: (وجماعة المسلمين لا ينكرون ذلك ولا يغيرونه) وحاشاهم أن يسكتوا على أمر وهم يرون الحق في غيره، فسكوتهم حجة عليهم فلذا احتج به الإمام أبو عبيدة، ومعنى ذلك حجة عنده لأنه لا سكوت الصحابة على أمر يجب فيه الإنكار، وكذلك قوله: (وأصحاب رسول الله الحضور فإنه يؤدى نفس المعنى الذي أراه القول السابق، وشروط هذا الاجتهاد واضحة من نفس النص والمعنى أن ما وقع فيه هذا الإجماع لم يسبق فيه حكم شرعى، ثم إنه وقع الإجماع من عدول الأمة. وهم الذين لهم الحق في الاجتهاد، ولم يظهر نكير لهذا الإجماع واستمر العمل عليه، فهنا شرائط الإجماع متوفرة ولم يظهر نكير لهذا الإجماع، أما الاجتهاد الجماعي: فظاهر أنه يحتج به كذلك، وقد ذكرنا نصين في هذا الموضوع وهما: (وهو في قول العامة لا زكاة عليه فيها وقوله: فلا أرى له مخالفة الجماعة لعدل رأوه) فهذا دون درجة لأن قوله: «فلا أرى» يشعر بأن الأمر أهون الإجماع فقد ذي قبل، من يرى غيره جوازه ولكنه لا يراه هو، وكذلك مصطلح قول العامة قول جماعة الأباضية فقط معنى لفظ العامة أى عموم فقهاء الأباضية، وقد تكرر مثل ذلك في المدونة، والمقصود به عة اجتهاد مجموع الفقهاء ولم يصل إلى درجة الإجماع العام، ويظهر مما سبق أن من الإجماع حجة عنده، وليس إجماع قوم أولى بالعمل من إجماع قوم آخرين، فإجماع أهل المدينة خاصة لا وجود له في فقه الإمام أبي عبيدة، فإذا عرفنا هذا فلابد لنا ــ بعد أن نعرف أخذ أبي عبيدة بالقياس. وما هي ضوابطه عنده، وهو ما
ذلك
-
من
سنبحثه في المطلب الآتى إن شاء الله
المطلب الرابع: موقفه من الاجتهاد:
أ ـ القياس:
القياس لغة: التقدير ومنه قياس الأرض بالقصبة والثوب بالذراع، وقاس الشيء يقيسه قيساً وقياساً واقتاسه وقيسه إذا قدره على مثاله، وقايست بين شيئين إذا قارنت بينهما (1)، أما في عرف الأصوليين: فقد عرفه أبو بكر الباقلاني بقوله: القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما. ووافقه عليه
(1) لسان العرب: جـ 6: 187/ 186 .. الآمدى - الأحكام في الأصول: 261/ 3.
445 (1/445)
صفحة 428
أكثر الشافعية (1). وعرفه أبو الحسن البصرى بقوله: القياس تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباهما في علة الحكم عند المجتهد (2). وعرفه الآمدى بقوله: هو عبارة عن الاستواء بين الأصل والفرع في العلة (3)، وعرفه الإمام السالمي بقوله: حمله مجهول الحكم على معلوم بجامع بينهما (4)
وله أربعة أركان: مقيس، ومقيس عليه، والعلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه، وحكم الأصل (5). ولا نريد أن ندخل في التفاصيل القياسية لئلا يذهب بنا الحال إلى الخروج عن الموضوع، ولكنا نبحث القياس عند الإمام أبي عبيدة ومدى الأخذ به وسنبينه فيما يلى:
إن القياس بمعناه الاصطلاحي الذي تبلور بعد القرن الثاني لم يكن معروفاً في زمان أبي عبيدة، ولكنه الاجتهاد والرأى، ولذلك سميت المدرسة التي نهجت نهج الاجتهاد والاستنباط مدرسة الرأى.
وجد
سبيلاً
وإذا نظرنا إلى آثار الإمام أبي عبيدة في الحديث نجده الآثار ما يتبع إلى ذلك، وعندما لا يجد نصاً في المسئلة يقيس على ما ورد فى النص، وسنضع أم ع أمام القارئ مجموعة من النصوص التي استطعنا استخراجها من رسالته في الزكاة، لأنها تمثل فقهه المباشر، وكذلك من رواياته في الجامع الصحيح. من غير استطراد في
الموضوع.
النص الأول: نظر) فيه خواص من أهل الفقه والفضل والمعرفة في الدين، واجتهدوا رأيهم فيه على ما أمر الله به من تفريقه لمن أمر الله بإعطائه) (6)
النص الثاني: (هذا ما لا يجوز ولم يتقدم بذلك أحد. السلف ولا الأئمة) (7). من النص الثالث: ألا ترى أنه ليس للإمام متى ولى من فيئهم شيئاً إلا إخراجه إلى القوم بالمعروف) (8) إلخ احتجاجاً بفعل أبى بكر الصديق وعمر رضى الله
عنهما
(1) نفس المرجع السابق: 262.
(3) المرجع السابق: 273.
(2) المرجع السابق: 265.
(4) السالمي - طلعة الشمس جـ 2: 92.
(5) الأحكام في الأصول:: ج 3: 273 - طلعت الشمس جـ 2: 91 وما بعدها. (6) رسالته في الزكاة إلى أهل المغرب: 4. (7) المرجع السابق: 5. (8) المرجع السابق: 6.
446 (1/446)
صفحة 429
النص الرابع: (وإن احتمل ذلك ولم يخرج على من معه في الرأي والنظر جاز تفريقه وحده وإذا أشهد وعدل ولم يخف الزلل والجماعة أحب
إلى) (1).
النص الخامس: فالرأى إن كان ذلك من رأى الجماعة بعد اجتهادهم فإن حرموا قرابته أو غير قرابته فلا أرى له مخالفة الجماعة لعدل رأوه.
لأن الجماعة بذلك أمرت وبذلك قامت السنة، فلا أرى له مخالفة السنة، وإن غلطت الجماعة فى قرابته أو غير قرابته ناظرهم فإن كان القول قوله رجعوا إليه، وإن كان الأمر كما رأوا ليس له أن ينازعهم) (2).
النص السادس: أبو عبيدة قال: بلغنى عن رسول الله الله أنه قال: «خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، كتاب الله عز وجل، فما لم تجدوه
في كتاب الله ففى سنتى. فما لم تجدوه في سنتي فإلى أولى الأمر
منكم (3).
النص السابع: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة قالت: «كنت أنام مع الرسول وأنا حائض قال الربيع: قال أبو عبيدة: وهذا يدل على أن بدن
الحائض ليس بنجس، وكذلك بدن الجنب على هذا الحال» (4) بقياس بدن الجنب على بدن الحائض.
النص الثامن: أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرني حبيبي جبريل عليه السلام أن أغسل فنيكثى و عقفتي و عنفقتي
عند الجنابة قال الربيع: قال أبو عبيدة: وعليه مع ذلك غسل رفغية بالقياس على
وما بضيه ومسربته، و سرته وكل ما بطن من جسيده
(1) المرجع السابق: 23. (3) الجامع الصحيح: 14 وقد ذكر تخريجه من قبل.
(2) رسالة الزكاة: 24/ 23.
(°)
(4) نفس المرجع: 148 .. الحديث كنت أنام مع رسول الله الله وأنا حائض) أخرجه البخاري بلفظ آخر في كتاب الحيض باب لن أخذ ثياب الحيض: 144/ 1 - وأخرجه مسلم في كتاب الحيض باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد .. النسائى كتاب الطهارة باب مضاجعة الحائض: 149/ 1 .. رواه أبو داوود كتاب الطهارة - باب في الرجل يصيب منها ما دون الجاع: 69/ 1.
(5) الجامع الصحيح: 38 سبق ذكره.
447 (1/447)
صفحة 430
ما ورد في الحديث
النص التاسع: قال أبو عبيدة: (وكذلك الطعام لا ينفخ فيه وإن كان حاراً فليبرده) (1). وذلك بعد ذكر النهى عن التنفس في الشراب قياساً
عليه
النص العاشر: قلت: مثل لى قولهم فى المدبرة مثلاً اقتدى عليه وأقوى به، وفرقه لى فرقاً بيناً واضحاً وقس لى فيه قياساً بيناً، قال: نعم، قد كفانا ذلك الشيخ أبو عبيدة. قلت: أو قد قال في ذلك قولاً قاس فيه قياساً؟ قال: نعم، قلت: وما هو؟ قال: سألهم عن رجل جعل نخلة له بعد موته في سبيل الله تعالى هل له أن يأكل من رطبها وبسرها، منها ويهب في حياته ويغرس من فسلها في أرض أخرى؟ ويبيع قلت: وما عسى أن يقولوا أن له ذلك؟ قال: فإذا قالوا ذلك فما الذي في أيديهم كذلك. قلنا: نحن كل ما ولدت المدبرة في حياة
(2)
سيدها هم عبيد .. إلخ) ويري أبو عبيدة أن صوم الظهار ليس بأشد من صوم رمضان، فإذا جاز الفطر لعذر في رمضان جاز الفطر في الظهار، وهو قول الشعبى وعطاء وخالفهم أبو حنيفة. وقد نقل ذلك عنه ابن عبد العزيز (3)، وكفى أن نقف عند هذا الحد من النصوص لنتبين بها استعمال أبي عبيدة للقياس الجلي، إذ إن أبا عبيدة كغيره من الفقهاء القائلين بالقياس، لأنه أمر لا محيص عنه للمجتهد، ولم ينص الشرع على كل الحوادث وإنما ورد حكم الشرع في بعضها، ليشمل البعض الآخر بعد نظر الفقيه واستفراغ وسعه في استخراج العلة إن كانت غير منصوصة، ومن ثم يطبق الحكم على ا لم يرد فيه نص ولم يختلف الفقهاء فى القياس الجلى، وإنما اختلفوا في غيره، والذم للقياس موجه إلى التعمق فى الإكثار من القياس، روى مجالد عن الشعبي قال: لعن الله أرأيت، وقال أبو بكر الهذلي: قال الشعبي: أرأيتم لو قتل الأحنف بن قيس، وقتل طفل صغير
معه
(1) نفس المرجع: 64.
(3) الديوان المعروض: 43.
(2) المدونة الكبرى جـ 2: 192.
448 (1/448)
صفحة 431
أكانت ديتهما سواء. أم يفضل الأحنف لفضله ولحلمه؟ قال: بل
سواء، قال: فليس بشيء (1) وهذا في غير القياس الجلي.
ولابد لنا في المقابل أن نبحث في النصوص الواردة في رفض القياس من أبي عبيدة ونحاول التوفيق بين الوجهتين: روى عنه تلميذه أبو سفيان أنه قال: (من ذهب في القياس ذهب في الدمار) (2) وروى عنه أبو المؤرج قوله: (إن في اتباع الآثار والاقتداء بالأئمة الفضل العظيم والشرف الجسيم) (3). روى عنه أيضاً أنه فلم جاز أن تشتريه غير مضمون، ولا يجوز أن تشترى الجبن إلا مضموناً. قال له أبو عبيدة: هكذا جاء الأثر في الجبن ولم يجيء في السمن (4). يقول أبو سفيان في رسالته إلى الإمام المهنا بعمان ضد هارون بن اليمان: (إنما يتبع هارون القياس وليس في دين المسلمين قياس، إنما هو كتاب الله، وسنة نبيه له، وآثار المسلمين تتبع ويؤخذ ويقتدى بها)
(°)
إن المتتبع لهذه النصوص يتبادر إلى ذهنه أنها متعارضة، وأن الإمام أبا عبيدة يعارض فكرة القياس، ولكننا إذا تتبعنا النصوص التي تبين استعماله للقياس عملياً زال عنا هذا الإشكال، وذلك لأن الإمام أبا عبيدة يبحث عن الدليل من الكتاب والسنة أو الإجماع أو قول الصحابي مثلاً، فإذا لم يجد استعمل القياس، وقد ظهر ذلك جلياً في فقهه ومسلك تلاميذه.
يقول أبو المؤرج: (وقد قال السلف من أئمة المسلمين أقاويل كثيرة ورجعوا عن ذلك، وقالوا بغير أقاويلهم، وذلك كله اختلاف في الرأي، ولم يكن اختلافهم في كتاب ولا في سنة ولا أثر عليه إلا اختلاف فى الرأى (6). مجمع
ويفند ابن عبد العزيز قول الإمام أبي عبيدة في تفريقه بين صوم الظهار وصوم رمضان في عدم جواز الفطر في صوم الظهار بقوله: (لأنه ليس بسنة، ولا قياس على السنة، لأن السنة المجمع عليها أن الله فرض الصوم، وأعظم الصوم صوم رمضان، وليس صوم الظهار بأعظم من صوم رمضان، وقد أجاز الله الفطر للمريض في رمضان
(1) سير أعلام النبلاء جـ 4: 611.
(3) الديوان المعروض: 384. (5) السير والجوابات جـ 1: 305.
(2) السير والجوابات جـ 1: 305. (4) المصنف جـ 1: 72/ 71. (6) المدونة الكبرى: ج 1: 92
449 (1/449)
صفحة 432
وأوجب عليه القضاء فالظهار كذلك)
(1)
وقال أبو غانم لابن عبد العزيز: قلت: فقد خالفتها هنا قول إبراهيم، وهو جعل للجار الشفعة يوجبها ويقضى له بها إذا قام يطلبها فيما حدث الرواة عنه، قال: لست آخذ بقوله فى هذا وإن كان قاله، ولا أتبعه فيه، قلت: أفأنت مخير إن شئت أخذت بقوله وإن شئت تركته؟ قال: هل يكون العدل والإنصاف إلا هكذا: أفأتبعه في كل ما قال؟ فيما أصاب فيه وفيما أخطأ، لو كنت فاعلاً ذلك وراضياً به لنفسى لكان غيره أحق باتباعه في جميع أقاويله، قلت: ومن هو؟ قال: أبو عبيدة، وقد خالفته في كثير من أقاويله وأخذت بقول غيره من فقهائنا ومن غيرهم ما رأيت
عدله (2).
وقال ابن عبد العزيز فى العمرى: وكان غيره من الفقهاء لا. يجوز ذلك ولا يراه لورثته من بعده، وكان إبراهيم النخعى ممن لا يجيز ذلك ويقول في العمري: إذا مات الذي عمرها فهي راجعة إلى الورثة إلا أن قال هي لك ولعقبك، وقول إبراهيم هو أعدل عندى، قلت له: رأيتك تأخذ بقول إبراهيم فى كثير وتختار قوله على من هو أكبر منه وأفضل، وقال من هو؟ قلت: أبو عبيدة. قال: الإنصاف في الحق قبول الحق ممن جاء به، والأمر القوى لا دخل فيه ولا خلل، ليس كغيره مما يدخل فيه الوهن والضعف إلى أن قال: وأما القياس لا تتكلم فيه عند أهله ليسخروا بك ويتبين لهم
ضعف قولك (3):
وقال في موضع: فيقال لي يا عاجز لو اتفق الناس على هذا الحديث من رسول الله له لم يخالفه أحد الفقهاء، ولم يجاوزه إلى القياس ولا رغبوا عنه لأن كل ما من كان عن رسول الله له لا ينبغى لأحد أن يخالف فيه (4).
(°)
وقال: (إلا أن يكون أثر عن النبي الله فيلزم الأثر ولا تجاوزه إلى القياس) (ه)
وأمثال ما ذكرنا كثير في المدونة، وبهذا يظهر أن قوله من ذهب في القياس إلخ، إنما هو عند ورود الأثر فإنه لا يمكن أن يؤخذ بالرأى ويطرح الأثر، بل يجب
(1) الديوان المعروض: 43.
(3) نفس المرجع: 187.
(5) نفس المرجع: 188
(2) المدونة الكبرى جـ 2: 176/ 175. (4) نفس المرجع: 188. (1/450)
صفحة 433
ما يميز
السنة اقتفاء النص فيما وجد فيه نص من وهو فقه الإمام أبي عبيدة؛ لأن قوله: أن من كان مذهبه القياس في كل شيء فإن مذهبه إلى الدمار أقرب وبالخطأ أولى.
6
وجميع ما ذكرته من الآثار المعارضة للقياس تحمل على القياس عند ورود الأثر ولذلك قالوا: لا حظ للنظر مع ورود الأثر، ومن المعلوم أن كثيراً من فقهاء الصحابة والتابعين كانوا لا يحبون القياس بل ينفرون الناس منه، وذكر عن ابن مسعود أنه قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، فإنكم إن أصبتم فقد سبقتم سبقاً بيناً، وإن أخطأتم ضلالاً مبيناً) (1).
فقد
ضللتم.
ويدل قول ابن مسعود هذا على التنفير من القياس، ولكننا إذا رجعنا إلى النصوص التي ورد فيها القياس ووجوب رد ما ليس فيه نص إلى علماء هذه الأمة، وجدنا أن القياس أمر لابد منه عند من يعرف القياس ومن كملت فيه شروط الاجتهاد، إذ إن قضايا الاجتماع متجددة ولابد من النظر فيها، فهو إذا أمر لا مفر منه للفقيه نخلص مما سبق أن الإمام أبا عبيدة ممن يقولون بالقياس مع عدم ورورد الأثر، أما إذا ورد نص صريح من الكتاب أو سنة أو إجماع فإنه يتجنب القياس؛ لأن الاتباع هو الأولى، والقياس ضرورة حتمية يجب أن يصار إليها عند عدم النص، ورأينا ذلك واضحاً من مجموعة الأمثلة التي أوردناها في هذا الخصوص.
ب - المصلحة المرسلة:
المصلحة المرسلة وهى: الوصف المناسب الذى ترتبت عليه مصلحة العباد المفسدة، لكن الشارع لم يعتبر ذلك الوصف بعينه ولا بجنسه في شيء من الأحكام ولم يعلم منه إلغاء له (2)، وبذلك سمى مرسلاً أنه غير معتبر
واندفعت به
ولا مهدور.
عنهم
بمعنى
وقد اعتنى أبو عبيدة بالمصلحة المرسلة وفرع عليها فروعاً، وذلك كأخذه بفعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى تفضيل أهل الفضل فى الدين والفقه، والسبق إلى الإسلام، ومناصرة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأهل النكاية للعدو في الزكاة والفيء وغيرهما، لأن في ذلك إعزاز للإسلام وأهله، فليس هذا كمن ألف قلبه أو كان
(1) مجموعة السير والجوابات: 304 جـ 1 سيرة أبي سفيان محبوب.
(2) طلعة الشمس: جـ 2: 185.
451 (1/451)
صفحة 434
عبد
الأعلى
(1)
(2)
كعامة الناس في منفعة المسلمين. ومن ذلك أيضاً إشارته بقتل الإمام أبي الخطاب بن السمح المعافرى إذا أبى قبول الإمامة وذلك أن حملة العلم لما عزموا المسير إلى المغرب شاوروه فيمن يقدمونه إماماً عليهم أن أنسوا من أنفسهم قدرة ليقيم فيهم العدل، فأشار عليهم بنصب أبى الخطاب وقال لهم: إن أبي فاقتلوه، وذلك لأن في نصبه مصلحة للإسلام لتأهله لهذا المنصب دون سواه من حملة العلم الخمسة، فلو أبي عليهم وتركوه لفاتت المصلحة المقصودة، ولما أبى من قبول الإمامة أخبروه بحكم شيخه عليه فسألهم هل يبقى في الولاية إن قتل؟ قالوا: لا، فوافق على قبولها خوفاً من التبرئ منه وكذلك أيضاً فيما لو انشق رجل من الجماعة المسلمين الصالحين وانحاز إلى أهل النفاق والبغى، ثم رجع وتاب. فأفتى بإعطائه من الزكاة، وتقريبه وإلطافه ليعود إلى حظيرة الصلاح والتقوى، إذ لو حرم وطرد فقد يكون وبالاً على المسلمين وضرراً عليهم (وإلطافه خير من مباعدته) (3) وذلك فيه شد عرى الأخوة وأزر الجماعة وزيادة الترابط والوئام وفي التفرق ضرر لا ينكر.
المسلمين
(°)
وغير هذا من المسائل كثير كتفسير حمل السلاح علينا في الحديث (4) بحمله إلى أرض العدو ليبيعهم إياه، فيتقووا به على المسلمين، وفى معنى ذلك إعانتهم لمقاتلة، وقد خالف الجمهور في تفسيرهم لهذا الحديث حيث فسروه بإشهار السلاح لحرب المسلمين أنفسهم بغير حق، ولا يدخل فيه البغاة لأنهم يقاتلون بحق، فلا يحرم إشهار السلاح عليهم، أما أهل الوعيد فهم المسلمون الذين يقومون بإشهار السلاح بغير حق، وكذلك بيع السلاح للعدو، وقال فى ذلك: (يريد من حمله إلى أرض العدو) (6). وفى هذا بعد نظر من أبي عبيدة ليتم قطع مادة الفساد من أصلها بمقاطعة الكفار في كل ما يؤدى إلى الضرر بالمسلمين حاضراً ومستقبلاً.
(1) رسالة الزكاة: 10
(2) الدرجيني - طبقات: 21/ 1 .. السيابي - طبقات المعهد الرياضي: 54.
(3) رسالة الزكاة: 15.
(4) الحديث: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أن رسول الله الا الله قال: ومن حمل علينا السلاح فليس مناه: الجامع
الصحيح: 126 وتخريج الحديث في ص 455. (5) شرح الجامع الصحيح: 316/ 2.
(6) الجامع الصحيح: 126.
452 (1/452)
صفحة 435
،
ومثل هذه الأمثلة كثير ونخرج من هذا إلى أن الإمام أبا عبيدة كان يأخذ بالمصلحة المرسلة دليلاً شرعياً يحقق مصالح العباد، وهو المقصد الأسمى للشريعة ولا يمكن الاستغناء عن هذا الباب في كل عصر وكل مصر، لإيجاد الحلول المناسبة للمسائل المطروحة على ساحة العمل.
جـ ــ الاستصحاب:
مضى
ومن الأدلة التي يأخذ بها الإمام أبو عبيدة (الاستصحاب) ومعناه: الحكم بالبراءة الأصلية.، وباستقراء فقه الإمام نجد كثيراً من العمل بهذا المبدأ ذلك أنه، ومن يوماً يريد المسجد بالبصرة وقد أصاب الغيث وصار الماء مستنقعاً في الطريق وفيه بول الدواب وأرواثها فقال له قائده - إذ كان يومئذ أعمى - إن الماء الذي وطئته في الطريق به بول فقال: أيهما أكثر البول أم الماء؟ فقال له القائد: الأكثر الماء، فقال: امض، فلما وصل المسجد دعا بماء ليغسل به أثر الطين فقط وصلى ولم يتوضأ. وذلك استصحاب للأصل من أن حكم الماء الطهارة حتى تتيقن نجاسته إذ الأصل
البراءة.
وكذلك جواز شهادة النساء على ما تختص به النساء كالعذراء والرتقاء واستهلال الولد في النفاس، وكذلك الرضاع (2)، وذلك لأن الأصل إطلاع النساء على النساء فأجاز شهادتهن استصحاباً للأصل.
ومثل ذلك الشهادة على خروج رمضان بحيث لا تقبل إلا بشاهدين عدلين (3)، لأن الأصل شغل الذمة بالصيام فلا يمكن الخروج منها إلا بيقين، ولا يؤدى إلى اليقين إلا شهادة العدلين الذين جعلهما الله أهلاً للقضاء بشهادتهما، فهذا من قبيل استصحاب الأصل.
ومن
هذا القبيل شرب الإمام أبي عبيدة للنبيذ في منزل أبي عيسى أحد تلاميذه الذي يقول فيه ابن عبد العزيز: (وأين فينا مثل أبي عيسى حلاله حلال المسلمين، وحرامه حرام المسلمين، أفيتهم في هذا ويسأل نبيذه بل هو المأمون عليه) قال: (وكان أبو عبيدة من الثقة به والاطمئنان إليه على ما ليس لأحد إلا من نزل منزلته من
عن
(1) المصنف: 319/ 168/3. (3) المدونة الكبرى: 225/ 2.
(2) المدونة الكبرى: 330/ 2.
453 (1/453)
صفحة 436
أصحابنا) (1)
وذلك لأن الأصل في شراب المسلم الحل وخاصة إذا كان مأموناً ثقة، فلا ينبغي
سؤاله عن: نبيذه،
لأن ذلك من إساءة الظن به، يقول ابن عبد العزيز: (فإذا كان الرجل المسلم الذى تعلم أنه يحرم ما تحرم، ويكره ما تكره، فسقاك نبيذه فاشربه ولا تسأله، فإن سؤالك من الجفاء وقلة الأدب) (2).
وذلك كله من قبيل الاستصحاب للأصل في حلية طعام المسلم وشرابه إلا إذا كان متهماً، فللشك مقام آخر، ومع ذلك فلا ينبغى إساءة الظن بالمسلم ما لم تظهر حرمة الطعام.
الفقهاء
ونخلص مما ذكرنا أن الإمام أبا عبيدة كان يبنى كثيراً من المسائل الفقهية على الاستصحاب ويجعله دليلاً من الأدلة الثابتة، وقد سلك ذلك المسلك كثير من في القرن الثاني، ومنهم الإمام مالك بن أنس، وقد ذكر ذلك عنه كثير من الباحثين (3).
أما مراعاة العادة فقد استعمله الإمام أبو عبيدة، وذلك فيما يوجد في فتواه من
أن
أكثر النفاس ستون يوماً بناء على أن عادة بعض النساء الخراسانيات تصل إلى هذه المدة، ونقل عنه أنه قال: بتسعين يوماً، ذكر ذلك عنه العلامة الشماخي في السير (4)، وأبو يعقوب يوسف بن خلفون في أجوبته نقلاً عن أبي سفيان (5)، وذلك أنهم يقولون: إن بعض بيوتات العرب من أهل السعة والرقة يدوم النفاس فيهم ما بين الستين والتسعين يوماً.
ومن يراجع فقه الإمام أبي عبيدة في الجامع والمدونة وغيرهما، يجد كثيراً من المسائل منبنياً على مراعاة العادة وكذلك العرف أيضاً مما لا يناقض أصول الشريعة
وقواعدها.
د - سد الذرائع:
من الاستدلال الذي يستعمله الإمام أبو عبيدة في كثير من مسائل الفقه العلمية ما
(1) المدونة الكبرى: 262/ 2.
(2) المرجع السابق: 263.
(3) مناهج التشريع الإسلامي: 645/ 2 وما بعدها و مراجعه. (4) انظر: الشماخي ـ سير: 107/ 1. (5) انظر: أجوبة ابن خلفون: 94.
454 (1/454)
صفحة 437
يسمى: (سد الذرائع) وهو: أن يكون الأمر مباحاً ولكنه يكرهه أو يبلغ الأمر به إلى استناداً إلى دليل آخر يؤدى إلى ابتعاده عن المفاسد سداً للذريعة التي تؤدى إلى
التحريم |
المفسدة.
وقد لاحظنا كثيراً من المسائل الفقهية في رواياته وفتاويه من هذا القبيل تحقيقاً لهدف الشريعة الإسلامية في إصلاح الفرد والمجتمع، مثال ذلك: فتواه بعدم إعطاء سهم من الزكاة على سبيل القسم لمن جمعها من أمناء المسلمين إلا إذا كان فقيراً، فليأكل بالمعروف على نحو ما يأخذ غيره من الفقراء، بل له الأجر على ما قام به من العمل في جمع الزكاة للمسلمين (1)، وذلك لأجل سد الذريعة إلى أكل جزء من الزكاة
في جمعها.
وكذلك لا يجوز أن يكرى على جمع الزكاة خوفاً من استهلاك جزء كبير من الزكاة، ولكن على أصحاب الزرع أنفسهم جمعه وإيصاله إلى الإمام، ومن أدى منه الكراء كان عليه غرمه، فإن لم يكن إمام، فإيصاله إلى مستحقه سداً للذريعة في إذهابه في الكراء حتى يصل إلى أهله، فإذا شعر صاحب المال أن عليه جمعه وإيصاله إلى مستحقه كان ذلك دافعاً له إلى أداء الواجب الذى عليه، وأما إذا لم يشعر بذلك وحاول أن يأتجر منه فقد يذهب في الجمع
(2)
ومنها عدم إعطاء المحتال على قضاء الدين، بحيث إذا تحقق من وجود الدين عليه فأعطى من الزكاة لقضاء دينه فلم يقض ما عليه من الدين، بل جعل ذلك سبيلاً إلى الزكاة فإنه لا يعطى إلا القوت، وذلك لأجل سد الذريعة عن اتخاذ الدين وسيلة للإعطاء من الزكاة، مع العلم بأن المدين له حق الزكاة لأنه. من جملة الغارمين (3) كما أن مسألة عدم إجازته لحمل السلام إلى أرض العدو وهو تفسيره لحديث: (من حمل علينا السلاح فليس منا) (4)، فجعل من حمله إلى أرض العدو كمن حمله على المسلمين مباشرة، وذلك لأنه فى النهاية يؤدى إلى ضرر المسلمين بإعانته الأعداء،
(1) رسالة الزكاة: 9/ 8
(3) رسالة الزكاة: 13.
(2) رسالة الزكاة: 9.
(4) شرح الجامع الصحيح: 316/ 2. (الحديث: «من حمل علينا السلاح فليس مناه أخرجه البخاري في كتاب
الديات باب قول الله تعالى ومن أحياها: 6/ 8 ـ مسلم باب قول النبي
-
من حمل علينا السلاح فليس منا:
98/ 1 - النسائي كتاب تحريم الدم - من شهر سيفه ثم وضعه في الناس: 117/ 7.
455 (1/455)
صفحة 438
فلأجل سد الذريعة المؤدية إلى المفسدة حمل الحديث على من يحمله إلى أرض
العدو (1). وكذلك قتل الراجع عن شهادته على الغير بالزني، إذ إن شهود الزنى يجب أن تتوافق شهادتهم في المعنى، فلو رجع واحد منهم فإن الإمام أبا عبيدة حكم عليه بالقتل لكونه سبباً في نيل الأذى بالمشهود عليه، وهو قول الخليفة عمر بن الخطاب، لئلا تتخذ الشهادة ذريعة لقتل المسلمين من حق، فيحسب الشاهد قبل أداء الشهادة ألف حساب لتأدية تلك الشهادة المفضية إلى الضرر بالمسلم، فإذا عرف أنه إن رجع بعد أداء الشهادة أنه سيقتل امتنع منذ البداية عن الإقدام على تلك الشهادة (2)
وكذلك معاملة الموصى بعتق عبيده في المرض بنقيض قصده في الفرار من الميراث ممن يستحقه، بحيث جعل الإمام أبو عبيدة عتقهم من الثلث خوفاً من الفرار بالميراث، لأن عتق العبيد وقع في المرض فلو كان فى الصحة فهو من رأس المال، كمن يطلق مرض الموت فإنه يعامل بنقيض قصده، وتنال المرأة ميراثها منه
(3)
زوجته ثلاثاً في وغير هذا من المسائل كثير، إذ إن سد الذرائع باب عظيم من أبواب الفقه، فمبدأ المفاسد في الشريعة من الأهداف الأساسية التي نص عليها الشرع، ولابد من مراعاة ما يؤدى إلى هذه المفاسد، وذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
درء
هـ
بعض المصطلحات الفقهية:
بالإضافة إلى ما ذكرنا فإن للإمام أبي عبيدة مصطلحات يستعملها في مسائل الفقه كقوله: (لا يصلح ذلك)، عندما يعبر عن النهي عن إثبات أمر من الأمور سواء محرمة أو مكروهة (4).
وكذلك (المعمول به عندنا) (5) يعنى بذلك جماعة الأباضية بالبصرة وغيرها.
(عندنا)
(6)
يقصد به الأباضية أيضاً.
(1) نفس المرجع السابق والصفحة.
(3) المدونة الكبرى ري: 191/ 2
(5) الجامع الصحيح: 30.
(2) انظر المدونة الكبرى: 286/ 2
(4) المدونة الكبرى: 258/ 2.
(6) انظر: رسالة الزكاة: 20 .. المدونة الكبرى: 25/ 13 وغيرها الجامع 30. (1/456)
صفحة 439
(وهو أحب إلينا وبه نأخذ) (1) عند اعتماد قول من الأقوال المأثورة في المسألة
ويقصد به الراجح عنده هو
فالقول في ذلك عندنا) (2)، يقصد به المعتمد عند الأباضية.
وبه نأخذ إن شاء الله) (3)، أى الراجح فى العمل عنده في البصرة أو ما سواها. (فالرأى) (4)، أي: الخيار أو الأولى عنده هو بالطبع، لا عند غيره لأن ذلك واضح من كلمة (الرأى).
وبذلك قامت السنة) (5) يقصد بذلك سنة الرسول عليه، وعمل السلف من الصحابة بذلك القول في المسألة، بمعنى المسلك الذي سلكه الرسول وأصحابه. (وأصحابنا) (1) و يعني بذلك جماعة الأباضية في كل قطر سواء بالبصرة أو
غيره
(جميع فقهائنا) (7) أي فقهاء الأباضية المعتمد على فقههم وآرائهم، وخصوصاً بالبصرة لأنها يومئذ المقام الأول للأباضية
(وهو حسن جميل) (8) عند التعبير على استحسان أمر على أمر آخر يدور على وجه الاستحباب والندب لا على الوجوب.
وكذلك «يجوز» و «لا يجوز»، ويكره» و «لا ينبغى» و «ليس هذا بشيء» ومن الجدير بالذكر أنه عندما يسأل أحد تلاميذه عن مسألة ويحفظ فيها شيئاً عن شيخه، ففى الغالب يحكى الجواب عن الإمام أبي عبيدة، وما لم يحفظ فيه شيئاً يقول: لم أسمع، أو لم أحفظ فيه عن الشيخ شيئاً، وما أشبه هذا من الألفاظ التي تفيد الحكاية أو عدمها، وذلك لعلمهم أن السائل يجب رفع الجواب إلى الإمام أبي عبيدة، ومن يستقرئ المدونة يجد الكثير من مثل هذه العبارات.
وأما في الفتوى فكان عندما يلتبس عليه الأمر يتوقف ويقول: (لا ترفع عنى فيها
(1) رسالة الزكاة: 10.
(3) نفس المرجع: 1. (5) نفس المرجع: 24. (7) المرجع السابق: 24.
(2) المرجع السابق: 20.
(4) نفس المرجع: 24.
(6) رسالة الزكاة: 24.
(8) رسالة الزكاة: 23.
،
457 (1/457)
صفحة 440
شيئاً فإنه باب لبس)
(1)
أنه بنا، وقد مر ينيب عنه تلميذه الربيع في مرضه (2)
،
وكذلك أمره لتلميذه إسماعيل بن درار الغدامسي أن يفتى بما سمعه منه لا بما لم يسمعه (3)، ولعله لاحظ فيه الضبط مما يدل على حرصه الشديد على ضبط النقل والرواية والتثبت في أمر الفتوى والعمل بالأحوط.
وأما طريقته في عرض الأدلة:
:
من
السنة
فإنه يستدل بالكتاب فما لم يكن موجوداً في الكتاب، ووجد له دليلاً الصحيحة استدل بها، وإلا فيآثار الصحابة رضوان الله عليهم من غير تفرقة بينهم، فيعرض الأقوال المأثورة عن الصحابة ويختار منها ما يراه أرجح في نظره وقد لا
يرجح (4).
وإن لم يجد في المسألة أثراً، اجتهد رأيه حسب الخطة المنهجية التي ذكرناها سلفاً في القياس والاستدلال بالطرق الأخرى، شأنه شأن كثير من الفقهاء في عصره. و - سمات منهجية أخرى:
بقى أن ننظر في مهمات منهجية أخرى كالاستحسان وهل يأخذ به الإمام أبو عبيدة أم لا؟ وهو داخل تحت مصطلح الرأى وهل له مصطلحات فقهية أخرى يستعملها؟ ولنبدأ الآن بالاستحسان: حكى أبو المؤرج، وابن عبد العزيز أن أبا عبيدة سئل عن شفعة الجوار في الدار ونحوها، ويقول أبو المؤرج: أنه حاضر عند السؤال فأجاب: لا يبيعها حتى يعرضها على جاره، فإن رغب فيها فهو أحق بها بالثمن، وقال أبو عبيدة: (ولم نزل نرى الناس يفعلون ذلك، ولا يبيعون حتى يعرضوا ذلك على جيرانهم، وفسر ابن عبد العزيز رأى أبي عبيدة المذكور بدخول ذلك ـ فيما حدث أبو المؤرج - فيما يحسن وينبغى، ولا يدخل في باب الوجوب وليس للقاضى أن يحكم بوجوب الشفعة للجار من غير شركة توجبها. وأما من ليست له شركة فلا شفعة له وقال: (ولا) تحمل حديث أبي عبيدة على الإيجاب في الشفعة أنها للجار (5)، لأن أبا عبيدة لم يقل: إنه شفيع يقوم بشفعته فيأخذها، وإنما قال: لا
(1) المدونة الكبرى: 62.
عنه
-
(3) نفس المرجع السابق .. (5) المدونة الكبرى: 175/ 2.
(2) راجع ص 195 من هذه الرسالة وما بعدها. (4) رسالة الزكاة: 25/ 24.
458 (1/458)
صفحة 441
يبيعها حتى يعرضها على جاره، وإنما هذا فيما نزل من رأيه في الاستحسان، وفيما يجمل أن يصنع الحجار، وأما على غير ذلك فلا) (1) إن رأى أبي عبيدة في هذه المسألة يدلنا على أنه كان يأخذ بمبدأ الاستحسان ذلك لأن جوابه للمسائل بعرض المبيع على
بوجوب
الجار لمعرفة رغبته فيه بالثمن داخل في باب الاستحسان وما ينبغي في حق الجيران بعضهم لبعض. وأوضح ذلك ابن عبد العزيز صراحة في أن مذهب الإمام عدم إيجاب الشفعة. لغير الشريك المقاسم، وقد خالفه فى هذا الرأى إبراهيم النخعي فقال الشفعة للجار (2)، كما أنه كان يجيز وصية الصبى الذى لم يبلغ الحلم إذا كانت موافقة للحق مع أنه غير مكلف على جهة الاستحسان، وذلك لأنه لا يلزمه من التكاليف الشرعية شيء ولكنه يستحسن، وينبغى أن تمضى وصيته، (سألت أبا المؤرج عن الغلام الذى لم يحتلم فيوصى بوصية أتجوز وصيته؟ قال: نعم. أخبرني بذلك أبو عبيدة أن وصيته جائزة ما موافق الحق والصواب (3). وكان أيضا يرى فيمن تصدق بصدقة ثم يرثها، أنه يجعلها في باب من أبواب البر على جهة الاستحسان (قلت لأبي المؤرج: الرجل يتصدق بصدقة ثم يرثها قال: حدثني أبو عبيدة أن الرجل إذا تصدق بصدقة وهو يريد بها وجه الله تعالى ثم يرثها، فإني أرى له أن يجعلها في مثل ذلك الوجه ولا يأكلها) (4) وهذا ظاهر أنه بطريق الاستحسان فقط، وذلك لأن الميراث حلال فلا يحرم عليه أكل ما ورثه من هالكه. سواء كان صدقة منه أم من طريق آخر ولكن يحسن له ترك ذلك. وقد رأيت من عرضنا لهذه النصوص الثلاثة أن الإمام أبا عبيدة كان يستعمل الاستحسان ليتمشى مع أهداف الشريعة ومقرراتها، وإن كان ذلك العرف لم يظهر في عصره، ولكن مؤدى هذا الرأي في هذه المسائل يعبر عن الاستحسان مادام يحقق هدفاً سامياً فراراً من القياس الذي لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، فهو وإن كان دليلاً شرعياً إلا أنه في بعض الأحيان قد يؤدى إلى الحرج فيقوم دليل الاستحسان أو المصلحة المرسلة مقامه
ز - القواعد الفقهية:
أما القواعد الفقهية التي ظهرت فيما بعد فلم تتحدد يومئذ بمفهومها الاصطلاحي،
(1) يتبين من هذا أن الإمام يضعف شفعة الجوار فقط، أما شفعة الشريك فلا يضعفها. وقد ذكر الحارثي في العقود الفضية أنه يضعف أمر الشفعة عموماً - انظر: العقود: 141.
(2) المدونة الكبرى: 175.
(4) المرجع السابق: 181.
(3) المرجع السابق: 219.
459 (1/459)
صفحة 442
بن عباس
ولكنه روى حديث النية من طريق ابن عباس ونصه: (قال أبو عمرو الربيع بن حبيب ابن عمرو البصرى، حدثني أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، عن جابر بن زيد الأزدي:، عن عبد الله عمله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نية المؤمن خير من وبهذا السند في رواية الحديث عنه عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوي» (1). فهذه قاعدة مهمة من قواعد الإسلام وجرى عليها العمل في الفقه
الإسلامي.
كما أن القاعدة الثانية هي: العمل المخالف لقواعد الشرع وأوامر الشارع)، وجاء الحديث في ذلك من روايته عن شيخه جابر عن ابن عباس قال: قال رسول الله: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (2) بمعنى مردود، فكل ما عمل مخالفاً لأوامر الشريعة الغراء فهو مردود على صاحبه، وهذه قاعدة كبيرة من قواعد الفقهاء التي بنوا عليها كثيراً من الأحكام.
القاعدة الثالثة: اليقين) لا يزال بالشك). وقد عمل بهذه القاعدة فيمن شك في صلاته بعد الخروج منها، فهو لا يوجب إعادة الصلاة بناء على أن التمام متيقن والشك عارض، وكذلك فيمن شك في الطواف ما بين أربعة وخمسة إن يبنى على الأربعة ثم يعيد الطواف صحيحاً، لأنه لا يجوز له إلا أن يخرج بيقين، وكذلك في صلاته وراء الإمام فشك حتى لا يدرى كم صلى؟ قال: لا يرجع إلى الشك ويسجد سجدتين وهو جالس (3).
وكذلك تجد بقية القواعد الفقهية بين ثنايا فقهه في الجامع والمدونة وغيرها، كقولهم لا يزيل اليقين إلا يقين مثله، ومن تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، كتحريمه زواج التي خلا بها أو مسها فيما دون الفرج.
جـ ــ الصواب والخطأ في نظر الإمام أبي عبيدة:
مما لا شك فيه من أن الإمام أبا عبيدة لا يدين بقطعية رأيه في المسائل الاجتهادية، لأنه يحتمل فيها الصواب والخطأ.
ويدلنا على ذلك ما كتبه لأهل المغرب في جوابه على أسئلتهم في الزكاة ما نصه:
(2) المرجع السابق: 19 وقد سبق تخريجه
(1) الجامع الصحيح: 6 وقد سبق تخريجه. (3) الجامع الصحيح: 66/ 65 - المصنف: 119/ 8 - غاية المطلوب: 104.
460 (1/460)
صفحة 443
من
خطأ
(فقد أجيبكم في الذى أجيبكم فيه، فما كان من صواب فمن الله، وما كان. . أو غير ذلك فمن نفسى، أستغفر الله من جميع ما ليس له رضا) (1)
في رواية أو
خبر
وكثيراً ما يعذر أصحاب الآراء إذا لم يعتقدوا ذلك ديناً، فإن اعتقاده، ديناً إخراج له عن إمكانية الصواب والخطأ، إلى القطع بالصواب، وهذا أمر لا يجوز لأن ابن آدم خطاء، وبالتالي فإنه لابد من قطع عذر من خالفه إذا اعتقد صواب رأيه وهذا محجوز أيضاً. حكى أنه قيل له: إن حمزة يزعم أنه يخلق ريح المروحة، فقال: هل يقوم ذلك برأى أم بدين؟ قالوا: بل برأى، فقال: الرأى عجز (2). والمعنى أن الرأى فيه الصواب والخطأ، وهذا من جملة عجز الرأي، وهو ينظر إلى أقوال السلف من الصحابة والتابعين بعين التدبر فما رآه من الأقوال معتضداً بالدليل تبعه حسبما يؤديه اجتهاده بالنظر في الدليل، لأن البشر يخطئون كما أنهم يصيبون. وقد خالف شيوخه في كثير من المسائل، ومنها مسألة شفعة الجوار التي يقول بها جابر
(3)
، وجواز
نكاح الصغار إلى غير ذلك
(1) رسلة الزكاة: 4.
(2) الحارثي - العقود: 145.
(3) الدرجيني - طبقات: 138/ 2، الشماخي - سير: 78/ 1.
461 (1/461)
صفحة 444
الباب الرابع
آراء الإمام أبي عبيدة الفقهية
المبحث الأول: خلافه مع الفقهاء.
المبحث الثاني: من آرائه الفقهية (رسالة في الزكاة). (1/463)
صفحة 445
المبحث الأول
خلافه مع الفقهاء (1/465)
صفحة 446
المطلب الأول: نماذج مما خالف فيه شيوخه:
إن الخلاف بين الفقهاء أمر طبيعي، وذلك لاختلافهم في إدراك معاني النصوص الشرعية سواء من حيث فهمهم للنصوص، أم من حيث الوثوق بالرواية.
وقد اختلف الصحابة والتابعون من بعدهم في فهم النصوص من حيث إنها تدل على أكثر من معنى، كدلالة القرء على الحيض، أو الطهر، وذلك فيما لم يرد فيه نص تفسيرى من الشارع، فأما ما ورد فيه نص فلا نزاع فيه.
وكذلك اختلافهم من أجل اختلافهم في استيعاب السنة والوثوق بها، ومن المؤكد أن السنة النبوية لم تكن مدونة في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ولا
مجموعة ـ وإنما هي محفوظة فى الصدور - وقد سمع بعض الصحابة ما لم يسمعه الآخرون وأدى ذلك إلى الاختلاف في العمل والرأي بلا شك، وكم من صحابي روى عن رسول الله حكماً شاهده ولم يكن عند الآخرين سابق علم به، كما وثق بعض التابعين برواية حديث ولم يثق بها البعض الآخر
تفاوتت
كما أن مدارك العقول والأفهام بين فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم قد، لأنه من الضروري جداً أن تتفاوت عقول الناس في الإدراك، إذ لو كانت متساوية لم تكن هناك حاجة إلى التفكير لأن النتيجة فى هذا واحدة، أما الاختلاف في الرأى ففيه إبداع ونمو للفكر وبذل للجهد في الوصول إلى الحقيقة، ولا شك في أن ذلك سيؤدى إلى الاختلاف فى الرأى.
ولما كانت آراء الناس مختلفة وعقولهم متفاوتة فإن الاجتهاد يختلف باختلاف البواعث على الاجتهاد في المسألة، فما يكون صواباً عن مجتهد قد يراه المجتهد الآخر خطأ وهكذا ... ولهذا روى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: قوله: (ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك ما خلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي الله) (1). والتقليد في مثل هذا النوع من المسائل التي هي محل نظر مذموم للعالم المجتهد، قال أبو غانم لشيخه أبي المؤرج في بعض المسائل، عمن تؤثر هذا القول وإلى من تسنده؟ قال: (إلى أهل النظر من أهل الفقه والإنصاف، ولا يكون ناظر ولا منصفاً
(1) غاية المطلوب: 74.
467 (1/467)
صفحة 447
من
الأثر
معي)
(1)
قال هكذا: قال: فلان ولست أخالف فلاناً، فصاحب هذا القول مقلد. وقد ذم ابن عبد العزيز قوماً يقولون: هكذا جاء الأثر) ولم ينظروا في مؤدى هذا من مخالفة للحقائق المقررة فى الشريعة، وإهمال الفكر مع التسليم بنتيجة هذا الرأى، ومثال ذلك تحريم الواهلة التي تزوجت وقد بقى من عدتها يومان أو ثلاثة من دينونتها بتحريم النكاح في العدة، وإنما ارتكبت خطأ وغلطاً، وتحليل المزنية في الزواج بمن زنى بها بالعمد من غير سهو ولا غلط ولا شبهة، مع أن اللعان شرع لمجرد الادعاء بالزني بين الزوجين (2)
وقال في موضع آخر: أتجعلني آخذاً بقول إبراهيم فيما يصيب فيه أو يخطئ، أما أعلمتك أني لم أرض لنفسى باتباع من هو أعظم وأفضل قدراً (3)، وإنما رأيتني أتبع الأثر المعين الذى لا نحل فيه ولا خلل عندى من جميع الفقهاء، ولا يكون ناظراً ولا منصفاً من لم يكن هكذا) (4).
ومن
المسائل مع
هذا المنطلق نجد الإمام أبا عبيدة - كغيره من الفقهاء ـ قد اتفق في معظم
-
سلفه، ولكنه قد يخالفهم في بعضها، وهكذا فقد. يقع الخلاف بين
الصحابة في المسألة الواحدة، فمثلاً خلاف الصحابيين ابن عباس، ابن عمر وكلاهما تتلمذ عليهما شيخه جابر فى قبض الحق من الغريم والمكاتب والوضع عنهما، حيث أجازه ابن عباس وكرهه ابن عمر، وأخذ الإمام يقول ابن عمر في المكاتب (5)؟
ولهذا نجده قد اختلف مع شيخه جابر في بعض المسائل، كما اختلف مع من الأباضية وغيرهم، وخالفه تلاميذه في مسائل أخرى وسنذكر نماذج من
المسائل فيما يلى:
خلافه مع جابر:
لأننا
غيره
هذه
سنأتي بنماذج فقط مما اختلف فيه مع الإمام أبى الشعثاء أحد شيوخه، وذلك وجدنا نبذة لا بأس بها من فقهه، أما شيوخه الآخرون فلم نعثر إلا على القليل من
(1) المدونة الكبرى: 47/ 2
(2) انظر: المرجع السابق: 37/ 36.
(3) يعنى بذلك شيخه الإمام أبا عبيدة كما وضحه في موضع آخر. (4) المرجع السابق: 294/ 293.
(0) المدونة الكبرى: 205.
-
468 (1/468)
صفحة 448
فقههم، وإليك البيان:
-
1
مما خالف الإمام أبو عبيدة فيه شيخه جابراً: عدم الكفارة على من أكل متعمداً في شهر رمضان، وذلك لأن الإمام لا يرى القياس فى الكفارات في بداية الأمر، وأما الإمام جابر فكان يرى الكفارة عليه، قياساً على المجامع الذي وردت السنة بإلزامه الكفارة لانتهاكهما معا حرمة الصوم (1).
ويقول الإمام جابر بن زيد: إن العامل على جمع الزكاة وهو الساعي في قبضها يعطى ما يقوته سنة، وإن كان فقيراً أعطى من جهتين من جهة فقره، ومن جهة سعيه على جمع الزكاة (2)
وقال الإمام أبو عبيدة: لا يعطى العامل أجر سنة، بل له أجر مثله ما دام ساعياً فقط، جاء في رسالة الزكاة ما نصه: ليس للعاملين إلا نفقتهم وعلف دوابهم ما داموا سعاة، فإذا فرغوا من جميع ذلك لم ينالوا منه شيئاً، وأدوا ما قبضوا إلى بيت مال المسلمين) (3)
فالإمام أبو عبيدة لا يرى له إلا أجر عمله مادام في العمل، وأما بعد ذلك فليس له شيء، وأما الإمام جابر فلعله يرى أن له سهماً على القسم فيعطى أجره ليكفيه
مؤنة سنة كاملة
2 ـ وفي امرأة نذرت أن تبذر على ابنها جوزا أو سكرا، فقال: الأعور (أبو عبيدة): أما جابر فكان لا يرى به بأساً أن تبذره عليه، وأما أنا فأحب أن أتصدق به على المساكين (4).
والمعنى أن بذره على رأس الابن ليس فيه مصلحة كإعطائه للمساكين، ففيه وفاء للنذر من ناحية ومنفعة اجتماعية من ناحية أخرى، وهذا مطابق لروح التشريع من فرض إنفاذ الكفارات والزكاة والصدقات على الفقراء والمساكين، وكأنه رأى عدل هذا الرأى فخالف أبا الشعثاء في ذلك.
(1) المدونة الكبرى: 327/ 1 - البكوش - فقه الإمام جابر بن زيد: 304. (2) عامر بن على الشماخي ـ الإيضاح: 112/ 2. (3) انظر: رسالة الزكاة: 518 من هذا البحث.
(4) غاية المطلوب: 156 مخطوط.
469 (1/469)
صفحة 449
ه
- لا يرى الإمام جابر جواز نكاح الصبيان غير البلغ، فلا يجوز أن يزوج الرجل ابنته غير البالغة، وكذلك الولد لأن رضاهما غير معتبر، ويرى أن زواج النبي هما الله بعائشة من خصوصياته فقط
وخالفه الإمام أبو عبيدة فقال بالجواز، وتابعه الأباضية على ذلك (1). ولعل الأولى في هذا الزمان الأخذ بقول الإمام أبى الشعثاء.
ـ ويرى الإمام جابر بن زيد فيمن تزوج امرأة فدخل بها ولم يجامعها أنها تحصنه فإذا زنى رجم. وأثر عنه أنه قال: احصن من ملك أو ملك له)، وخالفه الإمام
أبو عبيدة فقال: لا تحصن حتى يجامعها وإذا زنى ولم يجامعها بعد فلا، ووافقه على ذلك الربيع وأبو غسان وأبوالمؤرج
محصناً يعتبر
، فلا
و محبوب وغيرهم (2).
يرجم
وكان الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد يرى وجوب الشفعة بالجواز، ويخالفه الإمام أبو عبيدة في ذلك، فكان يضعف شفعة الجوار ويقول: لا شفعة إلا للشريك المقاسم (3)، وابتلى بها بعض أصحابه بالبصرة بعد وفاة شيخه جابر، فأمر أن يسأل مشايخ البصرة هل لجابر فيها أثر؟ فقيل له: إنه يوجبها، فأمر السائل أن يأخذ بقول جابر (4)
(0)
ويؤثر عنه أنه قال: لا ينتظر بالشفعة قدوم الغائب، ولا بلوغ اليتيم، لئلا يحدث الضرر بالمشترى، فلا يحبس المبيع عليه فيحرم من الانتفاع به، وقد روى حديث شفعة المشاع بنفسه ونصه: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله الله: «لا شفعة إلا لشريك ولا رهن إلا بقيض، ولا قراض إلا بعين» (6).
(1) أبو عبد الله محمد بن بركة - الجامع: 2: 124/ 123 شرح الجامع الصحيح 3: 41، الدرجيني ـ طبقات:
246/ 245/2
، فقه الإمام جابر بن زيد: 371.
(2) المدونة الكبرى: 273/ 2
(3) المرجع السابق: 276/ 275 ـ غاية المطلوب: 211. (4) الدرجيني - طبقات: 239/ 238/2 - الشماخي - سير: 1
(5) غاية المطلوب: 211، الحارثي - العقود: 141
"'
78/ 1:
(6) الجامع الصحيح: 156، وأخرجه البخاري في كتاب الحيل ـ باب في الهبة والشفعة بلفظ (الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة: 49/ 9 - ابن ماجة باب الشفعة فيما لم يقسم: 3/=
،
470 (1/470)
صفحة 450
يرى الإمام أبو الشعثاء في المرأة التي أدخل رجل يده تحتها فأنكرت ذلك من الرجل إنكار الحرة، أن له أن يتزوجها، لأنه لم يمسها، ولم ترض بإدخاله يده وخالفه الإمام أبو عبيدة خوفاً من الشبهة فقال: يكره زواجها لأن الفروج
تحتها،
لها حرم
رمة كبيرة وتورث الشبهة في الأنساب (1).
7 ـ خالف شيخه فيمن طلق زوجته في مرضه قبل أن يدخل بها فمات، فقال جابر: لها نصف الصداق ولا ميراث لها ولا عدة عليها، وقال أبو عبيدة: إن اعتدت فلها صداقها والميراث، وإن تزوجت ولم تعتد فلها نصف الصداق ولا ميراث لها (2).
ونكتفى بهذه النماذج من المسائل الخلافية بين الإمام أبي عبيدة وشيخه أبي الشعثاء، وقد خالفه تلاميذه في بعض المسائل أيضاً) وهو ما سنبحثه فيما يلي: المطلب الثاني: نماذج مما خالفه فيه تلاميذه:
سبق وأن ذكرنا أن الفقهاء اختلفوا فيما بينهم لأسباب أدت إلى حتمية الاختلاف فى الرأى بين فقهاء الأمة.
وأتينا بنماذج مما خالف فيه الإمام أبو عبيدة شيخه أبا الشعثاء وكما اختلف مع شيخه فقد خالفه تلاميذه في كثير من المسائل شأنهم في ذلك شأن بقية الفقهاء، لأن كل فقيه ملزم بالأخذ بما أراه إليه اجتهاده، وقد ذكر أن أربعة من تلاميذ الإمام خالفوه في بعض المسائل، ولم يأخذ الأباضية بأقوالهم فى تلك المسائل. وذكر الشماخي أن لهم أقوالاً فى الفقه وأسانيد فى الأثر يعمل به الأصحاب، فلا يعتبر خلافاً في الدين بل هو خلاف فى الرأى (3).
خلافهم.
وذكر أن الإمام أفلح بن عبد الوهاب سئل عنهم فقال: (لا يؤخذ بأقوالهم في تلك المسائل، وأما غيرها فما فيه اختلاف من أصحاب النبي واختلاف فقهائنا
= 179 - الترمذى - كتاب البيوع - باب في الشفعة: 285/ 3
(1) غاية المطلوب: 235.
(2) الشماخي - سير: 83/ 1، الحارثي ـ العقود: 146.
(3) الشماخي – سير: 109، المدونة الكبرى: 308/ 22، العقود الفضية: 153.
471 (1/471)
صفحة 451
فلا يدفع إسنادهم، وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين)
(1)
هؤلاء الأربعة هم: سهل بن صالح، وأبو المعروف شعيب بن المعرف، وعبد الله ابن عبد العزيز، وأبو المؤرج، وقد سبق بيان ذلك، وكما كان خلاف هؤلاء في الرأى فقد كان خلاف للإمام أبي عبيدة فى الرأى من تلاميذه الآخرين كالربيع، وابن
عباد، وأبي منصور، وأبي غسان، وغيرهم وسنأتي بنماذج من خلافهم كلهم. أما خلاف عطية، وغيلان، والحارث، فكان في القدر فبرئ منهم الإمام أبو عبيدة وأعلن براءتهم وهجرهم المسلمون بالبصرة (2).
وإليك بعض المسائل التي خالفوا فيها شيخهم:
1 ـ يقول الإمام أبو عبيدة فى المرأة التي احتلمت ورأت ما يرى الرجل في المنام أنه ليس عليها غسل لأن المرأة مختصة بالحيض والرجل بالاحتلام، وخالفه ابن عبد العزيز في هذه المسألة فقال: عليها الغسل، واحتج بالحديث قائلاً: أنا أخالف أبا عبيدة فى هذه المسألة، وآخذ بالحديث الذى بلغني عن غير واحد من علماء التابعين، ورواه جماعة أصحاب النبي الله أنه قال: (إذا رأت المرأة من في منامها ما يرى الرجل في منامه. فأنزلت، فإن عليها من ذلك ما على الرجل جنابة) (3)، (لم أخالف أبا عبيدة رداً لرأيه ولكن للحديث الذي جاء مسنداً متصلاً) (4). والحديث من رواية أبي عبيدة نفسه في الجامع الصحيح ولعله نسى الرواية، فقال بخلاف مقتضى الحديث
من
كان الإمام أبو عبيدة لا يوجب بل لا يستحب الترتيب في أعضاء الوضوء، فقال: (لا أبالى بأى عضو بدأت فى الوضوء فخالفه تلميذه الإمام الربيع وقال: لا بل نبدأ بما بدأ الله به، والترتيب مسنون، فيؤتى به على ترتيبه في آية المائدة
والجمهور على قول الربيع)
(0)
ـ كما أن الإمام أبا عبيدة كان يقول: بأن المار بين يدى المصلى يقطع الصلاة،
(1) نفس المصدر والصفحة، المدونة الكبرى: 308/ 22، العقود الفضية: 152. (2) الشماخي – سير: 109 – 97، المدونة الكبرى: 308، العقود: 153. (3) الجامع الصحيح: 38 وقد سبق تخريجه.
(4) المدونة الكبرى: 325/ 1.
(5) المدونة الكبرى: 13/ 1.
472 (1/472)
صفحة 452
وتجب مدافعة. من الصلاة شيء، وإنما يصلها بر المصلى ويقطعها فجوره (2)، هكذا أثر
أراد المرور بين يدى المصلى (1). ولكن الربيع قال: لا يقطع
عنه.
4 ـ وخالفه الإمام أبو حمزة المختار بن عوف فكان لا پري جواز الصلاة خلف أئمة الجور، سواء كان أميراً أو والياً لأمير، أما الإمام أبو عبيدة فكان يجوز الصلاة خلفهم، وصلى بنفسه خلف الحجاج، وروى الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة جايزة خلف كل بار وفاجر» (3)، وأنكر أبو سفيان على هارون بن اليمان قوله في هذه المسألة بمثل قول الإمام أبي حمزة، وأرسل بهذه المسألة مع المسائل الأخرى التي خالف بها ابن عبد العزيز عبيدة، ومن بعده الربيع إلى الإمام المهنا بعمان، فصوبوا
أبا
وأصحابه شيخهم. فيها قول أبي سفيان (4)
ه ـ يرى الإمام أبي عبيدة عدم الكفارة على من أكل أو شرب عامداً في رمضان، بخلاف من جامع فعليه الكفارة، وهو بهذا لا يرى قياس الأكل والشرب على الجماع، وقال بهذا القول هاشم بن غيلان فخالفه تلميذه أبو المؤرج (5) فقال: (بوجوب الكفارة: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً قياساً على الجماع (6) .. وأخذ الأباضية بهذا القول لأنه من القياس الجلي، واحتج له نور الدين السالمي في شرح الجامع الصحيح وقال: إن الشافعي لا يقول بوجوب الكفارة - - أما المالكية والحنفية والحنابلة فقالوا بوجوبها (7)،، وهو قول
الإمام جابر بن زيد
(^)
ـ يقول الإمام أبو عبيدة: إن نصاب الثمار خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، والصاع ثمانية أرطال بالحجاجي. وليس فيما دون ذلك شيء، وهو قول الربيع
(1) نفس المرجع: 149.
(2) العقود: 156.
(3) أبو داوود: كتاب الصلاة ـ باب إمامة البار والفاجر - بلفظ الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم براً أو فاجراً وإن عمل الكبائر): 162/ 1
(4) السير والجوابات - 291 وما بعدها .. شرح الجامع الصحيح: 316.
(5) ابن بركة ـ الجامع: 27/ 2.
(6) المدونة الكبرى: 327/ 1.
(7) شرح الجامع الصحيح: 23/ 22/2 - الإيضاح: 202/ 2، ابن بركة ـ الجامع: 28/ 27/2
(8) فقه الإمام جابر: 304.
473 (1/473)
صفحة 453
أيضاً، وخالفه ابن عبد العزيز فقال: بوجوب الزكاة في الثمار قليلها وكثيرها، كقول أبي حنيفة (1)، ولم يأخذوا بحديث جابر المقيد لإطلاق وجوب الزكاة في الثمار (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (2)
7 ـ كما أنه خالفه في الأصناف التي تجب فيها الزكاة من الثمار فقال بوجوبها في كل ما أخرجت الأرض. كقول أبي حنيفة، ووافقه أبو المؤرج على ذلك، أما الإمام أبو عبيدة فكان يقول بوجوبها في أربعة أصناف وهي: التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، وهو قول الربيع أيضاً (3)
?
-
خالفه ابن عباد المصرى فى حمل الذهب على الفضة والعكس، واعتبرهما جنسين مختلفين، فإذا نقصا عن النصاب لم يزك كل واحد منهما، وهو قول ابن عباس، أما الإمام أبو عبيدة فيقول: هما جنس النقد فيحملان على بعضهما
البعض إذا نقصا عن النصاب.
ويخالفه الربيع أيضاً في طلاق النصرانية فقال: لها ثلاث تطليقات كحكم المسلمة، ولعله احتج بأن المشركين مخاطبون بأحكام الفروع، وقال أبو عبيدة: (لها طلاق واحد فقط، ولا تكون كالمسلمات؛ لأن أحكام النصارى تختلف
عن أحكام المسلمين)
(4)
10 ـ خالفه ابن عبد العزيز فى حلول الصداق الآجل فقال: إنه لا يحل بمجرد التسرى، أو الزواج عليها، أو الطلاق، أو الموت، إلا إذا كان قد شرط لها ذلك. أما الإمام فيرى حلوله بمجرد الزواج عليها، أو التسرى ولو لم تشترطه، واعتبر ابن عبد العزيز هذا القول تقليداً، وقال عندما سئل عمن يؤثره: (قال: إلى أهل النظر من أهل الفقه والإنصاف ولا يكون ناظراً ولا منصفاً من قال هكذا: قال: فلان ولست أخالف فلاناً، صاحب هذا القول مقلد معى، قلت: أما التقليد فقد عرفته فما المعى؟ قال: الذي يقول: أنا فلان. فإن هو أغفل النظر ولم ينتبه في المسألة أتبعه في رأيه، وأعظم عليه فراقه) (5). فكأنه
(1) المدونة الكبرى: 250/ 1.
(2) المدونة الكبرى: 243/ 1، وسبق تخريج الحديث. (3) نفس المصدر: 250.
فلان، ومعى
(4) غاية المطلوب: 182.
(0) المدونة الكبرى: 2/ 47، الديوان المعروض: 117.
يري
474 (1/474)
صفحة 454
-
الصواب في هذا القول. وعلى كل حال فالمسألة محل نظر ورأى، والعمل ـ الآن ـ في عمان على هذا القول فلا يحل الصداق بمجرد الزواج بزوجة
أخرى. 11 ـ وخالفه أيضاً في الأمة إذا عتقت وهى تحت حر فلم تغير جاهلة أن لها الخيار حسب دعواها، فوطئها زوجها قبل أن تعلم، فقال الإمام أبو عبيدة: إنه لا خيار لها بعد الوطء، أما ابن عبد العزيز فقال: إذا ادعت الجهل استحلفت بالله أنها جاهلة ولها الخيار (1) خالفه أبو المؤرج في مسألة بيع فدادين من الكراث أو السريسر أو خط أو سلق بمثلها، فقال فيه: بالكراهية لأنه متماثل، وأما الإمام فكان يجيزه، وذلك لأنه يداً بيد ولو كان متماثلاً (2). عملاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس:
12
13
(ابتاع بعيراً ببعيرين وأجاز بيع عبد بعبدين إلا أن هذا يداً بيد) (3). خالفه ابن عبد العزيز أيضاً في قسمة الكرم والنخل إذا ورثهما شخصان، فاتفقا على أن الكرم لواحد، والثاني له النخل فمنعه ابن عبد العزيز لأجل الغرر الذي قد يقع في هذه القسمة، أما الإمام فكان يجيزه، ووافقه أبو المؤرج وقالا: لا غرر فيه ما داما قد رضيا بذلك لأن هذا مما لا يدخله الغرر (4)
14 - كما خلفه أيضاً في مسألة العمرى وهى: إذا أعطى رجل لآخر ما لا يستغله طول حياته عمرى ولم يقل له ولعقبه، فقال ابن عبد العزيز: إنه إذا مات المعطى ترجع إلى ورثته، لأنه لم يعمرها له ولورثته، أما الإمام فيقول: لأنها له ولورثته ولو لم يقل ذلك (5). والظاهر أن قول ابن عبد العزيز هو الأقرب إلى القياس لأن الأحكام تابعة للألفاظ، فكلمة عمرى تعنى أنها له عمره فقط إذ لم يعطها له عطية باتة إلا إذا جهل الأمر وقال المعطى: إنه أعطاه إياها عطية باتة وليس للمدعى بينة، فإن اليد تثبت بها العطية، أما إذا أشهد الشهود بالعمرى فلا تكون لعقبه فلينظر في ذلك
(1) نفس المصدر: 62.
(2) المدونة الكبرى: 140.
(3) أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب العبيد والحيوان نسبته: 170/ 3، النسائي: كتاب البيوع ـ بيع الحيوان بالحيوان يداً بيد متفاضلاً: 273/ 7، أبو داوود كتاب البيوع ـ باب في ذلك إذا كان يداً بيد: 250/ 3 - 251.
(4) المدونة الكبرى: 154.
(5) نفس المصدر: 188/ 187.
475 (1/475)
صفحة 455
??
الدماء
وخالفه أيضاً في توبة قطاع الطرق إذا تابوا قبل أن يقبض عليهم وهم مسلمون في الأصل، فقال الإمام أبو عبيدة: إذا كانوا مستحلين سقطت عنهم والأموال إلا ما كان في أيديهم منها، وإذا كانوا منتهكين لم يسقط عنهم شيء، فيقتص منهم. فيما أصابوا.، ووافقه الربيع وأبو المؤرج، وأبو غسان، وحاتم بن منصور، وخالفه ابن عبد العزيز فى المستحلين وقال: بوجوب القصاص منهم ورد الأموال لأنها حرام قبل استحلالهم لها، وقال حاتم بن منصور: قول ابن عبد العزيز أقرب إلى القياس ولكني أتبع السلف (1).
ولقد ذكرنا من قبل مسألة الدابة واختلافه مع تلاميذه (2).
هذه بعض النماذج مما خالفه تلاميذه ولا يمكن أن نستقصى جميع. ذلك في مثل الاختلاف الأباضية وغيرهم من
هذا البحث، وكذلك الحال بينه وبين معاصريه من
ولنذكر الآن بعض المسائل من هذا القبيل فيما يلى:
المطلب الثالث: نماذج مما خالفه فيه معاصروه:
اختلف الإمام أبو عبيدة معاصريه أيضاً في كثير من المسائل، وخاصة ضمام ابن السائب، وحاجباً أبا مودود، وأبا نوح صالح بن نوح الدهان (3)، وغيرهم
وإليك بعض هذه المسائل.
اختلف
مع ضمام بن السائب في مسألة وجوب إقامة الجمعة في أرض الأعاجم (4) فقال أبو عبيدة: بعدم الوجوب لأنها ليست من الأمصار الممصرة، وخالفه ضمام فقال بوجوبها في أراضى العجم إذا أقيمت فيها الحدود (5) والظاهر أن قول ضمام هـ الأولى. إذ لو قيل بعدم وجوبها لاختفت شعيرة من شعائر الإسلام في بلاد تظهر فيها معالمه، وكأن قول الإمام هذا. من الأقوال المهجورة في زماننا
يجب
هو
أن
واختلف معه أيضاً فيمن صلى وراء الإمام فالتبس عليه أمر صلاته حتى لم يدركم صلى؟ فقال: أبو عبيدة: يقلد إمامه وعليه أن يسجد للسهو بعد التسليم. اعتماداً
(1) الديوان المعروض: 583. (3) ستأتي تراجمهم في الملحق.
(2) راجع صفحة 187 من هذا البحث.
(4) لعل المقصود بأرض الأعاجم هى البلدان التي تكن المعرب قبل الإسلام والتي دخلها بعد ذلك كأراضي فارس
وغيرها.
(5) الديوان المعروض: 93
476 (1/476)
صفحة 456
على الحديث الذي رواه بالبلاغ عن النبى الله حينما أمر أصحابه أن يسجدوا للسهو إذا وقع لهم لذلك (1)، وقد خصصه الإمام أبو عبيدة بقرينة الحال حيث إنه عليه الصلاة والسلام أمرهم: م بذلك، والحال أنهم يصلون خلفه
أما إذا كان يصلى وحده فقال الإمام عليه إعادة الصلاة، بمعنى أنه يمضى على ظنه فيكملها ثم يعيدها، وخالفه ضمام فقال: يبنى على اليقين ويتمها ولا شيء عليه احتجاجاً ـ فيما يظهر ـ بحديث ذي اليدين (2)
حسن
أما أبو نوح صالح الدهان فقال: يهملها ويستقبل صلاة أخرى ولا يعتد بالتي صلى، وقال أبو المؤثر: بقول أبى نوح نأخذ في هذه المسألة (3)
واختلف مع حاجب أبي مودود في إعادة الصلاة خلف من يقنت فقال الإمام أبو عبيدة: بالإعادة إذا دخل عنده وهو يعلم أنه يقنت، أما إذا لم يعلم فليس عليه إعادة، وقال حاجب: بوجوب الإعادة علم أو لم يعلم، وقد حدثت لهما قصة في هذه المسألة عندما ذهبا إلى الحج فكانا بالأبطح من مكة فصليا الصبح خلف إمام يقنت وهما لا يعلمان فأعاد حاجب ولم يعد أبو عبيدة (4)
بجواز
واختلف مع ضمام فيمن عليه كفارة إطعام مساكين فقال ضمام: يكره أن يعطى بدلها دراهم لأن المشروع الإطعام، فلا بد منه، وخالفه الإمام أبو عبيدة فقال تفريق الدراهم، وهي عنده خير من الطعام إذ لعل الفقير ينتفع بها أكثر من الطعام (5)، ولعل هذا القول هو الأنسب في زماننا وذلك لأن الفقراء يرغبون في الدراهم يتصرفون فيها كما يشاؤون أكثر من رغبتهم في الطعام فلينظر في ذلك
(1) نص الحديث: أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم إذا قام يصلى جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته حتى! لا يدرى كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالسه. ذلك إذا كان خلف إمامه وإذا كان وحده فليعد صلاته .. انظر الجامع: 5: 66/ 65 سبق تخريجه. (2) نفس المرجع: 66/ 65 .. قال ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكن ... إلخ، أخرجه البخاري في كتاب السهو في الصلاة باب إذا سلم من ركعتين: 150/ 2، مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب السهو في الصلاة: 404/ 403/1، الثاني كتاب السهو ـ باب ما يفعل من سلم من ركعتين ناسياً وتكلم:: 30/ 3، شرح الجامع الصحيح: 394/ 1. (3) غاية المطلوب: 104، أبو المؤثر هو العلامة الصلت بن خميس الخروصي البهلوى الضرير كان آية في العلم ومعرفة التاريخ وكان ممن يؤخذ عنه العلم في القرن الثالث الهجرى وشارك في الأحداث السياسية في إمامة موسى وقد
أدرك المهنا بن جعفر والصلت بن مالك. انظر: السير والجوابات: 269/ 2.
(4) الشماخي ـ سير: 85/ 1.
(5) غاية المطلوب: 152.
477 (1/477)
صفحة 457
واختلف مع أبى نوح فى المرأة التي يلمسها الرجل من تحت ثيابها فأنكرت ذلك منه، فقال أبو نوح: له أن يتزوجها وهو رواية حيان الأعرج عن الإمام جابر، وقال أبو عبيدة: ليس له أن يتزوجها بل ينبغى له أن يقف عنها (1)، وهذا هو الأحوظ ولكنه فيه شيء من الشدة، والظاهر أن رأى الإمام جابر الذى أخذ به أبو نوح أقوى، وذلك لأنها رفضت ذلك الفعل منه ولم ترض به، سلمنا الأمر إذا كانت راضية ولكننا لا نسلم إذا لم ترض بذلك، ثم إنه لم يزن بها وإنما كل ما في الأمر أن عليه التعزيز ولا
حد عليه
واختلف أيضاً.
مع ضمام في النصرانية إذا أسلمت قبل زواجها ولم يدخل بها، فقال ضمام: لها نصف الصداق كالمسلمة، وقال الإمام أبو عبيدة: لا صداق لها؛ لأنها بدخولها الإسلام فسخت النكاح، إذ لا عدة عليها ولا صداق لها، فليس لها شيء لأنها دخلت الإسلام برضاها، ووجه قول ضمام إن الواجب عليها الدخول في الإسلام ولم تكن مضيعة في ذلك، وإنما الزوج الذي أبى الدخول فعليه نصف
صداقها (2).
هو
واختلف هو وحاجب وضمام فى العبيد يدبرهم الرجل فى الصحة والمرض، يعنى أنه يجعلهم أحراراً بعد موته فقال الإمام أبو عبيدة: ما دبره في صحته فهو ومن رأس المال، وما دبره في مرضه فهو من الثلث، لأنه كالوصية خوفاً من الهروب بالميراث، وقال حاجب وضمام: كل ما دبره في الصحة أو المرض فهو في الثلث ووافقهم ابن عبد العزيز، وقال: قول ضمام وحاجب أحب إلى من قول أبي عبيدة، لأنها وصية تقع بعد الموت (3).
واختلف مع أبي نوح فيمن أو تمن على دراهم فاقترض منها شيئاً ثم تلفت الدراهم، فقال أبو نوح: عليه ضمانها كلها حتى يردها إلى صاحبها، وذلك لأنه استعملها بغير إذن، وقال الإمام أبو عبيدة: عليه ضمان ما أخذ فقط لأنه لم يقع. تقصير فيما بقى، وأما الذي استعمله منها فهو عليه لأنه ضيع فيه (4).
منه
وخالفه جمهور الأباضية في كثير من المسائل، ولكن بعضهم وافقه فيها فمنها:
(1) نفس المصدر: 175 - طبقات الدرجيني: 238، الشماخي - سير: 83/ 1 ـ العقود الفضية: 146.
(2) غاية المطلوب: 187. (4) غاية المطلوب: 204.
(3) المدونة الكبرى: 191/ 2.
478 (1/478)
صفحة 458
مسألة إحلال المرأة من الإحرام حيث قال: كثيرة الشعر تقطع من شعرها عرض أربع، وجمهور الأباضية على أنها تقطع قدر أصبعين من غير فرق بين كثيرة الشعر وغيرها (1).
أصابع
من هذه المسائل (
(2)
ومنها:: أن النبي لالالالاللي هو الذي سن الجلد في الخمر ثمانين جلدة، وجمهور الأباضية على أن عمر هو الذي سنها إلى غير ذلك المطلب الرابع: نماذج من اختلافه مع غير الأباضية:
اختلف معه
رأينا أن الإمام أبا عبيدة قد اختلف تلاميذه، وذلك أمر ضرورى لا مفر منه فاختلاف الفقهاء فيما بينهم أمر طبيعي، وبالتالي فهو يختلف مع غيرهم من أئمة المذاهب في كثير من المسائل، ولست في مجال استقصاء المسائل الخلافية بينه وبين غيره ـ فذلك ما لا بحث كهذا ـ وإنما حاولت أن أذكر نماذج مما اختلف فيه مع غير الأباضية كما فعلت
الأباضية. كما شيوخه ومعاصريه من مع
فيما سبق من المطالب.
وإليك بعض المسائل التي اختلف فيها مع غيره:
المسألة الأولى:
يستوعبه
الصحابة
المسح على الخفين: فقال الإمام أبو عبيدة بالمنع من المسح على الخفين. وممن قال بهذا القول: ابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة، والعترة من ومن التابعين جابر بن زيد، وقال به الخوارج والظاهرية. وقد روى فيه جابر أحاديث موقوفة وأنه سأل جماعة. من الصحابة هل يمسح رسول الله له على خفيه؟ قالوا: لا، فلها حكم الرفع، واحتجوا بأن آية المائدة نزلت بعد إباحة المسح على الخفين، وأن غسل الرجلين ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو فرض فالعمل به أحوط، أما المسح فعند. قال به هو سنة ولا ينبغى ترك ما هو مجمع عليه إلى ما هو مختلف
فيه (3)
من
وقال مالك بجواز المسح على الخفين وحكاه عن عمر بن الخطاب، والمغيرة بن
(1) شرح الجامع: 279/ 2.
(2) المدونة الكبرى: 266/ 2
(3) شرح الجامع الصحيح: 178/ 177، الجامع الصحيح: 36/ 35.
479 (1/479)
صفحة 459
شعبة، وأنس بن مالك (1)، وقال به أبو حنيفة والشافعي وغيرهم (2). وقال في البداية إنه جائز لا واجب (3)
المسألة الثانية:
كان الإمام أبو عبيدة لا يوجب الغسل على المرأة من الاحتلام وقال: إن الاحتلام للرجال والحيض للنساء (4). وخالفه الجمهور فى ذلك لحديث أم سلمة أنها وهو قالت: يا رسول الله المرأة ترى فى المنام مثل ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: «نعم إذا رأت الماء») (ه)
المسألة الثالثة:
وموضع
في نقض الوضوء بمس الذكر: فقال أبو عبيدة بالنقض. وأما الأنثيان والفرج الاستحداد فلا ينقض مسها (6). وقال المالكية: باستحباب إعادة الوضوء ونسب إلى مالك القول بالنقض إذا كان بشهوة وبباطن الكف (7)، وقال الحنفية: بالنقض من مسا الذكر لا غيره (8).
المسألة الرابعة:
رفع الأيدي في الصلاة: فقال جماعة: إنه سنة (9) وهم الحنفية، وقال آخرون: إنه فرض وهم أهل الظاهر ((10)، وقال الإمام أبو عبيدة: بعدم سنية رفع اليدين وهو مذهب الأباضية (11)، وقال المالكية: الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط (12)، ووجه قول أبي عبيدة: إن الاتفاق حاصل بتمام صلاة من يرفع اليدين فالأخذ بالمتفق عليه (13) أحوط لأنه أدعى إلى الخشوع في الصلاة
(1) الموطأ: 37/ 35، بداية المجتهد: 1: 39/ 38. (2) نفس المرجع والصفحة، الميرغيناتي ـ الهداية: 28. (3) نفس المرجع والصفحة.
?
(4) صفحة 437 من هذا البحث ومراجعه.
(ه) ابن رشد - بداية المجتهد: 66/ 1 وقد سبق تخريج الحديث. (6) شرح الجامع الصحيح: 167/ 166. (7) بداية المجتهد: 08/ 1
(8) مواهب الجليل: 299.
(10) بداية المجتهد: 168.
(12، 13) بداية المجتهد: جـ 1: 173/ 168.
(9) اله
الهداية: 46/ 1.
(11) شرح الجامع الصحيح: 262.
480 (1/480)
صفحة 460
المسألة الخامسة:
الجهر
قراءة البسملة في الصلاة مع الفاتحة وغيرها من السور: وقد قال بذلك مع ا بها في الصلاة. عمر، وابن عمر ـ وابن عباس، وعلى بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وابن الزبير، وأبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبي بن كعب:
وعبد
،
وأبو قتادة، وأبو سعيد، وأنس، وعبد الله بن أبي أوفى، والحسين، وشداد بن أوس، الله بن جعفر، ومعاوية، والمهاجرون والأنصار، وعابوا على معاوية لتركه لها يوماً بالمدينة فرجع عن ذلك، ومن التابعين سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، وجم غفير، وأخذ بذلك الأباضية من غير خلاف. ولم يجزها مالك في
بينهم (1)
وقتادة
الصلاة المكتوبة سراً كانت أو جهراً، وأجازها في النافلة (2)، وقال بها الحنفية لكنهم يسرون بها (3)، ويأتى بها فى الفاتحة فقط وفى أول ركعة فقط كالاستعاذة (4) المسألة السادسة:
قراءة الفاتحة فى الصلاة: فنقل الشافعى عن مالك أنها واجبة في كل ركعة، وبه قال الشافعي، وروى عن مالك أنه قرأها في ركعتين من الرباعية فقط، وقال الحسن البصري: تجزى فى ركعة واحدة (5). ولا تجب قراءة الفاتحة ولا السورة عند الحنفية لقوله تعالى: فاقرأوا ما تيسر منه كم (6)، (7).
أما الإمام أبو عبيدة فكان يرى وجوب قراءة الفاتحة في ركعات الصلاة كلها جهراً كانت أو سراً، وأخذ بهذا جميع الأباضية (8)، وراء إمام أو غيره، لحديث الصامت قال: قال رسول الله الله: عندما صلى الغداة فثقلت عليه القراءة،
عبادة بن
قال: «لعلكم تقرأون خلف إمامكم: قلنا: أجل. قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن» (9)
(1) شرح الجامع الصحيح: جـ 1: 330.
(2) بداية المجتهد: جـ 156/ 1.
(4) نفس المرجع والصفحة. (6) المدثر: 20.
(8) شرح الجامع الصحيح: 61 ـ 335.
(3) الهداية: جـ 1: 48.
(5) بداية المجتهد: 159/ 1.
(7) الهداية: 48/ 1
(9) نفس المصدر والصفحة، وأخرجه مسلم بلفظ: صلى بنا رسول الله الله صلاة الظهر والعصر فقال: أيكم قرأ خلفى بسبح اسم ربك الأعلى: فقال رجل: أنا ولم أرد بها إلا الخير، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيهاه، كتاب الصلاة باب نهى المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه: 298/ 1
481 (1/481)
صفحة 461
المسألة السابعة:
لا
يجوز القنوت في جميع الصلوات عند الإمام أبي عبيدة لأنه كلام خارج عن
الصلاة، ولم يكن الخلفاء الأربعة يقنتون وقال بهذا القول ابن عمر، وابن عباس
،
(1)
وأخذ به الأباضية جميعاً، فهم لا يقنتون في جميع الصلوات الفرائض وغيرها (2).
،
،
وقال بهذا القول الليث بن سعد (3)، وقال مالك: هو مستحب في صلاة الصبح. وقال الشافعي: هو سنة (4)، وأوجب الحنفية القنوت في صلاة الوتر مع رفع الأيدى عنده (ه)، وقال الأباضية: إن رواية القنوت عن النبي عل منسوخة بحديث تحريم الكلام في الصلاة، وأن القنوت منه عليه الصلاة والسلام كان لفترة فقط، إذ كان يدعو على قوم من العرب فلما زال السبب زال المسبب.
المسألة الثامنة:
يقول الإمام أبو عبيدة: إن القصر في السفر واجب وعليه الأباضية والحنفية، وقال به جمع من الصحابة منهم ابن عباس وعائشة وغيرهم (6)
وقال مالك فى المشهور عنه: إنه سنة ومخير بين التمام والقصر وقال به بعض
الشافعية، وقيل: إنه رخصة وهو قول الشافعى فى أشهر الروايات عنه (7)
قال في الهداية: وفرض المسافر في الرباعية ركعتان لا يزيد عليها) (8)، وذكر شارح الجامع الصحيح ما نصه عند الكلام على حديث فرض الصلاة (والحديث يدل على وجوب القصر وأنه عزيمة لا رخصة، وقد أخذ بظاهره أصحابنا والحنفية والهادوية، فالقصر عندنا واجب لا جائز فقط) (9)، وهذا هو المعتمد عند الأباضية
قديماً وحديثاً.
المسألة التاسعة:
الصائم
الذي
يصبح جنباً من الليل فعنده أنه لا صيام له وعليه البدل، ولا كفارة
(2) المدونة الكبرى: 109/ 92. (1) شرح الجامع الصحيح: جـ 1: 330.
(3، 4) بداية المجتهد: 166.
(6) الجامع الصحيح: 50/ 49 ـ 263/ 262 (7) بداية المجتهد: 217 - الهداية: جـ 1: 80. (8) نفس المصدر: 80.
(5) الهداية: 66
(9) شرح الجامع الصحيح: 265.
482 (1/482)
صفحة 462
عليه للشبهة الواردة بسبب الخلاف في المسألة، وأخذ الأباضية بهذا القول واحتجوا برواية الإمام أبي عبيدة عن جابر بن زيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله له: من أصبح جنباً أصبح مفطراً، وحكى إجماع الأباضية على ذلك (1)، ورواه مالك في الموطأ (2). واستدلوا أيضاً بقول جماعة من الصحابة،، وجماعة من التابعين منهم عروة بن الزبير، والحسن البصرى، وإبراهيم النخعى، وطاؤوس، وسالم بن عبد الله ابن عمر، وعطاء، وهو أحد قولى الشافعي، والحسن بن صالح (3) وخالفه الجمهور مستدلين بحديث عائشة وأم سلمة وأنه متفق عليه أن النبي كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم) (4)، وأن الإجماع منعقد على أن الاحتلام بالنهار لا ينقض الصوم (5).
المسألة العاشرة: الحجامة لا تنقض الصوم عند الإمام أبي عبيدة. وهو قول الإمام جابر وأخذ به الأباضية (1)، وخالفه الجمهور فقالوا: بالنقض إلا أن مالكاً قال: بالكراهية (7)، وكذلك قال الإمام أبو عبيدة لأنها تضعف الصائم، والمعنى أنها مكروهة ولا تبلغ إلى النقض، أما أبو الشعثاء فيرى النقض (8)، والقول بالكراهة ـ فيما يظهر هو الأولى وذلك لأنها لا تزيد على أنها جرح. فالجرح لا ينقض الصوم، بالإضافة إلى أنه يطلب بها الاستشفاء، أما الكراهية فإنها من قبيل إضعافها للصائم فلعلها تنهكه فلا يستطيع
مواصلة الصوم. المسألة الحادية عشرة:.
معناه
أن المعاصى والرفث تفطر الصائم كالغيبة والنميمة وغيرهما، لأن الصوم الكف عن المفطرات، وهذه من المفطرات التي ورد بها الحديث عن جابر بن زيد عن ابن عباس مرفوعاً: ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله (9). وكذلك حديث ابن
(1) الجامع الصحيح: 81 - ابن بركة الجامع: جـ 25/ 2 وقد سبق تخريج الحديث. (2) الموطأ: -: ج 1: 290. (3) شرح الجامع الصحيح جـ 2/ 21/20.
(4) أخرجه البخاري بلفظ: وكان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم. كتاب الصوم ــ باب الصائم يصبح جنباً: 68/ 3 ـ باب اغتسال الصائم: 71/ 3، مسلم: کتاب الصيام ـ باب صحة الصوم ـ من أصبح جنباً: 780/ 2، أبو داوود: كتاب الصوم ـ باب فمن أصبح مجنباً في شهر رمضان، واللفظ له: 312/ 2.
(ه) بداية المجتهد: 361. (8) المدونة الكبرى: 273.
(6) المدونة الكبرى: 273.
(9) الجامع الصحيح: 84.
483
(7) بداية المجتهد: 357 (1/483)
صفحة 463
عباس مرفوعاً: (الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء) (1) وأخذ الأباضية بهذا القول حفاظاً على حرمة الصوم وتمسكاً بهذه الأحاديث (2)
شاذ (3)، هو
الأمة، ونسبوا القول بالفطر إلى أهل الظاهر وقالوا: وخالفه جمهور واعتبروا الغيبة والنميمة من الصغائر (4)، وإذا صح حديث النقض بالغيبة والنميمة فلا
مجال للقول بعدمه.
المسألة الثانية عشرة:
في زكاة البقر فإنها عنده كزكاة الإبل، في الخمس شاة، وفي العشر شاتان وهكذا فلا فرق بينهما إلا في تسمية ما يخرج عن الزكاة (5) واستنكر أبو المؤرج الحديث الذي رواه أصحاب الرأى من رواية أبي سعيد الخدري: (وليس فيما دون الثلاثين من البقر شيء) قائلاً: إن هذه زيادة في الحديث (6)، وكذلك شك في حديث وقال: (لونعلم أن ذلك. معاذ عن النبي عل الله لأخذنا به واعتمدنا عليه) (7). وخالفهم الجمهور فقالوا: في كل ثلاثين تبيعاً وفى كل أربعين مسنة (8) .. وشكوا في حديث معاذ إذ لم يروه الشيخان (9). وقال أبو عبيدة ليس في الأوقاص شيء، ووافقه مالك والشافعي وأحمد، وخالفه الحنفية وابن عباد من: تلاميذه (10)
معاذ
المسألة الثالثة عشرة:
عن
نكاح المزنى بها ونكاح أمها أو بنتها: قال أبو عبيدة: يحرم على الرجل نكاح مزنيته، ونكاح أمها وبنتها (11)، فكما أن اللعان يفرق فيه بين الزوجين إذا تلاعنا فكذلك الزنا (12)، ووافقه الحنفية على ذلك، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين (13)، وأجازه الجمهور (14)
(1) الجامع الصحيح: 2.
082
(3) بداية المجتهد: 377 (5) المدونة الكبرى: 247.
(7) نفس المصدر: 248.
(9) نفس المصدر: 322.
(2) شرح الجامع الصحيح: جـ 25/ 2.
(4) شرح الجامع: 25. (6) نفس المصدر: 246.
(8) بداية المجتهد: 322 ... الهداية: 99
(10) نفس المصدر والصفحة، المدونة الكبرى: 243 .. الهداية: 99.
(11) المدونة الكبرى: 37/ 36، الجامع الصحيح: 258. (12) المدونة الكبرى: جـ 38/ 2. (13) الهداية: جـ 192/ 2.
(14) بداية المجتهد: جـ 48/ 2.
484 (1/484)
صفحة 464
وما قال به الإمام أبو عبيدة هو مذهب كثير من أهل العلم منهم عمران بن
الحصين، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن زيد، والحسن البصرى، والشعبي، وطاؤوس، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وأبى بكر بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان، وهو قول الربيع، وأبي المؤرج، وابن عبد العزيز، ووايل وجمهور الأباضية (1). وذكر ابن خلفون أن الإمام أبا عبيدة سئل عن رجل يزني بامرأة أتحل لابنه أو أبيه؟ قال: لا (2). وقال في موضع آخر الأباضية وهو المذهب الذي لا يختلفون فيه (3).
عن
المسألة الرابعة عشرة: حكم نبذ الخليطين إذا لم يشتد ويختمر: فحلله الإمام أبو عبيدة، وتبعه الأباضية على ذلك، وذلك لأنه يعطى حكم النبيذ الحلال، إذ أن العلة في تحريم الخمر وما شابهه الإسكار (4). وأجمعوا على حليته إذا تخلل من ذاته (5)، أو إذا تخلل بسبب عند قوم كما أن الإجماع منعقد على حلية الخل، وأما الجمهور فقالوا: بتحريم الخليطين من الأشياء التي من شأنها أن تقبل الانتباذ (6)
وروى أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن أبي سعيد الخدرى حديث النهي عن. انتباذ الخليطين، كالتمر والزبيب وأمثالهما، فهو عنده للتحريم لكن العلة فيه الإسكار فقط، إذ ليس هو بأعظم من الخمرة، وهى إذا تخللت حلت، وقال الربيع راوياً عن الإمام أبي عبيدة: ذلك إذا اختمرا وفسدا، وأما على غير ذلك الوجه فلا بأس به (7) وحمل مالك النهى على الكراهية وقال: (وهو الأثر الذى لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا أنه يكره ذلك لنهى رسول الله الله عنه (8)
(1) أجوبة ابن خلفون: 45. (3) أجوبة ابن خلفون: 35.
(2) أجوبة ابن خلفون: 49.
(4) الجامع الصحيح: 167، المدونة الكبرى: جـ 264/ 2. (5) بداية المجتهد: 584/ 2
(6) بداية انجتهد: 583/ 2.
(7) الجامع الصحيح: 167، شرح الجامع: 364 ... وقد رواه مالك من طريقين: من طريق عطاء بن يسار، ومن طريق أبي قتادة الأنصاري. الموطأ: 844.
(8) المرجع السابق والصفحة .. نهى رسول الله له عن شرب نبيذ كل خليطين - كتاب الأشربة ـ باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين، أخرجه مسلم: 1574/ 3، أبو داوود باب في الخليطين: 333/ 3، النسائي کتاب الأشربة ـ خلط البلح والزهو، خليط الزهو والرطب: 289/ 8، أبو داوود بلفظ: عن رسول الله لا أنه: ينتبذ الزبيب والتمر جمعاً ونهى أن ينتبذ البسر والرطب جميعاً:333/ 3.
نهي
أن
485 (1/485)
صفحة 465
المسألة الخامسة عشرة: مسألة الخيار في البيع: يقول الإمام أبو عبيدة، إن الخيار في البيع يثبت للمتبايعين ما لم تفترق أيديهما، وهو خيار الصفقة، ولا يثبت عنه خيار المجلس، وقد أورد حديثاً من رواية الإمام جابر بن زيد، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (1)، ولكن عقب على هذا الحديث بقوله: (الافتراق بالصفقة أى خالفنا بافتراق الأبدان، أرأيت إن لم يفترقا هذا، وليس كما قال من. يوماً أو يومين أ يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر فلا يستقيم محلى هذا الحال بيع لأحد) (2). فبين العلة من عدم إجازته الخيار الأبدان بحيث تمضى مدة طويلة على تمام البيع مما يتنافى مع حكمة عقد البيع.
يبيع
هذا ويشترى
وخالفه جمهور الفقهاء (3) ومنهم الإمام مالك حيث روى عنه قوله: (وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه) (4)، ولكن الإمام مالكاً زاد في روايته لحديث افتراق الصفقة (إلا بيع الخيار) (5)، وقال أبو حنيفة: بأن الافتراق المقصود في الحديث هو افتراق اليدين لا افتراق الأبدان مراعاة للمقصود من العقود، وللحكمة من هذه الرخصة الشرعية (6)، وهو مقتضى رأى الإمام أبي عبيدة إلا أنه روى عنه الخيار يثبت إلى ثلاثة أيام. ولا يزيد فوقها، لأن هذه المدة كافية لمعرفة صلاحية المبيع، فإن وقع في الثلاثة الأيام تم الخيار وإلا فلا
(V)
وهو قول الشافعي (8).
أن
هذه نماذج من المسائل التي يخالف فيها الجمهور، ولا يمكن أن نستوعبها في
(1) الجامع الصحيح: 152. والبيعان بالخيار ما لم يفترقاه، رواه البخاري في كتاب البيوع ـ باب ثبوت خيار المجلس للمتابعين: 1163/ 3، النسائي: كتاب البيوع ... وجوب المتبايعين قبل افتراقهما: 247/ 7.
(2) الجامع الصحيح: ن م والصفحة. (4) الموطأ: 671/ 2
(3) بداية المجتهد: 267/ 2
(5) نفس المصدر والصفحة.
(6) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: 424، وقد وقع حوار بين أبي حنيفة، وسفيان بن عيينه في هذه المسألة: وكان سفيان يعيب على أبي حنيفة فتياه بافتراق الصفقة لا افتراق الأبدان: هل صحيح بأنك تعنى با بأن المتبايعين ليس
قال
لهما الخيار إذا انتقلا من حديث البيع إلى حديث آخر غيره ولو ظلا في نفس ا المكان مجتمعين: قال نعم: سفيان: كيف وقد صح الحديث عن رسول الله الا الله والبيعان بالخيار ما لم يفترقاء فأجابه أبو حنيفة، ماذا تقول: لو كانا في سفينة مثلاً أو اجتمعا في سجن أو في سفر، فمتى يفترقان؟ فسكت سفيان ورأى صحة قول أبي حنيفة: المرجع السابق: 425/ 424.
(7) الهداية: 27، بداية المجتهد: جـ 2: 268. (8) المرجع السابق والصفحة. (1/486)
صفحة 466
بحث كهذا، وأما خلافه لبعض أئمة المذاهب واتفاقه مع بعضهم فكثير جداً، فقد ويتفق مع أبي حنيفة، وقد حدث العكس وكذلك الشأن مع الشافعي وأحمد وغيرهم وذلك حسب فهمه للدليل ومدى اعتماده عليه.
يخالف
مالكاً
وينبغي لنا أن نذكر أيضاً شيئاً من الأقوال التي رجح عنها، وهذا أمر طبيعي أيضاً بالنسبة للفقيه، فقد يرى اليوم رأياً ويرى ما هو أرجح منه بعد ذلك فيرجع إلى ما هو
أرجح.
موسي
وقد قال عمر بن الخطاب في رسالته إلى أبي الأشعرى: (ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فرأيت الحق في غيره أن ترجع عنه، فإن الرجوع إلى الحق خير من
التمادي في الباطل)
وسنذكر شيئاً من ذلك في المطلب الآتى:
المطلب الخامس: نماذج مما رجع عنه الإمام أبو عبيدة:
نحاول في هذا المطلب أن نذكر بعضاً من المسائل التي رجع الإمام أبو عبيدة عن
قوله فيها، وإليك هذه المسائل:
الأولى
:
كان الإمام أبو عبيدة لا يرى حمل الذهب على الفضة فى الزكاة ويراهما جنسين مختلفين، كذلك قال في البر والشعير، ثم رجع عن قوله فى الذهب والفضة، وقال: بحملهما، وخالفه ابن عباد من تلاميذه في هذا (1)، وقال بالحمل أيضاً تلاميذ الإمام أصحابنا (2). وحكى صاحب الإيضاح أن الإمام أبا عبيدة قال أيضاً: بضم وجميع والشعير على بعضهما البعض قياساً على الذهب والفضة (3)
الحنطة
الثانية:
القضاء،
روى أبو المؤرج أن الإمام أبا عبيدة كان يقول فيمن لم يصم رمضان لمرض فبرئ بعد ذلك ولم يقض حتى دخل رمضان الثاني: إنه يصوم الأول أى ينويه عن ويقضى الثاني بعد ذلك، ثم قال أبو المؤرج، إلا أنه رجع عنه وفارقناه على أم
(1) المدونة الكبرى: جـ 1: 144. الديوان المعروض: 187. (2) الإيضاح: 47/ 2. (3) نفس المرجع والصفحة.
أنه
يصوم
??? (1/487)
صفحة 467
الثاني ويطعم عن الأول (1)
وهذا هو
المعتمد عند الأباضية (2)، وحكى عن أبي عبيدة أنه مرض فأفطر وبقى حتى دخل عليه رمضان الثاني، ثم شفى وقدر على الصوم فصام الثاني وأطعم رجلاً كان يبعث له بعشائه وسحوره، فلما أفطر وقدر صام
(
يقال له: (صدقة المعلم)
الماضي
(3)
الثالثة:
كان لا
يري
بأساً بأن يأكل المسافر بقية يومه في بلده إذا قدم من السفر، ثم كره
ذلك آخر عمره (4)، وذكره في الإيضاح قولاً عند الأباضية، وقال الإمام أبو الشعثاء: يجوز الأكل والشرب لمن أفطر في سفره فقدم بلده فى النهار (5)، ويحكى أن أبا الشعثاء رجع من سفر وكان مفطراً، وكانت زوجته حائضاً فطهرت في ذلك اليوم فقعد يأكلان في النهار فدخل عليهما رجل وهما كذلك فسأل جابراً عن سبب أكلهما فأخبره أبو الشعثاء (6).
الرابعة:
كان الإمام أبو عبيدة لا يرى الخلع طلاقاً وهو قول ابن عباس، وجابر بن زيد، وبه أخذ ابن عبد العزيز، ثم تراجع الإمام أبو عبيدة عن هذا القول فقال بقول ابن مسعود، إن الفداء طلاق، وبه أخذ أبو المؤرج والربيع، وأبو المهاجر، ووائل ومحبوب، وأبو غسان، وغيرهم، فلو فاداها ثلاث مرات لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وعلى القول الأول تحل له ولو فاداها أكثر من ذلك. (7).
الخامسة:
فيمن جعل طلاق امرأته بيدها ثم طلقت نفسها منه فالإمام أبو عبيدة كان يقول:
(1) المدونة الكبرى: جـ 1: 261
(3) الإيضاح: 187.
(5) الإيضاح جـ 2: 202/ 181.
(2) الإيضاح: جـ 2: 186.
(4) المدونة الكبرى: جـ 1: 263.
(6) الجيطالي إسماعيل بن موسى - قواعد الإسلام جـ 2: 102. (7) المدونة الكبرى: جـ 2: 55، ابن بركة ـ الجامع جـ 2: 196.
488 (1/488)
صفحة 468
القضاء فيه ما قضت أي ما قصدت، ثم قال أبو عبيدة لأبي المؤرج: (لا ترو عنى فيها شيئا فإنه باب لبس فهذا توقف ورجوع منه عما قال فيها. وكان ضمام يقول: إذا اختارت نفسها خرجت منه بثلاث طلقات فتحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره (1).
السادسة:
في رجل قتل رجلاً فأدخل السجن فاقتحم عليه رجل فقتله فقال الإمام أبو عبيدة: إن للمسجون دية فقط على الذي قتله داخل سجنه، وليس لأولياء المقتول الأول قود؛ لأن المسجون هو صاحبه فلما قتل كان مستحقاً للقتل. ولو كان قاتله من غير أولياء المقتول الأول، ثم رجع عن هذا القول فقال: إن لأولياء المقتول الثاني أن يقتلوا من اقتحم السجن فقتل صاحبهم، لأنه ليس من أولياء المقتول الأول، وأولياء المقتول الأول هم المستحقون لأخذ القود من الذى قتل صاحبهم، روى ذلك عنه الربيع قال: قتلوه أدوا دية صاحبهم. قال أبو المؤرج: هذا أحسن عندى من قوله الأول (2).
فإن
هم
السابعة:
في سلاح العدو المسلم (البغاة كان يجيز الانتفاع به إذا احتاج إليه الإمام، وتقوية المسلمين به، ثم بعد ذلك تراجع عن هذا القول وقال: إذا أمن المسلمون شر عدوهم فإن عليهم أن يردوا السلاح إلى أهله، ولا يحل للمسلمين أخذه إلا إذا لم يأمنوا مكرهم، فلهم أن يتقووا به حتى يأمنوا، وهذا ما جرى عليه العمل عند
تلاميذه بعد ذلك، وقد ذكر رجوعه هذا ابن عبد العزيز (3)
عنه
عنه
الأئمة
من
وبالجملة فإن ما تراجع الإمام أبو عبيدة كثير، ولن نأتى عليه يقول أبو المؤرج: (وأشياء كثيرة نحو هذا مما حفظناه عنه ورجع عن أقاويله الأولى فيها) (4) مما يدل على أن النظر عنده في أقواله لم يتوقف، فقد يطلع العالم اليوم على ما لم يطلع عليه أمس وهو مكلف بالنظر والاستنباط فى أدلة الفقه فما رآه أرجح في نظره عمل به وبقى لنا أن نعرف بعضاً مما تفرد به من أقوال الأباضية، أو كان قولاً له من بين فلم يعملوا به، وهذا ما سنبحثه إن شاء الله فيما يلى:
(1) المدونة الكبرى جـ 2: 62.
(2) المدونة الكبرى جـ 2: 274.
(3) الديوان المعروض: 589.
(4) الديوان المعروض: 261.
489 (1/489)
صفحة 469
:
المطلب السادس: نماذج مما تفرد به من بين
الأباضية
تفرد الإمام أبو عبيدة ببعض الأقوال من بين الأباضية من فقهاء عصره وغيرهم، وقد يوافقه بعض السلف ولكنه يعتبر نادراً أو غير معمول به عند جمهور الأباضية ومن
هذه الأقوال:
المسألة الأولى:
يرى أن أكثر الحيض سبعة عشر يوماً (1)، وجمهور الأباضية على أن أكثره عشرة
(1)
(4)
:
أيام، وهو قول الربيع بن حبيب.، وهو قول الحنفية، وقال فريق آخر من الأباضية: بأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً. وهو قول الشافعى ومالك (3). وفي هذه المسألة خلاف كثير بين فقهاء الأئمة واستدل الربيع بما رواه بنفسه عن أبي عبيدة، عن جابر ابن زيد أن النبي الله قال: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام). وتبقى بقية الأيام أيام طهر، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا زاد الحيض عن هذه المدة فهل تترك المرأة فيها الصلاة والصوم أم لا؟ فمن قال بالزيادة قال: بوجوب تركهما وترك الجماع، ومن قال بهذه المدة قال: بخلاف ذلك، فلينظر فيه.
المسألة الثانية:
يرى الإمام أبو عبيدة أن أكثر النفاس تسعون يوماً وهو ما رواه عنه أهل خراسان (5)، وخالفه الأباضية فقالوا: أكثره أربعون يوماً وهو قول الحنفية (6)، وقال مالك: لا حد لأكثره بل يرجع فيه إلى عادة النساء (7)، وعلل أبو سفيان محبوب بن الرحيل قول الإمام أبي عبيدة هذا بأن المرأة تحمل لمدة تسعة أشهر، فجعل لكل شهر عشرة أيام. وهى مقابل أيام الحيض فتكون تسعين يوماً (1)، وهذا إذا لم ينقطع وإذا
انقطع عنها فإنها تغتسل وتصلى.
(1) الإيضاح: جـ 1: 194، العقود الفضية: 148.
(2) الإيضاح: جـ 1: 192، الهداية: 30، ابن خلفون - جوابات: 90//91. (3) الإيضاح: 93، الهداية: 30، بداية المجتهد: جـ 1: 71. (4) سبق تخريج هذا الحديث وهو من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه. (5) الإيضاح: 196، جوابات ابن خلفون: 94، الشماخي -
(7) الإيضاح: ج 1: 196.
، الهداية: جـ 1: 34.
(7) بداية المجتهد: جـ 1: 73.
1.9/ 1
(8) ابن خلفون - جوابات: 95.
490 (1/490)
صفحة 470
المسألة الثالثة:
سور الكلب يقول فيه الإمام أبو عبيدة: إنه طاهر وكذلك فضل مائه، وكذلك سائر السباع، أخذاً بظاهر الآية والحديث الوارد عن عمر بن الخطاب (1) في فضل الماء الذي ترده السباع، هذا ما نقله عنه الشيخ أبو محمد بن بركة (2)، وصاحب المصنف (3)، ووافقه الإمام مالك بن أنس (4)، وذكر أبو محمد حجة أخرى للقائلين بطهارة سؤر الكلب وهى أن الله تعالى سمى الجنب طاهراً وأمره أن يتطهر بالماء الطاهر (5)، ولكن هذا لا ينهض حجة لأن الجنب يختلف عن حكم الكلب، وذلك لأن الجنب من بنى آدم - وقد كرمه الله - والمسلم مأمور بالتطهر، ولعل المقصود عند أبي عبيدة الكلب المكلب وإلا فإن الكلب غير المكلب نجس كله، ويتبعه سؤره وما مسه وهو رطب، كذلك عند الأباضية (6)، وبه قال الحنفية (7)
المسألة الرابعة:
السفر،
ولا
كان الإمام أبو عبيدة يرى صلاة ركعتين بين المغرب والعشاء حال الجمع في ذلك فصلاً يعتبر للجمع، وقد ذكر الربيع ذلك في الجامع عند روايته لصلاة النبي بمزدلفة بعد خروجه من عرفة في حجة الوداع نقلاً عن أبي عبيدة قال معقباً على الحديث: (يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان)
حين
(v)
C
ولعله
يستدل بما جاء في الحديث من أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى المغرب والناس معه، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، أي في محط رحله، ثم أقيمت العشاء فصلاها
(1) الجامع الصحيح: 43، الموطأ: جـ 1: 24/ 23 من رواية أبو هريرة.
(2) الجامع: ج 1: 397.
(3) المصنف: جـ 3: 190، الجامع - ابن جعفر: جـ 1: 274/ 273، وقال الحكم وصاحب القواعد: جا:
113
(4) هكذا قال المصنف وابن بركة جامع بن جعفر: جا: 274/ 273 وقال الحكم بن أنس وقال مالك وصاحب القواعد: انظر: 113 ولكنه جاء فى بداية المجتهد لا بن رشد أن مالكاً يقول بنجاسة سؤره، ولكن الذي يقول بطهارته هو ابن القاسم تلميذ مالك: بداية المجتهد: 48/ 46. (5) الجامع: جـ 1: 398، المصنف: جـ 3: 196/ 195 (6) المجتهد: ج 1: 48/ 46.
(7) الهداية: ج 1: 23.
(8) الجامع الصحيح: 113، شرح الجامع الصحيح: جـ 2: 113.
491 (1/491)
صفحة 471
النبي ولم يفصل هو بعمل إلا الانتظار (1)
ويخالفه الأباضية في هذا القول ورأوا أن ذلك مما تفرد به، فلا يجيزون الفصل الاختياري بين الفريضتين في الجمع إلا إذا كان كلاماً يسيراً لا يستغنى عنه عند بعض، ويرى الأكثر نقض الجمع بالكلام قال في الإيضاح: (ورخص بعضهم في الكلام
يتم
اليسير الذي لا يستغنى عنه، وإن اشتغل في شيء غير صلاته مقدار ما فيه صلاته
انتفض قرانه) (3) أى جمعه للصلاة، وأما عمل النبي عل الله فلا يدل على جواز الصلاة بين الصلاتين في حال الجمع، وإنما يدل على جواز العمل اليسير. ولعل ذلك كان لأجل الضرورة من أجل إراحة الركاب وإلا فإن الجمع بين الصلاتين يجعلهما كصلاة واحدة. فلينظر في ذلك.
المسألة الخامسة:
إذا دخل شهر رمضان وقد صام رجل صوم نفل فى يوم شك أجزأه عن صوم رمضان ولو لم ينو من الليل، لأن رمضان لا ينقلب نفلاً، وكذلك لو صام في السفر صوماً آخر غير رمضان ولم ينوه لرمضان أجزأه عن رمضان، وخالفه الأباضية في ذلك وقالوا: بعدم جوازه عن رمضان، وذلك لأجل انعدام النية (3)، ووافقه أبو حنيفة إلا في صوم المسافر لغير رمضان فإنه عند أبي حنيفة لا يجزى عن رمضان (4)، وخالفه الجمهور أيضاً (5)، إلا أن الشافعى أجاز صوم النفل بدون تبييت النية من الليل (6)، ولعل الإمام أبا عبيدة رأى إبطال صوم غير رمضان داخل أيام رمضان لأجل أن الشهر لا ينعقد فيه صوم غيره، فلو نوى غيره انعقد رمضان وهذا القول وجيه، ولعله يحمل حديث وجوب تثبيت النية فى الصوم على الصوم المندوب، وأما صوم رمضان فيجعله فرضاً واحداً وتكفيه النية الأولى باستقبال أوله، فيكون مستصحباً لها إلى آخر الشهر ... فلينظر في ذلك
(1) نفس المرجع: 113.
(2) الإيضاح: جـ 1: 641.
(3) المدونة الكبرى: جـ 1: 322، الإيضاح: جـ 2: 168، الجامع: جـ 2: 18/ 6، الجيطالي ـ القواعد: جـ 2:
055
(4) بداية المجتهد: جـ 1: 209، الهداية: جـ 1: 118، الجامع: جـ 2: 7/ 6
(ه) بداية المجتهد: 359.
(6) الجامع: جـ 2: 7.
492 (1/492)
صفحة 472
المسألة السادسة: تفرد الإمام أبو عبيدة وهاشم بن غيلان من بين الأباضية بالقول فيمن أكل عامداً في رمضان أو شرب نهاراً، أنه يلزمه القضاء فقط دون الكفارة (1)، ولعل ذلك بناء على أنهما لا يريان القياس فى الكفارات (2)، وخالفه الأباضية بإجماع منهم. قال في الإيضاح: (وأجمع أصحابنا فيمن أكل عامداً أو شرب في نهار رمضان من غير عذر أنه هالك وعليه القضاء والكفارة قياساً على المجامع لاستوائهما في هتك حرمة
الصوم)
(3)
،
والحنفية وكثير من الفقهاء
(4)
وقال بالكفارة المالكية، وقال بعدم الوجوب الشافعى (5)، وذلك لأن الشافعي لا يجيز القياس في الكفارات لشبهها بالحدود، والقول بالوجوب هو قول الإمام أبى الشعثاء وقد سبق ذكره.
المسألة السابعة:
يقول الإمام أبو عبيدة أن الأفضل في الأضاحي فحل الضأن، ثم الخصى، ثم ذكر المعز، ثم الأنثى منها. ثم الإبل، ثم البقر (6). ولعله يستدل بالآيتين الكريمتين في ترتيبها الأزواج الثمانية وهى قوله تعالى: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز، وعند الأباضية البدنة
اثنين (7) إلخ. وبأن النبي
ة، والبقرة أفضل.
بكبشين أملحين
(^)
ضحي من الشاة، ودليلهم ما روى عنه عليه الصلاة والسلام:
أفضل من البقرة، من اغتسل يوم الجمعة فراح الساعة الأولى فكأنه قرب بدنة، وإن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، وإن راح الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن» (9).
(1) المدونة الكبرى: جـ 1: 327، الجامع: ج 2: 27.
(2) الإيضاح: ج 2: 203، الجامع: -: ج 2: 27. (3) المرجع السابق: 202، شرح الجامع الصحيح: 22. (4) بداية المجتهد: ج 1: 371، الهداية: جـ 1: 124. (5) بداية المجتهد: جـ 1: 371، الهداية: جـ 1: 124. (6) مختصر مناسك الحج للشيخ إسماعيل: 91. (8) الحديث رواه البخاري: أضاحى: 14/ 9، توحيد: 13، مسلم: أضاحي:: 17، الترمذي: أضاحي: 3، ابن ماجة: أضاحي: 1 حديث 3128، الدارمي: أضاحي: 1، ابن حنبل: 156/ 5، 8/ 6، البيهقي بلفظه:
283/ 9، 209/ 9،238/ 0
143، 144:
(7) الأنعام: م
(9) الإيضاح: جـ 2: 324 .. والحديث رواه أحمد، وأخرجه البخارى فى كتاب الجمعة باب فضل الجمعة: 2/ =
493 (1/493)
صفحة 473
وقال الحنفية بهذا القول (1)، وكذلك المالكية، وحكى ابن رشد الاتفاق على ذلك، فأما الهدى فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدى إلا من الأزواج جنس الثمانية التي نص ا الله عليها وأن الأفضل فى الهدايا هي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم المعز (2)، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام ضحى بالبدن في حجة الوداع، وذكرها الله تعالى في كتابه العزيز حيث قال: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله فاذكروا اسم الله عليها صواف) (3).
المسألة الثامنة:
روى أن الإمام أبا عبيدة كان يقول، إن نساء تهامة يجوز النظر إلى شعرهن وأعناقهن فيما فوق السرة والركبة، وأن عورتهن مثل عورات الإماء لأنهن يكشفن عوراتهن ولعلهن غير مسلمات، فخالفه بشير وقال: هن مثل الحراير، وذلك لأن الإماء مال وهؤلاء لسن مثلهن فغض عنهن. ما استطعت (4)
ويخالفه الجمهور في ذلك ومن بينهم الأباضية فلم نجد قولاً بالترخيص في ذلك، والكل يوجبون ستر العورة من الحرائر، وحددوا العورة بجميع جسد المرأة فيما عدا الوجه والكفين. وأجاز أبو حنيفة وطائفة من الأباضية إخراج القدمين (5)، وهذا هو الأصح عند الحنفية، وصرح صاحب الهداية أيضاً بعدم الجواز فقال: (وبدن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها واستدل بقوله عليه الصلاة والسلام: «المرأة عورة
مستورة» (6).
المسألة التاسعة:
يقول الإمام أبو عبيدة: إن فصال الطفل من الرضاع في أربع سنوات إذا احتاط
= 29. مسلم في كتاب الجمعة: باب الطيب والسواك يوم الجمعة 582/ 2، النسائى كتاب الجمعة ــ باب وقت الجمعة: 99/ 3، أبو داوود: كتاب الطهارة - باب الغسل يوم الجمعة: 96/ 1، الموطأ ـ كتاب الجمعة: جـ 1/ 101، ورواه أحمد: 164/ 2، 81/ 3، 181/ 5، 198. (1) الهداية: جـ 1/ 185
(2) بداية المجتهد: جـ 1/ 461.
(3) الحج: 36.
(4) العقود الفضية: 145 ويشير هو في حملة العلم إلى عمان وقد سلمه على الربيع وسبق بيان ذلك. (5) الإيضاح: 422/ 1، بداية المجتهد: جـ 1: 127/ 126، الهداية: جـ 1: 43. (6) المرجع السابق: 43 .. حديث المرأة عورة مستورة، أخرجه الترمذى بلفظ: «المرأة عورة فإذا خرجت استسرقها الشيطان، كتاب الرضاع: باب 18: 476/ 3
494 (1/494)
صفحة 474
بزيادة سنتين، فما كان داخل هذه المدة فهو محرم، وما كان بعدها فهو غير محرم،
روى ذلك عنه تلميذه ابن عبد العزيز (1)
والأباضية يقولون بالحولين
سنين (3).
(2)
،
ويستحب أبو سعيد أن تكون المدة ثلاث
،
وقال المالكية بالحولين وعند مالك زيادة الشهر والشهرين إلى ثلاثة أشهر (4). وأبو حنيفة إلى ستة أشهر (5)، ولعل الزيادة لأجل تعويد الطفل على الطعام شفقة ورحمة به كى لا يكون الفطام أمراً مفاجئاً للطفل، فجعلوا هذه المدة زيادة على الحولين وحكمها كذلك، لأنهم يقولون بعدم التحريم في الرضاع بعد الفصال
المسألة العاشرة:
احتياطاً
يد
يقول الإمام أبو عبيدة: إن حد الحيازة عشرون سنة، وذلك أنه زاد عشر سنين، وهو قول الإمام جابر بن زيد، وكان هذا القول هو الذي يفتى به إلى أن فارق الدنيا يقول أبو المؤرج: القول عندنا قول أبي عبيدة الذي رواه عن جابر بن زيد، وبذلك يفتى أبو عبيدة حتى خرج من الدنيا أنه لا حق لكل. من ادعى شيئاً في أهله منذ عشرين سنة يحوزونه ويعمرونه قال: فبهذا نأخذ وعليه نعتمد، وبه أحكام المسلمين، وورد جوابهم عن أبي عبيدة في جميع آفاق الأرض وأقطارها) (6) وأما ابن عبد العزيز فيخالفه ويقول: يبطل الحق تقادمه في القياس) (7). هذا ولابد لنا من إبراز جزء من فقهه المباشر منه، وبما أنه لا يوجد لدينا إلا رسالته في الزكاة فقد عقدنا المبحث الآتى لإبراز تلك الرسالة، ومعرفة آرائه فيها كما
جرت
يلي:
(1) المدونة الكبرى: جـ 2: 254.
(2) المصنف: جـ 2: 150/ 3.
(4) بداية المجتهد: جـ 2: 45.
(3) المرجع السابق والصفحة. (5) المرجع السابق والصفحة.
(6) المدونة الكبرى: جـ 2: 254، العقود الفضية: 148.
(7) نفس المرجع السابق والصفحة: وقد سبق ذكرنا هذه المسألة فيما خالف به شيخه جابراً.
495 (1/495)
صفحة 475
المبحث الثاني
من آرائه الفقهية
(رسالته في الزكاة)
497 (1/497)
صفحة 476
المطلب الأول: وصف الرسالة ونسبتها:
أولا: وصف المخطوطة:
أ ــ سبب تحقيق المخطوطة
:
لقد دعاني إلى القيام بتحقيق هذه الرسالة ضمن هذا البحث رغم أنها طبعت تحت إشراف ونفقة وزارة التراث القومى والثقافة بسلطنة عمان، بإخراج الشيخ القاضي سالم بن حمد الحارثي أبقاه الله ضمن سلسلة (تراثنا)، وأخذت رقم (34) من تلك السلسلة، دعاني إلى ذلك عدة أمور.
الأول:
أنها طبعت من
نسخة مخطوطة واحدة ونقلت من شريط الميكروفيلم فظهرت فيها عدة أخطاء مطبعية وفنية، ولم تخرج آياتها وأحاديثها
الثاني:
بعض
أننا وجدنا فيها جملاً ساقطة، وقد تبين ذلك عند عرض النسخ بعضها على
الثالث:
من
كونها تمثل فقه الإمام أبي عبيدة المباشر من غير واسطة التلاميذ، فكأنها تأليفه بنفسه فكان وضعها ضمن هذا البحث الخاص بالإمام أبي عبيدة مما يزيد البحث قيمة علمية فى نظرى، وبالتالى فإنها (كذلك) تمثل جزءاً من آرائه في العبادات ومن جملتها الزكاة، وتدخل ضمن السياسة العامة للمال ومستحقى الزكاة
الرابع:
كونها تمثل جزءاً من الارتباط الوثيق بينه وبين أهل المغرب بمشاركته في السياسة العامة التي يسير عليها الأباضية هناك، وأنا في بحثى هذا معنى بحياة هذا الإمام ونشاطاته التي قام بها، وتوجيهاته للمغاربة من تلاميذه. فلهذا قمت بهذا العمل أن يكون نافعاً للمسلمين إن شاء الله
المتواضع وع وعسى
ب - وصف المخطوطة:
لقد حاولت جاهداً أن أعثر على عدد من نسخ هذه الرسالة من تونس، ومن
499 (1/499)
صفحة 477
عمان الجزائر، ومن، ومن مصر فلم أستطع الحصول إلا على ثلاث نسخ، اثنتان منها من جربة، والثالثة من القاهرة، فقمت بالمقارنة بينهما قدر المستطاع، وسأضع أمام القارئ
كيفية المقارنة بين هذه النسخ ولابد من ذكر وصفة هذه النسخ، فإليك البيان: إن النسخ الثلاث التي وقعت المقارنة بينها:
فالأولى منها: كانت من الهيئة العامة للكتاب بمصر، وهي ضمن مجموعة آثار أباضية وعنوانها: (آثار الربيع بن حبيب البصري)، وهي مسجلة تحت الرقم العام 4565، ورقم خاص بـ 21582، وقد وردت لدار الكتب المصرية عام 1939 م، وجاء بآخر المخطوط أنه كتب عام واحد وأربعين وقد يكون خطأ من الناسخ ولعله 1041 هـ، و مجموع المجلد 163 ورقة، وهى بخط عبد الرحمن بن عمر بن إسماعيل الزوارى من ليبيا (جبل نفوسة)، ولعلها ضمت إلى الهيئة العامة للكتاب من وكالة الأباضية بطولون بالقاهرة، إذ كانت هناك مكتبة وأوقاف للأباضية ولما وقعت الإصلاحات في تلك المنطقة نقلت إلى دار الكتب المصرية سابقاً، وأول هذه المخطوطة (باب العمال ومن يلى على الناس). وخط هذه النسخة رديء جداً ودقيق بالإضافة إلى التدميغ الذي وقع فيه من طول المدة، وعدم المحافظة عليه قبل انضمامه إلى الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة. ويلى هذه الرسالة كتاب كفارة الأيمان بالطلاق باب السكتة في كفارة اليمين)، وقد استطعت تخريجها بواسطة المكبر ولأجل قدم تاريخها جعلتها هي النسخة الأولى ورمزت إليها برمز (أ)، وسأضع الصفحتين الأولى والأخيرة منها ضمن هذا المبحث للاستدلال بهما على باقى المخطوطة.
أما النسخة الثانية فهى: من مكتبة البارونى من جربة حومة الحشان)، وتقع ضمن مجلد يحتوى على مجموعة من الآثار، ولم يرقم المجلد المذكور وهو بعنوان (الديوان المعروض)، أو مدونة أبى غانم فقد تكرر عليه هذان الاسمان
وتقع الرسالة ضمن المخطوط من الورقة (7) إلى الورقة (13)، ويحتوى المخطوط على (594) صفحة أى (297) ورقة، والمخطوط كله بخط عبد السلام بن عبد الرحمن النجار، وجاء في آخرها: (قال ناسخها: ووجدت هذه الرسالة المباركة ومعها ذكر مسائل الحيض وتلخيصها مرتبات بعدها في رق قديم بخط عجيب وتاريخه مذكور فيه نصه: تمت الرسالة المباركة بتاريخ) ... ثم جعل بياضاً بعد ذلك ولم يذكر التاريخ. ولكنه ذكر بعد تمام مسائل الحيض التي نسخها بعد هذه الرسالة تاريخ نسخ تلك
500 (1/500)
صفحة 478
سنة
المسائل وهو قوله: (وكان الفراغ ضحوة يوم الإثنين من أيام شهر ذي الحجة من سبعة ومائتين وألف هجرية، فدلنا ذلك على أن تاريخ نسخ الرسالة في تلك الفترة، وأن تاريخ هذه النسخة بعد تاريخ النسخة (أ)، فجعلناها تحت الرمز (ب) ولا تخلو هذه النسخة أيضاً من بياضات وتدميغ، وأحياناً سقوط بعض الكلمات التي صححناها كلها من النسخة (أ).
ومن الجدير بالذكر أن هذا المجلد الذي وجدت فيه هذه الرسالة يبدأ بباب الوصايا، وينتهى بباب الشرب في آنية الذهب والفضة، وذكر فى نهاية الكتاب (انتهى الجزء الثاني من الإمامة بحمد الله وحسن عونه، وأن الناسخ من. عائلة بنى معقل، وأنه نشأ وسكن في جربه، ومن قبيلة مستاوة في جربه وبالطبع فهو أباضي لأنه ذكر ذلك أيضاً، وذكر من نسبه إلى الجد السابع وعائلة بنى معقل لا يزال بعضهم اليوم بوارجلان في الجزائر وهى المعروفة الآن بورقلة، وقد قابلت شيخهم هناك في شهر إبريل عام 1986 م.
وأما النسخة الثالثة فقد رمزت إليها بـ (جـ) وهى ضمن مسائل في كراريس ضغيرة لا يتجاوز ثلاثين ورقة فى مكتبة الشيخ سالم يعقوب الجربي ببنى غيزن منقطعة بجربه، وهي من وسطها إذ سقطت منها صفحتان، وعند قراءتها ظهر لنا أنها نسخت منها النسخة (ب) الموجودة بمكتبة الباروني، فلهذا اعتبرنا النسختين (ب)، (جـ) واحدة يكمل بعضها البعض، فهى إذاً إضافة لكونها منقطعة من الوسط لا تصلح لأن تكون في مقام (ب) وذلك لأن (ب) نسخت من (جـ) بالحرف الواحد، وكان تاريخ نسخ (جـ) في شهر رجب من سنة 1191 هجرية (بأقارب) .. الجامع الكبير الأعظم، وذكر فيها أيضاً أنها بعثت إلى إسماعيل بن سليمان المغربي، ومن بحضرته أصحابنا جواباً لهم على أسئلة وجهوها إليه، والناسخ هو صالح بن سالم بن سليمان بن بدر السدريني، ولعله من جربه أيضاً، ولا أدرى ماذا يقصد بلفظة أقارب، فهل يقصد به بقرب فصار منه تحريف أم غير ذلك فالله أعلم.
من
،
وأما: عدد الأسطر في (أ) فكل صفحة تحتوى على أربعين (40) سطراً تقريباً مسافة كل صفحة (10 15 سنتمتر، وعدد الأسطر في (ب) اثنان وثلاثون سطراً تقريباً، ومساحة الصفحة (20 × 30) سنتمتر، وعدد الأسطر في (جـ) كل صفحة (29) سطراً تقريباً، ومساحة الصفحة (20 × 30) سنتمتراً أيضاً.
0.1 (1/501)
صفحة 479
الخط
وقد جاءت أخطاء كثيرة في النسخ الثلاث وهي متشابهة في من حيث أنه خط مغربي، والأخطاء الإملائية فيه متشابهة، ولكن بعض النسخ في الشكل العام
أوضح من بعض. الأخطاء المتشابهة وهى متكررة كلمة (ذلك) فهى مكتوبة بألف في الوسط ومن هكذا (ذالك)، وكلمة (أرى) وهى مرسومة هكذا (أرا)، وكلمة (زكاة) وهى مرسومة هكذا (زكوة)، وكذلك ما اشتق منها، وتكررت خلال الرسالة كلها، وكذلك الحروف مثل (ض) يكتبونها (ظ)، والتاء المربوطة تكتب مفتوحة إلى غير ذلك من الحروف.
أما عنوان الرسالة فهو متفق عليه في النسختين (أ)، (ب) ليس بينهما اختلاف فيه يذكر إلا ما جاء فى النسخة الثالثة بزيادة ولمن تعطى، ولمن لا تجوز له وحذف من أولها كلمة كتاب
502 (1/502)
صفحة 480
! (1/503)
صفحة 481
3.0 (1/504)
صفحة 482
اذا فالانت على ابو در هم فقبلت كانت حرة والحال مردود عليها والأوهي الرجل
خها را و منشے? واجب عليہ ولم يسعى لا ولما نظنها بانهاته ومن الثلث والواجب في هذا او غير الواج سوا. ولو او هربت منيكوة أو من حجة الاسلام جاز هذا كله من الثلك واذا ا و في الرجل بتونسية باشتريت او بعتزامة له وتخرج من الثلث مجنا عليها جناية قبل العنزبار شرذالك للورثة وكل ما اكتسبت من الحمالة ماز زوجوها بكز ذالك لا فهم لا يملكوها بازد خرابهاي از الصداقة للورثة واذا ولة، ولذا قبل الفتوكات ستا در سالة الشيخ ابو عميدة مسية فزاع كريمة في الدعوة
الله الا من ابر تيم اتبانا كتابك لا شروزه مرالله مطيع من جميع كل خيارها. امشم به كترة من محمد تكييم ماهر الولاء لكم ولعمري ما كترتم و از شد. و اما ک تر همز گاز است. نار مركاز فيلكم وسلمكم في فنه را بد بدور عليكم كثر فهم و خلا خلا مكم، اختر الله العوز والموديز و تمام امورشه و از يک جنا واياكم ما سلم وان يجهل انا لكم وتحميه المسلمين عليهم الدائرة وبشي درمور دويه مومنين ويذهب غير فالو بدنم بلعمر بالغة بسرة ما اشيم الرمزارشم و از دان ذالتهم بسخت را نام نخزان با کنم به اوالله يستتم لكم الخير كله بخوان وتوجيقه انسافات تابي به بمسائل مانها ما رايته از اجيبكم بيها و منخدا ما ر ا يک اين ژه امن شير وان ماتا والا الذي وانتة اصلح الجماعتكم وانوع الشائكم وارجو المعيد بكم واعطو لغو بكم واجمع الاموركم وما التوفيق الا باشند و جمعنا الله واياكم لما يحبه ويرا، بعد اتبكم الذي اجيكم فيه جما كان مو هواء غزاله و ماکان بزنگاه روانه او بغير او غير الله غربي استهجر المثمريمية واليسر يهوله رضا ذكر نم به شما بشم العسر و تيد: واہموار تمام المبينا انه باقع املا الا اما الان اتم الاب نعم فيه جيو كلواء جال بعشور هم امنا من فيلم به كل منزل مينقل الناس الفيلم حتى اذا اجتمع من دام به خرج مانو اور سوال اللجاه والري المعرة ان يجتهده ارايهم سلم امر الله به دور 00 ه کراموله با وله با عطا يہ بلاده ده مبل و لافي خريد دو زبيد و ما با قرار من واقع الاشياء الربع مخرتها بماراه المسلمون حسنا فهو كذالك ان شاء اللہ ہماراہ سے جھو سے. جانا حضرتم تعريف قسم أوليك الرهط أمرهم لم يأخر عند تعريف 3/ 3 ميرع لا يجفر عند تعريفة جماعة والامزيانة ولا من بعطر بر فرد ميشور خربة؟ ه جه وادهم و مزازه بده من عز الامنا ما يعني به امر وزيت مال بعمله ہي افرا العفراء اليه واز كان اخر به العفوا اليه مزيل ليس لهم عشور وه يه، عشور ليسر فيه ما يعني به جفرايه مخرجيه اينيم از ام از ابعد الفرامتي اور در اسرع به نفع اذان بعض و خوند او اذا تباعدت العفرا مالوا به علي بهراييم حتى يغنو نعم ليسرها حد معم شركة لا ابن السبيل اذا مضر و الغارم و به الرقاب اذا حضروا وليس احد فيما سمح الا التقسم على عدة الثمانية الماذ الأمر الية على الأمر بالعطا ريم والدلالة لمن يعطا ملازذ الأسلم معر و فرمو بعد الثمانية لكل صنفه ممن حضر من هول اعطي ت و مرغاب ولا شي له بيهية يفضل الك على زحضر حتى يغنواعا منهم الاتزان العاملين عافيتها فتم و علي دا وابهم وحوزة بهذا
A
منها
ما لا يجوز ولا يتلام احد بدا الدمر اسب ولا لايمة ليسر للعاملين الا بعفتهم وعليك دا بنهم ما داموا سفان جان اجلا غوا من جميع الك لم ينالوا من بشه. والد وا ما فتحوا الربيت مال المسلمين واما الوزير ان الغاز للمسلمين وليس له الحقوقي الا نفقن على اهله ونفسه کنجفته قبل از بلي را جواد النشوة كلما لن تنتحره الا الصفراء الديزاين سر: يتم تفريع وهو لا الذين سعينا مزجيك ذي الخير م و تبر شعفه ارياضة النمر
505 (1/505)
صفحة 483
ومن جميع جعها بنا على ذاك وزع بعض اهل العلم انه لا زهواة على طبل حتى يبلغ وامتح الذين در فالو اعلى البقيع للذكوة يقه لعمر وعلي وعايشة واحتج الذين قالوا لازكواة على الطبل حتى يبلغ وبجناية الغير بنفس مرايز عبا بير و جابر بن عبد الله و بالكتاب معافا الله عز و جان ختند مزاهم الهم صدقة تخرم وتز ميام بماء التطهير ا لما يكون من الذنوب وتطور ايتها علم التقرب لا ذيب على طير ولا تقرب منه وامها عن الخليعة جلا يزي علم تنحيت من العين نيست وياه امان كرتي من الذكواة شعر فينم به اذر سعر عند الجغراء المسجد اودارالحرب و احتلام الطريف اوغزات و ما اشبه ذالك مما يراه الامام و المسلون بالفوك ذالك انه لا يجربنا المسجد وتكواة المسلمين لانها لا تتعرف معربا ب به مدها من الشد وجرة من النقوية الصفراء مادة استوا الله و انا لما أمروا تماسية موجه
رسالة
الت الشيخ أبي عبيدها، مسلم براي کي ہمہ رحمہ اللہ ور خير لاتخاذ المساجع وغيرها عند على يد العبد الصغير إلى الشبه جميع حركاته وسكنان عبد السلام بزعية الرحمن النجار قابه الشر عنده فجر له ذنوبه و حسّز عواقب امير و كاز الجراغ بن شبة يوم الثلاثة اربعة عشر يومان الوز مرة الجنة من سنة سبعه و ما نيرو او هاربا ها و وجوه نديا الرسالة المباركة ومعتم ذکر مسايل الحجر وتلخيصها مرتبا بعد ها ي رفر قديم بخط عجيب وتاريخة مذكور بين نصر تمت
المزي
وذعر فيها ان الرسالة بعثدي
الرسالة المباركة بتاريخ الشيخ رحمه الله الراس عيل بن سلمان المغرب و مزابيخرته من اصحابنار جميع اللہ جوا بالعم عمل مولت
الله الرح
من الرحيم صلى الله على نية نامحل والد و صحبه ومسلم
نے
و ذكر مسايل الجيفر وتلخيصها ومن كتابا
القد العوز والتوجي في
العلماء جيد ختلاف
جاز الله سبحانه
كنت تستر از اينوني أمر الجيش من النساور وتعلى حكم الا يفر بن المميز يعني الدم وما يتبعه مما ليس فيه طهارة أو حكم الطهارة ومنعته السنة الهلاة والحوة واحوال النساء في ذالك مختلفة ومجمع ذالك اذا حاضت المرات تركة الحلاة والحوع اياغ فرتها ويحرم على زوجها ان يغريها و معمال يقربها في وستصل اوياية حال قر لها الصلاة والصوم جاذا كازي الا للزوج
وما سوى الفرج مما يجر للزوج قبل الجيفر جهو حلال وانها لجرم العرج في حال الحيض و اذا حافة المراز لزمت نفسها ما بيندرا و پيز وقتها المعرو؟ مريخنشا جاز الشرة دون ذالك المهوا اة الحيا ففيالم في العلم مبادرة او عجرت او نر به ان رحلت وحامت مار ماز عزيز دما کار در
از مهره اومدن ادا
به شداره او تر به و وقتها لم ينتفض بيه (الذ احتلاء العندا يعتمم يغور تم يا عملائها
العلما
وان (1/506)
صفحة 484
ه است و شونتيا بستم و بعد هنري هشته الانمي جدة الحقة جرة فو الان تما استادن الذين من فيتم مزاتو انهم اذا كانوا يجب الاي تحساء لابي خلوا على اليا يتم إلا باذن الرسم انة ما انوا اذا اراد وا الدخول فاز ويستاذن الى حرارة المرارة على اهل البيت في الامر ين او ثلاثة مراته جان اذن له دخل إن لم يلان نه انحري ما اجابي بنتيه واما خونه ليسر کم حراج از تدخلوا بيوتا غير مسكونة جميها متاع تم والدها بني بالمتلاع الجدار ولكن السواء من إنتاجة اما من لا تغفر له قوم بليلا و نه از او دار ينظر انتها زجل او جارية بدخانها ا: رجل لحاجته بهذا الشاع الذي ذكى الله وكل منابع با خودتا؟ تم كتاب الصلاة مع الله وعون صبيحة يوم الجمعة
اوشي
د رابع يوم دار اين شام رجب الا حب من سنة اختارواب التوالي الويد العدد التنشير الى الحرية جميع
ان اور مصالح سالم بن اليمانيو
عايه امين وحسن عواقبه وجعل الجنة مسكنة يتناولا: الله يا منالة الايام الا عبيدة في الزكوان
لبسم الله الرحمن ان لم اعلم علواني على شيبة الحمدوه الرواية ابن الفنانة نسرين
فارحمہ اللہ اذانے کتاب کم نذکر و راجيہ حکيم ما من العبده ليكم مواتية ولمتكم و انقلاب امركم ه اثرات مواج خواتكم موابعد الخلاف لكم ولحم ہے ماکني تم و از كثروا باكثر ممر كان فيلم على سب كان في الكم من سلاح بافتد و ابنتهم بلمون عليهم كاش هم على خلاج سبيل الله العون والتو نيز تيم امور کم و از شيدا و ايراد کم با استقدم وان يجد الان اونكم ولجميع الد شما بني عليكم الي اروح ويشهد معذور کردم مومنين وية ب غير اولو هم .. الم القداسي با ما انتهيم البرمن امركم وان أن نطلع يسقط عنا غني ان المنظر الذي كتبتم به البر والله يستتم لكم المنير كله بدونه و توظيفه ايراني کنارم بمتمايل ممنها مدار ايت از اجيبكم ويدم او منها ما رايت الا اجيبة بينها من غير موازة لاتخمين (الزياراته اصلح جماعتج واقوم الشاد زوار بن مصباح واعكك المزيكم واضح ناموركم وما التوبين الا بالله وفقنا الله وايام لها يحب ربي هادفة أجبتكم في الايام ي الدنيا البنتكم بيه ماكان زيته باب تارانه و ما كان برخط رواية لو جراوي الدار سے استتم السا مع سالين، وله رجاء؟:: كتاب العيش ومها الجانا لها البرز بالا رام الله الارم شير مير كرا عشر هم رب انا أمنا من بم؟ لايبزن بينت الان من المندم در ادارد مواخره نظر فيه
حت
ES DE ASEMET KOS, bakery a FM-
O.Y (1/507)
صفحة 485
الجماعة بذلك امرة وبذلك قامت السنة عنا ا راته معالم الله وب وعبر فرايته نامرهم وإذ كان الفول قول رجعوا الله وان كان ان الجفوه بالعكية واد
وان كان عنا
تخرا العلم
الله
ا بخواني و علي و
مراه و الهم صدقة
ويكون أيضا على النفي
اذة على جعل
لكن عندهم شيب از العين نفسه واه:
ستغنى عن العناء المسجد أو دار الحرب واحلام الطريق او غزاة وما مام والمسلمون بالقول ذلك ان لا يحل بناء المسجد من انها لا تتصرف مريا عم اسماء الله و كتابه تماما امر وانما ولى شغالة قوية له في الاتزان المساجد وغير
به ان المشرية وعد الله و واني رغبة عارية العبد الدفي المرالله وست بن سليمان بوتي و السورية تباب التوعية
با قاب جامع، القلب الكبيبي الا محم قصم الله
اوليايه.
المباركة الان
حمد الرسالة المباركة
وذكى فيها أن هذه الرسة العتها اليـ وعد الله الى المما عر ابن سلمان المخي ہے وفن نواكأبنار حملهم الله جوا بالعلم عن. (1/508)
صفحة 486
ثانياً: نسبة الرسالة وإلى من أرسلت
أ ـ نسبة الرسالة:
إن النسخ المتوفرة لدينا من رسالة الإمام أبي عبيدة فى الزكاة متفقة في نسبة هذه الرسالة إليه، إذ كلها تحمل عنوان كتاب رسالة الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة هكذا جاء فى النسخ الثلاث، وقد حاولت البحث عن نسبتها إلى غيره فلم أعثر على شيء فازداد يقيني بأن الإمام أرسلها إلى أهل المغرب وقت ظهور المذهب هناك خلال النصف الأول من القرن الثاني.
وقد جاء عنوان النسخة المطبوعة في سلطنة عمان من نسخة دار الكتب المصرية
تحت إشراف وزارة التراث القومى مى والثقافة ذكر العنوان بالصيغة التالية: (رسالة أبي كريمة في الزكاة فسقط منها كلمة ابن، والصواب ابن أبي كريمة. ب ـ إلى من أرسلت:
يظهر من افتتاحية الرسالة أن الأباضية بالمغرب كتبوا رسالة إلى الإمام أبي عبيدة بالمشرق يعلمونه عن قيامهم بحركة إصلاحية في المجتمع المغربي، سواء من حيث المسار السياسي ضد ولاة العباسيين، أو من جهة الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، وذلك ظاهر من فحوى الرسالة هذا ناحية ومن ناحية أخرى تشير افتتاحية الرسالة أيضاً على مدى اعتماد أباضية المغرب على آراء الإمام أبي عبيدة، ولذلك كتبوا إليه بما تم لهم من القيام بالأمر وائتلاف الكلمة
،
من
فقد جاء فى أول الرسالة: (أبانا كتابكم تذكرون فيه ما
من الله
به عليكم من
جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم
الأوائل
(1)
وأشار بعد ذلك على أن كثرة المخالفين لهم ليست بأكثر ممن خالف القائمين، ولعله يشير إلى قيام الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي. ومن معه في اليمن أيام مروان الحمار آخر ملوك الأمويين فأمرهم بالاقتداء بأولئك السلف لتهون الكثرة عليهم، ويزول الخوف من قلوبهم قال: ولعمرى ما كثرتهم إن كثروا بأكثر كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم على
ممن
كان قبلهم على من
(1) انظر: الصفحة 513 من المرسالية.
509 (1/509)
صفحة 487
خلافكم) (1).
ويتضح من الرسالة أيضاً أن خبر القيام قد وصل إلى الإمام أبي عبيدة قبل وصول رسالتهم المشار إليها إليه، ولكنه ما كان يظن أن الأمر كذلك، إذا استقر الأمر و دخلت القيروان تحت حكم الإمام أبى الخطاب (2)، وولى عليها الإمام عبد الرحمن ابن رستم، وقد اجتمعت القبائل وكثر الأتباع، وجاء في الرسالة (فلعمرى لقد سرني ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يخف عنا، غير أنا لم نظن الذي كتبتم
به إلى) (3).
وكان ضمن الأسئلة الموجهة إلى الإمام ما لم يجب الإمام عليه ولم نعثر على هذه الأسئلة كلها، ولعل شيئاً منها ما رأى أن عدم الإجابة عليه أولى، لأن فيها بعث لفرقة قد تقع بسبب الإجابة عنها، فترك الجواب مخافة تشتت الوحدة، ورغبة في جمع الشمل، ويدل على ذلك قوله: (أتانا كتابكم بمسائل فمنها ما رأيت أن أجيبكم فيها، ومنها ما رأيت ألا أجيبكم فيها. من غير هوان ولا تقصير إلا الذي رأيته أصلح الجماعتكم وأقوم لشأنكم وأعطف لقويكم وأجمع لأموركم، وما توفيقي إلا بالله) (4).
ولعل شيئاً من هذه الأسئلة يتعلق بمسألة الإمام الحارث بن تليد الحضرمي، وقاضيه
عبد الجبار بن قيس المرادى، فخاف عليهم من الشقاق بسببهما! ولما عزموا على نصب أبي الخطاب إماماً لهم بالمغرب اشترط عليهم أن لا تذكر هذه المسئلة في عسكره (5)، كما أن الإمام أبا عبيدة نفسه كتب إلى أهل المغرب رسالة يطلب فيها من أهل المغرب ترك الخوض في هذه المسألة والسكوت عنها فامتثلوا أمره فماتت تلك القضية (6)، فلعل الإمام أبا عبيدة وجد شيئاً من الأسئلة تتعلق بتلك المسألة، وسوف نضع تلك المسألة في الملاحق إن شاء الله
ومن ناحية أخرى فإنها تعبر عن العلاقة الوثيقة بين الإمام أبي عبيدة وأهل المغرب (شمال إفريقيا) وذلك يدل على ارتباط أباضية المغرب منذ العهد المبكر بأئمة
،
الأباضية في البصرة.
(1) انظر: الصفحة 513 من الرسالة.
(2) تقدم التعريف به في تلاميذه اليمنيين.
(5) نفس المرجع والصفحة.
(3) تقدم التعريف به في تلاميذه المغاربة، انظر: أبا زكريا - السيرة: 69.
(4) أبو زكريا يحيى أبي بكر: 58.
(6) نفس المرجع والصفحة.
510 (1/510)
صفحة 488
وقد ذكر عوض خليفات أن هذه الرسالة أرسلها الإمام أبو عبيدة إلى الإمام أبي الخطاب المعافري اليمني الذي نصب عام 141 هـ حسب توقعه (1)، وبناء على ذلك فقد وضع مخرج الرسالة للطباعة الشيخ سالم الحارثى عنواناً عليها على هذا الأساس، لنا ولكنه تبين من النسخ المخطوطة ـ وخاصة ما وجدناه بجربة، أنه أرسلها إلى الشيخ إسماعيل بن سليمان المغربي، ولم نستطع العثور على ترجمة لهذا الشخص فيما توفر لدينا من مصادر (2)
،
ثم إننا لا ندرى أيضاً هل توفى هذا الشخص في زمان الإمام أبي عبيدة أم قبله: وهل هو من عمال أبى الخطاب أم لا؟ كما أننا لا ندرى المقصود بنسبته إلى المغرب هل هو من ليبيا، أم من تونس، أم من الجزائر، أم من المغرب؟ ومما يزيد الأمر إشكالاً أن المنطقة كلها كانت تدعى باسم المغرب.
ومما يترجح لدى الباحث أن هذا الشخص من معاصري الإمام أبي الخطاب المعافري، ومن مساعديه، وقد يكون من العاملين معه على بعض الأماكن، وأن الرسالة وجهت أساساً إلى الإمام أبى الخطاب، ولكن الإمام أبا عبيدة أراد التمويه في إرسال الرد إليه فأرسلها إلى غيره، لئلا يعثر على الرسول فتؤخذ منه الرسالة قبل أن تصل إلى الإمام .. ومما يدل على ذلك ما جاء في نسختى جربة أن هذه الرسالة بعثها الشيخ رحمه الله إلى إسماعيل بن سليمان المغربي ومن بحضرته أصحابنا جواباً من لهم عن أسئلة (3) هذا أن الإمام أبا عبيدة لم يبعثها إلى إسماعيل وحده، بل له ولمن بحضرته في تلك المنطقة من الأباضية، كما أن صيغة الخطاب بالجمع في الرسالة شاهد أيضاً على ذلك، بالإضافة إلى أن العبادات الدالة على فرح الإمام أبي عبيدة بما انتهت إليه أحوال الجماعة في الفترة التي بعثت فيها الرسالة بعد التشتت والتمزق الذين سبقاها، لا يستبعد أن تكون هي تلك الفترة التى قامت فيها إمامة أبي الخطاب المعافري عام 142 هجرية، فلهذا نستطيع أن نقول: بأنها بعثت إلى الإمام المذكور ومن معه، بما فيهم الشيخ إسماعيل بن سليمان المغربي رحمه الله
فظهر من
وها نحن نشرع في تحقيق تلك الرسالة بعون الله تعالى:
(1) عوض خليفات ـ نشأة الحركة الأباضية: 149.
(2) لم نجد له ترجمة في طبقات الدرجيني ولا الشماخي ولا سير الوسياتي. (3) الديوان المعروض: 12.
011 (1/511)
صفحة 489
المطلب الثانى: تحقيق رسالة الإمام أبي عبيدة في الزكاة:
تمهيد:
سبق
أن أشرت إلى ذلك
-
هو
إن المنهج الذي اتبعته في تحقيق الرسالة. كما مقارنة النسخ أولاً كعمل مستقل، وذلك بعدم تحليل النصوص ومقارنتها وتخريجها
على مذاهب الفقهاء، وإنما اتبعت خطة التحقيق المستقل.
وبالتالي فقد قمت بعد ذلك بتخريج النصوص في مطلب مستقل يلى مطلب التحقيق، وأرجو أن يكون ذلك متلائماً مع المنهج العلمي الصحيح والله الموفق. تحقيق الرسالة (كتاب):
رسالة الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة نقلت من مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم 21582/ب صفحة رقم 225 حتى صفحة رقم 229، ويتلوها كتاب كفارة الأيمان بالطلاق باب السكتة في كفارة اليمين)
كتاب:
رسالة الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1) رحمه الله في الزكاة ولمن تعطى
ومن لا يجوز له أخذها (2).
نسخة (أ) مخطوطة دار الكتب المصرية.
نسخة (ب) مخطوطة مكتبة الباروني - جربه
نسخة (جـ) مخطوطة مكتبة سالم بن يعقوب ـ جربه
(1) رحمه الله ساقطة في (أ)، (ب).
(2) ولمن تعطى ومن لا يجوز له أخذها ساقطة من (أ)، (ب).
012 (1/512)
صفحة 490
بسم.
الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً (1).
قال رحمه الله: (2)
(4) ما أتانا (3) كتابكم تذكرون فيه عظيم من الله عليكم من جمع كلمتكم
،
(7)
و ائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمرى ما كثرتهم (5) وإن كثروا بأكثر ممن كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم على خلافكم، نسأل الله العون والتوفيق لكم (7) في جميع أموركم، وأن يكفينا (8) وإياكم بأسهم.
(10)
وأن يجعل لنا (9) ولكم ولجميع المسلمين الدائرة عليهم) ويشفى قوم مؤمنين، ويذهب غيظ (12) قلوبهم.
(11) صدور
فلعمرى لقد سرني (13) ما انتهيتم إليه (14) من أمركم، وان كان ذلك لم يخف (15) عنا غير أنا لم نظن (16) الذى كتبتم به إلينا، والله سيتم (17) لكم الخير
بعونه وتوفيقه
كله
أتانا كتابكم بمسائل فمنها ما رأيت (18) أن أجيبكم فيها، ومنها ما رأيت ألا أجيبكم (19) فيها من غير هوان ولا تقصير إلا الذى رأيته أصلح لجماعتكم، وأقوم لشأنكم (20) وأعطف لقلوبكم، وأجمع لأموركم، وما توفيقي إلا بالله (21)، وفقنا
- ب.
(1) الصلاة والتسليم على النبى ساقطة من ة من (ب). (2) قال رحمه الله ساقطة من أ (4) في أ ما كثرتهم والتصحيح من ب. (6) في أ ــ ب يهون.
(8) في ب وإن يكفينا. التصحيح من أ. (10) في أزيادة الدائرة والأفضل حذفها.
(12) في ب غيظ والتصحيح من أ. (14) في ب إلى والتصحيح من أ. (16) في ب لم نضمن والتصحيح من أ. (18) في ب رأيته. (20) في ب وأرفق لضعيفكم بعد لشأنكم.
(3) (به) ساقطة من أ ــ ب.
(5) عظيم ساقطة من أ ـ ب
(7) لكم ساقطة من ب.
(9) الواو ساقطة من ب بعد عليهم. (11) في أ ويشفى والتصحيح من ب. (13) في ب يسرني والتصحيح من أ. (15) في ب لم تسقط والتصحيح من أ. (17) في ب يستتم والتصحيح من أ. (19) في أنجيبكم والتصحيح من ب. (21) في ب وما التوفيق والتصحيح من أ.
013 (1/513)
صفحة 491
الله وإياكم لما يحبه ويرضاه
خبر
(V)
خطأ
فقد أجيبكم في الذى أجيبكم فيه فما كان صواب فمن الله، وما كان من. في رواية أو أو غير ذلك فمن نفسى، أستغفر الله من جميع ما ليس هو له رضاً ذكرتم في كتابكم العشر (1) وكيف جمعه؟ فاعلموا (2) رحمكم الله أنه يجمع أهل البلد في (3) الإقليم الذي فيه، فيو كلوا لعشورهم رجالاً (4) أمناء من قبلهم في كل منزل (5)، فينقله الناس إليهم حتى إذا اجتمع عن (6) آخره نظر فيه خواص من أهل الفقه والفضل والمعرفة في الدين، واجتهدوا (8) رأيهم فيه على ما أمر الله به من تفريقه لمن أمر له بإعطائه بلا حيف ولا ميل، ولا أثرة قريب دون بعيد ولا لاجترار الدنيا، ولا لرفع مضرتها، فما رأه المسلمون حسناً فهو كذلك إن شاء الله رأوه (10) سيئاً (11) فهو سيئ.
(9)
منافع
، وما
فإذا حضرتم تفريقه (12) وحكم أولئك الرهط أمرهم لم يحضر عند تفريقه إلا الأمين، ولا يحضر عند تفريقه جماعة لا (13) ممن يأخذ ولا ممن يعطى، فيفرق عشور كل (14) قرية فى فقرائهم، ومن كان في يده من (15) الأمناء ما يغنى به أهل قريته مال يفضله فرقة (16) على أقرب الفقراء إليه. وإن كان أقرب القرى إليه ممن يليه ليس لهم عشور وفي يده عشور ليس فيه ما يعني به فقراءه (17) نظر (18) فيه لهم، إذا كان أهل القرى متجاورين يسمع بعضهم أذان بعض، ونحو هذا إذا تباعدت القرى (19) مالوا (20) به على فقرائهم حتى يغنوهم، وليس لأحد. معهم شركة إلا ابن السبيل إذا
(1) العشر في اللغة هو الواحد من العشرة والمقصود ها هنا الزكاة.
(2) في أ ــ ب (واعلموا). (4) (رجالاً) في ب قبل (لعشورهم).
(6) في ب (من) بالميم. (8) في أ ـ ب ويجتهدوا. (10) في ب رآه والتصحيح من أ.
(12) في أ ــ ب بدون واو. (14) في ب (كل) قبل عشور. (16) فى أ - ب لقطة (فرقة) ساقطة.
(18) في ب نظر والتصحيح في أ. (20) في أ (مالو) وزيادة الألف من ب.
(3) (في) ساقطة من ب.
(5) المنزل في اللغة. (7) في ب (نضر) بالضاد. (9) في ب: اجترار والتصحيح من أ. (11) في ب سيء والتصحيح من أ. (13) في ب (الا) والتصحيح من أ.
(15) في ب زيادة (عن). (17) في أفقراية وكذلك في ـ (19) في ب (الققراء) والتصحيح في أ.
ب.
514 (1/514)
صفحة 492
حضر، والغارم، وفي الرقاب إذا حضروا (1)، وليس لأحد فيه (2) سهم إلا (3) التقسيم على عدد الثمانية، إنما ذلك من الله على العطاء لهم والدلالة لمن يعطى، لأن ذلك مفروض من عدد الثمانية لكل صنف، فمن حضر من هؤلاء أعطى له، ومن غاب فلا
شيء له.
سهم
فيعيد بفضل ذلك على من حضر حتى يغنوا عامتهم ألا ترى (4) أن العاملين عليها ليس ذلك السهم المسمى لهم على القسم. وإن كان فيه أكثر من رزقهم وعلف دوابهم وحرزوه، هذا ما لا يحوز ولم يتقدم أحد بذلك. السلف ولا الأئمة ليس للعاملين إلا من ذلك لم ينالوا. شيئاً (5)، منه
نفقتهم وعلف دوابهم ما داموا سعاة، فإذا فرغوا من جميع وأدوا ما قبضوا إلى بيت مال المسلمين
وأما الوالى إذا كان للمسلمين، فليس له من الحقوق إلا نفقته على أهله ونفسه كنفقته قبل أن يلى.
وأفضل قسمة الزكاة كلها أن تنصرف إلى الفقراء الذين بين أظهرهم (6)، وهؤلاء الذين سمينا من قبل أن الخبر جاء في الصدقات للمصدق أن يأخذ من خواص أموالهم فيردها (7) على فقرائهم (8)، وليس للسعاة أن يأخذوا الثمن على سهم الأجزاء من قبل أن الفرض لم يقع من الله على القسم.!
حضور
ألا ترى (9) أن الخبر جاء عن عمر (10)، وأصحاب رسول الله (11)
(12)
J
أنه كان يجعل الصدقة في الصنف الواحد (13) ممن. أجر مثلهم على التقسيط والقوام بالعدل.
(1) في أ (حضر) والتصحيح من ب.
(3) في أ (على) والتصحيح من ب. (ه) في ب (شيء) والتصحيح في أ.
(7) في ب (فيرد) والتصحيح من أ. (9) في أ ــ ب (ترا) والصحيح ما أثبتنا.
سمي
(14) الله، وإنما للسعاة
(2) في ب (فيها). (4) في ب (ترا). والتصحيح في أ. (1) في ب أضرهم بالضاد والتصحيح في أ.
(8) سقطت واو من أ.
(10) يعني ابن الخطاب.
(11) (صلى الله عليه وسلم) ساقطة من ب. (12) في ب حضروا والتصحيح من أ. (13) الحديث (أنه يجعل الصدقة في الصنف الواحد. .. ، رواه البخارى - كتاب الزكاة ــ باب قول الله تعالى وفى
الرقاب: 245/ 2 ـ النسائي: كتاب الزكاة - باب المؤلفة قلوبهم: 87/ 5.
(14) في أسما والصحيح ما أثبتنا وفى ب تسما له.
010 (1/515)
صفحة 493
(2)
ألا ترى (1) أنه ليس للعاملين ما هو خير) من الإمام، وأنه ليس للإمام متى ولى (3) من فيئهم شيء (4)، وأخرجه إليهم (5) بالمعروف، وقد جاء الخبر عن الصديق رحمة الله عليه لما استخلف
اجتمع المسلمون فقالوا: افرضوا) الخليفة رسول الله عليه السلام (6) شيئاً يغنيه، فقالوا: بردتان (7) إذا أخلقهما (8) وضعهما وأخذ مكانهما غيرهما، وظهرا إذا سافر و نفقته على أهله كما كان (9) ينفق قبل أن يستخلف، فقال أبو بكر: رضيت ولم يظنوا (10) عليه بشملة (11) له (12) ظناً (13) بذلك عليه، ولكنهم أرادوا قطع للإمام من بيت مال المسلمين فضلة يستأثر بها على المسلمين.
الاحتجاج أن تكون (14)
تصير
وجاء عن عمر (15) رحمة الله عليه، روى (16) ذلك الأحنف ابن قيس، ونافع عن ابن عمر قالوا (17): قدم (18) على عمر وفد من البصرة فيهم الأحنف بن قيس وعمر يومئذ أمير المؤمنين فسألوه ما يحل له من (19) الفييء؟ فقال (20) عمر رحمة الله عليه قوت عمر وأهله قوت رجل من قريش وحلة (21) في (22) الشتاء والصيف، وما أحج به واعتمر، وسهم في المسلمين.
(1) في ب (ترا) بالألف والا والتصحيح من أ.
(3) في ب مناول والتصحيح في أ.
(4) في أ وأخرجهم إلى القوم وفي ب وأخرجهم بالقوام.
(6) عليه السلام ساقطة من ب.
(2) في أ أخبر، وفي ب خلق هو أصبر من الإمام. (4) في أشيئاً وهي ساقطة من ب.
(7) في ب (بريدتان) والبردة كساء صغير مربع ويقال: كساء أسود صغير، المصباح المنير: 43.
(8) في أيظنوا والتصحيح من ب.
(10) في أخلقهما.
(9) كان ساقطة من ب.
(11) في أشمله وفي ب مشملة والشملة كساء صغير يؤتزر به. المصباح: 323.
(12) في ب (وبه).
(14) في أيكون والتصحيح من ب. (16) في ب راوا، والتصحيح من أ.
(18) في ب قد مر. (20) في ب قال، والتصحيح من أ.
(13) في أظنا.
(15) يعني ابن الخطاب ولم يرد فى كلا
(17) في أ ـ ب وقالوا، والصحيح ما أثبتنا. (19) في أ ـ ب في والصحيح ما أثبتنا.
(21) الحلة هما ثوبان من جنس واحد يلبسهما الرجل والمرأة. المصباح / 148.
(22) في ساقطة من ب. (1/516)
صفحة 494
وقول عمر: أحج واعتمر، إنما كان ذلك من قبل أن المسلمين يردون الموسم من
حجتهم
(2) ويسألهم عن ولاتهم، ليقطع عنهم مؤنة
الآفاق فصار إليه ليستمتع (1) من العناء إليه في المسير إليه (3)، ولولا ذلك لم يكن ذلك.
وجاء عن عمر أنه كان يقول: أيها الناس ليس أحد إلا وله من هذا المال نصيب إلا ما ملكت أيمانكم.
وجاء عن الصديق أنه كان يستمتع بالناضح (4) والمشملة مثل ذلك، وجاء عنه
عند وفاته رد الناضح الذى فى يده والمشملة (5) هو الحبشية واللقوح (6) وجاء عن عمر مثل ذلك أنه أصاب من فئ المسلمين مالاً استمتع به في حوايجه، فلما حضرته الوفاة أمر عبد الله ابنه فكر فيه ماله، وباع فيه رباعه حتى جمعه فأداه إلى بيت مال المسلمين، وعبد الله بن أرقم يومئذ على بيت مال المسلمين.
وجاء عن الصديق رحمة الله عليه أنه قدم إليه (7) مال احتمله من البحرين، فقسمه على الناس خمسة خمسة، ثم قدم عليه مال فقسمه عشرين عشرين، ففضلت فضلة، فقال أبو (8) بكر: ألكم خدم يخدمونكم ويعالجون لكم، فلو قسمتموها بينكم، فقال الناس: أنت أولى بذلك (9) يا خليفة رسول الله له، وأبى (10) الأثرة، وقال: معاشر الناس الأسوة في هذا خير من الأثرة، وساوى بين الناس. والدليل أن هؤلاء الثمانية، أن ذلك ليس لهم على الفرض من الله، ألا ترى أن الفريضة على تسعة أسهم، لقوله في آية أخرى: فإن لله خمسه وللرسول ... الآية (12). وذلك سهم التاسع غير الثمانية، وكذلك إنما هو على الإعطاء لهم أمر
(1) في أليستمع والتصحيح من ب. (3) في أ في السير والتصحيح من ب.
(2) في أ من حجهم والتصحيح من ب.
(4) الناضح البعير الذي يحمل الماء للسقى - المصباح المنير: 609.
(5) في ب سوا.
(11)
(6) اللقوح هي: معنى المشملة، ومعناها التي نتجت لمدة شهرين أو ثلاثة، ثم هي لبون بعد ذلك. المصباح المنير:
557
(7) في ب عليه والتصحيح من أ.
(9) في ب بذلك قبل أولى.
(8) في ب (أبي) والتصحيح من أ.
(10) في ب وأبا بالألف الممدودة.
(11) في أـ ب وتساوى والصحيح ما أثبتنا وفي ب وتساوا بالألف. (12) الأنفال:
017 (1/517)
صفحة 495
الله (1) رسوله عليه السلام (2) أن (3) يعطى أقاربه كما يعطى الفقراء، ألا إن ذلك سهم محبوس عليهم دون غيرهم، فكل مذكور في الآية إنما هو على البيان بالإعطاء له لا على سبيل الإسهام بالقسم. وجاء عن عمر أنه جعلها في صنف (4) واحد مع هؤلاء، وجماعة من المسلمين لا ينكرون ذلك ولا يغيرونه (5). وأما ما ذكرتم هل لمن جمعه من أمناء المسلمين الذين بين أظهر (6) قومنا سهم أو كراً .. أو ليس لهم سهم ولا كراً، إلا أن يكون فقيراً فليأكل بالمعروف على نحو ما يأخذ غيره من الفقراء، ليس له غير ذلك وله أجر ما نوى (7) وقام (8) وعنى
المسلمين.
(9) لضعفاء
وأما ما ذكرتم من إمام المسلمين إذا لم يملك بلداً هل لمن بها من المسلمين أن يبعثوا
بعشورهم إليه؟
عليهم
فليس لهم ذلك ولا له عليهم ولا يجزئ عنهم ما أدوا إليه من ذلك ما لم يجر، ويمنعهم (10) من عدوهم القاهر عليهم الحاكم عليهم بغير ما أنزل الله
حكمه.
وأما ما ذكرتم هل يجوز أن يكرى عليه في جمعه، فجمعه على أصحاب الزرع حتى يوصلوا زكاتهم إلى أمنائهم (11)، ومن أدى (12) منه الكراء كان عليه غرم حتى يرده ولا يطعم منه الأجير إلا بحساب.
وأما ما ذكرتم من العشور وغيره من الزكاة يجمع في يد أمين القوم برأيهم ثم
يصيبه أمر فيذهب
(1) في أورسوله والتصحيح من ب.
(2) (عليه السلام) ساقطة من أوهى من ب (م) وبه أخذنا.
(3) في ألمن والتصحيح من ب.
(5) إجماع سكوني.
(4) في الصنف.
(6) في ب أظهر بالضاد، والتصحيح من أ.
(12) في أ أدا بالألف، وكذلك في ب.
(7) في ب نوا بالألف الممدودة، والتصحيح من أ. (8) في أ وأقام والتصحيح من ب. (9) في ب وعنا بالألف الممدودة، والتصحيح من أ. (10) في أو منعهم. (11) في أإمامهم، والتصحيح من ب.
011 (1/518)
صفحة 496
فإن على (1) الذين أدوه (2) أن يؤدوه ثانية، وما ذهب فهو من رؤوس (3) أموالهم، فإن كتمهم الأمين ذلك فعلى الأمين ضمان ذلك
وأما ما ذكرتم من رجل يكون له زرع في قرى (4) مفترقة، فإن عليه أن يؤدى عشور كل قرية في موضعها، فإن جمع في قرية فليتوخ (5) على ذلك فيعطى أهل (6) كل قرية على قدر (7) ما يرى
(^)
من عشورهم.
وأما ما ذكرتم هل للقرابة في الزكاة من فضل؟
فقد بينا في أول كتابنا أن ذلك ليس لذى قرابة فضل على غيرهم من المسلمين.
(11)
وأما قولكم هل لأهل الفضل في الدين في الزكاة من فضل يختصون به. فأما أبو بكر (9) رضي الله عنه فقد (10) ساوي بين الناس وأعطاهم على قدر فقرهم وثقلة عيالهم، وأما عمر رحمة الله عليه فقد فضل أهل الفضل والسابقة في الإسلام وأهل النكاية، وكل ذي فضل من فضله وهو أحب إلينا وبه
نأخذ.
(12)
في الدين والفقه
وأما ما ذكرتم من رجل يأتى من بلد قاصداً إلى القوم في عشورهم وزكاتهم. فقد بينا ذلك في أول كتابنا له سهم مثل من حضر من أهل البلد على نحو ما وصفنا (13)
إليه.
وأما ما ذكرتم في قولكم في الغائب .. فلا يحبس له ولا ينتظر (14) به ولا يبعث
(1) في أ (على) ساقطة.
(2) في أ أدوهم، وكذلك في ب، والا،، والصحيح ما أثبتنا. (3) في أرؤس، وكذلك في ب، والصحيح ما أثبتنا.
(4) في أقرأ، وكذلك في ب، والصحيح ما أثبتنا. (5) في أفليتوخى، وكذلك في ب، والصحيح ما أثبتنا. (6) (هل) ساقطة من ب. (8) في أبرا.
(10) في أ - ب قد، والصحيح ما أثبت (11) في أساوا وكذلك في ب والصحيح ما أثبتنا.
(12) في ب زيادة في الفصل).
(14) في ب (ينتظر) بالضاد والصحيح في أ.
(7) (قدر) ساقطة من ب. (9) في أ أبى.
(13) في أ وضعت.
519 (1/519)
صفحة 497
وأما ما ذكرتم من المجيب وماله من الحقوق؟
صلاحه (4)
(1)
فحقه أول ما يعطى يرضخ له شيء (1) ولا يلحق بالفقراء وإن تمادى (2) وظهر (3)، ثم أدرك الحقوق سنة أخرى (5) ألحق بأصحابه على قدر فقره، وإن نكث حتى إذا حضرت الحقوق رجع لم يعط (7) شيئاً، فإن (8) أنس منه رشد بعد سنة أخرى فله حق كحق مثله. إن كان قبوله (9) للدعوة ودخوله فيها قبل أن يحضر الحقوق وقبل أن تطلع، ثم حضرت فحقه كحق الفقراء على قدر فقره. وأما ما ذكرتم من الوالدين هل لهم في عشور أولادهم شيء (10) في جماعة أو فرادي (11)؟
أما في الجماعة فالجماعة تعطيهم من الجملة. وأما فرادى (12) فلا يحق (13) لهم أخذه ولا يجزى عن أولادهم إذا أعطوهم.
وأما ما ذكرتم عن كم يستغنى (14) المسلم والمسلمة فلا يأخذون الزكاة؟ يغنيهم من ذلك قوت كل واحد. أما (16) الرجل ففى عياله، وأما
فالذي (15)
المرأة ففي بدنها، وليس الرقيق من العيال والقوت ما يكفيه من الطعام والإدام (17) والكسوة، وربما (18) كانت (19) الدابة من القوت وذلك فى أهل العمود (20) الذين لا قوام لهم إلا بالدابة والدابة لها أولى (21)، وإذا كان عليه دين أعطى من القوت
استغناء فقراء المحلة ما يؤدى
(22)
بعد
به دينه، وإن كان إذا أخذ لم يؤد الدين غير أنه يجعل:
(1) في أ ـ ب شيئاً، والتصحيح ما أثبتنا. (2) في ب (تمادا).
(3) في ب وظهر.
(6) في ب ورجع.
(8) في أ (الواو) ساقطة.
(4) في أإصلاحه. (ه) في ب (أخرى)، والتصحيح من أ. (7) في أبعض، وفي ب (يعطا) بالألف.
(9) في أقوله. (10) في أ ـ ب شيئاً، والصحيح ما أثبتنا.
(11) في ب (أفراداً) بالألف ممدودة. (12) في ب (فرادا) بألف ممدودة.
(13) في ب (فلاحق)، والتصحيح في أ. (14) في أيستغنا.
(15) في أ ـ ب والذي، و،، والصحيح ما أثبتنا. (16) في أ ـ ب وأما، والصحيح ما أثبتنا.
(17) الإدام ما يؤتدم به مائعا كان أو جامدا - المصباح المنير: 9. (18) في أ ـ ب فربما، والصحيح ما أثبتنا. (19) في أب كان، والصحيح ما أثبتنا. (20) أهل العمود أهل الأخبية وهم البدو. المصباح: 429. (21) في أ ـ ب أولا، والصحيح ما أثبتنا. (22) في أما يواد، وفى ب يودا بالألف الممدودة، والا ة، والصحيح ما أثبتنا.
020 (1/520)
صفحة 498
ذلك سبباً لأكل الزكاة (1) لم يعط شيئاً غير القوت (2)، والقوت ما ذكرت لك. أما ما ذكرتم من رجلين أحدهما يقدر على التجارة ويعيش بوجهه،، والآخر لا يقدر عليها ولا يعطى بلا ريب، وهما في الفقر سواء؟
(3)
فإن أخذهما من بيت المال على قدر ما ترى (4) الجماعة من العيال والفقر، لا يضر هذا تجارته (5) ولا ينفع. هذا بتصغير نفسه.
وأما ما ذكرتم من رجل يعطى المساكين (6) قومنا سبولاً أو طعاماً هل يحسبه على نفسه ويؤدى عشوراً ويحسبه في عشوره أو يحطه (7) من جملته ولا يعطى عشوره؟ ذكر بعض أصحابنا أنه ليس عليه عشور غير أنه لا يحسبه في عشوره، والله أعلم أنه كذلك أم لا؟ وذلك أني أرى المنافق يضر بأهل الدين إذا كان الأمر هكذا (8)، وأرى أن مضى صاحب الزرع بزرعه لم يؤد (9) عشوره إذا صار كله إلى ما ذكرت، فإذا كان لا يجوز في الكل فالبعض من الكل، وهذا الحق فيما نرى والله أعلم.
من
جملة (13) ما أخرجت الأرض شيئاً ويغرمه
وأما ما ذكرتم من الرجل يكرى على جمع زرعه بطعام أو بسبل (10) أو بدراهم (11)، هل يحط ذلك الكرا من جملة زرعه ثم يؤدى العشر بعد ذلك؟ فالقول (12) في ذلك: أنه لا. يحط من صلب ماله، وذلك أن العشرلم يقع على الأرض كوقوعه على القابض، ألا ترى أن الناض قد يكسبه الرجل أربعين مثقالاً وعليه فيها دين فلا يؤدى الزكاة في قول أصحابنا إلا بإذن الغريم، يستأذنه ويحاسب الغريم بها، أو يؤدى صاحب المال عنها (14)،
(1) في ب (اليدام) والتصحيح من أ. (3) في ب (ولا يعطى بلا ريب) والتصحيح في أ.
(5) في ب بتجارة.
(7) في أ يجعله، والتصحيح من ب.
(9) في أيؤدى.
(11) في ب أو دراهم.
(13) في ب (جملته ما) والتصحيح من أ.
(2) في أسبيلا إلى الزكاة والتصحيح من ب.
(4) في أترا وكذلك في ب (6) في أ المساكن.
(8) في ب هكذا الأمر.
(10) السبل هو سنبل الزرع، المصباح المنير (12) في أب والقول الصحيح ما أثبتنا.
0265:
(14) في أعليها وفي ب ساقطة، والصحيح ما أثبتنا.
021 (1/521)
صفحة 499
وهو في (1) قول العامة لا زكاة عليه فيها، وزكاته على صاحب المال إذا قبضها (2)، وإن كان لم يماطله (3) بها إلا أنه أذن له فى حبسها فعليه زكاتها مع جميع ماله، فهو في إجماع الأمة إذا أصاب خمسة أوسق (4) فعليه عشرها (5)، وإن كان عليه عشرة دين لم يجزه (7) إلا أداء العشر قبل، وليس للدين فيها شيء ولا عليه في
أوسق (7)
العشور سبيل حياً كان أو ميتاً فأصلهما مختلف فافهموا واحمدوا الله وذكرتم رجلاً (8) له رقيق (9) ورجلاً (10) له رباع، ورجلاً (11) له ماشية (12)،
ورجلاً (13) له طعام، هل يعطون من الزكاة شيئاً؟
فالقول في ذلك: إن كانت الماشية إنما يعيش بفضلها فإذا باع الفضل لم يضر معيشته بيع الفضل لم يعط (14)، وكذلك إن كان له من الرقيق ما يستغنى به عن خدمتهم، وكان إنما يتخذهم ليستعملهم باع فضل ما يخدمه ولم يعط، وأما الرباع فمن حضر من المسلمين ينظرون في ذلك، لأن الرباع ربما كان وإن كثر (15) لا يغنى صاحبه عن أخذ الزكاة وليس هو مثل صاحب الرقيق والماشية. وأما ما ذكرتم من الوالد له أخ أو ولد غنى هل يعطون من الزكاة؟
فالقول في ذلك: أنه إذا كان أبوه غنياً أعطى ولا ينظر (16) إلى غنى (17) أبيه، وأما إذا كان ولده غنياً وكان يحمله لم يعط، وإن كان (18) الولد لا يحمله، وكانت أحكام الإمام ظاهرة يحكم عليه بالسنة لم يعط (19)، وإن كان في دار تعطل فيها الأحكام وكان الولد عاصياً لم يقم بحق الوالدين أعطى الوالدان (20) بجملة المسلمين ولم ينظروا (21) إلى غنى (22) ولده، وهذا بمنزلة رجل غنى حيل (23) بينه و بين ماله
(1) في ب (في) ساقطة، والصحيح ما أثبتنا.
(2) في ب (قبضة) ساقطة، والصحيح ما أثبتنا.
(3) المماطلة هي: التسويف فى الشيء وهو الوعد وعدم الوفاء. المصباح: 575.
(4، 6) في ب أو ساق.
(7) في أ ــ ب يجزيه، والصحيح ما أثبتنا.
(5) في أ ــ ب عشره.
(8، 10، 11، 13) في ب رجل، والتصحيح من أ.
(9) المقصود بالرقيق هم المماليك ويقال في جمعها أرقاء وتدل على الجمع ولو لم تجمع.
(14) في أ ـ ب بم يعطى، والصحيح ما أثبتنا.
(12) الماشية هي الأنعام بجميع أصنافها.
(15) وإن ساقطة من ب.
(17) في أغنا. (19) في أ يعطى.
(21) في ب ولا ينظر.
(22) في أغنا.
(16) في أينضر.
(18) كان ساقطة من ب.
(20) في أ ــب الوالدين، والصحيح ما أثبتنا.
(23) في أحيل، والصحيح من ب. (1/522)
صفحة 500
في بلد لا يقدر عليه، وأما الأخ الغنى فلا يحرم أخاه الأخذ
أما ما ذكرتم ممن أقر بالدعوة (1) وهو يخلط (2)؟ فإن كان تخليطه هذا مما يبرأ منه لم يعط، وإن كان يجهل أمره حتى يوقف فيه وقف في عطيته وسبيل أطفاله كسبيله. أما ما ذكرتم من الرجل (3) يكون عارفاً بالدعوة فقيهاً مشهوراً بالفقه والصلاح ثم مال إلى غير ذلك لإصابة دنيا بذلت (4) له، أو رجاها والترايس فيمن مال إليهم وائتموا به، ثم تقدم في أهل الدعوة الذين رجع إليهم ومال إليهم، ثم ندم ورجع إلى (5) المسلمين باعتراف واعتلال وقلتم: هل يجب على المسلمين قبوله وإظهار الحرمة له في الظاهر وإعطاء الحقوق له وإثبات الحرمة كالأول (6)؟
وبين
القول في ذلك: أن الوجب عليهم قبوله وإظهار الحرمة له في الظاهر
بينه من الله
-وهو عندهم - في الحقيقة - ظنين ما عاش ولا يعطى من الحقوق شيئاً وتوبته فيما (7)، فإن حذر (8) المسلمون بأسه وكان ممن يدخل الوهن على الضعفاء المسلمين في خلافة لشبهة أو لغير (9) ذلك، نظر المسلمون فيه فإن رأوا أن يعطوا له شيئاً. من صلب أموالهم، ويرون (10) ذلك من زكاتهم فى جملتهم (11) فعلوا، وإن رأوا مباعدته فعلوا، وإلطافه خير من مباعدته.
وأما ما ذكرتم من رجل من أهل الدعوة لم يحضر لعشوره جماعة وهو يفرقه، أو يقول نفرقه ولم يطلع المسلمين على ذلك ولم يتقول في الدعوة، ولم يدع (12) أهل
الخلافات (13)؟
فالقول في ذلك: أن يعطى (14) إذا كان فقيراً.
وأما ما ذكرتم من رجل يعطى (15) عشوره لبعض فقراء المسلمين ويمنع بعضاً،
(1) في أ ــ ب بدعوة. (3) في أ (رجل).
(2) التخليط في الأمور هو ضم الحسن إلى السيئ.
(4) في ب (بدت).
(5) إلى ساقطة من ب، ولعله يقصد الترؤس من الرئاسة.
(6) في أ ـ ب كأول.
(8) في أ ــ ب حذروا.
(10) في أويرونه. (12) في أ ــ ب يدعى.
(14) في أيعطا.
(7) فيما ساقطة من أ.
(9) في ب غير. (11) في ب جماعتهم.
(13) في ب الخلافة. (15) في أيعطا. (1/523)
صفحة 501
ويمتنع من الجماعة لا يجامعها (1) بعشوره (2)، ولا يجتمع (3) بزكاته، ثم افتقر وتيسر
الذين كان يمنعهم فهل ترى (4) لهم أن يمنعوه مثل ما حرمهم (5)؟
فالقول في ذلك: أنك تعطى (6) لمن منعك، ولا يجب على من حرمه الحرمان، فالعمل في ذلك أن تكافئ من عصى الله فيك بطاعة الله فيه وهو أن تعطى لمن منعك
وأما ما ذكرتم من الظنين (7) هل يعطى (8)؟
فالقول في ذلك: أنه يعطى (9) بقدر، ما لم يظهر منه ما يبرأ المسلمون منه وأما ما ذكرتم من رجلين أصاب أحدهما زرعاً والآخر لم يصب شيئاً، وهما في الحاجة سواء أو متفاضلين فقلتم كيف يعطون؟
ذكر بعض أصحابنا أنه ينظر إلى (10) الذي أصاب الزرع كم هو؟ فيحسب ببعض عياله فيجعل في قوتهم، فإن كان فيه قوت واحد (11) أو اثنين حط من عياله، فيعطى مع صاحبه (12) الذى لم يصب شيئاً بالسواء، وما بقى على قدر العيال والحاجة، وزعم بعض أصحابنا أنه يحاسب الذى أصاب بجملته ويعطى للذي لم يصب مثله ويقسم عليهم ما تبقى بالسواء. وقال بعض: يرد ذلك إلى الذين يحضرون (13) ذلك الأمر في كل زمان ويجتهدون رأيهم (14) في العدل لفقرائهم، ثم ينفذون ذلك على ما رأوا وبالله التوفيق.
امرأة تلعب بالدف (15) ويحضرها رجال، وتظهر ذلك
وأما ما سألتم. عنه من ولا تستتر وهي شابة أو ذات سن؟
فالقول في ذلك: أنها من أهل الظنة ولا تعطى إذا كانت هذه.
متبرجة.
(1) في ب لا يجامعهم.
(2) في ب لعشوره.
(3) في ب ولا يجمع.
(4) في أهل ترا.
(5) في أ ــ ب حرم لهم. . (6) إنك ساقضة من أ.
(7) الظنين هو المتهم في دينه. المصباح المنير: 387.
(8) في أ ــ ب يعطا.
(10) في ب للذي.
(9) في أ ــ ب يعطا.
(11) في ب قوتاً واحداً. .
(12) في أ ـ ب أصحابه. (13) في ب لم يحضرون.
(14) في أ برأيهم، والتصحيح في ب.
(15) الدف هو الشيء الذي تلعب به: المصباح المنير: 197.
524 (1/524)
صفحة 502
أما ما سألتم.
عنه من النائحة (1) المعلنة والنائحة على ميتها هل يعطيان؟ فالنائحة المعلنة المؤذية لا تعطى إذا نهيت وعرفت عن خطئها فلم تنته، أما التي تنوح على ميتها فتنهى عن ذلك غير أنها تعطى.
وأما ما ذكرتم عن (2) رجل كان (3) على خلاف، وكان يفرق عشوره ثم رجع إلى المسلمين، قلتم هل يلزمه ما كان أداه أن يؤديه ثانية من الحقوق؟
فإننا لا نرى (4) عليه رد ذلك، وأما المسلم الذي أعطى عشوره أهل الخلاف بجهل وبعلم، فأرى أن يؤديه ثانية ولا يجزى عنه ما كان أدى (5)، وإن رجع عن أهل الإسلام إلى أهل الخلاف ثم أدى فيهم ورجع إلى الحق فأراه غارماً ما كان أداه في خلافه بعد (6) الإسلام، وأما ما أخذ ولاة قومنا فإن ذلك لا يجزيه ولا يحاسب بشيء من ذلك.
وأما ما ذكرتم من جماعة المسلمين يرون أن يحبسوا شيئاً من عشورهم لرأى رأوه؟.
فالقول في ذلك: إذا كان حبسه لا لغائب ولا لحيف فجائز لهم حبسه حتى ينفذوا رأيهم فيه (7).
وأما ما سألتم عنه من شريك يقول: لا أؤدى ويقول الآخر: لا أؤدى (8) لمن تؤدى أنت إليه، أو يقول: نؤدى ولا يذكر أحداً (9)، وقلتم: هل يحسب على الشريك الآخر غرم سهمه إذا لم يؤد؟.
فالقول في ذلك: أنه قال: نؤدى إلى غير من تؤدى أنت إليه (10)، أو قال: نؤدى ولم يذكر شيئاً أنه يجزى شريكه ذلك ويبرأ من (11) ضمانه، وإن قال: لا
(1) النائحة هي التي تبكي باستمرار على ميتها: المصباح: 629.
(2) في ب من.
(4) في أنرا.
(6) في أخلاف أهل الإسلام، والتصحيح من ب.
(7) في ب فيه رأيهم.
(9) في ب أحد.
(3) كان ساقطة من ب.
(ه) في أ أدا.
(8) في أ أو يقول لا يؤدى.
(10) تؤدى إلى غير من تودى أنت إليه.
(11) في ب ويبراً.
525 (1/525)
صفحة 503
يؤدى فالشريك ضامن ذلك ويؤدى من ماله للفقراء مثله، وفيه قول آخر (1): إنه لا ضمان عليه ولا يلزمه فرض فيما ليس له لأن كل واحد منهما (2) قد بان (3) سهمه عن صاحبه وبه نأخذ إن شاء الله
سهم
وأما ما ذكرتم من رجل (4) يرفع من أحد هذه الأنواع الأربعة ما يجب فيه العشر، ولا يرفع من النوع الآخر ما يجب فيه العشر هل يحس عليه في النوع الآخر أن يؤدى
منه؟.
ففى ذلك قولان، ورأى (5) أصحابنا وبعض الفقهاء أن يؤدى من كل ما أنبتت الأرض عشره (6)، قليلاً كان أم كثيراً من جميع أنواعه، وهو رأى وبه نأخذ، وقال بعضهم: إنه لا يؤدى من شيء (7) من الحبوب والزبيب والتمر (8) إلا ما فيه خمسة أوسق (9)، وكل نوع لم يدرك خمسة أوسق (10) لم يؤد منه شيئاً.
وأما ما ذكرتم من رجل قذف (11) بالزنا واللواطة فعل أو فعل به، أو قذف بهيمة وقلتم هل يعطى من الزكاة شيئاً؟
القول في ذلك: إنه (12) لا يعطى وهو مضل (13) ويفسق حتى يتوب وأما ما ذكرتم من رجل فسق مسلماً أو لعنه أو ضلله أو قال له: يا عدو الله. أو قال ذلك المخالف هل يعطى من الزكاة شيئاً؟
القول في ذلك: إن قال ذلك المسلم يضل به ويحرم من الزكاة، فإن قال ذلك لمخالف فالقول (14) ما قال.
وأما ما ذكرتم من رجل قال المسلم يا كلب: أو خنزير، أو يا نجس، أو جيفة،
(1) في ب قولا آخر.
(3) في ب (ضامن بسهمه).
(5) في ب (جواب).
(7) في ب (شيئا).
(2) في أمنهم.
(4) في أ (يرفع)، والتصحيح من ب. (6) عشره ساقطة من أ.
(8) الزبيب والتمر ساقطة من ب.
(9، 10) في ب أو ساق. الوسق مستوى صاعا، والصاع ثمانية أرطال، فمجموع ما تجب فيه الزكاة ثلاثمائة صاع.
(11) القذف هو: رمى الغير بفاحشة الزنا والعياذ بالله.
(12) إنه ساقطة من أ.
(14) الفاء ساقطة من ب.
(13) في ب يضل.
526 (1/526)
صفحة 504
والذي ذكرتم من رجل قال لرجل: يا خبيث و يا خشکنان (1)، ويا نار، ويا قواد،
و يا جهنم
فجملة ذلك أن يقال فيه مثل ما قال للمسلم؟
وأما (2) ما ذكرتم من رجل قال المسلم: يا خائن و يا كذاب (3) ويا مرائى هل يعطى من الحقوق؟
فالقول في ذلك عنده: أنه لا يحرم لقوله المسلم يا خائن ويا كذاب، وأما يا مرائى فإنه يضل به ويمنع من الحقوق حتى يتوب
وأما ما سألتم عنه من الشهادة بالزور في (4) الفلس وما دونه عند الحاكم وعند أخذ الحقوق بين المسلمين؟
فإن الشهادة عندنا بالزور في القليل والكثير سواء، يضل بذلك عندنا ويفسق ويمنع من الحقوق حتى يتوب
عنه من
وأما ما سألتم. المسلم يأتى إلى أخيه فيسأله أن يشهد له على رجل بأن عليه حقاً قليلاً كان أم كثيراً، ويحلف له على ذلك أنه محق بثقته لصاحبه وهو عنده من أهل الفضل في الدين. القول في ذلك: أنه يضل ويفسق ويبرأ منه ويمنع من الحقوق وهذه شهادة الزور
بعينها
وأما ما ذكرتم من رجلين ادعى (5) بعضهم على بعض وتجاحداً (6)، أو يدعى ويجحد الآخر ثم تحالفا جميعاً أن كل واحد منهما (7) محق، هل يعطيان من
أحدهما
الحقوق شيئاً؟
القول في ذلك: أنهما يعطيان.
(1) هذه اللفظة غير عربية، ولعل المقصود بها الشتم. (2) في أزيادة (ما قال).
(3) وأما ساقطة من ب.
(4) شهادة الزور، هى الشهادة بغير حق، وهى من الكبائر الموبقة وقد قرنها الرسول مع الهلال بالشرك، والسحر وقتل النفس وغيرها من الكبائر (الحديث عن شهادة الزور وأنها تعادل الإشراك بالله ثلاثاً: أخرجه أبو داود: كتاب
الأقضية ـ باب شهادة الزور: 305/ 3).
(ه) في أ ادعا و ا وبعضهم هكذا في الأصل.
(7) في ب زيادة (أنه).
(6) في أ ـ ب وتجاحدوا.
027 (1/527)
صفحة 505
وأما ما ذكرتم من رجل يشهد وحده على مسلم فيما يضل به المشهود عليه هل يعطى (1) الشاهد والمشهود عليه؟
فالقول في ذلك: أنه إذا كانت الشهادة في القذف، والقذف ما ذكرت لك قبل هذه المسألة أحرم هو وأعطى المشهود عليه، وإن كان شهادة من غير هذا الوجه لم يحرما جميعاً.
وأما ما سألتم من رجل شرب النبيذ حتى سكر أو غيره من الأشربه المختمرة (2)، فسكر منها هل يعطى (3)؟ فالقبول في ذلك: أن كل من سكر من هذه الأنبذة لم يعط وهو فاسق حتى
يتوب
وأما ما ذكرتم من رجل من المسلمين كان يستطيع الحج ففرط حتى افتقر هل يعطى (4)؟
فالقول في ذلك: أنه يعطى ولا يحرم بهذا
وأما ما قلتم من مسلمة تكون (5) تحت مخالف فقير هل تعطى؟
فالقول في ذلك: أنها تعطى (6) ويوفى عليها
وأما ما ذكرتم من امرأة أعجمية اللسان لا تفقه العربية، ولا تقرأ ولا تعلم ورجل (7) مثلها أجابا الذي يميزون شيئاً هل يعطيان شيئاً؟
فالقول في ذلك: أنهما يعطيان على قدر فقرهما، إن كان جهلهما بالعلم للبلادة، أو غير ذلك، وإن كان للتضييع لم يعطوا.
،
(^)
وأما ما ذكرتم من الأمين (9) يجمع الطعام في مواضع شتى (10)، فيعطى الفقراء
(1) في أبعطا. (3) في أ (بعطا).
(5) في ب تكون ساقطة.
(7) في أرجلا.
(9) في أزيادة هل.
(2) في ب (المحترمة).
(4) في أ (بعطا). (6) في أتعطا. (8) في ب لتعليم. (10) في أ الطعام.
528 (1/528)
صفحة 506
من موضع آخر أترى (1) له ذلك وترى (2) لمن جاء معهم الشراك في عطية الكل؟ فالقول في ذلك: أنهم أشراك في الآخر وإن كانت في مواضع متفرقة، وكذلك إذا كانت أمناء ثم اتفقت الجماعة على ذلك فهم شركاء في الآخر، ليس لهم شرك (3) فيما تلف من بعض البيوت، وإذا عرف من ذلك كان على صاحبه رد
مثله
(4)
وأما ما ذكرتم من أمين القوم يجمع الطعام فيفرق بعضه قبل أن يجمع الطعام، ثم يجمع فيصب عليه شيء آخر فيفرقه في ذلك السبيل؟
فالقول فى ذلك: أنه جايز له أن يفعل ذلك، وإن كان له موضع لم يطلع عليه الفقراء ولا ابن السبيل فأحب ذلك إلى أن يجمع في مكان كما ذكرت لك برأى الجماعة، وإن احتمل ذلك كان يخرج على من معه في الرأي والنظرجاز تفريقه وحده إذا اجتهد وعدل (5)، ولم يخف الزلل والجماعة أحب إلى.
وأما ما ذكرتم من رجل يأمره الأمين أن يعطى عشوره كله (6) لابن السبيل أو المسلمين، أترى (8) له جايزاً وترى (9) الذي أعطاه شريك الجماعة؟
لغيره) من
فأنا (10) نرى ذلك وهو حسن جميل جايز
وأما ما ذكرتم من رجل أرى (11) الجماعة حرمة رجل والأمين يحرم رجلاً من غير ريبة ظاهرة، أترى (12) له أن يعطى له عشوره؟
فالرأى إذا كان ذلك من رأى الجماعة بعد اجتهاد حرموا قرابته أو غير قرابته، فلا أرى (13) له مخالفة الجماعة لعدل رأوه، لأن الجماعة بذلك أمرت وبذلك قامت السنة فلا أرى (14) له مخالفة السنة، وإن غلطت الجماعة في قرابته (15) أو غير قرابته (16)
(1) في أأترا. (4) في أعشرة.
(2) في أوترا.
(3) في ب هم شركاء.
(5) الواو ساقطة من ب.
(7) في ب أو غيره.
(8) في أترا.
(10) في أ أنا.
(11) في أأرا.
(6) في ب عشره. (9) في أ جائز. (12) في أ أترا.
(13، 14) في أأرا.
(15، 16) في أقربتهما، والتصحيح من ب.
529 (1/529)
صفحة 507
ناظرهم، فإن كان القول قوله رجعوا إليه، وإن كان الأمر كما رأوا فليس (1) له أن ينازعهم، وإن كان لنسيان ألحقوه بالعطية
وأما ما ذكرتم. من (2) أطفال فى حجر المسلم (3) وهو خليفتهم أو غير خليفتهم، أترى (4) له أن يزكى عنهم؟
فأما أصحابنا فيأمرون الخليفة أن يزكي عنهم، يروون ذلك عن عائشة، وعن (0)
عمر بن الخطاب رحمة الله عليه (6)، وعن على بن أبى طالب، وعن جابر بن زيد، (7) فقهائنا على ذلك، وزعم بعض أهل العلم أنه لا زكاة على طفل حتى يبلغ، وجميع واحتج الذين قالوا: على اليتيم الزكاة بقول عمر، وعلى وعائشة، واحتج الذين قالوا: لا زكاة على طفل حتى يبلغ - وهذا في العين نفسه. عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وبالكتاب نصاً قال الله عز وجل (9): خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كه (10)
والتطهير إنما يكون من الذنوب، ويكون أيضاً على التقرب ولا ذنب على طفل
ولا تقرب منه، وأما غير الخليفة فلا يزكي عنهم شيئاً من العين نفسه.
وأما ما ذكرتم من الزكاة هل يبنى بها المسجد (11) إذا استغنى (12) عنها (13) الفقراء (14)، أو داراً للحرب أو إصلاح طريق (15)، أو غزاة، أو ما أشبه ذلك مما يراه الإمام والمسلمون، أو داراً يملكها الإمام والمسلمون (16)؟
فالقول في ذلك: أنه لا يحل بناء المسجد من الزكاة، لأنها لا تنصرف مصرفاً
عما سمى (17) الله به نصاً مما أمر إليه (18)، وإنما سبب توجيهها من الله وفرضها لتقوية الفقراء لا لاتخاذ المساجد وغيرها.
(1) في أ ـ ب ليس.
(4) في أ أترا.
(2) في أ عن، والتصحيح من ب. (3) الواو ساقطة من ب.
(5) عن ساقطة. من ب.
(7) في أ ـ ب وعن جميع. (8) في ب بنفسه.
(10) التوبة: 103.
(13) فى به عنه.
(11) سقطت الواو من أ - ب.
(14) في ب ذكر المسجد بعد الفقراء.
(15) في أ ـ ب الطريق وسقوط الألف من أو. (16) أول دار يملكها الإمام والمسلمون ساقطة من ب. (17) في أسما وفي ب سمها.
(6) رحمة الله عليه ساقصة
(9) لفظ الجلاله ساقط من أ.
(12) في أ استغنا.
(18) إليه ساقطة من ب.
530 (1/530)
صفحة 508
تمت
، رسالة الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة
رحمة الله عليه ومغفرته ورضوانه (1)، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً آمين.
المطلب الثالث: دراسة الرسالة:
تحتوى الرسالة على ثمان وأربعين مسألة موزعة على ثلاثة أنواع: ففيما تجب فيه الزكاة خمس مسائل فقط وفي جمعها ست مسائل وبقية المسائل وهى سبع وثلاثون فيمن تعطى له الزكاة.
وكما رأينا فإن معظم المسائل تدور حول من تعطى له الزكاة، فكان يفضل إعطاءها للفقراء في المقام الأول ولا يرى أن الأصناف الثمانية ذكرت لبيان الاستحقاق على الفرض وإنما لأجل بيان الجواز فقط، وقد احتج على ذلك بفعل الصحابة رضوان الله عليهم في إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم.
ويرى أن جباة الزكاة ليس لهم إلا غناؤهم لأجل قوتهم ولدوابهم فقط، وأما بعد جمعها فليس لهم شيء ولا يحابى بها القرابة، بل أفضل الوجوه لها هم الفقراء وأهل
الفضل في الدين، وأن الإمام لا يجوز له أن يجبى بلدا وهو لا يستطيع حمايتها.
كما أنه لا أن لا على الفرض، وعن ذهاب الزكاة بالجوائح أن على أصحابها غرمها مرة أخرى لأنها
منها بناء على أن التقسيم لأجل بيان الجواز يترك للغائب سهم يجيز
لم تصل مستحقيها.
-
وأن الغناء هو قوت الرجل فى أهله وعياله ويعطى المدين لوفاء دينه في رأيه ـ لأنه من الغارمين، وعن زكاة المدين إذا كان عليه دين وعنده مال تجب فيه الزكاة أنه يستأذن الغريم فيؤدى الزكاة عن الدين بإذنه.
(1) في ب رحمه الله ورضى عنه، وبعدها على يد العبد الفقير إلى الله في جميع حركة ركاته وسكناته عبد السلام بن عبد الرحمن النجار، تاب الله عنه وغفر له ذنوبه وحسن عواقبه، وكان الفراغ عشية الثلاثاء لأربعة عشر يوماً خلون من ذى الحجة، من سنة سبعة ومائتين وألف هجرية، قال ناسخها، ووجدت هذه الرسالة المباركة ومعها ذكر مسائل الحيض وتلخيصها مرتباً بعدها في رق قديم بخط عجيب، وتاريخه مذكور فيه نصه تمت الرسالة المباركة بتاريخ وذكر فيها أن هذه الرسالة بعثها الشيخ رحمه الله إلى إسماعيل بن سليمان المغربي ومن بحضرته من أصحابنا رحمهم الله جواباً لهم عن أسئلة.
031 (1/531)
صفحة 509
وإذا كان الرجل غنيا فحرم من الزكاة فافتقر ثم استغنى الذي كان يمنعه الزكاة فيجب له أن يعطيه من الزكاة وأن لا يعامله بحرمانه له سابقا.
وفى أهل المعاصى هل يعطون فأجاب بأنهم لا يعطون، لجماعة المسلمين أن يجمعوا ويدخروا شيئا لإعزاز الدين ومصلحة المسلمين عامة فهم أولى بنظر الصلاح. ويعطى الفقير البليد ولو كان أعجميا لأن استحقاقه الزكاة وجب بصفة الفقر، أما إذا كان مضيعا في طلبه العلم فلا يعطى، وقد أوجب الزكاة في مال اليتم لأن الزكاة في رأيه شريك في المال، وهو رأى كثير من الفقهاء وسيأتي بيانه، ولا يجوز أن تدفع الزكاة لبناء مسجد وغيره لأن ذلك خارج عن نطاق الأصناف الثمانية الذين يجوز لهم أخذها، فهي لا تدخل في سبيل الله المذكور في الآية الكريمة، ولعله يؤوله بالجهاد في سبيل الله فقط.
وقد تكررت كلمة الأمين والأمناء في الرسالة كثيرا، وذلك لأن جابي الزكاة وموزعها على مستحقيها يجب أن تتوفر فيه الأمانة عنده. واستدل في الرسالة على
كثير من المسائل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم.
وإليكم دراسة المسائل في جزء مستقل عن التحقيق، وذلك لغرض إفرادها وفرزها وإخراج النصوص حسب الاستطاعة إن شاء الله وليتم بحث المسائل على نطاق أوسع لأن إخراج النصوص في الهامش تسير في مسار ضيق وبالله التوفيق.
وسوف نجرى المقارنة بين آراء الإمام أبي عبيدة وبين آراء غيره من الأباضية أو من غيرهم حسب الإمكان، وقد تدخل المسائل المتكررة في بعضها البعض.
المسألة الأولى: في جمع الزكاة:
يرى الإمام أبو عبيدة أن أهل البلد الذين تجب عليهم الزكاة يلزمهم أن يوكلوا الجمع عشورهم رجالا أمناء من قبلهم حتى تجمع في مكان واحد (1)، وقال في موضع آخر: إن جمعه على أصحاب الزرع حتى يوصلوا زكاتهم إلى الإمام، وفي نسخة إلى
(1) انظر ص 514 من هذا البحث، وهذا في غير زمان الإمام العدل وأما في زمانه فعلى الإمام يبعث إليهم الجباه - انظر الإيضاح 2/ 227 - معارج الآمال: 16/ 278 - مواهب الجليل: 2/ 272.
032 (1/532)
صفحة 510
أمنائهم، فإذا أدى منه الكراء فعليه غرمه ولا يطعم الأجير منه إلا بحساب (1)، وذلك أنه أنزل العامل منزلة الأجير، والأجير له بقدر أجرة المثل على عمله، وهذا في زمان الإمام بمعنى أن من يعينه الإمام لجمع الزكاة فله بقدر عمله، وأما في غير زمان الإمام فلا يكرى عليه لأنه يلزم صاحب الزكاة أن يوصلها إلى صاحبها (2)، وكذلك عند الحنفية والمالكية وعند الشافعى أن العاملين لهم سهم كامل من الثمانية على سبيل الوجوب (3).
المسألة الثانية: في تفريق الزكاة:
إذا اجتمع المال المخرج للزكاة على يد الأمناء فكيف صفة إخراجه وتوزيعه؟ يقول الإمام أبو عبيدة: ينظر فيه جماعة أهل الصلاح والفضل في الدين، ولا يأثرون به قريبا دون بعيد فيوزعونه على من أمر الله بإعطائه ولا يحضر من يعطى الزكاة ولا من يأخذ (4).
ويقول الإمام أفلح (5) فيما ذكر عند صاحب الإيضاح: إن أربعة يحضرون القسمة وهم الفقراء والمساكين والرقاب، والغارمون، وأما الباقون فيتولى الإمام أخذ أسهمهم (1).
وقال بعض الفقهاء الأباضية: إن العامل يوزع ثلثها على الفقراء بالبلد الذي جبيت منه، ولو كان فى عهد الإمام العدل، ويرجع ثلثيها إلى الإمام إلا إذا احتاج الإمام إليها كلها (7).
حتى
وقال مالك: إذا كان الإمام عدلا مثل عمر بن عبد العزيز فلا يخرج أحد زكاته يأتيه المصدق، فإن أتاه فقال: قد أديتها لم يقبل له قوله وليأخذه بها، وإن كان
(1) الايضاح: 2/ 16 مواهب الجليل جـ 2: 271 الهداية جـ 1: 112 فقه الإمام جابر بن زيد ص 262 مواهب الجليل جـ 2/ 271 الهداية جـ 1: 2 إن المصنف جـ 5: 73 وما بعدها قواعد الإسلام جـ 2: 54 وما بعدها،
(2) معارج الآمال. ال: جـ 16/ 109 - قواعد الإسلام جـ 2: 54 ـ الإيضاح: جـ 2/ 116.
(3) فقه الإمام جابر بن زيد: 262. (4) انظر الصفحة 514 من هذا البحث. (5) هو الإمام أفلح عبدالوهاب الرستمى المنصوب في تيهرت خلفا لوالده عام 190 هـ، في اليوم الذي توفي فيه والده فأحسن السيرة وساد في زمانه الأمن والاستقرار، وتوفى عام 240 هـ، وقيل 250، الأزهار الرياضية: 196/
221
(6) الإيضاح: 117/ 2.
(7) قواعد الإسلام: جـ 54/ 2 منهج ا الطالبين 74.
533 (1/533)
صفحة 511
الإمام.
عير
عدل فليضعها مواضعها إن خفى له ذلك (1).
وعند الحنفية: فإن الأموال الظاهرة حكمها تحت جباية الإمام، وأما الباطنة كالذهب والفضة والحلى وغيرها فهي إلى أصحابها (2).
ويستدلون بقوله تعالى: وخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها (3)، وبفعل النبي صلى الله عليه وسلم في إرسال الجباة إلى الأمصار وبقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (والله لو منعونى عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله له لقاتلتهم عليه وإقرار الصحابة له على ذلك) (4).
المسألة الثالثة: في أي بلد يوزع؟
يرى الإمام أبو عبيدة أن فقراء البلد هم أولى بزكاة أغنياء بلدهم، ولا يوزع في غيرها حتى يستغنوا، فإذا استغنوا وكانت البلاد يسمع بعضها آذان بعض أعطوا، ولا يشرك مع أهل البلد إلا الغارم وابن السبيل، والرقاب إذا حضروا (5)، وهو قول الإمام أفلح فيما حكى عنه صاحب الإيضاح، إلا أنه جعل سهم ابن السبيل مما يعود إلى
الإمام (6).
وحكى صاحب المصنف الخلاف عند الأباضية والمستحب عدم نقلها، قال أبو سعيد: (معنى أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه معنى الاتفاق أنهم يستحبون أن لا تحمل الزكاة من بلد إلى بلد إلا أن يستغنى فقراء ذلك البلد ممن يستحق
عندهم الزكاة) (7).
واحتجوا بأن النبى الله أمر معاذا بأن يأخذها من أغنيائهم ويردها في فقرائهم (8)،
(1) مواهب الجليل: 272/ 2.
(2) الكاساني أبو بكر بن مسعود الكاساني بدائع الصنائع: 2/ 35 - بيروت 82: 1 ط 2.
(3) التوبة: 103.
(4) الإيضاح: 2/ 116 - بدائع الصنائع 2/ 135 الحديث أخرجه البخارى ـ كتاب الزكاة ــ باب وجوب الزكاة: 2/ 216 / 217، أبو داوود: كتاب الزكاة: 93/ 2 - النسائي / باب مانع الزكاة: 5/ 14. (5) انظر (ص) 514 من هذا البحث. (7) المصنف: 6/ 163 - معارج الآمال 306/ 16 - الهداية: جـ 1/ 115. (8) معارج الآمال: 307/ 16 ـ الحديث سبق تخرجه.
(6) الإيضاح: 117/ 2 – القواعد: جـ 2 50/ 56.
534 (1/534)
صفحة 512
ولكن المجيزون يحتجون بنقلها إلى النبي (ع) والخلفاء من بعده من بلدان بعيدة إلى المدينة (1).
وكذلك قال الجمهور: لا تنقل الصدقة من بلد إلى بلد إلا للضرورة، وهى أن لا يجد فقيرا في بلده أو استغنى فقراء البلد من الزكاة ففضل عنهم (2)، ولذلك اشترط الشافعى ابن السبيل أن يكون جار الصدقة خوفا من نقلها بغير ضرورة (3).
المسألة الرابعة: هل ذكر الأصناف في الآية الكريمة على جهة الفرض؟
يقول الإمام أبو عبيدة: إن ذكر الأصناف ليس على سبيل التقسيم بالفريضة، وإنما ذلك لبيان الجواز بالأمر بالإعطاء لهم، والدلالة لمن يعطى وبناء على هذا فإن من حضر منهم أعطى، ومن غاب فلا شيء له، ويترتب عليه أنه لو حضر صنف أو صنفان فإنهم يعطون، فإن فضل عنهم رد عليهم (4).
وخالف الشافعى فقال: إن ذلك على التقسيم فيعطى العامل مثلا الثمن من الزكاة، فإن كان في جزء منه عناء مثله تمم له الباقى حتى يستوفي الثمن، وأما الجمهور فيقولون: بأنها على البيان بجواز الإعطاء لا على فريضة القسم (5).
وحكى الحطاب الإجماع على ذلك (6) إلا إذا حضر جميع ا الأصناف فإنهم يعطون كلهم (7)، ولعل حكايته الإجماع، إنما هو عن المالكية فقط، وذلك لأن هذا هو المالكية والحنفية، وتقدم أن الشافعى يقول: هو على التقسيم بالفرض (8).
قال الحنابلة بقول الجمهور قال ابن تيمية: وإنما سمى
قول
الله الأصناف الثمانية إعلاما
منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها، لا إيجابا لقسمتها بين الأصناف
(1) المرجع السابق والصفحة.
(2) بداية المجتهد جـ 1: 341.
(3) نفس المرجع السابق والصفحة ـ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية مجموع الفتاوى جـ 25 ـ 85 مكتبة المعارف مغرب ــ مواهب الجليل 2/ 350 - 3 ط (أ).
(4) انظر الصفحة 517 من هذا البحث.
(5) الإيضاح: 117/ 2. قواعد الإسلام جـ 56/ 2. فقه الإمام جابر بن زيد: 262/ 263.
(6) مواهب الجليل: 342/ 2.
(7) نفس المرجع والصفحة بدائع الصنائع جـ 2/ 44.
(8) بداية المجتهد جـ 1: 338/ 239 - مواهب الجليل: 2/ 352.
535 (1/535)
صفحة 513
الثماينة، وحكاه عن عمر، وحذيفة، وابن عباس، وعن التابعين، ومنهم أبو العالية، وميمون بن مهران وإبراهيم النخعى. (1) وروى عن قوله: أيما صنف أعطيته أجزاك (2).
كذلك استدل الإمام أبو عبيدة بفعل عمر رضى الله عنه في تفريقه الزكاة في الصنف الواحد والصحابة حضور (3).
المسألة الخامسة: هل للوالي أو الإمام أن يأخذ أكثر من نفقته؟
يرى الإمام أبو عبيدة أن الوالى ليس له من الزكاة إلا نفقته، ونفقة عياله كنفقته قبل أن يتولى أمور المسلين وليس للعاملين إلا مؤنتهم ومنهم الإمام بل هو أفضلهم، احتجاجا بعمل الصحابة عندما استخلف أبو بكر إذ اجتمعوا على أن يفرضوا له شيئا الكسب ففرضوا له بردتين إذا أخلقهما أخذ غيرهما مكانهما، ونفقته على
يغنيه عن
أهله وركوبه للسفر، ولم يعطوه غير ذلك لئلا. بأخذ ما هو أكثر (4). يحتج عليه وكذلك جواب عمر عندما سئل عما يحل له من الفيء حيث قال: (قوت عمر وأهله قوت رجل من قريش، وحلة في الشتاء والصيف، وما أحج به وأعتمر وسهم في المسلمين) (5). كما احتج بكثير من أفعال عمر رضى الله عنه وأقواله.
وكذلك ذكر صاحب الإيضاح ونصه: (ورزق الإمام ورزق عياله من بيت مال المسلمين إذا كان فقيرا، بنظر من المسلمين من أهل العلم والمشورة منهم، وليس في ذلك حد معلوم إلا ما يكفيه) (6). وذلك لأن الإمام من جملة العاملين على الصدقة وإنما لهم بقدر عملهم وعمائهم، فيعطى ما يكفيه لمؤنته لقيامه بأمر المسلمين وانشغاله عن الكسب بأمورهم وقضاء مصالحهم، فالعامل يعطى على قدر مؤنته، وقد اتفقوا على أن أي صنف الأصناف من الثمانية لا يوصل به في العطاء إلى الغني) (7).
(1) مجموعة الفتاوى: 25/ 40 - مواهب الجليل: 352/ 2.
(2) مجموعة الفتاوى: 25/ 40. (4) انظر الصفحة 516 من هذا البحث.
(3) انظر الصفحة 516 من هذا البحث
(5) نفس المرجع السابق والصفحة.
(6) الإيضاح: 2/ 120 - قواعد الإسلام: 2/ 55 - 56. (7) بداية المجتهد جـ 1: 342 وانظر قواعد الإسلام: 2/ 54.
536 (1/536)
صفحة 514
المسألة السادسة: هل حماية البلد من الإمام شرط في أخذ الزكاة؟
يرى الإمام أبو عبيدة أن الإمام إذا لم يملك بلدا فليس لمن بها من المسلمين أن يبعثوا بزكاتهم إليه، ما لم يجر حكمه عليهم ويمنعهم من العدو، أو من الحكم الجائر عليهم، فلو أدوا إليه وهو لم يمنعهم لم يجز عنهم ما أدوه (1).
فالحماية شرط عنده، وكذلك هي عند الجمهور وذلك لأن بذل الزكاة مقابل لحمايتهم من عدوهم قال فى المصنف إن كل بلد استفتحها وملكها وحمى أهلها وجرت أحكامه فيها، فله أن يقبض صدقتها من أهلها، وما لم يكن كذلك فليس ا له أن يقبض صدقتهم) (2). وهذه قاعدة فى جباية الإمام للزكاة فإن الحماية شرط فيها فإذا لم يحمهم يحق له في أخذ الزكاة والجزية، وهذا ما كان العمل عليه في عمان (3). واستدلوا بقول النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديث معقل بن يسار: قال سمعت رسول الله يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة
الجنة) (4).
فلا
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله: ألا) كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن
(1) انظر الصفحة 518 ... ن. هذا البحث واستدل بمقال أبي بكر رواه عن جابر بن زيد في قتاله لأهل الردة ولكنه عقب بأن المنع الذى يجوز القتال لأجله إنما هو عن الإمام المستحق لأخفها، وأما غيره فلا والمستحق هو العادل المانع
للحوزة ـ الجامع الصحيح: 87.
(2) المصنف جـ 10: 143.
جـ 16: 283.
(3) منهج الطالبين 5/ 73 - معارج الآمال جـ
(4) المرجع السابق والصفحة ... ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة. أخرجه مسلم
-
بلفظه ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، ـ كتاب الإيمان ـ باب استحقاق الوالى الغاش لرعيته النار 1/ 125 - النسائي بلفظ: إنما الإمام جنة يقابل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أوامر وإن أمر بغيره فإن عليه وزراء كتاب البيعة - ذكر ما ينوب للإمام وما يبين عليه: 7/ 155 - أبو داوود كتاب الخراج والإمارة والفيء ـ باب فيما يلزم الإمام من أمر الرعية والحجبة عنه 135/ 3.
537 (1/537)
صفحة 515
رعيته) (1).
المسألة السابعة: في ذهاب سهم الزكاة:
إذا جمع سهم الزكاة في يد أمين فأصابه أمر فذهب قبل أن يصل إلى مستحقه، وكان جمعه فى يد هذا الأمين برأى الجماعة، فإن أبا عبيدة يرى أن على الذين أدوه أن يردوه ثانية. ولو ادعى الأمين ذهابه من غير نية فعلية ضمانه، وليس على أصحاب الأموال شيء (2).
-
حكى صاحب المصنف عن الحسن البصرى وقتادة القول بالأجزاء إذا ميزها، وقال بقول أبي عبيدة الزهري، والحكم وحماد وسفيان الثورى، وأحمد بن حنبل، وصحح صاحب المصنف القول بعدم الضمان إذا تلفت من يد أمين المسلمين، وأما إذا تلفت من يد رسوله فعليه الضمان (3)، وهذا مخالف لرأى أبي عبيدة.
وقال مالك: إن أخرجها عند محلها فسرقت أو سقطت أراها مجزية، وعند الشافعي أنه يزكي ثانية إذا كان فى المال ما يجب فيه الزكاة (4).
وعند أبي سعيد أنه إذا ميزها في يد الأمين لا يعد مضيعا فلا ضمان عليه، وحكى القول بعدم الإجزاء (؟)، وزاد في القواعد قولا ثالثا وهو أنه إذا أخرجها عند وجوبها فضاعت فلا ضمان عليه وإن أخرجها عند وقت وجوبها فأخرجها بعد ذلك فعليه
الضمان.
وحكاه عن مالك (6).
وعند الحنفية: إذا هلك الواجب بعد إخراجه وتميزه وقبل أن يصل إلى مستحقه، فإنه يسقط ولا ضمان عليه، وخاصة إذا كان فى يد أمين لأنه لم يكن التضييع
(1) منهج الطالبين: 5/ 73 - معارج الآمال: 283/ 16 والحديث رواه البخاري في كتاب الجمعة باب الجمعة في القرى والمدن 33/ 2 أبو داوود كتاب الخراج والإمارة والفيء باب ما يلزم الإمام - من حق الرعية 3/ 130.
(2) انظر د 518 ... هذا البحث.
(3) المصنف جـ:: 241.
(4) المصنف 6/ 236 - الإيضاح 2/ 32 / 33 - معارج الآمال: 15/ 95.
318/ 5.
(5) منهج الطالبين: جـ (6) انظر قواعد الإسلام جـ 2 جـ 2/ 38 ــ بداية المجنهد: جـ 306/ 1.
538 (1/538)
صفحة 516
(1)
بسببه
والقول بالضمان هو الذى مال إليه ابن بركة، وذلك
لأن
تلفها من يد
الأمين
كتلفها من يده هو لا كتلفها من يد الساعي الذي يبعثه الإمام لجباية الزكاة (2). المسألة الثامنة: في زكاة الزروع المتفرقة:
يوزعه
إذا كان لرجل زروع في قرى متفرقة فكيف يؤدى زكاتها؟ قال الإمام أبو عبيدة: يؤدى زكاة كل زرع منها في بلده، فإن جمعه في قرية واحدة فينبغي له أن على حساب ما يرى بين فقراء تلك البلدان (3)، ولعله نظر إلى أن فقراء البلدة تمتد أعينهم إلى زكاة ذلك الزرع الذي هو في بلدهم.
وحكى صاحب المصنف أن الأباضية قالوا كذلك بهذا القول، إلا أن يستغنى فقراء ذلك البلد ممن يستحق عندهم الزكاة، وهو رواية عن عمر بن عبد العزيز (4)، وخالفهم مالك، وأحمد بن حنبل، والشافعي، ومن التابعين النخعي، وسعيد بن جبير، وطاؤوس، والثورى وأصحاب الرأى وهو رواية عن عمر بن عبد العزيز أيضا (5)، وعلل المانعون ذلك أيضا بالخوف من عدم وصولها إلى أصحابها في حال نقلها. ويقول ابن تيمية وتفرق زكاة كل بلد فى موضعه فزكاة الشام في الشام، وزكاة مصر في مصر، وهل يجوز نقلها لمصلحة فننقل من الشام إلى مدينة النبي له أو غيرها، فيه قولان لأهل العلم (6).
وحكى عدم الخلاف في نقلها في حالة ما إذا كان أهل البلاد غير مستحقين لها، وأن عمر بن الخطاب أنكر على معاذ نقله للزكاة من اليمن إلى المدينة، وقال له: ما بعثتك جابيا؟ فقال: ما وجدت لها آخذ فسكت عنه مما يدل على جواز نقلها عند عدم وجود المستحق لها (7).
وعند الحنفية الكراهة فى نقلها عملا بحديث معاذ وعندهم يجوز نقلها لقرابته
(1) بدائع الصنائع: 2/ 65. (3) انظر ص 519 من هذا البحث.
(5) نفس المرجع والصفحة.
(7) نفس المرجع والصفحة.
(2) الجامع: 598/ 1.
(4) المصنف:.
163/ 6:
(6) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ 25/ 39.
539 (1/539)
صفحة 517
المحتاجين أو إلى من هو أحوج عامة (1). المسألة التاسعة: في إعطاء الزكاة للأقارب:
وهل يجوز أن يخص الأقارب بالزكاة دون غيرهم من المستحقين .. يقول الإمام أبو عبيدة: إن القرابة ليس لهم فضل دون غيرهم في إعطائهم الزكاة لأن الفقراء وغيرهم من الأصناف سواسية (2)، ولعله ينظر إلى أنه إذا خص كل غنى قرابته بزكاته فإنه يبقى الفقراء الذين ليس لهم أغنياء أقارب يعطونهم من زكاتهم بلا زكاة.
ولعل ذلك أيضا راجع إلى من يلزمه عولة فقط كما حكاه صاحب الإيضاح وقال: (وأما أولاده البلغ فلا بأس عليه أن يعطيهم) (3)، وأجاز للمرأة أن تعطى زكاتها
لزوجها الفقير، واستدلوا بما فعلته زوجة ابن مسعود من إعطائها الزكاة له (4).
وعلى هذا فالإمام أبو عبيدة عمم المنع فخالفه الأباضية في جواز أخذ القريب لها الذي لا يلزم، عوله، ولهذا أنكر الربيع على الحنفية قولهم أن من كان ذا محرم لا يجوز. نكاحه فلا يجوز إعطاؤه الزكاة، وقال: إلا الوالدين والولد (5).
وقد ذكر الجيطالي الإجماع من أهل العلم على هذا نقلا عن ابن المنذر، ونقل الخلاف في بقية الأقارب (6)، بمعنى أنه لا يجوز إعطاؤها للوالدين، ولا يعطى زكاته للآخر لأنه يعود في المعنى إليه (7).
وكذلك القول فى هذه المسألة عند المالكية فقد اشترطوا أن لا يكون للمعطى من ينفق عليه، إلا أن الوالد إذا أبى من طلب النفقة إلا بالحكم (8).
(1) البداية: 1/ 115.
من
الولد أعطى عندهم لأنه لا تثبت له
(2) انظر الصفحة 519 من البحث هذا.
(3) الإيضاح: 2/ 108 ... معارج الآمال: جـ 16/ 237. (4) الإيضاح: 2/ 108 ... معارج الأمال: جـ 16/ 237. (5) الإيضاح: 109 ... بدائع الصنائع: جـ 2/ 4. (1) قواعد الإسلام: جـ 2 /.
0.
(7) بدائع الصنائع: جـ 2/ 40 ... الهداية: 113/ 1.
(8) مواهب الجليل: جـ 2/ 342 / 343 والمقصود بالحكم حكم القاضي.
540 (1/540)
صفحة 518
المسألة العاشرة: في تقديم أهل الفضل في الدين في الإعطاء من الزكاة: الأولى عند الإمام أبي عبيدة تقديم أهل الفضل في الدين، والنكاية للعدو عملا بما فعله عمر بن الخطاب رضى الله عنه، حيث ذكر في جوابه عمل أبو بكر، وعمر، وأن أبا بكر كان يساوى بين الناس، وأن عمر فضل أهل الفضل وقال: (وهو الأحب إلينا و به نأخذ) (1). وذلك عائد إلى نظر الإمام لأنه الناظر الأصلح للمسلمين، وأما في غير عهد الإمام فيرى صاحب الإيضاح أن على الإنسان أن ينظر لوضع زكاته مواطن الاستحقاق التي تكون عزا للإسلام ويستحب أن يكون ذلك في الولى (2).
وسئل ابن تيمية عن قوم منتسبين إلى المشائخ هل يجوز أن تدفع لهم الزكاة أم لا؟ فأجاب: (وأما الزكاة فينبغى للإنسان أن يتحرى بها المستحقين من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم من أهل الدين المتبعين للشريعة) (3). ففى هذا ما يدل على أن ابن تيمية يحب تفضيل أهل الصلاح أيضا في دفع الزكاة.
وصحح الشيخ أطفيش: عدم إعطائها إلا لمتولى وإن لم يوجد فلموقوف فيه، وإلا فلمتبرأ منه، وإلا فلمخالف ورع في مذهبه (4). ويرجع كل ذلك إلى أن إعانة أهل الصلاح والفضل في الإسلام أولى من إعانة لأن المنفعة أهل الفضل أرجح للمسلمين من منفعة غيرهم، وتشجيعا على
غيرهم،
من
فعل الصلاح في المجتمع ..
وكذلك القول عند المالكية في هذه المسألة قال مالك: إن استوت الحاجة يؤثر أهل الدين ولا يحرم غيره احتجاجا بفعل عمر
(0)
المسألة الحادية عشر: هل ينتظر بالزكاة قدوم الغائب إذا كان مستحقاً:
فيرى الإمام أبو. عبيدة رحمه الله أن الزكاة إذا جمعت وحضر تفريقها بين المستحقين
(1) انظر ص 519 من هذا البحث.
(2) الإيضاح: 2/ 110 منهج الطالبين: جد 5/ 25، شرح النيل 3/ 328. (3) مجموع فتاوى ابن تيمية: جـ 87/ 25.
(4) شرح النيل جـ 2/ 230 - العقد الثمين من جوابات نور الدين جـ 2/ 274. (5) مواهب الجليل: 352/ 2. (1/541)
صفحة 519
فلا ينتظر بها الغائب، بل تفرق على الحاضرين فقط ولا يرسل بها إليه أيضا، لأنها لمن
حضر تفريقها دون غيرهم)
(1)
وهذا ما اعتمده الأباضية، وذلك لأنه يجب تفريقها على من حضر ومن
فلا يسهم
له (2).
غاب
وقال في النيل: (ولا تخبأ لغائب) (3) وذكر الشارح «الجواز إذا خبئت للغائب ثم أعطى إياها بعد رجوعه من غيبته، وفسر الغائب بالمسافر وقيل ولو خارج البلد إن كان في أميال البلد أى في مزارعها وحريمها) (4).
واستثنى الإمام جواز أن يدخرها للغازى وابن السبيل وللعامل إذا أرسلها إليه ولم يجئ لاستلامها، وكذلك كل من غاب فى أمر من أمور الإسلام) (5). المسألة الثانية عشر: في إعطاء الوالدين من الزكاة: يرى الإمام أبو عبيدة أن الوالدين لا يحق لهما أخذ زكاة ولدهما على سبيل أن الانفراد، بمعنى يخص الولد والديه بزكاة، فلو أعطوهم على هذه الصفة فلا يجزيهم عن الزكاة، أما إذا كان الوالدين فقيرين وكانت زكاة الولد مع جملة الزكوات الأخرى، وصار عداد الوالدين في عداد الفقراء جاز إعطاؤهم في الجملة، لأنه بهذه الصفة لم يخصهم بالزكاة وإنما أعطتهم جماعة المسلمين في الجملة (6).
والقول بعدم إعطاء الوالدين من الزكاة هو قول كثير من الأباضية، إلا إذا كانت الأم تحت زوج لأنها لا تدرك نفقتها عليه لو طالبته، فبزوال علة وجوب النفقة عليه زال مانع الإعطاء (7).
ونقل أبو سعيد الخلاف في الوالدين إذا كانا فقيرين، وذكر في المسألة عدة أقوال يجوز للوالدة فقط، وجعل أبو محمد لهم ذلك إذا لم تلزمه نفقتها (8).
منها: أنه
(1) انظر صفحة 519 من هذا البحث. (3) شرح النيل: جـ 3/ 241.
(2) الإيضاح: 119/ 2.
(4) المرجع السابق: 242.
(5) المرجع السابق والصفحة، وانظر منهج الطالبين: جـ 5/ 22.
(6) انظر ص 520 من هذا البحث.
(1) انظر منهج) الطالبين جـ ه (8) مواهب الجليل: جـ 2/ 343.
173 – معارج الآمال جـ 16/ 242.
542 (1/542)
صفحة 520
وكذلك القول في هذه المسألة عند المالكية) من له ولد غنى وأبى من طلب نفقته
منه، يعطى من الزكاة، وفسره البرزالي بأنها لا تجب له النفقة في هذه الحال إلا بالحكم، فكأنه لم يكن له ولد (1). وقال أبو القاسم في الولد الفقير الذي لا يعطيه والده الغنى شيئا: إنه لا بأس أن يعطى من الزكاة (2)، وذلك الأن علة وجوب النفقة غير متحققة
ولم يجوز الحنفية إعطاءها للوالدين والمولودين عموما، وكذلك كل من يحرم نکاحه (3)، واشترط ابن تيمية الحاجة الملحة إليها مع عدم وجوب النفقة فلو لم يكن القريب أحوج لم يجز دفعها إليه (4)، وقال: (وأما دفعها إلى الوالدين إذا كانوا غارمين. أو مكاتبين فيها، ففيها وجهان وإلا ظهر جواز ذلك) (5).
المسألة الثالثة عشر: في مقدار الغنى الذى يحرم معه أخذ الزكاة:
جعل أبو عبيدة الحد الذي لا يعطى معه الفقير الزكاة هو القوت، أما الرجل ففى عياله، وأما المرأة في بدنها فقط، إذا لم يكن لها عيال أيتام تمونهم، ويستثنى من الرقيق إذ ليس هو من العيال.
ذلك
وفسر القوت بأنه الطعام والأدام والكسوة، وكذلك الدابة عند أهل العمود،
والمقصود بهم البدو الذين لا غنى لهم عنها، وقد تكون عندهم أولى من القوت. ولكن الإمام لم يتطرق إلى المدة التي يحتسب القوت فيها، هل هي قوت يومه أو نه أو غير ذلك، مع أنه ذكر أن لهم أن يعطوا المدين لوفاء دينه بعد استغناء فقراء المحلة بالقوت حسبما ذكرنا من قبل (6)
سنته
وقد وقع الخلاف في هذه المسألة كثيراً بين فقهاء الأباضية وبين غيرهم، والأصل في هذا أنهم اتفقوا على أن الصدقة لا تحل لغنى بنص الكتاب والسنة، ولكن اختلفوا في حد هذا الغنى فقيل: خمسون درهما لمن ليس عليه دين ولا له عيال، وقيل: ثلاثون،
(1) نفس المرجع والصفحة. (2) بدائع الصنائع جـ 2/ 40 ... الهداية: جـ 1 /: ج 1/ 113.
(3) مجموعة الفتاوى جـ 25/ 48.
(5) مجموعة الفتاوى: 90.
(4) نفس المرجع: 90.
(6) انظر 520 من هذا البحث.
543 (1/543)
صفحة 521
وقيل: خمسة عشر، وقيل: ملك النصاب، وقيل: نفقة سنة، ولعل هذا هو الذي يقصده الإمام أبو عبيدة لأنه يمكن أن يجتمع ملك النصاب وعدم الغني إلى الحول بذلك النصاب، وهذا هو أوسع الأقوال وأنسبها إلى سماحة الشريعة المطهرة (1)، وهناك قول على أن اشتراط الخمسين درهما فما تحتها إنما هي بعد كفايته من مؤنة سنة فهذا أوسعها (2).
وهذا هو قول الحنفية إذ جعلوا الحد الأدنى الذى يحرم معه، أخذ الصدقة، إن تملك مائتي درهم زائدة عن حاجته من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة، كالثياب والفرش والدور والحوانيت والدواب .. والخدم وغيرها، وذلك لأن هذا تجب عليه صدقة الفطر أو
الأضحية (3).
أهله، فإن
ونقل عن الكرخى قوله: (لا بأس بأن يعطى من الزكاة له مسكن يتأثث به في من منزله، وخادم، وفرس، وسلاح وثياب البدن، وكتب العلم، إن كان من كان له فضل عن ذلك ما يبلغ قيمته مائتى درهم حرم عليه أخذ الصدقة، لما روى عن الحسن البصرى أنه قال: كانوا يعطون الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من الفرس والسلاح والخادم والدار) (4).
وعلل ذلك بأنه من الحوائج اللازمة للإنسان، فوجودها وعدمها سواء وفسر قول الحسن البصرى كانوا يعنى أصحاب النبي (5).
وذكر ابن رشد أن الإمام مالکا
يرجع ذلك إلى الاجتهاد، وأن أبا حنيفة قال: إن
ملك النصاب هو الغنى، لحديث معاذ حين أمره النبي علم بأن يأخذ الزكاة
أهل اليمن فيردها في فقرائهم (6).
أغنياء من
الخلاف وقال: إن سبب فمن قال الغنى اللغوى اعتبر فى ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم. ومن جعله شرعيا اعتبر
هو اختلافهم في حمل لفظ الغنى الشرعي أو اللغوى،
-1.
(1) الإيضاح: 107/ 2 / 108 – القواعد: جـ 2/ 49/48 منهج ا (2) منهج الطالبين: جه / 25 - مواهب الجليل: 347/ 2/ 348. (3) بدائع الصنائع: جـ 2/ 48.
(5) نفس المصدر والصفحة.
الطالبين: 5/ 25.
(4) بدائع الصنائع: جـ 2 ج 2/ 48.
(6) بداية المجتهد: ج 340/ 1.
544 (1/544)
صفحة 522
النصاب، وعند من قال بالغنى اللغوى خلاف فى ضبطه بحد محدود، أم باختلاف
العادات والأحوال والأمكنة؟ وهو قول مالك (1).
من له دار وخادم ولا فضل في
وعليه ما جاء عن الخطاب نقلا المدونة أن عن ثمنها ممن سواهما أعطى الزكاة، وإن كان فيها فضل لم يعط (2).
المسألة الرابعة عشر: هل الفقير المحترف والفقير غير المحترف في الإعطاء سواء أم
لا؟
يرى الإمام أبو عبيدة رحمة الله عليه أنهما سواء في الإعطاء من بيت المال إذا لم تكن للمحترف كفاية من القوت (لا تضر هذا تجارته ولا ينفع هذا بتصغير نفسه) فلينظر الجماعة في أمرهما وأعطوهما على قدر العيال والفقر (3).
وذلك لأن هذين داخلان تحت عداد الفقراء، وهذا هو المعتمد عند أكثر الأباضية (4).
(°)
إلا إذا خرج المحترف عن اسم الفقير إلى اسم الغنى (ومن لم يكن معه ما يجزئه ويجزئ عياله وكسوتهم ونفقتهم ومؤنتهم التي لا غناية لهم عنها في سنة أو من ثمرة إلى ثمرة وفيما يدر عليه من صنعته وتجارته وجميع احتياله لنفسه فهو فقير) وإذا رجعنا إلى قول الإمام مالك: في حد الغنى وأنه عنده راجع إلى وجدنا أن هذه المسألة تدخل تحت الخلاف في الحد الذي يحرم معه أخذ الزكاة
الاجتهاد
وقد قال أبو حنيفة: إن الغنى هو مالك النصاب لأنهم هم الذين سماهم النبي (الله) أغنياء في حديث معاذ، وإذا كان الغنى هو مالك النصاب فالفقير ضده (6). وهذا هو قول الشافعي (7)، وقد ورد من شروط المالكية فى الفقير أن لا تكون له صنعة تكفيه،
(1) نفس المصدر والصفحة.
(2) مواهب الجليل: 346/ 2 ولعل العبارة لما سواهما.
(3) انظر ص 521 من هذا البحث.
(4) الإيضاح جـ 2: 107 - منهج ا الطالبين جـ 5: 25. (5) نفس المصدر السابق والصفحة.
-
(6) بداية المجتهد جـ 1: 340.
(7) نفس المرجع السابق والصفحة ـ بدئع الصنائع: 43/ 2. (1/545)
صفحة 523
فالمحترف الذي لا تكفيه حرفته داخل الفقراء (1).
هذا فهو يستحق
لأنه
داخل
اسم
المسألة الخامسة عشرة: فيمن أعطى طعاما أو سبولا (2)
إلى مساكين
(3)
قومنا هل يحسبه على نفسه ويؤدى عشوره أم يحسبه في
عشوره، أم يجعله من جملته ولا يعطى عشوره؟
فأجاب: بأن بعض الأباضية قال ليس عليه عشور فيه، ولكنه لا يحسبه من جملة عشوره الذى يخرجه للفقراء لعله أخرجه لا على نية الزكاة. وكأنه لم يعجبه هذا القول حيث عقب عليه بقوله: (والله أعلم أنه كذلك أم لا؟) ..
وكأنه يرى أن عليه الزكاة فيما أخرج جه لهؤلاء المساكين. لأنه إذا أخرج جزءا منه ليس عليه عشور فإنه يمضى بزرعه هكذا، إذا صار كله إلى هذا السبيل وقال: (فإذا كان لا يجوز فى الكل فالبعض من الكل وهذا الحق فيما نرى) (4).
وقد اختلف في هذه المسألة هل وجوب الزكاة بالدراك أم الحصاد، وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما إذا تلفت الغلة أو أعطى جزءا منها بعد دراكها وقبل الحصاد، أو أكلتها الدواب فهل يلزم صاحب الزرع ضمان الزكاة؟ ومثلها هذه المسألة وهي إذا أعطى منها قبل إخراج الزكاة. فمن قال بالدراك يلزمه زكاتها وهو مقتضى قول الإمام أبي عبيدة، ومن قال بالحصاد قال: لا يلزمه زكاة ما تلف بسبب أو بإعطاء قبل
الحصاد (5).
(1) مواهب الجليل: جـ 1/ 342.
(2) السبولة، والسبولة، والسنبلة الزراعة المائلة. والسبل كالسنبل
شعاع السنـ
سبول وقد سنبلت وأسبلت اللين السبولة هي سنبلة الذرة والأرز إذا مالت وقد أسبل الزرع إذا سنبل، والسبل أطراف السنبل وقيل: السبل السنبل ونونه زائدة - لسان العرب جـ 11 ب ج 321/ 11.
(3) المقصود بقومنا هم المخالفون للأباضية، هذا الاصطلاح قديم ولا أدرى هل أول من استعمله هكذا الإمام أبو عبيدة أو غيره إذ لم نجد نصا يشبهه في رسائل الإمام جابر ولا فتاويه ولا عمن عاصره، ولعله اصطلاح أول من أطلقه
عليهم الإمام أبو عبيدة فاستمر من بعده ويوجد في مؤلفات الأباضية.
(4) انظر ص 521 من هذا البحث. (5) المصنف: 26/ 233 / 234 - الإيضاح جـ 2: 33 وما بعدها ـ القواعد: 2/ 25 / 26 منهج الطالبين: جـ
316/ 5
546 (1/546)
صفحة 524
واختلف الحنفية أيضا في هذه المسألة فقال أبو حنيفة: (إذا أكل صاحب المال من
الثمر أو أطعم غيره يضمن عشره ويكون دينا فى ذمته ويزكي ما بقى كائنا ما كان، وهذا عين قول أبي عبيدة إلا أنه لا يقول بزكاة الباقى إذا لم يبلغ النصاب مع المستهلك. وأبو يوسف لا يوجب الزكاة في المستهلك في الإطعام والتصديق، إلا إذا لم يبلغ الباقي النصاب فإنه يستكمل به. (1).
وقد استدل أبو حنيفة بمجموعة من النصوص الواردة في عشر الخارج من الأرض من غير تفنيد بين مستهلك، وغيره واستدل أبو يوسف بحديث أبي خيثمة وبقوله صلي الله عليه وسلم: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فالربع» وقوله الله أنه قال: «خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية» فلو ضمن عشر ما تصدق، أو أكل هو وأهله لم يتحقق التخفيف، ولا امتنع من الأكل فوقع في الحرج، إلا
أنه يعتد به في تكميل النصاب لئلا يذهب نصيب الفقراء من الخارج كله (2). وعند مالك إذا زهت النخل وطاب الكرم واسود الزيتون، أو قارب وأفرك الزروع واستغنى عن الماء وجبت فيه الزكاة (3)، وهو موافق لقول أبي عبيدة، والمعنى أن ما
:
خرج منه بعد دراکه زکي، وقيل بالحصاد والجذاد، وقيل: بالخرص (4).
المسألة السادسة عشر: في الأجرة على ما أخرجت الأرض:
وذلك إذا أكرى الرجل على زرعه سواء كان بطعام من غير ما أخرجت تلك الزراعة أو بسبل أى بسنابل منها، أو بدراهم فهل يحط ذلك الكراء من جملة الزرع، ثم يخرج الزكاة بعد ذلك أم أنه لا يحط ويخرج منه كله؟
فأجاب: بأنه لا يحط عنه شيء وإنما يغرمه من صلب ماله، وعلل ذلك بأن العشر لم يقع على القابض، وإنما هو حق فى الأرض لأن الإجماع انعقد أن في خمسه أوسق
(1) بدائع الصنائع جـ 2/ 64.
(2) نفس المصدر والصفحة. (الحديث: إذا خرصتم فخذوا الثلث ودعوا الثلث فإن لم تدعو الثلث فالربع ... أخرجه النسائي: كتاب الزكاة ـ باب كم يترك الخارص: 42/ 5 - الترمذى كتاب الزكاة ـ باب ما جاء في
الخرص: 3/ 35 - أحمد 3/ 448 44/ 212 ... )
(الحديث: خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية ... لم أهتد إلى تخرجه).
(3) مواهب الجليل: 2/ 285.
(4) نفس المصدر والصفحة.
547 (1/547)
صفحة 525
من الحبوب زكاة، (1)، ولو كان عليه عشرة أوسق دينا وعنده خمسة لم يحط عنه. شيء لأجل الدين، بخلاف زكاة النقدين عنده فإنه يحط منها الدين حيث قال: ألا ترى أن الرجل قد يكسب أربعين مثقالا. وعليه فيها دين فلا يؤدى الزكاة في قول بعض أصحابنا إلا بإذن الغريم، يستأذنه ويحاسب الغريم بها، أو يؤدى صاحب المال عليها، وهو في قول العامة لا زكاة عليه فيها، وزكاته على صاحب المال إذا قبضها وإن كان لم يماطله بها، إلا أنه أذن له فى حبسها فعليه زكاتها مع جميع ماله) (2). فأصلهما مختلف عنده وذلك لأن السنة وردت عامة فيما أخرجت الأرض وإنما حددت مقدار النصاب بحديث آخر ونصاب النقدين من جنس الدين فأسقطوا. الزكاة.
عنه
وقد اختلف في المسألة عند الأباضية وغيرهم فقيل: لا زكاة على ما أخرج في الكراء على الزرع، وقيل: تخرج الزكاة منه أولا وبعد ذلك فيعطى الأجير أجرته (3). وأصل الخلاف: هل الزكاة حق فيما أخرجت الأرض أم حق في الذمة؟ وقول أبي حنيفة في هذه المسألة يتفق مع قول الإمام أبي عبيدة، وذلك لأن الأصل عنده أن الزكاة حق في الأرض أما عند أبي يوسف ومحمد فعندهما أنها حق في ذمة الزارع فتجب الزكاة فى أجرة الأجير عند أبي حنيفة وعندهما لا تجب (4)، والقول عند المالكية في هذه المسألة: أنه يحسب على الزارع زكاة ما أخرجه في الأجرة وهو قول
مالك (5).
قال: (يحسب عليه جميع ما استأجر به في حصاده ودراسه وجداده، ولقط الزيتون فإنه يحسب ويزكي عليه سواء كان كيلا معينا أو جزءا كالثلث والربع
ونحوه) (6).
وبالجملة: فإن أبا حنيفة ومالكا يقولان بأن العشر على الأرض، وهو مقتضى قول
(1) المعنى أن خمسة أو سق فيها الزكاة بإجماع بغض النظر عما دونها فعلى رأى الحنفية فيها زكاة. (2) انظر ص 521 من هذا البحث.
(3) منهج
ن الطالبين جه / 114/ 115 - الإيضاح 2/ 37/ 38 - 1 38 - المصنف جـ 6/ 302. (4) بدائع الصنائع 059/ 46/2 (0) مواهب الجليل: 2/ 285.
(6) نفس المصدر والصفحة.
548 (1/548)
صفحة 526
الإمام أبي عبيدة، ولذلك أوجبوا الزكاة فيما أخرجته الأرض بغض النظر عن الأجرة،
وما يعطيه صاحب المال قبل إخراج الزكاة ففى الجميع الزكاة.
ونقل القول بالإسقاط عن ابن عمر، وعطاء، والحسن وسليمان بن يسار، وغيرهم من التابعين. وقال بعدمه ابن عباس، وهو مختار أحمد بن حنبل. وقيل: يسقطها الدين الذى أنفقه على زرعه وثمرته ولا يسقطها ما استدانه على
أهله (1).
المسألة السابعة عشر: فيمن له الرقيق والرياع وغيرها:
وفي رجل له رقيق ورجل له، رياع، ورجل له ماشية ورجل له طعام هل يعطون من الزكاة؟.
قال: إذا كان عندما يبيع الفضل يكفيه ولا يضر معيشته بيع الفضل من الماشية فلا يعطى، وإن كان بيع الفضل يضره ولا يكفيه فإنه يعطى، وكذلك الرقيق، وأما الرياع فيرجع النظر فيها إلى المسلمين وذلك لأن الرياع وإن كانت كثيرة فقد لا تغنى صاحبها، فليست مثل الرقيق والماشية (2). وقد تقدم القول في هذه المسألة وذكر الخلاف في مسألة الغنى الذى لا يجوز معه أخذ الزكاة. المسألة الثامنة عشر: في الوالد إذا كان له ولد غنى والأخ إذا كان له أخ غنى هل
يعطيان من الزكاة؟
فأجاب الإمام بجواز إعطاء الأخ من الزكاة، وكذلك الوالد إذا كانت أحكام المسلمين معطلة ولم ينل حقه من ولده بالحكم ... أما إذا كانت أحكام المسلمين ظاهرة فلو تقدم إلى الحاكم حكم له بالنفقة لم يعط، وقد قاس هذه المسألة على من حيل بينه وبين ماله في دار لا تقام فيها الأحكام (3). وقد تقدم القول في هذه المسألة في إعطاء
الوالدين من الزكاة.
(1) مجموعة فتاوى ابن تيمية جـ 25/ 27 / 28.
(2) انظر ص 522 من هذا البحث ـ بدائع الصنائع 2/ 46 ـ الإيضاح 2/ 118.
(3) انظر ص 522 من هذا البحث.
549 (1/549)
صفحة 527
المسألة التاسعة عشر: فيمن أقر بالدعوة وهو يخلط هل يعطى من الزكاة؟
فقال: إذا كان تخليطه هذا من قبل الكبائر التي يبرأ من فاعلها فإنه لا يعطى، وإن كان أمر مجهولا وأدى ذلك إلى الوقوف، فيه وقف عن إعطائه حتى يتضح الأمر، وسبيل أطفاله كسبيله (1).
هذه المسألة تابعة للمسألة التي ذكر فيها تقديم أهل الفضل في الدين في إنفاذ الزكاة، فإنه إذا وجد أهل الفضل فالأفضل تقديمهم حسب ما يراه الإمام، وإن أعطى هذا منها فلا يقال إن عليه الإنفاذ مرة أخرى (2).
المسألة العشرون: في رجل عارف بالدعوة (3):
وقد اشتهر بالفقه والصلاح ثم مال إلى غير أهل الدعوة لأجل الدنيا .. أو الرئاسة، فتقدم في أولئك القوم ثم ندم وعاد إلى أهل الدعوة فهل ينزل منزلته الأولى ويعطى من الحقوق؟
فأجاب: إن الواجب على أهل الدعوة قبول توبته وإظهار الحرمة له في الظاهر، ويبقى ظنينا مدة حياته، ولا يعطى شيئا من الحقوق إلا إذا خشي المسلمون بأسه، أو خافوا إدخاله الوهن فى ضعفاء المسلمين، ورأوا إعطاءه من جملة الزكاة فعلوا، وإن رأوا غير ذلك فعلوا ولكن الطافه خير من إبعاده) (4).
ولعل ذلك من قبل تأليفهم عملا بسهم المؤلفة قلوبهم المذكور في آية الصدقات؛ لأن المؤلفة قلوبهم هم قوم يخشى بأسهم، وفي تأليفهم مصلحة للإسلام أو مصلحة
لأهله.
وقد جرى الخلاف بين الفقهاء في سهم المؤلفة قلوبهم، فعند الأباضية أن من نزل منزلة المؤلفة قلوبهم في عهد النبي، وأبي بكر، فى أى عهد من العهود أعطى من الزكاة على نظر الإمام، لأنه الناظر في مصالح المسلمين فما رأى فيه إعزاز للإسلام
(1) انظر ص 523 من هذا البحث.
(2) انظر ص 519 من هذا البحث.
(3) المقصود هنا المدعوة الأباضية وذلك أيام الناس افترقوا إلى شيع وأحزاب بسبب الفتن في القرن الأول الهجري التي نشبت بين الصحابة وماتلاها من تفرق إسلامي عام عقائدي و غيره.
(4) انظر ص 523 من هذا البحث.
550 (1/550)
صفحة 528
وأهله فله فعله (1)، قال في النيل: (وجاء أن نزل قوم بالإسلام منزلة خيف منهم ضعفه
تألفهم لدفع شرهم عنه وجلب نفعهم له) (2).
ومن الأباضية من قال: بأن سهمهم منسوخ وهو قول البعض منهم (3).
والأصح. عند الحنفية: أنه منسوخ واحتجوا بإجماع الصحابة على ذلك (4)، وعن الشافعى روايتان: الأصح أنه باق لمن رأى الإمام تأليفه (5).
حاجة الآن
(3)
ونقل عن أبي حنيفة القول بأنه باق كالشافعي. وعند مالك أنه منسوخ إذ لا بعد قوة الإسلام إلى المؤلفة قلوبهم (7)، ولكن اللخمي قال: بإعطائهم نقل ذلك عنه الحطاب: (وإن كان هناك مؤلفة بدأ بهم لأن استنقاذهم من النار بإدخالهم في الإسلام أو تثبيتهم عليه إن كانوا قد أسلموا أفضل الأعمال، وذلك أولى من طعام
فقير)
(v)
فمن هذا يتبين أن المالكية عندهم قولان فى المسألة ومختار مالك عدم إعطاء المؤلفة، لعدم وجود د العلة المقتضية لإعطائهم.
المسألة الحادية والعشرون: في تصديق من عليه الزكاة:
إذا ادعى رجل من المسلمين أنه أدى الزكاة ولم يطلع المسلمين علي ذلك وهو ثقة في دينه، فهل يصدق ويعطى من زكاة الغير إن كان فقيرا؟ فأجاب في هذه المسألة: بإعطائه إن كان مستحقا للزكاة؟ (9)
وهذه المسألة. وذلك لأن
من
الزكاة
من
مسائل الدينوية التي يدان فيها صاحبها ويوكل فيها إلى ضميره، الفروض الجائز تأخيرها عن وقتها فلا يصل به الأمر إلى حرمانه من الزكاة التي وجبت له بصفة الفقر. وإذا كان للرجل أن يصدق النائب عنه في توزيع الزكاة وهو ثقة ولا
(1) المصنف: جـ 6/ 293 / 294 - الإيضاح: 2/ 113 - شرح النيل: جـ 3/ 233.
(2) نفس المرجع والصفحة.
(3) نفس المرجع والصفحة، الإيضاح: 112/ 2/ 119.
(4) بدائع الصنائع: 2/ 45.
(6) بداية المجتهد: 1/ 339.
(8) مواهب الجليل: 2/ 352.
(5) نفس المرجع والصفحة. (7) نفس المصدر والصفحة. (9) انظر ص 523 من هذا البحث.
001 (1/551)
صفحة 529
يجب عليه أن يتبين صدقه بسؤال الفقراء، فكيف بجماعة المسلمين في تصديقهم المسلم في دفع زكاته إلى الفقراء (1)، وكونه مالك النصاب مستحقا أن يعطى من الزكاة إذا كان غير فاضل عن حاجته أو لا يمونه سنه على قول من يقول بذلك غير خارج عن معنى تحديد الغنى الذى يحرم معه أخذ الزكاة، وقد تقدم القول فيه (2).
المسألة الثانية والعشرون: فيمن ينفذ زكاته بنفسه لا يجمعها مع الجماعة:
وفيمن يفرق زكاته بنفسه لبعض فقراء المسلمين بحيث لا يجتمع بزكاته ضمن الجماعة، ويحرم بعض الفقراء منها، وكان الأمر أن حدث العكس إذ افتقر هو واستغنى المحرومون فهل لهم أن يمنعوه من الزكاة على هذه بالصفة؟
فأجاب: بأنه يعطى من الزكاة لأنه أصبح من جملة الفقراء ولو كان سابقا يحرمهم منها) فالعمل فى ذلك أن تكافئ من عصى الله فيك بطاعة الله فيه وهو أن تعطى لمن منعك) (3).
ومن سمو الأخلاق وكريم السجايا أن لا ترد الجفاء بمثله، بل تعوضه بالسخاء، وهذه من خصال الإسلام الفاضلة.
هو
وأما مسألة تفريق الزكاة فقد تكلم فيها الفقهاء في جميع المذاهب، فإذا كان في زمان الإمام العدل فإنه لا يجوز لأحد أن يفرق زكاته بنفسه، وذلك لأن الإمام القائم بأمر المسلمين وعليه النصح لهم وإيصال الحقوق إليهم، وعليهم أن يوصلوا زكاتهم إليه، أو يبعث هو السعاة إليها لقبضها وإيصالها إليه، فإذا قبضها السعاة أصحابها بأمره فقد برئوا منها ولو تلفت (4).
وأما تفريقها من قبل الإمام ففيه قولان:
من
الأول: أن الإمام هو المسئول عنها فيفرقها حيث شاء، لكنهم ذكروا أنه يحضر تفريقها أربعة أصناف هم الفقراء والمساكين والرقاب، والغارمون، فيفرق فيهم
(1) الجامع لا بن بركة: جـ 3/ 629 - مواهب الجليل: جـ 2/ 348 بدائع الصنائع جـ 2/ 37 ـ منهج الطالبين:
73
(2) راجع ص 523 من هذا البحث.
(3) انظر ص 524 من هذا البحث.
(4) الإيضاح: 2/ 118 - مواهب الجليل: جـ 2/ 362 - منهج الطالبين 5/ 76.
552 (1/552)
صفحة 530
النصف (1).
واستدل أصحاب هذا القول بفعل أبي بكر من قتاله مانعى الزكاة، إذ لو كان قتاله
معه
على قتالهم (2)، فأشبه الإجماع،
لهم لا يجوز لم يسكت عنه الصحابة ولما قاموا ويستدل له أيضا بقوله تعالى وخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم (3). وذلك لأن الإمام العادل قائم مقام الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الأمة.
بها
والقول الثانى: يأخذ الإمام منها الثلثين ويفرق على الفقراء الثلث. وقيل: يفرق
(4)
التي
النصف على فقراء البلد ولو كانوا من الفساق، لأنهم أولى بزكاة بلادهم أخذت منها الزكاة، ومرجع الباقي على كلا القولين إلى الإمام يفرقها حسبما يراه صلاحا للإسلام وأهله، وما هو الأولى في زمانه.
وعند الحنفية يجوز تسليمها إلى الإمام العدل، ويجوز أن يوزعها بنفسه على الفقراء وغيرهم من مستحقى الزكاة (5).
وعند
الأباضية فلو دفعها إلى غير الإمام مع وجوده ففيها عندهم قولان: قيل:
تجزئه، وقيل: لا (6).
وأما فى غير زمان الإمام العدل فعليه أن يجتهد في توزيعها على من حضر من السهام، حسبما ذكر الله تعالى في آية الصدقات ولو دفعها إلى صنف واحد منهم أجزأه، خلافا للشافعى الذى قال: يجب أن يعطى من كل صنف منهم ثلاثة (7). المسألة الثالثة والعشرون: هل يعطى الظنين (8) من الزكاة؟
وفي الظنين وهو المتهم في دينه هل يعطى من الزكاة أم لا؟ أجاب: بأنه يعضى
(1) الإيضاح: 126 - قواعد الإسلام: 2/ 154. (2) الإيضاح: 2/ 116 - المصنف: جـ 10/ 143 - قواعد الإسلام: جـ 54/ 2.
(3) التوبة: 103.
(4) الإيضاح جـ 2/ 116 / 117 - المصنف جـ 10/ 143 - ق 14 - قواعد الإسلام 55/ 54/2 مواهب ا 361 ـ بدائع الصنائع 46/ 2 - فتاوى ابن تيمية 25/ 85 وما بعده. (5) بدائع الصنائع: 93/ 2.
الطالبين: 74/ 50 (6) منهج
(7) انظر الإيضاح 123:10: قواعد الإسلام 21/ 54 منهج الطالبين 74/ 5، بدائع الصنائع 20/ 39 مواهب الجليل 25/ 342، مجموع فتاوى ابن تيمية: 25/ 40.
(8) الظنين: بمعنى المتهم.
553 (1/553)
صفحة 531
بقدر، أي لا يعطى عطاء كثيرا لأن غيره من الصالحين أولى منه ما لم يظهر منه ما
يوجب البراءة من فعل الكبائر، فإنه إذا فعل ما يبرأ منه المسلمون به فلا يعطى (1). وهذه المسألة ترجع إلى المسألة التي ذكرناها وهى من الأولى بأن يعطى من الزكاة
أولا (2).
فعند
جميع
المذاهب أنه يقدم الصلحاء الفقراء وأولوا الفضل في الإسلام، ثم من مستوروا الحال، فإن عدم هؤلاء يعطى الفساق من أهل البلد التي جيبت فيها الزكاة قبل غيرها، ثم غيرهم، وهكذا، ولكن يفضل الشيخ الكبير والعجوز وذا الفضل في الإسلام وذو العيال) (3) وأما أصحابنا من أهل عمان فأجازوا دفعها للفقير من أهل الدعوة كان وليا أو غير ولى إلا أن الأفضل عندهم أولى بها) (4).
وذكر مثل هذا عن المالكية إذ قالوا فى قليل الصلاة وأهل المجون والمعاصي: إذا كانوا يصرفونها في المعاصى أنهم لا يعطون، ودفع الزكاة إلى الأصلح حالا أولى من دفعها إلى سيء الحال إلا إذا خشى عليه الموت فيعطون) (5).
ومعنى هذا أنهم لا يعطون إلا إذا لم يوجد غيرهم، أو بلغ بهم الحال إلى الجهد،
وإن كان بمجرد التهمة فيعطون.
المسألة الرابعة والعشرون: في الفقيرين المتفاضلين:
وفي رجلين مستحقين للزكاة ولكن أحدهما أصاب زرعا قليلا لا يكفيه، والثاني لم يصب شيئا فهل يفاضل بينهما في العطاء أم لا؟
فقال: إن في هذه المسألة ثلاثة آراء لأصحابنا:
الأول: أن هذا يحسب مع عائلته، والآخر كذلك ويحسب الزرع الذي أصابه أحدهما على قدر ذلك فيحط، ويعطى الآخر مثله، والباقي يقسم على قدر العيال
والحاجة.
(1) انظر: ص 524 من هذا البحث. (3) الإيضاح: 2/ 119 – قواعد الإسلام: 2/ 54. (4) منهج الطالبين: 23/ 5.
(2) راجع ص 524 من هذا البحث
(5) مواهب الجليل: جـ 2/ 344. (1/554)
صفحة 532
والثاني: أن يساوى بينهما فيعطى الآخر مثل الأول، ويقسم الباقى بالسواء. والثالث: أن ترجع الحال هذه إلى نطر أهل العدل والقائمين على جمع الزكاة، فيروا فيه رأيهم حسب الزمان والمكان للعدل في فقرائهم، ولكنه لم يرجح شيئا من هذه الآراء الثلاثة (1).
وهذه ترجع إلى مسألة التفاضل بين أصحاب الجنس الواحد، وأصناف الزكاة، وقد ذكر الفقهاء تقديم ذى العيال على من ليس له عيال لأن حاجته أشد، كما أن هذه المسألة أيضا لها دخل في مسألة الغنى والفقر، وصحح الشيخ أبو محمد بن بركة، والإمام مالك بن أنس (2) ـ وهو مقتضى رأى الإمام أبي عبيدة في كثير من فتاويه ـ أن الغنى والفقر يرجع أمرهما إلى الاجتهاد وحسب الزمان والمكان، ومن هنا قيل الحاكم إلى نظره أحوج منه إلى أثره (وليس عندى للغنى والفقر حد، لأنه قد يستغنى بدرهم واحد لحركته وكسبه واحتياله واضطرابه ومعرفته ره الماكسب، والآخر لا بوجوه يستغنى بأضعاف ذلك لأنه قليل الحيل كثير الخوف) (3).
وكذلك القول في هذه المسألة عند الحنفية فيرجع الأمر فيها إلى الاجتهاد (4).
المسألة الخامسة والعشرون: في المتبرجة والتي تلعب بالدف: وفي المرأة المتبرجة والتي تلعب بالدف ويحضرها رجال سواء كانت شابة أو ذات سن فهل تعطى من الزكاة؟ ـ فأجاب:
إن كانت متبرجة فلا تعطى، وإن لم تكن متبرجة فهى من أهل التهم، والقول فيها مثل المسألة التي قبلها في المتهم من أنه يعطى بقدر، ولكنه سكت عنها في هذه
المسألة.
وفي جواب آخر عن النائحة المعلنة إذا نهيت فلم تنته أنها لا تعطى، وأما النائحة
على ميتها فتنهى غير أنها تعطى (5)، ووجه قوله فى المتبرجة والنائحة المعلنة التي لم
(2) بداية انجتهد: 1/ 40
(1) انظر ص 524 من هذا البحث. (3) ابن بركة الجامع 627/ 1 / 268 - الإيضاح: 119/ 2. (4) بدائع الصنائع: 2/ 48.
340
(5) انظر من 0525 من هذا البحث. (1/555)
صفحة 533
تنته عن النياحة من أنهما لا تعطيان لأنهما، عاصيتان وعنده أن أهل المعاصى لا يعطون الزكاة إذ يستعينون بها على معصية الله وقد ذكر وائل بن أيوب أن أبا عبيدة دعى من إلى وليمة فنظر اللعابين فيها فرجع وتركهم)
(1)
وهو رأى الإمام الربيع بن حبيب، وقد عمل بذلك قبله الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه (2) وهو رأى المالكية (3)، وكذلك القول في هذه المسألة عند
جميع
المذاهب (4)، وقد قال ابن تيمية في الذي لم يصل ولم يقل إنه يصلى: أنه يعطى من الزكاة بسبب عصيانه لربه ومن المعلوم أن ترك الصلاة كبير فكذلك أصحاب المعاصى، والمتبرجة والنائحة المعلنة آتيتان لكبيرة من كبائر الذنوب الظاهرة. وأما النائحة على ميتها فقد أباح إعطاءها لأن نياحها كان لسبب ظاهر، ومع أنها غير معذورة في نواحها على الميت وارتكابها النهى الوارد فى النياحة، إلا أنها تعطى من الزكاة إذ هي أخف من غيرها.
المسألة السادسة والعشرون: في الراجع عن أهل الخلاف:
وفي رجل كان على خلاف وكان يفرق زكاته ثم خرج من أهل الخلاف إلى أهل الوفاق، فهل عليه أن يؤدى ثانية ما كان أداه أولا من الحقوق؟ فأجاب: بأنه لا يرد ما أخرجه من الزكاة حال الخلاف، أما الموافق في المذهب إذا أعطى زكاته لأهل الخلاف بجهل منه أو بعلم، فعليه أن يؤدى مرة ثانية، وكذلك الحال إذا كان موافقا فرجع إلى أهل الخلاف ثم رجع مرة أخرى، أنه يعيد ما أداه حال خلافه، وكذلك ما أخذه ولاة المخالفين لا يجزيه عن الزكاة (5)، وهذا الرأى قد انبنى على رأيه في ولاة الدولة العباسية التى كان الإمام معاصرا لها من أن حكام الدولة العباسية مغتصبون للسلطة، فلا حق لهم فى أخذ الزكاة من الناس (6).
كما أن قوله بعدم إجزاء إنفاذ الزكاة في المخالف راجع إلى تلك الفترة التي يعيشها
(1) المدونة الكبرى: 2/ 305.
(3) مواهب الجليل 2/ 344.
(4) انظر ص 524 من هذا البحث و مراجعه (مسألة الظنين). (5) مجموعة فتاوى ابن تيمية جـ 5/ 89.
(2) ن م والصفحة.
(6) انظر و 525 من هذا البحث (1/556)
صفحة 534
ثانيا)
(1)
كلمة
الإمام فإنها فترة كتمان بالنسبة للأباضية، أضف إلى ذلك ما رموا به من الخوارج، وقد صحح الحنفية وغيرهم بعدم إجزاء دفع الزكاة إلى الخوارج (ولو مر على عاشر الخوارج فى أرض غلبوا عليها فعشره، ثم مر على عاشر أهل العدل يعشره وعلل ذلك بأنه لا حق للخوارج في ذلك العشر إذ ضيع حق السلطان العادل حسب زعمه (2)، وقال فريق من المالكية أيضا بهذا القول حيث قالوا: (وأما أهل الأهواء المضلة كالقدرية، والخوارج، وما أشبههم فمن كفرهم بمقتضى قولهم لم يجز أن يعطوا من الزكاة، ومن لم يكفرهم أجاز أن يعطوا منها إذا نزلت بهم حاجة) (3). واستظهر الحطاب (منهم) هذا القول ومقتضاه أن الحاجة إذا نزلت بمثل هؤلاء أنهم
يعطون، فالخلاف فيهم كالخلاف في الذمي والفاسق وغيرهما.
هذا ما قيل في المسألة وما اختاره الإمام أبو عبيدة، أما الأباضية فإنهم لا يعملون بهذا القول، فيجيزون دفع الزكاة إلى المخالفين لهم في المذهب، ومن الأباضية الذين عاشوا في زمان أبي عبيدة من يقول بدفعها إلى غير الأباضية عبد العزيز، وشعيب، وهما من تلاميذ الإمام (4). (فإن كان الإمام مستغنيا عن الزكاة قسم فيهم العمال صدقة كل بلد في فقراء أهله من موافق، ومخالف) (5).
، وهم عبد الله
بن
المسألة السابعة والعشرون: في ادخار الزكاة: وإذا رأى جماعة المسلمين أن يحبسوا شيئا من الزكاة لأجل رأى رأوه فهل يحل لهم أم لا؟ فأجاب: أنه إذا كان حبسه لا لغائب ولا لأجل استبداد لبعض دون بعض، فجائز
لهم حبسه حتى ينفذوا رأيهم فيه لإصلاح المسلمين (6)، وذلك إذا قام جماعة المسلمين مقام الإمام في جمع الزكاة وإنفاذها، أو قام المحتسب مقام الإمام فقد قيل: إن لهم ما للإمام من الجمع والإنفاذ لأجل أنهم قائمون بأمور الجماعة (إذا كان الناس في زمان
(1) بدائع الصنائع: 2/ 38.
(2) نفس المصدر والصفحة.
(3) مواهب الجليل: 364/ 344/2. (4) الإيضاح: 2/ 111. (5) قواعد الإسلام: 54/ 2.
(6) انظر ص 525 من هذا البحث.
557 (1/557)
صفحة 535
الكتمان إنما يفعلون صدقاتهم أن يدفعوها لمن أسندوا إليه أمورهم واختاروه لأنفسهم، مثل ما كان يفعله المسلمون في حال كتمانهم كانوا يدفعون حقوقهم لأبي عبيدة، وحاجب والربيع من بعدهما، وإلى من كان بعدهم من قادة المسلمين رحمهم جمعوها عنده فقد. برئوا منها لأنه بمنزلة الإمام في ذلك) (1).
المسألة الثامنة والعشرون: فى حمل الشريك على شريكه:
الله، فإذا
وفي الشريكين إذا ادعى أحدهما أنه أدى زكاته، أو وعد بالتسليم فهل على الشريك أن يزكى سهم صاحبه مع سهمه؟ وإن قال لا يؤدى فماذا يلزم
الشريك؟
قال: إذا ادعى التسليم أو وعد بذلك وسكت فلا يلزم شريكه شيء، وإن قال: لا يؤدى ففى المسألة رأيان أحدهما أنه يلزم شريكه أن يؤدى عن سهمه وسهم شريکه، والرأى الثاني: لا يلزمه إلا سهمه وهو مختار الإمام أبي عبيدة (2).
وعند الحنفية إذا قال: أديت بنفسى فإنه لا يصدق وإن حلف، وقال الشافعي: يصدق لأنه أوصلها في المستحق، واحتج الحنفية بأن حق السلطان فيها باق، وهذا مبنى على أن له أن يأخذ من الزكاة (3).
بن
حنبل
وعزى هذا القول أيضا إلى الشافعي وأبى ثور (4)، واختار الإمام أحمد أن أصحاب الأموال لا يحلفون على إخراج الزكاة لأنهم مؤتمنون على أموالهم (5). وقد مرت هذه المسألة في تصديق أصحاب الأموال على أموالهم (6)، وأما مالك فيقول: بأن أصحاب الأموال يصدقون فيما ادعوه من التسليم عن أموالهم قال: (والناس مصدقون فى ذلك ويقبل منهم فى ذلك ما دفعوا) (7). وأنه لا يحمل نصيب الشريك على شريكه إذا لم يبلغ خمسة أوسق لكل منها (8)، وهذا هو قول الحنابلة حكى ذلك
(1) الإيضاح حـ 2/ 123. شرح النيل جـ 248/ 3 وما بعدها.
(2) انظر مي 525 من هذا البحث.
(4) المصنف: 6/ 210.
(6) راجع 525 من هذا البحث - منهج ا الطالبين جه
(3) الهداية: 106/ 1. (5) نفس المصدر والصفحة.
44/ 5
(7) الموص: 1/ 273
001
(8) المصدر السابق ص 276. (1/558)
صفحة 536
ابن تيمية (1).
وعند
الأباضية
يجب حمل نصاب الشريكين على بعضهما البعض، ولو لم يبلغ
نصيب كل واحد منهم المقدار الذى فيه الزكاة إذا كان بالحمل يصل النصاب.
المسألة التاسعة والعشرون: حمل الثمار بعضها على بعض: وإذا كان لرجل خمسة أوسق من التمر مثلا، وعنده وسقان من الزبيب فهل يحمل
الزبيب على التمر، ويؤدى في الجملة عن الذي لم يصل النصاب أم لا؟ فقال: في ذلك قولان، الأول: للأصحاب وبعض الفقهاء أن يؤدى من كل ما. أنبتت الأرض قليلا كان أو كثيرا من جميع الحبوب والثمار، وقال: (وهو رأيي وبه نأخذ والقول الثانى لبعض الفقهاء من الأصحاب وغيرهم أن لا زكاة إلا ما فيه خمسة أوسق ولا يحمل بعض الثمار على البعض (2).
وفي قوله ورأى أصحابنا، وقوله وهو رأيى نظر، ذلك لأن رأى الأباضية الذى جرى عليه عملهم أنه لا زكاة فيما دون خمسة أوسق من الحبوب الستة لا غيرها، وأن لا تحمل الثمار بعضها على بعض إلا الثمار من النوع الواحد، وقد قيل: يحمل البر على الشعير وما أشبههما، لا التمر والزبيب كما لا يحمل عليهما غيرهما (3).
وقد روى الربيع عن الإمام أبي عبيدة أنه لا تجب الزكاة فيما دون خمسة أوسق، وليس في غير الحبوب الستة زكاة.
قال الربيع: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة والأوقية أربعون
درهما، وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة وليس فيما دون خمس ذود صدقة، (يعني خمسة أبعره وليس فيما دون أربعين شاه صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (4).
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ 5/ 23.
(3) المدونة جـ
2/ 10
(2) انظر ص 526 من هذا البحث.
242 وما بعدها ـ جامع ابن بركة جـ 1/ 604 / 617 المصنف 6/ 268 ـ الإيضاح 2/ 14 وما بعدها ـ منهج الطالبين 5/ 41 / 42. قواعد الإسلام: جـ 2/ 24/21.
(4) الجامع الصحيح: 85 - المدونة جـ 1/ 243 - منهج الطالبين: 41 الحديث وليس فيما دون خمس أواق. إلخ، رواه البخارى كتاب الزكاة - باب وجوب الزكاة. 219/ 2. وفي باب زكاة الورق: 2/ =
صدقة ...
009 (1/559)
صفحة 537
فظاهر هذا أن مذهب الإمام أبي عبيدة القول بعدم وجوبها فيما دون الخمسة الأوسق لروايته الحديث، وكان مذهبه القول بوجوبها في القليل والكثير ثم رجع عنه.
وما قاله الإمام أبو عبيدة سابقا هو مذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عبد العزيز من تلاميذ الإمام (1)
أو لعل مذهب الإمام وحده القول بوجوبها في القليل والكثير ولم يعمل بالحديث وذلك لأنه يري أن الزكاة حق في الأرض لا في الذمة حسبما بيناه سابقا (2)، ولكنه يشكل على هذا القول وجوبها في جميع ما أخرجت الأرض كما هو رأى الحنفية، وكذلك قالوا بوجوبها في القليل والكثير (3)
والقول بعدم وجوبها فيما دون خمسة أوسق هو مذهب الإمام مالك بن أنس (4)، ويرى مالك عدم حمل نصيب الشركاء وعلى بعضهم البعض إذا لم يبلغ نصيب كل واحد منهم النصاب (5)
لكنه يخالف الجمهور في إيجابها فيما يدخر ويطعم من الحبوب كلها، ولكنها إذا بلغت النصاب فهو يوافق أبا حنيفة في ذلك (6)، وليس من رأيه حمل الثمار بعضها على بعض حتى يبلغ كل منها خمسة أوسق كاملة (7).
وقال أحمد: يجب العشر فيما يبس ويبقى مما يكال، ويبلغ خمسة أوسق من جميع الحبوب، واستثنى الخضر والفاكهة، وهو قول أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة (8)
المسألة الثلاثون: فى أصحاب المعاصى هل يعطون من الزكاة؟:
وفي رجل قذف رجلا بالزنا، أو قذف رجلا باللواطة فعل أو فعل به، أو فسق
= 234 ــ 240 ــ النسائي ــ كتاب الزكاة - باب زكاة الإبل: 17/ 5 - أبو داود: كتاب الزكاة ـ باب ما تجب فيه
الزكاة: 94/ 2
(1) أبو غانم المدونة جـ 1/ 242 ـ الإيضاح: 2/ 15. (3) بدائع الصنائع جـ 2/ 244 - الهداية: 2/ 109 / 110. (4) الموطأ جـ 1/ 244 / 245/ 272 / 275/ 276.
(5) المصدر السابق ص 272 (7) نفس المصدر السابق ص 274.
(2) انظر ص 526 من هذا المبحث.
(6) نفس المصدر السابق ص 273. (8) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ 5/ 21. (1/560)
صفحة 538
مسلما، أو لعنه، أو ضلله، أو قال له: يامرائى، أو شهد بالزور عند الحاكم من غير طلب منه وحضر ذلك رجل من أهل الفضل في الدين في نظره، وحلف له أنه على حق فشهد له ضد رجل، أو شهد على مسلم فيما يضل به المشهود عليه هل يعطى الشاهد المشهود عليه؟
جميع
فأجاب: من قذف رجلا أو ضلل مسلما، أو شهد بزور على رجل ولو طلب منه ذلك ذو الفضل في الدين، أو نسب إلى مسلم الرياء، فإن هذه الأفعال تفسق صاحبها وتجعله من أهل الضلال، فيحرم من الحقوق ويبرأ منه حتى يتوب (1)، وذلك لأن هذه الأعمال من الكبائر المحرمة، وفيما إذا قال للمسلم: يا كلب، ويا خنزير، أو يانجس، أو ياخبيث، ويا خشكنان (2)، أو يا نار، أو يا قواد، أو يا جهنم، أو يا خائن، أو يا كذاب فهل يمنع قائل هذه الألفاظ للمسلم من الحقوق؟
ينبغي
أن
يسب
فالجواب: بأنه لا يمنع من الحقوق بقوله هذا، ولكن قوله رد عليه إذ لا. المسلم بمثل هذه الألفاظ (3)، ولكن هذه ليست من الكبائر التي يحرم بها قائلها من
الحقوق.
وقد مر بالدف (4).
القول في إعطاء الزكاة لأهل المعاصى في مسألة المتبرجة والتي تلعب. ومن المعلوم أن المشهود عليه يعطى من الزكاة لأنه لا ذنب له في شهادة الزور (5)، والقذف وكذلك رميه بالسب والألقاب القبيحة، إلا إذا اكتملت عليه
الشهادة.
المسألة الحادية والثلاثون فى رجلين تداعيا وتجاهدا فتحالفا على حق من الحقوق. وإذا ادعى رجل على آخر حقا من الحقوق فجحده ثم تحالفا على أن كل واحد منهما محق فهل يعطيان من الزكاة؟
فأجاب: بأنهما يعطيان (6)، وذلك لأن الدعاوى بين الناس ليس في أصلها. من
(1) انظر ص 526 من هذا المبحث.
(3) راجع من 526 من هذا المبحث.
(2) لفظة أعجمية لا أفهم معناها.
(4) راجع ص 524 من هذا البحث.
(5) إن شهادة الزور من الكبائر التي قرنها الرسول علا الله بالشرك، وهي من جملة السبع الموبقات التي وردت في
الحديث وقد سبق تخريجه.
(6) انظر ص 527 من هذا المبحث. (1/561)
صفحة 539
المعاصي، وإنما جحود الحق هو من المعاصى. ولما أن تحالفا لم يعلم المحق منهما من المبطل فلا يمكن حرمان أحدهما وإعطاء الآخر، إذا لا. سبب يقتضى ذلك وتغليب الحق لأحدهما دون الآخر ترجيح بدون مرجح.
وهذه المسألة من المسائل العادية التى لا يحتاج الأمر فيها إلى مقارنة.
المسألة الثانية والثلاثون: فيمن شرب المسكر:
وعن رجل شرب النبيذ حتى سكر أو شرب غيره من الأشربة المتخمرة هل يعطى من
الزكاة؟
قال: إنه فاسق ولا يعطى حتى يتوب (1) لأن السكر حرام، وقد أوجب الله تعالى عليه الحد على لسان رسول الله عليه السلام، ومضى على ذلك إجماع الأمة فمن سكر بعد قيام الحجة عليه، فهو ضال يحرم من حقوق الفقراء ولو كان منهم. وتندرج هذه المسألة تحت أصحاب المعاصى الذين يحرمون من الحقوق، وقد مضى مثل هذه المسألة (2).
المسألة الثالثة والثلاثون: فيمن فرط في الحج:
فيمن كان مستطيعا من ناحية الاستطاعة المالية والبدنية ففرط حتى افتقر فهل يعطى من الزكاة أم لا، ويعتبر بهذا عاصيا؟
قال: أما مثل هذا فإنه يعطى ولا يحرم بسبب تفريطه وقت استطاعته (3)، ووجه قوله هذا: أن الحج من الفروض التي يجوز تأخيرها فهو من الفرائض غير مؤقتة الأداء إذ يجوز تأخيرها ما لم يحن الموت، وهذا هو قول الجمهور فلا يعتبر عاصيا بالتأخير، وقال بعضهم: يجب أداءه بعد الاستطاعة حالا (4).
(وأما من لزمه الحج وافتقر فله أن يأخذ من الزكاة ما يتبلغ به إلى الحج ويحج) (5) فهذا نص في المسألة، ولعل هذا القول هو معتمد الأباضية اعتماداً على جواز تأخير
(1) انظر ص 528 من هذا البحث. (3) انظر ص 528 من هذا البحث.
(2) انظر ص 524، 526 من هذا البحث
(4) قواعد الإسلام جـ 2/ 129، الإيضاح 2/ 113. (5) منهج الطالبين: 5/ 24.
562 (1/562)
صفحة 540
الحج.
المسألة الرابعة والثلاثون في المرأة الأباضية تكون تحت مخالف:
وفي امرأة من جماعة المسلمين (الأباضية (تكون تحت مخالف هل تعطى من الزكاة أم لا؟.
قال: القول فى هذه المسألة أن هذه المرأة تعطى ويوفر له ولا يضرها كونها تحت مخالف (1)، لأن الزواج بين المسلمين كلهم حلال، إلا المحارم مادام الزوج كفوا للزوجة، فلهذا لا تمنع شيئا من الحقوق وهذا هو رأى الأباضية (2).
وقد نصوا على أن الزكاة يجوز دفعها إلى أهل الخلاف من المسلمين (3).
المسألة الخامسة والثلاثون فى رجل وامرأة لايفقهان العربية: وفي رجل وامرأة لا يفقهان العربية ولا يقرآن ولا يتعلمان، ولكنهما دخلا في الإسلام فهل يعطيان من الزكاة وهما لا يتعلمان؟
فأجاب بأنهما يعطيان على قدر فقرهما وحاجتهما، وذلك إذا كان جهلهما لأجل بلادتهما لا لأجل تقصيرهما في التعليم، فإن كان لتضييع وتقصير في التعلم
فلا يعطيان (4)
وجهلهما بالعربية لا يضرهما ولا يحرمهما من العطاء وذلك لأنهما يشملهما وصف الفقير الذى تجب له الزكاة، فليس هناك مانع من إعطائهما إلا إذا قصرا في طلب العلم الذي لا يسع جهله فهما عاصيان في هذه الحالة، ويحرمان لأجل المعصية لا لأجل اللسان.
المسألة السادسة والثلاثون فى إعطاء الفقراء من غير موضعهم:
إذا
جمع
الأمين الطعام في بعض المواضع فيعطى الفقراء من موضع آخر فهل له
ذلك؟ وإذا جاء شخص آخر يشترك في عطية الكل؟
(1) انظر ص 528 من هذا البحث
(2) انظر جامع ابن بركة 2/ 152 - المصنف 2/ 228 /229
(3) شرح النيل: 6/ 6، قواعد الإسلام: 57/ 54/2. (4) انظر ص 528 من هذا البحث.
563 (1/563)
صفحة 541
قال: إنهم شركاء في المواضع الأخرى ولو كانت الزكاة في مواضع متفرقة، وكذلك لو كان هنالك عدة أمناء ولكنهم اتفقوا على إدماجها وتوزيع ما في جميع المواضع على الكل فهم شركاء في الكل (1)
وهذا يعتبر من صلاحيات أمناء جمع الزكاة على نظر الصلاح للفقراء وغيرهم، لأنهم مكلفون بذلك، وهذا في غير زمان الإمام العدل كما بيناه سابقا (2)
وذكر في الجواب عن مسألة أخرى زيادة عما في السؤال وهي:
إذا تلفت الزكاة من بعض البيوت وكان التالف معروفا من زكاة شخص معين فعلى صاحبه رد مثله، وقد بحث الفقهاء هذه المسألة، وعند الأباضية فيها قولان فمن جعل الأمين بمنزلة الوكيل قال: يلزمه ضمانها، لأنها لم تصل أصحابها، ولأنه ليس بأمر الإمام، ومن قال: إن أمين الجماعة بمنزلة الإمام لأنه مفوض عن المسلمين بأمر الإمام وقد أمر أن يسلمها إلى الثقة فسلمها له فليس عليه ضمان ما تلف منها (3). وصحح الشيخ أبو محمد القول بالضمان كما هو رأى الإمام أبي عبيدة، وجعله بمنزلة الوكيل ولو كان الأمين ثقة
وحكى صاحب المصنف القولين ولكنه اختار القول بعدم الضمان إذا كان الثقة أمينا للإمام، أو أقامه جماعة المسلمين فليس على صاحب الزكاة ضمان (4). أما صاحب الإيضاح فإنه برأ الدافع من الضمان لأنه دفعها إلى ثقة عنده (وإن دفع زكاة ماله لمتولى وهي حاضرة فتلفت قبل أن تصل المدفوع له، فإنه قد برأ الدافع في هذا لأنها
حاضرة) (5).
وصرح المالكية.
بعدم
الضمان إذا عز لها فضاعت من غير تفريط
(1)
ومقتضى هذا
أنه إذا سلمها إلى جماعة المسلمين الأمناء ليوزعوها مع غيرها من زكاة غيره فتلفت أنه
ليس عليه ضمان
(1) انظر ص 528 من هذا البحث.
(2) راجع وم 557 من هذا البحث.
(3) جامع ابن بركة 1/ 599/598. (4) المصنف 6/ 241 / وما بعدها. (5) الإيضاح 2/ 126 انظر منهج الطالبين 5/ 181 قواعد الإسلام 2/ 58. (6) مواهب الجليل 2/ 363. (1/564)
صفحة 542
المسألة السابعة والثلاثون في الأمين يفرق ما يجمعه كل مرة على حدة، وفى الأمين الذي رضى به الجماعة يجمع الزكاة، فيفرق كل مرة ما يحصل من الطعام من غير أن ينتظر ما يأتى من بعد وكلما جاءه شيء فرقه في الأصناف المخصوصة فهل له ذلك؟
قال: إن له ذلك لأنه مفوض فى نظر ما يراه صلاحا لمستحقى الزكاة، إلا إذا اتخذ مكانا آخر لجمع الزكاة، ولا يعلمه الفقراء ولا ابن السبيل، أو أنه يفرق الزكاة بنفسه من غير نظر الجماعة، ولكنه أشهد على ذلك فإنه يجوز له ذلك، لكن الجماعة أولى بأن يناظرهم ويجتمع هو وإياهم على رأى واحد، والأولى أن تجمع الزكاة كلها في مكان واحد ليتم تفريقها من ذلك المكان بحيث يعلم الفقراء موضع التفريق، ولا يكون هناك مكان لا يعلمونه (1)
هذا
وهذه من الأمور الاجتماعية فى الوقت الذى يقوم فيه الجماعة أهل الحل والعقد ومقام القائم الشرعي بالأمر أو يقوم من يفوضه الجماعة في أمورهم الدينية والاجتماعية بجمع الزكاة وتوزيعها على المستحقين من الفقراء وغيرهم، ويكون هذا الحال في زمان الكتمان، وقد سبق بيان مثل هذا الأمر في المسألة السابعة والعشرين من البحث (2)، وقد مرت كثير من الفترات الزمنية على الأباضية على هذه الطريقة سواء في المشرق أو المغرب نظير ما هو سائد اليوم في المجتمع الأباضي بوادي ميزاب بالجزائر، فإنهم يؤدون الزكاة إلى الأمين ليوزعها على المستحقين من جميع الأصناف.
المسألة الثامنة والثلاثون في دفع الزكاة إلى الصنف الواحد:
وعن رجل يأمر الأمين أن يعطى عشوره كله لابن السبيل مثلا، أو الفقراء بمعنى أنه يدفعها لصنف واحد من أصناف مستحقى الزكاة فهل له ذلك؟ وهل يكون المعطى شريك الجماعة في زكاة أخرى؟
قال: إن له ذلك وهذا أمر حسن جميل ويرجع الأمر فيه إلى نظر الأمين، فإن رأى ذلك حسنا فهو حسن (3)، فإن كان الذى أصابه الصنف المعطى من هذا القبيل يكفيه
(1) انظر - 529 من هذا البحث.
(2) راجع ص 557 من هذا البحث.
(3) انظر ص 515 من هذا البحث. (1/565)
صفحة 543
لقوته وقوت عياله على قدر حاجته العائلية، فإنه يكون مستغنيا ولا يعطى من زكاة أخرى. وإن لم يصب من هذا السبيل ما يغنيه فلا مانع من أن يعطى زكاة أخرى، ويكون شريك الجماعة إذا لا مانع من إعطائه لأنه لم يصل حد الغنى فيحرم من
العطاء.
وقد سبق ذكر حد الغنى على اختلاف الفقهاء في هذا البحث (1).
وقد قال الجمهور يجوز إعطاء الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية، وهو مذهب الإمام أبي عبيدة رحمه الله وخالفهم الشافعى فقال بوجوب استيعاب الأصناف الثمانية في الزكاة، وأن يعطى من كل صنف ثلاثة على الأقل وهو ما يصدق عليه الجمع. قال فى الإيضاح: (وإن لم يحضر هؤلاء إلا صنف واحد أخذ جميعها إلا العمال) (2) وقد سبق ذكر مثل هذه المسألة في أول هذا الفصل. (3).
المسألة التاسعة والثلاثون ونصها: وأما ما ذكرتم من رجل أرى الجماعة حرمة رجل، والأمين يحرم رجلا من غير ريبة ظاهرة أترى له أن يعطى له عشوره؟
فالرأى إذا كان ذلك من رأى الجماعة بعد اجتهاد حرموا قرابته أو غير قرابته، فلا أرى له مخالفة الجماعة لعدل رأوه، لأن الجماعة بذلك أمرت وبذلك قامت السنة، فلا أرى له مخالفة السنة، وإن غلطت الجماعة فى فى قرابته أو غير قرابته ناظرهم فإن كان القول قوله رجعوا إليه، وإن كان الأمر كما رأوه فليس له أن ينازعهم، وإن كان عن
النسيان ألحقوه بالعطية ا هـ.
هذا
المسألة هو نص وهي في موضوع الحرمان من الزكاة، ولكن السؤال مضطرب، أما الجواب فهو أوضح وقد حاولت التوصل إلى معنى السؤال، ولكن كلما
(1) راجع ص 520 من هذا البحث. الهداية: 1/ 113.
(2) الإيضاح: 2/ 117 وانظر بداية انجتهد: 1/ 338 معارج الآمال: 199/ 16) مواهب الجليل 2/ 353 فتاوي
ابن تيمية 19/ 257 / 259 "
(3) راجع هذا البحث ص 514. (1/566)
صفحة 544
قربت إلى فهم شيء منه وجدت الجواب:
ثم عرضته على شيخنا المفتى أحمد بن حمد الخليلي، ونائبه الشيخ سعيد بن خلف الخروصي، أبقاهما الله، وعرضه الأخير على مستشار وزارة العدل الشيخ محمد بن شامس البطاشي، أبقاه الله، وكل الثلاثة العلماء الأجلاء دء في سلطنة عمان فلم يستطيعوا أن يجزموا في المسألة بشيء.
من
ورأيت أن أكتفى بتحليل الجواب لأنه هو الأهم فى هذا البحث، وكان جواب الإمام في المسألة أن رأى الجماعة لا تصح مخالفته إذ أنهم مكلفون نظر الأصلح والأعدل من الأمور، قال (وبذلك قامت السنة فلا أرى له مخالفة السنة)، لأنه إذا خالف الجماعة فستتفكك الأمور، أن ويجب يحترم قرار الجماعة في الحرمان وغيره لأنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد الاجتهاد الذى أمروا به، إلا إذا اتهم الجماعة بحيف فله مناظرتهم فينافسهم في الأمر ويدلى بحجته، فإذا كان قوله صادقا وجب عليهم الرجوع إلى قوله، وإن كان الحق معهم وجب عليه الرجوع إلى قولهم، وليس له أن ينازعهم، وإن اتضح أنهم حرموه لأجل النسيان وجب عليهم أيضا أن يلحقوه بالعطية، والمسألة على هذا النحو - واضحة لا تحتاج إلى تخريج هذا ما رأيته في المسألة، والله أعلم.
المسألة الأربعون هل تجب الزكاة على الطفل واليتيم؟
وعن الأطفال في حجر المسلم خليفتهم أو غير خليفتهم فهل له أن يزكي عنهم؟ قال: إن أصحابنا يأمرون الخليفة أن يزكى عنهم فهم في عداد المسلمين الذين خوطبوا بالزكاة، وقد رووا ذلك عن. عائشة، وعمر بن الخطاب رحمة الله عليهم، وعن على بن أبي طالب، وعن جابر بن زيد، وفقهاء الأباضية المعاصرين للإمام أبي عبيدة على هذا الرأي، واحتجوا بما سبق عن الصحابة والتابعين.
وزعم بعض أهل العلم أنه لا زكاة عليهم لأنه لا تكليف عليهم حتى يبلغوا، واحتجوا بما ورد في الكتاب العزيز من قوله تعالى وخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها (1). والتطهير إنما يكون من الذنوب، ويكون أيضا على التقرب، ولا
(1) التوبة: 103.
567 (1/567)
صفحة 545
ذنب على طفل ولا تقرب منه. كما احتجوا بأن ذلك رأى ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأما الخليفة فلا يزكى عنهم شيئا من العين نفسه (1).
(2) فقد
وهذا ما قاله في المسألة وقد ورد الخلاف فيها كما ذكره الإمام منذ عصر الصحابة، واحتج ابن بركة لقول من قال بوجوبها في أموال جميع المسلمين من بلغ وغيرهم بقوله: (أمرت بأخذ الصدقة من أغنيائكم وردها على فقرائكم أخرج المشرك من الخطاب فقط، ويدخل فيه جميع المسلمين من بلغ عاقلين أو غيرهم فكل من وقع عليه اسم الغنى من المسلمين صغيرا كان أو كبيرا، عاقلا كان أو مجنونا فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله) (3)
وأجاب على حجة القائلين بعدم الوجوب من قولهم: إن الخطاب لا يقع إلا على بالغ عاقل، فكيف تجب الزكاة على الطفل لا يلحقه الخطاب بقوله: (إن الزكاة فيها معنيان: أحدهما: أن الزكاة حق على الأغنياء فمن زال عنه الخطاب من الأغنياء لم يكن زوال الغرض عنه مبطلا لما وجب في ماله، فإن قال فقد قال الله تعالى: وخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها (4)، والطفل لا يطهره أخذ ماله. قيل له: هذا شيء لا يوصل إلى عمله قد يجوز أن ينفع الله الطفل إذا بلغ بما أخرج الإمام والوصى والمتولى له. من ماله قبل بلوغه (5)، واستدل لذلك بأن امرأة أخذت بعضد صبى إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقالت يارسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك (6) أجر على الصبي، والمجنون، وذكر صاحب الإيضاح أن سبب الخلاف في وجوب الزكاة على الصبي والمجنون اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية هل هي حق عبادة اشترط فيها البلوغ
(1) انظر ص 530 من هذا البحث
ورفعته
(2) (أمرت أن آخذ الزكاة من أغنيائكم، أردها على فقرائكم) .. أخرجه البخارى بلفظ (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائكم وترد في فقرائهم (باب إخراج الزكاة من بلد إلى بلد 55/ 5 ابن ماجه كتاب الزكاة - باب وجوب الزكاة: 2/ 215 النسائى بهذا اللفظ كتاب الزكاة باب فرض الزكاة: 1 /
568
(3) جامع ابن بركة جـ 1/ 602 قواعد الإسلام 2/ 53.
(4) التوبة: 103.
(5) جامع بركة: 1/ 602/601.
(6) الحديث رواه مالك في الموطأ: 1/ 1 جامع الحج 422 رواية عن ابن عباس مسلم كتاب الحج باب حج الصبي وأجر من حج به 409 ابن حنبل: 1/ 244/219/ 288 ابن ماجة من رواية جابر بن عبد الله رقم 2910: 2/
971 وقد استند أيضا بأدلة أخرى نظراً: فقه الإمام جابر بن زيد 264.
568 (1/568)
صفحة 546
كالصلاة والصوم؟ أم هي حق واجب للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال عبادة اشترط البلوغ والعقل، ومن قال حق للفقراء من الأغنياء واعتبروا وجود النصاب وصحح القول بوجوبها (1) وكأن هذا القول هو المذهب الأباضي عموما، وهو مذهب الإمام جابر بن زيد وقال به من الصحابة عمر، وعلى وعائشة كما تقدم، وقال به أيضا جابر ابن عبد الله، وابن عمر، والحسن بن على ومن التابعين ابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وقال به مالك، والشافعي والحسن بن صالح، وربيعة الرأى، وأحمد بن حنبل، وابن
حزم (2).
وممن قال بعدم وجوبها في مال الصبى والمجنون الحسن البصرى، وإبراهيم النخعى، وسعيد بن جبير وحكاه العلامة السالمي عن بعض الأباضية، وقال هو قول
الحنفية (3).
والذي نقله ابن رشد عن الحنفية هو القول بوجوبها عليها فيما أخرجته الأرض وأما الماشية والعروض والنقدان فلا زكاة عليها فيها عندهم وهو الذي يفهم من كلام الإمام أبي عبيدة فى مقابل القول بالوجوب ولكنه لم يصرح به.
، (4)
، عنهم
(0)
واحتج الذين قالوا بعدم وجوبها في مال الصبي والمجنون بقولهم: إن الزكاة عبادة كالصلاة، وقد سبق اعتراض ابن بركة على هذا الاستدلال (6)، وبما روى عن النبي ما الله. م من قوله: رفع القلم عن: ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق وبقوله تعالى: وخذ من أموالهم ... إلخ» وقد احتج
(V)
(1) الإيضاح: 6/ 2 منهج الطالبين: 5/ 40 قواعد الإسلام 2 بداية المجتهد: 1 معارج الآمال 14/ 15 وما بعدها 16 جـ 5 شرح النيل 2/ 8.
(2) فقه الإمام جابر: 264 - بدائع صنائع 2/ 59 بداية المجتهد 1/ 01 / 302 مجموعة الفتاوى لابن تيمية 17/ 25 مواهب الجليل 2/ 252.
(3) بداية المجتهد: 1/ 301 معارج الآمال: 4/ 75 فقه الإمام جابر 265/ 266
(4) بداية المجتهد: 1/ 301.
(5) انظر ص 522 من هذا البحث.
(6) رفع القلم .. إلخ أخرجه البخارى كتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والكره في السكران وانجنون وأمرهما 81/ 7 النسائي: كتاب الطلاق: باب لا يقع طلاقه من أزواج 6/ 156 أبو داود: كتاب الحدود: باب في
الجنون يسرق أو يصيب حدا 4/ 139 (7) السالمي معارج الآمال 81/ 79/14. (1/569)
صفحة 547
العلامة السالمي بهذه الآية على الوجوب حيث قال: والضمير لعامة المسلمين والتخصيص محتاج إلى دليل .. والظاهر أن القول بوجوبها أقوى دليلاً لتظافر الأدلة عليه، وللإيراد على أدلة المانعين.
المسألة الحادية والأربعون: في بناء المساجد من الزكاة
وهل يجوز أن تبنى المساجد من الزكاة أو تصلح منها الطرق، أو يجهز منها الغزاة أو يبنى بها دار للإمام والمسلمين فتكون ملكا لهم، وذلك إذا استغنى عنها المسلمون حسب نظر الإمام والمسلمين في هذه الأمور؟.
قال: إن الزكاة فرضت لتقوية الفقراء، وهذا هو سبب فرضيتها فلا تصرف في غير ما أمر الله الأصناف التي بينها في كتابه العزيز نصا، ولهذا لا يجوز بناء المساجد من منها، ولا إصلاح الطرق وخلافهما (1).
وسكت عن شراء الدار للمسلمين حسب نظر الصلاح أو تجهيز الغزاة، ولكنه
أجاب إجمالاً عنها من أنها لا تنصرف مصرفا عـ عما الله في كتابه، لا ليتخذ بها سمى المساجد، والظاهر أنها تشترى الدار للمسلمين برأى الإمام.
وقد نص الأباضية والحنفية على أنه لا يجوز بناء المساجد من الزكاة، ولا الإصلاح للطرق بخلاف الغزو في سبيل الله فإن سبيل الله عندهم خاص بالجهاد (فقط لا يدخل فيه بناء المساجد، أو طباعة الكتب وتوزيعها ولا إصلاح الطرق والجسور وغيرها مما لا يتناوله الجهاد) (2) قال في الإيضاح: (وفي سبيل الله ففى أثر أصحابنا عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب رضى الله عنه (يعني به الغزاة في سبيل الله إذا لم يكن في الغنى كفاف) (3).
ونص على أن للإمام أن يستعين بجميع الزكاة لعز الدولة إذا احتاج إلى ذلك، لأن
عز الدولة أولى من إعطائها للفقراء، إذ ليست قسمتها كقسمة المواريث (4) وقال: أبو حنيفة أيضاً بهذا القول، وجعلوا إصلاح الطرق وبناء المساجد من بيت
(1) انظر ص 530 من هذا البحث مواهب الجليل 352/ 2.
(2) الإيضاح 114/ 2 الهداية: 113/ 1: معارج الآمال 190/ 189/16. (3) المصدر نفسه، الهداية 113/ 1.
(4) الإيضاح: 117/ 2 قواعد الإسلام 54/ 2.
570 (1/570)
صفحة 548
المال من طرق أخرى كالغنى، والمعدن وخمس الركاز والصوافي وغيرها (1)، وقال
بعض الحنفية: إن سبيل الله يشمل جميع القرب التي يراد بها وجه الله (2) وقال مالك: سبيل الله مواضع الجهاد والرباط، فيدخل فيها بناء الدور لعز الدولة، وكذلك قال الشافعى، واشترط بأن يكون جاراً للصدقة، وذلك لأنه لا يجوز نقل بلد الى بلد إلا في الضرورة. (3). واشترط الحنفية أن يكون الغازي فقيراً فلا
الزكاة
من
تعطى الغازي الغنى خلافاً للشافعي (4).
وذكر العلامة السالمي أن الشافعى يقول: بإعطائه ولو كان غنياً وهو خلاف ما حكاه صاحب الهداية عنه (5)
وجعل بعض الفقهاء الحج من سبيل الله حيث قال: وفي سبيل الله وهم الغزاة الذين لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم، فيعطون ما يغزون به أو تمام ما يغزون به من خيل وسلاح ونفقة وأجرة والحج في سبيل الله (6)
وقد مر بنا سابقاً أن من أراد الحج من الفقراء أعين من الزكاة على ذلك، ولو كان مضيعا له بأن كان غنياً فلم يحج ثم افتقر، وذلك لأجل فقره وإعانته على الطاعة لا لكونه داخل تحت مفهوم (سبيل الله)
(V)
وإلى هنا انتهت المسائل وقد دخلت سبع مسائل وهى متكررة ضمن بقية المسائل لأنه لا داعى إلى تكرار النصوص مع اتحاد المعنى، والله ولي التوفيق.
ويجدر بنا أن نضع في آخر هذا البحث ملحقا برسالة أبي عبيدة إلى أهل المغرب في مسألة الحارث بن تليد، الحضرمي وعبد الجبار بن قيس المرادى، اللذين وجدا مقتولين وسيف كل واحد منهما في الآخر فحدث النزاع الفقهي بين الأباضية الولاية، والبراءة منهما وكاد يقع الانشقاق لولا أنهم أرسلوا بذلك إلى الإمام أبي
(1) بدائع الصنائع 69/ 2 بداية المجتهد 1/ 431 الهداية 112/ 1
(2) بداية المجتهد (431/ 1 مواهب الجليل 350/ 2.
(3) بدائع الصنائع 43/ 2 معارج 1 الآمال 190/ 16. (4) الهداية 112/ 1 مواهب الجليل 350/ 2 / 352. (6) مجموعة فتاوى ابن تيمية 28/ 274.
(5) معارج الآمال 16/ 189. (7) انظر ص 528 من هذا البحث.
في
071 (1/571)
صفحة 549
عبيدة، وحاجب بالمشرق فكتب إليهم هذه الرسالة فخمدت الفتنة (1). وذلك بعد
عرض خاتمة البحث كما يلى:
(1) انظر: البحث نفسه صفحه 579
072 (1/572)
صفحة 550
573
خراسان
ه بغداد
لكونه
الرماة
الطالبة
ماء
رشي
الدهناء
الربع الخالي
مغريون
نيام
النفوذ
المجريون
القيروان
سفانه مليله
بون الخمسان
کا نقطہ اور
واجي زواره
نظر الجريد هو جلان
نامرد نا
مارنه
ه ردان
ه زويله
الدولة الاسلامية في القرن الثالث الهجري
تظهر فيها أسماء الاماكن الواردة في البحث،
+ LT (1/573)
صفحة 551
الخاتم
رأينا فيما سبق أن الإمام أبا عبيدة مسلم بن أبى كريمة التميمي هو من التابعين، إذ ظهر من خلال البحث أنه نشأ وعاش بالبصرة فى الفترة ما بين 45 هـ الى 145 هـ، وفي هذه الفترة كان كثير من الصحابة على قيد الحياة، وظهر لنا أنه روى عن بعضهم مما يؤكد لنا صحة ذلك.
وظهر من خلال البحث أيضاً مكانة البصرة التى عاش فيها هذا الإمام، والأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها البصرة خاصة والدولة الإسلامية عامة في الفترة التي تهم البحث، والتي عاش الإمام المشار إليه في خضم أحداثها، مما جعلته يتأثر بتلك الأحداث فينحى منحى العلماء الذين ابتعدوا عن الشبهات، ومخالطة أولى السلطة، لئلا يفتتن هو بهم، ولا يفتتن بهم غيره في المجتمع الذي حوله. وتبين أيضاً أن الإمام أبا عبيدة كان من الموالى المعدودين الذين أخذوا من الإسلام بنصيب وافر، وساهموا في رفع شأنه بكل ما أوتى من جهد، وكان على خلق حميد، ومقام رفيع بين أقرانه ومعاصريه، فكانت له مكانة علمية وقدرة إدارية ظاهرة بين معاصرين من الأباضية وغيرهم.
ورأينا كيف عاصر نشأة الفرق الكلامية في الإسلام فكانت له مناظرات مع بعض أصحاب الفرق مدافعة العقيدة الصحيحة، وقد عد فيمن تأسى بهم الأباضية يومئذ عن بل كان أكبر شيوخهم بعد جابر فقام بالدور الذي كان يقوم به جابر من الإفتاء والتعليم والإرشاد، فكانت ترد إليه الاستفسارات من المشرق والمغرب ويؤتي إليه للمناظرة في علم الكلام فتعلق به الأباضية وائتموا به، ولذا حاولنا البيان عن الأباضية ومنهجهم وعلاقة الإمام بهم.
فكان من جراء ذلك أن امتحن هذا الإمام مع زميله ضمام بن السائب الندبي العماني، كما امتحن غيره يومئذ من العلماء المصلحين فدخل سجن الحجاج، وذاق أليم تعذيبه فلم يزدهما ذلك إلا صلابة في الحق، وشدة على الباطل وأهله، ويقينا بوعد الله الذي لا يتخلف من نصره بعباده المؤمنين. وإن هذا الإمام كان يرد إليه التلاميذ من المشرق كخراسان وعمان واليمن، وبلاد العراق والحجاز، ومن الغرب كمصر والمغرب، وغير هذه البلدان، فتزودوا منه بالعلم
575 (1/575)
صفحة 552
النافع فرجعوا إلى بلادهم معلمين و مرشدين ودعاة عدل واستقامة، وقاموا بالدور المطلوب منهم سواء من الناحية العلمية بالتعليم ونشر العلم، أو من الناحية السياسية في تغيير المنكر وإماتة البدع، وإحياء السنن فى بلادهم، فقامت إمامة في اليمن، وفي عمان، وفي طرابلس الغرب، واستمرت فترة غير قصيرة من الزمن حتى صار لها نصيب في تاريخ المسلمين، وكانت تلك التحركات أساساً لاستمرار الإمامة في عمان والمغرب.
وظهر للقارئ الدور العلمي الذي بقيت آثاره إلى اليوم في الأقطار التي قدم إليها تلاميذه حاملين لواء العلم والمعرفة، فكان ذلك ثمرة من ثمار جهود الإمام الكثيرة. كما تبين لنا أن للإمام أبي عبيدة آثاراً في التفسير والحديث، إذ هو معدود عند الأباضية من أوثق الرواة لعدالته وتثبته في النقل، إذ أن له شروطاً في رواية الحديث تضاهي شروط أبي حنيفة وأكثر، وكذلك تبين لنا مواقفه من علم الكلام.
كما ظهرت لنا مكانته الفقهية بحيث برز دوره كفقهاء الأمة الإسلامية يومئذ، فأوضحنا انتماءه الفقهى، وإلى أى مدرسة يميل وكيف وصل فقهه إلينا، وما هي سمات هذا الفقه، وكيفية منهجه في استنباط الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين.
وما موقفه من الاجتهاد فى الشريعة الإسلامية، وحاولنا التوفيق بينما نقل عنه في العمل بالاجتهاد، وما نقل عنه في ذمه، إذ ظهرت لنا طريقته في الاستنباط، والأخذ بأدلة الفقه المتفرعة عن الاجتهاد كالمصالح المرسلة والقياس والاستصحاب وسد الذرائع الأدلة من التي لا يستغنى عنها الفقيه، فمثله مثل أى تابعى عاصر الصحابة وأخذ عنهم، وقد حاولنا في جميع ذلك أن نأتى بأمثلة للتطبيق العملي الذي قام به هذا
وغيرها
الإمام. وحاولنا أيضاً إبراز طريقة التقليد عند الإمام وهل له شيء من المواقف التي خالف فيها شيوخه، أو خالفه فيها تلاميذه، وخالفه فيها غيره من الأباضية في عصره، أو بعد عصره، أو خالفه فيها غيرهم مما يوضح المنحى الاجتهادى عنده وذلك حسب نظرته إلى مأخذ الحكم وقوة الدليل، فاتضح من خلال ذلك أن له مسائل ينفرد بها وقد أتينا بنماذج من هذه الاختلافات الفقهية.
واتضح
لنا أن من فقهه الذي وصل إلينا رسالته في الزكاة إلى أهل المغرب،
576 (1/576)
صفحة 553
فحاولنا العثور على عدد من النسخ لنقوم بتحقيقها، وتصويبها من نسبتها إلى الإمام أبي عبيدة.
الأخطاء،
وتحقيق
وقمنا بعد ذلك بدراستها واستخلاص معانيها ومقارنتها بآراء المجتهدين
المعاصرين للإمام أبي عبيدة كالإمامين أبى حنيفة ومالك بن أنس وهل أن الأباضية يوافقونه على ذلك الرأى الذي ورد في الرسالة أم يخالفونه؟.
كما ظهر لنا من خلال الرسالة شدة الإمام على أهل المعاصي، ورغبته في الحرمان لهم من الزكاة ورحمته بالفقراء والمساكين والعطف عليهم والتقريب لهم، وتقديم ذوى الفضل في الدين على غيرهم لأنهم الأفضل في خدمة الإسلام، وعلمنا من خلال الرسالة أيضاً ارتباطه بأهل المغرب وارتباطهم به إذ أرسلوا إليه هذه الرسالة طالبين الإفتاء لهم عن المسائل الواردة فى الرسالة، كما أن الأباضية في البلدان الأخرى كانوا يرسلون إليه باستفساراتهم عما ينوبهم من مسائل هامة فيقوم بدوره بالجواب على هذه الأسئلة، مما يدل على شهرته بين الأباضية في المناطق التي يعيشون فيها، فاختاروه إماماً لهم مع أنه مولى من الموالي، إذ تبين لهم صواب رأيه واستقامة منهجه. وأوضح مجموع البحث لنا عن مكانة الإمام ودوره في خدمة الإسلام والمسلمين والسهر على مصالحهم وما يؤلف بينهم ورغبته فى استقامة منهجهم السياسي والاجتماعي والأخلاقي، وظهرت مكانته الفقهية والاجتهادية ومساهمته في الحفاظ على تراث الإسلام، فكان من أقطاب العلم المعروفين الذين بذلوا ما في وسعهم لرفع شأن الإسلام، فأضفنا بذلك بياناً عن شخصية من علماء المسلمين ليكون في متناول الباحثين والراغبين في المعرفة الإنسانية سائلين الله العلى القدير أن ينفع به وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
- والله الموفق لما فيه الخير ... وآخر دعوانا أن الحمد لله
رب العالمين.
27 ذو القعدة 1409 هـ
حرر في:
1 يوليو 1989 م.
الطالب: مبارك بن عبد الله الراشدي
الجامعة الزيتونية للشريعة وأصول الدين
معهد الشريعة
077 (1/577)
صفحة 554
ملحق (1)
«بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة الإمامين (العظيمين) (1) أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري،
وحاجب بن مودود الطاني إلى أهل المغرب.
من المسلمين
(2): سلام عليكم فإنا نحمد إليكم الله الذي
إلى من بلغه كتابنا هذا لا إله إلا هو، وإنا نوصيكم بتقوى الله والاجتماع على طاعته والإصلاح لذات البين، والتناصح والتوادد بالصدور السالمة والقلوب الصادقة والكلمة الجامعة والأعمال الزكية، والغلظة والشدة على أعدائكم، والنظر لله ولدينه ولأهل دينه، والتعاون على البر والتقوى والعز للإسلام وأهله.
والوفاء لله بعهده الذى عهد إليكم من العمل بفرايضه التي افترض، والاجتناب لمحارمه التي نهى عنها والتقدم إلى العباد فيها فإن ذلك هو الذي كلفكم الله به فاقصدوا الله وراقبوه وخافوه، وابتغوا ما عنده فإنه يعلم منكم ما لا تعلمون من أنفسكم، وكونوا منه على حذر ومخافة واشكروا لله نعمه عليكم، فإنه قد أنعم عليكم نعماً لا تقدرون قدرها ولا تحصرون كنهها ولا تودون شكرها إلا بعون من الله وتوفيق منه واذكروا نعمته عليكم إذ كنتم أعداء متباغضين، جفاة متدابرين، عماة جاهلين، أذلة مستضعفين، لا تقرأون كتاباً، ولا تعرفون حقاً، ولا تنكرون باطلاً، ولا تهتدون سبيلاً، فمن الله عليكم بالإسلام واستنفذكم به رحمة من الله بكم و اختصاصا منه لكم، واصطناعا بكم بلا يد حسنة كانت منكم قدمتموها إليه فيما بينكم وبينه، ولا مسألة كانت منكم فأجابكم، إلا الذى أراد من المن عليكم ويتخذ به عليكم الحجة، ويبلوكم به اختبارا منه ونظرا لما عندكم، فأعطاكم ذلك ومن به عليكم فأصبحتم بنعمته إخواناً.
و كنتم بين ظهراني قوم هم أفصح منكم السنة، وأشد منكم وأسرع فطنة وأدرس لكتاب الله، فهداكم الله وعمى عليهم وبصركم ما جهلوا، ثم ألف على ذلك قلوبكم (1) هكذا في الأصل.
(2) لا يوجد في الأصل اسم من أرسلت إليه - ويظهر للباحث أنها هي التي أرسلاها إلى أهل المغرب لأجل مسألة الحارث وعبد الجبار عام 133 هـ تقريبا.
579 (1/579)
صفحة 555
وأصلح ذات بينكم وجمع شملكم، وأعز نصركم بعد الذلة والقلة، وأكثر عدوكم وأبلج حجتكم، وأظهر عدلكم على جميع أهل هذه الملة وبلغ بكم ما لم تكونوا تأملون، وشفا صدوركم وأذهب غيظ قلوبكم، ونصركم على عدوكم. وقذف الرعب في قلوبهم بما استحلوا من حرامه وركبوا من معصيته وما ساروا به فيكم من الظلم والفسق والعدوان والجور (1)
قلم تزالوا تعرفون من الله الزيادة والنصر على عدوكم والوهن في عدوكم، حتى استوجب الله بذلك الشكر له والطاعة له وحسن الإجابة لدعوته، والمعرفة لما اصطنع عندكم من آلائه الحسنى وفضله العظيم: قال الله تبارك وتعالى لنبيه والمؤمنين معه: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم. من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين آل عمران: 152.
منه
واعلموا أن الفشل والتنازع في الأمر بعد الكلمة الجامعة، واليد الواحدة أعظم المعصية وأعجلها نقمة وأشدها عقوبة فاتقوا الله عباد الله وانظروا هذا الأمر الذى عجل الله نقمته مع ما ادخر الله من سوء عقابه واتقوه واحذروه، واكرهوا لأنفسكم ما كره الله لكم وما كره لنبيه عليه السلام والمؤمنين معه، فإن الله تبارك وتعالى لو كان يؤخر عقاب الفشل والتنازع عن أحد لأخره ه عن نبيه وعن المؤمنين الذين كانوا. معه، ولكنه سنة فيمن مضى، قال الله تعالى: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير آل عمران: 164.
والتنازع فيما بينكم والاختلاف والتشاجر فيما مر قد كفيتم مؤنته، وعرفتم قلة وسوء عاقبته، وقد أراكم الله من ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر، وآية لمن تفكر، وموعظة لمن تذكر، وإنما يتذكر أولوا الألباب.
منفعته
فعاتبوا أنفسكم جميعا ولوموها وذموها واعترفوا بذنوبكم، وتوبوا إلى الله فيها
(1) يشير إلى ظلم الولاة للبربر بالمغرب.
01. (1/580)
صفحة 556
وارجعوا إلى معالم دينكم، يعز الله بذلك نصركم، ويكبت به عدوكم، ويجمع به كلمتكم بمثل الذى كنتم عليه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.
أما بعد:
فقد قدم علينا من قبلكم من يهتم بأمركم ويحزنه شأنكم، فسألناهم عنكم فأخبرونا خبرا راعنا، وراع من قبلنا من إخوانكم، حتى بلغ حزنه من ذلك ما لا نستطيع أن نصفه، مما وقع بينكم من التحاور والتنازع والاختلاف في أمر لا يختلف يبصر دينه، ويعرف ربه ويخاف، عقابه وما لم يختلف في مثله أحد
فيه أحد
الأمة قبلكم،
حرموه
لأن من
فقال قوم
اختلف من
هذه الأمة
من هذه إنما اختلفوا في حلال استحلوه وحرام
: هذا حرام، وقال قوم: هذا حلال، فاختلف المستحلون والمحرمون،
ثم وصف كل قوم ما في أيديهم فجعلوه دينا يدينون به ويتولون عليه من أتبعهم
خالفهم.
ويفارقون عليه من وإن الذى اختلفتم فيه ليس بشبيه لذلك، الحلال والحرام عندكم واحد، والدين واحد، واختلافكم أنتم في أمر ليس من الدين الذي يكفر به من جهله ولا يضل من ترك معرفته، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1).
كلمة المسلمين،
واعلموا رحمكم الله أن أحب الأمور إلى الله وإلى المسلمين، وأعمها منفعة وأجمعها كلمة عند المسلمين وأصلحها لذات البين، ما الله به وألف بين قلوبهم، وأن أبغض الأمور عنده وعند المسلمين ما فرق الجماعة وصدع
الشعب.
جمع
وإنكم اختلفتم فى رجلين (2) كلاهما كانا عندنا غير محمودين (3) ما أحسنا النظر ولا أحسنا الأمر تر (4) فيما وليا من أمر من كان عندهما من أهل الإقرار بالسمع
1
(1) الأنفال: 1.
(2) هما الحارث بن تليد الحضرمي وعبد الجبار بن قيس المرادي.
(3) الظاهر أن الإمام أبا عبيدة غير راض عن اشتباكهما مع الولاة في المعارك من غير مشورة ولا تخطيط.
(4) بياض بالأصل ولعله تركا.
011 (1/581)
صفحة 557
والطاعة، والتسليم لأمر المسلمين، حتى ختما بما حمل أحدهما من وزر صاحبه، فالله
يلى أصل القضاء بينهما عنده يوم القيامة إذا وقعا بين يديه.
وقد كف الله عنا وعنكم أن يكون واحد منهما أبقى بعده حراما يدين به أحد من بعده، أو تكون شبهة في أنفس بعضكم، وهذا هو الذي يكون فيه الاختلاف، ثم لا يسلم الناس إلا بفراق أهله عليه، فاتقوا الله فإنكم إنما اختلفتم فيما يسع الناس جهله، وفيما يسلمون برده، وسنبين ذلك ونضرب فيه الأمثال والأشباه حتى تعرفوه إن شاء
الله تعالى: أخبرونا لو أن رجلاً من الفريقين دعا رجلاً من ظلمة هذه الأمة إلى الإسلام فقبل ما دعا إليه وأقر به، ثم إن الداعى ذكر أمر هذين الرجلين فقال: أما ما وصفته لى من أمر الإسلام فقد قبلته ورضيت به. وأما هذان الرجلان فلا أذكرهما ببراءة ولا ولاية حتى يتبين لى أمرهما. وقد اختلفتم فيهما، فلا أذكرهما بذكر، ولكن أيهما خالف الحق، فأنا منه برئ وهو عندى مثل من خالفني.
فإن زعمتم
أن ذلك له واسعاً فقد أصبتم وهو الحق إن شاء الله. أن ذلك واسعا له (1). واعرفوا ما أنتم فيه حيث اختلفتم في أمر يسلم الناس برده ويسعهم
جهله والصمت عنه.
وإن زعمتم أن ذلك لا يسعه ولا يسلم حتى يبرأ من أحدهما ويتولى الآخر فإن عامة من ترضون براءته وتردون إليه عامة أموركم وما التبس عليكم منها على مثل منزلة هذا الرجل الذى ضيقتم عليه، وزعمتم أنه لا يسلم حتى يبرأ من أحدهما. وقد وصفت يعيب به صاحبه فلم يصدق واحد من الفريقين على صاحبه ويقطع عذر
عيب ما
أحدهما.
يدين
ولكنا قلنا: من. خالف الحلال الذى يستحل به والحرام الذى به يحر يحرم بدين به، فهو عندنا وفيما بيننا وبين ربنا مثل غيره ممن خالفنا وإن لم نعرفه، وكان عندنا قبل ذلك في ولاية لم نقطع عليه بالبراءة إلا بتثبيت ولا تكون منا العجلة والخرق في البراءة بغير تثبت.
(1) هكذا في الأصل ولعله بالرفع بدل النصب.
582 (1/582)
صفحة 558
واعلموا أن كل من رأيناه يدعو إلى الفرقة والاختلاف ويعنت المسلمين فهو عندنا صغير المنزلة مقيت الجانب (1)
فإن قال قائل منكم فإني قد عاينت من أحد الرجلين ما لا يسعنى إلا البراءة منه، والبراءة ممن تولاه بعد أن أبين له منزلته التي رأيت منه.
فإنا نسأل القائل لذلك: عن رجل من المسلمين رأى رجلاً كان له ولياً يزني. أو يسرق، أو يعمل بعض الأعمال التي تجب بها البراءة ممن ركبها، فجاء الرجل الى المسلمين فقال: إني رأيت فلاناً. يعمل " منه برئ، فسأل المسلمون الفاعل فجحد، فإن زعم أنه لا يصدق عليه وحده،
كذا وكذا فأنا.
ولا
(2)
يؤخذ بقوله، وعليه أن يستتر
بالبراءة منه حتى يعلم منه توبة، لأنه إن أظهر للمسلمين البراءة من ولى لهم، تبرأوا ممن
برئ من وليهم. لا ينبغي له أن يبرأ من ولى المسلمين إلا بتثبيت بينة عند المسلمين، وإن كان عند الله محقاً ولكن يسعه الصمت، فإن زعم القائل: أن هذا. هو الحق فقد وفق وأصاب. وإن زعمتم أنه لا ينبغى له إلا البراءة منه في السر والعلانية، فقد حكمتم عليه أن يجعل المسلمين يبرأون منه ويهجرونه، وكلفتموه من ذلك ما ليس عليه، وليس بين من المسلمين في هذا الاختلاف، فإن زعم أنه يبرأ منه في السر ولا يظهر ذلك عند المسلمين فهذا هو الحق إن شاء الله.
أحد
وهو الذي نريد منكم ونطلبه إليه بأن تكونوا من الرجلين على علم، ولا يظهر أحد منكم على أحد براءة ولكن فيما بينه وبين | الله.
فارجعوا إلى ما كنتم عليه، ودعوا ذكرهما، فإن في ستركم لما في أنفسكم بلاغاً ومتاعاً لكم، واحذروا الغلو والزيغ عن سبيل المسلمين، وأن يقول القائل منكم، إذا كنت عند الله محقاً لم أبال، فإن الله لا أن يخالف حكمه، لأن الله نهاكم أن تعرضوا أنفسكم للبراءة فبالله توفيقنا وإياكم، عصمنا الله وإياكم بالتقوى.
يرضى
والسلام عليكم ورحمة الله وبر كاته ا هـ.
(1) في هذا دعوة إلى الالتئام والوحدة وجمع ا
الكلمة.
(2) فى العبارة اضطراب ولعل الصواب فلا بدل ولا.
083 (1/583)
صفحة 559
نقلته
خط
من الشيخ سالم بن محمد بن يعقوب الجربي الغيزني، ولم يذكر تاريخ
نسخه ولا الأصل الذي نسخها منه.
وهي ضمن كراسة كبيرة صورها منه الشيخ فرحات الجعبيري هي كلها بخطه، وتتضمن مائة وخمساً وثمانين صفحة من القطع الكبير، وكل صفحة تحتوى على خمسة وثلاثين سطراً والسطر 17 كلمة تقريباً، والخط واضح فيها.
584 (1/584)
صفحة 560
ملحق (2)
لقد
وعدنا القارئ بالكتابة عن المشهورين من رواد الدعوة الأباضية في القرن الأول الهجرى، لأننا رأينا أن صفحات البحث ستزيد لو وضعناها في الهوامش، فلذا
خففنا العبء هنالك.
وإنما ذكرتهم لسببين: السبب الأول: لمعرفة رواد هذه الدعوة في بداية أمرها، والثاني: لعلاقة الإمام أبي عبيدة بهم، ولا داعى إلى ذكرهم جميعاً ولكن نذكر أشهرهم فأول هؤلاء الرواد شيوخ الإمام أبي عبيدة، وقد ذكرناهم في نبذة مختصرة داخل البحث. وهم صحار بن العباس العبدى وجعفر بن السماك العبدي، وجابر بن
زيد الأزدى.
أما الآخرون فهم: 1 - الإمام أبو بلال مرداس بن حدير بالحاء المهملة، وقيل جدير بالجيم، وقال الطبري (1) مرداس بن عمرو بن حدير من بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم فهو حنظلي تميمي، ويقال ابن أدية وهى جدته من محارب وهو أخ لعروة بن أدية – الذي عارض الأشعث بن قيس في صحيفة التحكيم بين على ومعاوية - ويكنى أبا بلال، وهو ممن شهد النهروان فنجا فيمن نجا، وشهد صفين مع على وأنكر التحكيم مع المنكرين (2) كما شهد مع على وقعة الجمل هو وأ. و وأخوه عروة (3).
(1) انظر: الطبري - تاريخ: 271/ 6، الدرجيني - طبقات: 2/ 214، البلاذرى _ أنساب: 2/ 336. (2) انظر: المبرد - الكامل: 183/ 2.
(3) مما ينسب إلى عروة عندما رفع أهل الشام المصاحف.
أيحرم أهل الشام منا بشبهة وليس علينا قتلهم بمحرم
فقلنا: كتاب الله خير
وقالوا: كتاب الله يحكم بيننا بحكم قبلناه منكم والحوادث جمة رضينا به في حرمة المال والدم
فإن تقبلوه فالهدى في أكفنا
بضرب يزيل الهام عن مستقره
وإلا اجتلدنا بالصفيح المصمم
وشيكا وطعن بالوشيج المقوم
فلا شيء أدنى من شفاعة ربنا وإلا ففينا من
الدرجيني - طبقات: 226/ 2
585 (1/585)
صفحة 561
صفاته:
كان عالماً زاهداً مقتصداً شديداً في ذات الله، قال عنه المبرد: (كان أبو بلال رجلاً ناسكاً متقشفاً ذا بصيرة نافذة، وعبادة متواصلة، وديانة ظاهرة وبيان بليغ) (1) وقال عنه الدرجينى ومعه أخوه عروة: (بلغا في الورع والديانة والعلم والصيانة الأمد الأقصى ... ) (2). أنه بأعرابي يطلى بعيرا له بالقطران فهرج البعير، شدة خوفه ما يروى و من فسقط مرداس مغشياً عليه، فظن الأعرابي أنه قد صرع، فقرأ في أذنه فلما أفاق قال له الأعرابي: قرأت في أذنك، فقال له مرداس: ليس بي ما خفته على ولكني رأيت بعيرك هرج من القطران فذکرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت (3).
مر
ومن خوفه أنه مر على الحدادين - ومعه رجل من أصحابه – فسقط مغشياً عليه فلم يزل صاحبه يرشه بالماء حتى أفاق، ثم سارا قليلاً فرأيا امرأة جسيمة عليها زينة كثيرة فغشى عليه فلم يزل يرشه حتى أفاق، ورأى رجلاً فغشى فرشه حتى أفاق فسأله الأحوال الثلاثة فقال أما أولاً: فمعاينة النار، وأما الثاني: فإني تفكرت في
صاحبه عن
المرأة كيف تتقلب في النارمع هذه الجسامة والحسن، وأما الثالث: فإن هذا الرجل كان كثيراً ما يفشي مجالس المسلمين فرجع إلى ما رأيت من الهيئة والغلمان والنزهة فاستعذت بالله من سوابق الشقا (4)
الله
و من وفائه: أنه لما سجنه عبيد بن زياد رأى صاحب السجن شدة اجتهاده في العبادة، وحلاوة منطقه فأخبره أنه يسمح له بالمسير إلى أهله ليلاً ويعود قبل الفجر إلى السجن ففعل حتى إذا كانت الليلة التي هم فيها ابن زياد بقتل من في السجن عاد كعادته بعد السحر، وقد فشا الخبر بعزم ابن زياد، فنصحه أهله أن لا يعود إلى السجن لأنه إن رجع إلى السجن فلابد من أن يقتل فقال: ما كنت لألقى الله غادراً، فرجع وأخبر السجان بعلمه بعزم ابن زياد فأعجب به السجان وأخبر ابن زياد عنه
(1) انظر: المبرد الكامل: 2/ 158.
(2) الدرجيني طبقات: 2/ 214 وانظر: الشماخي سير: 64/ 1.
(3) انظر: الدرجيني طبقات: 217/ 12، الشماخي سير: 1/ 66، المبرد - الكامل: 2/ 182.
(4) انظر: الدرجيني طبقات: 225/ 2، الشماخي - سير: 1/ 64.
فأطلق
586 (1/586)
صفحة 562
سراحه (1).
و من شجاعته أنه قال له رجل: إن فرسك حروري يا مرداس فقال: لو أوطأته بطنك، فخاف الرجل وعلم أنه مقتول فجاءه أهله فاعتذروا له (2).
علاقته بالأباضية:
كان أبو بلال من
وددت والله
أئمة الأباضية، بل إن الأباضية أخذوا برأيه وسلكوا طريقته في عدم استعراض الناس بالقتل والنهب ويعدونه من أسلافهم الصالحين وقدوتهم في (3)، وقد أجمع الأباضية على ذلك، فعدوه في جملة أسلافهم الأوائل (4)، وليس كما يقول أبو زهرة وغيره: إنه من أئمة الصفرية (5)
الدين
وذلك لأنه وجابر بن زيد متلازمان کفرسي رهان ولا يكاد أن يفترقا إلا عند السحر، وكان يقول كل واحد منهما لصاحبه: طال شوقى إليك وقد أذاه ما حدث من أم المؤمنين عائشة في معركة الجمل، فسار إليها هو وجابر إلى المدينة فعاتباها عتاب الولد الباره لأمه الحنون فاستغفرت ربها مما أتت وتابت إليه، وهذا دليل ملازمته لجابر
الأباضية.
وهو من شيوخ بالإضافة إلى أنه أخ لغروة مولى الإمام أبي عبيدة، فكانت طريقتهما واحدة، و مسلكهما واحد، ولا تكاد سيرة من السير الأباضية القديمة تخلو من ذكره، إلا أنه لا توجد له مسائل فقهية، ولعل له آثار فقدت في جملة ما فقد من تراث الأباضية القديم بحكم انقراضهم من البصرة.
جهاده:
ابتلى الإمام أبو بلال بما ابتلى به غيره من الصالحين أيام ولاية عبيد على البصرة من المحنة، فسجنه عبيد الله المسجونين، والواقع أن هناك
(1) انظر: سير المسلمين: 309 310، 312، خميس الشقصى منهج الطالبين: 1/ 616. (2) ن م ص: 35، خميس الشقصى منهج الطالبين: 1/ 616.
(3) انظر: أبا زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية: 1/ 84. (4) انظر: خميس الشنقصى منهج الطالبين: 1/ 628. (5) انظر: الشماخي سير: 1/ 65، الحارثي ـ العقود: 107.
الله
من
بن
زياد يكيد لمثل
587 (1/587)
صفحة 563
هولاء الصالحين، روى المبرد في الكامل (1) أن غيلان بن خرشة الظبي ذكر أبا بلال
وأصحابه
وغيره (2)
بسوء
من
عند عبيد الله زياد، واتفقت هذه الرواية مع ما ذكره الدرجيني
بن
أنه كان هناك وشاة يرفعون عنهم ما يكرهون، فماذا كان رد أبى بلال لما لقى غيلان؟ لقد قال له: (قد بلغنى ما كان منك الليلة عند هذا الفاسق من ذكر هولاء القوم الذين شروا أنفسهم، وابتاعوا آخرتهم بدنياهم، ما يؤمنك أن يلقاك رجل منهم أحرص – والله - على الموت منك على الحياة فينفذ حضنيك برمحه) فقال غيلان: لن يبلغك أني ذكرتهم بعد الليلة (3).
ولما أطلق ابن زياد سراح أبى بلال لما أخبره السجان من عبادته (4)، وقتل أخوه عروة، وقتلت البلجاء (5) آثر الشراء فانتخب أربعين رجلا من أصحابه ممن لهم الرغبة في الجهاد، فخرجوا من البصرة قاصدين عمان أو الحجاز، فلما كانوا بالأهواز – وهم لا يريدون قتالاً ولا شراً، ولا استعراضاً للناس ولا نهباً للمال، وإنما كانوا يقصدون
الابتعاد من شر عبيد الله
بن زياد (6)
وقد عاب أبو بلال على قريب والزخاف عندما استعرضا الناس بالكوفة وكانا صاحبى اجتهاد ونسك، إذ قال فيهم: قريب لا قربه الله من الخير، وزحاف لا عفا الله عنه ركباها عشواء مظلمة يريد استعراضهما الناس (7).
وقاطع أبو بلال زياداً - ذات مرة - عندما قال: إنه يأخذ المقيم بالظاعن والمحسن
(1) انظر: المبرد الكامل: 2/ 158.
(2) انظر: الدرجيني - طبقات: 215/ 2
(3) انظر: المبرد الكامل: 2/ 158، انظر: الدرجيني ـ طبقات: 2/ 215.
(4) انظر: المبرد الكامل: 2/ 182
(5) البلجاء من بني تميم كانت من مجتهدى الأباضية ذات عبادة ونسك، أخذها عبيد الله بن زياد، وجرت بينهما محاورة، فقتلها عبيد الله بعدما قطع يديها ورجليها، ورمى بها في السوق عارية فمر عليها أبو بلال بعدما رأى تجمع الناس عليها، فعض على لحيته وقال: لهذى أطيب نفسا عن بقية الدنيا منك يامرداس.
انظر: المبرد الكامل: 12/ 182، الدرجيني طبقات: 2/ 216
(6) انظر: الطبرى تاريخ: 9/ 170، الشقصى منهج الطالبين: 1/ 616.
(7) انظر: المبرد الكامل: 2/ 180.
588 (1/588)
صفحة 564
بالمسيء (1)، والأسباب الثلاثة السابقة كلها أدت إلى خروجه من البصرة وهي قتل أخيه وقتل البلجاء ومقاطعته زياداً.
ولما أراد الخروج أعلن سبب خروجه وما يدعو إليه إذ قال: (إنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجرى علينا أحكامهم مجانبين للعدل، مفارقين للفصل، والله إن الصبر على هذا العظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم ولكنا ننتبذ عنهم ولا قاتلنا (2) نجرد سيفاً ولا نقاتل إلا. من ونصحه عبد الله بن رياح الانصاري عن الخروج من البصرة فأعلن مبدأه أمامه، وأعلنه أيضاً أمام أصحابه الذين اجتمعوا إليه بعدما اشترط عليهم شروطاً بأن كان من عنده انشغال بالدنيا أو رغبة في الرجوع فليرجع (3)، وأعلنه أيضاً لقواد الحملات التي وجهها إليه عبيد الله بن زياد وأعلنها لرجل قادم من خراسان كانت بينهما مخاطبة في
الخروج (4).
وكان كثيراً ما يخرج بالليل في فناء داره قبل خروجه ويتلوا قوله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع
القاعدين (5).
فأرسل إليه ابن زياد الحملات لرده فيهزمهم، وغدر به أسلم بن زرعة الكلابي في الأخيرة حين طلب منهم الهدنة لصلاة الجمعة فقتلوهم بين راكع وساجد (6) وذلك في
(1) انظر: ن م: 183
(2) انظر الجاحظ البيان والتبيين: 2/ 73، الدرجيني طبقات: 2/ 215.
(3) انظر: المبرد الكامل: 2/ 183، الطبري تاريخ: 6/ 2717، سير المسلمين: 286، المالكي، غاية المطلوب: 277، الدرجيني ـ طبقات: 2/ 218، وكان أبو بلال ينتخب أصحابه انتخابا إذ قال لهم من كان لا يستطيع الشراء والخروج في سبيل الله بلا عودة فليرجع، وكان عدد أصحابه أربعين رجلا منهم قريب، وزحاف الطائي، وحريث ابن حجل السدوسي وكهمس بن طلق الريمي وغيرهم من الفضلاء. انظر: الحارثي ـ العقود: 115.
(4) انظر: المبرد الكامل: 12/ 183، 187، الطبري - تاريخ: 6/ 175. (5) التوبة: 46 (6) انظر: سير المسلمين: 275، ابن سلام الإسلام وتاريخه: 131 و ما بعدها، الطبرى تاريخ: 6/ 271، المبرد الكامل: 2/ 183 - 187، الدرجيني طبقات: 2/ 219 وما بعدها، الشماخي سير، 1/ 26، 63.
وقد شك الدكتور عوض خليفات في رواية انتصار أبى بلال وهو في أربعين رجلا على جيش أسلم بن زرعة المازني وهو في ألفين ووجه ذلك بأن أسلم ربما اقتنع بالمناظرة التي جرت بينه وبين أبي بلال، ولا أعتقد أن هناك =
589 (1/589)
صفحة 565
عام 61 هـ ولأبى بلال رسائل إلى أصحابه وكان أبو بلال يأخذ أعطيات الجبابرة باعتبارها من الفيء الحلال، ولذا أخذ أعطياته من المال المحمول إلى ابن زياد عند
خروجه (1).
ولأبي بلال أشعار في حب الجهاد، وذكر سيرة من قبله من الصالحين كما رثى بأشعار كثيرة تركتها خوف الإطالة فليرجع اليها من مظانها.
2 - عبد الله أباض المرى التميمى من مقاعس وقد رأيت أن لا أطيل بن الترجمة عنه، إذ من المعلوم أنه من كبار الأباضية فلذلك نسبوا إليه، ويظهر للباحث أن الأباضية نسبوا إليه عندما اختفى مشائخ الأباضية كجابر وأبي عبيدة وغيرهم بالسجن
والقتل والتشريد.
وقد حفلت كتب التاريخ بذكر هذا الإمام، وعرف مسلكه تجاه أهل القبلة فقد كان مسلكه مسلك أبى بلال وأصحابه، بحيث لم يصوب رأى نافع بن الأزرق في استحلاله لاستعراض والسبى والغنيمة للمسلمين لأنهم ليسوا بمشركين بل كفار كفر نعمة، وفساق فيعاملون معاملة الموفين (2) ولذا لم يوافق على الخروج معه، ورسالته الى عبد الملك بن مروان مشهورة تحمل نماذج من المسائل التي تدور على الساحة يومئذ التي اهتم بها عبد الملك فسأله عنها (3).
= مجالا للشك، وقد روت الكتب التاريخية والأدبية ذلك فهذا المبرد يذكر الحادثة، ومعروف عن المبرد تحفظه فيما ينقله إذ لا ينقل إلا ما كان صحيحا، بالإضافة إلى أن أبا بلال نفسه كتب رسالة إلى إخوانه بالبصرة تعبيراً عن الانتصار الواقع - وأنه عازم على السفر إلى عمان ثم إلى مكة ويذكر لهم أن من أراد اللحاق به فليلحق به في مكة فإذا كانت هذه الرسالة من أبي بلال نفسه فلا يبقى هناك إلا تصديق هذا الانتصار. انظر: د. عوض خليفات: نشأة الحركة الأباضية، 70 ومن الغريب أن الدكتور لم يناقش مسألة غدر عباد بن علقمة بأبي بلال وأصحابه.
انظر: رسالة أبى بلال ضمن: سالم بن يعقوب مجموعة آثار أباضية: 161. مخطوطة نسخة مصورة. (1) انظر: الدرجيني طبقات: 2/ 219، السالمي جوهر النظام: 352، الشماخي سير: 1/ 62 وتوجد عندى رسالته التي وجهها إلى أصحابه بالبصرة يذكر فيها عزمه المسير إلى عمان آثرت تركها هنا لخوف الإطالة. (2) انظر: الطبرى تاريخ: 58/ 7، ابن الأثير تاريخ: 3/ 237 وغيرها من المراجع وانظر ص 169 – 170 من هذا
البحث.
(3) انظر هذه الرسالة في: سير المسلمين: 224 وما بعدها، البرادي - الجواهر المنتقاة: 156 وما بعدها، الحارثي العقود: 121 وما بعدها، د. عوض خليفات نشأة الحركة الأباضية: 172. وانظر: عن حياة هذا الإمام:
=;
590 (1/590)
صفحة 566
وقد ذكرنا نبذة عنه عند الحديث عن الأباضية فليرجع إليه هناك (1).
وشعرائها شاعر بارع، ومحدث ثقة يقول
عنه
3 - عمران بن حطان بن ظبيان الشيباني السدوسي البصري: من أعيان العلماء الذهبي: (من أعيان العلماء ولكنه من رؤوس الخوارج حدث عن عائشة، وأبى موسي الأشعرى، وابن عباس، وروى عنه: ابن سيرين، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج ثم ذكر عمران بن حطان) (2).
وذكر ابن حجر توثيقه وصحة حديثه وذكر أنه القعدة وهو يدين بمذهب
الشراة (3).
من
هذا
واختلط أمر الرواة في عمران بن حطان: فمنهم من يقول: رأس الخوارج، ومنهم من يقول: كان يرى رأى الخوارج، وعابوا على البخارى روايته عنه فكانوا يزعمون أن البخاري إنما خرج عنه حديثاً قبل أن يرى رأى الخوارج، ورد ابن حجر الاعتذار ونقل عن تاريخ الموصل أنه رجع آخر عمره عن رأى الخوارج، قال: فإن صح كان هذا عذرا جيدا وتارة يقولون: لا بأس به وينقلون حديثه في المتابعات، وتارة يقولون: وثقه العجلى وأبو داود، وقال قتادة. كان لا في الحديث (4) يتهم وغاية الأمر أن المحدثين لم يستطيعوا إثبات الوضع على من يسمونهم بالخوارج لاعتقادهم عذاب مرتكب الكبيرة، والكذب من الكبائر عندهم، ويقول فيه الدرجيني: (هو النهاية فى الورع والصلاح وإطراح الدنيا كل الإطراح، لما خصه الله عز وجل من
= الدرجيني طبقات: 2/ 214، الشماخي سير: 1/ 72، الحارثي العقود: 121 وما بعدها، الصوافي ـ جابر بن زيد: 161 وما بعدها، 144.142، 201، على يحيى معمر الأباضية في موكب التاريخ: 152 وما بعدها، عمر با الفكر الأباضي: 6 وما بعدها السيابي إزالة الوعثاء: 67 وما بعدها، أصدق المناهج 62 وما بعدها، سيد محمد عبده - الأباضية مذهب وسلوك 263 وما بعدها، سيدة كاشف – عمان في فجر الإسلام
:68: وما بعدها السيابي طبقات: 77 وما بعدها.
(1) رسالته مشهورة وقد تركتها لخرجها عن الموضوع
(2) الذهبي سير أعلام النبلاء: 4/ 214، وانظر: ابن سعد الطبقات الكبرى: 155/ 7.
(3) ابن حجر الإصابة في تمييز الصحابة: 3/ 178. (4) انظر: ابن حجر ف فتح الباري: 1/ 432، 433.
091 (1/591)
صفحة 567
(1)
فنون العلم والنزاهة، والحلم وشهامة الجنان وفصاحة اللسان ... ) وهو من علماء الأباضية وشعرائهم واعتبره أبو زهرة من الصفرية (2) والواقع ليس
كذلك.
وأصحابه
عبد الملك
كان شاعراً بليغاً، رويت عنه عدة مقاطع من قصائد قالها في رثاء أبى بلال وغيرهم من الشراة، وفى حبه للشراء وفي تنقلاته في أحياء العرب هرباً من بن مروان لما كان هو وواليه الحجاج يسجنون ويقتلون معارضيهما (3) قال عنه الفرزدق: عمران بن حطان أشعر الناس، لأنه لو أراد أن يقول مثلنا لقال، من ولسنا نقدر أن نقول مثله (4) وقال: إن السيد الحميري، وعمران بن حطان لو أخذا في معنى الناس لما كنا معهما في شيء، ولكن الله عز وجل قد شغل كل واحد منهما بالقول في مذهبه (5)
ووجد عمران بن حطان يوماً الفرزدق على باب بعض الأمراء الطائيين ينشد شعراً يمدحه به فلما سمع تجاوزه في المدح قال له:
أيها السائل العباد ليعطى إن لله ما بأيدى العباد فاسأل الله ما رجوت لديهم وارجع فضل المهيمن العواد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه وتسمى البخيل باسم الجواد (6)
وسجنه الحجاج بن يوسف مع من سجن وأتى به ليقتل ومثل بين يديه. فنادى الحجاج، فقال: يا حرسي: اقتل ابن الزانية، فقال له عمران: بئسما أدبك به أهلك يا حجاج: أبعد الموت منزلة أصانعك عليها، ما كان يؤمنك أن ألقاك بمثلها فاستحيا الحجاج وأطلقه (7)
(1) الدرجيني طبقات: 2/ 226، وانظر: الشماخي سير: 1/ 73. (2) انظر: أبا زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية: 1/ 84.
(3) انظر: الدرجيني طبقات: 2/ 227 – 231 وغيره من كتب الأدب. (4) انظر: الذهبي سير أعلام النبلاء: 4/ 214.
(5) انظر: محمد مصطفى هدارة اتجاهات الشعر العربي في القرن الأول الهجرى: 148.
(6) انظر: الدرجيني طبقات: 231/ 2 وانظر ص 104 من هذا البحث.
(7) ن م: 231 - 232.
092 (1/592)
صفحة 568
ومن وفائه لصنيع الحجاج هذا أنه عندما كان يقول له أصحابه بعد ذلك: إنما
أطلقك الله لما رأى في رجوعك إلينا، هلم إلى محاربة الحجاج، يرد عليهم قائلاً هيهات غل يداً مطلقها واسترق رقبة معتقها والله لا أحاربه أبدا (1)
:
ولما عظم خوفه من الحجاج بعد إطلاق سراحه خرج من البصرة هارباً، وجعل يتنقل في أحياء العرب برهة من الزمن تزيد على سنتين، ثم انتهى الأمر به إلى عمان، وجدهم يعظمون أمر أبى بلال أقام فيهم حتى طلبه الحجاج، فخرج عنهم
فلما
()
إلى
الأزد فلم يزل فيهم حتى مات، فلا يعرف مكان موته (2) وكان عام 84 هـ حيان الأعرج: ولا نعرف اسم والده، يقول فيه الشماخي: (كان من
-
4
(4)
العلماء الراسخين، وأهل التقوى والدين من كبراء من صحب جابراً وأخذ عنه) وهو معدود في التابعين، وذكره البخارى، وابن أبي حاتم، وابن حبان (5). وروى عنه يحيى بن آدم القرشي في كتاب الخراج حديثاً في الزكاة من رواية محمد بن سليمان عنه عن جابر بن زيد في قوله تعالى: وآتوا حقه يوم حصاده الزكاة المفروضة (6). ويقال: الجوفى نسبة إلى درب الجوف بالبصرة وهو يروى عن جابر بن زيد، ويروى عنه تميم بن حويص، ومحمد بن سليمان، وقتادة، وسعيد بن أبي عروبة وابن جريج، ومنصور بن زادان ومحمد بن يزيد، وثقة بن معين وعند ابن حبان من أتباع التابعين، فهو من الطبقة الثانية من التابعين (7)
عنه
يقال: إنه من شيوخ أبي عبيدة، ولكنه لم يأخذ كثيراً، وقد سمع من ابن، وروى عنه قوله في المسجد الحرام: (جابر بن زيد أعلم الناس
عباس أيضاً
(1) ن م: 231 - 232
(2) انظر: ن م: 130، الشماخي ـ سير: 74/ 1. وانظر: محمد أطفيش - رسالة شافية: 174 وما بعدها.
سير
-
(3) انظر: الذهبي - ر أعلام النبلاء: 4/ 216، ابن حجر الإصابة في تمييز الصحابة: 3/ 178 (4) الشماخي - سير: 1/ 83. (5) انظر: ابن حجر الإصابة: 1/ 398. (6) انظر: يحيى بن آدم القرشي - كتاب الخراج: 128 والآية من سورة الأنعام (6).
(7) انظر: أجوبة ابن خلفون: 114 نقلا عن تهذيب التهذيب لابن حجر، 3/ 68، والحموى ياقوت معجم البلدان:
مادة جوف. وانظر: الشماخي - سير: 1/ 83.
093 (1/593)
صفحة 569
بالطلاق) (1).
وكان يعيب على الإمام أبي عبيدة تشدده في الفتوى والدين، إذ كان أبو عبيدة يتخذ جوارب يصلى بها فقال حيان عندما بلغه ذلك: لقد أشقانا الله في ديننا إن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة (2) وهو من تلاميذ جابر لأنه يروى عنه، وكان أكبر سناً من أبي عبيدة (3)، ولم نقف على تاريخ ولادته ولا وفاته، لكنه عاش إلى عهد عمر بن عبد العزيز لأنه كان ضمن الوفد الذين ساروا إلى عمر في خلافته بالشام، وسبق ذكر الوفد في الفصل الثاني فليرجع إليه هناك
ه ـ أبو مودود حاجب بن مودود الطائى: تابعى أدرك كثيراً من الصحابة قال فيه الدرجيني: (كان بالاجتهاد موصوفاً وبالزهد والورع معروفاً، وفي ماله حق للسائل والمحروم (4) ويقول الشقصى: هو من أهل عمان ومولده بالبصرة (5) ولم نعثر على تاريخ ولادته، ونسبه الدرجينى إلى طيء وهو المشهور، ولكن الشقصى يقول: هو مولى لبنى هلال.
كان حاجب الساعد الأيمن للإمام أبي عبيدة، فكان القيم بأمر الدعوة وعندما يعلو المسلمين أمر يجمع لهم الأموال والسلاح كفعله عندما تم نصب الإمام طالب الحق
باليمن ونصب الجلندى بعمان (6)
ومات حاجب وعليه خمسون ألف درهم، أو مائة وخمسون فتحملها عنه الفضل بن جندب العماني، وبيعت دار الفضل بصحار في عمان لوفائها وكذلك داره
بالبصرة (7)
كان شفيقاً بالفقراء رحيما بهم يجمع لهم المئونة واللباس، أتاه يوماً رجل ليعطيها أحد المشائخ ليستغنى عن الفقر، فقال له حاجب: بل أفرقها
بأربعمائة
درهم
(1) الشماخي سير: 1/ 67. (2) ن م ص 83.
(4) الدرجيني - طبقات: 2/ 248، الشماخي سير: 1/ 84. (5) انظر: الشقصى - منهج الطالبين: 619. أجوبة ابن خلفون: 114 هامش.
(3) ن م والصفحة.
(6) انظر: ن م 616، الدرجيني - طبقات: 2/ 40، د. عوض خليفات نشأة الحركة الأباضية 119، أجوبة ابن
خلفون 114 هامش.
(7) انظر: الدرخينى طبقات: 2/ 250، سير المسلمين: 349، الشقصى منهج: 1/ 616. (1/594)
صفحة 570
على الفقراء، فأبى الرجل فقال له حاجب: فرقها. شئت، وأبى من أخذها (1). وكان يتجر بالأموال مقارضة لأجل إعانة المسلمين بما يربح فيجتمع عنده المال من ما يصل إلى ثمانين ألف درهم ويقول: إن زكاة ذلك المال على صاحبه (2). يقول عنه البخاري: إنه رأس الأباضية ويتصل بأبى الشعثاء جابر بن زيد (3)، ولكنه قال: كان يتصل بأبي الشعثاء عن طريق عمرو بن دينار، ولا يأتى عمراً إلا من أجل أبي الشعثاء (4)، فقد يكون هذا صحيحاً زمان التخفى والكتمان، وإلا فإن جابراً شيخه فكيف يأتيه عن طريق عمرو فقط (5)
ولا يفهم من كلام الدرجيني أنه لم يلق جابراً عندما كان يخاطب حمزة الكوفي في أمر القدر، فإن الذي لم يلق جابراً هو حمزة (6).
واتهمه البخاري والدارقطني باعتقاده مذهب الأباضية فعده الدارقطني في الضعفاء الذين لم يتابعوا على رواياتهم (7)، فقد كان هذا عندما قرر أهل الحديث أن مذهب الأباضية تهمة مع تصريحهم أن الأباضية لا يكذبون لأنهم لا يستحلون الكذب ويبرأون من الكذب
كان حاجب من الفقهاء المعدودين، وممن لهم الباع الطويل في القيام بأمر الدعوة، وخير دليل على ذلك ما جاء فى سيرته التي بعث بها إلى اليمن للإمام طالب الحق (8) ورسالته التي أرسلها إلى المغرب هو والإمام أبو عبيدة التي وضعناها ملحقاً البحث، فإنهما تبينان مقدرة الرجل ومكانته العلمية، ومواقفه الشجاعة في الحق.
(1) انظر: مجموعة من المشايخ الديوان المعروض: 71.
(2) انظر: ابن سلام الإسلام وتاريخه: 134. (3) انظر: البخاري التاريخ الصغير: 2/ 16.
(4) ن م والصفحة.
بهذا
(5) هذا فيه رد على قال أن أبا الشعثاء يبرأ من الأباضية، وليس أباضيا كما في طبقات ابن سعد، وكانت روايته عن
من
جابر عن ابن عباس.
انظر ن م والصفحة هامش. وقد رد على هذه الدعوى الدكتور يحيى محمد البكوش.
انظر: يحيى البكوش فقه الإمام جابر بن زيد: 26 وما بعدها، د. عوض خليفات، نشأت الحركة الأباضية 93 وما
بعدها.
(6) انظر: الدرحيني طبقات: 2/ 244.
(7) انظر الدار قطنى الضعفاء والمتروكين: 426.
(8) انظر: سير المسلمين: 576 وما بعدها.
595 (1/595)
صفحة 571
فكان يؤكد حق الرعية فى أن يستشيرهم الإمام فى الأمور المهمة، يعنى أهل الحل والعقد منهم وخاصة في أمر الحرب وما يشبهه (1)، بالإضافة إلى ذلك فكان له مجلس يعظ فيه، ويذكر ويتذاكر فيه أمور أهل الدعوة فيما ينوبهم، ولا يدخله إلا كبار المسلمين: إذ كان حاجب رجلاً مهاباً ذا حنكة إدارية وسياسية، فكان له دور في تنظيم المجالس وحل المنازعات سواء منها ما كان داخل البصرة أو خارجها، فكان يبعثه الإمام أبو عبيدة ليقوم بحل النزاعات القائمة بين أهل الدعوة من الأقطار في موسم الحج (2). وكان خطيباً بارعا (3) يحث أصحابه على القيام بأمر الدعوة، وما يزال يتمثل بمقالة سلمة بن سعد عندما وصل المغرب، إذ تمنى أن يظهر أمر الدعوة ولو يوماً واحداً ثم لا يبالي أن يقتل بعدها (4)
وبلغ حاجب مرتبة كبيرة من التقوى والورع، فكان لا يترك صلاة الجمعة فيتأخر لإتيانها إذا أصبح عليه صباح الجمعة في المصر (5)
في
وكان حاجب بجانب كونه فقيهاً وخطيباً وتقياً وورعاً قائماً بأمر الدعوة الإسلامية، إذ كان يكافح عن أمر العقيدة فقد ناظر القدرية إذ حدثت المناقشات بينه وبين حمزة الكوفي الذي ناظره الإمام أبو عبيدة أولاً، ثم ناظره حاجب (6)، ومما جاء سيرته إلى اليمن: (ولا يكن أمر يؤتى فى قسم ولا حكم ولا أخذ ولا عطاء، ولا أحد ينال حقاً بولاية تثبت له، ولا أحد يقطع حقه ببراءة تثبت عليه، إلا بعد عدل معروف في كتاب الله وسنة نبيه علل و آثار الصالحين، فمن ترك هذا ضل وأضل من تولاه بعد حجة الله عليه ببيان ما أتى من الضلال ودعاء العلماء له إلى ذلك بحجج الكتاب والسنة) (7)
وتوفى حاجب في خلافة أبي جعفر المنصور قبل وفاة الإمام أبي عبيدة فيما يرويه الشماخي في السير (8)، من غير تحديد لسنة الوفاة
(1) انظر: ن م ص 581.
(2) انظر الدرجيني طبقات 2/ 248 250، 251، 252، الشماخي سير: 1/ 84.
(3) انظر: الشماخي سير: 1/ 84.
(4) انظر: سير المسلمين: 581.
(5) انظر: الدرجينى طبقات 2/ 252: الشماخي سير 85/ 1 (6) انظر: الدرجينى طبقات: 2/ 244، الشماخي سير: 79/ 1.
(7) سير
المسلمين: 581.
(8) انظر: الشماخي سير: 1/ 85.
596 (1/596)
صفحة 572
6 - أبو الحر على بن الحصين بن مالك بن الخشخاش بن الحارث بن مجفر بن
كعب العنبري المكي (1)
:
من التابعين أدرك كثيراً من الصحابة، ويقال لأبيه مالك:
بن
(أبو الحر)، فهو على بن الحصبي بن الحر (مالك) كان والده الحصين من. عمال خالد الوليد على بعض نواحي الحبرة زمن الفتوح في خلافة أبي بكر، ثم كان عاملاً لعمر
ابن الخطاب على ميسان من أرض العراق، وعاش إلى زمن الحجاج (2)
وأبوه وجده الخشخاش، وعماه عبد وقيس من الصحابة، وعندما وفد مالك وأبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كتب لهما كتاباً فيه أمان (3)، فجده صحابي وأبوه تابعي، وهو تابعى روى عنه الإمام أبو عبيدة وابن جريج
(4)
فلهذا كان أبو الحر من عرب البصرة، لأنه عاش بالعراق مع والده لما كان والياً لعمر، ثم انتقل بعد ذلك إلى مكة وإليها نسب (5).
(6)
وأسرة الخشخاش أسرة عريقة ولعلها من عمان حسبما يرويه الباحث المعاصر السيابي، وهم من بنى مجفر بن كعب وكانت هذه الأسرة من أهل الدعوة (المسلمين) منذ عهد مبكر، وذلك لأن عبد الله بن الحسن بن الحصين ابن أخي أبي الحر كان قاضياً للبصرة موالياً للأباضية، ومن أبناء عمه سوار بن عبد الله والد كعب قاضي البصرة أيضاً، ويقال: إن جد كعب هذا كان أشد أهل البصرة عبادة وأفقههم، وطلب منه أبو بلال مرداس اصطحابه عندما عزم على مغادرة البصرة فراراً من ابن زياد، وقال له: ما ترى جوار ابن زياد، فقال: قد أراه ولا أرى الخروج (7)
فهم على اتصال وثيق بأبي بلال، وكان أبو الحر زاهداً في الدنيا
(1) انظر: البخارى التاريخ الصغير: 2/ 16، الدرجتني طبقات: 2/ 289. (2) انظر: ابن حجر الإصابة: 1/ 336، الكلبى هشام بن محمد جمهرة النسب:
ومن
السباقين
(3) نص الكتاب (هذا أمان من محمد رسول الله لمالك وعبيد وقيس بنى الخشخاش، إنكم آمنون مسلمون على دمائكم وأموالكم، لا تؤاخذون بجريرة غيركم، ولا يجنى عليكم إلا أيديكم انظر السالمي - شرح الجامع الصحيح: 3 /
014
(4) انظر: الدار قطنى الضعفاء والمتروكين: 464، السالمي. شرح الجامع الصحيح: 3/ 615. (5) ن م، والصفحة ابن حجر الإصابة: 336/ 1. (6) انظر: السيابي طلقات المعهد الرياضي: 34. (7) انظر الكلبي جمهرة النسب: 257.
597 (1/597)
صفحة 573
إلى الفضل الراغبين في الآخرة، فقيها (1) سمع الحديث عن والده ومن شيوخ الأباضية کجابر، وأبي عبيدة، وسمع عمر بن عبد العزيز، وروى عنه ابن جريج وغيره (2)، وعده الدارقطني من الخوارج (3)، وهذا طبيعي إذ أنه يعتبر الأباضية من الخوارج.
كان لأبي الحر مجلساً من مجالس العلم بالبصرة ومكة للتدريس والذكر (4)، وقد وثقه البخاري في تاريخه حيث قال عنه: (وكان على بن الحصين ها هنا وأى رجل كان، هل كان ها هنا رجل يشبهه) (5)
ومعنى
ذلك أنه
عجب من
المال
ثقته وعدالته، وكان أبو الحر رجلاً ذا يسر من سخياً بماله وكانت أمواله بالبصرة وتأتيه غلته إلى مكة فيقسمها قسمين، قسم للفقراء، والقسم الثاني نصفه لمؤنته، ونصفه لما ينوبه أو لمن يعوز من إخوانه (6
ويعد أبو الحر من المربين الناجحين فكان يستصلح حال الشباب الذين يغريهم الشيطان بسوء العمل، فقد سرق منه شاب يخدمه قطعة ذهب فباعها فادعى أنها ضاعت منه، فقال له: في الله الخلف، ثم رآها أبو الحر مع الصائغ فعرفها فسأله عنها، فأخبره أن أناساً من المخزوميين دفعوها إليه ليصوغها، فسكت فسأل الصائغ المخزوميين فأخبروه بأن الفتى الذى يخدم أبا الحر باعها لهم، فسأل أبو الحر المخزوميين فأخبروه بذلك، فلما حضر موعد مجلسه، دعا جماعة من مشائخ المسلمين ليتكلموا في الأمانة ويعظموا من أمرها، ففعلوا والفتى حاضر فلما انفض المجلس، جاء الفتى إلى أبي الحر فأقر وتاب، فقال له أبو الحر: هي لك فحسنت حال الفتى حتى مات (7).
واشتكت امرأة إلى أبى الحر ابنها الذي فسدت أخلاقه وبذر أمواله، فدخل عليه أبو الحر وتكلم عنده كلاماً حسناً ليقربه إليه، وتصدق عليه بستة أثواب وثلاثمائة. اثنان، ولوالدته اثنان، ولأخته اثنان، فتاب الشاب وحسنت حاله، ولازم
در
هم
له
(1) انظر: الشقصى منهج الطالبين: 1/ 628، السالمي شرح الجامع: 3/ 615، الشماخي سير 1/ 92. (2) انظر الدار قطني في الضعفاء والمتروكين: 464. (3) ن. م والصفحة. (4) انظر: الدرجيني طبقات: 2/ 270.
(5) انظر: البخاري التاريخ الصغير: 2/ 16.
(6) انظر: الدرجيني طبقات: 2/ 269، الشماخي - سير: 1/ 93. (7) انظر: الدرجيني - طبقات: 2/ 269 - 270، الشماخي - سير: 93/ 1
598 (1/598)
صفحة 574
أبا الحر حتى قتل معه يوم وقعة مكة (1).
ومن ورعه أنه أهدى إليه بساط فيه تصاوير فباعه، فقال له أبو أيوب وائل: إنما
البساط مما يوطأ ويتمهد فأبى إلا بـ
بيعه
(2)
اهتمامه بإخوانه في الدين أيضاً أن أخاه زاره من البصرة، فكان أول قدومه و من عليه وهو في مجلس الذكر فلم ينهض له بل جره إليه، وأجلسه، ودخل عليه رجل قادم في تلك الجلسة، فقام له وصافحه وقبله فوقع فى نفس أخيه فقال له: يا أخى
من
عمان
إن مودة هذا غير مودتك، لأن مودة هذا فى الدين وأنت مودتك في النسب (3). وبجانب ذلك فقد كان له دور سياسي ضد ولاة الجور، فاستدعاه مروان بن محمد مكبلاً بالحديد، فحمل إليه فلحقه أصحابه فى الطريق ففكوه وأعطوا الأمان لحامليه، فقال أبو الحر: أما إنكم وقد فعلتم فلا تغدروا (4).
وكان قائداً من قواد جيش طالب الحق بالحجاز (5). فكان ضمن جيش أبي حمزة الذي انتصر على أهل المدينة في وقعة قديد، ولما وقعت الهزيمة على بلج بن عقبة في وادى القرى سار أبو الحر إلى مكة، فلحقهم جيش مروان هناك فقتل أبو الحر متحصناً في منزله بعد دفاع مستميت استمر فترة من الزمن (6)، وكان ذلك عام 131 هـ، وهكذا كانت وفاة أبى الحر في سبيل الله شهيداً بهذه المعركة
ضمام بن السائب الندبي الأزدى العماني: يكنى أبا عبد الله كان من الفقهاء المعدودين للمعضلات (7) يقول عنه الدرجيني: (كهف اليتامى والأرامل، المفزوع إليه في النوازل ... وكان ذا رفق وتلطف واجتهاد وتقشف) (8).
(1) انظر: الدرجينى طبقات: 1/ 271، الشماخي سير: 1/ 94.
(2) انظر: الدرجنيني طبقات 2/ 271، الشماخي سير: 931. (3) انظر: ن م ص 272.
(4) انظر: ن م ص 263، الشماخ - سير: 1/ 92.
(5) عندما نصب طالب الحق كتب إليه أبو الحر رسالة يحثها فيها على القيام بالعدل. انظر: سالم بن يعقوب آثار علماء الأباضية: 1: 176 177، المالكي غاية المطلوب: 68 - 69 باختصار.
(6) انظر: البخاري التاريخ الصغير: 2/ 16.
(7) انظر: ابن سلام الإسلام وتاريخه 135، الشقصى منهج الطالبين: 1/ 616. (8) الدرجيني طبقات: 2/ 247246، السالمي شرح الجامع الصحيح: 1/ 171.
099 (1/599)
صفحة 575
(1)
وقال الشماخي: ضمام بن السائب من أهل العلم والتحقيق والكاشف أمر المعضلات عند حصر ذوى الضيق) فهو من العلماء العاملين، أخذ العلم عن جابر ابن زيد وغيره، ويقال: إن ما أخذه عن جابر أكثر مما أخذه عنه أبو عبيدة، وهو زميل أبي عبيدة وصنوه، ذاقا مرارة سجن الحجاج جميعاً ونالهما من التعذيب والتنكيل ما لا يوصف (2)
أجل
ومكثا في السجن مدة غير قصيرة حتى صارا يقصان شاربهما بأسنانهما، من منعه أن يدخل عليهما شيء من الجديد الحاد، وصار القمل يتساقط من شعورهما، وكان يطعمهما خبز الشعير وملح الجريش ويسقيهما الماء والملح المضروبين حتى ظهرت الرغوة منهما))
(3)
وصار ضمام يضيق مما حل به فيقول له أبو عبيدة: على من تضيق يا ضمام (4)، وبلغ الحال بالحجاج أن يأمر ببناء بيت بالقصب مطلى بالعذرة على ثلاثة من رؤساء الخوارج لم نعثر على أسمائهم، فماتوا بعد ثلاثة أيام، واستمر التعذيب لمن في السجن ووقع الموت فيهم، فاستشار طبيباً مجوسياً في أن يدله على طعام يعذبهم ولا يؤدى بهم إلى الموت، فأشار عليه بإطعامهم الزيت والكرات فصلحت حالهم، ولم تمت البقية الباقية ولما سئل المجوسى عن ذلك قال: لعله يموت فيخرجون ومن مات فلا مطمع فيه (5).
ولم يخرجا من السجن إلا بعد موت الحجاج عام 96 هـ في خلافة سليمان بن عبد الملك (6).
وقيل عن ضمام: إنه راوية جابر بن زيد فكان عندما يفتى الناس في الموسم أكثر رواياته عن ضمام فيقول: إنما أخذت العلم عن جابر، فجل حديثه قال جابر،
(1) الشماخي سير: 81/ 1 وانظر: الجيطالى قواعد الإسلام: 1/ 79 – 80 بالهامش. (2) انظر: الدرجينى طبقات: 2/ 247، الشماخي سير: 1/ 81، عمر مسعود الربيع محدثا: 162. (3) انظر: الدرجيني طبقات: 2/ 247، الشماخي - سير: 1/ 81، عمر مسعود الربيع محدثا: 163. (4) انظر: ن م والصفحات و انظر: السيابي - إزالة الوعثاء: 34
(5) انظر: الدرجيني طبقات: 2/ 247 - 248، الشماخي سير: 1/ 81. (6). انظر: ص 215 .. هذا البحث وما بعدها، وانظر: الطبري - تاريخ 7/ 127.
600 (1/600)
صفحة 576
وسمعت جابراً (1).
ويروى أن الإمام أبا عبيدة أخذ عنه (2)، ولكننا لم نعثر على ما يؤكد ذلك، فقد يكون أخذه عنه قليلاً، وروى عنه في الجامع الصحيح ثلاثة أحاديث (3)، أخذ عنه
الربيع بن حبيب وآخرون واغتنى بجمع روايات الربيع عنه أبو صفرة عبد الملك بن صفرة بعنوان «روايات ضمام
(4)
وبجانب كون ضمام ذا مكانة عظيمة في الفقه، فقد ناظر القدرية وروى عن جابر مناظرة الخوارج (5)، فكان في معترك الحياة الفكرية القائمة يومئذ في البصرة وغيرها من أحواز العراق.
ولم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته، ولكنه توفى ـ فيما يظهر قبل وفاة الإمام أبي عبيدة، إذ لم يكن له أثر عندما قامت ثورة طالب الحق باليمن والجلندى بعمان أبو نوح صالح بن نوح الدهان العماني: سكن البصرة وكان مسكنه في طئ وهو من الفقهاء المفتين الذين يشار إليهم بالبنان، وكان من تلاميذ جابر بن زيد، وأخذ عنه أبو عبيدة، وأخذ عنه الربيع بن حبيب وغيره.
(6)
قال عنه الدرجيني: (شيخ التحقيق وأستاذ أهل الطريق، وناهج طرق الصالحين وناقض دعاوى الزائغين الجانحين، أخذ عنه الحديث والفروع، وكان ذا خشية لله وخضوعاً) (7) وكذلك حكى الشماخى أيضا (8)، فهو من العلماء العاملين الذين عاصروا أبا عبيدة ومع أنه قيل: إنه من شيوخه إلا أنه كان لا يفتى بحضرة الإمام (9).
(1) انظر: الدرجيني طبقات 2/ 210، الشماخي سير: 1/ 82، الجيطالي - قواعد الإسلام: 1/ 79 – 80، الحارثي ـ العقود: 98، السالمي - شرح الجامع الصحيح: 1/ 171.
(2) انظر: ن م ص 79 (4) انظر: ابن خلفون ـ أجوبة: 113.
(3) انظر: الجامع الصحيح: 34، 140، 181.
(5) انظر: السعدى - قاموس الشريعة: 1/ 357، عمر مسعود ـ الربيع محدثا: 164، الجيطالي ـ قواعد الإسلام:
(6) انظر: ابن سلام - الإسلام وتاريخه 134، أبو غانم - المدونة الكبرى: 3/ 310، السيابي ـ طلقات المعهد الرياضي: 36، ابن خلفون أجوبة. 109 هامش السالمي - شرح الجامع الصحيح: 1/ 18 (7) الدرجيني - طبقات: 2/ 254. (9) انظر: الدرجينى - طبقات: 2/ 239، الجيطالي - قواعد الإسلام: 1/ 176، عمر مسعود ـ الربيع محدثا:
(8) انظر: الشماخي – سير: 1/ 82.
166 (1/601)
صفحة 577
وكان من
علماء القرن الأول الهجرى ولم نعثر على تاريخ ولادته: إلا أنه عاصر إفرازات فتنة الصحابة حيث كان يقول: أدركت الناس ثلاثة أصناف: صنفاً يزينون أمر عثمان ولا يفرطون في الإرجاء، وصنفاً يزينون أمر على ولا يفرطون في التشيع،
الله والمسلمون بعد على هداهم وما رزقهم العون والتوفيق وإصابة الحق) (1). من من الفريق المعتدل الآخذ طريقاً الطريقين، وكان أبونوح حريصاً على بين
فهو
دراسة العلم وتعليمه، دخل ـ ذات يوم - على عاتكة بنت المهلب بن أبي صفرة وهى من الأباضيات المشهورات يومئذ - فسألها عمن كان عندها، فأخبرته أن الأحول كان عن مسائل سألته تعنى جابراً ـ فقال لها: فهل ظفرت منه بشيء؟ فأخبرته عنها، فأجابها فيها، وذلك دليل على عظيم حرصه على اكتساب العلم (2)
عنده
وكان أبو نوح من جملة العلماء الصادقين الذين لهم في نشر الدعوة يد بيضاء، فقد ضاق ذرعاً من ظلم الأمويين، واشتد عليه الأمر مما حل بقومه الأزد وأهل الدعوة من التعذيب والتشريد أيام الحجاج، ويحكى الدكتور عوض خليفات: أن أبا نوح في ظل هذه الأزمة ـ كان ينادى بالثورة على الحجاج والانتقام منه عما فعل بالأزد ومشائخ الدعوة، ولكن الإمام أبا عبيدة كان يخفف من حدته ويقول له: إن الوقت لم
-
يحن بعد
(3)
كان أبو نوح يميل إلى اللين والتسامح في فتاويه، و وخصوصاً إذا وجد فيها أثراً عن شيخه جابر، أما أبو عبيدة فيميل إلى التشدد، وقد سلك الربيع مسلك أبي عبيدة ولكل وجهة نظره (4).
وخالف أبو نوح الأكثر من الأباضية المعاصرين له في مسألة ميراث المولى من معتقه، إذا لم يكن له، وارث فقال: بأنهما يتوارثان، ومما أثر عنه قوله: إذا كنت (1) الشماخي سير: 1/ 83 نقلا عن أبي سفيان وفى هدا رد على من يقول أن الأباضية يقفون من على موقف الشيعة من أبي بكر وعمر.
(2) انظر الدرجينى: طبقات 2/ 255 الشماخي - سير: 1/ 82 - 83. الجيطالي - قواعد الإسلام: 186 هامش، عمر مسعود الربيع محدثا: 165.
(3) انظر: د. عوض خليفات: نشأة الحركة الأباضية: 111.
(4) انظر: الجيطالي: قواعد: 176/ 1، عمر مسعود - الربيع محدثا، 165 – 166.
602 (1/602)
صفحة 578
أعقل. عنه ويعقل عني فإني أرثه ويرثنى، وحكى شارح النيل هذا القول عن شيخ أبي نوح أبى الشعثاء، وجمع من الصحابة وهو قول المالكية، والشافعية وغيرهم، وهو قول الحسن البصرى ورجحه الثمينى صاحب متن النيل، وأما الأكثر من الأباضية فيرون توريثه لبني جنسه (1)
ولم نقف على تاريخ وفاة أبى نوح بعدما ترك أثراً في نشر العلم والدعوة الإسلامية، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
وهذا آخر الملحق المتعلق بالمشائخ الذين كانت لأبي عبيدة صلة وثيقة بهم،، أو هم على صلة به وما أكثرهم ولكنني آثرت الاختصار.
(1) انظر: محمد يد أطفيش - شرح النيل: 16/ 518، 519.
603 (1/603)
صفحة 579
الفهارس (1/605)
صفحة 580
الصفحة 331 70 412 429 274 152 01. 328 329 512 340 331 493 (غافر 46) فهرس الآي و أدخلوا آل فرعون أشد العذاب الله و إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا الله (الأنفال 42) ر الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. (النور 2) الله خالق كل شيء (الرعد (16) و إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم الله القيامة (البقرة 174) وإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن و من أوفى ببيعه من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به (التوبة 111) وذلك هو الفوز العظيم الله نو إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون الله (النمل 90) أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من د أنفسكم إن الله على كل شيء قدير. (آل عمران 165) أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبات (المائدة 6) و إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح الله (البقرة 236) وتدمر كل شيء بأمر ربها (الأحقاف (25) عند تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون وتلك حدود الله فلا تعتدوها (البقرة 134) (البقرة 229) ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين)) (الأنعام 143) 607 1 2 4 6 V 8 9 11 12 13 12 (1/607)
صفحة 581
الصفحة 416 530 136 11 331 581 416 481 83 017 188 417 2 VY 331 394،330 412 (النساء (23) م الآي حرمت عليكم أمهاتكم وخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها الله (التوبة 103) وسيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا من (الأنعام 148) عندكم تخرصون وشهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام الله (آل عمران 18، 19) و صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (البقرة 138) و فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم (الأنفال 1) مؤمنين دارم (المائدة 90) و فاجتنبوه که و فاقرأوا ما تيسر منهم (المزمل (20) و فإن لله خمسه و وللرسول الله فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم الله (النساء 6) (الأنفال 41) فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوان (التوبة (83): ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة (النساء 92) و فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرونه (التوبة 122) (المائدة (26) و فلا تأس على القوم الفاسقين الله و قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض ما (آل عمران 137) وكتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين الله (البقرة 180) (الرحمن (26) وكل من عليها فان الله 608 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 (1/608)
صفحة 582
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه - سير وتراجم - تاريخ
------------------------------------------
العنوان: الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه 45-145ه
المؤلف: مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي
[تقديم]: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: مطابع الوفاء
مكان النشر: المنصورة
تاريخ النشر: 1413ه/ 1993م
الطبعة: 1
أصله: أطروحة دكتوراه
الكلمات الدالة: أئمة المذهب الإباضي، الإمام أبو عبيدة مسلم، المذهب الإباضي
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=143&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/114
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 شعبان 1446ه/ 04 - شهر 02 - 2025م. الصفحة كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله الله (آل عمران 110) ليتفقهوا في الدين (التوبة 123) كمثله شيء وهو السميع البصيرة. (الشورى 11) نظره محمد رسول الله والذين. ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ال ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك الهانه أشداء على الكفار رحماء بينهم (غافر 18) (فاطر (2) 199 76 093 818 .. 139 494 346 412 417 432 214 معد تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في إنجيل كزرع أخرج شطاه الله و آتوا حقه حصاده يوم وأحل الله البيع وحرم الرباني و أحل لكم ما وراء ذلكم الله وإذ اعتز لتموهم وما يعبدون إلا الله وأعتز لكم وما تدعون من دون الله الله (انفتح 29) (الأنعام 141) (البقرة 275) (النساء 24) (الكهف 16) (مريم 48) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله فاذكروا اسم الله عليها (الحج 36) صواف والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يمن آثاما. يضاعف له العذاب القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يوم يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيمان ل والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وامسحوا برؤوسكم (الفرقان 68، 69، 70) (البقرة (288) (المائدة 6) و أن ليس للإنسان إلا ما سعى الله (النجم (27) و أولى الأمر منكم اية (النساء 51) 609 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 25 46 47 48 (1/609)
صفحة 583
الصفحة 412 396 329 580 329 589 11 210 271 218 101 الآي وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الله (الطلاق 4) ور بائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم الله (النساء 203) (البقرة 184) و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين الله (آل عمران 152) و للمطلقات متاع بالمعروف حقا على المحسنين الله (البقرة 241) ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة (التوبة 46) ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر لعلمه الذي يستنبطونه منهم الله لومات منهم (النساء (3) وما كان المؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينام (الأحزاب (36) وو من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (المائدة 45) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما وهديناه النجدين (النساء 110) (البلد (4) ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (البقرة 190، المائدة 87) ويدروا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (النور (8) ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبيرة. 271 (الأنعام 103) | 340،155 طولا تزر وازرة وزر أخرى (النجم 26) 431 71. م 49 52 53 54 55 07 08 09 60 62 63 (1/610)
صفحة 584
الصفحة 144 271 413 م 64 66 67 ولا يستوى القاعدون غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله الله (النساء 95) ويأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم الله (النساء 59) يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور ر- يوصيكم الله في أولادكم (التحريم 1) (النساء 11) 611 (1/611)
صفحة 585
الصفحة 475 419 421 فهرس الأحاديث الحديث ابتاع بعيرا ببعيرين وأجاز عبد بعبدين إلا أن هذا يدا بيد». بيع. إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس». إذا ذهب أحدكم لبول أو غائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه) ه إذا رأت المرأة فى منامها ما يرى الرجل في منامه فأنزلت فإن عليها من ذلك ما على الرجل من جنابة». إذا صلى العبد المسلم صلاة الصبح فهو في ذمة الله وذمة رسوله». إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فالربع» إذا قعد المرء بين شعبيها وجب الغسل إذا التقى الختانان وجب الغسل. أطعمه الله وسقاه (الناسي)). و أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام». ألا وقول الزور: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ه التقيت ذات مرة بعبد الله بن عمر رضي الله عنه فسألته. عن قراءة البسملة في الصلاة؟ فقال: (صليت خلف رسول الله له فقرأها، ثم صليت خلف أبي بكر فقرأها، ثم صليت خلف عمر فقرأها، 472،437 91 547 400 400 393 490 527 351 r?q 399 112 568 4470400 م 1 2 وأنا أقرؤها ما دمت. دمت حيا)». الماء منا الماء» الولد للفراش وللعاهر الحجر). 6 Y 8 90 10 11 12 ه امرأة أخذت بعضد صبى ورفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله؟ ألهذا.؟ قال حج نعم. C ولك أجر على الصبي والمجنون». أمرت بأخذ الصدقة من أ أغنيائكم وردها على فقرائكم). ه أمرني حبيبي جبريل عليه السلام أن أغسل فنيكتي وعنفقتي و عنقفتي عند الجنابة». إن أبا طيبة حجم رسول الله الله، فأمر له رسول الله له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه» ... 388 612 هيد يا دير 17 18 (1/612)
صفحة 586
الحديث إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فجاء عمر إلى رسول الله فسأله عما فعل؟ فقال: (مره أن يراجعها ويمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن فتلك العدة التى أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء». أنت ومالك لأبيك وقوله «لهند خذى ما يكفيك وولدك يمس» بالمعروف». إن فاطمة بنت قيس». إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». إن النبي ضحى بكبشين أملحين» إن من البيان لسمرا». ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها، وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». البيعان بالخيار ما لم يفترقا». الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر». الصفحة 387 435 431 418، 460 093 25 537 486 473 484 413 480 494 414 42، 430: 438 م 20 21 22 23 24 20 26 27 28 29» 30 الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء». القاتل لا يرث». المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: نعم إذا رأت الماء». ه المرأة عورة مستورة). إن أحدكم إذا قام يصلى جاءه الشيطان: فلبس عليه صلاته حتى لا يدرى كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس». إنكم ستختلفون بعدى فما جاء عنى فأعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعنى وما خالفه فليس عنى). ه إنكم ستدركون من بعدى أئمة يؤخرون الصلاة عن وقتها فإذا أدركتم ذلك فاجعلوا صلاتكم معهم سبحة أي نافلة». 613 31 32 33 34 (1/613)
صفحة 587
م 35 36 I 37 38 39 14 40 41 الحديث إنما نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه». إنها سكبت لأبي قتادة وضوءاً فجاءت هرة تشرب منه فأصغى أبو قتادة لها الإناء حتى شربت، فقالت كبيشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين مما رأيت؟ قالت قلت نعم فقال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجسة إنما هي من الطوافين والطوافات عليكم:. (ه تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشر)) الجنابة من الليل ماذا أصنع؟ فقال له رسول الله الله تصيبني توضأ واغسل ذكرك ثم نم). جاءت امرأة إلى رسول الله الا الله فسألته عن امرأة وقع في ثوبها دم من دم الحيض كيف تصنع؟ فقال لها رسول الله: (إذا أصاب ثوب إحداكن دم من دم الحيض فلتعر كه ثم لتنضحه بماء ثم تصلى)». جرح العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس». خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخواني الذين يأتون من بعدى، قالوا يا رسول الله: ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي وإنما إخواني الذين يأتون من بعدى وأنا فرطهم على الحوض، قالوا يا رسول الله: كيف تعرف من يأتى بعدك؟ قال: أرأيتم لو كان لرجل خيل غير محجلة فى خيل دهم بهم ألا يعرف خيله، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين وأنا فرطهم على الحوض، وليزادن رجال عن حوضى كما يزاد البعير الضال فأناديهم ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا». خرج النبي عل الله إلى مكة في رمضان عام الفتح حتى بلغ الكديد معه) فأفطر وأفطر الناس. ه خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله عز وجل، فما لم تجدوه في كتاب الله ففى سنتى، فما لم تجدوه في سنتي فإلى أولى الأمر منكم». الصفحة 388 420 400 810 386 440 346 441 4770420 614 42 3. 43 (1/614)
صفحة 588
الحديث رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق». أشده سأل الحارث بن هشام رسول الله الله كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو على فيفصم عنى وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فأعى ما يقول (قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، وإن جبينه ليتفصد عرقا». سئل رسول الله له عن الصلاة في ثوب واحد فقال رسول الله: (أو كلكم يجد ثوبين)). سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير قراءته هو، قال عمر وكان رسول الله له أقرأنيها فلببته بردائي. الخ). فانكحى من شئت ولو رغم أنف أبى السنابل). في الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة لا يقرأون القرأن ولا يطأون مصحفا بأيديهم حتى يكونوا متوضئين. قد حللت فانكحى من شئت». قدمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيسا ملتتا بسمن فأكل منه ولم يتوضأ». كان متخذا منديلا يمسح به بعد الوضوء، وكان بعض أزواجه يناوله إياه فيجفف به قال الربيع قال أبو عبيدة: المعمول به أن لا أعضاءه بعد الوضوء وهو استحباب من أهل العلم وترغيب يمسح منهم في نيل الثواب ما دام الماء على أعضائه». ه كان يجعل الصدقة في الصنف الواحد». كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». كل حمى تجتمع فيه الدواب فهو جبار وكل قليب يحفرها صاحبها جبار وكل معدن جبار وفي الركاز الخمس. كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام». كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس). كنت أنام مع رسول الله له وأنا حائض». ه لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر إلا مثلاً بمثل ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير الصفحة 327 387 420 439 419 439 386 4380422 010 435 440 436 138 447 414 ?? م 45 46 47 48 49 03 540 07 58 09 (1/615)
صفحة 589
الصفحة 470 413 432،413 210 413 387 413 388،201 481 218،210 420 5590474 444 537 386 388 386 483،402 60 61 92 64 65 الحديث لا تطئوا الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى يحضن). لا شفعة إلا لشريك ولا رهن إلا بقبض ولا قراض إلا بعين ولا صوم إلا بالكن عن محارم الله» «لا وصية لوارث». ولا لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» قال الربيع: «يعنى بالكافر هنا المشرك). لا ? D 67 D 68 7.9 Vi 72 لا مجھے 73 74 04 76 v? يقسم ورثتى دينارا ولا درهما ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤمنة عاملي فهو صدقة». يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا شاهده وينكر لا الباطل إذا قدر عليه». لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ قلنا: أجل، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن). لعن الله من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا». ه إلا إن الزمان قد استدار .... الخ). ليس فيما دون خمس أواق صدقة) والأوقية أربعون درهما) وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة وليس فيما دون خمس ذود صدقة (يعني خمسة أبعره (وليس فيما دون أربعين شاة صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». ه ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن». ا ما من عبد يستر الله عليه رعيته فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة) مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إلى عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت». ه من اتقى الله كفاه الله مؤنة الناس ومن اتقى الناس ولم يتق الله سلط الله عليه الناس وخذله). ه من أراد الله به خيرا فقهه في الدين» ه من أصبح جنبا أصبح مفطرا). 616 (1/616)
صفحة 590
الصفحة 493 193 355،32 528،523،218 460،364 485 421 387 819 421 385، 0418 460 483 الحديث من اغتسل يوم الجمعة فراح في الساعة الأولى فكأنه قرب بدنة .... إلخ». من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر له ولو أنه أصاب الحق» السماء من حاز أرضا وعمرها عشر سنين والخصم حاضر لا يغير ولا ينكر الذى حازها وعمرها ولا حجة للخصم فيها). من حكم بين اثنين فكأنما ذبح نفسه بغير سكين». فنهى من حمل علينا السلاح فليس منا». من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). من قاء أو قلس فليتوضأ». نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرب كل خليطين» نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تستقبل القبلة الغائط أو بول» نهاني رسول الله الله عن لبس القسى وعن لبس المعصفر، وعن خاتم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود). نهى رسول الله الله أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو لئلا يذهبوا به فينالوه» نهى رسول الله الله أن يعمد الرجل إلى شر ماله فيزكى منه قال: وخيركم عند الله من يخرج من ماله أحسنه) a نية المؤمن خير من. عمله». يحرم من الرضاع ما يحرم النسب). يصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم». 617 م 79 80 81 82 83 84 ?? 87 88 89 90 91 92 93 (1/617)
صفحة 591
الصفحة 12 58 77 80 101 الأبي فهرس الأشعار البعيدة إذا جهل الإنسان تحقيق أمره فكيف بتحقيق الأمور نفسه ويطمع في فهم الأمور الغريبة عجبا للمرء يجهل) مجهول القائل) بني الله زياد لذكر مصنعة من الحجارة لم تعمل من الطين لولا تعاون أيدى الإنس ترفعها إذا لقلنا من أعمال الشياطين (البعيث المجاشعي) ليست أشياخي بيدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا والقالوا ليزيد لا جربتم (ابن الزبعرى) الغدر مروانا يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد أبناء من أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا يدعون عذرا بعهد الله كيسانا ويقتلون الرجال البزل ضاحية لكى يولوا أمور الناس ولدانا تلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا هواهم في معاصي الله قرآنا (مجهول القائل) إلى امرئ لا تعدينا نوافله أظفره الله فليهنا له الظفر الخائض الغمرة الميمون طائره خليفة الله يستسقى به المطر (الأخطل) تعزت أم حذرة ثم قالت رأيت الواردين ذوى لقاح 618 (1/618)
صفحة 592
أغثنى يا فداك أبي وأمى بسيب منك أنك ذو ارتياح فإني قد رأيت على حقا زيارتي الخليفة وامتداحي سأشكر إن رددت. علي ريشي وأنبت القوادم في جناحي ألستم خير ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح (جرير) ولولا أمير المؤمنين وأنه إمام عدل للبرية فاصل وبسط يد الحجاج بالسيف لم يكن سبيل جهاد واستبيح الحلائل خليفة عدل ثبت الله ملکه على راسيات لم تزلها الزلازل (جرير) فالأرض لله ولا ها خليفته وصاحب الله فيها غير مغلوب (الفرزدق) هو المصطفى بعد الصفيين للهدى وفي العيص من أهل الخلافة والقرب إن الوليد هو الإمام المصطفى بالنصر (الفرزدق) لز لواؤه والمغنم ولو صاحبته الأنبياء ذوو النهي رأوه مع فلا أم إلا أم عيسى علمتها كأمك) جرير) الملك العظيم المسودا خير الأمهات وأمجدا (الفرزدق) إلى ابن الإمامين اللذين أبوهما إمام له لولا البنوة يسجد (الفرزدق) يا خير حى وقت نعل له قدما وميت بعد رسل الله مقبور 619 الصفحة 1.1 101 101 101 102 102 102 (1/619)
صفحة 593
الصفحة 102 102 102 103 103 103 الأيـ إني حلفت ولم أحلف على فند فناء بيت على الساعين معمور كنت النبي الذي يدعو إلى النور لو لم يبشر به وبينه (الفرزدق): فإن منى النفس التي أقبلت بها وحل نذورى إن بلغت الموقرا به خير أهل الأرض حيا وميتا سوي من به دين البرية أسفرا أبا أوخا أهل الأرض أما وخيرهم إلا النبي وعنصرا إلى خير سأثنى على خير البرية والذي على الناس ناء الغيث منه فأمطرا أرى الله في كفيك أرسل رحمته على الناس ملء الأرض ماء مفجرا (الفرزدق) سليمان غيث الممحلين ومن وما قام من مات النبي محمد وعثمان فوق الأرض داع يعادله به عن البائس المسكين حلت سلاسله (الفرزدق) ولو أرسل الروح الأمين إلى امرئ إذن لأتت کفي هشام رسالة سوي الأنبياء المصطفين الأكارم من الله فيها. منزلات العواصم (الفرزدق) وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة کاهله (جرير) إلى خير مأتى يطلب الناس خيره إليه من الآفاق مجتمع الركب إلى باب من لم تأت نطلب غيره يشرق من الأرض الفضاء ولا غرب إذا ما رأته الأرض ظلت كأنها تذعذع تستحى الإمام من الرعب حشد على الحق عيافوا الخنا أنف (الفرزدق) إذا ألمت بهم مكروهة صبروا 620 (1/620)
صفحة 594
الصفحة 1.2 1.2 1.2 105 1.0 الأبيات وإن تدجت على الآفاق مظلمة كان لهم مخرج منها ومنتصر شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا لا يستقل ذوو الأضغان حربهم ولا يبين في عيدانهم خور (الأخطل) يا آل مروان إن الله فضلكم فضلا عظيما على من دينه البدع إن البرية ترضى ما رضيت لها إن سرت ساروا وإن قلت أربعوا ربعوا) جرير) أيها فاسأل المادح العباد الله ما طلبت إليهم لا تقل في الجواد ما ليس فيه ليعطى إن لله بأيدى العباد وارج فضل المقسم العواد وتسمى البخيل باسم الجواد) عمران بن حطان) إلهى هب لي زلفة ووسيلة إليك فإني قد سئمت من الدهر وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا على ظلم أهل الحق بالغدر والكفر وفيك إلهى إن أردت مغير لكل الذي يأتي إلينا بنو صخر فقد ضيقوا الدنيا علينا برحبها وقد تركونا لا نقر من الذعر) الإمام أبو بلال مرداس بن جرير) رب لا تسلم ولا تك للردى وأيدهم يارب بالنصر والصبر وليس لنا خيرا ولا فخرا مننا لقاء ذوى الإلحاد في عدد دثر فلسنا إذا جمعت جموع عدونا وجاؤوا إلينا مثل طامية البحر نكف إذا جاشت إلينا بحورهم ولا بمهاييب نحيد عن البتر بنحورنا وبإلهام نلقى كل أبيض ذي أثر إذا جشأت نفس الجبان وهللت صبرنا ولو كان القيام على الجمر ولكننا نلقي القنا) الإمام أبو بلال مرداس بن جرير) 621 (1/621)
صفحة 595
تميم الصفحة 61.0 111 107،108 275 109 114 114 أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا فخروا يبكر أو كلا مدعيه وما الحيين ينصر ولو كرمت عروق ولكن (عيسى بن فاتك الخطى) ليلحقه بذى الحس الصميم التقى هو الكريم عبد قد أضرمت لبنى ها شم حرباً يشيب منها الوليد فابن حرب للمصطفى وابن هند لعلى وللحسين يزيد (الشاعر) الا جعل الله اليمانيين كلهم فدى لفتى الفتيان يحيى بن حيان معد بن عدنان ولولا عريق في من عصبية لقلت. وألفا من ولكن نفسى لم تطب بعشيرتي وطابت له نفسي بأبناء قحطان (رجل من بني أسد بن جذيمة) إن القيامة فيما أحسب اقتربت إن كان قاضيهم نوح بن دراج لو كان حيا له الحجاج ما بقيت صحيحة كفه من نقش حجاج) الشاعر مجهول) أبلغ زياداً إذا لاقيت مصرعه أن الحمامة قد طارت من الحرم استغاثت إلى الأنهار والأجم طارت فما زال ينميها قوادمها حتى (الفرزدق) أمسكين أبكى الله عينك إنما خرى في ضلال ومعنها فتحدرا بكيت امرءا من الي مسيان كافرا كکسري علي عداته أو كقيصرا أقول له لما أتاني نعيه به لا يبطني بالصريمة أعفرا (الفرزدق) 622 (1/622)
صفحة 596
الأبيد بات أجز تقية بقول إن خلص من نيل ضر من به القول يخص وأمنعها في إتلاف نفسي إن جنى والخلف في إتلاف مال ضمنا (الشيخ السالمي) غدر تم بالزبير وما وفيتم وفاء الأزد إذ منعت زيادا فهلا في سليمة كنت جارا وجاورت اليحامد أو هدادا (جرير الخطفى) ومن ذا كابن مسعود الجلندى إمام سيفه هجر القرابا حميداً عاش ثم قضي شهيدا بجلفار فلا عدم الثوابا تخضب جسمه فأضحى بدم ثواب خالقه الثيابا (ابن زريق) كوى بالأسى قلبي وأبكي نواظري بكاء اليتامى وابتسام الجياير (الشاعر مجهول) وطالب الحق بصنعاء حكما بجعله في أهلها واحتشما لم يأخذن عند مضيق يومه شيئا لنفسه ولا لقومي تعففا منهم و من كمثلهم أكرم بهم من عصبة أكرم بهم كانوا يموتون على ما أبصروا من الهدى ما بذلوا وعيرو (عبد الله السالمي) كم من أولى مقة صحبتهم شروا فخذلتهم ولبئس - فعل الصاحب متأوهين كأن في أجوافهم نارا تسعرها أكف تلقاهم فتراهم من راكع أو ساجد حواطب متضرع أو ناحب يتلوا قوارع تمتري عبراته فيجودها مدي المرئي الحالب لجائفة الأمور أطبة للصدى للنبأ الجليل مذائب سبر ومبر أين من المعائب أحرزوا خصل (عمرو بن الحصين مولى تميم) المكارم أتقياء أطائب 623 الصفحة 163 251 254 277 2,60 281 (1/623)
صفحة 597
الأب ـات في فتية شرطوا نفوسهم للمشرفية والقنا السمر متراحمين ذوو يسارهم يتعاطفون على ذوى الفقر وذوو كأنهم خصاصتهم صدق من ? متجملين بطيب خيمهم عفتهم ذوو وفر النبوة يهلعون الدهر فكذاك مثريهم ومقترهم أكرم بمقترهم وبالمثرى أو فى إذا بذمتهم عقدوا وأعف عند العسر واليسر متأهبون لكل صالحة ناهون من لاقوا عن التكر إذا احتضروا مجالسهم وزن رجف القلوب بحضرة الذكر لقول خطيبهم وقر ألا تجيئهم متأوهون كأن غضي للموت بين ضلوعهم يسرى ? كأن فهم بهم جوي كأنهم مرض الخشوعهم صدروا من الحشر طرف من السحر مسهم غواشي النوم بالسكر ? ليلهم ليل فيلبسهم ألا كذا خلسا وآونة حذر العقاب فهم على ذعر (عمرو بن الحصين مولى بني تميم) الصفحة إذا أراد الله أمرا عجله وإن يرد تأخير أمر أجله ينقذ المختار عند المعضلة إلا طعان جابر بن جبلة بين الخيل مثل. الأصلة ويل أمه من فارس ما أبسله (الشاعر مجهول) معارفه بحر ويصرف وجهه إلى الباطل الخذلان وهو بصير كأين رأينا عالما ضل سعيه وضل به هناك جمع غفير وأفلح بالتوفيق قوم نصيبهم من العلم في رأي العيون حقير (ناصر بن سالم الرواحي) أيحرم أهل الشام منا بشبهة وليس فقلنا وقالوا: كتاب الله يحكم بيننا 624: علينا قتلهم کتاب الله خير بمحرم معكم 282 292 365 (1/624)
صفحة 598
قبلناه جمة رضينا به في حرمة المال والدم منكم والحوادث فإن تقبلوه فالهدى في أكفنا وإلا اجتلدنا بالصفيح المصمم بضرب يزيل الهام عن مستقره وشيكا وطعن بالوشيج المقوم الصفحة فلا شيء أدنى من شفاعة ربنا وإلا ففينا من بقية جرهم (عروة بن حدير) بأيدي العباد أيها السائل العباد ليعطى إن لله فاسأل الله ? رجوت لديهم وأرجع فضل المهيمن (1) العواد لا تقل في الجواد ما ليس فيه وتسمى البخيل باسم الجواد (عمران بن حطان) (1) وفي رواية: المقسم. 625 585 092 (1/625)
صفحة 599
فهرس البلدان والأماكن 85 296،228 209 305،208،203،190،1 130 145 130 256 361،88،61،07،17 256 293 320 57 07 209 011،223،208،19،18،11،10 390،389،5، 234، 241، 321، 3261،19،3 10 500،390،389،321،247، 262 293 245 011،001،000،394،391،390،321،14، 47 303،302،300، 2245، 54،236،207 206 202،201،200،187،48،2،15،283،280، 279، 278،277،270،207، 241، 239،238 404،383،379،377،370،372،293،284 626 1 ـ أبو صير: 2 - أزكى: - أفاطمان: 4 ـ إفريقيا: ه ـ إيران الإسلامية: 6 - اليمامة: پاکستان: - بيسا: 9 - بغداد: 10 - بهلا: 11 - تبالة: 12 - تلمسان: 13 - توبندخان: 14 - توج: 15 ـ تورز: 16 ــ تونس: 17 - تيهرت: 18 ـ جبل سوفجج: 19 ـ جبل نفوسة: 20 ـ جرش: 21 - جزيرة بركاوان: 22 ـ جزيرة جربة: 23 – جلفار: 24 ـ حضرموت: (1/626)
صفحة 600
،190،189، 18184، 6، 175، 102، 140،86،89،245، 246، 247،235،225،223،203،201،200،377،372، 367، 301، 293، 27257، 258، 260، 6 4، 589،57590،379،378 131،99،95،36 303،254،245 59،34 315 36،19 510،373،225، 259، 223،202،191 585،279،20146، 203، 5، 137، 72، 61، 68، 69، 71 206 284، 293،283،281،280، 216، 207، 236، 419،89 07،312،311،308،30262، 267، 4،191،169،49 321، 576،320،319،317،31315، 6 500 421،420،290،289،121،88،87،، 48، 49، 37، 34، 20، 19،18،15،،153، 156، 166، 174، 175، 184،152،130،123،204،203،202،201،200،194،191،190،186،240،239،238،227، 220،223،21205، 206، 5،25، 252، 2531، 250، 2242، 243، 244، 245، 49،277،275،260، 259، 258،207،2254، 255، 56،301،300، 299، 298،297،29285، 294، 295، 6،335، 346 347 357، 361، 362، 304،303،302،473،391، 383، 380،379،377،375،372،370،593،588،5، 554 55 57609،500،499، 475 601،099،97،594 627 25 - خراسان: 26 ـ دمشق: 27 - رأس الخيمة: 28 - شجستان: 29 – سرت: 30 ـ سوريا (دمشق): 31 – شمال إفريقيا: 32 - صفين: 33 - صحم: 34 - صنعاء: 35 - طاسان: 36 - طرابلس: 37 ـ ظولون: 38 - عرفات: 39 - عمان: (1/627)
صفحة 601
249 263،93،59 37 319،316،310 290،289،201 59،34 237،169،87 26، 120،59، 436 252 017،40، 41 42، 43،37،36،32 31،29،26،20،13،59، 60، 61 58 57 52،44، 45، 46، 47، 49، 51،145، 160، 174، 108،96، 92،78، 63،62، 64، 68،194،191،190،189،187،180،180،179،170،204، 205، 206، 207، 200،199،198،197،196،230،229، 227، 22224، 5، 217،213،211،208،247، 248، 249، 250، 239، 238،237،236،2320،251، 256، 258، 259، 261، 262، 263، 264، 265،296، 302،290،289، 284، 277،، 266، 268، 276،35، 361، 362، 363، 3678،357، 3345 47، 55،4، 404، 40501،399،382، 380، 378،37369، 4،406، 429، 441، 453، 456، 45، 470، 472، 510، 099،098،097،5، 594، 59693،089،088،087 7.1 500،266 265، 511،501، 565، 223،192،188 337،174،192،18114، 184، 6،98،96، 93،85، 80، 79،9،24، 252، 2831، 235،225،223، 214، 202،201 628 40 - عطفان: 41 ـ فارس: 42 - فرق (ولاية نزوى): 43 ـ قابس: 44 ـ قديد: 45 ــ کرمان: 46 - الأندلس: 47 ـ الأهواز: 48 - الباطنية: 49 ــ البحرين: 50 ـ البصرة: 51 ـ الجريد: 52 ـ الجزائر: 53 ـ الجزيرة العربية: 54 ـ الحجاز: (1/628)
صفحة 602
،347، 356 363، 367 337،308،293، 288،287 599،088،5368، 75،369 77 130 320 248،186، 272،184 251،137، 166،135،132،113،93،89،80، 71، 69، 68،293،292،291،290، 289، 286،211،203،186 368،294، 594 256،174،81،80،79،78،71، 6، 61، 630،09،08،07، 18،9،184،179،136، 152،130،123،110،99،89،87،225،223،217،214، 200، 204، 203،192،186،301،290،39363، 4،239، 238،235،228،،226،425، 430، 433،399، 3357، 362 367، 68،303 601،597،575 225 72 57،263، 264، 265، 266،237،235،208،169،103 320،319،318،316،315، 31، 313،308،307 108،109،108،88،، 60، 63، 64، 74، 79،59،07،29 25، 260، 369،367، 5881،239،179،113 07، 108، 107، 100، 99، 98،96، 93،89،79،77،72،16، 166، 167، 215، 2411،122،115،114،113 629 55 ـ الحرة: 56 ـ الخليج العربي: 57 - الزاب: 58 - السند: 59 ـ السويق: 60 ـ الشام: 61 ـ الصين: 62 ـ العراق: 63 - الغربية (المنطقة الداخلية من عمان): 64 - الفسطاط: 65 - القادسية: 66 - القيروان: 67 - الكناسة: 68 ـ الكوفة: 69 ـ المدائن: 70 - المدينة المنورة: (1/629)
صفحة 603
،288،287،226، 660،202،201،2242، 244، 45،36، 368، 374، 404، 4347،292،291،290،289 441، 599،587445 108،247، 261،209،202،170،103،148،71 01،19 565، 575،390،389،382،380،3262، 62،326 208 320،319 14، 153، 575،3058،87،140، 156، 122،121، 4، 49، 508، 19،18، 10،7،202،201، 200، 191،166، 169، 175، 184، 186،224، 235،223،219، 213،211، 210،209،208،26، 261، 2620، 209، 224، 507، 238،237،236،308،307، 3305، 06،304، 270، 273،263، 265،380،377،375،373،372،362،3309، 26، 47،509،397، 444، 452، 460، 499، 390، 389،382،090،079،077 76 75 71،5، 56511،510 596 19،18 94،142، 144، 147، 148، 154، 72،71، 61، 68، 69،29 585،209، 200، 203،173، 1161، 162، 63 289،260،15 174،130،140، 165،130،123،122،121،89،85،48،7،200،192،18184، 6،175،172،169،1166، 67،223،212،208،207،206،200، 203،202،201،243، 245،240،239، 238،237 23،231،225 630 71 - المربد: 72 ـ المشرق العربي: 73 - المغرب الأدنى: 74 ـ المغرب الأوسط: 75 - المغرب العربي: 76 ـ المغرب: 77 - المملكة الأردنية الهاشمية: 78 - النوبة: 79 - النهروان: 80 - الموصل: 81 - الهند: 82 - اليمن: (1/630)
صفحة 604
،284،280،278،277،27252، 258، 260، 275، 6،347، 374،297،296،293،291، 288،، 287،280،5، 544، 5655، 594، 59509،407،377،370 601،596 250،249 511،500،24، 261، 3897،223،18 60 108 252،251،206،186،175،89،80،82،79،70،73،72،19،10 83 ـ لوي: 84 - ليبيا: 85 ـ مدينة واسط: 86 - مرج راهط: 87 - مجز: 88 - مصر (القاهرة):،22، 2253، 214، 210، 208،201، 200، 192،191،372،3234، 246، 259، 261، 267، 268، 47،232 575،500،453،391،389 215،209 09،131،122،99،96،89،80، 77،68،16، 43، 46،243،227، 206، 200، 192،169،1144، 67،135،288،287، 28244، 252، 257، 260، 263، 268، 5 36، 401، 477، 599،5987،293،292،290،289 08 380،200،169 565،390،19 190 594،301،2190، 244، 250، 254، 258، 95 266 599،374،308،292،2241، 53 501،390،384 631 89 ـ مغمداس: 90 – مکران: 91 - مكة المكرمة: 92 ـ منطقة الدهناء: 93 - مني: 94 ـ ميزاب: 95 ـ ميناء البصرة: 96 ـ ميناء صحار: 97 - نفزاوة: 98 ـ وادي القرى: 99 - وارجلان: (1/631)
صفحة 605
ا - الأزد: 2 ـ آل المهلب: 3 ـ الأنصار: 4 ـ البربر: ه - الثقفيون: 6 ـ الحضارم: 7 ـ الرستميون: - العلويون: 9 ـ المخزوميون: 10 ـ المهاجرون: 11 ـ الورفنجوميون: 12 - اليحمد: 13 - بنو أسد: 14 - بنو الحارث الغطريف: 15 ـ بنو الجلندى 16 ـ بنو العباس: 17 – بنو أمية: 18 ـ بنو بكر: 19 ـ بنو تميم: 20 - بنو ربيعة: 21 - بنو رزين: - 22 ـ بنو زياد: فهرس القبائل،357، 358، 290، 289،201،216، 204، 108،62،31 602،593،363 245، 363،190،82،13 421، 481،327،1075،65، 6 335،306،305 280 240 326،321 87،83 598 181،327،1075،65، 6 169 289،201،37 108 289 190 304،103،98،94، 87،861، 62، 64، 85، 6،87،86،83 82 81،79،78،70، 71، 36، 61، 62، 64،105، 106، 10، 103،100،98،97،96،90،993، 4،127،123،121،119،118،117،113،112،108،107،172،16،1020، 143،135،13،132،130،128 602،405،360،287،270، 273،210،207،202 371،2062، 66، 4،108،30،29،20 203، 204، 206، 585،357 585،62 289 58 632 (1/632)
صفحة 606
07 289 108،62،35،34، 358 77 289 1.0 597 289،167،135، 127،123،113،1014، 6،81،71، 42، 61 294،287،27،273،217، 210، 21203، 4 0.1 0.1 108 0.1 289 289 108 121،107،10،99،7508 594 108 66 354،308 344،13،2714، 143، 146، 168، 50،121 319،308 319 319 319،308 90 319،317،308 633 23 - بنو ساعدة: 24 - بنو سدوس: طمثان: 25 ـ بنو 26 - بنو عبد قيس: 27 - بنو عدي: 28 - بنو عمران: 29 ـ بنو غيزن: 30 ــ بنو مجفر: 31 - بنو مخلد: 32 - بنو مروان: 33 ـ بنو مستاوة 34 - بنى معقل: 35 - بنو مضر: 36 - بنو معقل: 37 - بنو معن: 38 - بنو معولة: 39 - بنو نزار: 40 ـ بنو هاشم: 41 ـ بنو هلال: 42 ـ بنو يمن: 43 ـ تيم بن مرة: 44 ـ زناته: 45 ـ قريش: 46 ـ لماية: 47 ـ مزاتة: 48 - مكناسة: 49 ـ نفوسة: 50 - همدان: 51 ـ هوادة: (1/633)
صفحة 607
1 - الأباضية: -1 2 - الأزارقة: - الإسلام: فهرس الأديان والمذاهب والفرق،91،85،53،2،18،39،38،36،19،18،115، 6،،140، 141، 142، 143، 144، 145، 146،137، 131،121،15، 154، 155، 1563،102،101،100، 149، 114، 48،16، 161، 162، 163، 164، 165، 1670،109،108 107،184، 186،183،176،175، 174،172،171،169،168،206، 207، 200، 200، 198،197،192،191،190،189،234،233،232،22224، 5، 215، 214، 210،209،208،24، 242، 243، 244، 2451، 239،238،237، 235، 236،26، 262، 2631، 260،109، 101، 200، 224000246، 49،289،285،284، 283، 278،274،273،272، 28،265،309،308،307، 301، 300،297،290،293،292،191،335،326، 351، 356، 358، 359، 360، 361،321،310،380،378،377،376، 374،372، 371،370، 365، 367،4، 405، 408، 416، 427، 44103،399،384،383،382،456،445، 457، 468، 470، 471، 473، 476، 478، 479،480، 481، 482، 483، 484، 490،487، 492،491، 493،533،5، 53432،011،010،509،000،499، 494، 495،562،559،557،003،001،542 543، 4545 546، 548،5، 577،57670،571،070،563، 564، 569،567،565 603،602،598،097،090،592،091،090،087،585 143، 145، 172، 428،89،82،80،73،44، 45، 46، 59، 66،30، 17،16،،118،112،111،110، 109،107،106، 105،10،93،13،133،132،130،129،128،127، 123،122،121،143، 146، 150، 151، 157، 158، 138،137،136،135،184، 187، 180، 179،173،1161، 164، 165، 166، 67 634 (1/634)
صفحة 608
،207،205،206،203،200،199،197،196،190،228،226، 218،217،215، 214، 212،211،210،288،287، 286، 285،283، 270، 273،2236، 59،338،337، 332،308،307، 305، 304،299،293،5، 52519، 363، 385، 407، 452،451، 476، 478،55، 55، 554 562، 5752،551،54، 5421،029 603،582،579،077 131 131،92،79،6، 643،38،37، 36،31،30، 17،11،9،7،136،128،119،118،115،113،112،111،97،209،199،180،179،167،158،148،141،137،356،339،332،330، 327،326 320،273،229،4، 420، 42411،403،381،369، 3360 362، 63،4، 442، 443، 451، 461، 467، 47230، 427، 426.479، 481، 483، 484، 536 549، 567 569، 593 597 154،13،135 243،159 142،70 558،535،473،4، 493، 49491،494، 084، 482،481 1380،473،54، 54، 547،5440،539،538،035،535، 4 571،570،55، 569،560،5587، 500،503،001،11،139،13،133،132،85، 71، 61،39،15،142، 143، 144، 145، 147، 148، 149، 150، 151،217،209،206،20152، 153، 154، 164، 189، 5،341، 358، 360، 381،337،336،281،2،3،219 635 4 - الإسماعيلية: ه - الإمامية: 6 ـ التابعين: 7 - الجبرية: - الجهمية: 9 ـ الحرورية: 10 - الحنابلة: 11 ـ الحنفية: 12 ـ الخوارج: (1/635)
صفحة 609
6، 60100،098،591،0428، 431، 433، 479، 557 78 433،431،332 217 131 157،6، 65، 66، 793،38،37،35،3، 32، 17،16،10،9،114،113،112،111،106، 98،97،93،92،91،80،11،139، 138،137، 136،128،127،119،118،16، 162، 1631،158، 1143، 146، 147، 148، 55،273،271، 249، 210، 204، 199، 179،168،167.355، 356، 339، 337،333،332،327،325، 326،365، 367، 368،338،363،362،358، 360، 361،4، 411، 412، 41.5، 42003،399،384،383،369،423، 424، 425 426 427، 428، 429، 434، 435،439، 441، 442، 443، 445، 451، 45، 458، 461،4، 532،531، 5368467، 468، 479، 482، 483، 4،097،59551 553 567، 569،568، 575، 576، 4 603،602،231،209، 2008، 172، 169، 103، 185، 143، 45 092،587،302،300، 2236، 245، 65 479 142، 145، 148،54، 54، 54، 5450،135،533،19480، 494، 5 551،548، 554، 556، 603،564 4360424 243 217، 336،154،139،13،133،132 636 13 - الزبيريين: 14 ــ الزنادقة: 15 - الزندقة: 16 ـ الزيدية: 17 - الصابئون: 18 - الصحابة::1 - الصفرية: 20 - الظاهرية: 21 - المارقة: 22 - المالكية: 23 ـ المجوس: 24 - المحدثة: 25 ـ المرجئة: (1/636)
صفحة 610
26 ـ المستشرقين: 27 ـ المسلمين: 28 - المسيحية: 29 ـ المسيحيون: 30 - الشافعية: 31 ـ الشراة: 32 ـ الشيعة: 33 - الغلاة: 34 ـ الفقهاء: 16،44، 45 46 52 5، 8، 62، 65،30،20،16،13،110،107 100،97،90،89،80، 79،73،71، 66،134،133، 132،129، 128،127،119،117،111،151،14، 145، 147، 1490،139،138،136،135،180،173،165، 167، 169، 108، 157،1153، 55،209،207، 203، 202، 200،198،196،190،189،229،228،227،219، 218،217، 210،214،212،234، 238، 245، 247، 248، 252، 233،231،230،277،274، 273،272، 2254، 255، 258، 259، 65،300،299، 298،297،296، 280، 284،281،278،344، 347، 358،339،333،325،321،307،305،397،380، 378،377،376،375، 374،373،365،4، 405، 406، 407، 411، 415، 443، 44401،398،445 452،449، 453، 455، 456، 469، 472، 474،518،517،5، 514، 515، 51613، 489، 495، 499،532، 536،528،527،52،525، 423،022،519 4541 542، 549، 55 552، 554، 55، 558 0563 582،581 579: 57 570،564 567، 568 5، 594، 595، 597،596، 602،59890،583، 586 132،89 134 3060482 303،253،143، 168،139،136،133،132،131،128،106 431،341،217 131،121،118،116،115، 92،91،36،9، 41، 48، 49 637 (1/637)
صفحة 611
،240، 241،239،224، 214، 204،200،199،180،296، 304،279،276،275،200، 2245، 246، 47،362، 363،361،359،352،351،332،33326، 0،403، 406، 408، 411، 418، 420، 379، 378،368،430، 434، 439، 440، 442، 445، 448، 450، 454،458، 460، 467، 468، 471، 479، 486، 493، 526 55، 564، 571، 601،599،5959،000،002،533،159، 217، 336، 154، 141، 139،138،1315، 35، 6 601،596،557،375، 359،341 131 41 142،61،140، 141، 156، 158، 159، 164، 139، 138،10 341،336،238 150 143، 428،145 157،110 478،75،133 638 150 148 482 157،134 133 35 ـ القدرية: 36 ـ الكيسانية: 37 - المحدثين: 38 - المحكمة: 39 ـ المعتزلة: 40 ـ المغيرية: 41 - النجدات: 42 ـ النصارى: 43 ـ النصرانية: 44 ـ المنصورية: 45 ـ الوهبية: 46 ـ الهادوية: 47 ـ اليهود: 48 ـ اليهودية: (1/638)
صفحة 612
فهرس الأعلام حرف الألف 238، 4، 450، 45902، 381، 379، 3340، 56 468، 3: 569،536 87 85 117 285،280، 279، 236 293،290، 288، 240، 229 229 341 093 333 190 278،15 268 210 336، 440، 535، 541، 5:3، 556 593،31 3، 591،36 134، 569 209 337، 306، 172، 94، 10 284 544 209، 246، 247، 266 406 639 إبراهيم القارى إبراهيم النخعي إبراهيم بن الحسن بن الحسن إبراهيم بن الوليد إبراهيم بن الأشتر إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندى. أبرهة بن الصباح الحميرى أبرهة بن عطية ابن أبي الشيخ البصرى ابن أبي حاتم ابن أبي ذئب ابن الصغير المالكي ابن الأثير ابن اليسع ابن تغري بردي ابن تيمية ابن حبان ابن حجر ابن حزم ابن حوقل ابن خلدون ابن خياط ابن رشد ابن سلام ابن سمعان (1/639)
صفحة 613
88 15 1! 7 260، 261، 224، 209،186 86 268،211 301،293،289، 2826، 48، 169، 121، 13 599،597 297،296 446،1948، 49، 50، 166، 169، 186، 5، 26، 261، 262، 264، 2650، 237،22 511، 510، 452، 373، 266، 267، 307 439 179، 536 248 284، 192،10 135 543 {VV ، 200 ، 239 ، 234 ، 232 ، 198 ، 195 ، 189 ، 379 ، 378 ، 335 ، 346 ، 329 ، 327 ،247 ،394 ، 393 ، 392 ، 391 ، 389 ، 382 ، 380 ، 402 ، 403، 404، 407 ، 412 ، 440 ، 443 ،4580449 ، 459 ، 467، 472،470 ، 473 ، 474، 475 ، 476، 484 ، 485 ، 487 ، 488 8906819 321 ابن عجلان ابن عبد ربه ابن كثير ابن مغطير: محمد بن عبد الله بن عبد الحميد ابن هبيرة أبو إسحاق (إبراهيم المصرى) أبو الجهم بن عطية أبو الحر على بن الحصين العنبري أبو الحسن البسياني أبو الحسن البصرى أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح أبو السنابل أبو العالية أبو العباس بن مريج أبو الفرج الأصفهاني أبو القاسم البلخي أبو القاسم أبو المؤثر أبو المؤرج عمر أبو الموفق سعدوس بن - عطية أبو المهاجر هاشم بن المهاجر الحضرمي 224، 239، 379، 392، 394، 488 - - (1/640)
صفحة 614
247، 345 231 278،235،212 100 421،392،327 64 219،16، 1621، 113،81،70، 67، 65، 66 166، 167، 173، 193، د 21، 255، 274،، 35، 406، 442، 446، 467، 4819،325 5، 534، 536، 541، 59719، 516 445 448 485 485 64،116،98،88،87،86، 83، 50،49، 52،389، 29184، 214، 245، 257، 5،119 596 235 260، 266، 267،4، 429، 43927، 389، 214، 119،87،448، 474، 480، 486، 487، 492، 494، 495، 544، 545، 547، 548، 560، 570 577 260، 266 591،361، 25، 262، 263، 2647، 208، 188، 49 641 أبو النظر الخراساني أبو النظير بسطام أبو الوزير أبو الأسود الدؤلى أبو أيوب الأنصاري أبو بردة بن أبي موسى أبو برزة الأسلمي أبو بشير الأنصاري أبو بكر الصديق أبو بكر الباقلاني أبو بكر الهذلي أبو بكر بن عبد الرحمن سليمان بن أبو بكر أبو بكرة أبو ثور أبو جعفر المنصور أبو جميل أبو حاتم يعقوب الملزوزى أبو حنيفة (النعمان) أبو داؤد القبلي أبو داؤد أبو ذر أبو زكريا (يحيى بن أبي بكر) (1/641)
صفحة 615
335،266 092،087 327 384،484،481،440 386، 419، 369، 120 485 أبو زهرة أبو زيد أبو ستة أبو سعيد الخدري أبو سعيد الكدمي أبو سفيان محبوب بن الرحيل 495، 542،538، 189، 187، 180، 167، 122، 02، 48،217، 216، 201، 197، 19، 193، 190، 236، 232، 231، 229، 22224، 226، 8، 242، 243، 244، 246، 252، 257،237، 378، 341، 358، 338، 334، 299، 28، 394، 400، 393، 389، 383، 382،379 4070403، 454،449، 488، 490 86 235 341 27، 601 278،230 388 429 268 246، 247، 453 453، 267، 33، 239، 237، 232، 198، 190، 437، 391، 390، 389، 384، 383،379 450، 467، 500،394،392، 389، 207، 261، 227،226 476،472،470، 488 481،420 238 642 أبو سلمة الخلال أبو سنان أبو صالح (صاحب التفسير) أبو صفرة أبو طاهر أبو طيبة أبو عبيدة بن الجراح أبو عمار عبد الكافي أبو عيسى الخراساني أبو عيسى أبو غانم (بشر) أبو غسان مخلد بن العمرد أبو قتادة الأنصاري أبو كبلان (1/642)
صفحة 616
542،4، 555، 564، 56891،81 137 242 231، 345 87،80 472،389، 402، 387، 3327، 346، 362، 69،107 429، 479، 483 أبو محمد (ابن بركة) محمد النهدي أبو أبو محمد عبد الرحمن. أبو محفوظ أبو مسلم الخراساني مسلمة أبو منصور (حاتم بن منصور) أبو هريرة أبو يعقوب (يوسف بن إبراهيم) أبي بن كعب أحمد أمين أحمد بن حمد الخليلي إدريس بن عبد الله أسامة بن زيد إسحاق بن معذير أسد بن خزيمة أسد بن كثير أسلم بن زرعة إسماعيل بن القديد إسماعيل بن درار الفرامسى أبو داؤد 242،230 181،399، 327، 320 58 567،335، 18، 10 169 387 242 108 280،240 589 242،262، 376، 260، 209، 190، 188048 458 إسماعيل بن زياد النفوسى (أبو الزاجر) 309،267 01160.1 306 386 163،585،72، 25، 262، 264، 2657، 188، 183،50 541، 391، 390، 371، 356، 327،267، 2464240، 248، 250، 326، 334،233! 471، 533، 534، 570 516،448، 110، 110، 29 643 إسماعيل بن سليمان إسماعيل بن عبد الله أسماء بنت أبي بكر - أشعث (الأشعث) أطفيش) محمد بن يوسف أفلح بن عبد الوهاب الرستمي الأحنف بن قيس (1/643)
صفحة 617
103،101،100 439،91 72 89 091، 442، 487، 179، 1360، 4، 09 427،366 315 214، 437، 484، 549، 558، 569،560 4460443 391،239، 02، 01،00 445، 333، 356، 358، 361، 220، 41،334، 8 098،095، 093، 423، 429، 442، 591 30 543 08 089،088 295،76 15 337،271،228،227، 224، 203، 190، 169،166، 254، 255، 259، 203، 2245، 49، 238،299،298،297، 296، 290، 283،277 449،379، 30، 301، 300 540،372، 339، 309، 308، 26، 2670، 213 071،010، 72، 373 327 150، 344 297 644 الأخطل الأسود بن يزيد (أبو فقاس) الأشتر النخعي الأشتر الأشعرى (أبو موسى) الأعمش الأغلب بن سالم التميمي الإمام أحمد الأمدى الباروني عبد الله بن يحيى الباقلاني البخاري البراء بن عازب البرزالي البعيث المجاشعي - البلجاء البلازرى التميني الجاحظ الجرجاني الجلندى الجيطالي الحارث بن تليد الحضرمي الحارث بن هشام الحارث الحارتي (1/644)
صفحة 618
152، 42، 43، 44، 60، 63، 39، 38، 26، 35، 109، 101، 92، 91، 90،81،80،79، 175، 170، 145، 137، 121، 120، 115، 204، 205، 203، 197، 184، 183، 180،223،217، 216، 215، 214، 213،207، 370، 3342، 356، 63، 300، 294، 230 173، 092، 593، 97 ه، 602،600، 137، 120، 115، 114، 92، 91، 37، 64، 381، 341، 356، 360، 337، 179، 139،40،402، 481، 483، 485، 549،544 603،569 597 569483 75، 569 481، 115، 107،89،77 144 535، 557،545 538 597 294 598،090، 201، 188، 172، 101، 50، 38، 35، 36،208، 236، 237، 241، 243، 244، 249، 251، 253، 256، 258، 263، 264، 274، 390، 426، 371، 359، 347، 338، 286 601،099،090، 593،091، 588، 586 091، 195، 194، 174، 186، 102، 02، 01،50، 229، 228، 224، 225، 226، 227،201، 239، 238،237، 230، 23،233، 2320 645 كاتب - الحتاب بن الحجاج بن يوسف الثقفى الحسن بن أبي الحسن البصري الحسن بن الحصين الحسن بن صالح الحسن بن على الحسين بن على الحصين بن نمير السكوني الحطاب الحكم الخشخاش الخيار بن سبرة الدار قطني: أحمد بن - - الدرجين (أبو العباس) الذهبي الربيع بن حبيب (أبو عمرو) (1/645)
صفحة 619
، 241، 242، 244، 246، 248، 249، 250،333،327، 29251، 256، 257، 268، 6، 342، 347، 355، 360، 361، 339، 335،383، 380، 379، 378، 361، 363، 366،393،392، 389، 388،387، 38385، 86،4، 404، 406،405، 41402، 39394، 8،16، 418، 422،419، 430، 44، 458،460، 470، 473، 474، 476، 485، 489 490، 500، 556، 558، 601،559 333 244 295 141، 251، 70، 68، 61، 6، 66، 67 588 341،329،116 30 071،069،299،297،190،12،27 432،424، 433 092 335،214، 329، 434، 480، 482،481، 483، 484،492،490،487، 533، 535، 553،551،545 116، 368، 485،448، 92،44 093،190،188،3، 36، 52،50، 147، 186،237،235،231، 230، 212،209،208،198،2، 240، 242، 243، 248، 250، 252، 25638،25، 262.261، 263، 264، 265، 2668،207،309،284، 347، 426، 454، 471، 593، 596 7.167 .. 646 الربيع بن صبيح الرحيل الرشيد (هارون) الزبير بن العوام الزحاف الزهري ب السائب بن يزيد السالمي: عبد الله بن حميد السباعي السيد الحميري السيوطي (عبد الرحمن) الشافعي محمد بن إدريس الشعبي الشقصى الشماخي: أحمد بن سعيد (1/646)
صفحة 620
137،128 128 18 285،284 85 341 585،278،11،73،10 429 091 29 443 592،102،101، 100،15 256، 258،257 203 236، 286،284،280 485 544 210 351 001 482،434،341 588،586،150، 108 231،230 233،190 242 315 315 79،135، 166، 167، 169،131،122،121،80،2050، 206، 207، 224، 241، 244، 249، 251،283،282، 279،278،277، 27252، 261، 5 647 الشواشي (سليمان) الشهرستاني الصادق بن مرزوق - الضحاك بن زمل الضحاك بن قيس الضحاك بن مزاحم الطبري العباس العجلي العلاء بن سوية المنقري الغزالي الفرزدق الفضل بن جندب القاسم بن شعوة المزني القاسم بن عمر القاسم بن محمد الكرخي الكندي اللحياني اللخمي الليث بن سعد المبرد المثنى بن المعرف المثنى المجبر المحارب بن هلال المخارق بن غفار الطائي المختار بن عبيد الثقفي المختار بن عوف (أبو حمزة) (1/647)
صفحة 621
،299،293،291،290،289،288،287،286 599،73،374،338 10 376،229،228 68،60، 479،74،73،69 301 403،372،231 338،298،29253، 254، 280، 6 117 216،190،142 379،299، 190، 243، 244، 253 248 100 299 100 294،120،102،97،80 107 69 103،98،85،8 307 15 28 483،480،400 4370424 380 172 232،356، 362، 386، 480، 327،40،38،37 481 362،38 648 المسعودي المعتمر بن عمارة بن سالم بن زكوان المغيرة بن شعبة - المغيرة الخراساني المليح - المنير بن النير المهدى المهلب بن أبي صفرة المهنا بن جيفر المهند النابغة الشيباني النظر بن جعفر النعمان بن بشير الوارث بن كعب الوليد بن عبد الملك الوليد بن عتبة الوليد بن عقبة الوليد بن يزيد إلياس بن حبيب الفهرى اليعقوبي أم جعفر أم سلمة أم سليم أم عثمان أم نافع بن خليفة أنس بن المعلى أنس بن مالك إياس بن معاوية (1/648)
صفحة 622
301 90،89 226، 248، 251، 256 304،297،247 225،288،283، 277، 203، 2249، 52،231،22 599،374،293،292،291،290 بسام بن إبراهيم الخراساني بسر بن أبي أرطاة بشر بن غانم بشير بن المنذر بكلي عبد الرحمن بن عمرة (أبو المنذري) بلج بن عقبة تميم بن حويص حرف التاء 093 649 (1/649)
صفحة 623
حرف الجيم 292،251،40،39،38،37،35، 326، 33، 4،18،9،7،120،110،92،91، 41 42، 44، 45، 64،173،115، 154، 611، 150، 148،138،137،194،193،187، 180،184،183،180،175،218،210،21204، 207، 4،199، 198،196،327،320،290،289،273،244، 249، 219،33، 336، 338، 342،3413،332،330،328،346، 356، 357، 358، 359، 360، 362،361،376،372،370، 3363، 365، 366، 367، 69،388،387،3384، 385، 86، 383،382،377،419،417،4، 408، 41402،398،393،392،422، 423، 426،424، 430429، 435، 437،438، 439، 442،440، 444، 447، 460، 461،4690468، 470، 471، 473، 479، 481، 483،485، 486، 488، 492،490، 559،530،495،5، 594، 59593،090،087،569،567، 585 603،600 30،4، 415، 478، 569،56812، 362، 120، 113 598 64 251 101،102،101، 100، 10،357،219،1915، 62، 120، 30، 3، 33 359،358، 360، 361، 366، 585،371 299 650 - جابر بن جبلة جابر بن زيد (أبو الشعثاء) جابر بن - جابر بن عبد الله جارية بن قدامة - جرير الخطفي - جرير المناعي جعفر بن السماك جعفر بن سعيد الجلذواني (1/650)
صفحة 624
?? ? 295 27 جميل السدراتي جناح بن عبادة الهنائي جهانة بنت عبيدة - (1/651)
صفحة 625
393، 476،392،379،2232، 46،170،165، 138،121،120،51،50،40،201،200،194، 190،188،187،175، 174،240، 241،233،232،230، 213،207،20،296،283،277، 242، 249، 258، 276،393،383،373،372،371،344،338،309،579،072،008، 401، 414، 476، 477، 478 594، 0596،595 29 83 360،219،102 235 250 2,19 536 162،141 129 213 437 116 538،333 179،234، 242، 332، 345،344، 346،197،138 461، 596،595 393 40، 43، 44، 478401، 593 235. 652 82. حاتم بن منصور (أبو منصور) حاجب الطائي (أبو مودود) - حارثة بن قدامة - حبابة - حبيب بن المهلب - حبيب بن سابور حبيب بن عمرو كاتب حتات بن حجر بن عدي حذيفة حرقوص بن زهير السعدي - حسن إبراهيم حفص الويلى حفصة بنت عمر حماد الراوية حمد بن محمد بن دينار - حمران مولي عثمان - حمزة الكوفي حمزة بن بزيغ حيان الأعرج حيان بن حاجب حيان بن شريح (1/652)
صفحة 626
حرف الخاء 245،88، 246، 254، 301، 304 597 108 383،361،338،302،227 حرف الدال 259،231 653 خازم بن خزيمة خالد بن الوليد خالد بن عبد الله القسرى خالد بن يزيد بن معاوية خلف بن زياد البحراني - خليل بن عبد المجيد الطائي ديال بن يزيد (1/653)
صفحة 627
248 304 30 392 0569،381،368 292. راشد بن سعيد شاذان راشد بن: رافع بن خديج الربيع ربيعة بن عبد الرحمن (ربيعة الرأى) حرف الزاى 299 407،377،240،11،90،89،78،،،،،،، 60، 63، 73،59،08 589،200، 170، 145،120 294،203 94 362، 369،367، 424،327 33 83 1.7 - - رومي بن ماعز زائدة بن جعفر زجر الحضرمي زياد بن أبية زياد بن المهلب زيد بن أرقم زيد بن ثابت زيد بن صحوان العبدي زيد بن على بن الحسين زينب بنت جحش (1/654)
صفحة 628
حرف السين “? 511،499،18 383،338،110 485،483،91 512،5، 58401 439 68،67 429 593،333 367، 485،381،31،120، 115،114 109، 115، 116، 120، 214، د 32، 327، 341، 381،369،367 481، 569،567 429 294،203 297 368،333، 539،538 232،224، 235، 236، 262،259،211،209،208 263، 264، 596 252 0.1 266 294،203،370،203،197،183،102،97،82،81 7 .. - سابق العطار سالم الحارثي سالم بن ذكوان الهلالي عبد الله سالم بن. بن عمر. سالم بن يعقوب سبيعة الأسلمية سعد بن أبي وقاص - سعد بن مالك سعيد بن أبي عروبة سعيد بن المسيب سعيد بن جبير الله بن محمد بن سعيد بن خلف - سعيد بن زيد - سعيد بن عباد سعيد بن عبد محبوب سفيان الثوري سفيان سلمة بن سعد - سلمة بن سنان سليمان بن بدر السدريني سليمان بن زرقون سليمان - سليمان. عباد بن بن عبد الملك (1/655)
صفحة 629
302 251 86 5490485 597،345 30 172،239،234 98 179 294 سليمان بن على سليمان بن مالك سليمان بن هشام سليمان بن يسار سوار بن عبد الله سهل بن سعد الساعدي سهل بن صالح - سلامة القس سيرين سيف بن هاني (1/656)
صفحة 630
حرف الشين 321 254،231 383،338،302، 2224، 241، 254، 55 481 87 333 293،292،472،239، 234، 233،231، 230،229،44 557 ?? 302،301،297، 2169، 245، 59 657 - شاكر بن صالح الكتاجي - شبيب الصفري شبيب بن عطية العماني شداد بن أوس شريك بن عون شعبة بن الحجاج - شعيب البارقي شعيب بن المعروف شوقي ضيف شيبان الصفرى (1/657)
صفحة 631
صالح الدهان (أبو نوح) صالح بن سالم صالح بن عبد الرحمن صالح بن علي صالح بن كثير الليثي - صحار بن العباس العبدي صخر بن حرب (أبو سفيان) - صدقة المعلم حرف الصاد،194، 196، 204، 232،187،121،120، 10،476،403،378،373،371، 2246، 249، 58 477، 478، 603،602،601 0.1 394 80 375042،154، 249، 338،120،33، 35،34، 44 342، 357، 358، 360، 585،366، 594 121،111 488 (1/658)
صفحة 632
ضمام بن السائب طاووس طلحة. بن عبيد الله حرف الضاد،180،175، 121،120، 92،91،42،4، 44 40 42، 44،204، 214، 215، 216، 201،196،194،183،383،371، 370، 363،2، 249، 33628،217.4، 600،599، 60189، 394، 476، 477، 478 حرف الطاء 483، 0485،329.141، 424، 70،68، 67،63،61 (1/659)
صفحة 633
حرف العين 602 260، 265 358،26 207 387، 481 481،341،90،72،340،329،327،161،141،70، 61، 6،369،362، 386، 400، 433، 447، 476،470 091،087،483، 530، 569،567 071،510،373،372،308، 2، 260، 26713 88 58 313،310،308،307،267،191،247، 257،237، 208،195،169،49،48 321،320،319،318،317،316،263،260 326، 510،376 64 368،333 500 424،67 319،317،316،231،109،49، 63 286 242 70 433 500 339،230،229 304،190 عاتكة بنت المهلب عاصم السدراتي عباد بن أخضر المازني عباد الجعافي عبادة بن الصامت عمار بن ياسر عائشة (أم المؤمنين) عبد الجبار بن قيس المرادي عبد الحميد بن جعفر عبد الحميد الجناوني (أبو عبيدة) عبد الرحمن بن أبي بكرة عبد الرحمن بن حبيب الفهرى عبد الرحمن بن رستم عبد الرحمن بن سمرة عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي عبد الرحمن بن عمر عبد الرحمن بن عوف عبد الرحمن بن محمد (بن الأشعث) عبد الرحمن بن محمد عبد الرحمن بن مسلمة (أبو محمد) عبد الرحمن بن ملجم عبد الرحمن مين مهدي عبد السلام بن عبد الرحمن عبد السلام بن عبد القدوس ـ عبد العزيز الجلنداني (1/660)
صفحة 634
098،097،593،333 290 79،151،150،145، 146، 147، 148،121،33 090،370،358،338،20196، 205، 6 481 517 375،278،197،87،42 597،144،13،121،115، 79،78،60، 61 214، 481،215 64 145، 147 389،251، 204، 224، 238، 256، 57 333 481،99 142 280،240 588 2، 284، 29383،279،2724، 60،207 425 7. 99،96 267،52، 403، 472، 474، 4870484،325،215،138،120،110،68،37، 64،34، 351، 365،362، 3660،330،329،328:412،4، 42408،388،385،381،369، 376،425، 430، 433، 435، 437، 439، 442،441،4584444، 468، 470، 473، 475، 479، 481،483، 486، 488، 530، 559،549،535، 568 093،591 661 بن عثمان عبد العزيز بن جريج عبد العزيز بن عبد ا عبد العزيز بن مروان عبد الله بن أباض الله عبد الله بن أبي أوفى عبد الله بن الأرقم عبد عبد الله بن الحسن بن الحسن الحسن بن الحصين الله بن الزبير - عبد الله بن عبد الله بن الشخير عبد الصفار الله بن القاسم (أبو عبيدة) - عبد الله بن المبارك - عبد الله بن - عبد الله بن جعفر - عبد الله بن خباب خيران - عبد الله بن عبد الله بن رياح بن سعيد الحضرمي - عبد الله بن سلام الله عبد عبد الله بن عامر بن كريز بن عامر - عبد الله عباد - عبد الله - عبد الله بن بن عباس (1/661)
صفحة 635
،195، 224، 226، 232، 233، 234، 239، 240،404،403،394،392،389،383،379،247،40،405، 427، 448، 450، 453، 454، 459،4680460، 472، 473، 474، 482،476،475 488485، 489، 560،557495 09 87،80،113،108،91،79،68، 67، 39 38 37،362،3، 36709،138،137،120،110،114.،407، 421، 442،424، 468، 398،387، 369 47، 482،481، 483، 569،549،5169 1 .. 298 301،29254، 255، 295، 6، 98،87،86 94 308،307،369، 424،368،330، 320، 120،37،32 425، 540،485،427 4880451،240 273،173،133، 144، 61 100،205، 206،192،167،1165، 66،842، 5،24، 243، 2441،239،23236، 8، 212، 207،278،277،2245، 251، 252، 254، 274، 76،288،287،2284، 285، 86، 283،281،279،365،308،299،297،296،292،291،290 099090،095، 409،393،383،375،37 391 237 097 662 عبد الله بن عبد العزيز عثمان بن أبي العاص - عبد الله بن - عبد الله بن الله عبد علي بن عمر - عبد الله بن قيس الرقيات عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر - عبد الله محمد بن على السفاح بن بن مروان الله عبد، مسعود التجيبي - عبد الله بن بن مسعود الأنصاري عبد الله عبد الله بن مسعود عبد الله بن وهب الراسبي عبد الله بن همام عبد الله بن يحيى (طالب الحق) عبد الله بن يزيد الفزاري (أبو يزيد) عبد الله الرحمن) عبد بن يزيد المعافري (أبو عبد - (1/662)
صفحة 636
29 306،305، 100، 90، 79،78،77، 26، 60، 61، 358، 586، 307، 200، 170، 45، 120 090،0890088 374، 292، 291، 202، 21،80 210،1152، 66 386 403،372، 345، 202، 230، 229،83،82،81،80، 79،78، 60، 61، 63، 115، 106، 104، 101، 100، 97،89، 102، 151، 150، 1146، 47، 121، 120، 294، 338، 270، 210، 207، 206،202 592،090 290،289، 199، 227،224، 196، 195، 169، 02،51،00، 257، 261، 200، 224، 471، 239، 23 389،376، 321، 2266، 67 57، 60، 64 327 80 61،93،81،70، 69،68، 61، 63، 65، 67، 129، 128، 127، 108، 107، 103،94، 173، 14، 142، 148، 161، 1621، 130 254، 325، 481، 209 7. 402،356، 483، 358، 585، 586، 587، 307، 120، 20 588 340، 448، 483، 485، 569،549، 329 663 - عبيد الله بن أبي بكرة الحجا بنا الله. عبيد بن زياد - عبيد الله عبد الملك بن عطية السعدى عمر بن عبد العزيز - عبد الملك - عبد الملك الطويل عبد الملك بن مروان عبد الواحد بن سليمان عبد الوهاب بن عبد الرحمن عتبة بن غزوان عثمان الأنصاري عثمان بن حبارة عثمان بن حنيف عفان عثمان بن عدي بن أبي أرطاة عروة بن الزبير عروة بن حدير - عطاء (1/663)
صفحة 637
234، 332، 344، 472،346،34، 3691، 320، 236، 230، 208، 179 381 329،71،70،69،36، 61، 6، 65، 67،66، 68،94، 106،93،90،81،75، 74 73 72،11،138،137، 130،129،127،113،107،144،143، 146، 148، 152، 161، 162، 173،412،387،339،320،279، 209، 203،202 585،569،567،530،481 257 139،128 212 424،7، 4811 235 ... ،113،93،81،63، 66، 67،59،5،3،34،215،190،173، 1138، 161، 162، 166، 67،387،363،359،329،328،325،321،27،406،403، 415، 420، 424، 446،444، 451،456 479، 481، 487، 491، 515، 517،516 597،569،567،541،535،530،519،018 315 318،85،8،83،82،81،80، 73،61،36، 60،152،137، 117،110،97،96،90، 92،88،287،275،210، 207،200،19165، 166، 6،35، 360، 449، 533، 5949، 300،29294، 5 598 295 305 عطية الكوفي عكرمة مولى ابن عباس - علقمة علي بن أبي طالب على الحضرمي على الشابي علي يحيى معمر عمار بن ياسر عمارة عمر بن أبي ربيعة الخطاب (الفاروق) عمر بن عمر بن الأحوص العجلي عمر بن حفص عمر بن عبد العزيز عمر بن عبد الله الأنصاري عمر بن عبد الله المرادي (1/664)
صفحة 638
308 209 429، 485، 592،591،20 120، 109،92 321 281 90 209.162، 1، 1،94، 75، 73،1، 362،40، 38 107،89،80 294 12. 38 390،389 602،511.309، 22، 216، 209، 186، 19 665 289 87 266 268 105 88 - عمر بن عثمان عمر بن بمكتن عمران بن الحصين عمران بن حطان عمران بن مروان الأندلسي - عمرو بن الحصين - عمرو بن الحمق - عمرو بن العاص عمرو بن الأهتم عمرو بن جرموز - عمرو بن دينار عمرو بن سعيد الأشدق بن صبيحة - عمرو بن عبد الله عمرو بن عبيد - عمرو بن هرم عمروس بن فتح - عوض خليفات عيسى بن أبي عمرو - عيسي بن زيد عيسى بن سليمان المغربي عيسى بن علقمة المصرى عيسى بن فاتك الخطى عيسي بن موسي (1/665)
صفحة 639
غسان بن عبد الله الغثمى غيلان بن خرشة غيلان الدمشق فرحات الجعبيري فضيل بن عياض حرف الغين 298 588،234، 332، 344، 346، 138، 137، 136 472 حرف الفاء 584،18 341 (1/666)
صفحة 640
قتادة - قحطان قرة بن شريك قرة بن عمر قريب قيس بن الرقيات قيصر كبيشة بنت كعب كثير عزة کسري كعب بن برشة الطاحي كعب بن سوار کعب مالك بن حرف القاف 40، 64، 356، 362، 396، 481، 591، 38 593، 108 80 235 588 15 113 420 حرف الكاف 240 1 .. 113 249 249 388 667 (1/667)
صفحة 641
حرف الميم 292،335، 327، 201، 214، 119،88،87، 64،403، 406، 421، 425، 389، 363،339، 429، 434، 436، 439، 440، 442، 454، 4، 483، 484، 485، 48682، 480، 481، 5، 545، 547، 548، 55533، 191،190 077، 571، 558، 560 315 253 597،569 263 340، 569،398 113،89،72 304 341، 560،548 304،297 295، 296 372، 241، 200، 187، 304 093 356، 591،569، 120، 91،73، 64 567 267 119،87 87 ماعز بن رومي المرى مالك بن أنس مالك بن سحران الهوارى مالك بن فهم مالك مامد بن يانس الدركلى مجاهد محمد بن أبي بكر محمد بن أبي عفان محمد بن الحسن محمد بن المعلا محمد بن جناح محمد بن حبيب محمد بن زائدة محمد بن سليمان محمد بن سيرين محمد بن شامس عباد محمد بن الحسن بن محمد بن عبد الله محمد بن عبد الله العثماني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس 85 - محمد بن کعب بن محبوب ب محمد مسلمة محمد بن 341 267،50، 27 224، 241، 242، 372، 200، 187، 668 (1/668)
صفحة 642
117،88 129 093 247 308 Vo ، 170 ، 161 ، 110 ، 120 ، 100 ،91 ، 25، 26 ، 585، 586 ، 299 ، 274 ، 273 ، 207 ، 173 598 ،593 ، 92 ، 090 ، 588 ، 087 ، 108،106،86 ، 79 ،78 ،69 ، 67 ، 68 113 ،16، 206، 2147 ، 131 ،119 ، 97 ،842، 5 599 ،509 ، 370 ، 291 ، 270 ، 241 ، 252 252 321 100 210 423،361 ، 220 108،77 152 ،80 ، 78 ،60 321 5340484 ،70 ،69 ، 60، 6261 ، 59 ، 58 ، 30 ، ،82 ،79 ،78 ،77 ، 76 ، 70 ، 73 ،2 ،71 ، 107 ، 100 ،97 ،96 ، 94 ، 90 ،89 ،88 : 120 ، 110 ، 114 ، 113 ، 110 ، 109 ، 108 ، 202 ، 162 ، 14 ، 1 161 ، 130 ، 129 ، 127 35 ، 358 ، 481، 5857 ، 294 ، 210 ،209 72 محمد بن مفروق - محمد المهدى - محمد محيى الدين عبد الحميد محمد بن يزيد محمود بن نصر. محمود إسماعيل محمود عباس (العقاد) مرداس بن أدية التميمي (أبو بلال) مروان بن الحكم مروان الحمار مروان بن محب مسعود الأندلسي مسكين الدارمي مخلد مسلمة بن مسلم بن الحجاج القشيري مسلم بن عقبة المرى مصعب بن الزبير - مصعب بن سدمان معاذ بن جبل معاوية بن أبي سفيان معاوية بن حديج (1/669)
صفحة 643
78،77 136 537،64 333 407،377،20 340 340،179 341 093 309،297،250 301 237 19 536 438 670 معاوية بن يزيد بن معاوية معبد الجهني معقل بن يسار معمر بن راشد معن الحضرمي - مقاتل بن سليمان مكحول منصور بن المعتمر منصور بن زاذان موسى بن أبي جابر موسى بن كعب موسي بن نصير مهدي طالب هاشم ميمون بن مهران ميمونة بنت الحارث (1/670)
صفحة 644
حرف النون 090، 101، 150، 114، 47 516،421 361 289، 201 247 حرف الواو 140، 141، 200، 343، 139، 242، 257، 238،237،224، 200، 188، 389، 383، 338،293،283، 279،276 4، 407، 488، 59902، 39،393 30 341 671 نافع بن الأزرق نافع مولى ابن عمر نفات بن نصر - نصر بن زهران - نصر بن سليمان واصل بن عطاء وائل بن أيوب (أبو أيوب) وائلة بن الأسقع وكيع بن الجراح (1/671)
صفحة 645
حرف الهاء 449، 473،379،299،241، 244 246 04، 473، 493 420،328،288،116، 115، 103،97: 96،860، 4،82 305 333 326 361،302،297،29245، 246، 258، 283، 6 - هارون بن اليمان هاشم بن عبد الله اخراساني هاشم بن غيلان - هشام بن حکيم هشام بن عبد الملك هشيم بن بشير هود بن محكم الهوارى هلال بن عطية (1/672)
صفحة 646
حرف الياء 091 093 108 093 300،297،296،277،209،208 101 6، 116، 294، 305، 363،342،3060،39 281 294،203،102،91 84 10. 318،152،120، 116،102،97،92،83،82،60 305 321،241،239، 2350، 224، 227، 4،113،108، 107، 100، 98،89،77،70، 7 202،144،115 114 384،334 4850454 63، 284،84 - يحيى بن أبى يحيى بن آدم يحيى بن حيان - يحيى بن معين يحيى بن نجيج - يحيى بن يحيى كثير يزيد بن أبي مسلم - يزيد بن الفيض - يزيد بن المهلب - يزيد بن الوليد يزيد بن أنيسة يزيد بن حاتم بن قبيعة المهلبي يزيد بن عبد الملك يزيد بن فندين ابن فندين يزيد بن معاوية يعقوب محمد (أبو يوسف) يوسف بن إبراهيم (أبو يعقوب) يوسف بن خلفون (أبو يعقوب) يوسف بن عمر (1/673)
صفحة 647
فهرس المصادر والمراجع
ابن أبي دينار محمد بن أبي القاسم القيرواني المؤنس في أخبار إفريقية وتونس،
ت محمد شهاب المكتبة العتيقة بتونس ط 3، 1987 م تونس
2 - ابن بركة. عبد الله بن محمد بن بركة البهلوى العماني الجامع 2 جزء وزارة التراث العمانية – سلطنة عمان، ت عيسى يحيى الباروني ط 2 لات.
-ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رفع الملام عن
مكتبة الحياة، بيروت، 1980، لا عدد.
الأئمة الأعلام دار
فتاوى ابن تيمية جمع وترتيب المرحوم محمد بن. عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد 37 مجلداط 1، مكتبة المعارف، الرباط، بلات.
ابن حجر شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن على بن حجر العسقلاني فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13 مجلدا، القاهرة، المطبعة السلفية بلا عدد الطبعات ولات (تصوير).
الإصابه في تمييز الصحابة، 4 أجزاء، دار الكتاب العربي بيروت، لات ولا
عدد الطبعات.
تقريب التهذيب، دار المعرفة، بيروت، 1395 هـ - 1975 م، بلا عدد "
الطبعات.
ابن حزم على بن أحمد الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل، 3 أجزاء، دار المعرفة، بيروت، 1406 هـ - 1986 م، بلا عدد الطبعات. ابن حمده د. عبد المجيد ـ المدارس الكلامية بإفريقية إلى ظهور الأشعرية، ط ا، 1405 هـ ـ 1985 م، دار الغرب، تونس.
ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد المقدمة جزآن دار المدينة للنشر والتوزيع - الدار التونسية للنشر 1984 م، مطبعة دار القلم، تونس ط 1.
العبر وديوان المبتدأ والخبر 9 أجزاء في 4 مجلدات.
674 (1/674)
صفحة 648
9
-ابن خلفون أبو يعقوب يوس بن خلفون المزاتى ـ أجوبة ابن خلفون، تحقيق د. عمر خليفة النامي دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، ط 1، 1394 هـ ـ
1974 م.
ابن خياط خليفة بن خياط - تاريخ خليفة بن خياط، دمشق، دار الثقافة، 1968 م
10 - ابن رزيق حميد بن محمد بن رزيق ـ الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان - تحقيق عبد المنعم عامر، وزارة التراث العمانية، 1398 هـ ـ 1978 م، عيسي
الحلبي ـ القاهرة
بن
أحمد محمد أحمد
11 - ابن رشد محمد بن بن بن رشد القرطبي الحفيد، بداية المجتهد، 2 مجلد، مراجعة عبد الحليم محمد عبد الحليم، عبد الرحمن حسن محمود، دار الكتب الحديثة، القاهرة، مطبعة حسان، 1975 م، بدون عدد
الطبعات.
12 - ابن سعد ـ الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، لات، لا عدد.
13 - ابن سلام الأباضي ولاب بن سلام، بدء الإسلام وشرائع الدين ــ ـت فيرز شقارتس
و سالم بن يعقوب، دار النشر، فرانز شنتايز بقيسبادن، 1406 هـ ـ 1986 م ط
2، عدد الأجزاء 1.
14 - ابن سلام ولاب بن سلام، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر الأباضية، تحقيق رف شفارتز وسالم بن يعقوب، دار اقرأ للنشر والتوزيع والطباعة، ط 1، 1405 هـ
-10
-17
-17
1985 م.
ابن الشيخ محمد الشيخ بالحاج ابن الشيخ، القرآن تفسيره ومفسروه، السنة روايتها ورواتها عند الأباضية، المطبعة العربية، غراديه / ميزاب ط 1، 1984
العقد الفريد، تحقيق محمد سعيد العريان، مطبعة الاستقامة
ابن عبد ربه. بالقاهرة، 1972 م.
ابن عذارى ــ المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ت ح س
675 (1/675)
صفحة 649
كولان اليفي بوفنال، دار الثقافة، بيروت، لات، لا عدد ..
18 ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينووى ـ الإمامة والسياسة، تحقيق د. طه محمد الزيني، 1 - 2، دار المعرفة، بيروت، مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر
والتوزيع.
19 - ابن كثير الحافظ ابن كثير الدمشقى - البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، ط 5، 1403 هـ ـ 1983 م.
20 - ابن الأثير أبو الحسن على بن محمد بن عبد الواحد الشيباني ـ الكامل في التاريخ، أجزاء، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ، ولا عدد الطبعات.
21 - ابن الجوزى - سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، تحقيق د. السيد الجميلي، 1، دار مكتبة الهلال،، 1405 هـ ـ 1985 م، بلا عدد الطبعات
22 - ابن الصغير المالكي - أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق د. محمد ناصر والأستاذ إبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1406 هـ - 1986 م، بلا
عدد الطبعات
23 - ابن النديم ـ الفهرست، المطبعة الرحمانية بمصر، 1348 هـ. 24 ـ أبو الحسن الندوى ـ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، دار القلم، الكويت،
-
ط 10، 1394 هـ ـ 1974 م.
25 - أبو القاسم البلخي - فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد،، الدار التونسية للنشر، تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط 2، 1406 هـ
1986 م.
26 ـ أبو جابر محمد بن جعفر ـ الجامع، تحقيق عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومى والثقافة، سلطنة عمان، ط أولى، 1981 م.
27 - أبو داؤد سليمان بن الأشعت السجستاني الأزدى ــ سنن أبي داود، 4 أجزاء، الدين عبد الحميد، دار إحياء الكتب النبوية، بلا مكان الطبع،
مراجعة محيى ولا عدد الطبعات، ولا سنة الطبع.
676 (1/676)
صفحة 650
28 أبوزكريا يحيى بن أبي بكر - السيرة وأخبار الأئمة، تحقيق عبد الرحمن أيوب، ط 1، الدار التونسية للنشر، 1405 5 - 1985 م، المطبعة العربية التونسية.
29 - أبوزكريا يحيى بن أبي زكريا - سير الأئمة وأخبارهم؛ المعروف بتاريخ أبي زكريا، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1402 هـ ـ 1982 م، الطبعة الثانية، ت إسماعيل العربي. 30 - أبوزهرة محمد أبوزهرة ـ أصول الفقه، دار الفكر العربي، القاهرة لا ت،
ط 1، لا عدد
31 ـ أبوزهرة محمد ـ تاريخ المذاهب الإسلامية، 2 جزء، دار الفكر العربي، القاهرة
، لات، ط ا.
32 - أبوزهو ـ الحديث والمحدثون، دار الكتاب العربي، بيروت، 1404 هـ ـ 1984 م، ط 1.
-
33 ـ أبو عمار عبد الكافي - شرح الجهالات، أطروحة دراسة وتحقيق قدمها ونيس ابن الطاهر بن عامر بالكلية الزيتونية بتونس، 1405 هـ ـ 1985 م، بإشراف الدكتور على الشابي.
34 ـ أبو عمار عبد الكافي الأباضي، الموجز، 2 جزء، ت د. عمار الطالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط 1، 1398 هـ ـ 1978 م.
35 ـ أبو عمرو الربيع بن حبيب الأزدي العماني - الجامع الصحيح، ترتيب أبي يعقوب تصحيح محمود عبران، المطبعة العمومية، دمشق، 1388 هـ ـ 1968 م، بدون ذكر عدد الطبعات.
أبو عمرو الربيع بن حبيب الفراهيدي ـ الجامع الصحيح، المطبعة العربية غرداية، 1985 م، دار الفتح للطباعة والنشر، مكتبة الاستقامة، روى، سلطنة عمان، مصور عن. ط 1388، بتعليق أبي إسحاق إبراهيم أطفيش.
37 – أبو يعقوب ـ يوسف بن إبراهيم الوارجلاني - الدليل والبرهان 2 جزء ط وزارة
677 (1/677)
صفحة 651
التراث العمانية 1403 – 1983 م - بلا مكان الطبع، العدل والإنصاف 2 جزء
وزارة التراث العمانية - 1404 - 1984 م، بلا مكان الطبع.
38 - أبو يعقوب ـ يوسف بن خلفون ـ جوابات دار الفتح بيروت ت عمرو خليفة النامي ــ عام.
أبو غانم بشر بن غانم الخراساني - قطعة من المدونة القديمة، مخطوطة مصورة من
غير تاريخ النسخ.
المدونة الكبرى، وزارة التراث القومى والثقافة، سلطنة عمان، 1404 هـ ـ 1984 م، ط 1، بلا تحقيق.
-
المدونة الصغرى، 1 - 2، وزارة التراث العمانية، 1404 هـ ـ 1984 أمون، القاهرة، ط 1.
،
مطبعة
-?.
أبو القاسم البلخي القاضي عبد الجبار الحاكم الجشمى ـ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد، 1، الدار التونسية للنشر، تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط 2، بدتا.
عمر مسعود أبو القاسم - الربيع محدثا، رسالة ماجستير، جامعة الفتح
(مرقونة) لا ت.
42 - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني - العدل والإنصاف، 2 جزء، وزارة التراث القومى والثقافة سلطنة عمان دار نوبار للطباعة، لا مكان،
1404 هـ ـ 1984 م.
4 ـ أحمد أمين ـ فجر الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 11، 1399 هـ ـ
1979 م،.
ضحى الإسلام، 3 أجزاء، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 10، لات.
44 أطفيش محمد بن يوسف أطفيش - رسالة شافية في تاريخ وادي ميزاب، 1، مصور من مكتبته طبعة حجريد بمصر، بلا ذكر سنة الطبع، ولا عدد الطبعات.
678 (1/678)
صفحة 652
شرح عقيدة التوحيد، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان م ط 2، شرح عقيدة التوحيد ت أبو إسحاق إبراهيم
1403 هـ - 1983
أطفيش.
،
،
الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، ت أبي إسحاق إبراهيم أطفيش، مطبعة البعث، قسنطينية، الجزائر، ط 2، 1400 هـ ـ 1980 م.
شرح كتاب النيل وشفاء العليل، مكتبة الإرشاد، جدة، السعودية، 1405 هـ ــ 1985 م، الطبعة الثالثة.
الآمدي سيف الدين أبو الحسن على بن أبى على بن محمد الآمدى ــ الإحكام في أصول الأحكام، ت جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 هـ ـ 1983 م، لات.
46 ـ الأزدى أبو زكريا يزيد بن محمد الأزدى ـ تاريخ الموصل، تحقيق على حبيبة، 1387 هـ، نشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر.
- 47
الأزكوى سرحان سعيد الأزكوى ـ تاريخ عمان المقتبس من كشف الغمة، تحقيق عبد المجيد حسيب القيسي، وزارة التراث العمانية، مطابع سجل العرب، القاهرة
، 1980 م.
48 - الأشعرى أبو الحسن على بن إسماعيل ـ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ت الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ط 2، 1369
محمد محى
هـ ـ 1989 م.
49 - الأصفهاني أبو الفرج الأصفهاني - الأغاني، مطبعة التقدم، القاهرة، لا عدد، لا
_ O.
ت.
الأعظمي
د. محمد مصطفى الأعظمي - دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، المكتب الإسلامي – بيروت، 1980 م.
51 - الباروني سليمان بن عبد الله - الأزهار الرياضية، جـ 2، دار بوسلامة للنشر
ام
والتوزيع، تونس، 1986 م، ط 1.
52 الباروني عبد الله بن يحيى - سلم العامة والمبتدئين، بدتا، ولم يذكر مكان الطبع، (1/679)
صفحة 653
53
ولا عدد الطبعات
البخاري أبو عبد الله بن إسماعيل ـ التاريخ الصغير، 2 جزء، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة، بيروت، ط 1، 1406 هـ - 1986 م.
البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ــ صحيح البخاري، أجزاء في أربعة مجلدات، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1402 هـ ـ 1982 م، الطبعة 2.
البرادي أبو القاسم بن إبراهيم الجربي - الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات، ط 1، حجرية، الناشر محمد بن يوسف الباروني، قسنطينة مصر، بدون تاريخ
56 ـ البغدادي - تاريخ بغداد، دار صادر للكتاب العربي ـ بيروت. 57 البلاذري أحمد بن يحيى ـ أنساب الأشراف، ط دار المعارف بمصر مع معهد
المخطوطات بجامعة الدول العربية.
5 - البلاذرى أبو الحسن - فتوح البلدان، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398 هـ ـ 1978 م، بلا عدد الطبعات.
فتوح البلدان، المكتبة التجارية الكبرى شارع محمد على بمصر، 1932 م. 59 الثمينى عبد العزيز بن إبراهيم - معالم الدين، 1 - 2، وزارة التراث العمانية،
مطابع سجل العرب، 1407 هـ - 6 1 هـ - 1986 م، بلا مكان الطبع.
النور شرح نونية أبي نصر النفوسى، المطبعة العربية غردابة 1981، ط مصورة
عن ط 1.
60 - الجاحظ عمرو بن بحر ـ البيان والتبيين، 21، دار الفكر للجميع، بيروت، 1968 م، بدتا، ولا عدد الطبعات.
التاج في أخلاق الملوك، ت فوزى عطوى، دار صعب (الشركة اللبنانية للكتاب)، بيروت، مطبعة الأمان، 1970 م لا عدد.
61 - الجرجاني أبو الحسن علي بن محمد بن على ـ التعريفات، الدار التونسية للنشر،
680 (1/680)
صفحة 654
المطبعة الرسمية بتونس، 1971 م.
62 - الجعبيرى فرحات ـ البعد الحضاري، 1 - 2، أطروحة دكتوراه مرحلة ثالثة كلية
الآداب بتونس، إشراف عام، مرقونة.
البعد الخضارى - مطبوعة بسلطنة عمان، ط مطبعة الجامعة.
نظام العزابة عند الأباضية الوهبية في جربة، نشر المعهد القومى للآثار والفنون،
تونس،، 1975 م، المطبعة العصرية، ط 1
63 - الجناونى أبوزكريا يحيى بن أبى الخير الجناوني ـ كتاب الوضع، ط 1، بدتا، نشر وتعليق أبى إسحاق إبراهيم أطفيش، مطبعة الفجالة بمصر.
الجنحاني - الحبيب ـ التحول الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع صدر الإسلام، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1985 م.
65 - الجيطالي إسماعيل بن موسى - قناطر الخيرات، 3 مجلدات، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403 هـ ـ 1983 م، ط 2.
قواعد الإسلام، 2، تعليق بكلى عبد الرحمن بن عمر، ط 1، المطبعة العربية،
غرداية، 1.976 م.
66 - الحارثي سالم بن حمد بن سليمان - العقود الفضية في أصول الأباضية، دار اليقظة العربية، بيروت، ط ا، لات.
67 - الحافظ أحمد بن على بن ثابت - الكفاية في علم الرواية، المكتبة العلمية. ـ الحسيني هاشم معروف - الموضوعات في الأخبار والآثار، 1، دار الكتاب اللبناني
، بيروت، ط 1، 1973 م.
69 - الحطاب أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغربي الحطاب ـ مواهب الجليل شرح مختصر خليل، 6 مجلدات، دار الفكر، ط 2، 1398 هـ ـ 1978 م،
بلا مكان الطبع.
70 - الحموى شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي البغدادي ـ معجم البلدان، دار صادر وبيروت، لا عدد، لات، مكتبة الجامعة الزيتونية.
71 الخالدي د. محمود الخالدى ـ البيعة فى الفكر السياسي الإسلامي، مكتبة الرسالة
681 (1/681)
صفحة 655
:
الحديثة، الأردن، ط 1، 1405 هـ ـ 1985 م.
72 - الخضرى الشيخ محمد الخضرى بك ـ تاريخ الأمم الإسلامية، الدولة الأموية
21، دار المعرفة، بيروت، بدتا.
الدولة العباسية، ك م بدتا، دار المعرفة، بيروت، ط 1، لات.
73 - الدار قطني ـ في الضعفاء والمتروكين، دار القلم، بيروت، 1405 هـ ـ 1985 م، بلا عدد الطبع.
74 - الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد ـ طبقات المشائخ بالمغرب، مطبعة البعث، الجزائر، إخراج إبراهيم طلاى، ط 1، لات، 1974 م.
75 الدمشقى محمد منير الدين - معجم آيات القرآن الكريم، دار الجيل، بيروت، ط، 1404 هـ ـ - 1984 م.
76 - الذهبي شمس الدين محمد بن أحمد عثمان.
بن
مؤسسة الرسالة، بيرون ة، بيروت لا ت، لا عدد.
ميزان الاعتدال، دار الفكر، القاهرة، لا ت.
سير أعلام النبلاء، مجلد 1،
77 الرقيق القيراوني - تاريخ إفريقية والمغرب، تحقيق المنجي الكعبي، الناشر رفيق
السقطي، شارع فرنسا ـ تونس.
78 - الزبيرى أبو عبد الله المصعب
بن عبد الله
بن المصعب الزبيري ـ نسب قريش،
تعليق اليفي بروفنسال، دار المعارف، القاهرة، 1382 هـ، لا عدد الطبعات.
79 ـ الزركلي ـ خير الدين ــ الأعلام، 8 أجزاء، دار العلم للملايين، بيروت، ن، ط 6،
-^.
1984 م.
الزين الشيخ محمد خليل - تاريخ الفرق الإسلامية، 1، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت، ط 2، 1405 هـ ـ 1985 م.
81 - السالمي - تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، 2 جزء، تعليق أبي إسحاق، ط 2،
مطبعة الشباب، القاهرة، 1250 هـ.
682 (1/682)
صفحة 656
بن
82 - السالمي ـ عبد الله حميد ـ جوهر النظام في علمى الأديان والأحكام، تعليق أبي إسحاق، ط 10، مطابع العقيدة، سلطنة عمان، 1985 م.
نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي - شرح الجامع الصحيح، 3 مجلدات، ط 2، المطابع العالمية، جـ 2.1، سلطنة عمان بدون تاريخ.
84 نور الدين أبو محمد بن عبد الله السالمي ـ شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، مطبعة العمومية، دمشق، سوريا، جـ 3، 1963 - 1983 م، عز
الدين التنوخي. 85 نور الدين أبو. محمد عبد الله بن حميد السالمي ـ شرح طلعة الشمس على الألفية، مهمة الأنوار، وزارة التراث القومى والثقافة، سلطنة عمان، 1405 هـ 1980 م، الطبعة الثانية،.
66 - نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد - اللمعة المرضية، نشر وزارة التراث العمانية، ط 2، عدد 18 من تراثنا، 1983 م، مطابع سجل العرب، القاهرة.
معارج الآمال، 18 مجلد، ط 1، 1404 هـ ــ - 1984 م، مطابع سجل العرب،
القاهرة. مشارق أنوار العقول تعليق سماحة مفتى سلطنة عمان أحمد مطابع العقيدة، ط 2، 1398 هـ ـ 1978 م.
بن حمد الخليلي،
87 السباعي د. مصطفى السباعي ـ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 3، 1982 م.
88 السيابي سالم بن حمود - طلقات المعهد الرياضي، نشر وزارة التراث العمانية،
1400 هـ ـ 1980
م
،
ط 1، ج 1
أصدق المناهج، وزارة التراث العمانية، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف،
1979 م، مطابع سجل العرب،، القاهرة ط 1
عمان عبر
التاريخ، 4 أجزاء، وزارة التراث القومي العمانية، 1406 هـ ـ
1986 م، ط 2، مطابع سجل العرب، القاهرة.
6830 (1/683)
صفحة 657
إزالة الوعثاء، تحقيق سيدة إسماعيل،کاشف، 1979 م، وزارة التراث العمانية
مطابع سجل العرب، القاهرة، ط 1.
89 السيوطى جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر - تاريخ الخلفاء، ت محيى الدين عبد الحميد، لا عدد لا ت، لا مكان الطبع.
9 الشابي على، د. أبو لبابة حسين، د. عبد المجيد النجار ــ المعتزلة بين الفكر والعمل، الشركة التونسية للتوزيع، تونس، ط 2، 1986 م.
91 - الشماخي عامر بن على الشماخي ـ الإيضاح، 4 أجزاء، دار الفتح، بيروت، 1394 هـ ـ 1974 م، ط 2
92 - الشماخي الإمام أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي ــ كتاب السير، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1407 هـ ـ 1987 م، ت أحمد بن
سعود السيابي.
9 - الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم - الملل والنحل (بها مش الفصل لابن حزم)، دار المعرفة، بيروت، لا عدد 1406 هـ - 1986 م.
94 - الصوافي صالح بن أحمد ـ الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة، وزارة التراث العمانية، 1403 هـ ـ 1983 م، رسالة ماجستير من الأزهر، مطبعة الألوان
الحديثة، سلطنة عمان.
95 الطبري ـ أبو جعفر محمد بن جرير ـ تاريخ الأمم والملوك، من 96، الطبعة الأولى، المطبعة الحسينية المصرية، مكتبة خياط، بيروت، بدون تاريخ.
96 - الشقصي خميس بن سعيد الشقصى منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، 22 مجلد، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، عيسى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة، ت سالم بن حمد سليمان الحارثي،. ط 1، 1402 هـ ـ 1982 م.
97 - العش د. يوسف العش - الدولة الأموية، دار الفكر، سوريا.
98 - العقاد عباس محمود العقاد - معاوية بن أبي سفيان المكتبة العصرية، بيروت
684 (1/684)
صفحة 658
99 - العقيلي - الأباضية
في
عمان وعلاقاتها مع الدولة العباسية في عصرها الأول
(محاضرة)، د. محمد رشيد العقيلي، سلسلة تراثنا، عدد 60، وزارة التراث القومي، سلطنة عمان المطبعة الشرقية، مطرح في عمان 1984 م، ط 1. 100 - العلى د. صالح أحمد العلي - التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط 2، 1963 م. 101 - العمرو د. على عبد الرحمن العمرو - أثر الفرس السياسي في العصر العباسي الأول، ط أولى، 1399 هـ ـ 1979 م، لم يذكر مكان الطبع.
102 - القرشي يحيى بن آدم ـ كتاب الخراج ضمن مجموعة كتب الخراج، دار المعرفة، بيروت، لات، ط 2.
103 ـ القط د. عبدالقادر ـ في الشعر الإسلامي والأموى، 1، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1979 م، بلا عدد الطبعات.
104 ـ الإمام علاء الدين أبو بكر بن سعود الكاملي الحنفى الملقب بملك العلماء ــ بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1402 هـ -
1982 م.
105 ـ الكردى د. إبراهيم سلمان ـ نظام الوزارة في العصر العباسي الأول، 1، شركة كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع، الكويت، 1983 م، بلا عدد الطبعات. 106 ــ أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب ـ جمهرة النسب، تحقيق د. ناجي حسن عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، بيروت 1407 هـ - 1986 م، ط أولى. 107 - الكندي أحمد بن عبدالله بن موسى | الكندى ـ المصنف، عدد الأجراء 42، ت عبد المنعم عامر، د جاد الله وزارة التراث القومى والثقافة، سلطنة عمان، ط 1،
1403 هـ ـ 1983 م.
108 - الكندى سليمان بن محمد بن أحمد بن عبدالله الكندى ـ بداية الإمداد على غاية المراد، سلطنة عمان، لا ت، لا عدد.
685 (1/685)
صفحة 659
109 - المالكي عامر بن خميس المالكي - غاية المطلوب في الأثر المنسوب، مخطوط
بمكتبتي، نسخة مصورة.
110 ـ المبرد أبو العباس محمد بن يزيد - الكامل في اللغة والأدب، 1 – 2، مؤسسة المعارف، بيروت، 1405 هـ ـ 1985 م، بلا عدد الطبعات.
111 ـ المجدوب عبدالعزيز المجدوب - الصراع المذهبي بإفريقية، 1، الدار التونسية للنشر، ط 2، بدتا، 1985.
112 - المسعودى أبو الحسن على بن الحسين بن على المسعودى ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر، 4 أجزاء، تقديم د. سعيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1406 هـ - 1986 م.
113 - المقدسي على زادة فيض الله الحسنى المقدسي - فتح الرحمن، الدار العربية للكتاب، ليبيا، تونس، 1401 هـ ـ - 1981 م.
114 ـ القلهاتي أبو عبدالله محمد بن سعيد الأزدى القلهاتي ــ الكشف والبيان، تحقيق وتعليق سيدة إسماعيل كاشف 2 جزء وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة
عمان، مطابع سجل العرب القاهرة، 1400 هـ ـ 1980 م.
115 ـ محمد سعيد الأزدى القلهاتي - الفرق الإسلامية من خلال الكشف والبيان، بن تحقيق د. محمد عبد الجليل تونس الجامعة التونسية 1984 م، المطبعة القومية
للنشر، ط 1.
116 - المرغيناني أبو الحسن على بن أبي بكر بن عبدالجليل المرغيناني – الهداية شرح البداية، 2 مجلد، المكتبة الإسلامية بلا تاريخ ولا مكان الطبع، ولا عدد
الطبعات.
117 ـ المقريزي - خطط المقريزي 1 - 2، مطبعة المثنى، بغداد، دت. 118 - الندوى أبو الحسن الندوي - رجال الفكر والدعوة في الإسلام، دار القلم، الكويت، ط 1397،5 هـ 1977 م.
119 ـ النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، سنن النسائي ــ 8 أجزاء في 4
686 (1/686)
صفحة 660
مجلدات بشرح الحافظ جلال الدين السيوطى دار الكتاب العربي، بيروت -
لبنان، بلا تاريخ، ولا عدد الطبعات.
120 - النيسابوري أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ـ صحيح مسلم، مجلدات، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت،
الطبعة الثانية، 1972 م.
121 ـ المواق أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدرى المواق ـ التاج والإكليل، شرح
مختصر خليل بهامش شرح-ا
الحطاب.
122 – المودودى أبو الأعلى المودودى ـ الخلافة والملك، تعريب أحمد إدريس، دار
القلم الكويت، لا عدد، 1978 م.
123 ـ النامي د عمر و خليفة النامي - ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان (محاضرة)، ألقيت في الملتقى الفكرى بالجزائر 1971 م.
124 ـ النيفر محمد الطاهر ـ أهم الفرق الإسلامية، الشركة التونسية التوزيع، تونس، ط 2، 1406 هـ ـ 1986 م.
125 ــ الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام أبو الوسياني، السير، مخطوط مصور، تاريخ النسخ 1338 هـ.
126 - إيليا حاوى - فن الهجاء وتطوره عند العرب، 1، دار الثقافة، بيروت، بدتا، ولا
عدد الطبعات.
127 ـ بحاز إبراهيم - الدولة الرستمية، 1، ط 1، 1985 م، مطبعة لافوميك، الجزائر. 128 ـ بكوش يحيى محمد بكوش ـ فقه الإمام جابر بن زيد دار الغرب الإسلامي، مجلد 1، ط، 1، 1407 هـ ـ 1987 م، بيروت، لبنان.
129 ـ بلتاجي د. محمد بلتاجي - مناهج التشريع الإسلامي، 2 مجلد، ط 1، 1397 هـ 1977 م، جامعة الإمام محمد بن سعود، 2، مطابع نجد، الرياض.
- 130
محمد جعفر بن بن عبد السلام - إبانة المناهج في نصيحة الخوارج، صورة مخطوطة، مصورة عن دار الكتاب المصرية سابقا، الهيئة العامة للكتاب)، بلا
687 (1/687)
صفحة 661
تاريخ. 131 ـ جودت عبد الكريم يوسف - العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، 1، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، ط 1.
132 – جرجي زيدان - تاريخ التمدن الإسلامي، 1 - 2، دار مكتبة الحياة، بيروت، بدتا، ولا عدد الطبعات.
133
حاجي خليفة - كشف الظنون مجلد،2 طبعة طهران، مكتبة الجعفرى
التبريزي، شارع بودر جهري.
134 ـ حسن إبراهيم حسن - تاريخ الإسلام، 4 أجزاء، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 7، 1964 م.
135 ـ خليفات د. عوض محمد خليفات - نشأة الحركة الأباضية، 1، عمان، 1982،
طا.
النظم الاجتماعية والتربوية عند الأباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان،
عمان، 1982، ط 1.
136 ـ دبوز محمد علي ـ تاريخ المغرب الكبير، 3 عيسى الحلبي، القاهرة، ط 1،
1383 هـ 1963 م.
137 – رابح بونار - المغرب العربي تاريخه وثقافته، الشركة الوطنية، الجزائر، 1981 م.
138 - رفعت فوزى عبد اللطيف
-
الخلافة والخوارج في المغرب العربي، 1، ط 1،
1393 هـ ـ 1973 م، بلا مكان الطبع.
139 - سالم بن يعقوب - تاريخ جزيرة جربة ـ دار الجوينى للنشر تونس، 1406 هـ 1986 م، ط 1، مجموعة آثار أباضية بخط سالم بن يعقوب، نسخة مصورة في
مكتبة بجربة.
140 ـ سيد عبد الحافظ عبد ربه - الأباضية مذهب وسلوك، مكتبة الاستقامة، سلطنة
عمان، 1406 هـ - 1986 م، ط 1.
688 (1/688)
صفحة 662
141 ـ شلبي د. أحمد شلبي ـ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ط مكتبة النهضة
المصرية.
142 ـ شوقي ضيف - الشعر والغناء فى مكة والمدينة دار المعارف، القاهرة، لا ت، لا عدد، مكتبة الجامعة الزيتونية.
143 ـ عباس د. إحسان عباس - شعر الخوارج دار الثقافة، بيروت، لا عدد، لات. 144 ـ عبد السلام رستم، أبو جعفر المنصور - الخليفة العباسي الأول ـ دار المعارف
بمصر.
145 ــ د. عبد المنعم ماجد ــ التاريخ السياسي للدول العربية، مكتبة الأنجلو المصرية، لا
146
-
147
ت، لا عدد.
عدون جهلان ـ الفكر السياسي عند الأباضية، أطروحة ماجستير، معهد الفلسفة جامعة الجزائر، 1407 هـ ـ 1987 م، بإشراف د. أبو عمران الشيخ.
عمر بن الحاج صالح با ـ الفكر الأباضي، موقوت، مصور، بدتا، مكتبة فرحات
الجعبيري.
148 ـ عطوان د. حسين عطوان - الزندقة والشعوبية في العصر العباسي الأول مكتبة المحتسب، ت دار الجيل بيروت، ط 1، لات.
149 - فروخ: عمر - عبقرية العرب فى العلم والفلسفة المكتبة العصرية، بيروت، طع، 1405 هـ 1985 م.
150 - قاسم بن سعيد الشماخي - الرد المنير، مطبعة المنار بمصر عام 1324. 151 ـ قاسم د. عون الشريف قاسم - شعر البصرة في العصر الأموى، جزء واحد، دار الثقافة، بيروت، 1392 هـ ـ 1972 م، بلا عدد الطبعات.
152 ـ قيلالي عبد العزيز قيلالي - العلاقات السياسية بين الدولة الأموية في الأندلس ودول المغرب، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط أ، 1983 م.
1530 - کاشف سيدة إسماعيل كاشف - عمان في فجر الإسلام، وزارة التراث القومى
689 (1/689)
صفحة 663
بسلطنة عمان (تراثنا عدد 2 دار جريدة عمان، ط 2، 1989 م.
154 ـ مالك بن أنس الأصبحي اليمني ـ الموطأ، 2 مجلد، ت محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي دار الكتب العربية بيروت عيسى البابي الحلبي،
القاهرة، 1406 هـ - 1986 م.
-
155. مجلة كلية الشريعة الزيتونية (سابقا) - موقف السلطة الأموية من القدرنين الأوائل، عدد 7، 1984 م. سليمان الشواشي.
156 ـ مجموعة بحوث - دائرة المعارف الإسلامية، ط طهران لا عدد، لا ت، مكتبة الجامعة الزيتونية.
157 ـ مجموعة من الباحثين - حضارة العراق جزء 5، 6، الجمهورية العراقية، دار الحرية للطباعة، بغداد، ط 1، 1406 هـ ـ 1985 م.
158 ـ مجموعة من المشايخ المشارقة - سير المسلمين مخطوط مصور، منقطع من آخره
653 صفحة.
159 - مجموعة من الباحثين ـ السير والجوابات نفس الكتاب، (مطبوع) جزء 1، تعليق وتصحيح سيدة إسماعيل كاشف وزارة التراث القومى، 1406 هـ - 1986 م، سلطنة عمان، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
160 ـ مجهول المؤلف ـ أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها، 1، دار الكتاب اللبناني بيروت تحقيق د. إبراهيم الإبياري مطبعة نهضة مصر، القاهرة،
1981 م.
161 – محمد أبو الفضل إبراهيم، على محمد البجاوي ـ أيام العرب في الإسلام، المكتبة العصرية، بيروت، ط 4، 1394 هـ.
162 ـ محمد بن إبراهيم الكندى ـــ بيان الشرع، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1408 هـ ـ 1988، 1، الشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي.
163 ــ د. محمد عبد القادر أحمد ـ دراسات في أدب ونصوص العصر الأموى، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط 1، 1402 هـ ـ 1982 م.
690 (1/690)
صفحة 664
164 ـ د. محمد فؤاد عبد الباقى - فهارس سنن ابن ماجة - دار الباز ـ مكة المكرمة ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ط أولى - 1407 هـ ـ 1987 م.
165 - محمد السعيد بن بسيونى زغلول - فهارس مسند أحمد بن حنبل ـــ دار الكتب العلمية - بيروت ط أولى 1405 هـ ـ 1985 م.
166 ـ معمر على يحيى معمر ـ الأباضية في موكب التاريخ، مكتبة وهبة، القاهرة، 1384 هـ ـ 1864 م. الطبعة الأولى.
167 ـ محمود مصطفى ـ الأدب العربي وتاريخه في عصري صدر الإسلام والدولة الأموية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط 2، لا ت، مكتبة الجامعة
الزيتونية.
168 ـ محمد ماهر حماده ــ الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر الأموى، بيروت،
07494
169 ــ د. محمود إسماعيل ـ الخوارج في بلاد المغرب، 1، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ط 2، 1406 هـ - 1986 م، مطبعة النجاح الجديدة.
170 ـ محمد مصطفى هدارة - اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، القاهرة، مصر، دار المعارف، ط 2، لا ت.
171 د. مصطفى ديب البغا ـ فهارس صحيح البخارى – مؤسسة علوم القرآن – عجمان، ط 3، 1407 هـ ـ 1987 م.
172 ـ مهدي طالب هاشم - الحركة الأباضية في المشرق العربي، رسالة ماجستير، كلية الآداب جامعة بغداد، 1977 م ط 1، 1401 هـ - 1401،1 هـ ـ 1981 م.
173 ـ نشرة صادرة عن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالمغرب، الإسلام اليوم، رجب 1406 هـ ـ 1986/ 4 م.
عدد 4
174 ـ د. يوسف عبد الرحمن المرعشلى - فهرس أحاديث السنن الكبرى للبيهقى - دار المعرفة ــ بيروت ط أولى 1406 هـ ـ 1986 م.
691 (1/691)
صفحة 665
فهرس الموضوعات
الصفحة
الموضوع
الإهداء
المقدمة
الباب الأول شخصية الإمام أبي عبيدة
المبحث الأول: نشأة الإمام أبي عبيدة
المطلـ الأول: ولادة الإمام أبي عبيدة ونسبه
المطلـ الثاني: شيوخ الإمام أبي عبيدة
أ ـ صحار بن العباس العبدي
ب ـ جعفر بن السماك
أبو الشعثاء جابر بن زيد
المطلب الثالث: صفاته وأخلاقه
أ- صفاته
شدته في الحق ب -
ح ـ ورعه وعدالته
المطلـ الرابع: وفاة الإمام أبي عبيدة
المبحث الثاني: عصر الإمام أبي عبيدة السياسي والاجتماعي والاقتصادي
سيد: في البصرة ومكانتها
-1 وصفها
2 ـ حياة البصرة السياسية والاقتصادية
أهمية البصرة الاجتماعية والعلمية
المطلب الأول: الأحوال السياسية
ظروف الخلافة الراشدة
692 (1/692)
صفحة 666
الصفحة
الموضوع
الدولة الأموية
الدولة العباسية
الضغط السياسي
المطلب الثاني: الأحوال الاجتماعية والاقتصادية
حياة الترف عند الأمراء
اللهو والغناء
المديح والثناء
العصبية والمهاجاة
المطلب الثالث: موقف الفقهاء من تلك الأحوال
موقف الصحابة والتابعين
موقف الإمام أبي عبيدة وشيوخه من الدولة الأموية
المبحث الثالث: الوسط الفكري في عصر الإمام
تمهيد: في ذكر. سبب نشأة الفرق
المطلب الأول: أشهر الفرق الكلامية في عصر الإمام
الشيعة
المرجئة
الجبرية
القدرية.
المعتزلة
- الخوارج - الخوارج في نظر غير الأباضية - الخوارج في نظر الأباضية
المطلب الثاني: الأباضية
من هم الأباضية؟
الفرق بينهم والخوارج
المطلب الثالث: منهج الأباضية
أ ـ في علم الكلام
موقف الأباضية من الصحابة (1/693)
صفحة 667
الصفحة
الموضوع
ب – منهج الأباضية في الحياة العملية
رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
اختيار الإمام
معاملة الأباضية لغيرهم في السلم والحرب
منهجهم الفقهي وإنتاجهم فيه
حياتهم الاجتماعية والاقتصادية في القرن الأول والثاني
علاقة الإمام أبي عبيدة بأهل الدعوة يومئذ
الباب الثاني
آثار الإمام أبي عبيدة وتأثيره
المبحث الأول: دور الإمام أبي عبيدة في الدعوة
المطلب الأول: قيام الإمام أبي عبيدة بالتدريس
التدريس
مكان التدريس
التلاميذ
المطلب الثاني: قيام الإمام أبي عبيدة بالفتوى
مكانته في الفتوى
استفتاء أهل الآفاق له
مراعاته لظروف السائل
تحرجه في أمر الفتوى
الاستخلاف في الفتوى
المطلب الثالث: قيام الإمام أبي عبيدة بالدعوة
إدارة الدعوة
الاهتمام بموسم الحج
- الدعوة في الأمصار
مجلس الوعظ والإرشاد
694 (1/694)
صفحة 668
الموضوع
الصفحة
المطلب الرابع: محنة الإمام أبي عبيدة
المطلب الخامس: موقفه من البدع
المبحث الثاني: تلاميذ الإمام أبي عبيدة
تمهيد
المطلب، الأول: تلاميذه في العراق
المطلب الثاني: تلاميذه في اليمن والحجاز وخراسان
تلاميذه اليمنيون
تلاميذه الحجازيون
تلاميذه الخراسانيون
المطلب الثالث: تلاميذ الإمام العمانيون
المطلب الرابع: تلاميذ الإمام من شمال إفريقيا ومصر
تمهيد
تلاميذه المغاربة
تلاميذه المصريون
المبحث الثالث: تأثير الإمام أبي عبيدة السياسي
المطلب الأول: الإمامة في اليمن
أسباب قيام الإمامة هناك
عقد الإمامة على طالب الحق
صفات هذا الإمام وأصحابه
دخول طالب الحق وأصحابه حصن حضرموت
- التوجه إلى الحجاز
المطلب الثاني: قيام الإمامة في عمان
عقد الإمامة على الجلندى بن سعود
صفات الإمام الجلندى وأصحابه
- الإصلاحات التي قام بها الإمام الجلندى
مقتل الإمام الجلندى بجلفار (1/695)
صفحة 669
الموضوع
الصفحة
أمر عمان بعد مقتل الجلندى
المطلـ الثالث: الإمامة بالمغرب
- الأسباب
الأباضية قبل أبي الخطاب بطرابل
إمامة الإمام أبي الخطاب المعافرى
عدل الإمام أبي الخطاب ومقتله
إمامة أبي حاتم المنزوزى
إمامة عبد الرحمن بن رستم الفارسي
المبحث الرابع: أثر الإمام أبي عبيدة العلمى
المطلـ الأول: أثره في مجالس التفسير علوم القرآن
نماذج من تفسيره بعض الآيات
المطلب الثاني: أثره في مجال الحديث
المطلب الثالث: أثره في علم الكلام
الباب الثالث فقه الإمام أبي عبيدة
سيد:
المبحث الأول: تكوين الإمام أبي عبيدة الفقهي
المطلب الأول: عمن أخذ الفقه
المطلب الثاني: انتماء مدرسته
المطلـ الثالث: مكانة الإمام أبي عبيدة بين فقهاء الأباضية
المطل الرابع: تدوين فقهه
المطلب الخامس: الاحتياط في فقهه
المبحث الثاني: منهج الإمام أبي عبيدة الفقهي
المطلـ الأول: أخذه بالقرآن الكريم
المطلب الثاني: موقفه من السنة النبوية
696 (1/696)
صفحة 670
الصفحة
من حيث السند
مقياس الرواية عنده
مدى الأخذ بالسنة عنده ه أيضا
الموضوع
المطل الثالث: موقفه من الإجماع
المطلب الرابع: موقفه من الاجتهاد
القياس
المصلحة المرسلة
- الاستصحاب
سد الذرائع
بعض المصطلحات الفقهية
- سمات منهجية أخرى
- القواعد الفقهية
- الصواب والخطأ في نظر الإمام أبي عبيدة
الباب الرابع آراء الإمام أبي عبيدة الفقهية
المطلـ الأول: نماذج مما خالف فيه شيوخه
المبحث الأول: خلافه مع الفقهاء
المطلـ الثاني: نماذج مما خالفه فيه تلاميذه
المطلـ الثالث: نماذج مما خالفه فيه معاصروه
المطلب الرابع: نماذج من اختلافه مع غير الأباضية
المطلب الخامس: نماذج مما رجع عنه الإمام أبو عبيدة
المطلب السادس: نماذج مما تفرد به من بين الأباضية
المبحث الثاني: من آرائه الفقهية - رسالته في الزكاة -
المطلب الأول: وصف الرسالة ونسبتها
- سبب تحقيق المخطوطة
وصف المخطوطات للرسالة
697 (1/697)
صفحة 671
الموضوع
الصفحة
نسبة الرسالة وإلى من أرسلت
المطلب الثاني: تحقيق رسالة الإمام أبي عبيدة في الزكاة
المطلب الثالث: دراسة الرسالة
الخاتمة
الملحق الأول: رسالة الإمامين أبي عبيدة وحاجب إلى أهل المغرب
الملحق الثاني: تراجم المشاهير من مشايخ الأباضية في عصر الإمام أبي عبيدة
1 ـ أبو بلال مرداس بن حدير الحنظلي
2 ـ عبد الله بن أباض المرى التميمي
عمران بن حطان الشيباني
حيان الأعرج
ه ـ أبو مودود حاجب بن مودود الطائي
6 ـ على بن الحصين العنبري المكي
ضمام بن السائب الندبي
- أبو نوح صالح بن نوح الدهان العماني
الفهارس
فهرس الآيات فهرس الأحاديث
فهرس الأشعار
فهرس البلدان والأماكن
فهرس القبائل
فهرس الأديان والمذاهب والفرق
فهرس الأعلام
فهرس المصادر والمراجع
فهرس المواضيع (1/698)
صفحة 672
مطابع الوفاء - المنصورة
شارع الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب
ص. ب: 230
تلك. 24004 DWFA UN (1/700)