صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ - سير وتراجم
------------------------------------------
العنوان: الإمام جابر بن زيد الأزدي وأثره في الحياة الفكرية والسياسية دراسة تاريخية
المؤلف: سامي صقر عيد أبو داود
إشراف: فاروق عمر فوزي
الناشر: مطابع النهضة
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 2000م
الطبعة: 1
أصله: رسالة ماجستير
الإيداع القانوني: 306/2000
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1036&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/62
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 11 صفر 1447ه/ 06 - شهر 08 - 2025م. الإمام جابر بن زيد الأزدي
(ت 93 هـ / 711 م)
وأثره في الحياة الفكرية والسياسية
دراسة تاريخية
إعداد
سامي صقر عيد أبو داود رسالة ماجستير (1/1)
صفحة 2
/ (1/2)
صفحة 3
الإمام جابر بن زيد الأزدي (ت 93 هـ / 711 م)
وأثره في الحياة الفكرية والسياسية
-دراسة تاريخية -
إعداد
سامي صقر عيد أبو داود
المشرف
الأستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي
" ..
قدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي في كلية الآداب والعلوم في جامعة آل البيت الأردن - المفرق (1/3)
صفحة 4
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
رقم الإيداع / 306/ 2000
عنوان المطبعة / مطابع النهضة
عنوان المؤلف البريدي E-mail: sami siqr@yahoo.com
الطبعة الأولى 2000 م (1/4)
صفحة 5
الإهداء
إلى كل من يؤمن بالتقريب بين أبناء الأمة العربية
الإسلامية بجميع مدارسها الفكرية والمذهبية، ويسعى
لما فيه خيرها ورفعتها بين الأمم. (1/5)
صفحة 6
/ (1/6)
صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
شكر وتقدير
أتقدم بخالص الشكر والامتنان إلى أستاذي الفاضل أ. د فاروق عمر فوزي على الجهود القيمة التي بذلها معي في إعداد هذه الرسالة، ولما أبداه من تشجيع على دراسة هذا الموضوع. كما أشكر الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة، لتفضلهم بالموافقة على مناقشة أطروحتي وأتقدم بالشكر إلى وزارة الخارجية الأردنية التي سهلت مهمة سفري للجمهورية التونسية وأتوج جه، بالشكر للعائلة البارونية بجزيرة جربة في تونس على إتاحتها الفرصة لي للاطلاع على مكتبة العائلة، والسماح لي بتصوير رسائل الإمام جابر بن زيد. وأيضاً أتوجه بالشكر إلى سماحة مفتي سلطنة عُمان - الشيخ أحمد بن حمد الخليلي- الذي ساعدني في الحصول على بعض مصادر هذا البحث وأتقدم بالشكر إلى معالي وزير التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان - سمو السيد فيصل بن على آل سعيد - على مساعدتي وتزويدي بمجموعة من المراجع والمصادر الإباضية المطبوعة، وعلى إتاحة الفرصة لي بالاطلاع على المخطوطات الموجودة في مكتبة وزارة التراث. وأتقدم بالشكر إلى معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي- مستشار السلطان قابوس للشؤون الدينية على سماحه لي بالاطلاع على المخطوطات الموجودة في مكتبته الخاصة. كما أشكر فضيلة بن سعود السيابي الأمين العام بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عُمان الذي أفادني ببعض مراجع البحث من
الشيخ
أحمد
مكتبته الخاصة. (1/7)
صفحة 8
/ (1/8)
صفحة 9
الموضوع
الإهداء
المحتويات
الصفحة
1 - 42
43 - 67
69 - 87
110 - 89
134 - 111
140 - 137
101 - 181
170 - 109
شكر وتقدي
المحتوي
الملخص باللغة العربية
المقدمة: نطاق البحث وتحليل المصـ
ـــادر.
الفصل الأول: الإمام جابر بن زيد وعلاقته بالمحكمة.
الفصل الثاني: الإمام جابر بن زيد نشأته وعلاقته بعلماء
الفصل الثالث: النشاط السياسي للإمام جابر بن زيد.
الفصل الرابع: دور الإمام جابر بن زيد في وضع أسس الفكر الإباضي سياسياً وعقائدياً ..
خاتم
فهرس المص ادر والمراجـ
لاحق (1/9)
صفحة 10
/ (1/10)
صفحة 11
الملخص باللغة العربية
تبحث هذه الرسالة في مرحلة مبكرة من التاريخ الإسلامي هي الحكم الأموي، حيث نشأت حركة تنويرية كان مؤسسها هو التابعي الإمام جابر بن زيد الأزدي (ت: 93 هـ / 711 م). الذي يكون نشاطه الفكري والسياسي، محور هذه الدراسة، التي تحاول أن توضح الأثر الذي تركه في الحياة الفكرية والسياسية، من خلال تأسيسه الحركة دينية سياسية، هي (الإباضية).
منذ
وقد اشتملت الدراسة فصولاً أربعة هي:
الفصل الأول: ويتعلق بالإمام جابر بن زيد، وارتباطه الفكري بالمحكمة. فيبدأ هذا الفصل بتمهيد عن الأوضاع السياسية، التي كانت سائدة معركة صفين، وما جرى خلالها قضية التحكيم بين الإمام علي ومعاوية ابن أبي سفيان، وما تمخض عن ذلك من أحداث كموقعة النهروان، ومن ثم يتعرض الفصل إلى رجال المحكمة البارزين كأبي بلال مرداس بن أدية التميمي، وعلاقته بالإمام جابر بن زيد. وكذلك يتطرق إلى العلاقة التي
ربطت عبد
الله
ابن إباض بالإمام جابر بن زيد.
الفصل الثاني: ويتعلق بنشأة الإمام جابر بن زيد وتحصيله العلم
ي،
وعلاقته بعلماء عصره ويتناول هذا الفصل حياة جابر بن زيد وشخصيته، ومنزلته العلمية لدى علماء عصره من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم علماء الجرح والتعديل (الرجال). كما تناول الفصل شيوخ الإمام جابر بن
زيد، كعبد الله بن عباس لله (1/11)
صفحة 12
الفصل الثالث: ويتعلق بالنشاط السياسي للإمام جابر بن زيد، حيث
يتعرض إلى علاقة جابر بن زيد بالسلطة الأموية سياسياً، وإلى مسألة نفي الإمام جابر بن زيد إلى عُمان، كما يتناول التنظيم الإباضي في زمن الإمام جابر بن زيد، والخطوات التي اتبعها في وضع أسسه الفكرية، والسياسية (كالكتمان وإعداد مجموعات الدعاة، وإرسالهم للأمصار الإسلامية).
الفصل الرابع: ويتعلق بدور الإمام جابر بن زيد في وضع أسس الدعوة الإباضية سياسياً وفكرياً، حيث تعرض هذا الفصل للدور الذي قام به
جابر بن زيد في إحكام التنظيم الإباضي، وإلى موقفه من الحركات الـ عاصرها، كالخوارج الأزارقة، كما تناول توجيه الإمام جابر بن زيد حركته إلى بلاد عُمان واهتمامه بتنظيم النساء في دعوته، وترسيخه للجانب العلمي أعضاء دعوته وأفرادها، وطبيعة تعامل الإمام جابر بن زيد مع المخالفين له في الرأي والعقيدة، وقيامه باستخدام مبدأ التقية كوسيلة لحماية دعوته، ودوره في استمرار الحركة الإباضية.
بين
وقد توصلت الرسالة إلى أن الإمام جابر بن زيد الأزدي كان قد ارتبط بتيار المحكمة الأولى، الذي كان من أبرز رجاله أبو بلال مرداس بن أدية وعبدالله بن إباض، وأنه أسس بعد ذلك حركة دينية – سياس ية (عرفت بالإباضية)، و لم يكن عبد الله بن إباض هو مؤسس هذه الحركة كما توهم بعض المؤرخين وكتاب الفرق القدماء والمحدثين كذلك ارتبط الإمام جابر بن
زيد بعلاقة ودية بعلماء عصره كالحسن البصري الصديق الحميم له حيـ كان الاثنان من ضمن تيار المعارضة. وخلافاً لما هو سائد عند الباحثين، فقد
تبين أن الإمام جابر بن زيد لم تنفه السلطة الأموية إلى عُمان، بل إنه مكث في (1/12)
صفحة 13
البصرة وتوفي فيها، وقد اتضح من خلال الدراسة أن الإمام جابر بن زيد قد وضع أصول الدعوة الإباضية، التي بني عليها الأئمة الذين خلفوه في زعامة الحركة الإباضية وطوروها، حيث انتهج سياسة الاعتدال والمرونة في تعامله مع الدولة الأموية، فهو لم يستعمل العنف ضدها، بل اتبع سياسة الكتمان والتقية تجاه ولاة السلطة، كما أنه عارض مبدأ التكفير والاستعراض، لدى بعض الحركات الدينية - السياسية، واستخدامه ضد عامة المسلمين، كحركة الخوارج الأزارقة. (1/13)
صفحة 14
/ (1/14)
صفحة 15
1
نطاق البحث وتحليل المصادر:
المقدمة
تهم
تميز القرن الهجري الأول، بظهور البواكير الأولى للتيارات السياسية في العالم الإسلامي. وقد أولى الباحثون المحدثون أهمية كبيرة في در للفرق والأحزاب التي مثلت القوى السياسية الدينية في عهد الدولة الأموية (1). إلا أن الاهتمام برواد هذه الحركات كان قليلاً على مستوى الدراسات العلمية الجامعية، وقد ركز البحث العلمي على دعوات سرية، مثل الدعوة العباسية التي انتهت بقيام دولة العباسيين وأهمل الباحثون دراسة دعوة سرية معاصرة لها هي الإباضية، وزعماؤها مثل جابر بن زيد، حيث كانت هذه الحركة (الإباضية ضمن التيار المعارض للسلطة الأموية، وكان هدفها يتمحور حول إقامة كيان بديل للسلطة القائمة ضمن إطار الإسلام، ليس للتشدد فيه محال (2).
وقد كان رائد هذه الحركة ومؤسسها هو الإمام جابر بن زيد الأزدي التابعي المشهور، الذي سار على خط المحكمة المعتدل، ممثلاً بأبي بلال مرداس ابن أدية التميمي، حيث تميز هذا الإمام بقدرة سياسية وإدارية، مكنته من إنشاء حركة سياسية دينية معتدلة في آرائها وعقيدتها. ورغم الدور الذي قام به الإمام جابر بن زيد في تأسيس الحركة الإباضية، إلا أنه لم يلق اهتماماً من الباحثين كمفكر، وسياسي. وربما يعود ذلك إلى أن معظم الدراسات
(1) انظر: هاشم، مهدي، الإباضية، ص 7.
(2)
عمر فاروق، الإمامة، ص 3. (1/15)
صفحة 16
كانت تهتم بدراسة الشخصيات البارزة، وهذا ما لم يتوفر في شخصية الإمام جابر بن زيد لطبيعة شخصيته الهادئة المتكتمة من الكتمان)، حيث إنه
اتصف بالسرية في أعماله وعلاقاته، بل إنه المرسخ. لهذا النهج في الحركة الإباضية بحيث شكل الكتمان مسلكاً. مسالك الدين) أي مرحلة. من مراحل الإمامة عند الإباضية) (1).
فلأجل هذا جاءت هذه الدراسة محاولة لإلقاء الضوء على الجانب السياسي المغمور من نشاط الإمام جابر بن زيد (2).
اتسمت بعض الدراسات التي تناولت شخصية الإمام جابر بن زيا بالتأكيد على الجانب الفقهي عنده أو الجانب الأخلاقي في شخصيته، ولم تول أهمية لدوره الفكري والسياسي، وربما تكلمت عنه عرضاً، فلذلك لا توجد دراسة متخصصة تناولت هذا الجانب المهم، ومن هنا كانت دراستنا هذه مساهمة في سد هذه الثغرة، ومنحصرة في الجانب الفكري والسياسي، للإمام جابر بن زيد حسب ما توفر لدينا من مصادر.
وقد دفعني في هذا الاتجاه - أي دراسة هذا الجانب عند الإمام جابر بن زيد - إمامته لمذهب ما يزال ينتشر حتى اليوم وهو الإباضية)، وذلك للتعرف على مؤسس هذا المذهب مفكراً وسياسياً، لما في ذلك من تعميق الأواصر، والترابط بين أبناء المذاهب الإسلامية على اختلافها، والاطلاع على تراث أئمتها، باعتبارهم من أعلام هذه الأمة، وأن تراثهم ملك للجميع وليس لمذهب دون آخر، وهذا السبب من الأهمية بمكان من تاريخ الأمة العربية
جهلان، عدّون الفكر، ص 164.
:قارن هاشم، المرجع السابق، ص 8.
(1)
(2) (1/16)
صفحة 17
الإسلامية، ولعله يساهم في لأم بعض الجراحات التي أدمت جسد هذه الأمق ولذلك فإن التقريب بين ابناء هذه الأمة - من شتى المدارس الفكرية - واجب قومي، وديني (1). وقد شجع على هذا الاختيار أيضاً الأستاذ المشرف أ. د فاروق عمر فوزي، لأن البحث ذو أهمية ويسد فراغاً علمياً.
أما صعوبات البحث التي اعترضتني فهي ندرة المادة التاريخية عن الإمام جابر بن زيد في كتب التاريخ العام، ولذلك كان لا بد من البحث عن مصدر آخر لهذه الدراسة، وهي كتب التاريخ والفقه الإباضية، والتي لا زال بعضها مخطوطا (2). ولقد تطلب هذا الأمر مني السفر إلى بعض مواطن الإباضية في المشرق والمغرب: فسافرت إلى سلطنة عُمان، حيث قمت بزيارة أهم المكتبات الموجودة في السلطنة، كمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة الغنية بمخطوطاتها، ومكتبة معالي السيد محمد بن أ أحمد البوسعيدي – مستشار السلطان قابوس للشؤون الدينية - وهي مكتبة غنية بالكثير من المخطوطات والتي ربما ضارعت مكتبة التراث والتقيت كذلك مشايخ الإباضية في هذا العصر، وعلى رأسهم سماحة مفتي سلطنة عُمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وفضيلة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين العام بمكتب الإفتاء في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وفضيلة المؤرخ الشيخ سالم بن حمد الحارثي. وقد قمت بعد ذلك بالسفر إلى تونس وبالذات إلى جزيرة جربة – وهي من مواطن إباضية المغرب - فزرت فيها مكتبة العائلة البارونية بالحشان، وهي من أشهر مكتبات الإباضية الخاصة في شمال المغرب العربي، حيث تمكنت مـ
(1) وهو هدف من أهداف جامعة آل البيت، لعلها تنجح فيه، خاصة أن بوادر هذا التقارب قد بدت من خلال الأبحاث والأطاريح التي كتب فيها طلابها.
(2) قارن: هاشم، الإباضية ص 8. (1/17)
صفحة 18
الحصول على مخطوطة رسائل الإمام جابر بن زيد التي كانت مجهولة لدى كثير من الباحثين. كذلك زرت مكتبة المرحوم الشيخ سالم بن يعقوب (1)، وحصلت منها على كتاب بدء الإسلام وشرائع (الدين) لابن سلام. ولقد
كان لهذه الزيارات عظيم الفائدة في التعرف على المخطوطات الإباضية.
أما البحث فيقع في أربعة فصول وعدة ملاحق، وقبل ذلك المقدمة وتتضمن تحليلاً ودراسة لأهم المصادر والمراجع التي اعتمدنا عليها في هذا
البحث.
وقد تناول الفصل الأول: الصلة الفكرية التي ربطت بين الإمام جابر ابن زيد والمحكمة، حيث بدأ الفصل بتمهيد عن موقعة صفين، وما نتج عنها من تحكيم، ورفض قسم من جيش الإمام علي الله له له، وبالتالي وقوع معركة النهروان وما تلاها من ظهور لتيار المحكمة الذي انقسم بعد ذلك إلى أربعة آراء، أو اتجاهات مثلها نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله
الله
بن
صفار، وعبد ابن زيد برجالات المحكمة الأوائل، وعلى رأسهم أبو بلال مرداس بن
بن إباض). وفي هذا الفصل تناول البحث علاقة الإمام جلبر
أدية
ارتب
ط
الله بن إباض، حيث بين البحث أن جابر بن زيد. قد التميمي، وعبد بعلاقة صداقة قوية مع شيخ المحكمة مرداس بن أدية التميمي، و لم تكن هذه العلاقة ذات طابع، حركي، نظراً لأنه لم يكن للمحكمة تنظيم سياسي. أما علاقة جابر بن زيد بعبد الله بن إباض، فقد كانت علاقة حركية تمثلت في بن إباض - بعد انقسام المحكمة سنة 64 هـ - للحركة التي
انضمام عبد
الله
(1)
عثر الشيخ سالم بن يعقوب على كتاب" بدء الإسلام وشرائع الدين سنة 1964، وقد ساهم في تحقيق
مع المستشرق الألماني " فيرنز شفارتس". (1/18)
صفحة 19
أسسها الإمام جابر بن زيد، وهي التي نسبها المؤرخون خطاً لعبد الله بن
إباض.
الفصل الثاني: في نشأة الإمام جابر بن زيد الأزدي، وتحصيله العلمي، ومكانته عند علماء عصره، ولدى علماء الجرح والتعديل الذين شهدوا له بالعدالة والعلم والزهد كما تناول هذا الفصل العلاقة التي ربطت الإمام جابر بن زيد بعلماء عصره، مع إبراز للجانب السياسي فيها.
بني
وفي الفصل الثالث: تناولت الدراسة النشاط السياسي السري للإمام جابر بن زيد، وطبيعة علاقته بالسلطة الأموية، والكيفية التي تعامل بها مع ولاة أمية في العراق، وبالذات مع الحجاج بن يوسف الثقفي. كذلك ألقت الدراسة الضوء على جهود الإمام جابر بن زيد في تأسيس التنظيم الإباضي، والوسائل والأساليب التي استعملها لتحقيق أهداف حركته، وكيفية إعداد الدعاة الذين أرسلهم للأمصار الإسلامية، وغيرها من الأمور التنظيمية في حركة سرية كالإباضية.
وفي الفصل الرابع: تناولت الدراسة دور الإمام جابر بن زيد في وضع أسس الدعوة الإباضية سياسياً وفكرياً، حيث تعرض هذا الفصل للدور النذي
قام به جابر بن زيد في إحكام التنظيم الإباضي، وإلى موقفه من الحركات التي عاصرها، كالخوارج الأزارقة، كما تناول توجيه الإمام جابر بن زيد حركته إلى بلاد عُمان واهتمامه بتنظيم النساء في دعوته، وترسيخه للجانب العلمي بين أعضاء دعوته وأفرادها، وطبيعة تعامل الإمام جابر بن زيد مع المخالفين له في الرأي والعقيدة وقيامه باستخدام مبدأ التقية كوسيلة لحماية دعوته، ودوره في استمرار الحركة الإباضية. (1/19)
صفحة 20
أما الملاحق فهي نصوص تدعم البحث، وتؤكد الثقة بالروايات التي اعتمدت عليها في إعداد الدراسة.
تناول الملحق الأول الرسالة الثامنة للإمام جابر بن زيد إلى الداعية يزيد ابن يسار، ويظهر في هذه الرسالة تولي هذا الداعية أحد المناصب في عُمان.
ويتناول الملحق الثاني الرسالة التاسعة من الإمام جابر بن زيد إلى الداعية عبد العزيز بن سعد، ويظهر فيها هذا الداعية وقد تولى منصباً ماليا كذلك يظهر فيها استعمال الإمام جابر بن زيد عبارات رمزية في الحديث
للتخاطب
دعاته.
وتناول الملحق الثالث الرسالة الحادية عشرة من الإمام جابر بن زيد إلى الداعية سالم بن ذكوان يظهر فيها حرص الإمام جابر على معرفة أخبار الدعاة وكذلك حرصه على السرية والكتمان.
وفي الملحق الرابع الرسالة الرابعة عشرة من الإمام جابر بن زيد إلى الداعية طريف بن خليد يظهر فيها الحرص على الكتمان من طرف الإمام جابر وبعض المواقف التربوية كعدم قبول الهدية من الآخرين مما يدل على
سلوك دعوي. (1/20)
صفحة 21
Y
وفيما يلي تحليل لأهم المصادر والمراجع ذات العلاقة المباشرة بموضوع البحث:
أ كتب التاريخ المحلي:
1 - كتاب ابن سلام الإباضي (ت: (273 هـ / (887 م)، الموسوم بـ (بدء الإسلام وشرائع الدين) وهو أقدم مؤلف تاريخي لبلاد المغرب الإسلامي بأسره، وقد عثر عليه الشيخ سالم بن يعقوب الحربي سنة 1964 م 1) وقام بتحقيقه مع المستشرق الألماني (فيرنز شفارتس).
وترجع أهمية كتاب ابن سلام إلى كونه من علماء القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، وقد نبه الدكتور النامي إلى أهمية هذا الكتاب في مقالته التي تحدث فيها عن المخطوطات الإباضية المكتشفة بشمال إفريقيا، بعدما أشار إلى ذلك المستشرق البولندي (تاديوس لفيتسكي) الذي تعرف عليه من خلال دراسته لكتاب السير للشماخي "
(2)
وللكتاب عنوان آخر هو الإسلام) وتاريخه من وجهة نظر إباضية)
(3)
?
وبتحقيق شفارتس وسالم بن
طبع في بيروت - دار اقرأ سنة (1985 يعقوب، ويبدو أن هذا العنوان من وضع هذه الدار الناشرة، لأن هذه الطبعة من المقدمة كتلك الموجودة في كتاب بدء الإسلام وشرائع الدين) مع العلم أن أول طبعة كانت سنة 1986 مطابع دار صادر) بعناية جمعية
خلت
(1) انظر: مقدمة تحقيق المخطوط، ص 5.
(2) انظر: 83. Ennami,A,ADescription, P
(3) لقد اعتمد محمد قرقش في كتابه (عُمان والحركة الإباضية ص 269، على نسخة بعنوان (الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية) طبعة – تونس – 1985، تحقيق شفارتس وسالم بن يعقوب، علماً بأني لم أحد أثناء زيارتي لتونس كتاباً هذا العنوان ومطبوعاً فيها، وربما كانت النسبة لتونس خطأ من قرقش، حيث إنه
انفرد بهذه الطبعة ومكانها. (1/21)
صفحة 22
المستشرقين الألمانية، واللافت للنظر أن كتاب الإسلام وتاريخه مثبت عليه سنة الطبع في 1985، مما يوحي للقارئ أنها أول نسخة وبأنها سابقة على طبعة (1986) (1)، وهذا يخالف العنوان الأصلي للكتاب والذي أثبته له المحققان- شفارتس وسالم بن يعقوب (2).
الدهان
وبالنسبة لبحثنا ترجع أهمية كتاب ابن سلام الإباضي، إلى كونه يترجم لحياة الإمام جابر بن زيد وتلاميذه كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وصالح وحاجب الطائي (3)، كما يتعرض لأبي بلال مرداس بن أدية التميمي، إلا أنه غير دقيق في معلوماته عن أبي بلال مرداس بن أدية، حيث يقول عنه: "وهو أول من خرج على الجبابرة بالبصرة عمال يزيد بن معاوية في أربعين أن أبا بلال مرداساً كان قد هرب من جور الله عبيد
رجلا ... (4)
،
مع
بن
زياد، وخاصة إثر قتل البلجاء، حيث قال عند هروبه لأحد أصدقائه: "فإني لا أجرد سيفاً، ولا أخيف أحداً، ولا أقاتل إلا من قاتلني ثم مضى ... " (5). فهو
11 (0)
لم يقم كما زعم ابن سلام بالخروج على الدولة الأموية شاهراً سيفه، وفي ذلك يذكر الأزكوي عن أبي بلال مرداس بن أدية أنه قال: "ألا وإني قاطع البحر، وخارج إلى عُمان، وماض إلى مكة فأقيم بها ...
(6)
2 - مخطوطة (كشف الغمة الجامع لأخبار (الأمّة لسرحان بن سعيد الأزكوي المتوفى في القرن الحادي عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي)
(1) وقد حصلت على نسخة من هذا الكتاب من مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب في حربة – تونس.
(2) انظر: مقدمة التحقيق لكتاب ابن سلام.
(3) انظر: ابن سلام شرائع، ص 108 - ص 115.
(4) ابن سلام، المصدر السابق، ص 110. (ه) المبرد، محمد، الكامل، ج 3، ص 1174. (1) الأزكوي سرحان، الجامع، ورقة، 238 ب. (1/22)
صفحة 23
وبخصوص هذا يرى الدكتور عبد المجيد القيسي أن النزاع لم يحسم بين
الباحثين حول صحة نسبة الكتاب للأزكوي سرحان بن سعيد-. لأن
النسخ خالية من اسمه باستثناء نسخة الدمام (1)، إلا أننا لا نتفق مع رأيه هذا للأسباب الآتية:
في
أولاً- ظهور مخطوطة جديدة من كتاب كشف الغمة) في مكتبة السيد. "هذا كتاب
محمد بن
سعيد بن
(3) "
أحمد البوسعيدي - بعُمان، تبدأ هذه النسخة بـ كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تأليف الشيخ العالم ... الوالد سرحان بن محمد أمبو علي الأزكوي ... (2)، وهذا الكلام من حفيد الأزكوي الذي يقول في آخر نسخه للمخطوطة: " نقلته كما وجدته مؤثراً مسطراً عن مؤلفه وكاتبه الشيخ الثقة العالم الوالد سرحان بن سعيد بن محمد أمبو علي الأزكوي ... "، وهذه النسخة من المحتمل أن تكون من أكثر النسخ اكتمالاً نظراً لأن ناسخها حفيد الأزكوي نفسه. وهناك نسخة موجودة بالمكتبة المركزية ببغداد (4)، ويظهر أن هذه النسخة مصورة عن المخطوطة الموجودة بالمتحف البريطاني بلندن، ولا ذكر لاسم المؤلف كاملاً عليها، ولكن الضابط السياسي البريطاني (روس) ترجم الباب الثالث والثلاثين من هذه المخطوطة وأخذ معلوماته حول اسم المؤلف من. علماء مسقط (9)، ومن
(1) القيسي، عبد المجيد، المقتبس، ص 4. (2) الأزكوي، المصدر السابق، ورقة 2 ب.
(3) المصدر السابق، ورقة، 381 ب.
(4) ثمة نسخة في وزارة التراث القومي والثقافة العُمانية تطابق نسخة بغداد، تتألف من 229 ورقة 457 صفحة -. تبدأ. بـ بسم الله الرحمن الرحيم الذي رفع السموات بغير عمد وبناها ... " ورقة 2 ط، وتنتهي هذه النسخة بالعبارة التالية: " ولا حول ولا قوة إلا بالله ... فإني لست أهلاً للتصنيف ... والحمد لله رب العالمين ... وعلى آله وصحبه ... تسليماً كثيراً وبالله التوفيق. ورقة 229 ب.
(ه) انظر: عمر، مقدمة، ص 110. (1/23)
صفحة 24
10
المحتمل أن تكون إجابة العلماء الذين سألهم (روس) مستندة على نسخة حفيد
(1)
الأزكوي، وربما كانت نسخة الدمام منسوخة عن نسخة الحفيد (1).
ثانياً - ربما كان الاسم الحقيقي لهذه المخطوطة هو (كتاب كشف الغمة في اختلاف (الأمة وهو ما ذهب إليه الدكتور ولكنسون الذي قال: "إن هذه المخطوطة ليست للأزكوي بل إنه - أي الأزكوي - لم يكن أكثر من ناسخ لمخطوطة قديمة لمؤلف مجهول أضاف إليها بعض الفقرات الجديدة، وإن المخطوطة الأصلية هي بعنوان كشف الغمة في اختلاف الأمة" (2)، ومما يؤيد وجهة النظر هذه أن البرادي - وهو من علماء القرن الثامن الهجري- يذكر في كتابه (الجواهر المنتقاة) كتاب كشف الغمة في اختلاف الأمة بقوله: ويذكرون من تأليف المتأخرين كتاب كشف الغمة في اختلاف الأمة" (3) ويذكره أيضاً في كتاب آخر بقوله: "ويذكرون" من تأليف أهل العصر (4) كتاباً يعرف بكشف الغمة في اختلاف الأمة) يقال إنه لم ير لأهل الدعوة مثله على فقه، وكنت كلفت بعض أصحابنا في مكة على ومن جهة أخرى فإن المتتبع لكتاب الأزكوي (الجامع) يجده ينقل حرفياً عمن سبقه كابن مداد مثلاً (1)، وهذه الشواهد تدل على أن الأزكوي قد اطلع على المخطوطة الأصلية المسماة (كشف الغمة في اختلاف الأمة - للمؤلف المجهول - فزاد عليها من بعض المخطوطات الأخرى وامتد
عندهم
انتساخه
6
، (o)".
(1) واسمه: عامر بن سعود بن محمد بن خلف بن عمر بن عيد الأزكوي انظر، الجامع، ورقة: 381 ب. (2) انظر: 142. Wilkinson, Bio-Bibliographical. P ، نقلا عن، عمر، فاروق، مقدمة، ص 110.
(1) البرادي الجواهر، ص 219 (1) عندهم - أي عند إباضية المشرق.
(ه) البرادي رسالة ص 62.
(1) انظر: ابن مداد، صفة. (1/24)
صفحة 25
11
سرده للأحداث حتى سنة (1141 هـ / (1728 م) وحرف الاسم الأصلي إلى
(كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة).
ونخلص من ذلك كله إلى أنه لا لبس في كون هذا المخطوط لسرحان ابن سعيد الأزكوي، وأن المحتوى في أغلبه يعود للمخطوطة الأصلية للمؤلف المجهول، ولمخطوطات أخرى). وتأتي أهمية الأزكوي من كونه اعتمد على مصادر مخطوطة في الأخبار التي أوردها وبالنسبة للإمام جابر بن زيد الأزدي فإن الأزكوي يعطي معلومات عن علاقته بأبي بلال مرداس بن أدية التميمي، وانفرد بذكره للخبر الذي يقول: "أن أبا بلال مرداس بن أدية كتب كتاباً إلى جابر بن زيد يشاوره في الخروج ... وكان أئمة المسلمين لا يخرجون إلا برأيه ... (3)، كما أنه يفصل كثيراً في خروج أبي بلال مرداس بن أدية من البصرة، وينفرد بذكر مقصد أبي بلال حيث يقول: "ألا وإني قاطع البحر، وخارج إلى عُمان، وماض إلى مكة فأقيم بها.
(4)
ب كتب الطبقات وهي من المصادر التي اعتمدنا عليها في إعداد هذا البحث، ومن هذه الكتب:
1 - کتاب محمد بن عبد الله بن مداد (من. علماء القرن التاسع الهجري /ت سنة 917 هـ/ 1512 م) الموسوم بـ: (صفة نسب العلماء وموتهم وبلدانهم
(1) وإلى ذلك ذهب المؤرخ الإباضي، الدكتور فرحات الجعبيري، حيث يقول: "أن هذا الكتاب (كشف الغمة في اختلاف الأمة) غير (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة)، وبأنهما يتفقان في الموضوع إذ جاء قسم كبير من الكتاب مفصلاً الحديث عن اختلاف الأمة، ولا شك أن الثاني الأزكوي في كتابه الجامع) قد أخذ الكتاب الأول". نقلاً عن الرواس، عصام بن علي، المصادر، ص 23.
(2) الأزكوي، الجامع، ورقة، 240 ب.
() المصدر السابق، ورقة، 237 ط.
(1) المصدر السابق، ورقة 238 ب. (1/25)
صفحة 26
12
والأئمة رحمهم الله، والمخطوطة التي نتكلم عنها موجودة في مكتبة وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان (1)، وتقع المخطوطة في (41 ورقة) - (82 صفحة) حيث تبدأ بالعبارة التالية: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله
(Y)11
مر
الذي لا تكيفه .. الأفكار ... وتنتهي بعبارة: "فقال علي: أصبح أبوك من أهل النار إن لم يرحم الله (3) ". وتعد المخطوطة من أشهر كتب التراجم لأئمة إباضية المشرق في عُمان والبصرة رة، وعلمائهم، ويبدأ فيها المؤلف بذكر عبدالله ابن عباس، وجابر بن زيد، وباقي الأئمة الإباضيين، حيث يعطي ابن مداد مادة تاريخية جيدة عند ترجمته لهؤلاء الأئمة والعلماء، وربما شكلت هذه المعلومات التاريخية مادة غزيرة استفاد منها الأزكوي، ويبدو أن ابن مداد (4) قد ألف هذا الكتاب بناء على طلب أحد علماء عصره من أ أصدقائه، يقول في ذلك: " ... وأبان به عن فيه وفسره من طلب معرفة أسماء أهل العلم وكنلهم وبلدانهم ... "، وقد اعتمد ابن مداد في تأليف هذا الكتاب على مصادر متعددة اطلع عليها: " وجمعت من ذلك ما وجدته متفرقاً في الكتب" (5)، دون يفصح عن أسماء هذه الكتب التي اعتمد عليها في مؤلفه، فهو على سبيل المثال ينقل عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل (وهو من علماء القرن الثاني
أن
(1)
(2)
(T)
رقم المخطوطة في وزارة التراث تحت الرقم العام 156.
ابن
مداد محمد صفة، ورقة اب.
المصدر نفسه، ورقة 41 ب.
هناك زيادة من الناسخ على المخطوطة بعنوان (بعض التواريخ) وتبدأ بتحدي. وفاة صاحب المخطوط "توفي العالم الفقيه محمد بن عبدالله بن مداد ... سنة سبع عشر بعد تسعمائة سنة. . " ورقة: 41 ط. لقد كان والد ابن مداد الله (عبد بن (مداد وأخوه مداد) بن عبد الله. بن مداد من العلماء المشهورين وشهدوا ثلاثتهم تغريق أموال النباهنة (مصادرة أموالهم سنة (587 هـ / 1191 م). انظر: السالمي، نور الدين،
(4)
تحفة، ح 1، ص 372. البطاشي، سيف، ح 2، ص 71.
(*)
ابن
مداد، صفة ورقة 2 ب. (1/26)
صفحة 27
13
(1)
من
الهجري) بقوله: قال" أبو سفيان محبوب بن الرحيل ... غير أن يذكر
المصدر الذي أخذ منه هذه الرواية ويكتفي أحياناً بالقول: "بلغنا (2).
تكمن أهمية هذه المخطوطة بالنسبة لموضوعنا في جانبين:
الأول: إيراده بعض الروايات التي تتحدث عن الإمام جابر بن الأزدي، وتتلمذه على يد عبد الله بن عباس، ورأي الإمام جابر بن زيد في شيخه ابن عباس وكذلك ما أورده من روايات أو أخبار تتعلق ببعض تلاميذ الإمام جابر بن زيد (3).
الثاني: ذكره لأسماء العلماء الإباضيين أصحاب المؤلفات، مما أفادنا في
ضبط زمن نشأة هؤلاء العلماء كالقلهاتي مثلا (4)
مهم
وما زالت هذه المخطوطة مجهولة عند أغلب الباحثين، رغم أنها مصدر لكثير من المخطوطات التي ظهرت من بعدها كالأزكوي (كشف الغمة)، وابن رزيق (الصحيفة القحطانية))، وهي مصادر اعتمد عليها معظم الباحثين الذين تناولوا نشأة الحركة الإباضية (1).
بن سعيد
2 - كتاب (طبقات المشائخ بالمغرب) لأبي العباس أحمد ني (ت 670 هـ / 1271 م)، ويعد هذا الكتاب من المصادر المهمة عن
الدرجيني (
(1)
مداد، صفة ورقة هب.
ابن
(2) المصدر نفسه، ورقة: 16 ب.
(3) المصدر نفسه، ورقة: 18 ب.
(4)
(0)
انظر: تحليلنا لكتاب الكشف والبيان للقلهاتي، ص 18.
انظر: الأزكوي الجامع ورقة: 191 ط. ابن رزيق حميد، القحطانية، ورقة: 393 ط.
(1) انظر: عمر، فاروق، مقدمة، ص 109. هاشم مهدي الإباضية، ص 16 خليفات، عوض، الإباضية،
ص 22. (1/27)
صفحة 28
14
الحقبة الأولى من تاريخ الدعوة الإباضية في البصرة، وهو مطبوع ومحقق من قبل الأستاذ إبراهيم طلاي) (1)، ويقع في جزأين: الأول يتحدث عن مشائخ الإباضية بالمغرب، والثاني ينقسم إلى قسمين الأول: يتحدث فيه عن أئمة ومشائخ الإباضية في المشرق، الثاني: يتحدث فيه عن أئمة الإباضية بالمغرب، ويبدو أن الدرجيني قد اطلع على مصادر سابقة أخذ منها، فعلى سبيل المثال: نراه ينقل عن إياس بن معاوية قوله: لقد رأيت البصرة وما بها مفت غير جابر ابن زيد" (2)، وهي الرواية ذاتها التي يوردها أبو نعيم وابن سعد (مع تغير طفيف)، حيث يورد أبو نعيم عن إياس قوله: " أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عُمان، بينما يورد ابن سعد الرواية على النحو التالي: عن إياس بن معاوية قال: "أدركت البصرة ومالهم مفت يفتيهم غير جابر بن زيد (4)، كذلك تتفق رواية الدرجيني مع رواية ابن سعد في حادثة مرض موت جابر بن زيد الأزدي (5).
(3)
ومن المآخذ على الدرجيني كثرة أخطائه عندما ينقل من المصادر المتقدمة عليه، فهو حين ينقل عن المبرد مثلاً يقول: "كان عمران رأس، وهي في الأصل عند المبرد "القعد" (")، ويتكرر عنده هذا في نفس
العقد (1)
(1)
تحقيق
الأستاذ طلاي لا يرقى للتحقيق العلمي المتعارف عليه، بل إن ما قام به هو تخريج لأسماء الأعلام وعمل فهارس له فقط، والطبعة كثيرة الأخطاء - لم يقم المحقق بتصحيحها – ولكنه اكتفى
الموجودة في الكتاب
ببعض التعليقات القليلة المختصرة.
(2)
الدرجيني
) أبو نعيم،
ابن
(4)
(•)
(1) 13
طبقات، ح 2، ص 215.
أحمد، حلية، ح 3، ص 86.
سعد، محمد، طبقات، ح 7، ص 180.
انظر: ابن سعد، المصدر السابق، ح 7، ص 182. الدرجيني، المصدر السابق، ح 2، ص 207.
الدرخين،
المصدر السابق، ح 2، ص 227.
انظر: الميرد، الکامل، ج 3، ص 1083. (1/28)
صفحة 29
10
(1)
الصفحة بقوله: "وكان من حديثه أنه لما طرده الحجاج ... مع أن الرواية
عند المبرد" .. لما أطرده الحجاج ... " (2)، وهناك تناقض في نقله عن أبي سفيان، فهو مثلاً: ينقل عنه قوله في حاجب أبي مودود: "وكان حاجب هو القائم بأمور المسلمين في مثل هذه الأشياء من أمر الدين والفتاوى" (3)، بينما ينقل عنه رواية أخرى يقول فيها:" قلت لأبي سفيان: وكيف لم يخرج
(E)11
حاجب؟ قال: لم يكن صاحب "فقه. ومما يؤخذ على الدرجيني أيضاً: نقله لبعض الروايات دون تمحيصها، فعلى سبيل المثال عندما يذكر قصة عمران بن حطان وفراره من الحجاج نقلا المبرد - أورد رواية أخرى ناقض فيها
عن
الرواية الأولى دونما أن يرجح واحدة منها أو يبدي رأيه فيها)، إلا أن هذا لا يعنى ما ذهب إليه عليان من أن الدرجيني انفرد بذكر وجهين لقصة عمران بن حطان مع الحجاج)، بمعنى أنه ناقض نفسه وأتى بروايتين لا أصل لها، ويقول أيضاً: "أنه من الملاحظ أن ما أورده الدرجيني بشأن حبس عمران بن حطان يتعارض مع ما جاء في المصادر السنية (). وهذا الرأي بجانب للصواب لسببين:
فمن جهة: لا يعرف البحث العلمي مصادر لها عصمة وتكون مقياساً ومعياراً للصواب، ومن جهة أخرى: أن حادثة عمران بن حطان ذكرتها حبس
(1) الدرجيني
طبقات، ح 2، ص 227.
(2) الميرد، الکامل، ج 3، ص 1083.
(1) الدرجيني،
المصدر السابق، ح 2، ص ص 0،90 252.
(4) المصدر السابق، ح 2، ص 276.
(5) المصدر السابق، ح 2، ص 227.
(1) عليان، محمد، الإباضية، ص 73.
(2) المرجع نفسه، ص 74. (1/29)
صفحة 30
16
بعض المصادر المتقدمة على الدرجيني كالحصري مثلا (1).
وترجع أهمية كتاب الدرجيني بالنسبة لبحثنا إلى أنه يعطي معلومات شبه مفصلة عن حياة الإمام جابر بن زيد الأزدي، مستنداً في ذلك على الراوية الإباضي أبي سفيان محبوب بن الرحيل، وهو أحد أئمة الإباضية في مرحلة الكتمان (2)، مما يعنى لنا أهمية كبيرة في الاعتماد عليه لكونه عاش مرحلة النشاط السري واطلع على أخبارها عن قرب وخاصة فيما يتعلق بنشاط جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة من أئمة الإباضية (3).
من
- ومن كتب الطبقات كتاب (السير) لمؤلفه أحمد بن سعيد الشماخي الإباضي المغربي (ت - 928 هـ / 1522 م)، ويعد كتاب الشماخي. هذا أهم المصادر التي تتحدث عن نشاط الدعوة الإباضية في البصرة وعن إمامها جابر بن زيد الأزدي (4)، وأكثر روايات الشماخي عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل، كذلك يعتمد على مصادر إباضية لا تزال مجهولة)، ومن المحتمل أن يكون منها كتاب النهروان ورسائل جابر بن زيد، فقد توفر للشماخي -
مراسلات
(1) الحصري، إبراهيم، زهر الآداب، ح 2، ص 855. (1) يعد أبو سفيان محبوب بن الرحيل من أئمة الإباضية المشهورين وعلمائهم، فهو صاحب مؤلفات عديدة وله أئمة الإباضية في المغرب والمشرق، وأبو سفيان من تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع ابن حبيب، وله آثار فقهية مبثوثة في كتب الفقه الإباضية، روى عنه أ أبو غانم في مدونته وهو حجة عند الإباضية في رواية الحديث، وله مؤلف في السير، ربما استقى منه الدرجيني أخباره، حيث يبدو من كلام الدرجيني أنه اطلع عليه. انظر: الدرجيني، طبقات، ح 2، ص 278، السير والجوابات، ورقة: 72 ط. الخراساني، أبو غانم، المدونة، ح 2، ص 55، ص 239، ولقد ذكر البرادي في كتابه المسمى (رسالة في تقييد كتب أصحابنا) كتاب أبي سفيان وقال عنه: "يشتمل على الأخبار والفقه والكلام والعقائد)، ص 56.
(
(1)
انظر: هاشم، الإباضية، ص 29،عمر فاروق الإمامة، ص 13. الراشدي، مبارك، أبو عبيدة، ص 242. انظر عمر، الإمامة، ص 14.
(5) المرجع نفسه، ص 14. (1/30)
صفحة 31
17
لكونه متأخراً - فرصة الاطلاع على كثير من المصادر، ومثال ذلك أنه لما
ترجم لسالم بن ذكوان قال عنه: "وكان ممن يكاتبه جابر بن زيد (1).
من
(2)
رجيني
الملاحظ على أخبار الشماخي أنها تطابق الأخبار التي يوردها الدرجيني مما يعني أنه أخذ من نفس المصدر، أو أنه اعتمد علـ بشكل كبير (2)، وقد اطلع الشماخي على كتاب ابن سلام الإباضي الموسوم بـ (بدء الإسلام وشرائع الدين) حيث ذكره في أكثر من موضع في كتابه السير وخاصة أخبار الإباضية في المغرب. ويعد الشماخي أول من ذكر مؤلف ابن سلام (بدء الإسلام) (3)، كذلك أخذ الشماخي من كتاب أبي زكريا الوارجلاني (4)، ولقد انفرد الشماخي بروايته عن أبي سفيان التي يقول فيها: "نفى الحجاج جابراً وهبيرة جد أبي سفيان إلى عُمان .. " ()، وانفرد أيضاً بتحديد سنة ولادة الإمام جابر بن زيد حين قال: "ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر وتوفي سنة ست وتسعين .. " ()، دون ذكر المصدر روايته هذه).
جے?
كتب الفقه والعقيدة:
1 - رسائل الإمام جابر بن زيد الأزدي (ت 93 هـ/ 711 م) من علماء القرن الهجري الأول / السابع (الميلادي وهي في مجملها رسائل
(1) الشماخي، السير، ح 1، ص 109.
(2) قارن الدرجيني في ترجمته لإباضية المغرب، والشماخي في ترجمته لهم.
(3)
(1)
انظر: تحليل ونقد كتاب "بدء الإسلام وشرائع الدين".
وهو: كتاب السيرة وأخبار الأئمة والوارجلاني من علماء القرن الخ ت (470 هـ / 1077 م)، ويتحدث في كتابه عن علماء الإباضية وأئمتهم في المغرب.
(ه) الشماخي،
المصدر السابق، ح 1، ص 71.
(1) المصدر السابق، ح 1، ص 72.
(1) انظر: مناقشتنا لهذه الرواية في الفصل الثالث من الأطروحة.
الهجري/ (1/31)
صفحة 32
18
تحمل طابع الفقه. وتعد مخطوطة (رسائل الإمام جابر بن زيد) من أهم المصادر التي تلقي الضوء على دور الإمام جابر بن زيد في تأسيس الحركة الإباضية، وقد كان للدكتور عمرو النامي الفضل في العثور عليها سنة 1968 م عندما أراد الشروع في إعداد أطروحته للدكتوراه في جامعة كامبردج - حيث إنه قام بجولة شملت تونس- جربة، الجزائر - وادي
(1)
ميزاب، وليبيا- جبل نفوسة، وهذه البلدان هي مواطن انتشار الإباضية المغاربة، وهناك نسخة من. هذه المخطوط في عُمان – بالمكتبة الإسلامية التابعة لوزارة التراث القومي - لكنها مطبوعة على الآلة الكاتبة وعليها بعض التعليقات الجانبية، وهذه النسخة أوقعت الباحثين في حيرة من أمرهم، حيث اعتبر بعضهم أن المخطوطة الأصلية موجودة في المملكة المتحدة بريطانيا- دون أن يحددوا اسم المكتبة أو المدينة التي هي فيها (2)، أما الدكتور خليفات فقد اطلع على نسخة مصورة عن مخطوطة أعارها إياه لمدة ساعات قلائل أحد أصدقائه المغاربة الذي أخبره بأنه حصل على تلك النسخة من جربة – في تونس (3)، أما الدكتور عليان فإنه يشكك بوجود هذه المخطوطة من خلال اعتماده على النسخة المطبوعة، حيث يقول عن النسخة المصورة التي اعتمد عليها خليفات: "ومن الطبيعي أنه لا يعول على أية نسخة مصورة لمخطوطة لا تحمل تاريخاً ولا رقم تصنيف
ولا اسم الدار التي تحفظ بها هذه المخطوطة" (4).
Ennami,op.cit., p.63
(1) انظر:
درويش،
أحمد جابر، ص 131،قرقش محمد. عُمان ص
257
خليفات الإباضية، ص 24، النسخة التي اطلع عليها د. خليفات لا تحمل تصنيف ومكان وجودها.
(T)
(1)
(1) عليان الإباضية، ص 149. (1/32)
صفحة 33
19
و بسبب
هذا التضارب أو التخمين في مكان وجود هذه المخطوطة، قمت بالسفر إلى تونس وتحديداً إلى جزيرة جربة، حيث تمكنت من الوصول إلى المكتبة البارونية - وهى مكتبة خاصة لآل الباروني الإباضيين- ووجدت فيها مخطوطة رسائل الإمام جابر بن زيد ضمن مجموعة معنونة "بجوابات جابر ابن زيد وأجوبة أخرى"، وقمت بتصويرها، والمخطوطة في وضع يرثى له
(1)
ـظ
فهي معرضة للتلف والتلاشي بسبب أن المكتبة لا تتوفر فيها وسائل حف حديثة للمخطوطات، مما يتطلب أن تقوم المؤسسات العلمية بالاعتناء بهذه المخطوطة وحفظها في مكان مناسب أو ترميمها بطريقة علمية حديثة، نظراً لما لها من أهمية في مجال الفقه والتنظيم الحركي للإباضية (2).
وصف المخطوطة:
تقع المخطوطة في 32 صفحـ ة، وبالصفحة 14 سطراً ومقاسها 2125 سم، مكتوبة بخط مغربي قديم، ولا تحمل المخطوطة تاريخ النسخ لكنها تبدو قديمة، ولعلّ نسخها يرجع إلى القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي)، وهي بمكتبة الشيخ يوسف الباروني، ويقال إن نسخة أخرى موجودة بمكتبة الشيخ صالح بن عمر ببني يسجن بميزاب (3)، ولقد قام الدكتور الجعبيري بإجراء دراسة حول الرسائل بعنوان: البعد الحضاري
(1) انظر: الملحق رقم: 4،3،2،1. (2) لقد حاولت أثناء وجودي في سلطنة عُمان، وخلال بحثي عن المصادر الإباضية، العثور على مخطوطة رسائل الإمام جابر بن زيد، إلا أنني لم أعثر عليها، ولم أجد عند أي شخص معلومات عن مكانها باستثناء الإجابة الوحيدة إنما) موجودة في المملكة المتحدة بريطانيا-).
) انظر: 65. Ennami,op.cit,p . إلا أن الدكتور الجعبيري يذكر أنه زار مكتبة الشيخ صالح بن ع
ورتبها مع أحفاده ولكنه لم يجدها. (الحضاري، ص 2). (1/33)
صفحة 34
20
لرسائل الإمام جابر بن زيد الأزدي (1). وعدد الرسائل 18 رسالة من الإمام جابر بن زيد إلى دعاته، وتبدأ كل رسالة بـ"من جابر بن زيد إلى .. السلام الله"، والأشخاص المرسلة إليهم هذه الرسائل هم:
عليك فإني أحمد إليك
1 - راشد بن خثيم
2 - عثمان بن يسار
- طريف بن خليد
- غطريف بن عبد السلام ه - الحارث بن عمرو 6 - سالم بن ذكوان
نافع بن عبد
الله
8 - يزيد بن يسار
10 - مالك بن أسيد
11 - عنيفة
13 - عبد الملك
بن
المهلب
14 - حبرة بنت ضمرة.
-9
عبدالعزيز بن
سعد
12 - نعمان بن سلمة
وقد كان لبعض هؤلاء أكثر من رسالة كطريف بن.
خليد (2).، ومالك
(4). وتنتهي
ابن أسيد (3)، ونعمان بن سلمة، وعبد الملك المهلب (4). بن
!
الرسائل بالقول:" تم ما وجد والحمد الله من جوابات أبي الشعثاء جابر بن زيد .. ". والترقيم الموجود على صفحات الرسائل غير وارد في الأصل، وإنما
قام به النامي بتوجيه من أستاذه المشرف الدكتور serjeant - حتى تسهل الإحالة على هذه النصوص (5).
(°)
(1) وهي دراسة مرقونة بمكتبته الخاصة في تونس قام مشكوراً بتزويدي بصورة عن ها استفدت منها في أطروحتي وخصوصاً عند عند حديثي عن رسائل جابر بن زيد، وسأتحدث عن هذه الدراسة في نقد المراجع
وتحليلها.
(2) انظر: رسالة: 3، 14.
()
انظر: رسالة: 10، 15.
(4) انظر: رسالة: 12، 13، 16، 17.
(0) انظر: 65. Ennami,op.cit.,p (1/34)
صفحة 35
21
أما النسخة المطبوعة على الآلة الكاتبة الموجودة في المكتبة الإسلامية
بسلطنة عُمان
—
فيبدو أن الدكتور النامي هو الذي قام بتخريج نصها وشرع
في تحقيقها، وهذا واضح من بعض الملاحظات الجانبية (1)، وهذه التعليقات الموجودة على جوانب النسخة المطبوعة تدل على أن كاتبها مطلع على النسخة الأصلية المخطوطة بالمكتبة البارونية، ولم يطلع أحد سوى النامي على هذه الرسائل بل هو مكتشفها كما أشرنا سابقا، وهذه النسخة مصنفة تحت الرقم الخاص (616 ج)، والرسالة الثامنة عشرة غير موجودة مع باقي الرسائل، والمقاس العام لهذه النسخة المطبوعة هو - 18×15 سم، وعدد الأسطر بين 22 و 24 سطراً بالنسبة للصفحات المملوءة، كما أن هناك فراغات وسط بعض الأسطر حيث تكون الإشارة إلى أنه بياض في الأصل أو من غير تعليق عليه، وهذه الرسائل تختلف من حيث طولها وقصرها إذ تتراوح بين 14 سطراً و 87 سطراً، وهي كالآتي:
الرسالة 1: رسالة جابر بن زيد إلى أحد أصحابه، و لم يذكر اسمه (2)، وبا 21 سطراً.
الرسالة:2: رسالة جابر بن زيد إلى عثمان بن يسار، عدد الأسطر 54. الرسالة 3: رسالة جابر بن زيد إلى طريف بن خليد (3)، عدد الأسطر 87، وهي
أطول رسالة.
الرسالة:4: رسالة جابر بن زيد إلى غطريف بن عبد الرحمن،
دد
الأسطر 46 سطراً.
(1) انظر: الجعبيري، الحضاري، ص 3، ويقول د. الجعبيري إن النامي لم يحلل هذه الرسائل تحليلاً كاملاً لأن
ذلك يخرج عن إطار بحثه، وإنه لم يكمل تحقيق الرسائل).
(2) سقط هذا الاسم من النسخة المطبوعة وهو في المخطوطة (راشد بن خثيم).
) له رسالتان (143). (1/35)
صفحة 36
22
الرسالة 5: رسالة جابر بن زيد إلى الحارث
53 سطراً.
عدد الأسطر
الرسالة 6: رسالة جابر بن زيد إلى عنيفة، عدد الأسطر 85 سطراً. الرسالة: رسالة جابر بن زيد إلى نافع بن عبد الله، عدد د الأسطر 38
سطراً.
الرسالة: رسالة جابر بن زيد إلى يزيد بن يسار، عدد الأسطر 27 سطراً. الرسالة:9 رسالة جابر بن زيد إلى عبد العزيز بن سعد، عدد الأسطر 21. 10: رسالة جابر بن زيد إلى مالك بن أسيد (1)، عدد الأسطر 38. الرسالة 11: رسالة جابر بن زيد إلى سالم بن ذكوان، عدد الأسطر 29. الرسالة:12 رسالة جابر بن زيد إلى نعمان سلمة، عدد الأسطر 14
الرسالة
سطراً، وهي من أقصر الرسائل.
بن
الرسالة 13: رسالة جابر بن زيد إلى نعمان سلمة، عدد الأسطر 59.
بن
الرسالة:14: رسالة جابر بن زيد إلى طريف بن خليد، عدد الأسطر 28.
الرسالة 15: رسالة جابر بن زيد إلى مالك بن أسيد، عدد الأسطر 46. الرسالة:16 رسالة جابر بن زيد إلى عبد الملك بن المهلب، عدد الأسطر 69.
الرسالة:17 رسالة جابر بن زيد إلى عبد الملك بن المهلب، عدد
الأسطر 71.
ويبدو أن الشماخي، وهو من علماء القرن التاسع الهجري، قد
على هذه الرسائل، فهو حين يترجم لسالم بن ذكوان يقول: "مـ
اطلع
مشاهير
(1) له رسالتان (10+15). (1/36)
صفحة 37
23
(1)
العلماء الأبرار وكان ممن يكاتبه جابر بن زيد (1)، وسالم بن ذكوان أحد
ن
الدعاة الذين تتلمذوا على يد الإمام جابر بن زيد، وكان الدعاة الذيـ من أرسل إليهم رسائله (2)، وهذا يدل على أن هذه الرسائل قد وقعت في يد
الشماخي، مما يعني لنا أن الرسائل تعود إلى ما قبل القرن التاسع الهجري/
الخامس عشر الميلادي، ومما يعطي رأي النامي المصداقية في قوله إنها نسـ في القرن السادس الهجري، إلا أن ناسخها مجهول (3).
سخت
ورسائل الإمام جابر بن زيد إلى الدعاة، كانت رداً على كتب ورسائل أرسلها هؤلاء الدعاة إليه، حيث نلحظ فيها جميعاً قوله لهم: "وقد أناني كتابك ... " (4)، وأحيانا أخرى بصيغة أخرى يقول: "كتبت إلي ... " (5)، و"كتبت لأكتب إليك ... " (6)،، وينتهي قسم من الرسائل بعبارة: "السلام عليك ورحمة الله وبر، وقسم منها ينتهي بعبارة: "اكتب إلي بحاجتك، وبما كانت لك من حاجة ... (8)، وأحيانا يقول: "فلا ترو شيئا مما كتبت إليك ... " (1)، " وأعلم أنه لا يعجبني أن تترك لي عندك كتابا إلا محوته ولا ترو عني شيئا مما أكتب به إليك (10)، وانظر - أمتع الله بك وغفر لنا ولك- ما
كاته (7)
(1)
(T)
(T)
(4)
الشماخي، السير ح 1، ص 109.
انظر: رسالة 11.
انظر: 66. Ennami, op. Cit. p
انظر: الرسالة: 4.
(9) انظر: الرسالة: 13.
(1) انظر: الرسالة: 15.
(V)
انظر الرسالة، الرسالة: 10، الرسالة: 12، الرسالة: 13، الرسالة: 15، الرسالة: 17.
(8) انظر: الرسالة، الرسالة: 4، الرسالة: 8، الرسالة: 9.
(1) انظر: رسالة: 5.
(10) انظر: رسالة: 11. (1/37)
صفحة 38
24
تنتهي!
كتبت لك من كتاب فاتحه (1). وطلب الإمام جابر بن زيد هذا تنت هاتان الرسالتان فقط، ويبدو أن الإمام جابراً لم يعن هذه الرسائل، بل إنه
يقصد كتباً أخرى بما فيها من " أخبار تنظيمية حساسة، ونصوص هاتين الرسالتين، واضحة فهو لم يقل مثلا: إذا جاءك كتابي هذا فاتحه بل قال: "لا يعجبني أن تترك لي عندك كتابا"، ويقول لآخر: " انظر ... ما كتبت لك من كتاب فاتحه"، فهو هنا يطلب منه محو كل كتاب أرسله إليه، مما يعني أنه أرسل كتباً سابقة لهذا الداعية، فيذكره الإمام جابر بن زيد في هذه الرسالة بمحوها (2).
وجميع هذه الرسائل تبدأ بعبارة: "من جابر بن زيد إلى .... " باستثناء رسالة واحدة هي السادسة عشرة، حيث تبدأ بـ "لعبد الملك بن المهلب، من جابر بن زيد ... ، مع أن الإمام جابر بن زيد في رسالته السابعة عشرة
(3)
لعبد الملك يبدأ بـ" من جابر بن زيد إلى عبد الملك بن المهلب ... ".
محتويات الرسائل:
تشمل الرسائل الكثير من المسائل الفقهية في شتى المواضيع، فهناك مسائل تتعلق بالطلاق، والنكاح، والإرث والزنا، والسرقة، وأحكام الصلاة، والصوم والوضوء، ومسائل تتعلق بالاقتصاد والمعاملات المالية، وهناك قسم
(1) انظر: الرسالة: 14.
(2) ليس في هذه الرسائل ما يدعو للتخلص منها فهي في معظمها رسائل فقهية، إلا أنها تعطينا إشارة على أن الإمام جابر بن زيد كان يراسل دعاته في الأمصار الإسلامية المختلفة. ولعل بقائها يعود أيضاً إلى أنها كانت تنسخ قبل إرسالها وتحفظ في مركز الدعوة بالبصرة. لذلك لا مسوغ لما طرحه محمد عليان (من أن هذه الرسائل ليس فيها إشارة إلى كون جابر بن زيد إباضيا أو أنه كان قائدا تنظيميا (انظر: الإباضية، ص 153.) هذا الأسلوب (تقديم اسم المرسل إليه على المرسل) يبدو أنه متداول. انظر: السير ورقة 72 ط، 100 ط. (1/38)
صفحة 39
كبير منها في التربية الأخلاقية، من خلال المواعظ الكثيرة في بداية كل رسالة يحث فيها الإمام جابر بن زيد دعاته على التمسك بها، على أن الجانب المهم
(1)
المتعلق بدراستنا هو ما تعرض له الإمام جابر بن زيد في تلك الرسائل، من وسائل تربوية في إعداد الدعاة)، وفي الاطلاع على سياسة الإمام جابر بن زيد في الكتمان وعلى الدور الذي قام به بعض الدعاة في الإدارة الأموية من تسلم لبعض المناصب فيها مما يكشف لنا جانبا هاما من تاريخ الحركة التي أسسها الإمام جابر بن زيد ويكشف لنا عن كيفية تعامله مع. دعاته وأعوانه.
عيد
2 - کتاب (الكشف والبيان) (2) لمؤلفه أبو عبدالله محمد بن سـ القلهاتي من علماء القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي)، وقد ذهب الدكتور خليفات والدكتور فاروق عمر إلى أن وفاة القلهاتي كانت في (القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي) (3)، مع أن ابن مداد في سيرته (وهو من علماء القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي) يذكر القلهاتي وكتابه الكشف والبيان (4)، مما يعني أنه لم يكن من علماء القـ الحادي عشر الهجري أو أنه توفي فيه (5).
رن
(1) انظر: مناقشتنا لتلك الرسائل في الفصل الثالث من الأطروحة، ص 71.
(2) يشمل الجزء الأول من كتاب القلهاتي أمور العقيدة وأدلتها، أما الجزء الثاني ففيه قسم تاريخي يتحدث فيه من آدم عليه السلام حتى الخلفاء الراشدين، والقسم الأكبر منه خصصه في اعتقادات المذاهب الإسلامية، وغير الإسلامية، وتفنيد آرائها وعقائدها، طبقاً لمعتقدات الإباضية وآرائهم.
(
(4)
خليفات الإباضية، ص 22. عمر، الإمامة، ص 15.
ابن
مداد، صفة، ورقة 12 ب.
(5) لا يذكر ابن مداد تاريخ وفاة القلهاتي في كتابه. (1/39)
صفحة 40
26
بينما ذهبت الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف إلى أن القلهاتي كان من العلماء البارزين في أوائل القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي) (1)، مستندة في ذلك على نص من كتاب القلهاتي - الكشف والبيان- جاء فيه: "وكان عبدالله يناظرني في هذا القول، وقد كنت أنا أختاره، وكان الإمام سعيد ين القول على سبيل التعجب منه و لم أقف على اعتقاده في ذلك" (2)،، وبما أن الإمام سعيد بن عبدالله قد بويع بالإمامة سنة 320 هـ واستشهد في سنة 328 هـ، يكون القلهاتي من العلماء البارزين في أوائل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي حسب رأي كاشف (3).
إلا أن هذا الرأي مجانب للصواب حيث إن هذا النص كان يتعلق "بحكم أطفال المنافقين والمشركين"، وهو موجود حرفياً في كتاب "التقييد" لأبي محمد عبدالله محمد بن بركة، يذكر فيه رأي شيوخه في تلك المسألة بن "أبو مالك"، و"أبو ان"، "، و"أبو يحيى"، و"الإمام سعيد بن عبدالله"،
ومنهم
مرو
الذي ينقل عنه ابن بركة قوله: " وكان الإمام سعيد بن عبدالله يناظرني في هذا القول .... (4)، مما
يعني أن هذا القول ليس للقلهاتي، ومما يؤيد هذا أيضا أنه
- أي القلهاتي- يبدأ حديثه في الباب السابع والثلاثين الذي تحدث فيه عن حكم أطفال المنافقين والمشركين بقوله: " قال: أبو محمد (ابن بركة) " (5)، مما يعني ا ني أنه اطلع على كتابه "التقييد"، وجدير بالذكر هنا أن ابن بركة من علماء
(1) انظر: (مقدمة د. كاشف في تحقيقها لكتاب الكشف والبيان) ح 1، ص 8.
(2)
انظر: القلهاني، محمد، الكشف ح 2، ص 318.
(3) المصدر نفسه، ح 1، ص 8.
(4) ابن بركة عبدالله التقييد ورقة 23 ب.
(•)
) القلهاتي
المصدر السابق، ح 2، ص 317. (1/40)
صفحة 41
27
القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي (1).
فتكون بذلك كاشف قد ظنت أن هذا النص "وكان الإمام سعيد بن
عبدالله يناظرني .... " هو للقلهاتي، مما جعلها تذهب إلى أنه.
من
علماء القرن الرابع الهجري لمعاصرته الإمام سعيداً، إلا أنه ومع وجود هذا النص عند ابن بركة في كتابه التقييد، يكون رأيها في غير محله ولا يعد بذلك القلهاتي من علماء القرن الرابع الهجري، ولقد ذهب الشيخ البطاشي إلى أن القلهاتي من علماء القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي (2)، مستنداً في رأيه هذا على شارح (السيرة) (الكلوية التي ألّفها القلهاتي (3)، حيث يقول هذا الشرح: "أن القلهاتي أنشأ هذه المقامة أو السيرة، بسبب رجوع أهل كلوة عن مذهب الإباضية ... وكان ذلك زمن المشايخ .... أحمد محمد بن صالح القري" (4)، بن والشيخ (القري) كان قد توفي سنة 579 هـ (5)، وبذلك يكون القلهاتي قد
عاش في القرن السادس الهجري، وهو ما ذهبنا إليه.
وتكمن أهمية القلهاتي بالنسبة لموضوعنا في إيراده موقف الإمام علي بن
أبي طالب حين انتهاء معر ركة النهروان (6)، وفي ذكره لانقسام المحكمة إلى
(1) من شيوخ ابن بركة (أبو مالك) و (أبو مروان) و (الإمام سعيد بن عبدالله). انظر: ابن مداد، صفه، ورقة:
17 ب، الأزكوي، الجامع، ورقة: 217 ب.
(2) البطاشي، إتحاف، ح 1، ص 312.
(4)
) انظر: ابن رزيق القحطانية، ورقة: 253 ط.
ابع
الشارح هر و الشيخ راشد بن عمر بن أحمد بن النظر الحميري من علماء النصف الثاني من القرن ا الهجري وأوائل القرن الثامن الهجري"، ولم يذكر البطاشي مصدره في ترجمة هذا العلم ولكن يبدو أن البطاشي
مطلع على مصادر عُمانية إلا أنه لا يصدر مصدر معلوماته.
ابن مداد، صفة ورقة 28 ب.
انظر: القلهاتي الكشف، ح 52، ص 252.
(•)
(1) (1/41)
صفحة 42
28
أربعة آراء رئيسية وهو ما يوافق المصادر التاريخية الأخرى (1)، كما أنه يلقي الضوء على عبدالله بن إباض ورده على الأزارقة ومن وافقهم في رأيهم، وتتلمذه على يد الإمام جابر بن زيد الأزدي، كما أنه يذكر موقف الإباضية من آراء الخوارج الأزارقة وتفنيده آرائهم (3)، ولكن القلهاتي لا يذكر مصدر رواياته حول هذه المواضيع ولكن يظهر من طريقة روايته لهذه الأحداث أنه ينقل من مصادر متقدمة عليه (3)، كذلك لا يفصل القلهاتي كثيراً عن أئمة الإباضية الأوائل، وبالذات جابر بن زيد، بل إنه استعرضهم بشكل مختصر جداً دونما توسع (4)، والقلهاتي في كتابه (الكشف والبيان) يسلك منهج الفرق كالشهرستاني، والبغدادي، وهو أقرب إلى البغدادي منه إلى الشهرستاني، نظراً لشدته على المخالفين له في الرأي والاعتقاد، وفي هجوم عليهم وتفنيد آرائهم ()، حيث إنه يعد الإباضية هي المذهب الحق (6).
كتاب
والقلهاتي في معلوماته عن عبدالله بن إباض مشوش وغير واضح، فهو يعده إمام الإباضية الذي رد على الفرق الضالة كالخوارج، وغيرهم، إلا أنه
(1)
انظر
مناقشتنا لهذه المسألة.
(2) القلهاتي
(3)
ص 54.
الكشف، ح 2، ص 425.
ينقل القلهاتي عن سيرة شبيب بن عطية وهو من أئمة الإباضية بعد سقوط الإمامة سنة 132 هـ، انظـ القلهاتي، المصدر السابق، ح 2، ص 398، إلا أنه في الأغلب لا يذكر مصادره التي نقل منها. (1) القلهاتي، المصدر السابق، ح 2، ص 471.
(5) تميز البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق بالهجوم الشديد على المخالفين لاعتقاده (الأشعري)، وتعصبه الذي ليس في كتاب آخر من كتب الفرق المشهورة، ويقول في ذلك الإمام الفخر الرازي (الأشعري)، "وهذا
الأستاذ (البغدادي) شديد التعصب على المخالفين فلا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه، انظر: عبد الحميد
،عرفان المذاهب الزهراء، ص 39.
(1)
القلهائي
المصدر السابق، ح 2، ص 471.
د، (1/42)
صفحة 43
29
وعند حديثه عن الأئمة الذين قام عليهم المذهب الإباضي يجعله تابعاً للإمام
جابر بن زيد الأزدي (1).
القلهاتي
الكشف، ح 2، ص ص 471 - 478.
(1) (1/43)
صفحة 44
30
المراجع الحديثة والمقالات:
اعتمدنا
عدداً. من المراجع في دراستنا هذه فكان لا بد من تحليل ونق
للمعلومات التي احتوتها، وهي:
1 - أطروحة عمرو خليفة النامي الموسومة بـ: (دراسة في نشأة الإباضية)، يعد النامي من أكثر الباحثين الإباضيين جدية في تناول التاريخ
الإباضي وأكثرهم رصانة، نظراً لاطلاعه على الكثير من المصادر الإباضية وبالذات المخطوطة منها ولكونه ملماً بأصول المذهب الإباضي ولتمكنه من منهج البحث العلمي الحديث، وقد قام الدكتور النامي بجولة إلى مواطن الإباضية بشمال المغرب العربي (وادي ميزاب (الجزائر) و (جبل نفوسة - ليبيا) و (جزيرة جربة تونس)، حيث تمكن من الاطلاع على المخطوطات الإباضية في المكتبات الخاصة هناك، وقام على أثرها بنشر مقالته التي يصف فيها المخطوطات الإباضية الجديدة المكتشفة في شمال أفريقيا (1)، وقد استفاد النامي من هذه المخطوطات في إعداد أطروحته للدكتوراه من جامعة كامبردج سنة 1971، فقد تناول في القسم الأول منها نشأة الحركة الإباضية وأبرز أعلامها كعبد الله بن إباض، والإمام جابر بن زيد الأزدي، وأبي عبيدة
مسلم بن أبي كريمة، ثم تحدث عن الفقه الإباضي وتطوره والعقيدة الإباضية، ونظام الولاية والبراءة عند الإباضية، ومسالك الدين (2)، أما القسم الثاني (3)
فقد شمل تحليلاً وتحقيقاً لنصوص في العقيدة والفقه الإباضي وهي كالتالي:
(3)
Ennami, op. cit. P. 1 ""
(2) انظر: 2 - 1. Ennami, A, studies, pp
بسلطنة عُمان، وهي
) لقد حصلت على القسم الأول من أطروحة النامي مصورا من معهد القضاء الشرعي: نسخة مصورة من جامعة كامبردج، ولم أطلع على القسم الثاني من الأطروحة، ولكني اعتمدت فيه على ماس (1/44)
صفحة 45
31
1 - القسم الثاني من الباب الأول من كتاب"قواعد الإسلام" لإسماعيل
الجيطالي.
2 - كتاب أصول الدين لتبغورين بن عيسى الملشوطي.
- أجوبة ابن خلفون لأبي يعقوب يوسف بن خلفون (1).
وقد تميزت دراسة النامي بشمولية المعلومات مع قلة في التفصيل وخصوصا فيما يتعلق بالإمام جابر بن زيد حيث نجده قد استعرض حياته
ونشأته بطريقة مختصرة، وربما كان لطبيعة دراسته السبب في ذلك، فهو
يتحدث عن
نشأة
الإباضية،
ة، وتطور الفكر الإباضي، مما ألزمه أن يتناول أكثر
من جانب، وأن لا يفصل فيه كثيراً.
2 - أطروحة مهدي طالب هاشم الموسومة بـ: نشأة الحركة الإباضية في المشرق)، كتب السيد هاشم أطروحته هذه لنيل درجة الماجستير في التاريخ في جامعة بغداد وتحت إشراف أ. د فـ، فاروق عمر فوزي، وقد اكتسبت هذه الأطروحة أهمية عند الباحثين، لأنها كانت من أوائل الدراسات الجادة التي تناولت نشأة الحركة الإباضية وتطورها، وكذلك كان لاطلاعه على المخطوطات والمصادر الإباضية (2)، الدور الرئيس الذي أعطى قيمة علمية لبحثه وكان لإلمامه بآراء الإباضية الفقهية الأثر الذي انعكس على تحليلاته بصورة ناضجة، إلا أن عناية السيد هاشم
أورده د. فرحات الجعبيري، من خلال أطروحته في الدكتوراه التي هي بعنوان (البعد الحضاري للعقيدة
الإباضية).
(1) انظر: الجعبيري، الإباضية، ص 23.
(2) لقد زار السيد هاشم مكتبة الإمام غالب بالدمام في شرقي المملكة العربية السعودية، كذلك زار مكتبة
دار الكتب المصرية بالقاهرة. (1/45)
صفحة 46
32
بالمراجع الحديثة قليلة من ناحية النقد والتحليل، وربما يعود هذا إلى كون أطروحته من أوائل الدراسات حول الإباضية، وقد كان في حديثه عن مرحلة الكتمان وإمامها جابر بن زيد مقتضبا تطغى عليه كثرة الروايات على حساب تحليل المواقف وأبعادها السياسية. أما أهمية الأطروحة بالنسبة لموضوعنا فتكمن في بيان قيام التنظيم السري الإباضي، وإحكامه على يد الإمام جابر بن زيد وفي مناقشة طبيعة العلاقة التي ربطت الإمام جابر بن زيد بأبي بلال مرداس بن أديّة، وبعبدالله بن إباض.
3 - نشأة الحركة الإباضية للدكتور عوض خليفات. ويعد كتاب خليفات هذا من أهم المراجع التي تتحدث عن فترة تأسيس الحركة الإباضية (الكتمان)، وانتصار الدعوة وتأسيس الإمامة (1)، ولقد اطلع خليفات على مصادر إباضية كثيرة توفرت له أثناء زيارته لدار الكتب المصرية، وللمملكة المتحدة سنة 1977 م)، ويظهر أن خليفات قد استفاد من أطروحة الدكتور
،
النامي دون أن يشير إلى ذلك، وهذا ما ذهب إليه السيد مهني التيواجني " كما أن خليفات قام بإسقاط مصطلحات متأخرة (كأهل السنة) و (القعدة) على فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي، فعلى سبيل المثال يقول: " أما أهل السنة (4) في البصرة فكانوا يسمونهم الحرورية نسبة إلى حروراء " (5)، وكذلك في حديثه عن المحكمة يستعمل مصطلح القعدة فيقول: "وقد أنكر الخوارج
(1)
(T)
عمر، الإمامة، ص 3.
خليفات الإباضية، ص 24.
(3) التيواحني، مهني،
(4)
أشعة، ص 61.
مصطلح أهل السنة ليس له وجود تاريخياً في العصر الأموي، بل إن المصطلح الذي كان يتردد أحيانا هو
أهل الحديث والقراء.
(•)
خليفات المرجع السابق، ص 67. (1/46)
صفحة 47
33
المتطرفون قعود إخوانهم أتباع مرداس بن أديّة التميمي عن الثورة فلقبوهم احتقاراً بالقعدة" (1)، مع العلم بأن هذا المصطلح لم يظهر قبل سنة (64 هـ / 683 م) (2)، وقد خالف خليفات المصادر التاريخية حول انقسام المحكمة إلى أربعة أقسام أو أحزاب (3)، وتابع خليفات الروايات في بعض المصادر الإباضية التي تذهب إلى أن عبدالله بن إباض كان المناظر حقاً والمدافع عن آراء القعدة من الخوارج (4)، مع أن المتتبع لكتب الفقه والعقائد الإباضية لا يجد لابن إباض أي قول أو رأي يعتمده الإباضية في كتبهم هذه لإثبات أي مسألة فقهية أو عقائدية (9).
عمر
4 - فاروق عمر فوزي (الإمامة الإباضية) وللأستاذ الدكتور فاروق اطلاع مبكر على مصادر تاريخ الإباضية ونشأتها حيث كتب أول مقالة له بعنوان "ببلوغرافيا في تاريخ عُمان" (6)، ومقالة أخرى بعنوان "ملامح من تأريخ حركة الخوارج الإباضية كما تكشفها مخطوطة الأزكوي ()، وقد تناول في كتابه (التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين) نظرية الإمامة لدى الإباضية في عُمان، كما كتب عن عوامل سقوط الإمامة الإباضية الثانية في عُمان في مجلة كلية الآداب - بغداد سنة 1975، وبعد سنة تفرغ علمي بإنكلترا صدر له الكتاب الموسوم بـ: (مقدمة) في دراسة مصادر التاريخ
(1)
(2)
خليفات الإباضية، ص 66.
2:انظر مناقشتنا لهذا المصطلح في الفصل الأول من الأطروحة، ص 38.
(3) انظر: خليفات المرجع السابق، ص ص 72 - 74.
(1) خليفات، المرجع السابق، ص 80.
(5) انظر: البسيوي علي جامع ابن خلفون، يوسف أجوبة. الكدمي، محمد المعتبر. الشقصي
الطالبين. الكندي، أحمد، المصنف. الجيطالي، إسماعيل، قواعد. القلهاتي، الكشف.
(1)
عمر، ببلوغرافيا، المورد.
(7) عمر، ملامح، المؤرخ. (1/47)
صفحة 48
34
العماني - بغداد (1979)، وكذلك استعرض مختصر تاريخ الإباضية في عُمان ضمن كتابه (الخليج العربي في القرون الإسلامية (الأولى) والذي نشر مرتين، الأولى في بيروت سنة 1983 والثانية ببغداد سنة 1986، حيث تناول أقاليم الخليج العربية الأربعة: البحرين وعُمان والأهواز والعراق، فكان لهذا الاحتكاك المبكر بشؤون تاريخ الحركة الإباضية، أن أصبح. القلائل المختصين والملمين بمسيرة الحركة الإباضية.
وقد أصدر فاروق عمر بحثاً جديداً بعنوان: (الإمامة الإباضية في عُمان) (1)، وقد استفدت في أطروحتي من هذا الكتاب حيث كانت معلوماته مركزة، ولذلك فهو لا يفصل مثلا في سيرة جابر بن زيد ودوره في الحركة، بل يشير بصورة مركزة إلى المراحل المهمة في حياته بالبصرة، ولقد وافق الدكتور فاروق في بحثه هذا خليفات بخصوص انقسام المحكمة بعد عودتها من الحجاز بقوله: "حدث انقسام جديد بين القعدة في هذه الفترة، فجماعة بزعامة عبدالله بن صفار (2)، وكانت ترى الخروج، والثورة ضد الأمويين، ولكنها لا
تكفّر القعدة، بل تتهمهم بالتقصير، وجماعة أثرت الاستمرار في الاعتدال والقعود بانتظار الفرصة المواتية" (3).
ــة
ه - أطروحة الصوافي الموسومة بـ: الإمام) جابر بن زيد وآثاره في الدعوة): وهي أطروحة تقدم بها السيد صالح الصوافي لنيل درجة الماجستير في جامعة الأزهر لمصر سنة 1981، وهي رسالة في الدعوة والثقافة الإسلامية
(1) المفرق سلسلة الجامعة (جامعة آل البيت سنة 1997). (2) انظر: الفصل الأول من أطروحتنا.
() عمر، الإمامة، ص 29. (1/48)
صفحة 49
35
لذلك غلب عليها الطابع الفقهي على الدراسة التاريخية، وقد شملت هذه
الدراسة ثلاثة أبواب:
تناول في الباب الأول: نشأة الإمام جابر بن زيد وحياته العلمية، وفي
الباب الثاني: زعامة جابر بن زيد للمذهب الإباضي، وفي الباب الثالث: المآخذ على هذه الأطروحة أنها لا تتبع المنهج
، ومن
أصول المذهب الإباضي (1)، التاريخي العلمي فكانت أقرب إلى الأسلوب القصصي السردي، كما غلب عليها كثرة النقول دون تمحيص ونقد لها، وفيما يتعلق بالإمام جابر بن زيد فإن الباحث، وفي الباب الأول (جابر بن زيد نشأته من أطروحته تحدث عنه في عشرين صفحة (وهي الباب كله أما الباب الثاني وهو بعنوان (جابر بن زيد كزعيم للمذهب الإباضي) فلم يخصص الصوافي له سوى (20 صفحة من أصل (128 بينما كان الباب الثالث في الفقه والعقيدة الإباضية) ولا علاقة له بالإمام جابر بن زيد ()، فتكون بذلك رسالة الصوافي قد تحدثت عن الإمام جابر بن زيد في أربعين صفحة كان أغلبها نقولاً طويلة (3)، من أصل الأطروحة البالغة 272 صفحة، ولذلك لم تكن استفادتنا منها بالنسبة لموضوعنا
كبيرة.
-7
- نشأة الحركة الإباضية في البصرة ومناقشة دعوى تأسيس جابر ابن زيد لها للدكتور محمد عليان انطلق الباحث من فكرة مسبقة أراد إثباتها في كتابه هذا مؤداها نفي صلة جابر بن زيد بالحركة الإباضية، حيث
(1) الصوافي، جابر، ص 271. (2) انظر: المرجع السابق، ص 272.
(3) انظر: المرجع السابق، ص
147 - 168 (1/49)
صفحة 50
36
إنه حاول رد جميع الروايات التي تتحدث عن هذه العلاقة (بين جابر بن زيد والإباضية)، أو التشكيك فيها، وحجته في ذلك المصادر السنية (1)، التي يضعها مقابل المصادر الإباضية جاعلاً منها مقياس الصواب، فعلى سبيل المثال يقول ... علماً بأن الإباضية يزعمون أن جابر بن زيد مؤسس مذهبهم، لكن المصادر السنية تنفي صحة ذلك" (2)، كذلك يقول في موضع آخر: "فإن معظم المؤرخين وكتاب الفرق من أهل السنة ... (3).
فالمعيار عنده ليس التحليل والمقارنة بل النزعة المذهبية، لذلك جاءت آراؤه متعسفة لا تقوم على دليل مقنع، فهو يشكك في وجود الرسائل (رسائل الإمام جابر بن زيد إلى أتباعه من خلال اطلاعه على النسخة المطبوعة على الآلة الكاتبة الموجودة في المكتبة الإسلامية بمسقط - لأنها برأيه لا تحمل تاريخاً ولا رقم المخطوطة الأصلية، ولا اسم الدار التي تحفظ بها (4)، وفي حديثه عن عبدالله بن إباض يعطي حكما مطلقا دون تثبت حيث يقول: "إن المؤرخين الإباضيين المتأخرين يعطون لابن إباض دورا ثانوياً في نشأة الإباضية، ويؤكدون أن مؤسس دعوتها هو جابر بن زيد، كالشماخي
والرقيشي)، إلا أن قوله هذا لا يصمد أمام التمحيص العلمي، فلو رج
(1)
مصطلح أهل السنة يثير كثيراً من اللبس والتساؤلات وله ظروف نشأة كثيرة، لعبت فيه المصالح السياسية
دورا ساهم في تعميق الشرخ بين المدارس الفكرية الإسلامية سواء في الجانب الفقهي أو العقائدي، فأصبحت بعض المذاهب تحتكر هذا المصطلح وتعطي نفسها شرعية دينية أكثر من غيرها مما أدى إلى شيوع التبديع والتكفير ضد المذاهب المخالفة لها، لذلك فإنني أدعو الباحثين لإعادة النظر فيه من جديد ومعرفة مدى
المصداقية التي يحملها أو الشرعية التي تجعله لمذهب دون آخر.
(2)
عليان الإباضية، ص 86.
(3) المرجع نفسه، ص 90.
(4) انظر: تحليل الرسائل في نقد المصادر، ص 17.
(9) عليان، المرجع السابق، ص 97. (1/50)
صفحة 51
37
الباحث لأقدم مؤرخ إباضي، وهو ابن سلام الإباضي في كتابه (بدء الإسلام وشرائع الدين) فإنه لا يجد أي ذكر لعبد الله ابن إباض ضمن أئمة الإباضية الأوائل (1)، وفي بعض الأحيان لا يرجع الباحث الفضل لأهله، ففي ترجمته أو حديثه عن عبدالله بن إباض تكاد تكون كل معلوماته مأخوذة عن مهدي هاشم (2)، دون أن يشير إليه أدنى إشارة، مع أنه ذكره في قائمة مراجعه (3).
البعد الحضاري لرسائل الإمام جابر بن زيد) (4):
للدكتور فرحات الجعبيري، وهي دراسة في الجوانب الحضارية لرسائل الإمام جابر بن زيد تناول الباحث فيها بداية الحديث عن رسائل الإمام جابر مستندا على النسخة المطبوعة في المكتبة الإسلامية بمسقط-، ومعتمدا على مقالة النامي المنشورة في مجلة الدراسات السامية، وتناول الباحث الأبعاد التربوية والأخلاقية التي استخدمها الإمام جابر بن زيد مع أتباعه ودعاته، كذلك تناول الجعبيري في دراسته أسماء الدعاة الذين وردت أسماؤهم في
مع
الرسائل، وحاول أن يجد لهم ترجمة من كتب الأعلام، ولكنه لم ينجح إلا. لأن بعضهم كان مغمورا بالنسبة للناس، أو ربما كانت أسماء
القليل منهم بعضهم حركية (5)، على أن هذه الدراسة لم تكن تعني تحقيقاً علمياً لمخطوطة (رسائل الإمام جابر بن زيد باعتراف الدكتور الجعبيري نفسه، ورد ذلك إلى عدم وجود تأريخ لهذه الرسائل من جهة، وإلى أنها موجهة إلى أناس ليسوا من
(1) انظر ابن سلام، شرائع، ص 108.
(2) قارن، هاشم، الإباضية ص.89 عليان، المرجع السابق، ص 89
(T)
(4)
انظر قائمة المصادر والمراجع، ص 279
وهي دراسة (غير منشورة) مرقونة بمكتبته الخاصة في تونس العاصمة، تفضل مشكورا بإعطائي نـ
مصورة عنها أثناء زيارتي لتونس قاصدا جزيرة جربة.
(5) انظر: الجعبيري، الحضاري، ص 36. (1/51)
صفحة 52
38
الشهرة بمكان من جهة أخرى، إضافة إلى عدم وجود نسخة أخرى من
الرسائل يمكن مقارنتها بهذه النسخة (1).
وبالنسبة لموضوع بحثنا فقد استفدت منها في تحليل بعض نصوص رسائل الإمام جابر بن زيد والأبعاد الحركية فيها، بالإضافة إلى التعرف على الأساليب التنظيمية التي اتبعها الإمام جابر بن زيد في تربية وإعداد الدعاة.
-^
يد
-1 - عُمان) والحركة الإباضية: للدكتور محمد قرقش الذي تناول فيه الأصول التاريخية للإباضية، وبدايات الحركة في عُمان، وسياسة الأمويين تحله إباضية عُمان، وقيام الإمامة سنة (132 هـ / 749 م) وإسقاطها على العباسيين)، و لم يأت الدكتور قرقش في دراسته تلك بجديد على من سبقه، بل كان غالباً ما ينقل حرفياً عن مراجع سابقة دون الإشارة إلى ذلك، وخاصة عن الدكتور أحمد درويش، فعند تحليله لرسائل الإمام جابر بن زيد، ينقل عنه وبالنص، فمثلا قوله (أي: الدكتور أحمد درويش) الذي نصه: "هذه النقاط التي تشكل الهيكل الفني الذي تشترك فيه جميع الرسائل وهو اشتراك يؤكد وحدة المنبع فإذا أضيف إليه خصائص الأسلوب الرفيع الذي تتمتع به جميعا وتناسق المعلومات الواردة بها عن كاتبها وعن عصره
هي
وأما الدكتور قرقش فإنه يقول في الموضوع نفسه: "هذه. النق
هي
(3) "
اط التي
تشكل الهيكل الفني الذي تشترك فيه جميع الرسائل وهو اشتراك يؤكد وحدة
(1) الجعبيري، الحضاري، ص 3.
(2)
انظر قرقش محمد، عمان، ص 280.
(3) درويش، جابر، ص 132. (1/52)
صفحة 53
39
المنبع فإذا أضيف إليه خصائص الأسلوب الرفيع الذي تتمتع به جميعا وتناسق
المعلومات الواردة بما عن كاتبها وعن عصره ...
(1) I
ويلاحظ أن الدكتور قرقش يعطي أحياناً أحكاما دون سند تاريخي، فهو يجزم بأن أبا بلال مرداس بن أديّة التميمي أعجب بمكانة جابر بن زيد العلمية فجعله زعيما لجماعته (2)، ويكرر هذا القول في صفحات لاحقة (3).
أما نقده للمراجع التي تحدثت عن الموضوع نفسه فيتصف فيه بعدم الدقة في إعطاء الأحكام، فهو مثلا عندما يتحدث عن (الحركة الإباضية) لمهدي هاشم يقول: "على أن مشكلة أثارت انتباهنا هو وجود قسم كامل من هذا البحث منشور في مؤلف آخر عن تاريخ عُمان بنفس الصفحات وفقراتمل وسطورها وكلماتها وحتى هوامشها، والكتاب الآخر الذي اشترك معه في هذا
هو
سنة
الأمر كتاب الخليج العربي في العصور الإسلامية للدكتور فاروق عمر 1983 م، بينما كتاب الأستاذ هاشم صدر سنة 1981 (4). والباحث المحقق يلحظ أن الدكتور فاروق أشار وبصورة واضحة في مقدمة كتابه إلى أنه وفيما يتعلق بتاريخ الإباضية وتطورها في عُمان قد اعتمد على أطروحة مهدي نصاً، وهي أطروحة كتبت تحت إشرافه، وأكثر من ذلك فقد أشار
هاشم
الدكتور فاروق إليها في هوامش الكتاب وحيثما اعتمد عليها (5).
(1) قرقش، محمد، عُمان، ص 258.
(1) المرجع السابق، ص 131.
(3) المرجع السابق، ص 134.
(4) المرجع السابق، ص 36.
(5) كان د. فاروق يشير لمهدي هاشم بقوله: "راجع الحركة الإباضية حيث اعتمدنا. ما أورده نصاً"، انظر:
الخليج، ص 112 - 118، على سبيل المثال لا الحصر. (1/53)
صفحة 54
40
-9
المذاهب
- الفكر السياسي عند الإباضية للسيد عدون جهلان، وهي أطروحة لنيل درجة الماجستير تناول فيها نشأة الحركة الإباضية مع أو المدارس الإسلامية الأخرى، ثم أفرد فصلاً للشيخ محمد بن يوس أطفيش (1)، ومن ثم تحدث عن مفهوم الإمامة عند الإباضية، أما فيما يتعلق بالإمام جابر بن زيد، فقد أعطى لمحة عن دوره في تأسيس الحركة الإباضية، وكان يعطي أحيانا بعض الأحكام غير الدقيقة دون سند تاريخي يدعمها، فهو مثلاً يقول في علاقة الإمام جابر بن زيد مع الحجاج بن يوسف والي العراق: "فقد أقام اتصالات أخوية (2) مع والي العراق الحجاج بن يوسف ودامت العلاقة بين جابر والحجاج في غاية الثقة والود المتبادل مدة طويلة" (3).
10 - كتاب (الفتنة) للدكتور هشام جعيط، وهو من الكتب الجادة التي تحدثت عن تاريخ الإسلام المبكر، بداية بدولة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وحى وقوع الانقسام والنزاع بين الإمام علي الهلاليه ومعاوية بن أبي سفيان، وما تبع ذلك من أحداث كوقعة النهروان ومن قبلها التحكيم وملابساته، وما تلا ذلك من انشقاقات دينية - سياسية، وتميز بحث الدكتور جعيط بمنهجية تاريخية صارمة ناقدة، وقد استفدنا منه خصوصا فيما يتعلق بمعركة صفين ووقعة النهروان، حيث جاءت آراؤه عميقة في صيرورة الأحداث، إلا أن من المآخذ على جعيط، إطلاقه بعض الأحكام المطلقة أحياناً دون مبرر، فمثلاً يقول عن
(1) كانت أطروحة السيد جهلان (الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش وهو من علماء القرن الرابع عشر الهجري / القرن العشرين الميلادي /ت - 1332 هـ / 1914 م) من الجزائر وادي ميزاب- كان يلقب (بالقطب) ومن أشهر مؤلفاته: شرح النيل وشفاء العليل، شرح مختصر العدل والإنصاف، والترتيب، وقد اشتهر عند إباضية المشرق أكثر منه في المغرب. انظر: جهلان، الفكر، ص 103.
(T)
(3)
انظر: مناقشتنا لهذا القول في الفصل الثالث
جهلان، الفكر، ص 33. (1/54)
صفحة 55
41
المؤرخ البرادي وكتابه (الجواهر المنتقاة):" الذي لا يجوز اعتماده إطلاقاً في
كل ما يتعلق بالنهروان (1)، كذلك يعطي حكماً مطلقاً آخر يقول فيه: "هاكم خلال تطور الأمور، لا يكاد يصدق قتلة عثمان قد قتلوا على يد
الآن
من
علي بالذات"
،
* (Y)11
أي باعتبار أن قتلة عثمان هم أهل النهروانه وبالنسبة
لموضوعنا (الإمام جابر بن زيد ودوره لم يكن كتاب جعيط ذا أهمية نظراً
لأنه لم يتعرض له.
أما أهم المقالات التي اعتمدنا عليها فمنها:
مقالة الدكتور عمرو خليفة النامي الموسومة بـ A Description of New Ibadi Manus cripts, North Africa :- وصف لمخطوطات إباضية جديدة مكتشفة بشمال أفريقيا وقد نشرها في مجلة الدراسات السامية سنة 1970، ووصف في مقدمتها جولته في مواطن الإباضية بشمال المغرب العربي جبل نفوسة ليبيا، وجزيرة جربة تونس، ووادي ميزاب
(1) جعيط، هشام، الفتنة، ص 230. (2) المرجع السابق، ص 232.
(.) لا يمكن التسليم مطلقاً بأن أهل النهروان شاركوا في حصار وقتل الخليفة عثمان بن عفان، بل من الثابت أن مجموعة من الصحابة وأبنائهم قد ساهموا في حصار عثمان وقتله بعد ذلك، ومن هؤلاء: الصحابي عمرو بن بديل بن ورقاء، وكان رئيس أهل مصر الذين قدموا وحاصروا عثمان ثم قتلوه، والصحابي عبد الرحمن بن عديس البلوي أحد قادة المصريين الذين حاصروا عثمان والصحابي عمرو بن حزم ا الأنصاري و محمد بن أبي بكر ومالك بن الأشتر، والصحابي طلحة بن عبيد الله، والصحابي نيار بن عياض وعمار بن ياسر، وأبو هريرة، انظر الطبري، محمد، تاريخ، ج 2، ص ص 663 - 677. ابن حجر، الإصابة ح 3، ص ص 473 - 533، ح 4، ص ص 334 - 606. باستثناء حرقوص بن زهير السعدي الذي ثبت أنه قدم على رأس أهل البصرة للمشاركة في حصار عثمان ولكنه لم يشارك في قتله. انظر: الطبري، تاريخ، ح 2،
ص 652. (1/55)
صفحة 56
42
الجزائر)، وبعد ذلك بدأ بذكر المخطوطات التي عثر عليها هناك أو شاهدها
وكان أهمها:
رسائل الإمام جابر بن زيد، حيث قام بوصف تلك الرسائل، وقد استفدنا في أطروحتنا. من مقالته هذه في التعرف على هذه المخطوطة، وما يحيط بها، وعلى نسخها (1)، ولقد استفاد النامي من هذه المخطوطة (2) في الصفحات التي خصصها للتعريف بالإمام جابر بن زيد، لكنه لم يحلل هذه
الرسائل تحليلاً وافياً وكاملاً (3).
(1) يقول د. فرحات الجعبيري إنه زار مكتبة الشيخ صالح بن عمر ببني يسجن بوادي ميزاب، واطلع على فهرس المكتبة ولم يعثر على النسخة المشار إليها في مقالة النامي أثناء كلامه على تلك النسخ، انظر: الحضاري،
ص 2.
(T)
المخطوطة التي اعتمد عليها النامي هيا النسخة الموجودة في مكتبة العائلة البارونية في الحشان بجزيرة جربة، (وهي التي اعتمدت عليها أنا أيضا في أطروحتي هذه).
(3) قارن الجعبيري، المرجع السابق، ص 3. (1/56)
صفحة 57
الفصل الأول
الإمام جابر بن زيد الأزدي
وعلاقته بالمحكمة (1/57)
صفحة 58
/ (1/58)
صفحة 59
صفين والتحكيم
45
بعد رفع أهل الشام المصاحف على أسنة الرماح أثناء معركة صفين مطالبين بالتحكيم بينهم وبين أهل العراق لاقى هذا الأمر صداه عند مقاتلة الجيش العراقي، الذي كان أغلبه مع وقف القتال (1)، ويبدو أن السبب في رغبتهم هذه يعود إلى مللهم من الحرب، وهو ما: عبدالله عبر
عنه
بن عباس
بقوله: "إن أهل العراق ملوا السيف وجزعوا منه جزع لم يجزعه أهل الشام (2)، وهذا ما ذهب إليه الدكتور محمود إسماعيل، ودلافيدا (3)، إلا أن الدكتور هشام جعيط يخالف هذا الرأي ويقول: إن أكثر الروايات ثقة لا تظهر الإمام عليا بن أبي طالب الله له في وضع معارضة شديدة لفكرة وقف
(4)
المعارك، بل تظهره مسالماً ومؤيداً عن طيبة خاطر لرأي جيشه"، وذلك دون
ذكر للمصادر التي اعتمد عليها في رأيه هذا، مع أن المصادر التاريخية تكاد تجمع على أن الإمام علي الله كان معارضاً لإيقاف القتال ولم يكن راضياً عن ذلك ()، وقد شاركه رأيه هذا مجموعة من جيشه على رأسهم مالك بن ومن الذين كانوا مصممين على استمرار
الأشتر النخعي وهو أشهر قادته، من
(1) البلاذري،
أحمد، أنساب، ح 2، ص 337.
(2) المصدر نفسه، 2، ص 337
(3) إسماعيل، محمود قضايا ص 5. (2). G.Della vida,"Al-sufriya E
(4)
(•)
جعيط هشام الفتنة، ص 209.
انظر المسعودي علي، ح 2، ص 27. البلاذري، المصدر السابق، ح 2، ص 237. اليعقوبي، أحمد، التاريخ،
ح 2، ص 188 ابن الأثير، عز الدين، الكامل، ح 3، ص 193. (1/59)
صفحة 60
46
الحرب مع أهل الشام، لاعتقادهم أن الإمام عليّاً على الحق، وأن معاوية وأهل الشام بغاة وجب قتالهم (1) ".
بعد أن تم الاتفاق على صيغة التحكيم بين ادة الجيش الشا والعراقي، طاف بها الأشعث بن قيس على الجيش العراقي ولكنه قوبل بمعارضة شديدة من بعض أطرافه، فعند مروره بقبيلة عنزة قال فتيان منها: لا حكم إلا لله، ومر ببني تميم فرد عليه رجل منهم: لا حكم إلا الله، وقام عروة بن أدية التميمي ونادى لا حكم إلا لله، ثم مر على بني راسب فقالوا: لا حكم إلا لله (2)، ويبدو أن رفض التحكيم بصيغته التي عرضت كان من قبائل مختلفة، و لم يكن من قبائل عرب الشمال فقط، الذين اتهمهم بعض الباحثين بالبداوة، وبأنهم ليسوا أصحاب ماض عريق في الحضارة، ولا ينقادون إلى أي حكم، وأن رغبتهم كانت في كسر احتكار قريش للزعامة (3).
فهذا الرأي غير وارد، نظراً إلى أنّ معظم القبائل العربية قد ضعفت
رابطتها بالبادية منذ ارتحالها إلى مدائن الجيوش وانخراطها فيها ودخولها الديوان وإقامتها في الأمصار ()، وفضلاً عن ذلك فإن هناك قسماً كبيراً من القبائل الشمالية كان قد قاتل إلى جانب الإمام علي الله، فالأحنف بن قيس زعيم
(1)
انظر: الطبري، تاريخ، ج 3، ص 98. المسعودي، المصدر السابق، ح 2، ص 27. () لقد استخدمت المصادر التاريخية عدة مصطلحات حول جيش الإمام علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان، فهي تارة تقول: أهل العراق وأهل الشام، وتارة أخرى أصحاب علي وأصحاب معاوية. انظر: ابن خياط، تاريخ، ص 19،البلاذري، المصدر السابق، ح 2، ص 323. الطبري، تاريخ ح 3، ص 84. المسعودي، المصدر
السابق، ح 2، ص 3.
(2) المنقري، نصر، صفين، ص 512.
(7) عاقل، نبيه، الحزبية، ص 79. خليفات عوض، الإباضية، ص 54.
(4) فلهاوزن، يوليوس الخوارج، ص ص 33 - 34. (1/60)
صفحة 61
47
تميم كان من كبار قادة جيش علي الله، وعلى النقيض منه يقف عروة بن أدية التميمي على رأس الرافضين للتحكيم، فالأمر لا يبدو أنه يتعلق بقبائل الشمال وقبائل الجنوب، بقدر ما يتعلق بموقف سياسي أو فكري بحت بدليل أن زعيم أهل النهروان كان يمنياً وهو عبدالله بن وهب الراسبي
بعد
(1)
أن تم الاتفاق على وثيقة التحكيم بين الإمام علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان، رجع أهل العراق إلى الكوفة بقيادة الإمام علي وقبل وصوله الكوفة بقليل انفصل عنه قسم من جيشه بلغ اثني عشر ألفا أو عشرين ألفاً نزلوا حروراء (2)، و لم يدخلوا الكوفة معه (3)، مما دعا الإمام علياً للقدوم إلى حروراء ومحاورتهم، ويبدو أنهم وافقوا على الرجوع معه إلى الكوفة (4)، والظاهر أن الإمام علياً قد وعدهم بالعدول عن التحكيم)، إلا أنه خيب ظنهم فأرسل أبا موسى الأشعري للمشاركة في مؤتمر الصلح)، ما جعلهم يجتمعون في دار عبدالله بن وهب الراسبي ويبايعونه بإمارة المؤمنين، ويتفقون على الخروج من الكوفة، كذلك أرسلوا إلى من يرى رأيهم من أهل البصرة وتواعدوا عند النهروان ()، وفي ذلك الحين كان الإمام علي يتجهز لقتال أهل الشام بعدما ظهرت نتيجة التحكيم التي لم تكن في صالحه، وبعد إتمام عدته سار إلى أهل الشام، إلا أنه غير مسيره فجأة إلى النهروان لقتال من فيها حتى إذا التقى الجيشان وفي هذا الأثناء انفصل فروة بن نوفل عـ
(1) الطبري، تاريخ، ج 3، ص ص 115 - 117.
(2)
حروراء: هي
(3) الطبري،
283
قرية بظاهر الكوفة نسبت إليها الحرورية، انظر: الحموي، ياقوت البلدان، ح 2، ص 3 المصدر السابق، ج 3، ص 108. ابن خياط، تاريخ، ص 132. البلاذري، انساب، ح 2، ص 342.
(4) المصدر نفسه، ح 3، ص 108.
(5) البلاذري، المصدر السابق، ح 2، ص 342.
(1) المصدر نفسه، ح 2، ص 342.
(2) الطبري، المصدر السابق، ح 3، ص 115. (1/61)
صفحة 62
48
صفوف أهل النهروان واعتزلهم إلى الدسكرة في خمسمائة من رجاله لأنه كلن
متردداً في قتال الإمام علي
ووقعت المعركة وانهزم فيها أهل النهروان وقتل أكثرهم، يورد الطبري في ذلك: "فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا ()، ولكن لا يعني هذا القول أنهم قتلوا جميعاً بل هو كناية عن قتل معظمهم، لأن الطبري يذكر أن الإمام عليا في نهاية المعركة طلب من به رمق منهم فكانوا أربعمائة رجل فأمر بإلحاقهم بعشائرهم ومداواتهم ... ثم يذكر بعد ذلك، أنهم برثوا وعفا عنهم الإمام علي (3)، ولذلك لا يمكن قبول الرأي القائل بأن المحكمة قد انتهوا في معر لنهروان (4)، ثم إن هناك ممن رفض قبول التحكيم، ومن لم يشارك في معركة النهروان، وعلى رأسهم فروة بن نوفل الذي اعتزل أهل النهروان، وقد ثار بعد موت الإمام علي الله عليه بالنخيلة على معاوية بن أبي سفيان (5)، وقبل ذلك
(7)
كة
انفصل الخريت بن راشد الناجي، عن الإمام علي وكان قد شارك في معارك الجمل وصفين، إلا انه اعتنق رأي أهل النهروان فرفض التحكيم وفارق
(T)
(1) الطبري، تاريخ، ج 3، ص 115. فروة بن نوفل يقال إن له صحبة مع رسول الله (ص) انظر: ابن حبان، محمد الثقات، ح 3، ص 330. ابن عبد البر، يوسف الاستيعاب، ج 3، ص ص 1260 - 1261. الطبري، المصدر السابق، ح 3، ص 122. (3) الطبري، المصدر السابق، ح 3، ص 173. هذا التسامح ليس غريباً على الإمام علي (رض) مع خصومه، ففي معركة صفين سمح لأهل الشام بالشرب من الماء بعد أن استولى عليه منهم رغم أنهم منعوه عنه عندما كان في أيديهم، فكيف بأهل النهروان وهم الذين كانوا جزءا من جيشه. انظر البلاذري، المصدر السابق، ح 2،
ص 314.
(4)
معمر، علي الإباضية، ح 1، ص 183. (0) المبرد، محمد، الكامل، ح 3، ص 1160.
(1) الخريت بن راشد الناجي (رض) من صحابة رسول (ص) كان رئيس قومه شهد مع الإمام علي (رض) حروبه، ثم فارقه لما وقع التحكيم، ثم أرسل اليه الإمام علي معقلاً الرياحي، فأوقع بهم. انظر: ابن حجر، أحمد، الإصابة، ح 2، ص 302. البلاذري، انساب، ح 2، ص 481. (1/62)
صفحة 63
49
الإمام علياً في ثلاثمائة من بني ناجية (1)، وكذلك وفي الوقت الذي كانت فيه
?
ركة النهروان كان بالكوفة زهاء ثلاثة آلاف
مع عبدالله بن وهب الراسبي (2).
ويبدو أن سبب
من المحكمة الذين لم يخرجوا
مقاتلة الإمام لأهل النهروان وانعطافه إليهم فجأة بدلاً
مقاتلة أهل الشام غير واضح تماماً، فالمصادر تكاد تجمع على أن سبب من
هذا التغير هو
مقتل
عبدالله بن بابه، على يد مسعر بن فدكي الذي
استعرض الناس حين قدم من البصرة إلى النهروان (3)، مما جعل الإمام علياً يتوجه بجيشه إليهم مطالباً إياهم بتسليم قتلة عبدالله بن خباب، إلا أنهـ ردوا عليه بقولهم كلنا قتلته (4)، فنشب القتال بين الطرفين. إلا أن هناك مصادر موثوقة تورد روايات بخلاف ذلك وفحواها أن مسعر بن فدكي لم يبق أو يقاتل في صفوف أهل النهروان، بل إنهم طردوه قبل المعركة حيث يقول الأشعري: "أن عبدالله بن وهب الراسبي زعيم أهل النهروان كره قتل عبدالله ابن خباب على يد مسعر بن فدكي (5)، فلهذا طرده، وهذه الرواية يؤكدها مصدر إباضي إذ يقول الشماخي: "أن أهل النهروان طردوا مسعر بن فدك
(0) 11
(1)
الطبري، تاريخ، ج 3، ص 137.
(2) انظر: البلاذري، انساب، ج 2، ص 485. المبرد، الكامل، ح 3، 1114.
(4) يشكك د. هشام جعيط في حادثة عبدالله بن خباب معتمداً على رواية في طبقات ابن سعد، فحواها أن عبدالله بن خباب سئل عن سنة وفاة أبيه فقال: سنة سبع وثلاثين، ويقول د. جعيط بأن هذا السؤال لا يمكن طرحه سنة 38 هـ ولا قبل بن خباب عاش طويلاً بعد سنة 60 هـ أو 70 هـ، وهذا يعني أ أن عبدالله
37 هـ. انظر: جعيط الفتنة. ص 230.
(1) انظر: ابن خياط، تاريخ، ص 117. الطبري، تاريخ، ج 3، ص 119. البلاذري، المصدر السابق، ح 2، ص
ص 361. ابن ا، الأثير، الكامل، ج 3، ص 215. الشماخي، السير، ح 1، ص 50.
(4) الطبري، المصدر السابق، ح 3، ص 120.
(5) الأشعري، مقالات، ص 43. (1/63)
صفحة 64
(1)
وهذا يفسر قول البلاذري: "أن
عندما علموا أنه قتل عبدالله بن خباب" مسعر بن فدكي قد لجأ إلى راية الأمان التي نصبها أبو أيوب الأنصاري قبل نشوب معركة النهروان (2)، وكذلك يورد أبو يعلى الموصلي رواية تقول: "فساروا حتى بلغوا النهروان، فافترقت منهم فرقة فجعلوا يهدون (يرهبون) الناس ليلاً قال أصحابهم: ويلكم ما على هذا فارقنا عليا" (3)، وهذا يعني أن سبب نشوب معركة النهروان الذي أوردته المصادر المختلفة حادثة قتل عبدالله بن خباب لم يعد قائماً ومبرراً بعد خروج مسعر بن فدكي وجماعته من صفوف أهل النهروان سواء كانوا قد طردوه، أم أنه قد لجأ إلى راية أبي أيوب الأنصاري، ففي الحالين هذا لنا أن حادثة مقتل عبدالله بن خباب
يعني
لم تكن السبب الذي من أجله قاتل الإمام علي أهل النهروان
فربما يكون لمعاوية بن أبي سفيان يد في نشوب هذه المعركة، فيبدو أنه استطاع لعب هذا الدور عن طريق بعض القادة الموجودين في صف الإمام كالأشعث بن قيس الذي يقول عنه الدكتور محمود إسماعيل بأنه هو
علي. الذي أوقع بين علي وبين أهل النهروان (4)، فالأشعث بن قيس كان والياً على أذربيجان فلما قدم الإمام علي الكوفة عزله وأمر بمحاسبته فغضب وكاتب معاوية (5)، ويقول البلاذري: "كان معاوية يقول: لقد حاربت عليا بعد صفين
بغير جيش ولا عناء" (1).
(1) الشماخي، السير، ح 1، ص 50.
(2) البلاذري، انساب، ح 2، ص 362.
(4)
) الموصلي، أحمد، مسند، ح 1، ص 366.
(4) إسماعيل، قضايا، ص 55.
(0) البلاذري، المصدر السابق، ح 2، ص 296. اليعقوبي، تاريخ، ح 2، ص 200.
(1) البلاذري، المصدر السابق، ح 2، ص 383. (1/64)
صفحة 65
فهذه الروايات تسوغ لنا أن نقول بأن الأشعث بعد عزله عن أذربيجان
أراد تفتيت جبهة الإمام علي لصالح معاوية بن أبي سفيان سواء كانت المبادرة منه أو بإيعاز من معاوية، الذي كان يهمه القضاء على وحدة جيش الإمام علي الله وإنهاك قوته، ولن يتحقق هذا إلا بنشوب القتال بين الإمام عليه وأهل النهروان الذين هم أعداء معاوية في نفس الوقت، وهو بهذا سيحقق هدفين: الأول: إضعاف جيش الإمام علي، وإنهاكه بإيقاع الفتنة بينه وبين أهل النهروان، ربما حزناً على قتالهم لإخوانهم وأبناء عمومتهم الذين انفصلوا عنهم من الكوفة (1)، والثاني: القضاء على أهل النهروان الذين ربما كانوا سيشكلون تهديداً لسلطة معاوية في المنظور البعيد (2).
إذن، استخدم الأشعث بن قيس نفوذه لدى الإمام علي له وحرضه على التوجه لأهل النهروان، وقتالهم بدلاً من التوجه إلى أهل الشام)، ويدو أن الأشعث لم يقم بهذا الدور وحده، فالطبري يورد الرواية التالية: "وبلغ علياً أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين ( ... ) فقال لهم الإمام علي: فدعوا ذكرهم وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكاً، ويتخذوا عباد الله
خولا (4)
وهذا يبين أن هناك جماعة من جيش الإمام عليه كانت تنادي بأن يتوجه لقتال أهل النهروان قبل أهل الشام وهذه الرواية يسردها الطبري قبلى
(1)
(T)
جعيط، الفتنة، ص 233. إسماعيل، قضايا، ص ص 48 - 64.
(2) الطبري، تاريخ، ج 3، ص 119. البلاذري، انساب، ح 2، ص 368.
(4) الطبري،
المصدر السابق، ح 3، ص 118. (1/65)
صفحة 66
52
عبدالله حادثة قتل
بن
يعني أن هناك خباب، مما
من يهمه القضاء على أهل
النهروان ويبدو أن معاوية له اتصالات متعددة بزعماء من جيش الإمام علي
(1)
في الكوفة عمل على مراسلتهم واستمالتهم، والظاهر من موقف الإمام علي بعد معركة النهروان أنه لم يكن راغباً في قتلهم، فالطبري يذكر أنه بعد المعركة دفن رجال من الناس قتلاهم، فقال الإمام علي حين بلغه ذلك: ارتحلوا إذا، أتقتلوهم ثم تدفنونم؟! فارحل الناس (2). وتوافق هذه الرواية المصادر الإباضية التي تقول: "إن الإمام عليّاً ندم على قتل أهل النهروان، وأخذ يقول: بئس ما صنعنا، قتلنا خيارنا وفقهاءنا، فبكى طويلا ثم قال: جدعت أنفي، وشفيت نفسي"
(3) "
وعلى ضوء ذلك يسوغ لنا القول بأن موقعة النهروان كانت خسارة للإمام علي بن أبي طالب له الذي ربما جرته الأحداث إلى اتخاذ قرار قالهم مثلما فعل في قرارات أخرى، منها قبوله بالتحكيم، وفوق ذلك فإنه لم يكن قوي يستدعي قتالهم وهم أنصاره وحلفاؤه)، فقد كان الرابح كة النهروان هو معاوية بن أبي سفيان الذي كان يقول: "قاتلت عليا بغير جيش ولا عناء)، وكان الخاسر فيها الإمام علي بن أبي
هناك
مبرر
الأول من معر
طالب اللبن الذي تفرق عنه جيشه، و لم يبق معه إلا القليل، حيث الأحداث فيما بعد لصالح معاوية أو ربما كما يريد، فقد تسلل جيش الإمام
(1)
البلاذري، أنساب، ج 2، ص 383.
(2) الطيري، تاريخ، ج 3، ص 123.
(31
القلهاني عماد الكشف، ج 2، ص 252. كذلك كان من ال الطبيعي أن توجه الإباضية أصبع الاتمام إلى
الإمام علي بن أبي طالب (رض).
(1) جعيط، الفتنة، من 232.
(3) البلاذري، المصادر السابق، ج 3، حسن (1/66)
صفحة 67
د
علي من معسكره، وتركه خالياً، و لم يبق معه سوى ثلاثمائة أو أقل من المقاتلة، فلما رأى الإمام ذلك، دخل الكوفة (1). وقد كان الاسم الذي لازم أهل النهروان في تلك الفترة هو الحرورية والمحكمة (3)، إلا أن عوض خليفات
يطلق عليهم اسم "القعدة (3)، ويبدو أنه من الصعب إطلاق هذا المصطلـ عليهم في تلك الفترة المبكرة، لأن مصطلح القعدة كان أوضح ظهور له في سنة (64 هـ /683 م)، خلال فترة انقسام المحكمة بعد عودة قادتها الفعللين سياسيا وعسكريا. من عند عبدالله بن الزبير، وافتراقهم إلى أربع فئات: الأزارقة، والنجدات، والصفرية والإباضية)، حيث كتب نافع بن الأزرق إلى من بالبصرة من الذين لم يخرجوا معه على الدولة الأموية بألا يكونوا قاعدين عن الجهاد في سبيل الله، مستشهداً بالآية الكريمة: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله "، ومن هنا جاءت تسمية القعدة لأطراف المحكمة الذين قعدوا في البصرة، و لم يخرجوا مع نافع بن الأزرق، فقد كتب نافع في رسالته إلى جادة بن عامر:"أما هؤلاء القعدة
فليسوا كمن ذكرت "
(3) 11
انظر: المسعودي، مروج، ج 2، ص 38، الطبري، تاريخ، ج 3، ص 123، البلاذري، انساب، ج 2،
3790
(2) البلاذري، المصدر السابق، ج 2، ص 383. الطبري، المصادر السابق، ح 3، في 209. المبرد، الكامل،
3، دي 1219.
(3) خليفات الإباضية، مر 65.
(4) انظر: الطبري، تاريخ، ج 3، ص 399. ابن الأثير، الكامل، ج 3، ص 471. الدرجيني، أحماد، طبقاب 2، ص 214. البرادي، أبو القاسم، الجواهر، مي ددا.
(د) القرآن الكريم، سورة النساء الآية 95. انظر: المبرد الكامل، ج 3، ص 1214.
(6) الطبري، المصدر السابق، ص 399. المبرد المصادر السابق، ج 3، ص 1214. (1/67)
صفحة 68
وربما يدل ذلك على أن تلك الحقبة الزمنية كانت الحقبة التي تبلور فيها
المصطلح بمعناه الحقيقي أكثر من أي وقت مضى، وقد رأى خليفات أن الإباضية والصفرية كانوا يشكلون معاً جماعة القعدة، ثم انقسموا بعد فترة لاحقة يحددها بعد عام (75 هـ / 694 م)، وأن عمران بن حطان كان الرئيس لجماعة القعدة، بعد أبي بلال مرداس بن أدية التميمي، إلا أنه بعد سجن حطان على يد الحجاج بن يوسف الذي أطلقه بعد فترة من عمران بن الوقت)، دار النقاش حاد بين جماعة القعدة حول موقف عمران حط
بن
ان
الذي رفض محاربة الحجاج وقال: "هيهات، غل يداً مطلقها، واسترق رقبة معتقها، والله لا حاربته أبداً" (*).
وعلى أثر هذا كان انقسام القعدة إلى إباضية، وصفرية، فاستاء عمران ابن حطان هذه النتيجة، وقرر ترك البصرة، واستقر في عُمان، ومات من فيها)، ولكن هذا الرأي لا يمكن قبوله من عدة وجوه، فمن الجهة الأولى: فإن المصادر تذكر أن جماعة المحكمة انقسمت إلى أربع فات: الأزارقة النجدات الصفرية، الإباضية سنة (64 هـ /683 م) (2)،، ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن الجزم بوجود تنظيم متماسك للمحكمة يرأسه شخص واحد، كما
(ه) هذه المقولة قالها أحد أصحاب قطري بن الفجاءة، عندما أمسك به الحجاج ثم عفا عنه، فقال له قطري: عاود قتال الحجاج، فقال: هيهات غل يداً مطلقها واسترق رقبة معتقها، ثم قال:
أأقاتل الحجاج في سلطانه بيد تقر بأنها مولاته
إني إذن لأخو الدناءة والذي عفت على إحسانه جهلاته
انظر: الصولي، محمد، أخبار، ص ص 205 - 106. ابن عساكر علي ح 4، ص 66. وقد علق د. إحسان عباس على نسبة هذه الأبيات لعمران بن حطان خطأ، بقوله: " ولست أرى هذه الأبيات تتفق وروح.
وسلو که عامة، انظر: ديوان شعر الخوارج، ح 2، ص 187.
(")
خليفات الإباضية، ص ص 72 - 74.
(2) الطبري، تاريخ، ج 3، ص 98. المبرد الكامل، ج 3، ص 1203. القلهاتي، الكشف، ج 2، ص 471.
ان (1/68)
صفحة 69
بن
حطان
رأى خليفات الذي يبدو أنه تأثر بالرواية التي تقول بأن عمران. كان رئيس القعد في البصرة، والتي نسبها إلى المصادر الإباضية)، رغم أنا
وردت عند الدرجيني الذي رواها عن المبرد حيث قال: "قال المبرد: كان عمران بن حطان رأس القعد وخطيبهم وشاعرهم (2)، إلا أن نص الرواية عند المبرد هو: "عمران بن حطان الشيباني كان رأس القعد من الصفرية وخطيبهم (3)، كذلك لم تذكر المصادر أن الحجاج بن يوسف قد
وشاعرهم
عمران
بن
حطان، بل إنها تذكر أنه طلبه، فهرب منه متنقلاً
بين القبائل حتى استقر في عُمان، فعلم الحجاج به، فكتب إلى أهل عُمان، فهرب حتى أتى قوماً من الأزد، فلم يزل فيهم حتى مات (4)، ومن جهة أخرى: فإن المصادر القعدة الصفرية (5)، إلا أنها لا تذكر
المختلفة تعد عمران بن حطان
زعيم
من
سنة محددة لرئاسته تلك، ويبدو أنه تزعمها بعد عام (64 هـ/683 م) بفترة قصيرة أثناء تلقي عبدالله بن صفار للعلم على يديه في البصرة، حيث أصبح عمران شاعرها المنافح عنها وخطيبها ومفتيها في شؤونها المختلفة (6).
(1)
(2)
خليفات الإباضية، ص 72.
الدرجيني
طبقات، ج 2، ص 227. يبدو أن الدرجيني أسقط سهواً كلمة الصفرية في نقله عن المبرد، لذلك
كان خطل رأي د. خليفات.
(3)
(4)
انظر: المبرد الكامل، ج 3، ص ص 1082 - 1083.
انظر: الأصفهاني أبو الفرج، الأغاني، ح 8، ص 331. المبرد، المصدر السابق، ج 3، ص 1088. () الجاحظ، عمرو، البيان، ح 1، ص 47. الأشعري، مقالات ص 34. البغدادي، عبد القاهر، الفرق،
ص 72.
(1) الجاحظ، المصدر السابق، ح 3، ص 265. الأصفهاني، المصدر السابق، ح 8، ص 33. (1/69)
صفحة 70
الإمام جابر بن زيد الأزدي وعلاقته بأبي بلال مرداس بن أدية التميمي: لم يتفق الباحثون المحدثون على تحديد الفترة التي بدأت فيها علاقة
الراسبي
((1)
أن. ويبدو
سبب
الإمام جابر بن زيد بالمحكمة، فمنهم من يرجعها إلى زمن. عبدالله بن وه، ومنهم من يحصرها في إبان ولاية عبيد الله بن زياد للعراق (2)، هذا الخلاف هو عدّهم المحكمة الذين كانوا في البصرة، وعلى رأسهم أبو بلال مرداس بن أدية التميمي (3)، تنظيماً حزبياً كالذي ظهر بعد انقسام المحكمة، ولذلك اعتبروا أن الإمام جابر بن زيد قد انضـ م إلى هذا التنظيم، والظاهر أنهم استندوا إلى بعض المصادر الإباضية، التي تظهر وجود علاقة حميمة بين الإمام جابر بن زيد الأزدي، وأبي بلال مرداس بن أدية التميمي، والواقع أن الصداقة التي ربطت بين الاثنين كانت على قدر كبير من العمق والمتانة: فقد كان أبو بلال مرداس بن أدية، يخرج من عند الإمام جابر ابن زيد بعد العتمة، فيأتيه قبل الفجر، فيقول له الإمام جابر بن زيد: "لقد شققت على نفسك، فيقول له أبو بلال: "والله لقد طالما هبت نفسي. شوقاً إلى لقائك حتى آتيك (4)، فلذلك ليس من المستغرب أن يشاور أبو بلال بن
(1) الصوافي، صالح، جابر، ص 149.
(2)
خليفات الإباضية، ص 91.
(2) مرداس بن حديد بن عامر الحنظلي التميمي (أبو بلال، ويقال له مرداس بن أدية وهي أمه، أو جدته شهد ركة صفين مع الإمام علي (رض) وأنكر التحكيم، وشهد النهروان ونجا من الموت؛ فلجأ إلى البصرة عند زعيم قبيلة الأحنف بن قيس التميمي، سجنه. عبيدالله بن زياد في الكوفة، ثم أخرجه، ولما رأى ظلم بن زياد هرب في ثلاثين أو أربعين من أصحابه، معلناً للناس بأنه لم يخرج ليفسد في الأرض ولا ليروع أحداً، وأنه لا يقاتل إلا من قاتله؛ فوجه إليه عبيد الله بن زياد جيشاً، فهزمه أبو بلال، ثم وجه إليه جيشاً آخر بقيادة عباد المازني الذي غدر بأبي بلال وأصحابه في صلاتهم بعدما وعدهم بأنهم آمنون حتى ينتهوا منها، فقتلهم جميعاً، انظر: المبرد الكامل، ج 3، ص ص 1174 - 1180. الطبري، تاريخ، ج 3، ص ص 254 - 344. القلهاتي، الكشف، ح 2، 478. الشماخي، السير، ح 1، ص 64.
(1) الأزكوي، سرحان، الجامع، ورقة 237 د. (1/70)
صفحة 71
57
أدية صديقه الإمام جابر بن زيد، في هروبه من تحت حكم عبيدالله بن زياد
(56 - 64 هـ / 675 - 683 م (1).
ورغم هذه الصلة الحميمة بين الاثنين لا يمكن وصف تلك العلاقة بأنها كانت علاقة تنظيمية ربطت بين الاثنين، كما تذهب إليه المصادر الإباضية،
حيث يقول الرقيشي: "بلغنا أن أبا بلال مرداس بن أدية وغيره من أئمة
(2)
المسلمين لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم جابر بن زيد، وكذلك يورد
عبيد الله
الأزكوي رواية فحواها: "أن أبا بلال لما أراد الخروج من البصرة بسبب أفعال بن زياد، كتب إلى الإمام جابر بن زيد يشاوره ... وكان أئمة، فهذه الروايات لا يمكن الركون إليها كثيراً
المسلمين لا يخرجون إلا برأيه (3)،
لعدة أسباب:
فمن الجهة الأولى: إن لفظ "يخرجون" الذي ورد عند د الرقيشي والأزكوي، ليس واضحاً تماماً، ولا يفيد الجزم بوجود تنظيم للمحكمة، ولذلك فإن الذي يفهم من هاتين الروايتين هو أن أبا بلال استشار صديقه
(4)
الإمام جابر من زيد في هروبه (4) من حكم عبيد الله بن زياد، وهو ما تؤكده رواية أخرى يوردها الأزكوي، ويقول فيها أبو بلال مرداس عندما أراد الهروب: "ألا وأني قاطع البحر وخارج إلى عُمان وماض إلى مكة فأقيم ها)، فلفظ "خارج" هنا يفيد أو يعني الذهاب إلى عُمان، وبعدها
(1) الأزكوي، الجامع، ورقة 237 ب.
(2) الرقيشي، احمد، مصباح، ورقة 38.
(3) الأزكوي، المصدر السابق، ورقة 237 ب.
(1) انظر: حادثة هروب أبي بلال مرداس عند الدرجيني -، يقول أبو بلال: "أريد أن أهرب بدين وأديان
أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة"، ج 2، ص 218.
(ه) الأزكوي، المصدر السابق، ورقة 238 ب. (1/71)
صفحة 72
الاستقرار في مكة فكان بذلك وبحكم الصداقة التي ربطت بين الصديقين أن أخذ رأيه في هذه الأمر ويبدو أن الشطر الآخر من الرواية: " وكان أئمة المسلمين لا يخرجون إلا بأمر إمامهم جابر بن زيد" أو " لا يخرجون إلا برأيه"، فيه مبالغة من المؤرخين أنفسهم، وخاصة أن هذين المصدرين (الرقيشي والأزكوي) متأخران كثيراً عن هذه الأحداث.
جهة أخرى: فإنه لو كان هناك تنظيم قائم للمحكمة يرأسه الإمام و من جابر بن زيد، لما كان لنافع بن الأزرق أن يخرج دون استشارة زعيم هذا التنظيم، عندما رجع من الحجاز مع باقي أطراف المحكمة ... ، حيث لم تبين لنا المصادر المختلفة بما فيها الإباضية أي دور للإمام جابر ابن زيد في تلك اللحظة، بل خطبهم - أي المحكمة - نافع بن الأزرق، ثم قرر الخروج من البصرة، ومحاربة الدولة الأموية عسكرياً (1).
أما عبدالله بن إباض، فيورد البرادي أنه أراد أن يلحق به، لولا أنه سمع الأذان والتسبيح من أهل البصرة، فقال: أعلى هؤلاء أخرج؟ فرجع (2)، فلو كان هناك تنظيم متماسك للمحكمة يرأسه الإمام جابر بن زيد لاستشـ نافع بن الأزرق، وعبدالله بن إباض، أما رواية الشماخي التي تتحدث عن جلد أبي سفيان قنبر فلا يمكن أن تحمّل ما لا تحتمل (3)، لأن الرواية هذه لا
ــاره
(1)
(T)
الطبري، تاريخ، ج 3، ص 395.
البرادي، الجواهر، ص ص 155 - 156.
(7) ينقل الشماخي عن المؤرخ الإباضي أبو سفيان محبوب بن الرحيل: " كان أبو سفيان قنبر شيخاً كبيراً آخذ وجلد أربعمائة سوط على أن يدل على أحد من المسلمين فلم يفعل قال: جابر بن زيد: وكنت قريباً منه وما كنت انظر إلا أن يقول هذا هو فعصمه الله ". انظر: الشماخي، السير، ج 1، ص 86. ولا يظهر في الرواية هنا أي ذكر لعبيد الله بن زياد كما زعم خليفات الذي اعتمد على نفس الرواية وعن الشماخي. (1/72)
صفحة 73
تشير إلى أن الحادثة وقعت في زمن عبيد الله بن زياد، كما زعم خليفات (1)، وحتى لو افترضنا صحة هذا الزعم، فإن عبيد الله بن زياد كان يأخذ كل من يرى رأي المحكمة، المعتدل أو المتطرف على السواء)، ونظراً لهذه السياسة، فقد كان مصدر خوف الإمام جابر بن زيد هو من أن يعترف أبو سفيان عليه، ولا يعني هذا وجود تنظيم للمحكمة يرأسه هو، ولذلك فإنه يمكننا القول بأن الرجلين قد ارتبطا بعلاقة صداقة يجمعهما بها الموقف العام من الدولة الأموية، والاعتدال في العقيدة والرأي ولا يمكن الجزم بوجود علاقة تنظيمية بينهما.
كذلك يسوغ لنا القول بأن الإمام جابر بن زيد لم يكن زعيماً تنظيمياً للمحكمة، لأن المحكمة نفسها لم تشكل تنظيمياً حركياً له زعيم واحد، بل كانت بما يشبه تياراً فكرياً عاماً، يضم الكثيرين من العلماء والتابعين، كالإمام جابر بن زيد الأزدي، وأبي بلال مرداس بن أدية، وعكرمة مولى ابن عباس، وعمران بن حطان (3)
الإمام جابر بن زيد الأزدي وعلاقته بعبدالله بن إباض
اختلف الباحثون في طبيعة العلاقة بين الإمام جابر بن زيد الأزدي وعبدالله بن إباض فمهدي هاشم يقول: "إن الجماعة المعتدلة من المحكمة الأوائل، أوعزت إلى عبدالله بن إباض، ليكون المتكلم والمناظر المعبر عن وجهة نظرهم المبدئية، وإن قيادة التنظيم السري كانت بيد جابر بن زيد (4)، أما
(1)
انظر خليفات، الإباضية، ص 91.
:
(2) انظر: المبرد، الكامل، ج 3، ص ص 1174 - 1175.
) الجاحظ، البيان، ج 1، ص 47. ابن حجر، تهذيب، ج 2، ص ص 243 - 248.
(4) هاشم، الإباضية، ص ص 53 - 54. (1/73)
صفحة 74
7.
لاندن فيذهب إلى أن عبد الله بن إباض، هو مؤسس المذهب الإباضي أيام ولاية الحجاج بن يوسف للعراق (1)، دون أن يشير إلى أية علاقة بين جابر بن زيد، وعبدالله بن إباض، ويرى خليفات: أن الإمام جابر بن زيد الأزدي كان الإمام الروحي، وفقيه الإباضية، ومفتيهم، ومبلور فكرهم و م وكان عبدالله إباض المسؤول عن الدعوة والدعاة في شتى الأقطار (3)، ويذهب بكوش: إلى أن عبدالله بن إباض قام بالتوجه إلى الحجاز، للوقوف مع عبدالله بن الزبير ضد الأمويين، بصفته تابعاً تنظيمياً للإمام جابر بن زيد، وإلى أنه الذي أرسله هو
إلى هناك (3)
بن
أما الذي يبدو لنا، فهو أن قادة المحكمة بعد رجوعهم من الحجاز، ودخولهم البصرة، وانهيار سلطة عبيد الله بن زياد وقع الانقسام بينهم- وهم القادة الفعالون سياسياً وعسكرياً - إلى أربعة آراء أو فئات: نافع بن الأزرق (الأزارقة) ونجدة بن عامر (النجدات) وعبدالله بن إباض (الإباضية فيما بعد) وعبد الله بن صفار) الصفرية فيما بعد. وعلى إثر هذا الانقسام قام نافع بن الأزرق بالتوجه إلى أطراف الدولة الأموية، وإعلان الحرب عليها (4)، أما كل من عبدالله بن إباض، وعبد الله بن صفار فقد بقيا في البصرة، ويبدو أنهما قد قصدا تلقي العلم عن بعض العلماء الذين كانوا يرون رأي المحكمة، والذين لم يكونوا بارزين سياسياً وعسكرياً، كالإمام جابر بن زيد الأزدي، وعمران ابن حطان السدوسي (5)، فقامت على إثر ذلك علاق
(1)
(T)
لاندن،
عُمان
روبرت
ص 55.
خليفات الإباضية، ص 80.
) بكوش، يحيى، ندوة، ص 292.
(4) الطبري، تاريخ، ج 3، ص ص 399 - 424.
(2) انظر: زيهر جولد، العقيدة، ص 172. عمر، المؤرخ، ص 172. نقلاً عن: هاشم، الإباضية، ص 63. (1/74)
صفحة 75
61
قوية (1)،، بينهم أي بين ابن إباض وابن صفار من جهة، والإمام جابر بن زيد وعمران بن حطان من جهة أخرى أدت إلى قيام حزبين منظمين، الأول هو التنظيم الذي عرف فيما بعد، بالإباضية، والثاني هو التنظيم الذي عرف فيما بعد بالصفرية، وقد كان على رأس الأول الإمام جابر بن زيد، وعلى رأس الثاني الشاعر والفقيه عمران بن حطان السدوسي.
ويبدو
أن الذين أطلقوا تسمية الإباضية والصفرية قد نسبوها إلى الذين برز دورهم عند ظهور انقسام المحكمة، فهي تسمية مقترنة بموقف نشأ عنه أربعة آراء، إلا أنهم لم يلاحظوا النتيجة التي تمخضت عنها هذه الآراء، فنافع ابن الأزرق، ونجدة بن عامر، ظهر تنظيمهما لحظة الانقسام، وكان كلاهما مؤسساً لتنظيم قائم في تلك اللحظة، ولذلك لم يقع لبس أو غموض في تأسيسهما لهاتين الحركتين (الأزارقة - والنجدات)، أما عبدالله بن إباض، وعبد الله بن صفار، فلم يشكلا تنظيمين لحظة الانقسام، بل عبرا عن رأيهما بخصوص رأي نافع بن الأزرق في المسلمين المخالفين له، وتفرقا بعد ذلك في البصرة)، واختفى صوتهما وذكرهما، ولكنهما بقيا في أذهان الناس بسبب موقفيهما من نافع بن الأزرق، وجعل الناس من وجهتي نظرهما هاتين إعلاناً عن حزب قائم منظم، مما سبب الخلاف حول من هو مؤس الإباضية والصفرية) حيث يقول دلافيدا عند حديثه عن مؤسس الصفرية: "إن الغموض يحيط به"، ثم ينقل عن البغدادي: إن الصفرية يقولون إن أول أئمتهم هو
س
(1) ومما يؤيد وجهة النظر هذه أن القلهاتي عندما يتحدث عن عبدالله بن إباض ودوره، فقول عنه " رفع المذهب عن أبي الشعثاء جابر بن زيد، مما يعني أنه بالفعل قد تتلمذ على يد جابر زيد إنظر: القلهاتي، الكشف، ج 2،
ص 471
(2) الطبري، تاريخ، ج 3 ص ص 399 - 400 (1/75)
صفحة 76
62
عمران بن حطان (1). إذن، لا يذكر الصفرية عبدالله بن صفار كأول إمام لهم، بل اعتبروا عمران بن حطان هو الإمام المؤسس، وهو ما تؤكده المصادر
المختلفة.
بره
والحال نفسها تنطبق على الإمام جابر بن زيد الأزدي، الذي يعتـ الإباضية إمامهم ومؤسس حركتهم (3)، لذلك يسوغ لنا القول بأن هناك فرقاً
بين إبداء عبدالله بن إباض، وعبدالله صفار لرأيهما في موقف نافع الأزرق بن
من
المسلمين المخالفين له فيما بعد أما دور عبدالله بن إباض بعد تأسيس هذا التنظيم على يد الإمام جابر بن زيد، فإنه لم يظهر له أي ذكر علني يذكر، وهذا ينطبق على الإمام جابر بن زيد الذي كان ينتهج أسلوب الكتمان، وهو أسلوب أصبح من أسس الفكر الإباضي فيما بعد، حيث نجد إمامة الكتمان أو إمامة الدين تظهر في فترة الصراع مع الحكام الجبابرة - من وجهة نظر الإباضية وتصبح من أقسام الإمامة، أو مسالك الدين عندهم (3)، وهذا الأمر يفسر لنا المعلومات عن. هذه الفترة بوجه عام، وعن علاقة الإمام جابر بن زيد بعبد الله ابن إباض بوجه خاص، حيث كانت رحلة التقية والاستضعاف، التي أخذ يضع فيها الإمام جابر بن زيد أسس هذه الحركة ويبنهما على قواعد متينة (4)، ولذلك فإننا لا نوافق – لاندن- الذي رأى أن عبدالله بن إباض هو مؤسس
تأسيس وبين حزب منظم – كالإباضية، و الصفرية
سبب قل
(1) انظر (2) G.Dell A VIDA, "AL- sufriya", E. I.
(2) ابن سلام، شرائع، ص 108. القلهاتي، الكشف، ج 2، ص 478، ج 2، ص 205. (3) انظر: هاشم، الإباضية، ص 290. عمر، التاريخ، ص 21. خليفات التنظيمات، ص 4. جهلان
الإباضية، ص 148. الحارثي، الإمامة، ص 26.
(4) قارن هاشم، الإباضية، ص 71 خليفات، الإباضية، ص 92. (1/76)
صفحة 77
63
المذهب الإباضي (1)، ولا الدكتور عليان الذي قال: "إن المصادر الإباضية القديمة كالدرجيني، والبرادي، اعتبرة عبدالله بن إباض مؤسس الفرقة الإباضية ... غير أن المؤرخين الإباضيين المتأخرين يعطون لابن إباض دوراً ثانوياً في نشأة الإباضية (2).
أما بيان ذلك، فمن الجهة الأولى، فإن أقدم مصدر تاريخي إباضي هو (شرائع الدين) يعتبر أن الإمام جابر بن زيد إمام الإباضية الأول أو المؤسس، دون ذكر لعبدالله بن إباض بتاتا (3)، كذلك يصف القلهاتي -وهو متقدم على الدرجيني والبرادي- عبدالله بن إباض بإمام المسلمين، وبأنه أول من بين ونقض اعتقادات المعتزلة، والخوارج، والشيعة إلا إنه يجعله بعد هذا الوصف تابعاً، ومتلقياً عن الإمام جابر بن زيد (4).
ومن جهة أخرى فإن كلاً من الدرجيني، والبرادي قد اعتبر الإمام جابر بن زيد الإمام المؤسس، الذي على يديه قام كيان الإباضية)، قبل أن يمدحا عبدالله بن إباض، ويجعلاه إمام القعد (1)، ويبدو لي أن هذه المصادر قد عملت على غير قصد منها - على إعطاء صورة مشوشة عن الإمام جابر بن زيد، وعبدالله بن إباض، مما أوقع الباحثين المحدثين في هذا التضارب الحاصل حول دور الإمام جابر بن زيد وعبدالله بن إباض في تأسيس هذه الحركة، وربما كان السبب في ذلك أن هذه المصادر كانت متأخرة كثيراً عن هذه
(1) لاندن، عُمان، ص 55.
(2) عليان، محمد، الإباضية، ص ص 96 - 97.
) ابن سلام، شرائع، ص 108.
(4) القلهاتي،
الكشف، ج 2، ص 471.
(5) الدرجينى، طبقات، ج 2، ص ص 205 - 214. البرادي الجواهر، ص 155
(1) الدرجيني
المصدر السابق، ج 2، ص ص 205 - 214. البرادي، المصدر السابق، ص 155. (1/77)
صفحة 78
64
الأحداث، فعندما أرخت لهذه الحقبة، وجدت أن عبدالله بن إباض قد كان له دور عند حدوث انقسام المحكمة، كذلك وجدت أن الإمام جابر بن زيد هو الإمام المؤسس، فعملت على مدح كل واحد منهما بعبارات متقاربة، وموهمة في نفس الوقت.
وهنا يسوغ لنا القول بأن عبدالله بن إباض قد انضوي تحت قيادة الإمام جابر بن زيد وأصبح من أتباعه وربما أصبحت له مسؤولية تنظيمية في هذا التنظيم الجديد، لكن المصادر لا تعطينا صورة واضحة عن هذه المسؤولية، بلى اكتفت بقولها: إنه كان يصدر عن الإمام جابر بن زيد في رأيه. وهناك من الباحثين من يعتبر عبدالله بن إباض المتكلم الرسمي باسم الإباضية، والمتحدث المنافح عنها ()، وربما اعتمد هؤلاء على الروايات الإباضية، التي اعتبرت ابن إباض متحدثاً يدافع عن عقائد الإباضية ضد الجماعات الأخرى (2)، وعلى الرواية الإباضية أيضا التي تنقل مراسلات عبدالملك بن مروان مع عبدالله إباض (3)، إلا انه لا يمكن التعويل كثيراً على هذه الروايات لعدة أسباب:-
بن
فمن الجهة الأولى: فإننا لا نعثر في المصادر الإباضية على أي أثر فقهي أو عقائدي لعبدالله بن إباض، أو أي محاورة مع أية جماعة أخرى بعد إقامته في البصرة، ومن جهة أخرى فإن الرسائل التي جرت بين عبدالملك بن مروان وعبدالله بن إباض، كانت من طرف عبدالملك أولاً -حسب ما تذكر المصدر الإباضية - فهو الذي بدأ بمخاطبة عبدالله بن إباض، نظراً لشهرته السابقة
(1) انظر: هاشم، الإباضية، ص ص 53 - 54. خليفات، الإباضية، ص 79.
(2) القلهاتي،
الكشف، ح 2، ص 471. الدرجيني، طبقات، ح 2، ص 205.
) السير والجوابات (مخطوط)، ورقة 33 ب- 53 ب. البرادي، الجواهر، ص ص 155 - 156. (1/78)
صفحة 79
ويبدو أن عبدالملك أراد الكشف عن نوايا ابن إباض وربما أراد استمالته (1)، وهذا لا يعنى بأية حال أن عبدالله بن إباض كان المتحدث باسم الإباضية (2)، ويبدو لي أن اختفاء ذكر عبدالله بن إباض كان بسبب سياسة الكتمان الي أرساها الإمام جابر بن زيد، ولذلك لم يُعرف الدور الحقيقي الذي لعبه عبدالله ابن إباض داخل هذه الحركة بعد تأسيسها على يد الإمام جابر بن
زيد (3)
بالرغم مما سبق جميعا فإن هناك بعض المصادر التي تظهر الإمام جابر بن زيد متبرثا من الإباضية، فقد روى ابن سعد في طبقاته عدة روايات ينكر فيها الإمام جابر بن زيد علاقته بالإباضية، وبالخوارج، إلا أنه أيضا يورد روايات أخرى عن نفس الرواة ليس فيها براءة جابر بن زيد من الإباضية (4).
على أننا نجد عالماً معاصراً لابن سعد يقدح في هذه الروايات التي يتبرأ فيها الإمام جابر بن زيد من الإباضية، والخوارج، إذ نجد يحيى بن معينوهو من كبار علماء الجرح والتعديل يصرح ببطلانها، فهو يعلق على الرواية التي يرويها أبو هلال) عن جابر: أنه يبرأ من رأي الخوارج، وعلى ما بلغه عن عكرمة مولى ابن عباس: أنه كان لا يقول برأي الخوارج، بقوله: "وهذا باطل (0) ويبدو أن ابن معين كان مثبتاً من معرفته بجابر وعكرمة، فقد أورد
(1)
(2)
عمر، ملامح، المؤرخ، ص 172، نقلا هاشم، الإباضية، ص 63.
هاشم، المرجع السابق، ص 53.
(1) انظر: الحديث عن انقسام المحكمة.
(1) ابن
سعد، طبقات، ح 7، ص ص 181 - 182.
(*) أبو هلال أحد رواة ابن سعد الذين رووا عن الإمام جابر بن زيد براءته من الإباضية، واضح أنه.
بالخوارج في الرواية التي ذكرها ابن معين الإباضية.
(ه) ابن معين يحيى، التاريخ، ح 3، ص 106. (1/79)
صفحة 80
عنه ابن حجر قوله: "كان جابر إباضياً، وعكرمة صفريا (1)، وتعليق ابن معين على رواية أبي هلال ينسحب على سائر الروايات التي تنفي صلة جابر بن زيد بالإباضية، لأن مجال نقد ابن معين إنما هو فحوى تلك الرواية، وعلى ضوء ما قاله ابن معين فإنه لا يمكن التعويل على رواية ابن سعد، وجعلها مستنداً لنفي صلة الإمام جابر بن زيد بالإباضية كما فعل عليان (2)، ومن جهة ثانية فإن الواقع التاريخي يدل بوضوح على علاقة الإمام جابر بن زيد بالحركة الإباضية وقيادته لها، فتلاميذ الإمام جابر المقربين منه كان أكثرهم من كبار زعماء الإباضية وأئمتهم فيما بعد، أمثال: أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والربيع بن حبيب، وضمام بن السائب وصحار العبدي، وجعفر بن وأبي نوح صالح الدهان ... (3)، وكذلك فإن آراء الإمام جابر بن زيد الفقهية في شتى المجالات معتمدة عند الإباضية)، ومن جهة ثالثة: فإن المصادر الإباضية تجمع على أن الإمام جابر بن زيد إمامها ()، ويتضح لنا هذا أيضاً، خلال رسائله التي أرسلها إلى دعاته مما يدل على وجود صلة تنظيمية تربطه بهم وهذا ما يظهر في آخر رسائله فهو يطلب من أتباعه أن يمحوا
من
(1) ابن حجر، تهذيب، ح 2، ص 38.
السماك،
(2) عليان الإباضية، ص 141، ومما دعم به الدكتور عليان رأيه: أنه لو ثبت لدى يحيى معين كون جابر إباضياً لما وثقه، معتمداً في ذلك على أن المحدثين لا يوثقون من ثبتت بدعته، باعتبار الإباضية في نظره مبتدعة وهذا في الحقيقة يخالف ما قرره المحدثون في هذه القضية، فهذا أبو داود يقول في الوليد بن كثير: "ثقة إلا أنه إباضي" ابن حجر، الساري، ص 628، بل أن ابن معين نفسه وثق أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والربيع بن حبيب إمامي الإباضية بعد جابر بن زيد انظر ابن معين التاريخ، ح 4، ص 249. ابن حنبل، ح 2، ص 492، وقال عن عكرمة: "أنه ثقة مع قوله: "إنه كان ينتحل الصفرية"، ابن حجر، الساري، صص
7.1 - 09 A
(3) ابن حنبل، العلل، ج 3، ص ص 11 - 12. (4) الخليلي، مقابلة، مسقط.
أحمد العلل
(5) انظر: ابن سلام، شرائع، ص ص 108 - 110. القلهاتي، الكشف، ح 2، ص 478. الدرجيني، طبق ح 2، ص 205. الشماخي، السير، ح 1، ص 67. (1/80)
صفحة 81
كتبه، وأن لا يذكروا اسمه "انظر أمتع الله بك، وغفر لنا ولك، ما كتبت إليك من كتاب فامحه (1)،، واعلم أنك أصلحك الله بأرض أكره أن تذكر لي فيها اسماً فلا ترو شيئا مما كتبت إليك" (2).
(1) الأزدي، رسالة 14، ورقة: 14 ب. (2) المصدر السابق، رسالة 11، ورقة: 12 ب.
67 (1/81)
صفحة 82
/ (1/82)
صفحة 83
الفصل الثاني الإمام جابر بن زيد: نشأته
و
علاقته بعلماء عصره (1/83)
صفحة 84
/ (1/84)
صفحة 85
71
مولد الإمام جابر بن زيد ونشأته
هو جابر بن زيد الأزدي، اليحمدي الجوفي العُماني، كان مولده في فرق وهي منطقة قريبة من نزوى بعُمان (1)، ولا تفصل المصادر أكثر من ذلك عن نسبه، ويحتمل أن يكون والده صحابياً، حيث يذكر الجصاص رواية عن
صيد ..
"1
جابر بن زيد أبي الشعثاء عن أبيه قال: "سئل النبي ع عن محرم أتى بلحم (2)، مما بأن والده كان حاضراً. يوحي عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمع منه ذلك الحديث، فكان بذلك من صحابته، وهو ما ذهب إليه الدكتور بكوش (3)، أمد سنة مولده فإن المصادر المتقدمة لا تذكر لنا شيئا عنها، إلا أن بعض المؤرخين المتأخرين كالبرادي والشماخي يذكران سنة مولده حيث يجعلها (الأول في سنة 18 هـ 639 م) (4)، دون أن يذكر المصدر الذي اعتمد عليه في تحديد هذه السنة، ويجعلها الثاني سنة (22 هـ / 642 م) (5)، دون أن يذكر أيضا
المصدر الذي نقل عنه، أو السبب الذي دعاه إلى حصرها في تلك السنة.
وليست لدينا معلومات مفصلة عن نشأة الإمام جابر بن زيد، في بداية حياته، ويبدو أن هذا الأمر لم يختص به الإمام جابر بن زيد وحده، بل إنه ينطبق على كثير من العلماء الآخرين، حيث إننا لا نجد لهم سنوات ولادة محددة، أو معلومات مفصلة عن نشأتهم الأولى، وعلى العكس من ذلك فإننا
(1) انظر: ابن خياط خليفة طبقات، ج 1، ص 502. البخاري، محمد التاريخ، ج 2، ص 204. ابن دريد، محمد، الاشتقاق، ص 506. المزي، جمال الدين، تهذيب ح 4، ص 334. الذهبي، شمس الدين، المعين، ص 37.
ابن حبان، محمد، مشاهير، ح 4، ص 101. (2) الجصاص، أحمد، أحكام، ح 2، ص 481. (3) بكوش، يحيى، فقه، ص 12.
(4) البرادي، أبو القاسم، الجواهر، ص 155.
(5) الشماخي، أحمد، السير، ح 1، ص 72. (1/85)
صفحة 86
72
نجد سنة وفاتهم أكثر ضبطاً وتحديداً، ويعود ذلك إلى أن العالم يكون قد اشتهر أمره فتكون بذلك وفاته معلومة لدى الناس، ويذهب النامي إلى أنه من المحتمل أن تكون عائلة الإمام جابر بن زيد الأزدي قد وصلت البصرة مع الجيش الذي شكله عثمان بن أبي العاص لقتال الفرس الساسانيين وأن الشخص الذي قتل القائد الفارسي (شهرك) من نفس عائلة الإمام جابر بن زيد واسمه جابر بن حديد اليحمدي)، والنامي يستند في رأيه هذا على نور الدين السالمي الذي يبدو أنه قد أخذها عن العوتي الذي أو ردها بالتفصيل في أنسابه، فيكون بذلك الإمام جابر بن زيد قد قدم البصرة مبكراً منذ بداية هجرة الأزد إليها للاستقرار فيها مع بداية الفتوح الإسلامية في العراق (2)، بناء على ذلك فإننا لا نوافق الذين ذهبوا إلى أن الإمام جابر بن زيد كان قد جاء للبصرة طلباً للعلم (3). أما وفاته فكانت في البصرة أيضا سنة (93 هـ / 711 م) (4).
شخصية الإمام جابر بن زيد:
اتصف الإمام جابر بن زيد بخصال متعددة جعلت منه عالماً، وقائداً متميزاً: فالدهاء السياسي، من الصفات التي تميز بها عن غيره، فمن حيث المظهر الخارجي لا يمكن تمييزه عن غيره من الناس، بل إن الناظر إليه يقول: إنه لا يحسن شيئاً (5)، وهذه الصفة أكسبته فرصة للتحرك داخل المجتمع، دون
(1) انظر: السالمي، نور الدين، تحفة، ح 1، ص 68.
(2) قارن 35. Ennami, op, ct, pp
(3) خليفات، عوض، الإباضية، ص 86. الحارثي، سالم العقود، ص 94. الصوافي، صالح، جابر، ص 32. (4) البخاري، التاريخ، ح 2، ص 204. بن حبيب الربيع، المسند، ص 193. ابن خياط، طبقات، ح 1، ص 502. ابن حبان مشاهير، ص 89. الذهبي محمد، سير، ح 4، ص 483.
(5) البخاري، التاريخ، ح 2، ص 204. (1/86)
صفحة 87
73
جلب النظر إليه من السلطة الأموية، أو من أي عدو له، ومن جهة أخرى فإنها تدل على مدى حرصه وحذره، كذلك هو قادر على الإفلات والمراوغة من رقابة السلطة الأموية بوسائل لا تجلب الريبة، والشك، فقد كان كثير الحج، حيث يستطيع أن يلقى أتباعه وأعوانه في الأمصار المختلفة، دون أي عائق، ففي هذا الموسم الذي هو اجتماع للمسلمين من مختلف البقاع يمكنه التحرك، والاتصال بمن يشاء، بحرية تامة (1)، والإمام جابر بن زيد يفهم واقعه السياسي والاجتماعي الذي يعيش فهو يهتم بعشيرته الأزد التي كانت تشكل ثقلاً سياسياً واجتماعياً داخل البصرة، ناشراً دعوته بين أفرادهـ (2)، كذلك هو قادر على فهم نفسيات الناس وكسبهم لجانبه، من خلال اقتناصه للفرص المتعددة (3).
و تبرز شخصية الإمام جابر بن زيد الحازمة تجاه التصرفات التي قد تهدد جماعته، فهو يحذر أتباعه من الخلاف والتنازع الذي قد يؤدي إلى الانقسام والتشرذم حيث يقول لأحد أتباعه: "فإن التنازع والتشاجر هلاك لأمر كما (4)، ويحذر دعاته بضرورة التزام السرية، والتكتم في تحركاتهم، قائلاً لأحد هؤلاء الدعاة: "فلا" تعرض لذلك الأمر تهلكنا به أصلحك الله ... " (5). وتأسيساً على ذلك، فإنه يسوغ لنا القول بأن الإمام جابر بن زيد قد
امتلك خصائص الشخصية السياسية التي تفهم واقعها، وتتعامل معه بدهـ
(1) انظر الدرجيني احمد، طبقات، ح 2، ص 208. الشماخي، احمد، السير، ح 1، ص 69. (2) انظر: الفصل الثالث، نشاطات الإمام جابر بن زيد السياسية.
(3) انظر: على سبيل المثال موقفه في أحد أيام رمضان عندما غابت الشمس ووضع الطعام أمام الناس، فما كان منه: منه إلا أن طلب من المؤذن بتأخير إقامة صلاة المغرب حتى يفرغوا من طعامهم الدرجيني، المصدر السابق، ص 211. (4) الأزدي، جابر، رسالة، 10، ورقة 11 ط.
(ه) المصدر نفسه، 16، ورقة 17 ب. (1/87)
صفحة 88
74
وحكمة، وإلى جانب ذلك كله، كان الإمام جابر ذا كفاءة إدارية، مكنته من
إدارة شؤون أتباعه ودعاته، فهو يتابع شؤونهم المختلفة بانتظام، ويديم الاتصال بهم، مستفسراً عن أحوالهم، واحتياجاتهم (1)، مستخدماً أساليب ذكية
معهم
جعلته ذا مكانة عالية في قلوبهم، وهو ما عبر عنه هؤلاء الدعاة والأتباع في رسائلهم إليه (؟).
وقد تعامل الإمام جابر بن زيد مع أتباعه بمرونة وثقة، حيث يقول لأحدهم عندما كتب إليه يطلب رأيه في نزاع حدث بينه وبين آخر: "فإذا جاءك كتابي فكن قاضياً على نفسك، واجتمع أنت وخصمك، عند كتاب الله ... " (3)، فمن خلال هذا النص يتبين أن الإمام جابر بن زيد لم يكن ليفصل في كل قضية ومسألة تعرض لأتباعه، بل كان يعطيهم حرية التصرف في حل هذه المشكلات، إلى جانب ذلك فإنه تعامل معهم باحترام وتقدير، وخاصة الذين كانوا متفانين في نشر الدعوة، ففي رسالة إلى أحدهم يقول له الإمام جابر بن زيد: "وأما الذي ذكرت من منزلك ذلك منا فنحم عارفون بذلك ... فما زلت والحمد لله أخبر لك الذي بلغك الله من الفقه في الدين والنصيحة فأنت ممن نحب، وتقر علينا عينه (4)، فهو هنا - أي الإمام جابر - يمدح علم هذا الداعية، ومكانته في الدعوة، مما يعطي ذلك الداعية حافزاً معنوياً، يحفزه فيه على خدمة دعوته، بتفان وإخلاص، وهذه الخصلة مكنت
(1) الأزدي، الرسائل، 1 - 18.
(2) المصدر السابق رسالة،3 ورقة 15 ب، رسالة،17 ورقة،9 ط رسالة،16، ورقة 16 ب.
(3) المصدر نفسه، رسالة 10، ورقة، 11 ب.
(4) المصدر نفسه، رسالة 5، ورقة لاب. (1/88)
صفحة 89
Yo
الإمام جابر بن زيد من التأثير في أتباعه وقد كان يستخدم في ذلك آيات
القرآن الكريم والسنة واستنباط الأحكام والأساليب المؤثرة في النفوس (1).
وإلى جانب هذه المقدرة السياسية والإدارية في التعامل مع الواقع وأفراد حركته، كان الإمام جابر بن زيد يمتلك صفات أخرى كملت مع الصفات السابقة معالم شخصيته، فقد كان زاهداً، متعففاً. عن جمع المال، فهو يعد نفسه أغنى رجل لأنه لا يملك درهماً وليس عليه دين (2)، والعفة والزهد عن جمع المال كانتا من الخصال التي شهد له بها العلماء، حيث يقول فيه ابن
(3)
سيرين: "كان جابر بن زيد مسلماً عند الدراهم"، وهو ما نراه يتجلى من
خلال دعائه حين يقول: " سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن: سألت زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقاً كفافاً يوماً بيوم"
(4)
وقد كان لباسه متواضعاً حتى أن الناظر إليه يقول: إنه لا يحسن شيئاً ولا يظن أنه فقيه عالم)، مما يعني أنه لم يكن يتزيا بزي خاص يميزه عن بقية
الناس.
والتقوى في نظر الإمام جابر بن زيد أحسن سلاح يتذرع به الداعية، إذا أراد أن يفوز بالنجاح في دعوته، وبنيل الأجر عند الله، حيث كان يوص دعاته بها، وبأنها لا تتحقق بمجرد القول، بل لا بد أن تقترن بالعمل (6)، ففي
(1) انظر: البخاري، التاريخ، ج 2، ص 204. المزي، تهذيب، ح 4، ص 435.
(2) الدرحيني. طبقات ح 2، ص 213.
(3) ابن سعد، طبقات، ح 7، ص 181.
(4) الدرجيني، المصدر السابق، ح 2، ص 213. (5) البخاري، المصدر السابق، ح 2، ص 204.
(6) الجعبيري، فرحات، الحضاري، ص 15. (1/89)
صفحة 90
76
رسالته لأحدهم يقول له: "فإن استطعت أن تستحق التقوى بقولك، وعملك
فافعل"
(1)، ويقول لداعية آخر: " وإذا خالف العمل القول، كان ذلك غاية
الفساد ... " (2)
توثيق الإمام جابر بن زيد:
نال الإمام جابر بن زيد ثقة شيوخه من الصحابة الذين تتلمذ أيديهم، وعلماء عصره، حيث يقول فيه عبدالله بن عباس: "لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علماً" (3)، فهو يشهد له بالمقدرة العلمية، وبأن علمه يؤهله لأن يكون عالم البصرة الأول بلا منازع، ولقد سارعت منزلته منزلة الحسن البصري، وهذا ما عبر عنه قاضي البصرة إياس بن معاوية الذي قال: "أدركت البصرة ومالهم مفت يفتيهم غير جابر بن
زيد (4)
، مما يجعلنا لا نتفق مع خليفات والصوافي فيما ذهبا إليه من أن الإمام جابر بن زيد كان أبرز مفت في البصرة بعد الحسن البصري). وقد نال
الإمام جابر بن زيد ثقة الصحابي عبدالله بن عمر حين قال له: " يا إنك من فقهاء أهل البصرة ... " (1).
جـ
ــــابر
وبناء على تلك الثقة التي حصل عليها الإمام جابر بن زيد من صحابة
رسول الله، والتابعين، عده علماء الجرح والتعديل، من أبرز علماء القرن
(1) الأزدي، رسالة 13، ورقة 13 ب.
(2) المصدر نفسه، رسالة 10، ورقة 11 ب.
(3) البخاري، التاريخ، ح 2، ص 204، ابن سعد، طبقات، ج 2، ص 179.
(4) قارن: 37. Ennami, o.p cit. pp
(5) البخاري، المصدر السابق ص 204، ابن سعد، المصدر السابق، ص 40. (6) خليفات الإباضية، ص 88، الصوافي، جابر، ص 40. (1/90)
صفحة 91
YY
الأول الهجري وأكثرهم فقه (1)، حيث يقول فيه العجلي:"جابر بن زيد تابعي
ثقة (2)، أما ابن حبان فيقول فيه: "كان من علماء التابعين بالقرآن، وفقهاء أهل البصرة في الدين" و لم يطعن في عدالته أحد
،
(3)
منهم،
فهذا ابن حزم وهو يعلم بعلاقته بالحركة الإباضية يعدّه من أهل العلم والفضل والاجتهاد (4)، بل إنه يستنكر أي إجماع للعلماء يخرج عنه الإمام جابر بن زيد (ه).
والإمام جابر بن زيد عند إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين "بصري ثقة" ()، مع معرفته بعقيدته السياسية، إذ قال فيه: "كان جابر إباضياً (7).
وبذلك يكون الإمام جابر بن زيد قد نال ثقة علماء عصره، ومن قبلهم
صحابة رسول الله الذين تتلمذ على أيديهم.
شيوخ الإمام جابر بن زيد:
تلقى الإمام جابر بن زيد العلم على يد مجموعة من. علماء عصره، كان أشهرهم الصحابي عبدالله بن عباس، والسيدة عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك ()، إلا أن الإمام جابر بن زيد كان أكثر التصاقاً
(1) انظر: خياط، طبقات، ج 1، ص 502. البخاري، التاريخ، ح 2، ص 204. ابن سعد، طبقات، ح 7، ص 179. المزي، تهذيب، ج 3، ص 287. الذهبي، سير، ح 4، ص 481.
(2) العجلي، الثقات، ص 93.
(3) ابن حبان مشاهير، ص 89.
(4) ابن حزم، محمد، الإجماع، ص 19.
(ه) ابن حزم، محمد، المحلي، حه، ص 127.
(1) المزي، المصدر السابق، ح 5، ص 127.
(7) ابن حجر، تهذيب، ح 2، ص 122.
(8) البخاري التاريخ، ح 2، ص 204. ابن حبان، الثقات، ح 4، ص 101. المزي، تهذيب، ح 4، ص 434.
ابن سلام، شرائع، ص 108. (1/91)
صفحة 92
YA
بعبد الله بن عباس، وأكثر ملازمة له من غيره، وعنه أخذ جل علمه، فكان شيخه الرئيس كما يقول النامي (1)، وكانت علاقته به من الوثوق بحيث إنه يسأله عن صديق له يقال له: أبو فقاس، قائلاً له: أين صاحبك؟ فيقول: أخذه ابن زياد فيقول ابن عباس وإنه لمتهم، فيقول: نعم، فيقول له ابن عباس: أو ما أنت متهم؟ فيقول جابر: اللهم بلى (3)، ويقول الإمام جابر بن زيد عن شيخه عبدالله بن عباس: أدركت سبعين من أهل بدر فحويت ما عندهم إلا البحر" (2)
وفي المقابل كان شيخه عبدالله بن عباس يثق بعلمه، حتى أنه استنكر على أحد أهل البصرة عندما سأله عن مسألة، قائلا له: "تسألونني وفيكم جابر ابن زيد (4)، ويقول كذلك فيه: "لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعكم علماً عما في كتاب الله ()، وملازمة الإمام جابر بن زيد للصحابي عبدالله بن عباس تفسر لنا كثرة روايته عنه، بل إن المتتبع لكت
الحديث المختلفة يجد أن معظم روايات الإمام جابر بن زيد عن.
عبدالله
، مما جعل ابن حزم يعد رواية جابر بن زيد عن ابن عباس من
أصح الأسانيد (2)
Ennami, o.p cit. p 37 (1)
(2) الشماخي، السير، ج 1، ص 89. (3) الأزكوي، الجامع، ورقة: 273 ط. (4) المزي، المصدر السابق، ح 4، ص 435.
(5) البخاري، التاريخ، ح 2، ص 204.
(6) عمي.
، محمد، مرويات، ص ص 1 - 42.
(7) ابن حزم، المحلي، ح 4، ص 10. (1/92)
صفحة 93
79
يبدو
ويبدو
أن علاقة جابر بن زيد بعبد الله. بن عباس كانت تتخطى
الجانب العلمي، إلى الجانب الفكري والسياسي، حيث إن شخصية ابن عبلس أن لها أثراً في تلاميذه يظهر جلياً في جابر بن زيد، وعكرمة مولاه الذي كان صفرياً، ومن أنشط دعاة الحركة الصفرية، وناشراً أفكارها في بلاد المغرب (1)، وكذلك سعيد بن جبير الذي خرج على الدولة الأموية مع محمد عبدالرحمن بن. بن الأشعث فقتله الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق (2)، وأيضاً مجاهد، وعمرو بن دينار (3)، وربما يعود ذلك إلى أن عبدالله ابن عباس كانت تخامره تطلعات وأمان سياسية تحققت على يد أبنائه، وعلى رأسهم علي ذو الطموح السياسي (4)، ومع أن عبد الله بن عباس لم يواجه بني أمية صراحة، إلا أنه كان يلمّح أحياناً إلى حق الهاشميين بصورة عامة، وليس إلى حق العباسيين بالتخصيص ()، ويبدو أن هذه التطلعات هي التي دعت تلميذه ومولاه عكرمة الصفري إلى أن يدعي عليه - أي على بد الله بن عب عباس أنه كان يرى رأي الخوارج، وبذلك يكون لعبد الله بن عباس أثر
() (1)
(1) المزي، تهذيب، ح 7، ص 149. ابن حجر، تهذيب، ح 2، ص 38. (2) الطبري، تاريخ، ح 4، ص 23. المزي، المصدر السابق، ح 7، ص 142. (3) الأشعري، علي، مقالات، ص 24.
(4) عمر، فاروق، الدعوة، ص 121.
(0) المرجع نفسه، ص 121.
(6) المزي، المصدر السابق، ح 13، ص 172.
() استعمال مصطلح الخوارج في تلك الفترة كان مرناً وليس له معنى محدد، حيث تض ربت الأقوال في
تعريف هذا المصطلح، ووقت ظهوره فالشهرستاني يرى أن كل من خرج على الإمام الحق، الذي اتفق الجماعة عليه، يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان، الملل، ص 114. وقال ابن منظور في لسان العرب: "الخوارج الحرورية والخارجية: طائفة منهم لزمهم هذا الاسم لخروجهم عن الناس"، وفي التهذيب: " والخوارج قوم من أهل الأهواء لهم مقالة على حدة انظر ابن منظور، محمد لسان، ح 2، ص 251. ويذهب الزبيدي إلى القول بأنهم سموا بالخوارج لخروجهم على الناس، أو عن الدين، أو عن علي كرم الله وجهه في صفين" .. (1/93)
صفحة 94
80
في شخصية الإمام جابر بن زيد العلمية والعملية السياسية، وربما كان
التأثير في تحفيزه وباقي تلاميذه على العمل السياسي
ضد
بني
أمية، وهو
تحقق في خروج سعيد بن جبير، وارتباط عكرمة بالحركة الصفرية، مما يعني أن عبدالله بن عباس كان يهدف إلى توسيع جبهة المعارضة السياسية لبني أمية، وبالتالي إضعافها وإسقاطها، ومن المحتمل أن يكون ذلك تمهيداً لأبنائه من بعده حتى يكون الأمر لهم ميسوراً، وبأن تكثر المعاول التي تعمل على هدم الحكم الأموي، فتسهل بذلك مهمة أبنائه وعلى رأسهم ابنه علي- في إقامة دولتهم ().
وإلى جانب عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- تأتي السيدة عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها - التي كان الإمام جابر بن زيد يتردد عليها، ويأخذ عنها بعض مسائل الفقه والدين (2).
(2)
الله
كذلك أخذ الإمام جابر بن زيد العلم عن عبدالله بن عمر رضي عنهما الذي قال فيه: "يا جابر، إنك من فقهاء البصرة، وستفتي فلا تفتين إلا بكتاب ناطق، أو سنة ماضية (3)، إلا أن تتلمذه على يد ابن عمر لم يكن ليصل درجة تتلمذه على يد عبدالله بن عباس.
الزبيدي، محمد، تاج، ح 2، ص 30. ولكننا لا نعرف على وجه التحديد ما هو الأمر الذي كان يراه ابن عباس من آراء (الخوارج) حتى يدعيه عكرمة (مولاه عليه؛ فمن المحتمل أن يكون اتفاقه معهم في الموقف من
الدولة الأموية.
(1) مجهول، أخبار، ص 49.
(2) ابن سلام، شرائع، ص 108.
(3) البخاري، التاريخ، ح 2، ص 204: (1/94)
صفحة 95
81
و لم يترك الإمام جابر بن زيد صحابياً كان أدركه، إلا وسمع منه، حيث
، (1)
، وقد كان مجداً
يقول في ذلك: "أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم في طلب العلم فهو دائم السفر والترحال، وبالذات إلى الحجاز التي فيها معظم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولذلك كان يحرص على الحج (2)، الذي هو بالنسبة إليه فرصة للالتقاء بأهل العلم من الصحابة القادمين من الأمصار التي انتشروا فيها مع حركة الفتوح الإسلامية.
الإمام جابر بن زيد وصلته بعلماء عصره:
مختلف
كانت صلة الإمام جابر بن زيد بعلماء عصره قوية وودية، وكان أشهر هؤلاء العلماء، الحسن البصري، وعكرمة مولى ابن عباس، ومحمد ابن سيرين ن (3)، إلا أن علاقته بالحسن البصري كانت أو ثق من علاقته بغيره: فهو صديقه وصاحبه الملازم له دائماً، فحين أشرف الإمام جابر بن زيد على الموت، طلب رؤية الحسن البصري قبل أن يموت (4)، مما يجعلنا نشك في رواية ابن سعد التي أو ردها، وفحواها أن الحسن البصري كان قد لح للإمام جابر بن زيد ساعة وفاته بقوله له: "إن الإباضية تتولاك " ()، فهذا التلميح من غير المسوغ طرحه في تلك اللحظة (1).
(1) الأزكوي، الجامع، ورقة، 237 ط.
(2) الدرجيني، طبقات، ح 2، ص 208.
(3) انظر: البخاري، المصدر السابق، ح 2، ص 204. ابن سعد، ح 7، ص 181. أبو نعيم،
ص 86.
(4) ابن سلام، شرائع، ص 108. ابن سعد، طبقات، ح 7، ص 182.
(5) ابن سعد، طبقات، ص 182.
Ennami, o.p ct. p. p. 41.: (1) (1/95)
صفحة 96
82
ونظراً لهذه العلاقة الحميمة بين الاثنين، فمن باب أولى أن يكون الحسن
سلطة
البصري قد عرف فكر صديقه جابر بن زيد قبل لحظة الوفاة هذه، حيث لم يكن يبعد الاثنان أحدهما عن الآخر من الناحية الفكرية، فحين قدوم الحسن البصري لزيارة الإمام جابر بن زيد في مرض وفاته هذا، كان متخفياً من الحجاج بن يوسف لمشاركته في ثورة عبدالرحمن بن الأشعث ضد السـ الأموية في العراق، التي شارك فيها عدد من مشاهير الفقهاء الذين كانوا يشكلون جبهة معارضة ضد بني أمية كسعيد بن جبير، والشعبي، وابن أبي ليلى، ومحمد بن سيرين، وهؤلاء كانوا أشهر فقهاء التابعين في القرن الهجري الأول، وهم الذين شاركوا مع ابن الأشعث في ثورته (1).
فالحسن البصري لم يكن مؤيداً للأمويين (2)، مما يعني أنه لا محال لأن يستغرب كونه في حركة معارضة لهم أو أن يلمح الجابر بن زيد بقوله: "إن الإباضية تتولاك" لأن الإمام جابر بن زيد الأزدي كان في الصف المعارض للوضع السياسي القائم، فمن غير المستهجن للحسن حينئذ أن يكون صديقه قائداً أو رئيساً للحركة الإباضية، فالفارق بينهما هو أن الحسن البصري كان يتحرك ضمن كتلة الفقهاء، أو تيار المعارضة العام، بمعنى أنه لم يكن يعمل ضمن حركة سياسية منظمة لها دعاة وأتباع وأهداف محددة تريد تحقيقها، بينما كان صديقه الإمام جابر بن زيد يقود حركة سياسية دينية سابقة في تكوينها على ثورة ابن الأشعث لها أهداف وبرنامج سياسي خاص بها، وهي
(1) الطبري، تاريخ، ج 3، ص 630. المبرد، الكامل، ح 2، ص 622. الذهبي، سير، ح 4، ص 482. (2) ابن سعد، المصدر السابق، ح 7، ص 182. الذهبي، المصدر السابق، ح 4، ص 482. (1/96)
صفحة 97
83
معتمدة في تحقيق ذلك على التنظيم الحزبي، وإرسال الدعاة أو حملة العلم إلى الأقاليم المختلفة (1)
ومع قيادة الإمام جابر بن زيد لحركة سياسية لها برنامجها الخاص، إلا
(4)
سميهم
أنه لم يكن لينفصل عن تحركات علماء عصره السياسية، الذين: المصادر بالقراء أو الفقهاء (3)، وهؤلاء يمكن أن يطلق عليهم اسم "جبهة العلماء" الذين كان جلهم من كبار التابعين مثل كميل بن زياد النخعي، وسعيد بن جبير، وعامر الشعبي وابن أبي ليلى الفقيه، وأبي البختري الطائي (3)، وقد بايع هؤلاء عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث "على كتاب الله، وسنة نبيه، وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين"، حيث عبر سعيد بن جبير عن وجهة نظر هؤلاء العلماء مخاطباً الناس قائلاً: قاتلوهم، ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين، وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم، وتجبرهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة" ()، وقد كان بعض مشاهير الفقهاء، من المحرضين على الخروج على الحكم الأموي والمهيجين للناس عليه، حيث يخاطب ابن أبي ليلى الفقيه الفقهاء قائلاً: "يا معشر القراء إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح. بكم ... ومن أنكر بالسيف لتكون كلمة الله العليل
منه
وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ... فقاتلوا هؤلاء
المحلين، المحدثين المبتدعين))
(3)
(1) انظر: الرسائل، 1 - 18.
(2) الطبري، تاريخ، ح 3، ص 622.
(3) المصدر نفسه، ح 3، ص 625.
(4) المصدر نفسه، ص 642.
(5) المصدر نفسه، ص 635.
(6) المصدر نفسه، ح 3، ص 635. (1/97)
صفحة 98
84
على أننا لا نلحظ في جملة هؤلاء العلماء ذكراً للإمام جابر بن زيد
الأزدي، مع معاصرته لهذه الثورة، وربما يكون مرد هذا إلى أن الإمام جابر بن زيد كان يرأس جماعة سياسية، أو تنظيماً له حساباته الخاصة به، فالعلماء المشاركون في ثورة ابن الأشعث مثلاً، كانوا فرادى، بمعنى أنهم لم يكونوا أصحاب حركات سياسية منظمة كالحركة الإباضية التي يرأسها الإمام جلبر ابن زيد، والتي هي حركة لا تستعجل الأمور، أو تشارك في كل حركة شعبية، أو تشارك أي شخص يدعو للثورة على الأمويين، وهذا ما تجلى أيضاً عند تلميذ الإمام جابر بن زيد، وإمام الحركة الإباضية من بعده، أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي رفض مشاركة الحركة الإباضية لعبدالله بن الحسن حين أراد الخروج ضد بني أمية (1)، وقد عرف هذا الأمر، أو هذه الصفة -وهي الحذر عن الإمام جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، تجله القيام بأي تحرك مسلّح ضد الحكم الأموي (2).
-
وهو ما جعل الحركة الإباضية تقاوم الاندثار أو الانقراض الذي جرى لحركة الأزارقة، أو كما يقول فاروق عمر: "إن مواقفها – الإباضية- السياسية اتسمت بالواقعية مما أبعدها عن المثالية والتشدد والحماس الذي اتصفت به حركات خارجية أخرى، وأيضاً جعل حركاتها ضد أعدائها ركات مخططاً حر لها تكون إمكانيات نجاحها أكبر (3)، وهذا لا يعني أن الإمام جابر بن زيد
يختلف
مع علماء عصره في الخروج على الحكم الأموي، بل ربما كان من
(1) الشماخي، السير، ح 1، ص 78. يبدو أن عبدالله بن الحسن أراد أن يعرف رأي الحركة الإباضية في حال قيامه بالثورة على بني أمية لأنه كان يتحين الثورة على بني أمية ولكن لم تواته الفرصة بعد.
فاروق، الدعوة، ص 110.
(2) هاشم مهدي الإباضية، ص 92.
(3) عمر، الإمامة، ص 29. (1/98)
صفحة 99
المتعاطفين مع الذين بايعوا على خلع عبدالملك بن مروان، في ثورة عبدالرحمن ابن الأشعث، حيث يورد الطبري في ذلك: "فلما دخل عبدالرحمن بن الأشعث البصرة بايعه على حرب الحجاج، وخلع عبدالملك جميع أهلها وقرائها وكهولها" (1).
وموقف الإمام جابر بن زيد ينسحب على علماء آخرين لا نجد لهم ذكراً في هذه الثورة، كعمران بن حطان زعيم الحركة الصفرية، وعكرمة مولى ابن عباس الصفري (2)، فرغم أنهما من حركة سياسية تدعو للخروج على الحكم الأموي إلا أننا لا نجد ذكراً لمشاركتهما مع ابن الأشعث مع أنهما من جملة العلماء المشهورين في الفقه والمعارضين لحكم بني أمية (3)،، فالحركة الصفرية وإن لم نمتلك عنها المعلومات الكافية من ناحية التنظيم، إلا أن من المحتمل أنها كانت تشكل تنظيماً يشبه الحركة الإباضية، حيث نجدها قد أرسلت عكرمة مولى ابن عباس الله لنشر المذهب الصفري في المغرب (4) ()، مما يعنى أنها تحمل برنامجاً سياسياً طموحاً للحكم.
وتأسيساً على ما سبق فإنه يمكننا القول بأن الإمام جابر بن زيد كان ضمن دائرة المعارضة السياسية للحكم الأموي، والتي مثلها العلماء والفقهاء في ذلك العصر، وأن مواقف هؤلاء العلماء كانت متفاوتة في درجة المعارضة: فمنهم من شارك في حركات قادها أشخاص ثائرون على الدولة الأموية كابن
(1) الطبري، تاريخ، ح 3، ص 625.
(2) المزي، تهذيب، ح 13، ص 172. المبرد الكامل، ج 3، ص 1082. ابن حجر، تهذيب، ح 2، ص 38. (3) المزي، المصدر السابق، ح 13، ص 172.
(4) المصدر نفسه، ح 13، ص 172.
ن)
وينطبق هذا على الدعوة العباسية، حيث كانت تراقب ولم تشترك كدعوة في الحركات التي قامت ضد
الأمويين، في أيامهم الأخيرة. (1/99)
صفحة 100
ير،
الأشعث، فكانوا المحرضين للناس على الخروج، ومن هؤلاء سعيد بن جب والشعبي، وابن أبي ليلى، ومحمد بن سيرين، ومنهم من كان معارضاً للحكم الأموي ولكنه كان يعمل من خلال حركة سياسية منظمة، أو شبه منظمة وينتظر الوقت المناسب لتنضج قدراته، فيقوم بتحقيق أهدافه، كالإمام جابر ابن زيد، وعمران بن حطان، وعكرمة مولى ابن عباس.
العلماء الذين ارتبط بهم الإمام جابر بن زيد بعلاقة وطيدة، عكرمة ومن مولى عبدالله ابن عباس، مما يعني أن عكرمة من أقران جابر بن زيد، كذلك فإنهما يشتركان في العقيدة السياسية، أو يجمعهما خط المحكمة المعتدل حيث كان الإمام جابر بن زيد إباضياً، وعكرمة صفري (1)، وقد كانت هذه العلاقة العمق بحيث إن الإمام جابر بن زيد يشهد لعكرمة بأنه أعلـ من الناس، ويحثهم على أن يسألوه (3)، وربما فسرت لنا هذه العلاقة الرواية الإباضية التي تقول إن كلاً. من سلمة بن سعيد وعكرمة مولى ابن عباس الصفري كانا قد
سافرا إلى المغرب على جمل واحد (3).
ومن جهة أخرى تدلنا هذه الصلة بين الاثنين - بين الإمام جابر بن زيد وعكرمة مولى ابن عباس - على أن الإباضية والصفرية في ذلك الوقت كانت تربطهما علاقة وثيقة بحيث إن الإمام جابر بن زيد يقول في أحد
(4)
زعمائها وهو عكرمة-إنه أعلم الناس (4)، وهي نفس الشهادة التي شهد بها الإمام أحمد ابن حنبل بقوله: كان عكرمة من أعلم الناس، ولكنه كان يرى
(1) ابن حجر، تهذيب، ح 2، ص 38.
(2) الذهبي، ميزان، ح 5، ص 116. (3) الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 11.
(4) الذهبي، المصدر السابق، ح 5، ص 116. (1/100)
صفحة 101
87
رأي الصفرية (1)، ومن جهة أخرى، فإن علاقة الإمام جابر ابن زيد بعكرمة مولى ابن عباس، تعطي مؤشراً على مدى سعة أفقه ومرونته تجاه المخالفين له في الفكر، فارتباط عكرمة بالصفرية، وهي حركة سياسية كانت منافسة للحركة الإباضية لم يمنع الإمام جابر وهو على رأس الحركة الإباضية من أن يقيم علاقة متينة مع أحد زعمائها ما دامت المعارضة السياسية تجمعهما ضد الوضع السياسي القائم، وهو سلوك قل أن يتوفر بين زعيمين لحركتين سياسيتين، تفكران بطريقة مختلفة للواقع، وهو ما انعكس على أرض الواقع - كما رأينا - بقيام الداعية الإباضي سلمة بن سعيد وعكرمة الصفري بالسفر إلى بلاد المغرب على نفس الراحلة، وهذا السلوك يعد أنموذجاً للتعامل بين الحركات السياسية، والتيارات الفكرية المختلفة، التي لو التزمت به لما حدثت بينها هذه الصدامات الدامية عسكرياً وفكرياً والتي نراها عند مطالعتنا لكتب التاريخ، وكتب الفرق، وهذا النهج أو السلوك الذي رسمه الإمام جابر بن زيد تجاه الآخرين المعارضين في الأفكار، نراه قد طبع سلوك حركته من بعده
حتى في أشد لحظات المواجهة (2).
(1) الذهبي، ميزان، حه، ص 119.
(2) انظر: الفصل الرابع من أطروحتنا (1/101)
صفحة 102
/ (1/102)
صفحة 103
الفصل الثالث
النشاط السياسي للإمام جابر بن زيد (1/103)
صفحة 104
/ (1/104)
صفحة 105
91
علاقة الإمام جابر بن زيد بالأمويين:
اتسمت علاقة الإمام جابر بن زيد بالدولة الأموية بالود والمرونة (1)، فقد اتخذ لنفسه سياسة ذكية في التعامل مع ولاة بني أمية تمثلت في البعد عن الاصطدام المباشر معهم، مفضلاً اتباع سياسة السرية والكتمان (2)، الي أصبحت جزءاً من التقسيم المرحلي للإمامة عند الإباضية (3). مرت المرحلة الأولى لتعامل الإمام جابر بن زيد بالوالي الأموي عبيدالله بن زياد (4)، الذي اتصف بالشدة والعنف ضد معارضي الدولة الأموية)، فالمصادر تذكر أن عبيدالله بن زياد كان قد سجن الإمام جابر بن زيد ()، ولكنها لا تذكر لنا ولعلّ من الممكن أن نستنتج من الصداقة التي ربطت بين الإمام جابر بن زيد بأبي بلال مرداس بن أدية ()، السبب الرئيس في ذلك وهو شك عبيدالله بن زياد به، وربما زادت شكوكه أو تأكدت عندما قام أبو بلال بالهروب من البصرة في جماعة من أصحابه مما جعل ابن زياد يقوم بسجن الإمام جابر بن زيد، ومن قبله سجن صديق يقال له أبو فقاس كان يحج معه فيلقيان عبدالله بن عباس، الذي سأل الإمام جابر بن زيد في مرة عنه، فأجابه
سبب سجنه
(1) هاشم، الإباضية، ص 76.
سبيل الله.
(2) الكتمان: هو مرحلة من مراحل الإمامة أو مسالك الدين عند الإباضية وهي أدنى درجات الجهاد في ا يعجز فيها المسلمون عن مواجهة الظلم ورده فيضطرو ذوو الغيرة على الدين-الإباضية- حينئذ إلى كتمان أمرهم لعدم توفر الشروط الكافية للظهور في مرحلة الاستضعاف انظر الحارثي، مالك، الإمامة، ص 26 - 32. جهلان، عدون، الفكر، ص 164 ..
(3) انظر: هاشم، المرجع السابق، ص 69. عمر، تاريخ، ص 21.
(4) هذه العلاقة قبل تأسيس الإمام جابر بن زيد الحركة الإباضية، انظر: الفصل الثاني من اطروحتنا.
(5) المبرد الكامل، ح 3، ص 1187.
(6) انظر: ابن قتيبة، عبدالله، عيون، ح 1، ص 142. أبو العرب، محمد، المحن، ص 394.
(7) انظر: ابن سلام، شرائع، ص 110 - 111. الدرجيني، طبقات، ح 2، ص 218. (1/105)
صفحة 106
92
بن زياد أخذه أي سجنه فسأله ابن عباس أو ما أنت
الإمام: بأن عبيد الله
متهم
مثله؟ قال: بلى (1)
وهذه الرواية تفسرها رواية أخرى يوردها الدرجيني فحواها أن الإمام جابر بن زيد كان يحج كل سنة، فلما كان ذات سنة بعث إليه والي البصرة أن لا يذهب هذا العام إلى الحج، فإن الناس محتاجون إليه، فرفض جابر ذلك، فحبسه الوالي، وبعد وساطة من الناس أخرجه من السجن، فما كان الإمام جابر بن زيد إلا أن تجهز وسار ليلاً قاصداً الحجاز فوصلها والناس على عرفة (2) (م)
أن
من
، وأثناء سجنه عرضت لابن زياد مسألة توريث الخنثى، فأرسل إليه في سجنه يستفتيه، فقال: تسألونني وأنا في قيودكم؟ فجاوبه في حلها (3)، إلا مهدي هاشم يذهب إلى أن الحجاج بن يوسف هو الذي سجن جابر ابن زيد، واستفتاه في هذه المسألة (4)، معتمداً على رواية الدرجيني نفسها، ولكن هذا الرأي لا يمكن قبوله لعدة أسباب:
فمن الجهة الأولى: فإن مصطلح (والي البصرة) الوارد عند الدرجيني يوحي بأن عبيدالله بن زياد هو الذي سجنه، لأن هذا المصطلح لا يطلق على الحجاج الذي كان يلق ب بأمير العراقين أو والي العراق (البصرة
(1) الشماخي، السير، ح 1، ص 89. (2) الدرجيني، طبقات، ح 2، ص 208.
(1) يبدو أن في هذه الرواية (حج الإمام جابر بن زيد كل سنة قدراً من المبالغة، على أن هناك رواية من مصدر موثوق - غير إباضي - تعطي الرواية الإباضية قدراً من الصحة، وفحوى هذه الرواية "عن جابر بن زيد قال: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، يج والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك كله " أبو نعيم، حلية، ح 3، ص 87.
(3) انظر: ابن قتيبة، عيون ح 1، ص 142. أبو العرب، المحن، ص 394.
(4) هاشم، الإباضية، ص 71.
المال (1/106)
صفحة 107
93
والكوفة))، وليس والي البصرة وحدها، ومن جهة أخرى فإن الرواية الي
يرد فيها اسم عبيدالله بن زياد يرويها مصدران متقدمان على الدرجيني وهما: عيون الأخبار والمحن (2).
(2)
وقد اتصفت مواقف الإمام جابر بن زيد بالسلم والاعتدال تجاه ولاة الأمويين على عكس قادة الحركات الدينية السياسية المتطرفة كالأزارقة مثلاً الذين استخدموا العنف ضد الدولة الأموية كوسيلة وحيدة للتغيير (3)، فهو لا يمانع أن يصلي خلف الولاة الأمويين، وعندما احتج على ذلك أحد أصحابه رد عليه قائلاً: "إنها صلاة جامعة، وسنة متبعة (4)، والواقع أن هذه الصلاة لهـ دلالتان فهي من جهة وسيلة تعمية على السلطة، بمعنى أنه يثبت وجوده، وبالتالي يزيل أي شبهة عنه وعن أتباعه ومن جهة أخرى تدل على موقف معتدل من الإمام جابر بن زيد في جواز الصلاة خلف ولاة السلطة وممثليها.
وقد كان الإمام جابر بن زيد يأخذ العطاء من الدولة الأموية، ولا يرى في ذلك بأساً، قدوته في ذلك صديقه أبو بلال مرداس بن أدية الذي كان يأخذ العطاء الولاة الأمويين، ويعتبره حقاً من حقوقه لا منة أو صدقة)، حيث ينقل الدرجيني في ذلك رواية عن ضمام بن السائب وهو من
منهم
من
"1
تلاميذ جابر بن زيد أن نساء من المسلمين -أي الإباضية- تكلمن في المال الذي تجمعه الجبابرة فقلن: إنه حرام، وبلغ ذلك ضماماً، فاش تد في ذلك، وأعظم قولهن، ومن قبله، ووصل الأمر إلى أبي حمزة الأشعث الذي قال لهن:
(1) انظر: الطبري، تاريخ، ح 3، ص 547.
(2) انظر: ابن قتيبة المصدر السابق ص 142. أبو العرب، المصدر السابق، ص 394.
(3) قارن هاشم المرجع السابق، ص 72.
(4) الرقيشي، مصباح، ورقة 178 ب. (5) الدرجيني، طبقات، ح 2، صص 218 - 219. (1/107)
صفحة 108
94
أما إذا زعمتن ذلك فإنكن تتقدمن على جابر بن زيد، وأبي بلال وأصحابه، فإنهم ماتوا وهم يأخذون أعطيتهم (1)، كذلك عندما التقى الإمام جابر بن زيد بالحجاج بن يوس سف، بوساطة كاتبه يزيد بن أبي مسلم، فسأله الحجاج آخر اللقاء: "ما حاجتك؟ قال: تعطيني عطائي، وترفع عني المكروه" (2)
فهذه الروايات تبين أن جابراً كان قد قبل أخذ العطاء. الدولة وأنه من عطاؤه وله فيه الحق، كذلك تظهر أن عطاءه كان مقطوعاً، وربما يكون هذا العطاء قد قطع زمن عبيد الله بن زياد عندما سجنه لكونه متهماً، ومشكوكاً فيه، لعلاقته بأبي بلال مرداس بن أدية (3).
ويبدو
في زمن ولاية الحجاج بن يوسف للعراق، اعتذر الإمام جابر بن زيد عن تولي القضاء بلطف، ودهاء، عندما عرض عليه (4)، وكان الذي قدمه للحجاج يزيد بن أبي مسلم وزيره وكاتبه، الذي هيأ اللقاء بين الطرفين، أن هذا كان بموافقة جابر نفسه (9)، فربما رأى الإمام جابر بن زيد أن في هذا اللقاء فرصة لتوثيق العلاقة - ولو ظاهرياً- بالحجاج بن يوسف ليصرف أنظاره عنه وعن جماعته، فهو يريد الأمان ليواصل رسالته في الدعوة لمبادئه وأفكاره، ويبدو أنه كان مراقباً بشدة من قبل الحجاج حتى وصل الأمر به إلى
(1) الدرجيني، طبقات، ص 209.
(2) الشماخي، السير، ح 1، ص 70.
انظر: مناقشة هذه المسألة في الفصل الأول.
(4) الدرجيني، المصدر السابق، ح 1، ص 211.) يذهب خليفات إلى أن سبب العلاقة بين الإمام جابر بن زيد، ويزيد بن أبي مسلم، هو: حب يزيد للعلماء، والعطف عليهم، حتى وإن اختلف معهم في الرأي. مدللاً على ذلك بشفاعته للشعبي لدى السلطة، وليس كما قال المستشرق ليفتسكي بأنه كان من الخوارج" انظر: خليف ات، نشأة، ص 97.
T.LEWICKI,"Ibadiyya",E.I (2) (9)
انظر: 45. Ennami,studies.pp . درويش، أحمد، جابر، ص 120. (1/108)
صفحة 109
أن يقول للحجاج: " وترفع عني المكروه (1)، والمكروه هنا ربم والمكروه هنا ربما يوحي إلى
المراقبة الشديدة.
وقد وافق الحجاج على هذا الطلب بشرط أن يشغل منصباً، أو وظيفة في الإدارة، وهذا الشرط له مغزاه السياسي عند الحجاج، فعمل جابر بن زيد وهو في مكانته العلمية هذه يعني الرضى بالأمويين والولاء لهم، وبالتالي إضفاء الشرعية على هذا الحكم، ولكن يزيد بن أبي مسلم تدخل في الوقت المناسب عارضاً على الحجاج بن يوسف، أن يكون جابر بن زيد من أعوان صاحب ديوان البصرة، فوافق الحجاج، ولم يكن أمام جابر بن زيد إلا أن يوافق، ولكنه بعد انتهاء اللقاء عاتب يزيد بن مسلم على هذا الاقتراح لأنه
لا
يريد
أن تصل علاقته بالحجاج إلى حد أن يعمل في الديوان، فهو يريد فقط تحقيق مستوى أدنى من العلاقة السلطة فقط دون المشاركة فيها، إلا أن
مع
يزيد بن مسلم طمأنه بأنها وظيفة شكلية (2).
و لم يمانع الإمام جابر بن زيد من استخدام الرشوة كوسيلة لـ الخطر عنه وعن جماعته، بسبب السياسة القمعية للسلطة الأموية ضد معارضيها، قائلاً: لم نجد أي شيء أفضل عوناً في هذا العصر أكثر من الرشوة (3)، وهذا القول يدل على مدى القهر السياسي للولاة الأمويين، الذين
يضطرون
عالماً
في هذه المنزلة إلى استخدام الرشوة كوسيلة حماية واتقاء من
بطشهم وشرهم، ويدل من جهة أخرى على مرونة فكر الإمام جابر بن زيد، أمام الظروف السياسية المختلفة، وقدرته على التعامل معها بحكمة وهدوء،
(1) الشماخي، السير، ح 1، ص 70.
(2) الدرجيني
طبقات
ح 2، ص 212. الشماخي، المصدر السابق، ح 1، ص 70.
Ennami, op,cit. p.p 45 ( (1/109)
صفحة 110
التي طبعت سلوك الإباضية من بعده (1)، كذلك يدل هذا القول الصفة وهي
على
أن
ركة، بالإضافة إلى الإمام جابر بن زيد كان شخصية سياسية وقائد حر
كونه شخصية علمية، وهو عامل أعطى زحماً للإباضية بالمقارنة مع الحركات
الأخرى.
نفي الإمام جابر بن زيد إلى عُمان:
يذهب بعض الباحثين إلى أن الحجاج بن يوسف نفى الإمام جابر بن زيد إلى عُمان (2)، إلا أن هذا الرأي ضعيف لعدة أسباب:
فمن الجهة الأولى، فإننا لا نجد في المصادر الإباضية المتقدمة أي ذكر لهذا النفي (3)، ومن جهة أخرى فإن شيوخ الإباضية ومؤرخيها في هذا العصر لا يذكرون أي شيء عن هذا النفي، ولا يملكون أي دليل على إثبات نفيه إلى عُمان (4)، يقول المؤرخ الحارثي: إن نفي الإمام جابر بن زيد إلى عُمان لم
(1)
عمر، التاريخ، ص 21.
(2) انظر: 48, Ennami, op.cit,p . الحارثي، العقود، ص 102 هاشم الحركة، ص 75. خليفات، نشأة ص 101. عليان، نشأة، ص 83. ويبدو أنهم جميعهم قد اعتمدوا على مختصر البسيوي في توثيقهم، على أنني لم أحد في كتاب البسيوي، أي إشارة لهذا النفي، وربما يكون مهدي هاشم، قد التبس عليه الأمر بين البسوي والشماخي فوثق ذلك خطأ، لأن نص الرواية التي يذكرها مهدي هاشم، هو النص الموجود حرفيا عند الشماخي، (انظر: الشماخي السير، ج 1، ص 71 - 76). أما خليفات فهو يتابع هاشم في نفس التوثيق
(مختصر البسيوي، الطبعة (الحجرية ويشير إلى أن هذه الرواية موجودة ص 6 - 7. أما عليان فيشير إلى نف الصفحات ص 6 - 7، معتمداً على طبعة وزارة التراث العُمانية (وهي نفس النسخة التي بحوزتي) التي لم أحد فيها هذه الرواية، والجدير بالذكر أن مختصر البسيوي هو كتاب فقهي. بحت. انظر مختصر البسيوي، ص 6 - 7،
وزارة التراث، تقدم سماحة الشيخ الخليلي، (ط-1986 م).
(3)
(4)
انظر ابن سلام شرائع الدرجيني، طبقات.
مقابلة، الخليلي، أحمد، مسقط. (1/110)
صفحة 111
97
يثبت، بل كان مسجوناً ثم خرج من سجنه (1)، أما السيابي، فإنه يقول: إن
الإمام جابر لم ينقطع عن عُمان، وربما جاء إليها زائراً وليس منفياً (2).
ومن الجهة الثالثة: فمن غير المعقول أن يسمح الحجاج بن يوس للإمام جابر بن زيد بأن يكون بين عشيرته وفي موطنه، موفراً بذلك له المناخ الملائم لنشر أفكاره ودعوته بين أهله كذلك فإن موقع عُمان البعيد عن
ني
مركز الدولة سيجعل من نفي جابر بن زيد إليها بمنزلة تهديد لسلطة أمية، ومن جهة رابعة: أن الحجاج لا يمكن أن يوافق على رجوع جابر إلى
البصرة التي توفي فيها - بعد أن يكون قد نفاه إلى عُمان، فالحجاج يريد أن يبقى الإمام جابر بن زيد تحت بصره وسلطته ليتسنى له متابعة تحركاته، وهذا ما نلحظه في سياسة الحجاج التي ترمي إلى إغرائه بالمناصب (3)،، وبناء على ذلك كله نستطيع القول بأن الاعتقاد الغالب هو أن الإمام جابر بن زيد لم ينف إلى عُمان.
مع
وبالنظر لما امتاز به الإمام جابر بن زيد من طبع هادئ في: تعامله السلطة الأموية، فإنه لا يمكن الجزم بصحة بعض الروايات الإباضية التي تذكر أن الإمام جابراً قد رد على الحجاج بن يوسف رداً قاسياً حين طلب منه الحجاج أن يناوله القلم، قائلا له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمدة قلم (4)، كذلك. حين سأله الحجاج عن
(1)
مقابلة: الحارثي، سالم، المضيرب.
(2) مقابلة: السيابي، أحمد، مسقط.
(3) الدرجيني
طبقات، ج 2، ص 211.
Ennami,op. Cit, p. 47 (4) (1/111)
صفحة 112
98
أول آية في البقرة، قال له جابر تلك للمؤمنين وعن الثانية فقال: تلك
:
للكافرين، وعن الثالثة: قال له فيك وفي أصحابك وهي آية المنافقين (1).
فهذه الروايات تظهر أن الإمام جابر بن زيد كان عنيفاً غير معتدل أو متساهل وفي المقابل يسكت الحجاج على هذا علماً بأن هذا السلوك مخالف
لحوادث أخرى جرت بين الإمام جابر بن زيد وعبيدالله، فحين طلب منه الأخير أن يفتيه في مسألة توريث الخنثى أفتاه أنه كان في سجنه، مع أن
رغم
عبيد الله كان أشد من الحجاج على المعارضين للدولة الأموية باعتراف الإمام جابر بن زيد نفسه (2).
بما تقدم يسوغ لنا القول بعدم قبول هذه الروايات لأنها مخالفة للسياسة التي طبعت شخصية الإمام جابر بن زيد، ولكن هذا لا يعني موافقة الباحث عدون جهلان على رأيه في أن جابر بن زيد أراد استمالة الخلفاء إلى المذهب، وأنه أقام اتصالات أخوية مع والي العراق الحجاج بن يوسف، وأن العلاقة بينهما دامت في غاية من الثقة والود المتبادلين مدة طويلة (3).
هج
فالعلاقة وإن وجدت إلا أنها لا تعني الثقة والود مطلقاً، لأن من كل من الطرفين لا يجعل هناك مجالاً للثقة والود بين شخصيتين تمثلان اتجاهين سياسيين مختلفين بل متناقضين فالعلاقة بين الإمام جابر بن زيد والسلطة الأموية تقوم على إبعاد الشبهة ورفع المكروه عنه وعن جماعته ليس أكثر (4).
(1)
الفراهيدي المسند، ج 4، ص 362.
(2) الذهبي، سير، ج 3، ص 496.
(5
جهلان، عدون، الفكر، ص 33.
(4) الدرجيني
طبقات، ج 2، ص 211. (1/112)
صفحة 113
99
التنظيم الإباضي في زمن الإمام جابر بن زيد:
يذهب مهدي هاشم إلى القول بأنه ليست لدينا معلومات فيما يتعلق بانتشار الدعوة الإباضية في عهد إمامها جابر بن زيد الأزدي، وبأن الدعوة إلى الأمصار بدأت في زمن الإمام الثاني للحركة الإباضية أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي أسس مدرسة علمية يتخرج منها الدعاة، بعد أن يدرسوا العلوم الإسلامية، وما يتعلق بأساليب الدعوة وأمور السياسة، وهؤلاء يسمون حملة العلم، وإلى ذلك يذهب فاروق عمر الذي يقول: ولا يعرف في عهد
(1)
الإمام جابر بن زيد حملة للعلم بهذه الصورة المنظمة (3)، وهذا الرأي يمكن قبوله بداية نظراً لقلة المعلومات عن فترة الإمام جابر بن زيـ د في المصادر المختلفة، ولكن وبعد العثور على رسائله التي أرسلها إلى عدد من أتباعه، ودعاته في الأمصار الإسلامية، نميل إلى مخالفة هذا الرأي، حيث سيتضح لنا خلال هذه الرسائل أن الإمام جابر بن زيد هو المؤسس الحقيقي لنواة حملة العلم التي طوّرها من بعده خليفته في إمامة الحركة الإباضية، أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة (3).
من
ويبدو أن الإمام جابر بن زيد قد أنشأ مجلساً شورياً للجماعة الي يرأسها مكوناً من أعوان وتلاميذ نجباء كأبي عبيدة مسلم، وصحار العبدي، وهبيرة جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل، وضمام بن السائب، وجعفر بن السماك العبدي، وهذا المجلس نجد صداه في زمن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي كانت القيادة الجماعية في زمنه تتكون من مجموعة من المشايخ
(1)
(T)
هاشم
الإباضية، ص 83.
عمر، الخليج، ص 138 - 139.
(3) انظر، نقد المصادر، (رسائل جابر بن زيد). (1/113)
صفحة 114
100
السائب،
الإباضية، كمجلس شوري من ذوي القدرات التنظيمية، كضمام بن وأبي الحر الحصين، وحاجب أبي مودود (1)، وسنتتبع الجهود التي قام بها الإملم جابر بن زيد في وضع الأسس الأولى للتنظيم الإباضي الذي بلغ أوجه في زمن خليفته أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أنضج أتباعه إدارياً وسياسياً (3)، على
النحو الأتي:
أو لاً: سياسة الكتمان
اتبع الإمام جابر بن زيد أسلوب السرية والكتمان، كأساس من أسس التنظيم الذي قاده، ففي معظم رسائله التي أرسلها إلى أتباعه في مختلف الأمصار الإسلامية، يؤكد عليهم بأن يلتزموا جانب السرية والحذر، حيث يقول: "انظر .. ما كتبت إليك من كتاب فاتحه (3)، ويطلب منهم. ألا يذكروا اسمه في الأمصار التي يكونون فيها كيلا يفتضح أمره للسلطة الأموية: "واعلم أنك أصلحك الله بأرض أكره أن تذكر لي فيها اسماً فلا ترو عني شيئاً مما كتبت إليك (4)، لذلك استعمل الإمام جابر بن زيد أسلوب التمويه في رسائله لأتباعه، فهو مثلاً: يستخدم مصطلح (الأهل) للإشارة إلى الحر ــة التي يتزعمها، ففي رسالته لعبد العزيز بن سعد يقول له: "فإنا بخير وعافية من الله إن شكرناه واتقيناه وأهلك ومن يشفق عليك، كالذي تحب، لم يحدث ()، كذلك يستخدم مصطلح (المسلمين) لنف
عليهم والحمد الله إلا
خير
('')
(T)
هاشم، الإباضية، ص 93.
عمر، الإمامة، ص 32
) الأزدي، رسالة 14، ورقة 14 ط. (1) المصدر نفسه، رسالة 5، ورقة لط.
(5) المصدر نفسه، رسالة 9، ورقة 1 اب. (1/114)
صفحة 115
101
الغرض (1)، ويذهب محمد عليان إلى أن هذا المصطلح (المسلمين) لا يعني الإباضية بأية حال (2)، إلا أن هذا الاعتراض لا مسوغ له فهذا المصطلح انتشر في رسائل الإباضية، ومؤلفاتهم في القرن الثاني الهجري (3)، وبقي استعماله إلى فترة متأخرة: ففي أقدم مصدر تاريخي إباضي، يقول ابن سلام عند ترجمت
لبعض أئمة الإباضية: فهؤلاء مشايخ المسلمين وفقهاؤهم"
ويبدو
سبب
(E)11
أن هذا الحذر الشديد عائد إلى الظروف الشديدة المحيطة بالحركة الإباضية آنذاك: "فإن أمر الأمراء ما قد علمت، ونحن لهم هائبون
يلتسمون علينا العلل"
; (0) 11
6
ورغم هذه الظروف وشدتها، فإن السلطة الأموية لم
تستطع أن تجد دليلا تدين به الإمام جابر بن زيد وحركته، أما سجن الحجاج لبعض أتباع الإمام جابر بن زيد كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب (6)، فلا يعدو أن يكون مجرد ارتياب في أمرهم ولو وجد الحجاج بن يوسف تهمة، أو دليلاً يدينهم لما توانى في تشديد القبضة عليهم، وقد بلغ حرص الإمام جابر بن زيد على سرية التنظيم الإباضي إلى أن يفتي بإباحة دم من يُسرِّب أخبارها إلى الأعداء، أو يعرضها للخطر، كالحادثة المشهورة في المصادر الإباضية التي فحواها أن رجلاً من أهل الدعوة الإباضية)، يسمى خردلة، خرج منها فجعل يطعن فيها، ويدل على عوراتها، فاستحل الإمام
(1) الأزدي، رسالة 13، ورقة 14 ب.
(T)
عليان الإباضية، ص 158.
(1) انظر: رسالة محبوب بن الرحيل وهو من علماء القرن الثاني الهجري إلى أهل حضر موت. عد أن
مصطلح المسلمين يتردد فيها كثيراً قاصداً به (الإباضية) السير والجوابات، ورقة 74 ط.
(4)
ابن سلام، شرائع، ص 116.
(5) الأزدي، رسالة، 13، ورقة، 14 ط.
(1) الدرجيني،
طبقات
ح
2، ص 247. (1/115)
صفحة 116
102
جابر بن زيد قتله، فقال: "أفضل الجهاد قتل خردلة" (1)، وبقيت سياسة الكتمان التي اتبعها الإمام جابر بن زيد تشكل مرحلة من مراحل الإمامة عند رحلة الاستضعاف (2). الإباضية، وهي مر-
ثانياً: الإمام جابر بن زيد وإعداد الدعاة:
قام الإمام جابر بن زيد ببناء قاعدة من الدعاة المتمرسين في مجالات متعددة كالفقه والسياسة والإدارة، وتفاوتت قدرة هؤلاء الدعاة: فمنهم من برع في مجال واحد، ومنهم من جمع بين أكثر من فن من فنون الدعوة، وبعبارة أخرى نقول: اختلفت مستويات الدعاة فيما بينهم وربما يعود ذلك
إلى الاستعداد الشخصي عند كل، داعية، ونشاطه، ففي المستوى العلمي (*) أو الفقهي، نجد مجموعة من الدعاة قد تميزوا في هذا الحقل، لما للفقه من أهمية كبيرة في جماعة دينية سياسية - كالحركة الإباضية- ونظراً لحاجتها إلى التأصيل الشرعي، لكل عمل تقوم به في الواقع الذي تتحرك فيه، لذلك اهتم الإمام جابر بن زيد بهذا الجانب، حيث نجد في مجالسه العلمية التي يعقدها أبرز أعضاء الحركة الإباضية كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وصالح الدهان وضمام بن السائب، والغطريف أبي هارون العُماني، وحاجب أبي مودود،
وجعفر السماك، وصحار العبدي (3).
(1) الجيطالي، إسماعيل، قواعد، ح 1، ص 77.
(1) انظر: عمر التاريخ، ص 22 الحارثي، الإمامة، ص 26.
() انظر: الفصل الرابع اهتمام الإمام جابر بن زيد بالجانب العلمي في دعوته).
(7) انظر: البخاري، التاريخ، ج 3، ص 232. المزي، تهذيب، ح 4، ص 334 ابن سلام، شرائع، ص 114.
الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 232 الشماخي، السير، ح 1، ص 76. (1/116)
صفحة 117
103
على أن هؤلاء الدعاة لم يكونوا على درجة واحدة من الفقه، فمنهم
من بلغ منزلة عالية فيه، كجعفر بن السماك، وصحار العبدي، وضمام بن السائب وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وهؤلاء أكثر من تميز من تلاميذ الإمام جابر بن زيد في الفقه، ويبدو أنهم كانوا يهيئون من قبل الإمام جابر، ليكونوا فقهاء الحركة من بعده (1)، ويكونوا في مقر الدعوة البصرة - فمن أجل ذلك فإن الإمام جابر بن زيد لم يرسلهم خارج البصرة، وربما أراد من ذلك أن يجعل من هؤلاء الدعاة النواة، أو القادة الذين سيكونون على رأس الحركة الإباضية، بل إنهم ربما كانوا يشكلون مع إمامهم جابر بن زيد مجلس شورى الحركة وقيادتها، نظراً لمسؤوليات الدعوة الكثيرة، مما يجعلهم يشاركون الإمام جابر بن زيد حمل هذه الأعباء، وهذا ما تؤيده المقدرة الإدارية والتنظيمية التي برعوا فيها من بعده: فأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وحاجب أبو مودود، وجعفر بن السماك، وصحار العبدي، لم يكن من اليسير عليهم تسيير شؤون الدعوة الإباضية، لولا الخبرة التي اكتسبوها على يد إمامهم. فجابر بن زيد كان يدرك أهمية وجود مجموعة، أو نخبة من أتباعه متكاملة الجوانب من حيث الكفاءة القيادية والاختصاص).
(2)
ولقد تفوق بعض هؤلاء الدعاة، ووصل إلى زعامة الحركة الإباضية بعد وفاة الإمام جابر بن زيد كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، رغم حداثة سنه بين أقرانه، وإلى جانب أبي عبيدة برز الداعية حاجب أبو مودود، الذي تتلمذ على يد الإمام جابر بن زيد، وتميز بالقدرة على الإدارة التنظيمية، مما
(1) ابن سلام، شرائع، ص 110.
(2) انظر: ابن حنبل العلل، ح 3، ص 468. الدرجيني، طبقات، ح 2، ص 247. الشماخي السير
ص 74 - 84 (1/117)
صفحة 118
مكنه من أن يكون المسؤول عن شؤون الدعاة في مختلف الأمصار، وهذا يفسر قول أحمد بن حنبل فيه: "كان رأساً في الإباضية" (1)، ورغم أنه لم يكن
'"
له باع في الفقه إلا أن علماء الجرح والتعديل عدّوه من الثقات في الرواية حيث قال فيه ابن حنبل، وابن معين: " ثقة " (2)،، مع معرفة أحمد بن حنبل بأنه كان رأساً في الإباضية (3)، وأغلب المصادر الإباضية على أن حاجبا لم يكن له حظ في الفقه (4)، إلا أنها تعدُّه المسؤول عن جمع المال والمعونة للدعوة، وحل الخصومات بين الدعاة).
وهناك الداعية ضمام بن السائب الذي تتلمذ على يد الإمام جابر بن زيد وكان في الفقه بمنزلة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي كان يحيل الناس عليه ليستفتوه، وليعلمهم أحكام الشريعة (6)، ويبدو أن ضماماً قد بلغ
هذه المنزلة بفضل ارتباطه الوثيق بالإمام جابر بن زيد، حيث كان. الحلقة الأولى التي تحيط بالإمام من خلال ملازمته لمجلسه، وهذا انعكس على مستوى ضمام الفقهي، بحيث إنه كان أكثر تلاميذ الإمام جابر بن زيد رواية عنه، وفاق في ذلك أقرانه، وعلى رأسهم أبو عبيدة مسلم أبي كريمة (7) بن
(1)
ابن حنبل، العلل، ص 468.
وقد خلط ابن حجر حين جعل حاجباً أبا مودود وحاجب بن عمر الثقفي شخصاً واحداً هو حا علماً بأن البخاري والإمام أحمد بن حنبل قد فرقا بين الاثنين، واعتبرا حاجباً أباً مودود من تلامي جابر بن زيد، وأنه كان رأساً في الإباضية، مع ذكرهما لحاجب بن عمر الثقفي الذي هو شخص آخر. انظر:
الثقفي.
البخاري، التاريخ، ح 3، ص 79. ابن حنبل، العلل، ح 3، ص 468
(2)
(2)
(t)
ابن حجر، تهذيب، ج 2، ص 122. ابن حيان الثقات، ح 6، ص 238.
حنبل، المصدر السابق، ح 3، ص 468.
ابن
الدرجيني
طبقات
ح 2، ص 216. الشماخي السير، ج 1، ص 86.
(0) انظر: الدرجيني، المصدر السابق، ح 2، ص ص 252 - 262. الشماخي، المصدر السابق.
(1)
انظر: ابن سلام، شرائع، ص 114. الدرجيني، المصدر السابق، ص 247.
ح
ص 86
(7) الدرجيني
المصدر السابق، ح 2، ص 210. (1/118)
صفحة 119
100
ومن خلال قرب ضمام بن السائب من الإمام جابر بن زيد، وكونه من الحلقة الأولى التي تتلقى عنه، تهيأ له أن يكتسب خبرة تنظيمية وحركية، من خلال ممارسته إياها مع إمامه جابر بن زيد في إدارة شؤون الدعوة، مما جعله من الصف القيادي الأول في الحركة الإباضية، وهذا يفسر لنا سبب سجنه مع أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة على يد الحجاج بن يوسف (1)، فيبدو أن نشاطات ضمام السياسية والحركية، قد جعلت الحجاج بن يوسف يشك فيه و في أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وهذا يبين المكانة والمنزلة، التي كانت لضمام بن السائب في الحركة الإباضية. كذلك يبرز جعفر بن ا السماك كأحد الدعاة الذين تتلمذوا على يد الإمام جابر بن زيد، وكان أقرب الذين أخذوا
أنه قد
عنه، ويبدو برع في الناحية السياسية، مما جعل قيادة الدعوة في البصرة ترسله على رأس وفد ذهب لمقابلة الخليفة عمر بن عبد العزيز الله عندما بويع خليفة للمسلمين (99 هـ / 717 م) (3).
وقد اهتم الإمام جابر بن زيد بالمستوى الثاني من ا الدعاة، الذين كان يعدّهم ليكونوا دعاة الحركة الإباضية في الأمصار الإسلامية المختلفة، حيث تلقى هذا القسم من الدعاة تربية علمية فقهية نعم، لم يصلوا فيها جميعاً إلى مرتبة الإفتاء، إلا أن بعضهم تميز في المجال الفقهي إلى جانب قدراته الحركية، بشهادة الإمام جابر بن زيد نفسه، حين يقول لأحد هؤلاء الدعاة: "أتاني كتابك في الذي تحب أن تسألني عنه أن أبلغ فيه ما تطمئن إليه" (3)، ويقول لآخر: " وإنه لعمري ما أنت بمنزلة تعذر بشيء تأتيه يجعل فيه (4)، مما يجعلنا
(1) الدرجيني.
(2) الدرجيني
(3) الأزدي،
طبقات
2، ص 247. ح
المصدر السابق، ح 2 ص 232. الشماخي السير، ح 1، ص 86.
رسالة 6، ورقة 8 ط.
(4) المصدر نفسه، رسالة 11، ورقة 12 ب. (1/119)
صفحة 120
1.7
نخالف الجعبيري الذي ذهب إلى أن هؤلاء الدعاة: "لم: درجة من الإفتاء " (1)، مع أنه ينقض رأيه في موضع آخر ويقول: "بأنهم بلغوا -أي الدعاة درجة عالية من الفقه (2)، وإلى جانب التعليم الفقهي، تلقى هؤلاء ثقافة حركية في المجال السياسي والإداري، تؤهلهم لأن يكونوا قادرين على إيصال الدعوة إلى مختلف شرائح المجتمع الإسلامي، وأن يتولوا أي إداري يمكن أن يلوح لأي داعية منهم (3).
منصـ
وقد انتشر هؤلاء الدعاة في مختلف الأمصار الإسلامية، فالداعية يزيد ابن يسار، كان مركز نشاطه عُمان حيث تمكن من أن يصل إلى أحد مناصب الدولة الأموية هناك: ففي رسالة له من إمام الدعوة جابر بن زيد يقول له: "وقد أتاني كتابك تذكر الذي ولاك الله من أهل عُمان (4)، أما الداعية عنيفة فيبدو أن مركز نشاطه كان إقليم خراسان، وهو ما يتضح من خلال مراسلة الإمام جابر بن زيد له، وإجابته على الأسئلة التي أرسلها هذا الداعية لإمامه، حيث يقول له الإمام جابر بن زيد: "وأما الذي ذكرت من امرأة كانت من أرض خراسان .. ثم خرجت من أرض خراسان .. " (5)، ويبرز ضمن إقليم عُمان الداعية مالك بن أسيد، الذي يخاطبه الإمام جابر بن زيد في أحد رسائله إليه بقوله: "فإنك كتبت لأكتب إليك أن تشتري لي ناقة من
(1) الجعبيري، الحضاري، ص 37.
(2) المرجع نا نفسه، ص 38.
(1
انظر: الأزدي، الرسائل: 12،978، 17،13.
(4) المرجع نفسه، رسالة 8، ورقة 10 ط. ويبدو أن هذا المنصب كان مالياً أي مسؤولية في بيت المال،
يقول له الإمام جابر بن زيد "وأما ما ذكرت من رجل يؤخذ في بيت المال فتتقبل له .. ".
() المرجع نفسه، رسالة 6، ورقة أب .. (1/120)
صفحة 121
107
إبل عُمان، فإن رأيت ذلك فافعل، وقد كان يعجبني أن تأتيني ناقة نجيبة من
نجائب عُمان (1).
أما باقي
الدعاة فإن الرسائل التي وجهت إليهم من قبل الإمام جابر
ابن زيد، لا تفصح عن أماكن وجودهم ولا نستطيع الجزم بأسباب ذلك الأمر، على أنه من المحتمل أن يكون مرده إلى أحد أمرين: أو لهما: حساسية مكانة هؤلاء الدعاة في مناصب الدولة، وثانيهما: أن الرسائل التي وجت إليهم لا تلزم طبيعتها الإشارة إلى المكان الذي يوجدون فيه بخلاف ما وقع في الرسائل التي ذكرت فيها بعض الأمكنة مما اقتضاه موضوع الرسالة.
وقد كان الإمام جابر بن زيد دائم الاتصال بدعاته هؤلاء، مستفسراً عن أحوالهم واحتياجاتهم: ففي معظم رسائله إليهم، يطلب منهم أن يكتبوا له عن احتياجاتهم وعمّا يلزمهم، حيث يقول لبعضهم: "اكتب إلي بما كانت لك حاجة في سر وثقة" (2)، و "واكتب إلي بحاجتك مع ثقتك" (3)، و "واكتب
من
إلى بما كان لك
حاجة (4)
، وهو حريص على أن يقف على أدق أحوالهم، من
بالتفصيل، لما في ذلك من أهمية تنعكس على دعوته، فهؤلاء الدعاة جزء من جماعة، وأي أمر يحدث لأحدهم، يؤثر على باقي أفراد الحركة الإباضية، لذلك كان الإمام جابر بن زيد مطلعاً على صغائر الأمور وعظائمها، متخذاً أسلوب الحزم في أي أمر قد يؤثر على حركته، حيث يقول لأحد هؤلاء
(1) الأزدي، رسالة 15، ورقة 15 ب.
(2) انظر: المصدر نفسه الرسالة، 16، ورقة، 16 ب. (3) المصدر نفسه، الرسالة، 1، ورقة، 3 ب.
(4) المصدر نفسه، الرسالة، 16، ورقة، 18 ب. (1/121)
صفحة 122
108
(1) 11
الدعاة: "فلا تعرض لذلك الأمر تملكنا به (1)، ويقول لآخر: "فدع الريبة
وخذ بالعارف، واكتب إلي بما حدث من أمر قبلكم"
(2)
وتأسيساً على ما سبق نستطيع القول بأن الإمام جابر بن زيد لم تحن
الدعاة القلدة
وفاته إلا بعد أن تمكن من بناء قيادة حر كية تمثلت بمجموعة من المهيئين لتحمل أعباء الدعوة والذين تمرسوا على ذلك من خلال مشاركتهم إمامهم جابر بن زيد في إدارة دفة الحركة الإباضية، وكذلك قام الإمام جابر ابن زيد بإنشاء مجموعات من الدعاة الذين أرسلهم إلى مختلف الأمصار الإسلامية لنشر مبادئ الدعوة الإباضية، وقد عرف هذا النوع من: باسم "حملة العلم" (3)، على زمن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
الدعاة
وقد كان القرآن والسنة المصدرين الرئيسيين اللذين استمد منهما الإمام جابر بن زيد أسس الإعداد لأفراد حركته، وما فيهما من قيم، ومثل عديدة، تصلح للدعاة، ففي كل رسائله تقريباً إلى أتباعه، الذين أرسلهم إلى الأمصار المختلفة، يذكرهم بهذه المعاني، حيث يقول: "فإن استطعت أن تستحق التقوى بقولك وعملك فافعل (4)، فهو يهدف إلى غرس هذه المعاني في نفوس تلاميذه وأتباعه الذين تولى بعضهم مسؤوليات إدارية في الدولة الأموية، لأن هذه المعاني هي التي قامت من أجلها حركته ودعوته، لتطبي
العدل والمساواة بين الناس كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية.
وربما كان
ــق
سبب وجود هذين المستويين في التربية، – حملة العلم ونواة
(1) الأزدي،، الرسالة 16، ورقة 18 ب.
(2)
المصدر
نفسه، الرسالة، 9، ورقة، 1 اب.
(4)
انظر: العوتي، أنساب ح 2، ص 247.
(1) الأزدي، رسالة 13، ورقة 13 ب. (1/122)
صفحة 123
109
الدعوة في البصرة - رغبة الإمام جابر بن زيد في أن يكون هناك مجموعة ذات مكانة علمية مؤهلة تكون قادرة على الإفتاء في الأمور أو المسائل الفقهية
--
للحركة، وضماناً لمنع الطغيان أو التعدي، سواء من أفراد الحركة في طور الدعوة أو طور الدولة، حيث نلحظ أن دور هذه الفئة (العلماء) كان ذا أهمية في تاريخ الحركة الإباضية (1)، فقد كان هؤلاء حريصين في البعد عن شؤون الحكم والإدارة، واكتفوا بمراقبة سلوك الولاة والأئمة الإباضيين، في طور قيلم إمامة ظهور لهم، هذا بينما كان باقي الأفراد يتلقون مستوى متوسطاً من التربية العلمية، إلى جانب تمتعهم بقدرة إدارية، وقد تميزت سياسة الإمام جابر بن زيد مع الدعاة "حملة العلم بالمرونة، إذ لم يكن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، فهو يهدف إلى أن يكسبهم خبرة إدارية في التعامل مع المشكلات، فعندما أرسل إليه أحد أتباعه أن يقضي بينه وبين آخر، قال له: "فإذا جاءك كتابي فكن قاضياً على نفسك، واجتمع أنت وخصمك، عند كتاب الله" (2).
وكان حر حرص الإمام جابر بن زيد على قيم العدل شديداً، حيث إنه كان دائم التذكير بالله وبعقابه، فهو يطلب من أتباعه البعد عن مزالق الظلم، والاعتداء على الناس لأنه كان يرى أن هذا التنظيـ أن يضطلع بمسؤولية إقامة العدل بين الناس، وكان يحث أتباعه على ذلك، وأنه إذا وجدت فرصة حتى ولو كانت في تقلد عمل أداري في الدولة، فإنه يجـ عليهم ألا يضيعوها (3).
(1) انظر: عمر التاريخ، ص 14. الإمامة، ص ص 47 - 49.
(2) الأزدي، رسالة 10، ورقة 11 ب.
(3) المصدر نفسه، رسالة 8، ورقة 10 ط. (1/123)
صفحة 124
110
وقد حرص الإمام جابر بن زيد على نزاهة أتباعه، وإبعادهم عن مزالق الظلم، فعندما أرسل إليه أحد الدعاة يستشيره في الهدايا، فإنه حثه على التنزه عن أخذها، لأنها مزلق من مزالق، الخيانة، خاصة إذا لم يقدم نفعاً لمن
يقدمها إليه (1).
(1) الأزدي، رسالة 14، ورقة 14 ط. (1/124)
صفحة 125
الفصل الرابع
دور الإمام جابر بن زيد الأزدي
في وضع أسس الفكر الإباضي
سياسياً وعقائدياً (1/125)
صفحة 126
/ (1/126)
صفحة 127
113
إحكام التنظيم الإباضي على يد الإمام جابر بن زيد:
قام الإمام جابر بن زيد بتنظيم حركته، بواسطة حلقة منظمة من الدعاة الذين أرسلهم إلى الأمصار المختلفة، وربطهم بمركزه في البصرة، حيث غدت الدعوة الإباضية حركة منظمة لها مركز وفروع، وهي بذلك تشبه التنظيم السري للدعوة العباسية الذي كان يعتمد على الدعاة وبثهم في
الأقاليم الإسلامية المختلفة، مع ارتباطهم بمركز الإمام في الحميمة (1).
أما عدد الدعاة الذين أرسلهم الإمام جابر بن زيد، إلى الأمصار الإسلامية، فإننا لا نتبينه على وجه التحديد، نظراً للسرية المطلقة في تلك المرحلة (الكتمان)، إلا أننا ومن خلال الرسائل التي أرسلها الإمام جابر بن
زيد إلى بعض دعاته نستطيع التعرف على عدد منهم:
1 - راشد بن خثيم -2 عثمان بن يسار -3 طريف بن خليد 4 - غطريف بن الحارث بن عمرو 6 - عنيفة - نافع بن عبدالله 80 - يزيد بن
عبدالسلام
يسار 90 - عبد العزيز بن سعد 10 - سالم بن ذكوان 11 نعمان بن يسـ
12 - عبدالملك
المهلب (2) بن
تدل
ويبدو أن هناك أكثر من داعية في منطقة واحدة، وهو ما نسـ عليه من بعض تلك الرسائل التي أرسلها الإمام جابر بن زيد، فالداعية يزيد ابن يسار من عُمان يقول له الإمام جابر: وقد أتاني كتابك تذكر الذي ولاك الله من أهل عُمان (3)، وكذلك يرسل إلى داعية آخر
(1) بخصوص الدعوة العباسية، راجع، عمر، طبيعة، ص 155 وما بعدها.
(2) انظر الأزدي، رسائل، 1 - 18.
) المصدر نفسه، رسالة 8، ورقة: 10 ط. (1/127)
صفحة 128
112
في عُمان (1)، يبدو أنه المسؤول عن الدعوة فيها فحين عرض هذا الداعية في رسالة أرسلها للإمام جابر بن زيد خصومة داخلية بينه وبين أحد أفراد الدعوة، كان جواب الإمام جابر بن زيد له: " فإذا جاءك كتابي فكن قاضياً على نفسك" (2)، فلم يدعه هنا للتحاكم إلى شخص آخر يكون أرقى منهما في التنظيم مثلاً، بل دعاه إلى أن يكون قاضياً على نفسه، مما قد يعي أنه الداعية الأول هناك (3).
وقد حرص الإمام جابر بن زيد على أن تكون العلاقة بين مركز
للشقاق
الدعوة في البصرة وأطرافها دائمة ومتينة لما في ذلك من منع) والخلاف، فكان بذلك دائم السؤال عن أحوال دعاته حيث يقول لأحدهم: " فدع الريبة، وخذ بالعارف، واكتب إلي بما حدث من أمر قبلكم" (4)، كذلك يبادر الإمام جابر بن زيد للتصدي لأي نزاع بين أفراد الدعوة قائلاً لأحدهم وهو مالك بن أسيد: "فإذا جاءك كتابي فكن قاضياً على نفسك ... فإن التنازع والتشاجر هلاك لأمركما (5)، فهو هنا يحذر هذا الداعية من مغبة الاستمرار على مثل تلك النزاعات الداخلية لأن ذلك من شأنه أن يثبط العمل، وقد يؤدي إلى افتضاح الأمر، وإلى هلاك الطرفين، وهذا ما لا يرضاه أحد منهما، وهما يضطلعان بمسؤولية سرية جسيمة (1).
الإباضية،
(1) الأزدي، رسالة 15، ورقة: 15 ط.
(2) المصدر نفسه، رسالة 10، ورقة 11 ب.
() الجعبيري، الحضاري، ص 41.
(4) الأزدي، رسالة 9، ورقة: 9 ب.
(5) المرجع
نفسه، رسالة 10، ورقة:11 ب.
(1) الجعبيري، المرجع السابق، ص 22. (1/128)
صفحة 129
110
وقد دلت طبيعة المسائل المطروحة في هذه المراسلات، على متابعة الإمام جابر بن زيد، لكل صغيرة وكبيرة عن الدعاة، حيث يقول لأحدهم: " وقد أتاني كتابك تذكر الذي ولاك الله من أهل عُمان، مما ابتلاك به، وتخبرني
أنك حريص على الاقتصاد فيه" (1)، كذلك يقول لآخر: " وكتبت إلي أنك أردت الإذن في الحج، فلم يؤذن لك ...
(2)
كذلك دلت هذه المراسلات على حرص دعاته الشديد على أن يطلعوا إمامهم على كل ما يجري معهم مهما صغر شأنه، فمن طلب الفتوى الفقهية، في بعض المسائل التي تعرض لهم، والأخطاء التي يقعون فيها، حيث يرد الإمام جابر بن زيد قائلاً: "وأما الذي ذكرت من أحوال المسلمين في أرضك وكتبت تستأمرني في أن تستعين بصدقاتها في الجزية ... " (3)، ويقول لآخر: "وأما ما ذكرت أنه يهدي إليك أقوام يرجون نفعك ولا تستطيع لهم
نفعاً فلا تقبل منهم هدية
(E)n.
وقد رسخ هذا المبدأ في الدعوة الإباضية، واستمر بعد الإمام جابر بن زيد، فحين وقع الخلاف بين أهل الدعوة في حضرموت)، أرسلوا إلى مشايخ البصرة يطلبون التدخل لحل النزاع الذي حدث بينهم، فأرسل إليهم الإمام
(1) الأزدي، رسالة 8، ورقة: 10 ب.
(2)
المصدر: نفسه، رسالة 15، ورقة 15 ب. () المصدر نفسه، رسالة 13، ورقة 14 ب.
(1)
1
المصدر نفسه، رسالة 14، ورقة 14 ب.
يتمثل هذا الخلاف في قيام مجموعة من أهل الدعوة الإباضية بعزل رئيسهم عبدالله بن سعيد، وشدوه في الحديد، لأشياء أنكروها عليه، وبايعوا رجلاً يقال له: حسن، فخالفتهم طائفة كرهت ما فعل بعبد الله، فوقع الخصام بينهم، وعلى إثر ذلك أرسلوا إلى مشايخ البصرة يطلبون التدخل. انظر الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 251. الشماخي، السير، ج 1، ص 85. (1/129)
صفحة 130
117
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الداعية حاجب أبا مودود، وهو من شيوخ الإباضية في تلك الفترة، والمسؤول عن شؤون الدعاة، فتمكن من حلّ
النزاع قبل أن يتفاقم (1).
الإمام جابر بن زيد والفرق في البصرة:
سات
لا تذكر لنا المصادر إباضية كانت أم غير إباضية - أي مناقش فكرية جرت بين الإمام جابر بن زيد وممثلين عن الفرق الدينية السياسية المعاصرة: باستثناء مناقشاته للخوارج، وتفنيده لآرائهم.
وتعد مناقشة الإمام جابر بن زيد للخوارج والتي حفظتها لنا المصادر الإباضية، من أهم المناقشات التي تظهر لنا موقفه من آرائهم وخاصة فيمـ يتعلق بحكمهم على عامة المسلمين من تشريك واستباحة لدمائهم، حيـ يذكر ضمام، أن الإمام جابر كان يأتي الخوارج مناظراً لهم في آرائهم، قائلاً لهم: "أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فيقولون: نعم، وحرم الله البراءة منهم بدين؟ فيقولون نعم، فيقول: أو ليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين، بعد تحريمها بدين؟ فيقولون بلى فيقول: وحرم الله ولايتهم بدين، بعد الأمر بها بدين؟ فيقولون: نعم، فيقول: هل أحل ما بعد هذا بدين؟ فيسكتون، ولا يجيبونه بشيء، ويعلق ضمام على هذه المحاورة، قائلاً: "وهؤلاء
(2)
(1)
الدرجيني
طبقات، ج 2، ص 251. الشماخي، السير، ج 1، ص 85.
) عندما يطلق مصطلح (الخوارج) عند الإباضية يقصد به الحركات الثلاثة الأزارقة، النجدات، الصفرية)، حيث يتهمونهم بالمروق لاستباحتهم دماء المسلمين، واستعراضهم، وتحريمهم الزواج منهم، وانتحالهم الهجرة. انظر: السالمي، ح 3، ص 231.
(T)
ويبدو من هذه الرواية أن الحركة التي ناقشها الإمام جابر بن زيد هي الأزارقة). انظر الدرجيني، ا السابق، ح 2، ص 208.
المصدر (1/130)
صفحة 131
117
أصحاب نافع بن الأزرق، ومن قال بقولهم في استحلال أموال المسلمين
بدين
(1)
ولا يذكر لنا ضمام في هذه الرواية المكان الذي جرت فيه هذه المناقشات بل اكتفى بقوله: "كان" يأتي الخوارج، ولكن الغالب أنه البصرة، أو ما حولها، ولا شك أن هذه المناظرات التي كانت بين الإمام جابر بن زيد، والخوارج، تبين حرصه على حقن دماء المسلمين، ورفضه للآراء المتطرفة، التي ترى استحلال هذه الدماء بغير وجه حق، وكذلك فهي تظهر مدى تمسك الإمام جابر بن زيد بخط المحكمة المعتدل، بصفته ممثلاً له بعد ظهور الأزارقة، والنجدات، والصفرية، الذين خرجوا عن هذا الخط، لذلك وجد لزاماً عليه أن يفند هذه الآراء المتطرفة ضد المسلمين الآخرين، رائده في ذلك، عبدالله ابن وهب الراسبي وأبو بلال مرداس بن أديّة التميمي
(2)
وقد استمر سلوك هذا النهج من قبل أئمة الإباضية وعلمائهم والإمام
السماك،
جابر بن زيد، الذين يتمثل موقفهم في العداوة الواضحة من الخوارج، والتبرؤ منهم، حيث شارك بعض مشايخ الإباضية الكبار، كجعفر بن والحنّات بن كاتب الإباضي مع حبيب بن المهلب في حربه ضد الخوارج، إلى، وأقرهم على ذلك إمام الإباضية آنذاك، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (3)، وكذلك تبرأ الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي من بعض أتباعه الذين قالوا بقول الخوارج المتمثل في تشريك أهل القبلة (4)، كما يظـ لنا ــهر
أن قتلا معه
(1)
الدرحيني
، طبقات، ص 208
(2) انظر بالتفصيل مناقشتنا لهذا الموضوع، في الفصل الثاني من الاطروحة.
) الحارثي، العقود، ص 14.
(4) الشماخي، السير، ج 1، ص 97. وانظر: 36. M, Watt, "Kharijite" , DI,P (1/131)
صفحة 132
118
موقف الإباضية من خلال أحد دعاتها البارزين، وهو سالم بن ذكوان (أحد تلاميذ الإمام جابر بن زيد)، الذي قام بتفنيد حجج الخوارج بعد أن عرضها واحدة واحدة، حيث نقد آرائهم هذه المتمثلة في تشريكهم للمسلمين، واستباحة دمائهم) الاستعراض وانتحالهم الهجرة من المجتمع)، وكان موقفه منهم صارماً، قائلاً: "ويجمع ابن الأزرق وأصحابه، ونجدة وأصحابه، ... ومل يعرفوا من الضلالة مخالفتهم إلى ما ينهون عنه ... ويضلهم مع ذلك تحريفهم في قولهم كلام الله عن مواضعه ... ويضلهم خلاف سنة نبيهم ... ويضلهم وما أحدثوا من البدع في قولهم .. ويضلهم شهادتهم بالشرك عليهم .. ويضلهم استعراضهم ويضلهم انتحال الهجرة من (1)، وينتهي سالم بن ذكوان في سيرته إلى موقف جماعة المسلمين
دارهم ... (الإباضية فيما بعد) من كل ذلك بقوله: "ليس" من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا، ولا الغشم في أمرنا، ولا العدا على من
فارقنا" (2).
ويقول أحد علماء الإباضية البارزين في بيان موقف الإباضي
من
الخوارج: "وبرثنا من الأزارقة، بقطعهم على أهل القبلة عذرهم في التقية كافرين، وأوجبوا الجهاد على جميع أهل الإسلام .. وفارق المسلمون (الإباضية) الخوارج كلهم وبرئوا منهم على تسميتهم من أقر بالله، وملائكته ورسله واليوم الآخر بالشرك)، أما السالمي) وهو من كبار علماء الإباضية
في القرن الرابع عشر الهجري) فيقول:
(1)
(2)
ومال أهل البغى لا يحل وإن يكن قوم له استحلوا
ابن ذکوان، سيرة، ورقة 68 ب.
المصدر نفسه، ورقة 72 ب.
) الكندي، الشرع، ج 3، ص 418. (1/132)
صفحة 133
119
خوارج غلت فصارت مارقة من دونها صفرية أزارقة فحكموا بحكم المشركينا جهلاً على بغاة المسلمينا فعرضوا للناس بالسيف كما قد استحلوا المال منهم مغرما وفيهم المروق يعرفنا ومنهم لا شك نبر أنا (1)
الإمام جابر بن زيد وتوجيه الدعوة إلى أقاليم الأطراف:
كان تركيز الإمام جابر بن زيد في دعوته على قبائل الأزد، حيث إن معظم المجموعة القيادية التي كانت تحيط به، أو التي تشكل القيادة الجماعية للحركة هي من الأزد: كضمام بن السائب وأبي نوح صالح الدهان، وحاجب أبي مودود، وربما أراد الإمام جابر بن زيد أن يستفيد من الرابطة القبلية التي تجمعه والأزد نظراً لمكانته وسمعته فيهم (2)، ومن جهة أخرى ربما يعود ذلك إلى إدراك الإمام جابر بن زيد لحالة الأقاليم الإسلامية وخاصة عُمان (موطن الأزد البعيدة نسبياً عن مركز الدولة، مما يسهل قيام كان إباضي هناك (3).
وقد انعكس اهتمام الإمام جابر بن زيد بالأزد على الحركة الإباضية حيث كان معظم أئمة الحركة الإباضية من بعده من أزد عُمان، وكان أشهرهم الإمام الثالث للإباضية: الربيع بن حبيب الفراهيدي، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل (4)، وكان اختيار الإمام جابر بن زيد للأزد ليكونوا عماد دعوته موفقاً، حيث أصبحت عُمان موطن الإباضية الدائم، فعندما اشتدت
(1) السالمي، جوهر، ج 3، ص 231.
(2)
(1)
انظر: العوتي، سلمة، ج 2، ص ص 142 - 147. وانظر: هاشم، الإباضية، ص 171.
قارن هاشم
المصدر السابق، ص 169. عمر الإمامة، ص 31
(1) قارن خليفات ص 120. (1/133)
صفحة 134
120
وطأة الضغط العباسي على الحركة الإباضية اضطر آخر أئمة الكتمان بالبصرة أبو سفيان محبوب بن الرحيل، إلى أن ينتقل إلى عُمان (1)، كما شهدت عُمان قيام أول إمامة إباضية فيها سنة (132 هـ / 748 م)، وبذلك أصبحت عُمان مركزاً رئيساً للإباضية، وقد تشابه هذا النهج الذي سلكه الإمام جابر بن زيد الاهتمام بمناطق الأطراف الإسلامية - بمسلك الدعوة العباسية، التي استفادت من خراسان كإقليم بعيد عن مركز الحكم الأموي، فأرسلت إليه دعاتها حيث أصبح هذا الإقليم مركز انطلاق الدعوة العباسية، وكان فيه معظم الأنصار والأعوان (2).
وقد سار إمام الإباضية الثاني أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة على نهج لإمام جابر بن زيد، حيث إنه اهتم بمناطق الأطراف للأقاليم البعيدة عن مركز الحكم، فقد توجه بأنظاره إلى المغرب، فأرسل داعيته سلمة بن
سعيد
إليها، الذي نجح في نشر مبادئ الحركة الإباضية هناك، وإيفاد مجموعة. أهل المغرب إلى البصرة مقر الدعوة الرئيسي وهم: عبد الرحمن بن رستم الفارسي، وعاضم السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود
القبلي (3).
وترتب على وصول الإباضية إلى المغرب أن أصبح وجودها هناك دائماً، وغدا المغرب موطناً من مواطن الإباضية، حيث عرفوا بـ إباضية المغرب)، وعرف إخوانهم في عُمان بـ (إباضية المشرق)، ونستنتج من ذلك كله أن الموطن الذي وجه الإمام جابر بن زيد أنظاره إليه – وهو عُمان- غدا
(1) السهيل، نايف، الإباضية، ص 65.
(2) انظر، عمر، طبيعة، ص ص 155 - 195.
) الدرجيني
طبقات، ج 1، ص 19. الوارجلاني، الأئمة، ص 41. الشماخي، السير، ج 1، ص 124. (1/134)
صفحة 135
121
مركزاً إباضياً)، وهو ما يدل على بعد نظره، وكذلك نجح خليفته في الحركة الإباضية أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في أن يوجد مركزاً آخر للإباضية هو
المغرب.
الإمام جابر بن زيد وتنظيم النساء في الدعوة:
تميزت دعوة الإمام جابر بن زيد بالاهتمام بالمرأة، وإعطائها دوراً فعالاً في نشاطات الحركة الإباضية، وكان من رؤساء الحركات السياسية القلائل الذين جعلوا للمرأة دوراً هاما في تنظيماتهم، فمن المحتمل أن يكون الإمام جابر بن زيد قد أو جد خلايا خاصة بالنساء أشرف عليها بنفسه، حيث تقول هند بنت المهلب وهي إباضية -: "إن جابر بن زيد كان أشد انقطاعاً إلي وإلى أمي فما أعلم شيئاً كان يقربني إلى الله إلا أمرني به، ولا شيئاً يباعدني عن الله إلا نهاني عنه" جعل مسؤولية إدارة شؤون تنظيم النساء إلى امرأة، وهو ما يتضح لنا من الرواية التي تقول: "لقي جابراً امرأة من أهل الدعوة فوقف ساعة يكلمها
الناس
وتكلمه " (2).
(1)
ويظهر أن الإمام جابر بن زيد قد
فوقوف الإمام جابر بن زيد مع امرأة من أهل الدعوة (الإباضية) لساعة من الزمن يعني أن لهذه المرأة شأناً في الحركة الإباضية، مما تطلب هذه المدة للحديث معها، وقد بلغ الإخلاص والاحترام للإمام جابر بن زيد من
(5) عن الإمامة الإباضية في عُمان انظر: " Vagileri. ,L,V, "L I Mamato Ibadita dell oman
(1) الأصفهاني، حلية، ح 3، ص 89.
(2)
(2) الدرجيني،
طبقات
ح 2، ص 209. (1/135)
صفحة 136
122
نساء الدعوة مستوى من الشعور الجماعي، حيث كن يرسلن له بالجزور في شهر رمضان (1).
وتأسيساً على ما سبق يكون الإمام جابر بن زيد قد وضع اللبنات الأولى لخلايا النساء في الحركة الإباضية، ولم يقتصر نشاط النساء الإباضيات على المشاركة في النشاطات الدعوية، كالاجتماعات التنظيمية فقط، بل تعداه إلى المشاركة في مختلف ميادين عمل الحركة الإباضية كجمع المال للدعوة والمشاركة في المعارك (2).
وقد استمر اهتمام الحركة الإباضية بالمرأة بعد الإمام جابر بن زيـ ففي زمن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة كانت المرأة تساهم في تهيئة اجتماعات شيوخ الحركة الإباضية في بيتها، حيث يورد الشماخي في ذلك: "إن إحدى نساء الإباضية - وتدعى سعيدة زوجة عبدالله بن الربيع خال المهدي- كانت قد اتخذت سرباً) في دارها يجتمع فيه شيوخ الإباضية بالليل (3)، وقد ذكر الشماخي رواية أخرى فحواها: أن أبا سفيان محبوب بن أحد مشايخ الإباضية كان يقول: "كنت أصلي بجماعة النساء في
الرحيل
منزلنا (4)
ونستنتج من هذه الرواية أنه من المحتمل أن يكون أبو سفيان قد أوكلت إليه مهمة الإشراف على تنظيمات النساء في عهد إمام الإباضية
(1)
(1) انظر الشماخي السير، ج 1، ص 71 الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 211.
(2) الشماخي،
المصدر
3) السرب: هوا
(3) الشماخي
السابق، ج 1، ص 92.
السرداب الذي يكون تحت الأرض.
المصدر السابق، ج 1، ص 100.
(4) المصدر نفسه، ج 1، ص 108. (1/136)
صفحة 137
123
الثالث الربيع بن حبيب الفراهيدي، وهو ما نستدل عليه من قول أبي سفيان: "كنت أصلي بجماعة النساء في منزلنا فجاءنا الربيع يوماً من الأيام وجاء
معه
، أبو طاهر فيمن جاء، فقال لي أبو طاهر يا محبوب، إنك تحبس النساء،
وتطوّل عليهن
(1)
وقد بلغت النساء الإباضيات مستوى عالياً من الإعداد الفكري والتنظيمي، مما مكنهن من المشاركة في خوض المعارك الحربية، التي خاضها الإباضية في الحجاز، وشاركن يجمع المال وتموين حركة اليمن بما تحتاجه من مؤونة وسلاح، حيث كانت زوجة أبي حمزة الشاري تلهب حماس الرجال بشعرها وتحمل على الجيش الأموي (2)، وقد قال الجاحظ في نساء الدعوة الإباضية: كان بعضهم يتمنى أن يكون في نسائهم إباضيات"
(1) 11
الإمام جابر بن زيد وترسيخ العلم بين أعضاء الدعوة:
نظراً لمكانة الإمام جابر بن زيد العلمية فإنه قد اهتم بالجانب العلمي،
وهو ما نشاهده في اعتنائه بمجموعة من الدعاة الذين كانوا يساعدونه في إدارة السائب،
شؤون الدعوة الإباضية، كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن الدهان (4)،، وهو ما انعكس على أئمة الإباضية من بعده، حيث لا نجد
وصالح
منهم من لا يتمتع بالمنزلة العلمية المرموقة، بجانب قدرته السياسية والإدارية، فكان هذا ميزة هذه الحركة التي جمعت بين العلم والسياسة، مما سهل مهمة
دعاتها إلى الأمصار المختلفة.
(1) الشماخي، السير، ج 1، ص 108.
(T)
هاشم، الإباضية، ص 82.
(3) الجاحظ، البيان، ج 2، ص 180.
(4) انظر: الفصل الثالث من أطروحتنا. (1/137)
صفحة 138
124
ومن جهة أخرى فإن الفقه الإباضي قد نضج مبكراً على يد إمامه الأول جابر بن زيد، ومن بعده على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، لذلك كانت كل خطوة تخطوها هذه الحركة تستند إلى أدلة علمية شرعية، وبالتالي كان فقهها السياسي ناضجاً منذ البداية، لقيامه على أساس علمي إسلامي، مستمد من القرآن والسنة، والقياس، والإجماع).
وقد حفظ هذا المنهج - الجمع بين العلم الشرعي والاهتمام السياسي - الحركة الإباضية من أن تنزلق نحو التطرف الذي يكون مصدره عادة الجهل أو قلة العلم، وهو ما وقعت فيه بعض الحركات المتطرفة، كالأزارقة، والنجدات، والدعوة العباسية التي لم يكن لبعض قياداتها في خراسان والكوفة ذلك العمق في العلوم الدينية، الذي امتاز به الإمام جابر بن زيد والدعاة المحيطون به
لذلك كان السلوك العملي والحركي للإباضية متميزاً عن غيره، وبالذات تجاه المخالفين لهم، أو تجاه أعدائهم في المعارك، حيث التزموا بالسلوك الإسلامي المعتدل (2).
وقد كانت مواسم الحج فرصة لنشر العلم والدعوة الإباضية بين الناس، لذلك حرص الإمام جابر بن زيد على الحج في أكثر السنين (3)، وكذلك كان أئمة الإباضية من بعده، حيث يقول أبو سفيان محبوب بن
(1) بكوش، مدرسة، ص ص 268 - 283.
(2) انظر: موقف أبي حمزة الشاري من أهل المدينة وموقف طالب الحق من أهل حضر موت، الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 267. الشماخي، ج 1، ص 9 الجاحظ، البيان، ج 2، ص 122.
(3)
الدرحيني
المصدر السابق، ج 2، ص 122. (1/138)
صفحة 139
125
الرحيل في ذلك: "كأن أصحابنا من أكثر الناس حجا (1)، مما يدل على حرص هذه الحركة على الجانب العلمي، قدوتهم في ذلك إمامهم جابر بن زيد الأزدي، و لم يكن يخرج لمواسم الحج إلا أكثرهم فقهاً، ويذكر الداعية أبو سفيان في ذلك: " أنه في أحد مواسم الحج مرض أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الإباضية آنذاك، فأرسل الربيع بن حبيب مكانه (2)، كذلك طلب أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة من ضمام بن السائب أن يقيم بعد موسم الحج لتعليم الناس، وكان جوابه: سألت جابراً، وسئل جابر، وسمعت جابر (3).
-
لذلك فإن إنتاج الحركة الإباضية من الفقه تراف ق مع عملها السياسي - منذ نشأتها على يد الإمام جابر بن زيد، الذي يقال: إن له ديواناً في الفقه، والعقيدة، والحديث يقع في عشرة أجزاء)، وقد أطلق على الحركة الإباضية "المذهب الإباضي"، حيث إن كلمة (مذهب) تشمل "الفروع والأصول" مع أن للإباضية وجهاً آخر، هو الوجه السياسي الذي كان أصل نشأتها على يد جابر بن زيد.
الإمام جابر بن زيد وتعامله مع المخالفين:
نهج الإمام جابر بن زيد الأزدي منهج الاعتدال والتسامح، مع المسلمين المخالفين له في الرأي والعقيدة، بل إنه ساهم في الدفاع عنهم حين تعرضت لهم بعض الحركات السياسية بالتكفير والاستعراض، فقد جادل
(1) الدرجيني طبقات، ج 2، ص 208
(2) المصدر نفسه، ج 2، ص 240. الشماخي، ا السير، ج 1، ص 182،
(3)
كان ضمام أكثر من حفظ عن الإمام جابر بن زيد وعنه أخذ الإباضية معظم فقه الإمام جابر بن زيد.
(6) الوارجلاني، سير، ص ص 140 - 142. (1/139)
صفحة 140
126
الخوارج الأزارقة في ذلك، وبين عدم صحة آرائ ن تخالف العقيدة
الإسلامية، وتسامحها (1).
وسلوك الإمام جابر بن زيد هذا ميّز الحركة الإباضية عن غيرها مـ الحركات المعاصرة لها، والتي انتهجت العنف والتكفير كوسيلة للتغيير، مما سهل مهمة الإمام جابر بن زيد في نشر دعوته بين صفوف عامة المسلمين من مختلف القبائل، وقد أجاز الإمام جابر بن زيد الزواج من المسلمين المخالفين، ففي رواية: أن رجلاً إباضياً اسمه الحسن بن عبد الرحمن، خطب امرأة إباضية وأن أباها استأمرها، فكرهت ذلك، فنهاه الإمام جابر بن زيد أن يزوجها وهي كارهة، ثم خطبها رجل من قومها ليس إباضياً، فشاور الإمام جابر بن زيد فيه، وقد رضيت به فأمر أباها أن يزوجها إياه (2).
وموقف الإمام جابر بن زيد هذا، قد رسخ في الفقه الإباضي جواز الزواج من المخالفين لهم في الرأي والصلاة خلفهم وأكل ذبائحهم (3)، لذلك أجاز الإباضية شهادة مخالفيهم، وحرموا الاستعراض إذا خرجوا، وحرموا دماء مخالفيهم، وحكموا أنهم إذا انهزموا فلا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يحل منهم سبي. عيال، ولا غنيمة مال (4).
(1) الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 208
(2) الشماخي، ا
السير، ج 1، ص 104.
(3) الجيطالي، قواعد، ج 1، ص ص 48 - 109.
(4) الأشعري، مقالات، ص 20.
ينقل الأستاذ عمر با عن المسعودي (في مروج الذهب أن وفداً من الإباضية زار الخليفة عمر بن - العزيز حين ولي الخلافة، فطلب منه هذا الوفد أن يمنع لعن الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وأن يبدله بقوله تعالى "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون". (1/140)
صفحة 141
127
وقد سارت الحركة الإباضية من بعد الإمام جابر بن زيد على الطريق
التي رسمها لها، وغدا التسامح تجاه المخالف في الرأي والعقيدة، يشكل ركناً هاماً من مبادئها التي تحملها، حتى عند أشد لحظات المواجهة:
فعندما دخل الداعية الإباضي أبو حمزة الشاري سنة 130 هـ / 747 م إلى أن انتصر على أهلها، خاطبهم قائلاً: "يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم، إلا ثلاثة مشركاً عابد وثن أو مشركاً من أهل الكتاب أو إماماً
المدينة بعد
جائراً (1)
فرغم انتصار أبي حمزة على أهل المدينة في ساحة المعركة، فإنه لم يستبيح دماءهم، و لم يشركهم، أو يكفرهم، والموقف بعينه نهجه الإمام الإباضي عبدالله بن يحيى (المعروف بطالب الحق)، حين استولى على صنعاء سنة (129 هـ / 747 م)، حيث أعلن لأهلها برنامجه السياسي الذي اتسم بالمرونة، موضحاً فيه وجهة نظر الإباضية، وأهداف حركته وطبيعتها، وقد
خير الناس في اتخاذ الموقف الذي يناسبهم، في ضوء ثلاثة اعتبارات، وهي: أولاً: أن يوافقوا الإباضية في آرائهم فلهم بذلك مالهم وعليهم ما عليهم. ثانياً:: من لا يستطيع أن يجاهد معهم فليلتزم الحياد.
ثالثاً: أن كل من يكره السياسية الإباضية فله ذلك، بشرط أن يكف يده، ولسانه عنهم، مقابل منحه الأمان، في ماله وأهله.
فاستجاب لهم الخليفة وأبطل سنة لعن الإمام علي له من على المنبر التي سنها معاوية بن أبي سفيان. انظر:
با عمر دراسة ص 104.
(1)
انظر: خطبة أبي حمزة الشاري، الطبري، تاريخ، ج 4، ص 329. الجاحظ البيان، ج 2، ص 122. الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 263. الشماخي، السير، ج 1، ص 91. (1/141)
صفحة 142
128
وقد قام بعد ذلك بتقسيم الأموال التي غنمها على فقراء أهل اليمن،
على أساس العدل والمساواة (1)، وفي المغرب سلك الإمام الإباضي أبو الخطاب المعافري المنهج ذاته، فحين دخل مدينة طرابلس أعطى الأمان الحاكمها ولأهلها (2).
وترسخ الموقف هذا في كتب الإباضية تحت باب (الولاية والبراءة) وفصلوا في أحكامه مستندين في ذلك على القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومل قام به أئمتهم الأوائل، وحرصوا على ضبط هذا الموضوع، وبيان أمره (3).
وقد اتبع الإمام جابر بن زيد الأسلوب نفسه مع ولاة السلطة الأموية
في العراق (كعبيد
الله
هما
بن زياد، والحجاج بني يوسف حيث صلى خلف وأخذ العطاء منهما (4)، و لم يسلك الإمام جابر بن زيد طريقاً متطرفاً في علاقته مع المجتمع والدولة، كما فعلت بعض الحركات السياسية، حين انتحلت الهجرة من المجتمع، ورفضت أي تعامل مع السلطة مهما كان، وجعلت من العنف المسلح منهجاً وحيداً للتغيير، كما فعل ذلك الأزارقة والنجدات (9)، بل إنه حافظ على سياسة معتدلة تجاه السـ لطة، وولاتها في البصرة، فقد اعتذر عن تولي منصب القضاء حين عرضه عليه الحجاج بن يوسف (6)، فهو يريد لحركته أن تبقى بعيدة عن أجواء الحكم، حتى لا تعطي
(1) انظر: هاشم، الإباضية، ص ص 114 - 115.
(T)
الوارجلاني، الأئمة، ص ص 64 - 65.
(3) انظر: الكندي، بيان الشرع، ج 3. الجناوني، الوضع، ص 22 - 34. الجيطالي، قواعد، ج 1، ص ص 47.
97. السعدي، قاموس، ج 8، ص 45 السالمي، مشارق، ج 2، ص 336. (4) انظر: الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 211. الشماخي، السير، ج 1، ص 70. (5) الأشعري، مقالات ص 11. الشهرستاني، الملل، ص 116. المصدر السابق، ج 2، ص 211. الشماخي، المصدر السابق، ج 1، ص 70.
(1) الدرجيني، (1/142)
صفحة 143
129
شرعية له أمام العامة، مع أنه لم يمانع في أن يتولى بعض دعاته المستورين مناصب إدارية في الدولة، فعندما أرسل إليه أحد هؤلاء الدعاة رسالة يبين له فيها أنه قد عرض عليه منصب في الدولة وهو زاهد فيه، رد عليه في رسالة قائلا له: "وقد أتاني كتابك تذكر الذي ولاك الله من أهل عُمان مما ابتلاك به،
وتخبرني أنك حريص على الاقتصاد فيه. ولئن ضيعت ذلك فما يحمل وزر
ذلك غيرك الشيطان (1)، وقد التزم أئمة الحركة الإباضية من بعد الإمام جابر بن زيد بسلوكه السياسي هذا، و لم يعملوا في الدولة أو في منصب من مناصبها (2).
ولعمري لقد استعملت على عمل شريف إن لم يفسدك
أما بخصوص
الثورة، أو الخروج على أئمة الجور، فقد اتخذ الإمام جابر بن زيد موقفاً معتدلاً، فلم يشارك في أية ثورة علنية قامت ضد بني أمية، ربما ظناً منه بأنها لا تملك مقومات النجاح المطلوبة، فلذلك لم يكن ليتعجل الأمر، وينضم بحركته الناشئة إلى تلك الثورات، فالثورة في نظره تحتاج إلى تخطيط وإعداد مضمون، يفرض نتائجه بصورة طبيعية، ومما يؤيد هذا السلوك السلبي تجاه الثورة، أو الخروج من طرف الإمام جابر بن زيد: التطبيق العملي للأئمة الذين جاءوا من بعده)، كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي لم يكن ليخطو خطوة، إلا وقد كان الإمام جابر بن زيد قد سلك فيها مسلكاً معيناً، حيث رفض أبو عبيدة التسرع في إعلان الثورة على بني أمية، في وقت لم تكن حركته قد أتمت استعدادها، كذلك رفض أن يشارك في ثورة عبد الله ابن الحسن العلوي، أو أن يؤيده، نظراً لعدم قناعته بإمكانية النجاح لها (3).
(1)
(1 الأزدي)
(2)
رسالة 8، ورقة، 10 ط.
انظر في ذلك الدرجيني، طبقات الشماخي السير. الوارجلاني، سير.
انظر الفصل الثاني، عن علاقة الإمام جابر بن زيد بعلماء عصره. (3) الشماخي، المصدر السابق، ج 1، ص 78. (1/143)
صفحة 144
130
وبدلاً من ذلك اختار الإمام جابر بن زيد سياسة الكتمان، والإعداد بشكل سري، كوسيلة أنجح، لذلك لم يكن الخروج واجباً عنده، بل كان جائزاً إذا اكتملت شروطه (الإعداد)، على عكس بعض الحركات السياسية التي قالت بأن الثورة، أو الخروج على الحاكم الجائر، واجبة في كل وقت (1)، فكان رأي الإمام جابر بن زيد أو مسلكه هذا متوسطاً بين من يقول: بعدم الخروج (2)، ومن يقول بأنه واجب.
الإمام جابر بن زيد واستعمال التقية:
اتخذ الإمام جابر بن زيد التقية في مرحلة الكتمان كوسيلة دفاعية تحميه وجماعته من بطش السلطة وأعوانها، وهو ما تجلى واضحاً في رفضه تولي منصب القضاء للحجاج بن يوسف حين عرضه عليه، حيث تخلص من هذا العرض بلباقة وذكاء (التقية) قائلا له: "إني أضعف من ذلك فقال الحجاج: وما مبلغ ضعفك؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شر فلا أحسن أن أصلح بينهما قال إن هذا لهو الضعف (3)، وينقل الربيع بن حبيب حديثاً عن الإمام عبدالله بن عباس، جاء فيه: قال جابر بن زيد: سئل عبدالله بن عباس
جابر عن
عن التقية، فقال: قال النبي الله: "رفع الله عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما لم
يستطيعوا، وما أكرهوا عليه".
(1)
(T)
) كالأزارقة والنجدات انظر الشهرستاني، الملل، ص 116.
) (كالأشاعرة انظر: الغزالي، أبو حامد، الاقتصاد، ص 150. (7) الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 211. الشماخي، السير، ج 1، ص 70.
() الربيع بن - حبيب بن عمرو بن الربيع بن راشد الفراهيدي العُماني البصري، محدث مشهور، تتلمذ على يد الإمام جابر بن زيد، والإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأبي نوح صالح الدهان، وقد وثقه جماعة من علماء الجرح والتعديل، منهم: ابن حنبل، العلل، ج 2، ص ص 56 492. ابن حبان الثقات، ج 6، ص 299. (1/144)
صفحة 145
131
كما ينقل الربيع قولاً لجابر بن زيد يقول فيه: قال ابن مسعود: "ما
من كلمة تدفع عني ضرب سوطين إلا وتكلمت بها" (1).
و لم ينفرد الإمام جابر بن زيد بالقول بمبدأ التقية والعمل به، فقد قلل به صديقه الحسن البصري الذي يقول: "التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة" (2).
وقد طبقت الحركة الإباضية من بعد الإمام جابر زيد هذا المبدأ (التقية) وقام علماؤها بتأصله وتبيين أحكامه وشروطه، بحيث كانت عندهم جائزة في القول، غير جائزة بالفعل، وبشرط ألا تجر ضرراً بإنسان، أو تلف نفس)، وفي ذلك يقول السالمي:
أجز تقية بقول إن خلص من نيل خير من به القول يخص وامنعها في إتلاف نفس إن جنى والخلف في إتلاف مال ضمنا (4)
و لم تكن الحركة الإباضية هي الوحيدة التي قالت بالتقية، بل قالت به المذاهب الإسلامية الأخرى، حيث كانت هذه المذاهب (باستثناء الشيعة الإمامية) تطلق على التقية مصطلح (الإكراه) وهو ما نستدل عليه من شروط
(1)
الفراهيدي المسند،
ح، ص 206. وقد ورد هذا الحديث عن ابن عباس في أكثر كتب الحديث وبطرق مختلفة منها " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وأخرى أن الله وضع عن أمي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وأخرى: "تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" انظر: الحنبلي، ابن رجب، جامع ص 35. ابن ماجه، محمد، سنن، ج 1، ص 659. البيهقي، أحمد، السنن، ج 7، ص 356. الدارقطني علي، سنن، ج 4، ص 171.
(T)
انظر: الرازي، فخر الدين، التفسير، ج 8، ص 12. القرطبي، محمد، الجامع، ج 5، ص 197. (3) انظر: الكندي، الشرع، ج 6، ص 119. الكدمي، المعتبر، ج 1، ص 212.
(4)
السالمي، مشارق، ج 2، ص 399 (1/145)
صفحة 146
132
الإكراه عندها والتي تماثل شروط التقية عند الإباضية والشيعة الإمامية، ومن
هذه الشروط:
- أن لا يصل) الإكراه حد القتل، أو الزنا، أو إتلاف المال (1). وقد استخدم بعض أئمة المذاهب مصطلح التقية، كالإمام الشافعي، والإمام الفخر الرازي، اللذين قالا بجوازها (2)، أما الشيعة الإمامية فقد قالت بجواز التقية، ولكن بشروط هي عين الشروط التي قالت بها المذاهب الإسلامية الأخرى، ومن هذه الشروط:
- أن لا تصل إلى حد القتل، حيث ينقل الكليني في ذلك، عن الإمام جعفر الصادق، قوله: " إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليست تقية"، ورواية أخرى عن أبي حمزة: "إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (3)، وهي عندهم من فرعيات الدين، وليست من أصول الدين
(1)
ويبدو أن الحركة الإباضية والحركة الشيعية من أكثر الحركات السياسية استخداماً لهذا المبدأ (التقية)، ويعود ذلك إلى أن هذه الحركات كانت من حركات المعارضة النشيطة والفعّالة منذ القرن الهجري الأول، مما
(1)
عابدين، محمد حاشية، ج 6، ص 128. ابن حزم المحلى، ج 9، ص 258 ابن حجر، شرح، ج 12،
ابن
ص 311.
(2) الرازي، التفسير، ج 8، ص 12.
ومن أشهر العلماء الذين استخدموا مبدأ (التقية) إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين، والقواريري، وسجادة،
فيما سمي بـ (محنة خلق القرآن حيث قالوا بأن القرآن مخلوق. ويعلق الطبري بقوله: (قالوها تقية).
انظر: الطبري، تاريخ، ج 5، ص ص 188 - 194.
(
انظر: (باب التقية): الكليني، محمد، الكافي، ج 2، ص ص 219 - 224.
(4) انظر: بالتفصيل: الموسوي، عباس الشيعة، ص ص 15 - 34. (1/146)
صفحة 147
133
جعلها عرضة للقمع من قبل السلطة، فكان عليها أن تجابه هذا التحدي بوسائل مختلفة منها التقية (1)، ولا يعني استخدام مبدأ التقية من قبل الإباضية
والشيعة أنهم يتصفون بالجبن، بل إنهم حين ينشب القتال ويشتركون فيه كانوا يظهرون من الجرأة ما لا يقل عما كانت تفعله الحركات الأخرى التي لا تعمل بالتقية، كالأزارقة. (3). وبهذا يتبين لنا أن الإمام جابر بن زيد قد رسخ مبدأ التقية في دعوته فأخذت به من بعده، كوسيلة تقيها من أعدائها، الذين
يتربصون بها.
دور الإمام جابر بن زيد في استمرار الحركة الإباضية وبقائها:
كان للسياسة الهامة التي اتبعها الإمام جابر بن زيد أثر في بقاء الدعوة الإباضية واستمرارها من بعده، رغم محاولات السلطة آنذاك القضاء عليها، وتتلخص أهم هذه السياسات التي حفظت الدعوة الإباضية من الاندثار في
عدة أعمال هي:
- اتباع الإمام جابر بن زيد أسلوب الإعداد السري (الكتمان)، أو بمعى آخر لجؤوه إلى التنظيم الذي يقوم على إعداد الدعاة، وبثهم في أرجاء الدولة، لذلك لم تكن دعوته حركة عسكرية بحتة كالأزارقة والنجدات، الذين اعتمدوا على الهجمات العسكرية أو العنف المسلح) السبب الذي عجل في اندثارهم، نظراً لتفوق الدولة عليهم من ناحية العدد والعدة (3).
(1) الموسوي، عباس، الشيعة، ص 23.
(2) انظر: فلهاوزن، الخوارج، ص 68
(3) انظر: (حركات الأزارقة في الطبري، تاريخ، ج 3، ص ص 408 - 611. (1/147)
صفحة 148
134
- عدم انفصال الإمام جابر بن زيد عن المجتمع الإسلامي مما ساعد دعاته على الاحتكاك بالناس، والتعرف على مشاكلهم، ونشر آرائهم بينهم، وهذا الأمر كان على عكس ما قامت به بعض الحركات السياسية، التي انتحلت ما سمي (بالهجرة من المجتمع كالأزارقة والنجدات، الذين كان لانعزالهم الأثر الكبير في القضاء عليهم من قبل السلطة (1).
- اعتدال رأي الإمام جابر بن زيد وحركته تجاه المسلمين المخالفين لهم في العقيدة والرأي، مما أبعد دعوته عن مزالق التطرف المنفرة للناس، وسهل
انتشارها بينهم
(2)
- سعي الإمام جابر بن زيد في إيجاد كيان سياسي لدعوته في مناطق الأطراف (كعمان)، لكونها بعيدة عن مركز الدولة، مما يبعدها عن أعينها و سلطتها، التي تكون عادة ضعيفة في تلك المناطق، وهو ما تحقق بعد وفاته، حيث نجحت حركته في إقامة إمامة إباضية هناك، وأصبحت عُمان من أهم مواطن الإباضية (3).
(1) انظر: 45. Ennami, studies, p.
(2)
انظر: موقف الإمام جابر بن زيد ودعوته من المسلمين المخالفين لهم.
) انظر في ذلك عمر الإمامة.
ص
25 (1/148)
صفحة 149
خاتمة البحث (1/149)
صفحة 150
/ (1/150)
صفحة 151
137
خاتمة البحث
اتضحت لنا من خلال دراستنا - خصائص شخصية الإمام جابر ابن زيد التي اتصف بها، وجعلت منه قائداً متميزاً، كالدهاء السياسي الذي مكنه من أن يقود الحركة الإباضية، وأن يتعامل بذكاء مع السلطة الأموية.
كذلك اتضحت لنا مكانة الإمام جابر بن زيد العلمية عند شيوخه: كالصحابي عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما، وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وعلماء عصره: كالحسن البصري، وعند علماء الجرح والتعديل (علماء أحوال الرجال والرواة حيث عدّه هؤلاء من كبار التابعين، وأكثرهم
علماً.
وقد اتضحت لنا صلة الإمام جابر بن زيد بعلماء عصره وعلى الأخص علاقته بالحسن البصري صديقه الحميم، حيث كان الاثنان من تيار المعارضة السياسية للسلطة الأموية، والفارق الوحيد بينهما: أن الحسن البصري لم ينتم لحركة منظمة بخلاف الإمام جابر بن زيد زعيم الحركة
الإباضية.
كذلك ألقينا الضوء على العلاقة التي ربطت الإمام جابر بن زيد
من
بعكرمة الصفري مولى ابن عباس حيث كانت هذه العلاقة المتانة بمكان، مما جعل الإمام جابر بن زيد يشهد بأنه أعلم الناس، حاثاً إن ا إياهم على أن
يسألوه، وترتب على هذه العلاقة المتسامحة، تسامح أتباعه معه حى سافر
سلمة
بن سعيد إلى المغرب معه على جمل واحد. (1/151)
صفحة 152
138
وقد تبين لنا خلال دراستنا للوثائق التاريخية التي حصلنا عليها: من (أن الإمام جابر بن زيد الأزدي مؤسس الحركة الإباضية ومنشئها)، هذا خلافاً لما هو سائد عند المؤرخين القدامى والمحدثين، من أن عبدالله بن إباض القائد المؤسس للدعوة الإباضية، حيث بينت الدراسة أن الإمام جابر بن
هو
زيد كان المنشئ والمؤسس لهذه الدعوة بعد انقسام تيار المحكمة في نهاية سنة (64 هـ)، وأن نسبة الحركة إلى عبد الله بن إباض كان مردها إلى خلط المؤرخين وكتاب الفرق بين كون عبدالله بن إباض أحد القادة الفعالين سياسياً في المحكمة، وكون جابر مؤسساً للحركة التي انضم إليها عبدالله بن إباض، وكانت شهرة عبدالله بن إباض عند الانقسام هي السبب الذي أو هم بأنه صاحب حركة، رغم أنه بقي في البصرة بعد انقسام المحكمة، ولم يرد له ذكر بعد ذلك، ولعبدالله بن صفار، حيث بينت الدراسة أنهما قد اتجها للتفقه في الدين، وطلب العلم على يد علماء البصرة كجابر بن زيد الأزدي و عمران بن حطان، فقد قام كل واحد من هذين العالمين بتأسيس حركة دينية وسياسية هو زعيمها، وانضم على إثرها عبدالله بن إباض لحركة الإمام جابر ابن زيد (التي عرفت بالإباضية وانضم عبدالله بن صفار لحركة عمران بن حطان (التي عرفت بالصفرية).
وقد اتضح لنا من خلال هذا البحث أن السبب المباشر والرئيس لمعركة النهروان لم يكن هو مقتل عبدالله بن خباب، بل إن هناك أسباباً أخرى كان منها الدور الذي قام به معاوية بن أبي سفيان، بواسطة الأشعث ابن قيس الكندي الذي ضغط باتجاه قتال أهل النهروان قبل قتال أهل الشام.
حطان
كما تبين من خلال تتبع المصادر التاريخية أن عمرا بن الصفري لم يسجن على زمن الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق، بل إن (1/152)
صفحة 153
139
الحجاج طلبه فهرب متخفياً حتى وصل إلى عُمان، وأن أبيات الشعر التي نسبت إليه في مديح الحجاج لم يقلها، وإنما كانت لأحد أفراد جيش قطري ابن الفجاءة الذي سجنه الحجاج بن يوسف ثم أطلق سراحه فقال هذه الأبيات يشكر فيها صنيع الحجاج معه
وقد ظهر لنا من خلال هذه الدراسة أن الرواية التي تظهر الإمام جابر ابن زيد الأزدي متبرئاً من الإباضية ليست صحيح ة، ولا تساير الواقع التاريخي، فضلاً عن أنها لا تصمد أمام الروايات الموثوقة لكبار علماء الرجال (الجرح والتعديل) - كيحيى بن معين الذي قال عن الإمام جابر بن زيد بأنه "كان إباضياً".
وقد تبين لنا من هذه الدراسة موقف الإمام جابر بن زيد الحركات السياسية الدينية المعاصرة له وخاصة الأزارقة، حيث فنّد أقوالهم، وبين خطل آرائهم التي ينادون بها، فتبيّن لنا بذلك الخلاف العقدي، والسياسي الذي ميز الحركة الإباضية عن غيرها من الحركات، واتضح لنا أن ميزة الاعتدال هذه هي أحد مبررات بقائها كمذهب إسلامي يمثل استمرار عقائد المحكمة الأولى حتى تاريخنا المعاصر.
وقد تطرق البحث إلى علاقة الإمام جابر بن زيد بالسلطة الأموية، حيث اتضح أن الإمام جابر زيد قد انتهج سياسة ذكية، ومرنة تجاه ولاة بني أمية في العراق، مكنته من أن يحافظ على حركته من بطش الأمويين، إلا أن هذا لم يَعْنِ صداقة حميمة بينه وبين بعض هؤلاء الولاة (كالحجاج بن يوسف الثقفي بخلاف ما ذهب إليه بعض الباحثين. (1/153)
صفحة 154
12.
خلافاً لما هو
كذلك ظهر لنا من خلال تمحيص الروايات، وتتبعها متداول بين الباحثين أن الإمام جابر بن زيد لم ينف إلى عُمان، ولقد تناولت الدراسة جهود الإمام جابر بن زيد في بناء التنظيم الإباضي، وإحكامه بوسائل متعددة كسياسة الكتمان التي رسخها في حركته حيث أصبحت أحد أنواع الإمامة أو مسالك الدين عند الإباضية من بعده فيما عرف بإمامة
الكتمان).
كما تناولت الدراسة دور الإمام جابر بن زيد في إعداد الدعاة المتمرسين لنشر مبادئ الحركة الإباضية في الأمصار الإسلامية، حيث استفدنا في هذه المسألة من الوثائق التاريخية التي ظهرت مؤخراً (كرسائل الإمام جابر ابن زيد إلى دعاته في الكشف عن بعض أوجه النشاط التنظيمي للحركة الإباضية كوجود مستويات مختلفة فيها، فقد كان لكل واحد منهم دوره في الدعوة، فهناك الدعاة الذين أرسلوا إلى الأمصار البعيدة عن مقر الحركة في البصرة، وهناك أيضاً مجموعة قيادية مع الإمام جابر بن زيد تعاونه في إدارة شؤون التنظيم، كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب، كما توجد هناك مجموعة الأتباع العاديين الذين يشكلون القاعدة العريضة للحركة
الإباضية. (1/154)
صفحة 155
181
1 - المخطوطات:
فهرس المصادر الأصيلة
- ابن بركة، عبدالله بن محمد، من علماء القرن الرابع الهجري). التقييد، نسخ عادي، مكتبة زهران المسعودي، الرستاق، سلطنة عمان.
فقه
الهجري).
- ابن رزيق، حميد بن محمد من علماء القرن الثالث عشر الصحيفة القحطانية، أنساب نسخ عادي نسخة مصورة عن المخطوطة الأصلية بمكتبة جامعة اكسفورد، تحت رقم-1261. - ابن مداد، محمد عبدالله بن (ت-917 هـ). صفة نسب العلماء وموتهم وبلدانهم، تاريخ نسخ عادي مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة،
مسقط - سلطنة عمان، نسخة أصلية، تحت رقم 156.
- الأزدي، جابر بن زيد، (ت-93 هـ). رسائل، خطابات للدعاة، نسخ مغربي في القرن السادس الهجري، المكتبة البارونية، جربة-تونس، خلص، نسخة أصلية، تحت رقم 2/ 28.
- الأزكوي، سر- رحان بن سعيد، (من علماء القرن الحادي عشر الهجري) كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تاريخ، نسخ عادي، مكتبة السيد
محمد بن أحمد البوسعيدي السيب - سلطنة عمان، خاص، نسخة أصلية. - ذكوان، سالم، (توفي في القرن الهجري الأول سيرة. عقيدة، مخطوطة بمكتبة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي ضمن مجموعة، -ولاية العوابي - الوليجا بسلطنة عمان، خاص.
- الرقيشي، أحمد بن عبدالله،، (ت- من علماء القرن العاشر الهجري). مصباح الظلام، فقه، نسخ عادي مكتبة السيد محمد بن أحمد
البوسعيدي)، السيب - سلطنة عمان، خاص، نسخة أصلية. (1/155)
صفحة 156
142
1 - المصادر المطبوعة:
- القرآن الكريم.
- ابن الأثير، عز الدين علي بن
(ت-630 هـ). الكامل في
التاريخ، تحقيق أبي الفداء عبدالله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت،
ط 1، 1987.
- ابن حجر، ر، أحمد بن علي، (ت-852 هـ).
.. هدي الساري مقدمة فتح الباري، دار الفكر - بيروت،
د. ط، 1993.
.. تهذيب التهذيب، دار صادر - بيروت، ط 1، 1968. ..... الإصابة في تميز الصحابة، دار الكتب بيروت، ط 1، 1995. ...... فتح الباري بشرح صحيح البخاري، المطبعة السلفية، القاهرة،
د. ط، د. ت.
- ابن حزم علي بن أحمد، (ت 456 هـ). مراتب الإجماع، تحقيق لجنة إحياء التراث دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 2، 1982.
.. المحلي، دار الجيل، بيروت، د. ط، د. ت.
- ابن حنبل، أحمد، (ت 241 هـ). العلل ومعرفة الرجال المكتب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1988.
- ابن خلفون، أبو يعقوب يوسف، (من علماء القرن السادس الهجري). أجوبة، تحقيق-د. عمرو خليفة النامي، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، ط 1، 1984. (1/156)
صفحة 157
143
- ابن خياط، خليفة (ت 240 هـ). الطبقات وزارة الثقاف ة، دمشق،
د. ط، 1966.
.. تاريخ، تحقيق د. أكرم ضياء العمري، دار القلم
بيروت، ط 2، 1977.
- ابن دريد محمد بن الحسن (ت 321 هـ). الاشتقاق، دار الجيل- بيروت، ط 1، 1991.
- ابن رجب الحنبلي، عبد الرحمن بن أحمد، (ت-795 هـ) جامع العلوم والحكم، مكتبة مصطفى البابي الحنبلي، مصر، ط 4، د. ت.
- ابن سعد، محمد، (ت- 210 هـ) الطبقات الكبري، دار صادر-بيروت،
د. ط، د. ت.
- ابن سلام، (ت 273 هـ). بدء الإسلام وشرائع الدين، تحقيق، فيرنز
شفارتس وسالم بن يعقوب دار صادر، بيروت، د. ط، 1986. - ابن عابدين محمد أمين (ت 1252 هـ). حاشية رد المحتار على الدر المختار، مكتبة - مصطفى الحلبي، القاهرة، ط 2، د. ت.
- ابن عبد البر، يوسف بن عبدالله (ت-463 هـ). الاستيعاب في معرفة الأصحاب، دار نهضة مصر، القاهرة، د. ط، د. ت.
- ابن عساكر، علي بن حسن (ت-571 هـ). تهذيب التاريخ الكبير،
دار المسرة - بيروت، ط 2، 1979.
- ابن قتيبة، عبدالله بن مسلم (ت 276 هـ). عيون الأخبار، تحقيق-
د. يوسف علي طويل دار الكتب العلمية، بيروت، د. ط، د. ت.
- ابن ماجة محمد بن يزيد (ت-273 هـ). سنن دار إحياء الكتـ
العربية-القاهرة، د. ط، د. ت. (1/157)
صفحة 158
122
- ابن معين، يحيى، (ت 233 هـ). التاريخ، تحقيق-أحمد محمد نور سيف،
الناشر - جامعة الملك عبد العزيز مكة، ط 1، 1979.
ابن منظور محمد بن مکرم (ت) - 711 هـ). لسان العرب، دار صادر - بيروت، ط 1، 1990.
- أبو العرب التميمي، محمد بن أحمد (ت 333 هـ). المحن، تحقيق-د. يحيى الجبوري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، د. ط، د. ت.
- أبو نعيم، أحمد بن عبدالله الأصفهاني (ت 430 هـ). حلية الأولياء
وطبقات الأصفياء، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 4، 1985. - الأزكوي، سرحان بن سعيد (ت- من علماء القرن الحادي عشر الهجري). تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة، تحقيق-د. عبد المجيد القيسي، الناشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، د. ط،
د. ت.
- الأشعري، علي بن إسماعيل، (ت 330 هـ). مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق-محمد محي الدين عبد الحميد، دار الحكمة
دمشق، ط 1، 1994.
- الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين (ت-356 هـ). الأغاني،
تحقيق-دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1، 1994. - البخاري، إسماعيل بن إبراهيم (ت 256 هـ). التاريخ الكبير، دار الكتب العلمية -بيروت، د. ط، د. ت.
- البرادي، أبو القاسم بن ابراهيم (ت 810 هـ). رسالة في تقييد كتب أصحابنا، ضمن كتاب دراسة في تاريخ الإباضية، تحقيق، د. محمد عزب
وآخرون، دار الفضلية، د. ط، د. ت. (1/158)
صفحة 159
120
.. الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات، طبعة حجرية
القاهرة، 1884.
- البستي، محمد بن حبان (ت 354 هـ). مشاهير علماء الأمصار،
القاهرة، د. ط، 1959.
- الثقات دار الفكر - بيروت، ط 1، 1980.
- البسيوي، أبو الحسن علي بن محمد من علماء القرن الخامس الهجري). - مختصر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، د. ط، 1986.
- الجامع، مطابع جريدة عمان مسقط، د. ط، 1984.
- البغدادي، عبد القاهر ابن طاهر، (ت 429 هـ). الفرق بين الفرق،
د. ط، د. ت.
- البلاذري، أحمد بن يحيى، (ت-279 هـ) أنساب الأشراف، تحقيق
الشيخ محمد باقر المحمودي، بيروت، ط 1، 1974.
- البيهقي، أحمد بن الحسين، (ت-458 ه). سنن، دار المعارف
العثمانية - حيدر أباد الدكن الهند، طا، د. ت.
- الجاحظ، عمرو بن بحر، (ت-225 هـ). البيان والتبيين، تحقيق
السندوبي، دار إحياء العلوم، بيروت، ط 1، 1993.
- الجصاص، أحمد بن علي (ت 370 هـ). أحكام القرآن، دار الكتاب
العربي-بيروت، د. ط، د. ت.
- الجناوني، يحيى ابن أبي الخير، توفي في القرن الخامس الهجري). مختصر الوضع في الأصول والفقه، تحقيق إبراهيم أطفيش، دار أبو سلامة،
تونس، د. ط، د. ت. (1/159)
صفحة 160
187
- الجيطالي، إسماعيل بن موسي (ت- 750 ه). قواعد الإسلام، تحقيق-بكلي عبد الرحمن، مكتبة الاستقامة - مسقط - سلطنة عمان، ط 3،
1990
- الحصري، إبراهيم بن علي (ت-453 هـ). زهر الآداب وثمر الألباب، تحقيق علي البجاوي، دار الفكر - بيروت، ط 2، 1969.
- الحموي، ياقوت، (ت- 626 هـ). معجم البلدان، دار الكتب-بيروت،
ط 1، 1990.
- الخراساني، أبو غانم (ت في القرن الثاني الهجري). المدونة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عمان، د. ط، 1984.
- الدارقطني، سليمان بن الأشعث، (ت-275 هـ). سنن، تحقيق-عبدالله هاشم اليماني، القاهرة، د. ط، د. ت.
- الذهبي، محمد بن أحمد، (ت 748 هـ). المعين في طبقات المحدثين،
تحقيق- همام سعيد، دار الفرقان-عمان، ط 1، 1984.
- سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة-بيروت،
ط 1، 1984.
- ميزان الاعتدال، تحقيق علي بن محمد معوض وآخرون، دار الكتـ
العلمية-بيروت-ط 1، 1995.
- الرازي، فخر الدين محمد بن عمر، (ت 604 هـ). التفسير الكبير، دار
الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1990.
- الزبيدي، محمد مرتضى، (ت- 1025 هـ). تاج العروس من جواهر
القاموس، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، د. ط، د. ت. (1/160)
صفحة 161
147
- الشقصي، خميس بن سعيد بن علي (من علماء القرن الحادي عشر الهجري). منهج الطالبين وبلاغ الراغبين مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة،
د. ط، 1984.
- الشماخي، أحمد بن سعيد، (من علماء القرن التاسع الهجري). السير، تحقيق-أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث القومي والثقافة، ط 2،
1992
- الشهرستاني، محمد عبد الكريم، (ت 548 هـ). الملل والنحل، تحقيق- عبد العزيز محمد الوكيل دار الفكر، بيروت، د. ط، د. ت.
- الصولي، أبي بكر محمد بن يحيى، (ت-335 هـ). أخبار أبي تمام القاهرة، ط 1، 1937.
- الطبري، محمد بن جرير، ت 310 هـ). تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية بيروت، ط 2، 1988.
- العجلي، أحمد بن عبدالله (ت 261 هـ). تاريخ الثقات، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1، 1984.
- العوتي، سلمة بن مسلم، من علماء القرن الخامس الهجري). الأنسلب،
نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، ط 4، 1994. - الغزالي، أبو حامد، (ت 505 هـ). الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1983.
- الفراهيدي، الربيع بن حبيب (ت 175 هـ) المسند، مكتبة الاستقامة
مسقط، د. ط، د. ت.
- القرطبي، محمد أحمد، (ت 971 هـ). الجامع لأحكام القرآن، تحقيق
بن
محمد ابراهيم الحفناوي، دار الحديث، القاهرة، ط 1، 1994. (1/161)
صفحة 162
148
- القلهاتي، محمد بن سعيد (توفي في القرن السادس الهجري). الكشف والبيان، تحقيق-د. سيدة إسماعيل كاشف نشر وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عمان، د. ط، 1980.
- الكدمي، أبو سعيد محمد بن سعيد (توفي في القرن الرابع الهجري). المعتبر، مطابع جريدة عمان مسقط، د. ط، 1984.
- الكليني، جعفر شمس الدين دار التعارف بيروت- د. ط، 1990.
محمد بن يعقوب (ت) 329 هـ). أصول الكافي، تحقيق، محمد
- الكندي، أحمد بن عبدالله (ت-557 هـ). المصنف، مطابع سجل العرب - القاهرة، د. ط، 1984.
- الكندي، محمد بن إبراهيم من علماء القرن السادس الهجري). بيان
الشرع، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، د. ط، 1984 .. - المؤلف مجهول من علماء القرن الثالث الهجري). أخبار العباس وولده، تحقيق-د. عبد العزيز الدوري وزميله دار الطليعة - بيروت، د. ط، 1971. - المبرد، محمد بن يزيد، (ت-285 هـ). الكامل، تحقيق-محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 1، 1986.
- المزي، جمال الدين، (ت 742 هـ). تهذيب الكمال في أسماء الرجال دار الفكر - بيروت، د. ط، 1994.
- المسعودي علي بن الحسين، (ت-346 هـ). مروج الذهب ومعادن الجوهر المطبعة البهية، مصر، د. ط، 1346 هـ.
- المنقري، نصر بن مزاحم (ت - 212 هـ). وقعة صفين، تحقيق-عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي-مصر، ط 3، 1981. (1/162)
صفحة 163
149
- الموصلي، أحمد بن علي، (ت-307 هـ). مسند، تحقيق-حسين سليم
أسد، دار المأمون للتراث - دمشق، ط 2، 1989.
- اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب (ت- 284 هـ). تاريخ، دار صادر -
بيروت، د. ط، د. ت. (1/163)
صفحة 164
/ (1/164)
صفحة 165
151
المراجع باللغة العربية
• إسماعيل، محمود. قضايا في التاريخ الإسلامي، دار الثقافة، الدار البيضاء،
1981،2
ه با، عمر بن الحاج محمد دراسة في الفكر الإباضي، الناشر -مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ط 2، 1992.
البطاشي، سيف بن حمود إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان،
مسقط، ط 1، 1994.
• بكوش، يحيى محمد. فقه الإمام جابر بن زيد دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1989.
التيواجني، مهني بن عمر. أشعة من الفقه الإسلامي (3)، مطابع
النهضة - سلطنة عمان، ط 1، 1996.
• الجعبيري، فرحات. البعد الحضاري لرسائل الإمام جابر بن زيد، غير
منشور، مخطوط، تونس، خاص.
البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، رسالة دكتوراه الجامعة التونسية،
د. ط، 1987.
جعيط هشام الفتنة، ترجمة خليل أحمد خليل، دار الطليعة-بيروت،
1995،3
جهلان، عدون. الفكر السياسي عند الإباضية، مكتبة الضامري-سلطنة
عمان، ط 2، 1991.
جولدزيهر، أجناس. العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة-محمد يوسف
موسي و آخرون، دار الرائد العربي، بيروت، د. ط، 1946. (1/165)
صفحة 166
152
الحارثي، سالم بن
حمد العقود الفضية في أصول الإباضية، نشر وزارة
التراث القومي - سلطنة عمان، د. ط، 1983.
الحارثي، مالك سلطان نظرية الإمامة عند الإباضية، مطبعة مسقط،
ط 1، 1991.
بن
خليفات عوض نشأة الحركة الإباضية، عمّان، د. ط، 1978. التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان (نظرة خاصة إلى بلاد المغرب). الناشر وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، سلطنة عمان، د. ط، د. ت.
درويش، أحمد جابر بن زيد حياة من أجل العلم، إصدار وزارة التربية والتعليم والشباب - سلطنة عمان، د. ط، 1988.
الراشدي، مبارك بن عبدالله الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه، رسالة دكتوراه من جامعة الزيتونة في تونس، ع في عمان،
1993،1
الرواس، عصام بن علي نظرة على المصادر التاريخية العمانية، الناشر - وزارة التراث القومي، ط 2، 1993.
السالمي، نور الدين بن حميد تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، مكتبة
الاستقامة - مسقط، د. ط، د. ت.
مشارق أنوار العقول، دار الجيل - بيروت، ط 1، 1989.
منظومتي أنوار العقول وكشف الحقيقة المطابع العالمية - سلطنة عمان،
د. ط، د. ت.
جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تحقيق-أبو إسحاق أطفيش وإبراهيم العبري، الناشر سعود بن حمد السالمي عمان، ط 12، 1993. (1/166)
صفحة 167
153
السهيل، نايف عيد الإباضية في الخليج العربي، دار الوطن-الكويت،
د. ط، 1994.
الصوافي، صالح بن أحمد الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة، الناشر وزارة التراث القومي، عمان، ط 2، 1989.
عباس، إحسان ديوان شعر الخوارج، القاهرة، ط 4، 1982. • عليان، محمد عبد الفتاح. نشأة الحركة الإباضية في البصرة، دار الهداية،
ط 1، 1994.
• عمر، فاروق التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، مكتبة النهضة،
بغداد، ط 2، 1985.
. طبيعة الدعوة العباسية مكتبة الفكر العربي، بغداد، د. ط، د. ت.
. تاريخ الخليج العربي الدار العربية، بغداد، ط 2، 1985 .... الإمامة الإباضية في عمان نشر جامعة آل البيت، المفرق، د. ط،
1997
. مقدمة في دراسة مصادر التاريخ العماني، بغداد، د. ط، 1979. عمي محمد بن موسى مرويات جابر بن زيد في الكتب التسعة، غير منشور، مخطوط، الجزائر، خاص.
فلهاوزن، يوليوس الخوارج والشيعة، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، الناشر وكالة المطبوعات، الكويت، د. ط، د. ت.
قرقش، محمد. عمان والحركة الإباضية، الناشر مكتبة مسقط-عمان
ط 2، 1994.
ه لاندن، روبرت جيران عمان مسيراً ومصيراً، ترجمة-محمد أمين
عبدالله، الناشر وزارة التراث القومي والثقافة العمانية، ط 4، 1989. (1/167)
صفحة 168
154
• معمر، علي يحيى. الإباضية في موكب التاريخ مكتبة الضامري، سلطنة
عمان، ط 2، 1993.
• الموسوي، عباس علي شبهات حول الشيعة دار مكتبة الرسول الأكرم بيروت - لبنان، ط 2، 1991.
هاشم، مهدي طالب. الحركة الإباضية في المشرق، رسالة ماجسـ جامعة بغداد، طا، بغداد، 1981.
تير،
مايلز، س. ب. الخليج بلدانه وقبائله نشر وترجمة وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عمان، ط 4، 1994. (1/168)
صفحة 169
100
المراجع باللغة الأجنبية
Ennami, A.k." Studies in Ibadism" A Thesis Submitted to the University of Cambridge for the Degree of Doct-or of Philosphy, 1971.
Lambton, A. K. S., State and Govenment in Medieval Islam, Oxford, 1981.
Salem, E., Political Theory and Institution of the Kha -warij; The John Hopkins University, S.H.P.S. Series LXXXIV.
Watt, W. M. Islamic Political Thought, Edinburgh, 1961. (1/169)
صفحة 170
البحوث والمقالات باللغة العربية
ه بكوش، يحيى. - مدرسة جابر بن زيد وأثرها في الفقه الإسلامي، ندوة الفقه الإسلامي، جامعة السلطان قابوس مسقط - سلطنة عمان، ط 1،
1990
عاقل، نبيه.
- مولد الحزبية السياسية وقضية التحكيم، المؤتمر الدولي الرابع لتاريخ الشام (بلاد الشام في العصر الأموي)، المجلد الأول، الجامعة الأردنية، عمّان، 1989.
عبد الحميد، عرفان.
- منطق الفكر الديني، مجلة الزهراء، العدد السادس، المفرق-جامعة
آل البيت، 1995.
• عمر، فاروق.
. ببلوغرافيا في تأريخ عمان، مجلة المورد، العدد الرابـ
بغداد،
1974
. ملامح من تأريخ حركة الخوارج الإباضية كما تكشفها مخطوطة الأزكوي مجلة المؤرخ العربي، العدد الثاني، بغداد، 1975. (1/170)
صفحة 171
157
البحوث والمقالات باللغة الإنجليزية
Bathurst, R.D. Maritimine Trade and Imamate Go- vernment, Arabian Studies ed. by D. Hopwood, 1972.
Della Vida, G," Al-Sufriya" Encyclopaedia of Islam, 1 st. Edition, vII, vol-7, 1993,498 - 499.
Ennami, A.K."A Description of New Ibadi Man- uscripts from North Africa" Journal of Semitic Studies, 1970, Vol. 15.I, pp.63 - 87.
LeWick I, T," al-Ibadiyya". The Encyclopaedia of Islam, 2 nd. Edition, III, vol-3, 1986 pp, 648 - 660.
Vagileri, L. V, "LImamato Ibadita dell Oman" ana: Insivte Orientale diNapoli, 1949, pp. 246 - 282.
Watt, m,"Kharijite Thought in the Umayyad Pe- riod", Der Islam, Band 36,1961, Beriln. pp.215 - 32.
Wilkinson, J.C."Bio-Bliographical Background to the Crisis Period in the Ibadi Imamate of Oman", Arabian Studies Vol. 3, pp. 137 - 1647.
Storn, The Arabs of Oman, M.W., 1934.
Thomson. W., Kharijitism and the Kharijites, in D.B. Macdoneld Presentation Vol. London, 1933. (1/171)
صفحة 172
المقابلات:
مقابلة شخصية مع سماحة مفتي سلطنة عمان، الشيخ أحمد بن الخليلي، مسقط، سلطنة عمان، في 1996/ 7/20. (أذن بالإشارة). . مقابلة شخصية مع فضيلة مدير مكتب الإفتاء في وزارة العدل والشؤون الإسلامية، الشيخ أحمد بن سعود السيابي، مسقط، سلطنة عمان، في 1996/ 7/22. (أذن بالإشارة).
مقابلة شخصية فضيلة الشيخ سالم بن حمد الحارثي، المضيرب-سلطنة عمان، في 1996/ 7/21. (أذن بالإشارة). (1/172)
صفحة 173
الملاح (1/173)
صفحة 174
/ (1/174)
صفحة 175
ملحق رقم (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
161
من جابر بن زيد إلى يزيد بن يسار ()، فإني أ أحمد إليك الله - بعد السلام عليك الذي لا إله إلا هو، وأوصيك: الله بتقوى والإسلام والاستسلام له فيما أحببت وكرهت، فإنه ليس لك أن تقدر في أمر الله ولا أن تختار عليه. فأعط الله. من نفسك الإذعان، واجعل قضاءه عليك حكما ولا تستبدل به غيره فيختلف عليه، وتنزل بطاعته منزل من أطاع ساداته وكبرائه فأضلوه السبيل. نسأل الله الوهاب الجواد أن: يهب لنا ما وهب لمن قبلنا من الصادقين، ويجعلنا موافين لما وعد.
أما بعد.
فإنا كتبنا إليك ونحن بخير من الله ونعمة متظاهرة ولا يحصى عددها ولا نبلغ شكرها إلا ما
نعيب على أنفسنا فيه، ونزرى عليها به والله المستعان وقد أتاني كتابك تذكر الذي ولاك الله. أهل عُمان مما ابتلاك به وتخبرني أنك حريص على الاقتصاد فيه لعمري لئن فعلت ذلك لا يسعد به أحد غيرك، ولئن ضيعت ذلك ما يحمل وزر ذلك غيرك، فإن استطعت أن تبلغ بالذي أنت فيه الشرف عند الله وملائكته والمؤمنين، فإنه ليس من عامل يعمل على عمل فيقصد فيه فيأخذ بالعدل إلا أعطاه الله من شرف الآخرة على قدر شرف عمله. ولعمري لقد استعملت على عمل شريف إن لم يفسدك فيه الشيطان فإن فساد الشيطان أن يتخذ لك بغيا على عشيرته، وغيرهم فنس أل الله أن يرزقنا أن نعرف التواضع فيما أعطانا والاستكانة فيما عرف الصادقين.
وأما ما ذكرت من الرجل تدفع إليه الأرض يعمرها نخلا بثلث أو نصف، فذلك ما يكره منه، ولكن استأجر رجلا بأجر معلوم فليقم على أرضك ونخلك. وأما ما ذكرت من أنك تدفع على رجل برا وبقرا يعمل في أرضك ويزرع فيها وله الثلث أو الربع، فذلك أيضا مما يكره الا رجلا تعلم له أجره. وأما الذي ذكرت من رجل تشركه في أرضك ينفق نحو ما تنفق زعمت أنه يكفيك طائفة من ويعينه غلامك أحيانا ولا تتفضل عليه فلا بأس بذلك، وقد يشترك الشريكان فيكون أحدها
عمله
أجزى من الآخر فلا يضر ذلك، ولا تشترط عليه شيئا في عمله.
وأما ما ذكرت من رجل يؤخذ في بيت المال فتتقبل له وتجعله عليه سلفا فذلك أكرهه لك،
أن ينقد الرجل فينقد عن نفسه، فأما قبالة يقضى لها زمانا لا ينقدها فذلك ربا. اكتب إلى بحاجتك، وبما كانت لك من حاجة. والسلام عليك ورحمة الله.
الرسالة الثامنة من الإمام جابر بن زيد إلى الداعية يزيد بن يسار (1/175)
صفحة 176
/ (1/176)
صفحة 177
بسم الله الرحمن الرحيم
ملحق رقم (2)
163
من جابر بن زيد إلى عبد العزيز بن سعد ()، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله
الذي لا إله إلا هو، وأوصيك بتقوى الله، والموازرة في طاعته والحيطة على دينه وأهله، فإن الله جعل لأهل دينه أهلا مواليا لهم، ومناصحا رؤوفا بهم رحيما، حافظا لما ضيعوا من أمرهم وساترا لهم عورتهم، واصطفاهم على خلقه، واختارهم بعلمه، وجعل لهم المخرج من أمرهم، واليسر مما عسر عليهم والرزق بتوكلهم، وذلك بأنهم كانوا متقين لسخطه، راكبين لطاعته فيما وجدوا من الخفة والثقل فإن استطعت أن يصحبك الله في الذي أنت فيه فافعل، فإن صاحبه لا يستوحش إلى غيره، ولا يخاف أمنه، وغاية الكبير به معك أن تعلمه منك التقى والإحسان، فإن الله. مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأرغب إلى الله وأساله في إلحاف وتضرع ورغبة ورهبة، وأتوجه إليه في دعائي ومسألتي بوجهه الكريم، وأسمائه الحسنى، وبحق رشه ومن حوله والملائكة والمقربين، والأنبياء والمصطفين ويصرف عنا وعنك مكاره الدنيا والآخرة، وأن يعافينا وإياك فيما قدر لنا، وقضاه بنا، وأن يعصمنا وإياك بالإسلام، وأن يجعله ديننا الذي نلقاه عليه.
حملة
عر
أما بعد
عنك،
فإنا بخير وعافية من الله أن شكرناه واتقيناه وأهلك ومن يشفق عليك كالذي تحب، لم يحدث عليهم والحمد الله إلا خيراً، وقد أتاني كتابك تذكر فيه حسن دفاع الله. زعمت أنك وليت أمرا لا تخاف فيه كما لله عندنا حسنة، ونعمة لا نحصيها، وعادته إلينا في الأمور كما نحب من غير خير يعلمه منا فنحمد الله على ذلك كله.
وأما ما ذكرت رجل بعث على عمل فتنزله دهاقين الأرض، فإن يكن ذلك من هيبة له فلا يصلح، وأحب ذلك إلي ألا يرزأوا مرزئة تضرهم. فأما علف الدابة إذا نزل فإنما ذلك بمنزلة سواء فدع الريبة وخذ بالعارف واكتب إلى بما حدث. والسلام عليك ورحمة الله.
قبلك
) الرسالة التاسعة من الإمام جابر بن زيد إلى الداعية عبد العزيز بن سعد. (1/177)