صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: سير وتراجم - عقيدة وعلم الكلام
------------------------------------------
العنوان: الشيخ علي يحيى معمر أضواء على شخصيته وفكره
المؤلف: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
تقديم: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1424ه/ 2003م
الطبعة: 1
أصله: رسالة ماجستير
سلسلة بحوث منهجية مختارة (2)
ردمك: 9961-787-07-2
الإيداع القانوني: 2003/1141
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=854&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/776
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 21 ربيع الأول 1447ه/ 14 - شهر 09 - 2025م. 2 سلسلة بحوث منهجية مختارة
الشيخ
ماني حسي معمر
أضواء على شخصيته وفكره
تأليف الأستاذ:
قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
نشر جمعية التّراث
القرارة - غرداية - الجزائر (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
الشَّيْخ
عَلى يَحْيَى مُعَمَّر
أضواء على شخصيته وفكره
تقديم الدكتور:
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
نشر: جمعية التراث
القرارة - ولاية غرداية - الجزائر
طبع: المطبعة العربية، نهج طالبي أحمد ـ غرداية (1/3)
صفحة 4
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى
2003/ 1424
أصل هذا الكتاب بحث مقدم لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - الخروبة - الجزائر
بعنوان:
الشيخ علي يحيى معمر ومنهجه في عرض العقيدة إشراف الدكتور
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
نوقش في صفر 1421 هـ / ماي 2000 م
طبع
: المطبعة العربية 11 نهج طالبي أحمد فرداية الهاتف / فاكس: 36.53 88 (029) المنطقة الصناعية: 87.3434 (029)
Imprimerie.El-Arabia@caramail.com
الإيداع القانوني رقم: 1141/ 2003
ردمك 2
I.S.B.N 9961 - 787 - 07
- (1/4)
صفحة 5
? (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
العالم الجليل الشيخ علي يحي. معمر الليبي
1980–1919 *1400 – 1339 (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
الإهداء
إلى روح شيخي المجاهد بالقلم و اللسان
علي يحيى. معم
إلى والدي الكريمين؛ اعترافا بفضلهما و بنا بهما إلى كل أفراد عائلتي وأسرتي
إلى كل من علمني -يوما ما-حرفا أو أفهمني فكرة
إلى كل من عرفته في مسيرة العلم و المعرفة
إلى كل باحث عن الحق أينما كان ثم يتبعه إلى كل يد تسعى لجمع هذه الأمة على كلمة الحق
إلى هؤلاء جميعا أرفع هذا الجهد المتواضع
ه ... قاسم
-
- (1/9)
صفحة 10
[صفحة فارغة] (1/10)
صفحة 11
هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانِ}
بعد أن بلغ هذا العمل تمامه واستوى فصولا ومباحث على هذا الشكل، أرى من الواجب علي أن أذكر أهل الفضل بفضلهم، وقبل كل ذلك أتضرع إلى الله سبحانه وتعالى شاكرًا وحامدًا إياه على أن وفقني لأنجز هذا العمل وأتمه ليبلغ صورته النهائية هذه.
ثم أذكر فضل أستاذي المشرف الدكتور محمد ناصر بوحجام الذي شرفني بقبول الإشراف على بحثي هذا، وزودني بكل ما يملك من وثائق هامة عن شخصية الشيخ علي يحيى معمر، ثم تابع إنجاز بحثي وقوم أخطاءه، كل ذلك في أوقات عطله؛ فيستسمحني على ما أخذت من راحته.
ثم أذكر فضل أستاذي الدكتور مصطفى باجو الذي قبل تبني البحث ووقف بجنبي إلى أن تمت مناقشته. كما أذكر فضل أستاذي الدكتور عمار جيدل
الذي أفادني بملاحظاته وتوجيهاته في تعديل فصول البحث بعد مناقشته.
ثم أذكر فضل جمعية الاستقامة ومكتبها، وإدارة مدرسة دار العلم بالقبة؛ اللتين وضعتا بين يدي كل إمكانياتهما، وسهلتا لي كل الظروف الاجتماعية لأنجز هذا البحث خلال هذه الفترة.
كما لا أنسى أن أذكر فضل المشايخ في وادي ميزاب؛ الذين فتحوا لي صدورهم وعادوا بذاكرتهم إلى الوراء ليمدوني بمعلومات عن الشيخ علي يحيى معمر أيام كان بينهم. ولا أنسى أن أذكر فضل كل شخص أعانني للحصول على وثيقة أو معلومة؛ فبلا شك هم كثيرون، فجزى الله الجميع عني خير الجزاء.
ه ... قاسم
- ز - (1/11)
صفحة 12
ج: جزء
مج: مجلد
ق: قسم
حل: حلقة
الرموز المستعملة
تح: تحقيق
تع: تعليق
عد: عدد
دت: دون تاريخ
ط: طبعة
ملاحظة:
بعد التهميش الأول لمؤلفات الشيخ علي يحيى معمر؛ أشرت إليها بدون ذكر اسمه مع اختصار في عناوينها؛ وذلك لتكرارها كثيرا.
- ح - (1/12)
صفحة 13
تقديم
بسبب
يعيش الشباب المسلم حالة من الاستلاب الفكري، وضروبا من التيه؛ ابتعاده عن أصوله، أو نتيجة إبعاده عن مصادر ثقافته، وبسبب عدم تبين الأصيل من
فکره والدخيل عليه. وسط المتغيرات التي وفدت على ثقافته، من دون أن يعرف كيف يكيفها مع ما ينسجم مع أصوله؛ لعجز المناهج المسطرة له، والبرامج المقترحة عليه، تفي بحاجته في التعرّف على فكره الحقيقي، ومن دون أن يتمكن القائمون على توجيهه من توفير البيئة الصالحة التي يأخذ فيها هذه القواعد، ويتشرب هذه المبادئ، في مقابل تسارع المخططات التي تسلب منه كل لحظة مقوما من مقومات شخصيّته، وتحلّ محلّه عنصرا دخيلا على فكره بالقوة أو باللين، طوعا أو كرها،
بطريق مباشر أو بسبيل غير مباشر، وقد تعاون على ذلك الصديق والعدو ... لذلك فهو يعيش حالة من الحيرة والشك، وحياة قوامها التنكر لمبادئه، وملؤها تسفيه أحلام من سبقه، أو على الأقل يحيا حالة الذهول والشرود والنفور من تراثه؛ مما يتطلب من الأقلام الملتزمة، والكتاب المحترفين، والدارسين المسؤولين ... أن ينبروا لتقديم الفكر الأصيل، ويعرضوا الأعمال الجادة، أن يحلّلوا ويناقشوا، ويُبينوا، ويكشفوا ويبرزوا ما يعين على تخطي هذه العقبة، التي تقف أمام ارتباط النشء بالأصول.
الشباب في حاجة إلى الأخذ بيده إلى منابع فكره الحقيقي، وهو أحوج إلى معرفة كيفية الإفادة من هذا التراث والوقوف على السبيل إلى التعرف على هذا الفكر؛ ممن يسهل له مهمة الاطلاع عليه.
في هذا السياق، وفي هذا المنحى تأتي دراسة الأستاذ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج حول شخصيّة الشيخ علي يجب معمر، ومنهجه في عرض العقيدة. هذه الدراسة) اهتمت وحرصت على تقديم الشيخ رجلا تعلّم ليفيد الأمة الإسلامية، وعلّم لينشئ لها أجيالا من الشباب يخدمونها، وجاهد ليسهم في التمكين لدين الله في الأرض، تحمّل
:- ط - (1/13)
صفحة 14
الصعاب والمشاق ليذلّل الطريق لغيره، تجرّع الأذى من القريب والبعيد ليجعل الحياة حلوة لسواه. بسط المناهج، وقرب المعلومة، وحبب العلم، وطوّر البرامج ... عمل على توفير الجو المناسب للنشء لينتشله من براثن الجهل ومخالب الاستلاب.
قال الباحث: «ولقد تفرّغ في كلّ عصر علماء أفذاذ لتناول هذا الجانب، غرضهم من ذلك زرع العقيدة الإسلامية الراسخة في مجتمعاتهم، لتعمل على تحريك الأفراد لعمارة الدنيا بالخير والتمكين لدين الله تعالى، والفوز في الدار الآخرة برضوان الله». وقال: «يعدّ الشيخ علي يحيى معمر من أعلام الفكر الإسلامي المعاصرين، هذا يعني أنَّ تناول فكره بالدّراسة سيكون له أثره في حياتنا
العلمية والعملية».
حاول الأستاذ قاسم أن يبرز في هذه الدراسة القيمة الرائدة جهود الشيخ علي يحيى معمّر في العمل الدعوي والإصلاحي. الحق يقال: إن الباحث كان موفقا في إضاءة جوانب كثيرة من شخصيّة، الشيخ، وعرض فكره، والكشف عن منهجه في عرض العقيدة، كان موفقا في ذلك إلى حدّ بعيد. وقد انطلق من فرضيات، حاول أن يثبتها من خلال عرضه ومناقشته الشيخ في أثناء الدراسة. من هذه الفرضيات:
- إن تناول الشيخ علي يحيى معمّر للعقيدة اتسم بالتركيز على الجانب الإيماني العقدي والبعد التربوي العملي، محاولا تقديم نموذج ميسر ومعاصر للعقيدة.
- إن تناول الشيخ علي يحيى معمّر للعقيدة كان بغرض تقريب وجهات النظر بين المسلمين حول مسائلها الخلافية، وكان محاولة إيجاد حلول وسطى، وتوفير قدر مشترك للقاء بينهم».
كان واضحا منذ البداية أنّ غرض الباحث لم يكن عرض منهج الشيخ علي في تقديم العقيدة فقط، إنما كان إلى جانب ذلك الرغبة في مساعدة الناشئة في التعرّف على حقيقة هذه العقيدة؛ بطرق ميسرة ومبسطة، وهي رسالة يقوم بها كل شخص عرف حقيقة دوره في التوجيه والتربية؛ لهذا وجدناه في هذه الدراسة يركز
- ي - (1/14)
صفحة 15
على كتاب «سمر أسرة مسلمة» ليقدّم الشيخ علي يحيى معمر للناشئة، كما قدم
الشيخ نفسه العقيدة للشباب ميسرة مبسطة بواسطة هذا الكتاب.
بعد قراءتنا الكتاب سجلنا الملاحظات الآتية:
1 - بذل الباحث مجهودا كبيرا في جمع المادة العلمية حول سيرة الشيخ علي يحيى معمر، ورصد مراحل حياته العلميّة والعملية المتنوعة، الحافلة المثيرة، وقد حاول ملء الفجوات الكثيرة التي كانت في حياته؛ بلقاءاته مع مع المطلعين على هذه المسيرة، وتصفّحه الوثائق والنشرات التي تمكّن من الحصول عليها، وأسفاره الكثيرة، وتنقلاته المتعدّدة. كما وضع ووضح معالم في حياته ومسيرته، فقدم بذلك خدمة كبيرة للباحثين في شخصية الشيخ علي يحيى معمّر. وقد عمد إلى الاستنتاج والتأويل في كثير مما أورد، ومناقشة بعض الذين كتبوا عن حياته، وهذه سمة الباحث الجاد، الذي يحرص على الإتيان بالجديد، وتقديم ما يراه صحيحا فيما يكتب. قدم هذه السيرة بطريقة هادفة؛ بما يفيد منها المغترب لأجل التعلم، والمعلم المربي، والعامل المصلح، والداعية الموجه، والقائد الزعيم ... إلا أن بعض مناقشاته واستدراكاته واستنتاجاته في حاجة إلى مناقشة ومتابعة.
2 عرض أغلب مسائل العقيدة التي تناولها الشيخ علي يحيى معمر في كتاباته، ومعظم القضايا العقدية التي عرفت في الفكر الإباضي، عرضها بطريقة موضوعية، وتحليل مقبول إلى حدّ كبير. هناك ملاحظات بسيطة قد تثير القارئ، وتدفعه إلى مناقشة الباحث فيها، وه ناتجة من بعض الاستنتاجات التي قدمها الباحث كوجهة نظر خاصة.
-
-3 تميّز الباحث بالحس النقدي، فكان يتوقف عند أو في كثير من المسائل والآراء التي لا يهضمها عقله بسهولة. يبدو ذلك جليا في سرد المعلومات التي تتعلق بحياته. وفي التعليق على بعض المسائل، التي يبدو للباحث فيها أنّ الشيخ علي يحيى معمر قد انفرد فيها برأيه، أو لم يكن على خط مذهبه فيها، هذا ما يدفع المطلعين على هذا البحث أن يشاركوا في مناقشة فكر الشيخ علي يحيى معمّر.
- ك - (1/15)
صفحة 16
-4 - استطاع الباحث أن يبرز - بشكل عام - منهج الشيخ علي في عرض العقيدة، وأسلوبه في المناقشة والحوار مع الآخرين والتعليق على هذا المنهج، ما له وما عليه. إلا أنّ تركيزه على كتابه «سمر أسرة مسلمة» الموجه أساسا للناشئة، قد يفوّت على القارئ فرصة الوقوف على منهج الشيخ الحقيقي في هذا المجال، بخاصة وأن الباحث كرّر كثيرا: إنّ الشيخ يقدّم المسألة أو الرأي من دون تأصيلها، أو من دون سرد الأدلّة، ويعلّل لذلك لعله فعل هذا لأنه كان يقدم هذه العقيدة إلى الناشئة، فلا يريد أن يثقل عليها بالأدلة، وهو يريدها أن تكون مبسطة وميسرة. لكنه يعرض أفكاره المستقاة من هذا الكتاب، مقرونة إلى آراء علماء آخرين، يأخذها من كتبهم الموجهة إلى العلماء والمتخصصين، فيظهر الشيخ وكأنه مقصر، أو غير دقيق في تناوله المسائل، وغير مستقص للقضايا. وقد كان رجوعه إلى كتبه الأخرى قليلا جدا.
فليتأمل القارئ فيما يأتي: ولعلّ الهدف الذي حدده من عرضه العقيدة في كتابه الأول سمر أسرة مسلمة، كان الموجه له، فلم يرد أن يطيل مؤلّفه بالاستدلالات، حاشدا للآيات والأحاديث في كلّ مسألة، بل كان يكتفي بأقل قدر منها، ودون أن يأخذ في حسبانه وجود أدلّة أخرى في الموضوع، ربما تكون أكثر دلالة بما استدل به، ودون أن يهتم بالرّدّ على الأدلة الأخرى المخالفة لكلامه واستدلالاته. وطبيعة كتابه تقتضي ذلك».
لست أدري هل هذا التعليق ينسجم مع التعليل الذي قدمه عن طبيعة كتاب الشيخ، ومع هدفه الذي ذكره من أن توجيه ما كتبه كان للناشئة؟ هل هذا التعليق في صالح الشيخ؟ وفي صالح المنهج الذي اختاره لنفسه؟
قال أيضا: «ويمكن أن نرجع عدم اهتمام الشيخ بالاستدلال على آرائه إلى طبيعة كتبه الأخرى كذلك، حيث لم يكن غرضها الأساسي والأول التأصيل للمسائل العقدية، بقدر ما هي مناقشة لآراء علماء الإسلام في عرضهم لآراء
- ل - (1/16)
صفحة 17
الإباضيّة في العقائد والكلام ومحاولته التقريب بين وجهات النظر في المسألة العقدية الواحدة، وحرصه على الجمع بين المسلمين وتفادي الشقاق والخلاف».
نسأل ما مدى موضوعيّة هذا التعليق؟ وما مصداقية هذا الحكم؟ وماذا يقول الدارسون في هذا الرأي؟ إلا أنّ الشيء المتفق عليه هو أن كتابات الشيخ علي يحيى معمر جيّدة ومهمة وقوية: مادة علمية، وعرضا، وأسلوبا ومناقشة ... وفي الوقت في حاجة إلى توثيق وإرجاع النصوص إلى مصادرها. وهو عمل ينتظر
نفسه
هي
الباحث الجاد والدارس المهتم.
5 - وردت في الدراسة عبارات تصف كتابات الشيخ علي يحيى معمر بأوصاف، يبدو أنها بعيدة عن الحقيقة، كوصف ردود الشيخ بالعنف أحيانا. قال الباحث مثلا: يتكلّم الشيخ فيها ممثلا لمذهبه الإباضي وشارحا لآرائه، ومعبرا عنها ومدافعا عليها، ومبينا الزلل في النظر والحكم على أتباعه. لهذا نسجل على هذه الكتب طغيان النظرة المذهبية عليها، هذا ما تجلّى أحيانا في ردوده العنيفة على كتاب المقالات، وعلى بعض أعلام الفكر المعاصرين». وقال في موضع آخر: يبدو واضحا من كلام الشيخ هذا تأثره وردّ فعله في أسلوبه العنيف وفي نكران ما قدمه هؤلاء الكتاب - برغم ما وقعوا فيه من أخطاء وافتراءات كبيرة ــ من مادة علمية حول الفرق الإسلاميّة في تلك الفترات من التاريخ الإسلامي ... ». وعقب هذه الملاحظة قال: «تميزت كتاباته في الغالب الأعم بأسلوب أدبي رفيع، واحترام كبير للعلماء والأئمة في مناقشته لهم حتى في أدق المسائل وأخطرها التي تركت بصمات سوداء وآثارا سيئة في تاريخ الإباضية، حيث رأيناه يمسك أعصابه، ويرفع من شأن العلماء، ويرجع سبب أخطائهم ــ أحيانا ــ إلى مصادر خارجة عنهم كالسياسة، أو اعتمادهم على أناس كانوا وراء هذا الخلط والغلط والكذب».
يبدو التناقض واضحا في هذا القول، ويظهر التسرع في إصدار هذا الحكم. على القارئ الذي يطلع على هذا الحكم أن يتأمل فيه، ويعلن عن رأيه من خلال ما تؤديه إليه قناعته فيما كتب الشيخ علي يحيى معمّر.
- م - (1/17)
صفحة 18
6 - وردت في الدراسة بعض معلومات غير صحيحة، نشير إلى اثنتين
ونصححهما:
أ) ذكر الباحث أنّ الشيخ عدّون بن بالحاج تولى رئاسة معهد الحياة بعد وفاة شيخه الشيخ إبراهيم بيوض، نقل هذا عن الشيخ محمد علي دبوز في كتابه (أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 2، ص (202) الصحيح أنّ الشيخ عدون أصبح مديرا لمعهد الحياة في الأربعينيات، كما ذكر ذلك الشيخ الدبوز في المصدر المذكور قال الشيخ الدبوز: « ... وفي أوّل الأربعينيات صار أي الشيخ عدّون مدير المعهد والمدرّس فيه». (ص: 202).
ب ذكر أنّ الشيخ بيوض افتتح درس تفسير القرآن سنة 1934 م، الصحيح
هو سنة 1935 م.
خلاصة القول: إنّ ما قام به الأستاذ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج، أو قدمه عمل كبير وجهد عظيم يستحق كلّ إكبار وتقدير. إنّ بحثه يعد أول دراسة أكاديمية معمّقة، مستفيضة في شخصيّة الشيخ علي يحيى معمر، سيرة وفكرا ومنهجا. فهي تنتظر الباحثين الذين يواصلون الطريق في سبيل إبراز جوانب أخرى من حياة الشيخ وشخصيته؛ بداية من نقد ما كتبه قاسم الشيخ بالحاج، عطفا على كلّ ما يسهم في الكشف عن فكر الشيخ وبخاصة وقد عرض الباحث مجموعة من الاقتراحات لدراسة شخصية الشيخ، ثمّ قال: «في الختام أرجو أن أكون بهذا العمل قد أسهمت في فتح الباب لدراسة شخصية الشيخ علي يحيى معمر، في جوانبها الأخرى ... ». وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه.
نزوى يوم
الثلاثاء 20 من صفر 1424 هـ 22 من أفريل 2003 م
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
- ن - (1/18)
صفحة 19
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى من اتبع هداه إلى يوم الدين
يتناول هذا البحث بالدراسة:
>>
مقدمة
الشيخ علي يحيى معمر ومنهجه في عرض العقيدة»
إن موضوع العقيدة في الفكر الإسلامي يُعَدُّ من المحاور الرئيسة فيه، حيث تدور حوله معظم الدراسات. ولقد اهتم العالم الإسلامي في كل حقبات تاريخه بدراسة هذا الموضوع وتناوله من مختلف جوانبه، وأعاد عرض مسائله في كل العصور، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على حاجة الفرد المسلم إلى معرفة هذا الجانب الأساسي من دينه.
ولقد تفرغ في كل عصر علماء أفذاذ لتناول هذا الجانب، غرضهم من زرع العقيدة الإسلامية الراسخة في مجتمعاتهم، لتعمل على تحريك الأفراد العمارة الدنيا، بالخير والتمكين لدين الله تعالى والفوز في الدار الآخرة برضوانه تعالى.
من بين هؤلاء العلماء المعاصرين الشيخ علي يحيى معمر الليبي -رحمه الله - الذي ترك لنا تراثا عقديا متنوعا، هذا ما حفزني لأن أخصه بالبحث والدراسة، إلى جانب دوافع أخرى يمكن أن أحددها في ما يلي:
1 - عدم وجود دراسة أكاديمية اهتمت بفكر الشيخ علي معمر عموما وفكره العقدي بصفة خاصة، رغم غزارة إنتاجه وتنوعه، فقد كتب في العقيدة والفقه والتاريخ والسير والأدب وغيره.
- 1
2 (1/19)
صفحة 20
-2 - عدم الاهتمام بدراسة شخصيته، وتتبع أهم المحطات التاريخية لحياته العلمية، ولجهوده في الإصلاح الاجتماعي، والإنتاج العلمي.
-3 - يُعدُّ الشيخ علي معمر من أعلام الفكر الإسلامي المعاصرين؛ وهذا يعني أن
-
تناول فكره بالدراسة سيكون له أثره في حياتنا العلمية والعملية.
4 - يُعدُّ الشيخ علي معمر من أعلام الفكر الإباضي المعاصرين، وهذا يعني أن تناول فكره بالدراسة سيسمح بوضع تصور إباضي معاصر للعقيدة الإسلامية؛ يعيد فيه عرض ومعالجة مسائلها وفق مستجدات العصر ومتغيراته، وهو بذلك سيسهم في الإجابة عن بعض الاستفسارات عن هذه المدرسة في فكرها العقدي. كما سيسهم في معرفة التطور والتجديد الحاصل داخل هذه المدرسة.
أما عن إشكالية البحث فيمكن أن نصوغها كما يلي:
1 - هل يعدّ الشيخ علي يحيى معمر شخصية علمية واجتماعية متميزة، بحيث كانت له القدرة على التأثير في مجتمعه والتغيير من أوضاعه، وفي إيجاد موقع لكتاباته داخل الفكر الإسلامي، أم كان شخصا عاديا لم يكن له أثر في كل
ذلك.
2 من المعلوم أن علماء العقيدة قد تناولوا مواضيعها من زوايا متعددة، فمنهم من اهتم بالطرح الكلامي الفلسفي لها، ومنهم من ركز على البعد الإيماني العملي، ومنهم من تناول أصول المسائل دون التعرض إلى الفروع وإلى مسائل الخلاف، ومنهم من كان كان وسطا بين هذا وذاك.
ضمن هذه التوجهات:
- أين كان موقع الشيخ علي يحيى معمر في عرضه للعقيدة؟
وما هو موقفه من التوجهات الأخرى في دراسة العقيدة؟
-2 - (1/20)
صفحة 21
- وما هي خصائص منهجه في عرضه للعقيدة؟
- وما قيمة هذا العرض داخل المدرسة الإباضية خصوصا والفكر الإسلامي
عموما؟
وقبل أن نلج في بحث وتحليل هذه الإشكالية نقترح جملة فرضيات كإجابات مبدئية ومؤقتة لهذه الإشكالية المطروحة:
1 - إن تناول الشيخ علي يحيى معمر للعقيدة اتسم بإبراز الجانب الكلامي الفلسفي وباستعمال الاستدلال العقلي المنطقي، محاولا بذلك عرض آراء مذهبه في قالب جديد معاصر. 2 - إن تناول الشيخ علي يحيى معمر للعقيدة اتسم بالتركيز على إبراز الجانب الإيماني العقدي والبعد التربوي العملي، محاولا تقديم نموذج ميسر ومعاصر
للعقيدة.
3 - إن تناول الشيخ علي يحيى معمر للعقيدة كان بغرض تقريب وجهات النظر بين المسلمين حول مسائلها الخلافية، وكان محاولة لإيجاد حلول وسطى، وتوفير قدر مشترك للقاء بينهم.
وللتحقق واختبار ما مدى صحة أو خطا هذه الفرضيات انطلقت في جمع ودراسة المادة العلمية من تراث الشيخ علي معمر، مستعينا بدراسات أخرى عديدة لها علاقتها بالموضوع محاولا توظيف عدة مناهج حسب طبيعة كل مسألة
مدروسة.
ففي فصول دراسة الشخصية اعتمدت على المنهج التاريخي والمنهج الوصفي؛ لترتيب مراحل حياة الشيخ حسب التسلسل الزمني، وإبراز جوانب شخصيته. وفي فصول دراسة المسائل العقدية اعتمدت في غالب الأحيان على المنهج التحليلي الوصفي لعرض تصور الشيخ وشرحه، واعتمدت المنهج المقارن عندما أرى ضرورة
- 3 - (1/21)
صفحة 22
المقارنة آراء الشيخ مع غيره من العلماء، كما اعتمدت المنهج التاريخي - أحيانا- أثناء
احتياجي لعرض التطور التاريخي لبعض المسائل العقدية.
أما
عن هيكلة البحث فقد قسمته إلى مقدمة وسبعة فصول وخاتمة:
الفصل الأول بعنوان: «حياة الشيخ علي يحيى معمر»، تتبعت فيه أهم محطات حياة الشيخ علي معمر الاجتماعية والعلمية - بين ليبيا وتونس والجزائر. والفصل الثاني بعنوان: «نماذج من جهوده الإصلاحية ورحلاته وآثاره»، تناولت فيه نماذج من جهوده الإصلاحية في المجال السياسي والاجتماعي والتعليمي والثقافي والدعوي.
ثم تناولت رحلاته وآثاره؛ فاستعرضت أهم رحلاته التي حفظتها لنا المصادر، وفي آثاره أشرت إلى تلاميذه، وتعرضت إلى إنتاجه العلمي بالتفصيل. والفصل الثالث بعنوان: «منهج عرض العقيدة عند الشيخ علي يحيى معمر
والمعرفة الشرعية الضرورية».
تناولت في المبحث الأول منه أربع نقاط هي:
1 - مكانة العقيدة في مؤلفات الشيخ علي معمر
2 - المصادر المعتمدة في عرضه للعقيدة
-3 منهجه في عرض مسائل العقيدة
4 - منهجه في الاستدلال على العقائد
وقد استخلصت هذا المبحث من جملة ما تناولته من قضايا في ثنايا البحث ورأيت أن أجمل نقاطه هنا بصورة مستقلة، وأن أستفتح به البحث العقدي لتتضح أمام القارئ صورة تناول الشيخ لمسائل العقيدة.
وفي المبحث الثاني تناولت تعريف العلم الشرعي الضروري لدى الشيخ وأقسامه، ثم تناولت نظرته لنسيان العلم الضروري وأحكامه.
- 4 - (1/22)
صفحة 23
الله
والفصل الرابع بعنوان: «الإلهيات» تناولت فيه معالجة الشيخ الموضوع وجود تعالى وأدلته فيه، وموضوع الوحدانية وأدلته عليها، ومنهجه في معرفة الله تعالى. ثم تعرضت إلى الصفات وأقسامها عند الشيخ علي معمر، ونظرة الشيخ لمسألتي رؤية الله تعالى وخلق القرآن.
والفصل الخامس بعنوان: «النبوات» بينت فيه رؤية الشيخ علي معمر لقيام الحجة على الإيمان بالرسالة، وبينت فيه ما يجب معرفته عن الرسل، وتعريف الرسول والفرق بين الرسول والنبي. وتعرضت فيه كذلك إلى تعريف الوحي وتحديد طرق نزوله.
والفصل السادس بعنوان: «الإنسانيات»، المبحث الأول منه كان في «الأسماء والأحكام» حيث بينت فيه مفهوم الشيخ علي معمر للإيمان وعلاقته بالإسلام والدين، وبينت معالجته لمسألة الخوف والرجاء؛ التي لها علاقة وطيدة بالإيمان. ثم بينت مفهومه للكفر وأقسامه. ثم تعرضت إلى بيان الأحكام المترتبة على الأسماء؛ التي تتمثل في أحكام صاحب منزلة الإيمان، وأحكام صاحب منزلة الكفر، وأحكام ملل الكفر. ثم عدت فبينت معاني وأحكام جملة من أسماء أخرى تُتدَاوَلُ في القضايا العقدية. وأخيرا تعرضت إلى موضوع المعاصي؛ مبينا تعريفها وأقسامها عند الشيخ علي معمر.
والمبحث الثاني كان في القضاء والقدر تكلمت فيه عن تعريفهما والإيمان
بهما، ثم عن علاقة فعل الإنسان بالإرادة الإلهية وعن حكم أفعال الإنسان. والمبحث الثالث كان في الولاية والبراءة بينت فيه تعريف الولاية والبراءة وأدلة وجوبهما، ثم بينت تقسيم الشيخ علي معمر للولاية والبراءة وشرحت كل قسم على حدة.
والفصل السابع بعنوان: «الغيبيات» تناولت في المبحث الأول منه مفهوم الغيب، ومراحل عالم الغيب عند الشيخ علي، معمر وتوقفت مع مفهومه للصراط
- 5 - (1/23)
صفحة 24
والميزان. ثم تناولت في المبحث الثاني الوعد والوعيد فبينت فيه تعريف الشيخ للوعد والوعيد، ورأيه في مسألة إنفاذ الوعد والوعيد، ثم رأيه في مسألة الخلود في النار. وفي المبحث الثالث تناولت الإيمان بالملائكة حيث بينت فيه تعريفهم وصفاتهم ونفي صفة الذكورية والأنوثية، عنهم وأقسامهم، وما يجب في الإيمان بهم. وأخيرا أنهيت البحث بخاتمة تضمنت تقييما شاملا لشخصية الشيخ علي يحيى معمر ومنهجه في تناول وعرض مسائل العقيدة، مع أهم النتائج التي توصل إليها البحث، واقتراح بحوث أخرى في الموضوع.
أما عن مصادر البحث؛ ففي فصول دراسة الشخصية اعتمدت كثيرا على المقابلات الشخصية التي أجريتها مع من بقي على قيد الحياة من زملاء الشيخ علي معمر وتلاميذه في وادي ميزاب لمعرفة الجوانب المجهولة من حياته، خاصة الفترة التي قضاها في معهد الحياة بالقرارة، كما اعتمدت على جملة من الوثائق والمراسلات والمقالات التي أفادتني في معرفة بعض المراجل من حياته أيام كان طالبا في ليبيا وتونس، ثم بعد أن عاد إلى وطنه متفرغا للإصلاح الاجتماعي.
سبع
وأذكر أني استفدت من دراستين سابقتين حول حياة الشيخ: الأولى تتمثل في صفحات مخطوطة؛ في ترجمة حياته، كتبها زميله الشيخ سليمان عون الله الليبي، والثانية تتمثل في مقدمة الأستاذ محمد ناصر بوحجام على كتاب: الإباضية مذهب من المذاهب الإسلامية المعتدلة، للشيخ علي معمر، حيث تعرض فيها باختصار إلى أهم مراحل حياة الشيخ ونشاطه. كما أذكر كذلك أن هناك مذكرة تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد بسلطنة عمان، بعنوان: الشيخ علي يحيى معمر ومنهجه الدعوي للطالب التونسي: فوزي بن يونس بن حديد. ناقشها في نهاية السنة الدراسية: 96 - 1997 م وقد وصلت إلي بعد أن أتممت تحرير معظم الفصول، لهذا لم أعتمد عليها في البحث كثيرا، إضافة إلى أن الطالب اهتم
بالفكر الدعوي، وهذا خارج عن موضوع بحثي.
-6 - (1/24)
صفحة 25
أما عن الفصول المتعلقة بمسائل العقيدة فقد اعتمدت على تراث الشيخ في مجال
العقيدة، وعلى ما له علاقة بهذا المجال من كتاباته؛ خاصة التاريخية منها، كما رجعت إلى المصادر الإباضية في العقيدة، وركزت على مصادر جبل نفوسة بليبيا بصفة أخص لأعرف مدى تأثر الشيخ بعلماء بلده. كما اعتمدت على جملة من مصادر التراث الإسلامي في مجال العقيدة أثناء احتياجي لمعرفة آراء الفرق الإسلامية الأخرى ومقارنتها مع آراء الشيخ علي
وكغيري من المبتدئين في البحث فإن هذا العمل لم يتم بسهولة وبدون صعوبات اعترضت طريقي، أذكر منها ما يلي:
-1 - عدم وجود أي دراسة أكاديمية سابقة حول حياة الشيخ أو فكره، هذا ما صعب من مهمتي، وجعلني ألج مضمار البحث دون دراسات مساعدة تنير لي الطريق وتبصرني ببعض المعالم في فكر الشيخ، وتمدني ببعض المعلومات التي تسمح لي أن أنطلق في بحثي على ضوئها.
2 - ما اعترضني من صعوبات وعناء أثناء جمع المادة العلمية حول حياة الشيخ، حيث كلفني ذلك الكثير، واستلزم مني الوقت الطويل، والانتظار والتنقل والاتصال المتكرر، أثناء البحث عن بعض الوثائق هنا أو هناك في إحدى المكتبات الخاصة، أو عند بعض العائلات في إحدى قرى وادي ميزاب.
وكذلك ما استلزم مني من وقت لعقد المواعيد المقابلة الشخصيات في مختلف قرى وادي ميزاب وخارجه. كل هذا صعب من مهمتي في إنجاز الفصلين الأولين وجعلني مضطرا لأعيد تحريرهما مرة ثانية، بعد أن تحصلت على وثائق جديدة تضمنت معلومات لم تكن بحوزتي من قبل.
هذه بعض الصعوبات التي اعترضتني، ومما لاشك فيه أنه لا يخلو منها بحث ولولا فضل الله تعالى ورعايته وتوفيقه ما وصل هذا العمل صورته هذه.
-7 - (1/25)
صفحة 26
وفي الأخير فأنا لا أدعي أن عملي هذا قد بلغ تمامه واستوى، وإنما هو جهد مبذول لرسم معالم شخصية الشيخ علي يحيى معمر وفهم فكره العقدي. كما أنه بداية لدراسة فكر الشيخ في جوانبه الأخرى، وهو قابل ومنتظر لكل الملاحظات ولكل الانتقادات البناءة التي تزيد من تقويمه وتصحيحه.
وما كان فيه من صواب وتوفيق فمن الله تعالى وبفضله، وما كان فيه من زلل أو خطا فمن نفسي ومن الشيطان، وأسأل الله التوفيق والسداد والقبول والحمد لله رب العالمين.
يوم
ه ... قاسم أحمد الشيخ بالحلاج
الجمعة 13 جمادى الأولى 1418 هـ
04 سبتمبر 1998 م
– القبة – الجزائر (1/26)
صفحة 27
الفصل الأول
13
حياة الشيخ علي يحيى معبر (1/27)
صفحة 28
تمهيد: مما لا شك فيه أن للأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية أثرها البليغ في تكوين شخصية الإنسان وفي فهم أعماله ومواقفه وفكره، فكما يقال: "الإنسان ابن بياته". لهذا نحاول الآن معرفة هذه الأوضاع وهذا المحيط الذي عاش فيه وعايشه الشيخ علي معمر، وهو ما يتمثل في القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وفي القرن التاسع عشر والعشرين الميلاديين:
ما وسم العالم الإسلامي ككل في هذه الفترة هو الانهيار الحضاري على مختلف الأصعدة من الدينية إلى الثقافية إلى الاجتماعية، حيث عاشت المجتمعات الإسلامية فترة تخلف واضحة تزامنت مع ضعف ثم سقوط آخر سلطان لها، تمثل في الدولة العثمانية.
وقد ترجمت كل هذه الانهيارات في تقسيم أراضي العالم الإسلامي بين دول أوربا التي فتحت عينيها على التقدم وبدأت تلج في الحضارة والتمدن من بابه الواسع. حيث استعمرت معظم البلدان الإسلامية، وهو ما عمل على تكريس مظاهر التخلف فيها؛ من الجهل والفقر والبطالة، وفي مقابل ذلك سخرت إمكاناتها الاقتصادية لتهريب خيرات الأراضي الإسلامية. واعتبار الشعوب الإسلامية أسواقا استهلاكية لمنتوجاتها الصناعية، وموردا للأيادي العاملة الزهيدة، وميدانا لتجاربها العلمية والتكنلوجية.
وفي ظل هذه الوضعية المزرية قامت في العالم الإسلامي - مشرقا ومغربا- حرکات نهضوية تدعو الشعوب لتستفيق من نومها العميق وتقاوم هذه المستعمرات المستبدة. فظهرت مطالبات سياسية وثورات تحريرية استطاعت بعد فترات متفاوتة من الزمن أن تجلي الاستعمار من الأراضي الإسلامية وتتحرر)، ثم
(1) - للتوسعة في معرفة الحركات النهضوية في العالم الإسلامي يراجع مثلا: أحمد أمين: زعماء
-10 - (1/28)
صفحة 29
تدخل في معركة الإصلاح والتثقيف والبناء محاولة الالتحاق برك حضارات الأمم الأخرى.
هذا عن العالم الإسلامي ككل أما عن القطر الليبي فقد تعرض سنة 1911 م للغزو الإيطالي، وأعلن الشعب الليبي الجهاد لمقاومة هذا الاحتلال الجديد، وبرز في قيادة هذه المعارك الشيخ عمر المختار والشيخ سليمان الباروني. واستمرت المقاومات حتى سنة 1931 م، حيث استطاع الاستعمار الايطالي التحكم في الأراضي الليبية وأعلن توحيد مناطق طرابلس ومصراته وبنغازي وضمها للأراضي الإيطالية، وأطلق عليها تسمية "ليبيا الإيطالية"، فتكاثر الاستيطان فيها. وبقي الحال على هذه الصورة حتى الحرب العالمية الثانية سنة 1942 م؛ فبعد انهزام إيطاليا أمام قوات الحلفاء خرجت من الأراضي الليبية تاركة مكانها للإدارتين العسكريتين البريطانية والفرنسية فحكمت الشمال الإدارة البريطانية والجنوب الإدارة الفرنسية.
لكن الشعب الليبي لم يبق صامتا أمام هذا الوضع الاستعماري الجديد؛ بل نظم نفسه في أحزاب سياسية وخرج في مظاهرات عارمة وعقد ملتقيات ونظم إضرابات متتابعة؛ مطالبا دول الحلفاء بمنح استقلاله وفاء بوعودها إبان الحرب العالمية الثانية. وتحت ضغط هذه الحركات الاحتجاجية نالت ليبيا استقلالها سنة 1951 م
(1)
ومما لاشك فيه أنها خرجت من الاستعمار منهكة القوى وفي وضعية متخلفة اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، ففي هذا المحيط عاش الشيخ علي معمر الفترة الأولى من حياته.
وإثر رجوعه سنة 1945 م من رحلته في طلب العلم كانت بلاده قد تخلصت نهائيا من الاستعمار الإيطالي، وأصبحت تسيرها الإدارتان الأنجليزية والفرنسية
الإصلاح في العصر الحديث المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية الرغاية-الجزائر، 1990 م. (1) - محمد بن مسعود تاريخ ليبيا الحديث من مجيء العثمانيين إلى الوقت الحاضر، مطبعة ماجي، طرابلس-ليبيا، دت، ص 48 - 64. (1/29)
صفحة 30
اللتان عملتا على زرع بذور التفرقة والشقاق بين الأهالي تبعا لسياسة "فرق تسد" حيث استطاعتا تحقيق هدفهما بسبب التخلف الذي كان يطبع على أغلبية الأهالي، فجعلت منهم اخوة أعداء مشتتين إلى فرق وشيع تكن كل فرقة للأخرى الضغائن والأحقاد (1).
وتبعا لذلك شهدت ليبيا أثناء فترة الاحتلال وبعده أزمة اقتصادية حادة، عمّ فيها القحط والجفاف وقلت الأمطار لسنين عدة، حتى جفت أغصان الأشجار وسقطت الحيوانات جيفا متناثرة، ولحق بالناس حالة عسيرة من قلة ذات اليد ونذرت ضروريات المعاش وانقطعت المواد الزراعية المعتمد عليها؛ فتسبب ذلك في موت الكثير من الأهالي جوعا (2).
ففي هذه الظروف الصعبة عاد الشيخ علي معمر إلى بلده من رحلته العلمية الطويلة فوجده يتخبط في كل هذه المشاكل ويعاني على مختلف الأصعدة.
(1) - سليمان عون الله صفحات مخطوطة في ترجمة حياة الشيخ علي يحيى معمر، ص 3.
(2) - المصدر السابق، ص 4 (1/30)
صفحة 31
المبحث الأول
حياته الاجتماعية
1 - مولده ونشأته
ولد علي بن يحيى معمر في سنة 1919 م الموافق لـ: 1338 هـ في قرية "تكويت " (1) الريفية، التي هي إحدى قرى ضواحي نالوت، تبعد عنها بمسافة خمسة عشر كيلومترا من الجهة الغربية.
ونالوت (3) مدينة تقع في الناحية الغربية من جبل نفوسة)، وفي الناحية الشمالية
الغربية لعاصمة القطر الليي طرابلس.
تعد هذه المدينة من أكبر مدن جبل نفوسة تقع على قمة الجبل، وتبعد عن العاصمة بمسافة مائتين وسبعين كيلو متر (70) كلم وهي شبه جزيرة حيث يحدها
(1) - يذكرها الشيخ علي معمر بتسمية أخرى: "تشكوت "، وهي تقع على رأس ربوة مستديرة مرتفعة تحيط بها من جميع الجهات غابات من النخيل كونت واحة جميلة، يعتمد في سقيها على مياه الآبار، وهي تمد مدينة نالوت بثمارها وغلاتها. الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى: الإباضية في ليبيا، ق 2، مطبعة الاستقلال الكبرى مصر، نشر مكتبة وهبة بالقاهرة، 1964 م، ص 173).
(2) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 1.
(3) - التسمية القديمة والأصلية للمدينة هي "لالوت" باللام بدل، النون وهو ما يعرف به مشايخها فيقال مثلا: الشيخ أبو زكرياء يحيى بن سفيان اللالوتي. علي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل 2، ق 1، ص 173).
(4) - جبل نفوسة سلسلة من الجبال الصخرية وهي امتداد لجبال الأطلس من المغرب الأقصى مرورا بالجزائر وتونس، وتوجد في سفوحها الشمالية والجنوبية أراض زراعية خصبة ومراع فسيحة وتمتاز بكثرة عيونها الجارية؛ مثل عين الترك، عين الرومية وعين الزرقاء، وسميت بجبل نفوسة نسبة إلى القبيلة البربرية "نفوسة" التي استوطنتها منذ القديم ولا تزال الطاهر أحمد الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ط 2، دار المعارف، القاهرة، 1963 م، ص 71).
- 13 -
- (1/31)
صفحة 32
من ثلاث جهات أودية عميقة، ومن الجهة الرابعة الشمالية تحدها سهول منبسطة حتى البحر الأبيض المتوسط، وهي منطقة كثيفة الأشجار، وبالأخص منها شجرة التين والنخيل ثم شجرة الزيتون (1).
تمتد
كما أنها تحتوى على مياه عذبة متوفرة مصدرها من العيون النابعة من الجبال و من الآبار التي يوجد ماؤها على عمق بسيط، وكذا ما يهتم به السكان من إقامة بعض السدود لحجز مياه الأمطار المتدفقة من أعالي الجبال والمرتفعات (2).
وبحسب الوضعية الجغرافية للمدينة فقد اعتمد أهلها في عيشهم على الفلاحة التقليدية وتربية المواشي بالدرجة الأولى، إلى جانب بعض الحرف الأخرى كالتجارة والبناء والنجارة.
وتشتغل المرأة عادة في البيت بالقيام بشؤونه وبتربية الأبناء ورعاية الأسرة، وتمتهن الحياكة والنسيج؛ حيث تعتبر هذه الحرفة من الناحية الاقتصادية في الدرجة الثالثة بعد الفلاحة والثروة الحيوانية (3).
ويبلغ عدد سكان مدينة نالوت والقرى المجاورة لها حوالي ألف وخمسمائة نسمة (1500) حسب إحصائيات 1980 م ويتكون أهلها من ست قبائل هي: أولاد الدير والعساكرة وأولاد عون الله والعزابة والمقادمة وأولاد إبراهيم، وتحتوي كل قبيلة على مجموعة من اللحم أو العائلات (4).
هذا
عن الناحية الجغرافية العمرانية أما من الناحية الثقافية فقد وصفها الشيخ أبو العباس الشماخي بمدينة الأشياخ والعلم، حيث نشأ وبرز فيها عدد
(1) - ينظر لمعرفة قرى جبل نفوسة مقال:.
من
العلماء
Tadeusz Lewicki: Etudes Ibadites Nord Africaine, Partie 1, Tasmiya
Suyuh Gabal Nafusa Wa Qurahum, Warszawa, 1955
(2) - سليمان عون الله المصدر السابق، ص 1.
(3) - المصدر السابق، ص 1.
(4) - المصدر السابق، ص 1.
- 14 - (1/32)
صفحة 33
والمشايخ نذكر منهم الشيخ أبا الربيع سليمان بن هارون والشيخ أبا سهل والشيخ أبا زكرياء يحيى بن سفيان (1).
كما عرفت كذلك بروز عدة نابغات من النساء أمثال: زينب اللالوتية وأم سحنون اللالوتية. هذا ما يدلنا على أن المدينة كانت حافلة بمراكز العلم والتعليم،
وشهدت فترات من الإشعاع على المناطق المجاورة لها من جبل نفوسة بخاصة. أما عن أسرة علي معمر فقد كانت تسكن بالقرب من قرية تكويت، في منزل ريفي بسيط، وتعتمد في عيشها كسائر أهالي القرية على ما تنتجه الفلاحة التقليدية للأرض من المواد الغذائية وكذا على تربية المواشي، إلى جانب ما تسهم به الزوجة والأم الليبية - كإعانة لزوجها بعد فراغها من شؤون منزلها - من الصناعات اليدوية التقليدية كالحياكة والنسيج؛ وهو شأن أغلب الأسر الليبية المستوطنة للأرياف والقرى.
ومن ناحية الثقافة والعلم فإن أسرته لم يعلم لها مكانة أو مستوى في ذلك، إلا بعض المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تتعلم بالضرورة ولا يسع مسلم جهلها؛ كحفظ جزء من القرآن الكريم ومعرفة بأصول الدين وأركانه والفرائض اللازمة على كل إنسان بالغ، حيث يتلقاها أي فرد ينشأ في بيئة محافظة متشبثة ومعتزة بدينها وتاريخها و أصالتها، وهو قدر مشترك بينهم جميعا.
وإن لم يكن لهذه الأسرة حظ من العلم بسبب ظروف ذلك العصر فقد كانت على جانب كبير من التدين و الأخلاق الرفيعة والمحافظة على القيم والمبادئ، استطاعت أن تنشئ ابنها عليها، فشب نسخة طبق الأصل لها.
ويندو
أن والده الذي لم تتح له الأقدار ليتعلم كان محبا للعلم وأهله، حيث تمنى
أن يرى ابنه يوما ما قد بلغ شأنا كبيرا في هذا المجال، فبالرغم من ضعفه المادي فقد
(1) - أبو العباس أحمد الشماخي: سير المشايخ، طبعة حجرية، 1301 هـ، ص 95.
(2) - علي معمر الإباضية في موكب التاريخ، حل 2، ق 2، ص 171 - 172.
(3) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 2.
-
- 15 - (1/33)
صفحة 34
تركه ليواصل دراسته في وطنه ثم خارجه في رحلة علمية استمرت لفترة طويلة، ولم يعترض طريقه طالبا منه مساعدته في كسب القوت الصعب المنال آنذاك (1). أما عن نسب علي معمر فإنه يتصل بلحمة بني زكرياء؛ أحد فروع قبيلة المقادمة التي تعتبر أكبر القبائل النالوتية عدد (2).
2 - زواجه وأسرته
لا تخبرنا المصادر عن معلومات تفصيلية عن أسرة والده يحيى، لكن ما علمناه أختا واحدة (3) دون أن نعلم هل له اخوة آخرون أم لا؟ وبمجرد أن
أن لعلي معمر عاد إلى بلده نالوت سنة 1945 م بعد رحلته العلمية الطويلة شجعه والداه على الزواج، وبلا شك أنهما قد كَبُرا في السن، هذا ما جعله يستجيب لطلبها مباشرة. وتذكر المصادر أن أباه قد تكفل هو بمصاريف زواجه رغم حالته المعيشية العسيرة التي كان على شاكلتها أغلب أهالي البلدة (4).
أما عن عائلته التي أصبحت متكونة من والدين وزوجة فقد بدأت تكبر بمرور السنين، حيث خلف الشيخ علي معمر تسعة أبناء؛ سبعة ذكور وبنتين، أما الذكور فهم بالترتيب حسب أعمارهم تنازليا محمد، خالد، يحيي، فريد، حسن، عيسى ()، والبنتان هما: سعاد سلمي (6). كما أنه تزوج زوجة ثانية في
عبد الله
مرحلة لاحقة من حياته (?).
(1) - سالم بن يعقوب رسالة بعثها إلى الأستاذ محمد ناصر بوحجام حول ترجمة حياة الشيخ علي
يحيى معمر، 1981 م.
(2) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 2.
(3) - مقابلة شخصية مع الشيخ ناصر مرموري: غرداية، أوت 1997 م.
(4) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 4. ذاكر لي الشيخ ناصر مرموري في مقابلتي السابقة معه عندما عاد إلى بلده وجد نصف منزله مهدما وأبواه يسكنان في النصف الصحيح منه.
معمر
، أن علي
(5) - مقابلة شخصية مع السيد عيسى الشيباني، الجزائر العاصمة، 1997/ 02/02 م. (6) - علي يحيى معمر: الفتاة الليبية ومشاكل الحياة، ط 1، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت
لبنان، 1970 م، ص 7.
(7) - مقابلتي السابقة مع الشيخ ناصر مرموري.
-
– 16 –
- (1/34)
صفحة 35
3 - المضايقات والمتابعات
إن المنهج الإسلامي الواضح الذي اختاره الشيخ علي معمر لحياته وعمله، ثم محاولته تجسيد ذلك في كل الميادين التي احتك بها؛ من المسجد إلى المدرسة إلى المعهد إلى المكتب إلى السوق وإلى الشارع؛ كان سببا لأن تثار ضده تهم عديدة وتواجهه متاعب كثيرة.
فقد اعتقل في أفريل من سنة 1973 م مع غيره من أبناء بلده، بتهمة الانتماء إلى العمل الإسلامي؛ فقضى في السجن قرابة العام، تعرض فيها لأنواع من التعذيب الجسدي والإهانة من كرامته؛ حيث حلقت لحيته (1).
لكن الشيخ بقي صامدا لم تؤثر فيه هذه الإجراءات، بل زادته إصرارا في تبليغ رسالته السامية وإيمانا وثباتا على نهجه الرباني، فضاعف من مجهوداته في الدعوة ونشر العلم الشرعي في أوساط الشباب وتربية الناشئة تربية خلقية أصيلة.
وكرد فعل حاقد على نشاطاته داهم بعض من يكن له العداء بيته بمدينة نالوت وهدمته وشردت أبناءه ولاحقتهم وسجنت كبيرهم محمد. وقد تطاول حقدهم هذا فمس أحد بيوت الله تعالى، حيث تعرض مسجد الفتح بالعاصمة طرابلس أين كان ينشط الشيخ ويلقي دروسه إلى التخريب ولوحق كل من كانت له صلة بهذه المشاريع وسجن الكثير منهم وشرد واختفى عدد آخر ولم
يظهر له أثر إلى حد
اليوم (3).
(2)
وبعد فرار ابنه الأكبر محمد من السجن وتمكنه من التسلل نهائيا خارج ليبيا اعتقل الشيخ للمرة الثانية ومورست في حقه وحق أبنائه ممارسات قمعية، دون أي
(1) - مجلة الإنقاذ عد 45، الصادر في تاريخ شعبان 1415 هـ / يناير 1995 م، شيكاغو - أمريكا، مقال بدون إمضاء بعنوان: الوالد والمعلم الشيخ علي يحيى معمر. (2) - مجلة الإنقاذ: عد 27 رمضان 1404 هـ / جانفي 1984 م شيكاغو - أمريكا، مقال بدون إمضاء بعنوان: فضيلة الشيخ علي يحيى معمر.
(3) - محمد ناصر: المؤرخ الأديب علي يحيى معمر (بحث مخطوط)، ص 4.
- 17 -
3 (1/35)
صفحة 36
اعتبارات للإنسانية والرحمة ودون أي مراعاة لمكانة الشيخ العلمية وجهاده
الاجتماعي أو حتى لكبر سنه ولحالته الصحية المتدهورة).
4 - مرضه ووفاته
إن الأسفار الطويلة التي جبل عليها الشيخ علي معمر منذ كان صغيرا في العشرية الثانية من عمره؛ لأجل تحصيل العلم وكذا الاغتراب المتواصل والطويل عن
الأهل والبلد، ثم جهوده المضنية لنشر العلم والإصلاح في بلده على أوسع نطاق قلة ذات اليد وقلة المعين وفي تلك الظروف الصعبة؛ كل هذا أثر في صحته أيما تأثير، إضافة إلى ما تعرض له من مضايقات وملاحقات واستنطاقات متكررة أناء الليل وأطراف النهار والظلم والهوان في شخصه وعائلته وأبنائه؛ فلم يستطع جسمه مقاومة وتحمل كل هذا، حيث أصيب بعلل عديدة منها ضيق التنفس وضغط
(2)
الدم وعسر الهضم حتى انهار كيانه. وقد سافر إلى خارج ليبيا بإيطاليا بحثا عن العلاج لكن المرض كان يعاوده في كل مرة ويثبط من عزائمه ومجهوداته خاصة في المرحلة الأخيرة من حياته (3)
حتى وافاه أجله وانتقل إلى رحمة الله بجوار ربه يوم الثلاثاء 27 صفر 1400 هـ الموافق لـ: 15 جانفي 1980 م على الساعة الحادية عشرة صباحا في مكتبه بوزارة التربية وهو يؤدي واجبه العملي
(4)
فدفن بمقبرة سيدي منذر بطرابلس العاصمة يوم الأربعاء 28 صفر 1400 هـ / 16 جانفي 1980 م بعد صلاة العصر وقد حضر لتشييع جثمانه الطاهر جمع كبير من
(1) - مجلة الإنقاذ: عد 45، المقال السابق.
(2) - علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، المطبعة العربية، غرداية الجزائر،
1985 م، ص 383.
(3) - مجلة الإنقاذ عد 45، المقال السابق.
(4) - الهادي سعيد صالح كلمة تأبينية للشيخ علي معمر.
- 18 - (1/36)
صفحة 37
الأساتذة والزملاء والرفقاء وإطارات سامية في الدولة اعترافا بعلمه وخلقه وجهاده الإسلامي الطويل (1).
وألقيت بالمصلى بعد الجنازة كلمات عديدة مؤبنة له ولأعماله ممن رافقه درب الجهاد ومن الأساتذة الذين عرفوه، وكذا ألقيت في نفس اليوم ببيته كلمات تأبينية حضرها جمع من إخوانه وأقاربه ورفقائه، ورثاه شعراء عديدون سجلوا مناقبه وأعماله وأخلاقه متأثرين بوفاته وفراقه لهم)
(3)
كما قدم من وادي ميزاب وفد مكوّن من عشرة مشايخ للتعزية، فمكث يومين وألقوا كلمات تأبينية تكلموا فيها عن خصاله وجهاده)، فرحمه الله تعالى وأسكنه جنانه الواسعة مع النبيئين والشهداء والصالحين وحسن أولاء رفيقا.
(1) - سليمان عون الله المصدر السابق، ص 7. (2) - الهادي سعيد صالح المصدر السابق.
(3) - محمد ناصر بوحجام مقدمة كتاب الإباضية دراسة مركزة للشيخ علي يحيى معمر: المطبعة العربية غرداية، 1985 م، ص 32 - 33.
(4) - مقابلة شخصية مع الشيخ ناصر مرموري. وهؤلاء العشرة هم الشيخ عدون شريفي، عبد الحميد أبو القاسم الناصر مرموري، حمو فخار، أحمد أوراغ، سليمان بن يوسف، محمد
خريطي، بكير بافولولو، عبد الله أبو العلاء، عمر لقمان.
- 19 (1/37)
صفحة 38
المبحث الثاني حياته العلمية
المرحلة الأولى دراسته بليبيا:
بعد أن قضى الفتى علي الفترة الأولى من الطفولة في بلدته بين أسرته وأقاربه وأطفال جيرانه وحيه أدخله والده كتاب القرية لحفظ بعض سور القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ويبدو أن ذلك كان في وقت مبكر؛ في حوالي سنة 1924 م، أي قبل أن يبلغ السن السادسة من عمره.
وكان معلمه الأول الذي له فضل السبق في فتح صفحات حياته العلمية هو
الشيخ المقرئ العزابي عبد الله بن مسعود الباروني الكباوي.
وبعد سنة من دراسته في الكتاب أي سنة 1925 م أدخله والده المدرسة الرسمية التي فتحتها الحكومة الإيطالية وجعلت التعليم فيها إجباريا، وفرضت الغرامة والسجن على كل متخلف عن تسجيل أبنائه فيها.
ويبدو أن والده في بادئ الأمر لم يرغب في إلحاق ابنه بهذه المدارس الرسمية المدارة من الاستعمار، حيث كلما طلب منه إرسال ابنه إليها تعذر بحجة صغره وضعفه وكونه لا يقوى على مزاولة التعلم؛ وذات يوم قدم من الريف إلى المدينة مصحوبا بابنه علي وبينما هو في الشارع يقضي حوائجه التقى به الحاكم العسكري فسأله: أهذا. علي يا عم يحيى، فأجاب: إنه هو. وكان الولد في صحة وقوام جيد. فقال له الحاكم: غدا سيكون في المدرسة مع بقية التلاميذ، وإلا سيكون مصيرك السجن. فلم يجد الوالد ما يقول ولا ما يفعل إلا الامتثال للأمر فأدخل ابنه المدرسة (1).
(1) - سليمان عون الله: صفحات مخطوطة في ترجمة حياة الشيخ علي يحيى معمر، ص 2.
هو ابنك
- 20 - (1/38)
صفحة 39
أمثاله،
إن هذا الموقف المتخذ من الوالد مما لاشك فيه هو الواحد من بين الكثير من وهو يحمل أكثر من دلالة ومعنى على تلك المناعة والأصالة التي كان عليها المجتمع الإسلامي في الكثير من الأقطار ولا يزال إلى حد الغلو والمبالغة أحيانا، إذ ينتابهم الخوف والشك والحذر من كل ما به مَس من المستعمر ولو كان فيه منفعة لهم ولأبنائهم. حيث يعتقدون يقينا أنه لا يخلو مما يمكن أن يخدش في المبادئ والثوابت أو يزرع الشك في عقول الناشئة (1).
في هذه المدرسة الرسمية الجديدة تفتقت مواهب التلميذ علي وبدأ ذكاؤه وفطانته يظهران جليا بين زملائه التلاميذ، وهو بدوره أبدى الرغبة في التعلم والحرص على نيله هذا الذي جعل أستاذه الشيخ عيسى بن يحيى الباروني يوليه اهتماما خاصا وعناية أكبر حيث اصطفاه وقربه إليه، فكان غالب حديثه معه حول العلم، فإلى جانب دروس المدرسة الملتزمة بالبرامج والمناهج المحددة من الحكومة كان يلقنه دروسا أخرى في البيت أثناء أوقات فراغه في علوم أخرى كاللغة والفقه والأدب. وما إن مرت فترة على ذلك حتى لمع نجم التلميذ بين زملائه وكان متقدمهم في النتائج.
استمر التلميذ علي في هذا التعليم مدة أربع سنوات في تلقي العلوم الابتدائية في المدرسة الرسمية (3) إلى جانب الدروس الإضافية خارجها.
(1) - لقد سجل لنا التاريخ مثل هذا الموقف في وادي ميزاب بالجزائر، وذلك عندما فتحت السلطات الاستعمارية الفرنسية مدارس رسمية لها بالمنطقة، حيث كانت تجبر الأولياء على إلحاق أبنائهم بها، فكانوا يشتكون من هذا التصرف ويحاولون تهريب أبنائهم من ميزاب، وذلك لاعتقادهم أن هذه المدارس فتحت قصد محاربة الإسلام ونشر الكفر وإبعاد المجتمع عن تعاليم دينه وأخلاقه. (يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني ميزاب دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية، المطبعة العربية غرداية 1992 م، ص 123).
(2) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 2.
(3) - مجلة الإنقاذ: عد 27 مقال بعنوان: فضيلة الشيخ علي يحيى
- 21 -
- (1/39)
صفحة 40
وفي أثناء هذه الفترة استدعى أهل نالوت الشيخ الفقيه رمضان بن يحيى الليني
من جزيرة جربة بتونس لتدريس الفقه الإباضي وبعض العلوم الشرعية الأخرى (1) فانضم الطالب علي إلى حلقاته ولازمه في أوقات فراغه بالإضافة إلى مزاولة تعلّمه بالمدرسة الرسمية. حيث جلس بين يديه وتلقى منه مفاتيح عدة علوم معتمدا على مجموعة من المصادر، كما هو حال التعليم في تلك الفترة.
فدرس عليه ابن عقيل في مادة القواعد والجزء الثالث من كتاب النيل في الأحوال الشخصية في مادة الفقه إلى جانب العلوم العربية وفنونها من عروض
(2)
وبلاغة وبيان، ومادة المنطق وكذا علم الفرائض، ومن الراجح أن ذلك كان في بداية الثلاثينيات (3).
(1) - إن هذا العمل الذي قام به أهل نالوت المتمثل في استدعاء الشيخ رمضان الليني لتدريس الفقه الإباضي يعطينا صورة عن واقع العلم في نالوت، حيث نفهم أن بلدة الشيخ علي معمر في عهد طفولته لم يكن فيه علماء للإباضية متضلعين في المجال الشرعي؛ أو على الأقل كان هناك احتياج في هذا المجال وعدم اكتفاء؛ لهذا استعانوا بإباضية جربة، ولعلنا إذا رجعنا إلى تاريخ الإباضية منذ القديم - خاصة في المغرب - فإننا سنلاحظ أن مثل هذا العمل تكرر عدة مرات. وعلى سبيل المثال: نجد أهالي وادي ميزاب في القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي استقدموا الشيخ عمي سعيد الجربي إلى غرداية واستوطنها ومكث فيها متفرغا للتعليم والوعظ والإفتاء إلى أن توفي ودفن بها. حمو عيسى النوري: نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية قديما وحديثا من سنة 1505 إلى 1962 دار الكروان باريس 1984 م، ج 1، ص 62. ولعل مثل هذا الموقف يمدنا بمؤشر واضح عن تلك العلاقات والصلات الثقافية والعلمية الوطيدة التي كانت بين مناطق الإباضية في المشرق والمغرب. وإن من الأسباب المباشرة والأساسية الداعية لذلك قلة عددهم وخوفهم من الزوال؛ هذا ما يجعلهم يبذلون قصارى جهودهم للمحافظة على
أصالتهم وعلى مميزات مذهبهم.
(2) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 2 - 3.
(3) - المصادر التي بين يدي - سواء من رفقائه الليبيين الذين ترجموا للشيخ علي معمر أمثال سليمان عون الله في ترجمته لحياة الشيخ، معمر، أو الباحثين الذين كتبوا عنه أمثال الأستاذ محمد ناصر بوحجام في مقدمته لكتاب الإباضية دراسة مركزة، والأستاذ فرحات الجعبييري في كتابه البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية تذكر أن قدوم الشيخ رمضان الليني إلى ليبيا كان سنة 1925 وأن عودته إلى حربة كانت بعد عامين؛ أي سنة 1927 ثم التحق به الطالب علي معمر بعد
- 22 - (1/40)
صفحة 41
و لم تدم فترة إقامة شيخه طويلا، فبعد عامين تقريبا غادر نالوت عائدا إلى
بلدته جربة (1). •
المرحلة الثانية دراسته بتونس
-1 - في جزيرة جربة:
مما يبدو أن الشيخ رمضان الليني استطاع أن يترك فؤاد تلميذه متعلقا به؛ إذ بعد مغادرته نالوت بفترة قصيرة؛ لا تتعدى مجموعة أشهر شد الرحال إلى جزيرة جربة
فترة قصيرة لا تتعدى عدة أشهر.
لكن إذا حاولنا استنطاق الأحداث واختبار هذه التواريخ نجد أن هذا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون صحيحا وذلك لعدة شواهد هي كالآتي:
-
1
بنا أن علي معمر درس في الكتاب فترة سنة على الأقل عند شيخه المقرئ عبد الله بن مسعود الكباوي ثم دخل المدرسة الرسمية ودرس مدة أربع سنوات عند شيخه عيسى بن يحيى الباروني، وفي هذه الأثناء قدم الشيخ رمضان الليني.
يعني
فإذا علمنا أن عمر علي معمر سنة 1925، - سنة قدوم شيخه الليني - هوست سنوات؛ فهذا أنه قد بدأ الدراسة وعمره عامان أو ثلاث سنوات وهذا غير معقول طبعا 2 - تذكر لنا المصادر كما سبق أن العلوم التي تلقاها عن شيخه الليني هي العلوم الشرعية واللغوية والمنطق؛ وهي تحتاج بلا شك إلى مستوى من النضج الفكري، غير متيسر لصبي عمره ست سنوات أن يستوعبها.
-
3 - من المستبعد جدا أن يسمح الوالد يحيى لابنه بالسفر بعيدا عن أسرته وأهله خارج وطنه وعمره ثماني سنوات؛ أي سنة 1927، وهو ما يزال بحاجة إلى رعاية الوالدين وتربيتهما. 4 - تذكر لنا المصادر كما سيأتي أن علي معمر عندما ارتحل إلى حربة سنة 1927 كان إلى جانب دراسته يلقي دروسا للطلبة المبتدئين في جامع ابن عباس، فليس من المعقول أن يدرس الطلبة المبتدئين وهم منهم إذ عمره ثماني سنوات. لذا فبناء على كل هذه الاعتبارات نرى من الراجح أن قدوم الشيخ رمضان الليني إلى نالوت كان في بداية الثلاثينيات، بدل سنة 1925؛ وبذلك ينسجم سن الفتى مع العلوم التي تلقاها عن شيخه وكذا يمكن أن يتحمل مشاق السفر لوحده وبعده عن أسرته ووطنه، ويمكن كذلك أن
يتحمل مسؤولية التدريس في حربة، حيث يكون عمره آنذاك يقترب من خمس عشرة سنة. (1) - مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية، جزء المغرب، مج 3، نشر جمعية التراث، القرارة - غرداية، 1415 هـ-1995 م، ص 301.
- 23 - (1/41)
صفحة 42
بتونس ليواصل دراسته هناك بالمدارس الإباضية، فالتقى مرة ثانية بشيخه وانضم إلى حلقاته وواصل حفظ القرآن على يده.
وقد كانت دراسته بمدرسة جامع " ليمس " ببلدة " أجيم "، المطلة على ساحل الجزيرة، أما مسكنه فكان بأحد بيوت الطلبة بجامع ابن عباس في الجهة القبلية من البلدة، وقد دامت دراسته على يد الشيخ الليني سنة وبضعة
(2)
أشهر
(1)
كما كان في ذات الوقت يُسهم في إلقاء بعض الدروس على الطلبة المبتدئين في جامع ابن عباس حيث كان يقيم ولعل هذا العمل الذي أنيط به وهو في هذه السن المبكرة من عمره ليدل على بداية
تمكنه من بعض العلوم وعلى الثقة التي وضعت فيه وعلى قدرته لتحمل المسؤولية.
وربما كان هذا العمل في نفس الوقت موردا لكسب بعض المال الذي بلا شك كان في أمس الحاجة إليه وهو في ديار الغربة بعيدا عن أهله، لتلبية بعض حوائجه الضرورية حتى لا يبقى عالة على غيره.
هكذا نجد الطالب علي يعتمد على نفسه ويتحمل مسؤوليته ويعيش حياة الاغتراب وهو لا يزال دون سن الرشد.
2 - في جامع الزيتونة:
إن طموح الطالب علي لمواصلة طلب العلم والحصول على المراتب العليا فيه جعله يغادر جزيرة جربة بعد حوالي سنة ونصف قاصدا العاصمة تونس حيث جامع الزيتونة وحيث حلقات العلم المتنوعة والمزدهرة وحيث العلماء والمشايخ في مختلف الفنون.
(1) - سالم بن يعقوب: مراسلة سابقة إلى الأستاذ محمد ناصر بوحجام.
(2) – المصدر السابق.
- 24 - (1/42)
صفحة 43
فتردد على دروسها بصفة حرة، بدون أن يرتبط بها بطريقة منتظمة إلى
(1)
جانب ذلك كان يحضر دروس الشيخ محمد الثميني التي كان يلقيها على طلبة البعثة الميزابية بتونس ولا تذكر لنا المصادر مشايخه الذين يكون قد درس عندهم آنذاك، لكن إذا رجعنا إلى تلك الحقبة نجد مجموعة من العلماء والمشايخ قد تصدروا التدريس في جامع الزيتونة أمثال: الشيخ الطاهر بن عاشور والشيخ محمد بن يوسف الحنفي والشيخ محمد النخلي والشيخ عثمان بلخوجة. فيمكن أن يكون قد تلقى العلوم على بعض هؤلاء المشايخ دون بعضهم.
(4)
أما عن إقامته فمن المحتمل أنها كانت في دار البعثة الميزابية (3) بنهج بئر الأحجار بتونس، التي كان يديرها الشيخ محمد الثميني؛ حيث كان يحضر دروسه، ومن العادة أن تضم هذه البعثات إلى جانب الطلبة الميزابين ثلة من طلبة الإباضية من
تونس ومن ليبيا.
وفي تلك الأثناء لم يقطع الطالب علي صلته بجربة، حيث كان يزورها بين الحين والآخر في أوقات العطل و المناسبات يلتقي بشيخه رمضان الليني ليعرض عليه ما استزاده من العلوم ويستشيره ويحاوره في القضايا التي تكون قد شغلت باله و لم يجد لها تفسيرا أو فهما وهو في تونس بين حلقات العلم بالزيتونة، ولينقل إليه أخبار وأحوال البعثات الميزابية ونشاطاتها في العاصمة.
(1) - فرحات الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية المطبعة العربية غرداية، نشر جمعية التراث بالقرارة، 1991 م، ج 1، ص 86.
(2) - محمد ناصر: الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية الجزائر، نشر جمعية التراث بالقرارة، ص 16 - 17.
(3) - تاريخ البعثات الميزابية إلى تونس تاريخ طويل وحافل بالأحداث؛ وقد اهتم الأستاذ محمد علي دبوز بالتأريخ لبعض فتراته، وهو بذلك قد حفظ لنا أرشيفا مهماً عن الحركة العلمية والثقافية إبان النهضة الإصلاحية التي شهدتها الجزائر يراجع كتابه محمد علي دبوز أعلام الإصلاح في الجزائر، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة-الجزائر، 1398 هـ - 1978 م، ج 3 ..
(4) - سلميمان عون الله: المصدر السابق، ص 3.
- 25 - (1/43)
صفحة 44
وفي إحدى هذه الزيارات التي كانت في عطلة الصيف أنشأ مع جماعة من زملائه الطلبة والشباب الجربي الغيور على دينه جمعية دعوية مهمتها تولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن الإسلام).
ولا تذكر لنا المصادر بالتحديد متى كان ذلك، وما هي الأسباب التي كانت وراء تكوينها وما هي الأعمال التي قامت بها، ويبدو أن ذلك كان في الفترة الأخيرة من إقامته بتونس أي حوالي سنة 36 - 1937 م وعمره آنذاك يقترب من ثماني عشرة سنة، وهو عمر ينسجم مع بداية العمل الجمعوي والدعوي.
أما عن أعمالها؛ فبالنظر إلى موقع جزيرة جربة السياحية وجمال طبيعتها وانسجام مناخها فإنها ستكون محط أنظار الأجانب من مختلف الجنسيات كما هي عليه في يومنا هذا. هؤلاء الذين عادة ما يقدمون بعادات وطبائع مخالفة للدين والمجتمع الإسلامي، بل أكثر من ذلك تكون هدامة لها، لذا فمن الاحتمال الكبير أن يكون عمل هؤلاء الشباب في جمعيتهم في هذا الميدان، في محاولة التصدي الغزو، وتحصين المجتمع من الشرور التي يمكن أن تصيبهم بالانسياق وراءه.
لهذا
وكذا الدفاع عن أصالة الجزيرة وقيمها بمحاربة مواطن الفساد فيها والكف من انتشارها، تحت أيادي هؤلاء الأجانب، ومع من يقف معهم من الأهالي لأجل أغراض مادية وسياسية.
المرحلة الثالثة دراسته بالجزائر (معهد الحياة بالقرارة)
تمهيد
قبل التطرق إلى دراسة الطالب علي معمر بمعهد الحياة بالقرارة ينبغي ضرورة معرفة المحيط الاجتماعي والثقافي للقرارة ووادي ميزا ب ثم التعريف
(1) - فرحات الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ج 1، ص 86.
-26 - (1/44)
صفحة 45
بالمعهد وهياكله حتى يسهل فهم الأنشطة والأعمال التي قام بها في هذه الفترة
على ضوء هذا الواقع).
الواقع الاجتماعي لوادي ميزاب والقرارة:
كان وادي ميزاب في فترة قدوم علي معمر يعيش قمة الصراع الفكري والاجتماعي بين تيار المحافظة والجمود وتيار الإصلاح والتجديد.
وكان يتزعم الشيخ إبراهيم بيوض التيار الإصلاحي مع مجموعة من الرجال الأفذاذ الذين وقفوا بجنبه وضحوا بكل ما يملكون من جهود وأوقات وأموال لأجل نصرته. وقد لاقى الشيخ بيوض وأنصاره معارضة شديدة من التيار الأول في القرارة وفي قرى وادي ميزاب وعاش الوادي في هذه الفترة موجة من الأحداث والتغيرات الاجتماعية على الكثير من الأصعدة، وكان مسرحا حافلا بالمنافسات
العلمية والثقافية.
وكان ممن ساند هذه الحركة الإصلاحية وآزرها وزادها دفعا إلى الأمام طلبة الشيخ بيوض؛ الذين توافدوا على معهده من مختلف قرى وادي ميزاب ونهلوا من علمه واحتكوا بخبرته الاجتماعية، تم أصبحوا بعد تخرجهم حملة لأفكار شيخهم ولرسالة الإصلاح في قراهم.
فكان هذا الإصلاح وهذا التنافس يشاهد ويظهر في كل مرافق البلدة ومراكز
(1) - المعرفة بعض الخصائص الاجتماعية والعمرانية لوادي ميزاب يراجع:
Brahim Benyoucef: Le M'zab Espace Et Societe, Imprimerie
Aboudaoud, El Harrach, Alger
(2) - يراجع في ذلك: محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، ج 3، المطبعة العربية، الجزائر، 1389 هـ - 1969 م. - أعلام الإصلاح في الجزائر. سعيد شريفي: معهد الحياة نشأته وتطوره، ط 1، المطبعة العربية غرداية 1989 م. بكير أعوشت: الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر المطبعة العربية غرداية 1987 م.
- 27 - (1/45)
صفحة 46
نشاطها، من المسجد إلى المعهد إلى الشارع إلى السوق، وفي مناسبات الأفراح والأطراح والأعياد الدينية والوطنية (1).
فكان الطالب علي معمر يشهد كل هذه الأحداث ويتفاعل معها تفاعلا إيجابيا كأنه فرد من أفرادها، حيث دخل هذا المعترك بقوة وكان طرفا فيه بجانب أستاذه بيوض يحرر المقالات ويقرض الشعر نخليدا لمواقف وانتصارات شيخه في ميدان الإصلاح والتربية.
وكان من حسن حظه أن يزامن هذه الفترة الهامة التي تمر على وادي ميزاب حيث كانت فترة صراع و تحول اجتماعي وثقافي صاحبها أعمال وإصلاحات كبيرة هزت فؤاده ودفعته وحركت قلمه وترجمت أحاسيسه في ذلك الإنتاج الأدبي - نثره وشعره الذي خلدته جريدة الشباب.
وكأن الأقدار قد هيأت له كل هذه الظروف الملائمة لينال تكوينا متكاملا
-
علميا واجتماعيا؛ حيث عاش شيخه بيوض في هذه الفترة كذلك (1940) 1944 م) الإقامة الجبرية التي فرضها عليه الاستعمار الفرنسي في مسقط رأسه بالقرارة، ومنعه من أي اتصال بالجماهير، وذلك بسبب نشاطه السياسي مع الحركة الوطنية الجزائرية، فكانت فرصة أخرى له ليبقى بجانب شيخه ملازما له في مجالسه ودروسه يرتوي من علمه وتجاربه في العمل الاجتماعي والسياسي
2 - التعريف بمعهد الحياة:
معهد الحياة معهد عريق بالجزائر، كانت نشأته في يوم الجمعة 28 شوال 1343 هـ / 21 ماي 1925 م، وقد تزامن ذلك مع انطلاق نشاط الحركة الإصلاحية
(1) - يراجع في ذلك: محمد علي دبوز أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3 - 4. (2) - بكير أعوشت: الشيخ إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي، ص 68 - 75. (3) - محمد ناصر: المؤرخ الأديب على يحيى معمر (بحث مخطوط)، ص 2.
- 28 - (1/46)
صفحة 47
في القطر الجزائري. كما سبق تأسيسه وجود عدة معاهد صغيرة، أو بيوت لتلقي بعض العلوم الشرعية والعربية.
وفي وادي ميزا ب كان لمعهد الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش الصيت الكبير، حيث قصده الطلبة من مختلف قرى الوادي ومن أماكن أخرى عديدة داخل الجزائر ومن الأقطار الإسلامية المجاورة، كتونس وليبيا، كما تخرج على يده دفعات متتالية من الطلبة أسهمت إسهاما فعالا في الحياة العلمية والاجتماعية في كل قرى وادي ميزاب (1).
إلى أن أتت سنة 1925 حيث أسس الشيخ بيوض معهده بعد وفاة شيخه الحاج عمر بن يحيى، وكان مقره في بادئ الأمر في بيته والبيت المجاورة له، ثم انتقل بعد خمس عشرة سنة إلى المسجد، وبالتحديد في تاريخ: ذي القعدة 1360 هـ/ ديسمبر 1941 م، وذلك عندما تزايد عدد الطلبة الوافدين إليه؛ وبخاصة من خارج القرارة فلم يسعهم بيت الشيخ بيوض. وفي بادئ الأمر كان المعهد مكونا من قسمين: سمي الأول: دار القرآن والثاني: دار العلوم، كما قسم الطلبة فيه إلى ثلاث طبقات كبرى، متوسطة، صغرى كل لها برامجها وموادها حسب مستواها وقدراتها (3)
وقد شهد المعهد مع مرور الوقت عدة تطورات وتحسينات في هياكله وبرامجه ومواده المدرسة وإدارته فأحدث فيه الشيخ بيوض مثلا دروسا جديدة في الوطنية والسياسة والاجتماع. كما كان يتابع مع تلاميذه باستمرار بعض المجلات والجرائد التي يصل أعدادها المعهد بانتظام عن طريق تونس، حيث يعقد الشيخ لها ندوات لتقرأ مواضيعها وتناقش بصفة جماعية، والتي كانت تلهب الحماس والوطنية فيهم وتوسع من قدراتهم الثقافية وملكاتهم الأدبية، وتجعلهم يسايرون الأحداث الوطنية والإسلامية
(1) - بكير أعوشت قطب الأئمة العلامة محمد بن يوسف اطفيش حياته. آثاره الفكرية. جهاده، المطبعة العربية غرداية 1989 م، ص 75 - 86
(2) - مقابلة شخصية مع الشيخ ناصر مرموري: غرداية، أوت 1997 م.
(3) - سعيد شريفي معهد الحياة نشأته وتطوره، ص 56 - 62.
- 29 - (1/47)
صفحة 48
والعالمية). وأبرز هذه المحلات هي الفتح والرسالة والصرخة وكلها مصرية. وقد أثرت كثيرا في نفوس الطلبة وأعلت من حسهم الاجتماعي و السياسي و الوطني وصيرت منهم رجالا برزوا وضحوا وتركوا بصماتهم في الكثير من الميادين. إلى جانب ذلك كان للشيخ بيوض درس في الحديث يوميا يلقيه في المسجد لكافة الناس معتمدا على كتاب الجامع الصحيح للربيع بن حبيب ومتتبعا حاشية أبي ستة عليه، ثم شرح صحيح البخاري متتبعا شرح فتح الباري لابن حجر العسقلاني، حيث يغوص في استخراج وتحقيق المسائل الفقهية وتوضيح أصول الشريعة ومقاصدها مركزا على كل ما له صلة بالأخلاق والتربية والمعاملات. وقد بدأ في هذا العمل سنة 1931 م وانتهى منه سنة 1945 م، وأقيم له بذلك حفل تاريخي في المسجد بمناسبة اختتامه (3).
ولأجل تفعيل الحركة الثقافية والاجتماعية في المعهد والرفع من مستوى طلبتها في تحصيل العلم وتدريبهم على العمل الاجتماعي أنشئت بالمعهد جمعيات أدبية وجريدة أسبوعية عرفت بجريدة الشباب.
فالجمعيات الأدبية كانت معروفة بجمعيات الشباب، وهي عبارة عن نواد أدبية يتنافس فيها الطلبة على تنمية مواهبهم ميدانيا بإلقاء المحاضرات والخطب والمناظرات وتقديم الملاحظات والانتقادات للأعمال المقدمة من زملائهم. يجتمع فيها الطلبة
(1) - المصدر السابق ص 60.
(2) - مجلة الفتح: تصدر أسبوعيا، في فترة العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، صاحبها الداعية محب الدين الخطيب، تهتم بقضايا العالم الإسلامي وتعالج واقع المسلمين وتدافع عن الإسلام. . مجلة الرسالة: مجلة أسبوعية عاصرت مجلة الفتح، لصاحبها الأديب أحمد حسن الزيات، ذات اتجاه أدبي واجتماعي
مجلة الصرخة: جريدة وطنية يصدرها الحزب الوطني المصري تهاجم المستعمر الأنجليزي بلهجة شديدة، وتأيد الوطنيين. (سعيد) شريفي، المصدر السابق هامش رقم 1، 2، 3، ص (60). (3) - معيد شريفي: معهد الحياة، ص 62.
-30 - (1/48)
صفحة 49
خلال نهاية كل أسبوع خارج أوقات دراستهم فيعرضون نشاطهم. نورد هنا قول الشيخ عدون المؤسس لها واصفا دورها كان لهذه الجمعية أثر كبير في سير المعهد وتقدمه، بل هي الروح المسيرة، والدماغ المفكر، وكان لها نشاط أدبي واجتماعي
في جميع المجالات» (1).
أما
جريدة الشباب فكانت نشأتها سنة 1926 بعد تأسيس جمعيات الشباب بفترة قصيرة، حيث تصدر كل أسبوع، وهي مفتوحة لكل الطلبة للمشاركة فيها، بموضوع أو قصة أو محاولة شعرية. يتولى كتابتها أحسن الطلبة خطا، وبعد صدورها يخصص لها أوقات لقراءتها بصفة جماعية.
وفعلا فقد أسهمت هذه النشريات إسهاما كبيرا في تفعيل الحركة الثقافية بين الطلبة، فقد دربتهم على الكتابة والتأليف والنقد والرد، وكونت فيهم الروح الإبداعية والنقدية وجعلت منهم شعراء وخطباء وأدباء استطاعوا أن يلجوا هذه الميادين فيما بعد ويتركوا بصماتهم فيها بوضوح.
ندع الشيخ عدون يحدثنا عن دورها: كان لهذه النشريات أثر كبير في تثقيف العقول وتنمية المواهب وحسن التعبير وترقية الأساليب، فكم من كاتب ضليع وشاعر فحل وخطيب مصقع يلهب الجماهير كانت له في هذه الدوريات مراق إلى أوج المعالي والشهرة» (2).
وللمعهد مكتبة تكونت نواتها الأولى من كتب الشيخ بيوض التي كانت في داره عندما كان بها في سنواته الأولى، وعندما نقل إلى المسجد انتقلت معه، وعمل على إثرائها بالمصادر المختلفة خاصة في الجانب الشرعي والأدبي، حيث أثريت بمجموعات من الكتب التي كان يهديها بعض المناصرين للحركة الإصلاحية في ميزاب للشيخ بيوض، وأثريت كذلك ببعض تركات المشايخ والطلبة وكذا مما
(1) - المصدر السابق: ص 70 - 71.
(2) - سعيد شريفي: معهد الحياة، ص 72.
- 31 - (1/49)
صفحة 50
أرسله واستقدمه بعض طلبة البعثات العلمية الميزابية إلى تونس.
وقد أعانت الطلبة كثيرا في الاستزادة من العلم والرجوع إلى المصادر والتعمق في دراسة بعض المسائل، بخاصة في تلك الفترة؛ حيث من الصعب الحصول على كتاب ومن الأصعب امتلاكه، فكيف بتكوين مكتبة تحوي المصادر الأساسية والضرورية لطالب العلم.
إلى جانب هذه المؤسسات العلمية الهامة فقد كان للمعهد جمعية لقدماء التلاميذ، ضمت في صفوفها الطلبة المتخرجين من المعهد والمتجهين إلى مختلف
مجالات العمل، وهدفها متابعة أحوال التعليم والسهر على السير الحسن له (1)
كما أحدثت بعد ذلك سنة 1943 م منظمة الكشافة، التي عمل المعهد من خلالها على تكوين الطلبة تكوينا متكاملا يجمع بين رياضة الفكر وقوة البدن وسلامة الجسم.
هذا هو معهد الحياة باختصار في فكرته وأهدافه وبرامجه ومؤسساته.
وبعد ذلك نتعرف على موقع الطالب علي يحيى معمر في كل هذا الجو العلمي
والمحيط الاجتماعي.
علي يحيى معمر طالب في معهد الحياة:
1 - كيفية التحاقه بالمعهد:
يدو
أن احتكاكه بالطلبة الميزابيين في البعثة الثمينية - أين كانت إقامته-
طلبة البعثات الأخرى بتونس هو السبب المباشر لالتحاقه بمعهد الحياة سنة
(1) - المصدر السابق: ص 75.
(2) - المصدر السابق: ص 82.
- 32 - (1/50)
صفحة 51
1356 - 1937، حيث كانت أصداء الحركة العلمية الإصلاحية التي يتزعمها الشيخ إبراهيم بيوض تصل إلى أسماعه عن طريق الدفعات المتتالية لأعضاء هذه البعثات، فترغبه في الالتحاق بهذا المعهد والاغتراف من علم وتجارب علمائه ومشايخه الذين بدأ نجمهم يعلو آنذاك في ميدان التربية والتعليم والإصلاح الاجتماعي في وادي ميزاب عامة والقرارة خاصة (1).
2 - دخوله المعهد:
كان من شروط الالتحاق بالمعهد استظهار القرآن الكريم، وهو شأن المعاهد الصغيرة التي سبقته في القرارة، إلى الأربعينيات حيث وقع التساهل في الشرط فاستبدل استظهاره، بختمه حتى يتسنى للطلبة الذين لم يسعفهم الحظ في حفظ كامل القرآن مواصلة دراستهم في المعهد.
وحين قدم الطالب علي معمر إلى القرارة في سنة 1937 م كان هذا الشرط لا يزال ساري المفعول، وكان كبير السن مقارنة مع زملائه حوالي ثماني عشرة سنة - فلم يمكن له أن يجلس لإتمام حفظ القرآن واستظهاره كاملا، ورغب في الالتحاق بالمعهد مباشرة والدراسة على الشيخ بيوض، حيث أن ظروفه ربما لا تسمح له بالمكوث طويلا. وقد قدم من مكان بعيد لتحصيل العلم. رفعت مسألته إلى الهيئة المسؤولة على حلقة إيروان) وإلى حلقة العزابة (4)
(1) - محمد ناصر: المؤرخ الأديب علي يحيى معمر، ص 1.
67
الأنظمة
(2) - سعيد شريفي: معهد الحياة، ص (3) - حلقة إيروان: كلمة بربرية معناها طلبة العلم الحافظين للقرآن الكريم، وهو نظام من الاجتماعية بوادي ميزاب يكتسب العضوية فيه كل مستظهر للقرآن، له عدة أنشطة اجتماعية مثل: عمارة حلقات العلم ومجالس القرآن بالمسجد والإشراف على بعض الوظائف التربوية والتعليمية. علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ حل 1، ص 109 - 110). (4) - حلقة العزابة: هي نظام اجتماعي أسس بعد سقوط الدولة الرستمية بتيهرت ليشرف على تسيير شؤون المجتمع الإباضي، مؤسسها الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي.
- 33 - (1/51)
صفحة 52
لينظروا ويفصلوا فيها، وبعد المشاورة اهتدى أستاذه الشيخ إبراهيم أبو اليقظان إلى حل وسط؛ بحيث يسمح له الالتحاق بالمعهد ويقطع الطريق أما من يأتي بعده محاولا خرق هذا النظام متذرعا بهذا الاستثناء الخاص. لما عرف أنه مهتم بالأدب اشترط عليه أن يستظهر مقابل كل سورة قرآن مقطوعة شعرية، أي 114 مقطوعة.
لم يستغرق الطالب علي لتحضير ذلك كثيرا، حيث راجع ورتب المطلوب منه في ليلة واحدة، وأتم الاستظهار عند أستاذه الشيخ أبي اليقظان (1).
لعل هذه الرواية في غرابتها لتدلنا بوضوح على تلك الموهبة الأدبية والملكة الشعرية التي كانت لدى الطالب علي أثناء قدومه إلى المعهد، وأنه فعلا قد تلقى تكوينا أدبيا جيدا أيام كان في بلده ليبيا ثم في جزيرة جربة وفي العاصمة تونس. ولعل هذا التكوين وهذه الملكة قد ساعداه كثيرا على ظهوره في المعهد بذلك التفوق وذلك الأسلوب الأدبي الرفيع في كتاباته النثرية والشعرية في جريدة
الشباب كما سيأتي.
3 - دراسته بالمعهد:
وصل علي معمر القرارة في شهر أوت من سنة 1937 م، وبها حط الرحال للتفرغ لطلب العلم فالتحق بالمعهد مباشرة، حيث كان آنذاك في دار الشيخ يوض، وقد لازم أستاذه الشيخ بيوض في أكثر أوقاته ونهل وتزود من علمه في المجال الشرعي، وخبرته
(مسعود مزهودي: الإباضية في المغرب الأوسط، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث بالقرارة، 1417 هـ - 1996 م، ص 193 - 215).
(1) - مقابلتي السابقة مع الشيخ ناصر مرموري.
في حقيقة الأمر أن الشيخ علي معمر لم يجلس للتلمذة على الشيخ أبي اليقظان مباشرة مما يمكن أن يفهم من معنى التلمذة. لكن تلمذته تتمثل في ذلك الاحتكاك الطويل به وفي تلك الجلسات والأسمار التي كانت تجمع الطلبة بالشيخ في مناسبات عديدة ومتكررة. (2) - مقابلة شخصية مع الشيخ إبراهيم، آداود، غرداية، أوت 1996 م.
- 34 - (1/52)
صفحة 53
وتجربته في المجال الاجتماعي وحرص وواظب على حضور دروسه في التفسير والحديث التي كان يلقيها في المسجد لعامة الناس، كما وجد من أستاذه كامل الرعاية والتوجيه والمتابعة، فكان له بمثابة المعلم القدير والأب الحنون والولي المرشد (1).
فدرس على يده كتاب الأمالي لأبي علي القالي في مادة الأدب، وكتاب شرح النيل للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش في مادة الفقه، وكتاب رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده وكتاب عقيدة التوحيد للشيخ أبي حفص عمرو بن جميع في مادة العقيدة، وتلقى على يده دروسا في الحديث يوميا من كتاب مسند الربيع بن حبيب متبعا حاشية أبي ستة عليه، ثم كتاب صحيح البخاري متبعا فيه شرح فتح الباري لابن حجر العسقلاني. مركزا فيه على ما يحمل الحديث النبوي من أخلاقيات واجتماعيات ومعاملات (3).
عن
أستاذه
وقد أولى الطالب علي أهمية كبيرة لدروس شيخه في التفسير التي كان يلقيها في المسجد لعامة الناس، فحرص وواظب على حضورها والإصغاء إليها، كما تلقى الشيخ عدون شريفي دروسا في اللغة شرح فيها ابن عقيل (4). كما تلقى من أستاذه بيوض دروسا من نوع آخر في الوطنية والسياسة، حيث كان يطالع ويناقش مع أستاذه وبقية زملائه الطلبة المقالات الأدبية والسياسية والاجتماعية التي كانت تصدر في مجلة الفتح والرسالة والصرخة، حيث تصل المعهد دوريا كما مر من قبل (5).
إلى جانب هذا فقد عرف وهو بالمعهد بالاعتماد على نفسه في الاستزادة من
(1) - مقابلة شخصية مع الشيخ دحمان سعيد: الجزائر العاصمة، أفريل 1998 م. (2) - مقابلة الطالبين ابن دريسو مصطفى وكومني ياسين مع الشيخ عدون شريفي: القرارة، سبتمبر 1993 م. (3) - مقابلتي السابقة مع الشيخ ناصر مرموري.
(4) - مقابلة شخصية مع الشيخ عذون شريفي: القرارة، حويلية 1995 م.
(5) - سعيد شريفي: معهد الحياة، ص 60.
- 35 - (1/53)
صفحة 54
تحصيل العلوم والتعمق في مسائله فكان كثير المطالعة والرجوع إلى أمهات الكتب
في المواد الشرعية والأدبية بعد فراغه من حصصه الدراسية (1).
4 - إقامته في القرارة:
كان الطلبة الذين يدرسون بالمعهد من خارج القرارة يسكنون دورا وسط البلدة بعضها يتبرع بها أهل الفضل وبعضها تكرى لهم، ثم عندما تزايد عددهم خصص لهم الشيخ بيوض دارا كبيرة تأويهم كلهم تشتمل على المرافق الضرورية للإقامة من مأكل ومشرب ومرقد، كما وضع لها نظاما داخليا يضبط أوقات الطلبة ونشاطاتهم، منذ بداية اليوم؛ قبيل الفجر إلى نهايته بعد صلاة العشاء والعشاء.
وكان من بين هؤلاء الطالب علي معمر حيث سكن هذه الدار الكائنة في الطرف الغربي من البلدة، وكان المسؤول عليها آنذاك السيد أوراغ أحمد؛ أحد تلاميذ الشيخ بيوض الأولين، الذين تخرجوا من المعهد. كما سكن بعض الفترات في مسكن خاص سلمه له أحد المحسنين (3)، وسكن كذلك في غرفة بأحد الأزقة المجاورة للمسجد (4).
ولم تعرف الأسباب التي جعلته يسكن لوحده، ومن المحتمل أنه لم يستطع التأقلم في بادئ الأمر مع إخوانه الميزابين، أو أنه أراد التفرغ أكثر لطلب للعلم، فاختار الوحدة حتى يصرف أوقاته كلها لهذا الغرض، بعيدا عن الانشغالات أو الضوضاء أو
المجالسات التي تحصل عادة عندما تكون الإقامة مع مجموعة كبيرة من الناس.
(1) - مقابلتي السابقة مع الشيخ دحمان سعيد. - حمو فخار نص الكلمة التي ألقاها بمناسبة زيارة الشيخ علي معمر إلى القرارة، سنة 1945 م.
:
(2) - سعيد شريفي المصدر السابق، ص 75 - 74.
(3) - مقابلتي السابقة مع الشيخ الناصر مرموري.
(4) - مقابلة شخصية ثانية مع الشيخ عدون شريفي: القرارة جويلية 1996.- مقابلة شخصية مع الشيخ سليمان بومريقة غرداية، أوت 1996 م.
-36 - (1/54)
صفحة 55
ومن المحتمل كذلك أن يكون ذلك عندما صار أستاذا وأصبح يكبر الطلبة في السن، فأعطيت له هذه الغرفة ليجد فيها الجو المساعد لتحضير دروسه، وأخذ راحته الكافية ليقدم أكثر لمهمة التعليم.
5 - أنشطته العلمية بالمعهد:
أثناء
إن علامات النبوغ والتفوق تجلت بوضوح عند الطالب علي معمر وجوده بالمعهد، وتمثل ذلك في تلك الحركة العلمية والثقافية التي أحدثها مع زملائه إثر قدومه، فشارك في جميع أنشطة المعهد من الدروس اليومية والجمعيات الأدبية والنشاطات الفنية والمسرحية (1).
وفي هذا الصدد يذكر أستاذه الشيخ عدون شريفي أن معهد الحياة بلغ ذروته الأدبية والفكرية أثناء وجود كل من الطالب علي معمر والطالب محمد علي دبوز والطالب محمد الحاج الناصر في المعهد. حيث استطاع هؤلاء الثلاثة مع كوكبة من زملائهم أن يحدثوا مناخا أدبيا وتنافسا حادا في تحصيل العلم وفي تحرير المقالات ومناقشة الأفكار ونقد الآراء، فمثل كل منهم قطبا أدبيا تولى الانتماء إليه والدفاع عنه وانتقاد زملائه الآخرين. كما استمال كل منهم مجموعة من زملائه الطلبة تسانده في توجه أفكاره وتدافع عنها من تهجمات المجموعتين الأخريتين).
أ - مشاركته في جريدة الشباب:
لقد كانت هذه الجريدة التي تصدر خلال كل أسبوع اللسان الناطق باسم طلبة المعهد، وكانت مسرحا وفضاء مفتوحا على مصراعيه لتلك المنافسات والإبداعات الأدبية بين الأقطاب الثلاثة للطلبة وغيرهم.
فالطالب علي معمر
كان يمثل القطب الذي يتبنى أدب العقاد، كما كان له
(1)
- محمد ناصر بوحجام مقدمته في كتاب: الإباضية دراسة مركزة، ص 18.
(2) - مقابلتي الثانية مع الشيخ عدون شريفي.
- 37 -
- (1/55)
صفحة 56
ميل لأدب الأستاذ أحمد حسن الزيات؛ الأديب المصري صاحب مجلة الرسالة والطالب محمد علي دبوز كان يمثل القطب الذي يتبنى أدب مصطفى صادق الرافعي والطالب محمد الحاج الناصر كان يمثل القطب الذي يتبنى أدب طه حسين (). فكان لهؤلاء الثلاثة الدور الكبير مع زملائهم في تطوير الجريدة وإحداث ذلك الجو العلمي والنشاط الأدبي بين طلبة المعهد.
ولعل المطلع على بعض محتويات مقالاتها يلحظ بوضوح ذلك المستوى العلمي، وذلك النتاج الأدبي الثري نثره وشعره؛ وتلك الاهتمامات الفكرية التي
كان يحملها هؤلاء الطلبة وهم لا يزالون في تلك السن المبكرة من التكوين.
أما
عن مشاركات الطالب علي فيها فقد تنوعت بين المقال والقصة والمحاولة الشعرية وبين الأسلوب المتهجم الناقد أحيانا والمدافع الموضح أحيانا أخرى، وبين الأسلوب المحلل والمدقق والشارح أحيانا والواصف والراوي أحيانا أخرى، وبين المواضيع الأدبية والفقهية والاجتماعية والتاريخية، كل ذلك في صياغة أدبية رفيعة (2).
كما يكون أحيانا للمقال أكثر من حلقة واحدة فيتم نشره في عددين متتاليين
(3)
من الجريدة أو أكثر). وأول مقال نشره الطالب علي حسب ما حفظته لنا مكتبة الحياة بالمعهد من أرشيف الجريدة؛ كان في العدد 273، بتاريخ: 1356/ 12/30 هـ -
(1) - المقابلة السابقة للطالبين مع الشيخ عدون شريفي. ولعل ما يترجم هذا الإعجاب هو تلك المقالات الأدبية التي كان يبعث بها علي معمر وهو طالب بالمعهد إلى المجلة في مصر لتنشرها له مقابلتي الأولى مع الشيخ عدون شريفي، حويلية 1995 م). (2) - ينظر مثلا جريدة الشباب عد: 290 عد: 292، الصادر بمعهد الحياة في تاريخ: جانفي 1939 م، عنوان المقال الشيخ الرافعي ينتقل من القاهرة إلى القرارة حل 1، حل 2 عد: 293، فيفري 1939 م عنوان المقال الحب هبة من الله عد: 274، مارس 1938 م، عنوان
القصيدة الشعرية: ذكرى حيطال.
(3) - ينظر مثلا: جريدة الشباب عد: 274 الصادر بتاريخ مارس 1938 م عنوان المقال: خالد شهيد الغيرة والحب. عد 277 بتاريخ جوان 1938 م عنوان المقال: قيس وليلى.
-38 - (1/56)
صفحة 57
1938/ 03/02 م بعنوان: "المخاطرة الناذرة وملخصه قصة فدائي ليبي في عهد الاستعمار الإيطالي أدخل السجن ثم فرّ منه بمخاطرة عجيبة، فأشاد الطالب بشجاعة الفدائي في أسلوب قصصي
(1)
كما كان الطالب علي ينهي مشاركاته في الجريدة بتوقيع متمثل في كتابة اسمه "علي معمر".
وقد بلغت هذه المشاركات حدود المائة مشاركة، ابتدأت سنة 1938 م وكانت آخر مشاركة له في تاريخ: 1362/ 05/09 هـ - 1943/ 05/26 م. ولقد حفظت لنا مكتبة الحياة بالقرارة هذا الأرشيف الثري في سجلات من الحجم الكبير تتضمن كامل أعداد جريدة الشباب منذ صدورها، وهي مكتوبة بخط اليد.
وإلى جانب الأهمية العلمية والأدبية لهذا الأرشيف فهو شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ وادي ميزاب وحركته الإصلاحية المعاصرة، ومن تاريخ الجزائر الحديث في أحد أهم معالم العلم والتربية في ربوعه الذي أسهم في الحفاظ على ثوابت هذه الأمة في دينها ولغتها وتقاليدها أيام كان المستعمر الحاقد يحارب ويقضي على كل ما له صلة أو علاقة بها، كما تخرج من هذا المعهد أجيال متعاقبة من الرجال الذين ارتووا معاني العقيدة والوطنية وساروا بها في أنحاء هذا التراب وخارجه يواصلون تبليغ الرسالة في عزم وثبات.
وقد تولى الطالب علي معمر كتابة افتتاحية الجريدة في فترة من الفترات، خلفا للشيخ عدون الذي كان يتولى كتابتها، وقد تنازل له عن ذلك لما رأى فيه من
(1) - جريدة الشباب: عد،273 الصادر بتاريخ مارس 1938 م. (2) - والآن ما يطلب من إدارة معهد الحياة أن تعمل على إخراج هذا العمل في صورة علمية معاصرة تسمح للمطلع عليه أن يستفيد منه بأيسر الطرق وأقصرها، وذلك بما يمكن أن يزود به من الفهارس العلمية المختلفة والإحالات المنهجية الموضحة والميسرة. كما عليها أن تسهل السبل للباحثين للتعامل معه بكل حرية، بعيدا عن العراقيل التي تحبط من إرادتهم وعزيمتهم.
– 39 – (1/57)
صفحة 58
قدرات أدبية وعلمية)، ومن الراجح أن ذلك كان بعد أن أصبح أستاذا، أي ما بين
-
سنة 1940 1944 م.
ب - مشاركته في جمعيات الشباب:
كان للطالب علي حضور قوي فيما عرف بجمعيات الشباب، التي تعد كذلك حقلا آخر للتكوين العلمي والتناقح الفكري وإبراز المواهب وتشجيع القدرات وتنميتها.
حيث تضم مجموعة من الطلبة يكلف كل منهم بتقديم عمل أدبي معين ثم يتبع ذلك بمناقشة للعمل المقدم بإبداء الملاحظات والتعليقات والانتقادات من بقية الزملاء.
وفي هذا الصدد يذكر الشيخ سليمان بومريقة؛ أحد زملائه في المعهد أن الجمعية التي تضم الطالب علي كانت الرائدة في الأنشطة العلمية التي تقدمها وكان يضرب بها المثل في الجدية والنشاط، وأن الطالب علي كان المحرك الأساسي لها (2). كما كان مسؤولا ورئيسا لإحدى هذه الجمعيات، حيث يحدثنا الشيخ ناصر مرموري أحد أعضائها عن نشاطه فيها فيقول: «لما كنت صغيرا – حوالي ست عشرة سنة في عمري كانت جمعية الشباب تقسم إلى قسمين جمعية كبرى وجمعية صغرى ... بعد سنة أصبح الشيخ علي معمر رئيسا لها، لا أنكر أنه أثر فينا تأثيرا كبيرا ومهما في جو الجمعية، من ناحية الاجتماعات والأخلاقيات والأدبيات وفي الشعر كذلك؛ فكان يعلمنا كيف نقرض الشعر. وقد غرس فينا روح الأدب بكيفية عميقة جدا، كما كان يدربنا على الخطابة وعلى الشجاعة الأدبية وعلى الإنشاء وعلى المطالعة» (3).
(1) - مقابلتي الأولى مع الشيخ عدون شريفي: حويلية 1995 م.
(2) - مقابلتي السابقة مع الشيخ سليمان بومريقة.
(3) - مقابلة الأستاذ محمد ناصر بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري: القرارة، 1981 م.
- 40 - (1/58)
صفحة 59
كما يضيف الشيخ حمو فخار؛ أحد زملائه في المعهد أن الطالب علي معمر له تفوق أدبي على بقية زملائه، وكانت بعض الأعمال الأدبية التي ينجزها الطلبة تقدم إليه فيتولى تصحيحها النهائي وصقلها أدبيا، ويعطى مثالا على ذلك بالرواية التاريخية (1) التي شارك في تأليفها مع مجموعة من زملائه من بينهم الطالب علي، إذ بعد الانتهاء من تأليفها قدموها له فنسق بين فصولها وأحدث فيها بعض التعديلات ووضع لها آخر اللمسات؟.
ولعل هذا التفوق العلمي الذي أظهره الطالب علي في المعهد؛ خاصة في محال الأدب يرجع إلى تلك المسيرة العلمية وإلى ذلك التكوين الذي تلقاه من قبل في بلده ليبيا ثم في جربة والزيتونة ثم توسع وتعمَّق وترسخ كل ذلك في معهد الحياة بين مشايخه وجوه العلمي (3)؛ الذي بلا شك قد أسهم إسهاما فعالا في تنمية مواهبه
وحثه على الكتابة والإبداع والتنافس الأدبي.
ج
-
نشاطه في إدارة المعهد:
أصبح الطالب علي عضوا في إدارة المعهد التي كان يرأسها الشيخ عدون، بعد أن كلف بمهمة التدريس سنة 1940 م، حيث قام مع بقية الأعضاء بتجديد النظر في النظام والبرامج المتبعة فاقترحوا نظاما جديدا على الشيخ بيوض فأقره بعد تعديلات طفيفة.
(1) - هذه الرواية التاريخية هي بعنوان: "ذي قار وهي تروي أوضاع العرب قبيل الإسلام في القرن السادس الميلادي، أيام كان ملوك الحيرة العرب تحت سيطرة مملكة الفرس. ثم كيف تحرروا من وطأة هذه السيطرة في موقعة وادي" ذي قار الحاسمة. والرواية تحمل إيحاءات سياسية واجتماعية على الحياة المعيشة في تلك الفترة. وقد شارك في تأليفها أربعة من الطلبة هم: علي معمر حمو فخار، إبراهيم حاج أيوب القرادي، بنوح طباخ وهي تقع في كراسة بها 96 صفحة مكتوبة بخط اليد. توجد نسخة منها بمكتبة معهد الحياة بالقرارة وأخرى في مكتبة الباحث.
(2) - مقابلة شخصية مع الشيخ حمو فخار أجنة غرداية، أوت 1996 م.
(3) - مقابلتي السابقة مع الشيخ دحمان سعيد.
-
- 41 -
- (1/59)
صفحة 60
ومما جاء فيه تعديل نظام السنوات؛ فبعد أن كان تقسيم الطلبة على الأعمار إلى ثلاث حلقات مستوى صغير، متوسط كبير؛ أصبحوا مقسمين إلى أربع مستويات، ثم بعد سنة أضيف المستوى الخامس، كما عدلت بعض البرامج القديمة واستبدلت بالكتب المعتمدة كتب أخرى حديثة أوفى بالغرض (1).
وقد شارك كذلك في وضع برامج ونظم المدارس الحرة للتلاميذ ما دون معهد الحياة؛ حيث يحدثنا زميله في الدراسة الشيخ حمو فخار عن هذا العمل قائلا: «يامن قضى الشطر العظيم من عمره الميزابي في وضع الخطط وتدوين البرامج لأبناء ميزاب ... فمازال مجددا في نظم المدرسة وقواعدها مبدّلا ومغيرا في فنونها وعلومها منقحا ومصححا في أغراضها ومبادئها ومبتكرا في نثرها وقصيدها» (2).
كما كان لعلي معمر الفضل في اقتراح تشريع العطلة الصيفية، حيث لم تكن معهودة من قبل، وكانت الدراسة مستمرة دون انقطاع، وأصبح هذا المقترح ساري المفعول منذ سنة 1940 م، كما أن من اقتراحاته استحداث الامتحانات الفصلية التي يتم بها الانتقال من سنة إلى أخرى؟).
ولعله قد عايش هذه التنظيمات أيام كان طالبا في جامع الزيتونة، حيث التجربة أطول والمجال أوسع لتلاقي الخبرات العلمية والإدارية، والإمكانات المادية التي بلا شك هي من الضروريات لهيكلة وتنظيم أي مؤسسة ومن جهة أخرى فإن المعهد يعتبر في هذه الفترة في مراحله الأولى من نشأته؛ لذا فهو محتاج بين فترة وأخرى لإجراء التعديلات والتحسينات على برامجه وإدارته وفق ما يمليه الواقع وتفرضه المستجدات. د - تدريسه في المعهد:
بعد مدة ثلاث سنوات قضاها الطالب علي متفرغا ومشتغلا بطلب العلم
(1) - سعيد شريفي: معهد الحياة، ص 61.
(2) - حمو فخار نص كلمته التي ألقاها بمناسبة زيارة الشيخ علي معمر للقرارة سنة 1945 م. (3) - مقابلة سابقة الطالبين بن ادريسو وكومني مع الشيخ عدون شريفي.
- 42 - (1/60)
صفحة 61
لوحده؛ وفي سنة 1940 م كلفته إدارة المعهد بمهمة التدريس؛ وذلك إثر تزايد أعداد الطلبة الوافدين إليه من القرارة ومن قرى ميزاب، وكذا للتعديلات التي أحدثتها الإدارة على سير الدروس كما مر من قبل حيث أضافت موادا جديدة تستلزم ساعات أكثر، فقررت أن تستعين بمجموعة من طلبتها الكبار الذين رأت فيهم الكفاءة والقدرة على تولي مهمة التدريس، فاختارت أربعة وهم: عمر بن صالح أداود وبكير بن عمر بيوض وسعيد بن عبد الله الشيخ دحمان وعلي يحيى معمر.
فأصبح الطلبة يحضرون دروس الفقه والتفسير والحديث عند الشيخ بيوض، ثم يتفرقون إلى أفواج حسب الطبقات على بقية المدرسين لتلقي دروس اللغة والأدب وفنونها بصفة خاصة (1).
وقد قضى الأستاذ علي معمر فترة خمس سنوات في التدريس من سنة 1940
إلى سنة 1944 م، حيث غادر المعهد نهائيا راجعا إلى بلده ليبيا.
كما كان خلال تدريسه يتابع دروسه عند شيخه بيوض بانتظام؛ خاصة منها دروس التفسير، كما زاد احتكاكه به في نشاطاته الاجتماعية وحركته الإصلاحية، حيث يتابع ويساير تحركاته السياسية داخل ميزاب وخارجها.
ويذكر الشيخ عدون أن علي معمر كلف بتدريس اللغة العربية هكذا بصفة مجملة)، لكن تلميذه الشيخ ناصر مرموري يحدثنا بالتفصيل عن المواد التي درسها عنده ومتى كان ذلك فيقول: كان يدرسني في السنة الأولى والثانية، بداية من شهر أكتوبر 1941 م إلى آخر السنة الدراسية: 1942 1943 م، وكان أستاذنا في المواد
(1) - سعيد شريفي: معهد الحياة، ص 60 - 62.
(2) - المصدر السابق ص 88
(3) - مقابلتي الأولى مع الشيخ عدون شريفي، حويلية 1995 م.
(4) - سعيد شريفي: المصدر السابق، ص 88.
- 43 (1/61)
صفحة 62
الأدبية - الإنشاء والأدب وفي السنة الأولى درسنا عنده مادة التاريخ كذلك» (1). إذن كان يتولى تدريس المواد الأدبية وكذا بعض دروس التاريخ؛ فماذا عن
طريقته ومنهجه في شرح وإلقاء وإيصال المعلومات إلى تلاميذه؟
لعل تمكن الأستاذ علي معمر من مادة الأدب واللغة وسعة اطلاعه فيهما كانا له أكبر دافع ليؤدي مهمته بنجاح وإتقان وحتى لا نتسرع في استصدار هذا الحكم المسبق سنقف مع رأي تلاميذه في المعهد الشيخ ناصر مرموري لنعرف منه ذلك
عن قرب:
وفي حقيقة الأمر ليس لنا طريق للاطلاع مباشرة وبدون واسطة على مجريات إلقائه للدروس وتعامله مع طلبته؛ إلا من طلبته؛ إلا من خلال ما أبقاه لنا التاريخ مما يمكن أن يكون قد سجله أحد تلاميذه في ذاكرته.
حيث يقول الشيخ ناصر مرموري: كانت فيه شخصية الأستاذ المخلص، شخصية الأستاذ الكاملة، الذي يعرف كيف يؤثر في طلبته. كان يلقي علينا الأسئلة ... التي تحير الطالب ثم يلتجئ إلى طلب الجواب، والذي نلاحظه فيه سعة حفظه وسعة اطلاعه في الأدب على الخصوص وعبقريته في الكتابة وفي الشعر على الأخص فهو شاعر موهوب» (2).
إذن نفهم من هذه الشهادة أنه كان يعتمد في إلقاء دروسه على المحاورة مع الطلبة بطرح الأسئلة وامتحانهم قبل الإجابة عنها لمعرفة مدى تتبعهم واستيعابهم وفهمهم للدرس، كما أن هذه الطريقة تسمح بإبراز جوانب من الدرس يمكن أن يغفل عنها الطالب، بحيث يأخذ الأستاذ المبادرة ويتولى عرضها بنفسه وبذلك يكون الدرس أكثر استفاء الجوانبه.
(1) - مقابلة سابقة للأستاذ محمد ناصر بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري.
-
(2) – المقابلة السابقة.
-44 - (1/62)
صفحة 63
من جهة أخرى يمكن أن يأخذ هذا المنهج منحى سلبيا وذلك يجعل التلاميذ يتواكلون على الأستاذ في مناقشة الدرس ولا يعملون عقولهم في استنباط بعض الجوانب الخفية منه.
ولعل سعة اطلاعه في مادته قد ساعدته على ذلك كثيرا، فاكتسابه للمادة العلمية الغزيرة تجعله في كل مرة يعرج على نقاط فرعية ويورد الأمثلة والشواهد الشعرية والنثرية من ملكته الأدبية الواسعة، وهذا ما لاحظه عليه تلميذه من كونه واسع الحفظ والاطلاع في الأدب.
إضافة إلى هذه الملكة الأدبية كان للأستاذ علي اطلاع في الفقه كذلك، حيث كان محبا لمناقشة مسائله مع الطلبة، خاصة ما تعلق بأحكام دينهم الضرورية؛ فقد كان يستطرد فيها ويُبدي رأيه ويشرح لتلاميذه الذين هم في سن مبكرة من بداية التكاليف الشرعية كيف يؤدون هذه الفرائض على وجه أكمل، وهذا ما يرويه لنا دائما تلميذه الشيخ الناصر قائلا: «وهو في تدريسه الأدب يتطرق إلى مسائل فقهية، فمرة كان يدرسنا استطرد إلى مسألة الاستدراك في الصلاة ونحن في عامنا الأول من بدايتنا للصلاة عام 1941 م، فسألنا عن كيفية استدراكنا الصلاة فنبهنا إلى نقطة مهمة فيها ... وهنا لمسنا فيه شخصية الأستاذ والمربي والوالد» (1).
كما كان إلى جانب ذلك محبا لتلاميذه يعتبرهم بمثابة أولاده يقوم برعايتهم والسؤال عن أحوالهم وانشغالاتهم وهمومهم ويقف بجنبهم في حلها بالنصح والإرشاد والتوجيه ويحاول أن ينزل من مرتبة الأستاذ إلى مرتبة الصديق والزميل ليجد فيه تلاميذه الثقة والراحة والصراحة المتبادلة.
هكذا أراد الأستاذ الناشئ على معمر أن يجعل من رسالة التعليم رسالة جامعة بين التربية والتعليم والرعاية، وبذلك يرفع منها إلى صف رسالات الأنبياء الذين كان شأنهم هذا في تبليغ دعواتهم الربانية.
(1) - المقابلة السابقة.
(2) - مقابلتي السابقة مع الشيخ ناصر مرموري.
- 45 - (1/63)
صفحة 64
و لم يكن التقاؤه مع تلاميذه على طاولات القسم فقط؛ بل تعدى ذلك إلى تلك الجمعيات الأسبوعية التي كان رئيسا لإحداها، حيث يحدثنا تلميذه الشيخ الناصر عن ذلك الجو الثقافي الذي كان سائدا بين أعضائها ودور الأستاذ علي فيها فيقول: «أثر فينا تأثيرا مهما في جو الجمعية من ناحية الاجتماعات والأخلاقيات والأدبيات، وفي الشعر كان يعلمنا كيف نقرضه ويغرس فينا روح الأدب بكيفية عميقة جدا ويدربنا على الخطابة وعلى الشجاعة الأدبية وعلى الإنشاء وعلى
المطالعة (1)
6 - نشاطاته خارج المعهد:
إن شخصية علي معمر في شبابه كانت شخصية حيوية ونشيطة وحركية، حيث لم يقتصر على دراسته والاحتكاك بزملائه الطلبة الذين ألفهم واعتاد عليهم؛ بل تعدى ذلك إلى المؤسسات الأخرى للمجتمع، فكانت هي كذلك تنبض حيوية ونشاطا وتفاعلا مع تيار الحركة الإصلاحية بزعامة الشيخ بيوض الذي استطاع أن
يوصل صداها إلى كل شرائح المجتمع عن طريق هذه الهيكلة الاجتماعية.
قفي تلك الفترة كان كل مظهر في البلدة يوحي بوجود حركة تغير وإصلاح وتطور وتجديد. ولعل أبرز هذه المحافل تمثل في منبر المسجد وحلقات العلم فيه، وكذا منبر العشيرة في الاجتماعات العائلية فيه، وفي مناسبات الأفراح والأطراح، وفي المناسبات الدينية والوطنية والمحلية، وفي المدارس الحرة، وفي الأسواق وأماكن التجمعات عامة (2).
وقد سكن علي معمر رفقة زملائه الذين قدموا من قرى وادي ميزاب دارا أعدت لهم، حيث جمعتهم فيها مع بعض أنشطة عديدة منها ما هو متعلق بشؤون
(1) - المقابلة السابقة للأستاذ محمد ناصر بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري. (2) - محمد ناصر: المؤرج الأديب علي يحيى معمر، ص 2.
-46 -
! (1/64)
صفحة 65
الدار من طبخ ونظافة وجلب الماء؛ حيث كانت تلك الظروف تتطلب كل ذلك، ومنها ما تعلق بالنشاط الثقافي المتمثل في الجمعيات الفنية للأناشيد وإحياء الحفلات والأمسيات الأدبية والشعرية والأنشطة الرياضية وتمثيل المسرحيات
فسجل حضوره وأثرى تلك الحفلات والأندية الأدبية التي تقام في الداخلية بقصائده الشعرية ومسرحياته التاريخية وخطبه الأدبية. كما عرف علي معمر بين زملائه في هذه الداخلية بأخلاقه العالية وسلوكه المنضبط ومعاشرته الحسنة، وعرف بانشغاله المستمر بتحصيل العلم.
وقد كان للطالب علي حضور أدبي في المناسبات الدينية والوطنية والمحلية المقامة في القرارة، وذلك بما ينعش به المجتمع من محاولاته الشعرية التي يلقيها فيها بحماسة وتفاعل كبيرين.
(4)
ومن الأعمال التي لا يزال يتذكرها كبار المشايخ في وادي ميزاب ممن حضرها تلك الرواية التاريخية حول حرب الجاهلية)، التي ألفها مع مجموعة من زملائه، فمثلت في مدرسة الحياة بالقرارة فلاقت إقبالا وإعجابا كبيرين من الجماهير، وتركت انطباعا حسنا في نفوسهم كما كان يشارك فرقة تنشيط حفلات الأعراس بأناشيده وأعماله الأدبية، حيث عملت هذه المجموعات الفنية على استقطاب أعداد هامة من الناس لقيت رضاهم وتجاوبهم معها، فكانت سببا في القضاء على فرق أخرى منحرفة كانت تنشط في المجتمع بالموازاة معها؛ وذلك بنوعية العمل الذي كانت تقدمه (5).
(1) - حمو فخار: نص الكلمة التي ألقاها في زيارة الشيخ علي معمر إلى القرارة سنة 1945 م.
(2) - محمد ناصر: المصدر السابق، ص 2.
(3) - هذه الرواية هي التي سبق الحديث عنها، والتي تحمل عنوان: "ذي قار". (4) - مقابلتي السابقة مع الشيخ حمو فخار مقابلتي الأولى مع الشيخ عدون شريفي. (5) - مقابلة الطالب مصطفى بن أدريسو مع الشيخ أحمد أوراغ بريان، سبتمبر 1993 م.
-47 - (1/65)
صفحة 66
وقد عاش وادي ميزاب وقلبه القرارة في فترة وجود الطالب علي بالمعهد (1940) - 1944 م) قمة الصراع الاجتماعي والفكري بين التيارين الإصلا. التجديدي بزعامة أستاذه الشيخ بيوض وتيار المحافظة والجمود.
فكان يشهد مظاهره في المسجد والشارع والسوق وكان يتفاعل معه بقوة وحماسة ويقف بجانب أستاذه مخلدا انتصاراته بقصائد شعرية وأناشيد ومتهجما على خصومه ومعارضيه بهجائه. وكانت هذه الحركة الإصلاحية وما تحرزها من انتصارات تهز فؤاده فتدفع به للكتابة والتحرير، وقد ظهر ذلك جليا في نتاجه الأدبي في تلك الفترة).
ومن المناسب أن نقف هنا مع الشيخ أبي اليقظان واصفا نشاطه في هذه الفترة حيث يقول: «وأنعش بأناشيده المطربة روح مجتمع الشباب ومعهد الحياة بما كان ينتجه قلمه الخصب من حين لآخر، فكانت تقرأ في حفلات الشباب بنشوة وحماس لما تفيض به من روح الإخلاص والصفاء والولاء للأستاذ الشيخ بيوض» (2).
إلى جانب كل هذا فقد كان للطالب علي وهو بالمعهد اهتمام بالصحافة؛ وذلك بما كان يصل المعهد من مجلات متنوعة يقوم الشيخ بيوض بدراستها ومناقشة مواضيعها مع طلبته، ولعل هذا ما جعله يتأثر بالشخصية الأدبية لأحمد حسن الزيات صاحب مجلة الرسالة المصرية التي كان طلبة المعهد يتابعون أعدادها باستمرار؛ هذا ما جعله يكتب لها بعض المقالات ثم يبعثها بغية نشرها (؟). لكن هل وجدت هذه المقالات طريقها إلى النشر؟ هذا ما لم يعلم إلى حد اليوم (9).
(1) - انظر مثلا: جريدة الشباب عد: 288، الصادر بتاريخ: ديسمبر 1938، عنوان القصيدة
الشعرية: تحية الإصلاح.
(2) - إبراهيم أبو اليقظان: ملحق السير (مخطوط): ص 505.
(3) - مقابلتي الأولى مع الشيخ عدون شريفي: جويلية 1995 م.
(4) - مما يدو أن عدد هذه المقالات لم يكن كبيرا، فقد قمت في رحلتي العلمية إلى تونس، في شهر مارس 1997 م بزيارة دار الكتب التونسية واطلعت فيها على مجلة الرسالة وتتبعت جزءا كبيرا
- 48 - (1/66)
صفحة 67
هذا
عن نشاطاته العلمية والاجتماعية بالقرارة؛ ولعل الإقامة الجبرية التي فرضها
المستعمر الفرنسي على شيخه بيوض من سنة 1940 م إلى سنة 1944 م نشاطاته السياسية، وكذا ظروف الحرب العالمية الثانية التي لم تسمح له بمغادرة القرارة (1)، كانا لهما فضل كبير على بقائه في المعهد طوال كل هذه المدة متفرغا لطلب العلم، وكذا ملازمة شيخه والبقاء بجواره والاحتكاك المباشر به والاغتراف أكثر من علمه ومعارفه وتجربته الميدانية في قيادة وإصلاح المجتمع، وفي العمل السياسي ضد المستعمر الفرنسي، فانطبعت معالم شخصية شيخه فيه أيما انطباع وتأثر بمواقفه وفكره أيما تأثر (؟)؛ حتى أصبح وهو في ليبيا يحاول انتهاج خطى أستاذه نفسها وكذا استشارته في كل خطوة يخطوها من أجل إصلاح مجتمعه (3).
هكذا بعد ثماني سنوات كاملة قضاها في المعهد وسط ذلك الجو العلمي والاجتماعي المتنوع والثري، والتي كانت من أحفل سنوات عمره تلقيا ونشاطا وحيوية وعطاء قرر إنهاء رحلته الطويلة والعودة إلى أرض وطنه ليبيا وكان ذلك
من أعدادها لكني لم أعثر على أي موضوع للشيخ علي معمر فيها، وهذا طبعا لا ينفي وجودها في الأعداد التي لم أطلع عليها، فالمجلة مخرومة الأعداد.
(1) - يبدو من بعض الرسائل التي اطلعت عليها، والتي كانت بين علي معمر وأستاذه الشيخ بيوض أنه كان يود مغادرة القرارة والرجوع إلى وطنه لكنه لم يستطع الحصول على الرخصة من السلطات الفرنسية لتسمح له بالسفر، فكان يطلب من الشيخ بيوض أثناء أسفاره أن يتوسط له لدى بعض المسؤولين عساهم يمدونه بها. (رسالة بعث بها علي إلى الشيخ بيوض: مؤرخة
معمر
في: 19 جانفي 1944 م. وأخرى مؤرخة في 22 فيفري 1944 م).
(2) - حمو فخار نص الكلمة التي ألقاها في زيارة الشيخ علي بالقرارة، سنة 1945 م. (3) - هذا ما يظهر جليا في تلك المراسلات التي بقيت مستمرة بينه وبين الشيخ بيوض والشيخ أبي اليقظان منذ مغادرته الجزائر إلى السنوات الأخيرة قبل وفاته وكذا في تلك الرحلات التي قام بها إلى وادي ميزاب وقام بها مشايخه إلى ليبيا، حيث كانوا يعقدون اللقاءات معه فيعرض عليهم أفكاره ومشاريعه العلمية وإصلاحاته الاجتماعية مقابلة شخصية مع الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج خنشلة، سبتمبر 1997 م).
-
- 49 - (1/67)
صفحة 68
سنة 1364 هـ/1944 م). وفي قرارة نفسه عزم وثبات وتضحية على بداية مرحلة جديدة من جهاده ينتقل فيها من المرحلة العلمية إلى المرحلة العملية.
العودة إلى بلده ليبيا
1 - طريق الرحلة:
غادر الأستاذ علي معمر القرارة عائدا إلى بلده سنة 1944 م عن طريق تونس العاصمة وتوقف بها فترة من الزمن قبل أن يتجه إلى بلده.
وفي حقيقة الأمر لم تترك لنا المصادر التي بين أيدينا معلومات عن كيفية انتقاله وعن تاريخ ذلك بالتحديد، ولماذا اختار طريق تونس العاصمة؟ رغم أن هنالك طرقا أقرب منها (2)، كما أننا لا نجد معلومات عن سبب إقامته بها؛ هل كان غرضه مواصلة الدراسة بها؟ كما فعل بعض زملائه في المعهد من قبله، أم هي مجرد محطة عبور توقف فيها ليرتب أموره قبل الاتجاه إلى بلده. كل هذه الاحتمالات يمكن أن تكون صحيحة، لكن ما هو معلوم أن انتقاله إلى تونس كان مع الطلبة الأولين للبعثة البيوضية إلى تونس (3).
كما أن الاستعمار الفرنسي في هذه الفترة حيث الحرب العالمية الثانية قائمة على أشدها - شدد على حركة التنقل بين الأقطار المتجاورة، إلا برخصة يمنحها لمن يشاء، بعد تعطيلات إدارية تأخذ من الوقت الشيء الكثير.
أما السفر إلى تونس بالذات لطلب العلم فقد أغلقت أبوابه نهائيا وأصبح متعذرا، هذا ما جعل الطلبة يرون أن الطريق الوحيد الذي يبقي لهم سلوكه هو المغامرة لاجتياز الحدود الجزائرية التونسية بدون جواز سفر وبدون رخصة.
(1) - سعيد شريفي: معهد الحياة، ص 63.
(2) - كأن يتجه عن طريق الصحراء الجزائرية فيمر بجنوب تونس ويدخل ليبيا مباشرة. (3) - محمد على دبوز أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3، ص 265.
- 50 - (1/68)
صفحة 69
فكان أول هؤلاء الطلبة المغامرين من معهد الحياة هو الأستاذ المؤرخ محمد علي
دبوز؛ زميل ورفيق علي معمر، وكان ذلك في سبتمبر سنة 1942 م ثم التحق به بعض الطلبة فدخلوا الجامعة الزيتونية ومعهد ابن خلدون، ومثلوا النواة الأولى للبعثة البيوضية، وفي سنة 1944 م التحق بهم علي يحيى معمر. وهكذا توالت الدفعات وتزايد العدد؛ فاشترت الجمعيات الإصلاحية في ميزا ب دارا واسعة بتونس العاصمة
ضمتهم
ما (1)
إذن هذه هي ظروف سفره إلى تونس حيث سلك طريق المخاطرة برفقة زملائه الطلبة بمعهد الحياة.
2 - إقامته بتونس:
وصل علي معمر تونس العاصمة دون أن نعرف عن تفاصيل أحداث رحلته شيئا؛ كم دامت مدتها؟ وهل لاقى فيها متاعب وصعوبات أو تعرض لنوع من متابعة أو ملاحقة السلطات الاستعمارية الفرنسية؟ أم لم يكن شيء من ذلك؛ فعلى كل حال ما نعرفه أنه بلغ تونس بسلام.
أما سكناه فكان في بادئ الأمر مع أعضاء البعثة الثمينية في الداخلية بدار بئر
(2)
الأحجار؛ أين كان يقيم أيام دراسته بتونس، وبذلك عاوده الحنين إلى تلك الأيام التي قضاها قبل أن يقدم إلى وادي ميزاب وبلا شك إنه قد وقف وقفات تأملية عديدة استرجع فيها الذاكرة ورجع بها إلى الوراء، ورأى كيف تحولت الأمور من
حوله، وكيف أصبح هو نفسه قبل وبعد ذهابه في رحلته العلمية إلى الجزائر.
ومما نرجحه أن علي معمر لم يأت إلى تونس قصد مواصلة الدراسة، حيث كان مشتاقا للعودة إلى بلده وأهله منذ كان في القرارة، وذلك بعد غياب عنهم
(1) - المصدر السابق: ص 264 - 266.
(2) - مقابلة شخصية مع الشيخ صالح بزملال: بني يزقن، أوت 1997 م.
-51 - (1/69)
صفحة 70
دام ثماني سنوات)، لكن ذلك الجو العلمي وتلك الحرقة لمواصلة الدراسة جعلته يتوقف بتونس ليقضي فيها سنة دراسية كاملة هذا ما يذهب إليه المؤرخ التونسي سالم بن يعقوب حيث يقول: «وقد حنّ إلى أرض الوطن واشتاق إلى رؤية الأهل والأقارب فقرر العودة، لكن في طريقه استوقفته مدينة تونس لبضعة أشهر وعلى التحديد تسعة أشهر أو سنة دراسية كاملة وما كان في ظنه أن يقيمها ولكن لقاءه للاخوة الطلبة بالهنتاتي وبمبيت سوق البلاط شده هذه المدة وكاد ينسيه الأهل والأقارب» (2).
علمه
يبدو أن إقامته مع طلبة البعثة الثمينية لم تدم طويلا، فسرعان ما غادرها منتقلا إلى مبيت الطلبة الإباضية التونسيون بسوق البلاط (3). و لم تشر المصادر إلى أسباب ذلك بالضيط، لكن من الراجح أن الطلبة التونسيين احتاجوا إليه ليستفيدوا من و خبرته؛ فاستدعوه للإقامة معهم في دارهم أو فضل هو بنفسه التنقل إليهم ليعيش وسطا جديدا بلا شك سيستفيد منه وسيتعرف على أحوال الطلبة التونسيين واهتماماتهم بعد ما تعرف على الطلبة الميزابيين.
وحسب الوثائق التي بين يدي فإن الشيخ علي معمر قد عاد إلى الجزائر خلال هذه الفترة في زيارة سريعة لمشايخه بالقرارة ثم رجع إلى تونس
(4)
(1) - هذا على أقل تقدير، إذ من المحتمل أنه لم يزر بلده في الفترة الأخيرة قبل قدومه إلى الجزائر، ومن المحتمل كذلك أنه لم يزره منذ غادره في بداية الثلاثينيات قاصدا جزيرة حربة لمواصلة تتلمذه على شيخه رمضان الليني، هذا حين نضع في الحسبان الظروف المعيشية الصعبة التي كانوا عليها، أضف إلى ذلك صعوبة التنقل وتكاليفه آنذاك. وإذا صح هذا الاحتمال يكون الطالب
علي معمر قد غاب عن بلده وأهله قرابة الخمس عشرة سنة.
(2) - سالم بن يعقوب: مراسلة سابقة إلى الأستاذ محمد ناصر بوحجام.
(3) - المراسلة السابقة.
(4) - مقابلة شخصية مع الشيخ صالح بزملال: بني يزقن.1997 م. وما يثبت هذه الزيارة هي تلك
القاها الكلمة التي
زميله الشيخ حمو فخار بمناسبة زيارته هذه مشيدا به وبأنشطته أيام كان في
المعهد مؤرخة في تاريخ: 1945 م – 1364 هـ).
- 52 - (1/70)
صفحة 71
3 - نشاطه بتونس: إن إقامته الطلبة الجربيين التونسيين واحتكاكهم بهم في المدرسة الإباضية بمسجد الهنتاتي كان له الأثر العظيم على سلوكهم ونشاطهم، فكان يعقد لهم لقاءات علمية ويلقي عليهم دروسا ومواعظ يرشدهم فيها إلى مكارم الأخلاق ويحذرهم من الآفات والأمراض الاجتماعية المتفشية آنذاك، فقوم بعض انحرافاتهم وهذب من أخلاقهم ومعاملاتهم، كما كان يحدثهم ويذكرهم بتاريخ أجدادهم المجيد، وما تركوه من أعمال خالدة في سبيل إصلاح الدين والمجتمع، ومما يُذكر أنه أتم معهم دراسة كتاب مختصر تاريخ الإباضية" لأبي الربيع سليمان الباروني. وهذا ما سجله لنا المؤرخ التونسي سالم بن يعقوب قائلا: «ومما يجب تسجيله هنا للتاريخ أن إقامته بتونس بين هؤلاء الإخوان كانت خيرا وبركة عليهم فقد غذى كثيرا نشاطهم العلمي وقوم الكثير من الانحرافات التي كانت والحق يقال متفشية فيهم ووجههم الوجهات الصحيحة في تعلمهم وسلوكم وكان يعقد والندوات العلمية ويلقي عليهم الدروس والمواعظ وسيرة الأجداد» (1). و لم تشر المصادر هل كان تدريسه في مدرسة الهنتاتي بصفة رسمية منتظمة أو كانت على شكل دروس متقطعة يلقيها بين الحين والآخر؟
بهم
الجلسات
لكن الراجح أن ذلك لم يكن بصفة رسمية لكون علي معمر معمر لم ينو إطالة المقام في تونس، إذ الظروف التي اعترضته هي التي فرضت عليه المكوث. ولكونه انقطع عنها لفترة من الزمن في تلك الرحلة التي زار فيها الجزائر. وقد نظم لقاءات علمية وترفيهية مع أعضاء هذه البعثة؛ كان ممن حضرها المؤرخ التونسي الشيخ سالم بن يعقوب أيام كان طالبا كما يروي هو عن قائلا: «حيث ضمتنا به جلسات علمية وترفيهية كثيرة بمدرسة الهنتاتي ومسجد
سوق البلاط حيث كان يقيم
(2)
(1) - سالم بن يعقوب: مراسلة سابقة إلى الأستاذ محمد ناصر بوحجام.
(2) - المراسلة السابقة.
- 53 - (1/71)
صفحة 72
و لم تذكر لنا المصادر هل التحق بحلقات الزيتونة لبعض الوقت مع رفقائه طلبة البعثة البيوضية أم لا؟ وكذا هل كانت له اتصالات وزيارات بهم وأنشطة معهم في مقر إقامتهم؟
إذ من الراجح أنه لن يستطيع الانقطاع عنهم والتخلي عن ذلك الجو العلمي الذي اعتاده وعايشه طوال فترة ثماني سنوات، حيث بلا شك ستجمعهم لقاءات متكررة لتناقل الأخبار الجديدة عن معهدهم وعن أحوال القرارة ووادي ميزاب وعن نشاطات شيخهم بيوض في المجال الإصلاحي والسياسي، وذلك عن طريق الطلبة الذين التحقوا بهم وعن طريق التجار الميزابيين المقيمين بتونس؛ الذين لا تنقطع حركات تنقلهم بين البلدين.
وليس مما يستبعد أن يكون علي معمر قد قام بزيارة لجزيرة جربة قبل مغادرة تونس، وربما يكون ذلك أثناء مواصلة رحلته إلى ليبيا، باعتبار جزيرة جربة قريبة من الحدود الليبية، حيث سيعيد الالتقاء بأستاذه الشيخ رمضان الليني ويؤدي له واجب الزيارة والاعتراف بالفضل والجميل، والذي يكون في أخريات عمره حيث سيتوفى في سنة 1947 م، أي بحوالي سنتين من قبل.
ثم ليقص له ويحدثه عن رحلته العلمية الطويلة إلى وادي ميزاب وعن سير التعليم فيه وعن الشيخ بيوض وحركته الإصلاحية وعن أحوال الإباضية والجزائر بصفة عامة، وليناقش مع أستاذه بعض المسائل التي عرفها في رحلته وليمده بملاحظاته ومقارناته بين إباضية تونس وإباضية الجزائر، وكذا ليطلع هو على واقع المدرسة التي تعلم فيها، وليزور بعض الأماكن التي كان ذات يوم يقضي فيها سويعات من نهاره أو ليله وليلتقي ببعض رفقائه كذلك؛ ممن جلس بجنبهم في حفظ القرآن أو تعلم الفقه واللغة وعلومهما.
ومما ينبغي الإشارة إليه أن مجلة الإنقاذ الليبية ذكرت في ترجمة للشيخ علي يحيى أنه إثر رجوعه من الجزائر وقبل الالتحاق بوطنه توقف بمدينة القيروان بتونس
- 54 - (1/72)
صفحة 73
ودرس فيها مدة عامين حيث تقول: «وفي طريق عودة الشيخ إلى وطنه ومسقط رأسه ليبيا، توقف بمدينة القيروان بتونس حيث درس بها سنتين كاملتين استزاد فيها غزارة وعلما، عاد بعدها إلى ليبيا (1).
لكن كل المصادر الأخرى التي بين يدي تغفل هذه المعلومة ولا تشير إليها إطلاقا، حتى التي كتبها المقربون من الشيخ علي معمر؛ من زملائه ورفقائه بليبيا أمثال الشيخ سليمان عون الله، لذا من المؤكد أن المجلة قد أوهمت في إيراد هذه المعلومة، وأن علي معمر لم يتلق أي تكوين في القيروان، فالمجلة تصدر في أمريكا بعيدا عن الوطن، حيث المصادر الأساسية التي ينبغي الاعتماد عليها، وربما علمت أنه قد توقف في تونس فرجحت أن يكون في القيروان؛ وهذا غير صحيح. إلى جانب ذلك فالمجلة لم تزودنا بأي معلومة أخرى عن دراسته بالقيروان، و لم تزودنا بأي مصدر اعتمدته في الترجمة للشيخ علي معمر.
لم
المصادر لا تمدنا بأي معلومات عن الإجراءات التي اتخذها للتنقل، وعن أي طريق سلكه في ذلك، إلا أن المغامرة واختراق الحدود بطرق غير رسمية سيكون أولى الأولويات، كما فعل ذلك من قبل أثناء مغادرته الجزائر؛ خاصة إذا وضعنا في الحسبان أن ليبيا وتونس كانتا تحت وطأة مستعمرين مغايرين، وباختلاف المستعمرين تختلف القوانين وتصعب التنقلات وتتعدد المراقبات.
هكذا بعد هذه المسيرة العلمية الطويلة وفي خلال سنة 1945 يكون على معمر قد شد الرحال نهائيا إلى بلده ليبيا ووصله 2 بعد غياب طويل عنه.
مشايخه:
بتعدد البيئات والمعاهد التي درس فيها الشيخ علي معمر تعدد أساتذته بين
(1) - مجلة الإنقاذ، عد: 27، المقال السابق.
(2) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 3.
- 55 - (1/73)
صفحة 74
ليبيا وتونس والجزائر، وسنقف على ترجمة مشايخه الذين نرى أنه قد لازمهم لفترة معتبرة من الزمن والذين تركوا آثارهم في تكوين شخصيته، وربما نغفل عن ذكر بعضهم لعدم تمكننا من جمع مادة علمية حولهم، أو عدم تأكدنا من جلوسه للتلمذة عليهم، ونقصد بذلك من يكون قد درس عندهم في جزيرة جربة أو في جامع الزيتونة بتونس.
1 - الشيخ عبد الله بن مسعود الباروني الكباوي:
ما نعرفه عليه أنه كان مقرنا للقرآن في أحد كتاتيب قرية تكويت القريبة من مدينة نالوت وهو أول من جلس بين يديه الشيخ علي معمر للتلمذة، حيث حفظه جزءا من القرآن الكريم، وقد دام تتلمذه عليه سنة دراسية واحدة، سنة وهي
"1925
2 - الشيخ عيسى بن يحيى الباروني:
ما تخبرنا المصادر عنه أنه كان مدرسا في المدرسة الرسمية التي فتحتها السلطات الاستعمارية الإيطالية بليبيا، وقد تلقى الشيخ علي معمر على يده المبادئ الأولية للغة العربية وبعض العلوم الشرعية، وقد جمع في تتلمذه عليه بين المدرسة والبيت، أو بين أوقات الدراسة وأوقات الفراغ، يمده بتوجيهاته وإرشاداته ويعينه في استيعاب دروسه. وقد مكث تلميذا عنده مدة أربع سنوات من سنة 1926 إلى 1929 م (3).
(1) - المصدر السابق: ص 2.
(2) - المصدر السابق، ص 2.
(3) - مجلة الإنقاذ عدد،27، المقال السابق. يذكر الأستاذ محمد ناصر بوحجام أن من مشايخه الليبيين كذلك الأستاذ سليمان عون الله؛ هذا الذي اعتمدنا ترجمته للشيخ علي معمر، لكن للأسف فإن المصادر التي بين أيدينا لا تمدنا بأي معلومات عن حياته، ومتى جلس علي معمر للدراسة عنه وأين وكل ما نعرفه عنه أنه ظهر كرئيس تحرير مجلة البراع التي كان للشيخ علي معمر مشاركات فيها بعد عودته مباشرة إلى ليبيا، وأنه أشرف على تصحيح النسخة المخطوطة
-56 - (1/74)
صفحة 75
-3 - الشيخ مرمضان بن يحيى الليني:
هو من مشايخ قرية أجيم بجزيرة جربة بتونس (1)، حفظ القرآن الكريم بالتلقين (1)، لأنه كان كفيف البصر، وأخذ العلم بها على الشيخ صالح المعدي، ثم سافر إلى العاصمة تونس فدرس في جامع الزيتونة مدة عامين، ثم سافر إلى مصر ودرس فيها مدة عامين كذلك، بعدها رحل إلى معهد القطب الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش في بني يزقن بالجزائر للاستزادة من العلم، فتعلم وساعد شيخه في تدريس الحساب
والفرائض
(2)
عاد إلى بلده فدرس في مساجد جزيرة جربة وفي بداية الثلاثينيات استدعاه أهل نالوت لتدريس الفقه الإباضي، قلبى طلبهم ومكث مدة عامين ثم رجع إلى بلده واشتغل بالتدريس والوعظ إلى أن توفي في جمادى الأولى عام 1366 هـ/1947 م. و من أعماله أنه أسهم في نشر التراث الإسلامي، حيث طبع بعض المؤلفات
منها:
- شرح الحائية الشهيرة بتحريض الطلبة
كتاب الطهارات من ديوان الأشياخ
مجموعة نظم الطهارات وأجوبة أخرى (3).
من كتاب النكاح قبل طبعه والذي قام الشيخ معمر بالتعليق عليه هذا ما قاله الشيخ علي معمر في مقدمته لكتاب النكاح، ص 3 - 5)، ونعلم كذلك أنه عاش بعد وفاة الشيخ علي، لهذا ترحم لحياته، ويظهر من الترجمة أنه كان من رفقائه في درب الدعوة والإصلاح.
(1) - فوزي بن يونس بن حديد الشيخ علي يحيى معمر ومنهجه الدعوي، بحث التخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، بسلطنة عمان السنة الدراسية: 1418 هـ - 1997 م، ص 31. (2) - أحمد محمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته مطابع دار البعث، قسنطينة الجزائر، 1991 م، ص 31.
(3) - مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية (جزء (المغرب)، مج 3، ص 301 - 302.
- 57 - (1/75)
صفحة 76
4 - الشيخ محمد بن صالح الثميني:
من مواليد العشرية الأولى من القرن التاسع عشر بني يزقن في وادي ميزاب بالجزائر، انتقل سنة 1919 م إلى تونس للدراسة في جامع الزيتونة، وهنالك التقى مع الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ صالح بن، باعلي، عمل الثلاثة على إدارة البعثة العلمية الميزابية إلى تونس التي بدأ عددها يتزايد من بداية العشرينيات.
وفي عام 1922 م فتح دارا جديدة في نهج بئر الأحجار بتونس لاستقبال الطلبة الوافدين من وادي ميزاب المتزايد وتحمل مسؤولية رئاسة هذه البعثة إلى سنة 1958 م، حيث كان له فيها نشاط علمي كبير من دروس للطلبة وإشراف على أحوالهم وتربيتهم وتوجيههم). توفي في سنة 1391 هـ/1971 م.
5 - الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض:
هو من مواليد 12 ذي الحجة 1318 هـ / 22 أفريل 1899 م في مدينة القرارة، أخذ مبادئ العلوم الأولى عند الشيخ محمد بن يوسف العطفاوي، ثم انتقل إلى معهد الشيخ الحاج إبراهيم بن عيسى لبريكي فتلقى فيه دروسا في اللغة والعقيدة والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، واستظهر القرآن الكريم وعمره إحدى عشرة سنة، وفي سنة 1913 م انتقل للدراسة في معهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي وفي نفس الوقت تولى التدريس فيه وبعد وفاة شيخه سنة 1921 م أسس معهده الذي عرف في بادئ الأمر بمعهد الشباب ثم أصبح اسمه معهد الحياة.
شهد معهده تطورات عديدة، كما ذاع صيته في كامل قرى وادي ميزاب وفي القطر الجزائري وخارجه في البلدان الإسلامية المجاورة، حيث قصده أعداد هائلة من
(1) - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3، ص 249 - 250.
(2) - فرحات الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 85.
(3) - إبراهيم بن عمر بيوض: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، ترتيب وتقديم وتخريج: بكير محمد الشيخ بالحاج المطبعة العربية غرداية، 1988 م، ج 1، ص 6 - 9.
- 58 - (1/76)
صفحة 77
الشباب نهلوا منه العلم والمعرفة والأخلاق وقد تخرج على يد الرجل أجيال متلاحقة من الطلبة آتوا ثمارهم حيثما حلوا ونزلوا (1).
إلى جانب ذلك فقد تفرغ الشيخ بيوض إلى العمل الاجتماعي وإصلاح أحوال مجتمعه فأحدث نهضة إصلاحية جديدة عرفت في وادي ميزاب بالنهضة الإصلاحية البيوضية (2).
كما اهتم بتفسير كتاب الله العزيز عن طريق دروس الوعظ في المسجد، فابتدأ في هذا العمل سنة 1934 م، وانتهى منه سنة 1980 م، وأقيم له بالمناسبة مهرجان اختتام تفسير القرآن الكريم حضرته وفود جاءت من شتى أنحاء القطر الجزائري (3)
كما كان له نشاط سياسي في فترة الاستعمار الفرنسي قبل اندلاع الثورة التحريرية مع الحركة الوطنية السياسية ثم أثناء الثورة، فشارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين سنة 1931 م، وعرف في قضية فصل الصحراء عن الشمال، حيث كان له الدور الأساسي في إحباط هذه المؤامرة الاستعمارية الخطيرة (4).
توفي في يوم الأربعاء 01 ربيع الأول 1401 هـ / 14 جانفي 1981 م.
(1) - مجلة العصر: عد 17، الصادر بتاريخ: الجمعة 04 محرم 1418 هـ / 01 ماي 1998 م، قاسم أحمد الشيخ بالحاج، مقال بعنوان: معهد الحياة منارة إشعاع حضاري، ص 20 - 21.
(2) - للاطلاع بالتفصيل على الإصلاح الاجتماعي للشيخ بيوض ينظر: محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3، ص 79 - 139. (3) - بيوض إبراهيم بن عمر أعمالي في الثورة، الزيتونة للإعلام والنشر، نشر جمعية التراث، القرارة - غرداية، 1990 م، ص 13 - 18
(4) - للاطلاع بالتفصيل عن نشاطاته ومواقفه السياسية يراجع محمد ناصر بوحجام الشيخ بيوض والعمل السياسي، ط 1، المطبعة العربية غرداية، 1412 هـ - 1992 م. -بيوض إبراهيم: أعمالي في الثورة. بكير سعيد أعوشت: الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي
في الجزائر.
-
- 59 - (1/77)
صفحة 78
-6 - الشيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان:
ولد بالقرارة سنة 1306 هـ/ 1888 م، دخل الكتاب في بداية مشواره العلمي فحفظ القرآن الكريم وعمره لا يتجاوز التاسعة من عمره، ثم درس في معهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى المعروف بنور القلب. اشتغل لمدة من الزمن بالتجارة في باتنة تحت ضغط ظروفه المعيشية. بعدها عاد لطلب العلم في معهد قطب الأئمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش في بني يزقن بميزاب سنة 1907 م
(1)
في سنة 1912 م انتقل إلى إلى تونس لمواصلة دراسته في جامع الزيتونة. كما
(2)
ترأس في نفس الفترة أول بعثة علمية ميزابية إلى تونس حتى سنة 1925 م.
بعدها عاد إلى القرارة وعمل بجنب الشيخ بيوض في نهضته الإصلاحية. واشتغل في ذات الوقت بإصدار جرائد وطنية باللغة العربية، وذلك ما بين سنة 1926 إلى سنة 1938 م، وقد عمل الاستعمار الفرنسي على توقيفها واحدة تلو الأخرى، وهي على التوالي وادي ميزاب ميزاب المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان (3).
كما أنه شارك في سنة 1931 م في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وانتخب في إدارتها متوليا نيابة أمانة مالها خلفا للشيخ بيوض الذي لم تسمح له ظروفه بالبقاء في هذه المسؤولية.
أصيب في سنة 1957 م بشلل نصفي أقعده الفراش لكن لم يقعده عن العمل؛ فاستمر مواصلا نشاطه إلى أن توفي في تاريخ 26 صفر 1393 هـ/30 مارس 1973 م).
(1) - مجموعة من الباحثين معجم أعلام الإباضية، حزء المغرب، مج 2، ص 34 - 36. (2) - للاطلاع بالتفصيل على دور الشيخ أبي اليقظان ونشاطه في البعثة العلمية بتونس ينظر: محمد علي دبوز أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3، ص 143 - 227.
(3) - أحمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته، ص 114 - 121.
(4) - مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية جزء المغرب، مج 2، ص 35 - 36.
- 60 - (1/78)
صفحة 79
كما اهتم بميدان التأليف حيث ترك للمكتبة الإسلامية حوالي ستين (60)
عنوانا في فنون عديدة نذكر منها:
- سلم الاستقامة في الفقه لتلاميذ المدارس في سبعة أجزاء.
- ملحق سير الشماخي في التاريخ في ثلاثة أجزاء. - سليمان باشا الباروني عن حياة وجهاد هذه الشخصية في جزأين.
- ديوان أبي اليقظان في جزأين (1).
7 - الشيخ عدون بن بالحاج شريفي:
هو من مواليد القرارة في سنة 1902 م، يعتبر من التلاميذ الأولين في معهد الشيخ بيوض، كما أنه سعى مع شيخه لتأسيسه وعمل بجنبه مؤازرا ومساعدا ومؤيدا له منذ خطواته الأولى.
عينه الشيخ بيوض ناظرا للمعهد ومدرسا به في وقت مبكر من تأسيسه، حيث تولى تدريس علوم اللغة العربية خاصة وبعض دروس الفقه، وبمرور الزمن أصيح العضد الأيمن للشيخ بيوض ورفيق دربه في الجهاد التربوي والإصلاحي بوادي ميزاب، لذا أسند إليه شيخه الإشراف الفعلي على إدارة المعهد وسير التعليم فيه منذ بداية الأربعينيات.
كما تولى مهمة تفتيش المدارس الحرة الإباضية في وادي ميزاب وفي مدن القطر الجزائري، وبعد وفاة شيخه بيوض تولى رئاسة معهد الحياة خلفا له، وهو الآن رئيس شرفي له وللعديد من الجمعيات بوادي ميزاب.
(1) - محمد ناصر بوحجام (جمع) وتعليق أبو اليقظان في الدوريات العربية المطبعة العربية غرداية
-
1985 م، ص 200 204.
(2) - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 2، ص 202 - 204.
– 61 – (1/79)
صفحة 80
كما تولى رئاسة تحرير جريدة الشباب الصادرة من طلبة معهد الحياة في فتراتها الأولى)، وكذا أسس الجمعيات الأدبية التي كانت تنشط فيه وأشرف عليها. من مؤلفاته: معهد الحياة نشأته وتطوره الذي اعتمدناه في بحثنا هذا.
(1) - مجلة العصر: عد 17، المقال السابق بعنوان: معهد الحياة منارة إشعاع حضاري، ص 20 - 21.
(2) - سعيد شريفي: معهد الحياة، ص 70 - 72.
- 62 - (1/80)
صفحة 81
الفصل الثاني
نماذج من جهوده الإصلاحية
ورحلاته وآثاره (1/81)
صفحة 82
المبحث الأول
نماذج من جهوده الإصلاحية
حل الأستاذ علي يحيى معمر في أرض وطنه ليبيا وشمر عن ساعد الجد لدخول معترك الحياة بكل أبعادها الاجتماعية والثقافية والتربوية والسياسية، وفي نفسه طموح لإحداث نهضة اجتماعية مرتكزة على إصلاح أجيال الشباب وتنشئته تنشئة صالحة قائمة على القرآن الكريم، والاعتزاز بالمقومات الوطنية والحضارية لوطنه مع التفتح على بقية المعارف والعلوم العصرية. وقد توجه نشاطه هذا إلى أصعدة عديدة؛ نحاول أن نقف الآن على نماذج منها:
يبدو
أولا - في المجال السياسي
إثر رجوع الأستاذ علي معمر إلى نالوت دخل المعترك السياسي منخرطا في الحزب الوطني، الذي تم تأسيسه بعد خروج الاستعمار الإيطالي مباشرة، مع جملة من الأحزاب الأخرى مثل حزب الاستقلال وحزب الجبهة وحزب الكتلة. لكن أنه اكتشف أن شخصيته لم تخلق لمثل هذا النوع من النشاط فلم يستطع الانسجام معه، ورأى أن لا فائدة تتحقق من هذه الأحزاب التي كثيرا ما وعدت واكثرت الكلام وادعت أنه بقدرتها تخليص البلاد من ويلات الاستعمار الأنجليزي الجديد؛ فانقطع عنها بعد فترة وجيزة وصرف نظره كليا عن العمل السياسي وأوثق عراه بالنشاط الثقافي والتربوي وبالعمل الاجتماعي).
وإذا كان علي معمر قد قطع صلته بالانتماء إلى الأحزاب والنضال تحت رايتها فإنه لم يتخل أبدا عن متابعة الأحداث والتقلبات السياسية الجارية في وطنه وفي العالم
(1) - سليمان عون الله: صفحات مخطوطة في ترجمة حياة الشيخ علي يحيى معمر، ص 4.
- 64 - (1/82)
صفحة 83
الإسلامي والعالم بأسره؛ هذا ما سيظهر جليا في مؤلفاته الفكرية والتاريخية وفي
أنشطته وأعماله الإصلاحية.
بل أكثر من ذلك فقد كان صارما وصريحا في انتقاد بعض الجوانب السياسية المنتهجة في بلده والمخالفة للشريعة الإسلامية في أحد أصولها؛ وذلك بما كان يحرر من مقالات وينشرها هنا وهناك في النشريات والجرائد الليبية وفي غيرها (). ولعل الكثير من الأذى الذي لحقه في شخصه وفي أسرته كان من جراء ما خطه قلمه مبديا رأيه في بعض الأحداث السياسية.
ثانيا - في المجال الاجتماعي:
من أعماله الإصلاحية الأولى في المجال الاجتماعي ما قام به من إصلاح ذات البين بين أبناء بلدته نالوت بسبب النزاعات والأحقاد بين القبائل والفرق التي عمل الاستعمار البريطاني على زرعها وتنميتها بين الأهالي.
فسعى مع غيره إلى عقد مؤتمر خارج البلدة جمع فيه بين الأطراف المتنازعة على صعيد واحد؛ وبعد أن أعرب كل طرف منهم عما تنطوي عليه نفسه تجاه الآخرين من أحقاد وضغائن تبين لهم أن أيادي الاستعمار كانت وراء تغذية وتعميق وتهويل كل هذه الخلافات، وبالتسامح والتفاهم اقتنع الجميع أنهم كانوا على ضلال، وهوى وأنه يلزمهم الوقوف على قلب رجل واحد لمحاربة العدو الحقيقي وإخراجه من أرض الوطن، فتشابكت الأيدي والتلفت القلوب وزالت الأحقاد، وتعاهد الجميع على العمل سويا من أجل صالح الوطن.
(1) - الإشارة هنا إلى المقال الذي نشره في جريدة الأسبوع السياسي الصادرة في العاصمة طرابلس بعنوان: "الحسبة في الإسلام واللجان الثورية " حيث تسبب في متابعته وفي استنطاقه. ومقالات أخرى مثل: "الاستسلام ليس من خلق الإسلام"، "من هو صاحب السلطة في الإسلام"، "حكومات بدون شعوب"، "هل ضلّ العلماء بين المسجد والمؤتمر".
(2) - سليمان عون الله: مصدر سابق، ص 3.
ص 3.
-
– 65 –
6 (1/83)
صفحة 84
هكذا كانت الانطلاقة الناجحة للشيخ علي معمر في الإصلاح من أحوال المجتمع، حيث تمكن من معرفة طبائع النفوس وكيفية التأثير فيها وإقناعها وجمعها على طاولة واحدة رغم فرقتها واختلافها ونزاعها، ثم كيفية إحداث النقاش بينها وإيصالها إلى شاطئ التسامح والتفاهم والاتحاد بسلام.
وفي حقيقة الأمر أن العمل الاجتماعي للشيخ معمر ظل متواصلا؛ ولم ينقطع عنه طوال حياته، وكان ذلك على مختلف الجبهات. وإن كل ما نتعرض إليه في هذا المبحث يعد نوعا من الأعمال الاجتماعية التي قام بها الشيخ
ثالثا - في المجال التعليمي إن الظروف الاقتصادية الشديدة التي وجد عليها بلده إثر قدومه والحـ المعيشية العسيرة لوالديه ثم زواجه كل هذا جعله مضطرا للبحث عن مورد للكسب يرتزق منه هو وعائلته، فلم يجد أمامه إلا العمل في الوظيف الرسمي فالتحق به كمعلم في المدرسة الابتدائية بنالوت.
ويبدو أنه كان يتمنى لو يجد من يكفل له هذا الجانب ليتفرغ هو للعمل والإصلاح الاجتماعي (1) كما فضل العمل حرا بعيدا عن كل القيود الإدارية والقانونية ليجد لنفسه متسعا ومجالا لتطبيق أفكاره وتجربته واجتهاداته دون حذر أو ترقب أو متابعة من أي جهة كانت (2).
فقد أمضى الشيخ علي معمر كل سنوات عمره لخدمة مهنة التعليم؛ ولم يغادرها إلى أخريات حياته، حيث رآها السبيل الأمثل لصناعة الأجيال وتربية الشباب الذي سيبنى على عاتقه مستقبل البلاد.
فقد تدرج في سُلّم هذه الوظيفة وارتقى فيها إلى أن بلغ سؤددها، ولكثرة المناصب التي شغلها في هذا المجال يبدو أن هنالك تضاربا أو عدم اتفاق بين المصادر
(1) - مقابلتي السابقة مع الشيخ ناصر مرموري، أوت، 1997 م.
(2) - سليمان عون الله: مصدر سابق: ص 4.
-66 - (1/84)
صفحة 85
حولها وعن التسميات الدقيقة لها وعن التقديم والتأخير بينها. لكن بمقابلتها ومحاولة الجمع بينها يتضح الأمر ويمكن تحديد هذه الوظائف المتنوعة والمتعددة.
فقد كانت بدايته كمعلم في المدرسة الابتدائية في بلدته نالوت والتي كان هو وراء تأسيسها والسعي لبداية التدريس فيها ()، كما درس في ذات الوقت في مدرستها الثانوية، وكذا بتعليم التلاميذ بصفة حرة في مساجدها، وبعد قضاء فترة في نالوت توسع نشاطه إلى مدينة جادو حيث سعى إلى فتح مدرسة ابتدائية فيها؛ كان بناؤها بمجهودات أهاليها وأصبح مديرا لها مباشرة بعد تأسيسها (3).
كما يبدو
أنه في نفس الفترة؛ أي في أوائل الستينيات رقي إلى درجة مفتش للتعليم الابتدائي (4)، فبذل مجهودا في إرشاد المعلمين وتوجيههم في طرق ومناهج التدريس.
كما سعى في الحصول على معهد للمعلمين بجادو، أصبح مديرا له وأطلق عليه تسمية العالم الليبي الفقيه إسماعيل الجيطالي (5)، ليكون قدوة ومثالا للدارسين فيه في تحصيل العلم والعمل به، ولربط الخلف بسلفه الصالح الذي أعطى صورا رائعة للجهاد الاجتماعي والعلمي، يحق لخلفه أن يعتزوا به ويجعلوه رمزا من رموزهم.
قضى فترة الستينيات يدير المدرسة والمعهد معا وفي نفس الوقت يشرف على التفتيش عليها وعلى مدارس نالوت، ثم عُيّن رئيسا للتوجيه الفني في مدينة غريان (6)، وهكذا أصبح متنقلا بين مراكز التعليم في هذه المدن الثلاث من جبل
(1) - مجلة الإنقاذ عد 27 مقال بعنوان فضيلة الشيخ علي يحيى معمر. (2) - أمانة الإعلام والثقافة دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس ليبيا 1397 هـ - 1977 م، ص 286. (3) - سليمان عون الله: صفحات مخطوطة في ترجمة حياة الشيخ علي يحيى معمر، ص 4.
(4) - مجلة الإنقاذ عد 27، المقال السابق.
(5) - سليمان عون الله: المصدر السابق: ص 4.
(6) - أمانة الإعلام والثقافة دليل المؤلفين العرب الليبيين، ص 286.
-
- 67 - (1/85)
صفحة 86
نفوسة؛ نالوت وجادو وغريان محاولا التنسيق والتوجيه بين مؤسساتها التعليمية
فيها).
والرفع والتحسين من شأن التربية والتعليم فيها (1).
ولما عرف به من التضحية والإخلاص لعمله والقدرة على التسيير والمتابعة فقد اتسعت حلقة نشاطه أكثر بتعيينه مفتشا عاما للغة العربية في المحافظات الغربية لليبيا.
وفي الفترة ما بين سنة 1967 - 1969 م انتقل عمله إلى العاصمة طرابلس حيث شغل منصب نائب ومساعد مدير التعليم بوزارة التربية (2)، وكلف بمتابعة المناهج والكتب المدرسية المعتمدة (3).
وأخيرا استقر به مقام العمل في منصب سام بالوزارة اشتغل فيه بمركز البحوث والوثائق التربوية)، حيث عمل مع رفقة من الأساتذة الذين عرفوا للعلم قدره وللعلماء فضلهم ومرتبهم فعاش بينهم مبجلا محترما.
• رابعا - في المجال الثقافي والصحفي
لعل الحياة العلمية الطويلة التي قضاها على معمر بين ليبيا وتونس والجزائر قد زودته بتجربة متنوعة وثرية سمحت له بإحداث حركة ثقافية مماثلة في بلده كانت مبنية على تلك الأسس والمبادئ التي نشأ عليها وتربى في أحضانها ورأى نماذج واقعية منها في جامع الزيتونة بتونس ومعهد الحياة بالجزائر.
لذا فإن عمله الثقافي انطلق مباشرة بعد رجوعه إلى وطنه، حيث سعى لتجميع الشباب المثقف لبلدته نالوت مشكلين مع بعض كتلة قيادية بذلت جهودا في الرفع
(1) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 4.
(2) - مجلة الإنقاذ: عد 27، المقال السابق. (3) - أمانة الإعلام والثقافة المصدر السابق، ص 286. (4) - المصدر السابق ص 286
- 68 - (1/86)
صفحة 87
من المستوى الثقافي والفكري والأخلاقي لأهلها؛ خاصة منهم طبقة الشباب والناشئة الصغيرة؛ وذلك بإلقاء الدروس في المساجد وبعقد اللقاءات والحلقات التكوينية كلما سمحت الفرصة لذلك، مرغبين إياهم لطلب العلم وعلى الصبر والمثابرة في سبيل تحصيله.
وكانت هذه الكوكبة من الشباب أول لبنة في تشييد النشاط الثقافي في نالوت
إضافة إلى مجموعة أخرى هي ممن تلقى دراسته في جامع الزيتونة أثناء الاستعمار
الإيطالي). وقد تجسد نشاطها في عدة أعمال ميدانية نذكر منها ما يلي:
1 - مجلة البراع:
كانت أول باكورة يقطفها هؤلاء الشباب من نشاطهم الدؤوب هي إصدار مجلة أطلقوا عليها اسم "اليراع"، وهي تعنى بقضايا المجتمع عامة والشباب خاصة، حيث تدعوهم ليشمروا عن ساعد الجد وينبذوا وصمات التخلف والجهل ويشقوا طريقهم في طلب العلم قدما إلى الأمام لتحمل المسؤولية العظيمة التي هي في انتظارهم والنهوض ببلدهم الخارج من الاستعمار منهك القوى وموسوما بكل سمات التخلف والجهل حتى يتمكن من الالتحاق بركب الحضارات.
وقد تولى رئاسة التحرير فيها الأستاذ سليمان عون الله، وتضمن العدد الأول مشاركة للشيخ علي معمر بقصيدة فيها ثلاثة وعشرون بيتا، موضوعها حول العلم والعمل، يدعو الشباب إلى التعلم وينفرهم من الجهل، ويدعو الأمة للرفع من شأن العلم والمتعلم في المجتمع (2)، وقد حفظت لنا المصادر هذه
الأبيات التي منها: الجهل قيد لكل فكر عادل وبه العداء في كيدها تتأنق
(1) - سليمان عون الله: مصدر سابق، ص 3 - 4.
(2) - المصدر السابق: ص 3 - 4.
- 69 - (1/87)
صفحة 88
ومنها:
بعثات علم في الجهاد صوابر برنو إليك بعبرة تترقرق وعلى يديها في خلاصك آية ومن الشهائد شاهد ومصدق
ومنها:
فامدد لها كفا تضمد جراحها وتريها آمالا تحق وتصدق
ومنها:
العلم أعظم في البلاد مناقب وأحق بالإنفاق فيه وأخلق (1) لكن يبدو أن الأيادي المسيرة للبلدة لم ينل رضاها أن تصدر مثل هذه المجلة من من الشباب يكون هذا اهتمامها وهذه دعوتها فسرعان ما احتجبت بعد صدور العدد الثالث منها لأسباب سياسية مجهولة.
ثلة
والمصادر التي بين أيدينا لا تمدنا بأي معلومات تفصيلية أخرى عن مضمون مواضيعها، وعن تواريخ صدورها، وعن الأقلام التي أسهمت فيها، وهل كانت
للشيخ علي معمر مشاركات أخرى فيها أم لا؟ كل هذا يبقى مجهولا.
إذ يبدو منها واختفائها نهائيا. كما أن حماسة الشباب ورغبته المتسرعة في التغيير وتحقيق طموحاته مع قلة تجربته؛ كل هذا يمكن أن يكون وراء توقيف المجلة، أضف إلى ذلك مكايد الاستعمار التي تقف في وجه أي صوت ينادي بالحق ويدعو الأمة لأن تستفيق من نومها وتنظر في مستقبلها.
أن هذه الأسباب السياسية الغامضة كانت السبب المباشر للتخلص
2 - مشاركاته في نشريات أخرى:
مما لا شك فيه أن قلم الشيخ علي معمر الذي أظهر سيولته الملونة أثناء دراسته في معهد الحياة بالجزائر، لم يتغير عن طبيعته، حيث واصل بنفس المستوى وتصدر
(1) - المصدر السابق: ص 4.
- 70 - (1/88)
صفحة 89
الكتابة والتحرير طوال فترات حياته المختلفة، وذلك بنشر مقالاته في المجال الشرعي والأدبي والاجتماعي والتاريخي والسياسي، مناقشا وناقدا الآراء وموضحا الأخطاء
ومتتبعا الأحداث.
ولعل أهم هذه النشريات التي شارك فيها هي:
1 - مجلة المسلمون التي كان يصدرها المركز الإسلامي بجنيف.
2 - مجلة الأزهر التي كان يصدرها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بالقاهرة. 3 - مجلة الأسبوع السياسي ومجلة المعلم اللتان كانتا تصدران في طرابلس بليبيا (1). أما عن هذه المقالات فإن بعضها قد تم جمعها من مصادرها والبعض الآخر لم يتوصل إليها إلى حد اليوم، فعسى الله أن لنا ذلك مستقبلا (2). پيسر
3 - اهتمامه بتحقيق التراث الإسلامي:
أسهم الشيخ علي معمر مع جماعة من الشباب في بلده بمجهودات كبيرة في مجال التحقيق والتعليق على بعض الكتب التراثية المخطوطة في فن الفقه والتاريخ حيث كادت الظروف أن تذهب بها أدراج النسيان ثم الضياع إلى الأبد. فأنقدوها باستخراجها من المكتبات والخزائن الخاصة وأعادوا نسخها وتصحيحها وتحقيقها والتعليق عليها بما يفيد القارئ ويُبسط له الأفكار والقضايا المطروحة وأخيرا قاموا
بتقديمها للطبع.
(1)
- محمد ناصر بوحجام: مقدمة كتاب الإباضية دراسة مركزة، ص 20. (2) - قمت في رحلتي إلى تونس في مارس،1997 م بزيارة دار الكتب التونسية؛ أحد فروع المكتبة الوطنية، وتتبعت فيها أعداد مجلة "المسلمون" وتوصلت إلى إحدى مقالات الشيخ علي معمر، التي نشرها في تاريخ ربيع الثاني 1383 هـ / سبتمبر 1963 م، في سبع صفحات من المجلة من ص 39 إلى ص 45، وموضوعها بعنوان: جوابا على "جواب حول التعريف بالمذهب الإباضي في تاريخه وبعض أصوله، وقد أتى ردا على جواب المجلة عن سؤال لأحد القراء حول المذهب الإباضي، إذ أجابت بأجوبة خاطئة غير معتمدة على مصادر المذهب.
- 71 -
- (1/89)
صفحة 90
وكانت هذه الكتب بالدرجة الأولى مما تركه علماء الإباضية ومشايخهم بجبل
نفوسة. فمما أتموا طبعه وإخراجه:
1 - كتاب النكاح لأبي زكرياء يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني؛ قدم وعلق عليه الشيخ علي معمر تعليقات فقهية هامة.
2 - كتاب الإيضاح في الفقه في أربعة أجزاء للشيخ عامر الشماخي، أعادوا طبعه للمرة الثانية (1).
- قدم لكتاب سير مشايخ نفوسة في التاريخ، الذي حققه الدكتور عمر
خليفة النامي
(2)
4 - مشاركته في رسالة المسجد:
"1
رسالة المسجد" مجلة تصدر كل سنة، يتولى الإشراف عليها مجموعة من الأساتذة في مدينة نالوت وقد صدر منها ست حلقات، وهي تحاول في كل حلقة أن تنشر بحوثا ومقالات في المجال الفقهي والتاريخي وبعض الفتاوى لعلماء الإباضية من المشرق ومن المغرب.
وغرضها من ذلك نشر الثقافة الإسلامية بين الجماهير وتوعية الناس بأمور دينهم ودنياهم، وتصحيح بعض الأفكار وتوضيحها. وقد صدرت عن دار الدعوة بنالوت، ووزعت في ليبيا وخارجها، حيث وصلت كل أعدادها إلى وادي ميزاب وقد كان للشيخ علي معمر دور هام في توجيهها وتسييرها والمشاركة فيها
(1) - سالم بن يعقوب: الرسالة السابقة التي بعثها إلى الأستاذ محمد ناصر بوحجام.
(2) - محمد ناصر بوحجام مقدمته على كتاب الإباضية دراسة مركزة، ص 31.
(3) - رسالة المسجد عد: 4، بعنوان أجوبة وفتاوى للشيخ علي يحيى معمر، منشورات دار الدعوة، نالوت ليبيا، 1389 هـ - 1970 م. ص 5 - 7
- 72 - (1/90)
صفحة 91
ببحوثه (1) بحوثه).
والمصادر لا تمدنا بشيء عن أحوال نشأتها وكيفية إدارتها ولا عن
أسباب أفولها.
خامسا - في المجال الدعوي:
أثناء
كانت البدايات الأولى لعمل الشيخ علي معمر في المجال الدعوي مبكرة، وكان ذلك قبل محيثه إلى وطنه؛ بما كان يقوم به مع الطلبة التونسيين في إقامته معهم عودته من الجزائر؛ من توجيه وإرشاد وإصلاح للنفوس وتقويم للسلوك.
وبلا شك فإنه سيستفيد من هذه التجربة المتواضعة وينطلق منها كقاعدة أولية في إصلاح الأوضاع في بلده، فسعى إلى المساهمة في إصلاح الأجيال وتنشئة الشباب التنشئة القرآنية الأصيلة.
فتصدر في بادئ الأمر مساجد نالوت كواعظ ومرشد ومعلم ينشر الوعي الديني والتفكير السليم ومحاربة البدع والجهالة والأمية والدعوة إلى التزود بالإيمان والعلم والمعرفة.
كما سعى إلى حل مشكلات إخوانه وفك النزاعات والخصومات بينهم، عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا يقول الشيخ سالم بن يعقوب عنه: وكان إلى هذا يلقي الدروس والمواعظ بالمساجد وفي صفوف العامة والطلبة عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسعيا وراء نشر الوعي الديني
(1) - خصصت رسالة المسجد العدد الرابع كاملا لفتاوى الشيخ علي معمر في مجموعة مسائل حول العبادات والمعاملات، ونشرت له في عددها السابع بحثا آخر بعنوان: "مسلم ولكن" وهو بحث في موضوع التدخين ويعتبر الحلقة الأولى من الجزء الثاني من كتابه: "سمر أسرة مسلمة"، هذا الجزء الذي لم يطبع ولا يعلم عنه شيء. وقد أعاد الأستاذ أحمد كروم طبع هذه الحلقة في كتيب مستقل وعلق عليه. (علي) يحيى معمر مسلم ولكنه يدخن إخراج وتعليق: أحمد كروم، نشر جمعية عمي سعيد- قسم التراث، غرداية، مطبعة تيهرت، غرداية، 1990 م.
-73 - (1/91)
صفحة 92
والأخلاقي حتى تزول البدع وتستقيم العقيدة الصافية» (1). وعملا بقول الله تعالى: وان اريدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أنيب [هود/ 88].
لكن مما يبدو أن هذا الطريق الذي عزم على سلوكه لم يجده محفوفا بالورود بل كانت الأشواك تعترضه وتقف في وجهه في كل خطوة يخطوها؛ خاصة في المراحل الأولى من انطلاقته، حيث لاقى عنتا وتعبا كبيرين من أبناء جلدته أنفسهم، فلم يتفهموا دوره وأفكاره ومجهوداته الإصلاحية فواجه معارضة شديدة تمثلت في الجفاء وقطع الطريق أمام مشاريعه، فلم يجد من إخوانه يد المعونة والمؤازرة. ويدو أن الجهل والتخلف اللذين كانا متفشيين بين الأهالي واللامبالاة من الشباب بالعلم والعلماء (2) من الأسباب الأساسية لهذه المعارضة.
1 - فكرة إنشاء نظام العزابة:
من المشاريع الهامة التي سعى الشيخ علي معمر لإحيائها وإعادة بعثها من جديد في بلده نظام العزابة (3)، هذا النظام الذي كان يشرف على تسيير المجتمع بجبل نفوسة، انقرض لعدة عوامل، وقد عمل هذا النظام على هيكلة المجتمع على شكل مؤسسات تتعاون فيما بينها على السير الحسن له وعلى توحيد كلمته، وفي نفس الوقت إشراك كل فعالياته في بنائه وإصلاحه ابتداء من الأسرة إلى العائلة إلى العشيرة ثم إلى المسجد، في نسق تصاعدي، هرمي، وبذلك يُسهل تنظيم المجتمع وتسييره والتحكم فيه والمحافظة على قيمه والدفاع عنه مما يمكن أن يلحقه من أخطار داخلية
أو خارجية.
(1) - سالم بن يعقوب: المراسلة السابقة.
(2) - سليمان الشيباني: مراسلة شخصية معي، فيفري 1997 م.
(3) - عمل مشايخ وادي ميزاب لتشجيعه على هذه الفكرة وأمدوه بتجربتهم وتوجيهاتهم في سبيل تحقيقها. (مقابلتي السابقة مع الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج).
- 74 - (1/92)
صفحة 93
لذلك سعنى الشيخ مع غيره من الإخوان لاستحداثه (1) وذلك على غرار ما رآه
وعايشه في وادي ميزاب لكن يبدو أن نفس السبب السابق المتمثل في عدم التجاوب والموقف السلبي والمعارض من بعض الأهالي جعله يفشل في هذه المهمة النبيلة، التي لا يكفي لتحقيقها فرد أو جماعة لوحدها، إذا لم تتضافر الجهود ويقف الجميع على صعيد واحد مؤمنين بالفكرة وباذلين قصارى جهودهم وإمكاناتهم، في سبيل هيكلة المجتمع وإرساء مؤسساته وفقه نظامه وتخطيطه.
-2 جهاده في مسجد الفتح بطرابلس:
أمام هذه الوضعية التي قوبل بها الشيخ علي معمر من قومه؛ فإنه لم يستسلم لأمر الواقع ولم يفقد الأمل في الإصلاح ولم يعلن فشله واستسلامه؛ بل ضل يواصل مسيرته رغم كل العقبات، صابرا ومحتسبا ومستعملا المرحلية والتأني؛ حتى بدأ الإخوان مع مرور الوقت يتفهمون أفكاره ويباركون أعماله وأصبحوا يلتفون من حوله مؤيدين ومؤازرين له في دعوته ونشاطه خاصة عندما انتقل بعمله إلى العاصمة طرابلس؛ يذكر الشيخ ناصر مرموري الذي زاره سنة 1962 م أن الشيخ قد كوّن حوله هالة من الإخوان والطلبة من مختلف قرى ومدن جبل نفوسة: كنالوت وكباو وتمزين وزوارة ويفرن وجادو، جمعتهم أنشطة علمية ولقاءات أخوية وحصص توجيهية متنوعة، وأن أنشطتهم كانت في بادئ الأمر في منازلهم وفي بعض الدور التي خصصوها لذلك). إلى أن تُوج ذلك بتأسيس مسجد الفتح بالعاصمة طرابلس فكان مقرا جامعا لأنشطتهم واجتماعاتهم، وكان ذلك ابتداء من سنة 1975 م (4)
(4)
(1) - رسالة بعث بها الشيخ معمر من نالوت إلى أستاذه الشيخ أبي اليقظان في القرارة، مؤرخة في
تاريخ 1965/ 02/15 م.
(2) - إبراهيم أبو اليقظان ملحق السير، ص 505
(3) - مقابلتي السابقة مع الشيخ ناصر مرموري. (4) - سليمان الشيباني: مراسلة سابقة معي.
- 75 -
- (1/93)
صفحة 94
فقد كان إلى جانب هذا المسجد مدرسة ابتدائية حرة تعنى بتحفيظ القرآن الكريم وتدريس أساسيات العلوم الشرعية من الفرائض والعبادات والمعاملات وكذا مكتبة، تشرف إدارة مسجد الفتح عليها، ويقصدها عشرات التلاميذ من الأحياء المجاورة (1).
فكان للشيخ علي فيها الدور الأساسي فهو المحرك الأول ومحور النشاط؛ وهو المرشد والموجه والمرجع في المسائل الشرعية وفي القضايا الاجتماعية وفي إدارة شؤون التدريس؛ وذلك لخبرته واطلاعه في هذه المجالات. وبمرور الزمن استطاع أن يكون من إخوانه ثلة مباركة، من مختلف قرى جبل نفوسة مثل تمزين ونالوت وكباو وغريان وجادو وغيرها.
ما عايشه معهم:
تمثلت أنشطتهم في مجالس القرآن وفي الجلسات الليلية العلمية التنويرية وفي دروس الوعظ والإرشاد وفي المناقشات الفقهية وفي إحياء ليالي رمضان بالقيام وبالذكر وبمدارسة وحفظ القرآن (3)، كما يروي الشيخ ناصر مرموري صادف في مرة من المرات أن مكثت هناك في طرابلس أربعة عشر يوما في شهر رمضان كان يعطي للعبادة حقها ولقيام الليل، كانت معه جماعة من إخواننا من تمزين ونالوت وكباو، وجماعة تمزين كانوا الأغلبية، لهم جلسات ليلية لختم القرآن ومدارسته، مع مناقشات فقهية ومواعظ وفي ليلة العاشر والسابع والعشرين من رمضان يقيمون الليل من أوله إلى الفجر؛ أحيانا بقراءة القرآن بطريقة فردية وأحيانا بالذكر وأحيانا بالمحاورات العلمية ... وهو محور الإخوان الخلص الموجودين في طرابلس
(1) - مقابلة شخصية مع الشيخ عمر لقمان سليمان بوعصبانة: حول نشاط الشيخ علي يحيى
بليبيا، الجزائر العاصمة، حويلية 1997 م.
(2) - المقابلة السابقة.
(3) - المقابلة السابقة.
- 76 - (1/94)
صفحة 95
كان الشيخ علي محل الثقة وهو المرشد الحقيقي لاطلاعه في الشرعيات والاجتماعيات» (1).
كما كان منزله الكائن بمنطقة غوت الشعّال بضواحي طرابلس ومنزل بعض إخوانه مسرحا لهذه اللقاءات العلمية مع إخوانه الطلبة والمدرسين يحاول أن يكونهم ويرفع من مستواهم في المجال الشرعي والاجتماعي، وبذلك يصنع منهم والسند الذي يعتمد عليه في تحمل المسؤولية ومواصلة درب الإصلاح؟.
الخلف
إن هذه المكانة العلمية للشيخ علي معمر جعلته ممثلا لإباضية ليبيا، حيث كان يتولى بنفسه الإشراف على البعثات العلمية الليبية إلى معهد الحياة، وكانت إدارة المعهد ومشايخه لا يستقبلون أي طالب ليبي إلا إذا كان مصحوبا بموافقة من
(3)
الشيخ علي معمر كما كان يتولى استقبال الشخصيات والوفود الإباضية التي تقدم لزيارة ليبيا، ويرافقها في كامل أيام إقامتها يعقد معها اللقاءات العلمية ويناقش معها المشاكل والقضايا التي تعترضه ويطلب منها المشورة والرأي في المشاريع التي ينوي تحقيقها.
فقد حصل هذا مع الشيخ بيوض عندما زار ليبيا عن طريق تونس في الستينيات حيث وجد في استقباله في الحدود التونسية الليبية الشيخ علي يحيى معمر، ونفس الشيء كان مع الشيخ ناصر مرموري في زياراته لليبيا حيث يقول: في ليبيا حين أزورها كان أول من يستقبلني وآخر من يودعني» (5).
(4)
(1) - المقابلة السابقة للأستاذ ناصر محمد بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري. (2) - سالم بن يعقوب: المراسلة السابقة، ص 7.
(3) - مقابلتي السابقة مع الشيخ محمد الشيخ بالحاج.
(4) - مقابلة شخصية مع الشيخ فرحات الجعبيري: تونس، مارس 1997. (5) - المقابلة السابقة للأستاذ محمد ناصر بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري.
- 77 - (1/95)
صفحة 96
وحدث نفس الشيء مع المؤرخ التونسي سالم بن يعقوب حين زاره إذ يقول:
«ثم التقيت أنا الشيخ سالم بن يعقوب به في منزله بمنطقة غوت الشعال من ضواحي طرابلس وفي غير منزله عدة مرات في جلسات علمية ممتعة مع جمع من الإخوان الطلبة والمدرسين» (1).
لعل هذه المكانة التي حظي بها في قومه لتدل بوضوح على تلك المرتبة العلمية التي بلغها ويعتبر كذلك اعترافا منهم بجهاده الاجتماعي المتواصل لإصلاح شؤونهم وبالفضل والجميل الذي قدمه لبلده ووطنه.
(1) - سالم بن يعقوب المراسلة السابقة، ص 7.
- 78 - (1/96)
صفحة 97
تمهيد:
المبحث الثاني
لات
ـــه
من مميزات شخصية الشيخ علي يحيى معمر عقد الرحلات العلمية التي عادة ما تكون مع بعض رفقاء دربه الليبيين أو مع أحد الشخصيات الإباضية من خارج ليبيا، وعادة ما تكون مليئة بالأنشطة العلمية والدعوية حيثما حل وارتحل. وللشيخ معمر رحلات داخل وطنه يقصد فيها قراها النائية في أعالي الجبال داعيا وموجها ومرشدا وراعيا ومتتبعا لأعماله الإصلاحية فيها، وفي خارج ليبيا في مناطق وجود الإباضية في تونس والجزائر وفي أقطار من العالم الإسلامي مشرقا ومغربا، حيث يلتقي مع العلماء ورجال الفكر والثقافة فيها يتبادل معهم الرأي في القضايا المعاصرة للعالم الإسلامي ويتحاور معهم في كيفية جمع كلمة المسلمين، والقضاء على الصراعات والأحقاد التي بينهم.
وفي حقيقة الأمر إن المصادر التي بين يدي لم تحتفظ لنا بكل هذه الرحلات
وتواريخها؛ سواء داخل وطنه أم خارجه، ولا عن أهم انشغالاته ولقاءاته فيها.
وفي هذا يقول عنه رفيقه في الإصلاح بليبيا الأستاذ سليمان عون الله ما يلي: قام رحمه الله بعدة رحلات إلى مصر ولبنان وسورية والعراق والكويت والأردن والقدس والحجاز والجزائر وحج عدة مرات وكل بلد زاره إلا واجتمع بعلمائه وفقهائه ومثقفيه وتدارس معهم شؤون الدين ومسائل الخلاف وكل ما من شأنه يتصل بالدين ويهم أمر المسلمين خاصة المسائل الخلافية بين المسلمين حتى اعترف له بالفضل وطول الباع كل من التقى به وخالطه منهم» (1).
(1) - سليمان عون الله: صفحات مخطوطة في ترجمة حياة الشيخ علي يحيى معمر، ص 5.
- 79 - (1/97)
صفحة 98
ويصفها الشيخ ناصر مرموري رفيقه في بعض هذه الرحلات فيقول: «كانت له معارف ومراسلات مع بعض العلماء في العالم الإسلامي، أراد أن يحقق هذه المراسلات بالملاقاة فرغب أن أرافقه في جولة لبعض دول العالم الإسلامي ... اتصلنا معارفه وكانت شخصيات إسلامية مهمة، وكان له الفضل في معارفي بالكويت والعراق ... وقد كانت جولاتنا في غاية ما تكون من الأهمية؛ جلسات مع مفكرين
إسلاميين، أشعر فيها أني أعيش وسط جوّ إسلامي عال وفي جو أخوي رفيع). هذا ما سجله بعض قرنائه عن رحلاته سنحاول الآن أن نقف على. أهمها، فنفصل الحديث في بعضها ونختصره في أخرى حسب ما تمدنا به المصادر عن كل رحلة.
أولا - رحلاته داخل بلده ليبيا:
عقد الشيخ علي رحلات متكررة إلى قرى جبل نفوسة، ملتقيا بأهلها ومجتمعا معهم في حلقات علمية ودروس إرشادية وتوجيه في إصلاح الدين وتنظيم المجتمع والمحافظة على سيرة السلف الصالح.
فكان يتردد على نالوت بلدته وجادو وغريان وكباو وطمزين ويفرن والقرى المحيطة بها، إلى جانب العاصمة طرابلس بين الحين والآخر كلما رأى ضرورة لذلك متتبعا أخبارها وانشغالاتها (3). كما ترك آثارا حميدة عند أهاليها ومكانة كبيرة في قلوبهم؛ يكنون له كل التقدير والاحترام بسبب تواضعه لهم وأعماله الجليلة في سبيل توعيتهم والإصلاح من أحوالهم).
(1) - المقابلة السابقة للأستاذ محمد ناصر بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري.
(2) - رسالة للشيخ علي معمر بعثها من نالوت إلى شيخه أبي اليقظان في القرارة، مؤرخة في تاريخ:
1962/ 11/26
(3) - المقابلة السابقة للأستاذ محمد ناصر بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري.
(4) - إبراهيم أبو اليقظان ملحق السير، ص 505
- 80 -
- (1/98)
صفحة 99
ثانيا - رحلاته إلى خارج بلده:
1 - إلى جزيرة جربة بتونس:
في صائفة سنة 1965 م زار الشيخ علي جزيرة جربة صحبة رفيقيه في الجهاد الاجتماعي بليبيا الحاج خليفة الشيباني والشيخ علي الشاوش، حيث تحولوا في عدة مناطق منها وزاروا الكثير من المعالم الأثرية للإباضية فيها: كالجامع الكبير المسمى "جامع الشيخ" في "حومة السوق"؛ قلب جزيرة جربة، كما زاروا مقبرة الجامع الكبير ومقبرة الشيخ أبي ستة بمنطقة ورسيغن" حيث ترحموا على أرواح علماء الإباضية المدفونين هناك، كما زاروا غار "أبجماج".
"
وتشرف باستقباله مع رفيقيه كثير من الإخوان الجريين، كعائلة الباروني المعروفة بالعلم في جربة والمؤرخ الشيخ سالم بن يعقوب، حيث أكرموا مثواه ورفعوا من شأنه وضيفوه أيما ضيافة. وقد قام بنشاطات علمية كثيرة: فزار المكتبة البارونية للإباضية في منطقة الحشان ومكتبة الشيخ سالم بن يعقوب، واطلع على ما فيها من كتب تاريخية وفقهية خاصة المخطوط منها، واستعار عددا من الكتب والرسائل المخطوطة حول تاريخ جربة وتاريخ الإباضية عموما (1)، قصد استثمارها في إتمام بحوثه عن تاريخ الإباضية في تونس وفي الجزائر (2).
كما عقد عدة لقاءات علمية مع الإخوان الجريين؛ حنّهم فيها على التمسك بالقيم والأخلاق الإسلامية والاعتزاز بالتراث والموروث الحضاري والتمسك بالسير وأمجاد السلف الصالح ومواصلة السير على نهجهم.
(1) - سالم بن يعقوب: المراسلة السابقة مع الأستاذ محمد بوحجام، ص 8. (2) - الإشارة هنا إلى موسوعته التاريخية المسماة: الإباضية في موكب التاريخ، المتكونة من أربع
حلقات.
(3) - علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، حل 3 (الإباضية في تونس)، مطبعة سميا، بيروت لبنان، نشر وتوزيع دار الثقافة ببيروت، 1966 م، ص 8 - 9.
- 81 -
7 (1/99)
صفحة 100
والتقى معه أهل جربة في سهرة علمية ثرية نترك الشيخ سالم بن يعقوب الذي حضرها يصفها لنا قائلا: وأقيمت إكراما له سهرة حافلة بجامع "الماي" جمعت نخبة من طلبة العلم ورجال الفكر وقد ألقى رحمه الله فيها درسا بليغا مؤثرا جليل الفائدة تلته أجوبة عن أسئلة عديدة من الإخوان الحاضرين أبانت عن غزارته العلمية واعتدال أفكاره وقوة حجته كما أظهر دماثة أخلاقه ولطفه في الردود» (1).
(2)
وبعد أسبوع قضاه في هذا الجو العلمي الزاخر غادر جربة بعد أن أيقظ العزائم وشحنها ونشط الهمم الخامدة للقيام بالمجتمع والحفاظ على الدين والتراث. غادرها وترك من ورائه قلوبا متعلقة به ومحبة له ومتأثرة بأفكاره ونصائحه، وآملا العدوة إليها ثانية، لكن الأقدار لم تتح له ذلك (3).
هذه هي الرحلة الوحيدة إلى تونس التي احتفظت لنا المصادر بأحداثها المهمة، ولا ندري هل قام الشيخ معمر في فترات أخرى بزيارات إلى تونس العاصمة حيث يوجد الإباضية هناك أم لا؟.
2 - إلى وادي ميزاب بالجزائر:
زار الشيخ علي معمر الجزائر وطاف بقرى وادي ميزا ب مرات عديدة، حيث كان الحنين إلى موطن دراسته وملتقى مشايخه وزملائه يعاوده في كل مرة، فلا يجد بدا من زيارة الوادي لإرواء ذلك الشوق وتذكر تلك اللحظات وزيارة تلك الأماكن حيث كان يجلس ذات يوم. لحلقات العلم والتحصيل.
(1) - سالم بن يعقوب: المراسلة السابق، ص 9.
(2) - نشير هنا أن الشيخ علي معمر تحدث بعض الشيء عن رحلته هذه؛ لكن ذكر أن مدتها استغرقت يومين فقط، وذلك بعد عودته من رحلته إلى الجزائر. حيث كان في إجازة وانتهت إجازته فاضطر إلى مغادرة حربة راجعا إلى بلده ومن الراجح أن الشيخ سالم بن يعقوب قد أوهم في ذكر المدة. الإباضية) في موكب التاريخ: حل 3، ص 8).
(3) - سالم بن يعقوب: المراسلة السابقة، ص 9.
- 82 - (1/100)
صفحة 101
كما كان وثيق الصلة بأساتذته في ميزاب فحافظ على مشيختهم العلمية طوال
حياته، وأعزهم كثيرا؛ إذ يظهر ذلك جليا في تلك المراسلات الكثيرة التي لم تنقطع بينهم، والتي كان يبتدئها دائما بقوله: أبتي الشيخ أبا اليقظان، أو آبائي الشيخ أبا اليقظان، الشيخ بيوض، الشيخ عدون)، وأحيانا مولاي أفلح، حيث كان في كل مرة يعرض عليهم الأعمال التي ينوي القيام بها ويشاورهم في القضايا المستجدة حول إباضية ليبيا ويطلب منهم الرأي والتوجيه.
والمصادر التي بين أيدينا لا تمدنا بتفاصيل كل هذه الزيارات وعن تواريخها بالتحديد، رغم سعينا لجمع المعلومات عنها. لذا أحاول أن أتعرض إليها بحسب ما بين يدي من المعلومات عن كل منها:
أول زيارة له كانت خلال سنة 1945 م بعد مغادرته للقرارة ببضعة أشهر فقط، حيث عاد إليها من تونس عندما شد رحاله عازما العودة إلى بلده، والمصادر لا تمدنا بأي معلومات عن أسباب عودته المبكرة هذه، ولا عن المدة التي استغرقتها. وكل ما علمناه عنها أنها حظيت باستقبال مشايخه، ووصلنا من هذا الاستقبال كلمة أدبية ألقاها زميله في الدراسة الشيخ حمو فخار مشيدا فيها بأعماله وأنشطته أيام كان طالبا وأستاذا في المعهد، داعيا فيها شباب المعهد للاقتداء به واقتفاء أثره في تحصيل العلم والحرص على نيله والصبر والمثابرة على ذلك. وكان مما جاء فيها ما يلي: «الله أكبر، ما أعجب صنع القدر، هذا القمر ظهر بعد أن استتر،
(1) - جل رسائل الشيخ علي معمر يبتدئها بتلك العبارات فيطلب من شيخه الذي راسله أن يبلغ سلامه إلى أبويه الآخرين. ينظر مثلا رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان، مؤرخة في تاريخ: 1962/ 11/26 م. ورسالة مؤرخة في تاريخ 1962/ 2/17. ورسالة مؤرخة في تاريخ 1966/ 6/1 م. موجودة لدى الباحث. (2) - "أفلح" هو لقب الشيخ بيوض، حيث كان يمضي به بعض مقالاته التي كان ينشرها في جرائد الشيخ أبي اليقظان (كمثال عن هذه الرسائل: رسالة مؤرخة في تاريخ 19 جانفي 1944 م
موجودة لدى الباحث.
(3) - مقابلتي السابقة مع الشيخ صالح بزملال: أوت 1997 م.
- 83 - (1/101)
صفحة 102
وذا الربيع الأنور أقبل بعد أن أدبر، هذا الأستاذ علي معمر ... غدا مثالا صادقا
من
لمن صبر فظفر وعمر فعمر. الأستاذ علي معمر من رام وصل الشمس فحاك خيوطها سببا إلى آماله وتعلقا ... مرحبا بك زائرا، مرحبا بك شاعر الشباب وأمير الكتاب. مرحبا بك يا من غدا فخر بني الجيل وبني ميزاب ... مرحبا بك يا من كنت زينة المعهد البيوضي وواسطة عقده وقلادة جيده» (1).
أن
وكانت زيارته الثانية للوادي في سنة 1947 م؛ أي بعد عامين تقريبا، ويدو مشايخه استقبلوه بحفل بهيج حضره طلبة معهد الحياة. وقد خلد الشاعر يوسف تربح الذي كان طالبا في المعهد آنذاك هذه الزيارة بقصيدة نظمها في حقه مرحبا به ومشيدا بأعماله مطلعها:
وقع أغاني البشر والتهاني قد وافانا شاعر الشباب (2)
وفي صائفة سنة 1965 م زار الجزائر وقام بجولة في العديد من مدنها، وقد تحدث عن هذه الرحلة في كتابه الإباضية في الجزائر؛ نتركه يتكلم عنها قائلا: «وقد أتيح لي أن أقوم بجولة إلى الجزائر في صيف سنة 1965 م مع بعض الأصدقاء من جبل نفوسة زرنا فيها كثيرا من أنحاء الجمهورية الجزائرية المكافحة وقضينا فيها نحو عشرة أيام في الواحات أنسانا فيها الأصدقاء الأعزاء أهلنا وبلادنا» (3).
كما زار قرى وادي ميزاب ووارجلان فالتقى مع مشايخها وألقى الدروس في المساجد على عامة الناس؛ يبين لهم فيها علاقة وصلات المحبة والتعاون والإخاء التي ينبغي أن تكون بين المسلمين جميعهم وبين أبناء المذهب الواحد خاصة، محرضا على الاستمساك بقيم الدين الإسلامي والعمل على
(1) - حمو فخار نص الكلمة مكتوب في بدايتها: "خطاب في استقبال الشيخ علي معمر العائد إلى القرارة في زورة سنة 1945 م.
(2) - مقابلة شخصية مع الشيخ بكير أرشوم بريان أوت 1996 م. الذي حضر هذا الحفل. (3) - الإباضية في موكب التاريخ حل 4، ج 2، ص 380.
- 84 - (1/102)
صفحة 103
الاعتناء بالتراث وتبليغ رسالة الإسلام للأجيال. وكان مما ألقاه درسا في مسجد مدينة العطف تكلم فيه عن تاريخ دخول الإسلام والمذهب الإباضي إلى الجزائر وعن جهود الدعاة الأولين في هذا السبيل (1).
بعد هذه الرحلة زار وادي ميزاب مرات أخرى؛ كسنة 1970 م وسنة 1976،
حيث من أعماله وانشغالاته فيها أن يعرض ما كتبه عن الإباضية وعن تاريخ الجزائر على مشايخه قبل أن يبعث به إلى الطبع).
-3 - إلى وارجلان بالجزائر:
(2)
في سنة 1965 م في زيارته - التي تعرضنا إليها سابقا- إلى الجزائر زار الشيخ معمر وارجلان قادما إليها من وادي ميزاب وقد تحدث عن هذه الزيارة في كتابه الإباضية في الجزائر، حيث استقبل من مشايخ وارجلان، كما رافقه من وادي ميزاب بعض أعيانه كذلك، وإثر وصولهم قصدوا جبل" العُباد" لزيارته؛ الذي كان قديما ملتقى لعلماء وارجلان للعبادة والدعاء فيه ثم زاروا بقايا مدينة سدراتة الأثرية، التي كانت يوما ما قلعة علمية وحضارية. كما ألقى في مسجدها درسا على عامة الناس، واجتمع مع أعيان ومثقفي البلدة في أحاديث عن التاريخ والأدب والشريعة (3)، وقد غادرها متجها إلى مدينة تقرت مرورا بوادي سوف إلى جزيرة
جربة بتونس
(4)
في سنة 1976 م الموافق لـ: 04 شوال 1396 هـ قام بالزيارة الثانية إلى وارجلان في رحلة علمية عرض فيها الفصول التي كتبها عن تاريخ وارجلان
(1) - الإباضية في موكب التاريخ حل 4، ج 1، ص 18.17. (2) - مقابلتي الثانية مع الشيخ عدون شريفي، إذ أخبرني أنه عرض كتابيه الإباضية في الجزائر والإباضية بين الفرق الإسلامية على الشيخ بيوض ليمده بآرائه وملاحظاته حولهما.
(3) - الإباضية في موكب التاريخ حل 4، ج 2، ص 380 - 387
(4) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 3، ص 8.
- 85 - (1/103)
صفحة 104
على شيخها عمر بن داود بومعقل). كما التقى فيها مع مشايخ البلدة وأعيانها في جلسات عديدة حضرها الأساتذة والطلبة وناقش مواضيع علمية واجتماعية، وكان من بين هذه اللقاءات التي وقعت في دار عشيرة آل بومعقل حضرها الشيخ عمر لقمان استشار مشايخ وارجلان في إمكانية تحقيق ثم طبع كتاب "غصن البان في تاريخ وارجلان الذي اهتم به، لكن يبدو أنهم لم يوافقوه على ذلك لأسباب عديدة (2).
4 - إلى البقاع المقدسة:
زار الشيخ علي معمر البقاع المقدسة مؤديا فريضة الحج عدة مرات، وهو ما أخبر به رفيقه في الإصلاح الشيخ سليمان عون الله)، دون أن يكون لنا معرفة
دقيقة بتواريخها.
وفي إحدى هذه الزيارات التي كانت في سنة 1968 م قام مع رفيقه الشيخ ناصر مرموري برحلة قصدا فيها إمام عمان الشيخ غالب بن علي في منفاه بمدينة الدمام بالسعودية، فمكثوا معه مدة اثني عشر يوما، أجروا معه لقاءات علميا عديدة (4) تناقشوا فيها قضايا فكرية وشرعية متعلقة بواقع المسلمين وبالمذهب الإباضي فناقشوه مثلا في رأيه في الإمامة وعلاقتها بصلاة السفر والحضر (5).
5 - إلى البلدان الإسلامية الأخرى:
إن بقية الرحلات التي قام بها الشيخ علي معمر إلى بلدان المشرق؛ من العراق
(1) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 4، ج 2، ص 387
(2) - مقابلتي السابقة مع الشيخ عمر لقمان. (3) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 5.
(4) - مقابلتي السابقة مع الشيخ ناصر مرموري.
(5) - مقابلة سابقة للأستاذ محمد ناصر بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري، ص 7.6.
- 86 - (1/104)
صفحة 105
والكويت ومصر وسوريا ليس لنا معلومات عنها، حيث ذكر لنا ذلك رفيقه الشيخ
سليمان عون الله)، دون أن يمدنا بأي تفصيل عنها.
ويذكر الشيخ ناصر مرموري أنه رافقه في زيارته إلى العراق والكويت، ففي العراق زار العاصمة بغداد وزار البصرة وتوقف على معالمهما الأثرية الإسلامية، والتقى مع بعض الأساتذة هناك (2).
وفي الكويت زار الشيخ عبد الله عقيل الذي كان مدير الشؤون الإسلامية في وزارة التربية وجمعتهم لقاءات ضمت جماعة من الأساتذة، ويذكر الشيخ أنه كانت بينهما مراسلات قبل ذلك (3).
وتردد الشيخ على مصر عدة مرات خاصة أيام كان يطبع كتبه، ففي سنة 1964 م. مكث فيها حوالي شهرين يتابع مراحل الطبع في مطبعة وهبة، التي أشرفت أعماله). كما زار مع رفيقه الشيخ ناصر الشيخ أبا إسحاق إبراهيم اطفيش المقيم فيها، وكان مما ناقشوه مسألة وجوب صلاة الجمعة (5).
على
(1) - سليمان عون الله: المصدر السابق، ص 5.
(2) - المقابلة السابقة للأستاذ محمد ناصر بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري، ص 7.6.
(3) - المقابلة السابقة: ص 7.6.
(4) - المقابلة السابقة: ص 7.6.
(5) - علي يحيى معمر صلاة الجمعة نشر وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، سلطنة
عمان، 1410 هـ، ص 19.
- 87 - (1/105)
صفحة 106
أث
المبحث الثالث
ـــــاره
يمكن أن نقسم آثاره إلى قسمين:
1 - تلاميذه.
2 - إنتاجه العلمي.
1 - تلاميذه:
في حقيقة الأمر أن المصادر التي بين أيدينا لم تهتم بذكر تلاميذ الشيخ علي معمر، كما أنه يتعسر معرفة العدد الكبير منهم؛ حيث علمنا مما سبق أن الشيخ قد قضى معظم فترات حياته معلما وأستاذا وشيخا في مختلف أطوار التدريس، كما تحمل هذه المسؤولية في أكثر من بلد؛ فدرّس في الجزائر بمعهد الحياة، ثم درس في تونس بمسجد الهنتاتي، ثم درس في بلده ليبيا في مدارس ومعاهد عديدة متنقلا بين بلدته نالوت وجادو وغريان والعاصمة طرابلس وغيرها. لهذا فإن هذا التنوع وهذه المسيرة الطويلة تجعل الأمر ليس سهلا المعرفة جل من جلس بين يديه وتخرج، خاصة وأن البحث في حياته وشخصيته يعد في مراحله الأولى. لذلك فإن ما استطعنا القيام به هو تحديد بعض الطلبة الذين درسوا على يديه في معهد الحياة، ثم كان لهم دور بارز في الحياة الاجتماعية أو العلمية في وادي ميزاب فيما بعد. فنذكر من هؤلاء الشيخ ناصر مرموري (1) من القرارة والشيخ بكير أرشوم من بريان والشيخ إبراهيم آداود من غرداية.
(2)
(1) - ناصر مرموري من علماء الإباضية المعاصرين في الجزائر على قيد الحياة)، أستاذ في معهد الحياة، فقيه ومرشد في كل قرى وادي ميزاب وخارجه، رحالة؛ حال معظم الأقطار الإسلامية. (2) - بكير أرشوم: درس في معهد الحياة بالقرارة، من مشايخ بريان توفي سنة 1997 م، فقيه و مرشد، له عدة مؤلفات منها: النبراس في أحكام الحيض والنفاس المرشد في مناسك الحج والعمرة، الحقوق في الإسلام
(3) - إبراهيم آداود: درس في معهد الحياة بالقرارة، ثم درس فيه من مشايخ غرداية (على قيد
- 88 - (1/106)
صفحة 107
2 - إنتاجه العلمي:
من مميزات شخصية الشيخ علي معمر أن قلمه كان سيالا، وذلك منذ المراحل الأولى من حياته؛ أيام كان طالبا في معهد الحياة وعمره ثماني عشرة سنة، واستمر على الحال نفسه إلى أخريات حياته، و لم ينقطع رغم كل الظروف العسيرة التي مر بها في بعض الفترات، ورغم التقلبات العديدة التي شهدتها حياته، والأمراض الصعبة التي لازمته لأمد طويل.
فخلّفت لنا مسيرته آثارا علمية متنوعة وثرية شملت مجالات عديدة من فنون العلم، كالتاريخ والعقيدة والفقه والأدب -نثره وشعره والسير والتربية والسياسية.
كما نشير أن من مؤلفاته ما لم يصلنا فهو يعد من المفقود حيث وجدنا ذكره عند من ترجم له دون أن نطلع عليه ودون أن يكون لنا أي علم عند
نحاول الآن التعرض إلى قائمة مؤلفاته حسب التقسيم التالي:
عنه.
الكتب البحوث، الرسائل التعاليق المقالات الأشعار الروايات المراسلات
الأعمال المفقودة.
أ - الكتب:
1 - الإباضية في موكب التاريخ
يعتبر هذا المؤلف من أهم ما أنتجه قلم الشيخ علي معمر، فهو موسوعة تاريخية
ضخمة متكونة من أربع حلقات
الحلقة الأولى تحمل عنوان نشأة المذهب الإباضي؛ حيث تعرض فيها إلى
الحياة)، فقيه ومرشد يشتغل حاليا في مكتب للتوثيق.
- 89 - (1/107)
صفحة 108
استعراض المراحل الأولى من نشأة المذهب وتحليل بعض المفاهيم المتعامل بها في
الوسط العلمي الإسلامي كمقياس النظر إلى الخطا والصواب.
الحلقة الثانية أتت في قسمين كل قسم عبارة عن كتاب مستقل، وهي بعنوان: الإباضية في ليبيا؛ تعرض فيها إلى تاريخ الإباضية في ليبيا وترجم للكثير من الأعلام في هذه المسيرة التاريخية الطويلة وعرف فيها كذلك بالناحية الجغرافية والطبيعية لجبل نفوسة.
الحلقة الثالثة بعنوان: الإباضية في تونس؛ تتبع فيها تاريخ الإباضية بتونس والترجمة لأهم أعلامهم.
الحلقة الرابعة أتت في قسمين مستقلين وهي بعنوان: الإباضية في الجزائر؛ واتبع نفس الطريقة حيث استعرض تاريخ الإباضية في الجزائر وترجم لأهم الأعلام). وما حرص عليه في هذه الموسوعة التاريخية هو إبراز صور من كفاح أتباع هذا المذهب في سبيل نشر الفضيلة والخير وتطبيق تعاليم الإسلام في الواقع المعاش على مختلف المستويات من رئيس الدولة أو الإمام إلى أبسط فرد فيه (2).
وقد طبعت الحلقة الأولى والثانية منه سنة 1964 م في مطابع دار الكتاب العربي في مصر وقامت بنشره مكتبة وهبة بالقاهرة وأعيد طبع الحلقة الأولى في سلطنة عمان.
(1) - يحدد الدكتور مسعود مزهودي خصائص الكتابات التاريخية لدى الشيخ علي معمر فيما يلي:. اعتماد الأسلوب الأدبي في الكتابة.
- التعاطف مع أتباع مذهبه والدفاع عنهم.
- غض الطرف عن السلبيات التي وقعوا فيها والمبالغة في إيراد الأخبار أحيانا.
-
اعتماده على تحليل ونقد المعلومات في كتابته عامة.
(مقابلة شخصية مع الدكتور مسعود مزهودي باتنة، 06 جوان 1998 م).
(2) - هذا ما أشار إليه في موسوعته في أكثر من موضع انظر مثلا: الإباضية في موكب التاريخ، حل 1، ص 5. - الإباضية في موكب التاريخ، حل 2، ق 1، ص 3 - 4.
- 90 - (1/108)
صفحة 109
وطبعت الحلقة الثالثة منه سنة 1966 م في مطابع دار الثقافة ببيروت، ونشرته نفس الدار.
وطبعت الحلقة الرابعة منه سنة 1979 م في مطبعة الدعوة الإسلامية بالقاهرة، ونشرتها مكتبة وهبة بالقاهرة.
وطبعت للمرة الثانية في الجزائر سنة 1985 م في المطبعة العربية بغرداية. ولقد قال فيه الشيخ أبو اليقظان شهادة إثر اطلاعه عليه بعد صدوره يحسن أن نورد مقتطفا منها: «تسلمت شطرا من كتابك "الإباضية في موكب التاريخ" فوجدته كتابا بديعا في فنه، وديعا في أسلوبه، ينساب كالماء في الأغصان وقت الربيع ... توخيت في أسلوبه الوداعة والبساطة لا حدة ولا عنصرية، ولا إجحاف بحق الأمة في تاريخ أسلافها، وهكذا ذهبت كالسهم رأسا إلى اللب ... أسلوب متواضع ورصين يأخذ طريقه إلى القلوب بدون استئذان، فبارك الله في قلمك السيال، وفكره المنتج وضميرك اليقظ» ().
2 الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث:
هو مؤلف في موضوع تاريخ الفرق الإسلامية وآرائهم، حيث ناقش فيه من يُعرف بكتاب المقالات فيما كتبوه عن الإباضية في تاريخهم وآرائهم وبين أخطاءهم فيها ووضح آراء الإباضية من مصادرها كما دعا من خلال هذا الكتاب إلى أفكار كثيرة في محاولة الجمع بين أطراف الأمة الإسلامية والتقريب في وجهات النظر بينها، ونبذ العصبيات والأحقاد تجاه بعضها البعض.
ويصف الشيخ أحمد الخليلي الشيخ علي معمر في كتابه هذا قائلا: «وفي كتابه
(1) - منقول من خطاب وجهه الشيخ أبو اليقظان إلى الشيخ علي معمر، مؤرخ في: 1964/ 09/18 م. نقلا عن مقدمة الأستاذ محمد ناصر بوحجام لكتاب الإباضية دراسة مركزة
للشيخ علي معمر.
- 91 - (1/109)
صفحة 110
"الإباضية بين الفرق الإسلامية" تخطى مشكلات الرد - حيث أن من العادة يأتي الرد حماسيا إلا أنه يغفل كثيرا عن أخلاقيات الكتابة والخطاب إلا أن الشيخ رحمه الله تعالى ابتدع أسلوبا أخلاقيا لم يسبق إليه في الكتابة بهذا التوسع والكمية ... فهو قد بلور مواقفهم العملية في مسلك كتابي نتمنى من المسلمين كافة أن يسلكوه سواء في الانتصار لمبادئهم أو في الرد على غيرهم، وأن يطبق المسلمون كلهم فيما بينهم قاعدة: "الحق" أحق أن يتبع" " (1).
وقد طبع الكتاب سنة 1976 م في مطابع سجل العرب بمصر، وقامت بنشره مكتبة وهبة بالقاهرة.
وطبع للمرة الثانية في الجزائر سنة 1987 م في المطبعة العربية بغرداية. وقد طبع عدة مرات في سلطنة عمان.
3 - سمر أسرة أسرة:
يعتبر المرجع الأول للإطلالة على فكره العقدي، حيث قدم فيه مسائل العقيدة بأسلوب تربوي مبسط، غرضه من ذلك كما أشار هو بنفسه- تذليل صعوبة قراءة وفهم كتب أصول الدين وعلم الكلام للناشئة من شباب الأمة الإسلامية.
(1) - مراسلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي إلي، مؤرخة في 15 جمادى الثانية 1417 هـ / 28 أكتوبر
1997
ويحدد الشيخ الخليلي منهج الكتابة عند الشيخ علي معمر في النقاط التالية:.
1 - الاعتماد على الدليل الشرعي والانتصار له بغض النظر عن موافقته لأي من الفرق
الإسلامية.
2 - توظيف الدليل الشرعي والمادة التاريخية لخدمة الدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى. 3 - العمل على الوحدة الإسلامية وتناسي الخلافات والألقاب المذهبية وأن وحدة كلمة المسلمين فوق كل اعتبار مذهبي.
4 - صاغ كل كتاباته بأسلوب أدبي رفيع ومؤثر.
-
5
جاءت بصيغة القارئ؛ فالقارئ يجد لكتابته حلاوة وأنسا يبعدان عنه السامة والملل.
(المراسلة السابقة للشيخ أحمد الخليلي).
- 92 - (1/110)
صفحة 111
وهو كتاب اتبع فيه طريقة الحوار بين الوالدين وابنهما الذي سماه نجيب. وقسمه إلى اثنتي عشرة ليلة وهو أسمار عائلية في كل سمر يتناول بالدراسة والتحليل والشرح عدة مواضيع عقدية وأخلاقية وتربوية. طبع الكتاب للمرة الأولى وأعيد طبعه وتحقيقه في الجزائر سنة 1992 م في المطبعة العربية بغرداية، وقام بنشره أطلس للنشر وجمعية التراث بالقرارة. وقد طبع في
سلطنة عمان كذلك.
4 - الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى:
هو كتاب نستطيع أن نصنفه في التربية وفي السياسة وفي الاجتماع، حيث تناول فيه الشيخ تحليل نظر المجتمع إلى الطفل وإلى المرأة وإلى الحاكم وبين العلاقات الاجتماعية بين هذه الأقطاب الثلاثة والرجل. وقد تناوله بأسلوب أدبي رفيع مع نوع من السخرية أحيانا.
طبع سنة 1973 م بدار الفتح ببيروت لبنان
5 - الفتاة الليبية ومشاكل الحياة
في هذا كتاب ناقش الشيخ وحلل جملة من القضايا المثارة حول المرأة المسلمة وبعض المشاكل التي تعترضها بسبب التمدن والتحضر الذي يشهده العالم الإسلامي، كمسألة المرأة والتعليم، الدراسة والزواج، الحجاب والسفور، المرأة والعمل. وفي حقيقة الأمر أن ما تناوله الشيخ بالدراسة في هذا الكتاب لا يقتصر على
الفتاة الليبية فقط، بل هو قدر مشترك بين الفتيات المسلمات حيثما وجدن. لهذا فقد أعيد طبعه في الجزائر تحت عنوان: الفتاة المسلمة ومشاكل الحياة مع ملاحق حول كفاح المرأة المسلمة.
طبع سنة 1970 م في دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت لبنان.
والطبعة الثانية في الجزائر سنة 1997 م، دون ذكر المطبعة.
- 93 - (1/111)
صفحة 112
6 - الميثاق الغليظ:
يقترب هذا الكتاب في مضمونه من كتاب الفتاة الليبية ومشاكل الحياة، لكن كلام الشيخ اقتصر في هذا المؤلف على مناقشة قضايا الزواج وعرضها على أحكام الإسلام، مثل: أسس اختيار الزوج، الصداق والمهر، تجهيز البيت.
طبع هذا الكتاب سنة 1972 م من منشورات جيل ورسالة، بنغازي-ليبيا.
ب - البحوث:
-1 - بحث عبارة عن أجوبة وفتاوى في مسائل فقهية:
قدمه لدار الدعوة بنالوت ونشرته في عدد مستقل في رسالة المسجد في عددها
الرابع، سنة 1970 م.
2 - بحث بعنوان: "مسلم ولكن":
وهو يعالج آفة التدخين، ومما يبدو أنه الحلقة الأولى من الجزء الثاني من كتابه "سمر أسرة مسلمة" وهو يُعد مفقودا.
وقد قدمه لدار الدعوة بنالوت حيث نشرته في رسالة المسجد في عددها السابع سنة 1973 م مع بحث للشيخ بيوض.
وقد أعيد طبعه وتحقيقه في الجزائر سنة 1990 م في كتيب مستقل بعنوان: "مسلم ولكنه يدخن" طبعته مطبعة تيهرت بغرداية ونشرته جمعية عمي سعيد.
3 - بحث بعنوان: الإباضية مذهب من المذاهب الإسلامية المعتدلة:
قدمه إلى موسوعة الحضارة العربية، ويبدو أنه نفس البحث الذي طبع في كتيب مستقل في سلطنة عمان بعنوان: "أضواء على الإباضية"، ثم طبع في الجزائر
- 94 - (1/112)
صفحة 113
بعنوان: "الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم"، لكن مع الزيادة في التوسعة فيه (1)
وذلك سنة 1985 م في المطبعة العربية بغرداية.
وطبع وحقق للمرة الثانية في عمان بعنوان: "الأباضية مذهب إسلامي معتدل"، وطبع للمرة الثالثة سنة 1994 م في المطبعة العربية تحث نفس العنوان. كما ترجم مؤخرا إلى الإنجليزية.
4 - بحث؛ عبارة عن مناقشة لمذكرة بعنوان: " في بيوت الله مع القرآن والدعاء": في هذا البحث ناقش الشيخ علي معمر أحد مشايخ زوارة بليبيا في آراء فقهية حول قراءة القرآن في المساجد والدعاء فيها. في مذكرته في بيوت الله مع القرآن والدعاء. والبحث مرقون بالآلة الكاتبة، ومؤرخ في 30 رجب 1397 هـ /16 يوليو 1977 م.
توجد نسخة منه بمكتبة الباحث تحصل عليها من مكتبة الشيخ حمو فخار بغرداية.
ج - الرسائل:
-1 رسالة في أحكام السفر في الإسلام
درس الموضوع دراسة فقهية، وقد طبع الرسالة في كتيب سنة 1964 م في دار
الثقافة ببيروت.
وأعيد طبعها وتحقيقها بالجزائر سنة 1995 م، دون أي ذكر لمعلومات الطبع.
2 - رسالة في صلاة الجمعة:
تناول فيها مسألة وجوب صلاة الجمعة أو عدم وجوبها وشروط كل ذلك. وطبعت الرسالة أكثر من مرة، منها طبعة وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية بعمان سنة 1410 هـ - 1980 م.
(1) - محمد ناصر بوحجام مقدمة كتاب الإباضية دراسة مركزة، ص 29.
- 95 - (1/113)
صفحة 114
3 رسالة بعنوان: "حلاوة النظم والعبارة فيما مدح به شيخنا في مدينة القرارة":
هي رسالة صغيرة خلد بها الشيخ معمر رحلة قام بها عالم من المغرب الأقصى اسمه عبد القادر بن محمد السودي إلى القرارة فالتقى مع الشيخ بيوض وألقى دروسا على طلبة معهد الحياة. وفي هذه الرسالة قصيدة في مدح هذا الشيخ وذكر بعض ما احتوت عليه مكتبته من كتب ومخطوطات نفيسة.
وقد طبع على شكل كتيب صغير، وهو خال من أي معلومات عن طبعه و نشره، وأشير في نص الرسالة أنه كتب في منتصف شوال عام ستين وثلاثمائة
وألف، أي حوالي سنة 1940 م.
د التعاليق:
1 تعليق على كتاب الصوم لأبي زكرياء الجناوني:
قام الشيخ في هذا العمل بالتقديم والتعليق على الكتاب بسبب إعداده للطبع. بعدما كان مخطوطا، وقد تركزت تعليقاته على جانبين مهمين هما: المسائل الفقهية تراجم الأعلام. فيمكن من خلال الكتاب الإطلالة على التكوين الفقهي للشيخ
علي
معمر.
طبع سنة 1976 م في مطبعة نهضة مصر.
هـ - المقالات:
مقالات الشيخ علي معمر كثيرة وهي مبثوثة في أكثر من مكان وفي أكثر من جريدة أو مجلة، لهذا يصعب علينا حصرها ومعرفة أماكنها كلها، سنحاول ذكر ما استطعنا التوصل إليه لنترك المجال لمن يأتي بعدنا ليواصل الطريق حيث توقف بنا السير. ونقتصر هنا على ذكر عناوين المقالات والدوريات التي نشرت فيها فقط.
-96 - (1/114)
صفحة 115
1 - جريدة الشباب الصادرة في معهد الحياة بالجزائر:
المخاطرة النادرة (1).
- المخاطرة النادرة (2).
-
أسمع جعجعة ولا أرى طحينا.
- أسمع جعجعة ولا أرى طحينا (الحلقة الثانية).
- الشباب.
- الحب هبة من الله.
الشيخ الرافعي ينتقل من القاهرة إلى القرارة (1). - الشيخ الرافعي ينتقل من القاهرة إلى القرارة (2).
- جواب عن سؤال.
-
النقد النزيه.
- خالد شهيد الحب والغيرة (1).
-
خالد شهيد الحب والغيرة (2).
- ليلى وقيس (1).
- ليلى وقيس (2).
- سراقة.
- تصريف عصري (1).
- تصريف عصري (2) - الأدباء أو المتأدبون (1). الأدباء أو المتأدبون (2).
-
-
-
على هامش المعركة.
إلى أحمد بن عمر.
العقاد والأدب العربي (1). العقاد والأدب العربي (2).
- 97 -
8 (1/115)
صفحة 116
- عودة إلى العقاد.
- هل يمكن أن يستدل بقول الإنسان على
- عقاب أديب (1).
2 - نشرة التوثيق والبحوث التربوية الصادر بليبيا - الحزم في التربية.
-3 جريدة الأسبوع السياسي الصادرة في ليبيا:
- الحسبة في الإسلام واللجان الثورية.
4 - مجلة المسلمون الصادرة في جنيف بسويسرا: - جوابا على جواب (3).
أما هذه المقالات فلم يعلم الدوريات التي نشرت فيها: - الطفل في القرآن الكريم.
- رد على الأستاذ خليل المصري.
-
حاكم مصر والحكم الذاتي.
- الاستسلام ليس من خلف الإسلام (4).
فعله.
وما هو معروف كما مر من ذي قبل أن الشيخ قد شارك بمقالات في كل
من مجلة الرسالة الأزهر الصادرتين في مصر ومجلة المعلم الصادرة في ليبيا (5).
-
(1) - هذه العناوين لا تمثل كل المقالات التي نشرها الشيخ في الجريدة بل هناك عناوين أخرى لم تثبت معها هنا، لم أتمكن من الوصول إليها.
(2) - محمد ناصر بوحجام مقدمة كتاب الإباضية دراسة مركزة، ص 30.
(3) - أشرت إلى هذا المقال سابقا، هو يدور حول التعريف بالمذهب الإباضي في تاريخه وأصوله، وقد
- (4)
أتى في
المحلة، نشر في تاريخ: سبتمبر 1963. صفحات من سبع - محمد ناصر بوحجام المصدر السابق، ص 30.
(5) - المصدر السابق، ص 20.
- 98 - (1/116)
صفحة 117
و - الأشعار: ما يعلم عن الشيخ علي معمر أن له موهبة شعرية قوية، وقد لقب أيام كان في معهد الحياة بشاعر الشباب لغزارة إنتاجه في هذا المجال، وقد واصل في كتابة الشعر بعد رحيله من الجزائر؛ حيث جمع شعره في ديوانين لكن لم يصلنا منهما شيء، إذ يذكر رفيقه وتلميذه الشيخ ناصر مرموري أنه أحرقهما بسبب المتابعات السياسية التي كانت تلاحقه دائما (1).
وجل ما تبقى من شعره هو حفظته لنا جريدة الشباب في معهد الحياة وهذه جزء من عناوين هذه القصائد:
- المعراج.
- وتخشى عليه شعاع القمر.
- الموت غاية كل حي.
- كلبي وقطتي ودجاجتي.
- عصفورة.
أنا والحب دنا في جنة.
- إنما الحسناء تأتي ما تشاء.
- تحية الإصلاح.
- ذكرى جيطال.
(1) - مقابلتي السابقة مع الشيخ ناصر مرموري. وذكر لي الشيخ أنه عندما أخبره بذلك قال له: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَت) [التكوير /8 - 9]، فسكت الشيخ علي معمر هنيهة
ثم ضحك.
- 99 - (1/117)
صفحة 118
ن - الروايات: أسهم الشيخ علي معمر في الإنتاج الروائي هو ورفقاؤه الطلبة أيام كان طالبا في المعهد حيث تركوا لنا رواية تاريخية بعنوان: ذي قار موضوعها يروي أحداث العرب والفرس قبيل مجيء الإسلام في مملكة الحيرة، ثم يتعرض لوقائع معركة "وادي ذي قار". كما حملت الرواية إيحاءات إلى الواقع الاجتماعي الذي كانت تعيشه القرارة ووادي ميزاب.
والرواية مخطوطة في حوالي مائة صفحة مقسمة إلى أدوار وفصول ومشاهد، شارك في تأليفها أربعة من الطلبة: هم علي معمر، فخار حمو، قرادي إبراهيم طباخ بنوح (1)
ح المراسلات:
العلماء
إن المراسلات لدى الشيخ علي معمر تعتبر نافذة أخرى للإطلالة على اهتماماته وجهوده في سبيل إصلاح مجتمعه وبلده، وكذا ما بذله في سبيل تأليف كتبه التاريخية منها خاصة. حيث كانت مراسلاته اتصالات واستشارتهم في قضايا علمية وتاريخية وطلب الفتوى الشرعية في بعض القضايا المعاصرة أو المستعصية، واستشارتهم في ما ينوي القيام به من مشاريع وأعمال لفائدة مجتمعه.
(1) - مقدمة الرواية، ص 2. مما كتب في مقدمتها ما يلي: «وقعت حوادث هذه الرواية في أواسط القرن السادس الميلادي أيام كان ملوك الحيرة تحت سيطرة الأكاسرة ملوك الفرس ... أما الأغراض التي كتبت من أجلها الرواية فتتضح لك من قراءتها. هذا ورجاؤنا أن يتدبر القراء مغازيها فما قصدنا منها غير نفع الأمة والبلاد ... ».
توجد النسخة الأصلية منها في مكتبة معهد الحياة ضمن كراسة مستقلة، مكتوبة بخط واضح، وفي مكتبتي نسخة منها.
- 100 - (1/118)
صفحة 119
وقد تركزت هذه المراسلات بالدرجة الأولى مع مشايخ وادي ميزاب وعلمائه ومع رفقائه وزملائه في معهد الحياة، حيث أصبح الكثير منهم يتولون مسؤوليات ومهام اجتماعية كبيرة في قراهم وأصبح بعضهم إطارات علمية هنا وهناك داخل وخارج الجزائر ..
لكن للأسف لم أستطع الحصول على الشطر الكبير من هذه الرسائل رغم قيامي مجهودات عديدة ومتكررة مع من علمت أن بحوزته رسائل من الشيخ). إذ قوبلت تارة بالرفض وتارة بالرد الجميل وتارة بالتأجيل المتكرر، وتارة باختلاق الأعذار، وهكذا؟. كما قوبلت في حالات قليلة نادرة بالاستجابة لطلبي مباشرة
طبيعة البحث وحالة الباحث.
وهذه هي وكل ما تحصلت عليه هو جزء من تلك المراسلات التي كانت بين الشيخ علي معمر وشيخه أبي اليقظان وقد اقتربت من أربعين رسالة جلها في فترة الستينيات. والبعض من الرسائل التي كانت بينه وبين شيخه بيوض وبعض الرسائل التي كانت بينه وبين زميله في معهد الحياة الشيخ حمو فخار.
ط - الأعمال المفقودة:
أورد من ترجم للشيخ علي معمر في قوائم مؤلفاته الكثير من الأعمال لكن لم تعلم عنها شيئا؛ لهذا ارتأيت أن أضعها في قائمة خاصة، وهذا لا يعني عدم وجودها
(1) - هذه المجهودات تمثلت في رحلتين إلى قرى وادي ميزاب؛ في صائفة سنة 1996 م وفي صائفة 1997 م، إذ قصدت فيها أهالي هؤلاء المشايخ ومن بقي على قيد الحياة منهم. فقصدت عائلة الشيخ بيوض وكاتبه وعائلة الشيخ أبي اليقظان بالقرارة وعائلة الشيخ محمد علي دبوز ببريان والشيخ حمو فخار وكاتبه بغرداية، وعائلة الشيخ إبراهيم القرادي وعائلة الشيخ عبد الرحمن بكلي بالعطف. (2) - ما توصلت إليه كنتيجة بعد هاتين الرحلتين أن جل من يُستوصى على تراث والده أو شيخه يتحول لديه بمرور الزمن مفهوم ذلك الاستيصاء إلى الملكية، فيعتبر ذلك التراث ملكا له ورثه من أبيه كما يرث قطعة أرض أو بستان أو قدر من المال. بحيث يمنح لنفسه الحرية التامة للتصرف فيه والتعامل به مع الآخرين كيف ما شاء.
-
- 101 - (1/119)
صفحة 120
نهائيا إذ من الممكن أن تظهر يوما ما هنا أو هناك مزيد من التقصي والبحث.
كالتالي:
- كتاب بعنوان: الإسلام والقيم الإنسانية.
- كتاب بعنوان: فلسطين بين المهاجرين والأنصار.
- رسالة بعنوان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
-
رسالة بعنوان: الحقوق في الأموال.
- رواية بعنوان: محسن.
- مقال بعنوان: - فتاوى لأسئلة واردة من أشخاص.
هذه هي
- الشعب المسلح.
- المؤتمرات الإسلامية صورة من صور الإجماع.
- من هو صاحب السلطة في الإسلام.
- اللحوم المحرمة.
حكومات بدون شعوب.
- لمحة تاريخية عن الإباضية.
- هل ضل العلماء بين المسجد والمؤتمر (1).
آثار الشيخ علي يحيى، معمر وهذه صورة عن حياته وجهاده.
فماذا عن منهجه في عرض العقيدة؟ وهذا ما سنقف عليه في الفصول اللاحقة
من البحث.
(1) - محمد ناصر بوحجام مقدمة كتاب الإباضية دراسة مركزة، ص 28 - 31.
-
- 102 - (1/120)
صفحة 121
الفصل الثالث
منهج عرض العقيدة عند
الشيخ علي يحيى معمر
والمعرفة الشرعية الضرورية (1/121)
صفحة 122
المبحث الأول
منهج عرض العقيدة
عند الشيخ علي يحيى محمر
قبل أن نلج في دراسة المسائل العقدية التي تناولها الشيخ علي يحيى معمر في مؤلفاته نرى من الضروري أن نحدد خصائص منهج عرضه لهذه المسائل، وهو ما استخلصناه من من خلال تعامل الشيخ مع مواضيع العقيدة، وقد أشرنا في فصول البحث اللاحقة إلى جملة من هذه الخصائص في أماكن متفرقة، ونحاول أن نجملها ونرتبها في هذا المبحث؛ متتبعين النقاط التالية:
1 - مكانة العقيدة في مؤلفاته.
2 - المصادر المعتمدة في عرضه للعقيدة.
- منهجه في عرض مسائل العقيدة.
4 - منهجه في الاستدلال على العقائد.
أولاً - مكانة العقيدة في مؤلفاته:
يُعدُّ الشيخ علي معمر من
معمر من العلماء المعاصرين الذي كتبوا في أكثر من تخصص
وتركوا آثارهم على أكثر من علم، كما مرّ بنا في استعراض نتاجه العلمي.
لكن ما نستطيع ملاحظته بوضوح في مؤلفاته هذه؛ ويمكن أن نعتبره قاسما مشتركا يجمع بينها أو بين أغلبها هو اعتناؤه بإبراز الجانب الإيماني العقدي
والأخلاقي العملي للفرد في المجتمع المسلم.
حيث رأيناه يكتب التاريخ ويسجل ارتباط أفراد المجتمع بعقيدتهم وإيمانهم
وكيف كانت هذه العقيدة وراء ما بنوه وأنجزوه من أعمال.
104 - (1/122)
صفحة 123
رأيناه يكتب عن الحاكم والحكم فيؤسس لأخلاق وأعمال سياسية مبنية على مخافة الله ومراعاة حدوده وشريعته.
ورأيناه يكتب عن المرأة وانشغالاتها المعاصرة وهمومها الطارئة بتطور العصر
فيرجع حلها بالعودة إلى روح الإسلام والتقيّد بأحكامه وتوصياته ومبادئه. ورأيناه يناقش آراء الفرق الإسلامية فيدعو أصحابها إلى اعتبار الكتابة مبدأ ومسؤولية سيحاسب عليها الإنسان أمام خالقه ويسأل عن كل ما قال، ويدعو إلى التثبت في النقل وضرورة الرجوع إلى الأصل والمصدر في أخذ المعلومة واستقاء الأخبار.
هذا عمّا ألفه عامة، أما ما نعتبره مصادر أساسية لعرض آرائه العقدية فيمكن أن
نحصرها في ما يلي:
1 - كتاب "سمر أسرة مسلمة":
يُعد هذا المؤلف المصدر الأساسي الأول لمعرفة آرائه العقدية والاطلاع عليها بوضوح، حيث تعرض فيها لأغلب مسائل العقيدة، وهو كتاب مقسم إلى حلقات كل حلقة عبارة عن سمر بين أفراد الأسرة، يتناولون فيها موضوعا أو أكثر، ويمكن أن يدرس الموضوع الواحد في أكثر من ليلة، ويمكن أن يتناول ملخصا عن آخر سمر في السمر الجديد حتى يربط السابق باللاحق.
وقد اعتمد الشيخ فيها على أسلوب الحوار بين أفراد الأسرة المتكونة من الوالدين الأب والأم وابنهما نجيب. وقد جمع فيه بين تلقين أسس العقيدة وبين تعليم أخلاق وآداب التعامل بين أفراد الأسرة؛ بين الوالدين وابنهما، وبين الابن ووالديه، وبين الوالدين فيما بينهما.
وقد حاول الشيخ في هذا الكتاب أن يتعرض إلى مسائل العقيدة بصفة مركزة ومبسطة في ذات الوقت. فأكثر من الاستشهاد بالأمثلة الواقعية المعاصرة، حتى
- 105 - (1/123)
صفحة 124
يساعد على فهم أفكاره وإيصالها إلى الشباب المسلم الذي ألف هذا الكتاب بطلب منهم كما صرح هو بنفسه في مقدمته (1).
ويمكن أن نعد هذا المؤلف حالة خاصة أو صورة وحيدة مغايرة لكتاباته العقدية الأخرى، كما يعتبر من أواخر ما ألفه الشيخ حيث كان ذلك سنة 1976 م، أي أربع سنوات قبل وفاته، وبذلك يكون قد كتبه في مرحلة متقدمة من نضجه الفكري وتجربته في التأليف؛ بعد السلسلة الطويلة من الكتب التي سبقته.
2 - كتاب "الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث ":
يعد هذا الكتاب المصدر الثاني الهام لمعرفة آرائه العقدية؛ فمن خلاله يمكن الاطلاع بقرب وبعمق على شخصية الشيخ علي معمر ومعالم فكره وأهدافه من
كتاباته العقدية.
حيث ناقش فيه كتاب المقالات القدامى منهم والمعاصرين ثم المستشرقين، الذين تناولوا دراسة الإباضية في تاريخهم وآرائهم في العقيدة أو الفقه أو السياسة. وتميز كتابه بأسلوب التحليل والنقد والمقارنة، وقد اهتم فيه بتبيين مواطن الخطا والزلل في الكتابة عن الإباضية، وكما تعرض فيه لنماذج من الكتابات المنصفة عن الإباضية والمعتمدة على مصادرهم.
ثم تناول بالدراسة مجموعة من المصطلحات والمفاهيم تداولها كتاب المقالات عبر التاريخ، فحاول تصحيحها وبيان الوجه السليم الذي ينبغي أن يتبع حسب رأيه. وكما بين جملة من آراء الإباضية بالرجوع إلى مصادرهم، خاصة التي كثر
فيها خطأ وخلط هؤلاء الكتاب).
(1) - ينظر مثلا: سمر أسرة مسلمة، ص 5.
(2) - ينظر مثلا: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 289 - 462
- 106 - (1/124)
صفحة 125
وفي كثير من الأحيان كان الشيخ يدعو من خلاله إلى أسس الوحدة بين المسلمين وكيفية التعامل بينهم والتسامح والإخاء والجمع والتقريب بين آرائهم لهذا فقد أخذ طابع الدراسات في الفكر الإسلامي، وطابع النقد في الفرق الإسلامية، وطابع عرض الآراء الكلامية، كما يعد كذلك من المؤلفات المتأخرة في حياته حيث تم تأليفه سنة 1973 م، وقد بلغ الشيخ مرحلة نضجه الفكري وخبرته بالتأليف.
3 - كتاب " الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى": هذا الكتاب هو الحلقة الأولى من موسوعته التاريخية "الإباضية في موكب التاريخ"، فهو كتاب تاريخ بالدرجة الأولى كما يفهم ذلك من العنوان.
حيث تناول فيه تاريخ نشأة المذهب الإباضي، وتوقف مع جملة من الآراء العقدية التي اتهم فيها الإباضية فبين موقفهم بوضوح. مثل مسألة كفر النعمة وأصل الولاية والبراءة)، كما وضح بعض المفاهيم التي ينبغي أن تُقيم بها الأعمال ويعرف بها الحق في المذاهب وفي التاريخ.
-4 - كتاب " الإباضية مذهب من المذاهب الإسلامية المعتدلة": في هذا الكتاب تطرق إلى عرض خلاصة تعريفية بالمذهب الإباضي في تاريخه وآرائه في العقائد والتشريع والسياسة، لذا فقد أتى بصيغة تقريرية بدون شرح أو تدليل على الآراء والكتاب يعتبر آخر ما ألف الشيخ علي معمر، وكان ذلك سنة 1979 م أي بحوالي سنة قبل وفاته.
هذه
هي
أهم مصادر عرض مسائل العقيدة لدى الشيخ علي معمر، وكانت
الكتابات الأخرى كما أشرت روافد لها لا تخلو من تناول البعد العملي والاجتماعي للعقيدة الإسلامية.
(1) - ينظر مثلا: الإباضية في موكب التاريخ، حل 1، ص 37 - 58.
-
- 107 -
- (1/125)
صفحة 126
• ثانيا - المصادر المعتمدة في عرضه للعقيدة: بحكم تنوع الكتابات العقدية عند الشيخ علي معمر فقد تنوعت المصادر التي اعتمدها، حيث شاهدناه في كتابه سمر أسرة مسلمة يعتمد في نقل النصوص للاستشهاد على ما يقول على علماء الإباضية بالمغرب ونستطيع أن ندقق فنقول علماء جبل نفوسة ببلده ليبيا، كما صرح هو بنفسه في المقدمة قائلا: «رجعت إلى كثير من كتب الفقه والتوحيد عند كتابة هذه الفصول غير أنني اعتمدت فيما رجحته من الآراء على الكتب الآتية: عقيدة التوحيد وشروحها، كتب فيلسوف الإسلام أبي طاهر الجيطالي، في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب، مسند الربيع بن حبيب» (1).
تفى كثير من الأحيان كان يستشهد بنصوص من عقيدة التوحيد لأبي حفص عمرو بن جميع، وشارحيها الشيخ أبي العباس الشماخي والشيخ أبي سليمان التلاتي ونفس الشيء مع الشيخ إسماعيل الجيطالي في كتابيه قواعد الإسلام وقناطر الخيرات ومع الشيخ أبي زكرياء الجناوني في كتابه الوضع وإن كان لم يشر في مقدمته لهذا المصدر-. فينقل نصوصا منها مثل ما فعل في موضوع قواعد وأركان الإسلام وقواعد وأركان الشرك، ومثل ما فعل في موضوع الولاية والبراءة كذلك.
حيث تعد هذه الكتب المرجعيات والمصادر الأساسية لديه في عرض مسائل العقيدة، وكان أحيانا يشير إلى ذلك صراحة وينقل نصوصا حرفية منها، وأحيانا أخرى نتعرف على مصدره بالرجوع والمقارنة بين آرائه وبين ما ورد عند هؤلاء العلماء في مؤلفاتهم ولعل فصول البحث تكشف عن ذلك بوضوح.
وإن دلنا هذا على شيء فإنما يدل على مدى اعتزاز الشيخ وقناعته بمذهبه أولا ثم بعلماء بلده، وهو بذلك يعمل على إبراز مجهوداتهم الفكرية في محال غرس
(1) - سمر أسرة ص 6.
(2) - المصدر السابق ص 174 - 180، 96 - 98.
- 108 - (1/126)
صفحة 127
العقيدة في الناس وعرض مسائلها، كما نفهمها دعوة من الشيخ للاهتمام بالتراث
والرجوع إليه والبناء عليه بدراسته وتوظيفه من جديد.
هذا عن كتابه الأول، وحين ننظر إلى ما احتوت عليه كتبه الأخرى، نرى أن الشيخ معمر تعامل مع المصادر فيها بصورة أخرى تماما، حيث وجدناه يعرض المسائل التي ينوي مناقشتها، وحين يجد الحاجة للاستدلال على ما يقول فإنه يرجع إلى كتب الإباضية ومصادرهم القديمة منها والحديثة، حسب ما يقتضيه الموضوع ويتطلبه الأمر، لكن من الواضح أن اعتماده الأكبر كان على ما أنتجه علماء الإباضية بالمغرب في أصول الدين، خاصة بعد فترة النشأة التي كانت مشرقية ومصادرها هم علماء المشرق الأولين المؤسسين للمذهب أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة وعبد الله بن إباض والربيع بن حبيب. ولعل السبب يكمن في كون الشيخ مطلعا على تراث المغرب أكثر من تراث المشرق، وهذا لا يخلو من استدلالاته بما
أنتجه علماء الإباضية بالمشرق - أحيانا- أمثال الشيخ نور الدين السالمي.
وطبعا فإن الشيخ لم يقتصر على ما أنتجته المدرسة الإباضية؛ بل كان يرجع إلى المدارس الأخرى للمقارنة والاستشهاد والشرح والتحليل، وهو لم يفرق بين مدرسة وأخرى؛ فقد أشار إلى الأشعري وأشار إلى ابن حزم وإلى الغزالي، كما أشار إلى الشافعي وابن تيمية، وإلى المذاهب الأربعة، وأشار إلى المعتزلة والماتوريدية والشيعة والخوارج.
ولعل ما نستخلصه من عمله هذا ككل هو تفتح فكر الشيخ على كامل المدارس الإسلامية وفرقها وتقبل الجميع ليكون ضمن حلقة الإسلام، دون النظرة الإقصائية لأي طرف مهما كان مادام مرجعه ومصدر تشريعه هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم. كما نفهم أن نظرته للمذهبية على أنها تنوع إثرائي وتجديدي داخل حقل الفكر والتجربة الإسلامية، وليست اختلافا تفريقيا أو تناقضيا أو إقصائيا لأي مذهب أو فرقة من الفرق الإسلامية.
- 109 - (1/127)
صفحة 128
ثالثا - منهجه في عرض مسائل العقيدة: من خلال تعاملنا مع تراث الشيخ علي معمر العقدي تبين لنا أنه قد تناول مسائل العقيدة والكلام بمنهجين مختلفين يتمثلان فيما يلي:
المنهج الأول تميز به كتابه سمر أسرة مسلمة والمنهج الثاني تميزت به كتبه الأخرى خاصة منها كتابه الإباضية بين الفرق الإسلامية.
والسبب في هذا التنوع المنهجي واضح، وذلك لاختلاف هدف تأليف الكتاب الأول عن بقية الكتب؛ فقد ألفه بغية تقديم المسائل العقدية للناشئة والشباب في مجتمعه المسلم، وألف الكتب الأخرى مخاطبا بها علماء الأمة الإسلامية ومفكريها وذوي التخصص منهم. هذا ما جعل من منهج كتاب سمر أسرة مسلمة بجملة خصائص رأينا تحديدها في النقاط التالية:
يتسم
1 - اعتماد أسلوب الحوار في عرض المسائل العقدية، وذلك بين ثلاث شخصيات هي الأب والأم والابن في أسمار عائلية. حيث يتناول الشيخ في كل ليلة الحديث عن موضوع عقدي فيدرسه ويشرحه بتجاذب أطراف الكلام بين أفراد الأسرة.
ولعل الغرض التربوي من ذلك هو أن يضع بين أيدي المجتمع الإسلامي نموذجا لما ينبغي أن تعيشه الأسر والعائلات في المنازل من سهرات تبين وتعلم فيها أصول دينها لأبنائها وتغرس فيهم الأخلاق الحميدة والعقيدة المتجذرة؛ التي تصنع الفرد المسلم وتدفع به لخوض معترك الحياة في ثبات ويقين من
عقيدته ودينه.
2 – اعتماده على أسلوب مبسط ميسر خال من كل التعقيدات اللغوية والمصطلحات العلمية والكلامية التي تصعب وصول المعنى إلى القارئ،
- 110 - (1/128)
صفحة 129
وحين يضطر الشيخ إلى استعمال بعض هذه المصطلحات فإنه يردفها بشروحه وبيان معانيها المبسطة. كما أنه لا يتعرض إلى المسائل التي أثارها علم الكلام بعد العهد النبوي، وحين يضطر للإشارة إلى بعضها فإنه يكتفي بالقدر اللازم ويغض الطرف عن التوسعة والإطناب (1).
3 - اعتماده في غالب الأحيان على أمثلة من الحياة المعيشة المتصورة لدى سائر الناس للاستدلال على رأي أو توضيحه أو إيصال فكرة أو شرحها أكثر (2).
4 - إغفاله في كثير من الأحيان أثناء إثبات رأي أو تفنيد آخر الاستشهاد بالأدلة أو إيرادها بصفة موجزة بالاقتصار على بعضها فقط.
المسألة
5 - إغفاله الحديث تماما باسم مذهبه وعن الدفاع عن آرائه أو محاولته الرد على ما قاله أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى. حيث نجده يشرح العقدية دون أن يشير إلى أنها رأي للإباضية، ودون أن يبين أن هناك آراء أخرى مخالفة له ينبغي تفنيدها أو بيان ضعفها أو خطئها.
6 - عدم الخوض في المسائل الخلافية بين المذاهب واكتفاؤه بعرض أصول العقيدة التي يحصل حولها الإجماع، حيث لو اطلع أي شخص على هذا الكتاب ولم يعلم مذهب صاحبه لما شعر أنه ينتمي إلى الإباضية، ولما وجد آثارا في عرض المسائل وفي مناقشتها تدله بصورة واضحة على ذلك. إلا في بعض المسائل الجزئية التي لا يتفطن لها إلا أهل (3)، ومما يترجم هذا هو عدم ورود كلمة الإباضية في الكتاب
التخصص إلا مرات معدودة على الأصابع وفي مواطن كان الغرض منها التعريف بالمذهب أو الإشارة إلى علمائه.
(1) - ينظر مثلا سمر أسرة، ص 35 - 37
(2) - ينظر مثلا المصدر السابق ص 22، ص 29 - 30.
(3) - ينظر مثلا المصدر السابق ص 30 - 33
- 111 · (1/129)
صفحة 130
- بعد شرحه لمسألة عقدية بمثال ما فإنه ينتقل من ذلك المثال في تلك المسألة الجزئية إلى تعميمها على بقية الحالات الأخرى المشابهة لنفس المسألة المدروسة أو في المسائل المشابهة التي ينطبق عليها نفس الحكم).
8 - تفتحه على دراسات علماء الإسلام المعاصرين، فيستشهد مثلا بكلام من تفسير الظلال لسيد قطب ويدعو الشباب المسلم لأن يطلع على كتب التفسير وأمهات مصادر الدراسات الإسلامية من السيرة النبوية والتاريخ لتكوين ثقافة إسلامية أصيلة (2).
و - اهتمامه بربط مسائل العقيدة بأصولها العملية والتربوية ومحاولته إبراز البعد العملي والجانب الأخلاقي الذي ينبغي أن يظهر في الفرد المسلم من إيمانه بالأصل العقدي.
هذا عن خصائص الكتاب الأول أما الكتب الأخرى فبحكم أن كلامه كان موجها إلى علماء الإسلام وإلى أهل الاختصاص منهم، فقد تميزت بجملة خصائص أخرى، نستطيع تحديدها في النقاط التالية:
-
1 - استعمال أسلوب علمي متخصص يسوده المصطلحات الشرعية والعقدية والكلامية.
2 - يتكلم الشيخ فيها ممثلا لمذهبه الإباضي وشارحا لآرائه ومعبرا عنها ومدافعا عليها ومبينا الزلل في النظر والحكم على أتباعه لهذا نسجل على هذه الكتب طغيان النظرة المذهبية عليها، هذا ما تجلى أحيانا في ردوده العنيفة على كتاب المقالات وعلى بعض أعلام الفكر المعاصرين ()
(1) - ينظر مثلا المصدر السابق: ص 36.
(2) - ينظر مثلا المصدر السابق: ص 6
(3) - ينظر مثلا المصدر السابق ص 22 29 - 30
(4)
(4) - ينظر مثلا: الإباضية بين الفرق، ص 30 - 31، 100 - 101.
- 112 - (1/130)
صفحة 131
في
3 - تميزت كتاباته في الغالب الأعم بأسلوب أدبي رفيع واحترام كبير للعلماء والأئمة مناقشته لهم، حتى في أدق المسائل وأخطرها التي تركت بصمات سوداء وآثار سيئة في تاريخ الإباضية، حيث رأيناه يمسك أعصابه ويتمالكها ويرفع من شأن سبب أخطائهم - أحيانا- إلى مصادر خارجية عنهم، كالسياسة أو اعتمادهم على أناس كانوا وراء هذا الخلط والغلط والكذب
العلماء ويرج
4 - استعماله لأسلوب السخرية أحيانا أثناء نقده لآراء كتاب المقالات في الإباضية (2).
5 - يبتدئ تحليل المسائل في كثير من الأحيان بعرض النتيجة التي من المفروض أن يتوصل إليها بعد البحث ثم ينتقل إلى الاستدلال على كلامه، بالتحليل وضرب الأمثلة (3).
6 - يعتمد في نقل الآراء على المصادر الإباضية فيستقي رأيهم منها حتى يقطع أي شك وأي طريق في عدم التثبت مما يقوله؛ فينقل مثلا عن الشيخ الوارجلاني وعن الشيخ أبي إسحاق اطفيش.
7 - يحاول في كل مرة التقريب بين الفرق الإسلامية، ودعوتهم إلى التسامح ونبذ الخلاف والشقاق واعتبار الآراء تنوعا وليس تفرقا وتضادا. فيجعل أحيانا في المسألة العقدية المدروسة طرفين متطرفين وطرفا معتدلا يقترحه لقاء بين الفرق والمذاهب الإسلامية.
-
8 - يتغاضى في كثير من الأحيان عن عرض الأدلة المقنعة أو التفصيلة حول المسألة، بل يكتفي بذكر رأي مذهبه ويدعو إلى الرجوع إلى المصادر المعرفة
الأدلة التفصيلية فيها.
(1) - ينظر مثلا: الإباضية بين الفرق: ص 30 - 31، 45. (2) - ينظر مثلا: المصدر السابق: ص 27 - 28.
(3) - ينظر مثلا المصدر السابق: ص 283 - 284
-
- 113 -
9 (1/131)
صفحة 132
هذه بعض خصائص منهج الشيخ في عرضه لمسائل العقيدة فماذا عن منهجه في الاستدلال على العقائد؟
رابعا - منهجه في الاستدلال على العقائد
في دراستنا لهذه النقطة نحاول أن نقف على كيفية تعامل الشيخ علي معمر مع مصادر العقيدة الإسلامية وتحديد رؤيته إليها، هذا ما يتمثل في القرآن الكريم وفي السنة النبوية وفي العقل؛ أو بعبارة أخرى المصادر النقلية والمصادر العقلية:
1 - المصادر النقلية:
إن المتبع لكتابات الشيخ علي معمر يجده كسائر علماء الإسلام يعتبر القرآن الكريم هو المصدر الأول لفهم العقيدة واستقاء المادة منه، وهذا ما يظهر جليا في عرضه لمسائل العقيدة، حيث كان يبتدئ الاستشهاد والاستدلال بالآيات القرآنية المناسبة في الموضوع، بل كان أحيانا يكتفي بها دون أن يوظف المصادر الأخرى. ثم تأتي السنة النبوية معتمدا عليها بعد القرآن الكريم فيورد النصوص النبوية مدعمة للآيات القرآنية ومثبتة ما أراد الاستدلال عليه (1). ومرجعه في ذلك مسند
الربيع بن حبيب) ثم بقية كتب الحديث خاصة صحيحي البخاري ومسلم.
هذه
هي
رؤية الشيخ معمر للمصادر النقلية، لكن في حقيقة الأمر إذا أتينا لتقييم ونقد تطبيقه لهذه الرؤية نجده قد أخل بها في كثير من الأحيان، إذ نراه لا يلزم نفسه بالاستدلال على كل قضية أو رأي أورده، بل في بعض الأحيان يورد الرأي خاليا من أي دليل سواء من القرآن الكريم أم من السنة النبوية، وأحيانا كان يكتفي بإيراد دليل أو دليلين غير موفين بالغرض.
(1) - على معمر الإباضية دراسة مركزة، ص 60.
(2) - علي معمر: سمر أسرة، ص 6.
- 114 - (1/132)
صفحة 133
ولعل الهدف الذي حدده من عرضه العقيدة في كتابه الأول سمر أسرة مسلمة
كان الموجه له، فلم يرد أن يطيل مؤلفه بالاستدلالات حاشدا للآيات والأحاديث في كل مسألة بل كان يكتفي بأقل قدر منها. ودون أن يأخذ في حسبانه وجود أدلة أخرى في الموضوع ربما تكون أكثر دلالة بما استدل به ودون أن يهتم بالرد على
الأدلة الأخرى المخالفة لكلامه واستدلالاته، وطبيعة كتابه كانت تقتضي ذلك. أما في كتبه الأخرى فنلاحظ أحيانا اهتمامه بعرض الأدلة النقلية من القرآن والسنة وإطالته في ذلك مثل ما فعل في إثبات مصطلح كفر النعمة عند الإباضية وأن ما ذهبوا إليه كانت وراءه نصوص شرعية داعية إلى ذلك وأنهم لم يأخذوا ذلك من فراغ، فرأيناه يسوق الأدلة الكثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية مثبتا بها رأي مذهبه).
ويمكن أن نرجع عدم اهتمام الشيخ بالاستدلال على آرائه إلى طبيعة كتبه الأخرى كذلك، حيث لم يكن غرضها الأساسي والأول التأصيل للمسائل العقدية بقدر ما هي مناقشة لآراء علماء الإسلام في عرضهم لآراء الإباضية في العقائد والكلام ومحاولته التقريب بين وجهات النظر في المسألة العقدية الواحدة وحرصه على الجمع بين المسلمين وتفادي الشقاق والخلاف.
هذا ما جعله في كثير من الأحيان يعمل على تجسيد هذه الأفكار الإصلاحية على حساب الأدلة والبراهين في المسألة العقدية فيتغاضى عن دراسة الأدلة وعن تأصيل المسألة، والرؤية إلى أن الخلاف بين المدارس الإسلامية ليس خلافا جذريا، وأنه بالإمكان إيجاد موقف وسط بينها.
هذا ما جعله أحيانا كذلك يدلنا على المصادر التي ينبغي أن يُرجع إليها لمعرفة الأدلة التفصيلية في المسألة ويكتفي بذلك دون أن يدلنا على رأيه ودون أن يكشف عن أدلته.
(1) - علي معمر: الإباضية في موكب التاريخ حل 1، ص 89 - 92.
115 - (1/133)
صفحة 134
هكذا نقرر كما رأينا - أن تعامل الشيخ علي معمر مع المصدر لم يحكمه نسق واحد سار عليه في كامل عرضه ولم ينتهج فيه منهجا وحيدا، بل تعددت صوره واختلفت.
هذا عن منهجه في الاستدلال بالأدلة النقلية فماذا عن منهجه الاستدلالي
بالأدلة العقلية؟
2 - المصادر العقلية
في حقيقة الأمر لم نقف على تعريف واضح لمفهوم العقل لدى الشيخ علي معمر في مؤلفاته، ولم يبين لنا منهجه في التعامل معه في مسائل العقيدة والكلام. لهذا فقد حاولنا معرفة ذلك من خلال تعامله مع القضايا العقدية:
لقد أعطى الشيخ معمر دورا هاما للعقل في فهم مسائل العقيدة وفي تقرير جوانب فيها، مع ربط ذلك دائما بالنقل، وهو متأثر في ذلك بمنهج مذهبه بلا شك؛ الذي من ميزته أنه يعطي فسحة لا بأس بها للعقل في محال فهم النصوص العقدية وفي مجال الاجتهاد والتعامل مع النصوص الشرعية بصفة عامة.
وقد ظهر ذلك جليا في دعوته للتفكير في الخالق واستعمال العقل للتأمل في ملكوته ومعرفته معرفة يقينية كما دعا إلى النظر في الكون وعجائبه وجعل الحجة تقوم في الإيمان بالله تعالى على النظر والتفكير وإعمال العقل، ولم يعذر الجاهل بالله تعالى أو الذي لم يعرف وحدانيته، إذ رأى أن طريق العقل كاف ليوصل الإنسان إلى معرفة خالقه ثم يأتي النقل مدللا على ذلك.
كما رأيناه يعمل على تأويل النصوص المتشابهة وإرجاعها إلى المحكمة منها، بإعماله العقل في فهم معانيها، ولعل هذا ما وافق فيه مذهبه وجاراه عليه واتبعه فيه.
وإلى جانب ذلك فقد سجلنا للشيخ بعض المغالاة في استعمال العقل؛ إلى حد القفز على النصوص الشرعية - أحيانا- مثل ما رأيناه في موقفه من مفهوم الميزان
- 116 - (1/134)
صفحة 135
والصراط حيث أنكر بعض الحقائق المثبتة بالنصوص الخبرية النبوية بنظرة عقلية محضة وبتفسير عقلي غريب يمكن لنا أن نصفه بنوع من التطرف.
وبذلك نقول أن منهج الاستدلال على العقائد عند الشيخ علي معمر يتمثل في اعتماد القرآن الكريم والسنة النبوية في الدرجة الأولى ثم يأتي بعدهما العقل، مع إعطاء دور هام له يتمثل في فهم نصوص النقل والمقارنة بينها ورد المتشابه منها إلى المحكم.
-
- 117 - (1/135)
صفحة 136
تمهيد
المبحث الثاني
المعرفة الشرعية الضرورية
إن مبحث العلم المتعلق بالمعرفة الدينية العينية الضرورية على الإنسان المسلم يعد مبحثا هاما في علم العقائد، حيث رأينا العديد من المصنفات تتعرض إلى بيان مضامينه، كما أن منها ما تستفتح به الحديث قبل التعرض لباقي مسائل العقيدة لتبين من خلاله ما يلزم الإنسان المسلم أن يعرفه ضرورة عن دينه وما يسعه جهله وما لا يسعه جهله فيه.
وقد عرف موضوع تقسيم العلم من الوجهة الشرعية اهتماما خاصا عند علماء الإباضية (1) منذ القديم، حيث أفردوه بمباحث مستقلة وفصلوا الحديث فيه، وعادة ما تكون في بدايات مباحث علم العقيدة والتوحيد، أو قبل التطرق إلى الواجبات الشرعية للمسلم من العبادات والمعاملات ولعل اهتمام الشيخ علي معمر بالموضوع كان تأثرا بمن سبقه من علماء مذهبه.
كما رأينا ذلك عند المدارس الإسلامية الأخرى، فالقاضي عبد الجبار (2) المعتزلي في شرحه للأصول الخمسة توسع في بيان العلم الضروري ووضح علاقته بالنظر،
(1) - ينظر مثلا: أبو زكرياء الجناوني: كتاب الوضع تح: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، مطبعة الفجالة الجديدة القاهرة، مصر، دت ص 30 - 36 - إسماعيل الجيطالي قواعد الإسلام ص 114 - 116 - محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، 1985/ 1405، ج 2، ص 283 - 299، عبد العزيز الثميني: معالم الدين 16 - 53، نور الدين السالمي: مشارق أنوار العقول، ص 36 - 126 (2) - القاضي عبد الجبار (ت) (415 هـ / 1025 م) من أعلام المعتزلة وأئمتها وأحد قضاتها، من أهم مؤلفاته شرح الأصول الخمسة الزركلي: الأعلام، ج 3، ص 273).
- 118 - (1/136)
صفحة 137
الذي يعتبر معتمد المعتزلة في المعرفة الإلهية، لذا فقد عده من أول الواجبات (1)
(2)
ورأينا ذلك عند أبي بكر الباقلاني في كتابه التمهيد حيث تكلم عن معنى العلم الضروري والعلم النظري وبين أقسامه، وعند الشيخ محمد عبده (4) في رسالة
التوحيد، وإن كان حديثه أتى مختصرا ولم يتوسع في بيان العلم الضروري). ونحاول أن نتعرف في هذا الفصل على آراء الشيخ علي يحيى معمر في
الموضوع:
أولا: العلم الشرعي الضروري
1 - تعريف العلم الضروري:
قبل ذلك يحسن أن نقف على ما قاله علماء اللغة في تعريفهم للعلم:
العلم لغة: مأخوذ من مادة "علم" والعلم نقيض الجهل، يقال رجل عالم وعليم وبصفة المبالغة علام وعلامة، وعلمت الشيء أي عرفته وفقهته (6)، ويعرفه الشيخ لغة بأنه معرفة الأشياء على حقيقتها.
(1) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ص 1 - 15. (2) - أبو بكر الباقلاني: (338 - 403 هـ/950 - 1013 م) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر: من أئمة الأشاعرة وأعلامها انتهت إليه رئاستهم، من مؤلفاته: التمهيد (الزركلي: الأعلام، ج 6،
ص 176.
(3) - أبو بكر الباقلاني: كتاب التمهيد، تح الأب رتشرو يوسف مكارثي اليسوعي، المكتبة الشرقية، بيروت، لبنان، 1957، منشورات جامعة الحكمة في بغداد، ص 6 - 9.
(4) - محمد عبده بن حسن: (1849 هـ - 1905 م) من رواد المدرسة الإصلاحية في مصر، تلقى دراسته بالأزهر، وتتلمذ على السيد جمال الدين الأفغاني من أهم مؤلفاته: تفسير المنار، رسالة التوحيد. الزركلي: الأعلام، ج 6، ص 252).
(5) - محمد عبده، رسالة التوحيد، ط 4، دار إحياء العلوم، بيروت لبنان، 1982/ 1402، ص 53. (6) - ابن منظور لسان العرب، مج 2، ص 870.
(7) - سمر أسرة ص 190.
- 119 - (1/137)
صفحة 138
أما العلم المفروض شرعا فيعرفه بقوله: «هو معرفة ما يجب أن يعتقده الإنسان ويقر به وما يجب عليه عمله وما يجب عليه تركه وما يجب عليه الوقوف فيه» (1). فمن التعريف يظهر جليا أن العلم الضروري يمكن تقسيمه إلى ما تعلق بعلم مسائل العقيدة، وما يلزم على الإنسان معرفته عن ربه من التوحيد وما يترتب عنه، و إلى ما تعلق بالعبادات من معرفة الفرائض كالصلاة والزكاة والصوم والحج، وإلى ما تعلق بمعرفة المعاملات من أحكام الزواج والطلاق والبيوع.
ونفهم من التعريف كذلك أن المعرفة الضرورية يترتب عنها العمل أو الترك أو الوقوف. كما هو واضح أيضا أن التعريف في شقيه الثاني والثالث يحتوي على مواضيع خارجة عن العقيدة وداخلة ضمن الفقه، ونحن لا نتطرق إليها من حيث مواضيعها، بل من حيث وجوب معرفتها أو عدمه، وما يترتب عن ذلك من أحكام. ولتوضيح هذا التعريف ومعرفة مضامينه أكثر وجدنا الشيخ معمر يقسم العلم
الضروري كما يلي:
2 - أقسام العلم المتعلق بالدين:
1 - ما لا يسع. جهله طرفة عين
2 - ما يسع جهله
والقسم الثاني ينقسم بدوره إلى قسمين:
1 - مضيق في معرفته
2 - موسع في معرفته (2)
أما ما لا يسع جهله طرفة عين فيعرفه الشيخ بقوله: «أن الإنسان في أول لحظة
(1) - المصدر السابق: ص 190.
(2) - المصدر السابق ص 138.
- 120 - (1/138)
صفحة 139
لحظات البلوغ يجب عليه أن يؤمن بالله ولا يجوز له أن يتأخر عن الإيمان ولو من بمقدار ما تطرف عين» (1).
أي أن الإنسان منذ لحظة التكليف – التي بها سيبتدئ محاسبته عن أعماله وأقواله - يجب عليه وجوبا أن يعلم ويؤمن بالله تعالى ولا يجوز له أن يتأخر في هذا العلم أو أن يتجاهل ذلك في لحظة من لحظات حياته بعد بلوغه ولو بمقدار طرفة عين من الوقت لأن ذلك سيؤدي به إلى الجهل بالله وهذا هو الشرك بعينه. ويضيف الشيخ إلى ذلك عدم جواز جهل جملة التوحيد التي يدعو إليها الإسلام والمتضمنة معرفة الرسول والرسالة متى قامت بذلك الحجة، لأنها الدالة والمعبرة عن إسلام المرء وعن انتمائه.
(3)
وفي الواقع إن الشيخ معمر في هذه المسألة قد استفاد استفادة كبيرة بما نص عليه الشيخ أبو طاهر إسماعيل الجيطالي) في كتابه قواعد الإسلام، حيث أورد هذه الأقسام مما يسع جهله ومما لا يسع جهله من علوم الدين.
وبالمقارنة بينهما نجد جهد الشيخ معمر يتمثل في بسطه للموضوع بأكثر شرح وبإعادة صياغته بأسلوبه الواضح، الذي بإمكان أي شخص أن يتفهمه ويدرك مقاصده ومعانيه، وبالمقارنة كذلك نجد أن الشيخ الجيطالي لم يمدنا بما لا جهله طرفة عين في التوحيد بالتدقيق والتحديد كما فعل الشيخ معمر، بل ذلك إجمالا، واعتبر أن كل ما يتضمنه معرفة الله تعالى يدخل تحت هذا
يسع
تكلم عن
(1) - المصدر السابق ص 138.
(2) - المصدر السابق ص 138
•
(3) - أبو طاهر إسماعيل الجيطالي: من أعلام الإباضية ت (750 هـ / (1349 م) نشأ في مدينة حيطال بجبل نفوسة بليبيا، عرف بسعة علمه وبجرأته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سجن بطرابلس، وبعد خروجه من السجن رحل إلى جزيرة جربة فاستقر بالجامع الكبير إلى أن توفي وقبر هناك، له مؤلفات عديدة منها: قواعد الإسلام، قناطر الخيرات. (الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 123).
- 121 ·
- (1/139)
صفحة 140
القسم، ونورد كلامه قائلا: «فالوجه الأول من معرفة مالا يسع الناس جهله طرفة عين وذلك ما قدمناه من معرفة الله جل ذكره ونفي الأشباه والأمثال عنه» (1).
والواقع أن اختلاف من يوجه له الخطاب كان وراء تفصيل وتحديد الشيخ معمر وإجمال واختصار الشيخ الجيطالي، فالأول يقدم الموضوع لعامة الناس وللناشئة منهم والثاني يقدمه للطلبة وأهل العلم بوجه أخص.
أما ما يسع جهله في الشق المضيق منه فيعرفه الشيخ بقوله: «هو ما كان وقته
غير زائد عن فعله»، وهو كذلك ما تعلق بورود شيء على المرء كان يجهله في معرفة الله تعالى في صفاته أو أسمائه أو أفعاله مهما كان طريقه سواء بالسماع أو بالعقل أو بواسطة الخاطر الذي يخطر ببال الإنسان؛ فإنه يجب عليه حالا أن يعرفه وينفي الجهل عن نفسه فيه وأن يعتقد بالحق فيه بأن يصل إلى وصف الله تبارك وتعالى بما يليق به، ولا يعذر في التأخير أو الخطي؟.
ويشدد الشيخ في تضييق معرفته أكثر فيقول: بل أنه لا يشتغل بغير ذلك حتى ينتهي إلى الحق الذي يدين به ولو كان في صلاة، ذلك أنه يستطيع أن يصل إلى الحق بالتفكير العقلي
بالملاحظة
(4)
يسع
يتضح أن هذا القسم مما يسع جهله سرعان ما يتحول إلى ما لا جهله بعد وروده لأنه متعلق بتوحيد الله ومعرفته في صفاته وأسمائه وأفعاله؛ لذا فالجهل متعذر فيه ولو مقدار طرفة عين، وهو ما أتى في القسم الأول من العلم. ولتوضيح هذا.
يورد الشيخ معمر مثالا مبسطا قد يحدث لأي شخص ويسهل تفهمه وإدراك معناه للفتى المكلف؛ وملخصه أن أي إنسان قد يخلو بنفسه أحيانا في
(1) - قواعد الإسلام، ص 114.
(2) - سمر أسرة ص 192.
(3) - المصدر السابق: ص 142.141.
(4) - المصدر السابق: ص 141.
- 122 -
- (1/140)
صفحة 141
مكان فيستشعر أنه ليس هناك من يرى ما يعمل أو يسمع. من يرى ما يعمل أو يسمع ما يقول أو يعرف ما يقوم به، خاصة إذا كان في حالة يكره أن يطلع عليه أحد؛ وفجأة يتذكر أن الله مطلع على ما يعمل وأنه سامع ومبصر وعالم به فإنه يجب عليه بعد أن خطر له هذا أن يعرف الحق عن الله تعالى فيه فيصفه بما يليق به من أنه سميع بصير عليم وأن سمعه وبصره وعلمه لا كالمخلوقات (1).
كما يرى أن الحجة في معرفة الحق عن الله تعالى في هذه النقطة المستحدثة لدى هذا الشخص قد قامت عليه حين أثير هذا الموضوع، بأي طريق كان عقلا أو سمعا - لذا فلا يحق عليه أن يبقى جاهلا فيه ولو بمقدار طرفة عين، لأن باستطاعة العقل الوصول فيه إلى الحق في توحيد الله تعالى.
من
ذلك نستنتج أن ما يسع جهله إلى الورود والمضيق في معرفته عند الشيخ معمر هو ما تعلق بمعرفة الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله في الكليات العامة من هذه المسائل دون جزئياتها ودون تلك المسائل المعقدة والدقيقة التي أثارها علماء الكلام بعد انقضاء العهد النبوي، مثل: علاقة الصفات بالذات ومفهوم صفة الكلام الإلهي والموقف من الصفات الخبرية، حيث لم نجد أي إشارة للشيخ إليها، فبلا شك أن إدراك هذه المسائل لدى عامة الناس ليس بالأمر الهين وليس بمقدور عقولهم تفهمها واستيعاب جزئياتها، فكيف بالخوض فيها ومعرفة الحق الذي ينبغي أن يتبع، فتبقى هذه المسائل خاصة بالمهتمين بالعلوم الشرعية وعلوم العقيدة وأصول الدين بوجه أخص.
وإن ما يُدعم رأبي واستنتاجي هذا ما أورده الشيخ معمر في تعريف الموسع مما يسع جهله حيث اعتبر تفسير معاني التوحيد يدخل ضمن هذا القسم، ويخرج من القسم الأول المتضمن للمضيق مما يسع جهله.
(1) - المصدر السابق ص 141. (2) - المصدر السابق: ص 142.141.
(3) - المصدر السابق: ص 192.
- 123 - (1/141)
صفحة 142
ولعل جل المباحث الكلامية المثارة بعد العهد النبوي يمكن اعتبارها ضمن الاجتهادات في شرح معاني التوحيد؛ لذا رأينا تعددا في الرؤى واختلافا في الآراء حول المسألة الواحدة.
يسع
كما يعتبر الشيخ أن السبيل الموصل إلى معرفة الحق في الأمر الوارد فيما لا جهله هو التفكير العقلي؛ والمقصود به إعمال عقل الإنسان في معرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة، أي تذكر أن الله واحد لا شريك له وأنه عليم سميع بصير وما إلى ذلك من صفات الكمال، ونفي ما يكون قد خطر ببال الإنسان أو عرفه مما يخالف توحيده أو صفاته الكمالية.
ولعل هذه الطريقة التي يقترحها علينا الشيخ هي أسهل حل لنفي التشكيك وشبه الشرك على الإنسان، كما أن هذا العمل هو قدر مشترك بين كل الناس على تفاوت مستوياتهم ومداركهم، فكلهم قادرون على تذكر أن الله سميع بصير عليم ثم نفي ما يكون قد خطر ببالهم خلاف ذلك.
أما الشق الثاني مما يسع جهله وهو الموسع في معرفته بعد وروده على الإنسان فيعرفه الشيخ بقوله: «هو ما كان وقته أوسع من فعله أو زائد على فعله» (1)، فهو ما لا تقوم فيه الحجة إلا بالسماع، وبعد قيامها يشترط الشيخ على المرء أن يعمل ويجد في الطلب حتى يتحصل على العلم المطلوب.
ويضرب لنا مثالا على شكل تساؤل ثم يجيب عنه لتبسيط مفهومه للفتى المكلف فيقول: «قد يسمع مكلف باسم نبي يسمع مكلف باسم نبي أو ملك أو فريضة من الفرائض لم يسبق له العلم بها فماذا ترى يجب عليه في هذا الخبر الجديد؟» (3).
يرى الشيخ أن معرفة ذلك يقسم إلى قسمين:
(1) - المصدر السابق: ص 192.
(2) - المصدر السابق ص 142.
(3) - المصدر السابق: ص 142.
- 124 - (1/142)
صفحة 143
:أولهما: إذا كان المصدر الذي استقى منه الخبر يوجب التصديق؛ كأن يكون عالما متخصصا في الشريعة أو كتابا معتمدا في العقائد فإنه يلزمه التصديق مباشرة. ثانيهما حين يكون المصدر لا يوجب التصديق؛ كأن يكون من غير المختصين فإنه في هذه الحالة يلزمه أن يسأل ويبحث حتى يصل إلى الصحيح من العلم في الموضوع، كما يرى أن السبيل المؤدي إلى معرفة هذا النوع من العلم هو السماع فقط، وأن العقل غير قادر على معرفة الحقيقة فيه (1)، لأنه مما ورد النقل في الإخبار
عنه وتفصيله.
إن الشيخ هنا قد حرص على أن يكتسب الإنسان المسلم معرفة دينية عقدية واسعة حتى في الجوانب التفصيلية من الرسالة مما هو خارج عن معرفة ا ة الله تعالى، وذلك باشتراطه ضرورة البحث والجد فيه للتوصل إلى المعرفة الصحيحة في النقطة
الغير معلومة.
كما نلحظ حرصه في التأكد والاحتراز والتثبت من المصدر الذي تستقى منه المعرفة الشرعية، فربط تصديق الخبر أو عدمه بنوعية المصدر، ثم دعا إلى البحث وبذل الجهد لاستيفاء المعرفة من المصادر الشرعية التي توجب التصديق؛ وهو يقصد بذلك الرجوع إلى العلماء في العلوم الشرعية واستشارتهم واستفتاءهم، وكذا الاعتماد على كتب العقيدة المتخصصة.
وإن غاية الشيخ من ذلك بلا شك هي نيل المعرفة الشرعية من الينابيع الصافية لها وإبعاد كل أنواع العادات والإشاعات والإسرائليات التي تتداول أحيانا بين العامة من الناس حول مسألة شرعية أو حول حياة بعض الرسل وأعمالهم وأوصافهم. وكذا لربط الإنسان المسلم بشيخه وعالمه وتوطيد الصلة معه حتى يجعل منه قدوة يرجع إليه فيما أشكل عليه من المسائل ويستفيد من علمه ويستنير بأخلاقه
(1) - المصدر السابق: ص 142.
- 125 -
- (1/143)
صفحة 144
وفي مقابل ذلك قطع الطريق أمام أنصاف العلماء و المشعوذين الذين عادة ما يتسببون في زرع عادات سيئة مخالفة للشرع والعقل في أوساط العامة، مثل عادة التقرب إلى الأولياء والتبرك بهم، وعادة زيارة القبور وما يحيط بها من أعمال ومعتقدات فاسدة، وأعمال السحر وتسخير الجن؛ كل هذا يتسبب في انحراف
المجتمع عن النهج السوي في معرفة دينه ومعرفة ما يصلح وما يفسد من أعمال. الخلاصة: إن العلم الذي يسع جهله يحتوي على مضيق في معرفته، وهو ما تعلق بمعرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده؛ حيث يجب أن ينتهي فيه المكلف إلى الحق مباشرة بعد وروده عليه مهما كان طريقه وهو ينقلب إلى ما لا يسع جهله
بعد وروده
والقسم الثاني منه وهو الموسع في معرفته وهو ما تعلق بمعرفة ما دون الله تعالى من مواضيع الرسالة، حيث يجب فيه البحث للوصول إلى الحق فيه، وأن يتثبت من مصدره قبل المعرفة فيه.
ومن تم نجد الشيخ يحدد بعض العلوم الشرعية التي تدخل تحت قسم ما يسع جهله من أحكام الدين، فيرى أن مسائل التوحيد التي تحب بقيام الحجة السماعية وما تعلق ببقية مسائل العقائد التفصيلية والإقرار بها يدخل في القسم المضيق منها، وكذلك جميع الفرائض التي خصصت لها أوقات يكون العلم بها وبكيفياتها مضيقا عند حلول تلك الأوقات (1).
ومثال ذلك الإنسان الذي لم تجب عليه الزكاة لعدم بلوغه النصاب فليس من الواجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة؛ ولكن بمجرد أن يبلغ النصاب فإن معرفة أحكام الزكاة بصبح في حقه من المضيق مما يسع جهله، حتى يستطيع تأدية واجبه
قبل فوات الأوان (2).
(1) - المصدر السابق: ص 143.
(2) - المصدر السابق ص 144.
- 126 - (1/144)
صفحة 145
وفي جانب العلم الشرعي المتعلق بمعرفة ما المتعلق بمعرفة ما حرمه الله من الأفعال والأقوال خارج دائرة العقائد، وأمر بتركها يرى الشيخ معمر أنه لا يجب على المكلف العلم بها إلا عند الابتلاء، ويقصد بالابتلاء تعرض الإنسان لظروف مقارفة المحرم بالقول أو بالعمل، ويضرب مثالا على ذلك بالإنسان الذي يُعرض عليه تناول مشروب لا يعرف طبيعته وحكمه فإنه يطالب في هذه اللحظة معرفة الحكم الشرعي فيه قبل تناوله، أما قبل ذلك فهو لا يؤاخذ على جهله لحكمه، وهو غير مكلف بذلك، ونفس الحكم مع سائر الأقوال والأفعال (1).
علماء
من التحليل السابق نستطيع القول بأن الشيخ معمر قد استفاد مما كتب من سبقه من علماء الإباضية في مسألة العلم الضروري، خاصة منهم جبل نفوسة أمثال الشيخ أبي زكرياء الجناوني (2) في كتابه الوضع والشيخ إسماعيل الجيطالي في كتابه قواعد الإسلام هذا في القديم وفي الحديث ما كتبه الشيخ نور الدين السالمي في كتابه مشارق أنوار العقول، حيث رأينا مع القدماء أن كلامهم حول الموضوع اتسم بالاختصار وتوجيهه لأهل الاختصاص لهذا رأينا عليه طابع الأسلوب العلمي المتين ونفس الشيء يقال عن الشيخ السالمي لكن تميز عنهم بالتفصيل أكثر في الموضوع ومناقشة نقاطه مناقشة علمية تأصيلية.
أما ما ميز معالجة الشيخ معمر للموضوع هو إعادة تقسيمه ثم دراسة كل قسم على حدة، بسطه للأمثلة الواقعية المعيشة في هذا العصر، كما فعل ذلك مع الذي يعترضه في أحد أسفاره مشروب لا يعرف كنهه.
(1) - المصدر السابق: ص 144 - 145. (2) - أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير الجناوني (53 هـ / (ق 11 م) من قرية " احناوَن " بجبل نفوسة بليبيا، أخذ العلم عن الشيخ أبي الربيع سليمان بن أبي هارون من مؤلفاته: كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه عقيدة نفوسة الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 116 - 117).
-
- 127 - (1/145)
صفحة 146
هذا
من جهة ثم رأينا كيف ضبط كل صور هذه الأنام ثم شرحها وبسط من أسلوبه، ونستطيع أن نقول أن الشيخ قد وفق كثيرا في معالجة هذه المسألة وأضاف عرضا جديدا للمبحث يستفيد منه من رجع إليه من الشباب ومن عامة الناس ومن المتخصصين كذلك، ومع كل هذا نسجل أحيانا صعوبة في فهم بعض مسائل المبحث التي تعرض لها الشيخ للمناقشة وذلك لطبيعة اللغة وتشابه العبارات
المستعملة فيه.
هذا عن العلم المفروض، ولعل هذا ما يؤدي بنا لنتساءل: ما حكم من نسي
أو جهل شيئا من هذا العلم؟
فما
هي رؤية الشيخ معمر
لهذا؟
ثانيا: نسيان العلم الضروري وأحكامه
1 - تعريف النسيان:
النسيان لغة: ضد الذكر والحفظ ويشتق منه نسيه نسيا ونسيانا ونسوة
ونساوة ونساوة، وله معنى الترك).
ولعله من البديهي أن يعتبر النسيان والجهل من طبائع البشر وصفاتهم، وهو دلالة على ضعفهم ونقصهم وفي المقابل هو دلالة على كمال الله تعالى وعلمه، ولا يمكن أن يرتفع عنهما أي بشر مهما كان، فكيف يكون إنما إذن؟
الشيخ أن المقصود من النسيان لا كل نسيان، بل ترجع المؤاخذة
إلى نوع العلم أو العمل الذي وقع عليه النسيان، وإلى سبب نسيان هذا العلم
أو العمل (2).
(1) - ابن منظور لسان العرب، مج 3، ص 631.
(2) - سمر أسرة ص 133.132.
-
- 128 -
: (1/146)
صفحة 147
فحين يتكلم عن النسيان في المجال الشرعي يُقصد به ذلك الإعراض والتهاون والإهمال عما كان الإنسان يعرفه من العلم الضروري معرفة صحيحة حتى أصبح كأنه لم يحصل له علم به من قبل)، و لم يعرفه إطلاقا، وكان من نسيانه هذا تضييع عمل واجب، وقد أطلق العلماء على صاحبه اسم "الراجع عن العلم"، فقالوا: الناسي راجع عن علمه (3).
(2)
وفي هذا المجال يرى الشيخ معمر أن المرء الذي حفظ القرآن الكريم ثم أهمله (4) لمدة طويلة فلم يُعِد تلاوته ولا دراسة معانيه ومحاولة فهمها بالاستعانة بكتب التفسير واللغة، أو على الأقل التدبر فيه والعلم بالأحكام المستقاة منه؛ فإنه يكون بذلك مؤاخذا ومرتكبا لاثم عظيم)، ثم يورد حديث رسول الله مستشهدا به نظرت في ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من ناسي «القرآن» (6).
وليرفع الشيخ الحرج على الناسي بالمفهوم اللغوي يقسم النسيان إلى قسمين:
2 - أقسام النسيان:
أ - نسيان يترتب عن إهمال وإعراض يؤدي إلى درجة الجهل بعد العلم،
وهو المؤاخذ عنه.
(1) - المصدر السابق: ص 134.
(2) - المصدر السابق ص 137.
(3) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ص 117 - 118.
(4) - يرى الشيخ الجيطالي أن المقصود الشرعي من نسيان القرآن هو هجرانه والتهاون به وترك العمل به ويعتبر المرء ناسيا للقرآن إذا ترك العمل به ولو كان يحافظ على تلاوته ظاهرا، كما أن الناسي له حفظا بسبب من الأسباب كالمرض مثلا لا يُعد آلما ولا ناسيا له إذا عمل بما فيه.
قواعد الإسلام: (ص 117 - 118).
(5) - سمر أسرة ص 134.
(6) - الترمذي: كتاب فضائل القرآن: رقم: 2916، موسوعة الحديث الشريف شركة صخر لبرامج
129 -
الحاسب، 1996 م.
10 (1/147)
صفحة 148
(1)
ب - نسيان: عارض يذهل فيه الإنسان عن شيء ثم يتذكر، وهو الذي لا يخلو من الوقوع فيه أحد، وفيه ورد حديث رسول الله: «وضع عن أمتي الخطأ
(2)
والنسيان وما استكرهوا عليه، تم يورد الشيخ معمر جملة من الآيات في موضوع النسيان بالمعنى الأول وبالمعنى الثاني مستشهدا على تقسيمه هذا:
أ - الآيات في النسيان بمعنى الذهول والغفلة:
منها قول الله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف/61]، وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسيت} [الكهف /24]، {قَالَ لَا تُوَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنَ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف/73]، {رَبَّنَا لَا تُوَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة/286]
ب - الآيات في النسيان بمعنى الإهمال والإعراض:
وقد أتى الوعيد فيها شديدا على صاحبها، ومنها قول الله تعالى: {الذين اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِنَايَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف/51]، {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة/67]، {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه/126،125].
من الواضح أن هذه الآيات أتت متوعدة للناسي الذي ابتعد بنسيانه عن واجباته وعارض آيات الله وأحكامه لذا استحق هذا الوعيد المتمثل في نسيان الله
له يوم القيامة وعدم النظر إليه.
(1) - سمر أسرة ص 135.
(2) - ابن ماجه: كتاب الطلاق رقم 2045
- 130 -
- (1/148)
صفحة 149
كما يرى الشيخ أن حكم الناسي هو الشرك بالله إذا كان نسيانه في العلم المفروض من التوحيد ومعرفة الرسول والرسالة، أو ترك مسألة مفروضة أو تباعة من أموال أو أنفس، واعتبر نسيانه جهلا وهو أقرب إلى الجحود).
في ختام هذا المبحث نسجل كيف كان الشيخ معمر حريصا على إبعاد كل أنواع الجهل والنسيان عن المعرفة الشرعية الضرورية لأي إنسان مسلم بالغ، إلى حد المبالغة أحيانا في إحاطة المعرفة المتعلقة بالله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه بسياج العلم والمعرفة المعتمدة من مصادر موثوقة وذلك بتصنيفه له ضمن العلم الذي لا يسع جهله طرفة عين، ثم اعتباره لما يرد على الإنسان في هذا الجانب مما ينبغي فيه المرء حالا إلى معرفة الحقيقة عن طريق إعمال العقل فيه، دون عذر لأي إهمال أو تأخير في معرفته، وكذا البحث وزيادة المعرفة في مسائل التوحيد والعقيدة عامة مما يكون طريقه السماع.
أن
ينتهي
ومن جهة أخرى نلحظ ذلك التشدد في التعامل مع الناسي والجاهل لأمور دينه المفروضة عليه وترك واجباته الشرعية، حيث حكم عليه بالشرك والجحود وأورد
الآيات التي استدل بها على هلاكه وعلى شدة الوعيد الذي ينتظر صاحبه. ولعل الهدف الأسمى من موقف الشيخ هذا هو توحيد الله تعالى عن علم ومعرفة وإبعاد كل أوصاف التشبيه والشرك به وسد السبل المؤدية إلى ذلك، سواء في المعتقدات أم الأقوال أم الأفعال، وجعل الإنسان المسلم دائما حريصا في المحافظة على نقاوة وصفاء عقيدته ودينه.
(1) - سمر أسرة ص 137.
-
- 131 - (1/149)
صفحة 150
[صفحة فارغة] (1/150)
صفحة 151
الإلهـ
الفصل الرابع
سيات (1/151)
صفحة 152
تمهيد:
المبحث الأول
وجود الله تعالى
وجود الله تعالى حقيقة خالدة، وقديمة قدم الإنسانية، حيث لم يسجل لنا التاريخ حضارة إنسانية عاشت دون اتخاذ ما يسمى بالآلهة أو المعبود الغيبي، وهذا طبعا بصرف النظر عن طبيعة وصفات الإله عند كل أمة.
لهذا فقد عدّت هذه المسألة من البديهيات أو المسلمات الفطرية الكامنة في التركيبة الإنسانية المتكونة من جسد وروح)، حيث يتم الاهتداء إليها تلقائيا بفطرته، كما يحس بحاجته إلى فكرة الإله (2).
ولعل الشاهد على ذلك ما دونته لنا كتب التاريخ والفلسفة منذ العهود الموغلة في القدم عن مختلف الأفكار والفلسفات العالمية والمعتقدات البشرية التي اشتركت كلها في البحث في مسألة الألوهية، فظهرت تسميات عديدة لهذا المطلب الفطري؛ مثل: الصانع العقل الأول، واجب الوجود، سبب الأسباب، المحرك الأول، وغيرها (3).
وهكذا اشتركت مختلف مشارب الإنسانية في التعبير عن الإله، كل حسب ما كان يملك من إرث عقدي وثقافي وفكري.
(1) - رؤوف شلبي: منهج القرآن الكريم في إثبات العقيدة الإسلامية، ط 2، منشورات المكتبة العصرية، صيدا – بيروت - لبنان، دت، ص 5.
(2) - محمد الغزالي: عقيدة المسلم، دار الشهاب للطباعة والنشر، باتنة - الجزائر، 1985 م، ص 12 - 26 (3) - عبد الغني عيود الله والإنسان المعاصر، ط 1، مطبعة الاستقلال الكبرى، دار الفكر العربي، 1977 م، ص 35 - 56.
- 134 - (1/152)
صفحة 153
مع هذا التلاقي الكبير للإنسانية حول الأصل الأول للكون، فقد أخبرنا التاريخ من جهة أخرى عن بعض الأصوات التي تعالت منكرة وجاحدة هذه الحقيقة الساطعة، فسجلت كفرانها بالعقائد والأديان، فحاولت إرجاع كل ما هو غيبي إلى تفسير عقلي منطقي تارة ومادي تجريبي تارة أخرى، وقد تمثل هذا في المذاهب الإلحادية. لكن التاريخ أثبت لنا أن هذه المذاهب كانت تفند نفسها بنفسها، وتنقض بعضها بعضا، ثم تتهاوى كتهاوي البنيان، وذلك لما احتوت عليه من تناقضات
داخلية، ولما اعتمدت عليه من براهين منافية لمبادئ العقل والتفكير عند الإنسان.
وإن ما توصل إليه العلم الحديث من قوانين تحكم وتسير الكون وتنظمه في دقة وبراعة (1) زاد للأصل إثباتا، وزاد لهذه المذاهب هدما وتفنيدا، بما لا يقي شك على الإطلاق لمن تراوده في هذه الحقيقة الشكوك.
كما أن جميع الرسالات السماوية أتت مبشرة ومعلمة بهذا الأصل الأول وداعية إليه، ثم مصححة ومبينة للاعتقاد الصحيح حوله؛ وهو ما عرف بأصل التوحيد، فهو قدر مشترك بين جميع الديانات السماوية، لذا نجد القرآن الكريم يذكر لنا جمعا من الرسل ويقص علينا جهودهم في دعوة أقوامهم لتوحيد الله تعالى وإفراده بالألوهية (3).
(1) - عبد العليم عبد الرحمن خضر: المنهج الإيماني للدراسات الكونية في القرآن الكريم، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، الدار السعودية للنشر والتوزيع 1988 م، ص 2 - 81
(2) - محمد الغزالي: عقيدة المسلم، ص 23 - 27.
(3) - مثلا يقول الله تعالى عن سيدنا نوح عليه السلام: {لَقَدَ اَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهِ غَيْرُهُ} [الأعراف/ 59]، وعن سيدنا هود عليه السلام: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنِ إِلَهِ غَيْرُهُ} [الأعراف/65]، وعن سيدنا صالح عليه السلام: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنِ إِلَهِ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيْنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف/73].
- 135 -
- (1/153)
صفحة 154
كما شهدت الساحة الإسلامية بعد ذلك اهتماما خاصا بمسألة وجود الله تعالى وبأدلة إثباته، ولعل النقاش والجدال في الموضوع كان موجها أساسا وبالدرجة الأولى إلى أصحاب الديانات الأخرى من أهل الكتاب ومن بقية الأمم، التي كانت تشكك في وجود الله تعالى أو تعبده على زيغ وضلال وانحراف عن أصل التوحيد (1). هذا ما جعل من عرض أدلة وجود الله تعالى تقترن كثيرا بالاستدلال على الوحدانية، إذ هناك ترابط وثيق بين المسألتين.
بعد هذا التمهيد؛ نتساءل كيف كانت رؤية الشيخ علي يحيى معمر للموضوع؟ أدلة وجود الله تعالى:
لقد تحدث الشيخ علي معمر عن موضوع وجود الله تعالى في معرض حديثه عن التوحيد ومعرفة صفاته تعالى، وقد اختار مناسبة بلوغ الإنسان سن التكليف ليتطرق له، حيث نفهم من موقفه هذا أن كلامه موجه للإنسان المسلم بالدرجة الأولى، فهو يصبو من وراء ذلك ليجعل منه يني إسلامه من أول وهلة على أسس صحيحة، منبثقة ومعتمدة على الاقتناع واليقين.
وما يؤكد هذا هو استعماله - للدلالة على وجود الله تعالى – أدلة مبنية على التفكير في عظمة الخالق وإعجاز إبداعه في الكون، كما سنتعرض له الآن:
أ - دليل الخلق والإيجاد:
استعمل الشيخ معمر دليل الخلق وقدرة الصانع على الإبداع والعناية حيث يقول في حواره مع الفتى المكلف: هل فكرت يا بني قبل اليوم في الحياة؟ في هذا العالم الفسيح في تناسقه وجماله في استمراره ونظامه، هل فكرت في الشمس والقمر في الليل والنهار في الكواكب والنجوم في الظلمة والنور؟ ... هل فكرت في
(1) - محمد علي أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، ط 2، دار النهضة العربية، بيروت. لبنان، 1973، ص 219 - 436.
- 136 - (1/154)
صفحة 155
المخلوقات المختلفات الأشكال والألوان» (1)، فهو بهذا الخطاب يريد أن يوقظ في الناشئة فطرتهم التي تجعلهم يتأملون في الكون وعجائبه وعظمته، الذي تتمثل بعض صوره في تلك الشمس العظيمة التي تشرق كل يوم وتطل على البشر في نظام وفي انتظام متناه في الدقة، فتتبع مسيرها المسطر لها إلى أن تغرب، لتعود في اليوم الموالي، والشيء نفسه يقال عن القمر وعن سائر الأجرام السماوية الأخرى. ثم ما يحيط هذه الحركة الكونية من مظاهر الحياة من ليل ونهار وصيف وشتاء، وبرد وحر، ونمو وتكاثر وموت ... إلخ. فبمثل هذا التأمل يصل الإنسان بعقله ليتساءل: من وراء كل هذا، ومن قبل وبعد كل هذا؟.
كما نجد القرآن الكريم استعمل هذا المنهج أو هذا الدليل حيث يقول الله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بل لا يُوقِنُونَ} [الطور/36،35].
ويلفت القرآن أنظار الأعراب إلى مظاهر الخلق في بواديهم وفي صحاريهم وفي ما اعتادوا العيش عليه والنظر إليه مليا، حيث يقول الله تعالى: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَت} [الغاشية/17 - 20].
ب - دليل الإبداع والدقة والنظام:
يستدل الشيخ معمر على وجود الله تعالى كذلك بما سخر في هذه الأرض من مخلوقات عجيبة تسير وتعيش في انتظام وانضباط ودقة دالة أن وراء كل هذا خالقا
(1) - علي يحيى معمر سمر أسرة مسلمة تح وتق: محمد بن موسى المطبعة العربية، غرداية الجزائر، أطلس للنشر وجمعية التراث القرارة، 1992 م، ص 22.
(2) - محمد الغزالي: عقيدة المسلم، ص 14.
-
- 137 - (1/155)
صفحة 156
عظيما ومبدعا قديرا حيث يقول واصفا بعض المخلوقات: «إن الشمس تطلع كل يوم لا تتأخر وإن القمر يجري في نظامه الشهري لا يختلف وإن الفصول تأتي في مواعيدها بحرها وبردها أو اعتدالها لا يتأخر فصل إلى فصل ولا يُستبدل طقس بطقس هل فكرت يا بني في الذي أوجد هذا النظام العجيب؟» (1).
إن القرآن الكريم تعرض في العديد من آياته إلى لفت انتباه الإنسان إلى هذا الدليل، فمثلا يقول الله تعالى: {وَآيَةٌ لهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٌّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس/37 - 40] وقول تعالى أيضا: تبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّبِيرًا وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنَ أَرَادَ أَن يُذْكَرَ أَوْ أَرَادَ شَكُورًا) [الفرقان/62].
ج - دليل العناية:
استدل الشيخ معمر على وجود الله كذلك بدليل العناية وذلك بمحاولته لفت انتباه المسلم إلى ما تحتوي عليه هذه الدنيا من مخلوقات لا يعلم أنواعها وأعدادها إلا الله تعالى، ولكل منها نمط عيشه وسبل تكاثره ونموه وتحصله على قوته، وقد ضمن لها الحياة ووفر لها ظروف البقاء، فيقول في هذا: «هل فكرت يا بني في الذي أوجد هذا النظام العجيب ومهد هذه الحياة الحافلة بالحركة، وملأ هذا العالم الواسع الأرجاء بالمخلوقات المختلفات، وضمن فيها الحياة لأقواها وأضعفها، فاستطاعت النملة الضعيفة والذبابة الواهنة أن تكفل لنفسها الحياة، كما يعيش الأسد والفيل والحمل، واستطاعت النملة الصغيرة أن تحي بجانب الدوحة الكبيرة الباسقة» (2).
(1) - سمر أسرة: ص 22. (2) - المصدر السابق ص 22
-138 - (1/156)
صفحة 157
أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل في قول الله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولاً وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنَ أَحَدٍ مِّنْ بَعْدِهِ إِنهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر/41] ويقول تعالى أيضا: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود/6]. لقد اكتفى الشيخ علي معمر في الاستدلال على وجود الله تعالى على هذا النوع من الأدلة المعتمدة أساسا على التفكير في مخلوقات الله تعالى، ولم يتطرق إلى غيرها من الأدلة المبنية على الاستدلال العقلي الفلسفي كما فعل المتكلمون والفلاسفة من قبله كدليل العلة وبطلان الدور وبطلان التسلسل وبطلان
الرجحان بدون مرجح.
هذا ما يُسمّيه الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي طريق التدرج من الأعلى، وكذا إثبات وجود الله تعالى من خلال هذا الكتاب العجيب والمعجز المسمى القرآن الكريم؛ وهو ما يسميه طريق التدرج من الأدنى).
ولعل كون الشيخ معمر في معرض تقديم العقيدة للناشئة من أبناء الأمة الإسلامية و إلى العامة منهم من غير أهل التخصص في العلوم الشرعية؛ كان وراء تركيزه على هذا الجانب ذي السند القرآني دون غيره الفلسفي؛ وذلك لسهولة استيعابها ووضوح الاستدلال بها، أما غيرها من الأدلة فهي مبنية عادة على الأساليب المنطقية الصعبة المنال على غير المتخصصين، فما بالك بالناشئة والعامة من الناس.
كما يمكن أن نفهم من الشيخ أنه يعتقد أن الطريق الأقرب للبرهنة على وجود الله تعالى هو مخلوقاته الموجودة أمام أعيننا دائما وبالنظر إليها والتفكير فيها نستشعر
وجوده تعالى.
(1) - محمد سعيد رمضان البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ط 8، دار الفكر، دمشق - سوريا، 1982 م، ص 78 - 107.
- 139 - (1/157)
صفحة 158
إن هذا الطريق الذي اعتمده الشيخ وسلكه يعد نقطة إيجابية له، فهو بذلك
يدعو للرجوع إلى النص القرآني مباشرة في معرفة الله تعالى، ويتبع ما اعتمد عليه القرآن في إيصال العقيدة للناس، ولم يُرد أن يصوغ الأدلة صياغة فلسفية مبنية على مقدمات ونتائج قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، وعلى طرق دخلت الأمة الإسلامية من خلال احتكاكها بالأمم والديانات الأخرى وبدراسة مصادرها، فأتت هذه الأدلة صعبة الفهم والإدراك وجافة وخالية من كل روح إيمانية، ومن استشعار عظمة الله وقدرته تعالى.
فالقرآن أبلغ وأصوب في إيصال العقيدة إلى الناس من بقية ما جاد به الفكر الإنساني مهما بلغ من التعقل والدقة والتعمق في صياغة الأدلة.
- 140 - (1/158)
صفحة 159
المبحث الثاني
منهج معرفة 1 لله تعالى
بعد أن تم بيان الطريق الذي سلكه الشيخ علي يحيى معمر في إثبات وجود الله تعالى ينبغي التساؤل عن المنهج الذي اتبعه في ذلك؟
-1 منهج الاستدلال على وجود الله تعالى:
إن المنهج الذي دعا الشيخ معمر إلى انتهاجه وركز عليه في الاستدلال على وجوده تعالى هو التفكر، يعني بذلك إعمال العقل، ويتضح ذلك جليا أثناء حديثه عن وجود الله تعالى، فنجده يوظف كلمة التفكر كثيرا وترددت على شكل أسئلة متتابعة في حواره مع الفتى البالغ سن التكليف، حيث يقول:
هل فكرت يا بني قبل اليوم في الحياة؟
هل فكرت في الشمس والقمر؟
هل فكرت في البر والبحر؟
هل فكرت في هذه المخلوقات المختلفات الأشكال والألوان؟
هل فكرت في هذه المواد الكثيرة؟
هل فكرت يا بني في الذي أوجد هذا النظام العجيب؟» (1)
هذه الدعوة المتكررة للتفكير في شتى أنواع المخلوقات يريد بها الشيخ أن يجعل اعتقاده في وجود الله تعالى على أساس صحيح؛ يعتمد الاقتناع
المكلف يبني
(1) - سمر أسرة: ص 21 - 22
- 141 - (1/159)
صفحة 160
والاطمئنان، وليس التلقين والتقليد لوحدهما، وفي هذا يقول الشيخ مخاطبا الناشئة: «لقد كنت تأخذ ذلك عني وأنت طفل، أما الآن وقد أصبحت رجلا مكلفا فإنه عقيدتك على تفكيرك، ويجب أن يكون إيمانك مبنيا على يقين، وأن يكون هذا اليقين مبنيا على اقتناع عقلي» (1).
يجب أن تبني
من الواضح أن كلام الشيخ معمر أتى صريحا في رفض إيمان التقليد الذي يتلقاه المرء من والديه ومجتمعه دون أن يعيد التوقف والتمحيص فيه لتفهم وإدراك معانيه العقلية واستشعار معانيه الروحية والإيمانية.
كما نجد مثل هذه الدعوة لتفهم حقيقة الاعتقاد في الله ونفي ما سواه، والإيمان به إيمانا سليما المعتقدات الفاسدة راية مرفوعة من العلماء والدعاة
المعاصرين
(R).
،
من
هي
الذين رأوا انحرافات العامة من الناس عن جادة الحق؛ بتلك الأعمال
التي يقومون بها وبتلك الأقوال التي يتلفظون بها، وهي دالة على عدم فهمهم لحقيقة الاعتقاد؛ كالتوسل، وزيارات القبور وما يرافقها من أقوال وأفعال و اعتقادات فاسدة وكاللجوء إلى المشعوذين والسحرة لغرض التداوي والاستشفاء، وتصديق أفعالهم وأقوالهم وأخبارهم.
لذا نجد الشيخ يشترط على الإنسان المسلم أثناء بلوغه أن يتفكر في نفسه وفي المخلوقات من حوله، حتى يصل بمحض تفكيره واستعمال عقله إلى وجود الله وبذلك يحصل له اليقين القطعي المبني على الاقتناع العقلي.
2 منهج معرفة الله تعالى:
يرى الشيخ علي معمر أن المنهج السليم الذي ينبغي على الإنسان المسلم أن يسلكه في معرفة خالقه هو النظر إلى مخلوقاته والإمعان في دلائل القدرة فيها، حيث
(1) - المصدر السابق: ص 23.
(2) - محمد الغزالي عقيدة المسلم، ص 65 - 77.
- 142 - (1/160)
صفحة 161
يقول: «إن المؤمن لا يتفكر في الخالق، ولكن يتفكر في المخلوق، فإن التفكير في المخلوق هو الطريق الصحيح إلى معرفة الخالق وصفاته وأفعاله» (1).
وقد أتى وفقا لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ, أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت/53]، وقوله تعالى أيضا: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران/191،190]، وكذا حديث. رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مر على قوم وهم يتذاكرون، فلما رأوه سكتوا، فقال: ما كنتم تقولون؟ قالوا: نتذاكر في الشمس وفي محراها قال ذلكم فافعلوا، تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق» (2).
كما يرى الشيخ أن عقل الإنسان كما خلقه الله تعالى عاجز على إدراك حقيقة الله تعالى وأن حواسه قاصرة على معرفة شيء عنه بواسطة التفكير فيه، لذا وجب عليه أن يتجه بتفكيره إلى المخلوق، فهو الدال على الخالق (3).
وإلى جانب التفكير والنظر والتأمل العقلي يرى الشيخ أن الطريق الثاني المدعم والمكمل للأول هو طريق السماع، وهو يقصد به كل ما يصل الإنسان عن
تعالى بطريق القرآن الكريم والسنة النبوية ثم عن طريق إجماع المسلمين)
(4)
الله
فنستطيع أن نعتبر الطريق الأول عمله المعرفة الأولية للكليات الأساسية عن الله تعالى المتعلقة بوجوده ووحدانيته وكماله ثم يكون عمل الطريق الثاني هو شرح وتوضيح المعاني التفصيلية لصفاته وأسمائه وأفعاله.
(1) - سمر أسرة ص 28.
-
(2) - الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، باب النهي عن الفكرة في الله عز وجل، رقم: 827،
المطبعة العربية غرداية 1985 م.
(3) - سمر أسرة ص 28 - 29 (4) - المصدر السابق ص 143
- 143 - (1/161)
صفحة 162
ونجد الشيخ معمر في تفهيم العقيدة للفتى البالغ يشترط شروطا خاصة، فيرى
أنه ينبغي أن يُترك الصبي يعبر عن عقيدته بكل حرية وإرادة في اختيار الإسلام أو عدمه، وعند اختيار الإسلام يشترط أن يكون الصبي قد أخذ ذلك عن اقتناع بعد تفكير واستعمال للعقل في الإيمان بوجود الله تعالى ومعرفته المعرفة الصحيحة في صفاته وأفعاله، وذلك اعتمادا على آثار الله في الكون ودلائل قدرته التي على الوالد أو على من توكل له مسؤولية رعاية ومراقبة البالغين في بداية سن التكليف أن يتحملوا إيصالها إليهم حتى يكون اختيارهم للإسلام عن وعي وتبين واقتناع، وبذلك يبعدهم عن طريق التقليد واتباع الآباء والأجداد دون تفهم ووعي.
وفي هذا نورد ما قاله مخاطبا لهذا الفتى المكلف أما الآن فقد أصبحت رجلا مكلفا، لذلك طلبت منك أن تعلن عن عقيدتك بملء حريتك وإرادتك، وأن تكون هذه العقيدة مبنية على ما وصلت إليه واقتنعت به بعد تفكير واستعمال للعقل، فلما صرحت بأنك تؤمن بالخالق الأعظم للكون نتيجة لما تراه من آثار الخلق والطبيعة، وأعلنت أنك اخترت الإسلام دينا لك علمت أن الله يسر لك الهداية والتوفيق» (1).
إن هذا المنهج الذي انتهجه الشيخ معمر مع المبتدئين في التكليف هو محاولة لبعث الإيمان الصادق في نفوس الشباب الناشئ في البلاد الإسلامية، التي أصبح فيها الدين الإسلامي في كثير من الأحوال عبارة عن تقاليد تلقن ثم تطبق أكثر مما هو فهم وعقيدة وإيمان وأصبح المسلم فيها لا يتأثر ولا يتحسر ولا يشعر بالإثم عندما يقترف ما يخالف ما أقر به وتعهد على الالتزام به من أحكام الشرع.
هذه هي أهم استدلالات الشيخ علي معمر ومنهجه في وجود الله تعالى، ومن الملاحظ أن صياغته لها كان فيها نوع من التبسيط والإيجاز، كما كان الاعتماد فيها على أدلة من الحياة العامة التي يحياها أي إنسان.
(1) - المصدر السابق ص 28.
– 144 – (1/162)
صفحة 163
وواضح أيضا أن الدافع المباشر لهذا المسلك هو كون خطابه موجها بالدرجة الأولى إلى المسلمين الموحدين وليس إلى كفرة مشركين أو ملاحدة، حتى ينتهج معهم منهجا وأدلة وأسلوبا فلسفيا كما فعل المتكلمون والفلاسفة من قبله.
وكذا لكون خطابه موجها للناشئة من أبناء المسلمين وإلى العامة من الناس؛ التي عادة لا تكون لها القدرة على إدراك تلك الأدلة المبنية على المصطلحات الفلسفية والمعقدة.
كما نلاحظ أنه حاول أن يقترب من النصوص قدر الإمكان في معالجة الموضوع)، حيث رجع إلى آيات القرآن الكريم وحديث رسول الله، التي تنص على ضرورة التفكير في المخلوقات بدل التفكير في الخالق، وبتلك الأدلة استطاع الرسول زرع عقيدة ثابتة راسخة غير مزعزعة ولا مدبدبة في نفوس أصحابه. وكأنه.
عمله هذا من
يدعو الأمة الإسلامية إلى العودة إلى النهج النبوي في إيصال العقيدة وغرسها، خاصة عندما يكون الخطاب موجها إلى المسلمين في
ما بينهم.
(1) - الدعوة إلى اعتماد القرآن الكريم ونهجه في الاستدلال على العقيدة وتفهيمها وغرسها في قلوب الناس، نادى بها جمع من العلماء والدعاة المعاصرين، وظهر ذلك جليا في كتاباتهم الفكرية عن واقع حياة المجتمعات الإسلامية؛ أمثال الشهيد حسن البنا والإمام سيد قطب والإمام أبو الأعلى المودودي والأستاذ سعيد حوى، الشيخ محمد الغزالي. نجد على سبيل المثال الدكتور رؤوف شلبي؛ الأستاذ بجامع الأزهر يؤلف كتابا بعنوان: "منهج القرآن الكريم في إثبات العقيدة الإسلامية "، يحاول فيه الاعتماد كليا على الآيات القرآنية وعلى التجربة النبوية في غرس العقيدة وفي عرض مسائلها.
هذا بلا شك عمل مبارك، ومثمر، لكن في المقابل لا ينبغي أن يكون استنقاصا أو إنكارا لمجهودات علماء الإسلام العظيمة عبر كل فترات التاريخ، الذين استعملوا مناهج الفلاسفة وأدلتهم في دفعهم للشبهات والمسائل المثارة حول عقيدة الإسلام وإبطالهم لها.
-
- 145 -
11 (1/163)
صفحة 164
3 - قيام الحجة على الإيمان بالله تعالى:
يرى الشيخ علي معمر أن الإنسان لا يعذر في الإيمان بالله مهما كان جنسه وحيثما وجد في مكان أو زمان، باعتباره أن الإيمان بالخالق يقوم بطريق الحجة العقلية أولا، وأن الله جهز العقل بالقدرة الكافية التي تجعله يتوصل إلى معرفة وجود ربه، ثم يعقل وحدانيته بعد الإيمان به، حيث يقول: إن الحجة على الإيمان بالله تقوم على العقل ولو لم تقم بالسماع ويكفي أن يتفكر الإنسان في العالم حتى يعرف أنه مخلوق وأن له خالقا» (1).
ثم تأتي بعد ذلك الحجة الثانية التي هي حجة السماع، والمقصود منها بلوغ دعوة الإسلام للإيمان بالله وتوحيده والعمل برسالة رسوله محمد وفقا لما أتى في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وإجماع المسلمين. (2)
لذا فهو يرى أن المسلمين في كافة الأقطار الإسلامية قد قامت عليهم الحجة بالطريقين؛ طريق العقل وطريق السمع منذ بلوغهم سن التكليف، وفي هذا يقول مخاطبا الفتى المكلف: «فقد قامت عليك الحجة بالطريقين ... إن الحجة قامت عليك بطريق العقل وبطريق السمع، وعلى هذا الأساس فإنه يلزم على كل فتى بلغ سن التكليف أن يقر بالإيمان بالله تعالى من أول البلوغ؛ ولو لم تبلغه دعوة الأنبياء عليهم السلام).
وفيما يتعلق بزيادة المعرفة عن الله تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه يرى الشيخ أنه يجب على الإنسان المؤمن إذا ورد عليه شيء - سواء عن طريق السماع أو عن طريق السؤال أو عن طريق الخاطر الشخصي - أن يصل إلى الحق في ذلك حالا
(1) - سمر أسرة ص 47.
(2) - المصدر السابق ص 143. (3) - المصدر السابق: ص 59.58.
(4) - المصدر السابق ص 47.
- 146 -
- (1/164)
صفحة 165
ويصف الله تعالى بما يليق به دون تأخير أو تردد، لأن العقل باستطاعته الوصول إلى الحق فيه مباشرة بواسطة التفكير (1).
ولعل هذا الموقف المتشدد من الشيخ لدليل على حرصه لمعرفة الله تعالى معرفة تامة وتوحيده التوحيد الخالص واللائق بعظمته وجلاله وبالمقابل الابتعاد عن بعض الخواطر الشخصية أو الأخبار الموهمة التي يمكن أن تتسبب في إشراك العبد أو اعتقاد خاطئ حول خالقه تعالى. كما نلاحظ في موقف الشيخ حرصه على أن تكون عتبة البلوغ هي الرئيسية ونقطة البداية التي ينبغي للمرء أن يُجهز فيها نفسه بكل ما يلزم من معرفة ضرورية بالله تعالى، وعن أصل الإيمان؛ حتى يتسنى له الانطلاق في حياة التكليف في الإسلام وهو واثق من نفسه ومن بضاعته في الدين عامة، وحتى يُحصَّنَ ويُحفظ من كل انحراف أو تراجع بعد ذلك.
المحطة
وإنه لمن الحقيقة والواقع أن الإنسان عندما ينشأ منذ نعومة أظافره على أصل الدين وعلى مبادئه العقدية والعملية المستمدة من ينابيعه الصافية؛ ويحصل له التعود والانضباط والمواظبة المستمرة على إتيان ما أمر به الدين من واجبات وفرائض، والانتهاء عن المحرمات والمعاصي، فإنه سيكون لا محالة أكثر حصانة وتمنعا من الوقوع في الانحرافات أو التقهقر إلى الوراء في دينه وعقيدته.
كما أن للأسرة وللمجتمع عند الشيخ معمر الدور الكبير في تهيئة هذا المحيط الذي يجعل من الفتى ومن الفتاة منذ أن يفتحا أعينهما على الحياة يصران معالم الإسلام وصفائه وفضائله في والديهما وفي أفراد عائلتهما ومجتمعهما، حتى يقتديا بهم ويسيرا على دربهم، حيث رأينا ذلك في طريقة تأليف كتابه: سمر أسرة مسلمة، الذي يُعَدّ المصدر الأول لآرائه العقدية، فقد اعتمد طريقة الحوار بين أفراد
(1) - المصدر السابق: ص 141.140.
- 147 - (1/165)
صفحة 166
العائلة المتكونة من الأب والأم والابن، وكان الوالدان يشكلان دائما المثال المقتدى والمرجع الأول لابنهما في معرفة أصول الدين وواجباته الاعتقادية والعملية.
كما كان من خلال كتاباته يدعو مؤسسات المجتمع كالمدرسة والجامعة والصحافة والسلطة لتسهم في تهيئة هذا المحيط بنشر قيم الدين الإسلامي وأخلاقه
وتعليم أسسه لأبنائها ولأفراد شعبها (1).
(1) - انظر مؤلفاته هذه الإباضية بين الفرق الإسلامية سمر أسرة مسلمة، الأقانيم الثلاثة أو الهة من
الحلوى، الفتاة الليبية ومشاكل الحياة.
-
- 148 -
- (1/166)
صفحة 167
المبحث الثالث: توحيد الله تعالى
1 - تعريف التوحيد
أ - التوحيد لغة: مأخوذ من مادة "وَحَدَ"، والواحد: أصل الحساب، ويتنى وَاحِدَان، وجمعه أَحْدَانَ، وُحْدَانٌ. الواحد كذلك: وحدَانٌ. الواحد كذلك هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه أحد، هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل، ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله عز وجل (). حيث يتضح أن هذا التعريف جمع بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للكلمة. ويشتق من لفظ "وحد" كذلك: يحد، حِدَّةً، وَحْدًا، وُحْدًا، وَحْدَةً، أي انفرد بنفسه، ووحد الشيء وحدا، أفرده.
ب - التوحيد اصطلاحا: لم يختلف رأي الشيخ علي معمر في التوحيد عما هو عند الإباضية (3) في النظرة العامة لهذه المسألة، حيث يرى أن الأصل العام الذي
(1) - ابن منظور، لسان العرب المحيط، إعداد وتصنيف يوسف، خياط دار لسان العرب، بيروت لبنان، 1408 هـ / 1988 م، مج 3، ص 887 - 888. (2) - مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، ط 2، تولى إخراج الطبعة د. إبراهيم أنيس - عطية الصوالحي - عبد الحليم منتصر - محمد خلف الله أحمد، أشرف، مطابع دار المعارف، مصر، 1393 هـ / 1973 م، ج 2، ص 1016. (3) - انظر مثلا: أبو حفص عمرو بن جميع مقدمة التوحيد وشروحها، تص وتع: إبراهيم اطفيش، القاهرة - مصر، 1353 هـ، ص 24 - 25 أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي: قواعد الإسلام، تص وتع: عبد الرحمن بكلي، ط 1، المطبعة العربية غرداية الجزائر، 1976 م، ج 1، ص 33 عبد العزيز الثميني: معالم الدين مطابع سجل العرب، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1407 هـ/1987 م، ج 1، ص 157 - 158. نور الدين السالمي: مشارق أنوار العقول، تع وتص: أحمد الخليلي، ط، مطابع العقيدة، سلطنة عمان، 1398 هـ/1978 م،
- 149
- (1/167)
صفحة 168
يحكم الموضوع هو قول الله تعالى: {وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى/11]، أي اعتقاد التنزيه المطلق الله تعالى فلا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء من الخلق» (1). وعلى هذا الأساس فإنه من الضروري أن يتبع الإباضية منهج التأويل لكل ما يرد من النصوص الشرعية من القرآن الكريم أو السنة النبوية يوهم بتشبيه الله تعالى بمخلوقاته، ويبتعدون كل البعد عن وصفه تعالى بإحدى صفات النقص؛ حيث يقول الشيخ موضحا هذا: «الأصل العام في العقيدة الإباضية هو التنزيه المطلق للباري جل وعلا وكل ما أوهم التشبيه من الآيات القرآنية الكريمة أو الأحاديث النبوية الثابتة يجب تأويله بما يناسب المقام ولا يؤدي إلى التشبيه».
كما يرى الإباضية (3) أن اعتقادهم التنزيه المطلق في التوحيد كان بناء على الآيات المحكمات من كتاب الله مثل قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص]، وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (5) [الشورى/11].
ص 132. مصطفى وينعن آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش العقدية، المطبعة العربية غرداية الجزائر، نشر جمعية التراث القرارة، 1998 م، ص 101.
(1) - علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، المطبعة العربية غرداية الجزائر 1987 م، ص 408
(2) - علي يحيى معمر: الإباضية دراسة مركزة، ص 57.
(3) - فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ج 1، ص 191 - 236. تعرض الأستاذ الجعبيري في هذه الصفحات إلى توضيح رؤية المدرسة الإباضية لمسائل التوحيد والإلهيات عموما بناء على النصوص المحكمة التي تطرقنا إليها من قبل كما اعتنى من جهة أخرى بإيراد عدد هائل من آراء علماء الإباضية في الموضوع، خاصة في الفترة الزمانية التي خصها بالدراسة وهي القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر الهجري، السادس عشر والسابع
عشر والثامن عشر الميلادي.
(4) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 60.
(5) - لمعرفة التفسير العقدي لهاتين الآيتين الكريمتين عند علماء المدرسة الإباضية؛ انظر: الجعبيري، البعد الحضاري، ج 1، ص 258 - 263.
-
- 150 - (1/168)
صفحة 169
سياق
وأن ما ورد من النصوص الشرعية يفيد ظاهره التشبيه فهو من المتشابه الذي يحتمل معناه أكثر من وجه، لذا ينبغي تأويله وفق الوجه الذي يتناسب مع النص وفي ذات الوقت يرفع التشبيه عن الله تعالى؛ وفي هذا يقول الشيخ معمر: «تأوّل الآيات الموهمة للتشبيه بما يقتضيه المعنى من السياق كتأويل الاستواء بالاستيلاء واليد بالقدرة وما إلى ذلك» (1).
(2)
ومن المناسب أن نورد قول الأستاذ الجعبيري) الذي حدد فيه منهج الإباضية في التأويل: «الإباضية يعمدون إلى جميع النصوص التي تحوي نفس الكلمة، فيقارنون في ما بينها، كما يقيسون معانيها بالمعاني المستعملة في اللغة، ثم يرجحون جانب التأويل الذي يتناسق وجملة السياق ... فلا سبيل حينئذ إلى اعتماد الظاهر في مثل هذه الآيات لأنه يؤدي إلى التناقض، والقرآن متناسق متكامل يفسر بعضه بعضا، وذلك برهان من براهين الإعجاز فيه» (3).
إن هذا المنحى الذي اتخذه الإباضية في توحيد الله تعالى لا يعني أبدا أنهم يعتقدون نفي الصفات عن الله تعالى، أو نفي ما أثبته لنفسه صفات الكمال. من ونجد الشيخ معمر يؤكد على أن المذهب الإباضي لم يتطرف في موضوع العقيدة إلى جانب فيقع في التشبيه ولا إلى الجانب الثاني فيقع في نفي ما أثبته الله تبارك وتعالى لنفسه أو أثبته له رسول الله)، وإلى جانب ذلك فهم يثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العليا كما أثبتها لنفسه» (5).
(1) - الإباضية في موكب التاريخ، حل 1، ص 60.
(2) - فرحات الجعبيري: باحث تونسي إباضي معاصر على قيد الحياة، أستاذ بكلية الآداب بالعاصمة تونس، مهتم بالفكر الإباضي، له عدة مؤلفات أهمها: البعد الحضاري للعقيدة
عند الإباضية.
(3) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 277.
(4) - الإباضية بين الفرق: ص 411.
(5) - المصدر السابق: ص 408.
-
- 151 - (1/169)
صفحة 170
إن من الواضح من كل ما مر حول تحليل تصور المدرسة الإباضية لأصل التوحيد يتبين أنهم يشتركون إلى أبعد الحدود مع المدرسة الاعتزالية؛ التي عرفت بتنزيهها المتعالي الله تعالى عن كل صفات الحوادث والنقص، وإفراده بكل صفات الكمال (1).
2 - الاستدلال على الوحدانية
لإثبات وحدانية الله تعالى بعد الاستدلال على وجوده أورد الشيخ علي معمر الدليل المتعارف عليه بين علماء الكلام بدليل التمانع، والذي يستخلص من قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا عَالِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء/22]، أي أن احتمال تعدد الآلهة يؤدي عقلا إلى فساد الكون بسبب عدم اتفاق الإرادتين أو أكثر على العمل الواحد وهذا ما سيؤدي لا محالة إلى فساد الكون وعدم بقائه بهذا الانسجام وهذا النظام.
وإن كان الشيخ معمر لم يورد الدليل باسمه إلا أنه يقول شارحا لمعناه: «لو كان له شريك في الملك لظهر أثر الخلاف والنزاع على هذا العالم، ولو كان معه إله ثان لافتقر أحدهما إلى الثاني، والافتقار إلى الغير لا يكون من صفات الخالق، أو لاستغنى القادر منهما على العاجز والعجز يستحيل أن يكون من صفات الله».
ولقد اعتمد غيره من علماء العقيدة والكلام هذا الدليل للاستدلال عقلا على
(3)
توحيد الله تعالى، فمثلا نجد ذلك عند الشيخ أبي نصر الماتوريدي في كتابه
(1) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية الجزائر، 1990 م، ج 1، ص 90 - 216. أحمد محمود صبحي: في علم الكلام، 5، دار النهضة العربية،
بيروت لبنان، 1405 هـ/1985 م، ج 1 (المعتزلة)، ص 121 - 123.
(2) - سمر أسرة: ص 33.
(3) - محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتوريدي إمام الماتوريدية من أهم مؤلفاته: كتاب التوحيد، أوهام المعتزلة، انظر: الزركلي: الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والعرب
والمستعربين والمستشرقين ط 7، دار العلم للملايين، بيروت، 1986، ج 7، ص 19.
- 152 - (1/170)
صفحة 171
التوحيد، وخلاصته أنه لو افترض تعدد الآلهة لما شاهدنا هذا الانسجام والنظام في هذا الكون الفسيح والمعقد؛ وذلك للاختلاف المفروض بين هذه الآلهة المتعددة، حيث ستعمل كل منها على منع الأخرى أن تكون لها القوة والغلبة، وبذلك يحصل الفساد والتصادم). ولقد اعتنى الشيخ نور الدين السالمي حديثا بهذا الدليل في معرض استدلاله على الوحدانية، فقام بشرحه بعد أن نظمه شعرا في منظومته أنوار العقول في الأصول، حيث يقول: لو أنه في ملكه مشارك كان فسادا ذلك التشارك
وقال أيضا:
(2)
(3)
ولو تعدد الآلهة لظهر فساد هذا العالم الذي بهر وموجز شرحه أنه لو كان هناك مالكان للكون للزم أن يريد كل منهما خلاف ما يريده الآخر، وهذا ما سيؤدي إلى الخلاف وإلى فساد الملك، ومن المحال أن تنفق إرادتهما في جميع الأشياء، إذ لو حصل ذلك للزم أن تكون الإرادتان إرادة واحدة، لأنه من المحال أن تقوم صفة واحدة بموصوفين (4).
كما نجد للشيخ السالمي أدلة عقلية أخرى لنفي الشريك عن الله وإثبات الوحدانية له، يظهر من خلالها تمكنه من الأسلوب الفلسفي العميق وامتلاكه لأدواته
(1) - أبو نصر الماتوريدي: كتاب التوحيد، ط 2، تح: فتح الله خليق، المطبعة الكاتوليكية، بيروت- لبنان، 1982 م، ص 21. (2) - عبد الله السالمي (1869 - 1914 م) ولد بعمان وبها تعلم كفيف البصر، تفرغ للتدريس والتأليف، ترك لمانية وعشرين مؤلفا في مختلف العلوم الشرعية، نذكر منها: مشارق أنوار العقول في أصول الدين، طلعة الشمس في أصول الفقه (مقدمة كتاب مشارق أنوار العقول، ص: ث، ج، ح). (3) - نور الدين السالمي: منظومة أنوار العقول في الأصول (ضمن كتاب مشارق أنوار العقول)، المشارق ص 168.
(4) - قاسم أحمد الشيخ بالحاج الشيخ السالمي واستعماله لدليل التمانع بحث مخطوط بمكتبتي، 1991 م، ص 7 - 8 - 9 - نور الدين السالمي: المشارق، ص 168.
- 153
- (1/171)
صفحة 172
ومناهجه، وهذا يتمثل في ما كتب عن نفي المعين عن الله تعالى، ونفي الوزير،
ونفي الصاحبة، ونفي الجوهر عنه تعالى (1).
وللشيخ اطفيش (2) كذلك استعمال لنفس الدليل وقد أطلق عليه اسم المغالبة؛ أي أنه لو كان هناك آلهة متعددة مشتركين في الملك لسعى كل منهم إلى الانفراد بالألوهية وإلى قهر، غيره لأنه لا يمكن أن يصطلحوا، ولو اصطلحوا لما كان أي منهم إلها، لكونهم عاجزين جميعا، وإذا غلب أحدهم فهو الإله الحقيقي، ولا يستحق هذا الوصف غيره (3).
وبهذا يثبت عقلا وحدانية الله تعالى ونفي الشريك عنه، ولعل من الواضح أن الأدلة السابقة الذكر المتعلقة بإثبات وجوده تعالى هي أقرب كذلك إلى إثبات
وحدانيته.
3 - الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى: لتمام معرفة توحيد الله تعالى نرى الشيخ علي معمر يتبع معمر يتبع طريقة علماء الإباضية (4) من قبله حيث حدد ما يجب على المرء معرفته عن الله تعالى في ثلاث:
(1) - السالمي: المشارق، ص 159 - 169
(2) - محمد بن يوسف اطفيش (قطب الأيمة) (1820 - 1914 م) ولد ببني يزقن في غرداية، تلقى تعليمه فيها، أسس معهده وتولى التدريس فيه وتخرجت على يده دفعات متتالية من الطلبة من داخل وخارج القطر الجزائري، أولى عناية كبيرة بالتأليف فترك لنا عشرات المؤلفات في مختلف فنون الشريعة، نذكر منها: تفسيره تيسير التفسير وموسوعته الفقهية: شرح النيل. (بكير أعوشت: قطب الأيمة العلامة محمد بن يوسف إطفيش، حياته. آثاره الفكرية. جهاده. - David
(Louis: Les Machaikh Du M'zab, p 4
(3) - وينتن آراء الشيخ امحمد اطفيش العقدية، ص 107.
(4) - انظر مثلا: الجيطالي: قواعد الإسلام، ص 34 - 35 إبراهيم أبو اليقظان: سلم الاستقامة المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر 1378 هـ / 1976 م، ج 3، ص 6 - 7.
كما أن هذه النقطة تعتبر عند الإباضية إحدى تقسيماتهم للصفات: صفات واجبة، صفات جائزة، صفات مستحيلة وسنقف مع ذلك في الفصل المخصص لدراسة الصفات.
- 154 - (1/172)
صفحة 173
واجب وجائز ومستحيل، ثم عرف كلا منها كما يلي:
الواجب أن تؤمن إيمانا خالصا أن لا إله إلا الله الواحد الأوحد لا شريك له في ملكه موجود بغير مشاهدة قديم بلا بداية باق بلا نهاية حي قيوم عالم بما كان وما يكون وما هو كائن قادر مريد سميع بصير متكلم، صادق في وعده ووعيده عادل في حكمه وقضائه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأن تجعل ذلك عقيدة راسخة في قلبك وتنطق بها بلسانك».
الجائز: «في حقه تعالى فصفات الفعل كإرسال الرسل وإنزال الكتب والتوسعة
والتضييق في الرزق وخلق المخلوقات في أوقاتها المقدرة في علمه تعالى».
المستحيل أن تؤمن أنه يستحيل في حقه تعالى الحدوث والعدم والفناء والتغير والعجز وحلول الأزمنة والأمكنة والشريك والمعاون والزوجة والولد ومشابهة الخلق في ذات أو صفة أو فعل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» (1).
فالواجب على المكلف إذن أن يعرف الله تعالى معرفة خالصة بكل ما يجب له كل ما يستحيل عليه وأن يعرف ما يجوز في حقه من أعمال حتى يكتمل
وينفي عنه
إيمانه في جنب الله تعالى.
لعل مما ينبغي أن يتساءل عنه بعد هذا هو: هل هذا النوع من المعرفة يوصل إلى معرفة حقيقة الله تعالى في ذاته؟
يجيب الشيخ معمر: بأن على المسلم أن يعرف ربه مخلوقاته، ولا سبيل مطلقا لمعرفة ذات الله تعالى بالتفكير فيه، لأن ذلك مما خص به نفسه فقط؛ حيث يقول: «إن الخالق أعظم من أن يدركه عقل الإنسان أو تصل إليه حواسه ولذلك فيجب عليه أن يتجه بتفكيره إلى المخلوق لأن المخلوقات هي الأثر الدال على الخالق» (2).
(1) - سمر أسرة، ص 44.
(2) - المصدر السابق: ص 29.28.
- 155 - (1/173)
صفحة 174
كما نجد المصادر الإباضية (1) من قبل توسعت في تحليل هذه القضية؛ حيث
تنص أنه من تمام الاعتقاد في الله أن يعلم الإنسان المسلم أنه لن يدرك حقيقة الله تعالى مهما أوتي من العلم وبلغ من المعرفة، وتقرر كذلك أن النصوص الشرعية في مجال العقيدة لا تبحث في ذات الله تعالى ولكنها ترشد إلى ما يبرز جانب عظمته وجلاله في مخلوقاته، وغاية التوحيد هو أن يعتقد المسلم أن الله مغاير لكل مخلوقاته، بل لكل ما يمكن أن يخطر بباله (2).
وفي هذا الصدد يورد الشيخ صالح لعلي أبياتا من الشعر جاء فيها ما يأتي: وكل ما صورته ببالك فا الله حل بخلاف ذلك
وعلم کنه ذاته محال
العجز عن إدراكه إدراك
(1) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 202. .
يعتبر
كان
ممن سواه ولذاك قالوا والخوض في إدراكه إشراك (4)
الأستاذ الجعبيري محاولة علماء الإسلام البحث في حقيقة الذات الإلهية طرف حضاري و علمي هم في غنى عنه؛ وذلك لاعتقادهم المسبق - بناء على ما أتى في النصوص الشرعية أن ذلك درب من المستحيل، بل أن العجز عن الإدراك فيه هو عين الإدراك. لكن مما يلاحظ على الأستاذ أنه لم يشر إلى أن الدافع للبحث في هذه المسألة في كثير من الأحيان بسبب ما يثيره أصحاب الملل الأخرى من شبهات حول حقيقة الله تعالى في الإسلام، مثل عقيدة التثليث عند النصارى، هذا ما يجعل بحثهم وردهم على هؤلاء ليس طرفا حضاريا أو علميا في مثل هذه الحالات، بل هو واجب يمليه عليهم غيرتهم على دينهم وعقيدتهم. كما لاحظ على علماء الكلام والعقيدة ما لاقوه من صعوبة في تطويع اللغة العربية لاستيعاب معاني عالم الغيب عموما وموضوع الذات الإلهية على وجه أخص. وأن البحث في هذه النقطة جعلت منهم يدركون حقيقة محدودية العقل وعجزه في بحث وإدراك بعض المسائل. (البعد الحضاري، ج 1، ص 265).
(2) - وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 110. (3) - صالح بن عمر لعلي (1867 - 1928 م) ولد ببني يزقن تعلم فيها وفي تونس بجامع الزيتونة ضرير البصر، عرف بحافظته القوية، درس في بني يزقن وألقى الدروس في مساجدها، ألف عدة كتب منها: مراقي العوام إلى معرفة مبادئ الإسلام خلاصة المراقي في مبادئ طاعة الخلاق. (يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 177 - 179).
(4) - صالح بن عمر خلاصة مراقي العوام على مجموعة متون دت، ص 29.
- 156 - (1/174)
صفحة 175
ولعل كلام الشيخ معمر يشير بوضوح إلى أنه يجب على الإنسان المسلم أن يعتقد يقينا أن ما زوده الله به من وسائل المعرفة من عقل وحواس هي عاجزة، بل غير صالحة إطلاقا في إدراك ذات الله تعالى، وكل هذا يدفع بالمرء المسلم إلى التسليم في الموضوع والإقرار بأن الله تعالى لا يعرف نفسه إلا هو.
وعندما يصل المرء إلى هذه الدرجة من الإيمان والتسليم الله في معرفته والاعتراف بنقصه وجهله وعجزه أمام علم الله تعالى وكماله يكون بذلك قد أدرك حقيقة التوحيد وبلغ في درجاتها إلى أسمى مراتبها كما مر في الأبيات الشعرية من قبل. بعد معرفتنا للواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى فماذا
كلمة التوحيد؟
• 4 - تعريف كلمة التوحيد:
عن
مما يترتب على الاعتقاد والإيمان بتوحيد الله تعالى الإقرار بكلمة التوحيد فما هي رؤية الشيخ علي معمر للموضوع؟ تعرف كلمة التوحيد بكلمة الشهادة وكذلك بالجملة، حيث يقول الشيخ معمر: «هي الجملة التي يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أن يشهد المكلف أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند الله وتسمى كلمة التوحيد أيضا» (1).
ثم يرى أنها اشتملت على ثلاثة أركان تمثل الأسسن التي انبنى عليها الإسلام: الأساس الأول: هو شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا الركن يشتمل على جميع
ما يوصل إلى معرفة توحيد الله تعالى (?).
(1) - سمر أسرة ص 190. (2) - المصدر السابق ص 45.
-
- 157 - (1/175)
صفحة 176
الأساس الثاني: هو شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه يعرف صاحب الرسالة وخصاله (1).
الأساس الثالث: هو الإيمان برسالة محمد و به تعرف مضامين الرسالة. لعل من الواضح أن الشيخ معمر كان تفصيله لهذا الموضوع نابعا من اهتمامه بتقديم العقيدة للناشئة بصورة واضحة وميسرة ومبسطة، حيث جزأ كلمة التوحيد إلى ثلاثة أسس وبين معاني كل جزء منها؛ حتى يتسنى للمكلف البالغ الذي وجبت عليه أوامر الدين أن يتفهم أولا أصول العقيدة ومدلولاتها الإيمانية ويعتقد بها اعتقادا راسخا.
كما أن اعتماده على تبيين معرفة الله تعالى بالواجب والجائز والمستحيل هو طريق آخر؛ الغاية منه تسهيل إدراك معرفة الله تعالى على الفتى البالغ والعام من الناس؛ الذين لا يرقى فهمهم إلى تلك الأساليب التي تستعمل في علم الكلام، المبنية على المصطلحات الفلسفية والقواعد المنطقية الصعبة المنال.
وفي هذا الشكل من الطرح يكمن البعد الاجتماعي والأخلاقي والإيماني لعرض مسائل العقيدة عند الشيخ علي معمر.
هذا عن مفهوم
كلمة التوحيد فماذا عن الإيمان بها؟
5 - الإيمان بجملة التوحيد
يرى الشيخ علي معمر أنه يجب الإيمان والإقرار بالأركان الثلاثة للشهادة كلها معا، ولا يجزي أخذ جزء منها وترك الجزء الآخر، فمن فعل ذلك فإنه سيبقى في دائرة الشرك حيث يقول: «فإن الإنسان الذي يؤمن بالله ويُصدق بمحمد
(1) - المصدر السابق ص 45
(2) - المصدر السابق: ص 56.
- 158 - (1/176)
صفحة 177
ولكنه يكذب بما جاء به محمد و هو مشرك أيضا، فالإيمان بالله والتصديق برسالته وأنها حق من الله هي الركائز الثلاث التي لا يقوم الإيمان إلا عليها ومن أخل بواحدة منها بقي على الشرك» (1).
كما يرى الشيخ أن الإقرار بالجمل الثلاث وما تدل عليه من التفصيلات كالإيمان بالرسل والكتب والغيبيات وبقية مسائل العقيدة هي شرط في إسلام المرء
ودخوله في المخطط الجغرافي للمسلمين، ولا يكفيه أن يعتقد ذلك في قلبه فقط.
ونجده يشترط أيضا على الإنسان في أول بلوغه وبداية سن التكليف أن يقر بالجملة ولو نشأ في أسرة مسلمة وبين أحضان دولة مسلمة (3) لأن النطق بها سيكون الفاصل بين حياة غير التكليف وحياة التكليف؛ التي ينبغي أن تبدأ بأسس صحيحة في العقيدة والإيمان، وهي متمثلة في تفهيم متمثلة في تفهيم هذا المكلف الجديد معنى التوحيد وما يتضمنه ومعرفة الله تعالى في صفاته وأفعاله، ومعرفة الرسول الكريم في تاريخه وخصاله ولما احتوت عليه رسالته الخالدة.
وليكون الإنسان مسلما حقا يرى الشيخ معمر أن الإيمان والإقرار بالجملة لا يفيد وحده ولا يكفي بل يجب معرفة ما تتضمنه الجملة، وبعد المعرفة يجب العمل بما عرفه الإنسان؛ وحينئذ فقط يكون المرء مسلما حقا، حيث يقول وهو يخاطب الفتى البالغ: إن الإيمان وحده بهذه الجملة لا يفيد بعد أن آمنت بالجملة التي يدعو إليها رسول الله يجب أن تقر بها وبعد أن تقر بها يجب أن تعرف ما تتضمنه وبعد أن تعرف ما تتضمنه يجب أن تعمل بما عرفت وحينئذ تكون مسلما حقا» (4).
(1) - المصدر السابق ص 56.
(2) - الإباضية بين الفرق: ص 408. (3) - سمر أسرة ص 45.
(4) - المصدر السابق: ص 45.
- 159 - (1/177)
صفحة 178
إن هذا الموقف الذي اتخذه الشيخ في ربط الاعتقاد بالإقرار وبالعمل واعتبار كل ذلك كلاً لا يتجزأ وبها يتم الإيمان جميعا؛ هو رأي الإباضية في الموضوع، حيث يرون أن إخلال المرء المسلم بإحدى هذه الأركان الثلاثة يخل بإسلامه كله، وهذا ما سيأتي تحليله في فصله لاحقا.
???
-
- 160 - (1/178)
صفحة 179
تمهيد:
المبحث الرابع
الصفات وأقسامها
موضوع صفات الله تعالى والإيمان بها يعتبر من أهم المباحث المتعلقة بتوحيد الله ومعرفته والإيمان به تعالى فمن خلاله يزداد الإنسان معرفة بربه ويصفه بما يليق
به من صفات الكمال وينفي عنه ما لا يجوز في حقه من صفات النقص والعجز. كما أن هذا المبحث من مباحث العقيدة قد أفاض فيه العلماء بإسهاب كبير منذ العقود الأولى من الحياة الإسلامية بعد العهد النبوي، ودارت في ثناياه وحوله مناقشات ومجادلات كثيرة ملأت بطون الكتب، وشغلت مجالس العلم والعلماء وذلك لما أثيرت فيه من مسائل دقيقة؛ تعددت وجهات النظر حول فهمها وتحليلها؛ وبالتبع تعددت آراء العلماء والمدارس الإسلامية حولها؛ فاتفقت أحيانا واختلفت
أحيانا أخرى، وكل كان له أدلته وبراهينه ومنهجه فيما ذهب إليه.
وسنحاول أن نقف الآن مع آراء الشيخ علي معمر في كل ذلك:
1 - تعريف الصفة:
لغة: مشتقة من فعل "وصف" يصف وصفا وصفة أي نعته، وعند النحاة يقصد به النعت الذي هو اسم فاعل أو اسم مفعول، وهي كذلك بمعنى مثل وشبه
(1) - محمد بن يعقوب الفيروزبادي: القاموس المحيط، ج 2، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت
لبنان 1952 م، ص 211.
- 161 -
-
12 (1/179)
صفحة 180
أما في الاصطلاح فلم نقف على تعريف واضح ومحدد للصفات عند الشيخ لذا نستعين بتعريفات بعض علماء الإباضية معمر،
فهي عند الشيخ اطفيش المعاني المصدرية الخالية من الذات، فإن أريد التعبير بها الذات صيغ منها اسم الفاعل، أو الصفة المشبهة مثل: صياغة العليم والعالم من العلم والقادر والقدير من القدرة والمريد من الإرادة).
عن
ويرى الإباضية أن الصفات أمور اعتبارية أي معان لا حقيقة لها في الخارج؛ وإنما وصف الله تعالى بها نفسه ليخبرنا أن أضدادها منفية ومستحيلة في حقه تعالى، كما أنها أزلية قديمة (2).
أما عند الشيخ معمر فنجد له تحديدا لخواص الصفات حيث يقول: «صفات الباري عز وجل كاملة لا يعتريها نقص ولا تشبه صفات المخلوقين»، فهو بذلك يحدد لها خاصيتين خاصية الكمال وخاصية مخالفة المخلوقات، وهذا ما يتوافق مع الآية المحكمة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى/11]، والشيخ بهذا يعبر عن رأي مذهبه و لم يخرج عن نظرته إلى الموضوع.
هذا عن تعريف الصفات فماذا عن أقسامها:
2 - أقسام الصفات:
عرف للإباضية ثلاث تقسيمات للصفات هي كما يلي:
-
تقسم قسمين صفات ذاتية صفات فعلية، عرف عند أكثر
الإباضية في المشرق (4).
(1) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 119.
(2) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 229.
(3) - سمر أسرة: ص 34.
(4) - السالمي المشارق، ص 175.
- 162 - (1/180)
صفحة 181
2 - تقسم ثلاثة أقسام: صفات ذاتية فقط، صفات فعلية فقط، صفات ذاتية باعتبار وفعلية باعتبار آخر وهو تقسيم آخر لبعض إباضية المشرق (1).
3 - تقسم ثلاثة أقسام: صفات جائزة صفات مستحيلة، صفات واجبة وعرف به إباضية المغرب (2)، وهو يستعمل كذلك للزيادة في معرفة الله تعالى بصفاته (3)
ويرى الشيخ اطفيش أن إباضية المغرب لا يميزون بين الصفات بل يعتبرونها كلها ذاتية، وأما ما دل على أنه فعل فيعتبرونه فعلا دون أن يطلقوا عليه لفظ الصفة، لهذا فالصفة عندهم هي المعاني التي لا أول لها ولا آخر ويستحيل أن يتصف الله تعالى بأضدادها، أما الأفعال فهو ما كان محدود الأول ويجوز اتصاف الله تعالى بأضدادها (4).
والواقع أن إباضية المغرب قد أخذوا بتقسيم المشارقة للصفات واعتمدوه، حيث يعد أكثر دقة وشمولا (5).
(1) - المصدر السابق ص 174.
المقصود بهذا التقسيم أن الصفات الذاتية فقط هي التي دلت على نفي ضدها عن الله تعالى، واتصف بها في الأزل وهي صفات الكمال من العلم والإرادة والحياة ... إلخ، وصفات الفعل فقط هي كل صفة دلت على نفى ضدها عن الله تعالى؛ لكن لم يتصف بها بالفعل في الأزل كالإحياء والإماتة والخلق والحب والبغض، أما النوع الثالث فهي كل صفة تحتمل معنيين متغايرين كقولنا الله تعالى إنه صادق، فبمعنى نفي الكذب عنه تعالى صفة ذات، وبمعنى مخبر بالصدق صفة فعل، وسميع بمعنى نفي الصمم عنه تعالى صفة ذات وبمعنى تقبل الدعاء صفة فعل وهكذا. (السالمي: المشارق، ص 174).
عن
(2) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 250 - 258
(3) - يقول في هذا صاحب كتاب الوضع الشيخ أبو زكرياء الجناوني: «يعرف الله بثلاث: واجب و جائز ومستحيل فالواجب الألوهية والربوبية والوحدانية، والجائزة الخلق والإفناء والإعادة
المستحيل: الشريك والصاحبة والولد (الوضع: ص 31 - 32).
(4) - امحمد اطفيش الذهب الخالص، ط 2، مطبعة البعث، قسنطينة، 1400 هـ - 1980 م، ص 29. (5) -:وينان آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 120.
- 163 - (1/181)
صفحة 182
وقد عرفت عند المدارس الإسلامية الأخرى تقسيمات للصفات مثل ما عند الأشاعرة؛ حيث قسموها إلى أربعة الصفة النفسية الصفات السلبية، صفات المعاني، الصفات المعنوية (1).
أما الشيخ معمر فإنه لم يحدثنا عن التقسيم الذي ارتضاه واتبعه؛ بل لم يهتم بذلك مطلقا، لكن من خلال تحليله للموضوع تكلم عن الصفات الذاتية وسماها صفات الكمال وتكلم عن التقسيم الثالث عند الإباضية - صفات واجبة وصفات جائزة وصفات مستحيلة - في معرض حديثه عن معرفة الله تعالى (2).
هذا عن تقسيم الصفات فماذا عن منهج الشيخ معمر في عرض الصفات؟
3 - إثبات صفات الكمال:
أ - صفة الوجود:
إن صفة الوجود يُستدل عليها وتثبت الله تعالى بدلالة مخلوقاته وآثار وجوده عليه، فوجود المخلوقات وتنوعها وكثرتها وصغرها وكبرها والعناية المحاطة بحياتها وببدائع أعمالها وأشكالها ونمط عيشها؛ كلها أدلة وبراهين صريحة صارخة بوجود الله تعالى، حيث يقول الشيخ معمر: ثم من يستطيع أن ينكر وجود الله وهو يريى آثار وجوده في خلقه» (3).
ويضيف الشيخ استدلالا على وجوده بأن إثبات صفي البقاء والقدم له هي دلالة على وجوده، حيث أنه لو سبق بالعدم لكان مخلوقا وللحقه الفناء، ولكان شبيها بالمخلوق؛ تعالى الله عن ذلك، وبما أنه باق وقديم إذن فهو موجود «وأن
وجوده لم يسبق بعدم ولا يلحقه فناء (4).
(1) - البوطي كبري اليقينيات، ص 108.
(2) - سمر أسرة: ص 29 - 44.
(3) - المصدر السابق: ص 33.
(4) - المصدر السابق: ص 33.
-164 - (1/182)
صفحة 183
لعل من الواضح أن الشيخ معمر في هذا الموضع استعمل أسلوب المتكلمين في إثبات الصفات، رغم محاولته كل مرة الابتعاد عن ذلك، لكن طبيعة الموضوع والنقاش هنا هي التي ألحت وأملت عليه ذلك، ليتمكن من تبيان كيفية إثبات الصفات الكمالية الله تعالى.
ومن
الملاحظ كذلك أن البرهان بالخلف كان حاضرا أكثر من مرة في
مناقشاته، فعندما ينتهي
إلى إثبات صفات النقص والعجز للمخلوقات يرى أن ذلك
برهانا بالخلف على أن الله كامل في صفاته.
ب - صفتا القدم والبقاء:
للاستدلال على اتصاف الله بصفة القدم عرض الشيخ معمر المثال التالي: وهو
متعلق بالمخلوق وفقا لمنهجه الذي شرحناه من ذي قبل:
إن المخلوق محدود بالعدم فهو لم يكن موجودا قبل أن يخلق وهو سيرجع إلى
العدم أي الفناء في يوم
ما» (1)
ويضرب مثالا يقرب به معنى كلامه للناشئة؛ حيث أن أي مدينة على وجه الأرض مهما كان قدمها إلا ولها بداية وأن الأرض في حد ذاتها هي أقدم من جميع هذه المدن التي بنيت عليها.
ثم يرتقي بمثاله ليقارن بين قدم الأرض والشمس فيخلص إلى كون الشمس أقدم من الأرض، لكونها جزءا منها ثم حدث الانفصال عنها، كما يوجد في الكون ما هو أقدم من الشمس كذلك لكونها جزءا منه، وهكذا ليخلص إلى أن المخلوقات جميعها ولو تفاوتت في القدم فلها بداية وبدايتها اليوم الذي وجدت أو
خلقت فيه.
(1) - المصدر السابق: ص 29. (2) - المصدر السابق: ص 29.
-
- 165 - (1/183)
صفحة 184
وبعد أن أثبت لها بداية، تساءل الشيخ عن خلودها أو عن عدم فنائها: «وهل ترى أن هذه الأشياء أو بعضها خالدة لا يتناولها الفناء؟ فيجيب: إن الشيء الذي أوجد من العدم لا يستعصي عليه الفناء» ()، وبذلك يصل البرهان إلى إثبات محدودية المخلوقات كلها بالبداية والنهاية.
إذن ما دامت البداية والنهاية، أي العدم من صفات المخلوقات وما دام الله تعالى مخالف لمخلوقاته فإنه يستحيل أن يكون من صفاته العدم، إذن: فهو قديم بلا
بداية باق بلا نهاية (2).
ج-صفة العلم:
استدل الشيخ على صفة العلم بالرجوع إلى وصف وتحديد طبيعة علم الإنسان، حيث يقول: إن كلمة الاطلاع مناسبة جدا في وصف معارف الإنسان، أن الشخص يعرف الأشياء التي اطلع عليها، ويجهل الأشياء التي لم يتح له أن يطلع عليها ومعنى هذا أن علمه مها كان واسعا محدود» (3).
فهي تعني "
وبما أنه في حد ذاته محدود فبالضرورة أن تكون جميع أوصافه محدودة، لأنه خلق في زمن من الأزمنة قد سبقته أزمان فهو لا يعرفها ولأنه سيفني وستحدث أشياء من بعده لا يعرفها، وما كان في زمانه فإنه يعرف ما اتصل بحواسه المحدودة فقط (4).
فبما أن علم المخلوق مهما عظم واتسع محدود بالجهل في بدئه ونهايته مكتنف به من جميع جهاته» (5)، إذن فصفة العلم عند الله سبحانه وتعالى مخالفة لصفة العلم
(1) - المصدر السابق: ص 30.
(2) - المصدر السابق: ص 30.
(3) - المصدر السابق: ص 34.
(4) - المصدر السابق: ص 34 - 35 (5) - المصدر السابق ص 35.
-
- 166 - (1/184)
صفحة 185
عند المخلوق، «فهو عليم بما كان وما يكون وما هو كائن»)، كما أتى قوله تعالى محددا هذه الصفة: عَالِمُ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّين} [سبا/3].
بعد هذا نجد الشيخ معمر يعمم منهجه هذا في الاستدلال على صفة العلم بهذا المثال على بقية صفات الله تعالى الكمالية الذاتية من قدرة وإرادة وحياة وسمع وبصر، حيث يقول: «وعلى هذا المثال جميع صفات الباري سبحانه وتعالى من القدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر ... أي أن صفات الباري عز وجل كاملة لا يعتريها نقص ولا تشبه صفات المخلوقين» (2).
ويخلص الشيخ بعد الانتهاء من الاستدلال على الصفات وإثباتها إلى أن المقصد الذي يجب على الإنسان المسلم معرفته من صفات الله تعالى ومعنى الوصف له بهذه الصفات إنما هو نفي أضدادها، فالله تعالى حي ليس بميت، عليم ليس بجاهل، قادر ليس بعاجز، مريد ليس بمستكره، متكلم ليس بأخرس، سميع ليس بأصم، بصير ليس بأعمى، سبحانه وتعالى (3).
وبذلك يكون الشيخ قد وفى بالتعريف الذي وضعه للصفات بتحديد خصلتين لها؛ وهما الكمال ومخالفة المخلوقات، فعندما نثبت له هذه الضفات نكون قد أثبتنا له الكمال، وعندما ننفي عنه أضدادها نكون قد أثبتنا له مخالفة وعدم مشابهة المخلوقات.
-4 - الصفات الواجبة والجائزة والمستحيلة إلى جانب هذا التحليل لموضوع الصفات حسب التقسيم الأول؛ نجد لدى تحليلا آخر حسب التقسيم الثالث للصفات عند المدرسة الإباضية؛
الشيخ معمر
(1) - المصدر السابق: ص 35. (2) - المصدر السابق ص 36 (3) - المصدر السابق: ص 36.
-
- 167 - (1/185)
صفحة 186
المتمثل في تقسيمها إلى صفات واجبة وصفات جائزة وصفات مستحيلة، وهو ما تطرق إليه في مبحث التوحيد، حيث عده سبيلا لمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته، فيقول: يعرف الله تعالى بثلاث: واجب وجائز ومستحيل» (1).
فتَضَمَّنَ الواجب أصل التوحيد وصفات الكمال أو الصفات الذاتية حيث يقول: «فالواجب أن تؤمن إيمانا خالصا أنه لا إله الله الواحد الأوحد لا شريك له في ملكه موجود بغير مشاهدة قديم بلا بداية باق بلا نهاية حي قيوم عالم بما كان وما يكون وما هو كائن قادر مريد سميع بصير متكلم صادق في وعده ووعيده عادل في حكمه وقضائه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم» (2).
وتَضَمَّنَ الجائز أهم صفات الفعل التي يتصف الله بها بفعله لها «كإرسال الرسل وإنزال الكتب والتوسعة والتضييق في الرزق وخلق المخلوقات في أوقاتها المقدرة في علمه تعالى» (3).
وتَضَمَّنَ المستحيل نفي صفات العجز والنقص والمشابهة عن الله تعالى «كالحدوث والعدم والفناء والتغير والعجز وحلول الأزمنة والأمكنة والشريك والمعاون والزوجة والولد ومشابهة الخلق في ذات أو صفة أو فعل» (4).
ولعل هذا النوع من التقسيم للصفات هو الأقرب إلى عقول الناشئة في معرفة خالقها ووصفه بما يليق به ونفي ما يستحيل عنه تعالى؛ لأنه يبتعد عن تلك الأساليب الكلامية في الاستدلالات والبراهين التي شاهدناها في إثبات صفات الكمال، ومن جهة أخرى يحدد معان واضحة ومجملة للصفات.
(1) - المصدر السابق: ص 43. (2) - المصدر السابق: ص 43 - 44. (3) - المصدر السابق: ص 44. (4) - المصدر السابق: ص 44.
- 168 - (1/186)
صفحة 187
- 5 - علاقة الذات الإلهية بالصفات
مما أخذ كذلك جهدا من علماء العقيدة والكلام، واستنزف الكثير من أوقاتهم، واستعصر قدراتهم الفكرية مسألة علاقة الصفات بذات الله تعالى وكيفية نسبتها إليه تعالى، وقد تعددت حولها الآراء وكثرت المناقشات والمجادلات فيها؛ ومن المناسب قبل معرفة نظرة الشيخ معمر للموضوع أن نورد جملة آراء المدارس الكلامية حولها: حيث يمكن أن نميز ثلاثة مواقف حول المسألة:
الموقف الأول: يرى أن الأجدر بالمسلمين منع الكلام في الموضوع، وذلك تحرجا من الوقوع في المحذور بالقول بالمغايرة بين ذات الله تعالى وصفاته، وهذا ما ينتج عنه اعتقاد تعدد الآلهة وتعدد القدماء وهو محض الشرك، وكذلك حذرا من الاعتقاد بتعطيل صفات الله تعالى، وذلك بالقول بعدم المغايرة بين الذات والصفات. وقد ذهب هذا المذهب أصحاب المدرسة السلفية (1).
الموقف الثاني: يرى أن صفات الله تعالى ليست عين ذاته ولا غير ذاته، بل هي قائمة بذاته؛ إذ لا يمكن أن يتصور أن الله تعالى حي بدون حياة أو عالم بدون علم أو مريد بدون إرادة، واستدلوا بأدلة عدة (2) منها قول الله تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ انْثَى وَلَا تَضَعُ
إِلا بِعِلْمِهِ} [فاطر /11] وإلى هذا المذهب ذهبت المدرسة الأشعرية.
(1) - محمد بن أبي العز: شرح الطحاوية المكتب الإسلامي، بيروت لبنان 1399 هـ، ص 129 - 130. (2) - تعرض الشيخ البوطي للمسألة وفصل الحديث فيها مبينا كيفية تعلق هذه الصفات بالذات الإلهية، كما حاول الرد على ما قالت به المعتزلة من الزامات لمذهب الأشاعرة الذي يرى أنها قائمة بذاته (البوطي كبرى اليقينيات، ص 118 - 130).
1
(3) - أحمد محمود صبحي في علم الكلام الأشاعرة)، ط 5، ج 2، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1405 هـ - 1985 م، ص 62.
- 169 - (1/187)
صفحة 188
الموقف الثالث:
يرى أن الصفات عين الذات لا منفصلة عنها ولا هي شيء مغاير لها، وهو ما ذهب إليه أصحاب المدرسة الإباضية والمدرسة الاعتزالية، كما ردت على تهم المدرسة الأشعرية القائلة بأن أصحاب هذا الموقف يعطلون الصفات (1).
عن
هذه هي رؤية المدارس الإسلامية أما الشيخ معمر ففي حقيقة الأمر كان كلامه المسألة واستدلاله عليها مختصرا جدا، وهو موجه إلى الناشئة
بوجه أخص: وقد ذهب مذهب الإباضية والمعتزلة في اعتبار الصفات عين الذات، ولم يخالف مذهبه في ذلك بل حاول شرح رأيهم بأسلوب بسيط وتقديمه للناشئة بطريقة ميسرة حيث يقول: «صفات الباري عز وجل ذاتية ليست زائدة على الذات ولا قائمة بها ولا حالة فيها»، ويضيف توضيحا آخر لها: «أي أن صفات الباري عز وجل كاملة لا يعتريها نقص ولا تشبه صفات المخلوقين لأنها عين ذاته تعالى ليست زائدة عن الذات ولا قائمة بها فهي موجودة بوجود ذاته تعالى قديمة بقدمها باقية ببقائها كاملة بكمالها» (3).
واستدل الشيخ على رأيه هذا بدليل بسيط اتبع فيه منهجه الذي خطه لنفسه منذ البداية وهو مخالفة الخالق للمخلوق، فبما أن صفات المخلوق تكون خارجة عن ذواتهم وأنهم يكتسبونها بالعمل وبذل الجهد فإن الله بخلاف ذلك لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، حيث يقول: فهي موجودة بوجود ذاته تعالى
(1) – أبو يعقوب يوسف الوارجلاني: الدليل والبرهان، تح سالم بن حمد الحارثي، مج 1، ج 1، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1403 هـ / 1983 م، ص 41 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تح: عمار طالبي ج 1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398 هـ- 1978 م، ص 429 - 432. القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ج 1، 119 - 145، -
أبو ريان: الفكر الفلسفي في الإسلام، ص 161.
(2) - الإباضية دراسة مركزة: ص 57.
(3) - سمر أسرة ص 36.
- 170 - (1/188)
صفحة 189
قديمة بقدمها، باقية ببقائها كاملة بكمالها ... أما صفات المخلوقين فهي خارجة عن ذواتهم تقوم بها أو تحل فيها، فإن المخلوق يكون عاجزا حتى إذا استطاع أن يقوم بعمل وصف بالقدرة عليه ويكون جاهلا فإذا عرف شيئا وصف بالعلم به وهكذا بقية الصفات» (1).
إذن: فبما أن صفات الله تعالى لا تشبه صفات المخلوقين، وأن صفات المخلوقين يلزم أن تكون شيئا زائدا وخارجا عن الذات وأنها تكتسب بالجهد وبمرور الزمن، فإن صفات الله تعالى مغايرة لها لا تشبهها، فهي إذن عين ذاته ليست شيئا غير الذات وليست حالة فيها ولا قائمة بها فهي موجودة بوجود ذاته تعالى قديمة بقدمها باقية ببقائها كاملة بكمالها» (2).
لعل هذا الدليل العقلي الذي ركز عليه الشيخ لإثبات كون الصفات عين الذات رغم بساطته ووضوحه؛ فإننا نجد علماء الكلام في المدرسة الإباضية والمعتزلة قد غفلوا عنه ولم يوردوه مع القائمة الطويلة للأدلة المنطقية والإلزامية التي عادة ما يعتمدون عليها للاستدلال على مذهبهم.
كما أن هذا الدليل في حقيقة الأمر -حسب رأينا - يعد أقرب وأولى في الاستدلال من غيره؛ لكونه يتوافق مع الأصل العام للمسألة وهو قول الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى/11]، أي بما أن الله تعالى مخالف لمخلوقاته في كل شيء؛ فمن الضروري أن يخالفهم في تعلق صفاته بذاته، فالبشر لابد لهم من جهد ووقت حتى يكتسبوا الصفات، وعند اكتسابهم لها تصبح متعلقة بهم ومخالفة لذواتهم، وهذا يستلزم أن يكون الله مخالفا لهم، وهو ما تخبر به الآية الكريمة السابقة.
وبذلك يكون الشيخ معمر في هذه المسألة قد تنبه إلى دليل عميق وقريب إلى الأذهان في الوقت ذاته، وهو يتوافق ويتماشى مع الأصل العام لموضوع الصفات
(1) - المصدر السابق: ص 36.
(2) - المصدر السابق: ص 36.
- 171 - (1/189)
صفحة 190
والتوحيد، وقد استطاع توظيفه بصياغته بأسلوبه المبسط والمعاصر حتى تتمكن
الناشئة من فهمه واستيعابه.
لعل من الواضح أن الشيخ معمر في هذه المسألة قد خاض في موضوع معقد وعال المنال على الناشئة والعامة من الناس، إلا أننا رأيناه يحصر استدلاله فيه بالرجوع إلى منهجه المعتمد في معرفة الخالق على معرفة المخلوق ومخالفة الخالق للمخلوق.
-
وإن كان هذا الدليل لوحده غير كاف -حسب رأينا للاستدلال على موقفه هذا، مقابل أدلة علماء المدارس الكلامية الأخرى؛ لكن يبدو أن اعتبار الشيخ عرضه موجه للناشئة، جعله يعتقد أن الدليل الذي أورده كان كافيا لإقناعهم، وهو أقرب إلى تصورهم من بقية الأدلة المبسوطة في كتب العقيدة والكلام.
مع ذلك يبدو أن الشيخ شعر بهذا الأسلوب الكلامي الفلسفي الذي استعمله في هذه المسألة في استدلاله على الصفات وكذا في استدلاله على وجود الله وعلى توحيده بصفة عامة، والذي لم يكن معهودا في عهد رسول الله في تلقين وتفهيم مسائل العقيدة؛ فأورد ذلك على شكل استفهام عرضه كما يلي:
فأنا فيما عرفت في مسيرة رسول الله ودعوته للناس إلى الإسلام لم أعلم أنه كان يتعرض لمثل هذه المباحث والمناقشات وإنما كان يدعو إلى جملة التوحيد، فإذا استجيب له قال لأصحابه رضوان الله عليهم: فقهوا أخاكم في الدين أو علموه الفرائض» (1)
فيجيب عن استفهامه بأن الناس في الزمان الماضي في عهد رسول الله لم يكونوا معرضين لما يتعرض الناس له اليوم من أفكار وفلسفات شتى، الكثير منها يسان ديانات باطلة، أو أفكارا دخيلة لا علاقة لها بالإسلام، لذا فمن الضروري على الناشئة التي ستنفتح على مختلف العلوم في دراستها ومطالعاتها وستحتك
(1) - المصدر السابق: ص 37.
-
- 172 - (1/190)
صفحة 191
بمختلف التيارات في حياتها العملية أن تتدرب على مثل هذه المناقشات وعلى هذا النوع من التفكير والاستدلال حتى يحصل لها الاقتناع العقلي بما تعتقده، ويكون باستطاعتها التفطن للشبه وللأفكار الباطلة ثم مناقشتها والرد عليها).
ومنهجه
إن المتفحص لكلام الشيخ هذا يشعر لأول وهلة أنه يناقض نفسه الذي سار عليه في كامل مباحث التوحيد، في محاولته تقديم العقيدة إلى الناشئة خالية من كل الاستدلالات الفلسفية والبنايات المنطقية للبراهين. ثم نجده في هذا الموضوع يبرر اعتماده على هذا النوع من الخطاب والاستدلال الفلسفي، بل يدعو الطلبة والمهتمين بمختلف العلوم العصرية للتدرب على استعمال هذه المناقشات والأساليب التفكيرية؛ حتى يحصل لهم الاقتناع في تبني الآراء، والمقدرة على دحض الشبه ومناقشة ورد الأفكار الدخيلة.
ولعلنا نستطيع أن نقول إن الشيخ قد حاول قدر المستطاع عرض مسائل العقيدة بعيدا عن منهج المتكلمين والفلاسفة، لكن عندما يجد هذا المنهج هو الاختيار الوحيد، أو الطريق اللازم سلوكه فإننا نجده يعتمده ويراه ضروريا لإيصال فكرته.
كما نسجل عليه في هذه النقطة خوضه في مسألة عقدية معقدة وصعبة، وفي ذات الوقت مستحدثة أي لم تكن معروفة في العهد النبوي، وكان من الأجدر به وهو يقدم عرضه هذا للناشئة بالدرجة الأولى - أن يكتفي في عرض موضوع الصفات على
توضيح معانيها الإجمالية وإثبات الكمال الله تعالى دون التطرق إلى المسألة أصلا. كما أننا بالإمكان أن ننظر إلى موقف الشيخ هذا من زاوية أخرى كما أشار هو بنفسه لذلك من كونه يعلم يقينا أن هذا الشباب المثقف والجامعي الذي تفتحت له أبواب المعرفة على مصراعيها وتعددت مصادرها أمامه سيلتقي حتما يوما ما مع ما دار حول هذه المسألة من كلام في أحد الكتب، أو أثناء إحدى
(1) - المصدر السابق: ص 37.
- 173 - (1/191)
صفحة 192
المناقشات فيستفسر عنها ويحاول معرفة الآراء حولها؛ لذا رأى من الواجب عليه أن يشير إليها مبينا قناعته فيها ولو استعمل في ذلك المنهج الكلامي الفلسفي، الذي أنه لا يحبذه كثيرا ويبتعد عنه أثناء عرض مسائل العقيدة.
يدو
6 - الصفات الخبرية
احتوى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على مجموعة من النصوص تتضمن الحديث عن صفات الله تعالى يفيد ظاهرها تشبيه الله تعالى بمخلوقاته؛ كنسبة الجوارح له تعالى؛ من يد ووجه وعين، وكذا نسبة بعض أفعال المخلوقات كالمشي والنزول والاستواء.
وهو ما يتعارض مع الآيات المحكمة في الموضوع كقوله تعالى: {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص]، وقوله تعالى: {وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى/11].
هذا ما جعل من علماء العقيدة والكلام يدلون بآرائهم حول هذه النصوص ويحاولون أن يجمعوا بين الأصول العامة في توحيد الله تعالى وبين هذه النصوص، وقد تعددت رؤيتهم إليها بين مُثبت ومُؤَوّل لها، وهذا باختصار أهم آراء المدارس الإسلامية حولها:
1 - المدرسة السلفية:
ترى أن كل هذه الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه في كتابه الكريم أو أخبرنا بها رسول الله في أحاديثه مثل الوجه والعين واليد أو النزول والمجيء ينبغي التسليم بها والاعتقاد بثبوتها دون تأويل للنصوص ولا صرفها عن معناها الظاهري، ودون تحديد كيفية اتصاف الله تعالى بها. وهذا ما يعرف بمذهب التفويض (1).
(1) - أحمد ابن تيمية: مجموعة الرسائل الكبرى، ط 2، ج 1، دار إحياء التراث القومي والثقافة العربي،
- 174 - (1/192)
صفحة 193
2 - المدرسة الأشعرية
ذهبت نفس مذهب المدرسة السلفية، فأثبت الصفات الخبرية، والفرق بينهما يكمن في أن الأشاعرة أثبتوا هذه الصفات وفوضوا كيفية اتصاف الله بها، لكي لا يقعوا في دائرة التشبيه والتجسيم. وهذا مذهب آخر في التفويض. وقد عرف أصحابه بالبلاكفة؛ أي إثبات الصفات بلا كيف (1)، كما هو معروف مذهب الإثبات والتنزيه في ذات الوقت (2).
-3 المدرسة الإباضية والمدرسة الاعتزالية:
تريان أن هذه النصوص من المتشابه، وأنه يجب أن تؤول بما يفيد المعنى المناسب في تنزيه الله تعالى من كل تشبيه أو تجسيم، وترك النصوص على ظاهرها ينافي الآيات المحكمة من القرآن الكريم؛ والتي تجمع على تنزيه الله تعالى عن كل صفات النقص والعجز وعن مخالفته المطلقة لكل مخلوقاته (3).
صريح
بيروت لبنان، 1392 هـ - 1972 م، ص 473 - 475 - ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص 54. (1) - أحمد صبحي: في علم الكلام (الأشاعرة)، ج 2، ص 65 - 66. (2) - في هذا ننقل كلام الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس معبرا عن هذا المذهب: «نثبت له تعالى ما أثبته لنفسه على لسان رسوله من ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وننتهي عن ذلك ولا نزيد عليه، وننزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته .. ونثبت الاستواء والنزول ونحوهما، ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف، وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد عبد الحميد بن باديس العقائد الإسلامية، رواية وتع محمد الصالح رمضان، ط 3، دار الكتب الجزائر، 1989 م، ص 62).
(3) - السالمي: المشارق، ص 207 - 211. - أحمد صبحي: في علم الكلام (المعتزلة)، ج 1، ص 125 - 129. لقد أرجع الشيخ أحمد الخليلي عدم تأويل هذه الآيات التي يفيد ظاهرها التشبيه إلى إنكار بعضهم للمجاز، ويرى أنهم في ذلك على أصناف؛ منهم من ينكره في كلام العرب رأسا، ومنهم من يثبته في كلام العرب وينفيه عن القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو بذلك يرى أن إنكار المجاز سواء من كلام العرب أو من كلام الله أو كلام رسوله الكريم هو مكابرة صريحة للعقل وتحدٍ
- 175 -
- (1/193)
صفحة 194
أما الشيخ معمر فإنه اتبع رأي مذهبه في هذه المسألة؛ حيث يرى أن الأصل
العام للعقيدة هو التنزيه المطلق الله تعالى، فعلى هذا الأساس؛ فكل ما ورد من النصوص يفيد التشبيه فهو من المتشابه لذا يجب تأويله بما يفيد المعنى المناسب في الآية ويتوافق مع أصل التنزيه حيث يقول: «الأصل العام في عقيدة الإباضية هو التنزيه المطلق للبارئ جل وعلا، وكل ما أوهم التشبيه من الآيات القرآنية الكريمة أو
الأحاديث النبوية الثابتة يجب تأويله بما يناسب المقام ولا يؤدي إلى التشبيه» (1). ثم يعطي أمثلة على المعاني المؤولة لهذه الصفات فيقول: «فقالوا عن العين إنها العلم والحفظ وقالوا عن اليد إنها النعمة والقدرة وقالوا عن الاستواء إنه الملك والقهر والغلبة» (2).
وهذه أمثلة.
ومعانيها المؤولة:
أ - العين
عن بعض الآيات والأحاديث في موضوع الصفات الخبرية
قول الله تعالى: {وَلْتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه/39]، أي بعلم مني ومرادي وحفظي، تَجْرِي بأعيننا [القمر /14]، أي بعلمنا.
ب - الوجه:
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ} [الإنسان/9]، أي نريد ثواب الله، ونقصد رضا الله، وَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن /27]، {كُلُّ شَيْءٍ
هَالِك إِلا وَجْهَهُ} [القصص/88]، أي ذات الله تعالى.
للواقع الذي لا يحتاج في وضوحه إلى دليل، ثم يذهب مفصلا في بيان مكانة المجاز في لسان العرب والقرآن الكريم، واعتباره نوعا من الإعجاز القرآني بضرب أمثلة كثيرة على كل
ذلك. (المشارق: هامش ص 207 - 209) ..
(1) - الإباضية دراسة مركزة: ص 57. (2) - الإباضية بين الفرق الإسلامية ص 385.
- 176 -
- (1/194)
صفحة 195
ج – اليد:
انَ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح/10]، أي بمعنى القوة والمنة، خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص/25]، أي توليت خلقه بنفسي، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان} [المائدة/64]، أي بمعنى النعمة والقدرة والرزق والسخاء.
د الأصابع
قول الرسول: «إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل» (1) بمعنى الحكم على الشيء والمقدرة عليه والتصرف فيه.
هـ - الاستواء:
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد/2)، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
[طه/5]، أي بمعنى السلطان والظهور والغلبة والإحاطة والقدرة (2).
ومن المناسب أن نختم هذه المسألة بتقسيم الشيخ معمر للقائلين بالصفات
الخبرية:
فهو يعتبرهم مشبهة ويقسمهم ثلاثة أقسام:
1 - المجسمة: هم الذين يعتقدون أن الله تعالى جسم كأجسامهم بطول وعرض ولون وجوارح محددة.
2 - أشباه المجسمة: وهم الذين يعتقدون أن الله تبارك وتعالى جسم كالأجسام بطول وعرض إلا أنهم يحترزون بكلمة: «ونحن لا نعرف ذلك».
(1) - أحمد: باقي مسند المكثرين رقم: 11697.
(2) - ينظر: الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 274 - 284.
إذ بين رأي الإباضية في الألفاظ الواردة في القرآن الكريم الدالة على الصفات الخبرية الموهمة
للتشبيه، ثم بين وجه التأويل فيها ..
-
- 177 -
13 (1/195)
صفحة 196
3 - هم
أغلبية المسلمين من غير الإباضية والزيدية والمعتزلة الذين يعتقدون تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الخلق ولكنهم يثبتون المعاني الحرفية لبعض الكلمات التي وردت في القرآن الكريم تثبت له الحركة أو الجوارح كاليد والعين فيسكتون عن تأويلها بالمعنى المناسب ويقولون كما أراد الله، فهم يثبتون معانيها ويفرون من التشبيه بإعلان التنزيه (1).
ويحكم الشيخ على القسم الأول والثاني بالشرك لتجسيمهم الله تعالى
وتصويرهم له بصورة المخلوق، ولا يرى فرقا بينهم وبين عبدة الأوثان. أما القسم الثالث فيرى أنهم أخطؤوا في التأويل وأن عقيدتهم التنزيه، لكن لم يعملوا على تأويل معاني الصفات الموهمة للتشبيه لتوافق ولتفيد التنزيه.
7 منهجه في عرض الصفات في حقيقة الأمر إن المنهج الذي اتبعه الشيخ معمر في عرضه لمواضيع العقيدة والمتمثل في تبسيط مسائلها ومحاولة الرجوع بها إلى نهج رسولها الكريم في ملء قلوب أصحابه، وتقديمها إلى الناشئة من الأمة الإسلامية وإلى العامة من الناس؛ البعيدين عن فهم مصطلحات علم الكلام وتفريعات مسائله المعقدة جعله لم يهتم كثيرا بما أتى عند علماء الكلام من إثارة ومناقشة للقضايا التي وقع فيها تعدد وجهات النظر، بل عمل على عكس ذلك حيث وجدنا له آراء في محاولة تقريب بينهم في رؤيتهم لهذه المسائل كما سنتعرض لهذا لاحقا واعتبار خلافاتهم إما لغوية أو أنها ليست في أصول العقيدة بل هي من جزئياتها وتفريعاتها التي يجوز تعدد الرأي حولها، ولعل هذا هو السبب الذي جعل الشيخ يورد موضوع صفات الله تعالى مرتبطا مباشرة بموضوع الإيمان بالله تعالى وتوحيده وتمام معرفته.
الشقة
(1) - الإباضية بين الفرق ص 385.
(2) - المصدر السابق: ص 385.
(3) - المصدر السابق ص 282 - 287، 385.
- 178 - (1/196)
صفحة 197
كما أنه اتبع نفس المنهج الذي سار عليه في الوصول إلى معرفة الله تعالى
وإثبات وجوده والإيمان به وإفراده بالوحدانية والمتمثل في التوجه بالتفكير إلى المخلوق لمعرفة الخالق لأن المخلوقات هى الأثر الدال على الخالق (1) الخالق» (1).
وكتطبيق لهذا المنهج نرى الشيخ معمر في إثباته لصفات الله تعالى الذاتية يورد مثالا لإحدى المخلوقات المشاهدة لدى كافة الناس والقرية من مداركهم وتصوراتهم ثم يثبت عن طريق الحوار مع الناشئة الممثلة في دور الابن في كتابه سمر أسرة مسلمة، أن من صفاتها ولوازمها النقص والضعف؛ إذن فمن المستحيلات في حق الله تعالى أن تكون هذه الصفة من صفاته، وبذلك يثبت عكس تلك الصفة له وهي صفة الكمال، وهكذا الأمر مع بقية الصفات.
وأفعاله
وهذا وفقا للآية العامة والجامعة التي تعتبر الأصل في توحيد الله تعالى في صفاته وهي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى/11]، أي مخالفة الله تعالى
لجميع مخلوقاته وعدم مشابهته لهم.
هذا
عن صفات الله تعالى ومنهج الشيخ علي معمر في عرضه لها؛ وتبقى مسألتان متعلقتان بالموضوع جال فيهما علماء الكلام وكثرت كتاباتهم حولهما واختلفت آراؤهم فيهما، ألا وهما مسألة رؤية الله تعالى ومسألة خلق القرآن،
فكيف كان موقف الشيخ معمر منهما؟.
(1) - سمر أسرة ص 29.
- 179 - (1/197)
صفحة 198
المبحث الخامس
مسائل متعلقة بالصفات
أولاً مسألة الرؤية:
رغم ما أثير من جدال حول هذه المسألة (1) فإن الشيخ معمر لم يتطرق في كتاباته العقدية إلى الموضوع إلا بشكل عارض وبصورة مختصرة جدا، فكان كلامه أثناء حديثه عن معرفة الله تعالى وإثبات صفات الكمال له ونفي صفات الخلق
عنها
والنقص عنه.
كما طرح المسألة في موضع من كتاباته العقدية بوجهة نظر أخرى؛ محاولا فيها التقريب أو الجمع بين آراء المدارس الكلامية في المسألة.
وبالطبع فقد اتبع رأي مذهبه فيها وهو القول باستحالة رؤية الله تعالى، وأما أدلته فقد أوجزها في مسألة نفي الحدود عن الله تعالى، أي أن الرؤية المعهودة لدى البشر أو ما يدخل في نطاقها من التصور والتخيل لشيء ما؛ لابد أن يكون محدودا بالشكل واللون والحجم والزمان والمكان أو بعضها.
وبما أن الله تعالى مخالف لمخلوقاته ولا يشبهها في شيء؛ إذن فالرؤية مستحيلة في حقه تعالى لأنها تلزمه جملة من صفات النقص والعجز والاحتياج؛ تعالى الله عنها.
(1) - لمعرفة تفاصيل أكثر عن الموضوع ينظر: أحمد الخليلي: الحق الدامغ، مسقط، سلطنة عمان، 1407، ص 23 - 96 - عزة محمد عبد المنعم زايد: رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين، رسالة
ماجستير في العقيدة والفلسفة الإسلامية، ط 1، نشر مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1980 م.
•
Pierre Cuperly: Introduction a L'étude De L'ibadism Et De Sa Théologie, OPU, Alger, 1984, 1/p 300.
- 180 -
(2) - سمر أسرة: ص 31. (1/198)
صفحة 199
هذا
هو دليله الوحيد على استحالة الرؤية، ولم يول للموضوع اهتماما أكثر من ذلك كما سلف أن قلنا - ولعل كونه في معرض تقديم العقيدة للناشئة كان كالعادة دائما المعلم الموجه له في شرح المسائل العقدية، حيث يكتفي بما يؤدي مع مراعاة الاختصار والوضوح وتبسيط المفاهيم.
المقصد
ويوصله
ولعل الأمر يختلف تماما عند أغلب علماء العقيدة والكلام في القديم والحديث، فنجدهم يفردون مباحث وفصولا لمناقشة القضية ويردفونها بجملة من الأدلة النقلية من القرآن الكريم والسنة النبوية ثم الأدلة العقلية)، وبعد ذلك ينتقلون للرد على أدلة الطرف الآخر وإيراد الحجج المبطلة لها، وهذا العمل مما يشترك فيه المثبتون للرؤية والنافون لها على حد سواء.
وبالإمكان أن نرجع هذا الاهتمام الكبير بالمسألة ومعالجتها بهذه الصورة إلى كونها متعلقة مباشرة بأقدس ما يؤمن به الإنسان المسلم ويعتقده؛ ألا وهو
الله تعالى. أما من الوجهة الثانية فقد وجدنا الشيخ معمر في كتاباته التي أخذت طابعا فكريا إصلاحيا، يسعى لتوحيد كلمة المذاهب الإسلامية، أو على الأقل التقريب من شقة الخلاف بينها، كما حاول النظر إلى هذا الاختلاف نظرة بنائية وتكاملية وتنوعية لا نظرة عداء وتصادم وصراع.
(1) - من المصادر العقدية التي تعرضت إلى الموضوع بنوع من التفصيل: المشارق: للسالمي، البعد الحضاري للجعبيري. الإبانة: للأشعري. كتاب التوحيد للماتوريدي الإحياء للغزالي. الكشاف للزمخشري. شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار. الرسائل الكبرى لابن تيمية - شرح الطحاوية لابن أبي العز .. (2) - هذه الكتب هي: موسوعته التاريخية الفكرية: الإباضية في موكب التاريخ، بحلقاته الأربعة: 1 - نشأة المذهب الإباضي 2 الإباضية في ليبيا -3 الإباضية في تونس 4 - الإباضية في الجزائر. وكتابه الإباضية بين الفرق الإسلامية، الذي أطل الشيخ من خلاله بفكره النير وقلبه المتسع؛ في اقتراح الحلول لمشاكل المسلمين وخلافاتهم فيما بينهم، والدعوة إلى توحيد صفوفهم ونبذ صور الفرقة والتعصب، والسعي لأجل الوحدة والتسامح والتعاون ..
-
- 181 - (1/199)
صفحة 200
فحاول أن يبلور موقفا وسطا يقرب فيه بين الأطراف في القضية، فرأى
أن فيه ثلاثة أطراف طرفان متطرفان و طرف وسط معتدل، وهو الالتقاء بين المذاهب.
مكان
أما الطرف المتطرف الأول فهو الذي أثبت الرؤية بكل حيثياتها التي تؤدي صراحة إلى التشبيه والتمثيل والتحديد.
والطرف المتطرف الثاني هو الذي نفى الرؤية إلى حد نفي حصول كمال العلم
با الله تعالى.
وبين الموقفين يوجد الطرف المعتدل الذي يلتقي فيه أصحابه لقاء متقاربا ويكاد يكون كاملا، وهو يتمثل فيما ذهب إليه بعض علماء أهل السنة (1) من أن الرؤية تعني حصول كمال العلم بالله تعالى مع نفي كامل للصورة التي يتخيلها الإنسان، وما يستلزم ذلك من صفات النقص والتشبيه، وما ذهب إليه علماء الإباضية (2)
(1) - يقصد بذلك الإمام أبا حامد الغزالي الذي يعتبر أن رؤية الله تعالى يوم القيامة هي نوع من الكشف والزيادة في العلم بالله تعالى وصفاته، وهي نوع من الرؤية القلبية التي تمكن الإنسان من مزيد العلم بالله تعالى ومعرفته. (الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 1403 هـ - 1983 م، ص 44 - 45).
أن
كما أنه ينزه الله تعالى من أن يرى في اليوم الآخر بمواصفات الرؤية الإنسانية، وهذا ما يفهم من قوله في كتابه إحياء علوم الدين: «أما وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال فإن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس في جهة، وكما يجوز أن يرى الله تعالى وليس في مقابلتهم جاز يراه الخلق من غير مقابلة، وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يُرى كذلك» (إحياء علوم الدين ج 1، دار الثقافة الجزائر، 1411 هـ - 1991 م، ص 187). (2) - هذا ما ذهب إليه مثلا الشيخ نور الدين السالمي في كتابه المشارق، حيث يقول: «قلنا: أراد ذلك البعض بالعلم بالله زيادة العلم بصفاته حيث انكشف لهم من أمور الآخرة ما يعدهم بها وكما قيل ليس الخبر كالمعاينة (المشارق: ص 186) ..
ومما يبدو أن الشيخ أحمد الشماخي قد اقتنع بتفسير الغزالي للرؤية في اعتبارها زيادة في العلم بالله وصفاته هذا ما جعله يقول أن الخلاف لفظي بين الفريقين في مثل هذه الصورة. (الرد على
- 182 - (1/200)
صفحة 201
الذين لم يمنعوا أن يحصل يوم القيامة نوع من كمال العلم دون ارتباط ذلك بالصورة والمشاهدة ولوازمها (1).
هذا عن المسألة الأولى المتعلقة برؤية الله تعالى فماذا عن مسألة خلق القرآن؟
ثانيا مسألة خلق القرآن
سلك الشيخ معمر نفس الطريق الذي سلكه في معالجة مسألة الرؤية، حيث لم يول اهتماما بعرض الأدلة المثبتة لرأي مذهبه ورأيه، حيث لم نقف له ولو على دليل واحد يؤيد به ما ذهب إليه؛ بل اهتم بالقضية من حيث أصلها ومرجعها، ثم درس كيفية الجمع بين أقوال المدارس الإسلامية حولها، أو على الأقل تقريب هوة الخلاف بين وجهات النظر.
فهو يرى كذلك أن المدارس الإسلامية انقسمت حولها إلى موقفين متطرفين وموقف معتدل وسط بينهما:
فالموقف المتطرف الأول تطرف حتى زعم أن المصاحف والحروف قديمة، والموقف المتطرف الثاني تطرف حتى نفى صفة الكلام الكمالية عن الله تعالى (2).
صولة الغدامسي (مخطوط): ص 18. نقلا عن البعد الحضاري: ج 1، ص 307) .. فنجد الشيخ السالمي يرد على هذا الموقف من أحد علماء مذهبه، معتبرا أن الخلاف ليس لفظيا محضا؛ لأن كلام الغزالي دال على زيادة العلم في معرفة ذات الله تعالى وليس صفاته فقط، وهذا ما لم يقل به الإباضية، حيث يعتقدون أن حقيقة ذاته تعالى يستحيل أن يعلمها سواه، كما مر ذلك من قبل في مبحث الإيمان بالله تعالى. (المشارق: 187).
ويبدو أن الشيخ معمر قد سلك هذا الطريق في التقريب بين وجهات النظر في القضية، وأغفل هذا التباين الدقيق بين العلم والرؤية، لكن أشار مع ذلك إلى أن الفريقين يلتقيان في
المسألة التقاء متقاربا وليس كاملا ..
(1) - الإباضية بين الفرق: ص 283 - 284.
(2) - المصدر السابق: ص 282.
- 183 - (1/201)
صفحة 202
وبين هذا وذاك كان الموقف المعتدل الذي اجتمع فيه علماء من الإباضية والمعتزلة وأهل السنة)، فانتهوا فيه إلى معرفة وتحديد ما ينبغي أن يوصف بالقديم وما ينبغي أن يوصف بالمحدث.
فقالوا عن صفة الكلام الكمالية أنها قديمة وأثبتوها الله تعالى، ومنهم من عبر عنها بالكلام النفسي، فاعتبروها مثل بقية الصفات من سمع وبصر وعلم، وما عدا ذلك فهو حادث مخلوق، ثم خلصوا بعد ذلك إلى أن الخلاف في المسألة لفظي
(2)
ويختم الشيخ كلامه في الموضوع بما يلي: يكفي أن يلتقي المسلمون على حقيقتين في هذا الموضوع هي أن الله تبارك وتعالى سميع بصير متكلم، وأن القرآن الكريم كلام الله عز وجل أنزله على رسوله الله)
(3)
هذا هو رأي الشيخ معمر في هاتين المسألتين اللتين كثر فيهما الجدال والنقاش، إلى أن تجاوز الحدود المعقولة والآداب المحترمة، حيث سجل لنا التاريخ اعتداءات على الأشخاص بسبب القول بالرأي أو بالرأي الآخر، وفي حقيقة الأمر ما كان ينبغي للمسلمين أن يصلوا إلى هذا كله، وأن يتفاعلوا مع الموضوع بتلك الصورة التي كشفت عن انتفاء صور التسامح والعفو واحترام الرأي الآخر في الساحة العلمية الإسلامية.
ونحن نعيش في نهاية الألفية الثانية الميلادية ومنتصف الألفية الثانية الهجرية بعد نزول الرسالة المحمدية المباركة، حيث نشهد تطورا للعلوم في شتى المجالات، ودخول الإنسانية عصر الحوار وتبادل الآراء وتقبل الآخر مهما كانت أفكاره
(1) - ينظر: الخليلي: الحق الدامغ، ص 97 - 180. -البوطي كبرى اليقينيات، ص 124 - 130. - الزمخشري: الكشاف تح محمد مرسي عامر، ط 2، ج 1، دار المصحف، القاهرة، 1397 هـ- 1977 م، ص 1 - 8 - الغزالي: عقيدة المسلم، 91 - 92.
(2) - للاطلاع على تفاصيل القضية أكثر ومعرفة آراء المذاهب الإسلامية فيها ينظر: البعد الحضاري: ج 1، 344 - 396 كبرى اليقينيات: 124 - 130.
(3) - الإباضية بين الفرق: ص 282 - 283
- 184 - (1/202)
صفحة 203
وانتماءاته، واعتبار ذلك من أبرز شعارات الحضارة والرقي الإنساني؛ ينبغي لنا كأمة فرض عليها دينها وشريعتها أن تحيى عصرها وتقدم دينها على أصفى صورة وعلى طبق من ذهب لعالم يراقب كل تحركاتنا وسكناتنا ويسجل علينا كل خطا صغير وكبير. لذا فمن الواجب أن نعيد النظر في التعامل مع بعضنا البعض أثناء مناقشاتنا و دراساتنا لمثل هاتين المسألتين الخلافيتين وغيرهما. حيث يلزمنا أن نتعلم احترام آراء كل مدرسة ما دامت تستمد أصولها من المصادر التشريعية المعتمدة، وأن القائلين بهذه الآراء علماء بلغوا مراتب في الاجتهاد، وشهد لهم أقوامهم بعلمهم وفضلهم وأخلاقهم، وكما يجب علينا أن ننزلهم منازلهم من الاحترام والتقدير لمجهوداتهم في سبيل الإصلاح والدعوة ولا نقدح في أشخاصهم بسبب آرائهم.
كما يجب علينا كأمة مسلمة أن نوجه انشغالاتنا إلى ما يحيط بنا من مستجدات عصرية حول قضايا الإسلام في كل مجالات الحياة؛ بإعمال عقولنا فيها وإيجاد الحلول المناسبة لها، وإعانة الناس ليعيشوا إسلامهم في عصرهم.
ولعل ما قام به الشيخ معمر في هاتين المسألتين يعتبر جهدا مشكورا له، وهو من زاوية أخرى يُعدّ إيمانا منه بهذه الأفكار ومساهمة منه لخط هذا السبيل مع غيره من العلماء الذين آمنوا بما آمن به فرأيناه يتفادى عرض المسألة على أنها مشكل بين المسلمين، ويتغاضى تماما عن سرد الأدلة كما. عادة من يكتب في هذا الفن لإثبات رأي مذهبه أو نقض الرأي المخالف، بل رأيناه يتعدى ويتجاوز هذه المرحلة فيعالج المسألة بالكثير من البساطة والاختصار.
هي
نجده بعد ذلك يحاول معالجة الموضوع من زاوية الجمع والتقريب بين المدارس الإسلامية في الرؤية إلى المسألتين، رغم ما في هذا التقريب من تجاوز للأدلة وعدم أخذها بعين الاعتبار - أحيانا- بحيث لا يوافقه على هذا المنهج الكثير من العلماء؛ سواء من مذهبه أو من بقية المذاهب الإسلامية الأخرى.
كما نجده خلال كل ذلك ينبذ التعصب والتشدد والتطرف ويدعو إلى
الوسطية والاعتدال والتسامح والإخاء والوحدة.
- 185 - (1/203)
صفحة 204
[صفحة فارغة] (1/204)
صفحة 205
النـ
الفصل الخامس بوات (1/205)
صفحة 206
تمهيد:
لقد عرف الإنسان النبوة (1) منذ أقدم العهود، حيث كان أول بشر ينزل على الأرض يحمل رسالة إلى بني جنسه، ومن ذلك الحين إلى عهد خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تعاقب عدد هائل من الأنبياء والمرسلين على استخلاف الله في الأرض وتبليغ شريعته.
ولقد قام الأنبياء بدور الوسيط بين الله سبحانه وتعالى وبين بني البشر عامة؛ يبلغون ما أمروا به وينظمون حياة الناس وفق التشريعات السماوية التي تتنزل عليهم، وكانت الغاية الإلهية من النبوة هو إرشاد الناس إلى سبيل الخير والفلاح والصلاح في دنياهم، وترغيبهم وترهيبهم مما يستقبلهم بعد فنائهم من. هذه الحياة من دار أخرى أبدية تحتوي على ثواب وعقاب؛ بحسب ما قدموه في الدار الأولى.
وأثبت لنا التاريخ من جهة أخرى أن الإنسان بمفرده لم يستطع أن يسلك الطريق السليم والصالح به لمفرده، لذا شهدت الإنسانية نزاعات وحروبا كثيرة ورهيبة وعنيفة أظهرت الفساد في الأرض وقضت على أعداد هائلة من هذا الجنس نفسه.
هذا ما جعل العلماء يطرحون تساؤلا حول حاجة الإنسان إلى النبوة؟ أو ما يعرف بتدخل العالم الخارجي في تنظيم حياة الإنسان ورسم
ورسم الطريق له.
كما أن النبوات المتعاقبة كانت تحمل في طياتها دعوة إلى روح واحدة رغم اختلاف الأزمان والأمكنة، هذا ما تمثل في إفراد الله تعالى بالتوحيد ونبذ ما سواه
(1) - استعمالنا لكلمة النبوة والرسالة هو استعمال ترادفي للدلالة على ما أوحي إلى الرسول أو النبيء بصفة عامة، وإن كان للكلمتين معنيان مختلفان عند بعض العلماء، فتستعمل الأولى للدلالة على العلاقة بين الله تعالى ونبيه وتستعمل الثانية للدلالة على العلاقة بين الرسول وسائل الناس الذين بعث إليهم. (البوطي) كبرى اليقينيات، الكونية، ص 183).
(2) - رشيد رضا الوحي المحمدي، ص 50.
-
- 188 - (1/206)
صفحة 207
من أنواع الشرك والضلال والدعوة إلى الإيمان بما ينتظر الإنسان من حياة بعد فنائه؛ من بعث وحساب وجزاء بالجنة أو النار.
وقد أثبت القرآن الكريم هذه الدعوة المشتركة والموحدة بين جميع الأنبياء في قول الله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا
بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى/13]. أما عن التشريعات وسنّ النظم والأحكام فقد اختلفت وتبدلت من نبي إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى حسب ما تمليه ظروف كل بيئة وزمان وحسب ما يكون عليه أقوام كل نبي، لكون الغرض من ذلك هو التنظيم والعدل ودفع المجتمع إلى الخيرية في الحياة (1).
لهذا رأينا تشديد الأحكام على بعض الأقوام وإرخائها مع أقوام أخرى، فالله تعالى هو أدرى بما يصلح بكل أمة وهو القائل: ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك/14].
فقد بعث الله تعالى سيدنا موسى إلى بني إسرائيل وكان الحال يقضي التشديد عليهم وأخذهم بالعزائم، ولما أتى سيدنا عيسى من بعده بعد تغير الزمان وتبدل الأحوال؛ كان الأمر يقتضي التسهيل والتيسير، وهذا ما سجله لنا القرآن الكريم في قول الله تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلَأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران/ 50].
هكذا أراد الله تعالى من تمام فضله أن يمنح هذه الإنسانية رسلا متعاقبين
ليبينوا طريق الهداية والصلاح كلما رأى الحاجة لذلك.
وسنحاول أن نقف في هذا الفصل مع آراء الشيخ علي معمر في بعض مسائل
هذا الموضوع
(1) - البوطي فقه السيرة النبوية، مطبعة النخلة دار الفكر - الجزائر، 1992 م، ص 34 - 36
- 189 - (1/207)
صفحة 208
المبحث الأول معرفة الرسل والرسائل
• 1 قيام الحجة على الإيمان بالرسالة إذا كانت الحجة في الإيمان بالله تعالى تقوم عند الشيخ علي معمر أساسا وأولاً على العقل، لأن التفكير في الكون طريق إلى معرفة الله تعالى وهو بمقدور عقل، وعلى هذا الأساس فلا عذر لأي إنسان في جهل الإيمان بالله تعالى، فإن قيام الحجة على الإيمان بالرسالة (1) يختلف عن ذلك؛ فيرى الشيخ أن ذلك يتم عن طريق
السماع، حيث يقول مشيرا إلى الرسالة المحمدية: «أما الإيمان برسالة محمد فالحجة عليها لا تقوم إلا بالسماع»، فإذا بلغت دعوة الأنبياء لقوم ما أصبح الإيمان بها واجبا عليهم والحجة قد قامت عليهم.
أما
في حالة عدم وصول الدعوة إلى قوم، سواء كان سبب ذلك وجودهم في مناطق بعيدة عن الرسالة، أو حالت ظروف دون معرفتهم لها أو تبليغها إليهم، فيرى الشيخ أنهم معذورون في جهلهم هذا، وأن الرسالة لا تجب عليهم، ويكفي أن يؤمنوا با الله تعالى ويعتقدوا بتوحيده، حيث يقول في هذا الصدد: «فإذا سمع وجب أن يؤمن أما إذا لم تبلغه الدعوة ولم يسمع بمحمد ورسالته فهو معذور».
المكلف بها
(1) - نشير هنا أن حديث الشيخ علي معمر في موضوع النبوة كان موجها بالدرجة الأولى للرسالة المحمدية الخاتمة، وذلك لكونه يخاطب أبناءها في العصر الحالي، وبذلك يتسنى لهم فهم ما يجب عليهم منها، وقد حاولنا تعميم رأي الشيخ على بقية النبوات باعتقادنا أن كلامه في الرسالة الخاتمة يعتبر نموذجا، وأن بقية الرسالات لا تختلف عن أحكام هذه الرسالة.
(2) - سمر أسرة ص 47.
(3) - المصدر السابق: ص 47.
- 190 - (1/208)
صفحة 209
لم يوضح لنا الشيخ ما يقصد من قوله "معذور "، هل إن ذلك ينجيه من عذاب الله تعالى، وبذلك ينال رضوانه، ولو لم يعبده طيلة حياته.
بلا شك أن هناك آراء أخرى لعلماء الإسلام في مثل هؤلاء الناس الذين لم تصلهم دعوة الأنبياء وكيف يكون حكمهم في الآخرة.
ثم نجد الشيخ يعلق على هذا الرأي الذي ذهب إليه مشيرا إلى الزمن المعاصر و مخاطبا الشباب الناشئ في البلاد الإسلامية، حيث يرى أن وجودهم في هذه الأقطار وعيشهم وسط أسر مسلمة أمر كاف لقيام الحجة عليهم)، لأن الإمكانيات العلمية المعاصرة من وسائل الاتصال ونقل الأخبار وانتشار دور التربية والتعليم والثقافة رفعت الجهل أو عدم السماع عن كامل الناس، لذا أصبح من الواجب عليهم الإيمان بالرسالة منذ اللحظة الأولى من بلوغهم سن التكليف، ولا يجوز تأخير الإيمان بها عن الإيمان بالله تعالى (2).
متمثلة
يتضح من ذلك أن الشيخ قد نظر إلى الموضوع نظرة علمية نظرية، وهي في قيام الحجة على الإيمان بالرسالة عن طريق السماع، لهذا فقد عذر كل من لم
تصله الدعوة.
ثم نظر نظرة أخرى إلى الموضوع أضاف لها الجانب الواقعي المتمثل في التطور المشاهد للعصر، الذي جعل الجهل بالرسالة أو عدم وصول الدعوة أمرا مستبعدا جدا وناذرا إن لم يكن منعدما، وبناء على هذا فالحجة قائمة على كل إنسان في البلاد الإسلامية، ولا يعذر في جهله أو في تأخير الإيمان بها عن الإيمان بالله تعالى
منذ وقت التكليف.
(1) - المصدر السابق: ص 47.
(2) - المصدر السابق: ص 47.
- 191 -
- (1/209)
صفحة 210
2 - ما يجب معرفته عن الرسل
إن أهمية الرسالة باعتبارها شريعة الله إلى بني البشر تقتضي معرفة دقيقة لحامليها ومبلغيها، كما يقتضي اتصافهم بأوصاف تؤهلهم لحمل هذه الأمانة، وتبليغها كما تلقوها، وكذا استحالة اتصافهم بصفات أخرى تقدح في صحة الرسالة وفي كيفية تبليغها.
وترجمة لذلك نجد أن أتباع الرسالات قد اهتموا بتدوين تاريخ رسلهم فتركوا لنا كتبا وتصانيف مطولة تتحدث عن خصال رسولهم والإشادة بأعماله في سبيل الدعوة لتبليغ هذه الرسالة.
ولعلماء الإسلام الريادة في ذلك؛ حيث ظهرت عبر تاريخ الأمة الإسلامية منذ وفاة رسولها إلى زماننا هذا دراسات كثيرة جدا عن سيرة الرسول الكريم محمد تتبعت كل فترات حياته قبل البعثة وبعدها، وفصلت الحديث عن أعماله و مناقبه واستخلصت منها العبر والعظات التي ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بها اقتفاء بسيرة رسولهم الكريم الذي جعله الله أسوة حسنة لهم، كما كتب الشعراء قصائد مطولة في نفس الغرض.
فماذا قال الشيخ علي معمر في الموضوع؟
يحدد الشيخ أوصافا عامة يشترك فيها جميع الرسل، إذ يجب على المرء أن يعرفها ويعتقدها فيهم، حيث يقول: «يجب في حقهم الوصف بمكارم الأخلاق ويستحيل في حقهم رذائل الأخلاق ويجوز في حقهم ما هو من طبع البشر» (1) كما يجب أن يعتقد أنهم بلغوا ما أمروا به وقاموا بواجبهم كاملا تجاه أقوامهم من النصح والدعوة حتى أتاهم اليقين.
(1) - المصدر السابق: ص 49.
(2) - المصدر السابق: ص 62.
- 192 - (1/210)
صفحة 211
ثم يفصل ويشرح هذا بالتقسيم المعهود (1) لمعرفة الرسل بالواجب والجائز
والمستحيل:
الواجب هو الصدق والأمانة والتبليغ.
الجائز: مثل النوم والغلط والنسيان.
المستحيل مثل الكذب والغش والخيانة (2).
من الملاحظ أن الشيخ قد أغفل الحديث عن مسائل عديدة متعلقة بصفاتهم حيث أشار إلى ذلك غيره من العلماء مثل كونهم ذكورا، وعفتهم من المنفرات الخلقية وعصمتهم من الذنوب، وكمال عقولهم.
كما أن في كل هذه المسائل وغيرها كان للعلماء آراء متعددة تتفق أحيانا وتختلف أحيانا أخرى، ومن الواضح أن اقتصار الشيخ معمر على جملة منها فقط كان مراعاة للناشئة التي يوجه لها الخطاب بالدرجة الأولى، فاهتم وركز على الصفات الضرورية اللازمة التي تجب معرفتها عن كل رسول، وتجنب الخوض في المسائل التي
أثيرت حول بعض الصفات ودار حولها نقاش علمي، كمسألة العصمة مثلا.
3 - ما يجب معرفته عن الرسول محمد خاصة
أ - ما تعلق بنسبه:
يرى الشيخ أن أقل ما ينبغي للمسلم أن يعرفه عن نسب رسوله الكريم أنه «محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العربي ... وأن يعرف أمه آمنة
(1) - مثل هذا التقسيم لصفات الأنبياء رأيناه في العديد من مصنفات الإباضية التي تطرقت إلى الموضوع مثل: الجناوني: كتاب الوضع ص 32 - السالمي: المشارق، ص 219 - 227 - إبراهيم أبو اليقظان: سلم الاستقامة، ج 3، المطبعة العربية الجزائر 1968 م، ص 8 - 9. كما هو مستعمل من لدن المدارس الإسلامية الأخرى، أنظر البيجوري تحفة المريد، ص 71 - 73.
(2) - سمر أسرة، ص 49.48.
-
- 193 -
-
14 (1/211)
صفحة 212
بنت وهب ومرضعته حليمة السعدية» (1). حيث من هذا التحديد يريد الشيخ أن يدعو الشباب المسلم للاطلاع على السيرة النبوية الشريفة وما تحمله من عظات ونصائح جمة تعود على الفتى المسلم والشاب بالنفع والصلاح في تقويم أخلاقه واقتفاء أثر رسوله الكريم.
ب ما تعلق ببعثته ورسالته:
أن يعرف ويعتقد أن الله اختاره رسولا وبعثه إلى كافة الثقلين من الإنس والجن وأنزل عليه القرآن الكريم بطريقة الوحي، وأنه خاتم للأنبياء والمرسلين، ودينه آخر الأديان، كما ينبغي أن يعتقد أنه بلغ ما أمر به ونصح لأمته وعبد الله حتى أتاه اليقين» (2).
هذا عن معرفة الرسل فماذا عن تعريف الرسول والنبيء، وعن الفرق بينهما؟ وقبل ذلك ينبغي الوقوف على المعنى اللغوي لهما:
-4 تعريف النبي والرسول
النبي لغة: لفظ مأخوذ من مادة "نبأ"، النبأ: الخبر، جمعه أنباء، والنبيء المخبر عن الله، وهو على وزن "فَعِيل"، كنذير بمعنى منذر. كما أنه يجوز فيه تخفيف
الهمز وتحقيقه فيقال: النبي النبيء (3).
واصطلاحا يعرف الشيخ معمر بقوله: «هو الإنسان الذي اصطفاه الله وأنزل
عليه الوحي و لم يأمره بالتبليغ إلى الناس» (4).
(1) - المصدر السابق ص 48
(2) - المصدر السابق: ص 48.
(3) - ابن منظور لسان العرب، مج 3، ص 529 - 530.
(4) - سمر أسرة ص 61.
-
- 194 - (1/212)
صفحة 213
ويعرفه الشيخ اطفيش بقوله: «المشهور أن النبي إنسان أنزل عليه شريعة بان كيفية تعبده الله تعالى»). ويرى الشيخ رشيد رضا أن النبي في اللغة وصف من النباء وهو الخبر المفيد لما له من شأن أما اصطلاحا فهو من أوحى إليه وحيا. وهو مهم، عند الشيخ البوطي من أوحي إليه بأمر من الله، سواء كلف بتبليغه أم لا (3).
من الملاحظ أن التعريفات كلها لم تبتعد عن بعضها البعض، وأنها تصدق على ما
صدق واحد، حيث تتفق أن النبي هو عبد اصطفاه الله يوحيه له دون أمره بالتبليغ. الرسول لغة: مأخوذ من أصل الكلمة "رسل" وأرسل، والرَّسَل: القطيع، وأرسل الشيء: أطلقه وأهمله، خلّى عنه، سلطه والإرسال التوجيه، والاسم: الرسالة والرسول والرّسيل (4).
واصطلاحا يعرفه الشيخ معمر بقوله: «هو الإنسان الذي اختاره ا الله لإبلاغ
رسالته إلى الناس فأنزل عليه الوحي وأمره بالتبليغ إلى الناس» (5).
وعرفه الشيخ اطفيش بنفس تعريف النبي وأضاف إليه: «فإن أمر بتبليغها (أي
الشريعة) إلى الغير سُمّي رسولا). ويفعل الشيخ رشيد رضا نفس الشيء حيـ يضيف لتعريفه السابق: فإن أمر بتبليغه كان، رسولا، وبذلك يكون كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، ويستدل على هذا التباين بالآية الكريمة: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ} [الأحزاب/ 40]، فدلت الآية على انقطاع النبوة والرسالة معا بعد رسولنا الكريم محمد). ويضيف الشيخ
(1) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 225.
(2) - رشيد رضا الوحي المحمدي، ص 47. (3) - البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ص 184. (4) - ابن منظور لسان العرب مج 1، ص 1165 - 1167. (5) - سمر أسرة: ص 61.
(6) - وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 225.
(7) - رشيد: رضا الوحي المحمدي، ص 47 - 48.
- 195 - (1/213)
صفحة 214
البوطي لتعريفه الرسول: «فإن كلف بتبليغه كأن أوحي إليه بشرع أو كتاب إلى
عامة الناس فهو رسول، وبذلك فالرسالة فرع من النبوة» (1).
فمن الملاحظ أن التعاريف السابقة تصب كلها في حقل واحد، حيث تجمع على أن صفة الرسول هي إضافة إلى صفة النبيء، وذلك بالتكليف بالتبليغ إضافة إلى الوحي إليه.
هذا عن تعريفهما ماذا عن الفرق بينهما؟
-5 - الفرق بين النبي والرسول
بلا شك أن التعاريف السابقة يتضح منها الفرق بينهما؛ فإن كليهما يشترك في اصطفاء الله لهما وفي تلقيهما الوحي من الله تعالى، ثم يفترقان في صفة التبليغ) فيكتفي النبي بمعرفة شرع الله تعالى والالتزام به لنفسه وعبادة الله وفقه فقط، ويؤمر الرسول بإبلاغ ما كلف به وأوحي إليه إلى غيره من البشر، لذلك فيعتبر لفظ النبي أعم من لفظ الرسول (3).
كما يوجد فرق آخر بين رسول ورسول وهو متمثل في كونه مأمورا بتبليغ
رسالته إلى كافة العالمين، أم هو مأمور بتبليغها إلى قومه فقط دون غيرهم؟ فيذكر الشيخ الجيطالي مثلا أن كلا من آدم الكلية ونوح العليا وإبراهيم
العلية
العلي وموسى وعيسى العلي ومحمد العلي أرسل إلى الجن والإنس كافة،
وبقية الرسل أرسلوا إلى أقوامهم فقط (4).
(1) - البوطي كبرى اليقينيات الكونية، ص 184. (2) - سمر أسرة ص 61.
(3) - يرى القاضي عبد الجبار أن لا فرق في المعنى الاصطلاحي بين الرسول والنبيء، فهما مصطلحان لمعنى واحد، وقد رد على من استدل على اختلاف معناهما بقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيءٍ) [الحج/52]، فقال أن الله تعالى فصل بين الفاكهة والنخل والرمان في قوله تعالى: {وَفِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانَ} [الرحمن /67]، وهذا لا يدل على أن النخل والرمان ليسا من الفاكهة (شرح) الأصول الخمسة: ج 2، ص 228).
(4) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ص 24 - 25.
-
– 196 - (1/214)
صفحة 215
6 - عدد الأنبياء والرسل
من الملاحظ أن القرآن الكريم والسنة النبوية لم يوليا بالغ أهمية لموضوع إحصاء الأنبياء والمرسلين وتحديد عددهم، إذ لا فائدة ترجى من وراء ذلك، لكنه صب الاهتمام على ذكر أعمالهم وآثارهم وجهودهم المبذولة في الدعوة لتوحيد الله تعالى وصبرهم على الابتلاء في سبيل ذلك.
فنجد في السنة النبوية حديثا لرسول الله هل تعرض فيه لذكر عدد الأنبياء، وقد ورد عن طريق أبي ذر الغفاري الله عنه قال: قلت يا رسول الله: كم وفى عِدَّةُ الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثة مائة وخمسة عشر جما غفيرا» (1).
رغم هذا الحديث المحدد لعدد الأنبياء فإننا نجد الشيخ معمر لم يأخذ به، فهو لا يرى الجزم بمعرفة عددهم، وتحديده، حيث يقول: «لقد وردت بعض الأخبار في عددهم ولكننا لا نجزم بذلك» (2).
وإن كان الشيخ لم يتعرض لسبب رده للحديث وعدم أخذه للعدد المذكور فيه؛ فربما يرجع ذلك لعدم معرفته لدرجة الحديث، أو لكونه حديثا آحادا فهو لا يفيد اليقين في العقائد -حسب نظر مذهبه - أو لكونه لم يقف على تفاصيل المسألة
وآراء العلماء حولها.
بينما نجد غيره من العلماء قد أخذوا بالحديث وحددوا عددهم، فالشيخ اطفيش مثلا يرى أن عددهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، منهم ثلاثمائة وثلاثة وعشرون رسولا بل زاد خطوة أخرى إلى الأمام فحدد لنا قائمة طويلة بأسماء الرسل حتى أوصلها إلى العدد الذي ارتضاه.
(1) - أحمد كتاب باقي مسند الأنصار: رقم: 21785.
(2) - سمر أسرة: ص 61 - 62.
-
- 197 -
- (1/215)
صفحة 216
وقد سجل الأستاذ مصطفى وينتن ملاحظات على شيخه في عمله هذا؛ معتبرا
ما قام به لا مصدر ولا دليل عليه، ورأى أنه استقى ذلك مما كان بين يديه من
التوراة والإنجيل واعتبر هذا العمل من الإسرائيليات التي تسربت إلى فكر شيخه دون تمحيص وتنقيح منه
(1)
وقد ذهب الشيخ البوطي من المعاصرين مذهب الشيخ معـ معمر في عدم القول بتحديد عدد الأنبياء، حيث يقول: ولكن لا نرى كما قال جمهور العلماء دليلا من كتاب أو سنة أو أثر صحيح متبع يحملنا على التزام تحديدهم بهذا العدد أو بغيره» (2). ومن الغريب أن يغفل الأستاذ البوطي عن حديث أبي ذر ويعتبر أن لا دليل في الموضوع، وربما حكمه على الحديث كان وراء قوله هذا. كما يرى أن التأدب بالقرآن يلزمنا أن نؤمن بهم إجمالا، لأنه لا يؤمن في ذكر عددهم أن يدخل فيهم من ليس منهم أو يخرج منهم من هو فيهم وإلى القريب من هذا يشير الشيخ معمر حيث يرى أن صلب الموضوع هو أن يؤمن المسلم بكل أولائك الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، ثم يحسن به أن يعرف ويحفظ أسماءهم (4).
(3)
ولعل تركيز الشيخ معمر في عرضه للعقيدة على بعدها الإيماني العملي؛ الذي تتركه في نفسية الإنسان جعله لا يولي أهمية بما قيل في عددهم و لم يلتفت كثيرا إلى ذلك، بل ركّز على الإيمان بهم ومعرفة من ذكر في القرآن منهم.
و بدعوته لحفظ أسمائهم دعوة ضمنية للاطلاع على تفاصيل قصصهم مع أقوامهم والتأمل في المواقف والدروس التي يتعظ بها المسلم لتزيده قوة في إيمانه وثباتا على دينه وعقيدته.
(1) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 226 - 227. (2) - البوطي كبرى اليقينيات الكونية، ص 198.
(3) - المصدر السابق: ص 198.
(4) - سمر أسرة: ص 62.
-
- 198 -
- (1/216)
صفحة 217
7 - ما يجب في الإيمان بالرسل والرسائل
يرى الشيخ معمر أن إيمان المسلم لا يكتمل إلا بإيمانه بجميع الأنبياء والرسل، «وأن يؤمن بجميع ما أنزل عليهم من الكتب (1) كما يرى أنه يلزم على المسلم أن يعرف كلا من سيدنا محمد وسيدنا آدم اللي معرفة تفصيلية خاصة، أما بقية الأنبياء والكتب المنزلة فيجب أن يؤمن بهم وبها إجمالا إن لم يتسن له معرفتهم واحدا واحدا. كما يلزم على المؤمن أن يخص في إيمانه بالرسائل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم المتمثلة في القرآن الكريم، فيؤمن بكل ما جاء فيه أنه حق من عند الله ومن أنكر شيئا منه ولو حرفا واحدا أو شك فيه فهو مشرك» (4). فالإيمان بالله تعالى والتصديق برسوله والإيمان بأن رسالته حق من عند الله تعالى هي الركائز الثلاثة التي لا يتم الإيمان إلا بها مجتمعة مع بعضها البعض (5).
وفي ما يجب الإيمان به حول الرسل يرى الشيخ الجيطالي أنه يلزم على المسلم أن يعرف أن الله تعالى جملة من الأنبياء والرسل أرسلهم إلى عباده وجعلهم أمناء على خلقه وأنزل عليهم كتبه وكلماته ليحكموا في بلاده (6).
أما الشيخ اطفيش فقد فرق بين ما يجب الإيمان به في حق الرسل والرسائل على الجزم والفور وبين ما هو موسع فيه، أو غير مطلوب أصلا،
(1) - المصدر السابق: ص 61.
(2) - لم يعلل الشيخ سبب تخصيصه معرفة سيدنا آدم بمعرفة خاصة، ولعل ذلك يرجع لكونه أب البشر وأول رسول يبعث إلى الإنسانية ليبين لهم الغاية من خلقهم على هذه الأرض. وقد ذكر الشيخ الجيطالي هذا القول في قواعده؛ ومما يبدو أن الشيخ معمر قد نقل منه ذلك. (قواعد
الإسلام ص (23).
(3) - سمر أسرة: ص 186.
(4) - المصدر السابق ص 61.
(5) - المصدر السابق: ص 56. (6) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ص 23.
– 199 - (1/217)
صفحة 218
وأن عموم ما عرف عن الرسل والرسل هو المطلوب الاعتقاد به دون التفصيل
إلا في القليل النادر
(1)
هذا ما تعلق بما يجب معرفته عن الرسل والرسائل، فماذا عن طريق إيصال هذه
الرسائل إلى الرسل؟ فهو يتمثل في الو.
(1) - امحمد اطفيش: شامل الأصل والفرع، ج 1، المطبعة السلفية القاهرة، 1348 هـ، ص 21.
- 200 - (1/218)
صفحة 219
المبحث الثاني:
الوحي وطرق نزوله
لقد أغفل الشيخ معمر الكلام عن المفهوم اللغوي والاصطلاحي للوحي، حيث اقتصر حديثه في هذه المسألة عن طرق نزوله على النبي فقط، وخص من الأنبياء سيدنا محمد، ومن المفيد حتى يكون الأمر واضحا أن نورد تعريف الوحي لغة ونستعين بغيره من العلماء في تحديد معناه الاصطلاحي، ثم نأتي إلى عرض طرق نزوله.
1 - تعريف الوحي:
لغة: مأخوذ من مادة "وحى"، أوحى، وجيا، وتفيد الكلمة معاني عديدة منها: أشار، أَوْماً، كتب إليه، أمره أرسل إليه بعثه كلمه بكلام يخفى على غيره (1).
ويفيد كذلك: «الإشارة والكتابة والمكتوب والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك». وهو عند الشيخ رشيد رضا الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره.
اصطلاحا يعرفه الشيخ اطفيش بأنه الإرسال فيقال أوحى الله إلى عبد، بمعنى أرسل إليه ملكا يكلمه، ويكلفه بالنبوة، ويعني أيضا الإلقاء في القلب» (4).
ويعرفه الشيخ محمد عبده بقوله: «عرفان» يجده الشخص من نفسه مع
اليقين بأنه
من
(1) - المعجم الوسيط، ج 2، ص 1018.
(2) - الفيروزبادي: القاموس المحيط، ج 4، ص 401.
(3) - رشيد رضا الوحي المحمدي، ص 44.
(4) - امحمد اطفيش: تيسير التفسير، ج 11، ص 512.
- 201 - (1/219)
صفحة 220
عند الله بواسطة أو بغير واسطة» (1). ويرى الشيخ رشيد رضا أن وحي الله إلى
أنبيائه روعي
فيه معنيان لغويان لكلمة الوحي هما الخفاء والسرعة (2).
كما وردت كلمة الوحي في القرآن الكريم عدة مرات، ولم يقتصر استعمالها مع الأنبياء فقط؛ بل تعدى ذلك إلى بعض مخلوقات الله تعالى من غير الإنسان حيث يقول تعالى في استعمالها مع الرسل والأنبياء: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِسِينِينَ مِن بَعْدِهِ} [النساء/163].
وفي استعمالها الملائكة يقول تعالى: إذْ يُوحِي رَبِّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مع
مَعَكُمْ فَتَتُوا الذِينَ آمَنُوا} [الأنفال/12]، وهو ما يأمرهم بفعله.
وفي استعمالها مع النحل يقول تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل/68]. وهو الإلهام الغريزي. وفي استعمالها مع السماوات يقول الله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي
يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءِ أَمْرَهَا [فصلت/12]، أي وقضى وحكم. و في استعمالها مع الإنسان من غير الأنبياء يقول الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ اَرْضِعِيهِ} [القصص /7]، وهو إلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة (3).
هذا عن تعريف الوحي فماذا عن طرق نزوله؟
- 2 طرق نزول الوحي
يحددها الشيخ معمر في ما يلي:
(1)
- محمد عبده: رسالة التوحيد، ص 103.
(2) - رشيد رضا الوحي المحمدي، ص 44. (3) - المصدر السابق: ص 44.
- 202 - (1/220)
صفحة 221
1 - يأتي به الملك جبريل ال، فيتمثل له في صورة رجل فيكلم
الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فيتلقى عنه ويحفظ ما يقول مثل ما وقع في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل ال عندما أتاه يسأله عن معنى الإيمان والإسلام. وقد ورد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيرا إلى ذلك حيث يقول: «وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» (1).
2 يأتي الوحي على شكل صوت مثل صلصلة الجرس، وحين ينفصل عنه يكون الرسول قد وعى ما نزل عليه وحفظه، وهي أشد حالات الوحي عليه. وأشار الرسول لذلك قائلا: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي فينفصم عني وقد وعيت عنه ما قال» (2).
3 - يلقى الوحي في روح النبي بطريق الرؤيا الصادقة، وهي أول مطالع الوحي في حياته، وهذا ما روته السيدة عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا قائلة: «أول ما بدئ به رسول الله الا الله من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح». كما أوحي إلى النبي إبراهيم الي بهذه الطريقة (4) عندما نزل عليه الأمر بذبح ابنه إسماعيل ال وهذا ما خلّده القرآن الكريم: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابنَي إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات/ 102].
4 - يلقى الوحي في روح النبي بما شاء الله من وسائل أخرى يبلغ بها
وحيه إلى أنبيائه (5).
(1) - البخاري: كتاب بدء الوحي: رقم 2.
(2) - البخاري: كتاب بدء الوحي رقم 2 (3) - البخاري: كتاب تفسير القرآن: رقم 4671. (4) - الغزالي: عقيدة المسلم، ص 182 - 183.
(5) - سمر أسرة: ص 61.60.
- 203 - (1/221)
صفحة 222
إلى جانب هذه الطرق هناك طرق أخرى لم يتطرق الشيخ إلى ذكرها وأغفل الحديث عنها، وهي تتمثل في:
- نزول الملك جبريل على صورته كما حدث للرسول اللة في أول وحي نزل عليه بغار حيراء، أين نزل عليه قوله تعالى: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ... [العلق/2،1]، وكذا ما حدث ليلة الإسراء والمعراج حيث رأى الرسول الله جبريل الي على صورته الحقيقية، وفي هذا يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ رَعَاهُ نَزَلَةٌ أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى [النجم/14]، وقال تعالى أيضا: {وَلَقَدْ رَعَاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير /23].
العليا، وهذا
- تكليم الله للنبي مباشرة بدون واسطة، وهو ما تشرف به موسى ما تم ذكره في القرآن الكريم: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص/30]. وهو ما حدث لمحمد ال ليلة عرج به إلى السماوات العليا في رأي بعض العلماء الذين قالوا إن الخطاب بين الله تعالى ورسوله الكريم اللي كان مباشرا.
ويرى العلماء أن هذا التكليم المباشر بين الله تعالى ونبيه لا يُدرَى كُنْهُه وطبيعته، وأنه مخالف للنحو الذي ألفناه في الخطاب من تكاشف ومشافهة)، وهذا ما أنت الآية الكريمة تقره: {وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى/51].
- ومنهم من يزيد طرقا أخرى مثل: الكتابة على الأرض أو على شيء آخر كالألواح، وهو مشهور في عهد الأنبياء الآخرين، مثل سيدنا داوود العلة وسيدنا
موسي
العلي
(1) - الغزالي: عقيدة المسلم، ص 183 - 184. (2) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 219.
-204 - (1/222)
صفحة 223
وكذلك تأمل الأنبياء في الأحكام والاجتهاد يعتبر وحيا، وكل ما يتلفظون به من أقوال حول الدين والشرع؛ وهذا ما يتمثل في السنة النبوية الشريفة، لقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم/4،3].
هذه هي طرق الوحي التي عدها الشيخ علي معمر والعلماء الآخرون، التي بواسطتها يتم الاتصال بين الله تعالى وعباده لإبلاغهم شرعه وإنفاذه فيهم. ومن الملاحظ أن عد كل هذه الطرق ووصفها لا توقفنا على حقيقة الوحي في حد ذاته، حيث يبقى ذلك سرا بين النبيء وخالقه، لا يتعدى معرفته إلى غيره، وكل ما في الأمر هو وصف الصورة الخارجية التي يتم بها إيصال الوحي، أما حقيقته فمما ينبغي أن يسلم المؤمن في الإيمان بها.
ومن الواضح أن المبحث لم يكن فيه مجال واسع للاجتهاد؛ إذ العمدة فيه على ما ورد من نصوص شرعية، وتمثل دور العلماء في فهم ومقارنة هذه النصوص بعضها مع بعض، وفي الجمع بينها، وفي محاولتهم شرح طرق الوحي وتبسيط
صورها وتقريبها إلى مدارك الناس.
- 205 - (1/223)
صفحة 224
[صفحة فارغة] (1/224)
صفحة 225
الفصل السادس
الإنسـ
انيات (1/225)
صفحة 226
تمهيد
المبحث الأول الأسماء والأحكام
المقصود بالأسماء هي تلك الألفاظ والمصطلحات التي تطلق على العبد لتبين
علاقته بالدين، فتدل على معان حسنة كلفظ مؤمن ومسلم وموحد، وتدل على
معان قبيحة كلفظ مشرك وكافر وعاص.
أما الأحكام فهي والمحبة والدعاء بالخير وقبول الشهادة والوعد بالثواب بالجنة لفاعل الخير، وكالبراءة
ما يترتب من إطلاق تلك المسميات على العبد؛ كالولاية
والبغض والقتل والسبي والوعيد بالعذاب بالنار لفاعل الشر.
كما أن للأسماء علاقة وطيدة ومباشرة بالأحكام، أي أن أسماء الموحدين أو المؤمنين يترتب عليها أحكام توافق تلك المسميات وكذا أسماء الكفار والمشركين؛ العلماء عن ذلك بقولهم: "الأسماء تابعة للأحكام " (1).
وعبر
جملة وتكمن أهمية هذا الموضوع في توضيح من المصطلحات العقدية التي تناولتها أقلام أكثر علماء الإسلام منذ العهود الأولى، وتعددت وجهة نظرهم حولها، فاتفقت حينا واختلفت أحيانا أخرى، وقد شهدت الساحة العلمية الإسلامية جدالا واسعا وعميقا حولها، وقد بلغ أحيانا إلى حد الشتم والتكفير (2). كما وقع أخذ ورد حول مدلولاتها، وبالتبع ما يترتب عليها من الأحكام الشرعية.
(1) - الجناوني: كتاب الوضع، ص 25 عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، ص 64 - 65. (2) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 488 - 490.
-
-208 - (1/226)
صفحة 227
ولعل جزءا من الاختلافات المعروفة بين الفرق الإسلامية في المسائل الشرعية
مصدرها عدم اتفاقهم على مدلولات المصطلحات الشرعية التي يتناولونها بالدراسة، وبالتبع اختلاف نتائجهم في الأحكام التي ستصدر عنها؛ فتجد الواحد منهم يستعمل مصطلحا ما ويقصد به غير ما يقصد به الآخر (1). ومن خلال هذا المبحث سنقف على أكثر هذه المصطلحات تداولا، ونعرف آراء المدارس الكلامية حولها ورؤية الشيخ علي معمر إليها.
من المناسب أن نشير هنا أن المدرسة الإباضية قد أولت عناية خاصا بهذه المسألة (2)، لإدراكها مدى أهميتها وخطورتها في ذات الوقت، هذا ما يتجلى ويمكن أن نلحظه من اعتبارها الأسماء والأحكام أصلا من أصولها العقدية (3).
ويجدر بنا أن نورد تصور الإباضية للأسماء عامة قبل التطرق إلى تفصيل القضية، حيث يقول الشيخ أبو القاسم البرادي (4): «إعلم أن الأسماء على أصولنا تنقسم ثلاثة أقسام: أسماء دينية، أسماء شرعية، أسماء لغوية.
فالأسماء الدينية تتعلق بها أحكام الدنيا والآخرة، والأسماء الشرعية تتعلق بها التكاليف مثل الصحة والفساد والإجزاء وعدمه، والإعادة والاحتياط، والأسماء المستعملة لموضوعها من غير نقل إلى شيء.
اللغوية هي
(1) - الإباضية بين الفرق ص 105.
(2) - يجدر بنا أن نشير أن المدارس الإسلامية الأخرى تكلمت في الأسماء والأحكام؛ فعند المعتزلة مثلا يقول القاضي عبد الجبار في تحليله لأصلهم الرابع المنزلة بين المنزلتين: «إعلم أن هذا الفصل كلام في الأسماء والأحكام ويقلب المنزلة بين المنزلتين. ومعنى قولنا: إنه كلام في الأسماء والأحكام هو أنه كلام في أن صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين وحكم بين الحكمين». (شرح الأصول الخمسة: ج 2، ص 337).
(3) - الجعبيري: المصدر السابق عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، ص 64 - 65. (4) - أبو الفضل أبو القاسم البرادي (النصف الأول من ق 9 هـ/ 15 م) نشأ في الجنوب التونسي، تعلم بجبل نفوسة على الشيخ عامر الشماخي، تفرغ للتدريس في جزيرة حربة، وعين عضوا في حلقتها للعزابة. من
:مؤلفاته: الجواهر المنتقاة رسالة الحقائق. (الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 124 - 125).
-
- 209 -
15 (1/227)
صفحة 228
فالأسماء الدينية مثل الإيمان والكفر والشرك والإسلام والدين والبر والإحسان
والنفاق والفسق والكبيرة والصغيرة، فهذه أسماء جعلت أساسا للشريعة، وعلق عليها الثواب والعقاب والحدود والولاية، والبراءة لم تكن العرب تعرفها قبل ورود الشرع بها، ولا تتخاطب بها على هذه الصفة حتى أوقفهم الشرع عليها وخاطبهم
بها ... وجميع المعارف وأصول الديانات متعلقة بهذه الأسماء راجعة إليها» (1). من كل هذه الأسماء التي تعرض لها الشيخ في نصه هذا يهمنا منها ما تعلق بالقسم الثالث، وهي الأسماء الدينية في محال العقيدة، ونحاول الآن استعراض المدلولات اللغوية والشرعية لها، ثم معرفة الأحكام الشرعية المترتبة عنها في نظر الشيخ علي معمر.
أولا: مفهوم الإيمان وعلاقته بالإسلام والدين
1 - مفهوم الإيمان:
لغة: يفيد التصديق، وضده الكذب فيقال آمن به قوم و کذب به قوم. وإلى هذا التعريف ذهب الشيخ معمر، يتضح إذن أن المعنى اللغوي للإيمان
((3)
ينحصر في القلب ولا يتضمن أي اشتراك لعمل الجوارح فيه، سواء الإقرار باللسان
أم العمل بالأركان.
فماذا عن التعريف الاصطلاحي؟
تعددت آراء المدارس الكلامية حوله فانقسمت إلى خمسة كما يلي:
(1) - أبو القاسم البرادي: رسالة الحقائق، ص 44 - 45. نقلا عن الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، (490) وعند المعتزلة تقسم الأسماء إلى ثلاثة أسماء عرفية أسماء شرعية، أسماء لغوية. (شرح
الأصول الخمسة: ج 2، ص 347).
(2) - ابن منظور لسان العرب، مج 1، ص 107.
(3) - سمر أسرة ص 169.
- 210 - (1/228)
صفحة 229
1 - الإيمان يعني المعرفة
2 - الإيمان يعني القول
-3 الإيمان يعني التصديق القلبي
4 - الإيمان يعني المعرفة بالقلب والإقرار باللسان
5 - الإيمان يعني التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح (1)
نسب الرأي الأول إلى جهم بن صفوان (2) وأتباعه وفرقة النجارية، حيث رأوا
أن الإيمان هو معرفة الله تعالى بالقلب فقط، ولو أظهر صاحبه اليهودية أو النصرانية وسائر أنواع الكفر بلسانه وأعماله (3).
أما الرأي الثاني فنسب إلى محمد بن كرام السجستاني وأتباعه المعروفين بالكرامية، وهم يقصدون بذلك أن الإيمان بالله هو إقرار باللسان فقط، وإن نطق الإنسان بالشهادة كاف ليكون مؤمنا ولو اعتقد الكفر في قلبه). واستدلوا على مذهبهم هذا بظاهر ما ورد في بعض الأحاديث النبوية؛ مثل ما رواه الصحابي أبو ذر الغفاري له عن الرسول: «ما من عبد قال لا إلاه إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» (5).
ونسب الرأي الثالث إلى جمهور المدرسة الأشعرية والماتوريدية، حيث يرون أن الإيمان يعني التصديق بالقلب، وأن الإيمان محله القلب، أما الإقرار والعمل فهما
(1) - للاطلاع بالتفصيل على وجهة نظر الإباضية إلى هذه الآراء ومناقشتها ينظر: الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، 490 - 506.
(2) - جهم بن صفوان السمرقندي (ت 128 هـ/ 745 م تنسب إليه فرقة الجهمية وينسب إليه القول بالجبر. (الزركلي: الأعلام، ج 2، ص 141).
(3) - ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل والنحل، ج 3، مطبعة التمدن، نشر دار الفكر، 1321 هـ- 1903 م، ص 189.188. - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 346.
(4) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ج 2، 346.
(5) - البخاري: كتاب اللباس: رقم: 5489.
- 211 -
- (1/229)
صفحة 230
به
شيئان زائدان عنه لا يحتويهما معنى الإيمان)، وأن العمل شرط كمال فمن أتى حصل له الكمال ومن فوته على نفسه فهو مؤمن لكن لم يحز على الكمال، وبذلك جعلوه مطابقا لمدلوله اللغوي (3).
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بمجموعة أدلة؛ منها قول الله تعالى: {وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُل الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات/14]، وقوله تعالى أيضا: وَمَا أَنتَ بِمُومِن لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف/17].
ونسب الرأي الرابع إلى الإمام أبي حنيفة النعمان وإلى جماعة من الفقهاء حيث رأوا أن معرفة الإنسان لربه بقلبه ثم إقراره بذلك بلسانه كاف على أن يكون تام الإيمان ولو لم يأت بالأعمال (4).
و نسب الرأي الخامس إلى المدرسة الإباضية والسلفية والمعتزلة حيث يعتبرون أن الإيمان هو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح (5). ويقول الشيخ أبو نصر المالوشائي) في نونيته عن هذا المعنى:
(1) – الماتوريدي: كتاب التوحيد، ص 373 - 375 - البيجوري: حاشية تحفة المريد: ص 27). (2) - في هذا يقول صاحب حاشية تحفة المريد الشيخ البيجوري: «فمن أتى بالعمل فقد حصل الكمال ومن تركه فهو مؤمن لكنه فوت على نفسه الكمال إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشارع أو شك في مشروعيته وإلا فهو كافر فيما علم من الدين بالضرورة». (حاشية تحفة المريد: ص 27). (3) - وإن كان الشيخ البيجوري لا يرى أن المعنيين مطابقان بصفة كلية، فهو يعرف الإيمان الشرعي بأنه التصديق بما جاءت به الرسالة إجمالا، فيما أتى بجملا، وتفصيلا فيما أتى التفصيل
فيه، حيث أن الإيمان اللغوي هو مطلق التصديق. (حاشية تحفة المريد: ص 27).
(4) - ابن حزم الفصل في الملل والنحل، ص 188 - 189. - الجناوني: الوضع، ص 14. (5) - الجناوني: الوضع، ص 14 - 15. الشماخي: شرح مقدمة، التوحيد، ص 33. ابن أبي العز شرح الطحاوية، ص.373 محمد خليل هراس شرح الواسطية لابن تيمية، ط 5، مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة، المملكة السعودية، دت، ص 48. القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 345. (6) - أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي (عاش في النصف الأول من ق 7 هـ / 13 م) من قرية
- 212 - (1/230)
صفحة 231
ومن ظن بالإيمان ينجيه راجيا ولم يوف بالأعمال خاب بذا
ومن مات من غير الوفاء فإنه يكبكب في ذات السعير على الذقن
(1)
كما يرى الإباضية أن الإيمان مركب من هذه الأجزاء الثلاثة: التصديق والإقرار والعمل، ولا ينفع الإتيان بجزء دون الجزء الآخر، فهو يضيع كله بترك جزء منه، ويوضح الشيخ أبو نصر هذا المعنى كذلك قائلا:
ألا كل شيء ذاهب منه بعضه
بعضه مستمتع للموقن
سوى الدين مهما زال منه أقله مضى كله والبعض من ذاك لا يغن
(2)
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة كثيرة نذكر منها قول الله تعالى: {إنما الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ, عَاياتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقا} [الأنفال/2 - 4]، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ} [البقرة/143]، وهنا تشير الآية إلى الصلاة وهي من الأعمال.
وقول الرسول: «لا إيمان لمن لا أمانة له، وقوله أيضا: «الحياء شعبة من الإيمان»)، وقوله أيضا: «الإيمان بضع وسبعون أو وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأوضعها إماطة الأذى عن الطريق» (5).
" تملوشايت " من جبل نفوسة، تعلم على يد خاله الشيخ أبي يحيى زكرياء بن إبراهيم، له عدة قصائد، أبرزها: قصيدة النونية في أصول الدين. (الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 122). (1) - أبو نصر المالوشائي: قصيدة النونية، نقلا عن عبد العزيز الثميني: النور (شرح قصيدة النونية) المطبعة العربية، 1981 م، ص 303 - 307).
(2) - أبو نصر المالوشائي: قصيدة النونية، ص 335. (3) - أحمد: باقي مسند المكثرين رقم: 12157. (4) - مسلم کتاب الإيمان رقم 35 (5) - النسائي: كتاب الإيمان وشرائعه: رقم: 5005.
- 213 - (1/231)
صفحة 232
فلا
هذه النصوص كلها تشير إلى أن العمل جزء من الإيمان، وأنه متضمن له، لذا
مبرر
لفصل العمل عن الإيمان.
ونورد هنا رأي الشيخ اطفيش الذي شرح فيه التعريف السابق في اشتراط الإيمان للعمل بعد أن أشار إلى تلك الآيات التي تفيد أن الإيمان هو مجرد التصديق وإنما يفيد الإيمان ... مع العمل الصالح واجتناب الكبائر، كما ذكر في مواضع من القرآن والسنة، وحينما لم يذكر، فليحمل المطلق على المقيد ... بل كلمة الشهادة مضمونها وجوب اجتناب الذنوب» (1).
ويضيف الشيخ اطفيش أن مفهوم العمل هنا لا يعني القيام بالفرائض فقط بل يتعدى إلى كل ما يصدر من جوارح الإنسان من أعمال حتى النفسية والقلبية منها؛ مثل الشك والحسد وإساءة الظن ... إلخ، حيث لا تخلو جارحة في الإنسان من لزوم
العمل لها.
كما تُشبه العلاقة بين الإيمان والعمل بالعلاقة بين لفظي الفقير والمسكين، فإذا ذكرا معا كان تقيدا أو عطفا للخاص على العام، أما إذا ذكر أحدهما لوحده تضمن الآخر (2).
هذا عن رؤية المدارس الكلامية للموضوع، فماذا عن رؤية الشيخ معمر؟
مفهوم الإيمان عند الشيخ علي معمر يعرف الشيخ معمر الإيمان اصطلاحا بقوله: «هو التصديق بالخالق ومعرفة توحيد
الله
(3)
وعبادته والعمل بما يقتضيه ذلك التصديق، ويقول أيضا مشيرا إلى رأي الإباضية: «الإيمان يتكون من ثلاثة أركان لابد منها وهي الاعتقاد والإقرار والعمل» (4).
(1) - وينعن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 282.
(2) - المصدر السابق: ص 282.
(3) - سمر أسرة ص 189.
(4) - الإباضية دراسة مركزة: ص 57.
- 214 - (1/232)
صفحة 233
من التعريفين نعرف أن الشيخ تبنى رأي مذهبه في الإيمان، وعبر عنه بأسلوبه تعبيرا واضحا، فاحتوى تعريفه الأول على أن الإيمان تصديق ومعرفة بالله في توحيده وعبادته، ثم إتيان هذه العبادة بالأعمال المقررة منه، وإن لم يشر إلى الإقرار لكنه يتضمنه؛ إذا اعتبرنا أن الإقرار في حد ذاته جزء من العمل، وأنه مما يقتضيه معرفة عبادة الله تعالى.
وقد أتى التعريف الثاني الذي يعتبر في حقيقة الأمر تعبير عن رأي الإباضية-
يذكر أركان الإيمان صراحة وهي الاعتقاد والإقرار والعمل.
لكن مما يبدو أن الشيخ رغم تبنيه لما أتى عند مذهبه وتعبيره عنه فإنه لم يوافقهم فيما ذهبوا إليه بصفة كلية، حيث رأيناه يحاول الجمع بين رأي المذهب ورأيه فيقول: «الحقيقة أن الإيمان الصحيح الذي هو تصديق بالله وبمحمد وما جاء به محمد أنه حق من عند الله وإن كان من أعمال القلب، إلا أنه يقتضي الاستسلام والانقياد والرضا بأحكام الله، والانقياد والرضا يقتضي الطاعة» (1). كلامه هذا نفهم رأيه المتمثل في كون أصل الإيمان هو التصديق القلبي؛
فمن
وهو مذهب الأشاعرة كما مر علينا من ذي قبل لكن الشيخ لم يقف عند هذا الحد؛ بل رأيناه يستطرد في كلامه كأنه لا يريد مخالفة ما أتى عند مذهبه وما قال به علماءه، فيحاول الربط بين رأيه وبين رأي مذهبه؛ فيعتبر أن الانقياد والاستسلام والطاعة من مقتضيات ومستلزمات هذا التصديق القلبي.
ولعل ما يدعم هذا التحليل ما نص عليه الشيخ بعد تعريفه هذا حيث يقول: «كما أن الاستسلام والانقياد والطاعة لا تكون إلا بعد التصديق والإيمان، فهذه المعاني وإن كانت من أعمال الجوارح إلا أنها ترتبط بعقيدة القلب أوثق رباط» (2).
(1) - سمر أسرة ص 171.170.
(2) - المصدر السابق ص 171.
- 215 - (1/233)
صفحة 234
هنا نرى مذهب الشيخ واضحا في فصله بين الإيمان والأعمال، حيث اعتبر الأعمال مرتبة تأتي بعد الإيمان القلبي على الإنسان أن يتحلى بها. ثم نجده مرة أخرى يعود فيعقب على كلامه ويحاول أن يقترب أكثر من رأي مذهبه ولا يخالفه
فينص على أن أعمال الجوارح مرتبطة بعقيدة القلب ارتباطا وثيقا ومباشرا (1). في حقيقة الأمر لم نقف على أدلة الشيخ فيما ذهب إليه، باعتباره الإيمان يعني التصديق القلبي مع ارتباطه الوثيق بالأعمال، ولعل عرضه لآرائه العقدية الذي أتى بغرض تقديمها للناشئة كان دائما حائلا أمام التفصيل والتعمق في المسائل التي تناولها بالتحليل والنقاش، حيث كان يكتفي دائما بالإشارة إلى كليات الأمور أحيانا، وبالإيحاءات السريعة والمختصرة أحيانا أخرى، فيكشف لنا عن قناعاته دون استعراض للأدلة التفصيلية.
وفي حقيقة الأمر أن ما ذهب إليه الشيخ قد سبقه إليه قطب الأيمة الشيخ اطفيش؛ فاتخذ رأيا مخالفا لمذهبه يرى فيه أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإذعان الله تعالى ولما يترتب عنه؛ فهو الإخلاص الحقيقي وهو في حقيقته تصديق بالقلب» (2).
إن هذا الموقف الذي اتخذه الشيخ لا يعني ابدا استهانته بركني الإقرار والعمل، أو عدم اعتبارهما شرطين أساسيين، فإذا كان التعريف عنده يقتضي التصديق القلبي فقط؛ فإنه في أكثر كتاباته عن أحوال المسلمين وفي عرض واقعهم دعوة صريحة إلى كون العمل جزءا وشرطا أساسيا للإيمان، وأن المسلم لا يكون في الحقيقة مؤمنا إذا تخلى عن شرط العمل.
فيقول مثلا في معرض حديثه عن الراشي والمرتشي: «إن تقديم الرشوة في نفسه حرام إذا كان من مال حلال فما بالك إذا اجتمعت فيه الصفتان؛ أنه رشوة
(1) - المصدر السابق: ص 171.
(2) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 284.
- 216 - (1/234)
صفحة 235
وأنه من حرام، فإذا زيد الوجه الثالث وهو تقديمه بغير حق؛ تضاعفت حرمته ثلاث مرات، ولا يقوم على ذلك إنسان فيه ذرة من الإيمان وبقية من عزة الإسلام» (1). وفي موضع آخر نجده يرجع سبب بقاء المجتمع الإباضي على إسلامه النظيف في عقيدته وأعماله إلى تلك القواعد العقدية العملية التي اعتمد عليها في تشكيل وبناء نفسه، حيث يقول: «إن المجتمع الإباضي بناء على قواعد مذهبه كوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب الولاية والبراءة للأفراد والجماعات، وعدم تمام الإيمان إلا بالعمل الصالح الذي يدعو إليه الإسلام ... بناء على هذه القواعد كوّن صورة صحيحة للمجتمع المسلم النظيف» (2).
هذا هو موقف الشيخ من الإيمان وهو موقف يظهر فيه اجتهاده في بعض المسائل - وإن كانت قليلة ومخالفة لما هو متعارف عليه في مذهبه، وهذا دلالة على
تحرره من القيود المذهبية حين يجد في نفسه القناعة الذاتية الكافية ليبدي رأيه. كما نستشف من طريقة عرضه لرأيه هذا عدم رغبته في الخلاف لأجل الخلاف، أو عدم رغبته في اتخاذ آراء اجتهادية في مسائل وقع عليها نوع من الإجماع بين علماء مذهبه في أزمنة متلاحقة، ربما كان ذلك تواضعا منه، واحتراما لعلماء مذهبه الكثيرين الذين يشعر أنهم يفوقونه علما ومعرفة وتمكنا من أصول المذهب وأدلته، فلاحظناه كيف يعرج على كلامه ويعقب عليه كأنه استشعر من نفسه هذه المخالفة، ثم يحاول الربط بين ما ذهب إليه وبين رأي مذهبه.
هكذا يمكن لنا تلخيص رأي الشيخ علي معمر في الإيمان كما يلي:
الإيمان شرعا: يعني التصديق الذي محله القلب، ثم اعتبار أن إقرار اللسان وعمل الجوارح مرتبة بعد التصديق وهما من مستلزماته ومقتضياته وهما مرتبطان به ارتباطا وثيقا ومباشرا بحيث لا يمكن التخلي عنهما.
(1) - سمر أسرة: ص 92.
(2) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 133.
- 217 - (1/235)
صفحة 236
هذا عن مفهوم الإيمان؛ وفي كثير من الأحيان يرد استعمال مصطلحين آخرين هما الإسلام والدين للتعبير عن الإيمان، هذا ما يجعلنا نقف بعض الوقت المعرفة المعاني الشرعية لهما ثم البحث عن العلاقة الكائنة بين هذه المصطلحات الثلاثة: 2 - مفهوم الإسلام:
لم تتعدد آراء المدارس الكلامية في تحديدها لمعنى الإسلام كما تعددت في تحديد معنى الإيمان كما أن الحديث لم يتشعب حوله كما شاهدنا ذلك مع مصطلح الإيمان.
لغة: فعله أسلم بمعنى انقاد وصار مسلما)، وأسلم بمعنى انقاد وأخلص الدين الله، والإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به. وعرفه الشيخ معمر بقوله: «الإسلام معناه الانقياد والخضوع» (3).
أما عن مدلوله الاصطلاحي فيعرفه الشيخ معمر بقوله: «هو الخضوع والانقياد لأحكام الله والامتثال لأوامره، ولا يكون ذلك كاملا إلا إذا صدر من القلب واللسان والجوارح» (4).
ويضيف معرفا الإنسان المسلم: «هو المصدق بجميع ما سبق من أمور التوحيد المقر بذلك العامل بما جاء في الإسلام الموفي بدين الله» (5). نلاحظ من التعريفين كيف أن الشيخ جمع بين الجانب العقدي الإيماني للإسلام وبين الجانب العملي التطبيقي له، بحيث لا يعتبر الإنسان مسلما حقا إذا أتى بالاعتقاد وضيّع الإقرار والعمل، أو العكس فأتى بالإقرار أو العمل دون الاعتقاد، وهذا ما نستخلصه من
(1) - الفيروزبادي: القاموس المحيط، مج 1، ص 107.
(2) - المعجم الوسيط: ج 1، ص 446.
(3) - سمر أسرة ص 169.
(4) - المصدر السابق: ص 190.189.
(5) - المصدر السابق: ص 176.
-218 - (1/236)
صفحة 237
قوله ولا يكون كاملا إلا إذا صدر من القلب واللسان والجوارح»، كما نفهم أن نظرته إلى الإسلام بأنه نظام شامل لكل مناحي الحياة، بحيث يصهر الإنسان فيه كل تصرفاته وتحركاته ويحكمها إليه.
ثم نجد الشيخ بعد ذلك ينتهج نهج علماء الإباضية من قبله (1) في تحديدهم أربعة أسس وأربعة أركان للإسلام ينبني عليها وهي كالتالي:
أسس الإسلام:
- «الأول: أن تعرف مالا يسعك جهله وأن تعرف مالا يسعك تركه وأن تعرف أنك مأمور بذلك ملزم به وأن تعرف أن لك ثوابا على ذلك.
- الثاني: أن تقوم بعمل جميع الفرائض عند حضور السبب ووجود الشرط وارتفاع المانع وأنت في ذلك ترجو ثوابه وتخاف من تركه عقابه.
- الثالث: أن تقصد بعملك رضى الله وامتثال أمره.
- الرابع: أن تكف عما لا يحل وتقف عندما لا تعرف وتترك جميع الشبه
والمناهي.
أركان الإسلام
- الأول: الخضوع والانقياد إلى ما أمر الله تعالى.
- الثاني: سرور القلب بقضاء الله والعزم على امتثال ما حكم الله به.
(1) - انظر مثلا: عمرو بن جميع مقدمة التوحيد وشروحها، 50 - 53. الجناوني: كتاب الوضع، ص 28 - 29 - الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 1، 112 - 129. وقد لاحظنا أن الشيخ الجيطالي قد توسع في الموضوع أكثر من غيره، حيث أفرد فصولا مستقلة لدراسة هذه الأركان والأسس وساق حملة من الأدلة الشرعية المثبتة لها ثم شرح معانيها.
- 219 - (1/237)
صفحة 238
- الثالث: الثقة في الله والاعتماد عليه وإظهار العجز عنده والاحتياج إليه.
- الرابع: رد مفاتيح الأمور كلها إلى الله تعالى» (1).
هذه هي أسس وأركان الإسلام كما نظر إليها وعرفها الشيخ علي معمر، ومما لا شك فيه أنه قد استفاد كثيرا من تحاليل علماء الإباضية الذين سبقوه وعالجوا هذا الموضوع.
وقد جمع هؤلاء بين الاقتصار والاكتفاء بذكر أسماء هذه الأسس والأركان: كالعلم والعمل والنية والورع بالنسبة للأسس والاستسلام لأمر الله تعالى والرضا بقضائه والتوكل عليه وتفويض الأمر إليه بالنسبة للأركان؛ وهو ما رأيناه عند الشيخ أبي زكرياء الجناوني في كتابه الوضع، وعند صاحب عقيدة التوحيد الشيخ أبي حفص عمرو بن جميع. وبين من فصل في الموضوع وقام بشرح هذه الأسس وتبسيطها والاستدلال عليها؛ مثل ما رأينا ذلك عند شارحي عقيدة التوحيد الشيخين
(3)
أحمد الشماخي وداود التلاتي)، وعند الشيخ الجيطالي في قواعد الإسلام (5). والشيخ معمر عمل على إتمام هذا الجهد فأعاد شرحها وتبسيط معانيها بنوع
من الاختصار.
وإن الناظر في هذا العمل يعرف أن الهدف الأول والأسمى منه هو محاولة هؤلاء العلماء تقديم تعريف أشمل وأوفى للإسلام، خاصة عندما يوجه الخطاب إلى العامة من الناس وإلى الشباب منهم وإلى المبتدئين من طلبة العلم حتى تعطى لهم المفاتيح
السهلة لفهم حقيقة الإسلام.
(1) - سمر أسرة: ص 175.174.
(2) - الجناوني: كتاب الوضع، ص 28 - 29.
(3) - عمرو بن جميع مقدمة التوحيد وشروحها، ص 50 - 53.
(4) - المصدر السابق: ص 50 - 53.
(5) - قواعد الإسلام ص 112 - 129
- 220 - (1/238)
صفحة 239
ولعل ما يؤيد هذا كون عقيدة التوحيد مثلا من المثون التي كانت تحفظ عند سائر الناس في المجتمع الإباضي بالمغرب ومما كان يبدأ به التدريس في حلقات العلم). لهذا فقد تولّى جمع من علماء الإباضية في مختلف حلقات التاريخ المتوالية شرح هذه العقيدة.
كما نشير هنا أن تحديد أسس وأركان للإسلام بهذه الصورة هو مما انفردت به المدرسة الإباضية دون غيرها؛ حيث لم نقف -حسب علمنا واطلاعا المتواضعين على من كتب في هذا الموضوع من غيرهم.
ومما نسجله كذلك أن هذا الاجتهاد من علماء الإباضية لم ترد نصوص شرعية صريحة تثبته وتنص عليه؛ ولعله السبب المباشر لاختفاء هذا الموضوع عند بقية المدارس الإسلامية، فهو اجتهاد مبني على معاينة الواقع الاجتماعي الذي عادة ما يحتاج إلى مثل هذا النوع من التعريفات والتبسيط لمسائل الدين؛ خاصة العقدية منها حتى يسهل للناس إدراك أصول دينهم، ويمكن أن نعتبر هذا من سمات ومميزات
الفكر الإباضي في توسيعه لدائرة الاجتهاد وفي الأخذ والعمل بالمصالح المرسلة. بعد كل هذا نفهم أن الإسلام عند الشيخ معمر هو تعبير عن تفاعل الإنسان الحياة في كل جوانبها ومع الواقع المعاش والامتثال في كل ذلك إلى ما نص عليه
مع
الشرع الحنيف.
هذا عن الإسلام فماذا عن الدين؟
3 - مفهوم الدين
لغة: يحمل عدة معان منها: الجزاء المكافأة، الطاعة، الحساب، ويوم الدين أي
(2)
يوم الجزاء، ويعرفه الشيخ معمر بقوله: «الدين معناه الطاعة» (3).
(1) أبو إسحاق إبراهيم اطفيش مقدمته في تحقيق مقدمة التوحيد وشروحها، ص 7 - 8.
(2) - ابن منظور لسان العرب، مج 1، ص 1044.
(3) - سمر أسرة ص 179.
- 221 -
- (1/239)
صفحة 240
أما في الاصطلاح الشرعي فيعرفه بقوله: الدين هو أن تعرف ما أوجب الله عليك وما نهاك عنه وأن تطيعه في أمره ونهيه» (1). ثم يرى أن جميع ما تعلق بالدين إما أن يكون عقائد في القلب أو أن يكون أقوالا باللسان أو يكون عملا أو اجتنابا بالجوارح.
أما في تعريفه للرجل المتدين فيرى أنه الرجل المطيع الله؛ ولا يكون كذلك إلا إذا كان مصدقا به منقادا له (3) نرى من هذه التعاريف أن الشيخ يشترط فيها المعرفة؛ التي هي الاعتقاد ثم الانقياد والطاعة، التي تتمثل في الأعمال.
فمن خلال كل ما استعرضناه مع الشيخ في ما يتعلق بمعرفة مدلول الإسلام والدين وما يتضمنانه يشير إلى أنهما يتكونان من ثلاثة أجزاء أساسية مهمة لا يخرج شيء عن نطاقها، وأنها ترتبط ببعضها البعض ارتباطا وثيقا وهي: ما تعلق بمعرفة الله تعالى وعبادته، ثم الإقرار بما تشتمل عليه هذه المعرفة، ثم الإتيان بما توجبه هذه المعرفة من فرائض وواجبات فيظهر أن هناك نقاط تلاق وتقاطع بين هذه المصطلحات الشرعية الثلاثة.
ففيما تكمن هذه النقاط وما حقيقة العلاقة الشرعية بينها؟
4 - العلاقة بين الإيمان والإسلام والدين
استعمل القرآن الكريم لفظ الإيمان والإسلام والدين كل واحد على حدة في أكثر من موضع، وأحيانا أخرى كان استعماله لها معا في نفس الآية أو الموضوع، هذا ما جعل العلماء يتساءلون عن العلاقة بينها في المعنى، وهذه بعض الآيات التي تطرقت لذلك:
(1) - المصدر السابق ص 190.
(2) - المصدر السابق ص 143 (3) - المصدر السابق: ص 169.
- 222 - (1/240)
صفحة 241
يقول الله تعالى: {وَإِذَ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَن - امِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا عَامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة/111]، وقوله أيضا: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمُ إِلَّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب/22]، وقوله أيضا: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات/36،35]، وقوله أيضا: وإنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ} [آل عمران/19]، وقوله أيضا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا
[المائدة/3].
يرى الشيخ معمر أن هذه الألفاظ بصفة عامة في مدلولاتها الاصطلاحية الشرعية تفيد معنى واحدا)، أو تنطبق على ما صدق واحد، ذلك لأننا عندما نحدد تعريف الشخص المؤمن نجده ينطبق على ما صدق الشخص المسلم والشخص المتدين، وإذا حددنا كذلك ما صدق الشخص المتدين مثلا نجد تعريف الشخص المسلم والشخص المؤمن ينطبق عليه والعكس صحيح
كذلك.
إن هذا التحليل هو ما يفهم من كلام الشيخ في بيان العلاقة بين هذه الألفاظ الثلاثة المتمثلة في علاقة الترادف، حيث يقول: «إذا قلنا هذا رجل مؤمن بالله فنعني أنه مصدق بوجود الله ووحدانيته واتصافه بجميع الكمالات، والتصديق بذلك يقتضي الخضوع والانقياد والطاعة ... ألا ترى أن كلمة الإيمان تدل على جميع المعاني التي تدل عليها كلمات الإسلام والدين».
ثم فعل الشيخ نفس الشيء في تعريف الرجل المسلم ثم الرجل المتدين، وبين أن كل لفظ يشتمل على نفس المعاني التي يشتمل عليها اللفظان الآخران (3).
(1) - المصدر السابق: ص 169. (2) - المصدر السابق: ص 169. (3) - المصدر السابق: ص 169. (1/241)
صفحة 242
واستدل الشيخ على رأيه هذا بمجموعة من الآيات التي دلت على ترادف
المعنى بين لفظين أو أكثر، و هذه الآيات هى المذكورة آنفا. ولقد ذهب المعتزلة نفس المذهب إلى جانب الإباضية، حيث أفرد القاضي عبد الجبار كلاما في الاستدلال على أن المعنى الشرعي للإيمان والإسلام والدين معنى مترادف و متطابق ورد ردّا مختصرا على أدلة من رأى خلاف ذلك).
التي يوحي
ومما لا شك فيه أن الشيخ أغفل الحديث وغض الطرف عن الآيات الأخرى ظاهرها بوجود معنيين مختلفين، كقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ عَامَنا قُل لَّمْ تُومِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) الحجرات/14]. ولعل هذا ما أراد الإشارة إليه وتسجيله في نهاية حديثه عن المسألة؛ فاعتبر أن هذه المصطلحات يمكن أن يلاحظ بينها فروق في المعنى في بعض المباحث الدقيقة من علم الكلام.
هذه
وإن كان الشيخ لم يشر إلى هذه المباحث لكونه في معرض تقديم العقيدة للناشئة التي لا دخل لها في مثل هذه المسائل التي عادة ما تتسم بالتعقيد والعمق، فإن الشيخ اطفيش تعرض للموضوع بأكثر دقة وتفصيل ويحسن بنا أن نورد ملخصا عن رأيه حتى تتضح الصورة أكثر وتكتمل
فهو يرى أن المصطلحين الإيمان والإسلام عندما يردان معا في الموضع الواحد فإنهما يستعملان لمعان متعددة، فتجري بينهما علاقات الترادف والاختلاف والتداخل والتباين، وأن السياق القرآني الذي وردا فيه هو الوحيد الذي يحدد أي علاقة تجمع بينهما (4). ويضرب الشيخ أمثلة على ذلك ويشرح هذه العلاقات ولا
(1) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 344 - 345. (2) - هذه الآية وغيرها مما استدل به الأشاعرة على أن الإسلام شيء مغاير للإيمان في مفهومه الشرعي، وهو رأيهم في الموضوع. (انظر: البيجوري: حاشية تحفة المريد، ص 28 - 29).
(3) - سمر أسرة: ص 169.
(4) - وينان آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 292 - 293.
-
- 224 -
-
! (1/242)
صفحة 243
يرى مبررا في قصر الإيمان والإسلام على الوفاء بالاعتقاد والعمل فقط. والشيخ اطفيش بذلك يتحرر من الرؤية المذهبية ليتخذ لنفسه قناعة خاصة.
إذن نلاحظ على الشيخ معمر في معالجته لهذه المسألة أنه لم يخالف كثيرا علماء مذهبه، بل تبنى رأيهم، ثم حاول تبسيط وضبط مدلولات هذه الألفاظ الثلاثة ثم الجمع بين معانيها، رغم ما اكتنف هذا التبسيط من صعوبة في تذليل مفاهيمها ومقارنة بعضها مع بعض.
فنسجل للشيخ ذلك المجهود الفكري الذي بذله وذلك الأسلوب الذي استعمله لإيصال الفكرة في صورتها المبسطة إلى الناشئة لتعمل على إقناعهم بترادف معاني هذه المصطلحات الشرعية، واتضح ذلك في عرضه بخلاف العادة لمجموعة طويلة من الآيات القرآنية في الموضوع المؤيدة لما ذهب إليه، وإغفاله عن الشطر الآخر من الآيات التي يفهم منها خلاف ذلك.
ثم في تلك الأمثلة التي أعطاها للرجل المؤمن ثم المسلم ثم المتدين، وفي كل مرة يبين أن ما صدق كل منها ينطبق على الآخر، وكان يكفيه أن يعطي مثالا لواحد منهم ويشير إلى أن المثال ينطبق على اللفظين الآخرين.
على كل حال حرص الشيخ على الاستدلال برأي مذهبه لم يمنعه أن يسجل ملاحظته في الأخير في إمكانية اختلاف معاني المصطلحات الثلاثة في بعض جزئيات علم الكلام، وهذا ما رأينا تفصيله عند الشيخ اطفيش، ويمكن اعتبار كل من دقة أسلوب القرآن الكريم ومن دلائل الإعجاز البلاغي فيه، وهو ما ينبغي مراعاته في تفسير الآيات القرآنية وفي استنباط الأحكام الشرعية منه.
ذلك
ولعل البعد الاجتماعي في هذه المسألة يكمن في ما أشار إليه الشيخ معمر حين حديثه عن أسباب محافظة المجتمع الإباضي على نقاوته وصفائه، حيث أرجع ذلك إلى جملة أسس عقدية منها ربط مفهوم الإيمان بالعمل الصالح ثم اعتبار ذلك مما يدعو إليه الإسلام ويؤكد ويلح عليه.
- 225 -
16 (1/243)
صفحة 244
وهذا دليل واضح على الربط بين هذه المصطلحات لتحمل معنى واحدا يجعل من الإسلام والإيمان والدين شيئا مترادفا متكاملا يستطيع إقامة المجتمع الإسلامي الحريص على تطبيق دينه اعتقادا وقولا وعملا في سائر مناحي الحياة.
هذا عن الإيمان وعلاقته بمصطلحي الإسلام والدين، ولعل من المعروف أن العلماء ناقشوا عدة مسائل أخرى لها علاقتها بالإيمان من بين هذه المسائل التي أولى لها الشيخ علي معمر اهتماما خاصا مسألة الخوف والرجاء. لهذا رأينا أن نتوقف عندها وقفة خاصة نعرض فيه تصور الشيخ للموضوع:
ثانيا: الخوف والرجاء
الخوف والرجاء حالتان من أحوال قلب الإنسان المؤمن تجاه مصيره الذي ينتظره بعد مفارقته لهذا الحياة الدنيا، فهو من جهة يخاف عذاب ربه ويحذر احتمال عدم تقبل أعماله وهي حال الخوف، ومن جهة أخرى يرجو مغفرته وثوابه ونعيمه بالرضا عن الأعمال التي قدمها وبوفائه بدينه وهي حال الرجاء (1).
(1) - نستطيع مقارنة هاتين الحالتين اللتين يكون عليهما قلب المسلم في الدنيا، والتي دلت عليهما نصوص شرعية كما سنرى بما ذهب إليه الأستاذ مالك بن نبي في تفسيره لميلاد الحضارة الإسلامية ومعالم حركتها التاريخية؛ حيث يرى أن القرآن الكريم وضع ضمير الإنسان المسلم بين حدين هما الوعد والوعيد، فهو من جهة يأمل في ثواب الله تعالى ورجاء رحمته ورضائه؛ فيعمل ما بوسعه لبلوغ هذا المنال، ومن جهة أخرى هو يحذر ويخاف وعيد الله تعالى وعقابه، ويعمل ما بوسعه لتجنب ما يُوصل إليه، فيُوجه جهده بين هذين الحدين؛ الرجاء في الوعد والخوف من الوعيد. (مالك بن نبي: ميلاد مجتمع - شبكة العلاقات الاجتماعية، مطبعة النخلة، بوزريعة- الجزائر، نشر دار الفكر - الجزائر ودار الفكر - سوريا 1992 م، ص 24 - 25). -قاسم أحمد الشيخ بالحاج نظرية الحضارة عند المفكر مالك بن نبي منشورات التبيين، الجاحظية- الجزائر، 1998 م، ص 24 - 27).
- مالك بن نبي: (1905 - 1973 م) من مواليد قسنطينة، تلقى دراسته الأولى في تبسة وقسنطينة، سافر إلى فرنسا مواصلا مشواره العلمي، اهتم بتحليل الظواهر الاجتماعية للشعوب المستعمرة، وأنتج في هذا المجال سلسلة من الكتب منها شروط النهضة، ميلاد مجتمع، الظاهرة
- 226 - (1/244)
صفحة 245
لكن هذا وذاك يبقيان من المغيبات على الإنسان مهما قدم من أعمال الخير و
مهما اقترف من أعمال الشر، لذلك ينبغي أن يبقى قلبه دائما بين الخوف والرجاء مادام على وجه هذه الدنيا.
فما هي رؤية الشيخ علي معمر في كل هذا؟
-1 - تعريف حالة الخوف وحالة الرجاء:
أ - حالة الخوف:
لغة: الخوف يعني الفزع، وهو مشتق من لفظ "خاف" يخاف، خوفا، خيفة،
ومخافة (1)
في الاصطلاح يعرفه الشيخ بأنه خوف قلب المؤمن من أن يكون عمله مردودا عليه غير مقبول، وبذلك يتولاه الله تعالى بالمقت والغضب والعذاب (2).
ب - حالة الرجاء:
لغة: مشتق
لفظ أرجاً، يقال أرجأ الأمر إذا أخره وأجله، ويقال أرجأت
وأرجيت بترك الهمزة، ومنها قول الله تعالى: {وَتُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ) [الأحزاب/51].
في الاصطلاح يعرفه الشيخ معمر بأنه امتلاء قلب المؤمن أملا في رحمة الله وطمعا في قبول أعماله وفي مضاعفة حسناته ومغفرة ذنوبه (4).
القرآنية. (قاسم الشيخ بالحاج نظرية الحضارة عند المفكر مالك بن نبي، ص 9 - 13).
(1) - ابن منظور: لسان العرب، مج 1، ص 921.
(2) - سمر أسرة: ص 158.157.
(3) - ابن منظور لسان العرب، مج 1، ص 1123.
(4) - سمر أسرة: ص 157.
- 227 - (1/245)
صفحة 246
ويبين الشيخ اطفيش البعد الإيماني والعملي لهما فيقول إن الخوف زاجر عن المعصية للعقاب عليها، فهو ينشأ من وجود الجزاء بالعذاب فيرهبه المؤمن ويخاف أن يكون من أهله.
والرجاء داع إلى الطاعة للثواب عليه، فيأمل المؤمن في الحصول على الثواب
والنعيم ويكون ضمن الذين رضي الله عنهم، فيعمل بأعمال الخير والصلاح). مما سبق ندرك أن حالة الخوف وحالة الرجاء مظهران من مظاهر القلب المؤمن في علاقته مع ربه هو من جهة يأمل في تقبل أعماله ونيله ثواب ربه، ومن جهة ثانية يخاف ويحذر رد أعماله وإحباطها ونيل سخط الله وعذابه.
ومن اللائق أن نشير هنا أن علماء الإباضية قبل الشيخ معمر قد تناولوا هذا الموضوع واهتموا به منذ القديم؛ فنجد الشيخ إسماعيل الجيطالي يعتبرهما فريضتين واجبتين على المكلف معا منذ البلوغ، ويلزمه أن يفهم معناهما ويعتدلا في قلبه دون الميل إلى أحدهما، ثم يورد جملة من الأدلة تثبت ما ذهب إليه.
ونجد صاحب عقيدة التوحيد أبا حفص يعدهما مما يجب على المكلف معرفته فيقول: «ستة تجب على ابن آدم بستة ... الخوف والرجاء». ويعتبرهما شارح العقيدة أبو العباس الشماخي شرطين يقومان المسلم في دينه؛ فالخوف زاجر رادع عن المعاصي والمناهي، والرجاء داع باعث إلى فعل الطاعات والمأمورات، وضدهما الأمن والإياس). ويظهر من كلامه كذلك استفادة علماء الإباضية بعضهم من بعض واللاحقين من السابقين؛ هذا ما نستشفه من الكلام السابق للشيخ اطفيش مقارنة مع ما أورده شارح العقيدة الشيخ الشماخي أبو العباس. وكذا ما ورد عند الشيخ معمر نفسه في هذا الموضوع.
(1) - امحمد اطفيش: الذهب الخالص، ص 30 - 31. (2) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ص 43.
(3) - عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، ص 75 - 76.
(4) - أحمد الشماخي: مقدمة التوحيد وشروحها، ص 75 - 76.
-
- 228 - (1/246)
صفحة 247
2 - قلب المؤمن بين حالتي الخوف والرجاء:
إن هذه المسألة ذات علاقة وطيدة بإيمان المسلم؛ فهي تحدد له حالة قلبه مع ربه بين الخوف والرجاء. فيرى الشيخ معمر أن قلب المؤمن يجب أن يكون في موقف وسط بين حالتي الخوف والرجاء، ولا يميل إلى حالة على حساب الثانية، فهو يرجو في الله أن يشمله برحمته ومغفرته وقبول أعماله، وهو في ذات الوقت في خوف من أن يردها عليه وأن يحل عليه غضبه ومقته وعذابه.
ويعلل الشيخ ذلك بكون إتيان المؤمن للأعمال مستوفاة حسب ما يعلم لا يمكن أن يضمن له القبول، لأن ذلك مما استأثر الله بعلمه لوحده، لذا يجب أن يخاف من عدم قبولها وإحباطها بسبب من الأسباب، ومن جهة أخرى فإن المنافق أو العاصي المضيع للأعمال؛ مهما ارتكب من آثام يجب عليه أن يكون قلبه عامرا بالرجاء في الله تعالى، ولا يصاب بالقنوط واليأس من رحمته، فعسى الله أن يتولاه بهداية منه وتوفيق ويغفر له ما قدم من آثام، ومعاص، وذلك بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الطريق السوي (1).
ويحذر الشيخ من أن يميل قلب المؤمن إلى الرجاء؛ قانعا وراضيا بما قدمه من أعمال، فيظن أنه قام بما أوجب الله عليه أحسن قيام فإن هذه الحالة تجعل المؤمن يأمن مكر الله تعالى وعذابه، ويفتح الباب للشيطان لأن يملأ قلبه غرورا ورياء، وهذا من محبطات الأعمال (2).
ويورد الشيخ معمر جملة من الآيات وحديثا كأدلة على هذا الموقف الوسط الذي ينبغي للمؤمن أن يكون عليه بين الخوف والرجاء، مثل قول الله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف/99]،
(1) - سمر أسرة: ص 159.158.
(2) - المصدر السابق: ص 158.
- 229 - (1/247)
صفحة 248
وقُلْ يَا عِبَادِي الذينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر / 53]، {وَلَا تَايْنَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَايْنَ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف/87].
وقول الرسول: «لو وزن خوف المسلم ورجاؤه بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر» (1).
هكذا فإن تغلب الرجاء يؤدي بالمسلم إلى الأمن من عذاب الله وتغلب الخوف يؤدي به إلى اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى وكلاهما مرفوض على المسلم
الاتصاف بهما.
ويبين الشيخ معمر مخاطر ميل قلب المسلم إلى إحدى الحالتين على حساب الأخرى، فيرى أن هذا الميل هو منزلق يزل به كثير من الناس، وهي الأبواب التي يدخل بها إبليس إلى قلب ابن آدم حتى يفسده، فإن إبليس يوسوس للإنسان الحريص على طاعة الله بأن مثله يستحق رحمة الله وثوابه، وهو لم يقترف المعاصي كغيره، فيستمع لهذا الصوت ثم يتبعه فيظن أنه فعلا جدير بالثواب، وأن رجاءه عند الله تعالى لا يخيب وهكذا ينزلق في الأمن من مكر الله تعالى.
ويستشهد الشيخ معمر بحديث رسول الله له المبين أن الإنسان مهما عمل من خير فهو لا ينال الجنة بعمله؛ لكن برحمة الله تعالى: «لن يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله قلنا يا رسول الله له ولا أنت قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» (?)، فهذا رسول الله فكيف بغيره من العباد (3).
(1) - المصدر السابق: ص 160.159. .
لم أحد الحديث في موسوعة الحديث الشريف، ويبدو أن الشيخ معمر نقله من كتاب قواعد
الإسلام للحيطالي. (انظر: قواعد الإسلام، ج 1، ص 43).
(2) - أحمد: باقي مسند المكثرين رقم: 11094.
(3) - سمر أسرة ص 161.
- 230 -
- (1/248)
صفحة 249
هذه
هي
رؤية الشيخ معمر للموضوع، ونجده هنا قد غفل عن بيان حالة
قلب المؤمن وقت الاحتضار، حيث أشار إلى ذلك غيره من العلماء الإباضية، إذ يرون أنه يجوز للمسلم أثناء هذه الحالة أن يميل إلى الرجاء في ثواب الله تعالى على الخوف من عذابه؛ دون أن يتخلى عن الخوف كلية، حتى يكون ظنه بالله ظنا حسنا)، واستدل الشيخ اطفيش على ذهابه هذا المذهب بالحديث القدسي الذي جاء فيه ما يلي: «أنا عند ظن عبدي، فليظن بي ما شاء، وإذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه» (2).
إن لموقف المؤمن بين حالتي الخوف والرجاء أثره في سلوكه وأعماله اليومية مع ربه ومع غيره من البشر، حيث يجعله يراقب تصرفاته وأقواله وأعماله ويجعله يتذكر مصيره دائما ويعمل لنيل ثواب ربه والابتعاد عن عصيانه واجتناب غضبه ومقته كما يكون له محفزا أكثر في الزيادة من أعمال الخير ورادعا له على اقتراف أعمال الشر، هذا ما أشار إليه الشيخ معمر بقوله: «فإن الرجاء داع إلى الطاعة مرغب فيها وإن الخوف زاجر عن المعصية، رادع عنها منفر منها» (3).
هذا
هو رأي الشيخ علي معمر في الخوف والرجاء، وكان واضحا أنه استفاد مما وجده عند علماء الإباضية من قبله خاصة منهم الشيخ إسماعيل الجيطالي في قواعده، حيث اقتفى أثره في تحليله للموضوع، واعتمد على الأدلة التي أوردها في إثبات علاقة الموضوع بالإيمان، وتمثل ما زاده الشيخ في تبسيط المفهومين وفي تبيين مخاطر ميل قلب المؤمن إلى إحدى الحالتين على حساب الأخرى، وما يترتب على ذلك من فتح الأبواب
نفس
للشيطان للإغراء والإغواء.
(1) - امحمد اطفيش: الذهب الخالص، ص 31. (2) وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 306. (3) - سمر أسرة: ص 159.
- 231 ·
- (1/249)
صفحة 250
ثالثا مفهوم الكفر وأقسامه
تمهيد:
احتوت آيات عديدة من القرآن الكريم على لفظ كفر كافر، كفرة، وما اشتق منها، ووردت في مواطن مختلفة، منها ما أتى في مخاطبة الفئة المؤمنة سواء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو من الأمم السابقة، ومنها ما أتى في مخاطبة غير المؤمنين أو غير المنقادين لرسلهم، مثل قول الله تعالى: هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ وَاشْكُرُ أَمَ اكْفُرُ} [النحل/40]، وقوله تعالى: {وَاللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران/ 97]، وقوله تعالى: {وَوَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة/44].
وكذا وردت أحاديث تعرضت لذكر مصطلح الكفر مثل قول الرسول: ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة» (1).
هذا ما جعل علماء الإسلام يجتهدون في معرفة مدلولات مصطلح الكفر التي حملتها هذه النصوص، وقد أتت كل مدرسة كلامية بمفاهيم منها ما حصل الاتفاق عليه بين مدرستين أو أكثر ومنها ما اختلف فيه من مدرسة إلى أخرى.
ونظرا لما يترتب على هذه المفاهيم من أحكام هامة وخطيرة في ذات الوقت،
أصبح من الواجب تحديد مدلولاتها بصفة دقيقة واضحة.
وإذا نظرنا إلى الموضوع من الناحية التاريخية فإننا نجد أن الاستعمالات الأولى لمصطلح الكفر بين المسلمين - بعد وفاة الرسول - ظهرت في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق في محاربته الحركة الارتداد التي اجتاحت مناطق واسعة من الأراضي الإسلامية في الجزيرة العربية حيث حكم عليهم بالكفر والخروج عن الإسلام.
(1) -:مسلم كتاب الإيمان، رقم: 134
(2) - للتوسعة في معرفة أحكام الردة ينظر: الطبري: تاريخ الأمم والملوك. ابن كثير: البداية والنهاية. - ابن قتيبة الإمامة والسياسة.
-232 - (1/250)
صفحة 251
وإن كان الحكم بالشرك على هذه الحركة وأصحابها كان واضحا ومتفقا عليه بين المسلمين الجلاء موقف المرتدين من الإسلام بإنكارهم فرضا صريحا من فروض الإسلام ألا وهو الزكاة، فإن الظهور الثاني لمصطلح الكفر على الساحة الإسلامية حفه الكثير من غموض الرؤية والاختلاف في النظر والحكم عليه، وحصل حوله الكثير من الأخذ والرد والمناقشات والجدال، وهو متمثل فيما قام به الخوارج (1) من أعمال ضد السلطة الأموية الحاكمة ومن سكت عليها من المسلمين، حيث حكموا على كل من لم يخرج معهم بالكفر، ولو أتى بكل الواجبات واعتزل أعمال السلطة والحكم.
هذه هي الجذور التاريخية الأولى لاستعمال المصطلح، أما عند الإباضية فإن الاستعمال الأول له كان مبكرا جدا، وذلك في الموقف الذي اتخذه إمامهم السياسي الأول لهم عبد الله بن إباض (3) تجاه نافع بن الأزرق (4) وأتباعه في حكمهم بالخروج على المسلمين وتكفيرهم، واستحلال أموالهم وأعراضهم ودمائهم، حيث تبرأ منه
وحكم عليه وعلى أتباعه بالكفر، وأظهر له التمييز بين كفر الشرك وكفر النعم).
(1) - في حقيقة الأمر أن كل ما يرد من أخبار عن الخوارج ينبغي أخذه بحذر وتمحيص ودون القطع بصحته؛ وذلك لكونهم لم يتركوا لنا مصادر ألفوها بأنفسهم؛ تبين لنا تعبيرهم عن آرائهم بأقلامهم، هذا من جهة ومن جهة أخرى ما أحاط تلك الأحداث من منازعات ومشاحنات جعلت كل فرقة تفتري على الأخرى وتصفها بأشنع الأوصاف والأعمال. (2) - بعض المصادر التي تحدثت عن الخوارج مقالات الإسلاميين للأشعري الملل والنحل للشهرستاني، الفرق بين الفرق للبغدادي. (3) - عبد الله بن إباض أحد الأيمة المؤسسين للمذهب الإباضي وينسب إليه، عاش في البصرة وعرف بمواقفه السياسية مع السلطة الأموية؛ منها رسالته إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وتوفي في آخر أيامه أي حوالي 86 هـ. بكير أعوشت: دراسات إسلامية في أصول الإباضية، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة - الجزائر، 1402 هـ - 1982 م، ص 22 - 26). (4) - نافع بن الأزرق أحد رؤوس الخوارج، تنسب إليه فرقة الأزارقة من الخوارج. (5) - ينظر للتوسعة في معرفة هذه الأحداث طبقات المشايخ بالمغرب الدرحيني -الجواهر المنتقاة لأبي القاسم البرادي. -دراسة في الفكر الإباضي لعمر با الظروف السياسية لنشأة الفرقة الإباضية لقاسم الشيخ بالحاج. -دراسات إسلامية في الأصول الإباضية لبكير أعوشت.
:
- 233 -
- (1/251)
صفحة 252
هذا عن الجذور التاريخية لظهور المصطلح فماذا عن مفهومه؟
1 - تعريف الكفر:
الكفر لغة: مأخوذ من مادة "كفر" ويشتق منها يكفر، كفرا، كفورا، كفرانا، ويقال كفر نعمة الله: أي ححدها وسترها، والكفر مشتق من الستر والتغطية (1). الكفر اصطلاحا: في حقيقة الأمر لم نقف على تعريف محدد ودقيق للشيخ معمر لمعنى الكفر في الاصطلاح، إلا أنه يرى أن الكلمة تطلق شرعا على الذين يجاهرون الله بالمعصية فيخالفونه عن أمره، ويرى الشيخ أحمد الشماخي أنه ورد في الشرع بمعنى الشرك وبمعنى النفاق). ويضيف الشيخ اطفيش إلى هذا التعريف تدقيقا وتحديدا آخر فيعتبر الكفر منزلة مقابلة لمنزلة الإيمان وهذا يعني أن ما ليس
(4)
بإيمان فهو كفر ويتضح من التحديد الذي وضعه الشيخ معمر للكفر أن كل من ضيع العمل، باقترافه إحدى المعاصي فهو داخل في دائرة الكفر لا محالة، بل إن تحديده موجه إلى مضيع العمل بالدرجة الأولى قبل مضيع الاعتقاد. وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل الكفر قسم واحد أم هو أقسام متعددة؟
2 - أقسام الكفر:
يجيب الشيخ معمر عن التساؤل قائلا إن كلمة الكفر تطلق على أحد معنيين فهي إما أن تكون بمعنى الشرك وإما بمعنى النفاق» (5)، ولتحديد على من تحب كا
(1) - ابن منظور لسان العرب، مج 3، ص 273. (2) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 93. (3) - أحمد الشماخي: شرح مقدمة التوحيد، ص 127. (4) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 335. (5) - سمر أسرة ص 193.
- 234 - (1/252)
صفحة 253
منهما يقول: «الإباضية عندما يطلقون كلمة الكفر على أحد من أهل التوحيد فهم يقصدون كفر النعمة وهو ما يطلق عليه غيرهم كلمة الفسوق والعصيان» (1)، وهذا الذي يحمل معنى النفاق، ويبقى النوع الثاني الذي يتمثل في كفر الشرك، ومن هذا نفهم أن المعنى الذي يطلق عليه الإباضية كفر النعمة ويطلق عليه المعتزلة الفسوق (2) ويطلق عليه الأشاعرة العصيان أو النفاق (3) ينطبق على ما صدق واحد وهو يتمثل في مضيع الأعمال أو مرتكب الكبائر من المسلمين.
إذن: مما سبق نستطيع تقسيم الكفر كما يلي:
كفر الشرك
- كفر النفاق، وهو نفسه كفر النعمة، العصيان، الفسوق.
-
فماذا يعني كل من هذين القسمين؟
أ - كفر الشرك
- تعريف كفر الشرك:
الشرك اللغة: فعله أشرك، شركة أي مخالطة الشريكين واشتراكهما ومشاركتهما في شيء، وأشرك بالله أي أعدل به غيره فجعله شريكا له). واشترك الأمر اختلط والتبس (5).
أما في الاصطلاح فقسمه الشيخ معمر بدوره إلى قسمين: شرك جحود وشرك مساواة، ويعرف كلا منهما كما يلي:
(1) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 93.
(2) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ص 2، ص 348 - 352.
(3) - البيجوري: حاشية تحفة المريد، ص 27 - 28.
(4) - ابن منظور: لسان العرب، مج 2، ص 306. (5) - المعجم الوسيط: ج 1، ص 480.
-235 - (1/253)
صفحة 254
شرك الجحود: «هو إنكار وحدانيته سبحانه وتعالى.
شرك المساواة: هو مساواة الله سبحانه وتعالى بخلقه في صفة أو فعل أو ذات» (1).
ويضيف تعريفا للمشركين فيعتبرهم الذين لم يعترفوا بكلمة الشهادة أو أنكروا منها ما كان قطعيا. ويدخل فيه كذلك إنكار رسول من الرسل أو كتاب من الكتب أو آيات من الآيات. كما يدخل في شرك الجحود إنكار الله تعالى رأسا). من الواضح أن الكفر بهذا التعريف مقتصر على الجانب العقدي من الدين دون الأعمال، وهذا القدر هو ما اتفقت عليه المدارس الإسلامية في تعريف الكفر، ومن وقع فيه فقد خرج من ملة الإسلام، وأصبح في ملة الكفر والشرك.
ونجد للشيخ معمر سيرا على نهج بعض علماء الإباضية (5) من قبله لتوضيح معاني الكفر أكثر وتشخيص السبل والأبواب المؤدية إليه يحدد أربعة أسس وأربعة أركان للكفر من اتصف بها وقع في المحذور وهي كما يلي:
أسس الكفر
1 - جهل مالا يسع جهله من التوحيد والفرائض وغيره.
2 - المعصية أو حمية الجاهلية: وهي إعانة المبطل على باطله ... وهي أيضا الأنفة من قبول الحق ... أو ما أشبه ذلك من المعاني أو الأعمال التي تحمل الإنسان
على عدم الانقياد للحق.
(1) - سمر أسرة، ص 192.
(2) - المصدر السابق ص 77.
(3) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 518.
(4) - التلاتي: شرح مقدمة التوحيد، ص 128.
(5) - الجناوني: الوضع، ص 30. أبو حفص: مقدمة التوحيد وشروحها، ص 54 - 57.
-236 - (1/254)
صفحة 255
3 - الكبر: وهو احتقار الناس والتسلط عليهم بالازدراء والإهانة، وتسفيه الحق
ممن قاله أو فعله.
-4 - الحسد وهو تمني زوال النعمة عن الغير» (1).
أما عن أركان الكفر فهي:
1 - أن يأخذ الإنسان من غير حق ويمنع من غير حق أو أن يعمل على الحصول على ما لا يحل له.
2 - أن يخاف الإنسان من الفقر فيمنع حقوق الله ... أو يصيبه الخوف فلا يعلن كلمة الحق، وحكمته، مجاراة للناس ومسايرة لهم.
3 - الشهوة: وهي حركة النفس لطلب الملاذ والشهوة المحرمة أعظم ما ينكب به الإنسان ...
معالمه
4 - الغضب وهو حركة النفس طلبا للانتقام ... ». إن الشيخ معمر في تعداده لأركان وأسس الكفر يبدو اعتماده على ما كتبه علماء الإباضية من قبله واضحا في التعريف أكثر بالكفر ورسم وحصر وطرقه المؤدية إليه، واتضح جهده كالعادة في إعادة شرح ما أتى فيها موجزا وتبسيط ما أتى منها صعبا للفهم، حتى يُمكن هذه الناشئة التي يقدم لها مجهوده هذا من إدراك المعاني الفكرية للعقيدة الإسلامية، كما يضرب لهم الأمثلة القريبة من مداركهم ومعايشتهم ومشاهداتهم ليسهل عليهم فهمها واستيعاب مقاصدها. حيث ورد في مقدمة التوحيد للشيخ أبي حفص عمرو بن جميع (3) هذه الأسس
(1) - سمر أسرة ص 177. (2) - المصدر السابق: ص 179.
(3) - أبو حفص عمر بن جميع صاحب عقيدة التوحيد التي كانت بالبربرية ثم ترجمها إلى العربية، من علماء النصف الثاني من ق 7 هـ / 15 م، أخذ العلم عن الشيخ أحمد الدرجيني صاحب كتاب
-237 - (1/255)
صفحة 256
(2)
والأركان، ثم تعرض لها الشيخ التلاتي) والشيخ الشماخي بالشرح، وأتى عمل
الشيخ معمر في توضيح ذلك بأسلوب ميسر ومعاصر.
إن وضع هذه الأركان والأسس بهذه الصورة في حقيقة الأمر لم يثبت بها دليل شرعي يحددها كما ذكرها علماء الإباضية أو كما نقلها الشيخ معمر، فنلاحظ أن الشيخ قد أغفل الحديث عن هذا الجانب و لم يشر إلى التأصيل الشرعي للمسألة، لكن مما يبدو في مقابل ذلك أن الشيخ لم ير مانعا شرعيا في اعتبارها أسسا وأركانا ينبني عليها الكفر، كما أن الغاية من تحديدها هو التحذير من الوقوع في الكفر وسد كل الطرق المؤدية إليه، خاصة إذا علمنا أن المصادر الشرعية بصفة عامة كانت شحيحة في تعريفها للكفر و بيان جزئياته ودقائقه، ومن جهة أخرى فطبيعة الموضوع جعلت العلماء يعالجونه بأسلوب كلامي أو فلسفي متين وجاف لا يتسنى لأي شخص إدراك معانيه التفصيلية والجزئية، ولسد هذا الثغر خلص علماء الإباضية لتعريف الناس بالكفر بما يؤدي إليه من أعمال ظاهرة للإنسان، وهو ما تمثل في مثل هذه الأسس والأركان.
طبقات المشايخ بالمغرب، توفي بجزيرة جربة ودفن بها أبو إسحاق إبراهيم اطفيش: مقدمته على کتاب مقدمة التوحيد، للشيخ عمرو بن جميع، ص 7 - 9).
(1) - أبو سليمان داود بن إبراهيم الثلاثي (ت 967 هـ/1560 م) من جزيرة حربة بتونس، ودرس عند الشيخ أبي يوسف يعقوب بن صالح التندمرتي في جبل نفوسة بليبيا، ورحل إلى وادي ميزاب فتلقى العلم على الشيخ أبي مهدي عيسى بن إسماعيل. رجع إلى حربة وتفرغ للتدريس في مسجد القصبيين ترك مؤلفات عديدة منها: شرح عقيدة التوحيد للشيخ أبي حفص عمرو بن جميع شرح متن الآجرومية في اللغة. (معجم أعلام الإباضية، مج 3، ص 281 - 283). (2) - أبو العباس أحمد الشماخي (ت 928 هـ / 1522 م من أعلام الإباضية، سليل أسرة عريقة في العلم، سكن مدينة "يُفْرَن" بجبل نفوسة بليبيا، أخذ العلم عن الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح سافر إلى تونس مواصلا طلب العلم، توفي بجزيرة حربة وقبر بها من أهم مؤلفاته: شرح عقيدة التوحيد، سير المشايخ الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 126 - 127).
- 238 - (1/256)
صفحة 257
ومن جهة أخرى كذلك نجد المصادر الإباضية تعتبر الشرك مما لا يسع جهله،
وذلك لعلاقته بمعرفة التوحيد، لأن من لم يعلم الشرك لم يستطع معرفة حقيقة التوحيد، وفي هذا يقول الشيخ أحمد الشماخي في شرحه للعقيدة: «ولا يسع جهل الشرك، لأن من جهله لم يعلم التوحيد، ومن لم يعلم التوحيد فهو مشرك فينتج: من جهل الشرك مشرك» (1).
هكذا نرى كيف أن الإباضية حاولوا الربط بين التعريف الشرعي للشرك في شقيه وبين اسقاط هذين التعريفين على الواقع الاجتماعي للناس فحاولوا. الأعمال المؤدية إليه، وحذروا من الأحوال التي يمكن أن يتصف بها المسلم وتكون سببا في سقوطه في الشرك؛ حيث يكمن في هذا البعد الاجتماعي للمسألة.
هذا عن النوع الأول من الكفر فماذا عن النوع الثاني: كفر التعمة؟
ب-كفر النعمة:
- مدخل تاريخي:
اشتهر استعمال هذا المصطلح لدى المدرسة الإباضية منذ القديم، وبقي تداوله على نفس الحال ولم يحدث له أي تغير أو تطور رغم ما راج حول استعماله من التباس وغموض وسوء فهم من الفرق الإسلامية الأخرى، خاصة مما عرف في التاريخ بكتاب المقالات.
ذلك
ولعل الاستعمالات الأولى له كانت جد مبكرة كذلك، حيث شوهد الإمام السياسي الأول للإباضية عبد الله بن إباض في رسالته إلى عبد الملك بن مروان (2) الخليفة الأموي، وكان مما أتى فيها أن ميز بين الكبائر الدالة على كفر
الشرك والكبائر الدالة على كفر النعم
(3)
(1) - أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد، ص 130.
(2) - عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي الذي حكم ما بين سنة: 65 - 86 هـ. (3) - عبد الله بن إباض: رسالة إلى عبد الملك بن مروان، ينظر للاطلاع عليها: البرادي:
- 239 - (1/257)
صفحة 258
ومما يبدو أن عدم تقبل أو تفهم أصحاب المدارس الإسلامية الأخرى لموقف
الإباضية هذا كان هو كذلك مبكرا، وهذا ما نستدل عليه ويظهر جليا في الأحاديث التي احتوى عليها الجامع الصحيح في الموضوع لإمام الإباضية الثالث الربيع بن حبيب (1) الذي عاش في النصف الثاني من القرن الأول والثلث الأول من القرن الثاني الهجري، فجمعت تحت باب بعنوان: "الحجة على من قال أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين، وأورد فيها أربعة وعشرين حديثا كلها تفيد على أن الكفر يستعمل بمعنى كفر النعمة، وأن إطلاقه على أهل التوحيد كان مستعملا من الرسول نفسه.
ولعل هذه الأحاديث إلى جانب آيات أخرى كانت عمدة المدرسة الإباضية في ثباتها على موقفها ورؤيتها لهذا المصطلح، رغم كل ما قيل عنها من المدارس الإسلامية الأخرى، ورغم كل التهم الملصقة بها من جراء إطلاق كلمة كفر النعمة على الموحدين، ككون الإباضية يُكَفِّرُون غيرهم من أهل التوحيد دون الوقوف على مفهوم الكفر عندهم، أو غض الطرف عن توضيح ذلك رغم المعرفة بمعنى المصطلح، أو عدم الرغبة في المعرفة مع إمكانيتها بأيسر طريق، وهذا ما يمكن أن نصف به المعاصرين ممن أعاد تكرار ما وجده عند كتاب المقالات قديما دون التمحيص فيه، رغم توفر السبل العلمية لذلك، سواء بالاتصال بعلماء الإباضية أم بالرجوع إلى مصادرهم المعتمدة.
المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، طبعة حجرية، القاهرة، 1302 هـ- 1885 م، ص 156 - 167.
•
(1) - الربيع بن حبيب الفراهدي أبو عمرو: من أعلام الإباضية الأولين وأيمتهم، عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، تولى رئاسة المذهب الإباضي بعد وفاة شيخه أبي عبيدة. مسلم بن أبي كريمة صاحب الجامع الصحيح؛ المعتمد الأول للإباضية في الحديث. (الدرجيني
الطبقات، ج 2، ص 273).
(2) - الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، ص 198 - 201.
- 240 - (1/258)
صفحة 259
كما يتضح كذلك أن أصحاب هذه الفرق لم تستطع عبر الزمن استيعاب أو تفهم وتقبل هذا التميز الاصطلاحي للكفر عند الإباضية، فبقي أصحاب المقالات يتداولون نفس العبارات ويستعملون نفس الأسلوب مع مرور الأزمنة رغم احتكاك والتقاء وتعرف البعض منهم على المذهب الإباضي عن قرب
هذه هي النظرة التاريخية للمصطلح فماذا عن تصور الشيخ معمر للموضوع؟ -1 - تعريف كفر النعمة
لم يهتم الشيخ معمر ببيان سبب تخصيص لفظ الكفر بلفظ النعمة، إنما ذهب مباشرة يبين على من يطلق عليه، ويورد الأدلة المثبتة لذلك، لهذا نرى من الأفيد والأنسب أن نتوقف بعض الوقت مع بيان هذا السبب مما وجدنا عند غيره من
علماء الإباضية:
فالشيخ اطفيش يوضح ذلك كما يلي:
إن مرتكب الكبيرة من أهل التوحيد خالف ما صدق به من الإيمان باقترافه الكبائر واتباعه لهواه، ولم يعبد الله كما طلب منه فهو بذلك كافر بنعمة الله عليه وبما من به عليه، ولَماً لم يشكر النعم كان كافرا (؟). وإن ما يدعم به الإباضية موقفهم من هذه التسمية هو بعض الآيات القرآنية التي أشارت إلى ذلك مثل قول الله تعالى: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ} [النحل/ 112]، {لِيَبْلُوَنِيَ ءَ آشْكُرُ أَمَ اكْفُرُ
[النحل/40] فاستعمل الكفر هنا للدلالة على أنه معاكس لشكر النعم.
وفي تحديد كل من تطلق هذه الكلمة عليه يقول الشيخ معمر: «إن الإباضية يطلقون كلمة الكفر على عصاة الموحدين، الذين ينتهكون حرمات الله» (3)
(1) - لمزيد من معرفة التفاصيل عن كتاب المقالات واتهاماتهم للإباضية في هذه المسألة ينظر:
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 21 - 190.
(2) - وينتن: آزاء الشيخ اطفيش العقدية، ص 317. (3) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 89.
-
-241 -
17 (1/259)
صفحة 260
وبذلك فإن هذا المصطلح متعلق بالأعمال بينما تعلق مصطلح كفر الشرك بالاعتقاد كما مر من ذي قبل.
كما يرى أن معنى كفر النعم الذي يطلقه الإباضية على مرتكب الكبيرة من الموحدين هو نفسه معنى كلمة المعصية أو الفسوق أو النفاق التي يطلقها أصحاب المدارس الإسلامية الأخرى على مرتكب الكبيرة)، ويرجع سبب إطلاق الإباضية لهذا المصطلح على العصاة من الموحدين بدل كلمة النفاق أو الفسوق إلى أمرين: 1 - أن مصطلح كفر النعمة هو الكلمة التي أطلقها القرآن الكريم والسنة النبوية عليهم في كثير من المواضع والمناسبات.
-2 - أن لكلمة النفاق مدلولا خاصا في التاريخ الإسلامي، عرف به عدد من الناس في عهد رسول الله آمنوا ظاهر! لكن قلوبهم لم تطمئن للإيمان، فأنزل القرآن فيهم آيات كثيرة تفضح صنيعهم وتتوعدهم بالعذاب حتى اشتهروا بهذا الاسم وعرفوا به وأصبح مصطلح النفاق عند إطلاقه ينصرف إليهم مباشرة وأصبحوا يتميزون به،، ومن الآيات الواردة فيهم قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة/67].
ويرى الشيخ أن المصطلح قد أطلق شرعا في القرآن الكريم على المنافقين في زمن الرسول وعلى العصاة من الموحدين، كما ورد بالمعنيين في السنة النبوية وهذا ما سيأتي في عرض الأدلة.
(1) - الإباضية بين الفرق: ص 111. الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 91 - البيجوري: حاشية تحفة للمريد، ص 27 - 28 القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 348 - 352. وقد أورد الأستاذ الجعبيري جملة من النصوص لعلماء الإباضية دلت على استعمالهم لمصطلح الفسوق
والنفاق والعصيان كمرادفات المصطلح كفر النعمة (البعد الحضاري: ج 2، 510 - 511).
(2) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 90 - 91.
- 242
- (1/260)
صفحة 261
2 - الأدلة الشرعية على إطلاق مصطلح كفر النعمة على مرتكبي الكبائر: استدل الشيخ معمر على أن مصطلح كفر النعمة أطلق شرعا على مرتكبي!
من أهل التوحيد بأدلة من القرآن الكريم وأخرى من السنة النبوية وهي كما يلي: - الأدلة القرآنية:
قول الله تعالى: {وَ اللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران/ 97]، لِيَبْلُوَنِيَ وَاشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النحل/40]، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة/40]، {يَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْنِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة/276].
-
الأدلة من السنة النبوية:
قول الرسول: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (1)، «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة»، «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض
فيرى الشيخ أن هذه النصوص الواردة بهذه المعاني إن أمكن تأويل مفهوم الكفر في بعضها بالشرك أو الردة فإن الجزء الآخر منها لا يمكن تأويله إلا على معنى كفر النعمة الذي يعني العصيان والفسوق أو ما يطلق عليه أهل الحديث "كفر دون كفر"، وأن الرسول عندما يصف مصدق الكاهن والعراف والمتهاون في أداء الفريضة والمسلمين المتقاتلين بالكفر، فهو بالطبع لم يحكم عليهم باقترافهم لإحدى
(1) - مسلم کتاب الإيمان رقم: 64 (2) - مسلم كتاب الإيمان، رقم: 134. (3) - أحمد: باقي مسند المكثرين رقم 9252 (4) - أحمد: مسند البصريين: رقم: 19936.
-243 - (1/261)
صفحة 262
هذه الأعمال بالشرك أو الردة أو الخروج عن الملة، لكن حكم عليهم بكفر النعم
الذي يعني
العصيان والفسوق.
كما أنه لو صح اعتبار هذا النوع من الكفر شركا في هذه الآيات والأحاديث، ثم حكمنا على كل من اقترف مثل تلك الأعمال بالشرك؛ فإننا سنخرج من دائرة الإسلام عددا هائلا ممن ينتسب إليه، ولما بقي فيها إلا النزر القليل منهم).
هذا كل ما وجدناه عند الشيخ من أدلة في هذا الموضوع، وقد كان واضحا عدم تعرضه لتبيين وجه الدلالة في هذه الآيات التي أوردها، بخلاف استدلاله بالأحاديث حيث بين وجهة نظره إليها، وإن كان استدلاله بها كذلك كان بصفة محملة.
لاستعماله
وفي مقابل ذلك نجد أن ما أثاره هذا المصطلح من غموض وعدم تفهم من أصحاب المدارس الإسلامية الأخرى جعل علماء الإباضية السابقين يولون اهتماما خاصا بالموضوع ويتوسعون في الاستدلال بالقرآن وبالسنة على صحة ما ذهبوا إليه ويردون ما قالته الفرق الإسلامية عنهم في هذه النقطة؛ وهذا ما نجده مثلا عند الشيخ أبي يعقوب الوارجلاني) والشيخ أبي عمار عبد الكافي) في القديم والشيخ نور الدين السالمي حديثا (4).
(1) - الإباضية بين الفرق: ص 105 - 107. الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 91.90. (2) – أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: من أعلام الإباضية بوارجلان (ت 570 هـ/ 1174 م)، درس بها، ارتحل إلى الأندلس فأقام بها مدة من الزمن كما قام برحلة إلى أدغال إفريقيا، له عدة مؤلفات أشهرها العدل والإنصاف في أصول الفقه الدليل والبرهان في أصول الدين. (الدرجيني: الطبقات، ج 2، ص 491). (3) - أبو عمار عبد الكافي من علماء الإباضية بوارجلان (ت قبل 570 هـ/ 1174 م) ولد بقرية تناوت بوار جلان، ارتحل إلى تونس لطلب العلم، استقر بعد رجوعه في وارجلان متفرغا للتدريس والتأليف والفتوى له مؤلفات عديدة أهمها: الموجز في علم الكلام (الدرجيني الطبقات، ج 2، ص 485). (4) - الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج 2، ص 37 - 44. - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، ج 2، ص 100 - 103 السالمي: المشارق، ص 395 - 403 -
- 244 - (1/262)
صفحة 263
موقفه من كتاب المقالات في مسألة كفر النعم
ومن خلال ما كتب الشيخ يبدو تأثره الكبير وألمه الأكبر مما أطلقه أصحاب المقالات منذ القديم على الإباضية من شنائع وتهم من جراء تمسك الإباضية بهذا المصطلح واستعمالهم له، ككونهم يُكفرون أهل التوحيد أو يحكمون على المخالفين لهم في المذهب بالكفر، ويبدو أن هذا الكلام أرقه اكثر عندما شاهد ذلك عند كبار العلماء المعاصرين الذين يعتبرون مرجعا للعلم والاقتداء في عصره، أمثال الشيخ أبي زهرة، الذي قام بنقل نفس النصوص القديمة دون تمحيص لها أو شرحها والتعليق عليها أو محاولة فهم مدلول المصطلح لدى المدرسة)، فمثلا يقول ـ أي أبو زهرة ـ في هذا الشأن: «إن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمونهم كفارا، ويقولون عنهم أنهم كفار نعمة لا كفار في الاعتقاد وذلك لأنهم لم يكفروا بالله، ولكنهم قصروا في جنب الله».
ويعلق الشيخ معمر على هذا الكلام قائلا: «لقد بقيت هذه العبارة بحروفها وبتصرف قليل تنتقل بين كتاب المقالات عن الإباضية عشرة قرون كاملة» (3). ويلوم الشيخ معمر على الشيخ أبي زهرة عدم توقفه مع هذا النص وقفة تأمل وتمحيص وتحقيق، حتى يبين الحق فيه ويزيل اللبس والشك جوله (4) بشرحه لموقف الإباضية بوضوح اعتمادا على ما هو موجود في مصادرهم أو بالاتصال بعلمائهم القريبين منه وخاصة أن أبا زهرة عاش بجوار الإباضية، بل عرف بعض علمائهم) في مصر، حيث يتساءل الشيخ: ما ذنب الإباضية إذا استعملوا هذه الكلمة في
(5)
(1) - محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، (في السياسة والعقائد، دار الفكر العربي
دت، ص 51.
(2) - المصدر السابق ص 51. (3) - الإباضية بين الفرق ص 103. (4) - المصدر السابق ص 104.
(5) - الإشارة إلى الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش الذي كان يشتغل في دار الكتب المصرية.
-
- 245 - (1/263)
صفحة 264
وصف العصاة الذين يرتكبون تلك الموبقات أو ما يشبهها؟ وهم على يقين أن الرسول حين وصف المرتشي والمرابي ومن معهما ولم يحكم عليهم بالشرك أو الردة أو الخروج عن الملة، كما أن استعمال الإباضية لكلمة الكفر كان في المواضيع التي استعملها رسول الله ثم عمموا الحكم والاستعمال على ما يشابهها من الحالات، وهم لم يبتدعوا شيئا جديدا، ولم يريدوا بذلك الحكم بالشرك أو الردة أو الخروج عن الإسلام لأصحابها (1).
ويشير الشيخ بعد ذلك إلى نقطة هامة غفل عنها كتاب المقالات في تشنيعهم على الإباضية لاستعمالهم هذا المصطلح في تكفير غيرهم، وذلك أن الإباضية في إطلاقهم كلمة كفر النعمة على من يستحقها من مرتكبي الكبائر لم يفرقوا في ذلك بين من وافقهم أو خالفهم في المذهب، فالمصطلح يحمل حقيقة شرعية محددة
تصدق على كل من اتصف بها، ولا دخل ولا مجال للاعتبارات المذهبية في هذا بل إن إطلاق هذا المصطلح على الفرد الإباضي المقترف لما يوجب ذلك كان قبل غيره باعتباره عضوا منهم يلزمهم تنفيذ الأحكام فيه، وهذا ما لم تشر إليه كتب المقالات وأغفلت الحديث عنه.
حيث يرى الشيخ أن كتاباتهم كانت للتشنيع على الإباضية ووصفهم ما يُنفّر عنهم إخوانهم المسلمين من المذاهب الإسلامية الأخرى، ويحدث الخلاف والشقاق والنزاع بينهم، وليس الغرض هو عرض آرائهم ومقالاتهم كما هي عندهم، ويرى أن عملهم لو كان فعلا - بحثا عن الحق وعرضا للآراء الصحيحة لحاولوا الرجوع إلى كتب المذهب ومصادره المعتمدة، ثم لتناولوا أدلتهم وما استندوا عليه بالمناقشة والتحليل والنقد.
يبدو واضحا من كلام الشيخ هذا تأثره ورد فعله في أسلوبه العنيف وفي نكران ما قدمه هؤلاء الكتاب رغم ما وقعوا فيه من أخطاء وافتراءات كبيرة من مادة
(1) - الإباضية بين الفرق ص 106.
(2) - المصدر السابق ص 105.
-246 - (1/264)
صفحة 265
علمية حول الفرق الإسلامية في تلك الفترات من التاريخ الإسلامي. لكن عندما نعرف حقا ما عاناه أتباع المذهب الإباضي في بعض المناطق من جراء هذه الكتابات وهذا الفهم الخاطئ لآرائهم وهذه التهم الملصقة بهم - التي وصلت إلى إراقة الدماء أحيانا نلتمس العذر للشيخ إلى حد ما طبعا فيما قاله عنهم ونتفهم موقفه وهو يتصفح ويتتبع هذه الكتب الواحد تلو الآخر ليتعرف على ما قيل عن الإباضية فيجد ذلك البون الواسع والشاسع بين ما كتب وقيل عنهم وبين واقعهم وما هو موجود في مصادرهم المعتمدة لديهم.
(1)
وهنا يحسن بنا أن نورد قوله مخاطبا هؤلاء الكتاب: «ولو رجع هؤلاء إلى کتاب الله وإلى سنة رسول الله ... ثم اطلعوا على كتب المذهب وناقشوها من أدلتها ومستنداتها وعرضوها على الميزان الذي وضعه محمد وفهموا المعنى الذي يقصده الإباضية من كلمة الكفر حين تطلق على الموحدين، إنهم لو فعلوا ذلك لوفروا على أنفسهم وصمة الجهل، وعلموا أن هؤلاء الناس يحاسبون أنفسهم على كل دقيق وجليل، قبل أن يحاسبهم الناس، وأنهم لا يقدمون على قول أو عمل إلا إذا انبنى على آية محكمة أو سنة متبعة» كما يرى أن الرؤية الخاطئة لكتاب المقالات في تفسير موقف الإباضية في هذه المسألة أي الحكم بكفر النعمة على مرتكب الكبيرة - قد جنت على الإباضية عبر التاريخ بحصرهم في زمرة الخوارج بحجة أنهم يشتركون معهم في تكفير الموحدين أو المخالفين معهم في المذهب، ثم بعد ذلك ينسبون لهم كل تلك الأعمال التي قام بها الخوارج أو يشركونهم فيها، كما يعتبرونهم بقايا لهؤلاء الصنف من والإباضية لم يقولوا يوما بذلك، ولم يُخرجوا أهل التوحيد من الملة بعصيانهم كما فعل الخوارج، بل خالفوهم في ذلك؛ كما يظهر جليا من التحليل السابق
لمصطلح كفر النعمة.
(1) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 90.
الناس.
-247 - (1/265)
صفحة 266
و من خلال ما مر من عرض نظرة كتاب المقالات لرأي الإباضية في هذه المسألة الذي اتضح فيها خطؤهم وقصورهم في فهمها تظهر أهمية معرفة الأسماء وتحديد المصطلحات الشرعية ومدلولاتها اللغوية بكل دقة، حتى لا تقع المدارس الإسلامية في وصف واتهام بعضها البعض بأحكام وأوصاف هي براء منها، بل ربما أبعد الناس عنها.
هي
وفي نهاية هذا المبحث نرى كيف بين الشيخ رأي مذهبه وراح يدافع عنه حتى أجهد نفسه كما رأينا انفعاله أحيانا في ذلك الأسلوب العنيف والشديد اللهجة الذي رد به على كتاب المقالات، ورأينا كيف ناقش العالم الكبير الإمام أبا زهرة ولامه على موقفه الغامض من القضية.
ونلحظ على الشيخ إجهاد نفسه في بيان موقف الإباضية الجلي في المسألة ورد كل التهم الملصقة بهم من جراء تصورهم هذا، حيث تطرق للحديث عن المسألة في العديد من كتبه التي تناولت مواضيع العقائد، وخصص لها في أحدها فصلا مستقلا (1)، ليوضح رأيهم ويرفع عنه كل لثام.
بعد معرفتنا لمعاني الكفر نأتي لنتعرف على الأحكام المترتبة على من اتصف به:
رابعا: الأحكام المترتبة على الأسماء
بعد أن بينا مفهوم الشيخ علي معمر للإيمان وللكفر بنوعيه؛ كفر الشرك وكفر النعمة نأتي لمعرفة ما يترتب من أحكام شرعية على من اتصف بأحد هذه الأسماء.
(1) - في كتابه: الإباضية في موكب التاريخ حل 1، خصص فصلا سماه كفر النعمة، تناول المسألة بالتحليل وعرض الأدلة ورد التهم، ص 92.89. (2) - يقرر الشيخ في نهاية مناقشته للمسألة أن الخلاف بين المدارس الإسلامية في الموضوع هو خلاف لفظي ويرجع كل النقاش إلى نقاش لغوي حول استعمال المصطلحات؛ لأن المعنى الذي يقصده الإباضية من كفر النعمة هو نفسه المعنى الذي يقصده غيرهم من كلمة الفسوق أو النفاق أو العصيان. (الإباضية) في موكب التاريخ: حل 1، ص 93.92).
- 248 - (1/266)
صفحة 267
وقد اعتنى الإباضية بتقسيم المسلمين إلى منازل بحسب موقفهم من الدين، وبحسب نظرة الشرع إليهم؛ فنجد الشيخ أبا عمار عبد الكافي يقول في هذا الشأن: فهذه أحكام ثلاثة لأسماء ثلاثة، قال الله تعالى: {وَإِنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يُحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب/72 - 73]، فجعلهم ثلاث منازل معروفة غير مجهولة في كتاب الله تعالى» (1). وبذلك فإن الناس بالنظر إلى الشرع على ثلاث منازل:
1 - منزلة المؤمنين
2 - منزلة المنافقين
3 - منزلة المشركين
وكذا يقول صاحب عقيدة التوحيد أبو حفص في تقسيمه للناس: «فرز الدين ثلاثة المسلم الموفي بما أقر به المنافق المقر الخائن بما أقر به المشرك الجاحد». ونجد عند الشيخ اطفيش تقسيما آخر للناس؛ بحسب موقفهم من الدعوة وهو كما يلي: 1 - أمة الاتباع: وهم من آمن وعمل واتقى
2 أمة الإجابة وهم من آمن ولم يوف بالعمل والترك
3 - أمة الدعوة وهم من بلغه خبر الدعوة من المشركين واليهود والنصارى وكفر و لم يستجب (3).
نحاول الآن أن نقف على أحكام هذه المنازل الثلاثة ولنبدأ بمنزلة الإيمان:
(1) - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، ج 1، ص 117 - 118. (2) - عمرو بن جميع مقدمة التوحيد وشروحها، ص 66. (3) - وينتان آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 273 - 274.
-249 - (1/267)
صفحة 268
1 - أحكام منزلة الإيمان:
وهي
من يتصف بالإيمان هم المؤمنون وينزلون في المنزلة الأولى وهي منزلة الإيمان تعد أشرف المنازل حيث يتصف المسلم فيها بأخلاقه السامية وإيمانه الصحيح القوي الذي يترك الأثر الحميد في سلوكه اليومي مع غيره، ويكون الفرد الصالح الذي به ينى النموذج الصحيح والسليم للمجتمع المسلم.
رأينا في تعريفنا للإيمان في الاصطلاح الشرعي أنه يفيد نفس معنى الإسلام والدين، لهذا فإن أحكام المؤمن هي نفسها أحكام المسلم ونفس أحكام المتدين، ونحن نعني به كما مر - الموفي بدينه اعتقادا وقولا وعملا.
ولعل أول ما يترتب على هذا الشخص هو امتثال أوامر الله تعالى والكف عن مناهيه بالإتيان بكل الواجبات من العبادات والمعاملات والتزام حدود الله تعالى وبذلك يصبح فردا ضمن المجتمع الإسلامي؛ هذا ما يجعله يربط علاقات جديدة تتمثل في جملة حقوق وجملة واجبات تجاه إخوانه المسلمين ()، وهو ما سيوضحه لنا الشيخ علي معمر:
فهو يرى أن المرء بمجرد أن ينطق بالشهادة يعطى له الحكم الأول وهو أول حقوقه، فينضم إلى المخطط الجغرافي للمسلمين ويصبح عضوا منهم، ثم يكتسب الحق الثاني فيطلق عليه تسمية مسلم، ثم بالتبع سيكتسب الحقوق الأخرى التي نص عليها الرسول في حديثه: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقوموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا
(1) - تنظر معالجة هذا الموضوع في أطروحة المستشرق.
Pierre Cuperly: Introduction à l'étude de l'ibadism et de sa théologie, p
50 - 60.
(2) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 77.
-
- 250 - (1/268)
صفحة 269
دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام» ()، ويستعمل الشيخ لفظ الحصانة للدلالة مني على هذه الحقوق المكتسبة والمحفوظة للمسلم بنطق الشهادة، ويقول في هذا كذلك: «إن الإنسان إذا أقر بكلمة التوحيد حرم سفك دمه وأخذ ماله نسائه وأطفاله بما معه من التوحيد» (3).
وسبي
يبدو في كلام الشيخ هذا نوع من التناقض مع ما رأيناه سابقا من تعريفه للإيمان والإسلام والدين؛ باعتبارها معان تنطبق على ما صدق واحد؛ وهو الإنسان الموفي بالتصديق والقول والعمل، وهو قول الجمهور عند الإباضية. حيث رأيناه الآن يتراجع عن ذلك فيعتبر المسلم هو من أقر بالشهادة ولو لم يأت بالعمل ويحظى بالدخول في دائرة المسلمين ويطلق عليه تسمية المسلم ثم تحفظ له كل الحقوق من عصمة الدم والمال وحرمة السبي، وبصفة محملة - بتعبير الشيخ معمر - يتحصل على الحصانة الإسلامية الكاملة.
فيفهم من كلامه هذا تمييزه بين مصلحي المؤمن والمسلم على عكس ما مر بنا سابقا فهنا استعمل لفظ المسلم المعتقد المقر بدون اشتراط العمل، وفيما مضى رأينا رأيه الذي يعتقد فيه أن المؤمن والمسلم هو الموفي بالأركان الثلاثة.
تعتبر هذه المسألة بالذات في الفكر العقدي عند الإباضية مما يتعامل فيها. بوجهين أو بموقفين أو بنظرتين؛ فعندما يكون الحديث فيها حول التأصيل بالنظر إلى ما تمليه الأدلة وتحدده الأسماء بعيدا عن الواقع الذي عليه المسلمون وبدون مراعاة أحوالهم؛ فإن تعريف المسلم والمؤمن ينطبقان ويعنيان الموفي بدين الله تعالى اعتقادا وقولا وعملا. وعندما ينظر إليها باعتبار ما يترتب من أحكام شرعية عليها تتغير النظرة فيحمل المسلم معنى أوسع من المؤمن فيدل الأول على كل من نطق
(1) - البخاري: كتاب الإيمان رقم 25
(2) - سمر أسرة: ص 75.
(3) - المصدر السابق ص 46.
- 251 (1/269)
صفحة 270
بالشهادة ويعني الثاني الموفي بالأعمال، لذا رأينا أن المسلم هنا تعطى له هذه الحقوق ويشترك فيها الموفي وغير الموفي.
وحسب رأينا فإن هذا في حقيقته تناقض مع ما ذهب إليه أسلاف الإباضية في اعتبارهم أن الإسلام والإيمان مصطلحان لهما نفس المعنى. ونشير أن الشيخ اطفيش قد تنبه لذلك، فاتخذ لنفسه رأيا مخالفا لجمهور مذهبه في تعريفهم للإيمان، وبالتبع فقد خالفهم في شرط تسمية صاحب هذه المنزلة، حيث يقول إن الشروط التي وضعها الإباضية لتسمية صاحب منزلة الإيمان إنما تصلح شروطا للحكم على صاحبها بدخوله الجنة. واستدل على مذهبه بجملة أدلة، وهو يرى كذلك أن الإيمان يقابل الكفر والشرك؛ فكل من ليس مشركا ولا كافرا جاز في حقه أن يسمى مؤمنا ويكون من أصحاب هذه المنزلة، وأن أقل ما يطلب منه الإقرار بالشهادة). ونستطيع أن نقول إن موقف الشيخ معمر يوافق موقف الشيخ اطفيش موافقة شبه تامة، لهذا ترتب عنه ما أعطاه للمسلم من الحقوق والتسميات مجرد إقراره بالشهادة.
وحسب رأينا فإن الشيخ معمر عبر عن هذه المسألة برأيين؛ رأي وضح فيه موقف مذهبه الداعي إلى اشتراط العمل لصاحب منزلة الإيمان ورأيه الخاص الداعي إلى التوسيع من رقعة المسلمين وتخفيف شروط الالتحاق بها فاشترط الإقرار بالشهادة فقط. هذا ما جعله يقع في نوع من التناقض مع ما ذهب إليه ونص عليه أثناء تحديده لمعنى الإيمان والإسلام في الاصطلاح الشرعي.
إلى جانب هذا فقد أولى الشيخ معمر اهتماما كبيرا بما ألصقه كتاب المقالات بالمذهب الإباضي من تهم في هذه المسألة بصفة تناقلية أخذت طابع
(2)
(1) - وينان آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 309 - 310
(2) - كتاب المقالات الذين نعنيهم هم الذين تناولهم الشيخ معمر بالدراسة والنقد لآرائهم ومقالاتهم حول المذهب الإباضي، وذلك في كتابه: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث - ص 15 - 75، وهؤلاء هم: أبو الحسن الأشعري في كتابه: مقالات الإسلاميين، عبد القاهر البغدادي في كتابه: الفرق بين الفرق أبو محمد علي بن حزم في كتابه:
-
- 252 - (1/270)
صفحة 271
(1)
التوارث الفكري بينهم، ثم اتبعهم في ذلك بعض الكتاب والمفكرين المعاصرين فقاموا بدورهم بنقل تلك المقالات والنصوص دون الاطلاع على ما لدى علماء الإباضية ودون الرجوع إلى كتبهم، رغم إتاحة الفرص لذلك وتوفر وسائل الاتصال بينهم وسهولتها. ككونهم يطلقون تسمية الكفر على الموحدين، وتسمية المسلم على أصحابهم من أهل المذهب فقط. يوضح القضية ويقول: «إن الإباضية يرون أن جميع من بكلمة التوحيد هو مسلم سواء وافقهم أو خالفهم وأنه بنطقه هذا يكتسب الحقوق التي عند غيره من المسلمين» (2)
نطق
العلماء
ومما يبدو أن الشيخ كان متأثرا جدا بما يصدر من أحكام عن مذهبه في ما يتعلق بهذه المسألة وبغيرها، ككونهم يستحلون دماء المسلمين وأموالهم سراء ويحرمونها علنا كما قال بذلك كتاب المقالات قديما ونقله عنهم بعض المعاصرين حيث يوضح المسألة قائلا: «إن الإباضية عملا بتشريع الله الذي بلغه الرسول يعلنون ولا يسرون في كتبهم ودروسهم ومجالسهم أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم حرام بكلمة التوحيد، وأن أصداء خطبة النبي في حجة الوداع لا تزال ترن في جنبات صدر كل مسلم ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (3) لقد أعلن النبي (3) لقد أعلن النبي الله هذا الحكم يوم الحج الأكبر، لماذا
الفصل في الملل والنحل، أبو المظفر الاسفراييني في كتابه التبصير في الدين، أبو الفتح محمد الشهرستاني في كتابه: الملل والنحل. (1) - الكتاب المعاصرون الذين تناول الشيخ معمر دراستهم ونقد آرائهم حول الإباضية هم: علي مصطفى الغوابي في كتابه تاريخ الفرق الإسلامية، محمد أبو زهرة في كتابه المذاهب الإسلامية عبد القادر شيبة الحمد في كتابه الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة يحيى هويدي في كتابه فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية الإباضية بين الفرق، ص 75 - 190).
(2) - الإباضية بين الفرق ص 89.
(3) - أحمد: مسند الكوفيين: رقم: 18487.
- 253 - (1/271)
صفحة 272
يُسره الإباضية في أنفسهم والإباضية في تاريخهم الطويل لم يخالفوه، وليس إسراره من مصلحتهم ولا من مصلحة أحد من المسلمين» (1).
وليبين الشيخ مدى أهمية هذه المسألة جعل معرفة أحكام المؤمن داخلة في معرفة التوحيد ذاته، ويعلل ذلك بأن الإنسان عليه أن يعرف أن الله تعالى رفع من شأن المؤمن وأن كرامته وعزته كبيرة عند ربه وبالمقابل فإن المشرك مذلول ومهان عند الله تعالى، وبمعرفة هذا تتوثق الصلة أكثر بين المؤمن وخالقه.
إلى جانب هذه الأحكام في حق الإنسان المسلم فإن هنالك أحكاما أخرى متعلقة بحكم الولاية والبراءة العامة والشخصية، وملخصها هي ولاية المسلم ومحبته والاستغفار له ونصحه والدعاء بالخير له وقبول عدالته وشهادته.
من الواضح أن كل ما مر من بيان أحكام المؤمن هي متعلقة بالحياة الدنيا، أما في الحياة الآخرة فإن الحكم على المؤمن هو الخلود الأبدي في الجنة والارتقاء في درجاتها إلى الفردوس الأعلى والنعيم في جناتها.
كما نجد الشيخ معمر يهتم بالأحكام المترتبة على المسلم الذي ضيع العمل أو اعتدى على حرمات الله واقترف الكبائر، وهذه الأحكام يمكن إدراجها في السياسة الشرعية التي تتولى الدولة تنفيذها، لكن مع ذلك فلها علاقة وطيدة بالموضوع، يرى أن المسلم مهما قام بأعمال مخالفة للشرع دون الشرك، فإن ماله وأبناءه لا يستحلان بعد الشهادة أبدا، أما المال فإنه لا يجوز منه أبدا، إلا في حالة ما إذا كان سلاحا يخشى أن يتعدى به على المسلمين، أو يقطع به طريقهم، فإنه حينئذ يجوز أخذه وإتلافه لإيقاف البغي وقطع المضرة والعدوان على الناس.
أخذ
شيء
(1) - الإباضية بين الفرق ص 108.
(2) - سمر أسرة ص 76.
- 254 - (1/272)
صفحة 273
وأما سفك الدم فقد يحل للأسباب التي حددها الشرع في حديث رسول الله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها قيل: ما حقها يا رسول الله؟ قال: كفر بعد إيمان وزنى بعد إحصان وقتل النفس التي حرم الله» (1) (2).
لاشك أن سفك الدماء بأحد هذه الأسباب هو عمل الدولة والسلطة الإسلامية عندما تكون قائمة وليس من اختصاص الأفراد أو من تنفيذهم، ولو عاينوا وقوع إحدى هذه الكبائر، وإلا فسيكون ذلك فتنة وفسادا كبيرا على المجتمع والأفراد على حد سواء.
كما أن تنفيذها في حال قيام الدولة المسلمة يراعى فيها أحوال المجتمع والأفراد وتدرس كل حادثة على حدة، وهذا كله من السياسة الشرعية ذات العلاقة المباشرة بمسائل العقيدة.
-
هذه هي أحكام منزلة الإيمان فماذا عن أحكام منزلة الكفر؟
2 - أحكام منزلة الكفر: تبعا لتعدد استعمال مصطلح الكفر لدى الإباضية وتقسيمه إلى قسمين رئيسيين تتعدد الأحكام المترتبة عليه بحسب تلك الأقسام، وهي كما يلي:
أ- أحكام منزلة كفر النعمة:
مر في تحديد معنى مصطلح كفر النعمة أن الإباضية يطلقونه على المسلم الذي أتى بالاعتقاد ولم يوف بالعمل وهو ما يتعارف عليه باسم مرتكب الكبيرة، وهو نفسه معنى مصطلح منافق أو فاسق أو عاص لدى المدارس الإسلامية الأخرى.
(1) - النسائي: كتاب تحريم الدم رقم 4019 بلفظ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس».
(2) - سمر أسرة: ص 46.
- 255 - (1/273)
صفحة 274
أما الأحكام المترتبة عليه فهي في جملتها نفس أحكام المسلم الموفي بالعمل في
الحياة الدنيا، من حصانة الدم والمال والعرض. أما التسمية التي تطلق عليه فيرى الشيخ أن مرتكب الكبيرة هو مسلم لما لديه من التوحيد، وأنه لا يخرج من الملة ولا يحكم عليه بالشرك)، لكن مع ذلك تطلق عليه تسميات أخرى؛ فهو مسلم منافق، أو مسلم كافر كفر نعمة، أو مسلم عاص أو مسلم فاسق، وكل هذه الأسماء تصدق على مسمى واحد. وهذا ما نجده عند من سبقه من علماء الإباضية (3).
يرى الشيخ أن المدارس الكلامية متفقة (4) على أن مرتكب الكبيرة الذي تطلق عليه كل مدرسة إحدى تلك التسميات الماضية إذا لم يتب يدخل النار، وأن معاملته في الدنيا لا تختلف عن غيره من المسلمين، وهي نقطة لقاء بينهم. جميعا (5).
وفيما يخص معاملة المسلمين له يرى الشيخ أنه ينبغي أن تكون معاملة «العاصي المنتهك الذي تجب محاولة إرشاده إلى وجوب الاستمساك بدين الله تعالى ورجوعه إلى أوامر ربه، وإقلاعه عن محاداة الله ورسوله» ()، حيث يتضح من كلامه هذا نظرة الإشفاق على العاصي في حكمه عليه؛ ففضل أن يجعل من التقرب إليه والأخذ بيده الطريق الأصوب والأصلح في معاملته وليس طريق التنفير منه ومحافاته، وهي الخطوة الأولى في معاملة العاصي.
(1) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 87،. تعتبر هذه المسألة من الفروق الجوهرية التي تميز الإباضية عن الخوارج، حيث عرف في التاريخ أن الخوارج استحلوا دماء المسلمين لكونهم حكموا على مرتكبي الكبائر بالشرك وبالخروج عن الملة، وهذا ما لم يفعله ولم يذهب إليه الإباضية، بل أصولهم منذ النشأة تخالف ذلك مخالفة شديدة.
(2) - الإباضية بين الفرق: ص 286.
(3) -:وينتان آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 316 - 331.
(4) - يخرج من هذا الاتفاق المرجئة التي ينسب إليها القول بأن صاحب الكبيرة مؤمن، وأنه يدخل الجنة بما لديه من الإيمان، كما يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية الإباضية بين الفرق: ص 412).
(5) - الإباضية بين الفرق: ص 286.
(6) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 93.
-256 - (1/274)
صفحة 275
ولعل هذا النهج في التعامل مع العاصي مما تميز به بعض العلماء المعاصرين كذلك؛
حيث رأيناهم يعرضون أصول الشريعة ومقوماتها على الناس ويدعونهم إلى جادة الطريق ويحاولون أن ينقدوا الضالين والمسرفين على أنفسهم بنظرة الإشفاق عليهم وبدعوتهم بالتي هي أحسن وبترغيب قلوبهم لأعمال الخير، بدل استصدار الأحكام القاسية عليهم من أول وهلة مما يجعلهم يزدادون بعدا ونفورا من الدين وتعاليمه الداعية إلى التسامح والتوبة والإنابة وعدم القنوط من رحمة الله تعالى (1).
يستمر الشيخ في كلامه لينقلنا إلى الخطوة الثانية في التعامل مع العاصي وذلك حين يستنكف عن التوبة ويصر على ما هو عليه ويستكبر فيرى أن الذي أصر على المعصية واستكبر ولم ينته عن فعلته وكبيرته بعد النصح له، فإنه يجب أن يبرأ منه ومن عمله وأن يعامل بالمحافاة من جميع المسلمين.
ويعلل الشيخ سبب الحكم على مرتكب الكبيرة بالبراءة منه لكونه مجاهرا الله تعالى بمعصيته، وبذلك يكون قد عاداه وما كان لمؤمن أن يتخذ من أعداء الله وليا، وكل مرتكب للكبيرة فهو في غضب الله إلى أن يتوب.
كما يرى الشيخ معمر أن دم المسلم المرتكب للكبيرة قد يحل لتنفيذ حكم الله تعالى في العقوبات على بعض الجرائم الاجتماعية التي ورد النص الشرعي فيها، مثل جريمة القتل والزنا والردة كما أتى في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور آنفا، وهذا طبعا باشتراط شروطه من قيام دولة الإسلام وتوفر الظروف الموجبة أو المناسبة لتنفيذ مثل هذه الأحكام.
يري
كذلك أن الحكم عليه يتفاوت بتفاوت فضاعة الكبيرة المرتكبة، لذا أتت عقوبة الكبائر متفاوتة حسب ما تلحقه من ضرر على الفرد أو المجتمع أو الدولة، ثم
(1) - من هؤلاء مثلا: الإمام محمد الغزالي في كتابه عقيدة المسلم، ص 147 - 172.
(2) - سمر أسرة ص 126
(3) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 70.
– 257 -
-
18 (1/275)
صفحة 276
يذهب الشيخ في استعراض جملة من عقوبات الكبائر وبيان أخطارها المحدقة بالمجتمع، مثل عقوبة القاتل والزاني والقاطع الطريق والمرابي وشارب الخمر (1).
ويين الشيخ المقصد من شرع هذه العقوبات وتنفيذها بأنها أولا عقوبة للمجرم على ارتكاب الكبائر، وثانيا زجر للناس من بعده لتجنب ارتكاب مثل هذه الآثام، كما يرى أن العقوبة مقدرة بالضرورة ومبنية على الأسباب الداعية إليها وكما أن طريقة تنفيذها قد حددت دون إسراف أو مبالغة. وكما هو واضح فإن هذه الأحكام هي أقرب إلى الفقه وإلى السياسة الشرعية منها إلى العقيدة.
هذا
عن أحكام الدنيا أما في الآخرة فإن حكم مرتكب الكبيرة عند الإباضية إن
لم يتب ومات على كبيرته كان مصيره النار مع المشركين خالدا فيها أبدا. كما نشير هنا أن هذه المسألة كذلك قد أرقت الشيخ كثيرا وقضت مضجعه، حيث تعتبر من نقاط الاتهام في الرؤية إلى المدرسة الإباضية والتشنيع على أتباعها، وذلك بقذفهم بتهمة تكفير مرتكب الكبيرة، وبالحكم على كل من خالفهم في المذهب بالكفر، كما فعل الخوارج، وهو ما توقفنا على بيانه فيما مضى.
حيث نجد الشيخ لرده على هذا الاتهام الخطير يعود بالحديث إلى الجذور التاريخية للمسألة فيبين أولا أن موقف الإباضية هو موقف الإمام الحسن البصري، الذي حكم بالنفاق على مرتكب الكبيرة وليس بالشرك كما فعلت الخوارج)، ويبين ثانيا مواقف الأيمة الأولين للمذهب، مثل ما فعل الإمام عبد الله بن إباض مع نافع بن الأزرق في الاجتماع الذي جمعه في أحد مساجد
(1) - سمر أسرة ص 122 - 126
(2) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 70.
(3) - الحسن البصري: (21 - 110 هـ / 642 - 728 م)، فقيه تابعي عاش في البصرة، وتفرغ
التعليم فيها الزركلي: الأعلام، ج 2، ص 242).
(4) - الإباضية بين الفرق: ص 409.
- 258 - (1/276)
صفحة 277
البصرة لصياغة موقف مشترك في الحكم والخروج على السلطة الحاكمة ومن سكت عنها، حيث رفض الإمام ابن إباض ذلك وعارض ابن الأزرق وأتباعه فيما ذهبوا إليه، بل ذهب أكثر من ذلك حيث أعلن تكفيره لهم صراحة وخروجهم عن الإسلام بسبب الحكم بالشرك على مرتكب الكبائر (1).
يقر الشيخ أن الإباضية مخالفين تماما للخوارج في نظرتهم وحكمهم على مرتكب الكبيرة، فإذا كانوا يحكمون عليه بالشرك، فالإباضية يرونه مسلما أخل
(3)
بالعمل وهو بذلك لا يخرج عن الملة لكن يبرأ منه حتى يتوب، في هذا يحسن بنا أن ننقل كلامه الواضح والصريح في المسألة حيث يقول: «فبينما يحكم الخوارج على مرتكب الكبيرة بأنه مشرك تنطبق عليه أحكام المشركين وينفذون تلك الأحكام عليه لا يرى الإباضية في مرتكب الكبيرة إلا أنه أخ لهم في الإسلام له جميع حقوق المسلمين وتنطبق عليه جميع أحكام المسلمين، إلا أنه بارتكابه للمعصية يستحق منهم الجفاء والمخاشنة في المعاملة ولا يستحق منهم الاستغفار وما إلى ذلك مما لا يكون أهلا له إلا الموفي بدينه الحريص على إسلامه حتى يتوب» (4).
ويخلص الشيخ أن موقف الإباضية من مرتكب الكبيرة كان وسطا بين آراء الفرق الإسلامية، فهو لم يتطرف فيذهب مذهب الخوارج في تكفيرهم، ولم يذهب مذهب المرجئة، الذين يرون أنه لا تضر مع الإيمان معصية، وهم بذلك فتحوا أمامه أبواب الجنة على مصراعيها كأنها فنادق يملكون هم مفاتيحها (5).
(1) - يحسن بنا أن ننقل فقرة من رسالة ابن إباض إلى عبد الملك بن مروان يبين فيها موقفه من أعمال الخوارج؛ حيث يقول: «أنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا ولكن أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه فنيراً إلى الله منه» (البرادي:
الجواهر المنتقاة، ص 165).
(2) - الإباضية بين الفرق: ص 272.
(3) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 87.
(4) - الإباضية بين الفرق: ص 272.271.
(5) - المصدر السابق: ص 412
- 259 - (1/277)
صفحة 278
هذا عن أحكام النوع الأول من الكفر فماذا عن النوع الثاني المتمثل في
الشرك؟
ب - أحكام منزلة كفر الشرك
لم يختلف المسلمون كثيرا في الأحكام المترتبة على منزلة كفر الشرك، فهى واضحة بوضوح أدلتها والأعمال المؤدية إليها.
أما في الدنيا فيطلق على صاحبها تسمية المشرك، وإنّ حكم المشرك كما يقول الشيخ معمر: حل قتاله وغنيمة أمواله وسبي نسائه وأطفاله» (1)، كما ينبغي للمسلم أن يعرف أن دماء المشركين حلال بكفرهم بالله وبصدهم عن سبيله، ويعرج الشيخ على كلامه فيبين أن استحلال دم المشرك لا يعني قيام أي فرد بقتل المشركين أو نهب أموالهم، فتحدث الفوضى وينعدم الأمن في المجتمع، وإنما ذلك من الأحكام العامة التي يتولى تطبيقها أو إصدار الأحكام فيها إمام الدولة، وهذا ما يدخل في
السياسة الشرعية.
كما يحكم عليه بالبراءة وما يترتب عليها من أحكام كعدم موارثته ومناكحته عدالته ويبغضه وبعدم الاستغفار له والترحم عليه.
وقبول شهادته وجرح هذا عن أحكام الدنيا أما في الآخرة فإن مصيره النار خالدا فيها أبدا.
لها:
و مما يتعلق بأحكام منزلة كفر الشرك أحكام ملل الكفر التي تنضوي كلها تحت هذه المنزلة، وقد ارتأينا إفرادها بنقطة مستقلة لبيان رؤية الشيخ معمر ج- ملل الكفر وأحكامها
لما احتوى القرآن الكريم على آيات كثيرة تتحدث على الديانات والملل الأخرى التي سبقت الإسلام، ولكون المجتمع الإسلامي يعيش بجوار هذه الملل،
(1) - سمر أسرة ص 46. (2) - المصدر السلبق: ص 46 - 47
-260 - (1/278)
صفحة 279
ويعيش بعض أفراده في وسطها، وبحكم الكثير من المعاملات والتبادلات في مختلف ميادين الحياة معها، أصبح من الواجب على المسلمين تحديد العلاقة العقدية بينهم وبين غيرهم من أصحاب هذه الملل ومعرفة الأحكام الشرعية الواجب اتباعها في التعامل معهم حتى يكون ذلك على بصيرة وهدى من شرع
1
الله تعالى.
ولعل الآية الكريمة التي أتت جامعة لهذه الملل مع ملة الإسلام هي قول الله تعالى: وإنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج/17]، حيث يتضح أن أصحاب الملل ست: المسلمون اليهود النصارى، الصابئون، المجوس، المشركون، وبنزعنا لملة الإسلام تبقى ملل الكفر خمسة تعريفها كما يلي:
اليهود: هم أهل التوراة ورسولهم موسى عليه السلام
النصارى هم أهل الإنجيل ورسولهم عيسى عليه السلام
وهؤلاء هم المعبر عنهم بأهل الكتاب.
المجوس هم العابدون لأجرام سماوية مثل الشمس والقمر، ومعروفون بتجويز هم نكاح ذوات المحارم، ويزعمون أنهم على شريعة بسيدنا آدم عليه السلام. الصابئون: اسمهم مشتق من فعل صبأ يصباً بمعنى خرج، وهم الذين يميلون من
دين إلى دين، آخر وهم الذين اتخذوا دينا بين الأديان السماوية. الذين أشركوا: يدخل تحت اسمهم كل من اتخذ الله شريكا والوثنيون والملحدون. والشيخ معمر لم يمدنا بتعريفات لهذه الملل لكن يرى أن مجيء الإسلام مبطل لجميع الديانات التي سبقته، بل لم يصبح لها حتى اسم "ديانة" لما شهدته من تحريف (1). لذا أصبح من الواجب على الأمة المسلمة أن تسعى لتبليغ دعوة الإسلام
(1) - المصدر السابق: ص 79.
- 261 - (1/279)
صفحة 280
لغيرها من الأمم مهما كانت ملتها (1).
وعن موقف الإسلام منها يرى الشيخ أنهم ينقسمون ثلاثة أقسام كما يلي:
1 - إما أن يكونوا أصحاب كتاب.
-2 إما أن يكونوا مشركين.
!
3 - إما أن يكونوا مذبذيين بين أهل الكتاب والمشركين.
أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى والصابئون، وأما المذبذبون فهم المجوس، وأما المشركون فهم الوثنيون والطبيعيون وكل من يكفر بالله أو يتخذ له شريكا (2). ومن خلال ما مر معنا من تعريفات لمصطلح كفر الشرك يتضح أن الشيخ يقصد هنا بالشرك شرك الجحود؛ الذي يعني إنكار الله تعالى، لكون أهل الكتاب مشركين كذلك، لكن شركهم شرك مساواة.
أما عن أحكامها فقد سبق في تحديد أحكام الكفر بنوعيه ذكر جانب هام منها، وهذا جانب آخر خاص بأهل الكتاب ولعل تعلقها بالسياسة الشرعية أكثر منها بالآراء العقدية، لكن هي مما ينبغي على المسلم معرفتها حتى يكون تعامله على بصيرة وعلم، خاصة ونحن في زمان وفي عالم كثرت فيه الأسفار والتنقلات إلى دول أهل هذه الملل والعيش فيها والاختلاط بهم في شتى مجالات الحياة. وهذه بعض أحكامهم كما يحددها الشيخ معمر:
- أحكام أهل الكتاب:
يرى الشيخ معمر أن أهل الكتاب في حالة عيشهم في بلاد الإسلام ورضاهم بحكمه وخضوعهم لقوانينه وتشريعاته وإعطائهم الجزية للدولة المسلمة؛ فإن من
(1) - المصدر السابق: ص 194. (2) - المصدر السابق: ص 194 - 195.
- 262 - (1/280)
صفحة 281
حقهم على المسلمين:
1 - أن لا يؤذوهم
2 - أن يسمحوا لهم بالقيام بطقوسهم الدينية
3 - أن يعطوهم الحرية الكاملة في العمل من أجل الحياة
-4 - أن يحل للمسلمين التزوج من نسائهم
-5 - أن يحل الأكل من ذبائحهم شريطة أن تكون تحت رقابة المسلمين (1). أما في الحالة الثانية، حيث لا يكونوا تحت حكم المسلمين فيرى الشيخ أن
حكمهم حكم المشركين.
- أحكام المشركين:
تتمثل عند الشيخ في ما يلي:
1 - لا يحل التزوج من نسائهم
2 - لا يحل أكل ذبائحهم
-
-3 لا يفتح لهم مجال الحياة الحرة في ديار المسلمين.
معه
ويبدو واضحا صرامة الشيخ وقسوته في تحديد معاملة المشركين؛ ويبرر ذلك بكونهم معارضين لدعوة الله تعالى وكل من اعترض سبيل الله يجب أن يقف السلمون موقف الصرامة والشدة (3).
وكنتيجة لموقف الشيخ هذا فقد اتخذ لنفسه رأيا فقهيا في مسألة الزواج من الأوربيات، فيرى أن ذلك غير جائز، وأن صاحبه يكون بعمله هذا قد اقترف أفظع
جريمة في حق دينه ووطنه (4).
(1) - المصدر السابق ص 195.
(2) - المصدر السابق ص 195.
(3) - المصدر السابق: ص 195. (4) - المصدر السابق ص 195.
-263 - (1/281)
صفحة 282
وليس محالنا الحديث هنا عن هذا الرأي الذي ربما يكون الشيخ فيه قد خالف الكثير من علماء الإسلام لكننا نستشف منه حرصه على المحافظة على المجتمع المسلم وتحذيره مما يمكن أن يلحقه من أخطار بمثل هذا الزواج؛ حيث يكون المسلم فيه عادة - هو الخاسر والخاضع للغرب وأهل الكفر والشرك.
إلى جانب ذلك يرى الشيخ أنه لا يجوز للمسلمين أن يقيموا مع المشركين أية علاقة، فهم إما أن يقبلوا الإسلام ويدخلوا في دين الله تعالى وإما أن يعلن عليهم الحرب ويكونوا أعداء الله ورسوله والمسلمين).
- أحكام المجوس:
يختصرها الشيخ في ما يلي:
دعوتهم إلى دين الله تعالى، فإن استجابوا أصبحوا اخوة لنا في الدين، وفي حالة اقتناعهم ورضاهم بحكم الإسلام فلهم أن يعيشوا تحت نظام الدولة الإسلامية، ذلك لا ترتفع معاملتهم إلى معاملة أهل الكتاب، فلا يحل مناكحة نسائهم، ولا
ومع
أكل ذبائحهم، وهم في ذلك في حكم وسط بين أهل الكتاب والمشركين (2). هذه هي أحكام صاحب منزلة الكفر بشقيه كفر النعمة وكفر الشرك، وقد رأينا كيف أن الشيخ فصل الحديث في بيان هذه الأحكام، وإن لم نقف له في كامل هذا المبحث على آراء جديدة بارزة أو مخالفة صريحة لمذهبه، لكن قد برز بقوة في الدفاع عنه وفي رد التهم الملصقة بأتباعه من جراء مصطلح كفر النعمة والحكم على مرتكب الكبيرة، ورأينا كيف أن الشيخ كان شديد التأثر والأسف على ما وقع فيه كتاب المقالات قديما وأعاد ترديده وتكراره بعض العلماء المعاصرين دون تمحيص، أو رجوع إلى المصادر الإباضية المعتمدة لمعرفة الحق فيه. هذا ما جعله يهاجمهـ
(1) - المصدر السابق: ص 198. (2) - المصدر السابق ص 198.
-264 - (1/282)
صفحة 283
بلهجة شديدة ويصفهم بأوصاف ربما لا يرتضيها غيره وكل هذا كان تفاعلا من الشيخ مع الموضوع.
ثم رأينا أحكام ملل الكفر الخمسة في نظر الشيخ معمر، وقد أوردناها مختصرة دون التفصيل في مناقشتها ومقارنتها مع آراء بعض علماء الإسلام، الذين كتبوا في هذا المجال؛ وذلك لاعتقادنا أن الموضوع يخرج نوعا ما عن صميم الدراسات العقدية ليلتحق بالآراء السياسية للشيخ، معمر، وبآرائه الفقهية كذلك.
خامسا: الأسماء المتعلقة بالكفر
إلى جانب تلك المصطلحات الشرعية السابقة التي توسع البحث حولها وتشعب، حدد الشيخ علي معمر مفاهيم شرعية لمصطلحات أخرى متداولة في المجال العقدي؛ لها علاقة خاصة بمصطلح الكفر وأقسامه. فرأينا أن نفردها بمبحث مستقل نوضح فيه وجهة نظره فيها، كما ارتأينا أن نورد أحكامها مع تعريفنا لأسمائها، لتتضح معانيها أكثر؛ حيث لاحظنا عليها بعض التعقيد في التعبير عنها؛ رغم محاولة الشيخ تبسيطها وشرحها وضرب الأمثلة عليها.
فما
هي
علي معمر؟
هذه المصطلحات؟ وما مدلولاتها الشرعية وأحكامها عند الشيخ
-1 - تعريف المنكر:
لغة: فعله أنكر، وأنكر الشيء جهله، وأنكر حقه جحده، وأنكر على فلان
فعله: أعابه ونهاه (1).
أما في الاصطلاح فيعرفه الشيخ قائلا: «هو الذي ينكر خبرا أو حكما مقطوعا به عن طريق الشرع»، يرى الشيخ أن حكم من ينكر شيئا من الدين
(1) - المعجم الوسيط: ج 1، ص 951.
(2) - سمر أسرة: ص 131.
-
– 265 –
- (1/283)
صفحة 284
بالضرورة هو الشرك ()، ويستدل على ذلك بكون المنكر مُكذِّب بما جاء به القرآن، وتكذيب كتاب الله تعالى شرك). وهذا ما يتوافق مع تعريف كفر الشرك الذي سبقنا الحديث عنه، حيث رأينا أن من شرك الجحود إنكار جزء من القرآن الكريم. وفي حقيقة الأمر إن الشيخ أغفل الحديث عن إنكار ما هو مقطوع به عن طريق السنة النبوية، فهو من الشرع كذلك، وأن المنكر لما ثبت وصح عن طريقها له نفس حكم المنكر لشيء من القرآن.
ثم يفرق الشيخ بين المنكر لما أتى به الشرع وبين المنكر لما تحقق معرفته لدى الناس أو لما هو خارج عن نطاق الشرع، فيعطي مثالا توضيحيا بالمنكر لوجود مكة المكرمة والمنكر لوجود باريس، فيرى أن المنكر الأول يترتب عليه الحكم بالشرك لكونه أنكر شيئا تحقق ذكره في القرآن الكريم، أما الثاني فلا إثم عليه لعدم إنكاره شيئا من الدين (3). الدين. ومن. ومن الواضح أن الاستعمال الأول للمنكر هو استعمال للمعنى الشرعي وأن الاستعمال الثاني هو استعمال للمعنى اللغوي.
2 - تعريف المستحل:
لغة: استحل الشيء: عده حلالا، واستحل فلانا الشيء: سأله أن يحله له (4).
ويعرفه الشيخ معمر اصطلاحا بقوله: «هو الذي يحلل ما حرم الله أو يحرم ما حلل الله دون استناد إلى دليل شرعي (5)، ويزيد أمرا تفصيليا فيعتبر المستحل هو ذلك الشخص الذي يفعل الذنب وهو يعتقد أنه غير مذنب لشبهة تمسك بها أو تمسك بالشبهة، لذلك يكون الوقوع في الاستحلال بسبب:
لتقليده من
(1) - الإباضية دراسة مركزة: ص 58.
(2) - سمر أسرة: ص 118.
(3) - سمر أسرة ص 118.
(4) - المعجم الوسيط: ج 1، ص 194.
(5) - سمر أسرة ص 131.
- 266 - (1/284)
صفحة 285
1 المكابرة والعناد في رد ما أتى به الشرع فعلا أو تركا. 2 - بالاستناد على الفهم الخاطئ لحجة من حجج الشرع).
يرى الشيخ أن الحكم على المستحل بالسبب الأول هو الشرك، لتكذيه وإنكاره ورده للحق وانتهاكه لما حرم الله أو تركه لما أوجب ديانة (2). أما المستحل بالسبب الثاني فالحكم عليه بالنفاق أي بكفر النعمة لفهمه الخاطئ لما هو معلوم من الدين بالضرورة.
ويذهب الشيخ في تشخيص توبته فيرى أنه لا يجزيه أن يتوب توبة إجمالية بل يشدد عليه فيطلب منه أن يقر بجميع الآثام التي ارتكبها مستحلا بخطئه في الفهم لما هو معلوم محكم. من الواضح أن الشيخ لم يستند في رأيه هذا على أدلة شرعية تثبت ما ذهب إليه؛ لكن يفهم أن هدفه من ذلك هو التشديد على أصحابها والتحذير من اقتراف هذا النوع من الأعمال، التي تكون بسبب المكابرة والعناد أحيانا، أو الجهل المطبق الذي يجعل من الإنسان يتكلم بغير علم ويعتقد الخطأ فيما هو معلوم مفصل لا خلاف فيه. لهذا فعندما يشترط التوبة التفصيلية والتصريح بالآثام التي اقترفها استحلالا فإنه ينبه ويرشد ويصحح الرؤية الخاطئة للمقترف ويفند أقواله الباطلة عن
الدين والشرع.
كما يرى الشيخ أن الحكم على المستحل بالشرك لم يترتب عليه باقترافه للمعصية، لكن ترتب عليه باعتقاده للاستحلال، أي أنه من الممكن أن يستحل شخص مثلا شرب الخمر أو الزنا، أو ينكر فريضة الزكاة بدون أن يقترف إحداها؛ فإنه بذلك يكون قد أشرك بالله لاعتقاده بالاستحلال (4).
(1) - المصدر السابق: ص 132. (2) - المصدر السابق ص 93 - 94
(3) - المصدر السابق: ص 132. (4) - المصدر السابق: ص 93 - 94
-267 - (1/285)
صفحة 286
-3 - تعريف المحترة:
لغة: أصل الفعل "حرم"، حرم، حرم، حرمانا، حرم فلانا الشيء: منعه إياه، حرم الشيء عليه أو على غيره جعله حراما (1).
ويعرفه الشيخ معمر اصطلاحا: «هو الذي يرتكب المعصية وهو يقر أن عمله
(2)
ذلك حرام، ويرى الشيخ أن الحكم عليه هو الكفر بالنعمة أو النفاق، لأنه ارتكب معصية يعلم بأن الله نهى عنها ويقر بذلك، ولا يحكم عليه بالشرك لاعترافه بأحكام الإسلام وإقراره أن عمله معصية (3). وواضح أن المحرم هو وجه آخر لمرتكب الكبيرة، لهذا فإن ما يترتب عليه من أحكام هي نفسها أحكام مرتكب
الكبيرة المحكوم عليه بكفر النعم.
4 - تعريف المصر:
لغة: مشتق من فعل صرّ، أصرّ، إصرارا، أصر على الأمر: ثبت عليه ولزمه وأكثر ما يستعمل في الآثام، يقال: أصر على الذنب (4).
لم نقف على تعريف محدد للشيخ معمر للمصر، لكننا وجدنا له تعريفا للإصرار لغة واصطلاحا:
الإصرار في اللغة: «هو الإقامة على الشيء والثبات فيه، وأكثر ما يستعمل في
الشرور والآثام» (5).
(1) - المعجم الوسيط: ج 1، ص 169. (2) - سمر أسرة ص 132.
(3) - المصدر السابق ص 93. (4) - المعجم الوسيط: ج 1، ص 512.
(5) - سمر أسرة: ص 119.
- 268 - (1/286)
صفحة 287
أما الإصرار في الاصطلاح فهو الإقامة على الذنب ومعاودة ارتكاب
كما
المعصية والإعراض عن التوبة وعدم الإنابة إلى الله تعالى»). ولقد اهتم بهذا التعريف غيره من علماء الإباضية؛ وذلك لخطورته على مصير الإنسان المسلم إذا بقي على ذنبه ومات عليه، ولا تفرق المصادر في الإصرار على الكبيرة أو الصغيرة، فكلاهما يلزمان الخلود في النار لصاحبها إن مات عليها ولم يتب. ترى كذلك أن الإصرار من أعظم الذنوب عند الله تعالى؛ وذلك لما فيه من عدم مبالاة صاحبه من سخط الله تعالى، واستخفاف بأحكامه، وعدم الخوف من غضبه وعقابه (3). كما يعتبر الإصرار كذلك من محبطات الأعمال وموجبات غضب الله تعالى؛ لأنه مما يؤدي إلى موت الإنسان بغير توبة (4).
وقد أورد الشيخ مجموعة من الآيات استعمل فيها لفظ الإصرار بمعناه الشرعي، واستدل بها على فضاعة الإصرار وإيجابه لمقت وعذاب الله تعالى، منها قوله تعالى: {وَالذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبُ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران/ 135]، {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكِ أَثِيمٍ يَسْمَعُ وَآيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية / 8،7]، (وَإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابَعَهُمْ فِي اذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح/7].
مما سبق ومما تشير إليه هذه الآيات الكريمة يتضح لنا أن المصر: هو المدمن على المعصية والمعاود لارتكابها والمعرض عن التوبة وعن الإنابة إلى الله تعالى، لذا يرى الشيخ أن حالة المصرين تكاد تكون من أحوال المشركين، لأن العاصي المصر ولو لم
(1) - المصدر السابق ص 119
(2) - امحمد اطفيش شامل الأصل والفرع، ج 1، ص 70.
(3) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 576 - 578. (4) - الشماخي: شرح مقدمة التوحيد، ص 51.
- 269 - (1/287)
صفحة 288
يستحل أحكام الله بقلبه وبلسانه، لكن جوارحه المقترفة للمعاصي باستمرار تجعله في دركة قريبة من المشركين، ولو لم يُحكم عليه بالشرك ظاهرا.
أما حكمه فهو الكفر بالنعمة وهو مع المشركين في النار يوم القيامة في حال عدم توبته (1).
هكذا يتضح لنا أن الإصرار على الصغيرة أو على الكبيرة يعد من الكبائر، ويعد صاحبها كافرا كفر نعمة، ومن هنا أتى القول: "لا صغيرة مع الإصرار"، حيث يعتبر من محبطات الأعمال لأن صاحبها معرض للموت بدون توبة، ومن هنا أتى تحذير العلماء من الوقوع فيه ودعوا إلى المسارعة إلى التوبة والإنابة.
هذه هي الأسماء الأخرى التي أورد الشيخ معمر تعاريفها وأحكامها واهتم ببيان خطورتها على مصير الإنسان المسلم، ويمكن أن نلاحظ ونسجل علاقتها المباشرة بمصطلح الكفر، وكونها تفريعات تنطوي تحته، وأن مصطلح الكفر أعم منها ومحتو لها جميعا، كما بالإمكان إرجاع كل اسم إلى أحد أنواع الكفر سواء كفر الشرك أو كفر النعم. ولعلنا نستطيع أن نرجع سبب اهتمام الشيخ بها إلى ما يشاهده من أعمال الناس في حياتهم اليومية، التي تدل على وقوعهم أو اقترابهم من إحدى تلك المحذورات وهم في جهل أو في تجاهل أو غفلة و استهانة كلية بذلك، لذا فعمل الشيخ في حقيقة الأمر هو تنبيهي وتحذيري بالدرجة الأولى، خاصة وهو يقدم العقيدة للناشئة من الإسلامية وإلى عامتها التي كثيرا ما تقترف أعمالا فتستهين بها لجهلها بحكمها، لكن لا تعلم إنها بذلك قد وقعت في المحذور من الشرك أو كفر النعم أو النفاق.
الأمة
وعلى هذا الأساس أتت معالجة الشيخ لها فيها محاولة للتبسيط رغم صعوبة فهم تعريفاتها نوعا ما بالنسبة لغير المختصين، وهذا ما دفعه لإيراد الأمثلة والتعاليق
لتقريب المفاهيم قدر المستطاع.
(1) - سمر أسرة ص 120.
-270 - (1/288)
صفحة 289
سادسا: المعاصي تقسيماتها وأنواعها
تعددت أسماء المعاصي في مصادر التشريع الإسلامي، حيث أشار القرآن
الكريم والسنة النبوية إليها بألفاظ كثيرة؛ مثل: الذنب الكبيرة - الصغيرة- الإثم الفاحشة - الوزر - اللمَم. ومن هذه النصوص قول الله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء/31]، {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) [النجم /32]، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةً وزر أخرى} [الأنعام/164]، {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةٌ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ
فَأَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة/81].
هذا ما جعل علماء الإسلام يبحثون في الموضوع قصد معرفة المدلولات الشرعية لكل لفظ على حدة، ومعرفة علاقة هذه الألفاظ بعضها ببعض، وكذا تحديد الأحكام الشرعية المترتبة عليها. كما قاموا بتقسيم المعاصي أقساما، سنحاول الوقوف على تقسيم الإباضية لها، ثم معرفة رؤية الشيخ معمر للموضوع:
1 - تقسيم الإباضية للمعاصي:
عرف الإباضية تقسيمين للمعاصي هما:
التقسيم الأول:
كان بالنظر إلى علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، ودليلهم على هذا حديث رسول الله الذي ورد في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب: الذنوب على وجهين ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه، فالذنب الذي بين العبد وربه إذا تاب منه كان كمن لا ذنب له، أما الذنب الذي بينه وبين صاحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها» (1).
(1) - أبو عبد الله محمد بن عمر (أبو ستة): حاشية الترتيب، ج 6، المطبعة الشرقية ومكتبتها، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1983/ 1403، ص 115.
-271 - (1/289)
صفحة 290
التقسيم الثاني: كان بالنظر إلى عظم الذنب إلى الله تعالى، فأتى التقسيم تنازليا، كما يورده الشيخ أبو يعقوب الوار جلاني: الشرك أعظم الذنوب، والكبير دونه وفوقه المعصية، المعصية دون الكبير وفوق السيئة والسيئة دون المعصية وفوق الخطيئة، والخطيئة دون السيئة وفوق الكراهة والكراهة دون الخطيئة وفوق الإباحة» (1).
من الواضح أن التقسيم الثاني للشيخ الوارجلاني لم يرد أثر شرعي يثبته ويحدده بهذه الصورة، وإنما هو اجتهاد عالم حاول ترتيب الذنوب حسب ما يراه هو، ومن الملاحظ كذلك أنه لم يستوف كل الألفاظ المتداولة حول المعصية في النصوص الشرعية، بل اكتفى بالمشهور منها أو الأكثر تداولا، كما أنه لم يين القاعدة التي اعتمدها في هذا الترتيب التنازلي، وفي تقديم لفظ عن لفظ آخر.
2 - تقسيم الشيخ علي معمر للمعاصي:
عنده هي
استعمل الشيخ معمر عدة تقسيمات للذنوب، وقد لاحظنا أن لفظ المعصية الدالة على أصل الذنوب؛ وإن لم نقف له على تبرير لهذا، إلا أنه من الراجح أن الشيخ رأى أن لفظ المعصية والمعاصي هما الأكثر استعمالا وتداولا لدى الناس والأقرب إلى مداركهم للدلالة على المرتكب لما يخالف ما أتى به الشرع الإسلامي. وهذه التقسيمات هي كالتالي:
أ - تقسيم المعاصي باعتبارها شركا وغير شرك
اتبع الشيخ في تعريف نوعي المعاصي بتحديد مفهومه للعصاة المشركين
والعصاة في مرتبة ما دون الشرك:
(1) - الوار حلاني: الدليل والبرهان، ج 2، ص 43.
- 272 - (1/290)
صفحة 291
فالعصاة المشركون هم الذين لم يعترفوا بكلمة الشهادة أو أنكروا منها ما
كان قطعيا».
والعصاة ما دون الشرك هم الذين يعترفون بكلمة الشهادة ولكنهم يخلون بالعمل فيعصون الله» (1).
وبالتالي فإن معصية الشرك هي عدم الاعتراف بالشهادة أصلا أو إنكار ما
كان منها قطعيا.
والمعصية ما دون الشرك: هي الإخلال بأحد الأعمال الواجبة مع
الاعتراف بالشهادة.
ب - تقسيم المعاصي باعتبار فظاعتها وضررها:
يرى الشيخ معمر أن المعاصي تتفاوت في فظاعتها وفحشها، وبالتبع فإن النظر إليها والحكم عليها يتفاوت ويختلف بحسب ما ينجر عن تلك المعصية من آثام على الفرد نفسه المرتكب لها، أو على مجتمعه أو على دولته.
يرى الشيخ أن من المعاصي ما يهدم ركنا من أركان الدين، ومنها ما يضر بصاحبها ومنها ما يضر بالمجتمع، ومنها ما يضر بالدولة، ومنها ما يضر بالأمة
المسلمة جمعاء.
ولتوضيح أنواع الأضرار التي تلحقها المعاصي سواء بالفرد أو المجتمع أو الدولة
أعطى الشيخ عدة أمثلة نورد منها ما يلي:
1 - يسافر إنسان مسلم إلى بلاد غير إسلامية فيدخل مطاعمها ويأكل من لحومها غير المذكاة ومن لحوم خنازيرها وهو يعرف أنها حرام، فهذه المعصية من النوع الذي يضر بصاحبها باقترافه لما نهى الله عنه.
(1) - سمر أسرة: ص 77.
(2) - المصدر السابق ص 120 - 121
(3) - المصدر السابق ص 121.
-
- 273 -
19. (1/291)
صفحة 292
2 - يفتح إنسان مسلم متجرا ليبيع المواد الضرورية التي يحتاج إليها الناس يوميا، فيتعامل معهم بالربا أو يحتكر السلع الضرورية منها لأوقات الغلاء، فيستغل بذلك ضعف الفقراء واحتياجهم لينمي ثروته بالحرام، فهذا النوع من المعصية يتسبب في الإضرار بأفراد المجتمع بالزيادة في احتياجهم ومنعهم من الضروريات ونهب أموالهم بالباطل، إلى جانب الإضرار بصاحبه
3 - يحمل إنسان مسلم السلاح فيخرج ليقطع ويعترض طريق المسافرين، أو يهجم على أفراد وطنه يقتلهم وينهب أموالهم ليستغني أو ليصل إلى الحكم، فمثل هذا النوع من المعاصي يتسبب في الإضرار بأمن الدولة، فيجعل الناس يعيشون في رعب وخوف دائمين، أو يعطل من أعمالهم وحركاتهم وتنقلاتهم التجارية والاقتصادية، وبذلك يُسهم في إضعاف الاقتصاد العام للدولة، وهذا تترتب عليه بالتبع أضرار أخطر وأعظم).
جـ - تقسيم المعصية بالنظر إلى الدافع على اقترافها:
يرى الشيخ معمر أن من الناس من يلم بارتكاب معصية ما لغلبة النفس ووسوسة شيطان من شياطين الإنس أو الجن، ولكن سرعان ما يستشعر مراقبة الله وحسابه وعقابه، فيأسف على ما قدم ويندم على ما ارتكب، ثم يسارع إلى التوبة والاستغفار والإنابة، مع العزم على عدم التكرار والعودة إلى المعصية، وفي حقه جاء القول المأثور: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما نزلت في حقه الآية الكريمة وإنما التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء/17 - 18].
(1) - المصدر السابق: ص 121 - 122.
(2) - المصدر السابق: ص 119.
- 274 -
- (1/292)
صفحة 293
فهذا صنف أما الصنف الثاني فيتمثل فيمن يرتكب المعصية ثم يبقى مصرا
عليها، ويعود إليها في كل مرة، ويعرض عن التوبة والاستغفار والإنابة إلى
الله
تعالى)، وقد نزل في حق هؤلاء قول الله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكِ أَثِيمٍ يَسْمَعُ عَايَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} [الجاثية/8،7]، وقوله تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي عَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح/7].
د - تقسيم المعاصي بالنظر إلى نوع العصيان المرتكب:
المعصية تنقسم بالنظر إلى نوعها إلى ثلاثة:
العصيان بالمقارفة، العصيان بالإهمال العصيان بالخطا في التأويل
هذه
هي
(2)
تقسيمات الشيخ معمر للمعصية، ومن الواضح أن بعضها منطو
تحت بعض أو محتو لجزء منه، وأن ما صدقها كثيرا ما يكون واحدا، كما أنها تقسيمات باعتبارات خارجة عن المعصية في مفهومها، ولعل ما رأيناه في التقسيم الأول للإباضية باعتبار الذنب بين العبد وربه وبين العبد والعبد هي أوضح من تقسيمات الشيخ علي معمر وأدق، مع ذلك فإنه قد أضاف بتقسيماته إثراء جديدا ومفيدا للموضوع.
مع كل هذا التفصيل في تقسيم المعاصي فإننا لم نقف على تعريف دقيق للشيخ لمعنى المعصية، لذا نرى أنه من اللازم استدراك هذا النقص بالرجوع
إلى مصادر الإباضية من قبله
(1) - المصدر السابق: ص 119 - 120
(2) - الإباضية بين الفرق: ص 111.
- 275 - (1/293)
صفحة 294
يقول الشيخ أبو القاسم البرادي في تعريفه المعصية ما يلي: «المعصية هي فعل ما نهى عنه فاعله» (1)، ويورد الشيخ يوسف المصعبي (2) تعريفا أكثر دقة
ووضوحا فيقول: «المعصية كل ما قارنه النهي من شرك وغيره» (3).
هذا
عن تقسيمات الشيخ معمر للمعصية كأصل للألفاظ الأخرى، والآن ننتقل إلى بيان أنواعها، وكما سبق الحديث فقد ذكر القرآن الكريم عدة ألفاظ دالة على المعصية و على الذنب؛ ولعل ما يأتي على رأس هذه القائمة لفظ الكبيرة، وقد نالت هذه الأخيرة قسطا وافرا من الاهتمام لدى المدارس الكلامية لما يترتب عليها من أحكام هامة أيضا، فما هي هي رؤية الشيخ معمر
3 - تعريف الكبيرة:
لها؟
يعرف الشيخ معمر الكبيرة بأنها «المعصية التي أوعد الله عليها النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة (4)، ومن هذا التعريف نستطيع تحديد الكبيرة بشرطين:
1 - الوعيد بالنكال في الدنيا
2 - العذاب في الآخرة
ولعل الشيخ لم يهتم بشرح هذا التعريف كثيرا لكونه في عرض للعقيدة بصفة موجزة ومركزة للناشئة، لكن يتضح أنه أخذ برأي علماء الإباضية من قبله في
(1) - البرادي: رسالة الحقائق، ص 40.
(2) - أبو يعقوب يوسف بن محمد المصعبي (ت 1188 هـ / (1774 م ولد بمدينة مليكة بوادي ميزاب ارتحل إلى جزيرة حربة مع والده وهناك تلقى علومه على يد الشيخ سعيد بن يحيى الجادوي وعن الشيخ عمر السدو يكشي، تولى رئاسة مجلس الحكم في حربة، وتفرغ للتعليم والوعظ في مساجدها. (الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 142 - 143).
(3) - يوسف المصعبي: حاشية على كتاب الديانات، ص 11. نقلا عن الجعبيري: البعد الحضاري،
ج 2، ص 540 - 541).
(4) - سمر أسرة ص 152.
- 276 - (1/294)
صفحة 295
الموضوع، فيعرفها الشيخ البرادي بقوله: حقيقة الكبيرة على أصولنا ما أوجب الله عليه حدا في الدنيا وعقابا في الآخرة» (1). وهي عند الشيخ السالمي: ما وجب عليه الحد أو اتجه إليه وعيد الله تعالى، حيث يقول: «الكبير من الذنوب هو ما ثبت فيه حد في الدنيا أو عذاب في الآخرة». وعند الشيخ اطفيش الكبيرة هي كل ما ورد في شأنه الوعيد، سواء كانت معه كفارة أو حد أو خلت منهما، لكن ما
هو مشهور عند الإباضية هو القول الأول الذي حدد الكبيرة بالوعيد أو الحد. كما أن موضوع الكبيرة وتحديد الكبائر قد أخذ من علماء الإسلام جهدا معتبرا، ظهرت حوله آراء متعددة، وحاولت كل مدرسة الاجتهاد في معرفتها وضبط مقاييسها، ولعل النصوص الشرعية المتعددة في هذا كانت وراء هذا التنوع، فنجد أحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم تذكر كبائر وتغفل عن أخرى، ثم تذكر في موضع آخر مجموعة أخرى دون الأولى، أو تشترك في البعض وتغفل عن البعض الآخر، كما نجد آيات قرآنية تعتبر بعض المعاصي من الكبائر ومعاص أخرى لا تصفها بذلك، كل هذا كان وراء عدم اتفاق علماء الإسلام على تعريف واحد لمفهوم الكبيرة، كما نتيقن كذلك أن النصوص الشرعية لم تحتو على تحديد دقيق لها ولا على ضبط لعددها، وبذلك فإن كل الآراء تبقى اجتهادات شخصية ومدرسية لا تلزم الآخر.
فمن أحاديث رسول الله الله التي تطرقت إلى ذكر الكبائر قوله: «اجتنبوا السبع الموبقات: قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات (4)، ومنها قول الصحابي ابن عباس له:
(1) - البرادي: رسالة الحقائق، ص 38، نقلا عن الجعبيري: البعد الحضاري، 543).
(2) - السالمي: المشارق، ص 376
(3) - وينتن آراء الشيخ اطفيش الكلامية، ص 401.
(4) - البخاري: كتاب الحدود: رقم: 6465.
-277 - (1/295)
صفحة 296
«الكبائر ما ذكره الله في سورة النور من أولها إلى قوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ
جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور/31]».
ولقد تنبه الشيخ معمر إلى هذا النقاش الكبير الذي حصل بين علماء الإسلام في تحديد الكبائر، مع عدم توصلهم إلى رأي متفق أو مجمع عليه، لذا فنجده يعلق على الحديث المذكور سابقا في تعداد السبع الموبقات فيقول أن الحديث لم يذكر كل المعاصي التي تعد كبائر ولم يقصد حصرها، لكن اكتفى بأكثرها فضاعة وإثما. وفي هذا يرى الشيخ كذلك أن بعض الأعمال تعد من الكبائر و لم يرد ذكرها إطلاقا في النصوص الشرعية. أما
عن سبيل معرفتها فيرى أن دراسة القرآن والسنة النبوية ومعرفة أحكامهما وتوجيهاتهما ومنهياتهما ومقاصدهما هو الطريق الموصل لذلك، وكذا بالرجوع إلى كتب أعلام الإسلام من العلماء والمفسرين عبر العصور (1).
ويبين الشيخ السالمي الحكمة الإلهية من عدم حصر عدد الكبائر وتعدادها فيرى أن العباد لو عرفوا ذلك لاقتحموا فعل الصغائر لمعرفتهم أن الله يغفرها بموجب قوله تعالى وإن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مَّدْخَلاً كريما [النساء/ 31]، وأخفى الله ذلك على عباده ليجتهدوا في اجتناب كل ما نهوا عنه مخافة أن يقعوا في الكبائر. ثم قرن هذا الإخفاء مع إخفاء الله تعالى لليلة القدر، ولساعة الإجابة، وللصلاة الوسطى حتى يبقى الاجتهاد دائما للظفر بها (2).
أن
كما يرى الشيخ أن السبيل الأمثل للمسلم لمعرفة الكبائر لتجنب اقترافها هو يعرف أن الله أمره بطاعته وأوجب على ذلك ثوابا عظيما، ونهاه عن معصيته مهما كان نوعها وإلمها، وأوجب على ذلك عقابا شديدا، وعندما يحرص المسلم على عدم اقتراف المعصية يكون بذلك قد عصم نفسه تلقائيا من الوقوع في الكبائر سواء
(1) - سمر أسرة ص 154
(2) - السالمي المشارق ص 375
- 278 - (1/296)
صفحة 297
المعلومة منها أو المجهولة ()، لذا كان من آراء الشيخ أنه لم يوجب على المسلم أن يعرف جميع الكبائر بجزئياتها (2).
لكن يبدو أن الشيخ حاول الاجتهاد بوضع بعض القواعد العامة للتعرف على الكبائر (3)، وذلك بتقسيمه لها كما يلي:
1 - تقسم بالنظر إلى ما يترتب عليها إلى كبائر أوجب الله عليها الحد: كالزنا والسرقة وشرب الخمر وما إلى ذلك، وكبائر لا حدّ عليها ()، لكن وعيد الله تعالى أتى صريحا شديدا على مرتكبيها كأكل أموال اليتامى ظلما والتعامل بالربا وشهادة الزور وغيرها.
2 - تقسم إلى كبائر شرك وكبائر نفاق، أما كبائر الشرك فيحصرها الشيخ في هذه الأفعال: «من رد على الله عز وجل في كتابه الكريم مواجهة بلا تأويل، فهو مكذب الله مشرك به، ويدخل في ذلك التكذيب بكل ما تجب معرفته من أمور التوحيد، وكذلك الاستحلال لما حرمه الله تعالى استحلال ترك الفرائض التي أوجبها الله تعالى على الناس وتحريم ما أحل الله نصا في كتابه الكريم» (5).
أما كبائر النفاق فيرى الشيخ أنها على وجهين:
الوجه الأول: «هو استحلال ما حرم الله بتأويل الخطا من فاعله أو قائله» (6) باستناده في خطئه على دليل حسب زعمه.
(1) - سمر أسرة: ص 155. (2) - المصدر السابق ص 153.
(3) - حاول الشيخ أبو عمار عبد الكافي فعل الشيء نفسه، حيث حصر عددا كبيرا من الكبائر وأورد النصوص الشرعية الدالة على أنها من المعاصي الفظيعة؛ لذا يلزم تصنيفها ضمن الكبائر.
(الموجز: ص 270 - 280)
(4) - الإباضية بين الفرق: ص 57. (5) - سمر أسرة: ص 153. (6) - المصدر السابق: ص 153.
- 279 - (1/297)
صفحة 298
الوجه الثاني: «هو مقارفة معصية من المعاصي التي أوعد الله عليها النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة أو عذب بسببها أمة من الأمم السابقة» (1).
ويبدو واضحا من هذه التقاسيم للكبائر أن الشيخ قد استفاد كثيرا ممن سبقه من علماء الإباضية، أمثال ما ورد عند الشيخين الشماخي والتلاتي في شرحهما لعقيدة التوحيد.
ويعتبر الشيخ أن التفريق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق أمر واجب على المؤمن معرفته؛ ويرجع ذلك إلى ما يمكن أن يؤدي الخلط بينها من إصدار أحكام خطيرة على المسلمين، ويعطي مثالا على ذلك بالخوارج الذين كفروا غيرهم من المسلمين، فحكموا عليهم بالشرك وهم مقرون بالتوحيد، وسبب ذلك خلطهم وعدم تفريقهم بين النوعين واعتبارهم الكبائر كلها شركا (3). وهو قول الإباضية في الموضوع حيث عبر الشيخ عنه، ويرد ذلك في كتب الإباضية بعنوان: "الفرز بين كبائر الشرك وكبائر النفاق": حيث يقول مثلا صاحب عقيدة التوحيد: «وعلينا معرفة الكبائر وفرز ما بينهن اللواتي للشرك واللواتي للنفاق» (4). وأضاف شارح العقيدة الشيخ الشماخي: «وأما فرز ما بين كبائر الشرك وكبائر النفاق فواجب علينا»)، وإلى هذا أشار الشيخ الجيطالي كذلك (6).
هذا
فما هي
عن الكبيرة؛ وكل ما خرج من دائرة الكبائر دخل حتما في دائرة الصغائر،
نظرة الشيخ علي معمر
لها؟
(1) - المصدر السابق: ص 154.
(2) - عمرو بن جميع مقدمة التوحيد وشروحها، ص 147 - 151.
(3) - سمر أسرة: ص 152.
(4) - عمرو بن جميع المصدر السابق، ص 147 - 148.
(5) - الشماخي: شرح مقدمة التوحيد: ص 148.
(6) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ص 36.
-280 - (1/298)
صفحة 299
4 - تعريف الصغيرة:
يعرفها الشيخ معمر بقوله: هي السيئة التي وعد الله أن يغفرها باجتناب الكبائر وبفعل الحسنات» (1)، ويورد دليلا على ذلك قول الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى للذاكرين} [هود/ 114]، وقوله تعالى: {ليجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم/32،31]. إذ نفهم من الآيتين ومن تعريف الشيخ أن الصغيرة تغتفر بترك الكبائر وبفعل الحسنات، وأنه لا يرتفع عنها إنسان مهما كانت درجة تقواه وتورعه واجتهاده في اجتناب المعاصي، لهذا تكفل الله
تعالى بمغفرتها.
هذا كل ما تناوله الشيخ معمر في موضوع المعصية، لكنه أغفل الحديث عن جوانب منها، حيث لم نقف له على تعريفات لبقية الألفاظ المستعملة للدلالة على المعصية؛ كالسيئة والخطيئة والفاحشة واللمم والاثم ولعله يرى أن المعصية تشمل كل هذه الألفاظ وأن كل شكل من المعصية يمكن أن يصدق على إحدى هذه الألفاظ الواردة في القرآن الكريم أو السنة النبوية، وأن التعريف الجامع لها هو كونها معصية اقترفها الإنسان وهي متفاوتة وفي هذا التفاوت يصدق عليها لفظ كبيرة أحيانا وأحيانا أخرى لفظ إثم وأحيانا لفظ خطيئة وأحيانا لفظ صغيرة وهكذا مع بقية الألفاظ.
كما أنه ليس من المانع أن يصدق أحيانا على المعصية الواحدة أكثر من مصطلح، فيقال عن معصية الزنا مثلا كبيرة، إثم، خطيئة في ذات الوقت.
(1) - سمر أسرة ص 152.
(2) - ينظر تعريف هذه الألفاظ عند الشيخ اطفيش ويتان آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 399 - 403.
-281 - (1/299)
صفحة 300
والشيخ لم يول اهتماما بكل جوانب الموضوع ليبين لنا التعاريف الجزئية لكل
لفظ، كما أننا لم نقف له على آراء جديدة خالف فيها مذهبه وتميز بها؛ حيث
رأيناه ينقل ما أتى عند علماء مذهبه خاصة منهم. علماء جبل نفوسه؛ بلده الأول. لكن ما امتاز به وما أضافه هو تلك التقسيمات للمعصية، فنظر إلى الموضوع من زوايا متعددة، ولعل في هذا يكمن البعد الاجتماعي العملي للموضوع؛ حيث حاول ضرب الأمثلة للمعاصي وللعصيان وبين حكم الشرع فيها، كما لاحظنا أسلوبه الشديد في التنديد والتشنيع بالمقترف للكبيرة وتوعده بما ينتظره من العذاب. هذا عن مبحث الأسماء والأحكام؛ ومن خلاله رأينا أهمية وضرورة تحديد الأسماء الشرعية بدقة ومعرفة مدلولاتها لإدراك ما يترتب عليها من الأحكام ولكي لا تكون سببا في اتهام المسلمين بعضهم البعض والتنابز بالألقاب والتراشق بالعبارات الجارحة؛ التي لا تعود على الأمة الإسلامية إلا بالتفرقة والشقاق أكثر مما هي عليه.
- 282 - (1/300)
صفحة 301
المبحث الثاني القضاء والقدر
ـــد:
تمهيـ القضاء والقدر أصل من الأصول العقدية الذي ثبت بموجب حديث رسول الله مع جبريل ال ... ويؤمن بالقدر خيره وشره ... »)، وأحاديث أخرى منها: حديث رسول الله الله مع عبادة بن الصامت: «إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى، قال: يارسول الله: وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره قال تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير ذلك دخلت النار»، وقول الرسول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء» كما أن القرآن الكريم احتوى على آيات كثيرة أخبرت بوجوب الإيمان بهذا الأصل منها قول الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرِ} [النجم/49]، {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب/38]، {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} [الكهف/24،23]، {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن تُبْرَأَهَا} [الحديد/22]، {إِنا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان/3].
(3)
(1) - البخاري: كتاب تفسير القرآن: رقم: 4499. (2) - أحمد: باقي مسند الأنصار: رقم: 22197. (3) -:مسلم كتاب القدر: رقم: 2653
-283 - (1/301)
صفحة 302
إن هذه النصوص الشرعية تضطر الإنسان ليتساءل ما حقيقة القدر وما علاقة
ذلك بقدرة الإنسان على العمل والحرية فيه؟ هذا ما حدث فعلا في البيئة الإسلامية وجعل الموضوع يأخذ منحنى معينا في الحياة الفكرية فيها (1)، حيث برزت مناقشات و كتابات ومواقف متعددة (2) في فهم هذه النصوص، كما ترتب على ذلك طرح إشكاليات كلها مرتبطة بالمسألة الأم القضاء والقدر، ولعل أبرزها يمكن إجمالها في
هذه التساؤلات:
-
-1 هل الإنسان مخير أم مجبر على أعماله؟
2 - ماهي حرية وإرادة الإنسان داخل إرادة الله تعالى، وما العلاقة بين
الإرادتين؟
-3 - ما علاقة الثواب والعقاب بالقضاء والقدر؟
-4 - ماهي علاقة أفعال الإنسان بالثواب والعقاب؟
كما نشير أن هذه المسألة عرفت نفس المنحى لدى الأمم السابقة للإسلام حيث عرف اليهود والنصارى واليونان والفرس مثل هذه المناقشات والجدال الكلامي حول أطراف قضية القدر، وارتبط ذلك بالبحث عن مصدر الخير والشر
في الكون؛ هذا ما ترجم في بعض الديانات إلى ظهور آلهة للخير وأخرى للشر.
إن هذا يجعلنا نعتقد أن المسألة إنسانية بالدرجة الأولى، وأن الدافع لطرحها دافع فطري، يحمل الإنسان ليتساءل عن الله وعن الكون وعن سبب
وجوده وعن مصيره
(3)
(1) - انظر: محمد أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، ص 146 - 153.
(2) - انظر حسين مروه النزاعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ط 4، ج 1، دار الفارابي
بيروت - لبنان، 1981 م، ص 555 - 594.
(3) - انظر: محمد أبو ريان المصدر السابق، ص 67 - 89
- 284 - (1/302)
صفحة 303
وقبل أن نتعرض لكل ذلك ونتعرف على رؤية الشيخ علي معمر لها ينبغي أن
نقف مع المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظي القضاء والقدر
أولا: تعريف القضاء والقدر والإيمان بهما
1 - تعريف القضاء والقدر
القضاء لغة (): الحكم والأداء، وأصل الكلمة من مادة "قضى" قضيا، قضاء قضية وهو يفيد معاني كثيرة منها: حكم، فصل فيقال: قضى بين الخصمين أي حكم، وقضى الله أي أمر، ومنه قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء/23]، وقضى إليه أي أنهى إليه أمره، ومنه قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ [الإسراء/4]، وقضى الصلاة أي أداها، وقضى الشيء أي قدره وصنعه وقضى حاجته أي، نالها، وقضى أجله أي بلغه (2).
القدر لغة: مقدار الشيء وحالاته المقدرة له، ومنه قول الله تعالى: إنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرِ} [القمر /49]، والكلمة مشتقة من أصل الفعل: قدر، وله معان متعددة مثل: قدر عليه تمكن منه، قدر الأمر: دبّره وفكر في تسويته، قدر الشيء بالشيء: قاسه به وجعله على مقادره قدر الله الأمر على فلان: جعله له وحكم به عليه، وقدر الرزق عليه ضيقه، ومنه قوله تعالى: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ
(3)
رزقه [الفجر /16].
(1) - يحدد الشيخ السالمي للقدر سبعة معان لغوية يوردها نظما في قوله:.
معاني
القدر. سبع
هاك نظما
وتقدير وتصوير وجود
المشارق: ص 311).
(2) - المعجم الوسيط: ج 2، ص 742.
(3) - المصدر السابق: ج 2، ص 718.
حواها وهي خلق فيه يحلو
قضاء ثم تضييق ومثل
-
- 285 - (1/303)
صفحة 304
القضاء اصطلاحا: يعرفه الشيخ معمر بأنه حكم الله على الخلق في الأزل)، ويزيد التعريف توضيحا بإيراد تعريف الشيخ السالمي له: وهو: «القضاء عبارة عن وجود المكونات في اللوح إجمالا» (2). وهو عند الشيخ البوطي: «علم الله عز وجل في الأزل بالأشياء كلها على ما تكون عليه في المستقبل» (3).
القدر اصطلاحا يعرف الشيخ معمر بأنه تنفيذ قضاء الله على المخلوقات في ما يزال)، ويورد كذلك تعريف الشيخ السالمي: القدر عبارة عن وجودها في المواد تفصيلا»، وعند الشيخ البوطي: «إيجاد تلك الأشياء بالفعل طبقا لعلمه الأزلي المتعلق بها» (6).
كما يقرر الشيخ معمر أن المعنى الاصطلاحي للفظين مختلف أي أن كلا منهما يدل على معنى غير معنى اللفظ الآخر (7)، ولعل هذا هو عكس ما يذهب إليه بعض العلماء في كون المصطلحين لهما دلالة واحدة أي بالإمكان أن يدل أحدهما على الآخر أو يستعمل أحدهما مكان الآخر (8)، هذا ما استعمله الشيخ، اطفيش حيث عرف القدر في بعض المواضع تعريفا مطابقا
(1) - سمر أسرة ص 106.
(2) - أورد الشيخ السالمي عدة تعريفات للقضاء والقدر والنص المضبوط للتعريف الذي نقله الشيخ معمر هو: «القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي على أعيان الموجودات بأحوالها من الأزل إلى الأبد مثل الحكم بأن كل نفس ذائقة الموت» (المشارق: ص 311).
(3) - البوطي كبرى اليقينيات، ص 160.
(4) - سمر أسرة ص 106.
(5) - تعريف السالمي هو تفصيل هذا الحكم بتعيين الأسباب وتخصيص إيجاد الأعيان بأوقات وأزمان بحسب قابلياتها واستعداداتها المقتضية للوقوع منها وتعليق كل حال من أحوالها بزمان معين وسبب مخصوص مثل الحكم بموت زيد في اليوم الفلاني بالمرض الفلاني» (المشارق
ص 311).
(6) - البوطي المصدر السابق، ص 160. (7) - سمر أسرة: ص 106.
(8) - البوطي، المصدر السابق، ص 160.
- 286 - (1/304)
صفحة 305
لمعنى القضاء، وهو ما يدل على أن هناك علاقة وطيدة، وترابطا وثيقا بين
المصطلحين من الصعب الفصل بينهما فصلا كليا).
وإن كان الشيخ لم يزودنا بأدلة عن قناعته هذه إلا أنه من الممكن أن يفهم أنه لم يقصد التغاير اللغوي بقدر ما يريد من ذلك أن يسهل فهم المدلولين بالفصل التام بيهما، بحيث يجعل القضاء مقتصرا على العمل الأزلي، والقدر منصبا على العمل الدنيوي أو العمل في ما يزال.
كما نرى أن الشيخ استعمل في تعريفه لفظ الأزل وما يزال، فما مدلولهما عنده؟ -2 - الأنزل وما يزال:
يعرف الأزل بأنه «كون الله موجودا ولاشيء غيره من المخلوقات» (2)، أما مايزال فهو «الزمن الذي ظهرت منه المخلوقات بإرادة الله على مسارح الكون في أوقاتها المختلفة» (3). فبالإمكان أن نقول إن المصطلحين يمثلان ظروفا لتقريب فهم الإنسان لعمل القضاء، وعمل القدر، مع أن عقل الإنسان ليس باستطاعته تصور وجود بدون زمن، فالوجود دلالة على زمن معين، إلا أن الأزل هو وجود الله تعالى ولا شيء معه.
كما وقفنا مع تعريف آخر للشيخ عرف فيه القضاء والقدر بأكثر وضوح وتبسيط لمدلولهما دون استعمال مصطلحي الأزل وما يزال، حيث اعتبر القضاء هو ذلك الحكم الإلهي في جميع المخلوقات من أجسام وأعراض وغيرها، والقدر هو ظهور الأشياء في أوقاتها وأزمنتها حسب حكمة الله وإرادته، وهو كذلك تنفيذ إرادة الله بالخلق (4).
(1) - ونتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 348.
(2) - سمر أسرة: ص 106.
(3) - المصدر السابق: ص 106.
(4) - المصدر السابق ص 106
-287 - (1/305)
صفحة 306
ولإيصال هذا المفهوم لعقول الناشئة والعامة أورد الشيخ مثالا معاشا على لسان الابن في حواره معه وملخصه أن الله تعالى قضى قبل خلق أي مخلوق أننا هذه الليلة على هذه الهيئة ونشرب كوب الشاي ونناقش هذا الموضوع، فهذا ما
سنجتمع
يتمثل في القضاء، أما القدر فهو تنفيذ هذا الحكم في هذا الزمان المقدر والمكان المقدر والهيئة المقدرة في علم الله تعالى، وهذا هو معنى
القدر (1)
ثم ينتقل الشيخ من هذا المثال الذي شرح فيه معنى القضاء والقدر على حادثة جزئية معينة ليعمم الحالة على كافة المخلوقات، فيفهم الابن في الحوار أن كل ما يقع في الكون من صغير وكبير هو يجري هذا المجرى؟.
بهذا المنهج يبلغ الشيخ أفكاره وخطابه إلى الناشئة والشباب من أبنائه، حيث يبدأ بشرح المسألة شرحا علميا؛ بإيراد التعاريف وتبسيط معانيها، ثم ضرب أمثلة عليها مما يشاهده ويدركه عامة الناس، ثم يعمم هذا المفهوم المستخلص من المثال على بقية الحالات. وقد رأينا كيف استعمل الشيخ هذا المنهج نفسه عندما كان يبين معاني التوحيد والصفات.
هذا عن التعريف فماذا يحب في الإيمان بالقضاء والقدر؟
3 - الإيمان بالقضاء والقدر
سبق الحديث من ذي قبل على أن هناك نصوصا شرعية كثيرة تؤكد أن الإيمان بالقضاء والقدر يعد أصلا من أصول العقيدة. يرى الشيخ معمر أن إيمان المسلم لن يكتمل حتى يؤمن بأن القدر خيره وشره من الله تعالى، ويستدل بعدة آيات قرآنية منها قول الله تعالى: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات/96]، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ
(1) - المصدر السابق: ص 106 - 107.
(2) - المصدر السابق: ص 107.
(3) - الإباضية بين الفرق ص 408. الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 60.
-288 - (1/306)
صفحة 307
والأمر [الأعراف /54]، {هَلْ مِنْ خَالِقِ غَيْرُ اللهِ} [فاطر/3]، {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شيء [الزمر /62]، وأحاديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم منها: حديثه مع عبادة من الصامت؛ الذي أوردناه سابقا: إنك تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى ... » (1)، والحديث الذي سئل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره»، والحديث الذي رواه الربيع بن حبيب في جامعه عن جابر بن زيد (3) قال: بلغني عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس (4) (5).
ولعل كلام الشيخ وأدلته ليس فيها الجديد أكثر مما هو تعبير عن رأي الإباضية في الموضوع، حيث يرى الشيخ اطفيش مثلا أن الإيمان بالقضاء والقدر من الأصول التي لا يجوز مخالفتها أو التساهل فيها، لأنه مما سيؤدي إلى وصف الله تعالى بما لا يجوز في حقه، كما سيؤدي إلى الفهم والاعتقاد الفاسد في توحيده)، والشيء نفسه توصل إليه الأستاذ الجعبيري بعد عرضه الجملة من آراء علماء الإباضية في المسألة، حيث رأى أن الأساس المجمع عليه هو وجوب الإيمان بالقضاء والقدر وأنه من الله تعالى (7).
اهتم الشيخ معمر بعد ذلك ببيان كيفية تعلق إرادة الله تعالى بأعمال الإنسان، ثم كون الإنسان مسؤولا ومحاسبا على أعماله وكل ما يصدر منه في ذات
(1) - أحمد: باقي مسند الأنصار: رقم: 22197.
(2) - أحمد: مسند العشرة المبشرين بالجنة رقم: 192.
(3) - جابر بن زيد الأزدي العماني: (18 - 93 هـ) الإمام الأول للمذهب الإباضي ومؤسسه، عاش في البصرة متعلما ثم متفرغا للتدريس والفتوى، أخذ علومه على عدد كبير من الصحابة منهم
عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس. (معجم أعلام الإباضية، مج 3، ص 215 - 219).
(4) - الربيع: باب في القدر والحذر والتطير رقم 71.
(5) - سمر أسرة، ص 111 - 112.
(6) - ونتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 352 - 353. (7) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 423.
- 289 -
20 (1/307)
صفحة 308
الوقت، وهو ما يعرف عند علماء الكلام بعلاقة الإرادة الإلهية بأفعال الإنسان،
وهي جزء من الإيمان بالقضاء والقدر. فماذا كان له من أقوال في هذا؟
ثانيا فعل الإنسان والإرادة الإلهية
-1 علاقة الفعل الإنساني بالإرادة الإلهية
من
العادة أن يطرح علماء الكلام في حديثهم عن علاقة إرادة الله تعالى بإرادة الإنسان قضية مسؤولية الإنسان على أفعاله وفي ذات الوقت كون الله تعالى مريدا لها، هذا يقال على أعمال الخير كما يقال على أعمال الشر والتساؤل الذي يطرح
هو
كمايلي:
هل علم الله تعالى الأزلي بأفعال الإنسان يقتضي أنه أرادها؟ وهل هذه الإرادة الإلهية تقتضي سلب إرادة الإنسان أفعاله؟ من وكنتيجة للتساؤلين تثار وتناقش مسألتان:
-1 - مسؤولية الإنسان على أفعاله وعلاقة ذلك بالثواب والعقاب.
-2 نسبة أفعال المعصية إلى الإرادة الإلهية أم إلى إرادة الإنسان.
حيث ظهرت في الساحة العلمية الإسلامية عدة رؤى لهذه الإشكالات الكلامية، وقد حاولت كل مدرسة بلورة موقف يتناسب مع سياق منظومتها الكلامية في المسائل الأخرى من علم الكلام).
وفي خضم كل ما سجله لنا التاريخ من مناقشات وجدال مرير وحاد حول هذه المسائل المتعلقة بأصل القضاء والقدر، رأينا الشيخ علي معمر يتعرض للموضوع
(1) - لمعرفة التفاصيل عن آراء الفرق حول هذه الإشكاليات تراجع الكتب التالية:. أحمد صبحي: في علم الكلام. حسين- مروه النزعات المادية للفلسفة العربية الإسلامية. الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية - البوطي كبرى اليقينيات الكونية ..
- 290 - (1/308)
صفحة 309
ببساطة غريبة، ويبتعد كليا عن الطرح الفلسفي لها، فقد عمل على تبسيط مسائلها بضرب أمثلة من مظاهر الحياة العامة التي يحياها ويفهمها كل إنسان مهما كان مستواه العلمي. وهذا ملخص عنها:
إن كل إنسان في هذه الحياة يأمل أن يكسب مالا وفيرا أو علما غزيرا أو محبة الناس وما إلى ذلك مما يسعى الناس لاكتسابه، ثم إن الناس في مساعيهم هذه يتفاوتون في تحقيق طموحهم، فمنهم من ينجح بنسبة عالية، ومنهم من يوفق في
البعض دون البعض، ومنهم من يخفق كلية.
ثم يتساؤل الشيخ عن سبب هذا التفاوت؟
فيرجع بعض أسبابه إلى قدرات واستعداد كل فرد في طريق إنجازه المبتغاه، لكن يتساءل مرة أخرى عن ذلك الصنف من الناس الذين تتوفر لهم كل الأسباب ويستعدون كل الاستعداد ثم يجتهدون كل الاجتهاد في نيل هدفهم، وفي آخر المطاف تظهر لهم عوائق لم تكن في حسبانهم فتبطل كل المجهودات المبذولة، ويقع الإخفاق في كل الطموح والآمال، فهم لم يقصروا في الاستعداد ولا في المعرفة ولا في الجد.
ويخلص الشيخ بعد هذا العرض إلى أن هناك أسبابا أخرى خارجية عن قدرات الإنسان هي التي أرادت لمشروعه أن يفشل ولأحلامه ألا تتحقق، هذا ما يتمثل في إرادة الله تعالى.
وفي الأخير يقرر الشيخ أن إرادة العبد معلقة بإرادة الله تعالى، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعمل عملا لا يريده الله كما ليس باستطاعته أن يمتنع عن عمل قدره وهذا ما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه: « ... تعلم أن ما أصابك لم يكن
الله (1)
ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ... » (2).
(1) - سمر أسرة: ص 104 - 105.
(2) - أحمد: باقي مسند الأنصار: رقم: 22197 ..
- 291 - (1/309)
صفحة 310
عبر
الشيخ عن
هذا الحديث بقوله: «فلو أن من في السموات والأرض اجتمعوا على شيء لا يريده الله فإن ذلك الشيء لن يكون ولو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على منع شيء أراده الله لما كان لاجتماعهم أثر» (1).
ثم يقرر أن معرفة كل ذلك واعتقاده في إرادة الله تعالى، وعلاقتها بعمل الإنسان من صميم أصول العقيدة، أصول العقيدة، ويرى أن هذا المفهوم هو معنى القضاء والقدر الذي ينبغي أن يتفهمه ويعتقده كل فرد مسلم.
كأن المعنى الظاهر من كلام الشيخ هو القول بالجبر دون الميل إلى الاختيار؛ حيث يقر أن هناك إرادة خارجية هي التي تتحكم في أعمال الإنسان قتوجهها وجهة معينة دون الوجهة الأخرى، وأنها تنقض العزائم والنتائج التي كان يُتوقع الوصول إليها رغم تهيئة كل الظروف اللازمة والمناسبة لها.
هذا مايفهم حقيقة من كلام الشيخ؛ لكن حسب رأينا إن الشيخ كان يهدف إلى تبليغ فكرة إلى الشباب الناشئ؛ مفادها أن يعتقد الإنسان أن إرادة الله تعالى محيطة ومراقبة لكل تصرفات الناس في هذه الدنيا، لذا لا ينبغي للمرء أن يركن إلى القنوط من رحمة الله تعالى بما يمكن أن يكون قد وقع فيه من أعمال الفساد والشر، كما لا ينبغي أن يقنع أو يتفاخر بما قدم من أفعال الخير والصلاح، لأن كل ذلك هو من توفيق الله تعالى وإرادته.
وبذلك يريد الشيخ أن يجعل من الإنسان المسلم إنسانا متزن الشخصية؛ آملا في الزيادة من أعمال الخير وفي الفوز بالنعيم، وغير آيس من أعمال الشر ومن الإخفاق ونيل العقاب.
و مما يؤخذ على الشيخ في هذه المسألة أنه أعطى مثالا لما تعلق بالجبر؛ فبين أن إرادة الله تعالى متحكمة ومحيطة بإرادة الإنسان؛ ومن هنا يفهم أن كلامه دال
(1) - سمر أسرة: ص 105.
- 292 - (1/310)
صفحة 311
على الجبر، و لم يواصل شرح فكرته بإعطاء مثال آخر توضيحي يرجع المسألة إلى اتزانها ووسطيتها ونصابها بأن يبين فيه من جهة أخرى قدرة الإنسان على السعي والجد والكسب والنجاح داخل إرادة الله تعالى، ودون أن تكون هذه الإرادة عائقا له على أعماله وسعيه.
هكذا يقدم لنا الشيخ طرحا مبسطا ومعاصرا المسألة القضاء والقدر، وما هـ المعنى المطلوب اعتقاده دون أن يذهب بعيدا مع ما خاض فيه علماء الكلام والفلسفة، خاصة عندما يوجه الخطاب للعامة والناشئة، الذين لا تعنيهم تلك المناقشات والمباحث التفصيلية في الموضوع من جهة، ومن جهة أخرى عدم مقدرة مداركهم ومستوياتهم من تفهمها واستيعابها.
كما أن اكتفاء الشيخ بهذا القدر من تحليل المسألة وبهذه الصورة في حقيقة الأمر يمكن أن يفهم على أنه نوع من المعاتبة والرفض للمنهج الذي سلكه علماء الكلام والفلسفة في تحليلهم للموضوع، وإيلاج العقل حيث يعجز عن التحليل والفهم، وتكليفه ما ليس بوسعه.
هذا عن إرادة الله تعالى وعلاقتها بأفعال العباد، فماذا عن حكم هذه الأفعال التي يجازى عليها ثوابا أو عقابا - أمام هذه الإرادة المطلقة؟
2 - حكم أفعال الإنسان:
أثارت هذه القضية جدلا فلسفيا كبيرا بين علماء الكلام، وعرفت فيها مواقف متباينة بين المدارس الإسلامية، ولعل أشهرها موقفان:
-1 القائلون أن الله تعالى هوا الخالق لفعل الإنسان، وذلك لاستحالة حدوث شيء في الكون خارج عن إرادة الله تعالى أو مخلوق من غير الله تعالى، وليتوافق مع العدل الإلهي الذي هو صفة كمال إلهية؛ ظهر مفهوم الكسب الذي يعني
هذا
- 293 - (1/311)
صفحة 312
أن الله خالق للفعل والعبد مكتسب له، وقد قالت بهذا الرأي المدرسة الأشعرية (1) والمدرسة الإباضية (2).
خلق
2 القائلون بأن أفعال العباد خلق لهم، وذلك بسيرهم في خط إعمال العقل إلى أبعد الحدود، فحتى يترتب الثواب والعقاب يلزم أن يكون الإنسان مسؤولا عن أعماله، وليكون كذلك لابد أن يكون خالقا لها، وليكون الله عادلا يلزم أن يكون الإنسان مسؤولا عن أعماله وهذا يعني أنه خالق لها، كما أن الله تعالى عن الشرور والآثام التي يرتكبها بنو البشر (3)، وهذا ما ذهبت إليه المدرسة الإعتزالية. أما الشيخ معمر فنجده يحدد موقفه باختصار ووضوح قائلا: «الإنسان حر في اختياره مكتسب (4) لعمله ليس مجبرا عليه ولا خالقا لفعله» (5)، كما نجد الشيخ
يتعرض للمسألة في موضع آخر فيطرحها على شكل تساؤل يصيغه كالآتي:
(1) - البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ص 161 - 163. أحمد صبحي: في علم الكلام، ج 2،
ص 77 - 80.
(2) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 448 - 452. - أبو خزر يغلا بن زلتاف (380 هـ/ 990): كتاب الرد على جميع المخالفين، ص 47 - 53، حيث خصص المؤلف بابا للرد على المعتزلة في مسألة خلق الأفعال .. (3) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 53. وفي هذا يقول القاضي: «اتفق أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة عن جهتهم، وأن الله عز وجل أقدرهم على ذلك، ولا فاعل ولا محدث سواهم، وأن من قال بأن الله سبحانه خالقها أو محدثها فقد عظم خطوه» (أحمد صبحي في علم الكلام، ج 1، ص 149). (4) - في حقيقة الأمر أن سلف الإباضية لم يعرفوا مصطلح الكسب ولم يستعملوه ولم يطرحوا المسألة طرحها الفلسفي الكلامي؛ كما عرف فيما بعد مع ظهور المدارس الكلامية، لكنهم آمنوا بالأصل العقدي وآثروا التسليم فيه، فآمنوا أن الله تعالى له إرادة مطلقة على كل الخلائق، كما أنه عليم قادر على فعل كل شيء، وأنه عادل في حكمه، يتعالى على ظلم الخلائق، وفي ذات الوقت ومن جهة أخرى هم معتقدون بأن الإنسان له الحرية والاختيار الكاملين والمقدرة على فعل الخير، كما له نفس الإمكانيات على فعل الشر. وهذا ما كان عليه عامة المسلمين في عهد رسول الله وصحابته الكرام. (الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 448).
(5) - الإباضية دراسة مركزة: ص 58.
- 294 - (1/312)
صفحة 313
هل أعمال الإنسان مقدرة قبل أن يخلق؟
فأجاب عن التساؤل: بأن جميع ما يقع في الكون قضي به قبل عملية الخلق ثم قدر به في أوقاته ومناسباته حسب علم الله وإرادته وأجرى في أزمنته بظروفه» (1). إن موقف الشيخ الذي يفهم في الوهلة الأولى من إجابته عن هذا التساؤل هو القول بالجبر في فعل الإنسان، حيث أن إرادة الله تعالى هي المتحكمة فيه بصفة كلية، لكن الشيخ لم يقف في هذا الحد بل ذهب إلى تبيين كيف يكون للإنسان قدرة على العمل داخل إرادة الله تعالى ليلزم على عمله الثواب والعقاب.
فيري أن الله خلق الإنسان وأودع فيه قوى ليعمل ويفهم ويفكر ويكسب ويختار، ثم بعث رسله وبين من خلالهم سبل الرشاد والفلاح، وسبل الضلالة والغواية، فطالبه بالعمل الصالح وهو ميسر لما خلق له، فإن قدر له أن ينجح نجح وإن قدر له أن يخفق أخفق.
إن هذا التحليل من الشيخ الحكم فعل الإنسان في حقيقة الأمر لم يحل من المشكل الفلسفي المطروح شيئا، لكن هدف الشيخ كما اعتدناه هو أن يقدم العقيدة للناشئة في قالبها المعاصر وأن يضع بين يديهم تصورا واضحا جليا يتسنى لهم أن يدركوه ويقتنعوا به دون إثارة للمسألة من الناحية الفكرية الفلسفية كما اعتاد أن
يعالجها علماء الكلام والفلسفة.
3 - تيسير فعل الإنسان:
وجدنا للشيخ اهتماما خاصا بمعنى التيسير؛ الذي هو مظهر من مظاهر القضاء والقدر وتفسير عملي له؛ أي تيسير الله تعالى لفعل الإنسان، وهو كذلك لا يطرح المسألة من زاويتها الفلسفية المحضة لغرض الاقتناع الفكري فقط، بقدر ما يطرحها
(1) - سمر أسرة ص 107.
(2) - المصدر السابق: ص 108.
- 295 - (1/313)
صفحة 314
من زاويتها العقدية الإيمانية، وغرض ذلك دائما تقديم تصورات عقلية مقربة للمفهوم الذي ينبغي للمسلم اعتقاده
ولتوضيح ذلك يضرب لنا مثالا بعملية اكتشاف الذرة، فيقول أن علماء
كثيرين بذلوا جهودا جبارة في معرفة واكتشاف هذا العالم الدقيق والمعقد، لكن واحدا منهم فقط أو مجموعة صغيرة تمكنت بالسبق في الوصول إلى نتائج جديدة في بحثها، وربما يكون هذا الواحد قد بذل جهدا أقل مما بذله الآخرون، كما أن قدراته أضعف من قدرات الآخرين، لكن الله تعالى قدر أن يكون الاكتشاف على يد هذا الشخص دون غيره، فيسر الله له ذلك دون الآخرين، وهذا معنى التيسير، ثم يستشهد الشيخ على رأيه بحديث رسول الله: «إعملوا فكل ميسر لما خلق له» وهكذا فإن كل شخص سيصدر منه العمل الذي كان ميسرا له).
دائما بالنظر إلى أفعال العباد وعلاقتها بإرادة الله تعالى يطرح الشيخ معمر تساؤلا آخر يبين فيه فضل الناس على ما قدموه من أعمال مع كون الله تعالى هو الخالق لها وميسرهم إليها هو كما يلي:
بما أن جميع ما يقع في الكون قد قضي به قبل خلق الإنسان فما فضله في ما يقوم به من أعمال، ثم لماذا تسند له هذه الأعمال ويعترف بفضله؟
يجيب الشيخ عن التساؤل بأسلوب تربوي جميل، فيقول إن المؤمن لا ينبغي أن ينكر فضل الناس وما قدموه من خيروما تركوه من منافع ومن أعمال جليلة وعظيمة، ويضرب مثالا على ذلك بالرسل الذين اختارهم الله على بقية خلقه واصطفاهم، وهو فضل حصل لهم من اختيار الله كي ينفذوا إرادته تعالى في تبليغ رسالته إلى الخلق هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن فضلهم لا يمكن أن ينكر فيما بذلوه من مجهودات في القيام بتلك الأعمال وصبرهم على متاعب الدعوة ومشاقها وتحملهم للمسؤوليات الثقيلة (2).
(1) - سمر أسرة ص 109 - 110. (2) - المصدر السابق: ص 108 - 110.
- 296 - (1/314)
صفحة 315
وفي هذا السياق يتعرض الشيخ لتوضيح العلاقة بين شكر الله تعالى وشكر
الناس على ما قدموه من خير، فيرى أن شكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة من واجب المؤمن، ولكن شكرنا هذا لا يتعارض ولا يمنعنا من شكر فضل من أحسن إلينا، بل لا يلزم لنا أن نتغاضى أو أن ننسى فضل من كان سببا لأعمال الخير والإصلاح والبناء.
ويزيد توضيحا لهذه العلاقة بمثال كعادته فيقول أنه لو أهدي إلى أحد كتاب وأرسل إليه مع خادم أو طفل مثلا، فإن صاحب الهدية يرى من الواجب عليه أن يشكر من أوصلها إليه حينما يتسلمها، وهو يعلم يقينا أن الهدية لم تكن من عنده، وأن الموصل هو وساطة فقط ولو لم تأته من طريقه فإنه ستأتيه من طريق آخر، حتى ولو علم أنه لن يؤجر على هذا الإيصال ولم يتكفل بذلك من أجله. وهكذا فإنه عندما نشكر أحدا من الناس على خير قام به فإنما نشكره على قيامه بدور الخادم أو الوسيط، وأي شرف يضيف الشيخ وأي كرامة أكبر من أن يختار الإنسان ليقوم بدور الخادم الله تعالى الموصل لرسالته ونعمته إلى الخلق (1).
كما يرى الشيخ أن موقف الإباضية كان وسطا في مسألة الفضاء والقدر؛ فهو لم يتطرف فيذهب به القول إلى مذهب الجبرية التي تقول إن الإنسان مجبر على وهو كالميت بين يدي الغاسل ولم يتطرف من الجهة الأخرى فترى رأي المعتزلة التي تقول بأن الإنسان خالق لأفعاله (2).
أعماله
فلسفيا
هكذا كان موقف الشيخ علي معمر من ن مسألة القضاء والقدر، وهذه هي المسائل التي تطرق إليها في هذا المبحث المتشعب، الذي أخذ في كثير من الأحيان منحى كلاميا محضا غابت فيه الروح الإيمانية التي تبعث على الاطمئنان والرضى في قلب المسلم، وتحثه على التطبيق العملي لدين الله تعالى والمعايشة اليومية لتعاليمه.
(1) - سمر أسرة: ص 111.
(2) - الإباضية بين الفرق: ص 412.
- 297 - (1/315)
صفحة 316
وقد رأينا كيف حاول الشيخ في مناقشاته لهذه المسائل الابتعاد عن الطرح الفلسفي، واقتصر في الشرح والتحليل على القدر الذي يوصل المعنى والفهم بأسلوب ميسر وكذا بضرب الأمثلة المعاينة لدى كافة الناس، حيث كان ذلك عمدته في تبسيط ما رآه غامضا أو صعب المنال.
كما رأيناه في الأخير كيف اهتم بأن يجعل المسلم في ظروف اعتقادية عملية مناسبة للاجتهاد والسعي وراء الخير، والكف عن الشر واجتنابه، حيث وضح العلاقة الكائنة بين إرادة الله تعالى المطلقة وعلمه المسبق بكل حركات وسكنات الإنسان؛ وفي ذات الوقت مقدرته على التحرك بكل حرية وإرادة وتيسير الله تعالى له لاكتساب أفعاله.
ooo
- 298 - (1/316)
صفحة 317
المبحث الثالث
الولاية والبراعة
تمهيد:
الولاية والبراءة أصل من الأصول العقدية العملية عند المدرسة الإباضية، وهو يختص بتحديد علاقات الأفراد في المجتمع الإسلامي بعضهم مع بعض، وبعلاقات المجتمع الإسلامي مع غيره من المجتمعات الأخرى التي لاتدين بالإسلام؛ سواء كانت من أهل الكتاب أم من المشركين، وذلك مراعاة لالتزاماتها بالأحكام الشرعية في أعمالها.
ولقد عنى علماء الإباضية منذ القديم بهذا الأصل وشوهدت له تطبيقات في الحياة العملية لمجتمعاتهم. ولعل أول ما تسجله لنا مصادر التاريخ من استعمالهم لهذا الأصل هو ما حدث في عهد الإمام الثاني للمذهب الإباضي أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1) حيث أعلن براءته من أحد أتباعه المسمى حمزة الكوفي بسبب قوله بالقدر اتباعا لمذهب واصل بن عطاء المعتزلي، وبعد جدال حاد ومناقشة بين الشيخ وصاحبه لم تُجدِ لإرجاعه إلى الرأي الذي ارتضته الجماعة أعلن الإمام البراءة منه (؟).
(1) - أبو عبيدة مسلمة بن أبي كريمة (ت حوالي 145 هـ)، ينتسب إلى قبيلة بني تميم بالولاء، الإمام الثاني للإباضية بعد وفاة شيخه جابر بن زيد، عاش في البصرة، وأخذ العلم عن جابر بن زيد وجعفر السماك وصحار العبدي اهتم بتكوين الطلبة الدعاة وبعثهم إلى أوطانهم ليشر الدعوة الإباضية. (أبو العباس أحمد الدرحيني: طبقات المشايخ بالمغرب تح: إبراهيم طلاي، ج 2، مطبعة البعث قسنطينة الجزائر 1974 م، ص 238). (2) - واصل بن عطاء: 13180 هـ/ 700 - 748 م)، من تلاميذ الحسن البصري اعتزل عنه لخلافه معه حول مرتكب الكبيرة، مكونا بذلك البذرة الأولى لفرقة المعتزلة. الزركلي: الأعلام، ج 9، ص 121). (3) - الدرحيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ج 2، 244 الجعبيري البعد الحضاري، ج 1، ص 418.
-299 - (1/317)
صفحة 318
بعد ذلك توالت تطبيقات هذا الأصل عند الإباضية، ولعل ما يلفت الانتباه كذلك هو كون الموضوع متداولا في كتب العقيدة عند الإباضية منذ القديم، فتكلم عنه صاحب عقيدة التوحيد أبو حفص عمرو بن جميع وكذا الشيخ أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه الدليل والبرهان و الشيخ أبو عمار عبد الكافي في كتابه الموجز، الشيخ أبو زكرياء الجناوني في كتابه الوضع والشيخ الجيطالي في كتابه
(1)
قواعد الإسلام والشيخ عبد العزير الثميني في كتابه معالم الدين والشيخ اطفيش في كتابه الذهب الخالص والشيخ السالمي في كتابه مشارق أنوار العقول.
وكان كل عالم يسط الحديث عن الموضوع في بيان مفهوم الولاية والبراءة وأدلة وجوبهما وشروطهما وكيفية ممارستهما وغيرها من النقاط.
سنحاول الآن أن نقف على تعريف الشيخ معمر للأصل ومعرفة آرائه حوله:
أولا: تعريف الولاية والبراءة وأدلة وجوبها
1 - تعريف الولاية والبراءة:
أ - تعريف الولاية
لغة القرابة، ويقال: القوم عليه ولاية أي يد واحدة يجتمعون في الخير والشر، والفعل: ولى، يلي، وليا، أي دنى منه وقرب، وولّى فلانا: نصره وأحبه، وولى البلد: تسلط عليه فهو وال.
(1) - ضياء الدين عبد العزيز بن إبراهيم الثميني: (1718 - 1808 م) من مواليد بني يزقن بوادي ميزاب تعلم بها على شيخه أبي زكرياء الأفضلي، اعتزل الناس مدة ثمانية عشر عاما تفرغ فيها للتأليف، بعد ذلك اسندت له رئاسة مجلس عمي سعيد. له عدة مؤلفات منها: النيل، معالم الدين، شرح نونية أبي نصر. (مقدمة الشيخ عبد الرحمن بكلي لكتاب النيل، ط 2، ج 1، المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1389 هـ - 1969 م، ص 12 - 17).
(2) - المعجم الوسيط: ج 2، ص 10581057
- 300 - (1/318)
صفحة 319
شرعا: هي محبة في ا محبة في الله للمسلمين الموفين بدين الله تعالى)، وهي من حقوق
(2)
المسلم الذي عرفت فيه صفات التقوى والالتزام بحدوده تعالى. وهي عند الشيخ اطفيش «الترحم والاستغفار للموفين لإسلامهم وطاعتهم والثناء عليهم مع الحب في القلب» (3).
كما أن هذه الولاية التي تعني المحبة في الله يجب أن تتوجه إلى جميع أولياء الله تعالى في جميع الأزمنة والأمكنة على الإجمال، وأن تتوجه بالتعيين لمن ثبتت ولايتهم بالاسم أو بالصفة في المصادر الشرعية ممن مضى، وأن تتوجه بالتعيين كذلك إلى الحاضرين ممن نعرفهم في هذا الزمان (4).
ب - تعريف البراءة:
لغة: الإعذار والإنذار، ومنها قول الله تعالى: بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة/1]، والفعل بَرِئَ بَرْءًا بُرْءًا: شفي وتخلص مما به، ويقال: بَرِئ من فلان براءة تباعد وتخلى عنه، وبرئ من الدين والعيب والتهمة خلص وخلا فهو بارئ، وجمعه براء)، ويعرفها الشيخ لغة كذلك بأنها المنابذة والخلوص
والابتعاد (6).
(5)
شرعا: يعرفها بأنها بغض لأعداء الله جميعا وعدم الركون إليهم، ويعرفها في موضع آخر بأنها البغض والجفاء في الله بسبب ارتكاب المعصية)
(1) - الإباضية في موكب التاريخ حل 1، ص 108. سمر أسرة: ص 191. (2) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 108.
(3) - احمد اطفيش: الذهب الخالص، ص 32.
(4) - الإباضية بين الفرق ص 409 - 410
(5) - المعجم الوسيط: ج 1، ص 46. (6) - سمر أسرة ص 191.
(7) - المصدر السابق: ص 191.
(8) - الإباضية بين الفرق ص 58 - الإباضية في موكب التاريخ حل 1، ص 108
- 301
- (1/319)
صفحة 320
كما يرى الشيخ أنه من الواجب على كل مؤمن أن يعلن براءته وبغضه
للعصاة والمجرمين حتى يتوبوا إلى الله تعالى)، كما يجب عليه أن يبرأ من الكافرين والعصاة في جميع الأزمنة والأمكنة على الإجمال، وأن يقصد ببراءته من عرف بالاسم أو بالصفة في المصادر الشرعية ممن سبق وأن يقصد ببراءته كذلك الحاضرين في زمانه ممن يعرفهم. وبين حالتي الولاية والبراءة توجد حالة ثالثة الوقوف؛ فما المقصود منها؟
2 - تعريف الوقوف:
هي
لغة: الفعل وقف، وقوفا، قام من جلوس، وقف: سكن بعد مشي، وقف على الشيء: عاينه، وقف في المسألة: ارتاب فيها، وقف فلان الأمر على حضور فلان: علق الحكم فيه بحضوره (؟).
هي
بين حالة الولاية والبراءة حالة ثالثة الوقوف، التي تعني عدم ولاية الشخص وعدم البراءة منه، وذلك بسبب جهل أحواله، ويعرفه الشيخ بقوله: «الوقوف أن لا يقدم الإنسان على شيء يجهل حكمه وأن لا يبادر إلى حب أو بغض من لا يعرفه» (4)، كما أن الوقوف هي درجة يقف عليها الناس قبل الحكم عليهم بإحدى الحالتين، ثم يكون الانتقال منها سواء إلى الولاية أم إلى البراءة (5).
كما يرى الشيخ أن من عرفهم المسلم في زمانه ولم يعرف أحوالهم من الطاعة أو المعصية فإنه يجب عليه أن يقف في حقهم فلا يتولاهم ولا يبرأ منهم حتى يعرف أحوالهم بيقين (6).
(1) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، ص 108.
(2) - الإباضية بين الفرق: ص 410. (3) - المعجم الوسيط: ج 2، ص 1051. (4) - سمر أسرة ص 191.
(5) - المصدر السابق ص 81 - 82 (6) - الإباضية بين الفرق: ص 410.
– 302 - (1/320)
صفحة 321
وقد حاول الشيخ معمر قبل إيراد الأدلة الشرعية التي اعتمدها في الاستدلال على وجوب الولاية والبراءة أن يلقى لها أساسا عقليا ونفسانيا يرتاح إليه ويتقبله الفكر النير والإحساس السليم وهو كما يلي: إن الإنسان المؤمن حينما يتعرف على شخص ما فيرى حرصه على طاعة الله والوقوف عند حدود دينه ويحاسب نفسه على أعماله فإنه سينزله في نفسه منزلة الحب والاحترام تلقائيا، وبالعكس من ذلك فإنه عندما يتعرف على شخص لا يؤمن بالله تعالى أو يزعم أنه مؤمن لكنه عاص ومتهاون في أمر الله فلا يقف في أمور الدين ولا يحرص على أداء واجباته الشرعية ولا يتورع في ارتكاب الآثام والكبائر المختلفة، فإن المنزلة التي ينزله بها في نفسه هي منزلة الاحتقار والكره ويحصل ذلك تلقائيا كذلك). وبذلك فإن الإنسان المؤمن يقر عقليا وينسجم نفسانيا مع مبدأ الولاية والبراءة ويتقبله.
ويقسم الشيخ معمر على هذا الأساس الناس منذ خلق آدم ال إلى قسمين كبيرين:
1 - قسم آمنوا بالله واتقوا واتبعوا دينه؛ من أي ديانة كانوا - طبعا قبل محيء الإسلام فكان جزاء ذلك رضوان الله عليهم واثابتهم على إحسانهم، وهؤلاء هم أولياء الله تعالى وأحباؤه، لذا يلزم ويجب علينا أن نتولاهم ونحبهم في الله منذ خلق آدم الله إلى قيام الساعة (2).
2 القسم الثاني وهو يشتمل على نوعين من الناس:
النوع الأول: هم المعرضون عن دين الله تعالى الذين لم يؤمنوا به إطلاقا
أو أشركوا.
(1) - سمر أسرة: ص 77.
(2) - المصدر السابق: ص 78.
- 303 -
- (1/321)
صفحة 322
النوع الثاني: هم الذين أقروا بكلمة التوحيد، لكن خالفوا ما أقروا به فغلبتهم شهواتهم فانتهكوا حرمات الله تعالى وضيعوا واجباتهم حتى ماتوا على هذه الحالة و لم يتوبوا إلى الله ولم يقلعوا عما ارتكبوه من كبائر.
فهذان النوعان هما أعداء الله تعالى الذين يجب علينا البراءة منهم وبغضهم منذ
خلق آدم ال إلى قيام الساعة (1). العلة
-3 - الاستدلال على وجوب الولاية والبراءة:
لم يفصل الشيخ معمر الحديث عن الأدلة الموجبة للولاية والبراءة، واكتفى بإيراد بعضها (2) دون التعرض إلى وجه الدلالة فيها، ومن ذلك ما يلي:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} [النساء/144]، {بَرَاءَةً مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة/1]، ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة /22]، {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء/36]، والقول المأثور عن عمر بن الخطاب: من رأينا فيه خيرا وسمعنا عنه خيرا قلنا فيه خيرا وتوليناه ومن رأينا منه شرا وسمعنا عنه شرا قلنا فيه شرا وتبرأنا منه» (3). بينما اهتم علماء الإباضية بإيراد الأدلة لإثبات مبدإ الولاية والبراءة، وهذه
أمثلة عليها:
يستدل الشيخ الجيطالي بقول الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد/19]، حيث يرى أن معنى الاستغفار في الآية هو طلـ
(1) - سمر أسرة: ص 79.
(2) - الإباضية في موكب التاريخ حل 1، ص 87. -سمر أسرة: ص 79.
(3) - امحمد اطفيش: الذهب الخالص، ص 45.
-
-304 - (1/322)
صفحة 323
الغفران. ويستدل كذلك بقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض [التوبة/71]، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة/2]، ويرى أن الأمة مجمعة على ولاية بعضها بعضا ولا خلاف في ذلك). ومن السنة يستدل بقول: «أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله».
النبيء
أما الشيخ السالمي فيستدل بقوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ, إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَعَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ اَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة/4]، مع قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ, إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الممتحنة/6]، ووجه استدلاله بالآيتين أن الله تعالى دعا للتأسي بإبراهيم الكلية وبالذين ءامنوا معه في براءتهم من قومهم بسبب كفرهم بالله تعالى، لذا فبالأحرى على المؤمنين اتباع نبي الله في عمله هذا.
هذا عن الاستدلال على وجوب الولاية والبراءة فماذا عن أقسامهما؟
ثانيا: أقسام الولاية والبراءة
وردت عند علماء الإباضية في مصنفاتهم العقدية تقسيمات عديدة للولاية والبراءة، نقف مع ما أورد الشيخ معمر في الموضوع؛ ويعتبر صورة لمن سبقه:
1 ولاية وبراءة الجملة من
المسلمين.
2 ولاية وبراءة بيضة المسلمين.
-3 ولاية وبراءة الأشخاص.
-
- 305 -
(1) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ص 45 - 46. (2) - أبو داود كتاب السنة: رقم: 4599.
21 (1/323)
صفحة 324
1 - ولاية وبراءة الجملة من المسلمين:
هو أن يضفي المؤمن محبة على كل من آمن بالله واتقاه واتبع دينه وأن يتولاه منذ خلق آدم إلى قيام الساعة بصفة إجمالية، هؤلاء هم أولياء الله تعالى. كما يجب أن يتبرأ ويمقت كل أعداء الله تعالى سواء من المشركين أم من العصاة الذين انتهكوا حرمات الله تعالى وزاغوا عن أمره، منذ خلق آدم اللة إلى قيام الساعة بصفة إجمالية (1).
كما يرى الشيخ أن هذا النوع من الولاية والبراءة يجب على المؤمن وجوبا فوريا واستمراريا منذ سن البلوغ أو دخوله الإسلام إلى وفاته، والشيخ في رأيه هذا ذهب مذهب عالم بلده الشيخ الجيطالي حيث يقول في الصدد: «فالولاية والبراءة بجبان معا على المكلف في حال البلوغ فهما سواء لا عذر لمن جهلهما». والشيخ أبو زكرياء الجناوني يقول: «الولاية والبراءة: فيقع وجوبهما مع أول البلوغ في حال التكليف» (4).
-2 ولاية وبراءة بيضة المسلمين:
يعرف الشيخ علي معمر بيضة المسلمين لغة: أي جماعتهم، ويقال كذلك بيضة البلد ويقصد به أكبر القوم فيهم وأكبر القوم في الدولة هو الإمام أو من يقوم مقامه ومن يساعده على القيام بأعباء الدولة (5). وورد في المعجم: بيضة الشيء: أصله، وبيضة القوم: حوزتهم وحماهم، وبيضة الدار وسطها وفلان بيضة البلد: إذا عرف بالسيادة (6).
(1) - الإباضية بين الفرق ص 410 - 409 - سمر أسرة: ص 78 - 79.
(2) - سمر أسرة ص 81.
(3) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ص 46.
(4) - الجناوني: كتاب الوضع، ص 32. (5) - سمر أسرة ص 95.
(6) - المعجم الوسيط: ج 1، 79.
-306 - (1/324)
صفحة 325
واصطلاحا فتطلق الكلمة عند الحديث عن الولاية والبراءة على إمام
الدولة أو خليفتها أو رئيسها وعلى من يساعده في القيام بشؤون المسلمين وتسيير مهام وأعباء دولتهم (1).
أما ولاية البيضة: فيقصد بها وجوب تولي السلطان أو الإمام ومن تحت رعايته إذا اشتهر بالعدل والوفاء بدين الله تعالى والحرص على تنفيذ أحكامه والوقوف عند حدوده واحترام محارمه في نفسه ورعيته.
(2)
أما براءة البيضة: فيقصد بها وجوب البغض والبراءة من السلطان أو الإمام إذا اشتهر بالجور وعدم الوفاء بدين الله تعالى والوقوف في حدوده وحرماته، وممن يساعده على ظلمه وجوره من عماله وحاشيته. ويقول صاحب عقيدة التوحيد في هذا: «ولاية البيضة فالسلطان العادل، فالواجب علينا ولايته وولاية كاتبه ووزيره و خازنه وجميع من كان تحت لوائه من المسلمين وبراءة السلطان الجائر
وبراءة كاتبه ووزيره وخازنه».
-3 - ولاية وبراءة الأشخاص:
يقسمها الشيخ معمر بدورها إلى قسمين:
أ - ولاية وبراءة المنصوص عليهم.
ب - ولاية وبراءة المعروفين بشخصهم من المعاصرين.
أ - ولاية وبراءة المنصوص عليهم:
يقصد الشيخ بذلك ولاية كل من ذكر في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ممن ثبت وفاؤه لدين الله تعالى كالأنبياء والشهداء والصالحين، وكذا كل من عرف
(1) - سمر أسرة ص 95.
(2) - المصدر السابق ص 96.
(3) - عمرو بن جميع مقدمة التوحيد وشروحها، ص 96 - 101.
-307 - (1/325)
صفحة 326
في التاريخ والسير من أصحاب رسول الله الذين هاجروا معه ورفعوا راية الإسلام وثبت وفاؤهم ووفاتهم على دين الله تعالى، وكذلك البراءة من كل من ثبت إعراضه عن دين الله تعالى والكفر بنعمته سواء بالقرآن الكريم أو بالسنة النبوية أو عن طريق العدول من المسلمين، كفرعون وهامان وقارون وأبي لهب (1).
ب - ولاية وبراءة المعروفين بشخصهم من المعاصرين:
لعل هذا القسم هو ما اختص به الإباضية دون غيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى، وأولوا اهتماما كبيرا بتطبيقهم له في الحياة الاجتماعية. فيرون أنه من الواجب على المؤمن أن يتولى ويحب في الله كل من عرفه في محيطه ومجتمعه وكل من رأى منه الوفاء بدينه، وأن يعاشره بالحسنى ويربط معه معه صداقة الأخوة في الله.
منه
كما يجب عليه كذلك أن يبغض وأن يتبرأ من كل من عرفه ورأى. الإعراض عن دين الله تعالى، وأن يشعره بالكراهية والاحتقار، وأن يبتعد عنه وأن لا يتعامل معه إلا بمقدار الضرورة.
ويلقي الشيخ معمر مسؤولية تطبيق هذه القاعدة على المؤسسات التي ينبغي أن يتوفر عليها المجتمع المسلم، فيرى أنه ليس من العدل أن يساوى بين مؤمن تقي وعاص شقي في المعاملات الاجتماعية وفي الأحكام، بل يجب على المجتمع المسلم أن يعلن الحق وأن يتولى تهذيب أفراده الناشزين والمنحرفين عن شرع الله تعالى وأن يقوم أخلاقهم، وذلك باستعمال الوسائل التي شرعها الإسلام للتربية الجماعية، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالبراءة الشخصية منهم، التي تعني الإعراض عنهم وزجرهم ومعاملتهم بشدة وعداوة وجفاء ماداموا على معاصيهم وانحرافهم عن طريق الله تعالى، حتى يقلعوا ويتوبوا،
(1) - سمر أسرة ص 79 - 80.
(2) - عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، نشر جمعية التراث القرارة - الجزائر، دت، ص 58.
- 308 - (1/326)
صفحة 327
كما أنه ليس من العدل والمنطق في شيء أن نساوي في معاملتهم ومحبتهم مع
من يوفي دين الله تعالى ويلتزم حدوده في أعماله (1).
المعاملة
وفي توضيح هذا المعنى نورد كلام الشيخ حيث يقول: وعندما يعلن حكم البراءة من شخص، فإنه سرعان ما يتبدل وجه الحياة لديه فيفقد ماكان يجده من حسن وإشراقة الحب في الله ويتجافى عنه الأصدقاء ويتجافى عنه الأهل والأقارب ويقطع الناس معاملته إلا بالمقدار الضروري جدا، فيجد نفسه معزولا عن المجتمع، لاحق له في الحياة الكريمة، ولذلك يضطر إلى التوبة والاستغفار والندم علنا في المسجد (2).
وربما يأتي التساؤل هنا عن كيفية الجمع بين البراءة من الشخص المنحرف المرتكب للكبائر والآثام - والتي تعني بغضه والابتعاد عنه ومقاطعته - وبين مبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ الذي يعتبر من الأصول الذي دعت إليه الشريعة الإسلامية، والذي يقتضي التقرب والجلوس إلى العاصي والمنجرف والأخذ بيده ودعوته بالحسنى والصبر على أذاه حتى يتسنى رجوعه بالتدريج إلى جادة الطريق السوي.
ولعل الجمع بين الأصلين هو الذي ينبغي أن يكون؛ فمبدأ الولاية البراءة هو في حد ذاته سبيل من سبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أشار الشيخ معمر إلى ذلك فعندما لا يجدي النصح والإرشاد والدعوة بالتي هي أحسن يصبح من الواجب على المجتمع أن يعامل المنتهك الحرماته بالشدة والقسوة ويستعمل معه أساليب أخرى ليردعه ويرده إلى الحق ولعل هذا ما يدعو إليه حديث رسول الله له المبين لمراحل ودرجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره يده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (3).
(1) - الإباضية في موكب التاريخ: حل 1، 86 - 87 (2) - المصدر السابق: ص 109.
(3) - أحمد: باقي مسند المكثرين رقم: 11068.
-309 - (1/327)
صفحة 328
-4 قيام الحجة على ولاية الأشخاص والبراءة منهم:
إذا كانت ولاية وبراءة الجملة تجب على الفور عند بلوغ سن التكليف أو بعد دخول الإسلام مباشرة، فإن ولاية وبراءة الأشخاص تحب بقيام الحجة، فكيف ذلك في رأي الشيخ علي معمر؟
يرى أن الحجة يمكن أن تقوم على ولاية شخص أو البراءة منه بثلاثة
طرق هي:
- الخبر الصادق.
شهادة العدول.
- المعرفة الشخصية (1).
ويرد هذا في المصادر الإباضية الأخرى بعنوان الجهات التي تتم بها الولاية
والبراءة، ويشرح الشيخ الجيطالي هذه الطرق قائلا: «الخبرة بصاحبها أنه موافق
للمسلمين في القول والعمل ... والشهرة التي لا تدفع ... فمن علمه لا يعلم عنه إلا الخير ... وشهادة العدلين التي تقوم بهما الولاية والبراءة وتنفذ بهما الأحكام. هذا عن الجهات ويضيف علماء الإباضية تحديد شروط وجوب الولاية وهي أربعة: منظور العين مرضي، مسموع الأذن مرضي، مقبول القلب مرضي الحال، موافقة الشريعة (3).
كما يرى الشيخ أنه بالإمكان للمؤمن أن يتعرف على أناس لكن لم يتبين لله حالة دينهم وأعمالهم، فبذلك يجب عليه الوقوف في حقهم فلا يسبغ عليهم محبتله
"
(1) - سمر أسرة ص 81.
(2) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ص 67.
(3) - عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، ص 59.
-310 - (1/328)
صفحة 329
وولايته ولا يلقي عليهم بغضه والبراءة منهم؛ حتى تقوم الحجة لديه بصلاحهم أو
(1)
فسادهم وهذه هي حالة الوقوف.
وبذلك تكون حالة الوقوف بالنسبة للمؤمن هي الدرجة التي يقف عليها الناس ومنها ينتقلون لديه إلى حكم الولاية أو إلى حكم البراءة، وحين يثبت له حالة الولاية مثلا فإنه لا ينقل منها إلا بقيام الحجة على البراءة منه، وبذلك لا ينتقل إلا إلى البراءة، والعكس صحيح كذلك، أي من كان في البراءة فإنه لا ينتقل منها إلا بقيام الحجة على ولايته ولا ينتقل إلا إلى الولاية.
وهذا يعني أن حكم الوقوف يحدث مرة واحدة، وذلك في بداية التعامل مع شخص مجهول، ومن انتقل من حكم الوقوف لا يعود إليه أبدا، فهو إما في الولاية أو في البراءة (2). هذه هي آراء الشيخ علي معمر في أصل الولاية والبراءة، وفي حقيقة الأمر أن الشيخ عرض فيها تصور الإباضية لهذا الأصل العقدي والعملي في ذات الوقت، وعمل وفق منهجه الذي سار عليه على تبسيط ما أتى فيه غامضا من مصطلحات أو تعريفات.
وتمثل الجديد الذي أضافه في إبراز البعد الاجتماعي لولاية وبراءة الأشخاص، التي اعتنى بها الإباضية وجسدوها في أرض الواقع في المجتمعات التي تولوا تسيير شؤونها في فترة من فترات التاريخ، حيث رأيناه يتفاعل مع شرح هذه النقطة، فرأى أن هذا الأصل بإمكانه أن يقوم الاعوجاج داخل المجتمع الإسلامي، كما رأيناه يدعو المؤسسات الاجتماعية ويحملها المسؤولية لتسهم في إصلاح الأفراد بتطبيق هذا المبدإ للعمل على تقويم السلوك.
(1) - سمر أسرة: ص 80 - 81.
(2) - المصدر السابق ص 81 - 82.
- 311 - (1/329)
صفحة 330
[صفحة فارغة] (1/330)
صفحة 331
الخيـ
الفصل السابع
يات (1/331)
صفحة 332
تمهيد:
قضايا الغيب تمثل جزءا هاما من مسائل العقيدة والإيمان بها يعتبر ركنا من أركانها الستة الواردة في حديث جبريل الي مع رسول الله: « ... قال أخبرني عن الإيمان: قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه رسله واليوم الآخر ... » (1). كما أن جزءا هاما من آيات القرآن الكريم أتى يخبر بجوانب من هذا العالم
ويذكر بعض حقائقه خاصة ما تعلق منها بقيام الساعة ويوم الحساب والجنة والنار ومصير الإنسان، مثل قول الله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انشرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخْرَتْ [الانفطار 1 - 5]، {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية /27]، {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهُ نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة / 6 - 11]، فأما الذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبِّكَ
[هود/106 - 107].
واحتوت السنة النبوية بدورها على عدد هام من الأحاديث في نفس المجال نذكر منها قول الرسول: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (2).
(1) - البخاري كتاب الإيمان رقم 50 - :مسلم كتاب الإيمان: رقم: 8.
(2) - أحمد: باقي مسند المكثرين: رقم: 7969.
-314 - (1/332)
صفحة 333
وبالموازاة مع التعرض الواسع لمصدري التشريع لمسائل هذا المبحث، ولكون
مصدر المعرفة فيه هو النقل بصفة كلية فقد بقي دور العقل منحصرا في المقارنة بين النصوص الشرعية وفي فهم مدلولاتها العلمية وفي إرجاع بعض النصوص المتشابهة إلى المحكمة منها، ثم تفسيرها وفقها وفي تصحيح وتضعيف الأحاديث وعلاقة ذلك بدلالتها دلالة قطعية للمعنى أو دلالة ظنية وبحجية أو عدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد (1).
هذا ما دفع علماء الإسلام عبر كل القرون للحرص على تفسير وشرح هذه النصوص الشرعية، وتبسيط مفاهيمها للعامة من المسلمين بالكتابات والمواعظ والدروس الملقاة في المساجد وفي المناسبات المختلفة باتباع أسلوب الترغيب في الثواب والترهيب من العقاب.
وكانت الغاية من ذلك ربط الإنسان المسلم بمصيره وجعله يفكر دائما بما سيؤول إليه، وبما ينتظره بعد فنائه من هذه الدنيا بذلك يكون لهم حافزا على الزيادة من أعمال الخير وزجرا من اقتراف أعمال الشر والعصيان.
وقبل التعرض لآراء الشيخ علي معمر في مسائل هذا الفصل يجدر بنا أن نقف مع تعريف العلماء للغيب، حتى تكون الصورة واضحة للموضوع المدروس.
(1) - المعرفة رأي الإباضية بالتفصيل حول حديث الآحاد ينظر: سعيد بن مبروك القنوبي: السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، ط 2، سلطنة عمان، 1418 هـ.
- 315 - (1/333)
صفحة 334
المبحث الأول الغيب ومراحله
أولا: تعريف الغيب
ما
لغة: الشك وجمعه الباب وغيوب، وهو كل ماغاب عنك، وهو أيضا كل مـ غاب عن العيون وإن كان يحصلا في القلوب، وهو مأخوذ من مادة غاب غيبا وغيابا وغيبة وغيبوبة وغيوبا ومغابا ومغيبا وتغيب أي بطن، وتغيب الرجل: سافر أو بان (1).
وعرفه الشيخ رشيد رضا أيضا بأنه ما غاب علمه على الناس (3).
أما اصطلاحا: فإنه لم نقف على تعريف للشيخ معمر له؛ لذا فسنورد تعريف بعض العلماء:
عرفه الشيخ اطفيش بأنه «ما لايدركه الحس ولا يقتضيه بدلالة العقل»)، ويرى أن عالم الغيب يستحيل معرفته من غير سمع ونقل (5).
(1) - ابن منظور لسان العرب، مج 4، ص 1033.
(2) - محمد بن علي رشيد رضا: 1865 1935 م) أحد أقطاب المدرسة الإصلاحية في مصر، تلميذ الشيخ محمد عبد ورفيقه في الإصلاح، صاحب مجلة المنار من مؤلفاته: الوحي المحمدي. الزركلي: الأعلام، ج 6، ص 126).
(3) - رشيد رضا الوحي المحمدي المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1988 م، ص 208. (4) - امحمد اطفيش هميان الزاد إلى دار الميعاد، ط 1، ج 2، مطابع سجل العرب، نشر وزارة التراث القومي والثقافة عمان 1980 م، ص 209 - 210
(5) - امحمد اطفيش: تيسير التفسير، ج 2، مطبعة عيسى البابي الحلبي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1406 هـ - 1986 م، ص 66.
- 316 - (1/334)
صفحة 335
أما عند الشيخ رشيد رضا فالغيب على قسمين: حقيقي وإضافي، فالغيب الحقيقي: لا يعلمه إلا الله ويمكن أن يظهره الله على بعض من يشاء من رسله، دون
أن يكون للكسب فيه من يد وأما الغيب الإضافي: فيعلمه بعض الخلق دون البعض الآخر بقدر الاستعداد الفطري والعمل الكسبي لكل واحد منهم).
(1)
وهو عند الشيخ البوطي: كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقين»، كما يرى أن المقصود بالغيب في القرآن هو كل ما كان غائبا عن الحواس، وبذلك فهو يُدخل في معنى الغيب الإيمان بوجود الله تعالى والإيمان بالملائكة
والإيمان بعالم الجن.
هذا
عن مفهوم الغيب وطريق البحث فيه ونأتي الآن إلى عرض آراء الشيخ
علي معمر في مسائله:
:ثانيا مراحل عالم الغيب
في حقيقة الأمر إن المتتبع لما كتبه الشيخ معمر في هذا المجال يجده قد تخلى كثيرا عن الخوض في القضايا المعقدة منه، وعرض الأدلة حولها، بل عالجها كعادته بأسلوب بسيط حرص فيه على إيصال الرسالة للناشئة وإقناعهم بما سهل من الأدلة وقرب إلى مداركهم.
وقد أطلق على المراحل التي يشتمل عليها عالم الغيب مصطلح "الحقائق
المترابطة"، وهو يعني بها: الموت والبعث والحساب والثواب والعقاب.
ويرجع سبب تسميتها بهذا المصطلح لكون كل واحدة منها مرتبطة بالأخرى ومترتبة عليها، فالبعث مرتبط بالموت ومترتب عليه والحساب مرتبط بالبعث ومترتب عليه والثواب والعقاب مرتبطان بالحساب ومترتبان عليه (؟).
(1) - رشيد رضا الوحي المحمدي، ص 208. (2) - البوطى كبرى اليقينيات الكونية، ص 301. (3) - سمر أسرة: ص 186.
- 317 - (1/335)
صفحة 336
كما يربط الإيمان بعالم الغيب وحقائقه بالإيمان بالله تعالى ورسوله وما
اشتملت عليه رسالته)، حيث لا طائل من الإيمان بالله تعالى ورسوله دون الإيمان بعالم الغيب، وأن المنكر لإحدى هذه الحقائق الغيبية، يكون إيمانه بالله فاسدا وغير مقبول لأن مسائل العقيدة الإلهية منها والغيبية كلها متكاملة لا يمكن الفصل بينها أو تجزئتها في الإيمان بها.
ثالثا: الإيمان بالموت والاستدلال على ثبوته
لم يهتم الشيخ معمر بتعريف الموت وشرح ماهيته، لكنه ركز على الإيمان بأن الموت حق، واكتفى في الاستدلال على ذلك «بكونها الحقيقة الظاهرة التي نشاهدها كل يوم»، لذا فإنه يرى أن إيمان الناس به شيء مسلم به، ولو لم يدعُ الأنبياء إلى ذلك، حيث أن دين الله تعالى لم يطلب من الناس إلا الإيمان بالحقائق (4).
رابعا الإيمان بالبعث والاستدلال على ثبوته لإثبات البعث اعتمد الشيخ معمر على أدلة عقلية بناها بناء فلسفيا على شكل مقدمات موصلة إلى نتيجة كما يلي:
-
الناس ينتهون إلى الموت طالت أعمارهم أو قصرت، دون أن ينالوا جزاء
ماقدموه من خير أو شر.
(1) - سمر أسرة ص 56.
(2) - يقول الشيخ محمد الغزالي متحدثا عن الموت: «يعلم الناس جميعا أن الموت نهاية حاسمة لكل حي، ومصير لابد أن ترده كل نفس ولكن أكثرهم يأخذ عن الموت فكرة غامضة ويكون له صورة مغلوطة مشوهة ... ربما كان الموت نومة طويلة كما أن النوم العذي نعرفه وفاة قصير ... ولا يجوز أن نعد الموت إلا انتقالا من مكان إلى مكان لا ينقص فيه إدراك المرء لحقائق الوجود شيئا ولا يخفى إحساسه بها، بل قد يتضح ويزيد ولو فهمنا تلك الحقيقة لما اكترثنا للموت، ولما تهيبنا الإقبال عليه، ولما شعرنا بالتوجس من بوادره ومواطنه». عقيدة المسلم: ص 211 - 212). (3) - سمر أسرة: ص 56.
(4) - المصدر السابق ص 560.
- 318 - (1/336)
صفحة 337
الناس لم يخلقوا سدى فكل عمل لابد أن يكون له جزاء يناسبه
- الله لا يجازي الناس على أعمالهم كل الجزاء في الحياة الدنيا، حيث يوجد
كثير من الأشرار والظلمة يعيشون عيشة راضية لا يظهر عليها انتقام الله منهم. - كثير من الصالحين والأخيار يتلون بأنواع من البلايا دون أن يظهر جزاء الله لهم على أعمالهم الخيرة.
-
إذن فالنتيجة: أن هذه الحياة دار عمل فقط، أما دار الجزاء فهي دار أخرى تكون بعد الموت، وفيها يجازى كل إنسان على قدر ما قدمه من أعمال الخير وأعمال الشنر (1).
من الملاحظ أن الشيخ بني مقدماته هذه على ملاحظاته لواقع الحياة الإنسانية وما تحمله من أشكال وأنماط معيشية، وعلى تفاعل واختلاط الإنسان بأخيه الإنسان.
فلاحظ فناءه، ولاحظ الغاية من خلقه ثم لاحظ عدم مكافتته على عمله سواء خيرا أو شرا في هذه الدنيا.
(2)
كل هذه الملاحظات التي يمكن اعتبارها مقدمات بلغة الفسلفة و المنطق جعلته يتوصل إلى نتيجة منطقية بناء على ما سبق، أي أنه من الضروري وجود حياة أخرى يحكم فيها بالعدل والقسط على أفعال الإنسان في الأولى؛ إن كان خيرا فخيرا وإن كان شرا فشرا.
(1) - سمر أسرة: ص 57.
(2) - أطلقنا على ملاحظات الشيخ هذه مصطلح "مقدمات" ثم ما توصل إليه مصطلح "نتيجة" - بلغة الفلسفة والمنطق- تجوّزا فقط، إذ من المعلوم أن المقدمات والنتائج لها شروطها وصيغها وأشكالها. يراجع في هذا الموضوع: محمود يعقوبي: المدخل إلى المقالة الفلسفية، ط 3، 1985 م،
ص 16 - 27 محمد علي أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، ص 282 - 286).
-319 - (1/337)
صفحة 338
خامسا: الرد على منكري البعث
لعل مسألة إنكار البعث كانت في الأمم السابقة منذ القديم رغم إثبات الأنبياء لها في كل مرة، حيث نجد القرآن الكريم يتعرض للمنكرين ويرد على دعواهم
بدليل عقلي في قول الله تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس/79،78].
فيما أن الله تعالى قدر على إنشاء الإنسان لأول مرة من العدم، فكذلك بمقدرته أن يعيد تركيبه من جديد ويعيد خلقه ثم بعثه مرة أخرى، ويعتبر هذا من الأعمال السهلة لمن يخلق الشيء من العدم لأول مرة.
كما أن المرحلة المكية من تبليغ الرسالة المحمدية الشريفة شهدت جدالا ونقاشا حادا بين المشركين وبين الرسول ها حول مسألة البعث (1)، وقد سجل لنا القرآن مشاهد منها في تلك الأسئلة التي كان يحاجج بها هؤلاء المشركون رسول الله، حيث يقول الله تعالى: {وَقَالُوا أَذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَمَا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدَا} [الإسراء/49]، {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية /24].
فكان القرآن الكريم يجيب على هذه التساؤلات بأدلة عقلية ينبه فيها الإنسان إلى إمكانية البعث بعد الفناء حيث يقول الله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا اَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُل الذِي فَطَرَكُمْ, أَوَّلَ مرَّة [الإسراء/51،50]، {أَوَلَمْ يَرَوْا اَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[الأحقاف/33].
(1) - رؤوف شلبي: منهج القرآن الكريم في إثبات العقيدة الإسلامية، ص 151 - 158. -الغزالي: عقيدة المسلم، ص 222 - 225
- 320 - (1/338)
صفحة 339
وقد اتبع الشيخ معمر منهج القرآن نفسه في الاستدلال على إثبات البعث، حيث رأيناه يعيد صياغة الدليل القرآني على شكل تساؤل كما يلي: «ولكن كيف ينال الناس جزاءهم على أعمالهم وهم قد ماتوا؟ فيجيب: الله الذي خلقهم من العدم قادر أن يبعث فيهم الحياة من جديد» (1)، ليحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم. ثم يقرر بأن هذه الحقيقة هي ما تدعو إليها الأديان جميعها، وما اشتملت عليه الرسالة المحمدية، حيث يلزم على المسلم أن يعرف أن جميع المخلوقات سوف تفنى، وأن الحياة على الدنيا ستنتهي ثم يعيد الله تعالى بعث المخلوقات من جديد لمحاسبتهم على أعمالهم وجزائهم عليها (2).
يري
أما ما يتعلق بقيام الحجة على الإيمان بحقائق يوم القيامة فإن الشيخ معمر يرى أن الحجة تقوم فيها بطريق النقل ثم العقل، فالمنهج الذي سلكه في إثبات البعث وفي وجوب وجود دار أخرى يتلقى فيها الإنسان جزاء عمله، كل هذا يعتبر حجة
عقلية.
وما ورد إلى الإنسان من أخبار عن يوم القيامة وعالم الغيب بصفة عامة عن طريق القرآن الكريم والسنة النبوية فيعتبر حجة نقلية سماعية.
سادسا: الثواب والعقاب
يرى الشيخ معمر أنه من الواجب على المسلم أن يعرف أن الله رتب على طاعته ثوابا ورتب على معصيته عقابا (3).
ثم يذهب في الاستدلال العقلي على عدالة مقابلة الطاعة بالثواب ومقابلة المعصية بالعقاب بما يعتاد عليه الناس في هذه الحياة، حيث يعطي مثالا بالأب
(1) - سمر أسرة ص 57. (2) - المصدر السابق: ص 58.
(3) - سمر أسرة: ص 76.
-321 -
22 (1/339)
صفحة 340
والمدرس والحاكم؛ الذين يسرون ويكافئون من يطيع أوامرهم ويعمل بها، ويستاؤون ممن يعصي أوامرهم ولا يمتثل لها، ثم يعاقبون على ذلك، كلاً على حسب قدرته والوسائل المتاحة له.
وبما أن هذا ما يقبله عقل الإنسان ويراه معقولا أن يعامل به في الدنيا ممن هو مثله من بني البشر؛ فكيف لا يكون ذلك ممكنا معقولا في معاملة رب المخلوقات لعباده في إثابتهم على أعمالهم وعقابهم على عصيانهم).
سابعا: الجنة والنار والمسائل المتعلقة بهما
لم يخض الشيخ معمر في المسائل المتعلقة بالجنة والنار كما رأينا ذلك عند علماء العقيدة والكلام، مثل:
- مسألة وجود الجنة والنار منذ خلق الإنسان أو أنهما سيوجدان يوم - مسألة مكان الجنة والنار لمن يقول بوجودهما منذ خلق الإنسان. - مسألة فناء الجنة والنار أو دوامهما.
القيامة.
وقد اقتصر كلامه حولهما باعتبارهما مترتبتين ومرتبطتين بعمل الإنسان مباشرة، وهما تترجمان عمليا معنى الثواب والعقاب، حيث يقول: «إن الله جل وعلا أمر بطاعته ونهى عن معصيته، فمن امتثل لأمره جازاه الله بالجنة عصاه ومن عاقبه بالنار» (2).
ولعل هذه المسائل التي أثيرت حول الجنة والنار تعتبر من الجزئيات ومن الفروع العقدية التي اجتهد كل عالم بما ثبت لديه من الأدلة، وبنظرته إلى بعض كليات
المسائل وجعل لنفسه رأيا حولها.
(1) - المصدر السابق: ص 76.
(2) - سمر أسرة: ص 77.
-322 - (1/340)
صفحة 341
لكن كل المدارس الإسلامية متفقة في أصل الموضوع؛ وهو ما تمثل في التصديق بالجنة والنار، وكون الجنة مأوى وثوابا للمطيعين والموفين بدين الله وكون النار مأوى ومصيرا للمشركين وللعصاة وعقابا لهم لمخالفتهم أوامر الله تعالى.
ومن المناسب أن نورد تعريف العلماء للجنة والنار، ثم نقف بإيجاز على آراء
المدارس الكلامية حول هذه المسائل:
-1 - تعريف الجنة والنار:
الجنة لغة: الحديقة ذات الشجر والنخل وجمعها جنان، وهي من الأجنان: وهو الستر لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها).
النار لغة مأخوذة من أصل المادة "النور" بالضم أي الضوء أو الشعاع وتجمع على أنوار نيران ويشتق منها نار، نورا، استنار، نور، تنور. والنار مفرد وتذكر جمعا أنوار ونيران (2).
أما كلمة جهنم: فهي بمعنى القعر البعيد، ويشتق منها الجهنام، وسميت جهنم لبعد قعرها، وقيل أنها كلمة أعجمية، وهي دالة على النار التي يعذب الله بها في الآخرة، وبذلك فهي لا تُعرف بالألف واللام ولا تؤنث بالتاء؟.
واصطلاحا: يعرفهما الشيخ اطفيش بقوله: داران إحداهما ثواب لأولياء الله تعالى بما فيها من قصور وأنهار وخيرات ونعيم وهي الجنة، والثانية وهي النار عقاب لأعداء الله، نار وقودها الناس والحجارة» (4).
(1) - ابن منظور لسان العرب، مج 1، ص 518. (2) - الفيروزبادي: القاموس المحيط، ج 2، ص 155. (3) - ابن منظور لسان العرب، مج 1، ص 525. (4) - امحمد اطفيش الذهب الخالص، ص 15.
- 323 - (1/341)
صفحة 342
-2 مسألة وجود الجنة والنار أو عدمهما:
يذهب جمع من العلماء من الإباضية والأشاعرة إلى أن الجنة والنار موجودتان
الآن ويستدلون على ذلك بجملة أدلة هذه بعضها:
قول الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران/ 133]، {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة/24]، فكلمة أعدت في الآيتين دالة على وجودهما الآن ومما يدل على وجودهما كذلك ما رواه القرآن الكريم من قصة سيدنا آدم وحواء وعيشهما في الجنة قبل نزولهما إلى رض، حيث يقول الله تعالى مخبرا بذلك: {وَقُلْنَا يَا عَادَمُ اسْكُنَ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة [البقرة/35]. ومما يدل على ذلك من السنة النبوية حديث رسول الله عما رآه في ليلة الإسراء والمعراج واطلع عليه من مشاهد من الجنة والنار (). وقد ذهب بعض علماء المعتزلة إلى أن الجنة والنار غير موجودتين الآن وأن
وجودهما يكون في الآخرة واستدلوا على ذلك بجملة من الأدلة منها قولهم: لو كانتا موجودتين لفنيتا بقيام الساعة مع سائر المخلوقات، وردوا على دليل قصة آدم بكونه في الجنة قبل نزوله إلى الأرض، فقالوا إن المقصود بالجنة بستان موجود على ربوة وأنزله الله تعالى إلى الأرض بعد عصيانه (3).
(1) - السالمي: المشارق، ص 278 - 280. الإيجي: المواقف في علم الكلام، نشر عالم الكتب، بيروت- لبنان، دت، ص 374 - 375. - إبراهيم البيجوري: حاشية تحفة المريد على متن جوهرة التوحيد، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1347 م، ص 108. (2) - منهم: القاضي عبد الجبار وأبو هاشم انظر: القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة تح فؤاد سيد ط 2، الدار التونسية للنشر بتونس والمؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر، 1406 هـ - 1986 م، ص 72. البيجوري: حاشية تحفة المريد، ص 108.
-
(3) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 698.
-324 - (1/342)
صفحة 343
كما أن من. علماء الإباضية من توقف في المسألة، منهم الشيخ خميس الرستاقي العماني؛ حيث يقول: «إن الجنة والنار حق ونؤمن بذلك، ونرد علم ذلك إلى الله (يقصد وجودهما أو عدمه) وهو العالم بجميع خلقه، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كله هود / 123]).
-3 مسألة تحديد مكان الجنة والنار:
يرى الشيخ اطفيش أن الجنة والنار يبعدان عنا بعدا حسا ومعنويا، ويوجدان في خارج العالم، أما دليله على ذلك فهو وصف القرآن للجنة بأن عرضها مثل عرض السماوات والأرض، كما يرى مع غيره من العلماء أن الجنة فوق السماوات السبع وأن النار تحت الأراضين السبع، ونجد الشيخ البيجوري (3) يرى أن تفويض الأمر لعلم الله تعالى هو القول الأسلم والحق في المسألة، حيث يقول: «والحق تفويض علم ذلك إلى اللطيق الخبير)، وإلى القريب من هذا ذهب الشيخ السالمي الذي يرى أن الخوض في هذه المسألة قول بلا دليل؛ فلا دليل من الكتاب أو السنة يحدد مكانهما (5).
هو
وإن كان الشيخ البيجوري رفض تحديد مكانهما وفوّض ذلك إلى الله تعالى؛ فإننا نجده في مقابل ذلك يقسم كلا من الجنة والنار إلى سبعة طبقات ثم يسمي كل طبقة باسمها ولأي صنف من الناس أعدت لهم (6).
(1) - خميس بن سعيد الرستاقي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تح: سالم الحارثي، ج 1، وزارة التراث القومي والثقافة، المطابع العالمية، روي سلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1413 هـ-1993 م، ص 525.
(2) - امحمد اطفيش هميان الزاد إلى دار الميعاد، ج 3، ص 272 - 384 - البيجوري: تحفة المريد، ص 108. (3) - إبراهيم بن محمد البيجوري (ت (1860 م عالم مصري شافعي المذهب درس بالأزهر وتقلد رئاسته فيما بعد سنة 1847 م) (الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 226).
(4) - البيجوري حاشية تحفة المريد، ص 108.
(5) - السالمي: المشارق، ص 279
(6) - البيجوري: حاشية تحفة المريد، ص 108.
- 325 - (1/343)
صفحة 344
-4 مسألة فناء الجنة والنار أو دوامهما:
نستطيع أن نميز في المسألة رأيين:
1 - رأي يقول بفنائهما وينسب إلى فرقة الجهمية
2 - رأي يقول بعدم الفناء والدوام الأبدي غير المنقطع؛ وهو ماعليه جمهور المدارس الكلامية (1).
ومن الواضح أن القول الأول شاد، أما القول الثاني فقد استدل عليه أصحابه بجملة من الأدلة هذا ملخصها:
الآيات الكثيرة في القرآن الكريم الدالة على خلود أهل الجنة في نعيمهم وخلود أهل النار في عذابهم، مثل قول الله تعالى: إن الذينَ كَفَرُوا مِنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيئَةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيئَةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [البينة/6 - 8].
ومن السنة استدلوا بقول الرسول: إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» (2).
من الواضح أن علماء الكلام قد ذهبوا شأوا بعيدا في البحث عما يتعلق بالجنة والنار؛ من حيث وجودهما ومكانهما، وخاضوا في أمور كان بامكانهم السكوت والكف عنها إلا بالقدر اللازم، واتسمت أدلتهم فيها
(1) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 701. (2) - البخاري: كتاب الرقاق: رقم: 6182.
- 326 - (1/344)
صفحة 345
بعدم الصراحة والدقة؛ فكانت عبارة عن محاولة لفهم النصوص على وجوه معينة، وأحيانا تأويلها بما لا تحتمل.
ولعل هذا أكبر دلالة على أن هذه المسائل ليس من أصول العقيدة التي يجب على المسلم أي يعتقد فيها برأي دون الرأي الآخر، كما أنها مما يجوز الاختلاف وتعدد الرؤى حولها، وهذا مارأيناه فعلا بين علماء المدارس الإسلامية، بل ورأيناه داخل المدرسة الواحدة.
ويمكن أن نعتبر عدم خوض الشيخ علي معمر في كل مادار من نقاش حولها نقطة إيجابية له، فكف قلمه عنها واكتفى بربط الجنة والنار بعمل الإنسان وبكونهما جزاء لما عمل وقدم في الحياة الدنيا، حيث يكمن في هذا البعد العملي لهذا الأصل، ومن جهة أخرى لا ننسى أن مخاطبته للناشئة لها حظها في توجيه مناقشته للمسائل العقدية وفق هذه الصورة بدل الصور الأخرى.
ثامنا: مفهوم الصراط:
تعددت آراء علماء الإسلام حول مسألة الصراط بين من يراه حسيا ماديا بمعنى الطريق أو المسلك كما يفيد معناه اللغوي (1)، وبين من يراه أمرا معنويا بمعنى اتباع
نهج الله القويم أو شريعة الله تعالى.
وقد ذهب المذهب الأول كل من المدرسة السلفية والمدرسة الأشعرية، وبعض علماء الإباضية (4)، حيث اعتبروا الصراط (5) جسرا ممدودا على جهنم، يعبر
(1) - ابن منظور لسان العرب، مج 2، ص 430.
(2) - ابن أبي العز شرح الطحاوية، ص 469 - 470. (3) - ابن باديس العقائد الإسلامية، ص 97 - البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ص 353 - 354. (4) - يذكر الشيخ السالمي أن هؤلاء العلماء من الإباضية جمعوا بين رأي مذهبهم وهذا المذهب وهم: الشيخ هود بن محكم الهواري، أبو القاسم البرادي، إسماعيل الجيطالي امحمد اطفيش. (المشارق: ص 287).
(5) - يعرف الشيخ البوطي الصراط قائلا: «هو الجسر الذي ينصب على نار جهنم يوم القيامة
-327 - (1/345)
صفحة 346
فوقه كل الناس يوم القيامة، فمن استطاع عبوره اعتبر ناجيا ودخل الجنة ومن لم
يستطع فإنه سيسقط ويهوي في جنهم.
وقد استدلت المدرستان على ما احتوى عليه القرآن الكريم والسنة النبوية من آيات وأحاديث في الموضوع، مثل قول الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ
عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُيا [مريم/72،71]، {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَني يُنصرون} [يس/66].
ومن
السنة الحديث المروي عن أبي سعيد الخدري قال: قال الرسول: يمر الناس على جسر جهنم وعليه حك وكلاليب وخطاطيف تختطف الناس يمينا وشمالا، وعلى جنبيه ملائكة يقولون: اللهم سلم اللهم سلم، فمن الناس من يمر مثل البرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس المجري ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يحبو حبوا ومنهم من يزحف زحفا» (1).
وإلى قريب من هذا الرأي ذهب القاضي عبد الجبار المعتزلي؛ حيث اعتبره طريقا بين الجنة والنار يتسع لأهل الجنة ويضيق على أهل النار (2).
وذهب المذهب الثاني جمع من جمهور علماء المدرسة الإباضية (3) وبعض علماء المعتزلة (4) حيث رأوا أن الصراط يدل على الاستمساك بالدين واتباع شريعة الله،
فيجتاز عليه الناس مع اختلاف مذاهبهم وأضرابهم وتفاوت درجاتهم». (كبرى اليقينيات
الكونية: ص 353).
(1) - أحمد: باقي مسند المكثرين: رقم: 10816.
(2) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول، ج 2، ص 369 - 370
(3) - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 709.
(4) - يذكر القاضي عبد الجبار ذلك قائلا: «وقد حكي في الكتاب عن كثير من مشايخنا أن الصراط إنما هو الأدلة الدالة على هذه الطاعات التي من تمسك بها نجا وأفضى إلى ربه. والأدلة الدالة على المعاصي التي من ركبها هلك واستحق من الله تعالى النار». (الأصول الخمسة: ج 2، ص 370).
-
- 328 -
- (1/346)
صفحة 347
وذلك اعتمادا على مفهوم الصراط في القرآن الكريم، مثل قول الله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة/7،6]، وكذا بتأويل الأحاديث الواردة في الموضوع بما يتناسب مع مفهومهم للصراط، وذلك لكونها أحاديث أحادية لاتوجب الاعتقاد، أما الشيخ السالمي فيرى أنه ينبغي إبقاء الأحاديث على أصلها من غير تعرض لردها، وتفويض الأمر إلى الله تعالى (1)، كما يخرج الشيخ اطفيش المسألة من الأصول العقدية ويعتبرها مسألة فرعية، لذا فإن الخلاف في حقيقته لا يجيز تخطئة المخالف ولا تكفيره ولا الحكم عليه بالشرك). أما عن الشيخ علي معمر فإنه اتبع رأي جمهور مذهبه، فيرى أن الصراط طريق الإسلام ودين الله الذي ارتضاه لعباده، وأنه ليس بالطريق الحسي فوق جهنم، وتبعا لرأيه قام بتأويل الحديث الوارد في الموضوع والواصف الصراط بكونه أدق من الشعرة وأحد من السيف فرأى أنه يقصد بذلك صعوبة الاستمساك بالإسلام وعسر التقيد بنهج الله القويم وسط الشهوات المتلاطمة والرغبات الجامحة والفتن المتنوعة (4).
ويستغرب الشيخ من أمر من ذهب بعيدا في تجسيم الصراط حتى رسموا له صورة تكاد تكون هزلية، فاعتبروه جسرا فوق جهنم، يتسابق الناس عليه فمن فاز في عبوره دخل الجنة ومن أخفق كان مصيره إلى النار، وهم في ذلك بحسب أعمالهم، فيرى أن مثل هذا التصور ينبغي أن يزاح اليوم؟).
ومن الغريب أن يعتمد الشيخ في نفي هذا التصور على استعمال العقل والمسألة متعلقة بعالم الغيب، وهو الذي أقر من ذي قبل أن الحجة تقوم في الغيبيات بالنقل
(1) - السالمي: المشارق، ص 284
(2) - ونتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 182.
(3) - الإباضية دراسة مركزة: ص 58.
(4) - المصدر السابق: ص 58. (5) - الإباضية بين الفرق ص 284.
-329 - (1/347)
صفحة 348
دون العقل، حيث كان اعتماد هؤلاء على ماورد في الموضوع من الأحاديث النبوية، كما أنه لم يتعرض إلى تأويل بقية الأحاديث التي أتت واصفة الصراط وكيفية مرور الناس عليه، ولم يبين لنا موقفه منها، ولم يعمل على توضيح رأي مذهبه الذي ردّ الاستدلال بهذه الأحاديث لكونها أحادية لاتوجب الاعتقاد. والشيخ كذلك لم يُبدِ لنا موقفه من الآيات الأخرى التي يفهم من ظاهرها أن مادي مثل قوله تعالى: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ
الصراط شيء حسي. [يس/66]، وهو ما رآه أصحاب الموقف الأول دليلا على ماذهبوا إليه.
ولعل من الأصوب حسب رأينا في التعامل مع هذه المسألة ما قاله وذهب إليه الشيخ اطفيش وغيره من اعتبار هذه المسألة من الفروع العقدية التي لا ينبغي لطرف أن يلزم الطرف الآخر أو يخطئه أو يحكم عليه بالكفر ما دامت الأدلة متجاذبة بين الطرفين.
تاسعا مفهوم الميزان
من القضايا الغيبية العقدية التي تعددت حولها آراء المدارس الكلامية مفهوم الميزان الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة أثناء حساب الله لهم، والذي به يحدد
مصير الإنسان إلى الجنة أم إلى النار؟.
وكانت التساؤلات المطروحة كما يلي:
- ما طبيعة هذا الميزان؟ أهو ميزان مادي حسي كما هو معهود عند البشر؟ أم هو شيء معنوي، يقصد به الدقة والعدل والانصاف؟
ثم إذا كان ماديا، فكيف توزن فيه الأعمال التي هي شيء معنوي؟ وهل من الممكن أن تنقلب هذه الأعمال إلى أشياء مادية هي كذلك؟ حتى يتمكن من وزنها وتقييمها.
-330 - (1/348)
صفحة 349
هذا ما تطرق إليه علماء الكلام في مسائلهم ومناقشاتهم، ونشير أن الميزان في اللغة: مأخوذ من مادة "وزن"،وزنا، وزنة والميزان الآلة التي يوزن بها الأشياء، وجمعه موازين ومعنى الميزان العدل، ويقال وزن الشيء إذا قدره).
ونستطيع أن نميز في الموضوع ثلاثة آراء بارزة:
1 - ما ذهبت إليه المدرسة السلفية) إلى كونه جسما ماديا له كفتان كالميزان المعروف لدى عامة الناس واستدلوا على ذلك بالحديث الوارد في الموضوع والواصف له، حيث جاء فيه: «فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطالت السجلات وثقلت البطاقة».
-
2 ماذهبت إليه المدرسة الأشعرية) والقاضي عبد الجبار من المعتزلة (4) معتبرين أن الميزان حق يجب الإيمان به مصداقا لآيات عديدة تخبر عنه وهي لا تحتمل التأويل مثل قول الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء/47]، وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقِّ [الأعراف/8]، فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ حَفَّتْ مَوَازِيهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ
خَالِدُونَ} [المومنون/102 - 103].
(1) - ابن منظور: لسان العرب، مج 3، ص 920 - 921.
(2) - ابن أبي العز: شرح الطحاوية، ص 472.
(3) - ابن باديس العقائد الإسلامية، ص 96 - البوطي كبرى اليقينيات، ص 351 - 352. وهو يرى كذلك أن الأعمال التي هي أمور اعتبارية تخلق على شكل أجسام لها ثقل وأبعاد حتى توزن واستدل على رأيه بقول الله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ, أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام/31]. (4) - يرى القاضي عبد الجبار أن الآيات الواردة في الميزان ينبغي حملها على ظاهرها، فالميزان حق كما تعارف عليه الناس، وليس المقصود منه العدل، لكن دون الخوض في تفاصيل المسألة. ورأيه هذا يوافق إلى حد بعيد ماذهب إليه الأشاعرة (الأصول الخمسة: ج 2، ص 367 - 368).
-331 - (1/349)
صفحة 350
لكن ينبغي الامساك عن تعيين نوع هذا الميزان وجوهره وكيفيته، وهل هو ميزان واحد للخلائق أم هو موازين متعددة، ويقال أنه كما أخبر به الله تعالى (1). -3 - ما ذهبت إليه المدرسة الإباضية (2) باعتبارهم الميزان شيئا معنويا، وهو دلالة على حساب الناس بالقسط والعدل والدقة، وفق قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء/47]، ويرى الشيخ اطفيش أن الأعمال لا تنقلب أجساما فلا يمكن وزنها بميزان مادي، كما يرى أن المسألة ليست من الأصول العقدية التي يقطع فيها عذر المخالف أو يكفر بذلك؟. وإلى موقف مذهبه ذهب الشيخ، معمر، حيث يقول: «الميزان ليس حسيا، وإنما هو الفصل الحق بين أعمال الخلق» (4).
والشيخ أغفل الرد على الأدلة التي اعتمدها الطرف الآخر ولم نقف له على أدلة تفصيلية في المسألة، إلا أننا نجده يستغرب ممن ذهب بعيدا في الوصف التجسيمي لهذا الميزان، حتى جعل منه صورة هزلية أو بهلوانية، فجعل له كفتين ولسانا، ثم ذهب في تحديد كيفية وقوع الوزن (5).
ثم يرى أن مثل هذا التصور ينبغي أن يزاح عن الأذهان في عصرنا هذا، ذلك أن العلم البشري استطاع أن يكشف أنواعا من الموازين لقياس الذكاء والعقل لم يبلغ إليها خيال الناس في تلك العصور الماضية، فكيف توصف موازين الله تعالى بتلك البساطة (6).
(1) - البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ص 351 - 352.
(2) - السالمي: المشارق، ص 283 - 284
(3)
امحمد الفيش هميان الزاد إلى دار المعاد، ج 1، ص 10، 401 - 406.
(4) - الإباضية دراسة مركزة: ص 58.
(5) - الإباضية بين الفرق: ص 284 - 285
(6) - المصدر السابق: ص 284.
- 332 - (1/350)
صفحة 351
ومن الغريب هنا كذلك أن يعتمد الشيخ معمر في الرد على الرأي الآخر
على استدلال عقلي مبني على ما وصل إليه علم الإنسان وهو يبحث مسائل عقدية غيبية لا يستطيع المرء الإدلاء فيها برأي إلا بمقدار ما يجد بين يديه من نصوص شرعية مصدرها النقل، وهو قد أقر من قبل أن مصدر المعرفة في الغيبيات هو النقل بالدرجة الأولى.
وفي آخر كلامه عن المسألة وجدناه يحاول الجمع بين الآراء، فهو يرى أن كلا من المدرسة الإباضية ومدرسة أهل السنة من الأشاعرة والسلفية متفقون على أن الله تعالى يوم القيامة سيفصل بين عباده بالحق وأن قوله هو الفصل وأن حكمه العدل، فيكفي هذا القدر من الاتفاق للقاء بين المسلمين في المسألة).
هذا عن تعريف الغيب ومراحله التي كانت تدرس الأصل العقدي المعروف باليوم الآخر.
ومن المعلوم أن هنالك مواضيع أخرى تدخل في الغيبيات لا يمكن لنا أن نغفل عن دراستها، وهو ما يتمثل في الوعد والوعيد وفي الملائكة. فسنفرد كلا منهما بمحث خاص ضمن هذا الفصل.
(1) - المصدر السابق: ص 284 - 285.
- 333 - (1/351)
صفحة 352
تمهيـ
المبحث الثاني
الوعد والوعيد
الوعد والوعيد أصل من الأصول العقدية عند الإباضية، وهو أحد الأصول الخمسة عند المعتزلة، كما أن المسائل التي نوقشت فيه تعد من القضايا الأساسية عند كل الفرق الإسلامية الأخرى، وذلك لتعلقها بمصير الإنسان.
كما شهدت الساحة العلمية الإسلامية مناقشات حول مسائله (1) منذ الوهلة الأولى بعد وفاة الرسول، ثم بدأت الآراء تتبلور مع مرور الزمن واتخذت المدارس الإسلامية مواقف تجاه كل ما أثير حولها.
وقد كان الكلام منصبا بالدرجة الأولى على ما ينتظر الإنسان من الثواب والعقاب في الآخرة جزاء على ما قدمه من أعمال في هذه الدنيا؛ إن خيرا فخيرا
وإن شرا فشرا، وطرحت في هذا عدة تساؤلات نستطيع إجمالها في ما يلي:
- هل الله تعالى موف بوعده ووعيده، وبصيغة أخرى: هل هو صادق في إنفاذ وعيده كما هو صادق في إنفاذ وعده؟ وكنتيجة لهذا التساؤل يطرح التساؤل
الثاني: - هل صاحب الكبيرة مخلد في النار، وهل هو مع المومنين أم مع الكافرين في أحكام الدنيا والآخرة، أم هو في منزلة غير هاتين المنزلتين؟
(1) - إشارة إلى مادار من نقاش حول مسألة مرتكب الكبيرة والحكم عليه في مجلس الحسن البصري وتلميذه واصل بن عطاء. وقبل ذلك حكم الخوارج على مرتكب الكبيرة، وما ترتب عليه من خروجهم على السلطة الأموية، واستحلال دماء المسلمين.
-
- 334 - (1/352)
صفحة 353
وقبل معرفة كل هذا ينبغي بنا أن نقف على التعاريف اللغوية والاصطلاحية
للوعد والوعيد:
أولا: تعريف الوعد والوعيد
الوعد لغة مأخوذ من مادة "وعد" ويشتق منها وعد، موعد، موعدة، موعود، موعودة، وهو من المصادر التي جاءت على وزن مفعول ومفعولة، كما أن له عدة معان مثل: العهد كما في قول الله تعالى: (فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَقْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا [طه/86 - 87]، والفرس الواعد التي تعدك جريا بعد جري، وأرض واعدة التي تعد بالنبات، وسحاب واعد الذي يعد بالمطر (1). ويعرفه الشيخ معمر بأنه إجراء الخير (2).
وفي الاصطلاح يعرفه بقوله: «الوعد في الدنيا معناه تقرير الثواب وفي الآخرة هو تحقيقه» (3).
أما الوعيد لغة التوعد والتهدد، ويقال: أو عده وتوعده، وهو مشتق من نفس المادة "وعد" وعندما يستعمل للشر يصبح أوعد بإضافة الألف والباء؛ كأن يقال أوعد بالسجن (4). ويعرفه الشيخ بأنه إجراء العقوبة (5).
وفي الاصطلاح «الوعيد في الدنيا هو تقرير العقاب وفي الآخرة هو
تنفيذه» (6).
(1) - ابن منظور لسان العرب، ج 3، ص 950 - 951
(2) - سمر أسرة: ص 192.
(3) - المصدر السابق: ص 192.
(4) - ابن منظور: لسان العرب، ج 3، ص 951.
(5) - سمر أسرة: ص 192.
(6) - المصدر السابق: ص 192.
-
- 335 - (1/353)
صفحة 354
ويعرفهما صاحب قاموس الشريعة الشيخ جميل السعدي العماني (1) بقوله: «الوعد: هو ما وعد الله أهل طاعته من الثواب في الآخرة وهو حق. الوعيد: هو ما أوعد الله أهل الكفر والمعاصي من العقاب في الآخرة وهو حق».
نرى أن تعريف الشيخ معمر احتوى على شطر دنيوي وآخر أخروي، حيث يكون تقرير الخير والشر في الدنيا بإعلام الله تعالى به عباده، أما إنفاذ وتطبيق ما أعلم به وذلك بالمجازاة ثوابا أو عقابا فهو أمر أخروي.
و لم نقف للشيخ على توضيح أو شرح لتعريفه، حيث اكتفى بهذا القدر من ببيان أثرهما العملي في الآخرة؛ المتمثل في إنفاذ وعد المتقين بإثابتهم بالجنة والنعيم، وبإنفاذ وعيد المشركين والعصاة بعقابهم بالنار والجحيم.
لكن المدارس الإسلامية كان أمرها مع هذه المسألة مختلفا تماما، حيث نال الموضوع اهتماما خاصا في الدراسات الكلامية، فنجد المدرسة الاعتزالية مثلا تعتبره أحد أصولها الخمسة (3)، وقد عالجت الموضوع بأكثر دقة وتعمق وتناولت كل المسائل المثارة والمطروحة فيه. والشيء نفسه نلحظه في المدرسة الإباضية (4) في تفصيلهم الحديث عن القضية وفي توضيح آرائهم وقناعتهم حولها وفي ردهم على الآراء المخالفة لهم، والشيء نفسه يقال عن المدرسة الأشعرية.
نحاول أن نقف الآن بعض الشيء مع النقطتين اللتين أثارتا النقاش وتعددت
حولهما الرؤى لننظر آراء المدارس الكلامية حولها وهما:
(1) - جميل بن خميس السعدي: من علماء الإباضية بعمان في ق 13 هـ - 19 م. مقدمة كتابه: قاموس الشريعة، ج 1، ص 5.
(2) - جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ج 6، مطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر، سلطنة عمان وزارة التراث القومي والثقافة، 1983، ص 5.
(3) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 265 - 333. (4) - كذلك تعتبر المدرسة الإباضية الوعد والوعيد أحد أصولها التسعة كما هي مذكورة مثلا في كتاب أصول الدين للشيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي، وفي غيره من المصادر.
- 336 - (1/354)
صفحة 355
-1 - مسألة إنفاذ الوعد والوعيد أو عدمه.
2 - مسألة خلود مرتكب الكبيرة في النار أو عدمه.
ثانيا مسألة إنفاذ الوعد والوعيد
ذهب كل من الإباضية والمعتزلة (1) إلى أن الله تعالى صادق في وعده كما هو صادق في وعيده، واستدلوا على رأيهم بجملة من الأدلة وذهب الأشاعرة إلى أن الله
تعالى ينفذ وعده ويمكن أن يخلف وعيده) واستدلوا هم كذلك بجملة من الأدلة. أما عن رأي الشيخ معمر فإن من تعريفه للوعد والوعيد يتضح أنه لم ير غير رأي، مذهبه في أن الله منفذ وعده ووعيده، وذلك يفهم من قوله أن الوعد في الآخرة هو تحقيقه، وأن الوعيد في الأخرة معناه تنفيذه.
وقد أتى بتعريف موجز من دون أن يورد أدلة على رأيه ولا أن يرد على القائلين بخلاف ذلك أو يناقش أدلتهم، ولعل تطرقه للمسألة في معرض يحاطب فيه الناشئة والشباب جعله يغض الطرف عن هذا الجانب؛ لكونه يمثل نقاشا بين العلماء وأهل التخصص دون غيرهم من عامة الناس. ومن الضروري حتى تتضح رؤيته أن نورد بعض أدلة القائلين بإنفاذ الوعيد:
من القرآن الكريم قول الله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق/29]، {قُلَ اتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ} [البقرة/80]، {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران/9]، فدلت الآية الأولى على أن الحكم عام على كل قول من الله تعالى، ولا دليل على تخصيصه
(1) - أبو عمار الموجز، ج 2، 104 - 105. - الجناوني: كتاب الوضع، ص 23 - الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 527 - 538 القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 265
333 أحمد صبحي: في علم الكلام (المعتزلة)، ج 1، ص 157 - 158.
(2) - الإيجي: المواقف، ص 376 ..
-337 -
23 (1/355)
صفحة 356
وتقييده. ودلت الآية الثانية على أن خلف الوعد عند الله تعالى محال؛ لتضمن الآية أداة النفي "لن". ودلت الآية الثالثة التي هي دعاء الراسخين في العلم على أن الوفاء بالوعد والوعيد وعدم خلفهما من صفات الألوهية (1).
وقد اهتم المعتزلة بالاستدلال العقلي على القضية فظهر عندهم مصطلح "الاستحقاق والأعواض" حيث يرى المعتزلة أن اليوم الآخر يحكمه العدل الإلهي المطلق، فإذا كانت الموازين مختلفة في الدنيا بالشرور والمحن والظلم، فإن يوم القيامة سيستقيم بحكم العدل الإلهي ليوفى كل ذي حق حقه؛ مصداقا لقول الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء/47].
لهذا فبموجب الاستحقاق فإن الإنسان سيجازى على عمل الخير بالثواب وعلى عمل الشر بالعقاب، ولا يجوز العفو عن العاصي دون التوبة الخالصة، لأن العفو إغراء على فعل المعصية، وكذا تسوية جاحدة وجاحفة بين المطيع والعاصي؛ وهذا ما يتنافى مع العدل الإلهي.
(2)
-
ويتحدث الشيخ اطفيش عن بيان الحكمة من الوعيد كدليل آخر على إنفاذه فيعتبر ذلك تربية للنفس الإنسانية وزجرا لها عن اقتراف المعاصي، فإذا زال هذا الزاجر بالقول بخلف الوعيد لم يبق في الإنسان دافع إلى الطاعة، وهو ميال بطبعه إلى الكسل والركون إلى الشهوات وهوى النفس، وهو تشجيع له على ترك الواجبات وعدم الإتيان بالفرائض وكل مافيه جزاء بالثواب).
هذا عن مسألة إنفاذ الوعد والوعيد، فماذا عن المسألة الثانية المتمثلة في خلود صاحب الكبيرة في النار أو عدمه؟ وما هو رأي الشيخ معمر فيها؟
(1) - امحمد اطفيش هميان الزاد إلى دار الميعاد، ج 2، ص 138. ج 4، ص 24 - 25. (2) - أحمد صبحي في علم الكلام) (المعتزلة)، ج 1، ص 157 - 160.
(3) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 392.
-338 - (1/356)
صفحة 357
ثالثا: مسألة الخلود في النار
إذا كانت جل المدارس الكلامية متفقة على أن المؤمن الداخل في الجنة سيكون خالدا فيها أبدا وأن المشرك الداخل في النار سيكون خالدا فيها أبدا كذلك، فإن الحكم على مرتكب الكبيرة لم يحصل حوله إجماع من جمهور العلماء، حيث يمكن أن نميز موقفين بارزين في المسألة:
1 - القائلون بخلود أهل الكبائر في النار وهو رأي الإباضية والمعتزلة.
2 - القائلون بعدم خلودهم. وهو رأي الأشاعرة (1).
ويذهب الشيخ معمر إلى رأي مذهبه حيث يرى أن من سعد في الآخرة لا يشقى أبدا ومن شقي لايسعد أبدا، وأن السعادة والشقاوة لن تجتمعا في الآخرة أبدا (2). كما يرى أن هذا ما تدعو إليه كلمة الشهادة عندما ينطق بها الإنسان، حيث عليه أن يعلم أنه بعد موت وبعث الناس فإن الله سيحاسبهم على أعمالهم في الدنيا فيجازي المؤمنين بالخلود في الجنة، ويجازي المشركين
والكافرين بالخلود في جهنم
(3)
اكتفى الشيخ بهذا القدر من الكلام في حديثه عن المسألة، حيث أورد رأيه بصورة تقريرية دون عرضه للأدلة، ولا مناقشة لأدلة الآخرين، ونرى من المناسب أن نورد بعض التفصيل عن المسألة حتى تتضح الصورة حولها:
-
(1) - هناك مواقف أخرى في المسألة ولكن نعتبرها شاذة؛ وقد تعرض الشيخ السالمي لذكرها وهي كما يلي: -1 أهل النار مشركهم وفاسقهم غير مخلدين فيها، وينسب إلى طائفة خرجت من الإسلام -2 أهل الكبائر غير معذبين مطلقا، والعذاب لأهل الشرك فقط، وينسب إلى بعض المفسرين. 3 - الجنة والنار فانيتان بعد دخول أهل كل فريق فيها، وينسب إلى جهم بن
صفوان. (المشارق: ص 291 - 294).
(2) - الإباضية دراسة مركزة: ص 52. (3) - سمر أسرة: ص 58.
- 339 - (1/357)
صفحة 358
استدل القائلون بخلود أهل الكبائر من المسلمين في النار بأدلة كثيرة نذكر
منها ما يلي: قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلَ اتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ, أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
[البقرة/80 - 81].
ووجه الاستدلال بهذه الآية أن هذه العقيدة التي تعتقد الخروج من النار يهودية الأصل، وقد نزلت الآية تندد بها وتشهد بضلالها، وبطلانها كما تخبر أن أصحابها لم يستندوا في مذهبهم هذا إلى عهد من الله تعالى، وإنما هو تقول منهم بغير علم، وافتراء على الله تعالى.
وتضمنت الآية من جهة أخرى بيانا صريحا وإجابة واضحة لهم بأن من ارتكب
سيئة وأحاطت به خطيئاته لعدم توبته منها فهو خالد في النار أبدا (1). واستدلوا كذلك بقول الله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُومِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء/93]، {وَمَنْ يعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا» [الجن/23].
كما استدلوا بأحاديث الرسول الله منها: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا»
فهذه الآيات وهذا الحديث وغيرهما وردت متوعدة بالخلود في النار لفاعل الكبيرة، حيث تعرضت إلى ذكر بعض الكبائر، وتسمي بعض المعاصي وتتوعد
(1) - أحمد الخليلي: الحق الدامغ، ص 202.
-340 - (1/358)
صفحة 359
صاحبها بدخوله جهنم والخلود الدائم فيها أحيانا أو بالخلود مطلقا دون وصف الأبدية أحيانا أخرى (1).
هذه بعض الأدلة على ماذهب إليه المثبتون لخلود أهل الكبائر في النار، ومما
لاشك فيه أن في المسألة أدلة أخرى كثيرة تزيد للموضوع استدلالا ووضوحا. كما لاحظنا على الشيخ معمر في هذه المسألة أن نفسه لم تسمح له أن يرى المسلمين يفترقون افتراقا كليا وتتعاكس آراؤهم في الحكم على مرتكب الكبيرة في الآخرة؛ هذا ما جعل منه يبحث عن طريق آخر لمحاولة للتقريب بين الفريقين، فنجده يستشهد بقول الشيخ محمد طفيش حيث يعتبر أن المسألة ليست من الأصول العقدية، ولا يفسق المعتقد لأحد الرأيين كما نجده كذلك يذكر رأي الإمام أبي حامد الغزالي الذي يقترب من رأي القائلين بالخلود فيرى أن هذا وذاك لقاء متقارب بين الفريقين رغم اختلافهما (2).
هذه هي جملة آراء الشيخ معمر في مسائل الوعد والوعيد، وقد رأينا كيف اتسمت - بصفة عامة - بالاقتصار على أصول المسائل دون الدخول في تفريعاتها ودون الدخول في المناقشات العميقة التي شاهدناها عند غيره من علماء الإسلام من
مختلف المدارس.
(1) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 451 - 459.
(2) - الإباضية بين الفرق: ص 286.
-341 - (1/359)
صفحة 360
المبحث الثالث
الإيمان بالملائكة
يمثل الإيمان بالملائكة ركنا من أركان الإيمان الستة، التي ورد ذكرها في حديث جبريل الله: « ... فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ... »). ولقد وردت في القرآن الكريم عدة آيات تتحدث عنهم وتدعو للإيمان بهم وتذكر بعض الحقائق في معرفتهم مثل قوله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أولِي أَجْنِحَةٍ مَّثَنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر/1]، {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة/285]، وان الذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف/ 206].
ونحاول أن نقف الآن مع تعريف الشيخ علي معمر لها، وعلى المسائل التي
ناقشها فيها:
1 - تعريف الملائكة
- لغة: أصل الكلمة: " ملاك "وخففت بحذف الهمزة لتصبح "ملك" وهو مفرد الملائكة، وهو على وزن " مَفْعَل" وقيل أن أصلها " مالك " بتقديم الهمزة على اللام من الألوك وهي الرسالة، ثم قلبت فقدمت السلام فأصبحت ملاك ثم تركت همزته بكثرة الاستعمال فقيل ملك، وفي الجمع ردت الهمزة أو بقيت فقيل: ملائكة وملائك (2).
(1) - البخاري: كتاب الإيمان: رقم: 50. مسلم: كتاب الإيمان: 8.
(2) - لسان العرب مج 3، ص 529 - 30
-342 - (1/360)
صفحة 361
اصطلاحا: عرفها الشيخ معمر بقوله: «الملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يومرون، لا ينالهم التعب، ولا يثقل عليهم عمل يكلفون به من الله عز وجل» (1).
من الواضح أن تعريف الشيخ احتوى على ذكر بعض صفات الملائكة وأعمالهم، ولم يول اهتماما بتحديد جنسهم، وبكونهم مخالفين لطبيعة الإنس والجن، لكن الصفات الآتية التي حددها تعطي تعريفا أكثر وضوحا لهم:
--2 صفات الملائكة ووظائفهم
يقول الشيخ معمر عنه: هم أجسام نورانية محجوبة عن رؤية الناس لايوصفون بالذكورية ولا بالأنوثية ولا بالجنون ولا بالطفولية ولا بما يتكون به الجسم البشري من لحم ودم وعظم ... وأن الله وصفهم بأنهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع». وأضاف الشيخ اطفيش بعض مميزاتهم فقال إن خلقهم يتم بالتفاوت، أي لم يخلقوا مرة واحدة بل يخلق بعضهم بعد بعض، ويستمر ذلك إلى يوم القيامة، كما أنهم سيموتون كلهم عند قيام الساعة. وذكر الشيخ مميزات أخرى؛ لكن لم يورد أدلة أو آثارا تثبت ما ذهب إليه). وتعتبر الأوصاف التي حددها الشيخ معمر للملائكة أوصافا سلبية، أي بمعنى الصفة. عنهم، وليس إثبات الصفة لهم، غير إثبات صفة النورانية لأجسامهم، فقد ثبت ذلك بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «خلقت الملائكة من نور)، وكونهم ذو أجنحة مثنى وثلاث ورباع هو ما ثبت بالنص القرآني، أما بقية
نفي
(1) - سمر أسرة: ص 63.
(2) - سمر أسرة: ص 63.
(3) - امحمد اطفيش: الذهب الخالص، ص 16. (4) - مسلم كتاب الزهد والرقائق رقم: 2996
-343 - (1/361)
صفحة 362
الصفات فهي معهودة عند الإنسان، ولكون جنسهم مخالف لجنس الإنسان، فهي مستحيلة في حقهم.
ولعل الهدف الذي كان يرمي إليه الشيخ من ذكر هذه الصفات السلبية للملائكة هو ليثبت ويؤكد نفيها عنهم، محاربا بذلك بعض ما هو شائع لدى العامة من الناس في كون الملائكة إناثا أو كونهم أطفالا، أو لمحاربة ادعاءات بعض المشعوذين برؤيتهم للملائكة وملاقاتهم وجلوسهم معهم، فهذا مما يستحيل لكونهم محجوبين عن رؤية الناس ولكونهم أجساما بلا لحم ودم وعظم.
وقد أولى الشيخ البوطي اهتماما خاصا بالموضوع مما جعله يقف على جملة من الصفات والوظائف الخاصة بالملائكة استنتجها مما ورد في القرآن الكريم من آيات في الموضوع، فأرى من المناسب أن أورد ملخصا عنها حتى تتضح الصورة أكثر:
صفاتهم:
1 - العبودية لله تعالى فهم ليسوا أولادا ولا أندادا له تعالى.
-2 - تقيدهم بأوامر الله تعالى؛ فلا يعصونه في أمر ولا ينحرفون إلى ارتكاب منهي، دأبهم التسبيح بحمده تعالى.
3 - إن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع دون معرفة تفصيلية بهذه الأجنحة. -4 - مع كونهم مخلوقين من نور فهم غير مرئيين بالعين، وقد منحهم التشكل والظهور بمظهر الأجسام الكثيفة.
وظائفهم:
-1 - إبلاغ كلام الله وحكمه إلى المرسلين. 2 - حمل عرش الرحمن.
3 - رعاية الجنة وأهلها، وأطلق القرآن على القائمين بهذه الوظيفة "الخزنة". والقيام بشؤون النار وأهلها، وسماهم القرآن "الزبانية".
-344 - (1/362)
صفحة 363
-4 - مراقبة أعمال المكلفين وسماهم القرآن "رقيب وعتيد". 5 - حفظ الإنسان في الحياة وسماهم القرآن " المعقبة والحفظة". 6 - قبض أرواح بني البشر (1).
فعلا فإن ماقام به الشيخ البوطي يعتبر جهدا مشكورا، حيث تقيد بالقرآن الكريم في معرفة أوصاف الملائكة وتحديد وظائفهم دون التوسع في هذا الموضوع بما ترويه بعض الإسرائيليات أو الأحاديث الضعيفة التي تعطي الفرصة للعامة ولمن في قلبه مرض لإشاعة بعض الأفكار والاعتقادات الباطلة والفاسدة.
3 نفي الذكورية والأنوثية عن الملائكة: أولى الشيخ معمر اهتماما بالغا بنفي الذكورية والأنوثية عن الملائكة، مما يجعلنا نتوقع أن في محيطه الذي يعيش فيه بقايا الاعتقاد القديم حول الملائكة كما أشارت إلى ذلك الآيات القرآنية الكريمة مثل قول الله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الذِينَ هُمْ عِندَ الرَّحْمَانِ إِنانا اشهِدُوا خَلْقَهُمْ سَيُكتبُ شَهَادَتْهُمْ وَيُسألون الزخرف/19]. فطرح ذلك على شكل تساؤل كما يلي:
الملائكة لا يوصفون بالذكورية ولا بالأنوثية فما معنى ذلك؟» (2). يجيب: بأنه لا يجوز أن يقال بأن الملائكة ذكور ولا يقال بأنهم إناث، لأن هذين الوصفين هما من طبائع المخلوقات التي تتكاثر بالتزاوج والتناسل.
أما طبيعة الملائكة فيرى أنها غير معروفة لدينا، وكل ما في الأمر أن الله تعالى وصفها في القرآن الكريم بجملة من الصفات علينا أن نؤمن بها كما هي دون زيادة أمور تفصيلية فيها لم يقم دليل عليها؟.
(1) - البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ص 275 - 277.
(2) - سمر أسرة: ص 64.
(3) - المصدر السابق: ص 64.
-345 - (1/363)
صفحة 364
ويذهب الشيخ في الحكم على القائلين بأنوثية الملائكة بالشرك بالله تعالى)، ويستدل على ذلك بالآيات الكريمة التالية: إن الذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيسَمُونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى) [النجم /27].
ولعل الآية لم تكن صريحة ومباشرة في الحكم بالشرك على القائلين بذلك، لكن الشيخ استنتج ذلك بطريقة غير مباشرة؛ فبما أن حكم الذين لايومنون بالآخرة هو الشرك، وبما أنهم يسمون الملائكة تسمية الأنثى، إذن كل من قال بقولهم فهو
(2)
مشرك مثلهم ثم نجد الشيخ يذهب خطوة أبعد في المسألة فيطرح تساؤلا جديدا: كيف نتحدث عنهم؟» (3)، يجيب: أن الحديث عنهم يجب أن يكون بصيغة المذكر، ولا يجوز الحديث عنهم بصيغة المؤنث ووصفهم بالذكرانية، لأن ذلك من طبيعة البشر فقط (4).
لعله
من الغريب أن يحرم الشيخ الحديث عنهم بصيغة المونث، ويوجب الحديث عنهم بصيغة المذكر، خاصة أن اللغة تعلمنا أن لفظ الملائكة لفظ مؤنث وليس مذكرا، وقبل ذلك نجد القرآن الكريم يستعمل الملائكة بلفظ التأنيث كما يستعمله بلفظ التذكير؛ مثل قول الله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم [القدر/4]، وقول الرسول خلقت الملائكة من نور» (5) فكيف يذهب الشيخ هذا المذهب المبالغ فيه، ولا يمكن بأي حال أن يكون أحرص من القرآن الكريم في
تفي
صفة الأنوثة عن الملائكة.
(1) - المصدر السابق: ص 64.
(2) - وقد قال بهذا الحكم بعض علماء الإباضية ممن سبقه، ويبدو أن الشيخ قد نقل منهم ذلك. ينظر: الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 1، ص 21. السالمي: المشارق، ص 228.
(3) - سمر أسرة: ص 64.
(4) - المصدر السابق: ص 64.
(5) -:مسلم كتاب الزهد والرقائق رقم: 2996
-346 - (1/364)
صفحة 365
فمن الواضح أن الشيخ أبدى حساسية مفرطة في اتخاذه لهذه الآراء، هذا ما يجعلنا نحمل هذا الموقف على ما يكون الشيخ قد رآه أو عايشه مع أفراد مجتمعه أو وطنه - أو في أوساط أخرى من بعض البدع والعقائد الفاسدة المبنية على الإسرائيليات حول أنوثة الملائكة وما يوحي هذا المعنى من معاني أخرى قبيحة وشنيعة.
هذا ما جعل منه يقطع الطريق من أوله أمام هؤلاء ويغلق لهم الأبواب المؤدية إلى هذا المعتقد الفاسد؛ ليتمكن استئصاله من جذوره.
4 - أقسام الملائكة
راعى الشيخ معمر في تقسيم الملائكة الوظيفة المنوطة بهم، فقسمهم إلى قسمين: قسم وظيفته العبادة، فهم يسبحون الله لا يفترون
قسم وظيفته تنفيذ إرادة الله في الخلق وإبلاغ رسالته للأنبياء).
لعل من الواضح أن تقسيم الشيخ كان موجزا جدا، دون التفصيل والتطرق لذكر أسماء الملائكة كما يذهب إلى ذلك العلماء في هذا المبحث. فيقسمهم الشيخ الجيطالي مثلا إلى ملائكة كروبيين وملائكة روحانيين:
فالكروبيون: مأخوذ من كلمة كرب أي قرب وهم الملائكة المخلوقون للعبادة؛ من ذكر وتسبيح، وورد في حقهم قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفتُرُونَ} [الأنبياء/20].
أما الروحانيون فنسبة إلى الروح، وهم الذين خلقوا لامتثال أوامر الله تعالى من تبليغ الوحي إلى الرسل، وتسجيل أعمال البشر وما إلى ذلك من أعمال، ومنهم جبريل اللي (2)
(1) - سمر أسرة: ص 64.
(2) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 1، ص 20 - امحمد اطفيش الذهب الخالص، ص 15.
- 347 - (1/365)
صفحة 366
ونجد الشيخ معمر ينفي أن يبعث الله تعالى ملكا رسولا إلى البشر بدين أو
شريعة، وأرجع ذلك لكون طبيعتهم تختلف عن طبيعة البشر؛ فهم لا يستطيعون تحمل رؤية صورة الملك، ولا يمكن أن ينقادوا له لمخالفة قدراته لقدراتهم، بل يكمن دوره في الوساطة بين الله تعالى وبين الرسل ال، حيث يقومون بتبليغ الرسالة إليهم).
-5 - ما يجب في الإيمان بالملائكة:
تطرق مبحث الملائكة إلى مسائل تفصيلية عنهم فيما تعلق بتحديد تعريفهم ومعرفة صفاتهم وطبيعتهم ووظائفهم ثم أقسامهم وأسمائهم، وليس من المعقول أن يكلف كل مسلم بأن يعرف كل هذه المعلومات التفصيلية عنهم، إذن: على ماذا يشتمل الإيمان بهم؟
يرى الشيخ معمر (2) أن الذي يجب على المسلم في حق الملائكة هو معرفتهم ثم الإيمان بهم جملة، ثم يخص في معرفتهم معرفة الملك جبريل الله، وأنه المكلف بإنزال الوحي على رسول الله (3)
ولعل كون الشيخ في معرض تقديم العقيدة للناشئة هو الذي جعله يختصر الموضوع ويبقي على أصله فقط وهو الإيمان بهم. جملة، ثم يخصص الملك جبريل الي دون غيره لعلاقته المباشرة بمعرفة الرسالة المحمدية ومعرفة الأحداث التاريخية من السيرة النبوية.
وفي مقابل هذا نجد العلماء قد توسعوا في تحديد ما يجب الإيمان به في حق الملائكة، فذكروا أمورا أخرى مثل التصديق بوجودهم والعلم بكونهم مخلوقات الله
(1) - سمر أسرة: ص 62 - 63.
(2) - يظهر واضحا من تحديد الشيخ معمر لما يجب الإيمان به في حق الملائكة، وفي تخصيص جبريل ال بالمعرفة تأثره الكبير واعتماده على عالم بلده الشيخ الجيطالي في آرائه هذه (ينظر: الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 1، ص 20 - 21).
(3) - سمر أسرة ص 64.
- 348 - (1/366)
صفحة 367
تعالى ومعرفة صفاتهم وتميز جنسهم عن الجن والإنس، وكونهم معصومين من الخطا، مخلوقين للطاعة لا يحتاجون إلى ما يحتاج إليه البشر من الأكل والشرب وملذات الحياة (1).
كما يزاد في الإيمان بهم الجانب الاعتقادي العملي المتمثل في ولاية الملائكة لكونهم من جملة المعصومين، وهي لا تعني ما يستلزم عليها الولاية العامة من
الاستغفار والدعاء لهم، لكن تعني حبهم وحب ما يوافق طباعهم من صفات الخير والتعبد المستمر الله تعالى.
الأنوتة عن
(2)
هكذا رأينا الشيخ علي معمر - في هذا المبحث كيف اهتم بنفي صفة الملائكة إلى حد المغالاة في ذلك، وتوقعنا أن الواقع الاجتماعي الذي عايشه كان له دورا في اتخاذ هذا الموقف. وكذا رأينا كيف حصر الشيخ ما يجب على المسلم معرفته عن الملائكة في الإيمان بهم جملة، ومعرفة الملك جبريل بالتعيين أنه المسؤول على إيصال الوحي. وهذا لعلاقته المباشرة
بالرسالة المحمدية وبمعرفة السيرة النبوية.
(1) - ابن باديس العقائد الإسلامية: ص 79. السالمي: المشارق ص 227. البوطي: كبرى اليقينيات ص 273 - 278. وينتان آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 200.
(2) - وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 200.
-349 - (1/367)
صفحة 368
[صفحة فارغة] (1/368)
صفحة 369
الخاتمة (1/369)
صفحة 370
[صفحة فارغة] (1/370)
صفحة 371
الخاتمة
هكذا بعد توقفنا مع الشيخ علي يحيى معمر في مراحل حياته وجهوده الاجتماعية والعلمية، ثم مع فكره العقدي، ومع منهجه في تناول قضايا العقيدة، نستطيع أن نستخلص جملة نتائج من كل ما سبق وأن نجيب عن الإشكالية المطروحة، ونؤيد وجهة نظر إحدى الفرضيات أو أكثر التي اقترحناها في مقدمة البحث. وهي كما يلي:
أولا: ما يخص شخصيته:
1 - أن بداية التكوين العلمي للشيخ علي معمر كان في ليبيا وتونس، ثم صقل معارفه في معهد الحياة بالجزائر.
-2 - أن المعهد الحياة دورا هاما في تكوين شخصيته في جانبها الشرعي والأدبي والاجتماعي، وذلك لما وجد في المعهد من محيط علمي خصب للنشاط والمنافسة والإبداع، ولما وجد عليه الواقع الاجتماعي للقرارة ووادي ميزاب من حماسة الإصلاح والتغيير والتجديد.
أن للشيخ بيوض دورا هاما جدا في تكوين شخصيته، في جانبها الشرعي والاجتماعي بوجه أخص، وذلك للرعاية التي وجدها منه، والاحتكاك المباشر به، وملازمته في سائر الأوقات، فقد تأثر به كثيرا، وظهرت بصمات شيخه بقوة في شخصه وفي أعماله وإصلاحاته ببلده ليبيا.
4 - أن الشيخ علي معمر حافظ على علاقة التلمذة والأبوة مع مشايخه؛ الشيخ بيوض والشيخ أبي اليقظان والشيخ عدون طيلة حياته، وبقي وثيق الصلة بوادي ميزاب بعد مغادرته له، وكان يعد مشايخه مرجعه الأول في استشاراته
فيما ينوي القيام به من أعمال وإصلاحات اجتماعية وإنتاج علمي.
- 353 -
24 (1/371)
صفحة 372
-5 أصبح الشيخ علي معمر بمرور الزمن، وبالأعمال التي قام بها في بلده، وبإنتاجه العلمي؛ مُمَثَّل الإباضية في جبل نفوسة بليبيا، حيث يرجع إليه الأمر في كل مسألة متعلقة بهم، وأصبح في وادي ميزاب، وفي القرارة بوجه أخص المرجع الأول فيما يتعلق بجبل نفوسة.
6 - أن الشيخ علي معمر سعى للقيام بعدة مشاريع إصلاحية في بلده، منها إعادة بعث نظام العزابة، لكن وقفت في وجهه عدة صعوبات عرقلت أعماله، ولم تمكنه من تحقيق آماله. نذكر منها خاصة المتابعات السياسية التي كانت تطارده دائما وتراقب نشاطه وتضيّق عليه، وعدم التفهم والمؤازرة التي لاقاها من بني جلدته في الفترة الأولى من قدومه إلى ليبيا.
من مميزات شخصية الشيخ علي معمر أنه عمل على عدة أصعدة، فترك آثاره في المجال الاجتماعي والدعوي والتعليمي والسياسي والعلمي.
هذا عن شخصيته، فماذا عن فكره العقدي؟
:ثانيا ما يخص فكره العقدي
1 - أن الشيخ علي معمر اهتم بالمجال العقدي، فألف فيه كتبا مستقلة، كما أنه حاول إبراز الجانب العقدي والبعد العملي للعقيدة في أغلب مؤلفاته الأخرى. -2 - أن الشيخ علي معمر اهتم في دراساته العقدية بإعادة عرض مسائلها بأسلوب معاصر وميسر، غرضه من ذلك تقديم هذه العقيدة للناشئة ولغير أهل التخصص؛ للاطلاع عليها وفهمها واستيعابها بأيسر السبل. -3 - أن الشيخ علي معمر لم يخرج في الإطار العام من آراء مذهبه الإباضي - في العقيدة، حيث وافقه في أغلب المسائل، مع اجتهادات قليلة؛ كرأيه في الإيمان، ورأيه في مسألة الرؤية وخلق القرآن، وطريقة عرضه لموضوع الميزان والصراط.
-354 - (1/372)
صفحة 373
4 - أن الشيخ علي معمر تناول قضايا العقيدة بمنهجين؛ المنهج الأول اتسم بجملة خصائص؛ أهمها التبسيط في الأسلوب والاختصار في الأدلة والاكتفاء بأصول المسائل العقدية، دون التعرض إلى مسائل الخلاف إلا نادرا. هذا ما تميز به كتابه سمر أسرة مسلمة، الذي ألفه للناشئة على وجه الخصوص.
والمنهج الثاني اتسم كذلك بجملة خصائص؛ أهمها التعمق في تحليل القضايا العقدية ومناقشة العلماء في آرائهم والتعبير عن رأي مذهبه وعرضه، والتطرق إلى المسائل الخلافية، وإبداء وجهة نظره فيها. هذا ما تميزت به كتبه الأخرى خاصة منها: الإباضية بين الفرق الإسلامية.
5 - أن دور الشيخ علي معمر - في عرضه مسائل العقيدة تمثل بالدرجة الأولى في التعبير عن آراء مذهبه في صورة واضحة، وفي ردّ التهم الملصقة كتاب المقالات - في القديم والحديث وفي تبيين مواطن الخطإ في
به من
كتاباتهم عن الإباضية.
وأنه استعمل في رده ومناقشته هذه أسلوبا اتسم - في غالب الأحيان بالهدوء والرزانة واحترام العلماء، واتسم - أحيانا- بالشدة والتوتر والمبالغة. 6 - أن مصادر الشيخ علي معمر الأساسية التي اعتمد عليها في كتابة العقيدة هي تراث علماء الإباضية بجبل نفوسة ببلده ليبيا، خاصة منهم الشيخ إسماعيل الجيطالي في كتابه قواعد الإسلام والشيخ أبي حفص عمرو بن جميع في كتابه مقدمة التوحيد والشيخين الثلاثي والشماخي، الشارحين لمقدمة التوحيد، والشيخ الجناوني في كتابه الوضع. فكان أحيانا ينقل نصوصا منها، واتضح بالمقارنة أن بعض الآراء التي ذهب إليها مستقاة أحد هؤلاء العلماء.
من
فنفهم من هذا مدى تشبث الشيخ بتراث بلده واعتزازه به، ثم توسع في اعتماد مصادر الإباضية بالمغرب عامة، واستفاد - أحيانا-
من مصادر
- 355 - (1/373)
صفحة 374
المشرق؛ ككتب الشيخ السالمي. ثم توسع في الاستفادة من تراث الفكر
الإسلامي عامة، دون أي تمييز بين مذهب وآخر.
- أن الشيخ علي معمر من خلال كتاباته العقدية - دعا إلى أفكار إسلامية كثيرة، واقترح حلولا لبعض المشاكل التي يعاني منها المسلمون؛ كالدعوة إلى وحدة المسلمين والتقريب بين المذاهب الإسلامية، واعتبار الاختلاف بينها اختلاف تنوع وثراء وليس اختلاف تضاد وصراع، ونبذ التعصب والخلاف والتفرق وتبيين دور المؤسسات الاجتماعية في العمل على إصلاح الفرد والمجتمع، وتجسيد الإسلام في الحياة اليومية للناس.
8 - أن الشيخ علي معمر اعتمد في الاستدلال على المسائل العقدية التي عرضها على القرآن الكريم والسنة النبوية والعقل، وأخذ منهج مذهبه في التأويل.
9 - أن الشيخ علي معمر في استدلاله على المسائل العقدية التي عرضها لم يلتزم منهجا واحدا، فكان - أحيانا- يورد الأدلة من القرآن ومن السنة، ثم يورد وجهات اجتهادية مبنية على العقل، وكان أحيانا أخرى يكتفي بالاستدلال النقلي فقط، وفي أحيان أخرى كان يتغاضى عن الأدلة النقلية ويني رأيه على أدلة عقلية محضة، وفي أحيان أخرى كان يورد رأيه
تماما
خاليا من أي استدلال؛ نقلي كان أو عقلي.
هذه أهم النتائج التي توصل إليها هذا البحث.
وفي الختام أرجو أن أكون بهذا العمل قد أسهمت في فتح الباب لدراسة شخصية الشيخ علي يحيى معمر في جوانبها الأخرى، فهي كما مر - متعددة الاهتمامات ومما أتقدم به كتوصيات ومقترحات في هذا المجال:
1 - أن يولى الاهتمام بدراسة الجانب التربوي لمنهج الشيخ علي يحيى معمر في عرض العقيدة.
-356 - (1/374)
صفحة 375
2 - أن يولى الاهتمام بدراسة آرائه ونظرياته في الإصلاح الفكري من أوضاع الأمة
الإسلامية وجمع شتاتها والدعوة إلى وحدتها.
3 - أن يولى الاهتمام بدراسة منهجه في تناول موضوع الفرق الإسلامية، واستنباط قواعد وأخلاقيات تدوين التاريخ الإسلامي وعرض أحداثه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الله
-357 - (1/375)
صفحة 376
[صفحة فارغة] (1/376)
صفحة 377
المـ
لاحـ
ـق
- 359 - (1/377)
صفحة 378
[صفحة فارغة] (1/378)
صفحة 379
°11
11°30
12°
12°30
جادو
يفرن
مزو
نالوت
ساطو الجماري
بقالة
كاو
10
20 30
الحوامد
البلاد التونسية
الملحق 1: خريطة جبل نفوسة موضحة لأهم المدن والقرى نقلا عن فرحات الجعبيري: البعد الحضاري، ج 2، ص 835)
-361 - (1/379)
صفحة 380
الملحق 2: خريطة جزيرة جربة موضحة لأهم المدن والجوامع نقلا عن الحيلاتي: علماء جربة، تح:
محمد قوجة، ص 126)
ج
البرج الكبير
ج سيدي سالم
ج سيدي سماهر ج سيدي زايد
زارة
حمومة العرق
ج مدر بجن
ج المعز وزيد
زايد فلوغ
ج تفروجين ج عمر کاموس
جاز
دي بوسم
ج أجهور
ج قاروس
ج
ج ويحلان
مبروك
والمحبوبين
ج مغزو
ج برايمان
صر فيات
بروناش جاج اج الطوشي
ج تبلبرين
ج بونخيل
وائف
الماي
ج بن ديات
ج غار مجماج
ج وسيلة
ج عمران فرج البرداني
ج تعزور
تهرون
ج ثلاث
اج الورطينيين (تيونجن)
جامع
زيارة المشالح للمساجد الساحلية خلال القرن 11 هجري 17 ميلادي
مسلك الأول ع الثاني
برج العقيل
ج بن ويراني ج المثالية
-
لاوسخت
-362 - (1/380)
صفحة 381
اتجاه الشمال
1
موقع ولاية غرداية
(حيث يقع وادي
ميزاب) في خريطة
ولاية غرداية. الحدود الإدارية.
ولابه الاغواط
الجلفة
زلقانه
ولايه ورقل
حدود الولانية حدود الدائرة حدود البلدية مقر الدائرة مقر البلدية
بلدية غرداية
الجزائر
الغايا
سب
المنصورة
حاس النحل
ولايه البيض
المشبعة
حاسي القاره
ولاب
ولا يہ آدرار
الملحق 3: خريطة موضحة لقرى وادي ميزاب
-363 - (1/381)
صفحة 382
[صفحة فارغة] (1/382)
صفحة 383
الفهارس (1/383)
صفحة 384
[صفحة فارغة] (1/384)
صفحة 385
المصادر والمراجع
1 - إبراهيم أبو اليقظان: سلم الاستقامة المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي،
الجزائر، 1378 هـ / 1976 م.
2 - المؤلف نفسه ملحق السير (مخطوط)، دت.
3 - إبراهيم البيجوري: حاشية تحفة المريد على متن جوهرة التوحيد، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1347 م.
4 - إبراهيم بن عمر بيوض أعمالي في الثورة الزيتونة للإعلام والنشر، نشر جمعية التراث القرارة غرداية، 1990 م.
5 - المؤلف نفسه: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، ترتيب وتقديم وتخريج: بكير محمد الشيخ بالحاج المطبعة العربية، غرداية، 1988 م.
6 - أبو القاسم البرادي: الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، طبعة حجرية، القاهرة، 1302 هـ- 1885 م.
7 - أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية الجزائر، 1990 م.
8 - أحمد ابن تيمية مجموعة الرسائل الكبرى، ط 2، دار إحياء التراث القومي والثقافة العربي، بيروت لبنان، 1392 هـ - 1972 م.
و ـ أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ، مسقط، سلطنة عمان، 1407 هـ.
10 - أحمد أبو العباس الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، تح: إبراهيم طلاي
مطبعة البعث، قسنطينة- الجزائر، 1974 م.
-367 - (1/385)
صفحة 386
11 - أحمد أبو العباس الشماخي سير المشايخ، طبعة حجرية، 1301 هـ.
12 - أحمد محمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته، مطابع دار البعث، قسنطينة- الجزائر، 1991 م.
13 - أحمد محمود صبحي: في علم الكلام، ط 5، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1405 هـ ـ 1985 م.
14 إسماعيل بن موسى الجيطالي: قواعد الإسلام تص وتع: عبد الرحمن بكلي، ط 1، المطبعة العربية، غرداية الجزائر، 1976 م.
15 - أمانة الإعلام والثقافة: دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، ليبيا، 1397 هـ - 1977 م.
16 - بكير أعوشت: الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر، المطبعة العربية، غرداية، 1987 م.
17 - المؤلف نفسه: دراسات إسلامية في أصول الإباضية، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة - الجزائر، 1402 هـ - 1982 م.
18 - المؤلف نفسه: قطب الأيمة العلامة محمد بن يوسف اطفيش حياته. آثاره الفكرية. جهاده، المطبعة العربية، غرداية، 1989 م.
19 – جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، مطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي
والثقافة، 1983 م.
20 - حسين مروه النزاعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ط 4، دار
الفارابي، بيروت- لبنان، 1981 م.
21 - حمو عيسى النوري: نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية قديما وحديثا من سنة 1505 إلى 1962 دار الكروان- باريس 1984 م.
-368 - (1/386)
صفحة 387
22 - حمو فخار: نص الكلمة التي ألقاها بمناسبة زيارة الشيخ علي معمر إلى القرارة (مخطوط)، سنة 1945 م.
23 - خميس بن سعيد الرستاقي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تح سالم الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة المطابع العالمية، روي سلطنة عمان الطبعة الثانية، 1413 هـ-1993 م.
24 - الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، المطبعة العربية، غرداية، 1985 م. 25 - رؤوف شلبي: منهج القرآن الكريم في إثبات العقيدة الإسلامية، ط 2، منشورات المكتبة العصرية صيدا – بيروت – لبنان، دت.
26 - سعيد شريفي معهد الحياة نشأته وتطوره، ط 1، المطبعة العربية،
27
-
غرداية، 1989 م.
سعيد بن مبروك القنوبي: السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، ط 2، سلطنة عمان، 1418 هـ.
28 - سليمان عون الله: صفحات مخطوطة في ترجمة حياة الشيخ علي يحيى معمر (مخطوط)، 1991 م.
29 - صالح بن عمر: خلاصة مراقي العوام على مجموعة متون دت 30 - الطاهر أحمد الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ط 2، دار المعارف،
القاهرة، 1963 م.
31 - عبد الجبار القاضي: شرح الأصول الخمسة، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية الجزائر، 1990 م.
32 - المؤلف نفسه فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة تح: فؤاد سيد، ط 2، الدار التونسية للنشر بتونس والمؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر، 1406 هـ- 1986 م.
- 369 -
-
25 (1/387)
صفحة 388
33 - عبد الحميد بن باديس العقائد الإسلامية في الآيات القرآنية والأحاديث
النبوية، مكتبة الشركة الجزائرية، 1401 هـ - 1981 م.
34 - عبد الرحمن بكلي: مقدمته في كتاب النيل، ط 2، المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1389 هـ - 1969 م.
35 - عبد العزيز الثميني: معالم الدين مطابع سجل العرب وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1407 هـ/1987 م.
36 - عبد العليم عبد الرحمن خضر: المنهج الإيماني للدراسات الكونية في القرآن الكريم، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، الدار السعودية للنشر
والتوزيع، 1988 م.
37 - عبد الغني عيود الله والإنسان المعاصر، ط 1، مطبعة الاستقلال الكبرى، دار الفكر العربي، 1977 م.
38 - عبد الكافي أبو عمار الموجز تح: عمار طالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398 هـ - 1978 م.
39 - عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف، اطفيش نشر جمعية التراث، القرارة الجزائر، دت.
40 - عزة محمد عبد المنعم زايد: رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين، رسالة ماجستير في العقيدة والفلسفة الإسلامية، ط 1، نشر مكتبة الاستقامة، سلطنة
عمان، 1980 م.
41 - العضد الإيجي: المواقف في علم الكلام، نشر عالم الكتب، بيروت لبنان، دت. 42 - علي ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل والنحل، مطبعة التمدن، نشر دار الفكر، 1321 هـ / 1903 م.
- 370 - (1/388)
صفحة 389
43 - علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في
القديم والحديث، المطبعة العربية غرداية الجزائر، 1987 م.
44 - المؤلف نفسه الإباضية في موكب التاريخ حل 1 نشأة المذهـ الإباضي، ط 1، مطابع دار الكتاب العربي، مكتبة وهبة، القاهرة- مصر،
1964/ 1384
45 - المؤلف نفسه: الإباضية في موكب التاريخ حل 2، الإباضية في ليبيا، مطبعة الاستقلال الكبرى مصر، نشر مكتبة وهبة بالقاهرة، 1964 م.
46 - المؤلف نفسه الإباضية في موكب التاريخ، حل 3، الإباضية في تونس، مطبعة سميا، بيروت لبنان نشر وتوزيع دار الثقافة ببيروت، 1966 م.
47 - المؤلف نفسه الإباضية في موكب التاريخ، حله الإباضية في الجزائر، المطبعة العربية غرداية الجزائر، 1985 م.
48 - المؤلف نفسه الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى، ط 1، دار الفتح،
1972/ 1392
49 - المؤلف نفسه سمر أسرة مسلمة تح وتق محمد بن موسى بباعمي، العربية، غرداية الجزائر، أطلس للنشر وجمعية التراث، القرارة، 1992 م.
المطبعة
50 - المؤلف نفسه: صلاة الجمعة نشر وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، سلطنة عمان، 1410 هـ.
51 - المؤلف نفسه الفتاة الليبية ومشاكل الحياة، ط 1، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، 1970 م.
52 - المؤلف نفسه: مسلم ولكنه يدخن إخراج وتعليق: أحمد كروم، نشر: جمعية عمي سعيد - قسم التراث، غرداية، مطبعة تيهرت، غرداية، 1990 م.
- 371 -
- (1/389)
صفحة 390
53 - عمرو بن جميع أبو حفص: مقدمة التوحيد وشروحها، تص وتع: إبراهيم
اطفيش، القاهرة -مصر، 1353 هـ.
54 - فتح بن نوح المالوشائي: قصيدة النونية نقلا عن عبد العزيز الثميني: النور (شرح قصيدة النونية)، المطبعة العربية، 1981 م.
55 - فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية المطبعة العربية غرداية، نشر جمعية التراث بالقرارة، 1991 م.
56 - فوزي بن يونس بن حديد الشيخ علي يحيى معمر ونهجه الدعوي، بحث التخرّج من معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، بسلطنة عمان، السنة الدراسية: 1418 هـ - 1997 م.
57 - قاسم أحمد الشيخ بالحاج الشيخ السالمي واستعماله لدليل التمانع، بحث مخطوط، 1991 م. 58 - المؤلف نفسه الظروف السياسية لنشأة الفرقة الإباضية المطبعة العربية، غرداية، نشر الجمعية الثقافية: نجم الأدب الإسلامي، الجزائر، 1418 هـ - 1998 م. 59 - المؤلف نفسه: نظرية الحضارة عند المفكر مالك بن نبي، منشورات التبيين، الجاحظية- الجزائر، 1998 م.
60 - مالك بن نبي: ميلاد مجتمع - شبكة العلاقات الاجتماعية، مطبعة النخلة، -بوزريعة- الجزائر، نشر دار الفكر - الجزائر ودار الفكر - سوريا، 1992 م.
61 - مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، ط 2، تولى إخراج الطبعة: د. إبراهيم أنيس - عطية الصوالحي - عبد الحليم منتصر - محمد خلف الله أحمد أشرف،
مطابع دار المعارف، مصر، 1393 هـ/ 1973 م.
-372 - (1/390)
صفحة 391
62 - مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية جزء المغرب، نشر جمعية
التراث، القرارة غرداية، 1415 هـ-1995 م.
63 - مجموعة من المؤلفين: رواية ذي قار (مخطوط)، دت (حوالي سنة 1944 م). 64 - محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، 1985/ 1405.
65 - محمد أبو بكر الباقلاني كتاب التمهيد تح: الأب رتشرو يوسف: مكارثي اليسوعي، المكتبة الشرقية، بيروت، لبنان، منشورات جامعة الحكمة في بغداد، 1957 م.
66 - محمد أبو حامد الغزالي إحياء علوم الدين، دار الثقافة الجزائر،
1411 هـ - 1991 م.
67 - المؤلف نفسه الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان،
1983 - 1403
68 - محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، في السياسة والعقائد)، دار الفكر العربي، دت.
69 - محمد بن عمر أبو ستة: حاشية الترتيب المطبعة الشرقية ومكتبتها، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1403 - 1983.
70 - محمد أبو منصور الماتوريدي: كتاب التوحيد، ط 2، تح: فتح الله خليق، المطبعة الكاتوليكية، بيروت-لبنان، 1982 م.
71 - محمد بن أبي العز شرح الطحاوية، المكتب الإسلامي، بيروت لبنان، 1399 هـ.
-
72
محمد اطفيش تيسير التفسير، مطبعة عيسى البابي الحلبي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1406 هـ - 1986 م.
-373 - (1/391)
صفحة 392
73 - المؤلف نفسه الذهب الخالص، ط 2، مطبعة البعث، قسنطينة، 1400 هـ / 1980 م.
- المؤلف نفسه شامل الأصل والفرع المطبعة السلفية القاهرة، 1348 هـ.
75 - المؤلف نفسه: هميان الزاد إلى دار المعاد، ط 1، مطابع سجل العرب، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، 1980 م.
76 - محمد خليل هراس شرح الواسطية لابن تيمية، ط 5، مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة، المملكة السعودية، دت.
77 - محمد رشيد رضا الوحي المحمدي المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1988 م. 78 - محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية مطبعة النخلة، دار الفكر - الجزائر، 1992 م.
79 - المؤلف نفسه كبرى اليقينيات الكونية، ط 8، دار الفکر، دمشق سوريا، 1982 م.
80 - محمد عبده، رسالة التوحيد، ط 4، دار إحياء العلوم، بيروت-لبنان
1982/ 1402
81 - محمد علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، ط 2، دار النهضة العربية، بيروت - لبنان، 1973 م.
82 - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة- الجزائر، 1398 هـ –1978 م.
83 - المؤلف نفسه: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، المطبعة العربية،
الجزائر، 1389 هـ - 1969 م.
84 - محمد الغزالي عقيدة المسلم، دار الشهاب للطباعة والنشر، باتنة الجزائر، 1985 م.
-374 - (1/392)
صفحة 393
85 - محمد بن مسعود تاريخ ليبيا الحديث من مجيء العثمانيين إلى الوقت
الحاضر، مطبعة ماجي، طرابلس-ليبيا، دت.
86 - محمد بن مکرم ابن منظور، لسان العرب المحيط، إعداد وتصنيف: يوسف خياط دار لسان العرب بيروت - لبنان، 1408 هـ / 1988 م.
87 - محمد ناصر: الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية الجزائر، نشر جمعية التراث بالقرارة.
88 – المؤلف نفسه: المؤرخ الأديب علي يحيى معمر (مخطوط)، دت. 89 - محمد ناصر بوحجام (جمع وتعليق: أبو اليقظان في الدوريات العربية المطبعة العربية، غرداية، 1985 م.
90 - المؤلف نفسه: الشيخ بيوض والعمل السياسي، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، 1412 هـ - 1992 م. 91 - المؤلف نفسه مقدمة كتاب الإباضية دراسة مركزة للشيخ علي يحيى معمر: المطبعة العربية غرداية، 1985 م.
92 - محمد بن يعقوب الفيروزبادي: القاموس المحيط، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت لبنان، 1952 م.
93 - محمود أبو القاسم الزمخشري: الكشاف، تح: تح: محمد
دار المصحف القاهرة، 1397 هـ - 1977 م.
مرسي
عامر، ط 2،
ر، ط 2، ج 1،
94 - محمود يعقوبي: المدخل إلى المقالة الفلسفية، ط 3، 1985 م.
95 - مسعود مزهودي: الإباضية في المغرب الأوسط، المطبعة العربية، غرداية، نشر
جمعية التراث بالقرارة، 1417 هـ- 1996 م.
96 - مصطفى وينتن آراء الشيخ المحمد بن يوسف اطفيش العقدية، المطبعة
العربية، غرداية الجزائر، نشر جمعية التراث، القرارة، 1998 م.
-375 - (1/393)
صفحة 394
97 - موسوعة الحديث الشريف شركة صخر لبرامج الحاسب (إحدى شركات
مجموعة العالمية)، 1996 م.
98 - نور الدين السالمي: مشارق أنوار العقول تع وتص: أحمد الخليلي، ط 2، مطابع العقيدة، سلطنة عمان، 1398 هـ/1978 م.
وو - المؤلف نفسه: منظومة أنوار العقول في الأصول (ضمن كتاب مشارق أنوار العقول، المشارق.
100 – الهادي سعيد صالح: كلمة تأبينية للشخ علي معمر (مخطوط). 1980 م. 101 - يحيى بن أبي الخير الجناوني: كتاب الوضع، تح: أبو إسحاق إبراهيم، اطفيش، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، مصر، دت.
102 - يغلا بن زلتاف أبو خزر كتاب الرد على جميع المخالفين، دت. 103 – يوسف أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان، تح سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1403 هـ / 1983 م. 104 – يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية، المطبعة العربية غرداية 1992 م.
المصادر والمراجع باللغة الفرنسية
105 - Brahim Benyoucef: Le M'zab Espace Et Societe, Imprimerie Aboudaoud, El Harrach, Alger.
106 - David Louis: Les Machaikh Du M’zab.
107 - Pierre Cuperly: Introduction a L'étude De L'ibadism Et De Sa Théologie, OPU, Alger, 1984.
108
Tadeusz Lewicki: Etudes Ibadites Nord Africaine, Partie 1, Tasmiya Suyuh Gabal Nafusa Wa Qurahum, Warszawa, 1955.
-376 - (1/394)
صفحة 395
النشريات
1 – مجلة الإنقاذ: الصادرة في شيكاغو - أمريكا - عد 45، بتاريخ شعبان 1415 هـ /
يناير 1995 م.
- عد 27، بتاريخ رمضان 1404 هـ / جانفي 1984 م.
2 - جريدة الشباب الصادرة بمعهد الحياة بالقرارة.
عد: 292 بتاريخ جانفي 1939 م.
عد: 293، بتاريخ فيفري 1939 م.
عد: 274، بتاريخ مارس 1938 م.
عد: 274 بتاريخ مارس 1938 م.
- عد: 277، بتاريخ جوان 1938 م.
عد 273 بتاريخ مارس 1938 م.
عد: 288 بتاريخ ديسمبر 1938.
3 - مجلة المسلمون الصادرة في جنيف بسويسرا في تاريخ ربيع الثاني 1383 هـ /
سبتمبر 1963 م.
4 - مجلة العصر: الصادرة من وزارة الشؤون الدينية بالجزائر، عد 17، بتاريخ الجمعة 04 محرم 1418 هـ/ 01 ماي 1998 م.
5 - رسالة المسجد: الصادرة عن منشورات دار الدعوة نالوت- ليبيا، عد:4،
1389 هـ - 1970 م.
-377 - (1/395)
صفحة 396
المراسلات
1 - إبراهيم أبو اليقظان: رسالة بعثها إلى الشيخ علي يحيى معمر، مؤرخة في:
1964/ 09/18
2 - أحمد بن حمد الخليلي رسالة بعثها إلى الباحث مؤرخة في: 15 جمادى الثانية 1417 هـ / 28 أكتوبر 1997 م.
3 - سالم بن يعقوب: رسالة بعثها إلى الأستاذ محمد ناصر بوحجام، مؤرخة في:
1981 م.
-4 سليمان الشيباني رسالة بعثها إلى الباحث مؤرخة في:16 فيفري 1997 م. 5 - علي يحيى معمر: رسالة بعثها إلى الشيخ أبي اليقظان، مؤرخة في:
1962/ 2/17
6 علي يحيى معمر: رسالة بعثها إلى الشيخ أبي اليقظان، مؤرخة في: 1962/ 11/26 م.
7 - علي يحيى معمر: رسالة بعثها إلى الشيخ أبي اليقظان، مؤرخة في:
1965/ 02/15
8 - علي يحيى معمر: رسالة بعثها إلى الشيخ أبي اليقظان، مؤرخة في:
-1966/ 6/1
9 - علي يحيى معمر: رسالة بعثها إلى الشيخ بيوض، مؤرخة في: 1/ 19/ 1944 م. 10 - علي يحيى معمر: رسالة بعثها إلى الشيخ بيوض، مؤرخة في 22/ 1944/2 م).
-378 - (1/396)
صفحة 397
المقابلات
1 - مقابلة شخصية مع الشيخ إبراهيم آداود، غرداية، أوت 1996 م.
2 - مقابلة شخصية مع الشيخ بكير أرشوم: بريان، أوت 1996 م.
3 - مقابلة شخصية مع الشيخ حمو فخار أجنة غرداية، أوت 1996 م. 4 - مقابلة شخصية مع الشيخ سعيد الشيخ دحمان: الجزائر العاصمة، أفريل 1998 م. 5 - مقابلة شخصية مع الشيخ سليمان بومريقة: غرداية، أوت 1996 م. 6 - مقابلة شخصية مع الشيخ صالح بزملال: بني يزقن، أوت 1997 م.
-7 - مقابلة شخصية مع الشيخ عدون شريفي: القرارة، جويلية 1995 م. 8 - مقابلة شخصية ثانية مع الشيخ عدون شريفي: القرارة، جويلية 1996 م. 9 - مقابلة شخصية مع الشيخ عمر لقمان سليمان بوعصبانة: الجزائر العاصمة، جويلية 1997 م.
10 - مقابلة شخصية مع السيد عيسى الشيباني، الجزائر العاصمة، 1997/ 02/02 م.
11 - مقابلة شخصية مع الشيخ فرحات الجعبيري: تونس، مارس 1997.
12 - مقابلة شخصية مع الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج: خنشلة، سبتمبر
(1997
13 - مقابلة شخصية مع الدكتور مسعود مزهودي باتنة، 06 جوان 1998 م.
14 - مقابلة شخصية مع الشيخ ناصر مرموري: غرداية، أوت 1997 م. 15 - مقابلة الطالب مصطفى ابن ادريسو مع الشيخ أحمد أوراغ: بريان، سبتمبر
-379 -
1993 (1/397)
صفحة 398
16 - مقابلة الطالبين ابن ادريسو مصطفى وكومني ياسين مع الشيخ عدون شريفي:
القرارة، سبتمبر 1993 م.
17 - مقابلة الأستاذ محمد ناصر بوحجام مع الشيخ ناصر مرموري: القرارة، 1981 م.
y eye
-380 - (1/398)
صفحة 399
الآية
7 - 6
24
35
فهرس الآيات القرآنية
الآية
سورة الفاتحة
واهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
سورة البقرة
329
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ 324
وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ الله
وَقُلْنَا يَا عَادَمُ اسْكُنَ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
324
الصفحات
81 - 80 {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلَ اتخذتُمْ عِندَ اللهِ 271، 337، 340 عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ, أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ
تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ
أصحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ الله
طووَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِمَانَكُمْ
213
يَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْنِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارِ 243
أيم الله
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ـ آمَنَ 342
باللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
طوربنا لا تُوَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
سورة آل عمران
130
ورَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا ريبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ 337
223
- 381 -
الميعادي
إنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ
143
276
285
286
19 (1/399)
صفحة 400
50
97
133
135
-190
191
وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي 189
حرم عليكم
و اللهِ عَلَى الناسِ حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن 232، 243 كفرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ له
سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ 324
وَالأَرْضَ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ له
والذينَ إِذا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله 269 فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبُ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا
عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ الله
وانَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ 143 لآيَاتِ الأُولِي الألْبَابِ الذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النار
سورة النساء
18 - 17 وإنما التوبةَ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ 274 مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
31
93
144
163
أَوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
وان تختنِبُوا كَبَائِرَ مَا تَنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ 271، 278 وَتُدْخِلْكُم مَّدْخَلا كَريمان
وَمَنْ يَقتلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ 340
الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا
ويا أيها الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ 304 الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبينا
وأنا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ 202
-
- 382 - (1/400)
صفحة 401
سورة المائدة
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى
305
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ 223
243 (232
177
لَكُمُ الإسلام دينام
وو من مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}
وبَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطتان که
{وَإِذَ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنَ امِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا عَامَنا | 223
271
وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
سورة الأنعام
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
سورة الأعراف
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقِّ
331
والذينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ 130 نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِنَايَاتِنَا
يَجْحَدُونَ الله
والا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ
289
229
وأَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَا مَنْ مَكْرَ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ وإِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَ وَلَهُ 342
يسجلون کے
سورة الأنفال
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ 213
عَلَيْهِمْ, عَاياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
-383 -
2
3
44
64
111
164
8
51
54
99
206
4 - 2 (1/401)
صفحة 402
و إذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَتُوا الذِينَ آمَنُوا 202
سورة التوبة
براءة مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ 301، 304 الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضِ يَامُرُونَ بِالْمُنكَرِ 130، 242
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ
الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
305
وَالْمُؤْمِنونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ, أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
سورة هود
12
1
67
71
6
88
مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا 139
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبينه
وإن أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ 74
توكلت
وَإِلَيْهِ أُنيب.
106 فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، وَأَمَّا 314 الذِينَ سَعِدُوا فَفِى الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ الله
107
114
{وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ 281
هبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَالِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)
325
212
وإليه: الأمر كلهم
سورة يوسف
ومَا أَنتَ بِمُومِن لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ
{وَلَا تَايْسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَايْسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا 230
الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
سورة الرعد
وثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
177
-384 -
123
17
87
2 (1/402)
صفحة 403
سورة النحل
هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنَيَ أَشْكُرُ أَمَ اكْفُرُ وَمَن شَكَرَ 232، 241، 243 فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ لله
{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ 202
الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
فكفرت بأنعم الله
سورة الإسراء
241
285
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ
40
889
68
112
4
233
36
49
وقضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
285
304
وَقَالُوا أَمذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَانَا اَنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا 320
51 - 50 قل كونوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي 320 صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُل الذِي فَطَرَكُمْ, أَوَّلَ مَرَّةٍ
سورة الكهف
24 - 23 {وَلا تقولَنَّ لِشَيْءٍ إِني فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ
24
61
52
73
وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نسيته
فلما بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا
283
130
130
وقال لا تُوَاخِذْنِي بِمَا نَسيتُ وَلاَ تُرْهِقنِي مِنَ امْرِي عُسرا 130
سورة مريم
72 - 71 {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَاردُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا تُم ثُمَّ 328
ننجي
الذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا حُيًّان
177
سورة طه
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
- 385
5
26 (1/403)
صفحة 404
176
وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي
39
87 - 86 فأخلفتم مَّوْعِدِي قَالُوا مَا أَحْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا
335
125 - قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ 130
126
20
20
22
47
17
-102
103
31
62
اتنك عايَاتِنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى
سورة الأنبياء
سبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ
ولَوْ كَانَ فِيهِمَا عَالِهَةً إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا
347
152
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْس شَيْئًا وَإِن 338، 331، 332
كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ الله
سورة الحج
وإِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى 261 وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ
الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
سورة المؤمنون
ثَقُلَتْ مَوَازِينَهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ.
مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ في جَهَنَّمَ خَالِدُو
سورة النور
{وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
سورة الفرقان
ت 331
278
وتَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا 138 وقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الذي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنَ أَرَادَ أَن
يَذْكُرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
-386 - (1/404)
صفحة 405
سورة القصص وَأَوْحَيْنَا إِلَى أَمْ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ
202
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي البَقْعَةِ 204 الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
176
وكُل شَيْءٍ هَالِك إِلا وَجْهَهُ) سورة الأحزاب
7
30
30
88
22
38
40
51
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ | 223 وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِمَانًا وَتَسْلِيمًا
وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا
283
ومَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ 195
وخاتم النبيئين كله
تَرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ
227
2 - 3 وانا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ 249 مِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ الله
3
1
3
غَفُورًا رَّحِيمًا
سورة سبأ
عَالِمُ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي 167 الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَالِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مين
سورة فاطر
1
جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ 342
وهَلْ مِنْ خَالِقِ غَيْرُ اللهِ
289
-387 - (1/405)
صفحة 406
11
41
وَمَا تَحْمِلُ مِنْ انَثَى وَلَا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ
169
وإنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاً وَلَئِن زَالَنَا إِنَّ 139
أَمْسَكَهُمَا مِنَ أَحَدٍ مِّنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا،
سورة يس
40 - 37 وَآيَة لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخَ مِنهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ 138 تَجْرِي لِمُسْتَقَر لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ
66
مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنِّي 328، 330
79 - 78 وقال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَا 320 أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الله
96
102
سورة الصافات
وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
288
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَني 203 أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ سَتَجِدُنِي إِن
شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابرين الله
177
سورة ص
خلقت يدي
سورة الزمر
وقُلْ يَا عِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ 230 اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
289
-388 -
و اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء له
25
25
53
62 (1/406)
صفحة 407
سورة فصلت
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء 202
أمر هام که
وسَنُرِيهِمْ, عَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ 143
سورة الشورى
أَنَّهُ الْحَقُّ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ الله
170 162 <150
179 174 171
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ 189 وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا
تتفرقوا فيه الله
وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ, إلا وَحْيا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ 204 لوْ يُرْسِلُ رَسُولاً قيوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
سورة الزخرف
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الذِينَ هُمْ عِندَ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشْهِدُوا 345
خلْقَهُمْ سَكْتبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ
سورة الجاثية
وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَاكِ أَثِيمٍ يَسْمَعُ عَآيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبرًا كَأَن كان لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ له
275 (269
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتِنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيا وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا 320
الدهر
وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ 314
تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
-389 -
12
53
11
13
51
19
8 - 7
24
27 (1/407)
صفحة 408
سورة الأحقاف
أوَلَمْ يَرَوَا اَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ 320 يحلْقِهِن بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِي الْمَوْتَى عَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء
سورة محمد
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
304
177
سورة الفتح
وإِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
سورة الحجرات
قالَتِ الأَعْرَابُ آمَنا قُل لَّمْ تُومِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا 212، 224
يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ
337
سورة ق
ومَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
33
19
10
14
29
سورة الذاريات
36 - 35 فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ 223
يْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ الله
سورة الطور
36 - 35 أَمْ خَلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ 137
4 - 3
وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ
سورة النجم
وما ينطقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى
205
- 390 - (1/408)
صفحة 409
14
27
وَلَقَدْ رَعَاهُ نَزْلَةَ أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى
204
وإنَّ الذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيسَمُونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَة 346
الأنثى امامية
32 - 31 لِيَجْزِيَ الذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا 281 بالْحُسَنَى الذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ
283
176
285
رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ
وإنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقَدَرم
سورة القمر
تجري بأعيننا
إنا كُلَّ شَيْءٍ خلقناه بقدر
49
14
49
27
22
222
سورة الرحمن
بقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالاكْرَام الله
سورة الحديد
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا
كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبرَ أَهَا نه
سورة المجادلة
176
283
ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ | 304
سورة الممتحنة
وقَدْ كَانَتْ لَكُمْ, إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ 305 قَالُوا لِقَوْمِهِمْ, إِنَّا بُرَعَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
وحده
-391 -
22
223
4 (1/409)
صفحة 410
ولَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ 305
وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
سورة الملك
189
والا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
سورة نوح
وَإنِّي كَلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي عَاذَانِهِمْ 269، 275 وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاران
من يعصر
)
أبد الله
سورة الجن
اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا 340
283
176
204
سورة الإنسان
هوانا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا له
إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ
سورة التكوير
وَلَقَدْ رَعَاهُ بالأفق المُبين الله
سورة الانفطار
6
14
7
23
3
9
23
5 - 1
و إذَا السَّمَاءُ الفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ 314 فُجَرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَحْرَبَ له سورة الغاشية
2017 أفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ 137 رُفِعَت وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيف
سطحت
- 392 - (1/410)
صفحة 411
سورة الفجر
ووَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
سورة العلق
و اقرا باسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ...
سورة القدر
وتنزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم
سورة البينة
285
204
346
وإنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ 326 خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيئَةِ إِنَّ الَّذِينَ عَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيئَةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
سورة القارعة
و فَأَمَّا مَن ثَقَلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفْت 314 مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهُ نَارٌ حَامِيَةً
سورة الإخلاص
قلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ 150، 174
كفوا احد
KEN
الم
- 393 -
16
2 - 1
4
8 - 6
11 - 6
4 - 1 (1/411)
صفحة 412
فهرس الأحاديث النبوية
أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع .. اجتنبوا السبع الموبقات؛ قالوا يا رسول الله وما هن.
أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي.
أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ... إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت.
اعملوا فكل ميسر لما خلق له. لما خلق له ............. أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في ا
الله
........................................................
ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .. أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل. أنا عند ظن عبدي، فليظن بي ما يشاء. ما يشاء .............. إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره.
314
277.
203
203
326
296
.............................................
302
253
243
255.250
177
231
289 (283
................
203
213
291
213
346 343
271
أول ما بدئ به رسول الله لهم من الوحي الرؤيا الصادقة ..... ــــــــــــــــــــــــــــــ
الإيمان بضع وسبعون أو وستون شعبة ........
تعلم أن ما أصابك لم يكن لخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك
الحياء شعبة من الإيمان
خلفت الملائكة من نور.
الذنوب على وجهين ذنب بين العبد وربه.
سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.
فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطالت السجلات.
قال أخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه رسله واليوم
الآخر.
243
331
342 314 289
197 .......
قلت يا رسول الله: كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ............
283
- 394 - (1/412)
صفحة 413
289
213
230
243 232
143
211 ........................
243
309
340
129
130
283
328
..........
كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس. لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا إيمان لمن لا صلاة له.
لو وزن خوف المسلم ورجاؤه بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة.
ما كنت تقولون؟ قالوا: نتذاكر في الشمس وفي محراها .. ما من عبد قال لا إلاه إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة .. من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه فيما قال.
من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه .... من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده.
نظرت في ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من ناسي القرآن. وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
يؤمن بالقدر خيره وشره.
يمر الناس على جسر جهنم وعليه حك وكلاليب وخطاطيف.
-
- 395 – (1/413)
صفحة 414
آداود، إبراهيم: 88. آداود، عمر بن صالح: 43.
آدم
العليا
فهرس الأعلام
261 228 199 196:
324 306 304 (303
آمنة بنت وهب: 193.
إبراهيم العلي: 196، 203، 305.
الابريكي، إبراهيم بن عيسى: 58.
أبو ستة: 30، 35.
أبو سعيد الخدري: 328.
أبو سهل: 15.
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: 109، 299.
أبو علي القالي: 35.
أبو عمار عبد الكافي: 244، 249، 300.
أبو لهب: 308
أبو نصر الملوشائي: 212 213. إبليس/الشيطان: 8، 229 230 231،
274
ابن تيمية: 109.
ابن حجر العسقلاني: 30، 35.
ابن حزم: 109.
ابن عقيل: 22، 35.
أبو الربيع سليمان بن هارون: 15.
أبو اليقظان إبراهيم: 34، 48، 60، 61
352 101 91 (83
أبو بكر الصديق: 232.
أبو حفص عمرو بن جميع: 108، 220،
354 300 249 237 228
أبو حنيفة النعمان: 212.
أبو ذر الغفاري: 211.
أبو زكرياء يحيى بن سفيان: 15.
أبو زهرة، محمد: 245، 248.
أحمد بن عمر: 97.
أرشوم، بكير: 88.
إسماعيل العلم: 203. الأشعري: 109.
اطفيش، أبو إسحاق إبراهيم: 58، 87،
113
اطفيش امحمد بن يوسف: 29، 35، 60،
199 197 195 162 154 225 224 216 214 <201 249 241 234 231 228 301 300 289 277 252 332 329 325 323 315.343 341 338
أفلح: 83. أوراغ، أحمد: 36.
- 396 - (1/414)
صفحة 415
الباروني، أبو الربيع سليمان: 53. الباروني، سليمان: 11، 61.
الباروني، عيسى بن يحيى: 21، 56. الباقلاني، أبو بكر: 119.
البخاري: 30، 35 114.
الجناوني، أبو زكرياء يحيى: 72، 96، 108،
354 306 300 220 127
جهم بن صفوان: 211.
الجيطالي، إسماعيل: 67، 108، 121، 122،
بلخوجة، عثمان 25.
228 220 199 196 127
310 306 304 300 280
354 (347
بوحجام، محمد ناصر: 6.
الحاج الناصر، محمد: 37، 38. البوطي، محمد سعيد رمضان: 139، 195،
344 317 286 198 196
345
الحسن البصري: 258
حليمة السعدية 194.
حمزة الكوفي: 299.
بومريقة سليمان 40.
بو معقل عمر بن داود 86
البيجوري، إبراهيم: 325.
يوض، إبراهيم: 27، 28، 29، 30، 31،
46 43 41 36 35 34 33
61 60 59 58 54 49 48
352 101 96 94 83 77
بيوض، بكير بن عمر: 43. تربح يوسف: 84.
الحنفي، محمد بن يوسف: 25. الخليلي، أحمد: 91.
العلية داوود
204:
دبوز، محمد علي: 37، 38، 51. الرافعي، مصطفى صادق: 38، 97. الربيع بن حبيب 30، 35، 108، 109،
289 271 240 <114
الرستاقي، خميس: 325، 336.
رشيد رضا 195 201 202، 316، 317. التلاتي، أبو سليمان داود: 108، 220،
354 280 238
الثميني، عبد العزيز: 300.
الثميني، محمد بن صالح: 25، 58.
جابر بن زيد: 109، 289.
الزيات، أحمد حسن: 38، 48.
زينب اللالوتية: 15.
سالم بن يعقوب: 52، 53، 73، 78، 81،
82
السالمي، نور الدين: 109، 127، 153، جبريل العلم: 203 204، 283، 314،
348 342
الجعبيري، فرحات: 151، 289.
300 286 278 277 $244
354 329 325.305
-
- 397 -
- (1/415)
صفحة 416
السجستاني، محمد بن كرام: 211.
العقاد: 37، 97
سليمان عون الله: 6، 55، 69، 79، 86، عمر المختار: 11.
87
السودي، عبد القادر بن محمد: 97.
سيد قطب: 108، 112.
الشافعي: 109.
الخطاب: 304. عمر بن
العليا
عيسي
261 196:
الشاوش، علي: 81.
شريفي علون 31 35 37 39، 41
352 83 61 (43
غالب بن علي: 86.
الغزالي، أبو حامد: 109.
فخار، حمو 41 42 83، 95، 100، 101.
فرعون: 308.
فوزي بن يونس بن حديد: 61.
الشماخي، أبو العباس أحمد: 14، 108، قارون: 308
239 238 234 228 <220
354 280
الشماخي، عامر: 72.
الشيباني، خليفة: 81.
الشيخ دحمان، سعيد بن عبد الله: 43.
صالح المعدي: 57.
صالح بن باعلي: 58.
الطاهر بن عاشور: 25
طباخ، بنوح: 100.
طه حسين 38.
بن إباض: 109، 233، 239، 258.
عبادة
بن
الصامت: 289.
عبد الله
عبد الله بن عباس: 277.
عبد الله
بن عبد المطلب: 193.
عبد الله
عقيل: 87.
عبد الملك بن مروان: 239.
العطفاوي، محمد بن يوسف: 58.
القاضي عبد الجبار: 118، 224، 328.
القرادي، إبراهيم: 100.
الكباوي، عبد الله بن مسعود الباروني:
56 $20
لعلي، صالح: 156.
لقمان، عمر: 86.
الليني، رمضان بن يحيى: 22، 23، 24، 25،
57 (54
الماتوريدي، أبو نصر: 152.
محمد عبده 35، 119
المرموري، ناصر: 40، 43، 44، 45، 46،
87 86.80 €77 76 75
مسلم: 114.
المصري، خليل: 98.
المصعبي، يوسف: 276.
معمر، حسن بن علي: 16. معمر، خالد بن علي: 16.
-
- 398 - (1/416)
صفحة 417
سعاد بنت علي: 16. معمر، معمر، سلمى بنت علي: 16. معمر، عبد الله بن علي: 16.
معمر، علي يحيى: أغلب صفحات
البحث.
معمر، عيسى بن علي: 16.
معمر، فريد بن علي: 16.
معمر، محمد بن علي: 16، 17.
معمر، يحيى بن علي: 16، 20. المليكي، عمر بن يحيى: 29، 58، 60.
نافع بن الأزرق: 233، 258. النامي، عمر خليفة: 72.
النخلي، محمد: 25.
نوح
العليا
هامان 308
196:
الوارجلاني، أبو يعقوب: 113، 224، 272،
300
واصل بن عطاء: 299.
وهبة: 87، 90، 91، 92.
وينتن، مصطفى 198.
- 399 -
261 204 196:
موسي (1/417)
صفحة 418
فهرس الأماكن والبلدان
آجيم: 24، 57.
352 90 88 85 83
الأردن: 79.
الأزهر: 71.
أمريكا: 55.
إيطاليا/ الاستعمار الإيطالي: 11، 18، 20،
جامع الباي: 82.
69 64 56 39
تيهرت: 94.
جادو: 67 68، 75، 76، 80، 88.
جامع ابن عباس: 24.
جامع الزيتونة: 24، 25، 41، 42، 51، 54،
باتنة: 60.
باريس: 266.
بريان: 88.
69 68 60 58 57 56
جامع الشيخ: 81.
الجامع الكبير: 81.
جامع ليمس: 24. بريطانيا / إنجلترا/ الاستعمار البريطاني: 11،
65.64
البصرة: 87، 259
بغداد 87
البقاع المقدسة: 86.
بنغازي: 11، 94.
بني يزقن: 57 58، 60.
بيروت: 91، 93، 95
تقرت 85
تكويت: 13، 15، 56.
تمزين 75 76، 80.
جبل العباد: 85.
جبل نفوسة: 7، 13، 15، 68، 72، 74،
127 108 90 84 80 76 75
354 352 (282
الجزائر:
52 51 39 29 28 26 (4:
61 59 58 57 56 55.53 85 84 82 81 79 70 <68
95 94 93 92 91 90 88
352 101 99 (97
الجزيرة العربية: 232.
تونس: 4، 22، 24، 25، 29، 32، 34، 50،
جزيرة جربة جربة: 22، 23، 24، 25،
57 56 55 54 53 52 51
81 57 56 54 41 34 (26
85.82
82 81 79 77 68 60 58
-400 - (1/418)
صفحة 419
جنيف: 98.
جيطال: 99.
الحجاز: 79.
حومة السوق: 81.
الداخلية: 47.
دار البعثة الميزابية: 25. دار العلوم: 29.
دار القرآن: 29.
دار بئر الأحجار: 51.
دار عشيرة آل بومعقل: 86.
زوارة: 75، 95.
سدراتة 85
سوريا 79، 87
سوق البلاط: 52
سويسرا: 98.
القاهرة: 71، 90، 91، 92، 97.
القدس: 79.
القرارة،6، 26،،27، 28، 29، 33، 36،
51 50 49 48 47 43 39
93 88 61 60 58 54 52
352 100 97 96
القيروان: 54، 55.
كباو: 75، 76، 80.
الكويت: 79، 80، 87.
لبنان: 79، 93.
ليبيا: 4، 7، 11، 17، 18، 25، 29، 34،
55 54 50 49 43 41 39
77 72 71 68 65 64 (56
94 90 88 83 81 80 79.354 353 352 108 98 95
طرابلس: 11، 17، 18، 68، 71، 75، 76،
88 80 78 <77
العراق: 79، 80، 86، 87.
العطف 85.
95 194 193 192 90 16: ühs
غار أبجماج: 81.
غرداية: 88، 91 92 93 94 95
غريان: 68، 76، 80، 88. غوث الشعال: 77 78
فرنسا، الاستعمار الفرنسي: 11 28 39
60 59 51 50 49
فلسطين: 101.
مدرسة الحياة: 47. مدرسة الهنتاتي: 53.
الفتح: مسجد
76.75 17
مسجد الهنتاتي: 52، 53، 88.
المشرق: 86، 109، 162، 163، 354.
مصر: 579 79، 87، 92،90، 96، 98.
مصراتة: 11.
معهد ابن خلدون: 51.
معهد الحاج إبراهيم بن عيسى الإبريكي:
58
معهد الحاج عمر بن يحيى المليكي: 58 60. معهد الحياة،6 26، 27، 28، 31، 32،
-401 -
27 (1/419)
صفحة 420
41 39 37 136 135 134 133
58 51 50 49 48 43 42 88 84 77 70 68 62 61.352 101 99 (97 (89
معهد القطب الشيخ اطفيش: 29، 57،
مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب: 81. منطقة الحشان: 81.
نالوت 13، 14، 16، 17، 22، 23، 56،
69 168 167 166 165 164 57.94 88 80 76 75 73 72
60
وادي ذي قار: 100.
المغرب الأقصى: 96.
وادي سوف: 85.
المغرب 60 72، 79، 108، 109، 163،
وادي ميزاب ميزاب: 7، 19، 26، 27
354 (221
مقبرة الجامع الكبير: 81.
مقبرة الشيخ أبي ستة: 81.
مقبرة سيدي منذر: 18.
مكة: 266.
المكتبة البارونية 81. مكتبة الحياة: 39
43 41 39 33 31 29 28 59 58 54 51 48 47 46.352 100 88 85 72 61 60
وارجلان: 84 85 86. ورسيغن: 81.
يفرن 75، 80.
*****
-402 - (1/420)
صفحة 421
فهرس الفرق والأديان والقبائل والأقوام
إباضية الجزائر: 54.
إباضية المشرق: 163.
إباضية المغرب: 163.
إباضية تونس: 54.
البعثة الميزانية: 25، 32. البلاكفة: 175.
بنو إسرائيل: 189.
بنو زكرياء: 16.
الإباضية / المذهب الإباضي: أغلب التجار الميزاييون: 54.
صفحات البحث.
الجبرية: 297.
الإسلام الإسلامي/ الإسلامية: أغلب الجهمية 326.
صفحات البحث.
أشباه المجسمة: 177.
الحركة الإصلاحية 27، 28، 31، 33، 39،
54 48 46 (43
الأشعرية، الأشاعرة: 169، 170، 175، الحركة الوطنية الجزائرية: 28، 59.
324 294 235 215 211
339 337 331 327
الخوارج 109، 233، 247، 258، 259،
280
أهل الإنجيل: 261.
أهل التوراة: 261.
أهل السنة: 182، 184.
أهل الكبائر: 339 340 341
الزيدية: 178.
السلفية: 169، 174، 212، 327، 331.
الشيعة: 109.
الصابئون: 261 262
أهل الكتاب: 136، 261 262، 264، الطلبة الإباضية الجرييون التونسيون: 52
299
أهل نالوت: 22.
أولاد إبراهيم: 14.
أولاد الدير: 14.
أولاد عون الله: 14.
البعثة البيوضية: 50، 51 54.
-403 -
73.53
العرب: 100.
العزابة: 14.
العساكرة: 14.
الغرب: 264.
الفرس: 284. (1/421)
صفحة 422
الفقهاء: 212.
الفلاسفة 139، 145، 173.
الكافرون أهل الكفر / الكفرة/ الكفار:
302 264 245 208 145
334
269 264 263 262 261
306 299 273 272 <270
339 323
المعتزلة، المدرسة الاعتزالية: 109، 119،
الكرامية: 211.
178 175 171 170 152
294 235 224 212 184
337 336 328 324 297
المؤمنون: 208، 245، 249، 250، 334.
الماتوريدية: 109، 211.
339.338
المقادمة: 14، 16. المتكلمون علماء الكلام: 139، 145،
174 173 171 169 165
الملاحدة، الملحدون: 145، 261.
179
المجسمة: 177.
المجوس: 261 262، 264.
المذاهب الإلحادية 135
المذبذبون: 262.
مذهب التفويض: 174.
المرتدون: 233.
المرجئة: 259.
المنافقون: 242، 249.
الموحدون، أهل التوحيد: 145، 208، 235،
247 243 242 241 <240
253
الميزاييون بنو ميزاب: 25، 32، 36، 41،
84 60 54 52
النجارية: 211.
النصارى: 249، 261 262، 284.
المستشرقون: 106
النصرانية: 211.
الوثنيون: 261. المسلمون المسلم: أغلب صفحات
البحث.
اليهود: 249، 261 262، 284،.
المشركون المشرك: 145، 208، 236
اليهودية: 211
260 259 258 249 245
اليونان: 284.
-
-
- 404 - (1/422)
صفحة 423
j ..
2
بط
1
الإهداء.
.......
فهرس مواضيع البحث
هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَان. الرموز المستعملة.
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام.
الفصل الأول
تمهيد.
حياة الشيخ علي يحيى
المبحث الأول حياته الاجتماعية.
1 - مولده ونشأته ..
2 - زواجه وأسرته
3 - المضايقات والمتابعات.
4 - مرضه ووفاته ..
10 .............
13.
16 .....................
17 ..................
18 ..................................................................................................
المبحث الثاني حياته العلمية. المرحلة الأولى دراسته بليبيا
المرحلة الثانية: دراسته بتونس.
1 - في جزيرة جربة.
2 - في جامع الزيتونة.
المرحلة الثالثة: دراسته بالجزائر (معهد الحياة بالقرارة.
تمهـ
20.
20 ........
23 ..
23 ..
24 ..................
26 ..
.......
26 .........
-
- 405 -
- (1/423)
صفحة 424
-
الواقع الاجتماعي لوادي ميزاب والقرارة
2 - التعريف بمعهد الحياة
28 ...............................................................................
32 .............
32 ...................................................................................
علي يحيى معمر طالب في معهد الحياة
1 - كيفية التحاقه بالمعهد.
2 - دخوله المعهد.
3 - دراسته بالمعهد.
4 - إقامته في القرارة
33.
34 .............................................................................................
5 - أنشطته العلمية بالمعهد
36 .................
37 .............................................................................
ا - مشاركته في جريدة الشباب
ب - مشاركته في جمعيات الشباب
ج
نشاطه في إدارة المعهد.
د - تدريسه في المعهد
40 .................................................................
41
42 ....................................................................................
46 ......................
50 ..............
6 - نشاطاته خارج المعهد
العودة إلى بلده ليبيا.
1 - طريق الرحلة
2 - إقامته بتونس
...........................................
50 ..................
51 ..............
53 ............................................................................................
55 ..................
64 .....
...........
64 ..............
65 ..............
66 ......
3 - نشاطه بتونس
مشايخه .........
الفصل الثاني
نماذج من جهوده الإصلاحية ورحلاته وآثاره
المبحث الأول نماذج من جهوده الإصلاحية.
أولا - في المجال السياسي
ثانيا - في المجال الاجتماعي
ثالثا - في المجال التعليمي
- 406 ·
- (1/424)
صفحة 425
68 ..
69 ...............................................................
70 .............
71.
72.
73.
74 ...
75.
...........
79 ...
79 ..................................................
80 ....................................................................
81
81 ..........
82 ............
86 ..................
86 .................
رابعا - في المجال الثقافي والصحفي:
1 - مجلة اليراع
2 - مشاركاته في نشريات أخرى
3 - اهتمامه بتحقيق التراث الإسلامي
- 4
مشاركته في رسالة المسجد.
خامسا – في المجال الدعوي 1 - فكرة إنشاء نظام العزابة
2 جهاده في مسجد الفتح بطرابلس
المبحث الثاني و.
تمهيد
أولا - رحلاته داخل بلده ليبيا ثانيا - رحلاته إلى خارج بلده.
1 - إلى جزيرة جربة بتونس
2 - إلى وادي ميزاب بالجزائر
-
3 إلى وارجلان بالجزائر.
4 - إلى البقاع المقدسة.
........
5 - إلى البلدان الإسلامية الأخرى.
المبحث الثالث آث ــاره.
1 - تلاميذه
88 .........................................................
88 ...................................................................
89 .................................................................................................
89.
94 .....
95 ...
96 ........
96 .............
-407 -
2 إنتاجه العلمي.
أ - الكتب.
ب – البحوث.
ج - الرسائل
د- - التعاليق ........
المقالات .......
ه- (1/425)
صفحة 426
و - الأشعار.
ز - الروايات.
ح المراسلات.
ط - الأعمال المفقودة ..
الفصل الثالث
منهج عرض العقيدة عند الشيخ علي يحيى والمعرفة الشرعية الضرورية
99.
100 ........
100 ..
المبحث الأول منهج عرض العقيدة عند الشيخ علي
يميد معمر أولاً - مكانة العقيدة في مؤلفاته ...... ثانيا - المصادر المعتمدة في عرضه للعقيدة.
ثالثا - منهجه في عرض مسائل العقيدة. رابعا - منهجه في الاستدلال على العقائد
101
104 ............
104 .......
108 ............
110 .................
114 .......................................................
المبحث الثاني المعرفة الشرعية الضرورية.
تمهيد
............
................
118 .......
118 .................................................................................................
أولا: العلم الشرعي الضروري.
1 - تعريف العلم الضروري.
2 - أقسام العلم المتعلق بالدين ...
ثانيا: نسيان العلم الضروري وأحكامه.
-1
119.
119 .............................................
....
120 ................
........................................ !
تعريف النسيان.
2 - أقسام النسيان.
128 ..............
128 ............................................
129.
-
- 408 - (1/426)
صفحة 427
الإلهـ
الفصل الرابع
المبحث الأول وجود الله تعالى
تمهيد
أدلة وجود الله تعالى.
134.
134 ......
136 ................
136 ................
137 ..................
138 ............................................................................................
أ - دليل الخلق والإيجاد.
ب - دليل الإبداع والدقة والنظام.
- X
- دليل العناية.
المبحث الثاني منهج معرفة الله تعالى 141
1 - منهج الاستدلال على وجود الله تعالى
2 - منهج معرفة الله تعالى ...
.....
3 - قيام الحجة على الإيمان بالله تعالى.
141 .....................................................
المبحث الثالث: توحيد الله تعالى
1 - تعريف التوحيد.
2 - الاستدلال على الوحدانية
142 .................
146 ..............
149 .................................................
149 .......
152 .........................................................................
3 الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى.
4 - تعريف كلمة التوحيد.
5 - الإيمان بجملة التوحيد ........
154 .....................................................
157 ...............
158 ......................................................................................................
المبحث الرابع الصفات وأقسامها.
تمهيد
1 - تعريف الصفة ..
-2 أقسام الصفات.
161.
161 .......
162 ........
-
- 409 - (1/427)
صفحة 428
164 ..................................................
167 ......
169 ......
174 ...............
178 ...
3 - إثبات صفات الكمال
-4 - الصفات الواجبة والجائزة والمستحيلة.
5 - علاقة الذات الإلهية بالصفات
6 - الصفات الخبرية ..
-
منهجه في عرض الصفات.
المبث الخامس مسائل متعلقة بالصفات
أولاً: مسألة الرؤية.
ثانياً: مسألة خلق القرآن.
180 .............
180 ...............
183 ....................................................................................
الفصل الخامس
النـ
سبوات
تمهيد
188 ..........
المبحث الأول معرفة الرسل والرسائل.
1 - قيام الحجة على الإيمان بالرسالة.
2 - ما يجب معرفته عن الرسل.
-3 - ما يجب معرفته عن الرسول محمد خاصة.
4 - تعريف النبي والرسول.
190 .......................................
190 ...
193 ............
194 ..................................................................................
5 - الفرق بين النبي والرسول 6 - عدد الأنبياء والرسل.
ما يجب في الإيمان بالرسل والرسائل.
196 ..............
197 .........................................................
199 .........
المبحث الثاني: الوحي وطرق نزوله.
1 - تعريف الوحي.
2 طرق نزول الوحي
............
201 ........................................................................................
201 ..
202 ...............................................................................
-410 - (1/428)
صفحة 429
الإنس
الفصل السادس
انيات
المبحث الأول الأسماء والأحكام.
تمهيد
أولا: مفهوم الإيمان وعلاقته بالإسلام والدين.
1 - مفهوم الإيمان.
2 - مفهوم الإسلام
3 - مفهوم الدين.
208 ...........
208 ..........
210 ...
210 ......................
218 ........
221 ....................................................................................................
4 - العلاقة بين الإيمان والإسلام والدين.
ثانيا: الخوف والرجاء.
222.
226 ..........................................................................................
1 - تعريف حالة الخوف وحالة الرجاء. 2 - قلب المؤمن بين حالتي الخوف والرجاء ..
ثالثا: مفهوم الكفر وأقسامه ...
تمهيد.
227 ..................
229 ................................................................
232 ..............
232 ................................................................................................................
1 - تعريف الكفر
2 - أقسام الكفر ..
أ - كفر الشرك .......
ب - كفر ال
النعمة.
مدخل تاريخي.
1 - تعريف كفر النعمة.
234 ................
234 .....
235 ..
239 .....
239 ......
241 .................................................................................
2 - الأدلة الشرعية على إطلاق مصطلح كفر النعمة على مرتكبي الكبائر ............. 243
3 موقفه من كتاب المقالات في مسألة كفر النعم ..............
رابعا: الأحكام المترتبة على الأسماء.
1 - أحكام منزلة الإيمان.
2 - أحكام منزلة ...............
245 ......
...........................
248 ...............
250 ................
255 ..................................
- 411 - (1/429)
صفحة 430
أ- أحكام منزلة كفر النعمة.
255 .............................................................................
260 ..
ب - أحكام منزلة كفر الشرك.
ج- ملل الكفر وأحكامها.
أحكام أهل الكتاب ............
- أحكام المشركين.
أحكام المحوس ..
262 ...
263 ........................................................................................
264 ................
خامسا: الأسماء المتعلقة بالكفر. -1 - تعريف المنكر.
2 - تعريف المستحل.
-3 - تعريف المُحرم.
4 - تعريف المصر ..
سادسا: المعاصي تقسيماتها وأنواعها.
1 - تقسيم الإباضية للمعاصي
التقسيم الأول ............
التقسيم الثاني
265 ...
266 ................
268 ..... 268 ............
271.
271 ...................................................................
271
272 ................................................................................
2 - تقسيم الشيخ علي معمر للمعاصي.
3 - تعريف الكبيرة.
......
272 ........
276 .................
281 ........................................................................................
4 - تعريف الصغيرة ..
المبحث الثاني القضاء والقدر.
تمھي
د.
أولا: تعريف القضاء والقدر والإيمان بهما.
1 - تعريف القضاء والقدر.
-2 الأزل وما يزال.
-3 - الإيمان بالقضاء والقدر.
283.
283 ........................................................
285.
285 .....................................................................
287 .....
288 ..........
290 .......................................................................................................
- 412 -
ثانيا: فعل الإنسان و الإرادة الإلهية. (1/430)
صفحة 431
1 - علاقة الفعل الإنساني بالإرادة الإلهية.
2 - حكم أفعال الإنسان.
3 - تيسير فعل الإنسان.
293 ........
295 ...............................................................................
المبحث الثالث الولاية والبراعة.
تمهيد.
299 ..
299 ...........................................................................................
أولا: تعريف الولاية والبراءة وأدلة وجوبها
1 - تعريف الولاية والبراءة. 2 - تعريف الوقوف.
300 ..
300 ................................................................
3 - الاستدلال على وجوب الولاية والبراءة. ثانيا: أقسام الولاية والبراءة. 1 - ولاية وبراءة الجملة من المسلمين ......
-2 ولاية وبراءة بيضة المسلمين
-3 ولاية وبراءة الأشخاص.
....
أ - ولاية وبراءة المنصوص عليهم.
302.
304 ........................................
305.
306 ..................
306 ................
307 ....................................................
307 .................
308 ...................................
ب - ولاية وبراءة المعروفين بشخصهم من المعاصرين. 4 - قيام الحجة على ولاية الأشخاص والبراءة منهم.
الفصل السابع
310 ................
314 ...............
316 ...............
316 .....................
317 ..
سيات
تمهيد
المبحث الأول الغيب ومراحه.
أولا: تعريف الغيب.
:ثانيا مراحل عالم الغيب.
ثالثا: الإيمان بالموت والاستدلال على ثبوته
-413 - (1/431)
صفحة 432
318 .......................................................
رابعا: الإيمان بالبعث والاستدلال على ثبوته .............
:خامسا: الرد على منكري البعث
سادسا: الثواب والعقاب.
سابعا: الجنة والنار والمسائل المتعلقة بهما. 1 - تعريف الجنة والنار.
2 - مسألة وجود الجنة والنار أو عدمهما.
-3 - مسألة تحديد مكان الجنة والنار .... 4 - مسألة فناء الجنة والنار أو دوامهما.
ثامنا: مفهوم الصراط
تاسعا: مفهوم ا
ميزان
320.
322.
323 ......................................................
324 ...
325 ..................................................................
326 ..............
327 .....................
330 ............
334 ..
المبحث الثاني الوعد والوعيد.
: تمهيد
334 ..................................................................................................................
335 ............................................................................
337 ...............
........
:أولا: تعريف الوعد والوعيد.
ثانيا: مسألة إنفاد الوعد والوعيد.
339 .....................................................................
ثالثا: مسألة الخلود في النار.
342 ..........
342 ......
343 .....
345 ..
5 .....................................................
•
347 ....................
348 ...
353.
المبحث الثالث الإيمان بالملائكة.
1 - تعريف الملائكة.
-2 صفات الملائكة ووظائفهم.
1
3 نفي الذكورية والأنوثية عن الملائكة.
-4 - أقسام الملائكة.
-5 - ما يجب في الإيمان بالملائكة ..
-
-
– 414 –
الخـ
ـــــــاتمة. (1/432)
صفحة 433
361 ........................................................
362.
363 ..
الملاحق
الملحق 1: خريطة جبل نفوسة.
الملحق 2: خريطة جزيرة جربة ..
الملحق 3 خريطة وادي ميزاب
هارس
المصادر والمراجع.
المصادر والمراجع باللغة الفرنسية ..
367 .................................................................................
.....
376 ...
النشريات.
المراسلات.
المقابلات.
377 ............................................................................................................
378.
379 .............................................................................................................
فهرس الآيات القرآنية.
381 ..
فهرس الأحاديث النبوية.
394 .......................................................................................
فهرس الأعلام ..
396 ..
فهرس الأماكن والبلدان.
400 ........................
فهرس الفرق والأديان والقبائل والأقوام.
فهرس مواضيع البحث.
403 .........................................................
405.
- 415 - (1/433)