صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - سير وتراجم
------------------------------------------
العنوان: الصحابي الجليل مازن بن غضوبة رضي الله عنه
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1421ه/ 2001م
الطبعة: 3
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5694&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/378
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 رجب 1446ه/ 04 - شهر 01 - 2025م. الصحابي الجليل مازن بن غضوبة
رضي الله عنه
تأليف
سعادة الشيخ
أحمد بن سعود السيابي (1/1)
صفحة 2
الطبعة الثالثة
1421 هـ - 2001 م
جميع الحقوق محفوظة
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع ص. ب: 2 – الرمز البريدي: 121 السيب - سلطنة عمان (1/2)
صفحة 3
رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ترَنهُمْ رُكَعًا سُجَدَا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَمْرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ في الإنجيل كَزَرع أَخْرَجَ شَطْهُ فَتَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزَّرَاعَ لِيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ امَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا
سورة الفتح 29 (1/3)
صفحة 4
ديني دين الإسلام. سيزيد الله أهل عُمان خصباً وصيداً. فطوبى لمن آمن بي ورآني، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني، وطوبي ثم طوبى لمن آمن بي ولم برني؛ ولم ير من راني. وإن الله سيزيد أهل عُمان إسلاماً ..
حديث شريف (1/4)
صفحة 5
بيتم لف الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
ومن والاه. وبعد ..
فإن الإسلام دين الله القويم، وحبله المتين وهو دين الفطرة الإنسانية فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم. وبعث به نبيه محمداً؛ فأسمع به الآذان، وفتح به القلوب، وأيقظ به الهمم. فألف بين القلوب المتنافرة، وقارب بين النفوس المتباعدة، وأذهب السخائم والأحقاد فوادد بين القلوب المتباغضة، فصار به الناس قلباً واحداً، وجسداً واحداً، ولحمة واحدة. يقول الله عز وجل واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شفا حفرة من الناء فأنقذكم منها).
وأصبحوا كما وصفهم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بقوله: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
واستجاب لأمر الإسلام عدد من الناس اختصهم الله لصحبة نبيه، وشرفهم بحمل الرسالة الإسلامية، فانطلقوا بها شرقاً وغرباً في ربوع المعمورة وأرجاء الأرض، حاملين للناس الهداية والخير (1/5)
صفحة 6
والعدل والرحمة، وملأوا الدنيا علماً وفضلاً. فما عرفت الدنيا فاتحاً
أعدل وأرحم منهم. وكان من بين أولئك الشرفاء العظام والقادة الكرام الصحابي الجليل/ مازن بن غضوبة السعدي الطائي العماني رضي الله عنه. على أن الحديث عن مازن بن غضوبة هو الحديث عن إسلام أهل عُمان، فهو الذي بذر البذرة الأولى للإسلام في هذا القطر العريق، ووضع لبنة بناء صرح الإسلام فيه. فنعمت عُمان بالإسلام ديناً ودولة، عدلاً
وأمناً، قوة وعظمة.
بيد أن المادة المتعلقة بحياة هذا الصحابي الجليل قليلة جداً، فهي لا تتجاوز الصفحات القليلة من الصفحتين إلى الثلاث صفحات في المصادر التي تحدثت عنه، وهي وان وجدت في مصادر عديدة إلا أنها متكررة وكلها تدور حول قصة إسلامه.
على أنني قد بذلت الوسع في إعداد هذا الموضوع بجمع شتات مادته القليلة المتناثرة ومحاولة الربط بينها، واستنتاج ما يجعل حياة
هذا الصحابي الجليل واضحة المعالم إلى حد ما.
وإذا كان البحث عن حياة الأشخاص تكتنفه الكثير من الصعوبات، فإن البحث عن حياة الأشخاص العُمانيين، يكون أشد صعوبة، نظراً إلى قلة المادة العلمية، وندرة المصادر التي تعين الباحث إلى إبراز الصفحات المشرقة عن حياة أولئك الأشخاص (1/6)
صفحة 7
الذين أسهموا في بناء الحضارة الإسلامية بجميع جوانبها في هذا
البلد.
وعلى أي حال، فقد اجتهدت قدر المستطاع في إعداد هذا الكتاب الذي هو بعنوان الصحابي الجليل مازن بن غضوبة - رضي الله عنه، فجاء مكوناً من الفصول والمواضيع التالية:
الفصل الأول - الجذور القبلية لمازن:
ذكرنا نسب مازن في المصادر العُمانية وغير العُمانية وتسلسل نسبه إلى طيء، كما ذكرنا البطون والأفخاذ التي ينحدر منها، والتي ترجع إلى طيء الذي هو الأب الأكبر لقبائل طيء كلها.
* الفصل الثاني - البيئة التي عاشها مازن
وقد تطرقنا إلى ذكر المكان الذي عاش فيه وهي مدينة سمائل، والحالة الإجتماعية التي كان عليها في حياته ومدى تأثيرها عليه في حياته وسلوكه في جاهليته، كما تطرقنا في هذا الفصل إلى الديانة السائدة عند العرب بصفة عامة، وعند مازن وقومه بصفة خاصة.
الفصل الثالث - إسلام مازن بن غضوبة:
وقد ذكرنا في هذا الفصل، سبب إسلامه والدافع إليه، ورحلته (1/7)
صفحة 8
إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبته للنبي والرواية عنه، وأثر دعائه عليه الصلاة والسلام لمازن ولأهل عُمان، والبداية الأولى لانتشار الإسلام في عُمان،
والمفاهيم الإسلامية في شعر مازن.
الفصل الرابع - إسلام أهل عُمان:
ونعني به إسلام ملكي عُمان ودخول أهل عُمان كافة في الإسلام وذلك لما بين إسلام مازن وإسلام أهل عُمان من ترابط، وتحدثنا في هذا الفصل عن مجيء عمرو بن العاص، وعن كتاب النبي، وعن الدور الذي قام به رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عُمان ثم رجوعه إلى المدينة بعد وفاة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، ومعه وفد عُماني رفيع المستوى برئاسة عبد بن الجلندى أحد ملكي عُمان اللذين كتب إليهما الرسول صلى الله عليه وسلم وعللنا تعليلاً مناسباً إن شاء الله إختفاء دور مازن بن غضوبة في المشاركة في ذلك الحدث التاريخي الهام وهو إسلام عبد وجيفر ابني الجلندى وإسلام أهل عُمان، ومسيرهم مع عمرو بن العاص لتقديم البيعة للخليفة الأول.
الفصل الخامس - أسرة مازن في الإسلام:
وقد رأينا أن نتطرق بالذكر إلى أولاد مازن وأحفاده، وما كان
يتصف به بعضهم من علم وأدب وفضل. (1/8)
صفحة 9
وذكرنا في خاتمة بحثنا ما توصلنا إليه من خلال المقارنة والتحليل من نتائج وأفكار. وفي آخر الكتاب، أثبتنا بعض الملاحق. نقلناها من أهم المصادر التي تحدثت عن مازن وعن إسلامه، زيادة في التوثيق؛ وتقريباً لفهم القارئ.
والله نسأله التوفيق والسداد في القول والعمل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..
أحمد بن سعود السيابي (1/9)
صفحة 10
الفصل الأول
الجذور القبلية لمازن (1/11)
صفحة 11
نسب مازن بن غضوبة
تتفق المصادر العُمانية في سلسلة نسب مازن بن غضوبة. فالعوتبي ينسبه، بأنه مازن بن غضوبة بن سبيعة بن شماسة بن حيان ابن بشر بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء) ويتفق الأزكوي (2) والسالمي (3) مع العوتبي، فقد أوصلا نسب مازن إلى طيء،
ولا غرو في ذلك فالعوتبي هو نسابة عُمان الأول، ومؤرخها السابق. أما المصادر الأخرى غير العُمانية فيوجد بينها وبين المصادر
العُمانية شيء من الإختلاف في سلسلة نسب مازن.
فابن حجر العسقلاني ينسبه بأنه مازن بن الغضوبة بن عزاب ابن بشر بن خطامة بن سعد بن ثعلبة بن نصر بن سعد بن أسود بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء
(4)
وينسبه ابن الكلبي فيقول: مازن بن الغضوبة بن سبعة بن شماسة بن حيان بن مر بن حيا (5). وقال ابن عبدالبر: مازن بن
(1) سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري الأنساب ج 1 (وزارة التراث القومي والثقافة) ص 255. (2) سرحان بن سعيد الأزكوي، تاريخ عُمان المقتبس من كشف الغمة (تحقيق عبدالمجيد حسيب القيسي). (3) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان: ج 1، ص 53. (4) شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، (دار الكتب العلمية، بيروت)، ج 6، ص 15. (0) أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي نسب معد واليمن الكبير (تحقيق الدكتور ناجي
حسن)، ج 1، ص 261. (1/13)
صفحة 12
الغضوبة، ويقال الغضوب الخطامي فخذ من طيء
(1)
كما يذكر ابن حجر أن أمه زينب بنت عبد الله (2).
ونرى من المناسب أن نتطرق بالذكر عن تلك القبائل والأفخاذ وجذور النسب التي ينتمي إليها مازن ويتصل نسبه بها. فيرجع نسبه
إلى طيء الذي هو جماع قبائل طيء كلها، وهو الأب الأكبر لها. واسم طيء، جلهمة بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان، وإنما طيء لقبه لأنه أول من طوى المراحل أو المناهل كما قيل (3). وتذكر كتب النسب بعض القصص الظريفة الشيقة عن رحيله من مكان باليمن اسمه طريف إلى جبلي أجا وسلمى (جبلي طيء) واستقراره هنالك مع بنيه، ثم انتشرت من هناك قبائل طيء إلى غيرهما من البلدان (4).
على أن قبائل طيء منتشرة أيضاً في مناطق من عُمان. ويوجد بعمان وادي الطائيين وهو واد خصيب عليه العديد من القرى والبلدان. ولا يزال معظم سكانه إلى يومنا هذا من قبائل طيء ولعل من الطريف أن بعض أسماء الأماكن التي مر بها طيء في رحلته من
(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، أبو عمر بن عبدالبر، على هامش الإصابة.
(2) الإصابة، ج 6، ص 15.
(3) الأنساب للعوتبي، ج 1، ص 246، وانظر الاشتقاق لأبي بكر ابن دريد. تحقيق
وشرح عبد السلام محمد هارون، ص 380
(4) العوتبي، ج 1، ص 251. (1/14)
صفحة 13
اليمن إلى جبلي أجا وسلمى أي) من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها حسب ما تذكر كتب النسب هي موجودة في وادي الطائيين، مثل أحلا، وضيقة (1) وغيرهما.
تسلسل النسب من طيء
ولد طيء ــ الأب الأكبر - رجلين هما: الغوث بن طيء. وفطرة
بن طيء. أما الغوث بن طيء، فولد عمرو بن الغوث الذي صار له من الولد نبهان وثعل وجرم وبولان، ومنهم تفرقت أكثر قبائل طيء. وصار العدد في بني عمرو بن الغوث، ومن ولد عمرو بن الغوث، نبهان بن عمرو، وهو أسودان وربما أن أسودان لقب له.
ومن ولد سعد بن نبهان ولد لسعد خطامة بن سعد (2). يقول العوتبي: ومنهم بنو خطامة بن سعد بن نبهان وهم بعمان، كان منهم مازن بن غضوبة .. الخ (3).
فلذلك يقال لمازن بن غضوبة الخطامي السعدي النبهاني الطائي، باعتبار إنحدار نسبه من هؤلاء الرجال الذين صارت تنتسب إليهم بطون وأفخاذ، من قبيلة طيء الكبرى.
(1) نفس المصدر، ص 248.
(2) العوتبي، ج 1 1، ص
(3) نفس المصدر، ص 3
252 - 255
255 (1/15)
صفحة 14
الفصل الثاني
البيئة التي عاشها مازن (1/17)
صفحة 15
لابد من التعرف على البيئة التي عاشها وعاش فيها مازن بن غضوبة، وما كان لها من أثر على حياته وفكره وسلوكه حيث أن للبيت تأثيراً في توجيه حياة الإنسان وتكوين فكره، وأنماط سلوكه، فما هو المكان الذي عاش فيه؟ وما هي الأفكار والديانة التي كانت سائدة في ذلك المكان وتأثر بها مازن في حياته؟ كل هذه التساؤلات سوف نعرض لها في هذا الفصل بالإجابة إن شاء الله.
سمائل
تقع سمائل على الطريق المؤدي إلى داخلية عُمان. متحكمة على ذلك الطريق، ولذلك سماها شاعر العرب أبو مسلم البهلاني حلقوم الملك»، حيث يقول في نونيته المشهورة:
وأين حلقوم ذاك الملك معصمه سمائل فهي للسلطان سلطان (1) ويتجمع في سمائل حالياً العديد من القبائل، وهي ذات طبيعة خلابة بما فيها من البساتين والأشجار تتخللها الجداول (الأفلاج) مكوّنة حدائق ذات بهجة تجري من تحتها الأنهار، وقد تغنى الشعراء بجمالها الخلاب وطبيعتها الساحرة، بما لا مزيد عليه وقد وصفها الشيخ سالم بن حمود السيابي بقوله:
هي حلقوم عُمان الداخلية بإجماع أهل هذا القطر، وواسطة
(1) ديوان أبي مسلم البهلاني، النونية. (1/19)
صفحة 16
عقده،
هي الفيحاء الوارفة الظل البهجة الرياض، الحسنة المنظر الجميلة الهيئة، لها شأن سجله الدهر، بعلماء أفاضل، وزعماء عباهل وأمراء أكابر، وأعيان لم ينس الدهر فضلهم، وأخيار مازالت الأبا تتلو شرفهم ومجدهم، هي بالنسبة إلى البلاد العُمانية جنتها الوحيدة أو دوحتها الفريدة، وتاجها الموقر، أنهارها جارية، وأثمارها دانية وأشجارها وارفة ومياهها متدفقة ورياضها غناء مورفة، وبها قبائل مهمة، وتقع بين جبال مكتظة بها تحيط بها سوراً منيعا (1).
وقد تخرج منها العديد من العلماء والأدباء والشعراء، ولها وجود وذكر في الشعر العُماني، وكانت قبيل ظهور الإسلام تسكنها قبيلتان من ققبائل طيء هما: بنو خطامة وبنو الصامت، وإليهما أشار مازن في شعره بعدما أسلم: يا راكباً بلغن عمروا وإخواتها إني لمن قال ربي باجر قالي قال العوتبي: قوله بلغن عمروا يعني يريد بني الصامت إسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن (2). ولعل هناك أيضاً قبائل أخرى كانت تقطن سمائل فهي
طيء
جاهلية العمران (3).
(1) سالم بن حمود السيابي، العنوان، ص 70.
(2) العوتبي، ص 257.
(3) العنوان، ص 72. (1/20)
صفحة 17
عاد
وقد نشأ مازن فيها وعاش بين ربوعها واكـ من أهلها، وتفاعل أخذاً وعطاءً مع كل شيء في سمائل حتى توفي بها،
وقبره معروف بمكان يطلق عليه الدقدقين.
الحالة الإجتماعية
ينحدر مازن من أسرة عريقة النسب كريمة المحتد كما عرفنا ذلك فيما تقدم من نسبه، ويبدو أنه كان يحتل المكانة الرفيعة المنزلة، الشامخة في قومه، والدليل على ذلك جرأته وقوته على تحطيم الصنم الذي كانوا يعبدونه، فلو لم يكن مترأساً عليهم، عالي المنزلة فيهم لما استطاع أن يقوم بما قام به من تحطيم الصنم. ومن المعلوم أن العرب ما استنكفوا عن الإسلام وقاتلوا ضده وحاربوه، إلا لكونه جاء قاضياً على عبادة الأصنام والأوثان
ولذلك؛ فإنه من غير المألوف أن يعدو أي إنسان على صنم أو أي معبود آخر دون أن تثور ثائرة القوم الذين يعبدونه ويقدسونه. إلا إذا كان ذلك الرجل مسموع الكلمة فيهم، مطاع الرأي عندهم. وهكذا شأن مازن ومنزلته في قبيلته وقومه، فمن هنالك عمد إلى الصنم فكسره جذاذاً.
إنه مهما تكن للشخص من منزلة ومهما تكن له من مكانة فإنه لابد له من معارضة، وهذا هو ما حدث لمازن فقد أنّبه بعض (1/21)
صفحة 18
قومه وشتموه وتحاملوا عليه وأخذ شاعرهم في هجائه. الأمر الذي ألجأه إلى الإنتقال إلى مكان آخر وبنى فيه مسجداً، فقد نقل البيهقي من حديث أبي جعفر الذي هو من أحفاد مازن بسنده إلى هشام بن محمد الكلبي في قصة إسلام مازن: قال مازن: فلما رجعت إلى قومي أنبوني وشتموني وأمروا شاعرهم فهجاني. فقلت إن هجوتهم فإنها أهجو نفسي، فتركتهم وأنشأت أقول:
وشتمكم عندنا مُر مذاقه وشتمنا عندكم يا قومنالئن لا ينشب الدهر أن يثبت معايبكم وكلكم أبدا في عيبنا فطن فشعرنا مفحم عنكم وشاعركم في حربنا يبلغ في شتمنا لن
(1)
ما في الصدور عليكم فاعلموا وغر وفي صدوركم البغضاء والإحن)
وفي قوله: «فقلت إن هجوتهم فإنها أهجو نفسي» دليل على مكانته في قومه، وأنه منظور فيهم. ولا يبعد أن يكون المكان الذي إنتقل إليه نتيجة مضايقة قومه هو المضمار، كما أنه لا يبعد أن يكون المسجد الذي بناه هو مسجد المضمار المعروف، فقد جاء عن البيهقي: «أن مازناً لما تنحى عن قومه أتى موضعاً فأبتنى مسجداً يتعبد فيه» (2).
(1) أحمد بن الحسين البيهقي، دلائل النبوة، ج 2) دار الكتب اللعلمية، بيروت) ص 257.
(2) دلائل النبوة، ج 2، ص 258. (1/22)
صفحة 19
ولكونه ذا مكانة إجتماعية في قومه؛ وكان القائم فيهم، ندموا
على شتمهم إياه وهجائهم له، وندموا على ما صنعوا به، فأقبلوا إليه يسألونه الصفح والعودة إلى المسئولية، قال مازن: «ثم أن القوم ندموا وكنت القيم بأمورهم، فقالوا ما عسانا أن نصنع به، فجاءني أرفلة عظيمة فقالوا: يابن عم؛ عبنا عليك أمراً فنهيناك عنه، فإذا أبيت فنحن تاركوك أرجع معنا (1).
وإذا عرفنا أن مازناً كان من رؤساء قومه ووجهاء عشيرته، مرموقاً فيهم، فإنه كان على جانب كبير من الترف والمجون، كما هو شأن الأمراء والزعماء ـ لاسيما في الجاهلية ــ فقد كانوا يشربون الخمر، وتعزف عليهم القيان، ويعمرون مجالس اللهو والطرب.
ويصور لنا الشاعر الجاهلي امرؤ القيس، وهو أحد أبناء الأمراء، تلك الحياة الجاهلية الماجنة اللاهية عندما بلغه نعي مقتل أبيه: «اليوم خمر وغداً أمر (2).
كما وصف تلك الحياة في معلقته:
ألا رب يوم لك منهن صالح ولا سيما يوم بدارة جلجل ويوم عقرت للعذارى مطيتي فيا عجباً من كورها المتحمل فظل العذارى يرتمين بلحمها وشحم كهداب الدمقس المفتل
(1) المصدر السابق، ص 258
(2) امرؤ القيس بن حجر الكندي الديوان (1/23)
صفحة 20
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت لك الويلات إنك مرجلي تقول وقد مال الغبيط بنا معاً عقرت بعيري يا امرء القيس فانزل فقلت لها سيري وأرخي عنانه ولا تبعديني من جناك المعلل فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول
وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهو بها غير معجل "
وها هو ذا طرفة بن العبد يعلنها حياة ماجنة لاهية:
(1)
فإن تبغني في حلقة القوم تلقني وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد وإن يلتق الحي الجميع تلاقن إلى ذروة البيت الشريف المصمد نداماي بيض كالنجوم وقينة تروح علينا بين برد ومجسد ومازال تشرابي الخمور ولذتي وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي ولولا ثلاث منّ من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزيد وكري إذا نادى المضاف محبنا كسيد الغضا نبهته المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الخباء المعمد
وتتعدد صور تلك الحياة الماجنة في الجاهلية، ومن المؤسف أنها حتى في الإسلام وجدت سبيلها إلى أهل الترف والقصور، وقد
(1) امرؤ القيس، المعلقة. (1/24)
صفحة 21
أحتوت قصور بني أمية وبني العباس على الكثير من سلوكيات تلك الحياة، فلو سقنا الأمثلة على ذلك لطال بنا الموضوع ويكفي أن نقول أن كتب الأدب والتاريخ تكاد تجمع على ذلك.
وهكذا كان مازن في جاهليته، شارباً للخمر مدمناً لها، مولعاً بالطرب ومجالس اللهو والمجون، لجوجاً بالنساء. كل ذلك كان
نتيجة لوضعه الإجتماعي المكين.
وقد ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم عندما خالط الإسلام بشاشة قلبه، وعرف فساد ما كان عليه، وصحة ما صار إليه ـ بفضل الإسلام - فقد قال للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: إني مولع بالطرب وبشرب الخمر، لجوج بالنساء، وقد نفد أكثر مالي في هذا (1). كما عبّر عن هذه الحالة الإجتماعية في شعره بقوله: وكنت امرءا باللهو والخمر مولعاً شبابي إلى أن آذن الجسم بالنهج (3)
هذه
ه هي حالة مازن بن غضوبة الإجتماعية في جاهليته، رئاسة في قومه، مولعاً بالطرب واللهو والمجون، شارباً للخمر، مدمناً عليها، لجوجاً ولوعاً بالنساء؛ حتى أ أبدله الله بالإسلام حياة أخرى هي حياة الجد والعفة والإحصان، وحياة العبادة الله تعالى وحده لا شريك له،
والجهاد في سبيل الله. يقول مازن:
(1) أنساب العوتبي، ج 1، تحفة الأعيان، ج 1 ص 55.
(2) نفس المصدر. (1/25)
صفحة 22
فبدلني بالخمر أمناً وعقة وبالعهر إحصاناً فحصن لي فرجي فأصبح همي في الجهاد ونيتي فالله ما صومي والله ما حجي (1)
الديانة
كان أهل عُمان كغيرهم من العرب عبدة أصنام وأوثان، وكانت الوثنية ضاربة بجرانها في العرب قاطبة، حيث انتشرت الوثنية في جزيرة العرب، وصار الشرك هو السائد في المجتمع العربية، وشاع اتخاذ الأصنام لدى كل قبيلة ولدى كل بطن من بطون العرب، حتى أن بعض الأشخاص من يتخذ لنفسه صنها، كما أن هناك بعض العرب من يعبد النجوم والكواكب والجن. فقد كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن، وحمير تعبد الشمس، وكنانة القمر، وتميم الدبران، ولخم وجذام المشتري، وطيء سهيلاً، وقيس الشعرى، وأسد عطارداً.
يقول أبو الحسن الندوي في كتابه القيم (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين): «كان الشرك هو دين العرب العام، والعقيدة السائدة، كانوا يعتقدون في الله أنه إله أعظم، خالق الأكوان، ومدبر السماوات والأرض، بيده ملكوت كل شيء، فلئن سيلوا من خالق السماوات والأرض ليقولن خلقهنَّ العزيز العليم». ولئن سألتهم
(1) تحفة الأعيان، ج 1، ص 56. (1/26)
صفحة 23
من خلقهم ليقولن الله. ولكن ما كانت حوصلة فكرهم تسع توحيد الأنبياء في خلوصه وصفائه وسموه، وما كانت أذهانهم البعيدة العهد بالرسالة والنبوة والمفاهيم الدينية، تصيغ أن دعاء أحد من البشر يتطرف إلى السماوات العُلى ويحظى عند الله بالقبول مباشرة بغير واسطة وشفاعة، قياساً على هذا العالم القاصر وعاداته وأوضاع الملوكية الفاسدة ومجاري الأمور فيها، فبحثوا لهم عن وسطاء توسلوا بهم إلى الله وأشركوهم في الدعاء وقاموا نحوهم ببعض العبادات ورسخت في أذهانهم فكرة الشفاعة حتى تحولت إلى عقيدة «قدرة الشفعاء على النفع والضرر»، ثم ترقوا في الشرك فاتخذوا من دون الله آلهة، واعتقدوا أن لهم مماثلة ومشاركة في تدبير الكون وقدرة ذاتية على النفع والضرر والخير والشر والإعطاء والمنع، فإذا كان الأولون يعترفون الله بالألوهية والربوبية الكبرى، ويكتفون بالشفعاء والأولياء، كان الآخرون يشركون آلهتهم مع الله ويعتقدون فيهم قدرة ذاتية على الخير والشر والنفع والضر والإيجاد والإفناء؛ مع معنى غير واضح عن الله كإله أعظم ورب الأرباب» إلى أن قال ...
وهكذا انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي. قال الكلبي: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه؛ فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل (1/27)
صفحة 24
منزله أن يتمسح به أيضاً، واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتاً، ومنهم من اتخذ صنماً، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجراً أمام الحرم وأمام غيره مما استحسن ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب، وكان في جوف الكعبة ـ البيت الذي بني لعبادة الله وحده ـــ وفي فنائها ثلاثمائة وستون صناً، وتدرّجوا في عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة» (1).
ولم تكن عُمان ولا أهلها بمعزل من هذه الوثنية، فقد انغمس أهل عُمان في الوثنية كغيرهم من العرب ونالوا من الشرك كسائر العرب، واتخذوا الأصنام يعبدونها من دون الله فاتخذ بنو خطامة وبنو الصامت وهما قبيلتان من طيء صنماً في سمائل من عُمان وسموه «ناجراً»، على أن المصادر اختلفت في إيراد اسمه فقيل أنه «ناجر» و
باحر بالجيم المهملة، وقيل «باجر» بالباء الموحدة والجيم، وقيل «ناجر» بالنون والجيم (2).
(2)
وقد ورد في المصادر العمانية بأن اسمه «ناجر» بالنون والجيم. ولعله تصحيف من النساخ فإن ابن الكلبي الذي استقى العوتبي مادته في خبر إسلام مازن بن غضوبة من كتبه ذكره بلفظ «باجر» بالباء الموحدة والجيم في كتابه (الأصنام)، وكذلك ابن دريد في
(1) أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 53، 54. (2) شاكر محمود عبدالمنعم، الصحابي مازن بن غضوبة الطائي وإسلام أهل عُمان (بحث مقدم لكتاب عُمان في التاريخ). (1/28)
صفحة 25
(الجمهرة) أورده بلفظ «باجر» قال: وهو بفتح الجيم، وربما قالوا
«باجر» بكسر الجيم
(1)
ومهما يكن من اختلاف في حقيقة اسمه فإنه كان صنما تعبده طيء وكان يعبده مازن ويسدنه. وقد جاء ذلك في قول مازن عندما قال في خبر إسلامه: «فعترنا عنده ـ أي عند الصنم ـ ذات يوم عتيرة - يعني الذبيحة ـ فسمعت صوتاً من الصنم (2)).
(3)
غير أن ابن دريد يقول: «هو صنم كان الأزد ومن جاورهم من طيء وقضاعة كانوا يعبدونه ("، ولعل هذه القبائل التي ذكرها ابن دريد كانت تسكن سمائل، وأنه كان صناً معبوداً من جانب هذه القبائل لكونها في سمائل. بيد أن في شعر مازن بعد إسلامه ما يشير إلى اختصاص قبيلتي طيء - بني خطامة وبني الصامت ـ بالصنم بقوله: يا راكباً بلغن عمروا وإخواتها إني لمن قال ربي باجر قالي
وعلى أي حال فان الصنم كان في سمائل، فقد ذكر العوتبي في أنسابه قائلاً: «وكان - أي مازن ـ من قصتة وخبر إسلامه وقدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسدن صنماً في الجاهلية بأرض عُمان بقرية سمائل يقال له «ناجر» تعظمه بنو خطامة وبنو الصامت من من طي
(1) أبو بكر ابن دريد، جمهرة اللغة، ص 209.
(2) العوتبي، ج) 1، ص 256
(3) أنساب العوتبي، وتحفة الأعيان للسالمي.
(4) جمهرة اللغة، ج 1، ص 209.
(4) (1/29)
صفحة 26
ومن
شهور على ألسن الناس في عُمان وفي سمائل بصفة خاصة؛ أن الصنم كان في موضع يطلق عليه «الدقدقين» وهو موضع معروف في سمائل، يقع في الجهة الشمالية من حصن سمائل، وهو في الضفة الشمالية للوادي الذي يمر في وسطها، كما أنه يقع بين علاية سمائل وسفالتها، وهذا المكان يحتوي على ضواح (بساتين) من النخيل؛ وفيه بعض السكني. ويوجد به قبر مازن، وهو معروف عند أهل البلد ومشهور.
وبعد أن استعرضنا ديانة العرب وأهل عُمان وما كانوا عليه من وثنية وشرك. وما كانت عليه حياة مازن بن غضوبة من انغماس في أوحالهما، نري من المناسب نقل ما قاله سير وليم في كتابه (حياة محمد) مصوراً حالة العرب قبل البعثة المحمدية حيث قال:
وكانت أوضاع العرب قبل البعثة المحمدية بعيدة عن كل تغيير ديني، كما كانت بعيدة كل البعد عن وحدة الصفوف واجتماع الشمل، وكان دينهم يقوم على أساس وثنية سخيفة تعمقت جذورها واصطدمت بصخرتها محاولات نصارى مصر والشام للإصلاح؛
فباءت بالفشل (1).
(1) أبو الحسن الندوي، السيرة النبوية، ص 35 نقلاً عن كتاب حياة محمد لسير وليم ميور. (1/30)
صفحة 27
الفصل الثالث
إسلام مازن بن غضوبة (1/31)
صفحة 28
سلامه
يرجع إسلام مازن بن غضوبة وتركه عبادة الأصنام والأوثان إلى سببين:
السبب الأول:
ما سمعه من الصنم «باجر» عندما كان يقدم إليه ذبيحة، فقد سمع صوتاً ينبعث من الصنم يخاطبه ويخبره بظهور النبي الجديد وهو محمد ويدعوه إلى الإيمان به؛ وبما جاء به، وترك عبادة الصنم وما يقربه إليه. يقول مازن وهو يتحدث. عن هذه الحادثة: «فعترنا عنده ـ أي عند الصنم باجر ذات يوم عتيرة ـ أي ذبيحة، فسمعت صوتاً من الصنم يقول:
با مازن اس
بعد
فدع نحيتاً من.
خير وبطن شر
من الله الأكـ
لم من.
(1)
وبطبيعة الحال أن يكون لهذا الصوت وما يعبر عنه من كلام وقع مفزع في نفس سامعه. فمثل هذا الكلام غير معهود أن ينطلق من الأحجار، ثم أنه يتحدث عن أمور دينية؛ فلذلك فزع مازن من هذا الصوت الذي لم يعهده ولم يألفه من الصنم. قال مازن «ففزعت لذلك»، وشاء الله أن تتكرر هذه الحادثة وهو الصوت المنبعث من الصنم عندما كان يسدن مازن صنمه ويقدم إليه ذبيحة أخرى ويقوم
(1) انظر أنساب العوتبي، وكشف الغمة، وتحفة الأعيان، ودلائل النبوة. (1/33)
صفحة 29
عنده بالطقوس الوثنية المعتادة. وكأن مازناً لم يعتبر بالحادثة الأولى؛ وإنما أصابه فزع ورعب فقط، ولعله اعتبر ذلك أمراً لا يحمل في طياته سراً، لذلك عاود إلى سدانة الصنم مرة أخرى مقدماً له الذبيحة ليقوم عنده بأداء الطقوس المعتادة، ولكنه سمع الصوت مرة ثانية يخاطبه بشدة وبقوة ووضوح بأن يسمع أمراً ما كان لأي إنسان أن يجهله ويغفل عنه، ويخبره عن النبي المرسل وما جاء به من حق عند ربه ويأمره بأن يؤمن به لكي ينجو من حر نار مشتعلة. وهذا مازن يحدثنا عن ذلك مرة ثانية بقوله:
من
ثم عترنا بعد أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتاً من الصنم يقول: أقبل إلي أقبل تسمع ما لا يجهل ي مرسل جاء بحق من
ـدل من حرنارة
وقودها بالجندل (1)
عل
هنا يفطن للأمر ويعرف أنه ليس كلاماً عابراً وإنما يتضمن أمراً خطيراً، له ما بعده من العواقب وأدرك ما في ذلك الصوت وما يدعو إليه من خير قال مازن: فقلت إن هذا لعجب وأنه لخير يُراد بي (2) كيف لا وقد اختص مازن بهذه الخصوصية وهي توجيه النداء إليه بالدعوة إلى الإسلام، ولم يوجه إلى أحد غيره، بيد أن مازناً ظل مع
(1 و 2) انظر المصادر الآنفة الذكر. (1/34)
صفحة 30
نفسه حيران لا يدري ما يفعل! وكيف يصنع؟ فهو بين مصدق لمضمون ذلك الصوت، وبين مكذب له، يدل على ذلك قوله: «فبينما
نحن كذلك إذ قدم رجل من أهل الحجاز»، فقوله ـ فبينما نحن
كذلك ـ أي في حيرة من الأمر، حتى قدم الرجل الحجازي، فأخبر
بظهور النبي عليه الصلاة والسلام.
السبب الثاني:
قدوم رجل من الحجاز، وكان قاصداً «أدم» المدينة المشهورة بعمان أو كان قاصداً «دما» السيب حالياً وقد مر على سمائل، ولعل الرجل الحجازي كان ذهابه إلى «أدم» أو «دما» بهدف التجارة؛ فإنها من الحواضر العمانية المعروفة لاسيما وأنها تتربع في الصحراء العُمانية. وكذلك «دما» فهي تقع على بحر عُمان وهي من الحواضر التاريخية أيضاً، على أنه إذا كانت وجهته «أدم) فمعنى ذلك أنه كان قادماً من جهة الباطنة، أما إذا كانت وجهته إلى «دما» وهذا هو الراجح، فمعنى ذلك أنه كان قد جاء من جهة الظاهرة وعند مروره على سمائل شاء الله أن يتم اللقاء بينه وببين مازن، ولاشك أنه التقى بعدد كبير من الناس، في سمائل وغيرها وأخبر الرجل الحجازي وتحدث بحديث الساعة عند العرب في جزيرتهم وهو ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه من توحيد الله تعالى ونفي الشريك عنه ويدعو إلى ترك عبادة الأوثان، ويبشر المؤمنين بجنة عرضها السماوات والأرض ويحذر من نار تتلظى. (1/35)
صفحة 31
يقول مازن: فبينما نحن كذلك، إذ ورد علينا بأرض سمائل
رجل من أهل الحجاز يريد أن ينزل دما» قال: فقلت ما الخبر وراءك؟ قال: ظهر رجل يقال له محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف، يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله، فلست بمتكبر ولا جبار ولا مختال، أدعوكم إلى الله وترك عبادة الأوثان، وأبشركم بجنة عرضها السماوات والأرض، واستنقذكم من نار تلظى لا يطفأ لطيبها ولا ينعم ساكنها، قلت: هذا والله نبأ ما سمعته من الصنم (1). فهنا أدرك مازن سر ذلك الصوت الذي كان يسمعه من الصنم عندما كان يقدم له الذبائح لقوله: هذا والله نبأ ما سمعته من الصنم.
تحطيم الصنم
إنه لممما يندهش له المرء عجباً سرعة تأثر مازن بهذه الدعوة إلى الإسلام وتأثير هذه المفاهيم الإسلامية التي نقلها ذلك الرجل في كلماته ولا نستبعد أن يكون ذلك الرجل الحجازي مسلماً مؤمناً بالله ورسوله. فإن إتقانه لما كان يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام لدليل واضح على إسلامه، كما لا نستبعد أيضاً أن يكون إجتهد في إقناع مازن بترك عبادة الأصنام، وأن يعبد الله وحده لا شريك له. وأن يرحل إلى النبي، ولعل مازناً أخبره بما. ا سمعه من الصنم فأحس الرجل برغبة مازن في الدخول في الإسلام، فقام بإقناعه إلى ذلك، كما
(1) نفس المصادر في قصة إسلام مازن بن غضوبة. (1/36)
صفحة 32
أنه اجتمع لمازن صحة الخبر وصدق هذا الأمر لما سمعه من صور الصنم أولاً، وما أخبره به ذلك الرجل الحجازي، فتيقن صحة الأمر، فقام إلى الصنم فحطمه تحطيماً وكسره جذاذاً. قال مازن «هذا والله نبأ ما سمعته من الصنم؛ فوثبت إليه - أي إلى الصنم ـ فكسرته جذاذاً (1).
(أ) الرحلة الأولى:
الرحلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم
بعد أن تيقن مازن من صحة الخبر بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم عمد إلى الصنم «باجر» فكسره جذاذاً وامتطى راحلته ميماً وجهته إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لكي يسأله عن الدين الذي جاء به؛ وليكون على بينة من أمره فإن النقلة من عقيدة إلى أخرى مناقضة لها أو من دين إلى دين آخر مضاد ليس بالأمر الهين، فلابد من التأكد ومعرفة الأمر على حقيقته، ولا أحد أقدر على إعطاء هذه الحقيقة وتوضيحها من صاحب الدعوة وهو النبي، لذلك قام مازن إلى راحلته وسافر لكي يرى النبي عليه الصلاة والسلام، وربما يدور تساؤل! أين كان قدوم مازن على النبي؟ هل في مكة أو في المدينة؟ فقد ذكر في قصيدته التي قالها عن رحلته بأن مطيته خبت
من عُمان إلى العرج.
(1) نفس المصادر. (1/37)
صفحة 33
إليك رسول الله خبت مطيتي تجوب الفيافي من عُمان إلى العرج والعرج يطلق على مكانين في الحجاز، أحدهما: يقع في الطائف وهو واد في نواحي الطائف، فعلى هذا يكون قدوم مازن على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة. وثانيهما: مكان يقع بين مكة والمدينة (1)، وهو إلى المدينة أقرب. فعلى هذا يكون قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهذا هو الراجح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بأن يبدله الله بالخمر رياً لا إثم فيه"). وقد أشار إلى ذلك في شعره بقوله:
فبدلني بالخمر أمناً وخشية وبالعهر إحصاناً فحصن لي فرجي والخمر لم تحرم إلا في المدينة.
ويتحدث مازن بنعمة الله عليه بأن الله قد من عليه بنعمة الإسلام، بعد أن حطّم الصنم فركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عما بُعث به فشرح لي الإسلام، ونور الله قلبي للهدى فأسلمت (3). وهكذا شاء الله أن يدخل مازن في الإسلام وأن يشرح الله صدره للإسلام الحنيف، وينور قلبه بالإيمان العظيم بعد أن كان مظلماً بالجاهلية ووثنيتها.
وقد أخذت مازناً الأريحية وتنفس الصعداء بالإسلام، وجادت
(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 98. (2) العوتبي، ج 1، ص 257. تحفة الأعيان، ج 1، ص 55.
(3) نفس المصدر. (1/38)
صفحة 34
قريحته بأبيات شعرية ذاكراً نعمة الله عليه، ناعياً على قومه على ما هم عليه من كفر ووثنية حيث قال:
كسرت باجراً جذاذاً وكان لنا رباً نطيف به ضلاً بتضلال بالهاشمي هدانا من ضلالتنا ولم يكن دينه مني على بال يا راكباً بلغن عمرواً وإخوتها إني لمن قال ربي باجر قالي (1)
وقد تقدم معنى قوله، بلغن عمروا، يعني بني الصامت واسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء، وإخواتها يريد بني خطامة بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء. ولم يفت مازناً أن ينتهز الفرصة السانحة له في ذلك الموقف العظيم، وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله الدعاء لعمان وأهل عُمان ثم لنفسه خاصة، وها هو ذا يقص علينا القصة.
قال مازن: فقلت يارسول الله: أدع الله تعالى لأهل عُمان. قال: اللهم إهدهم وأثبهم. فقلت: زدني يارسول الله. فقال: اللهم أرزقهم العفاف والكفاف والرضا بما قدرت لهم. قلت: يارسول الله؛ البحر ينضح بجانبنا، فأدعُ الله تعالى في ميرتنا وخفنا وظلفنا. قال: اللهم وسع عليهم في ميرتهم وأكثر خيرهم من بحرهم. . قلت: زدني.
فقال:
(1) راجع أنساب العوتبي، وتحفة الأعيان، وكشف الغمة، ودلائل النبوة في سبب إسلام
مازن بن غضوبة. (1/39)
صفحة 35
اللهم لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم .. قُل يا مازن «آمين» .. فإن آمين يُستجاب عنده الدعاء. قال: قلت آمين (1).
وهنا تتجلى الوطنية الحقة عند مازن، ويظهر حبه الصادق لوطنه وقومه، فهو لم يدع فرصة لقائه بالنبي الكريم تمر سُدى من غير أن يسأله لأنه عرف بركة دعائه عليه الصلاة والسلام، وعرف مقام النبوة العظيم، ومكانة النبي الكريم عند ربه العظيم، وقد بدأ أولاً بطلب الدعاء لوطنه وقومه؛ الأمر الذي يستوجب بسببه الشكر والثناء، وأن المرء ليتملكه العجب من ترفعه عن الأنانية وحب الذات، حيث لم يذهب به النسيان عن طلب الدعاء لبلده وأهله وقومه؛ وما تعانيه عُمان من قساوة الطبيعة والشظف الاقتصادي، إضافة إلى السلوكيات الجاهلية المنحرفة التي يعيشها قومه، وليت كل واحد يتأسى بهذا الصحابي في تقديم المصلحة العامة على المصلحة الفردية الخاصة.
ثم بعد ذلك أخذ يسأل رسول الله أن يدعو له ليذهب الله عنه حياة الجاهلية وما فيها من تعاسة وشقاء وانحراف، وأن يهيء له حياة إسلامية سعيدة هانئة مستقرة يواكبها استقرار اجتماعي واقتصادي. يقول: قلت يا رسول الله إني مولع بالطرب وبشرب الخمر، لجوج بالنساء، وقد نفد أكثر مالي في هذا، وليس لي ولد، فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويهب لي ولداً تقر به عيني ويأتينا بالحبا.
(1) أنساب العوتبي، ج 1، ص 257، وتحفة الأعيان، ج 1، ص 56. (1/40)
صفحة 36
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وبالعهر عقة الفرج، وبالخمر رياً لا إثم فيه، وآنهم بالحيا، وهب له
ولداً تقر به عينه (1).
(ب) الرحلة الثانية:
أخذ الشوق مازناً وذهب به كل مذهب فلم يعد يصبر عن رؤية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم واللقاء به والاستزادة من تعاليم الإسلام لذلك شد على راحلته مرة ثانية في العام الثاني وذهب إلى الحجاز، وأنّى له أن يتأخر عن ذلك؟ وقد ذاق حلاوة الإسلام وقر عيناً ببركة
دعاء النبي.
وقد سرى الإسلام في دمه ولحمه واستولى على فكره وسلوكه وقد أعد أبياتاً من الشعر عبّر فيها عن فهمه الدقيق لتعاليم الإسلام ومفاهيمه وما ينبغي أن يكون عليه المسلم، والأبيات تتضمن الخطوط العامة للسلوك الإسلامي السامي، ولا ريب أنه ألقاها بين بدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشدها في حضرته:
إليك رسول الله خبت مطيتي تجوب الفيافي من عُمان إلى العرج التشفع لي ياخير من وطيء الحصى فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج إلى معشر جانبت في الله دينهم فلا دينهم ديني ولا شرجهم شرجي
(1) العوتبي، تحفة الأعيان. (1/41)
صفحة 37
وكنت امرءا باللهو والخمر مولعاً شبابي إلى أن آذن الجسم بالنه فبدلني بالخمر أمناً وخشية وبالعهر إحصاناً فحصن لي فرجي فأصبحت همي في الجهاد ونيتي فلله ما صومي والله ما حجي" ويتحدث الصحابي الجليل عما دار بينه وبين الرسول في الرحلة الثانية حيث قال: «فلما كان في العام القابل الذي وفدت فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلموآله. فقلت يا المبارك ابن المباركين، الطيب ابن الطيبين؛ قد هدى الله قوماً من أهل عُمان ومن عليهم بدينك؛ وقد أخصبت عُمان خصباً هنيئاً، وكثرت الأرباح والصيد بها. فقال عليه السلام ديني دين الإسلام سيزيد الله أهل عمان خصباً وصيداً، فطوبى لمن آمن بي ورآني، وطوبي لمن آمن بي ولم يرني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم ير من رآني. وإن الله سيزيد أهل عُمان إسلاماً (2).
فقد أخبر الرسول الكريم عن بركة دعائه واستجابة الله تعالى دعاء نبيه، وما صارت إليه عُمان؛ وما صار إليه هو من الإيمان والأمن والإستقرار، وقد سُر النبي غاية السرور بنجاح دعوته ودعائه.
ودعا لعمان وأهلها بمزيد الخير والإسلام، والحمد لله على ذلك.
(1) أنظر أنساب الوعتبي، وكشف الغمة، وتحفة الأعيان، والإصابة، ودلائل النبوة في خبر إسلام مازن. (2) العوتبي، ج 1، ص 257، تحفة الأعيان، ج 1، ص 56. (1/42)
صفحة 38
صحبة مازن:
نتيجة لرحلة مازن إلى رسول الله والتقائه به؛ أسلم على يديه وآمن بالله رباً وبمحمد نبياً ورسولاً صار أحد الذين شرفهم الله بصحبة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، ومنزلة الصحبة منزلة عالية وفضلها عظيم وشرفها رفيع. وقد أختلف العلماء في تعريف الصحابي، قال العلامة نور الدين السالمي: «الصحابي هو من لقي النبي بعد البعثة مؤمناً به، وقيل من من أطال الصحبة، وقيل مع الرواية. فمن لقيه قبل البعثة أو لقيه بعدها غير مؤمن به فليس بصحابي إتفاقاً. والخلاف فيمن لقيه بعد
البعثة وهو مؤمن به إذا لم تطل صحبته أو طالت ولم يرو (1). على أنه أصح هذه الأقوال وأرجحها هو أن الصحابي من رأى النبي مؤمناً به. قال العلامة ابن حجر العسقلاني: «وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى، ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك، إذ لم يجتمع به مرة أخرى» (2).
(1) نور الدين السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 12. (2) شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، الإصابة، ص 4. (1/43)
صفحة 39
وقد أكدت العديد من المصادر صحبة مازن ووفوده على النبي، قال العوتبي: مازن بن غضوبة .. قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أول الإسلام بعمان، وأسلم ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولأهل عمان بخيره). وقال ابن حيان: مازن بن الغضوبة يقال أن له صحبة». ونقل ابن عن غير واحد «أن له صحبة (2). وقال ابن عبد البر اله صحبة وخبره عجيب تُخرج في أعلام النبوة (3). وذكر ابن الأثير عن قدومه على النبي وساق خبر إسلامه (4). كما ذكر السمعاني وفوده على النبي. ونقل البيهقي قصة إسلامه (5).
وقد شارك مازن في الرواية عن النبي، فقد روى عنه الدعاء بالخير له ولأهل عُمان في خبر قصة إسلامه في رحلته الأولى ولقائه الأول بالرسول الكريم، ثم روى عنه في رحلته الثانية وفي لقائه الثاني به عليه أفضل الصلاة قوله: ديني دين الإسلام، سيزيد الله أهل عُمان خصباً وصيداً فطوبى لمن آمن بي ورآني، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني. وإن الله
سيزيد أهل عُمان إسلاماً (6).
(1) أنساب العوتبي، ج 1، ص 256.
(2) الإصابة، ج 6، ص 256.
(3) أبو عمر بن عبدالبر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، على معرفة الإصابة.
(4) عز الدين بن الأثير، أسد الغابة، ج 5، ص 6.
(5) دلائل النبوة، ج 2، ص 255. (6) أنساب العوتبي، وتحفة الأعيان. (1/44)
صفحة 40
وقد نقل ابن حجر في ا ما أخرجه ابن السكن ومحمد بن
خلف المعروف بوكيع في نوادر الأخبار، وابن منده وأبو نعيم عن طريق الحسن بن كثير عن يحيى عن بن أبي كثير عن ا أبيه يقول: سمعت مازن بن غضوبة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى الجنة». قال ابن منده غريب لا يعرف إلا بهذا الإسناد (1). ومن المقرر أن وجه الغرابة لا يقتضي عدم الصحة، فإن الحديث الصحيح يسمى غريباً (2) إذا تفرد بروايته واحد ثقة، وبينه وبين الحديث الفرد رابط مشترك وهو مفهوم التفرد، وإذا رواه إثنان أو ثلاثة عن الشيخ سمي عزيزاً، ثم يأخذ في القوة والرقي إذا إزداد رواته كما هو معلوم عند أهل هذا الفن (3
وهكذا نجد أن مازناً توفرت له جميع شروط الصحبة من اللقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به وبما جاء به، والرواية عنه وطول المجالسة.
أثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم
وقد تحقق دعاؤه عليه الصلاة والسلام وظهرت بركته لعمان وأهلها بصفة عامة ولمازن بصورة خاصة، فقد عمّ الخصب عُمان في تلك السنة وما بعدها من السنوات، وكثرت الخيرات وانتشرت
(1) الإصابة، ج 6، ص 16. (2) د. صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحاته، ص 151.
(3) نفس المصدر، ص 226، 229. (1/45)
صفحة 41
الأرزاق، حيث نمت الماشية عند الناس من الإبل والغنم وهما عماد الاقتصاد المعيشي عند الرجل العربي، كما كثرت الأسماك في البحر، وازدهر الإقتصاد العُماني إلى حد كبير، فقد نشطت التجارة نتيجة ما كانت تدرّه من أرباح كل ذلك ببركة دعاء سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم وقد واكب ظهور تلك الخيرات والبركات أن آمن عدد من أهل
عمان بالإسلام ومن الله عليهم بدين الإسلام العظيم، وها هو ذا الصحابي الجليل يحدثنا بقوله: (وأخصبت عُمان في تلك السنة وما بعدها، وأقبل عليهم الخف والظلف، وكثر صيد البحر، وظهرت الأرباح في التجارات، وآمن عدد من أهل عُمان (1).
وقد نقل مازن البشرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحقيق دعائه عندما قابله في السنة الثانية وفي رحلته الثانية قائلا له: «يا المبارك ابن المباركين، الطيب ابن الطيبين قد هدى الله قوماً من أهل عُمان ومن عليهم بدينك، وقد أخصبت عُمان خصباً هنياً، وكثرت الأرباح والصيد بها (2). كما أن مازناً كان مسروراً وهو يرى بلده وقومه وقد أنعم الله عليهم بالإسلام وبالخيرات وصنوف الأرزاق، فهو الذي طلب من الرسول أن يدعو لهم، عندما قال له: «أدع الله لأهل عُمان» فدعا لهم بالهداية والتوفيق والثواب، ثم قال له: إن البحر ينضح بجانبنا؛ فادع الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا، فدعا لهم صلى الله عليه وسلم قائلا: اللهم
(1) أنساب العوتبي، وتحفة الأعيان.
(2) نفس المصدر. (1/46)
صفحة 42
وضع عليهم في ميرتهم وأكثر خيرهم من بحرهم، لذلك كان حرياً ببازن أن ينقل إلى الرسول الكريم ما صارت إليه عُمان من الخصب والإستقرار وإقبال أهلها إلى الإسلام ودخولهم فيه.
أما بالنسبة إلى مازن نفسه فقد استجاب الله تعالى دعاء نبيه له، فأذهب الله عنه ما كان عليه من الرغبة في استماع اللهو والطرب لأصوات القيان ونغمات الأوتار، وما كان يشعر به من لذة ونشاط إلى حياة المجون كاستماع الغناء وشرب الخمر، ووفقه الله بأن حج إلى بيت الله الحرام حججاً متعددة، ولا ندري كم مرّة أدى شعيرة الحج، غير أن قوله يشير إلى أنه حج بضع حجج، ثم اجتهد في حفظ كتاب الله فحفظ شطراً من القرآن، لأنه دستور الإسلام الخالد؛ فلابد من اتقانه وحفظه أو حفظ أجزاء وسور منه كما هو كان شأن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. وقد تهيأت هذه الأسباب للصحابي الجليل إثر دعاء النبي له بقوله: «اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وبالعهر عقة الفرج، وبالخمر رياً لا إثم فيه» (1).
واستقرت حياته الإجتماعية؛ فبعد أن كان لجوجاً بالنساء والعهر، أبدله الله عفّة الفرج عن الزنا، والحلال عن الحرام، فتزوّج أربع نساء من كرائم العرب، ورزق الولد منهن، فقد جاءه ولد سماء حياناً، لأن الرسول دعا له قائلاً: «وهب له ولداً تقر به عينه» بعد أن
سأله مازن أن يدعو له بقوله: «ويهب لي ولداً تقر به عيني».
(1) نفس المصار الآنفة الذكر. (1/47)
صفحة 43
وقد تحدث عما وهبه الله من النعم الظاهرة والباطنة كنعما الإسلام ونعمة العيش ورخاء الحياة، حيث قال: «فأذهب الله تعالى عني ما كنت أجد من الطرب والنشاط لتلك الأسباب، وحججت حججاً، وحفظت شطراً من القرآن، وتزوجت أربع عقائل من العرب، ورزقت ولداً سميته حيان بن مازن (1).
وقد ضمن ذلك في شعره:
وكنت امرءا باللهو والخمر مولعاً شبابي إلى أن أذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر أمناً وخشية وبالعهر إحصاناً فحصن لي فرجي فأصبحت همي في الجهاد ونيتي فلله ما صومي والله ما حجي"
بداية انتشار الإسلام في عُمان
الإسلام هو دين الله الذي جعله منسجماً مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومتناسقاً مع هذه الفطرة: فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم.
(2)
ودين هذا شأنه من البداهة أن يقبل الناس عليه وتتقبله عقولهم. وعندما سار مازن إلى الرسول و وشرح له الرسول معالم الدين وشرائع الإسلام، انشرح صدره إلى الإسلام فأسلم، ومن الطبيعي أن |
(1) المصادر الآنفة الذكر.
(2) نفس المصادر. (1/48)
صفحة 44
يكون مازن قد حفظ شيئاً من القرآن وعرف أمور العبادة، وعندما عاد إلى بلده، أخذ ينشر ذلك في أوساط مجتمعه إمتثالاً لقول الرسول ابلغوا عني ولو آية»، وفهماً لقوله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون فاستجاب عدد من قومه لدعوة الإسلام فآمنوا به، فكان ذلك تحقيقاً لدعوة النبي ودعائه، فقد دعا لأهل عُمان بقوله: «اللهم أهدهم وأثبهم وبقوله " و إن الله سيزيد أهل عُمان إسلاماً». ونستطيع القول أن مازناً هو أول من أسلم من أهل عُمان وبعودته إلى عُمان بدأ الإسلام ينتشر فيها، نتيجة جهوده الدعوية بإيمان عدد لا بأس به وهو ما أشار إليه بقول: «وآمن عدد من أهل عُمان»، كما أخبر بهذه الحقيقة النبي عندما التقى به في العام التالي، يقول مازن: «فلما كان في العام القابل الذي وفدت فيه على رسول الله وآله، فقلت يا المبارك ابن المباركين، الطيب ابن الطيبين، قد هدى الله قوماً من أهل عُمان ومن عليهم بدينك، فقال عليه السلام: ديني دين الإسلام سيزيد الله أهل عُمان خصباً وصيداً فطوبى لمن آمن بي ورآني وطوبى لمن آمن بي ولم يرني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني و إن الله سيزيد أهل عُمان إسلاماً»، وقد أشار أيضاً إلى إسلام قومه بعد أن ندموا على انتقاله عنهم وتركه لهم
وطالبوه بالعودة وأسلموا كلهم (1).
(1) دلائل النبوة، ج 2، ص 258. (1/49)
صفحة 45
وبإسلام الصحابي الجليل وقيامه بالدعوة إلى الإسلام في عُمان وضعت اللبنة الأولى للبناء الإسلامي وإقامة صرح الإسلام الشامخ
في هذا البلد العزيز.
وقد قام مازن بن غضوبة بإنشاء مسجد في مدينة سمائل، لأداء العبادة وتعليم الناس أمور دينهم اقتداء بالنبي، فإنه عندما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة أول ما شرع فيه أن أقام مسجده الشريف في طيبة حرسها الله ليجتمع فيه المسلمون لأداء الصلاة وتعليم أمور الدين والحياة، فالمسجد هو أساس الحضارة العمرانية في الإسلام والمسجد الذي قام ببنائه مازن يقع في محلة المضمار على الطريق الجائز في منطقة السفالة من مدينة سمائل ويُعرف بمسجد المضمار» نسبة إلى المحلة الكائن فيها المسجد، كما يعرف أيضاً بمسجد مازن بن غضوبة، وسمّي أيضاً «مبرصاً» لأن من کان به مرض البرص فيدعو فيه فإنه يعافى). ولعله كان يسكن | في المكان الذي أقيم فيه المسجد. فإنه من المتبادر إلى الفهم أنه لا يمكن أن يجعل المسجد بعيداً عن منزله، وقد عرف المسجد المذكور عند أهل عُمان بسر إستجابة الدعاء فيه، فقد ورد أن مازناً لما تنحى عن قومه أتى موضعاً فابتنى مسجداً يتعبد فيه فهو لا يأتيه مظلوم يتعبد فيه ثلاثاً ثم يدعو محقاً على من ظلمه إلا استجيب لـ () وليس الأمر بغريب فهو أول مسجد أسس على التقوى في هذا البلد،
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر. (1/50)
صفحة 46
وقد وطأته أقدام الصالحين ولامست أرضه جباههم منذ الصحابي الجليل مازن بن غضوبة رضي الله عنه، والله قد اختص كثيراً من الأماكن والبقاع بخصائص مختلفة لحكمة يعلمها. بيد أننا لا ندري المراحل التاريخية التي مر عليها هذا المسجد من الترميم والتجديد في البناء؛ حتى تم تجديد بنائه بشكل أثري رائع جميل على نفقة جلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان».
ويتكون مسجد المضمار أو مسجد مازن من صحن داخلي وصحن خارجي وهو الصرح، بالإضافة إلى المرافق والبئر الموجودة به.
مفاهيم إسلامية في شعر مازن
وبعد أن منّ الله على مازن باعتناق دين الإسلام، وهيأ الله رب العزة له أسباب الدخول في رحاب دينه العظيم، فقد تسنى لمازن أن
يقرأ القرآن الكريم، كما تسنى له أن يسمع من نبي الإسلام أحاديثه الشريفة التي تشرح الإسلام وتبين مفاهيمه، فتكونت لديه تلك المفاهيم الإسلامية التي جاء بها القرآن والتي سمعها مازن وفهمها من أحاديث المصطفى، وتمثلها وتصورها جيداً، فجاءت متمثلة في شعره في الأبيات أو القطعة الشعرية التي ألقاها أمام الرسول العظيم وبين يديه الكريمتين: (1/51)
صفحة 47
فلا
إليك رسول الله خبت مطيتي تجوب الفيافي من عُمان إلى العرج لتشفع لي ياخير من وطيء الحصى فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج إلى معشر جانبت في الله دينهم دينهم ديني ولا شرجهم شرجي وكنت امرءا باللهو والخمر مولعاً شبابي إلى أن آذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر أمناً وخشية وبالعهر إحصاناً فحصن لي فرجي فأصبحت همي في الجهاد ونيتي فلله ما صومي والله ما حجي
فإننا نجد في هذه الأبيات الشعرية الجميلة الرقيقة عدة مفاهيم إسلامية تكون في مجموعها عشرة مفاهيم، وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وطلب المغفرة من الله تعالى والبراءة من الكفار، وحرمة اللهو، وحرمة الخمر، وحرمة الزنا، والجهاد في سبيل الله تعالى، وإخلاص النية لله تعالى، وإخلاص العبادة الله تعالى كالصوم والحج. وهذه المفاهيم التي وردت في شعر مازن، لولا إسلامه ما كان له أن يتصورها؛ فضلاً من أن يصوغها في قالب شعري.
وكيف لا يطلب مازن شفاعة النبي العظيم، وهو يدرك أهميتها وجلالها في ذلك الموقف المهول، ألا وهو يوم القيامة، يوم الحساب يوم يفر المر من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، إن ذلكم المشهد الرهيب والموقف العظيم لابد فيه (1/52)
صفحة 48
للمؤمن من الاستئناس بشفاعة سيد الأنبياء والرسل الذي خاطبه ربه بقوله عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً). وهو المقام الذي بحمده فيه الأولون والآخرون حيث لم يجدوا مثله شافعاً، ويؤكد النبي ذلك بقوله: (ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وشفاعتي) (1).
وماذا بعد شفاعة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم إلا مغفرة الله تعالى ورضوانه، وبالاستغفار والمغفرة، أي الاستغفار من العبد والغفران من الله تعالى ينجو المسلم من عذاب الله وسخطه إلى نعيمه ورحمته: ومن
يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما (2). بيد أن هذه القناعات اليقينية لدى المؤمن بحاجة إلى سياج اجتماعي يتحرك في إطاره، وهذا السياج هو الحب في الله والبغض في الله. فالحب في الله هو الولاية للمؤمنين، والبغض في الله هو البراءة
حاد
من الكفار لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من. الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) (3).
(1) مسند الإمام الربيع، الجزء الرابع، الحديث 1002.
(2) سورة النساء الآية: 110.
(3) سورة المجادلة: الآية 22. (1/53)
صفحة 49
على أن مازناً قد ذاق من قومه الأمرين نتيجة إعراضهم عن دعوة الإسلام ومضايقتهم له بعد أن عاد إليهم مسلماً مؤمناً، فكان لابد له من أن يعلن براءته من قومه الذين لم يتبعوه وبقوا على شركهم وكفرهم. ولا ريب أن الولاية والبراءة من الأطر العقدية ذات الشأن والأهمية في الإسلام لتمييز المسلم من الكافر.
والإسلام دين العمل والجد والاجتهاد، داعياً إلى عظائم الأمور وحاثاً على المعالي والأمجاد وبما أن اللهو في معظمه شاغل عن ذكر الله، وعن العبادة وعن تلكم العظائم، فهو محرم في الإسلام: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (1).
على أنه إذا كان اللهو على هذه الكيفية وعلى هذه الصورة محرم، فإن الخمر من أعظم الملهيات عن ذكر الله وعن عبادته وهي جماع كل أثم: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر
الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون) (2).
ولقد شدّد الإسلام في الخمر أيهما تشديد، لكونها أم المصائب
وجماع الآثام.
(1) سورة لقمان، الآية 6.
(2) سورة المائدة، الآية 90، 91. (1/54)
صفحة 50
والإسلام في دعوته إلى الفضيلة وكريم الخلق وحسن السلوك،
شدد جداً وغلّظ في الزنا ووصفه بالفحش وبأنه فاحشة وساء سبيلا، وهو وصف فيه ما فيه من التنفير عن هذه الرذيلة، على أن الزنا فيه
من المآسي الإجتماعية الشيء الكثير: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة رساء سبيلا 1200
(1)
ولكي تسود مفاهيم الإسلام وتتشكل ظاهرة إجتماعية تتفرع عنها معالم الإسلام السلوكية فهي بحاجة إلى قوة تحافظ عليها وتنافح في سبيل وجودها واستقرارها، وتدافع الذي يعتدي عليها بقصد القضاء عليها أو الوقوف في وجه انتشارها، وذلك بالقضاء على الإسلام والصد عن سبيله، تلك القوة تكون متمثلة في الجهاد في سبيل الله الذي يعتبر سنام الإسلام.
وللجهاد في سبيل الله منزلة رفيعة في الإسلام، لأن بالجهاد تكون حماية الدين وحماية المجتمع الإسلامي وحماية الحوزة الإسلامية مكاناً
وفكراً.
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين الله فان انتهوا فلا
عدوان إلا على الظالمين (2)
فقاتل في سبيل الله لا تكلّف إلا نفسك وحرّض المؤمنين عسى
(1) سورة الإسراء، الآية 32.
(2) البقرة، الآية 193. (1/55)
صفحة 51
(1) ,
الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلا) (1) على أن الإسلام بجميع مفاهيمه عبادة ومعاملة، عقيدة وعملا، قولا وفعلا، فكرا وسلوكا، لابد في ذلك كله من إخلاص النية الله تعالى، فالنية هي أساس الدين والإخلاص هو لب العمل وجوهره. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا
الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (2).
(3)
والحديث المشهور الذي ورد في النية اعتبره العلماء قاعدة من قواعد العلم وقالوا ان فيه ثلث العلم، وذلك لما للنية من أهمية عظمى في المفهوم الإسلامي: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ونلاحظ أن مازناً رضي الله عنه ذكر في إخلاص العبادة الصوم والحج، وذلك لأنها عملان ظاهران، وان الانسان بحاجة إلى إخلاص النية في أدائهما، حتى لا يتسرب الرياء إلى قلبه، فان الرياء محبط للعمل. وهو الشرك الأصغر، ويدب في قلب الإنسان دبيب النمل. وأيضاً فان في الصوم والحج من المشقة الشيء الكثير من دون سائر العبادات، ومكابرة النفس عن الرياء لإخلاص النية والعبادة أمر لا يستهان به، بل هو أمر عظيم لا يستطيعه إلا من وفقه الله إليه،
وسهله عليه، ويسره له.
(1) النساء، الآية 84.
(2) البينة، الآية 5.
(3) الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح. (1/56)
صفحة 52
الفصل الرابع إسلام أهل عُمان (1/57)
صفحة 53
تقديم:
وإذا كنا قد تحدثنا عن الصحابي الجليل مازن بن غضوبة رضي الله عنه ـ وعن إسلامه، فإنه من المناسب أن نتحدث عن إسلام أهل عُمان، نظراً لارتباط الموضوعين بعضهما البعض، بل أنهما يكونان موضوعا واحداً، ألا وهو إسلام أهل عُمان، وهو ما سنتحدث عنه في هذا الفصل.
مجيء عمرو بن العاص
تختلف كتب السيرة النبوية في تحديد السنة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله ورسائله إلى الملوك والأمراء من العرب وغيرهم، وتشير الروايات أن ذلك كان قبل فتح مكة المكرمة، ولعله كان في مطلع العام الثامن للهجرة أو في أواخر العام السابع منها، فقد جاء في حوار هرقل عظيم الروم مع أبي سفيان ما يدل على أنه كان قبل فتح مكة في حين لا يزال أبو سفيان على شركه. وذلك أن النبي عليه السلام بعث دحية بن خليفة الكلبي بخطاب إلى هرقل عظيم الروم، وصادف وصول الخطاب وجود أبي سفيان وجماعة من قريش في الشام فأراد هرقل أن يتثبت من صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بأبي سفيان وكان فيما سأله عنه «فهل يغدر؟» فأجابه أبو سفيان، لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها؟ (1)،
(1) أبو الحسن الندوي، السيرة النبوية، ص 246. (1/59)
صفحة 54
ويقصد أبو سفيان بالمدة هي هدنة صلح الحديبية، وفي ذلك دليل على أن ذلك كان قبل الفتح الأعظم.
غير أن في كلام عمرو بن العاص ما يدل على أن مجيئه إلى عُمان كان بعد فتح مكة بعدما دخلت قريش في الإسلام، فقد جاء في حوار جيفر بن الجلندى مع عمرو بن العاص: «ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت تبعوه إما راغب في الدين وإما راهب مقهور بالسيف وقال ومن معه؟ قلت الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم كانوا في ضلال مبين، فما أعلم أحداً بقي غيره في هذه الخرجة (1).
ففي هذا الحوار الجميل بين جيفر بن الجلندى ــ ملك عُمان ورسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو إلا دليل على أن دعوة النبي ملكي عُمان إلى الإسلام كانت بعد فتح مكة.
والذي يظهر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم مبعث رسله وخطاباته إلى ملوك الأعاجم قبل الفتح الأعظم وبعث إلى ملوك وأمراء العرب بعد ذلك، وتلك حكمة عظيمة منه عليه الصلاة والسلام، فإن العرب ينظرون إلى مكة وإلى قريش نظرة خاصة فيها شيء من التقدير والإجلال، أما ملوك العجم فلا توجد عندهم هذه المزية لا لمكة ولا لقريش، وعلى أية حال فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص بن
(1) علي بن برهان الحلبي، السيرة الحلبية، ج 2، ص 303. (1/60)
صفحة 55
وائل السهمي القرشي إلى ملكي عُمان جيفر وعبد ابني الجلندى بن المستكبر. ونستنتج من هذا ما كان لعمان أرضاً ودولة من أهمية في الخريطة السياسية والجغرافية آنذاك. وبأننها وحدة إقليمية لها استقلالها في اتخاذ القرار، الأمر الذي يجعلها في مستوى الممالك الأخرى المعروفة، ويجعل ملوكها في مستوى الملوك الآخرين الذين كتب إليهم الرسول و لا الهلال وذكر البلاذري أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أيضاً أبا زيد الأنصاري - وهو ثابت بن زيد أحد حفظة القرآن ـ بمعية عمرو ابن العاص ليكون على الصلاة أي ليصلي بالمسلمين ويعلمهم الصلاة وأحكام الدين، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن أجاب القوم إلى شهادة الحق وأطاعوا الله ورسوله فعمرو الأمير وأبو زيد على الصلاة (1) ويقال أن أبا زيد الأنصاري عاد إلى المدينة بعد أن أدى مهمته (2) وبقي عمرو بن العاص في عُمان حتى كانت وفاة المصطفى.
كتاب النبي صلى الله عليه وسلم:
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن العاص كتاباً إلى جيفر وعبد ابني
الجلندى يدعوهما إلى الإسلام، جاء فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكما
(1) أحمد بن يحيى البلادزي، فتوح البلدان، ص 87.
(2) نفس المصدر. (1/61)
صفحة 56
بدعاية الإسلام، إسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين وإنكما إذا أقررتما بالإسلام، وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تطأ ساحتكما وتظهر نبوتي على ملككا (1).
وكان كتابه عليه الصلاة والسلام صحيفة أقل من الشبر ويقال أن الكاتب لهذا الكتاب المبارك هو الصحابي الجليل أبي بن كعب بإملائه عليه السلام وختمه بخاتمه المبارك الذي يحمل كلمة التوحيد «لا إله إلا الله محمد رسول الله (2).
وتتفق معظم المصادر التي أوردت كتابه إلى ملكي عُمان على صيغة هذا الكتاب وما كان بينهما من اختلاف طفيف لا يعدو
أن يكون تحريفاً وتصحيفاً من النساخ والرواة كما هو المعهود غالباً أو أحياناً، ما عدا ابن سلام، فقد أورد في كتابه «الأموال» نصاً مختلفاً، حيث جاء فيه: «من محمد رسول الله لعباد الله الأسيديين ملوك عُمان وأسد عُمان ممن كان منهم بالبحرين إنهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة وأدوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا حق النبي، ونسكوا نسك المؤمنين فإنهم آمنون وأن لهم ما أسلموا عليه».
ومن الملاحظ أن نص الرسالة التي أوردها ابن سلام تختلف عن النص الذي أوردته المصادر الأخرى، كما أنهما يختلفان من حيث قوة
(1) تحفة الأعيان، ج 1، ص 57، 58.
(2) نفس المصدر. (1/62)
صفحة 57
المعنى ومتانة الأسلوب، فالرسالة الأولى أقرب إلى اللفظ النبوي الشريف، وأيضاً فإنها تتفق في كثير من كلماتها مع الرسائل التي أرسلت إلى هرقل وكسرى والنجاشي والمقوقس، وهذا يجعلنا نرجح
نسبة الرسالة الأولى إلى النبي صلى الله عليه وسلم التي وجهها إلى ملكي عُمان. ولعل الرسالة التي أوردها ابن سلام كان الرسول عليه الصلاة والسلام أرسلها إلى بعض المناطق في البحرين يقطنها أزد من عُمان، فقد ورد أن عبد عز بن معولة وهو من أجداد جيفر وعبد ابني الجلندي اشتد ملكه وقوي سلطانه وبلغ ملكه إلى اليمامة والبحرين وما والاهما وكان له على أهل اليمامة والبحرين إتاوة وكان رسوله في قبضها من أهل اليمامة باقل بن شاري بن اليحمد (1). وربما أنه بقيت منذ ذلك الوقت بقايا من الأزد ومن أولاد ملوكهم في بعض مناطق البحرين التي كانت تسكنها قبائل مختلفة في عهد النبي، فكتب إليهم النبي كتاباً يدعوهم فيه إلى الإسلام، لمعرفته عليه السلام بأحوال العرب من عدم خضوع بعضهم لبعض، وقد رأينا بهذا أن نجمع بين الرسالتين ونسبتهما إلى النبي، والجدير بالذكر أنه تم العثور على وثيقة تتضمن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جيفر وعبد ابني الجلندى ملكي عُمان، وقد كتبت هذه بخط شبيه بالخط السائد في. عصر النبوة (2). غير أن بعض الباحثين المعاصرين يثير شكوكاً حول صحة هذه الوثيقة، مدعياً حدوث تزوير في كثير من
(1) تحفة الأعيان، ج 1، ص 51.
(2) انظر الملحق رقم (1). (1/63)
صفحة 58
الوثائق القديمة، ومنها رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء (1). وعلى أي حال مهما يكن من صحة تلك الوثيقة أو عدم صلاحيتها فلا خلاف في أنه وجه كتاباً إلى ملكي عُمان، وقد تناقلت المصادر
ذلك الكتاب الشريف.
* عمرو بن العاص في عُمان:
قدم عمرو بن العاص إلى عُمان، فكانت صحار أول مكان ينزله منها، ولا ندري الطرق التي سلكها في رحلته، والظاهر أنه وصل إلى صحار عن طريق البحر، ولعله خرج من الحجاز عن طريق البر إلى البحرين (المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية) ومنها ركب البحر إلى صحار، ونزل في منطقة «دستجرد» وهي على ما يقال مدينة بنتها العجم لأنهم كانوا موجودين فيها قبل ظهور الإسلام (2). وكان مقر ملكي عُمان جيفر وعبد والحكومة العُمانية في منطقة توام (البريمي حالياً) فالتقى عمرو بعد بن الجلندى، ولا يعلم هل كان لقاؤهما في صحار أم في توام، أم في منطقة غيرهما، وإذا كان ذلك في صحار، فهل صادف وجود عبد هنالك أم بعث إليهما بوصوله، والذي يظهر لي أن اللقاء كان في «توام» ولعل عمرو عندما
(1) د. سهيلة الجبوري، بحث أعد لكتاب عُمان في التاريخ (رسالة النبي الكريم ص 71
إلى ملكي عُمان).
(2) تحفة الأعيان، ج 1، ص 58. (1/64)
صفحة 59
وصل إلى صحار بعث إلى جيفر وعبد يخبرهما بوصوله ثم سار. صحار إلى توام وهناك التقى أولاً بعبد بن الجلندى فأخبره بمهمته فرحب به وأوصله إلى أخيه جيفر، وسلمه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه ثم دفعه إلى أخيه عبد فقرأه أيضاً (1) وهنا لابد من الوقوف أمام هذه الظاهرة الحضارية وهي معرفة القراءة والكتابة من جانب ملكي عُمان. حيث أنه من المعلوم أن العرب قبيل ظهور الإسلام كانوا أمة أمية لا يدرون ما الكتاب ولا الإيمان، وكان الذين يعرفون القراءة والكتابة قليلين جداً، وكان قلة من أولئك بمكة، فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم فدية الأسير من المشركين أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين في المدينة وذلك عقب معركة بدر الكبرى
لذلك فإن إجادة جيفر وعبد للقراءة والكتابة تعتبر ظاهرة
حضارية لعمان.
وبعد أن انتهيا من قراءة كتاب النبي عليه السلام دار بينهما حوار ممتع، عرض فيه عمرو بن العاص الإسلام وشرح معالمه فأعلنا إسلامهما ودخلا في دين الله، طيبة نفوسهم، راضية قلوبهم، ثم أسلم
قومهما أهل عُمان، وعم الإسلام أرجاء عُمان ودخل أهلها في دين ال
(1) المصدر السابق.
(2) أبو الحسن الندوي، السيرة النبوية، ص 179.
الله (1/65)
صفحة 60
طواعية عن طيب خاطر، فما ورد رسول جيفر على أحد إلا وأسلم وأجاب دعوته، وقد حفظ لهم الإسلام هذا السلوك العظيم في تقبل الإسلام، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث رجلاً إلى قوم فسبوه وضربوه فقال لو أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك (1). وقال: «إني لأعلم أرضاً يقال لها عُمان لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر (2)، وهذا ما أشار إليه خليفة رسول الله أبو بكر الصديق رضي الله عنه في كلمته الترحيبية بعبد بن الجلندى ومن معه من وجوه وأعيان عُمان بقوله: ثم بعث إليكم عمرو بن العاص بلا جيش ولا سلاح فأجبتموه إذ دعاكم على بعد داركم وأطعتموه إذ أمركم على كثرة عددكم وعدتكم، فأي فضل أبر من فضلكم؛ وأي فعل أشرف من فعلكم؟ كفاكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً إلى يوم المعاد ثم أقام فيكم عمرو ما أقام مكرّماً، ورحل عنكم إذ رحل مسلماً، وقد مَنَّ الله عليكم بإسلام عبد وجيفر ابني الجلندى وأعزكم الله به وأعزه بكم».
* عمرو بن العاص يتحدث عن رحلته إلى عُمان
وها هو ذا الصحابي الجليل رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث ويقص علينا خبر مجيئه إلى عُمان وما دار بينه وبين جيفر وعبد من حوار ونجاح مهمته بإسلام ملكي عُمان وأهل عُمان فلنستمع إلى
(1) أخرجه مسلم من طريق أبي برزة الأسلمي.
(2) أخرجه أحمد من طريق أبي لبيد. (1/66)
صفحة 61
حديثه فإن فيه فوائد متعددة ومعلومات مهمة، فقد قال: «خرجت حتى انتهيت إلى عُمان فعمدت إلى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهلها خُلقاً، فقلت: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم عليّ بالسن والملك وأنا أوصلك به حيث يقرأ كتابك، ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده، وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: يا عمرو إنك ابن سيد قومه فكيف صنع أبوك؟ يعني العاص بن وائل، فإن لنا فيه قدوة، قلت: مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم و وددت له لو كان آمن وصدق به، وقد كنت قبل على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال: متى تبعته؟ قلت: قريباً، فسألني أين كان إسلامي؟ فقلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه، قلت: أقروه واتبعوه قال والأساقفة؟ أي رؤساء النصرانية والرهبان، قلت نعم قال انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له ـ أي أكثر فضيحة ـ من كذب، قلت: وما كذبت وما نستحله في ديننا، قم قال: ما أرى هرقل علم النجاشي، فقلت: بلى. قال: بأي شيء علمت ذلك يا عمرو؟ قلت: كان النجاشي رضي الله عنه يخرج له خراجاً، فلما أسلم النجاشي وصدق بمحمد قال: لا والله لو سألني درهماً واحداً ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له أخوه أتدع عبدك لا يخرج لك خراجاً ويدين ديناً محدثاً؟ فقال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا (1/67)
صفحة 62
قلت:
الظن بملكي لصنعت كما صنع قال: انظر ما تقول يا عمرو، والله صدقتك، قال عبد فأخبرني ما الذي يأمر به وينهي عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل، وينهي عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهي عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب، فقال ما أحسن هذا الذي يدعو إليه لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصدق به ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنباً أي تابعاً، قلت: إنه إن أسلم ملکه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم، قال إن هذا الخُلق حسن. وما الصدقة؟! فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في الأموال، ولما ذكرت المواشي قال: يا عمرو ويؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وترد المياه؟ فقلت نعم فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا قال عمرو: فمكثت أياماً باب جيفر وقد أوصل إليه أخوه خبري؛ ثم أنه دعاني فدخلت عليه فأخذ أعوانه بضبعي، قال: دعوه؛ فأرسلت، فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس فنظرت إليه، فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه كتاباً مختوماً ففض ختامه فقرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه ثم قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه؛ إما راغب في الدين، وإما راهب مقهور بالسيف، قال: ومن معه؟ قلت: الناس
قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى ا (1/68)
صفحة 63
إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين، فما أعلم أحداً بقي غيرك في هذه الخرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراءك، فاسلم تسلم ويستعملك على قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال، نال: دعني يومي. هذا وارجع إلي غداً، فلما كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي فرجعت إلى أخيه فأخبرته بإني لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه؛ فإذا أنا أضعب العرب إن ملكت رجلاً ما في يدي وهو لا تبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت ألفت تنالاً ليس كقتال من لاقى قلت وأنا خارج غداً، فلما أيقن بمخرجي خلي به أخوه، فأصبح فأرسل إلى فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه، وصدقا وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي
عوناً على من خالفني».
رجوع عمرو بن العاص
أقام عمرو بن العاص في عُمان مكرماً، يأخذ الصدقة من الأغنياء ويدفعها إلى الفقراء، ويبين للناس أحكام الإسلام ومقاصد القرآن، حتى فُجع المسلمون بوفاة خير البشرية وسيد الثقلين محمد
وبلغ خبر وفاته إلى عُمان فسمع به عمرو وغيره، فعزم على العودة، ليكون على مقربة من الأوضاع بعد النبي؛ ومن الصحابة الكرام. وفي رحلة العودة من عُمان إلى المدينة المنورة، صحبه وفد رفيع (1/69)
صفحة 64
المستوى يرأسه عبد بن الجلندى أحد ملكي عُمان ومعه سبعون رجلاً من أكابر أهل عُمان ووجهائهم وأعيانهم؛ منهم حمامي جد ابن دريد، قال ابن دريد: كان أول من أسلم من آبائي حمامي وهو من السبعين راكباً الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عُمان إلى المدينة المنورة لما بلغهم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أدوه (1).
كما كان في الوفد جيفر بن جشم العتكي، وأبو صفرة بن سارف بن ظالم (2)، ومن الملاحظ اختفاء دور الصحابي الجليل مازن ابن غضوبة في هذه الفترة، بل في قصة إسلام جيفر وعبد وسائر أهل عُمان، فلم نجد له ذكراً في ذلك ولا مع السبعين راكباً الذين صحبوا عمرو بن العاص مع عبد بن الجلندى، ولعل عبداً اختار الوفد من قومه الأزد باعتبار أن مازناً كان من طيء، ويبدو أنه كذلك؛ فعندما أثني الصحابة على أهل عُمان بمجلس الخليفة قالوا: (كفاكم معاشر الأزد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وثناؤه عليكم، وقام عمرو بن العاص فلم يدع شيئاً من المدح والثناء إلا قاله في الأزد» (3).
ولعل أيضاً السبب في عدم مشاركة مازن في ذلك الحدث هو بعده عن جيفر وعبد اللذين كانا في إقليم «توام» ومازن كان في سمائل، وبين توام» و «سمائل مسافة مع صعوبة الاتصال في ذلك
(
(1) الاشتقاق لابن دريد، تقديم عبدالسلام هارون، ص 3.
(2) تحفة الأعيان، ج 1، ص 62.
(3) المصدر السابق. (1/70)
صفحة 65
الوقت، ولعل اختيار عبد للأزد ليكونوا بصحبته راجع إلى التوزيع
السكاني، فإن من يلاحظ التركيبة السكانية لعمان من حيث التوزيع في ذلك الوقت يجد أن قبائل الأزد مستوطنة أقاليم «توام، والرستاق، وصحار .. إلى دبا». أما بقية أقاليم عُمان من الظاهرة وإلى صور ومهرة ننسكنها قبائل من نزار وطيء وقضاعة. أو لعل مازناً كان قد ذهب إلى أداء مناسك الحج في عام حجة الوداع، ولم يتمكن من العودة في حينها نظراً لبعد المسافة وصعوبة التنقل، وهذا السبب قوي الظهور. وأضيف إلى هذه الأسباب، في عدم مشاركة مازن سبباً آخر فيها يظهر لي، وهو أن مازناً قد كبر وضعف وأخذ به العمر، فلم يعد قادراً على المشاركة التي تستدعي الانتقال والتحرك، وإن كان قد ذكر أنه ند حج حججاً، فإن الحج يختلف عن المشاركة في الوفود .. والله أعلم. على أن مسير ذلك الوفد العماني الرفيع المستوى الذي كان برأسه عبد بن الجلندى في رأينا لم يكن هدفه خفارة عمرو بن العاص فقط، وإنما كان هدفه إعطاء البيعة للخليفة الأول لرسول الله وتجديد الولاء والطاعة والمشاركة في بناء دولة الخلافة الراشدة، فلو كان الهدف من مسير ذلك الوفد الخفارة فقط لكان بإمكان الملكين جيفر وعبد إرسال ركب مكون من مئات الأشخاص؛ فكان وجود عبد بن الجلندى في المدينة وجوداً فعالاً وإيجابياً حيث شارك في الفتوحات الإسلامية. (1/71)
صفحة 66
الفصل الخامس
أسرة مازن بن غضوبة في الإسلام (1/73)
صفحة 67
أسرة مازن بن غضوبة في الإسلام
حيان بن مازن:
مر بنا أن الصحابي الجليل مازن بن غضوبة عندما أسلم سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن يرزقه ولداً، لكي تقر به عينه فدعا له الرسول أن يهبه الله ولداً فرزق ولداً أسماء حيان بن مازن، ولم نقف لحيان بن مازن على ترجمة مستقلة؛ وإنما ورد ذكره في حديث أبيه في
خبر إسلامه (1)
علي بن حيان:
هو علي بن حيان بن مازن بن غضوبة، وليست له ترجمة؛ وإنما جاء ذكره في ترجمة حفيديه علي بن حرب، وأبي جعفر محمد بن يحيى
ابن عمر
محمد بن علي:
هو محمد بن علي بن حيان بن مازن بن غضوبة، يرد ذكره في
ترجمة حفيده علي بن حرب
(1) انظر أنساب العوتبي، ودلائل النبوة، وتحفة الأعيان، وكشف الغمة في خبر إسلام مازن. (2) تهذيب التهذيب لابن حجر، ج 7، ص 294.
(3) تهذيب التهذيب، ج 7، ص: 294. وتاريخ بغداد، ج 11، ص 418. (1/75)
صفحة 68
* حرب بن محمد:
وهو حرب بن محمد بن علي بن حيان بن مازن بن غضوبة. وقد ذكر ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب أنه روى عنه ابنه علي ابن حرب (1).
ولعله كانت له رحلة في طلب الحديث مع ابنه علي، فقد قال الخطيب البغدادي: كتب إلى أبو الفرج محمد بن إدريس بن محمد الموصلي يذكر أن أبا منصور المظفر بن محمد الطوسي؛ حدثهم قال: حدثنا أبو زكريا يزيد بن محمد بن محمد بن إياس الأزدي قال: علي
ابن محمد رحل مع أبيه فسمع (3).
علي بن حرب:
هو علي بن حرب بن محمد بن علي بن حيان بن مازن بن غضوبة الطائي، و، ولد بأذربيجان سنة 175 هجرية، أحد علماء الحديث؛ وأحد من رحل في طلبه إلى الحجاز وبغداد والكونة والبصرة (3). . وروى عن أبيه وابن عيينه والقاسم بن زيد الجرمي وحفص ابن غيات وعبد الله بن إدريس وعبدالرحمن بن محمد المحاربي وعن أناس آخرين كثيرين.
(1) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 295.
(2) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 11، ص 419.
(3) تاريخ بغداد، ج 11، ص 418. (1/76)
صفحة 69
وروى عنه النسائي ومستمليه أحمد بن الحسين الجرادي وأبو جابر عرس بن فهد الموصلي، وحفيد ابنه أبو جعفر محمد بن يحيى بن
عمر، وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا، والبغوي، وخلق آخرون (1) وكان عالماً بأخبار العرب وأنسابها وأيامها؛ أديباً شاعراً؛ وفد على المعتز سنة 254 هجرية فكتب المعتز عنه بخطه وأقطعه ضياعاً .. رقد توفي في شوال سنة 265 هجرية في الموصل بالعراق (2).
أحمد بن حرب:
هو
أحمد بن حرب بن محمد بن علي بن حيان بن مازن بن غضوبة، وقد ورد ذكره في ترجمة أخيه علي بن حرب، وكان عالماً في الحديث، قال الخطيب البغدادي بعد أن ذكر علي بن حرب: «قلت
وكان له أخوان أحدهما أحمد والآخر معاوية وحدَّثاً جميعاً» (3).
معاوية بن حرب:
هو معاوية بن حرب بن محمد بن علي بن حيان بن مازن بن عضوية، وقد جاء ذكره مع أخيه المحدث، علي بن حرب، وقد تقدم قول الخطيب البغدادي بأن له أخوين أحدهما معاوية بن حرب، وبأنها حدثا جميعاً وهو يدل على أن معاوية من أهل العلم بالحديث
(1) تهذيب التهذيب، ج 7، ص).295
(3) تاريخ بغداد، ج
(3) تاريخ بغداد، ج 11، ص 419. (1/77)
صفحة 70
وهو الذي صلى على أخيه علي بن حرب، قال الخطيب البغدادي عند ذكره لعلي بن حرب: وصلى عليه أخوه معاوية بن حرب (1).
أبو جعفر بن يحيى:
هو أبو جعفر محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن حرب بن محمد ابن علي بن حيان بن مازن بن غضوبة، ولد سنة 253 هـ روى عن أبيه علي بن حرب وعن جده عمر بن علي وعن أحمد بن إسحاق الخشاب الموصلي، وقد قام بالتحديث في جامع بغداد سنة 338 هـ (2) وروى عنه جماعة، وقد أورد البيهقي خبر إسلام مازن وقصته على أبيه الحسين بن محمد بن الحسين القطان عن أبي جعفر محمد بن يحيى عن أبي جده علي بن حرب عن ابن الكلبي و، وقال القطان أن أبا جعفر حدثه بذلك في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة (3).
وتوفي أبو جعفر سنة 340 هـ (4).
(1) تاريخ بغداد، ج 1 11، ص 419. (2) نفس المصدر، ج 3، ص 432.
252
(3) دلائل النبوة، ج 2، ص) (4) تاريخ بغداد، ج 3، ص 432. (1/78)
صفحة 71
خاتمة
من خلال هذا البحث الذي استعرضنا فيه حياة الصحابي مازن بن غضوبة الطائي وإسلام أهل عُمان، اتضح لنا أن أهل عُمان اسلموا على عهد رسول الله، وأنهم دخلوا في الإسلام رغبة وطواعية، وأكرموا رسول النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا صادقين في إسلامهم؛ الأمر الذي استحقوا عليه ثناء النبي عليه الصلاة والسلام، كما أثنى عليهم أيضاً الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ويعتبر مازن بن غضوبة هو أول من أسلم من أهل عُمان على الراجح، حيث قام بتحطيم الصنم باجر، وركب راحلته موجهاً وجهته نحو النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه وكانت له رحلة أخرى. وقد قام مازن بنشر الإسلام في عُمان حيث أسلم على يديه عدد من أهل عُمان، وقام ببناء مسجد في سمائل وهو المعروف حالياً بمسجد المضمار، وأثبتنا أن مازناً قد استكمل شروط الصحبة وهي الإسلام، ومجالسة النبي والرواية عنه، وهذه الشروط هي التي اتفق عليها العلماء في إثبات الصحبة الشريفة.
وحول إسلام أهل عُمان استنتجنا عدة أمور منها وجود ظاهرة القراءة والكتابة عند أهل عُمان لاسيما عند الملكين جيفر وعبد وكون عمان بلداً له أهميته ودولة لها استقلالها في اتخاذ القرار وبأنها في مستوى الممالك الأخرى. (1/79)
صفحة 72
أما عن إرسال النبي رسله وكتبه إلى الملوك والأمراء فقد تبين لنا من خلال المقارنة والجمع بين الروايات أنه بعث إلى ملوك الأعاجم بذلك قبل فتح مكة، وأما إلى الملوك والأمراء العرب فقد
كان بعد فتح مكة؛ وقد وضحنا الأسباب والحكمة من ذلك. كما رأينا الجمع بين صيغتي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملكي عُمان، تلك الصيغة الواردة في كتاب الأموال لابن سلام والصيغة الأخرى التي جاءت بالمصادر الأخرى.
وأخيراً لم نهمل دور أسرة مازن في خدمة العلم، فقد ذكرنا عدداً من ذريته كانت. ت لهم جهود طيبة في خدمة العلم. (1/80)
صفحة 73
الملاحق (1/81)
صفحة 74
ملحق رقم (1) (1/83)
صفحة 75
ملحق رقم (2)
ومنهم بنو خطامة بن سعد بن نبهان ـ وهم بعمان ـ كان منهم مازن بن غضوبة بن سبيعة بن شماسة بن حيان بن بشر بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء، وكان من أهل سمائل، قدم على رسول الله، عند أول الإسلام بعمان، وأسلم ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولأهل عُمان بخير، وكان من قصته وخبر إسلامه وقدومه على النبي، أنه كان يسدن صنماً له في الجاهلية بأرض عُمان بقرية سمائل يقال له (باجر)؛ تعظمه بنو خطامة وبنو الصامت من طيء، قال مازن: فعترنا عنده ذات يوم عتيرة يعني الذبيحة، فسمعت صوتاً من
الصنم يقول:
بام
خير وبطن شر
ن الله الأكـ
بعث نبي من مضر بدي فدع نحياً من حجـ تسلم من حرء
قال مازن، ففزعت من ذلك فزعا شديداً أرعبني وأذهلني
وقلت: إن هذا لعجب، ثم عترنا بعد ذلك عتيرة أخرى، فسمعت
صوتاً من الصنم يقول:
انبل إلي أقبل ذا نبي مرسل (1/85)
صفحة 76
آمن به كي تعل عن حر نار تشعل
قال مازن إن هذا العجب، وإنه لخير يُراد بي، بينما نحن كذلك،
ورد علينا بعد ذلك بأرض سمائل رجل من أهل الحجاز يريد أن ينزل أدماً. قال: فقلت ما الخبر وراءك، قال: ظهر رجل يقال له محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف؛ يقول لمن أتاه: أجيبوا داعي الله، فلست بمتكبر ولا جبار ولا مختال ولا عصاء، أدعوكم إلى الله وترك عبادة الأوثان، وأبشركم بجنة عرضها السماوات والأرض، واستنقذكم من نار تلظى، لا يطفأ لهيبها، ولا ينعم ساكنها، قلت: هذا والله نبأ ما سمعته من الصنم، فوثبت إليه وكسرته جذاذاً، وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عما بعث
به، فشرح لي الإسلام؛ ونور الله قلبي للهدى؛ فأسلمت وقلت: کسرت باجراً جذاذاً وكان لنا رباً نطيف به ضلاً بتضلال بالهاشمي هدانا من ضلالتنا ولم يكن دينه مني على بال يا راكباً بلغن عمرواً وإخوتها إني لمن قال ربي باجر قالي قوله بلغن عمروا: يعني يريد بني الصامت، واسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء، وإخوتها، يريد بني خطامة بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن
طيء. (1/86)
صفحة 77
قال مازن: فقلت يا رسول الله؛ صلى الله عليك وسلم وآلك، ادع الله تعالى لأهل عُمان، فقال: اللهم أهدهم وأثبهم، فقلت: زدني با رسول الله: فقال: اللهم أرزقهم العفاف والكفاف والرضى بما قدرت لهم، قلت: يارسول الله البحر ينضح بجانبنا فادع الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا. قال: اللهم وسع عليهم في ميرتهم وأكثر خيرهم من بحرهم قلت: زدني قال: اللهم لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم، قل ـ يا مازن ـ آمين .. فإن آمين يستجاب عنده الدعاء.
قال: قلت يا رسول الله إني مولع بالطرب وبشرب الخمر لجوج بالنساء، وقد نفذ أكثر مالي في هذا، وليس لي ولد، فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويهب لي ولداً تقر به عيني ويأتينا بالحيا، فقال النبي اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وبالعهر عفة الفرج، وبالخمر رياً لا إثم فيه، وآتهم بالحيا، وهب له ولداً تقر به
قال: مازن فأذهب الله عني ما كنت أجد من الطرب والنشاط لتلك الأسباب، وحججت حججاً، وحفظت شطر القرآن، وتزوجت بأربع عقائل من العرب، ورزقت ولداً أسميته حيان بن مازن، وأخصبت عُمان في تلك السنة وما بعدها، وأقبل عليهم الخف والظلف وكثر صيد البحر، وظهرت الأرباح في التجارات، وآمن عدد من أهل عُمان. ولمازن في ذلك شعر حيث يقول: (1/87)
صفحة 78
إليك رسول الله خبت مطيتي تجوب الفيافي من عُمان إلى العرج لتشفع لي ياخير من وطيء الحصى فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج إلى معشر جانبت في الله دينهم فلا دينهم ديني ولا شرجهم شرجي وكنت امرءا باللهو والخمر مولعاً شبابي إلى أن آذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر أمناً وخشية وبالعهر إحصاناً فحصن لي فرجي فأصبحت همي في الجهاد ونيتي فلله ما صومي والله ما حجي
قال فلما كان في العام القابل الذي وفدت فيه على رسول الله فقلت يا المبارك ابن المباركين الطيب ابن الطيبين، قد هدى الله قوماً من أهل عُمان ومن عليهم بدينك، وقد أخصبت عُمان خصباً هنياً، وكثرت الأرباح والصيد بها فقال عليه السلام: «ديني دين الإسلام سيزيد الله أهل عُمان خصباً وصيداً، فطوبى لمن آمن بي ورآني، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من راني، وإن الله سيزيد أهل عُمان إسلاماً».
الأنساب للعوتبي، ج 1، ص 256. 258 (1/88)
صفحة 79
ملحق رقم (3)
عن
أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن حرب الطائي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، قال: حدثنا جدي أبو علي ابن حرب بن محمد بن علي بن حيان بن مازن؛ الوافد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيت أبا المنذر هشام بن محمد الكلبي فقال لي: ممن الرجل، فقلت: من طيء، ثم قال لي: ثم من؟ قلت: من ولد نبهان. قال: ثم من؟ قلت من ولد خطامة، فقال لي: لعلك من ولد السادن. قلت: نعم؛ فأكرمني وأدناني وقربني، ثم قال لي: كنت لقيت شيوخاً من شيوخ طيء المتقدمين فسألتهم. قصة مازن؟ وسبب إسلامه؟ روفوده على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقطاعه أرض عُمان، وذلك بمنّ الله وفضله، فكان مازن بأرض عُمان بقرية تدعى «سمائل»، وكان يسدن الأصنام لأهله، وكان له صنم يقال له «باجر» قال مازن: فعترت ذات يوم عتيرة وهي الذبيحة، فسمعت صوتاً من الصنم يقول: يا مازن أقبل إلي أقبل .. تسمع ما لا يجهل .. هذا نبي مرسل .. جاء بحق منزل .. فآمن به کي تعدل .. عن حر نار تشعل .. وقودها بالجندل. قال مازن: فقلت إن هذا والله لعجب، ثم عترت بعد أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتاً أبين من الأول وهو يقول: يا مازن اسمع تسر .. ظهر خير وبطن شر .. بعث نبي من مضر .. بدين الله الأكبر .. (1/89)
صفحة 80
فدع نحيتاً من - حجر .. تسلم من حر سقر. قال مازن: إن هذا والله لعجب، وإنه لخير يراد بي. وقدم علينا رجل من أهل الحجاز، فقلنا ما الخبر وراءك؟ قال: خرج رجل بتهامة يقول لمن أتاه: أجيبوا داعي الله ـ عز وجل - يقال له أحمد، قال: فقلت هذا والله نبأ ما سمعت فسرت إلى الصنم فكسرته أجذاذاً، وشددت راحلتي ورحلت حتى
أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرح لي الإسلام فأسلمت وأنشأت أقول: کسرت باجراً جذاذاً وكان لنا رباً نطيف به ضلاً بتضلال بالهاشمي هدانا من ضلالتنا ولم يكن دينه مني على بال يا راكباً بلغن عمرواً وإخوتها إني لمن قال ربي باجر قالي يعني بعمروا وإخوته بني خطامة، قال مازن: فقلت يارسول الله: إني امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر والهلوك من النساء؛ وألحت علينا السنون فأذهبن الأموال وأهزلن الذراري والرجال، وليس لي ولد؛ فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويأتيني بالحيا، ويهب لي ولداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وآته بالحيا، وهب له ولداً.
فقال مازن فأذهب الله عني كل ما كنت أجد، وأخصبت عُمان، وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لي حيان بن مازن وأنشأت
أقول: (1/90)
صفحة 81
إليك رسول الله خبت مطيتي تجوب الفيافي من عُمان إلى العرج لتشفع لي ياخير من وطيء الحصى فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج إلى معشر جانبت في الله دينهم فلا دينهم ديني ولا شرجهم شرجي وكنت امرءا باللهو والخمر مولعاً شبابي إلى أن أذن الجسم بالنهج بدلني بالخمر أمناً وخشية وبالعهر إحصاناً فحصن لي فرجي نأصبحت همي في الجهاد ونيتي فلله ما صومي والله ما حجي قال مازن: فلما رجعت إلى قومي أنبوني وشتموني وأمروا شاعرهم نهجاني، فقلت: إن هجوتهم فإنهما أهجو نفسي فتركتهم وأنشأت
أقول: وشتمكم عندنا مر مذاقه وشتمنا عنكم يا قومنا لئن لا ينشب الدهر أن يثبت معايبكم وكلكم أبداً في عينا فطن قال أبو جعفر إلى هنا حفظت وأخذته من أصل جدي كأنه
بريد الباقي: نشعرنا مفحكم عنكم وشاعركم في حربنا مبلغ في شتمنالسن ما في الصدور عليكم فاعلموا وغر وفي صدوركم البغضاء والإحن
عن
فحدثنا موادنا من أهل عُمان عن سلفهم، أن مازناً لما تنحى. نومه أتى موضعاً فابتنى مسجداً يتعبد فيه، فهو لا يأتيه مظلوم يتعبد (1/91)
صفحة 82
فيه ثلاثاً ثم يدعو محقاً من ظلمه يعني، إلا استجيب. وفي أصل السماع فيكاد أن يعافى من البرص، فالمسجد يدعى مبرصاً إلى اليوم. قال أبو المنذر قال: مازن: ثم أن القوم ندموا؛ وكنت القيم بأمورهم فقالوا ما عسانا أن نصنع به، فجاءني منهم أرفلة عظيمة فقالوا: يا ابن عم .. عبنا عليك فنهيناك عنه، فإذ أبيت فنحن تاركوك، أرجع معنا، فرجعت معهم فأسلموا بعد كلهم.
هكذا أخبرنا عنه غالباً، وذكره شيخنا أبو عبدالله الحافظ ـ رحمه الله ـ عن أبي أحمد بن الحسن عن عبد الرحمن بن محمد الحنظلي، عن علي بن حرب، عن أبي المنذر بن هشام بن محمد، عن أبيه، عن عبدالله العُماني، عن مازن بن الغضوبة قال: كنت أسدن صنماً بسمائل «قرية بعمان»، فعترنا ذات يوم عنده عتيرة، وهي الذبيحة، فذكر الحديث بمعنى ما روينا، وزاد بيتاً بعد قوله: وكنت امرءا فقال: فبدلني بالخمر خوفاً وخشية .. وبالعهر إحصاناً فحصن لي فرجي.
دلائل النبوة للبيهقي: ج 2، ص 225 - 258. (1/92)
صفحة 83
ملحق رقم (4)
مازن بن الغضوبة بن غراب بن بشر بن خطامة بن سعد بن ثعلبة بن نصر بن سعد بن أسود بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء الطائي، ثم النبهاني، ثم الخطامي، أمه زينب بنت عبدالله. ذكره ابن السكن وغيره في الصحابة، وقال ابن حيان: يقال أن له صحبة، وأخرج الطبراني والفاكهي في كتاب مكة، والبيهقي في الدلائل، وابن السكن وابن قانع كلهم من طريق هشام الكلبي، عن أبيه قال: حدثني عبد الله العُماني قال: قال مازن بن الغضوبة، فذكر حديثاً طويلاً فيه فكسرت الأصنام وقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، وفيه أن النبي دعا له فأذهب الله عنه كل ما يجد، وقال: و حججت حججاً، وحفظت شطر القرآن، وتزوجت بأربع حرائر، ووهب لي حيان بن مازن، وفيه أنشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
إليك رسول الله خبت مطيتي تجوب الفيافي من عُمان إلى العرج لتشفع لي ياخير من وطيء الحصى فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج
وذكره الرشاطي في الخطامي في الخاء المعجمة، وله حديث آخر، أخرجه ابن السكن ومحمد بن خلف المعروف بوكيع في نوادر الآبار، وابن مندة وأبو نعيم من طريق الحسن بن كثير عن يحيى ابن أبي كثير عن أبيه: سمعت مازن بن الغضوبة يقول: سمعت رسول الله صلى (1/93)
صفحة 84
الله عليه وعلى آله وسلم يقول:
«عليكم بالصدق؛ فإنه يهدي إلى الجنة» .. قال ابن منده،
غريب لا يعرف إلا بهذا الإسناد.
الإصابة لابن حجر، ج 1، ص 15 - 16 (1/94)
صفحة 85
ملحق رقم (5)
مازن بن الغضوبة، ويقال الغضوب الخطامي، فخذ من طيء الطائي العُماني، له صحبة وهو جد أحمد بن حرب وعلي بن حرب الطائي، وخبره عجيب، مخرج في أعلام النبوة من أخبار الكهان، وفي خبره قلت: يا رسول الله، إني امرء من خُطامة طيء، وإني مولع بالطرب، وأحب الخمر والنساء، فيذهب مالي، ولا أحمد حالي، فادع الله أن يذهب عني ذلك، وليس لي ولد فادع الله أن يهب لي ولداً، قال: فدعا لي، فأذهب الله عني ما كنت أجد، وتزوجت أربع حرائر،
فرزقت ولداً، وحفظت شطر القرآن، وحججت حججاً.
إليك رسول الله خبت مطيتي تجوب الفيافي من عُمان إلى العرج لتشفع لي ياخير من وطيء الحصى فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج إلى معشر جانبت في الله دينهم فلا دينهم ديني ولا شرجهم شرجي وكنت امرءا باللهو والخمر مولعاً شبابي إلى أن أذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر أمناً وخشية وبالعهر إحصاناً فحصن لي فرجي فأصبحت همي في الجهاد ونيتي فلله ما صومي والله ما. له ما حجي
وحديثه في أعلام النبوة من حديث ابن الكلبي عن أبيه.
الإستيعاب لابن عبدالبر (1/95)
صفحة 86
المصادر والمراجع (1/97)
صفحة 87
أولاً: المصادر
- ابن الأثير، عز الدين، أسد الغابة في معرف معرفة الصحابة.
2 ـ ابن حيان، محمد بن حيان البستني، كتاب الثقات. ? ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة. ـ ابن حجر، تهذيب التهذيب.
ه - ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن، الإشتقاق. 6 - ابن دريد جمهرة اللغة.
ـ ابن سلام أبو القاسم بن سلام، الأموال. ـ ابن عبدالبر، أبو عمرو، الإستيعاب في معرفة الأصحاب. 9 - الأزكوي، سرحان بن سعيد، كشف الغمة. 10 ـ البغدادي، أحمد بن علي الخطيب، تاريخ بغداد. 11 ـ البهلاني، ناصر بن سالم، ديوان أبي مسلم البهلاني. 12 ـ البيهقي، أحمد بن الحسين، دلائل النبوة. 13 ـ الحلبي، علي بن برهان الدين السيرة الحلبية. 14 ـ الحموي، ياقوت، معجم البلدان.
15 ـ الزوزني، الحسين بن أحمد، شرح المعلقات السبع. 16 - السالمي، نورالدين عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان. 17 - السالمي، طلعة الشمس.
18 ـ السمعاني، عبدالكريم، الأنساب. 19 - السيابي، سالم بن حمود، العنوان. (1/99)
صفحة 88
20 ـ الصالح، صبحي، علوم الحديث ومصطلحه. 21 - العوتبي، سلمة بن مسلم، الأنساب.
22 ـ الفراهيدي، الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح. 23 ـ الكلبي، هشام بن محمد، نسب معد واليمن الكبير.
24 ـ الكندي، امرؤ القيس، ديوان امرئ القيس. 25 ـ الندوي، أبو الحسن علي الحسني، السيرة النبوية. 26 ـ الندوي، أبو الحسن، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.
ثانياً: المراجع
1 - سهيلة الجبوري، رسالة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى ملكي عُمان (بحث أعد لكتاب عُمان في التاريخ).
2 - شاکر محمود عبدالمنعم، الصحابي مازن بن غضوبة وإسلام أهل عُمان، (بحث أعده لكتاب عُمان في التاريخ). (1/100)
صفحة 89
الفهرست (1/101)
صفحة 90
صفحة
مقدمة
الفصل الأول: الجذور القبلية لمازن
الفصل الثاني: البيئة التي عاشها مازن
الفصل الثالث: إسلام مازن بن غضوبة الفصل الرابع: إسلام أهل عُمان
الفصل الخامس: أسرة مازن في الإسلام
الملاحق
المصادر والمراجع (1/103)