صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - سير وتراجم - تاريخ
------------------------------------------
العنوان: العلامة أبو نبهان الخروصي ومنهجه الفقهي
المؤلف: مبارك بن عبد الله الراشدي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1421ه/ 2001م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1334&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/420
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 10 رجب 1446ه/ 10 - شهر 01 - 2025م. العلامة أبو نبهان الخروصي ومنهجه الفقهي
د. مبارك بن عبد الله الراشدي
الطبعة الأولى
1421 ه/ 2001 م (1/1)
صفحة 2
العلامة أبو نبهان الخروصي
ومنهجه الفقهي
د مبارك بن عبد الله الراشدي (1/2)
صفحة 3
بسم
الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وجعل له البيان نبراساً إلى العلم، ورفع مكانة العلم والعلماء لسلوكهم سبيل الأنبياء. والصلاة والسلام على أشرف الرسل وسيد الخلق على الإطلاق محمد الهادي الأمين، وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما
بعد:
فهذا بحث صغير عن فقه أبي نبهان الشيخ «جاعد بن خميس
(
بن مبارك الخروصي علامة عصره ووحيد دهره، سميته: «الشيخ أبو نبهان الخروصي ومنهجه الفقهي) ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، وإنني أعرف أنني لم استطع ذكر حياة أبي نبهان بكاملها، ولامنهجه بالتفصيل، ولكن اكتفى بما سمح القدر من الله به؛ فإنه لا يصف أبا نبهان إلا من " كان مثله ولكني وضعت بهذا البحث المفتاح على القفل کي يواصل طلاب
العلم مسيرة البحث، وأنا متأكد أنهم سيأتون بأكثر مما أتيت. ومن المعلوم عند الجميع أن مؤلفات و أبي نبهان» ما زالت مخطوطة لا تساعد على القراءة والاطلاع الكافي. ونظراً لكثرتها وحاجتها إلى فترة كافية من الزمن وبما أن الوقت قصير، ولا يكفى للإجابة عليها كلها، فقد التزمت بقطعة الأحكام من كتاب الجوابات، (1/3)
صفحة 4
وبكتاب حياة المهج وبسيرة أبى نبهان مع ما وجدته من تفسير الفاتحة المسمى: (مقاليد التنزيل»، وتركت الباقي؛ لغزارة المادة وكثرة
أبواب الأحكام، وقد حاولت أن أختزل العبادات وما يتعلق بها، ولكن وجدت أن أبواب الأحكام كثيرة جداً، لأنها تدخل فيها الأحكام المدنية والجنائية والشخصية والسياسة الشرعية، وكل من هذه الأربعة بحر غزير يحتاج إلى رسالة، ثم رأيت أن أبين باديء الأمر (منهج أبي نبهان في الأحكام، والحق أنه صعب أيضاً، ولكن حاولت الاختصار قدر الإمكان؛ وذلك لأن معرفة المنهج مدخل لمعرفة الأحكام، وهذا عمل جديد في حد ذاته يخدم الباحث في فقه أبي
نبهان.
ولعل وعسى أن يقوم الباحثون بدراسة فقه أبي نبهان كله في المستقبل، ولا يفوتني أن أشير إلى أن آثار «أبي نبهان) متداخلة حسبما رأيت فيما وقع في يدى منها، وهناك مسميات كثيرة لآثار غير معروفة، ولعل بعض هذه المؤلفات فقد، وبعضها تداخل مع غيره. وأقترح لذلك أن يُعتنى بها فتجمع وتصنف وتلقب باسم: «موسوعة آثار أبى نبهان ولا تضير هذه التسمية جانب أصول الدين شيئاً؛ وذلك لأنها تدخل ضمن فقهه
وآثاره.
وعند بداية العمل قسمته إلى فصلين كما يرى القاراء: (1/4)
صفحة 5
فالفصل الأول: يتحدث عن شخصية هذا
ويتضمن سبعة مباحث.
أما الفصل الثاني: فيتعلق بمنهج أبي نبهان في الفقه، ويتضمن تسعة مباحث، ولو أن المبحثين الثامن والتاسع خارجان عن المنهج،
ولكن دخلا ضمن الفصل بحكم الأغلب. ثم الخاتمة.
وليعذرنى قارئ هذا البحث عندما يلاحظ النقل أو التكرار؛ فإنما
هي ضرورة اقتضاها العمل نفسه، وكما قلت سابقاً إنه عمل متواضع سريع .. ولكنها مساهمة وبداية لعمل أكثر جدية ومتانة. والله من وراء القصد، والهادي إلى سواء السبيل.
د. مبارك بن عبد الله الراشدي (1/5)
صفحة 6
الفصل الأول شخصية الشيخ أبي نبهان
يشتمل هذا الفصل على عدة مباحث:
المبحث الأول: نشأة الشيخ أبي نبهان.
المبحث الثاني: دراسته وشيوخه.
المبحث الثالث: أخلاقه وصفاته. المبحث الرابع: تصوفه.
المبحث الخامس: مكانته الفقهية.
المبحث السادس: آثاره العلمية.
المبحث السابع: موقفه من العلم والفتوى.
المبحث الأول: نشاة الشيخ أبي نبهان:
اولا: نسبه:
هو الشيخ وجاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى ا نسبة إلى ورد ان الإمام الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل بن شاذان الخروصي) نسبة إلى خروص بن شارى بن
اليحمد من الأزد اليمنية»، ويلتقى هو والشيخ العلامة المحقق (سعيد
بن
خلفان الخليلي في الإمام والخليل بن شاذان (1).
(1) ابن رزيق - الفتح للبين في سيرة السادة البوسعيديين (مخطوطة) ص 126، انظر: = (1/7)
صفحة 7
وكان مولده في عام 1147 هـ / 1735 م في قرية العليا وادي «بني خروص (1). وهذه القرية تقع على سفح الجبل الأخضر في آخر الوادى بمكان مرتفع، فهى أولى بلدان الوادى من جهة الجبل وآخرها إذا دخلت الوادى من جهة العوابي. فهناك شب وترعرع في أحضان أبويه الكريمين، بين الجبال الشاهقة، والمياه المتدفقة، وخضرة النخيل الباسقة، فكان مرهف الحس واسع الخيال، ولم يكن مولعاً بالتعلم من صغره، بل كان رجل صيد ورفاهية حال كما سيأتي، وقد لقب الشيخ جاعد بالرئيس، وكنى بأبي نبهان، ولا يوجد أحد من علماء عمان بهذه الكنية إلا هو كما
سياتي. وعندما يقال الخليلي فهو نسبة إلى الإمام الخليل، والخروصي نسبة إلى خروص بن شارى، فالأولى نسبة إلى الفرع والثانية وهي أكثر شيوعاً نسبة إلى الأصل، ولا شك أنه في النهاية يتصل نسبه بالنبي هود عليه السلام (2).
ويظهر للباحث أن نسبة آل خليل إلى الإمام الخليل بن عبد الله
الشيخ عبد الله الخليلي الحقيقة (مخطوط)، السيابي سالم بن حمود، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان 111 بمكتبة الجامعة / قسم عمان.
(1) محمد بن راشد الخصيبى - شقائق النعمان: 139/ 1. (2) انظر السالمي - محمد بن عبد الله: نهضة الأعيان: 323. (1/8)
صفحة 8
كما هو ظاهر من نسبه الشيخ المحقق الخليلي - لا إلى الإمام الخليل بن شاذان، وذلك لأن الشيخ جاعد من أولاد ورد بن الإمام الخليل بن
عبد الله والشيخ سعيد من أولاد اخيه محمد بن الإمام الخليل بن عبد الله، والدليل على هذا الافتراض من جهة أخرى هو ما ذكره الشيخ محمد بن عبد الله السالمي في كتابه (نهضة الأعيان) نقلاً عن الشيخ خميس بن جاعد من خط الشيخ خلفان بن عثمان حفيد الشيخ خميس حيث قال ما نصه في نسب الشيخ سعيد بن. الخليلي: (من نسل الإمام الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل بن العلامة شاذان) (1).
خلفان
فإذا عرفت هذا تبين أن نسبة آل خليل إلى الإمام الخليل الثاني لا
إلى الأول فيكون ذلك أصبح نسبته إلى الأول لما ذكرنا.
وأمه هي ابنة للشيخ عبد الله بن مبارك بن عبد الله بن ناصر بن
محمد فهي ابنة عم الشيخ جاعد، ولم أعثر على اسمها (2).
وللشيخ جاعد ستة إخوة ذكور وبنت واحدة، وعدد أولاده الذكور والإناث ثلاثة عشر من عدة زوجات، ويظهر من ذلك أنه كان ميسور الحال ذا أسرة كبيرة، عاش مستهل عمره قرير العين، ولا ننسى
(1) انظر بحث المؤلف عن الشيخ سعيد بن خلفان ضمن قراءات في فكر الخليلي» ص 111 - 112 ط 1 نشر وزارة التراث القومى والثقافة (المنتدى الأدبى). (2) أخذاً من مذكرة نسب الشيخ جاعد التي أعدها الشيخ مهنا بن خلفان الخروصي. (1/9)
صفحة 9
أنه عاش حقبة طويلة من الزمن، فقد كان يناهز التسعين عاماً عندما
وافته المنية رضى الله عنه وأرضاه (1).
وبنى بيتاً كبيراً بالعوابي، وهو الذي يسمى الآن (حصن العوابي). وكان وطن آبائه مدينة بهلا، ثم انتقل جده مبارك إلى إزكي، ثم إلى الجبل الاخضر منحدراً منه إلى قرية العليا التي ولد فيها الشيخ ومن قبله والده خميس.
وكان كسبه من عمل يديه في الزراعة، وخاصة النخيل والليمون والبرسيم والحبوب، وكان له أموال، ولم يأمر أولاده بالعمل فيها كل يوم، وقد حكى ذلك عنه) ولده ناصر بن أبي نبهان. وما زالت المزارع التي كان يقوم بها باقية لذريته حتى الآن في آخر بلدة العليا مما يلى الجبل، وبنى مسجده الصغير هناك، ولايزال المسجد باقياً كذلك، وعاش في مستهل أيامه فى أمن وأمان بين بني قومه في وادي بني خروص، ومضى على سيرة العلماء العاملين والفقهاء
المصلحين.
المبحث الثاني: دراسته وشيوخه:
لم يكن الشيخ أبو نبهان مولعاً بالعلم منذ صغره، بل كان يحب
(1) انظر بحث المؤلف عن الشيخ جاعد للقدم في الندوة العلمية للتراث - لم ينشر،
ويوجد بمكتبة جامعة السلطان قابوس (1/10)
صفحة 10
البادية والصعود في الجبال لتتبع الصيد البرى كما هي عادة كثير من الناس يومئذ، وكانت عنده بندقية ضعيفة للصيد وكثيراً ما تخطاء،
ولكن إرادة الله غالبة، ونهوض الحظ له لم يقف أمامه عائق، فقد سبق في علمه أن يكون الشيخ عالم زمانه.
وهناك روايتان في سبب دراسة الشيخ؛ الأولى: أنه في يوم من الأيام - - حسب رواية الشيخ عبد الله الخليلي – أتى الشيخ جاعد إلى الشيخ العالم سعيد بن أحمد الكندى (1) في بلدة الهجار من نفس الوادي ليكتب له شيئاً من آيات الله البينات؛ لتعينه على جلب الصيد، بحيث يضع ما يكتبه له الشيخ على بندقيته كي لا يخطاء الهدف، ولكن الشيخ الكندى لمح من الشيخ جاعد قوة الألمعية وحدة الذكاء، فكان يحدثه ويسائله عن أخباره، فلما أفصح له عن طلبه قال له الشيخ الكندى - في جواب الرجل الحكيم -: يا هذا، إن لى بندقية لا تخطاء الهدف ولا تعدو الثغرة، قرب المرمى أو بعد. فكان لهذا القول أثر في نفس أبي نبهان فقال له: أرني هذه البندقية التي تذكرها. فذهب الشيخ الكندى مسرعاً فجاءه بكتاب ضخم، فوضعه بين يديه، وقال له هذه بندقيتي، فإن كنت ترغب في الإصابة وأن لا تخطاء هدفاً ما حييت فتعال أعلمك الرماية بها.
فقال: هيه. فألقى بندقيته الحسية وأخذ البندقية المعنوية، وخرج من
(1) سياتي ذکره. (1/11)
صفحة 11
صبغة البدو إلى صبغة الحضر والتدبر والتفكير، وأكب على طلب العلم، وواظب على الدروس ليل نهار حتى فتح الله عليه كنوز العلم والمعرفة (1).
وفي رواية أخرى عن شيوخنا: أن الشيخ جاعداً خرج ذات يوم للصيد كالعادة، فلما رجع إلى المنزل وجد والدته قد أخرجت كتب آبائه المخطوطة، ووضعتها في الشمس؛ لتذهب عنها الرطوبة والأرضة، فلما رجع سألها عن سبب تخريج الكتب في الشمس، فأجابته على سبيل التهكم به. لماذا لا أخرجها في الشمس وأهلك لم يتركوا لها أحداً يقرأها إلا انت وامثالك؟!
فتأثر الشيخ بتلك المقالة، فترك الصيد وواظب على الدرس والقراءة. ولا شك أنه قرأ على الشيخ الكندى، وقد تكون القصتان واقعتين، وعلى أي حال فإن أحد السببين كاف في التحول عن مسار اللهو إلى مسار الجد والعمل الصالح.
ولازم الشيخ جاعد) الشيخ سعيد بن أحمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد بن محمد بن سليمان بن عبد الله الكندي النزوى من أهل الردة، وقد خرج من نزوى إلى وادي بني خروص؛ لظروف
(1) الشيخ عبد الله الخليلي - الحقيقة: 11 مخطوط ابن رزيق - الفتح المبين: 146 نشر وزارة التراث القومي والثقافة ط ا. (1/12)
صفحة 12
كدرت عليه صفو عيشه، وتوفى بنخل، ولا تزال ذريته باقية إلى
اليوم بها.
فأخذ عنه الشيخ جاعد فنون العربية كالنحو والصرف والبيان، وفنون العلوم الإسلامية كأصول الدين والتفسير والحديث والفقه والسير والتاريخ وغيرها، ورحل بعد ذلك إلى نزوى؛ فأخذ عن الشيخ العالم هلال بن عبد الله بن مسعود العدوى النزوى، وعن الشيخ العالم حبيب بن سالم الأمبوسعيدى النزوى، وأظنه من أهل فرق وقد قال فيه ابن رزيق: (أعلم أهل زمانه، وقصدته الوفود بالمسائل من كل بلد من بلدان عمان) (1).
وعاصر الشيخ أبو نبهان الشيخ محمد بن خميس بن سالم
البوسعيدي، وكان بينهما تبادل آراء في الأحكام (2).
ولكن الشيخ أبا نبهان فاق شيوخه وأقرانه بعدما تبحر في العلم،
وفتح الله عليه من كنوز المعارف ما شهد به الركبان.
ويظهر لي - والله أعلم - أن الشيخ درس آثار العمانيين الأقدمين كثيراً، وخاصة آثار الشيخ أبي سعيد الكدمي فكثيراً ما يثني عليه ويقلده، ويحتج بقوله في مواضع كثيرة من جواباته، وذلك بعدما بلغ
(1) ابن رزيق - الفتح المبين: 146، وانظر مذكرة الشيخ مهنا في نسب الشيخ وحياته
العلمية.
(2) السيد حمد بن سيف البوسعيدى - الموجز المفيد: 86. (1/13)
صفحة 13
درجة الاجتهاد من العلم، ولقد تعلق بآثاره ايما تعلق، وشغف بها أشد الشغف ـ وهذه بعض النصوص التي قالها في أبي سعيد: قال: (فانظروا فيه وفيما ذكرته إما مفصلاً، فإن الرجوع إلى صحيح الأثر أولى من تكلف النظر بلا علم ولا بصر، خصوصاً آثار هذا الشيخ الكدمي؛ لأن له اليد الطولى والمنزلة الأعلى والبصيرة النافذة، فهو من الجهابذة على ما ظهر له في الدار، فشهر في الفن الفقهي فلله، دره من عالم بليغ رباني. ما أغزر وأقوى فهمه! وأصفى نظره وأصح أثره إنه فى العالمين لنور يستضياء به لدينه في دنياه من
الله هداه) (1).
وقال: (بل ربما كان الواحد أقوى نظراً في العلم من الجمهور، يدرك بنور غريزته ما قد غابت عن الجمهور رؤيته، وكلت بصائرهم عن دركه، ألا وإن هذا لهو الغالب على العلماء من الناس؛ لأنهم وإن كانوا علماء وإليهم ينسب العلم، فإنه لبينهم البون الشديد والفرق البعيد، والمستبصرون الذين صفت غرائزهم، واستنارت بنور العلم الغريزي قلوبهم، ونظروا الصحيح بعين البصيرة، وباشروا أسرار العلم الدينية بصحيح المعرفة، حيث بلغ بهم العلم إلى درجة الربانيين من الأحبار .. كالشيخ أبي سعيد - رحمه الله – ترجمان المذهب الحق على الصحيح، وربان الجوارى من الدين المنشآت في بحر الحقيقة على
(1) ابو نبهان جاعد جوابات: 123. (1/14)
صفحة 14
الصواب – قليل. الا ترى أنه يقصر الذين وجدنا آثارهم من مشايخ المسلمين عن البلوغ إلى درجة هذا الشيخ - رحمه الله -؟! فسبحان
من جعله رحمة، إلا من عصى واستحب العمى على الهدى) (1).
وقال: (وكفى بأبي سعيد) حجة ودليلا، لمن أراد أن يتخذ لنفسه الحق سبيلاً، لأنه أعلم من تعلم من الأحبار، وآثاره أصح الآثار، لا على سبيل محض العصبية، ولكن لظهور أنوار الحق في أقواله المرضية) (2).
وعده في موضع آخر من جهابذة العلماء المستبصرين بأنوار البصائر في علوم الشريعة، (3) وصحح كلامه في غير موضع من
جواباته (4).
وبالجملة فقد اعتنى الشيخ بآثار الشيخ الكدمي، ودرسها دراسة واعية مع ما أثر عن السلف، فيكاد يكون هذا الشيخ أستاذه الأول.
المبحث الثالث: اخلاقه وصفاته:
كان الشيخ (جاعد واسع الصدر، رحب الخلق، لا يضيق صدره
(1) ابو نبهان جاعد، جوابات: 436.
(2) أبو نبهان جاعد جوابات: 474. (3) ابو نبهان جاعد جوابات: 427.
(4) انظر أبا نبهان جاعد - الجوابات ص: 38، 114، 116، 119، 122، 131، 133،
5100439،339، 208،148،139،138 (1/15)
صفحة 15
بسائل، بل يتلقى كل طالب علم، ويظهر ذلك من أجوبته .. فهو لطيف في جوابه واسع الاطلاع كثير النصائح لطلاب العلم وللسائلين كلما واتته الفرصة للنصيحة، فكتبه المشحونة بجواباته مدرسة تعلم القاراء والمطالع.
لا يفارق المسجد بعد طلوع الفجر حتى يصلى الضحي .. حدث
بذلك ابنه الشيخ ناصر بن أبي نبهان (1).
كان الشيخ يقف عند الحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، ولو كان عند أقرب الناس إليه .. حدث ولده ناصر بأنه هو وإخوته ربما تفوتهم سنة الفجر؛ فيصلون الفرض جماعة معه وذلك في وقت صباهم - ويختفون عنه ويبدلونها بعد الفرض، فينهاهم الشيخ فلا يستمعون إلى نهيه، فما زالوا كذلك؛ لأنهم – كما يقول - يشتغلون بخدمة الأموال في الصباح الباكر، ويقعد هو في المسجد حتى يؤدى صلاة الضحى، فينسون أداءها حتى تفوتهم، حيث يقول: (كان والدى - رحمه الله تعالى - يمنعنا أن نصلي سنة الصبح إذا فاتتنا بصلاة الفرض جماعة معه بعد الفرض ونحن نختفى عنه ونبدلها بعد صلاة الفرض، ولم نزل كذلك ولم نستمع إلى نهيه؛ لأنه كان يقعد في المسجد إلى صلاة الضحى، ويشغلنا هو بخدمة
(1) انظر السعدي - قاموس الشريعة: 2/ 131. (1/16)
صفحة 16
أمواله، فنذهب إلى خدمة الأموال، وننسى بدل السنة، هكذا في غالب الأوقات إذا فات وقتها، وكان - رحمه الله – يشتد غضبه علينا، ونختفى عنه، ويقول: من أجاز لكم هذا؟! وهو يعلم مني أني
وجدت كلام الشيخ أبي سعيد - رحمه الله - في ذلك) (1). وحدث أيضاً عنه الشيخ ناصر .. بأن نبهان كان يقرأ للشيخ من مصنف للشيعة، وقد كتب في ذلك الكتاب «علي» عليه السلام،
وعندما كان نبهان يقرأ يقول: مكتوب على عليه السلام ـ أى
بزيادة كلمة (مكتوب)، فأخذ الشيخ الكتاب، ونظر هذه الكلمة فلم يجدها فغضب على نبهان ونهره، قائلاً: (اترك كلمة مكتوب، واقرأه كما صنفه صاحبه (على) - عليه الـ ه السلام؛ لأن هذا كلام غيرك، وإن زدته أوهمت السامع أن مصنف الكاتب صنفه كذلك) (2).
كان يحارب الابتداع في الدين فلا يرضى بتشريك أهل القبلة
ذلك
ولو كان ما كان، ويحذر من ذلك. وفى جواب له لمن سأله عن نهى عن الدخول في اعتقاد تشريك المتولين لليهود والنصارى، فلا يحكم عليهم بحكم المشركين، ولكن يحكم عليهم بكفر النعمة وبإطلاق الفسق والنفاق عليهم، وأن مأواهم النار وبئس المصير،
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر - ص 277 - 278. (1/17)
صفحة 17
بدليل قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (1) إلى قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا.
وخذ مثالاً مما كتبه، جواباً لمن سأله عما يقوله النجدية والأزارقة، ويدعون إليه في رسالة طويلة، ونقتطف منها هذه الأسطر: (ويا من صبا من العمانية إليها ليت شعرى ما الذي جملكم عليها؟ أهو شدة رهبة فيكم من أهلها؛ فيعذر من اتقى أن أظهر ما جاز له في إعلان، فأسر في قلبه ما قد أضمره من الإيمان، ولم يأت ما ليس له أن يفعله بالأركان، ويجوز الفضل من امتنع منها ظاهراً فأبدى لله كبرها، ولم يرض بها قليلها ولا كثيرها، أو كان هذا منكم لرغبة فيها عن جهل بأوامها، أو علم بحرامها، أفلا تسألون أهل الذكر عنها قبل مرامها؛ فإنهم القادة لمن القى إليهم قيادة، فلا تقبلوا من غيرهم قولاً ولا عملاً في عموم ولاخصوص، إلاما عرفتموه عدلاً، فجاز لكم أو لزمكم أن تقولوه، أو تعملوا به حينا ... وقد نزل بكم من هذه الفتنة العمياء والداهية الدهياء ما قد بان ضرره فيمن دنا منه، فأصابه شرره، فلم أسرعتم الوثبة إليه، زهدا في الذي كنتم عليه، وبه النجاة ولا شك؛ لأنه العروة الوثقى والحبل المتين من ربكم. فإن تكونوا في ريبة من إفك من يقول على الله كذبا فدان في أهل الإقرار بالشرك، فاقرأوا
(1) النساء: 140، 0141 (1/18)
صفحة 18
رسالة و المهنا بن جيفر ما دونه خلف بن زياد في سيرته، وانظروا إلى ما أرسل به محبوب بن الرحيل إلى عمان في أمر «هارون بن اليمان)، حين زل وأبى أن يرجع فضل، وما لغيرهم من السير مثل
أبي الحواري وأبي قحطان وأبي المؤثر؛ لعسى أن تجدوا ما قد أثبتوه وأثروه على الأولين. هذا يتم من في زمانهم، ولمن يأتي من بعدهم في الآخرين) .. إلى آخر ما قال (1).
وقد جاء في هذه السيرة الشيء الكثير من الرد والبيان والحجة والبرهان والنصيحة الواضحة عن الانزلاق في هذه الفتنة العمياء. كما أن الشيخ يجيز هدم ما بناه البغاة وقطاع الطرق من مراصد ضد المسلمين (2).
ويشتد غضبه على من يعاون الجبابرة على الظلم، أو يجبى لهم الصدقات والخراج، أو يدلهم على فعل ما هو غير جائز في دماء المسلمين، وأعراضهم وأموالهم وأطال النصيحة لمن سأله عن مثل هذه المسائل، وهي كثيرة في جواباته وفي كتابه «الدقاق لأعناق أهل النفاق، وغيرها. ولولا خوف الإطالة لاتيت ببعض النصوص ا
بذلك (3).
(1) أبو نبهان جاعد - سيرة أبي نبهان صه.
(2) أبو نبهان جاعد - جوابات: 105.
المتعلقة
(3) أبو نبهان جاعد - جوابات: 105، 138، 180، 192، 223، 205، 206، 216،
274، 421، 567،569،53 (1/19)
صفحة 19
وكان ذا يقين بالله وثقته به على كل حال، حين توفى أحد أولاده، وكان في تلك الحال وهو يجيب سائلاً، فذكر له ما أصابه من
موت ولد له أوجعه، فحمد الله، واسترجع، وسأل الله المغفرة له
ولولده (1).
ولم يتزلف الشيخ إلى أمراء عصره، ولم يتقرب منهم، بل كان يقدم لهم النصائح، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ولا يخافهم، ولا يرهبهم شأنه في ذلك شأن علماء الآخرة (2) ولولا خوف الإطالة؛ لأتيت بنص تلك الرسالة.
المبحث الرابع: تصوفه:
بلغ «أبو نبهان) في هذا الجانب مبلغاً عظيماً، لا يدانيه فيه أهل زمانه، فقد بلغ في علم السلوك ما جعله وحيد زمانه. ومن يقرأ قصيدة حياة المهج وشرحها، يعرف مبلغ ذلك العالم التحرير والزاهد العارف البصير بربه؛ فإن فيها ما لا يكاد يُدرك، فقد غاص في علم السلوك، وعرف مداخل ومخارج هذا العلم، وما يؤدى إليه، وما ينتج عنه، وسوف أنقل لك نصاً من كلامه على مصطلحات مسميات النفس عند ا. الصوفية، ونصاً آخر في تجلى صفات الذات
للسالك.
(1) أبو نبهان جاعد - جوابات: 14.
(2) أبو نبهان جاعد - أنظر الرسالة من جوابات: ص 083، 588. (1/20)
صفحة 20
النص الأول في صفات 1
والمراد أن هذه الصفات على عددها كل واحدة منها في النفس تقتضى كون ضدها، في حالة الطرد والعكس، فيكون في موتها كون حياتها، وعلى العكس في حياتها كون موتها. وفي ذلها كون عزها وعلى العكس، ففي عزها كون ذلها. وفي غيبتها كون حضرتها، وعلى العكس فنى حضرتها كون غيبتها، وهذا صحيح. ولكن فيه لأهل الضعف في الأفهام نوع غموض وإيهام فيحتاج في حقهم لإقامة البرهان إلى مزيد بيان حتى يتضح لهم المعنى بحال فيرتفع الإشكال، ومن البيان له أن يعرف أولاً المراد بهذه الصفات في هذا الموضع، فإن الموت عبارة يطلق في هذه النفس الدنية في مصطلح الصوفية بوجه اختيارى على الحمية لها من شهواتها الردية، ومنعها عن مواضع رداها المخالفة هواها ومن مساويها ورد دعاويها، والتهمة في جميع مراداتها والانفة من مجاراتها، والتبرى من حولها وقوتها وطولها، والرجوع إلى الله في جميع الأمور، والاستسلام لأمره في التزام الطريقة بأنوار الشريعة وأسرار الحقيقة، والخروج منها بالفناء عنها حتى تحمد فتنسلخ من رذائل صفاتها، وتنفسخ من غوائل آفاتها، وتطلع في سويداها أنوار العرفان فتنسخ ظلماتها، وتنشر آثارها بالإحسان في جميع الأركان، فتحيا لصفاء الأحوال بروح أسرار (1/21)
صفحة 21
المعارف والأحوال، وهذه هي الحياة الأمدية الموجبة للحياة
الأبدية) (1).
والنص الثاني من شرح البيت:
تجلى ظهوراً بالصفات لذاته إلى طوره فاندك من نورها شهبا قال: (وذاته عبارة عن نفسه التي هو هي لاغيرها، وهي هو لا غيره، لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في شيء من صفاته، تسبح له السماوات والأرض، تعالى عن الطول والعرض، وعن درك الأفهام، وتصوّر الأوهام، وجل عن الكيف والأين، وعن أن يرى في الآخرة والأولى بالعين، وتقدس عن أن يكون له لون، أو يحوى نفسه كون أو تعتريه حركة أو سكون، أو يلحقه شيء مما يلحقه الخلق؛ لأنه الملك الحق مقدس النفس عن كل نقص ورجس،
وقد آن إلى من هنا في هذا أن أقول: إنه مقام الذهول، وحيرة العقول لأنه منقطع الإشارة لعجز العبارة عن حقيقة ذاته القدسية، من حيث إنه ليس للخلق سبيل يصلون به إلى معرفته، إلا بالذي جعله لهم من الأدلة عليها، ولم يجعل لهم علماً يدلهم على حقيقة ذاته، وإنما دلهم على معرفته بأسمائه وصفاته، ونصب لهم من جوده اعلام شهوده
(1) شرح حياة للهج. (1/22)
صفحة 22
أدلة على وجوب وجوده فبه، عرفوه ولولاه ما عرفوه بصفاته ولا
سموه بشيء من أسماء أفعاله ولا أسماء ذاته) (1).
وكفى بهذين النصين دلالة على مقام هذا الشيخ العظيم في
معرفته بربه، وتجرده من أغيار النفس الدنية، واتصافه بصفات المعرفة
للذات العلية.
المبحث الخامس: مكانته الفقهية:
بلغ الشيخ «أبو نبهان، مبلغاً من العلم بز فيه أقرانه، وصار من الشهرة والمكانة الرفيعة فيه بحيث يشار إليه بالبنان، قال عنه الشيخ العلامة (سعيد بن خلفان الخليلي) عندما ذكر الشيخ ناصر بن أبي نبهان ووالده: (وهم كانوا أكثر منا علماً، وأصح نظراً، وإنا لهم في
الحق تبع ان شاء الله) .. إلخ، ثم تمثل بقول القائل:
وابن اللبون إذا ما لذ في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس" وقال عنه نور الدين السالمي: (إن أبا نبهان كان المتقدم على أهل زمانه بالعلم والفضل والشرف واتخذه الناس قدوة في مراشد دينهم و مصالح دنياهم، وقلّده الأفاضل أمرهم لما علموا من علمه
(1) شرح حياة للهج.
(2) الخليلي .. سعيد بن خلفان - تمهيد قواعد الإيمان: جـ 259/ 13 نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان طا. (1/23)
صفحة 23
وورعه) (1)، وكفى بشهادة هذين العالمين للشيخ بهذا المقام، الذي لا يقولونه إلا لمن كان مشهوراً بذلك، ولكونه بالغاً درجة كبرى في
المعارف الإنسانية.
وقال عنه الخصيبي:
وأخو الفضل جاعد بن خميس من خروص ومن ذوى المأثرات شمس علم وكنز سر وكهف وشهاب مرد لكل الطغاة
قال في الشرح: (كان عين جهابذة العلماء في ذلك الزمان والحبر الرباني المشار إليه بالبنان وكان الفرد الوحيد في علم الأسرار فعنده ملكة قوية) (2).
واشتهر علم الشيخ (جاعد) وتخريجاته الفقهية بين الخاص والعام، وعرف بالعالم الربانى وبالشيخ الرئيس، ومدحه شعراء عصره
بقصائد طويلة، ومما قاله فيه و الدرمكي) من قصيدة طويلة:
وإن أبا نبهان للنابه الذي تنبه عنه منه بيض الفعائل فيفضح مهما جاد هملان وابل ويفصح مهما قال سحبان وائل وينصب أعلاماً من العلم عاملاً وأني رأيتم عالماً غير عامل
(1) السالمي .. عبد الله بن حميد - تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان جـ 2/ 181 نشر وزارة التراث القومي والثقافة 1981.
(2) الخصيبي .. محمد بن راشد بن عزيز - شقائق النعمان: 139/ 1 نشر وزارة التراث القومي والثقافة ط 2/ 1989. (1/24)
صفحة 24
خوبجود للموالين نافع ويسطوا بسيف للمعادين قاتل فلم نر إلا راضعاً در عارض ولم تر إلا صاليا نار صائل
فيتلو علينا سورة الشمس وجهه وأخلاقه تتلو كتاب الشمائل (1) ويقول الشاعر راشد بن سعيد بن بلحسن العبسي، أيضاً في
مدحه من قصيدة على الحروف الهجائية فى بداية كل بيت بحرف: صنع الخروصي الصلاح ووصفه بصوابه لم يحصه إحصاء ضخمت فضائله فضاق ببعضها عرض الفضاء وبعضهن ضياء طم الفطانة والطباع تعطفا للطائعين وطاعة وعطاء ظان بوعظ الواعظين بلفظه ظعن الظما والظلم والظلماء (2) ومن الذين مدحوه في حياته .. الشيخ العالم منصور بن ناصر
الخروصي الستالي، والشيخ الفقيه ناصر بن محمد بن سليمان الخروصي الحاجرى السمائلي، والشيخ سيف بن ناصر الغشرى، والشيخ سعيد بن حسن بن درويش الخروصي، والشاعر حميد بن محمد بن رزيق النخلى والشاعر على بن خميس بن عامر الحراصي الجبري وغيرهم كثير. وقد جمعت قصائد مديحه في ديوان کامل أطلق عليه لقب (قائد المرجان في مدح أبي نبهان) (3).
(1) الخصيبي، المصدر السابق ص 150.
(2) للمصدر نفسه ص 151.
(3) المصدر نفسه ص 148. (1/25)
صفحة 25
وكان الشيخ جاعد من العلماء العاملين، والفقهاء المجتهدين، وإلى مرضاة ربهم من السالكين الذين مدحهم الله في كتابه عز من قائل: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ
يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمَحرُوم (1).
فكان عابدا لله متبتلاً إليه، لا يفارق مسجده إلا لحاجة عياله وماكله ونومه، عاش طالباً للعلم مطلوباً فيه، يرد إليه السائل من كل أنحاء عمان في أمر الدين والدنيا، ويزدحم إليه طلبة العلم، وكان شديد الغيرة في دينا الله، لا يخاف فيه لومة لائم، وقد قام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب استطاعته في زمانه، وله في ذلك مواقف مشهورة، وصحائف مأثورة، ذكر بعضها نور الدين) في تحفته (2)، والشيخ عبد الله الخليلي في رسالته (الحقيقة) (3)
وغيرهما.
وانظر ما قاله الشيخ عامر بن على العبادي» في جواب له: (وقد كفاني دليلاً ومنهجاً وسبيلاً من سلك بحالي دار السلامة ومقام الكرامة الباقي إلى يومنا هذا في مصرنا وعصرنا وهو الشيخ «أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي العلياني) - رحمه الله تعالى – وهو الإمام لأهل العدل من ملة الإسلام في هذه الدولة وهذه الأيام، وهو
(1) الذاريات - الآيات من 17 - 19. .
(2) الخليلي .. عبد الله بن على رسالة الحقيقة ص 15 وما بعدها.
(3) آية 149 - سورة الأنعام. (1/26)
صفحة 26
القدوة لمن جاء بعده من الأعلام، وهو الأمة، والقائد من اقتدى بآثاره الصحيحة إلى الجنة، فسبحان من بعثه في هذه الأمة في آخر الزمان بشيراً للمؤمنين ونذيراً للمجرمين، وداعياً للغافلين إلى الله بإذنه إلى سبيل مرضاته بالتزام طاعته، وسراجاً للمهتدين منيراً في هذه الليالي المكفهرات، يقول تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أجمعين) (1) والحمد لله الذي جعل لكل قوم هاد إلى يوم المعاد، جزى الله (أبا نبهان) أفضل ما جزاه (2) به إماماً أقام له بقسطه في بريته، وجاهد وشمر وذاد عن محارم رعيته على ما أوضحه للعالمين من البرهان وبينه بأوضح بيان .. فهذا كلام رجل معاصر للشيخ أبي نبهان، وهو عالم به وبمن في زمانه وقد نص على أنه كان إمام زمانه، وأنه قام بواجب الدفاع عن الدين ورد البدع، وأوضح دين الله للناس من حلال وحرام ودعا إلى الله على بصيرة، وأقام الحجة على
المعاندين.
وأضيف - إلى ما كتبته هنا - عبارة قالها الشيخ سعيد بن ناصر الكندى»، وهو عالم مشهور في زمان الشيخ «أبي نبهان، بل هو من شيوخه في رده له حين سأله عن كلام الشيخ (أبي محمد) في تعارض أقوال المجتهدين في المسألة الواحدة، حيث قال: (إن الحق في
(1) لعله جزي به.
(2) السعدي .. جميل بن خميس - قاموس الشريعة، 211/ 19 نشر وزارة التراث القومي والثقافة 1988. (1/27)
صفحة 27
واحد والباقي خطأ عند الله. فلم يصوب الشيخ و الكندي) الشيخ أبا محمد) في ذلك. ثم على أثر جوابه قال: (وفي حسابي إنه لا يغيب عليك أمثال هذا ثم قال: وانظر ما كتبته لك، ولا تقبل منه إلا ما وافق الحق) (1).
وقد عجز علماء عصره عن مجاراته فى الاجتهاد، وفي سؤال وجه لابنه الشيخ ناصر بن أبي نبهان حول الاجتهاد، قال السائل: (وقد اتفق العلماء في بعض الأمصار على تحريم القهوة، ثم أتى من بعدهم والدك - قدس الله سره ونوّر فكره – ورأى أن تحليلها هو الاعدل، وأظهر الحجج على ما رأى، حتى ظهر نوره في عقول ذوى العقول من الورى إنه هو الرأى الأكمل) (2).
وفي جواب الشيخ ناصر لمن سأله فتعرض لذكر والده في الجواب، ثم قال: (ولا يشك أحد في علو درجته في الفهم، وفضيلة منصبه في العلم). وقال في مواضع آخر: (وحيث لم يرد الله الملك الخلاق، أن يكونوا على هذا الاتفاق كشفه الله على من الهمه بجنانه، فأجراه على لسانه، فاستعمله في بلدانه، ولم أنفرد فيه بنفسي، بل أعانني عليه بتصحيحه والدى «أبو نبهان»، لمن اتخذته عوناً عليهم من الإخوان) (3).
(1) السعدي - نفس للمصدر السابق ص 98 - 99 - جوابات.
(2) السعدي - المصدر السابق: 262/ 2.
(3) نفس المصدر ص 265. (1/28)
صفحة 28
هذا كلام هؤلاء العلماء الجهابذة في علو مقام الشيخ أبي نبهان
ورسوخ قدمه في العلم، ولا شك أنه كان في زمانه وبعد وفاته صار مشهور المكانة بين الخاص والعام، فإذا كان هذا موقف الخاص منه، فكيف بمواقف العامة؟ ولله في خلقه شؤون، يختص برحمته من يشاء، كما يجعل الحكمة في قلب من يشاء.
ولا أدل على ذلك من كلام الشيخ أبي نبهان» نفسه في مراسلاته وجواباته، فقد جاء فيها ما يغني طالب العلم عن البحث عن شهادات المشهود وأقوال العلماء فيه، وسأنقل لك نصين؛ ليتبين موقفه من الدفاع عن الإسلام وإظهار معالمه.
النص الأول .. من رسالة له: (بسم الله الرحمن الرحيم. يا من وصلني کتابه فلم أدر من هو جزاه الله خيراً، هذا عنى جوابه .. إن عمان لا يخفى على من بها ما قد ظهر على الغالب من أهلها فشهد من الفساد والطغيان، وهذه نازلة أخرى زيادة على ما هم به من البغى والعدوان، وكأنها من أختها أكبر وأقبح وأضر؛ لأنها داعية في دين له إلى إطفاء نوره واخماده، وإظهار ما لا شك في فساده؛ لعدم صوابه بدليل ما قد أنزل الله به على رسوله في كتابه، وخوفي أن تعم البلدان، فتمحو خير الأديان أو تبقى به فى كتمان. الا فاتقوا الله بأداء ما أمره، والانتهاء عما عنه زجر، ولا تركنوا إلى من دعاكم إلى متالف الردى، تاركين لما كان عليه أئمة الهدى، فإنهم أقرأ للتنزيل
الله (1/29)
صفحة 29
وأعلم بالتأويل، وأدل بالطريقة المثلى إلى منازل العلى، وقد ضربوا في منارها الصوى، فبصروا من العمى، وأمروا بالتقوى، ونهوا عن متابعة الهوى، وأوضحوا لكم في دين الله ما لا مزيد عليه من الهدى، ودلوكم على المحجة البيضاء التي كان عليها سيد الأنبياء، فعرفوكم ما تاتونه فرضاً ونقلاً، وما تذرونه نية وقولاً وفعلاً، وبينوا لكم من زاغ
عنها من أهل الجهالة، فجادلوا أهل الزيغ بالتي هي أحسن لما بها من دلالة على صحة ما هم به وعليه وفساد ما عداه، حتى ظهر الحق، وبطل ما خالفه من دعوى العماة) الخ (1).
النص الثاني .. جواب لمن سأله عن رجل يدعى عمير بن محمد الغلابي، ولا أدرى أعماني هو أم لا؟ حيث ادعى النبوة، وصار يدعو الناس إلى تصديقه. ومما جاء في جواب الشيخ (أبي نبهان»: (فإن كان ما قد ظهر على لسانه من دعوى نزول جبرائيل بالوحي على جنانه أو يكلمه به، فينبغي لكم من طريق الواجب في تصديقه والعمل به أن تنظروا فيه نظر من أجهد نفسه في جواز تحقيقه قبل سلوك طريقه، فإني لا ادرى لما ادعاه في الحق وجها يجيز لبعده من الصدق وإن صح أن له قريباً من الجنة يأمره أن يصدع به في الناس فيظهره، فليس هو! من خدع شيطانه فاضله، وأعمى قلبه عن طريق
(1) ابو نبهان جاعد - سيرة أبي نبهان - مكتبة المخطوطات بوزارة التراث القومي والثقافة
صا. (1/30)
صفحة 30
رشده فأزله الم يبلغ إليه قول الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (1) أو ليس فيه ما دل إنه لا
نبي بعده، بلى ومن أصدق من الله، قيلا كلا وإنه أصدق القائلين ... إلى أن قال: فاحذروا أمثالها وإياكم وتصديق من قالها، فإنها للسالك لمن أضيق المسالك لقوله تعال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ
قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللهُ) (2). الا فاتقوا الله وذروا ما لا وسع فيه من تقوله وغروره لما به من الإفك المؤدى بأهله إلى النفاق أو ما قوقه من الشرك، ومن الواجب على من قدر أن يقابله بنكيره؛ لأن الوحى قد ارتفع لموته فانقطع عن
الأرض، إلاما يكون من إلهام أو رؤيا في منام) الخ (3).
وقد أفاض الشيخ في الاستدلال على كذبه. وهناك رسالة أخرى
في هذا المجال، ومقطع من رسالة ثالثة في الموضوع.
ومن هنا يتبين أن الشيخ كانت ترسل إليه عويصات المسائل، ويطلب منه حلاً لمختلف المشكلات؛ لأنه عالم زمانه، بل مرجع العلماء في عصره كما سبق وأن بينت ذلك في هذا المبحث، ولا
(1) الأحزاب آية 40.
(2) الأنعام آية 93.
(3) أبو نبهان جاعد - سيرة أبى نبهان: ص 8 (1/31)
صفحة 31
أحب الإطالة في الموضوع، وإذا كان الأمر كذلك، فلا شك أن للشيخ آثارا في هذا الميدان سواء مول في الصدور أو المنقول في
سطور.
المبحث السادس: آثاره العلمية
اولا: من حمل عنه العلم، ولا شك أنهم تلاميذه الذين لازموه في الدرس والتحصيل، إذ لا بد للعالم من أن يؤثر في مجتمعه وخاصة فيمن حوله ويتأثر بهم فكيف بمن خالطهم وخالطوه، فالعالم كعبة لطالبي العلم أينما يكون فهو كالغيث أينما وقع نفع. وطلاب العلم لدى العلماء هم الكفيلون بنقل موروثاته الفكرية إلى الناس، وهل نقل سنة النبي صلى الله عليه وسلم بأقسامها إلا أصحابه وهكذا.
والشيخ «أبو نبهان كان من جملة العلماء الذين بذلوا العلم لطالبيه، فكان مسجده الموجود ببلدة العليا. هو مدرس رسته التي يتزاحم فيها الطلاب بالركب، وهذا المسجد ما زال موجوداً ببلدة العليا على سفح الجبل، فنهل الطلاب من علمه الغزير وقصده السائلون والعلماء في ذلك المكان النير، وكما قيل: بجيرانها تغلو الديار وترخص. أو
كما قيل:
مررت على الديار ديار سلمى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
وأول من حمل عنه العلم أولاده الكرام، وأول من نبغ منهم في (1/32)
صفحة 32
العلم وتأثر بطريقته الشيخ ناصر بن أبي نبهان، فهو أغزرهم علماً، وأعمقهم فهماً فيما بلغنا، وله مؤلفات عدة وعاش أكثر عمره في
العليا، ثم انتقل إلى نزوى، ثم غادرها إلى زنجبار، وتوفى بها عام 1263 هـ (1). والشيخ خميس بن أبى نبهان، قد دفن بجوار أبيه في بلدة العليا (2)، والشيخ نبهان بن أبي نبهان» کني به والده – ولعله أكبر أولاده ـ وتوفى - رحمه الله ـ في بلدة العليا على رواية أحفاده عام 1236 هـ أى قبل وفاة والده بسنة (3) وكذلك بقية إخوتهم، فاتصفوا بالعلم والورع والمعرفة والخصال الحميدة.
وأما من كان من غير أولاده فكثير، ومنهم:
الشيخ منصور بن ناصر بن خميس، وهو ابن أخ الشيخ جاعد، وقد شرح لامية ابن النضر (4)، والشيخ سعيد بن محمد بن راشد الخروصي المعروف بالغشرى (5) صاحب الديوان، وهو ممن
(1) انظر بحث المؤلف: الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي وفكره ضمن قراءات في فكر الخليلي - نشر المنتدى الأدبى. (2) أراد المسلمون في زمان الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي أن ينصبوا الشيخ خميس إماماً لهم بالرستاق لعلمه وأهليته فأبى أنظر السالمي - تحفة الأعيان: 219/ 2. (3) وذكر نور الدين في التحفة أنه قتل بنزوى في نفس العام، أنظر جـ 2/ 269 وما بعدها.
(4) من لسان أحفاده. (*) يبدو لي أن الشيخ الغشرى ليس من تلاميذ الشيخ أبي نبهان، حيث إن الغشرى من مواليد العقد الثاني من القرن 12 هـ بدليل أنه: 1137 قد رثى امه. 1137 أرخ لبناء مسجد الشدوابة. 1144 أرخ لبناء منزله. 1146 أرخ لهطول الأمطار والسيول التي أفسدت الزرع. وهذه التواريخ كلها قبل مولد الشيخ جاعد (ت 1147) ولا يمكن أن يتمكن من الشعر، إلا إذا بلغ 18 وزيادة؛ ولهذا من الممكن أن يكون من مواليد عام 1119 أو = (1/33)
صفحة 33
رئى والد الشيخ ج، وتوجد له في ذلك عدة قصائد ضمن
الديوان.
وأبو محمد عبد الله بن محمد بن ناصر الخروصي من أهل العوابي، الذي قال فيه الشيخ أبو نبهان: (لو اجتمع عليه العلماء إماماً لكنت أول من يبايعه لكمال شروط الإمامة فيه، والشيخ حسن بن درويش بن سعيد الخروصي من العوابي أيضاً وولده سعيد بن حسن، وقد كان شاعراً نابغاً وفقيهاً بارعاً، والشيخ راشد بن سعيد بن أبي نبهان وهو ولد ولد الشيخ وكانت له معرفة بالأدب .. وغير هؤلاء
كثير.
ثانيا: مؤلفاته الفقهية:
ترك لنا الشيخ (أبو نبهان) عدة مؤلفات، كان أكثرها في الفقه بجانب ما له من مؤلفات في السلوك وعلوم اللغة العربية وأشعار وغير ذلك مما ذكر عنه، ولم نعثر عليه. ولكن ما يهمنا هو المؤلفات الفقهية، وبها تظهر مكانة الشيخ في هذا الميدان، وإليك
بيانها:
قبلها وبالتالي يكون عمره حينما ولد أبو جاعد نحو 30 سنة، وحين بلغ جاعد 20 سنة يكون عمر الفشرى خمسين سنة وأن المجالسة التي تمت بين الغشري وأبي نبهان لا يمكن أن تتم إلا حينما يبلغ الأخير 30 سنة على أقل احتمال وفي هذه الحالة يكون الشيخ العشرى تجاوز 60 سنة فكيف يكون من تلاميذه؟! واعتقد العكس أن أبا نبهان كان تلميذاً للغشرى. والله أعلم. (1/34)
صفحة 34
1 - والدقاق لأعناق أهل النفاق» .. وهو في السياسة الشرعية،
وأحكام أموال الجبابرة والتعاون معهم .. وتوجد منه.، عدة نسخ بمكتبة وزارة التراث القومى والثقافة، واخترت واحدة منها تحت رقم 2313 عام و 110 ب، خاص، وتحتوى على مائتي صفحة من خط الناسخ سالم بن شامس بن سنان المنذرى وتوجد منه نه نسخ أخرى بمكتبة المخطوطات تحت أرقام أخرى.
2 - وأحكام المساجد والمدارس وما أشبهها .. وقد ذكر أنه جزء من كتاب المستطاب وهو الثاني، وتوجد منه عدة نسخ بوزارة التراث القومي والثقافة، وقد اخترت نسخة تحت رقم 1204 عام و 111 ب خاص، وتحتوى على 331 ورقة.
إيضاح البيان فيما يحل ويحرم من الحيوان .. وتوجد منه عدة نسخ في وزارة التراث القومى والثقافة، وقد سجلت منها نسخة تحت رقم 1097 عام و 108 ب خاص، ويحتوى على مائة وتسع وثلاثين ورقة بخط الناسخ مسيعيد بن سويعد بن مسعود السعدى.
و الصيام» .. وهو مجموعة مسائل، وتوجد نسخة منه بمكتبة وزارة التراث القومى والثقافة بعنوان (مسائل في الصيام) للشيخ الفقيه العالم العلامة أبى نبهان جاعد بن خميس الخروصي
بدون ذكر الناسخ، وليس فيه ترقيم. (1/35)
صفحة 35
ه وجوابات أبي نبهان، وهو في سبعة أجزاء وتوجد بوزارة
التراث القومي والثقافة، وقد صنفت كالتالي:
ا والطهارات والوضوء) .. تحت رقم 1191 عام، 102 ب خاص، وتوجد منه نسخ أخرى تحت أرقام أخرى، وعدد أوراق هذا المجلد 225 ورقة بخط الناسخ سالم بن سعيد بن.
وتوجد منه نسخ متعددة بمكتبة الوزارة.
الغيثي
ب الاعتكاف والنذور»، و «الكفارات وما أشبهها ... تجت رقم 1195 عام و 106 ب خاص، وعدد أوراق هذا الجزء 241 ورقة بدون ذكر الناسخ، وتوجد منه نسخ أخرى مرقمة أيضاً.
ج و الميراث) .. تحت رقم 1196 عام، 107 ب خاص، وعدد
أوراقه، 212 ورقة ولا يوجد فيه ذكر للناسخ.
د النكاح والرهن والمضاربة وغيرها .. تحت رقم 1194 عام، 106 ب خاص، وعدد أوراقه 110، ورقات وهذا الجزء ناقص من
نهايته؛ ولذلك لم نعرف الناسخ.
هـ (الطلاق وأحكامه .. تحت رقم 1193 عام، 104 ب
خاص، وعدد أوراقه 208 ورقات، ولم نعرف الناسخ ...
و «الأحكام» .. وهو تحت رقم 1190 عام، 101 ب خاص، (1/36)
صفحة 36
وعدد أوراقه 234 ورقة بخط الناسخ سالم بن سعيد بن أ
الرواحي.
ز و مسائل متفرقة» .. تحت رقم 1192 عام، 103 ب خاص،
وهذا الجزء ناقص من أوله وآخره؛ ولهذا لم نعرف الناسخ.
6 - و أحكام الزكاة» .. وسجل هذا المجلد تحت رقم 1198 عام، 109 ب خاص، وعدد أوراقه 204 ورقات بخط الناسخ محمد بن
على الغداني. و كتاب الحج» .. وقد تم نشره مصوراً عن طريق مكتبة معالى السيد المستشار محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب، وتداولة الناس، فهو في حكم المطبوع ولكنه غير محقق.
ويظهر لي - والله أعلم - أن هذه المؤلفات موسوعة واحدة متكاملة، وتضم بين جنباتها جوابات الشيخ أبي نبهان، ما عدا كتاب الحج الذي يشعر من لفظه أنه ألفه بنفسه، والذي يرجح هذا الظن خلو هذه المجلدات المسماة بالجوابات من أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد ولهذا يمكن أن تكون كتب الصيام والزكاة والحج والمساجد من جملة الجوابات التي رتبها الشيخ محمد بن
س السيفى من أهل نزوى عاش في القرن الثالث عشر
الهجرى. (1/37)
صفحة 37
ولكن الشيخ مهنا بن خلفان الخروصي. وهو من أ
أحفاد
الشيخ جاعد ـ يقول في مذكرة كتبها عنه أن له موسوعة خاصة في فقه
العبادات في خمسة أجزاء من الطهارة إلى الحج، ولعله يشير إلى هذه المجلدات التي أشرت إليها فتكون جواباته فى العبادات داخله ضمن أجزاء العبادات المشار إليها ولكن لا بد أن يخرج منها جزء الطهارات، ويحل محله جزء المساجد؛ لأن الظاهر فيه إنه سؤال وجواب مخلوط مع غيره من أجوبة المشايخ المعاصرين للشيخ أو قبله كبقية الجوابات .. والله أعلم بذلك.
كتاب المغانم في الخلاص من المظالم» .. ولم أعثر عليه إلا
أني وجدت الشيخ مهنا ذكره في مذكرته، ولعله كتاب الدقاق المشار إليه آنفاً نفسه.
9 - القضايا في حل عويص الوصايا» .. ولم أعثر عليه، بل ذكره الشيخ المذكور، ولعله داخل فيما رمزت إليه في (ه: ب)، فإنه يحتوى على الوصايا أيضاً.
10 - و المسائل المنشورة في أحكام الفقه، ذكرها الشيخ المذكور
أيضاً، ولعلها داخلة فيما سبق.
11 - و العدد وأحكامها .. ذكرها الشيخ المذكور، ولم أعثر
عليها، ولعنها داخلة فيما سبق والله أعلم بها، وهذه الأربعة ذكرها
الشيخ مهنا ولم يزدها. فالله أعلم بها. (1/38)
صفحة 38
12 - (مناسك الحج) .. وهى رسالة صغيرة غير ال
الكتاب السابق
وقد نشرتها وزارة التراث القومى والثقافة ضمن سلسلة تراثنا.
وهناك مؤلفات أخرى غير فقهية كما يلي:
1 - والمستطاب» .. الجزء الأول منه في أحكام الولاية والبراءة وقراءة القرآن والتعبد وغير ذلك، ويوجد بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة تحت رقم 3. 1203 عام، 111 ب خاص، ويحتوى على 232 ورقة، ولم يذكر ناسخه. أما الجزء الثاني منه فهو الذي في أحكام المساجد، هكذا في فهرس مكتبة الوزارة، ولكن ليس في الكتاب نفسه ما يدل على ذلك.
2 - موسوعة أصول الدين في الخلاف والرد على المخالفين .. هكذا ذكر الشيخ مهنا، ولكنى أميل إلى أن هذه الموسوعة هي الجزء المعنون له بمقاليد التنزيل لإدراك حقائق التأويل؛ لأنه لا يحتوى إلا على تفسير سورة الفاتحة في اثنتى عشرة صفحة من صفحات الكتاب، أما الباقي فهو في هذا الموضوع نفسه، وهو جزء كبير في 589 صفحة من القطع الكبير.
و مقاليد التنزيل فى تفسير سورة الفاتحة .. وقد ذكر الشيخ أنه كان عازماً على تفسير القرآن الكريم كله، ولكنه توقف، ولم يذكر الناسخ السبب، بل استمر في ذكر مسائل في أصول الدين، ويوجد (1/39)
صفحة 39
بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة ضمن المصورات من غير ترقيم
وهو المشار إليه أعلاه.
- (شرح قصيدة حياة المهج في معرفة الله وثوابه للمؤمنين .. وتبين فيها مكانة الشيخ في هذا الجانب. فعلمه ليس منشوراً فحسب، بل هو معلق برب العزة صاحب الملك والملكوت والعز والجبروت، وقد رقم تحت 2428 عام بمكتبة المخطوطات من وزارة التراث القومي والثقافة، وله عدة نسخ من عدة ناسخين، أما التي بين أيدينا فناسخها سعيد بن سليمان بن محمد السعدى، وأول هذه
القصيدة قوله:
تبين أخي في الله قولى فإنني على النصح في ذات الإله مع العتبى أما الشرح فقد بين أيضاً مكانة الشيخ في العربية، وأنه عالم بليغ
فيها بلا جدال، فكلامه فيه خير دليل ومثال ..
ه (شرح كتاب الجهالات - للشيخ أبي عمار عبد الكافي الوارجلاني الجزائري في أصول الدين .. ولم أعثر عليه، ولكني
وجدت ذكره في مذكرة الشيخ مهنا ولعله موجود عنا عنده.
6 - له عدة سير ومكاتبات ونصائح إلى ملوك زمانه وإلى العلماء والأمراء، تشتمل على كثير من الإرشاد والتوجيه والنصائح الدينية والدنيوية في السياسة الشرعية الموصلة إلى إعزاز الإسلام، وطلب (1/40)
صفحة 40
العلم - والمحافظة عليه، والاستقامة في الدين، أو رسالة تسمى (حرز الشجرة .. كلها دعاء فقط، وإنما ذكرت بعض المؤلفات أو الآثار من باب الاستطراد، وإلا فإنما يهمني في دور البحث المختصر انتاجه الفقهي؛ لمعرفة جهود الشيخ في ذلك، ولعل هذا الاستطراد يفيد الباحثين في شيء.
ويذكر الشيخ مهنا أن الشيخ أبا نبهان ألف في علم السلوك والتصوف وعلم أخلاق النفس والصنعة الكيميائية بطرق التكليس والتقطير، وله في ذلك عدة رسائل كثيرة. وألف في الفلك والأجرام السماوية، وأسرار الحروف والآيات القرآنية وانواع رياضاتها وما يتصل بها، ولم نعثر على شيء من ذلك، ولكنه غير مستبعد، فهو مشهور بذلك، ومما يدل عليه أن تلميذه الشيخ الغشري قد نظم قصيدة في علم الفصول السنوية والكواكب التي تتعاقب عليها وغير ذلك، وهى موجودة بديوانه المطبوع، كما أن الشيخ ناصر كانت له يد طولى في علم الأسرار وألف فيها عدة رسائل، ولا شك أنه أخذ هذا العلم عن والده - رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة ..
وبجانب ما ذكرنا .. فإن فقه الشيخ (جاعد قد انصهر في مؤلفات من جاءوا بعده، فقد أخذوا كثيراً عنه، ومنهم العلامة جميل بن خميس السعدي) في القاموس، والعلامة وموسى بن عيسى البشرى) فى الخزائن ومكنون الخزائن، والعلامة «السيد مهنا (1/41)
صفحة 41
ابن خلفان البوسعيدي»، والعلامة سعيد بن خلفان الخليلي) في التمهيد، والعلامة نور الدين السالمي) في المعارج وغيرهم كثير.
المبحث السابع: موقفه من العلم والفتوى:
وإذا كان الشيخ «أبو نبهان، قد بلغ هذه المرتبة من العلم، فينبغي للباحث أن يذكر مكانة العلم عنده وموقفه من الفتوى والتقليد لإبراز أهمية هذا الجانب في فكر العلامة (أبي نبهان)
ويتضح ذلك فيما يلى:
أولا: مكانة العلم:
ا يرى الشيخ أن كنز الكنوز هـ هو العلم النافع الذي يستضيء صاحبه بنور الله المستمد من معرفته - تعالى.، فالعلماء العاملون هم القدوة، ولا يؤخذ علم الدين إلا من الثقات، وأما غير الثقات فلا يحسن أن يؤخذ منهم علم الشريعة وأصولها، اللهم إلا ما تقوم به
الحجة من أى معبر، وخاصة ما لا يسع جهله من أصول الدين (1).
ويري الشيخ أن يتعلم الإنسان جميع فنون العلم، فيأخذ للمتعلم من كل شيء بما تسنح له الفرصة لينبذ الجهل عن نفسه، فالعلم كله شرف ونور، وفنونه كثيرة لا تحصى، ولكن -
الاستطاعة.
حسب
(1) السعدي - قاموس: 53/ 1. (1/42)
صفحة 42
ويحث الشيخ على طلب العلم لله تعالى دون غيره، لا للمراء والسمعة، ويقول في هذا الصدد: (ألا فتعلموا العلم لله تعالى،
وكونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين
والأقربين، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وإياكم والرياء والمجادلة والمناضلة والمراءات في الدين، فإنها من آفات العلماء وعلامات العلماء السوء، الذين ليس لهم في الآخرة من المغفرة والثواب من عند الله حظ ولا نصيب، وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: من تعلم العلم ليرائي به الناس فهو في النار، وقال عليه السلام: دع المراءات وإن كنت محقاً، فإن من ترك المراءات بنى الله له قصراً في الجنة، وفي الأثر الصحيح عن أهل العلم: (إن من التواضع ترك الجدل ولو كنت محقاً) (1).
ب ويرى الشيخ أن نور العلم يشع في القلب، ولكن بعد استعمال الأسباب المؤدية لذلك، كي يستطيع التمييز بين الصحيح والسقيم، والحق من الباطل في فنون العلم وشتى الأعمال، فاسمع ما يقول في ذلك: (ومهما شئت ذلك فاعلم أن مبدأ الطريق في تحصيل ذلك إنما هو بطريق الرياضة في إقامة الظواهر وتصفية السراير علماً وعملاً أن ساعد القضاء على ما يحب الله ويرضى، وبعد صفاء الأحوال، ونصب فخ علم المادة والأعمال، في مقامات الإخلاص
(1) نفس الصدر: 09/ 1 (1/43)
صفحة 43
والأنس والرضى والمحبة والذكر وملازمة الفكر، ربما يقع الاقتناص للحقائق في القلب بواسطة الكشف لأمر خفي، يتجاوز به الملك إلى الملكوت، فيحترق في سيره الحجب، ويصل بمن الله المطلب، وتحصل البغية بعد الرؤية لذلك بعين اليقين للعيان؛ لاستنارة القلب بنور الإيمان، ونور السنة ونور العزائم من هنالك ينبع من بينهما ... أمور عجيبة وأقوال غريبة، يحار فيها الباب أولى الأبصار، وأرباب المادة والاستبصار، لأن فوق كل ذي علم عليم، فنافس في مثل هذا يا أخي، وأبذل فيه مجهودك .. وانظر في كل حادثة محتملة للنظر، أو واقعة اختلف فيها أهل العلم والبصر، إن كان لك قلب تقدر به على تجريد الصفو من الكدر، وإلا فيمن تقدر به عليه، فإن لم يكن فعلى ما تقدر عليه، وخذ من ذلك بأحسنه لله تعالى مخلصاً له الدين، تكن من المحسنين، وتدخل في غمار الداخلين حتى ا
المدحة
التي اقتضتها الآية: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الألباب (1) وما التبس عليك من شيء، فكنت فيه على ظلمة الإشكال عن رؤية الصواب، فاقتبس من أنوار علماء الآخرة نوراً، تستضيء به في ذلك، وإياك والاستشارة في ذلك لعالم أسكره حب الدنيا، فيقطعك عن محبة الله، أولئك قطاع الطريق على عباد الله
المريدين) (2).
(1) الآية 18 سورة الزمر.
(2) أبو نبهان جاعد - جوابات: 431 - 432 وانظر مي 451 - 452. (1/44)
صفحة 44
هذا نص كلامه: وهو دليل واضح على موقفه من العلم وطلبه والعلماء وتقسيمهم، ولا يحتاج الأمر إلى زيادة بيان، وتوجد نصوص أخرى في صفات علماء الدنيا والتحذير منهم، فراجعه (1). ج- كما أن الشيخ يوجب على العلماء إظهار علمهم عند ظهور البدع، وتحريف قواعد الدين، ذباً عن الدين، وتأدية لواجب الدفاع عن الإسلام والمسلمين، حيث يقول: (وإنه لحق على كل ذي علم بالحق مع الطاقة له على إظهاره إذا ظهرت البدع والضلالات والشنع أن ينشر علمه لتنجلي الظلمة، وتنكشف الغمة، فتكون كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، وإن لم يفعل ذلك فيدفع ويرفع فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمع، ولا يقبل منه صرف ولا عدل، إلا أن يكون على تقية في الأصل، أو وجه يوجب له في الحق عذراً يوماً ما، لأن عليه حال وجود القدرة له مع الإقامة على سبيل الاستقامة الذب عن الدين عن تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين في أحكام دين المسلمين، وكلاية الشرعة عن تشويش المبتدعة، مع خوف التزلزل بالبدعة وأنواع الضلالة لإقدام العامة، الذين كلت أبصارهم عن رؤية الحق في ذلك، ولم يكن لهم قدم راسخ في قواعد الإسلام، ولا أصل ثابت في معرفة الأديان
والاحكام) (2).
(1) راجع هذا النص بكامله في المرجع السابق: 421 - 422، وانظر ص 425، 426،
0429
(2) أبو نبهان جاعد - جوابات: 430. (1/45)
صفحة 45
وقد قام الشيخ في هذا الجانب بواجبه الشرعي، فاجتهد
واصاب، وذب عن الدين وأمات البدع، وجاء بالحق، ولم يخش عذل العاذلين، ولا لوم اللائمين، فلا يترك الفرصة حين يراها عن تقديم المشورة والنصيحة والحث على طلب العلم والبعد عن الجهل والتقليد، وتحذير الناس من البدع - رحمه الله ورضى عنه ـ ولا يتعفف عن سؤال أى أحد عن العلم (1).
وقد أخذ الشيخ من فئون العلم ما شاء الله من المنطق (2)، والحساب، واللغة العربية نحواً وصرفاً وبلاغة وشعراً ـ إذ هو شاعر بليغ وناطق أديب ـ (3)، وعلوم الشريعة تفسير تفسيراً وحديثاً وفقهاً، وحاز في علم السلوك مرتبة كبرى، إذ يكاد الوحيد بين من كان قبله ومن جاء بعده (4).
ثانيا: موقفه من الفتوى:
ا لا يحب الشيخ أن يتصدر للفتوى إلا من بلغ رتبة الاجتهاد، ولم يعجب برأيه ولا يأنف من قبول الحق ممن جاء به، ولا نصب الرأى ديناً والعكس، فقال في معرض رده على بعض من ضيق على
(1) كان يسأل حتى غير الإباضية: أبو نبهان حاعد - جوابات: 422:
(2) للمصدر نفسه: 48، 488.
(3) له قصائد عديدة. أنظر حياة المهج وشرحها.
(4) انظر شرح حياة للهج. (1/46)
صفحة 46
الناس الجائز بجهل منه ما نصه: (وإنما العيب على من خالف الأصول وصدف عن ملة الرسول، أو نصب الرأى ديناً، أو تكلم مينا، وتكلف
القول في العلم جهالة، وعاش في الناس على ضلالة، وعاب على الناس سلوك سبيل الجائز، وضيق فى الرأى عليهم الواسع، وحملهم على رأيه في الرأي، أو رأى من رأى رأيه من الرأي، في غير موضع الأحكام وفصل القضاء بين الأنام، ولقد قيل في الصحيح: (ليس العالم من حمل الناس على ورعه، إنما العالم من افتاهم بما يسعهم من الحق). ولقد قال الشيخ (أبو سعيد - رحمه الله – في حق السائل على المسؤول عن المسألة التى لها وجهان: إن يخبره بين الوجهين جميعاً في التعارف والحكم، ليدخل عليه الفرح من وجهه، والضيق من وجهه، ليطلب الآخر لنفسه السلامة انتهى. وكذلك كان الشيخ محمد بن محبوب) - رحمه الله إذا سئل عن شيء فيضيق فيه ليأمر السائل له أن يسأل القاضى لعله أن يرى غير ما رأى فيوسع ما ضيق في ذلك، فيدخل الفرح على الناس، ويطلب كل مريد منهم باب المخرج إلى السلامة لنفسه، وهذا لمن أوضح دليل في أوصافه على تجرده من العجب برأيه لإنصافه فى ذلك من نفسه، وإنصافه دال على صفاء باله وحسن أحواله، وكذلك لكل من أراد الله تعالى والدار الآخرة بعلمه، ينبغى فى هذا له أن يكون، لكنه قد أخذ الأكثر من الناس في الانعكاس في هذا والانتكاس على أم الرأى، ألا ترى أنك (1/47)
صفحة 47
تلقى الواحد من المتسمين بالعلم فتجده المعجب برأيه .. يقول: أنا أنا .. وليس هو من ذلك فى شاء والمعجب لا يكاد ينجع فيه العلاج
فيبراء العظيم الداء وعزة الدواء، إلا أن يتداركه الله في أمره بلطف خفي) (1).
ب والشيخ ليس ممن يعجب برأيه، بل يظهر القول بالضيق والقول بالسعة، ويفصل في الجواب في كثير من الأحيان إلى حد الإسهاب، ولكن ذلك الإسهاب فيه مزيد علم وبحث وتمحيص واستدلال، وليس ثرثرة كلام، وذلك عند الحاجة إليه. وانظر ما قاله في هذا الموضوع: (وقد آل بنا الشرح إلى الإسهاب في القول على هذه المسألة حرصاً منا على هذا المبتلى من ظلم ظلمه، وفكه من أسرما دخل فيه على جهله بجهله عسى أن يكون لنا في إعانته على ما رامه من هدايته موضع قربه، فإن للضعيف بجوابه في قربه من ربه شدة أربه، وقد أبدى له في قوله ما لا يكاد يخفي في هذا عليه أمره معه، تارة بالضيق وأخرى بالسعة، ومراده بذلك أن يكون فيهما ناظراً
لنفسه).
وقال: (فانظر في هذا كله من جوابي فإن فيه زيادة، أهديناكها على وجه التطوع إليك سؤالاً وجواباً). وقوله: (وإنما زدناه من عندنا،
(1) جوابات أبي نبهان جاعد 429 - 430 وانظر ص 180. ا. (1/48)
صفحة 48
وذكرنا رضى البالغ وإن لم نذكره لتمام الفائدة، فإن البلية بمثل هذا غير قليلة في أهل زمانك). وقوله: (فانظر كيف فرقنا سؤالك في إصلاحه ليكون مع كل شيء جوابه، فجعلناه مثالاً مع كل شيء جوابه، فجعلناه مثالاً لعسى إن اتخذته فيما بعد سؤالاً زدنا فيه ما لم تسأل عنه كذلك (1)، بل يأمر السائل أن ينظر في الجواب بعين البصيرة، ويشاور فيه أهل البصر، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب، وأن يرده إن ظهر أنه باطل فلا يجوز القول بغير الحق. مثل قوله: (فانظر في ذلك ولا تأخذ به ولا بشيء منه إلا ما وافق الحق (2)، فانظر في هذا كله ثم لا تعمل إلا بصوابه، فإن غير الحق لا يجوز قطعاً) (3). وقوله: (فاقبل ما وافق الحق ودع ما سواه) (4). وقوله: (فانظر في هذا كله ولا تقبل منه إلا العدل)). وقوله: (فخذ ما
وافق الحق ودع ما سواه) (6).
(1) أبو نبهان جاعد - الجوابات - 110، 717.
(2) نفس المصدر: 190، 192، 271، 397، 422، 416، 273، 539، 567، 276
(3) نفس المصدر: 180.
(4) نفس المصدر: 187.
(ه) نفس المصدر: 182.
(6) نفس المصدر: 192.
ورفع عنه الشيخ ناصر بن أبي نبهان قوله: تعرف قوة العالم في علمه بكثرة الشروط في الجواب، فإنه يدل على أن ينظر وجوهاً لا تدخل في ذلك اللفظ) هـ قاموس الشريعة:
98/ 1 (1/49)
صفحة 49
وغير هذا الكثير .. وإنما أتينا ببعض الأمثلة؛ لتعرف طريقة الشيخ في اتهام نفسه دائماً في إصابة الحق، وهذه طريقة علماء الآخرة الذين لا يلزمون الناس بقولهم، ويدعون الحق في مقالهم، بل يتركون للناس الخيار، ومن أراد الأحوط نظر لنفسه الأخذ بالأشد خروجاً من
الخلاف (1).
ج وعندما تحين الفرصة لتذكير السائل بالله وبالآخرة؛ لأجل الخروج من مأزق الضلال والأوبة إلى المولى – ذي الجلال ـ يغتنمها الشيخ أبو نبهان فيطيل في موعظة السائل إلى درجة كبيرة، فلا تكاد إلا كأنك تقرأ خطبة بليغة لصلاة العيد أو يوم عرفة، وقد تكرر ذلك في كثير من جواباته وخاصة في مسائل التوبة من المظالم؛ لأجل التنفير من ذلك المازق، والرجوع إلى المولى - عز وجل ـ عن التعامل مع الجبابرة في الأموال (1).
د كان الشيخ يكتب إجاباته بيده برغم كثرة أشغاله ومطالعاته، ولا يرد السائل، ولو كان به اشد الاحوال، وقد وقفت على قصة وفاة ولد له يذكر ذلك في جوابه للسائل ولكن خوف القطيعة والهجران للسائل أجابه رغم تلك الحال التي فيها، وهو يذكر أن الحزن والألم
(1) ابو نبهان جاعد - الجوابات ص 59،،،،،،96، 98، 142، 148، 166،
771،1010،301011،2210،3210 801، 181،781،372،913 13 .. 397، 510،576
(2) نفس المصدر: 19، 203، 271، 329، 332، 548، 551 (1/50)
صفحة 50
قطع كبده على فراق ولده يكاد ينفطر به قلبه، ولكنه يسلى نفسه باليقين بالله، وإن كل إنسان يصير إلى ذلك المصير، وينقلب إلى ذلك المنقلب، ولكن رغم ذلك يكتب تلك الأجوبة الطوال بخط يده، مما يدل على قوة جلده وسعة صدره، وكثرة تحمله في سبيل العلم، برغم صغر السؤال، ولكن الجواب عليه صفحات عديدة، يكاد يملها القاراء وهو يكتبها بيده، فلله دره من عالم فرغ نفسه للعلم).
ه كانت ترد للشيخ أسئلة من الآفاق، بجانب كونه مفتياً عاماً لعمان مما يدل على شهرته وذيوع صيته، فقد وقفت على جواب منه لأحد المغاربة، ولكن لم يوضح اسمه، ولا أدرى أهو من ليبيا أم من الجزائر أم من تونس، ولكن ذكر أنه من المغرب، الذي يطلق عليه اليوم (شمال افريقيا) (2)، وهذه عادة اتبعها علماؤنا سواء من المشرق أم من المغرب إلى يوم الناس هذا. كما وقفت على جواب طويل منه لبعض الأمراء النجديين يسمى محمد بن مقرن النجدي عن سؤال يدعو فيه الشيخ إلى الدخول في مذهب الوهابيين، ويظهر من فحوى الجواب أن السائل يذكر له .. أن كثيراً من العمانيين قد اعتنق هذا المذهب. فرد الشيخ على المباداء التي ذكرها، ولم يتعرض للإطالة في
(1) نفس المصدر: ص 14، 115، 116، 422، 452. (2) نفس المصدر: ص 167 وما بعدها. (1/51)
صفحة 51
الموضوع الآخر، ويوجد عنه جواب طويل رد فيه على من سأله على مذهب محمد بن عبد الوهاب حين وجه كتاباً إلى الشيخ ولم يذكر اسمه في الكتاب. فرد الشيخ مفنداً مباداء صاحب هذا المذهب وبين عوارها، وطلب منه الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله وعمل الصحابة في حروب الجمل وصفين وغيرها وإلى آثار السلف الصالح من أهل الاستقامة في الدين، وألا يكونوا كابن الأزرق وأصحابه حين استحلوا الدماء والأموال والفروج بتشريكهم أهل القبلة المقربين بالتوحيد، ثم وجه نصيحة له بالا يسمع جهال الإباضية وعوامهم فيما يفترونه على الإباضية وألا يغروهم بالدخول في بدعتهم، ثم وجه نصيحة لأهل عمان عن مثل هذه الفتن والأهواء التي جاءت في هذه الرسالة وأمثالها (1).
و - الشيخ في جواباته يحث على اتباع السلف ما أمكن، والا يحيد عنه المتعلم وخاصة غير القادر على الاجتهاد، بل يحث على اتباع جهابذة المشايخ العمانيين أمثال محمد بن محبوب وأبي سعيد الكدمي وأبي على موسى بن على وأبى المؤثر وأبي قحطان وغيرهم من كبار العلماء (2).
(1) توجد هذه الرسائل في مكتبة المخطوطات بوزارة التراث القومي والثقافة تحت. سيرة أبي نبهان.
،271،09
(2) أبو نبهان جاعد - جوابات: 09 271، 424، 451، 598، 600 600 وغيرها. (1/52)
صفحة 52
ز – يتحرج الشيخ كثيراً في أمر الفتوى والإقدام إليها بغير علم
في مسائل الفروج، وكاني به يذهب مذهب الإمام أبي عبيدة في ذلك، وقد أثرت عنه مقالة عندما قيل له إن أهل عمان يفتون بالرأى. فقال: (ما سلموا من الدماء والفروج، فهنا يقول الشيخ «أبو نبهان) عندما تكلم على مسألة زواج الصبية أن الأكثر من الأقدمين يذهبون إلى أن لها الخيار، وفصل هذه المسألة وتوسع فيها. وبعد ذلك قال: (ونحب لمن استنصحنا وأحب أن يناصح نفسه أن يأخذ في جميع أموره بالوثيقة ما قدر لا سيما في الفروج، وأن يتبع في ذلك بالحلال الصرف العارى من الاختلاف، وأن توسع في ذلك بغير ذلك من الجائزات، ولم يخرج من صحيح آراء المسلمين لم نشرع إليه بالتخطئة، تعنيفاً. والقول في تفريع فصول أصول جمل هذه المسألة يتسع، وأرجو أن فى هذا ما يأتي على جميع مسألتك، فلا تسألني عن شيء فإني لا أجيبك بعدها، لأنى لا أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي ما وجدت إلى ذلك سبيلاً، إلا أن يشاء الله ربي وسع ربي كل شيء علماً، لأني ضعيف العلم قليل الفهم، وفي المناظرات دقائق آفات موبقات، قل أن يسلم منها سائل أو مجيب، إذ لا يسلم
منها إلا أولو الألباب، وقليل ما هم) (1).
(1) نفس المصدر: 421، 425، 491. (1/53)
صفحة 53
ى التقليد بغير دليل:
لا يرى الشيخ (أبو نبهان) التقليد للعلماء من العلماء المجتهدين، بل يشجع على الاجتهاد فليس هو ممن يقول بغلق باب
الاجتهاد، وإليك أيضاً مما قاله في هذا الموضوع:
(فانظر يا أخي في هذا وخذ بالحق في كل حال، وجانب كل رأى قال: وإياك والنظر إلى من قال ولكن إلى ما قال، والحذر الحذر كل الحذر من التقليد في الدين لأحد من البشر كائناً ما كان وكائن ممن كان من أهل العلم من المسلمين، ولو كان في الفضل والكمال كابي بكر وعمر بن الخطاب - رضى الله عنهما ـ أو كان في العلم كابن عباس وجابر بن زيد - رحمهما الله ـ وبلغ في ضروب علم الشريعة بلاغة الشيخ أبي - سعيد رحمه الله (1).
وقال: (ولم يكن في الدين تقليد في الحق لغير نبي، أو لكتاب نزل على نبي لم ينسخ) (2). فالشيخ لا يحب التقليد للمجتهد بل يأمره بالنظر والاجتهاد، وقد حث على ذلك في أكثر من موضع (3). هذا وبعدما أشرنا إشارات عابرة على حياة الشيخ ومكانته العلمية، فمن الجدير بالقول بيان المنهج الذى اتبعه الشيخ في مسائل
(1) نفس المصدر: 439.
(2) نفس المصدر: 436.
(3) نفس المصدر: 180، 206، 187، 271، 420، 423، 428، 429. (1/54)
صفحة 54
الفقه، ومدى أخذه بأصول التشريع، لأن ذلك يعطى القاراء نبذة عن موقف الشيخ منها، ومدى التمسك بها، وسأجعل ذلك في فصل مستقل كما يلي.
*** (1/55)
صفحة 55
الفصل الثاني
منهج الشيخ أبي نبهان الفقهي
هذا الفصل يشتمل على تسعة مباحث وخاتمة: المبحث الأول: تعامله. مع الكتاب العزيز.
المبحث الثاني: تعامله مع السنة.
المبحث الثالث: تعامله مع الإجماع.
المبحث الرابع: موقفه من القياس.
المبحث الخامس: رأيه في الاجتهاد.
المبحث السادس: أخذه بالأدلة الأخرى.
المبحث السابع: أخذه بالقواعد الفقهية.
الأخذ بالرخصة عند أبي نبهان
مصطلحات فقهية في الجوابات.
المبحث الثامن: إسهاماته الأدبية.
المبحث التاسع: وفاته ورثاؤه.
المبحث الأول: تعامله مع الكتاب العزيز:
اولا: احتجاجه به:
لا يختلف موقف أبي نبهان عن موقف غيره من العلماء (1/57)
صفحة 56
العاملين بكتاب الله من جهابذة العلماء في شأن الاستدلال بكتاب الله العزيز، فهو يرى التمسك بما جاء فيه، ويعتبره الأصل الأول للتشريع الإسلامي، فهو يقول بما معناه: (إن الله عز وجل أنزل القرآن على عبده بواسطة الملك الأمين جبريل مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل مبشراً ونذيراً، ولهداية البشر إلى سواء السبيل، وإن الله أنزله فأخرجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ولم يصرح بأنه مخلوق أم لا، ولكن ظاهر كلامه يدل على ذلك، وقرر أن القرآن كامل لا يأتي عليه النقص والخلل، ولا يعتزى قارئه السامة والملل، فهو معجز بأسلوبه وألفاظه ومعانيه وغوامض مبانيه .. ثم يقول: (على أنه في تأليف كلامه وعجيب نظامه لغرابة تراكيب الفاظه العجيبة، وعدم تناهى معانيه الغريبة مع شدة إيجازه ... فتحدى لذلك جميع العالمين أن يأتوا بمثله أو سورة فى صورة شكله وأعلن عن عجزهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) (1).
كما قال في موضع آخر: وكلام ذى الطول محكم القول لفظاً ومعنى، عار من التناقض والتضاد (ليس فيه خلل في شيء ولا
زلل) (2).
(1) أبو نبهان جاعد: مقدمة سورة الفاتحة ص ا، أبو نبهان جاعد جوابات: 510
091
(2) أبو نبهان جاعد، الجوابات: ص 45، وانظر السعدى قاموس 73/ 1. (1/58)
صفحة 57
كما الح الشيخ على أن الصواب ما وافق الكتاب العزيز قولاً وعملاً ونية، وقال: (واعلم أنه لا يصاب العدل في الرأي ولا في شيء بالدين على مخالفة الثابت من حكم الكتاب أو السنة أو الإجماع (1)، وأن الأخذ بالمحكم واجب والإيمان بالمحكم والمتشابه واجب، والأخذ بالناسخ واجب أيضاً، والإيمان به والمنسوخ واجب، وان الكتاب ينسخ بعضه بعضاً) (2). والقرآن عند (أبي نبهان» ناسخ للكتب السابقة، فهو المصدق لها، والمهيمن عليها، وما فيه من الأحكام يجب الأخذ به، ولنسمع إلى ما قاله في هذا الموضوع: (إذ قد جعله الناسخ الجميع ما تقدمه من الشرائع التي في الكتب المنزلة على الأنبياء المرسلة، وبه الكفاية عنها، فلا يحتاج إلى شيء منها، فهو المصدق لها، والداعي إلى الإيمان بها) (3).
ثانيا: الفاظه وكتابته
وكتابة القرآن عند (أبي نبهان) بغير العربية لا تجوز. حيث يقول: (والقرآن بغيرها لا يجوز لأن الشارع قد خصهما (1) بألفاظ لا يجوز لأحد أن يعدل عنها إلى غيرها) (5).
(1) أبو نبهان جاعد الجوابات: ص 427. (2) المصدر السابق: 14، 50، 91، 92، 205، 206، 326، 397، 421، 474،
(3) نفس المصدر السابق ص 50.
(4) أي الصلاة والقرآن. (ه) نفس المصدر: ص 45. (1/59)
صفحة 58
ولكنه جوز أن يفسر القرآن بلغات أخرى، وذلك لأن الفهم للتنزيل قدر مشترك بين الأمم، فكل قوم أدرى بمعاني لغتهم. حيث يقول: (ولا خلاف في الترجمة؛ لأنها مجزية (1) في كلمة، وإن كانت بلغة أخرى؛ فهى به أحرى لأنها له أدرى فيما به يؤمر أو ينهي، وجميع ما إليه بالقول ينهي حتى فيما لا يفهمه من التنزيل؛ لأنها من صحيح التأويل، من متفق عليه أو مختلف فيه، بأي لغة عبر عنه المعنى الذى به فسر) (2).
وسئل الشيخ (أبو نبهان) عن اشتقاق اسم القرآن، فأجاب: (قد قيل لافتراق حروفه وآياته وسوره. وقال: سألت رجلاً من قومنا عن اشتقاق اسم القرآن فقال: لاجتماعه و ائتلافه، وسمى تجمع الدم في رحم المرأة فرق (3) لتجمعه من الحيضة إلى الحيضة) (4).
ويرغب الشيخ «أبو نبهان) في تلاوته بالتجويد فرحيث إن التلاوة به متروكة فهو يقول: (وقراءة القرآن على ما يقرأه أهل هذا الزمان من المعربين المجتهدين عندى جائز؛ لأن قراءة التجويد متروكة
(1) يعنى ترجمة للمعانى لدلالة ما بعد ذلك عليه. (2) نفس المصدر: ص 47 لكن جاء في موضع آخر موافقته للشيخين سعيد بن بشير الصبحي وناصر بن خميس الحمراشدي حيث قالا بجواز ترجمة القرآن بغير العربية .. حيث قال: (وبه أقول وإذا جاز به الفم العربى جاز بغيره من كل قلم أنظر نفس
المصدر: ص 62.
(3) لعل الصواب: 5.
(4) للمصدر نفسه: ص 422. (1/60)
صفحة 59
من عهد طويل .. وعلى كل أن يجتهد في تجويد القرآن وتحسين القراءة له) (1).
ويقسم الشيخ الآيات التي يقرأ بها القرآن عند التلاوة إلى: صواب لفظ، أو أحكام، قراءة، وبيان حروف .. حيث قال ما نصه: (فأما القسم المتعلق باللفظ نحو .. الإعراب والوقف والتغليظ والترقيق والإظهار والإدغام والإمالة والموصول والمفصول، والفرق بين الحروف المجهورة والمهموسة، والحلقية والفمية، والشفهية والهوائية المتصلة بالفم، وإخراج كل حرف من الحروف من مخرجه، وما اختلف أو ائتلف فيه القراء السبعة في القراءات، وهذا النمط منوط بالقرآن والقرآن به اخص) (2).
وعند الشيخ أبي نبهان أن دراسة العلم النافع للأمة أفضل من حفظ القرآن، وهو يؤول الوعيد الوارد في الحديث، لمن تعلم القرآن ثم نسيه على من نسى القرآن كله، حتى لم يبق معه ما يؤدى به الصلاة، يحكى عنه ذلك ابنه الشيخ ناصر بن أبي نبهان .. حيث
يقول:
(وقد تعلمت القرآن كله حفظاً بالتلاوة له في شهر، ولا اتحفظ فيه في كل يوم إلا منذ أصلى الصبح وحتى طلوع الشمس، فلما تم
(1) المصدر نفسه: ص 214.
(2) الشيخ جميل السعدى - قاموس الشريعة: 72/ 1. (1/61)
صفحة 60
وذهبت مع والدى، لم استطع أن أقرأه سراً، لأني لم أتمكن من حفظه، ولا يرضى لى بالجهر لئلا أشغله عن التفكر فيما يفكر فيه، وأظهر لي في وجهه الكراهية باشتغالى بقراءات القرآن عن التحفظ بما أقرأه من الأثر، فتابعته على ما تهواه نفسه لي فنسيته جميعاً، وأظن أني أخبرته بذلك، فذكر لى كما ذكرته في التأويلين لما روى، واستحسن في ذلك الذى استحسنته، وبالله
عنه
التوفيق) (1).
ثالثا - تفصيل معانيه:
أما بيان معانى ما جاء في الكتاب العزيز من حيث تراكيب لفظه، فقد بينه «أبو نبهان فيما نقله عنه صاحب القاموس، وذلك بأن القرآن مشتمل على أمور أخبار وأمثال، وأمر ونهى، وما يسع من الأحكام وما لا يسع، وخاص وعام، ومجمل ومفصل، ومبين ومجمل، ونص وظاهر، ومطلق ومقيد، وحقيقة ومجاز، وظاهر وباطن، ومحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وما أشبه به ذلك من المعاني التي يستنبطها أولو العلم الراسخون فيه (2).
وعلى هذا فالأصل الأول عنده هو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وهو
(1) السعدى - قاموس الشريعة: 305/ 3.
(2) المصدر نفسه: ج 1/ 72 - 73. (1/62)
صفحة 61
الواجب الاتباع، فمن تمسك به سلك الطريق السوى، ومن أتى شيئاً يخالفه تنكب الجادة وهوى إلى أردى السبل، وكل ما يأتيه الإنسان وما يذره فلابد من عرضه أولاً على ما جاء في أصول الشرع؛ لئلا يزيغ
عن الطريق المستقيم، فما نص عليه في هذه الأصول أتاه، أو توافق مع هديها العام أخذ به، وإلا فلا.
وأما موقفه من! السنة المطهرة فسوف أوجزه فيما يلى:
المبحث الثاني: تعامله مع السنة:
اولا: الاحتجاج بالسنة:
الأصل الثاني: من أصول التشريع عند «أبي نبهان) هو السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (1)، الذي يقول فيه «أبو نبهان، بما معناه: أنه النبى والرسول الأمى هادي الأمة ونبي الرحمة، الذي أدار الله بجوده هالة هلالي وجوده في قبة سماء بهجة الدين من حيث إنه جعله في الناس قمراً وسراجاً منيرا (2).
وقال: (واعلم أنه لا يصاب العدل في الرأي ولا في شيء من الدين على مخالفة الثابت من الكتاب أو السنة أو الاجماع) (3).
(1) ابو نبهان جاعد - نفس المصدر: ص 51 91، 92، 168، 194، 226، 397،
491،430
(2) أبو نبهان - مقدمة تفسير سورة الفاتحة صرا.
(3) جوابات: 427. (1/63)
صفحة 62
وقال: ودليله في قول ربكم وسنة نبيكم وكفى بهما هادياً لمن
اتبعهما في سلوكه إلى ربه بعد المعرفة منه لتأويلهما) (1)، فلا تسع مخالفة الكتاب والسنة أياً كان من الناس إذا ورد في تلك الحادثة نص من الأصول الثلاثة، فكل أمر مخالف لها مردود على صاحبه، فهو في ذلك يقول مستدلاً على إبطال تزويج المطلقة ثلاثاً من صبى أو محرم أو غيرهما .. هل يحللها للأول أم لا؟ فقال: (ولا خلاف في أنه كل ما خالف الكتاب أو السنة أو الإجماع من تأسيس ذلك التزويج بها على من لا يسعه في الحق تزويجها، ولا يحل لها بالنص نكاحه؛ لكونه ذا محرم في الأصل، أو أنها محرمة عليه .. على خلاف الحق با جمعه ... لأنه واقع في الأصل على غير أساس راسخ في الحق ... وإذا فسد الأساس تلاشي فرعه المبنى عليه) (2).
وفي موضع آخر يقول: (وإنما العيب على من خالف الأصول، وصدف عن ملة الرسول) (3). وقال: (لأن الدين ما جاء في السنة أو الكتاب أو الاجماع حكمه، والرأى ما كان فرعاً لهذه القواعد الثلاث
من الدين، فإنها الأصول، وما أشبه الأصول فهو مثلها) (4).
وقال: (والحق في الحقيقة في الباطن هو الحق الذي أظهره في
(1) أبو نبهان - رسالته إلى النجدي ص 2.
(2) نفس المصدر - جوابات: 397 - 398 وانظر 421 - 422.
(3) نفس المصدر: ص 429.
(4) نفس المصدر: ص 475. (1/64)
صفحة 63
الظاهر لعباده على لسان نبيه في كتابه وسنة رسوله - عليه السلام - واجماع الأمة لا غيره لا يختلف بإجماع، ولو كثر الاختلاف
والنزاع) (1).
وعندما تحدث عن العدل بين الناس ذكر أنه هو أن يسير الحاكم على ما يوافق الكتاب والسنة، والاجماع والصواب من الرأى (2)، وما كان منه غير ذلك فليس بعدل، فترى أن اتباع السنة عنده هو العدل الذي لا مرية فيه، لأن سنة النبي هي المصباح الذي تهتدى به هذه الأمة، إذ لا ينطق عن الهوى، فكل ما يأتيه وما يذره إنما هو مطابق لكتاب الله العزيز، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه، وهي الترجمان للقرآن قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (3).
وينبغي أن تعرض الأعمال على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله والإجماع؛ لئلا يقع الإنسان في محجور، حتى انه يحث السائل على عرض أجوبته في المسائل الفقهية على هذه الأصول، خوفاً من مخالفة الحق، فقد جاء في بعض جواباته ما نصه:
(1) ابو نبهان - جوابات: 494 - 495.
(2) أبو نبهان - نفس الصدر: 0.561 (3) آية 44 سورة النحل - وانظر نفس المصدر الجوابات: 40. (1/65)
صفحة 64
(وما أشكل عليه فيه من شيء فقف عنه، والتمس عدله إن اضطررت إليه وأردت العمل به من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة أو رأى أهل العدل من الفرقة المحقة لعلك أن تصيب)
القصد
وتهدى فيه إلى الرشد، ويرتفع منك عن بصيرتك الحجاب، فتراه على ما هو عليه من خطأ أو صواب) (1).
ثانيا: أما من حيث مكانتها:
فإن السنة عند أبي نبهان يستحيل فيها ثلاثة أمور .. الأول: الغلط فيها؛ لأنها صادرة من المعصوم (2)، وأما النسيان فيطرا عليه لانه بشر، ولكنه مع ذلك يعتقد أبو نبهان أن صاحب الرسالة المحمدية في كمال بشرى لا يساويه فيه أحد، ولنسمع إلى ماقاله في ذلك: (بدليل ما في الحديث، يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه في صلاة الظهر سها حتى زاد فيها ركعة، ومرة صلى بأصحابه فقام عن ركعتين ولم يقعد لهما، وإذا كان هذا مما يجرى عليه من كماله فيكون منه في نوادر أحواله، فكيف بغيره؛ أيظن أحد أن يلحق به في حضوره، وأن صفى باطنه لإشراق نوره؟ كلا .. إنه لفي غاية البعد أن
(1) أبو نبهان - نفس المصدر: ص 600. (2) السعدي - قاموس الشريعة 3/ 1 (وفعل النبي - عليه الصلاة والسلام - عند أبي نبهان يقتضى الإباحة باستغراق الجنس في الكل من الأمة عموماً، إذ لم تثبت معه قرينة التخصيص في ذلك له الموجبة لإفراده به او لاحقة أو مقدمة، والأمة داخلة معه فيما لم يصح أنه مخصوص به) - جوابات: 424. (1/66)
صفحة 65
يكون مثله، عبد، فإن جميع. ما عداه لابد وأن يكون في كل أمر واه، فضلاً أن يساويه، فاني بتقدمه فيتعداه) (1).
الثاني: الغلط في أحكامها؛ لأنها وحى رسالة، وقد أوضح «أبو نبهان، لمن سأله أن الوحى ثلاثة أقسام .. الأول: وحى رسالة وهو للأنبياء فقط. والثاني: وحى إلهام وهو لمن يشاء الله من الأولياء. والثالث: الإيحاء وهو للخلق كلهم يعنى الإشارة، فالنبي وإن سها لكنه يرجع إلى الصحيح فوراً مثل ما وقع له في الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرس بالوحى في أمره فايد بالتنزيل وعضد بجبريل (2).
الثالث: تسويغ إباحة العمل على خلافها أو الحكم بخلافها،
فهذا مما لا يجوز شرعا (3)، لأنها توحى من الله. فالله – عز وجل -
يقول عن نبيه الكريم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يوسي) (1). وقال: {وَمَا أَرْسَلْنا من رسول إلا ليُطَاعَ بإذن الله) (). فلا يجوز إن يحكم أحد، أو يفتي بغير ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المهتدين من هذه الأمة.
فعلى المسلم في نظر (أبى نبهان) أن يمتثل للأمر والنهي الثابتين
(1) جوابات: 166.
(2) انظر جوابات: 161، وانظر جوابات: 423.
(3) قاموس الشريعة: 73/ 1.
(4) الآيتان: 3 و 4 من سورة النجم.
(0) الآية 64 سورة النساء. (1/67)
صفحة 66
من
السنة ا، فالله - عز وجل - يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ
مول
(2)
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (2). وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرسول (3).
ومعاني السنة النبوية مختلفة، فبجانب ما فيها من الأوامر والنواهي يشتمل على المندوب إليه، والمجبر فيه، والمباح، وما يسعه جهله، وما لا يسع من الأحكام، وفيها الخاص والعام، والمجمل والمفصل، والمبين والمحتمل، والنص والظاهر والمطلق والمقيد بالكتاب والإضمار والحقيقة والمجاز، والظاهر والباطن، والناسخ والمنسوخ (4). ثالثاً: الرواية:
وكثيراً ما يرد في كلام الشيخ الثابت من السنة، أو السنة الثابتة، أو ما ثبت من السنة، أو الحديث الصحيح، أو السنة الصحيحة، وذلك دليل واضح على أن الشيخ أبا نبهان، لا يأخذ إلا بالسنة الثابتة بالرواية الصحيحة بأقسامها، وهى الواردة برواية الثقات، وينبيء ذلك أن السنة المروية من طرق ضعيفة لا يعتد بها. وقد جاء في معرض نصيحة له ما نصه: (ودلوكم على الحجة البيضاء التي
(1) السعدي - قاموس 73/ 1. (2) الآية 7 من سورة الحشر. (3) الآية 92 من سورة المائدة. (4) قاموس الشريعة: 73/ 1. (1/68)
صفحة 67
كان عليها سيد الأنبياء، فعرفوكم ما تأتونه فرضاً ونقلاً، وما تذرونه نية وقولاً وفعلاً ... أولئك هم أولو الألباب، الذين هداهم الله لدينه الذي ارتضاه الله لعباده من فضله، فلم يغيروه عن أصله، بل ابتغوا فيه أثر النبي - عليه السلام - ومن بعده أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين بدعوة الأنام) (1).
وبجانب الأصلين السابقين الكتاب والسنة يتمسك الشيخ «أبو نبهان»، بالإجماع أيما تسمك، وقد ذكره في عدة مواضع من جوابه.
وسوف أشير إليه فيما يلى إن شاء الله:
المبحث الثالث: تعامله مع الإجماع:
الإجماع هو الأصل الثالث من أصول الشريعة الإسلامية التي لا تجوز مخالفتها عند أبي نبهان (2) ولابد لرواية الإجماع من المسلمين من سند صحيح؛ لأن ثبوت الأصل من جهة الرواية شرط لصحة العمل به (3)، ولا تجوز مخالفة الإجماع أصلاً عند عند الشيخ و أبي نبهان». ومما قاله في ذلك: (واعلم أنه لا يصاب العدل في الرأي ولا
(1) من رسالته إلى من قال بتشريك أهل القبلة ص 1. (2) انظر السعدى - قاموس الشريعة: 1/ 72. جوابات - أبي نبهان: 50، 92، 137،
590، 326، 322، 308،206
(3) السعدي - نفس المصدر: ص 57 91. (1/69)
صفحة 68
في شيء من الدين على مخالفة الثابت من الكتاب أو السنة أو
الاجماع) (1).
وقال في موضع آخر ما نصه: (وما ثبت وصح خروجه من ذلك
على معنى الإجماع فلا يجوز فيه الاختلاف) (2).
والمسألة المختلف فيها بين الفقهاء ولا يوجد فيها اجماع من قبل لا يتم فيها الإجماع عند أبي نبهان) - إذ يقول: (ولو أجمع على العمل بقول من الأقاويل الجارية في تلك النازلة أهل عصر من كل قرية أو مصر أو من جميع الأقطار والقرى والأمصار، ما كان ذلك
بمزيل لما ثبت، وصح فيه من الخلاف إجماعا بلا خلاف) (3).
وقال في مسألة أخرى عند حديثه عن الرأي في غير الأصول الثلاثة ما نصه: (والحق في الحقيقة في الباطن هو الحق الذي أظهره في الظاهر لعباده على لسان نبيه في كتابه وسنة رسوله ـ عليه السلام وإجماع الأمة لا غيره لا يختلف بإجماع ولو كثر فيه الاختلاف والنزاع؛ لأنه واحد والقول فيه واحد من أصاب ملك ومن
اخطاه هلك والعياذ بالله) (4) ..
(1) السعدى - نفس المصدر: ص 427 429، 475، 483، 561، 600.
(2) نفس المصدر: ص 421.
(3) السعدي - نفس المصدر: ص 159.
(4) نفس المصدر: ص 495. (1/70)
صفحة 69
وقال: (كفى بإجماع أهل الحق على ذلك حجة في ذلك لأنهم الأمة، والله لا يجمع أمة محمد الله على ضلال ولا خطأ، وما خرج عن الضلالة بالحق فلا يكون إلاحقاً، كما لا يكون ما خرج عن الحق إلا ضلالاً، إذ ليس بينهما منزلة ثالثة (1).
والاتفاق نوعان .. أحدهما الإجماع. والثاني ما حصل التوافق على التواطيء في القول عليه من غير الإجماع من القائلين له، ولا يكون ذلك - وإن لم يشبه الإجماع - على حال كالإجماع وما أشبه
الإجماع في حكمه، وإن كان يعينه لم يجمع عليه فهو مثله (2). وفي معرض كلام له آخر قال: (والله لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلال ولا خطا) (3).
وبالجملة فالإجماع أصل من أصول التشريع في الإسلام، فلا يجوز لأحد، مخالفته، وكثيراً ما يؤيد الشيخ كلامه بأحد الأصول الثلاثة التي قام عليها الإسلام، ولا يجوز الرأى والنظر في الأمور التي ورد بها نص من الأصول الثلاثة والقول الذي لا يرجع إلى دليل شاد عند الشيخ لا يعمل به (4). أما قياس ما ليس فيه نص على ما ورد فيه
فلا بأس به وهو الذي سنبحثه فيما يلي.
(1) ابو نبهان جاعد - الجوابات: ص 478. (2) نفسه: ص 473.
(3) السعدي - نفس المصدر: ص 501
(4) ابو نبهان جاعد - للمصدر السابق: ص 599. (1/71)
صفحة 70
المبحث الرابع: موقفه من القياس:
القياس: هو قياس فرع على الأصل لعلة جامعة بينهما. والشيخ أبو نبهان) ممن يثبت القياس ويقول له ويشنع على من منعه، إذ لا يمكن أن تنص الأصول الثلاثة على كل ما يحدث في الدنيا، بل جعل
الله معرفة ذلك إلى الراسخين في العلم الذين بلغوا درجة الاجتهاد. والعلة الموجودة في الأصل إذا كانت موجودة في أمر آخر لا يوجد فيه نص، فإنه يقاس على الأصل ويطلق عليه حكمه، إذا لم يكن هناك مانع في جريان العلة وتشبيه الأصل بالفرع (1).
ومثال ذلك عند أبى نبهان) ما نصه: (وبذلك فيما يروى حكم النبي صلى الله عليه وسلم في بريرة لما اختارت نفسها، وكأنهما في القياس من
كل وجه بالعلة الجامعة بينهما في كل حال لعلى سواء في هذا) (2). ويعجبني أن أنقل نصاً متكاملا عن (أبي نبهان) في معرض جوابه لمن سأله عن قول الشيخ أبي محمد بن بركة البهلوى: (والقياس لا يصح إلا على أصل متفق عليه). وعن قول من زعم في اختلاف الرأى: (وإن صح فخرج على ظاهر العدل، فالحق لا يكون إلا في واحد، وما سواه خطأ عند الله تعالى) .. فقال: (ما حمل من
(1) ابو نبهان جاعد - جوابات: 40.
(2) نفس المصدر: 424. (1/72)
صفحة 71
الفروع في القياس على أصل صحيح ثابت نجيح، من الكتاب أو السنة أو الإجماع لعلة جامعة بينهما فيه معنى حكمه وكان بمعناه، فإن أشبه أصلين متنافيين في الحكم، فالذي هو أقرب إليه شبها كأنه أولى به أن يخرج حكمه فيه، وإن كان من الآخر البتة لا يتعرى، وإن لم يترجح إلى أحد الجانبين صح فيه على التساوى حكم المعنيين جميعاً، وكان القياس فيه بهما من كل منهما على أصل صحيح متفق في الإجماع عليه.
وكذلك مما وقع الاختلاف فيه على هذا بين القايسين إذا كان قد تعلق كل منهم بأصل له التعلق به منهما، والقياس على ما قيس فرع لفرع الأصل المقايس له من متفق فيما دون الإجماع ذلك الفرع عليه، أو مختلف بالرأى فيه لأنه بالنسبة عن التتبع راجع إليه) (1).
وقال في موضع آخر:
(إن القياس في الأصل عبارة عن مقايسة بين معلومين، والمراد به في النوع الفقهى استخراج حكم المجهول بالمعلوم، وهكذا حكم القياس الفلسفى فى النوع المنطقى يؤلفونه من مقدمتين أو أكثر لتخرج من بينهما النتاج بعد الازدواج، فيظهر ولا شك عند أولى الألباب في نتاجه أنها حق، والعمل بها كذلك مهما أحكم وحرس
(1) نفس المصدر: 473. السعدى - قاموس الشريعة: 272/ 1 (1/73)
صفحة 72
في الوزن من الخطأ، فسلم لكونه في المثال كالميزان صحيح البرهان، يطلع به على باطن خفي، عن ظاهر جلي، وخروج حكم المعلوم المنصوب للقياس في المجهول الذى به يقاس كيفما كان، وعلى أى حال كان، فيكونان على سواء للعلة الجامعة لهما، الموجب حكم الاشتراك في الحكم بينهما في جميع ما اشتبها فيه من شيء، ما لم يمنع من جريانها فيه مانع لأنه معلول لعلته والقياس بالشبه على وجوه عدة، وكله على تجرده من العلة كذلك غير جائز.
والعلة أنواع والمستنبطة أنواع منها، وهي في الجملة على ضربين متفق عليه ومختلف فيه والمعلومات النظرية المستخرجة بالرأى كذلك، وقد أجمع أهل العدل على الرأى والقول بالرأى، والعمل
على الرأي في مواضع الرأى فوقع الاتفاق على أشياء نعمة، والاختلاف في الأخرى نعمة) (1).
ويكفى ما جاء في هذا النص عن التعليق، وذلك لأن فيه التصريح باستعمال الشيخ أبي نبهان للقياس والعمل به، ولا شك أنه ضليع فيه، بل فارس فرسان ميدانه؛ لقوة علمه وصفاء جنانه وفصيح
لسانه.
وقال في معرض رده على الشيخ أبي محمد حيث منع القياس إلا
(1) أبو نبهان جاعد - جوابات: ص 487 وما بعدها - وانظر السعدى - القاموس: 294 -
295 (1/74)
صفحة 73
على أصل متفق عليه ما نصه: (ولا نعلم أن أحداً من أهل العلم والتقى والحلم أنكر في الدين على قائله، ولا حكم في الدين بالخطأ على فاعله. من
لدن الصحابة إلى زماننا هذا، والحمد لله حمداً يوافي
نعمه على كل حال، ولولا أنه حق وصواب لما اجتمعت الأمة عليه قولاً وفعلاً، أمراً وحكماً عملاً وعلماً، وعلى ذلك الكتاب والسنة
دالان، فهما فيه إذن برهانان، وإذا كان الأمر فيهما كذلك، وكان القول بالرأى فى الحوادث؛ يصح ويجوز في مواضع الرأي، ويلزم في مواضع لزومه على من قدر يأتي فيه قولاً برأى عن أحد ذي رأى أو أقاويل أو لم يأت فيها شيء فكله سواء، فكيف يمنع القياس به لما أشبهه من شيء، لأن يجرى حكمه فيما أشبهه فساواه فيه؟ وإن كان في الظاهر على العدل، فكأني لا أرى هذا ولا أعلمه، ولا يبين لى إلا جوازه، ولزومه في مواضع فرضه، وخروج حكمه فيما أشبهه كالمتفق عليه في الحق، أو المختلف فيه فلا فرق، وكله سواء في رجيح المعقول، وصحيح المنقول بأن ما أشبه الشيء فهو مثله، وقد دلت النصوص؟ في الآثار عن المسلمين الأخيار في مواضع شتى، وأماكن يكاد أن لا تحصى أنهم قد فعلوا ذلك، وقاسوا على هذا وذا جميعاً، ولم يقل أحد نعلمه بالمنع منه في مواضع الاختلاف، إلا أبا محمد هذا، والله أعلم بحقيقة مراده) (1). هذا نص كلامه، وهو دليل على أن الشيخ
(1) أبو النبهان جاعد - جوابات: 488. (1/75)
صفحة 74
يشنع على من ينكر القياس على الفروع المختـ فيها، فكيف
بالأصول المتفق عليها؟!.
وقد نقل الشيخ البشري قوله في القياس أيضاً بما نصه: (والقول في القياس فيما يجوز فيه القياس شائع بثبوته عند من أبصر الحق الحقيقي، فركب على الواح سفن المعرفة لجج بحار العلوم، في طلب استخراج جواهر المعانى من أنفاس أصداف غوامض أسرارها، وسبر دقائق حقائق مسالك سبل حقيقة الحقيقة عن صافي غماض قفار
بحار افکارها، فأخرج در را اني، فأتي بما لم يؤت في
اشطارها) (1).
في هذا النص أن القياس ليس في كل شيء كما أسلفنا، ولا من كل أحد، بل هناك شروط في التطبيق، وفي النقاش. القياس كما هو مقرر في علم أصول الفقه.
وهذا يدلنا بل يوجب علينا أن نبسط القول قليلاً في موضوع الاجتهاد؛ للحاجة إلى ذلك، وقد عقدت المبحث التالي لهذا الموضوع
فاقول:
المبحث الخامس: رأيه في الاجتهاد:
الاجتهاد .. وهو بذل الطاقة من التفكير من عالم قادر على الاجتهاد في استخراج حكم مسألة نازلة لم يأت فيها نص لا من
(1) موسى بن عيسى البشري - مكنون الخزائن: 075/ 1 (1/76)
صفحة 75
الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع. ولذلك قالوا (لا اجتهاد مع نص)، والاجتهاد يكون بمسائل الرأى لا بمسائل الدين التي يدان لله فيها بالاعتقاد بمعنى) أن مسائل الاعتقاد لا يجوز فيها الرأى؛ لأنها مسائل معروفة محددة، وقد ثبتت بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة والإجماع، (والدين جاء في كتاب الله أو سنة رسول أو إجماع الأمة في كل دهر وزمان وفي كل بقعة ومكان) وما دل بعدم التنزيه للباراء من متشابه الآيات فيرد على محكم القرآن، ولا يؤخذ أحكام العقائد من الأحاديث الأحادية بالنسبة للذات والصفات، وأما بالنسبة للسمعيات فقد أجاز العلماء الرأى فيها كعذاب القبر والصراط
ووجود الجنة والنار وأمثالها، بل ورد الخلاف فيها مصرحاً به.
أما رأى (أبي نبهان) في الاجتهاد .. فقد أطال فيه القول في كثير من جواباته التي بين يدى، ولكنى أختار في هذه العجالة أن أضع عدة أسئلة من عندى، وأجيب عليها من نص كلام أبي نبهان نفسه؛ لأن كلامه منسبك، وقد لا يعسر على البعض فهمه .. فمن الأسهل أن يوضع كما ذكرت. ونسوق بعض الأمثلة.
س – من الذي يباح له الاجتهاد والنظر في استخراج الأحكام؟ ج - ليس لكل إنسان نور قلب يقدر به على النظر، ولا التمييز لأصح ما جاء في الأثر، وإنما ذلك لأهل العلم والبصر (1). وفي موضع
آخر قال:
(1) ابو نبهان جاعد - جابات: 428. (1/77)
صفحة 76
(وفي آراء المسلمين والحمد لله متسع لمن عرفها وأبصر عدلها، وقدر على استخراج ما يدل عليه بمعانيها، إلا أنه ربما أنكر أهل الضعف والعمي عن درك أنوار الهدى كثيراً مما يستخرجه أهل الفهم والقوة في العلم بالدليل عليه من معانى أقوال الأولين أهل الاستقامة في الدين (1). وفي موضع آخر قال: (وليس كل من نظر كان له النظر، حتى يجتمع له الفقه والبصر فيما يجوز فيه النظر).
س إذن فما رأيكم أيها الشيخ فيمن قصر عن هذه المرتبة من الناس؟ ومن الذي يقلده؟
جد أما من كان من أهل الضعف عن هذه المرتبة فقصاراه المشاورة لأهل العلم والورع، والاستدلال بهم على الأصح والمذهب الأرجح، ومهما عليه اختلف أهل العلم في ذلك أعتمد على قول وليه، فإن كانوا له أولياء أخذ بقول الأعلم فيما قيل (2).
س- ماذا ترون أيها الشيخ فيمن لم يجد من يقلده وليس له بصيرة بالترجيح؟
جد إن عزت المناظرة عليه لمن يرجو أن يدرك بغيته منه، خرج في حقه ما قد قيل إن له أن يأخُذ بما أراد من رأى الفقهاء، وقيل: إنه لا بد له من أن ينظر في ذلك بجهده، ويتحرى الأعدل بقصده،
(1) نفس المصدر: 114.
(2) نفس المصدر. (1/78)
صفحة 77
ويعمل على ما يغلب على ظنه أنه أعدل، ويكون عليه حتى يلقى من يدله، على أعدل ذلك من أهل العلم والبصيرة المأمونين على ما حملوه من العلم، وقيل عليه أن يعرف الأعدل من الأقاويل ويكون فيها كابن عباس وإلا هلك (1).
س - هل هذا الرأى صحيح عندكم؟
ج لا يبين لى فى هذا الرأى إمكانه؛ لأنه في موضع ما يمكنه الوقوف عليه من ذاته، أو من فور الاستدلال عليه بغيره، وإلا فيحال عدم العبارة والعجز عن المعرفة له من بين ما قيل في نفس الشيء من الاختلاف في الرأي (2).
س ما هو الأنسب عندكم من هذه الأقوال الثلاثة المتقدمة؟ وهل الأصح عند عالم ما بالضرورة يكون في النظر صحيحاً عند
غيره؟
ج الأوسط كأنه في هذا الموضع أقسط؛ لأن إلزام الوقوف على الأصح مع عدم القدرة له عليه فيه تكليف شطط، والإهمال عن التحرى للأصوب قصور عن استفراغ الجهد المطالب به في أصل التعبد، وليس الأصح – على الصحيح – موقوفاً على
(1) نفس المصدر: 428.
(2) نفس المصدر. (1/79)
صفحة 78
نظر معين في حق أرباب البصائر، بل ربما يقع فيما بينهم فيه التباين في الرأي، كما وقع في نفس الآراء يوم الاجتهاد في استنباط
العلة (1).
س هل لمن أراد العمل بقول من جملة أقوال أن ينظر الأعدل؟ وهل يعنف إن عمل بقول منها؟
ج لا بد له على الأصح من التحرى عند العمل لأعدلها، وذلك وجه السلامة له عن الهلكة؛ لأنه على هذا ما لم يخرج من الحق إلى الباطل فلا يصيب. ب إثماً ولا ملاكاً - إن شاء الله تعالى، ولا نعلم في ذلك اختلافاً، وإذا كان فى هذا هكذا، لم يجز أن يُخلق في ذلك بالعيب على أحد اتبع فيه رأياً احتمل له في وجه الحق، وكان له متعلق في النظر بالرأى أو بشيء سبق فى الرأى من أراد من أهل العلم من المسلمين، وإنما العيب على من خالف الأصول وصدف عن ملة الرسول، أو نصب الرأى دينا أو تكلم مينا .. إلخ ...
(2)
كما أن الشيخ - رحمه الله تعالى - يأمر بالنظر في الأعدل من الأقوال في أغلب جواباته، وعلى سبيل المثال جاء في بعض جواباته: (فانظر فيه وتدبر معانيه، ولا تعتمد إلا على ما تراه إلى النجاة سبيلاً، وعلى منهاج السلامة دليلاً، ولا يغرنك حسن الاتكال على من قال،
(1) نفس المصدر. (2) نفس المصدر: 429. (1/80)
صفحة 79
ولكن انظر فيما قال فما وافق الحق فخذ به، وما خالف الحق إلى غيره من الباطل فاطرحه عن نفسك له رفضا وما أشكل عليك فيه من شيء فقف عنه، والتمس عدله إن اضطررت إليه من كتاب الله وسنة رسوله أو إجماع الأمة أو رأى أهل العدل من الفرقة المحقة، لعلك أن تصيب القصد وتهدى فيه إلى الرشد، ويرتفع عن بصيرتك الحجاب فتراه على ما هو عليه من خطأ أو صواب) (1).
هذا كلام الشيخ .. فتراه يأمر بالنظر والرأي، وينهى عن ضده، ويشترط لذلك الاعتماد على الكتاب أو السنة أو الإجماع؛ لئلا يخالف الناظر النصوص القطعية، فيصطدم مع النص.
ولا يأخذ الشيخ برأى من ليس من أهل الرأى، ولا يتكل على رأى مثل ذلك المفتي بل ينظر بنفسه في المسألة، فما وافق الحق أخذ به. ومما جاء عنه في هذا الموضوع ما نصه: (وإن كان في حفظى عمن أدركته ممن ادعى جوازه من المتأخرين فلا أقوى عليه ولا العمل به، ولا أقول أنه ممن تؤخذ عنه الفتيا بالرأى إذ لا أقول فيه إن له قوة علم تظهر له معى، ولا أدرى أنه من رأيه، ولا أنه أخذه بالتلقى له من غيره ممن له بصيرة نافذة في العلم، إذ لم أفحصه عنه ولا بان لي صوابه، وفي نفسى منه جرح) (2).
(1) نفس المصدر: 600، 56، 84، 104، 114.
(2) نفس المصدر: 129، 180، 180، 186، 304، 380، 421. (1/81)
صفحة 80
وقال أيضاً: (ولقد وجدنا فيهم قولاً لبعض المتأخرين من أهل
زماننا ولا اقدر على رفعه إليك، لما فيه من مخالفة آثار الماضين مثل محمد بن محبوب وأبي سعيد وغيرهما من فقهاء المسلمين. وكلاماً أعرضنا عنه الصدوره عمّن هو أقل فقهاً من المتقدمين؛ ولأنه ـ على إطلاقه يقتضى المنع فى مواضع مباحة دل عليها صريح الأثر وصحيح النظر) (1).
وهذا لأن الشيخ من أهل الاجتهاد واستنباط الأحكام، إذ لا يجوز للعالم الذي بلغ هذه الدرجة إلا أن ينظر في الأعدل من الأقوال، كما أنه لا ينبغي له أن يأخذ بشواذ الأقوال، ولا ضعيفها كما ذكر نفسه سابقاً.
ومع هذا فإن من أخذ بقول من أقوال المسلمين من ضعفاء الناس الذين لم يتأهلوا للاجتهاد فهو سالم - إن شاء الله ـ في نظر الشيخ أبي نبهان». وهذا نص كلامه في ذلك: (وإن توسع في ذلك بغير ذلك من الجائزات، ولم يخرج من صحيح آراء المسلمين لم نشرع إليه بالتخطئة تعنيفا) (2).
ولكن الشيخ (أبا نبهان) يحب الاحتياط للمسلم، وأن لا يتبع المؤمن الرخص كما سلف، بل يتحرى لنفسه الخروج من الخلاف ما
(1) نفس المصدر: 182 ..
(2) نفس المصدر: 421. (1/82)
صفحة 81
أمكن. قمن ذلك قوله: (ونحب لمن استنصحنا وأحب أن يناصح نفسه أن يأخذ في جميع أموره بالوثيقة ما قدر، لا سيما في الفروج،
وأن يتبع في ذلك بالحلال الصرف العارى من الاختلاف) (1). وبجانب هذا .. فإن الشبخ يعيب على من يمنع الضعفاء من الأخذ بأى قول من أقوال المسلمين، إذا كانوا لم يبلغوا درجة الاجتهاد، أما المجتهد فعليه أن يتحرى أعدل الأقوال، وبهذا جاء الأثر عن السلف. وفي ذلك يقول معيباً على المانع: (وعلى الحاكم أن يحكم بينهما بما يراه من الرأى أنه على اجتهاد منه أنه أصوب، كذلك على كل عامل أن يعمل بما يراه من الرأى إلى الحق أقرب، وليس عليه فيما عليه أن يعبدل عنه إلى غيره من الآراء، ميلاً إلى الرخصة، ولا يميل غيره إليه، إلا أن يراه الأهدى والأصح والأقوى والأرجح، خلافاً لما قاله هذا القائل إنه لا يجوز للناس أن يتعلق كل
واحد منهم بقول، وما أبعده عن الصحيح وأحراه بالإبعاد والطرح؛ لأنه في غاية البعد عما قال به فى هذا أهل العلم والبصر، إذ لم نكن نرى له أشباهاً يقاس بها في الأثر، كلا .. ولا ينساغ هذا في حكم
النظر) (2).
وأما القول بغير حجة .. فيبطله الشيخ، إذ لا بد لكل قول من
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر: 426، 427. (1/83)
صفحة 82
مستند يستند إليه قائله، أو علة سوغت قياس الحكم على أمر بالحكم
على أمر آخر سابق له، وعلى هذا فما كان غير مستند إلى دليل، فهو باطل عنده، ولا يصوبه (1).
وأحياناً .. يتوقف فيما لم تظهر له فيه الحجة، أو فيه شبهة من الفهم، أو كان من أمر الغيب. فهو يقول: (ونحن .. فليس لنا أن نتعاطى ما لم يؤذن لنا به، ولا علينا أن نتكلف علم شيء مما غاب عنا
علمه مما لا دليل عليه ولا سبيل إليه لمعنى الإحاطة به .. ) (2).
أما القول بالدين في موضع الرأى ضلال، والعكس كذلك، فلا يجوز أن يفتى ولا أن يحكم في موضع كل واحد منهما بحكم الآخر، وقد ألح الشيخ (أبو نبهان) على ذلك كثيراً في كثير من نصوص كلامه، وكرر كثيراً وجوب التفريق بينهما. وقال: (إن الدين هو ما جاء منصوصاً به في الأصول الثلاثة، وما عداه فيسع فيه الرأى، ولا يجوز أن يحجر فيه على الناس النظر والاجتهاد) (3).
اتباع السلف ما أمكن:
ومع مكانة الشيخ العلمية العالية، وقدرته الفائقة على الاجتهاد،
(1) نفس للمصدر: 063 91، 103، 140، 197.
(2) نفس المندر: 197.
(3) نفس المصدر: 54، 76، 103، 109، 168، 197، 201، 205، 304، 418،
426، 474، 495، 591 (1/84)
صفحة 83
واستخراج الأحكام، إلا انه كثيراً ما يتعلق باتباع السلف من مشايخ أهل الاستقامة في الدين الذين شهد لهم التاريخ بالمرتبة الكبرى في
العلم والورع، ولا يحب مخالفتهم ما وجد إلى ذلك سبيلا (1).
اللهم إلا إذا رأى ما يوجب مخالفة من تقدمه الحجة ظاهرة، لا يستطيع الحياد عنها، فإنه مع الدليل مهما يكون، ولا يميل عن الأعدل إلى ما هو أضعف منه حجة ولو قال به السلف، وقد ورد ذلك في مواطن عديدة من جواباته (2).
وعند استحسانه لقول من أقوال الفقهاء كثيراً ما يستعمل كلمة (أميل) (3)، وهذه عادة كثير من الفقهاء، إذ يجعلونها بديلاً من لفظة الاستحسان الحكم بالظن في رأى الشيخ أبي نبهان.
ولا يجيز الشيخ أبو نبهان الحكم بالظن، مثال ذلك ... المفقود حتى تنقضى مدة فقده التي حددها الفقهاء وننقل من ذلك نصاً
من جوابه لمن سأله عن مثل هذه الحادثة: (ولا يجوز أن يحكم بموته على الظن أنه لو كان حيا لرجع إلى أهله أو أتى خبر حياته، رجماً بالغيب، كما قد فعل ذلك في هذه الحادثة بغير الحق، وقضى به في الناس على غير وجه العدل الثابت على الصراط المستقيم، وفي ذلكم
(1) نفس المصدر: 10، 27، 424، 451، 598 600.
(2) نفس المصدر: 41، 44 5 626، 14، 153، 159، 161، 180. (3) نفس المصدر: 32، 93، 113، 164، 165، 173، 174، 177، 418، 557. (1/85)
صفحة 84
بلاء من ربكم عظيم، حيث إنها حيزت الأموال ظلماً، وانتهكت الفروج حراماً، وعطلت الواجبات لهم وعليهم، ما لم ينقض أجلهم لفقدهم، أو غيبتهم، أو يصح موتهم، أو قتلهم بغير حجة ولا بيان، ولا دليل ولا برهان، إلا اتباع الظن جهلاً، أو ما تهواه الأنفس باطلاً، فاين هم والآثار، ومقال أولى الأبصار) (1).
هذا .. وقد يأخذ الشيخ (أبو نبهان» ببعض الأدلة الشرعية
الأخرى، من ذلك ..
المبحث السادس: اخذه بالأدلة الأخرى:
أ - يأخذ الشيخ أبو نبهان بالاستحسان .. وقد أشار إلى ذلك في مسألة من اقترض من مال اليتيم كان تحت يده بلامقرض حيث كان ذلك من النقود أو مما يكال أو يوزن فله الربح وعليه الضمان ولليتيم عوض ماله وهذا من قول أبي سعيد الكدمي – رحمه الله - فاستحسنه الشيخ واحتج له بقوله: وما رآه المسلمون حسناً فهو
عند الله حسن (2).
كما استحسن قول من أجاز للوكيل استعمال الخائن على سقى
(1) نفس المصدر: 187، 439، 420:
(2) نفس المصدر: ص 139 (1/86)
صفحة 85
أموال اليتيم، والوقف لأجل الضرورة، خوفاً من ذهابها عطشاً حتى يجد الأمين نظراً للصلاح، إذ سئل عن ذلك فقال: (الله أعلم بسلامته .. وإني لا أقطع ثم يهلكنه؛ لأنى لا أعلم كون المنع عند ذلك حجراً له من صريح كتاب ولا من صحيح سنة ولا من صحيح إجماع، إلا ما جاء به الأثر قولاً بالمنع مجملاً لاخلاف فيه عن أحد نعلمه، ولهذا فإني أرى هذه الثلاثة الأصول تقوية بالمعنى لهذا النظر في الحكم، يرى ذلك فيعرف تأويلها الفطن إذا تأملها وأمعن النظر فيها، إلا أني لو قال قائل عند هذا بأنه لا يبعد تجويزه من الإجازة في الجائز نظراً؟ لأنه الأصلح عند مقابلة الأقبح، صرفاً لحاضر المضرة، حتى يفرج الله. بوجود المأمونين على ذلك، وفعل كل ذلك برأى منه، لدفع الواقع مع خوف المتوقع، نظراً في الصلاح لئلا تتلف الأموال عطشا لم أقل إنه وجه الرأي دينا، وان كنت لا أقوى عليه لضعف منه ولا آمر به،
أخطأ
لدقة علم ما لم يخرج من الصلاح رأساً في نظر أهل النظر) (1).
ب- أما المصلحة المرسلة .. فإن الشيخ يأخذ بها وينطبق عليها المثال السابق، وذلك لأن ما لم يرد اعتباره ولا إلغاؤه فالعمل به من المصالح المرسلة للقائم بالأمر، وذلك مثل الأمور العامة التي تحتاج إلى تنظيم ونظر الأصلح بشأنها، وللقائم بالأمر إذا رأى مصلحة في منع
(1) نفس المصدر: ص 326. (1/87)
صفحة 86
شيء أو إباحته مما لم يرد فيه نص قاطع بالإباحة أو المنع بحيث لا تجوز
مخالفته، فله أن ينظر الأصلح للامة.
جـ- أما سد الذرائع .. فكثيراً ما يحبذه الشيخ، وخاصة فيما يؤدى إلى التهور وفتح باب إلى الفساد، مع الأخذ بكتابة الثقات في الوصايا وغيرها من غير شهادة الشهود، هذا إذا كان ثقة. فكيف فيمن كان غير ثقة؛ لئلا يؤدى ذلك إلى فتح الباب إلى نهب أموال الناس من بالغ أو يتيم (1).
وليست من نصوص بعينها من كلام الشيخ أبي نبهان في هذه الأدلة، ولكن من تتبع فقهه يجد أنه لا يحب فتح مظان الشبهات
سداً لذرائع الفساد في المجتمع.
د ـ ولكن الشيخ مع هذا كغيره من فقهاء المسلمين يأخذ بالواسع والاطمئنان في الأمور التي لا يؤدى الأخذ بقول من أقوال المسلمين فيها إلى فتح باب الفساد، أو يرد حكم يمنع من الأخذ بما تطمئن إليه النفس ويسكن إليه القلب، وقد رد مثل ذلك في كثير من جواباته، ولا أرى ما يدعو إلى الإتيان بأمثلة من ذلك (2). ولكن إذا تعارض الحكم والاطمئنان فلابد من الأخذ بالحكم.
ويقيد الشيخ الأخذ بالاطمئنان بوجوب أن يكون من نظر أهل
(1) نفس المصدر: ص 28، 133، 130، 173، 176، 177، 207.
(2) نفس المصدر: 209. (1/88)
صفحة 87
العقول الأتقياء، وليس ما تطمئن إليه قلوب الفساق، ويحسن أن أنقل نص كلامه في هذا الموضوع. فهو يقول: (وقد تختلف
الاطمئنانات
من المطمئنين لموضع بصيرة قلوبهم، أو عمى قلوبهم؛
لأنه قد يجرى التصديق من أعمى القلب لموضع هواه ولموضع
تصديقه وأشكاله ونظرائه وأمثاله، ولا يصح قولهم بالاطمئنانة في قيمة خردلة، مع من يبصرا الاطمئنانة من أهل البصائر فيها، وهذا ما لا يخفى على أهل العدل، وكل شيء أخذ من طريق العقل فليس له غاية إلا صحة العلم في العقل، وكل شيء أخذ بالحكم فقطع حجته صحة الحكم، وكل شيء كان صحته من طريق فلا يكون صحته إلا من عقل متبصر للحجة، والقول في مثل هذا يتسع لاختلاف الناس واختلاف معانيهم، ولكل ثقة ثقة ولكل أحد شكل، ولا يكون ثقته إلا بأشكاله، فليس كل الاشكال ولا كل الناس يبصـ يبصرون أحكام
العقل، وإنما ذلك إلى المبصرين. .إلخ) (1).
المبحث السابع: أخذه بالقواعد الفقهية:
أما أخذ الشيخ بالقواعد الفقهية .. فإنه يأخذ بهذه القواعد
وخاصة أربع قواعد منها، وهي:
الأولى: الأعمال بالنيات ولكل امراء ما نوى.
الثانية: اليقين لا يزال بالشك.
(1) نفس المصدر: 209. (1/89)
صفحة 88
الثالثة: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
الرابعة: الأصل في الأشياء الإباحة حتى تثبت الحرمة.
فتراه يستدل بهذه القواعد في كثير من جواباته، ولم يذكره بصفة مستقلة شأنه في ذلك شأن أكثر الفقهاء العمانيين، ولكن لكل واحدة منها موضع في واقع الاستدلال بها عند اللزوم (1) .. ولا يتسع المقام لذكر الأسئلة نقلاً من النصوص المتوفرة في ذلك، خوفاً من التطويل.
وبعد هذا التطواف في الأخذ بالادلة والتمسك بها، فهل يأخذ الشيخ بالرخصة أم لا؟ هذا ما سنجيب عليه في الفقرة التالية .. الأخذ بالرخصة:
يأخذ الشيخ أبو نبهان بالرخصة عند الحاجة فقط، وقد حكى عنه ابنه الشيخ ناصر أنه يبذل الرخصة للتائب الراغب في طاعة الله تعالى، ولكنه يشدد على المستفتى الطالب للحيل، الذي يبتغى بذلك اتباع الهوى والمعصية (2)، أما في غير ذلك فلا يحبذ الأخذ بالرخص، بل يؤكد على الأخذ بالحذر. والرأى الأسلم التمسك بالأعدل، والخروج من الخلاف (3).
(1) نفس المصـ در 90، 91، 92، 101، 130، 131، 138، 308، 322، 323،
387،383،358
(2) انظر السعدى - قاموس الشريعة 135/ 1. وانظر أبا نبهان جاعد - الجوابات: 93. (3) أبو نبهان جاعد - نفس المصدر: 426، 427، 430، 433، 435. (1/90)
صفحة 89
بعض المصطلحات التي وردت في جوابات ابي نبهان
المنزلي: أى بالأرقام الحسابية لا بالحروف الهجائية.
الغيلة: الطين إذا هييء للبناء به.
التين: قشور البر والشعير وما شابههما، والأطراف الصغيرة من
السنابل.
الخطوط الرسائل وواحدها خط، وليس بمعنى الخط المستقيم. الطروس: الشيء المكتوب سواء رسالة أو غيرها.
حشري: أى وقف مؤبد إلى يوم القيامة.
القواصر الربط: هى الظروف أو الأواني من سعف النخيل، التي
يكنز فيها التمر، وهي دون الجراب.
غلافة: الغلاف الذي تجعل فيه الرسالة.
الجبرة: الجملة .. وهو خاص بما يشترى جملة. يقال اشتريته
بالجبرة أى بالجملة.
ساعد الفلج: إحدى القنوات أو السواقي الموجودة تحت الأرض
التي تغذي الفلج.
الماء.
المنزف: البئر المتروكة للسقى. وهذا المصطلح خاص بالبئر قريبة
الميزاب: هو الذي يصب منه الماء من سطوح المنازل. (1/91)
صفحة 90
الواسع: الأخذ بالجائز .. وهو التوسع في الأخذ بما يسع وليس
فيه إثم. صيغة: حلى المرأة .. وهو مصطلح علمى عند العمانيين. الرحى: طاحونة من الحجر يطحن بها البرء كي يصير دقيقاً
للخبز، وهي خاصة بذلك.
المبحث الثامن: اسهاماته الأدبية:
ما وصلنا من شعر الشيخ - رحمه الله ـ أقل مما كنا نتوقعه، وكان الشيخ اشتغل بالعلم الشرعى فى التأليف أكثر، ولكن الذي بين أيدينا قدر لا بأس به، وقد ذكر لنا الشيخ محمد الخصيبي مجموعة من القصائد، بالإضافة إلى قصيدته الكبيرة المسماة «حياة المهج»، وقد شرحها الشيخ نفسه في مجلد متوسط، وشرحها آخرون غيره، منهم ابنه الشيخ ناصر بن أبي نبهان ومعظم هذه الشروح توجد بدار المخطوطات والوثائق في وزارة التراث القومي والثقافة.
ويحق لنا أن نطلق على الشيخ أبي نبهان وصف الشاعر، وكان شعره في كثير من الأغراض، منها علم السلوك، وهو الأكثر الغالب، ومنها ما كان جواباً على أسئلة فقهية ومنها في الأذكار. وله قصيدة
في الرد على من أنكر علم الأسرار.
ومن قصائده في السلوك هذه القصيدة: (1/92)
صفحة 91
سبحان من كل يسبحه به وإليه منه يدين من قد دانا سبحان من للكون كان مكونا ما كان أو سيكون كونا كانا سبحان
من شهد الوجود بجوده ووجوده سبحانه سبحانا سبحان من هو أول بل آخر قد كان فرداً دائماً منانا سبحان من هو ظاهر في فعله بل باطن في وصفه مولانا سبحان من هو واحد في ملكه قد كان قدماً مالكاً ديانا
سبحانه الملك الذي ملك الورى والملك والملكوت والأكوانا قد كان في أوصافه صمداً حكيماً عالماً رحمانا
سبحان من
إلى أن قال:
سبحان من جعل الجسوم هياكلا تحوى الطبائع أربعا أخدانا سبحان من للروح قدرها كذا للنفس والعقل الرفيع مكانا سبحان من جعل النفوس نفيسة والنفس أنفاس الهوى ميدانا سبحان من في القلب أكمن نوره إذ كان بالسر المصون مصانا سبحان من بالصدر صون صيقلا يجلو من النفس الصدى عجلانا سبحان من جعل الهوى يهوى البذا وعن الهوى ينهى النهي فنهانا وهي قصيدة طويلة في تسمعة وستين بيتا (1). ومن قصيدة له في السلوك أيضاً ما يلى:
(1) الخصيبى - شقائق النعمان: 1/ 140 - 0141 (1/93)
صفحة 92
الدخل
أرى العدل عن لوم العدول هو العدل وقصد الفتى وصل الحبيب هو ا وحق الهوى ما صادق في الهوى فتى تحلى به عن خلة اللوم والعذل ويصغى إلى قول الوشاة فينثنى صدوداً على هجر وفي صدره ثقل وينسى على حفظ حفاظا تقدمت قديماً على عهد قديم لها حذل ويسلو على الهجران من بعد زلفة ويحلو له حال وقد غاله دغل ولا كل من قد رام في الحب شركة ويهنا بشراب أو يلذ له اكل ولو كان عن قلب براء عن الأذى لازوى به وجلاً وزاد به الجدل ولو أن نور الحب أورى بقلب أوار الهوى أمسى وفي جسمه نحل وخمر الهوى لو خامر القلب بالجوى لمارده بذل ولا صـ ده عکل
ولو أنه صب شج من الهوى لما رام غيراً لا ولا مه كل
وي
وما راع عن نهج الحبيب بمنهج وإن لج أهل العل به الذهل هو الحب سهل في اللسان ادعاؤه على أنه حزن وليس له به سهل ع الحمى لا بالهوينا ولا المني بلوغ المني أني ومن حوله سبل
إلى آخر ما قال ... .... وهى طويلة قوية المباني غريبة المعاني. ومن قصائده في السلوك أيضاً قصيدته المسماة «حياة المهج» ..
وهذا أولها:
تبين أخي في الله قولى فإنني على النصح في ذات الإله مع العتبى وأهديه صرفاً في عموم أولى النهي كذا في خصوص من عمرم أولى القربي وأدنى قريب كان ذاتي حقيقتي فنفسي به أحرى نديا وإن تأبى (1/94)
صفحة 93
أراها على قبح الصفات ذميمة ومن ساءها تسعى بمسعى الردى دابا أرى الجهل أمراً كالهوى يجذب الورى إلى ورطة عن فرطة منهم جذبا هو المهمة البهماء والمجهل الذى به تاهت الدهماء في عمه نها کليل دجوجي على أهله سيمحا فضلوا على تيهاء قيعانه الجدبا تبين فإن الجهل بالجهل معضل نعم ربما لا تلن تاؤه الرأيا هو الخزي والداء القبيح لأهله هو الهوة الدهياء ياؤسها لهبا تنبه فإن الأمر ليس بهين وكن في خلاص النفس منتدبا نديا
وهي قصيدة طويلة لا نستطيع الإتيان بها كاملة في هذه العجالة. ومن أشعاره في السلوك أيضاً: شموس قلوب العارفين بوازع ومن حب غير الله من فوارغ لها في خفيات الخفي مطالع وفي غرب أعيان العيان مبازغ وفي سر إشراق النفوس مشارق الأفاق أوفاق النفاق دوامغ وأنوار أبصار البصائر كونها لاسرار ابحار العلوم منابغ وهي قصيدة طويلة أيضاً.
ومنها قوله - وهو يبتداء كل بيت بحرف القاف: قرحت زناداً يستضيء بنوره الباب كل العارفين وتعشق
قرشت لنار آنست انوارها تمحو من البال الخيال وتمحق قحمت لهم وادى المقدس بالهدى نودوا الا هذى الحقائق تنطق قطنت بأسرار لها في سرهم تجلو صدى الأهواء لما تزهق (1/95)
صفحة 94
ومن غريب قصائده القصيدة المقصورة التي يتكرر فيها ا
الواحد، وهي ثمانية وعشرون بيتاً. ومنها قوله:
الا إنني أنسى الأسى من أساءني وإن لنفس الأنس نفس الأسى أسى بليت بنفس والهوى ثم بالدنا ومن البلايا من لنفس البلى بلى جوامع جهل جامعات بجهلها لكل جهول جاهل بالجوى جوى دجت من دياجي الجهل بالجهل نفسه وباطنه من جهله كالدجى دجى هواء هوى فى هوة هان هونه بمهواه هونا في مهاوي الهوى هوى وأى في مآوى الوبغ وغل مزند غتل وسيط وزة كالوزى وزى وله في طلب الرزق أبيات ستة يتلوها الإنسان بتكرار بعد صلاة ركعتين بوضوء جديد وقلب مفرغ.
وله قصيدة يذكر فيها أحوال أهل زمانه، ويمدح العزلة عنهم، وهي على قافية العين، وله أجوبة نظمية واشعار غيرها. يقول عنها الخصيبي): (ولهذا الشيخ العلامة الرئيس الرباني عدة مناظيم متنوعة، لا يسع المقام ذكر شيء منها فوق ما أوردنا خشية الإطالة) (1).
وبما أوردنا كفاية للاطلاع، ومن أراد المزيد فليراجع هذه الأشعار
من مظانها في مكتبات المخطوطات.
(1) الخصيبى - شقائق: 140/ 1 وما بعدها. (1/96)
صفحة 95
وفيما يلي بيان عن وفاة الشيخ، وما قيل فيه من رثاء المزيد
الفائدة ..
المبحث التاسع: وفاة ابي نبهان ورثاوه:
ابتلى الشيخ في آخر عمره بالعمى، ولكن الله قد أحيا بصيرته بنور العلم، ومتعه بجميع قواه البدنية والعقلية، فواصل الليل بالنهار في العلم والعمل، وفرغ نفسه في إحياء الشريعة، ونشر الوعي الديني بين أبناء هذا البلد الذي طالما أنجب فطاحل العلماء، مثل أبي نبهان حتى توفى – رحمه الله - محمود السيرة، صافي السريرة، رفيع الشأن والقدر في يوم الخميس ثالث شهر الحج عند نصف النهار من عام سبعة وثلاثين ومائتين وألف هجرية. وعاش تسعين سنة قمرية، ودفن على رأس فلج الحيل من بلدة العليا، أعلى مسجد العقيبة على سفح الجبل بمكان مرتفع جداً، وقد كتب تاريخ وفاته على لوح حجرى أعلى قبره، تغمده الله برحمته، واسكنه فسيح
جناته.
أما رثاؤه .. فقد رثاه أناس كثيرون، منهم الشاعر المؤرخ
و ابن رزيق، حميد بن محمد بن رزيق بعدة قصائد، كما رثاه الشيخ «ثنيان بن ناصر بن خلف الزاملي، بهذه القصيدة، حيث
قال: (1/97)
صفحة 96
غال شمس العلوم جهراً كسوف واعترى بدرها السني الخسوف ودهى الدين والتقى والمعالي وجميع الأنام خطب مخوف ودجى ليل شجيات مصاب عاق قلب الزمان منه رجيف حين أودى خليفة الله في إلا رض وولى الصلاح والمعروف کل سفر بمالديه شهيد أبد الدهر من علوم يضيف منتهى الجود جاعد بن خميس وإرث المصطفى الرحيم الرؤوف ما بكته العيون حتى بكاه العلم، والأرض والسماء المنيف والديانات والمحابر والإسلام والكتب والقنا والسيوف كل من لم يهله حزناً وجيعاً موته فهو للنفاق حليف كيف لا، وهو للجنان منالاً خيرة الله أريحى عفيف شهد العالمون طراً جميعاً إنه الفاضل الكريم الظريف يا حبيب القلوب عنا توليت فأين الخليفة الموصوف ومن الغوث إن دهت مشكلات معضلات يحار فيها الضعيف من لدحض احتجاج من خاصم الدين إذا ما ازدهاه عنه النكوف وإذا لبس العاة علينا فمن الكاشف المصيب الحنيف كنت تهدى بأمر ربك نوراً وضياء وعادلاً لا تحيف لو برضوى وزنت علماً وحلماً كنت أنت الثقيل وهو الخفيف لا رعى الله فيك دهراً دهتنا بمصاب منه عواد صروف ماسقانا شهد المسرة إلا فيه سم الحمام غدراً يديف (1/98)
صفحة 97
كل حلو وكل صفو لذيذ بالمرارات والرزايا مروف كيف تلتذ مطعماً وشرابا والمنايا متنها إلينا رجيف
لو على الدهر من خلود لحى خلد المصطفى النبي الظريف عجباً كيف يضحك غر جهول موقن أن تعيش فيه الحقوف فانظرونا يا أولى النهى باعتبار في مصاب منه الزمان دنيف وتغزو مسترجعين عسى أن ترزقوا الأجر فالرزايا صنوف واستعينوا بالصبر واستمسكوا بالحق والحق مستنير رصيف واطلبوا العلم قبل أن يرفع العلم ويعمى عن الرشاد الصدوف فارتفاع العلوم عن ذى الدنا أن يحتوى أهلها الثرى والسقوف يا ضريحاً حويت شمساً وبحراً موجه العلم ماله قط سيف
أنت خير القبور من بعد قبر المصطفى إنك النزيه النظيف ما برحنا وإن قضى ما حيينا مسك أخلاقه الحسان تسوف ولما أودع الدفاترنتلو حكماً قد زهت بهن الحروف فسقى الله قبره سحب عفو و اصطفى نفسه الغفور الرؤوف وعليه في ظل برد مديد ذللت من جنا الجنان قطوف
وها هنا وقف القلم عن الجولان بانتهاء كتابة هذه القصيدة الغراء، ولا شك أن فيه مراثى أخرى لا مجال لذكرها في هذا البحث
المختصر .. فبهذه القصيدة نختتم البحث وإليك الخلاصة .. (1/99)
صفحة 98
الخاتمة
لقد تبين لنا من هذا البحث أن الشيخ (أبا نبهان) كان شخصية فذة في أخلاقه وصفاته، وفي تقواه وسلوكه، وزهده وورعه، وأن للشيخ مكانة علمية بارزة يجهلها كثير من الناشئة. فهو عالم بلغ درجة الاجتهاد، وصار ممن يشار إليه بالبنان في شتى صنوف المعرفة تفسيراً وحديثاً وبياناً وأدباً وفلسفة وتصوفاً وغير ذلك من العلوم النافعة، وإن هذا الشيخ كان من علماء الآخرة، فكان يمقت علماء السوء الذين يأكلون بعلمهم، ويتظاهرون بالمعرفة والعلم وهم بعيدون
من
ذلك.
وقد تصدى الشيخ للتعليم والفتوى، فصار يقصده الطلاب والسائلون من كل حدب وصوب من عمان وغيرها بأسئلتهم ويكتبهم للدراسة، وكان يعيب على أهل زمانه قلة العلم والتهور في الفتوى بالرأى ونصب الرأى دينا والتضييق على الناس في أمور جعل الله لهم فيها سعة.
وكان في منهجه التشريعي يأخذ بأصول التشريع الثلاثة وبالقياس والمصلحة المرسلة والاستحسان وسد الذرائع بعض الأدلة الأخرى كالقواعد الفقهية. وكان يذم التقليد ويمتته، بل ينادى بفتح (1/101)
صفحة 99
باب الاجتهاد بشروطه، وقد رويت مقالته: (إن الرأى في الأصول الخياط على جثة الجمل، والرأي في الفروع أوسع من
أضيق من سم.
الدهناء لراعى الإبل) .. فظهر أنه عالم مجتهد مجدد، له آثاره العلمية والإسهامات الأدبية والأسلوب الرصين والرد المتين للبدع والشطط في الرأي، مما يوجب على الدارسين والباحثين أن يتتبعوا آثاره وأن ينفضوا الغبار عن مؤلفاته كى تظهر للدارسين والباحثين والقراء، عسى أن يقيض الله من الشباب من يشمر عن ساعد الجد، فيخرجوا كنوز التراث من رفوفها، ويقدموها لطالبيها في أفضل شكل
وأبهى صورة. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
*** (1/102)
صفحة 100
1 - القرآن الكريم.
مراجع البحث
2 - أبو نبهان جاعد بن خميس
جوابات أبي نبهان «قطعة الأحكام).
مخطوطة بدار المخطوطات والوثائق في وزارة التراث القومى
والثقافة.
حياة المهج – مخطوطة.
سيرة أبي نبهان - مخطوطة.
مقاليد التنزيل – مخطوطة أيضاً في شرح سورة الفاتحة.
الخصيبي، محمد بن راشد شقائق النعمان جـ 1 طبعة
وزارة التراث القومي والثقافة 1989 ط 1.
البشرى موسى بن عيسى: مكنون الخزائن جـ 1 ط وزارة
التراث القومي والثقافة.
ه السعدي، جميل بن خميس: قاموس الشريعة: 3/ 1 طبعة التراث القومى والثقافة 1983 ط طا.
6 - الراشدي، مبارك: بحث عام التراث أبو نبهان وفكره
مخطوط. ضمن (قراءات في الخليلي).
- الخروصي مهنا بن خلفان: مذكرة في نسب الشيخ وشيء
عن سيرته – مخطوطة. (1/103)
صفحة 101
8 - الخليلي، سعيد التراث القومي والثقافة.
بن خلفان تمهيد قواعد الإيمان ط وزارة
9 - البوسعيدي، مهنا بن خلفان: لباب الآثار طبعة وزارة التراث القومي والثقافة.
10 - الخليلي، عبد الله بن على رسالة الحقيقة – مخطوطة.
11 - السالمي محمد بن عبد الله: نهضة الأعيان.
12 - ابن رزيق حميد بن محمد: الفتح المبين طبعة وزارة التراث القومي والثقافة العمانية.
13 - السالمي عبد الله بن حميد: تحفة الأعيان طبعة وزارة
التراث القومى والثقافة جوهر النظام طبعة مكتبة الاستقامة. 14 - السيد حمد بن سيف البوسعيدي: الموجز المفيد في تاريخ البوسعيد.
*** (1/104)
صفحة 102
المقدمة
الفهرس
الموضوع
الصفحة
الفصل الأول: شخصية الشيخ أبي نبهان
المبحث الأول: نشأة الشيخ أبي نبهان
المبحث الثاني: دراسته وشيوخه
المبحث الثالث: أخلاقه وصفاته
المبحث الرابع: تصوفه
المبحث الخامس: مكانته الفقهية
المبحث السادس: آثاره العلمية
المبحث السابع موقفه من العلم والفتوى
الفصل الثاني: منهج الشيخ أبي نبهان الفقهي المبحث الأول: تعامله مع الكتاب العزيز
المبحث الثاني: تعامله مع السنة
المبحث الثالث: تعامله مع الإجماع
المبحث الرابع: موقفه من القياس
المبحث الخامس: رأيه في الاجتهاد (1/105)
صفحة 103
المبحث السادس: أ- أخذه بالأدلة الأخرى
المبحث السابع: أخذ بالقواعد الأخرى
المبحث الثامن: أخذ بالقواعد الفقهية
المبحث التاسع: وفاته ورثاؤه
- الخاتمة
مراجع البحث
الفهرس (1/106)