صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: سير وتراجم
------------------------------------------
العنوان: رحلة نضال لمحات من حياة وفكر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني)
المؤلف: خالد علي إبراهيم
الناشر: دار تيرا
مكان النشر: طرابلس - ليبيا
تاريخ النشر: [2025م]
الطبعة: 1
سلسلة الكتابات التاريخية (1)
------------------------------------------
مصدر النسخة الرقمية للكتاب (PDF) والملف المرقون (Word) مِن المُؤلِّف مباشَرة (جزاه الله خيرا).
ملاحظة: هذه النسخة الرقمية (PDF) يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 14 ذو القعدة 1446ه/ 12 - شهر 05 - 2025م. بسم الله
بدأت القراءة الساعة .............. اليوم ........
رحلة نضال
لمحات من حياة وفِكْر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني) (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
رقم الإيداع المحلي:
دار الكتب الوطنية
بنغازي - ليبيا
الترقيم الدولي:
دار تيرا
للطباعة والنشر والتوزيع
طرابلس - ليبيا
هاتف:
إيميل: (1/2)
صفحة 3
سلسلة الكتابات التاريخية (1)
رحلة نضال
لمحات من حياة وفِكْر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني)
بقلم
خالد علي إبراهيم إبراهيم (1/3)
صفحة 4
الشيخ الشهيد: محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني)
1949 م - 1994 م (1/4)
صفحة 5
إهداء
"إلى روح الشهيد الذي آمن بأنّ الحرية تستحق المجازفة، فأصبح موجة خالدة في محيطات العزة والإباء، تاركًا خلفه إرثًا لا تمحوه عوامل الزمن وإن طالتْ"
إلى الشيخ الشهيد: محمد علي يحيى معمر.
خالد إبراهيم. (1/5)
صفحة 6
الفهرس
إهداء 3
الفهرس 4
مقدمة 6
الفصل الأول: لمحات من حياة الشيخ محمد علي يحيى معمر 9
تمهيد: 9
الميلاد: 11
النشأة ومراحل طلب العلم الأولى 11
الشيخ محمد والمرحلة الجامعة 15
الشيخ محمد وأيام السجن 18
هروب الشيخ محمد معمر من السجن بين الواقع والأسطورة 23
الشيخ محمد معمر في القاهرة 36
الشيخ محمد في أمريكا 40
وفاة الشيخ محمد علي يحيى معمر 42
الفصل الثاني: لمحات من سمات الشيخ محمد معمر الشخصية والفكرية 45
سمات الشيخ محمد علي يحيى معمر الشخصية والقيادية 45
أولًا: السمات الشخصية 45 (1/7)
صفحة 7
1 - الصبر: 46
2 - الصدق: 48
3 - التواضع: 49
4 - الشجاعة: 51
ثانيًا: السمات القيادية 52
1 - الإرادة: 52
2 - الإدارة: 53
3 - الحكمة وحسن التصرف: 54
4 - التفاؤل: 55
الأسس الفكريّة والتوجهية للشيهيد محمد معمر 56
النبوغ العلمي والثراء المعرفي 60
الملكة الأدبية والكتابية عند الشيخ محمد علي يحيى معمر 63
الخاتمة 66
ملحق 1 نماذج من كتابات الشيخ محمد علي يحيى معمر 67
بين ضفاف وادي الثلث 67
ملحق 2 صورة من رسالة الشيخ محمد علي يحيى معمر إلى الدكتور عمرو النامي 69
المصادر والمراجع 72 (1/8)
صفحة 8
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد؛؛؛
حينما أتأمل جهود الآخرين، وأدرك المعاناة التي عاشوها، أتساءل! ما هذه الحياة التي نعيشها؟ أهي كتلك! أبقى مذهولًا، أقف متأملًا في تلك الشخوص التي دفعتْ أرواحها ثمنًا لقيام الوطن ونيل مطالبه وحقوقه، هل كانت تعي ما تقوم به؟ وتدرك خطورة الأمر؟ ألم تخش الموت؟ وهل تهيّبَتْ المخاطر أم أنها ألقتْ بنفسها في المحك لأجل الوطن والفكر والحرية!
تساؤلاتٌ كثيرة أطلقتها تجاه شخصيات قدَّمتْ أروحها لأجل قضيةٍ تؤمن بها، قضية كُليّة تتعلق بالإنسان الليبي دون غيره، لا سيما في وقتٍ مبكر كسبعينيات القرن المنصرم وثمانينياته، من هذه الشخصيات، أنموذج من نماذج النضال الشيخ المجاهد البحاثة الألمعي محمد علي يحيى معمر ـــ رحمه الله وأحسن مثواه ــــ "1949 ــــــ 1994 م" المعروف بـ (فتحي الباروني) أو كما كان يناديه كثير من أصدقائه (خالي فتحي).
شخصيّة على جدّها واجتهادها، وعلمها ومكانتها، وثقلها في النضال ضد الظلم والاستبداد، وقبولها عند كثيرين، إلا أنّها لم تحظ بالبحث والتوثيق والتدوين في بحث أو كتاب مستقل، والحقيقة أنّه لم يلق التكريم الذي يليق به، ولا حتى الإشادة (1/9)
صفحة 9
بجهوده على الرغم مما تكبده من تضحيات ونضالات تجاه الوطن، وعلى الرغم أيضًا من تعاقب بعض زملائه في الجبهة على مناصب وزارية وسيادية بعد ثورة فبراير الليبية، إلا أنه مع كل أسف لم يحتف به البتة، وإن كان هو لا ينتظر جزاء ولا شكورًا، إلا أنه من باب حفظ الفضل وإسداء الجميل والوفاء به ليس إلا، إذ انتقل الرجل إلى مصيره ولن ينفعه شيء من ذلك، إلا أنّ التعريف به وبيان مقامه لأبناء وطنه؛ حتى يتخذون منه قدوة ودليلًا في مشوارهم الحياتي والوطني تحت سماء ليبيا وخارجها.
لذا رأيتُ أنْ اجتهد ما استطعت سبيلًا في توثيق تاريخ الشيخ محمد وحفظه، من خلال ما وقع في يدي من وثائق وصور، ومقالات وكتابات، ومقابلات وحوارات، لأعرّف القارئ الليبي وغيره من القراء في العالم بهذه الشخصية الفذة، التي آثرتْ التواضع والصمت في كثير من الأحيان، لأجل الدفاع عن قضيته، والإمعان في هدفه، إذ كان ــــ رحمه الله ــــ لا يسعى لإجلاء نفسه للمتلقي، وبعيد كل البعد عن الأضواء والمظاهر التي تظهر شخصيته ونضاله، وهذا ما جعل سيرته العطرة قابعة في ذاكرة الناس ورفوف المكتبات ومقالاته حبيسة المجلات وتدوينات الكتّاب دونما إشهار للمتلقي الكريم.
أما عن منهجيتي في البحث، سعيتُ أنْ أتلقف المعلومة من مصدرها؛ إذ اجتهدت في الحصول على أعداد مجلة الإنقاذ التي كان يكتب فيها الشيخ محمد ــــ رحمه الله ــــ وكثير من كتاباته، كما أني سعيتُ في الوصول إلى أسرته وكوكبة من رفاقه وزملائه الذين عاش معهم وعاشرهم، فتواصلتُ معهم وأجريتُ معهم حوارات ومقابلات تتعلق بالشيخ محمد وحياته وفكره، وهم على النحو الآتي:
- الأستاذ: أحمد سعيد خليفة الجادوي.
- الأستاذ: حسين محمود التركي. (1/10)
صفحة 10
- الأستاذ: خليفة علي سليمان.
- الشيخ: سليمان سعيد الشيباني.
- الدكتور: شكري محمد السنكي.
- الشيخ: الطاهر محمد الجعيدي.
- الأستاذ: عثمان علي عقيل.
- الأستاذ: علي امحمد العكرمي.
- الأستاذ: علي عبد الله الضراط.
- الأستاذ: علي فرج جبريل
- الدكتور: عمرو أحمد عيسى التندميرتي.
- الأستاذة: وفاء محمد أحمد نشنوش (زوجة الشيخ محمد).
وقد كانوا عند حسن الظنّ، إذْ أمدوني بما عندهم من مواقف وذكريات ومقالات وحوارات مع الشيخ محمد، فكان عملي تنقيح ما يلزم تنقيحه، وإعادة صياغته، وترتيبه بمنهجية منطقية سارت مسار حياة الشيخ محمد ــــ رحمه الله ــــ في الفصل الأول، يليه الفصل الثاني الذي كان عبارة عن لمحات من شخصيته من حيث السمات والتكوين والتوجه والنبوغ العلمي والثراء الأدبي، تليه خاتمة حصرت فيها خلاصة الخلاصة من هذا البحث، ولم أشأ أنْ أعرف بالأسماء والأعلام التي نقلتُ عنها أو الواردة في البحث؛ فبعضهم معروف عند القارئ، وبعضهم يتحفظ عن ذكر التفاصيل، لذا آثرتُ عدم التعريف بالأعلام؛ إذْ الغاية والبغية التعريف بالشيخ محمد ــــ رحمه الله ـــــ والسعي لتوثيق لمحات من حياته وفكره فحسب. (1/11)
صفحة 11
هذا وأدعو الله أن ينال هذا العمل القبول والرضى، فإنها محاولة لإخراج شيء جديد متكامل عن الشيخ محمد، كما أرجو أن يلقى قبولًا عند أصدقائه ورفاقه في النضال، وكافة القراء في العالم، إذ هي قصة كفاح تستحق القراءة والتأمل، وتجربة جديرة بالدراسة والبحث، ولا يسعني في الختام إلا أنْ أتقدّم بالشكر الجزيل للأستاذة والمشايخ الذين أمدوني بالوقت والمعرفة حتى تمام هذا البحث، وخروجه بهذه الصورة، وهذا هو الجهد والعمل والله أسال القبول والإخلاص، والتوفيق والتيسير والسداد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
خالد علي إبراهيم إبراهيم
1. جمادى الآخر. 1446 ه.
2. ديسمبر.2024 م. (1/12)
صفحة 12
الفصل الأول:
لمحات من حياة الشيخ محمد علي يحيى معمر
تمهيد:
قبل البدء بالكتابة عن حياة الشيخ محمد علي يحيى معمر لا بُدّ من لمحة خاطفة من سيرة والده الشيخ علي رحمة الله عليه، إذْ كان له فضل عظيم في تنشئته وتربيته وصقل مهارته وبلورة أفكاره، لذا بات لزامًا التعرف على هذه الجوهرة المكنونة التي أنجبت لنا مثل شخصية الشيخ محمد.
هو العلامة الشيخ (علي يحيى معمر) من أعلام نالوت بجبل نفوسة، رائد من رواد التعليم في ليبيا، فقيه ومصلح ومؤرخ إسلامي، دوّن سلسلة من البحوث والكتابات في التاريخ الإسلامي وفكره، لا سيما ما يتعلق بالمدرسة الإباضية، إذ كان لكتاباته صدى واسعًا لإزاحة الغبش عند كثير من الباحثين في بيان حقيقة ما يتعلق بالمدرسة الإباضية، فعُرفتْ كتاباته بالحُجّة والدليل والإنصاف والموضوعية، إضافة إلى ذلك فأنّها جاءت بلغة أدبيّة عذبة يذوب معها القارئ من حسنها وجمالها، كما كتب أيضًا مجموعة من المقالات التي تتعلق بالموضوعات الاجتماعية والفكرية في ليبيا والثقافة العربية والإسلاميّة، سعى فيها للنصح والتوجيه والإرشاد. من أهم كتاباته "سمر أسرة مسلمة" و"الفتاة الليبيّة ومشاكل الحياة" و"الإباضية مذهب إسلامي معتدل" وغيرها الكثير. (1/13)
صفحة 13
اجتهد الشيخ علي يحيى معمر ـــــ رحمه الله ـــــ في أنْ يقرّب المعرفة للناشئة على الرغم من صعوبتها، إذ سعى لتسهيل المعلومة وتبسيط الفكرة وتفكيك المجمل ليتيسر للقارئ فهم النصوص وإدراكها، وهذا نهجه مع أبنائه وغيرهم من شباب الجبل والوطن، ولبيان ذلك أقف وإياك أيُّها القارئ الكريم مع صورة من صور توجيه الشيخ علي وإرشاده لقرائه، حتى نعي تلكم البيئة التي ترعرع في جنباتها الشيخ محمد، اقتطف لك هذه الصورة من كتابه القيم "سمر أسرة مسلمة" الذي وضعه للفتية الصغار، الذين دون سنّ البلوغ والبالغين حديثًا، إذ كتبه بقلم أديب، وتحليل مفكر، وسبك فقيه، وخطاب متكلم، إذْ يحوي على جملة من القضايا الفقهيّة والعقديّة بأسلوب أدبي سهل ممتنع يحتاج إلى جهد وعناء في حبكه وسبكه، ومع هذا تغلّب الشيخ علي على ذلك ليُلبي طلب طلابه الذين كانوا سببًا في كتابة هذا الكتاب، حيث استشكل على بعضهم عُمق الكتب العلميّة الشرعيّة التي تغوص في موضوعات العقيدة ومتاهاتها، والفقه واختلافاته، فصعُب عليهم فَهْمَ مراد الكاتب، فسهّل لهم الشيخ علي ذلك في كتابه، ذاكرًا مصادره ومراجعه في مقدمته واستدرك بعد ذلك معبرًا بقوله:" وها أنا أقدم إليك أيها القارئ الكريم هذا العمل الضئيل، فإنْ ساعدك على الاستفادة ووجدتَ فيه حقًا وعلمًا، ويسر عليك مؤونة البحث، فأن الحمد لله على التوفيق، وإنْ خيّب ظنك وضيع وقتك فأنا اعتذر إليك، عما ضيعت لك من وقت، وأخذت من مال، وأطلب منك العفو والسماح، فإنني معك في حال لا أستطيع أن أرد عليك الوقت الذي ضيعته منك، ولا المال الذي أخذته عليك" (1) بهذا
__________
(1) معمر، علي يحيى، سمر أسرة مسلمة، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع - سلطنة عُمان، ط 3، سنة 2004 م، ص 14. (1/14)
صفحة 14
الأسلوب التربوي يعتذر الشيخ علي ـــــ رحمه الله ــــ من قارئيه، مخافة أنْ يكدر صفو قارئ أو أن تأتيه دعوة ممن ضاع وقته وماله! وهو المتفضل وصاحب الجميل أنْ يسّر العسير وسهّل الصعب حتى تكون الفكرة ناضجة للقارئ الكريم؛ لكن هذه هي أخلاق الكبار كما قال المتنبي:
"وإذا كانت النفوس كبارًا **** تعبت في مرادها الأجسام"
الشيخ علي يحيى معمر ـــ رحمه الله ـــ (1919 م -1980 م) (1/15)
صفحة 15
الميلاد:
على هذه اليد الكريمة، وفي تلكم البيئة السمحة وتحت سقف هذا العالم المصلح والشيخ المربي، نشأ الشيخ محمد علي يحيى معمر، في بيت نفوسي متواضع، اتسم بالتدين والمحافظة والالتزام، صاح صوته يوم 5 أكتوبر عام 1949 م وبالتحديد في مدينة نالوت العريقة (1) ولد محمد؛ وهو يتنفس أنسام التأريخ والتراث والعزة والإباء، في سفح من سفوح جبل نفوسة الأشم، وعلى قمة نالوت العالية التي تجتمع فيها الفروقات، فتشكل هوية خاصة بالإنسان النفوسي، فإنْ أقبل إليها ضيف تسامى بأهلها وكرمها، فكانت مضربًا لمضافة الزوار والعابرين، وإنْ وطئتْ أقدام العِدى أرضها أظهرتْ لها الإقدام والبسالة، فكانت مقبرة للغزاة والطامعين، وقديمًا قيل "الموت ولا نالوت"، وكل هذه الصفات وغيرها صُقلت في المولود الجديد، فكان في شباب جيله أيقونة مختلفة عن الآخرين.
كان الوطن الليبي في ميلاد محمد "يخوض أحد أهم معاركه، بعد حرب المقاومة، كان الوطن برجاله وتنظيماته يصارع من أجل الاستقلال، وأثمرت تلك الجهود والنضالات في المحافل الدبلوماسية بحصول الوطن على حقه في السيادة والتحرر" (2) وكأنّه مكتوب لهذا المولود أنْ يعيش لحظات النضال في ميلاده ومماته لأجل وطن تفانت لأجله أرواح الأفذاذ الباسلين!
__________
(1) ثمة إشارات من باحثيين وكتّاب كثر يقولون إنه ولد في ضاحية تكويت إلا أنّ الصحيح في مدينة نالوت كما يقول شيخنا سليمان الشيباني، نقلا عن بعض مشايخ نالوت.
(2) الماقني، أحمد، العطاء، مقالة منشورة عن الشيخ محمد علي يحيى معمر في مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م، ص 5. (1/16)
صفحة 16
النشأة ومراحل طلب العلم الأولى
تدرج الشيخ محمد علي يحيى كغيره من شباب جيله في سُلّم الدراسة وتلقي العلم والمعرفة، بدءًا من كتاتيب الجبل، إذ تعلم القرآن الكريم وعلوم الدين والفقه على يدي والده ومشايخ وأستاذة في نالوت وجادو وقتذاك (1)، ثم درس المرحلة الابتدائيّة في مدينة جادو تبعًا لعمل والده في حينه، إذ كان مديرًا لمعهد الجيطالي بجادو، ثم أكمل فيها الإعداديّة أيضًا، ومن الجدير بالذكر ها هنا أنّ الشيخ علي يحيى معمر ــــ رحمه الله ــــ حرص حرصًا شديدًا في تنشئة ولده، وتكوينه على أساس علمي رصين، يقول في ذلك الأستاذ (أبو مهند): "حدثني "حمّادي (2) " عن أيام الطفولة والصبا، عندما كان والده يناقش معه شعر المعلقات وكتب التفسير والفقه وهو لم يزل صبيًا يلعب مع إخوته وأقرانه." (3) إذْ كان يعده ليكون قبسًا يُهتدى به، وركيزة يعتمد عليها، ومرجعًا يستند إليه في الملمات والحوائج، وكان الشيخ محمد ـــــ رحمه الله ـــــ كما أراد أنْ يكون لنفوسي وهب نفسه لله ومات في سبيله مجاهدًا بخلقه وقلمه وفكره وعقيدته!
"أتيح للصبي محمد منذ طفولته فرصًا كثيرة للتعرف على عوالم الحياة البسيطة الثريّة في الجبل، في شعابه ووديانه وقُرَاه، تعلم من تلك الحياة البسيطة الكفاح مع الصبر، والعطاء مع التحدي، والعصامية مع الإيثار، وهذه صفات ظلّت معه حتى ساعة وداعه لهذا العالم" (4) بهذه الكلمات وصف الأستاذ أحمد الماقنّي زميله الشيخ محمد؛ ويؤكد على تجذّر هذه الصفات فيه، التي انتهلها من مسقط رأسه نالوت، إذْ
__________
(1) أظن ظنًا أنّ الشيخ محمد قد بدأ دراسته في كتاتيب جادو لعمل والده الشيخ علي يحيى معمر هناك، إذ كان مديرًا لمعهد إسماعيل الجيطالي.
(2) يقصد به الشيخ محمد، إذ بهذا الاسم يعرف في طفولته بين زملائه وأصدقائه
(3) أبو مهند، حمادي رحيل الأخيار، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م، ص 12 ..
(4) الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م، ص 5. (1/17)
صفحة 17
كان شغوفًا بالوديان وسفوح الجبال، يهوى البراري والصيد والمغامرة، أكّد لي ذلك الأستاذ المهندس (خليفة سليمان) صديقه ورفيق دربه في الغربة، والعارف بأحواله أيام وجوده في نالوت والجبل وطرابلس (1)، وخير مثال على رسوخ هذه الركائز في الشيخ محمد حبه وشغفه بالوديان ومن يسكنها، ما كتبه في مقالته (على ضفاف وادي الثلث) (2) وهو من وديان نالوت الكبيرة، إضافة إلى كتابته بأسماء شخصيات من نالوت عُرفت ببساطتها وروحها المتواضعة، منها من لا يعرف القراءة ولا الكتابة، غير أنّها نالت فضل الصحبة مع الشيخ محمد فخلّد ذكراها في مقالاته وكتاباتها، منها (سالم نوح) و (مسعود يحمد) و (أحمد عسكر) وغيرها من شخصيات نالوت التي بقت محفورة في ذكراة الشيخ محمد حتى مماته، (3) كل هذه السجايا تلقفها الشيخ محمد في طفولته من الجبل الذي يتوّق إليه، على الرغم من فراق السنين وبُعد المسافات!
****
ثم انتقلَ بعد هاتين المرحلتين إلى مدينة غريان ليكمل تعليمه الثانوي، إذ لم يكن في جبل نفوسة حينئذ مدرسة للتعليم الثانوي إلا في أقصى الشرق من الجبل، في مدينة غريان، التي تبعد عن نالوت قرابة 240 كم. وكان أيضًا بمعيّة أهله ووالده الشيخ بعد انتقاله إلى هناك لظروف العمل في وزارة التربية والتعليم (4)، فكانتْ هذه المرحلة من أهم المراحل الشبابيّة التي صقلت الشاب محمد في سعيه ونشاطه بُغية
__________
(1) حوار أجريته مع المهندس خليفة سليمان 28 أكتوبر 2024 م.
(2) هو واد في نالوت يقع شمال غرب المدينة، يبعد عن نالوت 30 كيلو متر.
(3) ينظر في ذلك: الإمام، سالم، كاتب وأسماء، مقالة منشورة في مجلة الإنقاذ، كتبها الكاتب يرثي فيها الشيخ محمد علي يحيى معمر، في العدد 45، سنة 1995 م، ص 40.
(4) هناك من يشير بأن الشيخ محمد كان بمفرده في غريان، ولم يكن مع أسرته، غير أنّ الشيخ سليمان الشيباني والأستاذ علي العكرمي أكدا لي وجود الشهيد وأسرته في تلك المرحلة في غريان نظرًا لظروف العمل في وزارة التربية والتعليم. (1/18)
صفحة 18
طلب العلم والمعرفة، وكان في غاية المراد والطلب، إذْ كان شغوفًا بدروسه، مقبلًا على المعرفة، متأثرًا بأساتذته الذين صقلوا أفكاره وفتحوا أمامه أفق التفكير في همّ الدعوة والإصلاح والنهوض بالوطن، من بين هؤلاء الأعْلَام الأستاذ: عزمي عطية، فلسطيني الجنسيّة، فتعلّم على يده بعض علوم العربية وآدابها، حتى كانتْ أولى محاولاته الشعريّة في ثانوية غريان وهو ابن سبعة عشر ربيعًا، بقصيدة عنونها "أحلام غريب" (1) يقول في مطلعها:
تلك أغاني وأناشيد الطفولة *** غنيتها تحت أشجاري الظليلة
أعبث بالورد بالأزهار النبيلة *** والنور يرقص في أرجاء الخميلة (2)
وقد كان لوالده الشيخ علي يحيى معمر الأثر البالغ في تعليمه الشعر وقرضه، يقول الشيخ محمد رحمه الله في رسالة وجهها للبحاثة الدكتور عمرو النامي رحمة الله عليه: "قد شجعني الأستاذ ( .... ) على حفظ الشعر وقرضه، وإنّي لأجد في نفسي شيئا من ذلك، وقد حاولتُ مرات كثيرة فتتعطل عنّي الكلمات أحيانًا كثيرة، وتَجُود أحيانًا قليلة، كما أنّ والدي أَعْلَمَنِي أنَّ للشعر أوزانًا وعروضًا لا أستطيع قوله إلا إذا كان شعرا حديثًا ... " فلم يكن اهتمام الشيخ علي بفلذة كبده أنْ علمه الشريعة وعلومها، بل حتى الشعر وبحوره، ليكون رائدًا في الأدب ونقده (3).
وما يؤكد على أهميّة مرحلة "ثانوية غريان" في شخصية الشيخ محمد رحمه الله، كلمات رفيقه في الجامعة وصاحبه في السجن الأستاذ (علي العكرمي) فيقول: "التقى المرحوم "محمد علي معمر" في السنة الدراسية 1967/ 1968 م بثلة من الشباب
__________
(1) ينظر في ذلك: محمد علي يحيى معمر، مركز الشهيد أحمد حواس للدراسات: https://hajmarkiz.org/fp/
(2) ينظر مجلة الإنقاذ، عدد 45 ص 25.
(3) في ملحق هذا الكتاب صورة من رسالة الشيخ محمد للدكتور النامي، رحمهم الله أجمعين. (1/19)
صفحة 19
الليبي المتميز الذين سيترك بعضهم بصمته في تاريخ ليبيا من أمثال الشهيد "محمد مهذب حفاف" و"مسعود بالقاسم "وغيرهم من الذين انفتحوا على الفكر الإسلامي وبشكل محدد على فكر وثقافة "حزب التحرير" عن طريق أحد أساتذتهم وهو (عزمي عطية) فلسطيني الجنسية، وكان من الشخصيات الإسلاميّة العاملة التي تتقد حماسةً للأفكار التي تحملها، مع ثقافة عميقة، وتفان كبير، وقدرة فائقة على الإقناع والتجميع" (1) تعمدتُ توثيق هذه الجزئيات والوقوف عندها في هذه المرحلة؛ لأنها ستشكل فارقًا رئيسًا في حياته في قابلات الأعوام كما سيأتي بيان ذلك لاحقًا إنْ شاء الله تعالى.
__________
(1) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء السبت، 3 نوفمبر سنة 2024 م. (1/20)
صفحة 20
الشيخ محمد والمرحلة الجامعة
وما هي إلا سنوات وأكمل الشيخ محمد الثانويّة حتى استقر به المقام في العاصمة الليبيّة طرابلس لإكمال دراسته ومشواره الجامعي، فيخوض غمار تجربة جديدة في دهاليز المدينة، يقول زميله أحمد الماقنّي وهو يصف شعور "حمّادي" في المدينة: "ويترك حمّادي الجبل وعوالمه حينما تُغادر الأسرة مدينة نالوت (1) ليستقر به المقام في عاصمة الوطن طرابلس، ويُتاح لحمّادي التّعرف على أوساط المدينة كثيرة المجاهيل، بتعقيدات الحياة فيها، وتتاح له فرصة تنوع مصادر ثقافته الحياتيّة وإنْ ظل الجبل الجزء المهم في تكوينه؛ إلا أنَّ آفاق المدينة الكبيرة، وسرعة الحياة فيها قد شكّلتْ رافدًا مهمًا لرؤاه الفكريّة والإنسانيّة" (2) بهذه الروح أقبل الشيخ محمد إلى طرابلس فيلتحق بكلية التربية (3) بجامعة طرابلس، يقول زميله ورفيقه في السجن السياسي الأستاذ علي العكرمي إبان وجود الشيخ محمد في جامعة طرابلس: "التحق الأخ محمد "بكلية التربية في جامعة طرابلس، وكانتْ هناك معرفتي به، فكان مشرق الوجه، على علاقة متينة بالكتب، يستقبلك بابتسامة عريضة وديعة وحانية، لين العريكة، دمث الأخلاق، يمتاز بالجديّة التي تضفي على شخصه الكثير من الاحترام، يستملح الطرفة، يرويها ويضحك لها بدون أنْ يمس ذلك من وقاره، فهو باختصار من الذين يألفون ويؤلفون .. " (4).
__________
(1) كما يبدو من سيرة الشيخ علي وما تقدم ذكره من سيرة ابنه محمد أنه وأسرته كانوا في غريان، وقبلها في جادو، وأخيرًا استقر بهم المقام في طرابلس.
(2) الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 6.
(3) وجدت بعضهم يقول إنّه خريج كلية الآداب، إلا أنه بعد التأكد والتثبت اتضح خريج كلية التربية ــــ قسم اللغة العربية.
(4) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء السبت، 3 نوفمبر 2024 م. (1/21)
صفحة 21
أما عن حال البلاد فكريًّا وقتذاك كما يصف الأستاذ العكرمي: "كان للفكر القومي صداه في المجتمع بسبب تأثير شخصية عبد الناصر وإذاعة صوت العرب، وكانتْ البلاد تعجّ بالأفكار الأخرى التي تتدرج بين الفكر البعثي واليساري والإسلامي، وكانت المطابع تقذف كل صباح بأكثر من عشر صحف يوميّة في طرابلس وحدها، وكان هامش الحرية واسعًا خلال حكم النظام الملكي، فكانتْ الدور الثقافيّة منتشرة، بدءًا من المركز الثقافي المصري، وجمعيّة الفكر، ومنظمة أرباب العمل، ونادي الوحدة، ونادي الشباب العربي التقدمي، وكانت تُسهم بدور بارز في نشر الثقافة، وتجذير الوعي عبر ما يُلقى فيها من محاضرات. أما الجامعات فكانت تجتهد في استجلاب أحسن الأساتذة العرب وأكفأهم للتدريس فيها في مختلف المجالات، كانت ليبيا قِبلةً للكثير من العلماء والمفكرين من أمثال مالك بن نبي، محمد المبارك، وعمر بهاء الدين الأميري، والشيخ محمد الفاضل بن عاشور، والشيخ الحبيب المستاوي، والشيخ أحمد الشرباصي، والمؤرخ جورج طرابيشي وغيرهم كثير ولم تكن الجامعة بمعزل عن ذلك كله، حيث كانت تعج بالأفكار المختلفة " (1).
ويقول زميله الأستاذ أحمد الماقنّي: "وفي الجامعة كانت علاقته ومداركه وثقافته تتسع وتزداد، وكانت نشاطاته الثقافيّة والحركيّة والأدبيّة من خلال الندوات والأمسيات ومن خلال المناقشات التي تتم بين الزملاء بعضهم البعض وبينهم وبين الأساتذة من مختلف الكليات والتخصصات، والمشارب الفكرية والتوجهات السياسية، كل ذلك أعطاه سعة اطلاع وإدراك لمجريات الأمور، وتفهم لكل الأفكار والتيارات والاتجاهات السائدة التي تموج بها البلاد، خاصة في تلك المرحلة الخصبة في الجامعة" (2)
__________
(1) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء السبت، 3 نوفمبر 2024 م.
(2) الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 7. (1/22)
صفحة 22
وكل هذه الأحداث وغيرها هيّأت للشيخ محمد ــــ رحمه الله ــــ لقيادة وتصدر جملة من زملائه في جامعة طرابلس، إذْ كان له دور بارز في الدعوة ونشر تعاليم الدين الإسلامي وقيمه مع مجموعة من زملائه المثابرين في الجامعة وخارجها، وسعى جاهدًا إلى مناقشة بعض الأفكار اليسارية التي استشرت بين بعض الشباب الليبي وقتذاك، لا سيما ما يتعلق بالتفكير السياسي وأمواجه الغَرْبيّة التي انتشرت نتيجة دعوات غربية في المنطقة، فكان للشيخ محمد دوره في مخاطبة الشباب، وكان له قَبول وحضور عند الطلاب والأستاذة كما يصف ذلك الأستاذ علي العكرمي، وعلى هذا المنوال كان الشيخ محمد حتى تخرج في جامعة طرابلس ونال منها الليسانس في اللغة العربية عام 1972 م.
ومن هنا تبدأ الحياة العَمَلِيّة الجادّة للشيخ محمد، فبعد مسيرة من الجدّ والاجتهاد، والمثابرة والإقدام في العلم وثني الركب سامرًا على الكتب والمصنفات يُجازى هذا الأبيّ بالسجن في زنازين البطش والظلم، بتهمة الانتساب إلى حزب التحرير، والاشتغال بالكتب الصفراء وتهمة الثقافة وكأنّها بداية لهدم فكر طالما بناه محمد بأنامله، يعيش وإياه في عالم الحرية والإباء، في عالم يسوده العقل والمنطق والتفكير، عالم تتجلى فيه تجارب العلماء والفلاسفة والمفكرين، فكانت الصدمة الزجّ به ورفاقه في سجون الظلام بالحكم المؤبد دون وجود أسباب مقنعة! يصف الأستاذ علي العكرمي هذه المرحلة فيقول: "أعلن القذافي في خطاب زوارة سنة 1973 م عن الثورة الثقافية بنقاطها الخمس والتي أبرزها تجميد القوانين، وتطهير البلاد من المرضى ويعني بهم كل المثقفين من مختلف المدارس الفكرية والتوجهات السياسية، وطلب علانية من كل المنتمين لتنظيم الإخوان المسلمين، وحزب التحرير الإسلامي والشيوعيين وغيرهم أنْ يجهزوا حقائبهم؛ لأنّه أصدر أوامره لوزير الداخلية بوضعهم رهن الاعتقال في مختلف سجون البلاد. كما دعا (1/23)
صفحة 23
لمهاجمة المكتبات، وحرق الكتب الصفراء التي تعرقل تقدم المجتمع، فكان خطاب زوارة هو الخطاب المقصلة الذي آذن بتطاير رقاب المثقفين في البلاد" (1) وكان الشيخ محمد ضحية هذه الاعتقالات، ويصف ذلك الدكتور شكري السنكي فيقول: "اعتقل محمد علي يحيى معمر عقب خطاب القذافي في العام 1973 م بمدينة زوارة الساحلية الواقعة في غرب ليبيا، والمسمى بـ"خطاب زوارة" والذي سماه معمر القذافي بـ"الثورة الثقافية" وبقي في الاعتقال عدة سنوات قبل أنْ ينجح في الهروب" (2) وعلى الرغم من أنّ الخطاب أطلق عليه خطاب "ثورة ثقافية" إلا أنه كان وبالًا على الثقافة وأهلها وقتذاك، إذ زُجّ بطلبة الجامعات والمشايخ والأساتذة وجمهرة من الأكاديميين في السجن بتهمة الثقافة والعلم وطلبه والاشتغال به!
ومع هذا كله إلا أنّ عزيمة الشباب لم تفتر في شخص الشيخ محمد، فهمّة الجبال الشُّم رضعها محمد من لبان أمه، فأعدّ العدة، وجهز التدابير اللازمة للفرار، وما هي إلا فترة من الزمن قضاها في السجن وإذا به يطير كالباشق خارج أسواره، متمتعًا بحريته رغم سطوة العسس وحكم العسكر، فشقّ الشاب طريقه خارج حدود وطنه؛ مخالفًا هوى قلبه الذي يتلهّف لجلسات وادي الثلث وشعابه، وجبل نفوسة وسفوحه، تعصف به الذكريات نحو أيام قضاها مع الخلان والرفاق والأصدقاء، إلا أنّ قضاء الله غالب على أمره، يُغادره مكرهًا فارًا بدينه ووطنه، وفي نفسه بصيص أمل يراوده ويُمنّيه بالعودة والرجوع حتى أخذ الله أمانته.
__________
(1) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء السبت، 3 نوفمبر 2024 م.
(2) ينظر: السنكي، شكري محمد، ضمير وطن سيرة رجال واجهوا الاستبداد وقاوموه، مكتبة الكون -ط 1، سنة 2021 م، ص 230. (1/24)
صفحة 24
الشيخ محمد وأيام السجن
بعد أنْ قُبض على الشيخ محمد سنة 1973 م، وأودعته أيدي النظام في السجن، استمر معه التحقيق لأيام، ذاق فيه أشدّ صنوف التعذيب، لا سيما الأيام الأولى التي كان فيها في سجن "الحصان الأسود" بسبب انضمامه لحزب التحرير الإسلامي، ونشاطه مع مجموعة من رفاقه في نشر التعاليم الدينية، والفكر السياسي الإسلامي الذي ينادي به الحزب لأجل توعيه الشباب وفتح آفاقهم تجاه السياسة وما يدور في البلاد وقتذاك، إذ كانت صراعات قائمة بين الأفكار بصنوفها وأطيافها في المجتمع الشبابي في ليبيا لا سيما في الجامعات كجامعة طرابلس وبنغازي، وعلى الرغم من سجنه ووجوده داخل قضبان الحديد إلا أنه لا يزال يمارس حقه في المحاورة والاختلاط والتعرف على الأفكار والبحث فيها، يقول أحمد الماقني: "وفي السجن تعرّف [الشيخ محمد] على الكثير من الرموز الوطنية على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية وكان يحاور الجميع؛ فكوّن بذلك صورة أوضح عن الخارطة السياسية والفكرية في ليبيا .. " (1) من خلال هذه الفكرة نعرف ذلكم الخضم الذي عاشه الشيخ محمد في السجن، والأسباب التي أدت إلى وجوده هناك، إذْ المبررات ليست واضحة؛ اللهم إلا مغامرات الشباب في حب الاطلاع والتجربة، فما كان من الحكومة إلا أنْ تقمع هذا الشغف بالسجن والتعذيب، وكان بالإمكان احتواء أمثال هذه الأفكار وصقلها ومباحثتها مع علماء من البلاد وخارجها وكسب هؤلاء الشباب واحتوائهم، إلا أنّ لغة القمع والجلد كانت مقدمة على أي شيء فكان ضحية ذلك مجموعة من شباب ليبيا النجباء بين سجين وقتيل وطريد والله المستعان.
__________
(1) الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، العدد 45، ص 6. (1/25)
صفحة 25
سأقف وإياك أيها القارئ الكريم على بعض الروايات التي جمعتُها من زميل الشيخ محمد ورفيقه في السجن الأستاذ (على العكرمي)، إضافة إلى بعض ما وثقتُه من زوجته الأستاذة وفاء نشنوش عن أخباره ومرحلة وجوده في السجن حسبما أبلغها بذلك الشيخ محمد عليه رحمة الله.
يروي الأستاذ علي العكرمي عن بدايات جمع الشباب والمثقفين والنخب للسجن فيقول: "اعتمد النظام على القوائم الموجودة لدى إدارة المباحث العامة إبان النظام الملكي، وشملت القوائم كل من كان له نشاط سياسي، وكل من كتب مقالًا في الصحف، وشمل العديد من الإعلاميين، والطلبة الجامعيين، كما شمل ثلة من رجال الجبل الأشم من نالوت وكاباو وجادو، أذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر الشيخ "علي يحيي معمر" "علي المقدم " "أحمد مشكان" "علي الشاوش" "امحمد الصكاح "قام النظام بمسح عام لكل من له اهتمام بالشأن العام حتى يعرف حجم المعارضين للنظام الجديد. تعرض السجناء خلال الثلاثة أشهر الأولى لمعاملة قاسية من رجال الشرطة العسكريّة، بقصد قهر وإذلال السجناء، شملتْ الضرب والشتم والتعذيب، ولأول مرة يُحْلَقْ وَجْهُ الشيخ "علي يحيى معمر" منذ أنْ نبت الشعر فيه، وكذلك رأسه شأنه في ذلك شأن بقية السجناء، وكان معه في السجن ابنه محمد، لمّا رأه طأطأ رأسه خجلًا وكمدًا من هذا السلوك الذي مورس على والده ولا يستطيع فعل شيء! ببديهة وذكاء صافح الشيخ ابنه "محمد" وقال له انظر إلى أبيك لقد أصبح شاباً! " (1) بهذه الطريقة كُرّم الشيخ علي يحيى معمر جزاء خدمته للتربية والتعليم طوال تلك السنين، وبهذا الاحتفاء اُستقبل من قبل القائمين على الدولة بالسجن والضرب والتعذيب، والإهانة والإذلال، وما إنْ رأينا في تاريخه الحافل نجد
__________
(1) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء الأربعاء،6 نوفمبر 2024 م. (1/26)
صفحة 26
جرمه الوحيد أنه كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعلم طلبة العلم تعاليم الإسلام وشريعة الله في أرضه، وهذا ما لم ترق له أيادي التجهيل وحمل الناس على رأي واحد في ذلكم الوقت حتى كان منهم هذا السلوك!
يكمل الأستاذ علي العكرمي قائلًا: "استقر رأي النظام من خلال ذلك إلى أنّ القضايا التي لها شكل تنظيمي ويمكن أنْ يقدم أعضاءها للمحاكمة هي قضية "حزب التحرير" وقضية الإخوان المسلمين" وقضية "يساريي الجبل الأخضر". أما الموقوفون الآخرون فيحتاجون إلى " قرصة أذن" حتى لا يعيدوا الكرة، وتم الإفراج عنهم بعد ثمانية أشهر من الاعتقال، وكان أول المفرج عنهم الشيخ "علي يحيى معمر" ورفيق عمره الأخ العزيز "امحمد الصكاح" وما يبقى في الذاكرة هو الحوار الذي جرى بين المحقق "مفتاح سنان" والشيخ علي" عندما حاول اقناعه بأنه لا تضارب بين القومية والإسلام، فقال له يا بني: لقد قرأت في هذا الموضوع ما لا يحتاج إلى المزيد، وأنا على قناعة تامة بفكرتي ... " (1)
ويقول الأستاذ العكرمي أيضًا: "درسنا على يدي الشيخ علي يحيى معمر كتاب "أصول الفقه" لزكي الدين شعبان، وكان الشيخ في محبسه رغم هشاشة صحته ومعاناته من مرض الربو صابرًا محتسبًا مشتغلًا بالعلم، دائم البسمة، يتهلل وجهه عندما يلتقي ابنه محمد ماشيًا في الممر، وكان يحظى بحب وتقدير جميع السجناء، بعد الإفراجات الواسعة قرر النظام عرض السجناء المتبقين على غرفة الاتهام، هرع المحامون للدفاع عن المعتقلين، تطوع للدفاع عني مجانًا وعن الأخ "محمد معمر" المرحوم المحامي " منصور رشيد الكيخيا الذي كان قد استقال للتو من منصبه كوزير لخارجية ليبيا بسبب بعض ممارسات النظام ومن ضمنها الاعتقالات التي
__________
(1) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء الأربعاء،6 نوفمبر 2024 م. (1/27)
صفحة 27
حصلت بعد خطاب زوارة." (1) والملاحظ مما سبق اشتغال الشيخ علي يحيى معمر ــــ رحمه الله ـــ بالعلم ومدارسته حتى في أحلك الظروف، وهذا دأبه إلى أن توفاه الله تعالى، يروي الأستاذ "عيسى مزيدة" أنّ الشيخ علي في آخر أيامه كان على استعداد تام لتدريس الطلاب والجلوس إليهم، غير أنّ الظروف لم تسنح، ولم يبادر بعض الشباب لذلك، فتوفاه الله قبل تحقق ذلك (2).
تقول الأستاذة وفاء نشنوش حرم الشيخ محمد علي يحيى معمر: "كان في السجن حصص تعذيب يوميّة، وكان الشاب محمد يتلقى التعذيب عنه وعن والده، وبقيت آثار الضرب على ظهره حتى يوم مماته" (3)
ومن طريف القول ما حكاه لي الأستاذ علي جبريل، إذْ أخبره الشيخ محمد عن بعض أيامه في السجن، فيقول: "ومن طرائف الحكايات في السجن قصته [أي الشيخ فتحي] مع أحد العسكريين السجّانين الذي كان فضًا غليظًا مع الشيخ فتحي بدون سبب معروف، استطاع الشيخ فتحي بعد فترة أنْ يحصل على معلومات عن هذا السجّان، وعن مكان سكنه وعن أسرته، وعلم الشيخ فتحي أنّ له ابنًا وحيدًا في بداية
__________
(1) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء الأربعاء،6 نوفمبر 2024 م.
(2) ينظر مزيدة، عيسى سعيد، الكفاح العلمي عند الشيخ علي يحيى معمر، محاضرة ألقاها بتنظيم مؤسسة الاستقامة للقرآن وعلومه - نالوت، للمزيد:
https://www.youtube.com/watch?v=uwmqq_pcfj 8&ab_channel=%D 9%85%D 8%A 4%D 8%B 3%D 8%B 3%D 8%A 9%D 8%A 7%D 9%84%D 8%A 7%D 8%B 3%D 8%AA%D 9%82%D 8%A 7%D 9%85%D 8%A 9%D 9%84%D 9%84%D 9%82%D 8%B 1%D 8%A 2%D 9%86%D 9%88%D 8%B 9%D 9%84%D 9%88%D 9%85%D 9%87
(3) حوار أجريته مع الأستاذة وفاء نشنوش، كان مساء 5 نوفمبر 2024 م. (1/28)
صفحة 28
المرحلة الإعدادية، وفي أحد الأيام بينما كان السجّان يكيل الشتائم للسجناء ويرغي ويزبد، اقترب منه الشيخ فتحي وأسرّ له أنه يعرف اسم ابنه وفي أي مدرسة يدرس، صُعق السجّان من هذا الخبر، فقال له الشيخ فتحي إنّ ابنه لن يصيبه مكروه؛ ولكن إذا لم يتوقف عن هذه الممارسات بحق السجناء فإنّ حزب التحرير سوف يقوم بإقناع ابنه للانضمام إلى الحزب، انهار السجّان وأخذ في التوسل للشيخ ألّا يفعلوا ذلك، فهو يعلم مصير من يُقبض عليه بتهمة الانضمام إلى حزب التحرير في ليبيا، ووعد بعدم التعرض للشيخ ورفاقه" (1)
بعد الانتهاء من التحقيقات وصدور الحكم التعسّفي على المتهمين يقول في ذلك الأستاذ العكرمي: "أما القوانين التي تضمنتها لائحة الاتهام لتجريمنا فهي قانون تجريم الحزبية، وحماية الثورة، الذي ينص على الحكم بالإعدام على كل من ينضم لتنظيم سياسي محظور سواء كان رئيسًا أو مرؤوسًا، وسواء كان الفكر مكتوبًا أو غير مكتوب، وبعد مرافعات المحامين قرر القاضي المصري ـــــ رحمه الله ـــــ الإفراج عن جميع المعتقلين بسبب الاختلالات الشكلية في القضية، وأنّ المتهمين لم يعتقلوا عن طريق النيابة العامة والنائب العام، وإنّما بخطاب تم خلاله تجميد كل القوانين، وجُمّد القرار ورحل القاضي إلى بلاده. أحالونا بعدها إلى قاض آخر فأفرج عن ستة وثلاثين متهمًا من الدارسين من جملة ستين معتقلًا في قضية حزب التحرير، ثم أُفرج في جلسة أخرى عن ستة من المتهمين ليتقلص العدد إلى 18 من أعضاء حزب التحرير، أحيلت القضايا الأربع في فترة لاحقة إلى محكمة الجنايات برئاسة القاضي المرحوم
__________
(1) حوار كتابي أجريته مع الأستاذ علي فرج جبريل، بتاريخ 17 ديسمبر 2024 م. (1/29)
صفحة 29
"المختار هويسة" الذي أصدر قرارا بالإفراج عن جميع السجناء في القضايا الأربع المعروضة عليه، أُعدنا إلى السجن بعد أربع ساعات من الإفراج عنا واستثني من ذلك المتهمون في قضايا معينة، فعرض عليهم النظام الالتحاق بجمعية الدعوة الإسلاميّة إنْ كانوا يريدون حقًا خدمة الإسلام، فوافقوا على هذا العرض اجتهادًا منهم حتى يُجنّبوا أنفسهم سطوة وبطش النظام، اُستثني من ذلك الدكتور الشهيد "عمرو النامي" وأرسل إلى أمريكا للتدريس في إحدى جامعاتها؛ لأنّه في رأي النظام أنّ البلاد لا تسعه وتسع الدكتور في آن واحد، في سنة 1975 م رأى النظام أنْ ينقل سجناء القضايا الثلاث المتبقية إلى سجن الجديْدة، وهو سجن يقع وسط مزرعة في مبنى مريح وهو شبه مفتوح، كانت محاولة لترويض السجناء وخصوصًا شباب حزب التحرير الذين كانوا في صدام فكري عنيف ظهر ذلك من خلال التحقيقات أو أثناء وجبات التعذيب أو في جلسات المحاكم. أرسل النظام ثلاثة شيوخ للسجن لإلقاء بعض المحاضرات ودخلوا في حوارات معمقة مع السجناء؛ ولكنهم وصلوا إلى طريق مسدود خصوصاً مع شباب حزب التحرير ... ، عُرِضْنا بعد ذلك على محكمة الشعب برئاسة العميد "أحمد محمود "و"عبدالسلام بو قيلة" الذي كان ينتمي لما يسمى بالضباط الأحرار و"محمد المصراتي "الذي سيصبح فيما بعد وزيرًا للعدل والأمن العام و"حسن بن يونس "النائب العام "أصدرت المحكمة في حقنا أحكامًا بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا على جميع أعضاء حزب التحرير، غير أنّ أحكام محكمة الشعب حتى تكتسب شرعيتها تتطلب التصديق عليها من طرف مجلس قيادة الثورة، الذي يحق له الترفيع في الأحكام أو التخفيض فيها، ونحن (1/30)
صفحة 30
قابعون في سجن الجديدة تسرب إلينا خبر الترفيع في الأحكام وتغييرها إلى السجن المؤبد، وفي ليلة من ليالي شهر مارس راق لي وللأخ محمد علي معمر لعب أشواطٍ من تنس الطاولة، لاحظتُ أنّ الأخ محمد يرتدي (فانيلا) صوفية بالرقبة، ولم يكن الطقس داخل المبنى يتطلب ذلك، عزوت الأمر لخوفه من نوبة برد ربما تتسبب له في ضيق التنفس بسبب مرض (الربو) الذي كان يعاني منه. يبدو أنّ الأخ محمد كان قد حسم أمره، وقرر في تلك الليلة أنْ ينجو بجلده، وألّا يستسلم للواقع الجديد الذي يريد النظام أنْ يفرضه على ضحاياه، ويقبع بالتالي في السجن طيلة سنوات عمره المتبقية" (1)
يكمل الأستاذ العكرمي قائلًا: "بعدما أنهينا مباراة التنس توجه كل واحد منا إلى حجرته، كنا متجاورين في المسكن، وكان الأخ لطفي الحواسي يقتسم مع الأخ محمد الغرفة نفسها، وكانت الليلة ليلة جمعة، بعدما أدينا صلاة الفجر، دخل علينا الأخ لطفي الحجرة واستخرج ورقة من جيبه وطفق يقرأ: "لقد قررتُ الفرار من السجن، لا يمكن أنْ استسلم لهذا الواقع الذي يراد أنْ يُفرض علينا، لقد تم تغيير الأحكام إلى السجن المؤبد، اعتذر لكم إخوتي الأعزاء على ما سوف أسببه لكم من تضييقيات وما سيكون لذلك من تبعات، بإمكانكم إبلاغ الإدارة بخبر فراري عند العاشرة صباحًا، أكون وقتها قد مضى عليّ خمس ساعات، وأكون قد تدبرتُ أمري. هذا فحوى الرسالة التي تركها لنا رفيقنا "محمد علي معمر" دخلنا لحجرته فوجدناه قد صنع من أغطيته وملابسه جسم إنسان مسجى على فراشه وقد تدثر من رأسه إلى
__________
(1) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء الأربعاء،6 نوفمبر 2024 م. (1/31)
صفحة 31
قدميه بجرد صوفي كان يرتديه الأخ محمد في فصل الشتاء" (1) وهذه حكاية الشيخ محمد في سجون النظام، ويلي هذا حكاية فراره من السجن بتفاصيلها.
صورة للشيخ محمد علي يحيى معمر في شبابه
__________
(1) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء الأربعاء،6 نوفمبر 2024 م. (1/32)
صفحة 32
هروب الشيخ محمد معمر من السجن بين الواقع والأسطورة
أقف معك أيها القارئ الكريم وقفة طويلة حول قصة هروب الشيخ محمد من السجن، أسرد لك ما وقفتُ عليه من روايات وحكايات عن هروب الشيخ محمد من السجن، إذ كلها تصبّ في ذات المصب غير أنّ بعضها أدق من بعض، وأبدأ معك بالرواية التي ساقها الدكتور شكري السنكي في كتابه: (ضمير وطن سيرة رجال واجهوا الاستبداد وقاوموه) ونقلها عنه أيضا مركز الشهيد أحمد أحواس للدراسات على موقعه، وهي الأكثر انتشارًا بين الناس، واعتمد عليها بعض الباحثين.
تقول الرواية: "بعد سنة ونصف من الاعتقال، قُدِّم أعضاء حزب التحرير ومن ضمنهم محمد إلى محكمة الجنايات برئاسة القاضي المختار هويسة، فقرر القاضي الإفراج عنهم لعدم وجود الأدلة حول التهم المسنودة إليهم، وكان واضحًا أنّ هناك خلل في الجوانب الشكليّة في القضيّة، حيث إنّ الإجراءات التي تم بها الاعتقال كانت مخالفة للقانون الجنائي، وأنّ الاعتقال لم يكن بناء على قرار من النيابة العامة، وإنّ الاعتقالات كلها تمت بناء على خطاب القذافي في مدينة زوارة التي سميت فيما بعد مدينة النقاط الخمس، حيث إنّ خطاب زوارة المشؤوم شمل على خمس نقاط.
وبعد أربع ساعات من الإفراج عنهم أصدر القذافي أوامره لإعادة اعتقالهم ووضعهم في مكان يعرف بسجن (الحصان الأسود) الواقع في أحد الأحياء القريبة من وسط المدينة.
ولتخفيف التوتر الذي تزامن مع هذه الإجراءات التعسفية والمخالفة لأحكام المحكمة الجنائية قرر القذافي نقل سجناء حزب التحرير إلى سجن الجْدَيْدَة الواقع (1/33)
صفحة 33
خارج مدينة طرابلس، وتم وضعهم في قسم تتوافر فيه الشروط المعيشية (!!)، وبدأ نظام القذافي باستجلاب بعض المشايخ لمناقشة شباب حزب التحرير في أفكارهم.
وفي سنة 1977 م قرر القذافي عرض كل القضايا على محكمة الشعب التي بدورها أصدرت أحكامًا بالسجن على أعضاء حزب التحرير تراوحتْ بين خمس سنوات وخمسة عشر عامًا، وكان من نصيب محمد السجن لمدة 15 عامًا.
القذافي لم تعجبه الأحكام رغم قسوتها واعتبرها أحكامًا مخففة فقرر تغييرها كلها إلى “المؤبد“ عندها قرر محمد وضع خطة للهروب من السجن، وأسّر محمد رغبته لبعض أقاربه الذين زاروه في المعتقل، وبدأ في إعداد خطته للهروب، وكان لا بدّ عليه أنْ يسرع في تنفيذ خطته قبل أنْ يتم نقل السجناء إلى سجن الحصان الأسود الذي يصبح من الصعب تحقيق هدفه بالهروب من المعتقل. ذلك أنّ سجن الجديدة لم يكن من السجون التي تعتمد على أقصى درجات التأمين والحراسة (1).
بدأ خطته المحكمة بتعمده عدم حضور الجمع الصباحي بين الحين والآخر، بحجة النوم المتأخر، وكان في كل مرة يتعرض للعقاب بسبب هذا الغياب؛ ولكنه كان صابرًا ومحتسبًا لكي يحقق هدفه رغم قسوة العقوبة.
استطاع محمد أنْ يجعل الحراس يتعودون على غيابه بعض الأيام من الحضور للجمع الصباحي، حتى أنّ الحراس لم يعودوا يكترثون بذلك كثيرًا، رغم أنهم كانوا ينزلون العقوبة عليه بقسوة أشد في كل مرة يتأخر في النوم حسب اعتقادهم، وكان محمد يهدف بذلك أنْ يعطي لنفسه فسحة من الوقت عند إقدامه على الهرب من الابتعاد عن السجن قبل أنْ يكشف أمر هروبه.
__________
(1) يتبادر إلى أذهان البعض كيف يهرب والسجون محكمة فهذه الإشارة كفيلة بتصديق الأمر وعدم إثارة مبالغات في ذلك. (1/34)
صفحة 34
ثم بدأ محمد بممارسة بعض التدريبات الرياضية الشاقة في زنزانته ليكتسب اللياقة البدنية التي تمكنه من تسلق سور السجن العالي نسبيًا، بحيث يكون لديه بعض الوقت ليقطع فتحة في الأسلاك الشائكة كافية للخروج منها والقفز خارج السجن.
الأمر الأصعب هو الحصول على بعض الأدوات التي تمكنه من فتح بعض الأقفال المغلقة، فقام باستخدام مادة الصابون ومواد أخرى تحصّل عليها من زواره لصنع نسخة قريبة من تركيبة المفتاح الخاص بالباب الذي يفضي إلى الساحة الخارجية، والتي تفصل مبنى الزنازين عن السور الخارجي للسجن الذي يطل على شارع فرعي.
في الموعد المتفق عليه مع قريب له، وفي النصف الثاني من الليل، قام محمد بوضع ما يشبه الدمية على سريره وغطاه بـ “الجَرْد الليبي” الذي كان بحوزته، وذلك لكي يوهم الحراس الذين عادة ما يراقبون الزنازين عن بعد، بأنه لا يزال نائمًا في سريره.
وقبل خروجه من مبنى الزنازين، ترك رسالة مع لطفي الحواسي رفيقه في الزنزانة، وكان على علم بما كان يخطط له، طالبًا في تلك الرسالة من رفاقه تبليغ الحراس على عدم وجوده في زنزانته بعد خمس ساعات من تسلله خارج السجن.
وما أنْ تمكن محمد من فتح الباب بنسخة المفتاح الذي تحصل عليها من زواره، اتجه مباشرة إلى مبنى إدارة السجن، وتمكن من الوصول إلى سجل الزيارات، فمزق الصفحات التي تظهر أسماء أقاربه الذي كانوا يزورونه في الأشهر الستة التي سبقت هروبه، وذلك تحسبًا لأي طارئ إما بفشله في الخروج وبالتالي تعرضه للتحقيق والتعذيب، واحتمال كشفه للخطة التي كان يحاول الهرب بها بما فيها من الأشخاص الذين لهم علاقة بمحاولته الهرب، أو أنْ ينجح في محاولته، (1/35)
صفحة 35
وبالتالي سيكون من المتوقع أنْ يتم اعتقال كل زواره في الأشهُر الأخيرة والتحقيق معهم تحت التعذيب، وبالتالي بقاؤهم في المعتقل لسنوات بسبب تورطهم في عملية هروبه من السجن.
وبعد نزع الصفحات من سجل الزيارات بدأ في التحرك نحو سور السجن الخارجي وكانت ليلة مظلمة، فاستعان بحوض من الألمونيوم كان في الساحة ويستعمل في غسيل الملابس للتسلق إلى أعلى السور، وبدأ في قطع الأسلاك الشائكة فوق السور مستخدما آلة حادة سربت له من خارج السجن، فأحدث الفتحة التي تمكنه من اختراق الأسلاك الشائكة، وكان من الضروري أنْ يقوم بذلك دون أن يحدث أي أصوات تنبه الحراس إليه.
قفز من أعلى السور وهبط على الأرض خارج السور واقفًا وكان يلهث بسبب (الآزما) التي كان يعاني من ضيق التنفس بسببها، ولم ينتبه إلى أنه أصيب ببعض الرضوض بسبب صعوبة تسلقه وقفزه من أعلى السور.
وما أنْ تحرك نحو الطريق الساحلي حتى رأى أضواء سيارة قادمة نحوه ومتجهة نحو وسط المدينة، فأومأ بيده للسائق، الذي اقترب منه وأركبه معه، قائلًا له أنّ وجهته نحو سوق التلات (الثلاثاء) المعروف بأكبر سوق للخضار والفواكه في المدينة، فرد عليه محمد مبتسمًا بأنه أيضًا ذاهب إلى نفس الاتجاه.
ترجل محمد من السيارة شاكرًا السائق واتجه مباشرة نحو الطريق الرئيسي المؤدي للساحل الغربي لمدينة طرابلس نحو جنزور والزاوية، فتوقفت له سيارة أخرى متجهة للمكان الذي يريد، وما أن اقتربت السيارة من المنطقة التي تسكن بها عائلته، نزل من السيارة شاكرًا للسائق مساعدته، واتجه مباشرة نحو إحدى نوافذ الحجرة الخاصة بشقيقه حسن، وكان الوقت قد اقترب من موعد صلاة الفجر، فأيقظ أخاه بالطرق على النافذة. (1/36)
صفحة 36
خرج حسن من غرفته مسرعًا وفتح له الباب، ثم هما مباشرة بالخروج وركبا السيارة وانطلقا نحو الجبل الغربي (جبل نفوسة) وتحديدًا نحو مدينة نالوت التي تبعد نحو 275 كم من طرابلس، وما أنْ وصلا إلى أسفل الجبل حتى تركه شقيقه ورجع مسرعًا إلى بيته في طرابلس.
بدأ محمد في تسلقه الجبل على الطريق المعبد نحو نالوت، وبعد ساعات وصل بيت صديقه “عيسى علي المقدمي” في الساعة العاشرة تقريبا، وكان بيته في مدخل المدينة. وكانت المفاجأة لصديقه عيسى غير متوقعة، فاستقبله مرحبًا وعيناه ترقرق بالدموع، فطلب منه محمد أنْ يوصله إلى بيت الأخ “ساسي زكري”.
قام عيسى ومحمد بالتحرك مباشرة نحو بيت الأخ ساسي؛ ولكن لم يجداه في بيته وكان خارج المدينة وبالقرب من منطقة قبيلة “أولاد محمود“، فاتجها إلى تلك المنطقة وكان ساسي في انتظاره فاستقبلهما استقبالا حارا، وهنأ محمد على سلامته، فطلب منه محمد إخراجه مباشرة إلى تونس، وكان ساسي معروفا بخبرته بالدروب الصحراوية التي تعبر الحدود التونسية بطريقة سرية وهي دروب وعرة ولا يعرفها إلا القليل من الناس وأغلبهم يعملون في أعمال التهريب بين البلدين وفي الاتجاهين. فطلب ساسي من محمد أن يرتاح ويطمئن ولا يقلق بل يترك الأمر له، وأعطاه بندقية صيد تعرف محليا بـ “المقرون” وطلب منه أن يخرج للجبل ليروح عن نفسه، ويقوم بصيد نأكله.
وبعد أن تناول الغذاء والشاي، طلب ساسي من محمد أن يرتاح لبعض الوقت حيث يحتاج إلى الذهاب إلى نالوت التي تبعد عن المكان 60 كم. وكان الغرض من ذلك أن يطلب ساسي من أخيه أحمد القيام بمهمة إخراج محمد إلى الحدود التونسية، والعودة إلى نالوت بأقصى سرعة. (1/37)
صفحة 37
المنطقة التي بدأ منها محمد رحلته إلى الحدود التونسية تبعد عن 40 كم، وبعد ساعات من رحلة السيارة في المناطق الصحراوية والدروب أغلبها يمر في مناطق من الكثبان الرملية الصحراوية، وبعد أن اقتربت السيارة من المناطق الحدودية طلب أحمد من الأخ محمد أن يستكمل بقية المسافة سيرا على الأقدام حتى يصل إلى نقطة الدورية التونسية، فودعا بعض وعاد أحمد بسرعة إلى نالوت لكيلا يغيب طويلا خارج المدينة، وبعد ساعة من المشي فوق الرمال الصحراوية وصل محمد إلى نقطة الدورية التونسية، فقدّم نفسه لهم وشرح لهم وضعه بكل تفاصيله.
أما ما حصل في سجن الجديدة، فقد قام رفاق محمد في الزنزانة بالإبلاغ عن غيابه إلى إدارة السجن بعد صلاة المغرب، فأعطوه أكثر من 12 ساعة بدلًا من 5 ساعات، حتى يمكنوه من الوصول إلى أبعد نقطة من السجن.
بعدما علمتْ إدارة السجن بهروب محمد، سادت حالة من الهرج والمرج، وبدأت الاتصالات والتحقيقات والبحث عنه في غابة السجن وطوال الطريق إلى ضواحي مدينة طرابلس وتحديدًا في المنطقة التي كانت أسرة محمد تقطن بها، وأيضًا في مدينة نالوت مسقط رأسه ومدينة التي ينتمي إليها، وأفراد العائلة الأوسع، من الأعمام والأخوال والأصهار وأبناءهم، وهذا ما كان ساسي قد توقعه وبالتالي بقي هو في نالوت وكلّف أخاه بإيصال محمد إلى المنطقة القريبة من نقطة الدورية التونسية. بل أن الأخ ساسي قام بأكثر من ذلك حيث خرج إلى مركز نالوت التسويقي، في أبهى ملابسه ليراه الجميع ويؤكدون عدم مغادرته المدينة في أي وقت.
قامتْ إدارة السجن بتحقيقات مطولة وقاموا بمعاقبة جميع رفاق محمد في الزنزانة بكل قسوة، وربما طال العقاب غيرهم من أعضاء حزب التحرير، ثم نقلوا (1/38)
صفحة 38
جميعًا في اليوم التالي إلى سجن الحصان الأسود، كإجراء عقابي ضمن سلسلة الإجراءات العقابية الأخرى.
عندما وصلت قوات المباحث العامة إلى نالوت تم استدعاء الأخ ساسي زكري للتحقيق معه، وسُئل عن محمد وهروبه من السجن، فتظاهر بعدم معرفته، مؤكدا أنه كان موجودا طوال اليوم في السوق وسط الناس، ويبدوا أن المباحث تحققت من أقوال الأخ ساسي زكري من خلال التحقيق مع عدد كبير من العاملين في السوق، وبالتالي اتجهت أنظار ضباط الأمن للبحث عن محمد في منطقة الجفارة، إذ قد يكون لجأ إلى المهربين في المنطقة الساحلية فكانت الدورية قد ارسلت إلى تلك المنطقة للبحث عن محمد.
نعود إلى محمد في نقطة الدورية التونسية، وبعد الانتهاء من التحقيق مع محمد في وقت متأخر من النهار فتم الترتيب له بالإقامة تلك الليلة في نفس المكان، وفي الصباح الباكر نقل محمد من دورية إلى دورية حتى وصل إلى مقر الأجهزة الأمنية في العاصمة، وقامت مباحث الأمن التونسي بالتحقيق المفصّل مع محمد وبعد التأكد من أقواله قررت الدولة التونسية إخلاء سبيله على أن يبقى في تونس لفترة قصيرة ثم عليه أن يغادر تونس إلى حيث يريد، فقام محمد بالسفر إلى القاهرة بطريقة عادية" (1) انتهى.
__________
(1) ينظر في ذلك: السنكي، شكري محمد، ضمير وطن سيرة رجال واجهوا الاستبداد وقاوموه، ص 237. يقول الدكتور شكري إنه استقى أفكار هذه الواقعة من الأستاذين علي العكرمي وسالم قنان كما بين ذلك في الهامش، كما أنه أضاف إليها نصوصا من رواية (طريق جهنم) لأيمن العتوم، سيأتي بيانها لاحقًا. وللمزيد أيضا ينظر مركز الشهيد أحمد أحواس، مقالة بعنوان: محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني): https://hajmarkiz.org/2021/08/15/%d 9%85%d 8%ad%d 9%85%d 8%af-%d 8%b 9%d 9%84%d 9%8 a-%d 9%8 a%d 8%ad%d 9%8 a-%d 9%85%d 8%b 9%d 9%85%d 8%b 1 - %d 9%81%d 8%aa%d 8%ad%d 9%8 a-%d 8%a 7%d 9%84%d 8%a 8%d 8%a 7%d 8%b 1%d 9%88%d 9%86%d 9%8 a/ (1/39)
صفحة 39
صورة من كتابة الشيخ محمد على إحدى صخور الجبل كتب فيها: "فر من هنا محمد معمر"
وعلى الرغم من إشارة الدكتور السنكي في بداية حديثه عن واقعة الهروب أنّ فيها شيئًا من الأسطورة، يقول الدكتور السنكي: " وأثناء وجود محمد علي يحيى معمر في الخرطوم، كان يزورنا ويقضي معنا بعض الوقت يوميا، يحاورنا ويجيب عن أسئلتنا، ويفتح معنا بعض المواضيع للنقاش، لم نكن نعرفه بشكل شخصي أو سبق لنا الالتقاء به من قبل، ولا عرفناه حتى من خلال صورة شخصية أو صورة تجمعه مع آخرين، إلا أننا كنا نعرف قصة هروبه البطولية من السجن، والتي ترقى إلى مستوى الأسطورة .. " (1) إلا أنه ساقها بتفاصيلها وغدّاها بنصوص من رواية (طريق جهنم) للروائي الكبير أيمن العتوم.
وثمة رواية أخرى نُشرتْ قبل أيام قليلة أكثر دقة، وبها جملة من التفاصيل، كتبها
__________
(1) السنكي، شكري محمد، ضمير وطن سيرة رجال واجهوا الاستبداد وقاوموه، ص 230. (1/40)
صفحة 40
الأستاذ المهندس خليفة سليمان صاحب الشيخ محمد ورفيق دربه في نالوت وفي دار الغربة، تواصلتُ معه إبان كتابتي للبحث، وسألته عن هذه الواقعة، فأخبرني مشكورًا أنّه في سفر، وأنّ له مقالًا طويلًا يحفظ فيه شهادته هذه كما عرفها من بطلها الشيخ محمد علي يحيى معمر وسينشره عما قريب، وها أنا أنقل إليك أيها القارئ الكريم شهادته كما جاءتْ في مقاله بعينها ونصها، يقول المهندس خليفة سليمان: "من يتتبع قصص هروب سجناء العالم من زنازينهم يعلم يقينًا أن خرق قوانين السجون، وتدابيرها، وحصونها العتيدة، لا يتأتى إلا بعد جهد جهيد من أصحاب الهمة والترصد وبعد محاولات ومتابعات وتجارب عدة. كما أنَّ ذكاء السجناء في اختراقاتهم تظهر من خلال استغلال الوسائل المستخدمة في السجن من ورش وبعض الأعمال الحرفية وملاحظة الأعمال اليومية ودوريات وتحركات السجانين ومناوباتهم.
قصة هروب محمد علي يحيى معمر من قبضة السجن شيء، وفراره من بعد تخطيه لحواجز السجن شيء آخر. فرار محمد علي يحيى معمر منذ أن تخطى العقبة الأولى من السجن إلى أن وصل إلى حدود تونس تعتبر من القصص المؤثرة والمحيرة والتي لم توثق كاملة بعد. هذه محاولة بسيطة لتسليط بعض الضوء على مخاطرة الفرار من السجن، علّ وعسى أنْ تجد هذه المحاولة من يكمل ما نقص منها. حيث إنّ هنالك كثير من المخاطر والتفاصيل والمشاعر التي لم أتمكن من إظهارها.
جلستُ في حيرة من أين أبدأ قصتي هذه عن فرار محمد علي يحيى معمر (حمادي بتفخيم الحروف، هكذا كنا نناديه)، الذي كان يُعرف في البداية باسم حمادي نمعمر، ثم تحوّل اسمه إلى محمد نمعمر، وأخيراً كنَّى نفسه أوكُنّي بفتحي الباروني عندما كان في مصر، والاسم الأكثر شهرة وشيوعًا لدى الجميع أُضيفت كلمة الخال إلى فتحي ليصبح خالي فتحي. ومن المعلوم عند الليبيين أنّ كل من ينتمي إلى الأمازيغ يكنى بخالي؛ خالي فتحي، خالي يوسف، خالي سالم، وهكذا. (1/41)
صفحة 41
للأسف، لم يتم توثيق الجزء الثاني من قصة حمادي بعد خروجه من السجن من قبل؛ ولكن والحمد لله، قد وجدتُ ضالتي، وعزمتُ أنْ أكمل الطريق الذي بدأه الأستاذ علي العكرمي، الذي وثّق قصته في مقابلة تلفزيونية على قناة ليبيا الأحرار. وستبدأ قصتي من حيث انتهى الأستاذ علي العكرمي -حفظه الله - في برنامج (شاهد) مع رئيس الجمعيّة العموميّة للجمعية الليبيّة لسجناء الرأي، حيث ذكر قائلاً: "خرج محمد علي يحيى معمر من أسوار السجن، بعد أن صنع لنفسه مومياء في سريره، وخدع الحراس بالتظاهر بأنه نائم، مما جعلهم يعتقدون أنه لا يزال في زنزانته". وبذكائه ومتابعاته الفائقة لحركة السجن اليومية تمكن حمادي من تجاوز أمن السجن، والاستفادة من ثغراته الأمنية، وتسلّل خارج الجدار، وأصبح طليقًا حرًا.
على أية حال، خرج حمّادي من سجن الجديدة الصغير في مبناه، خرج متسترًا بظلمة الليل قبيل الفجر إلى السجن الكبير الواسع متخفيا وساربًا بالنهار، خرج إلى السجن الكبير الذي أحكم القذافي على شعبه قبضته الحديديّة، حيث فتح أبواب السجون ودهاليز المعتقلات ليلقي فيها خيرة شباب الوطن، وعلقت المشانق للمواطنين لأسباب واهية مصطنعة، ولم تترك ساحة من ساحات العلم والمعرفة والنشاط إلا وقد ديس عليها وزجّ أصحابها في زنازينه واستبيحت فيه الحريات. كانت تلك الأيام الدامية والمؤلمة عصيبة بما فيها من قهر وظلم وانتهاك لحرية الإنسان وكرامته.
فكرة الهروب من السجن والخروج من جحيمه كانت تراود كل سجين، غير أن حمادي قد بدأ ينسج خيوط تلك الفكرة ليجسدها إلى حقيقة. أعد حمادي العدة للتخلص من تلك الوطأة. لم ينسَ حمادي زملاءه في السجن وتلك العشرة وكيف (1/42)
صفحة 42
يخرج ويتركهم ومصيرهم بعد الهروب، ولم ينسَ أحوال عائلته وأقاربه وأصحابه بعد فراره؛ ولكن ما يحس بالنار إلا اللي عافس عليها. تيقن حمادي أنَّ الهروب من السجن هي الفكرة الوحيدة لإمكان نجاته، رغم مخاطرها، فإما الإعدام أو محاولة الهروب والنجاة، فالموت واحد وإن تعددت الأسباب.
من كان على مقربة من عائلة حمادي، يدرك كيف كان وضع عائلته ومدى تضررها في عهد القذافي، حيث لحقهم الأذى، وأصابهم الكرب جراء ملاحقة والده الشيخ علي يحيى معمر وأبنائه وزجّهم في السجن، والأدهى والأمر من ذلك ما كان جراء الضغط والإملاء على الشيخ لكتابة بعض المقالات التي يراد منها تمجيد نظام القذافي أو ما يوحي إلى ذلك. اضطر الشيخ علي رحمة الله عليه إلى كتابة مقالات اجتماعية ودينيه تمس حال الشعب الليبي وشأنه، في حين تقوم زبانية القذافي بتغيير المحتوى عبر صياغة بعض الجمل والفقرات لتوافق أهواء أصحاب المقولات الثورية. كُتبت المقالات وتم تغيير ما يريدون ولكن بفضل الله ومجهودات الخيريين المصلحين وعلى رأسهم الدكتور عمرو خليفة النامي رحمه الله، فقد طمست المحاولة ولم تر تلك الكتابات النور.
في ليلة من ليالي الخريف ... أبلغ حمادي زملاءه في السجن عن طريق واحد منهم أوصاه بأنْ يقرأ عليهم ورقة خطها بيده، حيث أعلمهم بضرورة محاولة الخلاص من هذه المحنة، والهروب من تلك الزنازين، وأنه مستعد للتضحية في سبيل ما آمن به، على ألا يبلغوا عنه الحرس إلا بعد خمس ساعات من وقت هروبه كما أوردها الأستاذ علي العكرمي (شاهد الحلقة 9) (1)
__________
(1) قد وثقتُ الرسالة كاملة كما جاءت في محاورتي للأستاذ العكرمي، وهي في مبحث (الشيخ محمد وأيام السجن). (1/43)
صفحة 43
لا يعلم بحال حمادي حين خروجه من السجن إلا الله، وبإرادة من الله خرج يتخطى الحواجز والأسوار بأسلاكها الشائكة يتحدى المخاطر الأمنيّة، وقد نجح في اجتياز العقبة الأولى والصعبة في المخطط بجدارة. خرج متخفيًا بين الغسق والفلق، لم يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، جاء توا إلى بيت قريب من السجن والذي كانت تسكنه في الماضي أخته سعاد الكائن في باب بن غشير، قبل أن ينتقلا إلى بيت آخر لا يبعد كثيرًا عن هذا البيت. حمادي يعلم أنّ أخته سعاد قد سافرتْ إلى مصر. خرج حمادي قبيل أذان الفجر، ومما لا شك فيه أنّ حمادي قد وضع جميع احتمالات الوصول إلى أقرب نقطة متخفيًّا تحت ظلمة الليل، ليصل بعدها إلى النقطة التي تليها، بغية الوصول إلى المأمن الأول في القلعة الصامدة نالوت. تعدى حمادي العقبة الأولى وأصبح خارج السجن، قدر حمادي خمس ساعات للوصول إلى نالوت، وقد كانت تلك الساعات الخمس كافية لوصوله إلى ضواحي مدينة نالوت. في تقديري أنّ حساباته للساعات الخمس كانت كالتالي: الساعة الأولى كافية للوصول إلى منطقة الحي الإسلامي في طرابلس ولو كان ذلك مشيًا على الأقدام، أما الساعات الأربعة الأخرى فسوف تكون كافية للوصول إلى مكان الأمان قريبًا من مدينة نالوت.
لجأ حمادي إلى أقرب مكان له وهو البيت الكائن في باب بن غشير. البيت الذي استأجره أحد أقربائه والذي تجمعه صلة القرابة وأواصر الصداقة، يبدو لي أنّ حمادي كان يعلم بساكن البيت، وأنه سوف يقوم بواجب التوصيل، ويعلم أنه يعمل في مجال التدريس، وأنّ من يقوم بهذا العمل سوف يكون متواجدًا طيلة أيام الدراسة، وإنْ لم يجده فالخيار الثاني أنْ يلجأ مشيا إلى بيت أخته وهو ثاني أقرب بيت من بيت (1/44)
صفحة 44
باب بن غشير عسى أنْ يجد أحد الأقارب ليوصله إلى مقربة من منطقة الحي الإسلامي بطرابلس.
كان صاحبه المقيم في بيت باب بن غشير يعلم أنّ حمادي قابع في السجن، وقد قام بزيارته لعدة مرات.
طرق حمادي الباب وإذا بصاحب البيت ينظر من عين الباب السحرية ليرى بأم عينه حمادي خارج البيت، وهنا بدا الغثيان لساكن البيت وزوجته، يحكي لنا أنه أصبح في دوامة هل يفتح الباب أم يتغاضى عنه كلية، وبدأ يجول ويصول في البيت، وينظر من الثقب مرة بعد مرة ويحدث زوجته ما العمل؟ ما الذي حدث؟ هل أُطلق سراح المساجين؟ لم يمكث كثيرا حتى تغلب على مخاوفه وفتح الباب.
نعود إلى حكاية زوجته والتي كانت في حيرة من أمرها تنظر إلى زوجها ولا تدري ما تقول، تركت القرار والأمر لزوجها، تقول تذكرت تلك الأيام العصيبة، لا أدري كيف مرت تلك الأيام، لقد أصبت بإسهال مزمن لمدة أسبوع تقريبًا. أما عن زوجها فقد قال لم أستطع الحركة ذلك اليوم وأصبحت كالمشلول، لم أخرج ولم أذهب إلى العمل، مكثنا في البيت لا كلام ولا سلام، كل في دار ولا أدري ماذا كنا نأكل أو نشرب حتى انسلخت تلك الأيام العصيبة بعد هدوء عاصفة الأمن الداخلي وتحرياتهم.
حمادي في مهمة عاجلة:
فُتح الباب ودخل حمادي على وجه السرعة وأغلقا الباب، تعانقا على وجه السرعة، وأفرغ حمادي ما بجعبته من أخبار هروبه من السجن، وطلب من صاحبه توصيله إلى مقربة من الحي الإسلامي الكائن في غوط الشعال بطرابلس. دخل حمادي إلى الغرفة ومعه وريقات وضعها جانبا على الكرسي وهو ينتظر متنفسًا (1/45)
صفحة 45
الصعداء. يقول ساكن البيت فهمتُ ما يريده حمادي واستأذنته لتغيير ملابسي وانطلقنا إلى منطقة الحي الإسلامي، وبوجه السرعة وصلنا إلى المنطقة ونزل حمادي ومشى على قدميه ليصل إلى مأواه الثاني.
يقول صاحبنا عندما رجعت إلى البيت دخلت المربوعة وأنا في حيرة من أمري مضطربًا، ثم نظرت إلى المكان الذي وضع حمادي بعضا من أوراقه فإذا هي موجودة فوق المندار (الفراش المتنقل من دار لدار بالليبي يسمى مندار)، فأخذتها وذهبت بها على وجه السرعة إلى أحد إخوانه ليوصلها إلى حمادي.
في البيت القريب من الحي الإسلامي، سُمعت طرقات الباب، وعلى الفور فُتح الباب، وكأنهما على موعد، ولم يكونا على موعد؛ ولكن دقت ساعة العون دون تردد، يقول ساكن البيت: دخل حمادي على التو مسرعًا، وبعد السلام والتحية رأيت في عينيه ما يريد، فلم أتردد، وقلت له دعني أهيء عدة السفر، ثم انطلقنا.
يقول انطلقنا من طرابلس جنوبًا عن طريق السواني-العزيزية إلى سهل الجفارة بمحاداة السلسلة الجبلية التي تمتد من غريان إلى نالوت، ثم بئر الغنم، بئر عياد، قصر الحاج، شكشوك، بدر، الجوش، تيجي، الرويس، ثم مفرق طريق تكوت، إلى أنْ وصلنا إلى منطقة القابل بالقرب من مدينة نالوت بحوالي 12 - 14 كم. ساعتان ونصف ونحن نسابق الريح دون توقف، ولم ينبس أحدنا ببنت شفة، والحمد لله لم يتعرض لنا في الطريق عارض. يقول: كلما دخلنا مدينة من مدن سهل الجفارة من بعد مفرق العزيزية وضع حمادي شيئًا على رأسه ليخفي بعض ملامح وجهه، حتى وصلنا إلى سهل القابل، حيث يقع هذا السهل عند سفح جبل تتنقوشت (الشيء المدبب)، هذا الجبل يأتي بعد مفرق الطريق المؤدي إلى تكوت، والذي يحجب واجهة مدينة نالوت؛ طريقها الجبلي (الشريوني أو الشليوني) والمدينة القديمة وقصرها المشيد. (1/46)
صفحة 46
عند اقترابنا من منطقة القابل، وصار مفرق التكوت والغزايا خلفنا، أشار عليّ محمد بيده أنْ خفّف السرعة، فقد اقتربنا من الطريق الفرعي المؤدي إلي تزاويت، محمد يدرك المنطقة جيدًا ويعلم مخابئها، ويخبر الطريق الفرعي الذي يؤدي إلى أملاك عائلته في اتزاويت والقابل، سلكنا الطريق الترابي الصخري ثم اتجهنا إلى القابل، إلى النقطة القريبة من الجبل (تتنقوشت)، ويعتبر هذا الجبل من تفرعات سلسلة جبل نفوسة غربا إلى مقربة من الحدود التونسية. تنقسم منطقة القابل إلى منطقتين؛ سفلى، وأخرى عليا. المنطقة السفلى تقع على مقربة من الجبل تعرف بالقابل السفلي، أما المنطقة العليا والتي تحتضنها امتداد سلسلة جبل تتنقوشت تسمى بالخنقت أو القابل العلوي. كان الوداع الأخير بيننا في القابل السفلي.
كان الوداع والعناق الأخير بيني وبينه والذي كانت تخالجني فيه الرهبة وينازعني فيه الغموض والحيرة والخوف من المجهول، المجهول الذي سوف يلاحقنا جميعًا. لم أكن أدري ما مصير الواحد منا بعد ذاك اللقاء الذي بعده لم نلتق وجهًا لوجه. نبهني محمد أنّ الوقت يداهمنا فسلمت عليه سلامًا حارًا وودعته بالدعاء والحفظ. لا زلتُ أرقبه من مرآة السيارة وهو يمشي بخطى حثيثة كأنه يعلم مقصده، فارقني وأنا أدعو الله له بالصبر والثبات والحفظ. ركبتُ السيارة وعدتُ من حيث أتيت دون توقف، وقبل أن أصل إلى البيت انتبهت إلى مؤشر عداد بنزين السيارة وإذا به يشير إلى الانتهاء، حمدتُ الله سبحانه وتيقنت أنه هو الله المدبر لرحلتنا هذه وهو المدبر لرحلة الفارّ من ظلمات السجن والسجانين.
الرحلة الشاقة بالأقدام (رحلة اختراق الحواجز الجبلية) الرحلة التي بدأت بعد ذلك الوداع تبدأ من لحظة تخطيه منطقة القابل السفلى المنبسطة، إلى المنطقة العليا المسماة بالخنقت، ثم الصعود إلى أعالي إحدى أدرع السلسلة الجبلية الممتدة من (1/47)
صفحة 47
جبل تتنقوشت، وتسمى هذه المنطقة تماسخت، ثم النزول منها، ثم قطع الوادي والسهل الذي يمتد إلى قرب قدم الجبل الذي يحتضن مدينة نالوت القديمة، الرحلة قد تستغرق ساعات متواصلة. واصل حمادي سيره إلى الخنقت، وبقي هناك ليلة على أقل التقدير، وهو يتحين الفرصة لتخطي عقبة صعود الجبل والنزول منه، هنالك قصة تشير إلى أنّ حمادي مكث على الأقل ليلة في الخنقت: يقول أحدهم حدث في ذلك اليوم أنّ مجموعة من الشباب كانوا قد خرجوا في نزهة إلى القابل العلوي، ومكثوا هناك حتى ساعات متأخرة من الليل، (من المعروف عند الليبيين في نزهاتهم أنهم يتأخرون حتى أول الليل أو منتصفه لينتهي اللقاء بوجبة دسمة من المبكبكة يلتفون حولها)، وكان في المكان مبنى حجري يسمى تقسبت أو تقصبت، هذا المبنى عادة ما يكون بناؤه بالحجارة ويقع في أعالي المرتفعات أو الهضاب، حدث أنّ اثنين من المجموعة قبل عودتهم من رحلتهم تذكروا أنهم نسوا شيئا ما بالقرب من مبنى تقسبت، وحينما رجعا واقتربا من المكان قالوا إنهما رأيا شخصا طويل القامة كهيئة رجل أبيض الثياب معمم، تصادف ذلك اليوم مع وجود حمادي في المنطقة.
تكبد حمادي المشاق في رحلته من القابل العلوي إلى مدينة نالوت، حيث اجتاز العقبة الأولى: وهي تخطي الحاجز الجبلي الذي يحيط بالمنطقة صعودًا ثم نزولا، ثم عبوره بعد ذلك لأخاديد الوادي الذي يقع بين تلك الحواجز الجبلية والجبل الذي تقع عليه مدينة نالوت، ثم صعوده الجبل ووصوله إلى مدينة نالوت القديمة المسماة بالرحبة، وتقع مدينة نالوت القديمة على قمة الجبل. وهي عبارة عن مساكن محاطة بأسوار وأغلبية تلك المساكن فيها أجزاء محفورة في الأرض تسمى أُرجان. هناك التقى حمادي مع بعض أصحابه الذين قاموا بمساعدته في الخروج إلى تونس، وهنا ينتهي هذا الفصل من هذه القصة المثيرة على أمل اللقاء بكم في فصل آخر في (1/48)
صفحة 48
المستقبل إن كان في العمر بقية .. " (1) انتهى. هذه هي الرواية كاملة ساقها المهندس خليفة سليمان، وهي كما يظهر لي أكثر دقة وتفصيلًا من الرواية الأولى.
إضافة إلى هاتين الروايتين فإنّ الأديب الكبير أيمن العتوم كتب أجزاء من هذه الرواية عن السجون في ليبيا بشهادة الأستاذ علي العكرمي، يقول أيمن العتوم في روايته (طريق جنهم): "فعل محمد شيئا مدهشا آخر، تسلل قبل أن يهرب إلى إدارة السجن، وصل إلى سجل الزيارات، مزق الصفحات التي تظهر أقاربه الذين زاروه آخر ستة أشهر، كان لا يريد لأحد منهم أن يُعتقل ولا أن يجره إلى الاعتراف بالخطة" (2) ويقول في نص آخر: "مشى متذرعا بنوم الحراس، ومتخفيا في ظلمة الهزيع الأخير من الليل، ببلوزته الصوفية السوداء، حتى وصل إلى جدار السجن، تمكن من تسلق الجدار وقطع الأسلاك الشائكة الملتفة كشجر السدر فوق السور، أحدث فتحة تتسع لجسده، مر بحذر وببطء، حتى لا يمس جسده أي شيء، كان يلهث تعبا ولهفة وخوفا وفرحا، مزيج من المشاعر المتضاربة يجعل اللهاث بطعم الكحول، كاد أن يتسبب له هذا اللهاث بالغيبوبة، فقد كان يعاني من ضيق التنفس إلا أن وقت الفجر ساعده بهوائه النقي على ألا يسقط، استعاد توازنه، قفز من السور العالي إلى الخارج، وأصيب ببعض الرضوض" (3)
وبعد الوقوف على هذه الروايات تواصلتُ مع الأستاذة وفاة نشنوش زوجة الشيخ محمد علي يحيى معمر، وسألتها عن تفاصيل دقيقة عن أحداث هروبه، فأكدتْ حقيقة جل التفاصيل الموجودة في الروايتين، وأضافتْ أنّ الشيخ محمد يعد
__________
(1) سليمان، خليفة، عبر صفحته على الفيس بوك، للمزيد ينظر: https://www.facebook.com/share/p/19 LT 2 MvW 5 R/.
(2) العتوم، أيمن، طريق جنهم، ص 250.
(3) العتوم، أيمن، طريق جنهم. ص 249. (1/49)
صفحة 49
العدة منذ فترة وليست وليدة لحظتها، إذ كان على تواصل مع أحد أقربائه وهو الذي خشي عليه المتابعة من قبل النظام لذا سارع إلى تمزيق سجل الزيارات فور خروجه، وكانت مساعدته أنْ نسخ له المفتاح الذي أعطى له صورة منه الشيخ محمد في قالب من الصابون (الأخضر)، وفي أثناء انتظار مجيء النسخة كان يحاول قطع الأسلاك الشائكة ويتدرب على الخروج من سور السجن، والجدير بالذكر أنّ سجن الجديدة كان فيه شيء من الفسحة والترفيه وليس كغيره من السجون، فكما يقول الأستاذ علي العكرمي هو عبارة عن فيلا وفيها مرافقها من حديقة وساحة، وفيها حراسة ورقابة من قبل الأمن.
فأُجريت عدة محاولات حتى نجح الصانع من نسخ المفتاح، وهي التي فتح بها الشيخ محمد الباب واستطاع الخروج من السجن بعد تمزيق سجل الزيارات الكائن عند مدخل السجن، وباقي التفاصيل قريبة جدًا مما ذكرت في الروايات المذكورة سابقًا.
صورة للشيخ محمد علي يحيى معمر في القاهرة (1/50)
صفحة 50
الشيخ محمد في القاهرة
بعد وصول الشيخ محمد إلى تونس وإجراء التحقيقات معه، بقي في السجن أيامًا في ذمة التحقيق حتى تعرّفتْ السلطات التونسيّة على شخصه وحقيقة قصته، أُطلق سراحه على أنْ يُغادر تونس في القريب العاجل؛ فطلب من السلطات التونسية تُسلّمة إلى جمهورية مصر العربية، وكان له ذلك، إذْ سافر بنية اللجوء في مصر دونما وثائق رسمية اللهم بعض الأوراق التي سُلّمت له من قبل السلطات التونسية، وفور وصوله مصر، سجن أيامًا أيضًا في ذمة التحقيق حتى تأكدت السلطات من شخصه، وقد استدعى بعض الشخصيات المصرية التي تتلمذ على يديها في جامعة طرابلس، فشهدتْ له، وعلى ضوء ذلك أطلق سراح الشيخ محمد وبقى مقيمًا في مصر إلى أن تزوج سنة 1983 م (1).
بعد أنْ حطّتْ به الرحال في عاصمة الثقافة والعلوم، القاهرة المحروسة، قصد بداية زوج أخته الدكتور الهادي علي الخمايسي مع أخته سعاد (2)، إذْ كان يحضّر الدكتوراة في مصر، وكانت إقامتهم هناك، بقي معهم أسابيع وخشية الملاحقات الأمنية الليبيّة التي تتابع المعارضين للنظام في الخارج، فاضطّر للانتقال إلى صديق والده الشيخ العلامة الدكتور محمد أحمد نشنوش الذي فتح له أبواب شقته ليقيم عنده ضيفًا كريمًا، وطالب علم وفيًا، إذ كان بيت الشيخ نشوش قبلة الطلاب ومضافة
__________
(1) حوار أجريته مع الأستاذة وفاء نشنوش زوجة الشيخ محمد معمر، وكان ذلك مساء الثلاثاء 5 نوفمبر 2024 م.
(2) حوار أجريته مع الأستاذة وفاء نشنوش زوجة الشيخ محمد معمر، وكان ذلك مساء الثلاثاء 5 نوفمبر 2024 م. (1/51)
صفحة 51
الزوّار وملاذ الشباب الليبيين المغتربين في القاهرة، يحكي لي أستاذنا حسين محمود التركي نفعنا الله بعلمه " إنّ بيت الشيخ نشوش لم يخل يومًا من ضيف أو زائر أو طالب علم، كان محل اجتماع الليبيين وتلاقي الأصدقاء المخلصين، في ذلكم المجلس العامر تعرفنا على مجموعة لا بأس بها من الخيّرين من ليبيا الأبيّة، وعلى رأسهم (خالي فتحي الباروني) - عليه رحمة الله -، إذ كان لقاؤنا الأول به في بيت الشيخ نشنوش ومجلسه العامر" (1) ويردف قائلًا "إنّ الشيخ [فتحي] كان محط أنظار الشباب في تلكم الفترة؛ لأنه كان شيخًا وعالمًا مع المشايخ الكبار، وشابًا فتيًا مع الشباب، حتى مع الأطفال كان مرحًا ومحبوبًا، إضافة إلى شخصيته القيادية والكتومة في آن واحد" (2).
بعد مكوثه في بيت الشيخ نشنوش بضعة أشهر انتقل للإقامة في شقة تقع في منطقة السبع عمارات بمصر الجديدة. وهي شقة كان استأجرها الشيخ الصادق الغرياني - مفتي ليبيا حاليًا- عندما كان يدرس بالأزهر، فأقام فيها بعد ذلك مجموعة من شباب (الغراينة) الذين حضروا إلى القاهرة للدراسة، وكان في تلك الفترة يقيم في الشقة محمد الأمين الغرياني، والطاهر محمد الغرياني، وأقام معهم الشيخ فتحي لفترة، إذ كانت (الشقة مستأجرة بنظام خلو الرجل .. وهو نظام كان ساريا في مصر، يتم دفع مبلغ مقدمًا ثم يدفع إيجارًا شهريًّا بسيطًا وتبقى الشقة تحت تصرف صاحبها يستعملها ويورثها أيضًا، ولكن لا يستطيع بيعها) (3) ثم استأجر الشيخ فتحي شقة في شارع عثمان بن عفان بميدان تريومف بمصر الجديدة، وبقي فيها حتى تزوج في سبتمبر 1983 م.
__________
(1) حوار أجريته مع الأستاذ حسين محمود التركي يوم السبت تاريخ 2 نوفمبر 2024 م.
(2) حوار أجريته مع الأستاذ حسين محمود التركي، مصدر سابق.
(3) حوار كتابي أجريته مع الأستاذ حسين محمود التركي، يوم 6 نوفمبر 2024 م. (1/52)
صفحة 52
التحق الشيخ محمد إبان وجوده في مصر بكلية دار العلوم ليكمل دراساته العليا، حتى أنْ وصل إلى مرحلة إعداد البحث؛ إلا أنّ أشغاله والأحمال التي عليه لم تتح له فرصة الاستمرار ومواصلة الدراسة نتيجة الأعمال والأعباء التي كانت عنده. كما تعرّف في مصر على جملة من الشخصيات الليبية التي كان لها الدور البارز في جبهة الإنقاذ، منها يوسف خربيش، وحسين التركي، ويوسف بولحباس، وعلي أبو زعكوك، ومحمد المقريف، وغيرها الكثير من الأسماء اللامعة في سماء السياسة والعلم.
في 15 يناير من عام 1980 م توفي العالم الشيخ علي يحيى معمر عليه رحمة الله، والد الشيخ محمد، ولم يستطع أحد ممّن وصل إليه الخبر أنْ يبلغ (الشيخ فتحي) كما كان معروفًا بينهم، لتعلّقه بوالده تعلقًا شديدًا، ساقت أقدار الله وألطافه الشيخ فتحي إلى وسط البلد في مصر بسيارته، وإذا بشخص سوداني يستوقفه يسأل عن مكتبة "وهبة" وهي التي كان الشيخ علي ينشر فيها كتبه، فحاول الشيخ محمد أنْ يُرشد الأخ السوداني إلى مكان المكتبة فَصَعُبَ عليه فَهْمَ الموقع، فطلب منه أنْ يركب معه ليوصله إليها، وأثناء الطريق أرشد الشيخ محمد السوداني أنّ في القاهرة مكتبات كبيرة وكثيرة لربما تجد طلبك في مكتبات أخرى؟ فقال الأخ السوداني: إنّه يخصّ في طلبه مكتبة وهبة؛ لأنّه يريد اقتناء كتب الشيخ علي يحيى معمر، فالسوداني أكاديمي محاضر في إحدى الجامعات الليبيّة، وسمع عن شخصية الرجل وعلمه وأراد أن يطالع شيئا من كُتْبِ الشيخ علي رحمه الله، وأردف قائلًا إنّه لم يشهد في حياته جنازة مثل جنازة هذا الشيخ عندما كان في العاصمة الليبية طرابلس، سمع منه الشيخ محمد الخبر، لم يخبره أنه ولده ولم يظهر له الحزن أو الكمد، إنما بقي محتسبًا متماسكًا حتى أوصل الأستاذ إلى المكتبة، وعاد راجعًا لشقته وهو في حسرة على وفاة والده الشيخ علي رحمه الله، وكأن رسالة من الله خصّته بهذه المكرمة حتى يعرف خبر الوفاة ويتلقاه بالصبر والاحتساب. (1/53)
صفحة 53
ومن أقدار الله تعالى أيضًا وألطافه أني كنتُ أتصفّحُ كتاب (النمير حكايات وروايات) للأستاذ محمد السيفي، وإذا بي أقف على رواية محكية على لسان الشيخ محمد معمر يقول الشيخ محمد السيفي: "حكي الشاب المجاهد محمد ابن العلامة علي يحيى معمر عن نفسه قال: كنتُ في ضائقة مالية شديدة حتى أني لم أجد قوت يوم من الطعام والشراب، وفي يوم من الأيام، وأنا بتلك الحالة الصعبة في أحد شوارع القاهرة بمصر في الحي الذي أسكن فيه، وكنت متخفيا باسم "فتحي الباروني" جاء إليّ رجل لا أعرفه عليه سمات الطيبة، وكأنه يجول للبحث عن مفقود، فقلت له عمن تبحث؟ فقال: أبحث عن شخص يسمى محمد علي يحيى معمر، وكأنه على دراية بالمكان أو أنّ أحدهم دله على ذلك، وكان في الأمر مباحثات وتصفيات وكل أحد يخشى آنذاك أنْ يجهر باسمه، فقلتُ له أنا أدلّك عليه، فأخذته الشقة التي أسكن فيها، فجاريته وداريته، ثم استوضحتُ منه عن قصده، فقال الرجل: هذا الشاب أعرف أباه الشيخ عليًّا، وأنا أريد أنْ أعطيه هدية ألفي دولار، إكراماً لأبيه، فلما سمعت قوله اغرورقتْ عيناي بالدموع، وتذكرتُ قوله تعالى: ? ? ? ?? (1) فلأجل أبي حصل لي تكريم هذا الرجل" (2) وهذا من لطفه ورحمته سبحانه وتعالى أنْ يسر له من يقدم له يد العون وهو في تلكم الديار ولا يعلم بحاله إلا الله تعالى.
في ذات المرحلة التحق الشيخ محمد بجبهة الإنقاذ وكان أحد مؤسسيها المؤثرين، وشغل فيها عدة مناصب منها نائب رئيس، ورئيس تحرير لمجلة الجبهة، إضافة إلى كتابته فيها وتقديمه مجموعة من الحلقات الإذاعيّة.
كما أنه في ذات المرحلة أيضًا اقترن بزوجته الأستاذة "وفاء نشنوش" ابنة الفقيه
__________
(1) سورة الكهف، آية 82.
(2) السيفي، محمد بن عبد الله، النمير حكايات وروايات، مكتبة غاية المراد – سلطنة عمان، ط 1، سنة 2016 م، ص 243. (1/54)
صفحة 54
العالم محمد نشنوش في تاريخ 1. سبتمبر. 1983 م، وهو ذات التاريخ اليوم والشهر الذي انقلب فيه النظام على الحكم الملكي في ليبيا، فصار بعض أصدقائه يمازحه أنه اختار هذا اليوم المجيد ذكرى لزواجه، فأجابه الشيخ محمد أنّه يوم من أيام الله، وهو ليس ملكًا لمعمر ولا لغيره، ولا يمكن أنْ ينزع أحد منه هذا اليوم الذي اختاره ليكون ذكرى لزواجه السعيد، وفي هذا تفاؤل ميمون من الشيخ محمد تجاه تعامله مع التاريخ والقضية التي يؤمن بها بكل وعي وإدراك.
فكانتْ له الأستاذة وفاء نعم الصاحبة الصابرة، إذْ عاشتْ معه بقيّة حياته إلى مماته، فرأتْ فيه صفات المؤمن الصابر، والشاب الوطني الغيور، والمناضل المجاهد، والشاعر المبدع صاحب الحس المرهف والمشاعر الفياضة، وكان لها نعم المحب المخلص، والزوج الحاني، ولأولادها أبًا حنونًا على قصر أيامه معهم (1) حتى كان مسك الختام أنْ وهب حياته سبيلًا لنجاة فلذة كبده!
الشيخ محمد مع شيخه وصهره الشيخ العالم محمد نشنوش (1930 م-2011 م)
__________
(1) من صفحة الأستاذة وفاء نشنوش على الفيس بوك، رابط المنشور: https://www.facebook.com/share/p/18 a 3 xqTyLv/ (1/55)
صفحة 55
ومما يجدر الإشارة إليه هنا أنّ الشيخ محمد علي يحيى معمر بعد زواجه بأيام خرج من مصر مسافرًا لعدة دول لأجل مهمات يقوم بها ويتطلبها عمله في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وكانت هذه الأسفار لمجموعة من الدول منها السودان وتشاد والمغرب وبريطانيا وأمريكا والعراق وغيرها من البلدان، وفي تلك الفترة رزق الشيخ محمد مولوده الأول (خالد) سنة 1984 م، ومن تلك الفترة لم يستقر للشيخ محمد المقام في مصر، إنما يجيء إليها زائرًا لصهره الشيخ نشنوش ومن معه من أهله هناك، فيبقى لأيام ثم يعاود الكرة مرة أخرى للسفر ومشاقه (1).
__________
(1) حوار أجريته مع الأستاذة وفاء نشنوش، مساء الثلاثاء 5 نوفمبر 2024 م (1/56)
صفحة 56
الشيخ محمد معمر في أمريكا
بعد هذه الرحلة الشاقة التي غامرها الشيخ محمد، استقر به المقام في أمريكيا، تحديدًا في ولاية كنتاكي، كانت الزيارة الأولى في أواخر 1983 م، لترتيب إجراءات الإقامة والاستقرار، وفي سنة 1984 م وسنة 1985 م، كانت سنوات حرجة جدًا على الجبهة والأعمال التي قامتْ بها، فكان كثير الأسفار بين مجموعة من الدول منها السودان وتشاد والعراق ومصر والمغرب وبريطانيا وغيرها من الدول، فكما تقول زوجته الأستاذة وفاء نشنوش: " كان كثير الأشغال ولا يكاد يهدأ في مكان، نتيجة ضغوطات العمل ومتطلباته، وكان لزامًا عليه أن يكون حاضرًا في مجموعة من المواقع التي فيها التجمعات الشبابية الليبية؛ لأنه من المؤسسين وله قدرة على إطلاع الآخرين على آلية سير العمل، إلا أنه في عام 1986 م استقر بنا المقام في ولاية كنتاكي؛ لأنه كان يشغل رئيس تحرير مجلة الإنقاذ ومتابعتها وما ينشر فيها ... " (1).
فنزل هو وزوجته وأولاده في شقة صغيرة وبقي فيها إلى أن أخذ الله أمانته، وعلى ضيقها إلا أنّ بركتها وسعت جملة من الليبيين القاصدين للشيخ محمد، كأصهاره وبعض أصدقائه، وثلة من الزائرين له من شتى ولايات أمريكيا وقتذاك.
__________
(1) حوار أجريته مع الأستاذة وفاء نشنوش، مساء السبت 30 نوفمبر سنة 2024 م. (1/57)
صفحة 57
أبناء الشيخ محمد معمر، خالد ولباب ويحيى.
رُزِقَ الشيخ فتحي ثلاثة أولاد، يحيى وخالد ولباب، وعلى الرغم من قصر الأيام التي قضاها مع أولئك الأشبال إلا أنه كان لهم نعم الأب الحاني، والصديق الوفي، عوضهم في صباهم عن العلاقات الاجتماعيّة التي فقدوها، والثقافة الليبية التي حرموا منها، سعى جاهدًا لتربيتهم على الخلق الإسلامي القويم وكأنّهم في بلدهم ولم يخرجوا منه، كان يتصرف أمامهم وكأنهم كبار، ويتعمّد القيام ببعض التصرفات أمامهم كي يتخذوه قدوة ودليلًا، من ذلك ما قالته لي الأستاذة وفاء نشنوش في إحدى الحوارات: "أنه كان يتعمد مساعدتي في أعمال البيت أمام الأبناء على بساطتها، فأقول له اترك الأمر وأنا من سيكمل ذلك، فيقول لي لا بدّ أن نربي أولادنا بالأفعال قبل الأقوال، عليهم أنْ يروا أني آخذ معك جزءًا من أعباء البيت حتى يصنعوا ذلك مع زوجاتهم بعد أنْ يكبروا إن شاء الله، حتى تنالنا دعوة خير ويقولوا رحم الله من (1/58)
صفحة 58
رباه ... " (1) فمنْ يقرأ أبعاد هذه الخاطرة يدرك ما فيها من معاني عميقة، وتوجيهات سامية، إذْ جمع فيها الشيخ محمد ـــــ رحمه الله ـــــ العلاقة الصحيحة للأسرة المسلمة، والبُعد الاجتماعي الذي ينبغي أنْ يكون بين الزوجين، أضف إلى ذلك أنّه أشار إشارة واضحة إلى القيم الدينية التي سيجنيها من خلال هذه الثمار التي يغرسها في أبنائه سلّمهم الله. بهذا الأسلوب عاش الشيخ محمد مع أولاده وأهله وعلى هذا المنهج فارقهم وتركهم، إذ لم يعرفوا منه إلا محاسن الأخلاق ورقي التعامل.
الشيخ محمد مع ابنه يحيى.
__________
(1) حوار أجريته مع الأستاذة وفاء نشنوش، 30 نوفبر 2024 م. (1/59)
صفحة 59
وفاة الشيخ محمد علي يحيى معمر
في صبيحة يوم الأربعاء 6 يوليو 1994 م، سافر الشيخ محمد علي يحيى معمر وعائلته من مدينة ليكسيغتون بولاية كنتاكي إلى مدينة بنما سيتي بولاية فلوريدا بصحبة عائلات ليبية لقضاء بعض الأيام من إجازتهم هناك، وكان في انتظارهم أحد الليبيين وعائلته؛ الذي كان من هواة البحر ومرتاديه؛ لذا كان يقضي إجازة طويلة في ولاية فلوريدا، ويلتحق به بعض أصدقائه من الليبيين لقضاء بعض الوقت معهم، وصل الرفاق وباتوا ليلتهم تلك في البيت الذي استأجروه، وفي اليوم التالي ذهبوا جميعهم إلى البحر، الأولاد للسباحة واللعب، والكبار للاستجمام والمرح، وهم على تلك الحال على شاطئ (بنما) حتى صاح أحدهم أن يحيى ابتعد وجرفه الموج إلى داخل البحر، فسارع الشيخ محمد ـــــ رحمة الله عليه ـــــ لإنقاذه فاجتهد في إخراجه، جرفه إلى الداخل، وكان الشيخ محمد مبتلى بمرض (الربو - الآزما) وهو ما سبب له ضيقًا في التنفس، وعلى الرغم من أنّ الموج لم يكن هائجًا بتلك الصورة المميتة، ولم يكن المكان عميقًا حتى يخشى منه الغرق، إلا إنّ أقدار الله ساقت الشيخ محمد إلى مكان موته ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? (1) اجتهد الإخوة الذين معه والذين كان مصيفين على الشاطئ لإخراجه وإنقاذه، وجاءت أيضًا سيارة الإسعاف وأحيل إلى المستوصف القريب من الشاطئ، إلا أن الشيخ محمد كان مفارقًا للحياة! كان ذلك 28 محرم 1415 هجري، 7 يوليو 1994 م.
__________
(1) سورة لقمان، آية 34. (1/60)
صفحة 60
يقول أيمن العتوم موثقًا هذه الحادثة في روايته (طريق جهنم): " كان أحد أولاده يسبح في أحد الشواطئ في ولاية (فلوريدا) على الخليج المكسيكي، أثناء نزهة مع العائلة، كان يصرخ وهو يخابط يديه في الماء، قفز إليه لينقذه، غالب الماء حتى وصل إليه، حمله معه عائدًا؛ لكن ضيق التنفس المزمن مع لهاثه وسرعته في محاولة إنقاذ ابنه عجلّت به نجا ابنه من الغرق، أما هو فمات. كان ذلك في صيف العام 1994 م" (1)
كان يومًا عصيبًا والصدمة ثقيلة على كل من كان معه ومن وصل إليهم نبأ الوفاة، لا سيما زوجته الأستاذة وفاء التي فُجِعَت بهذه الصدمة، إذ كانت متأثرة بسبب فقدها لزوجها الشيخ محمد، لارتباطها القوي به، ولما وجدته فيه من دماثة الخلق وحسن المعشر ولين الجانب، ولا تزال بتلك الدرجة من التأثر على الرغم من مرور ثلاثين
__________
(1) العتوم، أيمن، طريق جنهم. ص 250. (1/61)
صفحة 61
عامًا، فعظم الأثر بعظم الفقد والمفقود، ولم تكن هي وحدها من تأثرت بذلكم الأثر بل جمهرة من زملائه وأصدقائه في العمل، أجْريتُ مع بعضهم حوارات صوتية ومرئية، رأيتُ الدمعة في أعينهم، وسمعتُ العبرة في أصواتهم، بكاء المتحسر المتوجع على عَلَمٍ من أعلام ليبيا العظام، يقول الأستاذ الطاهر الجعيدي: " بفقدنا للشيخ فتحي فقدنا جزءًا من الوطن" ويقول أيضا: " كان أمة في رجل" ويقول: " لو فتّشت ليبيا بأكملها فلن تجد أمثال الشيخ فتحي إلا قلة قليلة؛ لأنّ أمثال هؤلاء عملة نادرة لا تقدر بثمن .. " (1) أضف إلى ذلك فإني وقفتُ على جملة من النصوص والخواطر التي خطّها العارفون بالشيخ محمد، يرثونه فيها ويذكرون مناقبه، وعبّروا عن ألمهم وحزنهم الشديد بهذا الفقد العظيم الذي أصابهم وأصاب الوطن. من تلك النصوص ما قاله أبو طه: " كان رحمه الله مجاهدًا رابط الجأش، ذا عزم، شديدًا في مواقفه عزيزًا في نفسه، كريما في خلقه، حصيفًا في رأيه وقورًا أينما حل، وفير الاحترام قليل الكلام، شاءت إرادة الله تعالى أنْ يلقى ربه في ديار الهجرة؛ لينضمّ إلى صفوف الشهداء من عائلته ومن أبناء وطنه وملته، نتضرع إلى البارئ جلت قدرته أن يتقبله قبولا حسنا وأن يبارك له في حسناته ويتجاوز عن سيئاته ... " (2) بهذه السجايا والشمائل وصف أبو طه الشيخ محمد ــــ رحمه الله ــــ إذْ بها عرفه أصحابه وعليها فارقهم، فكانت خير مكرمة أن يموت المرء على مبادئه ودينه ووطنه.
يقول الأستاذ علي الرز: " يمضي محمد علي يحيى، وعزاؤنا فيه أنه انضم إلى صور نقية في هذا العالم المليء بالزيف والفساد، صور أشقائه التي طالما تمتم وهو يرقرق الدمع فوقها، يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيمًا، وعزاؤه في رفاقه أنهم
__________
(1) حوار أجريته مع الأستاذ الطاهر الجعيدي 18 نوفمبر 2024 م.
(2) أبو طه، أبو يحيى كما عرفته، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 45. (1/62)
صفحة 62
سيكملون المشوار، وفاء له وللأرض التي منّى النفس برؤيتها في حدودها النقية. وعهدًا على أن يشاهد أولاده جدتهم أم السعد قريبا وألا يفرط الليبيون في وكر الكرم والزيتون" (1).
ويقول الدكتور محمود دخيل في رثائه للشيخ محمد ــــــــ رحمه الله ــــــ: "البطل الجسور الذي أراد نفسه شهيدًا فداء ليبيا، فأراده الله شهيدًا فداء فلذة كبده" (2). إلى غيرها من النصوص التي بكت الشيخ محمد وذكرت فيه سجاياه وخصاله السمحة، فكانت نعم السجايا ونعم الخصال.
جثمان الشيخ محمد رحمه الله يوم السبت 9/ يوليو/ 1994 م.
__________
(1) الرز، علي، سيرى أولادك جدتهم أم السعد، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 43.
(2) دخيل، محمود محمد، محمد علي يحيى معمر، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 43. (1/63)
صفحة 63
الفصل الثاني:
لمحات من سمات الشيخ محمد معمر الشخصية والفكرية
سمات الشيخ محمد علي يحيى معمر الشخصية والقيادية
من خلال ما وقفنا عنده من لمحات حياتيّة من سيرة الشيخ محمد علي يحيى معمر، وما تجلى من شخصيته، يمكن القول إنّ سمات شخصيته بدأت تتفتّح لنا شيئًا فشيئًا، والتي باتت ظاهرة المعالم جلية الخصائص، تخبر عن أبعادها الفكريّة والثقافيّة، من خلال جملة ما نقلناه من تلك الحوارات والنقولات، وهذا يفتح لنا أفقًا جديدًا للغوص في كُنه شخصية الشيخ محمد، والبحث عن المغمور فيها من حيث التوجه والتفكير، والتكوّن العلمي والملكات الأدبية والمهارات الحياتيّة التي كانت عنده حاضرة ولم توثّق إلا في جزيئات يسيرة من المقالات والخواطر التي تناولت سيرة الشيخ محمد أو قبسات من حياته، فيمكن لنا أنْ نقرأ شخصيته وأبعادها النفسية، وأدواتها البحثية، إضافة إلى منهجها في الحياة، لا سيما مع النضال والحراك السياسي والفكريّ، حتى ترتسم لدينا صورة متكاملة للشيخ محمد ولمحات من حياته وفكره. (1/64)
صفحة 64
أولًا: السمات الشخصية
اتّسم الشيخ محمد علي يحيى معمر بمجموعة من السمات الخلقية والأدبيّة والتربويّة والتي يمكن أنْ يستشفها القارئ المتمعن في شخص الشيخ وروحه، إذ تنبئ عن سلوكه الذي تربى عليه، وأدبه الذي حُسّن به، وتربيته التي نشأ عليها في صباه وشبابه، ويمكن القول بعد الاطلاع على سيرته ودراستها إنّ أبرز السمات الشخصية الواضحة الجلية تتمثل في أربعة أمور هي: الصبر والصدق والتواضع والشجاعة، إضافة إلى سمات أخرى تدخل ضمنا تحت هذه السمات، فمن ذلك على سبيل المثال ما قاله الأستاذ أبو طه وهو يسرد خصال وشمائل الشيخ محمد عليه رحمة الله فيقول عنه: "كان [الشيخ محمد] بين جلسائه هادئ الطبع، دمث الخلق، شديد الحياء، عفّ اللسان، يبادر محدثه في غالب الأحيان بابتسامة هادئة، تعبر عن نفس خيرة، فيتجلى الخير في أعماق أعماقها، نفس يغمرها الإيمان، تواقة للإحسان، ووجه يكسوه الخشوع، وتبدو عليه الطمأنينة، تحكي تعابيره خلجات نفس مسبوغة بسكينة الصالحين" (1) وماذا عسانا أن نقول بعد هذه الأوصاف التي خطها من عاشره وعاش معه! إذْ من خلال جملة من الحوارات التي عقدتُها مع أصدقائه وزملائه ومعارفه يحكون هذه السمات بعضهم يجمل وبعضهم يفصّل، لذا توجب الوقوف على هذا المبحث ومدارسته وتحليله مع القارئ الكريم، حتى نقف فيه على أظهر هذه السمات الأربع، والتعرّف أكثر على حياة الشيخ محمد رحمه الله، ومجموعة من النصوص التي وثقتْ شيئًا من ذلك حتى حفظت لنا هذه السمات فكانت لنا مصدرًا مرجعًا.
__________
(1) أبو طه، أبو يحيى كما عرفته، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 45. (1/65)
صفحة 65
1 - الصبر:
من السمات التي عُرفتْ في شخصية الشيخ محمد " الصبر" ورباطة الجأش، حتى أصبح مثالًا للتجلّد والتحمل والاحتساب لله، ومن يعرف حقيقة الصبر ويذوق حلاوته، ستتجلى له آثاره وتتكشف له منافعه، إذ يعدّ الصبر زادًا للروح، ودفئًا للقلب، لا سيما إنْ كان عامرًا بالإيمان، إذ عليه ترسو الابتلاءات، وعنده تقف الآلام والملمّات، وهذا ما وجدناه في الشيخ محمد، يستعين بالصبر في كافة شؤونه، بدءا من نفسه التي ربّاها عليه، إضافة إلى "فنّ" التجلد الذي يضرب به المثل كما يقول الصحب والخلان، إذ منه تعلموا الثبات والصمود والعزة والإباء، والحكمة والدهاء وحسن التصرف والنجاح، فما كان لكل ذلك أن يصير بعد توفيق الله إلا بملازمة الصبر وجعله عقيدة في مشواره في عالم الدنيا، يقول عنه زميله في هيئة تحرير مجلة الإنقاذ الطاهر الجعيدي: "الشيخ فتحي جبل من الصبر .. " (1) ويتجلى هذا الوصف في المحن التي اُمتُحن فيها، فكان نعم المؤمن المحتسب والمتوكل المفوض أمره لله، فكما جاء في السنة "إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنّ الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط" (2) وهذا ما كان في الشيخ محمد، إذْ امتحن بالسجن والتعذيب والضرب فكان صابرًا محتسبًا، كما امتحن بمرض مزمن وصار عنده ضيق في التنفس فكان صابرًا محتسبًا، كما أنّه امتحن في أهله ووطنه وأرضه، بأنْ هاجر بدينه وعقيدته تاركًا خلفه الأهل والخلان فكان صابرًا محتسبًا، وتعاقبت عليه الامتحانات بفقد والده، وأخويه خالد ويحيى، وسجن بعض أهله، وهو في كل هذا يتجلد بالصبر ويحتسب عند الله الأجر والثواب، وهذا بشهادة من عرفه وكتب عنه.
__________
(1) حوار أجريته مع الأستاذ طاهر الجعيدي صباح الإثنين 18 نوفمبر 2024 م.
(2) أخرجه الترمذي، تح: شاكر، أحمد محمد، ط 2، سنة 1975 م، ج 4، ص 601 (1/66)
صفحة 66
وفي هذا جملة ممن كتب عنه، يقول الأستاذ إبراهيم صهد موثقًا ذلك: " لا أحد حاول الهروب [من السجن] من قبل، وَحْدَهُ [الشيخ محمد] كان يعد العدة للخروج من هذا السجن، رغم أنوف الطغاة، الأدوات بسيطة؛ لكن إعدادها تطلب عزمًا وصبرًا وأناة" (1) كما يقول صهد في موضع آخر: "يوم السادس والثامن من مايو 1984 م من الأيام المشهودة في مسيرة الجبهة، وفي تاريخ النضال الوطني، ومع توارد الأخبار وتتالي التقارير، اختلطت المشاعر وثارت النفوس، مشاعر الحزن لفقدان الرجال، خالد ويحيى كانا من الشهداء، كيف لي أن أتبادل معه التعازي، فقدان الرفاق مؤلم وقاسٍ ومر، أكثر منه قسوة فقدان الإخوة والأشقاء، حادثته هاتفيًّا، وجدته صابرًا جلدًا، واساني أكثر مما واسيته، وعزاني أكثر مما عزيته، ولم يزد أنْ ألح في التوصية بالإكثار من تلاوة قوله تعالى ? ? ? ? ? ? ? ? (2) وهذه صورة من صور الصبر في حياة الشيخ محمد رحمة الله عليه.
__________
(1) صهد، إبراهيم عبد العزيز، وقفة وداع، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 9.
(2) صهد، إبراهيم عبد العزيز، وقفة وداع، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 10. (1/67)
صفحة 67
من اليمين حسين التركي، الطاهر الجعيدي والشيخ محمد علي يحيى معمر؛ والواقف الأستاذ سالم السعيطي.
كما يقول الأستاذ خالد خليفة: "وكان إعجابي وتقديري وإكباري لفتحي قد بَلَغَ مَدَاه فِي أَعْقَاب معركة باب العزيزية المجيدة في مايو 1984 م، والتي سقط فيها شهيدًا أخواه خالد ويحيى، واعتقل فيها عدد من أفراد أسرته وباقي أخوته الأحباء، وكان أحدهم يافعًا لم يبلغ من العمر 18 سنة، وكنتُ أتخيل أنّ هذه المصائب التي حلت بالأسرة سوف تدك إرادة الصمود لدى فتحي؛ ولكنّي كنت واهمًا، فلقد وجدت فتحي صابرًا محتسبًا قويًا، لم تزده هذه المحنة إلا صلابة وعزما وتصميما على (1/68)
صفحة 68
مواصلة الكفاح" (1) بهذه الدهشة كتب خالد خليفة عن الشيخ محمد وصبره وعزيمته وإصراره تجاه ما أصابه من بلاء، الذي قابله بالصبر والإصرار في مشواره الذي بدأه.
ومما يشار إليه ما قاله المقدم الركن: عبدالله الشيخي وهو يخاطب الشيخ فتحي [محمد] بعد وفاته والصدمة التي صعقت كثير من أصدقائه وزملائه: "رحلتَ قبل أنْ تكملَ المشوار الذي بدأتَه، منذ سنوات عبر سلسلة من المتاعب والمخاطر والتضحيات، وعبر عطاء مستمر في صمت وتواضع عبر صبر لا ينفذ وعزيمة لا تلين" (2) وهذه نماذج فقط مما نقل عن الشيخ محمد وصبره، وإلا إن أطلقتُ للقلم عنانه لضمّنتُ عشرات الصفحات في الشهادات التي أسوقها للقارئ الكريم من صحب وأصدقاء الشيخ محمد، ومن المواقف والمشاهد والذكريات التي خلّفها وراءه ذلكم الرجل العظيم.
2 - الصدق:
من السمات المتأصّلة في شخصية الشيخ محمد ـــــ رحمه الله ــــــ الصدق، وهذه سمة جليلة اتسم بها لعمق إيمانه وصدقه مع الله، فعلى الرغم من كون الصدق أس من أسس الإسلام، وحرّم الله الكذب وأبغضه، إلا أنّ البعض على التزامه لا يتصف بهذه السمة، والشيخ محمد اتّخذ من الصدق منهجًا ودليلًا يسير به في عالم الدنيا، مع ذاته أولًا، ومع الآخرين ثانيًا؛ لأن الصدق بمثابة المرآة التي تعكس حقيقة المرء دون رياء أو مباهاة أو زيف، وهذا ما واظب عليه الشيخ محمد وبه عُرف بين الأصدقاء والناس، يقول الأستاذ حسين التركي: "مما تميز به الشيخ فتحي عن غيره من الناس صدقه مع نفسه ومع الآخر، حتى أنّه كان بئر أسرار الجميع، فمن يفشي إليه سره
__________
(1) خليفة، خالد، رحيل وطن، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 32.
(2) الشيخي، عبدالله أحمد، إلى رجل فقدناه، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 29. (1/69)
صفحة 69
متيقن تمام اليقين أنّ الشيخ (فتحي) لن يبوح به، وقد كنتُ شاهدًا على ذلك أيام الجبهة والاجتماعات لأجلها، فكان محل ثقة الجميع لصدقه ونزاهته" (1) ويضيف في موضع آخر: "أنّ الكثير من الشباب الذين انضموا للجبهة وكابدوا المخاطر وبعضهم قدّم روحه ودمه في سبيل هذه القضية كان دخولهم عن طريق الشيخ فتحي؛ لأنّه كان محل ثقة وصدق لكثير من أولئك الشباب .. " (2) فمن خلال هذين النَّصَيْن نعرف مدى أثر الصدق في شخصية الشيخ محمد وأثرها على الآخر، إضافة إلى أنّها أمر تعبّدي، إلا أنّها حققتْ مقاصد أخرى، كبناء الثقة، ونشر المحبة، وتحقق الاحترام من الجميع، وأخيرًا تحقق الراحة النفسيّة في شخصّية الشيخ محمد، وهذا ما أكّدته لي زوجته الأستاذة وفاء نشنوش، والأستاذ حسين التركي والأستاذ الطاهر الجعيدي، إذ على الرغم من الظروف التي مر بها الشيخ فتحي في مراحل حياته إلا أنه يتمتع براحة نفسية دائمة حتى في أحلك الظروف.
ومما يمكن الاستئناس به في هذا المقام ما قاله الأستاذ الماقني عن صدق الشيخ محمد: "الشيخ فتحي هو ذلك النموذج الأسطوري لهذه العناصر وكان في حد ذاته حلما ترى فيه كل المنى الطيبة، تحس شموخه في بساطته، وعظمته في تواضعه، وأثره في صدقه" (3) والحق إنّ هذا النص من أرقى ما وصف به الشيخ محمد رحمة الله عليه، إذ عدّه الأستاذ (الماقني) أسطورة تستحق التمجيد والاحتفاء لما تركه من أثر طيب في نفوس العارفين به، لا سيما وقد قرنه بثنائيات الشموخ والبساطة والتواضع والعظمة وكلها أضداد اتحدت في شخصية الشيخ محمد رحمه الله.
__________
(1) حوار أجريته مع الأستاذ حسين التركي 23 نوفمبر 2024 م.
(2) حوار أجريته مع الأستاذ حسين التركي 23 نوفمبر 2024 م
(3) الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 7. (1/70)
صفحة 70
ومن ذلك أيضًا شهادة الأستاذ إبراهيم صهد فيقول: " رحم الله الشيخ فتحي، فقد كان رجلا في كل مواقفه وفيًّا، صادقًا، أبلى في حياته أحسن ما يكون البلاء، عاش مهاجرا غريبا ولقى وجه الله وهو في هجرته، صادقًا مع نفسه فصدق فيه قول الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) " (2) وفي هذا النص مدعاة للتأثر والإعجاب والتأمل في تلكم الشخصية المهاجرة لله والوطن والتضحيات التي قدمتها دلالة على صدقها وإخلاصها في مشوارها النضالي.
3 - التواضع:
ثالث هذه السمات المتجذّرة في شخصية الشيخ محمد – رحمه الله – التواضع، الذي زيّن به الشيخ فضائله، ورصّع به مكارمه، فكان سمة ملاصقة الدوام في سلوكه وطبعه، تواضع ليس فيه ضعف أو انحناء أو هضم للذات، إنما شموخ باطني تجاوز فيه صراعات النفس السطحية، وأهواء الإنسان الشهوانيّة، مما جعله يوصف بها بين الأصدقاء والزملاء والأقران، لا سيما في مرحلة تاريخيّة كالتي كان فيها الشيخ محمد وانضمامه لجبهة الإنقاذ التي ضحّى فيها بالغالي والنفيس، وبذل فيها أجود ما يملك من دم ومال ووقت، ومع ذلك كلّه لم يظهر كبرًا ولم يشعر أحدًا أنه صاحب الفضل في ذلك، وإنْ أظهر ذلك لكان صادقًا في قوله ونضاله وتضحيته؛ إذ سُجن وعُذّب وضُرب، وهو على ذلك الحال حتى نال حريته بيده بشجاعة وبسالة، وقدّم أخويه في مايو 1984 م فكانا من الشهداء الأبرار، إضافة إلى سجن بعض أهله، وإعدام أعز أصدقائه وأرحامه في نالوت وهما ساسي زكري وأحمد سليمان، أضف إلى ذلك إنه ابن العالم الجليل الشيخ علي يحيى معمر الذي ناله ما نال من تعذيب وظلم، ومع
__________
(1) سورة النساء 100.
(2) صهد، إبراهيم عبد العزيز، وقفة وداع، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 10. (1/71)
صفحة 71
ذلك كان يظهر التواضع والبساطة في كل ذلك، ويصف ما أشار إليه الأستاذ مفتاح منصور في خاطرته عن الشيخ فتحي الموسومة بـ (الشيخ .. والبحر) فيقول: "رحل الشيخ [أي محمد (فتحي)] صامتًا كما يحلو للبعض أن يسمّيه، وهم لا يعرفون أنّ صمته كان صمت القادر لا العاجز، صمت الغني بعقيدته وفكره وموقفه، صمت الذي يصفح الصفح الجميل بعيدًا عن الإسفاف والغرور والمباهاة، الصمت الناطق في حدّ ذاته لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. " (1) وهذا ما جعل التواضع سمة ظاهرة جلية في شخص الشيخ محمد، ومما هو جدير بالإشارة والذكر في هذا المقام ما خطّه السنوسي بلالة عن الشيخ محمد فيقول: "لقد تميّز الشيخ محمد علي يحيى بإيمانه وثقته بالله أولًا، والثقة بالنفس ثانيًا، ومن هنا فهو كان يخيل لعارفيه دائمًا أنه ليس ممن استهوتهم الدنيا بمباهجها وزينتها، بل إنه يومًا بعد يوم يزداد يقين العارفين به أنه متطهر من أغلب المغريات والمطامع الدنيوية، وأنه يسعى بعلمه وتعامله مع الآخرين نحو الآخرة قدر ما استطاع إلى ذلك من جهد وعطاء" (2).
ويؤكد ذلك أيضًا من صاحبه في العمل السياسي الدكتور محمد المقريف فيقول: " كان من أكثرنا علما، ومع ذلك فقد كان أكثرنا تواضعا وأقلنا تطلعًا للجاه والمنصب والمكانة" (3) ولا أظنه كان أقلهم طلبًا للجاه والمكانة، إنما كان لا يطلبها أصلًا، وزاهدًا عن ذلك كله، ومع ذلك فإنّ ما قاله الدكتور المقريف في حق الشيخ محمد تتجلى فيه أعظم القيم البشرية، وهي التواضع لا سيما إنْ كان مقرونًا بالعلم والعمل، حيث إنه يظهر عمق فهم الشيخ محمد في الحياة ووعيه بالمسؤولية النضاليّة والوطنيّة التي تجعله يزهد عن الدنيا وقشورها مستبعدًا كل المكاسب الشخصية
__________
(1) منصور، مفتاح، الشيخ .. والبحر، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 34.
(2) بلالة، السنوسي، خاطرة من مقام الحزن، مجلة الأنقاذ، عدد 45، ص 36.
(3) المقريف، محمد يوسف، الرجال الجبال، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 31. (1/72)
صفحة 72
والاجتماعية التي يمكن أن تناله من ذلك، ورضى بما قسمه الله له، حتى مات ــــــ رحمه الله ـــــ غريقًا شهيدًا، مخلّفًا وراءه إرثًا خالدًا من القيم السامية والشمائل الحميدة.
وأختم هذه السمة بجملة من الذكريات أبلغني بها الأستاذ حسين التركي عن الشيخ محمد رحمه الله فيقول: "لم أسمعه مرة تحدّث عن ذاته، أو عن نسبه وعلمه، أو أنّه ابن العالم الشيخ علي يحيى معمر صاحب الوجاهة والمكانة، ولا عن تضحايته وتضحيات الرفاق الذين ضمهم للجبهة، لأنه كان له دور بارز في التحاق ثلة كبيرة من الشباب في النضال والمجابهة، إلا أنه لا يذكر شيئا من ذلك إطلاقًا، يبدي لك التواضع والتسامح ولا يكثر من إبراز رأيه وذاته، يوثر الصمت لا الحديث وإن تحدث أوجز في مقاله، وقال ما يُريد قوله باختصار وعقل وحكمة وحسن تصرف، وكان له الفضل في حلحلة كثير من المشكلات دون أن يظهر ذاته أو يستعرض بطولاته ومغامرته إنما يغلب النية لله ويسكت عن كل ذلك رحمه الله" (1)
4 - الشجاعة:
القارئ لسيرة الشيخ محمد – رحمه الله- يدرك شجاعته وإقدامه وبسالته، وهي سمة تشكل ملمحًا في شخصية الشيخ وتظهر طموحاته التي تحدى بها الجبال الرواسي والرياح العواتي، وحواجز الدول والقارّات، إذ تشهد له أفعاله ومواقفه قبل شهادات الناس له، إذ كان يقبل على المجازفة والمخاطرة دون تردد، وإن كلف ذلك حياته! وفي أيام شبابه عُرِفَ بالمغامرة والخروج إلى الأودية والصحاري التي كانت قريبة من مدينة نالوت، مع أصدقائه وزملائه في تلكم المرحلة، كما أنه كان مقدما في شباب التحرير لشجاعته وقدرته على الطرح والتحدث والمواجهة، ولا يخشى شيئا في ذلك، ولا يخاف في الله لومة لائم، وزاد ذلك حينما سجن فكان يدافع عن والده،
__________
(1) حوار أجريته مع الأستاذ حسين التركي يوم الثلاثاء 19 نوفمبر 2024 م. (1/73)
صفحة 73
ويتقلى عنه الضرب، إضافة إلى بسالته وجرأته في الهروب من السجن رغم الحرس والعسس، وقطعه تلك المسافات في ظلمة الليل كل هذا يحكي لنا سمة الشجاعة المترسخة في شخص الشيخ محمد عليه رحمة الله، وأشارت زوجته الأستاذة وفاء نشنوش في حوار أجريته معها أنه كان "شجاعا و (معاندي) في الحق" أي أنه كثير الأصرار على حاجته ولا يتنازل عن غايته بسهولة ويسر، فهذا مما أعطى له قوة على الرغم من العقبات التي قابلته وتعرضت له في مشوار حياته. وهذا ما أكَّده جملة من الأصدقاء والزملاء في بعض المواقف التي عاشوها معه في القاهرة وتشاد والسودان والعراق وأمريكيا، وقد أكدوها في رحلاتهم واجتماعاتهم وتعاملاتهم التي كانت لأجل النضال والدفاع عن حريتهم وقضيتهم الوطنيّة، جميعهم يؤكدون على شجاعته وبسالته في كثير من المواقف والأحداث.
فهذه أبرز السمات الظاهرة الجلية لمن جالس الشيخ محمد ورافقه في مشواره في الحياة الدنيا، ولا شكّ أنّ ثمة سمات أخرى تدخل ضمنًا في هذه السمات يضيق المقام لذكرها وسردها؛ لذا كان الاكتفاء بما سبق ذكره، لإعطاء ملمح بسيط للقارئ الكريم عن السمات الشخصية للشيخ محمد رحمه الله تعالى. (1/74)
صفحة 74
ثانيًا: السمات القيادية
تمثّلتْ السمات القيادية في شخصية الشيخ محمد ـــــ رحمه الله ــــــ في كثير من الخصائص التي أهلته لقيادة وريادة أعمال بعض مشروعات الجبهة في أيامه، ويمكن إجمالها في خمسة أمور هي: الإرادة والإدارة والحكمة وحسن التصرف، التفاؤل، وإليك بيان ذلك في التفصيل الآتي:
1 - الإرادة:
المتفحص في حياة الشيخ محمد رحمه الله أنّ مشواره في الحياة الدنيا يجده مليئًا بالمواقف والأحداث التي تؤكد علو همته وتوقّد عزيمته والإصرار الكامل فيما يصبو إليه، إرادة حقة في كثير من رغباته وطموحاته نالها بالصبر والإرادة، بدءًا من مشواره الدراسي ومرحلة الطلب، إذ على ظروف ليبيا وقتذاك وعزوف كثير من الشباب إلا أنه كان مقبلًا على الدراسة توّاقًا إلى إكمال المشوار حتى وصل المرحلة الجامعية.
علاوة على ذلك انضمامه لحزب التحرير الذي بلور له هذه الرغبة وضبطها من خلال الحلقات العلمية والحوارات والمنهج المتبع عنده، وما كان ليكمل معهم ذلكم المشوار لولا الإرادة التي كانت تتملكه، على الرغم من الاختلاف معهم في المنهج، إلا أنّ ثقافة الانفتاح على الآخر، والنهل من معينه، وقبول ما عنده على وفق نظريّة والده الشيخ علي يحيى معمر (المعرفة – التعارف – الاعتراف) تمكن من إكمال المشوار، حتى صار عضوا كامل العضوية، فأسندت إليه جملة من المهام الكتابية وأخرى تعليمية وحوارية ونقاشية، فكان نعم المبتغى في ذلك، وما كان ليصل لتلكم الربوة من المكانة والرفعة لولا توفيق الله وإرادته التي أهلته لذلك. (1/75)
صفحة 75
ومن ذلك أيضا عدم استسلامه للحال الذي هو عليه بعد تغير الأحكام حينما كان في السجن، بل خطط واجتهد كل الجهد للخروج من السجن، والخروج من ليبيا على وفق خطة مدروسة، على الرغم من احتمالية المخاطر، وإمكانية الإمساك به لأي خطأ بسيط، إلا أن توفيق الله كان نصيره، ثم إرادته التي قادته لتجربة جديدة أكثر صعوبة وأشدّ تعقيدًا، إذ كان يجهل مستقبله، وسعى لأن تكون شخصيته باسم آخر وحياة أخرى في بلد آخر، فكان له ذلك في مصر المحروسة، شكل علاقات جيدة جدًا، وبنى عليها معارف وأفكار وقناعات، ومن ذلك جاءت فكرة انضمامه للجبهة وقتذاك.
ودون شكّ أنّ سمة الإرادة هي إحدى السمات التي أهلته لأنْ يشغل مجموعة من الوظائف في جبهة الإنقاذ الليبية، وفيما يأتي أقف وإياك أيها القارئ على بعض النصوص التي أشاد بها العارفون بالشيخ محمد وأكدوا فيها على علو همته وإرادته الجامحة في إكمال مشروعاته التي طرقها أيام حياته. فمن ذلك ما قاله أبو طه: "عندما زجت قوى الظلم بالشيخ محمد [في السجن] وهو لا يزال في مقتبل شبابه، كان مثالا في الثبات والإصرار على المبادئ والأهداف التي سجن بسببها، ولم يقبل بالخروج من السجن ثمنًا للتنازل عن تلك الأهداف والمبادئ، بل انتزع حريته انتزاعًا فخرج من السجن عنوة ورغم أنف سجانيه" (1).
ويقول الأستاذ علي الرز: "محطات ثلاث عايشته فيها عن قُرب؛ لكنني لم أعلم فيها عنه إلا غيض من فيض ما يعلمه رفاقه في الجبهة والمعارضة الليبية بشكل عام، كانوا يقولون إنه حركة لا تعرف الملل أو التعب، يعرف أنّ الطريق إلى الهدف يمر
__________
(1) أبو طه، أبو يحيى كما عرفته، مجلة الإنقاذ، العدد 45، ص 45. (1/76)
صفحة 76
عبر الترفع عن الصغائر، وكان الهدف بالنسبة إليه واحدًا .. " (1) لا يتجزأ، لذا كان ناجحًا في كثير من قراراته وموفقًا فيها. وغيرها من النصوص الكثيرة التي تؤكد مدى إرادته وإصراره في طلب الشيء والاشتغال بهدفه دون غيره.
2 - الإدارة:
ثاني هذه السمات الإدارة، وهي سمة جلية الوضوح في شخصيته القيادية، يقول الأستاذ حسين التركي: "مذ عرفته عرفتُ الحزم في منهجه، منظمًا في عمله، عنده إدارة لكل شيء حتى في المشاوير البسيطة، من ذلك أنّنا كنا في القاهرة نذهب سويًا لقضاء بعض الأعمال فيكون معنا الشيخ فتحي، وحينما نصل بغيتنا نتذكر بعض الأصدقاء والرفاق الذين يسكنون في تلكم الأماكن فنقف عندهم سريعًا لتفقد أخبارهم والسلام عليهم، وكان هذا دون شك يأخذ من أوقاتنا وأعمالنا، فكان يقول لنا لا أتبعكم في مشاويركم أذهب في سيارتي أعود بها، لأنكم كثيروا الأشغال و (أني عندي ما ندير) " (2) فكان إداريًا مع ذاته، ومع غيره، حازمًا في أبسط الأمور فما بالك بأعظمها!.
وخير تعبير تتجلى فيه إدارة الشيخ محمد وتحمله المسؤوليات ما قاله الأستاذ السنوسي بلالة: "ولذلك فقد استطاع محمد علي يحيى وفق تلك المعطيات أن يتبوأ بجدارة ويسر ـــــ برضى وتزكية العاملين معه ــــــ مراكز صدارة العمل الوطني المناضل في وقت كانتْ فيه حتى المزايدة أو الافتعال في هذا الميدان يكلف الكثير من المشاكل والصعاب، فما بالك بحقيقة المواقف وصدقها وفاعليتها التي كانت تكلّف الإنسان – في أبسط الصور- حياته مرة واحدة! واستطاع محمد أن يجسّد معنى
__________
(1) الرز، علي، سيرى أولادك جدتهم أم السعد، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 43.
(2) حوار أجريته مع الأستاذ حسين التركي، 2 نوفمبر 2024 م. (1/77)
صفحة 77
المسئولية الحقيقي، وليس الاسمي فقط. فالمسئولية كانت تعني عنده - من خلال أقوال رفاقه ومعاصريه - الصدق مع النفس ومع الآخرين، وتعني أيضا تحديد الهدف. ووضع المنهج المناسب لتحقيقه، فالمسئولية عنده - بتعبير آخر مختصر - عبارة عن مهمة بذل وعطاء، وليست منصب امتياز واحتكار، ولذا فقد تعامل محمد علي يحيى مع كافة المسئوليات التي اضطلع بها وفقا لتلك الرؤية التي أضفت عليه بدورها كل مع مسح التوفيق والسداد ... " (1) بهذه الصورة كانت إدارة الشيخ محمد وتوليه للمهام. وهذه شهادة من شهد حاله وعرف عمله وعلمه، وكما قيل " ما بعد التمام إلا النقصان" و "لا عطر بعد عروس"!.
3 - الحكمة وحسن التصرف:
علاوة على ما سبق ذكره من سمات قياديّة فإنه كان يتسم بالحكمة وحسن التصرف، مع نفسه وأهله، مع الآخر في العمل وغيره، وفيما يأتي بعض المواقف والنماذج التي تؤكد حقيقة هذا البُعد وأثره في حياة الشيخ محمد ـــــ رحمه الله ـــــ فمن حكمته وبعد نظره إبان خروجه من السجن تمزيقه لسجل الزائرين كي لا يتأذى أحد من الزائرين له أيام وجوده في السجن، وإخفاء أمر هروبه على من كان معه حتى أعز أصدقائه، إضافة إلى ذلك تخفيه باسم حركي وعدم الإفصاح عن هويته، وقدرته على إخفاء آلامه وأحزانه، كل ذلك منصب في حكمته وتعقله على الرغم من صغر سنه وحداثة تجربته حين خرج من السجن، إذ كان عمره في أواخر العشرينيات وكانت عنده هذه القدرة على التصرف والحكمة وكأنه صاحب تجربة وخبرة!
وهذا ليس ما أذكره أنا فحسب، بل ثمة شواهد وشهادات ممن عاصروه وعاشوا معه أيام حياته في مصر وأمريكيا، من ذلك ما قاله السنوسي بلالة: "لقد تميز محمد
__________
(1) بلالة، السنوسي، خاطرة من مقام الحزن، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 37. (1/78)
صفحة 78
علي يحيى بإيمانه وثقته بالله أولا والثقة بالنفس ثانيا، وبالتروي والحكمة ثالثا ... " (1) وما قاله أبو مهند "عندما تسمع من خالي فتحي النكتة والحكمة والمعلومة ولا يخلو اللقاء من درس عابر دون أن يشعر السامع أنه لُقّن درسا .. " (2) وخير ما أختم به هذه السمة ما قاله الأستاذ أحمد الماقني: "وسع خصاله الحميدة التي حباه الله بها كان سمته كمناضل يمتاز بصفة الصبر والأناة والحلم والعطاء والتسامح، كان دائما يمثل الاستراحة التي تهدأ عندها الانفعالات، كما كانت قدرته على امتصاص القنوط والإحباط عالية، يقفل لقاءه معك دائمًا بروح تفاؤلية واعدة فيهبك ساحة عريضة للملمة قواك ... وحتى في الفتنة التي أصابت الجبهة في عام 1993 كان له دورٌ بارزٌ في الحد من شرورها ... " (3) وهذا ما أكده لي زملاءه الأستاذ حسين التركي والحاج علي عبدالله الضراط والأستاذ عثمان عقيل، إذ أكدوا جميع أنّ كان له الفضل في حلحلة كثير من موضوعات الجبهة، وفض النزاعات، واستطاع بروحه التفاؤلية أن يسير العمل على وفق ما يراه صحيحا وقد وفقه الله لذلك. (4)
4 - التفاؤل:
من السمات التي امتاز بها الشيخ محمد التفاؤل، إذ كان متفائلًا في كل شيء، مع ذاته، ومع أهله وأولاده، مع الآخر، حتى مع الوطن كان متفائلا، على الرغم من الآلام والجراح التي أصابته، يذكر أكثر من واحد من زملائه وأصدقائه في الجبهة أنه كان متفائلا في كل شيء، يبتعد عن اليأس، وفي نظره أن الحق سينتصر، وأنه سيعود
__________
(1) بلالة، السنوسي، خاطرة من مقام الحزن، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 37
(2) أبو مهند، حمادي، رحيل الأخيار، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 14.
(3) الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، العدد 45، ص 7، 8.
(4) حوار أجريته مع الأستاذ علي عبد الله الضراط، 2 ديسمبر 2024 م، وآخر مع الأستاذ عثمان عقيل يوم 1 ديسمبر 2024 م. (1/79)
صفحة 79
إلى وطنه وسيرون أولاده جدتهم أم السعد كما يقول في خاطرته (1). ويقول الأستاذ أحمد الماقني عن ظاهرة التفاؤل وحضورها الدائم في شخصية الشيخ محمد: " كان رحمه الله يحلم بليبيا الأمنة الخيرة، يحلم بليبيا التي يسكنها الأمان والرفاه والحب، المسكونة بالخير كما صورها في خاطرته " بين ضفاف وادي الثلث" (وتلك الوقفات المهيبة عند كرمة جدتي أم السعد، وحلمه بأنْ يحين موعد مشاهدة أولاده خالد ويحيى ولباب لجدتهم أم السعد ... " (2) ويقول أيضًا: " كانت هذه الروح التفاؤليّة عنده هي التي غلبتْ على كل مداولات المشروع الحضاري للجبهة الذي ساهم فيها بكل أنواع الإثراء والإخصاب، فكانت تبدو لديه ليبيا نقية كنقائه، صافية كنفسه، آمنة كقلبه" (3)
في هذه الصور تجلت سمات الشيخ محمد عليه رحمة الله وبها عرف، حتى صارت سمة جلية وظاهرة يضرب بها المثل في التضحية والتفاني في العمل والنضال والتواضع والتفاؤل، إضافة إلى رباطة الجأش والصبر الذي تعجب منه حتى من كان معه لسنوات طوال.
__________
(1) حوار أجريته مع الحاج علي عبد الله الضراط، 2 ديسمبر 2024 م،
(2) الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 8.
(3) الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 8. (1/80)
صفحة 80
الأسس الفكريّة والتوجهية للشيخ محمد معمر
يتناول هذا المبحث الأسس الفكرية والتكوينية للشيخ محمد علي يحيى معمر، وكيفية تشكل تفكيره العلمي والمعرفي والثقافي، فمن يُطالع حياة الشيخ محمد ومراحل تكوينه العلمي والمعرفي يجد أن توجهاته وأفكاره التي صَقَلَتْ شخصيته وبلورتها تقوم على أمرين اثنين:
الأول: انتمائه للمذهب الإباضي:
الذي يتجلى بوضوح في شخصية الشيخ محمد ــــــ رحمه الله ــــــ لا سيما في الشخصية الثوريّة والنضاليّة، والتفاني في سبيل القضيّة التي يؤمن بها، إذْ الدافع في ذلك ديني قائم على عقيدة راسخة وإيمان ثابت وعزيمة لا تلين، وصدقه وإقباله نحو الله بالجهاد والنضال والتضحية والثورة على الجور والظلم والطغيان، كل هذه الركائز استمدها من روح المذهب الإباضي الذي سعى والده الشيخ علي يحيى معمر أيّما سعي في إزاحة كثير من الشبه والغبش عن عيون الناس بخصوص فهمهم الخاطئ عن بعض أصول هذه المدرسة، حتى أظهرها في حلة بهية الطلعة قشيبة الشكل، وذلك في سلسلة من الحلقات الكتابيّة سمّاها (الإباضية في موكب التاريخ)؛ إضافة إلى قيامه بدراسة قيمة سمّاها (الإباضية بين الفرق الإسلامية) قام فيها بمراجعات علميّة جادة لكتب السير والمقالات وتفنيد جملة من التّهم التي أُلصقت بالإباضية زورًا وبهتانًا، فكانت هذه الدراسة من أعمق الدراسات الحديثة في موضوعها، ومن كتب بعده في ذلك كان عالة عليه في المراجع والاستشهاد والتوثيق، علاوة على ذلك كله فإنه كتب رسالة طويلة وسَمَهَا بـ (الإباضية مذهب إسلامي معتدل) ضمّن فيها أصول الإباضية ومصادر التشريع عندهم وأهم القواعد الفقهية والأصولية التي يعتمدون عليها. (1/81)
صفحة 81
فلا شكّ أنّ الشيخ محمد تشرّب من هذا المنبع الصافي ونشأ تحت ظلال والده على ذلكم الفكر الناصع، فلقّنه صفاء المعتقد والإخلاص الخالص للدين والأمة والوطن، وقد عبر الشاعر عن ذلك فقال:
"وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا ... عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ"
وما يمكن الاستئناس به في هذا المقام ما قاله الأستاذ (سالم قنان) عن الشيخ محمد معمر ووجوده في تلكم البيئة التي كانتْ محاطة بالعلماء والمشايخ، لا سيما من المذهب الإباضي، يقول الأستاذ قنان "يخرج بك [أي محمد معمر] من نالوت ليتجه صوب (تندميرة وطمزين) ويحدثك عن شيوخها، الشيخ الشيباني والشيخ عمرو التندميرتي والشيخ العمري وغيرهم ... " (1) ويقول في موضع آخر: "ويحدث كيف عاش في (جادو) درس بها حين كان والده الشيخ علي معمر مديرًا لمعهد إسماعيل الجيطالي الذي اختار له هو هذا الاسم" (2) ويقول أيضا: "يحدثك عن أيام الإقامة في طرابلس كيف كان بيتهم مقصد الشيوخ والعلماء ورجال الدين وطالبي الرأي والمشورة علماء من ليبيا ومن الجزائر ومن تونس ومن عُمان، يذكرك بالشيخ المصراتي والشيخ بيوض (3) والشيخ الأبيض وغيرهم" (4) وجملة من هذه الأسماء كانت لمشايخ وأعلام في جبل نفوسة ولها دورها البارز في الإصلاح والتعليم، لذا كما يبدو أنّ الشيخ محمد كان يأنس بذكرها عند الاجتماع مع الزملاء والرفاق.
__________
(1) قنان، سالم، رحيل وطن، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 48.
(2) قنان، سالم، رحيل وطن، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 48
(3) هو العلامة إبراهيم بن عمر بيوض، من ومواليد عام 1313 هـ الموافق 1899 م، وتوفي عام 1401 هجري الموافق 1981 م، من كبار علماء الإباضية في العصر الحديث، عرف بثورته الإصلاحية في الجرائر، وخرج على يده جملة من المشايخ والعلماء، من بينهم الشيخ العلامة علي يحيى معمر، للمزيد ينظر، مجموعة من الباحثين، معجم الإباضية (قسم المغرب) ج 1، ص 26.
(4) قنان سالم، رحيل وطن، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 48. (1/82)
صفحة 82
وفي هذا السياق أستحضر كلمات الأستاذ علي جبريل وحديثه مع الشيخ محمد ـــ رحمه الله ــــ فيقول: "جلست مع الشيخ فتحي ساعات تحدثنا فيها عن الوطن وعن ذكرياتنا التي تركناها وراءنا، وعن مسيرة المعارضة وعن الشهداء الذين رافقناهم في تلك المسيرة، تحدثنا عن المذهب الأباضي ونشأته وهو ابن أحد علماء هذا المذهب في بلادنا، حدثني عن والده وفضله وعلمه وعن سنوات الحياة في نالوت ... " (1)
ومن يلحظ ذلكم التجلّد والصبر والإقدام والشجاعة الذي وجدناه في النفوسيين الباسلين فإنّ مرجعه إلى الدين والعقيدة، التي حاربت الظلم والطغيان، فبذلوا الغالي والنفيس لأجل الحرية والعدل، بدءًا من إسهامات النفوسيين في القرون الأولى إلى العصر الحديث، أمثال أبي منصور إلياس التندميرتي، وأبي عبيدة الجناوني، وأبي زكريا اللالوتي، والشيخ الشماخي والجيطالي، والشيخ عبد الله بن يحيى الباروني، وابنه المجاهد والعالم سليمان باشا الباروني، ومن يتمعن في تضحيات الشيخ علي يحيى معمر وأولاده، والدكتور عمرو خليفة النامي، والشيخ محمد سعيد الشيباني، وساسي زكري وغيرهم من الغيورين على حرمات الدين والوطن يدرك ذلك ويعرف مدى تأثرهم بهذا المنهج القويم في خلقهم وسلوكهم وتعاملاتهم مع الآخر، وذلك دون الإفصاح عن مذهبهم ومنهجهم، أو التبجح بذلك، بل يتجلى كل ذلك في تصرفهم وسلوكهم، والآخر يقيم ذلك من خلال قراءته الفاحصة لتلكم الشخوص. ومن يطالع التاريخ وصفحاته يجد تجلد الرعيل الأول من أهل الحق والاستقامة أمام الظلمة والطغاة، فسلفهم في ذلك التابعي الجليل جابر بن زيد الأزدي الذي سجن وعذب ظلمًا وجورًا، وكذلك تلميذيه مسلم بن أبي كريمة وضمام وغيرهم ممن عانوا من ويلات السجون وقهر الطغاة.
__________
(1) حوار كتابي أجريته مع الأستاذ علي فرج جبريل، بتاريخ 17 ديسمبر 2024 م. (1/83)
صفحة 83
فكان الشيخ محمد معمر ووالده وأخويه وغيرهم من شباب الجبل ومشايخه على ذلك النهج الذي كان عليه أسلافهم رحمة الله عليهم أجمعين.
الثاني: انضمامه لحزب التحرير:
مما تأثر به الشيخ محمد في مرحلة تكوينه، وتجلى ذلك في مسيرته العطائيّة والنضاليّة، انتمائه لحزب التحرير، الذي مكّن أعضاءه أيمّا تمكين من الدراسة وطلب العلم، ورد الشبهات والدفاع عن مبادئ الحزب والإيمان برؤيته ورسالته، حتى أنه كان للحزب كتبٌ ومناهج لا بدّ للأعضاء الجدد من قراءتها وفهمها ومطالعتها، وخصص الحزب لهم أساتذة ومعلمين متخصصين في مناقشة كل الأفكار السياسيّة والفكريّة المعارضة للإسلام، وقد كان الشيخ محمد ــــ رحمه الله ــــــ من الأساتذة الذين أُسند إليهم تدريس جملة من الطلاب في جامعة طرابلس ممن انضم إلى الحزب، وقد وصف ذلك الأستاذ علي العكرمي في أكثر من موضع إبان محاورتي إياه، فيقول: "التقى المرحوم (محمد على معمر) في السنة الدراسية 1967/ 1968 م بثلة من الشباب الليبي المتميز، الذين سيترك بعضهم بصمته في تاريخ ليبيا من أمثال الشهيد "محمد مهذب حفاف" " و "مسعود بلقاسم "وغيرهم من الذين انفتحوا على الفكر الإسلامي وبشكل محدد على فكر وثقافة " حزب التحرير "عن طريق أحد أساتذهم وهو "عزمي عطية" الفلسطيني الجنسية. وكان من الشخصيات الإسلامية العاملة التي تتقد حماسة للأفكار التي يحملها، مع ثقافة عميقة، وتفان كبير، وقدرة فائقة على الإقناع والتجميع، وانخرط (محمد علي يحيي معمر) بعد فترة صحبة بعض زملاء الدراسة في حلقات "حزب التحرير "الثقافية تحت إشراف الأستاذ (عزمي عطية) ودرس كتب الحزب الرئيسية التي تطرح الإسلام كمنهج حياة وتهدف إلى تكوين شخصيات إسلامية تحمل الدعوة وتهدف للعمل لإقامة الدولة (1/84)
صفحة 84
الإسلامية بعد النضج في الإسلام وأفكاره، ويشترط الحزب على الدارسين قبل أنْ يصبحوا أعضاء عاملين أنْ يدرسوا العديد من كتبه التي تتناول جميع شؤون الحياة، وتطرح فكرًا بديلًا لكل الأفكار الأخرى السائدة مثل الرأسمالية والماركسبة على ألا تتعدى فترة الدراسة ثلاثة أعوام ... " (1)
ويقول في موضع آخر: "كان الأخ (محمد علي معمر) من ضمن الأعضاء الذين كانوا يشرفون على هذه الحلقات، ويقومون بتدريس بعض المنتسبين الجدد إليها، كما كان من أعضاء الحزب المداومين على حضور الحلقات الشهرية التي تنتظم دوريا في بيوت الأصدقاء، والتي يتم خلالها دراسة أحد المواضيع التي تتناول القضايا الفكرية في ذلك الوقت " (2) فهذه هي أهم الأسس والتوجهات التي شكلت شخصية الشيخ محمد، وهي التي صقلته ليكون ذلك النموذج النضالي والمتفاني لدينه ووطنه.
__________
(1) حوار كتابي أجريته مع الأستاذ علي العكرمي، 3 نوفمبر 2024 م.
(2) حوار كتابي أجريته مع الأستاذ علي العكرمي، 3 نوفمبر 2024 م. (1/85)
صفحة 85
النبوغ العلمي والثراء المعرفي
مما يمكن الإشارة إليه في الملامح الفكرية في سيرة الشيخ محمد أحسن الله مثواه، أنّه كان باحثًا جادًّا؛ له سعة في الاطلاع؛ وقدرة على التحليل والنقد والبناء؛ إذ كان يمتلك أدوات البحث رغم الأحوال التي عاشها؛ فمن كان مكانه فارًا من السجن؛ مختبئًا وراء اسم حركي؛ متكتمًا عن كنهه وهويته إلا لخاصة الخاصة؛ يَحار المرء من تفرغه للقراءة والبحث والتنقيب، يقول الأستاذ مصطفى القويري: " (ترابٌ يشيع ترابًا) كانتْ هذه العبارة أول مرة أسمعها من أعز أصدقاء (محمد علي يحيى معمر) قبل أن يصرعه ماء البحر غرقًا، ثم يضمه تراب القبر شهيدًا، وكان ترديدها يعني عنده أنّ الموت ليس قضية ينشغل بها الإنسان؛ بل هو قدر يتقبله بالرضا والاطمئنان، بعد أنْ يدفع ما عليه من واجبات الإحسان، كان ينسبها للكاتب الكبير (عباس محمود العقاد) مما يدل على أن شهيدنا كان قارئًا واسع الاطلاع على الحياة الأدبيّة قديمًا وحديثا، إلى جانب التعمق في الدراسات الإسلاميّة التاريخيّة والتعبديّة والمذهبيّة، بعقل مفتوح وقلب مجروح من سوء ما آل إليه أمرنا دينيا ودنيويا في ليبيا خاصة وفيما يحيط بنا من العالم الإسلامي عامة، من شر وقهر وجور وطغيان أذهب بعزة الإنسان وكرامة الحياة" (1) وهذا دليل على البعد الإيماني والوجداني الذي يحظى به الشيخ محمد ــــ رحمه الله ــــــ مما جعله يتعمق في فلسفة الموت وعلاقتها بالتراب في البدء والختام، إضافة إلى قراءته الواسعة، وتشبعه بالأدب العربي، والفكر الإسلامي، لا سيما في استحضاره لشخصية العقاد التي تعدّ رمزا للمعرفة والعلم في عصرنا الحديث.
__________
(1) القويري، مصطفى، الشيخ فتحي في ذمة الله، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 31. (1/86)
صفحة 86
ومما يمكن الاستشهاد به هاهنا ما ذكره لي الشيخ سليمان الشيباني متعنا الله بعمره وعلمه أنّ الشيخ محمد كان يشتغل على مرويات التابعي الجليل (أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة) عزم على جمعها ووضعها في مصنف واحد؛ إلا أنّ المنية بادرته ويكتمل مشروعه بعد، ومن يطالع مرويات أبي عبيدة وتناثرها في كتب الإباضية؛ يعرف مدى صعوبة الأمر وثقله؛ لا سيما في وقت لا وجود فيه للمكتبة الشاملة وسهولة البحث بضغطة زر فتكون المعلومات كلها أمام الباحث! والصعوبة أيضًا في عدم توفّر المصادر والمراجع وهو في (كنتاكي) في أمريكا، إلا أنه كما قيل "من طلب الغاية لم يعدم الوسيلة" وهذا ما تصبو إليه عزيمة وقادة كعزيمة الشيخ محمد رحمه الله.
كما حكى لي أستاذنا الدكتور عمرو أحمد عيسى أنّ الشيخ محمد معمر زاره ذات يوم بتنسيق من أحد الإخوة من الجالية الليبية في أمريكا وهو الدكتور علي أبو زعكوك بقصد زيارته؛ والأوضاع في ذلكم الوقت كما يحكي أستاذنا لا تسر حتى وهُم في دار الغربة؛ إذْ العسس يتابعونهم ويدونون عنهم كل شيء؛ فجاء (خالي فتحي) أي محمد معمر له واستقبله وتناول عنده وجبة الغداء، ووضع في جيب ابنه سليمان مائة دولار، وبعد ذلك ما كان من الشيخ محمد إلا أنْ استأذن الدكتور عمرو في زيارة المكتبة التي عنده في البيت، وهناك بين الأرفف والكتب أخبره أنّ والده أي الشيخ علي -رحمه الله- وأد كل أشعاره، ويكمل الدكتور عمرو قائلًا: "وحينما أراد الانصراف استعار مني كتاب (السير العمانية) لينقل منه بعض النقولات ويعيده لاحقا" (1) فكما نلحظ هذه الرغبة الجامحة في الاطلاع والقراءة والبحث التي عند الشيخ محمد حتى في زياراته للأصدقاء والأقران كان يشغلها بالعلم والطلب.
__________
(1) حوار أجريته مع الدكتور عمرو أحمد عيسى التندميرتي. 28 أكتوبر 2024 م. (1/87)
صفحة 87
كما أكدتْ لي زوجته الأستاذة وفاء نشنوش إبان وجود الشيخ محمد في القاهرة كان يقرأ على والدها الكفيف (الشيخ محمد نشنوش) كتب الفقه واللغة والأدب وغيرها من كتب الأثر، وكانت بينهما مناقشات علمية وفكرية، ومن يعرف الشيخ محمد نشنوش يدرك سعة اطلاعه وتضلعه في علوم العربية والشرعية. وتقول أيام وجودهم في أمريكيا أنه كان يسهر في الليل على القراءة والكتب، إذ في بعض الأحيان يستأذن للجلوس في الصالة كي لا يزعجها وحينما تقوم للفجر تجده على حاله منكبا على الكتاب ولم يفرغ من قراءته بعد!
علاوة على هذا كله فإنّ ثمة شهادات كثيرة من زملائه وأصدقائه تشهد له بالعلم والمعرفة في علوم اللغة والدين، يقول الدكتور محمد المقريف: "كان من أكثرنا علمًا، ومع ذلك فقد كان أكثرنا تواضعًا ... " (1) فهذه شهادة على رسوخه في العلم وتضلعه فيه، إذْ كان معه أيام الجبهة وخبره في أسفاره وتنقلاته وأعماله واجتماعاته، فكانت منه هذه الشهادة في الشيخ محمد.
ويقول أبو مهند " لا يخلو اللقاء [مع خالي فتحي] من درس عابر دون أنْ يشعر السامع أنه لُقّن درسا، بل يشعر أنه هو الذي اكتشف حقيقة جديدة من حقائق الحياة وسرا جديدا من أسرارها" (2) وهي فرص يقنصها الشيخ محمد لمدارسة العلم والتحدث فيه بين الصحب والأصدقاء دون إغراق أو إسهاب أو تعقيد، إنما على السجية البسيطة التي توضّح الصعب وتقرّب البعيد حتى يدرك المتلقي المعلومة إدراكًا جيدًا وكأنه هو من وصل إليها.
__________
(1) المقريف، محمد، الرجال الجبال، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 31.
(2) أبو محمد، حمادي رحيل الأخيار، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 14. (1/88)
صفحة 88
أضف إلى ذلك فإنّ القارئ لمقالاته وكتاباته يجد فيها تضلع الشيخ محمد في العلم، وسعة اطلاعه في كتب التراث، ومدى استحضاره لآيات القرآن والأحاديث النبوية وقصص الأولين في كثير من افتتاحياته وخواطره ومقالاته.
فكل هذه الروايات والشواهد تؤكد اشتغال الشيخ محمد بالعلم الشرعي واللغة العربية، واستفرغ وسعه في ذلك على الرغم من ضيق الحال وثقل الهم وحصاره الدائم في دار الغربة، واشتغاله بمجلة الإنقاذ، غير أنه لم يترك العلم ومدارسته حتى في أحلك الظروف، رحم الله الشيخ محمد وأحسن مثواه، ويسر الله لنا السبل للسير على نهجه ونهج أسلافنا الكرام من أهل الحق والاستقامة. (1/89)
صفحة 89
الملكة الأدبية والكتابية عند الشيخ محمد علي يحيى معمر
كتب أستاذنا محمد علي يحيى معمّر مجموعة من الافتتاحيات والخواطر والمقالات بثها في مجلة الإنقاذ، وغيرها من المجلات العربية، إذ كان ــــ رحمه الله ـــــ ينشر في مجلة الشرق الأوسط، ومجلة القدس العربي بأسماء مستعارة وليس باسمه، وهذا ما جعلها عرضة للغياب والضياع مع كل أسف، إذْ سعيتُ جاهدًا في تتبع أرشيف هاتين المجلتين المتاحتين في الشبكة العنكبوتية، على أمل أنْ أجد اسم الشيخ محمد، أو شيء من تلك الأسماء التي كان يستعملها في النشر، إلا أني لم أقف على شيء من تلك المقالات، وكلي أمل أنْ تكون محفوظة عند بعض زملائه، أو بين أغراضه ومكتبته، حتى تتاح للقارئ ليرى المخزون الفكري الذي خلفه الشيخ محمد عليه رحمة الله. (1/90)
صفحة 90
الأسماء المستعارة التي كان يكتب بها الشيخ محمد رحمه الله في مجلة الإنقاذ وغيرها (1).
أما بالنسبة لمقالاته وخواطره وافتتاحياته في مجلة الإنقاذ فقد اجتهد الأستاذ (حسين التركي) في جمعها ورقنها على الحاسب الآلي، على أمل أن يخرجها في كتاب واحد يضم تراث الشيخ محمد العلمي والفكري، وقد منّ الله علي بأن اطلعت عليها جميعا والوقوف على حروفها وكلماتها وأفكارها، بمنح من الأستاذ حسين لتخدمني في هذا البحث، فوجدتها ثرية واسعة كثيرة، تربو جميعها إلى ما يقارب 240 صفحة بورق الـ (A 4) أي أنها تعادل مجلدا بأكمله، تتراوح صفحاتها من 400 إلى 450 صفحة في الكتاب المعهود. وهي مزيج بين الأدب والفكر والسياسة والتأريخ، إذ لا يخلو مقال من مقالاته من نكتة لغوية، أو لمحة بيانية، أو نظرة تدبرية في القرآن الكريم، أو فائدة تاريخية مقتبسة من التراث الإسلامي الزاخر، إذْ كانتْ كتاباته تحاكي ما عنده من سعة اطلاع، وعمق في التفكير، وربطها بالواقع الليبي الداخلي وقتذاك مما أعطى لها رونقًا خاصًا وسمتًا متميزًا، فحري بالقارئ الليبي وغيره أنْ يطلع على تجربة من تجارب النضال، وأيقونة من أيقونات الحرية، فنسأل الله العون والسداد للأستاذ حسين في نشرها وإجلائها في القريب العاجل.
ومما ينبغي الالتفات إليه في هذا المقام أنّ للأستاذ محمد أسلوبًا يسحر به القارئ، فيجره نحو النص حتى تمامه وانتهائه، إذ يغوص به في دهاليز الأفكار، فيبسّط المشكلة التي افتتحها بسؤال استنكاري، ويبدأ بتفريعها وحلحلتها، حتى يصل إلى النتيجة المرجوة، والقارئ له يلحظ توظيفه للأساليب اللغويّة الجمّة، وتوظيف كل ما يلزم من استعارات وتشبيهات ومحسنات بديعية بغية التيسير على القارئ وتقريب المعنى له، ويضفي عليها طابعه الكتابي الخاص به، علاوة على ذلك فإنّه يتمتع
__________
(1) الصورة نقلتها من مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 41. (1/91)
صفحة 91
بخزينة معجمية زاخرة، ينتقيها من لسان العرب وفصيحه، كمن يجمع حبات الخرز واحدة تلو الأخرى؛ ليحبك منها عقدا فاخرًا يهديه لعزيز عليه.
ولا بلاغة فيما قلتُ، إذ الشهادات التي جمعت في عدد 45 لسنة 1995 م من مجلة الإنقاذ أشارت إلى قلمه السيّال، منها ما قاله (أبو طه): "وإذا أمسك بقلمه كان قمة الإبداع في صياغة أفكاره وطرحها، بأسلوب أدبي في سلاسته، وانسيابه، واسترساله، علمي في انتقاء كلماته وطريقة طرح الأفكار وتحليلها، وفي غالب الأحيان أقرأ افتتاحية الإنقاذ عدة مرات عندما يكون هو كاتبها – رحمه الله- لما لأسلوبه من جمال واسترسال ووضوح". (1)
وهذا ما أكده لي الأستاذان حسين التركي والطاهر الجعيدي، يقول الأستاذ حسين: "ومن الأمور التي تحتاج العناية في الشيخ فتحي كتابته الأدبيّة وأسلوبه البديع، يصيغ فيه الأفكار بإيجاز واختصار .. " (2) ويقول الأستاذ الطاهر الجعيدي: "كان ــــ رحمه الله ـــــ صاحب قلم كتابي لا مثيل له، مع ترتيب للأفكار، تنسيق للعبارات، واختيار للألفاظ، يكتب لك مقالة وكأنها كتاب! " (3) وسأرفق للقارئ الكريم صورة من رسالة للشيخ محمد أرسلها للدكتور عمرو النامي (4) ــــــ رحمه الله ــــــ وهو في المرحلة الثانويّة، كي يطلع القارئ الكريم على أسلوبه الأدبي، وخطابه العقلاني وهو في تلكم السن والمرحلة المبكرة من حياته.
كما تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الشيخ محمد كان خطّاطًا بارعًا، ويتقن التفنن بالقلم والزخرفة به، حتى أنه كان يكتب أفكاره ومقالاته وما يشغله في السجن بخط
__________
(1) أبو طه، أبو يحيى كما عرفته، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 45.
(2) حوار أجريته مع الأستاذ حسين التركي، في 30 أكتوبر 2024 م.
(3) حوار أجريته مع الأستاذ الطاهر الجعيدي، في 18 نوفمبر 2024 م.
(4) يجدها القارئ الكريم في ملحق 2 من هذا الكتاب. (1/92)
صفحة 92
يده، كما يكتب الخواطر والمقالات بيده ومن ثم يدفع بها إلى الطبع، وفيما يأتي نماذج من كتاباته. (1/93)
صفحة 93
الخاتمة
وفي الختام أقول إنّ الشيخ محمد شخصية تأسستْ على الدين والتقوى، والحب والوفاء، والإخلاص والتضحية، فكان عصارة ذلك أن خلّف لنا هذه السيرة العطرة ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) ? فحري بالإنسان أنْ يتأمل هذه السيرة ويدرسها؛ وأنْ ينهل من معينها ويربّي نفسه وولده على نهجها، لما فيها من محاسن السجايا والخصال، والأمل كل الأمل أن يتبع هذه المحاولة محاولات جادة من أصدقاء الشهيد وعارفيه بأن تعد ندوة تتناول سيرته وأفكاره ومذكراته؛ وتنشر خواطره ومقالاته؛ إكراما له ولتضحيته؛ فإنه أهل لذلك دون أدنى مزايدة أو منة أو جميل.
أخيرًا أسأل الله الرحمة والمغفرة للشيخ الشهيد محمد، فقد أدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد في الله حق الجهاد، ونسأله سبحانه أنْ يبارك في ذريته، وأن يجعلهم خير خلف لخير سلف، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو على كل شيء قدير وبالإجابة جدير وهو نعم المولى ونعم النصير، وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
__________
(1) سورة الأحزاب، آية 23. (1/94)
صفحة 94
ملحق 1
نماذج من كتابات الشيخ محمد علي يحيى معمر
بين ضفاف وادي الثلث (1)
وادي الثلث هو أقصى (الأوكار) من حدود ليبيا الغربية، و (الوكر) في لغة أهل تلك الجهة هو (الوطن) الصغير، وهو مأخوذ من (وكر) الطائر وهو عشه، والكلمة عربية فصيحة كما في القاموس المحيط، وفي المثل الليبي: "الطير يقول يا وكري" أي أنّ الطير وهو القادر على الطيران إلى أماكن بعيدة، ومجاهل جديدة، قد تكون أوفر رزقًا وأرغد عيشًا، ومع ذلك يعود إلى عشه أو وطنه مهما كان غناء ورخاء تلك البقاع، وعلماء مراقبة الطيور لو سألوا الليبيين عن سر عودة الطيور لحصلوا على الإجابة دون عناء، فالليبيون عندما ضربوا هذا المثل كان الوطن معنى يتحد مع أعماقهم، وهم الذين جربوا سنين الرخاء وأعوام الشدة، فمن ربيع مزهر إلى جفاف مقحط في رحلات متلاحقة.
الرحلة إلى وادي الثلث في أوائل ضيف كل عام تبدأ من اختراق مجموعة من الشُعب والوديان الصغيرة، والرحلة لا تكتمل متعتها إلا إذا كانت على الأقدام ويصحبها رفاق يعرفون أصول الرحلات. فعلى ضفاف تلك الوديان الجافة تنبعث نسمات تحمل معها أنواع متمازجة من أريج "القندول" و"العرفج" و"الزعتر"، وروائح شجيرات "القرضاب" و"القيصوم" و"الزريقة"، وشجيرات الأعشاب
__________
(1) الإنقاذ ـ العدد (42) جمادى الأولى 1413 هـ ـ نوفمبر 1992 م. (1/95)
صفحة 95
الطبية "الشيح" و"الروبيا"، كما يطالعك مجموعات شجيرات الحلفاء تداعبها النسمات كما تداعب الأمشاط شعور الغيد.
ولا تملك أحيانًا إلا أن تمد يدك لتقطف بعض أزهار "القازول" و"القيز" وأزهار "الأقحوان" المختفية عن أشعة الشمس في ظلال شجيرات أكبر منها، وتتدلى أمامك عناقيد "عنب الذيب" وتمرات "النبق" وعنيقدات "القضوم".
وتستمر نزولًا حتى تنتهي بك تلك الشعاب إلى فم الوادي، فتغمرك تلك الفسحة الواسعة بدفقة ارتياح تسري حتى الأقدام التي يصيبها الكلل حتى تكاد تتعثر، ومن بعيد تبدو أشجار النخيل تطاول عنان السماء هنا وهناك، وتلوح أشجار التين (الكرموس) في خضرة يانعة قاتمة كأديم البحر.
(الكرموس)!؟ آه الكرموس إنها لا تعني مجرد فاكهة صيفية محببة للنفوس، و (اللاوية في الهاوية)، إنها لا تعني في تلك الأوكار سوى الخروج من هذا العالم "المُعَلَّب" إلى العالم الفسيح الذي يمتد أمامك إلى نهاية الأفق، ويخرج بك من الحياة المعلبة .. الأكل المعلّب .. المياه المعلبة .. البيت المعلب .. الأغاني المعلبة في اسطوانات .. القصص المعلبة في أشرطة .. الضحكات المعلبة على الشفاه .. الحزن المعلب في القلوب .. والسياسة المعلبة في وسائل الإعلام .. السنوات المعلبة في ذاكرة المهاجرين.
سنوات معلبة! عشرون سنة مضت ووادي الثلث لا يبارح الخيال، ونسماته تنعش الذاكرة كلما أصابها شيء من الكلال .. حشد من ذكريات الطفولة والصبا والكهولة، عشرون سنة والملامح ترتسم بكل دقائقها وتفاصيلها .. هنا ساقية "الماجن" الكبير، ومن هنا طريق إلى "غار" عمي ساسي، وهذه كرمة جدتي أم السعد، وهناك زريبة "الجديان" تحذر أن تصيبك أشواك السدر، وهذه "رشادة (1/96)
صفحة 96
القنادي" وذلك مسرب: الذهيبات" وهناك تطل "راقوبة الفلافلة"، وإلى اليمين "رباط المقادمة" وإلى شمالك "مقيل عمي علي العاميد"، وعلى مدى البصر ترتفع "قصبة الدغباجي".
الدغباجي! وتنظر إلى ضفاف الوادي لترى الخيل المطهمة وهي تثير الغبار بسنابكها الصماء، تكر على المستعمرين الفرنسيين الدخلاء وتعود لتخترق صفوف الطليان الجبناء الذين استعانوا بالأحباش، الوادي يمتلئ بالرجال الأبطال الذين لم يعرف الخوف أو التردد إلى قلوبهم سبيلاً.
الخيل تصهل بشدة ولا تتراجع حتى تشق الصفوف أو يسقط الفارس مضرجًا بدمائه تحت إحدى "الكرمات"، آخر شربة كانت من "الماجن الكبير"، آخر كلمة نبس بها البطل بعد التشهد: "لا تفرطوا في وكر الكرم والزيتون، جاهدوا الطليان ياللي لابسين جرود". آخر رمقة كانت إلى كرمة جدتي "أم السعد".
متى يشاهد أولادي جدتهم أم السعد؟ وتحكي لهم قصة الغول الذي لم يعط لمسعودة جذوة النار حتى نزع من أخيها مسعود سيرًا من أعلى جبهته إلى أخمص قدميه. لقد فعلها الغول، فأين جذوة النار يا مسعود؟!!
يا عمي لا تحزن ورب الكعبة سنرحل إلى وادي الثلث مثلما تشرق الشمس كل صباح.
أحمد عسكر (1/97)
صفحة 97
ملحق 2
صورة من رسالة الشيخ محمد علي يحيى معمر إلى الدكتور عمرو النامي (1)
__________
(1) صورة نقلتها عن مجلة الإنقاذ، عد 45، ص 24. (1/98)
صفحة 98
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأستاذ الفاضل رفيق القلوب وقدوة الشباب في الجبل العظيم
أستاذنا عمرو خليفة النامي
تحية طيبة وسلام من القلوب الصافية
سلام من نفوس تتشوق إلى مقابلتكم والجلوس إلى جانبكم، وهل يمكن للإنسان أنْ ينس تلك الجلسات التي كانت ترفرف فيها الأرواح المؤمنة، وذلك الصفاء الذي يشع من القلوب المطمئنة .. ويا لتلك اللحظات التي تسمو بعواطفنا لنعيش في جو الإيمان الخالص مع تلك الأحاسيس الشفيفة الرقيقة.
أستاذي عمرو
لقد كان نصيبي للأخذ منك قليلًا .. ولكن هذا القليل ملك قلوبنا، وشحن نفوسنا وزودنا بكثير مما لا يجده غيرنا .. فقد بدأتَ لنا الطريق. وإنّا إن شاء الله نحي ما خلفه أجدادنا أبناء الجبال العظام .. والله من وراء القصد.
إنّ لجج العلوم والبحور التي تسبح فيها وتخوض لتخرج لنا التراث في مظهره الجديد واللائق به لهي اللجج التي أخذنا على أنفسنا السير فيها إن شاء الله.
أستاذنا عمرو
إنّ لرسائلك روحًا قوية مؤمنة، وإنّ فيها لجوهراً أخّاذاً، وهي وسيلتنا للاجتماع بك .. ولتشدّ من عزائمنا، وتقوي من سلوكنا .. ولقد والله كثيراً ما تمنيت أن يقرأها جميع شبابنا.
ذهبتُ في الصيف الماضي إلى نالوت وبقيتُ فيها شهراً وأسبوعاً كنت أود خلالها أن أقابل الأستاذ ( ... ) غير أنه كان موجودًا في طرابلس وقد أقمت عند خالي ( .... ) وكثيراً ما اجتمعت مع الأستاذ ( ... ). وقد مرّت تلك الأيام ولم أطلع فيها إلا (1/99)
صفحة 99
على اليسير من الكتب، كما أني رجعت من هناك ولم أقابل الحاج.
لقد شجعني الأستاذ ( .... ) على حفظ الشعر وقرضه، وإني لأجد في نفسي شيئًا من ذلك، وقد حاولتُ مرات كثيرة. فتتعطل عليّ الكلمات أحيانًا كثيرة وتجود أحيانًا قليلة .. كما أنّ والدي أَعْلَمَنِي أنّ للشعر أوزانًا وعروضاً لا أستطيع قوله إلا إذا كان شعراً حديثًا .. وتركت القول حتى ألمّ بالموضوع لمامًا ما كان الأستاذ ( ... ) ونتحدث في أمور كثيرة وأحوال (ايتما تنغ (1) والنشاطات التي يقومون بها.
أما أخبار البلاد الصغيرة فهي جيدة، وقد نزلت أمطار نرجو منها خيراً، وبلغت في الأيام الأولى 32 ملم، وبعد أسبوع بلغت ?? مليم. إننا بانتظار ربيع جميل هذه السنة. أخبرني الأخ ( .... ) بقصيدة قلتها عندما كنت في الجامعة في بنغازي، تكلمتَ فيها عن منزلكم هناك أيام الدراسة، فأرجو إرسالها إنْ كان لك وقت، وإني أعلم أنّ تفتيش المكتبات والأشغال لا تترك مثل هذا الوقت، كما أنّ ظروف التأليف لا تسمح بذلك.
إننا في صحة جيّدة وخير من عند الله كثير، كما أنّ والدي في صحة وعافية في هذه الأيام. يسلم عليك ( .... ) ويذكرك بأيام منزل ( .... )
كما يسلم عليك كل من ( ...... ) ويسأل لماذا لا يأتي الذي عنده (تومرت) (2)، كما أنّ هناك كيس سلام من ( ...... ) هناك سلام النالوتيات إلى النالوتية.
ولك سلام لا انتهائي من تلميذك محمد علي يحيى
(ستسبب لك هذه الرسالة كثيراً من الصداع، فأرجو أنْ تشتري بعض حبوب الأسبرو بعد القراءة ودمت للمذهب والجبل ولنا).
__________
(1) إخوتنا بالأمازيغية.
(2) تومرت: اللحية بالأمازيغية، أي أنّ صاحب اللحية لم يأت. (1/100)
صفحة 100
المصادر والمراجع
- أبو طه، أبو يحيى كما عرفته، مجلة الإنقاذ، العدد 45.
- أبو مهند، حمادي رحيل الأخيار، مجلة الإنقاذ، عدد 45 ..
- الإمام، سالم، كاتب وأسماء، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م.
- بلالة، السنوسي، خاطرة من مقام الحزن، مجلة الأنقاذ، عدد 45، 1995 م.
- الترمذي، سنن الترمذي، تح: شاكر، أحمد محمد، ط 2، سنة 1975 م.
- حوار أجريته مع الأستاذ الأستاذ عثمان عقيل يوم 1 ديسمبر 2024 م.
- حوار أجريته مع الأستاذ الطاهر الجعيدي 18 نوفمبر 2024 م.
- حوار أجريته مع الأستاذ حسين التركي 23 نوفمبر 2024 م.
- حوار أجريته مع الأستاذ حسين التركي يوم الثلاثاء 19 نوفمبر 2024 م.
- حوار أجريته مع الأستاذ حسين التركي، 2 نوفمبر 2024 م.
- حوار أجريته مع الأستاذ حسين التركي، في 30 أكتوبر 2024 م.
- حوار أجريته مع الأستاذ علي عبد الله الضراط، 2 ديسمبر 2024 م،
- حوار أجريته مع الأستاذة وفاء نشنوش زوجة الشيخ محمد، وكان ذلك مساء الثلاثاء 5 نوفمبر 2024 م.
- حوار أجريته مع الأستاذة وفاء نشنوش، 30 نوفبر 2024 م.
- حوار أجريته مع الأستاذة وفاء نشنوش، مساء السبت 30 نوفمبر سنة 2024 م.
- حوار أجريته مع الدكتور عمرو أحمد عيسى التندميرتي. 28 أكتوبر 2024 م. (1/101)
صفحة 101
- حوار أجريته مع المهندس خليفة سليمان 28 أكتوبر 2024 م.
- حوار كتابي أجريته مع الأستاذ حسين محمود التركي، يوم 6 نوفمبر 2024 م.
- حوار كتابي أجريته مع الأستاذ علي العكرمي، 3 نوفمبر 2024 م.
- حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء الأربعاء،6 نوفمبر 2024 م.
- حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء السبت، 3 نوفمبر سنة 2024 م.
- خليفة، خالد، رحيل وطن، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م.
- دخيل، محمود محمد، محمد علي يحيى معمر، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م.
- الرز، علي، سيرى أولادك جدتهم أم السعد، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م.
- سليمان، خليفة، عبر صفحته على الفيس بوك، للمزيد ينظر: https://www.facebook.com/share/p/19 LT 2 MvW 5 R/.
- السنكي، شكري محمد، ضمير وطن سيرة رجال واجهوا الاستبداد وقاوموه، مكتبة الكون -ط 1، سنة 2021 م.
- السيفي، محمد بن عبد الله، النمير حكايات وروايات، مكتبة غاية المراد – سلطنة عمان، ط 1، سنة 2016 م.
- الشيخي، عبدالله أحمد، إلى رجل فقدناه، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م.
- صهد، إبراهيم عبد العزيز، وقفة وداع، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م.
- العتوم، أيمن، طريق جنهم. د. ت. ط. 2018 م. (1/102)
صفحة 102
- القويري، مصطفى، الشيخ فتحي في ذمة الله، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م.
- الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، العدد 45، 1995 م.
- مجلة الإنقاذ ـ العدد (42) جمادى الأول 1413 هـ ـ نوفمبر 1992 م.
- مركز الشهيد أحمد أحواس، مقالة بعنوان: محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني): https://hajmarkiz.org/2021/08/15/%d 9%85%d 8%ad%d 9%85%d 8%af-%d 8%b 9%d 9%84%d 9%8 a-%d 9%8 a%d 8%ad%d 9%8 a-%d 9%85%d 8%b 9%d 9%85%d 8%b 1 - %d 9%81%d 8%aa%d 8%ad%d 9%8 a-%d 8%a 7%d 9%84%d 8%a 8%d 8%a 7%d 8%b 1%d 9%88%d 9%86%d 9%8 a/
- مزيدة، عيسى سعيد، الكفاح العلمي عند الشيخ علي يحيى معمر، محاضرة ألقاها بتنظيم مؤسسة الاستقامة للقرآن وعلومه – نالوت، https://youtu.be/uwmqq_pcfj 8?si=a 9 LG 8 AetKbC-9 BQj
- معمر، علي يحيى، سمر أسرة مسلمة، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع – سلطنة عُمان، ط 3، سنة 2004 م.
- المقريف، محمد يوسف، الرجال الجبال، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م.
- منصور، مفتاح، الشيخ .. والبحر، مجلة الإنقاذ، عدد 45، سنة 1995 م.
- نشنوش، وفاء، عبر صفحتها على الفيس بوك، رابط المنشور: https://www.facebook.com/share/p/18 a 3 xqTyLv/ (1/103)