صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: التاريخ والتراجم
------------------------------------------
العنوان: شخصيات عُمانية
المؤلف: السيابي، أحمد بن سعود
بيانات النشر: مسقط، سلطنة عُمان: ذاكرة عُمان، 2017م
التصنيف الموضوعي: الجغرافيا والتاريخ والسِّيَر | التراجم والسِّير
المواضيع: العلماء المسلمون - سلطنة عُمان
رقم الطبعة: 1
بيانات متقدمة (Metadata):
المؤلف:
الاسم كما ورد بالكتاب: أحمد بن سعود السيابي
الاسم الاستنادي: السيابي، أحمد بن سعود
الجنسية: عُماني
بيانات النشر:
مكان النشر - الولاية: مسقط
مكان النشر - الدولة: سلطنة عُمان
اسم الناشر: ذاكرة عُمان
تاريخ النشر: 2017م
التصنيف الموضوعي: الجغرافيا والتاريخ والسِّيَر -- التراجم والسِّيَر
المصطلح الموضوعي: العلماء المسلمون
التقسيم الفرعي الجغرافي: سلطنة عُمان
الوصف المادي:
عدد الصفحات: 211
الطبعة: 1
اللغة الأصلية للمادة: العربية
البيانات نقلا عن موقع المقصورة:
https://maqsurah.com/home/item_detail/73672
------------------------------------------
مصدر النسخة المُصوَّرة للكتاب (PDF) موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/375
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 02 شعبان 1446ه/ 01 - شهر 02 - 2025م. شخصيات عمانية
بقلم الشيخ أحمد بن سعود السيابي (1/1)
صفحة 2
شخصيات النية (1/2)
صفحة 3
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى 1438 هـ / 2017 م
الناشر: ذاكرة عُمان سلطنة عُمان - مسقط
هاتف: 0096892211011
البريد الإلكتروني thakeratoman@gmail.com
الموقع www.thaoman.com (1/3)
صفحة 4
مقادنا
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وسار على نهجه واتبع هداه، أمّا بعد: فإن مما أمر الله به هو أن يقتدي اللاحق بالسابق فيما كان فيه الاهتداء إلى الحق، لكي يكون. اللاحق في ضوء سير السابق هدى وفضلاً وعلماً
سير
وصلاحاً، وحتى يكون التواصل بين الخلف والسلف أمراً موجوداً في شكل حلقات يأخذ بعضها بحجز البعض الآخر، وهو ما أمر الله به عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الأنبياء الذين سبقوه بقوله: {أُولَيكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فيهدَتهُمُ اقْتَدِهُ} [الأنعام: 90].
وهذا
هو التقليد المحمود لأنه تقليد في الحق واتباع للحق، وليس كالتقليد المذموم الذي يكون فيه التقليد في الباطل الذي هو ضد الحق، كتقليد الآباء والأجداد في الباطل واتباعهم، وهو ما نعاه القرآن الكريم على المشركين الذين تمسكوا بشركهم وباطلهم وهواهم حيث قال الله وعن عنهم: «إِنَّا وَجَدْنَا اباءنا على أمام وَإِنَّا عَلَى أَثَرِهِم مُهتَدُونَ} [الزخرف: 22) إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى أَثَرِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23].
على أن أمر الله وعل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهدى الأنبياء السابقين، يقاس
عليه الاقتداء بالعلماء والاهتداء بهداهم، وذلك لأمرين:
الأول: بجامع الهداية والاهتداء.
الثاني: إن العلماء ورثة الأنبياء كما جاء في الرواية. (1/5)
صفحة 5
6
شخصيات عُمانية
فلا غرو أن يقرّر سيد التابعين وثقة المسلمين أبو الشعثاء جابر بن زيد بعد أن ذكر الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان قائلاً: «فالحق علينا وطء أقدامهم واتباع أثرهم، واعلم أنه لم يهلك قوم قط حتى نازع الآخر الأول في العلم».
عدد
من
وفي هذا السياق الحميد يأتي كتابنا هذا «شخصيات عمانية» ذاكراً سيرة الأئمة والعلماء؛ اعترافاً بعلمهم وفضلهم وصلاحهم وجهودهم وجهادهم في سبيل نشر العلم وإقامة الحق والعدل وإعلاء شأن الإسلام في ربوع المعمورة. وقد رتبت شخصيات الكتاب على وجودهم الزمني أو الحياتي، وليس وفق التاريخ الزمني الذي تمت الكتابة فيه عنهم. على أن الكتاب لم يتناول جميع الجوانب الحياتية لشخصياته وإنما تناول جوانب معيّنة ومحددة عنهم.
وعسى أن يسهم في إعطاء فكرة وفكر عنهم للقراء والباحثين، حيث أن المكتبة العربية الإسلامية فيها نقص في مجال معرفة العلماء والأئمة العمانيين العوامل عديدة ليس هنا محل ذكرها.
والله ولي التوفيق وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أحمد.
مسقط العامرة
بن سعود السيابي
29 ربيع الثاني 1438 هـ
28 يناير 2017 م (1/6)
صفحة 6
المواقف التاريخية للإمام جابر بن زيد (1)
(1) بحث مقدم إلى ندوة من أعلامنا» في شهر سبتمبر 1988 م. (1/7)
صفحة 7
1 - المواقف التاريخية للإمام جابر بن زيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام جابر بن زيد (نبذة تاريخية)
تحدد المصادر التاريخية مولده بين سنتي (18) ـ 22) من القرن الأول الهجري في بلدة فرق من أعمال نزوى، وهو من قبيلة اليحمد إحدى قبائل الأزد بعمان، وكان أبوه صحابيا، فقد ساق أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن حديثا من رواية جابر بن زيد عن أبيه عن رسول الله.
غير أن المصادر التاريخية لم تحدد تاريخ خروجه من. عُمان وقدومه إلى المدينة المنورة أو البصرة، والظاهر أن قدومه كان في عهد معاوية بن أبي سفيان، ولعله بعد خروجه من عُمان نزل أولاً في البصرة، ثم رحل منها إلى المدينة المنورة بغية الأخذ عن الصحابة، لا سيما أكابرهم، كعائشة أم المؤمنين وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عباس وغيرهم من الصحابة ـ رضي الله عنهم وأرضاهم - ونظرا للعدد الكبير من أولئك الصحابة الكرام الذين التقى بهم وروى عنهم كان يقول «أدركت سبعين بدريًا فحويت ما عندهم إلا البحر ويعني بالبحر ابن عباس ـ وبما أن ابن عباس لم يكن من أهل بدر فالإستثناء منقطع - وهذا القول منه يدل على أن لأهل بدر منزلة خاصة فهم الرعيل الأول الذين انتصرت راية الحق على أيديهم وتنفس الإسلام بهم الصعداء، فانتقل من مرحلة الكتمان إلى مرحلة الظهور، أو من مرحلة الضعف إلى مرحلة القوة، لذلك كان لقاء الإمام جابر بن زيد عددهم بالإضافة إلى لقائه بعلماء الصحابة له أثره
بذلك العدد
منهم
على قلة (1/9)
صفحة 8
شخصيات عُمانية
الخاص الفعّال في تكوين الإمام العلمي والفكري والسلوكي، ذلك التكوين الذي إنبنت عليه حياته النزيهة ومواقفه التاريخية العظيمة.
على أن علاقته بابن عباس «بحر العلم وترجمان القرآن» كانت قوية وظلت مستمرة ولذلك يقال عنه أشهر من صحب ابن عباس وقرأ عنه»، ومن هنالك نجد أن آراء ابن عباس منعكسة على المذهب الإباضي، وليس بعيداً أن يكون موقف الإمام من السلطة الحاكمة آنذاك بإرشاد وتوجيه من شيخه وأستاذه ابن عباس فقد روي أن أبا فقاس الأسود بن قيس وهو من أصحاب جابر ورفقائه وكانا يحجان معاً فيلقيان ابن عباس فلاقاه جابر مرة ولم يكن معه أبو فقاس فقال ابن عباس: أين صاحبك قال: أخذه ابن زياد ـ قال ابن عباس وأنه لمتهم؟ قال: نعم، فسأل جابر ابن عباس «أوما أنت بمتهم؟ قال: ابن عباس ـ اللهم بلى».
وكما كان الإختلاف في تاريخ ولادته وقع أيضاً الإختلاف في تاريخ وفاته، بيد أن الرجحان يتجه إلى وفاته أنها كانت سنة 93 هـ، وهو التاريخ الذي حدده رواة الحديث الذين عرف عنهم عنايتهم واهتمامهم بضبط تواريخ أئمة الحديث. كما قيل أن الصحابي أنس بن مالك وجابر بن زيد توفيا في جمعة واحدة أي في أسبوع واحد - ورجحت وفاة أنس بأنها كانت سنة 93 هـ، وعلى هذا فإن وفاة الإمام جابر سنة 93 هـ قال عنه الشماخي «وكان أعلم الناس وأروع الناس وأعبد الناس - استضاء بنوره جماعة عظيمة وأخذ عنه ناس كثيرة ـ وكان
مجاب الدعاء».
امتناعه عن معاونة الظلمة
قد تلجئ الظروف بعض الناس إلى الإتصال بالظلمة والجبابرة الذين يتخذون مال الله دولاً وعبادة خولاً، وتكون تلك الظروف أشد مرارةً عندما (1/10)
صفحة 9
1 - المواقف التاريخية للإمام جابر بن زيد
11
يرزح تحت وطأتها أئمة العلم والدين لاسيما مع ظالم متكبر كالحجاج بن يوسف، الذي ملأ القلوب رعباً وإرهاباً، ففي مثل هذه المواقف تظهر عظمة العالم وتتجلى قوة شخصيته ورباطة جأشه، هذه المواقف التي يتصارع فيها الخوف والطمع، الخوف من بطش أولئك المتسلطين والطمع فيما عندهم، ولكن العالم العامل يفرض عليه علمه وعمله التزام جادة الحق وسلوك طريق الآخرة في أي مكان، يقف كالطود الأشم - يهتدى به ومناراً يهتدي بهداه، إذا احلولكت الظروف بالأمة واصطدم فيها الحق بالباطل واختلط الحابل بالنابل. ومن ثنايا تلك الظروف الحالكة القاتمة يشع نوراً موقف الإمام جابر بن زيد مع الحجاج بن يوسف وينساب ضياؤه عبر مراحل التاريخ لينير للأمة طريق الكرامة والعزة.
وذلك عندما كان جالساً مع الحجاج وكان الحجاج يكتب فسقط القلم من يده فقال للإمام ناولني القلم، وربما كان ذلك اختباراً منه لجابر، ليعرف صلابته في الحق، فكان الجواب مستوحى من هدى السنة النبوية الشريفة، القاضية بالحق والدالة على الصدق والمؤكدة على العدل والإحسان، حيث قال له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمدة قلم».
وهذا تصريح بظلم الحجاج دون مداهنة أو خوف.
كان القضاء أعلى منصب ديني في الإسلام، طالما أشر أبت إليه أعناق الكثيرين وتطاولت أنظارهم إليه بغية الوصول للإرتقاء إليه، بيد أنه بجانب أولئك، كانت هنالك مواقف لعلماء السلف الصالح الذين لم تختلبهم زهرة المناصب فابتعدوا عن الوقوع في شراكها، ومن بين تلك المواقف موقفان للإمام جابر بن زيد حين وعى لتولي القضاء.
(1) الدليل والبرهان للإمام أبي يعقوب الرارجلاني، الجزء الثالث. ص 80، وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان ... وانظر فقه الإمام جابر بن زيد ... يحيى البكوش ص 24. (1/11)
صفحة 10
12
شخصيات عُمانية
الموقف الأول: مع الحجاج بن يوسف
ذهب الإمام جابر بن زيد لزيارة زيد بن أبي مسلم ـ كاتب الحجاج ووزيره
قال
فأدخله على الحجاج، وأعجب الحجاج بالإمام، فقال له أتقرأ؟ قال نعم، له أتفرض؟ قال نعم، قال الحجاج لا ينبغي لنا أن نؤثر بك أحداً بل نجعلك قاضياً للمسلمين، فقال جابر إني أضعف من ذلك، قال وما مبلغ ضعفك؟ قال يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما، قال أن هذا لهو الضعف (1)، إنها فرصة طالما سعى إليها آخرون وتمنوها وبذلوا في سبيل الحصول عليها، ولكن جابر بن زيد الذي وصفه الإمام محمد بن سيرين - بقوله «كان أبو الشعثاء مسلماً عند الدرهم والدينار» (2) لم يكن ليغريه هذا العرض، ويعلق الدكتور عوض خليفات على هذا الموضوع مستنتجاً «أن جابراً يريد اخفاء مقدرته وإبداء ضعفه للوالي حتى يبعد الشبهات عنه، وحتى لا يخطر ببال الوالي أن رجلاً بلغ هذه الدرجة من الضعف يمكنه لأن يقوم نتأسيس حركة سرية مناوئة للحكم» (3).
كان
ولنا أن لا نوافق الدكتور خليفات على هذا التعليل وقد عرفنا موقف الإمام ومستنده عن العمل تحت مسؤولية الحجاج، على أنه لا مانع أن التعليل إلى المانع الديني الذي أشرنا إليه.
الموقف الثاني: مع الحكم بن أيوب
ينضم
هذا
كتب عامل البصرة الحكم بن أيوب الثقفي - وهو ابن عم الحجاج وعامله على البصرة - نفراً للقضاء منهم جابر بن زيد، يقول عمرو بن دينار ـ وهو من
(1) طبقات المشايخ لأبي العباس الدرجيني، ج 2 ص 211، كتاب السير للشماخي، ج 1 ص 70.
(2) فقه الإما جابر بن زيد، ص 22.
(3) نشأة الحركة الإباضية، عوض خليفات، ص 97. (1/12)
صفحة 11
- المواقف التاريخية للإمام جابر بن زيد
13
تلاميذ الإمام جابر بن زيد ومن رواة الحديث المشهورين ـ قال لي أبو الشعثاء ـ كتب الحكم بن أيوب نفراً للقضاء أنا منهم، ثم قال أي عمرو:
فلو ابتليت بشيء منه لركبت راحلتي وهربت في الأرض).
حرصه على أداء الحج
كان جابر حريصاً على أداء الحج كل عام فقد كان يحج كل سنة، ولعل
هذا الحرص نابع من نظرته إلى العبادات وتقديسه لها باعتبار ما يتحمله العبد مشقة وجهد، وما يترتب على ذلك من الأجر والثواب، فقد روى عنه أنه من يقول «نظرت في أعمال البر، فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن فرأيت أن الحج أفضل من ذلك".
كما أن أحكام الحج كلها أحكام عملية تطبيقية، والحجيج ولا شك بحاجة
من
إلى من يرشدهم إليها ويبينها لهم، فإن الله يعبد بالعلم، فكان لابد للعلماء الذهاب إلى الحج للقيام بواجب العبادة أولاً، وثانياً لإرشاد الناس وتعليمهم أمور حجهم، إضافة إلى ما يتيحه الحج من اللقاء بالناس والتعارف مصداقاً لقوله تعالى {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} (الحج: 28]، لهذا كان الإمام حريصاً على الحج كل سنة، غير أنه في إحدى السنوات منعه عامل البصرة من الذهاب إلى الحج، قائلاً له أن الناس يحتاجون إليك، فقال لا أفعل فسجنه، ولم يطلقه إلا بعد أن دخل شهر ذي الحجة ظناً منه أن جابراً لا يتمكن من السفر نظراً لضيق الوقت وبعد المكان، قال أبو سفيان «كان جابر بن زيد يحج كل سنة، فلما كان ذات سنة بعث إليه عامل البصرة، أن لا تبرح العام، فإن الناس يحتاجون إليك،
(1) فقه الإما جابر بن زيد ص 69.
-
(2) فقه الإمام جابر بن زيد ص 224 - 2 كتاب السير ج 1 ص 68، وانظر طبقات الدرجيني، ج 2
ص 208. (1/13)
صفحة 12
14
شخصيات عُمانية
فقال لا أفعل، فسجنه فلما كان غرة ذي الحجة جاءه الناس فقالوا أصلحك الله قد هل هلال ذي الحجة، قال فأرسله فخرج من السجن، فأتى منزله، وناقته حوله في الدار كان قد هيأها للخروج، فأخذه يشدّ عليها الرحل ويقول «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها» يا آمنة أعندك شيء؟ ء؟ قالت نعم، فلا تخبريه بمسيري يومي
فهيأته في جرابين، فقال: من سألك
هذا، فخرج
عني من ليلته وانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، فضربت ناقته بجرانها الأرض، وتجلجلت؛ فقال الناس ذكها ذكها، قال حقيق لناقة رأت هلال ذي الحجة
بالبصرة أن لا يفعل بها هذا».
وفي هذه الرواية ما يشير إلى وفائه لناقته، لأن الوفاء ينبغي أن يكون
متبادلاً بين الإنسان والحيوان.
صراحته مع الحجاج بن يوسف
أئمة التابعين مع
عرف الإمام جابر بسعة العلم وتبحره فيه واشتهر أمره بأنه واحد من أبرز ما كان يتصف به من نزاهة وسيرة مثلى وزهد في الحياة الدنيا، ودقة في الفتوى وإصدار الأحكام، ولذلك كان محل ثقة الجميع في علمه وفتاواه وصار معروفاً عند الخاص والعام يقول إياس بن معاوية «رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد).
وكان والي العراق الحجاج بن يوسف يبعث إليه بأسئلة بوساطة كاتبه يزيد بن أبي مسلم لكي يجيب عليها جابر (3) وأحياناً تكون تلك الأسئلة مباشرة بين الإمام والحجاج، فقد سأله مرة عن أول آية من سورة البقرة، فأجابه
(1) انظر الطبقات للدرجيني ج 2 ص 205 وكتاب السـ للشماخي ج 1 ص 67 وشرح المسند للسالمي ج 1 ص 7. (2) الجامع الصحيح، (مسند الإمام الربيع بن حبيب) قسم المقاطيع ص 266. (1/14)
صفحة 13
1 - المواقف التاريخية للإمام جابر بن زيد
15
أبو الشعثاء تلك للمؤمنين قال والثانية، قال تلك للكافرين، قال والثالثة، قال
له فيك وفي أصحابك، يعني أن الحجاج وأصحابه منافقون.
قتل خردلة
خلق الله الإنسان وكرّمه على غيره من المخلوقات قال تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بني ادم وحملتهُمْ فِي البَرِ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْتَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].
وجاءت شرائع الأنبياء مؤكدة هذا الإكرام، حتى جاء الإسلام ليبلغ الذروة بإكرام الإنسان غير أن الإنسان يبقى متمتعاً بهذه الحصانة طالما ظل منضبطاً بالضوابط الإيمانية، أما إذا خرج عن تلك الضوابط، وأخذ يعبث في المجتمع فساداً، وقام يؤذي المسلمين، فإن له شأناً آخر في حكم الإسلام كما كان الشأن مع خردلة الذي أمر الإمام جابر بقتله وكان خردلة قد سعى بجماعة من المسلمين وشاية عند عبيد الله بن زياد والي البصرة، فقتلوا، فقيض الله أحد شباب أهل الدعوة المتحمسين، يطلب الشهادة ويلتمس سبيل الجهاد، فانتهز جابر الفرصة للتخلص من شر ذلك الخبيث الفاسد الذي تسبب في إعدام الكثيرين من الصالحين قال أبو سفيان: «أتى شاب أبا الشعثاء، فقال: أي الجهاد أفضل؟ قال: قتل خردله والشاب لا يعرفه فأراه اياه رجل من المسلمين في المسجد ووضع يده عليه لئلا يخطأه؛ فضربه بين كتفيه ضربة بخنجر قد سمه، وأخذ فقال له الوالي قد علمت أنك لم تفعل هذا. من نفسك، وإنما أمرت فدلني على من أمرك، ومنّاه، فقال: دع عنك هذا، فقتله وكان خردلة سعى بجماعة من المسلمين فقتلوا» (3).
(1) كتاب السير ج 1، ص 71، الطبقات ج 2 ص 12.
(2) كتاب السير للشماخي، ج 1، ص 71، وانظر نشأة الحركة الإباضية ص 96. (1/15)
صفحة 14
16
شخصيات عُمانية
ولا شك أن جابراً عندما أصدر هذه الفتوى الجرئية كان يعرف مخاطرها ومغبة أمرها فيما لو ضعف ذلك الشاب أمام التهديد والوعيد، فكشف الأمر وأخبر بالسر، ولكنه كان صادقاً فيما اعتقد، وفياً بما وعد، ثبت على مبدئه ثبات الجبال الرواسي، قائلاً للوالي وهو يمنيه لكي يخبر بالأمر «دع عنك هذا فكان على مستوى المسؤولية الجسيمة حقاً.
فلله تلك الفتوى الجريئة والنظرة العميقة من أبي الشعثاء أن تلك الفتوى لتعتبر بحق قاعدة من قواعد السياسة الشرعية، والله در ذلك الفتى الذي صبر على التعذيب ثم القتل.
نفيه إلى عُمان
عاش الإمام جابر في البصرة، مركز الإشعاع الثقافي والتفاعل الفكري، بجانب قومه الأزد الذين نزلوا البصرة أثناء تمصيرها وأثر رجوعهم من بعض
الله
عنه
الفتوحات في فارس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب - رضي وأرضاه، وكان من أبرز جماعة الأزد العُمانيين في البصرة أسرة المهلب بن أبي صفرة الذين كان لهم دور معروف في توطيد دعائم الحكم الأموي والقضاء على الخوارج بعد أن كادت تسقط البصرة في أيديهم، على أن علاقة المهلب وأولاده بالدولة الأموية كانت تمر بين مد وجزر، وكان الحجاج بن يوسف والي العراق من أشد المناوئين لآل المهلب، فبعد وفاة المهلب أسفر الحجاج عن عداوته ومناوئته لآل المهلب فتنكر لهم واستطاع إقناع الوليد بن عبد المهلك بن مروان بعزل يزيد والزج به في السجن مع بعض أفراد أسرته (2)، وقد جاء في المصادر نفي جابر إلى عُمان ومعه هبيرة جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل (3).
(1) تحفة الأعيان نور الدين السالمي، ج 1، ص 69.
(2) نشأة الحركة الإباضية، ص 100. (3) كتبا السير للشماخي، ج 1، ص 71. (1/16)
صفحة 15
1 - المواقف التاريخية للإمام جابر بن زيد
17
والظاهر أن نفي جابر إلى عُمان مرتبط بهذه الحادثة تحسباً لأي ردة فعل من جانب قبيلة الأزد في البصرة التي ينتمي إليها جابر نظراً لمكانته العلمية، ويرى الدكتور عوض خليفات أن الحجاج بن يوسف قام بسجن الإمام جابر ثم أطلق سراحه ونفاه إلى عُمان).
ولعل الإمام جابراً كان قد تم نفيه إلى عُمان أكثر من مرة، والله أعلم.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الإسلام ودعامته فقد أمر الله به الأمة الإسلامية حيث قال عز من قائل وَلتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104] وقد زكى الله هذه الأمة لقيامها بهذا الواجب المقدّس فقال كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طريق لابد للمؤمنين من سلوكه، ولأهميته جعل الإسلام له ثلاث مراتب اليد أو اللسان أو القلب، كما جاء في الحديث الشريف، ليتكمن المسلم من القيام بذلك مستعملاً استطاعته وقدرته على تطبيق أي مرتبة منها.
وقد نقلت مواقف رائعة وقفها السلف الصالح في مواطن ترتعد فيها الفرائص وتتبلبل الأفكار، وما مر بنا من مواقف الإمام جابر بن زيد كانت.
هذا القبيل.
من
وكان الإمام الجليل حريصاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن له رسائل في هذا الشأن ومنها رسالته إلى الزهري المحدث المشهور، عندما
(1) نشأة الحركة الإباضية، ص 101. (1/17)
صفحة 16
18
شخصيات عُمانية
فتح باب الدخول إلى ملوك بني أمية وصار وزيراً للوليد بن عبد الملك، يقوم الإمام أبو يعقوب الوارجلاني وكتب إليه ـ أي الزهري ـ مائة وعشرون من الفقهاء يؤنبونه منهم جابر بن زيد وأبو حازم فقيه المدينة ووهب بن منبه، وقد وقفت على كتب هؤلاء الثلاثة (1).
المراجع
الرقم
الكتاب
المؤلف
القرآن الكريم
مسند الإمام الربيع الربيع بن حبيب الفراهيدي
أحكام القرآن أبو بكر الجصاص
طبقات المشايخ أبو العباس الدرجيني
كتاب السير أبو العباس الشماخي
شرح المسند نور الدين السالمي
نشأة الحركة الإباضية عوض خليفات
فقه الإمام جابر بن زيد يحيى محمد البكوش
الدليل والبرهان أبو يعقوب الوارجلاني
(1) الدليل والبرهان، ج 1، ص 20. (1/18)
صفحة 17
أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته (1)
(1) قدّم هذا البحث إلى ندوة «من أعلامنا» سنة 1409 هـ / 1989 م. (1/19)
صفحة 18
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
مقدمة
بسم
الله الرحمن الرحيم
21
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله
وصحبه ومن والاه.
أما بعد فيقول إمام العلم والعمل نور الدين عبد الله بن حميد السالمي في
مقدمة كتابه «تحفة الأعيان».
«فإنه لا يخفى على عاقل أن علم التاريخ مما يعين على الإقتداء بالصالحين ويرشد إلى طريقة المتقين، لأن فيه ذكر أخبار من مضى من صالح وطالح، فإذا سمع العاقل أخبار الصالحين اشتاقت نفسه إلى اقتفاء آثارهم، وإذا سمع أخبار الصالحين استفقت نفسه أن يكون من جملتهم، فتراه بذلك يقتفي آثار من صلح، ويتجنب أحوال من طلح».
أبو حمزة الشاري .. نشأته ودراسته
بيد أن المعلومات التي تتصل بحياة أبي حمزة صعبة المنال ونادرة الوجود، وما يتصل منها بنشأته وحياته الأولى أكثرها ندرة وأصعبها منالاً، والسبب الأكبر في اختفاء هذه المعلومات يرجع إلى تعرض التراث الإباضي للإهمال والضياع والتلاشي .. وقد قسمت البحث إلى قسمين: (1/21)
صفحة 19
22
القسم الأول:
شخصيات عُمانية
أبو حمزة في مرحلة النشأة ويتكون هذا القسم من ثلاثة عناصر:
العنصر الأول:
نبذة جغرافية عن سلطنة عُمان بصورة عامة وعن صحار ومجز بصورة خاصة، وذلك لإنتماء المبحوث عنه إلى بلدة (مجز) التي هي جزء من مدينة
صحار.
العنصر الثاني:
فيتحدث عن وجود العرب في عُمان بدءاً من العرب العاربة ومروراً
بالقحطانيين، ومجيء القائد العربي مالك بن فهم الأزدي وطرد الفرس من عُمان لنتوصل إلى معرفة قبيلة بني سليمة ونسب المبحوث عنه في تلك القبيلة
باعتباره عربياً أزدياً.
العنصر الثالث:
يتحدث عن إسلام أهل عُمان، حيث تعرضنا لمسير أول من أسلم من أهل عُمان ألا. وهو مازن بن غضوبة السعدي الطائي السمائلي، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مجيء عمرو بن العاص حاملاً كتاب النبي الله إلى ملكي عُمان، وانتشار الإسلام في عُمان، وبداية دراسة أبي حمزة الشاري في بلدة «مجز» وذلك لما للمجتمع الإسلامي من انعاكاسات إيجابية في حياة أبي حمزة، ذلك المجتمع الذي تكون بدخول الإسلام إلى عُمان.
القسم الثاني:
أبو حمزة في مرحلة الدراسة، ويتكون هذا القسم من أربعة عناصر: ـ (1/22)
صفحة 20
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
العنصر الأول:
23
تحدثنا فيه عن مدينة البصرة الفيحاء، وتمصيرها والعلاقة بينها وبين باعتبار دراسة أبي حمزة كانت في هذه المدينة المشهورة.
العنصر الثاني:
عُمان
فقد تحدثنا فيه عن مدرسة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي التي تخرج منها أبو حمزة وغيره من الدعاة الذين ملأوا الدنيا علماً وعدلاً.
العصر الثالث:
فيه ملامح من حياة أبي حمزة أثناء إقامته للدراسة في البصرة.
العنصر الرابع:
يتطرق إلى توجه أبي حمزة من البصرة إلى اليمن للمشاركة مع الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي.
لينتهي
الكريم
وأن
بذلك موضوع هذا البحث، وأضرع إلى الله أن يجعله خالصاً لوجهه
يثيبني عليه أجر الولاية في الدين وأن يجعلني من الذين قال فيهم ل وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَالإِخْوَانِنَا الذين سبقونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رحيم) [الحشر: 10]. (1/23)
صفحة 21
24
اللقسم الأول
أبو حمزة في مرحلة النشأة
شخصيات عُمانية
أولاً: نبذة جغرافية عن عُمان
أ ـ التعريف بعمان:
تحتل عُمان الجزء الجنوبي الشرقي من جزيرة العرب، وهي بهذا الموقع تكون في أقصى منطقة في الجهة الشرقية للوطن العربي الكبير، حيث أن منطقة رأس الحد الواقعة قريباً من مدينة صور تمثل آخر نقطة تراب في شرق
الوطن العربي.
وتشرف السلطنة على بحر العرب المحيط الهندي) من الجنوب الشرقي وعلى بحر. عُمان أو الخليج المتفرع عن المحيط الهندي والمتصل بالخليج العربي عبر مضيق هرمز من الجهة الشمالية الشرقية، كما أنها تطل من الجهة الشمالية على الخليج العربي، بينما يحدها من الغرب صحراء الربع الخالي، ومن الجنوب الغربي جمهورية اليمن الجنوبي)، ومن الشمال الغربي دولة
(2)
الإمارات العربية المتحدة، وتبلغ مساحتها حوالي (311300) كيلومتر مربع وهي بهذه المساحة تقارب مساحة بلاد الشام (سوريا والأردن وفلسطين ولبنان)، وتعد بذلك ثاني أكبر بلدان شبه الجزيرة العربية (3) أي بعد المملكة
(1) هكذا كان الوضع أيام إعداد هذا البحث.
(2) نبذة جغرافية من كتاب الإحصاءات التعليمية لعام 87 - 1988 م ص 11.
(3) نفس المصدر. (1/24)
صفحة 22
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
25
العربية السعودية .. وتطل على ساحل يبلغ أكثر من ألف وسبعمائة (1700)
(1)
كيلومتر) على بحر العرب وبحر عُمان.
وتختلف التضاريس في عُمان اختلافاً ظاهراً، من سهول وحزون إلى جبال ووديان، ورمال وقفار، فهي كما وصفها أحد أبنائها في القديم بأسلوب بليغ فصيح، أعجب به شيخ اللغة والأدب أبو عمرو بن العلاء، فقد حدث الأصمعي عن شيخه أبي عمرو بن العلاء قال: رأيت أعرابياً بمكة فاستفصحته، فقلت من الرجل؟ قال: من الأزد، قلت من أيهم؟ قال: من الحدان بن شمس، من أي بلاد؟ قال: عُمان، قلت: صف لي بلادك .. فقال: «سيف أفيح (واسع خصب) وفضاء صحصح فضاء مستو من الأرض) وجبل صلدح (ذو حجارة عريضة) ورمل أصيح (أبيض) (2)).
فقلت:
«لذلك تعتبر عُمان من أكثر بلاد العالم تنوعاً في التضاريس، فهي تجمع المتناقضات فترى فيها المرتفعات الصخرية في الجبال، والرمال الجرداء في الربع الخالي، وتلال ظفار التي تصبح خضراء بعد هطول الأمطار الموسمية ... ثم السهول المنبسطة المترامية، ثم ترى المنحدرات الصخرية الشاهقة وترى القرى الأنيقة القائمة في الوديان، تلك القرى التي تقوم فيها مزارع النخيل، ولعُمان كذلك خط ساحلي يمتد عدة مئات من الأميال يتفاوت بين الرملية المنبسطة، والمنافذ الصخرية (3) ويقول الأندلسي الشريشي في وصفها «ما ولي البحر سهول ورمال وما تباعد حزون وجبال» (4).
الشطآن
وتمتد في عُمان سلسلتان جبليتان هما، سلسلة جبال عُمان الممتد
(1) نفس المصدر.
(2) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان ج 1 ص 16. (3) داونالد هولي عُمان ونهضتها الحديثة ص 50. (4) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 7.
حجر (1/25)
صفحة 23
26
شخصيات عُمانية
من مسندم في الشمال وحتى منطقة رأس الحد في الجنوب، وسلسلة جبال القرى في المنطقة الجنوبية.
ويبلغ عدد السكان في سلطنة عُمان حوالي مليوني نسمة، كلهم مسلمون 100 ولله الحمد والغالبية العظمى من السكان ينحدرون من الأصليين العربيين (القحطانية أو العدنانية).
وقد اختلف في سبب تسميتها بعمان، فبينما يرى ابن خلدون أنها سميت قحطان الذي كان والياً عليها لأخيه يعرب بن قحطان (1) يرى آخرون
بعمان بن
أنها سميت بعمان بن إبراهيم الخليل أو بعمان بن سبأ بن يفثان بن إبراهيم خليل الرحمن ()، وقيل إن الأزد سموها عُمانا باسم واد كانوا ينزلونه يقال له عُمان (3)، وأما الفرس فقد سموها مزوناً (4) ولا يبعد أن يكون الفرس أطلقوا عليها اسم مزون وعندما جاء العرب الأزد بقيادة مالك بن فهم سموها باسمها القديم عُمان، ويقال أيضاً أن الساميين أطلقوا عليها اسم ماجان (ه) ولعل هذا الاسم كان يطلق على جزء منها وهو مكان استخراج النحاس حيث ربط المؤرخون هذه التسمية بوجود النحاس.
ومكان النحاس في عُمان يقع بين صحار وتوام (البريمي حالياً) وتشمل عُمان على العديد من الوديان الخصبة، وتقع البلدان والقرى الجميلة على ضفاف الأودية، وهناك في تلك البلدان والقرى تقوم أشجار النخيل ومختلف الأشجار والمزروعات لتشكل واحات خضراء جميلة، يتحول
(1) نفس المصدر.
(2) ياقوت الحموي، معجم البلدان ج 4، ص 150.
(3) تحفة الأعيان ج 1، ص 7.
(4) نفس المصدر، ج 1، ص 7.
(5) هولي، عُمان ونهضتها الحديثة، ص 14. (1/26)
صفحة 24
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
27
الهواء الصحرواي الجاف بالمرور في أحضانها وبين أغصانها إلى نسيم
عليل يبرئ العليل.
ومن
تلك الأودية وادي سمائل ووادي عندام ووادي خلفين ووادي دماء خالد والطائين ووادي بني. ووادي الرستاق ووادي المعاول ووادي الجزئ وأودية جبال الحدان وأودية الظاهرة ... وأهم المدن في. عُمان مسقط هي العاصمة الحالية، ونزوى العاصمة التاريخية والرستاق وسمائل وصحار ودبا وصور وإبراء وعبري والبريمي وصلالة ومرباط وجعلان والمضيبي.
ب ـ صحار:
تعتبر صحار من الأهمية بمكان. بين المدن العُمانية فهي ذات أهمية استيراتيجية وأهمية اقتصادية وأهمية تاريخية، وقد أكثر المؤرخون والجغرافيون والرحالة من ذكرها ووصفوها بالأوصاف الجميلة التي تدل على رقيها وأهميتها وعظمتها.
فقد قال عنها الأصطخري وهي على البحر وبها متاجر البحر وقصد المراكب وهي أعمر مدينة بعُمان وأكثرها مالاً، ولا تكاد تعرف على شاطئ بحر فارس بجميع بلاد الإسلام مدينة أكثر عمارة ومالاً من صحار» وقال ابن حوقل إن بها من التجار والتجارة مالا يحصى كثرة وقال المقدسي «صحار هي قصبة عمان ليس على بحر الصين اليوم بلد أجمل منه، عامر، أهل، حسن، طيب، نزه، ذو يسار وتجار وفواكه وخيرات أثرى زبيد وصنعاء، أسواق عجيبة وبلدة ظريفة ممتدة على البحر دورهم من الآجر والساج شاهقة نفيسة والجامع على البحر له منارة حسنة طويلة في آخر الأسواق ولها آبار عذبة وقناة حلوة وهم في سعة من كل شي دهليز الصين وخزانة الشرق ومغوثة اليمن».
وقال عنها أيضاً وخزانة المشرقين صحار، ووجب تقديمها على كل حال» (1/27)
صفحة 25
28
شخصيات عُمانية
ووصفها الإدريسي قائلاً «أقدم مدن عُمان وأكثرها أموالاً قديما وحديثاً ويقصدها في كل سنة من تجار البلاد ما لا يحصى عددهم وإليها تجلب البضائع من اليمن ويتجهز منها بأنواع التجارات وأحوال أهلها واسعة جدا ومتاجرها مريحة» وقال الحميري وكان بصحار مجتمع التجار ومنها يتجهز لكل بلدة وإلى بلاد الهند والصين»).
(2)
إن هذه الأوصاف الكبيرة لتدل على ما كان لهذه المدينة الجميلة من أهمية حضارية ويرجع بعض الباحثين ازدهار صحار الإقتصادي إلى القرن الثالث الميلادي) وقد ضلت ممسكة بزمام التجارة العالمية والثراء الإقتصادي إلى القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي عندما بدأ نجمها في الأفول حتى ظهرت قلهات كعاصمة تجارية حلت محل صحار في القرنين السادس والسابع
(3)
الهجريين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وقد وصف المقدسي ميناء صحار بأنه فرسخ طولا في فرسخ عرضا (أي 6 كيلو متر في 6 كيلو متر) (4). وكانت صحار من أسواق العرب التجارية والأدبية في الجاهلية ويذكر ابن أن سوق صحار كانت تقام أول يوم رجب لمدة خمسة أيام، وكان يعشرهم فيها الجلندى بن المستكبر (5).
حبيب
والجلندى بن المستكبر هو والد جيفر وعبد ملكي عمان اللذين وجه إليهما النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن العاص، وكتب إليهما كتابه الشريف، ودخلا في
الإسلام ودخلت عُمان كلها في الإسلام.
(1) عبد الرحمن عبد الكريم العاني عُمان في العصور الإسلامية الأولى ص 60 - 62.
(2) عُمان ونهضتها الحديثة ص *
183
(3) عُمان في العصور الإسلامية الأولى.
(4) عُمان ونهضتها الحديثة ص 182. (5) عُمان في العصور الإسلامية الأولى
ص
ص.
064
7. (1/28)
صفحة 26
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
29
وقد أراد الأستاذ الأديب عبد الله بن محمد الطائي عندما كان وزيراً
للإعلام بالسلطنة أن. يحيي
السوق الأدبية بصحار، فانبرى الشعراء العُمانيون
بقصائدهم الشعرية .. بيد أنه لم يتم عقد تلك السوق الأدبية ولعل أسباباً
حالت دون ذلك.
وكانت تسكن مدينة صحار وما حولها العديد من القبائل العربية في صدر الإسلام كقبيلة بني الجلندى وفراهيد وبني سليمة التي ينتمي إليها أبو حمزة المختار بن عوف رحم الله.
وقد مصرها الفارق بن عمر بن الخطاب الله الله فأقيمت بها صلاة الجمعة منذ ذلك الوقت (1) واشتهرت في التاريخ بصناعة أغراض متعددة ويكفي صحار فخراً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كفن في ثوبين صحاريين، وترك بعض أثواب، منها أثواب، صحارية، كما كان كثير من الصحابة الكرام يقتنون المنسوجات الصحارية (2).
على أن حجمها تقلص بعد القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي نتيجة لما أصابها من انحطاط حضاري وتدهور اقتصادي بعد أن حلت محلها قلهات ثم مسقط.
بيد أنها توسعت في العهد الحالي توسعاً كبيراً وجعلتها الحكومة العاصمة الإدارية لمنطقة الباطنة وأقيمت فيها الكثير من المشاريع والمنجزات بكافة التخصصات وخططت تخطيطاً حديثاً يتلاءم ومكانتها التاريخية والإستراتيجية، ولعل أهم المنجزات الصناعية بصحار استخراج
وتصدير النحاس والذهب.
(1) جوهر النظام ج 1، ص 89.
(2) عُمان في العصور الإسلامية الأولى ص 37. (1/29)
صفحة 27
30
شخصيات عُمانية
ج - مجز:
مجز قرية من أعمال صحار تقع في الجانب الشرقي من صحار ويعتبر وادي مجز هو الحد الشرقي لمدينة صحار، كما أن وادي صلان (وادي الجزئ) هو الحد الغربي إلا أنه كما قلنا سابقاً إن صحار توسعت في هذا العهد وتعدت مساحتها هذه الحدود، وبما أن مجز مجاورة لصحار وتعتبر من أعمالها، لا شك أنها تأثرت بما مر على مدينة صحار من تطور حضاري وإزدهار تجاري.
وتنقسم مجز إلى قسمين مجز الكبرى ومجز الصغرى.
والظاهر أن هذا التقسيم قد نشأ متأخراً كما هو الشأن في كثير من مناطق الرستاق والداخلية والشرقية حيث قسمت إلى علاية وسفالة ...... وكما هو في الباطنة حيث قسمت بعض البلدان والقرى فأضيف قسم منها إلى الداخل وبعضها أضيف إلى شيء آخر .. مثل منطقة ودام بلد الخليل بن أحمد الفراهيدي من ولاية المصنعة .. فقد قسمت إلى ودام الساحل وودام الغاف .. ولعل في القديم كان يطلق على مجز كلها مجز).
على أن بلدة «مجز» هي التي خرج منها القائد أبو حمزة الشاري المختار بن عوف السليمي (2) وزميله ورفيق دربه الجهادي بلج بن عقبة الفراهيدي رحمهما الله (3) وكانت مقراً لقبيلة بني سليمة بن مالك بن فهم كما كان يسكنها بنو فراهيد بن مالك وبعض قبائل ولد مالك بن فهم أيضاً ... ولكن الرئاسة والتقدمة كانت لبني سليمة القبيلة التي ينتمي إليها
أبو حمزة به.
(1) نور الدين السالمي، جوهر النظام.
(2) سلمة بن مسلم العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 218.
(3) سيرة عبد الله بن مداد في ذكر العلماء ص 70 وزارة التراث القومي والثقافة، وانظر منهج
الطالبين ج 1 ص
615 (1/30)
صفحة 28
2 ـ أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
31
ثانياً: وجود العرب في عُمان:
أ ـ القحطانيون:
قوم
يعود وجود الجنس العربي على أرض عُمان منذ عهد العرب البائدة وهم العماليق الذي كانت منازلهم بالأحقاف من رمال عُمان
عاد الأولى
وهم
الواقعة بين عُمان وحضرموت) وتشير الدلائل إلى أنها صحراء الربع الخالي وقد ذكرهم الله تعالى بقوله (وَاذْكُرْ أَنَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) [الأحقاف: 21] فأهلكهم الله بكفرهم وبغيهم بعد أن أرسل إليهم نبيه هوداً يقول تعالى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى) [النجم: (5) وأهلكهم ربّ العزة بريج صَرْصَرٍ عَانية. سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 1 - 7].
وصار الأمر من بعدهم إلى ابن عمهم قحطان بن هود الذي آمن بأبيه، وتوسع ملكهم على يد ولده يعرب بن قحطان الذي ضم إلى ملكهم قسماً كبيراً من جزيرة العرب لاسيما القسم الجنوبي منها وقد جعل أخوته ولاة عليها حيث جعل أخاه عُمان بن قحطان ولياً على عُمان (2) الذي سميت عُمان باسمه
كما يقول البعض.
مالك
ب ـ مجيء بن فهم الأزدي:
بعد اهدام سد مأرب في اليمن بفعل سيل العرم الذي أرسله الله عليهم، تفرقت العرب أيدي سبأ، ومنهم الأزد الذين تفرقوا في مناطق عديدة من جزيرة العرب والعراق والشام يقول الله تعالى {لَقَدْ كَانَ لِسَبَاءٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينِ وَشِمَالِ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ وَأَشْكُرُوا لَهُ بَلَدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ
(1) عُمان ونهضتها الحديثة ص /
(2) عُمان ونهضتها الحديثة ص
17
018 - 17 (1/31)
صفحة 29
32
شخصيات عُمانية
غَفُورُ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَينِ ذَوَاتَى أكُل خَمْطِ وَأَثْلِ وَشَئٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ تُجْزِى
إِلَّا الْكَفُورَ) [سبأ: 15 - -
[17 - 1
وقد جاء القائد العربي مالك بن فهم إلى عُمان قادماً من السراة متخذاً وادي برهوت بحضرموت طريقاً له، ثم الربع الخالي حتى نزل ناحية سلوت وأرض الجوف من. عُمان ومن هناك أرسل إلى الفرس الذين كانوا مستولين على عُمان، وعلى مقدمتهم عامل الملك الفارسي، يطلب منهم السماح له ولقومه بالنزول في اقليم من أقاليم عُمان وأن يفسحوا له ويمكنوه من الماء والكلأ ليقيم معهم).
وفي ضوء ذلك عقد الفرس مؤتمراً للتشاور ودراسة هذا الطلب والتعرف على عواقبه «فأجمع رأيهم على صرفه وأن لا يمكنوه مما طلب، وقالوا لا نحب أن ينزل هذا العربي معنا فيضيق علينا أرضنا وبلادنا، فلا حاجة لنا في قربه وجواره» (2) إلا أنه لما وصل هذا القرار إلى مالك رافضاً لطلبه كان جوابه صارماً فقد أرسل إليهم «إنه لا بد لي من المقام في قطر من عُمان، وأن تواسوني في الماء والمرعى، فإن تركتموني نزلت في قطر من البلاد وحمدتكم، وإن أبيتهم أقمت على كرهكم، وإن قاتلتموني قاتلتكم ثم إن ظهرت عليكم قتلت المقاتلة وسبيت الذراري ولم أترك أحدا منكم ينزل عُمان أبدا» (3).
وهكذا أخذ كل الفريقين في الإستعداد للحرب والمواجهة الحاسمة فكانت النتيجة لصالح الوجود العربي الأمر الذي جعل الفرس يطالبون هدنة مدتها سنة واحدة لكي يتمكنوا من الرحيل من عُمان إلى فارس، غير أن الملك
(1) تحفة الأعيان ج 1 ص 23.
(2) نفس المصدر ص 24. (3) نفس المصدر ص 24. (1/32)
صفحة 30
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
33
الفارسي لم يوافق على هذه الأمر فأرسل تعزيزات عسكرية إلى الفرس وأمرهم بمواصلة الحرب ضد العرب ... ولكن النتيجة أيضا كانت هذه المرة حاسمة
عُمان
لصالح مالك بن فهم والعرب وهزم الفرس هزيمة منكرة وأجلوا عن نهائيا، وتستطرد المصادر التاريخية في ذكر وقائع الحرب التي دارت بين العرب والفرس وتصورها تصويراً شيقا ممتعا وصار أمر عُمان منذ زمن مالك بن فهم وحتى يومنا هذا بيد أبنائها العرب وهو أمر يكاد لا يوجد في تاريخ الكيانات السياسية في العالم.
ثم أخذت القبائل العربية والقحطانية والعدنانية في الهجرة إلى عُمان زرافات ووحدانا مشكلة بذلك المجتمع العُماني العربي «جاءت هذه القبائل كلها على راياتها لا يمرون بأحد إلا أكلوه حتى وصلوا عُمان فملأوها فأقاموا في بلد ريف وخير واتساع (2).
ج - قبيلة بني سليمة:
كان للقائد العربي | الملك مالك بن فهم عدد من الولد، وقد تفرعت عنهم قبائل كبيرة في عُمان والبصرة وفارس، ومن بينهم ولده سلمه بن مالك الذي تفرعت عنه قبيلة بني سليمة، القبيلة المشهورة التي خرج منها العديد من العلماء الأعلام، وكانت منازل هذه القبيلة في صحار ومجز وما حولهما، وقاعدتهم بلدة «مجز» التي تحدثنا عنها، كما صار قسم منهم في فارس نتيجة انتقال سليمة بن مالك إلى هناك تخوفاً من بعض إخوته بعد أن قتل أباه
خطأ (3).
(1) انظر العوتبي، الأنساب ج 2 ص 265 وكشف الغمة، تحفة الأعيان ج 2، ص 20.
(2) تحفة الأعيان ج 1، ص 31.
(3) الأنساب ج 2 ص 207. (1/33)
صفحة 31
34
شخصيات عُمانية
ويذكر أن العلّامة سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري قص قصة قتل سليمة أباه وخروجه إلى فارس بالتفصيل، وكانت هذه القبيلة من القبائل العُمانية ذات الشأن والتأثير في مجريات الأحداث لا سيما تلك الأحداث التي شهدتها
عُمان في القرن الثالث الهجري، وكان زعيمهم سليمان بن عبد الملك بن بلال السليمي مرجعاً لجميع قبائل ولد مالك بن فهم يقول العوتبي «وجمهور بني
(1)
سليمة بأرض فارس وكرمان لهم بأس وشدة وعدد كثير وبعمان منهم
الأقل» (2).
د - أبو حمزة الشاري:
ينتمي
أبو حمزة إلى قبيلة بني سليمة .. واسمه المختار بن عوف بـ
عبد الله بن يحيى بن مازن بن مخاشن بن سعد بن صامت بن مخاشن بن مالك سليمة بن بن فهم الأزدي (3) وصار أبو حمزة الشاري قائداً للإمام طالب الحق عبدا الله بن يحيى الكندي .. الذي بويع بالإمامة في اليمن سنة 129 هـ وقد خضعت له اليمن والحجاز (4).
وكان عبدا الله بن يحيى جد أبي حمزة المختار بن عوف من أعيان ووجهاء قبيلة بني سليمة، وقال ابن دريد فمن رجال بني سليمة عبد الله بن مازن وأبنه المختار بن عوف وكنيته أبو حمزة» (5).
بيد أننا لن نعثر على تاريخ لمولده.
(1) تحفة الأعيان ج 1 ص 231. (2) الأنساب ج 2 ص 218.
(3) نفس المصدر ص 219.
(4) عوض خلفات، نشأة الحركة الإباضية ص 121.
(5) أبن دريد، الإشتقاق، ص 498. (1/34)
صفحة 32
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
ثالثاً: أسلام أهل عُمان
أ ـ دخول الإسلام إلى عُمان
كان دخول الإسلام إلى عُمان على مرحلتين:
المرحلة الأولى: إسلام مازن بن غضوبة:
(1)
بن عبد الله
35
بن
يعتبر مازن بن غضوبة السعدي الطائي أول من أسلم من أهل عُمان، ويبدو أنه كان مقدما في قومه، وكانوا يعبدون صنما يقال له «ناجر) لأنهم كانوا وثنيين كعادة العرب في عبادة الأصنام، حتى قدم إليهم تاجر من الحجاز فاخبرهم عن ظهور النبي صلى الله عليه وسلم قائلا ظهر رجل يقال له محمد عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله فلست بمتكبر ولا جبار ولا محتالا، أدعوكم إلى الله وترك عبادة الأوثان، وأبشركم بجنة عرضها السماوات والأرض، واستنقذكم من نار تلضى لا يطفأ لهيبها ولا ينعم من سكنها» (2) فعند ذلك عمد مازن إلى راحلته وذهب إلى المدينة للإلتقاء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإسلام فأسلم مازن وهدى الله قلبه إلى الإسلام، وطلب من النبي الكريم أن يدعو له ولأهل عُمان بالخير والتوفيق، وقفل مازن عائداً إلى بلده حاملاً في قلبه نور الإسلام، وأخذ يدعو الناس إلى الإسلام في قومه، ويقال إنه بنى مسجداً في سمائل وهو مسجد المضمار الكائن بمحلة غيل الدك وعلى هذا فإن هذا المسجد، يعتبر مسجد بني في عُمان، وقد استجاب لمازن عدد من قومه فأسلموا «، وهذا عنه مازن عندما سار إلى النبي مرة ثانية حيث قال «فلما كان في
ما عبر
أول
العام القابل الذي وفدت فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يالمبارك بن المباركين،
(1) تحفة الأعيان ج 1، ص 3
053
(2) نفس المصدر، ص 54. (1/35)
صفحة 33
36
شخصيات عُمانية
الطيب ابن الطيبين، قد هدى الله قوماً من أهل عمان ومن عليهم بدينك»). ثم ذكر للرسول الله ما أصاب عُمان وأهلها من الخير والبركات ببركة دعائه (2) وبإسلام مازن بن غضوبة ورجوعه إلى عُمان بدأ الإسلام ينتشر في القطر العُماني.
المرحلة الثانية: مجيء عمرو بن العاص: بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتباً إلى عدد من الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام، وبعث نفراً من أصحابه حاملين معهم: تلك الكتب، فأرسل عمرو بن
العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندى ملكي عُمان بكتاب جاء فيه: -
بسم
الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابني
الجلندى، السلام على من اتبع الهدى،
أما بعد فإني ادعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين وإنكما إن اقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا الإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تطأ ساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما» (3).
وكان الكاتب لهذا الكتاب أبي بن كعب الله وهو عليه السلام المملي عليه، وطوى الصحيفة وختمها بخاتمه المبارك وكان نقش الخاتم «لا إله إلا الله محمد رسول الله».
ويقال إن هذا الكتاب لا يزال موجوداً في بعض المتاحف وقد أحضرت
صورة منه إلى السلطنة.
(1) نفس المصدر، ص 56.
(2) نفس المصدر، ص 56.
(3) الأنساب ج 2، ص 261، التحفة ج 1، ص 57. (1/36)
صفحة 34
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
37
وقدم عمرو بن العاص بكتاب النبي إلى جيفر وعبد ابني الجلندى
(1)
ملكي عُمان، وكان نزوله مدينة صحار () بإعتبارها الميناء الرئيس
عُمان آنذاك.
في
عبده
يعني
أما جيفر وعبد فكان مقرهما منطقة ترام البريمي حالياً) فبعث إليهما عمرو بن العاص يخبرهما بقدومه، ولنستمع إلى عمرو بن العاص وهو يحدثنا عن قدومه إلى عُمان ولقائه بعبد ثم جيفر ملكي عُمان حيث يقول «لقد خرجت حتى انتهيت إلى عُمان، فعمدت إلى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقاً، فقلت إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك، فقال أخي المقدم علي بلسان الملك وأنا أوصلك حتى يقرأ كتابك، ثم قال وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمداً. ورسوله، قال يا عمرو أنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك؟ العاص بن وائل فإن لنا فيه قدوة، قلت مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ووددت لو كان آمن وصدق به، وقد كنت قبل على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام قال: فمتى تبعته قلت قريباً، فسألني أين كان إسلامي فقلت عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال فكيف صنع قومه بملكه قلت أقروه واتبعوه قال: والأساقفة أي رؤساء النصرانية والرهبان ـ قلت: نعم، قال: أنظر يا عمرو وما تقول إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له ـ أي أكثر فضيحة من كذب. قلت وما كذبت وما نستحله في ديننا ثم قال ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت له بلى قال: بأي شيء علمت ذلك يا عمرو؟ قلت: كان النجاشي نه يخرج له خراجاً فلما أسلم النجاشي وصدّق بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال: لا والله لو سألني درهماً واحداً ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله فقال له أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك ويدين دين محدثاً؟ فقال: هرقل رجل رغب في دين واختار لنفسه،
:
(1) التحفة ج 1، ص.
OA (1/37)
صفحة 35
38
شخصيات عُمانية
ذنباً
ما أصنع به؟ والله لولا الظن بملكي لصنعت كما صنع. قال: انظر ما تقول يا عمرو، قلت والله صدقت قال عبد فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت يأمر بطاعة الله عزوجل، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصدّق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير أي تابعاً، قلت إن أسلم ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها إلى فقيرهم قال إن هذا الخلق حسن، وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في الأموال، ولما ذكرت المواشي قال: ويؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وترد المياه. فقلت نعم، فقال والله ما أرى قومي في دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا.
قال عمرو فمكثت أياماً بباب جيفر وقد أوصل إليه أخوه خبري، ثم إنه دعاني فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعي (أي عضدي) قال: دعوه فأرسلت، فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت إليه فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه كتاباً مختوماً ففض ختامه فقرأه حتى انتهي إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه ثم قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقال: تبعوه، إما راغب في الدين، وإما راهب عنه مقهور بالسيف قال ومن معه؟ قلت الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين، فما أعلم في هذه الخرجة غيرك، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه، تطؤك الخيل وتبيد خضراؤك (أي جماعتك)، فأسلم تسلم وليستعملك على قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال، قال. هذا دعني يومي وارجع إليّ. غداً، فلما كان الغد أتيت إليه، فأبى أن يأذن لي، فرجعت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه فأوصلني إليه، فقال إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا (1/38)
صفحة 36
2 ـ أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
39
أنا أضعف العرب إن ملكت رجلاً ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ههنا، وأن بلغت خيله ألفت (أي وجدت قتالاً ليس قتال من لاقي، قلت وأنا خارج غداً، فلما أيقن بمخرجي خلى به أخوه فأصبح فأرسل إلي فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه، وصدقا وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عوناً على من خالفني»).
ب - انتشار الإسلام في عُمان:
انتشر الإسلام في عُمان بعد أن دخل جيفر وعبد وحاشيتهما، ثم إرسال جيفر إلى الناس ليدخلوا فيما دخل فيه ويبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم.
«ثم بعث إلى وجوه عشائره فبايعهم لمحمد وأدخلهم في دينه، وألزمهم تسليم الصدقة، وأمر عمرو بن العاص بقبضها فقبضها على الجهة التي أمره بها النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعث إلى دبا وما يليها إلى آخر عُمان فما رود رسول جيفر على أحد إلا وأسلم وأجاب دعوته إلا الفرس الذين كانوا في ذلك العهد بعمان» (2).
ونتيجة لإعتناق العُمانيين لدين الإسلام ودخولهم فيه كافة أخذت تعاليم الإسلام ومبادئه في الإنتشار في أوساط الناس ومن الطبيعي أن يقبل الناس على السؤال عن أحكام هذا الدين وتعاليمه، وكان عمرو بن العاص يجيبهم على ذلك، كما كان مازن بن غضوبة يبين لهم تعاليم الإسلام، يدل على ذلك
قوله للنبي صلى الله عليه وسلم قد هدى الله قوماً من أهل عمان ومن عليهم بدينك» (3). وتذكر كتب التاريخ والطبقات عدداً من أهل عُمان وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أن أولئك الأشخاص عندما يأتون إلى قومهم يكونون قد تزودوا من
(1) علي بن رهان الحلبي، السيرة الحلبية ج 3 ص 303.
(2) تحفة الأعيان ج 1 ص 58.
(3) تحفة الأعيان ج 1 ص 56. (1/39)
صفحة 37
40
شخصيات عُمانية
النبي صلى الله عليه وسلم «بأحكام الدين فيبثونها في قومهم وفي تجمعاتهم، وبهذا انتشر الإسلام وعم أرجاء عُمان من أقصاها إلى أقصاها وأقبل الناس على كتاب الله الدستور الرباني الخالد ومعجزة الإسلام الباقية».
ج - بداية دراسة أبي حمزة:
لم نقف على كيفية ابتداء أبي حمزة في الدراسة، وفي أي وقت؟ وفي أي مكان؟ غير أننا نستطيع القول من منطلق الإطار العام للحياة الإسلامية في ذلك الأوان أن بداية دراسة أبي حمزة كانت في تعلم القرآن الكريم، حيث كان المسلمون أول ما يبدأون في تعليم أولادهم كتاب الله، عملاً بالحديث النبوي الشريف «علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو (1) وقد جرت العادة في حياة المسلمين على ذلك.
إذن لابد وأن أبا حمزة قد درس في بلدته «مجز» القرآن الكريم وشيئاً من مبادئ الدين، قبل أن يرحل إلى البصرة ويلحق بالإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وربما أن رحيله كان مع زميله وصاحبه القائد بلج بن عقبة
الفراهيدي.
من
وبهذا يمكننا أن نقول أن أبا حمزة كانت نشأته في عُمان في بلدة «مجز» أعمال صحار، وفيها ابتدأ دراسته لاسيما القرآن ومبادئ الدين.
(1) مسند الربيع؛ ص 7. (1/40)
صفحة 38
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
الخام الأنتالاني
أبو حمزة في مرحلة الدراسة في البصرة
41
أولا: في البصرة:
أ - البصرة / الموقع والتاريخ
تقع مدينة البصرة عند ملتقى نهري دجلة والفرات اللذين يتكون منها شط العرب الذي يصب في بحيرة الخليج العربي، فكان موقعها فرضة للعراق ووسطا بين الشام وفارس، واشتهرت البصرة شهرة فائقة وذاع صيتها بين الآفاق، وتعتبر من أقدم المدن الإسلامية، وقد نزلها المسلمون سنة أربع عشر هجرية في خلافة الفاروق عمر الله والسبب في نزولهم بها «إن سويد بن قطبة الذهلي كان يغير على العجم في ناحية الحريبة من البصرة قبل أن ينزلها المسلمون، ولما بلغ الله خبره وما يصنع بالبصرة رأى أن يوليهم رجلاً من قبله وأن ينزلها المسلمون ليحولوا بين أهل فارس ومن إليهم وإمداد إخوانهم من أهل المدائن ونواحيها فولاها عتبة بن غزوان وقال: (إن الحيرة قد فتحت فأت أنت ناحية البصرة واشغل هناك أهل فارس والأهواز وميسان عن إمداد إخوانهم) فسار إليهم عتبة في أكثر من ثلاثمائة رجل وانضم إليه سويد بن قطبة فيمن معه من بكر بن وائل وتميم».
من
ثم كتب عتبة بن غزوان إلى أمير المؤمنين يستأذنه في تمصير البصرة قائلا (1/41)
صفحة 39
42
شخصيات عُمانية
له «إنه لا بد للمسلمين من منزل يشتون به إذا شتوا ويسكنون فيه إذا انصرفوا من غزوهم» فرد عليه أمير المؤمنين أن ارتد لهم منزلاً قريباً من المراعي والماء واكتب إلي بصفته» فكتب إليه الوالي «إني قد وجدت أرضا كبيرة في طرف البر إلى الريف ودونها منافع فيها ماء وفيها قصباء»
وبعد وفاة عتبة بن غزوان ولي عليها الخليفة أبا موسى الأشعري وأمره بتخطيطها وجعلوها خططا لقبائل أهلها وذلك في العام السابع عشر للهجرة. وفي عهد الدولة الأموية كانت البصرة مقراً لإمارة العراق، أما في عهد الدولة العباسية التي كانت عاصمتها بغداد فقد صارت عاصمة الدولة قريبة منها فنشطت بها الحركة التجارية والاقتصادية).
ب - العلاقة بين عمان والبصرة:
تعود العلاقة بين عُمان والبصرة إلى عهد مبكر من تخطيط البصرة
ونزول المسلمين بها، وذلك في. خلافة عمر بن الخطاب، وقد يكون الموقع الجغرافي لكلا البلدين عُمان والبصرة عاملاً مهماً في هذا التواصل، حيث تقع كل منها على ضفاف مياه الخليج العربي، بالإضافة إلى اتساع أفق الحياة للعرب في عهد الإسلام نتيجة الفتوحات الإسلامية، ومن المعلوم أن بين البلدين في العصر الإسلامي ترجع إلى العام السابع عشر للهجرة، عندما أصدر الخليفة أمره إلى واليه على عُمان عثمان. العاص الثقفي أن يقتحم البحر بمن معه من أهل عُمان إلى فارس لملاقاة الفرس هنالك (2) فانتدب الوالي ثلاثة آلاف من العُمانيين وسار بهم إلى فارس فأظفرهم الله على الفرس.
العلاقة
(1) انظر شلبي تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي، ص 233 - 236. (2) تحفة الأعيان، ج 1، ص 68، نقلا عن العوتبي.
بن (1/42)
صفحة 40
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
43
ثم توجهوا إلى العراق حيث نزلوا توّج ثم قدموا إلى البصرة إبان تمصيرها، وقد أمر الخليفة بأن تخطط البصرة لمن هناك من العرب، وتجعل لكل قبيلة محلة ليبنوا لأنفسهم المنازل.
ويورد العوتبي قوله إن أول من قدم البصرة من أهل عُمان ثمانية عشر منهم كعب بن سور الأزدي (3) وكعب بن سور هو الذي استقضاه عمر بن الخطاب على البصرة، فكان أول قاض بها على ما قيل في الإسلام").
رجلا
ثم توالى قدوم العُمانيين إلى البصرة جماعة بعد جماعة، ثم صار قدومهم إلى البصرة على شكل بعثات دراسية تمثلت في رحلات عدد من العُمانيين لطلب العلم كالإمام جابر بن زيد وصحار بن العباس العبدي، والحتات بن كاتب الهميمي، وسالم بن ذكوان الهلالي، وأبو حمزة المختار بن عوف السليمي، وبلج بن عقبة الفراهيدي، والربيع بن حبيب الفراهيدي والخليل بن أحمد الفراهيدي، وحملة العلم إلى عُمان وهم: «موسى بن أبي جابر السامي، ومحمد بن المعلى الفشحي، والمنير بن النير الريامي الجعلاني، وبشير بن المنذر النزوي حتى ضرب المثل في ذلك فشبهوها بطائر باض بالمدينة وفرخ بالبصرة وطار إلى عُمان) وغير هؤلاء من العلماء والأدباء والشعراء كثير، وقفنا على أسماء بعضهم وبعضهم لم نوفق عليهم. وهذا يعطينا دليلاً قوياً على العلاقة المتينة بين عُمان والبصرة واستمرت تلك العلاقة متخذة أشكالاً مختلفة من جوانب الحياة العلمية والاقتصادية
والعسكرية.
69
(1) نفس المصدر، ص (2) الأنساب، ج 2، ص 326.
(3) ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تميز الصحابة، المجلد الثالث، ص 322.
(4) سيرة ابن مداد في ذكر العلماء، ص 10.
(ه) جوهر النظام، ج 4، ص 188. (1/43)
صفحة 41
44
شخصيات عُمانية
وبطبيعة الحال فإن اتصال أبي حمزة الشاري بالبصرة يأتي في الفكر، حيث خرج من بلده عُمان لطلب العلم فالتحق بمدرسة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، إلا أننا لم نقف على تاريخ مسيره إلى البصرة، ولا يبعد أن يكون ذلك في أوائل القرن الثاني الهجري.
ثانياً: مدرسة الإمام أبي عبيدة:
أشرنا آنفا إلى أن خروج أبي حمزة إلى البصرة كان في سبيل طلب العلم، والتحق بمدرسة أبي عبيدة.
وأبو عبيدة هو مسلم بن أبي كريمة التميمي) أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد وصحار بن العباس وجعفر بن السماك، وأدرك بعض الصحابة (2) وروى عنهم، فقد جاءت بعض الأحاديث في مسند الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة قال: سمعت جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وصفه العلّامة أبو العباس الشماخي قائلاً «تعلم العلوم وعلّمها ورتب روايات الحديث وأحكمها وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه» (3) وقال الإمام السالمي في حقه ولقد تفجرت ينابيع الحكمة من قلب أبي عبيدة وطلعت من لسانه شموس العلم».
تولى التدريس بعد الإمام جابر وأصبح مرجع أهل الدعوة بلا منازع، وقصده طلبة العلم من مختلف البقاع وشتى الأصقاع من المشرق والمغرب، وحمل عنه العلم خلق كثير) وقد تعرض لمضايقات شديدة من قبل السلطات
(3)
(1) أبو العباس الشماخي، السير، ج 1 ص 78.
(2) نشأة الحركة الإباضية، ص 102.
(3) السير للشماخي، ج 1، ص 78.
(4) نورالدين السالمي شرح مسند الربيع، ج 1، ص 6.
(2) على يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى ص 153. (1/44)
صفحة 42
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
45
الأموية الحاكمة الأمر الذي ألجاه إلى الإختفاء بعمل التدريس في سرداب ليستتر عن أنظار تلك السلطات، حتى خرج من ذلك السرداب الدعاة إلى الله إلى المشرق والمغرب فأقاموا في الناس حكم الله وأذاقوهم طعم العدل الذي فقدته الأمة عقوداً من السنين رازحة تحت وطأة الطغيان والاستبداد.
وعن
ذلك السرداب وحركته العلمية نترك الحديث للشيخ على يحيى معمر ليحدثنا قائلا:
«فإن الحركة العلمية التي قام بها الإمام أعظم من أن تصورها كلمات في سطور، ويكفى أنه كان مركز إشعاع في البصرة، ومن ذلك السرداب الخفي الذي تصلصل السلاسل على بابه وتتكدس فيه القفاف مع الأقلام والأوراق انطلقت الدعوة الحرة الكريمة للمحافظة على تراث محمد كما جاء به محمد، فبلغت هذه الإنطلاقة أقصى الشرق، وأقصى المغرب وأقصى الجنوب، ولم تزل منذ ذلك الحين إلى اليوم وهي تكافح من أجل هذه الرسالة الكريمة، حيث استيقظ الغافلون، وانتبه النائمون الشاردون، وبدأوا يراجعون أنفسهم ويرجعون إلى ربهم لينضموا إلى بعضهم ويوحدوا صفوفهم، ويحفظوا رسالة الله من الأخطار الجديدة، أخطار الزندقة والإلحاد وعبادة الناس الذين قدستهم الحضارة الكاذبة والدعاية المغرضة التي ترمي إلى إبعاد هذا الدين القيم عن مجرى الحياة".
هذه
هي مدرسة أبي عبيدة وهذا هو فكرها وهذا هو السرداب الذي أقام الدنيا وأقعدها شرقاً وغرباً، ومن ذلك المعهد الميمون تكوّن فكر أبي حمزة، وفي رحابه المباركة نما وتطور ذلك الفكر الذي تحكم في سلوك صاحبه فوجهه الوجهة الإسلامية الصحيحة الصادقة شاباً يافعاً في البصرة، وقائداً في اليمن، و- وحاكماً في الحجاز، بجوار بيت الله الحرام ومسجد نبيه.
(1) نفس المصدر، ص 158. (1/45)
صفحة 43
شخصيات عُمانية
وبهذا الفكر استطاع أبو حمزة أن يطهر تلك البقاع الطاهرة (مكة والمدينة) حرسها الله من حياة اللهو والمجون والانحلال تلك الحياة التي قامت على أنغام أوتار معبد وجميلة وأمثالهما من المغنين والمغنيات فكان حريا بأبي حمزة أن يخاطب أهل المدينة بقوله بعد أن ذكر الأنصار وفضلهم.
وانتم أبناؤهم ومن بقي من خلفهم تتركون أن تقتدوا بهم أو تأخذوا بسنتهم عمى القلوب، صم الآذان اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدى وأسهاكم، فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزدجروا وتعظكم فتعتبروا، ولا توقظكم فتستيقظوا لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ما سرتم بسيرتهم ولا حفظتم وصيتهم ولا احتذيتم مثالهم، لو شقت عنهم قبوهم فعرض عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم.
ثالثاً: ملامح من حياة أبي حمزة أثناء الدراسة:
أ ـ أبو حمزة يعيش على الكفاف:
أثناء وجود أبي حمزة في البصرة في مرحلة الدراسة، تحمل ضنك العيش في حياته وعاش قانعاً زاهداً قليل ما في اليد، مترفعاً عن حطام الدنيا راجياً من
الله
حسن المتاع في الآخرة وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَابِ} [آل عمران: 14].
يروي أبو سفيان عن سلمة بن أبي سنان أنه قال «لأبي نجائب يحمل عليه مشائخ المسلمين ممن لا سعة له إلى مكة شبه المختار ابن عوف وغيره» (2). فإن في هذا النص إشارة إلى وضع أبي حمزة المادي الذي لم يستطع بسببه حتى الذهاب إلى الحج إلا على وسائل يتبرع بها المحسنون من أهل
(1) الأغاي لأبي الفرج الاصفهاني ج 20، ص 105.
(2) السير، ج 1، ص 89. (1/46)
صفحة 44
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
47
الدعوة الذين وفقهم الله إلى تهيئة مثل هذه الوسائل تقديراً لظروف شباب أهل الدعوة الذين لا تساعدهم القدرة المادية على تحقيق ذلك.
ب ـ التدريب على الخطابة:
كانت الخطابة من أهم وسائل الإعلام قبل الإسلام وبعده، وعندما جاء الإسلام تطورت الخطابة لما صار لها من روافد متعددة أهمها القرآن العظيم والسنة النبوية الشريفة، وصار القادة من الناس يلجأون إلى الخطابة للتعبير عن مبادئهم وتوجيهاتهم، ولعل لدى أبي حمزة وغيره من أهل الدعوة إحساس بأنهم سوف يستعلون المنابر في يوم من الأيام ليشرحوا للأمة تعاليم دينهم ويبينوا لهم الفكر الصحيح الذي لم تشبه شوائب الإنحراف والميل والهوى وسوء التأويل وينفوا عن دين الله تحريف الغالين وتأويل الجاهلين» «وانتحال المبطلين» وهكذا شاء الله وقدّر أن يجلجل صوت أبي حمزة على منبر المسجد الحرام في مكة المكرمة وعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة الطاهرة حرسها الله، بتلك الخطبة البليغة التي تعتبر بحق معجزة الخطابة في الكلام العربي، وصار أهل البلاغة يتذوقون من رحيقها سلسبيلا، لا سيما وقد صاحب ذلك الأسلوب الخطابي القوي قوة حجة ووضوح برهان وفكر صادق سليم.
بيد أن ذلك المستوى الخطابي الراقي لم يأت اعتباطاً وإنما كان نتيجة الجد والإجتهاد والسهر في الليل وعدم الهجوع فيه وفي الرواية التالية ما يؤكد ذلك قال أبو سفيان: قال المليح: بلغنا ذات ليلة أن في منزل حاجب مجلساً، قال: وكان المشايخ لا يدعوننا أن نحضر معهم بالليل، فقلت لرجل من أهل عمان انطلق بنا إلى منزل حاجب فلعلهم يأذنون لنا فجئنا المنزل فأذن لنا فوجدنا المختار بن عوف ورجلين أو ثلاثة من المشائخ فقال لنا حاجب أخبرا بلج بن عقبة وأخبراه بمكاننا فأخبرناه فأتى فلما صلينا العتمة أخذوا في الكلام (1/47)
صفحة 45
48
شخصيات عُمانية
فيقوم أحدهم فيتكلم ما شاء الله ثم يجلس فيقوم الآخر فكذلك حتى أضاء لنا
الصبح).
ج - الحرص على الدفاع عن الإسلام:
كان أبو حمزة حريصا كل الحرص على الدفاع عن الإسلام وأحكامه التي أنهكت في مجالس الظلمة والطواغيت والتي عطلت لدى بعض الفرق والطوائف، فكان لا بد للمسلم أن يجعل نفسه حارساً للإسلام من أن يؤتى من قبله بحيث يجعل حياته وقفاً على ذلك لا يأبه بأي شيء ولا يخاف في الله لومة لائم تثور نفسه غضباً الله إذا انتهكت محارمه، وعطلت أحكامه، وهذا المبدأ هو الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده.
هو
على أن مفهوم الدفاع عن الإسلام يعبر عنه الإباضية «بالشرى» أخذاً من قول الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: (11] إلى آخر الآية، وهو من أنواع الجهاد في سبيل الله الذي. سنام الإسلام وجناحه الذي به يقوى ويرتفع صوته. فأي قيمة للمرء المسلم في عبادته إذا هو لم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر ولم تأخذه الغيرة على دين الله.
لهذا كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم حريصين على أن يكون الإسلام متكاملاً ديناً ودولة عبادة وجهاداً وعقيدة وسلوكاً لا مجرد طقوس دينية
يمارسها المسلم في مكان معين وفي وقت معين.
يقول أبو سفيان: سمعت عبد الملك الطويل يتحدث عن أبي حمزة
المختار قال:
(1) الطبقات للدرجيني، ج 2، ص 248، وسير الشماخي، ج 1، ص 84. (1/48)
صفحة 46
2 ـ أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
49
«أدركت المسلمين أن كان الرجل منهم ما يستزاد في صلاة ولا في صيام
ولا في حج ولا في اعتمار ولا في وجه من الوجوه، فإن عرف أنه ليس بشديد الحرص في الشرى سقط من أعينهم وتسقط منزلته عندهم ومن هنا ندرك
(1)
مدى تمسك أبي حمزة بالشرى حتى صار لقباً له بجانب أسمه.
د - القوي الأمين:
تعتبر
الأمانة من أجل ا الأمور في حياة المسلم فهي تحتاج إلى وجود ضمير يقظ وتجرد نفس عن الميل إلى الطمع وسمو في الخلق، ونظراً لعظم الأمانة وقدرها في الإسلام، فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا ضيعت الأمانة يكون حدوث الساعة وهي نهاية الدنيا، والأمانة أمر الله بها في محكم كتابه بقوله عز من قائل و إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَنتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].
صفات كما أن تحمل الأمانة يحتاج إلى قوة عزم وشدة حزم وهي الأنبياء، ومن صفات نبينا محمد الله التي اشتهر بها قبل بعثته حتى عرف بالصادق الأمين، وصارت الأمانة من أهم صفات المؤمنين، وقد كان أبو حمزة من أولئك الأشخاص الذي يلجأ إليهم الناس لحفظ ودائعهم فيجدون عنده الكهف الآمن لأموالهم والموضع المنيع لمدخراتهم وقد حدث أن رجلاً يدعى أنس بن المعلا ذهب إلى فارس لزيارة ابن عم له كان والياً على بعض أقاليم فارس فأعطى ذلك الوالي ابن عمه عطاء، وفي هذه الأثناء عزل الوالي، ولعله طولب بما عنده من ممتلكات فخاف ذلك الرجل فهرب بالعطاء في مركب خوفاً من أن يؤخذ عنه حتى وصل البصرة فدفعه إلى أبي حمزة المختار بن عوف ليحفظه عنده، قال أبو سفيان: «خرج - أبو أنس بن المعلا ـ إلى عم له والياً على فارس فأحسن إليه فبينما هو عنده إذا عزل فهرب أنس إلى البصرة
(1) الطبقات الدرجيني، ج 2، ص)
،262
سير الشماخي، ج 1، ص 100 (1/49)
صفحة 47
50
شخصيات عُمانية
وخرج مستخفياً في مركب ومعه ماله جازه به ابن عمه وخشي أن يؤخذ منه فدفعه إلى أبي حمزة المختار حتى سكن عنه ما يخاف منه).
بالإضافة إلى تحلي أبي حمزة بالأمانة وثقة الناس به نستنتج أيضاً جرأته وقدرته على تحمل المسؤولية، فهو لم يبال بعاقبة الطالب إن لو كان ذلك المال مطلوبا، وتلك قدرات لا يتحملها إلّا النادر من الناس.
و - ملازمة العبادة:
أثناء وجود أبي حمزة في البصرة لازم مشايخ العلم فيها وحرص على لأن مجالسة الصالحين والأخيار تعين على طاعة الله وتجعل
البقاء معهم، القلوب خاشعة لذكر الله.
قال أبو سفيان عن عبد الملك الطويل قال أبو حمزة «كنا نأتي منزل
السلف
رحمهم
(2)
من
حاجب في رمضان يصلي بنا فيه فيقرأ بنا المائدة في ثلاث ركعات» (2) وكان أبو حمزة أيضا كثير السفر إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج كما كان الله كثيراً ما يذهبون إلى أداء مناسك الحج لما في ذلك الفوائد الدينية المتعددة واللقاء بالمسلمين لقوله تعالى {لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ} [الحج: 28] وكان الإمام جابر بن زيد يذهب إلى الحج كل سنة يقول أبو سفيان وكان المسلمون من أكثر الناس حجا، وكان لغير واحد نجائب يحملون عليها إلى مكة وكان جد سلمة يُدعى بأبي سالم من خيار المسلمين وكان أبو سنان له نجائب عدة قال سلمة لأبي نجائب يحمل عليها مشايخ ممن لا سعة له إلى مكة شبه المختار بن عوف وغيره».
المسلمين
(1)
وهكذا نجد السلف يبادرون إلى فعل الطاعات وينهمكون في العبادة الله.
سير الشماخي ج 1، ص 104. (2) سير الشماخي ج 1، ص 108. (1/50)
صفحة 48
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
هـ ـ المكانة العلمية:
رحمهم
51
عاش أبو حمزة إبان دراسته في مدينة البصرة وظل ملازماً شيخه أبا عبيدة وغيره من الأشياخ مثل حاجب الطائي، وضمام بن السائب وغيرهم الله، وقد بنا اجتهاده حتى في التدريب على الخطابة، فقد كانوا يقطعون الليل في العبادة وطلب العلم وقد وصف الصحابة قائلاً: «أنضاء عبادة وأطلاح. سهر قد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه، وقد أكلت الأرض جباههم وركبهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام).
هذه
(2)
هي صفاتهم"، وقد وفقهم الله للعمل بما علموا امتثالا لأمر الله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: 282] وقد قيل: «من عمل بما علم كان حقاً على الله أن يعلمه ما جهل (3).
نتيجة لهذا الإجتهاد في العلم والعمل بلغ أبو حمزة مكانة عالية في العلم شهد له بهذا المنزلة العلمية شيخه أبو عبيدة عندما أرسله إلى اليمن للقيام مع طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي ووصفه بأنه رجل «إنجيله في صدره» (4) وما أعظمها من شهادة صدرت عن ذلك الإمام الكبير وفي ذلك فليتنافس
المتنافسون.
(1) نفس المصدر، ص 89.
(2) الطبقات للدرجيني ج 2، ص 266. (3) جامع ابن جعفر، ج 1، ص 47.
(4)
سير الشماخي، ج 1، ص 91. (1/51)
صفحة 49
52
شخصيات عُمانية
رابعاً: توجه أبي حمزة إلى اليمن:
ومن
بعد تلك الفتن التي عصفت الأمة الإسلامية تحولت الخلافة إلى ملك عضوض جثم على الأمة بكلكل ثقيل من القهر والإستبداد، وسادت الروح الإستعلائية البغيضة بين الحاكمين والمحكومين، وانقلب مفهوم المسؤولين في الحكم من «لو ضاعت شاة بسواد العراق لكان المسؤول عنها عمر» إلى عدم صيانة كرامة الإنسان؛ فأصبح يقتل بالظنة، ومن «أين لك هذا» إلى اتخاذ القصور والضياع والثراء الفاحش، وأخذ الأموال من غير حلها ووضعها في غير محلها من التبذير والإسراف، ومن أن محمداً بُعث هادياً ولم يُبعث جابياً» إلى العكس من ذلك حتى لا تقتصر النفقة على القصور والخدم والحشم مبدأ «متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» إلى اتخاذ عباد الله خولاً، إنها لمفارقات عجيبة حدثت في تاريخ الإسلام بين خلافة عادلة سمحة، إلى ملك عضوض قاس، فعتم على الأمة جو مظلم من القهر والجبروت، ظلمات بعضها فوق بعض اختلط فيها الحابل بالنابل وانقلبت فيها الموازين واختلفت المفاهيم، فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، واعتبر الحق باطلاً، والباطل حقاً، فأصبح أبو حمزة الشاري ومن معه من الفتية المؤمنين الذين لم يألوا جهداً في اقتفاء أثر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأثر خلفائه وأصحابه الكرام حذو القذة بالقذة في تطبيق أحكام الإسلام، وبسط العدل وإعطاء كل ذي حق حقه، أصبحوا يوصفون بأنهم فئة خارجة عن الإسلام، أما ذلك الحكم الدموي المتسلط لمروان الحمار ومن قبله من الأمويين فهو الحكم الإسلامي، ولعمري إنها لمفاهيم خاطئة ظالمة، وهذا هو أبو حمزة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن
يفند هذه المفاهيم السيئة في خطابه لأهل المدينة «يا أهل المدينة سألناكم. ولاتكم هؤلاء فأسأتم لعمر الله فيهم القول، وسألناكم هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام فقلتم نعم، فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم فنناشدهم الله أن (1/52)
صفحة 50
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
53
يتنحوا عنا وعنكم ليختار المسلمون لأنفسهم فقلتم لا تفعلون، فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم نلقاهم فإن نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه، وإن نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم، ونقسم فيئكم بينكم فإنكم أبيتم وقاتلتمونا فقاتلنكم فأبعدكم الله وأسحقكم) وقال أيضا «يا أهل المدينة مالي رأيت رسم الدين فيكم باقياً وآثاره دارسة لا تقبلون عليه عظة ولا تفقهون من أهله حجة، قد بليت فيكم جدته وانطمست عنكم سنته ترون معروفه منكراً والمنكر من غيره معروفاً، فإذا انكشفت لكم العبر وأوضحت لكم النذر، عميت عنها أبصاركم، وصمت عنها أسماعكم، ساهين في غمرة، لاهين في غفلة تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبض عن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفوراً» (2).
أما اليمن فلم تكن بمعزل عن مضلة الحكم الأموي بل أخذت قسطاً وافراً من سوء تصرفات الولاة الثقفين الذين تعاقبوا عليها منذ محمد بن يوسف الثقفي وكان آخرهم القاسم بن عمر الثقفي (3)، فبكت الأرملة وصاح اليتيم وقوبل ذلك بابتسامات عريضة واستهزاء من المتكبرين في الأرض بغير الحق، وهذا الواقع المؤلم هو الذي حرك قريحة العلّامة القاضي عبد الله بن يحيى الكندي قبل أن يحرك سنانه حيث قال:
كوى بالأسى قلبي وأبكى نواظري بكاء اليتامى وابتسام الجبابر وكلفني حمل القواضب والقنا وسفك الدما إسراف أهل الكبائر (4)
(1) الأغاني ج 20، ص 103.
(2) الأغاني ص 105.
(3) مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية في المشرق والعربي ص 102.
(4) أبو القاسم البرادي، الجواهر المنتقاة، ص 170. (1/53)
صفحة 51
54
شخصيات عُمانية
فكتب إلى مرجع المسلمين والقدوة في الدين الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رضي الله عنه وأرضاه بالبصرة يستشيره في أمر الخروج بعد أن رأى باليمن «جوراً ظاهراً وعسفاً شديداً وسيرة في الناس قبيحة» (1).
فأجابه ذلك الإمام الجليل إن استطعت أن لا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك، والله خيرة
من عباده يبعثهم إذا شاء لنصرة دينه ويخص بالشهادة منهم من يشاء» (2). وزودهم بنصائحه، وذكّرهم سيرة أسلافهم العظام في السلم والحرب والحل والترحال «إذا خرجتم فلا تغلّوا ولا تغدروا واقتدوا بسلفكم الصالحين وسيروا سيرتهم، فقد علمتم أن الذي أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم (3).
«وقد بعثنا لك برجل انجيله في صدره» (4)
وبوصول القائد أبي حمزة المختار بن عوف السليمي إلى حضرموت باليمن والتحاقه بطالب الحق الإمام عبد الله بن يحيى دخل في مرحلة تاريخية أخرى سوف يتعرض الأخوة الباحثون لجوانبها الفكرية والسلوكية والعسكرية
والدعوية والبلاغية إن شاء الله.
(1) الأغاني ج 20، ص 97.
(2) نفس المصدر ص 97. (3) نفس المصدر، ص 97.
(4) سير الشماخي ج 1، ص 91. (1/54)
صفحة 52
2 - أبو حمزة الشاري نشأته ودراسته
المراجع:
1 - القرآن الكريم.
2 - الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيت الفراهيدي. شرح الجامع الصحيح، نور الدين عبد الله بن حميد السالمي.
- جوهر النظام، نور الدين عبد الله بن حميد.
ه - تحفة الأعيان، نور الدين عبد الله بن حميد. 6 - كتاب السير أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي. - طبقات المشايخ أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي.
- الأنساب، سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري.
سيرة عبد الله
بن
مداد.
55
10 ـ جامع بن جعفر.
11 - الإشتقاق، أبو بكر بن دريد.
12 - الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني.
13 - نشأة الحركة الإباضية، عوض خليفات.
14 - الإباضية في المشرق العربي، مهدي طالب هاشم.
15 ـ الحركة الإباضية في المشرق العربي، مهدي طالب هاشم.
16 - الكتاب السنوي للإحصاءات التعليمية لعام 87، 88 م وزارة التربية
والتعليم والشباب.
17 - عُمان ونهضتها الحديثة، دونالد هولي. (1/55)
صفحة 53
56
شخصيات عُمانية
18 ـ عُمان في العصور الإسلامية الأولى، عبد الرحمن العاني.
19 - معجم البلدان، ياقوت الحموي.
20 - الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني.
21 ـ السيرة الحلبية علي بن برهان الدين الحلبي.
22 ـ تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي، أبو زيد شلبي. 23 ـ الجغرافيا الإقليمية للثالث الثانوي وزارة التربية والتعليم والشباب.
24 - منهج الطالبين، خميس بن سعيد الشقصي. 25 ـ كشف الغمة، سرحان بن سعيد الأزكوي. 26 ـ الجواهر المنتقاة، أبو القاسم ابراهيم البرادي. (1/56)
صفحة 54
(1)
كلمة عن الخليل بن أحمد الفراهيدي (1)
(1) هذه كلمة ألقيتها في الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر الخليل بن أحمد الفراهيدي» بوحدة الدراسات العُمانية بجامعة آل البيت بالمملكة الأردنية الهاشمية بتاريخ 2006/ 7/22 م. (1/57)
صفحة 55
- كلمة عن الخليل بن أحمد الفراهيدي
بسم الله الرحمن الرحيم
إنها لفرصة جد سعيدة أن نحتفل بواحدٍ من أهم أعلام العرب والعربية، ذلكم هو إمام اللغةِ الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي العُماني، ولعله من الجميل أن نعيش أجواء هذه الأبيات التي جاشت بها قريحة أبي حيان الأندلسي في حق الخليل حيث قال:
وما زال هذا العلم تنميه سادة جهابذة تنأى به وتعاضده إلى أن أتى الدهر العقيم بواحد من الأزد تنميه إليه فراهده إمام الورى ذاك الخليل بن أحمد أقر له بالسبق في العلم حاسده وبالبصرة الغراء قد لاح فجره فضاءت أدانيه ونارت أباعده بأذكى الورى ذهناً وأصدق لهجة إذا ظن أمراً قلت ها هو شاهده هو الواضع الثاني الذي فاق أولاً ولا ثالث في الناس تعمى قواعده ومن كان ربّاني أهل زمانه صئوم قئوم راكع الليل ساجده نسم منه دهره في مثوبة وثوق بأن الله حق مواعده فعام إلى حج وعام لغزوة فيعرفه البيت العتيق ووافده ولم يثنه يوماً عن العلم والتقى كواعب حسن تنثني ونواهده وأكثر سكناه بقفر بحيث لا تناغيه إلا عفره وأوابده وما قوته إلا شعير يسفه بماء قراح ليس تغشى موارده عزوفاً عن الدنيا وعن زهراتها وشوقاً إلى المولى وما هو واعده (1/59)
صفحة 56
شخصيات عُمانية
وجميل أن يتزامن هذا الإحتفاء المبارك بشخصية الخليل بن أحمد مع كون مسقط العاصمة العُمانية عاصمة للثقافة العربية، ومع إعلان المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) شخصية الخليل بن أحمد
شخصية عالمية.
وأرى أنه من المناسب أن أذكر أمامكم بعض المعلومات عن الخليل ونسبه وموطنه، على اعتبار أننا معشر العُمانيين أقرب إليه نسباً وموطناً، ولعل بعضاً من هذه المعلومات لم تصادف أذهانكم أو أذهان الكثير منكم، ولعلها تقرب الصورة إليكم، وترسم لوحة معلوماتية أمامكم عن هذا الإمام الجليل، ولا سيما أنكم أو أن الكثير منكم لمّا يزر عُمان ولم أقل لم يزر عُمان، لأنني أتوقع زيارتكم لها.
لقد حددت المصادر العُمانية نسب الخليل بن أحمد ومكان مولده ونشأته، فهو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، نسبة إلى فراهيد بن مالك بن فهم الأزدي، ومالك بن فهم الأزدي هو القائد العربي الذي انتقل من اليمن إلى عُمان عقب الإنهيار التام لسد مأرب باليمن، وترك أولاداً عديدين أصبحوا فيما بعد آباء لقبائل عُمانية انتشرت في عُمان وخارجها، ومن بينهم فراهيد بن مالك الذي صار أباً لقبيلة فراهيد العُمانية العربية، وقد أنجبت هذه القبيلة العديد من العلماء والأدباء والقادة، منهم هذا الإمام إمام اللغة الخليل بن أحمد، والربيع بن حبيب صاحب المسند في الحديث، وأبو العباس المبرد، وابن دريد الأديب واللغوي المشهور، وبلج بن عقبة صاحب أبي حمزة الشاري، وقد كانت مساكن هذه القبيلة في منطقة
الباطنة من. عُمان في بعضها موجوداً في عُمان، واختفت النسبة إلى فراهيد.
مدينة صحار وما حولها، ثم تفرعت منها قبائل لا يزال (1/60)
صفحة 57
- كلمة عن الخليل بن أحمد الفراهيدي
كان الخليل بن
أحمد
من قرية «ودام» وكانت تنقسم إلى قسمين: ودام الساحل، وهي القسم الذي يقع بجوار البحر، خليج عُمان، وودام الغاف: وهي القسم الأعلى من البحر، ولعلّها نسبة إلى شجر الغاف، وهو شجر يكثر في عُمان.
وقرية «ودام» من ولاية المصنعة من منطقة الباطنة التي يقال عنها إنها بحبوحة عُمان، نظراً لرخاء العيش بها لجوارها البحر ولكثرة مزروعاتها، وذلك أن منطقة الباطنة سهل فسيح بين الجبل والبحر يمتد طوله مسافة ثلاثمائة كيلو متر، وعرضه يتراوح ما بين عشرين إلى خمسين كيلو متراً على ساحل خليج. عُمان وهو الذي عناه ذلكم العُماني الذي لقيه أبو عمرو بن العلاء بمكة فيما يرويه عنه تلميذه الأصمعي، يقول أبو عمرو لقيت رجلاً بمكة فاستفصحته، وبعد أن وجّه إليه العديد من ا الأسئلة، قال له: صف لي بلادك، فقال العُماني: «سيف أفيح، وفضاء صحصح، وجبل صلاح، ورمل أصبح»، فقد وصف الجغرافيا الطبيعية لعُمان بهذه العبارة المختصرة ذات الكلمات القليلة، والمعاني الكثيرة، وإذا أردتم شرح هذه الكلمات فنحن على استعداد لشرحها لغة وأرضاً.
خرج الخليل بن أحمد الفراهيدي من عُمان إلى البصرة، وهنالك نال شهرة واسعة، وتفتقت عبقريته عن الكثير من العلوم، وتأتي عظمة الخليل في كونه مؤسساً لتلك العلوم وأبا عذرتها، وما الناس فيها إلا تبع له وعالة عليه، ناسجين على منهجه وسائرين على منواله ودعونا نستمع إلى ما يقوله عنه بعض أتباعه المتعشقين خطاه المترسمين منهجه والمتأثرين به علماً وأدباً، ونختار من أولئك الأشخاص شخصين كان لهما الأثر الواضح الملموس في التراث العربي الخالد. (1/61)
صفحة 58
62
شخصيات عُمانية
أحمد
يقول أبو المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري العُماني في كتابيه: الأنساب، والإبانة: ومن أهل عُمان أبو عبد الرحمن الخليل بن الفراهيدي، وكان خرج إلى البصرة، وأقام بها فنسب إليها، وهو صاحب كتاب العين الذي هو إمام الكتب في اللغة وما سبقه أحد إلى تأليف مثله، وإليه يتحاكم أهل العلم والأدب فيما يختلفون فيه من اللغة، فيرضون به ويسلّمون إليه، وهو صاحب كتاب النحو وإليه ينسب وهو أول من بوبه وأوضحه ورتبه وشرحه، وهو صاحب كتاب العروض والنقط والشكل، والناس تبع له، وله فضيلة السبق إليه والتقدم فيه».
أما تلميذه غير المباشر أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد فيقول: «وقد ألف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي رضوان الله عليه كتاب العين، فأتعب من تصدّى لغايته، وعنّى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف والمعاند متكلف، وكل من بعده تبع له أقر بذلك أم جحد، ولكنه الله ألف كتابه مشاكلاً لثقوب فهمه، وذكاء فطنته وحدة أذهان أهل دهره».
فرحم الله الخليل بن أحمد الفراهيدي، وجزاه عن لغة الضاد وأهلها خير الجزاء، لما قام به من أعمال علمية لصيانتها نطقاً وإملاء، فهي لغة النص الديني، والخطاب الإسلامي، فبها الله يُعبد ويُوحد. (1/62)
صفحة 59
الخليل بن أحمد الفراهيدي (1)
(1) كتبت هذا البحث لوزارة التربية والتعليم - وكنتُ موظفاً بها ـ لتسمية إحدى المدارس باسم الخليل بن أحمد الفراهيدي بتاريخ 1975/ 3/18 م، وآثرت أن لا أغير فيه شيئاً لأنه يجسد مرحلة فكرية من مراحل عمري ويثير في شجون الشباب
إن الشباب الذي مجد عواقبه
وأسأل الله السلامة وحسن الخاتمة.
فيه نلذ ولا لذات للشيب (1/63)
صفحة 60
4 - الخليل بن أحمد الفراهيدي
70
بسم الله الرحمن الرحيم
أديب بارز بيض صفحات التاريخ الأدبي المشرف وصيرها بيضاء ناصعة خالية من الشوائب التي تشوّه التاريخ وتدنس صفحاته.
وقد ظهر هذا الأديب البارز في مستهل القرن الثاني الهجري، ورفع مستوى الأدب العربي إلى مرتقى منيف وإلى أوج الكمال الذي يليق بمكانة الأدب العربي ومنزلته، الأمر الذي جعله يتولى زمام اللغة العربية والأدب العربي في عصره، وضربت إليه أكباد الإبل من مختلف الأصقاع وشتى النواحي للإغتراف من فيضان بحره والنهل من معينه العذب الذي يروى كل ظامئ متلهف.
على أن أديبنا هو إمام اللغة والأدب الخليل بن أحمد الفراهيدي.
نسبه:
هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي،
ينتسب إلى فراهيد بن مالك بن فهم الأزدي.
وذكر المرزباني: أن أباه أحمد أول من سمّي أحمد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.
مولده ونشأته:
ولد الخليل بن أحمد سنة 100 هجرية أثناء خلافة أمير المؤمنين عمر بن (1/65)
صفحة 61
77
شخصيات عُمانية
عبد العزيز الله في بلدة ودام القريبة من المصنعة، في منطقة الباطنة من عُمان، ونشأ فيها، وبها تعلّم مبادئ العلوم، ثم انتقل إلى البصرة بالعراق، حيث كانت البصرة محط رحال العلم آنذاك، وبها ملتقى الفحول من العلماء والأدباء.
سار الخليل على بركة الله مفارقاً وطنه الحبيب الذي. هو مسقط رأسه، وتربّى على ترابه، ولعب على ثراه، ومرح تحت سمائه إلى طلب العلم الذي
لا حياة للإنسانية بدونه
ووصل إلى البصرة، وجد واجتهد على تحصيل العلم، بالإضافة إلى ما رزقه الله من فرط الذكاء وسعة العقل.
وهنالك أكبّ على العلم ينهل منه ليروي ظمأه، ويمسك زمام التدريس
والتأليف.
حياته ومكانته الأدبية:
قال حمزة بن الحسن الأصبهاني في حقه في كتابه «التنبيه على حدوث التصحيف»: وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا على مثال تقدّمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما، أو يفيدان غير جوهرهما إلى أن قال: ومن تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة.
وحق له هذا الثناء والوصف الذي وصفه به صاحب كتاب التنبيه، ومن
كانت هذه مكانته وهذه صفاته جدير أن يوصف ويقال فيه مثل هذا الكلام. (1/66)
صفحة 62
- الخليل بن أحمد الفراهيدي
67
وفي ليلة ماء اجتمع الخليل وعبد الله بن المقفع وبقيا يتحدثان حتى أشرق الصباح، فقيل لعبد الله بن المقفع، كيف وجدت الخليل؟.
قال: وجدت رجلاً عقله أكبر من علمه، وقيل للخليل كيف وجدت عبد الله بن المقفع؟
قال: وجدت رجلاً علمه أكبر من عقله.
وبجانب هذا كان رجلاً فاضلاً قانعاً زاهداً متورعاً رفيع النفس عن الأمور المادية كثير التوكل على ربه حدّث عنه بعض طلابه أنه في بعض الأيام لا يجد فلسين بينما أصحابه يكسبون بعلمه وجاهه ومنزلته عند الناس الأموال وتراه دائماً. يردد في لسانه بيت الشاعر الأخطل ليزيح عن قلبه الهم والأفكار
لقلة ما في يده الان.
وإذا اعتمدت إلى الذخائر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال وكان يتقاضى راتباً ضئيلاً يمده به سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي وكان والياً على فارس والأهواز ومتقانعاً بهذا الراتب القليل تاركاً الدخول على الملوك والسلاطين، ومما يدل على ترفعه وعزة نفسه أن سليمان بن حبيب كتب إليه يستدعيه للحضور عنده فامتنع عن تلبية طلبه ورأى أنه إذا ذهب ربما يتعطل سير الدراسة التي يحضرها كثير من الطلاب المتفتحين وكتب إليه الخليل رداً على كتابه. يقول فيه:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال شحاً بنفسي أني لا أرى أحداً يموت هزلاً ولا يبقى على حال الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال والفقر في النفس لا في المال نعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال (1/67)
صفحة 63
شخصيات عُمانية
ولما وصلت هذه الأبيات إلى سليمان قطع عنه الراتب الذي كان يمده به، فكتب إليه الخليل بكل عزة وإباء نفس غير مبال بقطع الراتب متوكلاً على الذي خلفه.
إن الذي شق فمي ضامن للرزق حتى يتوفاني خيراً قليلاً فما حر زادك في مالك حرماني
فلما بلغت سليمان أقامته وأقعدته بما فيها من إخلاص نية وصدق توكل
وقوة عزم وعرف أنها خرجت من قلب رجل رفيع النفس، وعن عقل رجل نفسه فأضعف له الراتب.
عرف مصير
تلاميذه الذين تخرجوا من مدرسته حاملين لواء اللغة والأدب، هم:
1 - سيبويه وقد صار إماماً في النحو وألف فيه كتاباً سمّي باسمه.
2 - النضر بن شميل
مؤرج السدوسي
- نصر بن علي الجهضمي وغيرهم كثيرون، وقد برع في علم العروض وهو أول فن اكتشفه لم يسبقه إليه أحد ودرسه وألف فيه.
يحكى عنه أنه مرة دخل عليه ولده وكان غير نبيه فوجده يقطع بيت شعر بأوزان العروض فخرج إلى الناس وقال إن أبي قد جنّ فدخل عليه الناس فأخبروه بما قاله ولده لهم فقال مخاطباً ابنه: -
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتكا (1/68)
صفحة 64
- الخليل بن أحمد الفراهيدي
79
مؤلفاته:
1 - كتاب العين في اللغة حصر فيه مفردات اللغة بطريقة حسابية شيقة ورتب الحروف حسب مخارجها وابتدأ بحروف الحلق وابتدأ من هذه الحروف
بحرف العين ولذلك. كتاب العين.
2 - كتاب العروض.
- كتاب الشواهد.
ـ كتاب النقط والشكل.
ه ـ كتاب النغم.
سمي
أما كتاب العين فهو موجود منه نسخة في بريطانيا في المكتبة، وقد طبع منه الجزءان الأول والثاني وكان الخليل بن أحمد زكته يقول لا يعلم خطأ معلمه حتى يجالس غيره.
ويقول أكمل ما يكون الإنسان عقلاً وذهناً إذا بلغ الأربعين وهي السنة التي بعث الله فيها محمداً وينقص إذا بلغ ثلاثاً وستين وهي السنة التي قبض الله تعالى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر، ومن شعره في الغزل:
يقولون لي دار الأحبة قد نأت وأنت كئيب إن ذا لعجيب فقلت وما تغني الديار وقربها إذا لم يكن بين القلوب قريب
وفاته:
توفي رحمة الله عليه سنة 175 هجرية وعمره خمس وسبعون سنة بعد أن قضى حياته في سبيل نشر المعرفة وإيقاظ القلوب وأنشأ جيلاً مثقفاً تولى بعده هذا العمل المشرف وهو نشر العلم والمعرفة بجميع أنواعها. (1/69)
صفحة 65
70
شخصيات عُمانية
ذلك
وكان سبب موته أنه أراد أن يرسل جاريته إلى السوق فقال أريد أن أعمل لها حساباً حتى لا يمكن التاجر ظلمها فدخل المسجد وهو يفكر في وصدمته سارية فانقلب فمات، وقيل إنه كان يقطع بحراً في العروض فاصطدم بالسارية فانقلب فمات وكانت وفاته بالبصرة في السنة المذكورة رحمه الله
وغفر له.
اكتفينا بهذا الكلام البسيط القصير عن هذه الشخصية العظيمة وفقاً
للمطلوب.
والله ولي التوفيق،،، (1/70)
صفحة 66
كلمة عن أبي بكر ابن دريد
(1) هذه كلمة ألقيتها في الجلسة الإفتتاحية لمؤتمر ابن دريد بوحدة الدراسات العمانية بجامعة آل البيت بالمملكة الأردنية الهاشمية بتاريخ 2009/ 5/12 م. (1/71)
صفحة 67
ه - كلمة عن أبي بكر ابن دريد
73
بسم الله الرحمن الرحيم
إنه لشيء جميل ورائع حقاً أن تحتفي وحدة الدراسات العُمانية بجامعة آل البيت بواحد من أئمة العلم والأدب والشعر، إنه أبو بكر محمد بن الحسن ابن دريد الأزدي الفراهيدي العُماني، وقبل ثلاثة أعوام كان الإحتفاء بأستاذه الفذ أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي على أن ابن دريد وإن لم يكن تلميذاً مباشراً للدرس الخليلي فهو تلميذه علماً وأدباً فقد سار على منواله واقتفى خطاه واتخذه معشوقه العلمي حتى قام مقامه، ونتيجة العشق للخليل عده خصومه بمنتحل كتب الخليل ومعارفه ذلكم نفطويه الذي كان وابن دريد يتراشقان بسهام الهجاء يقول عنه:
التي
ويدعي من حمقه وضع كتاب الجمهرة وهو كتاب العين إلا أنه قد غيره
والحقيقة أن كتاب العين هو العين والجمهرة هو الجمهرة بيد أنه ينبغي أن ندرك أن ذلك الإتهام أو الهجاء النفطوي ناشيء عن المناطحة القرونية دائماً ما يتعارك فيها الأقران علماً وزماناً والتي غالباً ما يكون الحسد والمنافسة مبعثها، ولا ريب أن ذلك الإتهام - بالقراءة التحليلية ـ لا يخلو من كونه وصفاً لما كان عليه ابن دريد من ارتباط بالخليل وتأثره بعلمه وفكره لغة وأدباً. (1/73)
صفحة 68
74
شخصيات عُمانية
وقبل عام كان أيضاً الاحتفاء هنا بالعوتي الصحاري العُماني التلميذ العلمي لابن دريد، لا سيما في مجال علمي الأدب واللغة، فالأنساب للعوتبي ابن علمي لاشتقاق ابن دريد، والإبانة للعوتبي ابنُ علمي أيضاً لجمهرة ابن دريد، وكلاهما يستمد معارفه من شيخ العلوم وأستاذ الدنيا أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي.
يعود
لقد شكّل هذا الثلاثي العُماني خطاباً لغوياً وأدبياً كان له حضوره الفاعل في صياغة الفكر العربي وتحديد مساره لقد تعددت مواهب ابن دريد بتعدد رحلاته وأماكن استقراره بين عُمان والبصرة وخراسان وبغداد، ولعل ذلك إلى عبقرية المكان، فلنستمع إلى تلميذه المسعودي وهو يعدد مواهب شيخه وأستاذه في كتابه مروج الذهب، حيث يقول: وكان ابن دريد ممن قد برع في زماننا هذا في الشعر وانتهى في اللغة وقام مقام الخليل بن أحمد فيها وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب اللغة القديمة، وكان يذهب في الشعر كل مذهب فطوراً يجرب وطوراً يعقب وشعره أكثر من أن نحصيه» ووصفه العوتبي الصحاري مشيداً به في كتابيه الأنساب والإبانة، حيث يقول فيهما مع يسير في العبارة: الشاعر النسابة صاحب كتاب الجمهرة وله مصنفات وكتب عدة، وهو الخطيب المذكور، والشاعر المشهور، الخطيب الذي تقف عند كلامه البلغاء وتعجز عن أدبه الأدباء، وتستعير منه الفصحاء، وتستعين بكلامه الخطباء، وهو خطيب في شعره، ومصقع في خطبه، وقدوة في أدبه، وحكيم في نثره، وعالم في شعره لا زيادة عليه في فنون العلم والأدب.
اختلاف
هذا
شأن
من
عظيما.
هو
ابن دريد بين مادح وقادح، أو على الأقل بين طاعن وصادق، وهذا له شأن على حد التعبير القائل ما اختلف اثنان على إنسان إلا كان (1/74)
صفحة 69
ه - كلمة عن أبي بكر ابن دريد
ولعل القصيدة الميمية في المديح النبوي المنسوبة إليه التي تحمل عنوان: في مدح أشرف البشر، والتي لا تزال مخطوطة تصحح تلك الطعون والقوادح والقصيدة تضم مئة وأربعة وثلاثين بيتاً وهي على البحر البسيط وهو البحر الذي وزن عليه البوصيري بردته المشهورة التي طبقت شهرتها الآفاق ونحا نحوه ونسج نسجه الكثير من الذين جاؤوا بعده ومطلع الميمية الدريدية: حسن ابتداء مديحي حي ذي سلم أبدى براعة الإستهلال في العدم فأم سلعاً وسل عن أهله فهم قد ركبوا في الحشى ناراً لبعدهم
وقال في آخرها مخاطباً النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:
وعدتني في منامي ما تقر به عيني بحسن بيان غير منعجم فقلته مدمجاً فوقنيه فما رؤياي إياك أضغاثاً من الحلم فمطلبي أنت أدرى من براعته به فحالي منها غير منكتم فإن ظفرت به فالوعد موجبه أو لا فإن رجائي حسن مختتمي
على أنه بعد صحة نسبة القصيدة الدريدية فلعله يكون أول من أنشأ قصيدة في المديح النبوي بعد وفاته الله، وحسب علمي، ولست من مؤرخي الأدب، فإن مؤرخي شعره وحياته لم يكونوا يذكرونها له ولم تشتهر عنه ولعلها مما اختزنته الذاكرة العُمانية، وعسى أن يقوم الباحثون ونقاد الأدب في تحقيقها للتحقق من نسبتها الدريدية، وذلك ما نرجوه وقد أحضرت صورة منها إلى
وحدة الدراسات العُمانية (1).
(1) أخبرني بعض الباحثين فيما بعد أن القصيدة ليست لإبن دريد، والله أعلم. (1/75)
صفحة 70
91
ابن دريد في الذاكرة العُمانية (1)
(1) بحث مقدم إلى مؤتمر وحدة الدراسات العُمانية بجامعة آل البيت المملكة الأردنية الهاشمية في الفترة من (12 - 14/مايو /2009 م). (1/77)
صفحة 71
6 - ابن دريد في الذاكرة العُمانية
الالقسم الأول
ابن دريد في الذاكرة العُمانية: الاسم والمكان والزمان
أولاً: الاسم:
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - بطاقة التعريف:
79
الكنية: أبو بكر.
الاسم: محمد بن الحسن بن دريد.
الشهرة: ابن دريد.
أول من أسلم من أجداده، حمامي، وكان ضمن الوفد العُماني الذي صحب عمرو بن العاص، مبعوث النبي الهلال إلى أهل عُمان، أثناء عودته إلى المدينة المنورة عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الوفد يتكون من سبعين شخصاً من وجوه وأعيان أهل عُمان وفي مقدمتهم عبد بن ا أحد الجلندى. ملكي: اللذين وجه إليهما النبي صلى الله عليه وسلم خطابه المعروف).
2 - الانتماء القبلي:
ينتمي ابن دريد قبلياً إلى فراهيد بن. مالك بن فهم الأزدي.
(1) الحموي، ياقوت، معجم الأدباء، ج 5، ص 297، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان.
عُمان (1/79)
صفحة 72
80
شخصيات عُمانية
ومالك بن فهم الأزدي هو القائد العربي الذي انتقل إلى عُمان أثر الإنهيار الكامل لسد وادي مأرب باليمن وأخرج الفرس من. عُمان. والجدير بالذكر أن جميع أولاد مالك بن فهم صاروا آباء قبائل في. صار بعض تلك القبائل كثيرة العدد.
حتى
عُمان
ومن بين تلك القبائل بنو فراهيد بن مالك بن فهم، ويقال للواحد - نسبة - فراهيدي، وفرهودي.
وجاء على كتاب الإشتقاق تعليقاً وقال في كتاب الجمهرة فرهود بن الحارث الذي من ولده الخليل بن أحمد، وهو الفراهيدي، والفرهود، ولد الأب
في لغة أزد عُمان، قال ومن قال الفراهيدي فإنما يريد الجمع»).
قال
والحارث هو الحارث بن مالك بن فهم.
مالك بينما نسب الفراهيد في كتاب الاشتقاق إلى شبانة بن بن فهم حيث ومنهم بنو فرهود بن شبانة الذي يقال لهم الفراهيد، والفرهود، الغليظ من
(r),
(r)
قولهم تفرهد الغلام إذا سمن» أما العوتبي فيقول إنه فراهيد بن مالك ابن فهم، وهذا الذي اعتمدته المصادر العُمانية في الأنساب والتاريخ.
وينسب إلى الفراهيد بنو جديد (بالجيم المعجمة) قال ابن دريد «ومنهم أي الفراهيد - بنو حاضر وبنو جديد بطنان عظيمان».
وجديد (بالجيم) تصغير جد، فأما من الجد أبي الأب، أو من الجد
الحظ ... الخ» (4).
(1) الاشتقاق، ص 499، تعليق.
(2) نفس المصدر والصفحة
(3) الأنساب، ص،781، ط 4، تحقيق الدكتور محمد إحسان النص.
(4) الاشتقاق، ص 501 (1/80)
صفحة 73
6 - ابن دريد في الذاكرة العمانية
81
ويقول العوتبي ومنهم - أي الفراهيد - بنو جديد بن جشم)، ويقول ومن بني جديد، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن الحسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن وهب بن سلمه بن حاضر بن جشم بن ظالم بن فراهيد بن. مالك بن فهم» (3).
ويحسن التنبيه إلى أن هناك تصحيفاً وقع في المصادر العُمانية، حيث وقع الخلط بين بني جديد (بالجيم المعجمة) وبني حديد (بالحاء المهملة) على أن ابن دريد نفسه، نسبته تلك المصادر تصحيفاً إلى إنه حديدي (بالحاء) مع أنه نفسه لم يذكر أن بني حديد (بالحاء) من فراهيد، وبنو حديد (بالحاء) هم قبيلة عُمانية معروفة ويقطنون في منطقة السيب من محافظة مسقط، وغيرها من البلدان لا سيما في بلدان بني هناءة بالمنطقة الداخلية، والظاهر أنهم أيضاً
هو
من قبائل بني مالك بن فهم.
ثانياً: المكان:
تؤكد المصادر أن ابن دريد ولد في البصرة ونشأ بعمان، وتوفي في بغداد، ولكن يا ترى كيف يكون عُمانياً من ولد في البصرة وتوفي ببغداد؟، وهما في
العراق.
في رأيي تتحقق عُمانيه ابن دريد من خلال الأمور التالية:
1 ـ أن آباءه وأجداده لا شك إنهم من عُمان، وقد قال ابن دريد إن جده هو أول من أسلم، وص وصحب الوفد العُماني إلى المدينة مع عمرو بن
حمامي العاص كما تقدم ذكره.
(1) نفس المصدر، ص 782. (2) نفس المصدر والصفحة. (1/81)
صفحة 74
82
شخصيات عُمانية
2 ـ ما أكدته المصادر إنه نشأ بعُمان والنشأة هي المرحلة المبكرة من عمر الإنسان، فلا يقال لمن جاوز الحلم إنه ناشيء.
ولكن كيف تكون الولادة في البصرة والنشأة بعُمان؟ الظاهر أن وقت الولادة كان قصيراً، ولعل عائلته كانت قد ذهبت إلى البصرة في بعض المواسم التي كان أهل عُمان لا سيما أهل صحار والمناطق الشمالية من عُمان، ينتقلون فيها إلى البصرة، فقد ثبت أن الكثير منهم لهم أملاك من المزارع والنخيل في البصرة، بل ثبت أن أهل صحار يقضون الصيف في البصرة.
عُمان
3 ـ يروي أبو علي القالي وهو تلميذ ابن دريد عنه قوله «خرجنا من نريد سفراً لنا فنزلنا في أصل نخلة فنظرت فإذا فاختتان تزقوان في فرعها فقلت:
أقول لورقاوين في فرع نخلة وقد طفل الامساء او جنح العصر وقد بسطت هاتا لتلك جناحها ومال على هاتيك من هذه النحر ليهنكما ان لم تراعا بفرقة وما دب في تشتيت شملكما الدهر فلم أر مثلي قطع الشوق قلبه على انه يحكي قساوته الصخر (1)
ويستنتج الدكتور أحمد درويش من قول ابن دريد خرجنا من عُمان نريد سفراً لنا، أنها عبارة مقيم لا عبارة مسافر، تعني أن مستقره في عُمان وأن الخروج منها كان يتكرر ولكن يعقبه عودة إليها (2)، وهناك رواية في معجم الأدباء تقول «وخرجنا نريد عُمان في سفر لنا ... إلخ» (3)، غير أن رواية القالي هي الأصح لأن إسنادها مباشر.
4 ـ ذكر الشيخ محمد بن راشد الخصيبي قصة لقائه واستقباله للأمير
(1) الامالي، ج 1، ص 133، دار الفکر، بيروت، لبنان.
(2) تطور الادب في عُمان. ص 1)
121
(3) الحموي، ياقوت، معجم الادباء، ج 5، ص 299. (1/82)
صفحة 75
6 - ابن دريد في الذاكرة العمانية
83
عبد الله ابن محمد بن ميكال وابنه أبي العباس إسماعيل بن عبد الله في صحار، وإكرامه لهما مدة أربعة أشهر وهو يطعمهم أفخر أنواع الطعام، مما يدل أن مقامه في صحار وإنه كان على غنى وثروة.
على أن هناك رواية تقول إن أصله من قدفع برأس الخيمة)، ورواية أخرى تقول إنه سكن دما (السيب حاليا) (3)، غير أن هاتين الروايتين لا يسندهما دليل.
والظاهر أن أجداده هم الذين استوطنوا صحار، والحكاية التالية فيها قوة دليل على ذلك. وهي «إن دريد بن عتاهية بصحار، وبكر بن طلحه إرتفعا إلى الإمام عبد الملك بن حميد، وكان دريد ادعى على بكر مالاً وتفالس عليه بكر، قال الإمام لبكر بن طلحة أخذت ماله وذهبت به، ثم قال الإمام يحبس ويشد
عليه في ذلك، ثم أقبل على دريد وقال ما أصنع لك به، أقطع لحمه» (4). وهذا يدل على أن دريداً الذي. هو جد ابن دريد كان مستقره في صحار. ه ـ عندما حدث هجوم الزنج على البصرة في عام 257 هـ لم تكن لابن دريد وجهة غير عُمان، حيث بقي فيها مدة اثني عشر عاما ()، مما يدل على انها وطنه. 6 ـ قال ابن دريد «كنت بعمان مع الصلت. بن مالك الشاري، وكانت الشراة تدعوه ه أمير المؤمنين، وكانت السنة كثيرة الامطار ودامت على الناس فكادت المنازل ان تنهدم، فاجتمع الناس وصاروا الى الصلت وسألوه ان يدعو لهم فاجل بهم ان يركب من الغد الى الصحراء ويدعو فقال لي بكرة لتخرج غد فبت مفكرا كيف يدعو، فلما اصبحت خرجت معه فصلى بهم
معي
في
(1) شقائق النعمان، ج 1، ص 23، وزارة التراث، سلطنة عُمان.
(2) السيابي، سالم بن حمود، العنوان، ص 33.
(3) البطاشي، سيف بن حمود، اتحاف الاعيان، ج 1، ص 74، والخصيبي، شقائق النعمان، ج 1، ص 21.
(4) البطاشي، المصدر السابق، ج 1، ص 74.
(0) احمد درويش تطور الادب في عُمان، ص 121. (1/83)
صفحة 76
??
شخصيات عُمانية
وخطب ودعا، فقال: اللهم انك انعمت فاوفيت، وسقيت فارويت، فعلى القيعان ومنابت الشجر، وحيث النفع لا الضرر، فاستحسنت ذلك منه» (1). وكان ذلك في مدينة نزوى بعُمان)، حيث كان يقيم الامام الصلت بن مالك (237) ـ 272 هـ)، وهذا يدلنا على ان ابن دريد كان يتحرك زائرا بين الاماكن العُمانية.
7 ـ يظهر ان ابن دريد كان موجودا بعُمان اثناء وقوع الاحداث الاليمة على عهد الامامين راشد بن النظر وعزان بن تميم (272) - 280 هـ) حيث اخذ يرثي من قتل من قومه الازد، ويحرضهم على الأخذ بالثأر من النزارية، وقد أورد له العوتبي قصيدتين احداهما في الرثا ومطلعها:
انما فازت قداح المنايا يوم حازت خضلها في تنوفا
ويقول فيها:
واحد افضل من الف الف فخذ الواحد واسف الالوفا انما انهضت هضاب المعالي واكتست اقمارهن الكسوفا يوم سقى الدهر ارواح قومي تحت ظل الخافقات الحتوفا فقدهم هد من المجد ركنا الله صعبا منيفا
كان عمر
والقصيدة الثانية يحرض فيها قومه على الاخذ بالثأر، ومطلعها: نبأ نابه وخطب جليل بل رزايا لهن عبء ثقيل
ويقول فيها:
يا بني مالك بن فهم قتيلا لا يباريه في الانام قتيل
(1) ياقوت الحموي، مصدر سابق، ص 304.
(2) تقع نزوى في وسط عُمان في المنطقة الداخلية منها، وكانت تاريخيا عاصمة دولة الامامة. (1/84)
صفحة 77
6 - ابن دريد في الذاكرة العمانية
85
كنتم الهامة التي لو ازالث اوجه الدهر لم تقل لا ازول کنتم اهل سطوة لو تصدت مال وجه الحمام حيث تميل اقليل عديدكم فتقولوا اننا في الوغى نفير قليل ام ضعاف عن ثاركم فتلذوا مشرب الذل والضعيف ذليل)
عمر
وكذلك اورد له الشيخ سيف بن حمود البطاشي قصائد اخرى، منها في نفس الموضوع ومنها في مواضيع اخرى نقلها من دراسة وتحقيق الاستاذ. سالم التونسي على ديوان ابن دريد (2).
ومن المؤسف ان دعوة ابن دريد هذه ذات النزعة القبلية، وجدت طريقها الى قلوب العُمانيين، فتحول الصراع السياسي الى حرب قبليه، تفرق ازاءها اهل عُمان الى كتلتين، يمنية ونزاريه.
وكانت نتيجتها المدمرة سقوط دولة الامامة الثانية، تلك الدولة التي بذل علماء الدين الكثير من الجهود والتضحية في قيامها، ولكن بذهاب اولئك العلماء موتا، خفتت سيطرة العلماء على الوضع وحلّت النعرة القبلية التي اثارها ابن دريد و امثاله محلها، فكانت النتيجة سقوط الدولة، وحربا قبليه، وانقساما قبليا يمنيا ونزاريا، وسيطرة عباسية سرعان ما تحولت الى سيطرة تلك
الكيانات الشعوبية والاعجمية التي كانت تحكم باسم الدولة العباسية.
ولم تتعاف عُمان من ذلك الوضع المعافاة التامة إلا بقيام الدولة اليعربية وبعدها الدولة البوسعيدية، حتى الوسط الديني لم يستطع التماسك ازاء ذلك فقد انقسم الى فرق ثلاث هي النزوانية والرستاقية والازكوية، غير ان الشيء الجميل ان تلك الفرق تحولت فيما بعد الى مدارس فكرية أغنت
(1) الانساب، ج 2، ص 748، وما بعدها. (2) اتحاف الاعيان، ج 1، ص 89. (1/85)
صفحة 78
17
شخصيات عُمانية
الفكر السياسي عند الاباضية، نتيجة المناقشات الفكرية الساخنة التي أصبحت تزخر بها مؤلفات تلك الفترة، الامر الذي جعل المذهب الاباضي يتميز بامتلاك ثراء فكري سياسي واسع ربما لا يوجد بذاك الحجم عند المذاهب الأخرى.
ولعلى اكون قد خرجت عن الموضوع بهذه الاطالة، بيد انها تحمل قدرا جيدا من التوضيح ان شاء الله تعالى.
أعود إلى القول، أن ابن دريد من خلال ما تقدم طرحه، يبدو أن أكثر أيام حياته كانت في عُمان، وقد كان يتردد عليها جيئة وذهابا والظاهر ان مقره في صحار التي كانت تتمتع برخاء العيش ونضارة الحياة وثراء الحال، وهو ما يؤكد عُمانيته. يقول السيد مصطفى السنوسي في كتابه دراسات في التراث العربي وعلى كل حال فابن دريد من أزد عُمان، حتى أن كثيراً من المراجع تدعوه بالعُماني»)، وقال عنه المؤرخ المسعودي - وهو تلميذه ـ (وممن تاخرت وفاته) «ابن دريد العُماني» (2).
ثالثاً: الزمان
(2)
يختلف القول حول تاريخ مولد ابن دريد فيورد العوتبي تاريخ مولده أنه سنة خمس وعشرين ومائتين للهجرة (3)، بينما تؤكد بقية المصادر ان مولده كان في سنة ثلاث وعشرين ومائتين (4).
(1) البطاشي، سيف بن حمود، مصدر سابق ج 1، ص 95. (2) مروج الذهب، ج 2، ص 559 شركة الاعلانات الشرقية ـ القاهرة.
(3) الانساب، ج 2، ص 783.
(4) احمد درويش، تطور الادب في عُمان، ص 120. (1/86)
صفحة 79
6 - ابن دريد في الذاكرة العُمانية
87
على أننا نرجح رواية العوتبي لان فيها اسنادا جيدا وقدرا من التفصيل، حيث يقول العوتبي: قال العتكي دخلت على ابن دريد قبل موته فسمعته يقول: ولدت ليلة الجمعة في احد الربيعين سنة خمس وعشرين ومائتين، بينما لا تذكر الرواية الاخرى مثل هذا التفصيل والتحديد عن تاريخ مولده، وعلى منهج المحدثين ان الرواية اذا كان بها تفصيل تكون اصح. من تلك التي تخلو
من
ذلك.
كانت ولادة ابن دريد في عهد خلافة المعتصم العباسي، وشاهد ابن دريد احداث الزنج وهجومهم على البصرة وقتلهم استاذه الرياشي، وذلك في سنة 257 هـ في خلافة المعتمد، كما شاهد الاحداث العُمانية التي سبق ذكرنا لها على عهد الامامين راشد بن النظر وعزان بن تميم.
ولعل أجمل فترات عمره تلك التي قضاها في نيسابور بخراسان بجوار الاميرين عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه ابي العباس اسماعيل بن عبد الله. اللذين انشأ. من اجلهما مقصورته الرائعة التي طارت شهرتها في الآفاق، ونالت اعتناء العلماء والأدبا والشعراء بها شروحا ومعارضات.
حتى قال صاحب كشف الظنون وقد عارضه جماعة من الشعراء فما شقوا غباره ولا بلغوا مضماره» (1).
ومطلعها:
أما ترى راسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جمر الغضى فكان كالليل البهيم حل في أرجائه ضوء صباح فانجلي
(1) البطاشي، مصدر سابق، ص.
11. (1/87)
صفحة 80
88
شخصيات عُمانية
وقال فيها:
إن ابن ميكال الأمير انتاشنى من بعد ما قد كنت كالشيء اللقى ومد ضيعي أبو العباس من بعد انقباص الذرع والباع الوزى الفداء لاميري ومن تحت السماء لاميري الفدا
نفسي
لا زال فكري لهما مواصلا لفظي او يعتاقني صرف المنى
والظاهر ان ابن دريد في آخر حياته، استقر ببغداد ولم يخرج منها، كما انه لم يات الى عُمان، نظرا لكبر سنه، ولكون وطنه عُمان كان تحت سيطرة القرامطة، ثم آل وجيه حتى قام العُمانيون بنصب الامام سعيد بن عبد الله سنة 320 هـ، غير ان الامام المذكور لم تشمل سلطته انحاء عُمان.
جميع
وكانت وفاة ابن دريد ببغداد عاصمة الخلافة العباسية في خلافة القاهر سنة 321 هـ، ومرة اخرى يعود الاختلاف حول تاريخ وفاته، غير ان الفارق هذه المرة بسيط.
اذ يحدد العوتبي وفاته بقوله «وتوفي لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة احدى وعشرين وثلاثمائة)، وعلى هذا اكثر الروايات.
بينما تحدد الرواية الأخرى عند ياقوت الحموي ان وفاته كانت يوم الاربعاء لاثنتي عشرة بقيت من رمضان سنة احدى وعشرين وثلاثمائة (2). ونرى ان هذه الرواية هي الاصح لانها اكثر تفصيلا، ثم انها ربطت وفاة ابن دريد بوفاة العلامة ابي هاشم الجبائي المعتزلي، حتى قيل مات علما اللغة والكلام ودفنا جميعا في مقبرة الخيزران، وهذا يمنحها قدرا أكبر من الصحة عن اختها.
(1) الانساب، ج 2، ص 783.
(2) مصدر سابق، ص 296. (1/88)
صفحة 81
6 - ابن دريد في الذاكرة العمانية
القسم الثاني
ابن دريد في المصادر العُمانية
14
لم يكن من المصادر العُمانية غير الاشادة بابن دريد وعلمه وادبه ولغويته ولعله لم يحصل على قدر من الثناء والاشادة كمثل ما حصل عليه في المصادر العُمانية، ومن تلك المصادر على سبيل المثال:
1 ـ قال عنه العوتبي في كتابه الانساب ومن بني جديد ابو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن الحسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن وهب بن سلمة بن حاضر بن حشم بن ظالم بن فراهيد بن مالك بن فهم الشاعر النسابه صاحب كتاب الجمهرة، وله مصنفات وكتب عدة، وهو الخطيب المذكور، والشاعر المشهور، والخطيب الذي تقف عند كلامه البلغاء، وتعجز عن ادبه الادباء وتستعير منه الفصحاء وتستعين بكلامه الخطباء، وهو خطيب في شعره، ومصقع في خطبه، وقدوة في، ادبه، وحكيم في نثره لا زيادة عليه في فنون العلم والاداب).
وقد وصفه بنفس هذه الأوصاف في كتابه الإبانة، مع تغير طفيف في بعض الكلمات، وانما زاد عليها قوله ومجيد في شعره حيث قال ومنهم ابو بكر محمد الحسن بن دريد الازدي وهو صاحب كتاب الجمهرة وله مصنفات كتب عدة وهو الخطيب المذكور والشاعر المشهور والفصيح الذي يقف عند
(1) الانساب، ج 2، ص 782. (1/89)
صفحة 82
90
شخصيات عُمانية
كلامه البلغاء، ويعجز عن أدبه الادباء، وتستعير منه الفصحاء وتستعين بكلامه الخطباء، وهو. خطيب في شعره، ومصقع في خطبه وقدوة في أدبه، وحكيم في نثره، ومجيد في شعره لا زيادة عليه في فنون العلوم والآداب»).
على أن أبا المنذر سلمة ابن مسلم العوتبي، يعتبر التلميذ غير المباشر لابن دريد فهو قد تأثر به، ويبدو هذا التأثر في كتابيه «الانساب» «والإبانة في اللغة العربية»، فهو يعتمد بشكل أساسي على كتاب «الاشتقاق» في الانساب، وعلى كتاب «الجمهرة في اللغة».
على أن هذين الكتابين يعتبران من أهم مؤلفات ابن دريد ـ بل إن كتاب الجمهرة يعتبر آيته الكبرى.
وهكذا نجد هذا الثناء وهذه الاشادة من العوتبي لابن دريد، بما فيها من أريحية صادقة، وإعجاب بليغ، وربما لم يصدر لهما مثيل من غير العوتبي.
2 ـ اعتمد نور الدين السالمي في وصف ابن دريد على ما قاله العوتبي في كتاب الإبانة، وإنما سماه أحمد، حيث قال ومنهم - أي أهل عُمان ـ أبو بكر أحمد. محمد بن بن الحسن بن دريد الازدي» (3) ولعله سهو منه، ـ حيث انه لم يذكر أحد أن اسمه أحمد.
3 ـ قال الشيخ سالم بن حمود السيابي في حق ابن دريد «ومنهم ـ أي اهل عُمان ـ الامام الثاني في الادب بجميع معانيه ابوبكر بن دريد المعروف عند الخاص والعام، أحد الاعلام الكمل، وأجل الرجال الفطاحل المعروفين في العالم الاسلامي، وهو من الازد من قدفع حالياً من أعمال رأس (3) الخيمه، ولو
(1) الابانه، ج 1، ص 37، الطبعة الأولى تحقيق مجموعة من |
بالاردن.
العلماء، مجمع
اللغة العربية
(2) تحفة الاعيان، ج 1، ص 18.
(3) قدفع حالياً، منطقة تابعة لامارة الفجيرة بدولة الامارات العربية المتحدة. (1/90)
صفحة 83
6 - ابن دريد في الذاكرة العمانية
91
لم يكن له الا كتاب الجمهرة لكفى، وله عدة مؤلفات في فنون عديدة، وهو صاحب المقصورة المشهورة وكتاب الملاحن»).
4 ـ سمّاه الشيخ سيف بن حمود البطاشي إمام اللغة والادب ويرى أن الذم الموجه اليه من بعض معاصريه انما كان ذلك حقدا وحسدا، فهو يقول «وكما أثنى عليه جماعة من العلماء فقد طعن عليه آخرون رموه بالوضع وتوليد الالفاظ والتساهل في الرواية، وايضا بشرب الخمر، بل ولم يسلم من اللمز في أشياء أخرى، لأجل تصدّره في التدريس واجتماع التلاميذ وطلاب العلم في مجالسه التي تغص بهم حتى استغل ذلك بعض الحاقدين عليه للنيل منه فقال:
من يكن للظباء صاحب صيد فعليه بمجلس ابن دريد ان فيه لاوجها قيد تني عن طلاب العلا باوثق قيد وهذا البيتان بالاضافة الى القصة التالية ياتيان من منطلق واحد ومن مرمى
(2)
واحد، يصوب منه سهام الطعن الى قمة عالية فذة كالعلامة ابن دريد والقصة التالية المعنية هي الغلام الجميل الذي كان يكثر اللحن ولا يرد عليه ابن دريد.
في
ه ـ قال فيه الشيخ محمد بن راشد الخصيبي في قصيدته سموط الجمان، اسماء شعراء عُمان:
والخطيب الاريب نجل دريد من بني الازد معدن الطائلات وهو يدعى محمداً وأبوه الـ حَسَنُ اجتاز أرفع الرتبات قد كفى شهرة بما قد حواه من علوم جليلة وصفات
(1) العنوان، ص 34.
(2) تحاف الاعيان، ج 1، ص 103. (1/91)
صفحة 84
92
شخصيات عُمانية
وهو المصقع البليغ تحلى شعره بالمحاسن الرائعات وبتلك المقصورة الفردة اعجب فهي لا شك اعجب المبدعات وأورد في شرحه لهذه الأبيات من القصيدة في كتابه شقائق النعمان على
سموط الجمان، قصة لقائه واستقباله للاميرين ابني ميكال في صحار.
وهي
قصة طويلة، ولعل من المناسب أن أنقلها وأجعلها ملحقا للبحث ليطلع عليها من لم يتمكن من الاطلاع على الكتاب المذكور، او الاطلاع عليها من مصدر آخر، نظرا الى عدم توفر الكتب العُمانية في الاقطار الأخرى. وهكذا نجد المصادر العُمانية، سواء كانت تلك التي اصحابها علماء الدين او رجال الأدب، تجمع في الثناء على ابن دريد والاشادة به الى حد الافتخار بوجوده لغويا اديبا شاعرا من عُمان، كما نجد اصحاب تلك المصادر يغضون الطرف عما نسب اليه سواء كان ذلك في المجال العلمي او المجال الخلقي، بل انهم لا يعيرون لتلك الطعون اهتماما.
ولا استبعد ان يكون للعاطفة الاقليمية او الوطنية دور في ذلك، ولعلهم يعتبرون تلك الطعون مواقف شخصية الدافع اليها الحقد والحسد، على ما ناله ابن دريد من مكانة.
واني لاحترم ابن دريد لغويا واديبا وشاعرا كبيرا، ولكنني لا يمكنني ان انفي عنه تلك الطعون، سواء ما كان منها في المجال العلمي ضبطا وتدوينا، اوفي المجال الاخلاقي سلوكا شائنا، ولكن مع عدم المبالغة في ذلك، اذ كما يقال آفة الاخبار رواتها، فقد يكون الخبر في أصله صحيحا، ثم تزاد عليه المبالغات، والعلم عند الله، فهو يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور، ولعل القصيدة الميمية الموسومه بأشرف البشر في مدح اشرف البشر صلى الله عليه وسلم ان صحت نسبتها اليه قد تصحح بعض الافكار أو تلك الطعون التي (1/92)
صفحة 85
6 - ابن دريد في الذاكرة العمانية
93
وجهت اليه والقصيدة المذكورة لا تزال مخطوطة والظاهر انها غير معروفة عنه
لدى دارسي شعره وجامعيه ويعتبر ابن دريد ـ ان صحت نسبة القصيدة اليه - اول من مدح النبي الله بعد وفاته بقصيدة كاملة وله السبق في ذلك، وهي مائة واربعة وثلاثين بيتا على البحر البسيط، وهو البحر الذي وزن
تتكون من عليه البوصيري بردته المشهورة التي طبقت شهرتها الآفاق والتي نهج نهجه
عليها الكثير ممن جاء بعده.
و مطلع ميمية ابن دريد:
حسن ابتداء مديحي حي ذي سلم ابدى براعة الاستهلال في العلم
فأم. سلعا وسل عن اهله
فهم قد ركبوا في الحشا نارا لبعدهم
وقال في اخرها مخاطبا النبي الكريم:
وعدتني في منامي ما تقر به عيني بحسن بيان غير منعجم فقلته مدمجا فوقنيه فما رؤياي اياك اضغاثا من الحلم فمطلبي انت ادرى من براعته به فحالي منه غير منكتم فان ظفرت به فالوعد موجبه اولا فان رجائي حسن مختتم والله ولي التوفيق (1/93)
صفحة 86
94
شخصيات عُمانية
ملحق
ووجدت في مخطوطة تعليقا على هذه المقصورة وذلك عن قوله: ان ابن ميكال الأمير انتاشني من بعد ما قد كنت كالشيء اللقى ومد ضبعي ابو العباس من بعد انقباض الذرع والباع الوزى
وهذا نصه:
بحسن
قوله ان ابن ميكال الأمير وقوله مد ضبعي ابو العباس هذان رجلان کريمان موصوفان بالمجد والشرف بلدهما البصرة بمحلة منها تسمى العقيق وكانا سمعا عُمان عن السيرة والعدل والخصب والأمان فاحتملا في سفينة من سفنها بخيلهما ورجالهما واخذا ما يحتاجان له من دواب ونشب ما كان يكفيهما سنين فلما سارا في البحر عرض عليهم مطر عظيم وبرق ورعد عاصف وجاءهم الموج من كل مكان فحملت الريح السفينة سدى لا يقدرون ان يصيبوا مكانا وبقوا اياما في البحر واذا بخبير السفينة رأى بلدا على شاطئ البحر وقال قولوا الحمد لله الذي نجانا من هذه الحيرة والهلكة، وقالوا وما رأيت قال رأيت بلدا تسمى صحار والآن نلجأ اليها.
وريح
فحملتهم الريح إلى تلك البلدة فلما وصلوا إلى ساحل البلدة تلقاهم هذا الرجل المسمى ابن دريد وكان ذا كرم وشجاعة وكان له ابنان وزوجة فتلقى السفينة على الساحل وقال لأصحاب السفينة هلموا لتلجأوا وأشار إليهم بيده فعاجوا نحوه وقال انزلوا بسرعة ومن عادته ودأبه أن يتلقى المسافر الراكب والماشي والمحامل للضيف فنزلوا عنده وأقاموا أربعة أشهر والمطر دائم الانسكاب مذ نزلوا عنده وكان يطعمهم الحلوى والسكر الفانيذ وخيلهم القت والسكر حتى حان في تلك المدة غلاء من دوام المطر على الزرع والنخل والبيوت صارت تنهدم من شدة وقع المطر ودوام الماء عليها لتْ ما في يده في (1/94)
صفحة 87
6 - ابن دريد في الذاكرة العمانية
95
مدة المطر. وجاء في رواية أن وقود الطعام في خلال تلك الأيام مطوي الثياب الجديدة يصب عليها الزيت لتعذر الوقود بالحطب وقال الضيف لا بد لهذا الرجل من فقر يحل به من كثرة ما ينفقه وكثير ما يبذله وقالوا له يا هذا إنا نحن نذهب إلى البصرة وأقمنا عندك مدة طويلة والمطر غاض والوقت منجل ومتى بدا لك أرب أو نابك من زمانك كرب فالرجاء منك أن تصل إلينا زائرا فنحن في بلدة البصرة واسم محلتنا كذا فقال وأسفاه واحزناه البثوا معي قليلا فلجوا عليه ليرحلوا عنه وهم أهل عقل وفكر لعاقبة الشيء فتحملوا عنه وساروا إلى بلدهم إلى أن وصلوا فما غبر على ذلك سنتان أو أقل إلا وقد رهن ابن دريد ما عنده من بيوت وباع ما عنده من أموال وعبيد وكان ينظر إلى الرجل ويقول له ما تصنع فلا يجيبه ولا يقبل منه كلاما ولا يكلم أحدا إلا وقد زجره ويهدده ليضربه وهو ذو أصل أصيل وشرف ومجد فلذلك قال في هذه المقصورة: من ظلم الناس تحاموا ظلمه وعزّ عنهم جانباه واحتمى، لان لهم جانبه أظلم من حيات انباث السفا
وهم لمن أملق أعداء وإن
شاركهم
فيما أفاد وحوى
عبيد ذي المال وإن لم يطعموا من غمرة في جرعة تشفي الصدى
وكان قد عرف اسم مكانهم من البصرة وقال لعل غدا احتمل في سفينة إلى البصرة وقال لأهله سأضرب في الأرض ومتى قدر الله عليّ موتا كان هذا فراق بيني وبينكم وإن قدر الرجوع فمتى ما أصل لا إلى مدة معلومة وذهب حتى وصل في قرية من قرى البصرة وسأل عن أصحابه فقصد من فوره محلتهم وقت صلاة المغرب وهو مذ يومين لم يأكل شيئا لأن أصحاب السفينة تركوه سدى ولم يسألوا عنه فإذن في المسجد عند مجيء الجماعة وأرصد الجماعة للصلاة وقال بعد أذانه رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين وبكى حتى شمع من في القرية بكاؤه فوصل الإمام وأصحابه وهو (1/95)
صفحة 88
97
شخصيات عُمانية
جالس على زاوية المسجد وصلى الإمام ومن خلفه فصلى معهم ولم تكن له
من
قوة للركوع والسجود من شدة الجوع فبعد الصلاة سأله بعض الجماعة أنت ومن أين قدمت وما سبب قدومك وكان أصحابه الذين أكرمهم يسمعونه فأخبره فسأله. عن أصحابه الذين قصدهم قال هذان يصليان فحيوه وقالوا له كن قائما بهذا المسجد وقعد زمانا فيه وهم يأتونه بغداء وعشاء خبز وتمر بدون سمك ولا لحم ولا دهن ولم يستقبلوه استقبالا حاراً ولم يُكرموه إكراما تاماً في ظاهر الأمر ولم يزيدوه على ذلك فمل وضجر وقال: يا هؤلاء إني ذاهب إلى ربي وإني لا وجدت ها هنا شيئا وأرى الرجوع إلى أولادي فإني لا أعلم كيف حالتهم من ألم الفقر. وكان يبيت مشهدا طوال الليالي فقالوا ها هنا رجال يريدون معلما لأولادهم فلعلك تعلمهم قال نعم فلبث سنتين يعلّم الأولاد فلما علمهم قال الآن لا بد من الرجوع إلى بلدي وكانوا في أول التعليم حمّلوا مركبا لأولاده فيه مؤنة من حب وأرز وغير ذلك وفيه فضة وذهب وهو لا يشعر بذلك وكتبوا لهم واصلكم المركب بما فيه وأنا سأصل قريبا من والدكم محمد بن الحسن فسار الأمين بالمركب إلى صحار فأعطاهم إياه بما فيه وحمّلوا في السنة الثانية مركبا آخر فيه من عبيد وثياب وما لم يوجد بعمان فسار به الأمين إلى أن سلمه إليهم ومعه كتاب منسوب من محمد بن الحسن. ثم قال لأصحابه لا بد لي من الرجوع فحملوا مركبا ثالثا فيه أكثر مما سبق وسيروا فيه أمينهم وأمروه أن يسلم إليه ذلك عند وصوله بلدة صحار وكتموه الأمر حتى يصل وهو لا يشعر بكل شيء من ذلك بل هو مستنكر منهم عدم الإكرام له ومستجف من قلة الاحتفال به واحتمل هو في السفينة مع الأمين كسلا غير فرح لأنه يفكر في رجوعه إلى وطنه وهو صفر الكف ذلك مما يسيئ أهله وأولاده. ولما وصلت السفينة صحار هم ابن دريد بالنزول فقال له الأمين لا بأس بنزولك ووصولك إلى بيتك ولكن ارجع إليّ. ولما نزل ووصل بيته تلقاه أهله وأولاده بالفرح (1/96)
صفحة 89
97
6 - ابن دريد في الذاكرة العمانية
والسرور ورأى ما عليهم من الغبطة وحسن الحال وسألهم عن ذلك فقالوا من عندك أنت أرسلته إلينا. ثم رجع إلى أمين السفينة فأخبره أن جميع
ذلك
ما فيها من عند أصحابك كالسابق. اهـ. قال ابن خلكان كان من تقدم من العلماء يقول ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء».
22 23 24 25
ص 2
(1) (1/97)
صفحة 90
الإمام ابن بركة حياته ـ فكره - مدرسته (1)
(1) بحث مقدم إلى المنتدى الأدبي في ندوة الإحتفاء بالإمام ابن بركة في الفترة 14 - 15 محرم 1419 هـ / 11 - 12 مايو 1998 م. (1/99)
صفحة 91
- الإمام ابن بركة حياته - فكره - مدرسته
1.1
بسم
الله الرحمن الرحيم
هو الإمام العلّامة الجليل المجتهد المطلق أبو محمد عبد الله. بن محمد بن بركة السليمي البهلوي - رحمه الله ورضي عنه ـ وهو من قبيلة بني سليمة بن مالك بن فهم الأزدي.
وهذه القبيلة من القبائل العريقة في عُمان وقد خرج منها العديد من الأئمة الأعلام والسادة الكرام والقادة العظام ناهيكم بالقائد الكبير والخطيب المصقع أبي حمزة الشاري المختار بن عوف رحمه لله.
وقبيلة بني سليمة كانت تقطن في مدينة صحار وما حولها في منطقة الباطنة في القرون الأربعة الإسلامية الأولى، ويجاورهم فيها بنو عمومتهم من قبيلة فراهيد بن مالك بن فهم التي خرج منها الإمامان في اللغة والأدب الخليل بن أحمد وأبو بكر ابن دريد والإمام المحدث الفقيه الربيع بن
على أن قسماً كبيراً من قبيلة بني سلمة كانوا يعيشون في إقليم كرمان بأرض فارس وذلك نتيجة لجوء سليمة بن مالك إليها بعد قتله أباه الملك مالك بن فهم بطريقة الخطأ وتخوفه من أخوته وهناك تزوج وأنجب وعاش هناك.
مات وتورد المصادر التاريخية العُمانية قصة طريقة شيقة حول ذلك.
حتى (1/101)
صفحة 92
102
شخصيات عُمانية
يقول العلّامة العوتبي وجمهور بني سليمة بأرض فارس وكرمان لهم بأس وشدة وعدد كثير، وبعمان منهم الأقل»).
ولا ندري بالتحديد متى كان مولده ولعله لا يبعد أن يكون بين عقدي السبيعنات والثمانينات من القرن الثالث الهجري، وقد كان معاصراً وزميلاً عبد الله. للإمام سعيد بن. بن محمد بن محبوب له، في التتلمذ وتلقي العلم على يد الشيخ أبي مالك بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري الله حيث جاء في كتاب التعارف لابن بركة بعد أن ذكر أشياء تعارف الناس عليها وجرت بها العادة بينهم قال «ونحو هذا ما يعرفه الناس من جوازه في الخروس ـ أواني الماء ـ التي في الطريق على أبواب الدور ممن يستعملون المياه التي فيها للشرب والمسح وغسل البدن، وما يتقرب به صاحبه إلى الله، ويعتقد ويتفضل بفعله لذلك، وإن لم يكن عليها مسح ولا مخبر بجواز ذلك، وإباحة أهله، ولا يجوز منه القليل في غير تلك الأمكنة بما يعلم بالقلب من إباحة أهلها في تلك المواضع وبينهم في مواضع أخرى، وهذا يعلمه الإنسان بشهادة قلبه وسكون نفسه إليه، وقد كان بيني وبين أبي القاسم سعيد بن عبد الله في مناظرة، فحكم له الشيخ أبو مالك ـ رحمة الله عليه ـ وكنت أحسب التوقيف عن ذلك حتى يعلم جوازه (3).
مثل هذه
وجاء في كتاب التقييد لابن بركة نفسه في مسألة حكم أطفال المشركين والمنافقين في الدنيا والآخرة، قال بعد أن أورد الخلاف في ذلك «فلما كان القول فيهم ما يسمع جهله وكانت الأخبار الواردة فيهم مختلفة أحكامها في الظاهر، رأينا الإعتصام بالسكوت عن حكمهم ورأينا الوقوف أسلم في أمرهم،
(1) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 218.
(2) ابن بركة، التعارف ص 24. (1/102)
صفحة 93
- الإمام ابن بركة حياته ـ فكره ـ مدرسته
رحمهم
النبي
103
وعلى هذا المذهب الأخير أدركنا أشياخنا - رحمهم الله ـ منهم أبو مالك، وأبو مروان، وأبو يحيى، ومن كان في عصرهم، وممن هم في درجتهم - الله وغفر لهم وكان الشيخ أبو مالك الله يعتذر بالوقوف عنهم للخيرين الموروثين عن النبي إنه سئل عن أطفال المشركين وأطفال المنافقين، فقال إنهم خدم أهل الجنة وان خديجة بنت خويلد زوجة، سألته عن أطفالها منه، فقالت يا رسول الله أين أطفالي منك؟ فقال في الجنة، فقالت أين أطفالي من غيرك الذين ماتوا قبل مجيء الإسلام؟ فقال في النار، وإن شئت أسمعتك ثغاءهم فيها، فلما الخبران وجب أن نتوقف مع ما وجدنا من السعة من الله ـ جل ذكره ـ إذ لم يتعبدنا أن ندين فيهم بحكم أهل الجنة وحكم أهل النار وكان الإمام سعيد بن عبد الله يناظرني في هذا القول وقد كنت أنا أختاره، وكان القول مني على سبيل التعجب منه ولم أقف على اعتقاده في ذلك» (1).
ورد هذا
وفي هذين النصين أوردناهما دليل على المعاصرة والزمالة التي تربط بين ابن بركة وبين الإمام سعيد بن عبد الله وهكذا نجد الإمام ابن بركة تارة يذكر الإمام سعيد بن عبد الله مجرداً من لقب الإمامة كما جاء في كتابه «التعارف» وتارة يذكره بلقب الإمامة كما جاء في كتابه «التقييد» ولعل تأليفه لكتاب «التعارف» كان قبل أن يكون سعيد بن عبد الله إماماً حاكماً في عُمان، وتأليفه لكتاب «التقييد» كان بعد إمامة المذكور أو أثناء إمامته التي كانت بين عامي 320 - 328 هـ.
حياته
وقد عاش ابن بركة حياته في مدينة بهلا، تلك المدينة العريقة ذات الطبيعة الخلابة والتاريخ المجيد، ولكن هل كان أصله من بهلا أو أنه كان نزيلها،
(1) القلهاتي، الكشف والبيان، ج 2، ص 318. (1/103)
صفحة 94
104
شخصيات عُمانية
فالأمر بحاجة إلى تحقيق، والذي يظهر لي أن الإمام ابن لم يكن من بهلا على الأصالة، وإنما هو من صحار، وذلك لأن شيوخه الذين تلقى عنهم العلم ودرس على أيديهم إنما هم من صحار وفي مقدمتهم شيخه الكبير أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري إذ ليس من المألوف إن لم يكن من المعقول أن يرحل ابن بركة من بهلا - داخلية عُمان ـ ويتجه إلى صحار والمنطقة الداخلية من عُمان بما فيها بهلا ونزوى وإزكي كانت يومئذ تزخر بالعلماء ومشايخ العلم كأبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي وأبي الحواري محمد بن الحواري القري ونبهان بن عثمان، ومحمد بن روح الكندي أبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي وغيرهم من كبار ـ العلماء الأجلاء ـ عليهم الرحمة والرضوان كما أن قومه من قبيلة بني سليمة كما ذكرنا، كانت منازلهم في صحار وما حولها، وكانت لهم السيادة والعزة والمنعة عليها. ولعل انتقاله إلى بهلا كان في عهد إمامة صديقه وزميله وصنوه وتربه أبي القاسم سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب، وطاب له المقام ببهلا وألقى بها عصا التسيار وأناخ بها رحال التجوال، وراقت له تلك المدينة الجميلة ببساتينها ذات الظلال الوارفة ومقاصيرها ذات البهجة والنضارة والخضرة، وتأثل بها الأموال والدور.
ونظراً ما لبهلا من أهمية موقعاً وطبيعة، فإن أحمد بن هلال الذي عينه القائد العباسي محمد بن بور بعد احتلاله لعُمان وقضائه على دولة الإمامة فيها وبعد رجوعه إلى البحرين، فإن أحمد. هلال هذا اتخذ من بهلا مقراً لإقامته بن قبل انتقاله إلى صحار. وأيضاً فلعل هناك سبباً آخر جعل ابن بركة يتخذ من بهلا مقراً له، ما كانت تعيشه عُمان من اضطراب سياسي آنذاك لا سيما في منطقة
هو
ساحل (1/104)
صفحة 95
- الإمام ابن بركة حياته - فكره - مدرسته
1.0
عُمان، فقد شهدت عُمان في ذلك الزمان احتلالاً قرمطياً وآخر بويهياً، وأحياناً تكون السيطرة لبعض العمال المحليين لبني العباس، وقد استمر الإضطراب السياسي الناتج عن تلك الأوضاع الإحتلالية عقوداً من السنين في منطقة الساحل من عُمان أي منطقة الباطنة ـ أما في الداخل من عُمان فهو أخف نسبياً، نظراً لقيام بعض الإمامات هناك، كإمامة الإمامين سعيد بن عبد الله، وراشد بن الوليد 320 - 342 هـ)، وقيام بعض الإمامات
خاصة
المتقطعة ...
وليس ببعيد أن تكون تلك الأوضاع في مجملها دافعاً قوياً وسبباً مباشراً لأن يترك الإمام ابن بركة منطقة الساحل، ويتخذ من بهلا في منطقة الجوف من عُمان وطناً له، بعد أن تكوّن فكراً وعلماً ومعرفة في صحار على أيدي علماء
أجلاء منهم:
أبو مالك غسان بن محمد الخضر الصلاني وهو أكبر شيوخه وأكثرهم عنده إشادة وذكراً، وأبو مروان سليمان بن حبيب، وأبو يحيى مهنا بن يحيى (2)، ولعل له شيوخاً آخرين على أن هؤلاء الثلاثة كانوا من مخرجات مدرسة ذلكم الإمام المحكم والعلّامة المبجل محمد بن
محبوب رضوان الله عليه.
فكره ومدرسته الفكرية
بعد أن أخذ ابن بركة العلم عن أؤلئكم العلماء الأجلاء الذين ذكرناهم وغيرهم وتوسعت مداركه العلمية، صار نابغة زمانه ووحيد أقرانه، شدت إليه الرحال، ووفد إليه من طلبة العلم أفواج، وتخرج على يديه للعلم أجيال وما
(1) السالمي، تحفة الأعيان، ج 1.
(2) القلهاتي الكشف والبيان. (1/105)
صفحة 96
1.7
شخصيات عُمانية
من عالم أو طالب علم في المذهب شرقاً وغرباً إلا وأخذ عنه، حتى إنه لا يوجد كتاب من كتب المذهب يخلو من النقل عنه والرجوع إلى أقواله، وصار كتابه القيم المفيد الموسوم بكتاب «الجامع» من أهم كتب المذهب، حتى صارت كلمة «الجامع علماً على هذا الكتاب عند أهل المذهب لا سيما
المشارقة منهم.
يقول الشيخ العلّامة إبراهيم بن سعيد العبري الله «من أشهر مؤلفاته التي أطلعنا عليها هذا الجامع المعروف بجامع أبي محمد، وهو كتاب نفيس جداً، أفرغ في تحرير مسائله وتحقيقها جهده وصدّره بمقدمة عظيمة في ذكر أمهات ومهمات أصول الفقه، وبيان الأخبار والأحاديث وقلّ أن يذكر مسألة إلا ويقرنها بالدليل من الكتاب أو السنة، وهذا الجامع يعرف في الأثر العُماني «بالكتاب» فإذا وجدت في شيء من كتب المشارقة كبيان الشرع والمصنف قولهم، ومن الكتاب، فالمراد بذلك الجامع، كما اشتهر اسم الكتاب عند النحاة «علماً لكتاب سيبويه فإذا قالوا من شواهد الكتاب، فالمراد
(1)
بذلك كتاب سيبويه».
وعرف الإمام ابن بركة واشتهر عند الخاص والعام بأنه صاحب فكر متميز ومدرسة فكرية متميزة، فكر قائم على علّامية متمكنة وبيان أدبي لغوي رفيع، يقول العلّامة المؤرخ النسابة العوتبي ومنهم - أي من بني سليمة ـ الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد ابن بركة، العالم رحم الله وهو العالم والبليغ المذكور، صاحب الكتاب الجامع، وكتب التقييدات، ومسائل أصول الدين، وغير ذلك من مسائل الفروع الحلال والحرام»).
المشهور،
(1) الجامع، ج 2، مقدمة.
(2) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 218. (1/106)
صفحة 97
- الإمام ابن بركة حياته - فكره - مدرسته
107
ويقول في حقه الشيخ الدكتور محمد حسام الدين وكيل الأزهر الأسبق «الشيخ العلّامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، وهو إمام مجتهد يستقل بتأصيل الأحكام، لم أر بياناً أشبه ببيان الشافعي من بيان هذا الشيخ فهو كأنما ينظم الدر وينثر الحكمة» (1).
ونتيجة لتلك العلّامية المتمكنة، ولذلك البيان الأدبي البليغ، ولذلك الفكر الصادق المتميز، صارت له مدرسة فكرية متميزة لها وسائلها المعرفية وخطوطها المنهجية، ومعالمها الفكرية.
فمن حيث الوسائل المعرفية فهي تعتمد على أصول الفقه في تأصيل الأحكام حيث عرف ابن بركة بأنه من أئمة الأصول في الفقه، ومدرسته من المدارس التي عنيت بتأصيل الأحكام الفقهية واهتمت بعلوم أصول الفقه وقواعده، ويبين ذلك الإمام ابن بركة ويوضحه بقوله «فالواجب على من أنعم الله عليه بالإسلام، وخصه بشريعة الإيمان أن يبدأ بتعليم الأصول قبل الفروع، وأن يثبت قواعد البنيان قبل أن يرفع شواهق الأركان، ومن عرف معاني الأصول عرف كيف يبني عليها الفروع، ومن لم يعرف حقيقة الأصول كان حرياً أن تخفى عليه أحكام الفروع (").
(2)
ويقول أيضاً فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه، ويجريه على سننه، ويستدل على معرفة ذلك بالدلالة الصحيحة، والاحتجاجات الواضحة، وأن لا العلة دليلاً، والدليل علة، والحجة علة، وليفرق بين معاني ذلك ليعلم افتراق حكم المفترق واتفاق المتفق، لأني رأيت العوام من
يسمي
(1) مجلة الأزهر، ج 12، السنة الثالثة والستون، شهر ذي الحجة 1411 هـ الموافق يونيو 1991 م. (2) ابن بركة، التعارف، ص 4. (1/107)
صفحة 98
1. A
شخصيات عُمانية
متفقهي أصحابنا ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا وتكلم عند النظر ومحاجة الخصوم بما ينكره الخواص منهم، وأهل المعرفة بذلك.
لأنهم ربما وضعوا اللفظة في غير موضعها، ونقلوا الحجة على غير جهتها واستعملوها في غير أماكنها»).
لذلك نجد أن المنتمين إلى هذه المدرسة والتي عرفت بالمدرسة الرستاقية فيما بعد، اهتموا أي اهتمام بأصول الفقه وقواعده، ويلاحظ ذلك بوضوح في مؤلفاتهم ومصنفاتهم.
على أن الإمام ابن بركة يعتبر هو أول من ألف في أصول الفقه من أهل عُمان فقد صدر كتابه القيم الجامع» بمقدمة طويلة في أصول الفقه، وفي ثنايا الكتاب يجد القارئ الكثير من مسائل الأصول مبثوثة فيه عندما يربط المؤلف الفروع بالأصول.
وقد أشار الإمام نور الدين السالمي إلى أولية قيام ابن بركة ـ بالتأليف في فن أصول الفقه حيث يقول وعلى طريقة الصدر الأول من الصحابة والتابعين قد جرى جل سلفنا من أهل عُمان فتراهم يحكمون بالخاص في موضع الخصوص، وبالعام في موضع العموم، وبالمطلق في موضع الإطلاق، وبالمقيد في موضع التقييد، وهكذا من غير أن يذكروا نفس العبارات التي اصطلح عليها أهل الفن وربما ذكرها بعضهم كابن بركة (2).
وتعتمد أيضاً هذه المدرسة من حيث وسائل المعرفة على التوظيف
اللغوي.
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1، ص 14. (2) السالمي، شرح طلعة الشمس، ج 1، ص 14. (1/108)
صفحة 99
- الإمام ابن بركة حياته - فكره - مدرسته
1.9
فنجد أن الإمام ابن بركة قد وظف اللغة ومدلولاتها في الإستدلال على المعاني الشرعية، عند عدم ورود النص الشرعي طبعاً وذلك بنيط المعنى الشرعي على الاسم اللغوي، أو بتعبير آخر هو بناء الحكم الشرعي على اللفظ اللغوي، وهو ما يعرف بدلالة الاسم على الحكم.
ومما تقرر في هذا الباب عند أهل الأصول أن الأسماء التي لم تثبت لها معان شرعية يجب أن تحمل على المعنى اللغوي حتى يثبت لها معنى شرعي، أما الأسماء التي ثبتت لها معان شرعية فإنه يجب أن يكون الأمر فيها محمولاً على المعاني الشرعية.
وها نحن نورد شيئاً عن الإمام ابن بركة فيما يتعلق بالتوظيف اللغوي للدلالة على الأحكام الشرعية حيث يقول واختلفت أصحابنا في الصغيرة من الإماء فقال بعضهم تستبرأ أربعين يوماً قبل الوطء وقال بعضهم بخمسة وأربعين يوماً قياساً على الحرة الصغيرة».
اللغة
إلى أن قال بعد أن ذكر الأقوال المختلفة حول هذه المسألة والإستبراء في
هو الإستكشاف للأمر المشكل، وأي إشكال في الصغيرة".
فهو بهذا الإستدلال اللغوي يقرر عدم وجوب الإستبراء للأمة الصغيرة. وفي كلام آخر له حول مدلول صيغة الأمر يقول الله تعالى {فَاقْضِ مَا أَنتَ قاض} [طه: 72] لم يكن أمراً منهم له بقتلهم فيكونوا قد أعانوا على قتل أنفسهم، ويستحق فرعون به مدحاً إذ سارع إلى طاعتهم، بل كان هذا القول منهم تسليماً للقضاء وقنوعاً بما أعد الله لهم من الجزاء، ومثل هذا مشهور في كلام العرب
وقال أبو سحر الحملي:
(1) الجامع، ج 1، ص 146. (1/109)
صفحة 100
110
شخصيات عُمانية
(1)
فتيقني أني كلفت بكم ثم اصنعي ما شئت عن علمي ويقول في دلالة الركوع والسجود إن العرب تسمي الركوع سجوداً والسجود ركوعاً وهو قول الله تعالى {وَظَنَّ دَاوُردُ أَنَّمَا فَنَتَهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكعا وأناب) [ص: 24] وكذلك قوله تعالى (يَمَرْيَمُ اقْني لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَأَرْكَعِي مع الراكعين) [آل عمران: 43] أي اسجدي مع الساجدين والله أعلم، والعرب تقول للشيخ إذا انحنى من الكبر سجد، وتقول للنخل إذا مالت، نخل سواجد، وسجد الجمل إذا خفض رأسه وهو معروف في اللغة، ويدل على ذلك قول لبيد شعراً.
ذلك
أليس ورائي أن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع
(2)
أما من حيث المنهجية فإن المدرسة المذكورة نجدها تحرص كل الحرص على الإعتماد على الدليل من القرآن والسنة والإجماع والقياس وسائر الأدلة التشريعية الأخرى المعروفة عند أهل الأصول ولم تفرط في ذلك ولنتعرف على من خلال كتاب الجامع فقد جاء في باب الوضوء قال الله تبارك وتعالى يناتها الذينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعبين) [المائدة: 1) ففرض الطهارة بالماء من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه، فأما من الكتاب فقوله جل ذكره وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. يعني مطهراً، لأن الطهور الفعول للطهارة، ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ماء غير لونه أو طعمه أو ريحه ولا اختلاف بين الناس في
في
اللغة هو
(1) الجامع، ج 1، ص 147.
(2) الجامع، ج 1، ص 249. (1/110)
صفحة 101
- الإمام ابن بركة حياته - فكره - مدرسته
111
تأويل هذا الخبر، والإتفاق حجة، والإختلاف منهم رأي، وإتباع الحجة أولى من إتباع الرأي الذي ليس بحجة، والماء الطاهر المطهر باتفاق الأمة:
ماء السماء، وماء البئر، وماء العيون، وماء البحر، إلا في قول عبد الله بن عمرو بن العاص في ماء البحر وحده، وأتباع السنة أولى من أتباع عبد الله بن عمرو". وتعتمد هذه المدرسة أيضا في منهجيتها على الأقوال المختلفة وإيرادها وترجيح الراجح منها، وهو ما يعرف حالياً بالفقه المقارن، أي المقارنة بين الأقوال الفقهية ـ وكتاب الجامع لصاحب هذه المدرسة مملوء بهذا الأسلوب ولا نكون مبالغين إذا قلنا أنه أول من توسع في هذا الباب من علماء المذهب، وإن كان سبقه من العلماء إعتمدوا هذا الأسلوب أيضاً إلا أن الإمام ابن بركة أكثرهم توسعاً في هذا الباب في نقل أقوال علماء المذهب وأقوال أئمة المذاهب الإسلامية الأخرى.
أما المعالم الفكرية لمدرسة الإمام ابن بركة، هي البراءة من أهل الأحداث الخارجين على الإمام الصلت بن مالك الخروصي «237 ـ 273 هـ» وذلك أن العلماء الذين عاصروا تلك الفترة أو التي أعقبتها اختلفوا في أصحاب تلك الأحداث إلى ثلاثة آراء.
فريق كان يبرأ من أولئكم الخارجين، وقد إشتهر على رأس هذا الفريق الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة وفريق كان يرى الوقوف عن الولاية أو البراءة أسلم وعلى رأس هذا الفريق الإمام سعيد محمد بن سعيد الكدمي وفريق ثالث كان يتولى أولئكم الخارجين وعلى رأس هذا الفريق الإمام أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي (2).
(1) الجامع، ج 1، ص 241.
(2) السالمي، تحفة اللأعيان، ج 1، ص 197. (1/111)
صفحة 102
112
شخصيات عُمانية
وهذا الفريق قد انقرص رأيه بوفاة أصحابه ولم يستمر هذا الرأي القائل بالولاية، ولم يشكل بذلك وجود مدرسة فكرية كما هي الحال بالنسبة إلى الرأيين الأولين القائلين بالبراءة، والوقوف، حيث أن هذين الرأيين تشكلت منهما الفرقتان الرستاقية والنزوية.
الفرقة الرستاقية إمامها أبو محمد ابن بركة.
الفرقة النزوية إمامها أبو سعيد الكدمي.
وقد مثلت هاتان الفرقتان تطوراً فكرياً في سلسلة حلقات تطور الفكر الإسلامي في عُمان، حيث صارتا تمثلان مدرستين فكريتين على مدى عدة قرون كل مدرسة لها معالمها ومنهجيتها، على أنه يرجع فضل كبير لهاتين المدرستين الرستاقية والنزوية في تطور الفكر السياسي في المذهب وتكون ثروة فقهية كبيرة في الفقه السياسي أو السياسة الشرعية، بصورة تكاد لا يوجد لها نظير لدى المذاهب الإسلامية الأخرى، فهما قد بحثتا بشكل موسع ومفصل نظام الحكم في الإسلام من حيث علاقة الحاكم طاعته بالمحكوم، وكيفية اختيار الحاكم وواجباته ومتى تجب لا تجب، وطبيعة وظيفة الولاة، والقضاة، وغير ذلك من أمور الحكم، حتى أن القارئ يجد أجزاء بكاملها في المطولات الفقهية تعنى بنظام الحكم
في الإسلام.
أعماله:
ومتى
للإمام أبي محمد بن بركة أعمال جليلة وعظيمة في خدمة العلم والإسلام والإنسانية ودائماً فإن العظائم من الأمور لا تكون إلا من العظماء من الناس وتلك الأعمال تتمثل فيما يلي: (1/112)
صفحة 103
7 - الإمام ابن بركة حياته - فكره - مدرسته
113
1 - التدريس:
وذلك أن الإمام ابن بركة نال حظاً واسعاً من العلم وأخذ قسطاً كبيراً من علوم الشريعة الإسلامية الغرّاء وعلوم العربية وآدابها، واشتهر علمه شرقاً وغرباً، فكان لا بد من أن يحمل رسالة التدريس وهي طريقة رجال الإصلاح في كل زمان ومكان.
فانشأ مدرسته الشهيرة التي لا تزال أطلالها باقية حتى يومنا هذا بمحلة الضرح من بهلا.
تلك المدرسة التي شُدّت إليها الرحال، وقصدها طلبة العلم من أنحاء القطر العُماني ومن بلدان المغرب العربي يقول الشيخ/محمد بن عبد الله السالمي «كانت لعُمان في القديم مدارس للفقه وبقية العلوم منها: مدرسة أبي محمد بن بركة في بهلا وآثارها باقية إلى الآن تشتمل على كثير من الطلبة من البلاد ومن الخارج، وسمعت والدي ـ أي نور الدين السالمي ـ رحم الله يذكر أنه تخرج منها ثمانون عالماً من إخواننا المغاربة، فلذلك ترى المغاربة يثنون على ابن بركة من علماء عُمان أكثر من غيره، وكان الشيخ من أغنياء أهل زمانه يحوط أمواله كل يوم من أول الصباح ثم يعود إلى التلامذة للتدريس»).
وقد خرجت تلك المدرسة عدداً غير قليل من العلماء الأعلام الذين قدموا للعلم وللإسلام خدمات جليلة سجلها صفحات الأيام، وفي مقدمتهم العلّامة الخبير والمؤلف الشهير أبو الحسن علي بن محمد البسيوي رحمةالله صاحب
المؤلفات العديدة.
(1) الروض النضير، ص 171. (1/113)
صفحة 104
114
شخصيات عُمانية
-
2 - القسم الداخلي)
كان ابن بركة يتمتع بثروة مالية طائلة وغنى واسع أنعم الله به عليه ولكن تلك الثروة لم تكن تشغله عن القيام بالواجب في شأن الإصلاح إنفاقاً وإرشاداً وتدريساً، وكان ينفق من تلك الثروة على الطلبة الذين يلتحقون بمدرسته فهو يؤويهم تعليماً وإسكاناً وتغذية ولعله بهذا يعتبر أول من أنشأ ما يعرف حالياً
نظام الأقسام الداخلية.
وهي نقطة
يجب الوقوف عندها وتقييمها حضارياً ولعل إيواءه لطلبة العلم
بهذه الصورة هو الذي جذب إليه الطلاب المغاربة.
- بناء المساجد (2):
للمسجد دور كبير في الإسلام، فهو محور الحياة في الإسلام، وقد قام
الإمام ابن بركة ببناء العديد من المساجد منها:
مسجد محلة الضرح وهي المحلة التي كان يقطنها في بهلا وهو مسجده
الذي لازم الصلاة فيه.
مسجد الخير في بهلا.
مسجد الشريعة.
مسجد الفحال.
مسجد الوحيد.
وهذه المساجد كلها في بهلاء.
(1) الجامع، ج 2، مقدمة.
(2) نفس المصدر. (1/114)
صفحة 105
- الإمام ابن بركة حياته - فكره - مدرسته
115
4 ـ الوقف الخيري):
الوقف في الإسلام، صدقة جارية ينتفع العبد بصالحه وهو من الباقيات الصالحات لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له».
وقد وقف الإمام ابن بركة أرضاً واسعة من النخيل والأشجار، تسمى أرض المدانة، وقفها على فقراء المسلمين، يقول الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري ولعله كان وقفها على المتعلمين، ثم اندمجت من بعد ذلك بيت مال
المسلمين. ه - التأليف (2):
اعتنى الإمام ابن بركة بالتأليف بجانب التدريس والإفتاء، فقد ألف العديد من الكتب القيمة المفيدة ذات النفع الكبير وهي:
كتاب الجامع، ويقع في مجلدين وقد طبع عدة مرات.
ويعتبر من أهم الكتب التي تربط الفروع بالأصول، وهي من أمهات مصادر الفقه الإباضي، وقد تقدم القول على أهميته في ثنايا هذا البحث.
كتاب الشرح الجامع ابن جعفر.
كتب التقييد، وهو لا يزال مخطوطاً، وهو من الأهمية بمكان، قيد فيه المسائل التي سأل عنها وأجابه عليها شيخه أبو مالك غسان بن محمد بن
الخضر الصلاني الصحاري.
(1) نفس المصدر.
(2) السالمي اللمعة المرضية، ص 22. (1/115)
صفحة 106
117
شخصيات عُمانية
كتاب الموازنة.
كتاب المبتدأ في خلق السماوات والأرض وما فيهن من الخلق، ويبدو أنه
في التاريخ.
كتاب التعارف، وهو كتيب مهم جداً، ذكر فيه ما تعارف عليه الناس وجرى بينهم مجرى العادة، وبيان الحكم الشرعي في ذلك، وهو مطبوع.
كتاب الأقليد.
وفاته
بعد حياة حافلة قضاها
أن ملأ الدنيا علماً، انتقل حلقات العلم وبعد بين الإمام ابن بركة إلى الرفيق الأعلى، تاركاً بعده من تلامذته علماء واصلوا السير في طرق التعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكانوا هداة ودعاة، وآثاراً علمية تضيء للناس طرق الخير والصلاح تزدان بها رفوف المكتبات الإسلامية، ومشاريع خيرية تدعو ذوي الغنى أن يحذوا حذوه، وينهجوا منهجه ومحبة عميقة وطيدة في قلوب أولئك الذين كانت تمتد إليهم يده الكريمة لتيسر عليهم مؤونة الحياة وتكاليف المعيشة.
بيد إننا لم نقف بالتحديد على تاريخ وفاته، ولعل وفاته بعد منتصف القرن الرابع الهجري بقليل.
وآخر دعوانا أن الحمد الله ربّ العالمين،،، (1/116)
صفحة 107
الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره)
(1) بحث مقدم إلى المنتدى الأدبي، في ندوة تكريم العلامة الكدمي المنعقدة بتاريخ 11 - 12 صفر 1421 هـ /15 - 16 مايو 2000 م .. (1/117)
صفحة 108
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
بسم
الله الرحمن الرحيم
119
المحور الأول: حياته
اسمه ونسبه
هو الإمام العلّامة الكبير أبو. سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الناعبي الكدمي، إمام التخريج وإمام علم الولاية والبراءة.
وهو من قبيلة النعب التي هي من قبائل قضاعة بن مالك بن حمير الذين
يقول فيهم شاعرهم:
نحن بني الشيخ الهجان الأكبر قضاعة
مالك
بن
بن حمير
النسب المعروف غير المنكر في الحجر المنقوش تحت المنبر وهم من القبائل اليمنية القحطانية، وقد أورد العلامة والمؤرخ والنسابة العوتبي الصحاري أن النعب هم من ولد الديل بن مهرة بن عمرو بن بن قضاعة حيث قال وولد الديل، بنو دهن وبنو ناعب وهم بعمان. وهم موجودون الآن في بلدان عدة من عُمان كبلدة اللآجال الواقعة بين الطو، ووادي المعاول، وفي ناحية كدم في القرية، وذات خيل والعارض، والقلعة، وغمر، وبلاد سيت (2).
الحاف
(1) الأنساب، ج 1، ص 233.
(2) سالم بن حمود السيابي اسعاف الأعيان، ص 166. (1/119)
صفحة 109
120
شخصيات عُمانية
وعلى هذا فقبيلة النعب من القبائل القديمة بعُمان، وذات الأصالة فيها وقد أخرجت هذه القبيلة أسراً علمية كأسرة الشيخ أبي سعيد وأسرة آل مداد بنزوى، وأسرة بني النظر ـ على المشهور ـ بسمائل.
كان الإمام أبو سعيد على ما يظهر من بلدة العارض من كدم، ولم نعثر على تأريخ لولادته، ولكنه جاء في المساق التاريخي العُماني أن أبا سعيد عمل كحارس للسجن في عهد الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب المنصوب سنة 320 هـ وكان دخول أبي سعيد في هذا العمل وهو حراسة السجن بعد أن بلغ الحلم، وإذا كان بلوغ الحلم في العادة يكون بعد مضي أربعة عشر. عاماً على عمر الإنسان ودخوله في الخمسة عشر، وبما أن إمامة الإمام سعيد بن عبد الله كانت سنة 320 هـ، فإن عمر الشيخ أبي سعيد حين كان في حدود الخامسة عشرة من السنين.
ذاك
وعلى هذا فإن ولادته ربما كانت سنة 305 هـ على وجه التقريب ويبدو أنه انتقل إلى نزوى في بداية حياته، حيث الإمام سعيد بن عبد الله وحيث مشايخ العلم، ولعل انتقاله كان قبل نصب الإمام سعيد.
وعلى كل حال فإنه كان شغوفاً بطلب العلم كشغف الظمآن إلى الماء
العذب الزلال.
شيوخه:
وفي نزوى - بيضة الإسلام والمسلمين - وجد ضالته، ولقي منشوده، وحصل على مطلوبه بوجود كوكبة من أهل العلم والفضل أئمة العلم والدين،
الذين سعدت.
بهم
الدنيا، وطاب بهم الزمان وابتهجت
الحياة. بهم
مثل محمد بن روح بن عربي الكندي ورمشقي بن راشد وأبي الحسن محمد بن الحسن رحمهم الله تعالى. (1/120)
صفحة 110
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
121
فلنستمع إليه وهو يقول في حق مشايخه مما يؤكد تتلمذه عليهم «وأما أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي وأبو الحسن محمد بن الحسن فشاهدناهما وصحبناهما الزمان الطويل، والكثير غير القليل، وعنهما أخذنا
عامة ديننا» (1).
ويقول في ابن روح، ورمشقي بن راشد نونيته).
بالذي دان ابن روح أمور ور الشيخ صلت
في
وره
بران
وسى يتبعان
وغير بعيد أن يكون أحد شيوخه أيضاً، أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر الخروصي، فإنه بعد أن ذكر موقفه من أصحاب الأحداث الخارجين على الإمام الصلت يقول ونحن نتولى أبا محمد على خبرة ومعرفة بمذهبه» (3)، فقوله على خبره ومعرفة بمذهبه، دليل على ملازمته له وأخذه عنه.
كما أن من أشياخه أبا إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي ويكفي أنه أخذ عنه بالرفيعة ولاية أبي جابر محمد بن حعفر وابنه أبي علي الأزهر هر بن محمد بن جعفر، يقول الشيخ أبو سعيد في ذلك ورفع إلينا أبو إبراهيم رحم الله ولاية محمد بن جعفر، وقال إنه يتولاه على ولايته لموسى بن موسى، وأخذنا ولاية محمد بن جعفر عن أبي إبراهيم، ولو توليناه بظاهر الأمر والخبر لكان لذلك أهلاً، وكان ذلك معنا جائزاً» (4).
(1) كشف الغمة، تحقيق أحمد عبيدلي، ص 296.
(2) بيان الشرع، ج 4 ص 95. (3) كشف الغمة، تحقيق عبيدلي
(4) كشف الغمة،
ص 292.
ص
297 (1/121)
صفحة 111
122
شخصيات عُمانية
إلى أن قال «وأما أبو علي الأزهر بن محمد بن جعفر فأخذنا ولايته بالرفيعة عن أبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر ال).
ويصف الإمام الكدمي شيخه أبا إبراهيم بأنه ذو علم جم وأنه يفوق معاصريه في بعض الأمور، فنجده يقول «ثم كان بعد هؤلاء الذين ذكرناهم وسميناهم في الخلف الثالث، وهو ممن شاهد السلف الأول والثاني، وتكلم فيه وقال فيه، وهو أقدم الخلف سناً، وأعظمهم جاهاً، ولعله في بعض الأمور أجمعهم علماً وهو أبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر الله (2). وهكذا نجد أن للشيخ شيوخاً عديدين ممن: كانوا أئمة. في الدين وسادة للمتقين، فانعكس ذلك عليه علماً وفضلاً وخلقاً، وورعاً، فهو العالم الزاهد، فقد زهد في الحياة وملذاتها وترفع عن حطام الدنيا، ضارباً أروع الأمثلة في ذلك، حيث اكتفى في حياته بنخلة واحدة وشجرة عنب واحدة، يطعم لما يلزمه من شراء الكسوة، مع ما يسر الله له من تزوج موسرات معهن المال والغنى والثروة وقد تزوجنه كما يقال لعلمه وفضله
منهما،
ويبيع
وخصاله الحميدة.
نساء
ولكنه ترك ما عندهن من ذلك تعففاً منه وزهداً، وكن ثلاث زوجات
(3)
موسرات، يقول فيه الشيخ السالمي (3) أبو سعيد نخلة وكرمه يملك كان شاكراً للنعمه منها طعامه ومن كرمته ثيابه لا من غنى زوجاته كانت له الزوجات معها المال يعف عنه وهو الحلال
(1) نفس المصدر، ص 294.
(2) نفس المصدر، ص 295.
(3) السالمي، جوهر النظام، باب الزهد. (1/122)
صفحة 112
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
123
ولعل زوجاته كن في بلدان مختلفة في عُمان، فقد ذكر الشيخ سيف بن حمود البطاشي إنه وجد نسخة من كتاب الإستقامة بخط الشيخ مسعود بن صالح بن مسعود بن رمضان النزوي جاء في آخره ـ أي كتاب الإستقامة ـ إنه تأليف الشيخ العام الولي الرضي أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي
(1)
النزوي السلوتي ولعل استيطانه لنزوى ثم سلوت بعد بلدته كدم لوجود زوجات له فيها
على اعتبار التأهل منها.
الأحداث التي عاصرها:
على أن الشيخ أبا سعيد رحمه الله ورضي عنه عاصر ثلاثة.
أي أئمة الحكم المبابعين بالإمامة ـ وهم:
1 - الإمام سعيد بن عبد الله.
- الإمام راشد بن الوليد.
- الإمام حفص بن راشد.
من
الأئمة:
فالبنسبة إلى الإمام سعيد بن عبد الله فقد. بالإمامة سنة 320 هـ عندما
بويع
كان الشيخ الكدمي في بدابة شبابه مناهزاً البلوغ، وقد أوكل إليه الإمام مسئولية السجن لما توسمه فيه من الأمانة وتحمل المسئولية، وقد تابع أبو سعيد عهد الإمام سعيد بن عبد الله في سلمه وحربه، ورصد سيرته، وعرف ثناء العلماء عليه فهو الذي نقل تاريخ عهد ذلك الإمام أولاً بأول، وبعد أن نقل أبو سعيد ثناء العلماء الأعلام في حق هذا الإمام قال (وما أحقه بذلك فإنه كان
(1) إتحاف الأعيان، ج 1، ص 212. (1/123)
صفحة 113
124
شخصيات عُمانية
إماماً عدلاً صحيح الإمامة، من أهل الإستقامة عالماً في زمانه، لعله يفوق أهل زمانه أو كثيراً منهم».
إلى أن قال «فتظاهرات الأمور معنا من أهل الدار ممن ينتحل نحلة الحق على الإجماع على ولاية الإمام سعيد بن عبد الله الله وهو ولينا وإمامنا إن
شاء الله (1)».
وبعد الإمام سعيد بن عبد الله صار في الإمامة الإمام راشد بن الوليد، وكان الشيخ أبو سعيد يثني عليه ثناء حسناً، ودون سيرته والأحداث التي جرت في عهد الإمام منذ العقد عليه بالإمامة وحتى سقوط إمامته سنة 342 هـ، وقد وصف أبو سعيد الإمام راشد بقوله «كان الله لرعيته هيناً رفيقاً بأرائهم، شفيقاً غضيضاً عن عوراتهم، مقيلاً لعثراتهم بعيد الغضب عن مسيئهم، قريب الرضى عن محسنهم، مساوياً في الحق بين شريفهم ودنيهم وفقيرهم وغنيهم وبعيدهم وعشيرهم"
(4) "
إلى أن قال «وإنما ذكرنا من أمور راشد بن الوليد ما قد ظهر وما نرجو أنه
لان يرفع ولن ينكر وإلا فإن فضائله كانت معنا أكثر من هذا وأكبر (3)». وعلى العموم فإن تاريخ عهد هذين الإمامين سعيد بن عبد الله وراشد بن الوليد، أخذ عما دونه الشيخ أبو سعيد جزاه الله خيراً.
كما عاصر أبو سعيد الإمام حفص بن راشد، وقد بلغ في عهد هذا الإمام النضج الفكري وسمو المنزلة في العلم بل احتل المرجعية العلمية، يظهر ذلك من خلال توليه القيام بالواجبات عن الإمام في القضايا الفقهية، فقد أجاب عن
(1) الإستقامة، ج 1، ص 210 - 211.
(2) الإستقامة، ج 2، ص 98. (3) نفس المصدر، ص 101. (1/124)
صفحة 114
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
125
الإمام حول زكاة مال الغائب واليتيم قائلاً في مال الغائب إنه يوقف عند بعضهم حتى يحضر الغائب ثم يخرج ما عليه، وقيل يجوز للشريك أن يسلم زكاة مال الغائب واليتيم إلى الفقراء أو إلى الإمام).
والإمام حفص بن راشد هو من أئمة القرن الرابع لا كما جاء في مساقات كتب التاريخ العُماني بأنه من أئمة القرن الخامس الهجري وإنه ابن الإمام
راشد بن سعيد وبعده.
لأنه معاصر لأبي سعيد ولأبي الحسن البسيوي، ويوجد لأبي الحسن كلام حول صحة إمامة هذا الإمام من حيث العقد عليه بالإمامة وفي حربه مع المطهر بن عبد الله الذي أرسله معز الدولة أو عضد الدولة البويهي حاكم بغداد
آنذاك
عام
364 هـ لمحاربة الإمام حفص بن راشد.
كما أن الشيخ أبا الحسن ذكر أن الشيخ ابن بركة ألزمه ضمان ما دفع من زكاة أيام الإمام راشد بن الوليد (3)، وهذا يدل على قرب المسافة الزمنية بين الإمامين راشد بن الولد وحفص بن راشد (3).
وبعد أن تحدثنا عن حياة الإمام أبي سعيد الكدمي من حيث اسمه ونسبه وشيوخه والأحداث التي شهدها وعاصرها كمحور أول ننتقل بالحديث عن فكره كموحور ثان.
(1) السالمي، معارج الآمال، ج 14، ص 93. (2) السير والجوابات، ج 2، ص 7.
(3) وكنت قد ذاكرت في هذا الأمر الشيخ سيف بن حمود البطاشي عندما كنا نجتمع ضمن لجنة مراجعة بحوث كتاب (عُمان في التاريخ فاقتنع بصحة رأيي وأعتمده في كتابه إتحاف الأعيان عند ذكره للشيخ أبي ن البسيوي، ص 231، ج 1، وهو ما تم اعتماده أيضاء في کتاب (عُمان في التاريخ). (1/125)
صفحة 115
126
شخصيات عُمانية
المحور الثاني: فكره
المعالم الفكرية:
يتميز فكر الإمام أبي سعيد زكم الله بالشمولية والسعة والتوسع، فهو العقدي المتكلم، والأصولي، والفقيه والمؤرخ، والناظم للشعر، تدل على ذلك عباراته وتشهد لذلك مؤلفاته القيمة المفيدة.
وله عبارات مأثورة تعتبر قواعد في مجالاتها منه قوله:
من تشجع بعلم كمن تورع بعلم» وقوله «الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق كما له مقالة تعتبر من أساسيات التصور في الفكر الإسلامي فبعد أن أورد الآيات القرآنية الكريمة التي تأمر الناس بالإفاضة في الحج سواسية قال الله وكل هذا التوجيه الربّاني ليفصل التصور الذي يجب أن يكون عليه المسلمون يختلف عن تصورات الجاهلية وأعمالها (1)).
وقد اعتبرت تخريجاته من حلقات تطوّر التشريع الإسلامي الإباضي وتلك التخريجات هي من باب تخريج الفروع على الفروع، فهو بعد أن يذكر ويورد آراء السابقين عليه يظهر له من ذلك رأي آخر وذلك هو معنى التخريج عند أبي سعيد، أي ظهور رأي آخر يتمخض عن تلك الآراء، ولعل هذا يدخل في سياق المسألة المختلف فيها وهي هل يجوز إحداث قول ثالث بعد قولين أو
قول آخر بعد أقوال؟
يقول الشيخ.
خلفان
بن جميل السيابي بعد ذكره لأقسام الإجماع «وها هنا قاعدة أحببنا إلحاقها بهذا الفصل إذ اختلف العلماء في مسألة على قولين أو أقوال فالتمسك بأقل ما قيل فيها من القولين أو الأقوال حق وهو ملحق
(1) المعتبر، ج 4، ص 164. (1/126)
صفحة 116
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
127
بالإجماع لأنه شبيه به من حيث أنهم كلهم قالوا بذلك الأقل ثم زاد عليه) وبعد ذكر الخلاف بين علماء الأمة بين مجوز ومانع ومتوسط قال «والصحيح عندي من هذه الأقوال الثلاثة قول الظاهرية، وهو جواز إحداث قول ثالث مطلقاً عندنا لأن المحرم. هو خلاف الإجماع لا خلاف الخلاف وإختلاف الأمة على قولين دليل على جواز الرأي في تلك القضية فصح لغيرهم مثل ما صح لهم من الرأي والإجتهاد، بل يلزم المجتهد أن يخالفهم إذا رأى أن الراجح خلافهم، ولا يصح له تقليدهم، كما لا يصح له تقليد مجتهد بعد تمكنه من الإجتهاد واقتداره عليه وهذا هو الراجح عند شيخنا السالمي وأكثر أصحابنا
"
مثله
وعليه العمل عندهم". على أن الملاحظ أن تخريج أبي سعيد لرأي آخر لا يرفع الأقوال السابقة، وإنما هو من باب التوسع في التشريع الإسلامي القائم على الإستنباط من نصوص الشريعة الإسلامية، وتظهر تخريجات أبي سعيد بصورة أكثر في زياداته في كتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري المتوفى 317 هـ فهو بحق يعتبر إمام مدرسة التخريج.
ومن معالم فكر أبي سعيد أيضاً وضع قناعته الشخصية تجاه الرأي الذي
يراه فتجده يستعمل العبارات التالية ومعي» «وفيما معي» «وعندي» «وفيما عندي وأكثر الكلمات استعمالاً. كلمة ومعي» وهو أمر يؤيده ويطلبه هي
البحث العلمي المعاصر، فإبراز القناعة الفكرية لأي شخص من ضروريات الطرح في البحث المعاصر، وهذا الطرح عند أبي سعيد إن دل على شي فإنما يدل على أن الرجل لم يكن نصيّاً أثرياً، وإنما يمزج ويوفق بين النظر والأثر.
(1) فصول الأصول، ص 268.
(2) نفس المصدر، ص.
270 (1/127)
صفحة 117
128
شخصيات عُمانية
يتسرع
كما أن الشيخ أبا سعيد يستوعب الآراء الأخرى المخالفة له ولا يتسرع في إصدار الأحكام عليها جزافاً، وإنما يضع الإحتمالات لتلك الآراء، بما يمكنه من احتوائها واستيعابها لا سيما في مسألتي الولاية والبراءة، أي أنه لا في إصدار الحكم بالبراءة، ومن ذلك موقفه من الأحداث التي جرت بين الإمام الصلت. بن مالك وبين موسي بن موسي و راشد بن النظر، وبين الإمام عزان بن تميم والفضل بن الحواري والحواري بن عبد الله أصحاب تلك ومن الأحداث، حيث اعتبر أن تلك الأحداث حدثت على سبيل الدعاوى لا على سبيل البدع، وبالتالي فهو قد أبقى أصحابها على ما كانوا عليه عنده من حيث تلك الأحداث، الولاية أو الوقوف، ولم ينقلهم عن منازلهم السابقة بسبب: فنجده يتولى بشيراً وعبد الله ابني محمد بن محبوب وأبا جابر محمد بن جعفر وابنه أبا علي الأزهر بن محمد بن جعفر وأبا المؤثر الصلت بن خميس وحفيده أبا محمد عبد الله. بن محمد بن أبي المؤثر ومحمد بن روح، ومحمد بن الحسن وأبا مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني وغيرهم سواء كان ثبت لهم حكم الولاية بطريق الظاهر أم بطريق الشهرة أم بطريق الرفيعة، وهؤلاء لهم مواقف متباينة من تلك الأحداث وأصحابها، يقول الله بعد أن ذكر أولئكم الأئمة الأعلام فهؤلاء الذين وصفناهم من أهل الفضل
هذه
والعلم من أهل عمان، قولنا فيهم ما قد وصفنا وهم وإن اختلف قولهم في الأحداث في الولاية والبراءة والوقوف، فأصل مذهبهم على الإتفاق في التدين فيهم، ومن وجبت ولايته منهم علينا فهو ولينا لا نفرق بين أحد منهم لإفتراق أقوالهم في الولاية والبراءة والوقوف عند ظهور السلامة في أصول الدين من أحكام أصول البدع في الدعاوى ومن تظاهر التهم عليهم في ذلك ببراءة أو
بترك ولاية).
(1) الإستقامة، ج 1، ص 223. (1/128)
صفحة 118
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
129
ويقول أيضاً في هذا السياق ونحن لجماعتهم ولقولهم وأمرهم سامعون، ولفعلهم محتذون، وبرأيهم آخذون ولسبيلهم سالكون، ولمخالفتهم تاركون، ولسابقة فضلهم معترفون، وبالبعض منهم دون الكل في الحق مكتفون، ولمن خالفهم أو أحداً منهم في الدين مخالفون، ولوليهم في أصول الدين معادون، بذلك نشهد الله على أنفسنا ونشهده على جميع من غاب عنا أو حضرنا، ونشهد بذلك جميع من بلغه عنّا في متقدم الزمان أو متأخره من أهل الإستقامة أولهم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين).
-
مدرسته
يعتبر الإمام أبو سعيد الكدمي رحمه الله ورضي عنه إمام المدرسة النزوانية وعميدها ومنظرها كما أن الإمام ابن بركه رحمه الله ورضي عنه يعتبر إمام المدرسة الرستاقية وعميدها ومنظرها، والإمامان متعاصران عاشا في زمن واحد وفي عصر واحد ويبدو لي أن الإمام ابن بركه أكبر سنا من الإمام أبي سعيد، والظاهر أنه توفي قبله عكس ما هو متداول وشائع أن أبا سعيد كان قد توفي قبل ابن بركة وإن ابن بركه ذهب للتعزية فيه وذلك أنه على يبدو أن ابن بركة لم يدرك إمامة حفص بن راشد بينما أبو سعيد كان على ظهر الوجود بجانب الإمام حفص الذي كان يطعن عليه في إمامته من حيث صحة العقد أبو الحسن علي بن محمد البسيوي التلميذ الكبير للإمام ابن بركه، ولم يوجد ذكر لابن بركة في تلك الفترة، مما يدل على عدم وجوده
آنذاك.
والخلاف بين المدرستين النزوانية والرستاقية معروف وهو موقف كل منها إزاء الأحداث وأصحابها بين الإمام الصلت بن مالك والخارجين عليه کموسي بن موسى وراشد بن النظر، فقد افترق أهل عُمان تجاه ذلك إلى فرق
(1) نفس المصدر، ص 224. (1/129)
صفحة 119
130
شخصيات عُمانية
شتي، حدث يعقوب بن غيلان عن العلّامة الفضل بن الحواري «أنه دخل نزوى
أيام راشد بن النظر فإذا هم على سبع فرق).
فهناك المتولون لهم، واشتهر بذلك الفضل بن الحواري، ومحمد بن جعفر والأزهر بن محمد بن جعفر، ويبدو أن هذا الرأي قد انقرض بإنقراض قائليه دون أن يكون له أثر بعدهم على الساحة الفكرية.
وهناك المتبرؤون وهم أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، وعبد الله بن محمد بن محبوب، وأبو قحطان خالد بن قحطان الهجاري، وعبد الله بن محمد بن أبي المؤثر، والحواري بن عثمان، وأبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني، والنعمان بن عبد الحميد، وعبد الله بن محمد بن شيخه، وأبو محمد بن بركة وأبو الحسن البسيوي.
وهناك الواقفون وهم أبو الحواري، ومحمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي، ومحمد بن روح الكندي، ومحمد بن الحسن النزوي، ورمشقي بن راشد، وعبد الله بن محمد صالح، وبشير بن محمد بن محبوب، وأبو سعيد الكدمي وقد بقى الفريقان المتناقضان ولاية أو وقوفاً بعد انقراض الفريق المتولي وقد عرف الفريق المتبرئ بالفرقة الرستاقية، كما عرف الفريق الواقف بالفرقة النزوانية يقول الإمام نور الدين السالمي الله وهو من أنصار المدرسة النزوانية والمتحمسين لها ورأس هذه الفرقة وعميدها الذي اشتهر فيها أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة ومن أخذ عنه من أهل عُمان منهم أبو الحسن علي بن محمد البسياني، وتبعهم على ذلك خلق وسميت فرقتهم الرستاقية، ونقض عليهم أهل الحق مقالتهم هذه وردوا عليهم غلوهم، وممن اشتهر في الرد عليهم أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي، وأبو سعيد
(1) السالمي، التحفة، ج 1، ص 196. (1/130)
صفحة 120
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
131
محمد بن سعيد الكدمي، وفي الرد عليهم ألف كتاب الإستقامة بأسره وتبعهم
على ذلك ناس وفقوا إلى الهدى، وسميت فرقتهم النزوانية».
على أن كل واحدة من المدرستين تتميز بشيء من الإختلاف من حيث المنهجية في الأسلوب والطرح، إضافة إلى الخلاف الحاصل في تطبيق أحكام الولاية والبراءة والوقوف على حسب ما قدمنا ذكره.
وقد ذكرت في بحوث سابقة أن للمدرستين النزوانية والرستاقية فضلاً كبيراً لما تركتاه من بحوث مستفيضة في مجال نظام الحكم في الإسلام، فإنهما من خلال منافشات أصحابهما حول كيفية شكل الحكم، وعلاقة الحاكم بالمحكوم والإنعكاسات السلوكية والأمنية والإجتماعية والإقتصادية من جزاء ذلك، فقد تكونت ثروة فقهية هائلة ورصيد جيد في هذا الموضوع، الأمر الذي جعل من المذهب الإباضي من أغنى المذاهب الإسلامية في هذا المجال جميع المطلعين على المذهب.
بشهادة.
ويبقى هناك أمر، وهو معرفة سبب التسمية بالنزوانية والرستاقية، وفي الحقيقة أن هذا الموضوع أخذ مني وقتاً طويلاً في البحث والتنقيب والمقارنة للتعرف على سبب التسمية، حيث أني لم أطلع عليه من خلال قراءتي ومطالعتي، وقد توصلت إلى قناعة مفادها أن سبب تسمية فريق المتبرئين بالفرقة الرستاقية، إنما يعود ذلك نسبة إلى أبي قحطان خالد. قحطان بن الهجاري، نسبة إلى قرية هجار الواقعة بوادي بني خروص، وكانت تعتبر سابقاً من اقليم الرستاق، فقد جاء أن الإمام عين غسان بن جليد والياً على رستاق هجار، والظاهر أنه يطلق على جميع المناطق الواقعة شمال السفح الشمالي للجبل الأخضر اسم الرستاق، فقد وجدت في بعض الكتب
(1) المصدر السابق، ص 212
الصلت بن
مالك (1/131)
صفحة 121
132
شخصيات عُمانية
اعتبار مدينة نخل من الرستاق اقليمياً وقد جاء في كلام أبي المؤثر اعتبار منطقة عيني الوقعة بجوار عين الكسفة بالرستاق قرية قريبة من سوني وهي مدينة العوابي حالياً، وحيث قال وهو يتحدث عن الخارجين على الإمام
راشد بن النظر فساروا حتى نزلوا قرية يقال لها عيني وأقبل شاذان ... يريد
(1)
فيما قيل لنا قرية يقال لها سوني قريباً من عيني» ونعود إلى أبي قحطان الهجاري، ونقول أنه هو أول من ألف سيرة مطولة في أحداث الخارجين على الإمام الصلت، منكراً عليهم بشدة صنيعهم ذلك، وإنما اشتهر الإمام ابن بركة على رأس المدرسة الرستاقية لكونه كان أكثر تنظيراً وحمي في عهده وطيس
المناظرة والمناقشة بين الفرقتين وصار له اتباع كثيرون حملوا العلم عنه.
أما سبب تسمية فريق الواقفين بالفرقة النزوانية فيعود ذلك نسبة إلى أبي عبد الله محمد بن روح بن عربي الكندي النزوي، فهو أول من ألف سيرة يبرز فيها مذهب الوقوف تجاه تلك الأحداث بإعتبارها خارجة على سبيل الدعاوى،
ويوجد له كتاب يعرف بسيرة محمد بن روح.
وإنما اشتهر الإمام أبو سعيد على رأس المدرسة النزوانية لكونه أيضا أكثر تنظيراً ودفاعاً. عن هذا الرأي، حيث أنه معاصر للإمام ابن بركة، وقد اشتد واحتدم النقاش بين المدرستين في عصرهما وكان لكل واحد منهما أتباع كثر حملوا عنهما العلم والفكر.
وسوف يكون لي بحث مستقل حول هاتين المدرستين النزوانية والرستاقية
إن شاء الله تعالى.
مؤلفاته:
للشيخ أبي سعيد مؤلفات ذات قيمة علمية كبيرة، وذات فائدة عظيمة
(1) نفس المصدر، ص 221. (1/132)
صفحة 122
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
133
ويكفي أن مؤلفاته صارت من أهم المراجع في المذهب الإباضي فلا تمر مسألة أو يذكر موضوع إلا وأبو سعيد له في ذلك حضور بالإعتماد على أقواله واستحضار آثاره، يقول الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي «لاسيما الشيخ أبو سعيد رحم الله فيما وجدناه عنه في غير موضع من جواباته وعجيب مصنفاته، ويقول في كثير مما يراه من الفروع شبه المختلف فيه من الفروع في وكذلك عن غيره من أهل العلم من المسلمين صح القياس في وكفى بأبي سعيد رحمة الله حجة ودليلاً، لمن أراد أن يتخذ لنفسه الحق سبيلاً، لأنه أعلم من نعلم من الأحبار، وآثاره أصح الآثار، لا على سبيل محض العصبية، ولكن لظهور أنوار الحق في أقواله المرضية)) وتلك الأقوال والأثار أخذها من جاء بعده من مؤلفاته وجواباته وهي:
ذلك
ذلك،
1 ـ كتاب الإستقامة، وقد ألّفه في الرد على الرستاقية، يقول الشيخ السالمي في وصفه وكتاب الإستقامة لمفتي الأمة ومنقذها من الظلمة أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي الله، ألفه في الرد على من خالف سيرة السلف في الحكم على بعض الخارجين في زمان الإمام الصلت بن مالك، وأوسع فيه القول حتى خرج عن المقصود، وصار كتاباً مستقلاً في أصول الدين، تحتار فيه الأفكار وتقتصر عن درك كنهه الأنظار، فصار بركة عامة، ونعمة خاصة بأهل الإستقامة، وقد أطبق المشايخ قديماً وحديثاً على الثناء عليه مع ما فيه من طول، غير أنه تحت ذلك الطول فوائد، وتحت كل حرف فرائد فأبقوه على حاله كلما تحرك متحرك للإختصار قعدت به همته بعد النظر فهو كرامة لمؤلفه، ونعمة على أتباعه (2)».
ويعتبر كتاب الإستقامة من أوسع الكتب التي عالجت علم الولاية والبراءة،
(1) لباب الأثار، ج 1، ص 81.
(2) السالمي اللمعة المرضية، ص 21. (1/133)
صفحة 123
134
شخصيات عُمانية
وما من كتاب جاء بعده في هذا العلم إلا وهو. عالة عليه فكلهم ينقلون عنه، وعليه يردون وعنه يصدرون، وقد مكنه مرور نصف قرن على تلك الأحداث وما قيل حولها من مناقشات من استيعاب تلك الأقوال وفرزها وتأطيرها وتنزيل أصحابها في المنزلة التي يستحقونها ولاية أو براءة أو وقوفاً، والرد على الرأي
الآخر المخالف لذلك التنزيل، ولذلك يقول النور السالمي في جوهره: وإنما ألفه المؤلف لرد بدعة هناك تعرف وقد أشار إلى ذلك المؤلف نفسه في مقدمة الكتاب حيث قال «فإنه لما امتحن الضعفاء من المسلمين لفقد علمائهم في الدين، عظمت عند ذلك المحنة، وانفتحت عليهم أبواب الفتنة ... إلخ» وقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة مشكورة بطبع الكتاب في ثلاثة أجزاء.
سمي
المؤلف
2 ـ المعتبر: وكان كما يقال في تسعة أجزاء، ولم يبق منه سوى جزئين في مجلدين وقد طبعتهما وزارة التراث القومي والثقافة في أربعة أجزاء، وسـ هذا الكتاب «المعتبر» لأنه اعتبر فيه جامع ابن جعفر، ناقلاً ومتعقباً ومضيفاً وممحصاً، يقول الشيخ السالمي وكتاب المعتبر لأبي سعيد أيضا، اعتبر فيه الآثار، وتعقب به جامع ابن جعفر ففصل المجملات، وأوضح المشكلات (2)».
- زيادات الإشراف
وهو حاشية على كتاب الأشراف لابن المنذر النيسايوري المتوفى سنة 317 هـ، فقد قام أبو سعيد بوضع تعليق أو حاشية على مسائله أوضح فيها رأيه
(1) الاستقامة، ج 1، ص 21.
(2) اللمعة، ص 21. (1/134)
صفحة 124
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
135
أو رأي المذهب الإباضي وما تخرج لديه من أقوال بناء على ما يسوقه ابن المنذر من أقاويل لأهل العلم، يقول الشيخ السالمي في وصفه وكـ، وكتاب زيادات الأشراف لأبي سعيد أيضا وذلك أنه تعقب كتاب الأشراف لأبي بكر بن إبراهيم المشهور بابن المنذر النيسابوري المتوفي سنة 317 هـ جمع فيه مذاهب الأمة، وتعقبه أبو سعيد في كل مسألة ذكرها فصحح وضعف، وقرب وبعد (1) والكتاب لا يزال مخطوطاً، وقد نقل الكثير منه أو معظمه صاحب كتاب بيان الشرع.
محمد
وحبذا لو يقوم أحد المهتمين بإعداده للطبع من الأجزاء المخطوطة إذا توفرت جميعها، وإذا لم تتوفر فبالرجوع إلى كتاب بيان الشرع لإستخراج ذلك منه، وذلك لأن تخريجات أبي سعيد الفقهية أكثرها موجودة في هذا الكتاب، وهي من الأهمية بمكان.
4 ـ ويذكر لأبي سعيد كتاب في التاريخ يسمى التاريخيات ولكنه لم يصل إلينا، ولا غرو ولا بدع فإن أبا سعيد من المؤرخين وقد جاءنا عن طريقه تاريخ
الإمامين سعيد بن عبد الله وراشد بن الوليد، ولولاه لربما ضاع تاريخهما. كما أنه فيما يبدو أنه كان يقول الشعر، ولكنه لم يبق لنا مما قاله سوى نونيته التي صاغ فيها رأيه في الأحداث التي ذكرناها وهي تدل على شاعرية رقيقة المأخذ عذبة المورد.
كما توجد له مقطوعة نظمية، جواباً لولده سعيد.
تلاميذه:
اشتهر أبو سعيد بعلمه وفضله، وقصده طلبة العلم للأخذ عنه
(1) نفس المصدر.
والتأسي (1/135)
صفحة 125
136
شخصيات عُمانية
العادة
بسيرته والإقتداء بسلوكه، ولكننا لم نعثر على أسماء كثير منهم، كما هي العلماء العمانيين حيث لم توضع لهم سير وتراجم، وإنما
بالنسبة إلى جميع
هي معلومات بسيطة، ونتف قليلة يعثر عليها المرء في ثنايا الكتب الفقهية،
وهنا نذكر ثلاثة من تلاميذه.
1 - الإمام حفص بن راشد:
وكان الإمام أبو سعيد يتولى عنه بعض الجوابات كما قدمنا ذكره ولا يبعد
أنه كان من تلاميذه، أو على الأقل استفاد منه.
2 ـ أبو علي موسى بن مخلد:
وهو من الملازمين للإمام الكدمي فقد جاء عنه «أنه كان يمشي عند أبي سعيد، يريد أن يصل أرحاماً له بنزوى وكان يستأذن على الباب ثلاث مرات فإذا أذن له وإلا أنصرف ولم يزد على ثلاث شيئا) ومما يدل على ملازمته لشيخه ما جاء عنه عندما ذهب لتوديع شيخه وكان الشيخ ذاهبا إلى سلوت قال خرج أبو سعيد إلى سلوت حتى إذا رنا في الشرجة التي عند ثقاب عين شجب، وكان ذلك وقت صلاة العصر فصلى بنا العصر وقصر هو ومن كان معه يريد الخروج إلى سلوت وأتممنا نحن ركعتين بقية الصلاة فقلت له ها هنا يكون القصر قال نعم).
3 - سعيد بن محمد بن سعيد
صر
وهو ابنه ويقال أنه من أهل العلم أيضا، والظاهر أنه وجه سؤالاً نظمياً إلى والده يسأله فيه عن بعض أحكام الصلاة فأجابه الإمام والده نظماً بقوله (3):
(1) بيان الشرع، ج 5، ص.
(2) بيان الشرع، ج 75، 14،
(3) الإتحاف، ص 223.
253
ص 0212 (1/136)
صفحة 126
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
سألت بني عن إمام تأمماً إماماً فاخطأ في القراءة تنعما بأن خلق الإنسان من غلق كذا براه إله الخلق خلقاً مسلما فقلت فهل تفسد صلاة جماعة من القوم كانوا تابعاً أو مقدما فقد قيل في هذا على اللفظ بالخطأ كذاك على النسيان قولاً منظما بان اختلاف الرأي في ذاك واسع من
وفاته:
العلماء الماضين فانظره منعما
137
بعد حياة مليئة بالجد والنشاط في نشر العلم والفضل والحق وفي زمن عصيب كانت عُمان تعيشه نتيجة الحروب والصراعات المتمثلة في الغزو الخارجي، والتفكك الداخلي، والخيانة الوطنية، لحق الإمام أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي حمدالله بربّه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، تاركاً ذكراً عاطراً، وثناء حسناً، وقد أكرمه الله بلسان صدق في الآخرين، ولكننا لم نتمكن من العثور على تاريخ وفاته كما هي العادة المعتادة لمعظم العلماء العُمانيين، وقد دفن في بلدة «العارض»، وهناك لا يزال قبره بها معروفاً ومشهوراً، كما لا يزال مسجده بها عامراً مذكوراً، وبيته أيضاً أثراً مأثوراً، ومن المناسب والجميل أن أختم هذا البحث المتواضع في حق هذا الإمام العظيم، والعالم الكريم ببيتين من الشعر قالهما في حقه الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري رحمه الله.
لم يبق صيب رحمة إلا وقد وجبت عليه زيارة للعارض با رحمة الله أمطري جدثا بها لأبي سعيد بحر علم فائض (1/137)
صفحة 127
العوتبي نشابة (1)
(1) بحث مقدم إلى ندوة تكريم العوتبي الصحاري؛ التي أقامها المنتدى الأدبي، في الفترة 16 - 17 رجب 1416 هـ / 9 - 10 ديسمبر 1995 م. (1/139)
صفحة 128
1 - الموتبي نسابة
تمهيد:
بسم الله الرحمن الرحيم
141
العوتبي من هو؟
هو
أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم الأزدي العوتبي الصحاري،
والعوتبي نسبة إلى عوتب منطقة في صحار كانت تسمى في القديم «عوتب الخيام والآن يطلق عليها «عوتب» أما كونه من الأزد، فيرى الشيخ سيف بن حمود البطاشي في كتابه إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان» الجزء الأول. 273 - 275، أنه. ص من طاحية، وتابعة على ذلك الدكتور/ عصام بن علي السرواس في كتابه «نظرة على المصادر التاريخية العُمانية»، وقبيلة طاحية التي يشيران إليها هي طاحية بن سود بن الحجر بن عمران بن عمرو مزيقيا من الأزد، والذي عندي ويظهر لي أنه من العتيك، وهم بنو العتيك بن الأسود بن عمران بن عمرو مزيقيا ألخ ... النسب، من قوم المهلب بن أبي صفرة، وبنو العتيك هم الذين كانوا منتشرين في الباطنة إلى دبا، ومعهم بنو سليمة وفراهيد، مالك بن فهم الأزدي فقد جاء في الأنساب للعوتبي، ونقله عنه المؤرخون من بعده حول أسباب وقعة الروضة بتنوف بين راشد بن النضر والناقمين عليه، قال وذلك أن جماعة من اليحمد أرادوا عزل راشد بن النضر إلى أن قال وكاتبوا مسلماً وأحمد بن عيسى بن سلمة العوتبي وسألوهما أن يبايعا لهما
بنو (1/141)
صفحة 129
142
شخصيات عُمانية
في الباطنة من العتيك من بني عمران ومن كان على رأيهم من ولد مالك بن فهم إلى آخر القصة، ولم يأت ذكر لقبيلة طاحية، ولا لأحد من أفرادها، ولعل قبيلة طاحية لم تك واسعة الإنتشار، وأكثر قبائل الأزد انتشاراً في عُمان تلك القبائل المنحدرة من العتيك ومن اليحمد ومن بني مالك بن فهم.
وقد عاش العلّامة العوتبي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وذلك لأن من مصادره في كتاب الأنساب كتاب «جمهرة نسب العرب» لإبن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456 هـ فقد نقل عنه نسب بني لقيط بن الحارث فقد جاء في كتاب «الأنساب» للعوتبي الجزء الثاني من المطبوع ص: 234، «قال الأندلسي: فمن بني الحارث بن مالك بن فهم، بنو لقيط بن الحارث منهم كعب بن سور بن بكر وللمقارنة يمكن الرجوع إلى جمهرة نسب العرب ص 380، وابن حزم توفي 456 هـ، ولا شك أن كتابه وصل إلى العلّامة العوتبي بعد ذلك الوقت نظراً لبعد المسافة بين عُمان والأندلس، وقد ذكر ابن حزم قصته بوقت أشياخه حيال الرجل الذي توفي سنة 422 هـ.
يقول الشيخ سيف بن حمود البطاشي في كتابه اتحاف الأعيان بأنه حمل العلم عن الشيخ أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش العقري النزوي الذي سنة ثلاث وخمسين وأربممائة.
مؤلفاته:
1 - الضياء وهو موسوعة فقهية يقع في أربع وعشرين مجلداً.
-2
الأنساب في الأنساب والتاريخ.
- الإبانة في اللغة والأدب. (1/142)
صفحة 130
1 - الموتبي نسابة
143
4 - رسالة وجهها إلى علي بن علي وأخيه الحسين بن علي في كلوه بشرق افريقيا، بين لهم فيها أصول المذهب الإباضي.
رسالة إلى ولديه .. لحثهم على التمسك بالدين ولمعرفة أحكام الإسلام.
أهمية علم الأنساب:
اهتمت العرب بالأنساب كعلم من علومهم وروايات منذ الزمان، فقد وجد علم الأنساب بوجود العرب على شكل أخبار وروايات يأخذونها كابراً عن كابر، ويتداولونها آخراً عن أول معتمدين في نقل وتداول تلك الروايات الشفهية على قوة الذاكرة وصفاء الذهن والإستعداد الفطري لضبط هذا العلم وأحكامه تحملاً وأداء.
والظاهر أنه لم تهتم أمة من الأمم بأنسابها كاهتمام العرب بأنسابها ولا نستبعد أن يكون للتفاخر الذي انتهجه العرب لا سيما في جاهليتهم دور في تنمية هذا الإهتمام، وباعث لهم على الإعتناء بحفظ انسابهم ومعرفتها. بيد أن ذلكم الإهتمام بالأنساب من العلوم أخباراً وروايات وتدويناً كان في الإسلام أكثر بروزاً وأوضح ظهوراً، لأسباب ثلاثة:
1 - ورود آيات في كتاب الله العزيز وأحاديث نبوية تحث على التمسك بالنسب وعلى أن يعرف الإنسان نسبه وأصوله منها قوله تعالى {يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات، 13]، وقوله تعالى (ادْعُوهُمْ لا بَابِهِمْ هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا ءَابَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ يكم} [الأحزاب: 5] ففي هاتين الآيتين دليل على أهمية أن يرتبط الإنسان
بأصوله نسباً. (1/143)
صفحة 131
144
شخصيات عُمانية
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم تعلموا من أنسابكم ما تصلون به ارحامكم»، ويقول في حديث آخر «من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل منه صرف ولا عدل» (2)، ولقد فهم المسلمون من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وجوب الإنتساب إلى الآباء والأجداد وأن يعرف الناس أصولهم.
2 ـ ترتب كثير من الأحكام الشرعية على النسب كالمواريث والوصايا ومعرفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك.
وهذه الأمور لا بد فيها من معرفة الأنساب لوضع كل شيء في موضعه وحتى
لا يختلط الحابل بالنابل في إعطاء كل ذي حق حقه من الميراث والوصايا. وقد ذكر ابن حزم في كتابه (جمهرة أنساب العرب، قصة تدل على فضل معرفة النسب وأمكن بذلك إعطاء الإرث لمستحقه فقد حكى قائلاً «ومات بقرطبة سنة 422 هـ محمد بن عبيدالله بن عبد الله بن مروان بن عبد الله بن مسلمة بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الكاتب، وهو آخر من بقي من ولد مسلمة بن عبد الرحمن بن معاوية المعروف بكليب وإليه تنسب أرحى كليب التي على النهر بقبلي قرطبة، فورثت أنا ماله محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن سعيد بن الخير بن عبد الرحمن بن معاوية بالقعدد، ودفعته إليه وقضيت له به، وما كان عند محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن هذا علم بأنه مستحق هذا المال، ولا كان له طمع في أخذه، فلولا علمي بالنسب لضاع هذا المال وأخذه غير أهله بغير حق، ومثل هذا كثير» (3).
(1) رواه الترمذي.
(2) الجامع الصحيح، مراسيل الإمام جابر بن زيد. (3) ابن حزم الأندلسي - جمهرة أنساب العرب صه. (1/144)
صفحة 132
1 - الموتبي نصابة
145
تدوين علم الأنساب:
بدأ في العهد الإسلامي الإهتمام بالكتابة والقراءة والتأليف، فقد حث القرآن على تعليم القراءة والكتابة، وبدأ المسلمون في كتابة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الصحف، ثم أخذ التدوين في التوسع وشمل علوماً كثيرة بينها علم الأنساب.
كان
من
على أن أول عمل لتدوين الأنساب يرجع إلى عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب له حينما أمر بتدوين أسماء قبائل العرب في السجل بالديوان، وذلك لمعرفة الجند ولضبط توزيع العطاء.
وبعد ذلك عندما كان التوسع في التأليف وتدوين العلوم نال هذا العلم
قسطاً لا بأس به من الإهتمام وظهرت كتب عديدة في علم الأنساب.
واعتبر علم الأنساب عاملاً مساعداً لغيره من العلوم فالعوتبي يرى في علم الأنساب أكثر «معونة وفائدة لطالب الأدب والعلم والعلم والفقه من غيرها لأن طالب العلم والحديث إذا لم يكن يدري علم النسب وسمع حديثاً قد صحف فيه اسم واحد على غير جهته، أو نقل من قبيلة إلى غيرها جاز ذلك عليه، وإذا كان بالأنساب عالماً، وبالأخبار عارفاً أنكر ذلك ورده إلى نسبه واسمه، وأتى بالصواب في موضعه وحقيقة أصله» (1).
اهتمام العُمانيين بالأنساب
يأتي اهتمام العُمانيين بالأنساب والتمسك بها امتداداً لإهتمام العرب بذلك، فالعرب ـ كما أسلفت - من أكثر الشعوب تمسكاً بانسابها، وقد برز عُمانيون لهم اهتمام قوي وتعمق في معرفة الأنساب وضبطها، ويذكر العوتبي
(1) العوتبي، الأنساب ج 1 ص 5. (1/145)
صفحة 133
146
شخصيات عُمانية
قصة ذلك الرجل العُماني الصحاري الذي وقف بسوق عكاظ وقد ازدحم عليه الناس يسألونه عن أنسابهم وهو يبين لهم أصولهم وأنسابهم ويرجعهم إليها، حتى مر به عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي الذي ينتمي إلى واحد من أشراف البيوتات نسباً في العرب فحاوره حول نسبه المتسلسل في بطون تميم بطناً بطناً حتى وقف به على اسمه شخصياً، الأمر الذي حمل عطارد بن
حاجب بن زرارة بن عدس التميمي على التعجب من ذلك النسابة العُماني الصحاري قائلاً له «ما رأيت أحداً قط أعلم منك فرد عليه العُماني النسابة «وأنا لم أر قط أحداً أعلم منك ومن أراد الوقوف على تلك المحاورة اللطيفة فعليه بالرجوع إلى كتاب الأنساب للعوتبي) غير أن بها أخطاء مطبعية كسائر الكتاب.
ومع هذا الإهتمام من العُمانيون بالأنساب وتمسكهم بأنسابهم إلى يومنا هذا حيث تجد القبائل العُمانية متماسكة بانتماءاتها القبلية بشكل جيد، فإننا لا يمكننا أن نخفي أسفنا على النقص الذي حصل في عدم العناية بالتأليف في هذا المجال مما ترك المكتبة العُمانية يعتريها النقص في هذا العلم.
فمنذ أن ألف العوتبي كتابه في القرن الخامس الهجري ـ مع أنه لم يكن
عُمان
شاملاً لجميع القبائل العُمانية - ولم يصدر كتاباً آخر عن الأنساب في. سوى بعض المعلومات المتناثرة ـ وهي قليلة ـ في ثنايا كتب التاريخ والفقه أثناء حديثها عن بعض الأشخاص أو بعض القبائل وهي معلومات لا تسمن
ولا تغني من جوع لطالب هذا الفن، بل لا تسد له رمقاً ولا تقيم له أوداً. وفي هذا العصر قام الشيخ / سالم بن حمود السيابي بتأليف كتاب في أنساب القبائل العُمانية سماه «إسعاف الأعيان في أنساب أهل عُمان» وهو كتاب
(1) نفس المصدر ص 9. (1/146)
صفحة 134
1 - الموتبي نصابة
147
جهد
مختصر جداً أيضاً، اشتمل على ذكر بعض القبائل العُمانية، إلا أنه. مشکور، كما صدر عن وزارة الداخلية في السلطنة كتاب يشتمل على ذكر كثير من القبائل العُمانية وإمكانها تحت اسم «المرشد العام للولايات والقبائل» إلا أنه لا يتعرض إلى نسب تلك القبائل ولا إلى بيان أصولها.
وعسى أن تكون هناك محاولات جادة وجهود طيبة في هذا المجال من قبل وزارة التراث القومي والثقافة أو غيرها من الجهات.
العوتبي وكتابه «الأنساب»:
هو
أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم الأزدي العوتبي الصحاري من
(1)
عوتب بصحار، ويرى البحاثة الشيخ سيف بن حمود البطاشي والدكتور/ عصام بن علي الرواس (2) إنه من طاحية من الأزد، فإذا كان كما قالا فهو من
طاحية بن سود بن الحجر بن عمران بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء.
فهم وازد العتيك بنو عم، حيث أن أزد العتيك هم بنو العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو مزيقيا .. ألخ.
ولا نستطيع تحديد الزمن الذي عاش فيه مضبوطاً بالسنين بيد أنه من خلال القرائن التاريخية وبمعرفة العلماء الذين عاصرهم ونقل عنهم وأخذ عنهم، نستطيع القول تقريباً بأن حياته كانت في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي حيث أنه ينقل عن جمهرة نسب العرب لإبن حزم الأندلسي الذي توفي سنة 456 هـ والعوتبي علامة فقيه ولغوي بارع ومؤرخ ونشابة، وهو ينتمي إلى مدرسة أبي محمد ابن بركة إمام الفرقة الرستاقية.
(1) إتحاف الأعيان ج 5 ص 275.
(2) نظرة على المصادر التاريخية العُمانية. (1/147)
صفحة 135
148
شخصيات عُمانية
كتاب الأنساب:
أما كتابه الأنساب فهو يشتمل على مادتين علميتين:
مادة تاريخية ومادة في الأنساب
وقد أفصح عن السبب الذي دفعه إلى تأليف هذا الكتاب قائلاً «فإني رأيت من ذوي الأحساب من لا يعرف سلفه، ورأيت من رغب عن نسب دق وانتمى إلى رجل لم يعقب» (1)، كما نقل عن ابن قتيبة أنه رأى رجلاً ينسب نفسه إلى أبي ذر الله).
وفي موضوع الأنساب، فقد ذكر العوتبي في كتابه أنساب القبائل القحطانية والعدنانية، حيث أورد العديد من القبائل القحطانية أو اليمنية بفرعيها الكبيرين حمير وكهلان، لأن القبائل القحطانية أو اليمنية ترجع إليهما.
أما عن القبائل العدنانية أو النزارية فلم يورد إلا عن بعض قبائل ربيعة بن نزار، كقبائل عبد القيس وإخوانهم من قبائل وائل ومن تشعب وتفرع عن هذين القسمين أو الحيين من ربيعة، وذكر عرضاً بصورة موجزة عن إياد بن ربيعة.
وقد كان تركيزه في إيراد نسب القبائل على القبائل العُمانية بيد أنه يستطرد أحياناً كثيرة إلى ذكر وإيراد نسب القبائل العربية بصورة عامة، وربما يضطره
السياق إلى ذلك.
ولعل تركيزه على ذكر نسب القبائل القحطانية راجع إلى انتمائه إليهم وبالتالي اطلاعه على أصولهم، أو لأن المادة العلمية عن انساب القبائل القحطانية كانت أكثر وفرة لدية في ذلك الوقت عن القبائل النزاريه.
(1) العوتبي، الأنساب، ج 1.
(2) نفس المصدر نفس الصفحة. (1/148)
صفحة 136
1 - الموتبي نسابة
149
وأيضاً حول حديثه عن القبائل القحطانية كان حديثه عن القسم الكهلاني
أكثر اسهاباً عن القسم الحميري.
فقد أسهب في الحديث عن القبائل المتفرعة عن مالك بن زيد بن كهلان والمتفرعة من أدد بن زيد بن كهلان.
لاسيما عن قبائل الأزد وقبائل طيء وقبائل كندة، كما كان لقبائل الأزد النصيب الأوفر من الحديث ولعل ذلك راجع إلى أدوارهم التاريخية في عمان وغيرها. فساعدت شهرتهم التاريخية على اشتهار أنسابهم بالنسبة إلى غيرهم من القبائل العُمانية.
على أنه توجد في كتاب الأنساب للعوتبي عدة بدايات ونهايات تتخلل الكتاب، فهل معنى ذلك أن الكتاب في أصله مكون من عدة كتب أم أنه كتاب واحد من أصله وإنما حدث ذلك لأمر من الأمور.
يرى الدكتور/ محمد عبد الحميد الرفاعي في دراسة وتلخيص له لكتاب الأنساب إلى احتمال أن يكون الكتاب تجميعاً لعدة كتب لنفس المؤلف جمعها الناسخ في موضوع واحد» (1)، وذلك لأنه لاحظ للكتاب أكثر من اسم ذكرها المؤلف في ثناياه مثل «الأنساب» و «موضح النسب» و «الشجرة في الأنساب» والذي يظهر لي حول تعدد عناوين الكتاب بداخله ووجود بدايات ونهايات لذلك، أن المؤلف قام بتأليف كتابه على شكل أجزاء على فترات متفاوتة يشتمل كل جزء على ذكر قبائل ترجع إلى أصل واحد، حسب ال وتجميعه للمادة المتعلقة بذلك ولعل قيامه بتأليفه كان في آخر عمره، وقد حالت الوفاة دون ترتيبه وتنظيمه وتنسيقه.
اطلاعه
(1) دراسة وتلخيص ص 13، ضمن الموسوعة الميسرة للتراث العُماني. (1/149)
صفحة 137
10.
شخصيات عُمانية
ومما يؤخذ على المؤلف دمجه بين الأنساب في الكتاب، الأمر الذي كان يضطره إلى الإستطراد في ذكر بعض الأحداث التاريخية حن حتى أصبح من الصعوبة بمكان الرجوع إليه لأخذ المعلومة النسبية بل وحتى التاريخية. أنه أشتهر في موضوعه شهرة واسعة وانتشرت مخطوطاته في كثير من المكتبات ودور الكتب في العالم، وصار إماماً وحجة لمن جاء بعه من المؤرخين العُمانيين فما من مؤلف في التاريخ العُماني إلا واصل مادته في الأدوار الأولى من التاريخ العُماني من كتاب العوتبي، وما من مؤلف في
بيدا
الأنساب العُمانية أو
مهتم
بالأنساب إلا والعوتبي إمام له.
وعلى العموم فقد اعتمد عليه كل من جاء بعده وكانوا عالة عليه في موضوعه واستقى العوتبي معلوماته حول الأنساب من مصادر متعددة أهمها: 1 ـ كتاب الملوك وأخبار الماضين لعبيد بن شرية الجرهمي الذي طبع بعنوان «أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأشعارهم وأنسابهم»، وكان عبيد بن شرية الجرهمي استدعاه معاوية بن أبي سفيان من صنعاء إلى دمشق ليحدثه عن ملوك اليمن وغيرهم من ملوك العرب والعجم وأخبار الماضين، كانت أحاديثه أقاصيص وأسماراً في مجلس معاوية، وأمر معاوية أن يدون عنه ذلك وينسب إليه وعاش عبيد حتى أيام عبد الملك بن مروان).
2 - جمهرة النسب لإبن الكلبي وجمهرة النسب أو النسب الكبير هو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة 204 هـ.
لأبي
- جمهرة أنساب العرب لابن حزم، وهو أبو محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي المتوفى 456 هـ.
(1) ابن النديم، الفهرست، ص 132. (1/150)
صفحة 138
- العوتبي نسابة
151
4 ـ الإشتقاق لابن دريد، وهو أبو بكر محمد الحسن بن دريد المتوفى 321 هـ.
ه ـ المشافهة وهي المعلومات التي أخذها مشافهة وسماعاً عن النسابين المعاصرين له وعن القبائل نفسها، حيث جرت العادة على احتفاظ القبائل
بأنسابها ومعرفتها بأصولها.
هذه
هي
أهم المصادر التي أخذ منها العوتبي علم الأنساب ولا شك أن هناك مصادر غيرها إلا أن هذه المصادر المذكورة يتردد ذكرها كثيراً في ثنايا كتابه، وفي نظري، إن معلومات عن القبائل العُمانية، إنما أخذها بالمشافهة والسماع من أهل الخبرة بالأنساب في زمانه ومن الحافظين للأنساب من رجال القبائل نفسها، وهذا الذي يفسر لنا تركيزه على أنساب القبائل العُمانية بصورة أوسع وأشمل لأن المصادر الأخرى لم تورد عن أنساب القبائل العُمانية إلا النزر اليسير، وكل قوم أولى بأنسابهم وأحق بمعرفة أصولهم وجذورهم، والناس ـ كما يقال ـ مؤتمنون على أنسابهم.
الخاتمة
مما مر من حديث عن العوتبي وكتابه الأنساب من عرض وتحليل تبينت لنا أهمية كتاب «الأنساب» للعلامة الجليل المؤرخ والنسابة أبي المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم الأزدي العوتبي الصحاري بكونه الكتاب الوحيد الذي عني بأنساب القبائل العُمانية، فهو وإن لم يكن قد اشتمل على جميع القبائل العُمانية إلا أنه اشتمل على كثير منها مما يعتبر مرجعاً مهماً ومصدراً أصيلاً للأنساب العُمانية، على أنه مما ينبغي ألا يغيب عن البال، إن الفجوة التي نراها نحن في وقتنا الحاضر حول وجود القبائل العُمانية وواقعها وبين ما دونه العوتبي من قبائل، إنما يرجع ذلك إلى المسافة الزمنية التي تتكون من ألف عام، أي عشر قرون من السنين. (1/151)
صفحة 139
152
شخصيات عُمانية
فمنذ أن ألف العوتبي كتابه في القرن الخامس الهجري وحتى الآن لا شك أنه اختفت قبائل وظهرت قبائل أخرى عديدة، وتفرعت قبائل كثيرة عن قبائل سابقة.
اقتراحات
نظراً للأهمية الكبرى التي يحتلها كتاب «الأنساب» للعوتبي اقترح مايلي:
1 ـ تحقيق الكتاب تحقيقاً علمياً مع وضع الفهارس الكشافات ما يستلزم التحقيق من أعمال مناسبة.
2 - وضع عمل على الكتاب، بحيث تفصل مادته في
التاريخية ليجعل منه قسمين:
الأنساب عن |
المادة
الأول في الأنساب، والثاني في التاريخ لكي يسهل الرجوع إلى الكتاب
لأخذ المعلومات المتعلقة بالأنساب أو المتعلقة بالتاريخ.
3 ـ السعي في جميع النسخ المتعددة للكتاب في مكتبات ودور الكتب في العالم أو صور منها ووضعها في مكتبة المخطوطات بوزارة التراث القومي والثقافة، خدمة وحافزاً وتشجيعاً للبحاثين والمحققين.
والله ولي التوفيق،،،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً (1/152)
صفحة 140
عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ) (1)
(1) بحث مقدم للمؤتمر الدولي: عُمان ودول جنوب شرق آسيا والصين؛ بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، للفترة 5، 6 أكتوبر 2016 م. (1/153)
صفحة 141
10 - عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
مقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
كان للموقع الجغرافي لعُمان المطل على بحر العرب والمحيط الهندي دور كبير في التفاعل الحضاري بين العُمانيين وشعوب عديدة، كما أعطاهم هذا الموقع حب السفر والإنتقال بين عُمان وجنوب آسيا إلى الصين من جهة، وإلى شرق إفريقيا من الجهة المقابلة، الأمر الذي أتاح لهم التحرك المستمر قياماً بالتجارة بين عُمان وسيراف والبصرة من جهة وبين المناطق المذكورة من جهة أخرى.
على أنهم حملوا معهم دينهم الإسلامي إلى جانب تجارتهم، وكانوا خير أسوة وخير قدوة بسلوكهم ومعاملاتهم للشعوب الأخرى بالصدق والأمانة والأخلاق العالية، فهم لم يكونوا قوّالين وإنما كانوا عاملين، ولذلك انتشر الإسلام على أيديهم النظيفة وألسنتهم الصادقة، حيث كان الإسلام يتخلل بضائعهم التجارية.
ومن بين المناطق التي انتشر فيها الإسلام بهذه الصور الجميلة الرائعة، أرخبيل الملايو الواسع المقطون من شعب الملايو الكريم انطلاقاً من مدينة ملقا (ملكا)، حيث سجل لنا التاريخ رجلاً اسمه عبد العزيز، استطاع إقناع (1/155)
صفحة 142
156
شخصيات عُمانية
امبراطور (ملك) الملايو باراميسوارا الذي أصبح اسمه بعد الإسلام السلطان
ميغات اسکندر شاه بالدخول في الإسلام وذلك سنة 1414 م.
بيد
أن المعلومات حول هذا الحدث العظيم قليلة ونادرة، والمصادر بها شحيحة، ولذلك كان الخلاف حول عبد العزيز نسباً وجهة هو المتداول
والمذكور.
الأمر الذي جعلنا نلجأ إلى اعتماد شهادة واحد من أبناء المنطقة معروف بعلمه وفكره ووثاقته، لذلك جاء هذا البحث بعنوان «عبد العزيز العُماني، شهادة للتاريخ» الذي أعددته للمؤتمر الدولي عُمان ودول جنوب شرق آسيا والصين، الذي تعقده الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا بالتعاون مع رابطة الطلبة العُمانيين بالجامعة.
لعله يجسّر. حلقة - إن صح التعبير - من الحلقات المفقودة في تشكل
الإسلام في أرخبيل الملايو.
المكان
والله ولي التوفيق،،،
المكان، إقليم ملقا (ملكا) الذي يقع في الجهة الجنوبية من أرخبيل الملايو، أو شبه جزيرة الملايو.
وتطل ملقا على مضيق بحري هو خليج أو مضيق ملقا، الذي يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، وكان هذا المضيق تمر به السفن التجارية بين إقليم كانتون (جوانشو حالياً) الواقع في الغرب الجنوبي للصين وبين البلاد العربية، وذلك للتبادل التجاري. (1/156)
صفحة 143
10 - عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
157
وتسمى المدينة التي هي عاصمة الإقليم ملقا (ملكا)، وقد احتلها البرتغاليون سنة 1511 م، نظراً لأهميتها الإستيراتيجية ولموقعها المتميز على
خليج ملكا الرابط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي.
وبنوا فيها قلعة مطلة على المضيق وهي القلعة الوحيدة التي بناها البرتغاليون في جنوب شرق آسيا، كما أنشأوا فيها المدينة الحمراء ذات اللون الأحمر ولا تزال القلعة وحولها المدينة الحمراء باقيتين إلى يومنا هذا، وهما من أهم المعالم السياحية في ملقا ولعلها أهم معالم سياحته في عموم ماليزيا في الوقت الحالي ولذلك تسمى. المدينة التاريخية الماليزية.
وتشكل ملقا في العصر الحاضر إحدى ولايات الإتحاد الفيدرالي لدولة ماليزيا.
وقد استعمرها البريطانيون في العصر الحديث ضمن استعمارهم لجنوب آسيا وغيرها من المناطق وقد نالت استقلالها عن بريطانيا مع بقية ولايات ماليزيا سنة 1958 م على يد الأمير عبد الرحمن الحاج أول رئيس وزراء لماليزيا لتكون ضمن الإتحاد الفيدرالي للدولة الماليزية (الحديثة المعاصرة التي أصبحت يفتخر بها المسلمون، حيث أصبحت تمثل الدولة الإسلامية المعاصرة تنمية واعتدالاً، فكتبت بذلك قصة نجاح مثالية للإسلام وللمسلمين.
الزمان
في شهر يناير من سنة 1980 م، عقد في العاصمة الماليزية كوالالمبور، مؤتمراً دولياً بعنوان «المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية»، وقد وجهت دعوة إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (آنذاك) بسلطنة عُمان لإرسال وفد لحضور المؤتمر، وفعلاً قامت الوزارة المذكورة بإرسالنا وفداً وكنا اثنين.
(1) الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) إضافة إلى معلوماتي الشخصية من واقع زياراتي لماليزيا عامة، ولملكا خاصة. (1/157)
صفحة 144
158
شخصيات عُمانية
من
وبعد انتهاء أعمال المؤتمر أُعدت للوفود رحلات استطلاعية لعدد الأقاليم الماليزية، وكان من بين الخيارات لتلك الرحلات الوجهة إلى الجنوب عبر ملكا وجوهور إلى سنغافورة ثم العودة إلى كوالالمبور.
من
فانطلقنا وقد كان اختيارنا الوجهة المذكورة مع وفود آخرين كوالالمبور صباحاً وكانت أولى محطات الرحلة مدينة ملكا، وقد وصلناها ضحى ذلك اليوم، وكان قد جرى استقبال الوفود من قبل المسؤولين في الولاية في مقر البرلمان، حيث كان الإستقبال حافلاً ورائعاً، وهناك جرى بين الوفود وبين المسئولين بالولاية، وكان من بين المتحدثين الشيخ الداعية محمد أحمد الذي تحدّث عن العلاقة التاريخية التي كانت تربط الملايو بالعرب إسلامياً.
اللقاء
وقال في حديثه: إنني أناشد الوفد العُماني أن يقوموا بإعادة بناء أو ترميم مسجد عبد العزيز العُماني بملكا، لأنه مسجد تاريخي وقد ارتبط اسمه باسم الداعية الإسلامي عبد العزيز العُماني الذي وصل إلى ملكا التي كانت آنذاك عاصمة أرخبيل الملايو، أو مملكة الملايو، وكان امبراطور الملايو آنذاك على غير الإسلام، وقد استطاع عبد العزيز العُماني اقناعه بالدخول في الإسلام وقبول الإسلام، وفعلاً تم ذلك بفضل الله تعالى فدخل الإمبراطور في الإسلام ودخل معه في الإسلام أركان دولته وحاشيته، وبعد ذلك أخذ الإسلام ينتشر في الملايو بصورة سريعة، وقد بني عبد العزيز العُماني له مسجداً في مدينة ملكا، والذي أصبح يعرف بمسجد عبد العزيز العُماني والظاهر أنه منذ ذلك الحين أصبح الإسلام يشكل الظاهرة الإجتماعية لدى شعب الملايو.
وقد ذكرنا هذا الأمر في تقريرنا الذي أعددناه عن الزيارة، وقدمناه إلى المسئولين بالوزارة، بيد أنه لم تكن هناك استجابة حينذاك، وفي رأيي أن عدم (1/158)
صفحة 145
10 - عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
159
الإستجابة يعود إلى عدم وجود علاقات دبلوماسية بين سلطنة عُمان ودولة ماليزيا آنذاك.
وفي شهر أكتوبر من عام 1987 م كانت لي زيارة لماليزيا ضمن وفد لحضور مؤتمر، وبعد انتهاء أعمال المؤتمر قمنا بزيارة إلى مدينة ملكا، ودخلنا المتحف الموجود في القلعة، فإذا به ذكر لقصة إسلام امبراطور الملايو باراميسوارا، الذي تسمّى بعد إسلامه بالسلطان ميغات اسکندر شاه على يد عبد العزيز، وقد حدد دد تاريخ ذلك بسنة 1414 م.
استجابة عُمانية
في شهر فبراير 2001 م طلب مني المنتدى الأدبي بسلطنة عُمان إلقاء محاضرة عن «دور العُمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا والصين» وفعلاً قمت بإلقاء المحاضرة تحت العنوان المذكور بتاريخ 17/ ذو القعدة/1421 هـ الموافق 11 فبراير 2001 م وذكرت فيها قصة إسلام امبراطور الملايو على يد عبد العزيز العُماني وما قاله الشيخ محمد أحمد الملكاوي، وناشدت فيها وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان باعتبارها المسئولة عن المنتدى الأدبي أن تعمل على إعادة أو صيانة أو ترميم مسجد عبد العزيز العُماني في ملكا بماليزيا، وفعلاً كُلّفت من قبل وزارة المذكورة على لسان وكيل الوزارة للشؤون الثقافية، للقيام بزيارة إلى مدينة ملكا للإطلاع على المسجد ومعرفة احتياجاته من إعادة بنائه أو صيانته أو ترميمه.
وبالفعل قمنا بالزيارة سنة 2001 م وقابلنا الشيخ الداعية محمد أحمد وأخاه الشيخ النواوي أحمد وأشياخاً وأشخاصاً آخرين فقد استقبلونا في الجامع الكبير بالمدينة. (1/159)
صفحة 146
17.
شخصيات عُمانية
ثم ذهبنا إلى مسجد عبد العزيز، وقد وجدناه مسجداً يعكس نمط المساجد القديمة في الملايو، من حيث جسم. المسجد ومرافقه كأماكن الوضوء وغيرها.
وبعد ذلك ذهبنا لمقابلة فخامة الدكتور محمد علي رستم رئيس وزراء ملكا،
فأخبرناه عن هدف زيارتنا، ولكن المفاجأة كانت أن قال لنا: إن المسجد انتقلت المسئولية عليه إلى وزارة الثقافة الفيدرالية لأنه صار مسجلاً ضمن التراث العالمي لمنظمة اليونسكو وبالتالي فإنه ليست عنده صلاحية في أمره، وقال: طالما أنه صار ضمن التراث العالمي فإنه من الصعب إحداث أي شيء فيه.
وهناك توقف السعي وقضي الأمر.
من هو عبد العزيز؟
في حفظي أن عبد العزيز لم يذكر في المتحف الآنف الذكر نسبه ولا الجهة التي ينتسب إليها.
ولذلك أخذت أطراف عدة تتجاذبه، فمن قائل أنه يمني من حضرموت، ومن قائل إنه حجازي من جدة، ومن قائل إنه عُماني بيند أن الشيخ الداعية
محمد أحمد يؤكد بقوة عُمانيته، ولا ندري المصادر التي اعتمد عليها.
وفي رأيي أن كونه من الحجاز أمر مستبعد لأنه كان من غير المألوف قدوم أهل الحجاز إلى جنوب شرق آسيا، لأن الذين كانوا يأتون إلى جنوب شرق العُمانيون واليمنيون لا سيما الحضارمة منهم.
آسيا والصين هم وذلك هو المؤرخ السعودي يقول: إنه عندما زار كانتون (جوانشو) بالصين وجد ميناءها وموانئ أخرى في جنوب آسيا تعج بالمراكب العُمانية)، على أن المؤرخ السعودي كان قد عاش في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي.
(1) مروج الذهب، ج 1، ص 136، دار المعرفة. (1/160)
صفحة 147
10 - عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
161
لذا فإن أمره يبقى متردداً بين كونه عُمانياً أو يمنياً.
وقد اعتمدت شهادة الداعية الإسلامي محمد أحمد على كون عبد العزيز عُمانياً، في هذه الشهادة التاريخية، لأن الداعية المذكور هو من أهل المكان، ومن ذوي العلم والمعرفة في ملكا بل في ماليزيا، وربما وصل إليه العلم بكون عبد العزيز عُمانياً من أهله وأهل بلده ولعلهم توارثوا نقل المعلومة إبناً عن أب، وكابراً عن كابر، وذلك لأنه في بعض الأمور تكون للرواية الشفهية دور في انتقال المعلومة جيلاً بعد جيل.
وحسب ملاحظتي - إن صحت ـ أن شعوب مناطق جنوب شرق أسيا لم يكونوا يهتمون بتدوين العلوم ومن بينها قصصهم وأخبارهم وغيرها من المعلومات، وإنما كانوا يكتفون بتناقلها روايات شفهية عبر مراحل تاريخهم، لذلك نجد قلة التدوين عندهم، والله أعلم وأحكم {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا ومَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ} [يوسف: 81].
الخاتمة
في الختام تبين لنا ما يلي:
- أن العلاقة بين العرب والملايو قديمة جداً.
وصل الإسلام إلى الملايو في وقت مبكر من تاريخ الإسلام على يد التجار العرب، غير أن الإسلام كظاهرة اجتماعية لدى شعب الملايو لم يكن إلا منذ القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي، وذلك بعد ما قرر امبراطور الملايو الدخول في الإسلام على يد عبد العزيز العُماني. تتجاذب عبد العزيز عدد من الأطراف في نسبته إليها بين كونه حجازياً أو يمنياً أو عُمانياً. (1/161)
صفحة 148
162
شخصيات عُمانية
ـ رجحنا نسبته العُمانية بشهادة أحد العلماء العارفين من أبناء المنطقة ألا وهو الداعية الشيخ محمد أحمد الملكاوي، ولأن العُمانيين كان لهم وجود تجاري كبير في المنطقة.
- حاولت حكومة سلطنة عُمان ممثلة في وزارة التراث والثقافة إعادة بناء مسجد عبد العزيز أو صيانته أو ترميمه ولكنه أصبح مسجلاً ضمن التراث العالمي، الأمر الذي يتعذر معه إحداث أي شيء فيه.
على أن هذا الأمر يؤكد لنا عمق العلاقة التاريخية بين عُمان وأرخبيل الملايو، وما العلاقة الوطيدة في عصرنا الحالي بين سلطنة عُمان ودولة ماليزيا إلا ترجمة صادقة، وامتداد طبيعي لتلك العلاقة التاريخية العميقة.
إن العُمانيين إلى جانب كونهم تجاراً فهم دعاة إلى الإسلام، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون سفيراً لدينه داعياً إليه بالحسنى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ) [البقرة: 256)، (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الحَسَنَةِ} [النحل: 125].
والله ولي التوفيق،،،
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. (1/162)
صفحة 149
() ()
أبو مسلم البهلاني الرواحي حياته - شيوخه - تلاميذه ـ سلوكياته «المدرسة التي ينتمي إليها» (1)
(1) بحث مقدم إلى ندوة أبي مسلم البهلاني الرواحي، التي أقامها المنتدى الأدبي، في الفترة 14 - 16 / رجب / 1415 هـ / الموافق. 17 - 19/ديسمبر / 1994 م. (1/163)
صفحة 150
11 ـ أبو مسلم البهلاني الرواحي
170
بسم الله الرحمن الرحيم
رجال
أبو مسلم البهلاني الرواحي واحد من عباقرة الأمة العُمانية ونبغائها الذين أنجبتهم عُمان عبر مسيرتها الحضارية القائمة على دعائم راسخة. من عظام وفكر قويم، وهو أحد مفاخر الأمة العربية لغة وفكراً على أنه إذا كان لابد للأشياء من أصول ترجع إليها اعتماداً وتأصيلاً واستناداً، فكذلك لابد من
أصول يرجع إليها وينتمي إليها، فمن هو أبو مسلم؟ وما هو نسبه؟.
إنه العلّامة المحقق والشاعر المفلق والأديب المدقق أبو مسلم ناصر بن
سالم بن عديم بن صالح بن سالم بن محمد بن عبد الله بن محمد البهلاني الرواحي ينحدر من أسرة كريمة المحتد عريقة النسب، فقد كان جده عبد الله بن محمد البهلاني أحد قضاة الدولة اليعربية على وادي محرم كما أن أباه الشيخ سالم بن عديم البهلاني أحد قضاة الإمام عزان بن قيس والسلطان تركي بن سعيد، وربما يتبادر إلى ذهن السامع أو القارئ، أو يتوهم متوهم أن البهلاني نسبة إلى بهلا المدينة التاريخية المشهورة في عُمان، وليس الأمر كذلك، فالنسبة إلى بهلا بهلوي، فلا تحتاج إلى زيادة حرف النون، إذن فمن أين نسب
البهالنة أو البهلانيين؟.
حمد الخليلي مفتي عام السلطنة ـ أبقاه بن
سمعت سماحة الشيخ أحمد. الله ـ وهو يمت إليهم بنسب - يقول نقلاً عن بعض ذوي الإهتمام أن نسبهم
من طيء. (1/165)
صفحة 151
177
شخصيات عُمانية
وأنهم كانوا في منطقة اليمن من إزكي ومنها تفرقوا إلى أمكنة أخرى من عُمان ومنها قرية محرم التي ينتمي إليها المحتفى به أو المترجم عنه، ودخلوا في بني رواحة القبيلة العبسية المشهورة، على أن تداخل قبائل العرب وأفخاذها وبطونها في بعضها البعض أمر معروف وغير منكر يعرف ذلك كل
من اطلع على كتب النسب كما هو الشأن في القبائل العُمانية أيضاً.
يقول الشيخ سالم بن حمود السيابي بعد أن ذكر تداخل القبائل في غيرها وكثير غيرهم من أهل عُمان يمانيون دخلوا في النزار فترأسوا فيهم، وكذلك يمانيون دخلوا في قبائل أخرى يمانية من غير نسبهم وانتسبوا فيهم وكذلك النزار وهلم جرا ... وهذا أمر لم يختصوا به بل شاركتهم فيه العرب في الجاهلية يعلم ذلك المطلع على السير، وفي تاريخهم أيضاً شائع ذائع، لا يسع المقام ذكره، ولا يضر عرب تدخل في عرب ولكن المضر إخفاء النسب الأصلي والإنتساب بنسب مستحدث)
(1)
ويقول أبو العباس القلقشندي «إذا كان الرجل من قبيلة ثم دخل قبيلة أخرى جاز أن ينتسب إلى قبيلته الأولى وأن ينتسب إلى القبيلة التي دخل فيها وأن ينتسب إلى القبيلتين جميعاً مثل أن يقال التميمي ثم الوائلي وما أشبه ذلك» (2) وهذه المسألة لا تخلو من خلاف بين فقهاء الإسلام، وإذا كنا قد تعرفنا
على نسب المترجم له فماذا عن حياته وكيف عاشها؟.
حياته
ولد أبو مسلم وأطل على هذا الوجود سنة 1273 هـ حسب رواية ابن أخيه الكاتب الأديب سالم بن سليمان البهلاني، وهناك رواية أخرى صاحبها نجل
(1) سالم بن حمود السيابي، إسعاف الأعيان، ص 44.
(2) أبو العباس القلقشندي، نهاية الأرب ص 30. (1/166)
صفحة 152
11 ـ أبو مسلم البهلاني الرواحي
167
المترجم له (مهنا بن ناص البهلاني) تقول أنه ولد سنة 1277 هـ ويبدو أن الرواية الأولى أكثر ترجيحاً وأقرب إلى الحقيقة والصحة وذلك لأن صاحبها لازم عمه طويلاً وكتب عن شعره وتتلمذ عليه كما يتضح ذلك. من ملازمة أبي مسلم للشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، وأيضاً فإن أبا مسلم يقول في قصيدته
العينية التي مطلعها:
ألا هل لداعي الله في الأرض سامع فإني بأمر الله يا قوم صادع
يقول فيها (1):
وأي رجاء بعد ستين حجة لعيش وهل ماض من العمر راجع فإنه نظم هذه القصيدة بعيد نصب الإمام سالم بن راشد الخروصي سنة 1331 هـ وربما أنه وقت نظمها كان لا يتعدى سنتي (1333 هـ) أو (1334 هـ)، وكان مولده في قرية محرم بوادي محرم موطن آبائه وأجداده منذ أن انتقل إليها جده القاضي عبد الله بن محمد البهلاني الآنف الذكر، من إزكي.
ويبعد وادي محرم الذي أضيف إلى هذه القرية عن العاصمة مسقط حوالي مائة وخمسين (150) كيلو متراً ويشتمل على العديد من القرى أكبرها قرية محرم، وهي القرية التي فتح فيها المؤلف عينيه على هذا الوجود .. وهناك نشأ وترعرع .. ودرج أيام الطفولة البريئة الناعمة، ومرح في شعابها وشراجها وتفياً ظلال نخيلها وأشجارها، وكان لهوه زمن الصبا بمياهها الجارية الرقراقة، وتركت حياة الطفولة وبعدها حياة الشبيبة في وادي محرم صوراً لازمته طوال
حياته وظلت تداعب خياله وتسكن ذاكرته عبّر عنها في نونيته الشهيرة: يا برق هل والحنايا من ضعاضع فالألتام فالطف حياهن هتان
(1) أبو مسلم البهلاني، ديوان. (1/167)
صفحة 153
168
شخصيات عُمانية
وهل ذرى القفص فالمقراة معشبة وهل قطين بعليا قاعر بانوا عهدي بها ونضير العيش يصحبها والدهر في غفلة والشهب إخوان نشأت فيها وروضاتي ومرتبعي روح الفضيلة لا رند وريحان (1) وعندما كان أبوه قاضياً على نزوى في عهد الإمام عزان بن قيس، كان بمعية أبيه في نزوى، ويقال أنه أجريت له عملية الختان في حصن نزوى وهذا القول إن صح فهو من مرجحات رواية ابن أخيه سالم بن سليمان البهلاني بأن تاريخ مولده سنة 1273 هـ وكان زميله في محرم أيام شبيبته الشيخ خلفان الخليلي حيث كانا زميلين متلازمين في الدراسة لدى الشيخ محمد بن سليم الرواحي الذي كان يدرّس في قرية السيح بوادي محرم في أحد المساجد هنالك، كما كانا زميلين في الخلوة الروحانية التي اختلياها معاً صفاء للروح ونقاوة للضمير، وطهارة للقلب، وشفافية للوجدان، وتقوية للصلة بالله ـ تعالى ـ والذي أشار إليه في نونيته بقوله:
سعيد بن
أحمد
أرتاح فيها إلى خل فيبهرني صدق وقصد ومعروف وعرفان فحال حكم النوى بيني وبينهم هنا تيقنت أن الدهر خوان (2)
بن
وبعد أن رحل أبوه الشيخ سالم بن عديم إلى زنجبار درة الشرق الإفريقي
و حاضرته التي كانت زاهية بجمال الحكم العربي العُماني في عهد السلطان برغش بن سعيد بن سلطان سافر هو إليها أيضاً ملتحقاً بأبيه وكان ذلك في سنة 1295 هـ وأقام بها مدة خمس سنوات حيث رجع إلى عُمان وأقام بموطنه محرم وظل بها خمس سنين حتى أخذ الحنين يشده والشوق يجره إلى زنجبار، فامتطى أديم البحر راحلاً إليها مرة ثانية وكانت هذه رحلته الأخيرة إليها حيث
(1) أبو مسلم البهلاني، ديوان. (2) نفس المصدر. (1/168)
صفحة 154
11 - أبو مسلم البهلاني الرواحي
169
أقام فيها وألقى بها عصا الترحال وقضى حياته بها ليعيش في كنف حكامها الذين أحاطوه بالرعاية التامة وأولوه العناية الكاملة لاسيما في عهدي السلطانين حمد بن ثويني وحمود بن محمد بن سعيد ومن بعدهما من سلاطين زنجبار حيث تقلد منصب القضاء ومن ثم أسندت إليه رئاسته فيها:
لقد كان لذلك الجو الذي ساده مناخ من التقدير والإحترام من قبل سلاطين زنجبار كما كان لتلك البيئة التي عاش في ربوعها الوادعة أثر في نفس الشيخ أبي مسلم فأكب على المطالعة وقراءة نفائس الكتب الفقهية والأدبية على اختلاف أنواعها، فكان الكتاب أستاذه الثاني وجليسه المفضل حتى نبغ في العربية والشعر والأدب والعلوم الشرعية وصارت له مكانة رفيعة ومنزلة عالية في زنجبار لدى الحكام والمحكومين اعترافاً بعلمه وشاعريته حتى أطلق عليه في الشعر لقب «شاعر العرب» و «شاعر العصر» وعبّر عن: المكانة والمنزلة بقوله في قصيدة له:
تلك
عزة العلم أمجدتني مقاماً فتبينت كل رأي سخيف (1) نعم طاب له المقام في زنجبار، وسعدت بها أيامه وصفت لياليه، فنستمع
إليه وهو يصور لنا تلك الحياة السعيدة التي قضاها حيث يقول: خليلي إن الدهر جمع وفرقة وطي ونشر لا يقر على آن تمتعت منه بانبساط وبهجة ورائع حسن من لياليه فتان ليال سقتنا صفوها ونظامنا كواكب أصحاب وأقمار اخوان لدن سعدت أيامنا بمليندة أجر بافريقية الشرق أرداني لعاصمة ترفض نبلاً جباهها وتهفو بها البشرى لعرف وعرفان أفاد البلاد الفضل أدنى فصولها وأبهجت القاصي وأسعدت الداني
(1) أبو مسلم البهلاني، ديوان. (1/169)
صفحة 155
170
شخصيات عُمانية
بها من رجالي هصبة يمنية طوال الأيادي من ذوائب قحطان هم القوم لا يشقى جليسهم بهم صنائعهم في الدهر كالفلق الثاني في ذلك المناخ وفي تلك البيئة نمت مواهبه وتقتقت قريحته وسال يراعه فكان قاضياً بل رئيس القضاة ومفتياً ومدرساً ومؤلفاً محققاً وشاعراً مبدعاً.
فقد نظم القريض وألف في الفقه والعقيدة والسيرة النبوية وأنشأ جريدة النجاح التي كانت نافذته الواسعة التي يطل منها على العالم الخارجي أخذاً
وعطاء وافادة واستفادة.
وعاش على تلك الحال الجميلة حتى وافته المنية في الثاني من شهر صفر 1339 هـ ـ 1919 م، تلكم كانت حياته طفلاً يافعاً وشباباً وشيباً، علماً وعملاً. فمن هم شيوخه وهل كان له تلاميذ؟
شيوخه وتلاميذه
حامل العلم لابد أن يكون متلقياً ومؤدياً، فالتلقي والأداء أمران ضروريان للعالم ولحامل العلم، فلابد من أن يكون له شيوخ يتلقى عنهم فنون العلم والمعرفة كما أنه لابد من أن يكون له طلبة يؤدي إليهم ما حمله من علم ومعرف
معرفة.
شيوخ أخذ ما أخذ من علم وقد
عنهم
ومما لا شك فيه أن أبا مسلم كان له شي جرت العادة أن يتعلم الناشئ أول شيء في حياته قراءة القرآن الكريم وهذه عادة إسلامية عامة في جميع البلدان الإسلامية وإذا كان الأمر كذلك فإن أبا مسلم تعلم القرآن على يدي معلم القرآن في بلدة محرم. أما علوم اللغة العربية وعلوم الشريعة من عقيدة وفقه وغير ذلك فيبدو أنه أخذ شيئاً من ذلك عن والده الشيخ سالم بن عديم فقد كان والده على درجة (1/170)
صفحة 156
11 ـ أبو مسلم البهلاني الرواحي
171
العلم والمعرفة حيث عمل قاضياً في عُمان وزنجبار، كما حمل العلم عن الشيخ محمد بن سليم الرواحي الذي كان يقوم بالتدريس في مسجد بقرية السيح بوادي محرم أما تلاميذه فكانوا في زنجبار فهناك نضجت مداركه وتفتحت مواهبه وأبرز من أخذ عنه العلم لغة وفقهاً وعقيدة وأدباً:
1 - الشيخ سالم بن محمد الرواحي.
2 - الشيخ عبد الرحمن بن محمد الرواحي.
الشيخ سالم بن سعيد الحبيشي.
_ {
الشيخ. برهان
بن مكلا القمري.
_0
الشيخ سالم بن سليمان البهلاني (ابن أخيه).
6 - مهنا بن ناصر بن سالم البهلاني (ولده).
وقد وقفت على كلام للشيخ برهان القمري قاله في حق شيخه وأستاذه أبي مسلم أحببت أن أثبته في هذا البحث حيث يقول:
«لقد طلبت أنا وزملائي من المرحوم العلّامة القاضي ناصر بن سالم بن عديم الرواحي في الأيام التي كنا نتلقى منه الدروس النحوية أن ينظم لنا أنواع المبنيات في بيت وذلك عندما وصل درسنا إليها ولم يكن في حافظتنا ضابط يضبطها لنا، فتفضل علينا المرحوم بنظمها فنظمها في بيت واحد أثناء الدرس - رحمه الله تعالى رحمة واسعة ـ والبيت هو:
واضمر بشرط واشر مستفهماً وصل وكاسم الفعل للبنا انتمى ولإستحساني لهذا البيت وكونه من الفوائد التي ظفرت بها أيام تعلمي رأيت من الواجب علي أن أدرجه في هذا الكتاب لأنه مما أجاد به المرحوم الذي كان (1/171)
صفحة 157
172
شخصيات عُمانية
أحد أساتذتي في علوم العربية، فجزاه الله عني خير الجزاء في دار الجنان)). تلكم كانت حاله من أشياخه وتلاميذه فما هو سلوكه في المجتمع؟
سلوكه
الإنسان في طبعه مركب من فكر وسلوك، فالفكر يوجه الإنسان في سلوكه ليكون السلوك مترجماً عن ذلك الفكر، وبقدر ما يحمل الإنسان من فكر يكون السلوك مترجماً له، وإذا كنا قد تعرفنا على فكر أبي مسلم من بعض ملامح حياته وعلميته، وما تحلى به من علم غزير في مختلف فنون العلم الشرعية والأدبية واللغوية، وما واكب ذلك من أصيل إنتماء وعراقة حسب وسمو شرف لأسرة اتسمت بالعلم والفضل والخلق والمسئولية.
فإنه لابد إلا أن يتكون من ذلك فكر نير مستنير يحمل صاحبه ويوجهه إلى الخلق الكريم والسلوك الحسن القويم.
حيث
مجتمعه
ذلكم السلوك الذي دفع بأبي مسلم إلى أن يكون عضواً فاعلاً في. أنه كان اجتماعياً إلى حد كبير فهو يشارك أحبابه وأصحابه في مناسباتهم وأفراحهم وأتراحهم .. فنجده مواصلاً وزائراً ومعاتباً على التقصير الذي يقابل به من بعض أولئك الأصدقاء والأخلاء، كما كان حريصاً على الإجتماع بالناس ولا يترك الفرصة تفوته عن تلك الإجتماعات العلمية والأدبية والإجتماعية لأنه يرى في الإجتماع تأثيراً روحياً له فاعليته في النفوس وفي القلوب وسعادة وابتهاجاً، ففي الإجتماع تقتنص الحكم وتكتسب ويرقى إلى الكمال، وبالإجتماع يستفيد الإنسان علوماً شتى منقولة ومعقولة فيكون غرس العقول بالإجتماع لا بالإنفراد والانزواء والإنطواء فانفراد الإنسان بنفسه دون مجتمعه
(1) برهان بن مكلا القمري الألفية الواضحة، ص 11. (1/172)
صفحة 158
11 - أبو مسلم البهلاني الرواحي
173
وانعزاله عن حياة الأصحاب، أهل العلم والأدب والثقافة والفضل لا يفيده
ذلك شيئاً فهو يقول:
العقول
إن للاجتماع روحاً لطيفاً فاعلاً في النفوس كل جميل قلما يكسب انفرادك فضلاً ومع الإجتماع غرس أدب حكمة كمال دعاء واقتناص المنقول والمعقول
ويصور
لنا شيئاً أو نماذج من تلك المناسبات الإجتماعية التي كانت تزهو بها الحياة في زنجبار، حيث يصور لنا مجالس الأنس هناك بقوله مذيلاً على
بيت شعري يقول:
إذا حرم
الله
فقال أبو مسلم:
المدام فإنه أتى ذلك التحريم من حكمة الله
وقام شراب الشاي عنها خليفة على عالم الأرواح كالآمر الناهي له الفضل في لون وريح ولذة وقل فيه ما قد شئت من جانب الجاه ذؤاب من الياقوت في وسط كوكب به فرج المهموم بل متعة اللاهي
لأفواه
إذا صففت أكوابه وسط مجلس رأيت نجوم الزهر تهوي أرى كل ما تحوي مجالس أنسنا جنوداً لدفع الهم سلطانها الشاهي
ففي هذه الأبيات تصوير للحياة الإجتماعية التي كان يعيشها أهل زنجبار وعاشها معهم أبو مسلم وشاركهم أنسها ونعيمها فليست هذه الأبيات مقصورة
على وصف الشاي المشروب العالمي المعروف أو كيفية احتسائه فقط.
وكان تواقاً إلى حضور الأمسيات الجميلة التي تطرح فيها القضايا الأدبية، وتقتطف فيه ثمار الأدب وتجتنى فيها أزهاره فيصف تلك الليالي المؤنسة الجميلة:
رعي
الله ليلة أنس جلت بهاء وحسنا كبدر التمام (1/173)
صفحة 159
174
شخصيات عُمانية
فكانت لنا غرة في الزمان وكانت على صورة كالوسام من الأدب الغض أجني بها زهوراً سقاها نمير الغمام أطارح فيها كما أشتهي كرام السراة سراة الكلام إلى أن يقول:
تذكرت ما بيننا قد مضى وليس بعيش سعيد دوام فلا زال ناديكم ناعماً من السعد في نظرة وابتسام
فيا ليلة الوصل دومي لنا فأنت السلام عليك السلام
(1)
كما أنه كان يتخذ من شعره وسيلة للتعبير عما تكنه نفسه من مشاعر الود
والصفاء والتهاني تجاه اخوانه وأخلائه وأصفيائه، يقول في الشيخ محمد بن جمعة المغيري وقصره المشيد:
ألا أنعم أيها القصر المشيد ودامت في نواديك السعود ودام علاك ممدوداً بنعمي زمانك كله زمن جديد تحف بك اللطائف والتهاني رياض الأنس والعيش الرغيد لنعم القصر منبع كل فضل لأن قطينة الشيخ العميد محمد بن جمعة ذو المعالي نبيل زانه کرم وجود كان جبينه قمر وكلتا يديه سحابتان إذا يجود قدم في روضة النعمى ملياً بسعد لا يزول ولا.
(2)
وكان كثيراً ما يزور الأصحاب والأصدقاء، فقد زار مرة صديقه
أبا الحارث الشيخ الأديب محمد بن علي بن خميس البرواني صاحب
مقامات أبي الحارث.
(1) ديوان أبي مسلم.
(2) سعيد بن المغيري جهينة الأخبار، ص 346. (1/174)
صفحة 160
11 ـ أبو مسلم البهلاني الرواحي
175
وحدثت له قصة ظريفة ذكرها في قصيدة له يقول فيها: أبا الحارث اسمع حديثاً جرى على قصة راق اعجابها تشوقت يوماً للقياكم كذا يجذب النفس أحبابها فسرت أنص إلى بابكم وقد أرهقق النفس أتعابها ولما حللت بدار المزور ومن عادة الدار ترحابها إذا نحن بالباب زنجبة تقض الشياطين أنيابها فقلنا لها أبلغي أمرنا فقالت مقابرکم بابها إلى أن قال بعد أن ذكر طول وقوفه وانتظاره وما شاهده أثناء ذلك ثم
رجوعه.
وأظللت داري إلى أن بدت رسوم حوتهن أعتابها وألفيت ذريتي كلها لطول المدى شاب أعقابها وألفيت كتبي محشورة فقيل بنو الفار تنتابها فهذا أبا الحارث المنتهى لأعجوبة طال أغرابها فکل بلايا أبي مسلم عليك ونومك أسبابها (1) إن هذا التوجه الإجتماعي الراقي لدى أبي مسلم جعل منه رجلاً جواداً سمحاً كريماً منفاقاً للمال لا يبالي آخذاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لبلال «أنفق ولا تخش من ذي العرش إملاقا» لقد أكرمه سلاطين زنجبار وساداتها, وأغدقوا عليه من العطاء جزيلاً ومن العطف جليلاً, تقديراً لمقامه واستئهالاً لحقه حتى ظن بعض أولئك السلاطين أن أبا مسلم قد تأثل أموالاً جزيلة بعمان، ولكن سرعان ما انكشف الحال وبان الواقع بأنه كان ينفق تلك الأموال في مستحقيها فهو كما كان يأخذها من حلها ينفقها في محلها - إن شاء الله ـ بل إنه كان أحياناً
(1) ديوان أبي مسلم. (1/175)
صفحة 161
176
شخصيات عُمانية
تضطره الظروف وتجبره المتطلبات إلى الإقتراض والاستدانة من أهل الخير والإحسان والمعروف فقد ذهب ذات مرة إلى زميله الشيخ راشد بن سليم الغيثي لاستقراض بعض المال، وقال في بيتين:
أتيتك لما أجدب الربع عانيا كذاك غيوث الله في الجدب تقصد ففرج رعاك الله هماً ألم بـ كان سعيراً في الجوانح توقد
بي
وبعد أن تعرفنا على سلوكه اجتماعاً وكرماً وتواضعاً فما هي المدرسة التي
ينتمي إليها؟
المدرسة التي ينتمي إليها:
ينتمي أبو مسلم في توجهه الفكري إلى المدرسة الجاعدية أو البونبهانية إذا جاز لنا أن نسميها بذلك ـ وهذه المدرسة صاحب فكرها العلّامة الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي نه وتقوم معالم هذه
المدرسة على:
1 - عمق التأمل في الوجود.
2 - التعمق في علم الكلام والفلسفة والمنطق.
3 ـ الخلوة.
4 - كثرة الأوراد.
وعلى العموم فإن عليها مسحة صوفية فقد كانت متأثرة ببعض التوجهات التصوفية من خلال المعالم التي ذكرناها .. بيد أنها لم تتبن التصوف من حيث الطرق والطقوس والتجمعات وغير ذلك من الأمور المتبعة عند الصوفية، وإنما أخذت الخلوة الإنفرادية واستعمال الأوراد. (1/176)
صفحة 162
11 ـ أبو مسلم البهلاني الرواحي
177
حتى أن الإباضية لم يطلقوا على ذلك التوجه اسم التصوف بل أطلقوا
عليه السلوك، فالشعر الذي تكون فيه نزعة صوفية يسمونه شعر السلوك. وبعد وفاة أبي نبهان حمل ابنه الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي رحم الله فكر تلك المدرسة، ثم جاء بعده العلّامة الكبير الشيخ سعيد بن خلفان الخليليه فرفع لواءها وأعلى من شأنها نظراً لمقدرته الأدبية والشعرية الفائقة وأسلوبه البياني الرفيع إضافة إلى تعمقه في علوم الشريعة، فسال يراعه بذلك التوجه أو السلوك نثراً، وهاجت به قريحته نظماً. وقلائد القريض، وتبعه على ذلك النهج ابنه الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي رحم الله وصار لهذا التوجه أو السلوك شأن وأي شأن في الأوساط العلمية والدينية في عُمان.
عبر غرر القصيد
وقد تأثر أبو مسلم الان بهذا التوجه مقلداً في ذلك الشيخ العالم الرباني سعيد بن خلفان الخليلي مترسماً منهجه متتبعاً خطاه اعجاباً بذلك القطب الرباني يدلنا على ذلك ما دبجه من كلام بين يدي تخميسه للقصيدة الموسومة بسموط الثناء للشيخ الخليلي حيث قال «لم يتصل بي كيفية تبتل سيدي القطب الخليلي ـ قدس الله سره ـ بدعوته سموط الثناء إلا ماذكره صاحبها الشيخ جمعة بن خصيف رحم الله من كون القطب كان يرتلها آناء الليل واطراف النهار, وطوراً ينور بها سدفة السحر، وتارة يصمي بها رابعة النهار، حتى خرقت له عوائد التمكين، وفتح الله له بها الفتح المبين، ولما منّ الله علي بتخميسها متعرضاً لبركات ذلك القطب واستمداداً للفتح من: نفثاته، لامباراة لكلامه فإن كلامه وهبي لا يبلغ شأوه مثلي حتى يقتحم الضالع الجبل الأملس، أو يصعد بغاث كسير الجناح إلى الفلك الأطلس، ولكني امرؤ حالفت خدمة الأذكار، وأشربت حب الإغتراف من بحار الأسرار، وعلمت أن لهذه الدعوة أثراً ساطعاً وبرهاناً قاطعاً، أشهر من الشمس في كبد السماء وأغزر من بركة من (1/177)
صفحة 163
178
شخصيات عُمانية
عيالم الدماء، فاستمسكت بعروتها وأخذتها، وجعلتها مع التخميس لرب العزة نداء ولبست لها من أديم السحر رداء) وليس الأمر مصادفة».
إذن كان مصادفة فهو من باب حسن الصدف - كما يعبر عنه ـ أن تكون خاتمة حياة العلّامة أبي مسلم وآخر عهده بالدنيا هي تخميسه «ثمرات المعارف» للقصيدة الميمية للعلّامة المحقق الخليلي أيضاً وهي في فن السلوك «التصوف» كدليل على الإرتباط الروحي الذي يربط الإمامين العالمين المبدعين فقد كان تخميسه لها قبل وفاته بثلاثة أيام فقط والقصيدة الميمية التي للشيخ الخليلي مطلعها:
تقدم إلى باب الكريم مقدماً له منك نفساً قبل أن تتقدما
أما مطلع التخميس فهو:
هو الله فأعرفه ودع فيه من وما دعاك ولم يترك طريقك مظلماً عن الحق نحو الخلق يدفعك العمى تقدم إلى باب الكريم مقدماً له منك نفساً قبل أن تتقدما
أما
سموط الثناء فمطلعها:
سموط ثناء في سموط فريد بكل لسان قد بثثن وجيد
والتخميس مطلعه
أوجه باسم الله وجه شهودي لعز جلال الله رب وجودي تسابيح إخلاصي له وصمودي سموط ثناء في سموط فريد
بكل لسان قد بثثن وج
(2)
(1) ديوان أبي مسلم (مخطوط). (2) ديوان أبي مسلم. (1/178)
صفحة 164
11 ـ أبو مسلم البهلاني الرواحي
179
على أن الشيخ أبا مسلم تعمق في التوجه السلوكي (التصوفي) وتوغل فيه إلى حد المبالغة أحياناً، وسخر له موهبته الفذة وقدراته الإبداعية الهائلة، ووظفها لإبراز مكنونات هذا التوجه السلوكي شعراً أو نثراً بما لم يسبقه إليه فيه سابق، ولعله لم يلحقه لاحق فألف فيه الرسائل الجامعة، ونظم فيه القصائد المطولة الرائعة، على أنه لابد من القول بأن هذا التوجه قد خفت حدته وقل شأنه بظهور المدرسة السالمية (1) بقيادة وريادة الإمام نور الدين السالمي الذي استطاع بما أوتي من نبوغ فائق وملكة علمية وفكرية أن يؤسس مدرسة فكرية أخرى لها ملامحها ومعالمها، تلك الملامح والمعالم القائمة على الكتاب والسنة نصاً وظاهراً والرجوع إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم والأسلاف والأوائل، فقد قال: «ثم إن الطلسمات حتى أن بعضهم جعلها نوعاً من السحر، ولا أقول فيها شيئاً لكثرة استعمال متأخري أصحابنا لها فلو لم يظهر لهم جوازها ما فعلوها غير أني أقول إنها مبتدعة قطعاً، لأن السيرة النبوية والطريقة الصحابية خالية منها، وكذلك من بعدهم التابعين بإحسان والله أعلم بحالها، ولعل أصلها أخذ من اليهود فإنهم معروفون بذلك في سالف الزمان، وقد أغنانا الله عن علومهم بالعلم الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه ولعل رجلاً يسمع هذا فيقول:
كالثعلب النازي إلى عنقوده إن لم ينله قال هذا حامض
فلا والله ما عدلت عنه لذلك مع أني معترف بجهلي، لكن رغبة عنه وعدولاً إلى السيرة المطهرة على أن نفعه دنيوي قطعاً ويكفيك منه ذلك
فاستدل بفرعه عن أصله (2)».
(1) وليس معنى هذا أن هناك فرقاً جوهرياً بين المدرستين البونبهانية والسالمية، وإنما هو بعض التوجهات، وكلتاهما تستمد مفهومها من الكتاب والسنة.
(2) السالمي) العقد الثمين، ج 1، ص 50. (1/179)
صفحة 165
180
شخصيات عُمانية
وقال في جواب له عن معنى الحديث: «من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه».
من يروي
«وليس معنى الحديث كما تأوله أهل الرياضات حيث صرفوه إلى الخلوة أربعين يوماً، فإن ذلك تأويل للحديث على غير وجه، مع أن الخلوة لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، أما أنه كان يتعبد الليالي المعدودة في حراء فذلك قبل بعثته، وإذا ثبت عنه بعد البعثة فذلك قبل استقرار الشريعة فلا دليل فيه، ومن المحال أن ينال العلم بالخلوة، لأن علوم الإسلام سمعية منقولة عن الشارع، وقد انسد باب الوحي فلا يمكن أخذها إلا عن الأشياخ شفاهاً أو من آثارهم الصحيحة. وهكذا شاء الله - تعالى - أن تملأ المدرسة السالمية الساحة الفكرية في عُمان بهذه المفاهيم الواضحة الظاهرة الأصيلة ولا تزال آثارها باقية ومستمرة حتى يومنا هذا، (ألا رحم الله أؤلئك الأئمة الأعلام والسادة العظام ورضي عنهم وأثابهم دار الجنان على ما قدموه من خدمات جلى للإسلام وأهله
وللعلم وذيه).
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين،،،
الله
(1) نفس المصدر. (1/180)
صفحة 166
1122
الشيخ خلفان بن جميل السيابي وزهده (1)
(1) قدم هذا البحث إلى ندوة قراءات في فكر الشيخ خلفان بن جميل السيابي» التي أقامها المنتدى الأدبي بتاريخ 5 مايو 1992 م. (1/181)
صفحة 167
12 - الشيخ خلفان بن جميل السيابي وزهده
183
بسم الله الرحمن الرحيم
نبذة مختصرة من حياته
كان مولده سنة ألف وثلاثمائة وثمان (1308) للهجرة في بلدة سيماء من
6
أعمال ولاية إزكي وتوفي عنه والده وهو لا يزال في مرحلة الطفولة البريئة. وكان والده قد انتقل من بلدة سيماء إلى سمائل ومعه ولده المترجم له. وهناك في سمائل عاش يتيماً بيد أنه اشتغل في طلب العلم وأكب على الحصول على أخذ المعلومات وصارت له رغبة جامحة في دراسة العلوم فلازم العلامة الجليل الزاهد الشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي. لأخذ العلم عنه. وجد الشيخ واجتهد في تحصيل العلوم حتى بلغ منزلة عالية من علماً في العلماء. فأوكل إليه الإمام سالم بن راشد الخروصي مهمة الأوقاف في بلدة سيماء وقام بذلك خير قيام وفق ما يقتضيه الشرع. ثم عينه الإمام المذكور مدرساً في بلدة نخل وهناك استفاد منه عدد من الناس.
ذلك. وصار
وبعد ذلك عينه الإمام محمد بن عبد الله الخليلي قاضياً على ولاية الرستاق. ثم عمل قاضياً على مطرح في عهد السلطان تيمور بن فيصل، كما
استقضاه السلطان سعيد بن تيمور على ولاية صور.
وآخر أعماله الوظيفية في مجال القضاء كان قاضياً على سمائل للإمام محمد بن عبد الله الخليلي. (1/183)
صفحة 168
184
شخصيات عُمانية
ومنذ عام ألف وثلاثمائة وسبعة وستين 1367 هـ تخلى عن الإلتزام بأعمال القضاء حيث تفرغ لنشر العلم تدريساً وتأليفاً وإفتاء.
وسافر إلى زنجبار في شرق إفريقيا سنة 1371 هـ للإطلاع على الأحوال
وفي. سنة 1373 هـ سافر إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج.
وهكذا عاش حياته للعلم ومن أجل العلم. يقول تلميذه الشيخ/ سالم بن حمود السيابي «فإذا زرته لا تجده إلا قارئاً أو كاتباً أو مصلّياً أو باحثاً ولا تجد مجلسه للهو واللعب والخزعبلات والخرافات حتى توفاه الله في 15 من جمادي الثانية 1392 هـ الله رحمه ورضي عنه.
زهده وورعه
قد يتسائل متسائل عن العوامل التي أثرت في حياة الشيخ خلفان بن جميل حتى جعلت حياته متمثلة في سلوك الزهد والورع.
حيث أنه لابد لكل أثر من مؤثر ولابد لكل سلوك من موجه، نقول أن هناك عاملين فيما يبدو، كان لهما أثرهما في حياة الشيخ وسلوكه، هما القدوة والفكر. أما القدوة فقد كانت متمثلة في الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي الذي تتلمذ عليه الشيخ خلفان ولازمه.
ذلك العلامة الزاهد الفاضل الذي يقول فيه أبو مسلم البهلاني: أرتاح فيها إلى خل فيبهرني صدق وقصد ومعروف وإحسان
ويقول فيه:
نظرت أحمد حتى حل مسكنه في
الخلد من حوله حور وولدان
وصار عند أبيه في حظائر قدس الله حظهما فوز ورضوان (1/184)
صفحة 169
12 - الشيخ خلفان بن جميل السيابي وزهده
185
ولا شك أن سلوك ذلك العالم الرباني الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي انعكس على سلوك شيخنا أبي يحيى، فصار التلميذ مقتدياً بشيخه مقتفياً أثره، ودائماً تكون بين التلميذ وشيخه علاقة روحية تربط بينهما سلوكاً وفكراً.
والعامل الثاني الفكر، وهو يتمثل في قراءات الشيخ ومطالعاته، التي من شأنها أن تكوّن الفكر وتؤطره في إطار موضوعها، فما هي القراءات والمطالعات التي تكوّن منها فكر الشيخ خلفان؟ وماهي الكتب التي كان لها أثرها في فكره؟.
يشير إلى شي من ذلك تلميذه الشيخ محمد بن راشد الخصيبي حيث يقول «وقد كان في مبدأ حبّه ورغبته في العلم وطلبه كثيراً ما يقرأ في كتاب إحياء علوم الدين للشيخ العلامة أبي حامد الغزالي وهو الذي هذبه وشحذ أفكاره».
وكتاب إحياء علوم الدين للغزالي حجة الإسلام من الكتب المعتنى بها عند الإباضية عامة، والإباضية أهل عُمان خاصة، فهو سفر مرغوب فيه عندهم نجد أحداً من أهل العلم أو المنتمين إلى العلم، إلا وعنده كتاب إحياء علوم الدين، وتنويهاً بشأنه يقول فيه نور الدين السالمي في:
فقلما
ولم يكن إحياء علوم الدين بجامع لنا علوم الدين نعم حوى كشف عيوب النفس كشفاً بليغاً قد خلا من لبس من ها هنا أثنى عليه الأصل إذ منه داء النفس قد ينحل
لقد كانت ملازمة الشيخ خلفان لهذا الكتاب في بداية حياته التعليمية لها أثرها الفعال في سلوكه في حياته كلها. (1/185)
صفحة 170
186
شخصيات عُمانية
كما سمعت أيضاً من بعض أهل العلم أن الشيخ كان يقرأ كثيراً أيضاً في كتاب قناطر الخيرات للعلامة أبي طاهر الجيطالي.
وكتاب القناطر يصب في نفس المصب الذي يصب فيه كتاب الإحياء، ويسير في نفس الإتجاه.
إن قراءة شيخنا في مثل هذه الكتب لاشك أنها هذبت سلوكه وترقت بأفكاره، إلى مراتب الصالحين ومدارج الزهاد وأهل الورع والعفاف
والفضل.
فما
وإذا كان الشيخ قد عرف بالزهد والورع في حياته وانصب فيهما سلوكه، الزهد؟ وما هو الورع بالنسبة إلى الشيخ خلفان بن جميل قولاً وفعلاً،
هو
فكراً وسلوكاً، وما حقيقة كل منهما؟.
هو ما سنتعرض له في سياق بحثنا أو مقالنا هذا.
أولاً: زهده
الزهد في اللغة ضد رغب، وهو ما يعني ترك الدنيا وعدم الرغبة فيها.
أما الجرجاني فيعرفه بأنه ترك الميل إلى الشيء، وقيل هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة، وقيل هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك، ونقل عن أهل الحقيقة في اصطلاحهم بأنه هو بغض الدنيا والإعراض عنها.
وقد خصص الشيخ المرحوم باباً للزهد وذم الدنيا في الجزء الثاني من كتابه القيم «سلك الدرر الحاوي عرز الأثر تحت عنوان «باب في ذم الدنيا والركون إليها والزهد فيها
وحقيقة الزهد عند الشيخ فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام كل قسم تتميز به فئة (1/186)
صفحة 171
12 - الشيخ خلفان بن جميل السيابي وزهده
187
من الناس فهناك زهد العوام، وهو ترك المحرّمات لأنه واجب على الجميع ولا
يصح
خلافه
والزهد أقسام ثلاثة ورد زهد عن الحرام واجباً يعد وهو زهد للعوام ينسب لأنه على الجميع يحسب أما القسم الثاني من الزهد فهو ترك المباح الحلال خوف الوقوع في الحرام أو المكروه على حد قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب له كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في الحرام، وهذا النوع من الزهد هو زهد الخواص من الناس.
والثاني زهد عن مباح حللا في الشرع لكن تركه قد فضلا مخافة الوقوع في الحرام وهو زهد خاصة الأنام والقسم الثالث من أقسام الزهد الثلاثة هو زهد أهل المعرفة بالله الذين يتركون ما لا بأس به ولا يخشى منه بأس لئلا يشغلهم عن رب الأرباب الخالق العظيم جل جلاله
ثالثها زهد أولى العرفان سموا به لأرفع المكان عن كل مالا يختشي بأس به بل خوف أن يشغله عن ربه
ومن موجبات الزهد أن يكون أمل الإنسان قصيراً في هذه الدنيا وحطامها، لا يعلق الآمال الطويلة عليها، وأن تكون ثقته بالله كبيرة فيما ينزل عليه من ضر، لأن كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس.
من موجبات الزهد تقصير الأمل وثقة بالله فيما قد نزل
وحيث إنه لا بد لكل شي من نتيجة فإن نتيجة هذا السلوك الزاهد أن تهون المصائب على الزهاد، لعلمهم بأن الأشياء بقضاء وقدر، لو أنه ليقينهم (1/187)
صفحة 172
188
شخصيات عُمانية
لو اجتمع الناس على أن يضروهم بشيء لم يضروهم إلا بشيء قد كتبه الله عليهم، ولو اجتمعوا على أن ينفعوهم بشي لم ينفعوهم إلا بشيء قد كتبه الله لهم، رفعت الأقلام وجفت الصحف، كما قال.
إن زهد الإنسان في الدنيا تهن مصائب الدنيا عليه كلهن إذ كل ما قبل الممات لا بعد شيئاً سوى طاعة مولانا الصمد.
وللشيخ خلفان رحم الله مواقف تدل على زهده وإن كانت حياته كلها حياة زهد وتقشف وعفة ـ منها.
تركه القضاء، خشية أن يشغله عن العبادة والعلم طالباً ومطلوباً
ومنها أنه كان يتقاضى مساعدة مادية قليلة من السلطان سعيد بن تيمور واقتنع بها في معيشته مقتصداً ومقتصراً على الضروريات من المعيشة، ولم تغره الدنيا والمناصب.
ومنها ما حدثني به الشيخ سعيد بن. خلف الخروصي وهو من تلاميذه قال: كنا عند الشيخ خلفان فجرى ذكر الأموال واقتنائها، فقال الشيخ عندي المشجوعية وغيل داوود - ضاحيتان من النخيل في سمائل ـ ووالله لا أريد ثالثاً. وقد وقف إحداهما وقفاً لبعض المصالح الإسلامية.
ومنها أيضاً أنه كان له قريب في النسب، وتوفي عن بنت واحدة وكان
خلف
الشيخ يرثه عصبة بإقرار ذلك الشخص نفسه أمام الشيخ سعيد بن الخروصي، إلا أن الشيخ خلفان لم يأخذ الميراث خوفاً من الشك في ذلك. وهكذا نتعرف من خلال هذه المواقف وهي قليلة من كثير ـ إذ حياة الشيخ كلها زهد وفضل - إن زهده كان من القسم الثالث من أقسام الزهد وهو زهد العارفين بالله الذين يتركون ما لا بأس منه. (1/188)
صفحة 173
12 - الشيخ خلفان بن جميل السيابي وزهده
ثانياً: ورعه
189
الورع في اللغة التقوى، وهو التحرج أيضاً.
ويعرفه الجرجاني بأنه اجتناب الشبهات خوفاً من الوقوع في المحرمات،
وقيل هو ملازمة الأعمال الجميلة.
خلفان
هي
كما
وإذا كان الورع. هو التقوى فإن حقيقة التقوى عند الشيخ. أوردها في إرجوزته التي جعلها تتمة أو خاتمة لكتابه القيم فصول الأصول، التي يقول في مقدمتها:
طوبى لعبد يتقي مولاه في سره وجهره يخشاه مؤتمراً بكل ما به أمر مزد جراً عن كل ما عنه زجر
يرضى بماله من الرزق قد استوى البؤس لديه والنعم متجره الفضائل المكتسبه يرقى لها ولو بأعلى عقبه منطقه الصواب حيثما نطق فلا تراه ناطقاً إلا بحق ولا يزال الإقتصاد ملبسه في فقره وفي الغنى لا أنفه يمشي تواضعاً يغض البصرا عن كل ما إلهه قد حجرا قد أوقف الفكرة والسمع على علم الذي يدنيه من رب العلى قد استوى البلاء والرخاء معاً لديه فهما سواء
وإذا كانت حقيقة التقوى هي كما وصفها شيخنا المرحوم، فإن سلوكه منها بمكان مكين، وله العديد من المواقف
أهمها أنه كان لا تأخذه في الحق لومة لائم.
ومنها ما ذكره عنه الشيخ محمد بن راشد الخصيبي أنه لما تولى القضاء في سمائل وأعطى الأحكام شكاه بعض أهلها عند الإمام الخليلي فأجابهم
الإمام
قائلاً أن الشيخ خلفان فيه حدة العلماء، فلا تستنكروا منه ذلك. (1/189)
صفحة 174
190
شخصيات عُمانية
ومنها أنه عندما سافر إلى زنجبار سنة 1371 هـ، ورأى هنالك من الأحوال مالا تسره وخاصةً في الحياة الإجتماعية دفعه ورعه إلى الرجوع إلى عُمان
فقفل عائداً.
وعندما شاهد جبال مسقط ماثلة أمام ناظريه أنشد قائلاً:
أجبال مسقط مرحباً بشرت بالوطن الأجل
لما دنوت لناظري ذهب العناء مع الوجل
ذلك
وقد كان رحم الله لا يجامل شيوخ القبائل وزعماءها على تسلّطهم في الوقت، وقد حدث أن أحد أولئك الزعماء أراد منه تسليم تركة ميراث إلى شخص لم يطمئن إليه الشيخ فأبى من تسليمه خوفاً من وقوع تلك التركة في يد ذلك الزعيم، فأرسلها إلى الإمام الخليلي باعتباره إمام المسلمين، وناله من بذيء الكلام من ذلك الزعيم. ما لا يليق بمقام الشيخ ومكانته. ومن ورعه أنه كان لا يتكلم بفضول الكلام حتى صار السمت والوقار من أن ذلك انقباضاً منه،
صفاته معروفاً بهما، وربما عاتبه بعض إخوانه ظناً.
فأنشد أبيات القاضي الجرجاني التي يقول فيها:
منهم
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما وما كل برق لاح لي يستفزني ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
إلى آخر الأبيات المعروفة عن الجرجاني.
خاتمة
لقد عرفنا واتضح لنا مما آنفاً أن حياة الشيخ العلّامة الجليل خلفان بن
مر
جميل السيابي رحمه الله ورضي
عنه كانت مليئة بالزهد والورع والخوف من (1/190)
صفحة 175
12 - الشيخ خلفان بن جميل السيابي وزهده
191
الله والتقوى، حافلة بالعطاء العلمي والعمل الصالح، وعرفنا أن زهده زهد العارفين بالله وهو أرقى درجات الزهد، وهم الذين يتركون ما لا يأس منه خشية أن يكون فيه شغل عن الله، كما عرفنا ورعه وتقواه، وأنه نتيجة لقوة ورعه لا تأخذه في الحق لومة لائم، ورزق الهيئة والوقار والسمت والرزانة ودللنا ذلك بشيء من مواقفه وصلابته وترفعه فكأنه من الذين عناهم شاعر
على
العرب العلّامة أبو مسلم البهلاني لا الله بقوله، في نونيته المشهورة: سمت الملوك وهدي الأنبياء على أخلاقهم فكأن الموت تيجان تمثلت لهم الدنيا فما جهلوا حقيقة الأمر إن العيش ثعبان
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصحبه (1/191)
صفحة 176
1123
ذكريات وانطباعات
عن الشيخ سالم بن حمود السيابي الله (1)
(1) اقترح علي سعادة رئيس مجلس النادي الثقافي أخونا سالم بن محمد المحروقي وبعض أعضاء الإدارة أن أتحدث بشيء عن الشيخ العلامة سالم بن حمود السيابي، فكانت هذه المداخلة بتاريخ 3 ذي القعدة 1431 هـ /11 أكتوبر 2010 م، مع شيء من
التوسع هنا. (1/193)
صفحة 177
12 - ذكريات وانطباعات
ذكريات وانطباعات
بسم الله الرحمن الرحيم
195
كان تعرفي على الشيخ الوالد سالم بن حمود السيابي، عندما كنت لا أزال صغيراً في بلدي «نفعاء» وهي بلدة تابعة لولاية بدبد، وقد كان يأتي لزيارة الآباء الذين يمتون إليه بصلة الخؤولة، وطبعاً كان ذلك في فترة الستينات من القرن العشرين، وكان يصحبه في تلك الزيارات ولده أخونا الشيخ بدر بن سالم الذي كان يتمنطق محزماً مملوءا بالرمي ويحمل بندقية.
وهكذا عرفت الشيخ العلّامة سالم بن حمود من خلال زياراته المتكررة للآباء، أو لجماعته الأخرين في البلدة «نفعاء».
وفي عام 1970 م وهو العام الذي تولى فيه جلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم أحببت أن ألتحق للدراسة بمسجد الخور بمسقط، وكان الشيخ سالم بن حمود هو الملجأ الذي نلجأ إليه، فجئت إليه مساء في منزله الكائن في محلة العريانة، (العرين حالياً بمطرح، وأخبرته عن رغبتي في الدراسة بمسجد الخور، فأخذ يسألني عن بعض المسائل، وكنت أجيبه عليها نظراً إلى معرفتي البسيطة ببعض المبادئ العلمية نتيجة مطالعاتي في بعض الكتب، ودراستي على يد الشيخ الدكتور صالح بن أحمد الصوافي الذي جاء إلى «نفعاء» للتدريس بطلب من أهلها، وقد لبث المذكور بضعة أشهر في «نفعاء»، قام خلالها بتدريس عدد من الطلبة، وكنت واحداً منهم، وبعد أن استمع الشيخ سالم إلى إجاباتي علق
قائلاً «بواد غير ذي زرع وأظنه كان يقصد أنني جئت من بيئة غير علمية. (1/195)
صفحة 178
196
شخصيات عُمانية
في
وفي اليوم التالي بعثني مع ابنه أخينا الشيخ هلال بن سالم وزودنا بخطاب إلى سماحة الشيخ أ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة الذي كان مدرساً بمسجد الخور آنذاك، بل يعتبر المدرس الأول فيه، ثم حولنا الشيخ الخليلي إلى وزير المعارف الشيخ سعود بن علي الخليلي آنذاك، وقد يسر الله، فالتحقت بالدراسة في مسجد الخور، وبقيت أزوره بصفة مستمرة، وأذكر أني زرته في بعض المرات بعد صلاة المغرب، ودائماً كانت زياراتي له هذا الوقت، ووجدته يستعد للذهاب لزيارة الشيخ العلامة الرضي خلفان بن جميل السيابي الذي جاء يقضي شتاء سنة 1970 م، هروباً من برد سمائل القارص، وكان نزوله في بيت والي مطرح بجوار مكتب والي مطرح وكان الشيخ سالم قد أعد قهوة ومعها الفوالة (باللغة العُمانية) من التمر والحلوى فساعدته في حملها، حيث حملت عنه الفوالة وحمل هو دلة القهوة، وتوجهنا إلى حيث الشيخ خلفان، ووجدناه يقرأ احدى السور القرآنية الطوال فقطع الشيخ خلفان القراءة ورحب بالشيخ سالم، وطلب من الشيخ سالم إتمام قراءة السورة لكن الشيخ سالم اعتذر فأكمل الشيخ خلفان القراءة ثم دارت القهوة وكنا نحن الثلاثة فقط.
وفي عام 1971 م انتقلت للسكنى في مطرح وصرت أزور الشيخ سالم يومياً بعد صلاة المغرب، وأقضي عنده الجزء الأول من الليل، وكنت أحياناً أكتب له بعض مؤلفاته، فقد كان يملي علي، ولكني لا أذكر اسم الكتاب وأظنه في التاريخ ولعله كتاب عُمان عبر التاريخ لأنه تتخلل الإملاء عبارات مثل، الله الأمر من قبل ومن بعد، وغيرها من العبارات التي فيها العبرة والإعتبار، ومثل هذه العبارات في الغالب تكون في كتب التاريخ.
وفي عام 1973 م في آخر هذا العام ألتحقت بالسلك الوظيفي، غير أنني بقيت على اتصال بالشيخ سالم وإن كان بصورة أقل، ثم انتقل الشيخ إلى (1/196)
صفحة 179
197
13 - ذكريات وانطباعات
منزل آخر في نفس محلة العريانة «العرين»، ثم انتقل في آخر السبعينيات من القرن العشرين إلى منطقة الوشل بمطرح التي ظل يقطنها إلى أن انتقل إلى ربه بتاريخ 1993/ 12/31 م، وظللت أزوره بين الحين والآخر، ومما لا يزال عالقاً في ذهني، حفظ بيتين من الشعر، وذلك أنه دعاني إلى الإفطار في رمضان عام 1400 هـ ـ 1980 م في منزله بالوشل وعندما ذهبت إليه وبمعيتي أخي حمد بن سعود السيابي الذي توفي بتاريخ 1993/ 9/25 م أي قبل وفاة الشيخ سالم بثلاثة أشهر تقريباً وجدته يقرأ في كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وهو كتاب كبير في تفسير القرآن وكان وصولنا عنده قبيل أذان المغرب، وكان يقرأ سراً، وعندما وصل إلى البيتين الشعريين التاليين بصوت مسموع فحفظتهما وهما يصفان امرأة تبكي زوجها عند
أنشدهما
قبره، والبيتان هما:
قامت تبكيه على قبره من لي بعدك يا عامر تركتني في الدار ذا غربة قد ذلّ من ليس له ناصر
وبعد افتتاح مسجد عبد الرضى سلطان بمنطقة روي كان الشيخ يحضر حلقة العلم التي تعقد فيه يومياً بين صلاتي المغرب والعشاء، وكنت من بين الحضور، وكان الشيخ يتصدر الحلقة متحدثاً في الفقه والأدب والتاريخ والعقيدة وغير ذلك من فنون العلم، وكان حديثه ممتعاً لا يمل.
وعلى العموم فإن الشيخ سالم يعتبر من الناحية الإجتماعية وصولاً بإمتياز ومن الدرجة الأولى، فهو يتواصل مع أقاربه وجماعته وأهل بلده من الرسيل وحتى سمائل، لا ينقطع عنهم، ويتفقد أحوالهم، وقد ترك فراغاً في هذا الجانب كما في جوانب أخرى بعد وفاته.
*** (1/197)
صفحة 180
198
شخصيات عُمانية
كان الشيخ سالم دقيقاً في اختيار غذائه وتناول طعامه، وحريصاً في ذلك حفاظاً على الصحة، ومثله من المعلوم أنهم كانوا يقرأون في كتب الطب لا سيما كتب الطب القديم، وهنا أذكر للشيخ موقفاً يدل على معرفته بالغذاء فائدة ومضرة ذلك الموقف الذي كان في عرفة في حج عام 1399 هـ ـ 1979 م.
عندما كان الشيخ مفتياً في بعثة الحج العُمانية، وكان رئيس البعثة الشيخ سعيد بن حمد الحارثي رحمة الله، وكنت منسقاً للبعثة، وكان طعام الغداء ليوم عرفة يطبخ ليلاً في منى وبعد أداء صلاتي الظهر والعصر جمعاً والإنتهاء من خطبة عرفة ودعائها، تم تناول طعام الغداء، وتحلق الحاضرون حول الطعام المكون من الأرز واللحم، هنالك لاحظت الشيخ ممسكاً بكتاب شرح النيل للإمام محمد بن يوسف أطفيش ـ الذي يعتبر من أهم المراجع الفقهية عند الإباضية، وحقه أن يعتبر مرجعاً لجمع المذاهب الإسلامية - لم يقرب من الطعام، وعندما رأيته كذلك أمسكت أنا أيضاً عن تناول الطعام بعد أن كنت قد تناولت شيئاً قليلاً منه، وما هو إلا وقت يسير حدث التسمم لأولئك الناس الذين أكلوا من ذلك الطعام، ثم نقلوا إلى المستشفيات في عرفة، وباتوا فيها ليلة مزدلفة أو أنهم نقلوا إلى مزدلفة ليلاً، كما. هو المألوف، المهم أننا ألتقينا جميعاً في منى صباح اليوم العاشر من ذي الحجة، على أن الغداء المذكور كان مخصصاً للوفد الإداري للبعثة ومن معهم من ضيوف البعثة.
حتى
أما الوفد الطبي فقد كان غداؤه مستقلاً، ولم يتأثر أعضاؤه بذلك التسمم، أما أنا فقد أصابني شيء قليل من ذلك التسمم على مقدار الطعام الذي تناولته، فكافحته بتناول الحمضيات. (1/198)
صفحة 181
13 - ذكريات وانطباعات
199
هنالك علّق الشيخ سالم قائلاً إن هذا الأكل أو الطعام لا يصلح للأكل لأن اللحم بارد، وقد طبخ البارحة، واللحم لا يؤكل بارداً.
وكلام الشيخ ينطلق من القاعدة الطبية القائلة، ما انضجته النار يؤكل حاراً، وما انضجته الشمس يؤكل بارداً.
كما أن الشيخ لا يتناول الماء شرباً بجانب تناول الطعام، وهذا أيضاً
لأنه
منسوب إلى شيخ الأطباء ابن سيناء الذي قال، لا يدخل الماء على الطعام يفسده، أما الطب الحديث فلا يمانع من ذلك حسبما سمعنا من الأطباء، والذي أعرفه عن الشيخ أنه يعتني بطعامه وغذائه ويختاره وفق قراءاته لمقررات الطب القديم.
**
كان الشيخ سالم صريحاً وجريئاً فيما يقول ويفعل، وله مواقف عديدة في ذلك، أكتفي بذكر موقف واحد لأهميته، ولأنه بحاجة إلى التوثيق، كما أن المواقف الأخرى أو بعضها على الأقل تثير شيئاً من الحساسية، هذا الموقف الذي أذكره هنا، هو أنه في عام 1978 م نظم مكتب الدعوة والإرشاد السعودي بالسلطنة بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (آنذاك) بالسلطنة زيارة لوفد من العلماء العُمانيين إلى المملكة العربية السعودية، إباضية وسنة، وكان في الوفد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، وفضيلة الشيخ سعيد بن حمد الحارثي مدير الشؤون الإسلامية آنذاك، وآخرون، وكنت بمعيتهم، ورتبت للوفد زيارات إلى العاصمة الرياض، والمنطقة الشرقية، والمدينة المنورة، ومكة المكرمة.
وعندما كان الوفد في الرياض رتبت له زيارة إلى مجلس القضاء الأعلى، وكان رئيسه الشيخ العلّامة عبد الله بن محمد بن حميد، والد الشيخ الدكتور (1/199)
صفحة 182
200
شخصيات عُمانية
صالح بن عبد الله بن حميد الرئيس الحالي لمجلس القضاء الأعلى والإمام في الحرم المكي الشريف.
وجلس الشيخ ابن حميد والشيخ سالم جنباً إلى جنب بحضور عدد من القضاة في المملكة العربية السعودية، وأظنهم من منتسبي مجلس القضاء الأعلى، والوفد العُماني بالطبع، هنالك قال الشيخ ابن حميد للشيخ سالم: لم تصلنا كتبكم، فأجابه الشيخ سالم على الفور قائلاً: الطريق بيننا وبينكم غير معبد، وكان الشيخ يعني أن الكتب الإباضية ممنوعة من الدخول إلى المملكة العربية السعودية، ولكن الظاهر أن الشيخ ابن حميد لم يفطن إلى مغزى كلام الشيخ سالم، فقال له ثانية فلتكن عن طريق الجو، قال له الشيخ سالم: لا أجنحة لها فتطير.
لذلك أما المشايخ القضاة السعوديون فقد فطنوا لما يعنيه الشيخ سالم،
بعد الخروج من مكان اللقاء بادره بعضهم ممازحاً ومردداً لكلامه.
لكنه ـ أي الشيخ سالم ـ مع صراحته وجرأته فهو ممازح ومداعب وذو نكتة في حدود المسموح به شرعاً، كما أنه لطيف، والكثير من الناس يأنسون إليه.
ذكرت له شخصاً ما قال لسماحة الشيخ المفتي العام للسلطنة أحمد بن حمد الخليلي أبقاه الله، عندما كان سماحته يذكر الخلاف في إنشاء الإحرام بالعمرة من جده لمن يلبث بها، فقال ذلك الشخص وهو بعيد عن الوسط العلمي والديني، لا مانع من ذلك لأنه هو قد أحرم بالعمرة من جده، وعندما ذكرت ذلك الشخص وقوله للشيخ سالم قال وهو يبتسم كفى به حجة، وهو
ذم في صورة المدح، وهو أسلوب معروف في الكلام العربي. (1/200)
صفحة 183
13 - ذكريات وانطباعات
201
عندما يركب
عرفت الشيخ سالم بن حمود قارئاً نهماً للقراءة، وكاتباً مؤلفاً لا يمل من الكتابة، لذلك كانت مؤلفاته كثيرة ومتنوعة أذكر أنني ما زرته مرة من المرات إلا ووجدته إما قارئاً أو كاتباً، وشاهدته وشاهده غيري أنه حتى. السيارة فهو يقرأ أو يكتب أحياناً، ويفضل الركوب في المقعد الخلفي للسيارة لكي يتمكن من القراءة أو الكتابة.
وقد وهبه الله صحة جيدة أعانته على ذلك بتوفيق الله تعالى، وكان يتمتع بقوة في البصر، وقد أخبرني بعض الناس الذين كانوا يطالعونه أنه كان في مراحل حياته الأولى والوسطى يقرأ ويكتب في ضوء القمر.
ومن المناسب هنا أن أجيب عن بعض التساؤل عن الخريطة الزمانية لمؤلفاته، فأقول: إن مؤلفاته كثيرة ومتنوعة، وحسب ملاحظتي من خلال ما كنت أسمعه منه في هذا الجانب: أن مؤلفاته الأولى كانت تتمثل في ملخصات الكتب المطولة وتأليف الكتب المختصرة، ثم شرع في التأليف الفقهي كمرحلة وسط من حياته، وفي الثلاثين السنة الأخيرة من حياته أرى أنه كرسها في تأليف كتب التاريخ، ككتاب عُمان عبر ا التاريخ، وكتب في تاريخ المذهب الإباضي مثل طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، وإزلة الوعثاء عن أتباع الشعثاء، وكتاب هدى الفاروق في القضاء وتاريخه، وكتاب في الخيل عن صفاتها وتاريخها، والعنوان في تاريخ عُمان، وإسعاف الأعيان في أنساب أهل عُمان، ورعاية الأحساب في الأنساب، وغيرها من الكتب.
أبي
علماً بأن للشيخ سالم أفكاراً ورؤى تحليلية لبعض حلقات التاريخ العُماني السياسي والإجتماعي، وهي في نظري تحليلات صادقة، ولكن من الصعب ذكرها، أو على الأقل من غير السهل ذكرها، لأنها ربما لا يتحملها من تتوجه إليهم أو إلى أسلافهم تلك التحليلات والتي ربما يعتبرونها نقداً لهم. (1/201)
صفحة 184
202
شخصيات عُمانية
هذا ما أردت ذكره عن الشيخ الوالد العلّامة المؤرخ سالم بن حمود السيابي الله كذكريات وانطباعات كانت حصيلة علاقة فترة من الزمن لحوالي ثلاثين سنة، وهي علاقة الابن بوالده، والتلميذ بشيخه.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى النادي الثقافي رئاسة وإدارة، على دعوتهم لي بالحضور أولاً، وبهذه المداخلة ثانياً، وعلى النشاطات الثقافية المتواصلة، والتي ولا شك أحدثت حراكاً ثقافياً في الساحة
العُمانية.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/202)
صفحة 185
المراسي
1 - المواقف التاريخية للإمام جابر بن زيد
مقدمة ..........
الإمام جابر بن زيد (نبذة تاريخية.
امتناعه عن معاونة الظلمة
الموقف الأول مع الحجاج بن يوسف.
الموقف الثاني: مع الحكم بن أيوب ...........
حرصه على أداء
الحج.
صراحته مع الحجاج بن يوسف.
قتل خردلة ..............
نفيه إلى عُمان
...
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المراجع.
2 ـ أبو حمزة الشاري نشأته ودرا
استه
مقدمة.
أبو حمزة الشاري .. نشأته
ودراسته (1/203)
صفحة 186
شخصيات عُمانية
204
القسم الأول: أبو حمزة في مرحلة النشأة. أولاً: نبذة جغرافية عن عُمان.
أ ـ التعريف بعمان
ب ـ صحار
ج - مجز
ثانياً: وجود العرب في
أ ـ القحطانيون ..
مالك.
عُمان
بن فهم الأزدي. ب ـ مجيء
ج - قبيلة بني سليمة.
د ـ أبو حمزة الشاري ثالثاً: أسلام أهل عُمان ... أ ـ دخول الإسلام إلى عُمان ب - انتشار الإسلام في عُمان. ج - بداية دراسة أبي حمزة.
القسم الثاني: أبو حمزة في مرحلة الدراسة في البصرة.
أولاً في البصرة ..
أ ـ البصرة / الموقع والتاريخ.
ب - العلاقة بين عُمان والبصرة. ثانياً: مدرسة الإمام أبي عبيدة.
ثالثاً: ملامح من حياة أبي حمزة أثناء الدراسة. أ ـ أبو حمزة يعيش على الكفاف.
ب ـ التدريب على الخطابة.
ج - الحرص على الدفاع عن الإسلام. د - القوي الأمين.
و - ملازمة العبادة. (1/204)
صفحة 187
205
13 - ذكريات وانطباعات
هـ ـ المكانة العلمية.
رابعاً: توجه أبي حمزة إلى اليمن.
المراجع
نسبه
مولده ونشأته ..
- كلمة عن الخليل بن أحمد الفراهيدي
4 ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي
حياته ومكانته الأدبية
تلاميذه الذين تخرجوا من مدرسته.
مؤلفاته. وفاته
ه - كلمة عن أبي بكر ابن دريد
6 - ابن دريد في الذاكرة العُمانية
القسم الأول: ابن دريد في الذاكرة العُمانية: الاسم والمكان والزمان.
أولاً: الاسم.
1 - بطاقة التعريف.
2 ـ الانتماء القبلي
ثانياً: المكان ....
ثالثاً: الزمان.
القسم الثاني: ابن دريد في المصادر العُمانية.
ملحق (1/205)
صفحة 188
شخصيات عُمانية
206
حياته ......
- الإمام ابن بركة حياته ـ فكره - مدرسته
فكره ومدرسته الفكرية
أعماله ..
1 - التدريس.
2 ـ القسم الداخلي
3 ـ بناء المساجد.
4 ـ الوقف الخيري ... ه ـ التأليف.
وفاته.
- الإمام أبو سعيد الكدمي حياته وفكره
المحور الأول: حياته.
اسمه ونسبه.
شيوخه.
المحور الثاني: فكره المعالم الفكرية
- مدرسته
وفاته.
مؤلفاته.
تلاميذه ...........
1 - الإمام حفص بن راشد.
2 ـ أبو علي موسى بن
...
مخلد
3 ـ سعيد بن محمد بن سعيد (1/206)
صفحة 189
13 - ذكريات وانطباعات
تمهيد
العوتبي من هو؟
9 - العوتبي نشابة
مؤلفاته ...........
أهمية علم
الأنساب
تدوين علم الأنساب
اهتمام العُمانيين بالأنساب. العوتبي وكتابه «الأنساب». كتاب الأنساب.
مادة تاريخية ومادة في الأنساب
الخاتمة
اقتراحات ..
مقدمة
المكان ...
10 ـ عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
الزمان ...
استجابة عُمانية
من هو عبد العزيز؟.
الخاتمة
11 ـ أبو مسلم البهلاني الرواحي حياته - شيوخه - تلاميذه ـ سلوكياته
«المدرسة التي ينتمي إليها»
207 (1/207)
صفحة 190
شخصيات عُمانية
208
شيوخه وتلاميذه.
سلوكه
المدرسة التي ينتمي إليها
12 - الشيخ خلفان بن جميل السيابي
نبذة مختصرة من حياته.
زهده وورعه ........
أولاً: زهده.
ثانياً: ورعه
خاتمة.
13 - ذكريات وانطباعات
عن الشيخ سالم بن حمود السيابي الله
ذكريات وانطباعات .....
الفهرس (1/208)