صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ - التراجم
------------------------------------------
العنوان: قطب الأئمة العلامة محمد بن يوسف اطفيش حياته - آثاره الفكرية - جهاده
المؤلف: بكير بن سعيد أعوشت
مقدمة: ناصر بن محمد المرموري
الناشر: المطبعة العربية
مكان النشر: غرداية
تاريخ النشر: 1989م
الطبعة: د.ط
الإيداع القانوني: 1989/9/49
الملاحظات: [طبعة مكتبة الضامري هي تصويرا لطبعة المطبعة العربية]
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=888&id_ty=1
------------------------------------------
ملاحظة: تم استغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 17 ربيع الأول 1447ه/ 10 - شهر 09 - 2025م. قطب الأمة
العلامة
محمد بن يوسف الطفلين
دوه
حياته - آثاره الفكرية - جَهَادُه
تأليف بكير بن سعيد اغوشت
مكتبة الصامري للنشر والتوزيع ص. ب 9518 - السيب - سلطنة عمان (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
محمد بن يوسف
أطفيش (1/3)
صفحة 4
حقوق الطبع محفوظة (1/4)
صفحة 5
قطب الأئمة
العلامة
فيدو انطفيش
~
(BIMMY - IF?)
1820
1914 هـ
حياته. آثاره النمكرية. جهاده
تأليف
بكير بن سعيد العوشت
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
ص. ب 9518 ـ السيب
سلطنة عمان (1/5)
صفحة 6
ير الله الرحمن الشيخ (1/6)
صفحة 7
الأهداء
الى روح المرحوم الشيخ علي يحي معمر الذي
طريق البحث العلمي الموضوعي الدقيق، في الدراسات الإسلامية المعاصرة التي دعا فيها الى وحدة المسلمين اعتمادا على قول الله عز وجل: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا
ربكم فاتقون (52 / المؤمنون)
إليكم وإلى كل من كان قدوة حسنة صالحة في تطبيق هذه الآية الكريمة قولا وعملا في سلوكه، لتوحيد الأمة الإسلامية إلى هؤلاء جميعا، أهدي هذا الكتاب.
7 (1/7)
صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم
درجات والله بما تعملون خبير (11 / سورة المجادلة) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ال: من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار» رواه أبو داود والترمذي.
وعن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبيء الا الله قال: «من أراد الله به خيرا فقهه في الدين»
(متفق عليه)
الحق ما نحن عليه، والباطل ما عليه خصومنا، لأن الحق عند الله واحد، ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب) (القطب / الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد، ص
(37:
8 (1/8)
صفحة 9
قيل عن القطب
أ ـ كان قدوة للسالكين، وهداية للمسترشدين، ومنهلا للواردين. (من مقدمة الذهب الخالص: أبو إسحاق إبراهيم
أطفيش)
ب ـ لقد كان رحمه الله أمة في فرد وفردا في أمة، فقد جمع بين العلم والعمل. الشيخ احمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عمان. من كلماته في المهرجان الثقافي لذكرى القطب، سبتمبر 1981،) ج - محمد بن يوسف أطفيش الجزائري: علامة بالتفسير والفقه والأدب، إباضي المذهب مجتهد، كان له أثر بارز في قضية بلاده السياسية، يدل على وطنية صحيحة. (من الأعلام: خير الدين الزركلي) د - أطفيش: مجتهد، من أكابر العلماء بالفقه والأدب واللغة
والتفسير، ومن رجال النهضة الإصلاحية الحديثة بالجزائر. (من
معجم أعلام الجزائر: عادل نويهض) (1/9)
صفحة 10
بسم
الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
مقدمة
لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد مرموري
من
الحمد لله جاعل العلماء ورثة الأنبياء الحكمة يؤتي يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وصلى الله على نبيئه محمد المبعوث رحمة للعالمين وهاديا الى صراط الله
المستقيم. وبعد، فإنه لمن حق علمائنا علينا أن نحيي ذكرهم بعد تأليفها
مماتهم بإحياء مخلفاتهم ومؤلفاتهم التي جاهدوا في وتصنيفها خدمة للعلم وإرشادا للناس ومن بين هؤلاء الخالدين إمامنا القطب العلامة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش رحمه الله فقد كان منارا وعلما من أعلام الهدى أنار الله به السبيل وأقام به الدليل وجدد به ما اندثر من أمر هذا الدين فكان لزاما علينا أن نذكر من جهاده في نشر العلم وتجديد أمر الدين ما يبعث في النفوس تعظيم العلم والعلماء العاملين وحب الصالحين وتوقير الأئمة الهدين بأمر الله رب العالمين، وإني نظرت في الكتاب الذي ألفه ابننا الأستاذ بكير بن سعيد أعوشت وتصفحته فوجدته
صادق التعبير في هذا الغرض النبيل فوافقته على ما كتب
10 (1/10)
صفحة 11
ودعوت له الله بالنجاح ورجوت أن يكون محفزا لهمم شبابنا المثقفين في نشر تراث قطب الأئمة وإحياء جهاده العظيم بكتابات موسعة تستوعب نواحي هذا الإمام الماجد والقطب
الخالد فإن لهم في هذا مجالا واسعا وحدث عن البحر ولا
حرج.
عبر
إن الشيخ أطفيش
الله رحمه
من الأفذاذ الذين يقل نظراؤهم
التاريخ فهو يجمع الى سعة العلم دقة الظر وصدق الحكم. وهبه الله عمرا طويلا في خدمة العلم ورزقه التوفيق وحلاه بالورع والتواضع والاستقامة وقد حدثنا مشائخنا الذين تتلمذوا عليه الشيء الكثير عن استقامته وورعه وقيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجده في خدمة العلم وكان لا ينام إلا قليلا وقد نفى عنه النوم خشيته لله وخوفه من يوم الحساب فهو دائم الدؤوب والكد صادق الاستعداد للقاء الله ولا نزكي على الله أحدا، وهذه شهادتنا له حسبما حدثنا عنه مشائخنا وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين
ورجاؤنا في الله قوي أن يجعل شهادتنا عنده كما
والله على ما نقول وكيل.
هي
عندنا
ناصر بن محمد المرموري.
= (1/11)
صفحة 12
مقدمة عامة
مما لاشك فيه أن الأمة الاسلامية لا تزال تبحث عن تاريخ أعلامها العظام، الذين يمثلون أساس المقاومة العنيدة ضد
التيارات التحريفية الدخيلة في تاريخها، قديما وحديثا.
إن الأمة التي تنسى، أو تتجاهل عظمة أعلامها، ورجالها
وشهدائها، ستصاب باستلاب ثقافي، وازدواجية الشخصية. ومن هنا فقد تلقي هذا التاريخ المجيد في غير أبنائها، فيصبح مصيرها مضطربا أشد الاضطراب، قائما على أسس واهية، فتفقد هويتها، وأركان أصالتها، لا سيما في عالمنا الإسلامي الذي لا يزال يعاني من وطأة الثقافة الغربية في سلوكه الكلي، الى حد كبير. فلا بد من التعويل إذن على تاريخنا الإسلامي المجيد الذي أبرزه أعلامنا العظام الذين مثلوا دورا حضاريا وبطوليا، إزاء التحديات الصليبية القديمة والمعاصرة على السواء.
لذا رأيت من الضروري ومن الواجب الأخلاقي والديني أن أساهم مساهمة متواضعة جدا، في هذه اللبنه التاريخية لعل أن أرد بعض الجميل لأعلامنا الأجلاء الذين بذلوا النفس والنفيس حفاظا على أصالتنا الإسلامية القائمة على القرآن الكريم،
والسنة الشريفة، وسيرة الخلفاء الراشدين.
12 (1/12)
صفحة 13
والجدير بالتنويه أن الدراسات الاسلامية القديمة والحديثة،
قد انصب أغلبها إن لم نقل كلها على أعلام المدارس المعروفة عند المذاهب الإسلامية المشهورة، بحيث نجد عدة أبحاث طوال في حق تاريخ أعلامها وعقائدها الأصولية والفرعية، مبرزة
سلوك هؤلاء الرجال سيرة وعقيدة واجتهادا ومساهمتها في إثراء الفقه الإسلامي. أما المدرسة الإباضية، فإن أغلبية أعلامها ما زالوا في حالة النسيان أو التجاهل من قبل جل الباحثين نظرا لأسباب نفسية ودينية وتاريخية ودوافع سياسية، ويستطيع المؤرخ النزيه الناقد للحوادث التاريخية أن يدرك هذه الحقيقة الواضحة عند كتاب المقالات القديمة والحديثة.
لأن المدرسة الإباضية كانت شوكة حادة وحجرة صلبة أمام طغاة الحكم الذين يريدون تمييع أصالة الإسلام الثابت الذي ترد إليه كل المشاكل، حيث يرفض الفضل بين الإيمان والعمل، ويجعل الحكم شورى بين المسلمين ويركز في التربية على الترهيب والترغيب أي الوعد والوعيد.
وهذه الدعائم العامة، وجدت مقاومة شديدة من أهل السلطة آنذاك. وأثارت حملة شعواء على أعلام الإباضية في تاريخهم
وعقائدهم.
والأدهى من هذا، أن هناك بعض أقلام إسلامية قديما
وحديثا، قد حرفت العقائد الإباضية، الدينية والسياسية
13 (1/13)
صفحة 14
والاجتماعية
فألصقت بها شبهات باطلة
،
في عصرنا
الحالي الذي أمست الكتب الإباضية منتشرة في جميع الديار
العلمية
وخير دليل على ذلك ما كتبه الأستاذ الكريم الدكتور صابر طعيمة عن المدرسة الإباضية فأخرج كتابه: الإباضية عقيدة ومذهبا (1)، للجمهور الإسلامي، ومن هنا رأيت من الضروري أن أسلط بعض الأضواء على أعلامنا الإباضيين الذين يمثلون المبادئ الإسلامية السمحة الأصيلة مع غيرهم. لقد شاءت إرادة الله أن أبدأ بالعلامة أبي يعقوب يوسف الوارجلاني ثم أستاذي الكريم إبراهيم بيوض بدافع إحقاق الحق، والرد على شبهات المغرضين المفسدين الذين يريدون أن
يبنوا تاريخهم الذاتي على حساب تاريخ شعبنا الجزائري المسلم المجاهد. إلا أن إخواني طلبوا مني أن أخرج للقراء نوابغ أعلام الإباضية لا سيما العلامة الشيخ أطفيش، غير أن هذا الأمر شاق
بيد
في نظري، مخافة من أن أسيء إليه. أن الحيرة قد زالت عن نفسي لما سألت أستاذي الكريم الشيخ الناصر المرموري في هذا الأمر، فقال لي: (يجب عليك أن تكتب طالما أن كتبك وجدت صدى حسنا عند القراء وهذا بفضل إبرازك بعض واجهات المدارس الإسلامية أما إذا أردنا الكمال فهذا هيهات لأن الكمال من صفات الله تعالى وحده)
14 (1/14)
صفحة 15
إن هذه النصيحة الدينية، دفعتني أن أسلط الأضواء على العلامة الشيخ أطفيش رحمه الله، مبينا حياته، وآثاره
الفكرية، وجهاده الإسلامي العام.
وهذا البحث الموجز، يعد لمحة خاطفة في حق هذا الإمام الكبير، وهذا المبحث لا يخلو من بعض الهفوات التي قد يجدها القارئ الكريم.
يريد
ولعل هذه الدراسة، ستكون إن شاء الله، حافزا قويا، لمن أن يحضر رسالة جامعية في بعض اتجاهاته الفكرية، وهي تعتبر رافدا من روافد المدرسة الإباضية الجزائرية الحديثة ومهما كان الأمر، فإن شخصية الإمام أطفيش، لا تزال مغمورة الى حد كبير. فالدراسات الإسلامية المعاصرة، لا تزال تركز في أبحاثها على الشخصيات المعروفة قديما وحديثا مثل الأعلام: ابن الجوزي والجويني وابن خلدون وابن سينا والأشعري وقطب الدين الرازي وجمال الدين الأفغاني الخ.
إن هذه الشخصيات لها وزنها الفعال في حضارتنا الإسلامية
لا ولن ننقص من قيمتها العلمية بأية حال من الأحوال. والجدير بالملاحظة، أن هناك بعض دراسات جامعية شاملة تكاد تعالج تلك الشخصيات من زاوية واحدة من عدة باحثين، وهذا مما نأسف عليه أشد الأسف ... ويُعد هذا الأمر تقصيرا في
حق الأعلام المسلمين كلهم.
15 (1/15)
صفحة 16
لأن هناك شخصيات إسلامية أخرى، لا تقل ولن تقل عن تلك الأعلام المشهورين علما، واجتهادا وورعا (2) بيد أن التاريخ قد ظلمهم، وأجحف بحقهم، فحجبهم عن
الدراسة الموضوعية ثم عدل عنهم كل العدول.
وعندما نتحرر من رؤية كتاب المقالات القديمة، ونلتزم الموضوعية وأخلاقيات البحث، والنقد المنهجي الصحيح، سندرك بكل يقين أن هناك أعلاما مغمورين قد ظلِمُوا، وأكبر دليل على ذلك العلامة جميل بن خميس السعدي الذي ألف موسوعة فقهية تحتوي على 92 مجلدا، وكذلك العلامة حمد بن إبراهيم الكندي الذي ألف بيان الشرع الذي يحتوي على 72 مجلدا دون أن نغفل الشيخ اطفيش الذي تجاوزت مؤلفاته أكثر من مائة كتاب بين مخطوط ومطبوع. إن هذه الحقيقة قد دفعتني دفعا الى أن أزيل هذه الغشاوة أنظارنا علنا ندرك هذه الحقيقة الموضوعية، بدون واسطة. اعتمادا على النصوص الموجودة أمامنا مباشرة، دون أن نلجأ الى المصادر غير المباشرة. لأن هذا التراث الخالد، أمسى لبنة
عن
في الفكر الإسلامي الشامل.
والجدير بالذكر أن هذه الفكرة المنهجية المطلوبة في الدراسات العلمية، قد التزمتها فعلا، خلال أبحاثي المتواضعة،
حتى لا أحمل غيري ما لم يقل.
16 (1/16)
صفحة 17
وفي ضوء كل ما تقدم نقول: إن المدرسة الإباضية تعد حلقة هامة في سلسلة الفكر الإسلامي والعالمي، لأنها حافظت على الفكر الإسلامي الأصيل، فالصحوة الإسلامية المعاصرة ما إلا الرؤية الإباضية الأصيلة التي لا تجيز التمييز والفصل بين القول والعمل، وإلا أصبح الإسلام فكرة مجردة بعيدة عن الواقعة الإنسانية
هي
وقد يجد القارئ الكريم ما قلته في المصادر الإباضية التي بدأت ترى النور في حلة جديدة بفضل التدعيم المعنوي والمادي من المؤسسات الثقافية الجزائرية والعمانية، لا سيما هذه الأخيرة التي بذلت مجهودات إيجابية جدا، فقدمت مساعدات مادية ومعنوية الى الباحثين العمانيين وغير العمانيين، فشجعت البحث في التراث الإباضي وغيره كل التشجيع فلها الأيادي البيضاء في ذلك
واخيرا اسال الله تعالى أن يكلل أعمالنا جميعا بالنجاح والتوفيق، ويلهمنا رشده، ويطهرنا من رجس السيئات
و يبصرنا بنور الإيمان والصبر، والتقوى والورع.
وأن نجعل المجاهدين المخلصين أسوة وقدوة لنا في سلوكنا اليومي حتى تتحقق شريعة القرآن ووحدة المسلمين، آمين يارب
العالمين.
17 (1/17)
صفحة 18
الفصل الأول
لمحات عن تاريخ المذهب الإباضي وعقائده
1 - تمهيد:
إن دراسة أية شخصية مهما كانت عادية أم بارزة تتطلب من الباحث الإجتماعي، أن يسلط الأضواء الكاشفة على العوامل الفزيلوجية والنفسية والدينية والاجتماعية والجغرافية المؤثرة في
هذه الشخصية، وبدون هذا، فإن دراسته ستكون ذاتية ناقصة بعيدة عن الموضوعية العلمية لأن مجال دراسة الشخصية، يعد مجالا متعدد القوى وبالتالي قد نصدر أحكاما افتراضية تحتاج الي قرائن مادية، أو براهين عقلية حتى يتقبلها الغير، وله ذلك. الحق كل الحق في
ومن هنا، نرى من الضروري أن تنطلق أساسا من البيئة التي عاش فيها الإمام أطفيش، لأن البيئة الإجتماعية والجغرافية تتركان بصمات قوية في سلوك الأفراد والمجتمعات، سواء كانت
هذه اللبنة المؤثرة الأسرة أو الشارع أو المدينة أو الدولة. الخ. أضف الى هذا أن هذه البيئة لها مقوماتها الضرورية الماديه والفكريه: اقتصاديا واجتماعيا ودينيا وأخلاقيا. واعتمادا على هذا، نرى لزاما عليها، أن نعود الى البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها الإمام أطفيش وترعرع وأثر في مصيرها، بسلوكه العملي وآثاره الفكرية الإسلامية المختلفة أنواعها.
18 (1/18)
صفحة 19
وفي ضوء هذا، يمكننا أن نميط اللثام عن عظمة هذا الرجل الذي طمسه التاريخ ويكاد أن يدفن فيه، لولا بعض
الرجال المخلصين الذين شمروا عن سواعدهم في بيان آثاره الفكرية، لا سيما الطبقة الواعية التي أبت الا أن تنشر الفكر القطبي ما دام يضرب جذوره في أعماق القرآن الكريم والسنة
الصحيحة.
وعليه فإن هذه الدراسة لا يمكن أن تكون منهجية دقيقة إلا إذا فهمنا البيئة الاجتماعية التي تربى فيها العلامة الشيخ اطفيش والمذهب الذي آمن به وبحث فيه، ودافع عنه بآثاره الفكرية من أجل معرفة فكر الإمام أطفيش فلا بد أن
تقول إنه كان رائدا للمدرسة الإباضية الحديثة
ومن هنا يحق لنا أن نبين أصول المدرسة الإباضية وتاريخها، حتى نفهم شخصية قطب الأئمة، وإلا فإن هذا البحث سيكون مبتورا، مجزءا، وفي ضوء هذا، أرى أن نعتمد على كتابي الأخير ـ أبو يعقوب يوسف الوارجلاني " (500 هـ، 570 هـ) ه الذي يعد أحد أعلام الفكر الإباضي الذي ظلمه التاريخ وأسدل عليه الستار.
فالواجب علينا إذن، أن نستعرض المذهب الإباضي تاريخيا وعقائديا، وعلى هذا يمكننا الآن أن نبين ما قلناه بطريقة
موجزة جدا
19 (1/19)
صفحة 20
2 - نشأة المذهب الإباضي: يعود المذهب الإباضي في نشأته وتأسيسه الى العلامة الكبير جابر بن زيد الذي يعد من التابعين الأوائل، فقد ولد في فرق بعمان سنة 21 هـ، وتوفي سنة 93 هـ (3) بالبصرة، وقد روى عن ابن عباس أنه قال للناس: اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه)
لقد أصبح أعظم فقيه في العالم الإسلامي يومذاك، وله أتباع عديدون كعبد الله بن إباض ومرداس بن حيدر وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة
لَقَدْ ظَهَرَ المذهب الإباضي في القرن الأول الهجري في
البصرة التي تعد معقلا للمدرسة الإباضية في نشأتها الأولى. والجدير بالذكر أن هذا المذهب يعد أقدم المذاهب الإسلامية على الإطلاق، أما بالنسبة للتسمية كما هو معلوم عند المدرسة الإباضية فتعود الى الأمويين الذين نسبوا هذا المذهب الى عبد الله بن إباض التميمي المولود في زمن معاوية والمتوفى في آخر حياة عبد الملك بن مروان ويعد من أنصار
جابر بن زيد مذهبا
لقد جاء في الطبقات ما يلي: كان عبد الله بن إباض إمام أهل الطريق وجامع الكلمة لما وقع التفريق، فهو العمدة في الاعتقادات والمبين لطرق الاستدلالات والاعتمادات والمؤسس مستندات الأسلاف والمهدم لما اعتمده أهل
هي
لأبنية
الخلاف) (4)
20
20 (1/20)
صفحة 21
أما بالنسبة لآثاره الفكرية، فقد اشتهر برسالته التي أرسلها
الى عبد الملك بن مروان الأموي (65)
هـ
86 هـ) فبين في
هذه الرسالة المقولات العامة لأصول الفكر الإباضي عقائديا
وسياسيا واجتماعيا
إن هذا المذهب استطاع أن يتحدى الحواجز المعنوية والمادية التي فرضت عليه من الأمويين والعباسيين، حيث وجد أنصارا ملتزمين بتطبيق أصوله التي تعكس جوهر الإسلام الأصيل، وبالتالي ظهرت دول مستقلة في عمان وحضرموت وشمال إفريقيا.
والجدير بالذكر أن عبد الرحمن بن رستم، قد أفلح سنة، في تأسيس أول دولة جزائرية إسلامية، واتخذ تاهرت عاصمة لها، وهو يعد تلميذا من تلاميذ أبي عبيدة وأحد
160 هـ،
حملة العلم عنه
•
وعلى أية حال، فإن الدولة الرستمية استمرت قرابة مائة وثلاثين سنة (160 هـ، 696 هـ) (5)
والجدير بالملاحظة أن هذه الدولة الفتية قد التزمت بالكتاب والسنة وأثر السلف الصالح، حيث تركت المدارس الفكرية المتعارضة مع مذهبها الإباضي، ما دامت أن هذه المذاهب تنطلق من مصدر واحد وهو الكتاب والسنة، وهي تعتقد أن الاختلاف الفكري أمر واقع بالضرورة فلا يمكن
21 (1/21)
صفحة 22
إزالته، لأن إزالة هذه الصورة تعقم الاجتهاد الفكري، وهذا في نظرها يتنافى كل النفي مع حرية العقيدة وأخلاق الإسلام. إلا أن هذه الحرية الاعتقادية قد استغلها الخصم أي
استغلال، فعجلت بسقوط الدولة الإباضية مع عوامل أخرى الأئمة
المتمثلة في الصراعات السياسية من أجل الزعامة بين المتأخرين والترف الحضاري.
أضف الى ذلك، الحياة الرغيدة التي سيطرت على سلوك، فقتلت فيهم القيم الأخلاقية المثالية، ولولاها لما حاربوا طواغيت السلطة الجائرة الأموية والعباسية
الرستميين
هذه هي العلل المباشرة التي أدت الى سقوط الدولة
الرستمية في شوال 296 هـ، على يد أبي عبد الله الشيعي. وبعد هذه النكسة هاجر الإباضية الى سدراتة ووارجلان وبعدها الى ميزاب، فأسسوا أول مدينة لهم وهي العطف، وذلك
سنة 402. -.
أما غرداية فلم تؤسس الا في سنة 477 هـ، بزعامة الإباضية
الثلاثة
وهم
: سليمان بن يحي، وعيسى بن علوان، وأبو جمعة.
وكان لزاما علينا أن نشير الى أن كل المؤرخين من غير الإباضية، قد أكدوا أن الدولة الرستمية تميزت بحرية الرأي والعقيدة والتسامح مع المذاهب الأخرى. فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن المذهب الإباضي يعكس حقيقة الإسلام
22 (1/22)
صفحة 23
الجوهري، الذي يرفض القهر الديني والازدواجية بين القول والعمل
فالمقياس الوحيد للإسلام هو القرآن الكريم، والسنة الشريفة، بهما نستطيع أن نحكم على كل أحكامنا، إما أن تكون إسلامية أو غير إسلامية، ومن الحق التاريخي أن أشير الى ما قاله بعض المؤرخين عن حرية الفكر والجدل والتسامح الكلي عند الرستميين مع غيرهم، وهم لم يلزموا غيرهم بمذهبهم الديني الرسمي ... يقول ابن الصغير المالكي: (ومن أتى الى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة وكذلك من أتى من الإباضية الى حلق غيرهم) (6)
والجدير بالذكر أن ابن الصغير لا ينتمي الى المذهب الإباضي غير أنه قد التزم الموضوعية العلمية في هذا الموضوع حيث يقول: (وإن كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين، فنحن وإن ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا وعد لهم فيما وَلُّوهُ فلسنا ممن تعجبه طلاوة أفعالهم ولا حسن لما نعلمه من براءتهم ممن ولاه رسول الله وقال من
سيرهم
كنت مولاه فعلي مولاه (7) أما بالنسبة الى ياقوت الحموي صاحب الموسوعة التاريخية فيقول: (وكان ابن رستم مؤسس هذه الدولة على مذهب الإباضية، فوضع قواعد دولته على أسس مذهبه الخارجي،. وكأن مع ذلك هو وجميع من خلفه على عرش تاهرت
23 (1/23)
صفحة 24
متسامحا مع جميع الرأي وغيرهم) (8)
أهل المذاهب الأخرى من أهل
هذه
هي
الحقيقة التاريخية التي لا ولن يمكن طمسها،
بحيث أن المذهب الإباضي تميز بهذه الخاصية الجوهرية، منذ
ظهوره كجهاز سياسي في الدولة الجزائرية الإسلامية الأولى وخير دليل على ذلك ما شهد الشعب الجزائري المسلم على هذه الفضيلة الأخلاقية.
،
لقد جاء في الميثاق الوطني سنة 1986، صفحة 14،ما يلي: (كانت الدولة الرستمية أول دولة في العهد الإسلامي
بالجزائر سجلت قيام حكم وطني منفصل إداريا عن الحكم
المركزي الإسلامي) وما لبثت عاصمة تيهرت أن عرفت ازدها را اقتصاديا معتبرا تجاوزت أهميته حدود الدولة. وقد كانت سيطرة تيهرت على بطريق الذهب الوارد من إفريقيا في اتجاه البحر
ما
سمي
الأبيض المتوسط عاملا أساسيا في تحقيق ذلك الازدهار بأبعاده
الثقافية والعمرانية ونشر الإسلام في إفريقيا الغربية. كما أن تسامح الدولة الرستيمة في تعاملها مع المذاهب الأخرى سببا في جذب الكفاءات والخبرات لهذه الدولة. وفيه هذا المنظور يحسن بنا أن نشير الى العقائد الإباضية بصورة
موجزة جدا
24 (1/24)
صفحة 25
3 - العقائد الإباضية:
وعلى ضوء كل ما تقدم بحثه، يمكننا الآن أن نبين أصول
العقائد الإباضية لتكون الفكرة واضحة في دراستنا هذه وعلى أية حال، فإن المذهب الإباضية لا يختلف ولا يبتعد عن المذاهب الإسلامية في الأصول الكلية إلا في بعض الإجتهادات الفرعية، مع تلك المذاهب، طالما أنها تعتمد كلها
على القرآن الكريم والسنة الشريفة والقياس والإجماع.
ومن
هذا يتضح
أن الاختلاف الموجود بين هذه المذاهب يعود
أساسا الى الفروع وليس الى الأصول لأن الطبيعة البشرية تتميز بهذه الخاصية، وهذا الاختلاف دليل على حيوية الاسلام طالما
لا يخرج عن الأصل أو حرف تحريفا عن منهجه الأصلي. ولكن الشيء المؤسف أن عامة المسلمين لا يدركون هذه الحقيقة البديهية، بل يجعلونها ذريعة للطعن في المذاهب التي تخالفهم في بعض الجزئيات وقد يؤدي بهم الأمر الى تكفير هذه المذاهب الأخرى، وهذا هو الخروج عن جادة الإسلام الصحيح. إن الاختلاف حاصل، في حقيقة أمره، حتى في المذاهب
الصحابة رضي
الله
عنهم
، قد
ذاتها بين أعلامها. بل حتى اختلفوا فيما بينهم في بعض الجزئيات اعتمادا على الرأي، إن
لم يجدوا بغيتهم الواضحة في نصوص القرآن والسنة الشريفة.
25 (1/25)
صفحة 26
يقول الأستاذ الكريم محمد أبو زهرة في اجتهاد الصحابة:
(وإن منهم من كان يجتهد في حدود الكتاب والسنة، ومنهم من كان يتجاوز تلك الحدود الى القياس غالبا، كعبد الله بن مسعود، وعلي رضي الله عنهما أو إلى المصلحة في الغالب مثل عمر - رضي الله عنه) (9)
نقول إن الاختلاف وارد فعلا في تاريخ الفكر الإسلامي نظرا الى الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والبيئات الجغرافية. هذه العوامل المذكورة، قد انعكس مفعولها على كل مجتهد، ولكن هذا الاجتهاد يشترط ألا يكون مطية لتحريف أصول الأحكام الإسلامية، أو تشويه وتزييف من يخالفنا في
عقيدتنا.
،
من خلال هذه الفضيلة الأخلاقية، والموضوعية العلمية، نستطيع أن نكون جيلا مسلما متمرسا متفتحا على كل المذاهب الإسلامية، لنزيل كل لبس وغموض، بحيث نكون أمناء لديننا الإسلامي، وقيمه الأخلاقية المثالية التي يدعو إليها، لا سيما الوحدة الإسلامية.
ومن هذا المنظور الإسلامي، يمكننا الآن أن نلمح الى
العقائد الإباضية باختصار جدا.
1) التوحيد: هو الإقرار والاعتقاد الجازم بأن لا إله إلا الله، فالله عز وجل هو المالك الوحيد الخالق لهذا الكون، وهو
26 (1/26)
صفحة 27
المنفرد بالوحدانية والألوهية ليس كمثله شيء، وأن محمدا رسول
الله، خاتم الأنبياء والرسل وأن رسالته حق على العالمين. يقول الله عزوجل: شهد الله أنه لا إله إلا هو
والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18 / آل عمران)
2 - الصفات الإلهية: هي عين ذاته، بحيث لا يجوز الفصل في تلك الصفات التي هي أزلية، قديمة، وغير محدثة وإلا وقعنا في الدور، وهو توقف كل واحد من الشيئين على الآخر يقول الحق تعالى: هو الأول والآخر والظاهر
والباطن وهو بكل شيء عليم) (3): الحديد)
3 ـ الإيمان: هو قول باللسان وتصديق بالقلب، وعمل
بالجوارح: إن الإباضية لا يجيزون الفصل بين القول والعمل، فالدين والإيمان، والإسلام، أسماء لشيء واحد وهو طاعة الله عز وجل
وتطبيق شريعته، عقيدة وعملا في حياة الفرد والمجتمع. لنتأمل قول الحق: يا أيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كَبُرَ مقتا عند الله أن تقولوا ما لا
تفعلون (2، 3: الصف)
4 - رؤية الله: إن الإباضية يجزمون بامتناع رؤية الله في الدنيا والآخرة اعتمادا على الأدلة العقلية والشرعية بحيث لو أمكن رؤية الله، لكان جسما متحيزا موجودا في مكان ما وهذا
تجسيم وتجزئة لصفات الله
27 (1/27)
صفحة 28
يقول الله عز وجل: لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير (103 - الأنعام)
5 - حرية الإنسان: إن الإنسان له حرية الاختيار المرتبطة بالكسب، أي أن للإنسان قدرة على الفعل، والله عز وجل هو الذي خلق فيه القدرة، فليس هناك أي تعارض بين
إرادة الله المطلقة الخالقة لكل شيء وكسب الإنسان. يقول أبو عبيدة: إن الله يعذب على المقدور لا
على القدر.
ويقول الله عز وجل: * ونفس وما سواها. فألهمها فجورها. وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من
دساها
(8، 9، 10 الشمس) 6 - العدل والوعد والوعيد: إن قضية العدل والوعد والوعيد مرتبطة بعدالة الله المطلقة، بحيث يأخذ كل ذي حق حقه، فالله سينفذ وعده ووعيده الخالدين أبدا. في حق المؤمن والفاسق والمنافق، والكافر. وهو القائل: * وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم * (115) الأنعام)
ومن هنا فإن المؤمنين سيخلدون في الجنة الابدية، أما الكافر وفجار المسلمين غير التائبين فإن مصيرهم العذاب الأبدي اعتمادا على قوله تعالى: ومن يَعْصِ الله ورسوله ويتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين
(14 / النساء هذا بالنسبة الى الفاسق غير التائب
28 (1/28)
صفحة 29
7 - الشفاعة: إن شفاعة النبيء لا لن تكون للعاصي المصر على الكبائر وإنما تكون للمسلم الذي مات على التوبة النصوح.
يقول الله عز وجل: * واتقوا يوما لا تجزى نفس عن
نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة * (48 / البقرة.)
8 ـ لا منزلة بين المنزلتين: إن الإباضية يرون أن المسلم إذا ضيع الفرائض الدينية أو ارتكب بعض الكبائر دون أن يتوب
الى الله توبة نصوحا يعد عاصيا فتسميه في هذه الحالة، موحدا
لأنه ليس بمؤمن ولا بمشرك فلا تخرجه عن ملة الإسلام. وهذا الموحد قد وصم نفسه بكفر النعمة فلا يعد كافرا كفر شرك الذي يدفع صاحبه الى الجحود بالله ورسالة محمد ولنتأمل قول الله عز وجل: ومن لم يحكم بما أنزل
الله فأولئك هم الكافرون (44 / المائدة)
فالرسول الكريم يقول: إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» رواه مسلم، وأحمد، والترمذي وأبو داود.
وعن بريدة رضي الله عنه عن النبيء أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد کفر» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
6
29 (1/29)
صفحة 30
9 - الولاية والبراءة: يقصد بها الحب وإيجاب الترحم والإستغفار للمسلمين الصالحين. أما البراءة فهي عكس ذلك بحيث توجب هجرة من جاهر بالكفر أو المعاصي
إن هذا الأصل يعد من أصول العقائد الاجتماعية الإباضية
لمعالجة سلوك المنحرفين ولنسمع إلى قوله تعالى:
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم
أولياء بعض
بالمعروف وينهون عن المنكر) (71 / التوبة)
يأمرون
(يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من
الحق) (1 - الممتحنة)
10 - خلق القرآن الكريم: إن أغلب الإباضية يرون أن القرآن العزيز مخلوق كالأشياء التي أوجدها الله عز وجل. فالله عز وجل قد وصف القرآن بما وصف به غيره من سائر المخلوقات. يقول الله عز وجل: إنا جعلناه قرآنا عربيا (الزخرف:3). وقال في غير القرآن من الخلق: وجعلنا الليل والنهار آيتين (الإسراء:12) وقال في حق القرآن: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) (البقرة:185)
11 - الإمامة: الإمامة فرض وواجب شرعا وعقلا، وهي تعتمد على الكفاءة والشرعية والأهلية المطلوبة والشورى عند الإباضية فلا تمييز بين أبناء المسلمين لهذا المنصب إذا كان القائم بها مستحقا
30 (1/30)
صفحة 31
اعتمادا على قول الله عز وجل: ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات: 13) فالإباضية تجيز سلطة الملوك ما داموا لم يعطلوا العمل بالكتاب والسنة.
لقد جاء في الجامع الصحيح الجزء الثالث في الصفحة السادسة والسابعة: قال الربيع بن حبيب رحمه الله سمعت عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء لا قال: الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر، وصلوا على كل بار وفاجز» وقال: «ستكون بعدي أئمة لا يستنون بسنتي ولا يهتدون بهداي» فقالوا كيف المخرج يارسول الله
فقال «أطيعوهم ما لم يمنعوكم الصلوات الخمس» وفي هذا الشأن، فلا بد أن نشير الى أن هذه هي أهم أصول العقائد الإباضية، فمن يريد التحقيق والدراسة المستفيضة مع بذل المجهود، فعليه بالرجوع الى هذه المصادر المباشرة
التالية: 1 ـ الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع بن حبيب. 2 - الموجر: لأبي عمار عبد الكافي الإباضي. 3 ـ الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي يحي معمر. 4 - قواعد الإسلام: لأبي طاهر الجيطالي. 5 - الدليل والبرهان: لأبي يعقوب الوارجلاني.
31 (1/31)
صفحة 32
- بيان الشرع للعلامة محمد بن ابراهيم الكندي 7 - قاموس الشريعة: للعلامة جميل بن خميس السعدي 8 - شرح النيل لقطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش
9 - مشارق أنوار العقول للشيخ نور الدين السالمي 10 ـ كتاب الجامع للشيخ أبي. محمد عبد الله بن محمد بن
بركة.
وغني عن البيان أن هناك مصادر أخرى لمن يريد الدراسة الموضوعية الجادة في البحث عن أصول المدرسة الإباضية
وتاريخها الحافل برجالها العظام الذين وسعوا
وأثروا الفقه الإسلامي.
ومن البداهة المنطقية، أن بحثنا هذا سيبقى ناقصا إن لم نعالجه من الناحية التاريخية والسياسية التي حاولت تلك السياسات القديمة استئصال جذور هذه المدرسة وأتباعها، فأصابهم الظلم، والتشريد والمطاردة من قبل المذاهب المعارضة لهؤلاء الذين فضلوا المناطق البعيدة عن السلطة المركزية، حفاظا على وجودهم ومذهبهم، بالرغم من قساوة الظروف الجغرافية والسياسية والاقتصادية والأمنية.
وعلى ضوء هذه الحقيقة التاريخية سنتناول بالبحث والتحقيق الدراسات التاريخية والعقائدية، بروح نقدية موضوعية وإلا فقدت دراستنا طابعها الموضوعي لأن الحوادث التاريخية مهما كانت معطياتها الفكرية والمادية. تبقى مرتبطة بثوابت
32. (1/32)
صفحة 33
الإنسان وغير منفصلة بدوافعه النفسية والمادية المباشرة وغير المباشرة.
وإذا أبعدنا هذا العنصر الجوهري في بحثنا هذا، نكون جهلاء أو متجاهلين غافلين أو متغافلين، وبالتالي نكون بعيدين كل البعد عن الحقيقة التاريخية المستهدفة الموضوعية الواضحة، بالدرجة الأولى.
وفي هذا المنظور التاريخي، لابد أن نسلط بعض الأضواء على المؤرخين الذين كتبوا عن الإباضية دون نقدهم للحادثة التاريخية، شكلا ومضمونا.
الحادثة
ع - المؤرخون والإباضية: قبل أن ندخل في صميم التاريخية المرتبطة بالإشكالية التي أشرنا إليها سابقا، علينا أن نستدل برأي ابن خلدون الذي يري أن الحادثة التاريخية تحمل في طياتها الكذب بالطبيعة نظرا الى ارتباطها
بالتعصب المذهبي
يقول العلامة ابن خلدون في ذلك: (ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء، والمذاهب فإن النفس إذا كانت على حال الإعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين
بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله
،
3
33 (1/33)
صفحة 34
ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضا الثقة
بالناقلين، وتمحيص ذلك يرجع الى التعديل والتجريح) ومما لاشك فيه أن ابن خلدون قد أدرك الواقعة التاريخية
مبينا لنا أن أكثر المؤرخين، بعيدون عن فهمها
،
للأسباب التالية: أ ـ إن الخبر المنقول لا يخلو من الكذب نتيجة التشيع
والتعصب للمذاهب السائدة
النقد والتمحيص للخبر لنبين صدقه من كذبه لا ب -
عدم
سيما ما يوافق عقائدنا.
ج - الثقة المطلقة بالناقلين مع عدم دراسة طبيعة النفوس
البشرية المولعة بحب المال والتقرب الى السلطة الحاكمة.
انطلاقا من هذه الحقائق التاريخية فإننا ندرك بكل يقين ثابت، أن أعلام التاريخ الإسلامي، قد وقعوا فعلا، الأخطاء في التي ذكرها ابن خلدون، لما كتبوا عن عقائد المدرسة الإباضية
وتاريخها العام ...
وحسبنا دليلا على ذلك. بعض هؤلاء الأعلام المسلمين. وتتخذ مثالا ذلك: الأشعري المتوفى سنة 330 هـ. صاحب کتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، والبغدادي المتوفى سنة 429 هـ، صاحب كتاب الفرق بين الفرق، وهناك كتب أخرى: الفصل بين الملل والنحل لابن حزم المتوفى سنة 456 هـ، التبصير في الدين للإسفراييني
34 (1/34)
صفحة 35
المتوفى سنة 471 هـ
"
الملل والنحل للشهرستاني المتوفى
سنة 548 هـ.
إن هؤلاء نحتاب دلهم لم يلتزموا الامانة العلمية إطلاقا. في دراساتهم المتعلقة بالعقائد الإباضية، لأنهم لم يأخذوا معلوماتهم من المصادر الإباضية المباشرة سواء كانت تلك المصادر كتبا أو علماء
فالناقد الذي يدرس هذه الكتب يستطيع بسهولة ووضوح، أن يدرك التناقض الموجود بين هذه الآثار المشوهة وما كتبه الإباضية في عقائدهم. ولا بد في هذه الحالة أن أقدم عينة للقارئ من كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي المتوفى سنة 429 هـ، لتكون البينة واضحة، لأنه أصبح الركيزة في الدراسات العقائدية، قديما وحديثا.
عبد
يقول عبد القادر بن محمد البغدادي في تعريف أصول لمدرسة الإباضية ما يلي: أجمعت الإباضية على القول بإمامة الله بن إباض وافترقت فيما بينها فرقا، يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة برأء من الشرك والإيمان، وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين. ولكنهم كفار وأجازوا شهادتهم، وحرموا دماءهم في السر، واستحلوها في العلانية، وصححوا مناكحتهم والتوارث منهم، وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله لا يدينون دين الحق. وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض، والذي (1/35)
صفحة 36
استحلوه الخيل والسلاح فأما الذهب والفضة فإنهم يردونهما على
أصحابها عند الغنيمة.
ثم افترقت الإباضية فيما بينهم أربع فرق وهي الحفصية
والحارثية واليزيدية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها) (11) وعلى ضوء هذا النص، فإن القارئ الكريم يدرك بالبداهة العقلية والواقعة التاريخية أن هذا النص يحمل في جوهره عدم
الأمانة العلمية والتاريخية وشروطهما، وذلك للأسباب التالية
:
1 - عدم الرجوع الى المصادر الإباضية الموجودة في تلك
الفترة مباشرة.
2 - إضافة فرق لا وجود لها في تاريخ الإباضية الى
الإباضية.
3 ـ تحريف وتزوير أصول الإباضية في قضية الشرك والكفر.
فالإباضية تقر وتؤكد مصادرهم كلها أن المسلم العاصي المقر. بالشهادتين. يعد مسلما موحدا، لا يجوز أن يعتدى على نفسه وعرضه وماله وأهله
وبالتالي يجوز التزاوج والإرث. معه، ولكن تقول: إن العاصي المسلم الذي هتك المحرمات، فأباحها عمدا، يعد كافرا كفر نعمة، فليس كافرا كفر شرك. وهذه هي العلامة البارزة
المميزة بين المسلم والكافر.
36 (1/36)
صفحة 37
4
وهو
ومن اللازم أن نقول: إن العالم البغدادي قد تأثر في كتابه - الفرق بين الفرق - بالنظام السياسي الموجود آنذاك النظام البويهي الشيعي المتطرف الذي أسسه علي بن بويه سنة، في بغداد في العصر العباسي، مع العلم أن هذا النظام يتناقض أشد التناقض مع الأصول الإباضية عقائديا وسياسيا. فإن هذه الحقيقة التاريخية لا يمكن تجاهاها وحذفها من
334 هـ،
التفسير التاريخي وإلا أصبحت أحكامنا ذاتية جزئية ومما زاد الطين بلة أن الباحثين المعاصرين قد اعتمدوا على هؤلاء القدماء في دراساتهم عن الإباضية، دون نقد موضوعي
ليبينوا مزالقهم الفكرية والمادية.
والأدهى
من ذلك أنهم يقولون للقارئ نحن عدول كل العدل
في أحكامنا هذه لأننا قمنا بنقد الأحكام السابقة، ولكن في
حقيقة أمرهم لم يلتزموا مطلقا بما عهدوا به.
وهذه الحقيقة قد تجلت عند أغلبية الباحثين المسلمين
المعاصرين الذين عالجوا الفكر الإباضي، وفي هذه الحالة ينبغي
لي أن أشير إلى هؤلاء المفكرين وآثارهم
:
1 - الأستاذ ابراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية
•
2 ـ الأستاذ عبد الحليم محمود: التفكير الفلسفي في الإسلام.
3 ـ الأستاذ البوطي محمد سعيد رمضان: العقيدة الإسلامية
والفكر المعاصر.
37 (1/37)
صفحة 38
4 ـ الأستاذ أحمد أمين في موسوعته المشهورة - فجر الإسلام - ضحى الإسلام - ظهر الإسلام - ولكن الشيء العجيب جدا، أن هؤلاء قد درسوا، ثم درسوا، البحث العلمي وشروطه، في الجامعات المحترمة، ولا سيما النقد المنهجي، والموضوعية، وحب الإطلاع، والإلتزام بالقيم الأخلاقية، لأجل خدمة
المعرفة العلمية الخالصة أن هؤلاء أبوا إلا أن يتقيدوا مسبقا بالمصادر القديمة بيد غير الإباضية ثم تقدم الى الجيل الناشئ البريء كأنها حقائق رياضية ثابتة، تفرض ضرورتها على كل إنسان في هذا الكون، كقولنا: 1 + 1 = 2.
وكان لزاما علي أن أقدم نموذجا مما كتبه أحمد أمين في هذا المجال الى القارئ الكريم حتى تكون حجتنا واضحة كل
الوضوح. 5 - أحمد أمين والإباضية: لا جدال في أن أحمد أمين يعد من أقطاب الفكر الإسلامي المعاصر، فقد ترك بصمات قوية فيه، بسبب آثاره الفكرية التالية: فجر الاسلام، ضحى الاسلام، ظهر الاسلام، زعماء الإصلاح في العصر الحديث. وخوفا من الإطالة، فلا يمكنني أن أورد كل ما كتبه عن الفكر الإباضي وأصوله العقائدية
ولكنني سأقدم نموذجا من كتابه ضحى الإسلام.
38 (1/38)
صفحة 39
والجدير بالملاحظة أن أغلبية هؤلاء حينما يكتبون عن المذاهب الإسلامية يقولون: إنهم سيلتزمون الأمانة العلمية
والنقد الموضوعي القائم على البرهان العقلي في دراساتهم.
إن هذه الحقيقة نلاحظنا جلية عند الأستاذ أحمد أمين، إذ يقول: (ولكني رأيت ابن حزم وأمثاله إذا عرضوا للرأي المخالف سفهوه، وأوسعوا قائله سبا وتعنيفا، فلم أجارهم في شيء من ذلك، وأدليت برأيي فيه في لين وهوادة، وألزمت نفسي - على قدر وسعي ـ أن أقف موقف القاضي العادل. أدقق النظر وأردد الفكر في أقوال مؤيدي الرأي ومهاجميه، وأصغي لحجج الفريقين، وأحاول ما استطعت أن أتجرد من الفي وعادتي حتى إذا نضج الرأي وتبين لي الصواب أصدرت حكمي مؤيدا بدليله في غير حرج ولا تستفيه، ثقة مني بأن قوة الحجة في معانيها الكامنة لا في أشكالها الظاهرة) (12)
وبالرغم من هذه الحقيقة الواضحة، المتميزة بالاستشهاد التاريخي والاستدلال المنطقي، الذي أوجبه على نفسه، فإن أستاذنا الكريم، لم يلتزم إطلاقا ما عهد به، مع احترامي وتقديري الكلي للبحث العلمي الذي أثرى به الدراسات لإسلامية وحسبنا دليلا على ذلك ما كتبه عن الفكر الإباضي اذ يقول: (من أجل هذا، لم يرو لنا عن الخوارج مذهب مفلسف ولا فقه واسع منظم ولا نحو ذلك، الا ما كان من الإباضية
39 (1/39)
صفحة 40
أتباع عبد الله بن إباض الخارجي الذي مات في عهد عبد الملك بن مروان، فإن هذه الفرقة قد عاشت وانتشرت في شمالي إفريقيا وفي عمان وفي حضرموت، وزنجبار، واستمرت الى يومنا هذا، فكان من الطبيعي أن يكون لهم أصول اعتقادية وتعاليم فقهية، وكذلك فقد تعدل مذهبهم مع الزمان، فلهم أصول كلامية متأثرة الى حد كبير، بمذهب المعتزلة في القول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الجنة، والله لا يغفر الكبائر، كما لهم كتب فقهية خاصة تخالف أهل السنة في بعض الفروع مثل أنهم لا يرون الزواج يصح إلا فيما بينهم) (13)
من المؤسف حقا أن نقول: إن أحمد أمين قد أخفق كل الإخفاق في هذا الامتحان البسيط الذي يعتمد فيه على النقل فقط، إذ لم يحسن النقل المباشر، لما اعتمد على مصادر غير إباضية، ثم إنه وقع في تناقضات واضحة من حيث المعطيات التي انطلق منها من مقدمته، وكان من الطبيعي ومن البداهة
المنطقية أن نجزم بأن أحمد أمين لم يعتمد ولو على مصدر واحد من كتب الإباضية المنتشرة والحمد لله في الديار العلمية المصرية، فكيف يحكم لهم أو عليهم في موسوعته الفكرية المنتشرة في العالم الإسلامي، وهذا تضليل وخيانة علمية وخروج عن أخلاقيات البحث العلمي
40 (1/40)
صفحة 41
وعلى أيه حال، فإن هذه الثغرة الكبيرة التي ظهرت في أبحاثه تعد كافية من أن تدك دعائم موسوعته. هو وأمثاله من
الكتاب القدماء والمعاصرين الذين كتبوا عن الإباضية
وتعلم اختال العربي القائل: فلان يهرف بما لا يعرف، قد يصدق على هؤلاء الذين مزجوا الخيال الساذج. بالوقائع التاريخية والمنطقية، ولو أن هؤلاء الكتاب: التزموا الأمانة
العلمية المعلومة عندهم، لكان حكمهم يختلف عن هذا وذاك
فإن النظرة الموضوعية المعمقة في التراث الإباضي القديم والحديث تُبَيِّنُ لَنَا دون شبهة من أن الإباضية ليسوا بالخوارج ثم إن أحكامهم في المسلمين العصاة لا تخرجهم عن الإسلام ما داموا يقرون بالشهادتين، وتسمي هؤلاء المسلمين العصاة
بالموحدين.
ثر إن المذهب الإباضي هو الأحق ما دام أصحابه يتقيدون
بالكتاب والسنة قولا وعملا عبر تاريخهم الطويل.
وفي ضوء هذا محمد خليفات (وزير الشبيبة الأردني) في حال المدرسة الإباضية التي درسها دراسة علمية منهجية، يقول: (إنَّ المدقق
، أن أستشهد برأي الدكتور عوض يحسن بي
41 (1/41)
صفحة 42
في المصادر الفقهية الإباضية، يجد أن أصحاب المذهب الإباضي
من أكثر المسلمين اتباعا للسنة الشريفة والإقتداء بها. أما ما تلصقه بعض المصادر من تهم فإنها هو ناتج عن
بهم
أحد أمرين: الجهل والتعصب.
إنهم وحدهم الذين طبقوا مبدأ الشورى في الحكم بعد الخليفتين أبي بكر وعمر (14)
والجدير بالملاحظة أن أحمد أمين وأمثاله، فإن أحكامهم لإ تختلف عن الإنسان العادي الذي ينظر الى القصة من خلال الأحكام المسبقة الشائعة في مجتمعه، بدون تمحيص ونقد حتى ولو كانت على خطا واضح لقد صدق زكي مبارك، لما وصف أحمد أمين بما يلي: (إن أحمد أمين ينظر إلى الأدب وإلى الوجود نظرة عامية، فقد ظن فريق من الناس أننا نقول بأنه من العوام في حدود الإصطلاح المألوف على معنى أنه بعيد عن الجو الذي يعيش فيه
العلماء
وأحمد أمين قليل الاطلاع في ميدان الأدب بلا جدال، وهو مع قلة اطلاعه يحكم على الأدب أحكاما عامية، بعيدة كل البعد عن أحكام الخواص، وقد أسلفنا الشواهد التي تؤيد رأينا
وسنسوق الشواهد.) (15)
42 (1/42)
صفحة 43
ثم إن
بد أمين وأمثاله، لم يتحرروا من الفكر الاستشراقي الاستلابي، هذه الحقيقة، قد بينها الأستاذ السباعي قائلا: إذا تذكرت أن الأستاذ أحمد أمين تابع جولد زهير اليهودي في تجريح أبي هريرة - رضي الله عنه ـ واتهامه، علمت السر في توخي الأستاذ لهذه المسألة هنا، وتتبع خطوات جولد زيهر، ثم رأيت الى أي حد يكون التلاعب بالحقائق في
سبيل الأهواء) (16)
ولا جرم
أن هذه الحقائق اللامعة التي ذكرت هنا، تجعل من البرهان القاطع المطلق، أن المذهب الإباضي، قد ألصقت به تهم وتحريفات وشبهات، من طرف الكتاب المرتزقة الذي باعوا ضمائرهم ودينهم للأنظمة السياسية الحاكمة المتعفنة التي مثلت دورا خطيرا في وأد الأعلام الإباضية وكتبهم التي تمثل رؤية فكرية إسلامية أصيلة، وهي تناقض الحكم السائد آنذاك، لأنه قائم على السلطة الضالة، المتسلطة على رقاب المسلمين الذين ثاروا على هذه الوضعية الناشرة عن المنهج
الإسلامي الصحيح عدة مرات.
إن حكمنا هذا، لم يكن حكما جزافا أو ذاتيا أو صوريا تجريديا بل كان حكما واقعيا. موضوعيا. مبنيا على
43 (1/43)
صفحة 44
الحوادث التاريخية المؤلمة التي يعرفها الخصم من خلال الآثار
التاريخية.
ولكن قد يقول القارئ، إن صاحبنا هذا لم يتحرر من
ذاتيته، كلا ومعاذ الله
•
إن الحقيقة التاريخية والحقيقة المنطقية ستبقيان ثابتتين، بالرغم من التحريف والتهميش والتعتيم المستهدف من قبل بعض الأقلام المريضة، المضللة بحق هذه المدرسة وأعلامها العظام الى يومنا هذا
في
ومن هذا المنطلق التاريخي، يمكننا دراسة العلامة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش الذي يعد إحدى الدعائم الأساسية في نهضتنا الدينية في العالم الإسلامي، والجزائر، غير أن
الدراسات الإسلامية الحديثة جعلته بعيدا عن الأضواء الكاشفة وبالتالي أسدل عليه الستار، غير أن هذا الستار يحمل ألف سر، لقد صدق الشاعر إيليا أبو ماضي لما قال:
وإذا الدجى أرخى على سدوله
أدركت ما في الليل من أسرار
فطلبته، فإذا المغالق دونه
وهناك ألف ستار
وكان حقا علينا أن نميط هذا الستار الأول من خلال هذا البحث الموجز الذي ركزنا فيه على هذه المقدمة الضرورية، وبدونها لا يمكننا أن ندرك
44 (1/44)
صفحة 45
شخصية الإمام أطفيش ومكوناته التي تضرب في أعماق المدرسة الإسلامية، والعصر الذي نشأ فيه واحتك بمشاكله الاجتماعية والدينية والسياسية في ميزاب والجزائر والعالم الإسلامي.
وبعد هذا يحسن بنا أن نلقي بعض الأضواء الكاشفة
على البيئة الاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها جغرافيا
واجتماعيا ودينيا وسياسيا.
وإذا أبعد الباحث الإجتماعي أو التاريخي أو النفساني هذه الحقائق فإن دراسته ستكون غير
موضوعية وبعيدة عن المنهج العلمي الدقيق بل إن هذه الدراسة سيغلب عليها الجانب الوصفي والعاطفي، وهذا يتنافى مع الدراسات الاجتماعية العلمية في عصرنا هذا، الذي يهدف الى الدقة الموضوعية والرياضية في أبحاثه الانسانية والمادية الى
حد كبير.
C
45
55 (1/45)
صفحة 46
الفصل الثاني
وادي ميزاب: جغرافيا، واجتماعيا، وسياسيا.
ا - مقدمة:
إن هذا الفصل يعالج قضية أثر البيئة الإجتماعية في شخصية
الإمام أطفيش،
، رحمه الله
لا جرم أن الشخصية تعود الى عدة عوامل متداخلة
متشابكة، لا سيما العوامل الجسدية والنفسية والاجتماعية. هذه العوامل المتفاعلة هي التي تكون شخصيتنا وتاريخها من المهد الى اللحد. فالشخصية في جوهرها، هي مجموع
الصفات الأساسية التي تميز المرءعن غيره تمييزا واضحا. واعتمادا على هذه الواقعة النفسية، يمكننا أن ندرك بكل وضوح، أن شخصية الإنسان تعود الى عاملين أساسيين، وهما:
أ ـ العامل الداخلي المتمثل في الوراثة بالمفهوم العلمي ب ـ العامل الخارجي المتمثل في البيئة الاجتماعية والبيئة الجغرافية.
"
والجدير بالملاحظة أن هناك بعض الباحثين يجهلون أثر البيئة الجغرافية على سلوك الأفراد. وهذه البيئة الطبيعية لها أثر فعال على تكوين الأشخاص والمجتمعات كالصحراء التي تجعل الإنسان يتحدى ظواهرها الجغرافية، حيث يعتمد على إمكانياته الذاتية، فيتحمل الصعاب ليتكيف مع تلك البيئة القاحلة
46 (1/46)
صفحة 47
فلا مناص لنا من القول بان البيئة الاجتماعية والجغرافية
لهما تأثير قوي في سلوكنا العام.
من خلال المجتمع نتعلم اللغة ودلالاتها الفكرية، والأخلاقية كالحق، والباطل، الخير والشر، الحسن
والقبيح ... الخ. وفي ضوء هذا، فإن الفرد يحاول بكل قواه أن تكون له
شخصية عادية، متكاملة، متكيفة مع مجتمعه، ولذا قيل:
(الشخصية المتكاملة الشخصية القادرة على تكييف ذاتها
هي
والمتميزة بوحدة اتجاهاتها، بحيث تكون
6
استجاباتها جميع الجزئية متفقة أهدافها العامة، وبحيث تكون العوامل المادية مع والاجتماعية والروحية والعاطفية والأخلاقية المؤثرة فيها متعاونة
على تحقيق تكيفها العام) (17)
ولكن هذه الشخصية، قد تتفوق على أبناء ذلك المجتمع
تفوقا عظيما بذكائها الحاد، أو سمة من سماتها الخاصة بها
بحيث تكون محل إعجابنا وتقديرنا إياها
وقد تخلق هذه الشخصية الموهوبة عداء وغيرة، عند بعض
"
أفراد مجتمعها لأنها تثير فيهم، مشاعر النقص، فتبين ضعف
أفكارهم وسذاجتها
هؤلاء الموهوبون يطلق عليهم العباقرة، لأنهم استطاعوا تقديم شيء جديد أصيل في ميدان الحياة الدينية، أو الاجتماعية، أو الإقتصادية أو العلمية.
47 (1/47)
صفحة 48
وهكذا يمكننا أن نقول: إن العبقرية هي الشخصية التي تحدث تغييرا جذريا في البنيات الثقافية أو المادية في أي
مجتمع مهما كانت طبيعته التركيبية،
وفي ضوء هذا المنظور النفساني، يحسن بنا أن ننظر الى إمامنا الشيخ أطفيش من الزاوية البيئية العامة جغرافيا
واجتماعيا ودينيا وسياسيا.
والجدير بالتنويه أن إمامنا ولد في مدينة بني يزقن - وادي ميزاب - الجزائر سنة 1236 هـ،، وتوفي فيها سنة
1332 هـ.
ومن هنا يحق لنا أن نستعرض هذه البيئة
2 - البيئة الجغرافية التي نشأ فيها الإمام أطفيش: إن البيئة الجغرافية التي نشأ فيها إمامنا أطفيش، وهي وادي ميزاب. إن هذه المنطقة تبعد عن عاصمة الجزائر ب 600 كلم، فوادي ميزاب، يشتمل على المدن السبع التالية: العطف، بنورة، مليكة، بني يزقن، غرداية بريان، القرارة.
وهذه المنطقة تتميز بالطابع الصحراوي على العموم. اما الأمطار فسقوطها قليل جدا، بحيث لا تتجاوز في أحسن الحالات 25 ملميترا في السنة
لقد مرت حالات من الجفاف الحاد على هذه المنطقة، كما
حدث في السنوات التالية: 1867 م.
48
1920
6
م.، 1945، ام. (1/48)
صفحة 49
وبالرغم من هذا فإن المنطقة قد عرفت فيضانات خطيرة
جدا، كما حدث في السنوات 1900
1914
،
م
1960
"
م
وغني عن البيان أن هذه المنطقة يكثر فيها النخيل الذي يعد العمود الفقري في اقتصاد المنطقة، لا سيما قديما، قبل أن تعرف المنطقة الآن تطورات هامة في التجارة والصناعة
والسياحة والبترول.
اما قديما، فإن صناعة المنطقة تعتمد على الصناعات التقليدية المعروفة كصناعة الفخار والأواني الخشبية والنسيج المنزلي لا سيما الزرابي والأردية الصوفية الا أن هذه المنطقة اشتهرت قديما بالتجارة، وهذا بفضل أبناء هذه المنطقة الذين ذللوا الصعاب، في شمال إفريقيا وجنوب الجزائر، إذ فتحوا مراكز تجارية هامة، بحيث أصبح الإباضي محل ثقة وأمانة من الناس في أغلب الحالات
وكان هؤلاء التجار ينعشون الحركة التجارية في وادي ميزاب بفضل البضاعة التجارية التي يعرضونها في الأسواق كالقمح والزيت والأقمشة والآلات الحديدية وهذه السلع كانت تعوض باللع الصحراوية كالأنعام والصوف والأعشاب البرية ... الخ.
49
4. (1/49)
صفحة 50
ومهما كان الأمر فإن وادي ميزاب المسلم يعد المحور الرئيسي الرابط بين شمال الجزائر وجنوبها تجارة وصناعة الى يومنا هذا
ومن الملاحظ أن المنطقة الميزابية قد عرفت حضارة إسلامية راقية وهذا بفضل أبنائها الذي تحدوا الصعاب المادية والظواهر الجغرافية وخير دليل على ذلك أنهم حفروا آبار الماء في الجبال الصلبة، فضلا عن مئات الآبار التي يتجاوز عمقها على 60 مترا. ثم التحكم في توزيع مياه الأودية بطريقة هندسية عجيبة بحيث يأخذ كل فرد حقه من الماء بطريقة
عادلة
إسلامية.
ومن هذا المنطلق الحضاري الإسلامي، نجد أن وادي ميزاب يعد المنطقة الجزائرية الأولى في جلب السياح وطنيا
وعالميا.
وهذا يعود في نظري الى المحافظة على الثقافة الإسلامية في إطار عصري حيوي ما دام الإسلام هو الحضارة.
وبعد هذا ننتقل الى الحياة الاجتماعية في وادي ميزاب
المسلم.
3 - البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها الإمام
أطفيش:
إن الإنسان حيوان اجتماعي كما قيل. . . ليس في إمكانه أن يلبي رغباته ودوافعه النفسية والمادية بمفرده، مهما أوتي
50 (1/50)
صفحة 51
من قوة مادية أو فكرية، ولهذا فهو مدفوع الى التعامل مع الأفراد، وإلا فقد خصائصه الإنسانية، وبالتالي يكون أقرب الى
الحيوانات غير الناطقة
وهذا التعامل الاجتماعي يتجلى في العلاقات الاجتماعية النشيطة بين فردين أو أكثر.
وهكذا يمكننا أن نعتبر الجماعات الصغيرة أو الكبيرة، تعكس النظام الاجتماعي في أي مجتمع مهما كانت طبيعته التركيبية بسيطة كالمجتمعات البدائية أو معقدة كالمجتمعات
المتحضرة.
وإذا كان بعض المفكرين يرون أن الوحدات الاجتماعية
الاقتصادية
،هي
التي يتركب منها المجتمع، فهذا العنصر
الاقتصادي هو المسيطر الكلي على سلوك ذلك المجتمع. بيد أن هناك من يرى أن الأفكار الدينية والروحية هي
المحركة الأساسية لهذه المجتمعات البشرية، أفرادا وجماعات وفي ضوء هذه النظرة الإجتماعية، نقول إن الظاهرة الاجتماعية في وادي ميزاب تميزت أساسا بالطابع الديني الإسلامي، الذي استطاع أن يجيب ويعالج المشكلات النفسية
والمادية، والعلاقات الفردية والاجتماعية
وهذه الخاصية قد تجلت في نظام العزابة المرتبط بالمسجد الذي لا يزال الى يومنا هذا هو المحرك الوحيد في التربية العقائدية والأخلاقية في أمتنا الإسلامية.
51 (1/51)
صفحة 52
لأنه يعد المؤسسة الأساسية الأولى التي يقصدها كل الناس، صغيرا أو كبيرا، فقيرا وغنيا، عالما أو جاهلا، لأداء الصلوات الخمس والمناسك الدينية. والجدير بالتنويه أن
منطقة وادي ميزاب، لم تكن خاضعة لأي سلطة سياسية مباشرة قبل دخول الاستعمار الفرنسي فيها سنة 1882، بل كان
وادي ميزاب يسير نفسه بنفسه من خلال مجلس العزابة، الذي أسس قواعده العامة العلامة الكبير، أبو الله محمد بن أبي
بكر المتوفى سنة 440 هـ.
عبد
وهذا المجلس الديني يهدف الى تنظيم حياة وادي ميزاب تنظيما إسلاميا خالصا قائما على الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ولا يدخل في عضويته إلا من توفرت فيه هذه
الشروط التالية:
أ ـ حسن السيرة مع حفظ كتاب الله تعالى.
ب - النزاهة في معاملاته اليومية وأن يكون متزوجا. الكفاءة العلمية والقدرة المالية حتى لا يكون عالة على
ج
المجتمع المسلم.
ولكن في الوقت الحالي، فإن مفعول هذا المجلس قد تقلص مفعوله الإيجابي بسبب الظروف الحضارية المعاصرة، لا سيما المجال الاقتصادي، والقضائي.
أما المجال الاجتماعي فلا يزال يلعب دورا حيويا الى
حد ما.
52 (1/52)
صفحة 53
يقول الاستاذ الكريم ابراهيم محمد الطلاي الذي يعد أحد
أعضائه فيه ما يلي: ونظام العزابة، نظام اجتماعي مبني على مراعاة الدين والمحافظة عليه، والقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الجهلة والأغرار ولهذا النظام يرجع الفضل في بقاء رونق الإسلام، وطهارة في ميزاب فترة من الزمن، طويلة، وفي محافظة غالب السكان على تعاليم
الإسلام واتباع منهجه
وقد كان واضع هذا النظام حكيما الى أبعد حد فلم يترك ناحية من النواحي الاجتماعية إلا وجعل لمجلس العزابة عليه إشرافا مباشرا أو غير مباش (18)
وبعد هذا ننتقل الى الحياة السياسية داخليا من سنة 1830،
إلى 1914 م.
الإباضيون الجزائريون ومقاومتهم للإحتلال
الفرنسي:
لقد رأينا فيما مضى أن وادي ميزاب المسلم لم يكن خاضعا للسلطة السياسية مباشرة، ولكن كان يحكم نفسه بنفسه فكانت لهم معاهدة دفاع مع السلطة العثمانية. ف الإباضية منذ أسسوا الدولة الرستمية الجزائرية. الى يوم إستقلال الجزائر سنة 1962 هـ، كانوا دائما في مقدمة المجاهدين بحيث ضحوا بالنفس والنفيس ضد الاحتلال
الأوروبي الصليبي.
53 (1/53)
صفحة 54
وأحسن دليل على ذلك ما كتبه المؤرخ الألماني سيمون
بفايفر واصفا جهاد الجزائريين ضد الإحتلال الفرنسي الذي تم سنة 1830، حيث يقول: (وقد تولى الأغا أفندي إبراهيم م. قيادة الجيش الجزائري الذي كان ينضم إليه كل يوم بضعة آلاف من العرب والقبائل بقيادة بياتهم وشيوخهم وخلفائهم فوصل باي قسنطينة الى أسطوالي مع حوالي اثني عشر ألفا، وباي تيطري مع ثمانية آلاف، وخليفته ثلاثة آلاف، وخليفته باي وهران مع ستة آلاف ومع شيوخ القبائل. بين ستة عشر وثمانية عشر ألفا، ومع أمين الميزابيين في الجزائر العاصمة حوالي أربعة آلاف) (19) ونص الفكرة قده أوردها الأستاذ سعد الله في كتابه، تاريخ الجزائر الحديث صفحة 34، لما ذكر عدد الجزائريين فقال:
(وجمع أهالي ميزاب حوالي أربعة آلاف محارب الخ ... ) وفي ضوء هذه المقاومة العنيدة التي أظهرها الجزائريون المسلمون في شمال إفريقيا، ضد المحتل الفرنسي الذي فرض سلطته بالدم والقتل الجماعي الذي تقشعر به الأبدان، وهذا الاحتلال المفروض يعود الى حقيقة أمره الى أسباب داخلية وخارجية فلا مناص من الهروب منها
وهناك أدرك بعض الميزابيين أن منطقة وادي ميزاب، ستكون لقمة سائغة أمام الزحف الفرنسي لأن جدار الدفاع
الجزائري، قد انهار في الشمال والشرق والغرب.
54 (1/54)
صفحة 55
ومن هذا المنطلق المأساوي لجأوا الى الحرب السياسية حتى تحفظ بعض حقوقهم الاجتماعية والدينية، لأنهم عاشوا
واقعيا، الأسلوب الجهنمي الذي استعملته فرنسا في النفوس
والممتلكات
إذن فما الحيلة إزاء هذا المأزق الخطير ومن هنا التجأ بعض أعيان ميزاب الى الحيلة السياسية تمثلت في عقد معاهدة سنة م في الأغواط مع الجنرال الكونت دي راندون، الذي
1853
يمثل الوالي العام على الجزائر.
غير أن الإباضية الجزائريين قد استغلوا هذه المعاهدة أي استغلال، حيث شاركوا وساعدوا كل الثورات الإسلامية (20)
التي ظهرت خلال الاحتلال الجزائري.
وهناك ثار لويس تيران الوالي العام على الجزائر فينو ممبر 1882 فأمر باحتلال منطقة وادي ميزاب عسكريا.
وفي ضوء هذا، جهز الجنرال دي لا تور دوفير نيوز،
حملته المشهورة على غرداية، فاحتلها سنة 1882
م.
إلا أن
الاحتلال الفرنسي وجد مقاطعة تامة من المجتمع المسلم بميزاب، في كل شيء، العمل في الإدارة الفرنسية، عدم إدخال أبنائهم في المدارس الفرنسية وعدم انضمامهم الى أفراد الجيش الفرنسي بحيث رفضوا التجنيد جملا وتفصيلا. لأن التجنيد في نظرهم كفر وخدمة لأعداء الإسلام، اليهودية
والتبشير.
55
55 (1/55)
صفحة 56
ولعل التاريخ الجزائري سجل هذه الخاصية بحيث لم ينضم
أي أحد
منهم
الى مرتزقة الجيش الفرنسي الذي يمثل الصليب. بل كانوا دائما في خدمة الثورات، بدون أوراق وضجيج، وخير دليل على ذلك ما قدمه ذلك المجتمع المسلم من فداء لثورتنا التحريرية المباركة التي حررت المجتمع الجزائري المسلم من الصليبية المسيحية وهذا بفضل الجهاد في سبيل رفع راية القرآن الذي هو هوية المسلم.
وعلى ضوء هذه الحقيقة التاريخية، فإن جريدة الشعب اليومية، العدد 7327، 18 ماي 1987، بينت هذه الحقيقة الناصعة في حديث الاثنين اذ قالت: (فأي مجاهد أو فدائي في
أي ناحية يتقدم الى دكان ميزابي مستظهرا بكلمة سر يتلقى على الفور كل المساعدات الممكنة المطلوبة
خاصة
وهكذا استطعنا أن نلقي بعض الأضواء على وادي ميزاب ا
والجزائر ما بين
1830
1900 م، والآن نسلط الأضواء على م،
العالم حتى تكتمل الفكرة العامة
أضواء على الجزائر والعالم الإسلامي تاريخيا: إذا تأمل الإنسان العالم الإسلامي في بداية القرنين التاسع عشر والعشرين، يدرك أنه قد وقع تحت وطأة الاستعمار
الغربي.
56 (1/56)
صفحة 57
وهكذا نجد أن العالم الإسلامي قد اصبح مجزءا، الى عدة نفوذ دول أوروبية، نتيجة المصالح الاستعمارية الهادفة الى
استغلال هذا العالم اقتصاديا وثقافيا
وفي ضوء هذا، نلاحظ أن الفترة الممتدة في العالم
الإسلامي
ما بين
1800
م، و 1900 م، تميزت بالاضطرابات
السياسية، والتناحر الطائفي، والانحطاط الثقافي، والجهل والتصوف المتزمت الذي يتناقض مع أصالة الإسلام الداعي الى
العلم والقوة والتحرر والجهاد ضد الفساد الخلقي
ومن هنا نجد أن بريطانيا قد بسطت نفوذها على الهند
والعراق ومصر والسودان أما
روسيا القيصرية فقد بسطت استعمارها على دول أواسط آسيا المسلمة. وأما إيطاليا فهي بدورها قد امتد نفوذها على ليبيا والقرن الافريقي والحبشة، بدون أن نهمل هولندا التي استولت على أندونسيا.
وفي هذا التيار الاستعماري العام، نجد فرنسا قد أحكمت
قبضتها الحديدية على الشام وشمال إفريقيا وغربها. بيد أن الجزيرة العربية قد انعزلت نفسها عن العالم وما
يدور فيه
لقد وصف هذا الخطب العظيم جمال الدين الأفغاني قائلا: (هذه الأمة يبلغ عددها اليوم زهاء ستمائة مليون من النفوس، وأراضيها أخذة من المحيط الأطلسي إلى أحشاء بلاد الصين
57 (1/57)
صفحة 58
تربة طيبة ومنابت خصبة وديار رحبة. ومع ذلك نرى بلادها منهوبة، وأموالها مسلوبة، تتغلب الأجانب على شعوب هذه الأمة شعبا شعبا ويتقاسمون أراضيها قطعة بعد قطعة، ولم يبق لها كلمة تسمع، ولا أمر يطاع، حتى أن الباقين من ملوكها
يصبحون كل يوم في ملمة، ويمسون في كربة مدلهمة
ضاقت أوقاتهم عن سعة الكوارث التي تلم بهم، وصار الخوف
عليهم أشد من الرجاء لهم.
هذه
هي
الأمة الإسلامية التي
C
كانت الدول العظام يؤدين لها
الجزية عن يد وهن صاغرات، استبقاء لحياتهن، وملوكها في هذه الأيام يرون بقاءهم في التزلف الى تلك الدول الأجنبية ويا للمصيبة وباللرزية) (21)
وبالرغم من هذا الكابوس الخانق، فإن الاستعمار الصليبي قد وجد في العالم الإسلامي عدة انتفاضات إسلامية، تدعو الى الجهاد المقدس: كثورة أحمد عرابي في مصر، وثورة المهدي في السودان، وثورة الأمير عبد القادر بن محي الدين الجزائري
وثورة محمد المقراني في الجزائر. وفي هذا المناخ التحرري فلا بد أن نشير الى أن الاستعمار الفرنسي، قد وجد مقاومة عنيفة ضد وجوده بدءا بالثورة المسلحة التي تزعمها الأمير عبد القادر الجزائري سنة 1833 م. الى ثورة أولاد سلطان في الأوراس 1915 فكانت الثورات م المتكررة المشتعلة في الجزائر، قد زاد عددها على سبع عشرة
58 (1/58)
صفحة 59
ثورة لما أدرك الجزائريون نفسية الاستعمار الفرنسي وأهدافه البعيدة، بأن الجهاد هو طريق الخلاص.
لقد جاء في تقرير محفوظات وزارة الحرب الفرنسية، يوليو (186 م ما يلي: (تهيمن على المسلمين ففي هذه الأيام فكرة ثابتة وقوية، وتتلخص بأن الفرنسيين يريدون طردهم من بلادهم، وإبعادهم عن أرض أجدادهم وتحويلهم الى أقنان عبيد يعملون في خدمة المستعمرين.
وقد عمل المستعمرون بممارساتهم على تعميق هذه الفكرة وتثبيتها، ولم يحاول هؤلاء المستعمرون إخفاء أهدافهم أو
التمويه على أمالهم.
ويقف الأوروبيون اليوم على حافة مرحلة ستقودهم الى معاملة الوطنيين الجزائريين مثل معاملة المهاجرين للهنود الحمر في أمريكا الشمالية) (22)
وحري بالباحث، أن يتقيد بهذه العوامل الخارجية المؤثرة بالضرورة في العلامة الشيخ اطفيش رحمه الله. وبدون هذا المدخل التاريخي فإن دراستنا ستكون ناقصة وغير قائمة على أسس موضوعية
تلكم هي الصورة العامة للعصر الذي عاش فيه الإمام أطفيش - رحمه الله ـ وبعد هذا، يجدر بنا أن ننتقل الى حياته
وآثاره الفكرية.
59 (1/59)
صفحة 60
الفصل الثالث
العلامة الشيخ أطفيش، مولده، ونشأته، وعناصر
شخصيته
ا? تمهيد: بالرغم من الحيف الذي كان يسود العالم الإسلامي، مشرقه ومغربه في القرن التاسع عشر، نتيجة الظروف الداخلية والخارجية، فإن بواكر إرهاصات النهضة الحديثة، بدأت تلوح بشائرها، بفضل بعض المجاهدين المخلصين المتخرجين من المساجد العامرة وبعض أعلام الجامع الأزهر في مصر، وجامع الزيتونة في تونس، وجامع القرويين في المغرب.
هؤلاء هم الذين حملوا مشعل الإسلام والثقافة في أوطانهم إلا أن هناك عاملا ساهم الى حد ما في دفع عجلة النهضة الحديثة، وهذا العامل تجسم في الطباعة لا سيما مطبعة بولاق التي تأسست عام 1821 م، وكان لها أثر فعال في النهضة العربية أضف الى ذلك الصحافة التي لعبت دورا حيويا، لا يستهان به، في العالم العربي، خاصة جريدة الوقائع المصرية التي يعود تاريخها الى عام 1828 أما بالنسبة الى الجزائر، فإن هناك علاقة روحية إسلامية
قد ربطت المغرب العربي بمشرقه
م.
إن هذه العلاقة تجسمت في عدة أعلام جزائريين كمحمد
عيسى الجزائري (1828
"
1892
60
بر
م) ومحمد مرتضي الحسني (1/60)
صفحة 61
الجزائري (1827 1 (199) الذي أسس جريدة بيروت سنة م
1886
ساهم
م
وفي وسط هذا التيار العلمي، نجد أن وادي ميزاب، قد
كذلك
في مجال المعرفة، وأحسن دليل على ذلك العالم الحاج ابراهيم بن يوسف اطفيش أخو العلامة محمد بن يوسف
أطفيش.
وجملة القول أن الحاج ابراهيم أطفيش المتوفي سنة 13000 هـ. يعد أحد أعلام النهضة العلمية الحديثة، حيث درس أول مرة في مسقط رأسه بني يزقن، غرداية. ثم رحل الى عمان، فشرب من مناهله العربية والشرعية، وبعدها رحل الى
مصر. فأقام في جامع الأزهر أربع سنوات، منكبا على دراسة العلوم العقلية والكميائية، ولما اشتد عوده رحل الى ميزاب، وحمل معه كتبه النفيسة في مختلف العلوم كالشريعة والفلسفة والمنطق والرياضيات والعلوم.
وهكذا استطاعت هذه البذرة المباركة أن تمتد جذورها إلى أخيه العلامة محمد بن يوسف أطفيش الذي حمل لواء العلم
والاجتهاد على قواعد الإسلام الصحيح، وبهذا ضمن للنهضة الحديثة الإنتعاش والاستمرار على أسس صلبة، أصيلة قائمة على القرآن الكريم والسنة المطهرة وسيرة الصحابة رضي الله إذن فمن هو الشيخ أطفيش محمد بن يوسف ولنبدأ بنسبه
ومولد ونشأته (24)
عنهم.
61 (1/61)
صفحة 62
ب - الشيخ أطفيش نسبه وميلاده:
العلامة العظيم الشيخ الحاج أمحمد بن يوسف بن عيسى هو
ابن صالح بن اسماعيل يتصل نسبه الى سيدنا عمر بن الخطاب
رضي
الله عنه
وقال
رحمه الله في مدح الرسول الله وناظم الأبيات من بني عدي
يتصل اتصال
واليوم بالأمس وزند بيـ
د
وكلوة بكب ـد وكتـ
أما كنيته المشهورة فهي القطب وهو سيد القوم ونجمهم
مكانه ومطلقا
الذي لا يبرح
•
قال الشاعر الكبير السموأل
:
فإن بني الريان قطب لقومهم
تدور رحاهم حولهم وتجول
أما الشيخ أبو اليقظان (1888، 1973 م) الذي يعد تلميذا للشيخ أطفيش وأبا وعميدا للصحافة الجزائرية فيقول فيه (منهم الشيخ الحاج أحمد بن يوسف أطفيش الشهير بقطب الأئمة عند المغاربة وبقطب المغرب عند المشارقة وهو جدير بحق بهذا اللقب العظيم، فإن علماء المشرق والمغرب كالكواكب تدور على هذا القطب في فلكه الواسع، ويتصل نسبه بسيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فهو من بني عدي نسبا (25)
62 (1/62)
صفحة 63
ا - ولادته:
أما ولادته، فكانت في بني يزقن غرداية الجزائر حيث ولد
سنة 1236 هـ،، الموافق ل 1820 م.
وبعد أيام عديدة انتقل الوالد مع عائلته الى مدينة غرداية
فسكن بدار بوسعدة في الشارع الكبير حواش
أما والده الشيخ الحاج يوسف، رحمه الله، فيعد من الشخصيات البارزة في وادي ميزاب وكان ذكيا، شجاعا،
،
حاملا لواء الحق. فقد توفي والابن لم يتعد خمس سنوات. أما والدة الشيخ أطفيش فهي مَامًا ستي بنت الحاج سعيد بن عدون، عائلة آل يدر، وتعد هذه الأم الكريمة من الأمهات القليلات اللائي بذلن مجهودات مضنية وحثيثة في سبيل نشر العلم الصحيح، وتأصيل المعرفة الإسلامية العملية. ومن ثم، لا يمكن تجاهل بأي حال من الأحوال دور الأم المثالية في توجيه سلوك الأبناء نحو الطريق المستقيم لخدمة
مجتمعهم علما وسلوكا
يقول الأستاذ محمد علي دبوز (لقد كان لوالدة القطب أكثر الأثر فيه بوراثتها الكريمة، وهي كل السبب في اتجاه القطب الى العلم بعد وفاة والده. لولاها لاتجه اتجاها ماديا ... يؤدي بنبوغه كما أودت المادة والجهل بنبوغ كثير من اليتامى
وأبناء الأمهات الجاهلات.) (26)
63 (1/63)
صفحة 64
:
أساتذته
إن علماء النفس قديما وحديثا، أصبحوا يهتمون بتحليل
عناصر الشخصية، ومكوناتها الأساسية.
وهكذا. فإنهم يرجعون الشخصية الى عوامل داخلية تتمثل أساسا في الوراثة التي يقصد بها نقل الصفات الجسدية والنفسية
من السلف الى الخلف، أي من الأجداد والآباء الى الأبناء بيد أن هناك عوامل أخرى تتمثل في العوامل الخارجية
وهي البيئة الاجتماعية ومؤثراتها المادية والفكرية. وعلى أية حال، فإن الوراثة قد مثلت دورا حاسما في شخصية أستاذنا أطفيش
ومصيره.
وهكذا نلاحظ أن ذكاءه يُعد أحد العوامل الجوهرية حيث
جعله يتفوق تفوقا حامسا على أترابه في دراسته الابتدائية في كتاتيب لتعليم الصغار، مبادئ القراءة والكتابة
المتمثلة
وتحفيظ القرآن الكريم. ولما بلغ محد بن يوسف أطفيش الخامسة من عمره، أدخلته أمه الكريمة في كتاب المسجد، ليحفظ القرآن الكريم. فأظهر ذاكرة قوية، وذكاء حادا، ونشاطا مثاليا، لا يعرف الملل فَسَطع نجمه أمام أترابه، ولم تمر ثلاث سنوات حتى حفظ
القرآن الكريم حفظا جيدا عن ظهر قلب، وهو لم يتعد عمره
تسع سنوات.
64 (1/64)
صفحة 65
وفي هذه
لا
بد أن نشير إلى أن البيئة المحلية
الميزابية التي نشأ فيها الشيخ أطفيش بعيدة كل البعد عن اللسان
العربي الفصيح
أضف الى ذلك أن المدة الزمانية في الدراسة لا تزيد في اليوم على ثلاث ساعات في أحسن الحالات، نظرا الى المعلمين المتطوعين الذين يدرسون في تلك الكتاتيب، لأن جلهم يعملون في حقل الفلاحة أو البناء أو التجارة لكـ قوتهم اليومي.
أما بالنسبة الى أساتذته في المرحلة الثانية فهم الشيخ عمر ابن سليمان والشيخ الحاج سليمان بن يحي وأخوه الشيخ ابراهيم
ابن يوسف.
إن هؤلاء رحمهم. الله قد غرسوا في ابنهم محمد بن يوسف أطفيش الإسلام العملي الصحيح، والفضيلة الأخلاقية، وحب الاطلاع ثم صقلوا مواهبه الذكية، ودوافعه الجياشة نحو الأصعب، لأن نفسيته كانت تسعى الى طلب المعرفة الشاملة
والكشف عن حقائقها وأسرارها.
فلم يجد هذه البغية الشريفة الا عند أخيه الكبير الشيخ ابراهيم بن يوسف لما رجع من المشرق العربي، فشرع ينشر
معارفه الدينية والعقلية والاجتماعية والعلمية في بني يزقن. إن أخاه ابراهيم كان له أثر فعال في تثقيف شخصية أخيه محمد في المرحلة الثانوية، إن صح التعبير بالمفهوم العصري.
5
65 (1/65)
صفحة 66
ويمكننا أن نستدل على ذلك بما كتبه الأستاذ أبو اليقظان
إذ يقول: (لما رجع أخوه الشيخ الحاج ابراهيم من المشرق من عمان ومصر وهو مملوء الوطاب وبأوسع المدارك، كما مر بيانه، إذ احتضنه تعليما وتثقيفا، فوجد منه بحرا زاخرا عذبا غلته من العمل والمعرفة، فأخذ حظه منه في سائر الفنون، ثم تفرع للتدريس والتأليف وصرف قوة شبابه فيهما الى
يروي
آخر عمره) (27)
3 - نبوغه العلمي:
لقد قلنا فما مضى أن الشيخ محمد بن يوسف أطفيش يعد
عظيم زمانه، نظرا الى ذكائه الوقاد، فالذكاء هو سرعة الفهم كشف العلاقات الخفية، إزاء المشكل الجديد المطروح
مع
6
أمامنا. وهناك من يرى أن الذكاء هو القدرة على التعلم. وعلى ضوء هذا، نستطيع أن نجزم بأن الوراثة قد مثلت
دورا جوهريا في إبراز شخصية القطب، دون أن نهمل الفاعلية الاسلامية والاجتماعية التي طبعت سلوكه العام، وخاصة إذا علمنا أخاه الحاج ابراهيم، قد كون فيه الرغبة المتأججة في كل المعارف فوجهه توجيها سليما، وبالتالي درس عليه العلوم
الشرعية والعقلية والعلمية الخالصة والتاريخ الاسلامي وفي هذا المنحى، فإن أخاه قد أعطاه كل كتبه التي
أخذها
من المشرق العربي: فدرسها دراسة مستفيضة، معتمدا
66 (1/66)
صفحة 67
على نفسه، دون أستاذ حتى تمكن فيها كل التمكن، ففقه مسائلها واستطاع أن يدرك كل المشاكل الموجودة فيها، لغة
ونحوا، وفقها، ومنطقا
ولا أدل على ذلك من نبوغه في النحو ومشاكله، بحيث استطاع أن ينظم كتاب المغني لابن هشام في خمسة آلاف بيت
وعمره لا يزيد على ست عشرة سنة
و يقول فيه رحمه الله
مغني
ألا تراه
:
?
ية
تسمع فيها لاغية
ولا يفوتني هنا، أن أشير إلى أنه شرع في التدريس مع
أخيه إبراهيم وهو لم يبلغ خمس عشرة سنة
ولما وصل العشرين من عمره أصبح يشار إليه بالبنان في
علمه وأمسى أعظم عالم مسلم في وادي ميزاب والجزائر
والعالم الإسلامي) (28)
هنا ومن
، فتح دارا للتدريس، فأفرغ كل جهد في التأليف
وإصلاح سلوك المجتمع ومحاربة الآفات الاجتماعية دون كلل
ليل نهار، ما دام هدفه الأول هو خدمة الإسلام، قولا وسلوكا، وبعد هذا، نستعرض جوانب أخرى من شخصيته الأخلاقية
والاجتماعية
•
67 (1/67)
صفحة 68
ج - شخصيته:
إن الإمام الشيخ أطفيش، قد وهب الله له شخصية
متكاملة، من الناحية الجسمية والنفسية والاجتماعية. فالشخصية المتكاملة تَتَمَيَّز أساسا بوحدة اتجهاتها وقوة تكيفها مع أهدافها الذاتية، والاجتماعية نتيجة العوامل الجسمية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية
"
أما الشخصية غير السوية، فهي الشخصية التي لا يمكنها أن تكيف ذاتها نتيجة بعض الأمراض الجسدية أو النفسية أو
العقلية أو الهزات الاجتماعية وتغيراتها
ومن هنا لا يجوز لنا أن نتجاهل هذه العوامل لا سيما
الجانب الجسماني الذي يحدد مصير الإنسان في المستقبل
وفي هذا المنظور النفسي، نقول: إن التغيرات
الفزيولوجية والغددية لها دور خطير في حياة الإنسان طفلا أو
مراهقا أو شابا أو شيخا وإذا وقع اضطراب أو نقص أو شذوذ في جسم، فإنها قد تنطوي على ذاتها، فتصاب بالأمراض النفسية
والعقد اللاشعورية.
ا - القطب وصورته الجسمانية:
إذا كان الله عز وجل، قد وهب للشيخ أطفيش بسطة في العلم، فقد وهب له كذلك بسطة في الجسم. كما قال الله عز
68 (1/68)
صفحة 69
وجل في ملك طالوت:: قال إن الله اصطفاه عليکم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247 - البقرة)
ولقد صدق المثل السائر: العقل السليم في الجسم السليم
كان
رحمه
الله: قوي البنية، متوسط القامة، ليس
بالطويل ولا بالقصير، بشرته بيضاء مشوبة بحمرة، عريض الوجه، واسع العينين، والكتفين، حاد البصر، فصيح اللغة، بليغ العبارة. فقد وصفه الأستاذ محمد علي دبوز فقال: (لقد كان ربعة القد، عريض الوجه، أبيض مشوبا بحمرة، واسع الجبهة، كث اللحية مسترسلة تصل الى منتصف صدره، حديد البصر، مرهف الحواس، واسع العينين، يعتني ببصره كل
الإعتناء
لأنه
عدته في عمله) (29)
2 ـ القطب وصفاته الأخلاقية:
إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتميز بالثنائية المتمثلة
في الجانب الحيواني الخالص، والجانب العقلي الخالص
ومن خلال هذه الثنائية جعلته كائنا أخلاقيا في صراع دائم بين دوافعه الحيوانية وواجباته الأخلاقية الصادرة عن العقل والعاطفة والدين. وغني - البيان أن القرآن الكريم قد بين العقيدة الصحيحة والعبادات والمعاملات القائمة على القيم
الأخلاقية كالعدل والعفة، والخير، والحكمة. . .الخ.
69 (1/69)
صفحة 70
وهذه الأخلاق قائمة على الإيمان والعمل معا. ولذا نلاحظ
أن الأخلاق الإسلامية لا تجيز الفصل بين القول والعمل ولنتأمل قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن
عملا: (30 / الكهف)
وتأسيسا على هذا، فإن القطب رحمه الله قد طبق الإسلام في سلوكه عملا، لا قولا كما يفعل بعض رجال الدين، الذين باعوا ضمائرهم وقيمه الأخلاقية للدنيا، طلبا للمادة أو المصالح الذاتية. لقد أشار القرآن الكريم الى هؤلاء: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم
القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (77 ـ آل عمران) كان القطب رحمه الله يخاف ربه ويرجوه في كل شيء في قوله وسلوكه ودعوته الإصلاحية التي كان يدعو إليها. وهو يتقد غيرة على الإسلام، والمجتمع الإسلامي فحارب الفساد الخلقي والعقائدي في مجتمعه وهو يدعو دائما الى الرجوع الى كتاب الله وسنته الشريفة
وإذا وجد عادات تناقض الدين فإنه يثور في وجه هؤلاء وكان رحمه الله لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب للحق
ولدين الله.
70 (1/70)
صفحة 71
ومن ثم كان رحمه الله يشارك مجتمعه في أفراحه وأتراحه ولم يكن يعيش في برجه العاجي، بل كن إنسانا اجتماعيا، بل كان يحتك بالشرائح الاجتماعية، عمالا وطلبة وفلاحين وعلماء وزعماء القوم. . . الخ. فليس عجيبا أن نجد تلميذه أبا اليقظان يصف لنا تلك الشمائل الأخلاقية فيه فيقول: كان) إلى جانب ذلك في نهاية
الغيرة على الإسلام وعزة الدين، شديد الوطأة على الفساق والعصاة، أمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، شفوقا على الفقراء والمساكين كريم النفس سخي اليد، عطوفا على الملهوف يفكر تفكيرا إنسانيا في أوسع أفاقه شديد الاهتمام بأحوال العالم الإسلامي يفرح لفرحهم، ويحزن
لحزنهم) (30)
3 - القطب وشغفه بالعلم: مما لا جدال فيه، أن الإسلام قد دعا الى العلم الصحيح في القرآن الكريم والسنة الشريفة، كقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق، الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم (1، 2، 3،4،: العلق)
خلق
71 (1/71)
صفحة 72
و يقول الرسول الكريم: عن أبي عبيدة عن جابر بن
زيد عن أنس
بن
مالك عن
النبيء قال: أطلبوا
العلم ولو بالصين ومن طريقه عن النبي الله قال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما يطلب»
الجامع الصحيح مسند الامام الربيع بن حبيب.
إن هذه الأدلة الشرعية تجعلنا أن نسلم بأن عبادة الله تكمن في العلم ولولا هذا العلم الصحيح لتعذرت معرفة الله تعالى معرفة سليمة.
ومن هنا جاز لنا أن نستنتج بداهة أن العلم الصحيح الهادف الى خدمة الدين والدنيا هو عبادة الله عز وجل ولنسمع في ذلك الى قول الرسول الكريم: «تعلموا العلم فإن تعلمه قربة الى الله عز وجل وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وإن العلم لينزل بصاحبه في موضع الشرف والرفعة والعلم زين لأهله في الدنيا والآخرة الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع بن حبيب
ذلك
وهكذا نرى أن القطب رحمه الله، قد أدرك البعد العميق للعلم، ما دام يسعى الى سعادة الدنيا والآخرة، كما يقول في رحمه الله (الورع بالعلم، وهو الكف عما يوجب النار، وهو ورع العدول وتركه محبط للأعمال لا موجب لإعادتها) (31) إذن فالعبادة هي طلب العلم، وهذا العلم يجب يجب أن
يقوم
على دعائم قوية، تتمثل في الكتب التي يقرأها الإنسان.
72. (1/72)
صفحة 73
فيعي مكنونها ومقاصدها القصوى، فأهل العلم والمعرفة، قد وجدوا ضالتهم في الكتاب، قديما وحديثا، إن الكتاب يعد أفضل جليس، وأعز صديق وأصدق راو، لأنه ذاكرة الأمم، يروي عزها، وضعفها، رجالها وأعلامها، حربها وسلمها. وبالتالي يعد الأساس الشامل للحضارات الإنسانية وخير راو
في الوجود.
لقد صدق المتنبي لما قال:
أعز مكان في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب
واعتمادا على هذا الحب والشغف، فإن الإمام الشيخ اطفيش، استطاع أن يكسب جُل أمهات الكتب النقلية
والعقلية، في منطقة صحراوية بعيدة كل البعد عن مراكز الطباعة والحضارة ولا أدل على ذلك من داره المخصصة للكتب والتدريس، وهذه الكتب تحتوي على مؤلفات المذاهب الإسلامية كلها، قديمها وحديثها في علم الفقه واللغة والبلاغة والنحو والصرف والحديث والتفسير والسير و والتراجم والرياضيات والمنطق
وفي ضوء هذا، نقول: إن امتلاك هذه الثروة الفكرية، ليس بالأمر الهين، بل يطلب إرادة فولاذية لا تعرف المستحيل ولا الكلل إزاء الحواجز الطبيعية والبشرية والمادية. يقول الأستاذ محمد على دبوز عنه وكانت مكتبته تحتوي على آلاف
-73 (1/73)
صفحة 74
من نفائس الكتب. لقد
بجده
يمته الفولاذية.
وغرامه وشغفه بالعلم أن يملك من الكتب النفيسة في أعماق الصحراء في وقت الفتن وصعوبة المواصلات، وقلة المطابع ما لم يملكه أغلب العلماء الجامعيين اليوم وفي هذا المنحى العلمي، نطرح السؤال التالي:
هل القطب رحمه الله، كان هو الذي يقوم بنسخ الكتب،
وشرائها، أم أن هناك من يقوم بهذه المهمة؟
إن الوقع التاريخي يؤكد لنا أن القطب رحمه الله قد وهبت له مجموعة هامة من الكتب من زوجاته، وأهل العلم والأدب والأصدقاء والأوفياء.
ثم كلف من يقوم بهذه الوظيفة، حتى يتفرغ الى التأليف
والتدريس. وهكذا بجد عدة رسائل عمانية تؤكد لنا، أن هناك أواصر عضوية، قوية جدا بين العلامة أطفيش ورجال العلم، القائمين
له
بنسخ الكتب.
ولعل من المفيد أن نورد عينة صغيرة من هذه الرسائل
المخطوطة التي تبين مدى شغف القطب بالعلم.
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب في حراسة الله القدير، الى حضيرة شيخنا النحرير، وبدرنا المنير، الأجل الفاضل العالم العامل الأخ في الله محمد بن يوسف المغربي حرسه الله تعالى من البلاء والبؤس
74 (1/74)
صفحة 75
سلام عليك ورحمة الله كاته وبر
لعل الله أن يجعلنا وإياكم من الراشدين، إن الشيخ الأخ سعيد بن على الصقري عبدنا ما لا طاقة لنا به من نسخ قاموس الشريعة لتعذر الأمناء من الكتاب، ولكن هان علينا ذلك لما
تحقق
معنا أنه
رام به
به، جنابكم الأنيق، فامتثلنا أمره تبركا،
بخدمة قدركم الشريف، فمن الله علينا بالتوفيق الى انتهاج ذلك الطريق، فها هو واصلك منه، سبعة أجزاء والكل من الكتاب
تسعون جزءا.
وسبعة واصلة إليكم والباقي على أثرها مع حصول القاصد الله، نسأل الله تعالى أن يبلغكم هذا المرسول وأن لا
الى حرم يضيع
عملنا
في جنابكم العالي
وعليك وافر السلام من أخيك محمد بن سالم الغاربي. حرر يوم اشوال 1298) (33)
د - القطب وجهاده التربوي والاجتماعي: إن الإنسان قد يفهم من الجهاد ـ الجهاد الجسماني ـ أي التضحية بالنفس - ولكن عندما نعود الى المصطلح اللغوي الجهاد تلاحظ أنه يقصد به الجهد والتعب في أمر ما. ويقال فلان جهد اللبن، أخرج زبده كله. وهكذا نجد أن دلالة الجهاد
لغة لها عدة معان. المعنى المادي والمعنى الفكري.
75 (1/75)
صفحة 76
لقد جاء في لسان العرب لابن منظور ما يلي: الجهد
والجهد: الطاقة، نقول: اجهد جهدك، وقيل: الجهد المشقة والجهد الطاقة وجاهد العدو مجاهدة وجهادا: قاتله وجاهد في سبيل الله وفي الحديث: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية الجهاد محاربة الأعداء وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل، والمراد بالنية إخلاص العمل لله، والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان أو ما أطاق من شيء) ومن خلال هذا المنطلق اللغوي، المادي والمعنوي يمكننا أن ندرك أن الجهاد في الإسلام يحمل الدلالة الشمولية التي تدفع الفرد أو الجماعات الى تهذيب سلوك الناس القائم على الدوافع والرغبات المادية والنفسية ثم التحكم فيها، وذلك بتربيتها تربية إسلامية، بحيث أن هذا الجهاد يحمل في ثناياه الأذى المادي والنفسي في سبيل إحقاق الحق وإبطال الظلم. وغني عن البيان أن هذا التحليل الذي أشرنا إليه نجد له
دة أدلة. عدة
شرعية تعزز ما قلناه
يقول الله عز وجل: * يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم
ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون * (10/ 11:الصف)
76 (1/76)
صفحة 77
والرسول الكريم يقول: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. يعد استعراض هذه الأدلة الشرعية يمكننا أن نقسم جهاد
القطب رحمه الله الى عدة واجهات وهي: جهاده التربوي وجهاده الاجتماعي ثم جهاده مع الاستعمار الفرنسي.
ا - جهاده التربوي:
لقد رأينا فيما مضى أن القطب رحمه الله قد ملك مكتبة عظيمة جدا، تشتمل على أمهات الكتب الإسلامية، وكان هذا كله الى تكوين النشء تكوينا إسلاميا خالصا،
يهدف من
في سلوكه قولا وعملا.
وهذا لا يتأتى ولن يتأتى الا من خلال التأليف والتعليم، ولهذا أعطى نفسه كليا لهذا الميدان، مادام الجهاد التربوي لا يقل عن الجهاد البدني ولنتأمل هذا الحديث الشريف: (عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن رسول المداد في ثوب أحدكم إذا كان يكتب علما كالدم في سبيل الله ولا يزال ينال به الأجر دام ذلك المداد في ثوبه الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب.
الله صلى الله عليه وسلم: قال:
ما
رسم
بناء على هذه المعطيات الشرعية، نقول إن عملية التربية في الاسلام، تعد من العوامل الأساسية التي يعتمد فيها في التنشئة الاجتماعية، ولولا التربية لكان الإنسان أشبه بالحيوانات غير
77 (1/77)
صفحة 78
الناطقة، لأن الإنسان يكسب ماهيته الإنسانية من هذه الوظيفة التربوية التي تولد فينا، كل السلوكات سواء كانت بسيطة أم معقدة، فكرية أم مادية، ذاتية أم اجتماعية.
ومن هنا فإن موضوع التربية والتعليم، يعد من أخطر الموضوعات التي تعطى وتبذل الدول كل طاقاتها لبناء أفرادها
على حسب مقولاتها التي تنطلق منها.
والجدير بالذكر أن الإسلام له رؤيته الواضحة وفلسفته الخاصة به، إذ تعتمد أساسا على الثوابت القائمة في القرآن
الكريم والسنة الشريفة.
إن الأمراض والآفات الاجتماعية الموجودة في العالم
الإسلامي تعود الى الانشطارية السلوكية بين القول والعمل. وعلى أية حال، فإن القطب رحمه الله قد أدرك هذه الحقيقة من خلال احتكاكه بالبنيات الاجتماعية أفرادا وأسرا، وجماعات، وبالتالي شمر عن ساعده فجد كل الجد في البناء التربوي حيث تمكن من إنشاء معهد إسلامي في مدينة بني يزقن، وهذا المعهد الذي أسسه استهدف منه إصلاح النفوس وتربيتها تربية إسلامية قائمة على أخلاق القرآن الكريم والسنة وسيرة الصحابة رضي الله عنهم.
أما بالنسبة الى شروط قبول الطلبة في معهده، فتعتمد على
ما يلي:
1 - أن يكون الطالب ذا سيرة حسنة
78 (1/78)
صفحة 79
2 - أن يكون حافظا للقرآن الكريم.
3 - أن يكون حافظا لمتون العقيدة والنحو والفقه وأصول
الدين.
•
وكان
رحمه الله
يقسم
الطلبة على حسب مُسْتَوَاهُمُ الثقافي
حلقات صغيرة.
أما
نظام التعليم في معهد القطب فإنه هو الذي يشرف عليه مباشرة على تعليم الطلاب، مع بعض الطلبة اللامعين الذين يدرسون بعض الحصص للمبتدئين. وأما توقيت الدراسة فإنها تبتدئ عادة من يوم السبت الى يوم الاربعاء من طلوع الشمس
الى الظهر.
وكان حريصا أشد الحرص على ملازمة دروسه الا في حالة أسفاره الاضطرارية. حتى قيل عنه إن الأودية إذا سالت في ميزاب، لا يخرج الى رؤيتها والتمتع بمنظرها البديع الذي يسحر العين والقلب. ومن هنا نجد أهل الصحراء يعدون ذلك اليوم يوم فرح
وعرس
"
فلا بد من مشاهدته
والجدير بالملاحظة أن القطب
الله قد شخص رحمه
الأخلاق
والتربية والعلم في سلوكه، وهذا السلوك قد انعكس أثره الفعال على أبنائه الطلبة، وهو ينهج في فلسفته التعليمية نهجا حسيا وعقليا، إذ ينطلق في دروسه من المحسوسات الى المعقولات
79 (1/79)
صفحة 80
ومن البسيط الى المعقد، ويبسط المشاكل قدر الإمكان، دون ملل وانفعال، لترسيخ المعلومات في ذهن الطالب إن هذه الوظيفة التدريسية تتطلب صبرا ونفسا طويلا
والتحكم في الأعصاب حتى لا يشعر الطالب أنه دون المستوى المطلوب، وبالتالي يتحرر من أسر العقد النفسية التي كثيرا ما
تكون عائقا خطيرا في مستقبله.
وفي هذا المنحى يحسن بنا أن نستشهد برأي تلميذه الكريم
الشيخ أبي اليقظان آنذاك
يقول
رحمه
مدارك التلميذ
الله: (بعد الشرح والتحليل والتعليق بحسب
، يرجع
لاختبار وعي التلميذ وفهمه، فيكلفه بإعادة ذلك وتكراره، فإذا تلعثم أعانه وإذا لم يجد الفهم والهضم أعاد ما تعسر عنه، ولا يمر عن المشكل إلا إذا فهم التلميذ
جيدا، ورسخ في ذهنه) (34) من خلال هذا النص يمكننا أن ندرك أن أسلوب التعليم الذي اتبعه الامام اطفيش بعيد كل البعد عن الأسلوب التقليدي المتبع في زمانه، والذي يعتمد على القوة المادية كالضرب بالعصا، التي تجعل التلميذ يتقوقع نفسيا، إذ تقتل مواهبه الفكرية وطموحاته الكبرى.
أضف الى هذا أن تلك المدرسة الطفيشية قائمة على التربية
الدينية والأخلاق بالدرجة الأولى.
80 (1/80)
صفحة 81
قالتربية الدينية هي العمود الفقري لأية خطوة تربوية وثقافية واجتماعية يراد لها التمكين والنجاح في الأمة الإسلامية.
وهذا هو المنهج السليم الذي سار عليه الرسول وانعكس أثره على الصحابة رضي الله عنهم. ولولا القيم المجسمة في سلوك الرسول الكريم عمليا، لما قال الله فيه عز وجل: وإنك لعلى خلق عظيم (4) / (القلم) ولما قالت عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن الكريم) حين سئلت
أخلاقه.
عن
إن معهد الشيخ اطفيش قد تخرج منه عدة الطلبة الذين حملوا مشعل النهضة الحديثة في العالم الإسلامي. وبالتالي يمكننا أن نشير إليهم إشارة خاطفة
2 - تلاميذ القطب: (35)
لقد تتلمذ على يد القطب رحمه الله نخبة من التلاميذ الذين تأثروا به دينيا وأخلاقيا ومن هنا فقد نهجوا منهجه
.
الإصلاحي في سلوكهم وسلوك مجتمعهم. إن هؤلاء قد وجدوا ضالتهم المنشودة في أستاذهم الذي
شجعهم على التحصيل العلمي المفيد والتخلق بالأخلاق القرآنية قولا وعملا لخدمة الإسلام والمسلمين
81 (1/81)
صفحة 82
وهناك من استمر في الدراسة والتدريس خارج وادي ميزاب، وهناك من وجه نشاطه الفكري، نحو الحياة العامة كالتجارة والفلاحة والصناعة. . .الخ.
ومهما كان الأمر فإن هؤلاء الطلبة قد شمروا عن ساعدهم القوي لخدمة أمتهم إصلاحيا وأخلاقيا وإسلاميا. ولهذا لا يمكننا أن نشير الى كل طلبة القطب ما عدا اللامعين منهم
فقط
ومن بين هؤلاء:
1 - الشيخ بابكر بن الحاج مسعود الذي تولى مشيخة غرداية، كان ذا أخلاق وعلم وجهاد، فأسس مدرسة علمية وتخرج منها عدة أعلام.
ب - صالح بن عمر (1871 / (1928) يعد من العلماء البارزين الذين أثروا في النهضة العلمية بعد وفاة القطب، أما آثاره الفكرية فهي القول الوجيز في كلام الله العزيز في التفسير، لم يكمله و مراقي العوام الى معرفة مبادئ الإسلام.
في العقيدة وفقه العبادات
لقد ولد وتوفي في مسقط رأسه بني يزقن.
3 - صالح بن يحي بن الحاج اسليمان: (36)
يعد
أحد تلاميذ القطب لقد ولد في بني يزقن، وبعد أن
نهل العلم من مناهل أستاذه اتجه الى تونس للتجارة والعلم، حيث شارك في النشاط الثقافي والسياسي وهو يعتبر من الأوائل
الذين أسسوا حزب الدستور التونسي.
82 (1/82)
صفحة 83
قال الأستاذ توفيق المدني: (هو الذي أظهر حزب الدستور في تونس بدعايته وحماسه ومساندته للشيخ الثعالبي ماديا
ومعنويا توفي بتونس
د ـ أبو إسحاق ابراهيم بن محمد ابراهيم بن يوسف أطفيش
(1965/ 1888)
أحد طلبة القطب لقد شارك في الحركة الوطنية في الجزائر وتونس مع أخيه الشيخ عبد العزيز الثعالبي، إلا أن الاستعمار الفرنسي قد أبعده عن شمال إفريقيا، فلجأ الى القاهرة في سنة 1923 وأنشأ مجلة المنهاج. وقد حقق كتبا جليلة في التراث الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى.
ه ـ ابراهيم بن عيسى بن داود أبو اليقظان: (1888 ـ 1973) وفي هذه العجالة، لا يجوز لنا أن نغفل عن هذا الصحفي
القدير الثائر الذي تخرج من معهد القطب.
لقد أصدر ثماني جرائد عربية إسلامية قارعت الاستغمار الفرنسي، وبينت مقاصده القريبة والبعيدة
إلا أن السلطات الفرنسية قد أغلقتها كلها وهي على
التوالي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان
النبراس
، الأمة، الفرقان
6
إن هذه الصحف قد تجلى فيها الجهاد الإسلامي والدعوة الى محاربة التحجر الفكري، والآفات الاجتماعية وفي هذه الحالة
83 (1/83)
صفحة 84
يحسن بنا أن نورد النص الرسمي الذي أصدره وزير الداخلية الفرنسي بمنع وطبع جريدة الأمة:
بقرار من وزير الداخلية بتاريخ 24 مايو 1938، تم منع تداول وعرض للبيع والتوزيع والنشر في الجزائر لجريدة (الأمة) العربية التي تطبع بالجزائر (37) ...
ومن آثاره الفكرية: سلم الاستقامة في الفقه، سليمان باشا الباروني في الشخصيات الاسلامية وملحق السير للشماخي في التاريخ، وديوان شعر والشيخ سليمان باشا الباروني الذي يعد أحد طلبة القطب
إن هذا الطالب يعد من الزعماء الليبيين الذين أذاقوا الاستعمار الإيطالي هزائم تلو الهزائم مدة ثماني سنوات ويشار
اليه بالبنان في العالم الاسلامي
ي
وكان يردد:
ودون
وتي ولكنني
على رغم أنفهم لا أمـ
من أهم آثاره الفكرية مجلته التي أنشأها في القاهرة تحت
عنوان الأسد الإسلامي.
والجدير بالتنويه أن هناك عدة علماء تخرجوا من معهد القطب كالشيخ الحاج عمر بن حمو بكلي والشيخ الحاج الناصر بن ابراهيم الداغور، والشيخ يحي بن صالح والشيخ
84 (1/84)
صفحة 85
الحاج عمر بن يحي الذي يعد أستاذا للشيخ بيوض ابراهيم الذي
حمل لواء النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب والجزائر. ومن الحق أن يقال إن هؤلاء هم الذين واجهوا مشكلة الحضارة الغربية، إيجابا وسلبا، لأنها أفرزت مفاهيم انشطارية في الحياة العامة، سواء ما يتعلق بالثقافة الفكرية: الدين، اللغة، الأخلاق، العادات، السلوك أو الثقافة المادية، الاقتصاد، التجارة، البنوك ... الخ.
إن هؤلاء العلماء قد بينوا وجهة نظرهم في هذه الإشكالية الحضارية، اعتمادا على الثوابت الإسلامية الموجودة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، اذ بينت أن الإسلام العملي الصحيح له
ومن
الأصيل في
الطابع الشمولي في معالجة القضايا الإنسانية حضاريا. هنا نلاحظ أن وادي ميزاب المسلم لا يزال إلى يومنا هذا يتميز بالطابع الإسلامي تلك الحضارة العربية، لأن الشريعة الإسلامية قادرة على مواجهة مشاكل الحضارة الإنسانية حاضرا، بشرط أن ننتقل من الإسلام النظري الذي
ننسب إليه الى الإسلام العملي السلوكي.
إذن فالمعادلة قد وجدت حلها الواضح لمن اتبع قول الله عز وجل: * والعصر، إن الانسان لفي خسر، إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا
بالصبر (العصر: 1/ 2 /3)
85 (1/85)
صفحة 86
بعد هذه اللمحة الخاطفة عن تلاميذ القطب يمكننا أن ننتقل الى واجهة أخرى وهي جهاده الاجتماعي.
3 ـ القطب وجهاده الإجتماعي:
مما لا جدال فيه، أن الإنسان اجتماعي بالضرورة، وبالفطرة، لا يمكنه أن يعيش بدون أبناء مجتمعه الذي يقدم له خدمات مادية، كالمأكل، والملبس والمسكن، الخ، أو خدمات فكرية، كاللغة والقيم الدينية والأخلاقية والعاطفية ... الخ
ولكن هذا المجتمع، قد يتميز بالتطور البطيء، أو بالتطور السريع إزاء المشاكل الحضارية التي يعيشها هذا
المجتمع.
ومن هذا المنطلق الاجتماعي، يحسن بنا أن نقول: إن
وادي ميزاب لا يشذ عن هذه القاعدة الإنسانية.
وإذا عدنا الى التاريخ الحديث في بداية القرن الثامن عشر والتاسع عشر، نجد أن العالم الإسلامي جزائريا، وميزابيا، قد عاش في فترة ركود كلي، والتشبث بالقديم مهما كان صالحا أو طالحا.
ومن هنا أصبح جل المسلمين يسلمون بالخرافات والبدع الفاسدة، وتمسك أغلبهم بالحديث الموضوع الكاذب القائل: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور. إن هذه المعضلة
86 (1/86)
صفحة 87
الاجتماعية قد انعكس أثرها على وادي ميزاب الذي يعد جزءا. لا يتجزأ من الظاهرة الانسانية السائدة آنذاك في العالم الاسلامي.
وبالرغم من هذا فإن وادي ميزاب كان سابقا الى النهضة الاصلاحية، بفضل بعض العلماء الأجلاء العاملين، لا سيما
الشيخ عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد
الله، ضياء الدين الثميني المولود في بني يزقن سنة 1718 والمتوفي فيها سنة 1808 م.
في
م
إن الشيخ عبد العزيز الدين الثميني، يعد أعظم عالم مسلم الفقه وعلم الكلام، والأدب، وأهم كتبه: النيل وشفاء العليل، والورد البسام في رياض الأحكام، ومعالم الدين، في اعلم الكلام، وكتاب التاج في الفقه، يحتوي على أربعة أجزاء (38)
أما جهاده الاجتماعي، فقد حارب البدع الضارة، والجهل، والتعصب المذهبي، حيث كان يدعو الى الوئام، والوحدة الاسلامية والمعرفة العلمية الصحيحة، فاتخذ المسجد منبرا، لهذه الدعوة الاصلاحية الإسلامية، وأمست الأسئلة الفقهية تنهال
عليه
، من ميزاب والجزائر والعالم الإسلامي
وهكذا نجد القطب الله
رحمه، قد نهج منهج
الأستاذ
عبد العزيز ضياء الدين الثميني في جهاده الإجتماعي.
الشيخ
87 (1/87)
صفحة 88
بيد
أن الوصول الى هذا الطريق، ليس بالأمر الهين، وذلك أن أي مجتمع إنساني، مهما كانت بنيته الإجتماعية، بسيطة أم معقدة، جاهلة أم مثقفة، غنية أم فقيرة، فلا تخلو من الأنصار والمعارضين.
إن الدعوة الإصلاحية التي دعا إليها القطب رحمه الله في وادي ميزاب، وجدت حواجز مادية ومعنوية، نظرا الى بعض الرجال الذين شعروا بأن الرأي العام بدأ يتجه كليا الى هذا العالم الجديد.
فإن هؤلاء شرعوا، يثيرون الطبقة الدهماء عليه، لما بدأ
القطب
رحمه
الله يفقه الناس بدروسه الروحية القائمة على
القرآن الكريم، والسنة الشريفة
رافضا مظاهر التحجر الفكري والتعصب المذهبي، داعيا الى العلم، والعمل الصالح، والقيم الأخلاقية والسلوك العملي المثمر
القائم على الإيمان في الدرجة الأولى.
وهكذا نجد القطب رحمه الله قد طهر النفوس من رجس
الجهل والتمزق الطائفي، والتقاليد البالية التي تتنافى مع أصالة
الإسلام الصحيح.
واعتمادا على هذا فإن القطب رحمه الله، قد اعتمد على
منهج الرسول الكريم ع الا الله الذي سطره في دعوته القائمة على
الإيمان الصحيح قبل كل شيء.
88 (1/88)
صفحة 89
فالإيمان إذن هو الأساس الأصيل في ترسيخ عقائد الإسلام،
والتسليم بها تسليما مطلقا، قلبا وعملا بالجوارح. وإذا استقرت هذه العقيدة الصحيحة في حياة المسلم، كانت الثمرة المرجوة في القول والعمل الأخلاقي، بحيث تجعل الإنسان يعتقد اعتقادا جازما، بأن الله هو الخالق الوحيد لهذا الكون، وما فيه وأن كل شيء من عنده، فقدره وأحسن تقديره، بهذا الإيمان القوي، نشهد ونسلم بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن ما جاء به حق على العالمين وتأسيسا على هذا، نجد أن القطب - رحمه الله ـ كان يركز كل التركيز على هذه التربية الإسلامية الصحيحة الأصيلة التي أعطت الإسلام، أبعاده الحقيقية: الدينية والأخلاقية،
والاجتماعية، والاقتصادية.
ومن هذا المنظور الإسلامي الأصيل، تمكن القطب من تغيير المفاهيم السائدة في مجتمعه، وذلك بقلب الأنماط
الدينية السائدة آنذاك التي تتنافى مع الإيمان الصحيح
بهذه الدعوة الجديدة، شرع أنصار البدع الضالة، والنفوس الحاسدة، وأهل الجهل والفساد، يضايقونه في جهاده ويستفزونه في إصلاحه، ليلا ونهارا، فشعر أن دائرة السوء، تسعى بكل قواها أن تحطم وتعقم نهضته الإصلاحية في مهدها
كما
بين
ذلك
في رسالة بعثها الى إخوانه العمانيين: (فسلام
على الشيخ العالم عبد الله بن حميد الضرير، والشيخ الفهامة
89 (1/89)
صفحة 90
عيسى بن صالح الحارثي من كاتبه أحمد بن الحاج يوسف اعذرني يا أخي في تأخير الجواب بعض التأخر وما ذلك إلا
لأهوال عظام علي من النصارى وأهل بلدي) (39)
إن هذا الصراع الفكري والاجتماعي، يعد من الظواهر الإنسانية التي تسود كل المجتمعات البشرية، منذ القديم الى يومنا هذا، ولولا هذا الصراع لأمست رسالة الأنبياء والعلماء
سهلة التبليغ والعمل، لاجهاد ولا تضحية فيها بالنفس والمال فالمجتمعات البشرية لا ولن تخلو من الصراع بين الحق
والباطل، وبين الخير والشر، وبين القديم والجديد. إن تاريخ العظماء والعلماء شاهـ على هذه الحقيقة التاريخية.
ولنتأمل معا قول الله عز وجل: * ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) (251) / (البقرة). الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من
ينصره إن الله لقوي عزيز (40 / الحج)
وفي هذا المسار التاريخي، فإن الشيخ أطفيش
رحمه الله
قد خاص الكفاح الاجتماعي عدة سنوات مبينا المنهج الاسلامي
الصحيح، في وادي ميزاب والجزائر والعالم، وهذا الجهاد استمر
90 (1/90)
صفحة 91
عدة سنوات طوال وليس من السهولة، أن تقلع جذور العادات السيئة المتأصلة في سلوك المجتمع أفرادا وجماعات
وبعد هذا الجهاد المستميت تمكن القطب رحمه الله من أخذ زمام مشيخة مسجد بني يزقن وأصبح رئيس العزابة. واعترف الخصم بغزارة علمه، وحسن أخلاقه في وادي ميزاب
والعالم الإسلامي
واتخذ القطب المسجد غاية ووسيلة في آن واحد، لأن رسالة المسجد تجسم شمولية الإسلام من حيث أهدافه الدينية والتربوية والأخلاقية والاجتماعية. الأفضل هنا، أن نستشهد بما قال فيه تلميذه أبو ومن إسحاق ابراهيم أطفيش، مبرزا كفاحه: (قتل أيام حياته في حماية الدين بالنصح والارشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي خدمة العلم بكل ما أوتيه من القوة، جدير بمن يوجد حياة فكرية عظيمة ونهضة جديدة علمية في الأمة ويبعث فيها روح العمل في مناهج السعادة والعزة أن يبذل قواه ويندفع الى ذلك بصدق وإخلاص
يسعى
لأن
وثبات ومثابرة) (40)
ع - القطب ومحاربته للاستعمار الفرنسي:
إذا تأمل القارئ الكريم الآثار الفكرية التي تركها العلامة الشيخ أطفيش، يدرك أن ما كتبه إسلاميا أصيلا في أهدافه
91 (1/91)
صفحة 92
التربوية وأن الطريق الأوحد هو الإسلام العملي. وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (153 / الأنعام)
واعتمادا على هذا، يمكننا أن نقول بكل يقين ثابت: إن القطب رحمه الله قدنظر الى الاستعمار من خلال النصوص الشرعية الواضحة التي لا تحتاج الى كثير من الفهم والتعمق في إدراك جوهرها.
يرى أن الاستعمار. هو إلا مظهر من مظاهر
الشرك والكفر ومن هنا
، يجب محاربته مهما كانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية لأن الاستعمار كله لا يتجزأ في شموليته العامة،
سياسيا ودينيا واجتماعيا.
وهكذا استطاع أن يدرك بثاقب فكره، أن الاستعمار
الاقتصادي ما هو
إلا مظهر من مظاهر العقيدة المسيحية الهادفة
الى احتواء الدين الإسلامي
ألم يقل الله عز وجل: ولن ترضى عنك اليهود ولا
النصارى حتى تتبع ملتهم (120 / البقرة)
يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم
إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (51 / المائدة)
92 (1/92)
صفحة 93
والجدير بالذكر أن أعلام الفكر الاسلامي في بداية القرن
التاسع عشر قد انقسموا إلى قسمين:
قسم يريد الانغماس الكلي في الاستعمار بدعوى أننا في حاجة الى هذه الحضارة الغربية ماديا وفكريا لكي نخرج من
وطأة التخلف
إن هذا الاتجاه حاول أن يدمج الإسلام والمسيحية في دين
واحد كالقاديانية والبهائية
ب ـ أما القسم الثاني فقد رفض الاستعمار الغربي، وبين أن الإسلام له ثوابته وأصوله فلا بد أن نعود إليها. وبدون هذا، فإن المسلم سيفقد هويته الأساسية.
ولعل من المفيد أن نوضح أن هناك علاقة تكامل وتداخل بين الاستعمار الاقتصادي والفكري، لقد جاء في أحد التقارير المنسوبة الى أساتذة جامعة كمبردج ما يلي: (يضع المركز نصب عينيه خدمة مصالح الملك والدولة، وذلك بالعمل من أجل ازدهار تجارتنا مع الأقطار الشرقية، وتوسيع حدود الكنيسة في الوقت المناسب، ونشر هدي الدين المسيحي بين
أولئك الذين لا يزالون يتخبطون في ظلمات الجهالة) (41) وهكذا نجد أن الاستعمار ما هو إلا مظهر من مظاهر الكنيسة المسيحية، ألم يقل ـ بوليدور فيرجيل ـ الذي يعد أحد أركان النهضة الأوروبية في الإسلام ما يلي: (إن الإسلام نسيج
93 (1/93)
صفحة 94
مشوه مستقى من مصادر مسيحية وأن الرسول كان مصابا بالصرع وأن الإسلام انتشر بحد السيف وشيوعية المرأة (42)
وفي خلال هذا المنحى، يمكننا أن ننظر الى القطب رحمه الله من الزاوية الاسلامية الخالصة، إذ بين لنا، أن الاستعمار يمثل الأمة المشتركة الكافرة، أما العالم الإسلامي فهو يمثل الأمة المسلمة.
ولهذا يرى أن وطن الاستعمار دار شرك، يقول رحمه الله (ومن ثم نهي عن السفر إليها والسكون وتوطينها بلا عذر أو
<
حاجة ماسة) (لئلا يوجب على نفسه تلك الأحكام ممن يعلمه أما توطينها فلا عذر فيه إلا من كانت له وطنا قبل كونها دار شرك دخلوها وهو فيها، أو في غيرها، فله البقاء على استيطانها فإن كونها وطنا له قبل ذلك عذر له، لكن إن كان في غيرها حال دخولهم لهم فلا يحل له البقاء على توطينها عندي إلا إن كان لَهُ فِيهَا. دار وأطلق غيري جواز البقاء.) (43) ويري رحمه الله أن تكون هناك قطيعة تامة بين المسلم والمشرك في تقليد سلوكه كثقافته ولباسه: يقول رحمه الله: (أنا متعجب ممن يفتي بجواز لباسهم لنحو حر واقتصاره على الكراهة فقط مع الإيهام وإنها الكراهة فقط وإن فعل ذلك في. داره فقط أو خاصته أو من يسكن إليه مع يبين لهم العذر والأمر قال الله عز وجل: لا تجد قوما يؤمنون بالله
أنه
واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله (22 / المجادلة)
94 (1/94)
صفحة 95
وموادتهم موالاتهم ومظاهرتهم أو اكتساب ودهم ولو بلا مظاهرة بل حبهم مطلقا حرام إلا إن كان بالطبع لنفعهم له فليعالج زواله) (44)
ويؤكد القطب رحمه الله على براءة الكافرين ويوجبها فيهم إذ يقول رحمه الله تجب براءة الكافرين إجمالا. وأشرك من تبرأ من الناس كلهم أو تولاهم كلهم) (45) أو خص جملة من ولاية الجملة أو براءتها)
وانطلاقا من هذه النصوص الواضحة يمكننا أن نجعل مفهوم المقاومة عند الإمام أطفيش، قد اعتمدت على الطابع الديني الشمولي. فالدين الإسلامي لا يجيز الفصل بين عناصره الأساسية لا سيما الجهاد الذي يعد أحد ثوابته الأساسية الواضحة المشروعة
شرعا.
ولنتدبر قول الله عز وجل: {يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35 / المائدة)
ومن خلال هذا المنطلق الاسلامي نجده أنه قد عارض بكل قوة الإتفاقية الموقعة سنة 1853 م، بين فرنسا ووادي ميزاب، والتي حافظت على الأمور الداخلية الدينية لوادي ميزاب،
واعتبر هذه الاتفاقية ما هي إلا لعبة سياسية مؤقتة.
وكان يقول رحمه الله: (إن تشييع ثمانين جنازة في اليوم من بني يزقن أحب إلي من أن يطرق سمعي أن فرنسا وضعت
95 (1/95)
صفحة 96
قدمها على حجر واحد من (46) (تضفت) مكان معروف في
المدينة) أي بني يزقن.
21
ولما دخلت القوات الاستعمارية الفرنسية في غرداية يوم
، ألقت عليه القبض، وهذا دليل على ديسمبر
1882
م
نشاطه الثوري ضدها.
وعلى أية حال فإن الشيخ أطفيش كان يمثل جبهة المعارضة الصلبة على فرنسا، بحيث كان يدعو الى عدم التعامل مع الوجود الفرنسي في كل ميدان سواء كان في المجال الوظيفي أو الصناعي أو التجاري أو الزراعي أو العسكري.
وهنا يجدر بنا أن نقول: لو طبقت هذه المقاطعة الفعلية في العالم الإسلامي، سوف ينسحب الاستعمار من الأوطان التي احتلها، لأن مؤسساته الاقتصادية والفكرية ستصاب بالإفلاس السريع لا محالة في في ذلك
وكان القطب رحمه الله يعتز بالاسلام أي اعتزاز، يرى أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وخير دليل على ذلك، أن وفدا فرنسيا زاره في الدار التي يدرس فيها، وكان ضمن هذا الوفد القائد العسكري العام، في الجزائر ومجموعة الولاة الفرنسيين والقساوسة، ولما دخلوا عليه وجدوه جالسا وبعد لحظة وقفوا في صف واحد، وبعد تلك اللحظة، صعد القطب الى الدرج الثالث فجلس فيه، وهنا سأل الجنرال القطب، قائلا: لما ذا جلست عاليا وبعيدا عنا؟ قال له: الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه
96 (1/96)
صفحة 97
ساذج
إن هذا السلوك قد يبدو لبعض الناس بأنه تصرف بسيط
?
،
ينم عن الكياسة السياسية.
ولكن نقول: إنه تصرف ذكي، ينم عن الاعتزاز بالاسلام وشرفه الذي لا يجب أن يهان أمام الطواغيت الاستعمارية. وعلى ضوء هذا، نشير الى أن الحكومة الفرنسية قد اهدت إليه وساما علميا، لما حل لغز الماء المعروف آنذاك في العالم، فوضعه في أسفل برنوسه
أما الأوسمة الإسلامية المهداة له من الخلافة العثمانية فيضعها
في صدره ولما يسأل
عن ذلك
يجيب بقوله: إن الأمة الفرنسية
مشركة فهي في الدرك الأسفل من النار - ولا أريد ولن أريد أن أكون منافقا، وإلا صدق في قول الله عزوجل: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم
نصيرا (145 / النساء) إن هذا السلوك الأبي، دليل قوي على إيمانه الثابت الذي دعاه دائما الى التنديد بالاستعمار وأذنابه الموجودين في العالم الاسلامي لأن الإسلام هو الأعلى والأقوى. ويجب أن نشير كذلك الى رسائله النارية التي كان يرسلها الى الحكومة الفرنسية، لا سيما الرسالة التي أرسلها الى الوالي الفرنسي العام، لما أراد أن يهدم الجامع الكبير، محتجا فيها
على أعماله الإجرامية.
7
97 (1/97)
صفحة 98
ولما قتل أحد الوزراء الفرنسيين في باريس بيد أحد
الأحرار.، بعث رسالة الى الحكومة الفرنسية قائلا فيها: (لو عدلتم فينا، لحفظ الله سمعتكم، وصان كرامتكم، ولكنكم تظلمون المسلمين وتتجبرون عليهم، فانتقم الله منكم، فصار وزراؤكم يقتلون كالكلاب في الشوارع) (47)
إن فرنسا حاولت أن توقف القطب وتقدمه الى المحاكمة
بتهمة إثارة الرأي ضدها - ولكنها عدلت عن ذلك خوفا من أن
تثير الرأي العام ضدها
وبالتالي يقال إن عالما واحدا استطاع أن يرغم كرامة فرنسا
في التراب إزاء العالم.
يتبين لنا مما تقدم أن الشيخ أطفيش اعتمد على الحجة القاطعة في تفنيد آراء الاستعمار الفرنسي ومصارعته مهما كانت الظروف السياسية والاجتماعية وكان رحمه الله شديد الحرص على نقاوة الاسلام وتطبيق أركانه، في العالم الاسلامي كله، وهو يدعو دائما الى وجدة
المسلمين ليقفوا صفا واحدا إزاء الاستعمار ومؤامراته الخفية
يقول عنه تلميذه أبو إسحاق ابراهيم أطفيش رحمه الله:
(ومن أعماله الجليلة استماتته في سبيل الذود عن شرف الوطن عند دخول الحملة الفرنسوية سنة 1299 هـ، لا بقوة الحراب فقط ولكن بقوة الحجة والحق، ولقد رأيت له عدة احتجاجات الى رؤساء الحكومة الفرنسية ضد ما يرتكب من التعسف
98 (1/98)
صفحة 99
والحيف مع المسلمين بالقطر الجزائري وله حرص شديد على إقامة شعائر الدين والمحافظة على سير السلف الصالح ومقاومة الأمية) (48)
وبعد هذا يحسن بنا أن نعالج زاوية أخرى من الفكر الطفيشي المتمثل في الرسائل التي كان يبعثها الى الأعلام والمواطنين المسلمين في الجزائر وعمان والحجاز، وعلينا الآن
أن نشير الى بعض هذه الرسائل.
5 - رسائل القطب:
قبل أن نعالج موضوع الرسائل عند العلامة القطب رحمه الله، يجب أن نذكر القارئ أن شهرة القطب تقوم في المقام الأول على أنه فقيه من فقهاء أعلام الفكر الإباضي. من خلال هذا المنظور، يمكننا أن ندرك طبيعة الرسائل التي كان يكتبها القطب رحمه الله، لا سيما في مجال الفقه الإسلامي الذي يعكس بالضرورة المشاكل التي تطرأ على سلوك الأفراد والمجتمعات في عالمنا الإسلامي.
إن رسائل القطب كثيرة جدا، وهي متنوعة في مناهلها ومضامينها، هناك رسائل إخوانية ورسائل فقهية: تعالج
التوحيد والعبادات والمعاملات والأوضاع الاجتماعية .. الخ. ومن الخيال أن نُورة كل الرسائل التي كتبها وهذا الأمر
يتطلب دراسة كاملة ومستفيضة في تلك الرسائل.
99 (1/99)
صفحة 100
وبالرعم من هذا، فإني سأقصر على بعض الرسائل فقط
لتكون الرؤية واضحة أمام القارئ الكريم.
"
أما بالنسبة الى العامل الزمني الذي بدأ فيه القطب كتابة الرسائل فمن الطبيعي جدا أن تكون تلك الفترة الزمانية بعد عشرين سنة، لما وثق في نفسه القدرة الكافية في إصدار الفتوى لأن هذه المسألة تتطلب التفقه في الشريعة. وفي هذا المار، لا يمكننا أن نورد الاستعراض التاريخي، لتلك الرسائل، ولكن يمكننا أن نعتمد على
الزاوية المكانية ومضمونها.
وفي ضوء هذا سنأخذ ثلاث أو أربع رسائل فقط، وبعد هذه الرسائل يمكننا تسليط الأضواء على شكلها ومضمونها معتمدين في ذلك على النقد الموضوعي قدر الإمكان إن شاء
تقديم
الله
أ - الرسالة الأولى:
أما
بعد
..
فسلام على الشيخ العالم ذي الصدر السالم راشد
ابن عزيز من كاتبه أمحمد أطفيش قائلا: أما الحجة فهي عندي العقل، لمن لم يلق بعلمه، فإنه يعلم بعقله، أن لنفسه وما يشاهده من أرض وسماء وبحر وجبل وشجر ونحو ذلك من الأجسام صانعا، لأنها صنعه ولا تكون الا بصانع، فإن الشيء لا يخلق نفسه وهو معدوم، والمعدوم لا يعمل، وإلا لزم أنه متأخر متقدم موجود معدوم عاجز قادر عالم جاهل فاعل مفعول في
100 (1/100)
صفحة 101
وقت واحد من جهة واحدة. وكذا سائر الصفات، وإن قيل خلقه شيء قبله من جنسه، وهو الحوادث لزم أن يكون لخالقه خالق، فيتسلسل أو يدور وكلاهما محال، فلا بد أن له صانعا قديما، ليس صنعة ولا جنس له وجود أولا إمكان الله لا وهو إله إلا هو والأصل عدم التعدد، والتعدد موجب فساد، ولا فساد فقد أدرك أن له ربا محسنا فيحتاج بعقله الى أن يخدمه لما طبع في النفس حب من أحسن إليه فيلزمه عقله أن يخرج الى من يعلمه ما يخدم به، وهو في الأمر: الصلاة والصوم وسائر الفروع، وهذا عندي مختصر ولا يوجد لمن قبلي وأنت خبير بمذهب أصحابنا وقومنا في الكتب ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم .... الله عنه في جوابه لأهل زوارة من أهل المغرب: وأقر إخواننا أهل زوارة أن حجة الله قائمة بالعقل والكتب والرسل
رضي
كما نقول، ولا يشترط السمع وهو مشكل فهو يقول صاحب الجزيرة وأهل الفترة في المحشر وفي النار: * بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9): (الملك) ونحو هذه الآية مما في الإقرار من الكفار بأن الرسل جاءتهم ونحوها مما في كتابهم بعدم اتباع الرسل، فهل يقال لهم سمعتهم الرسل وكذبتم وهم لم يسمعوا الرسل وقد يكون في كل زمان نذير كقس بن ساعدة، لكن ليس يصل أهل عصره كلهم، وكلامنا فيمن لم يصله، ولذلك
101 (1/101)
صفحة 102
قلت من لم يصله سماع يؤاخذ على عدم معرفة الله تعالى لأنه قد وصلته حجة التوحيد بمشاهدة وجود ذاته، والسماء والأرض والسحاب والمطر والنبات والجبال والأحوال، وقد يقال إذا وجب التوحيد بدلائل الصنع ولا صنعة بلا صانع ولا فعل بلا فاعل ولا نعمة بلا منعم والشيء لا يوجد نفسه أوجب عليه عقله شكرا للصانع المنعم، فيخرج ليعلم ما يشكره به، فيبقى من لم يجدد الخروج الى ذلك، فلا يصل الى تفاصيل الشرع، فلا يكلف بها إذ لا تكليف بما يطاق، وشكر المنعم عندي واجب
بالعقل) (كشف الكرب: ج 1، ص: 27 - 28)
تحليل الرسالة الأولى:
إن هذه الرسالة تعد وثيقة تاريخية بين أعلام الفكر الإباضي العمانيين والجزائريين، إذ يطرحون ويعالجون القضايا الدينية
والاجتماعية على ضوء الإسلام والرؤية الإباضية فيها.
لقد
وجه الرسالة العامة القطب الى أخيه الشيخ العالم السالم
راشد بن عزيز.
والجدير بالملاحظة نجد أن اسم القطب هو محمد ولكن في بعض الحالات يطلق عليه أحمد بإضافة الألف، وهذه الظاهرة موجودة بكثرة في العائلات الإباضية الجزائرية - كقولها ـ طفى
بدلا من مصطفى وباحمد بدلا من احمد
102 (1/102)
صفحة 103
محمد
والعلة هذه تعود في نظرنا الى قدسية وعظمة أسماء الرسول حتى لا يهان اسمه من قبل الناس في حالة انفعالهم
سبا وشتما لأسماء أبنائهم.
لقد سئل القطب رحمه الله عن كتابة اسمه بالهمزة هكذا
أمحمد فأجاب: (بأن بعضا محمد بضم الميم على الأصل
يسمي
يسمي
بإسكان الميم فاستحق الهمز، وسبب
المأمور به، وبعض التغيير الى أمحمد نهيه عن تقبيح من اسمه محمد ويلعن، فيقال
عن
الله محمدا، يريد رجلا من المحمدين لا النبيء بل يقول لعن الله ولد فلان أو هذا أو نحو ذلك فإذا غير واستحق
الشتم جاز ذلك لمخالفة اسم النبي (49)
وإذا عدنا الى الرسالة، نلاحظ أنها تعكس المشكلة الكلامية المعروفة القائلة بأن الإنسان البالغ الذي لم يسمع مطلقا برسالة الرسل، هل يعد العقل حجة عليه لإدراك أن لهذا الوجود خالقا
أم لا؟
هذه المسألة تعرف بمسألة السمع والعقل في تاريخ علم
الكلام عند المدارس الكلامية الإسلامية.
وفي هذا المنظور فإن المعتزلة ترى أن شكر النعمة، وإدراك الله عز وجل، ثم الإيمان به، واجب عقلا، قبل ورود
السمع، وبالتالي يكون الإنسان مسؤولا أمام عقله
أما بالنسبة الى المدرسة الأشعرية، فهي ترى أن الواجبات كلها سمعية، فالعقل لا يوجب شيئا ولا يستحسنه ولا
يستقبحه
103 (1/103)
صفحة 104
وام معرفة الله عز وجل بالعقل فقد تحصل بالسمع
فتفرض وتوجب
أما الإباضية فهي ترى أن الله عز وجل، يجب معرفته
و ادراكه عقلا بدون حجة سمعية (50)
وعلى ضوء هذا، فإن القطب - رحمه الله ـ قد نهج هذا المنهج في رسالته هذه. حيث اعتمد على البرهان العقلي الخالص الذي استدل به، على وجود الله عز وجل وهذا الاستدلال يتجلى في نظام الكون الذي نرى فيه عظمة الله في كل شيء، في السماء والأرض والبحر والجبال والنبات والإنسان ذاته كل هذه المخلوقات تجعلنا نسلم بأن هناك صانعا قد خلق هذا الكون وقدره أحسن التقدير في كل شيء، وهكذا نسلم بداهة بأن هذه الكائنات لم تحدث من تلقاء نفسها، ولا يمكن أن تكون وليدة المصادفة وإلا أمسى التسلسل الى ما لا نهاية،
وهذا يتناقض مع العقل والقرائن العلمية التي ترفض المصادفة في الوجود، فمن الضروري إذن أن نسلم بوجود الصانع أي أن الله عز وجل هو الذي خلق هذا العالم ألم يقل خالقنا في كتابه: * ذلك الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو
الكريم
فأنى توفكون (62 / غافر ومن هنا، ندرك أن القطب رحمه الله اعتمد في
استدلاله
على وجود الله ومعرفة وإدراك قدرته على نظام هذا العالم، واستنتج أن العقل يوجب التوحيد بآثار الصنع ولا صناعة بدون
104 (1/104)
صفحة 105
صانع
أما تفاصيل الشرع عبادة وسلوكيا فلا تدرك إلا برسالة الرسل الذين بينوا ذلك في الكتب المنزلة عليهم من الله عز وجل.
الرسالة الثانية: في نفي الرؤية عن الله سبحانه
وتعالى.
قال
رضي
الله عنه: الله
بسم
الرحمن الرحيم وصلى الله على
سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، أما. بعد، فسلام من كاتبه لأوسط ذى الحجة من عام 1316 من أمحمد بن الحاج يوسف المغربي الوهبي الإباضي المتبرئ من حين بلغ الحلم الى الآن، والى الممات من ديانة غير الإسلام من سائر الملل المنزه منها، المتباعد عنها على إخواننا في الله العالم العامل الصادق في إخوة الدين والدنيا سالم بن محمد بن سالم ... فرحت جدا بما وصلني منك ورد سرورك وأفراحك، أفرحك الله في الدنيا والآخرة، وضاق قلبي بالنسبة الى القائل بالرؤية، فإنها بهتان عظيم أماتنا الله على ديانة الإباضية الوهبية بقلب سليم، جعلك الله وإيانا. كيف يدعي مسلم رؤية الباري بعينه وقلبه؟ فرؤيته ولو بقلبه تثبت تصويره وتصوره مناف لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (11 / الشورى) وكيف يقول عاقل صفات الله عز وجل زائدة عنه مع أن هذا يوجب الاحتياج الى ما يفعل به، ولا يخفى أن ما به بالعمل
غير العامل.
105 (1/105)
صفحة 106
قال ابن العربي (51)
وهو الأندلسي ردا عليهم وناصرا
لديانتنا، إن صفات الله ذاتية وهي هو لا غيره تحليل الرسالة:
(52).
إن هذه الفقرة التي نقدمها لك أيها القارئ الكريم، تعد جزءا من الرسالة الكاملة المحتوية على أربع صفحات الموجهة
من القطب الى العالم سالم بن محمد بن سالم العماني. هنا، نلاحظ أن هذه الرسالة، قد استهلها القطب، ومن بعاطفة قوية معبرة عن أواصر المحبة الخالصة التي جمعت دائما القطب بأعلام العمانيين، وبعد هذه المقدمة المختصرة، ينتقل القطب ناقدا القائلين برؤية الله عز وجل، ويستدل برأيه في هذه المسألة بأدلة نقلية وعقلية.
ومن خلال هذه الرسالة، يبدو لنا جليا أن القطب رحمه
الله، قد دافع عن وجهة الإباضية في هذه القضية الكلامية، فالإباضية يرون أن رؤية الله مستحيلة في الدنيا والآخرة وإلا أصبح الله عز وجل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، مجسما، والله يقول: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (الشورى: 11)
وعلى أي حال فإن الرسالة اعتمدت على الاستشهاد النقلي
الواضح وكذلك على البراهين العقلية
106 (1/106)
صفحة 107
وفضلا عن ذلك فإن المدرسة الإباضية ترى أن صفات الله هي عين ذاته، وإلا أصبح الله عز وجل في حاجة الى صفات محدثة فيه، وهذا يتنافى مع وحدانية الله وكماله المطلق.
يقول العلامة نور الدين السالمي (53):
صفاته لذاته ذات هي
ه
لا غيره بذا دلت آياته
إذ لم تكن فيه لئلا يلزم حلوله وليس منه نعلم أما بالنسبة الى الآية التي تحتج بها الأشاعرة في قوله تعالى
وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) (22 - 23 القيامة) فإن هذه الآية الكريمة تعد من الآيات المتشابهات التي يجب أن تؤول لغويا وعقلينا لأن اللغة هي الفكر قبل كل شيء وتعد وعاءه، ثم إن اللغة العربية قائمة على المجاز في فهم أسرار اللغة وبلاغتها، وإلا أصبحت لغة جامدة، فاقدة لجمالها ومعانيها. إن الآية السابقة يقصد بها الرجاء والرحمة وانتظار رحمة الله لإدخالنا في جنته، إن شاء الله يارب العالمين، ولا يقصد بها رؤية الله حسيا بالعين وإلا أصبح الوجه كله عينا
نرى به وهذا يتنافى مع المنطق السليم.
أضف الى هذا أن هناك آية أخرى تفسر تدعم ما قلناه يقول
الله عز وجل لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو
اللطيف الخبير * * 103 / الأنعام)
إنطلاقا من هذه الأدلة النقلية والعقلية، نجد عدة أعلام
إباضية قد برهنوا على نفي رؤية الله عز وجل في الدنيا
والآخرة.
107 (1/107)
صفحة 108
يقول الوارجلاني رحمه الله اعلم أن الوجوه التي ذكرت في النظر صحيحة، والذي أراد الله في هذا: الانتظار، والوجوه أراد بها الأبدان لاستحالة النظر الى ذات الباري سبحانه
إلا بإيجاب تشبيهه بخلقه، تعالى عن ذلك) (الدليل والبرهان، ج 1 - ص: 79)
مسألة
وأخيرا نقول: إن هذه الرسالة تمثل رؤية القطب في رؤية الله عز وجل في الآخرة والدنيا، ويعد أحد أعلام المدرسة الإباضية الحديثة، الذي دافع عن أصولها وسنبلور فكره
أكثر في الفصل القادم - إن شاء الله.
الرسالة الثالثة: في تحريم الدخان:
من جواب الإمام، قال قدس الله
بسم
سرد:
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وصحبه وآله. أما بعد:
فسلام من كاتبه امحمد أطفيش الى الشيخ راشد قائلا: اعلم أن الحجة في تحريم الدخان حديث احمد في مسنده عن رسول الله الا الله أن كل مفتر حرام؛ والدخان مفتر، وحديث أكل التراب فإنه إذا حرم أكله أننا منه خلقنا (54)، وأنه أنسب، مع فالأولى أن يحرم شرب الدخان، مع حرارته بالنار التي منها
خلق إبليس، والعياذ بالله منه اتنا
أكل
نفهم من النهي عن، مع
التراب النهي عن أكل كل ما لا يكون طعاما، كجذع ونحوه
108 (1/108)
صفحة 109
به
مما يضر وإما ما لا يضر، وكانت فيه منفعة أو دواء فلا بأس كدواء وقوله لالالالالية في الطعام الحار: «إن الله لم يطعمنا
النار» فالطعام الحار كالنار والدخان أشد مع أنه حار بالنار ولا طعام فيه، وهو أحق بالمنع ونهيه لا عنه.
والدخان طراوة مثلها، وأنه يغير عقل من اعتاده، إذا فارقه وما يغير العقل حرام وهو أفضل ما في الإنسان، والإنسان بلا عقل باطل متعطل وأنه يغير الأسنان واللون والمعدة، وقد نهى رسول الله الا الله عن تغيير الأسنان والحواجب، ونحو ذلك، وقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم الى
التهلكة (195: البقرة / 55)
تحليل الرسالة الثالثة:
إن ظاهرة التدخين تعد من الآفات الاجتماعية الخطيرة التي ظهرت في العالم الإسلامي في بداية القرن السادس عشر الميلادي.
وإذا عدنا الى تاريخ هذه الظاهرة، نجدها أنها ظهرت في كوبا بأمريكا اللاتينية، وبعدها انتقلت الى أوروبا سنة
1497 م
، بيد البحارة الأوروبين.
وأما العالم الإسلامي، فلم يعرفها إلا في سنة 1580 م،
ولعل وادي ميزاب لم يعرفها إلا مع وجود الإستعمار الفرنسي
وذلك سنة 1882 لما احتله
م
،
•
109 (1/109)
صفحة 110
وعلى أي حال، فإن هذه الآفة الاجتماعية الخطيرة جعلت العالم الإسلامي، ينقسم الى قسمين، قسم يرى التدخين مكروها، وقسم آخر يرى التدخين حراما
فالإباضية تعد سابقة الى تحريم التدخين لما وجدته مضرا بالصحة والمال والمجتمع، واعتمادا على هذا، فإن الرسالة التي، تبين لنا بكل جلاء أن العلامة القطب قد حرمها اعتمادا
أمامنا
على
الأدلة الشرعية والعقلية التالية:
1 - كقول الله عز وجل: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث و (157): الأعراف)
2 ـ الحديث أكل التراب حرام يقصد به ـ والله أعلم - «من أكل الطين، فكأنما أعان على قتل نفسه) رواه الطبراني،
عن سلمان في كبيره. 3 - ثم ركز على تحريم التدخين قياسا على الخمر التي ورد فيها النص الصريح في تحريمها لقوله تعالى. يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (0) / المائدة)
يقول الرسول الكريم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله الله قال: کل مسکر خمر وكل خمر حرام روا مسلم.
110 (1/110)
صفحة 111
وفي هذا نقول: إن هذه العينة التي أمامنا، تعد جزءا من الرسالة الطويلة المشتملة على أربعين صفحة. والجدير بالملاحظة أن القطب رحمه الله، قد التزم الجانب الشرعي
والعقلي في إصدار هذه الفتوى، ولقد استخدم الأدلة الشرعية، دون أن يهمل الأدلة العقلية
ومن هنا نلاحظ أن هذه الرسالة تميزت بالوضوح الكلي
الذي يدركه كل إنسان عادي، له مستوى من الثقافة العامة. ولم يستخدم القطب في رسالته هذه، المصطلحات الفقهية المعقدة، كما هو الشأن في بعض رسائله الفقهية، ومجمل القول نقول: إن أعلام الإباضية كلهم، من مشرقهم ومغربهم حرموا التدخين كليا لأسباب شرعية وصحية واجتماعية
ولعل من المفيد أن نشير الى أن أطباء العالم، قد أدركوا كل الإدراك، أن التدخين أمسى يهدد الإنسانية كافة نظرا، للأمراض الناجمة عن التدخين، ولا سيما سرطان الرئة والفم
والجلد وأمراض الأوعية والقلب والدم. . . الخ.
وحسبنا دليلا على ذلك ما جاء في تقرير المنظمة الصحية العالمية أن 2،5 مليون شخص في العالم يلقون حتفهم سنويا، نتيجة أمراض خبيثة ناجمة عن عادة التدخين
أضف الى ذلك أن هناك خسارات مذهلة في الميدان الصناعي والاقتصادي والتجاري في العالم سببها الأول التدخين، كما أكدتها ذلك، الاحصائيات العالمية الدقيقة (56)
111 (1/111)
صفحة 112
بعد هذه اللمحة الخاطفة عن رسائل العلامة الشيخ أطفيش التي تعد قطرة من بحره الزاخر الذي يحتوي على عدة رسائل مختلفة في عدة موضوعات هامة سواء في المجال الأدبي، أو
الفقهي
، أو التاريخي
، أو الأخلاقي
وبعد هذا ننتقل الى موضوع آخر في شخصيته وهو أسفاره
في العالم الإسلامي.
6 - أسفار اقطب:
إن الإنسان منذ القديم الى يومنا هذا، يتميز بظاهرة اجتماعية تظهر في أسفاره وترحاله وانتقاله من مكان الى آخر، ولولا الأسفار والانتقال والاتصال ما بين الشعوب، لبقيت
الحضارة محصورة في مكان واحد، وزمان واحد فالإنسان السليم شغوف بحب الاطلاع الذي يدفعه الى كشف
المجهول، ومعرفة تاريخ الأمم لتكون له العبرة في ذلك ألم يقل الله عز وجل أفلم يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109 / يوسف)
ومن هذا المنطلق الاجتماعي والتاريخي، نلاحظ عبر الحضارة البشرية وجود مؤسسات اجتماعية واقتصادية وثقافية، تهتم بتنشيط هذه الأسفار بين الأمم، إلا أن وسائل النقل الآن قد اختلفت جدا، ولكن الهدف بقي ثابتا هو حب الاطلاع وكشف المجهول.
112 (1/112)
صفحة 113
ومن هنا، يمكننا أن
نلقي نظرة عاجلة على أسفار القطب
رحمه الله
الكلي
•
إن القطب كان قليل الأسفار في حياته. لأن نشاطه، قد صبه على التدريس والتأليف في مسقط رأسه، بني يزقن، غرداية، إضافة الى أن الاستعمار الفرنسي قد وضع قيودا للسفر بين العالم الإسلامي، والجزائر، وبين شمال الجزائر والصحراء، فالصحراء الجزائرية كانت دوما منطقة عسكرية، بحيث كان ينطبق عليه التشريع العسكري على أهاليها، ولم تتعرف التشريع المدني إلا بعد الحرب
العالمية الثانية
•
أما أسفاره في وادي ميزاب فهي كثيرة إذ تردد على مدينة
بريان والقرارة وورجلان عدة مرات متتالية مستنهضا الهمم
مبينا عظمة الإسلام الذي يجب أن يكون تابعالا متبوعا سيدا لا
مسودا
وكان لا يخبر أصدقاءه باسفاره إلا في آخر لحظة خوفا من أعدائه الذين ينصبون له الشبائك في طريقه. يقول محمد دبوز: (كان القطب يعرف ضمائر الفرنسيين له، فقليل من
علي
أسفاره، وإذا أزمع السفر الى بلد قريب في ميزاب، لا يخبر أحدا بما عزم عليه. وكان رفقاؤه ببريان والقرارة لا يخبرهم بسفره الا في آخر ساعة. إن الإستعمار وأذنابه بالمرصاد، بودهم أن يودوا به في أحد أسفاره فيستريحوا.) (57)
113 (1/113)
صفحة 114
وسيرا في هذا المنهج فإن القطب قد حج مرتين، إحداهما
سنة 1303 هـ، 1886، وقد تكون هذه هي حجته الثانية ولقد كان سفره طويلا ربما دام أكثر من عامين، لأنه زار خلال طريقه الى الحج عدة مدن في شمال الجزائر الأغواط، جلفة، بوسعدة، قسنطنة، عنابة. لقد وجد في استقباله أعيان ميزاب وأعلام المدن، حيث أكرموه أحسن تكريم ثم فسحوا له مجال الوعظ والارشاد، في المساجد كان رحمه الله كعادته يدعو المسلمين الى الوحدة والوئام والوقوف ضد أعداء الإسلام الذين يريدون وأده بالبدع الضارة والأخلاق السيئة والجهل.
•
وفي هذه الرحلة الميمونة، زار تونس الخضراء فأسرع اليه علماء الزيتونة وأعيان ميزاب فبجلوه وتحاوروا معه في المشكلات الاجتماعية السائدة آنذاك في ساحة العالم الاسلامي لاسيما الاصلاح الاجتماعي والنهضة الاسلامية ومناهضتها
للاستعمار الصليبي أما في البقاع المقدسة المدينة المنورة ومكة المكرمة فلم
نتمكن من ضبط المدة الزمانية التي قضاها في هذه الديار. ولكن تلميذه الشيخ أبا اليقظان قد أشار الى أنه قد تحدث أعلام الحجاز فيقول: (ناقش علماء الحرم وشهدوا له بالتفوق
مع
العلمي، حج احداهما في عام 1303 هـ، 1886 م) (58) ولا بأس أن نذكر هنا، أن القطب قد تحاور مع اعلام المدينة ومكة، لا سيما الشيخ زيني دحلان الذي يعد أحد
114 (1/114)
صفحة 115
كبار علماء الحرم النبوي الشريف الذي عظمه وكرمه ثم فسح له مجال الوعظ والإرشاد في الحرم النبوي فقال له: أنت أحق أن
ينتفع بك المسلمون إن هذه اللفتة الطيبة من الشيخ زيني دحلان دليل قوي على مكانة القطب وتبحره في العلوم الشرعية والعلوم العقلية ومعرفته للمذاهب الإسلامية كلها. لأن مقام الوعظ في المسجد النبوي الشريف يتطلب شجاعة أدبية، وغزارة علم وإلا أمسى المرشد هدفا تصب عليه سهام النقد والسخرية والتعجير من قبل الأعلام البارزين والناقدين.
الأعلام
إن هذه هي الزيارة الميمونة قد فتحت آفاقا جديدة للقطب، وربط علاقات أخوية إسلامية مع عدد المسلمين، ولعل الرسائل المخطوطة الموجودة تؤكد لنا هذه الحقيقة التي أشرنا إليها
ومجمل القول نقول: إن هذه الزيارة قد أفادت القطب فعرف حقيقة العالم الإسلامي، وأمراضه الاجتماعية وسبب تفككه، وجهله، وبالتالي فإن القطب يعد من دعاة الاصلاح الاجتماعي في العالم الإسلامي بتراثه الفكري وإرشاداته الإسلامية
يقول فيه محمد علي دبوز ما يلي: (كان القطب ذا شخصية اجتماعية قوية تجعله يهتم بحالة المسلمين أينما حل، غيورا على الدين والعالم الاسلامي، شجاعا يعتقد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض من الله على العالم أينما حل) (59)
115 (1/115)
صفحة 116
هذه لمحة خاطفة عن العناصر الأساسية المؤثرة في شخصية القطب، والتي درسناها وحللناها في إطارها العام الجغرافي
والاجتماعي والديني والنفسي بطريقة موجزة.
وبعد
هذا وذاك يحسن أن نقول: إن هناك جانبا عظيما في
شخصية القطب لم نعالجه بعد فهو آثاره الفكرية التي تركناها عمدا في هذا الفصل الأخير ليكون هناك تسلسل منطقي
منهجي وبدون هذا فإن الدراسة ستكون غير منهجية.
ولذا يحسن بنا أن نعالج هذا الموضوع الحيوي في الفصل
القادم إن شاء الله تعالى
116 (1/116)
صفحة 117
تمهيد:
الفصل الرابع
القطب، وآثاره الفكرية
رأينا فيما مضى، أن الله. عز وجل، قد وهب للقطب، إرادة صلبة وذكاء حادا، وذاكرة قوية، وعلما غزيرا، إن هذه الخصائص قد جعلت قلمه سيالا، لا يعرف النصب ولا النضب ليلا ولا نهارا.
ومن هنا نجد صعوبة جدا، في إلقاء الأضواء الكاشفة على كل آثاره الفكرية وبهذا يحسن بنا، أن نقول: إن هذا الأمر يتطلب ويستلزم أن تكون هناك عدة دراسات منهجية، وأكاديمية في ما ألفه لا سيما في الفقه الإسلامي المقارن حتى
نتمكن من إبراز جوانب فكره الأصيل.
وإذا ابتعدنا عن هذه النظرة الموضوعية فإن تلك الأبحاث، لا تخلو من بعض التكلف والتمحل في تعليل إنتاجه الفكري الإسلامي الأصيل أما مؤلفاته فهي كثيرة جدا، ما بين كتاب صغير يحتوي
على أربعين صفحة، وكتاب كبير يزيد على سبعمائة صفحة. واعتمادا على هذا، فإن الباحثين الذين بحثوا في حياته الفكرية اختلفوا في عدد كتبه، فالشيخ محمد علي دبوز يقول: إن مؤلفاته تزيد على المائة قائلا: (إن مؤلفات القطب أكثر من مائة مؤلف بين كبير ومتوسط وصغير ورسالة في
117 (1/117)
صفحة 118
موضوع من المواضيع، وقد طبعت بعض مؤلفاته، وبقي
الكثير، وضاع الكثير (60)
أما تلميذه العلامة الشيخ أبو اليقظان فيقول: (وقد عد
بعضهم مؤلفاته فوجدها تتجاوز ثلاثمائة مؤلف ما بين صغير وكبير ومتوسط) (61)
ونفس الفكرة قالها خير الدين الزركلي في الأعلام، الجزء
السابع، الصفحة 157: (له أكثر من ثلاثمائة)
ومهما كان الأمر. فإن هذا الاختلاف في عدد الكتب دليل قاطع على غزارة تبحره في العلوم، وكان القطب رحمه الله يؤلف كتابين أو أكثر في زمان واحد في مواضيع مختلفة ومن البديهي جدا، أن الموضوعات التي كان يكتبها، تلقى على الطلبة كدروس على حسب مستواهم الفكري، وليس من المعقول أن تبقى تلك الدروس غير مكتوبة عناه أو
عند تلاميذه.
وكأني بمن يقول ما
هي
الموضوعات التي كتب فيها القطب
رحمه الله؟ نحن نقول: إن هناك عدة علوم بَحَث وألف فيها العلامة أطفيش والتي يمكننا أن نلمح إليها (62)
ا - أهم مصنفاته:
أ ـ التفسير:
الرموز: طبع، مخ: مخطوط. ح: حجري. ع: عصري)
118 (1/118)
صفحة 119
1 - هيمان الزاد الى دار المعاد: يقع في 14 مجلدا طبع في
سلطنة عمان حديثا.
2 - تيسير التفسير، يقع في سبعة أجزاء وأعيد طبه في
سلطنة عمان في 10 مجلدات
3 - داعي العمل ليوم الأمل:، من سورة الرحمن الى سورة الناس، يقع في أربعة مجلدات لا يزال مخطوطا.
4 ـ رساله في قراءة ورش سماها جامع حرف ورش. (طح) ب - الحديث الشريف والسيرة:
1 - ترتيب الترتيب جزء واحد (طح)
2 - وفاء الضمانة بأداء الأمانة في 3 ج، أعيد طبعه في 6 ج
بسلطنة عمان حديثا.
3 - جامع الشمل في حديث خاتم الرسل طبع في جزء واحد وأعيد طبعه في جزئين ببيروت حديثا.4 ـ السيرة الجامعية من
المعجزات اللامعة (طح) و (طع)
5 - الغسول من أسماء الرسول (طح)
6 - رسائل الصلاة على النبيء لا (مخ)
ج - - الفقه وأصوله:
1 - شرح مختصر العدل والانصاف لأبي يعقوب
الوارجلاني (مخ).
شرح كتاب الدعائم في جزئين (طح)
119 (1/119)
صفحة 120
3 ـ كتاب الجامع الصغير في 3 أجزاء (طع) ويعرف قديما
بجامع الوضع والحاشية.
4 - شامل الأصل والفرع، في جزئين (طع)
5 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل للشيخ عبد العزيز، وهو فقه مقارن طبع ثلاث مرات ويشمل على 17
الثميني مجلدا الآن.
6 - الذهب الخالص جزء واحد طبع مرتين.
7 - مختصر شرح النيل في موضوع الحقوق والبيوع (مخ) على الفلاح، شرح باب الصلاة من كتاب الإيضاح
8 - حي
للشماخي. (مخ)
د ـ التوحيد وعلم الكلام والفلسفة: 1 - شرح عقيدة التوحيد لأبي حفص عمرو بن
واحد (طح) لقد طبع حديثا في سلطنة عمان 2 - حاشية الموجز لأبي عمار عبد الكافي (مخ) 3 ـ حاشية شرح النونية، لعبد العزيز الثميني (مخ)
4 - شرح عقيدة تبغورين (مخ)
5 - شرح معالم الدين، لعبد العزيز الثميني (مخ) 6 ـ الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقييد (طح) 7 - إيضاح المنطق في بلاد المشرق (مخ)
8 - إزهاق الباطل في العلم الهاطل (طح)
جزء
120 (1/120)
صفحة 121
هـ
اللغة العربية وعلومها: 1 - نظم المغني وهو أول تأليفه (مخ)
2 - شرح شواهد القزويني (مخ) شرح شواهد قواعد الإعراب (مخ) 4 - حاشية شرح الأجرومية للداودي (مخ)
5 - مجموع قصائد مطبوعة عصرية 6 ـ فك المعاني من ربقة المعاني (مخ) 7 - بيان البيان، في علم البيان (مخ) 8 ـ الجنة في وصف الجنة
9 - ربيع البديع في علم البديع (مخ)
10 - إيضاح الدليل الى علم الخليل في العروض (مخ) 11 ـ كتاب الرسم في تعليم الخط (طبع 3 مرات).
وو- التاريخ والسير:
1 - كشف الغمة في شرح لامية ابن النظر (مخ)
2 - مسائل السير (مخ)
3 - الإمكان في ما جاز أن يكون أو كان (طح) 4 - الرسالة الشافية في بعض تواريخ أهل ميزاب (طح)
5 - شرح نونية المديح (مخ)
ي - الفلك والحساب:
1
3
- مسلك الفلك (مخ) 2 - شرح القنصادي (مخ)
- التحفة والتوأم في علم الفرائض (طع)
121 (1/121)
صفحة 122
ز - رسائل وأجوبة مختلفة في كتابات متوسطة الحجم
جدا
1 - إزالة الإعتراض عن محقي آل إباض (طع) 2 ـ الرد على العقبي الطاعن في الدين (طع) 3 - أساس الطاعات لجميع العيادات (طع)
4 - القنوان الدانية في مسألة الديوان (طع) 5 - جواب في ملل أهل الكتاب وأهل الشرك (طح) 6 - جواب لعامر بن مسعود (طع)
7 - شرح شواهد الوضع. مخطوط
8 - تقريرات على كتاب المعلقات (طح) 9 - شرح کتاب الزكاة (مخطوط)
10 - مختصر كتاب العمارات فن البناء (مخطوط)
11 ـ الرد على الانجليزي (طح)
12 ـ الرد على الصفرية والأزارقة (طح)
13 - رسالة في حكم الدخان والصعوط (طح) 14 ـ تحفة الحب في أصل الطب (طح) 15 ـ النحلة في غرس النخلة (طع)
16 - شرح لغز الماء (طح)
17 - جواب لعلماء مكة (طح)
18 - جواب في الأوراق المالية
هذه
هي أهم مصنفاته التي أمكننا أن نشير إليها باختصار
، وبعد هذا ننتقل الى دراسة الفكر الطفيشي في مقولاته
122 (1/122)
صفحة 123
الأساسية، ولنبدأ أولا بالجانب اللغوي والعقائدي والفقهي المقارن وأخيرا تفسير القرآن الكريم الذي يعد أعلى وأشرف العلوم على الإطلاق ولذا نرى من الضروري أن نسلم بأن كل
العلوم هي
مطية لفهم القرآن الكريم.
2 - القطب والأدب:
لقد رأينا أن الكتب التي ألفها القطب كثيرة جدا، ومتنوعة في فنونها، لا سيما الموضوعات الفقهية والتاريخية. فلا يمكن للفقيه أن يكون راسخا في العلوم الشرعية، دون أن يلم بالعلوم
الأدبية كاللغة والنحو، والصرف والبلاغة والعروض
وفي هذا المنحى نجد القطب، قد اهتم بعلم النحو منذ صغره، لأن هناك علاقة تداخل جدا، بين العلوم الشرعية والعلوم الأدبية وأحسن دليل على ذلك أنه تمكن من تنظيم كتاب النحو مغني اللبيب للإمام أبي الأنصاري المتوفى سنة 721 هجرية في خمسة آلاف بيت وهو لم
يتجاوز عمره سبع
عشرة سنة
•
محمد عبد الله بن هشام
(
ومن البديهي أن الإنسان الذي بلغ هذه الدرجة العلمية في النحو، يشترط فيه أن يكون ملما بقواعد الأدب العربي لغة وبلاغة، ونحوا، وصرفا، وعروضا ومن الملاحظ أن القطب لم يترك لنا ديوانا خاصا في الشعر، كبقية الشعراء الكبار، بل جل قصائده كانت موزعة بين الكتب التي كتبها، خاصة في مدح الرسول والإسلام
123 (1/123)
صفحة 124
والفضائل الأخلاقية، إضافا الى نظم بعض العلوم الشرعية في
قالب شعري كقراءة ورش للقرآن الكريم.
يقول القطب:
الحمد لله مُرَبِّي الخَلْقِ باعث أحمد بعين الحق
وعلى
ال له وصحبه أولى العلا
صلى وسلم علي قدر الرمال والحصا وبعد فذا النظام يدنو فيه البعد مما به ورش تلا عن نافع حسبما الضبط بذاك واقع في كتب الغرب ولا أذكر ما يروى له أو ما لغيره انتمى وفي هذا المنظور نقول: إن الأدب الذي كتبه القطب سواء كان نثرا أو شعرا يتمز بالطابع الديني الخالص لاسيما الأخلاق القرآنية والمدائح النبوية التي تمثل الثقافة الاسلامية الأصيلة الأولى، لأن هذا الشعر يستمد أصالته من القرآن الكريم، والسنة الشريفة بدلا من أن يستمدها من المفاهيم الجاهلية القديمة أو الحديثة والجدير بالتنويه أن شاعر الرسول الكريم حسان بن ثابت
(674 م) رضي الله عنه يعد رائدا لهذه المدرسة الإسلامية
•
ألم يقل في مدح الرسول الله وأصحابه رضي الله عنهم
ما يلي:
إن كان في الناس سباقون بعدهم
فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
124 (1/124)
صفحة 125
أكرم بقوم رسول
ائدهم
إذا تفرقت الأهواء والشيع
وكان النبيء الا الله و يقول له: «اهجهم وروح القدس معك،
واستعن بأبي بكر فإنه علامة قريش بأنساب العرب) وعلى هذه الصورة الدينية، يمكننا أن نستنتج من الآثار الشعرية التي لدينا أن شعر القطب كان يتميز بالطابع الديني
في مجمله، نظرا الى البيئة الاجتماعية التي تربى فيها والتي أثرت في مطلقاته الفكرية ولعل من المفيد أن نورد بعض الأبيات الشعرية التي قالها
في مدح الرسول الكريم:
:
لك الحمد ربي قد ما أنت أهله
ولن أستطيع قدره لا ولا شكرا
وأنت كما أثنيت عنك وكلما
مضت شكره مني اقتضت شكرة أخرى
ويا خالق الأفلاك والشمس والقمر
وخالق كل ما سواه أقل عثرا
وصل على خير الخلائق دائما
وسلم وزد له على فخره فخرا (64)
التحليل:
تمثل هذه الأبيات، عاطفة دينية، صادقة، وهي نابعة من قلب شغوف بحب الرسول الكريم الذي تتجلى فيه الأخلاق القرآنية
125 (1/125)
صفحة 126
الكريمة، الذي قال فيه الله عز وجل وإنك لعلى خلق
عظيم (4 / القلم)
إن هذه الأبيات تظهر فيها العفوية بحيث لم تستعمل فيها المحسنات البديعية والتوريات والمفاهيم العميقة لأن المقام يتطلب ذلك، حتى يدرك عامة الناس عظمة الرسول وأخلاقه. وقد يفهم القارئ الكريم أن شعر القطب كله كان في مدح الرسول الكريم، لكن نجد له قصائد في العلم والحكمة حتى الغزل العفيف قال فيه بعض الشعر:
ولنسمع الى هذه الأبيات في الأخلاق:
واضع المرء زيادة شرف به تتم نعم مع الترف خب الرئاسة وحب المال رأس الخطيئة وسوء الحال أما في شعر الغزل العنيف فقال ما يلي:
تقول نساء مصر هذه ديارنا
عوامر قلت بل ديـار بلاقع
فإن لم يكن لي في حماكن موضع
فلي في حمي تلك الوجوه مواضع
أراعي الهوى لهن غيبا كحضر
وما روعتني غيبة وموانع
وأما بالنسبة الى النثر، فإن له قدرة كبيرة في ذلك، بيد
أن الطابع الديني هو المتغلب على أسلوبه نظرا الى فكره
المشبع بروح الشريعة الإسلامية.
126 (1/126)
صفحة 127
إلا أن هذا النثر يمتاز بالوضوح، وخصوبة المعاني وقوة
الحجة، وجعل الخضم ينقاد لفكرته يقول رحمه الله: (واعلم أن متعلقات اليقين هي ما جاء به الأنبياء فإن اليقين عبارة عن
معرفة مخصوصة ومتعلقة المعلومات التي وردت بها الشرائع فمن ذلك التوحيد وهو أن يرى الأشياء كلها من الله تعالى ولا يلتفت الى الوسائط، ويراها مسخرة لا حكم لها، فالمصدق بهذا موقن، ومن ذلك الثقة بضمان الله الرزق في قوله تعالى وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها (هود: 6) فإن صحت ثقته لم يشد خوفه ولا حرصه وشرهه وتأسفه، وأثمرت هذه اليقة جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة) (66) الصورة الواضحة عن الأدب العام عند القطب رحمه
الله
هذه
هي
لكن هناك منحى آخر تتجلى فيه شخصية القطب، وهي مساهمتها في الأبحاث النحوية ولنتدبر معا تمكنه في
الإعراب: ذلك الكتاب لا ريب فيه) (2 / البقرة) اسم الاشارة مبتدأ، و (الكتاب) نعته أو بدله أو عطف بيان له، وجملة (لا ريب فيه من لا واسمها وخبرها، خبر المبتدإ، أو اسم الإشارة مبتدأ خبره، (الكتاب) وجملة (لا ريب فيه) خبر ثان أو حال من الكتاب الاو مستأنفة، أو اسم الإشارة مبتدأ خبره، (هدى) والكتاب (نعت أو بيان أو بدل) و جملة (لا
ريب فيه معترضة أو الكتاب خبر (67)
127 (1/127)
صفحة 128
3 - القطب وبعض القضايا الكلامية:
نحن نعلم بادئ ذي بدء أن علم الكلام قد ظهرت إرهاصاته الأولى في وقت الرسول الكريم لا سيما مشكلة القضاء والقدر.
لقد جاء في الجامع الصحيح في الجزء الأول
ص
20/ 19
قال الربيع: بلغني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تجد ولن تؤمن وتبلغ حقيقة
الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه الله.
من
قال: قلت يارسول الله: كيف لي أن أعلم خير القدر وشره، قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، فإن مت على غير ذلك
دخلت النار»
وبعد وفاة الرسول الكريم، ظهرت أول مشكلة خطيرة هددت الإسلام وهي مسألة السلطة والخلافة، لأن الرسول الكريم لم يترك نصا صريحا واضحا فيها، وهناك من يرى أن الخلافة يجب أن تنحصر في آل البيت عليهم السلام، بدعوى أن عليا وذريته أحق بهذا الأمر، وهناك من يعتقد بأن هذه الفكرة تتناقض مع النصوص الإسلامية الصريحة التي تجعل أمر السلطة والخلافة في المسلمين كلهم ما داموا قد خلقوا من نفس واحدة
128 (1/128)
صفحة 129
فالتفاضل لا يكون إلا بالتقوى لقول الله عز وجل:»، يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله
عليم خبير» (13 / الحجرات)
إن هذه العوامل هي التي مهدت الأرضية الكلامية في الفكر
الإسلامي القديم. أما بالنسبة الى تعريف الكلام فهو العلم الذي يُوضح أصول العقائد الإسلامية، وذلك بإيراد الأدلة المنطقية مع تنفيذ
شبهات الخصم. وأحسن تعريف ما أورده أبو نصر الفارابي في هذا الموضوع إذ يقول: (صناعة الكلام يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل، وهذا ينقسم الى جزئين أيضا: جزء في الآراء وجزء في الأفعال وهي غير الفقه، لأن الفقيه يأخذ الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة مسلمة، ويجعلها أصولا ليستنبط الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير أن يستنبط عنها أشياء أخرى، فإذا اتفق أن يكون الإنسان قدرة على الأمرين جميعا فهو فقيه متكلم، فيكون نصرته لها بما هو متكلم، واستنباطه عنها بما هو فقيه) (68) وبمثل هذا التعريف الجامع المانع يمكننا أن نقول: إن القطب ينطبق عليه هذا التعريف لأنه كان فقيها متكلما. وإذا
9
129 (1/129)
صفحة 130
عدنا الى اثاره الفكرية، نجد أن هناك تداخلا في بعض
الحالات
بين المسائل الفقهية والكلامية، لا سيما إذا كانت
المشكلة الفقهية تتطلب الدليل العقلي والنقلي في آن واحد وبالرغم من هذا، فإن القطب لم يكتب كتابا مستقلا في علم الكلام، ولكنه قد شرح الآراء الإباضية الكلامية بكل جدارة وقوة أمام الخصم، إن هذه الآراء نجدها جلية حين بسط عقيدة تبغورين فعلق عليها، وكذلك لما شرح كتاب أبي حفص عمر بن جميع في عقيدة التوحيد دون أن نغفل ذكر كتاب النيل ومعالم الدين في الفلسفة وعلم الكلام للشيخ عبد العزيز الثميني
حيث شرحهما ثم فصل القول فيهما فلسفة وكلاما علينا إذن أن نستعرض بعض أفكاره لأن المقام لا يسمح لنا
أن نبين كل أفكاره الكلامية:
ا - القطب ومسألة الإيمان والإسلام والدين:
يقول القطب رحمه الله تجب معرفة التوحيد بأنه إفراد الله. عن الخلق، وأفعالهم وصفاتهم، ولو تشابه معهم في أقل قليل لدخل عليه العجز منه، ولاحتج الى ما احتاجوا ونقول هو عالم بمعنى أن ذاته كافية في انكشاف المعلومات فعلمه قديم عام، غير حال، وزيد عالم بمعنى خلاف ذلك، وهكذا، ومعرفة الشرك بأنه المساواة والإشراك التسوية، فمن أنكر الله كالدهرية الزاعمة أن الأشياء لا محدث لها، فقد سواه بغيره من العدم) (69)
130 (1/130)
صفحة 131
ويقول القطب في موضوع آخر (الأيمان التصديق وإنما يتم
عند أصحابنا وأكثر المخالفين بالنطق، والإسلام الإنقياذ للأحكام الشرعية امتثالا وازدجارا. هذا حقيقتهما عندي، ويستعمل الإسلام بمعنى التصديق والإيمان بمعنى الإنقياذ للأحكام: فالأول من استعمال اللفظ في معنى سبب مدلوله
الحقيقي، والثاني من استعمال اللفظ في معنى مسبب مدلوله، وقد يستعمل الإيمان في التصديق والانقياذ معا، وكذا الإسلام، فحينئذ يكونان حقيقة عرفية مجازا لغويا، وقد يطلقان على الأحكام الشرعية كما يطلق عليها الدين والشريعة والملة. ويزاد الإيمان بقوة النظر الاعتباري والفكر والأعمال
الصالحة، وينقض بالغفلة عن ذلك والأعمال المحرمة) (70) ويقول في موضوع آخر: (فإن قيل لك: ما قواعد
الإسلام؟ وما الخصال التي يبنى عليها الإسلام كما يبنى الجدار على أوله؟ وأما ما لا أساس له أو له أساس ضعيف لا يحمله، فلا يثبت، فأجاب بالعلم والعمل والنية والورع، فيبحث بأنهن نفس الإسلام ولا يخرج الإنسان عنهن إذ لا تجد إسلاما غير علم، وغير عمل، وغير ورع، ودخل الكلام في العمل وكذا
النية: هي عمل بالقلب فلزم بناء الشيء على نفسه، وهو
يصح
لا
، لأن الشيء الواحد، لا يكون متقدما متأخرا علة معلولا
من جهة واحدة، ويجاب: بأن كل واحد من الأربعة قاعدة للثلاثة الأخر، فتلك أربع قواعد) (71)
131 (1/131)
صفحة 132
تحليل دلالة التوحيد والإيمان والإسلام والدينية
عند القطب
التحليل:
إن النصوص المبسطة هنا، للعلامة القطب، تجعلنا نستشف منها موقف القطب، في القضايا الكلامية المطروحة في تاريخ المدارس الكلامية الإسلامية قديما وحديثا
إن المحاولة التي نقدمها، ما هي إلا محاولة بسيطة لبلورة الحقائق والمفاهيم الكلامية التي جاءت في المدرسة الإباضية، ثم
الاسترشاد بها
واعتمادا على النص الأول، ندرك أن التوحيد يعد المحور الأول والأساسي في العقيدة الإسلامية التي تجعل المسلم يبتعد كل مفهوم حسي ومنفعي في حياته العامة، بحيث يدرك أن المالك، الواحد القهار الخالق لهذا الكون وما يوجد
عن
الله
هو
فيه، والله عز وجل تعالى عن كل الصفات المادية والمعنوية، إذ لا مثيل له، يقول الله عز وجل ليس كمثله شيء وهو السميع البصيرة (11 / الشورى) فالقطب - رحمه الله - يرى أن صفات الله
ذاته
هي عين لا يجوز الفصل بين الله وصفاته، فصفاته هي عين ذاته، إن كل تشبيه يعد نقضا للوحدانية وكل من ذكر أكثر من إله واحد، يعد مشركا، وضالا، ومرتكب كبيرة، وهذا يتنافى مع
الإيمان الصحيح السليم.
- 132 (1/132)
صفحة 133
، وهي لا تعترف
ثم رد هذا النص على النزعة الدهرية القائلة بأن العالم مرتبط في وجوده بالأسباب المادية فقط بوجود الله عز وجل، وهي ترى أن غاية الدنيا هي بالخيرات المادية، وأن الحياة الآخرة لا وجود لها، يقول الحق
الإستمتاع
تعالى: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا الا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا
يظنون: 24 / الجاثية)
أما المسألة الثانية التي طرحت في النص كذلك فهي مسألة الإيمان، فالإباضية تؤكد بأن الإيمان هو الإقرار بالشهادتين قلبا ولسانا، وعملا بالجوارح.
يقول أبو عمار عبد الكافي الذي يعد أحد أعلام الفكر الإباضي في القرن السادس الهجري ما يلي: (إن الإيمان هو ما أمر الله به عباده وتعبدهم به من فعل جميع ما افترض
جميع
عليهم من الفرائض وترك جميع ما نهاهم عنه من المعاصي فكل ذلك إيمان بالله، ودين له، وإسلام وكله إيمان وبعضه إيمان، ما كان من ذلك توحيدا لله، وما كان منه غير
توحيد، فمن استكمل ذلك مؤمنا ومن لم يستكمل ذلك
سمي
واقتصر على فصل التوحيد دون فعل الفرائض، وترك المعاصي بطل أن. مؤمنا) (72) يسمى
إن القطب قد أورد هذه الفكرة في نصه غير أنه يرى أن الإسلام هو التصديق بالقلب أما الإيمان فهو الإنقياد أي الخضوع
133 (1/133)
صفحة 134
والعمل بما امر به الإسلام القائم على العلم والعمل والنية
والورع.
وبعد هذا التحليل، نتساءل هل هناك
وجه اتفاق أو
الاختلاف في المصطلحات الإسلامية التالية: التوجيد،
الاسلام، الايمان، الدين
إن القطب رحمه الله يرى، ليس هناك أي اختلاف جوهري، بين هذه الدلالات الإسلامية، اذ يرى لا يمكن أن يكون توحيد بدون إسلام ولا إسلام بدون إيمان ولا إيمان بدون دين ما دامت علة التوحيد هي المسببة في تأصيل المعلومات السابقة وإيجادها فهل نجد هذه الفكرة الحيوية في المدرسة الإباضية قديما؟
ولعل من المفيد أن نقول إن المدرسة الإباضية كانت سباقة الى هذا التحليل المنطقي اذ يقول أبو زكرياء يحي بن أبي الجناوي النفوسي الذي يعد من علماء النصف الأول للقرن الخامس الهجري ما يلي: (قالت الإباضية من أتى بالقول وضيع العمل فهو كافر منافق ضال فاسق عاص ليس بمؤمن ولا بمسلم ولا بمشرك وأحكامه أحكام الملة الإسلامية والملة كل شريعة وطريقة شرعها قوم لأنفسهم واتخذوها دينا، والدين والإيمان والإسلام: أسماء مختلفة لشيء واحد، وهو طاعة الله تعالى ((73)
134 (1/134)
صفحة 135
وفي هذا المسار يمكننا أن نشير الى عدة ايات قرنية
تحمل تلك الدلالات التوحيدية كقوله تعالى: * وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد * (20 / ال عمران) فإن أسلموا معناه أخلصوا التوحيد لله عز وجل وفي آية أخرى يقول الله عز وجل * ومَن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله (5 - المائدة) فالإيمان هنا يقصد به التوحيد.
وفي آية أخرى يقول الله عز وجل: إن الدين عند الله
الإسلام (19 / ال عمران)
فالدين هنا يقصد به التوحيد (74)
بين
أن
ونعود بعد هذا التحليل القصير الى أن القطب قد الإسلام الأصيل يعتمد على أسس أخلاقية خالصة وهي العلم
والعمل والنية والورع.
فالنية محلها القلب فهي الإرادة التي توجهها الى الأفعال الخلقية التي يتجلى فيها الورع، فتبعد الإنسان من الإثم والظلم
ثم الكف عن المعاصي والشبهات.
يرسم
وهكذا يمكننا أن نقول إن القطب رحمه الله استطاع أن
لنا صورة عقلية واضحة أصيلة للتوحيد الخالص الذي
ترتكز عليه دلالة الإسلام. والإيمان والدين
135 (1/135)
صفحة 136
الدلالة
إن هذه الخصائص الذي ذكرناها في هذا التحليل تجعلنا من الضروري أن نشير الى دلالة أخرى في علم الكلام وهي الخارجية وعلاقتها بالإيمان والكبيرة.
2 - القطب يحدد الدلالة الخارجية دينيا وتاريخيا: نلاحظ أن أغلبية المفكرين المسلمين والمستشرقين، قديما وحاضرا إذا أرادوا أن يكتبوا عن الإباضية، فإنهم يرمونهم بأنهم خوارج، وينعتونهم بأقبح الأوصاف وهذا يعود الى الجهل أو تجاهل المصادر الإباضية القديمة والأصيلة المباشرة التي
توضح عقائدهم. يقول أبو الحسن علي بن اسماعيل الأشعري:
وأصل قول الخوارج إنما هو قول الأزارقة والإباضية والصفرية والنجدية، وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية
والنجدية فإنما تفرعوا من الصفرية) (75)
ويقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي المدرس الآن في جامعة دمشق: (ثم إن الخوارج اختلفوا فيما بينهم في جزئيات شتى، بعد اتفاقهم أو اتفاق أكثرهم اجمالا على هذه الأصول الأربعة التي ذركناها عنهم وكبار فرق الخوارج التي نشأت عن اختلافاتهم تلك، ستة هي:
الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة
والإباضية، والثعالية) (76)
16
136 (1/136)
صفحة 137
من خلال هذين النصين ندرك بكل يقين أن هؤلاء لم يلتزموا الموضوعية وروح البحث العلمي، حيث جعلوا الإباضية جزءا لا يتجزأ من المدرسة الخارجية وهذا بعينه تعصب وجهل
في حق المصادر الإباضية وأسسها العقائدية.
يقول الاستاذ عوض محمد خليفات: (أن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أن أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين اتباعا للسنة الشريفة والإقتداء بها. أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج عن أحد أمرين: المجهل أو التعصب) (77)
وبعد هذا نتساءل: ما هو موقف الإباضية من الخوارج فهم يرون أن هنالك تباينا واضحا بينهما في العقائد فالإباضية ترى أن المسلم الذي ارتكب كبيرة دون توبة يعد عاصيا وفاسقا وكافرا كفر نعمة فلا يخرج عن ملة الإسلام ولا يجوز التعدي على روحه وأمواله وعرضه. يقول العلامة الإباضي أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني: 500 هـ، 570 هـ) وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله * وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) / (الأنعام) فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها. وأما المارقة فقد زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب أو كبير أشرك بالله العظيم، وتأولوا قول الله عز وجل: وإن أطعتموهم
إنكم لمشركون.
137 (1/137)
صفحة 138
الله فقضوا بالاسم على جميع من عصى عز وجل أنه مشرك.
وعقبوا بالأحكام، فاستحلوا قتل الرجال وأخذ الأموال وسبي
العيال) (78)
أ - التحليل:
إن الفكرة التي استعرضها هنا العلامة أبو يعقوب يوسف الوارجلاني تبين لنا بكل وضوح أن هناك حدا فاصلا بين الإباضية والخوارج بزعامة نافع بن الأزرق الذي مات في حياة عبد الملك بن مروان الأموى والذي يرى أن المسلم العاصي يعد كافرا كفر شرك. أما الإباضية فهي تراه عاصيا فاسقا وكافرا كفر
نعمة
وهي
لا تخرجه عن الملة الإسلامية.
إن هذه الفكرة الإباضية الأصيلة، نجدها جلية عند القطب رحمه الله إذ يقول: (واعلم أن مرتكب الكبيرة عندنا معشر الإباضية الوهبية كافر كفر نفاق، وكفر فسق، وكفر نعمة، كل ذلك معنى واحد، وهو مذهب الحسن البصري، ولا يقال له: مؤمن ولا مسلم، وقد يطلق عليه مؤمن ومسلم بمعنى موحد، وقالت الخوارج: إنه مشرك وقال: بعض الخوارج إن العاصي ولو بصغيرة مشرك، وقالت الأشعرية، إن صاحب الكبيرة مسلم مؤمن، وقالت المعتزلة، لا مؤمن ولا كافر، واحتج الخوارج بمثل قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (44) / المائدة) ذلك جزيناهم
بما كفروا وهل يجازى إلا الكفور * (17) / سبأ 79)
6
138 (1/138)
صفحة 139
أما الجانب التاريخي فإن القطب يرى أن هناك اختلافا بين
الخوارج والإباضية من حيث قيام السلطة التنفيذية، وذلك أن الخوارج يرون أن قيام السلطة في الدولة الإسلامية غير واجبة، لأن المسلمين في نظرهم ماداموا مؤمنين لا يمكن لأي واحد منهم أن يتعدى حدود غيره، وهذه النظرية أقرب الى النظرية الفوضوية التي تنادي بإلغاء سلطة الدولة وأجهزتها باعتبارها جهاز قمع، لقد تزعم حديثا هذه النظرية المفكر الشيوعي باكونين (1814/ 1876 م)
لكن القطب رحمه الله قد أعطى ما في جعبته، مفندا هذه الفكرة الشاذة عن الإسلام وهو يرى أن الأوامر الصادرة من الله
عز وجل لعباده، تتطلب سلطة إسلامية قوية لتنفيذ وتطبيق الشريعة الإسلامية وحدودها، وإلا لا يقام للحق قيمة، ولا للإسلام سلطة، وبالتالي تكون تلك الشريعة الإسلامية تحت الأهواء الضالة الخارجة عن جادة الدين الإسلامي.
فلا بد إذن من سلطة إسلامية قوية تحمي حدود الشريعة الإسلامية واعتمادا على هذا يقول رحمه الله (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان في كل زمان على قدر الطاقة فرض كفاية على كل مكلف عالم بأن ذلك معروف أو منكر ولو أمة، إلا ما لا يوسع في معرفة كفر فاعله أو شركه، فإن من رأى، يجب عليه نهيه فيكفر بعدم تكفيره أو تشريكه، ويكفر بعدم نهي وكل نيه عن منكر أمر بمعروف، والأمر
مكلفا يفعله
- 139 (1/139)
صفحة 140
على
الأمر
بالمعروف الواجب نهي عن المنكر، والحكم بين المتخاصمين من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأدلة، ومن والنهي قوله تعالى يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط (135) / النساء) وقال تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله (المائدة / (49) وأمر النبيء لا بإمامة أبي بكر أو إشارته عليه، ولإجماع الأمة عليه وعلى عمر وعلى عثمان
وعلى علي، وقالت النكار - لعنهم الله ـ والخوارج قبحهم الله
إن نصب الإمام غير واجب، وأنه يجب على الناس أن يقيموا
كتاب الله بينهم
(80)
ب - التحليل:
اعتمادا على هذا النص الواضح الذي يعكس، رؤية الإباضية
في الخلافة الإسلامية التي تراها واجبة شرعا وعقلا
"
إن هذا النص لا يحتاج الى تأويل أو إعمال الفكر، إذ يجعل القارئ البسيط فضلا عن العالم الناقد، يدرك أن الإباضية عن الخوارج في مفهوم السلطة، والذين يرون أن نصب الإمام واجب بحيث يجب على المسلمين أن يقيموا الحكم
تختلف
فيما بينهم.
هذا هو موقف المدرسة الإباضية الواضح، إزاء
مشكلة السلطة.
140 (1/140)
صفحة 141
لعلنا لا نغالي إذا قلنا، إن أغلبية الباحثين، لا يبذلون الجهد الضروري في التنقيب عن المصادر الإباضية المباشرة، ليحددوا الدلالة الخارجية أبعادها عقائديا وتاريخيا
إن الأحكام المسبقة في المدرسة الإباضية من غير
مصادرها، تعد خيانة علمية وخدمة للسلطة الحاكمة المتجبرة وإذا ما تصفحنا المنحى الكلامي عند القطب رحمه الله، وجدناه جامعا شاملا لآراء المدرسة الإباضية التوحيد، الإيمان، عدم رؤية الله، القدر، الوعد والوعيد، خلق الولاية والبراءة،
الإمامة، كل هذه المسائل قد أشرنا إليها في الفصل الأول. ولا يمكننا أن نستعرضها كلها من وجهة القطب والا خرجنا
عن منهجنا الذي التزمنا به هو تقديم لمحة عن فكر القطب الذي لا يختلف ولا يبتعد عن أسس المدرسة الإباضية بل يعد أحد مؤسسيها ومجدديها في العصر الحديث. يقول رحمه الله في كتابه إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وأما بعد، فهذا اعتقاد الإباضية الوهبية أهل الحق في الأصول والفروع، أما اعتقادهم في الأصول فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد بن عبد بن عبد المطلب عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق وأن الله عز وجل موجود لا يشبهه شيء) (81)
الله
هذه صورة مصغرة للمنحى الكلامي عند القطب، ولكن يحسن بنا أن نبين منهجه في الفقه والتفسير طالبا من القارئ
141 (1/141)
صفحة 142
الكريم السماح لي، بطرق هذا الموضوع لأنه يعد نوعا من الجرأة عليه لأن هذا البحث يشترط أن يكون الباحث ملما بكل
العلوم الشرعية والنقلية حتى يقدم صورة موضوعية شاملة عن موضوع الفقه والتفسير.
3 ـ القطب وعلم الفقه من خلال شرح النيل: إن شهرة القطب في المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى، تقوم في المقام الأول على أنه فقيه وهذا الاجتهاد الفقهي قدظهر في شرح كتاب النيل للعلامة عبد العزيز الثميني وقد أخرجه القطب في عشرة مجلدات، وله كذلك الذهب الخالص وشامل الأصل والفرع في جزئين.
والفقه علم من علوم الشريعة الإسلامية، بحيث يبحث في العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج. . . أو الأحكام
كالزواج والطلاق والنفقة، أو المعاملات كالبينيع والرهان. وإذا عدنا الى موضوعه، نجده يهتم بدراسة الأحكام العملية التطبيقية فموضوعه يختلف عن علم الكلام الذي يبحث في المسائل العقائدية. وعلى أية حال يمكننا أن نشير الى التعريف الذي عرفه الشيخ المولوي محمد. أعلى بن علي التهانوي فقال: (الفقه هو اسم علم من العلوم المدونة وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية والفقهية من اتصف بهذا العلم وهو المجتهد
142 (1/142)
صفحة 143
قال المحقق التفتازاني في حاشية العضدي ظاهر كلام القوم أنه
لا يتصور فقيه غير مجتهد ولا مجتهد غير فقيه على الإطلاق) (82)
واعتمادا على هذا التعريف نلاحظ أن القطب رحمه الله كان ملما بكل العلوم الشرعية والعقلية وكان مجتهدا فيها. ولعلنا لا نغالي إن قلنا: إن كتاب شرع النيل الذي ألفه القطب برزت فيه اجتهاداته في مسائل الفقه المقارن، إضافة الى المسائل العقائدية والتاريخية والأخلاقية
ولنتأمل معا ما كتبه في مجال الأخلاق (الصبر إما بدني كتحمل المشاق بالبدن فعلا كتعاطي العبادة الشاقة، أو احتمالا كالصبر على الضرب الشديد، وإما نفسي وهو أعظم كالصبر عن
شهوة الفرج والبطن وغيرهما من مشتهيات الطبع، فعن شهوة
البطن والفرج يسمى
عفة وعن احتمال مكروه
"
يسمى
صبرا
فقط، وضده الجزع، أو في احتمال الغني يسمى ضبط النفس وضده البطر) (83)
ولقد طرح في هذا الكتاب بعض القضايا الفلسفية كقوله ما يلي: (ومعنى الارادة انبعاث القلب الى ما يراه موافقا للغرض إما في الحال أو المآل، فقد خلق بحيث يوافقه بعض الأمور، ويلائم غرضه، ويخالفه بعض الأمور، فاحتاج الى جلب الملائم الموافق الى نفسه ودفع الضار المنافس لنفسه، ثم إنه إما
143 (1/143)
صفحة 144
أن ينفرد الباعث الواحد كما إذا هجم السبع على أحد فلا غرض له إلا الهرب والزغبة فيه لأنه عرفه ضارا فهذه نية خالصة) (84) وكذلك فقد كتب القطب في علم النفس العسكري وحوادثه، يقول رحمه الله: (وليُخف قائد الجيش العلامة التي يخص بها، فإن عدوه قد يستعلم حيلته، وألوان خيله ورايته، ولا يلزم خيمته ليلا ولا نهارا ويغير خيمته، ولا يلزم الموضع انواحد، فإن عيون عدوه عليه، وعلى هذا الوجد كسر المسلمون جيوش افريقيا عند فتحها، وذلك أن الحرب سكنت في وسط النهار فخرج مقدم العدو يمشي خارج العسكر يتميز عساكر المسلمين فجاء الخبر الى عبد الله بن أبي السرح وهو نائم في قبته، فخرج فيمن وثق به من رجال فحمل على العدو فقتل الملك فكان الفتح) (85)
وإذا عدنا الى كتاب شرح النيل وشفاء العليل، نلاحظ أنه كتاب قد عالج جل القضايا الفقهية بنظرة إسلامية خالصة قائمة
على القرآن والسنة وآراء المذاهب الإسلامية كلها بدون تعصب
لأننا
وهذا الكتاب يحق أن يطلق عليه الفقه الإسلامي المقارن نجد فيه وجهة الآراء الفقهية الإسلامية: الإباضية والمالكية
والشافعية والحنبلية والحنفية والزيدية والشيعة والمعتزلة وأخيرا يقدم القطب رأيه القائم على الدليل النقلي والعقلي قائلا: وعندي، فالقطب رحمه الله يجعل تلك الآراء تحت
144, (1/144)
صفحة 145
التمحيص والنقد الموضوعي وهو لا يسلم بأي رأي قبل النقد حتى يحكم له أو عليه ولو كان هذا الرأي من
المذهب الإباضي.
يقول
الأستاذ يحيى بكوش: (ثم إن القطب بحكم مطالعاته الكثيرة، إذا وجد بعد ذلك في المسألة ذاتها رأيا لإمام أو شاهدا يؤيد موقفه في كتاب، فإنه لا يتردد في توجيه الحمد لله
يورد
تعالى على توفيقه ولو كان مخالفا له في المذهب) (86) أما بالنسبة لمنهجه في شرح كتاب النيل، فنلاحظ أنه النص الأصلي من الكتاب، فيشرح الكلمات الغامضة ويعربها هذا في بعض الحالات ويزيل إبهامها، وبعد الأدلة يقدم الشرعية والنقلية ويقيم المسألة من خلال القرآن الكريم والسنة
الشريفة وأراء المذاهب الإسلامية وأخيرا يبين حيث يقول: والذي عندي أو: الصحيح هو.
رأيه
بدون تردد
وعلى ضوء هذا يمكننا أن نستعرض نصا في ذلك: (وجب مطلقة بانتفاء مس وفرض لا بثبوتهما أو أحدهما وتدركها بعد انقضاء العدة فإن مات أحدهما فيها ورثه الآخر فلا
تمتيع
تمتيع لها)
إن القطب رحمه الله يشرح هذا النص قائلا: (باب في المتعة: وهي ما يعطيه الزوج زوجه عند طلاقها تطييبا لنفسها عليها من ألم الطلاق، وتسلية لها عن الفراق، وسميت
عما
يرد
بذلك لأنها تستمتع بها وتنتفع، وجب تمتيع مطلقة) رجعا أو
145 (1/145)
صفحة 146
باتنا ولو أمة أو مشركة (بانتفاء) أي مع انتفاء أو الانتفاء (مس و) انتفاء (فرض لا بثبوتهما أو ثبوت (أحدهما فلا متعة لمن مست وفرض لها، ولا لمن مست ولم يفرض لها، ولا لمن فرض لها ولم تمس وقيل في قوله تعالى ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (الأحزاب / 49): أن لها المتعة وهي لم يفرض لها، لأن المفروض لها هي التي لها نصف الفرض فقط لا متعة لها كما في قوله تعالى * فنصف ما فرضتم * (237 / البقرة)
*
وإن مست بلا فرض فلها المتعة وصداق المثل أو العقر، وهي المراد بقوله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف وهذا ما جرى عليه أبو زكرياء لا ما ذكره المصنف، وقيل: للمرأة مطلقا المتعة إلا المفتدية والتي لها نصف الفرض، وقيل لا متعة المستوجبة صداقا بمس، وقيل: لكل امرأة متعة والصحيح ما ذكره.
وزعم بعض قومنا أن المتعة مستحبة، وهو قول مالك: قال: إنها مستحبة ولو لم يدخل بها ولم يفرض لها، وقال الشافعي واحمد وأبو حنيفة: تجب المتعة لمن لم يفرض لها ولم يمسها. وتجب عند الشافعي للمدخول بها، إن طلقت لقوله تعالى: وللمطلقات متاع بالمعروف * (241 / البقرة). هذا قوله الجديد، وأما قديمه فلا متعة لها، لأن لها المهر
146 (1/146)
صفحة 147
کاملا، وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد والأخرى كجديد الشافعي، وعن ابن عمر: لكل مطلقة متعة إلا
التي فرض لها المهر ولم يدخل بها زوجها، فحسبها نصف المهر وتدركها بعد انقضاء (المدة هذا خارج عما قبله جار على قول من قال: إن للمطلقة ولو مست متعة، وإلا فلا عدة للمطلقة قبل المسيس، وقيل إن أرادتها قبل انقضاء أدركتها كما في الديوان بتلويح (فإن مات أحدهما فيها ورثه الآخر فلا تمتيع لها) لأنها ترثه أو يرثها لعدم انقطاع العصمة بذلك الطلاق) (87)
ملاحظة:
عندما نقارن بين ما كتبه المصنف عبد العزيز الثميني وما كتبه القطب صاحب الشرح: نجد تباينا كبيرا فالمثقف العادي
ليس في إمكانه أن يفقه ما كتبه صاحب المتن، اللهم إلا إذا
كان فقيها بالمعنى الشامل الدقيق.
وعلى ضوء هذا، فإن القطب قد شرح ما جاء في المتن، معتمدا على الآيات القرآنية أولا: وعلى أقوال المذاهب الإسلامية، وهنا، يرى أن كل مطلقة لها حق المتعة تطييبا لنفسها إلا التي لم يدخل بها الزوج ولم يمسها فلها نصف مهرها متعة لها.
أما إذا مات الزوج أو الزوجة، قبل انقضاء العدة، فلا متعة بينهما، لأن كل منهما يرث الآخر، كما يرى ذلك بعض الفقهاء (88)
147 (1/147)
صفحة 148
هذا، تقول إن القطب كان ذا معرفة وبعد الفقه، بحيث يعتمد على النص الشرعي وأقوال أئمة الفقه مع إعمال العقل وإذكائه لإدراك المشاكل الفقهية
وجملة القول أن شرح كتاب النيل، يوازي الأمهات الفقهية الموجودة في المذاهب الإسلامية. حيث أعطى دفعة جديدة للمدرسة الإباضية خاصة والمدارس الإسلامية الأخرى عامة في
عصرنا هذا
ونستطيع أن نستشهد برأي الأستاذ يحي بكوش الذي يعد من الذين درسوا ودرسوا الفقه المقارن الإسلامي في المدارس القضائية الجزائرية عدة سنوات إذ يقول: (إن كتاب شرح النيل وشفاء العليل، هو موسوعة فقهية كبرى، تقف جنبا الى جنب الموسوعات المذهبية التي تقدمته كالمغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي، وكالمجموع شرح المذهب في الفقه الشافعي وكبدائع الصنائع للكسائي في الفقه الحنفي، وكالمحلى لابن حزم الظاهري.
مع
وهو يمثل الذروة التي وصل إليها الفقه الإباضي في عموده الأخيرة، بما يتضمن من قابلية للإقتباس والتفاعل مع
الأخرى، وذلك لسبب بديهي هو وحدة الجميع في
وقواعد الاستنباط.
المذاهب
الأصول
والكتاب هو المرجع الذي تتجه إليه أنظار العلماء والباحثين من جميع البلدان الذين يهمهم أن يطلعوا على وجهة النظر
148 (1/148)
صفحة 149
لإبضية .. وبهذه النظرة الشمولية العامة، في الفكر الطفيشي. يجمل بنا أن نلقي نظرة خاطفة على منهج القطب في تفسيره للقرآن الكريم، لأن الروافد الفكرية (التي رأيناها عند
القطب، تعد مدخلا لتفسير كتاب الله العظيم
ع - القطب ومنهجه في تفسير القرآن الكريم:
أ - نظرة في تاريخ التفسير:
إذا عدنا الى تاريخ تفسير القرآن الكريم نجده أنه قد
على عدة مراحل معينة، منذ وفاة الرسول الله الى يومنا هذا لقد كان الرسول الكريم أول شارح للقرآن إذ قال الله عز وجل في حق هذا المعلم العظيم (وأنزلنا إليك الذكر، لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون * (44 / النحل فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يأخذون ذلك التفسير عنه من أشهر هولاء: الخلفاء الأربعة الله وعبد بن عباس الذي قال فيه الرسول الكريم: «اللهم فقه في الدين وعلمه ويعد عبد الله بن عباس أعظم الصحابة، فهما
التأويل»
وتفسيرا وتأويلا لكتاب الله عز وجل.
وبعد الصحابة جاء التابعون كجابر بن زيد ومجاهد بن جبر
وعكرمة مولى ابن عباس (90)
إن هولاء كانوا يأخذون معاني التفسير عن الخلفاء الأربعة وعن السيدة عائشة أم المؤمنين وأبي هريرة وعبد الله بن عمر،
وجابر بن عبد الله ... الخ
149 (1/149)
صفحة 150
وبعد التابعين، جاء تابعوا التابعين الذين أخذوا التفسير عنهم وكان من بين هؤلاء الأعلام وكيع بن الجراح وشعبة بن
الحجاج ويزيد بن هارون
224)
فكان هؤلاء يحملون فتاوي الصحابة وأقوالهم في تفسير القرآن الكريم وبعد ذلك جاء المفسر الكبير ابن جرير الطبري / 310) الذي أخرج كتابه المشهور «جامع البيان في تفسير القرآن اذ اعتمد فيه على تفاسير وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين الذين نقل عنهم تفاسيرهم لآيات القرآن الكريم - وهذا هو - ما التفسير بالمأثور. يسمى
وهناك اتجاه آخر يعتمد فيه على الفهم والاجتهاد وإعمال الفكر والتأويل في فهم الآيات القرآنية الكريمة وهذا هو ما التفسير بالرأي وكان رائد هذا الاتجاه الرازي (544/ 606 هـ) صاحب التفسير المسمى مفاتيح الغيب.
يسمى
إلا أن هناك بعض التفاسير تتميز بالطابع العقلي والفلسفي والكلامي وخير من مثل هذه النزعة الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمر الملقب بجار الله (467/ 538 هـ) أما تفسيره فيسمى - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - ونجد كذلك بعض التفاسير، اعتمدت على الجانب اللغوي والنحوي والبلاغي والقراءات لا سيما تفسير أبي حيان الأندلسي المتوفى سنة 745 هـ، صاحب الكتاب الدر اللقيط من البحر المحيط
150 (1/150)
صفحة 151
وفي هذا المنظور نشير كذلك الى بعض المفسرين في عصرنا هذا (91) نجد من بين هؤلاء الشيخ محمد جمال الدين
القاسمي السوري (1866/ 1914 م) صاحب كتاب التفسير المسمى محاسن التأويل.
لقد اتجه اتجاها سلفيا في تفسيره، وكذلك العلامة محمد ابن يوسف أطفيش وهناك اتجاه علمي خالص، يفسر الآيات القرآنية، على ضوء العلوم العصرية، وكان يمثل هذا التيار الأستاذ طنطاوي جوهري (1870/ 1940 م) الذي ألف كتابا في التفسير سماه الجواهر في تفسير القرآن الكريم
وهنك اتجاه اجتماعي فسر القرآن الكريم في ظلال التربية الاجتماعية الإسلامية لإصلاح المجتمعات الإسلامية كالأساتذة:
محمد عبده، ورشيد رضا، وسيد قطب وابن باديس، وابراهيم
بيوض، رحمهم
الله
هذه لمحة خاطفة جدا عن التفسير والمفسرين، وبعد هذا نتساءل عن منهج العلامة أطفيش إزاء هذه التفاسير. قبل الإجابة عن هذا يحسن بنا أن نشير الى ما كتبه الإباضية في التفسير.
ب - مفسر و الإباضية:
إن ما كتبه الإباضية في التفسير، يعد قليلا بالنسبة الى الموسوعات الفقهية الإباضية، ولعل هذا يعود في نظرنا الخاص، الى احتراسهم الشديد من إبداء الرأي وتفسير كتاب، مخافة أن لا يصيبوا الحق، فينطبق عليهم قول الله عز
الله
151 (1/151)
صفحة 152
وجل: * تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين
(43، 44، 45: الحاقة)
وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو
أعلم بالمعتدين * (119 / الأنعام)
وهناك عامل سياسي آخر يتمثل في السلطات السياسية المتناقضة مع أصول المدرسة الإباضية التي تدعو الى الحكم
الإسلامي ومن البديهي جدا، أن لا تجد تفاسيرهم سندا معنويا
الأصيل القائم على سيرة الخلفاء الراشدين
وماديا من السلطات الحاكمة آنذاك.
•
وبالرغم من هذين العاملين، فإن هناك بعض التفاسير التي
يمكننا أن نشير إليها:
ا - ديوان جابر بن زيد: (22 هـ،93 هـ)
لقد ذكرت المصادر الإباضية القديمة، أن الإمام جابر بن زيد، يعد المؤسس الأول للمذهب الإباضي، وله ديوان يحتوي على عشر مجلدات في الشريعة الإسلامية، ومن الطبيعي جدا أن يفسر بعض الآيات القرآنية.
ولكن هذا الديوان قد ضاع تحت تأثير الصراعات المذهبية
لما أحرق العبيديون مكتبة المعصومة بتيهرت، وقيل إن الدولة
العباسية كان لها نسخة من ذلك الديوان الذي تعتز به
(92).
6
152 (1/152)
صفحة 153
2 - تفسير عبد الرحمن بن رستم، مؤسس الدولة الرستمية،
قيل إنه قد ضاع.
3
- تفسير هود بن محكم الهواري. . . من أهل القرن الثالث الهجري، إنه في حالة التحقيق ونتمنى أن يرى النور وهو في أربعة أجزاء
4
- تفسير أبي يعقوب، يوسف بن إبراهيم الوارجلاني
(500/ 570 هـ)
قال البرادي: رأيت منه في بلاد أريغ سفرا كبيرا، لم أر ولا رأيت قط، سفرا أضخم منه، ولا أكبر منه حزرت أنه يجاوز سبعمائة ورقة أو أكثر أو أقل فيه، تفسير فاتحة الكتاب والبقرة وآل عمران. وحزرت أنه فسر القرآن كله في ثمانية أسفار مثله، فلم أر ولا رأيت أبلغ منه ولا أشفى للصدر في لغة أو إعراب أو حكم مبين أو قراءة ظاهرة أو شاذة أو ناسخ أو منسوخ أو في جميع العلوم منه) (93)
وقيل إن جزءا واحدا يوجد في إحدى مكتبات الألمانية من
هذا التفسير.
أما بالنسبة الى الفكر الإباضي المعاصر، فنجد بعض التفاسير
التالية:
1 ـ هيمان الزاد ليوم المعاد للعلامة أطفيش
2 - تيسير التفسير للقرآن الكريم.
3 - داعي العمل ليوم الأمل
153 (1/153)
صفحة 154
4 - القول الوجيز في كلام الله العزيز. مخطوط. لصالح ابن عمر (1287/ 1347 هـ)
5 - في رحاب القرآن للشيخ بيوض (1316/ 1401 ه) ولا بد لنا، ونحن في موضوع التفسير أن نشير الى ما كتبه
الأستاذ محمد حسين الذهبي عن وجهة النظر الإباضية المفسرة
لكتاب الله عز وجل.
ج - وقفة مع
الأستاذ
محمد حسين الذهبي وكتابه
التفسيير والمفسرون:
لا
جرم
أن الكتاب الذي كتبه الأستاذ محمد حسين الذهبي
المصري المعاصر في تاريخ التفسير والمفسرين منذ حياة الرسول الكريم الله الى عصرنا هذا، يدل دلالة قاطعة على
الجهد العظيم الذي بذله في هذا الميدان الشاق الصعب
ولكن عندما نعود الى ما كتبه عن المدرسة الإباضية والعلامة الكبير الشيخ أطفيش وتفسيره نلاحظ أن ما كتبه يتناقض مع البحث العلمي النزيه وأخلاقيات التحقيق العلمي. إن الشيء المؤسف حقا: أن محمد حسين الذهبي، قد وقع تحت تأثير الأقلام القديمة، لا سيما أبو المظفر الأسفراييني صاحب كتاب التبصير في الدين، وابن أبي الحديد، صاحب
شرح نهج البلاغة.
وفي هذه الحالة نورد ما كتبه عن الإباضية
154 (1/154)
صفحة 155
الإباضية وهم أتباع عبد الله بن إباض وهم
الخوارج وأقربها إلى تعاليم أهل السنة)
أعدل فرق
(وإن الخوارج عندما ينظرون الى القرآن لا يتعمقون في التأويل، بل يقفون عند حرفية ألفاظه، وينظرون الى الآيات
نظرية سطحية)
(ويروي أن رجلا من الإباضية أضاف الى جماعة من أهل مذهبه، وكانت له جارية على مذهبه قال لها: قدمي شيئا فأبطأت فحلف ليبيعها من الأعراب، فقيل له: تبيع جارية
مؤمنة من قوم كفار، فقال: وأحل الله البيع وحرم الرباع أما بالنسبة لتفسير هيمان الزاد الى دار المعاد للعلامة
اطفيش فكتب عنه ما يلي: هذا هو مفسرنا الإباضي وهذا هو تفسيره الذي ملأه بالدفاع عن العقيدة الزائفة، والتعصب للمذهب الفاسد، وهو بعد ـ كما نرى ـ لا سلام من مجاراة المعتزلة في بعض عقائدهم كما لم يسلم من الأحاديث الموضوعة التي جرت على ألسن وضاع الخوارج: لينصروا بها مذهبهم، ويُروجوا لَهُ بَيْنَ الناس) (95)
النقد: إن صاحبنا محد حسين الذهبي كان بعيدا كل
البعد عن الموضوعية العلمية التي تتطلب النزاهة وتمحيص
الحقائق. بروح نقدية. أما بالنسبة للرد على الشبهات التي أثارها حول الإباضية بأنهم خوارج فإن الإجابة موجودة في مقدمة هذا الكتاب و في
155 (1/155)
صفحة 156
الفصل الأول، فلا حاجة لنا أن نكرر القول عما قلناه في ذلك لأنه قد وقع تحت المقولات القديمة حيث يصدرها أصحاب
المقالات القديمة بدافع السلطات الحاكمة الجائرة التي حرفت أصول وعقائد الإباضية.
ولو قرأ بفكر واع وخال من الأفكار المسبقة لأدرك أن المذهب الإباضي بعيد عن التعصب. وأن القطب رحمه الله قد أورد أقوال المذاهب الإسلامية كلها في تفاسيره ومصنفاته
الفقهية
أما قول الأستاذ محمد حسين الذهبي فهذا هو تفسيره الذي ملأه بالدفاع عن العقيدة الزائفة، والتعصب للمذهب الفاسد، نحن نقول هنا: كيف أصدرت هذا الحكم الذاتي والبعيد عن الإسلام الأصيل، وهل أصبحت تملك مقياس التعديل
والتجريح في حق المدارس الإسلامية إن المدرسة الإباضية لها رؤيتها الخاصة بها، والثابتة في أسس العقيدة الإسلامية حيث اعتمدت على الأدلة الشرعية والعقلية في تأصيل الإسلام في النفوس وبالتالي رفضت
الإزدواجية بين القول والعمل الى يومنا هذا ولعل علماء المسلمين اليوم أدركوا هذه الحقيقة البديهية
أكثر من الماضي.
ولنتأمل معا ما قاله الشيخ محمد الغزالي (صلة الإيمان
بالعمل كصلة الخلق بالسلوك
156 (1/156)
صفحة 157
بيد
أن أعداء الإسلام وقد عجزوا عن هزيمته في القتال لم تعيهم الحيل لسحقه في عقر داره، فدسوا على المسلمين من يصور لهم الإسلام كلمة لا تكاليف لها، وأماني لا
عمل معها.
وما أصاب المسلمين من كوارث ونكبات عندما فهموا دينهم على ذلك النحو الأبتر (96)
ولعلي لا أغالي إذا قلت إن المذهب الإباضي قد ركز كل فلسفته على عدم الفصل بين القول والعمل وهلا صاحبنا قد أشار في نقده الى هذه الحقيقة وبين لنا لماذا؟ أن العالم الإسلامي قد أصيب بكوارث ونكبات لأنه قد فهم الإسلام قولا لا عملا. وهذا الفهم هو الذي أدى بنا إلى الهاوية كما أوضح لنا ذلك الأستاذ الكريم محمد الغزالي
وما ذا يقول صاحبنا في بقية المذاهب الإسلامية التي تؤيد رؤيتها من خلال تفاسير أعلامها ... ولولا الإطالة لقدمت عدة أمثلة على ذلك. (97) لكن من الأفضل والأحسن أن تحترم وجهة غيرنا في
ما دام الأمر أمر اجتهاد في فهم النصوص الشرعية.
العقائد
وحري بنا أن نتقيد بهذه الأخلاق العملية أما أن نتهم غيرنا بالتعصب والمذهب الفاسد والخارجية عن الإسلام ووضع الأحاديث الموضوعة فهذا لا يجوز ولن يجوز لخدمة الإسلام
157 (1/157)
صفحة 158
إن وحدة المسلمين يجب أن تكون غايتنا المثلى لأن الإختلاف المذهبي لن يحل إلا بالإعتراف والإقرار بأن المسائل الإختلافية تعد قضايا اجتهادية لا أكثر ما دامت وجدت سندا لها
في القرآن والسنة.
د - القطب إنتاجه ومنهجه في التفسير:
وبعد هذه الملاحظات الضرورية في التفسير نرى من واجبنا العلمي، التحدث عن منهج التفسير عند القطب على ضوء تفاسيره معتمدين على آثاره الفكرية. وإذا عدنا الى الكتب التي ألفها القطب رحمه الله في علم
التفسير نجدها ثلاثة تفاسير وهي:
ا - هيمان الزاد الى دار المعاد، يقع هذا التفسير في أربعة
عشر مجلدا، من الطبع القديم حيث طبع في زنجبار على نفقة برغش، لقد ظهر الجزء الأول سنة 1305 هـ، أما
السلطان
الجزء الأخير فقد ظهر سنة 1314 ه -. وأخيرا لقد أعيد طبعه في سلطنة عمان 1401 هـ، تحت
إشراف التراث القومي في طبعة أنيقة جدا.
وفي مقدمة هذا التفسير نجد القطب رحمه الله يذكر لنا الدوافع التي دفعته الى هذا العمل الجليل، هو بيان وجهة نظره في التفسير العام، دون أن يغفل الفكر الإباضي في هذا التفسير، يقول القطب في ذلك: (وذلك من فضل الله الكريم
158 (1/158)
صفحة 159
عليه وسماه هيمان الزاد الى دار المعاد والله المستعان على وجوده بعد العدم، والمأمول فيه قبوله، ويتضمن إن شاء الله الكفاية في الرد على المخالفين فيما زاغوا فيه وإيضاح مذهب الإباضية الوهبية واعتقادهم، وذلك بحجج عقلية ونقلية والله أعلم (98)
وإذا أمعنا النظر ودققنا البحث في هذا التفسير نلاحظ فيه
ما يلي:
1 - إن القطب رحمه الله يورد الآية القرآنية ويبين
نزولها.
أسباب
2 - ثم يشرح تلك الآيات لغويا وبلاغيا ونحويا. 3 - ثم يعرب تلك الآية إعرابا شاملا مبينا الوجوه الاحتمالية في الإعراب كذلك. ولقد تأثر بالمفسر أبي حيان الأندلسي
نحوا، والزمخشري عقلا، ودليلنا على ذلك ما قاله القطب: (ثم
تارة، يوافق نظر جار الله والقاضي، وهو الغالب والحمد لله وتارة يخالفهما) (99)
4 ـ وكثيرا ما يورد الأحكام الإسلامية والمسائل الاختلافية في أصول الدين دون أن يهمل النظرية الإباضية في ذلك.
وبعد
هذا نقدم بعض النماذج من تفسيره.
الذين يؤمنون بالغيب) (3 / البقرة)
"
الذين: نعت للمتقين مقيد له، أعني لمنعوته الذي هو بعض المتقين، ويجوز أن يكون الذين مبتدأ خبره (أولئك على
159 (1/159)
صفحة 160
هدى من ربهم وإذا جعلناه نعتا للمتقين، فالوقف على المتقين
حسن.
يؤمنون بالغيب الإيمان في اللغة التصديق والماضي: آمن بهمزة فألف فميم مفتوحة، فالهمزة للتعدية، والألف بدل من الهمزة التي هي فاء الفعل الثلاثي بوزن أفعل كأكرم فالأصل أن
محمد
يقول: آمنت الغيب وآمنت النبيء أي صيرتها أمنين أن أكذبهما أو أخالفهما بالتعدية بالهمزة المزيدة ولكن عدى بالباء لتضمنه معنى الاعتراف بالقلب واللسان، أو بالقلب، أو
من
اللسان دون القلب في حالة الكذب، ولو كان المشهور عندنا معشر الإباضية الوهبية: أنه لا يدخل الانسان في التوحيد إلا باعتقاد وإقرار باللسان جميعا، وقد يطلق بمعنى الوثوق) (100)
وإلينا النموذج الآخر في الأخلاق العامة: * ومما رزقناهم ينفقون (3) / (البقرة) ينفقون مما رزقهم الله النفقة الواجبة كالزكاة وإقراء الضيف الواجب، وتنجية المضطر ونفقة من لزمته نفقته، وأداء ما وجب من الكفارات ونحو ذلك ونفقة التطوع في وجوه الأجر (10)
ملاحظة: وجملة القول نقول: إن القطب
رحمه
الله
في
هذا التفسير قد غلبت عليه الوجهة النحوية والأدبية والكلامية.
160 (1/160)
صفحة 161
ب - تيسير التفسير للقرآن الكريم:
أما تفسيره الثاني فهو تيسير التفسير للقرآن الكريم، حيث يعطينا هذا التفسير لونا جديدا من المعرفة الفقهية، وهذا التفسير يقع في ستة أجزاء وقد طبع طبعة حجرية في الجزائر سنة 1325 هـ،، وأعيد طبعه مرة ثانية في سلطنة عمان تحت إشراف وزارة التراث القومي والثقافة وذلك سنة 1406 هـ، ويقع في عشرة أجزاء.
خصائص هذا التفسير:
إن هذا التفسير أي تيسير التفسير يتميز بالوضوح والاختصار ولقد ابتعد القطب رحمه الله كثيرا عن التحليلات البلاغية والأدبية لاسيما النحو والصرف إلا في حالات خاصة. وبالتالي نجد في هذا التفسير التركيز على الأحكام الشرعية وعلى الآداب العامة، واعتمد في منهجه على طريقة التفسير بالمأثور
وطريقة الرأي والاجتهاد.
والأحسن أن نقدم عينة من هذا التفسير.
ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع
ملتهم (120: البقرة.)
أفرد الملة تعددها، لأن مللهم كلها كفر، والكفر ملة مع وسميت ملة لأن الشيطان أملها عليهم، أو أهواؤهم وأنفسهم، كما الله وجل أمله جبريل للنبيء الا الله لن نرضى عنك عز
أن
دين
حتى تتبع ديننا وملتنا، فإنه الهدى، فأنزل الله عليه، وهو في
11
161 (1/161)
صفحة 162
اللوح المحفوظ سابق، وأعلمه أن الأمر كما قالوا
يرضون
عنك إقناطا، له عنهم، إذ اتباعه ملتهم في غاية البعد التي لا
،
غاية بعدها، كان يلاطفهم طمعا في إيمانهم حتى نزلت. وعلمه أنه لا يرد عليهم في قوله و قل إن هدى الله * ـ وهو الإسلام - هو الهدى * تحقيقا الى الحق، لا ملتكم ولا غيرها) (102)
ج - انهاء التفسير الثالث وهو ادا علي العمل ليوم الأمل. من. سورة الرحمن الى سورة الناس، فيقع في أربعة مجلدات لا يزال مخطوطا.
يلاحظ في هذا التفسير أنه يعقب على المفسرين الذين
سبقوه في تفسير تلك الآيات القرآنية الكريمة
ولقد نحا منحى أبي حيان أبي حيان الأندلسي (654
،.
745 هـ) الذي اعتمد في تفسيره على الناحية اللغوية، أدباً
وقراءة ونحوا وصرفا
خلاصة الفكرة: نقول إن القطب
أحد الله رحمه
يعد
أعلام المفسرين المسلمين، ومنهجه في التفسير قائم على المأثور
الناحية اللغوية والشرعية بالمفهوم الشامل وقد جمع بين
والرأي في التفسير لا سيما تفسيره المسمى تيسير التفسير أما الوجهة الاجتماعية في تفسيره فهي تبدو غير مستقلة كمنهج كما هو الشأن في تفسير سيد قطب وابن باديس والشيخ
الله
بيوض - رحمهم - إن هذا المنهج يهتم بمعالجة الظواهر
162 (1/162)
صفحة 163
لاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية بالمنظور الاسلامي
انطلاقا
ومن
من سلوك الأفراد والمجتمعات.
هنا نستطيع أن نقول إن منهج القطب في التفسير كان
منهجا سلفيا أصيلا فى أبعاده اللغوية والشرعية والاجتماعية هذه هي الصورة المصغرة جدا، عن منهج القطب في التفسير، لأن الهدف هو توضيح الفكرة العامة عن ملامح
شخصيته العلمية.
وبعد هذه الأضواء الكاشفة على العلامة أطفيش، نتساءل ما
هي رؤية المجتمع أفرادا وعلماء الى القطب.
إن الإجابة عن هذا السؤال نجدها في الأقلام التي تتحدث
عن جهاده العام.
مكانة القطب ورثاؤه:
إن القطب رحمه الله لم يجد الطريق أمامه سهلا، ممهدا
بل وجد فيه عوائق مادية ونفسية، في مجتمعه كبقية العظماء وأصحاب التاريخ. وبعد مدة زمانية أدرك مجتمعه، أن القطب كان على حق
وعلى صواب، في دعوته الإصلاحية الداعية الى الإسلام الأصيل.
ولم تمض بعض السنوات حتى أمسى أكبر عالم، يلقى كل التقدير والاحترام والاعتراف به عالما، مجتهدا من أبناء مدرسته
والمدارس الإسلامية الأخرى.
163 (1/163)
صفحة 164
ومن
هنا نجد عدة قصائد تثني وتمجد أخلاقه وعلمه، لأن
هذا التمجيد كان اعترافا بشمائله الأخلاقية.
وإنا نجد أبناء عمان أكثر الناس اعترافا بعلمه وبجهاده في
الدعوة الإسلامية. يقول فيه الشاعر العماني الفحل قحطان
الشيخ محمد بن شيخان ما يلي
:
هو
الكامل المرضي والفاضل الذي
تدين لعلي السراة الأكابر
همام غدا بالمغرب اليوم آية
وقال فيه:
أنشأه رب العرش أكبر أية
وبالمشرق انقادت إليها الخواطر
في الأرض قد بهرت أولي الأبصار
وأقامه في العالمين خليفة
لازال يمحو آية الكفار
ولقد مدحه كذلك العلامة الشيخ ناصر بن سالم الرواحي: وارث الأنبياء علما وحكما
أدرك الملة الحنيفية البضاء
وسفير عنها إلى من عداها
إذ فوضت له شكواها
164 (1/164)
صفحة 165
الشاعر الليبي الشيخ عبد الله الباروني فقد قال فيه:
راه جـ ابر أو مسلم
لتغالوا كلهم في
م
وابن محبوب ومن عندهم حوى
ونسوا كل الذي عنه لوى (103)
إن هذه القصائد دليل أكيد على علمه وأخلاقه الفاضلة في
نفوس أبنائه، فضلا عن العلماء الذين اعترفوا بفضله وجهاده وبعد هذا الجهاد المستميت، رأى بعينه أن الشجرة التي غرسها أصبحت تؤتي أكلها، حيث رأى طلابه أمسوا حماة الدين، ودعائم حيوية في المدرسة الإباضية والنهضة الإسلامية والجزائرية، لكن قدر الله لا مناص منه، وقد اعتلت صحة القطب بمرض الحمى التي جعلته طريح الفراش لمدة ثمانية أيام كاملة. فتوفاه الله في يوم السبت 23 ربيع الثاني
1332 هـ،، الموافق لمارس 1914 م.
وما إن سمع العالم الإسلامي بهذه الرزية حتى أصيب بذهول ولكن قد أدرك أن الموت حق، لا مفر منه لقول الله عز
وجل: كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة: (185: آل عمران)
وهكذا فإن هناك عدة قصائد قيلت في رثائه لاسيما القصيدة التي قالها الشيخ أبو اليقظان رحمه الله في رثاء أستاذه
القطب تحت عنوان:
165 (1/165)
صفحة 166
رزية الإسلام العظمى
عجبا لهذا الدهر لا يصفو لذي
عقل ولا يخلوا من الأكدار
وجهت جحفلك العرموم نَحْونَا
فأصابنا بقنابل الأضرار
لم يكف ذا حتى نظرت لشيخنا
شزرا وهذا قبل أخذ الثأر
فرميته بسهام موت بعدما
أحياك ثم كساك ثوب فخار
الله أكبر خابت الأمال في
دهر البوار وقاصف الأعمار (104)
166 (1/166)
صفحة 167
هذه
هي
- الخاتمة.
الصورة الواضحة التي استعرضنا فيها العلامة الشيخ
أطفيش الذي حللنا مكوناته الأساسية من خلال شخصيته
•
ولكن بالرغم من هذا، فإنني أؤكد أن هذا التحليل لا يزال
بحاجة الى المزيد من الدراسة والبحث والتوسيع
ولا جرم أن القارئ الكريم قد يقول: إن هذه الشخصية لم نقرأ عنها أي شيء في تاريخ أعلام المسلمين معاصرين،
لماذا؟
إن الإجابة عن هذه المشكلة بالذات. قد تجد لها الإجابة
الشاملة في الفصل الأول من هذا الكتاب.
فالعلة تكمن أساسا في العوائق المادية والنفسية والدينية والسياسية التي وجهت بها هذه الشخصيات الإباضية في تاريخها
القديم والحديث لاسيما في العصر القديم
ولا نعدم الدليل والمثال، إذا قلنا إن أكثر أعلام الإباضية قد همشوا وأبعدوا عن الفكر الإسلامي وتاريخه عمدا، بدعوى أن رؤيتهم في القضايا العقائدية تتناقض مع المذاهب الإسلامية. ولنسمع إلى ما قاله الأستاذ فهمي هويدي:
غدت تجمعات الإباضية بعيدة عن الأنظار وغائبة عن المعترك السياسي والفكري الذي ارتبط بمقر الخلافة في المشرق العربي، مما ساهم في التجهيل بهم، فضلا عن الترويج
167 (1/167)
صفحة 168
لمختلف الإتهامات التي ألصقت بهم، وفي مقدمتها نسبتهم الى
الخوارج، وإضافتهم الى من ضل من فرق المسلمين. فموسوعات التاريخ الإسلامي لا تمر على عمان وأهلها الإباضية إلا مرورا سريعا وخاطفا، ودورهم في الأندلس غير مذكور على الإطلاق وعلماء الإباضية لا يشار إليهم في كتب الطبقات وأشهر تلك الكتب طبقات ابن سعد لم يذكر سوى
الإمام جابر بن زيد في عرض مقتضب) (105)
وهكذا نرى الصورة مقلوبة عن الإباضية، عند بعض الأعلام الذين يكتبون عن الإباضية أو يصدرون آراء وفتاوى فقهية في أهلها ..
وحري بنا أن نعمل معا على وحدة وتأصيل الأمة
الإسلامية، بعيدين عن القضايا العقائدية والاختلافات الجزئية الاجتهادية التي تعد قضايا اجتهادية، بحيث يصعب الحكم القاطع فيها وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم
فاتقون (52): المؤمنون)
إن كل مدرسة لها رؤيتها الخاصة في تلك القضايا، ولنعمل ولنتحد فيما اتفقنا فيه، ولنترك الجدال فيما اختلفنا فيه، ثم علينا أن نلتزم بأدب الاختلاف في الإسلام.
يقول الأستاذ طه جابر فياض العلواني: (إن الإختلاف الذي وقع في سلف هذه الأمة ولا يزال واقعا جزء من هذه الظاهرة
168 (1/168)
صفحة 169
الطبيعية فإن لم يتجاوز الاختلاف حدوده بل التزمت آدابه كان ظاهرة إيجابية كثيرة الفوائد) (106)
والأهم أن نعلم أنفسنا وأبناءنا وشعبنا المسلم هذه القيم الأخلاقية ونقول لهم: إن آراء المذاهب الإسلامية كلها هي آراء
اجتهادية إسلامية نابعة من الكتاب والسنة، ما دامت لا تتعارض
معهما.
ومن خلال هذه الكلمات يتبين لنا أن الكشف تلك عن الآراء الإسلامية الأصيلة تتطلب منا التحقيق والبحث عن الأعلام التي تحمل تلك الأفكار الداعية الى حكم القرآن الكريم دستورا في حياة الأمة الإسلامية وإن هذه الحقيقة قد تجسمت عند القطب رحمه الله كما وضحت ذلك
وأخيرا أطلب من القارئ الكريم الإعتذار عما قد يكون في هذا الكتاب من أخطاء مطبعية وبعض التقصير مني، وأن ينظر الى الكتاب بنظرة موضوعية، بعيدة عن العاطفة، وأن لا يحكم
على بقول الشاعر:
فإن رأوا زلة طاروا بها فرحا
عني وما وجدوا من صالح دفنوا
وقد بذلت كل طاقتي في إخراج هذا الكتاب، معتمدا على المصادر المباشرة، ولا أدعي أن الكتاب كامل في شكله ومضمونه لأن الكمال لله وحده عز وجل.
169 (1/169)
صفحة 170
وفي الأخير أسدي شكري لاخي الكريم الاستاذ الحاج سعيد محمد أيوب الذي ساعدني بكتب ومخطوطات في غاية الأهمية جزاه الله خير جزاء في الدنيا والآخرة، إن شاء الله
والله ولي الأمر وحده وإليه المآب.
بكير بن سعيد أعوشت
غرداية - الجزائر
الاثنين 29 رمضان المعظم 1408 هـ
الموافق 16/ 5 1988 م.
170 (1/170)
صفحة 171
لتعاليق
1 - صابر طعيمة: الإباضية عقيدة ومذهبا. دار الجيل بيروت:
1986 م.
2 - مثل: محمد بن العربي بن محمد د أبي شنب، والمفكر الجزائري
المعاصر: مالك بن نبي الخ.
3 - يحي محمد بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد، ص: 26 - 29. 4 - الدرجيني: الطبقات: الجزء الأول: ص: 214.
5 - بحاز ابراهيم بكير: الدولة الرستمية: ص: 110. 6 - أخبار الأئمة الرستميين، ابن الصغير.
7 - المصدر السابق ص: 102.
8 - معجم البلدان: المجلد الثاني ص: 2 - ط 8 - بيروت.
9 - تاريخ المذاهب الإسلامية 2/ 22
10 - المقدمة: ص: 67.
11 - الفرق بين الفرق - ص 103
12 - ضحى الإسلام: الجزء الثالث: المقدمة: ط 10
•
13 - ضحى الإسلام: الجزء الثالث: ص: 336 - 337.
14 ـ الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ص:54. ط 2 - سلطنة
عمان.
15 - جناية أحمد أمين على الأدب العربي ص: 129.
16 - عرض أنو الجندي: منار الإسلام العدد الثاني، صفر 1404 هـ.
171 (1/171)
صفحة 172
17 - جميل صليبا: ج - 1 - ص 693.
18 - ميزاب: بلد كفاح ص: 39.
19 - مذكرات أو لمحة تاريخية عن الجزائر ترجمة ـ أبو العيد
دو دو. ص: 80.
20 - انظر: حمو محمد عيسى النوري، نبذة من حياة الميزابيين
300 - 245 - 1?
21 - العروة الوثقى: جمال الدين الأفغاني. الشيخ محمد
عبدة ص 171
•
22 - بسام العسلي: محمد المقراني ص:
66
23 - انظر: عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر.
24 - أنظر: أبو اليقظان ابراهيم، ملحق لسير الشمـ
مخطوط، ص 153.
انظر محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة ج 1 - ص:
296. 289
انظر مقدمة الذهب الخالص لأبي إسحاق ابراهيم أطفيش ص 2 - 3.
25 - مخطوط ملحق لسير الشماخي ص: 153.
26 - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة: ص: 195 ج:1. 27 - مخطوط: ملحق لسير الشماخي ص: 155.28. انظر: محمد
على دبوز نهضة الجزائر الحديثة ج: 1، ص: 2 و 3. 28 - انظر: أبو إسحاق ابراهيم أطفيش، مقدمة الذهب الخالص
ص 4.
172 (1/172)
صفحة 173
29 - نهضة الجزائر الحديثة: ص
323:
30 - ملحق لير الشماخي ص: 165.
- 31
الذهي ا الخالص. ص: 77.
32 - نهضة الجزائر الحديثة ص: 308.
33 - من الرسائل العمانية المخطوطة الكتاب الحادي والأربعون.
34 - مخطوط ملحق لسير الشماخي: ص 161.
35 ـ انظر محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة ص:
381377
36 - عادل نويهض: أعلام الجزائر ص: 194.
37 ـ الزبير سيف الإسلام: تاريخ الصحافة
ج 6 ص: 168.
38 - محمد علي الدبوز نهضة الجزائر الحديثة ج 1، ص: 263.
عادل نويهض: أعلام الجزائر ص: 92.
39 - كشف الكرب: ج 2 - ص: 55
40 - مقدمة الذهب الخالص: ص: ب.
41 ـ عرفان عبد الحميد المستشرقون والإسلام ص: 14.
42 - نفس المصدر، ص 15
43 - شرح كتاب النيل، وشفاء العليل: ج 17. ص: 551.
44 - كشف الكرب: ج 1 - ص: 152
45 - الذهب الخالص ص 45.
•
- حمو عيسى النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1،
46
320:
173 (1/173)
صفحة 174
47 - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة: ج 1 ص: 330.
48 - مقدمة الذهب الخالص: ص و.
49 - كشف الكرب: ج 1 - ص 363:
50 - انظر: أبو يعقوب يوسف ابراهيم الوارجلاني: ج 2 - ص: 13.
51 ـ ابن العربي هو محمد بن العربي المعروف بمحيي الدين بن ولد بالأندلس سنة 560 هـ، وتوفي بدمشق سنة 638 هـ، من
عربي
أقطاب المتصوفين
52 - انظر: كشف الكرب: ج 1 - ص 39.
53 - هو
العلامة نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد سلوم
السالمي، ولد ببلدة الحوقين بعمان سنة 1286 هـ، وتوفي ببلدية تنوف 1332 هـ، يعد من الأعلام الإباضية كان آية في الذكاء
والنشاط
مؤلفاته تزيد على ثلاثين كتابا. اهمها:
1 - أنوار العقول، 2 - جوهر النظام.
54 - إشارة الى حديث الرسول الله من أكل الطين فكأنما أعان على
قتل نفسه» رواه الطبراني.
55 - كشف الكرب. ج 1 - ص 177
56 - انظر: جريدة المساء، 6/ 4 / 1988.
57 - نهضة الجزائر الحديثة. ج 1 - ص: 35.
58 - ملحق لسير الشماخي. ص: 159.
174 (1/174)
صفحة 175
59 - نهضة الجزائر: ج
352:
1
60 - نهضة الجزائر الحديثة. ج 1 ص: 313.
61 - ملحق لسير الشماخي. ص: 159.
راجع:
محمد علي دبوز: نهضة الجزائر ج 1 ص:314/ 319 أبو إسحاق ابراهيم أطفيش الذهب الخالص: المقدمة. عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر، ص: 19/ 22. خير الدين الزركلي: الأعلام» 7 ص 157.
63 - جامع حرف ورش ص 1 - ط ح.
64 - الدر الثمين في معجزات سيد المرسلين ص 75.
65 - محمد على دبوز، نهضة الجزائر الحديثة ص: 315
66 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج
1
ص
203
67 - انظر تفسير القرآن المسمى هيمان الزاد الى دار المعاد
ج 1. ص: 183
68 - إحصاء العلوم ص 71.
69 - الذهب الخالص ص 23.
70 - شامل الأصل والفرع ج 1 ص 23.
71 - محمد بن يوسف أطفيش، شرح عقيدة التوحيد، لأبي
، ص 52. عمر بن جميع
72 - الموجز: ج 2 ص 92.
73 - الوضع: ص 16.
175 (1/175)
صفحة 176
74 - انظر الدامغاني: قاموس القرآن.
75 - مقالات الإسلاميين ج 1 ص 169، 2 دار الحداثة، بيروت. 76 - العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر ص: 37، مطابع مؤسسة
الوحدة، دمشق
77 - الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ص 54، المطبعة الشرقية، مسقط.
78 - الدليل والبرهان، الجزء الأول ص: 17.
79 - شرح عقيدة التوحيد، ص: 196.
80 - محمد بن يوسف أطفيش، كتاب النيل وشفاء العليل
ج 13، ص 8.
إزاح الإعتراض عن محقي آل إباض ص 1.
82 - موسوعة اصطلاحات العلوم الإسلام ية الجزء
الخامس، ص: 1157.
83 - شرح النيل.
17
@
ص
325:
184 - المصدر السابق ص 226.
85 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل 14 ص ج
291
86 .. المهرجان الثقافي لذكرى قطب الأئمة الإمام محمد بن يوسف
أطفيش ص 31.
87 - شرح كتاب النيل ج 7، ص 384/ 385
88 - انظر: يحي محمد بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد ص 589،
ط 2 - غرداية.
176 (1/176)
صفحة 177
89 - محاضرة يحي بكوش في المهرجان الثقافي للقطب. ص 49. 90 - انظر: السيوطي: الإتقان في علوم القرآن. التفسير والمفسرون.
بحي
الصالح: مباحث في علوم القرآن.
91 - انظر المصادر السابقة
الدرجيني: طبقات المشائخ ج 1 ص 81، تحقيق إبراهيم طلاي.
وانظر يحي محمد بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد ص 38/ 39: جابر بن زيد المفسر
93 - البرادي أبو القاسم: الجواهر المنتقاة.
ص
222:
94 - محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون: الجزء الثاني:
ص: 305/ 336.
95 - المصدر السابق ص: 336 - 96 - عقيدة المسلم: ص: 131 - 132 97 - انظر: تفسير القاسمي محاسن التأويل للعلامة محمد جمال
الدين القاسمي.
98 - هيمان الزاد الى دار المعاد: الجزء الأول.
99 - هيمان الزاد الى دار المعاد
100 - هيمان الزاد الى دار المعاد ص: 193.
101 - هيمان الزاد الى دار المعاد: ص: 215. 102 - تيسير التفسير. ج 1 ص: 166.
103 - مقدمة الذهب الخالص: ص ط.
104 - ديوان أبي اليقظان. ص: 126.
5:
105 - فهمي هويدي: الأهرام القاهرية 26/ 4 / 1988. ص 106 - أدب الاختلاف في الإسلام: ص 26.
127 (1/177)
صفحة 178
المصادر والمراجع
1 - القرآن الكريم.
2 - الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن
ط 2. المطبعة السلفية، القاهرة: 1349 هـ.
3 - إبراهيم محمد طلائ، ميزاب بلد كفاح، دار البعث قسنطينة، الجزائر 1975 م
1984
4 - ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة دار التونسية للنشر،
م.
5 ـ ابن الشيخ محمد، القرآن والسنة عند الإباضية
المطبعة العربية غرداية. الجزائر 1984
6 - ابن منظور، لسان العرب.
1908
م.
7 - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين: باريس،
م.
8 ـ أحمد أمين ضحى الإسلام، ج 3، ط 10، دار
الكتاب العربي، بيروت
9 ـ أبو إسحاق ابراهيم أطفيش، الذهب الخالص المنوه
بالعلم القالص، المطبعة السلفية، القاهرة، 1343 هـ. 10 ـ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري: مقالات
الإسلاميين، ط 2، دار الحداثة بيروت، 1985
11 ـ أبو زكرياء يحي بن أبي الخير الجناوني: كتاب
الوضع، مطبعة الفجالة. القاهرة.
178 (1/178)
صفحة 179
12 - العلامة الشيخ أطفيش محمد بن يوسف:
1 - إزاح الاعتراض عن محقي آل إباض، نشر وزارة التراث
القومي
والثقافة، سلطنة عمان: 1982
م
ب - تيسير التفسير، نشر وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عمان: 1406 هـ
ج - شامل الأصل والفرع نشر وزارة التراث القومي
والثقافة، سلطنة عمان. 1404 هـ.
د.
- عقيدة التوحيد، نشر التراث القومي والثقافة سلطنة
عمان، سنة 1403 هـ
هـ ـ كشف الكرب وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة
عمان، سنة 1405 هـ.
و - شرح كتاب النيل وشفاء العليل، الطبعة الثانية، الناشر دار الفتح، بيروت
ز - هيمان الزاد الى دار المعاد، نشر وزارة التراث القومي
والثقافة، سلطنة عمان، سنة 1980 م 13 - بكير بن سعيد أعوشت: أبو يعقوب الوارجلاني،
المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1987 م. 14 - البرادي أبو القاسم بن إبراهيم: الجواهر المنتقاة،
المطبعة البارونية القاهرة: 1302 هـ.
15 - جمال الدين الأفغاني، الشيخ محمد عبدة: العروة
الوثقى، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت: 1983 م.
179 (1/179)
صفحة 180
16 - حمو محمد بن عيسى النوري، نبذة من حياة
الميزابيين، دار الكروان، باريس 1984
م
17 - الدمغاني: إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن
الكريم، دار العلم للمرلايين، بيروت
1977
م
18 ـ الدرجيني أبو العباس: تحقيق إبراهيم طلاي، مطبعة
البعث، قسنطينة. الجزائر.
19 ـ الزبير سيف الإسلام، تاريخ الصحافة في
الجزائر، مطبعة النسر، القاهرة، 1977.
20 - صابر طعيمة: الإباضية عقيدة وسلوكا. دار الجيل
بيروت، 1986
21 - صبحي صالح: مباحث في علوم القرآن، ط:8. دار العلم للملايين. 1968
22 - عبد المجيد عبد السلام: اتجاهات التفسير في العصر
6
الراهن. مكتبة النهضة الإسلامية، عمان، الأردن. 1980 23 ـ علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية المطبعة العربية، غرداية، الجزائر: 1987 24 ـ عوض محمد خليفات: الأصول التاريخية للفرقة.
م.
الإباضية نشر وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة
عمان ط 2.
25 - عرفان عبد الحميد: المستشرقون والإسلام، مطبعة
الإرشاد، بغداد 1969
180 (1/180)
صفحة 181
26 - محمد سعيد رمضان البوطي: العقيدة الإسلامية والفكر
المعاصر، مطابع مؤسسة الوحدة. دمشق 1982.
27 - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 1، ط 1، المطبعة التعاونية، دمشق 1965 محمد الغزالي: عقيدة المسلم، مطبعة الشهاب،
28
باتنة، الجزائر، 1985
29 ـ يحي محمد بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد،
ط:2 - المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1988
محاضرات
من المهرجان الثقافي لذكرى قطب الأئمة الإمام محمد بن يوسف أطفيش المنعقد بغرداية، الجزائر، من 10 ذو القعدة الى
18 ذو القعدة. 1401 هـ
أ - ابراهيم طلاي: القطب وتفسيره للقرآن الكريم. ب ـ كلمة الأستاذ أحمد بن حمد الخليلي، مفتي
سلطنة عمان.
ج - يحي بكوش: شرح النيل، دائرة معارف في
الشريعة الإسلامية.
المخطوطات
أ ـ الشيخ أبو اليقظان، ملحق للسير الشماخي
ب - مجموعة رسائل القطب، عند الحاج سعيد محمد
أيوب، غرداية.
الجرائد
المساء الجزائرية: 6/ 4 / 1988. الأهرام القاهرية: 26/ 4 / 19888 (1/181)
صفحة 182
7
10
12
18
الفهرس
الإهداء: قيل عن القطب
مقدمة: لفضيلة الشيخ ناصر بن محمد المرموري
مقدمة عامة
الفصل الأول
لمحات عن تاريخ المذهب الإباضي وعقائده: 1 - تمهيد 2 - نشأ المذهب الإباضي 3 - العقائد الإباضية ـ التوحيد - الصفات الالهية - الإيمان - رؤية الله - حرية الإنسان - العدل والوعد والوعيد - الشفاعة - لا منزلة بين المنزلتين - الولاية والبراءة - خلق القرآن - الإمامة
4 - المؤرخون والإباضية
5 - أحمد أمين والإباضية
الفصل الثاني
•
30
33
38
46
46
وادي ميزاب: جغرافيا، واجتماعيا، وسياسيا. 1 - مقدمة. 2 - البيئة الجغرافية التي نشأ فيها العلامة أطفيش 3 - البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها العلامة أطفيش - الإباضيون الجزائريون ومقاومتهم للإحتلال الفرنسي. . .53 الفصل الثالث: العلامة الشيخ أطفيش، مولده،
- 4
ونشأته، وعناصر شخصيته
60
182 (1/182)
صفحة 183
أ ـ تمهيد ب - الشيخ أطفيش نسبه وميلاده 1 - ولادته 2 - أساتذته 3 - نبوغه العلمي ج - شخصيته 1 ـ القطب وصورته الجسمانية 2 ـ القطب وصفاته الأخلاقية 3 - القطب وشغفه بالعلم د - القطب وجهاده التربوي والاجتماعي 1 - جهاده التربوي 2 ـ تلاميذ القطب 3 - القطب وجهاده الاجتماعي 4 ـ القطب ومحاربته للإستعمار الفرنسي 5 - رسائل القطب 6 - أسفار
القطب
112.
117 ...
الفصل الرابع: القطب، وآثاره الفكرية تمهيد: ا - أهم مصنفاته أ - التفسير ب ـ الحديث الشريف ج ـ الفقه وأصوله د ـ التوحيد وعلم الكلام والفلسفة ه ـ اللغة العربية وعلومها و - التاريخ والسيري ـ الفلك والحساب ز - رسائل وأجوبة مختلفة
2 - القطب والأدب 3 ـ القطب وبعض القضايا الكلامية
1 - القطب ومسألة الإيمان والإسلام والدين
2 - القطب يحدد الدلالة الخارجية دينيا وتاريخيا 3 - القطب وعلم الفقه من خلال شرح النيل 4 ـ القطب ومنهجه في تفسير القرآن الكريم
أ - نظرة في تاريخ التفسير
ب - مفسرو الإباضية
122
128.
130.
136 ....
142
149
149
151
183 (1/183)
صفحة 184
ج - وقفة مع الأستاذ محمد حسين الذهبي وكتابه التفسير
والمفسرون
د-
القطب إنتاجه ومنهجه في التفسير
ه - مكانة القطب وما قيل في رثائه
الخاتمة
المصادر والمراجع
الفهرس
7
المطبعة العربية نهج طالبي أحمد غرداية
الايداع القانوني رقم: * 49 * 9/ 1989
184
154
158
163
167
178
182 (1/184)
صفحة 185
[صفحة فارغة] (1/185)