صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: سير وتراجم
------------------------------------------
العنوان: كتاب الاهتداء والمنتخب من سير الرسول عليه الصلاة والسلام وأئمة وعلماء عمان
kitab al ihtidaa and selections from the books of the prophet and the ulama and imams of Oman
المؤلف: أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزواني أبو بكر
تحقيق وشرح ومقدمة: السيدة إسماعيل كاشف
تقديم: فيصل بن علي بن فيصل
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1406ه/ 1985م
الطبعة: د.ط
أصله: مخطوط
الإيداع القانوني: 1986/3941
الملاحظات: [يحتوي الكتاب على قسمين، القسم الأول: كتاب الاهتداء والقسم الثاني: صلة كتاب الاهتداء وهو المنتخب من سير الرسول عليه الصلاة والسلام وأئمة عمان]
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، سير أئمة عمان، سير الرسول
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=43&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/792
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 رمضان 1446ه/ 22 - شهر 03 - 2025م. كتاب الاهتداء
والمنتخب من سير الرسول عليه الصلاة والسلام أئمة وعلماء عمان
الشيخ العالم أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزواني
سيدة اسماعيل كاشف (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومى والثقافة
كان الامتلاء
والمنتخب من سير الرسول عليه الصلاة والسلام أئمة و علماء عمان
تأليف وتصنيف
الشيخ العالم أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندى النزواني
تحقيق وشرح الأستاذة الدكتورة
سيدة اسماعيل كاشف
أستاذة التاريخ الإسلامى
كلية البنات - جامعة عين شمس
القاهرة
-
212.7
1985 م (1/2)
صفحة 3
بر انتم الرحمن الرحيم
تقديم
بقلم حضرة صاحب المعالى سمو
السيد فيصل بن على بن فيصل
وزير التراث القومى والثقافة
في سلطنة عمان
تنهض وزارة التراث القومى والثقافة في سلطنة عُمان برسالة ضخمة
في نهضتها المعاصرة فهي حريصة كل الحرص على إحياء التراث العماني ونشر المخطوطات العمانية، وتوجيه أنظار المحدثين في عالمنا المعاصر إلى أصالة
هذا التراث وإلى غنى هذا التراث في كل نواحي الحضارة الإسلامية
•
ونحن إن كنا نعتز بنشر تراث تعتز به العروبة ويفخر به الإسلام، فإن هذا التراث الضخم يربط ماضى الأسلاف العظام بحاضر الأبناء المتطلعين
إلى النهوض بكافة نواحى الحياة في ظل الدين الإسلامي الحنيف. (1/3)
صفحة 4
والله نسأل التوفيق والمداية والعزة والسؤدد لعمان الحبيب في ظل راعى
نهضته حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، حفظه الله
فيصل بن على بن فيصل
وزير التراث القومى والثقافة
سلطنة عُمان (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء
وسيد المرسلين وعلى عباده الذين اصطفى
مقدمة
بقلم الأستاذة الدكتورة
سيدة إسماعيل كاشف
ألف (كتاب الاهداء العالم العمانى الجليل والشيخ الفقيه، أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندى النزواني الأباضي المحبوبي مؤلف كتاب «الجوهر المقتصر»، وهو من علماء عمان ما بين القرنين
الخامس والسادس الهجريين (الحادى عشر والثاني عشر الميلاديين)
واحد
•
ومخطوط كتاب الاهتداء ينشر لأول مرة: وهو محفوظ في غلاف كتب ويير أخرى فى مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة مع
في سلطنة عُمان تحت رقم 1854 عام، والرقم الخاص (2).
وفى آخر مخطوط (الجوهر المقتصر» لنفس المؤلف، كتب المؤلف أو الناسخ: «تم الكتاب الجوهرى تأليف الشيخ الأجل الفقيه العالم (1/5)
صفحة 6
الأفضل أبي بكر أحمد بن عبد
الله
الكندى النزواني الأباضي بن موسى
المحبوبي قدوة الطائفة الرستاقية، ويقلوه من تأليفه أيضاً كتاب الاهتداء
وهو مجموع فى هذا الكتاب».
•
وكتاب الاهتداء عبارة عن تسع وخمسين صفحة في المخطوط ويبدأ
من آخر صفحة 77 إلى صفحة 136 من المخطوط
الله
الكندى
بن موسى
ويقول العالم الفقيه أبو بكر أحمد بن عبد النزواني: إن سبب تأليفه كتاب الاهتداء ما وجد عليه أباضية عُمان من تنازع وشقاق، فأخذ يدرس بموضوعية حتى يصل إلى الحق (صفحة 77 - 79 في المخطوط). وكان موضوع النزاع هو الإمامة. أما الإمامة أو خلافة المسلمين فقد نشأت في الإسلام عقب وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام:
ولم يختلف المسلمون على الخلافة بوجه عام أيام الخليفتين أبي بكر وعمر
ابن الخطاب ولا في السنوات الست الأولى من خلافة عثمان بن عفان
تم
بدأ يدب الخلاف، واشتد هذا الخلاف حين قبل على بن أبي طالب
التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان. ونتج عن هذا الاختلاف، اختلاف في تفسير نظرية الإمامة ومَنْ يكون إمام المسلمين، وما هي صفات الإمام، وما هى حقوق الإمام وحقوق الرعية، وواجبات الإمام وواجبات الرعية. وكان الخوارج والأباضية هم أول
من
أعلن
الخروج على خلافة على بن أبى طالب بعد قبوله التحكيم، واتخذوا إماماً (1/6)
صفحة 7
-
لهم
هو عبد الله بن وهب الراسبي وذلك في العاشر من شوال سنة 37 ه، وقد سموا (المحكمة» أو «أهل التحكيم، لأنهم رفضوا تحكيم الحكمين ونادوا بأن «لا حكم إلا الله» وكذلك سموا «شراة»،
أو «أهل الشراء والقول الأعدل المستقيم». وكلمة شراة من قولهم شرينا أنفسنا لدين الله فنحن لذلك شراة» (انظر: المقريزي:
:
المواعظ والاعتبار ج 2 ص 355 - 356)، أو من الآية القرآنية الكريمة: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن وَمَن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى
با يعتم به وذلك هو الفوز العظيم) سورة التوبة: آية 111
وقال تعالى في سورة البقرة: آية 207 (ومن الناسِ مَنْ يَشْرِى
نفسه ابتغاءَ مَرْضَاةِ الله والله رءوف بالعباد).
وقال تعالى في سورة النساء: آية 74) فأيقاتل في سبيل الله الذينَ يَشرُونَ الحياةَ الدُّنيا بالآخرةِ وَمَن يُقاتل في سبيل الله فيُقتل
أو يقلِبُ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجراً عظيماً).
وكان الخوارج والأباضية أول من دعا إلى إمامة عادلة في كل أنحاء العالم الإسلامي تستند على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ونلاحظ أن جميع الفرق الإسلامية تناولت موضوع الخلافة والإمامة (1/7)
صفحة 8
بالبحث والتفسير. ويمكن للباحث في التاريخ الإسلامي أن يستعرض عشرات الكتب والأبحاث التي كتبت عن الخلافة والإمامة من واقع التاريخ أو من الوجهة النظرية، مثلما جاء فى تاريخ الطبرى، وفى الإمامة والسياسة لابن قتيبة، وفى الأحكام السلطانية للماوردى، وفى مقدمة ابن خلدون، وفى تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لبدر الدين ابن جماعة، وفى مختلف بحوث وكتب الفرق الإسلامية المختلفة. كذلك كتب في الخلافة والإمامة من المؤرخين المحدثين الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابيه: تاريخ الإسلام السياسي، والنظم الإسلامية، وفى كتابه عن الخلافة الفاطمية. وكتب فى الخلافة والإمامة السيد محمد رشيد رضا بعنوان: الخلافة أو الإمامة العظمى
وظهرت دراسات حديثة مختلفة عن الخلافة والإمامة في العالم
الإسلامي وغير الإسلامى مثل دراسات المؤرخ وليم ميور Muir ،
وجب Gibb .
وقد كتب المستشرق الإنجليزي توماس أرنولد Arnold في أوائل هذا القرن كتابا قائماً بذاته عن الخلافة. واشترك في ترجمته الخلافة. واشترك في ترجمته عن الإنجليزية
الأستاذ الدكتور حسن إبراهيم حسن.
وفى المخطوطات الأباضية مئات البحوث عن الإمامة، في كتب
قائمة بذاتها، أو في
سوى النزر اليسير.
سير الأئمة والعلماء الأباضية، ولم ينشر منها للآن (1/8)
صفحة 9
وفي كتاب الاهتداء يقول المؤلف: إن الإمام يجب أن يكون عالما عادلا مستقما قويا شارياً) من الشراة) أو غير شارى. كذلك يقول: إن الأئمة حجة الله فى أرضه وورثة أنبيائه» (ص 98 من المخطوط).
وفى كتاب الاهتداء نرى أن المؤلف يعرض لنظرية الأباضية في الإمامة، ثم يعرج منها إلى نقطة خلاف أثيرت في أواخر القرن الثالث الهجرى حين تقدم موسى بن موسى ومن معه بتنصيب راشد بن النظر
إماما، وعزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي في سنة 272 هـ.
ومحور كتاب الاهتداء الذي يقع في 59 صفحة في 59 صفحة من المخطوط يدور حول إنكار ما أقدم عليه موسى بن موسى من عزل الصلت بن مالك من الإمامة وتقديم راشد بن النظر إماما
والفكرة هنا فى نظرية الإمامة ألا يُعزل الإمام أو ينعزل إلا إذا
ارتكب حدثا يعلمه الخاصة والعامة، ولا بد أن يطلع الإمام على أخطاء وأن يستتاب، فإذا تاب قبلت توبته، وإن لم
ما ارتكبه من يتب يعزل عن الإمامة. وإذا عُزل الإمام يجب أن يعزل ولاته أيضا
•
ونلاحظ أن مسألة الخلاف على عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي عن الإمامة ما بين معارض أو مؤيد أو واقف عن إبداء الرأي، اتخذت منذ أواخر القرن الثالث الهجرى وخلال القرن الرابع والخامس الهجرى شكل جدل بين العلماء في عمان تجلى في كتاباتهم. وسمى الفريق المؤيد (1/9)
صفحة 10
لعزل الإمام الصلت، الفرقة أو الطائفة النزوانية نسبة إلى نزوى، أما الفريق المعارض للعزل فسمى الفرقة أو الطائفة الرستاقية نسبة إلى
الرستاق.
أن
يجمع
وحاول الإمام راشد بن سعيد فى القرن الخامس الهجرى أهل عمان على رأى واحد بعد هذه الفُرقة، وكتب بذلك كتابا
في سنة 443 ه. وبالرغم من أن الناس انقادوا له في الظاهر إلا أن
الله
هذا الجدل الفقهى ظل مستمرا بدليل أن أبا بكر أحمد بن عبد الكندى مؤلف كتاب الاهتداء، وصف في آخر صفحة 77
ابن موسي
بأنه
من مخطوط «الجوهر المقتصر» وقبل بداية «كتاب الاهتداء» قدوة الطائفة الرستاقية» وبدليل تأليفه لكتاب الاهتداء للدفاع عن
ه
عدم شرعية عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي
•
ويذكر الإمام السالمي أن الخلافات الكلامية والجدل في هذه المسألة ظل قائما حتى تولى إمامة عمان ناصر بن مرشد (1024 - 1050 ه) فأمات تلك البدعة: (السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 167).
و ممن اشتهر بالرد على الرستاقية، أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي، وأبو سعيد محمد بن سعيد الكدمى، وألف أبو سعيد في الرد عليهم كتابا
بأسره أسماه «كتاب الاستقامة».
*** (1/10)
صفحة 11
-
ونلاحظ أن منهج أبى بكر الكندى النزواني في كتاب «الاهتداء»
مثل منهجه في كتاب «الجوهر المقتصر»، فهو يبدأ الكتاب بمقدمة
بسيطة
•
كذلك يدافع المؤلف عن وجهة نظره بطرح الأسئلة ثم يجيب عليها. كذلك يشير أبو بكر الكندى النزوانى إلى مصادره المتنوعة. ومصادره في كتاب الاهتداء» هي كتابات وسير الأئمة الأباضية الذين عاصروا عزل الإمام الصلت والذين جاءوا بعد ذلك. وهو يعتمد على سير وكتابات المعارضين لهذا العزل، والمؤيدين له، والواقفين عنه. ومن هؤلاء الذين في كتابته، أبو عبد الله محمد بن محبوب، وأبو المؤثر الصلت
اعتمد عليهم ابن خميس، والشيخ أبو قحطان خالد بن قحطان. ومن مصادره أيضا
أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي
وعلى أية حال فإن أبا بكر أحمد بن عبد الله
بن موسى
الكندي
6
،
مؤلف كتاب الاهتداء، سواء أكان محقا فيما ذهب إليه أو مخطئاً ذلك فهو
فإنه دافع عن وجهة نظره بأسلوب وبمنهج على حديث ومع
لا يكاد يخفى أنه
الصلت بن مالك
من الطائفة الرستاقية الذين برثوا ممن عزل الإمام
وفضلا عن استخدام أبى بكر الكندى النزواني للأدلة العقلية وللمنهج العلمى فهو يستشهد فى كتاباته دائما بالقرآن الكريم وبالأحاديث (1/11)
صفحة 12
-
النبوية الشريفة، وكثيراً ما يستشهد أيضا بآراء وأشعار الإمام
الحضرمي
•
ويلحق بكتاب (الاعتداء» في المخطوطة، قسم ثان هو مجموعة
من سير أئمة وعلماء عمان في القرنين الخامس والسادس الهجريين
ونحن نرجح أن هذه السير من جمع وتصنيف مؤلف «كتاب الاهتداء»
لأنها عن الأئمة الرستاقية آنذاك
وفى «كتاب الاهتداء» سيرة فى إقرار الإمام محمد بن أبى غسان (من صفحة 154 إلى أول صفحة 162 في المخطوط) وأغلب الظن أن الفترة التي ولى فيها محمد بن أبي غسان الإمامة كانت فترة حرجة وفترة تنافس بين الأئمة في عمان، بل إننا لا نجد في المصادر المانية القديمة تسلسلا واضحا لأنة عمان ولا ذكرا لتاريخهم في تلك الفترة من القرنين الخامس والسادس الهجريين
ويظهر أنه كان في عمان حينذاك أثمة دفاع وأثمة شراء، وأنه
في الفترة التي ولى فيها محمد بن أبي غسان الإمامة كان هناك إمام آخر
هو راشد بن على (472
(
1
ويقول الامام السالمي:
د والظاهر أن إمامة محمد بن أبي غسان كانت عند الرستاقية على إمامة
راشد بن على لأن نجاد بن موسى كان فيما يظهر قاضيا له:
) السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 274)
•
كذلك يذكر السالمي (1/12)
صفحة 13
في نفس الجزء والصفحة أن أبا بكر أحمد بن عبد
الله
بن موسى
الكندي
كان يحتج للإمام محمد بن أبي غسان ويناظر عنه في سيرة سماها
سيرة البررة)
ونجد أيضاً في ذيل كتاب الاهتداء، كتابا عن الإمام عبد الرحمن
محمد بن مالك بن شاذان (ص 162 - 163 في المخطوط) إلى سعيد
ابن راشد بن علي
وكان الإمام عبد الرحمن محمد بن مالك بن شاذان من الرستاقية. والمعروف أن الفرقة الرستاقية كانت قد خرجت على الإمام راشد بن على
يريدون عزله
وفى ذيل كتاب الاهتداء سيرتان لأبي بكر أحمد بن محمد بن صالح. وأبو بكر أحمد بن محمد بن صالح من علماء وفقهاء عمان في القرنين الخامس والسادس الهجريين، توفى سنة 546 ه. وهو من أسرة اشتهرت بالأدب والعلم والفضل، وكان شيخاً وأستاذاً لمؤلفنا أبي بكر أحمد بن عبد الله اين موضى الكندي النزواني
والسيرة الأولى لأبي بكر أحمد بن محمد بن صالح، والملاحقة بكتاب الاهتداء تتكون من قسمين، وكتبت من صفحة 136 إلى آخر صفحة 154
من المخطوط
ومن أهم ما جاء فى هذه السيرة أحكام الإمامة ومسئولية
الإمام. وفى هذه السيرة شروط تولية الإمام وحقوق الرعية نحو الإمام. (1/13)
صفحة 14
18 -
-
كذلك يبين صاحب السيرة الفرق بين الإمامة وبين الولاية، والفرق بين
إمامة الشرى وإمامة الدفاع
وملحق أيضاً بكتاب الاهتداء سيرة أخرى لشيخ مؤلف الاهتداء وهو أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح) صفحة 163 - 165 في المخطوط). وهذه السيرة خاصة بالفتن والحروب والمنازعات التي كانت تجرى حينذاك في نزوى - قاعدة الإمامة - وفى غيرها من مناطق عمان وفى هذه
•
السيرة يبين أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح آداب الحرب وأصولها، كما يستنكر الأحداث التي كانت تحدث حينذاك بين المتحاربين
وبعد هذه المجموعة من السير المنتخبة، نجد سيرة لمؤلف كتاب الاهتداء، أحمد بن عبد الله بن موسى الكندى، والسيرة «رد على من اعترض في حربهم مع الإمام محمد بن أبي غسان لأهل العقر من نزوى» صفحة 165 - 187 من المخطوط)
وبعد هذه السيرة لمؤلف كتاب الاهة داء» نجد في نهايتها على هامش صفحة 187 الأيمن من المخطوط هذه العبارة: «تم كتاب
الجوهرى وكتاب الاهتداء).
وقرب نهاية صفحة 187 من المخطوط نقرأ البسملة ثم حديثا عن الإسلام والخلفاء الراشدين، وأسلاف الأباضية، وإشارة إلى الصلت (1/14)
صفحة 15
ابن مالك وبعض الأئمة والفقهاء والعلماء العمانيين إلى القرن الثالث الهجرى،
•
ثم دعاء الله تعالى بالتوبة والاستغفار والهداية للحق) صفحة 178 إلى أوائل صفحة 190 من المخطوط)
وتأتى
بعد ذلك
من
صفحة 190 إلى صفحة من 194 من المخطوط
سيرة للنبي عليه الصلاة والسلام كتبها لاملاء بن الحضرمي» وينفرد هذا المخطوط - فيما نعلم - بهذه السيرة للنبي عليه الصلاة
والسلام
أما العلاء الحضرمي فهو صحابي أرسله الرسول عليه الصلاة والسلام هو وارد في المصادر الأصيلة إلى البحرين لدعوة ملكها وشعبها إلى الإسلام، ولتوليته على الصدقة ممن يسلم، وليأخذ الجزية من مجوس البحرين التابعين للفرس آنذاك. وقد أشارت المصادر التاريخية القديمة وكتب سيرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى إرسال النبي عليه الصلاة والسلام للعلاء بن الحضرمى إلى البحرين، لكن هذا الكتاب الذي
ننشره انفرد به صاحب المخطوطة ولم يخبرنا عن مصدر هذه السيرة.
*
وبعد، فهذا وصف مجمل لمخطوط «كتاب الاهتداء» لأبي بكر أحمد الكندى النزواني: المؤلف، ومحتويات الكتاب بن موسى
ابن عبد الله والمنهج العلمى، وملحق كتاب الاهتداء من سير العلماء والأئمة العمانيين
في فترة القرنين الخامس والسادس الهجربين، ثم سيرة عن الرسول عليه
الصلاة والسلام إلى العلاء بن الحضرمي أمير البحرين
• (1/15)
صفحة 16
-
1?
ويقع مخطوط «كتاب الاهتداء» و «دلته» من صفحة 77 إلى آخر صفحة 194 من المخطوط. ونلاحظ أن عدد صفحات «كتاب الاهتداء» يماثل عدد صفحات صلة هذا الكتاب من منتخب سير العلماء والأئمة العمانيين فضلا عن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى العلاء
ابن الحضرمي
•
وهذا المخطوط كتيب بالخط النسخ العادى دون إشارة إلى اسم الناسخ
أو تاريخ النسخ.
وقد كتب في كل ورقة صفحة واحدة. وعرض الورقة 2005 سنتيمترا وطولها 30 سنتيمترا تقريبا أما المكتوب من كل صفحة
فهو 13,5 سنتيمترا عرضاً و 21?5 سنتيمترا طولا تقريباً.
أما عدد الأسطر المكتوبة في كل صفحة فهو 22 سطراً تقريباً
وفي كل سطر كتب حوالى 15 كلمة
•
وأحياناً يضيف الناسخ بعض العبارات أو الكلمات أو الآيات القرآنية التي سقطت منه في أثناء النسخ في يمين الصفحة أو يسارها أو أعلاها
أو أسفلها
وقد وجدنا بعض الكلمات مطموساً أو غير واضح، كما قمنا
بتصحيح بعض الآيات القرآنية التي كتبت خطأ بطريق السهو من
دون شك
• (1/16)
صفحة 17
17
-
ووجدنا أن ناسخ المخطوط كثيراً ما يكتب حرف «ض، بدلا من حرف (ظ» أو العكس، وقد قمنا بتصحيح الحروف وأشرنا إلى بعضها فى هوامش الصفحات
وقد أثبتنا أرقام بداية كل صفحة من صفحات المخطوط داخل
مربع صغير في الكتاب المطبوع.
وبعد فإنه يسرنا أن ننشر مخطوط كتاب الاهتداء» لأول مرة بالإضافة إلى صلته التي تتكون من منتخب من سمير العلماء والأئمة العمانيين في القرنين الخامس والسادس الهجريين. وملحق كذلك بالمخطوط سيرة فريدة لم تنشر من قبل عبارة عن كتاب من الرسول عليه الصلاة والسلام إلى العلاء بن الحضرمى أمير البحرين. وهذه السيرة لم نعثر عليها في أي كتاب من كتب السيرة النبوية الشريفة أو في أي مصدر من
مصادر التاريخ الإسلامي، وإن كنا قد قرأنا عنها في بعض المصادر
•
وجدير بالملاحظة أن «ملحق كتاب الاهتداء» أو «حلقه» ليس له عنوان في المخطوط، ولهذا قمنا نحن بوضع عنوان يصف هذه الصلة وهو «المنتخب من سير الرسول عليه الصلاة والسلام وأئمة وعلماء
عمان»
(2 - كتاب الاهتداء) (1/17)
صفحة 18
IA-
وبعد فلا يسعنا إلا أن ننوه إلى الجهد الرائع الذي يبذله صاحب المعالى سمو السيد فيصل بن على بن فيصل وزير التراث القومى والثقافة في سلطنة حمان بالعمل على إخراج المخطوطات العمانية من دائرة الظل وإحيائها بنشرها نشراً علميا، تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس ابن سعيد المعظم، حفظه الله
•
والله نسأل أن يحقق لسلطنة عمان كل أسباب النهضة والعزة والقوة، وأن تظل عمان كما كانت طوال العصور التاريخية الدرع القوى الواقى للعروبة والإسلام فى تلك المنطقة الشرقية من جسم الأمة العربية
الإسلامية
دكتورة
سيدة إسماعيل كاشف
{
صفر 1406 هـ
القاهرة فى 18 أكتوبر (تشرين أول) 1985 م (1/18)
صفحة 19
جاهد
فان انتا بوا فنايي و در واد عويم چين نبايديهم إلى كتاب الله المنزل وسنة نبيه عليه السلام عليت بنا الله ورحمته ومينات وسين كفارات لا تسكنوا ايديكم من بيعة ولا تتضمن امر وال من ولاة المسلمان فإذا اقروا لكم بذلك، وبالعربي واستغفرها اسم فاذاخر جو ايقا أون في سبيل الله غضبا الله ونحترا لدينه ثمن لل ا من الناس فليدعوه إلى مثل الذي دحره إليه من كتاب الله و اجابته و بيانه و اسلامه و ايمانه وإحسانه وتقواه وعبادته ورته من التهم فهو المستجيب للمسيلان المرضى المحسن الملتقى العابد الى إجراء ما لكم وعليه ما عليكم ومن ابا هذا عليك فقاتلوه حتى ين الى امر الله والفئ الى احراسه اما ان يسلم واما ان يعطى الحرية عن يد وهم صاغرون من الذين أوتوا الكتاب وان طريقي سفك دمه و غنم ماله وسبيت ذريته ومن افر لكم بالجزية واعليتمو الذمة فاو فواله بها من اسلام و اعمالك الرضى المومنكم و من قاتلكم من بعد ما يترك فقاتاوه و حاربكم فشار بده و کادوکور شکايد وه و جمع لكم فاجمع واله وخادع كم فادعوه من غيران تعتدوا واغنا لكم فاغتالوه من غيابران عند وا وہ ا گر كه يفا كروه من غيران تعتد واسرا او علانية فان من انتصر بعد ظالمه فاونيك با عابرهم من سبيل واعلموا ان الله معكم يراكر و بري اعمالم و بما التسعون وانقوا انه دار نورانه هاي زرفاء ما هذه امانة ايتمنى زنى عليها ابلغها عباده عذرا من اليهو وحجة محتج بها على خلقه من بلغه هذا الكتاب من الخناق اجمعين تعمل بما فيه بجا و من انتبع مافيه هبي ومن خاصم ما فيه افلح ومن قال بسافيه بند و من تركه ضل حتى بر اجده ويتمان ها فيه فاسمع اذانكم واوعوه قاى بكم فانه نورالابصار وربيع الافيلة وشغالها في الصدور كما بهذا امر اور جرا و معتبرا و عظة وداعيا ومتجا و هو الخير و اله و سردل الذي لا شك فيه كتاباس محمد بن عبد الله للعل ابن الحضرمي في حين بعثه إلى النجران يدعوا الى الله ورسوله ويدعو المافيه من خلال وينها عن ما فيه من حرام وبدل لما فيه من ندا وينهى عن ما فيه من على كتاب اليمن عليه فى الله الملابن التمر في فان اصابت العلابي لعرض
صورة من المخطوطة ص 193
ثل (1/19)
صفحة 20
[صفحة فارغة] (1/20)
صفحة 21
القسم الأول
كتاب الاهتداء (1/21)
صفحة 22
[صفحة فارغة] (1/22)
صفحة 23
[w]
كتاب الاهتداء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى شرع الدين ليتبع، وأوضح الحق ليستمع، ونصب الأدلة لتصدق [78] وأقام البراهين والحجج لتحقق، فقال عز من قائل وجل: (شَرَع لكم مِن الدِّينِ مَا وَصَّى به نُوحاً والذي أَوْحَيْنَا إِليكَ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه كثير عَلَى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِليه الله يجتبى إليه مَنْ يَشَاء وَيَهْدِى إِليه مَنْ ينيب) (1). وقال سبحانه: (وأنَّ هَذَا صِراطَى مُستقيما فاتَّبِعُوهُ ولا تَقيمُوا السبل فتفرق بكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَمَاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (2).
فنهى سبحانه عن التفرق في الدين وحذر من اتباع سبيل المعتدين أحمده على توفيقه إياى لاعتقاد الحق، وهدايته إلى موافقة أهل الصدق،
بعد الخوض في مهالك الغمرة، والتردد في مواطن الشك والحيرة، وأنقذنى برحمته من عى الالتباس، وجعلنى بلطيف رأفته من خير أمة أخرجت للناس. وأشهد أن لا إله إلا الله الحكيم العليم، وأن محمداً صلى الله عليه
(1) سورة الشورى: آية 13. (2) سورة الأنعام: آية 153. (1/23)
صفحة 24
24
،
عبده ورسوله الكريم، اصطفاه لأداء الرسالة، مؤيدا بأصدق المقالة (1) معتاما (1) من أشرف القبائل وصميم الشعب والفضائل. فدعا إلى السبيل
الأقوم وندب إلى سلوك المنهج الأسلم، واعظاً بلطائف اللسان، ثم مجاهداً
(2)
بالسيف والسنان (2)
، حتى قبض مخلصاً كريما، محبوا من
ربه
جنة ونعيما.
نسأل الله أن يجعلنا من العاملين بسنته، واردى حوضه، المحشورين
في زمرته.
أما بعد فإلى نشأت فى زمان وجدت أهله من أهل عمان ممن يتسمى بالأباضية، نحلة الإيمان، مختلفين فى حكم حادثة قد اتفقوا على صفتها ومتنازعين في اسمها، على إجماع منهم على صحتها. فهم طائفتان، كل طائفة منهم تخطى أهل صفة الطائفة الأخرى وتبرأ منهم. في ذلك
سير قد ألقوها، وكتب قد صنفوها، ومقالات قد أثروها، وحجج
قد
أظهروها، وعمل قد شرحوها، وأدلّة قد أوضحوها، صحيحة عنهم شاهرة، معروفة بهم ظاهرة، ولا سبيل إلى إنكارها وجحدها، ولا حجة في دفعها عنهم وردّها، وهى الحجة لهم وعليهم، والسبيل منهم وإليهم.
فعند ذلك أخذت في دراسة آثارهم، وتأمل سيرهم وأخبارهم، ونظر
(1) معتاما: مختارا.
(2) السنان: أصل الرمح، والجمع أسنة.
: (1/24)
صفحة 25
7
مذاهبهم وأقاويلهم [79]، واعتبار حججهم وتغالبهم، فقابلت بينها للتصحيح، ووزنتها وزن القسط للترجيح، بعد أن جعلت محلها من قبلي بالسوى، وجانبت في مواقعها التقليد والهوى، اجتهاداً منى فى موافقة السلامة، وإشفاقاً على نفسى من مهادف الندامة، وطلباً لمعرفة الصادقين وأهل الحق والحجة واليقين، الذين أمر الله بالكون معهم، وتعبد بطاعة أولى الأمر منهم، يقوله المحكم: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (1)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكم) (2)، لعلمى بأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالكون مع المعدوم، ولا يتعبد بالطاعة لمجهول غير معلوم، ولا يرخص فى التقليد في الدين بلا حجة ولا بيان، ولا يوسع في الإتباع في الأجول بلا دليل ولا برهان، وقد قال الله: (فَاعْتَبِرُوا يا أولي
الأَبْصَار (3).
فلما أن اتضح لى الحق المبين، وأخرجنى الله من الشك إلى اليقين، وابلولج لى سبيل المنهاج، واستقام اعتقادى بعد الزيف وغة (4) والاعوجاج، تاقت نفسى إلى شرحه الإخوان وإيضاحه لمن ينصح لنفسه في السر والإعلان، رجاء بأن يهتدى به أحد من ضعفاء المسلمين ومن هو مثلى
من الإخوة المتعلمين
(1) سورة التوبة: آية 119.
(2) سورة النساء: آية 59.
(3) سورة الحشر: من آية 2. (4) الزيغوغة: الميل. (1/25)
صفحة 26
قال الله تعالى: (ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (1). ولئن كان قد سبق إلى ذلك من هو منى أعلم وأتقن بالحجة وأحكم، فالفرض على كل أن ينصر الحق بما قدر عليه وينهى عن خلافه بما وجد السبيل إليه، لا سيما من كان للحق مفارقاً،!
وإلى ضده داعياً وموافقاً، فإن الواجب عليه إذا رجع عن شيء من
(2)
الله
اعتقاده أن يظهر ذلك ويعلنه ويتوب منه ويبينه .. وأنا تائب إلى تعالى من كل مخالفة للحق والصواب، وراجع عنه إلى هذه الجملة التي ذكرتها في هذا الكتاب في الاختلاف الواقع بين أهل عمان، وإليها أدعو من استرشد من الإخوان، عائذ بالله أن يقع منى خلاف ما أردته، أو يكون فيه غير ما توخيته وقصدته فالمعصوم من عصمه الله، والمهيدى من هداه الله، نعم المولى ونعم النصير. فيجب الآن أن أبدأ بشرح أحكام الاحداث (3) ومعانيها وأقسامها ومعانيها وأقسامها وحكم الاختلاف فيها وما [80] يسع جهاله منها وما لا يسع جهله في إجماع هاتين الطائفتين واختلافهما. أذكر ما وجدتُ هاتين الطائفتين تجمعتين على صحته من صفة الحدث، ثم أثبته بذكر اختلافهم في حكم ذلك الحدث وحكم الاختلاف فيه.
(1) سورة النحل: آية 125.
(2) (من»: زيادة من عندنا حتى تستقيم الجملة.
(3) الحدث: الأمر الحادث، الأمر المنكر الذى ليس معتادا ولا معروفا في السنة،
البدعة في الدين. الجمع: أحداث. (1/26)
صفحة 27
0 27
-
ثم أتبع ذلك بالشرح والبيان والدلالة على الحق بالبرهان بعد أن أقدم أمام الشرح أصولا تجتمع هاتان الطائفتان عليها ولا يتنازعون في أحكام معانيها، قد تناقلوها عن السلف والأعلام الذين إجماعهم حجة في الأحكام، وآثار هم الصحيحة في الإسلام، لتكون شاهدة يرجع إليها، وقاعدة فى اختلافهم يعول عليها. فإنه إذا رتب أصل تتفق الطائفتان عليه وأنه أصل صحيح من اصول الدين من كتاب الله المبين وسنة نبيه الأمين صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، أو إجماع أهل الحق من المسلمين وجب ردّ هذا الاختلاف إليه، ونظر بين المخالف منهم له ومن المستقيم من الطائفتين عليه، لأن الإجماع إذا وقع على حكم وجب إجراؤه على عمومه، وحكمه ماض فيما اشتمل عليه ما لم يمنع منه أصل يجب التسليم له فإن الأصل لا يخص إلا بأصل، ولا يمنع
يخصه من إحدى الجهات
•
الإجماع إلا إجماع، ولا يلتفت فى ذلك إلى نظر واستحسان؛ فإنه لا حظ للنظر مع الإجماع، وما لاحظ له ساقط عند النزاع. فمن تعلق في تخصيص ما اشتمل عليه أصل مجتمع عليه، بغير أصل مجتمع عليه، فقد انقطع عند
(1) يعني «بالمسلمين» الأباضية. (1/27)
صفحة 28
(1)
المناظرة والجدل، وأبلس من الحجة وانجزم (2)، وكان عليه الرجوع
:.
إلى ما أوجبه الأصل وحكم به الإجماع في ذلك الفصل. وقد قيل:
إذا تعارض الأثر) والنفار، كان الحكم للأثر وسقط اعتبار النظر
والله أعلم
(1) أبلس: يئس، تحير.
(2) انجزم: انكر. وفي الأصل انجزن
(3) الأثر: الحديث والسنة. (1/28)
صفحة 29
الباب الأول
باب بيان الأحداث وأقسامها وشرح معانيها وأحكامها
الأحداث الصادرة من المكانين
فالذى لا أعلم فيه اختلافا أن جميع اكتساباً على ضربين: محتمل وغير محتمل. فما لا يحتمل ضربان: حق لا يحتمل الباطل، وباطل لا يحتمل الحق. فالحق الذي لا يحتمل الباطل ثلاثة فصول: فصل تقوم به الحجة من العقل، وفصل مختلف قيام الحجة به من العقل، وفصل لا تقوم الحجة به إلا من السمع.
فالذي تقوم به الحجة من العقل شيئان: أحدهما معرفة الله عند البلوغ وصحة العقل، ثم الإيمان بالجملة وهى [81] شهادة أن لا إله إلا الله وأن الله رسولا إلى خلقه وأن جميع ما جاء به عن الله حق فهذا ما لا
يسع
•
المكلف جهل معناه في حال من الحال، والحجة قائمة بحقه وحق
محدثه عليه من عقله وهو كاف له عما وراءه لأن بإقراره بهذه الجملة قد ثبت له الإقرار يجميع دين الله ما لم تقم الحجة عليه بشيء من تفسير هذه الجملة على ما سنبينه فصلا فصلا إن شاء الله. والآخر ما لحق حكمه بحكم هذه الجملة في باب قيام الحجة من العقل فإن الحجة
•
لا تقوم به من العقل إلا من بعد خطوره بالبال، أو سماع ذكره من (1/29)
صفحة 30
الأقوال، مثل إن الله لم يزل أولا قبل كل شيء فلا يزال آخراً بعد كل شيء، و عالما بكل شيء وقادرا على كل شيء، وما أشبه ذلك، وهذا على إجماع الطائفتين وغيرهم، إلا من شاء الله من الأمة، إن الحجة لا تقوم به من العقل إلا بعد خطوره أو سماع ذكره
وأما الجملة ففيها نزاع بين الطائفتين إلا من شاء الله
النزوانية ساوت بين لزوم
علم
الجملة
فالطائفة
وبين لزوم هذا الفصل الذي هو
من تفسيرها في السعة إلى سماع الذكر أو خطور البال
وانتم
الرستاقية) فلعلها فرقت بينهما على ما بينا. والله أعلم
•
والطائفة
فأما الفصل الثاني المختلف في قيام الحجة به من العقل وهو ما تنازعت فيه الأمة مثل: عالم بنفسه، وقادر بنفسه، وحى بنفسه،
A.
ومريد بنفسه، فالذى وجدت عن الشيخ أبى محمد أن حجة هذا تلزم
بالسؤال
وبعد النظر والاستدلال، وعلى الشاك فيه أن لا يعتقد قولا من
المخالفين بغير دليل ما كان مستمسكا بالجملة وهي أن الله) لَيْسَ
ارتفاع
(1) الطائفة التزوانية: تنسب إلى نزوى، ونزوى مدينة في داخل عمان وهي تقع على
1900 قدم وعلى بعد 20 ميلا من مدينة أزكى .. (2) الطائفة الرستاقية: تنسب إلى الرستاق في عمان، وتجمع على ارتفاع 800 قدم، وهي مدينة في منطقة الحجر الغربي، وبها قلعة شهيرة بنيت قبل الإسلام. (3) سورة الشورى: آية 11 (1/30)
صفحة 31
-
وأرجو أن الشيخ أبا سعيد يرى أن مثل هذا تقوم به الحجة من
العقل ولا ينفس فيه إلى السؤال. والله أعلم
وأما الفصل الثالث: فقيا لا تقوم الحجة به إلا من السماع وهو ثلاثة معان: تحليل خلال، وتحريم حرام، وإيجاب واجب. فحكم الحق في هذه الثلاثة المعاني يصدر من أحد فريقين إلى أحد فريقين من العلماء أو غير العلماء إلى متعبد به لا يسعه جهله، وغير متعبد به يسعه
جهله. فإن صدر من العلماء إلى متعبد به لا يسعه جهله فالحجة فيه وإن صدر منهم إلى غير متعبد به نفى قيام
قائمة بإجماع الطائفتين
•
الحجة به اختلاف، اختلاف، فقيل الواحد العلماء فيا
من
يسع جهله حجة، وقيل
حتى يكونا اثنين، وقيل غير ذلك إلا أن [82] يكون صدوره (1) منهم في تلاوة آيات الكتاب القاطع عذرنا معه بمعجز نظمه في تصديقه والعلم بحقه، فهذا حجة من العلماء وغيرهم ولا أعلم في ذلك اختلافاً: وإن صدر من غير العلماء إلى متعبد به، فإن كانوا ثقات فهم حجة، وإن كانوا غير ثقات، ففى قيام الحجة منهم بذلك فيما لا يسع جهله اختلاف بين الطائفتين. فذهبت النزوانية إلى قيام الحجة به من كل معلم، من كافر أو مسلم، أو كتابة في أو في طائر. واعقلوا فإن
حجر
قم
الحق بنفسه حجة، فحيث وجد كان حجة لا يعتبرون في ذلك المعلم به.
(1) في نسخة أخرى من المخطوط: «سدر». (1/31)
صفحة 32
والحجة
هم
في ذلك قول النبي
:
اقبل الحق ممن جاءك به
بغيضا كان أو حبيبا، ورد الباطل على من جاءك به بعيداً كان
أو قريباً
•
کافر
الثقات
قالوا: فلما كان الباطل غير مقبول ممن جاء به من مسلم بإجماع، كان الحق مقبولا ممن جاء به من مسلم أو كافر. وذهبت الرستاقية إلى أن الحجة فى تفسير ما تعبد الله به لاتقوم إلا من واحتجوا بقول الله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سبيلا (1). وبقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ينيا فتبينوا). قالوا: فقد أمر بالتبيين عند خبر الفاسق، وهو عام التخصيص. قالوا، وفى أمره بالتبيين عند خبر
حتى يصح
في كل نبأ الفاسق دليل على ترك التبيين عند خبر غير الفاسق، والله أعلم. قالوا: وأما قول النبي: «اقبل الحق ممن جاءك به، فإنما أراد من أقر بالحق وأظهره وجامع المسلمين عليه، فعليهم مجامعته عليه، وكذلك من جاء، أي من أظهر الباطل وانتحله فعليهم رده عليه. قالوا: ولو كان الحق حجة بنفسه لما احتاج النبي إلى إظهار معجزة يبين بها من غيره فيعلم بها صدقه. قالوا، فكذلك الثقة عنده ما يميز وأما الفرق بين قبول الحق من الثقة وتركه من غير
بالباطل
بينه وبين غيره
•
(1) سورة النساء: آية 141 (2) سورة الحجرات: آية 6. (1/32)
صفحة 33
الثقة فلأن الحق يصدر من الثقة وغير الثقة فلا يعرف الفرق فيه، وأما الباطل فلا يصدر إلا من غير الثقة. وللفريقين فى هذا احتجاجات كثيرة
وأرجو أن هذا بينهم اختلاف بالرأى، وإنما قصدت ما اختلفوا فيه بالدين
واقتصرت عليه
مسألة
فإن قال قائل: ما الفرق بين حال التعبد بما لا يسعه جهله وبين حال السعة في التعبد؟ قيل [83] له: أما فيما طريقه طريق العقل فقد تقدم ذكر بعضه وستأتى تمامه فيما بعد، إن شاء الله. وأما فها طريقه طريق السمع فقد قلنا إنه ثلاثة معانى: فعلم وجوب الواجب إنما يجب إذا حضر وقته، وعلم تحليل الحلال وتحريم الحرام إنما يجب مع موافقتهما لا قبل ذلك، لقول الله عز وجل: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. فليس للمتعبد فعل شيء وركوبه إلا حتى يعلم أنه حلال له، ولولا أن قصدى إلى غير هذا المعنى لأسبغت القول بما عرفته إلا أنى كومت طول الكتاب
(1) سورة الإسراء: آية 36.
(3 - كتاب الاهتداء) (1/33)
صفحة 34
34
-
الباب الثاني
باب بيان الأحداث الباطلة التي لا تحتمل الحق
وأما الباطل الذى لا يحتمل الحق فهو كل حدث ظهرت فيه الصفة المغلق حكم باطله بها، وحقيقته كل حدث لا يجوز لراكبه فعله في الظاهر ولو كان صادقاً فيه في حكم السرائر، وهو ينقسم قسمين: شرك ونفاق. فالشرك هو جهل الجملة أو الردّ لها أو الشك فيها، أو في الفصل الثاني حكمه حكمها فى باب قيام الحجة من العقل الذي قدمنا ذكره
اللاحق
6
والرد له بعد سماع ذكره أو خطوره بالبال أو الشيء منه: وكفر محدث هذا الفصل أو باطله أو عصيانه قائمة على سامعه الحجة به من عقله غير النفس في السؤال عنه، فإن شك فيه أو تولاه فهو كافر كفر ثفاق، لا كفر شرك، ولا يسعه إلا أن يعلم أنه مشرك إذ عرف أنه عدو الله أو عاص أو كافر حتى تقوم عليه الحجة من المسلمين بمعرفة الحكم عليه بالشرك. والله أعلم.
مسألة
وأما النفاق فإنه بدعة وانتهاك، فالبدعة استحلال الحرام بالدين
أو تحريم الحلال بالدين فهذه هى صفة البدعة في اتفاق الطائفتين، ولا (1/34)
صفحة 35
أعلم بينهم فيها اختلافا. والعالم بهذا الحدث أحد أربعة: عالم بحرمة ما استحل منه وحلال ما حرم منه من كتاب الله وسنة رسول الله أو إجماع الأمة. وعالم بحكم محدثه فهذا منقطع عذره قد قامت عليه الحجة، فعليه البراءة من محدثه ولا يسعه الشك فيكون راجعاً من اليقين
منه
إلى الشك، لا أعلم في ذلك اختلافاً، فإن شك فيه أو تولاه على علم بذلك فهو هالك. وعالم بحرمة ما استحل أو حلال ما حرم منه منه على
منه
ما وصفنا لا يعلم ما يبلغ براكبه في الحكم فهذا في أكثر قولهم لا يسعه جهل محدثه. وقد يوجد عند الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب الله، أنه يسعه ما لم يعلم أنه كفر حتى تقوم عليه الحجة أنه كفر،
رحمهم
والحجة [84] جماعة المسلمين الذين ليس له رد قولهم، وأكثر ما عرفنا
فى هذا من آثار المسلمين أن عليه السؤال. والله أعلم.
والرابع غير عالم بحكم الحدث ولا حكم ما يبلغ بمحدثه فهذا في أكثر كفر راكبه حتى تقوم عليه الحجة بكفر ذلك
قولهم وسع تم
له جهل علم
ينقطع عذره، ولا سؤال عليه فى ذلك، كل ذلك ما لم يقول المحدث
بالدين، أو يبرأ، أو يبرأ من العلماء، أو يقف عنهم برأى أو بدين من أجل
براءتهم من المحدث. والله أعلم.
في
مسألة
القسم الثاني، وأما الانتهاك فهو ركوب المحرم على الدينونة (1/35)
صفحة 36
بتجربته، ومحدث هذا الحدث
إسع
العلم بذلك ولا تسع ولايته بالدين
من
جهل كفره ما لم تقم الحجة من أهل
والأثر الشاهد الذى لا أعلم فيه
اختلافا أنه عن جابر بن زيد رحمه الله، يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يقولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا بردوا راكبه أو يقفوا عنهم ولا سؤال في هذا الحدث إلا على مَنْ تولى راكبه بالدين فى أكثر قول المسلمين، أو يبرءوا من العلماء إذا برءوا من راكبه، أو يقف عنهم من أجل براءتهم من راكبه، فإن براءتهم من العلماء أو وقوفهم عنهم من أجل براءتهم من راكبه، حدث مكفر لهم وعليهم ها هنا السؤال، ولا أعلم في ذلك اختلافا
والله أعلم. (1/36)
صفحة 37
الباب الثالث
باب بيان الأحداث المحتملة للحق والباطل
وأما الحدث المحتمل للحق والباطل فهو ما خفيت صفته المعلق حكم حقه وباطله بها، وحقيقته كل حدث يجوز ركوبه في الظاهر إذا كان راكبه محقا فيه فى السرائر: وهو ضربان، أحدهما يكون الحق فيه الله ولعباده، والآخر لا يكون الحق فيه إلا الله وحده، لا حق للمخلوقين فيه، وهو قسمان: قسم لا يطلع على كفر راكبه فيه إلا بإقراره وذلك مثل ترك الصلاة والأكل في شهر رمضان. وراكب هذا الحدث على حاله ومنزلته من ولاية أو وقوف أو براءة. فإن أقر على نفسه بما يوجب كفره فيه لزمته البراءة منه عند من علم بإقراره بذلك ولم يجز إظهارها عند من يتولاه ممن لم يطلع على إقراره، فإن برئ منه عند من يتولاه ممن لم يطلع على كفره فقد أباح من نفسه البراة وبرئ منه على ذلك. والقسم الثانى تقوم الحجة على راكبه بما يوجب كفره من إقراره وغير إقراره، وذلك مثل أكل اللحم من أيدى المشركين وما أشبه ذلك. وراكب هذا الحدث أيضاً على حاله ومنزلته من ولاية أو وقوف أو براءة، لا يجوز أن يساء به الظن، ولا يبرأ منه إلا [85] أن
[10] (1/37)
صفحة 38
38
يعلم منه
أنه يأكل ذلك بغير حق، فإن بريء منه متبرئ عند من
يتولاه فقد وجدت عن الطائفة النزوانية فى ذلك اختلافاً، فقيل هو أيضاً على حاله يحسن به الظن، وقيل: يبرأ منه. والله أعلم ..
مسألة ...
في الضرب الثاني، وأما ما يكون الحق فيه الله وللعباد، فإنه ينقسم ثلاثة أقسام: أموال ودما (1) وفروج (2) وما أشبه ذلك، كل قسم منها يقع على أحد ثلاثة أحوال: مسالمة أو منازعة أو إنكار، فما وقع منها بمسالمة فواكبها على حاله ومنزلته المتقدمة لا يقدح هذا الحدث فيه إلا القتل، فقد قيل فيه بالبراءة على حال، وقيل بالوقوف، وقيل راكبه على حال الولاية إن كانت تقدمت له لا يضره هذا الفعل إذ يحتمل حقه و باطله وأنا، ففى نفسى من البراءة والله أعلم. وما وقع في المنازعة بغير تدبر فلعل فيه اختلافاً، فقيل بالبراءة من راكبه، وقيل
بالوقوف
عنه، وقيل هو على حاله من الولاية إن كان وليا. وما وقع
منها على الإنكار من المحدوث عليه فهو موجب للبراءة ولا أعلم في ذلك اختلافاً. وكل حدث أوجب البراءة على راكبه فإن المعاين له إذا لم يهتد
(1) الدما والدماء: الحدود والقصاص.
(2) الفروج: ما يتعلق بالزواج والطلاق وحدود الزنا. (1/38)
صفحة 39
إلى البراءة منه فما لم يتوله بالدين على ما كان قبل الحدث إن كان وليا فهو سالم، وفى وجوب السؤال، وبعض لم يوجبه. وأما الوقوف فيه بالرأى لا بالدين فهو جائز إلا أن يكون موقوفا عنه بالدين فهو على ما تقدم من ذلك. والله أعلم. (1/39)
صفحة 40
الباب الرائع
باب بيان الاختلاف فى الأحداث
وأما الاختلاف في الأحداث فإنه على ضربين: اختلاف في صفة
الحدث واختلاف في حكم الحدث.
مسألة
في اختلاف الدعاوى: فالاختلاف الواقع بين الناس في صفة الحدث فإنما هو اختلاف الدعاوى، وذلك مثل أن يصح أن زيدا قتل عمرا،
ثم يقع الاختلاف بين الناس على ماذا قبله، فتقول طائفة منهم إنه قعله ظالماً باغياً عليه، ويعارضهم غيرهم فيقولون إنه قتله منتصراً منه إذ بغي عليه، أو قتله بابنه أو بأبيه وما أشبه ذلك. ومثل أن يصح أن زيداً أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير ثم يختلفون فيه، فتتول فرقة إنه أكل ذلك مضطرا إليه غير باغ ولا عاد، ويقول فريق إنه أكله متعمداً من غير اضطرار فهذا وما أشبهه هو اختلاف الدعاوى الذي يحتمل فيه لكل طائفة منهم على الانفراد الصدق ويجوز الجمع بينهم في الولاية لمن تقدمت عنده ولايتهم، ولا أعلم أحداً أجاز ولايتهم لمن لم تتقدم عندهم له ولاية. [6] وهؤلاء المختلفون، على الفريق المحق منهم أن يبرأ من الفريق المبطل الكاذب في السريرة عند من علم كذبهم وليس له إظهار (1/40)
صفحة 41
-
البراءة عند من يتولاه. ولا يقذف المحدث عند مخالفته المتولين له ولا يبرأ منه عندهم. فإن فعل فقد أباح البراءة من نفسه، وإذا وقع هذا التنازع والاختلاف بينهم على هذه الصفة تكانات الدعاوى ووقف عن تصديق كل فريق منهم، فكان حكم الحدث قائماً بنفسه محتملا للحق والباطل حكم محدثه على ما بينا في باب الأحداث المحتملة للحق والباطل
ولا يحتمل لمن جاء بعد ذلك المصر ممن لم يشاهد الحدث أن يقطع فيه بالحكم أنه حق ولا باطل ولا خطأ ولا صواب، ولا يشهد لأحد المتداعين بالصدق أو الكذب دون صاحبه، فمن فعل ذلك فهو هالك لا تجوز ولايته بل تلزم البراءة منه ولا أعلم في ذلك اختلافاً، لأنه إذا لم يشاهد الحدث لم تصح له صفقه ولا صدق المتداعين فيه إلا بالشهرة ولا غير ذلك. والشهرة بإجماع لا تفيد علما ولا توجب حكما إلا أن تكون مستقيمة لا دافع لها ومتى كان لها دافع بطلت. والله أعلم وأحكم.
مسألة
في اختلاف الرأى: وأما الاختلاف في أحكام الأحداث فإنه ينقسم قسمين أحدهما بالدين والآخر بالرأى. فالاختلاف في حكم الحدث بالرأى فهو فيها لم يأت فيه بعينه من الأصول الثلاثة وهى الكتاب أو السنة أو الإجماع، حكمه في ذلك نحو اختلاف الناس في نفقة المطلقة وميراث (1/41)
صفحة 42
المشتركة (1) والكادلة (3) وما أشبه ذلك.
فالمختلفون على هذه الصفة كلهم على منازلهم التي تقدمت لهم من ولاية أو وقوف أو براءة إذا كانوا علماء. وأما الضعفاء فليس متبوعاً لهم الحكم بالرأى، فإن فعلوا فعليهم الرجوع إلى آراء المسلمين والتوبة إلى الله تعالى من حكمهم بغير علم ولا سؤال عن من خفى عليه حق العلماء في
(1) ميراث المشتركة: زوج وأم وإخوان لأم، وأخ شقيق. فللزوج النصف، والأم الدس، وللأخوين من الأم الثلث، والأخ الشقيق يشترك معهما فيكون وارثاً بالفرض لا بالتعصيب، وكانت القاعدة سقوطه لاستغراق الفروض وهو رأى أبي حنيفة وأحمد والشافعي، و به قال عمر بن الخطاب ثم رجع عنه إلى القول بإرثه بالاشتراك مع الأخوين للأم حينما قال له الأخ الشقيق: هب أبانا حجرا في اليم، ولذا سميت مشتركة وحجرية ويمية وعمرية، وهذا رأى مالك والمعتمد من مذهب الشافعي. ومثل الأم فى هذه المسألة الجدة، واحدة أو متعددة، ومثل الأخ الشقيق العدد من الأشقاء حتى لو كان معهم أنتى فيقتسم الجميع الثلث بالسوية مع أولاد الأم لا فرق بين ذكر وأنتى. وأصل المسألة من ستة: للزوج النصف وللأم السدس وللأخوة الثلث بالسوية. (انظر: أحمد كامل الخضرى: المواريث الإسلامية ص 43 - 44 الطبعة الثانية. القاهرة 1369 هـ / 1950 م).
-
(0) ميراث الكلالة: السكلالة مصدر بمعنى الكلال أو الإعياء، فكأن الميراث يسير إلى الوارث عن بعد وإعياء. والكلالة اسم للمتوفى الذى لا يرثه ولد من ذكر أو أنتى ولا والد وهو رأى عمر وابن عباس. ويدل لهذا القول أنه تعالى قال (قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد). وسمى كلالة لأنه مات عن ذهاب طرفيه وأنها اسم للميت والحى، الميت الذي لا ولد له ولا والد، والوارث الذى ليس ولدا ولا والدا، فالأول يورث كلالة والثاني يرت كلالة. وموالى الكلالة الإخوة والأعماء وسائر القرابات، والإخوة يحجبون الأعمام. وقد ذكر المولى سبحانه وتعالى الكلالة في موضعين في أوائل سورة النساء (الآية 12) وتسمى آية الشتاء لأنها قرات في الشتاء. قال العلماء: والمراد فيها من الأخ والأخت أولاد الأم، وفي آخر سورة النساء (آية 176) وتسمى آية الصيف لأنها نزلت في الصيف والمراد بالأخت فيها لشقيقة أو لأب. ونصيب الذكر فيه مثل حظ الأنثيين. (انظر أحمد كامل الحضرى: المواريث الإسلامية ص 55 - (1/42)
صفحة 43
هذا الفصل إلا أن يبرأ منهم أو يقف عنهم برأى أو بدين من أجل قولهم
ذلك فهنالك حل فيما لا يسعه جهله وكان عليه الدينونة بالسؤال. والله أعلم وأحكم.
مسألة
في اختلاف الدين: وأما الاختلاف فى حكم الحدث بالدين فهو بإجماع هاتين الطائفتين اختلاف البدع، وهو الذي يخطئ فيه بعضهم بعضاً في حكم الظاهر، وذلك ينقسم ثلاثة أقسام: قسم تقوم الحجة فيه بحق الحق وباطل المبطل، فهو من العقل نحو اختلاف الناس في صفة الله بالجسمية والتحديد والرؤية وجبر العباد [87] على المعاصي وخلقه لأفعال العباد وعليه لما لم يكن منهم وما أشبه ذلك. فهذا وإن كان المكلف سالما بدون علمه فإن ذلك ما لم يخطر بباله أو يسمع بذكره. فإذا سمع بهذا الاختلاف فعليه أن يعلم من عقله أن الله تعالى ليس بجسم ولا محدود وأنه لا يرى بالأبصار فى الدنيا ولا في الآخرة فهذا ما لا يسع جهله إذا خطر أو ذكر، ولا يسعه الشك فيه ولا في المختلفين فيه. والله أعلم
مسألة
والقسم الناس فيه من أن الله تعالى عالم يعلم أو عالم بنفسه وقادر بنفسه أو قادر بعلم بقدرة وحى بحياة ومريد بإرادة، وقد تقدم ذكرنا لهذا في الباب الأول وأرجو أنه كاف، إن شاء الله عز وجل.
الثاني المختلف في قيام الحجة فيه من العقل فهو نحو ما اختلف (1/43)
صفحة 44
44
النات الخامس
باب بيان ما الاختلاف بين الطائفتين من صفة حدث موسى وراشد
فأما ما وجدنا هاتين الطائفتين متواطئتين على صحته من صفة حدث موسى وراشد بما يخرج عندنا مخرج الشهرة التى موقعها في إثبات الصفات مما يحتاج في هذا الكتاب إلى ذكره فهو أربعة أركان هي المعتمد عليه
فيما يرجع إليه هذا التنازع الواقع بينهم.
•
الركن الأول: أن الصلت بن مالك رحمه الله كان إماما شاريا (1)
لأهل عمان بإجماع قبل تقديم موسى لراشد إماماً.
الركن الثاني: أن موسى قدم راشداً إماماً لأهل عمان على الصلحت ابن مالك في حياته قبل أن يظهر على الصمت ما تزول به إمامته في حكم
الظاهر بالشهرة التي يستوى فيها الخاص والعام من رعيته على ادعاء تسليمه الإمامة واعتزاله عنها.
(1) الإمام الشارى: هو الذى يطيع الله والرسول عليه الصلاة والسلام، ويحكم بما أنزل في القرآن الكريم، وما جاء في السنة الشريفة والأحاديث، وما أجمع عليه المسلمون، وأن يأمر
بالمعروف وينهى عن المنكر ويجاهد في سبيل الله وأن يكون عليه ما على الشعراة الصادقين (1/44)
صفحة 45
الركن الثالث: أن الصلت لم يظهر منه نكير على موسى وراشد في حين تقدمهما عليه متفق على صحته اتفاقاً يوجب كفرها في حكم الظاهر
الركن الرابع: أن الأعلام المشاهدين لمصر هذا الحدث من موسى
وراشد اختلفوا بعد إجماعهم على صحة ثبوت إمامة الصلت بن مالك، في زوالها وفى إمامة راشد ومنزلته هو وموسى. تفريق منهم مضى على التمسك بإمامة الصلت وثبوتها وبروا من موضى وراشد وقالوا: إنهما تقدما على الصلت في حال ثبوت إمامته وعزلاه بغياً وعدواناً، وحكموا عليهما بالبنى والاستحلال لما حرم الله. وفريق قالوا: إن الصلت ابن مالك اعتزل من الإمامة وتبرأ منها وصوبوا موسى وراشد في تقديمهما وتولوها على ذلك [8] وقالوا: لم يستحاد إلا ما هو جائز لهما لأنهما خرجا محتسبين لله وللمسلمين. ولعل فريقاً وقف والله أعلم.
فصل
فهذه الأربعة الأركان لا أعلم أحداً من هاتين الطائفتين يجترى، على دفع شيء منها لاستفاضتها بينهم من الأخبار الشاهرة والسير الظاهرة، اللهم إلا أن يلتجئ ضعيف النظر زواغ البصر عند خوف لزوم الحجة والمطالبة بالرجوع إلى الحق إذا انكشفت الإشكالات المعترضة في هذا الفصل فيقول: أما الركن الأول فإن الصلت بن مالك كان إماما شارياً لأهل عمان بإجماع قبل تقديم موسى لراشد إماماً فمسلم لك. وأما الركن؟ (1/45)
صفحة 46
الثاني وهو أن موسى قدم راشداً على الصلت قبل ظهور ما يوجب زوال إمامته بالشهرة التي ذكرتها فمن سلم لك الإجماع على صحته، وبعض مشاهدى الحدث قد قال إن اعتزال الصلت من الإمامة وتبريه منها كان
6
شاهراً ظاهراً وذلك موجود عن أبى جابر محمد بن جعفر وولده الأزهر وأبي محمد الفضل بن الحوارى (1) في السيرة المنسوبة إليهم، فما تفكر أن تقدمهما على الصلت لم يكن إلا بعد اعتزال الصلت بالشهرة التي ذكرتها. فهذه معارضة لا تصدر إلا من مجوز لصواب موسى وراشد، وهى إن
قبل
شاء الله سريعة الانحلال وهو أن يقال للمتعلق بها أنكرنا ذلك من أن الشهرة بإجماع الطائفتين لا تكون شهرة صحيحة على ما ذكرنا إلا إذا لم يكن لها في وقتها دافع. وقد اتفقت الطائفتان جميعاً أن المدعين الشهرة ذلك قد عارضهم غيرهم ودفع قولهم، وهو ما أردناه في الركن الرابع فبصحة ذلك الركن علمنا أنهما تقدماً عليه قبل الشهرة التي تقوم بها
الحجة لهما عليه وعلى جميع رعيته. على أن مشاهدى هذا الحدث
الذي
عصر
صح اختلافهم فيهم لا انفكاك عندنا وعندك فيهم من أحد حالين:
إما أن يكون اختلافهم كان موجباً لبراءتهم من بعضهم بعضاً مع اختلافهم
6
أو لم يكن موجبا لبراءتهم من بعضهم بعضا من بعضهم بعضا. فإن قلت
(1) كان ممن يتولى موسى وراشد، الفضل بن الحوارى، ومحمد بن جعفر وابنه الأزهر ابن محمد. وقد قيل إن الأزهر نظر بعد ذلك في الاختلاف فرأى الوقوف أسلم فرجع إلى الوقوف. ولم يكن للمواقفين دعوى في الحدث، وإنما كانت الدعاوى بين المتولين والمتبرئين. (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 153 - 154). - (1/46)
صفحة 47
47
أو لم يكن موجباً لبراءتهم من بعضهم بعضاً في ذلك في سريرة ولا علانية، فقد أبطلت قولك إنهم بمنزلة المتداعين يحتمل لكل فريق الصدق والكذب بقولك إنهم لم يبرءوا من بعضهم بعضاً [89] لأن هذا
أن يوجب
اختلافهم كان اختلاف رأى. والاختلاف بالرأى إنما يكون في صفة
متفق عليها فيجب ها هنا أن يكونوا اتفقوا على الصفة ولم يختلفوا
فلا يخلوا أن يكونوا، أعنى المشاهدين المختلفين في حكم الصفة
اتفقوا أن تقدمهما على الصلت كان قبل الشهرة التي وصفناها وفي كل واحد من هذين الوجهين فى للاحتمال وإبطال الدعوى لأنهم
،
إن كانوا اتفقوا جميعاً على أنهما تقدماً عليه التي ذكرناها فقد وجب تصويبهما والبراءة شاهراً ظاهراً ممن خطأها ولا معنى للاحتمال. وإن كانوا اتفقوا على أنهما تقدما عليه قبل الشهرة التي ذكرناها، فهو ما قلنا ولا احتمال في ذلك. وإن قلت إن اختلافهم كان موجباً لبراءتهم من بعضهم بعضا فلا محالة فيهم أيضا أحد أمرين، إما أن يكون موجباً
من
التجاهر بالبراءة من بعضهم بعضاً عند من لم يعلم بزوال إمامة الصلات من الرعية كجهرهم بالخلاف لهم. وإما أن يكونوا لم يتجاهروا بها وإنما كانت براءتهم من بعضهم بعضاً عند من علم بزوال إمامة الصلت. فإن قلت إن اختلافهم على هذه الصفة كان موجباً مجاهرتهم بالبراءة من غيرهم ممن علم بالتقدم من الرعية فهذا إقرار منك أن
بعضهم
بعضاً
عند
اختلافهم دين وهو اختلاف البدع لأن التجاهر بالبراءة من المختلفين (1/47)
صفحة 48
48
لا يكون إلا بين المختلفين في الدين. وإن قلت إن اختلافهم كان موجباً لبراءتهم من بعضهم بعضاً في السريرة دون العلانية. فقد وافقت على أن
تقدمهم عليه كان قبل الشهرة التي ذكرناها يستوى فيها الخاص والعام من رعيته لبرأ المصوبون لموسى وراشد شاهرا ظاهراً ممن خطاها وكانوا
المحقين فى حكم الظاهر ولما جاز أن يقدح فيهم الاحتمال في حكم
الظاهر، ولوجب بطلان الاحتجاج بتركه الفكير؛ لأن الشهرة إذا فاضت في الرعية فيما يوجب زوال إمامة الإمام، لم يسع الاحتجاج بتركه النكير؛ لأنه هو نو أفكر بعد التقديم عليه لكان باغيا حرباً للمسلمين بإجماع. فالقائل أن حكم التقدم على الصلت عند من لم يكن عالما بزوال إمامته من رعيته حكم الدعوى محتمل للحق والباطل، قد قطع بأن التقدم كان قبل الشهرة التي ذكرناها، وهو غير الموافقة لنا على صحة هذا الركن وسلامته. وأما ما يوجد عن محمد بن جعفر وولده الأزهر وأبى محمد الفضل بن الحوارى فلا [90] يخلو أن يكونوا أرادوا الشهرة العامة في المملكة أو الشهرة الخاصة. وإن كانوا أرادوا الشهرة
من
العامة التي ذكرناها فالحكم باحتمال الحدث عند الرعية قد خطأهما حيث لا يشعر من قبل أن حكمه في الحدث بالاحتمال موجب للقطع بأن
الخروج كان قبل ظهور ذلك وشهرته بما ذكرنا وهذا خلاف قولها. (1/48)
صفحة 49
-
وإن كانوا أرادوا الشهرة التي هي دون الشهرة التي قلناها فلا معنى المعارضتنا بها وإنا إنما رتبنا الركن على أن التقديم كان قبل الشهرة العامة لا الشهرة الخاصة. فهذا ما يغنى ذكره مما أجمع الطائفتان على صحته ولم يتنازعوا في شيء من صفته. وبالله التوفيق.
(4 ـ كتاب الاهتداء) (1/49)
صفحة 50
الباب السادس
باب صفة مقالة الطائفة النزوانية في حكم
ما اتفقوا على صفته من حدث .. :: موشى وراشد
وأما صفة اختلاف هاتين الطائفتين في حكم هذا الحدث على هذه الصفة فإنهم طائفتان: طائفة قالت إن حكم تقديم موسى لراشد على الصلت قبل ظهور ما به تزول إمامته في حكم الظاهر بالشهرة التي يستوى فيها الخاص والعام من رعيته حكم الدعوى محتمل للحق والباطل والخطأ والصواب، وهؤلاء هم النزوانية. وعلتهم في ذلك احتمال صدقهم فيما ادعوه على الصلت من التسليم للمسلمين والتبرؤ من الإمامة إليهم. قالوا فهو وإن لم تكن حجة على الصلت تلزمه قبولها فمعلوم أن صدقهما فيه ممكن. قالوا فإذا احتمل صدق ادعائهما بإجماع احتمل صواب فعلهما قالوا: لأنا لاندرى لعلهما لم يتقدما عليه إلا بعد علمهما بزوال إمامته
بما ادعوا عليه. وذلك أن إمامة الصلت ممكن زوالها ليس بإجماع، لأن الإمامة تزول بأحد عشرة أشياء، فمنها ما تزول به بإجماع ومنها
ما تزول به باختلاف. والذى ادعوه على الصلت من الضعف والتسليم
6 (1/50)
صفحة 51
-
من
للمسلمين، فقد قال بعض المسلمين إنهم إذا قبلوا ذلك منه جاز ذلك وزالت بذلك إمامته. قالوا فإذا ادعوا ذلك ولم يتفق على صحة نكير الصلت ولا من الإعلام عليهما في حين تقدمهما عليه احتمل تركهم للتكير، فإذا احتمل تركهم للتكير احتمل صوابهما. قالوا لأنهم متعبدون بالإنكار عليهما إذا علموا كذبهما وبنيهما على المسلمين. قالوا وقد قيل إنه كان قد ضعف وعجز عن القيام بالدولة ونكاية العدو حتى أخذت منه سقطرى (1). قالوا فإذا احتمل وأمكن زوال إمامة الصلت قبل تقديم راشد عليه ولم يصح بإجماع إظهاره [91] للنكير عليهما أمكن صحة إمامة راشد وما احتمل فيه الحق بوجه من الوجود فليس ببدعة بإجماع: وحجة أخرى أن موسى كان من أعلام المسلمين في ذلك العصر. قالوا: والأعلام بإجماع حمية على الإمام وحكام. فقد يوجد في سيرة هلال بن عطية الخراساني (2): «فلما رأى المسلمون ما نزل به عثمان من المعاصى، والمسلمون نظارون في كل زمان
قيل
عليه
من
شهوداً الله في الأرض»، قالوا وإنما ذلك لمن حضر منهم دون غاب. وقد ذكر هلال بن عطية أيضا في سيرته فقال: (وعن مشورة
جميع من شهد من المسلمين كان قبله». قالوا ونحو ذلك
يوجد
في
(1) سقطرى: جزيرة في جنوب عمان في بحر العرب وبالقرب من مدخل خليج عدن. (2) هلال بن عطية الخراساني: من علماء عمان الأباضية في أواخر القرن الأول الهجرى وأوائل الثاني الهجرى. وكان من بين العلماء الذين كان يستشيرهم إمام عمان، الجلندى
ابن مسعود. (1/51)
صفحة 52
-
سيرة سالم وفى سيرة عبد الله بن أباض رحمهما الله، ولا يشترطون في
سيرهم
أن المسلمين كانوا لا يرون القيام على الإمام بما يجب عليه إلا
بعد شهرة ما كانوا يفارقونه عليه في مملكته جميع
وجب
لا يبقى حتى
أحد
منهم تسمه ولايتة. قالوا فلما أن كان الأعلام شهودا على الإمام وحكاما علية وجب أن يكونوا مصدقين عليه كما أنه هو مصدق على الرعية. قالوا والإمام إذا لم تقم الحجة عليه فيما تزول إمامته بالعالمين لم تقم بأكثر كثر من ذلك. قالوا فلما أن كان بالعالمين تثبت الإمامة أن تكون بهما يثبت العزل إذا لم يستبدا (1) في ذلك برأيهما دون مشورة من حضر من المسلمين ولم تقم عليهما في وقت عزلهما له حجة تبطل حجتهما. قالوا وموسى وراشد لم يظهر منهما في تقدمهما على الصلت تكفير له يجب به خلعهما، وإنما ادعوا عليه دعوى إن كانوا صادقين فيها فهم محقون وإن كانوا كاذبين فهم مبطلون. وقد قيل إنهم وطئوا أثره، واستعملوا عماله (2)، ولم يخطئوه في الظاهر، ففى ذلك دليل على احتمال صدقهما في دعواها أنه سلم للمسلمين لما ضعف واعتزل عن الإمامة، إذ لم يصح منه ولا من الأعلام نكير مجتمع على صحته كما اجتمع على صحة تقدمهما. وقد قيل إنه وقد قيل إنه أنفذ إليهم الحكمة (2)
(1) كتب في المخطوط: «لم يستبرا». المخطوط
(2) استعملوا عماله: أى أبقوا على عمال وحكام الإمام الذى عزلوه.
(3) الكمة: الدرع والقلنسوة والبيضة. (1/52)
صفحة 53
والخاتم ومفاتيح السجن. قالوا فهذا يدل على تسليمه واعتزاله من الإمامة، ويقوى ما ادعوه عليه. ولم أذكر جميع حججهم اكتفاء با اتعمد (1) عليه منها عن جملتها .. ثم اختلف هؤلاء بعد إجماعهم على القول بالاحتمال لموسى وراشد فى تقدمهما على الصلت على هذه الصفة على
قولين، فوجدت عن محمد بن روح في بعض السير المنسوبة إليه يقول:
وأعلمك أنه ديح معى إمامة الصلت [92] وصح معى أن الصلت [92]
كان قد كبر سنه حتى كان يتكيء على قناة معروضة على أكف الرجال وأنه قد صح منى تقدم راشد على الصلت، والصلت حتى لم يمت ولم يصح معى أن الصلت تبرأ من الإمامة ولا عزله المسلمون يحق، ولا صح معى بنى راشد على الصلت، ومنزلة راشد فيما صح معى من تقدمه على الصلت إماماً فى حياته بمنزلة من رأيته يأكل في شهر رمضان نهاراً ولم يصح معى أنه مسافر ولا مقيم ولا ناس ولا متعود للأكل من غير عذر البراءة منه، وعلى من علم أنه أكل بعذر أن يتولاه إن كان يتولاه قبل ذلك. ووجدت عنه في سيرة أخرى يقول: وسأضرب لك أيها المنصوح مثالا تعرف فيه دعاوى أهل عمان في هذا الخبر في أمر الصلت بن مالك وراشد بن النظر دعاوى متكافئة لا يعلم فيها المدعى من المدعى عليه عند من لم يعرف من أمر الصلت بن مالك إلا كمعرفتنا نحن على ما قد وصفنا. والمثل الذى أضربه لك مثل امرأة كان لها زوج
(1) التعمد: الاعتماد، وتعمد الأمر: قصده. (1/53)
صفحة 54
دحيح
تزويجه بها في البلد ثم إنه صح مع أهل ذلك البلد أن زوجها.
أنه طالمقها، ثم جاء رجل ثقة من
المسلمين
هذا اعتزلها ولم يصح معهم فتزوج هذه المرأة سنة حتى حالت فقال من قائل: من تولى عقدة تزويج هذه المرأة بهذا الزوج الثانى إن زوجها الأول طلقها ولم يصح مع أهل البلد إنكار من الزوج الأول. لذلك، فهذا القول القول الأول. القول الثاني: وأما الشيخ أبو سعيد محمد بن سعيد فالذي وجدت عنه في غير موضع أن موسي في تقديمه لراشد بن النظر على الصلت قبل ظهور ما تزول به إمامته بالشهرة التي ذكرناها بمنزلة القائل تجوز فيه الولاية
والوقوف والبراءة
(1) وقف أبو سعيد محمد بن سعيد في مسألة عزل الصلت ولم يقول أحدا أو يبرأ من أحد (السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 153). (1/54)
صفحة 55
الباب السابع
باب بيان مقالة الطائفة الرستاقية في حدث.
حدث
موسي و راشد
وأما الطائفة الرستاقية الأخرى من المختلفين من أهل عمان في حكم
موسي
وراشد فقالوا: إن حكم تقديم موسى لراشد على الصلات
قبل ظهور السبب الموجب لزوال إمامته بالشهرة التي يستوى فيها الخاص والعام من رعيته، حكم البدع لا يحتمل الحق بوجه من الوجوه، وهؤلاء هم الرستاقية. وعلتهم في ذلك أن قالوا إن تقديمهما على الصلت قبل ظهور ما تزول به إمامته بالشهرة التي يستوى فيها الخاص والعام من رعيته محرم بالدين، ولو كانوا هم قد اطلعوا منه على ما تزول به إمامته وأن [93] عقد الإمامة والتسمى بها خارج مخرج الاستدلال في حكم الظاهر، وهما قد تكبا المحرم على الاستخلال وهذه صفة البدعة. فكل من قدم إماماً في مملكة إمام قبل أن يشهر في مملكته ما يوجب زوال إمامته عالمين أو أكثر فقد ركبوا المحرم وهم بغاة على الإمام، أظهر الإمام الفكير عليهم أو لم يظهره. قالوا، أو ليس ترك الإمام للفكير يوجب للباغين في دين الله الصواب، بل ذلك موجب لكفر الإمام إن وقع مع قدرته عليه يستقاب منه، فإن تاب وإلا برئ منه، وحاش للصلت
من (1/55)
صفحة 56
وهو إمام شارى - أن يخرج من إمامته ويتركها بغير مشورة المسلمين
فإن الموجود أن جواز التسليم من الإمام لإمامته أن يجمع إخوانه من
المسلمين ويستعفى إليهم ويكون ذلك شاهراً في مملكته. قالوا، وليس
تسليم
•
الصلت إليهم من غير شهرته في المملكة مبيحاً لهم العقد في حال
تدين الناس فيه بطاعة الصلت وإمامته
والحجة لهم على ذلك قول
النبي: «إذا ظهر إمامان فاضربوا عنق أحدهما (1)
قالوا: فراشد بن النظر هو المستحق لضرب المنق لأن الصلت إمام بإجماع في حكم الظاهر إلى أن عقد موسي لراشد. قالوا، فراشد هو المبيح من نفسة البراءة وضرب العنق. قالوا، وقول موضى وراشد إن الصلت سلم الأمر إلى المسلمين واعتزل عن الإمامة وإن خرج مخرج الدعوى واحتمل الصدق والكذب فإنه غير تقدمهما عليه، وتقدمهما عليه غير قولها إنه سلم واعتزل. فإنه إن احتمل صدق قولهما في التسليم فقير محتمل حق فعلهما في التقديم، فهما في قولهما إنه سلم الإمامة وتبرأ منها مدعيان، وفى تقدمهما عليه قبل صحة ذلك مبتدعان. قالوا، وتركه للتكير عليهما، وتسليمه الكمة والخاتم والمفاتيح، ولو صح
أنه
من
(1) رواه مسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدرى عن على والعباس معا (باب الإمارة)، وروى الحديث أيضا بلفظ: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما. . وفي سيرة الشيخ محمد بن محبوب إلى جماعة من أهل المغرب شرح واف لهذا الحديث (صفحة 581 - 582 من المخطوط). (1/56)
صفحة 57
مال الله، فإنه واقع بعد العقد، لم يعتد به ولم يتبع الاحتجاج به إذا كانت العقدة وقعت في حال لو عدم التسليم ووقع الإنكار لبطلت. فإن العقد للإمامة لا يوقع. وقوفا على التسليم والإتمام كغيره من المقود،
ولا يجوز إيقاعه إلا حجة على مخالفه ومنكره. فهذا بعض ما احتج به
هؤلاء على صحة قولهم. والله الموفق للصواب
• (1/57)
صفحة 58
-
الباب الثامن.
باب بيان مقالة الطائفة النزوانية فى اختلاف الشاهدين في حدث موسى وراشد
مشاهدى عصر
وأما اختلاف هؤلاء الطائفتين من أهل عمان وحكم اختلاف مشاهدى [94] الحدث فإن الطائفة النزوانية يقولون إن حكم اختلاف الحدث فيه وفي محدثيه حكم اختلاف الدعاوى، يحتمل لكل فريق منهم على الانفراد الصدق والكذب والحق والباطل، قالوا فهم بمنزلة المقداعين. والعلة لهم في ذلك أن قالوا إنا وجدنا كل فريق منهم يدعى صفة جائزة في دين الله أن لو اجتمع عليها، لأن فريقاً منهم قال إنهم خرجوا باغين على الصلت مغتصبين للإمامة منه وأنهم عقدوا في حال ثبوت الإمامة للصلت، وفريقاً منهم قالوا إنهم خرجوا محتسبين الله والمسلمين وأنهم لم يعتدوا إلا بعد اعتزال الصلت من الإمامة وتبرئه منها من المسلمين. قالوا، ولو أجمع المشاهدون جميعا على صحة التسليم من الصلت للإمامة إلى المسلمين وقبولهم ذلك منه وعقدهم بعد صحة ذلك، لكان إجماعهم حجة وموجباً لصحة إمامة راشد. ولو أجمعوا على خطأ موسى وراشد وكذبهما فيما ادعوه على الصات وأجمعوا على صحة إظهار الصلت أو الإعلام للفكير عليهما، لكان إجماعهم حجة موجباً لخطأ موسى وراشد. قالوا، والبدعة فلو أجمع الناس على تصويبهما لما كان (1/58)
صفحة 59
إجماعهم حجة ولكانوا كلهم مبطلين مبتدعين. قالوا فلما وجدناهم قد اختلفوا واحتمل صدق كل فريق منهم وكذب الآخر، علمنا أنهم متداعون، ولذلك لم يجز لنا تصديق أحدهما وتصويبه، وتخطئة الآخر وتكذيبه إلا بعلم. وكيف لنا بالوصول إلى علم ذلك ونحن لا نصل إلى ذلك إلا بمشاهدته أو النقل عن الحاضرين له الذين شاهدوه إذا اتفقوا على ذلك، فنحن لم نشاهده والمشاهدون له لم يتفقوا على صفته. قالوا: فإذا اختلف المشاهدون فكيف نصل نحن إلى المييز بينهم في الخطأ
علم
والصواب؟! (1/59)
صفحة 60
الباب التاسع
باب مقالة الطائفة الرستاقية في اختلاف
المشاهدين في حدث موسى وراشد
وأما الطائفة الرستاقية قالوا: أما اختلاف المشاهدين للحدث وأنه على ضربين، أحدها اختلافهم فيما تزول به إمامة الصلت، وأحدهما اختلافهم فى حكم تندم موسى لراشد وولايتهما عليه والبراة منهما عليه. فأما اختلاف مشاهدى الحدث في قول فريق منهم أن الصلت تبرأ من الإمامة واعتزل عنها، وإنكار غيرهم لذلك، فهذا الاختلاف بيننا فيه أنه دعاوى، و لدعاوى ليس بحجة ولا مقبولة على الصات لأن الإمام إذا ثبتت إمامته بإجماع لم تزل إلا بإجماع. وإنما الخلاف بيننا في الاختلاف وهو ولاية فريق منهم لموسى وراشد وتصويبهما [95] وخروجهما
الثاني
عليه قبل ظهور ما ادعوا عليه بالشهرة التي يستوى فيها الخاص والعام من رعيته. وبراءة فريق منهم منهما وتخطئتهم لهما على ذلك فهذا حكمه
حكم اختلاف البدع لا يحتمل الحق بوجه من الوجوه، والحق
من هؤلاء هم المتبرثون من موسى وراشد المحظور لهما والفريق المبطل هم المتولون لهما على خروجهما على الصلت وتقدمهما عليه قبل أن يشهر في رعيته (1/60)
صفحة 61
ما يوجب زوال إمامته بشهرة تقوم بها الحجة لهما على كل من خالفهما
قاطعة لمذره في حكم الظاهر.
وذلك أن المتولى للمبتدع على بدعته مبتدع، لأن من تولى المبتدع فقد صوبه وصوّب بدعته. ومن برأ من المبتدع على بدعته فقد خطاه وخطأ بدعته، فالمصوب للبدعة والمخطّى للبدعة فلا خلاف أنهما مختلفان بالدين لا الدعاوى، والاختلاف الدين هو اختلاف البدع. فهذا ما وجدنا أهل عصرنا من أهل عمان متواطئين على صحته من صفة حدث موسى
وراشد، وما عرفناه من اختلافهم في حكمه وحكم المختلفين فيه الذين شاهدوه، فافهمه وتبينه وانظر فيه نظر مشفق إن شاء الله (1/61)
صفحة 62
-
الباب العاشر
باب بيان المعنى الذي يرجع إليه اختلاف هاتين الطائفتين
فهذا الاختلاف الواقع بين هاتين الطائفتين راجع بأسره عند من أبصر أحكام الاختلاف إلى مسألتين. الأولى: أن كل من علم من الأعلام
ما تزول به إمامة الإمام بوجه من الوجوه من العالمين فصاعداً يجوز له التقديم لغيره عليه ولو لم يظهر السبب الموجب لزوال إمامة الإمام بالشهرة التي يستوى فيها الخاص والعام من أهل مملكته، أم لا يجوز ذلك وهو حرام بالدين حتى يظهر ذلك بالشهرة التي ذكرناها. الثانية: أن التسمى بالإمامة في حكم الظاهر يدل على التدين به والاستحلال له، أو لا يدل على ذلك إلا بعد الاستحلال بالسان. فهاتان المسألقان هما مدار هذا التنازع هذا الاختلاف الواقع بين الطائفتين بأضره لا غيرهما، وبصحة
يرجع
وإليهما حكم هانين المسألتين يعرف حكم حدث موسى وراشد على ما وصفنا على أنه بدعة أو دعوى أو غير ذلك: وحكم اختلاف المشاهدين له أنه بالدين أو بالدعاوى، وبه يعرف المحق من المبطل من هاتين الطائفتين، لأن هاتين الطائفتين متفقون على صفة البدعة التي لا تحتمل الحق بوجه من الوجوه (1/62)
صفحة 63
ومتفقون على صفة الدعوى [96] الحملة للحق والباطل في حكم الظاهر ليس بينهم فى ذلك اختلاف ولا تنازع. وإنما الاختلاف بينهم في أن حدث موسى وراشد على الصفة التي ذكرناها خارجة مخرج دفة البدعة التي اتفقوا عليها أو صفة الدعوى. والطائفة الرستاقية حكمت بأن الحدث على الصفة التي عليها اتفاق الطائفتين خارجة مخرج الصفة الموجبة للبدعة. وأبت الطائفة النزوانية ذلك لأن دفة البدعة باتفاق الطائفتين جميعاً في الاستحلال للحرام بالدين أو التحريم للحلال بالدين، فكذلك اتفقوا على أن ركوب المحرم على الاستحلال له بالدين بدعة. فإذا اتفق الطائفتان على أن هذه الصفات صفات البدع، واتفقوا على أن قدم راشداً موسي على الصلت على الصفة التي قدمنا ذكرها لم يبق إلا أن حدثهم وتقدمهم على الصلت على تلك الصفة، حلال جائز أو حرام لا يجوز. وإن كان لا يجوز فهذا يدل بنفسه على الاستحلال أم لا. لأن هاتين الطائفتين لو اتفقوا على أن خروج موسى وراشد على الصفة التي قد اتفقوا عليها حرام بإجماع، وأن العقد للإمامة والتسمى بها يدل على الاستحلال، لما انساغ لأحد الطائفتين أن يقول إن الحدث بمنزلة الدعوى محتمل للحق والباطل ولا جاز له ولاية موسى وراشد على ذلك ولا ولاية من تولاها على ذلك. وكذلك لو اتفق هاتان الطائفتان على ذلك التقدم على تلك الصفة التي اتفقوا عليها جائز حلال وعلى أنه ليس على الإمام ولا الرعية في حكم الظاهر إلا بعد ترك النكير من الإمام أو الأعلام عليها، لما أمكن (1/63)
صفحة 64
-
لأحد
من الطائفتين أن يقول إنه بدعة، ولا أن يبرأ ممن تولى الخارجين على ذلك. وربما ظن ظان من ضعفاء المسلمين أن الاختلاف بين المشاهدين إنما وقع لأجل علم بعضهم بتبرؤ الصلت واعتزاله من الإمامة، وجهل الآخرين بذلك، وليس الأمر كذلك. وإنما وقع الاختلاف لأجل أنهم تقدموا على الصلت قبل ظهور ذلك وقبل شهرته في المملكة يستوى فيها الخاص والعام من الرعية، وهذا الاختلاف في حكم الحدث لا في صفته. فإن قال قائل: أليس قد قال بعض المشاهدين إن الصلت تبرأ من الإمامة واعتزل عنها، وأنكر غيرهم ذلك، وهذا باتفاق اختلاف دعاوي، [97] واختلاف الدعاوى واقع في الصفات. قيل له: إن أهل عمان لم يتنازعوا في اختلاف المختلفين من هذه الجهة، وإنما تنازعوا واختلفوا في التقديم على الصلت قبل شهرة زوال إمامته في مملكته، أنه كان صواباً أو خطأ، لأن القائلين بأن الصلت تبرأ من الإمامة وسلم لو لم يتقدموا عليه ولا صوّبوا المتقدمين عليه، وإنما قالوا إن الصلت تبرأ واعتزل من الإمامة، لما قال أحد إنهم مخطئون، ولما أمكن أحدا ممن لم يشاهدهم
أن
يصوب من خطنهم على ذلك. وإنما وقع التنازع فيهم من أجل ولايتهم
للعاقدين وتصويبهم لهم على ذلك (1/64)
صفحة 65
الباب الحادي عشر
باب بيان أصول صحيحة مجتمع عليها عند الطائفتين
اتفق الطائفتان جميعاً على أن الإمام واجب على رعيته الدينونة الله
بطاعته ما كان ثابت الإمامة عندهم بإجماع
مسألة
واتفقوا على طاعته في حكم الظاهر ما كان ثابت الإمامة في حكم
الظاهر واجبة بإجماع
•
مسألة
وانفقوا على أن الخارج من طاعته في حال ثبوت إمامته في حكم الظاهر عليه خارج بإجماع ولو كان الإمام في سريرته كافراً فاسقا زائل
الإمامة
مسألة
واتفقوا على صحة قول النبي الله: (إذا ظهر إمامان فاضربوا
عنق أحدها».
واتفقوا أنه المبطل منهما إذا كان أحدهما محقاً
(ه - الاهتداء) (1/65)
صفحة 66
مسألة
قال أبو الحسن، وقد سُئل عن الوالى، هل له أن يتولى لهذا الإمام
الذي قد
علم
حدثه الذى كفر به، أو يتولى له شيئاً من الجباية؟! قال:
لا. قلت: فإن أخذه بذلك؟! قال: ليس له أن يمتنع، ولكن يجبى
الزكاة ثم يسلمها إلى ثقة ويقول: هذه من الزكاة واجعلها في أهلها
•
قلت: فهل يصلى الجمعة معه قصراً؟! قال: لا، وذلك في غير الأمصار قلت له: فإن كان رجل من الرعية قد علم بحدثه هذا، هل له أن يسلم إلى هذا الإمام أو إلى عماله زكاة ماله؟! وهل يبرأ إن فعل ذلك؟! قال: ليس له أن يسلم زكاته إلا أن يجبره على ذلك، فإن أجبره على ذلك وحمله لم يكن له أن يمتنع من أدائها إليه في ظاهر الأمر فيكون حرباً للمسلمين ولكن يسلمها ويضمنها. قلت [99] فكيف يحتال في
ذلك؟! قال:
يسلم
زكاته إلى من يثق به ويقول له: هذه زكاتي اجعلها
في أهلها. فهذا ما لا فيه اختلافا تعلم
بين هاتين الطائفتين. فمن ادعى أن
هذا في غير الأعلام وإن الأعلام مسوغ لهم ذلك فعليه الدليل. (1/66)
صفحة 67
الباب الثاني عشر
باب بيان السبب الموجب لثبوت الامامة
أما السبب الموجب لثبوت إمامة الإمام، وهو حكم حجة الله في أرضه، ورثة أنبيائه الذين جعلهم الله حكاماً على عباده عند عدم أنبيائه،، وهم جماعة أهل العدل من أعلام المسلمين الشاهر لهم ما صاروا به حجة على من سواهم وعلى بعضهم بعضا من العلم والعدل والاستقامة والفضل، بإجماعهم على تفويض مشترك أدائهم إلى واحد منهم شارى أو غير شارى يختارونه قويا عدلا. وفى قولنا واحد منهم يختارونه قوما
عدلا اقتصار على بيان صفته، فيقدمونه للقيام بما كان الله فيقدمونه للقيام بما كان الله موجبه لهم وعليهم قبل إجماعهم هذا من مصالح الإسلام وأهله إماما لهم ولكافة المسلمين على شرط الطاعة لله ولرسوله محمد لالا. وهذا الإجماع لا يقع إلا مقترنا بهذا الشرط وربما قرن به غيره معه إلا أن هذا عام وغيره خاص، فذلك الشرط فى هذا الإجماع معتقد مفهوم، وميثاق فيه معلوم، فهو كالمنطوق به وإن لم يذكر بموجبه، وأما غيره من الشروط
فحتى يذكر
فما كان شرطا في هذا الإجماع، فإنه بمزايلته ينتقض هذا الإجماع ممن تقوم به الحجة من هؤلاء الذين ذكرناهم على هذه الصفة بعقد أو (1/67)
صفحة 68
تصويب، أو ما يدل على التصويب وهو ترك الفكير الذي لا يكون حجة للمدعى إلا فيما يكون فيه إقرار المدعى عليه، وإنكاره عليه حجة .. فقد ثبتت الإمامة على من اتصلت به قدرتها ووجب تصويبها على كل من بلفقه حجتها لخروج هذا الإجماع من هؤلاء الموصوفين مخرج الحكم الجائز للحاكم به، اللازم للمحكوم عليه، وقد استحق هذا الإمام بانفراده درجة مقدميه في جميع الأحكام دونهم لإخراجهم أنفسهم منها، وجعلهم إياه فيها بإذن الله تعالى لهم بذلك. ولو كان المقدم في السريرة كافرا فاسقا لم يظهر ذلك عليه [99] ولا نعلم في ذلك اختلافا. وهذا الإجماع إنما لزم وثبت وصح وصار حجة على الناس، وخرج مخرج الحكم، وهو من هؤلاء الذين وصفناهم، لأنهم هم الحكام. الحكام، ولا حاكم في المصبر غيرهم. ولهذه الملة لا يصح منهم مثل هذا الإجماع ولا يجوز ولا يثبت ما كان في المصر حاكم عليهم غيرهم، لأنهم ليسوا حكاما في المصر مع إمام في المصر على الإطلاق إلا بإذنه، ولا نعلم في ذلك اختلافا. وسيأتي بيان هذه المسألة في موضع آخر من الكتاب
إن شاء الله
عز وجل (1/68)
صفحة 69
الباب الثالث عشر
باب بيان السبب الموجب لزوال إمامة الامام
وأما السبب الموجب لزوال إمامة الإمام فإنه ينقسم على ثلاثة
أحد
أقسام: قسم فى الحوادث المتولدة من الإمام الذي ينقض بها شروط الإمامة. وقسم فى الحوادث المتولدة في الإمام التي تتغير بها إحدى صفات الأئمة، وحد هذين القسمين كل حدث صار به الإمام إلى حال لو وجد فيه قبل تقديمه لمنع منه. والقسم الثالث في إجماع مقدميه على عزله وتقديم غيره من غير حدث منه ولا حدث فيه نظراً للأصلح
وقصدا إليه
فالقسم الأول على ثلاثة أضرب، ضرب يرتفع به الشرط الذي قلنا إن ذلك الإجماع لا يقع إلا مقترناً به يرتفع بارتفاعه وهو الطاعة:
:
وهذا الضرب هو الإصرار على المعصية وذلك نقض للشرط صريح
وضرب ترتفع به العدالة التي اختير لأجلها، وهو التهمة التي يتولد من تواتر الأحداث المكفرة ونقض التوبة عنها. وضرب يلجئ ضرورة
الامامة منه إلى خلع
الذين
وهو الحدث الموجب للحد الذي لا تقيمه إلا الأمة
هم غيره، وهذه البينة مزيلة للإمامة بإجماع (1/69)
صفحة 70
والقسم الثانى على ضربين: ضرب يرتفع بحدوثه عن الإمام جميع
التكليف وهو الجنون، وهذا بإجماع. وضرب تزول بحدوثه عن الإمام بعض التكليف لعدم قدرته عليه ضرورة، وهو ذهاب السمع أصلا الذي يعجز معه ضرورة عن سماع حجج الخصوم وما أشبه ذلك، وذهاب البصر أصلا الذى لا يهتدى لأجله ضرورة إلى معرفة الظالم من المظلوم، وذهاب الكلام الذي لا يقدر معه على عبادة ما كان [100] متعبداً به من الأمر والنهى المفهوم وهذا عندى أوحش (1) هذه الثلاث: العاهات. والزمانة (2) الحائلة بينه وبين القيام بأحد ما كلف به من فروض
الإمامة، والضعف المقصر به عن النهضة بما لا عذر للأئمة في تركه وهذان المعنيان عندى راجعان إلى معنى واحد، وهذه الخمسة الأسباب مختلف في إزالتها للإمامة. وهذا القسمان فى الإمام الشارى وغير الشارى
والله أعلم
والقسم الثالث: فهو إجماع مقدميه أو مَنْ هو في منزلتهم على عزله من الإمامة وتقديم غيره نظرا للأصلح من غير حدث منه هو ينقض به أحد شروط الإمامة، أو حدث فيه يعجز معه عن القيام لما فوض إليه من فروض الإمامة. فهذا القسم بإجماع الطائفتين جميعا
(1) أوحش: هنا معناها (أرذل».
(2) الزمانة: العاهة: تعطيل أو عدم بعض الأعضاء
(3) قارن أيضا فيما يختص بالشروط المعتبرة فى الإمام أو الخليفة: الماوردى: الأحكام
السلطانية. (1/70)
صفحة 71
-
لا يزيل إمامة الشارى بإجماع، إلا أن يجامعهم هو على ذلك ويسعفهم
على
إليه أو يطلبه منهم فيسمفوه إليه ويقبلوه منه. فمتى أجمعوا هم وهو ذلك كان في إزالته لإمامة الشرى قولان، أحدهما أنه جائز وهو مزيل
للإمامة بشروط وجود الأصلح، والآخر أنه لا يجوز فلا تزول
به الإمامة.
وأما إمامة غير الشارى فإن وقعت مقيدة بشرط منطوق به غير الشرط الذي هو قاعدة الإجماع وكان مقيداً بوقت أو معنى أو نظر المسلمين، كقولهم إلى أن تضع الحرب أوزارها كفعل أهل النهر رحمهم الله، فعند الطائفتين جميعا أن إجماع مقدميه أو مَنْ هو في منزلتهم على عزله. تى وقع مزيل لإمامته، وإن كانت إمامة غير الشاري مطلقة فهى ما كانت معراة من ذكر الشرى إمامة دفاع. وفى زوالها بإجماع
عندهم
مقدمية على عزله بغير حدث منه ولا حدث فيه على ما وصفنا قولان:
أحدهما أن ذلك جائز مع شرط الأصلح ووجود الأفضل. وبذلك يجب والآخر أنه لا يجوز وأنه لا تزول إمامته إلا بحدث منه
زوالها
•
أو حدث فيه على ما وصفنا.
•
وأما إجماع الأعلام على عزل الإمام الشارى من غير أن يكون
من حدث ينتقض به أحد شروط الإمامة، ولا حدث فيه يعجز
معه
عن القيام بفروض الإمامة، ومن غير رضى منه، فلا أعلمه جائزاً (1/71)
صفحة 72
-
"
في قول أحد من أهل القبلة (1) من الموافقين ولا من المخالفين، فإن فعلوا ذلك فهم حرب للإمام بغاة عليه ولو أجمع الأعلام جميعاً على ذلك ما قبل منهم. فإن قال قائل: إنهم إذا اجتمعوا على حربه، كانوا حجةً عليه لقول النبي ل الله: «أمتى لا تجتمع على ضلال» فمتى اجتمعوا وجب تقليدهم وكان إجماعهم [101] حجة. قيل له: وأى إجماع يوجد في محاربة الأعلام للإمام بغير حجة تظهر عليه وهو إمام الأمة. فالأمة ها هنا الإمام حيث لم تقم عليه حجة تجب بها محاربته
وهل يكون
اختلاف في الأمة أعظم من هذا) ذلك ظن الذين كفروا فويل
ما لا أعلم
أنه يوجد في آثار المسلمين
للذين كفروا من النار) (2). وهذا ما لا الصحيحة المشهورة. وأما الآثار الحديثة فلا يلتفت إليها إلا ما كانت موافقة لآثار المسلمين وفقنا الله وجميع المسلمين لما يحب ويرضى. والعجب ممن يوافق على أن الأعلام إذا قدموا الإمام ثم ادعوا بعد ذلك أنهم قدموه وهو غير مستحق للتقديم، وأنهم تائبون إلى الله من تقديمه وعزلوه على ذلك، لم يقبل منهم ذلك ولو كانوا صادقين في مراثوهم، لأن تلك الإمامة قد ثبتت على الرعية ولهم بها أحكام وولايات وتدين، فهم مدعون نقض ما قد ثبت من أحكامها والتدين بها بلا حجة تثبت
لهم مما تزول بها الإمامة
(1) أهل القبلة: يعنى المسلمين
(2) سورة ص: آية 27. (1/72)
صفحة 73
-
كيف يسوغ له التصويب لهم إذا اجتمعوا على محاربته من غير
2
شيء يحتجون به؟ أم كيف يمكنه أن يجعله هو المخطئ في محاربته
وهو ولى الطاعة في حكم الظاهر ما لم يصح عليه ما تزول به إمامته، فلا يمكن أحدا أن يخطئ الإمام في حكم الظاهر ويصو بهم إلا وهو قائل بأن إمامته وطاعته ترتفع بإجماعهم على عزله بغير حجة حدث تزول به الإمامة. فإن قال، إذا أجمعوا على محاربته احتمل لهم أن يكونوا علموا منه ما تزول به إمامته ولم يحاربوه إلا على ذلك، لا على
إجماعهم على ذلك بغير حدث، قيل له هذه الملة موجودة في الاثنين فإن كانت العملة احتمال الحق لهم فى السريرة فهذه العلة موجودة في الاثنين ويجب على هذا تصويب العالمين، ولو حارب باقي الأعلام مع الإمام
لاحتمال الحق لهما. وإن كانت الملة الإجماع فالإجماع بذاته ها هنا
من
الأعلام دون الإمام، فقد قلنا إنه لا تزول به الإمامة بغير حدث.
ثم أعجب من هذا من يوافق أن الأعلام إذا أجمعوا على محاربة الإمام
بغير حجة عليه في الظاهر كانوا مبطلين باغين على الإمام، كيف يمكنه أن يقول أن بعض الأعلام إذا حاربوا الإمام وعزلوه. ولم ينكر باقى
الأعلام عليهم
كان تركهم للتفكير حجة لهم على الإمام؟ فهل تعرفون
معشر المسلمين أعجب من هاتين المسألتين؟! (1/73)
صفحة 74
-
مسألة
واعلموا أن للإمام فى زوال إمامته بإحدى هذه الأسباب أربعة أحوال .. الأولى تزول فيها [102] إمامته وولايته وتجب البراءة منه ويحل قتله، وهو أن تزول إمامته بأحد هذه الأسباب بإجماع فيمتنع عن الاعتزال، فإما معه تزول بالسبب الموجب لزوالها بزوال ولايته ووجوب البراءة منه، وجواز قتله وجب بامتناعه عن الاعتزال بعد وجوبه لا بنفس ما به زوال إمامته
وهو
•
الثانية: تزول فيها إماميه وولايته وتجب البراءة منه ولا يحل قتله، أن يحدث حدثاً مكفراً فيستقاب فلا يتوب، ويعزل فيعتزل عن الإمامة
فهنالك تزول إمامته وتزول ولايته وتجب البراءة منه ولا يحل قتله لأن قتله لا يحل إلا بامتناعه عن الاعتزال ومحاربته على ذلك، ولكن يحبس حتى يتوب من إصراره
الثالثة: تزول فيها إمامته وولايته ولا تجوز البراءة منه ولا يحل قتله وذلك أن تتواتر منه الأحداث المكفرة فتتهمه الأعلام في زلوه فيمتزل فهنالك تزول إمامته وولايته بالتهمة المتولدة من الأحداث المكفرة؛ لأن الإمام لا يكون تهيماً. والذى عرفت أن التهمة التي تزول بها الإمامة هي التهمة في الدين، وكذلك الولاية إنما هى اصطفاء فالوالى إنما يكون مصطفى لا يكون متهما ولا تحل البراءة منه إذا تاب ولم يصر والله أعلم. (1/74)
صفحة 75
Vo
الرابعة: تزول فيها إمارته وتثبت فيها ولا يقه ولا تحل البراءة منه
ولا يحل قتله، وهو أن يجن أو أو يعمى أو يخرس أو يزمن أو
يسم
يضعف أو يسلم الإمامة إلى المسلمين فيقبلوها منه، فهذا ما لا يجب بشيء منه ترك ولاية ولا جواز براءة ولا قتل والله أعلم. (1/75)
صفحة 76
760
الباب الرابع عشر
باب بيان منازل الامام فيما يجب له وعليه من الأحكام
وأما منازل الإمام التى لا انفكاك له أبداً في حال من الحال من منزلة منها عند رعيته فهى ثلاث منازل لا يعدوهن إلى منزلة أخرى غير من المنزلة الأولى: تجب له فيها الطاعة بإجماع على الرعية في السريرة والعلانية، وهي أن تثبت له الإمامة بالسبب الموجب لثبوتها، ثم لا يصح عليه أحد الأسباب الموجب لزوالها فى سر ولا علانية، وإن كان وقوع ذلك ممكناً في
علم
الله غير قادح مكانه في فرض الطاعة اللازمة للإمام
حتى يصح ذلك عليه في سريرة أو علانية.
المنزلة الثانية: تجب له فيها الطاعة على الرعية في أحكام العلانية بإجماع، وتسقط عنهم فى أحكام السريرة، وهى أن يصح عليه في السريرة
،
وبعد ثبوت إمامته، بالسبب الموجب لزوالها، وإن كان ظهور ذلك السبب الواقع ممكناً فإن إمكان ظهوره في العلانية أيضاً غير قادح في فرض
طاعة الإمام في [103] حكم الظاهر إلا بعد صحته في حكم الظاهر
المنزلة الثالثة: يسقط فيها عن الرعية طاعة في أحكام السريرة والعلانية بإجماع وهى أن يصيح عليه في حكم الظاهر بالشهرة التي يشترك (1/76)
صفحة 77
vy.
--
فيها الخاص والعام من رعيته بعد صحة إمامته بالسبب الموجب لزوالها
بإجماع، فعند ذلك تزول إمامته في الحالين وتسقط طاعته في الوجهين
مسألة
فهاتان الطائفتان جميعاً متفقون على أنه ما كان الإمام في المنزلة الأولى فالتقديم لغيره عليه حرام بإجماع. ومتفقون على أنه متى صار إلى المنزلة الثالثة التي تسقط فيها طاعته على الرعية في السريرة والعلانية أن تقديم غيره عليه جائز بإجماع وأنه لا يقبل منه ها هنا إنكاره ولا إنكار من الأعلام بإجماع ولو اجتمعوا جميعاً على ذلك. وإنما تجوز البراءة من العاقدين عليه بعد هذه المنزلة لأجل تقدمهم عليه بإجماع وإن من برى. منهم على ذلك برئ منه بإجماع.
أحد
وأما ما كان الإمام فى المنزلة الوسطى التي خرج إليها من المنزلة الأولى ولم يخرج منها إلى المنزلة الثالثة فهى التي قلنا إن اختلاف هاتين الطائفتين راجع إلى حكم الخروج عليه فيها مع اتفاقهم على إنجاب طاعته في حكم الظاهر وجواز محاربتهم وقتلهم على ذلك، وإن على الناس كافة نصرته عليهم، وإن جميع الحقوق الثابتة الأئمة على الرعية ثابتة على جميعهم من الأعلام والعوام عنده ما لم يعلم كلامهم، ولا نعلم في ذلك
اختلافاً. فهذه منازل الإمام التي نعرفها والله أعلم وبه التوفيق (1/77)
صفحة 78
الباب الخامس عشر
باب بيان حكم المسألتين اللتين قلنا إنها يرجع إليهما اختلاف هاتين الطائفتين
أما حكم المسألة الأولى وهى أن كل من علم من الأعلام بزوال إمامة الإمام من العالمين فصاعداً يجوز له التقديم لغيره عليه ولو لم يظهر السبب الموجب لزوال إمامته في حكم الظاهر بالشهرة المستفيضة في المملكة التي يستوى فيها الخاص والعام من رعيته، أو لا يجوز ذلك وهو حرام بالدين حتى يشهر في رعيه كما وصفنا.
فالصحيح الذى لا شك فيه وما يدل الإجماع عليه أن ذلك لا يجوز ولا يسع وهو محجور حرام بالدين حتى يظهر السبب الموجب لزوال إمامة الإمام بالشهرة التي وصفنا.
حكم المسألة الثانية: وأما نفس عقد الإمامة والتسمى بها يدل على التدين والاستحلال ولو لم يظهر ذلك باللسان. وسنوضح الدليل على ذلك من طريقين، أحدهما من مشهور الآثار وصحيح وصحيح السير والأخبار. والأخرى [104] من الأصول المجتمع عليها والأحكام التي لا اختلاف بين هاتين الطائفتين فيها. فإنا إذا استشهدنا بالآثار المعروفة المشهورة، والسير الظاهرة المأثورة (1/78)
صفحة 79
-
والأحكام القوية الصحيحة، والأصول الواضحة الصريحة كفينا مؤنة المتصدى للمناقضة، المتشوف رصداً للمعارضة بعون الله وتأييده ونصره ومنه وفضله
وستره إن شاء الله. (1/79)
صفحة 80
الباب السَّادِسُ عشر
باب بيان الآثار الشاهرة على تحريم التقديم لامام على إمام قبل الشهرة
فمن الآثار المفسرة فى تحريم التقديم لإمام على إمام قبل أن تزول إمامته في حكم الظاهر بالشهرة التي يستوى فيها الخاص والعام من رعيته ما وجدناه عن زياد بن مثوبة عن هاشم الخراساني، أن الإمام لا يترك إمامته حتى يظهر حدثه، وأن المسلمين لم يستحلوا الخروج على عثمان وعلى إلا بعد ظهور أحداثهما. وأما إذا لم يشهد حدث الإمام وإنما ظهر على ذلك خاصة من رعيته دون العامة منهم، لم تكن لتلك الخاصة أن تخرج عليه ما لم تعلم العامة من حدثه كعلم الخاصة منه، ثم يكونون يدا واحدة. ولكن على مَنْ حدثه علم من الخاصة أن يبرأ كل واحد
منهم في خاصة نفسه ولا يظهر ذلك إلى أحد من رعيته، فإن أظهر
البراءة منه والخروج عليه، ذلك ومع
قوم مسلمون مستحلون لولايته
معهم
دائنون بإثبات إمامته إذا لم يعلموا منه ما تزول به إمامته، كان في الحق الواجب والفرض عليهم أن يحكموا على كل من خرج على
إمامهم باسم البغى والبراءة منه، ويستحلون دماءهم بخروجهم على إمامهم قبل ظهور كفره وتحريم ولايته، وإقامة الحجة على من علم كفره (1/80)
صفحة 81
81
-
مع علومهم منهم. فانظروا إلى هذا الأثر فإنه أوضح شاهد لنا على ذلك
وهذا ما لا يدفعه إلا مكابر أو متأول بغلط
فإن هذا
مسألة
ومن ذلك ما وجدناه في كتاب أبى عبد الله محمد بن محبوب (1) رحمه الله إلى أهل حضرموت: «وقد بلغنا أنكم تذكرون، أو من ذكر منكم عزل هذا الإمام وإقامة إمام غيره، فاتقوا الله ثم اتقوا الله كبير إن عزلتم إمام عدل على غير حدث. وقد أعطيتموه عهودكم وبيعتكم وميثاقكم على أن تطيعوه ما أطاع الله ورسوله، فهذا عهد لا يحل لكم أن تحلوه إلا بحدث يكفر به الإمام ويحل به دمه ويستتاب فيصر على حدثه ولا يتوب»
جور
فانظر إلى قول أبي عبد الله أن ذلك العقد [105] يعنى عقد الإمامة
أقوى
لا يحل لهم أن يحلوه إلا بحدث يكفر به وبحل به دمه. فإن من دليل على أن الإمام لا يحل عزلة إلا بعد شهرة حدثه المزيل لإمامته، كان ذلك الحدث موجباً لكفره أو غير موجب الكفره. لأن قوله، لا يحل إلا بحدث يكفر به ويحل دمه مع الإجماع على جواز عزله بركوب
(1) محمد بن محبوب: من علماء وفقهاء عمان الأجلاء في القرن الثالث الهجرى. وكان ممن بايع للإمام الصلت بن مالك الخروصي سنة 237 هـ (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1
(126 - 123
(6 - كتاب الاهتداء) (1/81)
صفحة 82
-
الحدث وتحريم دمه، يدل على أنه إنما أراد به إن امتنع عن الاعتزال بعد السبب الموجب لزوال إمامته، لا أنه لا يحل عزله إلا بحدث موجب لتحليل دمه بنفس الحدث ولو اعتزل. وهذا ما لا يجوز إضافيه إلى إمام المسلمين، للإجماع الصحيح الذى لا شك فيه أن بإصراره على الصغير يحل
الاعتزال
عزله بإجماع، ولا يجوز بذلك قتله إذا اعتزل. وإن من خالف الإجماع برأى أو بدين، فهو مخالف للإجماع. وإنما يحل قبله إن امتنع عن الاعتزال وتمسك بإمامته. فالمعنى المهل لدم الإمام هو امتناعه عن بعد الحدث الموجب لعزله لا الحدث نفسه. والإمام فلا يحل دمه إن امتنع عن الاعتزال عن الإمامة، ولا يحل لأحد من الأعلام محاربته إلا حتى يشهر في مملكته ما يوجب زوال إمامته، وحتى تجوز محاربة كل من حارب معه من الأعلام. وذلك موجود فى سيرة أبي عبد الله محمد ابن روح إلى المنصوح أن قال: «والذي نعرفه من آثار المسلمين أنه لا يحل إظهار البراءة من إمام فى الدار حتى تحل محاربته، ولا تحل محاربته حتى يظهر فى الدار كفره ويشهر ويجب على المسلمين مفارقته
«
فانظروا إلى قول ابن روح أن محاربة الإمام لا تحل حتى يظهر كفره في الدار ويشهر، ويجب على المسلمين مفارقته. ولو كان معنى قول
(1) هو أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي. وكان من العلماء الذين وقفوا عن مسالة
عزل الإمام الصلت بن مالك. (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 153). (1/82)
صفحة 83
أبي عبد الله محمد بن محبوب على ظاهره أنه لا يحل عزله إلا بما يحل به دمه، لكان لا يحل عزل الإمام إلا بارتداد عن الإيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس تعمداً ظلماً وعدواناً، فإن دم المسلم لا يحل بإجماع إلا بهذه الثلاث الخصال. فإن قال أليس الأثر الشاهر أن البراءة وحد السيف معاً، وإن ذلك خاص في الإمام، فما أنكرت أن يكون الإمام يحل دمه بنفس كفره المزيل لإمامته؟! قلنا إن الموجود عن الشيخ أبي محمد رحمه الله في كتاب الضياء أن معنى هذا القول أنه جرى فيما تقدم مناظرة في بعض الأئمة؛ فقال البراءة من الأئمة وحد السيف معاً، وهذا مخصوص به الأئمة [106] دون غيرهم، لأن الإمام إذا لزمه البراءة ولم يتب مما فعل ولم يعتزل عن الإمامة حورب وقوتل وقتل وعلى هذا معنى القول لا ما ذهب إليه من جهل التأويل فهذا عن الشيخ أبي محمد رحمه الله.
مسألة
ومن ذلك ما وجدناه عن أبي المؤثر فى سيرة تنسب إليه، أن الإمام إذا اجتمع المسلمون عليه وبايعوه على الشراء لم تزل إمامته إلا بحدث يكفر به ويحل به دمه ويصير عليه من بعد أن يستتاب فلا يتوب، وليكن حدثه ذلك شاهراً فى الدار والدعوة حتى لا يحل للمسلمين أن يتولوا من تولاه، أو تحل به عامة من ذهاب سمعه أو بصره أو لسانه
أو عقله
• (1/83)
صفحة 84
- ^
-
وإن الصلت معروف من بعد ما عزلوه بصحة العقل والبصر والسمع واللسان، يشهد بذلك العدول الثقاة. فانظروا في قول أبي المؤثر هذا فإنه مشاكل لقول أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله ثم فيه البيان أن ذلك يكون شاهراً في الدار والدعوة فإذا لم يجز عزل الإمام
•
إلا بحدث يحل به دمه، بمعنى أنه لا يحل به عزله إلا بحدث يحل به دمه إن امتنع بعده عن الاعتزال فسواء كان ذلك حدثاً منه يکفر به،
أو حدث فيه لا يوجب كفره على ما تقدم تفسيرنا له ذهاب من
أو بصر أو لسان أو عقل، فمن ادعى غير ذلك فعليه إقامة الدليل
سمع
•
فإن الإمام لا يحل قتله إن امتنع عن الاعتزال إلا إذا كان الحدث
:
الموجب لزوال إمامعه شاهراً في رعيته والله أعلم وبه التوفيق
مسألة
وعنه في كتاب البيان والبرهان: «فكان من سنة المسلمين إذا أحدثت الأئمة انتهاك شيء من الكبائر مستحلين لها، دائنين أو محرمين لها، استنتابهم المسلمون منها فإن تابوا قبلوا توبتهم وأثبتوا إمامتهم ما لم يصيبوا حدا يقيمه عليهم إمامهم. وإن أبى الأئمة إلا تماديا في غيهم ومضيئا على كفرهم وشهر ذلك في مصر هم (1) وقامت الحجة على الرعية
بكفر إمامها وصارت الدار دار کفر، فإن كان المسلمون
معهم
(1) مصرهم: تعنى دارهم، أو بلدهم، أو المدينة التي يقيمون فيها. (1/84)
صفحة 85
-
هم الأكثرين، سألوه الاعتزال والترك لإمامته. فإن فعل قبلوا منه أمرهم، وإن أبى أن ينخلع من الإمامة حاربوه وقتلوه، وقد مضت
:
بذلك سنة المسلمين في عثمان. وإن كان وإن كان المسلمون هم الأقلين قدموا
.
لأنفسهم إماما وحاربوه وقد جرت بذلك سنة المسلمين في على.» فانظر فى قول أبي المؤثر: إن ذلك كان من سنة المسلمين. والسنة هي ما اجتمع
هي
عليه، فهذا يدل على أنه إجماع. وانظر إلى قوله إن تاب قبلوا توبته وأثبتوا [107] إمامته، وإن أبى سألوه الاعتزال عن الإمامة، فإن اعتزل قبلوا إمامتهم ولم يقل إنهم يقتلونه وقال: «وإن أبى أن ينخلع من الإمامة حاربوه وقتلوه»، فهذا يدل على أنه يحارب ويقتل على الامتناع من الاعتزال بعد وجوبه، لا على ما زالت به إمامته وإذا ثبت أنه لا يجوز عزله إلا حتى يحل دمه، أي إن امتنع عن الاعتزال ثبت وصح أنه لا يجوز عزله حتى يشهر السبب الموجب لزوال إمامته، لأن قتله إن امتنع عن الاعتزال لا يجوز بإجماع إلا بعد شهرة ما يوجب زوال إماميه في الرعية، شهرة يستوى فيها الخاص والعام. وفى هذا دلالة عَلَى أن لا معنى. لترك النكير منه ولا من الأعلام عَلَى العازلين له إذا عزلوه قبل الشهرة التي ذكرناها، لأن عزلهم له على ذلك حدث مكفر لهم في حكم الظاهر. لالمكير منه ولا من الاعلام على العازلين له إذا عزلوه.
وكذلك لا معنى بعد شهرة حدثه الموجب لزوال إمامته شهرة يستوى فيها الخاص والعام
من رعيته، وفى هذا بطلان للاحتمال في حكم عزل الأنمة والله (1/85)
صفحة 86
رحمهم
مسألة
ومن ذلك ما وجدناه عن أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب الله في سيرة الحكم في الحدث. وهو ان قال إنه لا يحل تقديم المملكة إلا بأخذ وجوه ثلاثة:
إمام على إمام صحيح المقدة وهو مقيم إما أن يحل بجسمه عجز موهن عن أحد فروض الإمامة، أو مواقعة
حد لا يقوم به الإمامة، أو إصابة ذنب يمتنع به عن التوبة شاهرا جميع ذلك في الرعية. ومن قال بفسخ الإمامة وأجاز التقديم عليها بغير ما ذكرنا دون ما وصفناه، كان مدعيا لذلك على المسلمين التقدم الإجماع
على حظره.
فانظروا إلى قول أبي المنذر فإنه مصرح بما قلنا من تحريم التقديم لإمام على إمام قبل شهرة السبب الموجب لزوال إمامته، وان ذلك بإجماع كان مكفرا له أو غير مكفر لأن العلة المائمة من ذلك هي وجوب الدينونة بإمامته وطاعته على الرعية ولا يجوز خلعه إلا بعد الحجة عليهم في سقوط إمامته، لأنهم في حال التعبد بالدينونة بإمامته وطاعته متعبدون بالبراءة ممن خامه أو خرج عليه وترك الدينونة بإمامته وطاعته
محرم عليهم حتى يعلموا ما يزيلها
والعقد عليه لا يزيل إمامته بإجماع بنفس العقد، بل بترك النكير
على العاقدين عليه مع [108] القدرة والله أعلم. (1/86)
صفحة 87
-
- AV.
---
مسألة
ومن ذلك ما وجدناه عن الشيخ أبي قحطان رحمه الله في سيرته: ان الذي وجدنا في آثار المسلمين ان الإمام إذا بايعه المسلمون على
طاعة الله لم يحل لهم عزله إلا بحدث يكفر به ويظهر به كفره في
داره ودعوته
مسألة
ومن ذلك ما وجدناه عن الشيخ أبى محمد رحمه الله: «وليس المسلمين أن يعزلوا الإمام الشارى إلا بحد يصيبه فلابد أن يقيمه عليه إمام غيره، أو بذنب مكفر يسمونه بعينه شاهراً في البلد الذي هو فيه عامة المسلمين يحتجون به عليه، فإذا أصر ولم يتب حل عزله ومحاربته وقتله إن قاتلهم، كما فعل المسلمون بعثمان سموا بأحداثه شاهراً وتنادوا بها في وجهه قبل محاربته.» فانظروا إلى هذا الأثر المؤيد لما قلنا، وانظر كيف قال إن لهم قتله إن قاتلهم، فإن فيه دليلا على أن القتل للإمام إنما يحل بنفس الامتناع والمحاربة، لا نفس الحدث المزيل الإمامة. فإن قال قائل: فقد قال الشيخ شاهراً في البلد الذى هو فيه، وأنتم تقولون حتى يشهر ذلك مصره ه شهرة يستوى فيها الخاص والعام، قلنا له في قوله إن ليس لهم أن يمزلوه إلا بعد شهرة ذلك فى البلد، دليل على بطلان الاحتمال في عقد الإمامة من حيث ان الإمامة ما يقع مقطوعاً بصحتها فليس للمتسمى بها الجبر عليها. وهذا الشيخ يقول إنه إذا لم يقب حل عزله ومحاربته وقتله
في (1/87)
صفحة 88
-
-
إن قاتلهم. فلم يجز عزله والخروج عليه إلا حيث يحل عزله ومحاربته إن قاتل وامتنع عن الاعتزال، فهو بين أن لا يجوز العقد عليه ولا يقبل منه الإنكار لا غير ذلك والله أعلم. كيف وهذا الشيخ قد قال شاهراً في البلد الذي هو فيه، أى يملكه وتجرى فيه أحكامه، فيأتى الافظ على جميع المملكة فالشهرة مشروطة على كل حال. وفى ذلك خلاف للمجيز عزل الأئمة قبل الشهرة والله أعلم.
مسألة
ومن ذلك ما وجدناه عن الشيخ أبى الحسن رحمه الله في سيرته المعروفة بسيرة السؤال. ألا ترى أن بعض الشكاك فى الصلت ممن يعذر عن راشد لا تحل البراءة من إمام قدمه المسلمون حتى يحل دمه ولا يستحل دم الإمام
حتى يستحل دم من حارب همه ولا يحل الخروج عليه حتى يشهر كفره فالصلت بالإجماع قدمه المسلمون، وبالإجماع [109] لم يظهر كفره ولا تحل البراءة منه ولا الخروج عليه بالإجماع، فقد دل بذلك حواب الصلت بالاتفاق في الدار من أهل الخلاف والوفاق. فانظر إلى قول هذا الشيخ فإن الذى عندنا أنه لم يقل إن بعض الشكاك قال الا وهو عنده قول المسلمين احتجاجاً عليهم إذ هو مناف لشكهم، كأنه قال، إن الواجب عليهم إذا وافقوا على هذا أن يقطعوا بالحكم ويدعوا الشك لأن المسلمين. لا يحتجون على مخالفيهم إلا بما يوافقونهم على صحته والله أعلم. فهذا الأثر وجدناه عن أبى عبد الله محمد بن روح في سيرته إلى المنصوح «ولا يحل (1/88)
صفحة 89
-
-
دم الإمام حتى يستحل دم من حارب معه». وتأويل هذا لا يحل إظهار البراءة من إمام حتى يحل الخروج عليه حتى يشهر كفره في الدار. وهذا أثر قد عمل به المسلمون فيما خلا ومضى، وليس للخلف منا ومنكم أن تخالف آثار السلف الصالح من المسلمين، فهذا كله قول محمد بن روح.
مسألة
(1)
ومن هذه السيرة قيل هذا الفصل، ألا ترى أن مهنى بن جيفر كان واجباً على المسلمين أنه ان يقاتلوا بأسيافهم بين يدى المهنيء ولو حاربه محمد بن محبوب وغيره ممن قد روى عليهم ما قد روى وحكي عنهم. ما حكى!! قال غيره، يوجد أن محمد بن محبوب رحمه الله وبشيراً (2) ولعل: غيرهما كانوا يبرون على ما قيل من المهنى فى السريرة ويتولون أولياءهم
المقولين له، فالله أعلم. رجع: ولو حارب محمد بن محبوب رحمه الله
علم
المهنئ
محمد
على ذلك لكفر محمد بن محبوب رحمه الله لمحاربته للمهنئ. ونو ابن محبوب أن المرضئ قد كفر حتى يظهر محمد بن محبوب كفر المهنئ في الدار ويشهره، أو يصح في الدار كفر المهنئ بالشهرة فى الدار بأن محمد
(1) كانت إمامة المهنا بن جيفر بين سنتي 226 ـ 237 ه (انظر: السالمي: تحفة
ص
(117 - 118
الأعيان ج (2) قال أبو الحوارى: «وقد كان محمد بن محبوب، وبشير بن المنذر، ومن قال بقولهم يبرءون من الإمام المهنا فيما بلغنا حتى مات» (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 121) وقيل إن بعد موت الإمام المهنا بن جيفر (226 - 237 ه) تكام بعض المسلمين فيه بشيء يكره فقيل إن محمد بن محبوب تجهم في وجه ذلك الرجل وأسمعه كلاما وزجره عن ذلك. (السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 115). (1/89)
صفحة 90
ابن محبوب قد أصبح على المهنئ أنه قد كان منه حدث مكفر ببينة عدل تشهد على المهنئ بحضرته يسمع شهادتهم ثلاثة من أعلام أهل الدعوة أو أكثر، وتشهد تلك الأعلام حدثهم قد صح معهم حدثه هذا المكفر، فإذا شهر ذلك في الدار، عمد الاعلام إليه فاستتابوه فإن تاب وإلا حاربوه. قال غيره، هذا هو الذى أردناه وهو قول المسلمين، وقد وجدناه على
هذه
الصفة عن غير محمد بن روح، إلا انا اخترنا رفعه عن هذا الفقيه حجة على من أجاز الخروج على الأئمة قبل شهرة أحداثهم وإبطالا لإدخال الاحتمال في الخروج على [110] الأنمة في حكم الظاهر وأنه إذا لم يجز الخروج على الإمام إلا بعد شهرة حدثه فى الدار، فكيف يحتمل الحق لمن قد صح خروجه على الصلت قبل شهرة حدثه في الدار؟! فكيف يرجع فعله على هذه الصفة حقاً وطاعة وحجة على الناس لترك الفكير عليه، وهو إنما من الخطأ في حكم الظاهر شهرة الحدث الموجب لزوال إمامة الإمام لا ترك المسكير، وترك النكير بإجماع لا يكون حجة إلا فيما يجوز فعله في الظاهر لمن كان صادقاً فى السريرة. فإن قال قائل إن هذا في الحدث المكفر دون غيره من الأحداث المزيلة للإمامة من غير وجوب البراءة منه. قيل له، لو كان ذلك كذلك لما جاز أن يقول إنه يستتاب، فإن تاب وإلا حاربوه لأن كفره لا يوجب محاربته، وإنما يوجب محاربته عن الاعتزال، بعد استحقاقه العزل، عن الاعتزال، وجب أن يكون
يبرته
امتناعه
بما استحق العزل من كفره أو علة ثم امتنع عن الاعتزال تجب محاربته. (1/90)
صفحة 91
كيف وامتناعه عن الاعتزال بعد استحقاقه بكفر أو غير كفر هو الكفر بعينه؟! وعلى هذه الصفة حارب المسلمون عثمان بن عفان لما أن استحق العزل عندهم بالتهمة التي لا توجب براءة منه بعد توبته فامتنع عن الاعتزال، حورب على امتناعه عن الاعتزال، لا على إحداثه ولا على تهمته التي استحق بها العزل، لأنه لو اعتزل لما جاز محاربته ولا قتله ولا جازت البراءة بعد التوبة بإجماع. وإن كانت التوبة غير نافعة له في حاله تلك في أمر الإمامة، فإنها مانعة للبراءة منه بإجماع، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة
ومن ذلك ما وجدناه عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر في سيرته أن قال: «اعلم أن الذى شهر معنا ولا نشك فيه أن الصلت بن مالك كان إماما المسلمين بعمان لا اختلاف بينهم في أصل إمامته، والذي أدين لله تعالى به أن الإمام إذا صحت إمامته بعقد لا يرتاب أهل مصره في صحة إمامته صحة يقوم بها الحجة على من يحضر البيعة. وكان كل من امتنع من طاعته كافرا مما تجب فيه الطاعة للأئمة على الرعية. فكل من بغى عليه وحاربه [111] أو عزله من إمامته وقدم إماما عليه غيره وهو متمسك [111] بإمامته غير متبرى، منها لغير حدث يكفر به مما شهر فى مصره، أو تقوم عليه بيئة بحدثه بعد أن يستتاب على حدثه فيصر على حدثه ولا يتوب، أو يحدث حدثاً يجب عليه فيه إقامة حد يخرجه من الإمامة ولو تاب ولم يصر، أو عامة تنزل به، فلا يجوز له التمسك بالإمامة، ولا للمسلمين أن (1/91)
صفحة 92
92
يثبتوه إماماً على ما نزل به من العامة. وكل من بغى عليه كافراً بخروجه. عليه، ومحاربته الإمام المسلمين خلال الدم، يحارب. ويتقل حتى يرجع عن
بنيه الذي أراد ويقئ إلى الحق. وأنا أعدك أنه قد شهر معنى وصح
موشي بن موسي قد بنى على الصلت بن مالك وقدم عليه راشد بن
قد
أن
النظر
عليه
والصلت بن مالك إمام للمسلمين وهم: متمسكون بإمامته، ولم يقم موسى بن موسى بينة فيصح مع المسلمين كفر الصلت فيستتاب من ... ذلك ويصر على حدثه ولا يتوب .. ولا نزلت به آفة فيحل عزلة بها، فهذا الذي شهر عندى وصح معى وأدين الله به.» قال غيره: أنظر في قوله إنه صبح معه وشهر عنده بنى موسى وراشد على الصلت، هل تسوغ ولايته وهو الحدث خارج مخرج الدعوى محتمل للحق والباطل لأن الشهرة عنده تصح والأخبار بزعمه مختلفة لا يجوز تصديق شيء منها تكذيب الآخر. وهذا من أعجب ما تعلقوا به وذلك أنهم يقولون إن الشهرة التي صح بها صفة حدث موسى وراشد تدل على بنيهم على الصلت ويبرءون ممن دان بإجماع فيه بعد الاختلاف الواقع بين مشاهديه، ويقولون ذلك أبا محمد عبد الله بن محمد (1) هذا!! وانظر في قوله إن الذي ندين الله به إلى قوله بغير
مع
حدث يكفر مما يشهر فى مصره، فإنه قد دل على أن ذلك بالدين لا بالرأى
وأنه لا يجوز عزل الإمام إلا بعد الشهرة.
(1) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر. (1/92)
صفحة 93
مسألة
ومن ذلك ما وجدناه عن الشيخ أبي سعيد محمد بن سعيد: وإذا كان الحكم على هذا وتظاهرت الأخبار ولم يصح في الدار
بالشهرة ما تثبت به حجة الخارجين فهذا موضع ما يجوز فيه البراءة
أن خروجهم كان حقا، لأنهم لم يكن لهم من الخارجين حتى يصح وإن كانوا عند أنفسهم قد قامت لهم الحجة فيما دخلوا فيه من أمر ما دخلوا فيه، لم يكن لهم أن يظهروا في الدار خروجا على إمام المسلمين [112] يعزل ولا بقتل إلا بعد ما ظهر لهم صواب ما خرجوا فيه على إمام المسلمين ويظهر حجة ما أرادوه، فمتى دخلوا في أمر محجور فقد أباحوا من أنفسهم البراءة في حكم الظاهر». أنظر في قول الشيخ أبي سعيد فإنه موافق على أن لا يجوز للأعلام غزل الإمام إلا بعد أن يظهر لهم صواب ما خرجوا فيه، وانهم إن خرجوا قبل ذلك فقد أباحوا من أنفسهم البراءة. وإذا وافق على ذلك كان في ادعائه أنه بالرأى مدع عليه إقامة الدليل. فإن اعتل بالقاتل، قلنا: أنت قد توافقنا على أن لا يجوز غزل الإمام إلا بعد ظهور الحجة عليه، ونحن لم نوافقك على أن لا يجوز قتله إن بغى على قاتله إلا بعد ظهور ذلك، فإن هذا ما قال به أحد من المسلمين في القاتل والله أعلم.
" (1/93)
صفحة 94
المنحى
مسألة
ذلك ما وجدناه في جواب القاضي أبي بكر أحمد بن عمر ومن: «والذى عرفت أنه لا يجوز عزل الإمام العالمين ولا بأكثر
(1)
من ذلك إلا بكفر يشهر منه في مملكته، أو يصير في حال العجز عن الأحكام وإقامة الحدود ونكاية العدو، ويشهر منه ذلك أيضاً في مملكته». قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم السمدى: يحتمل أن يكون معنى هذا القول هو أن يشهر ذلك في جميع مملكته حتى لا يبقى منها موضع وهذا يحسن عندى عند الأمن من (3) وقوع باطل، وإذا خيف فوت شيء
!
من العدل، وقوع شيء من الباطل لم يحسن عندى أن يترك ما أمر الله من القيام بالقسط عند فوق هذا الفاسق حتى يشهر فسته في جميع مملكته، ولا أن يكون هذا القول إجماءاً ودينا لا تجوز مخالفته. ويحتمل أن يكون معناه أن يشهر ذلك في الموضع الذي هو مملكته ولو لم يشهر ذلك في جميعها كما يقول القائل: دخلت عمان واليمن ومصر، وهو إنما دخل موضعاً منها فأطلق اسم الدخول على الكل. قال القاضي أبو بكر: الشهرة إنما تكون حجة على من بلغته ولا نعلم أن أحداً قال إنها تكون حجة على من لم تبلغه. الدليل على ذلك. ومن ذلك نرجو أنه
(1) توفى القاضي أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحى سنة 552 هـ (الظر: السالمي: تحفة الأعيان ج ص 274). ومنح: إحدى قرى عمان في المنطقة الداخلية.
(2) من: زيادة من عندنا حتى تستقيم العبارة. (1/94)
صفحة 95
عن أبي عبد الله محمد بن عيسى في ردّ منه على أبي عبد الله محمد بن إبراهيم في الكلام الذى ردّ فيه على جواب القاضى أبى بكر المنحى، أن الموجود فى الآثار الشاهرة أنه إذا لم يشهر حدث الإمام في الدار شهرة يستوى
فيها الخاص والعام أنه لا يجوز عزله، ولا يكون العازلون له حجة وكيف يكون [113] حجة فى عزل الإمام من عزله على وجه يكون مخطئاً في عزله به بإجماع؟! وقد جاء فى الأثر المشهور الذى لاشك فيه ولا ارتياب أن الإمام إذا أحدث حدثاً مكفرًا علم به من علم فاستتابوه
العلماء
منه فامتنع الإمام من التوبة وأصر على المعصية، لم يكن لأحد من الذين علموا منه ذلك أن يعزلوه حتى يشهر منه ذلك في الدار شهرة
يستوى فيها الخاص والعام .. وكذلك إذا علموا. وكذلك إذا علموا منه ضعفا وعجز عن في ذلك اختلافاً، وإنما: الاختلاف
تعلم
القيام بقروض الإمامة، ولا في جواز عزله بالضعف. ولا نعلم أحدا أجاز عزله بالضعف ولا بالحدث المكفر إلا حتى يشهر حدثه وضعفه فى الدار شهرة يستوى فيها الخاص والعام. فإذا تعارض الأثر والنظر، كان الحكم للأثر وسقط اعتبار النظر.
وإذا وقع على شيء لم يكن لمن جاء من بعدهم أن يقولوا بقياس
(1)
(1) القياس: هو حال معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنهما. أو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت. وأركان القياس أربعة: (1) أصل (ب) حكم (ج) فرع (د) وصف
جامع لهما (1/95)
صفحة 96
ولا استحسان) لم يكن قياسه ولا استحسانه مزيلا لما يثبت من حكم الإجماع. وقد جاءت الآثار الشاهرة والأخبار المتواترة في عزل الأئمة أنه لا يكون إلا بإجماع فى قول الأباضية ومن قال بقولهم ولا يدفع ذلك إلا مكابر إلا ما شاء الله. وأما أهل الخلاف فإنهم لا يجيزون عزل الأئمة جارت أو عدلت فمن قال إن عزل الأئمة يجوز
•
بغير إجماع فأخاف أن يكون قد خرج من جميع أقاويل أهل القبلة
الأباضية وغيرهم
من
انظروا معاشر المسلمين إلى هذه المسائل المأثورة والأصول المشهورة التي لا يقدر دافع يدفعها إلا مكابر لقتله. واعلموا أنا ما وجدنا في أثر مفسر جواز عزل الأئمة قبل الشهرة التي وصفناها عن أحد من المسلمين، فمن وجد ذلك مفسراً عن أحد من أئمة المسلمين فليرفعه إلينا وإلا فلا حجة علينا إلا المكابرة والبهتان. وسيأتي بيان ذلك من الإجماع إن شاء الله وبالله التوفيق.
(1) الاستحسان: ترك القياس، والأخذ بما هو أرفق للناس. ويرد الاستحسان كثيرا في كلام فقهاء الحنفية وجعلوه دليلا شرعيا يعارض دليلا مثله ويرجح عليه. وخالفهم الإمام الشافعي، وعدد من الأصوليين، وعلماء الكلام، وعدوا الاستحسان من الأدلة التي لا يصح الاعتماد عليها في استنباط الأحكام. (1/96)
صفحة 97
-
الباب السابع عشر
باب بيان الدليل والاجماع على تحريم التقديم لامام على إمام قبل شهرة السبب الموجب لزوال إمامته
ذلك ما وجدنا هاتين الطائفتين متفقتين على الدينونة الله به، فهو أن تقديم إمام على إمام في حال ثبوت إمامته حرام بالدين، فمعلوم أن لا معنى لقولهم في حال ثبوت إمامته إلا في حال ثبوتها في حكم الظاهر عند رعيته لا أحكام السرائر، إذ الدليل قائم من الإجماع الذى لا دافع له إن الله تعالى إنما تعبد عباده بأحكام الظاهر ولم يتعبدهم بأحكام السرائر. فإذا ثبت بالإجماع تحريم التقديم لإمام على إمام في
حال ثبوت إمامته فى حكم الظاهر وثبت [114] أن إمامة الإمام في
مع
حكم الظاهر ثابتة بإجماع إلا بشهر السبب الموجب لزوالها، فتد أن التقديم قبل شهرة السبب الموجب الزوال إمامته حرام بالدين، لأنه متى جاز التقديم لغيره عليه للعالمين فصاعدا إذا علموا بزوال إمامته ولو لم يشهر ذلك، انتقض هذا الأصل ولم تجز الدينونة به إلا على معنى ثبوتها في أحكام الشرائر. والقائل بهذا خارج من أقاويل الأمة جميعا إلا من
شاء الله.
(7 ـ كتاب الاهتداء) (1/97)
صفحة 98
إنما
مسألة
فإن قال قائل: أتفكر أن يكون معنى الإجماع على تحريم التقديم في حال ثبوتها عند المقدمين عليه، بمعنى أنهم محجور عليهم
دو
التقديم عليه في حال ثبوت إمامته عندهم، فإذا علموا بالسبب الموجب لزوالها جاز لهم العقد عليه للإجماع على أنهم متى علموا بالسبب الموجب لزوال إمامته فقد زالت إمامته عندهم فإذا عقدوا الآن فلم يعقدوا عليه
في حال ثبوت إمامته
بإجماع
فالجواب: أن لا خلاف في أن لزوال الإمامة عند المقدمين حالين: حال تكون فيه زائلة عنهم في السريرة دون العلانية. وحال تكون فيه زائلة في السريرة والعلانية وفي حكم الظاهر. فإن أراد ما أنكر أن يكون الإجماع على تحريم التقديم إنما هو في حال زوالها عندهم في حكم السرائر، فإنها إذا زالت في حكم السرائر جاز التقديم، فهذا قد قلنا إنه ينقض الأصل المدان به. وإن أراد ما أنكر أن يكون الإجماع على تحريم التقديم إنما هو وقع في حال ثبوتها الذي هو عندهم في حكم الظاهر فلست منكراً ذلك بل به أقول الذي وهو أردت، وذلك يوجب تحريم التقديم على الإمام قبل شهرة السبب الموجب لزوال الإمامة، إذ محال أن تزول إمامة الإمام في حكم الظاهر مع عدم شهرة السبب الموجب لزوالها. فإن علمهم بالسبب الموجب لزوال الإمامة معلوم أنه قد تقع ضريرة وقد تقع علانية، فإذا وقع سريرة فإمامة الإمام
" (1/98)
صفحة 99
-
السرائر.
الظاهر ثابتة بإجماع لا يبطلها في حكم الظاهر بطلانها في حكم وإذا كانت تامة فى حكم الظاهر فالعاقد الإمامته ثابتة في حكم
الظاهر بإجماع عاقد عليه في حال ثبوت إمامته بإجماع، راكب للمحرم ياجماع ولا تبرئه من الخطأ عليه بزوالها في حكم السرائر
فإن قال قائل: ما تفكر أن يكون علم الأعلام بزوال الإمامة دون الرعية موجب لزوالها فى حكم الظاهر لأنهم هم الحجة للإمام وعليه؟! قيل له أنكرنا من قبل، أن الإمام إذا زالت إمامته في حكم الظاهر بالشهرة حرم [115] على الرعية طاعته وكفروا بالتمسك، أنكر الأعلام عليه أو لم يفكروا، ثم لو صوبوه على تلك الحال لما كانوا حجة وكانوا تبعاً له خونة لله وللمسلمين. ونحن وأنتم متفقون على أن الرعية سالمة بالتمسك بإمامة الإمام والدينونة الله بطاعته ولو علم جميع الأعلام بزوال إمامته ما لم يظهروا ذلك عليه ويشهروه إلى الرعية، أو يعلموا أن الرعية قد اطلعوا عليه. فلو كان علم الأعلام بزوال إمامة الإمام موجباً لزوالها في حكم الظاهر قبل أن يشهروه ويظهروه للرعية، لوجب أن يكون بعلم الأعلام بزوال إمامته يحكم على الرعية بالخطأ والكفر في التمسك بإماميه والدينونة بطاعته، ولجاز محاربته إن امتنع عن الاعتزال أو أنكر على المقدمين عليه وحارب على ذلك. فإذا بطل هذا وصح أن علم الأعلام بزوال إمامة الإمام لا يوجب زوالها في حكم الظاهر إلا بعد أن يظهروه ويشهروه إلى الرعية، أو يعلموا أنهم قد شهر ذلك (1/99)
صفحة 100
فيهم، صح أنهم إذا قدموا عليه غيره قبل أن يشهروا ذلك أو يعلموا بشهرته فقد قدموا عليه عند أنفسهم في حال ثبوت إمامته عندهم
في حكم الظاهر
•
مسألة
ذلك
ومن ذلك ما وجدنا الطائفتين مجمعين على الدينونة الله به من وجوب طاعة الإمام فى حكم الظاهر وتحريم الخروج منها في حكم الظاهر ولو كان كافراً في السرائر. وذلك أنهم أجمعوا على إنكاره على الخارجين عليه، موجب لكفرهم، حجة عليهم في حكم الظاهر، وتبطل حجتهم ويلزمهم الرجوع عن ذلك والتوبة منه وإلا كانوا حرباً له وكان على المسلمين نصرته ومحاربتهم معه. فإن قال قال قائل إنما يجب محاربة الخارجين على الإمام المحاربين إذا كان عنده أحد من الأعلام، واما ترك الاعلام لا شكير فلا حجة له والحجة عليهم قائمة بترك الاعلام للنكير عليه. قيل له أرأيت إن كان الأعلام جميعاً غائبين عن الإمام إلا هؤلاء الخارجين عليه، ماذا يجب على الرعية؟! نصرة إمامهم أو خذلانه؟! فإن قال، نصرته، فقد رجع عن قوله إنه لا حجة للإمام بنفسه على الخارجين عليه إلا بمجامعة أحد احتجاجه بذلك، ولزمه القول بأن الإمام بنفسه حجة ما لم تزل إمامته
بنفسه مع
من الأعلام له
وبطال
في حكم الظاهر بأحد الأسباب الموجبة لزوال إمامته
•
وإن قال يجب (1/100)
صفحة 101
-
على الرعية خذلان الإمام ومحاربته فقد أتى بخلاف ما عليه الأباضية [119] وغيرهم من أهل القبلة إلا من شاء الله. وإن قال ليس لهم نصرته ولا خذلانه أتى بما لا يقبله العقل والشرع وكفينا مؤنته
والله أعلم.
مسألة
وإذا صح بإجماع وجوب طاعة الإمام في حكم الظاهر على الرعية ولو كان كافراً في حكم السرائر، كأن يقول في أن التقديم عليه خروج من طاعته وخلع له في حكم الظاهر أم لا، ولا أعلم بين الطائفتين إختلافاً أن تقديم غيره عليه خلع له وخروج من مفترض طاعته يقول النبي: إذا ظهر إمامان فاضربوا عنق أحدهما»: فإجماع هاتين الطائفتين إجماع على تحريم اجتماع إمامين وأن لا تقديم إمام إلا بعد خلع إمامة من قبله. فإذا صح وثبت أن تقديم غيره عليه خلع وخروج من طاعته في حكم
الظاهر، بطل الاحتمال للمقدمين عليه قبل شهرة للسبب المزيل الإمامعه
•
لأنه كيف يستقيم في حكم المسلمين أن يجوز خلع الإمام والتقديم عليه في حال تجب طاعته فيها في حكم الظاهر ويجب تسليم الزكاة إليه في حكم الظاهر، ويكون المتنع من ذلك في حكم الظاهر عاصيا الله، مبيحا للبراءة من نفسه، محاربا للإمام والمسلمين إن حارب على ذلك. فإما أن يجوز الامتناع من طاعته في حكم الظاهر كما يجوز الخروج عليه، ويحتمل فيهما جميع الحق والباطل، وإما أن لا يجوز الخروج عليه ولا التقديم لغيره كما (1/101)
صفحة 102
- jor -
لا يجوز الخروج من طاعته ولا الامتناع من أداء الزكاة إليه ولا يحتمل الحق في ذلك كما لا يحتمل الحق في هذا، فهذا ما لا ينساغ خلافه،
والله أعلم.
مسألة
ومن الدليل على تحريم التقديم لإمام على إمام قبل شهرة السبب لزوال إمامته أن التقديم من الأعلام للإمام خارج مخرج الحكم منهم
بذلك على الرعية بالجبر. والحكم بالجبر لا يجوز ولا
يلزم الرعية قبول حكمه، ولا
يسع إلا من حاكم
ولا أحداً منهم الامتناع يسمهم
عنه
والأعلام، الذين هم جماعة المسلمين، لا يصح جماعة المسلمين، لا يصح أن يكونوا حكاماً على الناس
ما صحت إمامة الإمام فى حكم الظاهر. وإنما يكون جماعة المسلمين أئمة العدل في حكم الظاهر. وإلا فإن صح أن
حكاما على الفاس
مع عدم
جماعة المسلمين حكام على الناس في حال ثبوت إمامة الإمام في حكم الظاهر [117] ويلزم الرعية طاعتهم في جميع ما حكموا به عليهم مما يحتمل
حقهم فيه، كما
من
•
يجب عليهم ذلك للإمام. فلا يخلو الإمام إذا أن يكون تحت أيديهم أو يكونوا هم من تحت يده. فإن قيل إن الإمام من تحت أيديهم لأنهم هم الذين قدموه، وجب أن لا يحكم بحكم ولا يحبر الرعية على جهاد ولا قبض صدقة إلا حتى يجعلوا له ذلك، ثم للرعية تسليم
(1) كتب في المخطوطة «يكونوا». (1/102)
صفحة 103
-
زكاتهم إلى جماعة المسلمين، لا إليه، إلا بإذنهم. ثم عليه أن يسلم زكاته إليهم إن وجبت عليه، ثم لا يكون الحاكم بينه وبين أحد من الرعية، فيما يجرى بينه وبينهم من الخصومات إلا الأعلام أو مَنْ أذنوا له، ولا بسع الإمام المفع عن شيء من ذلك. ثم إن ثبت هذا فما وجه الفائدة في لزوم الاشتراط على الإمام الضعيف أن لا يحكم حكماً، ولا يخرج جيشاً، ولا يقبض صدقة، ولا ينفقها، وما أشبه ذلك، إلا بمشورة المسلمين. ثم إن جاز هذا ولزم وصح وثبت، وجاز للأعلام عزله ولو كان شاريا، من غير حدث تزول به الإمامة، ولو كره ذلك. وجميع ذلك خلاف الإجماع الصحيح عن المسلمين.
من
وإن قيل إنهم هم من تحت يده، فحتى يجعلهم حكاماً على الناس، ثم المحال أن يكون الإمام بمنزلة يلزم جماعة المسلمين طاعته في حكم
الظاهر ويجوز لهم التقديم عليه. فإن هذا متناف في العقول العارفة بأحكام الأصول، بل الصحيح الذى لا شك فيه أن الإمام ما كانت إمامته ثابتة في حكم الظاهر، فلا حاكم تلزم الرعية طاعته إلا هو، أو من جمله هو حاكماً عليهم وألزمهم طاعته لا غير ذلك، إلا من رضوا به في حكم مخصوص بعينه لا على الإطلاق حتى يظهر على الإمام أحد الأسباب الموجهة لزوال الإمامة بالشهرة فى رعيته المتعبدين بطاعته، فعند ذلك تزول إمامته في (1/103)
صفحة 104
-
- 104 -
-
حكم الظاهر وتسقط طاعته وتبطل حجته، وترجع الحجة هنالك إلى جماعة المسلمين ويصيرون هم أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، فعند ذلك يجوز لهم التقديم لغيره عليه ويلزم الناس طاعتهم فيمن قدموه عليهم والله أعلم. (1/104)
صفحة 105
الباب الثامن عشر
باب بيان الشهرة وصفتها و إبطال الاحتمال فى عزل الامام والتقديم عليه من الأعلام
وأما حد الشهرة الموجبة لزوال إمامة الإمام في حكم الظاهر التي
قلنا لا يجوز التقديم عليه إلا بعدها، فقد تقدم من ذكرها في باب
الشواهد
من الآثار الصحيحة ما فيه كفاية وغنى عن التطويل،، إلا أنا لقصدنا إلى إبطال الاحتمال في عزل الأئمة في حكم [118] الظاهر والعقد كثرة المنازعة فيها، لابد أن نذكر طرفاً يقتضى البيان عن
عليهم مع حدها الذى به يجب بطلان الاحتمال والله الموفق للهداية بمنه. فنقول، حد الشهرة الموجبة لزوال إمامة الإمام في حكم الظاهر استفاضة السبب الموجب لإزالتها وانتشاره في الرعية انتشاراً يحكم على كل متمسك بإمامته من رعيته بعد تلك الحال بالكفر والبراءة إن لم يتب من ذلك ولا يقبل مع ذلك إنكار الإمام وامتناعه عن العزل. ويلزم الرعية الانقياد للأعلام فيمن قدموه من الأئمة على هذا الإمام، ويحرم على الأول الانكار عليهم بعد العقد عليه. ويحل لهم محاربة كل من حاربهم مع الأول من الرعية، من الأعلام وغيرهم، وقتلهم على ذلك. فهذا ما لا يجوز عندنا للأعلام (1/105)
صفحة 106
- أ -
عزل الإمام والتقديم عليه إلا به، وما كان دون هذا فهو بغى عليه في حكم الظاهر، وكفر وركوب محرم، حتى يكون عقد الأعلام لإمام جائزاً في نفسه في حكم الظاهر في حال من الأحوال إلا كان حجة على الرعية يجب عليهم التسليم، ويحرم عليهم الامتناع عن قبوله، وتجوز محاربة كل ممتنع عن طاعته، إذ هو من الأعلام حكم عدل في الظاهر على الرعية. ولا يكون عقد الأعلام لإمام حراماً أبداً في نفسه في حكم الظاهر إلا باطلا وبغيا يجب القطع بكفره ولو اجتمع الناس إلا من شاء الله على تصويبه. إذ هو خارج مخرج حكم جور على الإمام والرعية ولا ترك إنكاره، فإن فعلوا ذلك عن قدرة فهم هالكون. فإن قال قائل إنك لم تبين الشهرة ولم تحدها، فإن الشهرة تقع على انتشار الخبر في المحلة وعلى انتشاره فى القطر وعلى انتشاره فى البلد وعلى انتشاره في الكورة (1) وعلى انتشاره في المعمر وعلى انتشاره في الأمصار، فأيها أردت حتى ننظر فيه!!
قلنا أي بيان أوضح مما قلناه، وحد أبلغ مما أصلناه عند من يعرف أحكام الأصول ويهتدى لمعانى هذه الفصول، الا أنك لا تخلو أن تكون موافقاً على أن لا يجوز العقد على الإمام والخروج عليه إلا بعد زوال إمامته فى حكم الظاهر، واحدة من هذه الشهر، أو غير موافق. فإن
(1) الكورة: قسم من أقسام قطر ما، أو دولة ما. (1/106)
صفحة 107
10
ما قلنا
كنت موافقاً على أنه لا يجوز التقديم على الإمام إلا بعد زوال إمامته في حكم الظاهر، فواحدة من هذه الشهر، قلنا لك، فإذا قدموا عليه بعد زوالها. في حكم الظاهر بواحدة من هذه [119] الشهر، فأنكر عليهم وساعده على ذلك بعض الأعلام، أيقبل إنكارهم على المقدمين أم لا؟! فإن قلت لا يقبل إنكارهم بعد الشهرة فقد تركت قولك بالاحتمال ووافقت من إبطاله ولم تجعل بين الأمرين واسطة تحتمل. وإن قلت إنه يقبل خصمت نفسك من حيث أجزت له التمسك بإمامته في حكم الظاهر بعد زوالها في حكم الظاهر وجعلته حجة، وهذا ما يكفي في الحجة عليك. لا من قال بأن الإمام مقبول إنكاره لمن ساعده من الأعلام بعد بطلان إمامته في الظاهر بالشهرة، فقد قطع نفسه ولا حاجة بنا إلى مناظرته. وإن كنت غير موافق على ذلك قلنا لك، هل تعلم أنه يأتى على الإمام حال تزول فيه إمامته في حكم الظاهر عند رعيته ويكون تمسكه بإمامته وتمسك من تمسك معه بها كفراً وبنياً وعدوانا تجوز محاربتهم على ذلك وقتلهم أم لا؟! فإن قلت لا، فقد كابرت عقلك، وإن قلت،
•
، قلنا لك تلك هى حال الشهرة التى أردناها وجعلناها حدا وقصدناها. نعم فإن الشهرة في هذا المكان غير محدود بغاية في العدد يجب فيه حكمها بتمام واحد ويبطل حكمها بنقصانه (1) وذلك لامتناع المدد في تحديد الرعية
(1) کارن ما كتبه الأشعري فيمن تنعقد بهم الإمامة: مقالات الإسلاميين ج 2 ص 149. (1/107)
صفحة 108
108 -
الذين يحرم الخروج على الإمام في حال محكوم عليهم فيها بالدينونة الله بطاعته والتمسك بإمامته وخلع كل خالع له أو خارج عليه والقيام بنصرته
على ذلك. فإن قال، فما تفكر أن يكون الخروج على الإمام والعزل له جائزاً متى شهر أحد الأسباب الموجبة لزوال إمامته في أحد المواضع من مملكته ولو لم يشهر ذلك في مملكته؟! قيل له، أنكرنا ذلك جميع من قبل أن قول القائلين بذلك من المسلمين لم يرد بالشهرة مطلقة فيجب التعلق باسمها دون ما هي من شرطه من قيام الحجة بها على الرعية، فإن الذي أوردناه عنهم وإن اختلف الفاظه فلا دليل فيه يدل على الاقتصار على الشهرة فى الإطلاق، فنحب أن يعتبر استفاضة السبب الموجب لزوال الإمامة، فمتى وقع عليه اسم شهرة حل ما كان محرماً قبله من الخروج على الإمام والخلع له والتقديم عليه. بل الدليل قائم فيه يدل على أنه لا يجوز الخروج على الإمام ولا العزل له والتقديم عليه إلا بعد قيام الحجة على رعيته [120] ببطلان إمامته، وهذا ما لا تقوم الحجة به على الرعية إلا بالشهرة المستفيضة فيهم الذى يستوى فيها الخاص والعام. وعند هذه الحال يكون المقدمون عليه حجة على الرعية، وعليه لا يسع أحدا منهم الإنكار على المقدمين عليه العازلين له ولا الامتناع منهم، ولا يحتمل لهم الحق، أعنى المفكرين على الأعلام المقدمين بوجه من الوجوه
منهم
ومن الدليل على ذلك إجماع الطائفتين جميعاً أن الشهرة لا تكون حجة إلا على من بلغته دون من لم تبلغه. فلهذا لا يجوز خلع (1/108)
صفحة 109
-
الإمام إلا بعد أن يصير محكوما على رعيته يخلعه، فمن ادعى غير هذا
فعليه إقامة الدليل وبالله التوفيق
جميع
مسألة
فإن قال قائل على قولك فعلى قولك هذا يجب أن لا يجوز الخروج على الإمام إذا زالت إمامته بأحد الأسباب المزيلة لها إلا بعد شهرته في مملكته. قلنا كذلك وجدنا عن المسلمين في الآثار المفسرة دون المحملة، ولم نجد في شيء من الآثار المفسرة القديمة إجازة ذلك قبل الشهرة أحد عن من المسلمين. فإن قال فإذا قلتم لا يجوز الخروج على الإمام إلا حتى يشهر أحد الأسباب الموجبة لزوال إمامته في جميع المملكة شهرة يستوى فيها الخاص والعام من الرعية، وتقوم بها الحجة على جميع الرعية المتعبدين بطاعة الإمام ونصرته وخلع كل خارج عليه في حال ثبوت إمامته عنده، فما أنكرتم أن لا يجوز الخروج عليه إلا بعد العلم بصحة ذلك السبب الموجب لزوال الإمامة عند كل واحد من الرعية على الانفراد باسمه وعينه حتى لا يبقى من الرعية أحد يخفى على الخارجين علمه بذلك، وإلا ما كان دون ذلك حكماً بغلبة الظن!! والأحكام فلا تنفذ بالظنون لأن كل واحد منهم في حكم الظاهر محكوم له وعليه بثبوت الإمامة معه حتى تصح
زوالها عنده.
فالجواب إنا لم نقل بجواز الخروج على الإمام والعقد عليه بعد الشهرة (1/109)
صفحة 110
-!!!
-
التي ذكرناها بقياس منا ونظر فيلزمنا ما قلت، وإنما قلنا ذلك بالأثر الشاهر والإجماع الظاهر. وإذا وقع الإجماع على إباحة شيء بعد حظره وجب التسليم له ولم يجز الاعتراض عليه فإنه لاحظ للنظر مع الإجماع. فالإجماع قد أباح الخروج على الإمام والتقديم عليه بعد ظهور السبب الموجب لزوال إمامته بالشهرة التي ذكرناها، وأباح محاربته بعد ذلك إن امتنع عن الاعتزال، ومحاربة كل من حارب معه بعد تلك الحال. فالقائل بمنع حتى يعلم صحته عند صحته عند كل واحد من الرعية [121] على الانفراد معترض على
ذلك
الإجماع،، والمعترض على الإجماع مخطئ، فالشهرة العامة قاطعة لمذر الناس قائمة بها الحجة عليهم على ما وصفناه. وهذا مما يضر الله تعالى به الدين وأدخل به الفرج على المسلمين أن جمل إقامة الحجة على الخاصة بالتخصيص والتعيين، وعلى العامة بالشهرة الماثلة للعيان في علم اليقين، ولم يجعلها سواء لاختلافهما في القدرة وتباين معانيهما في نظر العقل والعبرة. ولو كانت الشهرة لا تقوم بها الحجة على العامة وينقطع بها عذرهم كانقطاع عذر الخاصة بصحة ذلك على التعيين، لكان ذلك ما لا يطاق من حيث أن ذلك ما لا يوصل إليه إلا بعد معرفة جميع الرعية، ومعرفة جميع الرعية المحكوم بقيام الحجة عليهم يتعذر على المخلوقين لجهلهم بعلم الغيب، فلو أرادوا ذلك لمنعهم الإمكان فى كون ما لا يعرفوه. بل الشهرة العامة في مثل هذا كافية وحجة شافية ولولا ذلك كذلك لما كان لذكر الشهرة ها هنا معنى ولكان وجه الخطاب أن يقال لا يجوز الخروج على الإمام (1/110)
صفحة 111
-
111
إلا حتى يعلم
والتقديم عليه إلا حتى يعلم أن كل واحد من رعيته قد صح عنده ما تزول به إمامته. فلما ورد الإجماع بذكر الشهرة صح ما قلناه. ولو كان الحكم على هذه الصفة حكما بالظن لما جاز للإمام إذا قدمه الأعلام جبر أحد من الناس على طاعته وعقوبته على مخالفته فيما لا يجب إلا للأئمة على الرعية، أن ذلك الإنسان قد صح عنده إمامته، لأن الناس لا يلزمهم طاعة هذا المدعى للإمامة وتجوز له معاقبتهم في مخالفته بإجماع إلا بعد صحة إمامته عنده. ولكان أيضاً إذا تقدم الإمام أو الحاكم على الناس فيما يجوز له التقديم عليهم فيه ونادى مناديه بذلك على روس الناس، مخالفه أحد منهم لم يجز للحاكم عقوبته على مخالفته له إلا حتى يصح عنده أن ذلك الإنسان قد صبحت عنده التقدمة وعلم بها، وإلا كان حاكما بالظن. صح جواز ذلك علمنا أن ذلك ليس هو حكما بالظن. وإن قال هذا حجة عليكم فى نفيكم الاحتمال في تقديم إمام على إمام ونفيكم جواز الخروج عليه والتقديم لغيره قبل الشهرة التي ذكرتموها، فإنه إذا جاز عندكم بالإجماع جواز الخروج على الإمام قبل أن يعلم أن كل واحد من رعيته على الانفراد قد صح عنده ما تزول به إمامته حتى لا يبقى أحد، فما أنكرتم أن يكون الخروج عليه والتقديم لغيره جائز قبل ذلك لمن علم منه ما تزول
فلما
إمامته من
أحد الأسباب [122] المزيلة للإمامة. لأنه إذا جاز الخروج في حال إمكان ثبوت إمامته مع واحد من رعيته فها المانع من جواز ذلك في حال إمكان ثبوتها مع الاثنين أو الثلاثة أو الأربعة أو العشرة أو (1/111)
صفحة 112
112
الألف أو أكثر من ذلك حتى لا يكون من رعيته عالم بذلك إلا من
الأمة تجويزه تقديم
العالمين فصاعدا؟! قيل له قد قلنا لك إن من
اجازتنا الخروج والتقديم على الإمام بعد شهرة زوال إمامته في رعيته، الشهرة التي ذكرناها لم نقلها بقياس ورأى منا فيلزمنا القول بما ذكرت، وإنما قلنا ذلك من قبل الإجماع الذى أنت مقر به. لأن الخروج على هذه الصفة ليس بيننا وبينك فيه اختلاف أنه جائز بإجماع، وإنما الخلاف بيننا فيما دون ذلك، وأما إنكارنا لجواز ذلك فيما دون هذه الشهرة، فإن الإمام في الأصل نحن وأنتم مجمعون على تحريم الخروج عليه والتقديم لغيره، فنحن على الأصل حتى يصح لنا جوازه، ولم يصح لنا جوازه بالإجماع إلا بعد الشهرة.
وأما قولك إذا جاز الخروج على الإمام والتقديم عليه بعد الشهرة التي ذكرناها بإجماع ولو لم تعلم بلوغها إلى كل واحد من الرعية على الانفراد، فما أنكرنا أن يجوز ذلك قبل الشهرة. فإن قولنا بجواز
ذلك بعد الشهرة العامة لا دليل فيه على إجازة ذلك قبل علم أحد
الرعية بزوال إمامة الإمام، فيجب علينا إجازة ذلك قبل الشهرة
يشهر ذلك في
من
وإنما كان يلزمنا ذلك لو قلنا بجواز الخروج عليه بعد الشهرة ولو لم جميع المملكة، وقولنا حتى يشهر ذلك في جميع المملكة، ينافي ما قلت ويدفع ما ظننت. الدليل على ذلك أنهم أجمعوا على محاربة من حارب معه بعد الشهرة وقتلهم على ذلك، ولم يشترطوا (1/112)
صفحة 113
- 113 -
-
جواز محاربتهم وقتلهم إذا صح أنهم قد اطلعوا على ذلك وبلغتهم الشهرة وصحت عندهم. فإجماع المسلمين على جواز محاربة هذا الإمام الناس من الأعلام وغيرهم إذا شهر
ومحاربة من حارب معه من جميع
ما به نزول إمامته من غير استثناء، صيحة ذلك عندهم دليل على نفى الاحتمال وارتفاع الظن، لأن المسلمين لا يسفكون الدماء على غلبة الظن الذي لا يجوز الحكم به، والله أعلم وبه التوفيق
8 - كتاب الاهتداء) (1/113)
صفحة 114
-
- 118
الباب التاسع عشر
باب بيان استحلال موسي و راشد لتقدمهما على الصلت
وإذا قد أن موسى قدم راشداً على الصلت على الوجه المحرم صح
يدح
بالدين، لم نقل إنه كان بدعة أو غير بدعة إلا أن أنهما كانا مستحلين له أو غير مستحلين. فإن كانا مستحلين فهما مبتدعان وحدتهما بدعة، وإن كانا غير مستحلين فهما منتهكان [123] والأصل أن الناس أهل تحريم للحرام حتى يظهر منهم الاستحلال،
الصحيح
وموسى
وراشد في الأصل محرمان حتى يصح استحلالهما، وقد صح استدلالهما لخروجهما على الإمام الصلت بن مالك رحمه الله. الدليل على أنا وجدنا أهل
ذلك ما تقدم ذكرنا له من صحة الذكر الرابع وهو
يعلم
الأحداث وأحكامها، متفقين على
عصرنا من أهل عمان الموسومين أن أهل العصر الذين شاهدوا الحدث من موسى وراشد واختلفوا فيه قد صح بالاتفاق على أنهم اتفقوا أنهما كانا مستحلين لحدثهما، وإنما وقع الاختلاف في أنهما كانا مستحلين للحلال والحرام لأنهم كانوا بين قائل إن موسى وراشداً كانا مستحلين لما حرم الله عليهما من تقدمهما على الصلت، وهم الذين برءوا من موسى وراشد، وبين قائل إنهما إنما كانا مستحلين لما أحل الله وأنهما خرجا، زعموا محتسبين الله وللمسلمين، (1/114)
صفحة 115
وهم
المصوّبون لهما. ولعل من سوى هؤلاء لم يقولوا إنهما كانا مستحلين
للحلال ولا للحرام، وهم المنسوب إليهم الوقوف.
ولا
تعلم
أن أحداً قال إن أحداً من أهل ذلك العصر قال إنهما
كانا محرمين لفعلهما وهذا ما لا ينساغ إنكاره وكفى به حجة.
ودليل ثان: أنه قد صح تسميتهما بالإمامة وإظهارها العقد لها فلا يخلو أن يكون نفس تسميتها للإمامة كان على الوجه الذي يجوز وعلى الوجه الذي لا يجوز، يدل بنفسه على الاستحلال له والتدين به في حكم الظاهر ولا يدل بنفسه على تلك إلا بعد إظهار الاستحلال له باللسان أحد هذين الوجهين. ولا سبيل إلى القول بأنه إن كان واقعاً
لا محالة من
على الوجه الذي يجوز دل على الاستحلال، وإن كان واقعاً على المحرم دل على التحريم وإن خفى أمره كان محتملا، فإن هذا لو قلنا إنه يدل
على الحلال أو الحرام
وإنما قلنا إن نفس التقديم للإمام والنسمى
للإمامة يدل على التدين والاستحلال أم لا، والاستحلال غير الحلال فإن كان نفس التسمى بالإمامة يدل على الاستحلال والتدين، فموسى وراشد مستحلان، وهذا عندنا هو الصحيح الذي يدل عليه الإجماع من قبل أن التسمى بالإمامة لا يصدر إلا من مدع للقيام بدين الله داع إلى تصويبه، مخطئ لمن خطأه، محال أن يتسمى به محرم له في حكم الظاهر. الدليل على ذلك أن المتسمى بالإمامة مع وجوب طاعته [124] والانقياد (1/115)
صفحة 116
-117
مدع
لتحريم الخروج منها وذلك غاية للتدين. ألا ترى أن كل إمام قدمه أعلام المسلمين على الوجه الذى يجوز في حكم الظاهر، فعلى الناس كافة ممن قد قامت عنده حجة الأعلام ولايته وعلى ما بلغته قدرته منهم الدينونة لله بطاعته ولو لم يظهر الإمام ولا الأعلام الاستحلال لذلك بألسنتهم، فإنه لو لم يكن نفس التسمى بالإمامة دالا على الاستحلال شاهدا على فاعليه بالتدين باستحلاله من غير إظهار ذلك باللسان لوجب
•
على الرعية الوقوف عن الدينونة الله بطاعته حتى يظهر لهم الاستحلال له من فاعليه بألسنتهم وإذا ثبت أن نفس التسمى بالإمامة دال على الاستحلال له والتدين به في حكم الظاهر ثبت أن كل فاعل له محقا فيه أو مبطلا مستحل له. فإن كان محقا فهو مستحل للحلال، وإن كان مبطلا فهو مستحل للحرام، والله أعلم: فإن قال قائل إن الأفعال لاندل بذاتها على الاستحلال، وإنما يفعل الاستدلال بالقول، فما تنكر أن تكون الإمامة لا تدل على الاستحلال حتى تستحل باللسان من قبل أنها. خارجة مخرج الأفعال؟! قيل له، أنكرت ذلك من قبل أن الإمامة وإن كانت فعلا فلن تصبح إلا بالقول الذى لا انفكاك للمراد به من. التدين. فإن قول القائل هذا إمام الدعوة، يقتضى أن طاعته واجبة ومعصيته محرمة وما هذا سبيله فأى استحلال: أوضح منه!! فإن قال، ما تنكر أن يكون موسى وراشد غير مبتدعين، ولو لحدثهما من قبل أنهما لم يستجلاه إلا مع ادعائهما التسليم الصلت التسليم من
صح
استحلالهما (1/116)
صفحة 117
117 -
للإمامة للمسلمين، وإنما كان يجب أن يحكم عليهما بالبدعة لو
صح
أنهما
كانا يستحلان عزل أئمة العدل ويستحلان تقديم إمام على إمام، وهذا
وقد
ما لا نعلم أحداً من الطائفتين اضافه إليهما ولا إلى أحد ممن تولاها، قيل له المعلوم باتفاق الطائفتين أن البدعة هى استحلال المحرم بالدين، أن موسى وراشدا تقدما على الصلت بن مالك قبل صح أن يشهر في رعيته ما تزول به إمامته شهرة يستوى فيها الخاص والعام، وقد مضى الدليل على ذلك من اتفاق الطائفتين في الركن الثاني. وقد صح استحلالهما لذلك وقد مضى بيانه في الركن الرابع وقد أوضحنا
الأدلة من الإجماع على تحريم ذلك. فأى بدعة أشنع من ذلك!! وهذا
مالا
تعلم أحدا من الأباضية ينكره إلا من خفى عليه مقالات الطائفتين
[125] إلا ما شاء الله وبه التوفيقى وسنزيد ذلك إيضاحا إن شاء الله
في هذا الباب (1/117)
صفحة 118
الباب العشرون
باب بيان حكم تقديم موسى وراشد على الصلت
ولفراغنا من ذكر صفة الحدث وحكمه واختلاف هاتين الطائفتين من أهل عمان فيه وقيام الدليل على حق الطائفة الحاكمة فيه بحكم البدعة التي لا تحتمل الحق بوجه من الوجوه من الإجماع الصحيح، فينبغي أن تصح المسألة من أولها ليتضح لطالب الحق بيانها ويقوم له دليلها وبرهانها. فنقول وبالله التوفيق إن الركنين الأولين المتقدم ذكرها في باب صفة الحدث اللذين أحدهما أن الصلت بن مالك كان إماما شاريا لأهل عمان بإجماع، والآخر أن موسى قدم راشداً على الصلت قبل ظهور ما به تزول إمامته في حكم الظاهر عند الخاص والعام من رعيته المتعبدين بطاعته بالشهرة التي لا يقبل بعدها إنكاره على المقدمين عليه، ولا إنكار لأحد من الأعلام على ادعائهما لزوالها وركوبها للحدث الخارج مخرج البدعة التي لا تحتمل الحق بوجه من الوجوه للأدلة التى أقمناها على تحريم التقديم الإمام على إمام قبل ظهور ما يوجب زوال إماميه بالشهرة التي ذكرناها ولما بيناه من صحة استحلالها لذلك. فلا يخلو الحاكم فى تقدمهما عليه قبل
صحة زوال إمامته في حكم الظاهر بالشهرة التي ذكرناها بحكم الدعوى في
احتمال الحق والباطل في حكم الظاهر عند من لم يعلم بزوال إمامة الصلت
• (1/118)
صفحة 119
119
-
وإن اختلاف المختلفين ممن شاهدها في ولايتهما فى تقدمهما على الصلت على
تلك الصفة قبل الشهرة التي ذكرناها. وفى البراءة منهما عليه، اختلاف
أحد قولين
دعاوى يحتمل لكل فريق منهم على الانفراد الحق، ويحتمل الباطل عند غيرهم من الرعية الذين لم يطلعوا على زوال إمامة الصلت من إما أن يقول إن تقديم إمام عَلَى إمام قبل ظهور ما يوجب زوال إمامته في حكم الظاهر بالشهرة التي ذكرناها جائز حلال لمن علم بزوال إمامته في السريرة ولو لم يظهر ذلك. وإما أن يقول إنه محجور حرام حتى يشهر ذلك كما وصفنا لا انفكاك له [126] من أحد هذين اللهم إلا أن يقول إن في ذلك اختلافاً، فسيأتى بيان الحجة عليه إن شاء الله. فإن قال إن ذلك جائز قوبل بما أوردناه من الأدلة على حجر ذلك، فإن ردّ ذلك علمنا أنه قد خرج من قول الأباضية وفارق أهل النحلة المرضية وكفاه ذلك انقطاعاً. وإن تأول فى هذه الآثار اللتي رفعناها والمسائل التي عن المسلمين أوردناها تأويلاً يخالف ما قلناه وينافى ما أصلناه، قابلناه في تأويله
a?t
وناظرناه في تعليله حتى يستقيم على أن ذلك لا يجوز وأنه حرام قبل الشهرة، فإذا استقام على أن تقديم إمام على إمام قبل ظهور ما تزول به إمامته بالشهرة التى يستوى فيها الخاص والعام من رعيته المتعبدين بطاعته و خلع كل خارج من طاعته حرام بإجماع. قلنا له فما تقول في تقدما على الصلت قبل ذلك أو بعده؟! فإن قال إنهما تقدما عليه قبل
موسى وراشد
الشهرة التي يستوى فيها الخاص والعام من رعيته قلنا له فتلزمك البراءة (1/119)
صفحة 120
منهما بالدين وممن تولاها على ذلك وممن خطأ من برأ منهما، ويجب عليك ترك القول بالاحتمال وأن تقول إن ترك الفكير عليهما من الأعلام أو الصلت في التقدم عليه قبل الشهرة لا ينفعهما لركوبهما الحدث المحرم في حكم الظاهر. وأن تقول إن المخالف في ولايتهما مخالف بالدين، ومصوب المبطل بالدين مخالف بالدين، وهذا قول أهل الحق من هاتين الطائفتين. وإن قال إنهما خرجا عليه بعد أن شهر في رعيته زوال إمامته شهرة يستوى فيها الخاص والعام قلنا له فيلزمك تصويبهما في ذلك وتصويب من صوبهما والبراءة ممن خطأها على ذلك أو برى منهما ولا تسمك ولاية من برئ منهما، ولا يسعك إدخال الاحتمال عليهما في حكم الظاهر، ويلزمك أن تقول إن إنكار الأعلام أو الصلت عليهما لا يضرها بل يضره هو ومن معه وتجوز محاربته ومحاربة كل من حارب معه من الرعية وقتلهم على ذلك. وأن تقول إن المخالف في البراءة منهما مخالف بالدين لأن المتبرئ مخطيء، والمخطئ للمصيب بالدين مخالف بالدين. وهذا لو سلم [127] لك. كيف والذكر الرابع من الإنكار المقدم ذكرها شاهد عليك ببطلان قولك، وهو أن المشاهدين لتقدمهما اختلفوا في اعتزال الصلت وصحة هذا الاختلاف من المشاهدين موجب لخروجهما وتقدمهما عليه قبل الشهرة التي ذكرناها. فإن قال قائل لم يصح عندى أحد ذلك ويحتمل عندى خروجهما وتقدمهما عليه قبل الشهرة التي وصفتها ويحتمل بعدها، قلنا له فيحتمل لهما عندى وجة غير هذين. فإن (1/120)
صفحة 121
-
121
قال لا، قيل له فإذا لم يحتمل لها إلا أحد هذين الوجهين وهما جميعا يوجبان أنّ التقدم وقع فى حكم السريرة وفي حكم الظاهر غير محتمل للحق والباطل ولا يحتمل إلا أحدهما لزمك أن تنفى منه الاحتمال ولا تحكم فيه بحكم الدعوى لأنه إذا لم يحتمل لهما إلا إما أن يكونا تقدما عليه قبل الشهرة فهما في حكم الظاهر مبطلان لا يحتمل لهما الحق بوجه من الوجوه عند أنفسهما ولا عند غيرهما من الرعية، وإما أن يكونا تقدما عليه بعد الشهرة التي ذكرناها فهما محقان لا يحتمل باطلهما في الظاهر. والمخالف فيهما بالبراءة منهما مخالف بالدين لا الدعوى، فما وجه الدعوى في تقدمهما وما وجه الاحتمال فيه وهو لا يقع في ظاهر الأمر إلا، إما حقا لا يحتمل باطله، أو باطلاً لا يحتمل حقه. وما وجه التداعى بين المختلفين فيهما بالولاية والبراءة؟ إن هذا إلا اختلاط!! ففيما أوردناه نفى للاحتمال في عزل الأئمة والتقدم عليهم وإبطال لقول من قال إن حكم تقدم موسى وراشد على الصلت قبل الشهرة التي وصفناها حكم الدعوى وتحقيق الطائفة الحاكمة فيه بحبكم البدعة (1/121)
صفحة 122
-
122
الباب الحادى والعشرون
باب بيان الرد على الطائفة النزوانية فيا خالفوا الحق فيه من أقاويلهم و نقض ما احتجوا به من أدلتهم وتعاليليم
قد كنا وصفنا في متقدم كتابنا ما يذهب كل فريق من الطائفتين وما يحتجون به من غير أن نذكر ما نحن عليه وما نذهب من ذلك إليه. وفيما أوضحناه من أدلتهم وحججهم شفاء لما في الصدور وغنى عن الإطالة فى هذه الأمور، إلا أنا لما نعرفه من كلال قرائح أهل زماننا، ونبو [128] بصائرهم ملنا إلى إسباغ القول في هذا المقام الذي يتطلع له الضعيف وذو البصيرة اجتهاداً فى إيضاح الحق الذي هدانا الله إليه وتأكيداً لما نحن عليه فلنقتصر الآن. على الرد على الطائفة النزوانية فما خالفوا فيه الحق في الحدث من أقاويلهم والنقض لما ذكرناه من أدلتهم وتعاليلهم فصلا فصلا لفسادها وتناقضها واختلافها في ذلك وتعارضها بواضحات الحجج وزيرات الأدلة على النهج والله الموفق والمعين والهادى إلى الحق
واليقين
فأما قولهم إن حكم تقديم موسى لراشد إماماً على الصلت قبل زوال
إمامته في حكم الظاهر بالشهرة التي ذكرناها حكم الدعوى يحتمل لهم
فيه (1/122)
صفحة 123
123
الحق والباطل والخطأ والصواب، فإن الدليل على تناقضه أن الحدث المحتمل للحق والباطل في حكم الظاهر بإجماع الطائفتين هو الحدث الذى يجوز لراكبه فعله في حكم الظاهر إذا كان صادقاً فيه في حكم السرائر لا ما كان محرماً فعله فى الظاهر، حتى يكون فاعله محقاً فيه في الظاهر
وقد قدمنا صفة ذلك في صدر الكتاب ما لا يحتاج إلى إعادته
من
و تقديم موسى لراشد على الصلت قبل الشهرة التي ذكرناها حدث لا يجوز لراكبه فعله في سريرة ولا ظاهر ولو كانا عالمين بزوال إمامته في السرائر، لأن تقديم إمام على إمام قبل ظهور زوال إمامته بالشهرة التي قد دلانا على تحريمه بالدين من الإجماع الصحيح. فما كان محرماً فعله في حكم الظاهر حتى يكون فاعله محقا فيه في حكم الظاهر، كيف يحتمل لراكبه الحق وهو كافر في حكم الظاهر، والكافر فى دين الله في حكم الظاهر كافر في دين الله في حكم السرائر. ثم إنا لو سلمنا أن حكم تقدمهما حكم الدعوى، لوجب أن نكون لحكمهما مدعين، والمدعى لا يكون حجة في حكم الظاهر على من دفع دعواه وأنكرها، وإنما حجة على من صوبه أو ترك الفكير. فأما احتجاجهم على احتمال الحق لموضى وراشد بإمكان صدقهما فيما ادعوا على الصلت الاعتزال والتسليم، وأنه إذا احتمل صدقهم فيما ادعوا عليه التسليم احتمل حقهم في تقديمهم عليه فغير صحيح. الدليل على ذلك أنه معلوم بإجماع أن دعواهم عليه التسليم غير تقدمهم عليه بالإمامة، وأن دعواهم عليه التسليم جائز لهم إظهاره في دين الله إن كانوا صادقين في
عليه
• (1/123)
صفحة 124
124
مبريرتهم. وتقدمهم عليه محرم عليهم فى حكم الظاهر ولو كانوا صادقين في حكم السرائر. فيجب على المسترشد [129] التفرقة بين هذين المعنيين
لئلا يلتبس عليه حكمهما فينساغ في نفسه ما قالوه، وبالله التوفيق.
وأما قولهم، إنا لا ندرى، لعلهم لم يتقدموا عليه إلا بعد علمهم بزوال
إمامته، فلا حجة لهم في ذلك ولا دليل فيه على احتمال الحق لأولئك الدليل على ذلك أن التقدم عليه لا يبيحه عليهم بزوال إمامة الصلت في حكم السرائر وإنما الشرط المبيح لهم التقديم، فإذا تقدموا عليه قبل ذلك فقد ركبوا المحرم بإجماع عليه علمهم بزوال إمامته في حكم الظاهر والشهرة التي ذكرناها ولو كانوا عالمين بزوال إمامته
وأما قولهم إن زوال (1) إمامة الصلت ممكن ليس بمحال بإجماع
فلا دليل فيه على احتمال حقها الدليل على ذلك أنهما محجور عليهما
•
إظهار الخروج من طاعته في حكم الظاهر. فلو كان إمكان زوال إمامة الصلت موجباً لاحتمال الحق للعاقدين عليه، كان أيضا موجباً لاحتمال الحق
طاعته.
للممتنع من طاعته، لأن هذا خارج من طاعته وهذا خارج من فإن قال قائل إن الممتنع عن طاعة الإمام قد قامت عليه الحجة المطالبة بنها والعاقد عليه إذا لم يقم عليه فكير من الإمام لم تقض عليه حجة تمنع احتمال الحق له، قيل له أخبرنا عن الحجة على الرعية في وجوب الدينونة
•
(1) «زوال»: زيادة من عندنا ليستقيم المعنى. (1/124)
صفحة 125
بطاعة الإمام، تقوم بنفسه ثبوت الإمامة فى حكم الظاهر حتى يطلبها؟! فإن قال حتى يطلبها، كفينا مئونته لخروجه مما عليه المسلمون، وإن قال بنفس ثبوت الإمامة في حكم الظاهر قيل له، فهل يسقط وجوبها إبراء الإمام الرعيبه منها وإباحتهم الخروج عنها؟! فإن قال نعم، قلنا يجب على هذا أن يجوز على الإمام أن يبرى بعض رعيته من التزام طاعته والدينونة بإمامته ويبرءوا هم من ذلك، فيكون على هذا واجب الإمامة ساقطها عن بعض. وإن قال لا يجوز ذلك ولا يصح ولا يسقط وجوبها إبراء، قيل له، فإذا كان لا يبرئهم من لزوم طاعته إباحته إياهم من
الإمام
ذلك، فكيف يحتمل لهم الحق في الخروج منها بترك نكيره؟!
وأما قولهم إن الإمامة تزول بأحد عشر شيئاً، فمنها ما تزول به بإجماع ومنها ما تزول به باختلاف فلا دليل فيه على احتمال الحق لموسى وراشد. الدليل على ذلك أن هذه الأسباب المزيلة للإمامة لا تزيل إحداها الإمامة في حكم الظاهر إلا حتى يظهر بالشهرة التي ذكرناها، وما لم يظهر ذلك وإنما هو مع خواص من الرعية. فإن الإمامة في حكم الظاهر [130] ثابتة بإجماع والعاقد عليه في هذه الحال راكب المحرم ولا ينفعه عليه
بزوال الإمامة في حكم السرائر، فافهم ذلك وبالله التوفيق. (1/125)
صفحة 126
1260
الباب الثاني والعشرون
باب بيان الرد عليهم في ترك النكير والاحتمال
وأما قولهم إن موسى وراشد إذا ادعوا ذلك على الصلت ولم يصح بالإجماع منه نكير عليهما في حين تقديمهما احتمل تركه للفكير عليهما، وإذا احتمل تركه للشكر عليهما احتمل صوابهما وحقهما فلا يستقيم في مذهب الأباضية من قبل أن لو سلمنا أن الصلت لم يصح منه نكير على موسى وراشد فى تقدمهما عليه لما احتمل به حقهما ولا انتفعوا بترك الصلت للنكير عليهما فى باطلهما؛ لأنهم إن كانوا يريدون بادعائهم التسليم للمسلمين والاعتزال عن الإمامة فقد قلنا إن هذا الادعاء ولو كانوا صادقين فيه لا يبيح لهم التقديم عليه إلا بعد صحته عند الرعية في حكم الظاهر بالشهرة التي تقدم بيان صفتها والله أعلم. وإن كانوا يريدون بادعائهم عليه في العقد، فالعقد عليه في حال ثبوت إمامته في حكم الظاهر ليس بادعاء بل بنى وكفر، والبغى لا يكون ادعاء. وإنما كان يكون بمنزلة الدعوى في احتمال الحق والباطل لو كان جائزاً لهم التقدم عليه، ولا يكون حجة إذا كانوا صادقين في حكم السرائر. فأما إذا كان محجوراً عليهم ومحرماً في حكم الظاهر، فكيف يكون دعوى النكير عليه يوجب صوابه؟! إن هذا الاختلاق بل ترك البكير (1/126)
صفحة 127
127
-
عليهما من الإمام مع القدرة موجب لزوال إمامته إن لم يتب، وإن يكن مع عجز وتقية ففى سعته اختلاف من المسلمين الإمام الشارى. وقد وجدنا أن بعض المسلمين لم يقول الصلت حتى استتابه، ولعله لم ير له عذراً والله أعلم. ثم إن عقد موسى لراشد على الصلت لا يخلو أن يكون في حكم الظاهر طاعة أو معصية فإن كان في حكم الظاهر طاعة فاحتجاجهم بترك النكير باطل، لأن الصلت لا يسعه إنكار الطاعة، وإن كان معصية في حكم الظاهر فاحتجاجهم أيضا بترك النكير باطل، لأن المعصية معصية أنكرت أو لم تفكر .. فإن قالوا: إنا نحن لا نقول ان تقدمهما عليه في حكم الظاهر طاعة ولا معصية بل نقول إنه محتمل للطاعة والمعصية. قلنا محتمل عندكم أو عند رعية الصلت؟! فإن قالوا: عندنا نحن، قلنا فما تقولون فيه عند رعية الصلت، كان محتملا أو غير محتمل؟ فإن قالوا: غير محتمل، فقد وافقوا على الحق [131] وهو الذى أردناه منهم، لأن الخلاف لم يقع إلا عند رعية الصلت كنان محتملا أو غير محتمل. وإن قالوا: إنه محتمل عند رعية الصلت، قلنا عند؟ فلا يمكنهم إلا أن يقولوا محتمل عند من
جميعهم
أو عند بعضهم
يعلم بزوال إمامة الصلت في دين الله بخلع كل خارج من طاعة الصلت في حكم الظاهر حتى يعلموا أن إمامته قد زالت أم لا؟! فإن قال لا، فقد كابر عقله لأن هذا
فإذا قالوا ذلك. قلنا فهؤلاء متعبدون
عليه الإجماع، وإن قال بلى، قلنا فتقديم موسى لراشد خلع للصلت وخروج (1/127)
صفحة 128
من طاعته اللازمة فى حكم الظاهر أم لا؟ فإن قال لا، فقد أجاز إظهار
إمامين وكفينا مؤونته وإن قال إنه خروج من طاعة الصلت فقد
أجاز البراءة منهما وهو عين الموافقة لنا على نفى الاحتمال
مسألة
ويقال له أخبرنا عن الوجه الذى يحتمل أن يكون خروجهما فيه وتقدمهما على الصلت حقاً وطاعة؟! فإن قال هو أن يعلموا بزوال إمامته قبل التقدم عليه، وأما قولهم إنه كان قد ضعف وعجز عن القيام بالدولة ونكاية العدو حتى قيل أخذت منه سقطرى، فلا دليل فيه على احتمال الحق لهم. الدليل على ذلك أن هذا الضعف الذي قيل به لا يخلو أن يكون كان بالحد الذي تزول به الإمامة أو ليس بذلك الحد. فإن لم يكن بذلك وإن كان بالحد الذي تزول به الإمامة
الجد فلا معنى للاحتجاج به
في بعض القول، فحتى يجتمع على صحته عند رعية الصلت بالشهرة التي ذكرناها، ثم تجتمع الأعلام على عزله بذلك وهذا إن لم يصح واحد وأما أخذ سقطرى منه
•
منهما، فإمامة الصلت إذا ثابتة في حكم الظاهر فلا معنى لذكره إذ هو لا يزيل الإمامة بإجماع، فإن الإمام ثابت الإمامة ما قدر على إقامة العدل ولو في حارة واحدة والله أعلم. وأما قولهم إن احتمل الحق بوجه من الوجوه فليس ببدعة بإجماع فلا دليل فيه أيضاً على صحة قولهم فى احتمال الحق لموسى وراشد، فإن تقدمهما على الصلت في حال ثبوت إمامته فى حكم الظاهر لا يحتفل الحق يوجه إذ هو محرم (1/128)
صفحة 129
-159 -
-
في حكم الظاهرة، وإنما يصح لهم ذلك لو قيل إنه يحتمل الحق فيه لهما،
ونحن فقد دللنا على إبطال ذلك ووجه فساده، والله أعلم وبه التوفيق
أن
موسى كان من أعلام المسلمين في ذلك العصر فليس
أحبا
وأما احتجاجهم فيه دليل على صحة قولهم لأن الأعلام محجور عليهم التقديم على الإمام ما كان ثابت الإمامة [132] في حكم الظاهر وهو غير مباح لهم. وإنما كان يكون ذلك حجة لهم لو كان الأعلام جائزا لهم التقديم على الإمام في حال ثبوت إمامته في حكم الظاهر، وهذا ما لا تعلم قال به من الأمة والله أعلم. وأما قولهم أن الأعلام حجة على الإمام فلا دليل فيه أيضاً على صحة مقالتهم من قبل أن قولهم أن الأعلام حجة على الإمام لا يعدو معنيين: إما أن يكون قولهم يريدون به أنهم حجة عليه في الشهادة، أو يعنون أنهم حجة عليه في الحكم، ولا سبيل إلى القول بأنهم حجة عليه في الدعوى ولا البدع. فإن كانوا يريدون أنهم حجة عليه فى الشهادة، فالشهود لا يكونون حجة بإجماع إلا بعد الشهادة والشهود لا يكونون مدعين، وموسى ومن معه فلم يشهدوا على الصلت عند رعيته بزوال إماميه قبل تقدمهم عليه لتقوم لهم الحجة على رعيته والله أعلم. وإن كانوا يريدون أنهم حجة عليه في الحكم، فالأعلام لا يكونون حكاما على الإمام في حكم الظاهر في حال ثبوت إمامته في حكم الظاهر. وقد دللنا على ذلك وشرحناه فيما مضى من
(9 - الاهتداء) (1/129)
صفحة 130
كتابنا هذا بما لا يحتاج إلى إعادة ذكره .... على أن هذا القول ينقض قولهم إنهم بمنزلة المدعين، فإن المدعين لا يكونون مدعين فيها هم
حكام فيه
das
وإذا ثبت أن موسى ومن كانوا حكاماً على الصلت فما الوجه في الاحتمال؟ ثم ما المعنى في الاحتجاج بتركه الفكير؟! والحاكم لازم قبول حكمه بإجماع والله أعلم. وأما احتجاجهم بقول هلال بن عطية رحمه الله في سيرته: (فلما رأى المسلمون ما نزل به عثمان من المعاصى والمسلمون يضارون و هم شهود الله في الأرض»، فلا دليل لهم في ذلك على احتمال الحق لموسى وراشد في تقدمهما على الصلت قبل زوال إمامته في حكم الظاهر، لأن الأعلام إذا كانوا شهوداً لم تكن لهم الحجة إلا في الشهادة فإن حكموا قبل الشهادة فهم مخطئون. فكان الواجب عليهم إذا علموا بزوال إمامة الصلت أن يشهدوا عند غيرهم من الرعية على الصلت بما تزول به إمامته، فإذا شهدوا بذلك استقابوه فإن تاب وإلا أظهروا ذلك وأشهروه. فإذا صار ذلك شهرة فى الدار لا يجوز عليها إلا الانقلاب
على ما وصفنا وصار الإمام حينئذ زائل الإمامة في حكم الظاهر وصاروا حكاما في الدار وجاز لهم العقد عليه ثم لا إنكار له [133] عليهم بعد العقد؛ لأن من أن تكون الأعلام حجة على الإمام والرعية في التناقض حكم الظاهر في عقد الإمامة، ويجوز للإمام الأول وغيره من الأعلام الإنكار عليهم فإن امتنعوا وإلا برئ منهم وجاز محاربتهم والله أعلم. (1/130)
صفحة 131
131
-
وأما قولهم، وإنما ذلك لمن حضر من الأعلام دون من غاب فلا دليل في ذلك على صحة قولهم إنهم بمنزلة المدعين من قبل أنهم إذا كانوا حجة فليسوا بمدعين وإن كانوا مدعين فليسوا بحجة. فإن قال قائل إن المدعين إذا لم يظهر المدعى عليهم النكير، كان ترك النكير من المدعى عليه حجة للمدعى، قيل له هذا لا يستقيم في كل شيء. ألا ترى أن المدعى لو ادعى على آخر أنه عبده، أو أن عليه له مائة درهم، أو أنه جرحه أو أخذ له شيئاً، فلم ينكر عليه، لا كان ترك النكير ها هنا حجة للمدعى، وإن ثبت فى شيء من ذلك في بعض القول فليس في كل موضع. على أنه لا يثبت ويكون حجة على المدعى عليه إلا فيما لو به لوجب قبوله، لا فيما لا يقبل إقراره بدعوى المدعى، والإمامة فليست
هو
بهذه المثابة. ألا ترى لو أن مدعياً ادعى بحضرة الإمام العدل أنه الإمام وأمضى ذلك الإمام له، لما جاز قبول ذلك منهما فيما لا يقبل إقراره فيه، كيف يكون حجة؟ فإن قال قائل إنه إذا قال ذلك بحضرة الإمام والأعلام ولم ينكروا عليه كان ذلك حجة له. قيل له لا يخلو أن تكون الحجة ها هذا ترك النكير من الأعلام أو من الإمام. فإن كان الحجة ترك النكير من الإمام فقد أجازوا الإقرار بالإمامة وهذا ما لا يقول به أحد علمناه من الأباضية. فإن كان الحجة ترك النكير من الأعلام دون الإمام فقد أجازوا خلع الأئمة بغير حدث منهم ومحاربتهم على ذلك، لأنه إذا كان ترك الفكير من الأعلام حجة المدعى للإمامة فسواء ترك الإمام (1/131)
صفحة 132
الشكير أو أنكر أو حارب فإمامته بترك الفكير قد زالت، فإن قال لم نزل بترك الذكير من الأعلام إلا على معنى الأعلام إلا على معنى أنهم هم الحجة للإمام وعليه والشهود له وعليه وأنهم مقلدون علم ثبوت إمامته وزوالها، قيل له لا يخلو أن تكون إمامة الإمام تزول بما صح عليه أو بنفس ترك النكير. فإن قال بما يصبح عليه من الأسباب المزيلة للإمامة، قيل له فما لم يصح عليه فإمامته ثابتة، وليس لترك النكير من الأعلام إذا لم يطلعوا منه على حدث لو سئل أحدهم بما زالت عندكم إمامة [134] الإمام ماذا كان يقول؟ لا أرى يمكنه إلا أن يقول بترك النكير من الأعلام على الخارجين من طاعته التي يدين الله تعالى بالبراءة، فمن خرج منها وهذا عين الهوس، نعوذ بالله من الفتن 1 1
وأما قولهم، ولم نجد في سير المتقدمين أنهم كانوا لا يجيزون القيام على الإمام بما يجب عليهم إلا بعد شهرة ما كانوا يفارقونه عليه في جميع مملكته حتى لا يبقى أحد من أهل مملكته تسمه ولايته، فلا دليل فيه على
صحة قولهم.
الدليل على ذلك أن ترك النص على تحريم عزل الإمام والتقديم عليه قبل الشهرة التي ذكرناها فى الآثار والسير والأخبار مع تقدمهم على الإمام احد الشهرة، ولا يدل على إباحته وجوازه، بل يدل على جواز ذلك بعد الشهرة، والأصل تحريم الخروج والتحليل طارئ. وإنما كان يصح يصح لهم (1/132)
صفحة 133
-
الاحتجاج بذلك لو وجد النص على تحليل الخروج قبل الشهرة والإجماع على فعله أو ولاية فاعله. وهذا بحمد الله ما وجدناه بل وجدنا ضده في
آثار للمسلمين، وقد أوردنا من ذلك ما فيه كفاية وبالله التوفيق.
وأما قولهم، وإذا لم تقم الحجة على الإمام بما تزول به إمامته
بالعالمين لم تقم بأكثر من ذلك، فلا دليل فيه على صيحة ما قالوه. فإن الذي عندنا أن الإمام ما كان ثابت الإمامة في حكم الظاهر فلا حجة عليه بالعالمين ولا أكثر، ومتى زالت إمامته في حكم الظاهر عند رعيته فالحجة قائمة بالعالمين وما دونهما في عزله والقيام عليه وتقديم العالمين فما فوقهما بعد مشورة المسلمين عليه لغيره حجة، لا حجة للإمام عليهم ولا إنكار له فهذا وبالله التوفيق
وأما قولهم إن موسى وراشدا لم يظهر منهما في تقدمهما على الصلت تكفير له يجب به خامهما وإنما ادعوا عليه دعوى إن كانوا صادقين فهم محقون وإن كانوا كاذبين فهم مبطلون، فلا دليل فيه على صحة مقالتهم في احتمال الحق لهما في خروجهما على الصلت قبل الشهرة التي ذكرناها. الدليل على ذلك أن خلعهم إنما يجب بركوبهم المحرم لا بتكفيرهم للصلت خاصة، وإنما يصح لهم ذلك أن لو كان لا يجب خلعهما في وجه من الوجوه إلا بإكفارهم الصلت، وهذا ما لا يقول به أحد [135] من المسلمين، بل الواجب خلعهم في دين الله بكل ماركبوه (1/133)
صفحة 134
-
من محرم. ولا أن صح تقدمهما على الصلت فهو في حكم الظاهر
إمام، وذلك محرم وجب خلعهم والبراءة منهم والله أعلم وبه التوفيق
وأما قولهم إنه قد قيل إنهم قد وطئوا أثره) واستعملوا عماله (3)،
•
ولم يخطئوه، ففي ذلك دليل على صحة صدقهما في دعواها أنه سلم لما ضعف واعتزل عن الإمامة، ولم يصح منه نكير نكير مجتمع على دحيه كما اجتمع
على صحة تقدمهما، فلا دليل فيه على احتمال حقهما فى تقدمهما عليه قبل زوال إمامية في حكم الظاهر بالشهرة التي ذكرناها. الدليل على ذلك أن قولهم إنهم وطئوا أثره واستعملوا عماله، لا يخلو من أحد معنيين، إما أن يكونوا أرادوا وطء أثره في عقدهم عليه، فهذا غير صحيح للحكم عليه فى الظاهر بالدينونة الله بتحريم الخروج على الأئمة ما كانوا ثابتيها في حكم الظاهر والعقد عليهم، وليس من أثره تحليل الخروج على الأئمة والعقد عليهم في حال ثبوت إمامتهم في حكم الظاهر. وإن كانوا أرادوا بوطئهم أثره في غير التقديم عليه فالاختلاف لم يقع إلا في العقد. وطاعتهما في غير العقد عليه في حال ثبوت إمامته في حكم الظاهر فى تقدمهما عليه فى تلك الحال لا يبرئهما من البغى والبدعة والله أعلم وبه التوفيق. وأما استعمالهم عماله فهو غير العقد، وغير العقد
(1) وطئوا أثره: أى ساروا على نهجه.
(2) استعملوا عماله: أبقوا عماله الذين كان قد ولاهم ولم يعزلوهم. (1/134)
صفحة 135
لا خلاف فيه مع أنه بعد وقوع العقد. وما وقع بعد العقد لم يصلحه إذا
كان العقد فاسداً والله أعلم وبه التوفيق.
وأما
قولهم إنه لم يصح من الصلت نكير مجتمع على صحته كما اجتمع على صحة تقدمهم عليه، فلا دليل فيه على احتمال حقهم في التقدم عليه فهو في ظاهر الأمر مع الرعية إمام. وقد أوردنا من الرد على ذلك فيما مضى ما لا يحتاج إلى تكرار والله أعلم وبه التوفيق.
وأما قولهم إن الصلت أنفذ إليهم الكمة والخاتم ومفاتيح الخزانة فلا دليل فيه على احتمال حقهم في عقدهم عليه في حال ثبوت إمامته في حكم الظاهر. الدليل على ذلك أن تسليم ذلك كان بعد وقوع العقد في وقت محجور فعله والحكم في التحليل والتحريم في العقد إنما يقع في حين العقد فإن وقع فى حين العقد حلالاً جائزاً لم يحرم بعد ذلك. [136] فإن وقع حراماً لم يحل بعد ذلك. على أن ذلك لو صح أنه كان قبل العقد لما وجب
به زوال الإمامة بإجماع، فالحجة من ها هنا ساقطة ولله الحمد والمنة.
أحمد
تم ما وجدته من كتاب الاهتداء تأليف الشيخ العالم العلامة أبي بكر بن عبد الله بن موسى الكندى السمدى النزوى العماني الأباضي رحمه الله
تعالى وغفر له (1/135)
صفحة 136
[صفحة فارغة] (1/136)
صفحة 137
القسم الثاني صلة كتاب الاهتداء
وهو
المنتخب من سير الرسول
عليه الصلاة والسلام
وأئمة وعلماء عمان (1/137)
صفحة 138
[صفحة فارغة] (1/138)
صفحة 139
139 -
[136] بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما انتخبته من السيرة التى لأبى بكر أحمد بن محمد بن صالح.
والإحسان
التي أولها: قال الله عز وجل (إن الله يأمر بالعدل والإح وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم
تذكرون ().
وجدت في بعض التأويل أن العدل أن يكون السريرة كالعلانية والعلانية كالسريرة. وأن الإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية وان المنكر أن تكون العلانية أفضل من السريرة. ومنها وجدت في الأثر أن المستحل الدائن في فعله وقوله بدين الضلال هو أن يتأول غير دين المسلمين، الناقض لدين المسلمين، المخطئ للمسلمين في دينهم، المضلل للمسلمين في شريعتهم، المستحل في فعله وقوله غير دين المسلمين وغير نحلة المسلمين وغير شريعة المسلمين. هو أن يتأول الكتاب بالكتاب، أو يتأول الكتاب بالسنة، أو يتأول الكتاب بالإجماع فيخالف في تأويله ذلك
(1) أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح: من فقهاء عمان وعلمائها الأجلاء في القرن السادس الهجرى، اشتهرت أسرته بالعلم والفقه، وأبوه هو أبو عبد الله محمد بن صالح الذي توفى سنة 531 ه أو 536 هـ. أما أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح فقد توفى سنة 546 ه. وهو شيخ أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندى النزوانى الأباضى المحبوبي صاحب كتاب «الجوهر المقتصر» وكتاب (الاهتداء، وصاحب (المصنف». (راجع أيضا: السالمي: تحفة الأعيان
ج 1 ص 271، 279). (2) سورة النحل: آية 90. (1/139)
صفحة 140
دين الله عز وجل ودين رسوله ودين المسلمين. أو يتأول السنة بالكتاب أو يتأول السنة بالسنة، أو يتأول السنة بالإجماع، فيخالف في تأويله ذلك
دين الله
عز وجل و دين رسوله محمد الله ودين المسلمين، أو يتأول الإجماع بالكتاب، أو يتأول الإجماع بالسنة، أو يتأول الإجماع بالإجماع فيخالف في تأويله ذلك دين الله ودين رسوله محمد صل الله ودين المسلمين. فهذا هو المستحل الناقض لدين المسلمين المخالف لدين المسلمين المضال للمسلمين الدائن بغير دين المسلمين الذي أسقط عنه المسلمون الضمان فما
بتأويله
استهلكه استهاي که من الدماء والأموال إذا رجع عن دينه إلى دين المسلمين. لقول
الله عز وجل (قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم [137] ما قد سلف) (1).
ومنها: وأما من تأول الرأى بالرأى، أو تأول الكتاب بالرأى، أو تأول السنة بالرأى، أو تأول الإجماع بالرأى، لم يكن حكم هذا كمن تأول الكتاب بالكتاب أو بالسنة أو " بالإجماع فيخطئ الحق
في تأويله.
ومنها (2)، وكذلك الجماعة من أهل الحق إذا كانوا غير قادرين فت أولوا الأثر وظنوا أن لهم ما للجماعة القادرين لم تكن أحكامهم في ذلك أحكام المسلمين المتأولين أصلا بأصل لأن الجماعة القادرين مختلف فيهم
(1) سورة الأنفال: آية 38
(2) ومنها: يقصد: ومن هذه السيرة التي أوردها. (1/140)
صفحة 141
قال بعضهم إن لهم ما للإمام من الأحكام والحدود والجمعة والزكاة وقال بعضهم ليس لهم ذلك لقول النبي (الجمعة والحدود والزكاة إلى الإمام»، ولا يجوز التأويل على أصل مختلف فيه
والمحاربات
ومنها: ووجدت أن الجماعة من أهل الحق والنحلة والدين إذا كانوا أهل تقية وضعف وعجز ظنوا أن لهم ما للجماعة من أهل الحق والتدين والقدرة والبسطة والقهر، فقاموا بالعدل قدر طاقتهم فأخذوا الزكاة بالجبر والقهر لم يسمهم أخذها ولم يحل لهم قبضها ولا التصرف فيها، وكانوا لأخذها ضامنين (1) ولا تعلم في ذلك اختلافا بين علماء المسلمين:
قال غيره، ليت شعرى أين يوجد هذا الأثر وفى أى الكتب
وفى أى السير حتى ننظر فيه ونأخذ بعدله
من
(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الملك العظيم العزيز الحكيم الرءوف الكريم التواب الرحيم
(غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطَّولِ لا إله إلا هو إليه (2) المصير) (2). نحمده على ما أوضح من شرائع الإسلام،. وأظهر من
(1) الضامن: الكفيل. الملتزم. الملتزم برد قيمة الشيء:
(2) سورة غافر: آية 3. (1/141)
صفحة 142
1420
حقائق الأحكام، وأجزل من سوابغ الإنعام، وبين من الحلال والحرام، ومن به علينا من اتباع نبيه محمد عليه السلام، الذى ابلولجت (1) بأنواره
الظلم، وانفجرت من ينابيعه الحكم، ودانت المعجزاته العرب والعجم، صلى الله عليه وعلى آله البررة وكرم
أما
بعد فما امن اتضح له فى الحق نهج، وقامت به عليه حجج،
واستنار له فيه دليل وبرهان، وصح له فيه علم وعرفان، عذر عند الله
في كتمانه بعد حاجة المكلفين إلى إعلانه. قال الله تعالى: (تم الحق بالباطل وتكتُمُونَ الحَقِّ وَأَنتُم تَعْلَمُونَ))
يوم
تَلْبِسُونَ
وقال النبي لا: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه جي به القيامة ملجها بلجام من نار). وقد قيل: «. وقد قيل: «شكر العلم بذله
لأهله، وكفره [138] جذبه عن أهله»
وأنا فلست ممن عقد حياته لتأليف السير، ولا أعد نفسى من أهل
الرأى والنظر البصراء بالترجيح لمحكمات الأثر، لقلة درايتي وتعلمى وضعف
بصيرتي وتفهمى
(1)
لكني أقول كما روى عن القاضي أبي محمد نجاد
(1) ابلولج: أشرق وأضاء.
(2) سورة آل عمران: آية 71.
(3) ورد هذا الحديث الشريف في مسند ابن حنبل، وسنن ابن ماجه، وسنن أبى داود،
وجامع الترمذي.
(4) يتضح لنا من هذه العبارات شدة تواضع هذا العالم. (1/142)
صفحة 143
143
ابن موسي) أنه كان يقول: أما انا لا نقول انا لا نعلم فنكفر أو فنجحد نعمة الله علينا، ولكنا نقول أنا ضعفاء وأن الله تعالى قد علمنا من العلم
ما إن لو لم تعمل به لكان حجة علينا.
ولما أن كان بعض المسلمين قد سأل عما يلزمه في أمن دخله فأخطأ فيه وهو مستحل له، خفت أن يضيق على كتمان ما عرفته ويلزمنى رفع
منه
ما اهتديت إليه وعلمته. فمن وقف عليه أو رفع معناه إليه فلا يأخذ إلا ما وافق الحق والصواب وبالله التوفيق. والذي عرفته من آثار المسلمين أن المستحل الذي أسقطوا عنه الضمان (3) ما أخطأ الحق في إتلافه من الأموال والدماء وما أشبه ذلك في استحلالة في أكثر قواهم، ولم يروا عليه إذا لم يرد شيئاً من التنزيل عن التوبة بالتوقيف وهي أن يقر بتحريم ما استحله من الحرام في دين الله وتحليل ما حرمه من الحلال في دين الله ويتوب منه بعينه، هو المتأول أصلا من من دين الله بأصل من دين الله. والأصول فهى ما جاء في كتاب الله أو في سنة رسول الله
:
صلى الله عليه أو في إجماع أهل العدل من المسلمين أنه حلال أو حرام فإذا ركب الراكب حراماً بالدين متأولا فيه أصلا جلالا بالدين من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فأتلف في ذلك مالا أو نفساً أو ما يشبه ذلك تم عرف خطأه فتاب إلى الله تعالى وأقر بحرمته ورجع إلى قول المسلمين فيه أنه لا ضمان عليه في ذلك
(1) توفى القاضى العماني أبو محمد تجاد بن موسى في القرن السادس الهجري بسنة 513 ه. (2) الضمان: الالتزام بالشيء. (1/143)
صفحة 144
122 -
-
قال الشيخ أبو الحسن (1) رحمه الله: وليس من تأول حلت له الأموال
أنه
إلا من وجه يرى خطأه. فقد قيل أنه يسقط عنه الضمان وضمنه آخرون. وقد عرفت أنه من حجة من أسقط عنه الضمان، قول الله تعالى: (قُل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلفت وإن يعودوا فقد مَضَتْ سُنَّة الأولين)
مطيع الله في فعل ذلك كفعل عائشة (2) ثم يبصر
تم ما وجدنا الإجماع عليه من إسقاط النبي و الضمان عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى حيث لم يوجب جميع ما أحدثوه في حال ما المحاربة ولا قبلها في حال الشرك من الدماء والأموال، فإسقاط الضمان عنهم يدل على سقوط الضمان عن الدائن المستحل. وأرجو الى وجدت أن المستطين الضمان عن الدائن المستحل إنما قاسوه على ذلك، لأن حكم المختلف فيه مردود إلى المتفق عليه، والله أعلم
<
أن
[139] وقد جاء في الإجماع الذى لا دافع له من أهل الحق جماعة أهل العدل من المسلمين الذين هم أعلام الدعوة في الدين حجة الله
(1) هو الشيخ أبو الحسن على بن محمد بن على البياوى. من مشاهير العلماء العمانيين الأباضية في القرن الرابع الهجرى. أصله من قرية بسيا من أعمال بهلا من مدن المنطقة الداخلية
في عمان غربي مدينة نزوى.
(2) يشير هنا إلى السيدة عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، حين خرجت مع
المحاربة على بن أبي طالب في الموقعة المعروفة باسم موقعة الجمل. (3) سورة الأنفال: آية 38.
طلحة والزبير (1/144)
صفحة 145
145
في أرضه على المكلفين من عباده بعد أنبيائه، صلى الله على نبينا محمد النبيين، ما لم يقع منهم إجماع على تقديم إمام بالعدل تجتمع
وعلى جميع
حجتهم له وتنتقل إليه عليهم وعلى غيرهم ثم لا تعود إليهم إلا بظهور زوالها عنه بأحد ما قال المسلمون: وقد جاء فى الكتاب والسنة من الدلائل على ذلك بما لا يحتاج إلى ذكره لقصدنا إلى إثبات الأصل الذى لا منازع لنا فيه من وجوب حجة الجماعة ولزوم اتباعهم في جميع ما حكموا فيه بالعدل الذي هم حجة فيه على الرعية ولا يعدو ضربين أحدهما خارج مخرج الرأى. فما هو خارج مخرج الدين فلا خوض فيه إذ ظاهر أن اتباعهم فيه لازم للرعية باالدين لا يمكن قائلا يقول
بخلاف ذلك
ولا
والذي مخرجه مخرج الرأى فالذى عندنا مما دلت عليه آثار اعتنا نحن بينهم فيه اختلافاً، أن اتباعهم فيه ولزوم ما حكموا عليهم
تعلم
به خارج مخرج الدين لا الرأى وان يستقيم إلا ذلك لأن الجماعة متعبدون فى الإجماع الخارج مخرج الدين أن لا يحكموا فى الرأى إلا ما عرفوا عدله. فإذا ثبت أن عليهم بالدين أن لا يحكموا إلا بما عرفوا عدله لم يستقم إلا لزوم الرعية اتباعهم فيه بالدين، إذ لو جاز يخرج لزوم طاعتهم فيما حكموا به على الرعية من الرأى مخرج الرأى لساغ للمحكوم عليه الامتناع والتمسك بخلاف ما حكموا به عليه مما قد جاء فيه رأى آخر عن بعضهم قبلهم فيقع
(10 - كتاب الاعتداء) (1/145)
صفحة 146
-
ذلك بينه وبينهم التنازع ويحتاجون إلى حاكم آخر بينهم. ثم ما المانع مع عن التوسيع للمحكوم عليه التمسك بخلافه ومضيه على ذلك عند كل
عن
حاكم فيتسلسل هذا إلى ما لا نهاية له. ومن ها هنا يتضح فساد هذا المذهب وصحة ما قلناه من أن طاعة جماعة العدل لازمة بالدين في
ما حكموا به من الرأى أو الدين، وإلا جاز أن يكونوا فريقين يلزم
جميع
أحدها
ويجوز له مجاهدة الآخر وجبره على طاعته وهم الجماعة. ويجوز للآخر الامتناع عنه ومحاربته على ذلك وهم الرعية. وهذا ما لا يقول به أحد من المسلمين إذ لا سبيل إلى دعوى جحد جبرهم للرعية على طاعتهم فيما عرفوا عدله من أقاويل المسلمين، فإن ذلك مفض إلى القول بترك القضاء فيما مخرجه مخرج الرأى فتتعطل إذا الأحكام من هذا الوجه. على أنه لو قدح هذا في جماعة المسلمين لكان في الإمام أقدح لعلل تركت ذكرها كراهة التطويل [140] از کسار هذا الأصل، وهذا ما أظن أحداً يدعيه ولا يسوغه
وأمانا
من
لمدعيه والله أعلم. فعلى هذا الأصل الذى مهدناه كيف ينساغ على قول من قال بإسقاط الضمان من المستحل أن يلزم جماعة المسلمين ضمان فيما أخطئوا في جبايته من صدقات المسلمين على الجبر وهم غير قادرين على إقامة العدل إذا تأولوا أنهم حجة الله على عباده وأن طاعتهم لازمة للرعية بالدين فيما حكموا به عليهم من الدين أو الرأى، وأبصروا عدل جواز جبر الرعية على دفع زكاتهم وفيهم من هو أهل لذلك، إذ لا يسع الرعية الامتناع عنهم إذا أجمعوا عَلَى ذلك، وعليهم طاعتهم على ذلك بالدين. لأنه لو جاز (1/146)
صفحة 147
-
147 -
-
للرعية الامتناع عنهم وجاز لهم هم جبرهم على ذلك لاحتاجوا إلى حاكم يحكم بينهم على ما قدمنا ذكره، وأفسدنا فيه هذا المذهب وأمره ثم تبين لهم خطوهم في ذلك، وأن ذلك إنما هو للجماعة القادرين وقد تأولوا أصلا لا فرعاً وديناً لا رأياً. وإنما يكونون متأولين رأياً فيما حكموا فيه بالرأى
لو لم يجز لهم بالدين الجبر للرعية فيما عرفوا عدله من الرأى وهذا متناقض لا يستقيم القول به ولا أحدا يقبله من المسلمين. فإن قال
نعلم
قائل إنما يلزم الرعية طاعتهم بالدين فيما حكموا به عليهم لغير أنفسهم وهؤلاء في الصدقات حاكمون لأنفسهم خصماء فيها، قيل له لو كانوا حاكمين فيها لأنفسهم لسكان الإمام أيضاً حاكما لنفسه على رغبته في دفع زكاتهم
إليه، لا فرق فيما حكم لنفسه على غيره بما يخرج مخرج الرأى أو الدين إذا كان خصمه منكراً دعواه. والإجماع قد أنه لا يجوز لأحد أن صح يحكم لنفسه على خصمه في حكم الظاهر بدين أو رأى مع وجود من يحكم له عليه إذا أنكره فامتنع عنه. وكذلك الإمام لا يسعه فيما عرفنا أن يحكم لنفسه على خصمه في حكم الظاهر بدين أو رأى فيما ينكره خصمه وعليه أن يحاكمه إلى غيره من قاض أو وال، ولا نعلم في ذلك اختلافاً أنه في الخصومات التي تجرى بينه وبين أحد من رعيته كغيره، وقد أجازوا له على قول من رأى على المتهم اليمين تحليفه، ولا نعلم في ذلك اختلافا وتحليفه إياه بنفسه. وأجمعوا على تصديقه وتصويبه في حكم الظاهر فى كل ما ادعى فيه على رعيته من صحة وجوب الزكاة على
جميع (1/147)
صفحة 148
148 -
--
عائشة
رحمها
طلحة
أحد منهم مع إنكاره ولم يسألوه عن حبسه عن: حبسه لهم على ذلك. فلو كان خصيا فيها لاحتاج إذا إلى حاكم بينه وبين من اتهمه بها أو أنكر ما ادعى عليه الإمام من صحتها عنده. فمن هاهنا صح أن الإمام ليس بحاكم لنفسه في قبض الزكاة [141] على رعيته، وكذلك جماعة المسلمين أيضا ليسوا حاكمين فيها لأنفسهم على الرعية وهذا مالا نعلم فيه اختلافا. وهذه المسألة بعينها هي التي تقدم في مثلها حكم المسلمين الشاهر الظاهر الذي لا ينكره منكر ولا يدفعه دافع ولا مغير وهو حدث أم المؤمنين الله زوجة رسول الله، إذ قد صح خروجها مع والزبير إلى البصرة واستيلاؤهم عليها وجبايتهم لها وأن على بن أبي طالب لما ظفر فرق ما وجده من جبايتهم على أصحابه. وقيل إنهم كانوا اثنى عشر ألف رجل فحصل لكل رجل منهم خمسمائة، وذلك في جامع الشيخ أبي محمد رحمه الله وهو أيضا في سيرة أبى الخوارى يرفعه إلى أبى معاوية عزان بن الصقر، وفى غيرهما من سير المسلمين. وأن المسلمين أسقطوا عن عائشة لما تابت من ذلك الخروج ورجعت إلى الحق ضمان الأحداث التي وقعت في خروجها لأنها كانت مستحلة في حكم الظاهر، والجباية فلا تسقط عن المستحل المخطئ إذا تأول فيها وتعلق بأصل يجوز له ويسمه بالدين. فاعتبرنا السعة في أحدهما
در هم
عندهم
بهم
،
جبر الرعية على تسليم الزكاة فلم نجدها تخرج من غير وجهين،
(1) يعنى جباية الزكاة. (1/148)
صفحة 149
149 -
-
بالدين وهو الإمام العدل إذا ملك جميع المحمر، وحماه، وجرت فيه أحكامه بالعدل. والوجه الآخر بالرأى وهو في الإمام إذا ملك شيئاً المصر وحماه ولم يحم المصر كله. وفي الجماعة من أهل الدعوة من المسلمين. فالوجه الأول الخارج بالدين لا نعلم أحدا يتجاسر على ادعائه تهم إذ لم يعلم أن أحدا قال إن طلحة والزبير في خروجهما بأم المؤمنين عائشة تسموا بإمامة ولا إمرة، وإنما الشاهر الظاهر خلاف ذلك، فبطل أن يحتمل إسقاط الضمان عائشة من هذا الوجه. ولم يبق إلا
عن
الوجه الآخر وهو جماعة المسلمين، والاقتصار على هذا لا يجوز به إسقاط
الضمان
عن
المخطئ، بالإضافة إلى ما قلناه وهو حجة جماعة المسلمين الذين
يجوز لهم ويلزمهم أن يحكموا بعدل ما أبصروه، ويلزم الرعية اتباعهم والتسليم لهم فى هذا بالدين لا بالرأى على ما أوضحنا وأكدنا القول به وشرحناه، إلا فمن ادعى أن جبر الرعية على الزكاة يجوز بغير ما ذكرناه بإجماع أو رأى قد خالف المسلمين. ومن ادعى لطلحة والزبير وعائشة التسمى بإمامة أوامرة فقد ادعى ما يفكره المسلمون [142] ثم ادعى أن أحداً من الصحابة المهاجرين أو الأنصار أو التابعين بإحسان، أو غيرهم غيرهم من أهل العدل من المسلمين ألزم عائشة رحمها الله
الضمان على أنها محرمة فقد كفينا مئونته
وهذه الجماعة الذين وصفناهم
في خطئهم فيما قبضوه من صدقات الرعية جبراً مما حموه هم، عندنا بمنزلة الإمام إذا أخطأ في قبض الصدقة مما حمى جبرا على غير حماية لجميع (1/149)
صفحة 150
-
لأن،
المصر وإنما حمى السكورة أو القطر. فمعلوم أن جبايته لما حماه من المصر ما لم يحم المصر كله، خارجة بخرج الرأى لا مخرج الدين المسلمين قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم إن له أن يجى كل بلد أو قطر حماه من المصر أو ملكه وجرت فيه أحكامه بالعدل ولو لم يحم المحمر كله، وقيل حتى يحمى الكورة ثم إن له أن يجبيها، وقيل حتى يحمى المحمر كله ثم له أن يجبيه وإلا فليس له أن يجبيه ولو حمى بعضه حتى يحميه كله، العدل حيث قدر عليه من المصر ولا نعلم في ذلك اختلافا. وأجمعوا على أنه ليس له أن يجبى من المصر ما لم يحمه ويقدر فيه على إقامة العدل ويمنع غيره من التظاهر بالظلم فيه. فإن فعل فلعل عليه الضمان في أكثر قول المسلمين. وقد وجدت في جواب القاضي أبي زكريا يحيى بن سعيد (1) في كتابه المعروف بالإيضاح من الزيادة التي
وعليه أن
يقيم
(2)
أضافها إليه القاضي أبو محمد نجاد بن موسى: «وما تقول في وال بعث رجلا إلى قرية يقبض زكاة أهلها والبلاد ليس فيها أمر بالمعروف ولا نهى عن المنكر أله أن يقبضها منهم يجبر ورضا؟! أرأيت إن قبضها على من الضمان إن كان لا يجوز؟! الجواب: لا يلزم الرعية زكاتهم إليه إلا بعد الحماية من الجور، وأما إن تبرعوا بتسليمها
(1) قتل القاضي أبو زكريا يحيى بن سعيد رحمه الله تعالى في سنة 472 هـ (السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 258). (2) قتل القاضى أبو محمد نجاد بن موسى سنة 513 ه (السالمي: تحفة الأعيان ج 1
ص 259). (1/150)
صفحة 151
101
-
فله قبضها، غير أن الإمام لا يرسل من يقبض زكاة قوم إلا بعد أن يحميهم، وإن قبض من غير حماية فقد سمعت أنه لاضمان عليه في ذلك
والله أعلم».
فالله أعلم بعدل هذا القول وصحته لا أقول به ولا فيه شيئاً، وبالله
التوفيق
قال غيره، إن قول العالم سمعت أنه جائز أو لا يجوز، وسمعت ضامن أو لا ضمان عليه، ان ذلك ليس بفتوى ولا يجوز أن يعمل بقوله هذا لأنه إنما حكى ولم يفت، هكذا وجدته في آثار المسلمين والله
أنه
أعلم.
رجع إلى الكتاب. فإن ثبت على الجماعة الضمان فيما أخضئوا في استهلاكه على الاستحلال على هذه الصفة من الدماء والأموال) وإن
فعلهم هذا يخرج مخرج التحريم لا مخرج الاستحلال، ثبت ذلك في الإمام إذا [143] تبين خطوه بعد أن أجبر أحداً من الرعية على دفع الزكاة إليه
قبل أن يحمى المصر كله، وهذا ما سمعنا أحداً قال به من علماء المسلمين
فإن قال قائل إن عائشة، وإن احتمل لها التعلق بحجة الجماعة، فقد كان
(1) الدماء: الحدود والقصاص.
(2) الأموال: الزكاة والجزية. (1/151)
صفحة 152
-
لها ولأصحابها الطول والقدرة، وهؤلاء عاجزون، فإنما قدروا بإظهارهم النسى الخطأ
للإمامة على ما يجوز فافترق معناهما. قيل له، المعنى الذى من قبله وقع على الجماعة فهو ما ذكرت، لولاه ما كان هناك لزوم توبة ولا غيرها إذا عائشة وأصحابها
وافقوا العدل. كما أن المعنى الذى من أجله وقع الخطأ
على
لو ساموا منه ما كانوا مخطئين في فعلهم ذلك ولا لزمهم توبة ولا ضمان، وإنما استووا في الخطأ بالدين نفسه، لا من أجل أنه خطأ بوجه كذا فيجب
أن يكون بغير ذلك يخالف الأول فى إسقاط الضمان، بل من حيث دخل
الخطأ
بالدين على تأويل الحق بالدين، استوى الحكمان في إسقاط الضمان والله أعلم. فإن قيل هؤلاء لو سلموا من العجز لدخل عليهم الخطأ من قبل التسمى بالإمامة على ما لا يسع، وأولئك لو سلموا من الخروج من طاعة الإمام لوجوده فى ذلك الحال لما دخل عليهم هنالك خطأ من وجه آخر قيل له، هذه المعارضة غير لازمة وفى جريان العلة غير قادحة، فإنه سواء
الخطأ دخل عليهم من وجه أو وجهين أو أكثر فهاهم مخطئون ولا معنى لزيادة الخطأ ونقصانه وإنما ذلك في الإثم لا إسقاط الضمان فليس إسقاط الضمان من حيث ان الخطأ من وجه واحد فيجب أن يكون واجباً على من أخطأ من من وجهين، وإنما المعنى الخطأ فيما لا يجوز بالدين على التأويل لأصل بالدين، فحيث وجد الخطأ من وجه أو أكثر فحكمه سواء ولا أظن أحداً يدعى هذا المعنى فاحتاج فيه إلى كثرة احتجاج. كيف وهؤلاء الجماعة
بتسميهم
هذا قد ارتفع عنهم العجز في بعض المواطن وصاروا (1/152)
صفحة 153
- 153
--
قادرين ولم يبق الخطأ إلا من قبل التسمى. وإن كانوا هم في ذات أنفسهم عاجزين، وإنهم بمن دخل عليهم الخطأ. من أجله قادرون فلم يجد بحمد الله تعالى مساغاً لتضمين الجماعة فما أخطئوا فيه على الاستحلال على هذه
الصفة على قول من أسقط الضمان عن المستحل
وقولى قول المسلمين فى ذلك وفى غيره وأنا أستغفر الله وثائب إليه من كل خطأ داخل على فى قول أو فعل أو نيّة في هذا الكتاب أو غيره. فمن وقف عليه فليعرضه على المسلمين ولا يأخذ منه إلا [144] ما وافق الحق والصواب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد وآله الطاهرين وسلم عليه وعليهم أجمعين.
مسألة
وجدت في الأثر أتى معصية على القدين فلا تجزيه التوبة في من الجملة إلا بالتوقيف على التوبة منه حرفاً حرفاً ويتوب من كل شيء بعينه إلا أن يتوب من شيء يدخل فيه شيء مما يدين به ويكون هذا أصلا لذلك، فإذا تاب عن الأصل الذى يدخل فيه غيره كان عندى تائباً مما
يدخل فيه في الحكم.
تم ما وجدت والحمد لله وحده (1/153)
صفحة 154
- 108
(~).
-
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى من بلغه كتابنا هذا جميع المسلمين، سلام عليكم فإني أحمد من جميع
إليكم الله الذى لا إله إلا هو الجبار العلى العزيز القوى الكريم الغنى الذى
Ide
جل عن الشبيه والنظير، وتقدس عن النسيب والوزير، وتعالى عن المعين والمشير، ذلك الله العلي القدير المحيط بكل شيء، وهو السميع البصير باعث نبيه الصادق محمد العلم الشارق (1) الذي أنارت بنوره الآفاق، فصلى الله عليه وسلم بالغدو والإشراق صلاة يطلع عمودها في المنشر والمحشر، ويؤمننا الله بشرفها يوم الفزع الأكبر من أطيب أرومة وأعظم جرثومة (2)
إلى
عصمة
كافة البشر
أما
من
بعد: إخواني الخالص في خلتهم سريرتي وإعلاني، قدر الله نزغات الشيطان، ووقاكم مصارع الملكة والخذلان، وأيقظكم
من سنات (3) الغرور بالأمل، ووفقكم لصالح العمل، حتى تسلكوا سبيل أنتكم المهتدين، وتقفوا آثار أنتكم الراشدين الذين أذلوا أنفسهم للعز المقيم، وأدانوها للشرف العظيم، وقدموها الملك الجسيم، وبذلوا خوفاً من عذاب الله الأليم، يوم يقول الله: يا أوليالى الذين
مهجهم
(1) الشارق: الشمس حين تشرق.
(2) الجرثومة: الأصل، وهذا المعنى غير المعنى المعاصر الذي يعنى بالجرثومة: الميكروب.
(3) السنت: القليل الخير: النجدب. (1/154)
صفحة 155
أراقوا دماءهم في فيأتون متقلدين السيوف وجراحهم ينضح بالدم على لون الزعفران ورائحة المسك. ويقولون للخلائق: افرجوا لنا عن الطريق فنحن الذين أرقنا دماءنا وأيتمنا في الله أبناءنا وأرملنا في الله نساءنا. فمن النبي أنه قال: «فلو كنت أنا وإبراهيم الخليل صلى الله عليهما لأفرجنا لهم عن الطريق لما نعلم من كرامتهم على الله». وقيل إنه ينتهى [145] من شرفهم أنه تكون لهم موائد تحت العرش والناس في أهوال القيامة، فإذا سمعوا صواعق القيامة قال بعضهم لبعض كأنه صوت الأذان في دار الدنيا. فلم يزلوا على ذلك حتى أحيوا دين الله بموتهم وتداركوا دعوة الحق بقوتهم لم يشتغلوا بفتن أهل العمى، ولا مهالك أرذال العلماء من التباغض والتحاسد والتنافس والتفاسد والتعاتب والتواجد والمقاطع، والتطاول فى التناسب، والتكاثر في المكاسب. بل كانت وجوههم مضيئة، ومنازلهم خطيئة (1)، وشيمهم مرضية، ذوى ثقة وعبادة وتعلم وزهادة وتواضع وخمول)، ونصائح وقبول، سليمة قلوبهم مغفورة ذنوبهم، كما قال الله عز وجل: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على
الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوان
سيماهم في وجوههم من أثر السجود) (3).
(1) الحظوة: المكانة والمنزلة عند الناس. الحظى: الذى أحبه الناس ورفعوا منزلته.
(2) خول: ضعف
(3) سورة الفتح: آية 29. (1/155)
صفحة 156
1??
فهمهم جهاد من ضلل دينهم وشكك يقينهم وخون أمينهم، وانتهك المحارم، وافترش المآتم، وأظهر المظالم، حتى يكون العدل منشوراً والحق منصوراً، ويرجع الباطل مدحوراً والجور خفيا مقهوراً، الا وقد قال الله:) أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم مَنْ أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدى القوم الظالمين) (1).
والنهار
هيم
بريم
فاحذروا أيها الإخوان ويا أهل الصلاح من أهل عمان أن تقطعوا بغير قياس، أو تبنوا على غير أساس، فإن الأمر عظيم والخطب جسيم. واعلموا أن الإمامة رفيعة درجتها، محفوفة والليل لامتها، فريضة حجتها أنها لا تلزم الأنام في حينها أحكامها، ولا تثبت على الرعية أقسامها، إلا بظهور شرطها المعروف وشهرة سبيلها الموصوف. وأقل ذلك على ما عرفناه وحفظناه من الأثر ووعيناه أن ما يكون المتولون لعقدتها والمتقدمون في بيعتها هم المشهورون بالعدالة وأهل الاستقامة في العمل والمقالة، الذين يتولون بعضهم بعضا ويرون ذلك عليهم فرضا: فهذا أول ما يكون حجة في ظاهر الأحكام على من الأنام، لأن على الرعية للإمام حقوقا معروفة من اعتقاد ولايته، والتزام طاعته، ومفارقة من تصدى لمحاربته وسفك الدماء تحت رايته،
من
بلغه
(1) سورة التوبة: آية 109. (1/156)
صفحة 157
1570
-
لهم
وتسليم فرض الصدقة إليه وما أشبه ذلك واتصل به من معانيه. لاتقوم الحجة وعليهم فيما وصفناه إلا بالمعنى [146] الذي ذكرناه من شهرة عدالة المقدمين له وظهور فضل الماسين أصله. فكذلك الإمام وأعوانه وأصحابه وخلانه لا يسعهم جبر الرعايا على تلك الحقوق التي ذكرناها إلا بعد ظهور الحجة التى أصلناها .. وأنتم أيها الإخوان بقية من انقرض، وخلف من سلف ومضى من الأئمة الأنقياء والأفاضل الأولياء، والأعلام الأذكياء. ولكل زمان رجال هم حجة فيه على كل حال، وأنتم رجال هذا الزمان وعيون أهل عُمان الآبين ذلك أسباباً وتواجداً واعتاداً، فإياكم، فإياكم صفة الرعاع أن تكون عند الإجماع. كما قال الله. تعالى) تجد بهم جميعا وقلوبهم شتى () (). صانكم الله من هذه الصفة القبيحة ونجاكم وإيانا من الخزى يوم الفضيحة. وعليكم بطهارة القلوب
من كل دنس وحوب (2)، وسلامة الصدور من كل غل وكندور (3) والشفقة على الدين والمحبة لرب العالمين. فإذا اجتمعتم قتها دموا (1) الأعقاب (5) ثم تراجعوا إلى المتاب، فمن لزمه منكم التوبة بالتوقيف فعل. واعتقدوا الخلاص من جميع الحقوق إلى أهلها والخروج إليهم
(1) سورة الحشر: آية 14.
(2) الحوب: الهلاك والبلاء.
(3) الكدور: نقيض الصفا.
(4) تهادموا: تهادروا.
(5) أعتبه: أزال عتبه وترك ما كان يغضب عليه لأجله وأرضاه (1/157)
صفحة 158
158
-
منها على وجهها وعدلها، وصدقوا مقالكم بالفعال، وتحلوا بمحاسن الخصال، ثم اتلوا على أنفسكم نسب الإسلام الذي اجتمعنا عليه تلك الأيام بعد أن تثبتوا منه فصلا واحداً وهو قوله بالبراءة ممن دان بتضليل من قال بالسوء عن معرفة الحكم فى فعل أهل الضلال أن يكون ذلك على من صحت عنده الأحداث وجهل حكمها. فهكذا عرفنا عن الشيخين رحمهما الله وسائر ذلك والولاية فيه على تلك الصفات، وكذلك البراءة من أهل تلك الصفات ومن المعنيين بالشريطة على ما كان منهم من الأحداث الموصوفات، إلا من صح معه حكم ذلك، واعتقد أن قوله فيما سوى ذلك قول المسلمين: وهذا بعد استدعاء جميع ما قدرتم عليه من الإخوان واستحضار من طمعتم فيه من صالح البلدان وأخذ رأى من أمذر كل قاص فى مصركم ودان، ثم تأكدوا في العهود من و الاشتراط، وتجاه وا عن التثبط والاشتطاط، وخذوا أثراً قد رفعناه
:
اكم عن بعض أنمتنا وكتبناه لكم عن فقهاء أهل نحلتنا، تذكرة لكم وتقديماً وتأكيداً عليكم وتسليما، لا استجهالا لكم وتعليما، ولا استصغارا وتفهيما، [147] بل كما قال الله تعالى: (فذكر إن نفعت الذكرى. سيذكرُ مَن يخشى. ويتجنبها الأشقى ((1). فاعرفوه عن البررة العدول وتلقوه برحب القبول، واجعلوه أصلا لأموركم وأساساً
(1) سورة الأعلى: الآيات 9 - 11. (1/158)
صفحة 159
159
-
لقاعدة جمهوركم، حتى كأن الشيخ أبا المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله والقاضى أبا عبد الله محمد بن عيسى في جماعتكم في وقتكم ذلك وساعتكم يتكلمان لكم بما سنرفعه لكم عنهما وأنتم تسمعونه
شفاها منهما
•
قال أبو المنذر رحمه الله فيما وجدنا منه: «ألا ولكم الأسوة الحسنة والحجة البالغة بسلة حكم المقدم لكم إجراء الولاية بينكم واعتقادها منهم والرعاية الحرماتها فيهم وما قالوا فيها ودانوا به منها فيما اتصل من معانيها في فروض الإمامة التي لاتقوم الحدود المفروضة وكثير من الحقوق الواجبة إلا بها، ثم لا تقوم الإمامة إلا باجتماع الأولياء عليها فهذه فروض
•
محملة وببعضها بعض متصلة، وقد قيل ما لا يكون الفرض إلا به ففرض
•
مثله ما لا يقع المجز عنه» قال غيره: عندنا أنه أراد أن الحدود والحقوق التي هي فريضة لا تقوم إلا بالإمام، فالإمام إذا فريضة ولا تقوم
الإمامة إلا بالولاية قالولاية أيضا فريضة والله أعلم
رجع إلى قول أبي المنذر: «وجماعة فقهاء كل دهر هم حجة في دهرهم على من يليهم بما ينفصلون به من البيان عن مخالفيهم، وليس وان وقت فروعها، ولطفت عن الإدراك حقائقها، بمسقط ذلك فرضها. ألا فاتقوا الله إخواننا في فريضة الولاية، فأنا قد خلنا كم أو بعضكم قد آنستم الوقوف فيها وبالشكوك في أهلها، وقد علمتم أنها لم تفرض عليكم على إصابة مغيب عنكم فيها ولا على المعلوم لله
من معانيها (1/159)
صفحة 160
وإنما حكم عليكم ولكم بها على ما ظهر دون ما بطن. ولو خالف الظاهر ووافق الباطن لكان محجوجا بذلك في حكم المتعبد له به، ولو حكم ذلك فعليه بغلبة الظن في قلبه لأنه لم يكلف الإحاطة بالحق في مغيبه، ولم توضع الولاية له على ظهور جملة الطاعة منه لربه. ولو كان الإمساك عن اعتقادها ما يتولج القلب من الشك والشبهة فيها مباحاً، لكان ذلك فى الإقدام عليها، ولو كان ذلك كذلك لسقط فرضها ولوجب ذلك فى الفرائض كلها. ألا فخافوا الله في ترك استئنافها كما تخافوه في تركها بعد اعتقادها كما تخافوه في ججودها، ولو لم يحرم تركها جحد فرضها لأن الحكم واحد فى مستقبلها ومستدبرها وإن اختلاف فما به اثباتها وفسخها.»
قال غيره: الذي عندى [148] انه أراد وإن اختلف فيما به إثباتها، يعنى اختلافهم في استحقاقها، بالموافقة في القول دون العمل، وفى الاستدامة التي سنذكرها بعد هذا وبما أشبه ذلك. وقوله: وفسخها يعنى بما قد اختلف فيه فى الولاية إذا ثقلت القلوب منه فيما يأتي وفيما ركب من الأحداث التي تختلف في زوال الولاية بها وما أشبه ذلك. يقول: وإن اختلف فى ذلك فهى في نفسها واجبة لا عذر في ابتدائها ولا إتمامها، والله أعلم بجميع ذلك.
رجع إلى قول أبي المنذر: (ألا فلا توسعوا لقلوبكم إخواننا في تركها ولا ترك الاجتهاد الله فيها بالاستغفار لمن لم يعتقد فيها بغير حجة صدق (1/160)
صفحة 161
--
-
بعضا فيما
ولا بيان عدل. ألا فانظروا في الإنصاف من أنفسكم لبعضكم يجب الله من حقوقها وقد شرع الله لكم التوبة وجعلها اكم طهارة
تستحقون بها الولاية وتدرون بها الشبهة فلكم فيها الكفاية، فإليها فارجعوا بأبلغ المناصحة الله فى الله فإنها قربة. ثم قال أبو المنذر في آخر كتابه: «وقد توجه إليكم عليه من إخوانكم وأهل نحلتكم في جمع شملكم وإصلاح ذات بينكم محتسبين أنفسكم في طلب الفضل لها بإجراء الولاية بينكم وعقدها لبعضكم بعضا منكم، نصيحة بالغة ولكم فضلها فيكم، ألا نضعوا لها جدودكم خاضعين الله بها مذعنين لها والله حسبنا ممن يردها منكم. ومن رأينا رحمكم الله أن تعانوا الأهتاب التي بينكم وأن تلاطفوا وتعاطفوا وتناصفوا وتواصلوا بالحق وما مضى عليه سلفكم بالتواضع لبعضكم بعضا، لا يرى أحد منكم لنفسه فضلا على أخيه فإنها الآفة العظمى. ألا ولا تحقروا صغيرا منكم وخذوا بيده إليكم وضموه إلى جماعة حكم وافزعوا جميعاً إلى التوبة فإنها مالكم والعصمة لكم والكفاية التامة الجميعكم من جميع ما شكل عليكم.» فهذا الذي كتبناه
لكم مما وجدناه عن أبى المنذر رحمه الله، فتأملوه واعملوا به واقبلوه.
وقال أبو المؤثر في كتاب الأحداث والصفات: «فإذا ظهر المسلمون اجتمع في الأرض فقهاؤهم وذوو الرأى وأهل الفضل منهم واجتهدوا الله في النصيحة فاختاروا رجلا طاعة الله لا لطاعتهم، ولا يريدون أن يملكوه
(11 ـ كتاب الاهتداء) (1/161)
صفحة 162
162
ويعملوا ما شاءوا ولكن أرادوه أن يملك الأمور بالمدل واتباعاً لمرضاة الله لا لمرضاة أنفسهم، ثم يختارونه الله، أفقههم وأعلمهم وأقواهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الحكم بالعدل وعلى محاربة [149] العدو، والذب عن الحريم، وعلى جباية مال الله من حله، وإنفاقه في أهله فإن تجدوه عالميا فقيهاً فلا بد من هذه الخصال. وأقل ما يكون من علم الإمام والوالى أن ينظر الولاية والبراءة ثم مع ذلك لا يدع التعليم ولا يدغ مشاورة أهل الفقه المسلمين من
قال غيره: وقد وجدت عن الشيخ أبى الحسن رحمه الله أن الإمامة على ضربين: إمامة شرا وإمامة دفاع، فأما الشرا فينقسم على قسمين، فإمام شرا عالم من العلماء بصير مميز قومي ورع على ما يؤمر به من صفات الإمامة.
والقسم الثاني فإمام عنده ما يتولى يبصر نفسه ويبرأ يبصر نفسه إلا أنه ضعيف في الشريعة والأحكام، فقد قيل إنها تجوز إمامته إذا كان
قوياً ورعاً، وأقل ما تجوز الإمامة إذا كان على هذه الصفة.
نفسه اتفاقاً
ولا تجوز إمامة الشرى لمن كان لا يتولى بنصر نفسه ولا يبرأ ببصر. وتنقسم إمامة الدفاع على أربعة أقسام، فإمام دفاع عالم من العلماء بصير مبصر قوى على أمور المسلمين وحاله ومنزلته في أكثر أموره بمنزلة الإمام الشارى إلا أنه قد أجازوا له أن يبرأ وأجازوا غزله طائعاً وكارها إذا وجدوا من هو أفضل منه أو من هو مثله واتفقوا على ذلك (1/162)
صفحة 163
- 163
وقد اختلفوا فيه فقال بعضهم إنما يجوز لهم عزله إذا وجدوا من هو أفضل منه، وأما مثله فلا يجوز لأن الأمر قد حصل ووقع في بعض مواضعه والله أعلم، وإمام دفاع على ما تقدم شرحنا بصير بما يتولى به ويبرأ به ضعيف في سائر أحكام الشريعة. فالشرط عليه في ذلك كالشرط في إمام الشرى والدفاع على ما تقدم. وإمام دفاع إلى وقت مؤقت فهو كالوكيل للمسلمين إلى وقت معلوم. وإمام دفاع فى شئ معلوم مثل أن يدهم المسلمين حرب أو رباط أو مثل ذلك، فإذا زال ذلك زال حكمه إلا أن يرى المسلمون تثبيته ورأوه موضعاً للإمامة فافهم والله أعلم. وقد وجدت أن
عزل الإمام المدافع على ضربين، عزل بحدث يوجب عزله وزوال إمامعه وعزل بغير حدث وقد اختلف المسلمون فيه، فالذي يجيز بمزله لا يرى عزله إلا بعد أن يجدوا إماماً يقوم بأمور المسلمين ممن هو أولى بالإمامة منه، فإذا عزلوه قدموا الإمام الثاني، ولا يجوز عزله وتهمل أمور المسلمين وتضعف دعوتهم، والله أعلم:
وقال أبو الحسن أيضاً: وقد اختلف في الضرورة إلى الإمام الضعيف فقال بعضهم إن الضرورة إذا خافوا على الدولة أو أمور المسلمين أن تذهب، وعلى الرعية والبلاد أن تعطب، جاز لهم أن يبايعوا رجلا بيعة دفاع [150] إذا كان له قوة نظر وورع وتوقف ولو كان لا يتولى ببضر نفسه ولا يبرأ ببصر نفسه على شروط يشرطونها عليه أن لا يقدم على (1/163)
صفحة 164
- 164 -
-
شيء من أمور المسلمين إلا بمشورة المسلمين من أهل العلم والورع، ولا يقع هذا الاسم إلا على الأولياء لا غير ذلك.
قال: وأقل شروط المسلمين التي يشترطونها على الإمام الضعيف مالاً ولا
ولا يجوز أقل منها: ولا يقبض مالاً ولا يأمر بقبضه، ولا ينفق يأمر بإنفاقه، ولا يولى والياً ولا يأمر بذلك إلا بمشورة المسلمين أهل العلم والورع، والله أعلم.
قال غيره، وقد وجدت أنه إذا حكم بحكم بعد هذه الشروط في مال، أو نصب حرباً، أو قتل نفساً على وجه الحكم من غير أن يدعى حقا لنفسه خاصة فمورض فى ذلك وقال: فعلت ذلك بمشورة المسلمين، قبل منه ذلك ولم يكن عليه أن يبين من شاور منه ذلك أو لم يطلب. وقال بعض عليه أن يبين إذا طلب منه أو لم يطلب ليزيل عن نفسه الزيب والشبهة من قلوب المسلمين. فإن احتج برجل من أهل الدعوة إلا أنه ممن لم تثبت له ولاية عند المسلمين فلا أعلم له حجة بذلك. فإن احتج يقوم قد ماتوا على قول من يقول، عليه أن يبين ذلك، فلا يُساء به الظن وهو على منزلته. وأما من لا ولاية له فلا يكون من أهل الشورى في هذا. فإن احتج برجل واحد من أهل الشورى فهو له حجة لأن هذا بمنزلة الفتيا بالحكم.
ووجدت أنه إذا طلب إلى المسلمين أن يكتبوا له كتاباً يبينون له (1/164)
صفحة 165
- 190
-
ما يأتى من ذلك وما يذر، فليس له أن يعمل بما فيه إلا أن يأذنوا له بذلك ويجعلوا له أن يعمل بذلك، جاز له. فإن تبين لهم أنه إنما يريد حجة من المسلمين ويعمل هو على ما يريد فلهم منعه عنه وعليه قبول ذلك، وليس لهم إذا علموا منه أنه إنما يريد بذلك التفرد عن مشورة المسلمين، فليس لهم أن يكتبوا له إذا طلب ذلك منهم مخافة أن يقع فيما
لا مخرج له منه .. له ..
التي بويع
ووجدت عن الشيخ أبى محمد أن الإمام الضعيف إذا زايل الشروط عليها زالت إمامته وكان عليه التوبة، فإن تاب ولم يكن أتلف يخلفه مالاً ولا نفساً وإنما أخطأ في بعض ما عاقدوه عليه سقطت إمامته وثبتت ولايته، وليس لهم أن يبايعوه ثانية إلا بعد الاستبراء والاستتابة (1)، فإن رأوا، فإن رأوا منه الوفاء والورع لم تضق عليهم مبايعته ثانية واستبرءوا أمره سنة بعد ذلك، فإن استقام على الحق، ثبتت إمامته على جميع أهل المصر، وإن لم يف فلا يكون [151] إماماً والله أعلم. ثم اعلموا
رحمكم الله أن الإمامة لا تكون إلا بعد المشورة ورضى المسلمين.
قال أبو المؤثر فإن قالوا نحفظ أن الإمامة تثبت بعقد رجلين مسلمين (2)
قيل لهم، كتاب الله وآثار السلف حاكم عليكم وعلى من تحفظون
(1) كتب في المخطوط: «الاستدامة،
عنه
(2) انظر عن اختلاف المتكامين فيمن تنعقد بهم الإمامة. (الأشعرى: مقالات الإسلاميين ج 2 ص 149). (1/165)
صفحة 166
-
(1) ~
ولو كان كما تقولون لبطلت الشورى وتماكر المسلمون، واسكان إذا عن لم يجتمعوا ولم يتشاوروا، ومكر كل اثنين منهم في موضع واستبقوا الإمامة واختلسوها فيما بينهم، وادعى كل اثنين منهم السبق بالإمامة، واحتاجوا إلى حاكم وشهود، وصار بعضهم خصما لبعض. حاش لله من ابم أى الشاذ!! أين فضل الشورى!! والله يقول: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرُهُمْ شُورَى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) (2). فذكر فضل الشوري بين الصلاة والزكاة. وما قدم إمام قط إلا بمشورة من عامة المسلمين ممن حضرهم. وما بايع المسلمون أبا بكر وعمر رحمهما الله إلا عن مشورة المسلمين ورضى من المهاجرين والأنصار، وما استخلف أبو بكر و عمر رحمهما الله إلا بمشورة المسلمين. ومما كتبناه لكم أثراً وجدناه ونرجو أنه القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى أو غيره من أصحابنا. عن
سألت يا أخي عن
الجماعة إذا اجتمعوا من المسلمين فهم من الضعفاء المنتحلين لدين رب العالمين وأرادوا عقد إمام يقوم بشرائع الإسلام، كيف يجوز لهم الدخول معهم فيما وصفت والسلامة في وصفت والسلامة في دخولهم في عقدته ويكونوا سالمين في بيعته وصفقته وفيهم من يخفى عليه أمر الإمام القائم بأمور الأنام؟! أما الدخول معهم فيما وصفت والسلامة في دخولهم لما
(1) كتب في المخطوط «عنى»، ومعنى عن:
(2) سورة الشورى: آية 38.
وقد سقط من الآية في المخطوط (وأقاموا الصلاة). (1/166)
صفحة 167
1670 -
-
شرحت أن هذا الإمام إذا وافقك في القول والعمل جاز لك ولايته،
فإن وافقك ولم تعلم منه شراً ظاهراً كان في المسألة الاختلاف، فمنهم من
if
يقول لا يتولاه حتى يستديمه بعد الموافقة وهو قول محمد بن محبوب رحمه الله. واختلفوا في الاستدامة فمنهم من قال شهران وأحسب أن بعضاً قال ثلاثة أشهر. وقال من قال: ويوجد أن بعض المسلمين تولى رجلا في ثلاثة أيام. وفيما وجدنا عن القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى: فأما من احتج بفعل الجماعة لما أرادوا تقديم من قدموه إماماً استتابوه ووافقوه وعقدوا له الإمامة، فالذى سمعنا أن ذلك الرجل كان قد ظهر منه صلاح وحسن طريقة ونزاهة ووفاء عهد [152] وقبول من المسلمين في أيام إمام غيره، فلما حدث بالإمام ما حدث حددوا له توبة على صلاح قد عرفوه منه قبل حاجتهم إليه وقبل تعريفهم له بالإمامة، فهذا وجه ترجى فيه السلامة. فأما أن يعترضوا رجلا معروفاً بالفساد في دينه مما يحرمه على نفسه ويطلبون منه التوبة والموافقة على نسب الإسلام فيعطيهم ذلك طلباً للدولة والمملكة، وكيف يجوز لهم ولايته على هذا؟! فكيف يجوز لهم عقد الإمامة
وتقويض أمور الرعية إليه وهو في موضع التهمة والارتياب؟!
رجع إلى الأول: ومنهم من قال لا أدخله في الإسلام إلا أن أراه حريصاً فيه مجتهداً في طلبه، فإذا رأيت حرصه في ذلك وافقته وتوليته (1/167)
صفحة 168
-194 -
من حين ما أدخله في الإسلام، وهو قول سعيد بن محرز رحمه الله). ومنهم من قال إذا وافقك في القول فأدخلته في الإسلام وتوليته من حين ما أدخلته ولا يشترط في ذلك شرطا ودليلهم على ذلك قول الله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمناتُ يُبَايِمْنَكَ عَلَى أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين بهتان يفترينه بين أيديهِنَّ وَأَرْجُلِينَ وَلا يَعْصِينَكَ في مَعرُوف فبايع من واستَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رحيم). فلم يأمر الله نبيه
عليه السلام بالانتظار لينظر علم من وهن مشركات والموحد أقرب من المشرك في المعاني كلها، وأمره بالاستغفار من قبل أن يستدين، والاستغفار ولاية، فأثبت ولايتهن من حين أدخلين في الإسلام. وكفى بهذا حجة لإيضاح الحجة، وبالله التوفيق.
قال غيره، وقد عرفنا فى بعض القول أن الدائن المستحل أهون في باب التوبة ولاية من المنتهك المحرم والله أعلم.
: فإن رفع إليك ولاية هذا الإمام رجل تقولاه
إلى الأول رجع كنت في رفيعته بالخيار. فإن سألت هذا الولى عن هذا الإمام فرفع
(1) كان سعيد بن محرز من علماء المسلمين في عمان في القرن الثالث الهجرى، وكان معاصراً لإمامة المهنا بن جيفر (226 - 237 هـ) ولإمامة الصلت بن مالك الخروصي الذي
ولى الإمامة بعد وفاة المهنا
•
(1) سورة الممتحنة: آية 12 (1/168)
صفحة 169
---
إليك ولايته كان عليك أن تتولاه، وبين الرفيعة والمسألة قبل الرفيعة
فرق في أكثر القول وفيه اختلاف.
قال غيره، قد قيل هو بالخيار، سأله عن ولايته أو رفع إليه قبل المسألة أو قبل الإخبار له على حال، وعليه ولايته، وقيل إن سأله فعليه
قبول رفيعته وإن لم يسأله فليس عليه والله أعلم
رجع [153] إلى الأول: والرفيعة لا تقبل إلا ممن كان عالما بأحكام الولاية والبراءة. ثم اختلفوا فى المعرفة بأحكام الولاية والبراءة، فقال من قال: هو الذي إذا سئل أجاب في أكثر المسائل، أحسب في الولاية
والبراءة
وقال من قال: مَنْ عرف ما يسع جهله وما لا يسع جهله،
فهو عالم بأحكام الولاية والبراءة
قال غيره، عرفت أن حقيقة ما لا يسع جهله هو ما تعبد به العبد في حاله تلك وساعته تلك مما تقوم به عليه الحجة من المقل أو السماع، وحقيقة ما يسع جهله مالا يتعبد به العبد فى حاله تلك وما يكون بتركه سالما، كان مما تقوم به الحجة من العقل أو السماع، وشرح ذلك يتع، وأرجو أن لا يخفى عليكم ذلك إن شاء الله
رجع إلى الأول: وقال من قال إذا كان عالما بالمؤمنين من الكافرين
فهو عالم بأحكام الولاية والبراءة، هكذا أحسب أني وجدت هذا القول (1/169)
صفحة 170
- 170
-
قال غيره: هذا مجمل من القول لأن المؤمن لا يستكمل الإيمان إلا تجميع خصال الإيمان كلها ولا يكون عالما بأحكام تلك الخصال كلها
إلا عالم والله أعلم.
رجع
إلى الأول، فإن شهد عندك شاهدان بولاية هذا الإمام كان عليك أن تتولاه ولا أعلم في ذلك اختلاقا.
ومن غيره، رفيقهما عندنا وشهادتهما بالولاية سواء ولا تقبل إلا من العلماء بأحكام الولاية والبراءة، وأما من الضعفاء فلا تجوز الولاية بولايتهما إلا أن يشهدوا عن عالم، فإذا شهد الضعيف الواحد عن العالم يتولى فلانا، كان في المسألة اختلاف. وكذلك إن شهد اثنان عن عالم واحد، فإن شهد اثنان عن عالمين كلاهما يشهد عن كل عالم على حدة أنه كان يتولاه جازت الولاية بذلك والله أعلم.
أته
أنه آثار المسلمين إن تعذر
ونقول نحن على ما عرفنا من ذلك جميع وكان في الجماعة من ضعفاء المسلمين اثنان وليان يعرفان ذلك الإنسان شهدا عندهم بصفته ثم ينظر المسلمون في تلك الصفة فإن كانت توجب
الولاية تولوه على ذلك، وكان ذلك وجها من وجوه الحق إن شاء الله إلى القول الأول. وقد وجدت عن أبى الحوارى لو أن جماعة رجع من المسلمين جاهلون المعرفة إلا أنهم يقولون بعضهم بعضا، اجتمعوا على عقد إمام كان ذلك جائزاً. ولملك قد وقفت على ذلك فلم أحتج
إلى شرحه (1/170)
صفحة 171
-
-
قال غيره: [154] وذلك إذا كانوا أقل ما تثبت به العقدة وإنما جهلهم في سائر العلوم إلا ما يختص بالإمامة ولا يجوز إلا هذا
والله أعلم. رجع إلى الفصل الأول: واعلم يا أخي أن هذا الزمان يجب على
لأن
الإنسان أن يأخذ فيه برخص المسلمين لإعزاز دين رب العالمين، اليوم حكم الاضطرار لا حكم اختيار، والرخصة جائز للإنسان أن يأخذ
بها إذا اضطر إليها. الدليل على ذلك قول النبي: «إن الله يجب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه». قال غيره: يعني بعزائمه
ما أوجب على عباده، والله
أعلم.
رجع إلى الأول، عن النبى الله من طريق ابن عمر (إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن تترك معصيته، فهذا ما رفعناه السكم من الأثر وحفظناه عن أهل البصر، وعندنا أن لا يخفى إن شاء الله عليكم شي (1) عرفناه ولا يخفى لديكم مكانه، إذ لم يزل من سنة المسلمين فيما بينهم النصائح والمؤاخذة بالأمور الصحائح، فتفونا أثرهم وسلكنا سبيلهم، فما أولاكم بالنظر في هذه الرقعة وإعراضها على أفكاركم، ولحظها بإحالة أبصاركم وصلاح ما فيها من الاختلال والغلط، وردّ ما وقع من الزال والسقط، ثم إشاعتها فيما بينكم خصوصاً بعد تصحيحها والمطالبة للاجتماع
(1) شيء: زيادة من عندنا
حتى تستقيم الجملة. (1/171)
صفحة 172
172
على ما فيها بعد ترجيحها. ونرجو أن لا يبلونا الله برتيتكم عن موجب حقائقهم، وسلوككم غير نهج طرائقها فنكون منكم في شك وحيار، أو نلجأ في شيء من أموركم إلى تقية واضطرار. فالله الله أن يخلوا بأحد من جماعتكم!! أو يحيدوا عن قدر استطاعتكم 11 فيجد المعاند من يعضده أو أدنى ضعيف ممن يفسده فيتسمى بالمكافأة لكم والمقابلة والمدافعة لكم والمخاتلة!! فالحزم الحزم للدارين وإلا فسلامة الآخرة وان لم و إلا الترك!! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله وحده وصلواته على رسوله وعبده محمد النبي
و آله ومسلم
تمت السيرة بحمد الله ومنه (1/172)
صفحة 173
-
173
بسم الله الرحمن الرحيم
سيرة في إقرار الامام محمد بن أبي غسان (1) الحمد لله على ظهور الحق. [155] وإشراق أنواره وخمود الباطل وانمحاق أقماره، وقيام العدل وصحة حقائقه، وانصداع الجور واندراس طرائقه، وعلو الإسلام وإبلاج معالمه، وبطلان الكفر وانكشاف مظالمه، وبهان الذين ووضوح دلائله، وانطماس الجهل وأقول غوائله. أحمده على الهداية إلى أوضح سبيل، والتوفيق لأعدل نهج وأقوم دليل، وأسأله أن يؤيد هذه النعمة العامة بالدوام، وأن يعصمنا من موبقات الزلل والآثام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة معتقد صدق توحيده محقق للعرفان بربوبيته وتمجيده. وأشهد أن محمداً صلى الله عليه عبده ورسوله أرسله قامماً للشرك والبهتان مجتدا ساقة (1) أهل الإفك والطغيان، مبلغاً
(1) الإمام محمد بن أبي غسان: من أمة الطائفة الرستاقية. ويذكر السالمي أن أهل العقر من نزوى خالفوا الإمام محمد بن أبي غسان ولم يدخلوا في طاعته وذلك لأجل قدحهم في إمامته، فحاربهم طويلا وقطع النخيل وكسر الأنهار، ووقعت في الحرب أحداث لا تكاد تخلو منها الحزب، غير أن أهل العقر لما لم تكن إمامته ثابتة عندهم ردوا عليه بسيرة ذكروا فيها الأحداث الواقعة وجعلوها من المناكر وحملوها على القائم بالأمر. وهذه السيرة التي فيها الرد تنسب لأبي بكر أحمد بن محمد بن صالح وهو شيخ أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي صاحب كتاب الاهتداء. (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 274 و 276): (2) الساقة: هنا بمعنى الجمع أو الموكب (1/173)
صفحة 174
174
--
ما أرسل به، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والجهاد بالأسنة
المعلنة، صلى الله عليه وعلى آله المصدقين به السامعين لمقاله
أما بعد يا أهل عمان فإن هذا كتاب قدمناه إليكم وجعلناه حجة بكم وعليكم ليزداد المسلمون يقيناً إلى يقينهم، ويتحققوا ما هم متعبدون به من الاعتقاد في دينهم، ويعلم أولو الشك والارتياب عدل ما دخلنا فيه، ويعرفوا ضلالة من صدهم عما دعوناهم إليه ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ويحق القول على الكافرين. وذلك انا لما رأينا قد كثر وعم، والباطل قد ظهر وطم، والمسف قد شهر رجم،
الجور
والظليم قد شاع وشمل
، والبلاء قد طال واتصل، والأرض قد اشتحنت بالجور، والبلاد قد ملئت بالمكر والفجور، وسبل المسلمين قد قطعت ونيران الجهل قد سطعت، وطرق الحق قد فسدت، وبضائع النصائح قد كسدت، والمحارم قد ارتكبت، وأموال اليتامى والضعاف قد انتهبت، وصار من عزّ بز، ومن غلب سلب، ومن قدر قهر، ومن ظلم الناس أروى وحمى، ومن كيف وعفٌ حقر ورمى، ومن تصدى للأمر بالمعروف استذل، ومن حاول النهى عن المنكر استقل، كما قال مالك بن دينار: إذا رخصت والله أسعاركم وقست قلوبكم وأنتم الستين وأحييتم البدع، يكون سلطانكم يومئذ سبعاً ضارياً، وتاجركم تعلياً، والمنافق ذئباً، والمؤمن شاة .. فأين تقع الشاة بين أسد وذئب وثعلب؟! إن اختفت طلبت، وإن وجدت أكات. فالمؤمن يومئذ مضطهد مأسور لا يستطيع الأمر بالمعروف ولا (1/174)
صفحة 175
-
النهي عن المنكر. تذوب [156] كبده في جوفه كما يذوب الملح في الماء. فعلى أهل ذلك الزمان الدمار وسخط الجبار، ومن أدركه منكم فعليه برءوس الجبال (1) حتى يقضى الله قضاءه. فعند ذلك أوحشنا ما رأيناه، وأوصلنا ما شاهدناه وعايناه من تغير الزمان وتفكر صروف الحدثان ومقاساة الذلة والهوان. ورأينا الأليق بنا والأحسن في ديننا ومذهبنا (2) مكاتبة أهل الصلاح من إخواننا، وحث الأكابر من مشايخنا، وعرض أنفاسنا على أصحابنا في المساعدة على إحياء الدين والاجتماع على إظهار سيرة المهتدين خوفاً من عقوبة الله على الإناس) من رحمته ورجاء أن الله ينصر
من نصر أهل دعوته
قال الله تعالى: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) (4).
فقد وجدنا في سيرة أبي المنذر بشير بن محمد بن محجوب رحمه الله
(•)
أن على المسلمين التداعى (5) والتراسل والعزم من كل واحد
نهما
أنه
متى وجد قوماً يجب بمثلهم فقال الفئة الباغية، أن يخرج إليهم ليعينهم
(1) أى عليه بالفرار والابتعاد عن الناس
(2) بشير إلى مذهب الأباضية.
(3) أيس إياسا: قنط. والإياس: القنوط
(4) سورة البقرة: آية 0:249
(5) التداعي: دعوة بعضهم بعضا. (1/175)
صفحة 176
رجائه
عليهم. ومتى عرف منهم الإجماع والقداعى إليه منهم لذلك، فلا محالة أنه عاص لربه من لم يحرص ويعزم على الاجتماع والدعاء إليه منهم. فمن حرص منهم على هذا الإجماع ودعا إليه فهو ما لزمه، ومن لم يحرص منهم على فعل ذلك مع الإمكان الذى وصفناه من التعارف والتراسل فهو عاص لر به بترك إظهار الحرص على ذلك والدعاء إليه أنه إن دعا إلى ذلك أجيب إليه. فبذلنا المجهود بكل وجه قدرنا عليه وشمرنا عن ساق القيام بكل سبب أوجدنا السبيل إليه داعين إلى إحياء: الحق وإماتة الظلم وتخليص الناس من العدوان والفشم. والمعاند لنا مشعر في الفساد، ساع علينا بالباطل والعناد، مجتهد في إطفاء الحق وإخماد أهل
السداد، شاهر ذلك ظاهر على عيون الاشهاد. قال الله عز وجل:) يُريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كرة
الكافرون ((2).
(4)
(د)
فلم يزل نقضه في كل ما أبرمه المسلمون كادحا، وريدتهم في مغاواتهم فيما حاولوه فادحا، ونيرانه بين الضعفاء والعوام ساطعة، وسيوفه بين الرؤساء والأكابر لامعة، ورسله إلى وجوه أهل عمان
(1) الدعاء: المناداة
•
(2) سورة الصف: آية 8، وقد ورد في المخطوط أخطاء في كتابة هذه الآية (3) الريدة: الطلب كالرود، كتبت في المخطوط «ورتدهم). (4) المغالة: المهلكة. غاله: أهلكه وأخذه من حيث لم يدر. والمغاولة: المبادرة. (1/176)
صفحة 177
تتخرق (1) وكتبه إلى البلدان تتفرق، يخوفهم اجتماع اليحمد (2)
عند
المسلمين، ويحذرهم كل مستور في نفسه أمين وهو يؤلف الفرغاء
المتمردين ويؤوى الخونة والبدو المفسدين، ويقول للناس، اشكروا الله
على [157] الخلاص
من
ملكة الحكام
، والراحة من الجباية والخروج
في جهاد أعداء الإسلام، حتى سرت فى بعضهم حمي سمومه، واستعمالهم إلى رأيه ومرسومه،، وخلت قلوبهم بخديعته ومكره، وخدع قلوبهم بشعوذته وسحره. فلما أراد الله إظهار العدل وإماتة الجور وإطفاء الباطل والفجور، قيض لذلك رجالا لهم نفوس أبية، وبعث له ناسا ذوى أخلاق سرية، وضمائر صادقة نقية من الضغن وضمائر صادقة نقية من الضغن) والدخل صفية، يحبون سداد البلاد ويكرهون الفساد والمناد، فعظم عندهم ما وقع من الأحداث في الإسلام، وكبر في نفوسهم ما منى به الأنام، وقبح في عقولهم ما دفع إليه الأرامل والأيتام من الجور والمحن والظلم والفتن. واجتمعوا على الرأى الوثيق وتعاطوا على ذلك المهود والمواثيق، وحسروا ساعد القيام، وبذلوا في ذلك غاية الاهتمام، واحتملوا شقة الأنفس
عن
(4) تتخرق: التخرق: الكذب، وخرق يخرق: قطع المفازة.
(5) اليحمد: قبيلة من القبائل الأزدية البارزة في عمان ومنها بنو خروس المشهورون
في التاريخ العماني.
(1) كتبت في المخطوط «الظفن».
(12 ـ كتاب الاهتداء) (1/177)
صفحة 178
178
ومصادمة الأهوال، ومفارقة الأولاد وإنفاق الأموال، ومقاساة المكاره
وتولج الغمرات، وركوب الخطر في شدة السبرات (1)
فلما عرفنا منهم صحة العزمة (3) وتحققنا منهم صدق العقيدة وأكيد الهمة، وأنهم مسلمون للمسلمين فيمن قدموه، بائعون لهم فيمن بايعوه
وأمموه
، ماضون على ما اجتمعوا عليه، مقاطعون القريب والبعيد فما تداعوا إليه من إحياء دعوة الحق وإظهارها، والقيام بالدولة وأنصارها، وكشف ما وقع في الأرض
وإنقاذ الضعفاء والأرامل من الاضطهاد
"
من الفساد، استضقنا الوقوف عنهم فيما اعتمدوه، والتزمنا الخروج عندهم بأنفسنا فيما حاولوه وقصدوه فبدأنا بلقاء أهل الصلاح من إخواننا وجماعتنا، وشاورنا الأعلام من أهل نحلتنا، وطلبنا منهم المساعدة على إظهار دعوتنا، فاعتذروا عن الخروج مع الخارجين، وقالوا هذا ما يجزى فيه البعض عن الباقين، إياساً منهم من وجود المطلوب، والظفر بما يحاول عن المحبوب، لا رغبة منهم عما يتحققونه من الفضل، ولا احتقارا منهم لهذا الفضل. واكتفينا منهم بالتسليم وبذل الرأى الصحيح لا السقيم، والرضى بمن رأيناه أهلا للإمامة والتقدم وفارقناهم على شروط قد أكدناها، ومعانى وثيقة وتوبات جددناها
(1) شدة السبرات: شدة الأسود. والسبروت: القفر لانبات فيه. (2) العزمة: الحق والواجب. والعزمة، بالضم، أسرة الرجل وقبيلته (1/178)
صفحة 179
179
-
ثم صدرنا من عندهم على الاتفاق على مشورة الإخوان من أهل سمايل)
أوليائنا
والرستاق (3)، فوجدنا أهل العدول من أهل نحلتنا، والنقات من وأهل [158] دعوتنا معترفين بفضل هذا الإمام، شاهدين له من بين الأنام
بمحاسن الخلائق، وسداد الفعال والطرائق، والصفات التي استوجب بها الولاية عندنا واستخلص محبتنا وودنا. نشكرنا الله على وجوده بحيث تعدم الأمثال، وكونه حيث لا يوجد الأشكال، إذ هو بالمحل الرفيع الذى لا يتطاول، والمنزل المنيع الذي لا يتناول، والركن الوثيق الذى لا يزعزع ولا يزاول، والحسب الصحيح الذى لا يباري، والنسب الصريح الذى لا يفاخر ولا يجارى. وذلك من المعانى المكادة (3) في الإمام والشروط المعدودة في هذا النظام، والمحاسن البعيدة عن المعايب والمذام، والخلال الباهرة في نفوس الخاصة والعوام. فرأيناه أهلا للتقدم وموضعاً شافياً للتأميم (4) فأعطيناه صفقة أيدينا () متبايعين)، وقدمناه إماما لأهل (4) عمان سامعين له طائعين على شروط قدمناها إليه، ومواثيق أكيدة
(1) سمايل: مدينة في عمان تقع على الجانب الأيمن والأيسر من وادى سمايل، وتشتهر بالنخيل الذى ترويه الأفلاج، ومن معالمها التاريخية الحصن الذي يقع على يمين وادي سمايل. (2) الرستاق: شمال وادى سمايل، في أحد أودية الحجر المعروف بوادى الفرا. (3) تكاد وتكاء د فلان الأمر: تكلفه وكابده.
(4) التأميم: تولى الإمامة.
(5) لابد من صفق اليدين لإتمام البيعة.
(6) البيعة في اللغة معناها إبرام عقد البيع بإيجاب وقبول يصحبهما صفق الكفين، وانتقلت
من هذا المعنى إلى تقديم الطاعة، وطريقتها أن يبسط الإمام أو الخليفة أو الأمير يده فيضع فيها
المبايع يده علامة الطاعة (1/179)
صفحة 180
-
180
أخذناها عليه، بعد الموافقة على نسب الإسلام، والاجتماع على ما يجب في الدين من الأحكام. فلما توقع المعاند للحق ومن ساعده، والمشاغب عاضده، أنهم قد صدموا بدامنة لا تطاق ودفعوا إلى أمر
للعدل ومن
(د)
(1)
لا يستطاق، وكر فحوا بالعضب) الذي لا يفل حده، وقوبلوا بالأجل الذى لا يهدم مجده، ورموا بالداهية المستأصلة لساقة النفاق، وأخمدوا بنار (2) تخمد أهل الشقاق، وعو جلوا بعزيز يذل المردة الفساق، ضحوا إلى بعضهم بعضاً بالنحيب، وضاقت عليهم الأرض بوسعها الرحيب، وقالوا لا طاقة لنا اليوم بدفع (3) هؤلاء القوم. فانظروا كيف الاحتيال في الاتهام والتلبيس على الضعفاء والعوام كما فعل معاوية بن أبي سفيان بأهل الشام، فبلغهم. مجهود حيلتهم وانتهى بهم بالغ مكرهم ومكيدتهم أن استحضروا بعض ضعفاء المسلمين قهراً، ولقوا بينهم كراهية وجبراً إلى رجل منهم قد استغووه واستنزلوه عن بصيرته واستهووه، فطلبوا منهم المبايعة له على الشقاق واضطروهم إلى تقديمه إماماً لأهل النفاق، وهددوهم على ما بلغنا بأشد النكال، وأو عدوهم النكاية ونهب الأموال. فعصمهم الله بفضله وخلصهم من فتنتهم بجوده ورأفته فآثروا دينهم ورجعوا إلى الأصل وعرفوا أن التقية إنما تجوز في القول دون الفعل. فلما تحققوا
ورحمته
منهم الامتناع، وأيسوا منهم القبول وقلة الاتباع، خرجوا مظهرين للعامة
(1) العضب: السيف.
(2) كتب في المخطوط: «نار» (3) كتب في المخطوط: «يدفع». (1/180)
صفحة 181
-
IAI -
-
من
الناس أنهم قد بايعوا له إماما [159] على الاختلاس حيلة في ذلك
ومكراً وخديعة يخدعون بها الناس وكفراً
قال الله سبحانه: (يُخادِعُونَ الله والذين آمنوا وما يخدعونَ إلا أنفسهم وما يَشْعُرُونَ (). وقال: (وَيمكُرُونَ وَيمكرُ الله وَاللهُ خير الماكوين ((2).
رجعوا بمن تبعهم من الطاقم (3) متكثرين بأوباش وعوام قد أجبروهم على اتباعهم وأوعدوهم العقوبة على تخلفهم عنهم وامتناعهم، ليس فيهم متسمى بصلاح يتنغمسون (4) به على العامة وأهل الطلاح ()، حتى إذا وصلوا البلاد، وقد نالوا بزعمهم المراد، وأقبلوا على المستورين وأهل العفاف وسائر الرعية والضعاف، يستذلونهم بالمصادرات جبراً ويتشنقصُونَ (1) عليهم بالمكسرات) جبراً لهم وقضراً لينفقوا زعموا على العساكر، ويقفوا على ما هم عليه من المناكر. قال الله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك
(1) سورة البقرة: آية 9.
(2) سورة الأنفال: آية 30.
(3) الطغام: أوغاد الماس.
(4) التنميس: التلبيس والاحتيال
(5) أهل الطلاح: أهل الفساد، والطالح خلاف الصالح.
(6) يتشنقص: الشنقصة الاستقصاء. والشناقصة: ضرب من الجند، الواحد شنقاص،
بالكسر. (7) الكسرة: القطعة من الشيء المكور، والجمع كسرات. وقيل هو ذو كسرات،
أي يغين في كل شيء. (1/181)
صفحة 182
182
-
قرية أَمَرْنَا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)). فلم يزل أمرهم ينسحق وكيدهم ينزهق وعسكرهم يتخلل (2) ورجالهم إلينا تنتقل ولم تغن عنهم فتتهم شيئاً وأن الله مع المؤمنين. فخسروا ما أنفقوا وخابوا حمد وخابوا بحمد الله فلم يوفقوا. قال الله تعالى: (إن الذين كفروا يُنفِقُونَ أموالَهُمْ لِيَصُدُّوا عن سبيل الله فسيُنفقونها ثم تكون عليهم حضرة
ثم يغلبون) (3)
-
وقد كان أهل العقر من نزوى (4)
نصره
حين بلغهم وصول الإمام
الله قبل وصول هؤلاء القوم، أظهروا الامتناع من
طاعته
والمحاربة له والجماعته تمسكا لحبل المعاند للإمام، وميلولة إليه وهوى منهم فيه واعتماداً عليه طمعاً أن يهدموا دولة المسلمين وبنيانها، ويخمدوا دعوة الحق وبرهانها. ويأبى الله إلا أن يتم نوره (ولو كره الكافرون)). ولما أن تحصل الإمام بسمد نزوى) وأظهر التسليم
له الجماعة
من
أهل
التقوى، كان الحرص بالليل عند هؤلاء القوم مقها، وإظهار المباينة له منهم أمراً عظيما. ثم مع دخول عيد الفطر وصل بعض ثقاتهم برسالة
(1) سورة الإسراء: آية 16 (2) خلى تخلية: تركه. مضى لسبيله. (3) سورة الأنفال: آية 36.
(4) العقر من نزوى: حي من أحياء مدينة نزوى، ونزوى مدينة في وسط عمان تقع
على ارتفاع 1600 قدم وعلى بعد 20 ميلا من أزكى.
(ه) من سورة الصف: آية 8.
(6) سمد نزوى: أحد أقسام مدينة نزوى. (1/182)
صفحة 183
183
-
من بعضهم أن يترك الخروج إلى الجبان لصلاة العيد الذي أمر الله فلا أدرى أبى الرجلين كان أجرأ على الخلاف، المرسل أو الرسول،
لأنهم أذهلهم الهوى والعمى عن التفطن للواجب في هذه السنة، أعاذنا الله
وجميع المسلمين من الهوى والعمى
يزل هؤلاء القوم على ذلك، لا نعلم من أحد من وجوههم إنكاراً عليهم في ذلك إلا من شاء الله، إلى أن وصل أصحابهم خارجين على المسلمين رافعين راية الضلال بنياً على أهل الدين. [160] فلم ير الإمام وجماعته معاجلتهم، ورأوا الوقوف عن محاربتهم ما وقفوا، والعقول عن مجاهدتهم إلى أن يقوا نظراً فى سداد البلاد ورجاء في مصالح العباد،
حيث لم يطمعوا فى الظفر بهم والقوة في الحين على قطع شعبهم
فقد يوجد عن بعض المسلمين أن الحرب إذا لم يرج نفعها تركت لئلا يغرى بالأرامل والضعاف. واعتمدوا مع ذلك التشريق عند وصول الرئيس إليهم ووروده بخيله ورجله عليهم الإصلاح ما قدروا عليه، والقيام بالعدل
فما امتدت قدرتهم إليه
فلما توقع البغاة استدامة الإمام إياهم والابتداء بإصلاح أمور من
سواهم يطشوا فى نواحى البلاد، وشمروا فيما قدروا عليه من العبث والفساد
ليتبطوا الجماعة الامتداد.
عن
(1) إلى: زيادة من عندنا حتى تستقيم العبارة
• (1/183)
صفحة 184
184
-
فعند ذلك لم يروا عن الابتداء بمقادمتهم بدا، ولم يجدوا عن ذلك سبيلا ولا مردم، خوفاً أن تخلفهم السباع في رعيتهم ولا يبلغوا الأمل في
بهم
لأن
بغيتهم. ولما أن كان المقصود في مقاومة هؤلاء القوم هو الظفر تجرى عليهم أحكام الدين ويدخلوا تحت طاعة المسلمين، وكانوا معتصمين بحصن لا يبلغ بكثرة الخيل والرجال ولا ينال من فيه بالمحاربة على كل حال، كان الاجتهاد فيما يرجى به الظفر بهم وصرف الهمة إلى ما يؤول إلى ومن سببهم، هو المعنى المطلوب والغرض والوجه الواجب المفترض. والمعلوم الذي لا سبيل إلى إنكاره أن هؤلاء القوم لا يبلغ إلى الظفر بهم مع ما هم فيه من القوة إلا بغاية التضييق عليهم وإبلاغ الفسكاية فيهم والشد إليهم. فقد اجتمع رأى الجماعة بعد التشاور والتناصح والتأمل للآثار الثابتة والسير الصحائح، على أمور اعتمدوها، ورخص عن البررة الأسلاف قصدوها، من غير جهل منهم بسير الأئمة المهتدين في محاربتهم للبغاة المفسدين، ولا ميل منهم على أحد بهوى مما يخالف آثار التقوى. وإن
كان قد جرى شيء من الأحداث في هذه الأمور الحداث، ارتكاب لمحرم مشکور وتعد إلى فعل محجور فمنسوب ذلك إلى أهله
إلى فاعليه
"
ذمه و متوجه
فمن نسب شيئا من ذلك إلى الجماعة أو إلى الإمام فقد بهتهم بغاية العامن والإجرام، وأخرج من عنقه ربقة الإسلام، اللهم إلا أن أحد منهم ما يوجب المآب، ويطالب فيه بالرجمة والمتاب، قغير مستنكف
يصح
على (1/184)
صفحة 185
IA
-
عن الحق في ذلك، ولا متورط فى ضيق [161] المسالك، ولا معمر على ما يوقعه فى المهالك. على أن ذلك لا حجة فيه لمن امتنع عن طاعة الإمام
وذويه، وأظهر الكراهية لأمره والطعن عليه قبل وقوع هذه الأسباب التي لا يلحق الإمام منها شيء من المعاب.
حقوقاً
فالله الله أيها المسلمون!! إياكم والمجلة
على
أحد من الإخوان
والمسارعة إلى ذمه بغير بيان فإن للإمام وجماعته الدائنين الله بطاعته عند أهل التدين، ومنازل معروفة عند المسلمين وإن جهلها أهل ذلك الزمان، وتواطأ على جحدها ذو الجهل والشنان. فلا تكونن ممن غلب هواه على عقله، وآثر على عمله جهله فتكونن من الخاسرين وتصبح غداً
من النادمين وما الله بغافل عما يعمل الظالمون
فإن الإمام أعز الله نصره، وأمضى في أقطار الأرض أمره، لما أراد الخاربة واعتمدها وأمر بها بعد مشورة أصحابه من المسلمين وقصدها، وقد أقام الحجة عليهم وجودها، وأشهر الدعوة لهم وأوردها، قدم على العسكر من يرجو به منعه عن المغام) ويطمع فيه ردّ الناس عن ارتكاب الحرام. ولما وقع ما وقع من بعضهم، عاقب على ذلك وشدد فيه، وأنكر من ذلك ما اطلع عليه، وأرسل ثقة إلى أهل المقر باذلاً لهم الإنصاف وداعياً لهم إلى إيصالهم إلى حقوقهم من جار عليهم وحاف. فمنهم من وصل
(1) المغام: الغم: السكرب. (1/185)
صفحة 186
JAY-
-
منع
وانتصف، فأوصل إلى العدل على ما ودف. ثم إن الإمام بعد ذلك عن الحرب والقتال خوفاً من تعدى أيدى أهل الضلال. فإن قال قائل إنه جارب جيش لا يقدر عليه، قلنا جاش الله!! لو كان ذلك كذلك ما استرد الإماء اللواتى أخذن من عند ابن المراجم (1) نفسه وهو غاية الامتناع لما طلب أصحابهم الإنصاف. كيف والشاهر الظاهر الذي لا ينكر أن كل شيء أخذ وطلب رده من مثل ذلك، فقد سعى فيه حتى رد إلى أهله الاهم إلا أن يكون شيء لا يعلم به فلا كلام فيه. فهذا ما كتبناه تذكرة للإخوان وتقديماً إلى من نصح لنفسه من أهل هذا الزمان. ولولا شهرة الآثار فيا علمنا به وأسحرناه (2)، وصحة ذلك عنى يد العلماء فيا
قصدناه، لشرحنا منها طرفاً نحتج به عليهم ونقدم علم بيانه إليهم لكن الناس فريقان: فريق يعلم عذرهم فى ذلك ويتحققه ويحسن ظنهم فيه ويصدقه، وفريق لا دواء له ولا شفاء إلا السيف والعصا [162] ولو حضر
للنزاع لرجع سريعاً إلى الانقطاع.
(1) المراجم: قبيح الكلام. والرجم: القتل والقذف والغيب والفن والامن والشتم،
ورى بالحجارة، واسم ما يرجم به. (2) أسحر: خرج في السحر. والمعنى هنا أنه لم يتأخر فى ذكره، بل أسرع في ذكره. (1/186)
صفحة 187
187
بسم الله الرحمن الرحيم
عن الامام عبد الرحمن محمد بن مالك ابن شاذان)
إلى الخائض بجمله خمرات مغواه (2)، المنهمك في مهلكة رداه، المتمادي في غيه وهواه، البائع سلامة دينه بفصيحة) دنياه سعيد بن راشد بن على ومن أغواه!!! سلام على من عمل بالحق واتبعه، وقام بالعدل واستمعه، وجانب الغى. وتحاماه، وتجانف عن الباطل وعاداه. والحمد لله. رب العالمين
وصلى
أما
الله على رسوله الأمين محمد وآله أجمعين.
بند فما هذا التعامى عن الحق وهو واضح؟ وما هذا التمادى في الباطل وهو فاضح؟ وإلى متى التحسن بالكذب وهو قبيح 11 وحقام تلبيس الحق بالباطل وهو صريح!! وما الدى جرأكم على استعمال الكذب والبهتان؟! وأى شيء حلمكم على الانهماك في الأثم والطغيان فأنساكم
(1) الراجح أن الإمام عبد الرحمن محمد بن مالك بن شاذان، من أئمة الطائفة الرستاقية لأن كتابه إلى سعيد بن راشد بن على يفصح عن ذلك. إذ أن الفرقة الرستاقية خرجت على الإمام راشد بن على يريدون عزله وكان ممن خرج عليه القاضى نجاد بل موسى الذي قتل في سنة 012 ه، أما الإمام راشد بن على فقد توفى سنة 513 هـ ونلاحظ أنه في هذه الفترة من تاريخ عمان ظهر أمة دفاع، وأمة شراء، في وقت واحد وكثرت الفتن والمنازعات بين أنصار
وخصوم كل إمام.
(2) المغواء: المضلة
•
(3) الفصيحة: مصدر الفصيح وهو ذو الفصاحة، أو الذي يتكلم بفصاحة. (1/187)
صفحة 188
ذكر الله، وصيركم حزب الشيطان 11 غركم إمهال الله إياكم، وحامه عنكم
المعاجلة
في توقف حزب الله، وأنصار دينه القائمين بحججه وبراهينه عن في أمركم، والمبادرة إلى كشف مكركم!! بلس والله ما أنتم عليه، وساء
ما التبستم به ودعوتم الناس إليه؟! تدعون المحجور الذى لا يستباح على المستورين وأهل الصلاح، إذ هم الموثوقون بالتقية المدفوعون من الخوف إلى أعظم البلية. تتسمون بالإمامة ولستم من أهلها، وتظهرون القيام بالدعوة وأنتم مشاققون لأصلها، وتدعون العدل وأنتم تصادرون الرعية، وتتفوهون بإحياء الدعوة والناس منكم فى أعظم البلية!! كأنكم لا تعرفون الإسلام ولا سمعتم بحقائق الأحكام، ولا بلغتكم قط سيرة الفقهاء الأعلام!! ا افحسبتم أن الله خلقكم عبئاً وأنتم إليه لا ترجعون 1 1. أما علمتم الكذب فاتحة النفاق وإن الامتناع عن طاعة أولى الأمر غاية البغي والشقاق!! ألا وقد بلغت الدعوة وقامت الحجة فلا جهل ولا تجادل في الإسلام!! وإنا ندعوكم إلى طاعة الله وطاعة رسوله والعمل بكتابه وسنة نبيه محمد، والرجوع عما أنتم عليه من النسمى بالإمامة والجباية [163] للحرام وعسف الناس بالظلم والآثام. فإن قبلتم ذلك وتجنبتم سبيل المهالك فلكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، وإن امتنعم يجوزكم وتمسككم بمكركم وفجوركم وقلنم إن الحق في أيديكم دون غيركم، أو قلتم إن الحق في أيدينا
(1) أتى الكاتب هنا بمعنى الآية القرآنية الكريمة دون اللفظ. قال عز من قائل (أخميم أنا خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (سورة المؤمنون: آية 115. (1/188)
صفحة 189
-
189
-
ولم تقبلوه منا ردا منكم للحق وأهله، استعنا بالله عليكم وجعلناه حكما بيننا وبينكم وحاربناكم محارة المسلمين لأهل البغى حتى تفيثوا إلى أمر الله) أو تفنى أرواحنا وأرواحكم لا غاية لذلك عندنا. على أنا لا نستحل لكم مالا، ولا نسبى لكم ذرية ولا عيالا، ولا نقتل مولى تائباً، ولا معتذراً آيباً، ولا نستجيز فيكم إلا ما أجازه المسلمون
فقد وجدنا في سيرة الشيخ أبى المنذر بشير رحمه الله: وإذا قامت الحجة على الباغين وشهرت فيهم، قصد المسلمون حينئذ بالحرب إلى مجامعهم وفرقهم بكل ما لا يطمع المسامون بكفاية بفيهم عليهم إلا بذلك من الحرب لهم يجوز منهم، وتفريقهم وتحريقهم وهدم حصونهم وقطع المواد عنهم وحبس المياه والأطعمة عنهم والحمولة، أن يصل شيء من ذلك إليهم كان لهم أو لغيرهم إلى أن يفيثوا إلى أمر الله إياهم
(1) يعتمد في هذا الحكم على قول الله عز وجل: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الى تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن غاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين): سورة الحجرات: آية 9. (1/189)
صفحة 190
--
بسم الله الرحمن الرحيم
سيرة أحمد بن محمد بن صالح
الحمد لله الذى أوضح طريق الإسلام وبين حقائق الأحكام وبعث نبيه محمداً عليه السلام حجة بالغة ورحمة للأقام، فصدع بأمر الله داعيا، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهيا فهدى أمته بالحكمة، وجرد فيهم سيف العزمة (1) حتى استقام الدين وسطعت أنواره والمحق الكفر
(2)
وانمحت آثاره. فصلى الله عليه ما عسمس ليل واعلنكس (2)، وأضاء
تزل
صبيح وتنفس، وعلى آله المتقين وسلم عليه وعليهم أجمعين. وبعد فلم الإخوان يتهادون فيما بينهم النصائح ويعدونها لديهم من أفضل المنائح. وقد قيل الدين النصيحة وكم من أخ قد نجا ينصيحة أخيه من الفرق
والشرق
وقد اتصلت بنا عنكم أخبار موحشة مستعظمة وأحداث منكرة محرمة مما تجرى بنزوى على أيديكم من الحروب المتواصلة والمحن النازلة والخطوب الهائلة، من دفن الأنهار وقطع الثمار وتخريب الديار وتحريق المنازل بالنار، وإتلاف الأنفس من عبيد وأحرار على استحلال [164]
(1) عزام الله: فرائضه التي أوجبها.
(2) عسعس ليل: أقبل ظلامه
(3) اغلنكس ليل: اشتد سواده. . (1/190)
صفحة 191
191
-
منكم لذلك واتباع لمن تهتدون بهداه وترجعون إلى أمره ونهيه. فإن كان ذلك منكم على التأويل والإغفال فراجعوا بصائركم بالبحث والسؤال
(1)
قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ). وقال:
(يا أيها الذين آمنوا إذا ضَرَبتُم في سبيل اللهِ فَتَبَيَّنُوا)). فقد أمر بالتبيين عند الأمور والمشكلات ونهى عن اتباع الأهواء المضلات فقال فلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كان يما تعملون خبيراً (؟)
وقد قيل إن المنافق وثاب والمؤمن وقاف فإن كنتم قد أنزتم هؤلاء القوم الذين تحاربونهم منزلة بناة أهل القبلة، فكتاب رب العالمين وسنة نبيه الأمين وإجماع المسلمين، يحرمون عليكم هذه الأحداث التي قد اعتمدتموها في محاربة هؤلاء الذين سميتموهم بناة قبل أن تبينوا بفيهم للناس، أمن دماء سفكوها؟! أم محارم انتهكونها 18 أم أموال استهلكوها؟! أم أنفس أحرار ملكوها؟! أم حق قبلهم منقوه؟! أم سبيل قطعوه؟! فإن صح ذلك منهم ووجب عليكم حربهم فلا سبيل
لكم على أموالهم
والموجود عن أبى الحوارى: فأما أهل البغى من أهل القبلة فلا يحل
(1) سورة النحل: آية 43 -
(2) سورة النساء: آية 94.
(3) سورة النساء: آية 135. وقد جاءت بعض الأخطاء في الآية في المخطوط.
نصححناها. (1/191)
صفحة 192
-
منهم إلا دماؤهم. وقطع المواد عنهم من بعد إبلاغ الدعوة إليهم وإقامة الحجة عليهم، فإن امتنعوا حلّ قتالهم، لا تقطع أ. والهم ولا تخرب مغازلهم من قبل المحاربة ولا من بعدها، وإنما أحل الله السبي والغنيمة في أموال أهل الشرك، وأما أهل التوحيد فلا. فهذا ما حفظناه ما حفظناه من قول المسلمين وآثارهم أنهم لم يحلوا حرق منازل أهل القبلة ولا قطع أموالهم، امتنعوا يبغيهم أم لم يمتنعوا، فإن احتججتم في جواز تحريق المنازل بالنار بتحريق دور بنى الجلندى بتوام (1) فى أيام الإمام المهنى ((2) فذلك أن أهل الفتنة
خرجوا بغاة على المسلمين وقتلوا أبا الوضاح واليا كان للمهنئ على وكان أبو مروان واليا على صحار (3) فلما بلغه ذلك سار بمن معه من الناس وسار معه المطار الهندى ومن معه من الهند. فلما صاروا بقوام وهزم الله الفاسقين محمد المطار الهندى ومن معه من سفهاء الجيش إلى دور بنى الجلندى فأحرقوها بالنيران، وفى الدور دواب مربوطة من بقر وغيرها، فبلغنا [165] أن رجلا من السرية كان يلقى نفسه في الفلج (4) حتى يبتل
(4)
دنه وثيابه ثم يمضى يمشى فى النار حتى يقطع حبل الدواب لتنجو بنفسها
من النار
(1) توام وتوأم: مدينة في عمان على الساحل وصحار.
(2) الإمام المهنيء، أو المهنا: كان إماما في عمان بين سنتى 226
(3) صحار: مدينة مشهورة في عمان وميناء هام
باسم صحار بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام.
(4) الفلج: النهر الصغير. القناة
•
-
ويروى بعض المؤرخين أنها سميت (1/192)
صفحة 193
193.
ثم بلغنا أن الإمام بعد ذلك بعث رجلين إلى القوم الذين أحرقت منازلهم يدعوهم إلى الإنصاف وأن يعطوا الحق الذي وجب لهم، فهذا. وإنما تحل أموال أهل الشرك للمسلمين وتحريقها وقطع المواد عنهم ما دامت الحرب قائمة، فإذا وضعت الحرب أوزارها حرم ذلك كله وردوا الخيط والمخاط وصارت ناراً وشنار) وغلولا، هذا في أهل الشرك دون بناة أهل القبلة (2)
فإن كان هؤلاء القوم عندكم من بغاة أهل القبلة فمن أي وجه استجزتم سدّ أنهارهم عن سقى أموالهم؟! وهى تجمع الأيتام والأرامل واللعائب والأهل والعالم والجاهل
وقد تخرج بعض المسلمين عن مد الدواة من النهر، فكيف إذا
أخذ كله من
أصحابه ومنع ومنع عن
أربابه؟!
وقد قيل إنه لما أحيط بعثمان بن عفان يوم الدار منعوهم عن الماء
حتى صباح صالح من الدار: (إن كان لكم سبيل على عثمان فلا سبيل
لكم على الأطفال والدواب»!! فعند ذلك خلوا لهم الماء
•
(1) الشنار بالفتح: أقبح العيب والعار
(2) ورد في الحديث الشريف: «أدوا الخيط والمخاط فإنه عار ونار». وقال عليه الصلاة والسلام: «وشنار يوم القيامة، وفى رواية (فأدوا الخيط والمخاط». (الموطأ للإمام
مالك
، وسنن ابن ماجه، وسنن النسائى)
(13 - الاهتداء) (1/193)
صفحة 194
194
—
غير أن البغاة الواجب حربهم المعروفين بالمظالم المشهورين (1) بعمان منهم من قد اتخذتموه عضدا تنتصرون به. وقد قال الله تعالى: (وما كنتتُ مُتَّخِذَ المُضِلَّينَ عَضُدًا ((2)
فإن قلتم إنكم دخلتم في هذه الأمور بحجة الإمام الذي نصبتموه ودعوته لمن حارب موه، فإن كان الإمام عالما بأحكام الإمامة والولاية والبراءة وإلا فلا حجة لكم عبد الله تعالى. لأنه يوجد عن القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى رحمه الله فى الإمام العالم وغير العالم. وقد وجدنا وحفظنا في الإمام أن يكون عالما وأقل ما يكون في العلم أن يكون
،
في منزلة من يجوز للإمام أن يجعله واليا على التفويض ولو كان له وليا
إلا أن يكون عالما
فراجعوا العلم والبصيرة وأخلصوا الله السريرة. قال الله: (وَلا تجد منكم شَنآنُ قوم أَن صَدُّوكُم عن المسجد الحرام أن تعقدوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى البر والتقوى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتقوا الله إنَّ الله شديد العقاب) (3). وقال: (وَلا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قوم على أَلا تعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى وانقوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ
خبير بما تَعْمَلُونَ ((4)
(1) كتب في المخطوط «المشهورون».
(2) سورة الكهف: آية 51.
(3) سورة المائدة: آية 2. (4) سورة المائدة: آية 8. (1/194)
صفحة 195
-
بسم الله الرحمن الرحيم
سيرة للفقيه أحمد بن عبد الله بن موسى رد على من اعترض في حربهم مع الامام محمد بن أبي غسان لأهل العقر من نزوى
[166] الحمد لله الذى أوضح لعباده مناهج الحق المبين. وأيد
بقواطع الأدلة شرائع الدين، قواعد المدل بواضحات الحجج والبراهين وأنار بوحدانيته عقائد المتقين، وعمر قلوب أوليائه بأنوار اليقين، ودفى
سرائرهم من نزغات الشياطين. وأنزل كتابه المعجز نوراً للمهتدين وحجة باهرة لقطع شغب الكفرة الملحدين. وبعث نبيه محمدا رحمة للعالمين، وحجة ونقمة على الظالمين، فدعا إلى سبيل ربه جميع الثقلين (1). وأظهر الله دينه القيم على كل دين، ثم قبضه الله إليه مطهراً من الدنس، فصلى الله عليه صلاة زاكية كل حين، وسلم عليه وعلى
والشين (2)
اله أجمعين
أما بعد فإنا قد وقفنا على كلام قد ألف، ومقال قد لفق وزخرف،
"
(1) الثقلان: الإنس والجن. (2) الشين والمثاين: العيب والمعايب (1/195)
صفحة 196
-
196 -
موسوما بالنصيحة في إعريض الأعراض، مرقوما بعنوان البر دالا على الاعتراض، فلحظنا بعين النصح ألفاظه ومعانيه، وكررنا تصفحه وتأمل
ما فيه، وألفيناه خارجاً
عن مقاصد النصائح
، ووجدناه مخالفا للآثار
الاتحائح متناقضا في ازدواج معانيه، متنافيا في وضع مبانيه. يدل على أنه صدر عن جهل بدقائق الأحكام وقلة علم بسير الحكام، واندفع عن عجلة فكر جاف، وخرج من قلب كدر، وضمير غير صاف. فإن للنصائح مآخذ تصدر إليها وإشارات معروفة تدل عليها. متى خرج عنها النظام لم تعد نصيحة فى الكلام، ولولا خوف دخول الشك على الضعفاء والجهال، واستطالة أهل البغى والضلال، لكان ترك الجواب أليق، والإضراب عن الرد أوفق، لما يقترن بذلك من تولد الوحشة بين الإخوان، واعتراض الفسحة والتباعد للخذلان. لكن قيل عن بعض المسلمين، على كل ذى علم أن يدين الله بكتمانه مالم يحتج إليه، فعند ذلك رأينا التنبيه على غلط هذا القائل أحوط وأحزم، والرد عليه فما خالف الحق أقوى وأحكم. فإن يكن أخطأ طريق النصيحة فإن الحق لا مهاودة فيه لبعيد ولا قريب، ولا محاباة لبغيض ولا حبيب. وقد قال بعض المسلمين: لو رددت كلمة جاهل بقيه لسعد رادها كما شقى قائلها. [167] والله ولى معونتنا على رد الجواب وهدايتنا لموافقة الحق والصواب، فإياه نسأل أن يطهر قلوبنا من الإحن (1) والإعراض والفتن، الحق، والتعصب لأهل الفسق، وبه التوفيق.
والحيلولة عن
(1) الإحن: الحقد والغضب. (1/196)
صفحة 197
197
-
أما
قوله، وبعد لم تزل الإخوان يتهادون فيما بينهم النصائح ويعدونها لديهم من أفضل المفائح (1)، فهكذا يجب إذا وردت على الوجه الصحيح
موافقة للحق للصريح.
وأما إذا كانت مخالفة للعدل خارجة من قول أهل الفضل، فالواجب ردها على مهديها، وعكسها على مانحها ومبديها. فإنه يوجد أن الأمر بالمعروف الناهى عن المنكر يحتاج أن يكون فيه ثلاث خصال، وهى أن يكون عالمياً بما يأمر عالماً بما ينهى، عدلا فيما يأمر عدلا فيما ينهى،
رفيقاً فما يأمر رفيقاً فيما ينهى، فأين هذا القائل من واحدة منهن
من
هذه الخصال؟!
وأما قوله، وكم من أخ قد نجا بنصيحة أخيه من الفرق والشرق، فلعمرى إن ذلك كذلك، لكن قيل النصيحة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان. على أن النادح لا يكون أذناً يصفى إلى استماع كل ما رفع إليه تصديقاً، والمتثبت لا يحكم بكل ما ورد إليه تحقيقاً، بل الواجب التبين قبل الأحكام، والتفكر قبل الكلام، والتثبت قبل الإقدام، والتعلم قبل العمل، والتفهم قبل الجدل. فقد يوجد عن الشيخ أبى محمد رحمه الله، قل من تعسف
مذاهب السلف بغير بيان إلا حرم التوفيق.
(1) المناح: العطايا. (1/197)
صفحة 198
وأما قوله، وقد اتصلت بنا عنكم أخبار موحشة مستفظعة وأحداث منكرة محرمة، فلا تعلم حقيقة أراد بهذا المقال ومن قصد بهذه التخطئة من
وهذا الضلال
وليس لنا أن نحكم بالغيب، ولا يحل لنا ولوج الشبهة والريب، لكنا نقول على الشرط أنه إن كان أرادنا بذلك وقصدنا وعنانا بمقاله هذا، واعتمدنا أنه قد عجل علينا بالتخطئة بغير بيان وسارع إلى تكفيرنا بلا صحة ولا برهان، وكان الواجب عليه والأولى به، والأليق بدينه ومذهبه، أن يتثبت لنفسه قبل القطع بلا قياس، ويتبين في أمره قبل البناء على غير أساس، فإن الله عند لسان كل قائل، فجدير أن لا يجترئ على نصرة الباطل. قال الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ينبأ [18] فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فَعَلْتُمْ نادمين ((1) (1).
وقال الشيخ أبو محمد رحمه الله: من أقدم على معايب الرجال قبل أن يعرف معاذيرها وتقحم (3) الموارد قبل أن يعد مصادرها، ندم حيث لا تنفعه الندامة، وهرب حيث لا ترجى له السلامة، وحصل في ضيق المسالك ودخول المهالك وتورط في المشكلات وتهور في المبلكات ووقع
في الشبهات.
(1) سورة الحجرات: آية 6
(2) تقدم: رمى نفسه في الأمر دون روية. (1/198)
صفحة 199
----
ونحن فما دخلنا في محجور ولا ركبنا محرماً في شيء من هذه الأمور فيتصل بأحد عنا ولا ينسب إلى أحد منا، بل الحدث المحرم الشنيع والفعل المنكور الفظيع مهاودة أهل البغى والمناد، ومعناة (1) ذوى الفي والفساد على التسمى بالإمامة ضراراً للمسلمين، وإثباتها على غير وجهها تفريقاً بين المؤمنين. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ أخذوا مسجداً فيراراً وكفرا وتفريقاً بين المؤمنينَ وَإرصاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قبْلُ وَليَحْلِفُن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم ام كاذبون) (2)
فهذا هو المحرم المحجور والحدث المستعظم المنكور والبدعة العظيمة الدهياء والعمية الجاهلية العمياء. فيلا ادخلت على هذه الوحشة والاستعصام!! وهلا حكم عليها ظاهر بالمنكر والحرام!! وهلا أشهر البراءة من فاعلها!! وأظهرت التخطئة من القوم الداخلين فيها!! وهلا نودى بها في المشاهد والأسواق وندد بها في الأمصار والآفاق!! ولكن (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمَلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شيئًا أولئك الذين لم يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهم في الدنيا خرى وَلَهم في الآخرة عذاب
عظيم))
(1) معناة ذوى الفى والفساد: إقرار ذوى الغي والفساد
(2) سورة التوبة: آية 107.
•
(3) سورة المائدة: آية 41 (1/199)
صفحة 200
وأما قوله: مما يجرى بنزوى على أيديكم، فإن كان يريد بذلك
ما فعلنا بأنفسنا أو رضيناه، أو أمرنا به، أو صوبناه، فهذا دعوى منه
علينا وبهتان قصد به إلينا، والله حكم بيننا وبينه ومحاسب لنا بالحق دونه) وَلا تكسب كل نفس إلا عليها وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزر أخرى ((1). قال الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا
من الظَّنِّ إِنَّ بعض الظَّنِّ إِثْم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيجب أحدُكُمْ أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتُمُوه واتقوا الله لَحْمَ إِنَّ اللهَ تَوَّابُ رحيم ((2)
وقال النبي الله: «سوء الظن بالمسلمين من كبائر الذنوب) وقد قيل: لو بقى بينك وبين أخيك كنسيج العنكبوت فلا تهتك
وإن كان يعنى بذلك ما أحدثه السفهاء وارتكبوه، وفعله الغوغاء واكتسبوه من الحرق والنهب والتخريب والسلب موجباً خطأ ذلك علينا و موجها دمه إلينا، فهذا جهل منه بالأحكام وقول خارج من سير الفقهاء الأعلام. فإن الموجود عن أبي عبد الله محمد بن محبوب) رحمه الله في الإمام
(1) سورة الأنعام: آية 164. (2) سورة الحجرات: آية 12
(3) كانت وفاة الإمام أبي عبد الله محمد بن محبوب في أيام إمامة الصلت بن مالك الخروصي وذلك في سنة 260 ه. وكانت وفاته في مدينة صحار وهو كان عليها، وقبره مشهور بها حتى زمان حميد بن محمد بن رزيق أى إلى سنة 51274/ 1857 م. (انظر: ابن رزيق: الفتح المبين ص 233، وابن رزيق: الشعاع الشائع باللمعان: ص 53، والسالمي: تحفة الأعيان
ج 1 ص 127). (1/200)
صفحة 201
إذا سار بمن معه من الناس إلى أهل البغى وكان من جيشه بسط أيديهم في نهب الأموال وإحراق المنازل، فإن ركب ذلك راكب من جيشه أخذ الراكب لذلك بجنايته في ماله دون بيت مال للمسلمين، فإن لم يصح على فاعل بعينه وكان جيشه هم الذين ركبوا ذلك بلا رأيه ذلك وصح عليهم كان على الفاعلين له، وإن كان ذلك بأمر الإمام ورأيه وهو يعلم أن ذلك خلاف سيرة المسلمين، ضمن (1) ذلك هو ومن فعل بأمره وإذنه دون بيت مال المسلمين
فانظروا إلى قول أبي عبد الله كيف لم يوجب زوال إمامة الإمام
بفعل جيشه، ولا ألزمه الخطأ والضمان إذا لم يأمر بذلك
وكذلك وجدنا في الأثر فى أحداث العساكر الغازية أنه إن كان الإمام أو غيره حين بعهم أمرهم ما يأتون وما يتقون، فتركوا أمره وتعدوا نهيه وزجره، وفعلوا المناكر والظلم وعملوا بالجور والنشم، فضمان ما أحدثوه وأخذوا من المال وانتهبوه، فى صلب أموالهم ومتعلق فى ذممهم بأفعالهم دون المسلمين.
وإن كان الإمام أو غيره ترك التقدم عليهم والإنذار إليهم لقلة علمه وضعف معرفته وفهمه، أو ذهل عنه بنسيان، فضمان ذلك في بيت المال
إذا كان فعلهم بخطأ أو نسيان
(1) ضمن: التزم. (1/201)
صفحة 202
-
(1)
وقد وجدنا في الأثر مما كان يبتلى به الإمام راشد بن سعيد رحمه الله ويسأل عنه: ما تقول في الإمام إذا غزا قوماً من أهل البغى ممن هو مشهور بسفك دماء للمسلمين وأخذ أموالهم مثل عقيل ونحوهم فوقع على بعض أصحابهم وأغار عسكره عليهم وقتل من قتل منهم وأخذوا لهم جمالا وجواليق (2) ولم يمنعهم الإمام في ذلك الوقت أخذ الجمال لأنه من
(4)
كان يحفظ من الأثر أنه جائز أن يستعان على أهل البغاة بحقهم وكراعهم) وهى الخيل والإبل، فسكت عن الإنكار لهذا، ثم نظر وإذا عسكره قد جعل ما أخذه من تلك الجمال غنيمة لنفسه ورآهم قد عملوا عليها حبا (0) وركبوها ولم يفكر عليهم ذلك، ما يلزم الإمام على هذه [170] الصفة؟! أتلزمه توبة وضمان؟! أم توبة بغير ضمان؟ أم لا يلزمه شيء من ذلك؟! قال: أما الضمان فلا يلزمه في هذه الجمال على ما وصفت ولكن عليه أن يعلم من أخذ هذه الجمال أن غنيمتها لا تجوز لهم ويأمرهم بالتخلص منها إلى أصحابها، فإن لم يعرفهم ولم يعرف
أحداً منهم دان الله بالإنكار عليهم إذا عرفتهم
(1) الإمام راشد بن سعيد: من أئمة عمان في القرن الخامس الهجرى 425
1. (YEE
(انظر: ابن رزيق: الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين من 246، وابن رزيق: الشعاع الشائع باللمعان. ص 69، والسالمي: تحفة الأعيان ج (2) الجوالق (بضم الجيم وكسرها): العدل من صوف أو شعر: الجمع جوالق وجواليق،
والكلمة معربة.
(3) الخف: البعير والنعام كالحافر لغيرهما.
(4) الكراع: اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير.
(5) الحب (بالضم): الجرة الكبيرة أو الخابية. والجمع: حباب وحبيبة وأحباب. (1/202)
صفحة 203
- 203
فهذه سيرة المسلمين في أحداث العساكر وحكمهم فيما فرط منهم من المناكر، لا نعلم أحدا منهم عاب الأئمة بمثل ذلك ولا دمهم ولا خلعهم
لانه
على ذلك ولا خطأهم وشتمهم
رحمه
أما
سمعتم معاشر المسلمين أن أبا بكرر رحمه الله كان يوجه
خالد
ابن الوليد في السرايا وكانت الأحداث تجرى فيها وكان عمر بن الخطاب الله يمنعه عن تخريجه (1) ويشير عليه بتأخيره، فيوجد أن أبا بكر رحمه الله كان يقول: ما كنت لأشيم (3) سيفا سله الله على المشركين، أى لا أغمده. وإن على بن أبى طالب أنفذ خيلا إلى سيف البحر) عليها رجل من بني تميم يقال له معقل ليدعو الناس إلى طاعة على فلقى أنا سا من بني ناجية (4) بالأسياف فامتنعوا منه وناصبوه الحرب كما بلغنا فقاتلهم صاحب الخيل وظهر عليهم وسبى ذراريهم، وفى الخيل كما بلغنا
(1) تخريجه: جعله يخرج. (2) شام السيف شيماء سله وأغمده، وهو من الأضداد) ابن منظور: لسان العرب). (3) سيف البحر (بكسر السين (: ساحل البحر، أو حد البحر، أو كل ساحل. الجمع أسياف
(4) بنو ناجية: قبيلة كبيرة تنسب إلى سامة بن لؤى. وقيل بنو ناجية: بطن من الأشعريين من القحطانية وهم بنو ناجية بن الجماهير بن الأشعر. وفى قريش بنو ناجية بنت جرم بن ربان وهم بنو سامة بن لؤى. وفى مذحج بنو ناجية بن مراد وفى جعفر بنو ناجية بن مالك وفى الأشعريين أدد. وفي همدان بنو ناجية بن عمرو بن جشم
ابن حريم بن جعفى بن سعد
ابن حاشد.
واكتفى ابن دريد في الاشتقاق بقوله: بنو ناجية بطن من العرب. (انظر: ابن الأثير:. اللباب في تهذيب الأنساب، وابن منظور: لسان العرب، والقلقشندى: نهاية الأرب في معرفة
أنساب العرب، وابن حبيب: مختلف القبائل ومؤتلفها، وابن دريد: الاشتقاق). (1/203)
صفحة 204
-
درهم
رجل من بنى بكر بن وائل يقال له، مصقلة بن هبيرة، وهو رجل فقيه أعلم من صاحب الخيل، فكره السبي فأبى عليه صاحب الخيل وهو رجل آخر وخاف قليل العقل غير أنه رجل شديد البأس. فلما رأى ذلك مصقلة أنه أبى عليه قال له: هل لك أن تبيعنى هذا السبي بمائة ألف وتكتب بها على كتاباً وتكتب إلى على فإن هو ردّ السبي أبرأني من القبالة (1) وأن أبى أديتها إليك، فلم يزل به حتى فعل فبايعه منه. فلما بلغ عليها أنكر ذلك وعابه وردّ السبي إلى أهله وأبرأ مصقلة بن هبيرة من قبالته. وأن حذيفة (3) سبى أهل دبا (3)، أحسب في خلافة عمر رحمه الله. وأن أبا مروان والى المهنئ على صحار جرى في عسكره من المظالم ما جرى من الحرق، وأن الإمام راشد بن سعيد كان يخرج السرايا والأحداث شاهرة فيها. وإن وقعة المدينة عند الإمام محمد بن سليمان نهبت فيها الأموال وأخذ الخيل. فهل علمتم معاشر المسلمين أن أحداً [171] من المسلمين نسب شيدا ذلك إلى أحد من هؤلاء الأئمة أو خطأهم على ذلك رجع عليهم باللائمة؟! وهذا إذا كان الإمام الباعث للعساكر والمخرج لهم لإزالة المذاكر، فأما إذا لم يكن الإمام باعثاً لهم ولا راضياً منكرهم
أو
من
(1) القبالة: التزام الإنسان بدين معين أو عقد معين، أو أن الشخص يضمن دفع ضريبة معينة، أو يلتزم بتنفيذ عهد أو ارتباط. (2) حذيفة: هو حذيفة بن محصن الغلفاني، أو حذيفة بن محصن البارقي، من الأزد، وهو أحد اثنين أرسلهما الخليفة أبو بكر الصديق لمحاربة من ارتد من أهل دبا في عمان. (3) دبا: مدينة عمانية توجد الآن في الفجيرة إحدى الإمارات العربية المتحدة. وبها مقابر قيل إنها الصحابة وأهل الردة. (1/204)
صفحة 205
-
ولا فعلهم، فما وجه الزامه والجماعة الهلاك والتخطئة بما فعله المسامة من الرعية إذا بذل الإنصاف من نفسه ودعا إليه وأظهر الإنكار والكراهية لفاعليه!! وهذا الإمام أعزه الله!! قد أرسل ثقة إلى أهل المقر) باذلاً لهم الإنصاف وداعياً لهم إلى إيصالهم إلى حقوقهم ممن جار عليهم وحاف. ولقد عاقب أولئك المعتدين على فعلهم وشدد عليهم فيما ارتكبوه بجهلهم. وليس الذى ناله من الشتم والأذى، والهجر والقذى، ورمى به من الهجر والبذى، بأكثر مما نال الأئمة المهتدين، ولا أعظم مما دفع إليه من معاندة هؤلاء البغاة المفسدين. لكنا ما نعلم رسولاً ولا نبيا ولا إماما مرضياً ولا عالماً تقياً إلا وقد طعن عليه طاعنون، وجانبه مجانبون، وحاربه محاربون
وشاتمه مشاتمون.
وقد قال الإمام الحضرمي:
لئن سخرت منى الفواة فإنها كذا دأبها في الأنبياء الأخار فأي نبي أو إمام مضى ولم ينله أذى أو لم ينل مقت ساخر أما قيل المختار (1) إنك كاهن وأنت كذوب ساحر أى ساحر وما لك كنز لا ولا بيت زخرف ولا جنة بل أنت أوهى العشائر فما ضره هذاك في ذات ربه كذلك هذا كله غير صالو
وقال أيضا:
ولست وإن لقيت أذى وهجراً بأقل قائم لقى المنادا
(1) العقر: حي من أحياء مدينة نزوى.
(2) يعنى المختار بن أبي عبيد الثقفى الذي حاربه عبد الملك بن مروان (1/205)
صفحة 206
وأما قوله من الحروب المتواصلة، فليس فى تواصل الحروب دليل على
تحريمها إذا كانت جائزة في الأصل. وما فى تواترها شاهد على راكبها بالهلاك إذا أسست على العدل، بل ذلك هو الواجب في الدين والمعنى الذي يرجى به الظفر بالمفسدين حتى يفيئوا إلى أمر الله أو يهلكوا [172] أو يظفر بهم المسلمون فيملكوا. فإن من كان له دين حارب عليه وشمر، ومن تصدى للقيام بأمر الله جاهد عليه وصبر، كما قال الإمام الحضرمي:
وما ينزل النجوات (1) إلا فظاظة (2) وغلظة ليث مثل جلود (3) صخرت وان يقهر الطغيان بعد طاحه (4) سوى وقعات وقعة بعد وقعت (ه) بيوم وأيام وشهر وأشهر وعام وأهوام بجيش وتحوت (1) وأما قوله، والمحن النازلة والخطوب الهائلة، فدمار ذلك على من فعله
بغير الحق، وأثاره وأنشأه لغير العدل وأداره.
ولن يضيع الله أجر من اجتهد فيه طلبا للفضل وقصداً إلى إحياء الحق وإظهار العدل، وكل ذلك عند من ناصح للنفس أنور من ضوء القمر
وأوضح من نور الشمس، وبالله التوفيق
(1) النجوة والنجاة: ارتفع من الأرض فلم يعله السيل فظننته نجاءك. (ابن منظور:
لان العرب).
(2) فظاظة: كتبت في المخطوط: فضاضة
(3) الجلمد والجدود: الصخر.
(4) الطماح: الجموح.
•
(ه) تحوت: قوم تحوت: أرذال سفلة. وفي الحديث الشريف: «لاتقوم الساعة حتى تظهر التحوت ويهلك الوعول»، يعنى الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يشعر بهم ولا يؤبه لهم الحقارتهم وهم الفلة والأنذال. (ابن منظور: لسان العرب). (1/206)
صفحة 207
وأما قوله، من دفن الأنهار، فإن كان يعنى حبس أنهار البغاة وأن ذلك عنده لا يجوز بإجماع، فليت شعرى عمن أخذ هذا الأثر، وإلى من يسنده من أهل العلم والبصر 11 فإن الموجود في آثار المسلمين خلاف لمقاله والمسنود إلى علماء الذين ناقض لاعتلاله.
قال الشيخ أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب (1) رحمه الله في سيرة المحاربة: وإذا قامت الحجة على الباغين وشهرت فيهم، قصد المسلمون حينئذ بالحرب إلى مجامعهم وفرقهم بكل ما لا يطمع المسلمون بكفاية بنيهم عليهم إلا بذلك من الحرب لهم يجوز منهم، وتفريقهم وتحريقهم وهدم حصونهم وقطع المواد عنهم وحبس المياه والأطعمة عنهم والحمولة أن يصل شيء من ذلك إليهم كان لهم أو لغيرهم إلى أن يفيثوا إلى أمر الله إياهم (3). فيا معشر المسلمين!! أليس في قول أبي المنذر هذا، بكل ما لا يطمع المسلمون بكفاية بفيهم عليهم إلا بذلك، دليل على جواز حبس أنهارهم لدخولها في جملة ما لا يطمع المسلمون بكفاية بفيهم عليهم إلا به. إذ قد علمتم أن هؤلاء القوم معتصمون بحصن منيع لا يقدر عليهم فيه بالمحاربة ولا يوصل إلى الظفر بهم بالقتال والمناصبة، وأن الجهاد البغاة
•
(1) أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب: من علماء عمان الأجلاء في القرن الثالث الهجرى التاسع الميلادي) وهو من أحفاد الإمام محبوب بن الرحيل. (2) مشيرا بذلك إلى قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمتين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن يغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تقئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين). سورة الحجرات: آية 9. (1/207)
صفحة 208
- Y·A·
-
منازل معروفة ودرجات عند العلماء موصوفة، فمن طمع بالظفر منهم بدون [17] القتل لم يجز قتله بل يؤخذ أسيراً إلى الحبس إلى أن يؤمن منه ومن طمع في الظفر به بدون هدم الحصن الممتنع فيه لم يجز هدم حصنه وإنما يهدم حصنه إذا لم يقدر عليه إلا بهدمه ولو كان لغيره، وكذلك إذا كان الحصن مخوفاً أن يمتنع فيه عن المسلمين فيصير ضراراً، أو يتولد به بسببه فساد لدولتهم ووهن لدعوتهم. وكذلك من رجا به الظفر بدون إتلاف سلاحه وما يتقوى به على الامتناع عن الحق من ماله أو مال غيره، لم يجز إتلاف ذلك، وإنما جاز ذلك للعملة التي ذكرناها وما أشبه هذا فهو مثله. وكذلك أنهار للبغاة لا يجوز عندنا حبسها عنهم ما رجا المسلمون الظفر بهم بدون ذلك. وأما إذا لم يرج المسلمون الظفر بهم إلا بحبسها عنهم، فما وجه الحجر له والتخطئة لفاعله؟! وأى شيء خصصه هذه الجملة وهو داخل فيها؟!
من
فكيف وأبو المنذر رحمه الله قد أعقب كلامه بما يؤكد جواز ذلك. ألا تراه يقول: وقطع الموارد عنهم وحبس المياه والأطعمة عنهم، والأنهار داخلة في المياه حتى يقوم الدليل بغير ذلك. ثم إنا رفع إلينا بعض أصحابنا عن أبي بكر أحمد بن محمد بن صالح (1) أنه أفتى بجواز ذلك فى كسر أفلاج (3) السر، وإن ادعى مدع منهم رجوعه عن ذلك
(1) أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح من العلماء العمانيين البارزين وسليل أسرة أنجبت خير العلماء العمانيين، تووفى سنة 546 ه (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 271). (2) أفلاج: القنوات أو الأنهار الصغيرة. جمع فلج. (1/208)
صفحة 209
- bed-
فغير مقبول منه، كما لم يقبل الإمام غسان بن عبد الله من سليمان بن عثمان لما أفتى بجواز إخراج ساقية النهر إذا ذهبت ساقيته في أموال الناس
بقيمة العدول (1) ولو كرهوا ثم
•
رجع عن ذلك لما أن حكم الإمام
لأهل الخطم بإخراج ساقيه لفلجهم لما أن ذهبت ساقيته في أموال أهل
نزوى، فلم يقبل الإمام ذلك منه،، وبالله التوفيق
فإن قال قائل: ما أنكرت أن لا يجوز ذلك لأن أموال البغاة من أهل القبلة حرام ولأن فيها لمن ليس بباغ على المسلمين مثل الغائب واليتيم والذاهب العقل وما أشبههم. قلنا أنكرنا ذلك من قبل أن المسلمين قد أجازوا هدم الحصون التي يتحصنون بها والمنازل التي يمتنعون ببغيهم فيها ولو كانت لغيرهم [174] وكذلك أجازوا إتلاف ما يتقون به من الأسلحة وآلة الحرب ما كانت الحرب قائمة، ولو كانت لغيرهم ممن ليس
بباغ. ففي إجازتهم لذلك وهى أموال لهم أو لغيرهم، خلاف لما ذكرت وبيان لما أنكرت.
وقد قال أبو المنذر في موضع آخر من السيرة: وللمسلمين عند ذلك حصار هؤلاء البغاة وقطع المواد عنهم وديات من هلك من ذلك من أسارى المسلمين عندهم في بيوت أموالهم، نحو ما قالوا به في خطأ أئمة
المسلمين وحكامهم
(1) العدل (بكسر العين): القيمة. الجمع عدول (بضم العين) وأعدال.
(1.4 - كتاب الاهتداء) (1/209)
صفحة 210
ذلك
لهم
وقد قيل، تقطع المواد عنهم ما لم يرج المسلمون إزالة بفيهم بدون الفعل، وإن كان في عسكرهم من ليس بحرب لهم من تجارتهم
من
وأطفالهم وحرمهم. فإن لهم رميهم بالحجارة والسهام وإن كان عندهم أنهم سيصيبون بذلك بعض أطفالهم كما كان ذلك جائزاً في المشركين، لأنه يحرم قتل أطفال المشركين كما يحرم قبل أطفالهم ما لم يكن ذلك بالقصد منهم إليه، وأن على من في عسكرهم ممن ليس بحرب للمسلمين أن يعتزل عسكرهم في وقت الحرب، فإن لم يفعلوا فلا إثم على المسلمين فيما أصابهم إن شاء الله، وفيهم الدية والكفارة، وإنما أجاز بياتهم وحمل السلاح على اليقظان (1) والنائم إذا لم يرج إلا بذلك الظفر
أجاز من
بهم ولم يمكنوا المسلمين من أسرهم، فهذا كله قول الشيخ أبي المنذر، فتأمله واعتبره وتفكر فيه وتدبره!! وانظر كيف أجاز للمسلمين أن
يضموا السيوف على من لا يعلموا بالحقيقة واليقين بفيه واستحقاقه القتل
وهى أرواح،
وأرواح غير البغاة أشد من أموال البغاة وغير البغاة
وانظر كيف أجاز بالحجارة والسهام، وإن كان
رميهم
عندهم
أنهم
•
سيصيبون بذلك بعض أطفالهم ومجانينهم ومن ليس بباغ عندهم. كل ذلك لإحياء دين الله وإقامة العدل على عباد الله، وهذا مالا يجهل
فضله ولا ينقض أصله إلا مكابر، وبالله التوفيق.
(1) اليقظان: كتب فى المخطوطة «اليقضان». (1/210)
صفحة 211
211
وإن كان عنده أن حبس أنهار البغاة جائز وإنما أنكر دقتها نفسه
وكثرة ما يلقى فيها، فلم يكن قصد من أجاز ذلك
من الجماعة إلا إلى
حبسه، وإنما يحبس بما يحبسه، لا بما لا يحبسه، والذي ألقى في ذلك كثرته فلم يحبسه، وهو إلى الآن يحتاج إلى زيادة غير ذلك.
النهر مع
بعينه ذلك على
وأما عيث من عاث فيه من السفهاء، فإنما فعلوا ذلك بلا أمر ولا حكم، ولا رضى ذلك أحد على أحد من الجماعة ولا صح شيء من وطلب الإنصاف منه فيضيق على الإمام [175] أو على جماعته العقول عنه. فكل ذلك يستدعيه مكابرة هؤلاء البغاة وكثرة عنادهم للمسلمين لا متى كابروا على إخراج شيء منه على الإقامة على البغى فقد أغروا به، والله أعلم وبه التوفيق.
وأما قوله، وقطع الثمار فما قطعنا ثمراً ولا كثرا (1) ولا قلمنا زرعاً ولا شجرا، ولا نعلم أحدا فعل ذلك ممن خرجناه للقتال وبمثناه لحرب هؤلاء الرجال، فإن أكثر هذه الحروب تقع بلا قصد إليها وعامتها تنتشيء من غير اعتماد عليها، وأكثر الناس إلا ما شاء الله يخرجون بغير تخريج ويحارون بلا تحضيض وحث. ولما أن كانت الحجة قد قامت على هؤلاء القوم وظهرت فيهم وبلغتهم الدعوة وشهرت إليهم، كان كل حين ما لم يرجعوا عن بغيهم المبين، و جائز قتلهم مقبلين ومدبرين
(1) الكثر والكثرة: نقيض القلة.) ابن منظور: لسان العرب).
حربهم
جائزا (1/211)
صفحة 212
-
ما كان لهم معقل يأوون إليه وأمير يعولون عليه، لا غاية لذلك إلا الرجوع عن غيهم والفئة عن فسادهم وبغيهم، وضمان كل حدث على فاعله ودمه راجع على عامله. فمن ادعى ذلك علينا ونسب أمه وذمه إلينا فقد خالف المعروف من الأثر وخرج من قول أهل البصر، والله أعلم
وبه التوفيق
على أنه لو صح شيء من ذلك بأمرنا لكان الواجب تحسين الظن بنا ما قد صح من مثل ذلك من فعل البغاة من نهب ثمرة الأجرد وثمرة الفاروت وأزكى) ومنح (2) ونزوى (3) وما أشبه ذلك. لأن المسلمين قد أجاز بعضهم لمن استهلك البغاة ماله أن يأخذ مثله مما قدر عليه من مال أميرهم وغيره، ولو كان غير الفاعل نفسه، له أن يرافعهم بما ضمن
(4)
لبعضهم لأنهم يد واحدة. وذلك موجود عن الشيخ أبي محمد رحمه الله، وإن كان قد أبى ذلك الشيخ أبو الحسن رحمه الله، فإنما هو رأى لا يخطئ فاعله والله أعلم.
وأما قوله، وتخريب الديار، فما نعلم أنا أمرنا بهدم منزل ولا دار ولا بتخريب مال ولا عقار، وهذا بهتان!! فمن ادعاه وزور ممن نقله
(1) أزكى: إحدى مدن المنطقة الداخلية في سلطنة عمان.
(2) منح: إحدى قرى المنطقة الداخلية في عمان
(3) نزوى: مدينة في وسط سلطنة عمان. تقع على ارتفاع 1900 قدم وعلى بعد 20
ميلا من أزكى
•
(4) رافعه إلى الحاكم: شكاه ليحاكم. (1/212)
صفحة 213
وسعاه، ولو كان نقله محيداً عنا لوجب إنزال المذر لنا من تخريب
ما يجوز لنا تخريبه، لما يوجد في الأثر من جواز تخريب الدور التي
يتحصن البغاة فيها وهدم الحيطان التي يتقوون بها ويلجئون إليها
الدليل على ذلك ما يوجد [176] أن رسول الله في بعض الوقائع فأمر بنسفها، والله أعلم وبه التوفيق
وأما قوله، وتحريق المنازل بالنار، فذلك شيء ما فعلناه ولا أمرنا بفعله ولا رضيناه، والفاعل لذلك أحق بذمه وأولى بضمانه وإنمه. كيف والمحرم من ذلك إحراق ما لا يتحصنون ويتقوون به في حال المحاربة، نعلم بينه وبين ما يجوز هدمه من حصونهم فرقا، وإنما الاختلاف أحسب في حرقهم بالنار، والله أعلم وبه التوفيق
فلا
وأما قوله، وإتلاف الأنفس من عبيد وأحرار، فمن بغى على المسلمين وحاربهم وامتنع عن طاعتهم وناصبهم، جاز لهم جهاده وقتاله، وإذا قامت عليه الحجة فردّها، حلّ لهم بياته واغتياله. وهذا شيء فعله الأئمة والأفضلون اقتداء بما سنه الأنبياء الأولون: وقد قال الله تعالى: (فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله)، لم نكن (2) أول فعله فيكون من بدعة، ولا خالفنا فيه الأثر فيكون شنعة، بل خالفنا فيه الفرقة المارقة القائلين: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)، وبالله التوفيق.
(1) سورة الحجرات: آية 9.
(2) نكن: كتب في المخطوط. «يكن».
(3) يشير بذلك إلى العثمانية أنصار عثمان بن عفان. (1/213)
صفحة 214
- 214
وأما قوله، على استحلال منكم لذلك فما استحللها من ذلك إلا ما وضح عندنا حله، ولا فعلنا إلا ما يجوز لنا فعله، وقد أوضحنا كل
شيء من ذلك في موضعه وبيناه وأقمنا عذرنا في جميع ذلك وبرهناه.
والرامي لنا بالقذف والبهتان، والمعارض لنا بلا علم ولا بيان ولا بصر بالأثر ولا عرفان، قد وثب حيث يجب الورع والتعفف، وعجل حيث يلزم التبيين والتوقف، حاله قاده الهوى إليها وحمله العمى عليها. سلمنا الله
من موبقات العمى والهوى ومن علينا بسلوك سبيل أهل التقوى
فذلك
هو
وأما قوله، واتباع لمن تهتدون بهديه وترجعون إلى أمره ونهيه، الواجب علينا واللازم فرضه لدينا، وعلى ذلك دخلنا في هذه الأمور واعتمدنا طاعة ربنا الشكور حيث يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) (1)، فقد قرن طاعة أولى الأمر بطاعته وطاعة رسوله الذى اجتباه لرسالته، فلا حجة علينا
في ذلك ولا معاب ولا شك معنا في ديننا ولا ارتياب، وبالله التوفيق
وأما قوله، فإن كان ذلك منكم على التأويل والإغفال فراجعوا بصائركم بالبحث والسؤال، فالذى دخلنا فيه [177] وفعلناه ودعونا الناس
إليه وأصلناه، وحاربنا هؤلاء القوم عليه واعتمدناه. فعن علم بأحكام عرفناها، وآثار عن السلف وطئناها، وفتيا من علماء المصر أخذناها،
(1) سورة النساء: آية 59.
•· (1/214)
صفحة 215
ورخص عن المسلمين قبلناها، فما هذا التعسف والشنان (1)؟! وما هذا الاعتراض بغير بيان؟! وقد ذكرنا كل فصل في موضعه بشاهد واضح وحجة قائمة وبرهان لائح. وليس جهل ذلك ممن جمله مسقطا عن المكلفين فعله، ولا ناقصا من الدين أصله، والعجب كل العجب ممن اعتمد نصائح الرجال بالمسارعة إلى تحقيق المحال، والجهالة بأحكام الحرام والحلال. وقد قيل من لم يعرف اختلاف العلماء لم يبلغ علمه طرف أنفه
•
فراد ناصح نفسه قبل أن ينصح سواه!! وهلا تمسك!! ببصيرته
وخالف هواه!!
•
قال الله عز وجل: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (3).
وأما قوله، قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (2) فقد قبلنا أمر الله فى ذلك وامتثلناه وبدأنا به في الأمر الذي دخلناه، لأنا طفنا على أهل الصلاح من إخواننا وعرضنا أمرنا على أهل الذكر أعلامنا من، وعن رأيهم في ذلك صدرنا، ونحن مجتهدون إن شاء الله في القيام بالعدل ما قدرنا لا كمن ابتز برأيه (4) نقضاً على الجماعة، ووثب منتهز الفرصة مشاققاً لأهل الطاعة. قال الله عز وجل: (أتأمرون الناس
(1) الشنآن: البغض مع العداوة وسوء الخلق
(2) سورة ق: آية 18 ..
(3) سورة النحل: آية 43. (4) ابتر برأيه: غلب برأيه. (1/215)
صفحة 216
بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)). وقال: (وَمَنْ يُكسب خطيئة أو إنما ثم يرم به برينا فقد احتمل بهتاناً وإنما مبينا).
في
وأما قوله، وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم سبيل الله فتبينوا (3). فقد أمر بالتبيين عند الأمور المشكلات. فهلا تبين هذا الناصح المعترض في أمره قبل الطعن علينا؟! وتفكر قبل تفويق مهامه (4) إلينا؟! حتى يعرف الصحيح من السقيم والعدو من الحميم!! وهلا قال كما قال موسى بن على رحمه الله لما أنفذ كتابا إلى الإمام المهنى (9) فرجع الرسول إليه فقال له ردّ كتابك، فقال هو الأمين علينا وعليك. وأما قوله وأما قوله، ونهى عن اتباع الأهواء المضلات فقال: (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا (). فليت شعرى من المتبع للهوى؟! المفارق لأهل العدل والتقوى المخاصم لأهل البغى والإغواء المعترض على الجماعة بالدعوى؟! أم المفارق لأهل الضلال المحتمل في مجاهدتهم على الدين شقة النفس وإنفاق المال؟!
(1) سورة البقرة: آية 44.
(2) سورة النساء: آية 112
(3) سورة النساء: آية 94
(4) فوق سهامه: كسر سهامه فوقنا
(5) الإمام المهنا بن جيفر: أحد أئمة عمان، بويع له بالإمامة في سنة 226 ه، بايعه
موسى بن على عن مشورة المسلمين، وموسى بن على من علماء وفقهاء عمان، وتوفى موسى 230، وقيل 231 هـ، أما الإمام المهنا فتوفى سنة 237 هـ.
(6) سورة النساء: آية 135.
سنة (1/216)
صفحة 217
-
217 -
-
إن هذا لأوضح بيانا [178] وأقوم دينا وبرهانا وأقوم دينا وبرهانا. ولقد قيل
هلك صنفان من الناس بخصلتين، العلماء بالهوى والضعفاء بالعمى،
والله
:
أعلم وبه التوفيق
وأما قوله
، وقد قيل إن المنافق وثاب والمؤمن وقاف، فهذا عين
الصحيح وهو الذي دلنا على أن القائل غير نصيح لأنه وثب علينا. طاعنا في نصيحته التي أهداها ونسب إليها فعل محرمات ما اعتمدناها، وحرم أشياء جائزة فى الدين عرفناها. وهذه الرواية إنما تقتضى الشبهات دون الأمور الواضحات البينات، فنحن فقد علم الخاص والعام، إلا من شاء الله، أنا حين دخلنا البلاد ووقفنا في حرب هؤلاء القوم طمعا فى السداد ورجاء في مصالح العباد وحين وصل الباغي أنشأ الحرب وأثار الفقال ونحن نمنع الناس خوفا من اتساع الحال، فوقفنا قريبا ثلاثة أشهر أو زيادة، ثم اعتمدنا على التشريق وترك محاربة هذا
من
الفريق، الإصلاح من قدرنا عليه وإظهار العدل فيمن امتدت قدرتنا إليه. فشمر الباغى فى نواحى البلاد بإظهار العيث والفساد، فنعوذ بالله من قلب لا يخشع وأذن لا تسمع، وبه التوفيق
وأما قوله، وإن كنتم أنزلتم هؤلاء القوم الذين تحاربونهم منزلة بناة أهل القبلة فإنهم عندنا كذلك، حلال جهادهم ولازم، لا شك
عندنا في ذلك ولا ارتياب .. (1/217)
صفحة 218
218
قال الله عز وجل: (قُل يا أيها الناسُ إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم
وأمرت أن أكون من المؤمنين))
وليس شك من شك فيهم مزيلا لما يجب في دين الله عليهم، فمن
كان عارفاً بذلك فليحققه، ومن لم يعرفه فيصدقه، وبالله التوفيق.
وأما قوله، فكتاب رب العالمين وسنة نبيه الأمين وإجماع المسلمين يحرمون عليكم هذه الأحداث التي اعتمدتموها في محاربة هؤلاء القوم،
ذلك
،
فهلا ذكر ذلك في أي سورة وأى آية وفى أى سنة وفى أى رواية حتى نجيبه على ذلك بالحجج القوية الواضحة والدلائل النيرة اللائحة، فإن للعلم تفسيرا وتأويلا كما أن للقرآن والسنة تفسيراً وتأويلا، فمن حمل جميع على ظاهره ذل، ومن لم يوفق لمعرفته ضل. فلعله وجد قولا مجمولا [179] معنى مجملا لم يهتد إلى تفسيره ولم يصل إلى معرفة تعبيره. وما كنا نحب لناصح أن يقفوه لإخوانه بهذه المقالة فيوجب نسبه إلى الخطأ والجهالة،
أو
لكن اللسان ترجمان القلب يخبر عما فيه، والله أعلم وبه التوفيق.
وأما قوله، الذين قد سميتموهم بغاة قبل أن تبينوا بغيهم للناس، فإن بغيهم ظاهر للعيان لا يحتاج إلى إشاعة وبيان. ولن يخلو هذا القائل من أن يكون قد عرف بفيهم أو لم يعرف، فإن كان لا يعرف ذلك، فمن لا يعرف بغى هؤلاء القوم المعاندين للجماعة المفارقين لأهل الطاعة المضادين
(1) سورة يونس: آية 104 وردت بعض الأخطاء فى كتابة هذه الآية في المخطوط.
• (1/218)
صفحة 219
- 219
-
-
للمسلمين، الرافعين راية الضلال بغياً على أهل الدين، فكيف يعرف أن كتاب الله وسنة نبيه الا الله وإجماع المسلمين يحرمون علينا هذه الأحداث؟! إن هذا القول مختلف يؤفك عنه ما أفك، أما أن أبا بكر الصديق رحمه الله كان يقول: لو منعونى عقالا مما أعطوه رسول الله الله الجاهدتهم عليه ولو بنفسى.
وهؤلاء القوم قد منعوا ذلك وبدءوا بالحرب، فما هذا الارتياب
والشك؟! وما هذا التمويه والإفك؟!
وإن كان قد عرف ذلك فما وجه هذا الكلام؟!
وعلام يا قوم هذا الملام؟! وبغى هؤلاء القوم شاهر ظاهر لا يخفى على
أحداً
ذي لب نصح الله فى إيمانه ورجى ثواب الله في غفرانه. فهل سمعتم من المسلمين قال إنه لا تجوز محاربة البغاة حتى يبين للناس بغيهم: ما سمعنا بمثل هذا القول إلا في محاربة جماعة المسلمين للإمام إذا امتنع عن الاعتزال بعد سقوط إمامته، أنه لا تجوز لهم محاربته إلا بعد أن يبينوا للناس حدثه الذي به استحق المزل، فإن حاربوه قبل ذلك فهم بغاة عليه فهذا أراه قد عكس المسألة عن وجهها حيث قال إنه لا يجوز للإمام محاربة هؤلاء القوم إلا بعد أن يبين للناس بفيهم.
فيا معاشر المسلمين أخبرونا عن محاربة البغاة الإمام وامتناعهم عن طاعته، هو بغيهم أم بغيهم غير ذلك؟! كيف وهؤلاء القوم خارجون؟! (1/219)
صفحة 220
-
220
-
أيترك الباغي على بغيه ولا يجاهد حتى يهلك العباد والبلاد؟! ما سمعنا
بهذا في الملة الآخرة ..
وأما قوله، أمن دماء سفكوها أم محارم انتهكوها أم أموال استهلكوها. أم أنفس أحرار ملكوها؟! فالذى أحدثوه في الإسلام واعتمدوه من مشاققة الجماعة والإمام [180] والسعى والفساد والطعن في دولتهم بالبغى والعناد أعظم محنة في الدين وأشد فتنة على المسلمين من هذه الأمور اللتي ذكرناها وشرحها في كتابه وسطرها. كيف وكل ذلك قد فعلوه، إلا ما شاء الله، وارتكبوه وفعلوه في الإسلام واكتسبوه، فإن كان كل ذلك لم يصح معه فمن أين كنا نحن أولى عنده بالخطأ. إن هذا إلا إنك مبين وقول خصم للمسلمين!! قال الله تعالى: (ولا تكن للخائفين خصما () وقال: (ولا تجادل عن الذين يخقانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانًا أثما. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيط (). أعاذنا الله عن التعامى عن الواضحات والتورط في الفاضحات، وبه التوفيق.
وأما قوله، أم حق قبلهم منعوه أم سبيل قطعوه، فأى حق أوجب وألزم، وأى سبيل أكبر وأعظم من الطاعة التي قرنها الله بطاعته وأوجبها
(1) سورة النساء: آية 105
(2) سورة النساء: الآيتان 107 و 108. (1/220)
صفحة 221
-
لأولى الأمر من بريته) حيث قال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى
الأمر منكم)).
وهذا حق قد منعوه مناكرة وسبيل قطعوه مكابرة، ولا ينكره عاقل
ولا يجحده مجادل بالباطل، والله أعلم وبه التوفيق.
وأما قوله، فإن صح ذلك منهم ووجب عليكم حربهم فقد ذكرنا
من صحته ما يكفى عن تكربره وإعادته، وبالله التوفيق. وأما قوله، فلا سبيل لكم على أموالهم فهذا قول مجمل وسبيل محتمل. ولقد فسره الشيخ أبو المنذر بشير في «كتاب المحاربة» تفسيراً واضحاً فقال: فأما القول بأن لا سبيل على أموال الباغين فهو كذلك ما لم يكن ذلك قوة لهم لحربهم المسلمين، أو معونة لهم على بنيهم لهم، فذلك ما للمسلمين أن يحوزوه دونهم ويحبسوه منهم إلى زوال بفيهم: ثم هو ردّ عليهم أو على وثبهم. وما كان ذلك آلة من تصلح الحروبهم بها، فقد قال بعض المسلمين أن يحاربوهم بها وأن ما تلف في الحرب منها فلا غرم عليهم وقد قيل يغرمها وإن سلمت فلا كيدا لها، فانظروا في ذلك، وبالله التوفيق ... فإن حرمة أموال البغاة متوجهة إلى من يملكنا دونهم خلافا لأموال المشركين دون حبسها وإتلافها، فإن ذلك يجتمعون جميعاً في جوازه وإن اختلف ما به إتلافها، والله أعلم وأحكم.
(1) البرية: الخلق ..
(2) سورة النساء: آية 59. (3) كدا الشيء كداء: قطعه ومنعه. (1/221)
صفحة 222
222
-
وأما قوله، والموجود عن أبى الحوارى: وأما أهل البغى من أهل
•
فيا معشر
القبلة فلا يحل منهم إلا دماؤهم وقطع المواد عنهم المسلمين [181] أى مادة تقطع عن البغاة إذا كانوا مستغنين في حال بنيهم بسقى أنهارهم؟! فإن كان يجوز قطع جميع المواد عنهم التي لا توصل إليهم إلا بها فما الذى يمنع من جواز حبس الأنهار؟! فإن كان بعض المواد، فكان يجب أن يبين ما يجوز قطعه دون
ما لا يجوز ..
نعوذ بالله
من غلبة الشقا ومتابعة الهوى ومسامحة الآراء وتكلم
الإنسان بما هو حجة عليه لا له وما التوفيق إلا بالله.
صحيح
"
فهذا
وأما قوله، من بعد إبلاغ الدعوة إليهم وإقامة الحجة عليهم لكنه في المسلمين إذا خرجوا على البغاة لم يحاربوهم إلا بعد أن
يدعوهم إلى الحق اللهم إلا أن يبدءوهم بالقتال فجائز قتالهم. وأما إذا كانوا هم الخارجين على المسلمين فقد عرفنا في بعض القول أنه لا دعوة، وكذلك قد قال بعض المسلمين: لا دعوة لمن قد عرفها. فهذا ما عرفنا في الدعوة وموضع وجوبها. فكل هذه الخصال قد اجتمعت على هؤلاء القوم وذلك أنهم خرجوا رافعين راية الضلال شاهراً ظاهراً على عيون العلماء والجهال، ثم لما وصلوا بسكرهم بدءوا القتال، الدليل على ذلك أن
(1) أبو الحوارى: من علماء عمان في القرن الثالث الهجري، وهو أبو الحوارى محمد ابن الحوارى القرى المعروف بالأعمى. (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 153). (2) مسامحة الآراء: التساهل في الآراء. (1/222)
صفحة 223
-
لأنهم
الحرب إنما كان بسمد نزوى (1). ثم إنهم قد عرفوا الحق من غيره ما فعلوا ما فعلوا إلا مضادة (3) للمسلمين يعترف بذلك خواصهم وتعرفه عوامهم
إلا ما شاء الله.
إن الإمام بحمد الله قد دعاهم إلى الحق بكتابين منه أحدها إلى أميرهم وأحدهما إلى عامتهم على يد النقة أبي بكر أحمد بن أبي الرحال، فما ازدادوا إلا عتوا واستكباراً، والنسخة عندنا موجودة. فما هذا التضليل لنا وما هذا الطعن في أصلنا؟! إنا لله وإنا إليه راجعون وأما قوله، فإن امتنعوا حل قتالهم لا تقطع أموالهم، فلعل هذا مما يختلف فيه الأثر وأنه يوجد أن سعيد بن زياد (3) لما استولى على أهل الأحداث من أهل الشرق وأراد دمارها، أرسل إلى موسى بن أبى جابر (4) وقال له إن سعيداً يقطع نخل بني نحو (ه)، قال موسى فيما بلغنا (ما قطعتم من لينة (1) أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين ().
(1) سمد نزوى: أحد أقسام مدينة نزوى (2) كتب في المخطوط: (مضاددة».
•
(3) سعيد بن زياد: هو سعيد بن زياد البكرى، كان قد أرسله إمام عمان، محمد ابن عفان، ليخضع أهل الشرق من عمان في النصف الثانى من القرن الثاني الهجرى. (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 8684). (4) موسى بن أبى جابر الأزكوى) أو الأزكاني (من أعلام العلماء العمانيين في القرن
الثاني الهجرى.
(ه) بنو نحو: في الصحاح، قوم من العرب. وجاء في لسان العرب: وبنو نحو بطن
من الأزد.
(6) اللين: كل شيء من النخل سوى العجوة والتمر، والواحدة لينة. (7) سورة الحشر: آية. (1/223)
صفحة 224
224
فلما رجع
الرسول إلى سعيد بن زياد وأخبره بما قال له موسى، أقبل
سعيد بن زياد على قطع النخل وهدم المنازل ..
أما
وبلغنا أن وائلا سثل عن أحداث سعيد بن زياد فقال فيما بلغنا: من قتل سعيد ممن قتل من للمسلمين وهو حقيق بذلك وأما من قتل [182] ممن لا يستحق القتل وما أحرق من المنازل والأمتعة فإن كان الذي بعثه إمام عدل كان ما صنع فى بيت مال المسلمين، فهذه الآية عامة في الفاسقين حتى يصح التخصيص، لأن الفاسقين تجمع البغاة من أهل القبلة
وأهل الشرك
•
وقد قال الإمام الحضرمي:
كذلك نخزى الفاسقين بقطعنا مواردهم مع قطعنا كل لينت وسى ذراريهم وغنم رجالهم حرام وأيضاً قتلهم قبل دعوتِ
فانظر كيف أجاز الإمام الحضرمي قطع نخل البغاة لأن اللينة هي
النخلة وليست من آلة الحرب بل خزياً لهم كما قال الله إضعافاً لهم. وإذا ثبت هذا وجاز على بعض القول كان حبس أنهارهم أجوز، وبالله التوفيق.
17
:
والآية تقتضى ذلك والمانع من جوازه محتاج إلى إقامة الدليل .. وأما قوله، ولا تخرب منازلهم، فقد تقدم من شرح ذلك ما فيه كفاية لمن كان له بصر وهداية، وبالله التوفيق. (1/224)
صفحة 225
-
وأما قوله، وإن احتج محتج لهم فى تحريق المنازل بالنار بحرق دور
(1)
بني الجلندى وما ذكره من قصة فعل المطار)، فهذا حجة عليه لاله لأن المسلمين لم يبرءوا من الإمام ولا من صاحب السرية أبى مروان (3)،
ولا علمنا أنه عاقب المطار على ذلك
وكذلك ما علمنا أنه عاقب معقلا لما سبى بنى ناجية.
وكذلك عمر بن الخطاب ما علمنا أنه عاقب حذيفة على سبي
أهل
دبا، وإنما أنكروا ذلك وشددوا فيه. فما هذه المناظرة والمكاثرة؟! وما هذه المجادلة والمحاورة؟! وبالله التوفيق.
وأما قوله، فإن كان هؤلاء القوم عندكم بغاة كما تزعمون، فمن أى
من
وجه استجزتم سد أنهارهم من سقى أموالهم؟! فهذا تقدم في ذلك الشرح ما لا يحتاج إلى إعادة وما كنا نحب لهذا الناصح أن ينسب بغى هؤلاء القوم إلى زعمنا، فإن هذا تمام عن الحق ومجانبة لأهل فيا معاشر المسلمين من أولى بالإمامة؟! المستورون (3) أهل الصلاح ولو ضعفوا في العلم عن درجات الأوائل!! أم ذلك إلى
الصدق
(1) تحرك بنو الجلندى وعلى رأسهم المغيرة بن روشن الجلنداني وشايعهم ناس من أهل الفتنة ودخلوا توام وذلك أيام إمامة المهنا بن جيفر (226 - 237 هـ) وبعد هزيمتهم عمد المطار الهندى ومن معه من سفهاء الجيش إلى دور بنى الجلندى فأحرقها بالنار. (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 118).
(2) كان أبو مروان عاملا للمهنا بن جيفر على صحار.
(3) المستور: العفيف
•
(15 ـ كتاب الاهتداء) (1/225)
صفحة 226
-
رضى الرؤساء من الناس أهل الظلم والتجاهل ولو كانوا ذوى فسق
وظلامة؟!!
قال الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعِزَّةٍ عَلَى الكافرين [183] يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لوم ((1) وقال سبحانه: (لم تَلْبِسُونَ الحقِّ بِالْبَاطِلِ وتكتُمُونَ الحقِّ وأنتم تعلمُونَ) (2)
وأما قوله، وهى تجمع الأيتام والأرامل والغائب والجاهل والعالم، فليس لجمعها لهؤلاء الذين ذكر هم دليل على خلاف جوازه إذا ثبت في الحصون والأسلحة والأطعمة وما أشبه ذلك. ولكنكم أيها المسلمون أخبرونا عن الباغي إذا حارب على فرص بينه وبين أو غائب، يجوز قتله تحته أم لا؟! فلا سبيل إلى جواز ذلك وضمان حصة الغائب واليتيم على المحارب، وإلا ضاق الحال وبطل غير ذلك، وهذا ما لا ينكره بصير بالأحكام ولا عالم بحقائق الإسلام، إلا ما شاء الله
وبه التوفيق
وأما قوله، وقد تخرج بعض المسلمين عن مد الدواة من الفلج فكيف
إذا أخذ كله
عن
أربابه ومنع عن
أصحابه؟!
(1) سورة المائدة: آية 54.
(2) سورة آل عمران: آية 71. (1/226)
صفحة 227
227 -
فيا معشر المسلمين أين أنتم من هذا الإنسان 1 1 انظروا إلى ضعف معرفته وقلة علمه وبصيرته إذ يحتج على تحريم حبس النهر بحجز الانتفاع به فليت شعرى على أى الملل قاس؟! فإن كانت العلة التي أوجبت تحريم حبس أنهار البغاة اشتراك الباغي وغيره فيها، لزمه ذلك في الحصن والسلاح والطعام وما أشبه ذلك أن يمنع من جوازه، وإن كانت العلة أموال البغاة حرام وكذلك أيضاً فيما تقدم ذكره، وإن قال إن العلة المجوزة لهدم الحصون وإتلاف السلاح إذ هو من آلة الحرب، قلنا فيجب إذا أن يمنع من حبس الأطعمة. فإن قال ذلك
،
، خصم نفسه، وإنما كان
هذا المعنى لو كنا مستجيزين الانتفاع بماء البغاة، فنحن لا نستجيز ذلك
ولا نراه، وبالله التوفيق
وأما قوله، وقد قيل إنه لا أحيط بعثمان يوم الدار الماء منعوهم عن حتى صباح صائح من أهل الدار إن كان لكم سبيل على عثمان فلا سبيل نكم على الأطفال والدواب، فعند ذلك أطلقوا لهم الماء، فليس في هذا حجة له على تخريم حبس الماء عن الأموال، وهو إنما أنكر جواز حبس المياه من سقى الأموال، بل فى هذا دليل على جواز حبس المياه وحاش لهم أن يفعلوه 11 وهو
عن الباغين للشراب لأنهم فعلوا ذلك غير جائز ولا يتوبون منه، وليش فى إطلاقه بعد ذلك دليل حقيقي
على حجر حبسه لأنهم لم ينقل أنهم تابوا منه بل ربما رجوا الظفر بهم [184] بدون ذلك (1/227)
صفحة 228
228
-
فإن قال قائل: ربما لم يعلموا أن عندهم دواب ولا أطفالا فحبسوا الماء
فلما أن علموا أطلقوه، قيل له هذا ما لا يخفى على من يعرف أن عثمان
كان به أهل المدينة أعرف من أن
يجهلوا أمر ما عنده من الأطفال
والدواب، إلا أن يكون هذا القائل ممن يقول إن عثمان إنما حاربه الآفاق دون أهل المدينة وهم النزوانية، فلا نشغل قلوبنا
الخارجون من
بمناظرته فقد أوردنا من الحجج عليهم في غير هذه الرقعة ما لا يحتاج إلى
شرح وبالله التوفيق
وأما قوله، غير أن هؤلاء البغاة الواجب حربهم معروفون ومشهورون بالمظالم بعمان، منهم من قد اتخذتموه عضدا تستنصرون به، وقد قال الله تعالى: (وما كنت متخذ المضلين عضدا (2).
فالموجود في الأثر أنه لا ينبغى للإمام أن يجاهد البغاة إلا بمن يأمنه إلا أن لا يجد من يرجو به منهم الظفر بالبغاة فله أن يستعين عليهم بغير الأمناء ما كانت يده عليهم وقدرته منبسطة إليهم الدليل على ذلك
ما يوجد
•
أن رسول الله له استعان بالمشركين، وكذلك أنه غزا على
(1) ظهرت الفرقة الرستاقية والفرقة النزوائية بسبب عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237 - 272 (ه) ويذكر الإمام السالمي أن أهل عمان ابتلوا بهذا الافتراق بلاء عظيما إلى أن قضى الإمام ناصر بن مرشد على هذه الفرقة (السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 167) والإمام ناصر بن مرشد هو أول إمام فى اليعاربة (1024 - 1050 ه). (2) سورة الكهف: آية 51. (1/228)
صفحة 229
229
-
ما وجدنا بيهود بني قينقاع وشهد معه صفوان بن أمية حنينا بعد وقعة
الفتح
ويوجد في سيرة المحاربة، أن جعفر بن السمان، وحقات بن كاتب، سارا إلى حبيب بن المهلب إلى الفعال معه فتكلم الناس في ذلك فأظهر أبو عبيدة ولايتهما، فنزل الناس إلى ذلك من قوله فيهما، وكانا من فقهاء المسلمين وقد قيل إن محمد بن عبد الله بن حساس وموسى
•
ابن أبي جابر، سارا مع غسان بن عبد الله إلى راشد بن النظر، وكانا من
فقهاء المسلمين، فهذا فعل المسلمين فى خروجهم مع غير الثقاة ولا يدلهم
عليهم، فكيف لا يجوز للمسلمين الاستعانة به هم على إزالة بنى البغاة
ولكن هذا إنكار من لا يعرف الأحكام ولا يتحامى أعراض المسلمين عن المذام. ألا تروا أن من بغى عليه باغيان لا يقدر على دفعهما جميعا وقدر على الامتناع من بغى أحدهما بالآخر على العدل، أليس من الفرض عليه إزالة بغى من رجا القدرة عليه منهما؟! فهذا ما لا ينكره لبيب ولا يدفعه بغيض ولا حبيب، لكن من تصدى للمعايب سعى في المذاهب غير صائب، والله أعلم وبه التوفيق
(1) خرج مع الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة حنين ناس من المشركين منهم صفوان ابن أمية واستعار منه الرسول عليه الصلاة والسلام، مائة درع بأداتها، وأعطى صفوان بن أمية بعد هذه الغزوة من الغنائم من الخمس مائة من الإبل. (انظر: ابن سعد: الطبقات الكيرى ج 3 ص 200 - 203 مطبعة نشر الثقافة الإسلامية 1368 هـ) والدكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 113 - 118 وماذكره من مراجع). (2) يعنى فتح مكة المكرمة. (1/229)
صفحة 230
230
وأما قوله، فإن قلتم إنكم دخلتم في هذه الأمور بحجة الإمام الذى نصبتموه ودعوته لمن حاربتموه، فإن كان الإمام عالم بأحكام [185] الإمامة والولاية والبراءة، وإلا فلا حجة لكم
عند الله
فيا معاشر المسلمين!! أهذا كلام نصيح أم مقال مشفق صحيح؟! إن كان يعد نفسه من الأباضية مصوّباً للنحلة المرضية فإنهم يحمد الله بين متابع أو مسلم راض، إلا من رغب عن حظ نفسه واختلج الشك في حدسه، فأولئك ممن وصفه الله فى كتابه حيث يقول: (وَمِنَ الناسِ مَنْ يعبد الله على حرف (1) فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على
وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) (2)
عنده من
ولو عقل هذا القائل وتفكر لعلم أن هؤلاء الجماعة لا انفكاك لهم أحد حالين، إما أن يكونوا بمنزلة من إذا عقد لم يجوز عقده لزم التسليم لهم والانقياد لأمرهم، فمن هذه صفته لازم عند الله الدينونة بطاعة من قدموه ما احتمل لهم الحق فى أمرهم. قال المسلمون، ولو كانوا قد خانوا الله وقدموا من لا يسعهم تقديمه، فعلى الناس طاعة من قدموه ما خفى ذلك عليهم، فإن لم يفعلوا فهم الكون بالامتناع عن طاعتهم عند الله ما احتمل حقهم في حكم الظاهر، ولا نعلم في ذلك اختلافا. وإما أن يكونوا بمنزلة من إذا عقد لم يجوز عقده ويسع تقديمه، لم تلزم طاعتهم
(1) على حرف: على شك (2) سورة الحج: آية 11. (1/230)
صفحة 231
231
-
ولا الانقياد لهم فمن هذه دفته لا يحتاج إلى شرط إن كان عالما بأحكم الإمامة والولاية والبراءة، على أن هذا الشرط ما علمنا أحدا قاله على
هذه الصفة أنه يكون عالما بأحكام الإمامة والولاية والبراءة، وإنما قالوا وأما أحكام الإمامة فشرط
أن يكون عالما بأحكام الولاية والبراءة
في المبايعين للإمام فى الإمام. وسنبين ذلك فما بعد إن شاء الله
فإن كانوا بالمنزلة الأولى فالواجب تحسين الظن بهم والنصر لهم على من بغى عليهم، وإن كانوا قد خالفوا الواجب فما خانوا إلا أنفسهم والناس سالمون بطاعتهم.
وإن كانوا بالمنزلة الأخرى فلا وجه لذلك الشرط، والله أعلم. ثم إنا نسأله فنقول له: أخبرنا أيها الناصح عن صفة من يكون عالما بأحكام الولاية والبراءة، ولا انفكاك له فى هذه المسألة فيما أحسب إلا أن يرفع الموجود في آثار المسلمين وأقل ذلك أن يكون بمنزلة من [186] يجوز للإمام أن يجعله واليا على التفويض وليس للإمام أن يجعل
•
واليا على التفويض ولو كان له وليا إلا أن يكون عالما فإن هذا ذهول وقيل إن القاضي إنما قال
منه عن الذي قصده القاضي أبو عبد الله لا يجوز تقديم إمام على التفويض إلا أن يكون عالما لا أنه لا يجوز تقديم غير العالم بل ذلك جائز على التقييد لا على التفويض. ألا ترى أنه قال بعد ذلك: فالذى يوجد فى الأثر أن المسلمين إذا قدروا على عالم يصلح للإمامة عقدوها عليه وفوضوا الأمور إليه، وإذا لم يقدروا على عالم (1/231)
صفحة 232
232
يصلح للإمامة وخافوا على أنفسهم وبلادهم أن يستولى عليهم الجبابرة وأهل الخلاف وتذهب دعوتهم ولم يجدوا من يقدمونه إماماً إلا رجلا
قليل العلم ضعيف البصيرة وهو لهم ولى وعندهم أمين ورع أنهم يقدمونه إماماً على شروط يشرطونها عليه في العقدة فيما لا علم له به من أمور المسلمين أن لا يفعله إلا بمشورة أهل العلم من المسلمين وبينوا له جميع ذلك في شروطهم فصلا فصلا، وإنما هذا عند الضرورة التي وصفناها. فهذا موجود عن الشيخ أبى الحسن رحمه الله، وهو أثر مشهور قد عمل به المسلمون، فمن أنكره فقد شهد بغير علم.
قال الله عز وجل: (أفيؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض
فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في الحياة الدنيا
يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) (1).
ويوم
القيامة
ونحن فما قدمنا هذا الإمام ولا دخلنا فى هذه الأمور العظام إلا بعد أن طفنا على أهل الصلاح وشاورناهم رجاء السلامة والفلاح، وأخذنا
رأيهم.
غضب
تحاميا من
وأما من وقف منهم بوقوف البغاة المفسدين وتلكأ عنده الظلمة المعتدين فلسنا نعدهم ممن يشرك في المشورة إذا قنع لنفسه
بالذلة والمحقرة فلا شك في ديننا ولا ريب ولا طعن علينا ولا عيب
(1) سورة البقرة: آية 85. (1/232)
صفحة 233
-
وأما قوله، فراجعوا العلم والبصيرة وأخلصوا الله المربرة، فهذه نصيحة مقبولة ومنحة غير مجهولة، فما أولى هذا الناصح بها وما أحقه بالعمل بموجبها، فإنه أهداها إلينا بعد أن رفضها وطرحها، إلا أنه أخطأ في كتابة وذكر فصولا في خطابه وتعجيباً له مراجعة العلم فيها وسؤال المسلمين عن حقائقها ومعانيها، فإنا نحب له التوبة منها والندم عليها والإقلاع عنها
أحدها: [187] أنه قال قد اتصلت عنا أحداث محرمة ثم ذكر أشياء منها ما تجوز ومنها ما لا تجوز، غير أنا نحن لم نفعله فهذا بهتان منه وقذف واختباط في المقال وحذف
والثانية: قوله إن كتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين يحرمون علينا الأحداث التى قد اعتمدناها فى محاربة هؤلاء القوم وفيها ما هو جائز بالدين وفيها ما هو جائز بالرأى، وليس فيها شيء اعتمدناه محرم بالدين ومن حكم بالدين في أحكام الرأى فهو مخطئ هالك.
والثالثة: قوله إن كان الإمام عالماً بأحكام الولاية والبراءة وإلا فلا حجة لنا عند الله، فهذا تحريم منه لما يجوز وتخطئة لأنه ما كان جائزاً أحد تخطئتنا فيه لأن الجماعة إذا حكموا على الرعية بالرأى
بالرأى فلا يسم لزمهم اتباعهم والانقياد لهم، فإن لم يفعلوا فهم هالكون باغون مشاققون للجماعة مخالفون لأهل الطاعة. (1/233)
صفحة 234
-
234
-
فهذه ثلاث لا سلامة للناصح لنا إلا بالتوبة منهن والرجوع إلى الحق عنهن، فمن ادعى غير ذلك فعليه إقامة الدليل. فهذا ما كتبناه تذكرة للإخوان وتنبيهاً لمن سامه الخذلان، وإلى الله أرغب في الاستقامة إلى الحق والتمسك بحبل الله وحبل أهل الصدق. فمن قرأ هذا الكتاب وتأمل هذه الألفاظ وهذا الخطاب فلا يعجل بالملامة على، ولا يوجه هجر قوله إلى، فإلى ضعيف المعرفة إن لم يؤيدنى الله بقوة منه، قليل العلم والبصيرة إن لم يفهمنى الله عنه. وأنا أستغفر الله من جميع ما خالفت فيه الحق في هذا الكتاب أو غيره. والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما كثيراً.
تم الكتاب (1)
(1) كتب في يمين هذه الصفحة: «تم كتاب الجوهري وكتاب الاهتدا». (1/234)
صفحة 235
-
بسم الله الرحمن الرحيم
الاسلام والأباضية (1)
عبده
إن الله وله الحمد اصطفى الإسلام ديناً ورضيه لنفسه واصطفى له خيرته من خلقه فلا تقبل الأعمال إلا به، ولا تغفر الذنوب إلا فيه، ومن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً ورسوله، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، والأمر بالمعروف والنهي على المنكر، والتعاون على البر والتقوى واستقبال القبلة وإقام الصلاة [188] لوقتها وتمام طهورها بحسن ركوعها وسجودها والتحيات التى لا تجوز الصلاة إلا بها، وإيتاء الزكاة بحقها وصدقها وقسمها على أهلها وصيام شهر رمضان بالحلم والعفاف وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا) وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل
و ما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان محتالا فجوراً) (2).
إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وغض البصر عن الحرام وحفظ الفروج عن الفواحش، ولين الجانب وحسن الصحبة، ونقض كل
(1) لا يوجد عنوان بعد البسملة فى المخطوط، والعنوان من عندنا.
(2) سورة النساء: آية 36 (1/235)
صفحة 236
-
236
-
عهد في معصية الله، وستر الزينة التى أمر الله بسترها إلا ما ظهر منها، والاستئذان في البيوت والتسليم على أهلها، والاغتسال من الجنابة، واتقاء النساء في المحيض، وأداء الأمانة إلى جميع الناس: البر منهم والفاجر. على الذبيحة، والاحتفاء (1) بأهل الذمة، والقصد في الشيء
الله وذكر اسم والصدق في الحديث وكظم الغيظ، والنكاح بكتاب الله بالفريضة والبينة
1
العادلة كما قال الله ورضى المرأة وإذن الولى، والطلاق بالشهود، والعدة بكتاب الله، والمواريث بكتاب الله. وتحريم ما حرم الله من جميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم شرب الخمر وكل ما أشبهه من المسكرات وأنزل بمنزلته من المحرمات، وتحريم ما حرم الله من المشارب والمحارم والمطاعم والمناكح كلها، وتحريم الكذب والفرى.
وتحريم قذف المحصنين والمحصنات، وتحريم ما حرمه القرآن والأخذ بما فيه من العدل والبيان، والتوبة إلى الله
من جميع الذنوب
والخطايا، لا يدعى الغفران من الله على الإصرار ولا الإقامة منا على
مناهيه الكبائر
•
ومن مذهبنا الشهادة على أهل الضلال بضلالتهم والبغض لهم والبراءة منهم، والولاية لأهل طاعة الله على طاعته والحب لهم، والقيام بالشهادة على القريب والبعيد، والوفاء بالعهد من جميع الناس البار منهم والفاجر، والعدل في الوزن والوفاء في الكيل، وتحليل للبيع وتحريم الربا.
(1) الاحتفاء: الإكرام. (1/236)
صفحة 237
-
-
و تحريم مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، ومن مذهبنا أيضاً أن لا تقطع رحماً ولا نؤذى جارا ولا نقول كذباً ولا نكره عدلا، ولا ترد المعذرة، ولا تفقم المثرة، ولا نتجسس الدورة. ولا نحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ولا نأخذ بالظن ولا التهمة، ولا نسخر بالناس
ولا نتعدى عليهم [189] ولا نعتد عليهم ولا نظلمهم حقوقهم.
ولا ندخل في ديننا من لا يكتم سرنا ولا يرعى غيبتنا ولا يقول قولنا ولا يرضى رضانا ولا يسخط سخطنا ونهمه على أنفسنا ولا يوالى
ولينا ولا يعادى عدونا.
ويستحب مع
هذا من يدعوه إلى معنى الموافقة أو يدعونا إلى مثل
محمد ودين
ذلك ذكر ما يقع عنه الريب من دخول الفتنة في الأمة فدعوه إلى القدين بدين أهل الاستقامة (2) من المسلمين وهو دين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما ودين عمار بن ياسر، الله وعبد بن الشارى إمام أهل للنهروان، ودين عبد الله ابن أباض إمام المسلمين، ودين عبد الله بن يحيى الإمام طالب الحق، ودين وائل بن أيوب، ومحبوب بن الرحيل من علماء المسلمين، ودين موسى بن على، ومحمد بن محبوب، وعزان بن الصقر من علماء المسلمين أهل عمان. والاعتراف لهم بفضلهم وتقديمهم والتدين بدينهم. فهؤلاء
(1) يعني بالدين هنا: المذهب الأباضي. (2) يعنى بدين أهل الاستقامة، المذهب الأباضي: (1/237)
صفحة 238
-
أمتنا وأولياؤنا فى الدين وعلماؤنا في ديننا، ديننا دينهم وولينا وليهم وعدونا عدوهم وحربنا حربهم وسلمنا سلمهم، ومذهبنا مذهبهم ورأينا رأيهم وقولنا قولهم، وقولنا فيما حدث بين أهل عمان وفيهم في أمر الصلت بن مالك إلى انقضاء أيام عزان بن تميم قوانا فيهم وفى
أحداثهم قول المسلمين
•
(1)
وإن كان فيهم من أهل الدار ومن جميع المسلمين مخصوص بعلمه من ولاية أو براءة أو وقوف، وإن من خصه شيء في أمرهم ومن
أفعالهم
أمرهم لم تكن له حجة على غيره في ذلك ولو ثبت عندهما صحة ما لم يصح عندها جميعا أصل حدثهم لأفعالهم كلهم عندنا خارجة على أحكام الدعاوى لا على أحكام البدع ولا الانتهاك لما يدينون بتحريمه،
فهذه المعانى تستطيب معنا من أقر بها معنا ووافقنا عليها. على أننا
هذا دائنون الله بالتوبة من جميع ما لزمنا فيه التوبة والاستغفار في دين هؤلاء الذين وصفناهم، ودائنون الله بأداء جميع ما يلزمنا أداؤه في دينهم،
و دائنون بالسؤال عن جميع ما يلزمنا فيه السؤال في دينهم،
وبالله التوفيق
•
إن الله أوجب الحدود لتؤخذ من أهلها، وأثبت الحقوق لتؤدى
(1) هو الإمام عزان بن تميم الخروصي. وكانت بيعته بعد وصول موسى بن موسى ومن معه إلى نزوى وعزل راشد بن النظر وذلك في سنة 277 هـ وقد قتل عزان بن تميم
سنة 280 ه. (1/238)
صفحة 239
-
إلى أهلها أهلها، وإنما أكمل الله دينه [190] وأضاء نوره للذين يهدون بالحق وبه يعدلون. وهو للذين آمنوا هدى وشفاء، فمن أقر للمسلمين بهذه الأعمال والحقوق والمقال ثبتت ولايته ووجب حقه وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم إلا أن يحدث حدثا، فإن أحدث حدثا كان حدثه على نفسه ولن يضر الله شيئا وكان الله غنيا حميدا. وقال الله: (إن الذين ينايمونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ((1). ولن يضر الله شيئا وكان الله غنياً حميداً (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيا) (2) والحمد
لله وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما
(1) سورة الفتح: آية 10. (2) سورة الفتح: آية 10 (1/239)
صفحة 240
بسم الله الرحمن الرحيم
سيرة النبي عليه السلام كتبها للعلاء ابن الحضرمي (1)
هذا كتاب من محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي نبي الله ورسوله إلى خلقه كافة. سيرة للعلاء بن الحضرمي ومن معه من المسلمين
عهد عهده نبي الله إليهم
أيها المسلمون!! اتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا للعلاء ابن الحضرمي فإنى استعملته عليكم وأمرته بتقوى الله الذى لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن يلين لكم الجناح وأن يحسن فيكم السيرة بالحق وأن يحسن ولايتكم ويشاوركم في الأمور كلها وأن يحكم بينكم وبين من لقى من الناس بما أنزل الله في كتابه من العدل. فإذا علم وعدل وأقسط واسترحم فرحم، فاسمعوا له وأطيعوا وأحسنوا مؤازرته ومعونته. فإن لى عليكم من الله حقا عظيما لا تقدرون
(1) العلاء الحضرمى: صحابى من رجال الفتوح الإسلامية. أصله من حضرموت وسكن أبوه مكة فولد للعلاء بها ونشأ فيها. وهو أول من ركب البحر للغزو أيام عمر بن الخطاب
وقد ولاه الرسول عليه الصلاة والسلام البحرين وأعطاه كتابا فيه فرائض الصدقة. أما هذه السيرة فقد انفردت بها هذه المخطوطة، ولم تطلع عليها في غير هذه المخطوطة في كتب السيرة والفقه والتاريخ الإسلامى وكافة المصادر الإسلامية التي بين أيدينا حتى وقت تحقيقنا
لهذه المخطوطة.
• (1/240)
صفحة 241
241
-
على قدر ما يجب لى عليكم ولا تبلغ العقول كنه عظمة وحق رسوله. وكما أن الله ورسوله على الناس عامة وعليكم خاصة حقاً واجباً ورضى ووقاراً فمن اعتصم بالطاعة وعظم حق أهلها ولزوم أمر الله وما أمرناه من ولاية المسلمين فإن له على المسلمين حقاً واجباً وطاعة. واعلموا عباد الله أن في الطاعة دركا لكل خير يبتغى ونجاة من كل شر يتقى، وإنا نشهد الله على من وليناه شيئاً من أمر المسلمين فلم يعدل فلا طاعة له وهو خليع مما وليناه وقد برئت للذين معه إيمانهم وعهودهم وذمتهم [191] فليستخر الله عند ذلك وليستعملوا عليهم من أفضل أفاضيل. سيروا على بركة الله وعونه وتوفيقه ونصره وعافيته ورشده فمن لقيتم فادعوه إلى كتاب الله المنزل وسنته وسنة نبيه، وعلى أن يحلوا ما أحل الله لهم في كتابه ويحرموا حرام ما حرم الله عليهم في كتابه. وأن يخلعوا الأنداد) وأن يتبرءوا من الشرك والكفر والنفاق وأن يتركوا عبادة الطواغيت واللات والعزى وأن يتركوا عبادة عيسى بن مريم وعزير بن جروة والشمس والقمر والنيران وكل شيء يتخذ ويعبد من دون الله، وأن يقولوا الله ورسوله وأن يتبر، وا مما برئ الله ورسوله منه ورسوله منه، فإذا فعلوا ذلك فقد دخلوا في الولاية. فبينوا لهم بعد ذلك كتاب الله الذى تدعونهم إيه المنزل مع روح الله الأمين جبريل عليه السلام على صفيه. العالمين محمد
(1) الأنداد: من اتخذهم الكفار أو أهل الشرك أند دا الله سبحانه وتعالى.
كتاب الاهتداء)
-17) (1/241)
صفحة 242
242
ابن عبد الله رسول الله ونديه أرسله رحمة للعالمين عامة الأسود منهم والأبيض والجن والإنس. كتاب الله فيه بيان كل شيء كان قبلكم وما هو كائن بعدكم ليكون حاجزاً بين الناس يحجز به بعضكم عن بعض ويحرم دماء بعضكم على بعض وأموال بعضكم على بعض، وهو كتاب مهيمن على الكتب مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل يخبركم فيه بما كان قبلكم مما فاتكم دركه في آبائكم الأولين الذين أتهم رسل الله وآياته كيف كان جوابهم وكيف تصريفهم بآيات الله، يخبركم بشأنهم وأعمالهم من هلك منهم بعمله لتجتنبوا أن تعملوا بمثله فيحق عليكم من عذاب الله وسخطه ونعمته مثل الذي حق عليهم عند ذلك من شر أعمالهم وتهاونهم بأمر الله، وأعمال من نجا منهم لتعملوا مثل أعمالهم رحمة منه لكم وشفقة من الله عليكم، عليكم، وهو هدى من الضلالة وبيان
من العمى واستقالة العثرة ونجاة
الأحداث وعصمة من
من
من الحيرة ونور من الظلمة وضياء من
الملكة ورشد من الغواية وبيان من اليقين وبلاغ
من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، فإذا عرضتم عليهم كتاب الله فأقروا لكم به فقد استكملوا الولاية، فأعرضوا عليهم الإسلام. والإسلام الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وحج البيت من استطاع إليه [192] سبيلا وصيام شهر رمضان والغسل من الجنابة والطهور عند الصلاة وبر الوالدين المسلمين وصلة الرحم المسلمة فإذا فعلوا ذلك فقد أسلموا. وادعوهم إلى الإيمان وبينوا لهم شرائعه، ومعالم الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله (1/242)
صفحة 243
243
-
وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وما جاء به حق وما سواه باطل، والإقرار بالملائكة والكتب والنبيين قبل محمد والرسل كاهم أجمعين، وأن الله بعثهم والإقرار بهذا الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب، والإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار والموت والحياة، فإذا فعلوا ذلك فهم مؤمنون. ودلوهم على الإحسان أن يوفق الله بهذا الذي عهد إلى رسله وعهدت رسله به إلى خلقه وسلامة صدورهم من كل غائلة وشنآن للمسلمين والتصديق بموعود الرب، والوداع من الدنيا في كل ساعة والمحاسبة للنفس عند استئناف كل يوم وليلة، والتعاهد لما فرض الله عليهم وأداؤه في السر والعلانية، فإذا فعلوا ذلك فهم محسنون. ثم بينوا لهم الكبائر منها فإن الملكة فيها وهى الشرك بالله، والله لا يغفر أن يشرك به. والسحر والساحر ما له في الآخرة من خلاق، وقطيعة الرحم، أولئك الذين لعنهم الله، والفرار من الزحف باءوا بغضب من الله، ومن غل
يؤت بما غل يوم القيامة ثم لا يقبل منه، وقاتل النفس التي حرم
الله
جزاؤه جهنم، والزانى يضاعف له العذاب، وقاذف المحصنة لعن في الدنيا والآخرة، وأكلة الربا قد آنهم الله ورسوله بحرب منه فإذا انتهوا عن الكبائر فقد استكملوا التقوى. فادعوهم إلى العبادة. والعبادة الصيام والقيام والخشوع والركوع والسجود واليقين والإنابة والاخبات والتحميد والتهليل والتسبيح والتكبير والصدقة بعد الزكاة، والتواضع والسكينة والشكر والمواساة والدعاء والتضرع والإقرار بالملائكة، والاستقلال لما عمل من (1/243)
صفحة 244
-
2440
عمل صالح فإذا فعلوا ذلك فقد استكملوا العبادة فأذنوهم عند ذلك بالجهاد وبينوه لهم ورغبوهم فيا رغبهم الله فيه من فضل الجهاد وفضل ثوابه عند الله [193] فإن انتدبوا فبايعوهم وادعوهم حين تبايع وهم إلى كتاب الله
المنزل وسنة نبيه عليه السلام
•
عليكم عهد الله وذمته وميثاقه وسبع كفالات، لا تنكثوا أيديكم من بيعة ولا تنقضوا أمر وال من ولاة المسلمين، فإذا أقروا لكم بذلك فبايعوهم واستغفروا الله لهم، فإذا خرجوا يقاتلون في سبيل الله غضباً لله ونصراً لدينه فمن لقوا من الناس فليدعوه إلى مثل الذي دعوه إليه من كتاب الله وإجابته وبيانه وإسلامه وإيمانه وإحسانه وتقواه وعبادته وهجرته، فمن اتبعه فهو المستجيب للمسلمين المؤمن المحسن المتقى العابد المهاجر، له ما لكم وعليه ما عليكم. ومن أبى هذا عليكم فقاتلوه حتى يفئ إلى أمر الله، والفيء إلى أمر الله إما أن يسلم وإما أن يعطى الجزية عن يد وهم صاغرون من الذين أوتوا الكتاب، وإن لم يفئ سفك دمه وغنم ماله وسبيت ذريته. ومن أقر لكم بالجزية وأعطيتموه الذمة
قاتلكم
فأوفوا له بها، ومن أسلم وأعطى لكم الرضى فهو منكم. ومن قاتل من بعد ما بينتم له فقاتلوه، وحاربكم فحاربوه، وكادكم فكايدوه، وجمع لكم فاجمعوا له، وخادعكم فادعوه من غير أن تعقدوا، واغتالكم
فاغتالوه من غير أن تعتدوا، وماكركم فماكروه من غير أن تعتدوا
را أو علانية، فإن من انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل
واعلموا أن الله معكم يراكم ويرى أعمالكم ويعلم ما تصنعون. (1/244)
صفحة 245
24
واتقوا الله وكونوا منه على حذر فإنما هذه أمانة انتمننى ربى عليها أبلغها عباده عذراً منه إليهم وحجة يحتج بها على خلقه، فمن بلغه هذا الكتاب من الخلق أجمعين فعمل بما فيه نجا ومن اتبع ما فيه هدى، ومن خاصم بما فيه أفلج (1) ومن قال بما فيه نصر، ومن تركه ضل حتى يراجعه ويعمل بما فيه، فاسمره آذانكم واوعوه قلوبكم فإنه نور الأبصار الأفئدة وشفاء لما فى الصدور، وكفى بهذا أمراً وزجراً ومعتبراً وعظة وداعياً ومحتجا، وهو الخير من الله ورسوله الذى لا شك فيه، محمد بن عبد الله للملاء بن الحضرمي في حين بعثه إلى البحرين
وربيع
كتاباً من
يدعو إلى الله ورسوله ويدعو لما فيه من خلال وينهى عن ما فيه من حرام وبدل على ما فيه من رشد وينهى عن ما فيه من غي. كتاب ائتمن الله، العلاء بن الحضرمى، فإن أصابت العلاء بن الحضرمي [194]
عليه نبي مصيبة الموت فخالد بن الوليد سيف الله، على المسلمين فليسمعوا له وليطيعوا ما عرفوه على الحق حتى يخالف الحق إلى غيره، وخالد بن الوليد خليفته، وقد أعذر إليهما في الوصية بما فى هذا الكتاب إلى من معهما من المسلمين
ولم يجعل لأحد منهم عذراً في إضاعة شيء منه لا لا والى ولا لجميع من
صحبهما من المسلمين
•
فمن بلغه هذا الكتاب فلا حجة ولا عذر ولا يعذر أحد يجهل شيء
(1) أملج: ظفر وفاز. (1/245)
صفحة 246
0246
مما في هذا الكتاب لثلاث بقين (1) لأربع سنين مضين من ظهور نبي الله عليه السلام إلا شهرين (2)
شهد هذا الكتاب يوم كتبه معاوية بن أبي سفيان (3) وعثمان بن عفان
عليه عليه، والنبي عليه السلام جالس والنقباء، رجل من قريش
(4)
ورجل من سليم ورجل من غفار (4) ورجلان من حمير ورجل من غسان ورجل من خزاعة ورجل من جهينة وأربعة من الأنصار، والمختار بن قيس العذرى وحذيفة بن اليمان العبسى وقصى بن أبى عمدة
الميرى والضحاك بن ربيعة
الام
(1) لم ينص هنا على اسم الشهر.
يرى وشبيب بن مرة الغساني وميسر
(2) لعل السنة الرابعة من ظهور النبي عليه الصلاة والسلام تعنى السنة الرابعة للهجرة. ونحن نرجح أن تكون السنة الرابعة بعد انتصار المسلمين في غزوة بدر في رمضان من السنة الثانية للهجرة، أى بعد - ست سنوات من هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. إذ تكاد تتفق كافة المصادر القديمة التي بين أيدينا أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل العلاء الحضرمى إلى البحرين بين السنة السادسة والثامنة للجهرة وقد كلف الرسول عليه الصلاة والسلام العلاء الحضرى بدعوة أهل البحرين وملكها المنذر بن ساوى إلى الإسلام أو الجزية وكانت ولاية البحرين تابعة للفرس. (انظر: ابن هشام: السيرة النبوية، وابن سعد: الطبقات الكبرى، والطيرى: تاريخ الأمم والملوك، والمسعودى: كتاب مروج الذهب وكتاب التنبيه والإشراف، ومطهر المقدسي: البدء والتاريخ، وياقوت الحموي: معجم البلدان: مادة البحرين، وابن الأثير: الكامل فى التاريخ، وابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، والزيلعي نصب الراية لأحاديث الهداية، وابن سيد الناس: عيون الأثر، وابن خلدون: التاريخ). (3) المعروف الشائع أن معاوية بن أبي سفيان أسلم عام الفتح أى في سنة 8 ه .. وقيل في بعض الروايات إنه أسلم سنة 7 ه قبل فتح مكة ويروى البعض أن معاوية بن أبي سفيان أسلم يبدر وكتم إسلامه إلى فتح مكة. ومعاوية
ابن أبي سفيان هو أحد الذين كتبوا للرسول عليه الصلاة والسلام.
(4) كتب في المخطوط: غفير. (1/246)
صفحة 247
-
- 247
-
ابن صعصعة الخزاعي وعواد بن جناح الجهينى وسعد بن معاذ الأنصارى ونوفل بن طلحة الأنصارى وسعد بن عبادة الأنصارى وزيد بن عمير الأنصاري. شهدوا هذا الكتاب حين دفعه نبي الله إلى العلاء بن الحضرمي وخالد ابن الوليد وانتمنهما عليه وأوصاها بما فيه وختمه ني الله بخاتمه وجميعهما أراد الخروج معهما، ثم أمر عثمان فقرأ عليهم ما في هذا الكتاب بأعلى صوته والله على كل شيء وكيل، ودعوة من نبيك ورسوله يسألك أن تنصر من عمل بما في هذا الكتاب نصراً عزيزاً وأعنه على ما استعانك عليه وعافه ما أبقيته واغفر له إذا توفيقه، والسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
ومن (1/247)
صفحة 248
248 -
أهم مراجع تحقيق مخطوط كتاب الاهتداء، والمنتخب
من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وأنمة وعلماء عمان
تثبت فيما يلى أهم المراجع الخطية والمطبوعة التي اعتمدنا عليها في تحقيق مخطوط «كتاب الاهتداء» وصلته من المنتخب من سير الرسول عليه الصلاة والسلام وأئمة وعلماء عُمان وفى مقدمة مراجعنا
•
القرآن الكريم، وكتب الأحاديث النبوية والسنة الشريفة، ودوائر
المعارف والمعاجم المختلفة
(1)
المراجع المخطوطة
ابن أبي بكر) أبو ذكرها يحيى: ت النصف الثاني من القرن
الرابع الهجرى):
السيرة وأخبار الأئمة: مخطوط فى دار الكتب المصرية بالقاهرة.
رقم 9030 ح
- (1/248)
صفحة 249
249
-
ابن عبد السلام) جعفر بن أحمد: ت أواخر القرن الحادى عشر
الهجرى)
إبانة المناهج في نصيحة الخوارج: مخطوط في دار الكتب المصرية
بالقاهرة. رقم 25499 ب.
البرادي (أبو القاسم بن إبراهيم ت 697 ه): رسالة فيها تقييد كتب أصحابنا
مخطوط في دار الكتب المصرية بالقاهرة. رقم 21791 ب. الدرجينى (أبو العباس أحمد: ت في القرن السابع الهجرى): طبقات الأباضية: مخطوط في دار الكتب المصرية بالقاهرة،
رقم 1256 ح، و 72612 تاريخ تيمور.
الموتى (سلمة بن مسلم الصحارى الموتبي): أنساب العرب: مخطوط
في دار الكتب المصرية بالقاهرة. رقم 2461 تاريخ
(ب)
المراجع المطبوعة
•
ابن أبي الحديد) الشريف الرضى محمد بن أحمد الحسينى: ت
404 ه):
كتاب نهج البلاغة: أربعة مجلدات، طبعة القاهرة 1329 هـ، وطبعة بيروت 51387/ 1967 م.
-
- (1/249)
صفحة 250
ابن الأثير (عز الدين على بن محمد: ت 630 ه): الكامل في التاريخ: 12 جزءا، بولاق 1290.
2
أسد الغابة في معرفة الصحابة: 5 أجزاء
•
"
القاهرة 1285 -
- اللباب في تهذيب الأسماء: القاهرة 1357 هـ.
ابن الباقلاني (الإمام أبو بكر محمد بن الطيب بن الباقلاني: ت 403 ه): التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة حققه محمود محمد الخضيري ومحمد عبد الهادى أبو ريدة: دار الفكر
العربي، القاهرة 51366/ 1947 م.
ابن النديم (محمد بن إسحق: ت نحو 383 ه أو 385 5/ 993 م أو
990 م)
•
الفهرست: ليبزج 1871 م، وطبع القاهرة 1348 هـ / 1929 م.
ابن أنس (الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك ابن أبي عامر القيمي الأصبحي المدني: ت 179 ه):
موطأ الإمام مالك. طبع حجر مصر القاهرة: جزءان 1280 ه. وطبع الحلبى بمصر بعنوان: موطأ إمام الأئمة. جزءان: القاهرة
0 1939
ابن تيمية (شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد الحنبلي الدمشقى: ت 728 ه). (1/250)
صفحة 251
-
-
رفع الملام عن الأئمة الأعلام».) ضمن المجلد العشرين من مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية): الطبعة الأولى:
الرياض. المملكة العربية السعودية 1382 هـ
ابن جماعة (محمد بن إبراهيم بدر الدين): تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام. المدد الرابع من مجلة Jslamica سنة 1934 م.
ابن حجر (شهاب الدين بن على العسقلاني: ت 5853/ 1449 م): ا - الإصابة في تمييز الصحابة: القاهرة 4 أجزاء 1358 هـ.
2 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري: بولاق ــ القاهرة 1300 هـ. - تهذيب التهذيب: دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.
4 - نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر: طبعة مصر سنة 1358 ه.
ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد: ت 5808): مقدمة ابن خلدون:
القاهرة 1311 ه
ابن خلكان (شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر
الشافعي: ب 5681): وفيات الأعيان:
جزءان، القاهرة 1299
ابن الديبع الشيباني (عبد الرحمن بن على: ت 944 ه).
تيسير الوصول إلى جامع الأصول لأحاديث الرسول. القاهرة
1346
- (1/251)
صفحة 252
252
-
-
-
ابن رزيق (حميد بن محمد: ت 1274 ه):
- الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين: تحقيق عبد المنعم
عامر
و دكتور محمد مرسى، نشر وزارة التراث القومي في سلطنة عمان،
مطابع سجل العرب بالقاهرة 1397 هـ / 1977 م. 2 - الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان: تحقيق عبد المنعم
عامر، نشر وزارة التراث القومى فى سلطنة عمان، طبع دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه كاه، القاهرة
/ 5 1398
1978 م.
1
ابن سعد (محمد كاتب الواقدى: ت 230 هـ). الطبقات الكبرى أجزاء. ليدن 1905 - 1921 م، جزءان: جزءان: القاهرة
1358
: (
: ت 224 ه): ابن سلام (الحافظ أبو عبيد القاسم
تحقيق محمد حامد الفقى، القاهرة 1353 ه
ابن سيد الناس) محمد
الأموال:
بن محمد: ت 734 ه): عيون الأثر في
فنون المغازى والشمائل والسير: جزءان، القاهرة 1356 هـ.
بن
محمد:
ابن عبد البر النمرى القرطبي) أبو عمر يوسف بن عبد الله ت 463 ه): الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 4 أجزاء تحقيق محمد على البجاوي، مطبعة نهضة مصر، القاهرة، بدون تاريخ (1/252)
صفحة 253
253
-
1
ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري: ت 270 ه 276 ه): الإمامة والسياسة: القاهرة 1322 هـ.
ابن قيم الجوزية (شمس الدين أبو عبد الله محمد: ت 751 ه):
زاد المعاد في هدي خير العباد: جزءان، الطبعة الثانية،
شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة مصر
1369 هـ / 1950 م.
/* 1199
ابن كثير (عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي
الدمشقي: ت 5774/ 1372 م): البداية والنهاية: 14 جزءاً و مطبعة السعادة بالقاهرة، الطبعة الأولى سنة 1351 5/ 1932 م
ابن مزاحم المنقرى (نصر: ب سنة 212 ه): وقعة صفين: تحقيق عبد السلام هارون، الطبعة الثانية، القاهرة 1382 ه.
ابن هشام (الإمام أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب المعافرى الحميرى: ت 218 ه: كتاب سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام:): ع أجزاء، القاهرة 1337 و 1356 هـ، وجزءان، نشر محمد على صبيح
وأولاده، القاهرة 1346 ه.
أبو يوسف (يعقوب بن ابراهيم صاحب أبي حنيفة: ت 182 ه أو 192 ه)
كتاب الخراج: بولاف 1302 ه.
- أحمد زيني دحلان: السيرة النبوية والآثار المحمدية: المطبعة الوهبية، طبعة
حجر، القاهرة 1285 ه. (1/253)
صفحة 254
254 -
-
أرنولد (Professor Sir Thomas Arnold) (الخلافة)
The Caliphate: Oxford) : 1924
البخاري (أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخارى
الجمعى: ت 5256).
1 - صحيح البخاري: المطبعة الثمانية بالقاهرة 1351 5/ 1932 م.:
2 - التاريخ الكبير، حيدر أباد، 1382 ه.
البرادي (أبو القاسم بن إبراهيم: ت 5697): الجواهر المنتقاة:
القاهرة 1302
البغدادى (أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد: ت 429 5 /
1037 م):
1 - الفرق بين الفرق: حققه محمد بدر. مطبعة المعارف بمصر 1328ھ /
1910 م.
2 - مختصر كتاب الفرق بين الفرق. نشره فيليب حتى. مطبعة
الهلال بمصر سنة 1924 م.
البلاذرى (أحمد بن يحيى بن جابر: ت 279 ه).
1 - كتاب فتوح البلدان: ليدن 1866 م.
2 - أنساب الأشراف: تحقيق الدكتور محمد حميد الله
1959 م.
الحارثي (سالم بن حمد): المقود الفضية فى أصول الأباضية. دار اليقظة
العربية في سوريا ولبنان. بدون تاريخ (1/254)
صفحة 255
الذهبي (الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد: ت 784 ه):
1 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال. القاهرة 1325 هـ.
2 ـ تذكرة الحفاظ. الهند 1957 م.
-
الرازي (الإمام فخر الدين محمد بن عمر الخطيب: ت 5606): كتاب اعتقادات فرق المسلمين والمشركين.
الزيامي (جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الحنفى: ت 5762): نصب الراية لأحاديث الهداية: الطبعة الأولى، مطبعة دار المأمون
بشبرا 1357 هـ / 1938 م.
السالمي (أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي): تحفة الأعيان في
سيرة أهل عمان.
الجزء الأول: الطبعة الأولى. النماهرة 1332 هـ.
الجزء الثانى: الطبعة الخامسة. الكويت 1394 هـ 0
السالمي (أبو بشير محمد بن حميد السالمي): نهضة الأعيان بحرية عمان: مطابع دار الكتاب العربي، مصر
السمائلى (الشيخ أبو هلال سالم بن حمود بن شامس السيابي السمائلي): 1 - أصدق المناهج في تمييز الأباضية من الخوارج. تحقيق وشرح دكتورة سيدة إسماعيل كاشف. نشر وزارة التراث القومى والثقافة
في سلطنة عمان، مطابع سجل العرب بالقاهرة 1979 م. - إزالة الوعثاء عن أتباع أبى الشعثاء: تحقيق وشرح دكتورة سيدة إسماعيل كاشف. نشر وزارة التراث القومى والثقافة في سلطنة
عمان، مطابع سجل العرب بالقاهرة 1979 (1/255)
صفحة 256
256 -
السنهورى (الدكتور عبد الرزاق أحمد باشا): الخلافة: باريس سنة
1926 (باللغة الفرنسية)
•
EL Sanhoury (Dr. A. A.) Le Califat, Paris 1926)
السهيلي (أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله: ت 581 ه): الروض الأنف في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية لا بن هشام: جزءان: المطبعة الجمالية، مصر 1333 هـ / 1914 م.
الشماخي (أحمد بن سعيد: ت 928 ه):
كتاب السير: المطبعة البارونية بالقاهرة 1320 ه. الشهرستاني (أبو الفتح محمد بن عبد الكريم ت 5548).
الملل والنحل:
أجزاء: القاهرة 1317 هـ، وجزء واحد: حققه الأستاذ محمد ابن فتح الله بدران، الطبعة الأولى - مطبعة الأزهر.
الطبرى (أبو جعفر محمد بن جرير: ت 310 ه): تاريخ الأمم والملوك طبعة دى غويه ـ ليدن سنة 1881 م. والطبعة الأولى بالمطبعة الحسينية في القاهرة.
والطبعة الثالثة تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف،
سلسلة دخار العرب (30) القاهرة.
الفلهاتي (أبو عبد الله محمد بن سعيد الأزدى القلهاتي: ت القرن
الرابع الهجرى).
الكشف والبيان: جزءان، تحقيق وشرح دكتورة سيدة إسماعيل
كاشف. نشر وازة التراث القومى والثقافة في سلطنة
سجل العرب بالقاهرة 1400 هـ / 1980 م. -
نة عمان
"
مطابع (1/256)
صفحة 257
-
257
السكر على البغدادى) الأب أنستاس مارى الكرملى البغدادى). النقود العربية وعلم النميات: المطبعة المصرية، القاهرة 1939 م.
الماوردي (أبو الحسن على بن محمد بن حبيب البصري: ت 450 ه
1057 م): الأحكام السلطانية.
القاهرة 1298 هـ
المقريزى (تقى الدين
أحمد بن على: ت 0845):
1 - المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار: جزءان، طبعة
بولاق بالقاهرة 1270 هـ.
- إمتاع الأسماع: الجزء الأول، طبعة لجنة التأليف والترجمة
والنشر، القاهرة 1941 م.
1. A) -
ر
ر.): دراسات فى حضارة الإسلام بوسطون، الولايات
المتحدة الأمريكية 1961 م.
Ggibb (Hamilton A. R.) : Studies on the CiviLisation of Islam. Beacon Press, Boston U. S A. 1961.
حسن إبراهيم حسن (الأستاذ الدكتور):
تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي: أجزاء، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، الطبعة الثانية.
قدامة بن جعفر (أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي: ت
310 ه أو 320 ه أو 337 ه)
نبذ من
:
كتاب الخراج وصنعة الكتابة، الجزء السادس من المكتبة
الجغرافية، ليدن 1889 م
) 17 - الاهتداء) (1/257)
صفحة 258
258 -
-
کاشف (دكتورة سيدة إسماعيل):
1 ـ مصر في فجر الإسلام: القاهرة 1947، 1970 م.
2 - دراسات فى النقود الإسلامية: مجلة الجمعية المصرية للدراسات
التاريخية، القاهرة، المجلد الثانى عشر 1964 - 1965 م.
- عمان في فجر الإسلام:
نشر وزارة التراث القومى والثقافة فى سلطنة عمان. العدد الأول من «تراثنا»، مطابع سجل العرب بالقاهرة 1399 هـ / 1979 م. محمد رشيد رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى: مطبعة المنار بمصر
محمد ضياء الدين الريس (الدكتور):
الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية، القاهرة، الطبعة الثانية
محمد على دبوز: تاريخ المغرب الكبير ج 2، 3. القاهرة 1963 م.
- ميور (وليم تمپل (الخلافة: نشأتها وتدهورها وسقوطها:
Muir (Sir William Temple) : The Caliphate, lts Rise, Decline and Fall. Oxford 1902.
يحيى بن آدم القرشى (أبو زكريا بن سلمان):
كتاب الخراج: ليدن 1895 - 1896 م. (1/258)
صفحة 259
259 -
-
كشاف
(1)
، 139، 133، 132،11
آثار المسلمين (الأثر): 28، 96072:
، 196، 201، 192، 186، 174، 171، 165، 156، 153
0232، 231، 212 - 214،207، 202
- إبراهيم عليه السلام (خليل الرحمن): 23، 155
ابن أباض (عبد الله): 52 2370
ابن عمر: 171.
•
أبو الحسن (الشيخ أبو الحسن على بن محمد البسياوى): 88،66، 144،
232، 212، 162، 163
أبو الحوارى (محمد بن الحوارى): 89، 170، 191، 222 0
- أبو المنذر بشير: (أنظر بشير بن محمد بن محبوب).
أبو المؤثر: 83، 85، 91، 161، 165.
أبو الوضاح (والى توام): 192:
•
أبو بكر الصديق (ابن أبي قحافة): 203، 204، 219، 237.
أبو بكر أحمد بن أبي الرحال: 223.
أبو بكر أحمد بن عمر المنحى (القاضى): 94، 95 (1/259)
صفحة 260
---
-
-
أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح: 139، 173، 190، 208.
أبو جابر (محمد بن جعفر): 46 480.
أبو زكريا يحيى بن سعيد (أنظر: يحيى بن سعيد).
أبو سعيد الخدري: 56.
أبو سعيد (الشيخ محمد بن سعيد): 31، 54، 93
90698
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم السعدى: 94، 95.
أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي: (أنظر محمد بن روح).
أبو عبد الله محمد بن صالح: 139.
أبو عبد الله محمد بن عيسى: 95، 159، 166، 167، 194. أبو عبد الله محمد بن محبوب: (أنظار: محمد بن محبوب).
أبو عبيدة (مسلم بن أبي كريمة البصرى): 229.
أبو قحطان 087
أبو محمد (الشيخ)
0212، 198، 197، 165، 148، 87،83، 30:
أبو محمد (الفضل بن الحوارى) 46 480.
أبو محمد نجاد بن موسى القاضي (أنظر: نجاد بن موسى).
أبو مروان) والى محار زمن المهنى بن جيقر) 204، 225.
أحمد بن حنبل: 56 (1/260)
صفحة 261
- أحمد بن عبد الله بن موسى الكندى السمدى النزوى العماني: 135، 139،
190، 173
أزكى: 182، 212
- إمامة الدفاع
JAY 6190 - 1 TP 6 VI :
- إمامة الشرا: 44، 56،45، 70، 71، 83، 103
- الأباضية (المسلمون):
،،108،10
،96،83،82، 35،27،2
6191 610 A 6 107 6 10 • 143، 145 ، 139 ، 131 ، 119
-
، 233 ، 230 ، 208 ،203 ، 201 ، 199 ، 180 - 183 ، 170
•
1
238 237 ، 230
-
الأزد: 223
الأزهر بن محمد بن جعفر: 048046
الأشعرى: 107.
الأشعريون) بطن من العرب: (: 3.
- الأنبياء والرسل (: 213، 235، 243.
الأنصار: 246
•
البحرين: 240، 245 (1/261)
صفحة 262
البصرة: 148
الجلندى (بنو الجلندى): 192، 225.
الحضرمى (إمام أباضي وشاعر): 205 0 206، 224
228، 187،
•
الرستاق: 179
الرستاقية: 30،
الرسول) انظر: سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام).:
الزبير بن العوام: 148، 149 0
السنة: 139، 140، 142، 143، 145، 188، 191، 218، 219،
•
233، 244
الشيخان (أبو بكر وعمر): 158 1660.
الصلت بن مالك: 44 - 48، 51، 53 - 56، 58، 60، 13، 64،
، 135 - 133، 130
-
2، 91،84، 114 - 120، 122 - 124، 126
الضحاك بن ربيعة الحميرى 246.
- الطائفتان: (الرستاقية والنزوانية): 45،44، 49، 62، 13، 15،
123، 122، 120، 117، 108، 101، 100، 78،77،70
•
العباس (ابن عبد المطلب): 56
العجم: 142.
العرب: 142 0 (1/262)
صفحة 263
263
•
العلاء بن الحضرمي: 240، 245 - 247.
العقر من نزوى: 182، 185، 195، 205.
الفرس: 246 0
القرآن الكريم (الكتاب): 139، 140، 143، 145، 165، 191،
:
141، 0244، 233، 219، 218
•
الكفار: 32، 195، 241.
المختار بن أبي عبيد الثقفى: 205.
المختار بن قيس العذرى: 246
المدينة المنورة (يثرب): 246
المطار الهندى: 192، 225
-
المغيرة بن روشن الجلنداني: 225.
الملائكة: 235، 243
المنذر بن ساوى: 246.
المهاجرون والأنصار: 166.
المهنا بن جيفر (المهنئ) انظر: مهنا بن جيفر.
النبي (انظر سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام).
- النزوانية: 30، 58، 122، 228 (1/263)
صفحة 264
:
-
النصارى: 144 0
- النهروان: 237.
- الهند: 192.
اليمن: 94.
- اليهود: 144 0
أهل التوحيد: 192
أهل الخطم: 209.
أهل الذمة: 236، 244
أهل الشام: 180.
-
أهل الشرك (المشركون): 23، 192، 193، 228، 229، 241:
أهل القبلة: 72، 192، 193، 209، 217، 222
بدر (غزوة بدر): 46
بسيا: 144
بشير بن المنذر: 89
•
(ب)
بشير بن محمد بن محبوب (أبو المنذر): 35، 86، 159، 160، 161، (1/264)
صفحة 265
بكر بن وائل: 204.
بنو الجلندى: (انظر الجلندى).
بنو تميم:
Pop:
بنو قينقاع: 229.
بنو ناجية: 203، 225 -
بنو نحو: 223
- بهلا: 144
•
توام: 192
(ت)
(ج)
جبريل عليه السلام (الروح الأمين): 241.
جعفر بن السمان: 229.
- جهينة: 246
•
حبيب بن المهلب: 229.
حبات بن كاتب: 229.
(ح) (1/265)
صفحة 266
-
حذيفة بن اليمان العبسي: 246.
حذيفة بن محصن الغلفاني (أو البارقي): 204، 225.
حضرموت: 81، 240 0
حمير: 0246
- حنين: 229
خالد بن الوليد:
خزاعة: 246
ديا: 204، 225
(خ)
245، 247،20
(>)
(د)
- راشد بن النظر: 44 - 46، 51،48، 53 - 56، 58، 60
0229،133،130،128 - 126، 123 1220 119 - 1192، 4، 88
راشد
بن سعيد:
راشد بن علي: 187. (1/266)
صفحة 267
-
-
267
زياد بن مثوبة: 080
زيد بن عمير الأنصاري: 247.
(ز)
(س)
سامة بن لؤى: 203.
سعد بن عبادة الأنصاري: 247.
سعد بن معاذ الأنصاري: 247
سعيد بن راشد بن علي: 187.
سعيد بن زياد البكرى: 223
سقطرى: 51، 128.
سليم: 246
سليمان بن عثمان: 209.
سمايل: 179
سمد نزوي: 223،182.
- شبيب بن مرة الغساني: 246.
(ش) (1/267)
صفحة 268
- 268 -
صحار: 192، 200، 220.
(ص)
- صفوان بن أمية: 229
(ط)
طلحة بن عبيد الله: 148، 149.
(ع)
- عائشة (أم المؤمنين رضى الله عنها): 144، 148، 149، 151، 157
عبد الرحمن بن محمد بن مالك بن شاذان: 187.
عبد الله بن أباض (أنظر: ابن أباض).
- عبد الله
عبد
الله
بن وهب الراسي الشاري: 237.
بن يحيى) طالب الحق): 237.
عبد الملك بن مروان: 205.
عثمان
بن عفان: 80، 80، 91، 193، 227، 246، 247
عزان بن الصقر (أبو معاوية): 148، 237.
عزان بن تميم الخروصي: 238.
عقيل (قوم في عمان): 202.
على بن أبي طالب: 56، 80، 85، 148، 203، 204. (1/268)
صفحة 269
-
،144، 156، 139، 118،1144، 55، 58، 64، 91، 94، 4:
عمان: 44:
،207،204،2020 194، 192، 187، 179، 179، 174، 107
238،237، 223، 222، 21، 212
عمر بن الخطاب: 203، 204، 225، 237، 240.
عمار بن ياسر: 237.
•
عواد بن جناح الجهينى: 247.
عيسي (عليه السلام): 23
(غ)
غسان: 246
- غسان بن عبد الله: 209، 229.
- غطفان: 246 0
غفار: 246.
- قريش: 203، 246
(ق)
(م)
مالك بن دينار 174.
محبوب بن الرحيل: 207،237. (1/269)
صفحة 270
270
-
محمد بن أبي غسان: 173، 195.
محمد بن روح (أبو عبد الله) 53 820، 88، 089
محمد بن سلمان: 204 0
سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين: 27،23،
61206 1226 VEY
-
140، 101081 ، 72 ، 17 ، 65 ، 32 ، 29
200 ،190 ،190 ، 1870 17
-
171 ، 168 ،100 ، 10 ، 148
،240 - 243 ، 237،230 ، 234 ، 2290228 ،219 ، 21 ،213
245 - 247
محمد بن عبد الله بن حساس: 229
محمد بن عفان: 223.
•
محمد بن محبوب (أبو عبد الله): 81، 83، 84، 89، 40، 167، 200،
237،201
- مذحج: 203.
مسلم: 056
- مصر: 94 0
- مصقلة بن هبيرة: 204
معاوية بن أبي سفيان 180، 246
معقل: 225 (1/270)
صفحة 271
، 92، 93، 61،
- 271
240، 246
- مكة:
- منح: 94، 212
مهنئ (المهنا) بن جيفر: 89، 192، 204، 216.
موضي (عليه السلام): 23
•
موسى بن أبى جابر الأزكوى: 223، 229
موسى بن على: 216، 237
مومي بن موسى: 44 - 46، 50، 51، 53 - 55
0133، 130 - 126، 123، 122، 119 - 110
- ميسر بن صعصعة الخزاعي: 246، 247
(ن)
نجاد بن موسى (القاضى) 142، 143، 187 0
نزوي: 144، 182، 190
نوفل بن طلحة الأنصارى: 247.
0238،212، 209
(*)
هاشم الخراساني: 80
هلال بن عطية الخراساني: 51، 130
همدان: 203 0 (1/271)
صفحة 272
- 272
-
(و)
-
وائل بن أيوب: 224، 237
(ي)
يحيى بن سعيد (القاضي أبو زكريا) 150.
يوم الدار (أهل الدار): 193، 227، 238 (1/272)
صفحة 273
فهرس الموضوعات
الموضوع
- تقديم بقلم حضرة صاحب المعالى سمو السيد فيصل بن على بن فيصل
وزير التراث القومى والثقافة في سلطنة عُمان
- مقدمة بقلم الأستاذة الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف
- كتاب الاهتداء
القسم الأول
كتاب الاعتداء
الصفحة
}
21
23
الباب الأول: باب بيان الأحداث وأقسامها وشرح معانيها وأحكامها 0 29
الباب الثاني: باب بيان الأحداث الباطلة التي لا تحتمل الحق
الباب الثالث: باب بيان الأحداث المحتملة للحق والباطل
الباب الرابع: باب بيان الاختلاف في الأحداث
34
37
40
الباب الخامس: باب بيان ما الاختلاف بين الطائفتين من صفة حدث 44
موسي و راشد
الباب السادس: باب صفة مقالة الطائفة النزوانية في حكم ما اتفقوا على
صفته من حدث موسى وراشد
(18 - كتاب الاهتداء) (1/273)
صفحة 274
-
274
-
الموضوع
الصفحة
الباب السابع: باب بيان مقالة الطائفة الرسماقية في حدث موسى وراشد 55
الباب الثامن: باب بيان مقالة الطائفة النزوانية فى اختلاف الشاهدين 58
في حدث موسى وراشد.
- الباب التاسع: باب مقالة الطائفة الرستاقية فى اختلاف المشاهدين 60
في حدث موسى وراشد
•
الباب العاشر: باب بيان المعنى الذى يرجع إليه اختلاف هاتين الطائفتين 62
الباب الحادي عشر: باب بيان أصول صحيحة مجتمع عليها عند الطائفتين 65
الباب الثاني عشر: باب بيان السبب الموجب لثبوت الإمامة
الباب الثالث عشر: باب بيان السبب الموجب لزوال إمامة الإمام
67
??
الباب الرابع عشر: باب بيان منازل الإمام فيما يجب له وعليه من الأحكام.
76
الباب الخامس عشر: باب بيان حكم المسألتين اللتين قلنا إنهما يرجع 78
إليهما اختلاف هاتين الطائفتين.
YA
الباب السادس عشر: باب بيان الآثار الشاهرة على تحريم التقديم 80
لإمام على إمام قبل الشهرة (1/274)
صفحة 275
الموضوع
الصفحة
الباب السابع عشر: باب بيان الدليل والإجماع على تحريم التقديم 97
لإمام على إمام قبل شهرة السبب الموجب لزوال إمامته.
الباب الثامن عشر: باب بيان الشهرة وصفتها وإبطال الاحتمال في عزل الإمام والتقديم عليه من الأعلام.
الباب التاسع عشر: باب بيان استحلال موسى وراشد لتقدمهما على
100
الصلت
الباب العشرون: باب بيان حكم تقديم موسى واشد على الصلت
118
•
الباب الحادى والعشرون: باب بيان الرد على الطائفة النزوانية فيما
خالفوا الحق فيه من أقاويلهم ونقض ما احتجوا به من
أدلتهم وتعاليلهم.
الباب الثاني والعشرون: باب بيان الرد عليهم في ترك البكير
والاحتمال
122
126 (1/275)
صفحة 276
الصفحة
في به بيده يي
173
187
190
190
235
240
2760
<
الموضوغ
القسم الثاني
دلة كتاب الاعتداء
المنتخب من سير الرسول عليه الصلاة والسلام
وأئمة وعلماء عمان
المنتخب من السيرة التي لأبي بكر أحمد بن محمد بن صالح.
(1)
(-~-~-)
سيرة في إقرار الإمام محمد بن أبي غسان.
عن الإمام عبد الرحمن محمد بن مالك بن شاذان.
سيرة أحمد بن محمد بن صالح.
سيرة للفقيه أحمد بن عبد الله بن. وسى رد على من اعترض في حربهم
مع الإمام محمد بن أبي غسان لأهل العقر من نزوى.
الإسلام والأباضية.
سيرة للنبي عليه الصلاة والسلام كتبها للعلاء بن الحضر مى. (1/276)
صفحة 277
الراحة
248
259
273
27
الموضوع
أهم مراجع تحقيق مخطوط كتاب الاهتداء» والمنتخب من سيرة
الرسول عليه الصلاة والسلام وأئمة وعلماء عمان.
کشاف
- فهرس الموضوعات (1/277)
صفحة 278
رقم الإيداع بدار الكتب 3941/ 1986
مطبعة دار احياء الملك الحرية
من خود مور الشر
الشرف (1/278)