صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: السير والتراجم والطبقات - تاريخ
------------------------------------------
العنوان: كتاب طبقات المشائخ بالمغرب
المؤلف: أحمد بن سعيد الدرجيني أبو العباس
حققه وقام بطبعه، تقديم: إبراهيم بن محمد طلاي
مقدمة: عبد الرحمن بن عمر بكلي
الناشر: مطبعة البعث
مكان النشر: قسنطينة - الجزائر
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
الكلمات الدالة: المذهب الإباضي، أئمة الإباضية، طبقات المشائخ، الإباضية في المغرب
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=84&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/116
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة. كتاب طبقات المشائخ بالمغرب
تأليف
الشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله
المتوفى حوالي 670 ه
الجزء الأول
حققه وقام بطبعه
إبراهيم طلاي (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
كتاب طبقات المشائخ بالمغرب
تأليف
الشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله
المتوفى حوالي 670 هـ
الجزء الأول
حققه وقام بطبعه
إبراهيم طلاي (1/3)
صفحة 4
جميع الحقوق محفوظة (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
تقديم الكتاب
أضع بين يديك ايها القارئ الكريم هذا الكتاب القيم الذي يكتب له لاول مرة ان يخرج من حيز المخطوطات وظلمات خزائن الكتب، بعد ان تحدث الناس عنه كثيرا، ونقل منه كتاب السير والتاريخ بالمغرب العربي، وخاصة تونس والجزائر، ولم يكتب له الحظ ان أحد يعتني بتحقيقه واخراجه
منهم
وما اقدمنى على هذا العمل المضني وشجعني عليه الا ما نحن عليه في مغربنا هذا من حاجة الى احياء تراثنا و ابراز معالم شخصيتنا التاريخية، وربط حاضرنا المشرق بماضينا المجيد، لنبني نهضتنا على دعائم من الاصالة والتفتح معا، لا نفرط ولا نفرط، ولعلها تكون منى مساهمة متواضعة في دفع مسيرة النهضة واثرائها، تلك النهضة الثقافية التي تحياها الجزائر وسائر اقطار المغرب العربي في هذه الظروف الحساسة
وقد اعتمدت في تحقيق الكتاب ثلاث نسخ خطية رأيت فيهن الغناء عن غيرهن، وهن قلائل، النسخة الاولى نسخة (1/5)
صفحة 6
"
خزانة شيخى الفاضل ابراهيم ابن ابي بكر القرارى وهي أصح النسخ، واشدها تحقيقا، وقد اهمل الناسخ ذكر تاريخ كتابتها وذكر اسمه، والنسخة الثانية نسخة مكتبة الشيخ اطفيش الحاج ???، وهي نسخة قديمة جدا قريبة من عهد المؤلف يذكر كاتبها انه فرغ منها سنة 758 هجرية، والنسخة الثالثة نسخة خزانة القاضي ابو فاره ابراهيم، ويرجع تاريخها الى القرن الثاني عشر الهجرى.
وقد حاولت ان اقابل بين النسخ ما استطعت، واثبت النص صحيحا بعد تحقيقه، وربما تكون النسخ متفقة في العبارة مع عدم اتضاح المراد، أو استقامة العبارة، عند ذلك اثبت العبارة كما هى مع الاشارة اليها، وابداء ما يبدو لى صوابا.
"
وخدمة للكتاب وتقريبا له المتناول القارئ اضفت عناوين هامشية لمختلف المسائل والمباحث الواردة في اثناء الكتاب، واثبتها على هامش الصفحات حتى يسهل الرجوع اليها، واستجلاؤها، كما اضفت للكتاب فهارس للعناوين والموضوعات الواردة فيه، وللاعلام والاماكن المذكورة. وسوف يجد القارئ من حين لآخر تعليقا منى على ما اراه لا بد منه للايضاح او ازالة اللبس.
و بودي لو اخرج الكتاب وعليه دراسة علمية وتحقيقات تاريخية لتكون فائدته أكمل وأشمل، ولكن اعتقد ان هذا العمل سيكون خطوة ثانية بعد تحقيقه وطبعه، وعسى يجد من ابنائنا الطلبة والرجال المتفرغين للبحث من
أن (1/6)
صفحة 7
ينتدب
لذلك، وحسبى أن أكون قد قمت بأول خطوة
في الموضوع.
"
وقد رجوت من الشيخ الفاضل المحقق عبد الرحمن بكلي ـ وانا في اثناء تحقيق الكتاب ـ ان يقدم له بمقدمة تكون أمس بالموضوع وأنسب للكتاب، أكتفى بها عن التعريف بالكتاب وبالمؤلف، فلبي رغبتي ورحب بها، فله منى كامل الشكر والتقدير، كما أقدم ثنائي وشكرى الخالص للاخوان الذين قدموا لى يد المساعدة ولم يبخلوا بأي جهد، فساهموا معى في اخراج الكتاب بما قدموه من جهود وخدمات، شكر الله سعيهم وجازاهم خيرا.
البليدة 20 رمضان المعظم 1394 هـ
الموافق ليوم 7 أكتوبر 1974 م
المحقق: ابراهيم طلاي (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
بلاد الحرارحيمة
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
مقد
ان دراسة سير الاولين وايامهم الزاهرة التي تزخـ بالحيوية والنشاط في مختلف الميادين من علمية وسياسية واجتماعية وعمرانية لمما ينير سبيل الحياة امام المتأخرين، فان فيما يتخللها من ايام عصيبة وفي محاولاتهم الجريئة المتكررة لحل ازمتها والتخلص من ورطتها لدروسا وعبرا لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد
جم
ولقد كان للأسلاف رحمهم الله تاريخ مجيد حافل بالمكارم والاعمال البناءة المشاكل وما يستتبعها من الحلول المبنية على افكار صحيحة و نظريات سديدة، من الغباوة بالمتأخرين ان يتجاهلوها أو يغفلوا عن الاستفادة من عبرها، على ان تاريخهم لم يصل الينا سالما كاملا؛ فان عدم الاستقرار من جراء تحكم النزعات واستحكام المنازعات و بغي الانسان على اخيه الانسان قد شتته هنا وهناك، فقام على المتأخرين ثمنه باهضا وخسارته فادحة، اللهم الا اذا شمروا عن ساعد الجد لاستخراج كنوزه
?1? (1/9)
صفحة 10
الدفينة ليستفيدوا منها في حياتهم الحاضرة، فكم للاسلام في تاريخه من مآثر ومفاخر؟ وكم انجب من عباقرة كان لعرائس افكارهم جمال رائع لو اتيح لها خطاب؛ فان ما اغفلته الايام فوصل الينا يشير ويرشد الى هذا الارث العظيم. هذا واذ استعدنا عزتنا المغتصبة وردت الينا دولتنا
السليبة وأصبحنا مطالبين بما يدعم كيانها ويعلى شأنها ويمكنها من استجلاء ثرواتها واستغلالها وأكتب الصيد ابناء الجزائر فلم لا يرومونه؟ وليعملوا جادين، فجري المذكيات غلاب.
ومن ذلك ما كان لرجال الاباضية في القرون الاولى للهجرة من صيت ذائع وحياة روحية رائعة في مختلف نواحى المغرب الاوسط) الجزائر) وما جاوره.
كان مجتمعهم في المغرب مجتمعا اسلاميا في عقيدته
"
وأخلاقه وسمته، غنيا برجاله وعلمائه وجيوش طلبته بله العامة الذين يخضعون لرؤسائهم ومشائخهم ويستميتون في حمايتهم، وكانت النواحي الأهلة كالزاب، واريغ، وسوف، وتاجديت، و بغاي، وجبال أوراس، وبادية بني مصعب، (ميزاب) تعج بهم عجا
بهـ
فكانوا الى ذلك على اتصال وثيق باخوانهم اباضية جبل
وسلات، وجبل دمر وقصطالية، وجربة، وطرابلس
،
وجبل نفوسة. وكان بينهم تجاوب في الاراء العلمية فيقال: قال علماء جبل نفوسة كذا، وقال علماء قصطالية كذا. وقال علماء بغاي كذا. وقال علماء جربة كذا كذا الخ ... وكانت لهم خطة
وقال علماء بنى مصعب متحدة الاهداف في كفاح الجورة الحاكمين بأمرهم قمعا (1/10)
صفحة 11
للظلم وتنغيصا للقاسطين وصدا لهم عن القضاء عليهم واصطلامهم، كما هي سياسة الحكام الشيعيين يومئذ وخلفائهم من الصنهاجيين (انظر وصية المعز لدين الله معد بن اسماعيل آخر ملوك العبيديين بالمغرب لما انتقل الى سنة مصر 362 هـ لخليفته يوسف بن زيرى الصنهاجي).
قال ابن الخطيب: لما ارتحل المعز واحتل قابس لوجهته يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الاول سنة 362 هجرية بلغ يوسف بن زيري مشيعا اياه آبار الخشب ثم امره بالرجوع الى افريقيا، وقال له عند وداعه: (ان نسيت شيئا مما اوصيك به فلا تنس ثلاثة اشياء: لا ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر (اراد زناتة ومزاته، كما صرح بذلك في رواية أخرى) ـ ولا تول احدا من اخوتك وبينك فانهم يرون انهم احق بهذا الامر وأستوصى بالحضر).
منك
ومما أوصاه به ايضا انه قال: (تركت لك بافريقيا مائة ألف منزل فاجعل في كل منزل فارسا تكتفى بذلك وتأتي على من حاربك).
كانوا يعيشون عيشة الروح لا عيشة الجسد، لا يحفلون بالقشور، ولا يميلون الى الترف والنعيم. بل صرفوا كامل عنايتهم الى الاضطلاع بدين الله، الى تصحيح العقيدة، الى نشر تعاليم الاسلام بين الجماهير الساذجة وحملهم عليها قولا وعملا. فانساقوا في هذه السبيل سبيل الآخرة ايثارا للآجلة على العاجلة وساعدهم على ذلك تحررهم من مهام الملك التي تستنزف الجهود والاوقات وتحملهم على الانغماس في الحياة المادية طوعا أو كرها.
- ج - (1/11)
صفحة 12
انهم وان لم يعرضوا تماما عن الحياة المادية الا انهم
-
يحيون حياة هزيلة لا تعدو ـ على عمومها ـ تربية المواشي وفلاحة الارض وغراسة النخيل والاشجار لاسيما الزياتين، الى شيء من تجارة عمادها المقايضة. واذا قدر لبعض الاشياخ مثلا ان يكون ذا ثروة فانه يفنيها في كفالة الطلبة الذين ينقطعون لخدمة العلم واقامة شعائر الدين والوعظ والارشاد احتسابا وامثالا لما يامر به الدين ويدعو اليه القرآن الكريم. الامر الذي حفظ للدين تعاليمه. وللعلم حقائقه. ولحسن السلوك منهاجه. فكثرت جيوش العلماء وكثر تنقلهم من ناحية الى أخرى تثبيثا للاقدام، واصلاحا لذات البين، وتصحيحا للاخطاء، وقياما بواجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، على صعوبة المواصلات. وقلة الوسائل. وخوف السابلة. وبعد المسافات، ناهيك انهم كانوا يسافرون في قوافل من العلماء بتلاميذهم المتنقلة ومعهم مدرستهم وهي عبارة عن حمولة (12) بعيرا من الحصر ينصبونها كلما نزلوا مكانا فسيحا أهلا وتتألف هذه المدرسة من أقسام: قسم للصلاة، وقسم
للشيخ، وقسم للنساء، وبيوت للتلاميذ، كل وما يخصه الى آخر ما تستلزمه هذه الحركة المباركة. والحق أنهم. اوتوا صبرا عجيبا على مجابهة خشونة العيش، وترك حظوظ النفس، ارضاء لربهم، واستعدادا لحمل الامانة التي عرضها الله على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان؛ يقصرون أول حياتهم على التعلم حتى اذا ما نبغوا تصدوا للتعليم. وعقد الرحلات للدعوة الى الله وتفقد احوال المسلمين ورأب صدعهم، وجمع كلمتهم، وتصنيف الكتب في مختلف
د (1/12)
صفحة 13
العلوم. وهنا يجدر بنا ان ننبه على ظاهرة حسنة. بل مفخرة انفردوا بها في ذلك الوقت المبكر. ذلك انهم كانوا
هو
أول ـ أو من أول - من سبق الى التأليف الجماعي كما الشان في تأليف الموسوعات العلمية في العصر الحاضر؛ فتجد اشياخا ياتون من نواحي متعددة فيجتمعون على تأليف موسوعة فقهية كما فعل مؤلفو ديوان الغار بجربة في القرن الرابع، وكما هو شان مؤلفى ديوان العزابة او الاشياخ في القرن الخامس, فقد جاؤوا من نفوسة وقنطرار، وتجديث، وأريغ فألفوا هذا الديوان في خمسة وعشرين كتابا لا يزال موجودا الى اليوم.
على ان هناك بعض النواحى تمتاز عن سائرها بتعاطى التجارة وعقد الرحلات الى البلاد النائية طلبا للرزق كتجار وارجلان الذين يسافرون الى السودان وبلاد غانة ... قال الادريسي عن مدينة وارجلان (ورقلة): (هي مدينة فيها قبائل مياسير، وتجار اغنياء يتجولون في بلاد السودان الى بلاد غانة ونقارة - هقاره ـ فيخرجون منها التبر ويضربونه في بلادهم عملة مسكوكة - باسـ بلدهم وهم: اباضية وهبية (انتهى.
-
ولذلك تركت لنا هذه الناحية - سدراته وما حواليها - خاصة حضارة رائعة، دلت الحفريات التي أجرتها الآنسة (مرغريت فان بير (شايم - الباحثة الاثرية التي انتدبتها الحكومة الفرنسية للبحث عن الآثار القديمة بقطر الجزائر على زخرفة ونقوش في غاية من دقة الصنع مما يدل على
ان الفن المعمارى قد بلغ في تلك النواحي اوجا بعيدا
واثبتت في فصول نشرتها بمجلة المصورة الفرنسية (الجيريا وافريقيا الشمالية) عدد جويلية اکتوبر 1953
- (1/13)
صفحة 14
انها كانت ارقى بكثير من الفن الاندلسي الذي كان مضرب المثل في تلك العصور، واطبقت شهرته الآفاق. وقد خصص لاثارها في متحف الاثار الجزائري قاعة باسم (قاعة سدراته).
على ان وضع الاصحاب يأبى عليهم التفرغ للاكتساب فقد كانوا مقلقين في أوطانهم، مخاطرين وخائفين في اسفارهم، عرضة للنهب والسلب والقتل من غوغائهم ومن جيرانهم. بله امعان الجورة في تجريدهم مما يملكون. وتشريدهم فى طول البلاد وعرضها، والتنكيل وعدوانا (انظر صحيفة 400 من سير الشماخي عسكر صنهاجة على قلعة درجين واصطلامها سنة
بهم
ظلما
و هجوم 430 هـ).
وهل تبقى بربك ثروة وسط هذه الزعازع والاعاصير ادبية كانت او مادية؟ ولولا الفتن الداخلية والخارجية والحروب المتوالية التي تسلطت عليهم فأفقرتهم من الاموال وأخنت عليهم كما اخنت على لبد وأتت على ما هنالك من ثرات علمى ـ لأبقت تلك القرائح الوقادة والعقول الراجحة لنا وللمكتبة الاسلامية ما يرفع رأس الجزائر عاليا بين أمم التاريخ.
-
وناهيك بتجديث وما بلغت من ازدهار وتألق انوار
فقد قصت علينا السير ما يدهش ويبهر. قال الشماخي:
6
تاجديت موضع معلوم بقبلة اريغ وليست ببعيدة منه اجتمع فيه من أهل الدعوة والعلماء والطلبة وأهل الصلاح ما لم يوجد في غيرها، وعد فيها مائة عالم لا يرد احدهم مسألة الى الآخر الا من جهة الادب. وفيها مائتان يحفظون مائتي كتاب، وثمانون طالبا تواما، وسائر الطلبة كثيرة. (1/14)
صفحة 15
ويحضر الصلاة ثلاث مائة فارس واذا كبروا تكبيرة الاحرام نفرت المواشي الخ ودخل عامل لصنهاجة فرأى كثرة العزابة وكثرة الحلق وضيق المكان فاعتقد انهم يدنسون وجه الارض بالخلاء والسماد فدار فيها وحواليها فلم يظفر بشيء مما تكرهه عينه، وتعابه نفسه. فقال وقد مديده بسيفه: (ما يخاف الناس الا من هذا او من الله) يعنى السيف - ليس هذا موضعه، وما منعهم من
فهذا
-
ذلك الاخوف الله
وبالجملة قل ان يخلو موطن من مواطنهم من علماء عاملين وزهاد مخبتين، وصالحين ذوى كرامات ساطعة الانوار رغم بغي البغاة من امراء وقبائل ومن فتن داخلية، ظهرت عقابيلها بعد. فكانت بمثابة جسم قوى يتمتع بحصانة صحية لا تظهر عليه عوارض المرض وان ظلت جراثيمها كامنة في دمائه، حتى اذا ما ضعف الجسم ظهرت العوارض من جديد فتغلبت عليه فأوردته مورد العطب
"
كذلك مجتمعنا هذا ظلت عوامل المحو والابادة تناوشه وظل هو بدوره يقاومها بينما قوة مقاومته تضعف شيئا فشيئا حتى القى السلاح واستسلم لضربات الدهر القاسية القاضية. وهكذا ينقرض المذهب الاباضي من هذه المواطن العديدة. فيموت علمائهم ومفكريهم فشا الجهل في ناشئتهم وعامتهم، وفقدوا من يأخذ بأيديهم الى صراط الله العزيز الحميد، فعصفت بهم رياح الزيغ وابتلعهم خضم المجتمع فأصبحهم غيرهم بين عشية أو ضحاها الا من رحم ربك.
ونحن اذا استثنينا البقية الباقية بورجلان وجدنا المذهب الاباضي بالمغرب الأوسط ينحصر في بادية بني
- ز - (1/15)
صفحة 16
مصعب (ميزاب) - وان لم يكن ثمت بنجوة مما انتابه في مواطنه الاولى - ولو ذهبنا نستعرض ما مني به في ادوار تاريخه من خوف ونهب وسلب وسطو وفوضى وتسلط الاطماع ومن فتن داخلية وقحط ومسغبة وامراض وضيق عيش وغير ذلك من ارزاء الحياة لتعجبنا كيف قدر المجتمع صغير مثله ان يبقى الى اليوم في الوجود. ولعله يظل كذلك ـ ما دام يستمسك بالدين الجبال الراسية يهزأ بالانواء والاعاصير. ويضحك في وجه النوائب والمحن الى ان يرث الله الارض ومن عليها
-
صامدا صمود
وهو خير الوارثين، ومن يدرى؟ وما ذلك على الله بعزيز
هذا وبالرغم مما تقدم فقد استطاعوا ان يحققوا
الاهداف الآتية:
وقوفهم كالشجا في حناجر العبيديين المارقين الذين نشروا الزيغ والالحاد. وعاثوا في الارض فسادا: لم تسلم من ظلمهم وأذاهم طائفة من طوائف المسلمين غير الشيعيين. ولولا هذه المقاومة لأتت دولة بني عبيد على معالم الايمان الصحيح في مغربنا ولا حول ولا قوة الا بالله (انظر ان شئت كتاب معالم الايمان للدباغ).
-
2 ـ ابقاؤهم معالم حضارة رائعة في سدراتة ونواحيها كما اسلفنا الكلام على ذلك.
3 - انشاؤهم مجموعة قرى هى مدن ميزاب آخر معقل للاباضية بالجنوب الجزائرى. وان ما يمتاز به اهله من الاستقامة بصفة عامة لشاهد صدق على ما كنا نصف به أسلافهم والحمد لله
- c- (1/16)
صفحة 17
و بعد، فبودنا لو تجافينا اثارة الدفين من تاريخنا القديم
و نشر بعض ما يتخلله من صفحات قاتمة. لولا قصدنا ان يتعظ بذلك ابناء الجزائر اليوم ويستفيدوا من اغلاط الماضى عسانا ـ و نحن على اعتاب تشييد دولتنا من جديد ـ ان نقيمها على أسس متينة من العدالة والوحدة والتسامح وتجافى عوامل الانهيار واسباب السقوط التي وقع فيها من سبقنا، والعاقل من اتعظ بغيره.
يكفى الجزائر ما عانت من عنت الاستعمار، وما قاست من ويلاته وبوائقه، وما أصل فيها من الجهل واسباب التفرقة والعداوة والفساد فلا ينبغي لنا بحال ان نرتكب في سلطاننا ما نشكوه من غيرنا. وهذا لا يتحقق الا اذا سادت فى الامة الروح الدينية والحصانة الخلقية والا فلن تنفع وحدها الجيوش الجرارة في قمع الظلم
"
،
ولا كتائب البوليس والجندرمة في حفظ النظام، ولا محاضرات المرشدين وخطب الائمة من علياء المنابر في ايقاف تيار الفساد والاخلال بالامن الذي تتوقف عليه سلامة البلاد وراحة العباد
ان ازدهار الاسلام في عهوده الذهبية التي استطاع فيها انقاذ العباد من عبادة العباد. وتحرير الشعوب المستعبدة من براثن الاضطهاد والاستبداد. انما كان باقامة الدين والتخلق بخلق القرآن الكريم. وسوس الرعية بالعدل: لا محسوبية ولا محاباة ولا عصبية ولا
مداجاة. بهذا ـ لا غير ـ ندعم كياننا ونحافظ على وجودنا
-
-
ونكسب رضا الخالق والمخلوق، ونبقى لنا في سجل التاريخ صفحة ذهبية يتأسى ويعتزى بها من ياتي بعدنا من ابنائنا. فاللهم يسر وأعن.
- ط - (1/17)
صفحة 18
كتاب الطبقات
لا شك ان نهضة علمية ظلت قرونا متصلة الحلقات تترك ميراثا ادبيا خصبا يغنى المكتبة الاسلامية عن اللجوء الى مصادر غيرها لمعرفة تاريخها، ولكن هيهات هيهات ان تبقى ثروة مع الفتن، والفوضى وجور السلطان وغزوات المغيرين. ونحن اذا اقتصرنا على ما وصل الينا من هذا التاريخ ـ كسير أبي زكرياء، وسير أبي يحيى الورجلاني عمار عبد الكاف التناوتي، وسير أبي سهل ابراهيم، وسير أبى نوح صالح بن ابراهيم، وسير أبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني، وسير أبي القاسم البرادي الدمرى المعروف بكتاب (الجواهر)، وسير أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتى - اذا اقتصرنا على ذلك فانه لا يعطينا الا صورة مصغرة لا كاملة لتلك الحياة الخصبة. أما غيرها مما اشارت اليه كتب السير ولم يصل الينا ككتاب: المغرب في تاريخ المغرب) للامام أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني الذي شيد بذكره، وقيل عنه انه في بعض مكاتب اروبا - فمن ميراثنا الضائع فهو: اما مما قضت عليه بوائق الدهر. واما ان يكون مما بقى في زوايا بعض الخزانات فعثت فيه الارضة فذهب ضحية الاهمال والامتراش، والامر لله
ومن بين الكتب الباقية التي نشرت صحائف ناصعة عن رجال الاباضية العاملين بالشمال الافريقي الى حدود القرن السابع للهجرة، وفصل كثيرا مما اجملناه في مقدمتنا كتاب الطبقات للشيخ أبى العباس احمد بن سعيد الدرجيني. وكتاب الطبقات من مصادر سير الشماخي الذي يعتبر المرجع الرئيسى في التعريف برجال الاباضية. (1/18)
صفحة 19
والشيخ أبو العباس أحمد الدرجيني من علماء القرن
السابع الهجرى ومن أسرة ماجدة، أسرة علم وتقوى وكفاح، كان لها المكان الاسمى في توجيه الجماهير ومشيخة العلم بنفطه، وقصر درجين وقصطالية من بلاد الجريد، فهو أبو العباس أحمد بن سعيد بن سليمان بن
"
صرح
على بن يخلف المزاتى، خمسة في نسق علماء تحارير لم يتخلل سلسلتهم الذهبية جاهل أمى، وزيادة على ذلك فان أبا العباس شاعر، وأبوه سعيد شاعر، وجده سليمان شاعر، بيد أن صاحب الطبقات كان اشعرهم، كما له بذلك أبوه سعيد اذ قال له: (انت أشعر منى، وأنا أشعر من والدى) والجد يغلب عليه الشعر الملحون باللغة البربرية، و بودنا لو اطلعنا على هذه القصائد اذا لتأتي لنا دراسة انفاس شاعر من شعراء ذلك العصر، وانت خبير ان الشعر الملحون ترجمان الجماهير الشعبية في احاسيسها و تعبير صادق عن الروح السائدة بينهم
اما تاريخ ولادته فهو في مطلع القرن السابع، قال الشيخ البرادي في كتابه «الجواهر المنتقات مما اخل به كتاب الطبقات» نقلا عن أبي العباس الدرجيني نفسه يحدث عن بداية تعلمه اذ يقول: (وذلك اني دخلت حلقة و ارجلان ـ حرسها الله - عام ستة عشر وستمائة في ربيع الآخر منها في أول ما وجب علي الصوم، والبال خال من الهم، وكنت اعجب ممن ينفرد ولا يجتهد، وممن يخلو بالمفيد كيف لا يستفيد؟ ... ).
أخذ العلم عن أبي سهل يحيى بن ابراهيم احد علماء وارجلان، وأيمتها المشاهير في القرن السابع، وكان أبو العباس نسيج وحده ذكيا المعيا، مقبلا بكليته على
- ك - (1/19)
صفحة 20
التحصيل، عاملا بوصية ابيه الذى وجهه توجيها صادقا، ودفع به دفعا قويا بقصيدته التي حظه فيها على الجد في
طلب العلم، والاكتراع من مناهله العذبة الصافية نقطف منها الابيات الآتية:
مضت سنة واستقبلت بعدها أخرى فياليت شعري ما تجيء به البشرى؟
ا بالعلم فزتم، أم الى اللهو ملتم؟ ونحن نعد العام، والفصل، والشهرا
ألا انها تحصى عليك لياليا فما الترك والاهمام للحر بالاحرى
فحاسب أبا العباس نفسك، جاهدا وناقش، ولا تنس الصغيرة والكبرى
ألا فانتهزها يا أحيمد فرصة فمن لك دأبا في استقامتها دهرا
ومهما استقمت قوم الله سعدها فلست بمبعوث هناك الى عمرا
فكن طالبا جزلا، اديبا، مهذبا ولا تخش حسادا، وان نظروا شزرا
فان تك تلميذا نبيها، وحاذقا فشيخك بحر العلم اعظم به بحرا
فما عذر من استاذه فذ عصره «أبو سهل» الحبر الذي قد علا فخرا
ل ـ
، (1/20)
صفحة 21
"
حوى العلم، والدين القويم وراثة فاصبح في ذا العصر أطيبهم ذكرا
فقيه تناهي في العلوم فحسبه بكل فقيه ماهر قطن ازري
به «ورقلا» تزهو جمالا وبهجة به اشرقت نورا به ابتسمت فخرا
هذا وقد صرح فى صدر الكتاب انه قسمه الى جزئين جزء التاريخ، وجزء السيرة، كما قسم كل قرن ـ على غرار أبي عمار عبد الكافي - الى طبقتين، الخمسين الاولى، والخمسين الثانية، وقد سد بهذا التقسيم ثغرة طالما شكا منها الباحثون، هي خلو المراجع الاولى غالبا من تاريخ الميلاد أو الوفاة، فانبهم لذلك عصر كثير من رجال التاريخ على الباحثين، فكان في طريقة الدرجيني تخفيف من مؤونة البحث، وحصر العصر كل ـ وكم للنظام من يد في تيسير العسير - ترسم خطى أبي زكرياء يحيى بن أبى بكر اليراسنى في سيره، قدما بقدم، بيد انه فصل في طبقاته ما اجمله أبو زكرياء في سيره.
على اننا اذا تصفحنا الكتاب لا نجده يقتصر على ذلك بل يسير على نهج علماء السير السابقين، لا تخلو تراجمهم من استطرادات مهمة، ومحاورات علمية، قيمة، لا سيما اذا كانت تتصل بالمترجم له مباشرة، او بسبب قريب الامر الذي كانت به كتب التراجم مشحونة بالابحاث العلمية، وقد يشغل مجموعها احيانا الحيز الاكبر من الكتاب، ولذا نجد مصنفنا كثيرا ما يسوق مسألة ثم يكر عليها جرحا وتعديلا، وأخيرا يقرر فيها القول المعتمد
- م -
" (1/21)
صفحة 22
وهكذا ينتقل بنا من تاريخ الى سيرة الى مسائل شرعية
وبيان احكامها الى غير ذلك مما يجعل الكتاب سائغا
مستساغا.
"
وبالجملة فكتاب الطبقات يعطينا صورة اجمالية عن رجال الاباضية الى حدود القرن السابع، والدارس للتاريخ الاسلامي في الغرب الاسلامي لا يمكن أن يستوفي معلوماته دون الاطلاع على هذا الكتاب القيم، فتتبعه أيها القارئ الكريم بتدبر و امعان تجد الخبر اليقين (ولا
ينبئك مثل خبير)
هذا،
وقد شاءت همة الاستاذ ابراهيم طلاي ـ أحد
-
ابناء الامة النابهين واستاذ الادب بثانوية البليدة - ان
"
يكشف عن هذا الكنز الدفين، ويقوم بطبعه وتحقيقه وسوف لا يلبث نظرا لمقدرة الاستاذ وعنايته المعهودة ان يقدمه الينا بحول الله وقوته، تحفة ثمينة، ودرة
غالية
-
، تسر الناظر، ويتحلى بها جيد العلم، وفقه الله
وسدد خطاه، انه ولى التوفيق، نعم المولى ونعم النصير
ميزاب، بكلى عبد الرحمن بن عمر (1/22)
صفحة 23
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
الحمد لله الذي خلق السمات والأرض وجعل الظلمات والنور يعلم ما يسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور، خلق الإنسان عمله البيان وكل شيء عنده بمقدار سبحان من جعل له عينين ولسانا وشفتين، وهديناه النجدين، فسعيد يسره لليسرى وشقي يسره للعسرى، هو الذي خلقكم وما تعلمون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، احمده من عرف جلاله وكبرياءه وأقدس من دون التشبيه صفته وأسماءه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين الذي أرسله الله رحمة للعالمين ونسخ بشريعة دينه كل شريعة ودين، وعلى آله وأصحابه الأكرمين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وتابعي التابعين صلى الله عليهم أجمعين صلاة دائمة إلى يوم الدين. (1/23)
صفحة 24
وبعد: فان العلم دليل يقتدي به، والي طريق الرشد هاد يهتدي به " إنما يخشى الله من عباده العلماء " " والعلماء ورثة الأنبياء " وفي الآية والخبر دليل على أن العلم ما صاحبه العمل، وصادفته الخشية والوجل فإنه من أخشى الله تعالى لما لديه، ويسعى فيما يقدم بين يديه، وهل لمن عرى من الخشية فوز بعمل الحسنات، واستحقاق وراثة تلك الدرجات؟
وينبغي لمن نزع إلى هذا النزع وطلب هذا العمل الأرفع، آن يتعرف مناقب السلف والأخبار، ويحصل سيرهم الصالحة ليقتدي بحميد تلك الآثار، فإن ذلك مما يقوى الرغبة والاشتياق (1) والحرص على المصير إلى تلك المنازل السنية واللحاق، ويخص على الطريق الأثوم، وينهي عن أهواء الهاون في هواء الخسران والندم، فما أتقمن من عرف طريق الصلاح إن يتبعه! وما أقبح من جهة أن يضيعه! وقد استمرت عادة أصحابنا أن أول ما يمرن عليه المبتدئ أذا وصل، السكينة والوقار وتعليم سير السلف، لتكون لهم على اتباعهم معينة، فإذا اكتسى تلك السلف تلك الحلة قلما بدلها، ثم بعد ذلك " ما يفتح الله الناس من رحمة قلما بدلها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ". فالله ينفعهم وينفع بهم في الدنيا والدين، ويجعلنا لآثارهم مقتدين، لا مبدلين ولا مغيرين وينقذنا برحمته أجمعين، وهو ارحم الراحمين
وقد سأل من وجبت طاعته ولم يسع اهمال أمره واساءة طاعته ان اجمع من سير اسلافنا واخبارهم ما تيسر لى جمعه واضع في ذلك تصنيفا، واحرز كل خبر بما يليه من
__________
(1) في نسخة: الاستيثاق (1/24)
صفحة 25
كتاب أبى زكرياء يحيى بن أبي بكر رضى الله عنه (1) استخلص ذلك وانتقيه فبادرت لإجابة سؤاله إيجابا لعظم حرمة السؤال وان كان ينبغي أن أكون ممن استعفى واستقال فرأيت عصيانه من النكير بل المحظور، فأخذت في تهذيب الكتاب المذكور وأضيف إلى ذلك ما لا بد منه من خطبة وشعر غير مشهور، على أني معترف بالقصر والفهامة، وراغب في الإغضاء من ذوى الفطان والنباهة متيقن أن الماء يطيب بطيب موارده، وان كان أجاجا، وقد يعود مرا معافى وان كان عذبا ثجاجا، ولا شك أني قصدت الفن الذي بدأت بذكره لم احفل بعيب عائب، ولا بشكره فان ظفرت بموافقة من أجيب سؤاله فقد ظفرت بالمرغوب، فان قصرت فلا غرو لإبطاء السكيت (2) عن شاء المجلى والله اسأله. التوفيق والإرشاد إلى سواء الطريق، وقد رأيت أن أقدم مقدمة تكون فراشا للكتاب، تفهم منها ألفاظ اصطلح عليه أصحابنا المتأخرون، وفيها عند من لا يعرفها اضطراب، ثم آتى بتسمية مشايخها وذكر طبقاتهم خلفا عن سلف، على ترتيب يتأتى بيانه، ليتم المقصود ويتألف، ثم اجرد السيرة وانقلها من الكتاب المذكور، على حسب ما وقعت فيه، وما كان في ألفاظه خشونة نقلت معانية فيكون نفهم ما سئلت سهلا على قارئه.
ذكر ألفاظ مما اصطلح عليها أهل الطريق ويتعارفون بينهم
فمن ذلك العزابة واحدهم عزابي، هذه اللفظة
__________
(1) يشر الى تاريخ أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر الذي لا زال مخطوطا وهو أصل هذا الكتاب
(2) السكيت بصيفة التصغير: آخر الخيل في الحلبة عكس المجلى (1/25)
صفحة 26
استعملتها لقبا لكل من لازم الطريق وطلب العلم وسير أهل الخير، وحافظ عليها وعمل بها، فان حسن جميع هذه الصفات سمي عزابيا، وان حافظ على السير والعمل بها فقط سمي به، وأن حصل العلم دون السير والعمل بها والمحافظة عليها لم يسم بهذا الاسم ن واعلم أن لهذا الصنف سيما انفردوا بها، وأحوالا عرفوا بها، لا يتفضل عليهم فيها سواهم، وذلك في تسميتهم، وخطابهم، ومؤاكلتهم، ولباسهم، وأوقات نومهم وقيامهم، وأورادهم وصيامهم، وعبادتهم، وعندهم في ذلك قوانين يعتادونها وحدود لا يتعدونها، وهذا الاسم مشتق من العزوب عن الشيء وهو البعد عنه، فاستعير لمن بعد عن الأمور الدنيوية الشاغلة عن الآخرة، ولو استقصينا وصف تلك الأحوال لا تسع القول فطال، وسيأتي ذكر ما أمكن من ذلك في موضعه إن شاء الله، وأول ما استعمل هذا اللقب في أيام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر رضى الله عنه، لما أسس الحلقة ورتب قوانينها.
الحلقة، اسم لجماعة تشتمل على الشيخ يعلمهم العلم ويلقنه السير ويبصرهم في الدين بحسب ما يفتح الله على كل واحد منه يحصل البعض، وان أعياه الكل، " فان لم يصبها وابل فطل " فكأنهم محلقون ولو أنهم مفترقون.
التلميذ اسم للواحد المبتدئ عند الدخول في الطريق سواء كان طالب فنو أو مقتصرا على الصلاحية فقط وأصل هذه اللفظة فارسي. (1/26)
صفحة 27
الختمة: اجتماعهم لذكر الله والدعاء عند طلوع الشمس وعند غروبها بشيخ أو بغير، وكأنهم يختمون به عمل الليل وعمل النهار.
المجتمع والجمع والميعاد، ألفاظ مترادفة على معنى واحد وهو أن يجمعهم الشيخ على وعظ يفيدهم، أو لتذمير ارمهم يكون شورى من أصلاح فساد أو تلاقي فوات، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فمع الاختيار أن يكون ذلك يوم الاثنين ويوم الاثنين ويوم الخميس، ويكون في أي وقت دعت إليه الحال، ليلا أو نهارا، في أي يوم كان، أول من رتبة أبو الحر على بن الحصين بمكة (1)
الهجران والإبعاد ألفاظ تترادف على معنى واحد وذلك، أو ظهرت عليه خزية أو أتى بنقيصة في قول أو عمل أو تصنيع، فأنه يهاجره كل أهل الصلاح فلا يكلم ولا يخطر حالت بينه وبين أهل الخير، فان تاب واستغفر قبل منه ورجع إلى الجماعة، وزال عنه شين ذلك الوسم، وكان بقاؤه في وحشة الهجران بقدر عظم الجرم وصغره، وتوبة المجرم وإصراره، فمنهم من يتوب فيرجعه في الحال، ومنهم من يبقى ساعة أو ساعتين أو يوما أو يومين أو أياما أو أعواما أو عمره أن عظم الجرم ودوام المجرم على الإصرار وترك الاستغفار، أسال الله أن يقينا شر أنفسنا وشر كل ذي شر.
__________
(1) أبو الحر علي بن الحصين العنبري الشاري من أصحاب عبدالله بن يحيى طالب الحق وهما من الشراه، عاش في أوائل القرن الثاني بجنوب الجزيرة العربية رحمه الله (1/27)
صفحة 28
الظهور: تولية أمام عدل يسند إليه الأمور.
الكتمان: ملازمة الأمر سرا بلا امام
ولاية الدفاع: أن يدهم أهل الكتمان بداهمة، فيولوا عليهم من يدفع عنهم العدو.
ذكر طبقات المشائخ وتسمية المشاهير منهم جيلا بعد جيل
هذا الفصل نقتله مما فعله الشيخ ابو عمار عبد الكافى رضى الله عنه: وذلك أنه لما رأى العزابة يسندون أمر دينهم واحدا عن واحد، اكابر ذلك، وثقة عن ثقة، رأى من حسن نظرة أن يكون ذلك جولة عن جملة، ولم يتخللها خلل ولا اختلال، لن ذلك أذا كان واحدا عن واحد دخله الغلط ووقع فيه الطعن ولأن أخبار اآحاد ضعيفة عند اصحاب الحديث فرتبها رحمة الله على المبين من سني الهجرة، والتاريخ الذي بينه وبين هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر ممن أشتملت عليه كل خمسين سنة من المئين المذكورة.
فالذين اجتمعت عليهم الخمسون الأولى من المائة الاولى هم أصحاب رسول الله عليه وسلم، وفضيلتهم رضي الله عنه، واسماؤهم ومزاياهم أشهر من أن نحتاج إلى تعدادهم، فهم مجوم الهدى ومصابيح الدجا، وأنما نعتت على مكانتهم من أمهاد الفضل، تبركا بذكرهم، ولئلا يكون السكوت عن ذكرهم في محالهم من التقدم اعراضا، أو التجوز عن شرفهم غمضا (1) وأغماضا (2)
__________
(1) تساهلا
(2) التجاوز عن الشيء وتركه (1/28)
صفحة 29
وممن اشتملت عليهم الخمسون الخرى من المائة الاولى: جابر بن زيد الازدي، وعبدالله بن أباض المدنى، وعمران بن حطان الشيباني، وجعفر بن السماك العبدى واوب بلال مرادس وعروة ابنا ادية وهي جدة لهما وهما ابنا جدير حنطليان فيما ذكر المبرد، وصحار العبدي، وقريب، وزحاف، وسالم بن عطية الهلالى، والخباب بن كليب، والاحنف بن قيس، وأياس بن معاوية، ونظراؤهم كثيرون.
وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الثانية: أبو عبيدة مسلم بن ابي كريمة التميمي، وضمام بن السائب، وابو مودود حاجب الطائى، وابو عبيدة عبد الله بن القاسم، وأبو حمزة بن نوح الدهان، وعبدالله بن يحيى الكندي، وابو حمزة المختار بن عوف الشارى ويلج بن عقبة، وابرهن بان عبد الرحمن، وابو الحر على ابن الحصين العنبرى، وابو يزيد الخوارزمي، وأبو محمد المهدى، وابو روح ومازن ابنا كنانة، ونظراؤهم كثير.
وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الثانية ومن هنا أنتشار المذهب بالمغرب، ولذلك كان رجاله شرقيين وغربيين عربا وبربرا تلامذة ابي عبيده وغيرهم، الربيع أبن حبيب ووائل بن ايوب الحضرمى وابو غسان مخلد بن المعرد، وعبد السلام بن عبد القدوس، ومحبوب بن الرحيل، وأبو الخطاب المعافري وهو عبد الاعلى بن السمح وعبد داود القبلى، واسماعيل بن درار الغدامسى، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن رستم، وابو حاتم الملزوزى وابو سفيان، ونظراؤهم كثير. (1/29)
صفحة 30
وممن اشتملت عليهم الخمسون الاولى من المائة الثالثة: افلح بن عبد الوهاب، وابو مرادس، ومهدى، وابان بن وسيم، ومحمد بن يانس، وبو مهاصر، وابو زكرياء التوكيتي، وعبد الحميد، ونظراؤهم كثير.
ممن اشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة الثالثة: محمد بن افلح وبانه يوسف وسعد بن أبي يوسف وعمروس ابن فتح، ابو منصور الياس، وابو معروف، ونظراؤهم كثير.
وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الرابعة: حسنون ابن ايوب، وابو مسور اليهراسنى، وابو الخطاب وسيل بن سيتتن (1) الزواعي، وابو القاسم يزيد بن مخلد، وابو خزر يغلى بن زلتاف، وهي امه وهو ابن أيوب، وعبود المزاتى، وجنون بن يمريان، وسليمان بن ماطوس، وسليمان بن زرقون النفوسى، ومحمد بن مسلم وابو سهل الفارسى، ونظراؤهم كثير.
وممن اشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة الرابعة: أبو نوح سعيد بان زنغيل وابو صالح بكر بن القاسم اليهراسنى، وابو زكرياء فيصل بن ابى مسور، وابو عمر النملى، وابو موسى عيسى بن السميح الزواغى، وابو نوح سعيد بن بخلف المدونى، وابو محمد ويسلان بان يعقوب ونظراؤهم كثير.
وممن أشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الخامسة: ومن هنا ابتداء العزابة ابو عبدالله محمد بن بكر،
__________
(1) اثبته صاحب السير باسم وسيل بن سنتين، وكذلك صاحب الاباضية في موكب التاريخ وهو أصح. (1/30)
صفحة 31
وزكرياء ويونس ابما فصيل بن أبي مسور، وعبدالله بن مانوج وعبدالله بن زورتين، وويسلان بن ابى صالح وابو بكر الزواغى وورسفلاس ابن مهدى وعبدالله أبن الخير، وورسفلاس بن عبدالله، وابو مكدول مطلكودانس الزنزفى، وأهل غار " أمجان " وابو جابر بن سدرمام، وابو عمران موسى بن زكرياء، وكباب ابم مصلح وابو يحيى زكرياء بن جرنان، وعبدالله المدونى ونظراؤهم كثير.
وممن اشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة الخامسة: سليمان بن يخلف
، وابو يخلف، وابو سليمان داود بن أبي يوسف، وابو العباس احمد بن محمد بن بكر، وعيسى بن يرشوكسن ويحيى بن ابى بكر، وزكرياء بن ابى زكرياء، وماكسن ابن الخير، ومزين بن عبدالله ن ومصال بن يحيى، وسليمان ابن موسى، وعبدالله ابن سلام، واسماعيل بن ييدير.
وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة السادسة: عبد الرحمن بن معلى، ويحيى بن زكرياء، وايوب بن اسماعيل بن المعيز، وعبدالله بن محمد. فالى هنا انتهت تسمية من سمينا – ثم قال فهؤلاء أئمتنا في الدين وقاداتنا في الاسلام رحمهم الله.
" قال الشيخ ابو العباس " فهذا الترتيب الذي رتبه الشيخ ابو عمار عبد الكافى رضى الله عنه حسن في المعنى إلا أنه لم يذكر الطبقة التي فيها شيوخه ومعاضروه إلا بعضا من الكل واستغنى فيها عن كثير من العدد، وفيمن سمى كفاية، ولولا قصده الاكتفاء بتسمية من سمى لزدت من معاصره عدة مشائخ، أئمة أهل علم ودين، وأصحاب (1/31)
صفحة 32
تواليف اضراب عثمان بن خليفه السوفى وقرناؤه ولكنى عدلت عن ذلك إذ المقصور تسمية جماعة فالمحصول قد حصل، ورأيت ان أذكر جماعة الاشياخ الذين اخذوا عن الجماعة التي أنتهى إليها ترتيب الشيخ الذين أبى عمار واضمهم إلى الخمسين من المائة التي نحن فيها وهم الذين أخذنا عنهم وفي آخر الكتاب أذكر أن شاء الله ما وصل إلى وصح عندى من مناقبهم، وكراماتهم، فيتقدم ذكر مناقب من تقديمهم فيكون كل واحد في رتبته، ويجرى كل سابق في حلبته.
ففمن أشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة السادسة: ابو عمارة عبد الكافى بن يعقوب التناوتي، وابو يعقوب يوسف بن ابراهيم السدراتى، وابنه ابراهيم، وزكرياء ابن صالح، وفيصل بن ابى مسعود، وأسحاق بن ابراهيم ومحمد التميجارى، وموسى النفوسى، وابو نوح بن يوسف وابنه يحي، ويوسف بن خلفون، ومحمد بن أبي على السوفى، وعبد السلام بن عبد الكريم، والفضل بن أبي سفيان، اسماعيل بن صالح، ويوسف بن محمد الوسياني، وفى هذه الطبقة أدركتهم يعدون جدى سليمان أبن علي، وجدى يخلف بت يخلف النفوسى، ونظراؤهم كثير.
ممن أشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة السابعة: مشائخ جيلنا فمنهم من صار إلى الله ومنهم الاحياء فمن الاموات محمد بن ابى جميل، وسعد بن معاذ، وابراهيم أبن اسحاق، وابو سهل يحيى، وابو يعقوب بن عبدالله وميمون بن معدين، وقد اشير علي بان انظم والدي في سلكهم ومن الاحياء، يحيى بن فيصل، وعيسى بن زكرياء (1/32)
صفحة 33
وصالح بن سليمان الزواغي، ويحيى بن داود السعيدى (1) ويبيب بن محمد، واحمد بن محمد، وعمر بن يخلف الزواغى، ومن هذه الطبقة معاصرون من أهل الاجتهاد والزهد والكرامات وليسوا هنالك في العلوم: عبد الكافى ابن ونمو الريغى، وابراهيم بن عيسى المديونى، وسليمان أبن يكنى ونظراء النوعين كثير.
فهؤلاء أشياخنا وقادتنا وائمتنا وساداتنا جعلهم الله اعلاما للهدى وجنبنا باتباعهم سبيل الموبقات والردى وحشرنا أجمعين في زمرة اوليائه المتقين.
ثم ناخذ في ذكر ما بسطنا لاجله مقدمة الكتاب، ونذكر الامم فالامم من اخبار المتقدمين، ونأتى بعده بمناقب الصالحين، وربما اندرج ذكر بعض المناقب في أثناء التاريخ والاخبار، والله الموفق وبه نعتصم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ومن ها هنا أبتدائ في أستخراج ما أنبه عليه من الكتاب المذكور فأول ذلك ذكر سبب مصير مذهب الاباضية ببلاد المغرب وابتداء امرهم ونقتله من ارض المشرق واخبار العلم الخمسة النفر.
حدث غير واحد من اصحابنا عن الامام افلح عن ابنه عبد الوهاب عن جده عبد الرحمن بن رستم أنه قال: أول من جاء يطلب مذهب الاباضية ونحن بقيروان أفريقية، سلامة بن سعيد قال قدم علينا من أرض البصرة ومعه عكرمة الاباضية وعكرمة يدعو إلى مذهب الصفرية، فسمعت سلامة يقول وددت ان لو ظهر هذا الامر يعنى مذهب
__________
(1) كذا بالنسخ ولعله بالصاد نسبة إلى صعيد مصر. (1/33)
صفحة 34
الاباضية يوما واحدا من أول النهار إلى آخر فلا أسف على الحياة بعدة، فقيام عبد الرحمان مجتهدا في ذلك الامر، فقال له رجل من أهل الدعوة اذا كنت تريد العلم بما كلفت به وعلقت مطلبه بخاطرك، فدونك أرض البصرة، فان بها رجلا عالما يكنى، أبا عبيدة مسلم بن ابى كريمة التميمي، فانك تجد عنده ما تطلب، فلذلك توجه عبد الرحمن بن رستم إلى البصرة رحمة الله، وقيل أن أمه هي التي ارشدته إلى ذلك وله حديث سأذكره بعد أن شاء الله عند الخمسة النفر الذين قرأوا على أبي عبيدة واذكر ما صح عندنا من خبرهم في موضعه من الكتاب.
ذكر فضائل الفرس من العجم
بلغنا أن رسول اله صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: " يايها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه " الآية أشار إلى سليمان الفارسى وكان جالسا بين يديه قال: لعلهم أن يكونو من رهط هذا، وعنه صلى الله عليه وسلم قال: " أن لله كنزا ليس من ذهب ولا من فضة، لكنه في بطون ابناء فارس " وذكر ابن داب عن عمر بن الخطاب رصى الله عنه أنه مشى ذات يوم مع المغيرة بن شعبة، وكان المغيرة اعور، فقال له عمر رضى الله عنه ك هل أبصرت بعينيك هذه قط شيئا يا مغيرة؟ قال نعم يا أمير المؤمنين قال له عمر سيعود الاسلام كما عورت ثم ليعمن حتى لا يدرى من له ولا من عليه، فاذا أتى علية مائة وستون سنة رد عليه سمعه وبصره، بوفد كوفد الملوك، طيبة ارواحهم، صالحة اعمالهم، فقال له المغيرة من أي ماء يا امير المؤمنين؟ امن الحجاز ام من ماء العراق ام من ماء (1/34)
صفحة 35
الشام؟ فولى عنه عمر وتركه، فوليت الفرس تاهرت على رأس ستين ومائة. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو تعلق الدين بالثريا لنالته رجال من العجم، واسعدهم به فارس، وروى زيد بن اسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا وقصها على أصحابه، فقال رأيت غنما سوداء خالطتها غنم بيض، فتأولتها ان العجم يدخلون الاسلام فيشتركونكم في نسائكم، واموالكم، فتعجبوا من ذلك، فقال: العجم يدخلون بلادنا يا رسول الله! فقال: أي، والذي نفسي بيده لو أن الدين تعلق بالثريا لنالته رجاله من العجم، واسعدهم به أهل فارس، ومن طريق آخر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: لو تعلق العلم بالثريا لنالته الفرس، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى:" ستدعون إلى الفرس، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: "ستدعون إلى قوم أولى باس شديد تقاتلونهم أو يسلمون " هم بنو جنيفة وقال بعضهم هم فارس.
وذكر أبن قتيبة وعمرو بن بحر الجاحظ وغيرهما من أصحاب التاريخ عن أبن عباس رضى الله عنهما أنه قال لما كان ليلة مولد النبى صلى الله عليه وسلم، ارتج ايوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرافة فعظم ذلك اهل مملكته فما كان باوشك من أن كتب إليه صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة، وكتب إليه صاحب الشام يخبره أن وادى السماوة انقطع تلك الليلة وكتب إليه صاحب طبرية يخبره أن ماء تلك الليلة لم يجر في بحيرة طبرية، وكتب غليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة فلما تواترت الكتب عليه ابرز سرية وظهر لأهل مملكته فاخبرهم الخبر، فقال: الموبذان ايها الملك أنى رأيت تلك (1/35)
صفحة 36
الليلة رؤيا هالتنى، قال له وما رايت؟ قال له: رأيت أبلا صعابا تقود خيلا عرابا حتى أقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا فقال له: لقد رأيت، فما عندك في ـاويلها؟ فقال له: ما عندي فيها ولا في تأويلها شئ، ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلا من علمائهم فانهم أهل علم بالدثان فبعث إليه رجلا من علمائهم فانهم أهل علم بالحدثان فبعث إليه فوجه إليه عبد المسيح بن نفيلة الغسانى، فلما قدم عليه أخبره كسرى الخبر فقال: أيها الملك والله ما عندى أخبره كسرى الخبر فقال: ايها الملك والله ما عندى فيها ولا في تأويلها شئ، ولكن جهزنى إلى خال لى في الشام، يقال له سطيح فقال: جهزوه، فلما قدم على سطيح وجده أختصر فناداه فلم يجبه وكلمه فلم يرد عليه فقال عبد المسيح:
اصم ام لم يسمع غطريف اليمن يا فاضل الحطة اعيت من ومز
اتاك شيخ الحى من آل سنن ابيض فضفاض الرداء والبدن
رسول قيل العجم يهوى للوثن لا يذهب الوعد ولا ريب الزمن
فرفع إليه سيطح رأسه فقال: عبد المسيح على جمل مشيخ إلى سطيح بعثط ملك بنى ساسان لارتجاج الايوان وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى أبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، حتى اقتحمت الوادى، وانشرت في البلاد! عبد المسيح: أذا ظهرت التلاوة، وغاض وادى السماوة، وغارت بحيرة ساوة وظهر صاحب الهرواة فليس الشام بشام، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرافات، وكل ما هو آت آت، ثم قال: (1/36)
صفحة 37
ثم اتى كسرى فاخبره الخبر فغمه وهاله ثم تعزى، وقال إلى أن يملك أربعة عشر ملكا يدور الزمان، فملك منهم تسعة إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن قتيبة فالله اعلم ممن التمام، وليس إلا الخمسة الائمة الذين ولوا بتاهرت من ارض بعض المغرب، ولوها نيفا على مائة وخمسين فيما ذكر بعض الرواة، قال أبو العباس احمد رحمه الله. اما قول الشيخ ان التمام كان بالائمة الخمسة وانهم منهم فانا اراد في النسب لا في غيره، واراد ان ولايتهم اذ ولول صحيحا غلا ان ولايتهم على دين الاسلام ومذهب العدل والقوام.
فضائل البربر من العجم
وعن فضائل البربر من العجم ما بلغنى ان عائشة رضى (1/37)
صفحة 38
الله عنها، دخل عليها ذات مرة رجل من البربر وهى جالسة ومعها نفر من المهاجرين والانصار، فقامت عائشة وسادتها فطرحتها للبربرى دونهم، فانسل القوم واجلين بذلك، فلما قضى البربرى حاجته وخرج ارسلت إليهم عائشة، حتى أجتمعو إليها، فقالت لهم: ما الذي اوجب خروجهم على تلك الحال؟ قالوا: لا يثارك علينا وعلى نفسك رجلا كنا نزدريه، وننتقص قومه، فقالت انما فعلت ذلك لما قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت اتعرفون فلانا البربري؟ قالوا نعم، قالت كنت انا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات مرة جالسين، اذ دخل علينا ذلك البربرى مصفر الوجه غائر العنين، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ما دهاك؟ أمرض؟ فارقتنى بالأمس ظاره الدم فجئتنني الساعة كأنما انتشرت من قبر، فقال، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بت في هم شديد، فقال ما همك؟ قال: تردد بصرك في بالامس خفت ان يكون نزل في قرآن فقال: لا يحزنك ذلك، فانما ترديدى البصرة فيك لن جبريل عليه السلام جاءنى، فقال أوصيك بتقوى الله وبالبربر قلت: وأى البربر؟ قال قوم هذا، واشار إليك فنظرت غليك، فقلم لجبريل ما شأنهم؟ قال: قوم يحيون دين الله بعد ان كاد يموت ويجدونه بعد أذا يبلى ثم قال جبريل: يا محمد دين الله خلق من خلق الله نشأ بالحجارة واهله بالمدينة، خلقه ضعيفا ثم ينميه وينشئة، حتى يعلو ويعظم، ويثمر كما تثمر الشجرة ثم يقع وانما يقع رأسه بالمغرب، والشئ إذا وقع لم يرفع من وسطه، ولا من اسفله، انما يرفع من عند رأسه.
وبلغنا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قدم عليه (1/38)
صفحة 39
وفد من البربر، من لواته ارسلهم إليه عمرو بن العاص وهم محلقو الرؤوس واللحا، فقال لهم عمر من أنتم قالوا من البربر من لواته؟ فقال عمر لجلسائه: هل فيكم من يعرف هذه القبيلة في شئ من قبائل العرب والعجم، قالوا: لا، قال: العباس بن مرادس السلمى عندى منهم علم يا أمير المؤمنين هؤلاء من ولد بنى قيس، وكان لقيس عدة من الاولاد، أحدهم يسمى بربر بن قيس، وفى خلقه بعض الرعونة فقال: اخرق ذات مرة فخرج إلى البرارى فكثر بها نسله وولده، فكانت العرب تقول تبربروا أى كثروا فنظر إليه عمرو بن الخطاب رضى الله عنه فاستحضر ترجمانا يترجم كلامهم، فقال لهم مالكم محلقو الرؤوس واللحا؟ فقالوا شعر نبت في الكفر، فاحببنا ان نبدله بشعر ينبت في الاسلام، فقال هل لكم مدائن تسكنونها فقالوا: لا، قال: فهل لكم حصون تتحصنون فيها؟ قالوا: لا فقال: هل لكم اسواق تتبايعون فيها؟ قالوا: لا، قال: فبكى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال له جلساؤه وما يبكيك يا أمي المؤمنين؟ قال عمر أبكاني قلة هذه العصابة من المسلمين، واجتماع أمم الكفر عليها، فان الله تعالى سيفتح للاسلام بابا من المغرب بقوم يعز بهم الاسلام ويذل بهم الكفر، أهل خشية وبصائر يموتون على ما أبصروا، وليست لهم مدائن يسكنون فيها ولا حصون يتحصنون فيها، ولا أسواق يتبايعون فيها، فلذلك بكيت الساعة حين ذكرت (1/39)
صفحة 40
رسول الله صلى الله عليه وسلم ن وما ذكر من الفضل عليهم فردهم إلى عمرو بن العاص وأمره ان يجعلهم في مقدمات العسكر، واحس إليهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأكرمهم، وأمرمهم، وامر عمرو بن العاص أن يحس إليهم، فكانوا مع عمرو بن العاص حتى قتل عثمان، فلما كان هذا الخبر في عصابة من أهل المغرب عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجونا أن يكونوا أئمتنا ومن اقتفى آثارهم وأن يكونوا أهل تلك الفضيلة.
وبلغنا ان رجلا من 1 رية ابى بكر الصديق رضى الله عنه عن بعض الخلفاء أنه قال: با أهل مكة ويا أهل المدينة اوصيكم بالله وبالبربر خيرا، فانهم سياتونكم بدين الله من المغرب بعد أن تضيعوه، هم الذين ذكرهم الله في كتابه بقوله:" يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. يجاهدون في سبيل الله واسع عليم ". لا ينظرون في حسب امرئ غير طاعة الله، قال البكرى: فمن حين وقعت الفتنة انما نقاتل نحن العرب على الدينار والدرهم وأما البربر فانهم يقاتلون على دين الله ليقيموه قال: وهو يرفع الحديث إلى ابن مسعود رضى الله عنه أن آخر حجة حججنا قام خطيبا فقال: يا أهل مكة ويا أهل المدينة اوصيكم بتقوى الله وبالبربر فأنهم سيأتونكم بدين الله من المغرب، وهم الذين يستبدل الله بكم اذ يقول:" وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم " والذى نفس ابن مسعود بيده لو ادركتهم كنت لهم أطوع من امائهم، واقرب إليهم من دثارهم، (1/40)
صفحة 41
وبلغنا عن عائشة رضى الله عنها انها أبصرت صبيا له ذؤابتان ذا جمال وهيئة فقالت من اى قبيل هذا الصبى الشقى؟ قالوا من البربر، قالت عائشة البربر يقرون الضيف ويضربون بالسيف ويلجمون الملوك لجام الخيل.
قلت وانما قدم الشيخ رحمة الله ذكر الفرس والبربر تنبيها على فضيلة ائمتنا اذ كانوا من الفرس وفضيلة من انتهى إليه مذهبنا بالمغرب اذ كانوا جلهم البربر ولم يقصد بذلك تاخير العرب عن الفضيلة اذ فضيلة العرب افضل وشرفهم أقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابة، وعلى ألسنتهم أنزل القرآن، ومنهم كان أسلافنا من الصحابة والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين، ولكل خصلة من الفضل بحسب عطاء الله ويسره له، والله يؤتى من فضله من يشاء والله واسع عليم.
خبر الخمسة نفر (حملة العلم إلى المغرب)
أبو الخطاب عبد الاعلى بن المسيح المعافرى، وعبد الرحمن بن رستم الفارسى، وعاصم السدراتى، واسماعيل أبن درار الغدامسى، وابو داود القبلى، وتحدثهم إلى ابى عبيدة رحمة الله وأخبارهم الاول فالاول.
أخبار عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى الملك الفارسى رحمه الله
كان مولده بالعراق وكان أبوه منجما وكان يرى في علم مدخر عندهم ان ذريته ستلى أرض المغرب، وكان أبوه رستم متوجها من العراق ومعه عبد الرحمن أبنه وزوجته (1/41)
صفحة 42
ليصل إلى أرض المغرب، فلما كان بمكه أو قريبا منها ادركته حمامه، وانتقضت أيامه فلقى عبد الرحمن وامه الحجاج من أهل ارض المغرب بمكة فتزوج رجل من القيروان أن عبد الرحمن، فأقبل بهما حتى قدموا أرض القيروان، ونشأ بها عبد الرحمن.
فلما بلغ مبلغ الرجال وقرأ وتصفح، نظر إليه رجل من أهل مذهبنا، فقال له يا بنى، ان كنت جادا فيما أراك تطلبه فاقصد ابا عبيدة مسلم بن ابى كريمه، تجد عنده ماتطلب. فسار عبد الرحمن بن رستم إلى ابى عبيدة رحمة الله فاجتمع بالنفر الذى ذكرنا، فصدوا ابا عبيده رحمه فصافحهم ابو عبيده وسألهم عن احوالهم، ومن أين أقبلوا فاخبروه انهم أرادوا تعلم العلم، فاجابهم إلى ذلك، ومكثوا عنده عدة سنين، وكان أبو عبيدة رحمة الله مستخيفا تخوفا من بعض أمراء البصرة (1) فادخلهم سربا وجعل فيه سللسة وطفق يعمل القفاف بباب السرب فمتى رأى شخصا مقبلا حرك السلسلة فسكتوا فإذا انصرف حركها فيأخذون في دراستهم، وكان عبد الرحمن شابا جميلا حديث السن وكان أبو عبيدة يجعل بينه وبين الناس سترا لئلا يشغلهم بجماله، فلما بلغوا من العلم ما شاء الله وأرادوا الانصراف إلى بلادهم رغب عجائز متصلحات من المذهب إلى ابى عبيده في أن يريهن عبد الرحمن ليودعنه ويزودنه بالدعاء، فقالت أحداهن: بارك الله فيك كما بارك في عين الشمس، وقالت الثانية بارك الله فيك كما بارك في انسان العين، وقالت الثالثة: بارك الله فيك كما بارك في مطيب الطعام من الملح.
فلما عزموا على
__________
(1) هو الحجاج بن يوسف امير الامويين على العراق (1/42)
صفحة 43
المسير إلى بلادهم كلموا أبا عبيدة وشاوروه فيما يستقبلون من أمورهم، فقالوا له: يا شيخنا أرأيت أن لو كانت لنا قوة بالمغرب ووجدنا في أنفسنا طاقة أفنولى علينا رجلا منا؟ فقال لهم أبو عبيدة توجهوا إلى بلادكم فان يكن في أهل دعوتكم من العدد والعدة ما تجب معه التولية عليكم فولوا على أنفسكم رجلا منكم، فان ابى فاقتلوه، واشار إلى أبى الخطاب رحمه الله تعالى.
قالوا فلما أرادوا الخروج من عنده هيأ الشيخ المركوب لتوديعهم، ووضع رجله في الركاب فسأله اسماعيل عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الاحكام قبل أن يستوى علة متن الدابة ن فقال له: أبو عبيدة اتريد ان تكون قاضيا يا أبن درار؟ قال له: أرأيت أن أبتليت بذلك! فبماذا تأمرنى يرحمك الله؟ وقد ذكر أنه أنما قال له ذلك في موطن المذكور.
ثم توجهوا إلى المغرب فلما وصلوا عرضوا الامامة على عبد الرحمن فاعتذر بامانة كانت عنده للناس فقبلوا عذره وأرادوا تواية ابى الخطاب رحمه الله.
امامة أبى الخطاب عبد الاعلى بن السمح
قال الشيخ أبو العباس رحمه الله أنما وضع الشيخ رحمه الله في هذا الموضع من كتابه ذكر ولاية أبى الخطاب، ثم ولاية الفرس، لما أعتمده من ذكر ولاية الفرس وأنتشار المذهب وائمتى ونقله إلى أرض المغرب فلما كان ذلك هو المهم جعله أولا، والذي ينبغى أن نقدم نبدأ بذكر من أستخلف من اصحاب رسول الله صلى الله عليى وسلم، ثم أمامة عبد الله بن وهب الراسبى رحمه (1/43)
صفحة 44
الله ونبدأ من أخباره، ثم تأخذ السير على التدريج، ولعل فعله أصلح والذي رآه أنجح، أذ علم ما عداه قد أنتهى حفظ الاكثرين إليه واغنت شهرته عن الدلالة عليه فنشرع في ذكر ولاية من ولى بالمغرب، ولنبتدئ بذكر أبى الخطاب رحمه الله، وله التقدم لسبقه إليه ولاستحقاقه أياه وسبق فضيلة العرب ثم لا بد أن شاء الله من ذكر ما امكن من أخبار من اشرت إليهم في موضع يفرد لذلك أن شاء الله تعالى.
ذكر بعض أصحابنا انه لما قدم ابو الخطاب واصحابه من المشرق الى طرابلس اهتم بامور الناس ومصالح المسلمين من له فيهم نظر من المشائخ والاعيان، وافاضل الناس، واجتمعت جماعة ممن وصفته، ذلك بعد قتل الحارث وعبد الجبار، والناس حينئذ في الكتمان فكانوا يتفاوضون في عقد الامامة، وفيمن هو أهل لها، فاجالوا أفكارهم فيمن يولونه امرهم، ثم اذا اجتمع رأيهم على أمضاء ذلك جعلوا يرددون النظر فيما عزموا عليه هل لهم به طاقة؟ وهل يستطيعون مدافعه عدوهم ام لا؟ فكانوا يجتمعون في موضع يقال له " صياد " بخارج مدينة طرابلس ويظهرون أنهم يجتمعون في قضية أرض مشتركة بين قوم أرادوا قسمتها، وذكر أنما أضهروا أنهم أجتمعوا في قضية لجل وأمراة تخاصما فيها وتفاقم أمرهما فكانهم يريدون أصلاحها، وكلما أنقضى مجلس وانفصلوا دخل منهم جمع إلى والى المدينة فسلموت عليه مداراة له، حتى إذا اتفق (1/44)
صفحة 45
رأيهم على عقد الامامة اجتمعت كلمتهم على مبايعة ابى الخطاب رحمه الله.
وذكر بعض اصحابنا انهم لما اتفقوا على ذلك جعلوا بينهم موعدا معلوما ليجتمعوا فيه بصياد، فاتفقوا على ان ياتى كل واحد منهم بجماعة رجال من عشرية واتباعه، وأن يأتوا بالأسحلة ويجعلوا الدروق في الجواليق ويخفونها بالتبن، وجعلوا امارة بينهم وبين من في المدينة من مشائخ أهل دعوتهم ومن لا يقدر على النهوض معهم انهم أذا رأوهم دخلو المدينة المدينة بجماعتهم ان يستهروا السلاح، واخبروهم سرا أن الامام ابو الخطاب فلما كانوا بالموعد الذي يجتمعون فيه بعامة المسلمين من شيوخ القبائل من نفوسه وهوارة وزريشة، وزناته وغيرهم فتوافوا بصياد ن ومعهم ابو الخطاب، حين عمدوا لعقد ما اعتقدوا قالوا له امض معنا على بركة الله إلى الذى ترددنا فيه منذ زمان، قال فخرج معهم أبو الخطاب ولم يدر ما يريدونه فلما وصلوا صياد تكلم متكلمهم، فقال أليس قد اجتمع رئاينا على ما قد علمتوه؟ قالوا بلى، قال فأتموا أمركم إذا فقامت منهم طائفة ناحية فتناجنوا ساعة ن ثم رجعوا فقالوا لابى الخطاب أبسط يديك لنبايعك على أن تحكم بيننا بكتاب الله وسنة نبيئه صلى الله عليه وسلم وآثار الصالحين، فقال لهم أبو الخطاب ما حسبت أن لهذا كان خروجى معكم، فقالوا لا بد لنا من تقليدك أمور المسلمين، فلما رأى جدهم، قال لا أقبل أن أتحمل امانتكم ألا على شروط، قالو كل شرط يجوز فنحن نعطيكه، ونعطيك فيه، فقال لهم: شرطى عليكم أن لا تذكروا في عسكرى مسألة الحارث وعبد الجبار، خوفا من أن يكون في جماعة المسلمين أختلاف وفرقة. (1/45)
صفحة 46
بيان مسالة الحارث وعبد الجبار واختلاف الناس فيها
وقد حدث بعض أصحابنا أن مسألة الحارث وعبد الجبار أتصلت إلى المشرق فكان بين اصحابنا الذين في المشرق بهذه المسالة أختلاف وفرقة وفي المغرب أشد من ذلك، حتى كتب إليهم أبو عبيده وأبو مودود حاجب الطائى رضى الله عنهما بالكف عن ذكرها. قال الشيخ أبو العباس الخلاف الذي في المسالة قديما وحديثا أصلة في الولاية المعينة هل تنتقل إلى الوقوف أم لا إلا أن أنتقلت بحكم كتعين إلى البراءة؟ وهذه المسألة مبينة في العقائد وفي الفقه، على اليقين هلى يدفعه الشك؟ فعند أصحابنا ان اليقين يدفع الشك ولا يدفعه الشك فالولاية لا تنقل إلى الووقف وعند الزيدية أنها تنتقل إلى الوقوف ولهم في ذلك أشكالات ياتى ذكرها ومدافعتها ن وذلك أن الحارث وعبد الجبار كانا رجلين موصوفين بالصلاح، وهما من أهل الولاية، فوجدا في موضع واحد مقتولين وسيف كل واحد منهما في جثة الآخر. فوقع الاختلاف فيها، فقائل يقول ان كلا منهما قتل الاخر، فينبغي أن نبرأ منهما فهذا ارذل الاقوال، وقائل بان كل واح منهما قتل الآخر إلا أنا لا ندرى الباغى منها فنبرا منه ولا المبغى عليه فنتولاه فلا يسعنا إلا الوقوف عن ولايتها والبراءة منهما هذا قول اصحاب عبدالله بن زيد، فقائل أنهما باقيان على ما كانا يستحقانه من الولاية لأن صلاحيتها متيقنة وقتل احهما الآخر مشكوك فيه فلا نتوقف عن وايتها فهذا من الاحتمال، اذ من الاحتمال الذي سبق إلى الخيال أن يكون البغاة الذين قتلوهما قد أولجوا سيف كل واحد منهما في جثة صاحبة وتركوهما لما أرادوه من هذا الخلاف (1/46)
صفحة 47
فهذا قول اصحابنا.
وللزيدية (1) هنا افراط بمسئلتين، احداهما ان يقع اللعان بين الزوجين وهما من أهل الولاية فلا بد أن يكون البغل قاذفا أو تكون المرأة زاينة، وكلا الفاحشتين من الكبائر إلا أنا لا ندرى من أرتكيها منها فعلينا الوقوف او البراءة، والثانية أن ترى من بعد رجلين من أهل الولاية وقد جرد كل واحد منهما سيفه، وضرب صاحبه حتى ماتا ولست تدرى الباغى ولا المبغى عليه، قلنا هذا كله احتمالات ولنا في رسول الله اسوة حسنة، أذا نزل عليه:" وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة، مردوا على النفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم "، فلم يبلغنا عنه صلى الله عليه وسلم أنه توقف عن مواصلة أحد ممن أظهر الايمان من أهل المدينة ولا من الاعراب ولا انه تجنب أحدا مع انه صلى الله عليه وسلم ألم انه لا يعلمهم، وان الله تعالى يعلمهم، بل أبقاهم على ما هم عليه من الولاية المتقدم اليقين بها حتى فضحتهم الآية من سور براءة في قوله تعالى: ومهم فلما عرفوا يقينا أنتقلت الولاية إلى البراءة، فاطلب ذلك في موضعه تجده.
وبلغنى عن ناس من أصحابنا الذين بالشرق. بل قد وقفت عليه من قولهم: أنهم رحجوا قول اصحابنا في القتيلين والمقتولين، ورحجوا قول الزيدية في الملاعنيين فاعتمد هذاك الله على القرآن وما تعلق به يدحض كل قول يخالفه، فهذا هو الخلاف الذى في المسئلة.
رجعنا، فأراد ابو الخطاب رضى الله عنه أن يقطع الاختلاف من جماعة المسلمين بامامته، فقالوا له لك ذلك
__________
(1) لعله اليزيدية. تأمل (1/47)
صفحة 48
علينا فبايعوه على القيام بحقوق الله، وعلى ما فيه في الكتاب والسنة واتباع الائمة المهتدي، فقبل مبايعتهم، وانصرف إلى المدينة ومعه جماعة المسلمين، وذكر بعض أصحابنا ان ولاية أبى الخطاب كانت على رأس اربعين ومائة سنة، ثم أجتمع رأيهم على دخول المدينة مدينة طرابلس وبها عامل لابي جعفر المنصور، فعمدوا إلى رجال باسلحتهم فحملوها في الجواليق افواه الجمال، وكأنهم عير اقبلت إلى المدينة وقد جعلوا افواه الجواليق إلى داخلها من أسفل، وجعلوا مع كل جمل رجلين بالسلاح، فلما توسطوا المدينة ولم يفطن احد بما صنعوا فتحوا الجواليق، فخرج الرجال والسلاح في أيديهم، وقالوا: لا حكم إلا لله، ولا طاعة إلا طاعة الله وطاعة ابى الخطاب، وقصدوا نحو العامل ليقتلوه، فأبى عليهم أبو الخطاب، وقصدوا نحو العامل ليقتلوه فأبى عليهم أبو الخطاب من ذلك، وقال: أنما دخلنا عليهم بالامان. فلما رءاهم اهل المدينة وقد شهروا السلاح قالوا بالامان: هذه غدرة، فقال لهم اصحاب أبى الخطاب: لا بأس عليكم لسنا بأهل غدر. فمن أراد العافية منكم فليقم في منزله، ويخر أبو الخطاب العامل في الاقامة في المدينة وينخلع عن العمل، أو الخروج بالامان. فاختار الخروج إلى أرض المشرق، ودفع لابى الخطاب مفتاح بين المال فأخذها منه.
فاحسن ابو الخطاب رضي الله عنه السيرة وعدل في سيرته واحكامه، وكانت ولاية أبي الخطاب اربع سنين وقد ولي على رأس أربعين ومائة، وبلغنا ان امرأة من نساء القيروان كتبت بطاقة إلى الامام ابي الخطاب رضي الله عنه تشكو اليه جور (ورفجومة) تقول فيما كتبت له: (اما بعد " يا أمير المؤمنين " فان لى ابنة وقد بلغت في الخوف عليها (1/48)
صفحة 49
من ورجفومة والحوطة عليها ان حفرت حفرة تحت سريري وصنتها فيها عنهم خشية ان يفسدوها كما فعلوا بامثالها فانظر الينا والسلام) وكانت ورفجومة ولاة مدينة القيروان فلما وصلت البطاقة الى ابي الخطاب رضي الله عنه صادفته وهو يتوضأ، فقرأها وجعل يبكي رحمة بما نزل بها، فنادى (الصلاة جماعة) واجتمع اليه الناس وصلى بهم، ثم صعد المنبر خطيباً، فحمد الله وانثى عليه ثم أخذ في ترغيب اصحابه في الجهاد وامر رعيته في التأهب والاستعداد، وان يعزموا على المصابرة والجلاد، فخرج من المسجد وسل عند بابه سيفه وكسر غمده، قال: لا حكم إلا لله ترغيبا في الجهاد وغضبا لله ولدينه، وبلغنا من طريق آخر ان ورفجومة أخرجوا امرأة من القيروان وهي تصيح وتقول: اغيثونى معاشر المسلمين، فلم تجد احدا يدفع عنها فلما بلغ أبا الخطاب رحمه الله ما نزل بها، واستغاثتها بمعشر المسلمين فلم تجد أحدا يدفع عنها قال أبو الخطاب مجيبا لها: لبيك لبيك.
وقد ذكر بعض أصحابنا ان امرأة من أهل القيروان طلبها ورفجومة فصاحت من القيروان يا ابا الخطاب اغثنى فمد الله في صوتها فسمعها أبو الخطاب من مدينة طرابلس، فقال لها: لبيك يا اختاه، قال الشيخ ابو العباس رحمه الله ولا ينكر هذا وامثاله من كرامات الاولياء يؤيده ما بلغنا عن رسول الله صلى عليه وسلم يقول الله جل وعلا:" لا يوال العبد يخدمنى حتى احبه فإذا أحببته وهبت له عيني فيرى بها وسمعي فيسمع بها" الحديث، ولا تقل العين والاذن ههنا جارحتان، بل الكلام عليها كالكلام على امثالهما مما نزل في القرآن وفيما ورد في السنة، وكل ذلك محمول على قدرة الله تعالى، (1/49)
صفحة 50
قال: فعند ذلك أمر أبو الخطاب مناديه بان ينادى: النفير النفير فعسكر على طرف المدينة حتى أجتمع إليه من اصحابه جموع كثيرة، ثم أن أبا الخطاب خرج فيمن اجتمع له من أصحابه ومعه عبد الرحمن بن رستم افارسى رضى الله عنه ن فخرجوا في سنة ممحملة ذات جوع وجذب، فامدهم الله بالجراد ن فإذا نزلوا نزل معهم، واذا ارتحلوا ارتحل معهم.
وبلغنا ان ابا الخطاب لما خرج امر مناديه فنادى: ايها الناس من له ابوان كبيران أو أحدهما فليرجع، ومن له عروس قريب عهدها فليرجع، ومن اراد الرجوع منكم فليرجع بالليل رجعت طائفة من عسكره فلما كان بالغد أمر خيلا تقطع وراءه فوجد أثر من رجع من الناس إلى أهلهم، ثم فعل ذلك في الليلة الثانية وفي الليلة الثالثة، حتى رجعت خيلة فاخبرته بانه لم يبق من يرجع، وانه لم يبق معه إلا من له رغبة في الجهاد. فعرض عسكره في ستة آلاف، وقال فيما قال: انى لأرجو لمن خرج في عسكرنا ومات مجاهدا ان يكون من أهل الجنة الا من من فيه أحدى ثلاث قتل نفس بغير نفس، وافتراش في حرام ز واقتناء أرض غصبا،. فمن كانت فيه هذه الخصال أو واحدة منهن فليعلم انه واجد منهن مخرجا أما قاتل النفس فبان ينقاد لاولياء انه واجد منهن مخرجا أما لم يعلم له ولي ليشهد على نفسه بتركها واما الاثنتان الاخيرتان فانه ليشهد على نفسه بتركهما والتخلى عنهما. وبلغنا ان أبا الخطاب مر بمدينة " قابس " فحاصر أهلها حتى ضعفوا واذعنوا له بالطاعة فجعل على المدينة عاملا، وارتحل حتى اذا نزل على القيروان فحاصر المدينة عاملا، وارتحل حتى اذا نزل على القيروان مرض عاصم السدراتى مرضا شديدا، كان من اخيار (1/50)
صفحة 51
أهل العسكر، وانجدهم، واشهدهم شوكة على أهل القيروان فسمع بمرضه أهل القيروان وأنه أشتهى القثاء فبعث أهل القيروان ببائع القثاء، فسممعوا واحدة من قثائه، وامروه ان لا يبيعها الا لعاصم السدراتى فمضى البياع بما عنده من القثاء إلى المعسكر، فاشترى لعصم اصحابه تلك المسمومة فأتوه بها فاكلها فثار فيه سمعها، حتى هلك، وقد هرب البياع حين باعها فاستشهد عاصم رحمه الله فصاح أهل المدينة أين عاصم السدراتى المقتول بالسم؟ ثم جعلوا يقولون مات عاصمكم يا بربر.
فعلم أبو الخطاب أنهم خدعوه وبلغ منه موت عاصم مبلغا عظيما، فقال لاصحابه: أنهم خدعونا وغدرونا، فسنخدعهم ونغدرهم كما فعلوا، فخدعهم رحمة الله، وامر اهل العسكر بان يأخذوا سلاحهم ويخلا اخبيتهم ويخرجوا تحت الليل وياخذوا الطريق شبه الهاربية مذعورين، فاصبح منزل عسكر ابى الخطاب خاليا، فظن أهل القيروان أنهم هربوا منهم ليلا، وقالوا: انهزمت البربر، واخذوا بآثارهم ن ومضى أبو الخطاب رحمه الله فيمن معه إلى واد وراء فحص رقادة، وكمن فيه بخلية ورجله، فأخذ اهل المدينة في طلب ابى الخطاب واصحابه. فلما لحقوا بهم، وجدوهم معسكرين فثار ابو الخطاب وأصحابه في وجوههم، فهزموهم فتبعهم أبو الخطاب واصحابه، يقتلونهم، حتى دخلوا معهم المدينة فتحصلت المدينة لأبى الخطاب في سنة احدى واربعين ومائة من التاريخ.
فلما ولى ابو الخطاب المدينة أستعمل عليها عبد الرحمن بن رستم رحمه الله، وقد أمر أبو الخطاب أصحابه حين كان في حصار المدينة ان لا يفسدوا زرعا ولا غيره. (1/51)
صفحة 52
وحدث بعض أصحابنا ان شيخا من شيوخ القيروان بعث ابنا له يرتاد مزرعة كانت له بقرب منزل عسكر ابى الخطاب فقال يا بنى: أذهب وانظر هل بقى في مزرعتنا شئ قال: فخرج الغلام إلى المزرعة فوجدها سالمة لن ينلها فساد، فرجع الغلام إلى أبيه فأخبره، فعجب لذلك وعجب الناس لعدل ابى الخطاي وسيرته وطاعة أصحابه له فيما يامرهم به وينهاهم عنه. وكان من مقالة الشيخ المذكور اذ ذاك لمن حضره من أهل القيروان: أتظنون ان ابا الخطاب يشبه من ولي عليكم قبلة دنيا وفضلا؟ وأن سيرتهم كسيرته حسنا وعدلا؟ كلا والله. أين مثل أبى الخطاب في سيرته وعدله وفضله!
وبلغنا ان أمرأتين قد خرجتا من القيروان حين فتحها الله لابى الخطاب بعد هزيمة أهلها، فنظرت احداهما إلى القتلى مزملين في ثيابهم كانهم رقود، فقالن لصاحبتها: انظرى اليهم كانهم رقود. فسمى ذلك الموضع رقادة إلى اليوم ولما دخل ابو الخطاب المدينة أمر أهل المدينة بان يخرجوا إلى قتلاهم ليدفعوهم.
وقد أمر ابو الخطاب من يتفقد القتلى، فوجد قتيلا واحدا منهم مسلوبا، وامر مناديا ينادى في عسكره من نزع عن أحد من القتلى شيئا فليردده، فلم يردد أحد شيئا فعلم ان سالبه عمل غير صالح، فلما أيس من رده سلب القتيل المذكور طوعا، ومخافة من عقاب الله تعالى، ودعا أبو الخطاب ربه عزوجل أن يفضحه ويظهر على اعين الناس فامر أبو الخطاب فرسان من عسكره بان يخرجوا ويجروا خيلهم بين يديه وكان فيهم رجل فارس ن سدراته فلما اجريت الخيل انقطع حزام سرج السدراتى، فوجد (1/52)
صفحة 53
كساء سفسارية تحت سرجه، فسقط الكساء على أعين الناس وقيل بل كان جبة حرير. قلت والجراد أيضا عند الاحيتاج إليه واجابه الدعاء على الخائن كل ذلك من الكرامات فأخذه الامام رحمه الله فعزره حسب ما اقتضاه الاجتهاد.
وبلغنا أن أبا الخطاب رضى الله عنه لما هزمهم احسن فيهم السيرة وامر اصحابه ان لا يتعبوا مدبرا، ولايجهزوا على جريح فقال رجل من لواته من عسكر ابى الخطاب يقال له خالد أناكل من اموالهم كما يأكلون أموالنا ويعتقدون أنها غنيمة احلت لهم؟ فقال: أبو الخطاب رحمه الله ان فعلنا كما فعلوا فحق على الله ان يرفضنا ويدخلنا معهم جهنم فنكون كما قال الله تعالى: " كما دخلت امة لعنت أختها فنكون كما قال الله تعالى:" كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى أذا أراركو فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار، قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون، وقالت أولاهم لخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون " (2) (1) ثم أن ابا الخطاب توجه إلى المدينة طرابلس وقد استعمل عبد الرحمن بن رستم رحمه الله على القيروان. وعلى ما يليها من المدن، فاستعمل عبد الرحمن على القيوروان , وعلى ما يليها من المدن، فاستعمل عبد الرحمن على كتابته رجلا منهم يقال له عبدالله بن عقيب فصلحت أحوال الناس.
وقد كان الرجل السدراتى لما لم لم يتجاوز عنه أبو الخطاب رأى أن قد نزلت عليه مصيبة عظيمة في أجتماع الفضيحة والاعانة عليه، فسار مغضبا، متوجها إلى بغداد ليستنفر منها جيشا من تلقاء ابلا جعفر المنصور، فلما وصل بغداد طلب الدخول على ابى جعفر فوقت على الباب سنة لا يؤذن له في الدخول على ابى جعفر ولا بالانصراف، فبعد تمام
__________
(1) سورة العراف: آيه 37 - 38 (1/53)
صفحة 54
حول اذن له ابو جعفر في الدخول، فدخل عليه وخلا به، وسأله عن حاجته، فقال له: حاجتى أن تنفذ معى عسكرا إلى ناحيتع المغرب، فامر ابو جعفر بالاستعداد بالمسير إلى أرض المغرب، فانفذ جيشا وجعل عليه محمدا بن الاشعت الخزاعى اميرا. وذكر بعض أصحابنا ان عدد أهل العسكر خمسون ألفا، وقال: بعضهم سبعون ألفا، فجعل على طائفة من العسكر رجلا دون ابن الاشعت، فتوجه ابن الاشعث قاصدا إلى ابى الخطاب، فلما انفصل العسكر من مصر أرسل عيونه فكانت العيون تختلف بين الفريقين باخبار كل عيونه فكانت العيون تختلف بين الفريقين باخبار كل منهما إلى الآخر، وبجميع ما يحدث عندهم فقدمت عيون ابن الاشعث من عند ابى الخطاب فسألهم عن اخباره، فقالوا له أنجمل ام نفضل؟ فقال: بل اجملوا، فقالوا رأينا رهبانا بالليل واسدا بالنهار، يتمنون لقاءك كما يتمنى المريض الطبيب، لو زنى صاحبهم لرجموه ولو سرق لقطعوه، خيلهم من نتاجهم، ليس لهم بيت مال برتزقون منه وانما معاشهم من كسب ايديهم. فلما سمع بان الاشعت ما وصفوه هاله ذلك ظن فشاور الامير الذى دونه في الرجوع فابى له من ذلك.
ولما رأى أبن الاشعت ذلك وخاف تفرق الكلمة، عمد إلى رجال من عسكره فامرهم أن يتزيوا بزي الرسل، كأنهم قدموا من ارض المشرق، واودعتهم كتاب أستخرجه على لسان ابى جعفر، وامرهم أن يتنجوا عن العسكر فإذا كان وقت الضحى من الغد اقبلوا كأنهم قادمين من بغداد بكتاب خليفتهم فلما كان الوقت الذى وعدهم بالقدهم فيه اقبلوا، فلما رءاهم أهل العسكر تبادروا، وأتوا بهم إلى ابن الاشعث، فناولوه الكتاب الذى (1/54)
صفحة 55
قدموا به فقرأه وأظهر أن ابا جعفر أمره بالرجوع ن فرجع بالعسكر لما أعتل به من أمر ابى جعفر اياه بالرجوع لأمر هو احوج إليهم فيه مما توجهوا إليه، فرجع، وكره صاحب ابن الاشعث الرجوع فلما رءاه كذلك أرسل إليه وأمر به فقتل، فخيل إلى الناس أن أبا جعفر أمره بذلك ن وضم إلى نفسه العسكرين. ثم أنه كر راجعا إلى المشرق وتباطأ في سيره وقرب المراحل، والعيون تختلف باخبار الفريقين فإذا ارتحل ابن الاشعث أول النهار نزل عند أنتصافه، فإذا كان إذا أرتحل، وعيون ابى الخطاب كلما رأت ابن الاشعث أرتحل مرحلة رجعت منهم طائفة، وأبن الأشعث كلما ارتحل مرحلة أمر خيلا تقطع الأثر خلفه لتنظر هلى بقى في عسكر ابى الخطاب أم لا، وعيون أبن الاشعث في عسكره من عيون ابى الخطاب أم لا، وعيون أبن الاشعث في عسكر ابى الخطاب مقيمه، فلما وصلت عيون أبى اجتمع إليه من عسكر ابن الاشعث تخبره برجوعه – وقد اجتمع على ابى الخطاب زهاء تسعين ألفا – ابتدرت الناس إلى مواطنهم وذلك في زمان الحصاد ن فقال لهم أبو الخطاب يا قوم: أن العرب أهل مكر وغدر، فلا تفترقوا عن ملككم، حتى تستيقنوا برجوع القوم، وغلبت عليه العمة فإذن لهم بالحاق (3) أهليهم فساروا وتفرقوا عنه، وفى كل ذلك لم تزل عيون أبن الاشعث في عسكر ابى الخطاب.
فلما تيقنوا تفرق جموع ابى الخطاب اسرعوا بالمسير إلى صاحبهم، فاخبروه فكر ابن الاشعث راجعا يطوى المراحل، فلم يشعر ابو الخطاب الا وعسكر ابن الاشعث قد غشي حيز طرابلس، وأبو الخطاب بها مقيم فقال لاصحابه أن العدو قد غشي (1/55)
صفحة 56
حريمى فلا يسعنى القعود عن المدافعة عن رعيتى، وقد اعلمتكم من قبل بما كنت أتوقعه من مكر العرب، قال ففرق الرسل أبو الخطاب في البلدان تستنفر عسكره وتستمدهم فارسل إلى عبد الرحمن بن رستم يستحثه، فأمر أبو الخطاب اصحابه بالخروج فاشار عليه بعضهم بالاقامة حتى تاتيه امداده، فابى إلا لخروج، وقال: لا يسعنى المقام، وقل دخل العدو حريم رعيتى، حتى أدفع، حتى ادفع عنها ما غشيها أو الحق بالله، فخرج بمن حضره من أصحابه ومن بقرب المدينة من نفوسه وهو أرة وزويشة وغيرهم يريد محمد بن الأشعث فالتقيا " بتاورغا " وهو على مسيرة ثمانية أيام من طرابلس.
مقتل أبى الخطاب واصحابه رحمهم الله
حدث غير واحد من أصحابنا أن ابا الخطاب لما سمع برجوع أبن الاشعث إليه بمن خرج بمن حضره من أصحابه فأجد السير إليه، فوجد أبو الخطاب قد سبق إلى الماء نازلا عليه فقال ابن الاشعث لاصحابه: أن نزل أبو الخطاب واصحابه واسترحوا وسقوا كراعهم، واستقوا فانكم لا تظفرون بهم بشئ، ولا طاقة لكم بهم،، والا فانتم أقدر عليهم منهم عليكم، وهذا بتاروغا، فلما وصلهم ابو الخطاب وعسكره شاقت نفوسهم إلى لقائهم، والجهاد في سبيل الله على بصيرة فلاقاهم أبو الخطاب في قلة والعدو في كثرة ن فاسرع القتل في أصحاب أبى الخطاب واشتد القتال فكان الرجال بين الصفين تنهدم كالحيطان، ولم يبرج ابو الخطاب زاصحابه رحمهم الله حتى أستشهدوا جميعا ن وكانوا في أربعة عشر ألفا فيما ذكر الرواة، وقد ذكر بعضهم أثنى عشر الفا فلم ينج من القتل إلا السير، فتسامعت رعيته بمقتله (1/56)
صفحة 57
فهربوا إلى الجبال، ولجأوا إلى الحصون المنيعة والقلاع العلية.
وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم رحه الله لما وصلته رسل الامام اسرع ليحلق به، فلما انتهى إلى مدينة " قابس " تلقاه مقتل الامام وعسكره، فافترت عساكره وكر راجعا إلى مدينة القيروان، فلما سمع عبد الرحمن بن حبيب بمصاب ابى الخطاب ومن معه وتفرق العساكر ثار من مدينة القيروان، وطلب عبد الرحمن بن رستم فلم يجده، فلم يزل يبحث على أخباره حتى ظفر به فابتدره رجل، فلم يزل يبحث على أخباره حتى ظفر به فابتدره رجل من أهل القيروان من أصحاب عبد الرحمن بن رستم إلى عبد الرحمن بن حبيب شافعا إليه فيه فقال له أيها الامير لى أليك حاجة، فقال حوائجكم كلها مقضية ألا عبد الرحمن بن رستم ن رضى الله عنه، فقال أن لم أسألك في عبد الرحمن بن رستم لما اراد أستعمال ابن حبيب على بعض أموال المسلمين لما أراد أستعمال ابن حبيب على بعض اموال المسلمين قال: يا معشر المسلمين أبن حبيب على بعض أموال المسلمين قال: يا معشر المسلمين، لا تولوا ابن حبيب أمور المسلمين، فانه أبليس ألا ان عليه بشر ابن آدم فحقدها عليه ابن حبيب.
فلما تفرق جنود ابى الخطاب وجنود عبد الرحمن بن رستم وتخلص من أبن حبيب خرج عبد الرحمن هو وأبنه عبد الوهاب وعبد لهما خائفين مستحقين، متوجهين إلى أرض المغرب، وليس معه حمولة ولا مركب غير فرس واحد، فمات الفرس في بعض الطريق، فدفنوه مخافة أن تقص أثرهم، فيطمع فيهم، وذلك في خارج قسطيلية، فسمى ذلك الموضع " قبر الفرس " فلما عدموا الفرس وقد ضعفت قوى عبد الرحمن تعاون عليه ابنه يحمله تارة ويحمله العبد اخرى، فاذا حمله العبد قال عبد الوهاب: (1/57)
صفحة 58
أن ادركنا العدو فلا تحطط ابى عن ظهرك لما دون خمسمائة ونحوها، واذا عيى العبد وحمله عبد الوهاب قال: له العبد كقوله له العبد كقوله له، فلما وصلوا حول واد، أجج (1) وهو جبل منبع قصده عبد الرحمن وتحضن به.
وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رحمه الله عمن حدثه: أن عبد الرحمن لما تحصن بوادى اجج وتحصن بالجبل، لحقه هنالك ستون شيخا من شيوخ الاباضية من طرابلس، وسمع ابن الاشعث بذلك، فأقبل مجدا معدا في طلبه، فأخبر بأنه قي جبل منيع، حتى وصله فحاصر عبد الرحمن بن رستم بعد أن عسكر على عسكره مخافة أن يأتيه أبن رستم واصحابه، فأطال المكث تحته فوخم عسكر أبن الاشعث ووقع فيهم الجدرى ومات منهم خلق كثير، فجمع أبن الاشعث أصحابه فقال لهم مستشيرا: قد رايتم هؤلاء القوم وما هم فيه من المنعه واقامتنا عليهم لا تجدى شيئا فما ترون في الاقامة عليهم او الارتحال عنهم؟ فاختلف رأيهم، فجد هو على الارتحال، فرجع إلى القيروان وقد يئس من عبد الرحمن وأصحابه ودخلها وتحصن فيها.
ولاية ابى حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزى الهوارى رحمه الله
حدث غير واحد من أصحابنا ان أبا حاتم ولى مدينة طرابلس في رجب سنة أربع وخمسين وائة ومكث فيها اربع سنين، وكانت ولايته دفاع، وطلب الحق يرسل ثقاته بما يجتمع من مال الصدقة إلى عبد الرحمن
__________
(1) كذا اثبت في النسخ، وما تثبته المراجع الأخرى: سوفجج. (1/58)
صفحة 59
قبل ظهوره، وسبب ولاية ابى حاتم ان جماعة من أصحابه من بقية من كان مع أبى الخطاب لما أنسوا من نفوسهم في حيز طرابلس بعد أبى الخطاب قوة ن هموا بالاجتماع لامر ابرموه ن فاظهروا عن انفسهم غيره، كما فعلوا أول مرة في تولية أبى الخطاب، فعزموا على القيام على حيز طرابلس وواليها من قبل ابى جعفر المنصور فسمع الوالى باجتماعهم فأخرج إليهم خمسمائة فارس، وأمر عليهم امير منهم. فلما وصلتهم الخيل، قال لهم أميرها: أجيبوا بالطاعة لامير المؤمنين، قالوا اجبنا بالطاعة لامير المؤمنين. لا يعنون أبا جعفر، وامير الخيل يعتقد أنهم عنوه، فرجع بخيله إلى والى المدينة ن فاخبروه باجابتهم ن فلم يقنعه ذلك منهم ثم أن جماعة ايعان اهل الدعوة اجتمعوا ليلة منصرف الخيل عنهم، واتفقوا على عقد الامامة لابى حاتم ولاية الدفاع، فعقدوها له في ليلتهم تلك، فلما أصبح خرج إليهم الوالى بنفسه في خيل عظيمة، فلما أتاهم قال أجيبوا لطاعة امير المؤمنين أبى جعفر المنصور، فقالوا عليك لعنة الله، وعلى أي كافر معك، يعنن أبا جعفر فناجزهم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمهم أبو حاتم ومن معه من أهل الدعوة، فاتبعوهم يقتلونهم حتى دخلوا مدينة طرابلس ن فمات من ذوى الجبابرة بشر كثير.
وبلغنا أن أبا حاتم لما هزم الله على يديه العدو وقد كان معه من عوام البربر من لا نظر له في أمور الدين وانما حضروا تسليما لامور المسلمين فعمدوا إلى أسلاب القتلى فنزعوها عنهم ن فغضب أبو حاتم لذلك، وقال ليس من سيرة المسلمين أذا قتلوا من بغى عليهم من أهل التوحيد (1/59)
صفحة 60
أن يسلبوه، بل يقولون لأهل المدينة أرجعوا إلى قتلاكم فادفنوهم وخذوا ثيابهم. والآن أما رددتم الاسلاب، وأما اعتزلت اموركم، وتركت الولاية، فلما سمعوا ذلك منه أطاعوه وردوا اسلاب القتلى. فدخل ابو حاتم رحمه الله مدينة طرابلس اثر الهزيمة فاقام بها ما شاء الله ثم نادى بالخروج إلى افريقية، فبلغنا أنه خرج إليه جيش من أفريقية، فتلقاه أبو حاتم ببعض الطريق ن فقاتلهم فهزمهم الله له، وأحسن فيهم السيرة، فلم يجهز على جريح ولم يسلب قتيلا.
فلما نزل بالقيروان حاصره أهلها سنة ن وطال الحصار على أهلها فالقوا السلم واذعنوا واطاعوا، إلا ما كان من ابن الاشعث فإنه أنحجر في دار الامارة في بقية من أصحابه الذين قدم بهم من أرض المشرق، فحاصره ابو حاتم سنة أخرى، بعد دخول المدينة فاجلى أبو حاتم من بها من بقية جندا أبن الاشعث فاعطى كل خمسة رغيفا لزاده، فتفرق أولئك البقية منصرفين إلى المشرق، وذكر بعض أصحابنا أن السدراتى المجلود على الخيانه الذي جلب العسكر من ان السدراتى المجلود على الخيانة الذي جلب العسكر من المشرق ندم على ما فعل من أعانة العدو على قومه، وأهل مذهبه، واذاءته اياهم، فخرج ببقية العسكر يريد بهم المشرق، واظهر لهم أنه يريد أن يردهم إلى بلادهم فأخذ بهم طريقا مضلة فهلكوا عن آخرهم.
ذكر وقعة مغمداس
وبلغنا ان أبا حاتم سمع بطوالع أقبلوا من المشرق فخرج من مدينة طرابلس فتلقاهم بموضع يقال له (مغمداس) (1/60)
صفحة 61
على مسيرة ثمانية ايام من المدينة فلما وصلهم أبو حاتم صفوا واقتلوا قتالا شديدا ن فهزم الله على يديه العدو فقتل منهم سته عشر ألفا، وبلغنا ان رجلا من الحضر لقى رجلا من أهل الدعوى، فقال له المخالف ما تفسير تاورغا؟ (يقرعه بمقتل ابى الخطاب واصحاب رحمهم الله) وكان صاحبنا فطينا فاجابة، بان قال تفسيرها مغمداس فيه أربعة أكداس، في كل كدس أربعة آلاف، ثم لما هزمهم رجع إلى طرابلس وحسنت حالته فيها.
مقتل أبى حاتم واصحابه رحمهم الله
وبلغنا ان ابا حاتم لما تكمن في مدينة طرابلس دس الكتب إلى المشرق من بقى من الطوالع بطرابلس والقيروان إلى أبى جعفر ببغداد، يشكون ابا حاتم. ويستقضون عليه، فانفر إلى ابى حاتم جيشا كبيرا. وامر عليه يزيد ابن حاتم الازدى قال: فلما أنفصل يزيد بن حاتم من مصر بعساكره، وسمع أبو حاتم بتوجهة، جمع أصحابه ومن ولى عليه من القبائل ن فحضهم على الجهاد ورغبهم في الاستشهاد. ولما قرب يزيد من حيز طرابلس خرج إليه ابو حاتم بمن معه من أصحابه، حين نزل موضعا يقال له " جنى " ومعه قبيلة من البربر يقال لها مليلة، يزيد بن حاتم على أبى حاتم، فسأل أبو حاتم من حضره من هوارة هلى أعان ابن حاتم على احد من البربر؟ فقالوا: ليس أحد من البربر الاقبيلة واحدة من هوارة. يقال لها مليلة فقال أبو حاتم: اللهم أذلل مليلة فاجاب الله دعوته فبقيت فيهم إلى اليوم، فهم اذل البربر، قيل وكان مع أبن حاتم رجل من نفوسه يقال له عمر بن مطكود لاغير. (1/61)
صفحة 62
فلما التقى الفريقان أقتتلوا قتالا شديدا، فاستنجز القتل في اصحابه أبى حاتم، فلما رأى ذلك أبو حاتم قال لاصحابه: زفونى إلى الموت في سبيل الله زفاف العروس وقفوا لى قليلا قال، فتقدم أبو حاتم رحمه الله حتى استشهد ومن معه من اصحابه رحمهم الله.
وبلغنا ان الموضع الذى استشهدوا فيه يرى فيه نور ساطع يضئ في كل ليلة الخميس يبصره من بعيد ن يصعد عمودا في السماء وكذا ذكر من شاهده من أهل عصرنا على الصفة المذكرة. وحدث يعقوب بن يوسف اليجرانى أنه أجتاز هو وصاحب له بالوضع المذكور، فلما هبطاه وهو في مطمئن من الارض، أضاء لهم النور حتى تبين أثر الحشرات في الارض، كما تبين نهارا، فلما خرجا منه دخلا في مظلمة عظيمة، فالتفتا إلى الموضع فاذا الضياء ساطع في الهواء والظلمة تحفهم من كل جانب فعادا، إلى الموضع فطفقا يدعون الله تعالى لما تبيناه من كرامة، وكان يعقوب رجلا شجاعا شديد المرة لا يروعه هول ولا يصيبه خور بل كان ثبتا لا يتهم خبره
امامة عبد الرحمن بن رستم رحمه الله
حدث غير واحد من أصحابنا ان عبد الرحمن بن رستم ولى بتاهرت على رأس ستين ومائة، وذكر بعضهم أنه ولى (1/62)
صفحة 63
سنة اثنين وستين ومائة، والله اعلم أى التاريخين أصح وسبب ولايته أن جماعة اهل الدعوة اتفقوا على ان ينتخبوا موضعا يبنون فيه مدينة تكون حصنا لهم، فارسلوا رجالا من ذوى المعرفة، وفرقوهم في الجهات يتخيرون مكانا يصلح لما حاولوه، ورجعوا وقد وقع اختيارهم على تاهرت فدلوهم عليها، فاتفق جمهورهم مع اهل تاهرت القديمة على شئ معلوم يأخذونه على غلتها، وقد كانت قبل ذلك رياضا لا عمارة فيها إلا السباع والهوام.
فلما أتفقوا على عمارتها أمروا مناديا ينادى بسباعها ووحوشها وهوامها ان أخرجوا فانا اردنا عمارة هذه الارض فأجلوها ثلاثة أيام، وبلغنا أنهم راوا وحوشها تحمل أولادها خارجة بها منها ن فكان ذلك مما رغبهم في عمارتها وقوى عزمهم على انشائها. ثم أنهم اطلقوا النيران فاحترقت أشجارها، وبقى أصول ما احترق منها فشق عليهم مؤونة أقتلاعها، فعمدوا إلى حيس فلثوه بعسل، وجعلوا تحت أصل كل شجرة منها شيئا قليلا، فلما جن الليل طرقت الخنازير تلك الاصول، فجعلت تتبع رائحة الحيس ن وتحفر تحت الاصول، حتى أتت على آخرها، فلما أصبحوا وجدوها مقتلعة، فعمدوا إلى مكان فأصلحوا لصلاتهم ن فلما أرادوا بناءه وقع اختيارهم على اربعة مواضع فاقرعوا عليها أيها يجعل المسجد الجامع، فوقعت القرعة على المكان الاول الذى اصلحوا لصلاتهم، فبنوا الجامع به، ثم أخذوا فى انشائها وعمارتها، فجعلوها ديارا وقصورا. (1/63)
صفحة 64
ثم أن أهل الخير والصلاح وذوى الآراء السديدة من جماعة أهل الدعوة رأوا ان لهم قوة تجب معها عليهم تولية أمام. فتشاوروا فيمن يرون لذلك أهلا من القبائل، فوجدوا من كل قبيلة رأسا أو رأسين، فكل منهم أهل لذلك فقال فضلاؤهم: أن عبد الرحمن بن رستم ممن لا تجهلون فضله، وهو أحد حملة العلم وعامل الامام أبى الخطاب رحمه الله، وقد كان المسلمون عرضووا عنها ودفعها عن نفسه فهو أهل للامامة لدينه وعلمه، وسابقته، ومكانه، وغير ذلك من حميد أوضافة، لا سيما وليست له قبيلة تمنعه أن بدل أو غير. فأن رأيتم توليته أموركم فافعلوا، فاتفق رأيهم جميعا على توليته، فبايعوه على الامامة، بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثار الخلفاء الراشدين، فأحسن السرة في أمامته ولم ينقم عليه احد في حكومته، ولم يكن في أيامه أختلاف، والاباضية كلها يومئذ مجتمعة متآلفة لم يثر فيها ثأئر.
قال الشيخ أبو العباس وقد وقفت في كتابه المسالك والممالك من ذكر بناء تاهرت على ما هو أوضح وأزيد فائدة، ورأيت أن أثبته في هذا الموضع وأن كان في بعصه خلاف لما صححناه عن المشائخ. ذكر أبو عبيدة البكرى " أن تاهرت مدينة مسورة أنها أربعة أبواب باب الصفاء وبااب المنازل وباب الاندلس وباب المطاحن، ولها قصبة مشرفة على السوق وتسمى المعصومة، وهي على نهر تسمى " نافس " ومنها شرب بساتينها وهي في شئ، وفيها (1/64)
صفحة 65
جميع الثمار وهي شددية البرد كثرة الغيوم، والثلج. وقال أبو عبد الرحمن بكر بن حماد (1)
ما أحسن البرد وريعانه وأطرف الشمس بتاهرت
تبدو من الغيم اذا ما بدت كأنها تنشـ من تحت
فنحن في بحر بلا لجة تجرى بنا الريح على السمت
نفرح بالشمس اذا ما بدت كفرحة الذمي بالسبت
وتاهرت الجديدة على خمسة أيمال منها تاهرت القديمة وهي في شرق الحديثة، ويقال أنهم لما ارادوا بناء تاهرت كانوا يبنون بالنهار، فاذا جن الليل واصبحوا وجدوا بنيانهم قد تهدم فبنوا حينئذ تاهرت السفلى، وهي الحديثة وكان صاحب تاهرت ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، بن بهرام بن ذو شراز بن سابور بن بابكان بن سابور ذى الاكتاف الملك الفارسى. كان ميمون رأس الاباضية وأمامهم، وأمام الصفار، والواصيلة، وكان يسلم عليه بالخلافة، وكان مجتمع الواصيلة قريبا من تاهرت، وكان عددهم ثلاثين ألفا، في بيوت كبيوت الاعراب يحملونها.
وتعاقب مملكة تاهرت بن ميمون وبنو اخوية اسماعيل وعبد الرحمن بن الرستمية إلى سنة ستة وتسعين ومائتين فوصل أبو عبد الله الشيعى
__________
(1) هو الاديب المشهور والشاعر التاهرتى ولد بها وتوفى سنة 292 هـ (1/65)
صفحة 66
مدينة تاهرت فدخلها بالأمان ثم قتل فيها من الرستمية عدداً كبيراً، وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي العباس، واطيف بها في القيروان، ونصبت على باب رقادة. وأقام ملك بني رستم بتاهرت مائة وثلاثين سنة. وذكر محمد ابن يوسف أن عبد الرحمن بن رستم كان خليفة لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح بن عبيد بن حرملة أيام تملكه على افريقية، فلما قتله محمد بن الأشعث الخزاعي وذلك في صفر سنة اربع وأربعين ومائة هرب عبد الرحمن باهله وما خف من ماله، ونزل القيروان فاجتمعت اليه جماعة من اصحابه واتفقوا على تقديمه وبنيان مدينه تجمعهم، فنزلوا موضع تاهرت البرج وهو غيضة اشب، ونزل عبد الرحمن منها موضعا مربعاً لا شجر فيه، قال البربر: (نزل تافدمت: تفسيره: الدف شبهوه بالدف لتربيعه، وادركتهم صلاة الجمعة فصلوها هنالك فلما انقضت الصلاة ثارت صيحة شديدة على أسد ظهر في الشعراء فاخذ حيا وأوتي به إلى الموضع الذي صلوا فيه فقتل هنالك، فقال عبد الرحمن بن رستم هذا موضع لا يفارقه سفك دم، ولا حرب أبداً، وابتدروا من تلك الساعة فبنوا في ذلك الموضع مسجداً وقطعوا خشبه من تلك الأشجار، فهو كذلك إلى اليوم، وهو مسجد جامع وهو من أربع بلاطات، قال: وكان موضع تاهرت ملكا لقوم مستضعفين من منداس وصنهاجة فراودهم عبد الرحم على البيع، فوافقهم ان يودوا اليهم الخراج من الأسواق، ويبيحوا لهم بنيان المساكن فاختطوا وبنوا، وسمى موضع تاهرت معسكر عبد الرحمن إلى اليوم (1)
__________
(1) راجع المغرب في ذكر بلاد افريقيا والمغرب، وهو جزء من كتاب المسالك والممالك من ص 66 (1/66)
صفحة 67
قال الشيخ: وبلغنا أن الوالي على أهل عمان في أيام عبد الرحمن رجل يسمى عبد الوارث، وابو عبيدة حي إذ ذاك وفي أمامة عبد الرحمن رحمه الله. ثم ان ولاية عبد الرحمن بالمغرب اتصلت بمن بالبصرة من أهل الدعوة فبعثوا اليه بثلاثة احمال مالا، فلما وصلت الرسل تاهرت جعلوا يسألون عن دار الإمارة وقد خلفوا المال بخارج المدينة، فلما وصلوا الدار، وجدوا الإمام رحمه الله في أعلى بيت يعمل بيده في السقف، والعبد يناوله الطين، فسألوا العبد أن يأذن لهم، وستأذن عليهم. وقد علم العبد أن سيده يسمع كلامهم، فقال له: اخرهم قليلاً: فنزل وغسل من الطين جسده، فأذن لهم، فدخلوا فسلموا عليه وامر بخبز وسمن فقدم بين ايديهم فلما أكلوا استأذنوا للتنحي عنه للنجوى، فأذن لهم، فتناجوا واتفقوا ان يدفعوا له المال، وانهم راضون ما عاينوه من أحواله. فلما وصلت الأموال ووضعت للامام، شاور اصحابه فيها فاشاروا عليه بان يأخذها، ويبثها في فقراء المسلمين، وفي الاسلام، وفعل رحمه الله ذلك بمحضر الرسل.
فلما رجعت الرسل إلى المشرق اعلموا اخوانهم بسيرة عبد الرحمن وعدله وفضله، وبعثوا بعد ذلك باموال أكثر من الأولى، فلما وصلت إلى عبد الرحمن شاور اصحابه أيضا، فقالوا: رأيك يا أمير المؤمنين، فقال اما إذ رددتم إلى الرأي، فان رايي أن يرد إلى أهله، فهم أحوج منا إليه فقد قوانا الله واغنانا، فله الحمد، فشق ذلك على الرسل وليس لهم بد من طاعة الامام، فعجب أهل المشرق من زهادة الامام في الدنيا ورغبته في الآخرة فأقروا بامامته ووصلوه بكتبهم. فكانت تاهرت حرزا وحصنا لجماعة (1/67)
صفحة 68
أهل الدعوة وسميت المعسكر المبارك. قلت أما كون الإمام رحمه الله وافق اصحابه في صرف المال الأول في الوجوه التي ادلوا بها لما رأى في ذلك من سد الخلل، وأما رده المال الآخر فلعله تعلق بقوله صلى الله عليه وسلم تؤخذ من اغنيائكم وترد في فقرائكم، فقصد التخصيص في الاضافة ورأى فقراء مواضع أخذت منه الزكاة بها أولى، ولعله علم ان في المال الأول مالا غير مال الصدقة، وان المال الآخر كله من مال الصدقة فرأى فيه الرأي الذي ذكرته من صرفه في فقراء الجهة التي أخذ منها المال.
قال: فلما حضرت الوفاة عبد الرحمن رحمه الله جعل الامامه شورى في ستة نفر كصنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه: احدهم مسعود الاندلسي، وكان فاضلا فقيهاً، ورعا من شيوخ المسلمين، وابو قدامة يزيد بن فندين اليفرنى، ومروان الاندلسي، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن، وابو الموفق سعدوس ابن عطية، وشكر بن صالح الكتامى، فلما مات رحمه الله اجتمع أهل الشورى يتفاوضون فيمن يولونه أمور المسلمين فتدافعها بعضهم إلى بعض. الا ان عامة المسلمين مالت نفوسهم إلى اثنين من النفر المسميين؛ احدهما مسعود، والآخر عبد الوهاب فبعضهم أراد توليه هذا، وبعضهم أراد تولية هذا، فمكثوا نحو شهرين يرون الرأي ثم ان الجمهور رجحوا مسعود أو مالت نفوسهم إلى توليته، فبادروا ليبايعوه، فهرب واختفى فابتدروا عبد الوهاب ليبايعوه فلما سمع مسعود بتركهم اياه وطلبهم عبد الوهاب خرج مبادرا ليكون أول (1/68)
صفحة 69
من يبايعه، وكان أبو قدامة لما لم تمل قلوب الناس إليه ورأى انه قد خلا منها اراد تولية عبد الوهاب وقال: هو منا أقرب رحما من غيره، فلعل ذلك يعطفه علينا، وانما قال ذلك لأن ام عبد الوهاب يفرنية فرجوا أن يؤثرهم في الأمر، فقام ابو قدامه في نفر من اصحابه فأبوا الا مبايعة عبد الوهاب لما يرجونه من يثاره اياهم ومع ذلك فقد تخوفت نفوسهم منه.
أمامه عبد الوهاب بن عبد الرحمن رحمهما الله
فلما اراد الناس مبايعة عبد الوهاب تقدم مسعود الأندلسي ليبايعه فعارضه ابن فندين واصحابه بالقول، فقالوا نبايعه على شرط ان لا يقضى أمرا دون جماعة معلومة، فقال لهم مسعود: لا نعلم في الإمامة شرطا غير ان يحكم فينا بكتاب الله وسنة نبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترك ابن فندين واصحابه الشرط. فتقدم مسعود فبايع عبد الوهاب وبايعه الناس بعد ذلك بيعة عامة وحملوه إلى دار الامارة ولم يتخلف عن بيعته احد ولم ينقم عليه احد في حكومة ولا في أمر من أموره حتى نجم ابن فندين واصحابه.
أول افتراق في الأباضية
مع ان طائفة تنتحل اسم الاباضية يقال لهم (العمرية) لم تجمعنا واياهم العمرية من قبل وهم يزعمون انهم اباضية، وسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله وهم تبع عيسى بن عمير، وسنفرد كتابا في الرد عليهم، ونقض ما خالفوا فيه أهل الحق، ونذكر فيه (1/69)
صفحة 70
الإفتراقات والرد على كل فرقه خالفت أهل الحق، قلت انما نبه الشيخ رحمه الله على ذكر العمرية ليعلم ان الافتراق قد كان من قبل، وانما عنى هنا أول الافتراق بالمغرب، قال الشيخ اسماعيل بن صالح رحمه الله سألت الشيخ أبا نوح بن يوسف رحمه الله قلت: أين الكتاب الذي وعد به اشيخ أبو زكرياء؟ قال قد قام عنه به الشيخ أبو عمار عبد الكافى وهو الكتاب (الموجز (1) رجعنا.
فأما سب افتراق الاباضية فيما ذكر غير واحد من اصحابنا فهو: ان عبد الوهاب رحمه الله لما ولى المسلمين استعمل على ولايته كلها أهل الورع والزهد، وكل من علم انه ليست له رغبة في الولاية، فاستعان على ما قلده الله من أمور المسلمين باهل العلم والبصائر في الدين. ولما رأى ذلك ابن فندين واصحابه وتحققوا مخالفة ما يرجونه من ايثاره اياهم، تغيرت قلوبهم وتنكرت صدورهم وساءت ظنونهم وسقط في ايديهم وندموا على ما فرط منهم في مبايعة عبد الوهاب، واخذوا في العلل والاباطيل، وقالوا: انما كانت ولاية عبد الوهاب على شرط ان لا يقطع أمرا دون جماعة معلومة، ورجعوا في حاجة (2) امرهم الذي لم يجزه لهم اهل البصائر من قبل، وجعلوا يفتشون ذلك عند الجهال والطغاة، ومن ليست لهم بصيرة في الدين يستنزلون عقولهم، ويستفزون افكارهم، ويحيلون عقائدهم واشاعوا انه حابى عليهم بعض الناس، وولاهم الامور دونهم، وزعموا انهم بذلك أولىمن سواهم، وانه لا ينبغي ان يلي امر جماعة المسلمين احد إذا كان في الجماعة من هو
__________
(1) لا زال الكتاب من جملة المخطوطات ن وقد قام الدكتور عمار الطالبي من جامعة الجزائر اخيرا بدراسة عليه، واخبرني انه يقوم بطبعه.
(2) كذا في النسخ، ولعل الصواب: ورجعوا إلى لجاجة أمرهم (1/70)
صفحة 71
اعلم منه، فتفاقم امرهم، وكثر القيل والقال في البلد، وعظم داؤهم، وكثر النزاع وانتشر الخلاف، فتارة يقولون نحن وليناه، وتارة بقولون كيف يلينا وفينا اعلم منه، وتارة يقولون انما كانت ولايته على شرط.
ثم ان جماعة المسلمين اجتمع رأيهم مع ابن فندين واصحابه على التوقف، واصطلحوا على وضع اوزار الحرب ويراسلوا في هذه القضية اخوانهم بالشرق، فما اجابوهم به وقفوا عنده، وعملوا به. فبعثوا رسولين وتوجها إلى المشرق، فلما وصلا مصر وجدا بها شعيب بن المعروف وشيعته فأخبراه بموت عبد الرحمن ومبايعة الناس عب الوهاب وخروج ابن فندين عليه وادعائه في امامة عبد الوهاب، وما زخرف من الأباطيل، فلما سمع شعيب ما ذكراه من الاختلاف خلا بطائفة من اصحابه، منهم ابو المتوكل، فعزموا على المسير إلى تاهرت ليكونوا التاء على الامام، ثم ان الرسولين توجها إلى مكة فوجدا أبا عمرو الربيع بن حبيب وابا غسان مخلد بن المعرد رحمهم الله في جماعة من اصحابنا، واخبراهما بما فيه من ارسال اخوانهم اليهم، وبما حدث بالمغرب، فدفعا اليهم كتبهم وقرأوها واجتمعوا ليجاوبوا عنها فكتبوا:
(
بسم الله الرحمن الرحيم)، صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. أما بعد، فقد اتصل بنا ما وقع قبلكم وما كتبتم فيه، فأما ما ذكرتموه من امر الشرط فليس من سيرة المسلمين ان يجعلوا في الامامة شرطا: ان لا يقطع الامام امرا دون جماعة معلومة. الامامة صحيحة والشرط باطل، فلو صح في الامامة الشرط لما قام لله حق ولا اقيم له حد، ولبطلت الحدود والاحكام، وضاع الحق، والجماعة (1/71)
صفحة 72
يتعذر اتفاقها. على ان الامام ان قدم اليه سارق فلا يمكنه ان يقيم عليه الحق فيقطع يده حتى تحضر الجماعة، أو زنى أحد فلا يرجم أو يجلد حتى تحضر الجماعة، ولا يجاهد الامام عدوا، ولا ينهى عن منكر، الا بمحضر الجماعة، فيكونوا كلهم اذا اماما، وكلهم لا امام، فهذا ابطال، وتتبعه غير الاستقامه، ورمي الامامة به بغي، والسؤال عن هذا غبي. واما ما ذكرتم من توليه رجل وفي جماعة المسلمين من هو اعلم منه فذلك جائز اذا كان مستكملا لشوط الامامة، وكان من أهل الفضل والدين ولاعدل والسياسة والمنزلة المرضية، فقد ولى ابو بكر الصديق رضي الله عنه؛ وزيد بن ثابت افرض منه، وعلى اقضى منه، ومعاذ بالحلال والحرام اعرف منه، وأبي بكتاب الله أقرأ منه، كل شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ومع هذا فلم يكن احد منهم أولى منه بالامامة، فالجواب اثبات الولاية وابطال الشرط، ولو انعقدت عليه، وتخطئه من اختلفه واحله غير محله)
ومما ضمنوه جوابهم ان الامامة لا تبطل الا بحدث في الامام بعد الاعذار والانذار، وتمادى المحدث على الاصرار والاستكبار، فحينئذ يجب القيام عليه. وابطال ما صار من أمر المسلمين اليه.
ونرجع إلى ذكر شعيب وذلك انه لما انتهى اليه الرسولان بما قد تقدم ذكره من وقوع الخلاف بالمغرب توجه إلى تاهرت في نفر من اصحابه، دون مشاورة من بمصر من المشائخ أهل الدعوة، بل قد نهاه عن ذلك من فطن به منهم فسار طمعا في الامارة، فلما وصل هو واصحابه دخل على الامام ولم يكن له بد من الدخول عليه، فسأله الامام رحمه (1/72)
صفحة 73
الله عن الامامة والشرط فأجابه بان الامامة صحيحة والشرط باطل، وسأله ايضا هل تجوز تولية رجل وفي جماعة المسلمين من هو اعلم منه؟ فاجاب بجواز ذلك. ثم ان شعيبا خرج فتوجه نحو ابن فندين، واصحابه فأطعموه في الامارة، فندم على فتياه للامام رحمه الله فوازر (1) ابن فندين واصحابه على الامام، وصار لهم عونا على الخلاف، فخرج من بالمدينة من اكابر اصحاب ابن فندين إلى المنازل المتدانية من تاهرت، وجعلوا يستفسدون قلوب أهلهاويجتمعون فيها بحل ما انعقد من الامامة ويتناجون بالاثم والعدوان، وذلك سموا (النجوية) ثم بعد ذلك ولما ادخلوا بذلك شغبا في الاسلام سموا (الشغبية)، ثم الحدوا في اسماء الله تعالى فسموا (الملحدة). وسموا النكاث لنكثهم البيعة بغير حدث، وبلغنا انهم كانوا يدخلون المدينة بالجماعات، فتكلم جماعة من المسلمين بذلك، واشاروا على الامام بان ينهاهم عن ذلك، فنهاهم الامام فلم ينتهوا، وعاب عليهم خروجهم من المدينة إلى المنازل فقالوا: هذه مدينتنا وتلك منالنا، فان رأى الامام في ذلك منكرا تركناه. قال فاعرض عنهم الامام ثم صاروا بعد ذلك يدخلون المدينة بالسلاح، فاشار أيضا جماعة من المسلمين على الامام بان ينهاهم عن ذلك. فقالوا: ان رأى الامام في امساك السلاح منكرا تركناه قال: فاعرض عنهم الامام، وامر اهل المدينة بامساك السلاح مخافة منهم من غدر يحدث منهم
__________
(1) من وزارة موازرة على الامر عاونه وقواه ن مقلوب آزره (1/73)
صفحة 74
وبلغنا ان نفرا منهم اجتمعوا على غدر الامام فأداروا الامر بينهم، فقال قائلهم كيف لنا بالوصول إلى قتله؟ فلم يتجه لهم ذلك. ثم ان رجلا اشار عليهم بأن يحضروا تابوتا فيجعلوه فيه، ويمضوا بالتابوت إلى الامام كأنهم مختصمون فيه، وكان الاتفاق قد تعذر، ليفضي الأمر إلى وضعه على يد الأمين، ثم لا يرضون الا ان يكون في امانة الامام، فعمدوا إلى تابوت وادخلوا فيه الرجل المشير، ومعه سيفه وكان غلق التابوت من داخله، قأقبلوا بالتابوت إلى الامام رحمه الله، ففعلوا ما عزموا عليه من الملاحاة. حتى اظهروا ان كادوا يقتتلون، فقال قائلهم للامام، يا أمير المؤمنين أفصل بين هؤلاء القوم، وانزع التابوت من ايديهم جميعا حتى يصطلحوا أو يصح لمن يصح منهم، فقالوا باجمعهم: قد اصاب فيما اشار به عليك يا امير المؤمنين، فقال: دونكم وما أشار به. فقال المختصمون: لسنا نثق بامانة أحد الا أن يكون امير المؤمنين، فتوخى رحمه الله مرضاتهم وساعدهم، فقال: احملوا تابوتكم إلى حيث آمركم ان تضعوه، فلما حملوه تبين للامام ان الذي حملوه ثقيل وقال متمثلا (يا بؤسا للغدر فما اسجاه!!) ثم ان الامام تأمل التابوت فوجده مغلقا من داخله، فازداد ريبة وغلب على ظنه انهم ارادوا الغدر. وكانوا قد رغبوا في ان لا يوضع التابوت الا في بيت ينام الامام فيه، فلما وضعوه خرجوا مستبشرين فرحين، وظنوا ان قد ظفروا بحاجتهم فخيبهم الله، ورد عليهم مكرهم وجعل كيدهم في تضليل.
وقد ذكر انهم قالوا لصاحبهم اذا انت قتلت الامام فأذن لصلاة الصبح عند طلوع الفجر، فاذا سمعوا اذانه ابتدروا لدار الامام، وان هو لم يؤذن علموا انه لم يظفر بحاجته (1/74)
صفحة 75
فلما جن الليل أخذ الامام رحمه الله في صلاته فلما فرغ منها وكانت عادته اذا فرغ منها ان يتناول كابا فيقرأ فيه حينا من الليل، فلما كانت تلك الليلة عمد الامام إلى زق منفوخ فوضعه على فراشه. والقى عليه ملحفة بيضاء، فلما قضى حاجته من قراءة الكتاب وحان وقت نومه أخذ مصباحا وأوقده وكب علي غطاء يستره، وتنحى إلى جانب البيت واقبل على الصلاة بحيث لا يسمعه ولا يراه من بالتابوت. فلما هدأ صوت الامام عن صاحب التابوت، وظن ان الامام قد نام، فتح التابوت فخرج منه فنظر في البيت يمينا وشمالا ن فلم ير شيئا الا بياضا في ناحية البيت كهيئة المضطجع، فظن انه الامام، فتيممه فجرد سيفه، والامام رحمه الله يراه فلما وقف على الفراش ضرب الزق بالسيف فظن انه قد قتل الامام فلما سمع الامام وقعة السيف على الزق كشف الغطاء عن المصباح واتاه الامام والسيف في يده فقده نصفين ولفه في تابوته.
فلما كان الغد اجتمعوا فسألوا من لقيهم، هل حدث حادث فلم يخبروا بشيء فقال بعضهم لبعض: اسمع احد منكم عن الامام وصاحبكم شيئا؟ فكل قال: لا، فقالوا: امضوا بنا لنأخذ تابوتنا، فنقول قد اتفقنا. ففعلوا ذلك فقال لهم الامام: امضوا إلى حيث وضعتموه فخذوه. فمضوا حتى دخلوا البيت فوجدوا تابوتهم في الموضع الذي تركوه فيه فحملوه، فما وصلوا إلى مأمنهم فتحوا التابوت فوجدوا صاحبهم قتيلا مقدودا نصفين، فخيب الله سعيهم، واخلف ظنهم، والحد لله، فخرجوا من المدينة خوفا من ان يوقع بهم الامام والمسلمون لسوء صنعهم. (1/75)
صفحة 76
ثم ان شعيبا خرج من عند الامام قال لابن فندين واصحابه ماذا تنتظرون به فبادروه ورعيته لتظفروا بغفلته وانما قال ذلك استعجلا وخوفا ان يأتي الجواب من المشرق فتكون عليهم الحجة ويفترق عنه أهل الشغب وقد علم ان الصواب ما افتى به أولا ثم رجع عن الصواب حين طمع فيما طمع فيه، وكان ابن فندين واصحابه يتربصون الدوائر بالمسلمين، ويتوقعون فرصة ينتهزونها ويترقبون من أهل المدينة غرة يجدونها، والامام كما ذكرنا قد قد أمر بامساك السلاح رعيته واصحابه، فهم على ذلك فلما كان ذات يوم خرج الامام لبعض حاجاته، فبادر يزيد بن فندين واصحابه المدينة ليدخلوها على حي غفلة من أهلها فقامت في المدينة الصيحة فتبادر الناس من كل مكان فخرج افلح بن الامام في سلاحه مبادرا فوجدهم على باب المدينة، وقد كادوا يدخلونها، فوقف افلح على الباب واثبت احدى رجليه في صفات الباب (1) حتى انسلخ جلد قدمه إلى العرقوب وجعل يتقى بدرقته، حتى لم يجد فيها حصنا يتقى به شيئا، فرمى بها، فاقتلع باب المدينة فتترس به، وعادة يتقى به الطعن، والضرب، فتكامل عنده أهل المدينة فوجدوا يزيد بن فندين مقالبلة، وعلى رأس ابن فندين بيضتان، وضربه افلح بالسيف فقد البيضتين والرأس ونشب السيف في عمود الباب، فخر ابن فندين صريعاً، فوجد افلح في يده بعض الشدة حين ضربه فظن ان صلابة في رأس ابن فنديم، فقال (ما اقوى رأسك يا بربري يا مشوم) ولما رءاه اصحابه صريعاص ولوا منهزمين، فقتل منهم جماعة كثيرة فكان عدد القتلى اثنى عشر ألفا فعثر بهم
__________
(1) كذا في الأصل، وفي نسخه في صفات بالباب (1/76)
صفحة 77
شؤمهم أول مرة في هلاك هذا العدد الكثير. وبلغنا ان دم قتلاهم سالت على باب المدينة كالسيل لكثرتهم.
ثم ان أهل المدينة اجتمعوا في عدد وحاولوا أن يردوا الباب كما كان لم يستطيعوا ذلك، فقالوا لأفلح اردد ما نزعت فقال: ردوا علي غضبي آنفا اردده لكم، ثم إن الإمام رحمه ال رجع إلى المدينة فوجد على بابها المقتلة فهاله ما رأى بسأل عن ذلك فاخبر بما كان من ابن فندين واصحابه فامر بجمع القتلى فجمعوا، وصلى عليهم رجاء للصلح وطلبا للعافية لعامة المسلمين ثم ان شعيبا لما انهزم القوم هرب إلى مدينة طرابلس، فاظهر مخالفة الامام والبراءة منه واستقبل الحجاج بذلك، واتصل ذلك بالربيع رحمه الله وبمن بالمشرق من أهل الدعوة فبرؤوا من شعيب وابن فندين ن ومن قتل معه، ومن سلك سبيله، الامن تاب.
وكان الربيع يقول في مجالسه: عبد الوهاب امامنا وتقينا وامام المسلمين ويظهر البراءة ممن خالفه، فقيل له: كيف تبرأ من شعيب بغير حدث؟ فقال: أي حدث أعظم من خلافة لعبد الوهاب وبراءته منه؟ ثم ان بقية اصحاب ابن فندين الذين لم يصابوا يوم قتل عمرت صدورهم ضغائن واحقادا فتنحوا ناحية عن المدينة، فاجتمعوا بكدية، فسميت كدية النكار، وجعلوا يفشون الخلاف والفساد سرا وجهرا، وفي كل ذلك لم يزل شرهم يعود عليهم، وبعد ان أهلك الله ابن فندين واصحابه قدم الرسولان بالجاب من فقهاء المشرق مشتملا على ماتقدم ذكره م ولاية عبد الوهاب واستحقاقه الامامه، وتخطئه ابن فندين واصحابه، والبراءة منهم.
فزاد ذلك يقينا كل من شرح الله صدره للطاعة، وحمدا (1/77)
صفحة 78
لله على ما وهب له من سلامة دينه ودنياه، وثبوت عقائدهم على صحة يقينهم.
وبلغنا ان ميمون بن عبد الوهاب قتل ليلا وقطع لحمه اربا اربا، فلما اصبح وجده اهل المدينة على تلك الحال فأوتي به إلى الامام رحمه اله فنظر إليه الامام فقال: أي بني، اجتمعت في مصيبتي فيك ثلاث امثال للعامة، احدهما قولهم فيمن مرت الخيل بكسائه، والثانية قولهم فيمن اصيب بليل، والثالثة قولهم اذا مسست ابن السلطان فأمسسه مس عنيفا. ثم جهز ابنه ودفنه، ولم يدر من قتله وذلك بعد مصاب ابن فندين واصحابه ورجوع الجواب. ثم ان ابنا لميمون خرج ساعيا، فلما وصل إلى النكار نادوه يا ابن المهدور دمه، فرجع إلى جده عبد الوهاب فاخبره الخبر، فجعل يبحث عن قاتله حتى حقق ان النكار قتلوه، فاخرج اليهم عسكرا وامر عليه ابن ميمون فأدركهم بعد أيام فألفاهم مجتمعين على اهبة ينتظرون. فصادفوه فقاتلهم فهزمهم الله له، وقتل منهم عددا كثيراً فقصر الناس عن احصاء عدد القتلى، فقالوا: أي اسماء القوم اقل عددا فصححوا ان أقل اسماءهم هارون، فقالوا احسبوا كم قتيلا اسمه هارون، فوجدهم ثلاثمائة، فما ظنك بسوى هارون فاومن الله قوتهم ورد كيدهم واذلهم.
وكان بيت الرستميين بيت العلوم وجامعا لفنونها، من علم التفسير والحديث، والفرائض، والاصول، والفروع وعلم اللسان، وعلم النجوم، وقد حكي عن بعضهم انه قال: معاذ الله ان تكون عندنا امة لا تعرف منزلة القمر، وبلغنا ان عبد الوهاب بعث ألف دينار إلى اخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا، فاقتضى نظرهم ان يشتروها ورقا (1/78)
صفحة 79
وتطوعوا بالمداد واجرة النساخ والمفسرين، حتى اكملوا ديوانا عظيما فبعثوا به اليه فشق (1) جميع الديوان فقال الحمد لله اذ ليس فيه مسألة عزبت عنى الا مسألتان ولو سئلت عنهما لاجبت قياسا على نظائرهما ووافقت الصواب.
محاربة الامام عبد الوهاب رحمه الله للواصلية
حدث غير واحد من اصحابنا ان الامام عبد الوهاب رحمه الله لما أوهن الله على يديه كلمة النكار واورثهم الخزي والعار، تحرك الواصلية بعض الحركة، وهم قوم من البربر اكثرهم من زناتة، وذلك لما احسوا بوقوع التفرق وحاولوا ان ينتهزوا فرصة، فبلغ الامام ذلك فاعذر اليهم مرة بعد مرة، وقد نشأ في الواصلية شاب حدث السن شجاع لا يقوم له شيء، وهو ابن اميرهم، وفيهم رجل ينتحل المناظرة فتتكاتفت كلمة الواصلية، واجتمعوا من كل أوب منحازين من تاهرت، واكثرهم أهل البادية. فاظهروا مخالفة الامام رحمه الله، فاعذر اليهم، ثم خرج اليهم، بعساكر كثيرة فقاتلهم مرة بعد مرة فكان الشاب الواصلي لا يدرك احدا الا قتلة، وابوه يحرضه على القتال.
فلما رأى ما نزل به منهم، وان حربهم مقيم، أرسل إلى أهل نفوسه ستمدهم طالبا منهم جيشا نجيبا يكون فيهم رجل مناظر عالم بفنون الرد على المخالفين، ورجل علام بفنون التفاسير، ورجل شجاع، يستعده لمبارزة الشاب الواصلي، ولما وصلت رسل الامام رحمه الله إلى جبل نفوسه ائتمروا فيمن يرسلونه إلى الامام، فاجتمعوا
__________
(1) كذا بالنسخ، لعله فشقق جميع الديوان، فيكون من شقق الكلام: اخرجه اسحن مخرج، في الحديث: (تشقيق الكلام عليكم شديد) (1/79)
صفحة 80
على ان يبعثوا اربعة نفر احدهم مهدى الويغوي، والثاني ايوب بن العباس، والثالث ابن يأنيس، والرابع قيل اسمه محمد ابو محمد، وقيل ابو الحسن الابدلاني رحمهم الله، فاستحضرهم عامل جبل نفوسه فملا حضروا اعلمهم بما كان من استمداد الامام، واتفاق الجماعة على توجيههم وامروهم ان يتأهبوا للمسير.
فبلغنا ان النفر تساءلوا فيما بينهم فقال لهم مهدي اما انا فاكفيكم المناظرة، وقال محمد بن يأنيس وانا تفسير القرآن، قد اخذته عن الثقات، واعتمدوا على أيوب في المبارزة. وأخذ النفر في اهبة السفر فخرجوا من جبل نفوسة متوجهين إلى تاهرت، فلما انفصلوا عن الجبل رغب اليهم محمد بن يأنيس في ان يكون لهم خادما فأبوا عليه، فالح عليهم إلى أن اجابوا رغبته فجعلوا كلما رحلوا، ساروا نهارهم الى الليل، فاذا نزلوا عمد محمد بن يأنيس إلى خيلهم فعلفها، ثم اخذ في معالجة معيشتهم فإذا طعموا أو ناموا اقبل على الصلاة راكعا ساجدا إلى الفجر، وكان صائما نهاره وقائما ليله، فكان هذا دأبه ودأبهم، فلما رأوا تماديه على ذلك شق عليهم، واشفقوا عليه. فرغبوا اليه ان يرفق بنفسه أو يدع عن بعض ما تكلفه في سفره، وينام ساعة من ليله، فأبى، فعزموا عليه ان يترك، والا نظروا في خادم سواه، فلما تحقق جدهم وخشي ان يعزلوه عما تولى من خدمتهم. قال: قد اجبت، على ان تأذنوا لي في ركعتين لا غير، فطابت انفسهم وأذنوا له في الركعتين فلما كان في الليلة المقبلة وقد فرغ من خدمتهم قام ليأتي بالركعتين فقرأ في الركعة الاولى نصف القرآن، وفي الثانية النصف الآخر، فطلع عليه الفجر، فلما كان من الغد (1/80)
صفحة 81
وعلم اصحابه بما كان منه شق عليهم اشد مما كان قبل، فرغبوا اليه في ان يعودوا الى الحالة الأولى، ورأوا ذلك ارفق به مما صار اليه.
وبلغنا انهم ناموا ذات ليلة فاستيقظ احدهم فرأى ابن يأنيس قائما يصلي وكانت ليلة مطيرة شديدة البرد والريح فسمع لكساء بن يأنيس صريرا اذا ضربته الريح، فقال: ان كان لا يدخل الجنة الا من كان مثلك يا ابن يأنيس فستستوحش فيها. بل الله لطيف بعباده ورحمته واسعة.
وبلغنا ان الامام رحمه الله لما سمع بخروجهم من جبل نفوسه متوجهين اليه قال لعبيدة من بشرني منكم بقدومهم فهو حر، وكان العبيد اذا اصبح خرجوا من المدينة ينظرون يمينا وشمالا، وكان احد عبيد الامام أعرج لا يستطيع النهوض مع العبيد فكان يرقى سور المدينة فلما كان يوم قدومهم أبصرهم العبيد الذين كانوا في خارج المدينة، فلما تحققوا ذلك بادروا يتسابقون ليخبروا الامام فلما رءاهم الاعرج عن بعد، عجل إلى الامام فبشره، فخرج حرا فجاءه اصحابه فوجدوا الاعرج قد سبقهم بالبشارة فقالوا (فاز بها الاعرج) فلما وصل النفر المدينة اخبروا الامام بانهم اربعة فساءه ذلك، وكان ينتظر قدوم عسكر كبير فلما دخلوا على الامام رحمه الله، سألهم عن احوالهم وعن قدومهم في اربعة نفر دون عسكر. فاخبره كل واحد منهم بما تكفل به، واعلمه انهم بمعونة الله عز وجل ومساعدة الأمام يقومون مقام العسكر. فامر الامام رحمه الله بانزالهم في دار الضيافة، فاقاموا في أبر حال.
وبلغنا ان الامام اجل قبل ذلك الواصلية أجلا، قبل قدوم النفوسيين، فلما قدموا قال لهم: تأهبوا للخروج (1/81)
صفحة 82
قالوا له: دعنا حتى نستريح وتستريح دوابنا فقد اساءها السفر، فأسعفهم، ولما جرى ذكر المناظرة بينهم وبين الامام واعلمهم مهدى انه يكفيهم المناظرة قال لهم الامام: انه جرى بيني وبين الواصلي المنتحل المناظرة كلام، اريد ان اعرضه عليك فقال: افعل يا امير المؤمنين، فجعل الامام يعرض عليه ما وقع بينهما من مناظرة، ويذكر سؤال كل واحد منهما، وجواب الآخر فكلما وجد من كلام الواصلي حيدة، قال: يا امير المؤمنين زاغ في الحجة، وزاغ عن الحجة، حتى اطلع الامام رحمه الله على جميع ما لبس فيه المعتزلى، ومواضع حيداته، فوثق بان مهديا سيظفر بالمعتزلي.
وبلغنا ان مهديا لما صار بتاهرت – جعل – يغيب عن اصحابه اياما لا يدرون له مستقرا، حتى ساءت ظنونهم، فلما كان ذات ليلة قدم عليهم، فقالوا له: قد استبطأناك ففيم كان مغيبك؟ فقال لهم: انى قد رددت الى مذهب الحق سبعين عالما من أهل الخلاف.
ثم ان الامام بعث إلى رئيس المعتزلة بانه سيخرج اليهم في يوم كذا، فلما كان ذلك اليوم وقد ساءت ظنون المعتزلة وامتلأت قلوبهم رعبا يتوقعون ما سيجلى لهم من أمر نفوسة فكانوا في غم شديد، فامر الامام رعيته بالخروج الى الواصلية والحضور لمناظرة مهدى للمعتزلة.
فقال له ايوب بن العباس يا امير المؤمنين بخيل نركبها، فامر الامام رحمه الله ايوب بدخول دار الدواب فدخل الاصطبل فجعل كلما رأى فرسا حسن الصورة، أخذ بناصيته وجذبه فلا تثبت حوافره على الأرض يكاد يسقط على رأسه، حتى أتى على آخرها (1/82)
صفحة 83
فلم يعجبه منها شيء فقال ايوب للامام اجمع (1) فرسي فان تعبه علي احسن إلى من غيره، فامر الامام بفرسه فاحضر، فلما جذبه كما فعل بكل فرس اجتذبه قبل ولم يال جهدا في جبذه فاقنع الفرس برأسه في الهواء طامحا، ولم تزل له حوافر مثبتة في موضعها، ثم ردد النظر في الفرس فوجد به الحفاء، فامر باحراق الرمل حتى حمي، وفرش، وأمر عليه فرسه يطأ ذلك الرمل بحوافره، ففعل به ذلك ثلاثة ايام، فبعد ذلك امر الناس بالخروج، فخرجوا والتقى العسكران والناس ينظرون الى ايوب، فيتعجبون بما يسمعون عنه من اشجاعة، وانه لا يلقى شجاعا الا قتله، فاعذر الامام الى المعتزلة ودعاهم الى ترك ما به ضلوا، فأبوا الا المناصبة وسألوا المناظرة، وقد صفت الصفوف فخرج مهدى لمحمد بن يأنيس أخرج اليه فناظرة، فقال له ابن يانيس رحمه الله: بل اخرج اليه انت، ولست باعلم منا، ولكن اخشى ان يعقدني العرق الذي من قبل ذلك اسملته نفسه فارسل إلى مهدى في خفية من اصحابه: ان انا ناظرتك فظفرت بي سترت علي، وان ظفرت بك سترت عليك، فليس منا احد يدري لمن يكون الظفر. فارسل مهدى إلى اصحابه ان علامة ظفري بالمعتزلي ان أنزع القلنسوة عن رأسي، واضعها تحت ركبتي، ثم تناظرا فجرت بينهما وجوه من المناظرة والناس يعلمون ما يقولون، فلم يظفر احد بصاحبه، ثم دخلا في مناظرات لم يفقهها
__________
(1) في نسخة القطب اجمع على فرسي (1/83)
صفحة 84
احد غير الامام، ثم دخلا في وجه لم يفقهها أحد ولا الامام، فما كان باوشك من ان ظفر به مهدى والقى القلنسوة، فكبر اصحاب مهدى لعلمهم بظفره بالمعتزلي، فلما رأى المعتزلي ذلك قال غدرت يا مهدى.
وافترقا عن مجلس المناظرة ن وقد اظفر الله مهديا، ونصر حجة أهل الحق ولله الحمد. ثم خرج الفتى المشهور بالشجاعة يطلب المبارزة، فأخذ ايوب بن العباس في اهبة الخروج اليه فجبنذ فرسه حتى استوى بين الصفين واراد ركوبه بحيث يراه كلا الفريقين، فتجاهل في ركوبه، فضحك منه عامة الفريقين وازدروه، فقال لهم ابو الفتى الواصلي الآن جاء من يقتل ولدي، افلا ترون ان فرسه لما ركبه ادلى واسترسل، ولا يفعل الفرس ذلك الا تحت الفارس الحاذق الممارس، فخرج ايوب الى لفتى فبارزه فتطاردا قليلاً، وتضاربا حينا، فحمل عليه ايوب فضربه وقتله، وذكر بعض أصحابنا اه شكه بالرمح واحتمله كالجرادة، فلما رات المعتزلة رئيسها وفارسها صريعا، ولوا منهزمين بعد ما حمى الوطيس وقتل الرئيس واستنجر القتل في المعتزلة وكان أفلح بن عبد الوهاب يضرب ناحية وايوب يضرب ناحية أخرى، وكان سيف ايوب بن العباس ليس له الا حد واحد، وقيل ان ذلك اذا عيى حمله على عاتقه، فلما امعن اهل العسكر في قتل الواصلية ودخوهم، وضعت الحرب اوزارها، ولم يكن بقى من المعتزلة إلا اليسير وصار المسلمون يعدونهم من قتلة أفلح من قتله أيوب فوجدوا احدهما يزيد على الآخر واحدا، قيل وصاحب الزيادة هو افلح، وذكر بعض اصحابنا ان قتلى افلح اربعمائة. ولما أوهن الله المعتزلة، ونهزموا وعسكر الامام ي سافلتهم، بلغنا ان ايوب بن العباس رأى شخصا (1/84)
صفحة 85
قائما كهيئة ارجل فى حومة القتال، فخاله رجلا فضربه بالسيف فأحس شدة، فلما رجع قال لاصحابه: انى ضربت شيئا فيه ولم ادر ما هو فتصفحوا القتلى فوجدوه عمودا قائما، فلمسوه بأيدهم، فسقط منفصلا من الموضع الذى أصابته ضربة ايوب.
ثم بعد ذلك بزمان أرسلت المعتزلة إلى أيوب بن العباس بان يأتيهم بعد فعله الافاعيل فيهم، فعزم على المسير إليهم فمنعه أصحابه فأبى إلا المسير فحذروره الغدر، فلم يعبا بهم، فسار أيوب حتى وصل بعض احيائهم، فتيممه فإذا برجال من احي ينتظرون المامه بهم، فانزلوه في خص ورحبوا به فلما جن الليل قدموا له العشاء وهي جفنة طعام عليها شاة ووطب من لبن، قال أسند ظهره إى دعامة الخص وجعل يتلو القرآن، حى طلع الفجر، فصلى الصبح بوضوء العشاء، فلما طلعت عليه الشمس، أمرهم بان يقدموا فرسة، فقدموه وهم عازمون على غدره فلما ركب فرسه تكلم متكلمهم فقال: يا ايوب ان فتيان الحي راغبون في أن تلاعبهم على فرسك، فقال ايوب ال، ثم ان فتيان الحى ركبوا خيلهم، فتناولوا قضبانا يترامون بها، وفيهم رجل شجاع قد تكفل لهم بغدر ايوب فلاعبهم ايوب قليلا، ولم يشعر الا والرجل خلفه قد ش عليه بالرمح، فتغافل عنه ايوب حين علم به، فلما اراد أن يضربه اتقى ايوب ضربته، وشد عليه اويوب فقتله فحمل على اصحابه فقتل منهم ثمانية، ثم حمل أخرى فقتل ثمانية أخرى، فصاح ايوب بنساء الحي هلى يكفيكن، أو ازيدكن؟ فقلن: قد اكتفينا، قال فتوجه ايوب فمر بواد فوجد فيه (1/85)
صفحة 86
اسدا ولبوة وأشبالهما، فشد عليها بالسيف فقطع ارجلهما فتركهما يزحفان، واجتاز بحى من احياء البربر، فقال يا أهل الحى من اراد منكم اللحم المكروه فليقصد الوادى عند السدرة فابتدر الحى إلى الوادى فوجدوا الاسد واللبوة وأشبالهما فطفق القوم يأكلون.
وذكر بعض اصحابنا ان مهديا كان رجلا ورعا زاهدا في الدنيا طالبا للآخرة، وكان له أخ أو ابن خالة طالبا لللاخرة من غير أعراض عن خطة من الدنيا فاختصما يوما بتاهرت إلى الامام، فقال، مهدى: يا امير المؤمنين ان هذا أخي قد شغلته دنيا حتى كاد يضر بآخرته، فقال الآخر: ان هذا اخى قد شغله رفض دنياه حتى كاد يضر بآخرته ن فاعرض عنهما ودعا لهما بخير.
ولما توجه الامام رحمه الله الى جبل نفوسة اصابه مطر بين منازل نفوسة وهو مرتحل، فقصد دار مهدى فوجدها دار عابد زاهد ليست له رغبة في الدنيا، فلم يجد بها ما يقى عن نفسه القطر، فرغب اليه ابن خالته الذي له حظ من الدنيا وسأله انتقال الإمام ومن معه الى داره، واعمله ان ذلك ارفق بالامام لما هو فيه من اليسار، واخف عن مهدى لما علمه فيه من الاقتار، فاجابه سؤاله، فخرجوا الى دار ابن خال مهدى، ومهدى معه، فلما دخلوا داره وجدوها دار ذي نعمة وبسطة، وسعة رزق، فخلع على كل واحد منهم ثيابا جديدة لم يصبها مطر، وفرش فرشا وثيرة واحضر أطعمة حفيلة وأظهر لهم من صنوف البر ما استحسنه الامام غاية الاستحسان ن حتى استدعى منه ان (1/86)
صفحة 87
قال لمدى: الآن خضمك ابن خالتك (1) فيما اختصمتما، وبان ان حجته قامت على حجتك.
وبلغنا ان مهديا خطب امرأة بجبل نفوسة فاستشارت في أمره شيخا من المشائخ. فقال لها: ان مهديا رجل له رغبة في الآخرة وزهد في الدنيا واجتهاد في الصلاح وله أرض كريمة محثوت لها سد فوق سد، قد انهدمت سدودها وخربت رها، ولم تدعه نفسه الى اصلاح شيء منها، ولا يستطيع اصلاحها العدد القليل من الناس، واراد ان يتزوجك، فلا تصلح جسوره الا بتراب تنقليه على رأسك فزادها ذلك رغبة فيه وفي صلاحية وتزوجها مهدى، وهي تنقل التراب على رأسها لاصلاح الجسور، فذكرها الشيخ فيما اعملها من قبل به، فحمدت الله على ما اعطاها من خدمة ولي من أوليائه. قال اشيخ ابو العباس وانما ساق الشيخ رحمه الله هذا الخبر قبله ليعلمك بمراتب الرجال وما حووا من درجات الكمال، وهم مع نذلك لا يعتورهم كبر ولا استنكاف، بل قد سلكوا سبيل من درج من اخيار الاسلاف، فالله ينفعنا ببركتهم اجمعين.
نزول الامام عبد الوهاب رحمة الله على مدينة طرابلس
حدث غير واحد من اصحابنا ان الامام رحمه الله أراد المسير الى الحج فاخذ في اهبة السفر، ثم سار متوجها، فلما وصل الى جبال دمرا استعمل عليها رجلا من أهلها
__________
(1) أي غلبك في الخصام (1/87)
صفحة 88
يقال له فزار، ثم توجه إلى جبل نفوسه، فاجتمعت عليه جموع نفوسه فاخبرهم بما عزم عليه من تيممه الحج. فقالوا يا امير المؤمنين ان رايت المقا م فعلت، فانا نخشى عليك من المسودة (1)، فانهم ان علموا بمسيرك عن بلادك وتوجهك الى بلادهم لم تسلم من افة تصيبك منهم، من قتل، او سجن، او نكال. وقد تعين عليك القيام بأمور المسلمين، والنظر فيما يجمع كلمتهم، ويصلح شأنهم فاقامتك فيهم آكد وواجب. فقد علمت انك لو غبت عنهم لضاعت الحقوق وتفرقت الكلمة، قال فأرسل الامام رحمه الله إلى اخوانه بالمشرق وكان المقدم في ذلك العصر في العلم والورع والفضل أبا الربيع بن حبيب، رحمه الله وابن عباد المصري، فلما وصلهم الرسل والقوا اليهما من القول ما دار بين الامام وبين جماعة نفوسة، واخبروهما ان الامام يستفتيهما مستضيئا علما من نورهما، مع ما وهب الله له من العلم، معتمدا ان فتيا غيره في نازلة مختصة به أولى، وانهى للنفس عنالهوى. فاجابه الربيع بان من كان مثلك في العناية بأمور المسلمين ومحل امانتهم وخاف على نفسه من أهل الجور والبغي، فينبغي له ان يستأجر من يحج عنه وهو حي. واجاب ابن عباد بان من كان على هذه الصفة فليس عليه حج، لان امان الطريق من الشروط التي هي مشترطة في وجوب الحج. فمكث الامام رحمه الله ينتظر رسله، فلما قدمت الرسل بالجوابين أخذ بجواب الربيع وارسل من يحج عنه.
وأقام بجبل نفوسة في تلك الحالة سبعة أعوام يستدرجهم في تعليم مسائل الصلاة، وانفصل عنه فيما ذكر
__________
(1) لقب العباسيين. (1/88)
صفحة 89
قبل تكميلها. قال ابو العباس احمد بن الشيخ ابي عثمان سعيد، وذلك لان نوازل مسائل الصلاة كثيرة، وهي أول ما يحافظ عليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول ما يحاسب به العبد الصلاة)).
قال وكان الامام رحمه الله لما صرف الرسل الى المشرق جمع جموعا كثيرة وعسكرا ونزل على مدينة طرابلس محاصرا لها ومحاولا دخولها في الطاعة، والمصير إلى ما عليه أهل الحق، فحاصرها اشد الحصار، ثم رأى له الصواب في الارتحال عنها فإرتحل عنها.
الافتراق الثاني في الاباضية
حدث جماعة من اصحابنا ان الامام رحمه الله لما اراد التوجه الى تاهرت اجتمعت جموع أهل بلاد طرابلس، فسألوا واليا يوليه عليهم، وأراد ان يولى عليهم بعض وزرائه فلم يوافق ذلك مرادهم، ورغبوا في ان يولى عليهم وزيره السمح ابن عبد الاعلى رحمه الله، لما رأوا محبة الإمام فيه، وحسن ظنه مع كونه ابن إمامهم. فلما علم الإمام عبد الوهاب رحمه الله إن رغبتهم في السمح، اذ لا يقوم مقامه في نصيحة وعناية وحسن محبة احد، ثم قال لهم ومع هذا فانى أو ثركم به على نفسي، فاستعمله عليهم وارتحل إلى تاهرت.
فلما ولى السمح على حيز طرابلس احسن فيهم السيرة، وعدل في احكامه، فصلحت أحوالهم فلم يزل مقرا بإمامة عبد الوهاب وناصحا له في رعيته حتى حضرته الوفاة، وقد كانت عماله على نواحي طرابلس (1/89)
صفحة 90
سالكين مسلكه، في حسن السيرة، فاجتمع اليه اصحابه فقالوا له: اوصنا وأمرنا بأمرك، فانا مطيعوك في الحياة وبعد الممات، فانك لم تال بيننا رشدا جزاك الله عن رعيتك وعن الاسلام خيرا. فقال لهم السمح رحمه الله أوصيكم ونفسى بتقوى الله، والعمل بما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه، وطاعة امامكم عبد الوهاب وتأييده ما دام على الحق الذي عليه سلفه، وجهاد من خالفه، فبذلك تستقيم احوالكم، وينتظر شملكم، ويتم خير دينكم ودنياكم. وتوفي رحمه الله، فلما توفي عظم مصابه وبلغ في الناس فقده مبلغا عظيما.
وخلف ولدا اسمه (خلف) فلشدة محبة الناس في السمح وعظم منزلته فيهم أحسنت العامة الظن (بخلف) وأراد من ليست له بصيرة في الدين ولا نظر في العواقب توليته عليهم، فقال أهل البصائر: لا ينبغي لكم ان تفتاتوا على امامكم في شيء مما قلده الله من أموركم، وولاه من صالح جمهوركم، فقال ذوو العقول القاصرة: اما ان فعلنا ذلك رجونا ان يكون وفق ارادة امامنا، وقال فريق منهم: نوليه على انفسنا ريثما يصل من الامام أمر نقف عنده، فان اثبته اثبتناه، وان عزله عزلناه. فأبى ذلك كله أهل الصلاح كابى منيف اسماعيل بن درار الغدامسى وابى الحسن ايوب، وامثالهما. فغلبت العامة وولوه من غير اذن الامام، ولا رضى من أهل الصلاح فولوه على انفسهم. وكاتبوا الامام بموت عامله، واقامتهم ولده مقامه، على انه ان اجاز اجازوه والا عزلوه. فلما وقف على ما خاطبوه جاوبهم بما نصه: (1/90)
صفحة 91
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
" أما بعد فانى آمركم بتقوى الله تعالى، والاتباع بما آمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه، والذي كتبتموني به من وفاة السمح وتولية بعض الناس خلفا، خلفا منهم ورد أهل الخير ذلك، فان مولى خلفا بغير اذن امامه قد أخطأ سيرة المسلمين، ومن ابى توليته فقد اصاب، فاذا اتاكم كتابي هذا فليرجع كل عامل استعمله السمح الى عمله الذي ولي عليه، الاخلف بن السمح، فحتى يأتيه أمرى وتوبوا الى ربكم لعلكم تفلحون "
فلما وصل جواب الامام أهل بلاد طرابلس بما تضمنه من رد العمال الى اعمالهم، وتخطئة من ولى خلفا، وتصويب من توقف عن توليته، قلقوا فكتبوا الى الامام يراجعونه في أمر خلف، ويسألونه ان يجيز توليتهم اياه. فجاوب رحمه الله بكتابين احدهما الى الجماعة، والآخر أفراد به خلفا، يعلمهم ان ذلك لا يسعه من قبل الله تعالى، وانه لا سبيل الى بقائه على عمل. ثم اقتضى نظر الامام رحمه الله ان يوجه امناء من قبله الى جهة طرابلس مختبرين لاحوالها، وعلم (1) اليهم بتولية خلف على جهات طرابلس ان وجدوه قد اعتزل واطاع الله، وامر التقدمة. وان هم وجدوه مصرا على الخلاف نابذا امر الامام وراءه ظهريا، رفضوه. حتى يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين.
قال فوصل امناء الامام فوجدوا خلفا في عتوه واستنكاره، فدفعوا له كتابا
__________
(1) يريد عهد اليهم وأمرهم (1/91)
صفحة 92
بالاعتزال، فابى. وشايعه على ذلك اصحابه الذين ولوه وانهم لما وصل كتاب الامام بتخطئتهم كتبوا الى ابى سفيان محبوب بن الرحيل كتاب الامام بتخطئتهم كتبوا الى ابى سفيان محبوب بن الرحيل كتابا وجهوه اليه بالمشرق، وهو اذاك رأس جماعة أهل الدعوة هنالك، والمقدم عليهم بعد انقراض طبقة الربيع ومعاصريه، رافعين اليه ماصدر عن الامام فيهم، وقدروا ما هم عليه من اصابتهم بزعمهم، وحسنوا تولية خلف ورجوا ان يكون منه جواب يوافق نظرهم الفاسد، فوصلهم جوابه رحمه الله بتخطئتهم وتصويب من امتنع عن توليته، وتوجيب طاعة امامهم.
فلما وصلهم جواب محبوب بما خالف مواقفهم نبذوه واخذوا في مسلك طرق الضلال، حتى اعلنوا بنبذ امامة عبد الوهاب وقالوا ما هو لنا بامام، وانما امامنا خلف، اذ هو في حوزتنا، والحافظ لجماعتنا، والجامع لكلمتنا. واما عبد الوهاب فانه في حوزة غير حوزتنا، وغير أهل لجماعتنا، فبرأ منهم أهل الدعوة وليس بيننا وبينهم خلاف الا في مسألة الاقرار بامامة عبد الوهاب.
استعمال أبو عبيدة عبد الحميد الجناونى رحمة الله ومحاربته خلف بن السمح
ذكر جماعة من اصحابنا ان عامل الامام عبد الوهاب رحمه الله ابو الحسن ايوب ادركته منيته فكتبت نفسة ومن حولهم من بلاد طرابلس الى الامام، يخبرونه ويستدعون منه استعمال عامل، فكاتبهم بان يعلموه برجل يرضى لاعمالهم وتتفق عليه كلمة أهل الفضل منهم، فسموه له، فكاتبوه باتفاق كلمتهم على ابى عبيدة عبد (1/92)
صفحة 93
الحميد الجناوني، فكتب بتوليته على اعمالهم والنظر في امورهم، ولا علم له بما أرادوه. ونفذ به امر الإمام فاجتمعت جموع أهل بلاد طرابلس من نفوسة وغيرهم على أبي عبيدة ليسمعوا منه ويطيعوا، فلما قرأ كتاب الامام تنصل من الولاية وقال: انا ضعيف قالها مرارا فكتب الىلامام متنصلا ومقرا بالعجز والضعف فلم يقبل منه الامام عذرا فكتب اليه بالاقامة على ما ولاه من القيام على أمور المسلمين.
وكتب فيما كتب به اليه (ان كنت ضعيفا في المال فبيت مال المسلمين تقويك، وان كنت ضعيف البدن فالحق يقويك وان كنت ضعيفا في العلم فعليك بابى زكرياء اللالوتي فاستعن به فيما يستقبل من امورك). فاجتمعت عليه أيضا الجموع فقال لهم انتظروني، فغاب عنهم ما يدرون ما يحاول فسار الى عجوز نفوسية مشهورة بالعلم والدين والصلاح، فاستشارها في تحمل ما تقلد أو الفرار، فقالت له هلتعلم في بلادك من أهل زمانك أقوم منك بما كلفت له هل تعلم في بلادك من أهل زمانك أقوم منك بما كلفت به واحق بتقليد ما تقلدت؟ قال: اما في امور الرجال فلا، قالت فادخل اذا فيما قلدك الامام، والا فانى اخشى ان تهشم عظامك في نار جهنم، فقد قامت عليك الحجة، فرجع اليهم وتقلد ما قلده من أ/ورهم فكانت جماعة نفوسة يذكرون فضلها، ويعترفون بها.
فلما ولى عبد الحميد احسن السيرة وقام بحقوق الله عز وجل وعمل بطاعته. فلما سمع خلف بن السمح بتولية الامام عبد الحميد بلغ ذلك منه مبلغا عظيما، واستكبر، واستخف اشياعه من الضلال فأطاعوه، وجعل يشن الغارات على رعية عبد الحميد، ويدس اللصوص، فوجه اليه (1/93)
صفحة 94
أبو عبيدة الحميد يأمره بالكف عن الرعية، فلم يكف، فكتب أبو عبيدة الى الامام يخبره بما نزل بالرعية فكتب اليه الامام ان يعامله بالملاطفة والملاينة ما استطاع، لعله يتذكر أو يخشى، فقال له: ان لم تجد بدا من المدافعة فمدافع عن الرعية. فمكث يلاطفة حينا الى ان ورد عليه الخبر بوفاة الامام رحمه الله.
امامة افلح بن عبد الوهاب رحمه الله
ولما توفي عبد الوهاب تدانى العدو من تاهرت طمعا في الاستيلاء عليها، ورجوا الظفر بها وباهلها لما ظنوه من عجزهم عن المدافعة، اذا اضحوا بلا امام، فابتدر جماعة أهل الدعوة، فبايعوا افلح بن عبد الوهاب، فعقدوا له الامامة فكان ميمون النقيبة، فسكن الله به البلاد ووقية من الفساد. وما بلغ ابا عبيدة موت الامام وتولية ابنه افلح الامامة، كتب ابو عبيدة الى افلح يستشيره في امر الخبيث بن الطيب ويستأذنه الدفاع، فكتب اليه بمثل ما كتب به ابوه رحمه الله.
فلما بلغ خلفا وفاة الامام وتولية افلح انف واستكبر ولم يقر بامامته، ولا دان بطاعته، وانحاز بمن معه الى موضع يقال له (تيمتى) فسلط اشياعه على الطعام، وشن الغارات على رعايا الامام، واستباح الاموال، واخرب الديار، وقتل الرجال، حتى قتل عدة من اصحابه، يحسب انهم من رعية ابي عبيدة عبد الحميد، ثم عظمت صولته واشتدت شوكته حتى استمال كثيرا من الناس فمالوا اليه، واكثر ميلهم خصب جانب خلف، وجذب حيز ابي عبيدة، (1/94)
صفحة 95
فكانوا معه طلبا لمعاشهم ورغبة في الدنيا وكانوا معه على رأيه وبدعته.
ولما رأى قلة اصحاب ابي عبيدة وكثرة من معه من الضلال سولت له نفسه الخبيث انتهاز الفرصة ومبادرة ابي عبيدة واصحابه ليستأصل شافتهم، فجمع عساكره وتيمم أبا عبيدة فلما سمع به أبو عبيدة أمر اصحابه بالخروج فخرجوا. فعسكر ببعد من الجبل ولما تدانى العسكران بعث خلف رعيلا من خيله نحو أربعمائه فارس، فهم اصحاب عبد الحميد بأن يخرجوا إلى محاربتهم فمنهم عبد الحميد من ذلك رقوبا ما عند الامام، وطلبا للسلامة، فقصدت الخيل قرية يقال لها " ويدوف " من رعيته عبد الحميد، فانتهبوا ما امكنهم من الاموال وقتلوا ما قدروا عليه من الرجال وكان أكثر الخيل أخذه خلف واهل بيته ومواليه ومماليكه.
فلما تحقق عبد الحميد بغيهم ولم يجد بدا من قتالهم امر أصحابه بقتالهم. فالتقوا وانهزمت خيل خلف وقتل منهم عدد كثير. فاراد أصحاب عبد الحميد أتباعهم فناهم عن ذلك. واحسن السيرة ولما رأى خلف ما أصاب اصحابه من الهزيمة والتقل، كر راجعا إلى الموضوع الذي منه خرج وهو موضع يقال له تيمتى فأقام به، ورجع عبد الحميد إلى موضعه وأمر أصحابه بالرجوع إلى مواضعهم، وظن ان القوم لا يريدون بعد ذلك باسا ن ثم أرسل إلى خلف أذا ما فعلت فكن في حيزك، واكون في حيزى، وضع الحرب فأبى خلف إلا المحاربة وجعل يشن الغارات على رعية عبد الحميد، وسلط عليها من يسومها أنواع العذاب لا يألوا فسادا وقتلا في الاموال، والانفس، ثم أن خلفا أزدهى بكثرة من اجتمع له العدد، فأمر أبو عبيده (1/95)
صفحة 96
اصحابه بالخروج، فخرجوا وهم في عدد قليل، ولكنهم أهل بصائر يموتون على ما بايديهم من الحق. لا يأسفون على ما فاتهم من دنياهم ولا يعدون زايدا الا تقوى بهم، ولا مطلبا الا ما يقدمونه لأخراهم.
وقد اختلف في عددهم فقيل سبعمائة وقيل عدد اصحاب بدر ثلاثماءة وثلاثة عشر، فاقبل خلف بمن اجتمع له وقد غره بالله الغرور، ولم يدر (ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) فجاء في أربعة آلاف فارس فارسل الىبي عبيدة رسولين بخلع ولاية افلح ويقر له بالولاية، فلما قدم رسولاه بذلك الىبي عبيدة حاجهم ابو عبيدة في امر الائمة، فقال: هل احدث افلح أو أبوه في الاسلام حدثا يحل لكما معه خلع ولايتهما؟ واحتج عليهم بطاعة السمح لعبد الوهاب رحمه الله، فاعتلا بانقطاع الحوازات، فقال لهما: السمح قد اقر بطاعته عى اختلاف الحوازات، فقال له احدهما انا نخاف ان لم نجب الى طاعة هذا الرجل هراقة (1/96)
صفحة 97
الدماء، فقال ابو عبيدة: ايهما اعظم هراقة الدماء ام الترك للقيام بدين الله تعالى؟ فقال له الرجل: هراقة الدماء اعظم، قال له عبد الحميد: لو كان الامر كما ذكرت ما افترق اصحاب النهراوان وغيرهم، واصحاب النخيلة، وابو بلال واصحابه وعبدالله بن يحيى، وابو حمزة واصحابهما، وابو الخطاب ومن معه، وابو حام ومن تبعه، ولأذعنوا للطاعة دون هراقة الدماء، انما قاتلوا وقتلوا في القيام بدين الله، ولم ينكلوا خوفا من اراقة الدماء بل قد بذلوا مهجتهم، مجاهدين على آثارهم خير متقدمين، لا نبغى عنهم بدلا ولا عنهم حولا. فمن حاول منا غير ذلك فالله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين، ثم قال للرسولين: فان استعظمتم هراقة الدماء، فارجعا الى صاحبكما فقولا له: ان هذا يوم الخميس فدعونا، فاذا كان غدا يوم الجمعة نصوم لله تعالى ونطلع، أنا، وهو، وابو المنيف اسماعيل بن درار، فنبتهل فنجعل لعنة الله على الظالمين، ونسأل الله ربنا ان يفتح بيننا وهو خير الفاتحين.
فرجع الرسولان الى خلف فاخبراه بما جرى بينهما وبين ابي عبيدة من القول فامر خلف عساكره بالتهيء للقاء ابي عبيدة، فلما قرب عسكره عسكر ابي عبيدة، تقدم رجل من اصحاب خلف ممن يرى تصويب ابي عبيدة، واصحابه تميل نفسه اليهم ويشفق عليهم، فقال لابي عبيدة: تنح باصحابك الىسفح الجبل فان كانت الدائرة لكم ادركتم ما رجوتم، وامنتم ما خفتم، وان تكن عليكم كنتم في حصن ولا يضركم ذلك.
فقال ابو عبيدة لاصحابه هذه نصيحة قد اخرجها الله من عدوكم وعدوه، فامر اصحابه بالتنحي، واسندوا ظهورهم الى جبل فظن خلف ان ذلك على جبن وهلع فقدم سرعان خيله، ورعيان رجله، فلما جاء والعساكر على اثره، وغشوا ابا عبيدة دعا ابو عبيدة بوضوء فتوضأ مستترا برجال، وصلى ركعتين وابتهل وتضرع الى الله تعالى عز وجل، وسأل ان يقل شوكتهم وقال: (يا من لم اعرض عنه منذ استقبلت أمره لا تفرق هذه العصابة على يدي) وبلغنا ان رجلا من اصحاب خلف دنا من عسكر ابي عبيدة فقال لرجل منهم ما الذي أوقفكم؟ قال وقفنا ندععو الله، فقال الخلفي فما بال السلاح، فقال للدفاع في سبيل الله، قال من تدفعون؟ فقال: ندفع من بغى علينا، فقال له آخر من اصحاب ابي عبيدة لصاحبه مالك النت له القول؟ فقال له: طمعا في (1/97)
صفحة 98
الصلح ورغبة في تأخير بعض الشر، يا اخي، ثم تدانى القوم بعضهم من بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا، وذلك في عشية الخميس الثالث عشر من رجب سنة احدى عشرة ومائتين، قال وكان في عسكر ابي عبيدة رجل شجاع، حاذق بالطعن يقال له البعاس، ولد ايوب بن العباس، فنظر اليه ابو عبيدة فرآه يضرب يمينا وشمالا، وقد حمى الميمنة والميسرة والقلب، فقال ابو عبيدة وقد ركزه اه لحمي المعقبات، وقاه الله نار العقاب، وذكر عن العباس انه ضرب رجلا بسيفه فأطار رأسه، وقال العباس للرأس: الى النار وقال الراس: وبئس المصير، وكان ممن يكثر النسك والاجتهاد قبل ذلك، فقال العباس: هذا جسد كنت ادعوا له بالجنة زمانا، وانه لمن وقود النار، انا لله وانا اليه راجعون، نسأل الله خواتم الخير.
ثم انهزم اصحاب خلف واسرع القتل فيهم، فقتل منهم عدد كثير، فأمر أبو عبيدة اصحابه ان لا يتبعوا مدبرا، ولا يجهزوا على جريح، واحسن فيهم السيرة، فانحاز خلف وبقية اصحابه الى الموضع الذي يقال له تيمتي، وامر باخراج جميع من فيها من نفوسة، واجلهم ثلاثة أيام، وقال من وجد فيها بعد الثلاثة ايام فمهدور الدم، وباخراج اليتامى، والارامل، ومن لا ذنب له، فخرجوا من ديارهم كرها. ولما رأى اصحابه ما نزل بهم من خسار الدين والدنيا، تفرقوا عنه الا قليلا منهم.
ثم سار من تفرق عنه منهم يقرأون على أبي عبيدة السلام، تائبين، فمن جاء منهم قبل توبته، فاوهن الله شوكة خلف فلم تكن له بعد ذلك حركة ثم مات في زيغه ثم ابنه مات، ولم تكن له حركة. ثم ولد ابن خلف بعدهما (1/98)
صفحة 99
فانحاز الى جزيرة جربة وما جاورها، وسنذكر خبره اذا وصلنا اليه ان شاء الله.
ثم ان الامام افلح رحمه الله تمكن في امامته واستقامت له الاحوال واستقامت به، ولم يبق في ايامه بعد خلف منازع ولا في جهاته طالع، وبلغنا انه كان في العلوم متفقها وعلى انواعه متطلعا، ولقد ذكر انه كان يجلس لأربع حلق وذلك قبل بلوغه الحلم. وقام أبو عبيدة على ما ولاه الامام ملازما طاعة الله وحفظ ما اوجب عليه حفظه، من حدود الله وحقوق رعيته الى ان توفي رحمه الله. ثم استعمل الامام رحمه الله العباس على ما كان عليه عبد الحميد، فأحسن السيرة وعامل رعيته بما عاملها به اب عبيدة عبد الحميد من الرفق والحنان والعدل والاحسان الى ان توفي العباس رحمه الله.
الافتراق الثالث في الاباضية
الافتراق الثالث في الاباضية: خروج نفاث وهو فرج بن ناصر
حدث غير واحد م اصحابنا ان الامام رضي الله عنه استعمل على قنطنار ابا يونس وسيم بن يونيس النفوسي، فولى قنطنار وما ولاها، فاحسن السيرة. ووسيم هذا من نفوسة الجبل، ومنها خرج تحرجا من تباعات الناس، وذلك انه كان له اماء يحتطبن من غير املاكه، فخرج ذات مرة لما شعر بذلك فوجد الواضع التي يحتطبن منها قد دمرت وتهدمت جسورها، لاستنقاع الماء بها لماصنع الامام فلم ير السلامة الا في الهروب بدينه، فولاه الامام قنطنار لما علم من صلاحيته وورعه، وكان له ابن اسمه سعد، وكان ذا فهم وذكاء، فسار سعد الى تاهرت ليطلب العلم (1/99)
صفحة 100
بها فكان هو ونفاث بن نصر يحضران معا مجالس الامام رحمه الله، يقرآن عليه، فكان كل واحد منهما يجتهد ويجهد نفسه في دراسة العلم، حتى حصلا ما رأيا فيه مقنعا، وتشوقا الى بلادهما، وذلك بعد وفاة وسيم، فخرجا متوجهين الى بلادهما، وكان الامام لما بلغه موت ابي يونس عازما على استعمال عامل يلي جهات قنطنار، فنظر في ذلك فلم ير له اهلا الا سعدا لما تحققه من صلاحيته واختبره من حسن حاله، فكتب كتابا باستعمال سعد، فطواه، وختم عليه بخاتمه، وأودعهما اياه، ولم يعلمهما أيهما العامل وقال لهما حين دفعه اليهما: لا تفكاه حتى تصلا قنطنار.
فسار فلما كان ببعض الطريق غلب الشره على نفاث فاستخفه حب الرئاسه، فاستغل سعدا وتخلف الى رحلهما، فقص خاتم الكتاب وقرأه، فوجد سعدا هو العامل، فظنت نفسه الظنون، واعتقد العداوة واضمر الغش لاستمال الامام سعدا دونه، ولما وصلا قنطنار قرأ بها كتاب الأمام، فسمع أهلها واطاعا فاقام سعد واليا عليهم، محسنا للسيرة، عاملا بطاعة الله عز وجل، وتمادى نفاث الى بالده، فسئل عن الامام واحواله، فاظهر الطعن فيه، وقال انه اضاع امور المسلمين ويزيد في الخلقة اذا مشى، ويلبس الطرطور، ويخرج الى الصيد ن ويصلى بالاشبور (1)، فبلغ الامام طعنه فيه، وارسل الامام اليه بان يحضره بما نقم عليه فقا لان كان ما تقول حقا قبلنا ورجعنا اليه، وان كان باطلا فاءة، وهذه الكلمة فيها معنى الوعيد، فلما بلغ ذلك نفاثا، قال ايه من السلطان هو القتل. (1/100)
صفحة 101
وله مسائل انتحلها لا اصل لها منها زعمه ان الخطبة بدعة ومنها قوله ان ابن الاخ الشقيق أولى بالميراث من الأخوة للأب، وانهم يحجبونهم، ولما انتشر ذلك عنه وسمعه مشائخ أهل الدعوة ن قالوا لو لم يكن له جرم الا فتياه هذه لكان بها أهلا للضلال، فكيف والضلال محيط به في جميع الاحوال، فمن مذموم احواله ما بلغنا انه دخل قرية وجاء الى دار رجل من اهلها فلم يجده فانصرف، فلما اتى صاحب الدار اعلمه اهله بمجئ نفاث يسأل عنه، فابتدر الرجل وكب دابته وخرج يطلب نفاثا، ليرجع الى مذهبه، فسار الى الليل فادرك نفاثا يعاتب نفسه ويقول: ضللت وأضللت يا نفاث، فمحمد الرجل ربه ورجع الىهله، واقام على مذهب اهل الحق، وبلغنا ان ابن اخت لنفاث اتاه فقال له: عبر لى رؤيا رأيتها، رأيت رجلا جمع شعيرا فجعله صبرة كبيرة فرقى سنور اعلاها، فقال له ذلك رجل جمع علوما فاستولى عليه الشيطان، فقال انت هو الرجل يا خالي.
وبلغنا انه بلغ عظيما في تحصيل العلوم واوتي فهما، الا انه فسد ذلك بما طبع عليه من الحسد، وغلب عليه من حب الخوض في غمرات الدنيا، فم فهمه ان امرأة سألته عن بيض طاهر طبخ في ماء نجس، هل سنجس البيض ام لا، فقال لها قفى مكانك حتى اخرج اليك، فدخل الدار واخذ نيلجا فجعله في ماء، وطبخ فيه بيضا حتى نضج، فلما قشر البيضة وجد لون النيلج قد خلط الى داخل البيضة، فعلم ان القشر لا يمنع النجس فخرج الى المرأة، فأعلمها ان البيض غير طاهر. وبلغنا ان سعدا خرج في اثر نفاث ليتلافى أهل جبل نفوسة، قبل (1/101)
صفحة 102
استفساد نفاث نثم شرع في بناء دار مجاورة لنفاث وجعل اخوانه يحسنون عونه في البناء، وفي اثناء ذلك لم يزل نفاث يلازم العمل معه بيده، وكان يحسن صناعة البناء فكلما رأىذلك منه خاف توهم النفوسيين انه راض عن نفاث، فكان يقول له بمحضر جمعهم الى متى انت مقيم على كفرك يا نفاث؟ فقال معاذ الله من الكفر (1) يا شيخ فاذا خلا سعد باصحابه قاله لهم، ما كان جزاء من يحسن عوني ان اعامله بقبح من القول، ولا ان اقابله الا يحسن عوني ان اعامله بقبح من القول، ولا ان اقابله الا بالاكرام، وانما خفت ان يراه معي اهل الموضع فيحسنون به الظن ويجد سبيلا الى فتنتهم.
وذكر عن نفاث انه توجه الى ارض الشرق ووصل بغداد ومكث فيها زمانا وكان يستأنس برجل من أهل بغداد، ويجالسه وبينما هما ذات يوم جالسان، اذ سمع نفاث مناديا ينادي فقال لصاحبه ما هذا؟ فقال مسألة وقعت في مجلس امير المؤمنين، فمن اجابه عنه فله سؤاله، ومناه فقال له نفاث انا اجيب امير المؤمنين عن مسألته، فقال له صاحبه اخشى عليك من القتل ان لم تجبه بعد تكلفك بالجواب. فقال له بل اجيبه عن كل ما سأل.
فاجتاز به خدمة السلطان فسأله عن احواله، وبلديه ونسبه ومولده، فقال له نفاث: يا أمير المؤمنين أنا رجل من البربر والبربر لا أدب عندهم فان رأى أمير المؤمنين الصفح عن العبد ان أساء والتجاوز عنه ان بدا منه الجفاء فعل؟ فقال له السلطان: قل ما بدا لك
__________
(1) لا تنس ان الاباضية تطلق كلمة كفر على اقتراف المعصية والاصرار على الذنب على حد قول الرسول عليه السلام للصحابه (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض).
- هو الامام الجليل والمحدث الثقة، وهو أول من نقل عنه المذهب الاباضي ويبدوا ان ديوانه هذا مجموع الاحاديث والآثار المروية عن الصحابة على الطريقة الاولى التي انتهجتها كتب الحديث، وتوفي رحمه الله سنة
96 هـ (1/102)
صفحة 103
فسأله السلطان عن المسألة فاجاب عنها، ثم سأله عن مسألة أخرى فاجاب، ثم سأله عن اخرى فاجاب، وذلك بمحضر الفقهاء الأكابر من أهل بغداد، فطفق كل منهم يسأله فيجيب حتى نفذ السؤال فلم يقف عن جواب. فنظر اليه السلطان نظرة مزدر برثاثة حالة على ما اوتى من العلم، فقال نعم العسل في ظرف سوء، ففطن به نفاث، فقال معرضا: ونعم الرجل في قبر سوء، يعني ديوان جابر بن زيد رحمه الله فانى في خزانة السلطان لا ينتفع به احد، فغضب السلطان لذلك وهم به. وتذكر ما قدم من اذنه في ان يقول ما شاء، فامسك، ثم انه قال له: سل حاجتك ن فقال لا حاجتى ان تهب لي ديوان جاب بن زيد رحمه الله لاستنسخه، فاجابه السلطان الى ذلك. فلما خرج نفاث قال للسلطان بعض وزرائه، يا أمير هذا ديوان معدوم غير موجودا الا في خزانتك ن فكيف تسمح لسواك فيخرجه فيصير في غير خزانتك، وفي غير بلدك، ويزداد به هذا المغربي فخامة. ما هذا براي، فقال لهم انى قد وعدت الرجل ومثلى لا ينبغي له ان يخالف وعدا، فما الحيلة فاشار عليه احدهم ان يخيره في يوم وليلة مقبلة من ايام اقامته فينسخ فيهما ما قدر عليه، ففعل فاختار يوما وليلة واعلمه بهما ثم اعد جميع ما قد رأى ان فيه كفاية، من حبر واقلام مبرية، وورق وكاغد واستأجر جماعة من الوراقين.
فلما كان اليوم الذي عزم فيه على أخذ الديوان وقد هيأ كل ما يحتاج الي، فرق الديوان على الوراقين، وجعل لكل ناسخ دينارا ولكل ممل نصف (1/103)
صفحة 104
دينار، فلما كان آخر النهار استدعى آخرين، وجعل لكل ناسخ دينارين، ولكل ممل دينارا فالأجرة الأولي على عمل النهار، والأخرى على عمل الليل، فما انقضى الليل آلا والديوان كله قد كمل نسخه، آلا سفرا واحد. فجاءه رسول السلطان يطلب الديوان، فدفعه الى من تناوله له، أبقى في يديه السفر الذي لم ينسخه، فشقه في مجلس السلطان مرة واحده فحفظه كله، فاعلم السلطان بذلك أمر بامتحانه فاخذ منه الكتاب فقراه سردا بلا نظر، فعجب السلطان بذلك، ففصل نفاث من مجلسه أملا السفر على من نسخه فكمل له الديوان، وأعملت الحيلة في القبض عليه. واعمل هو حيله في التخلص، وسلك طريقا مجهولة، حتى نفذ الى بلده ومعه الديوان، قيل بأنه سبعة أحمال. فلما وصل إلى بلاد طرابلس وجد أصحابه الذين ضلو لضلالته قد قلوا وضعفوا، فساء ظنه وخشى ان اظهر الديوان تكون جماعة اهل الدعوة هم المنتفعون به، فلم تسمح نفسه الخبيثه باظهاره، فحفر حفره ودفن فيها الديوان بحيث لا يعلم له موضع، ففقد الى يومنا هذا، ومات نفاث وكان بدء امره نفاقا وكفرا وعاقبته حسدا، فنعوذ بالله من علم لا ينفع وعمل للكلم الطيب لا يرفع، ولم يبق ببلادنا من يقول بقول نفاث وينصر حجته الا فريق من مطماطة فمنهم من بالجملة ومنهم بالجمل واليه ينسبون، فيقال لهم النفاثية، فوقى الله الإمامة شره، ودحض عزه.
واقام الامام رحمه الله بتاهرت سالمة ايامه من الشوائب متصفا بجميل الخير وحميد المناقب، رادعا لكل باغ وظالم لا تاخذه في الله لومة لائم، الى ان توفي رحمه الله عليه. (1/104)
صفحة 105
وكانت مدة امامته ستين سنه. فولى بعده ابنه ابو بكر وكان ابنه محمد غائبا بارض المشرق لقضاء فريضة الحج فدل عليه واخذ بمكه وحمل الى بغداد وسجن بها حينا، ثم اطلق واحسنت جائزته. فتوجه يريد المغرب، فزعموا انه لما انفصل من بغداد كان ببغداد من اهل التعديل من اعلمهم انه سوف تكون له ولايه، فجدوا في طلبه يريدون به شرا، فنجاه الله من شرهم ووصل الى تاهرت فوجد اهلها مجتمعين في أمر ابي بكرلما بينه وبين ابن عرفة. وذلك ان ابن عرفة من اعيان اهل تاهرت فكانت بينه وبين ابي بكر مواقعه افضت الىحرب وكاد الافتراق ان يقع والفتن لا ترفع بينهما، فبينما الناس في ذلك اذ اصبح ابن عرفة قتيلا. فنسب الى ابي بكر وهذا ما منع من وقوع الاتفاق على طاعته، فلما يسر الله بقدوم محمد كان رافعا للخلاف، وقاطعا لقبائح الاوصاف فاعتزل ابو بكر الولاية وانسلخ منها. ولم يجد الناس لمحمد محيدا عنها، فعقدوا له بيعة، والتزموا سمعه وطاعته.
امامة محمد افلح بن عبدالوهاب رحمه الله
حدث غير واحد من اصحابنا ان محمدا بن افلح اجمعت على توليته جماعة المسلمين، فولوه على انفسهم فلم يختلف عليه اثنان، وبلغ الغايه فى العدل والفضل والاقتداء بمن سلفه، فكانت نفوسه فيما قيل لا يعدلون ايامه وسيرته الا بايام جده عبد الرحمن وسيرته الا بايام جده عبد الرحمن وسيرته وذلك انهم اتخذوا مجلسه حينئذ كالمسجد، فطائفه يصلون، وطائفه يقرأون الكتاب، وطائفة يتذاكرونفي فنون العلم، ومكث في امامته اربعين سنة على هذا الحال، محمود السيره مجتهدا (1/105)
صفحة 106
في الصلاح قائما بالحق قاضيا بالعدل الى ان علت سنة ورق عظمه، وتوفي رحمه الله، وله تاليف في الرد على اهل الخلاف لا يشق فيها غباره ولا تياره، فولى ابنه يوسف ابن محمدا بن افلح رحمه الله.
امامة يوسف بن محمد بن افلح رحمه الله
ولما مات محمد رحمه الله ولى ابنه يوسف، فمكث في الامامه اثنى عشر سنة، وقد اطردت له الامور، وكان عامله على جبل نفوسه ابا منصور الياس على ما كان علية في ايام ابيه، وايام جده، وكان قاضية اذ ذاك عمروس فتح رحمة الله وكان عالما كبيرا وله تواليف تأليف في الاصول والفروع. وكان قد عزم على ان يؤلف تأليفاً مرضيا على ثلاثة قواعد: الكتاب، والسنة، والرأى، ويجعل كل قاعدة بمعزل فادركه اجله عجلا قبل تأليفه " فانا لله وانا اليه راجعون "، وفي ايام يوسف كان طلب أبى منصور ولد ابن خلف على ما سيأتي ذكره. وذلك ان ابا منصور كان فاضلا مستجاب الدعاء، اذ كرامات، ذكر عنه انه اذا خرج في عسكر ركب بغله وكان لا يتقي النبال، وكانت النبال تتحادى عنه وعن بغلته يمينا وشمالا، وهو مقتحم الحروب، لا يقع شئ منها عليه ولا عليها، قلت ولعل ركوبه البغلة لان ينشط العامة، ويشجعهم ولان يعلموا انه لا يحدث نفسه بفرار فيتاسوه به، وان كانت البغله ليست بمركوب لقتحم الحروب.
وحديث يعقوب بن ابى يعقوب ان ابا منصور رحمه الله حرج فى طلب ولد ابن خلف فى اخر ولاية الرستميين وقد هرب منه وسار الى (1/106)
صفحة 107
زواغة والتأمت رواغة. واجمعوا أن يمنعوه، وكانوا على مذهب ابيه فسمعوا قوله واطاعوه واقبلوا مجيبين دعوته إلى أن من الله عليهم بأبي منصور فردهم عن مذهبه، إلى مذهب الحق حسبما يأتي ذكره أن شاء الله، قال فسار أبو منصور بعسكر من نفوسة فلما وصل ريضة بخارج جزيرة جربة وجد بها جموع زواغة، في اعداد كثيرة محدقين على ولد ابن خلف، عازمين على منعه من ابي منصور، قال: فقام فيهم شيخ من بني يوراسن يقال ابو سلامة، فقال: يا معشر زواغة عندي لكم نصيحة، وذلك أن تختاروا واحدة من ثلاثة اما ان تتركوا بادية زيرة، وتدخلوا جزيرة جربة فتمتنعوا باخوتكم وتمنعوا صاحبكم، واما ان ترسلوا وفدا الى الامام، فترغبوا اليه في ان يفردكم بعامل، فتخرجوا من طاعة نفوسة، فلا يكون لهم عليكم سبيل. واما ان تدفعوا لي ابن خلف فانطلق به الى نفوسة تحت امان وانا كفيل بسلامته، وانهم لا يخرجون فيه عن قانون الحق، فلما سمعت زواغة مقالته قام رجل من عامتهم فقال ما اراد هذا اليوراسنى الأ الأيقاع بخليفتنا، فقال ابو سلامة: كيف قلت؟ فابتدر الجواب رجل من علمائهم، فقال اعرض عنه يا ابا سلامة، فأنه جاهل، فقال قد اعرضت عنه، وقام منصرفا عن محفلهم.
ثم ان زواغة اجتمعت على مناصبة ابي منصور فناجزهم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت زواغة، وكان اكثر شجر الريضة قريب عهد بالأنشاء، وكانوا لما غرسوه حفوه باعواد اثبتوها في حفر ووصلوا ما بينها بالحبال لترد عنها الوحش لئلا يفسدها، فاكثر تلك الأرض على هذه الصفة، فلما خرج القوم اعترضتهم تلك الجبال، فكلما راموا مهربا وطلبوا (1/107)
صفحة 108
ملجأ حالت الحبال بينهم وبين ما يطلبون، فطفق اصحاب ابى منصور يقتلونهم في كل مكان، حتى مات منهم عدد كثير، فرجع عنهم. واجتمع من ابقته الوقيعة منهم فلجأوا الى جزيرة جربة واستجار ولد ابن خلف برجل من زواعة يقال له معقل من بنى تامستاوت، فادخله في قصر من قصور جربة، يقال له غردان فسار اليهم أبو منصور بعسكره، فلما دنا من جزيرة جربه وجه رجلا من بنى يراس الى الزواغى مجير ولد ابن خلف، وارسل معه مائة دينار مصارفة، ودخل الرجل جربة فلما وصل الى الزواغى سلم عليه وجعل يصافحه ويصب الدنانير من كمه الى كم الزواغى فلما أحس بالدنانير جعل يسأله عن أحوال الشيخ ويقول له: لو اتيت الى اولادنا لدفعناهم اليك. وكان ابو منصور رحمه الله لما قدم الى جربة وصل اليها بعد ثلاثة أو قريبا منها لان من سيرته اذا كان مرتحلا بعسكره وحضر وقت الصلاة نقر في الطبل فيقف أول العسكر وآخره ثم ينزل فيصلى بهم، فاذا صلوا ارتحلوا.
وكان هذا دأبه فهو سبب مهله في السير، فلما حل بهم أبو منصور تقدم الى معقل ولد ابن خلف، فقال: انزل ايها الامير فقد طالما ارملت نساء زواغة، فقال ولد ابن خلف ليتكم لم تسمونى اميرا وناداهم نداء فيه جفاء، قال فدفعوه الى ابى منص 2 ور فساد به ولم يكن بجزبة حينئذ حركة ولا قتال، فاحتمل ولد ابن خلف الى الجبل فسجنوه هنالك، ولم يزل مسجونا حتى نزلت عنده نازلة في قطع رجل لص (1)، فاختلفوا فيها فاحتاجوا اليه، فانه، كان عالما فتوجهوا نحوه وسألوه من أين تقطع
__________
(1) لعله ليس بلص، بل قاطع طريق طريق، والا فاللص لا تقطع رجله. (1/108)
صفحة 109
رجل السارق فافتاهم بانها تقطع دون العقب، فقال عند ذلك مقالة جابر بن زيد لما استفتى فى السجن وخبره مشهور وسيأتي ذكره، وقد ذكر بعض اصحابنا ان الفتى تاب ورجع الى مذهب أهل الحق، وحسنت حاله، ثم ان أبا منصور توفي رحمه الله وولى مكانه افلح بن العباس بنفوسة من قبل الامام فكان حسن السيرة كأبيه.
وقعة مانو وانقراض الإمامة
حدث غير واحد من اصحابنا ان نفوسة كانوا اطوع رعيا بالدولة الرستمية وأكثرها عونا على الخير وأشدها بأسا في النصر على الاعداء، وفي ذلك يقول الامام رحمه الله: انما قام هذا الدين بنفوس نفوسة وأموال مزاته، وانشهر الصيت على نفوسة حتى اشتهر في بلاد المشرق عند سلوك المسودة، لمكتبات أهل بلاد القيروان وأهل طرابلس وغيرها من بلاد المغرب التي انتشرت بها دعوتهم، واستقامت بها مملكتهم، وبهم ظهروا على من سواهم وكان ذلك في أيام المتوكل ببغداد.
فلما تواترت الكتب اليه من الجهات الغربيه ان دعوة الرستميين قد تمت وأيامهم قد استقامت لا ينازعهم فيها منازع ولا يدافعهم عنا مدافع، ويستنفرون من عنده جيشا ينتظم به اليهم ملك طرابلس والمغرب فاهتز لذلك وتحرك اليه خاطره، فوجه عسكرا الى المغرب وأمر عليه ابراهيم بن احمد بن بني الاغلب فتوجه ابراهيم بعسكره الى المغرب قاصدا تاهرت، فلما قرب من طرابلس سمعت بخبره نفوسة فاجتمعوا، واجتمع رأيهم على ان يتركواه وما اراده من المسير الى تاهرت، دون ان يناصبوه. فاتصل به ما عزموا عليه، فوجه اليهم ان اتركوا الي ساحل البحر (1/109)
صفحة 110
مقدار نشر عمامتي لأجتاز فيه انا ومن معي، فأبوا من ذلك فلما رأى ابراهيم ان لا بد من رجوعه الى المشرق أو مناصبتهم عزم على لقائهم، فقال لأصحابه: خذوا اسلحتكم وشمروا وجوزوا على الساحل و لا تتعرضوا لهؤلاء القوم فان تركونا و طريقنا. . . والا قاتلناهم، فبلغ نفوسة ما عزم عليه ابراهيم، فقال بعضهم دعوا هذا الرجل يجتاز ولا تتعرضوا له بشيء، فأبى الأكثرون ذلك وكان ممن كره تعرضهم يعد بن ابي يونس وأشار بالكف عنهم، فقال له بعض العامة: يا سعد تشوقت الى شداخ قنطنار فجزعت من القتل في سبيل الله. فقال لهم يا قوم ليس في ما تقولون، ولكن خشيت ان تذبح البقرة فيتبعها عجلها- يعني بالبقرة نفوسة وبالعجل قنطنار- ثم خرجوا الى العسكر يمنعونه السلوك الى المغرب.
فلحقوه بموضع يقال له مانو، وهو قصر على ساحل البحر من ابنية الامم السالفة فاقتتلوا قتالا شديدا لم ير أشد منه بالمغرب فى ذلك العصر فخرج رجل من عسكر المشرق يطلب المبارزة من عسكر نفوسة فلم يخرج اليه احد الاقتله، فأراد الخروج اليه افلح بن العباس وهو امير الجيش، فأبى ذلك أصحابه فقال لابد من ذلك فخرج اليه فقتله افلح واشتد بينهم واسرع القتل في الفريقين وكثر القتل والجراح في نفوسة حتى هموا بألانهزام، فلما رأى ذلك افلح أمر أمر صاحب البند ان يركزه في الارض حتى لاينهزم احد على البند، فأبى صاحب البند من ذلك. ثم اقتتلوا مليا، ثم رجع فقال اركز البند فأبى فقال لابد ان تحفر للبند فتركزه فقال له صاحب البند انى قد امسكته مع جدك ومع ابيك ومع اخيك، ولم يأمرنى احد منهم بأن احفر له، وها انا حفرت (1/110)
صفحة 111
له حفر الله لك. فلما ركزه فى الحفرة، ولى أفلح منهزما وتركهم يلوذون به، ولم يستجيزوا ان ينهزموا ويتركوا البند قلئما، فقتل منهم بشر كثير. وقد كان أفلح فيما بلفنا قد كره خروجهم الى ابراهيم، وقتالهم اياه، ولذلك فعل بهم ما فعل. ثم ان رجلا من ذوى البصيرة فى دين الله ردد بصره في البند فرآه قائما والناس يلوذون به ويصرعون حوله فعمد اليه وقال انى لارى انك لم يبق لك حظ في النصر، وانك منهزم، فضربه بسيقه فسيط. فلما رأى من بقى من عسكر أفلح ان البند قد سقط ولوا مدبرين، فافلت من افلت منهم. فذكر من يوثق به ان عدة القيلى اثنا عشر ألفا، فمن نفوسة يومئذ اربعة آلاف ومن سائر القبائل ثمانية آلاف، وكان في القتى اربعمائة عالم، ولم يبق بعدهم عالم يفتى في النوازل الا ابو القاسم البغطورى، وعبدالله بن الخير. ثم تلامذتها بعدهما. وبلغنا ان عمروس ابن فتح كان في آخر العسكر وتحته فرس سابق وكان يحمى صاحبه، فاذا طلب لحق واذا طلب سبق، فنصبوا له حبالا واضطروه اليها، فعثر به الفرس واخذ أسيرا.
ومضوا به الى ابراهيم بن أحمد، فاشار الى عمروس بان يستعفى فيعفى عنه، قال عمروس تلك كلمة لا يسعها منى، ولكن أسال ان لا تنزعوا عنى سروايلى هذا فانى أوقن بالهلاك، فجعلوا يقطعون اعضاءه فقطعوه أنملة فأنملة، فلما وصلوا بالقطع الى عضده استثهد رحمه الله.
ثم ان بقية نفوسة بعد الواقعة رجعوا الى جبل نفوسة فتحصنوا فيه، وتشاوروا فى عزل أفلح بن العباس وتولية (1/111)
صفحة 112
ابن عم له، فاتفق جميعهم على ذلك الا ابا معروف فانه أبى ذلك خشية الاختلاف.
ثم ان نفوسة عزلوا أفلح بن العباس فأقاموا عوضا عنه ابن عم له ليقوم بأمورهم، حتى يخاطب الامام بما رآه، و بما دعاهم الى ذلك، فلما فعلوا ذلك حنق على فعلهم أفلح، حتى رام الخروج على جماعة اصحابه، والقيام بمخالفتهم وكان له صديق من نفوسة فعرض على صديقه ما عزم عليه من الخلاف، وحاول منه ان يساعده على ذلك فامتنع، فبلغ أبا معروف ما عزم عليه أفلح فجاءه خفية وقبح عليه الخلاف، وسوء عواقبه ووعظه، فركن اليه ولم يتهم قوله، تقدم منه أيضا من كراهية خلع أفلح، فأراد الله به خيرا فكف، فأقام ابن عمه نحو ثلاثة اشهر فلم يحسن التدبير ولا امرا من الامور، فلما رأوا عجزه أخروه، وقدموا أفلح على ما كان عليه، وكان ذلك ببركة ابي معروف وحسن سيرته، وقد ذكر جماعة من اصحابه عن رجل من عسكر ابراهيم قتل أخ له فجاء ليلا ليحمله على دابته، ثم التفت الى موضع المعركة فرأى شيئا يطوف على القتلى فلما مر بقتلى عسكر افلح نادى: كبروا يا أهل الجنة، فكبروا بأجمعهم، ثم مر بقتلى عسكر ابراهيم فنادي انبحوا يا كلاب النار، فنبحوا باجمعهم، ونبح أخوه على الدابة فألقاه عنها وهرب، ومضى لسبيله
ابراهيم بن الاغلب يتتبع بقية اهل الدعوة
ولما فرغ ابراهيم من نفوسة ذكر له ان بقنطنار بقية من أهل الدعوة، فقصدها، ولم يشعروا حتى غشيهم سحرا، فقتل منهم عددا كثيرا، وأخذ من صلحائهم وعلمائهم ثمانين رجل، فشدهم وثاقا، ثم سار، فذكر ا ان بنفزاوة ايضا جماعة اخرى، وفيها رجل عالم يقال (1/112)
صفحة 113
له ابو بكر بن يوسف النفوسى، رحمه الله، ووحه اليه، فأخذته رسله من تيزاج، وهى قرية من قراها، فلما أخذوه سألهم الشيخ ان يدعوه حتى يركع ركعتين، فتركوه فصلى واخذ فى الدعاء والتصرع الى الله عز وجل، فارسل الله عليهيم ريحا صرصرا، فأظلمت الارض اشد من ظلمة الليل فحيل بينهم وبين الشيخ مكفوف البصر، ومضى الى تناوته، وهم اهل القرية المعروفة بشيطان، من قرى نفزاوة، فنجاه الله من كيدهم.
ثم ان عدو الله توجه الى القيروان بالثمانين رحلا الذين هم فى وثاقه، من قنطنار، وفيهم رجل يقال له ابن تتيت مقطوعالعرقوب_ ولم تطلب نفسه بالهروب دون اذنهم _ فأذنوا له، فسل رجله من القيد وهرب. فأخذ اصحابه، فقتلوا باجمعهم، فكان ما ابقته من الضعف هذه الواقعة وما اتصل بها سببا لانقراض الدعوة، وذلك لان نفوسة كانوا عمدتها، قامت بقيامهم، وانقطعت لانقطاعهم، فلما ضعفوا انتهكت الحرمة. واستفزت الامامة. حتى انقرضت حسبما ياتى ذكره.
انتشار مذهب الشيعة
نبدأ بنبد من أخبار عبيد الله ووقوعه بأرض المغرب وانتشار مذهب الشيعة بها، وما يتصل بذلك من الاخبار التى ذكرها، ويفتقر هذا الكتاب اليها، حتى لا يخلو منها، لارتباطها بشئ سلفنا
رأيت باستخارة الله ان اختزل اكثر ما ذكره الشيخ رحمه الله، فى هذا الموضع، لقلة فائدته، واذكر منها موضع الحاجة، واستخلصه عن مقتضى ما ذكره "الرقيق" في تاريخ أفريقية ما تدعوا اليه الحاجة. (1/113)
صفحة 114
فاقول: عبيد الله هذا هو الذى يكنى ابا القاسم، وسموه المهدى محمد، وهو الذى يسمى: الامام القائم بن على بن موسى ابن جعفر بن محمد بن على بن الحسين، بن على بن ابى طالب فيما ذكره الرقيق.
وقد ذكر الرقيق ان المهدى هو ابو محمد، وانت الخليفة بعده ابنه القائم ابو القاسم محمد بن المهدى وبعده ابنه المنصور اسماعيل بن بن القائم، وبعده ابنه المعز، معد بن المنصور، ومعد هو ابو تميم، وسيأتى ذكر شئ عنه فى اثناء أخبار هذا الكتاب.
وقد قال بعض الناسبين، واصحاب التواريخ ان انتسابهم الى أهل البيت غير ثابت، وكان هذا قد حصل به شئ من علم الحدثان، وكان يرى ان امره بعزلاعة من ارض اليمن، ومنها تفرق دعاتهم، وان بأرض المغرب تتم الدولة، ويعم ذكرها ورأى بالعلامات ان ابا القاسم الحسين بن فرج بن حوشب الكوفى هو الداعى باليمن، الى ان انتشرت به الدعوة الشيعية وان عبدالله الحسن بن احمد بن زكرياء الكوفى المعروف بصاحب البدر هو الداعى بأرض المغرب، فوجهه اليها وامره انيبدأ بلقاء ابى القاسم الداعى باليمن ويتمنى سيرته، وينتظر مخارج افعاله، فيجتهد بها، ففعل.
ثم خرج الى مكه فصادف بها جماعة من كتامة، ممن حج تلك السنة، وكان منهم من تقدم له شئ من التشبع، فصاحنهم حتى أنزلوه قلة ايكجان بنظر ميلة، من بلاد كتامة، فلدلك قيل له الكجانى، ثم انتقل الى تاصروت، (1/114)
صفحة 115
فأقام ببلاد كتامة داعيا مدة سنتين، تمكنت به الدعوة الشعبية، وانتشرت فيما يليها من الجهات بعد ان عبأ العساكر، وكابر الحروب، وقارع غير واحد من الاغالبة، ة وقوي، وافتتح البلاد في أخبار تطول، وانما قصدنا من ذلك الاختصار.
وفي اثناء هذه المدة توفى الامام بالعراق، وعهد الى ابنه المهدى عبيد الله، فجاءته في الكتاب عبيد الل (1) ه يعلمه ان الامور قد تمهدت، او كادت، فتوجه الى المغرب مجاهدا قاصدا سلجماسة، فاجتاز في طريقه على وأرجلان فاستخف به سفهاؤها، وحتوا في وجهه التراب يقولون: هذا الذى جاء من الشرق يطلب الملك، وكان اشر الناس عليه أهل قصر بكر، وكان عند وصوله حسبما يأتى ذكره حرق المسجد الكبير، وكان عند وصوله: غيلر فتطير بهذا الاسم.
فتوجه الى سلجماسة فوجد صاحب سلجماسة اليسع بن مدرار فأكرم مثواه، وأسكنه عالية دار لرجل من أهل سلجماسة ساكن في اسفلها، فلما كان ليلة من الليالى رأى السلمجاسى في منامه كأن ثعبان عظيما فى داره مضطجعا، فانتيه مذعورا، فقص الرؤيا على ضيفه من غير ان يعلمه انه الذى لرأها، فقال له ان صح ما ذكرت فهذا ملك يملك المغرب والمشرق، فقبل يده وقالب: والله يا مولاى انى رأيت الرؤيا وليس معى في دارى غيرك، فازداد بذلك أنسا وازال وحشه، واقام بسجلماسة الى ان فتح ابو عبدالله طبنة وبغاي وطرابلس والقيروان وقفصة وما يتخلل هذه المدن من القرى، واستولى على جميع افريقية، واجلى عنها
__________
(1) كذا في النسخ التي ظفرت بها. (1/115)
صفحة 116
من كان فيها الاغلبة، فلما طاعت له البلاد واستقامت له الامور عزم على المسير الى سلجلماسة في طلب المهدى عبيد الله فخرج ابو عبيد الله من رقادة الى سجلماسة، فاجتاز على تاهرت فكان منها ما كان من غدر بنى اليقظان بالامام يوسف بن محمد بن افلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم رحمه الله، وشكى من بتاهرت ونظائرها من الشيعة والواصلية وغيرهم الى الشيعة أمارة الفرس، وسألوه أن يستأصل شافتهم، وخرجت دوس (1) بنت الأمام يوسف رحمه الله، تشكو الى عبدالله الشيعي غدر بني يقظان اباها، ووعدته ان يتزوجها ان هو أخذ لها ثار ابيها، فجاءه فيمن جاءه من أهل الموضع ومعهم ابوهم، فسأله ابو عبدالله الكجاني من انت؟ قال: أنا يقظان فقال بل انت حيران، مالذي دعاكم الى قتل اميركم فاسلبتم ملكه، واطفأتم نور الأسلام بغير سبب، والقيتم بأيديكم الينا بغير قتال؟ ثم امر بهم فقتلوا جميعا، ثم ان يعقوب بن الأمام وابنة اخيه دوس خرجا في خفاء الى جهة وارجلان حتى نزلاها وانما خرج بها خوفا من ابي عبدالله الشيعي أن يستنجز الوعد، فطلبها فلم يجدها، ودخل المدينه فانتهبها وانتهك حرمتها، واجلى كثيرا من أهلها، وجعل اعزة اهلها اذلة.
وكان دخوله المدينة بالامان فلما دخلها غدر وقتل اهل بيت الامامة من الرستميين واهل الملك وأهلك الحرث والنسل، فانقطعت الأمامة بموت الأمام يوسف رحمه الله ومن قتل معه ومن قتل بعد دخول المدينة وذكر انه وجد صومعة مملوءة كتبا وهي المشتملة على
__________
(1) اثبتها صاحب الازهار الرياضية باسم دوسرة. (1/116)
صفحة 117
ديوان تاهرت الذي يذكره العزابة، فانتقى منه ما انتقى واحرق الباقي، فلم يبق لشيْ من الديوان اثر أصلا.
ولما علم عبيد الله بقدوم ابي عبد الله خرج ليلقاه وقد علم جميع الدعاة والقيادةانه صاحب الوقت، وان له يدعو بعد ما خاف عليه الغدر من ابن مدرار، فلما قدم على عسكر ابي عبدالله جاء معه ابنه القاسم فقدم لهما ابو عبدالله فرسين فركبا وحفت بهم العساكر، ومشى عبيد الله والدعاة بين يديه وأبو عبد الله يقول: هذا مولاي ومولاكم، وابن ابنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي كنتم تنتظرون، وجميع الناس يسمعون كلامه، وعقدوا له البيعة فلما دخل افريقية وذلك في عام سبعة وتسعين ومائتين، وقد تمكنت دولته، وجه عسكرا عظيما الى وارجلان، فلما سمع اهله باقبال العسكر تحصنوا بالكدية المعروفة بكريمة، وهي كدية حصينة شاهقة بينها وبين وارجلان قدر ستة اميال، فملأوا مؤاجل بها ماء، واخرجوا ما قدروا عليه وما امكنهم، فلما وصلهم العسكر دمر الديار وحاصروهم في الكدية، وطوق بها سبعة اطواق، وهم بالمقام معهم، حتى يهلكوا عطشا، فقال لهم رجل ممن كان معهم ويقال انه يهودي لعنه الله هاتوا قصاعا كبارا، فملأوها زيتا، ونصبوها علىحرف ((كريمة)) بحيث يراهم أهل العسكر وجعلوا كانهم يمتجون الماء ويصبونها للجمال تشرب، ومعهم جمال كثيرة وقد تمكن منها العطش، فجعلت الجمال كلما رأت القصاع مملوءة حسبتها ماء، فقصدتها فكلما كرعت وجدته زيتا فقنعت برؤوسها، وتنفض مشافرها، وتنشر بأنوفها، (1/117)
صفحة 118
فلما رأى ذلك اهل العسكر قالوا ما هذا الا عن ماء جم لا تكنسه الدلاء ففيم المقام؟ وارتحلوا وقد كانوا حين انتهاب الديار وجدوا بيضة نعامة مملوءة شعيرا فحملوها معهم فلما وصلوا رملة ايفران لحقهم رجل من وارجلان ممن اراد هلاك المسلمين فوالاه من العسكر ناس سدراتيون فقال لهم لم ارتحلتم عن القوم وليس معهم ماء؟ وانما تلك حيلة احتالوها عليكم، فارجعوا فانكم ستظفرون فابتدره السدراتيون، فقتلوه خوفا ان يسمع مقالته احد من أهل العسكر.
وانما فعلوا ذلك حمية لاخوانهم وقبيلهم ان يظفر بهم اهل العسكر. وإنما فعلوا ذلك حمية لاخوانهم وقبيلهم أن يظفر بهم أهل العسكر، ولما وصل أهل العسكر الى صاحبهم بالقيروان لامهم، ونسب اليهم التقصير، فقالوا: كيف نقاتل حصنا هكذا؟ ورشقوا رغيفا بأعلى ذرع طويل وهذه مطامرهم، واخرجوا له البيضة المملوءة شعيرا.
قالوا كيف نقاتل هؤلاء وأي فائدة تفيد بقتالهم؟ فنجاهم الله عز وجل. ويسر اسباب سلامتهم، ولما تمكن امر عبيد الله بالقيروان واستحكمت دولته بلغ عن ابي عبد الله انه عازم على غدره فلما تحقق ذلك منه بذاته وبمن صافوه على ذلك من الكتاميين، فقتلهم اجمعين، وذلك في جمادى الثانية سنة 98 ثمان وتسعين ومائتين وسلم له ملك افريقية حتى قبض وولى بعده ابنة القاسم وفي ايامه ظهر ابو يزيد بن كيداد اليفرني.
ذكر اخبار ابي يزيد مخلد بن كيداد الناكثي
حدث بعض اصحابنا أن أبا يزيد رجل من بني يفرن وكان مسكنة بقلعة" سدادة " من تفيوس، قلت أما نسب سدادة فوهم أو غلط. وأن كان هذا النسب قد وقع أيضا ليس هكذا في كتاب الرقيق، وإنما ذكر اصلة من بني (1/118)
صفحة 119
ويسيان توزر، ثم نشأ بتفيوس وليس كذلك. انما كان مسكنة في منزل يلي جهة سدادة وهو اليوم خال دارس في الجانب الغربي منه كانت مدرسة ابي يزيد على عين ماء، هي معروفة بعين النكارة الى يومنا هذا، وعشيرته من أهل تطاوين، وهم رهط "بني كندل" قال: وله حديث مع ابي الربيع سليمان بن زرقون فى ابتداء اشغالهم بطلب العلم ورجوع ابي يزيد الى مكان مذهب النكارة وتركه لمذهب الوهبية نستدركه في موضعه ان شاء الله، وإنما قصدنا هنا أن نذكر قيامه على القاسم بن عبيد الله، وما أل إليه أمره فاول ما اوقع في نفسه القيام أنه لما توجه الى المشرق يريد الحج حين فراره من عبيد الله لما طلبه، فلما وصل الى مصر وقد حلق رأسه وقال له: غط رأسك أيها الثائر فلما سمعها ابو يزيد وقع في نفسه ما وقع من ذلك فسار متوجها. فطولب في بعض البلاد التي سلكها بمكس، فاستعظمه ولما رجع ووصل الى قرب جبل نفوسة فارقة من كان معه من أهل جبل نفوسه، قاصدين منازلهم. فقال لهم أبو يزيد: اقرأوا اخواننا السلام، وقولوا لهم قد فاتنا منكم كثير وفاتكم منا كثير، وانه ليس لله علينا أن نشتري حجة، يشير بهذا الى المكس الحقير الذي طولب به، ويريد بهذه الرسالة اختلاف القلوب.
ثم سار حتى وصل موضعه بتقيوس، فجعل النكار يجتمعون عليه في المكان المعروف به واطلع منهم من اطلع على عزم من القيام حتى اشتهر خبره، وفشى وسمع به ابن المهدي القاسم، فكاتب والى قسطالية بمطالبته والبحث عنه، لأنه كان يرى أن قائما يقوم عليه من زناته (1/119)
صفحة 120
فيلقى منه شغبا، وسمع من علامات ابي يزيد ما دله على أنه الذي أنه الذي يقوم عليه.
فوجه اليه والى قسطالية من توزر فأخذ وسجن في توزر مكبولا، فطال مقامه في السجن حتى قنط ويئس من السلامة واشتدت عليه أبواب الحيل. فبلغ خبره جماعة من النكار، فتشاورا في أمره، فأجمعوا على أن يختاروا أربعة رجال أهل شدة ونجدة، فساروا أخر النهار ودخلوا مدينة توزر، فوقف احدهم على باب المدينة وتقدم ثلاثة الى السجن وكسروا بابه وقتلوا السجان، واخرجوا جميع من في السجن، فاخرجوا صاحبهم في كبوله، فحمله أحد الثلاثة على ظهره وجرد الأخران سيوفهم، فجعل احدهما أمامة والأخر وراءه فكل من قام اليهم قتلوه، حتى خرجوا من المدينة، فلم يتبعهم أحد. فلما وصلوا موضعا بين الحامة وتوزر وهناك صخرة حطوه عليها، وكسروا الكبول، حتى أطلقوه، والصخرة معروفة بصخرة ابي يزيد الى اليوم، فتوجهوا بصاحبهم الى صحراء سماطة قاصدين بني درجين، وكان بها حينئذ عدد كثير زهاء ثمانية عشر ألف فارس، فيما ذكروا ورجوا أن يمنعوه فلم يكترثوا به، إذ كان غير المذهب.
فسار من عندهم مستخفيا حتى وصل جبل أوراس، وكان عند اخوانه بالجبل مكرما ولم يزل البحث عنه حتى علم موضعه فوجه اليه القاسم بن عبيد الله جيشا عظيما، فحاصروه بجبل أوراس سبع سنين، وبلغت نفوسهم التراقي حتى قال قائلهم لما نزل بهم ما نزل من البلوى والضرر، وقال:"جبل لا يصعد، ومطر سكب، وفتى مستقص، وشيخ لا يثنى ونحن المبتلون". ولما رأى القوم ما نزل (1/120)
صفحة 121
بهم اتوا ابا يزيد، وقالوا له قد رأيت ما نزل بنا من هلاك هذا الفتى، ولا طاقة لنا بمدافعته، ولا صبر على أكثر مما أصابنا من الضرر، وهلاك رجل واحد أيسر من هلاك جماعة كبيرة، فقال لهم ابو يزيد امهلوني هذه الليلة.
فلما اظلم الليل امر بخمسمائة ثور، وان يشد بكل قرني ثور حزمة حلفا، وفي ذنبه أخرى، وأمر بخمسمائة رجل من أصحابه من ذوي النجدة والبأس واخذوا سلاحهم واستاق كل رجل منهم ثوراً، حتى اذا قربوا من العسكر أطلق كل رجل منهم نارا في حلفا ثوره فلما احست الثيران حرارة النيران، ركضت وخاضت العسكر، والرجال في ساقتها بالسيوف مسلطة، يضربون بها كل من ادركوه من أهل العسكر، وجعل الله ذلك سببا لهزيمة العسكر، فانهزموا وابو يزيد وأصحابه يقتلونهم حتى قتلوا عددا كثيرا، ولما اصبح عرض أبو يزيد عسكره فعرض في اثنى عشر ألف فارس ممن صار اليه من عسكر الشيعة خاصة ممن كان عدوه بالامس وسار في طلب عسكرهم، فتسامعت به القبائل فجاءوة منكل مكان، وطار إسمه في الأفاق فاجتمعت له عساكر عظيمة، حتى عدوا في عسكرة ألف ألف أبلق فيما قيل، ومعه جماعة كبيرة من مزاتة فجعل يفتح المدن والقرى حتى افتتح الساحل كله، واقبل يريد قسطالية، التي منها خرج فافتتحها. فلما احس من نفسه قوة ورأى كثرة من معه، قال له بعض عزابته الى متى ننتظر بثأر يزيد بن فندين يومى الى امامهم المقتول بتاهرت، فقال له أبو يزيد أن نحن تخلصنا وتفرغنا من نسج الكساء اشتغلنا بفليه. (1/121)
صفحة 122
قال وكان حوله جماعة من مزاتة فيهم مسارة بن غني وهو يومئذ رأسهم فسمع مقالة أبي يزيد وفهم المثل الذى ضربه، فقال له: لا تظن أن الوهبية خرجوا معك فانهم في مساجدهم وانما خرجنا معك نحن نشاركك في أكل هذه الميتة، فدع ما تحدث به نفسك والا اقتتلنا قتال كلاب الحي، يريد بالميتة الاموال التي كانوا ينتهبونها، ثم أنه سار يريد القاسم بالقيروان، فكل مدينة وقرية مروا بها اخربها وسبي النساء واستباح الأموال، كفعل نافع بن الأزرق وغيره من الخوارج، بل قد زاد عليهم، وكان ينكر عليه، ويقول ان هذا لهو الخروج من الدين، ولما رأى أبو يزيد ذلك منه خشي أن يفسد عليه قلوب العامة، فامر بقتله ليلا، فلم يعلم خبرة. فلما سمع القاسم باقبال ابي يزيد اليه بجنود لا قبل لهم بها خرج من القيروان، يريد المهدية وخلف على القيروان واليا من قبيلة.
فلما نزل أبو يزيد على القيروان حاصرها حصارا شديدا حتى أشرف أهلها على الهلاك، فانهب طائفة من المدينة وحاز كثيرا من اطرافها، والقوا اليه بايديهم، وخرجوا باجمعهم الا قاضي المدينة، فانه انحجز في دار الامارة بأموال جسيمة فوجه اليه أبو يزيد بان يخرج فأبى أن يخرج الا عن أمان فأمنه فلما خرج شاور أبو يزيد في أمره وزراءه فقال أحدهم (وكان يكنى أبا عمارة) ألم تعلم ما قال في كتاب كليلة ودمنه؟ قال وما الذي قال؟ قال: (ليس شيء اروح للقلب من قتل عدو، وان بلغ في الضعف النهاية) فامر ابو يزيد بقتله فقتل بعد أخذه بالامان، واخذ جميع تلك الأموال. (1/122)
صفحة 123
وذكر أن عدة ما خربت من القرى على يديه في أفريقية ثلاثون ألف قرية، وفعل في أفريقية من الفسوق والفجور والعصيان وأنواع الفساد ما لم تفعله الفراعنة ولا أحد من ملوك أهل الكفار.
وبلغنا أنه عوتب يوما على ما يفعله أهل عسكره من الفساد واستباحة المحارم، فقال: وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا "وكان في هذه الحركات كلها يركب على حمار أوتي به من مصر، فكان يعجز الخيل أن مشى وعدا، وبلغنا أن الشيخ أبا القاسم يزيد بن مخلد الوسياني رحمه الله قال يوما وقد وصف له ما اخرب أبو يزيد من البلدان فذكر قومنا فقال لقد فتح فيهم أبو يزيد بابا، ألا أنه لم يحسن السيرة، وبلغنا أنه مر بعسكره على قابس درهم فامر بافسادها. فاقام عليهم مدة يدمر ويخرب، فلما أراد الإرتحال عنها قومت بدرهم، فصار يطالب أهل قابس بما بين القيمتين. وبلغنا أنه نزل الساحل فأخذ أهل عسكره صبيتين جميلتين، فجاءته أمهما شاكية، فقالت له: ياشيخ أن العزابة أخذوا ابنتين سبوهما وغصبوهما وهما حرتان فلم يجبها، غير أنه قال: وهل في أفريقية حرة؟ فخافت المرأة على نفسها، فهربت ونجت بنفسها، وبلغنا عنه أنه لا يبيت كل ليلة الا على اربع ابكار من بنات الأحرار.
ثم أن أبا يزيد سار من القيروان يريد المهدية حتى نزلها وحاصر بها القاسم زمانا طويلا وكان قد نزل بالرملة التي بباب المدينة وبني حول المدينة مصلى هو اليوم معروف بمصلى أبي يزيد، ولم يزل محاصراً الى أن توفي القاسم وولى إبنه إسماعيل فسمع، أهل العسكر بوفاة القاسم. (1/123)
صفحة 124
فسروا بذلك وطمعوا فى افتتاح المدينة، فبشروا ابا يزيد بذلك، فاغتم وقال لاصحابه: قد مات رجل اديل لنا عليه وولى رجل يمكن ان يدال له علينا، ثم ان ابا يزيد قام فضرب احد مصراعي باب المدينة وكان عند اسماعيل فيما له من علم الحدثان على ما زعموا ان ابا يزيد يخيب اذا ضرب في ذلك المصراع، ويصيب ان ضرب في المصراع الآخر. فلما ضرب في جانب الخيبة قويت نفوس من بالمدينة وقال له بعض من في البرج أخطأت ياشيخ، فنشب القتال فكانت الدائرة على ابي يزيد، فانهزم. وذكر ان ميمنة عسكره انهزمت حتى بلغت الهزيمة الى القيروان ولم يشعر من فى الميسرة، وذلك لكثرة العساكر، فسمع ابو يزيد بان اسماعيل قد دس الكتب الى القيروان بمصاب أبي يزيد، فحاصروا عامله عليها حتى اخرجوه. وولى أبو يزيد واتبعت ابا يزيد طائفة من خيل اسماعيل حتى ادر كوه، وقد ارتث (1) جراحا، فالقي بيده على احدهم وقال له خلصنى، قال له من انت؟ فقال انا أبو يزيد، فاتي به الى اسماعيل فاعلمه انه اسر رجلا يزعم انه أبو يزيد قال وانا لا اعرفه فدعا اسماعيل بمن يعرف أبا يزيد فأعلمه انه هو. فاستدعى الاطباء ليعالجوه يريد حياته ليعذبه بانواع العذاب، فاعلمه الاطباء انه لا مطمع في حياته، فامر اسماعيل بسلخه، فأخذوا يسلخونه فلما انتهوا الى سرته مات. وذلك في محرم سنة ستة وثلاثمائة وتفرقت عساكره
"
ابنه الفضل يخلفه ثم ان ابنه الفضل جمع جموعا من بقايا عسكر ابيه من بعده فقصد بها احياء مزاتة وعندهم حينئذ الشيخان ابو القاسم
(1) ارثت مبني للمجهول، حمل من المعركة جريحا و به رمق
102 (1/124)
صفحة 125
وابو خزر الوسيانيان في جمع من اهل الدين والصلاح نازلين اضيافا عند اخوانهم فى الله من مزاتة، فلم يشعروا الا والاخبية تضرب حولهم.
وكان العسكر فيما زعموا ثلاثين ألفا. فقال الفضل لمزاتة ادفعوا الي ابني عمى فاليهما قصدت، ولم اقصد اليكم يا مزاتة يعنى الشيخين لان بني وسيان من يفرن
الشدة شيئا
فعزم قوم من اهل الدنيا المطرحين للدين على ان يدفعوهما اليه، فابي ذلك اهل الدين والصلاح فتشاوروا أهل الدنيا متقلبون فقال احدهم قد تبين لى ان أهل الدنيا لا يدفعون لا يدفعون عنكم وقت عنكم فدافعوا عن انفسكم وعن أضيافكم، فان اخوانكم] من اهل الدنيا مهما رأوكم فى الاهتمام بالمدافعة وتحققوا منكم هذا الجد قاموا لقيامكم، فما منكم الا وله أخ وابن أخ وابن في أهل الدنيا فما منهم من يخذل اخاه أو
عم
"
يسلمه للموت، فقالوا قوموا باجمعكم فقاموا غضبا لله. فهم بين مسرج فرسه وملجمه و معتضد رمحه ومتقلد سيفه عازمين على الجهاد، فما استتموا اهبتهم الا واهل الدنيا قد جاءوا تائبين، نادمين، دافعين عن المشائخ واعترفوا بما فرط منهم من اهمال حقوق المشائخ والصلحاء، فلما تلافوا زللهم قبلوا منهم، واجتمعت كلمتهم وتأهبوا جميعا ونهضوا، وكان ميسارة بن غني ممن وافق رأيه رأى أهل الصلاح أولا، وأخيرا قال للمشائخ: ان لى اثنى عشر ولدا وقد وهبتهم اليوم لله، ولكم، فزحفت جموع مزاتة مقام عسكر الفضل. ومن اعجب ما ذكر اخبار ميسارة يومئذ، انه نظر الى عسكر العدو فرأى الفضل في ربوة وقد احاط به موكب من انجاد خيله، وفرسانهم قد تراكموا على الفضل حتى اسودت بهم الربوة، فقال ميسارة
103 (1/125)
صفحة 126
هروب بقية العائلة
لاصغر أولاده: امك طالق ان لم تكشف تلك الخيل على تلك الربوة، فحمل عليهم فلم يزل يعاركهم حتى كشفهم من الربوة، واقتتل الفريقان فهزم الله العدو وقتل منهم بشر كثير وحدث الثقات ان عسكر الفضل لما انهزم وكان ثلاث فرق، ففرقة نجوا هاربين وفرقة قتلوا اجمعين وفرقة كان اكثرها هالكين. وهرب الفضل فيمن هرب حتى انتهى الى قرية من قرى تلك الجهة فدخلها وطمع في النجاة، فأخذه أهل القرية وقتلوه واتوا برأسه الى اسماعيل بن القاسم متوسلين به عنده، فاحسن اليهم عدو الله. وقد بلغنا عن رجل من هوارة يقال له محمد بن عربية انه ضلت له ابل فخرج في طلبها على فرس له سابق فلما جنه الليل بات فرسه بدون علف ولما اصبح وافي هزيمة الفضل وكان من سرعان خيل مزاته فكان كلما لحق برعيل من خيل الفضل قطعه عن اصحابه وتبطه حتى تلحق به خيل مزاتة فتستأصله بالسيف، فربما لحق بجماعة رجال فيقطعها على الخيل، ولم يمسه ضعف ولا أحس من فرسه كلا وكانت لهذا انابة في آخر عمره و اجتهاد وصلاح.
ذكر شيء من اخبار يعقوب بن الامام افلح
رحمهما الله ورضى عنهما
الرستمية الى ولما نزل الداعى للشيعة تاهرت خرج يعقوب بجماعة
وارجلان
خيل من اصحابه بعيالاتهم، وخرجوا في خفاء خوفا مما
ينالهم من عدوهم، فشعر بهم ابو عبد الله فوجه في
طلبهم جيشا، وكان يعقوب على فرس من نهاية السوابق
6
"
فلما لحق سباق العسكر باصحابه جعل يواقف العدو وحده
حتى يتنفس اصحابه، فيهمز فرسه حتى يصل اصحابه،
"
104 (1/126)
صفحة 127
ثم
اذا لحقوه أيضا واقفهم، وثبطهم على اصحابه، فكان ذلك دأبه ودأبهم حتى نجى الله يعقوب واصحابه، ورجع العدو، ولم يطمعوا منهم في قليل ولا في كثير
عنهم
فسار باصحابه متوجها الى وارجلان، فذكر عنه انه لما كان في بعض الطريق نظر نظرة في النجوم فقال لاصحابه (انكم لا يجتمع منكم ثلاثة نفر الا كان عليهم الطلـ افترقوا فقد انقطعت ايامكم وزال ملككم)، فاقبل بمن معه من اهله حتى نزل وارجلان وذلك على عهد الشيخ ابي صالح جنون بن يمريان رحمه الله، فتلقاه، وعرضوا عليه ان يولوه على انفسهم، وقال: لا يستتر الجمل بالغنم فصار مثلا، فمكث فيهم دهرا وكان معه ابنتاه وابنة اخيه قد منعهن من التزويج، ثم ان جماعة من مشيخة وارجلان اجتمعوا وحرضوه على انكاحهما ولا يعطلهما، فقال لهم رغبتم في هذا ورأيتموه صلاحا فانا لا اصاهر الا رجلين فاضلين احدهما من أهل الدين والآخر من اهل الدنيا ويكونان على اختيارى. فقالوا له ضع يدك على من شئت فقال: اما الذي هو من اهل الدنيا فحمو بن اللؤلؤ، واما الذي هو من اهل الدين فالعز بن محمد، فانكحهما الابنتين قيل وكانت لحمو امرأة أخرى فاغتمت حين سمعت باملاكه جعيدة الامام، اغتماما شديدا، حتى أفضى ذلك بها الى الموت، فطاب بعدها عيش الزوجين.
اذا
وكان يعقوب يحمل انواعا من العلم، بلغنا ان سائلا أتحفظ القرآن؟ فقال: استعيذ بالله من
سأله ذات
يوم
ان ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام ما لم احفظ واعرف معناه، فكيف بالكتاب المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم!
مكانة يعقوب بن
افلح في العلم
والعبادة
105 (1/127)
صفحة 128
وكان أيضا في غاية من مجاهدة نفسه، وكان صاحب
کرامات.
يصلى
برح
بلغنا انه قام ذات ليلة يتجهد في بيته فبينما هو قائم اذ خر سقف البيت الا الخشبة التي تقابل رأسه، فما قائما خاشعا حتى جاءه الناس فكشفوا عنه الردم حالته فوجدوه على، ولما خرج من صلاته بعد اتمامها قالوا له: ما ظننت؟ قال: ظننت ان القيامة قد قامت. وله رحمه الله بوارجلان آثار مشهورة، وفضائل مذكورة.
الافتراق الرابع في الاباضية
وذكر جماعة من اصحابنا ان يعقوب نشأ له ولـ بوارجلان يکني ابا سليمان، فاخذ في قراءة كتب اهل الخلاف ومدارستهما وكان ابوه يقول لاهل وارجلان: احذروا هذا، فانه قرأ ديوان احمد بن الحسين، فلما مات رحمه الله اجتمعت لتجهيزه جموع أهل وارجلان حتى كفن في اكفان مثله، فصلى عليه ودفن في مقبرة الشيخ
ابنه ينتحل مسائل ابي صالح وقبره ظاهر هناك الى عصر نا هذا غير مندرس حبا للزعامة ورغية وهو من المشاهد المزورة واماكن البركات المأثورة.
فيها
واخذ أهل وارجلان فى تعظيم ابي سليمان والرفع
من قدره لو اراد الله رفعته، لكن صدقت فيه فراسة ابيه رحمه الله فانتحل ابو سليمان مسائل غير مرضية، وشرع في خلاف المسلمين وتبديل ما كان عليه سلفه من قوام الدين فاشتهر عليه مسائل مستنشعة. منها قوله ان فرث الانعام نجس والى هذه المسألة ينسب فكان يقال له الفرثي بهذا السبب، ولما ذكر عنه حاول اختباره جماعة ممن كان يعظمه وأراد ازالة التهمة عنه، أو الخروج عن الشك لليقين،
106 (1/128)
صفحة 129
فاستعملوا له اطعمة حفيلة قد طبخوا فيها مصران الغنم ومباعرها غير مستخرج بعرها، وركبوها مع اللحم على الثريد، واستدعى ابا سليمان بمحضر الطعام، فلما تناول
"
مصرانا من تلك المصارين وشقه ليأكله وجد فيها فرثا فألقاه فقال هذا طعام نجس، فقال له صاحب الطعام فماذا يصنع به؟ قال تحفر له حفرة ويكفأ فيها، وقطع عذر من أكله. فبلغ ذلك الشيخ ابا صالح رحمه الله وكان ممن يغضب لله ويقوم في تغيير المنكر، فكره ان ينتشر ذلك في العوام فيعتقدونه صوابا فيأخذ ذلك بقلوبهم، ويفضى الى الارتياب فتقع الفتنة والاختلاف، فاستخص من فوره جماعة من اصحابه فساروا الى الدار التي فيها الطعام فاستأذن هو واصحابه، ودخلوا، واستدعى بذلك الطعام و بالماء فغسلوا ايديهم، فأكل واكلوا حتى قضوا حاجتهم من الطعام، فأزال ما وقع في النفوس المرضى من تلبيس
بهم
ابي سليمان
•
دعوة الشيخ ابى
صالح إيه إلى المباهلة فكان بينهما بعد ذلك مناكرة وتنازع وتقاطع لهذا
السبب حتى قال له الشيخ يوما ان شئت باهلتك، فقال ابو سليمان اجل! فاتفقا على المباهلة يوم الجمعة الاقرب اليهم فخرجا إلى قبلة وارجلان بعد ان اقترعا على «كريمة» و «تسرسرين» موضعين معروفين هناك فوقعت كريمة لابي سليمان فتوجه اليها، وجعل يبتهل ومعه جماعة من اصحابه اهل الضلال الذين شايعوه، وتوجه الشيخ الى تسرسرين فاتخذ بها مصلى هو اليوم بها معروف واخذ في الدعاء والابتهال، وكلاهما يدعو الله على المبطل، فما كان الا قليل حتى جاء الشيخ مسرورا واثقا من الله عز وجل، وبالاستجابة مبتهجا، ولما حاول ابو سليمان
107 (1/129)
صفحة 130
واصحابه النزول من كديته ارسل الله عليهم ريحا صرصرا وحجارة ترميهم، وظلمة، فضلوا عن الطريق وتفرقوا ولم يهتدوا الى السبت. ففضحهم الله و اظهر ما اسروا من
يوم
الفساد، ولم يرد بهم خيرا فيتوبوا، بل لجوا في طغيانهم وعموا في ضلالتهم، فعجل الله عز وجل بهلاكهم، فلم ينطل على المسلمين شغبهم، ولم يبق منهم أحد، فبعدا
للقوم الظالمين
•
المسائل الغريبة وكان الذي صح عنهم من المسائل الشرعية التي أفتى التي انتحلها ابو بها بخلاف ما عليه المذهب سبع مسائل: احداها الفرت سليمان
المتقدم ذكره. والثانية تحريم الجنين. والثالثة والرابعة تنجيس عرق الجنب وعرق الحائض. والخامسة نجاسة دم العروق المستبطنة للظهر بعد ذكاة الشاة. والسادسة صوم الشك. والسابعة الزكاة للاقرب، قال لا تعطى لهم الى هنا انتهت الاخبار المنتقاة من سير الدولة الرستمية وأئمتنا الهادين رحمهم الله اجمعين
يوم
وقد أتى الشيخ ابو زكرياء رحمه الله بذكر المشائخ الذين ظهروا بعد انقراض الامامة الى ان رتبت الحلقة فأحيا برتوبتها معلم الدين وتبين العاجزون من المجتهدين وذكر كيف كان السبب لذلك وابتدائه، فرأيت ان أصل ذلك بما مضى من اخبار الائمة وأضعه من هذا الكتاب، و تحققت ان ذلك جيء بصواب لوجوه: منها ان كلتا المدتين مدة امامة وان كانت الاخرى عارية من الولاية. فالذى ينبغى ذكر اتصال هذه بتلك، وان تنظم معها في سلك
•
ونذكر المشائخ الذين اقتبسوا لذلك النور من امامة الظهور الى غير ذات الظهور. وأيضا قد مضى ذكر الافتراق الاول والثاني والثالث والرابع وبقي خامس سيأتي ذكره
108 (1/130)
صفحة 131
متصلا بما يليه قبله لا يقطع بعد ذلك من غير جنس قاطع (1) وأيضا قد مضى من ذكر الشيعة ما تقدم من أنبائها المشهورة وبقى من اخبار نهايتها ما تدعو اليه هاهنا الضرورة، وما يتخلل من انباء وعجائب اخبار، يجرى في ذكرها مع ما يليق بها في مضمار. فنبدأ بذكر الاشياخ شيخ بعد شيخ الى أيام ابي عبد الله رحمه الله
•
ذكر شيء من اخبار ابي الربيع سليمان بن زرقون
رحمه الله ورضى عنه
وابي الخطاب وسيل بن سيتتن
وابي أيوب بن كلابة الزواغيين
كان ابو الربيع احد علماء عصره، وهو من نفوسة تابديوت» قرية بجبل تيرشوين و بها مولده ومسكنه، قال ابو زكرياء حدثني بعض من ادركته من السلف، قالوا أدركنا ديوان الشيخ ابى الربيع قائما مشتملا على انواع من علوم الدين يقرأ في قرية «تابديوت» وهي اذ ذاك عامرة قال وكان ابو الربيع انما قرأ العلوم وتفقه ببلد سلجماسة، هو وابن كيداد، وكان شيخهما الذي قرأ عليه يعرف بابن الجمعي، وكان ابن الجمعى رجلا من أهل اخبار ابن زرقون الدعوة اقبل من بلاد المشرق تاجرا وكان مطلعا على علوم مع شيخه ابن الجمعي
الحيل والنظر، تحريرا، فقدم ابن الجمعى الى توزر وبها اذ ذاك ابو الربيع شاب يحاول طلب العلم، وله فهم وذكاء فلما ظفر بابن الجمعى كان كل واحد منهما وافق الآخر، فكان ابن الجمعي يصرفه في حاجته وكان مختصا به مقربا
(1) في نسخة: لا يقطع بين ذلك قاطع
109 (1/131)
صفحة 132
ابن زرقون
لديه، وربما حاوره ببعض الالفاظ المحتملة الملتبسة اختبارا لفهمه، واستحسانا لما يصدر من جوابه، لا استخفافا بقدره، فمن ذلك انه يوما من الايام عجب لما ظهر من فهمه وفطنته، فقال له انك لفي الطين، فقال غير منزلق يا شيخ، وارى عن ذلك بالفطنة، وكأنه وصفه بها واضطجع ابن الجمعى فى ليلة شديدة البرد فدثره ابو
الربيع، فقال له الزيت خير، كانه يريد به جزيت خيرا فقال على الطعام يصلح يا شيخ. وامثال هذا من الملح كان يستحسنها، وأمعن ابو الربيع في الابرار والتخدم والاجتهاد، حتى عظمت درجته عند ابي الجمعي وعلت منزلته، ولما عزم ابن الجمعي على السفر الى سلجماسة عرض على أبي الربيع ان يصحبه ان احب تكميل ما يحاول من طلب العلم، فاجاب وصاحبه هو وابن كيداد قبل تبديله فمكثا يقرآن عليه ما شاء الله الى ان حصلا ما حصلا
ابن الجمعي يوصى من العلوم، ولما حضرت ابن الجمعى الوفاة بديوانه لتلميله ابا الربيع بديوانه، فأوصى له به فلما مات ابن الجمعى قدم ابو الربيع من سلجماسة الى قسطيلية وقد اشتهر اسمه و بهر علمه وعلا ذكره، وطفق الناس يسألونه عن فنون العلم فيجيب، واضطربت قسطيلية كلها من اجله وكان بها شيخ مؤدب فكان كلما رأى ذلك من احوال ابى الربيع زها المؤدب، فقال انا والله علمته وعلي قرأ. ومنى استفاد، وذلك لانه أقرأه اذ كان صبيا
•
وبلغنا ان أهل سلجماسة بعد انفصال أبي الربيع عنها اختلفوا في مسألة حتى تفاقم الأمر بينهم وكادوا يقتتلون ثم انهم رضوا بان يوجهوا رسولين بسؤالهم عن المسألة
110 (1/132)
صفحة 133
المذكورة الى ابي الربيع، فما أجاب به فيها وقفوا عنده، وعملوا به. فقدم الرسولان بالسؤال، فاجاب ابو الربيع في المسألة بجواب قطع اختلافهم واوجب ائتلافهم وحدث غير واحد من اصحابنا ان ابا الربيع وابا يزيد مخلد بن كيداد خرجا ذات مرة في بعض شؤونهما، فنزلا من احياء الوهبية، فاضافوهما ولم يحتفلوا بهما كبير احتفال، ولا احسنوا قراهما، فوقع من ذلك في نفس
على حي
ابي يزيد شر، ثم مرا بحي من احياء النكارة فأكرموا
مثواهما واحسنوا قراهما فقال ابو يزيد لابي الربيع: الا ترى ما بين الرجال والرجال؟ فهل لك في لو كان مرادى طلب الدنيا لنلت جليلها الرجوع الى مذهب هؤلاء؟ فقال له ابو الربيع: لست اريد
عرض الدنيا فيما هو أجل من هذا، فأبتغيه بديني.
فكيف بالشيء الحقير أبذل بسببه ديني. ولو كان مرادي طلب الامور الدنيوية لنلت جليلها بعلمي، لكن الآخرة خير لمن اتقى، والذي تشير به والله لا افعله ابدا، فافترقا. وانطلق ابن كيداد فاظهر ما وقع في نفسه من اعتقاد مذهب النكارة وترك مذهب الوهبية. فخاب وحاب حوبا كبيرا لما اراد الله من شقاوته، فخسر نفسه، ودينه، ودنياه نعوذ بالله من سوابق الشقاء.
وبلغنا ان ابا الربيع توجه الى افريقية فوجد اكثر اهلها قد تغيروا ورجعوا الى مذهب النكارة، فلم يزل ابو الربيع يلاطفهم ويبين لهم طريق الهدى حتى عادوا الى مذهبه، وبلغنا انه دخل حصنا فوجد سبعة أسرة منصوبة وعلى كل سرير شيخ من شيوخ النكارة، فقال له احدهم: هلم يا ابا الربيع وفسح له في السرير، فلما كاد ان يستوى على السرير استعمل كانه عثر فوقع عليه حتى آلمه
بمرفقه
بعلمي
111 (1/133)
صفحة 134
وجعل يقول له كالمعتذر كسرتك يا شيخ، وكانه لم يعتمد الوقوع عليه، ثم انه ناظره واصحابه حتى كف لجاجهم وقطع احتجاجهم وطردهم عن تلك الاحياء، ومنع ما احضر لهم من الغذاء، ثم اتبع آثارهم في افريقية يطردهم حيثما وجدهم، ويرد مزاتة الى مذهب الوهبية حتى لم يبق بها للنكار أثر
سوء
وبلغنا انه توجه الى جبل نفوسة وكان بها الشيخ ابو القاسم البغطورى، يتولى نفاثا قبل ان تقوم عند الشيخ حجة على نفاث ولم يثبت عنه لما احدث الاحداث من فكان على ولاية عنده. فقال ابو الربيع لاهل المنزل الذي به ابو القاسم: شيخكم يوالى نفاثا وانتم توالون شيخكم فكلكم نفاثية، وذلك لئلا يعتقدوا تصويب ترك البراءة من نفاث، فلم يتولوه بعد ذلك. وبلغنا ان عجوزا سألته عن البراءة من الناكثين قال: وانت هاهنا الى الآن، وكنت اظن انك فقيهة، انه من لم يكن له مال يتصدق به فليلعنهم حين يصبح فكأنه تصدق بصدقة عظيمة
وبلغنا ان ابا الربيع قدم الى ريزة فوجد اربع فرق من الاباضية، مستأثرين لا يغير احد منهم على الآخر، وذلك في ايام ابي الخطاب وسيل بن سيتتن الزواغي، ووجد كل فريق منهم رأسا منفردا بمزية يختص بها في مدة، فاما
الفصل في القضايا والاحكام بينهم فالى ابي الخطاب والفتيى الى النكارى، والامامة في صلاة قيام رمضان الى الخلفي، والاذان الى النفاثي. فلما قدم اليهم ابو الربيع وجدهم على هذا الحال مجتمعين في مجلس للمذاكرة،
(1) كذا في النسخ لعل حتى ألمه بمرفقه أو ركزه بمرفقه
112 (1/134)
صفحة 135
سمع
عن
فجلس في طرف المجلس والى جانبه رجل ممن يحسن السؤال والاستماع، فلقنه ابو الربيع سؤالا فقال له: اسأل عنه هذا النكارى المتصدر في المجلس، فسأله فلما النكارى عجب فائر)) به السائل وتوقف عن الجواب وتعلثم، فقال له الربيع: اجب السائل عن مسألته فقال: بل اجب انت، فاجاب ابو الربيع عن السؤال بعد ان استعاد السائل فاعاد فلما اجاب سأله بعض من في المجلس مسألة أخرى، فاجاب ثم سأله عن أخرى فاجاب ثم عن أخرى. قالوا له: ارجع الى الصدر فرجع وبقي النكارى في مكانه مطروحا، وكان هنالك من أهل الدعوة من كره ذلك التساتر والمداهنة فسأل بعضهم ابا الربيع: ما تقول في النكار؟ قال: كفار! (2) قال: ما تقول في ابن زرقون لا يرى الخلفية؟ قال: كفار! قال: ما تقول في النفاثية؟ قال: كفار! فلما سمعوا ذلك منه نظر بعضهم الى بعض ثم قالوا: الدعاء لنفترق عن المجلس»، فدعوا وأمنوا، وتفرقوا، وكان بعض اصحاب ابى الخطاب استقبح ما قابلهم به ابو الربيع فجاء الى ابى الخطاب، واعلمه انه عجل عن القوم فقال له ابو الخطاب: كلا بل فصل بينكم دينكم على وجهه
المداهنة
وسيم
وقد بلغنا ان نفوسة الجبل كاتبوا ابا الخطاب هذا اخبار ابي الخطاب يعيبون عليه اربعة اشياء، ويعاتبونه بها: وهو التزام الامور بيقضان (3) وتغريم الايتام والارامل الاموال للظلمة، واستفتاء النكارية والائتمام في الصلاة بالخلفي فلما وصله كتابهم بكى، ثم قال: الحمد لله الذي رزقني
(1) كذا، لعل الصواب: عجب كيف أثاره السائل
(2) لا تغفل ان الكفر يطلق عند الاباضية ويراد به كفر النعمة لا الكفر بمعنى الشرك بالله، أو الخروج من الاسلام
(3) كذا في النسخ، وفى نسخة القطب التزام الامور سقظان بالطاء
113 (1/135)
صفحة 136
اخوانا في الله، يعاتبونني فيما بلغهم عنى ويذكرونني، فكتب اليهم اما ما ذكرتم من التزامي اموري بيقضان فانما كان التزامي احتسابا بالله. واما ما ذكرتم من اموال الايتام والارامل فان الظلمة اذا اقبلوا اليهم أمرتهم بالمداراة عن انفسهم. واما استفتائى النكارى فانما احكم بما عندى لا فتواه، واما تقديم الخلفي للصلاة فاني اذا صليت الفريضة ناديت يا فتح فيتقدم ويصلي بالناس ولم أمره بالتقدم والسلام.
-
ومن اخبار ابي الخطاب وسيم بن ستتن الزواغي رحمه الله ورضى عنه ان رجلا من أهل القيروان كانت عنده ذمامة من علم بانه سيبنى مسجدا في موضع يقال له - تيمزرت ـ بقرية من جزيرة جربة وانه لا يبنيها الا ولى من أولياء الله تعالى، فاجمع الرجل على التجهيز الى الموضع وعقد عزيمته على بنيان مسجد هناك ليكون لتلك الفضيلة أهلا. فخرج من القيروان يريد الموضع فلما وصل اليه وجد ابا الخطاب قد سبقه و بنى المسجد بالمكان المذكور فذلك المسجد الى اليوم معروف به ومنسوب اليه وهو من المشاهد والامكنة المكرمة المزورة.
وحدث يحيى بن يحيى قال: جاء رجل الى ابي الخطاب وهو لا يعرفه فقال له: لى عليك دينار فأعطنيه. فقال له: أبو الخطاب اني لا اعرفك فمن أين لك علي دينار؟ فالح عليه فتأمل فيه ابو الخطاب فقال: كذا، وقال: ان خصومتي معك لمن العار، ودفع له الدينار، وبلغنا ان أبا الخطاب جاءه رجل من أملياني يراسن، كان له أخ فقير يقال له تبنون، فقال اليراسنى لابي الخطاب أيجوز لى ان ادفع لأخي شيئا من الزكاة أم لا؟ فقال له أبو الخطاب:
114 (1/136)
صفحة 137
ائتني به، فأتى به وكان غير محافظ على فرائض بنه، الزكاة لا تدفع استتابه الشيخ فاظهر التوبة والرجوع الى الخير
فلما حضر
فقال ابو الخطاب للرجل ادفع لاخيك زكاة مالك. ثم قال
الشيخ لتبنون انما قد البسناك لباس التقوى فان انت
الله
•
تعريت عنه فلا يقتلنك الا الجوع. فنكث تبنون وغير فاستجيب فيه دعاء الشيخ. ولما مات ابو الخطاب رحمه الله قالت امرأة معافرية من ذرية ابى الخطاب المعافري رحمه وهي تبكيه»: لما مات ابو الخطاب مات الحق، فبقيتم يا زواغة هامة ببطون كالاخرجة، وعمائم كالا برجة، ونعال مبلجة، واحكام متعوجة، قال الشيخ ابو العباس وانما عبرت بقولها مات الحق عن فقد من يحكم بالحق من آل ابي الخطاب، ويقوم مقامه في فصل الخطاب، ولو كان غير هذا لم ينبغ ان يجلد في كتاب
لمن لا يحافظ على الفرائض
ان لم انل بالدنيا ومن اخبار ابي ايوب بن كلابة الزواغي مع ابي الخطاب الجنة فلا رزقنيها
وغيره ما بلغنا انهما خرجا في شهر رمضان ذات يوم في بعض شؤونهما، فرأوا ليلة القدر، فاخذ كل واحد منهما في التضرع فكان دعاء ابى الخطاب ان يصلح الله آخرته لا يعدو ذلك، وكان ابو ايوب يقول اللهم هب لى دنيا انال بها الآخرة فقال له ابو الخطاب: يا اخى ما هذا في الموقف العظيم تتعرض لذكر الدنيا؟ فقال له: ابو ايوب ان لم انل بها الجنة فلا رزقنيها الله، وكانا جميعا «بريزو» ثم
الله
ان الله عز وجل بسط الرزق لابى ايوب فاتسعت له الدنيا اخبار ابي ايوب ابن كلابة
اوسع. ما يمكن ان يكون لمثله، وبلغنا انه ربما اجتمعت
صبرة طعام في الاندر. «بريزو»، فيراها من بجزيرة جربة لعظمها. وانه أطلق الله يده في ماله للصدقات
115 (1/137)
صفحة 138
والصلاة للصادر والوارد والقريب والبعيد فلا شك
دعاءه استجيب ان شاء الله
•
يذكره ابنه بالجنة ومما يذكر عنه انه نزلت به رفقة ليمتاروا قمحا، ففتح لهم مطمورة، وانزل ابنا له فى المطمورة، فقال له: ما فعلت المطمورة يا بني؟ فقال له الغلام: قد حسنت الا، فقال له ابو ايوب: وما ذاك يا بني؟ فقال: قمحها قمح الجنة، فكان قول الصبى تنبيها، وان كان لم يقصد، فقال له: اخرج، فخرج الغلام فاعطى كل رجل من أهل الرفقة ثمنين قمحا برسم زاد الطريق، ثم تصدق بجميع ما في المطمورة عن آخرها، وكان شيئا كثيرا.
وذكر عنه انه جاءته جماعة من مشائخ اهل الجبل في کرم ابي ايوب رحمه الله، عام ممحل في غاية من الجوع والهزال، فلما رأى ابو واحتفلوه بالضيف ايوب ما بلغ بهم من سوء الحال، انزلهم واحسن نزولهم،
فكان يذبح لضيافتهم كل يوم كبشين احدهما للعشاء والآخر للغداء على اطعمة حفيلة، فاقاموا عنده على هذا الحال شهرا ثم سمعوا برخص اسعار جربة فارادوا ان تكون مسيرتهم اليها، وان يوجهوا بما معهم الى من يتكفل لهم ذلك، فشاوروا في ذلك الشيخ أبا مسور البراسني رحمه الله وأشاروا له بان يطلع ابا ايوب لئلا يقول قد اختاروا دونه بدلا، فاعلمه أبو مسور بمرادهم، فقال له ايوب انه وجد مكتوبا على صخرة في البحر ثلاث كلمات: احداهما لا يركب البحر الا ذو خطر، أو جاهل مغرور، والثانية مالي مالي ما دام في كمي، فاذا خرج من كمي كنت فيه مدعيا، والثالثة من اعطى ماله قراضا اعتراه البرسام. فرجع اليهم بما سمعه منه فجاءوه يستثبتون قوله، فقال
لهم: الذي قال لكم ابو مسور صحيح وان كان قد اخـ تشقيق الكلام من بني سلاوة، يعنى اخواله، وكان ابو
116 (1/138)
صفحة 139
مسور
اذ ذاك في بدايته ثم أمر ابو ايوب باطلاق بغال المشائخ في الاندر تأكل كيف شاءت، فقال له بعضهم كيف تصنع على هذا فى اخراج زكاة مالك؟ فسكت عنه حتى شرع في الكيل فجعل يخرج العاشرة ثم التاسعة ثم الثامنة ثم السابعة ثم السادسة ثم السادسة ثم يعود الى اخراج العاشرة ثم على التوالى الى السادسة، فكان هذا فعله الى ان اكمل كيل جميع ما عنده من الحب، ثم اوفر حمولهم طعاما صلة بلا ثمن، ولذلك كان قد ثبطهم، فانصرفوا شاكرين.
قيل وكان احدهم يسمى ابا يعقوب الدمرى ومعه ابن له فقال لهم ابو ايوب اجعلوا للصبى حظا فيما بايديكم من الطعام، فقالوا له ان يكن اهلا لمعروفك، وكان ممن تتولاه، كان مستحقا لما اشرت به، فقال دعوه حتى اطلع الليلة على احواله وأختبره، فلما اصبح قال لهم انه عندى من أهل الولاية.
التقوى
وبلغنا عنه انه خرج ذات مرة في عدة من اصحابه خير ما يدخره المرء يريدون زيارة نفوسة الجبل فبينما هم يسيرون اذ رأوا رفقة قد اقبلت فظنوا انه عسكر للعدو، ونزلوا عن بغالهم ولجأوا الى جبل كان قريبا منهم، فلما جنهم الليل اهمه مبيته ومبيت اخوانه دون عشاء، فقال: أيكون ألف قفيز من طعام بالقيروان او بالجربي، وعندى ما يغمرها اداما من الزيت، وأبيت أنا واخواني بلا عشاء؟ ان خير ما يدخر المرء التقوى، ولما وصل اهل الرفقة الى
عندي
،
البغال عرفوها واحتاطوا عليها، حتى ردت الى اصحابها فكانت تلك الليلة مما زاده حثا على فعل المعروف، واحتقارا
117 (1/139)
صفحة 140
لما يدخره من متاع الدنيا، وحرصها في الازدياد مما يقدمه بين يديه، رحمة الله عليه
الله
الافتراق الخامس في الاباضية
خبر السكاك وانتحاله مذهبه المرذول
ذكر عدة من اصحابنا ان السكاك يعرف بابد الله اللواتى النسب، قنطنارى المسكن، وكان له اب من أهل الصلاح، فبلغنا ان اباه توجه الى الحج قبل ان يولد له ابد، فلما كان في بعض الطريق رأى في منامه ان قد ولد له شيطان فلما قضى حجه ورجع الى اهله وجد مولودا له، فسمى ابد الله فنشأ. ولما احتمل الادب دفعه ابوه الى المؤدب، فقرأ وحفظ القرآن، ولما اشتد وبلغ الحلم اخذ في طلب العلم، فلما نال منه دقائق دعت نفسه الى
الخلاف، ونبذ ما عليه الاسلاف
•
آراء السكاك الغربية ويقال سبع مسائل خالف فيها جميع اهل الحق، أبطل السنة ورأى المسلمين، قال ابن عمه ان الله قد أغنى عنهما أولى العقول والالباب بكتابه العزيز فليس من راى ولا من سنة. الثانية قوله ان الصلاة جماعة بدعة. الثالثة قوله ان الاذان بدعة، فاذا سمع هو وأصحابه الاذان قالوا: نهيق الحمار، الرابعة ان الصلاة عندهم لا تجوز بما لا يعرف معناه وتفسيره من القرآن، والخامسة قوله ان بقول الجنات مما ينبت في سماد بني آدم كل ذلك نجس بنجاسة ما نبت عليه، السادسة ان الصلاة لا تجوز بثوب فيه قمل، السابعة ان بول الدواب فى الاندر حين درسها اياه نجس فلا يطهر ما بالت عليه الا بالغسل. وجدت عن أبي يعقوب يوسف بن نفاث رحمه الله قال: ادركنا بقية اصحاب
118 (1/140)
صفحة 141
الا
ابد الله السكاك اذا قرب وقت الصلاة خرجوا متجنبين عن الناس الى مفاحص قد هيؤوها لانفسهم، فيصلون فيها فرادي، وعنه ادرك جماعة الشيوخ بقسطيلية يصلون على جميع موتى أهل القبلة كلهم من المخالفين وغيرهم اصحاب السكاك فانهم من مات منهم جعلوا في رجليه مرابط وجروه بها الى موضع يوارونه فيه، وكان مشائخ السلف تتقارب اقوالهم في السكاك واصحابه، وتتفاوت فقائل بشركهم، وقائل بنفاقهم، وهذا المذهب قد فني اصحابه فلم تبق لهم بقية، وهم لم يتجاوز مذهبهم قنطنار كحال الفرثية لم يتجاوز مذهبهم وارجلان حتى فنى الفريقان الى غير رحمة الرحمن.
ذكر شيء من اخبار ابي القاسم يزيد بن مخلد وابي خزر يغلى بن زلتاف الوسيانيين رحمه الله
كان ابو القاسم وابو خزر من اهل الحامة حامة قسطيلية وكان ابو القاسم اسن من ابي خزر، وكانا قد برعافي العلوم وكان شيخهما الذى أخذا عنه الادب وعلم اللسان وعلم الفروع ابا الربيع سليمان بن زرقون النفوسي رحمه الله، واخذا علم الاصول من سحنون بن أبي ايوب وكان
ابو القاسم موسعا عليه في الرزق وابو خزر مقترا عليه انما يعيش من كسب يديه، قيل وكان من شأنهما في
"
بدايتهما ان شرعا في قراءة كتاب وأخذ في أي فن كان فكانا يأخذان من كتابهما درسا وينهض ابو خزر للاكتساب واصلاح المعيشة، فاذا غاب أخذ ابو القاسم الكتاب يقيد درسا لم يحضره ابو خزر، فاذا جاء ابو خزر من شؤونه وقد علم أنه يفوته بدرس يقول له: أعد على من حيث
119 (1/141)
صفحة 142
تركتك، فيقول له ابو القاسم: نعم لى مرتان ولك مرة، فيعيد معه ما قد كان أخذه، فكان ذلك دأبهما الى ان حصلا على علوم جمة ولابى القاسم على ابي خزر من فضيلة السبق قدر ما يفوته به حين طلب المعيشة، حسب ما ذكرنا ومع ذلك فلم يقصر عنه، ثم انهما تصدرا شابين فكانت طلبة أهل الدعوة تؤمهما من كل جهة، يقرأ عليهما كل طالب ما طلب من أى الفنون شاء، من علم القرآن والحديث والاصول والفقه وعلم العربية والسيرة حتى اشتهر ذكر هما، وعلا امرهما.
حي
ابو القاسم يعلمهم. وكان أبو القاسم هو المنفق على الطلبة والقائم بمؤونتهم وينفق عليهم! وابوه اذ ذاك فقال رجل من اهل الحامة ان ابنك هذا لمجنون يعلمهم وينفق عليهم!! وتزوج أبو القاسم امرأة من اهل الصلاح والاجتهاد تسمى الغاية، وكانت تحسن عونه على ماهو في سبيله، واعلم يوما بمحضرها ان احد الطلبة الذين يقرأون عليه قد تزوج فتنكر لذلك. وقال لاصحابه لان يبلغنى موت احدكم أهون على من ان يبلغنى انه تزوج. فقالت له: ولم تزوجت انت اذا؟ فقال: لو علمت مكان مسألة من العلم استفيدها ممن فاتني بها، بخشى ان يعذبه لشددت اليها رحلى فى مشرق أو مغرب ولا اخشى ان يعذبني الله على الجهل الله الا على الجهل وتذكر بعض ما بلغنا من اجتهاد هذه المرأة وذلك انها اصغت يوما الى مذكرة الطلبة فورد ذكر القراءة في الصلاة فسمعت بينهم القول بان من قام الى الصلاة فقرأ في نفسه ولم تتحرك بالقراءة شفتاه ولا نطق بها ان عليه الاعادة، فلما تحققت ذلك وجاء الليل اقبلت فاعادت احتياطا صلاة سنة في ليلة واحدة، قال ابو العباس قلت وفي ذلك فرق
120 (1/142)
صفحة 143
، حكم القراءة في الصلاة بدون
بين صلاة المأمون اذا لم يقرأ ما يجهز فيه الامام وانصت وعند الانصات واجب في الجهر واما فيما يسر فيه الامام فلا بد من القراءة عند اصحابنا، ويضعف عندهم الترخيص في ترك قراءة ما يسر فيه الامام، وعند غيرنا الاولى ان يقرأ، وان ترك رفعه عنه الامام. فيمكن ان يكون الغاية لم تصل صلاة من عامها خلف امام، ويحتمل ان يكون اخذت باشد الاقوال، ويحتمل ان يكون احتياطها على ما صلت مما لم تجهر خاصة
"
التلفظ
لمؤامرة
الشيخان يتعرضان قال و بلغنا ان ابا القاسم و ابا خزر وغيرهما من المشائخ خرجوا سنة من السنين الى البادية، يعلمون اهل البادية ما جهلوا من فهم امور دينهم، ويذكرونهم ما نسوا: ويتفقدون احوالهم لئلا يغيروا فيضلوا، ومع المشائخ جماعة من الطلبة الاحداث فبينما هم في حي من احياء البربر الوهبية اذا برجل نكارى يزعم انه في مذهب الوهبية ورجع اليه، وكره المذهب الذي كان عليه فتلقوه بالقبول، وكان عندهم في أبر الاحوال واظهر من نفسه صلاح حال و اجتهادا في الطلب، وحبا في الصالحين، وانما كان يترقب من الشيوخ غرة ليظفر ببعضهم فيغتاله ولم يفطن احد لما اضمر، فلما كان ذات يوم وقد خرج الشيوخ والطلبة من مقيلهم واخذوا في الاشتغال بوظائف صلاتهم صلاة الظهر، وأخذ كل واحد يصلى منفردا، في جانب وتنحى الشيخ ابو القاسم ناحية، وقد رصده النكارى فاراد انتهاز الفرصة في هذه الغفلة ورأى رماحا مركوزة مغفولا عنها، فاجتذب منها رمحا وقصد بها نحو الشيخ ابي القاسم وهو مصروف الهمة، فيما هو يرصده، فجاءه على حين غفلته عما يراد به، فطعنه من خلفه وهو يرى
121 (1/143)
صفحة 144
ان قد شكه لما خرج الرمح من قدامه، وانما أخذت الطعنة عن جسده جانبا، وكان عليه محشوا فنفد الرمح مما اصابه، فسلم جسد الشيخ. ولما سلمه الله من كيد عدو الله، تصايح الناس بالغدر فابتدروه واخذوه، فطفقوا يجرونه يريدون الاتيان به الى الشيوخ، فيروا فيه رأيهم ولم يروا ان يحدثوا فيه حدثا قبل مطالعة الشيوخ، فقال لهم من كره ابقاءه ممن حضر معهم: انظروني حتى أشاور الشيوخ، فغاب مقدار ما يصل فيهم ويعود فعاد فعرفهم ان الشيوخ اشاروا بقتله، فقتلوه والرجل لم ير الشيوخ انما اختفى غير بعيد منهم.
ان ما ابگاه ما راي وبلغنا ان رجلا من نفوسة الجبل نظر الى ابى القاسم من جهلك وكان راكبا على دابة مسرجة بسرج محلا بالذهب وزينة
الرد على المشبهة
عجيبة، فقال النفوسي لابى القاسم يا شيخ ليس هذا من سيرة اهل الدعوة، ولا يعرف ذلك من افعالهم، فبكى ابو القاسم وأتى النفوسي الى الجبل فأخبر من لقي بانه قد وعظ الشيخ ابا القاسم حتى ابكاه، فقالوا له انما ابكاه ما رأى من جهلك. وكان لابى القاسم مطية عظيمة يسافر بها الى القيروان بزى عظيم وحلة سنية. واشتهر بذلك مع ما اشتهر به من العلم والادب والدين والحسب، وكان اذا دخل مدينة القيروان اضطربت المدينة وكثرت السؤالات، والمباحث في معضلات يدخرونها له، فلا يقف في شيء منها، فعظمت بها منزلته وارتفع ذكره.
فمن مسائله التي وقع فيما بينه وبينهم الجدال انه اجتاز برجل من الوارقين يکني ابا ابراهيم فرءاه ابو القاسم يكتب: تشبيه الخالق بخلقه، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فاستعظم
122 (1/144)
صفحة 145
ابو القاسم ما أتى به المشبه من جراءته على الله تعالى،
وانكر ذلك عليه، فجرت بينهما مناظرة حتى قال له المشبه
ان الله ليس
بجسم
ولا
اذا كنت تزعم جوهر ولا عرض فاخبرنى عمن اراد ان يبطل ربه كيف يقول؟ فقال له ابو القاسم مثل قولك هذا، فانقطع الكلام بينهما. قلت قول ابي القاسم للمشبه مثل قولك هذا يريد اذا وصفته بصفات الحدوث الزمت فناء الحادث فابطلت بقاءه.
مكانة أبي القاسم لدى الفاطميين
وكان ابو القاسم عظيم القدر عند ملوك القيروان وهم الشيعة اذ ذاك، فكانت مسائله عندهم مقضية وجميع احواله مرضية، فمن ذلك ان ابا تميم الشيعي كان اذا سخط على بلدة وجه اليها جيشا معلما براية حمراء، وله أيضا راية بيضاء توجه مع من يسير الى من استوجب الرضا فالرايتان موجودتان بالرضا والسخط. فبلغنا أن أبا تميم وجه جيشا الى الحامة ودفع اليه الراية الحمراء وسمع الخبر ابو القاسم وتحققه، فتوجه الى القيروان عجلا لا يألو جهدا حتى دخل على ابى تميم فسأله عن حاجته، فقال عفوك على اهل الحامة، فعفى عنهم ودفع اليه الراية البيضاء، فرجع مجدا يطوى المراحل خشية ان يسبقه الجيش الى الحامة فيؤثروا بعض الآثار المكروهة، فما نزل الجيش على الحامة الا وابو القاسم قد وصل بالراية البيضاء فلما رأوها تنحوا، ولم يتعرضوا لاحد بسوء ولا مكروه في المشائخ الثلاثة وذكر ابو تميم يوما أبا القاسم وصاحبيه أو ذكروا
•
عنده، فقال اما يزيد بن مخلد فلم تلد العرب مثله، واما يغلى فعالم ورع، واما سعيد بن زنفيل ففتي مجادل، فلم يزل هذه حال ابى القاسم مع ابي تميم، الى ان قضى الله عز وجل بأن يحضر ابو القاسم مجلس ابي تميم ولا ثالث
راي ابي تميم المعز
123 (1/145)
صفحة 146
قوة مزاتة في
افريقيا
يرجع
معهما، فاقترح اليه ابو القاسم ان يريه سيف رسول اللـ صلى الله عليه وسلم، فأراه اياه، فتناوله ابو القاسم واستله وهذه بين يديه، وذعر ابو تميم ودخله روع عظيم فلم تسكن مخافته حتى رده له، فكان ابو تميم بعدها يقول لمن يحضره من وزرائه: انى لم آمن على نفسى حين مكنت ابا القاسم من السيف حتى يدخل السيف يدى أو قال: حتى السيف الى يدى، فوقع في نفس أبي تميم من ابي القاسم خوف عظيم فصار من ذلك اليوم يقبل فيه قول الوشاة، وكثر الطعن في ابى القاسم الى ان تقول عليه رجل يهودي زعم انه تحدث مع ابي القاسم في امر ابي تميم فقال له ابو القاسم: ليس بيننا وبينه الا يسير فنقوم عليه نخرجه من تلك المدينة ان شاء الله، يعني القيروان. فبادر اليهودي ورفع هذا القول الى ابي تميم، وبلغ الخبر المشائخ، فعاتبوا ابا القاسم على محادثة اليهودى فقالوا له: احسن الله عزانا فيك
وكان المشائخ على حسب عادتهم يخرجون الى البادية في أوان الربيع، وكان اكثر خروجهم الى مزاتة وكانت مزاتة بافريقية في قوة عظيمة من مال وحال ورجال وخيل، وقالوا: انهم كانوا اذ ذاك فى اثنى عشر ألف فارس، واما الرجال فلا يحصون كثرة.
و بلغ ابا تميم شدة محبتهم لابي القاسم وطاعتهم وانقيادهم لاوامره هم وغيرهم من أهل المذهب الذين بالبادية من قبائل افريقية، فعلم انه لو دعاهم لامر لم، وتصور في خاطره ما نقله اليهودي
يتخلف عنه أحد منهم
وقامت عنده دلائل ما يحذر من قيام ابي القاسم عليه
"
فكتب إلى واليه على الحامة يامره بان يقتل ابا القاسم ويبعث
124 (1/146)
صفحة 147
اليه برأسه، والوالى لم يرد قتل ابى القاسم لمكانه منه من الصداقة المرعية، بل أقبل على أبي القاسم كالواعظ له واشار عليه بالمسير الى الحج، فقال اني حججت فقال: انكم معشر الوهبية تحسنون اعادة الحج وتؤثرون فضله فقال له: ليس لله علي ان احج مرتين، واستبطأ ابو تميم واليه فكتب اليه كتابا ثانيا بمثل ما كتب في الاول، فلم تكن معه أيضا مبادرة الى ما امره به، بل اقبل على القاسم وقال ألا تخرج الى بعض البلاد التي فيها معظم أهل مذهبك مثل وارجلان وغيرهما فتنتفع بهم وينتفعوا بك؟ فقال اتراني أن اخرج من الدنيا وانا؟ يعني بالدنيا قسطيلية، وفي كل ذلك لم ينتبه، لما اراد الله من تمام امره ونهاية حكمه واستبطأ ابو تميم من الوالى امتثال ما امره به فكتب اليه كتابا ثالثا يامره بقتل ابى القاسم ويقول له: اما وجهت برأسه واما وجهت من يأتي برأسك، فلما وصل الكتاب الثالث وتبين منه عزمه على قتل ابى القاسم و علم ان لم يقتله كان هو المقتول، استدعى ابا القاسم وناوله الكتاب الاول والثاني والثالث وقال له: لاجل هذا كنت اشير عليك بما اشير انما كنت احتال على سلامتك مع سلامتي لو قدر الله بالسلامة. والآن لا اوثر عليك الا نفسى.
حي
قتل
الفاطمي
القاسم
من طرف المعز فلما رأى ابو القاسم الكتب الثلاثة ايقن بالموت وقال امهلنى حتى اركع ركعتين. قال: فتركه حتى ركع ركعتين فما استتمها الا والدار مشحونة رجالا عليهم السلاح
فابتدروا ابا القاسم وواثبوه فلم يجد الوالى من نفس قدرة على مشاهدة ابى القاسم في هذه الحالة، وادركته شفقته عليه لما بينهما من المودة الاكيدة فطلع الى غرفة في الدار فدخلها، واغلق بابها عليه. قيل وكان في يد ابي
125 (1/147)
صفحة 148
وابي خزر
القاسم سكين وجعل يدافعهم عن نفسه، فمهما أحس الوالى ان ابا القاسم دفع الرجال وهر بهم نظر اليه مسرورا بذلك. واذا ادفعوه وحصروه دخل واغلق على نفسه الباب فلم يزل هذه حاله معهم الى ان قتلوه. فمات مظلوما شهيدا
ومضى حميدا رحمة الله عليه فلما قتلوه غيبوه
وابتدروا ابا محمد ويسلان بن يعقوب المزاتى رحمه الله فاخذوه وقالوا له: انت صاحب ابي القاسم. ومضوا به الى السجن، وقال لهم متنصلا: اين صحبته؟ افي المدارج أم غرنيبس؟ وهما موضعان يقعد فيهما السلابة اذا خرجوا لقطع الطريق. وكان ابو محمد ويسلان جهـ الصوت، حافظا لكتاب الله عز وجل فلما انتهوا به الى السجن لجأ الى قراءة القرآن، فلم يكن له شأن الا قراءة القرآن ليلا ونهارا. حتى شكي اهل السجن ما لقوا منه من الارق، فاخرج من السجن ثم سئل بعد ذلك عن السجن
ــير
ثورة ابى نوح وعن صفته فقال: يصلح لقراءة القرآن لمقتل أبي القادم ولما قتل ابو القاسم عظمت المصيبة فيه عند جميع اهل الدعوة، وبلغ فيهم قتله مبلغا عظيما، ولم يجدوا فيه سلوة ولا سمحت نفوسهم بالصبر عن دمه، والطلب بثاره فاجتمع الشيخ أبو خزر ومن معه من المشائخ في القيام بامر الله عز وجل ودفاع ائمة الضلال، الا انهم لم يروا ان يشرعوا في شيء من ذلك دون مشاورة اهل الدعوة ولا ان ينهضوا دون استنجادهم فارسلوا الى جهة طرابلس أبا نوح سعيد بن زنفيل فتوجه الى جبل نفوسة وكان شيخهم حينئذ والذى اليه ينتهى امورهم «عون بن عبد الله بن
ابي عمر بن ابي الياس، فجمعهم ابو نوح وشاورهم فقالوا له: نحن بعد وقعة مانو فى ضعف والذي يظن بنا
،
126 (1/148)
صفحة 149
الله
من الفضل لا ننهض اليه، ولكن جدوا في امركم وكونوا على اهبتكم، فنحن نعينكم بما قدرنا عليه، ولا نبخل عنكم بطاقتنا. فرجع عنهم ابو نوح وسار الى جربة فاجتمع بجماعتها واستشارهم فكان مراد العامة منهم القيام في، وطلب ثار الشيخ الا ما كان من ابي صالح اليراسني رحمه الله فانه كره ذلك. ولعله رأى ما لم ير غيره، وفراسة المؤمن مما ينبغي ان تتقى كما جاء في الآثار، وكان من قوله لابى نوح لا تهيجوا على أنفسكم أهل الخلاف فانهم أكثر منكم عددا و مددا، و أقوى يدا الا العامة فانهم احبوا اجابة دعوة الشيخ ابى نوح فرجع ابو نوح الى المشائخ فاخبرهم بما عند اهل طرابلس، فاتفق رأى الشيخ واصحابه على ان يكاتبوا بني امية في شأن ابى تميم ويستنهضوهم، ليكون قيامهم عليهم جميعا، وبنو امية بجزيرة الاندلس، فامروا ابا نوح بان يكتب الكتاب فكتبه عنهم بما ارادوه من الرأى، ووجه الكتاب الى بنى أمية، فأخذ الكتاب فى الطريق فانتهى به الى ابي تميم فقرأه، فازدادوا حنقا. وكان ابو محمد ويسلان أيضا ممن كره القيام على ابى تميم، وكان يقول لاصحابه لا تعلمون ان جل من معكم من قبائل «مزاتة» ليس لكم فيهم ما تقومون به وتعولون عليه. ونظر يوما الى أبى نوح وقد اكثر النجوى في القيام على أبي تميم، وقال له: ساعلم يا ابا نوح من أين تخرج نجواك. ثم ان تميم سمع بخروجهم عليه، واستعدادهم لقتاله، فارسل الى المشائخ ان ارجعوا الى بلادكم، التي كانت بها أوائلكم قبل هذا من تاهرت وغيرها فتكونوا على ما كانت عليه أوائلكم ونكون على ما كان عليه أوائلنا، فكان ذلك مراد
127 (1/149)
صفحة 150
ابي خزر فعرض على اصحابه هذا الذي قاله ابو تميم فابت العامة الا مناصبة أبي تميم، وقتاله، والطلب بثأر الشيخ، ثم ان ابا خزر ارسل الى ناحية الزاب واريغ و وارجلان أبا محمد جمال ابن المدوني يستنفر هم ويستمدهم، وذكر يعقوب بن اسحاق ان رسل ابي خزر وصلت الى اهل وارجلان فاستنفرهم فخرجوا في قوة عظيمة وسلاح شاك، ثم ان ابا خزر اجتمعت له جموع مزاتة في اعداد كثيرة خيلا ورجالا. فاعجبته كثرتهم، وحدثته نفسه انه يدرك ما طلب ببعض مزاتة، فضلا عن جميعها وكيف ومعه جماعات من غير مزاتة، فلم ينتظر من من الامداد، فانتهز الفرصة بهذا الجمع العظيم
يزداد
"
•
الذي اجتمع له، وعزم على التعبئة في (باغابي) وحدث ابو محمد ميمون بن حمودي رحمه الله قال وجدت الواح التلاميذ الذين خرجوا الى باغاي بمسجد المنية، وكانوا قبل ذلك يتعلمون الفروسة بفحص مسجد ابي خزر، قلت اما مسجد المنية فخارج كنومة بتفيوس، وكانت اذ ذاك عامرة، واما مسجد الشيخ ابي خزر فحدثني ذو السن من أهل دقاش تفيوس انه المسجد الذي يشارفها وقد وقفوا في عدد. وسمعت نحوا من ذلك، حكي عن، ممن يوثق به، وهو موضع معروف البركة وقيل
غيرهم هو بالحامة، والله اعلم.
قال: ثم ان ابا خزر عقدوا له الولاية على الدفاع،
وطلب الحق، على انهم ان يظفروا بما طلبوا عقدوا له ابو خزر يتعجل فيحاصر باغاي الولاية على الظهور، فزحف ابو خزر ولم ينتظر الامداد. فلما وصلت عساكره الى باغاي حاصرها، وفيها طيان
الصقلي. وكان واليا عليها من قبل ابي تميم، وكان قائدا
128 (1/150)
صفحة 151
من قواده وزعيم انجاده، فكتب طيان الى ابي تميم يعلمه ان قائما قام ثائرا في البربر، يعرف بابي خزر الوسياني وانه اجتمع اليه خلق عظيم، ولما بلغه الكتاب اغتم لذلك غما شديدا، وقد أثرت الرسل من عند طيان بقوة ابي خزر وزيادة أمره وكثرة ما صار حوله من العساكر، فجمع عساكره فلما كان في اليوم الثالث والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، خرج بعساكره الى باغاي، يريد لقاء ابي خزر فوافاه قريبا منها بعد قتله طيان، وبلغ في ابي تميم قتل ابي خزر طيانا مبلغا عظيما، وكان ابو خزر لما حاصر طيانا أشد الحصار دافع عنه أهل الموضع فلقوا من محاصرة ابي خزر اياهم شدة عظيمة، وأيسوا من السلامة. واضطر ابو خزر الى القصر القديم وطمع في الظفر. فلما رأى ذلك أهل الموضع جعلوا ينتهبون ما في القصر من الاموال بعد موت صاحبهم فيبذلونها خفية لمن يرجون عنده خلاصا فيما هم فيه وبمن يأملون فيه النفع من أهل عسكر أبي خزر، يستميلون القلوب بذلك، ويرمون فى العسكر الخلل. فما وصلتهم عساكر أميرهم الا واداروا حيلة ظفرتهم بما كانوا يحاولونه ببذل المال
بهم
وذلك ان فخذا من مزاتة من عسكر ابي خزر يقال له بني يليان غلب فيهم حب الطمع على صيانة الاحساب والاديان، فعرف أهل الموضع ان الطمع قد استهواهم وان بمصانعتهم يدركون مناهم، فجاعلوهم في خفاء بمال جزيل على ان ينهزموا بغير قتال، ويكونوا سببا لوقوع الفشل في عسكر ابي خزر، ولم يكن احد من أهل العسكر انهزام ابي خزر علم بالجعائل التي أخذها بنو يليان على خذلانهم، ولا
ومن معه
129 (1/151)
صفحة 152
اتهموهم بالوقوع في مثل هذه الدنية، قيل وكان بين بني يليان و بين فخذ آخر من مزاتة يقال لهم «بدنة» حقود قديمة فعزموا على ان يجعلوها ذريعة الى ما اضمروا من الغدر، فلما كان صباح غد يؤمئذ، والتقى الجمعان والتحم القتال، القوا في مسامع أهل العسكر ان بدنة تخافت على أموالهم وأهلهم وانهم لا يتركون الاهل والمال، بل دمارهم، فانهزموا كأنهم يريدون استنقاذ حمى
يتوافون
6
أموالهم وأهليهم من بدنة، وانما ذلك لامر برم بليل فعند انهزامهم وقعت الهزيمة في العسكر، وكر أبو خزر وأبو نوح وعبود وامثالهم، وكانوا في ساقة العسكر يحمون أواخره حتى قتل منهم خلق كثير، وقتل عبود وأصحابه فيمن قتل، وتفرقت العساكر فوافاهم أبو تميم وقد انهزموا، فاخدت عساكره من الاموال والغنم والجمال والبغال ما لا يحصى كثرة، وتمادى أبو تميم في طلب أبي خزر؛ ووافاه يوسف بن زيرى من السير (1)، وجعفر ابن على من المسيلة كل واحد منهم مجدا في طلب أبي خزر؛ فأخذ في وعور، ولم يعلم له خبر وخفي أمره، ورجعت عنه المساكر وكان أبو محمد جمال قد أقبل بامداد أهل ريغ و اورجلان في جموع عظيمة وقد خرج معهم خزرون بن فلفول.، وهو أحد المشاهير في زمانه، فلما وصلوا موضعا يقال له أفودان يطلا، على مسيرة نصف نهار من باغاي، فيما قيل، فتلقاهم هناك رسل بخبر الهزيمة في كتاب، فلما قرأ الكتاب بصفة الحال بكى وابكي من معه وأمـ الناس بالرجوع الى منازلهم ولما انهزم العسكر تنحى أبو
•
(1) كذا في النسخ لعله من «أشير، وهو مقر ولايته
130 (1/152)
صفحة 153
خزر عن الناس وتمادى به النجا حتى لجأ الى جبل يقال له تلتماجرت، ومعه أبو محمد يوجين فاقاما هنالك أربعين يوما حتى انقطع الخبر، قال وليس لهما حينئذ طعام الا الاوبر (1) يصيده أبو محمد يوجين فيعالجه فيعيشان به. ثم توجه الى جبل نفوسة واستقر بها، واما ابو نوح فتخنس (2) ولبس عباءة، وظل يرعى ابلا فخرج أبو تميم جاداً في طلب الشيوخ، وفرق الرسل يمينا وشمالا في
مثلك
طلبهم. فبينما هم يطلبون اذ صادفت الرسل أبا نوح راعيا القاء القبض على متنكرا على الحالة الموصوفة، وعرفوه وقالوا له، ليس ابى نوح متنكرا يرعى الابل، وقيدوه في الاصفاد وقادوه الى أبي فلما دنوا من القيروان البسوه الزنار على خلق رثه ثم حملوه على جمل وجعلوا يطوفون به في كل سوق مروا به ويبرحون به: هذا الذي في مخالفة دين الله سعي سعي فيه زمانا ونحن عنه غافلون، سعى
تميم
6
C
والقيام عليه فيه بجبل نفوسة وبجربة واستمد الامداد ووعدهم الاصفاد كما يقول المنادى. وهذا كله فيما ذكر ابن ورميكوك، وكان حسن بن ورميكوك من نفوسة قنطنار وكانت أم أبى نوح تتبعه حين يطوفون به وتظهر جلدا وشامة، فاذا رأوا ذلك منها عجبوا وقالوا: متمثلين لا يلد الاسد الا اللبؤة، فكانوا اذا نزلوا أنزلوه عن الجمل ووكلوا به السجان قال أبو نوح فلما انزلوني يوما وقد قرب مغرب الشمس وتيممت للصلاة وقد اشفقت تلك العيشة من ان يقتلوني، فحرصت بالتعجيل على الصلاة، فقال لى السجان يا سعيد ادخل
(1) لعله جمع وبر بالاسكان وهى دويبة كالسنور من جنس بنات عرس. الا ان هذا الجمع غير مشهور فيها. او يقصد بنات الاوبر ضرب من الكماة.
(2) تنكر وغير زيه.
131 (1/153)
صفحة 154
الخباء واسترح وأزل عنك البرد، وحينئذ تصلى، فلما سمعت ذلك عنه رجوت الحياة، وسكنت نفسى. قال أبو نوح وكان رجل منهم يجيئنى ويقول: تركت رجال مولاي يتحدثون في أمرك ويتهددون بتمزيق لحمك وأكله بضعة بضعة، فأقول لكن مولانا ليس عنده الا الحسن الجميل، فاذكر فيه من الفضائل ما يسر سامعه، فبلغه ذلك عنى، فيعطفه علي، الى ان عفى عنى، فلما عفى عنى أبو تميم وقربني ورفع منزلتي، كان الرجل الذي يجيئني قبل بالاخبار المخوفة والتهديد يقول انما نحن عبيد مولانا فمن أحبه احببناه، ومن كرهه كرهناه
قال أبو نوح: ثم أن أبا تميم جمع أصحابه ووزراءه وكتابه وتأمل الكتاب الذي كنت قد كتبته الى بني أمية المتقدم ذكره، فذكر لهم انى كاتب أبي خزر وصـ احب سره،، وارادوا الوقوف على خطى يعرضونه على خط الكتاب المذكور، حتى يعرفوا هل أنا كتبته أم غيرى، وعندهم رجل يهودى فقال لهم اليهودى أنا استخرج لكم خطه، فقال أبو نوح بينما أنا في ايديهم اذ أتاني اليهودى ببطاقة ومحبرة فقال لى أكتب إلى مولانا ان يعفو عنك، واعتذر بما عندك من احتجاج فان مولانا كثير العفو ووضع البطاقة والمحبرة واداتها فخرج عنى، فتناولت لأكتب، فكتبت سطر البسملة لا غير، ثم أيقظني الله عز وجل وذكرني الكتاب المتقدم في شان أبي تميم الى بني أمية، فقلت لعله وقع الكتاب عند أبي تميم ولعل اليهودى انما جاء خديعة ومكيدة لا نصحا، فقصصت السطر المكتوب أولا ثم استأنفت كتابا بخط غير خطى المعهود منى فلما كان بعد قليل اذ اليهودي
132 (1/154)
صفحة 155
قد دخل وتناول الكتاب جذلانا مسرورا انه نال، وحسب المقصود، ودفع الكتاب الى ابى تميم فاجتمع عليه الوزراء والكتاب وجميع الوارقين ودفع اليهم الكتاب الاول والكتاب الثاني فعرض الخط، ووجدوا الكتابين مختلفي الخط غير متفقي الحروف، فاتفقت كلمتهم على ان كاتب الكتاب الأول غير كاتب الكتاب الثانى الا رجلا واحدا احذقهم
"
فانه قال كاتبهما واحد غير انه بدل خطه، فقالوا له لو صح
ما زعمت لوقع الاختلاف في سطر أو سطرين واما الكتاب كله فمحال، هذا مما لا يستطيعه كاتب
ثم ان أبا تميم وجه الى أبي نوح فجاء في قيوده فلما ابو نوح بين يدى المعز
دخل عليه وجده في قبة حمراء على سرير قوائمه من عاج احمر وعليه ثياب حمر وعلى رأسه قلنسوة حمراء، وحوله رجال بايديهم الرماح، قال فلما عاينت ذلك كله غلب على
ظني انما احضرت للقتل، الا اني لم أيأس من روح الله
•
ورجوت ان يأخذ بناصيته من بيده ملكوت كل شيء، قال فلما صرت بين يديه سلمت عليه، فاطرق مليا فلما رفع رأسه قال لي: يا سعيد، أحقا انكم كاتبتم فينا بني أمية؟ قال أبو نوح يا سيدى ان كانت معذرتى تقبل وحجتي ترفع اعتذرت واحتججت، قال قل ما عندك فلما وجد الى الكلام سبيلا وكان شهم الجنان فصيح اللسان كثير البيان، قال: كيف نكاتب بني أمية وقد علمت ما بيننا وبينهم يوم الدار ويوم الجمل وايام صفين، وهم الشجرة الملعونة في القرآن سمع منه ذلك ابو تميم سره و تبسم وانبسط بعد الانقباض والعبوس، قال أبو نوح فدفع الي الكتاب الذي كنت كتبته الى بني أمية فقال الست كتبت هذا الكتاب؟ فقلت بالله الذي لا اله الا هو ان هذا ما كتبته
فلما
133 (1/155)
صفحة 156
ابن بلكين يشفع
الى بني أمية، قال فاختلفوا في يمينى فطائفة قالوا لم يحلف لانه جعل ما زائدة وقال بعضهم انه من البربر ولا يفطن لهذا ولا يفهمه، قلت لا شك ان ابا نوح قصد بلفظ يمينه المعاريض التي فيها مندوحة على الكذب وسلك مسلك الملاحن. وعلى هذا تكون ما بمعنى الذي أو تكون نكرة موصوفة فيكون التقدير ان هذا الذي كتبته او ان هذا شيء كتبته، وكلاهما حسن فيصح، فهذا الذي قصد، والله اعلم
ثم قال ابو تميم نعم ما هذا بخطك الا ان يكون غيرت يا سعيد. ثم قال: يا سعيد أرأيت ان لو صادفتني يوم
باغاي أكنت تاركي لغيرك، فقال لست بتاركك لغيرى
•
قال هذا الذي هو أجل قد اقررت به فكيف ما دونه! فعلم حينئذ ان ابا نوح قد صدقه فى كل ما سمعه منه. ثم قال له: يا سعيد اعلم ان هذه القيود انما دخلت رجلاك فيها بحكم شرعي، فقال له أبو نوح عسى الله ان يجعلها
"
كفارة، فقال أبو تميم وقد غضب فكنا اذا مسيئين فيك ان يجعلها متصلة بعذاب الآخرة. قال: أبو نوح
بل عسى
فلما
عرفت في وجهه الغضب قلت له ليس في ذلك ما يثبت الاساءة لمولانا. الا ترى ان الله عز وجل يبتلى عبده المؤمن
فيصبر ويؤجر وليس في ذلك ما يثبت الاساءة لله تعالى هذا رأيته كانه انبسط وذهب غيظه سمع
قال فلما
•
6
في ابي نوح ثم شفع في ابن بلكين بن زيرى الصنهاجي ورغب أبا
"
تميم في ان يحل وثاقي ويعفو عنى فشفعه قال فأطلق أبو نوح فخلعت عليه خلعة نفيسة فلما جاءوه بها وهموا بان يأخذوا الاطمار التي عليه، ويكسوه هذا الكسوة الشريفة، امتنع عن الازالة لتلك الاطمار عنه، وقال: كل
134 (1/156)
صفحة 157
ما يأتي من عند مولانا فحسن جميل. قال فبلغوا ذلك عنه فزاد في تكرمه، وقرب مجلسه. وكان يرسل اليه في كل حين لا يفتر عنه. قال ابو نوح فارسل الي يوما من الايام فلما دخلت وسلمت عليه، ووقفت بين يديه، قال لي: أين صاحبك يغلى؟ قلت لا ادرى فقال لو كان صاحبك في غانة لجاءت به دراهمنا. ثم قال لى أتراه يخشى أمره. فقلت: ان كان من مولانا أمان عام شمل الناس في بلادهم امانه في بلادهم فانه يخشي
يعمهم
يخشى أمره، وان لم أمره. قال فاستبان النصيحة في قولى.
منهم
فلا
ابو تميم المعز فبعث في الامان في بلاد الوهبية كلها وأمر أن لا يهاج يعطى الامان
أحد؛ فذكر المشائخ ان أهل الدعوة في امانه الى يومنا هذا، قلت وذلك لانهم من ذلك سالموا فسولموا، هذا الذي عناه المشائخ، وحدث ابراهيم بن أبى ابراهيم ان أبا نوح دخل ذات مرة على أبي تميم فأمر خازنه بان يملأ كم أبي نوح مالا دنانير ودراهم، قال أبو نوح فدخلت مع الخزان
"
الى بيت المال فكان يدفع الي وارخى كمى فلا يكاد يمتلئ. فيقول الخازن ألم يمتلئ كمك الى الآن؟ فلم يزل يزيد حتى امتلأ كمى ولم اكد ان انتقل من مكاني لثقل كمي قال فرجع الخازن الى أبي تميم فسأله عما أمره به، فقال قد فعلت، فأمره أبو تميم بأن يخرج متجسسا الى ما يصنع أبو نوح وما يكون منه، فخرج الى باب القصر القديم فوجد أبا نوح يأخذ بيده ويدفع للناس يمينا وشمالا، حتى لم يبق في كمه الا قدر قبضة واحدة، فرجع الى أبي تميم فقال له: ان الشيخ المجنون انى وجدته يفعل كيت وكيت، فقال أبو تميم كلا ما هو بمجنون ولكنه منتحل للرئاسة.
للا باضية
135 (1/157)
صفحة 158
المعز يشارك العلماء فكان أبو تميم يجمع علماء الفرق يتناظرون حوله في في المناظرة حوله العلوم فكان أبو نوح مقدما فيهم، فحسنت حالته وازدادت مكانته لما جمع من علم وفصاحة وبراعة ومعرفة بفنون الرد
على المخالفين، فكان ابو تميم لا يزال يثني عليه ويحسن اليه ويحسن جوابه في المناظرة. فمن المسائل التي وقعت فيها المناظرة انه قال يوما: يا سعيد؛ اسأل اليوم عما بدا لك، فقال أبو نوح فما الدليل على أن لهذه الصنعة صانع؟ فمكث الحاضرون حينا ثم اجابوا باجوبة لم ارضها، ولا اقنعتني. فقال ابو تميم اجيبوا الرجل بما يقنعه ورأيته قد تهلل. فعلمت ان الجواب السديد قد حضره، ومنعه أدبه ان يسرع به، فقلت ان رأي مولانا أن يتفضل على عبيده بالجواب فعل. فتبسم وقال يا سعيد يقال لهذا السائل جوابك في سؤالك، فان قوله صنعة دليل على صانع. قلت لهم هذا والله هو الجواب المقنع، ثم اعلمت بعد ذلك به الشيخ ابا خزر، فاستحسنه. قال واستحضرني يوما آخر فوجدت رجلا معتزليا يتكلم في اسماء الله تعالى فاوعيته سمعى الى ان عثر عثرة فلم اسمح باقالته، وذلك انه قال اسماء الله متغايرة كزيد وعمر فقلت له مع من تتكلم يا هذا؟ أمع مولانا أم مع غيره؟ فقال لي ابو تميم ناظره، فقلت له ألست تقول زيد غير عمرو؟ قال بلى فقلت: أو كذلك الله والرحمان احدهما غير الآخر؟ ولهما مغاير غيرهما؟ فلم يجد جوابا، فقال ابو تميم هذا والله الكفر بعينه، فعجز المعتزلى، وانقطعت حجته
العفو عن أبي خزر قيل ان ابا تميم اطال البحث على ابي خزر والاستطلاع و مقدمه الى القيروان على أنبائه. حتى علم انه بجبل نفوسة، فارسل ابو تميم
اليه بالامان وكان في عز واكرام عند ابي زكرياء بن أبي
136 (1/158)
صفحة 159
عبد الله بن ابي عمر بن أبي منصور الياس، وكان قد
علم بان البحث عليه في جبل نفوسة فلم يقع في نفسـ لمكانه، فلما سمع الامان وصح عنده کتاب ابي تميم
خوف
بذلك خرج من جبل نفوسة متوجها الى القيروان فعلم ابو تميم بقدومه وانه وصل الى قابس قال أبو نوح: فوجه الي أبو تميم، فقال لى ان صاحبك قد توجه، وقد وصل الى قابس فسر اليه و ألقه هناك، قال ولم أكن قبل ذلك اعلم له مستقرا، فاستبشرت وقلت له ان رأى مولانا ان خيلا من مزاتة فعل، فوجه معى ثمانين فارسا من مزاتة طعن فينا بعض الجلساء، وقال اذا منحت
معي
يوجه
فلما خرجوا معى لابي خزر هذا الثمانين فارسا فانه يمتنع بها حيث شاء. فوجه في اثرنا من رد الخيل الا الاقل منها. قال فسرت الى قابس فوجدت فيها ابا خزر فسلمت عليه، فقلت ما هذا المجيء ياشيخ؟ اما تخاف على نفسك؟ فقال ما بين مجيئك ومجيئي الا قليل، لم اخرج من جبل نفوسة الا بامان أبي تميم، وقد علمت انه لا ينقض عهدا ولا يحل عقدا، فلما استوثقت من امانه أقبلت. قال وسارا ومن معهما الى القيروان فلما دخل ابو خزر على ابي تميم رحب به وأكرمه وعظم شأنه وانزله في مسكن حسن وحمله على فرس كريم واجرى عليه رزقا واسعا، والطفه، ورفع منزلته، وأدنى مجلسه وسني قدره وشاع في الفضائل ذكره وأمر له بحلة جزيلة وخلع عليه خلعة نفيسة جليلة، وكان مجلسه على سريره دون جميع الجلساء. والقوم انما كانت نهاية شرفهم وعلو منزلتهم ان يقفوا بين يديه، وكان دخوله وقدومه على ابي تميم في الحادى والعشرين من ربيع الآخر سنة 359 تسعة وخمسين وثلاثمائة، فاقام عنده حتى رحل معه الى مصر.
137 (1/159)
صفحة 160
الى القاهرة
قصة انتقال المعز ولما تواترت الكتب على السلطان من جهة المشرق لصالح مصر والشام والحجاز واقامت الدعوة له بها، سره ذلك وابي خزر معه واستبشر وأخذ في تهيئة الخروج، فخرج باهله وعساكره وبيوت أمواله وعزم على استصحاب الشيخين أبي خزر وأبى نوح لئلا يكون منهما بعده في المغرب خروج عن طاعته وقيام عليه ولكونه أيضا لم يرد مفارقتهما، فكلمهما في ذلك ليأخذوا فى أهبة السفر، فاما أبو خزر فقال كيف بالقيام بعدك والقعود عنك؟ واما ابو نوح فكره ذلك وكان عند أبي تميم رجل يهودي، يعرف فضل أبي نوح ويتخدم له ويجد في حاجته، فعلم ما عنده من كراهية المسير فنصحه اليهودي، وقال تمارض وانقع نخالة الشعير
وصية المعز تخلله
"
واشرب من مائها، واغسل به وجهك، فان حالك يتغير ويظن من يراك انك مريض، فحين عزم أبو تميم على الحركة سأل عن أبى نوح، فأعلم انه مريض فاستدعاه فاحضر فلما رآه مصفر الوجه متغير الحال، ظن انه مريض فأذن له في المقام، فاقام مدة تأهب أبي تميم للحركة حتى ارتحل، ولم يسأل عنه في اثناء هذه المدة، فارتحل ابو نوح الى جهة وارجلان وسيأتي ذكر ذلك ان شاء الله اذا فرغنا من اخبار أبي خزر.
على المغرب وقال ولما ارتحل ابو تميم من افريقية ولى على جميع أموره بها وعلى جميع انظارها بلكين بن زيرى الصنهاجي، وأوصاه عند توديعه بان قال له اشفني في أولاد المجوس زنانة ومزاتة، واعلم انى قد تركت لك بافريقية مائة ألف منزل فمتى هممت بمحاربة عدو فاجعل على كل منزل فارسا واحدا، فانك تكتفى بذلك حرب من تريد حربه
138 (1/160)
صفحة 161
ويريد حربك (1). واما ابو خزر فجزع لفرقة الاخوان والنأي على الأوطان جزعا قد اظهره اذ غلب عن كتمانه، حتى عبر فيه لسانه عن ضمير جنانه، وسمعت بعض العزابة ينسبون اليه قطعة شعر قد قالها عند رحيله ويبعد عندى ان يكون ذلك الحال من قبله، ولم اضعها في جملة اخباره ولا اثرتها في آثاره و ربات به عن ان يكون ذلك من صناعته فيكون ذلك مخلا لما تقدم من ذكـ
بلاغته
و براعته وهى قطعة عينية لا تليق بذى بديهة ولا روية.
واجتاز ابو خزر فى طريقه الى المشرق بلماية فبالغوا ابو خزر ينتقل مع المعز الى القاهرة في اکرامه و ابراره، وافرطوا فى اعظامه واكباره
وتمنوا ان تكون عندهم مقامته، وساءتهم مسيرته مع من لا ترضى امامته، فأثنى عليهم وشكر ماهم فيه من حسن الطريقة، وقال أهل الدعوة على الحقيقة وختم بعد جميل ببركة صالح الدعاء
النثاء
و بلغنا ان ابا زكرياء فيصل بن ابي مسور رحمه الله خرج من جربة حين سمع بمسير ابي خزر الى المشرق يريد وداعه ويسأله عن مسائل في مهم دينه اشكلت عليه ولم يجد بدا من الانتهاء فيه اليه، قال ابو زكرياء فسألته عن ثلاث مسائل فاجاب في جميعها بما يسرني فودعته واودعني لوعة فراقه.
واقام ابو خزر مع ابى تميم فلم يزل معه ملحوظا بعين الكمال مقابلا بالاحتفاء والاحتفال، واصحاب ابي تميم يلمزون ابا خزر ويطعنون فيه ويحسدونه في تفضيله عليهم، وايثاره دون خواصة من يصطفيه، وبلغنا انه
(1) اما رواية ابن خلدون فانه يقول: اوصاه بثلاث: ان لا يرفع السيف عن البربر ولا يرفع الجباية عن أهل البادية. ولا يولى أحدا من اقاربه.
139 (1/161)
صفحة 162
يمتحن ابا خزر
سار ذات يوم ومعه ابو خزر يسايره الى ان اعترضهم زرع فشق ابو تميم الزرع ومعه اصحابه الا ابا خزر. فانه عدل عن الزرع جانبا حتى استدار اليهم من خارج الزرع
فا مكنتهم الفرصة فى ابى خزر وطعنوا فيه عند ابي تميم. فقالوا له الا ترى انه عدل عن طريقك ولم ير اتباعك عليه؟ فاقبل اليه بعد ما قالوا فيه ما قالوا، فقال له أبو تميم مالك يا يغلى لم تصاحبنا على طريقنا. ام انت غير راض بطريقنا؟ فقال وكيف لا ارضى بطريق مولانا؟ قال فمالك لم تتبعني حين سلكت في الزرع قال بالخبر المأثور انه: اذا سقطت الثريا فلا يدخل الزرع الا ساقيه أو ناقيه أو واقيه، فانا لست بأحدهم فكيف ينبغي لى دخوله؟ واما انت فواقيه فذلك لك. فأعجبه حسن جوابه، وقال لاصحابه ألم أقل لكم لا تقولوا فى يغلى الا خيرا؟ والآن فقد أعذرت اليكم فمن وقع فيه بشر فلا يلومن الا نفسه
بعض علماء مصر ولما دخلوا مصر تسامع علماء مصر بخبر ابي خزر واشتهر فيهم فاضطربت الجهات بذكره واشتهر عندهم
ان ابا تميم وصل بعالم المغرب، فارادوا امتحانه ليعرفوا مبلغ علمه. فكلهم شاحد غربه ومفرق سهمه، فأجمعوا ان يحضروه على طعام وتكون المناظرة بعد تناولهم أياه، قيل، وكان مما عزموا عليه انه اذا حضر الطعام وحضر ابو خزر وضعوا ايديهم في الطعام ورفعوها قبل استفاء رأوه رفع معهم، حين يرفعون علموا انه يفحم وانه يغلب عليه الوهم، وان هم رأوه متماديا على الاكل حتى يستوفى منه حاجته علموا ان لا قبل لهم به. فلما حضر الطعام وحضر الشيخ جعل كل واحد منهم تناول قليلا رفع يده قبل الاستكفاء، فلما رأى الشيخ ذلك
الحاجة فان
هم
كلما
140 (1/162)
صفحة 163
منهم
نفسه
قال: بهذا الاكل احمرت وجوهكم. ثم جمع واخذ في الاكل من غير احتشام ولا ارتياب، حتى اكتفى
منه، فحين رأوه لا يقف عند الوهم امسكوا عن مناظرته والقوا السلم دون كفاح.
قيل وكان رجل من أهل تاجديت يعرف بابي سليمان المؤمن المخلص عظيم القدر صاحب ابا خزر متخدما، وكان كثير الملازمة له فذكر عنه عند الله
انه قال بعد رجوعه كان الشيخ ابو خزر رحمه الله كثيرا
ما يعظم قدر المؤمن المخلص المصلح، وكان اذا ذكر من هذه صفته قال انه خير من الملائكة، قلت لم يقل الشيخ هذا من عنده ولا نطق به حيث ينتقد عليه بل هو متعلق بما جاء في الاثر: خلق الله الملائكة من عقل بلا شهوة وخلق البهائم من شهوة بلا عقل، وخلق ابن آدم من شهوة وعقل. فمن غلب عقله على شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته على عقله فالبهائم خير منه
•
امينته الوحيدة ولما استقر المقام بمصر اقطع ابو تميم ابا خزر ديارا تعليم الطلبة
و عقارا ومستغلات فحسنت بها أحواله ونعم باله وكان في ذلك الحال يقول: والله لا آسف على شيء فاتني بالمغرب الا افادة طلبة أهل الدعوة، وما يكتسب في ذلك ثواب الله عز وجل، واني لأتمنى ان يهاجر للمرء منهم عشرون طالبا لا يكون لاحد منهم شغل الا طلب العلم فاتكلف لهم بالافادة فاصونهم حتى لا يتكلفون بكلفة حتى الذي يصلون به من
كراء.
وكان
اخواننا في المغرب ربما قال حينئذ ان اخواننا بالمغرب لأهل تشديد يشددون على انفسهم
وان لهم عندى لرخصا واني لأتمنى لو قلدوني فيها واخذوها عنى فيخف عنهم كثير من ذلك التشديد، قلت اما تمنى الشيخ رحمه الله أخذ اصحابه بالرخص فليس بطعن
141 (1/163)
صفحة 164
العلمية
في اخذهم بالأحوط. فالاشارة لقول ابن عباس رضي الله عنهما الرخصة من الله صدقة فلا تردوا صدقته، ولعله أيضا لم يتمن ان يفتى بالرخص كل مستفت ولا ان يفتي بها في كل حال من ضرورة أو سعة بل يفتى بها من لا يرى في العمل بها التهاون في الدين أو يفتى بها في ضيق يلجأ اليه الجاء أمثاله من المجتهدين. وما يؤكد ذلك ما ذكر الشيخ ابو نوح رحمه الله من أوصافه ايجازا وذلك انه قال: كان ابو خزر أورع الناس فما سمع شيئا قط الا عمله قال: من شأنه اذا صلى الصبح ان يأخذ في القراءة والدعاء والتضرع الى الله عز وجل منتحيا عن الناس حتى تطلع الشمس، ومن ورعه ما بلغنا ان ابا القاسم كان يؤم الناس في صلاة الصبح، فلما كان يوما من الايام أبطا ابو القاسم وخافوا خروج الوقت، فقدموا ابا خزر ليصلى بهم
، فلما
تقدم عن الصف أحس بقدوم ابى القاسم، فتأخر وقدمه.
مكانة ابي خزد ولما مات ابو تميم ولي بعده ابنه نزار، واضاع احوال أبي خزر فلم يتفقده بما كان يتفقده أبوه من الصلات فمسه ضيق عيش على الكبر، فلازم كتمان الفقر فصبر الى ان قدم الى مصر رجل معتزلى جاء متعرضا للمناظرة فناظره علماء مصر طبقة بعد طبقة فافحم جميعهم، ولم يبق بمصر احد يقاومه في المناظرة، فشق ذلك على السلطان وعلى علماء مصر، فجمع السلطان أهل مشورته فشاورهم في أمر المعتزلى، فقال له بعض من كان يحضر مجلس ابيه ويحضر به أبو خزر، ان هاهنا شيخا كان أبوك قد استصحبه من المغرب، وكان عنده مكرما معظما موصوفا بالعلم والنظر، ولا يرى لمناظرة هذا المعتزلى غير هذا الشيخ، فلو وجهت اليه لكفاه هذا المهم، فوجه اليه فلما
142 (1/164)
صفحة 165
جاء الرسول بما اراده به السلطان، قال له ابو خزر ليس عندى مركوب اركبه اليه ولا لباس أحضر به المجالس فرجع رسول السلطان بمقال أبي خزر فأمر له بمركوب وكسوة سنية، فلبس وركب، وخرج لمناظرة المعتزلى فوجده في قبة ضربها على نفسه بالفسطاط، نصبها للمناظرة، فاستأذن فأذن له فدخل وسلم عليه، وسأله عن احواله، حتى سالوه فيما يمشيه (1) فقال امشيه في المناظرة، فلما أطمان به المجلس اخذ في المناظرة فما جرى بينهما كلام في مسألة الا والغالب أبو خزر والمغلوب المعتزلى، حتى انقضى مجلسهما، وانقطع الكلام، وما انجلت هبوة (2) اللقاء الا والمعتزلى محضوم (3). قال: فأخذ يسأل أبا خزر أين تعلمت قال في بلاد الشيح والحلفاء. قال كذبت ليس مثلك يتعلم في بلاد الشيح والحلفاء انما قصد المعتزلى ان يحلف بالا كذاب لما لم يجد معه بدا فيما هو بصدده، فكان الفلج لابي خزر. فمن ذلك اليوم التفت وارتفع ما وهى من أحواله ونزل من البر منزلة امثاله، وبان فضل سبقه بين السوابق، لا يعوقه عن الرفقة عائق قيل وقال المعتزلى حينئذ ما ناظرت مناظرا قطعنى الا شابا بالمغرب وهذا الشيخ، فقال له أبو خزر ان الفتى هو الشيخ، والشيخ هو الفتى، فزاده
ذلك اعجابا واستحسنه
•
واما أبو نوح سعيد بن زنغيل رحمه الله، فانه لما فر اخبار ابي نوح
من أبي تميم، ولحق ببلاد وارجلان، ومعه أهله ومـ يختص به، وجميعهم تحت خوف واختفاء فلما و
(1) هكذا في النسخ
(2) الهبوة الغبرة، وأحباء الزوبعة: شبه غبار يرتفع في الجو
ـن
ــل
(3) في النسخ محضوم ولم أجد له معنى وربما مهضوم من عضم الشيء كسره.
سعيد
143 (1/165)
صفحة 166
بورجلان
الموضع المعروف بالبكرات بقرب وارجلان، تقدم قبلهم من يبشر ابا صالح جنون بن يمريان رحمه اللـ بقدوم ابي نوح ومن معه، فاستبشر وقال للبشير ارجع
فتحدثا
"
اليه وقل له لا تخف نجوت من القوم الظالمين، ولما وصل وارجلان انزله الشيخ وجماعة اهل وارجلان، وأحسنوا نزوله وتجاوزوا الحد في الاعظام واكرموا مثواه غاية الاكرام، الا ان المختص به أبو صالح، فانه ذكر لنا انه ملأ له بيته الى السقف تمرا، وامثال ذلك مما لا بدله منه وأجرى له في كل يوم مائدة، وأخرى عشية، ثم قال في نفسه ولعل له مآرب لا اعلمها أو به خصاصة لا يعلنها أو مفاقر لا يسدها الا المال، فانفرد به ذات ساعة، ثم قال له ابو صالح ادخل يدك في جيبى فما وجدت فاغسل به ثيابك، فادخل يده فوجد صرة فيها سبعون دينارا ذهبا، فقال له من كان له أخ صالح مثلك يا ابا صالح لم يمسسه عدم ولا احتياج. قيل وبات أيضا ليلة عند ابي عمر التناوتى فعامله مثل معاملة أبي صالح في اعداد الصرة في جيبه فشكر صنعهما، وقضى المآرب، وسد المفاقر فنعم المشكور والشاكر
يوم
مجلس ابي نوح وكانت جماعة أهل وارجلان تجتمع عند مسجد الشيخ جنون فمنهم المستفيد منه علما، ومنهم المتبرك بمشاهدته والمشارك فيما يعرض من أمور دنياه ودينه، والمقتني خلقا يتحلى به، والمستزيد من معرفة سبب السير فكلهم منقلب بخير وفضل. وربما حضرهم من ليس بأهل المحاضرتهم ممن هو جنيب في مثل تلك البقعة، ومن لا بيت
له في الرقعة، فحضر مجلسهم ذات ليلة رجل من البله من المغفلين الذين يحضرون مجالس الذكر في زي المتطفلين
144 (1/166)
صفحة 167
فقال لابي نوح أخبرنا الليلة يا شيخ بكل ما تعلمت من علم الكلام، واستخف بعقله من حضر فاستخفوه وبكتوه واقصوه، ولم يكن من الشيخ الا مجاملة وحسن معاملة، الا انه قال له عند ذلك: كيف أخبركم في ليلة واحدة بشيء أكلت في تعلمه اقفزة ملح، ومكث ابو نوح في وارجلان على هذا الحال زمانا حتى أمن ما كان يخاف فدعاه حب الوطن الى توديع خير ألف، ولما استفزه الاشتياق وتحقق منه العزم على الفراق قال له الشيخ أبو صالح: أقم وأقاسمك في جميع ما املك وكان أبو رجوع ابي نوح صالح ذا مال كثير فى وارجلان فصمم على ما عزم عليه
•
فرجع الى افريقية فوجد البلاد قد تغيرت والصدور قد تنكرت، فندم على فراق وارجلان، ولامه اصحابه حيث لا ينفع الندم، ولا يفيد اللوم، فانه قد كان قصد في رجوعه اصلاح ما يخشى فساده، فوجد الفساد قد عم ببلاده فكان مقامه حينا بافريقية وحينا بقسطيلية لا يالو جهدا في تدارك ما فات، وأحياء ما لحق بحكم الأموات.
"
وبلغنا ان ابا نوح كان ذات مرة بقنطنار هو وتلامذته في الاشتغال بالدراسة والتفنن فى العلوم وايضاح سبيل الصلاح والرشاد وتغيير المناكر والفساد، فكانوا في حال رخاء وعيش هنئ وكان مقدم بني درجين وحنين بن وريغول ممن يفد على المنصور بن بلكين بن زيـري الصنهاجي. فوفد عليه ذات مرة فاكرمه وقربه وحياه وأحسن، فرجع على احسن حال ظافرا ببلوغ الآمال. فلما سمع بقدومه خرج ابو نوح وتلامذته، وخرج أهل البلد ليتلقوا وحنين، فلما كانوا بخارج البلد بحيث يبصرون وحنين نظروا فاذا جماعة قد سبقتهم فامعنوا النظر في
الى قسطيلية
145 (1/167)
صفحة 168
فاذا من النكار
هم
"
فلما علم
أولئك الذين سبقوهم أبو نوح انهم النكار وانهم سبقوا حدس انهم عجلوا ليكونوا الحفاوة وحنين أهلا وليكونوا بالمكانة عنده أحق ممن سواهم، وأولى، فقال لاصحابه قفوا مكانكم، فان هو صافح النكار قبلنا، هجرناه، فلما قرب النكار منه وقد أشرف عليهم اصرف عنهم عنان فرسه واشار بالسلام اشارة واعرض عنهم وتقدم نحو الشيخ ليبدأ بمصافحتهم. فلما فهم ذلك عنه الشيخ ابو نوح وأصحابه ورأوا اعراضه عن النكار، قال لاصحابه قوموا بنا لنصافحه فلما كان قريبا منهم نزل عن فرسه وجاءهم يمشى،، قال يوسف بن النفاث: كأني انظر اليه وقد اقبل لابسا كسا خز وأشبورة نصف الكسا، حتى صافح الشيخ واصحابه واهتز ابو نوح لفعله، ودعا له حينئذ بدعوات تحققت منها البركات، وان بركة تلك الدعوة لباقية فى عقبه الى يومنا هذا. قيل، وكان من قول وحنين حينئذ للشيخ واصحابه أنا والله ما كان لى هم في مغيبي ولا أسف على شيء لومت في سفري هذا الا القيام بواجب حقوقكم، فان الذي أوجبه من ذلك على نفسى قد لا يقوم به غيرى ان غبت أو مت فضاعفوا في
وبلغنا ان المنصور بن بلكين ارسل الى ابى نوح يأمره بقدومه اليه، فلما جاءه الرسول بهذا الخبر قلق ابو نوح تجددت عقابيل الخوف كالحالة الاولى، ثم تثبت في أمره فتوجه الى دار وحنين في وقت هاجرة فادخله فاستشار وحنين في المسير اليه، وهل هناك أمر يخافه عليه فيحذره أو شر يتوقعه؟ فقال له وحنين ان طاب على نفسك المسير فسر، قاني لا اخاف عليك، وان كرهت المسير فأقم وأنا
146 (1/168)
صفحة 169
امنعك وأخالف عليه من أجلك، فدعا له بالخير. ثم ان أبا نوح استخار الله تعالى واجاب دعوته، فقصد المنصور وسار متوجها الى القيروان واعلم المنصور بقدومه فأذن له بالدخول، فدخل فسلم عليه وأدناه، وأحسن اليه وأكرم مثواه وفضله على كثير من جلسائه واصحابه ولقي من القبول ضد ما كان يخطر في وهمه ويخشاه، فبلغنا ان المنصور حينئذ تكلم بكلام ليأنس بذلك ابو نوح وينجلي همه، ويذهب عنه من الروع والحزن ما كان يتوهمه، فكان من كلامه اعلم يا شيخ ان رمحى وهبي وسيفى وهبي وذلك ليشعر بالامان، ويتأكد منه صفاء الصدور من الاضغان، فأنس لذلك واطمأن، وحمد الله لذلك بجميل
الظن
مناظرة أبي نوح في
وكان ابو نوح كما ذكرنا عالما بفنون المناظرات والرد مجلس المنصور على اصحاب المقالات فكانت له في المناظرات بين يدى المنصور اخبار مشهورة وأيام في جميل الذكر مذكورة. فمنها ان المجلس قد ضمه ذات مرة ورجلا يعرف بابن حمو، وكان موصوفا بالمناظرة متعرضا لها فجرى بينهما كلام في هذا الفن، وتعرض ابن حمو بمناظرة ابى نوح فبدأ ابو نوح بالسؤال، فقال له ما علامة الصنعة؟ فقال الحدوث والحركة والسكون والزوال والانتقال، قال ابو نوح فقلت له كل محدث مخلوق فقال وقد كابر على نفسه كل مخلوق محدث، وليس كل محدث مخلوق. فقلت له والمحدث اذا على ضربين محدث مخلوق ومحدث غير مخلوق، فليزمك ان يكون القديم على ضربين خالق وغير خالق، قال فقال عند ذلك بل القديم كله خالق، قال فقلت له وكذا المحدث كله مخلوق، قال بل كل قديم خالق وليس كل
147 (1/169)
صفحة 170
محدث مخلوق، قال فقلت له فالكفر اذا مخلوق لانـ محدث قال وهو جواب مضطرب الكفر مخلوق لى، قال فقلت له اذا كان الكفر مخلوقا لك فينبغى على هذا العيار ان يكون مر بوبا لك ومألوها لك وانت على هذا القياس اله فعلك وربه، قال فقال مضطر با الكفر مخلوق لى وليس اذا يجب كان مخلوقا لى ان يكون مربو با لى قال فقلت له فلزمك على هذا ان يكون مخلوقا لله غير مربوب له وان الله خالق لما خلق من الاشياء وليس بربها ولا الهها، قال ابو نوح فلم اسمع منه بعد هذه عن كبيرة ولا صغيرة، بل بهت وانقطعت حجته. قال فقال لى المنصور: فما الذي يقول لك هذا فقلت أصلحك الله ان هذا يزعم ان لله خلقا وان له خلقا غير ما خلقه الله تعالى فيكون كل واحد منهما منفردا بخلقه قال: فقال له المنصور لقد جعلت لله شريكا يا هذا. ادقلت تخلق والله يخلق، فهذا الشرك بعينه. وانكر ذلك القول عليه غاية الانكار وقبحه.
واقام ابو نوح عند المنصور في منزلة كريمة وخيرات عميمة الى ان از مع الترحال فاحسن جائزته، وانفصل على أبر حال
وبلغنا ان أبا نوح ناظر يكما الاعرج النكاري، وكان من شيوخ النكارة ومن علمائهم فقال له أبو نوح أسألك عن حجة السمع فاخبرني عن رجل مشرك دعاه رجل من المسلمين الى دينه. فاخذ يعلمه التوحيد ويدرجه حرفا حرفا ما منزلته قبل تكميل التوحيد؟ اهو على حالته الاولى من الشرك أم هو مسلم؟ قال ابو نوح ثم قلت له ان قلت مسلما فاذا يسلم الانسان ببعض التوحيد دون بعض. وان قلت مشركا فبماذا أشرك بالذي سمع من التوحيد ام بالذي
148 (1/170)
صفحة 171
لم يسمع منه! فوقف. وقال لا اعلم. قال فقلت له لا تحتشم ولا تخجل فانك بلغت مبلغ امامك عبد الله ولم تقف الا فيما وقف فيه امامك عبد الله بن يزيد. ولو وقفت دون ذلك للمناك، وبلغنا ان الشيخ سأله بعد ذلك بعض تلامذته فقالوا له ارايت ان قال لك يكما: انما اشرك بالذي لم فقال لهم: اذا قال ذلك فهو الرجوع الى قولنا: ان الحجة تقوم بسماع وبغير سماع، وهذا قد قامت عليه الحجة بعد سماع، وبغير سماع وان قال انما اشرك بالذي سمع قيل له اسرار التوحيد اذا خير من اظهاره، ويلزمك ان يكون ترك التوحيد ايمانا، و يكون فعله كفرا.
يسمع
وبلغنا ان رجلا من اهل الدعوة ناظر رجلا نكاريا مناظرة تودي الى
بمدينة توزر، فجرت بينهما مكالمة افضت الى ملاكمة فقال احدهما للآخر يا حمار، وقال الآخر يا ثور فخرجا من المدينة وكل واحد منهما ممتلئ غيظا فشكا كل واحد منهما الى اصحابه ما لقي من خصمه من سوء المعاملة، وكان حينئذ الشيخ ابو نوح بتوزر الا انه غلب عن رتق الفتق، وذلك ان كل جماعة غضبت لما اصاب صاحبهم فخرجوا فكان منهم لقاء بخارج توزر، فاقتتلوا قتالا شديدا فاسرع القتل في النكارة وانهزموا واتبعهم الوهبية يقتلونهم الى تقيوس، ولحق رجل من الوهبية يكما الاعرج في الهزيمة وكان يكما ذميم الصورة ردى السيمة اشبه شيء باليهود، فقتله الوهبي، وبلغنا ان أبا جعفر أحمد بن خيران رحمه الله ادرك رجلا من النكار صريعا فامسك عنه فلم يقتله فقيل بعد ذلك لم لم تقتله فأجاب بجواب غير مقنع وكان رجلا ابله. ثم ان الوهبية ائتمروا فى اتباع النكار وحصارهم في تقيوس، فنهاهم الشيخ أبو نوح عن ذلك فقال لهم ان
له
فتنة
149 (1/171)
صفحة 172
له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اديل على قوم مرتين في يوم واحد قط، فأبت العامة الا اتباع النكارة وحصارهم لما أراد الله. فلما لم يجد نصح الشيخ في القوم أمسك عنهم، وخلاهم ورايهم، فلما وصـ لوا تقيوس حاصروا من بها من النكارة. فلما رأوا انفسهم في الحصار أنفوا وتحاموا وخرجوا غضابا وقتلوا قتال رجل واحد: فانهزمت الوهبية الى توزر هزيمة منكرة، وكان ابو نوح في ساقة من العسكر يحمى ظهور اصحابه فلم يزل يذود عنهم، حتى غشيه النكار وقد انقطع من أصحابه وحازه العدو وحملوا عليه حملة رجل واحد وطمعوا في الظفر به وكان في غالب الظن صار ميؤوسا منه الا ان الله عز وجل تدار که بلطفه فلحقه عزيز بن عيسى بن سعيد أخو الشيخ صابر المشهور، فكشفهم عنه وحال بينه وبينهم حتى استنقذه منهم، وافلت، ولما نفس عن أبى نوح رجع فيهم کارا فبددهم شذر مدر. اخذ الشيخ في صدره وجعل كلما ادركتهما طائفة من العدو، كر فيهم عزيز فردهم عن الشيخ، حتى نجيا سالمين، لم يكلم أحدهم كلاما. فكان عزيز يقول فيما بلغنا انا خير من أخى صابر فاني دافعت عن الشيخ حتى استنقذته. وصابر قد فر عند الهزيمة. وبلغنا ان ابا اسماعيل ابراهيم بن هلال المعروف بالبصير كان يومئذ ممن يبطيء الناس عن القتال، ويقول أيها الناس احذروا الفتن، ونهى، لو استمع نهيه، وسعى في اطفاء الشر، لو أجدى سعيه، ثم ان أبا نوح وصل الى قنطنار، فتمارض ولزم الفراش. فدخل عليه يوسف بن نفاث فسأله عن حاله فقال: هل تحسب اني مريض؟ لا بل متمارض الفؤاد، لما نزل بأهل الدعوة من النقص وشماتة
150 (1/172)
صفحة 173
الاعداء. كان ظني أن عبيدهم واماءهم يقابلون النكارة ويكفونهم ولو بالخزف والاحجار. فقد أصبحوا اليوم لاهل ة اندادا وشفوا بعد الذلة احقادا
الدعوة
يسجن طبعا
وبلغنا ان الوالى بتوزر لما رأى عظم منزلة ابى نوح في فدية وارتفاع ذكره احتال فيما يجتلب به أهل الدعوة بسببه،
يوسف
•
فسجنه في توزر طمعا فيما يفدونه به. فأقام في السجن ما شاء الله الى ان سمع ان رفقة وصلت من ريغ من بنى تکسنيت برسم الميرة. فسأل هل فيهم من الوهبية أحد فعرف ان فيهم رجلا واحدا من الوهبية، يقال له ابن توحينت فارسل اليه فجاءه فقال له هل معكم جمال تبيعونها فقال نعم، فقال انه مع اصحابي عشرون جملا يذكرون بيعها. فقال له لعلك ان تنفد لى شراءها منهم فوقع القول بين يوسف وبين اصحابه في الجمال بحسب عشرين دينارا لكل جمل فقد موابها. فلما وصلوا بها الى موضع بخارج توزر اجتازت خيل من صنهاجة من قبل والى توزر، فساقوا الجمال غصبا فتبعها أصحابها رجاء استرجاعها منهم فلما كانوا ببعض الطريق لحقوا جملا أعرج لم يصاحب الخيل فقويت به نفوسهم اذ لم يبق بايديهم ما يبلغون به الى أوطانهم بسواه، ويئسوا من بقيت الجمال، واعلموا ان الوالى قد استأثر بها، فاقبلوا يلومون يوسف وينسبون اليه ما أصابهم في الجمال، اذ كان السبب في ذهابها، وهم لا يدرون ما في نية الشيخ من تضمينه نفسه قيمة الجمال. فلما الله يسر السجن جاء الى قنطنار فقدم يوسف بن توجينت بما عليه فقصد موضع ابي نوح ليلا فوجده والسراج بين يديه وحوله جمع كثير من أهل الموضع، ينتنمون مجالسته لما
تسريحه من
151 (1/173)
صفحة 174
فاندني
يقبسون من نوره. فقال له ابو نوح يا يوسف اني عازم على المسير الى بلاد اهل الدعوة، فهل تعلم لى مركو با يبلغني؟ قال نعم المركوب حاضر، وكانت له بكرة اراد عليها الميرة، فاستبشر وأطرح جميع العلائق لقضاء حاجة الشيخ. ورأى ذلك أكد عليه من غيره قال فابتدرت الى اجابة سؤال الشيخ وعجلت الى مرافقته. فعمد الى البسط فهياً منه حزمتين فجعلهما وطاء وبسط للشيخ بساطا
لا يتاذي به وحمله فيها، وارتحل يقود به وليس معهـ
ثالث
بجميع
اني لا احسن قيل وكان يوسف رجلا عاميا فقال يا شيخ اني السؤال لأستفيد لا احسن السؤال وانى لمشتاق الى ما استفيد منك لانتفع به ولكن هات من عندك ما فتح الله، فقال له أبو نوح: أحبب للناس ما تحبه لنفسك، و أكـ، للناس ما تكرهه لنفسك، قال فظننت انه لم يفدني كثير الفائدة، فاذا الفوائد جمعها لى. قال وسرنا حتى وصلنا سوف فاهتز اهلها جذلا، وقد تقدم عندهم علم ما حل بالشيخ فخرجوا يتلقونه بالترحيب مسرورين بسلامته مما كان فيه فرحين بقدومه عليهم، فجعلوا يجمعون ما امكنهم ويحضر كل منهم ما قدر من المال الناطق و الصامت ليجبروا مصابه، فقبل ذلك منهم ليقضي منه ما اعتقد ان ذمته به عامرة، قيل فجاءه رجل بدينار فدفعه اليه فتناوله فقال له بعض من حضر أتعرف من هذا؟ قال لا قال انه رجل
؟
نکاري قال ردوه قال فرجع فقال خذ دينارك. فقال لم قال لان النفوس طبعت على حب من أحسن اليها وبغض من اساء اليها وانى لا اريد ان احبك. فرده عليه
152 (1/174)
صفحة 175
وخرج الشيخ من هناك قاصدا بلاد بني ينجاسن من
ريغ فلما دنوا من البلاد، قال يوسف لابي نوح اما انت فقد وصلت فان رايت أن تاذن لى فى الوصول الى اهلى قال نعم، قد اذنت لك فأت أهلك ثم تاتيني باصحاب الجمال ففعل. فلما جاءه باصحاب الجمال وفاهم ابو نوح اثمان الجمال على الكمال
ثلاث مسائل يساله ومما سئل عنه ابو نوح فاجاب ما بلغنا ان ابا عبد
الله
محمد بن بكر رحمه الله ساله بمحراب مسجد قنطنار عن ثلاث مسائل احدها: الطفل من اولاد المسلمين اذا بلغ الحلم ما الحكم فيه؟ فقال أبو نوح ان انست منه خيرا توليته وان لم تأنس منه خيرا امسكت عن ولايته. فقال ابو عبد الله او ما تلزمنا معارضة النكار فى الحارث وعبد الجبار، اذ قلنا ببقائهما على الولاية وقالوا فيهما بالوقوف، فقال ابو نوح ما يلزمنا معارضتهم في ذلك لانا نقول انما كانت ولايتنا اياهم بو لايتنا لآبائهم، فاذا بلغوا ورجعوا الى افعالهم زال عنهم حكم آبائهم، وتوقفنا فيهم اذ صاروا الى حكم انفسهم، بعد ان لم يكن لهم الا حكم آبائهم، واما النكار فقد ازالوا الحكم الذي ثبت من الولاية من غيرهم فزال المعنى الذي اثبتوا به الولاية ولم يثبوا ضد ما ازالوا ما وهو يستوجب به البراءة، فلا يلزمنا اعتراضهم. والثانية عن معنى الخبر الذى يؤثره بعض الناس عن النبيء صلى الله عليه وسلم ان جهنم لا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه فتنزوى من نواحيها وتقول قطني قطني، فقال الشيخ ان كان الخبر صحيحا فله وجوه منها ان قدمه قدم لها من أهل الشقاوة، وهذا كقوله في الصالحين: وبشر الذين آمنوا ان لهم قدم صدق» يعنى والله اعلم:
هو
ما
عنها محمد بن بكر
153 (1/175)
صفحة 176
العلم
ما قدموه لا القدم التي هي العضو، والثالثة سأله عن الورود التي تقوم بها الحجة على السامع. فقال ان يفهم
ما ورد على سمعه وذلك في افعال الطاعات
امل آخر الزمان وذكر يوما فساد الزمان واهله، وهو يحذر ويذكر ياخذون بمتروك فقال لمن حضر مجلسه: ان عشت يا فلان فسيأتي عليك زمان باقوام يكثرون تتبع الطريق حتى يذهب بهم في ألف من بنات الطريق، الفضة فى السنتهم والنحاس في قلو بهم، انما يسمعون باضراسهم، أقوام يأخذون بالمتروك من العلم، وقال في مثل ذلك ان شر ما خلقه الله الكفر والفقر وسيبلى بهما أهل آخر الزمان، فيعيشون فقراء ويموتون الى النار لا قدرة لهم على الانقاذ من الفقر ولا اعمال لهم ينجون بها من النار
ابو نوح ينتقد اهل
وارجلان في سلوكهم وذكر ان ابا نوح رحمه الله رجع الى وارجلان بعد موت الشيخ ابي صالح جنون بن يمريان رحمه الله فوجد البلد قد فسد، والاحوال على غير ما عهد. فلبث فيها ما شاء الله، ثم جعل لاجتماعهم اليه موعدا، فاجتمع اليه جماعة ممن ينتمى الى التعيين، فوعظهم وأخذ يقبح عليهم ما ظهر من المناكر لديهم، فقال: انى رأيت فيكم ثلاث خصال غير مرضية، ولا ناهيا عنها. أحداها ان نكاح السر فيكم فاش فاذا مر أحد منكم برجل وامرأة مجتمعين في موضع التهمة اشمأز قلبه، فان زجرهما عن الاجتماع في موضع الريبة، قالا انا متناكحان فكادت ان تظهر فيكم الفاحشة بل ظهرت. والثانية ان احدكم يطلق عبيده فلا يعولهم ولا يمونهم ولا يكفيهم طلب معاشهم فينطلقون في أموال الناس على غير رضى اصحاب الاموال، وعلى غير
أذنهم فيكاد أحدكم يكون سارقا وهو في محرابه جالس
154 (1/176)
صفحة 177
والثالثة انكم أظهرتم فيها بينكم التحزب والتفرق. فطائفة منكم يقولون مسجدنا ومسجدكم وطائفة يقولون حضرينا وحضريكم، ويهودينا و يهوديكم. فلم يجدوا جوابا في مجمعهم ذلك الا انهم تواعدوا ليجاوبوه فلما ابطوا استرابهم. فارتحل عنهم من يومه ولم يبت تلك الليلة الا في (تينماطوس (عند حمو بن اللؤلؤ. قيل حمو. ولما كان من الغد سأله هل رزقت ذرية
ولما
أضافه
من ذرية أئمتنا؟ قال نعم بنية. سيمتها أم المؤمن. فقال ارينيها فاقامها من نومها فاذا هي شعثاء سائلة العينين والانف لصغرها، فقال ما أراها شيئا تصلح لأمر، ولا تقوم مة اما، فقال لا تقل فى أم المؤمن الاخيرا. فقال وما عسى ان اقول فى مليكة الوهبية الا أنها دون الموافقة. وقال حسن الغرض ان وافقت قلبك فتكون أولى بها فهذا حسن بالاقتداء بمن سلف، قيل ولما ازمع الرحلة واعلمه ان طريقه يكون على بلد بني زلغين، صاحبه حمو مشيعا وقاضيا لواجب حقه، ومعه ابنه ابو عبد الله ومع ابي عبد الله ابنه عبد الله فخرجوا متتابعين على الطريق والشيخ قد فلما تقدمهم كانوا ببعض الطريق وقد حضر وقت صلاة الظهر نادى عبد الله اباه ان وقت الصلاة قد حضر. فنادى ابو عبد الله أباه يؤذنه بمثل ذلك. فقال له اسكت ليس ذلك اليك حمو ولا الى فقد كفيناه، ثم ساروا قليلا فكان منهما من القول مرارا كالذي كان أولا، فيكون جواب حمو كالجواب الاول الى ان وصلوا قريبا من المصلى الذى بخارج البلد فمال اليه أبو نوح وأناخ راحلته وأقام الصلاة، وتقدم وصلى بهم الظهر والعصر. ثم ختموا ختمة العشية ثم صلوا المغرب
155 (1/177)
صفحة 178
ثم قال قد ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعـ
ذلك في غير خوف ولا مطر
•
ابو نوح في مجلس وبلغنا ان ابا نوح دخل زويلة وواليها حينئذ ابن خطاب والى زويلة واكرم ابا نوح غاية الاكرام ومعه عبد الله بن زورتين الوسياني، فكان عنده في اعلى درجة قيل فجلس ذات يوم في مجلس ابن خطاب وحوله رجل يهودي يقال له حلبى يزعم فقال أبو نوح كالمداعب: أسألك يا يهودى عن
انه
•
ثلاثة مسائل فان اجبت عنها فانت حلبي وان لم تجب فانت خلبي احداها رجل ضرب عنق نفسه قابانها متى قتل نفسه افي حال حياته أم في حال موته؟ والثانية الراكب في السفينة بماذا يطلب الراحة والسكون لا يمكنه على حال؟ والثالثة رجل رمى رجلا بسهم فمات الرامي قبله ثم مات المرمى بعده اقتله حيا أم ميتا؟ فبهت اليهودي فلم يجد جوابا. فقال له ابن خطاب تفضل علينا يا شيخ بالجواب، قال نعم اما الذى ضرب عنقه فابانها فانه قتل نفسه في حال الموت بما فعل في حال الحياة. واما الذي في السفينة فلا يخلو من الحركتين حر كة نفسه وهي اكتسابية وحركة السفينة وهي اضطرارية، فلو كانت الحركتان اكتسابيتين أمكنته الراحة بالكف عنها، واما الرامي فانما
-
قتل المرمى في حال الموت بما فعل في الحياة كالمسألة الاولى
•
وممن انتفع بصحبة ابى نوح وظهرت عليه بركته سريعا المعيز بن فضالة المراغنى، فانه صاحب أبا نوح من قنطنار الى سوف وابو نوح راكب على بغلة والمعيز ماش على رجليه، فلما وصلا سوف جعل ابو نوح يئن ويشتكى ألم السفر، حتى كان من قوله ليس في بدني عظم الا وهو واجد ألما. فقال المعيز لكنى لا اجد ألما، ولا أحسه. فقال
156 (1/178)
صفحة 179
له ابو نوح اما اذا كنت هكذا فقد وجب عليك الحج من وقتك، قيل فتلقت هذا الكلام منه أذن واعية، فتاب وتنحى عن الامور الدنيوية من فوره، وباع من عقاره ما قضى من ثمنه صداق امرأته، واستعد للحج حتى قضاه ورجع ونفذ وصيته حيا ثلاث مرات، وكان يختلف الى مجالس الذكر حتى مات على هذا الحال الزكي فضرب به المثل: (من كان تائبا فليتب كتوبة المعيز بن فضالة).
>>
ذكر شيء من أخبار أبي مسور بن وجين اليراسنى وابنه أبو زكرياء رحمهما الله»
ابو مسور وابنه
كان أبو مسور أول من اشتهر من بني زكرياء البراسني
حاله
الفقر وعناء الطلب
يراسن بالعلوم والفضل وكان تعلمه بجبل نفوسة قرأ على ابي معروف وابي زكرياء يحيى بن يونس السدراتي رحمهما الله وكان حينئذ مقلا من المال. فكابد من ضيق العيش في صبر وكتمان ما لم يكابده غيره، كان ربما أخذ شعيرا فطلب من الصبيان من يقليه له، فيقتات به. فان لم يجد من يقليه صره في طرف ثوبه، ثم رشه بالماء حتى يبتل فيقتات به، وكان ياوى الى خربة يجمع بين عناء قرية فيأكل فيها ذلك الشعير فى خفاء، لئلا يطلع على احد، ومكث على هذا حينا من الدهر لم يفطن به احد، وكان اذا جاء الى مجلس المشائخ قعد في آخر المجلس لحداثة سنه، فيلازم الجلوس والناس يقومون فكلما قام احد ممن بينه وبين الشيخ تقدم هو، حتى اذا لم يبق أحد بينه وبين الشيخ، فيصير بين يديه، فلا يزال يسأله حتى يقوم من المجلس، فلم يزل كذلك الى ان كان ذات يوم بمجلس مع الشيخ وقد انصرف الناس فلم يبق معهما ثالث، فجعل
157 (1/179)
صفحة 180
يسأله كالعادة، حتى هم الشيخ بالقيام فقام أبو مسور لقيامه، وكان الشعير مصرورا فى طرف ثوبه، فانحلت عقدة الصرة وتبدد الشعير على الحصير، فنادى الشيخ يا معشر نفوسة ما ترفعون من رفعه الله؟ فجاءت جماعة شيوخ سمعوا نداءه مسارعين وكل منهم مشفق ان يسبقه الآخر الى البركة التي دعاهم اليها الشيخ فتنازعوا فيها اليه. تسارعوا حتى آثروا أحدهم بان يكون متكفلا بابي مسور، فيقوم بمؤونته. فلما كفي مؤونة المعيشة تفرغ للطلب، فضاعف الاجتهاد ولازم القراءة حتى حصل من العلم ما قدر له، ولما اراد المسير الى أهله اشتغل بانتساخ الكتب فمر به شيخه ابو معروف وهو ينسخ. فقال له هذه تجارة بائرة «يا يسجا». فقال نعم لمن ضيع دراستها واتكل على خزنها، هذا الذى اراده الشيخ لا انه يذم اقتناء الكتب، وانما يذم الاعتزاز بها واضاعة الحفظ والمذاكرة
وفي المدة التي عزم فيها على المسير تزوج امرأته النقوسية التي ولد له منها ابو زكرياء، وكان سبب تزوجه اياها ان شيخا من مشائخ نفوسة من اخوال ابي مسور رحمه الله، وجه أبا مسور خاطبا اليه فوقع في نفسها ابو مسور دون مرسله، واشارت له الى ذلك، فلما فهمه عنها ابو مسور رجع الى صاحبه فقال انظر لنفسك رسولا اليها، فقال له الشيخ لعله ارادتك، اما والله لأخطبها عليك فمضى اليها خاطبا على ابي مسور،، فتزوجها وقدم بها الى جربة، وقد كانت الجزيرة حينئذ ليس فيها احد الا على مذهب خلف بن السمح، غير نفر قليل قد تقدم ذكرهم. فدعاهم أبو مسور الى مذهب الوهبية فاجابه منهم من اراد الله به خيرا، وكان بها حينئذ رجل من زواغة
158 (1/180)
صفحة 181
نكاري يقال له خلف بن احمد، وكان ذا مال كثير، وكان متكرما فكان يصنع الطعام ويدعو اليه الناس ويدعوهم الى مذهبه، فكل من اجاب ابا مسور كان وهبيا، ومن اجاب خلفا كان نكاريا حتى لم يبق في الجزيرة احد على مذهب ابن السمح بل صارت كلها تبعا لابي مسور، أو لخلف بن احمد. فاقام ابو مسور في الجزيرة تجتمع اليه الجماعات لطلب العلم واخذ السير وانتهاج الطريق، وبنى ابو مسور المسجد الكبير بجربة المعروف (ببنى يراسن) ومات رحمه الله قبل تكميله، فكمله بعده ابنه ابو زكرياء فصيل رحمه الله، فكان به فاتحة كل خير وصلاح وطليعة كل يمن وفلاح، ولهما بجزيرة جربة وغيرها من المناقب ورفيع الدرجات وعلو كريم المراتب، ما هو منشور في الاقطار. ولو سكتوا اثنت عليهم الحقائب
•
وتقواه
شهادة المشائخ على سئل الشيخ ابو نوح سعيد بن ز نغيل غير مرة عن الرجل فضل ابي مسور المشهور من أهل الولاية اشتهارا فاشيا في العامة، من غير ان يثبته عندك الازكياء، أعليك ان تتولاه دون الاطلاع على احواله، أو شهادة من ترضى شهادته في ذلك وأمثاله؟ فكان جوابه لكل سائل سأله عن ذلك اما مثل ابي خزر في افريقية، وابي مسور في جربة، وابي صالح في وارجلان فنعم، واجتمع ثلاثة من المشائخ الموصوفين بالعلم والدين فمر بينهم ذكر أبي زكرياء فصيل رحمه الله، فوصفه كل منهم بمبلغ معرفته، ولا تنكر ان يكون قد وافق كنه صفته، احدهم ابو محمد عبد الله بن مانوج، والثاني ابو عمران موسى بن زكرياء، والثالث ابو عبد الله محمد ابن بكر رحمهم الله، فكان قول أبي محمد لو كان الوحي ينزل في زماننا لكان ابو زكرياء اهلا لأن ينزل عليه الوحي
159 (1/181)
صفحة 182
بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال: ابو عمران لو كانت الامامة في وقتها لاستحقها ابو زكرياء، وقال
6
ابو عبد الله لو اجتمعت خلال الخير والبر كلها بيدك واردت ان تزيد منها في أبي زكرياء لم تجد لها فيه موضعا للمزيد لاحتوائه عليها، قال الراوى رحمه الله اما قول ابي محمد فانه لا يعنى بها التقدم على الله، وانما يعنى كثرة علمه بالفرائض والفضائل والنوافل كما كان الانبياء في زمانهم صلوات الله عليهم، وعلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، واما ابو محمد فانه لا ينسب اليه جهل معنى قوله تعالى: (لا تقدموا بين يدى الله ورسوله) قلت والاعتذار من هذا بوجوه كثيرة ولعل الاختصار من ذكرها أجمل.
قيل وكان أبو زكرياء قرأ بافريقية على ابي خزر رحمه الله وكان شيخه، حدث غير واحد من اصحابنا ان ابا زكرياء وجهه ابوه الى نفزاوة في سنة ممحلة ووجه معه جمالا وبضاعة ليمتار تمرا من بعض قرى يز مرتين (فلما وصلهم اجتمعوا واتفقوا ان يعلموه بما عزم عليه من المعاوضة فاقتضى نظرهم ان أوقروا جماله تمرا، فوجهها من مناك لأبيه ووجه البضاعة اليه ولم يمسك منها لنفسه شيئا، وذكر أنه باع عمامته ليستعين بها على طريقه الذي يرومه وهو قصده الى ابي خزر برسم الطلب، فسافر اليه من هناك ومكث عنده ما قدر الله مجتهدا في طلب العلم، الى ان حصل منه ما شاء الله، ولما وقع ذكر القيام بطلب ثار الشيخ أبي القاسم كر أبو زكرياء راجعا الى جربة ليستأذن اباه، ويوصيه فيما يوصيه ويودع أهله. فلما قضى من ذلك ما كان في نفسه
160 (1/182)
صفحة 183
سأل المحاللة من أبيه فقال انت منى في حل من جمي حقوقي عليك الا واحدة وهي كونك رددت الدراهم من نفزاوة ولم تبقها بيدك تستعين بها على طلب العلم، ثم ان أبا زكرياء خرج من جربة متوجها الى افريقية نحو أبي خزر، فلما كان ببعض الطريق سمع بخبر الهزيمة التي تقدم ذكرها فرجع.
ومما يؤثر من ورعه رحمه الله وتحرجه ما بلغنا ان مآثر وحكم عن ايى
عاملا من عمال السلطان خرج على بنى يراسن فوظف عليهم خراجا كبيرا، فقال ابو زكرياء للعامل انهم غير قادرين على هذا القدر، فقال له وعلى كم تراهم يقدرون؟ قال يقدرون على كذا وكذا. فسمى له عددا فاقتصر العامل على القدر الذي ذكره ابو زكرياء فقبضه منهم، ثم بعد ذلك راجع نفسه أبو زكرياء فندم على ما فرط منه، ثم تصدق بقدر ما قبض مما وظف، وأخرجه من مال نفسه للفقراء والمساكين. وقد قيل انه غرم كله ذلك الخراج من مال نفسه ورأى انه كان الذى اوجب عليهم غرم جميع ذلك المال، وهذا هو الصحيح، ومن تحرجه أيضا ما بلغنا ان رجلا غريبا كان نازلا بجربة تاجرا بها، فاخذه عامل من عمال السلطان فسجنه ليغرمه مالا فشفع فيه أبو زكرياء عند العامل، فشفعه واطلقه، فلما كان بعد ذلك بمدة اذا بالتاجر قد اهدى اليه قميصا مستعملا، فأبى أن يقبضه، فقال له التاجر ادفع الي رأس مالى واترك لك
،
قيمة الخياطة فأني خيطته بيدى، فامتنع من قبوله اصلا ومما يؤثر من كلامه انه قال: اذا قحطت الارض فان الجنة تنال بقبضة من الطعام، واذا قحط الاسلام ـ يعنى مسه فان الجنة تنال بكلمة حق، وقد اجتمع القحطان
ضعف -
زکريا فصيل
161 (1/183)
صفحة 184
الوساوس وما يخطر
الايمان
في وقتنا هذا على ان قحط الاسلام اشد من قحط الارض، وله امثال كثيرة حكيمة منتشرة فى الناس يقتدون بها في أمورهم، حتى ان بعض المشائخ قال لو ان الالفاظ الحكيمة التي يلفظ ابو زكرياء تثبت وتحضر في الدواوين لضاقت عنها. وكانت له بديهة حاضرة في كل فن ف
يجوز عليه مكر ماكر، ولا احتيال محتال
~
•
وبلغنا ان أهل الجزيرة وغيرهم من قبائل زواغة ضمهم بالجزيرة محفل كبير عظيم لاهل المذهبين في مهم، قد عناهم، وحضر المحفل العظيم المذكور ابو زكرياء. وحضره شيخ من شيوخ النكارة ودعاتهم فأراد النكارى ان يستنزل ابا زكرياء في ذلك المحفل العظيم مما يتوقع اللبس على العامة، ويدخل الوهم على ذوى العقول الضعيفة. فقال له النكارى بعد كلام طويل يا ابا زكرياء نحن وانتم كلنا نكار، فانا منكرون ما كان من تحكم الحاكمين بصفين: أبو موسى وعمرو، ففطن أبو زكرياء في ابتداره وقال: اما انا فلست بنکاري، فخاب سعي الخصم، ولم يجز توهمه على ابي زكرياء. وهذه احد مكائد القوم. أرأيت لو سكت ابو زكرياء وصدقه في مثل ذلك المحفل؟ أليس ذلك موقعا في مسامع الحاضرين ومشيعا في الغائبين عن أبي زكرياء غير ما هو عليه؟
القلب لا يفسد قيل وكان في زمانه بجربة شيخ من أهل الصلاح والاجتهاد مع البله و كان يكنى أبا محمد فمرض هذا الشيخ في آخر عمره، فدخلت عقله وسوسة ـ وربما كان ذلك الخوف من هرمه أو مالنخوليا لمرضه ـ على ان الاولياء محفوظون، فعاده في هذا المرض ابو القاسم يونس بن أبي زكرياء، فقال له يا يونس ان الشيطان قد استفزني
162 (1/184)
صفحة 185
و كادني، حتى كاد ان يهلكني، ويفسد علي توحيدى واخلاصي، بما يلقيه في خاطري من الوسواس، وانى الأخافه على نفسى لما انا فيه من ضعف الجسد، وضعف العقل لکبري، فبادرني بابيك ليعالجني ويداوي علتى قبل ان يدركنى الموت وانا على الحال، فابتدر ابو القاسم الى ابيه فاخبره بخبر الشيخ، فجاء مسرعا فتارة يمشى، وتارة يجرى وهو في ذلك كله يبكي حتى قدم عليه، فقال له الشيخ هلم يا طبيبي، فان الشيطان اولع بي و استفزني على ضعفي ويخيل لى كانه يقول لى: كيف ربك؟ ويخطر ببالي ما اخشى ان يصيرنى الى الهلاك. فقال له ابو زكرياء اعلم يا شيخ ان كل ما يخطر ببالك ويتمثل في وهمك عقلك ويبلغه ذهنك فانه خلق من خلق الله تعالى ولا يخطر بالبال الا ما تدركه الحواس أو شبيه بما تدركه
ويحضره
"
والله عز وجل متعال على الاشباه والانداد والاضداد واعلم ان نفي هذه الخواطر عن الله هو من محض الايمان واخلاص التوحيد، فقال له الشيخ قد داويت علتي وشفيت علتى أجرك الله يا ابا زكرياء، يا بني. ادخال السرور على ان احكي في هذه الحكاية (1) ان ابا زكرياء كانت به قلب المؤمن افضل
علة تعتاده وكان مما يهيجها عليه لحم العنز لا سيما ان كان بائتا باردا، فكان يجتنب اللحم العنزى واللحم البائت، فلا يكاد يقدم عليه، ومتى استعمله يوما ثارت عليه علته، فحضر في هذا اليوم مجيبا دعوة ابي محمد
البارد
صوم
تطوع، فناوله ابو
محمد
وكان صائما كما تقدم و قطعة من لحم بارد عنزي بائت ورغب اليه ان يأكلها، فقال له يا شيخ ان هذا آخر النهار، وانا صائم، وا، وأيضا فان
بي
(1) كذا بالنسخ ولعل صواب العبارة هكذا: وبعد أن حكى هذه الحكاية ذكر ان أبا زكرياء الخ
عيادة
163 (1/185)
صفحة 186
•
علة لا تكاد تخفى عليك، فقال له سألتك بالله العظيم الا ما اكلت فلم يمكنه الا مراقبة قلب الشيخ، وموافقته فتناول اللحم وأكل منه ما قدم له فمنذ أن أكل ذلك اللحم شفاه الله من تلك العلة. ثم لم تعد له حتى لقي الله قيل وانه أتاه بعد ذلك آت في منامه فقال له: اعلم ان افقتك. لقصد ابي محمد و تطييب نفسه وادخال السرور عليه افضل من عبادتك سنة، قيل وانه من ذلك اليوم يأكل المآكل التي ذكرناها ولا يجد لها الما
مو
له
•
ومن شكره لنعم الله تعالى ان امرأة معدمة جاءته تسأله شيئا من الزيت لتدهن به رأسها. وقد أضر بها الشعث. فأخذ أبو زكرياء اناء ليملأه لها زيتا ففض خاتم خابية من خوابيه، و نظر وفكر فيما وسع الله عليه من الرزق ووهب من الخير، ففاضت عيناه بكاء، وهو يقول اللهم لا نسب بيني وبينك استوجب به الخير دون كثير من خلقك ولكن بفضلك ورحمتك يا ارحم الراحمين، ودموعه تقطر على الزيت. ومن اطراحه حظ النفس ما ذكرنا انه خرج مرة فى بعض حاجته فجنه الليل وهو بمقربة من منزل موسى بن الارب، فقصده وسأل عن موسى فاعلم انه غائب: فخرجت اليه امرأة موسى ولم تكن تعرفه، فقالت له من
،
انت؟ فقال انا ضيف. فقالت ما اسمك قال فصيل فانكرت الاسم. الا انها قالت له ان الأضياف ثلاثة منازل فيما يقرون به، فضيف يقرى باللحم فاما عقيرة واما ذبيحة، وءاخر يتأدم بالزيت وءاخر بغير ادام، ولا ادرى أى الثلاثة انت؟ قال اجعليني ممن يتادم بالزيت ففعلت فلما كان بعد ذلك قدم بعلها فاعلمته، وقال ويحك فان
ضيفك ابو زكرياء فقبح عليها ما قابلته به واستعظمه
•
164 (1/186)
صفحة 187
ومن تحرجه ايضا ما بلغنا ان رجلا من أهل صفاقس يحفظ الوديعة
ويدفع زكاتها من دخل جربة تاجرا ثم اراد الخروج وبيده بضاعة فاراد ان
يضعها في امانة ابي زكرياء فامتنع ابو زكرياء من قبول وديعته فلم يزل يلح عليه حتى قبلها وكان قبوله بعد ان قال لا افعل الا ان تهبها لى حينا ففعل. وسافر الصفاقسي فاخرج ابو زكرياء البضاعة وعدها، وعلم كم جملتها. فلما حال الحول اخرج عنها الزكاة من ماله، وهي موفرة ففعل ذلك سنين عديدة كل ذلك ينتظر قدوم الصفاقسي فلم يقدم، وطالت غيبته الى ان سمع بان مجاعة عظيمة في صفاقس مهلكة، فقال ابو زكرياء في نفسه يمكن ان يكون صاحب الوديعة في شدة احتياج اليها، وان المانع من وصوله اليها عدم القدرة ومتى خاطرت فان نجاني الله احييت نفسا واديت امانة، وان هلكت الوديعة غرمتها من مالي، قيل وكان ذلك في فصل لا يمكن فيه ركوب البحر لاضطرابه وكثرة أهواله. فأخذ البضاعة وركب البحر فسلمه الله عز وجل قطاب الى ان وصل صفاقس فسأل عن دار صاحب الوديعة، فدل على داره فقصده فوجده في حال
شديد، بحيث لا يعرف من يخاطب ولا ما به يخاطب فخرج ابو زكرياء الى السوق فاشترى طعاما بقدر ربع دينار، و بادر صاحبه فجعل يعلله فيأكل شيئا بعد شيء حتى انقذ من الهلكة وكان على شفا منها، فلما ذهب ما به من الضر فتح عينيه فعرف ابا زكرياء فقال له ما الذي اقدمك في هذا الحال يا شيخ؟ فقال اقدمتني وديعتك، هاهي هذه فخذها فرغب اليه ان يقتسمها فامتنع ابو زكرياء من ذلك وتضجر، فدفعها له ورجع الى جربة موفور الثناء والحسنات الا انه ربما ذكر هذه القصة بعد ذلك فيقول لو لا اني
ماله
165 (1/187)
صفحة 188
تبرعت بدفع الزكاة من مالى لكان لى ان اخرجها من تلك تعنت الشيخ البضاعة، ومن جهاده لنفسه يذكر ان الموضع الذي كان وعبادته يصلى فيه الصبح هو موضع معروف لا يتحول عنه فذكر لنا ان الموضع المذكور متى آتاه آت بعد انصراف الشيخ من صلاة الصبح وجد ذلك الموضع كأنما توضأ فيه لكثرة بكائه وخشيته وذكر ذلك أيضا لابنه زكرياء، ولما مات رحمه الله وكان ذلك ليلة من رمضان، كان ابنه زكرياء حينئذ يصلى فى المحراب بالناس قيام رمضان، فلم يكن عند احد علم بموته حتى سمعوا امته تصيح و تقول: مات سيدي يا سيدي زكرياء. فدهش الناس كلهم وخرجوا من صلاتهم وذهلت عقولهم الا زكرياء، فان الله ثبته فتمم صلاته، فاضطربت الجزيرة تلك الليلة وكانما قامت قيامة على أهلها، وبلغنا ان عاملا من عمال السلطان دخل جربة
فسأل عنه، فاعلم بموته فقال دلوني على قبره لازوره
،
مات امرؤ عالم واتبرك به. فلما وقف على قبره قال: عاش حميدا ومات انه سيموت فقيدا، اللهم ارحمه واعد على بلده وأهل بيته. وقال فيما قاله حينئذ مات امرؤ عالم ان سيموت. وقال ابنه زكرياء انما مثل ابى كمثل حمولة حملت حملا ثقيلا موقرا، وقد رأت المكان الذي يحط به عنها حملها فاسرعت لطلب الراحة قلت هذا من احسن الامثال التي تضرب في مثل ابي زكرياء يريد بالحمل الثقيل هذه الحياة، لان الدنيا سجن المؤمن
و بالاسراع العمل بعد الموت، وهذا شأن من احب لقاء الله عز وجل.
166 (1/188)
صفحة 189
ذكر جمل من اخبار أبي عبد الله محمد بن بكر رحمه الله، وترتيبه الحلقة وتبيينه حدودها
و تأسيسه قواعدها وتحريره قوانينها
كان أبو عبد الله من أكثر الناس علما وورعا وله السبق في أنواع كثيرة من الفضائل وهو أول من ألهم سلوك الطريقة التي حفظ الله بها هذا المذهب، فرسم المهمل، وقيد الشارد، فامتاز طريق الصلاح من طريق الفساد، ووضح طريق الغي وطريق الرشاد قرأ على كلا الشيخين أبى نوح سعيد بن زنغيل وأبي زكرياء بن أبي مسور وغيرهما، رحمهم الله، وكانت لكل واحد منهما
به عناية، وله فيه حسن نظر
ذات
•
"
الخير والصلاح
وبلغنا انه في ايام قراءته على ابي زكرياء نظر اليه يتوسم فيه شيخه وتمسكه بخلال فرأى اجتهاده وحسن سياسته يوم الخير، فقال ان أصاب خرصى ولم تخطأ فراستي فان هذا الفتى يحيى الله به دينه. فصدق تفرس الشيخ ولم يخب ما نظر بعين البصيرة، فبلغنا انه لما مات أبو نوح وقد عمت بركته على ابي عبد الله، وحصل من العلوم خيرا كثيرا، الا ان بضاعته من علم اللسان كانت مزجاة، لم أن يتعاطى من العلوم حتى يحصل الكفاية من علم الفصاحة فقصد مدينة القيروان، وأقام بها مدة يتعلـ اللغة والنحو، حتى اكتفى من علم الفصاحة فصدر عـ، وبعد ذلك دارت عليه الحلقة
ير
القيروان
وسبب ذلك ومبدأه ان الشيخ ابا زكرياء وجه ولديه مبدا تاسيس الحلقة زكرياء، ويونس، وابن أخيه أبا بكر بن يحيى، وغيرهم
من اقاربه في جماعة، وقال لهم اطلبوا ابا عبد الله
167 (1/189)
صفحة 190
فحيثما وجدتموه فلازموه، واقرأوا عليه، وحيثما كان فكونوا معه ولو في شغل دنياه، فخرجوا من جربة حتى اذا كانوا في جبال تمولسة، وكانت حينئذ ليس فيها احد من أهل الدعوة، فانهم تغيروا، وبدلوا الا «يصليتين» عم
الفقيه ابي الربيع سليمان بن يخلف، ونساء واطفال
قيل
"
،
، فعدل الطلبة عنها جانبا وقصدوا الموضع المعروف «بأمدر»، فسمع يصليتن بقدومهم وعدولهم عن موضعه فساءه ذلك، وأقبل اليهم، ورغب كل الرغبة، وسأل منهم الرجوع الى «تموسلة» فلم تكن منهم اجابة، واعتذروا بكونهم عاجلين، وكونهم خلفوا منزله، وانه لا يلزمه تضييفهم، ولا تعلق به من هذا نقيصة، فلما رأى يصليتن امتناعهم من اجابة سؤاله قال لهم اما ان فعلتم ما فعلتم فانى لم يبق لى ولا لمن معى رجاء يعلق به، وسأرجع الى الموضع فأخذ بأيدى النساء والاطفال ونرجع كلنا الى أهل الخلاف. فلما سمعوا ذلك منه اجابوا سؤاله ووافقوه في الرجوع الى تمولست فأقاموا بها لديه في كرامات بليغة اياما، وكلما حضر الطلبة عنده على كرامة واجتمعوا في وقت، حظ النساء والاطفال فقال لهم: هذا دينكم (1) وهؤلاء أهل دينكم، كل ذلك ليتمسكوا ببعض دينهم ويكونوا على ثقة من مذهبهم، فكانوا على ذلك حتى تيسرت لهم الطريق
فخرجوا متوجهين الى الجهة التي يرجون ان يجدوا بها ابا عبد الله وهم فى ذلك لا يعلمون له مستقرا، فلما
وصلوا تقيوس وافق وصولهم اليها قدومه من القيروان
،
وقد حصل ما كان يفتقر اليه من علم اللسان، وهو يروم
(1) كلمة الدين تطلق لمعانى عدة، حسب استعمالها اللغوى، منها المذهب،
والطريقة، والسيرة، وما يعبد به الله
168 (1/190)
صفحة 191
المسير الى الشيخ ابي عمران موسى بن زكرياء «بتاجديت» ليزيد عليه ما لا بأس به من علم الفروع، فقصرت عليهم الخطا، وقرب الله عليهم ما كانوا يظنون انه بعيد. قالوا ما اعتقدنا الا ان الله عز وجل يسر علينا ببركة الشيخ يصليتن، وموافقتنا اياه، وادخالنا السرور عليه وعلى من معه. فلما ألف الله شملهم بابى عبد الله، اعلموه بما جاءوا في طلبه، والقوا اليه ما فارقوا عليه جزيرة جربة، وما وصاهم عليه الشيخ ابو زكرياء، وأكد عليهم في ان
"
•
يكون، ورغبوا اليه فى ان يجلس لهم ويرتب لهم الحلقة فامتنع كل الامتناع. ومكثوا اياما يراودونه على ذلك، ويلحون عليه في الطلب، ولم تكن منه الاجابة. فلما كان يوما من الايام وهو بمسجد المنية والطلبة يكررون الرغبة الى ابي عبد الله، اذ خرج رجل من تقيوس متوجها الى الحامة، وخرج معه صاحب له فشيعه، فلما افترقا نادي احدهم الآخر: ان يا فلان فاصغوا اسماعهم الى صوته فقال له الآخر لبيك، فقال له اجعلها لله لا تخب، أو قال افعل فعلتك لله فلا تضيع، قيل فلما سمعوا هذه المقالة تفاءلوا بها واقاموا بها الحجة على ابي عبد الله، فاوجب حينئذ على نفسه واجاب، وعطف عليهم بما سمع، الا ان اجابته كانت على شرط ان لا يسئلوه عن مسئلة، ولا يجيبهم حتى تمضى أربعة أشهر فتأسست الحلقة في مسجد المنية ولبثوا مدة على الحالة المشترطة، والاقامة لم يعقدوا عليها نياتهم، وانسداد السبيل ينقص عن الحركة عزماتهم، فان ذلك كان فى العام الذي قامت به زناتة على صنهاجة من ناحية طرابلس، ويعرف ذلك العام بعام هزيمة الابراج، فكثرت الزلازل وامتلأت الارض
"
169 (1/191)
صفحة 192
؟
خوفا، والشيخ في اثناء ذلك يستخير الله فيما يقدمه من أموره، حتى فتح الله عليه برأي فشاور اصحابه فقال لهم ان هاهنا ناسا رقاق القلوب ارجو ان ينتجع فيهم الاسلام، ويتلقوا ما نحن عليه بالقبول ويكونوا لهذا الخير عيد أهلا وهم: مغراوة ريغ، فما رأيكم في الانتقال الى جهتهم قالوا في رأيك اليمن والبركة، فسروا بذلك سرورا عظيما، واغتبطوا أى غبطة. فلما اتفق رأيهم على الانتقال «الي ريغ» قدم ابو عبد الله رسولا الى أبي القاسم يونس ابن ويزكن الويليلى، وكتب اليه يعلمه بما عزم عليه هو وتلامذته من التوجه، والعمل دراسة العلوم، واكد برسم عليه في ان يهيئ غارا تجتمع فيه التلامذة يأوون اليه ويحلقون فيه، وتكون فيه دراستهم وانفرادهم ليتسنى عزمهم واجتهادهم، فأخذ أبو القاسم في
،
عمل الغار، وفيه ييسر ما يصلح شأن الحلقة فما قدم ابو عبد الله وتلامذته الا وقد تيسرت أمورهم بلطف الله عز وجل، فاقاموا عند بني ويليل مدة، ثم انتقل أبو عبد الله وتلامذته الى «تينبسلي» فرتب بها الحلقة، وشيد من كريم البنيان ما يتشبه بها العزابة ويتشبهون به الآن، وان كان الناس قد فسدوا، وفسد الزمان فهذا سبب قعود الحلقة المباركة الصادرة عن اكرام مشاركة بين الشجرتين الطيبتين المسورية والبكرية بخطبة واجابة كانتا في الله، فتولدت بينهما هذه الانوار البهية فلنذكر لمعا من الآداب التي جعلها قوانين، وصيرها مهيعا لسالك سبل العلم والدين، وكان انتقال الشيخ ابي عبد الله الى زيغ سنة (409) تسع واربعمائة فلذلك الغار الاول المذكور التسمي نسبة الى هذه السنة
يسمى
170 (1/192)
صفحة 193
ذكر لمع من سير الحلقة وما ينبغي لاهل طريق العزابة ان يلتزموه وان يعلموه
ويعنموه مما رتبه الشيخ أبو عبد الله محمد ابن بکر رحمه الله
كان مما رتبه أبو عبد الله من سير الحلقة فبقى رسما يقتدى به أن جعل للعزابي الذي نظمه هذا الاسم في سلك المتدينين، واعتزل عن دناءة الاجلاف الدنيويين علامات
ليعرفوا بسيماهم، ويتميزوا من سواهم.
•
فمنها انه أول ما يتجرد من طريقة أهل الدنيا بحلق هيئة لباس العزابة من أهل الحلقة شعر رأسه ثم لا يتركه يطول ابدا، فالعزابة من شأنهم
عدم الشعور، ومنها ان لا يلبس ثوبا مصبوغا الا البياض ولا بأس بعلم الطرفين والطراز ما لم يتفاحشا، ثم ان اقتصر على عباءة أو ملحفة لم يشنه ذلك، ولم يعبه بل ذلك به أليق، وان لبس ذلك على قميص كان أكمل، ما لم يكن مبتدئا، ولا سبيل على اقتصاره على قميص، أو قميص دون اشتمال أو التحاف أو ارتداء، وان اعتم فالتلحى على ما جاء فى الاثر، وليس لبس العمامة بضربة لازب، بل لا بأس باستغنائه عنها، فان اقتصر على العباءة أو اللحاف غطى رأسه والقى الطرف الاعلى من هدب حاشية الجانب الايمن على العاتق الايسر لا يلقى الهدب كله على العاتق الايسر، فان ذلك مود الى انكشاف العورة.
ومهامهم
وأهل الحلقة صنفان آمر ومأمور على ما يأتي تفصيله اعضه الحلقة ان شاء الله، فالأمر اثنان: شيخ الحلقة أو مستنابه، والعريف؛ فالعريف اثنان منفرد وغير منفرد فالمنفرد اثنان عريف أوقات الختمات والنوم، وعريف العرفاء، وهم من
171 (1/193)
صفحة 194
الشيخ
حملة القرآن يكون منهم من يكتب عليه طلبة القرآن ألواحهم، ويصححونها ويحفظونها على حسب ما يأتي بيانه فهؤلاء لا يحصون عددا؛ والعريف على أوقات الدراسة ربما كان واحدا وربما اكثر فهو على قدر الاحتياج اليه و نحو ذلك، والمأمور ثلاثة؛ طبقة القرآن، وطبقة فنون العلم، والعاجزون، ولجميعهم أوقات، لما يختص به كل
وقت منها
المهام التي يتولاها فالشيخ يتعلق به اشياء منها الجلوس لطلبة فنون العلم في وقت معلوم ليأخذوا عنه فيه الدرس، ومنها الجلوس بأثر الختمات للجواب على الاسئلة فى أى فن كان، ويذاكر تلاميذه فيما حصلوه قبل ذلك، فيستفيدون ويستفيد من حضر، وتختص غداة الجمعة بزيادة ذكر شيء من الوعظ ان امكن، ومنها الاستفتاح وهو قيامه في الثلث الأخير من الليل أو في الربع الاخير منه فيأتى الى موضع الاستفتاح فستعيذ ويبسمل، ويقرأ فاتحة الكتاب، ويبتدا من حيث انتهى مجلس الاستفتاح من القرآن في الليلة التي قبلها فيهب كل نائم فمنهم من يصير معه في المجلس ومنهم من يخرج فيدرس وحده، لا يخرجون باجمعهم ولا يصيرون الى المجلس باجمعهم، بل كيفما تيسر، فيقرأون القرآن حتى يؤذن مؤذن الصبح، فيقطعون القراءة ويدعون كالعادة من بعد صلاة العشاء الى وقت أذان الصبح، ومنها
ان يجمعهم في يوم الجمع؛ وذلك يوم الاثنين والخميس، فيعظ ويذكر ويحذر، ويورد امثالا حكيمة وحكايات زهدية، ثم يمحص جميع من حضر فيسأل عن أحوالهم واحدا فواحدا، ويفقد العرفاء فمن حمدت احواله حمد الله وشكره على فوزه ومن عيب شيء من احواله فان كان
172 (1/194)
صفحة 195
C
صغيرا أقيم الى زاوية معروفة بان تكون موضعا لتأديبهم، ثم اجتهد في عدد ما يجلد تأديبا والكبير الى الخطة والهجران ومنها اذا قدم قادم من بلد قريب أو بعيد فلا يخلو اما أن يكون عابر سبيل أو طالبا للاقامة والدخول في زمرة أهل الحلقة فيشاور الشيخ في كلا النوعين ويستأذن في شأنهم فان كان عابر سبيل كان له حظ فيما فتح الله عليه من المأكول غير المدخر، فيفتح ذلك ولا يحفز (1) عليه في ملازمة الاوقات، ولاحظ له في شيء من الفتوح التي تدخر لا من طعام ولا من غيره وان كان يريد الدخول في الحلقة استأذن الشيخ في شأنه فيكشف الشيخ عن احواله، وما كان عليه في الموضع الذي قدم منه، فان اطلع على صلاح احواله أذن له في الدخول لا غير. فيكون من أهل الحلقة له ما لهم وعليه ما عليهم، وان اطلع على نقيصة، وأحوال ذميمة طرده لا غير، وان تعذر لبعد داره الاطلاع على الاحوال أو اختلفت في صلاحه وفساده الاقوال توقف حتى يستبرئ ويستعلم حميدها من ذميمها، وصحيح الاقوال من سقيمها، فان اطلع على الخير الحقه بأهله، وان اطلع على شر أفضاه الى نوعه وشكله، وحكمه في مدة الاستبراء حكم المسافر عابر السبيل في عونه، لاحظ له في المقتسم من الفتوحات المدخرات، والمعين، وكونه لا يحفز عليه، وكونه لا يمنع المأكول فان كان تائبا مبتدا أذن له. ومنها ان عليه تولية عرفاء الاوقات والاذن له فيما يشرى أو يباع، ويدخر
من الاقوات. ومنها الاذن في قسمة ما يفتح الله من رزق
مما يدخل عليهم، أو مما هو من اغتلالات الاوقاف
(1) من حفزه عن الشيء: دفعه اليه واعجله.
"
173 (1/195)
صفحة 196
العريف
ومتى يقسم وعلى من يقسم، ومنها الحكم بين المختلفين والمختصمين من التلاميذ فيأخذ المظلوم من الظالم وينصف
المحسن من المسيء.
المهام التي يقوم بها والعريف المكلف بالختمات وأوقات النوم يتعلق به ارتصاد حزب الغدو في المجلس الذى تكون فيه المذاكرة فاذا كمل الحزب أو كاد دعا جميع من في المجلس ويؤمنون على دعائهم فيدعو أسنهم ويدور الدعاء، فان انقضى الدعاء وتخلف احد فالخطة. فاذا كان الضحى نادى بنوم الهاجرة فينامون فاذا ناموا وتكلم أحد أو تحرك بحيث يؤذى النائمين فالخطة بل ان ابى ان ينام بغير عذر وكان تركه النوم ذريعة الى امتناع القيام بالليل حتم عليه نوم القائلة، فان امتنع فالخطة. ثم اذا كان عند غروب الشمس نادى بالختمة فيجتمعون على أكبرهم فيدور معه من يليه في السن والمعرفة رجالا ان قلوا فثلاثة، وان كثروا فعشرة، لا يجاوزونها، والوسط بين التحديدين اعدل. فإن استداروا ذكروا الله وقرأ قارئان آيات من القرآن ثم يدور الدعاء كالعادة، ويؤمن من خلفهم، ومن تخلف فالخطة. ثم اذا صلوا العشاء وقرأوا من القرءآن ما يسر الله وحان وقت النوم ما لم تكن من ليالى الاحياء نادى بالدعاء، وهي ختمة ليست بأكيدة في أكثر الاقطار، والمتعارف ان حضروها على الكفاية، فيدعون دعاء خفيفا فاذا دعوا فالمستحب الذي وضعه الشيخ أبو عبد الله ان يكون أفصحهم بيده كتاب ان كان في الوعظ فهو أولى والا ففيما اتاح الله تعالى فيقرأ فيه قليلا بحيث يستمعون مجتمعين أو لا يجتمعون ثم يدعو وينادى بالنوم، فاذا ناموا وتكلم أحد، أو تحرك فالخطة، الا ان يكون في
174 (1/196)
صفحة 197
مطالعة كتاب بعيدا عن النائمين فما على المحسنين من
سبيل.
عليهم ان يلتزموا
والعريف المتكفل بأوقات الطعام له حدود يقف عندها آدابا في اكلهم وأشياء متسع فيها، وذلك ان الطعام لا يخلو ان يكون في موضع مألفهم، أو خارجا، فما كان خارجا لا يخلو ان يكون في محل عزابي أو في محل دنيوي فان كان في محل دنيوى حفز عليهم كل الحفز فى ملازمة التحفظ وأفراط الحذر، وجعل الشعار بينهم من القول: «حسان» وربما قال: (حسان بن ثابت (أى حسنوا آدابكم واخلاقكم كلمة يقولونها مهما يدخل فيهم غير الصنف تحذيرا ان يطلع على ما ينتقد منهم، وان كان في محل عزابي لم يتحفظوا كل التحفظ بل يميلون الى ضرب من الادلال،
وهي
وينبسطون بعض الانبساط ويحسنون الظنون
"
"
6
ولا يحتشمون في اقتراح طيب الطعام أو زيادة الأدام ونحو ذلك، فالمتعلق بالعريف في كلا المجلسين أن يرتب جلوسهم فان غاب احدهم فى عذر ذكرهم بان يستوصوا عنه، وان كان فى غير عذر فالخطة، فاذا اعتدل جلوسهم استدعى بماء وغسلوا بعد اشتمالهم الشملة المتعارفة عند حضور الطعام، وهو ان يخرج طرفي ثوبه على صدره بعد أن يدير كل طرف فوق العاتق الذي يليه، فتبرز اليدان ولا ينكشف شيء من الجسد، ثم يأكلون أكلا معتدلا فمن أكل أكل نهم أو أكل ذى كبر، عيب عليه في غير ذلك الموضع، ونهي وقبح، وحذر ان يعود، فان عاد فالخطة فاذا طعموا تفقدهم العريف فان وجد منهم من يده في الطعام انتظره حتى يقضوا حاجتهم منه. فاذا فرغوا اذن بالانصات الى الدعاء ثم يؤذن اسن من حضر فيدعو وان
175 (1/197)
صفحة 198
كان في مألفهم فلا يخلو ان يكون مما يقدر على ترويحه ومعالجته وحده، أو مما يحتاج معينا، فان كان مما يحتاج فيه معينا استعان بمن استحسن، فان استعان بأحد فامتنع من غير عذر فالخطة. لكن ينبغي ان لا يخص بذلك من يعلم منه كثرة الانقطاع الى المدارسة والمطالعة، فيضع الشيء في غير موضعه، (وان كان (مما لا بأس بقسمته قسم على جرى به العرف فى ذلك القطر. والذي تصلح فيه المواكلة فاما متكررا معلوما واما نادرا فالنادر يؤكل بلا شريطة الا اطراح الحرص والشره، والترتيب في ذلك الى العريف والمتكرر كل يوم (كالتمر) والفاكهة في أوقاتها فترتيب ذلك أيضا الى العريف، ولها شروط يأتي ذكرها منها ان لها وقتين، احدهما وقت الضحى بعد استكمال
ما
(
اكتتاب الالواح، وتصحيحها، والآخر بعد صلاة العصر بقدر ما يقرأ فيه قارئ اللوح مرة أو مرتين، فاذا استداروا طوائف فان من شروط ذلك الحضور ان يكون في كل طائفة عريف يكون أسنهم أو أنبههم لا تعدو عرافته ذلك الحال، فيبتدئ فيلقى ثلاث مسائل في أي فن كان ثم كذلك ميامنة ثم على اليمين حتى يتم الدور، فان وقف أحد أمسك المبتدئ يده ومنعه الاكل تأديبا وردعا وتحريضا على تحصيل الفوائد، فان اتي بشيء قبل منه ولو بعد حين واطلقت يده، ومن شأن هذين الوقتين ان يتفقد العريف الالواح واذا صحح آخر لوح منها دعا الى الطعام:، و بعد العصر بقدر ما ذكرناه، فمن اجاب اكل ومن تأخر فلا اثم عليه، فانما ذلك على الاختيار الا ان يكون هناك نافلة فينبغي للعريف ان يعرف بها تعريفا لا يستخفى النطق به، فقد يكون من العزابة من به شوق
176 (1/198)
صفحة 199
الى تلك النافلة، فان امتنع بعد هذا ممتنع فلا يتعلق منه
بالعريف ذم.
مهام عريف الدراسة والعرفاء من حملة القرآن ترتبط بكل واحد منهم جماعة من اصحاب الالواح، طلبة القرآن يملى عليهم
ويصحح
الواحهم، وياخذهم بالحفظ عن ظهر، فالجماعة التي ترتبط بكل حافظ يكون اكثرهم عشرة واقلهم اثنين وهذا بحسب الاختيار وفى الامر الاشهر العام. واما مع الضرورات وعدم الرجال فلا حد لكثرتهم ولا لقلتهم. فاذا كان وقت الضحى وتأهبوا للكتب كان لكل جماعة نقيب من أنفسهم يحفز على أصحابه ويجمعهم ويستدعي العريف فاذا حضر استاذنه ميامنة فى حفظ ما كتـ أمس، ثم يحفظون على اليمين فان حفظ وا كلهم استاذنوه في
'
الاستملاء وأملى عليهم، وان توقف أحدهم دون الحفظ فان كان مبتدئا أقيل له خمس عثرات، وان كان فوقه الا انه في أول قلم أقيل له ثلاث وان كان في الاعادة فعثرة واحدة، فمن زاد فعلى ما يجتهد فيه العريف، والمعروف الاشهر انه ان كان صغيرا فالزاوية والجلد، وان كان كبيرا فالخطة والطرد، فاذا ارتسم احد بعريف فليس له ان ينتقل عنه الى غيره الا باذنه، وان تخلف احدهم بغير عذر حتى يحفظ أصحابه ويكتبوا سطرا أو بعض سطر فالتأديب قد تقدم تفصيله، وان كان قبل ذلك وبخه العريف ثم صفح عنه وعليه ان يختبرهم احسانا فيما قد حفظوه ليعلم كنه اشتغالهم ورغبتهم واجتهادهم، فان وجد حفظا ركيكا فان كان ذلك لعلة في فهم التلميذ وضيق باعه، وعلم ان ذلك الامر كان سماويا، عذره، وأمره، بالاعادة وان كان التلميذ ذكيا فهما وعلم أن كان لحب البطالة وترك الدراسة اجتهد
177 (1/199)
صفحة 200
في تعزيره، ولذلك يسأله الشيخ حين التمحيص يوم الاجتماع فلا ينبغى له ان يقول الا ما علم من حال كل
واحد منهم.
فالخطة
واما عرفاء أوقات الدراسة فيتفقدون أصحاب الالواح بين الظهر والعصر فان ابطأ احدهم ابطاء لا يعذر فيه فالخطة، وان اشتغل بما يلهيه عن قراءة لوحه فالخطة، وان سمعه العريف يقرأ خطأ وكان مع ذلك لاهم له بتصحيح لوحه فالخطة، وبين المغرب والعشاء، فان ابطأ او غاب أو اشتغل بما يلهيه أو بشغل سواه فالخطة، وان قام الى الطعام اختيارا أو الى نجوى فالخطة، ووقت الاستفتاح ان نام او تناوم او اشتغل بغير الدراسة ولم يكن له عذر، وبين صلاة الجمعة والعصر ان غاب عن الحضور لاستماع قراءة كتاب المواعظ فالخطة. وقد قلنا الا ثلاثة على ما فعلنا فطلبة القرآن يقرأون الواحهم بين الظهر والعصر حتما .. وبعد العصر استحبابا، وصفة هيئتهم حينئذ ان يشتملوا فلا يظهروا من اجسادهم شيئا ويسندوا الواحهم الى الاساطين، ويقابلونها غير مستندين ولا مكثرين من الالتفات، وبين العشاءين في وسط الساحة غير مستندين، وقد أبيح لهم الاستناد في غير هذين الوقتين ان شاءوا. والافضل للاصغرين ترك الاستناد، فلا يتعرضون الى ما ليس بشأنهم، غير دراسة القرآن الا ما قد عناهم من العبادة وفرائض الاسلام، كالطهارات والصلاة والصيام، وما اشبه ذلك. فان امتدوا الى غير ذلك كره مشى الغراب مع الحمام على انه من كان ذافهم وقلب ذكي، ومن اعطاه الله قدرة على تحصيل هذا وهذا فلا باس في
الازدياد من الخير
178 (1/200)
صفحة 201
واما طلبة الادب فان اتفق ان يكون اصحاب لويحات وصغر في السن فينبغى لهم التأسى بطلبة القرآن في ترك الاستناد، واما أصحاب الكتب فشأنهم استناد الى اركان المسجد والابواب والى الاساطين وحيث يستحسن، واستحسن منهم ولهم ان يجتمعوا للبحث والمذاكرة والمناظرة، ما لم تفض الى توغير الصدور، ويكون هذا دأبهم، ولا بد ان يكون لهم وقت معتاد يكون فيه الميعاد للحضور على الاساتيذ، ويؤدب من غاب من التلاميذ فيأخذ كل منهم درسه وهي «دولته» على استاذه. ويجعل ما يتلقاه خير ملاذه ومعاذه، ثم اذا كانت ختمة غداة وحضر الشيخ فان هنالك طرقا كلها حميدة، وذلك انهم اما ان يتداولوا وضع السؤال فيبتدئون بالسؤال يوما (1) فمن أفضى اليه النوبة وغاب اجتهد فيه، واما ان يسأل أفصحهم لسانا واكثرهم بيانا. واما ان يسأل اشدهم احتياجا للسراح في ضرورة دعت، أو لنازلة وقعت، ثم اذا ألقى السؤال فان كان الجمع حفيلا بدأ فسأل الشيخ ثم على من يمينه فيعيده الثاني الى الشيخ طلبا للتخفيف، والاختصار. وان كان الجمع دون احتفال بينهم سيما ان كانوا لمأثل فانه يدير السؤال أو يحيل كل سائل على ميامنه حتى يدور السؤال الى الشيخ. فان علم الشيخ ان في الجمع أكفى منه في تلك المسألة أذن له فى الكلام فيها، والا تكلم بما عنده. وللسائل ان ينبهه اذا غفل ويذكره اذا نسي، ويفتح له ان ارتج عليه، ويعترض ان احتاج الى زيادة ايضاح. أو علم من الحاضرين ارادة استزادة كشف، ثم يسأل كذلك من شاء و يبحث كيف شاء. ومن أراد القيام فلا يقوم حتى
(1) كذا بالنسخ والصواب مبامنة
179 (1/201)
صفحة 202
التلاميذ
يستاذن من يليه، فان اذن له قام، وان لم ياذن له أقام. واذا حضر غير الصنف فيكره ادارة ما يستشنع من المسائل الشواذ، التي تضل الغبي: أو تجعله ينسب الرشد الى الغي، فاذا هم الشيخ بالقيام ولم يستثقل تشييع من يختص به من طلبته ركع وركع اصحابه ركعات الضحى ويشيعوه تكرما له وتأنيسا به، وان ثقل عليه ذلك ركع وركعوا وو دعوه ولم يشيعوه
القاصرون من واما العاجزون فأنواع فالله حسيبهم فيعاقبهم، أو يثيبهم. فمنهم الطرش والعميان والزمني والهارمون وذوو الافهام القاصرة، وربما استعمل مستعمل فألحق نفسه بهؤلاء وفيه قدرة وعنده لوجد بعض الغناء، فهذه الانواع شانهم الاصغاء والاستماع ليحصلوا الطرق والاخلاق، ويظهروا التلهف والاشتياق، وعليهم حفظ السيارات والمحافظة على الطرق والاوقات، وان اجهدوا انفسهم وزادوا ظفروا ببعض ما ارادوا، فاما الزمني والعميان فقد نطق بعذرهم القرآن واما القاصرو الفهوم فمنهم القانط التارك للعلوم، ومنهم من الأياس عنده معدوم، وقد شاهدت منهم رجالا فلم اذمهم لاكثر هم حالا. دخلت حلقة وارجلان حرسها الله وذلك في ربيع الاخير سنة 616 ست عشرة وستمائة في أول ما وجب علي الصوم والبال خال من الهم، وكنت اعجب ممن ينفرد فلا يجتهد، ممن يمكنه الورود فلا يرد، ومن يخلو بالمفيد، كيف
لا يستفيد. وكان لى اذ ذاك فهم بزة الى ان اشتغل البال وتحولت الاحوال، وكنت از درى بأكثر أولائك وذلك لسنى فاستغفر الله من ذلك، فمنهم رجل يسمى ابو دو ناس من بعض قراء نفزاوة سبقنى الى الحلقة باعوام والغالب على
'80 (1/202)
صفحة 203
سبع
ظني انى وجدت الوحه في سورة الفيل ومات في سنة عشرة ولم يستكمل سورة اخرى، ولم يدع من قدرته شيئا
سجي
«
وهل سمعتم بابي يزمر المصعبي كنت اسمع به قبل دخولى وارجلان وما رزق من الاجتهاد مع فهم غير قليل، فوجدته في وارجلان وفي لوحه «أو أمر بالتقوى» يكررها اياما كثيرة حينئذ ترسخ في صدره آية او لا ترسخ فيعيدها وأقمت بوارجلان حرسها الله حولين كاملين وشهرين ثم انفصلت وتركت لوحه فى «والضحى والليل اذا وهو في اثناء ذلك لم يال جهدا، وقد سبقني الى الحلقة بستة أعوام أو بثمانية أعوام لشك منى، وهل سمعت بسلمان بن حريز لم يزل يكرر ويعيد سورة الانبياء طول اقامتي بوارجلان، وخرجت وتركت لوحه فيها، وبلغني انه لم يزل كذلك يكررها منذ ثمان وعشرين سنة قبل ذلك فاما هذا فغير بعيد أن ينسب الى التقصير والتضييع والغرض ان اعلمكم ان من لم يال جهدا فهو ما جور وان لم يحصل، وان المتضيع المفرط راض لنفسه بالقوت الحرام واكتساب الآثام، ومرتكب لسخط العلام، نسأل الله ان يسلمنا ويختم لنا بخواتم الاسلام، وينبغي ان تكون خدمة الطعام من هؤلاء الذين لم يفتح الله عليهم، ولا شرح للعلم صدورهم، لينفعهم بخدمة اهل الخير، ويوفيهم اجورهم.
ادب العزابة
الاوقات والآداب والاحوال قد تقدم ذكر كثير منها والطلاب في العبادة فيما مضى مندرجا في غيره فاوقات الدراسة قد مضى ذكرها، ووقت الراحة والتصرف هو آخر النهار، يتصرف الى المواضع التي لا ينكر التصرف فيها كمواضع المياه ومواضع الاشجار وامثالها من الاماكن التي تنفرج فيها النفوس وتنفسح فيها الصدور، فان في ذلك اجماعا
181 (1/203)
صفحة 204
للخواطر، وجلاء للنواظر، فلا بأس في ذلك ما لم تكن
هذه الاماكن معروفة بان يستقر فيها مصادف الشبهات كالنساء والحساسات فلا سبيل حينئذ اليها، والاكثار من التصرف في الطرقات والاسواق يكره وان دعت ضرورة ففى طريق نافذ، ووقت لا يظن به ريبة، ووقت الاكل لمعاشهم التي تختص بكل واحد منهم اذا صلى العتمة فاما وحده واما مع من توافق طبائعهم طبعه، ويشترط التخفيف وان لا ينفصل الا بعد الدعاء. ووقت تغيير المنكر متى ظهر لا ينحصر الى وقت، ويشترط تقدم الشيخ أو باذنه، أو تقدم الامثل. والاوقات المستحب فيها التأهب للصلاة معروفة وهو ان يكون بمقدار ما يستبرئ و يتوضأ ثم يدرك صلاة الجماعة. ويشترط بعد الاثر واعداد المدر، وأوقات نوافل الصلاة ليلا ونهارا معروفة فلا يحتاج الى زيادة، فان احتيج فخمس تسليمات بالليل ومثلها ضحى، هذا الافضل فان زدت فلك، وان نقصت فلا ذنب عليك، ولصلاة الليل شروط من اطالة القرآن والخلف في اسرارها واعلانها، قيل الاعلان أفضل اذ فيه ايقاظ الناس وقيل الاسرار أفضل لبعده من رياء المخلوقين، وهذا بحسب الاحوال والاولى اخفاء العبادات. والركعات التي تصحب الفرائض معلومة وأوقات الصوم المستحب كيوم الجمعة ويوم قبله، وتاسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء والثلاثة البيض من كل شهر وما شبه ذلك، ومن آداب الطريق
واحوالهم ان لا يتكبر على متواضع ولا يتواضع لمتكبر.
ولا يخالط أهل الدنيا ولا يجالسهم الا ان دعت ضرورة يوجد منها، بد ويجلسون لكي يستفيدوا مصلحة لدينهم من علم أو عمل، والكبير أعذر في مخالتطهم من الحدث،
،
182 (1/204)
صفحة 205
فان الكبير أهل لأن يهديهم والحدث أهل لان يضل، ومن نهي عن الاكثار من ذلك فلم ينته فالخطة. وينبغي ان يعلم ان المؤاخذة على العثرات والزام الذنب على الخطيئات انما هي بحسب أصحابها وهم طبقات، فالكبير المبتهل حسن به الظن، وحسن معه العبارة، وأدمج له تفسيح زلته في اللطف قوبل باللطف اشارة (1)، ومن دونه فان كان في الطريق راسخ القدم وشامخ القدر أخذته على الكبيرة والصغيرة واستعظمت نقيره من الخطايا وقطميره، وان يكن غير ذلك تجاف عن النقير والقطمير، واستكثرت من حسناته الشيء الحق ير، وسلكت معه مسلك التأنيس لا التنفير، فرب قبيح من ذلك هو من هذا حسن. وكثيرا ما رأيت المشائخ يشبهون الصنفين بالماء واللبن، ومما ينبغي لشيخ الحلقة ان يتفقد أحوال التلاميذ، فمن كان منهم موسرا نظر له فيمن يخدم ما يقتات به من الطعام، ومن كان مقترا نظر له فيمن يتبرع له بالخدمة والاطعام، ولو استقصينا ذكر جميع الحدود وقع السأم دون بلوغ الغاية وفيما ذكرناه كفاية ان شاء الله
ومن أخبار الشيخ ابي عبد الله رحمه الله:
ما بلغنا ان ابا عبد الله كان يخرج للحلقة فى اوان خروج ابي عبد الله الربيع الى بوادي بني مصعب المآرب، منها انه كان يطلب سنويا الى مزاب
بذلك راحة خاطره وخواطر التلاميذ، واستصلاحها
"
وتدبير قوى اجسادهم واستصلاحها، فانه علم ما في بلاد ريغ من رداءة الهواء وقلة طيب الماء، وأيضا فان بني كانوا واصلية فعمت عليهم بركته، فرجعوا الى دين الحق، والطريقة المرضية، وذلك كان اكثر قصده في
مصعب
(1) كذا في النسخ، ويظهر في العبارة خلل.
183 (1/205)
صفحة 206
انتجاعهم وحلول رباعهم، وكان يبين لهم طرقا يتبعونها ويضرب لهم أمثالا حسنة يعملونها.
ذكر ان سائلا منهم ساله ما تقول فى حلال خالطه الحرام أيوكل منه؟ قال ما ترى في جحر دخله جربوع ودخلته حية كلاهما بمر أى منك، أتدخل فيه يدك طلبا للجربوع؟ قال لا افعل، مخافة الحية، قال وكذلك ما سألت عنه، وله معهم انواع من هذه الاجوبة.
توجهه الى قسطيلية وبلغنا ان أبا عبد الله توجه الى قسطيلية في جماعة من أصحابه فاجتمعت عليه جموع من الناس واشتهر ذكره حتى خاف ان يقال انما يحاول أمرا، من قيام أو نحو ذلك، وكان حينئذ عازما على المسير الى ناحية طرابلس فلما رأى من الامر ما يفضى الى المكروه وكان أهل الموضع على غفلة، أمر بعض اصحابه بان يخرج البغلة من طريق، وأمر آخر أن يخرج السرج من طريق ثم خرج هو من طريق آخر. وخرج أصحابه متوافقين من أبواب شتى وسلكوا طرقا شتى حتى اجتمعوا في مكان تواعدوا على ان يجتمعوا فيه، فشدوا سرج البغلة فركب الشيخ وسار ومن معه من أصحابه حتى صاروا بقرب تملوسة، فاذا بالفقيه أبي الربيع سليمان بن يخلف
احتفاء اهل
6
ومحمد بن عيسى بن ابراهيم الهوارى قادمين من البادية، تملوست بابي عبد من موضع يقال له (أضريكم) ولهما به أهل وأنعام، وذلك
الله
في فصل الربيع، فلما كانا قريبا من البلد تأملا السيارة فعرفوا بغلـ الشيخ، فما كاد أن قصداه مسرعين، فصافحاه وصافحا اصحابه، وفيهم عيسى بن ابراهيم والد محمد بن عيسى المذكور، فمالا بهم الى حيث اهلوهما نازلون فاحتفلا في ضيافتهم، فدخل اهل الحي سرور
184 (1/206)
صفحة 207
عظيم بحلول هذه البركة فيهم، فلما اكتفوا من الطعام، وصلوا، أطاف التلامذة بالشيخ وأطاف به أهل الحي يسألون عن مسائل دينهم، حتى مضى وقت من الليل وقضوا حاجتهم من السؤال والجواب، وغلب عليهم النوم، فتفرق مجلس الرجال واجتمعت نسوة الحي فاطفن بالشيخ يسألنه كما كان الرجال يسألونه، والشيخ يجيب، قيل وكان في النسوة امرأة تسمى أم اليخت، تنتحل قراءة الكتب وطلب مسائل الفقه، وتجيد السؤال، ومعها أخت لها قريب منها في هذا المعنى فما برحتا وصاحبتاهما يسألن الشيخ، وهو تارة يتكلم في الفقه، وتارة يتكلم في المواعظ حتى طلع الفجر، ولم يكل الشيخ عن الجواب ولا غشيه نوم. ذلك فضل الله يوتيه من يشاء، فقالت حينئذ لابي الربيع وهي ابنة خاله لاجل هذه الفوائد طالت غيبتك عنا يا سليمان تعنى ملازمته شيخه أبا عبد الله اذ كان يقرأ عليه. ولما جاء تكتيس بن سيد سلم على الشيخ وصافحه، فسأل الشيخ من هذا فعرف انه تكتيس وكان تكتيس حينئذ قد تحولت صفته مما كان يعرف منها الشيخ، فقال أهو صاحبنا قبل هذا؟ فقال وانا صاحبكم الى الآن. فقال نعم لكن أنت في واد و نحن في واد، قيل ثم تقدم أبو الربيع وتكتيس الى لماية يبشرونهم بقدوم الشيخ وأصحابه فبشرهم. وتأهب المشائخ من لماية وغيرهم للمسير ليتلقوا الشيخ وأصحابه، فساروا وفيهم الشيخان ابو محمد عبد الله بن الامير وأبو محمد وارسفلاس بن مهدي،، وكان وارسفلاس عالما كبيرا، فكان الشيخ في مدة اجتماعهم اذا سئل عن مسألة أحال على عبد الله بن الامير، وكان قليل الجواب وذلك بمحضر الشيخ هيبة له، فيقول له وارسفلاس:
185 (1/207)
صفحة 208
أجب الناس يا شيخ فليس لك عند أبي محمد جواب، وكان الشيخ يجيب عن المسائل. ولما دخلوا جربة أسرع الشيخ حتى قدم المسجد الكبير على بنى يراسن فصافحهم، واقام فيهم ما شاء الله، ولم يزل كل من هنالك بين مفيد ومستفيد، حتى عزم الشيخ على الرحيل ولما اراد الخروج مسافرا قربت اليه دابته ليركب فابتدر الناس ركابه ليمسكوه له وابتدر صالح بن أبي صالح ليمسك ركابه، فأبوا عليه، وقال لهم الشيخ دعوه فأمسك ركابه حتى ركب، وتذكر عند ذلك أيام شبابه وخدمته حينئذ لمشائخه وبره اياهم وما كان يجد لذلك من لذة وارتياح، فتمثل
بقول الشاعر:
لله
يام الشباب وعصـ
ولو استعير جديدها فيماز
ما كان أقصـ ليلها ونهارها وكذاك أيام الشباب قصار
قيل، ولما خرج من الجزيرة وكان طريقة «بتبا جالت» اجتازوا على الشيخ عمروس فأنزلهم للضيافة، فنزلوا، فذبح لهم شاتين من أحسن ما يمكن ان يكون، ولما حضر الطعام جعل احد التلامذة يختار للشيخ أطيب اللحم وأسمنه فنظر الشيخ الى سمن ذلك اللحم، وقال كيف يكون قلب من يأكل هذا من ماله؟ فكيف من مال غيره.
ثم كر راجعا الى جهة ريغ ورجع معه أصحابه وكلهم لا يعدو موافقة قلب الشيخ. فبلغنا ان عبد الله بن الامير قال حينئذ: عجبا لهذا الشيخ وأصحابه انما مثلهم كمثل الحواريين لعيسى بن مريم، وبلغنا أن أبا عبد الله توجه
186 (1/208)
صفحة 209
الى وارجلان فدخل على الشيخ ابي عبد اللـ السدراتي الذي كان أهل وارجلان قلدوه أمورهم قبل دخل عليه وقد كبر وتنحى عن أمورهم، ولزم بيته،، فقال السدراتي للبكرى (1) يا محمد ألستم تقولون خير الرعاة راع ساوى بين القوية والعجفاء من غنمه؟ فسكت عنه فقال السدراتي أو الستم تقولون ان الناس يصطحبون على المكروه لئلا يفترقوا؟ فقال له ففيم، أفي امور الدنيا أم في أمور الدين، أم مطلقا؟ فقال له السدراتي الى هاهنا انتهى علمي، وليس عندي زيادة، فما عندك انت؟ لا يسع السكوت عن الباطل خوفا من قال انما ذلك في أمور الدنيا كنزول المسافرين ورحيلهم
وحسن المعاشرة وسيئها، وصغائر الهفوات، وأما في أمور
6
الدين فلا، ولو كان يسع ذلك في أمور الدين لما فارق السلف ولاتهم، ان فارقوهم فى الدين حتى اسرعوا بانفسهم الى الموت، فماتوا في مواطن شتي، کاصحاب ابن وهب وأصحاب ابى بلال، وعبد الله بن يحيى الكندي والمختار بن عوف وغيرهم، انما ماتوا اذ لم يروا المقام والصبر على يأتون وهم يأبونه، رحمة الله عليهم أجمعين، ثم قال له الشيخ لا تركن الى كثير ممن يدخل عليك فانهم يقولون عليك ما لا تقول، فقال له من أتاني زائرا فاجره على الله، ومن قال على ما لم اقل فحسابه على الله. قلت انما اوردت هذه الحكاية في هذا الموضع لما ذكر فيها الشيخ أبو عبد الله رحمه الله في الصبر والمعاشرة على المكروه، وما تبين فيها من الفرق بين المكروهين وقوله انما ذلك في أمور الدنيا واما أمور الدين فلا، لا أقول انه الآن قال مطلقا، بل على حسب الاستطاعة ومصداق
(1) يعني ابا عبد الله محمد بن بكر
التفرقة
187 (1/209)
صفحة 210
الكريمة
قولى قد مضى برهانه فيما تقدم من اخبار الشيخين ابي خزر وأبي نوح في هذا الكتاب لما لم تبلغ بهما الاستطاعة الى أكثر من بذلهما الطاعة لمن يدينان بالبراءة منه لينالا المعافاة في أنفسهما، وينالاها من وراءهما، فوجدناهما قد عاشرا الشيعة وصبرا على المكروه في الدين تقية، ثم معاذ الله أن أجعل هذا التشبيه تزييفا لقول الشيخ رحمه الله ولا انه جهل هذا او اغفله ولعله أومأ اليه حينئذ فنسيه الحاكى عنه، أو ضرب عنه
ورع الشيخ واخلاقه ومما يذكر من نزاهته ما بلغنا انه ولد له مولود فسر الناس بذلك قريبا وبعيدا، وهموا باهداء الهدايا والاحتفال بالولائم، فمنعهم عن ذلك ونهاهم عنه، فانتهوا مراقبة له. فقالت امرأة أبي القاسم يونس بن ويزكن. أو نحن أيضا يا شيخ تمنعنا عما منعت الناس وتقيسنا بغيرنا؟ وتكلمت كلام مدل بالاخوة مات بالصداقة القديمة فقال: والله لا أجد يدى هي العليا فأردها هي السفلى. يريد قوله صلى الله عليه وسلم: (اليد العليا خير من السفلى) أى المعطى والمعطى و هو مفسر في الحديث. ونحو ذلك ما ذكر محبوب بن أبي عبد الله السدراتي ان الشيخ ابا عبد الله وصل ايفران من قرى وارجلان ومعه أصحابه، فاهتبلوا بتضييفهم، فلما حضر الطعام وقربت الموائد نظر الشيخ فرأى على المائدة التي قدمت اليه زيادة اختص بها ايثارا فحدثته نفسه ان غيره ممن حضر على تلك الاطعمة ربما قصر في حقه عن ذلك، وكانت الجفنة التي قربت للشيخ عليها ورك شاة، فقال الشيخ لبعض من يليه تأمل الجفان لترى هل هي كهذه أم لا، فتأمل فاعلمه انها دونها وليس فيها مثلها، ولا قريب منها، فنهض الشيخ عن الطعام
188 (1/210)
صفحة 211
وانصرف ولم يأكله، ونحو ذلك ما بلغنا انه قدم (تين ابي مطوس) فاهديت له لفائف وجمار، فرد اللفائف وقال ما نحن والهدايا، فرجع ذلك الى مهديه، واما الجمار فأكله ومن ذلك انه وجه محبوبا وابا بكر بن محمد من (تين يسلى) الى وارجلان حرسها الله ليشتر يا له أمة فلما ساماها من بائعها وعلم انها للشيخ ابى عبد الله حط عنهما من الثمن خمسة دنانير، فقدما بالأمة الى الشيخ فاعلماه بما
كان من بائعها فلم يأخذها، وأمر بردها تحرجا وعفة وأخبار ما يؤثر من كراماته سيأتي ذكرها في المناقب ان شاء الله فذلك موضعها، فلذلك لم اضعها هنا والله أعلم.
) ذكر شيء من اخبار نجباء تلامذته)
وان كانوا كلهم نجباء فضلاء أخيارا ما
منهم
الا من
عمت عليه بركته، وأينعت فى العلوم ثمرته، ولكن نذكر زکريا ويونس هنا من حاز قصب السبق وكان عليه الاعتماد في الفتق ابن ابي زكرياء
فصيل والرتق، وكان له الاثر الكريم، واستحقاق درجة التقديم، فمنهم زكرياء ويونس ابنا الشيخ ابي زكرياء
رحمهم
الله كان زكرياء ويونس من أفضل أهل زمانهما علما وورعا وخلقا وكرما، وكانا قد قرءا على الشيخ أبي الله حتى برعا فلهما اخبار مأثورة في كل فن، نذكر
عبد
منها ما تيسر
فتخلف
عن الرفقة
ومنها ما بلغنا انهما توجها الى الحج، فلما كانا ببعض الطريق وقد أضربهما السير ولواهما السفر نام زكرياء، فلما انتبه من نومه وجد نفسه في بيداء منقطعا عن الركب، فدعا الله سبحانه وتعالى بهذا الدعاء. فقال: (اللهم يا صاحب كل غريب. ويا مؤنس كل
189 (1/211)
صفحة 212
وحيد. ويا قريبا غير بعيد. اجعل لى من سفرى هذا فرجا ومخرجا). ثم رفع رأسه فنظر، فاذا عمود من نور ساطع في الهواء فيتممه فسار نحوه حتى أدرك الركب فوجد اصحابه متحيرة خواطرهم، ذاهلة قلوبهم، ذاهبة عقولهم من اجله، فذهب عنهم ما كانوا فيه من القلق، ونام يونس مرة أخرى فى طريقهما ذلك فما استيقظ الا وقد فاته اصحابه فسار فى اثر الركب فمر بجماعة من أهل الركب قد كانوا غشيهم النوم وتخلفوا، فوجد في نفسه قوة ونشاطا لم يجده فيهم فخلفهم، فسار مجدا فلم يزل يخلف أواخر الركب ناسا بعد ناس حتى من برجل قد أدركه العياء فتخلف عن أصحابه، وقد ورمت قدماه
"
وانتفخت رجلاه، واشرف على الهلاك وقنط من الحياة ومعه صرة فيها دنانير فنظر الى يونس فتوسم به الخير، فقال له انه قد أصابني ما ترى، ومعى هذه الصرة فخذها. فانت أولى بها من غيرك، فتناولها من يده وسار حتى لحق باصحابه، ثم ان أهل الركب نزلوا فلم يزل صاحب الصرة يتبع الاثر يمشي ساعة ويستريح أخرى حتى لحق بالركب فبات، فلما ارتحل الركب وارتحل الرجل ووجد في نفسه قوة تذكر صرته فجعل يتأمل الناس ويردد بصره في وجوههم، ويكشف عن خبر صرته، ويبحث فنظر اليه يونس فعرفه، واذا هو قد ضمر وتغير لونه وتحول جسمه فقال له ما بالك؟ فقال له من قصتي كيت وكيت، فقال له يونس: أعطيته اياها هبة أم أخذها منك غصبا؟ فقال بل اعطيته اياها هبة، قال أتعرفه؟ قال لا الا انه جسيم طويل مثلك فقال له أتعرف الصرة اذا رأيتها؟ قال نعم، فاخرج اليه
190 (1/212)
صفحة 213
هو
الصرة فدفعها اليه وجعل يرفع صوته يقول: والله ما الا مسلم، يكررها، وباتا ليلة في طريقهما تلك وقد اشتمل زكرياء على سيوفهما فغشيتهم السلابة فانتهبوا فصاح يونس بأخيه ان تناولني السيف، فناداه مرارا فلم يجبه فوضع يونس يده بين رجلى زكرياء فامكنه الله من قائم السيف فسله وقام يدافع عن نفسه وماله فضرب الذي قابله من السلابة بالسيف وقده نصفين فلم يتجرئ عليه منهم و بلغنا ان الشيخ ابا القاسم يونس هذا قد كان عود نفسه القيام بالليل للتجهد في المسجد الكبير، وكان منزله بعيدا من المسجد، فخرج من منزله ذات ليلة يريد
احد
المسجد فمر على مقبرة في طريقه فأحس خلفه حسا فالتفت فاذا صورة لا يعرفها فاقشعر جلده، ثم مضى ولم يكثرت فلما قرب من المقبرة ناداه ذلك الشخص يا ابا القاسم الى متى ننتظرك، ولم تاتنا، فمضى الى المسجد الكبير باكيا حازنا ولما وصل المسجد أخذ في الصلاة، كما كان يفعل قبل ذلك الى ان طلع الفجر فصلى الصبح وتقدم الى الحلقة، فلما اخذوا في القراءة أخذ يقرأ معهم والدموع تسيل على خديه، وعلى لحيته، حتى طلعت الشمس، فلما ختموا سأله بعض من معه في الحلقة فاخبرهم بالقصة وقال لهم ما اظن اجلى الا قد اقترب. فأخذ في تنفيذ وصيته ووداع اخوانه ولم يعش الا اياما يسيرة رحمة الله
عليه
•
6
ومنهم أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتى رحمه الله» ابو الربيع سليمان بن يخلف كان ابو الربيع قد قرأ على الشيخ ابى على، واتقن عليه علم الاصول، والنظر، وبلغ فى ذلك مبلغا عظيما، ثم انتقل الى جربة ليقرأ بها علم الفروع على فقهاء بني يراسن
191 (1/213)
صفحة 214
اعتناء أبي الربيع
بطلبته
أبي محمد ويسلان بن ابي صالح و ابي زکرياء وزكرياء ويونس، وأبو بكر بن يحيى فوافاهم في وقت اشتغالهم باسباب لا يجدون بدا من مباشرتها، ثم قالوا فيما بينهم لا ينبغي لنا ان ندع مثل هذا وحده، عاطلا من القراءة وقد علمنا انه قاصد الينا، وعلمنا فيما قصد لكن نقعد، فلا له يوما بعد يوم هو يتعطل، ولا أشغالنا، فاذا تفرغت اشغالنا تفرغنا لصاحبنا. فصار يقرأ عليهم يوما يوما فكان على خير، واستفاد حتى تفرغوا. واجتمع التلامذة وقصدوا ابا محمد ويسلان ورغبوا اليه في ان يجلس لهم ليقرأوا عليه الفروع، وسألوه ان يرتبوا عليه الحلقة، فاجاب، وجلس لهم، وكانوا يقرأون عليه الفقه فلما ترتبت الحلقة كثرت الطلبة، وجلهم ممن تقدمت له قراءة علم الاصول والنظر على الشيخ ابي عبد الله محمد ابن بكر. وانما انتجعوا جربة لقراءة الفروع كأبي الربيع
المذكور ويعقوب بن يعدل ومصالة بن يحيى وغيرهم
واجتمع أيضا تلامذة من بلاد شتى يريدون علم الكلام وكانوا يأخذون الدرس على ابن الشيخ ابي زكرياء، وعلى
"
ابي بكر بن يحيى، وكان طلبة علم الكلام ناحية عن طلبة
<
"
علم الفقه، وتسامع الناس في الجهات بجلوس حلقتين فجاءوا من كل مكان رغبة في العلم فكثر طلبة علم الكلام
فرغب مشائخ بني يراسن الى تلامذة أبي عبد الله المذكورين أبي الربيع وأصحابه في الجلوس لاقراء طلبة علم الكلام، فقالوا لهم انما جئنا لنتعلم الفروع، فكيف تعلم غيرنا
الام
ول؟.
رجع
وكان ابو الربيع تنصل من مخالفة الشيوخ فلما الجواب بهذا الى الشيوخ قالوا للطلبة جدوا واجتهدوا والله
192 (1/214)
صفحة 215
فسيخفروني
معينكم، ويمثل لهم بقول القائل: ان لم يخفروني، فأخذوا فى الاجتهاد فلم يعدموا من شيوخ بنى يراسن معونة على طلب العلم بالافادة ورفع الكلف والمؤونة. وكان جلوس هاتين الحلقتين بالموضع المعروف «يأتيجان» من الجزيرة وهناك شجرتان من الخروب عظيمتان فكان جلوس طلبة الفقه عند الشجرة القبلية منهما وطلبة الاصول عند الجوفية، فاقاموا على هذا مدة، ثم انتقلوا بجملتهم الى المسجد الكبير، لما كثر طلبة علم الكلام، فلما رأى أبو محمد ويسلان قلة عدد التلامذة الذين يقرأون عليه الفروع انتقل بهم الى بيته قبالة المسجد الكبير فكانوا يأخذون الدرس هناك، ثم انتقل ابوالربيع بتلاميذه الذين يقرأون علم الكلام الى موضعه «بتمولسة» وكانوا هناك في عريش عملوه عند عيون تمولسة، فكثروا واجتهدوا وحسنت احوالهم، وكانت زنزفة، ولماية، ومزاتة، ومما حولهم من القبائل يبذلون الجهد في معونة ابو الربيع سليمان الطلبة بالهدايا، والتحف، والعطاء واللطف، فكانوا في يؤلف كتابا في أبر حال الا انهم لحقهم خوف من العرب، فان الموض به هو ممر لاعراب اذا رحلوا من طرابلس الى افريقية أو متى رجعوا. والطلبة بهذا في حذر، فبلغ الشيخ أبا القاسم يونس بن زكرياء ما هم فيه من الخوف فقال نحن في أمان وسليمان واصحابه في خوف؟ فوجه اليهم رسولا يعلمهم بانه يحجر عليهم المقام بذلك الموضع فلم يسعه المقام مع نهي الشيخ، فتفرقوا في بلاد لماية وزنزفة، ثم اجتمعوا على شيخهم بعد ذلك جبل زنزفة ويعرف بقلعة أبي على، وكان اجتماعهم للدرس في غار هناك، ثم كثر الطلبة فضاق عليهم الغار،
الذي
هم
"
فقصد بهم
الاصول
193 (1/215)
صفحة 216
فانتقلت
منهم جماعة الى غار آخر، فكان الشيخ ليلة عند هؤلاء وليلة عند هؤلاء، حتى استفادوا خيرا كثيرا، والذي صح من اخبار أبي الربيع انه لم يتصدر حتى تبصر في الفقه، فحينئذ جلس للحلقة، قيل ثم ان ابا الربيـ ع وتلامذته ومن هناك من المشائخ أرادوا زيارة أهل الدعوة
ليفيدوا ويستفيدوا، وسيأتي ذكر الزيارة بعد هذا مستقصيا ان شاء الله تعالى، وكانت سنة الزيارة سنة 449 تسع واربعين واربعمائة فلما رجعوا الى جبل زنزفة ولم يبق مع ابي الربيع الا تلامذته انتقل بهم الى تمولسة ثم انتقلوا الى الجبل، فكانوا في اجتهاد عظيم
•
ثم ان التلامذة رغبوا الى ابى الربيع ان يؤلف لهم كتابا في علم الاصول ليرووه عنه، فامتنع كل الامتناع وكرروا الرغبة حتى اجاب على كره، وذكر ان ابراهيم بن ابراهيم وكان أحد تلامذته رأى في منامه انه واصحابه نظروا بطن ابي الربيع واستخرجوا منه قطعتين مملؤتين عسلا، فهاله
6
ما رأى وخاف ان يكون ذلك مكروها ينال منهم شيخهم فدخل مدينة قابس فسأل عن منامه رجلا مشهورا بانه يعبر الرؤياء فقال ان كان الرجل ذا مال فمال يؤخذ منه كرها، قال ليس بذي مال، فان كان عالما فعلم يؤخذ منه كرها، قال هو. فاعلم التلامذة بذلك فسروا سرورا عظيما فشرع في التأليف فكان يملى على التلامذة كل يوم بابا فبابا، فكانوا يعلقون ذلك عنه في ألواح حتى تمم التأليف ثم عرض الالواح على ترتيبها، فاثبت وأسقط، وزاد ونقص، وصحح وبدل، حتى لم يبق فيها اشكال وحتى صحت عنده كلها فاستنسخها وجعلها ديوانا في مجلدين الاول والثانى وعرضهما بعد ذلك على أبي عبد الله
محمد
،
194 (1/216)
صفحة 217
"
بن سودرين فلم يزد فيهما الا حرفين، ومكث الشيخ بتمولسة ما شاء الله، ثم انتقل الى موضع بالجبل يعرف بتونين»، ورتب فيه الحلقة فصار مأوى للعزابة وموضعا للدرس معروفا بالبركة، مخصوصا هو وأهله بالخير، والصلاح، واليمن، الى يومنا هذا. فلقد سمعت من غير واحد من المشائخ ان قراءة شهر بحلقة تونين تقوم في تحصيل الفائدة قيام أشهر في غيرها فهو منبر من منابر الدعوة، في الافاق مذكور، وبالعلم والدين مشهور، لم تخل قط من جماعة مجتهدين، في تحصيل علوم الدين وجماعة موفقين، بحفظ طرق المتقين، وجماعة من وراءهم موهلين بخدمة الحلقة بالمال والنفوس والاهلين أيد الله الجميع وقواهم وآتاهم تقواهم.
"
كمل بحمد الله ما يقابل الجزء الاول من كتاب الشيخ أبي زكرياء رحمه الله، والحمد لله رب العالمين. ويتلوه ذكر الطبقات وسيرهم ومناقبهم ان شاء الله تعالى والله ولى التوفيق».
كمل الجزء الاول من كتاب الطبقات
ويتلوه الجزء الثاني
وهو جزء التراجم
195 (1/217)
صفحة 218
[صفحة فارغة] (1/218)
صفحة 219
تقديم الكتاب
مقدمة الكتاب سبب تأليفه
فهرس العناوين والموضوعات
الواردة في الجزء الاول
ذكر الفاظ اصطلح عليها العزابة 3
ذكر طبقات المشائخ، وقائمة في اسمائهم
مبايعته خارج طرابلس
بيان مسألة الحارث وعبد الجبار
اليقين هل يدفعه الشك؟
أبو الخطاب يهاجم القيروان
تخيير أبي الخطاب جنده بين الجهاد أو الرجوع
استشهاد أبي عاصم السدراتي
أول داع لمذهب الاباضية بالمغرب 11
انه لا يشبه من ولى عليكم من قبل 29
المحارب الموحد لا يحل سلبة
ذكر فضائل الفرس من العجم
قصة سقوط شرافات ايوان کسري 13
قدوم ابن الاشعث من طرف
فضل البربر من العجم
كانوا يقاتلون ليقيموا دين الله
تفضيل البربر لا يعنى تفضيلهم على العرب
خبر الخمسة نفر حملة العلم الى المغرب
انتقال عبد الرحمن الى المشرق للتعلم
يدرسون في سرب خفية
امامة ابي الخطاب عبد الاعلى في طرابلس
مباغتة ابن الاشعث لابي الخطاب 33
مقتل أبي الخطاب واصحابه
خروج عبد الرحمن الى المغرب الاوسط
ولاية أبي حاتم الملزوزى
تحصن عبد الرحمن في سوفجج 36
حصار أبي حاتم للقيروان
ذكر وقعة مغمداس
مقتل أبي حاتم واصحابه
قدوم يزيد بن حاتم بجيش العباسيين (1/219)
صفحة 220
امامة عبد الرحمن بن رستم
انشاء مدينة تاهرت
اختيار عبد الرحمن للامامة
وصف مدينة تاهرت وعمرانها
استعمال أبي عبيدة الجناوني على
الجبل
الهروب من المسؤولية اثم
امامة
افلح بن عبد الوهاب تعطيل احكام الله اعظم وزرا من
اراقة الدماء
امداد من اباضية المشرق
عبد الرحمن يجعل الامامة شورى 46
امامة عبد الوهاب
أول افتراق في الاباضية
استفتاء علماء المشرق في خلاف
ابن فندين
توجه شعيب من مصر الى تاهرت أصل تسمية النكار ومبدأ امرهم 51
مؤامرة تدبر للامام
اخبار القتال الذي جـ ي بين
الطائفتين
أيام الامام افلح كانت أيام استقرار 77
الافتراق الثالث في الاباضية
و خروج نفاث بن نصر آراء نفات الغريبة تفات في بلاط العباسيين يظفر بديوان جابر بن زيد ثم
لا لا
هجوم ابن فندين على تاهرت
مكانة الرستميين في المغرب
محاربة الامام للواصلية
الامام يستمد نفوسة
مهدى يقنع عددا من المعتزلة
بطولات ايوب بن العباس
زهد مهدي وورعه
انتقال الامام عبد الوهاب الى
طرابلس
الامام يهتم في دروسه بمسائل
الصلاة
تولية السمح بن ابي الخطاب على
الجبل
الافتراق الثاني في الاباضية
يتلفه
وفاة الامام افلح وولاية أبي
بکر
امامة محمد بن افلح
امامة يوسف بن محمد
أبو منصور الياس (عامل نفوسة)
واخباره
أبو منصور يحاصر خلفا في جربة 85
وقعة مانو، وانقراض الامامة
اثر وقعة مانو على نفوسة
ابراهيم بن الاغلب يتتبع بقية
الاباضية بافريقيا (تونس) اخبار عبيد الله الشيعي وظهوره
في المغرب
سقوط تاهرت على يد الفاطميين (1/220)
صفحة 221
حصار عبيد الله لو ارجلان
اخبار أبي يزيد مخلد (صاحب
الحمار)
قوة مزاتة في افريقيا
تخوف ابي تميم (المعز الفاطمي)
التجاء أبي يزيد الى أوراس
أبو يزيد يفك الحصار بحيلة
الاباضية الوهبية تعتزل فتنة أبي
يزيد
مر أبي القاسم وقتله
ثورة ابى نوح وابي خزر على ابي
حصار ابي خزر لباغاي
انهزام ابي خزر
أبو يزيد يحاصر القيروان والمهدية 100 القاء القبض على ابى نوح ابن أبي يزيد يخلف أباه في بقية
جيشه
أخبار أبي يعقوب بن الامام افلح
وهروبه الى وارجلان
الافتراق الرابع في الاباضية
سليمان بن أبي يعقوب و آراؤه
أبو نوح بين يدى المعز شفاعة ابن بلكين الصنهاجي فيه
أبو تميم المعز يعطى الامان للاباضية 135 العفو عن ابي خزر ومقدمه للقيروان 136 قصة انتقال المعز الى القاهرة
واستصحاب أبي خزر
الغريبة
أخبار ابي الربيع سليمان بن زرقون وابي الخطاب وسيل وابي
أيوب
أبو الربيع مع شيخه ابن الجمعي لو كان مرادى طلب الدنيا لنلتها
بعلمي
أخبار أبي الخطاب وسيل
مكانة ابي خزر العلمية
أخبار ابى نوح وانتقاله الى وارجلان 143
رجوع ابى نوح الى قسطيلية مناظرة ابي نوح في مجلس المنصور
بلكين بن زيري
مناظرة تودي الى فتنة بتوزر
ثلاث مسائل سئل عنها الشيخ
ابو عبد الله محمد بن بكر أخبار أبي أيوب بن كلابة الزواغي 115
الافتراق الخامس في الاباضية
وخبر السكاك اللواتي
اخبار أبي القاسم يزيد بن مخلد
وأبي خزر يغلا الوسيانيين
مكانة أبي القاسم لدى الفاطميين
أبو نوح ينتقد اهل وارجلان أبو نوح في مجلس والى زويلة ذكر شيء من اخبار ابي مسور وابنيه 157 شهادة المشائخ على فضل ابي مسور 159 مآثر وحكم عن ابي زكرياء فصيل 160 (1/221)
صفحة 222
أدب العزابة والطلاب في العبادة خروج الشيخ ابي عبد الله الى
ميزاب
احتفاء اهل تمولست به وزيارته
لجربة
يسمع التفرقة
السكوت عن الباطل خوف
الوساوس وما يخطر في القلب لا يفسد الايمان
ادخال السرور على قلب المؤمن
افضل من العبادة
ذكر جمل من اخبار الشيخ ابي عبد
الله محمد بن بكر
مبدأ تأسيس الحلقة
ذكر لمع من سير الحلقة
ما ينبغى لاهل الطريق ان يلتزموه 170
اعضاء الحلقة ومهامهم المهام التي يتولاها الشيخ
المهام التي يقوم بها العريف مهام عريف الدراسة
ورع الشيخ واخلاقه الكريمة
ذكر شيء من اخبار نجباء التلاميذ 188 زكرياء ويونس ابناء فصيل
أبو الربيع سليمان بن يخلف اعتناء أبي الربيع بطلبته (1/222)
صفحة 223
فهرس الاماكن الواردة في الكتاب
-1 -
اريخ 128 – 150 – 170
توزر 97 - 98 - 109 -
تيسر سرين 107
تيمتي 72 - 73 - 76 افريقية (تونس) 38 - 95 - 101 - III
160 – 159 - 145
تينسلي 170 – 188
ايدوف 73
ايفران 96 - 187
تينما طوس 145
تا بديوت 109
ايکجان (بميلة) 92
تا جديت 150 - 168
ايوان کسري 13
تا صورت 92
بغداد 31 – 8 – 81 ـ 83
البصرة 11 – 12 – 20
باغاي 93
130 - 129 - 128
البكرات 143 بادية بني مصعب 183
ت -
87
ترشوين 109
تطاوين 97
تقيوس 96 - 97 - 128 - 149 -
تمررت 114
تمولست 167 - 168
168
201
149
150
تاهرت 13 - 40 الى 45 - 50 - 51 - 54
87 - 83 - 82 - 77 - 67 - 64 - 60
127 - 104 - 94
تاورغا 34 - 38
- ج -
جزيرة جربة 77 - 85 - 86 - 114 – 115
185 166 162 158 139 131
-
191
جبل دمر 65
جبل نفوسة 58 59 - 64 - 66 - 67
-
97 85 83
-
-
157
7973 71 - 70
136. — 131 — 117 —– 116 — 112 (1/223)
صفحة 224
الحجاز 137
الحامة 98 - 168
حامة قسطيلية 119 – 120 – 123 -
حنين 17
درجين 98
94 - 30 - 29 sbi,
ريزة 112
الزاب 128
سدراتة 30
سلجماسة 93 - 94 - 109
سوفجج 36
وادي سوف 152 - 156
بحيرة ساوة 13
- ش -
الشام 137
صفاقس 164 - 165
صياد 22 - 23
124
202
ط
- 31 الى 39 طرابلس 23 - 26 - 27
93 - 87 - 82 - 71 J 165
طبنة 93
- ع -
العراق 19
عزلاتة اليمن 92
الفسطاط 142
ق
قصر بكر 93
192 183
القصر القديم 129
سطيلية 35 - 97 – 99 - 10 - 119
183 - 145
قفصة 93
قنطنار 77 - 88 - 90 - 145 – 150
156 - 153 - 15 I
القيروان II - 20 - 26 الى 33 - 35
93 - 91 - 87 - 4439 38 - 36
116
137 -
114 - 102 - 101 - 100 - 96 136 - 135 123 - 122 - 11 168 - 167
قابس 28 - 35 - 10 - 102 - 130
193 - 137 (1/224)
صفحة 225
106
مغمداس 38
كدية كريمة 95 - 107
ميلة 92
مانو 87 - 78 - 126
-3 -
وارجلان 93 - 94 – 95 – 105 -
145 – 143 - 138 - 128 125 - 119 188 182 179 159 154
203
مطماطة 82
المغرب (العربي) II – 17 – 19 – 20
141
9287 - 35 - 32 - 22 (1/225)
صفحة 226
فهرس الاعلام واسماء القبائل
- 1 -
ابراهيم بن أبي ابراهيم 135
ابراهيم بن ابراهيم 193
أبو نوح (انظر سعيد)
أبي بن كعب 50
اسماعيل بن درار 21
ابراهيم بن أحمد الاغلبي 87 – 89 – 90 اسماعيل بن القاسم الفاطمي 104 ـ 102
???
اسماعيل بن صالح 48
افلح بن العباس 87 - 88 – 89 - 90
افلح بن عبد الوهاب 11 - 54 - 55 - 62
*138
بنو امية 127
116
ابد الله السكاك 118 ـ 119
أبو أيوب بن كلابه 109 - 15 -
117
أبو بكر الصديق 18 – 50
أبو بكر بن يوسف 91
أبو بكر بن محمد 188
أبو بكر بن افلح 82
83
أبو حمزة الشاري 74
أبو الحسن أيوب 70
أبو جعفر أحمد بن خيران 149
أبو زكرياء بن أبي عبد الله 136
أبو زكرياء اللالوتى 78
ابو على 191
أبو سليمان بن أبي يعقوب الفرشي
البربر 17 - 18
أبو القاسم البغطوري 89
البكرى (أبو عبيدة) 42
بكر بن حماد 43
112 –
بلكين بن زيري 130 - 134
145 الى 148
بدنه 129
تكتيس بن سيد 184
204.
86 - 85 - 84
-
107 -
106
أبو منصور الياس 80 ـ
ابو نوح البصير 150 (1/226)
صفحة 227
- ج.
جعفر بن على 130
بو محمد جمال 128 - 30
ابن الجمعي 109
بنو زلفين 155
زنزفة 192 – 193
زناتة 23 - 27 - 97 – 138 - 169
أبو صالح جنون 105 - 106 – 143 الى زويشة 23 - 34
159 154 145
- x-
زواغه 115 – 161
زويلة 155
الزيدية 24
الحسن بن أحمد بن أبي زكرياء الكوفي
92
أبو القاسم الحسين بن فرج 92
حسن بن ورميكوك 131
حمو بن اللؤلؤ 105 - 14 - 155 الحارث وعبد الجبار 22 - 24 - 153
- خ -
خزرون بن فلفول 130
73 - 71 - 69
خلف بن أحمد 158
خلف بن السمح 68
-د-
زيد بن اسلم 13
-5 -
سحنون بن أبي أيوب 119
سعد بن وسيم 78 – 79 - 80 - 88 أبو نوح سعيد بن زنغيل 126 الى 139
سلمان الفارسي 12
أبو الربيع سليمان بن زرقون 97 - 1
الى 113
119 -
أبو الربيع سليمان بن يخلف 36
109
167
دو سره بنت الامام 94
- S-
الربيع بن حبيب 49 – 55 – 66
ابن الرقيق القيرواني 91 - 92
رستم 19
أبو سليمان صاحب أبي خزر 140 - 141
سلامة
بن سعد II
بنو سلاوة 116
السمح بن عبد الاعلى 67 - 68 - 69
بنو رستم 43
- ز.
زكرياء بن أبي زكرياء فصيل 167
205
-3 -
شعيب بن المعروف 49 - 50 - 51 - 54
55 (1/227)
صفحة 228
صفرية 12
صنهاجة 44 -
صالح بن أبي صالح 185
أبو صالح اليراسني 127
- ع -
عبيد الله الشيعي 91 - 95 عبد المسيح بن تقيلة 14
ابن عباد المصرى 66 العباس بن أيوب 76 - 77
العباس بن مرداس 17
العز بن محمد 105
ابن عرفة 83
أبو الخطاب عبد الاعلى 21 - 22 - 23 عزيز بن عيسى 150
744437 - 33 J 5
عبد الحميد الجناوني (أبو عبيدة) 70
767573 72 71
عكرمة مولى بن عباس 11
89
عمروس بن فتح 84 عمر بن الخطاب 12 - 16 - 17 - 18 - 46
عبد الرحمن بن رستم 12 – 19 – 20 عمرو بن بحر الجاحظ 13
40
- 35 34 29 - 36
28 - 21
الى 46
عبد الرحمن بن حبيب 35 عبد الله
بن الامير 185
عبد الله بن الخير 89
186 -
عبد الله بن زرتين (أبو القاسم) 155 عبد الله بن عباس 13 – 151
عبد الله بن مسعود 18 – 47
عبد الله بن مانوج 159
عبد الله بن يحيى 74 - 186
148
عبد الله بن يزيد 24 - عبد الوهاب بن عبد الرحمن (الامام)
5756 52 48 47 46 - 35
60 - 66
عمرو بن مطكود 39
عمرو بن العاص 17 - 18
أبو عمرو التناوتي 144
أبو عمار عبد الكافي 6 ـ و ــ 10 ـ 48 أبو عاصم السدراتي 28 - 29
عون بن عبد الله 126
عيسي بن عمير 49
عيسي بن ابراهيم الهواري 184
عيسى بن مريم
186
عائشة أم المؤمنين 15 -
-?-
19 - 16
الغاية زوجة أبي القاسم 120 – 121
- 3 -
عبد الله بن وهب 21 - 186
أبو عبد الله الشيعي 43 – 95 - 104
206
فارس II
الفرس 13 (1/228)
صفحة 229
أبو زكرياء فصيل 139.
164
166 - 165
-الفضل ابن أبي يزيد 102
ك
كتامة 92
157 الى 163
کسري انوشروان 13 - 14 - 15
- J -
لماية 185 - 192 – 193
لواتة 17 - 31
- م -
المتوكل العباسي 87
زانة 87
193 - 192
138 - 128
- 127 - 112
-مسعود الاندلوسي 46
أبو مسور اليراسني 116 – 1.7 – 158
أبو عبيدة مسلم 11 – 20 – 21 – 24
مشارة بن غنى 99
-مصالة بن يحيى 191
المعتزلة 60.
16 - 62 -
المعز الفاطمي أبو تميم 123 – 124 – 126
127 - 130 - 132 الى 140
المعيز بن فضالة 156
معاد بن جبل 50
أبو المتوكل 49
محبوب بن الرحيل 70
محبوب بن أبي عبد الله 187 – 188
المغيرة بن شعبة 12
مغراوة ريغ 169
أبو عبد الله محمد بن بكر 153 - 159 أبو معروف 90 - 157 - 158
174 170 169 168 167 – 166
أبو محمد الجربي 162 ـ
الامام محمد بن أفلح 82 - 83
أبو عبد الله محمد بن سودرين 193 أبو عبد الله محمد السدراتي 186
محمد بن عيسى الهواري 184
محمد بن الاشعث 31 الى 35
محمد بن يوسف 44
محمد بن يانس 58 - 59 - 61 - 62
مليلة (قبيلة (39 منداس 44
المنصور أبو جعفر 26 - 3 - 37 - 39 مهدى الويغمى 58 - 60 - 61 - 62 - 64 أبو عمران موسى بن زكرياء 159 - 168 ميمون بن عبد الوهاب 43 - 56
- ن -
اصحاب النخيلة 74
نزار بن أبي تميم المعز 142
مخلد بن المعرد 49
المختار بن عوف 186
207
نفاث بن نصر 112
نفزاوة 90 - 91 - 150 (1/229)
صفحة 230
نفوسة 23 - 34 - 57 - 87
- و-
وحنين بن وريغول 145 ورفجومة 26 - 27
146
-
الواصلية 45 - 57 - 59 - 183
و ارسفلاس بن محمد 185 بنو وسيان 97
أبو الخطاب وسيل 109 الى 15
147 -
يحيى بن يحيى 114
يحيى بن يونس السدر تي 157 أبو زكرياء يحيى 48 - 108 يزيد بن حاتم الازدي 39 يزيد بن فندين 46 50 الى 56
49 - 48 - 47 -
أبو القاسم يزيد بن مخلد 101 ـ 109
أبو محمد ويسلان 126
192
بنو ويليل 170
– III – II
191
- 127 -
208
19 الى 123 - 125 - 126
أبو يزيد صاحب الحمار) 96 الى 102
بنو يراسن 86 - 185
191 (1/230)
صفحة 231
كتاب طبقات المشائخ بالمغرب
[ترقيم الصفحات مستمر من 199]
تأليف
الشيخ أبي العباس أحمد لن سعيد الدرجيني رحمه الله
المتوفى حوالي 670 ه
الجزء الثاني
حققه وقام بطبعه
إبراهيم طلاي (2/1)
صفحة 232
[صفحة فارغة] (2/2)
صفحة 233
كتاب طبقات المشائخ بالمغرب
تأليف
الشيخ أبي العباس أحمد لن سعيد الدرجيني رحمه الله
المتوفى حوالي 670 ه
الجزء الثاني
حققه وقام بطبعه
إبراهيم طلاي (2/3)
صفحة 234
جميع الحقوق محفوظة (2/4)
صفحة 235
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر طبقات المشايخ
جيلا بعد جيل وسيرهم و مناقبهم رحمهم الله ...
الطبقة الأولى:
قد قدمنا في الجزء الأول أن الطبقة الأولى هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن فضيلتهم أشهر، ومزاياهم وأسماءهم أظهر من أن تحتاج إلى تسميتهم، فأقول الآن: أن الصحابة رضوان الله عليهم تحصل من سيرهم وأخبارهم في الدواوين، ومن آثارهم محفوظاً في صدور الراوين، ما أغنى عن تكلف تصنيف وانتحال تأليف، وحسبهم أن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يشقى من رآني)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أفضل أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، وأحاديث كثيرة من فضائلهم، فإذا ثبت هذا فاعلم أن من الصحابة من لا يخالفنا في تقدمهم مخالف، فقد امتلأت بذكر فضائلهم الصحائف، ومنهم من لم ينل حظاً من الإنصاف، عند كثير من أهل الخلاف، وهم معدودون عندنا في جملة أخبار الأسلاف، فلنذكر منهم من أمكن ذكره، ووجب علينا وإن عاب الغير شكره.
عبدالله بن وهب الراسبي
فمنهم عبد الله بن وهب الراسبى الأزدي العماني (2/5)
صفحة 236
-رحمه الله-، لما كان من أمر الحكمين ما كان، ونجاة من نجى من تلك المحن والافتتان، وانحياز من انحاز الفريقين، وتبين الاعتدال والعدل، عن كلا الطريقين، أرادوا تولية رجل منهم يعتمدون عليه في أمورهم ويطبق على طاعته، رأى جمهورهم فعزموا على تولية عبدالله بن وهب، فتكره ذلك وأباه، فلم يريدوا غيره ولم يرضوا سواه، فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم استبيتوا الرأي –أي دعوه يغيب- وتأتي عليه ليلة، فندبر عواقبه، وكان يقول: نعوذ بالله من الرأي الدبري، فبايعوه وكان ذا رأي وحزم، ودين وعلم، وقع به الائتلاف وارتفع في أيامه الاختلاف، فلم يزل يقول بالحق، ويحكم بالعدل، ويلطف بالرعية ويقسم بالسوية، حتى قبض -رحمه الله- عليه.
حرقوص بن زهير السعدي
ومنهم حرقوص بن زهير السعدي، كان حرقوص من أهل النسك والعبادة والتقشف والزهادة، وكان ذا نجدة وبأس وشدة، وكان أحد الأمراء والأجناد في أيام عمر رضي الله عنه، وهو الذي فتح الأهواز في أيام عمر، وكان له هناك آراء سديدة وآثار حميدة، وشكره عمر -رحمه الله- واستحسن ما كان منه حينئذ فإنه صبر وصابر، حتى أظفره الله تعالى، واطلب ذلك في أخبار فتوح العراق تجده، وكان حرقوص ممن شهد صفين، وأبى تحكيم الحكمين، وكان في أصحابه حتى قتل -رحمه الله-.
الأحاديث المنتحلة فيه والرد عليها
وحرقوص هذا هو الذي ينتحل (1) أحاديث لا يبعد أن تكون مصنوعة فإن فيها ما يدل على سقمها لتناقض مثبوتها، ولكن أكثرها منتحل، ورواها على طرق، فمنها ما نسب إليه أنه قال
__________
(1) / كذا في النسخ ولعل الصواب هو الذي ينتحل غيرنا فيه أحاديث. (2/6)
صفحة 237
لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم خيبر: (ما عدلت منذ اليوم) فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: ألا أقتله يا رسول الله؟ فقال: إنه يكون لهذا أو لأصحابه نبأ، ومنها ما نسب إليه أنه لما قال ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك فمن يعدل إن لم أعدل؟ ثم قال لأصحابه واحداً بعد واحد: أيكم يقتله؟ فقال له الأول: وجدته راكعاً، وقال الثاني: وجدته ساجداً، وقال الثالث: لم أجده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قتل هذا ما اختلف في الله اثنان، ومنها أنه قال وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً ورد عليه بين أربعة من المؤلفة قلوبهم، فزعموا أنه قال: "لقد رأيت قسمة لا أريد بها وجه الله" فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورد خده، ثم قال: أمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنني؟! فقام عليه عمر -رحمه الله- فقال: ألا أقتله يا رسول الله؟ فقال:" سيكون من ضئضئ (1)، هذا أقوام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون من الدين –إلى قوله- وتتمارى في الفوق" ففي هذه الأخبار دلائل على سقمها من أوجه كثيرة، أحدها: أنه لو صح عنه أنه غير عدل إذ قال ما عدلت منذ اليوم ما آمن ولا أقام على دينه ولا صلى إلى قبلته، والثاني: لو صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه خاض بالطعن في النبوءة لما أهمله، ولكان هو المبتدر إلى قتله، ولم يكله إلى غيره، الثالث: أنه لو صح ذلك عند عمر رضي الله عنه وأنه من المأمورين بقتله، وأعلمه أنه مارق من الدين فكيف يستعين به على الجهاد؟ وهو أعظم
__________
(1) / ضئضى الشيء أصله ومعدنه ونسله الكثير. (2/7)
صفحة 238
أركان الدين، فيجعله أميراً على جنوده المؤمنين، وظهيراً على قتال الكافرين، الرابع: أنه لو صح عند أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه قال ذلك وأنهم مأمورون بقتله لم يتراخوا في قتله، بل يجعلونه أوكد فرائضهم، فكيف تسامحوا حتى خرج ثم لم يكترثوا به، الخامس: أنه صلى الله عليه وسلم منزه عن أن ينتسب إلى كلامه الغلو والمجازفة، حتى يقول لو قتل هذا ما اختلف في الله اثنان، فيلزم على هذا أن تكون حياة حرقوص سبباً لكفر اليهود والنصارى، والصابين والمجوس، وعبدة الأوثان، والمعطلة والزنادقة وغيرهم، وهذا من المحال الذي ينكره الحس ويأباه العقل، ويقوى الدليل على بطلانه، إذ لو شاء لضلوا جميعاً قبل وجود حرقوص وبعد موته، لكنهم (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) (هود:118 - 119) فقد اتفقوا واختلفوا وبينهم من هو خير من حرقوص وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اتفقوا واختلفوا وفيهم شر منه وهو أبو جهل، لعنه الله، فهذا يبعد أن يكون من كلام من لا ينطق عن الهوى، السادس انه قد شهد من ضئضه من حرق القرآن قلبه، وصدع كبده فضلا عن مجاوزة الحنجرة وشوهد من مخاليفهم من لا يصل لسانه فضلا عن الحنجرة، أعنى في العمل به والامتثال لأوامره، والانتهاء عن مناهيه، السابع ذكر المروق. فرأيك أعلم بالمارق وباللص السارق، وقد حقق كثير منهم ممن عامل بالأنصاف أن القوم إنما قاتلوا هروبا من اتباع الهوى واطراحا لزهرة الحياة الدنيا ورغبة فيما يرجونه عند الله في الدار الآخرة، وفيها أدلة كثيرة غير ما ذكرناه، فحرقوص مبرأ مما قالوه، ومما إليه نسبوا. (2/8)
صفحة 239
الطبقة الثانية 50 - 100 هـ: 1 - جابر بن زيد الازدي
منهم جابر بن زيد الازدى -رحمه الله-. بحر العلوم العجاج (1) وسراج التقوى، ناهيك به من سراج، أصل المذهب وأسه الذي قام عليه نظامه، ومنار الدين ومن انتصبت به أعلامه، صاحب ابن عباس رضى الله عنه، وكان امهر من صحبه، وقرأ عليه، والمقدم ممن يشار في الفتيى إليه، ذكر أبو طالب المكي في كتاب قوت القلوب قال ابن عباس -رحمه الله-: اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه، وعن اياس بن معاوية قال: لقد رأيت البصرة وما بها مفت غير جابر بن زيد وعن الحصي بن حيال انه قال: لما مات جابر بن زيد بلغ موته انس بن مالك فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض أو قال مات خير أهل الأرض، وعن ابن عباس أيضا انه قال: جابر بن زيد أعلم الناس، وعنه انه كان يقول عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون ألينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه، وله آثار كثيرة مذكورة، وكرامات، ومقامات في العلم تعلو المقامات سيأتى ما أمكن. إن شاء الله.
__________
(1) / البحر أو النهر العجاج بالمبالغة الذي تسمع له عجيجاً أي دوياً عظيماً. (2/9)
صفحة 240
جابر بن زيد يدعو الناس للاعتبار
فمن ذلك ما ذكر أبو سفيان* قال: أصاب الناس على عهد جابر بن زيد ظلمة وريح، ورعد، ففزعوا إلى المساجد قال فخرج أبو الشعثاء إلى بعض المساجد فجلس فيه يذكر الله، والناس في تضرع وضجة، قال فلما انجلت تلك الريح وتلك الظلمة أخذ الناس ينصرفون إلى أسواقهم ومنازلهم قال: فدعا قوما كانوا قريبا منه فقال لهم ما كنتم تظنون هذا الأمر؟ قالوا خفنا أن تكون القيامة قد قامت قال إنما خفتم طي الدنيا والإفضاء إلى الآخرة، قالوا نعم قال لقد خفتم أمرا عظيما فحق عليكم أن تخافوه، ثم قال أين تذهبون الآن؟ قالوا إلى منازلنا قال لقد خفتم أمرا عظيم ففزعتم إلى الدعاء، ولو جاء ما خفتم لم يغن عنكم ما كنتم فيه شيئا، فالآن إذ رد الله عليكم دنياكم فاعملوا حين قبول العمل وأما ما كنتم فيه فلو كان الأمر ما خفتموه لم يغن عنكم دعاؤكم من الله شيئا.
وذكر أبو سفيان: أن جابر بن زيد دخل المسجد الحرام فإذا برجل من الحجاج يصلى على ظهر الكعبة، قال، فقال: جابر بن زيد من المصلى؟ لا قبله له، قال، وكان ابن عباس في ناحية المسجد، فسمع قوله أو اخبر به، فقال إن كان جابر في شيء من البلد فهذا القول منه، قال فنظر فإذا هو جابر بن زيد.
جابر بن زيد يسأل عائشة ويستفيتها
وقال أبو سفيان أن جابر بن زيد وأبا بلال دخلا على عائشة رضى الله عنها، فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل قال فاستغفرت الله تعالى، وتابت مما كانت قد دخلت فيه وقال أبو سفيان دخل جابر بن زيد على عائشة رضى الله عنها فاقبل يسألها. مسائل لم يسألها أحد عنها حتى سألها عن (2/10)
صفحة 241
جماع النبي صلى الله عليه وسلم، كيف كان يفعل، وإن جبينه يتصبب عرقا، وهي تقول سل يا بني، ثم قالت له ممن أنت؟ قال من أهل المشرق من عمان، قال أبو سفيان فذكرت شيئا له لم احفظه إلا أنى أظنها قالت. النبئ صلى الله عليه وسلم، قال: ليكثرن وراد حوضى من أهل عمان أو شبه هذا.
جابر يتمنى لقاء الحسن البصري قبل أن يموت
ولما حضرت جابر بن زيد الوفاة أتاه ثابت البناني وقال يا أبا الشعتاء، هل تشتهى شيئا؟ قال إني لا أشتهى إلا أن ألقى الحسن قبل أن أموت، قال فخرج ثابت البناني فدخل على الحسن فأعلمه بقول جابر بن زيد قال وكان الحسن إذ ذاك مستخفيا، فقال: كيف لي بذلك؟ قال اركب بغلتي على السرج وأنا أردف خلفك، وأعطيك طيلسانى وأرجوا أن لا يعرض لنا. قال ففعل، ودخل على أبى الشعثاء وهو مضطجع فانكب عليه الحسن وهو يقول يا أبا الشعثاء قل لا اله إلا الله فرفع جابر عينيه، فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار، فقال له الحسن يا أبا الشعثاء، قل لا إله إلا الله، قال فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار، ثم قال: يا أبا سعيد) رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ((الأنعام:158) قال فقال الحسن هذا والله الفقيه العالم، ثم قال يا أبا سعيد حدثني بحديث ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المؤمن إذا حضرته الوفاة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا) فقال جابر الله أكبر، والله إني لأجد بردا على كبدي. (2/11)
صفحة 242
يحبس لكي لا يذهب إلى الحج
قال وكان جابر بن زيد يحج كل سنة فلما كان ذات سنة بعث إليه والي البصرة أن لا يبرح العام فان الناس إليه محتاجون، فقال لا أفعل: فحبسه، فلما كان غرة ذي الحجة جاءه الناس فقالوا أصلحك الله قد هلَّ هلال ذى الحجة فأرسل إليه وأخرجه من السجن. قال فأتى إلى داره وله ناقة قد أعدها للخروج فأخذ يشد عليها الرحل، ويقول ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، ثم قال: يا آمنة (1) عندك شيء؟ قالت نعم، قال فاجعليه في جرابي، قال فهيئت له زاده، ثم قال من سألك فلا تخبريه بمسيري يومي هذا قال فخرج من ليلته، قال فانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، قال فضربت بجرانها الأرض، وتجلجلت فقال الناس: ذكها ذكها يا أبا الشعثاء، فقال حقيق لناقة رأت هلال ذى الحجة بالبصرة أن تفعل هذا ثم سلمها الله، قال وكان قد سافر عليها أربعا وعشرين سفرة، في حجة وعمرة.
جابر يحاجج المستحلين لدماء من خالفهم
وقد بلغنا عن جابر بن زيد أن امرأة كانت له جارية فقالت له: يا أبا الشعثاء إن فلاناً يخطب إلي جاريتي فما ترى؟ قال: لا تزوجيه، فانطلقت فعاد إليها الرجل فعادت إلى جابر، وقال لا تزوجيه فانطلقت فعاد إليها الرجل فقال إن لم تزوجيها وقعتها حراما، فأتت جابرا، فأعلمته بالذي كان من قول الرجل، فقال زوجيها الآن فهذا خوف العنت.
وقال: حدث ضمام أن جابر بن زيد كان يلقى الخوارج
__________
(1) / في نسخ تذكر باسم أمينه. (2/12)
صفحة 243
فيقول: أليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ قال: فيقولون بلى. قال: ويقولوا وحرم ولا يتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ قال فيقولون بلى، فهل أحل ما عدا هذا بدين؟ قال فيسكتون ولا يجيبونه بشيء. قلت وهؤلاء أصحاب نافع بن الأزرق ومن قال بقولهم، في استحلال أموال المسلمين بدين.
حكم عطاء الجبابرة
وقال: تكلمت نساء من المسلمين بعد جابر في المال الذي تجمعه الجبابرة فقلن انه حرام، قال: ثم أفشينه حتى لقين رجلا يقال له أبو الوزير، فأجابهن إلى ذلك فقال صدقتن قال وهممن أن يرفعن ذلك إلى ضمام وأبي عبيدة، قال: فلم يزل بهن حتى لقين أبا حمزة الأشعث فكلمنه في ذلك فقال لهن أبو حمزة: ومن وافقكن على ما تقلن؟ قلن: أبو الوزير، فقال أبو حمزة: أو قد بلغ من ضعف أبي الوزير ما أرى؟ قال: ثم نهاهن وأعظم ذاك عليهن فقال: أما إذ زعمتن ذلك فانكن تتقدمن على جابر بن زيد وأبي بلال واصحابه، فانهم ماتوا وهم يأخذون أعطيتهم، قال: وبلغ ذلك ضماما فاشتد في ذلك وأعظم قولهن قال: فرجعن واستغفرن الله ولم يعدن إلى ذكر شيء من ذلك.
قال: ولما مات جابر بن زيد أتى قتادة وهو إذ ذاك قد عمي وقال: أدنوني من قبره قال: فأدنوه حتى وضع يده على قبره ثم قال: اليوم مات عالم العرب، وقال: لقي جابر امرأة من أهل الدعوة فوقف ساعة يكلمها وتكلمه قال: فلما أرادا أن يفترقا قال لها إني أحبك ثم افترقا فانطلق غير بعيد، ففكر في قوله لها إنى أحبك، فانصرف إليها وقال: في الله قال: فقالت له: وما تظن أني حملت ذلك على غير الحب في الله؟ أي والله في الله. (2/13)
صفحة 244
لا نكافي الإساءة بمثلها
وقال خرجت آمنة زوج جابر إلى مكة ذات سنة، فأقام جابر تلك السنة قال: فلما رجعت سألها عن كريها (1) فذكرت منه سوء الصحبة، ولم تثن عليه بخير، قال: فخرج إليه جابر فأدخله الدار فأمر باشتراء لابله علفا، وعولج له طعام فلما تغدى خرج به إلى السوق، فاشترى له ثوبين فكساهما إياه، ودفع إليه ما كان مع آمنة من قربة وأداة وغير ذلك من آلات السفر، قال فقالت له آمنة أخبرتك بسوء الصحبة ففعلت معه ما أرى، قال: أفنكافيه بمثل فعله فنكون مثله؟ لا بل نكافيه بسوء خيرا. وبالإساءة إحسانا.
رأي جابر في الهرم العاجز عن الصوم
وقال أبو سفيان كانت جدة أبي يقال لها أم الرحيل والرحيل أبي وبه يسمى، واسم جدي العنبر وكانت أم الرحيل قد كبرت حتى لم تطق الصيام، قال فأت بها ابناها الرحيل والعنبر إلى جابر، فقالا: يا أبا الشعثاء إن أم الرحيل قد كبرت فلا تطيق الصيام قال: وأنها لحية بعد، قالا نعم، قال: فصوما عنها قال فتنافسا في ذلك قال: وكان الرحيل أكبر من العنبر، فصام عنها الرحيل، فلما كان في العام الثاني أتياه فأعلماه أيضا بحالها، فقال ما كنت أمرتكم به في العام الأول؟ قال: أمرتنا أن نصوم عنها، قال: فأطعما عنها فأطعم عنها العنبر.
وقال جاء أبو الحر إلى أبي عبيدة ذات سنة قال يا أبا عبيده أقم للناس بعد الموسم خمسة أيام فامتنع وقال: لأ بي الحر عليك بضمام بن السائب فانه يفعل، قال: أو عنده من العلوم ما يكتفي الناس به؟ قال نعم، وأكثر من ذلك، قال: فأتاه فأقام الناس فاجتمع إليه من حضر الموسم، فجعلوا يسألونه
__________
(1) / الكرى بشد الياء المكاري. (2/14)
صفحة 245
عن أشياء كثيرة من مسائل دينهم، قال: فكان جوابه أن يقول سألت جابرا، أو سئل جابر أو سمع جابرا، أو قال جابر قال أبو سفيان وكان ضمام قد حفظ عن جابر ما لم يحفظه عنه أبو عبيدة ولا أبو نوح ولا أحد من تلاميذه وقال: بعثت هندة بنت المهلب إلى جابر جزورا في رمضان فنحرها وعالج للناس طعاما، فلما غابت الشمس أتانا بالجفان في المجلس فوضعت للناس وكان مؤذنه يقال له أبو هارون وكان فاضلا، وقال له: يا أبا هارون أرى أن تهبط فتأكل معهم ولا تعجلهم الإقامة، حتى يتفرغوا من طعامهم.
وقال: اطلع أبو الشعثاء يوما فإذا برجل من الاكارين يبكي ويصيح. فقال: مالك ويحك؟ فقال:؟ إن فتيان دربكم هذا نزعوا منى قنوي نخل جئت بهما إلى صاحب الأرض، فأخاف أن لا يصدقني قال: فبعث جابر إلى رجل من أصحابه له نخل، فأخذ قنوين فدفعهما إليه.
جابر يتهرب من القضاء
ووفد جابر بن زيد فيما كان يفد فيه إلى يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، وكان به خاصا، قال: فأدخله أبو مسلم على الحجاج: فكان فيما كان يسائله أن قال له: أتقرأ؟ قال نعم، قال: أتفرض؟ قال: نعم، فعجب الحجاج، ثم قال: ما ينبغي لنا أن نؤثر بك أحداً بل نجعلك قاضياً بين المسلمين، قال: فقال: جابر إني أضعف من ذلك، قال وما مبلغ ضعفك؟ قال يقع بين المرأة وخادمها شر فلا أحسن أن أصلح بينهما، قال: إن هذا لهو الضعف، ثم قال: فهل لك من حاجة؟ قال: نعم وما هي؟ قال تعطيني عطائي وترفع عني المكروه، فقال الحجاج: هذا أمر لا يستقيم أن أعطيك من بيت مال المسلمين، ولا نستعملك لهم فقال له يزيد بن (2/15)
صفحة 246
أبي مسلم: أصلحك الله أن هاهنا خصلة تخف على الشيخ وفيها عون للمسلمين، قال: وما هي؟ قال: تجعله في أعوان صاحب ديوان البصرة، قال: وذلك، قال: فلما خرج من عنده قال له جابر: يا هذا ما صنعت شيئا أتراني أن أكون عونا لصاحب الديوان؟ قال له يزيد: اكتب إلى صاحب الديوان أن لا يكلفك مؤونة، ويعطيك عطائك كاملا، قيل وكان عطاؤه سبعمائة أو ستمائة درهم قيل وكان في ديوان المعاملة.
رأي جابر في القدر
وقال وقع في نفس الحجاج شيء من أمر القدر، فدعا كتابه يزيد بن أبي مسلم قال: ويحك يا يزيد وقع في نفسي شيء من القدر فهل عندك فرج؟ قال: سأكتب لك إلى رجل بالبصرة عنده من ذلك علم، قال فكتب إلى جابر بن زيد، أما بعد فإن الأمير وقع في نفسه شيء من أمر القدر فاكتب إليه بما تفرج به عنه، قال: قل للأمير يكثر ترديد خطبته فإن فيها بيانا لما سأل عنه، قال: فأعلمه بذلك يزيد، قال: فرددها مرارا كل ذلك لا ينتبه منها بشيء حتى إذا كان بعد ذلك انتبه، فقال من يهدى الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال يا يزيد ويحك ما أعلم صاحبك!.
مما يؤثر عن جابر
وقال: خرج جابر بن زيد وهو يريد الجمعة فلما أتى المسجد تلقاه الناس متفرقين، قال: فشق ذلك عليه مشقة عظيمة شديدة وقال: اللهم لك علي أن لا أعود، وقال: استأذن عمارة بن حيان على جابر بن زيد فقال له ارجع، فلما ذهب قال ردوه فردوه فقال: أراك وجدت في نفسك أما انه أزكى لك إذ رجعت، وقال دخل العنبر على جابر في (2/16)
صفحة 247
ليلة صافية مظلمة وآمنة قاعدة إلى جانبه في الدار. وقال فأخذت عليها صلاته فحدثها جابر، وقال: إن الله جعل الليل لباسا، قال: يقول أن الخمار والمقنعة بالليل يجزيان عن رداء.
وقال: قال: جابر بن زيد ليس للعالم أن يقول لجاهل أعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك وليس للجاهل أن يقول للعالم اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك، فإذا قال العالم ذلك للجاهل قطع الله عذر العالم وإذا قال الجاهل ذلك للعالم قطع عذر الجاهل.
وقال: مر رجلان من أهل الدعوة على أبي الشعثاء وهو قاعد في سقيفة باب داره ولم يرياه وهما يتذاكران رجلا فقالا: عليه لعنه الله، فقال أبو الشعثاء: لعن الله من لعنتما، قال فانصرفا حين سمعا كلامه، فقالا: ما رأيناك ولا علمنا بمكانك ثم قالا: يا أبا الشعثاء أتلعن رجلا ولم يثبت عندك أمره؟ قال: وأي شيء أثبت منكما وقد أجمعتما على لعنه؟ وعن الربيع بن حبيب عن شيخ من أهل البصرة. أنه قال: دخل جابر على عائشة رحمهما الله فسألها عن مسائل ثم انصرف فقالت عائشة لقد سألني عن مسائل لم يسألني عنها مخلوق قط تعني جابرا. وعن الربيع بن حبيب عن بعضهم قال أتيت جابر بن زيد في بعض الفتيى مما يبتلى به الناس فما أعلم أني كلمت فقيها ولا عالما ولا أميرا أعلم منه، ولا أعقل منه.
جابر تمنى من الله ثلاث فحققها له
وعن الحصين عن جابر بن زيد أنه قال: سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن سألت زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة ورزقا حلالا كفافا يوما بيوم، وقال لأصحابه: ليس منكم رجل أغنى (2/17)
صفحة 248
مني، ليس عندي درهم ولا علي دين، وعن قتادة أن الحجاج أرسل إلى جابر بن زيد يسأله عن الخنثى كيف يورث؟ فقال، تحبسونني وتستفتونني! ثم قال: يورث من قبل مباله قلت: وعلى ذلك العمل.
عبدالله بن أباض
ومنهم عبدالله بن أباض المرى التميمي -رحمه الله-: كان عبدالله بن أباض إمام أهل الطريق وجامع الكلمة لما وقع التفريق، فهو العمدة في الاعتقادات، والمبين لطرق الاستدلالات والاعتمادات، والمؤسس لأبنية هي مستندات الأسلاف، والمهدم لما اعتمده أهل الخلاف، وكان رأس العقد، ورئيس من بالبصرة وغيرها من الأمصار والمتقدم في حلبة الفضل بين أولئك الأخيار، قعد عن اللحاق فاشتراه من غير إنكار، وقنع بالخمول من غير قصور ولا اقصار، وقلى ما اعتقده ابن الأزرق في المحمدية (1)، وعدل عن طريقي البيهسية، والنجدية وسلك محجة العدل، وكان قدوة لأهل الفضل، فإليه النسبة اليوم في العقائد، معدولا بها عن اسم الولد إلى اسم الوالد طلبا للتخفيف واختصاص الأشهر، وذلك في اللغة معروف لا ينكر، ولابن أباض فضائل مشهورة في الآفاق، وآثار حميدة مخلدة في بطون الأوراق.
أبو بلال وعروة
أبو بلال وعروة الشاريان
ومنهم أبو بلال مرداس وعروة أبنا أدية رحمهما الله بلغا في الورع والديانة، والعلم والصيانة الأمد الأقصى
__________
(1) / يعني أمة محمد عليه السلام من تحلة دماءهم وأموالهم مما يراه غلاة الخوارج كالفرق التي ذكرها بعد. (2/18)
صفحة 249
ولكل منهما فضائل لا تحصى، يعجز عن وصفها كل قائل فلا تكاد تحصى ولكل منهما أيام الخروج، وأيام القعود كل موطن مرضي وكل مقام محمود، من أمر بالطاعة ونهي عن المحارم لا تأخذه لومه لائم، وأما التشمير والتصميم في الدين والأنفة عن طريق المهادنين، فذلك عليهما وقف، لا وهن ولا ضعف يدركهما (1)
أبو بلال يحذر غيلان الضبى
ثبت عندنا من طريق صحيح أن أبا بلال -رحمه الله- كان في المسجد الجامع فسمع زيادا يقول على المنبر: والله لآخذن المحسن منكم بالمسيء والحاضر بالغائب والصحيح بالسقيم، فقام -رحمه الله- إليه فقال: قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان وما هكذا ذكر الله عن نبيه إبراهيم عليه السلام إذ يقول (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (لنجم: من 37 إلى 41)
وانك تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي، قيل وفي عقب ذلك اليوم كان خروجه -رحمه الله- عليه، وروي أن غيلان بن خوشت الضبى سمر ذات ليلة عند ابن زياد ومعه جماعة فذكر أمر أبي بلال وأصحابه فأحنى عليهم غيلان ثم انصرف بعد الليل إلى منزله فلقيه أبو بلال فقال له: يا غيلان قد بلغني ما كان منك الليلة عند الفاسق من ذكر هؤلاء القوم الذين يشرون أنفسهم، وابتاعوا آخرتهم بدنياهم، ما يؤمنك أن يلقاك رجل أحرص والله على الموت منك على الحياة فينفذ حصنك برمحه، فقال غيلان: لن يبلغك أني ذكرتهم بعد الليلة.
وعن غير واحد من أصحاب التواريخ أن أول سيف سل للمحكمة سيف عروة بن أدية وذلك أن الأشعث بن قيس
__________
(1) / راجع بعض أخبارهما في كامل المبدر من 190 ج 3 تحقيق أحمد محمد شاكر. (2/19)
صفحة 250
لما جاء بصحيفة دعوة أهل الشام في صفين إلى الحكمين جعل الأشعث يطوف بها في منازل أهل عسكر العراق من منزل إلى منزل، حتى أتى بني تميم فسل عروة سيفه وأقبل على الأشعث، فقال: ما هذه الدنية يا أشعث؟ وما هذا التحكيم؟ أشرط أوثق من شرط الله؟ ثم ضربه بالسيف والأشعث مولى فأصاب بالسيف عجز البغلة، فشبت البغله فنفرت اليمانية، وكانوا جل أهل العسكر، فلما رأى ذلك الأحنف قصد هو وحارثة بن قدامة ومسعود بن فدكيك (1) وشيبة بن ربعى إلى الأشعث، فسألوه الصفح ففعل.
صراحة عروة وتقواه
وذكر المبرد أن عروة لم يزل باقيا مدة من أيام معاوية حتى أتى به زياد، ومع عروة مولى له فسأل زياد عروة عن أحوال الخلفاء والولاة حتى سأله عن نفسه، فقال: أولك لزنى وآخرك لدعوى، وأنت بعد عاص لربك ثم أمر به فضربت عنقه، ثم دعا مولاه فقال صف لي أموره فقال أطنب أم اختصر؟ فقال: اختصر، فقال ما أتيته بطعام نهارا قط ولا فرشت له فراشا بليل قط، ومن كامل المبرد قال: وكان مرداس بن حدير أبو بلال (2) أحد بنى ربيعه بن حنظلة يعظمه الخوارج وكان مجتهدا كثير الصواب في لفظه، فلقيه غيلان بن خوشت الظبي فقال يا أبا بلال: أني سمعت البارحة الامير عبدالله بن زياد يذكر البلجاء وأحسبها ستؤخذ، فمضى إليها أبو بلال فقال لها: إن الله قد وسع عن المؤمنين في التقية فاستتري فان هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك فقالت: إن يأخذني فهي
__________
(1) / كذا بالنسخ وذكره في الكامل باسم مسعود بن فدكي بن عبد وذكر من بعده باسم شبت بن ربعي الرياحي راجع الكامل ج 3 ص 909
(2) / هو اسم أبيه وأما اضافتهما هو وأخوه إلى أدية فهي جدتهما، كما ذكر ذلك المبرد وتجد نسبهما كاملاً عنده. (2/20)
صفحة 251
أشقى به فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي فوجه إليها عبيد الله بن زياد فأوتى بها فقطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق فمر بها أبو بلال والناس مجتمعون وقال: ما هذا؟ فقالوا: البلجاء فعرج إليها ثم عض لحيته فقال لنفسه: لهذا أطيب نفسا على بقية الدنيا منها يا مرداس؟ (1)
قال ثم إن عبيد الله اتبع أبا بلال وأصحابه يحبسهم، فحبس مرداسا فرأى صاحب السجن شدة اجتهاده وحلاوة منطقه فقال: إني أرى مذهبا حسنا وإني لأحب أن أوليك معروفا أفرأيت أن تركتك تنصرف إلى بيتك ليلا أتروح إلي؟ قال: نعم فكان يفعل ذلك فلج عبدالله في قتلهم وحبسهم. فكلم في بعضهم فأبى. وقال اقمعهم قبل أن ينجموا كلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع (2) قال: فلما كان ذات يوم قتل رجل منهم رجلا من الشرط فقال ابن زياد: ما أدري ما أصنع بهؤلاء كلما أمرت رجلا يقتل رجلا منهم فتك بقاتله، لأقتلن من في حبسي منهم، وقد أخرج السجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل، وأتى مرداسا الخبر، فلما كان السحر تهيأ للرجوع فقال له أهله: اتق الله في نفسك فانك إن رجعت قتلت. فقال: ما كنت لألقى الله غادرا، فرجع إلى السجان فقال: أني علمت ما عزم عليه صاحبك فقال: أو علمت ورجعت؟!
قال ويروى إن مرداسا مر بإعرابي هنأ بعيرا فهرج البعير فسقط مرداس مغشيا عليه، فظن الأعرابي أنه
__________
(1) / عبارة الكامل: لهذه أطيب نفساً عن بقية الدنيا منك يا مرداس.
(2) / اليراع: القصب. (2/21)
صفحة 252
صرع، فقرأ في أذنه، فلما أفاق قال له الأعرابي أني قد قرأت في أذنك فقال مرداس: ليس في ما خفته علي، ولكن رأيت بعيرك هرج من القطران، فذكرت به قطران جهنم، فأصابني ما رأيت، فقال له: لا جرم، والله ما فارقتك.
رأي الشراة في السكوت عن الظلمة وخروجهم عنهم
قال فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى جده في طلب الشراة عزم على الخروج، فقال لأصحابه: إنه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانفين للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا نشذ عنهم ولا نجرد سيفا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا منهم حريث بن حجل السدسى وكهمس بن طلق الصريمي، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى، فولوا أمرهم مرداسا فلما مضى بأصحابه لقيه عبدالله بن زياد الأنصاري (1)، وكان له صديقا فقال له يا أخي أين تريد؟ فقال أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال أعلم بكم أحد؟ قال لا، قال: فارجع، قال: أتخاف علي مكروها؟ قال نعم، وأن يؤتي بك قال: فلا تخف، فإني لا أجرد سيف ولا أخيف أحدا ولا أقاتل الا من قاتلني ثم مضى حتى نزل آسك وهو ما بين (رام هرمز) و (أرجلان) فمر به مال يحمل إلى ابن زياد وقد قارب أصحابه أربعين فحط ذلك المال، فأخذ منه عطاءه، ورد الباقي على الرسل. وقال لهم: قولوا
__________
(1) / حققه الشيخ أحمد محمد شاكر في الكامل بعبد الله بن رباح الأنصاري قال أنه من الثقات مات 90 هـ (2/22)
صفحة 253
لصاحبكم إنما قبضنا اعطياتنا، فقال بعض أصحابه: فعلام تدع لهم الباقي وهو فئ؟ فقال لهم إنما يقسمون الفئ كما يقيمون الصلاة. أفنقاتلهم على الصلاة؟
ولأبي بلال أشعار في الخروج اخترنا منها قوله:
ابعد ابن وهب في الوفاء وفي التقى
ومن خاض في تلك الحروب المهالكا
احب لقاء أو جي سلامة
وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا
فيا رب سلم نيتي و بصيرتي
وزدني التقى حتى ألاقى أولئكا (2)
قال: ويروى أن رجلا من أصحاب ابن زياد قال خرجنا في جيش نريد خراسان، فمررنا بآسك، فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلا، فصاح بنا أبو بلال: أقاصدين لقتالنا أنتم؟ وكنت أنا وأخي فدخلنا زربا، فوقف أخي ببابه فقال: السلام عليكم فقال مرداس: وعليكم السلام، فقال لأخى: أجئتم لقتالنا؟ قلنا: لا إنما نريد خراسان، قال: فابلغوا من لقيكم اننا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروع أحدا، ولكن هربا من الظلم، ولسنا نقاتل الا من يقاتلنا، ولا نأخذ من الفئ إلا اعطياتنا ثم قال: أندب الينا أحد؟ قلنا: نعم أسلم بن زرعة الكلابى، قال: فمتى ترون يصل الينا؟ قلنا يوم كذا وكذا فقال أبو بلال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وجهز عبيد الله بن زرعة في أسرع وقت، ووجهه إليهم في ألفين، وقد تتام أصحاب
(2) رواية المبرد فيها بعض خلاف فراجعها ان اردت. (2/23)
صفحة 254
مرداس أربعين رجلا: فلما صار اليهم أبن زرعة صاح به ابو بلال: اتق الله يا مسلم فإنا لا نريد قتالا ولا نحتجن فيئا، فما الذي تريد؟ قال: أريد أن أردكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذا يقتلنا، قال: وأن قتلكم! قال تشرك في دمائنا، قال أذن الله بأنه محق وأنت مبطلون، فصاح به حريث بن حجل: هو ممن يطيع الفجرة وهو أحدهم ويقتل بالظنة، ويخص بالفئ ويجور في الحكم أما علمت أنه قتل بابن سعادة أربعة براء، وأنا أحد قتلته؟ ولقد وضعت في بطنه دراهم كانت معه (1).
ثم حملوا عليه حملة رجل واحد، فانهزم هو وأصحابه بغير قتال، قال وكان معبد أحد الشراة قد كاد أن يأخذه، فلما ورد على ابن زياد غضب عليه غضبا شديدا، وقال: ويحك أتمضي في ألفين وتهزم لحملة من أربعين رجلا؟ وكان مسلم يقول: لأن يذمني ابن زياد وأنا حي أحب إلي من أن يمدحني وأنا ميت. وكان إذا خرج إلى السوق ومر بصبيان صاحوا به أبو بلال وراءك، وربما صاحوا به يا أبا سعيد (2) خذه، فشكى ذلك إلى ابن زياد فأمر الشرط أن يكف الناس عنه، ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك التميمي من بني تيم اللات بن تغلبة في كلمة له:
فلما اصب وا صلوا وقاموا
الى الجـ ود العتاق مسومينا
فلما استجمعوا حملوا عليهم
فظل ذوو الحفال يقاتلونا
__________
(1) /هكذا في النسخ التي بأيدينا
(2) / عبارة المبرد يا معبد خذه (2/24)
صفحة 255
بقية يومهم حتى أتاهم
سواد الليل فيه يراوغونا
يقول بصيرهم لما أتاهم
بأن القوم ولوا هاربينا
أألفا مؤمنين فيما زعمتم
ويهزمهم زهاء اربعينا؟
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم
ولكن الخوارج مومنونا
هم الفئة القليلة غير شك
على الفئة الكثيرة ينصرونا
قال ثم ندب أبن زياد لهم الناس فاختار عباد بن أخضر فوجهه في أربعة آلاف فنهد لهم، ويزعم أهل العلم: أن القوم قد كانوا تنحوا عن دار (بجرد) بأرض فارس فصار إليهم عباد وكان التقاؤهم في يوم الجمعة فناداهم أبو بلال اخرج إلي يا عباد فإني أريد أن أحاورك، فخرج إليه (فقال له أبو بلال) ما الذي تبغي؟ قال أن آخذ بأقفائكم ونردكم إلى الأمير عبدالله بن زياد، قال أو غير ذلك؟ قال وما هو؟ قال أن ترجع، فإنا لا نخيف سبيلا، ولا نذعر مسلما، ولا نحارب إلا من حاربنا، ولا نجبى إلا ما حمينا. فقال له عباد الأمر ما قلت لك، فقال له حريث بن حجل: أتحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبار عنيد؟ فقال لهم: أنتم أولى بالضلال منه، وما من ذلك بد. قال وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحج، فلما رأى الجمعين قال ما هذا؟ قيل له الشراة، فحمل عليهم ونشبت الحرب فأخذ القعقاع أسيرا، فأوتى به أبا بلال، فقال له (2/25)
صفحة 256
من أنت؟ قال لست من أعدائك وإنما قدمت للحج فجهلت وغررت، فأطلقه فرجع إلى عباد، فاصلح من شأنه ثم رجع فحمل عليهم ثانية وهو يقول.
اقاتلهم علي عتب
نشاطا ليس هذا بالشطاط
اكر على الحروريين مهري
لا حملهم على وضح الصراط
فحمل عليه حريث وكهمس فأسراه فقتلاه،. ولم يأتيا به أبا بلال.
يقتلون غدرا لأجل محافظتهم على الصلاة
فلم يزل القوم يتجلدون إلى وقت الصلاة صلاة يوم الجمعه، فناداهم أبو بلال: يا قوم هذا وقت الصلاة، فدعونا حتى نصلى وتصلوا صلاة الجمعه قالوا لك ذلك، فرمى القوم أجمعين بأسلحتهم، وعمدوا للصلاة، فأسرع عباد ومن معه، وأبو بلال وأصحابه بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد، حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعا، وأتي برأس أبى بلال وكان في القوم كهمس وكان ابر الناس بأمه فقال يا أماه لولا مكانك لخرجت، فقالت: يا بني قد وهبتك لله ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك.
ألا في الله لا في الناس شالت
بداوود واخوته الجذوع
مضوا قتلا، وتشريحا، وصلبا
تحوم عليه طير، وقوع
اذا ما الليل أظلم كابدوه
فيسفر عنهم وهم ركوع (2/26)
صفحة 257
وقال عمران بن حطان:
اطار الخوف نومهم فقاموا
وأهل الأمن فى الدنيا هجوع
وقال عمران بن حطان:
يا عين أبكي لمرداس ومصرعه
يا رب مرداس اجعلني کمرداس
ترکتني هائما ايكي لمرزئتي
في منزل موحش من بعد ايناس
انكرت بعدك ما قد كنت أعرفه
يا رب مرداس اجعلني کمرداس (1)
بقية الشراة تقتص من عباد
قال: ثم أن عبادا لبث في المصر محمودا لما كان منه حتى ائتمر به جماعة من الشراة، أن يفتكوا به، وذمر بعضهم بعضا على ذلك فجلسوا له في جمعة، وقد أقبل على بغلة له، وابنه رديفه فقام إليه رجل منهم، فقال أسألك عن مسألة؟ قال: قل قال: أرأيت رجلا قتل رجلا بغير حق والقاتل ذو جاه وقدر وناحية عند السلطان، ألولي ذلك المقتول أن يفتك به أن قدر عليه؟ قال: بل يرفعه إلى السلطان قال: إن السلطان لا يعدى عليه لمكانه منه قال: أخاف عليه من أن يقتله به قال: دع ما تخافه هو وأصحابه وخبطوه بأسيافهم، فرمى عباد بابنه فنجا، وتنادى الناس، قتل عباد فأخذوا أفواه الطرق، وكان مقتل عباد، سكة بني مازن فحارب بنو مازن قتلة عباد حتى قتلوهم.
(1) انظر تتمة المقطوعة في الكامل (2/27)
صفحة 258
قيل، وكان ذلك سببا لجد ابن زياد في تتبعه الشراة حتى بعث إلى خليفته بالصرة، أن وجه إلى بعروة بن أدية فلم يزل يطلبه حتى دل عليهفي سرب العلا بن سوية المنقري. فكتب بذلك إلى عبيد الله بن زياد فقرئ عليه الكتاب: أن أصبناه في شرب (1) فتهانف به عبيد الله فقال له: صفحت ولؤمت، إذ هو في سرب العلا بن سوية ولوددت أنه ما كان ممن يشرب النبيذ قلت: وهذا الخبر قد تقدم معناه، وفي الرواية بعض المخالفة للخبر المتقدم من ذكر عروة.
الحوار الذي دار بين ابن زياد وعروة
قيل، فلما أقيم عروة بين يديه أخذ يحاوره وقد أختلف في خبره وأصحه عندنا أنه قال له: أجهزت أخاك علي؟ فقال: والله لقد كنت به ضنينا، وكان لي عرى (2) ولقد أردت له ما أريد لنفسي، فعزم عزما فمضى عليه، وما أحب لنفسي إلا المقام وترك الخروج، قال: فأنت على رأيه، قال: كنا نعبد ربا واحدا قال: أما والله لا مثلن بك. اختر لنفسك من القصاص ما شئت فأمر به فقطعوا يديه ورجليه ثم قال له كيف ترى؟ قال أفسدت علي دنياي وأفسدت عليك آخرتك، ثم أمر به فقتل ثم صلب علي باب داره، ثم دعا مولاه فسأله عنه فأجابه بجواب قد مضى ذكره، وقال أبو سفيان لما قطع الفاسق عبيد الله بن زياد يدي عروة ورجليه جاءه أعرابي، فقال: من هذا؟ قالوا رجل أراد الأمير عذا به، قال: هلم إلي بسيف فأعطاه سيفا فضرب عنقه، قال: فاجتمع لذلك نفر من الشراة فأتوا إلى امرأة منهم فقالوا لها: قاتل عروة دلينا على
__________
(1) تهانف: ضحك وتبسم.
(2) في نسخه كان لي عزاً (2/28)
صفحة 259
موضعه، فقالت: اقتلوه في بيتي وعلى أن آتيكم به فعمدوا إلى موضع في البيت فحفروا فيه حفرة. ثم القوا عليها شيئا ثم ذهبت إليه فعرضت عليه شيئا يشتريه أو اشترت منه شيئا، وأقبلت فأدخلته الدار عليها، فألقوه في الحفرة فردوا عليه الحجارة والتراب ثم غيبوه، وألحقه الله إلى النار وبئس المصير.
إذا كنت في مجلس فاحسن حمل رأسك
وقال أبو سفيان مر أبو بلال يوما بجماعة من قومه في ناديهم على فرس له، فوقف فسلم، فقال شاب منهم يا أبا بلال فرسك حروري، فقال أبو بلال: وددت والله أني أوطأته بطنك في سبيل الله، قال: فمضى أبو بلال وقد وقع في نفس الفتى قولة أبي بلال قال: فقال: لأصحابه أني مقتول، قالوا: لا تخف، قال: دعوني إني مقتول قال فمشت إليه جماعة منهم بالفتى فقالوا: يا أبا بلال زلة كانت، فاصفح عنها. قال: فعلت، ولكن يا فتى إذا كنت في مجلس فأحسن حمل رأسك.
خشية أبي بلال وخوفه من الله
وقال خرج أبو بلال مع صاحب له فبينما هو يسير في الطريق إذ مر بحدادين فنظر إليهم، فغشي عليه ولم يزل به الرجل يرش على وجهه الماء حتى أفاق، ثم سار فبينما هما يسيران استقبلتهما امرأة جسيمة بهية عليها من الكسوة والهيئه ما الله به عالم، فلما نظر إليها غشي عليه، ولم يزل يرش على وجهه الماء حتى أفاق ثم سار حتى استقبلهما رجل على برذون في نزهة وهيئة عجيبة وخلفه غلمان، فلما نظر إليه غشي عليه، فلم يزل يرش على وجهه الماء حتى أفاق فقال يا أبا بلال رحمك الله ما هذا؟ قال: أما المرة الأولى فقد علمت أنك عاينت النار فحدثني عنك حين رأيت المرأة والرجل فقال: أما المرأة (2/29)
صفحة 260
فإنى لما رأيت عظمها وحسنها وما هي فيه من الهيئة ذكرت تقلبها في النار فكان ما رأيت، وأما الرجل فإني كنت أراه كثيرا يشهد مجالس المسلمين فذكرت سوابق الشقاء. فنسأل الله العافية، وذكر أبو سفيان لما رفع أهل الشام المصاحف قال عروة -رحمه الله-:
ايحرم أهل الشام منا بشبهة وليس علينا قتلهم بمحرم؟
وقالوا كتاب الله يحكم بيننا فقلنا كتاب الله خير محكم
قبلناه منكم، والحوادث جمة رضينا به في حرمة المال والدم
فان تقبلوه فالهد»، في أكفنا، والا اجتلدنا بالصفيح المصمم
بضرب يزيل الهام عن مستقره وشيكا، وطعن بالوشيج المقوم
فلا شيء أدنى من شفاعة ربنا والا ففينا من بقية جرهم
عمران بن حطان
ومنهم عمران بن حطان الشاري -رحمه الله- ورضي عنه هو النهاية في الورع والصلاح واطراح الدنيا كل الاطراح لما خصه الله عز وجل من فنون العلم والنزاهة والحلم وشهامة الجنان، وفصاحة اللسان، إن خطب أبلغ وأطنب أو أوجز، وإن نظم سحر بيانه وأعجز، فمن ذلك ما حكى المبرد قال لما قتل أبو بلال -رحمه الله- قال عمران بن حطان: (2/30)
صفحة 261
لقد زاد الحياة الي بغضا
وحبا للخروج ابو بلال
احاذر ان اموت على فراشي
وأرجو الموت تحت ذرى العوالي
فمن يك همه الدنيا فاني
لها والله رب العرش قالي
وقال يرثيه في أبيات قد تقدمت. وأولها (يا عين أبكي لمرداس ومصرعه) وقالها أبو بلال قبل الخروج، وقد نسبت لغيره، قيل والصحيح إنها له، ذكرها ابن السيكت وغيره وهي قوله:
لقد زاد الحياة الى حبا
بنات انهن من الضعاف
احاذر ان يرين الفقر بعدي
وان يشربن رنقا بعـ د صاف
وان يعرين ان كسى الجواري
فتنبو العين عن كرم عجاف
ولولا ذاك قد سومت مهري
وفي الرحمان للضعفاء كاف
أبانا من لنا ان غبت عنا
وصار الحي بعدك في اختلاف
ومن هاهنا أخذ عمران قوله لقد زاد الحياة إلى بغضا قال المبرد كان عمران رأس العقد وخطيبهم وشاعرهم، قال وكان من حديثه أنه لما طرده الحجاج كان ينتقل في (2/31)
صفحة 262
القبائل فكان إذا نزل في حي انتسب نسبا يقرب منه وفي ذلك يقول:
نزلنا في بني سعد بن زيد
وفي عاد وعامر عوثان
وفي لخم وفي أدد ابن عمر
وفي بكر وحي بنى العدان
تنقل عمران في أحياء العرب مختفيًا
ثم خرج حتى نزل عند روح بن زنباع الخدامى وكان روح يقرى الأضياف وكان مسامرا لعبد الملك بن مروان أثيرا عنده، وانتمى له من الازد وفي غير هذا الحديث إن عبد الملك ذكره وقال ما أعطى أحد ما أعطي أبو زرعه أعطي فقه أهل الحجاز ودهاء أهل العراق، وطاعة أهل الشام قال وكان روح بن زنباع لا يسمع شعرا نادرا ولا حديثا غريبا عند عبد الملك، فيسأل عنه عمران إبن حطان إلا عرفه وزاد فيه، وذكر ذلك لعبد الملك بن مروان وقال أن لي جارا من الازد ما أسمع من أمير المؤمنين خبرا ولا شعرا إلا عرفه وزاد فيه، وقال: أخبرني ببغض أخباره فخبره وأنشده، فقال إن اللغة عدنانية وإني لأحسب ضيفك عمران بن حطان حتى تذاكر الليلة بيتين من الشعر، فلم يدر عبد الملك لمن هما فرجع روح فسأل عمران عنهما، فقال هما لعمران بن حطان فرجع روح إلى عبد الملك فأخبره فقال ضيفك عمران بن حطان اذهب فجئني به فرجع إليه فقال: أمير المؤمنين قد احب أن يراك، فقال عمران: قد أردت أن أسألك ذلك فاستحيت منك، فامض فإني بالأثر فرجع روح إلى عبد الملك فأخبره فقال عبد الملك: أما إنك سترجع فلا تجده فرجع وعمران قد ارتحل وخلف رقعة فيها: (2/32)
صفحة 263
يا روح كم من أخي مثوى نزلت به قد ظن ظنك من لخم وغسان
حتى اذا خفته فارقت منزله من بعد ما قيل عمران بن حطان
قد كنت جارك حولا لا تروعني فيه روائع من انس ومن جان
حتى أردت بي العظمى فادر کني ما ادرك الناس من خوف ابن مروان
فاعذر اخاك ابن زنباع فان له في النائبات خطوبا ذات ألوان
يوما يمان اذا لاقيت ذا يمن وان لقيت معديا فعدناني
لو كنت مستغفرا يوما لطاغية كنت المقدم في سري و اعلاني
لكن أبت لي آيات مطهرة عند الولاية في طه وعمران
ثم ارتحل حتى نزل بزفر بن الحارث الكلابي أحد بني عمرو بن كلاب فانتسب له أوزاعيا فكان عمران ممن يطيل الصلاة، وكان غلمان بني عمرو يضحكون منه فأتاه رجل يوما ممن رآه عند روح بن زنباع، فسلم عليه فدعاه زفر فقال: من هذا؟ قال رجل من الازد رأيته ضيفا لروح بن زنباع، فقال له زفر: ما هذا؟ أزديا مرة وأوزاعيا أخرى! أن كنت خائف أمناك وان كنت فقير جبرناك. فلما أمسى خلف في منزله رقعة – وهرب - فيها: (2/33)
صفحة 264
ان التي اصبحت يعني به زفر اعيت عياء على روح بن زنباع
ما زال يسألني حولا لأخبره والناس من بين مخدوع وخداع
حتى اذا انقطعت عنى مسائله كن السؤال ولم يولع باهلاعى
فاكفف لسانك عن لومي وأسئلتي ماذا تريد الى شيخ لأوزاعي
اما الصلاة فاني لست تارکها كل امرئ بالذي يعني به ساع
اکرم بروح بن زنباع واسرته قوم دعا أوليهم للعملا داع
جاورتهم سنة فيما أسر به عرضي صحيح ونومي غير تهجاع
فاعمل فانك منعي بواحدة حسب اللبيب بهذا الشيب من ناع
ثم ارتحل حتى أتى عمان فوجدهم يعظمون أمر أبي بلال ويظهرونه فاظهر أمره فيهم فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عمان فيه، فهرب عمران حتى أتى قوما من الازد فلم يزل فيهم حتى مات –رحمه الله-. وهو يقول:
نزلنا بقوم يجمع الله شملهم وليس لهم عود سوى المجد يعتصر (2/34)
صفحة 265
بحمد الله في خير منزل نسر بما فيه من الانس والخفر
من الازد ان الازد أكرم معشر يمانية طابوا اذا انتسب البشر
فاصبحت فيهم أمنا لا كمعشر اتوني فقالوا من ربيعة أو مضر
أم الحي قحطان، فتلكم سفاهة كما قاله روح، وصاحبه زفر
وما منهما الا يسر بنسب تقربني منه وان كان ذا نفـ
فنحن بنو الاسلام، والله واحد و أولى عباد الله بالله من شكر
ومر عمران بالفرزدق على باب بعض الملوك الطائيين ينشد شعرا يمدحه به فسمعه قد تجاوز النهاية في المدح وغلا غلوا عظيما فقال عمران:
ايها السائل العباد ليعطى ان لله ما بايدى العبـ
فاسأل الله ما رجوت لديهم وارج فضل المهيمن العواد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه وتسمى البخيل باسم الجواد
وذكر غير واحد من أهل التواريخ انه لما أوتي الحجاج بعمران بن حطان أسيرا قال يا حربي أضرب عنق ابن (2/35)
صفحة 266
الزانية، فقال له عمران: (بئس ما أدبك به أهلك يا حجاج: أبعد الموت منزلة أصانعك عليها؟ ما كان يؤمنك أن ألقاك بمثلها)؟! فاستحى الحجاج فأطلقه وذكر أن أصحابه اجتمعوا إليه فقالوا: إنما أطلقك الله لما رأى في رجوعك إلينا هلم إلى محاربة الحجاج فقال: هيهات غل يداً مطلقها، واسترق رقبة معتقها، والله لا أحاربه أبدا، فجعل ينتقل في الأحياء مختفيا كما تقدم.
جعفر بن السماك
ومنهم جعفر بن السماك -رحمه الله-. شيخ الصيانة والنزاهة، وركن الديانة والفقاهة (1)، المحافظ على طريق الصديقين والمطرح في حرمة الخالق حرمة المخلوقين الآتي بيت الصلاح من بابه، إلا فيما ليس باللائق باضرابه له الكعب العالي في أهل زمانه، والتقدم في فضله ومكانه.
وفوده مع جماعة على عمر بن عبد العزيز:
قال أبو سفيان وفد جعفر بن السماك العبدي وكان شيخ أبي عبيده وكان ما حفظ عنه أبو عبيدة أكثر مما حفظ عن جابر قال فخرج جعفر بن السماك، والخباب بن كليب، وسالم الهلالي في جماعة من اخوانهم إلى عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة، قال فدخلوا عليه فكلموه، فقال لهم: هل تنكرون من أمر الأحكام شيئا؟ قالوا: لا، قال: فكلما كلموه يفزع إلى الأحكام قال فبايعوه وذكروا أمر الولاة قبله فأخذ يعتذر عنهم، يريد أن ينصرفوا عنه قال فقال الخباب: فضربت على ركبته، وقلت: أو إنك لها هنا تذر الظلمة؟ وتفعل؟ فقال عمر: يا عبد الله أمسك عليك يدك فأني لو أمرت، قال: وكان جعفر
__________
(1) / مصدر فقه يفقه فقهاً وفقاهة كان الفقه سجية فيه. (2/36)
صفحة 267
ألطفهم به قال: فقال: ما فيكم أرفق من الأشج وكان جعفر مشجوجا في جبهته. قال: فأجابهم عبد الملك بن عمر وقبل ما دعوه إليه، قيل وسئل جعفر وأصحابه حين رجعوا من عند عمر عن عمر فقال: هو مثل الحسن يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وذكر أبو سفيان عن الحسن أنه كان يقول انهم وان قرنت بهم برأ دينهم فان ذل المعاصي في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه (1)
صحار العبدي
ومنهم صحار العبدى -رحمه الله-. ذو المآثر الأثيرة، ومن كان يدعو إلى الله على بصيرة، حمل فقها جزيلا، وكان باعه في العقائد طويلا، وكان أحد الزهاد، وأحد الزاهدين عن معتقد فاسدي الاعتقاد، قال أبو سفيان كان أبو عبيده يضعف أمر القدر، ويقول: والله ما فيه نكاح ذات بعل، ولا انتحار هجرة ولا حكم بغير ما انزل الله، إنما هو رأي أحدثه الناس فيما بينهم فمن أقر بأن الله علم الأشياء قبل أن تكون فقد أقر بالقدر قال أبو سفيان: وذلك أن صحار يقول: كلمهم في العلم فان أقروا به نقضوا أقوالهم وان أنكروه كفروا.
قريب بن مالك وزحاف
ومنهم قريب (و) زحاف ابنا مالك رحمهما الله كانا بالفضل بمكان، وبمن يعد الإمكان متبتلين للعبادة وكانت عنهما هفوة كفرتها الشهادة، حدث أبو سفيان قال لما ألح ابن زياد في أخذ الشراة أخذ جماعه منهم فمنهم العرب والموالى، قال فأمر الموالى بضرب
__________
(1) / يعني الحسن بهذا بني أمية. (2/37)
صفحة 268
أعناق العرب فأبوا وقالوا: لا نقتل أهل ولايتنا وأهل نعمتنا قال: وأمر العرب بضرب أعناق الموالي فضربوا أعناقهم، فلما فعلوا ذلك خلي سبيلهم، قال: فلما خرجوا من عنده قالوا: ما صنعنا! قتلنا إخواننا وأولياءنا قال: فأتوا إلى أوليائهم وقالوا: استقيدوا منا قالوا: تالله لانفعل عمدتم إلى أوليائكم فقتلتموهم وقد دعوا إلى مثل ما دعيتم إليه فأبوا ستلقونهم غدا عند الله. قال وكان فيهم قريب وزحاف وآخر يسمى كعبا وغيرهم، فندموا أشد الندامة قال وكان أحدهم إذا تيمم مجلسا من مجالس المسلمين يستأذن فلا يؤذن له ويخاطب بأقبح الخطاب، فيقف يبكى ما شاء الله ثم ينصرف، قال: فأما كعب فانه لم يذكر ذلك الموقف قط إلا صعق، قال: فخرج ذات مرة من البصرة إلى مكة مع أبي عبيده قال: وكان ذات ليلة في مضجعه إذ انتبه فتذكر فصعق ووقع عن الجمل فأتاه أبو عبيده فنزل إليه وجعل يرفع رأسه ويقول: إني لأرجو أن لا يعذب الله كعبا، فكان هذا ما سمع فيه من أبي عبيده، وأما قريب وزحاف فانهما لما أعياهم الأمر خرجا في سبيل الله فقاتلا حتى قتلا وكان فيما يزعمون يقول أحدهما كلما ضرب عضو منه اللهم عضو بعضو حتى قتلا، وحدث عن حاجب بن مسلم، عن جابر والأسود ابن قيس بن أبي وقاص " أو أبي فقعس" انهما كانا يلقيان ابن عباس في الموسم فجاء جابر وحده، فقال له ابن عباس: أين صاحبك؟ قال أخذه عبيد الله بن زياد قال ابن عباس: وانه لمنهم؟ فقال له جابر: نعم. أو ما أنت (2/38)
صفحة 269
منهم؟ قال اللهم لا، وذكروا أن " أشجع بن قرة" كان واليا عليهم بعد عبدالله بن حوش حتى قتلوا جميعا وقد كانوا هزموا عدوهم مرتين.
الناس يومئذ ثلاثة أصناف
حدثت أم نافع بن خليفة: أن الناس يومئذ على ثلاثة أصناف صنف جبابرة وأتباعهم وصنف فساق يشربون النبيذ ويضيعون الصلاة ويعملون بالفواحش وليس هنالك يومئذ صفرية ولا أزارقة ولا شكاك، وإنما الذي يسمون: القراء يدينون بقتال الجبابرة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع الفساق عما يصنعون، فلما رأى ذلك زياد جعل يتخذ الأدلاء عليهم، ويأخذهم فيقتلهم فلما رأوا ذلك منه خشوا أن يقتلهم على فرشهم، فحدثني من لا أتهم أن أول من خرج عليهم قريب وزحاف ابنا مالك وكان خال حصين بن عدي بن حاتم، فحدث حصين بن همام الكندي عن يسرة أبي يسار، وكانت فاضلة قالت: لقد قالا شاعرا بني ذهل يومئذ تعني قريبا وزحاف:
وقالوا لنا خلوا لنا عن طريقنا
فقلنا لهم لا و الحليم الكريم
الى أن تُجرى فيكم بسيوفنا
ونقطع في الهامات كل قويم
يجرون بالارسان من وسط دورنا
الى موقف للظالمين لئيم
الأحنف بن قيس
ومنهم الأحنف بن قيس تضرب به الأمثال في الحلم، وأكثر صفات الكمال فسل عن أنبائه من لقيت من (2/39)
صفحة 270
الركاب، أو فاطلع على ما أمكنك في هذا الفن من ديوان تجده المشار إليه في كرم الشمائل، والمعتمد عليه في كثير من الفضائل.
إياس بن معاوية
ومنهم إياس بن معاوية وتضرب به الأمثال في الذكاء وتحري الصواب في القضاء أو ما سمعت قول أبى تمام:
اقدام عمرو في سماحة حاتم في حل احنف، في ذكاء اياس
يتهرب من تولى القضاء تحرجا وورعا
ومن طريف ما يؤثر عنه ما حكى أبو الحسن على بن عبد الحسن التنوخي أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إلى والي البصرة أن يحضر إياس بن معاوية المدوني، والقاسم بن ربيعة الحوني، ولينظر أيهما أنفذ في الحكم يقلده إياه فلما وقف على الكتاب أحضرهما فقرأه عليهما قال إياس اسأل عني وعنه فقيهي المصر الحسن وابن سرين، واسمع مني ومنه، وقال: قل. فقال بالله الذي لا اله إلا هو- وحلف يمينا مستوفية جامعة لمعاني الحلف – إن إياس بن معاوية أصلح للحكم مني وأنفذ فيه فان كنت عندك صادق فقلده، وان كنت كاذبا فما يحل لك أن تقلد الحكم بين المسلمين من يبارز الله بمثل هذا اليمين كاذبا، فقال إياس: لا تسمع منه أيها الأمير فانك حيث جئت به إلى شفير جهنم فافتدى نفسه بيمين حلف بها كاذبا إن (2/40)
صفحة 271
يقع فيها يكفر عنها ويستغفر الله وينجو، فقال الأمير: أو ليس قد فطن بها؟ أنت لها يا ابن إياس، وقلده الحكم بين الناس ولكل من سميناه في طبقتهم مآثر، قد عمر بها صدور الرجال وسطور الدفاتر، ولكلهم في أعلى الدرجات منابر وان غيبت أشخاصهم المقابر. (2/41)
صفحة 272
الطبقة الثالثة 100 - 150 هـ: 1 - أبو عبيدة مسلم
منهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة -رحمه الله- كبير تلامذة جابر وممن حسنت أخباره والمخابر، تعلم العلوم وعلمها، ورتب الأحاديث وأحكمها، وحافظ في خفية على الدين حتى ظهر على يد الخمسة الميامين، حسب ما تقدم من ذكر دراستهم وحملهم العلوم وما شفى الله به وبهم من الكلوم، وكان عالما مع الزهد في الدنيا والتواضع مع نيل الدرجات العليا، والاعتراف بضيق الباع على ما عليه من الاتساع.
فمن ذلك ما حدث أبو سفيان قال: كان أبو عبيدة يضعف أمر الشفعة يقول لا تحبس على اليتيم حتى يكبر ولا على غائب، قال: فابتلى بها رجل من أصحابه فجاءه يسأله فقال اذهب إلى أشياخ البصرة فاسأل هل فيها لجابر أثر فجاء إلى منزل المحصر (1)، فأخبر أن جابر كان يراها ويوجبها فأمرهم أن يأخذوا بمقول جابر.
__________
(1) / كذا في النسخ. (2/42)
صفحة 273
أبو عبيده لا يشك فيه
قال أبو سفيان شهد رجلان على شهادة أبي عبيدة عند قاضي البصرة قال: فقال المشهود عليه: أصلحك الله إن الذين شهدا إنما شهدا عندك على شهادة فلان، قال: ويحك إني به عارف ولو جاز في أن أحكم برجل واحد لحكمت بشهادته.
أبو عبيده يتسم بالتشدد
قال وكان رجل من المسلمين يقال له حيان بن سالم من أهل عمان من طي، وكان فاضلا وكان يقول لأبي عبيدة إذا جاوزت نهر البصرة فأنا أفقه منك، ولو كنت أنت نبيا ما أجابك أحد لما ترى من تشديد على الناس فضحك أبو عبيدة من قوله وقال يالها موتة كموتة حيان (1) وحكى المليح قال: دخلت أنا وعبد الملك الطويل على أبي عبيدة وقلنا: يا أبا عبيدة ما تقول في رجل دخل على امرأة فادخل يده من تحت ثيابها فنهضت المرأة فأنكرت ذلك إنكار الحرة أله أن يتزوجها؟ قال: لا قال: فبينما نحن عنده إذ دخل أبو نوح صالح الدهان فقلنا من يسأله قال الفضل بن جندب أنا أسأله قال فسأله الفضل، فقال: نعم له أن يتزوجها ويعطيها ماله إن شاء، فقال له أبو عبيدة إنها الفروج يا أبا نوح قال: صدقت، ثم قال أبو نوح: يا معشر الفتيان، ألم أنهكم أو قال إني أنهاكم أن تسألوني إذا كان أبو عبيدة حاضرا.
حد الغبن في البيع كما يراه أبو عبيده
وقال خرج أبو عبيدة ذات مرة إلى مكة ومعه سابق العطار، وكان سابق من خيار من أدركت قال فبينما هم نازلون في بعض المنازل إذ وقفت عليهم إعرابية معها لبن وسمن وجدي. فاشترى منها سابق اللبن والسمن والجدي
__________
(1) / لعله يعني أنه أحياناً كانت تنقصه حرارة القلب والإندفاع إلى التمسك الشديد بالشرع فشبه ذلك بالموت فقال قولته. (2/43)
صفحة 274
بقارورة خلوف وقلادة قال ثم جاء باللبن إلى أبي عبيدة قال، فقال: أخر عنا لبنك يا سابق قال لم يا أبا عبيدة؟ قال ويحك يا سابق كم ثمن القلادة؟ قال دانق أو نحوه قال فكم ثمن القارورة؟ قال دانق أو نحوه قال ويحك يا سابق إنما الغبن أن تكون العشرة باثنين أو العشرة بالخمسة أو الدرهم بالدرهم، وأما مثل هذا فلا. فأرسل سابق إلى الأعرابية فجاءت، فقال لها أبو عبيدة: كم ثمن اللبن عندكم؟ فقالت: لا ثمن له عندنا، قال: وبكم ثمن السمن؟ قالت: درهمان، قال بكم ثمن الجدي؟ قالت: درهمان قال: فأخرج سابق أربعة دراهم فدفعها إليها، فقال أبو عبيدة: هلم لبنك إلينا يا سابق.
وقال كان أصحابنا من أكثر الناس حجا وكان لغير وأحد نجائب يحمل عليها إلى مكة، قال وكان جد سلامة يدعى بأبي سالم، وكان من خيار المسلمين وفضلائهم وكان فيمن حبسه الحجاج مع أبي عبيدة وضمام في السجن وقال: كان أبو سالم يذكر ذلك، قال: قرمنا إلى اللحم، قال وكان رجل يدخل علينا فسألناه أن يشتري لنا دجاجة ويشويها لنا، ويأتينا بأربعة أرغفة قال: وكان أبو سالم موسرا كثير المال قال: فقال للرجل: صانع فيها حتى توصله إلينا، قال فصانع صاحب الحبس، فأرسلها إليه قال: فلما جاءنا بها قسمناها على أربعة أجزاء، قال فإذا نحن بجلبة نحو البيت الذي نحن فيه قال: فخفنا أن يكون فطن بنا، فرمينا بالدجاجة والأرغفة في الكنيف، قال: ولم يكن فطن بنا، قال وكان طرحنا إياها في الكنيف بعدما عايناها أشد من قرمنا اللحم ولما آمنوا استدركوا خطاياهم. (2/44)
صفحة 275
قال وجاء رجل من المسلمين إلى أبي عبيدة فقال: يا أبا عبيدة إنهم يتعرضون لنا في المجالس قال أبو عبيدة: هل سموا أحدا؟ قال: لا، قال فمن يعلم ما تقول؟ فأشار إلى شيخ يقال له أبو محفوظ وكان من خيار من أدركته، قال: فما تقول يا أبا محفوظ؟ قال: صدق، فهل سموا أحدا؟ قال: لا، قال أبو عبيدة وإن القرآن يتعرض للناس فمن عرف من نفسه شيئا فأبعد الله من أبعده.
حجة أبي عبيدة في القدر ورأيه فيه
اجتمع ابن الشيخ البصري وأبو عبيدة بمنى، فقال ابن الشيخ له: يا أبا عبيدة هل جبر الله أحدا على طاعته أو معصيته؟ قال: ما اعلم أن الله خير العباد على طاعته أو معصيته؟ ولو كنت قائلا أن الله جبر أحدا لقلت جبر أهل التقوى عل التقوى لعظم تخويفه لهم وشدة ترغيبهم به إياه، قال: يا أبا عبيدة، فالعلم (1) هو الذي قاد العباد إلى ما عملوا؟ قال: لا، ولكن سولت لهم أنفسهم وزين لهم الشيطان أعمالهم وكان منهم ما علم الله، وقال كان حمزة الكوفي يقول بشيء من القدر فهجره أبو عبيدة وأمر بهجرانه فقال يوما: عجبا بأبي عبيدة يأمر بهجراني وهؤلاء الفتيان يقول: أراد وشاء، وأحب ورضي وهو يدنيهم ولا يقول بمثل قولهم! قال فبلغ قوله أبا عبيدة فقال قبح الله رأيه إن هؤلاء أرادوا إثبات القدر فقالوا فيه وحمزة يريد إزالته وليس مثبته كمزيله.
وقال: قيل لأبي عبيدة لا يستطيع الكافر الإيمان فقال: لا أقول أن من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم لا يستطيع أن يصلى ركعتين ولا أقول انه يستطيع ذلك إلا أن يوفقه الله تعالى.
__________
(1) / يعني علم الله بالقدر وما سبق في الأزل (2/45)
صفحة 276
اختلاف أبي عبيدة مع بعض أصحابه في الرأي أحياناً
وقال: دخل سهل بن صالح وعبد الله بن زريق الهداوي وجماعة من الفتيان على أبي عبيدة فقالوا يا أبا عبيدة ما تقول في غربة من الأرض (وفيها رجل) على دين عيسى عليه السلام ولم تأته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: مسلم ما لم تأته الحجة فيدفعها قال: فقالوا له: فما ترى إن هو دعا رجلا من المجوس إلى دينه فأجاب؟ قال: هو مسلم، فقالوا له: انظر في هذا، قال: فما تقولون أنتم؟ قالوا نقول: الرجل مسلم والمستجيب كافر، قال: فقال لهم: الشيخ ألستم تزعمون أن الرجل مسلم على دين الله وطاعته؟ قالوا: بلى، قال فكيف يكون ويحكم الداعي إلى دين الله وطاعته مسلم ويكون المستجيب لدين الله وطاعته كافر!! قال فرادوه الكلام، قال: فغضب عليهم وبرئ منهم فقال: أخرجوا عني فخرجوا عنه منكسرين، فأتوا حاجبا فقالوا له: أغثنا فانه عجل علينا بالبراءة إنما أردنا أن نستفهمه، قال: فركب إليه حاجب فأعلمه انهم تائبون، قال: فقال له: أخرجهم فليأتوا الربيع وعبد السلام بن عبد القدوس فليعلموهما بتوبتهم قال: ففعلوا، قال الربيع: فأتوني وأنا لا أعرف قصتهم فتابوا فأتينا أبا عبيدة فأعلمناه، قال: فقبل منهم وأمر بهم فدخلوا المجالس.
فتيا أبي عبيدة في ضمان المكترى
وقال وائل كنا بمنى في خباء أبي عبيدة، وحاجب حاضر، ومحمد بن سلامة المدني ومحمد بن خليفة المدني، وكان محمد بن حبيب من العباد الأخيار، قال: ولم ير أبا عبيدة قام يسلم عل أحد إلا على محمد بن سلامة، ومحمد بن حبيب فانه إذا رآهما قام إليهما واعتنقهما، قال وائل: وفي الخباء مشائخ من أهل حضرموت (2/46)
صفحة 277
فقهاء علماء، قال: فسألتهم عن رجل اكترى دابة إلى موضع معلوم، فجاوز الموضع، فعطبت الدابة، قال: فأجمعوا كلهم أنه ضامن للدابة، قال: فقلت له: فما ترون في الكراء؟ قالوا لا نرى عليه كراء، إنما ضمناه الدابة، قال وكان أبو عبيدة غائبا أو نائما فاستيقظ فقال حاجب يا حضرمي اسأل الشيخ عن مسألتك، قال فسألته، قال: يضمن ثمن الدابة والكراء، قال فقال له محمد بن سلامة من أين يا أبا عبيدة؟ قال: من حيث لا تعلم.
وقال أبو سفيان جاء رجل من الازد يقال له النظر أبو محمد إلى أبي عبيدة يسأله عن مسألة، فوجده في شكاةٍ فأجابه بجواب ثم يقال اذهب إلى الربيع فائت به قال: فجاء الربيع ودخل الربيع ودخل على أبي عبيدة وهو مستلق وعلى صدرة صحفة فيها فتات خبز يأكل منه، قال: فقال: أسأل الربيع عن مسألتك، قال فسألته فأجاب بغير جواب أبي عبيدة، قال: فقال: له أبو عبيدة أليس المقوم فيها كذا وكذا يعني الجواب الذي أجاب به الرجل أو لا، فقال له الربيع: أم الذي حفظت عنك فغير هذا، قال: أوقد حفظت عني؟ قال نعم، قال فقال للرجل فخذ به فانه قد حفظ عنى قال أبو سفيان كأن الشيخ أحس من نفسه لأجل تشاكيه أنه وهم فيها.
أمره بهجران حمزة الكوفي لرأيه في القدر
وقال أبو سفيان جاء حمزة الكوفي إلى أبي عبيدة في منزله، فقال من جاء بك إلي؟ فقال: وإلى من أذهب يا أبا عبيدة! أني أريد أن أذكرك بعض هذا الأمر، قال فعليك بمنزل حاجب قال: وما أصنع به ولست حاضرا؟ قال فإني آتيك هناك، قال فخرجا حتى أتيا منزل حاجب قال فدخلا (2/47)
صفحة 278
البيت فتكلما كلاما كثيرا، فكان آخر ما سمع من أبي عبيدة أن قال: يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان، قال: فخرج أبو عبيدة ثم كلمه حاجب قال: فكان هيبته من حاجب أعظم من هيبته من أبي عبيدة، قال: فقال حمزة: إنما أخذت هذا الكلام من عند المسلمين قال: فقال له حاجب: لم تدرك أحدا إلا وقد أدركته ولقيته إلا جابرا، فمن من أخذت هذا القول؟ قال: منك أخذته قال: فقال: فإني أرجع عنه، فارجع عنه كما رجعت قال: فقال: أرفق بي يا أبا مودود واقبل مني ما أقول لك. قال: هات قال أقول: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء: من الآية 79) فالحسنات من الله والسيئات من العباد وأقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة:286)
قال: فقال له حاجب: أما من غيرك فمقبول منه هذه الجملة وأما منك فأنا اعر ف مذهبك فيه أولا، قال: فخرج حمزة من عنده قال فسئل عنه حاجب، فقال: ارفقوا بحمزة، ولا تقولوا فيه إلا خيرا، قال: فمكث بذلك ما شاء الله ثم بلغهم انه مشى إلى النساء فكلمهن في ذلك وإلى الضعفاء، قال: فلما بلغ ذلك أبو عبيدة وحاجبا أمر أبو عبيدة حاجبا أن يجمع له الناس فمشى إليهم وأعلمهم ووعدهم فاجتمعوا ولا يعلمون ما يريد أبو عبيدة وحاجب، قال: فتكلم المتكلمون وحاجب ساكت لا يتكلم، قال: فلما فرغوا تكلم حاجب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن حمزة وعطية والحارث أحدثوا علينا أحداثا فمن آواهم أو جالسهم فهو عندنا الخائن المتهم، قال: فتفرق الناس وطردوهم من المجالس ولم يقربهم أحد. (2/48)
صفحة 279
بعض ما يؤثر عن أبي عبيدة
قال أبو سفيان قال المعتمر بن عمارة قلت لأبي عبيدة انك أحب إلي من أبي، قال: فذلك ينبغي لك يا معتمر أن تكون لأنك بذلك بذلت لي ما تبذل له، يعني الولاية، وقال خبرني بعض بني يسر، قال: قدم إلينا أبو عبيده مرة حاجا ومعه امرأة من المهلبيات، قال: وهي جدة (سعيدة) أو عمتها قال فلما فرغوا من حجهم قالت: يا أبا عبيدة إني أريد المقام بمكة، قال: لا تقيمي، الخروج أفضل لك قال ابن مسروق، فقلت: وأنا أخرج معكم يا أبا عبيدة قال فقال: أما أنت فأقم، قال: فقلت: تأمر هذه بالخروج معك وتأمرني بالقيام؟ قال: لأنك أنت قريب من مكة ونحن بعيد منها قال ومسكنهم إذ ذاك بزرة (1) قال أبو سفيان يعني بقوله أنتم قريب منها يعني الطواف وبعيد من شر أهلها كأنه يكثر المقام بها للتجارة.
أبو عبيدة يوصي الربيع لينوب عنه في الموسم
وقال لما بعث أبو عبيدة الربيع للناس أيام مرضه، قال له الربيع: يا أبا عبيدة قد كنت تحضر أنت وحاجب وحافظ الوائلى فما تكاد ولا تقومون لما يرد عليكم فكيف بي؟ فقال له أبو عبيدة: يا ربيع إنه ليس بيني وبين الناس سوط ولا سيف، من جاءك موافق لك يقول بقولك فبها ونعمت ومن أتاك مخالفا عليك فأبعد الله من أبعده وقل بما تعرف ودع الناس لما هم فيه وقال جاء المختار ابن عوف إلى منزلنا فخرج إليه أخ لي صغير كان أكثر من "مجبر" فأخذه وقبله، فقال له الصبي: يا عم زوجني ابنتك، قال: قد فعلت يا بني وابنته يومئذ صغيرة، فلما خرج أبو حمزة وقع في قلبه مما قال الفتى شيء فمضى حتى دخل على أبي عبيدة فقص عليه القصة فقال: يا أبا
__________
(1) اسم قرية وفي نسخ برزه / (2/49)
صفحة 280
حمزة هما على نكاحهما حتى يبلغا فيعلمان الخبر، فان رضيا كان نكاحهما جائزا، وإن كرها فلا شيء، قال أبو حمزة: يا أبا عبيدة فكيف القول في الصداق، قال: ما قال الغلام، قال وكان أبو حمزة قد قال للغلام يا بني فما تعطيها؟ قال: من سرير جدي إلى الباب دراهم، قال أبو عبيدة: فهو كما قال، إن قال درهم إلى درهم إلى الباب وإن قال مرة واحدة أو هكذا لك، فالقول ما قال قلت: وهذا كله فيه نظر غير أن أبا عبيدة لا يترك القوم سدى.
أبو عبيدة يفحم واصل بن عطاء
وحكى بعض أصحابنا أن واصل بن عطاء المعتزلي صاحب عمرو بن عبيد كان يتمنى لقاء أبي عبيدة، ويقول: لو قطعته قطعت الإباضية، قال: فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه، إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه، فقيل لواصل هذا أبو عبيدة في الطواف قال: فقام إليه واصل فلقيه، وقال: أنت أبو عبيدة؟ قال: نعم، قال: أنت الذي بلغني أنك تقول إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: ما هكذا قلت، لكن قلت أن الله يعذب على المقدور، فقال أبو عبيدة: وأنت واصل بن عطاء؟ قال: نعم، قال: أنت الذي بلغني عنك أنك تقول أن الله يعصى بالاستكراه، قال: فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء. ومضى أبو عبيدة وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه يقولون كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة، فسألته فخرج وسألك فلم تجب! فقال واصل: ويحكم بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم، فلم أقعد ولم أبرح مكاني.
... ضمام بن السائب
ومنهم ضمام بن السائب- -رحمه الله- - كهف اليتامى والأرامل، المفزوع إليه في النوازل، فطال ما أوصى عليه (2/50)
صفحة 281
أبو عبيدة قي الفتاوى والمعضلات، فانكشفت بأجوبته ظلم المشكلات، وكان ذا رفق وتلطف واجتهاد وتقشف حكى أبو سفيان قال: اشتكى ضمام بن السائب شكاة، فدخل عليه الربيع يعوده، فوجد رجلا من المسلمين يسمى " عمران" وهو يقول يا أبا عبدالله إن في نفسي لشيئا وإني لأضيق عنه، أن يكون الله أمر العباد بأمر ثم يحول بينهم وبينه! قال: فقال له الربيع: يا عمران أخبرني هل توفيق الله وتسديده وإحسانه ومنه وفضله على أبي بكر وعمر كتوفيق الله وتسديده وإحسانه ومنه وفضله على أبي جهل؟ قال: لا والله، قال: فقال ضمام: اشدد يدك يا ربيع يعني قم بالحجة عليه، قال: ثم قال ضمام: ما هو إلا ما ترى.
تفنن الحجاج في تعذيب المساجين
وقال بلغنا عن ضمام حين سجنه الحجاج هو وأبو عبيدة قال أدخلنا في سجن قال فلم يكن يوصل إلينا، ولا يدخل علينا حديدة ولا جلم، قال: وإنما كنا نقص شواربنا بأسناننا، وإن كان الرجل منا لينفض لحيته فيتساقط منها القمل، قال: وإنما كان يطعمنا خبز الشعير والملح الجرش، قال: ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ثم يؤتى بملح فيلقى في تلك المراكن ثم يضرب حتى تخرج رغوته ثم يقال: يا أهل السجن خذوا ماءكم، قال: فمن أخذ من أوله كان أمثل قليل، ا وأما من أخذ من أسفله فهو العذاب، قال: فكان ضمام ربما ضاق فيقول له أبو عبيدة ويلك ما هناك على من تضيق وعلى من تدل؟ قال فلم يخرجوا من سجنه حتى مات الفاسق.
قال: وعمد إلى ثلاثة رجال من رؤساء الخوارج فبنى عليهم بيتا من قصب وطلى داخلة وخارجه بالعذرة ثم (2/51)
صفحة 282
أدخلهم فيه، فقاموا ثلاثة أيام فماتوا، ثم وقع الموت في أهل السجن فبلغ ذلك الحجاج فأرسل إلى طبيب له مجوسي فقال له: ويحك إن أهل السجن وقع فيهم الموت وإني لأحب تعذيبهم. قال اجعل طعامهم الزيت والكراث، قال أبو سفيان قال ضمام: لما جاءنا بالزيت والكراث قوينا عليه وسمنا، قال: فيقال للمجوسي ويحك ماذا أردت بهذا لو تركتهم فماتوا لكان أروح لهم، قال: وأي راحة لهم في الموت؟ ولعل هذا أن يموت فيخرجوا، ومن مات فلا مطمع فيه.
وكان رجل من أهل خراسان من المسلمين وكان بمنزلة عظيمة بأبي عبيدة وضمام والمشائخ، وله قدر في أهل بلده، أتاه يوما ضمام فذكر رجلا من المسلمين فتنقصه، فقال ضمام: مه، لا تفعل فعاد فنهره، قال: فقال: تبرأ الله منه قال بل يتبرأ منك، قال: فقال: أتبرأ مني يا ضمام؟ قال أنت أحللت لي ما ترى، وألجأتني إليه، أترى أنك تتبرأ من رجل نتولاه فأتولاك؟ بئس ما ظننت، قال: فإني أستغفر الله وأتوب إليه، قال: غفر الله لك.
... حاجب الطائي
ومنهم أبو مودود حاجب الطائي -رحمه الله- كان بالاجتهاد موصوفا وبالزهد والورع معروفا، وفي ماله حق للسائل والمحروم، على أنه ليس بالأعلى في تحصيل العلوم بيد أنه في الأفاضل معدود، ورسمه في أكثر آثارهم موجود.
حكى أبو سفيان قال: قال المليح: بلغنا ذات ليلة أن في منزل حاجب مجلسا للذكر قال أبو سفيان: وكان المشائخ (2/52)
صفحة 283
لا يحضرون معهم بالليل الفتيان، قال المليح: فقلت لرجل من أهل عمان: انطلق بنا إلى منزل حاجب فلعلهم يأذنون لنا قال فسرنا حتى جئنا المنزل، فأذن لنا، فوجدنا عنده المختار بن عوف ورجلين أو ثلاثة من المشائخ، قال: فقال لي حاجب: يا مليح اذهب أنت وهذا العماني إلى بلج بن عقبة فأخبراه بمكاننا وقولا له يأتينا، قال: فسرنا إليه فأعلمناه، فجاء، قال المليح: فصلينا العتمة ثم أخذنا في المذاكرة، قال ربما قام أحدهم قائما فيتكلم ما شاء الله ثم يجلس، فيقوم الآخر كذلك حتى أضاء الصبح، قال المليح: فما رأيت أحدا بعد تلك الليلة، ولا رأيت قبلها متكلما قائما في مجلس، قال: وكان شعيب بن عمر من أفاضل الفتيان يومئذ، وكانت أخته تحت حاجب قال فجاءه تلك الليلة فأخبر به حاجب، فقال: ردوه، قالوا له: يا أبا مودود سبحان الله جاء من السماح في هذه الساعة وترده! فقال: ردوه، فردوه، قال: وكان بين منزله ومنزل حاجب نحو ثلاثة أميال، قال: وبلغ حاجبا أن في منزل عبد الملك الطويل مجلسا بالليل تكثر فيه الجماعة ويكون لهم كلام يسمعه الجيران، قال فبعث إليهم وقال: يا عبد الملك ارفع عن نفسك ما هذا الذي بلغنا أنكم تفعلونه؟ قال: إنا لنفعل، فإن أمرتنا بتركه تركناه، قال: فانكب طويلا، ثم قال: والله لأن تكونوا تخافون فتعمرون خيرا من أن لا تخافوا وتخربون، اعمروا مجالسكم فان الله يحفظكم، قال: فما بلغنا أنه ظفر بهم في مجلس قط، إلا أنهم كانوا ذات مرة في عهد زياد أو ابنه أتاهم الخبر بان الخيل تريدهم، قال: فخرجوا مسرعين، وتركوا نعالهم على باب البيت الذي كانوا فيه قال فجاء الشرط فنظروا إلى (2/53)
صفحة 284
النعال، فقالوا للعجوز صاحبة البيت: ما هذه النعال؟ قالت مكاتب لنا يسأل الناس فيعطى النعال وغيرها، قالوا: تالله ما ذلك كما ذكرته وإن بهذا الموضع ريبة، قال: فقال:
بعضهم ويحكم قد ذكرت العجوز ما ذكرت فلا تعرضوها للبلاء، فلعلها أن تكون صادقة، قال: فعافاها الله منهم، قال: ولقد بلغني أنهم كانوا يأتون المجالس أيام زياد وابنه في هيئة النساء في النقاب، وغير ذلك يتشبهون بالنساء، قال: وان كان أحدهم ليحمل على ظهره جرة بماء، أو يحمل جملة متاع كأنه بياع حتى يدخل المجالس لا يدعونها لشيء.
إخوانه يتحملون عنه دينه بعد موته
قال أبو سفيان مات حاجب وعليه دين مائتان وخمسون ألفا أو أكثر، قال: فدخل قرة بن عمر وجماعة من المسلمين ليغسلوه، قال: فقال لهم قرة: يا قوم ما تقولون في دين هذا الرجل؟ قال: فابتدر ثلاثة رجال وقرة رابعهم وضمنوا دينه، قال: ودخل الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين وكان موسرا فاخبره، قال: فقال لهم الفضل: دينه علي دونكم حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال، فقالوا له: شأنك، فمات الفضل قبل أن يؤدي عن حاجب، وأوصى إلى أبي عبيده عبدالله ابن القاسم، وإلى امرأته أم الصلت وإلى حبيب بن سابور والى أبي سنان البناني، وكان الفضل لا يولد له ولد، ولم يدع وارثا وكان مولى للأزد فلم يقبل حبيب بن سابور ولا أبو سنان الوصية، قال: ومات أبو عبيدة ورد الوصية إلى أم الصلت، وقال: فباعت داره بالبصرة وداره بعمان حتى أوفت ما كان ضمن الفضل من دين حاجب -رحمه الله-. (2/54)
صفحة 285
إنما الفقيه من يذكر للناس ما يسعهم لا الذي يضيق عليهم
وكان للفضل بن جندب على رجل مال فوقع ماله عند قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن بن أخي أبى الحر، قال: فأردنا أن يثبت عنده أن أم الصلت وصي زوجها الفضل ابن جندب فلم يشهد شهودا إلا شهودا يشهدون انه أوصى إليها، وإلى أبي عبيدة، وإلى حبيب بن سابور، وإلى أبي سنان البناني، قال وكان حبيب وأبي سنان لم يقبلا الوصية، قال: فلما لم يقبلا الوصية خفنا أن يدخل القاضي من عنده رجلين في الوصية مكان هذين اللذين لم يقبلاها فيفسد علينا الأمر، قال: فجئنا إلى الربيع بن حبيب فسألناه هل يجوز للشهود أن يشهدوا أن الفضل أوصى إلى امرأته أم الصلت ولا يذكرون أبا عبيدة ولا صاحبيه؟ قال: نعم إنها لوصي زوجها، ولا عليهم إن لم يذكروا غيرها، إلا إن سئلوا فلا بد لهم حينئذ أن يأتوا بالشهادة كما استشهدوا، وان لم يسألوا فلا بأس عليهم، وإن لم يسموا غيرها، قال: أما عبد الله بن القاسم فضاق من ذلك وقال لا يجوز أن يشهدوا إلا كما استشهدوا قال: وقال وائل: إنما الفقيه الذي يعلم للناس ما يتسع الناس فيه مما سئل عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط.
الخروج على الظلمة لا يجب إلا على من تطوع له
وحكى أبو سفيان عن وائل قال: قد قدم حاجب مكة في العام الذي وقع فيه بين أهل حضرموت ما وقع في أمر عبدالله بن سعيد، قال: وكانوا قد أنكروا عليه أشياء حتى شدوه في الحديد، وبايعوا رجلا يقال له حسن، قال: وخالفتهم طائفة يكرهون ما فعل بعبد الله بن سعيد، إلا أن ذلك موافقة من جماعتهم قال فبعث هؤلاء رجالا وبعث هؤلاء رجالا، قال وائل: وكنت فيمن خرج يومئذ قال: فوافقنا حاجبا تلك السنة قد قدم، قال: فدخلنا عليه (2/55)
صفحة 286
وهو أرمد، قال: فقال: لقد خرجت من البصرة فما أبصر سهلا ولا جبلا ولا أخرجني بعد ما أرجو من قضاء نسكي إلا أمركم يا أهل حضرموت فإنكم قد غلبتمونا، قال وائل: فقلت رحمك الله يا أبا مودود لا تفعل فإنا لا نخرج عن رأيك، قال: فقال لي: اسكت فوالله ما أريدك ولا أصحابك، قال: ثم تكلم الفريقان، قال: فقال الذين أنكروا علي عبدالله بن سعيد وبايعوا " حسنا" على الشراء: يا أبا مودود من أحق بالقيام المدافع أم الشاري؟ قال بل الشاري أحق، قال: فقال أصحاب ابن سعيد: يا أبا مودود أما إذا شروا فليخرجوا عنا فإنا لا طاقة لنا بالحرب، ولا بما يجرون علينا منها، قال: فقال: صدقوا أخرجوا عنهم، قال: فقالوا: يؤجلوننا شهرا، قال: فقال لهم حاجب: لا والله ولا ثلاثة أيام إلا برضاهم، قال أبو سفيان: وكان حاجب هو القائم بأمور المسلمين في مثل هذه الأشياء من أمر الدين والفتاوى.
يتأخر عن رفقته ليشهد الجمعة
وقال: حبس حاجب ذات سنة فلم يخرج حتى بقى للموسم ثمانية أيام، فأراد الخروج هو وجماعة معه، قال: وكانوا على نجائب لهم ووافق خروجهم يوم الجمعة فأتاه أصحابه فقالوا له: أخرج بنا يا أبا مودود، قال: في نفسي من الجمعة لشيء قالوا: سبحان الله! إنما بقي للموسم ما تعلم، قال: أخرجوا أنتم وأنا ألحقكم، قال: فخرج القوم وتخلف حاجب حتى صلى الجمعة ثم ركب فلحقهم على مسيرة ليلتين من البصرة، قال: وكان حاجب يقول لعبد الملك الطويل فيما يؤدبه فيه: " يا عبد الملك إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون أشياء تكون بينه وبين الله فتشاوروا في أمره وعظوه، وأحضروه مجالسكم، وارفقوا به جهدكم (2/56)
صفحة 287
عسى الله أن يتوب عليه، وإذا كان أحد يعيب عليه المسلمون في خلافهم في الدين، وارادته أن يشغب عليهم ويفتق بينهم فتقا، فأبدوا عورته واهجروه ولا تحضروه مجالسكم واعلموا الناس به ليكونوا منه على حذر أو يتوب"
أبو عبيدة عبدالله بن القاسم
ومنهم أبو عبيدة عبدالله بن القاسم -رحمه الله- أحد فضلاء من أقام بالأمصار، وفقهاء تلك الأعصار، والمستعين على إقامة الدين من أولئك الأنصار، لا مقصر إن بدا من أحد الاقصار، وكان ممن طبع على القصد والاقتصار، قال أبو سفيان: أقام عبدلله بن القاسم بمكة زمانا وليست له امرأة، قال: فقال له أصحابه: يا أبا عبيدة لو تزوجت؟ قال: ما أريد ذلك، قال: فلم يزالوا به حتى فعل، قال: وكانت امرأة من المسلمين موسرة كثيرة المال، فقالوا له: تزوجها فإنها تكفيك لا تكلفك مؤونة، قال: أما إذا أبيتم إلا ذلك فابلغوا مهرها مهر جيلها (1) ولا تنقصوها شيئا، قال: ففعلوا قال: فتزوجها فلما دخلت عليه طابت له نفسها على الصداق كله وتركته له، قال: وكان يأتي منزل بن جندب ومعه قرصان من خبز وملح، قال: وكان الفضل يطيب الطعام ويكثره، قال: فيقول: سبحان الله يا أبا عبيدة تفعل بي مثل هذا، قال: دعني منك وإلا لم أدخل عليك منزلا، قال: فتركه ولم يلح عليه بعد.
يترك نصيبه في الربح من المال المراب
قال أبو سفيان وكان أبو عبيدة عبدالله بن القاسم تاجرا خرج إلى الصين ثم رجع فكان في بعض ما يتجر به
__________
(1) / يعني من هن في مكانتها (2/57)
صفحة 288
اشترى قوم عودا، قال: فسألهم أن يشتركوه، ففعلوا قال: فأقبلوا يعيبون العود عند صاحبه حتى استنقصوه عما كانوا قد اشتروا به، فظن أبو عبيدة أنهم صادقون فيما قالوا، قال: فلما خرجوا من عنده وكانوا نقدوا الثمن ونقد أبو عبيدة معهم عشرين دينارا، فأقبلوا يمدحون العود، ويقولون ما رأينا مثله، قال: فقال لهم أبو عبيدة: سبحان الله! تعيبون عود الرجل بلا عيب فيه، ردوا علي رأس مالي ولا حاجة لي في مشاركتكم، قال: فاغتنموا منه فردوا عليه ماله.
يدعو عليه بكثرة المال لأنه يراه شرا
وقال غضب عبدالله بن القاسم بن سابور في أمر وصية الفضل بن جندب وكان سلفا للفضل، قال: فقال أبو عبيدة: لأدعون الله عليك، ثم قال: اللهم أدخل بيته قناطر الذهب والفضة، قال: فقال: يا أبا عبيدة إنك إنما دعوت له! قال: لا والله، ولكني دعوت عليه وأي شر أشد عليه من أن يدخل بيته قناطر الذهب والفضة؟
وقال سمعت وائل يقول: لما مات أبو جعفر أخذ الناس في البيعة وأخذ عليهم أبواب المسجد الحرام، قال: وكان عبد الله بن القاسم والفضل بن جندب وعلي الحضرمي ووائل في المسجد فلطف الله بهم فنجوا وخرجوا من المسجد، قال وائل: فقلت يا أبا عبيدة لو أخذت ما تراك صانعا؟ قال تذهب والله نفسي دون أن أعطيهم هذه البيعة.
... أبو نوح صالح الدهان
ومنهم أبو نوح صالح الدهان -رحمه الله- شيخ التحقيق وأستاذ أهل الطريق، وناهج طرق الصالحين، وناقض (2/58)
صفحة 289
دعاوى الزائغين الجانحين، أخذ عنه الحديث والفروع وكان ذا خشية لله وخضوع.
عاتكة بنت أبي صفرة تستفتي جابراً
أبو سفيان قال: دخل أبو نوح على عاتكة بنت أبي صفرة وكانت من المسلمات فوجدها في البيت، فقال: كأني أري مجلس رجال؟ قالت: نعم، الآن خرج من عندي " الأحول" تعني جابرا قال وكان جابر يغمز بإحدى عينيه من غير علة، قال: فهل ظفرت منه بشيء؟ قالت: نعم سألته عن ثلاثة أشياء كن في نفسي، سألته عن لباس الخفين قال: إن كنت تلبسينها من حر الأرض وبردها وخشونتها فلا بأس وأن تلبسيها لا تبالين أن تنكشفي فلا، وسألته عن حلي عندي ليتيمة يقوم بمال فيستعار مني، قال: إن أعرته فإنك ضامنة، وعن عبد كان من أنفس مال عندي و أوثقت في نفسي أن أعتقته لوجه الله ثم استخلفته عن ضيعتي، قال: أخرجيه ولا تدخليه في شيء من منافعك، قلت: هذه وإن كانت لمناقب جابر صولا فإنما أثبتها هاهنا لتعلم حرص أبي نوح على تحصيل الفوائد من كل من يثق به، لا يأنف عن التقاطها حيث وجدها والبحث عنها في مغانيها.
... أبو روح ومازن ابني كنانة
ومنهم أبو روح ومازن ابني كنانة - رحمهما الله - كانا مطبوعين على الصلاح، وحب سلوك مسالك النجاح، وخدمة الأشياخ، وملازمتهم في الغدو والرواح، وإنهما وإن سبقتهما السوابق فكلاهما من غير فتور، مدرك لاحق.
اجتهادهما في التقوى والعبادة
روى أبو سفيان عن يسار صاحب البكر، قال أبو سفيان وكان من خيار من أدركته أنه أخبره عن والدته، (2/59)
صفحة 290
قال وهي يومئذ ابنة ثمانين سنة، أنها قالت: " أدركت أخوين من بني راسب يقال لأحدهما يبرح والآخر مازن ابنا كنانة، وكانا من خيار من مضى من أهل الدعوة وكانا من نظيري أبي بلال وعروة، في زمانهما، قال: وأما يبرح (1) فكان رجلا عابدا مصليا لا يفتر عن العبادة حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كركبة البعير، قال: وكان قد اتخذ سربا في الأرض يعبد الله فيه، قال أبو سفيان: قال يسار: أدركت سربه ذلك، وكنا نلعب فيه قال فحضرت الوفاة يبرح فقعد مازن عند رأسه، قال فرآه يجود بنفسه ثم أفاق، قال: أي أخي أين تراها تعمد؟ - يعني النفس- قال: الذي كانت تعبد، قال: وأما مازن فانه لما حضرته الوفاة أقبل يجود بنفسه فصاحت بناته، قال: فأفاق إفاقة، وقال: يا بناتي لا تبكين فان أباكن من ساعة هو الباكي، أو الضاحك، قال يسار أخبرتني أمي قالت: كنت في بعض المجالس وهم يذكرون الله إذ ذاك دخل رجل مقنع بثوبه فهوى، وجلس ناحية من المجلس وهم لا يعرفونه، قال: فلما تفرغ المتكلم قام فنزع ثوبه عن رأسه فإذا هو مازن بن كنانة، قالت: فقام قائما فقال: أني لا أخبركم إلا بما رأت عيني، أو سمعت أذني، أو عن خير من رأى وسمع، قالت: ثم اقتص الفتن المتقدمة واحدة بعد أخرى، ونبه على من أنجاه الله منها، قالت: فما رأيت متكلما مثله، قلت: ويبرح هو المكنى أبو روح فيما زعم لي بعض أصحابنا.
__________
(1) / لعلهم يحرفون اسمه إلى يبرح فنطقت به كما جرت به ألسنتهم كما سينبه الشيخ الى ذلك. (2/60)
صفحة 291
. أبو محمد النهدي
ومنهم أبو محمد النهدي -رحمه الله- المظاهر المعالن المجاهد غير المداهن الحافظ للتقى، المفارق للأدناس المباين، بصر الله بصيرته الباصرة فلم تكن عن هذه قاصرة، ففاز بالصفقة الرابحة، ووقي الصفقة الخاسرة.
إن لك على طريقتك إخواناً أنت لا تدري
حكى أبو سفيان قال: كان رجل من المسلمين يقال له أبو محمد، قال: كان قد أبصر الإسلام من قبل نفسه، قال: وكان بدأ ذلك أنه كان يخرج إلى المغازي فنظر إلى ما يعمل الناس من الغلول والجور، فقال: ما هذا بفعل أولياء الله وأهل الإيمان ثم نظر إلى صلواتهم وقيامهم بالتوحيد والإقرار بالنبوة، قال: وما هذا بفعل المشركين فانصرف إلى البصرة وكان له مسجد يجلس فيه ويحدث ويقص ويذكر، قال: وكان يصف الإسلام ويقول: إن أهل الأحداث من القبلة كفار ليسوا بمشركين ولا مؤمنين، قال: فبلغ أمره جماعة من المسلمين، فقال بعضهم لبعض: " هذا الرجل قد ترونه وما يصف، فهلموا بنا إليه لنواصفه هذا الأمر فلعله يقبل"، فأتته منهم جماعة فواصفوه الأمر، ووصفوا له ما هو عليه، قال: فقال: هذا هو الحق ومازلت على هذا منذ دهر ولم أجد أحدا يوافقني عليه وما ظننت إذا أن أحدا يقول بهذا القول، قالوا: بلى والله إن لك أعوانا على هذا وأخوانا، قال: فكان أبو محمد من أفاضل المسلمين، قال: وكان يظهر هذا الشأن ويبرح به، وكان يدعو في مسجده على خالد بن عبد الله، وعلى هاشم بن عبد الملك، قال: وكان على البصرة بلال بن أبي بردة بن (2/61)
صفحة 292
أبي موسى، قال: وكان طريق بلال على مسجد أبي محمد، قال: فأرسل إليه يأمره بالكف عن ذكرهما فلم يفعل، قال: فقال له: يا أبا محمد إذا رأيتني مقبلا فكف حتى أمضي عنك فلم يكن يلتفت إلى قوله ولا يدع ما هو عليه.
قال أبو سفيان قال أبو محمد النهدي: لا تذكروا الحسن في شيء من القدر فإني عاتبته فيه، فقال: معاذ الله أن أقول ذلك، إنما أفسد علي قلبي واصل بن عطاء أيام كنت عنده مستخفيا فأما أن أقول بالقدر فمعاذ الله، قال: وكان أبو محمد يقول هو أبعد الناس من القدر.
... أبو يزيد الخوارزمي
ومنهم أبو يزيد الخوارزمي -رحمه الله- أحد النبهاء الحاذقين والموصوفين بالفضل جملة على الإطلاق، والمشار إليه في مشيخة العراق والواقع على إماتة الاصفاق، وعلى الرضى برايه ودينه الاتفاق، ذكر عن أبي يزيد: انه قيل له ما تقول لو أن رجلا لقي عالما يقول له أن الأمر الذي أنت عليه وأنت فيه حرام، فقال له الرجل: فأنا أترك هذا الحرام، ولكن لا آخذ ذلك عنك حتى اسأل من هو أعلم منك، فلم يسأل الرجل حتى مات؟ قال أبو يزيد: مات هذا مسلما، إذا كان في طلب السؤال تائبا فمات على ذلك.
... عبد الله طالب الحق وأبو حمزة الشاري
ومنهم طالب الحق عبد الله بن يحيى وأصحابه الشراة كأبي حمزة ومن معه من أولئك الشراة -رحمه الله- أما (2/62)
صفحة 293
ابن يحيى فنعم الإمام، الداعي إلى نصرة دعوة الإسلام غير ما كان حدث من الجور حتى عاد به العدل على الكور بعد الحور، فانمحت به ظلم الظلم، فلم يبق حوله إلا داع إلى الإسلام أو السلم كان أسدا في نجدة، وشجاعة في دين الله وخشية لله وطاعة، والبحر جودا وعلما، والطود سموا وصيانه وحلما، وأما أبو حمزة فأشد في الحرب، المستعد للطعن والضرب، ليث في الهيجاء إن ركب، وغيث في الآراء إذا وهب، وبحر عجاج إذا وعظ واختطب، الحصر يعدوه قصر أو أسهب، ذو رفق ولين لأولياء الله المتقين، وذو غلظة على المشاقين، وجميع إخوانهما على هذه الطرائق متخلقون بمحمود الخلائق، ليس من الكل إلا جاهد أو مجاهد، مخالف الأرق ساهد قاطع ليله في الهجود، بالركوع والسجود وتلاوة القرآن والضراعة إلى الرحمن والحراسة في سبيل الله، وكف أعداء الله منفد أيام العمر في إحياء العلوم، ونجدة المظلوم، ومحو ما ارتسم للباطل من الرسوم، هجروا في سبيل الله الأوطان والمال، وربوا بأنفسهم على اتخاذ النشب والمال وآثروا أولياء الله، وقاتلوا أولياء الشيطان وشرفوا أنفسهم ابتغاء الرضوان فلم يلتفتوا إلى زهرة الحياة الدنيا حتى فارقوا ثوب المحيى فودع كل منهم حميدا وأقل بعيدا (1) وسأثبت ما بلغني من أخبارهم على أنها نبذ من بعض آثارهم.
نحن أحوج إلى العمل لا إلى الوصف والقول
روى أبو سفيان أن أبا عبيدة كان في مجلس يذكر فيه فذكر النار وما أعد لأهلها، وخوف بها، ثم ذكر الجنة وما أعد فيها لأهلها ورغب فيها، قال: وكان ذلك أيام
__________
(1) كذا بالنسخ التي بأيدينا./ (2/63)
صفحة 294
عبد الله بن علي، والمختار بن عوف، قال: وكان رجل من المسلمين يقال له أبو الوزير قاعدا في المجلس فلما سكت أبو عبيدة وفرغ من كلامه وثب إليه أبو الوزير فقال: يا أبا عبيدة لو أردنا الجلوس إلى ما كنت فيه لجلسنا إلى من هو أوصف لما كنت فيه منك من قومنا، ألا ترى أمر أصحابك وتحض على نصرتهم والعون لهم؟ فنحن إلى ذلك أحوج منا إلى ما كنت فيه يعني عبدالله بن يحيى، وأبا حمزة المختار، قال: فقال أبو عبيدة: يا أبا الوزير إنما يتكلم الرجل بقدر ويسكت إلى أجل.
أخبار ثورة طالب الحق وأصحابه على بني أمية.
وروى عن وائل قال لما قدم عطية بن عبد الملك حضرموت وكان مروان بن محمد قد بعثه إلى أبي حمزة المختار بن عوف حين ظهر على مكة والمدينة، قال: فلقي بلجاً بوادي القرى فقتله، وكان الفاسق في عسكر فيه ستة آلاف فيما ذكر، فتنحى أبو حمزة إلى مكة، فلحقه بها فقاتله حتى استشهد أبو حمزة ومن استشهد معه من المسلمين رحمهم الله.
قال ثم خرج القاسم يريد اليمن فلقيه الإمام عبدالله بن يحيى بموضع يقال له " حرش" وقاتله حتى استشهد -رحمه الله- ومن استشهد معه.
يتعظ به ميتا فيتوب
قال أبو سفيان وكان بها رجل من بني كلاب يقال له نافع، فجاء إلى عطية بن عبد الملك فسأله أن يعطيه جثة عبدالله بن يحيى ليصلبه على بابه، قال: ففعل وكان عطية جسيما، قال: فخرج نافع من بيته فنظر إلى الجثة فإذا عليها نور ساطع فلما عاين ذلك أنزله وكفنه ودفنه، ثم (2/64)
صفحة 295
ذهب من " حرش" حتى وقع على الحجاز بقرية يقال لها " القوع" فسكنها ووافق بها قوما من الصفرية فأجابهم إلى الصفرية، قال: وكان الشقي يرى أنهم على مثل ما مات عليه ابن يحيى، قال: وكان لنافع ابن يقال له محمد وهو الذي يحدثنا بهذا الحديث عن أبيه وكان محمد قد أبصر ذلك.
قال أبو سفيان قال وائل فقدم الفاسق عطية بن عبد الملك إلى حضرموت قال وائل فقاتلناه فتحصن في قرية حصينة فأقمنا عليه أربعا وعشرين ليلة نحاصره، فلما طال به الحصار وخاف على نفسه سأل الصلح، فصالحناه عل أن يرد كل ما كان في عسكره مما أصابه أصحابه من أموال المسلمين، قال فدخل المسلمون عسكره فأخذوا كل ما كان لهم، ويأتيه كتاب مروان بن محمد أن دع ما أنت عليه والحق الموسم فصل بالناس، وأمره بالعجل، قال: وتم الصلح بيننا وبينه، قال فخرج منفردا في ستة نفر فبادر الموسم وعسكره على أثره فنزل قرية من قرى اليمن، فوافق فيها رجلين أخوين من المسلمين يقال لهما " ابنا جمانة" فشعرا بمكانه وقالا والله ما جاء هذا الفاسق إلا منهزما، فمشيا إليه في نفرمعهما، فلم يشعر بهم حتى دخلوا عليه وقتلوه وقتلوا من معه وحزوا رؤوسهم وانطلقوا يريدون عسكر المسلمين، ولا يشكون أن عسكره قد مزق، وقتل أهله، فبينما هم سائرون إذ لقوا عسكر عطية والرؤوس معهم، قال: فسألهم أهل العسكر عن عطية فقالوا قد تقدم، فسلمهم الله منهم، ولقد كان أحدهم قاعدا في الجواليق الذي كان فيه رأس عطية ورؤوس أصحابه. (2/65)
صفحة 296
أبو مودود حاجب يتجند لجمع الأموال مددا للثورة
وقال أبو سفيان لما خرج الإمام عبد الله بن يحيى ووجه أبا حمزة المختار بن عوف أقام حاجب فجمع له أموالا كثرة ليعينه بها، قال: فكتب على كل موسر من المسلمين قدر ما يرى، قال: فما امتنع عليه أحد، قال: ودعا أبا طاهر وكان شيخا فاضلا قال عليك بالنساء، وأوسط فإنا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون، قال: فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين، قال: فلم يأتوا يومئذ امرأة ولا رجلا إلا وجدوه مسرعا فيما سألوه، قال: وكان رجل من المسلمين لم يكن أحد يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، قال: فقال له أبو طاهر: أي أخي العيال، فقال: الله لهم والله ما رأيت منذ كنت وجها مثل هذا انفق فيه فإذا وجدته أفأدعه؟ ولا يرجع إلي منها شيء ولكن يا عبد الله لا تخبروا باسمي ما بقيت، قالوا ففعلوا فلم تمس الليلة إلا وجمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم، قال: فأتوا حاجبا فأخبروه فسر بذلك، وقال: إن في الناس لبقية بعد، قال: فاشترى بتلك الأموال سلاحا ووجهه ووجه ما بقي إلى أبي حمزة – -رحمه الله- -.
لا تكون للرجل منهم مكانة إن لم يرغب في الشراء
وقال سمعت عبد الملك الطويل يحدث عن أبي حمزة المختار بن عوف الكندي، قال: أدركت المسلمين أن كان الرجل منهم ما يستزاء في صلاة ولا في صيام ولا في حج ولا في عمرة ولا في وجه من الوجوه، إن عرف منه أنه ليس بشديد الحرص في الشراء سقط من أعينهم ونقصت منزلته عندهم.
وقوع أبي الحر في الأسر
وقال أبو سفيان أدركت عيسى بن عمر وهو شيخ كبير يحدثنا أن مروان بن محمد بعث إلى أبي الحر إذ كان بمكة فأخذ فشد في الحديد، وأخذ رجلا من الرافضية، يقال (2/66)
صفحة 297
له أصفر فشد في الحديد ثم ساروا بهما نحو مروان، قال عيسى: فخرجنا في أربعة عشر رجلا من المسلمين نتبعه قال فلما مشينا أياما أرسلنا إليه أنا نأتيكم الليلة، قال: فقال: لا تفعلوا، مكة منكم قريبة والطلب سريع، فسرنا على طريق الساحل وغلامه يأتينا بخبره ويأتيه بخبرنا، فمازلنا نطلب إليه ونسأله يدعنا حتى نخلصه من أيديهم، قال: فكان يأبى ذلك علينا حتى جاوزنا المدينة بمراحل، فأرسلنا إليه أنا قد قربنا من الشام وقراها فدعنا نأتيهم الليلة، قال: فأبى، قال: فأرسلنا إليه أنا نأتيكم على كل حال، فتباطأ في وضوئك حتى لا تعجل الرحيل لنقعد مقاعدنا، قال: ففعل فتقدمنا فنزلنا عن رواحلنا وعقلناها بعيدا من الطريق، ثم جئنا أمامه إلى الطريق فجثمنا عليه فلما دنوا منا ثرنا في وجوههم بالتحكيم والسيوف في أيدينا مصلتة، فألقوا بأيديهم وقالوا الأمان، الأمان، قال فبادر رجل منا فأعطاهم الأمان، فشق ذلك على أبي الحر، قال: أما إذا فعلتم فلا تختلجوا ولا تهيبوا منهم أحدا، قال: فأسرناهم فأخرجنا بهم الطريق حتى أبعدناهم، فخلينا سبيلهم واحتملنا صاحبنا وفككنا عنه جامعته، وفككنا عن الرافضي، ثم أقبلنا حتى دخلنا مكة ونحن مستخفون، قال: وكان ذلك في أيام الحج، قال: فخرجنا مع أبي الحر إلى منى، ولم نحرم ثم صرنا إلى عرفة ونحن غير محرمين، قال: وكنا إذ ذاك ننتظر أبا حمزة يقدم علينا، قال: ولما كان في وقت الرواح إلى الموقف إذا نحن بنواصي خيل أبي حمزة وقد اطلعت، قال: فلما راءه أبو الحر أمرنا أن نغتسل ونحرم، قال: ففعلنا، ثم خرجنا حتى دخلنا عليهم في عسكرهم، قال: وكان على الموسم إذ ذاك (2/67)
صفحة 298
رجل من بني مخزوم يقال له عبد الواحد، قال: فأرسل الخطباء إلى أبي حمزة من قريش وغيرهم ومنهم عبدالله بن الحسن.
اجتماع أبي حمزة بوفود الحجيج ففي الموسم
قال: فأتونا في جماعة قال: فخرج إليهم أبو حمزة وعمامته خضراء وازار متأزر به منتكب قوسه ومتقلد سيفه، قال: فتكلم أولئك الخطباء فعظموا من أبي حمزة الحج ويوم عرفة ما قدروا عليه وأطنبوا في الكلام، قال: فلما فرغوا من كلامهم، تكلم أبو حمزة، فحمد الله و أثنى عليه وصلى على نبينا محمد صلى الله علية وسلم، ثم قال: أما ما ذكرتم من تعظيم هذا اليوم فإنكم لم تبلغوا كنه ذلك ثم ذكر جور بني مروان وما هم عليه من الظلم والفسق والاعتداء، قال فأفحم القوم، وسمعوا كلاما لا يعرفونه، قال: فرجعوا إلى عبد الواحد فأعلموه بقوله، وقالوا: خصمنا الرجل، وما قدرنا على إجابته وليس عندنا ما نجيبه به، قال: فارجعوا إليه واسألوا الموادعة في هذه الأيام على أن لا نعرض له ولا يعرض لنا، قال: فرجعوا إلينا فأعطيناهم ذلك، قال: ووقفنا مع الناس حتى أمضينا إلى جمع ثم إلى منى فنزلنا مؤخر منى في عسكرنا، قال: وكانت حليمة المهلبية إذ ذاك قد حضرت الموسم، وكانت من خيار المسلمات وفضلاهن وهي أم سعيدة، فعالجت لهم طعاما فبعثت به مع أبي وافد وابنه وكانا فاضلين، قال: وأخذهم الحرس، فقالوا: معكم السلاح؟ ففتشوهما فلم يجدوا معهما سلاحا، قال أبو حمزة أرسل إلى الوالي فقل له قد كان نقض من قبلك فان شيءت ناقضناك وإن شيءت نوف بعهدك، قال: فأرسلهما وتم العهد حتى فرغ الناس من مناسكهم، وساروا إلى مكة قال: فخرج عبد الواحد ودخل مكة، قال أبو سفيان: وكان (2/68)
صفحة 299
بلج بن عقبة يأتي لرمي الجمار في الخيل والسلاح، قال: وكان أبو حمزة يقول رحمك الله وما يدعوك إلى هذا لو جئت متنكرا حتى ترمي، قال: فكان يقول لا، لا أفعل ولا آمن غدرهم بنا ونقضهم علينا، فإن فعلوا كنا قد استعددنا لهم.
يتجه أبو حمزة ومن معه إلى الشام فيعترضهم أهل المدينة
قال: فأقام أبو حمزة بذى طوى، قال: وكان يدخل فيجمع ثم يرجع إلى ذي طوى، قال: فاجتمع إليه من نواحي مكة رجال من خزاعة مسلحون في نحو أربعمائة رجل، قال: وخرجوا معهم إلى المدينة وكان الذين قدموا من اليمن نحو ستمائة رجل، قال: ثم خرج نحو المدينة يريد الشام ولم يكن يريد أن يعرض لأهل المدينة، قال: فخرجوا إليه فقاتلوه بقديد، قال: فمما يراجعهم فيه من الكلام أن يقول: إنا ندعوكم إلى الله وإلى كتاب فإلى من تدعوننا انتم؟ قال: فيقولون ندعوكم إلى طاعة مروان، فيقول: يا سبحان الله؟ ندعوكم إلى طاعة الله وتدعونا إلى طاعة الفاسق مروان، قال: فاقتتلوا فقتل منهم أربعة آلاف، قال: وأصيب مع أبي حمزة يوم مكة أبو عمر وابنه وكانا من أفاضل المسلمين، قلت: وقد وقفت في سيرة عبدالله بن يحيى على الخطبتين اللتين خطبهما بمكة والمدينة متطاولتين بأبلغ ما يأتي به خطيب ثم وقفت عليهما أوجز من ذلك قليلا فيما صححته عن بعض خطب من أهل الخلاف، فآثرت أن أثبتها هنا على نحو ما صححته عنهم لأن شهادة خصمك لك أصح من شهادة أخيك لك. (2/69)
صفحة 300
خطبة أبى حمزة بمكة
روى رواتهم قال خطب أبو حمزة الشاري بمكة حرسها الله فصعد المنبر متنكبا قوسا عربية، فخطب خطبة طويلة فقال:
يا أهل مكة تعيرونني بأصحابي وتزعمون انهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله إلا شباب؟ نعم، شباب مكتهلون عمية عن الشر أعينهم ناكبة عن الباطل أرجلهم انضاء (1) عبادة، وأطلاح سهر قد نظر الله إليهم في جوف الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى تشوقا إليها، وإذا مر بآية فيه ذكر النار شهق شهقة، كأن زفير جهنم في أذنيه، وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرة ألوا نهم، ناحلة أجسامهم من طول القيام، وكثرة صيامهم، يستقلون ذلك في جنب الله، موفون بعهده، منجزون لوعده، إذا رأوا سهام العدو قد فوقت (2)، ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم قد انصلتت وأبرقت الكتيبة، وأرعدت بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، فمضى الشاب منهم قدما حتى تخلف رجلاه عن عنق فرسه، وقد رمت (3) محاسن وجهه الدماء وعفر جبينه التراب، وأسرعت إليه سباع الأرض و انحطت إليه سباع الطير، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله!
__________
(1) / جمع نضو وهو الضعيف الرقيق الجسم، وأطلاح جمع طلح من خلا جوفه من الطعام.
(2) / من أفاق السهم وفوقه وضع فوقه في الوتر ليرمي به. (2/70)
صفحة 301
وكم من كف بانت من معصمها، طالما اعتمد عليها صاحبها في ركوعه وسجوده! وكم من خد عتيق رقيق قد فلق بعمد الحديد! -رحمه الله- على تلك الأبدان وأدخلهم بفضله في الجنان – ثم قال – الناس منا ونحن منهم، إلا عابد وثن وكفرة الكتاب، وإمام جائر. قلت: وقد حذف راويها منها كثيرا مما خاطب به أهل مكة من أنواع التقريع بما أقام عليهم الحجة وقطع العذر فأثبتت ما أثبته بحسبه.
... خطبة أبي حمزة بالمدينة
روي عن مالك بن أنس قال خطبنا أبو حمزة بالمدينة خطبة شككت المبصر وردت المرتاب، قلت: وهذه ألفاظ فيها جفاء، وكان ينبغي أن أسقطها، لكنني حكيتها على ما هي عليه، للسبب الذي قدمته، قال: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أوصيكم بتقوى الله وطاعته والعمل بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وصلة الرحم وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله عز وجل، وتصغير ما عظمت من الباطل وإماتة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يطاع الله، ويعصى العباد في طاعته، والطاعة لله عز وجل ولأهل طاعته، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس مواضعها التي أمر الله بها.
إنما خرجنا بغية إقامة الحق
إنا والله ما خرجنا أشرا ولا بطرا، ولا لهوا ولا لعبا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيها، ولا لثأر قد نيل ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت، ومعالم الجور قد ظهرت، وكثر (2/71)
صفحة 302
الادعاء في الدين، وعمل بالهوى، وعطلت الأحكام وقتل القائم بالقسط، وعنف القائم بالحق، سمعنا مناديا ينادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فأجبنا الداعي إلى الله (وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الاحقاف:32) فأقبلنا من قبائل شتى قليلين مستضعفين، فآوانا الله وأيدنا بالنصرة فأصبحنا بنعمة الله إخوانا وعلى الدين أعوانا.
يا أهل المدينة أولكم خير أول وآخركم شر آخر، إنكم أطعتم فقهاءكم وقراءكم فأحالوكم على كتاب الله عز وجل غير ذي عوج بتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين فأصبحتم عن الحق ناكثين، أموات غير أحياء، وما يشعرون.
يا أهل المدينة، يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما أصلح أصلكم وأفسد فرعكم! كان آباؤكم أهل اليقين، وأهل المعرفة بالدين، والبصائر بالدين، والبصائر النافذة، والقلوب الواعية، وأنتم أهل الضلالة والجهالة، استعبدتكم الدنيا فأذلتكم، وغرتكم الأماني فأضلتكم، فتح الله لكم بابا في الدين فسددتموه، وأغلق عليكم باب الدنيا ففتحتموه، سراعا إلى الفتنة، بطاء عن السنة، عمي عن البرهان، صم عن القرآن، عبيد الطمع، حلفاء الجزع، نعم ما أورثتكم آباؤكم لو حفظتموه وبئس ما تورثون أبناءكم إن تمسكوا به وأخذوه، نصر الله آباءكم على الحق، وخذلكم على الباطل، كان عدد آباءكم قليلاً طيباً، وعددكم كثيراً خبيثاً، اتبعتم الهوى فأرداكم، واللهو فألهاكم، ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون، وتعبركم فلا تعتبرون. (2/72)
صفحة 303
انحراف الولاة وسوء أعمالهم دعانا إلى الخروج
سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فقلتم فيهم الذين تعلمونه ونعلمه، أخذوا المال من حله فوضعوه في غير حقه، فجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله عز وجل واستأثروا بالفيء فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم، وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في مهور النساء، وفروج الإماء، وقلنا لكم تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم، وجاروا في الحكم وحكموا بغير ما أنزل الله فقلتم لا نقوى على ذلك، وددنا أنا أصبنا من يكفينا، فقلنا: والله نحن نكفيكم ثم والله لئن ظفرنا لنعطين كل ذي حق حقه، فجئنا واتقينا الرماح بصدورنا، والسيوف بوجوهنا، فعرضتم لنا دونهم فقاتلتمونا فأبعدكم الله عز وجل، فوالله لو قلتم لا نعرف الذي تقولون، ولا نعلمه لكان أعذر لكم، على أنه لا عذر في الجهل، ولكن أبى الله أن ينطق بالحق على ألسنتكم، ويأخذكم به في الآخرة، ثم قال: الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة حاكم بغير ما انزل الله، ومتبع له وراض بعمله. ثم نزل.
فالله بتولي السرائر من عباده، ويجازى عليها فهذا كلام لا مطعن فيه لطاعن، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. إلى هاهنا انتهى ما رواه".
أبو الحر وطريقته الحكيمة في استصلاح الأحداث
وحكى عن عيسى بن علقمة المصري قال كان أبو الحر بمكة وكان له قلة تأتيه من البصرة وكان موسراً، قال: فكان يأمرهم أن يجعلوا تلك الغلة نقرة واحدة ذهبا، قال: فأوتي بها فقسمها نصفين، ففرق نصفها في فقراء المسلمين، وربعها في نفسه، وربعا يحبسه لنوائبه، ولمن يمر به من إخوانه المسلمين، وفي معونتهم، قال: فكان شاب قد لازم أبا الحر حتى كان هو صاحب أمره، والذي يلي حوائجه، قال: فأوتي (2/73)
صفحة 304
بغلة تلك السنة، كما يؤتى بها فقسمها نصفين فأعطى الفقراء نصف وبقي النصف عنده أياما، ثم إنه احتاج إلى ثمنه فدعا الشاب، فقال: يا فلان اذهب بهذه القطعة فبعها، قال: فخرج الفتى بها فلما خلا به الشيطان، قال: لو قلت لأبى الحر أنها ضاعت ما سألني عنها، قال: فأبطأ عنه ثم آتاه فقال: ما حبسك؟ قال: ألا أن القطعة نشلت وذهبت قال أبو الحر: ففي الله الخلف، قال: ولم يسأله عن شيء ولم يعاتبه، قال: فخرج أبو الحر يوما إلى السوق فمر بالصائغ فإذا القطعة بين يديه موضوعة فاستأذن الصائغ في النظر إليها، قال: فنظر فعرفها، ثم وضعها ثم قال: من أين هذه القطعة؟ قال: ناس من بني مخزوم دفعوها إلي لأصوغ منها مرة أخرى فقال له الصائغ: يا أبا الحر إني سألت القوم عن القطعة فأخبروني أن فلانا- يعني الشاب الذي يخدم أبا الحر- هو الذي باعها لهم، قال: فبعث أبو الحر للمخزوميين فسألهم، فأخبروه أن الفتى باعها لهم، قال: فانصرف أبو الحر وكان له مجلس يجلس فيه للذكر يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: فدعا الشيخ الشاب فقال له: يا فلان اذهب إلى فلان وفلان عدة من مشائخ المسلمين فأمرهم أن يحضروا في مجلسنا قال: ففعل، فلما توافى القوم، قال لهم أبو الحر: لا يكون أكثر كلامكم، إلا في تعظيم الأمانة لما
عظمها الله، فان صاحبا لكم قد ابتلي، قال: ففعلوا وعظموا من أمر الأمانة حتى انتهى الكلام إلى أبي الحر، فعظم من ذلك ما شاء الله، قال: والفتى جالس قد غمره العرق، ودخله من ذلك ما شاء الله، قال: ثم خرج القوم ولم يبق في البيت إلا أبو الحر (2/74)
صفحة 305
والفتى فوثب إليه الفتى، فقال: يا أبا الحر إني بالله ثم بك، قد والله هلكت أنا أخذت القطعة، قال: فقال أبو الحر: الله أكبر، هذا الذي أردت هي لله ولك ولا حاجة لي فيها، قال: فاستغفر الله الفتى، وأقام مع أبى الحر على أحسن ما كان وحسنت حاله حتى مات.
قال وأخبرني علي بن علقمة أن شابا كان يأتي أبا الحر ويلزم مجلسه، ثم فقده فأتى إلى والدته، فسألها عنه فقالت: يا أبا الحر قد والله أخذ في السفه والبطالة، وما يأتينا إلا من الليل إلى الليل، ونصف النهار وقد والله ذهب ما في يده ولم يستتر بشيء، قال: فقال لها أبو الحر: إذا أنا جئت وهو هنا فأذني لي ولا تحبسيني على الباب، قال: فلما كان نصف النهار أتى أبو الحر ومعه ستة أثواب وثلاثمائة درهم حتى وقف على الباب، فاستأذن فأذنت له العجوز فدخل فإذا بالفتى في ناحية من البيت في خلق له، قال: وأقبل عليه أبو الحر، ثم قال له: ما أرى منعك عن أن تأتينا إلا العري ونحن أسأنا في أمرك، فاعلم أنا لا نعود إلى مثلها، فخذ هذه الأثواب فاكتس منها بثوبين ولوالدتك ثوبين، ولأختك ثوبين، وهذه الدراهم فأنفقها على نفسك، ثم خرج أبو الحر، قال: فرجع الفتى إلى أحسن ما كان وحسنت حاله، فلم يزل مع أبي الحر حتى قتل معه يوم مكة.
وعن أبي سفيان أن أبا الحر أهدي له من البصرة بساطا، قال: فوجد فيه تصاوير قال: فباعه، قال: فقال له وائل: هذا مما يوطأ أو يتمهد فلا بأس به، فلم يعتبر كلامه حتى باعه، ومن أحسن الأجوبة ما أجاب به أبو الحر فيما ذكر أبو سفيان قال: كان لأبي الحر بمكة مجلس، قال: فقال له: (2/75)
صفحة 306
بعض أصحابه: يا أبا الحر إنا لنخاف أن يظهر علينا، قال: ويحك أما سمعت الله يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)
والله يحفظكم.
الأخوة في الدين أقوى من الأخوة في النسب
وذكر أبو سفيان أن أبا الحر كان في المسجد جالسا في حلقة فقدم أخوه الحسن من العراق، قال: فأقبل يريده حتى جاء إلى الحلقة، فظن أنه يقوم إليه، فلم يقم إليه وأخذ أخاه بيده، وهو جالس، قال: ولم يكن يراه منذ زمان، قال: فبينما هم كذلك إذ طلع إليه رجل من أهل عمان فلما نظر إليه أبو الحر قام قائما وخرج من الحلقة فتلقاه، فاعتنقه وقبل صفحتي عنقه، ورحب به قال: فسقط في يد أخيه، فقال له: مودة هذا على غير مودتك لأن مودة هذا على الدين وأنت على النسب. (2/76)
صفحة 307
الطبقة الرابعة 150 –200: 1 - الربيع بن حبيب
منهم الربيع بن حبيب -رحمه الله- طود المذهب الأشم، وعلم العلوم الذي إليه الملجأ في معظمات الخطب الأصم، ومن تشد إليه حبال الرواحل وتزم، صحب أبا عبيدة فاغترف من بحره الزاخر، ولزم مجلسه فكان الأول والآخر، روى عنه" المسند " المشهور المتعارف البركة على مر الدهور، وله في الفروع كل قول ومذهب، أجوبته من المعتمدة في المذهب، باين من خالف من محاضريه أهل العدل والصواب ووقف في الإمامة والولاية والبراءة عند موافقة السنة والكتاب، والصواب عندنا في كل ذلك جوابه، فان سمعت بأصحابه فنحن – والحمد الله – أصحابه.
يتحرج من معونة تقدم إليه بشرط
قال أبو سفيان اجتمع وائل بن أيوب، والمعتمر بن عمارة، وجماعة إلى الربيع فسألوه أن يخرج إلى الموسم، قال: فقال: لا أقدر وما عندي ما تحمل به، فمشوا إلى رجل من المسلمين يقال له النظر بن ميمون، وكان رجلا موسرا من تجار الصين، أعلموه بقوله، قال: فأتاه بأربعين دينارا، فقال: حج بها فلم يقبلها منه، وكان به خاصا، قال: فجاءه وائل والمعتمر فقالا له: سبحان الله يا أبا عمرو تعلم حاجة (2/77)
صفحة 308
الناس إليك، وكنت اعتللت بأنك لا تجد ما تحمل عليه فلما جاءك الله بما تتمتع به أبيت أن تقبل، قال: إنه قال لي خذها على أنك تحج بها، ولست أقبلها على شرط، قال: فأتوا إلى النظر فاعلموه بما كره من قوله فاعتذر، فقال: والله ما علمت أنه يكره ذلك، والآن فخذوها أنتم فادفعوها إليه، قال: فأبى أن يقبلها بعد ذلك.
قال أبو سفيان كان أبو عبيدة عبدالله بن القاسم ربما سئل عن مسألة فيقول: عليكم بوائل فانه أقرب عهدا بالربيع.
اليمين إنما تنعقد على العلم والأحوط أسلم
قال أبو سفيان أخذ أبو جعفر رجلا من المسلمين من أهل الموصل فاستحلفه بالطلاق أن ماله علم برجل اتهم أنه عنده، ولا له عنده مال، قال: فحلف الرجل ماله عنده قليل ولا كثير فخلى سبيله، قال: فرجع الرجل إلى منزله، فوجد نعلاً للرجل فكتب مسألة إلى الربيع، فقال: لا أجيبه فيها حتى يأتي الرجل بنفسه، قال فقدم عليه فأمر الربيع أن يجمع أصحابه، قال: فجمعهم فحضر شعيب بن المعروف، وابن عبد العزيز وجماعة ممن من حضره يومئذ، قال فقص الرجل يمينه، قال: فقالوا له: الملوك لا يستحلفون على النعال ولا على ما يشبهها، إنما حاجاتهم الأموال العين، قال فأجمعوا على أنه لا شيء عليه، قال: والربيع ساكت لا يتكلم، قال: فقال: يا أبا عمرو إنما الملوك لا يستحلفون على النعال، قال: صدقت ولكن صاحبنا حلف ماله عنده قليل ولا كثير، وهل تخلوا النعال من أن تكون من القليل أو تكون من الكثير؟ وفي هذه القضيه وجوه منها أنه استحضر محاضريه المذكورين وشاورهم في الفتى وذلك لوجهين أحدهما لعله أن يكون (2/78)
صفحة 309
ذلك قبل أن يبرا منهما، فأراد الاشمات بهما، أو أنه استحضرهما بعد أن وقعا فيما وقعا فيه فأراد استعجازهما، وعندي أن الربيع -رحمه الله- شدد في جوابه، لأن في الجواب الذي أصاب صاحبه مخرجا من ذلك الضيق فإن يمينه انعقدت على علمه، ولا علم له بالنعل، وأيضا فان لفظه عندي ما يلزمه منها إلا ما لزمه من ذلك فان فيها تخصيصا لا يقتضيه قصر الحلف لكن لعل أخذه بالاحوط أسلم.
رأي حيان في صلاة الجمعة ورد الربيع عليه
وقال أبو سفيان اجتمعت يوما أنا وحيان بن حاجب عند الربيع بن حبيب فقلت: يا حيان أخبرني ما الذي فرض الله على محمد والمسلمين يوم الخميس أن يصلي للظهر؟ قال أربعا، قال: فقلت له: وما فرض الله عليه يوم الجمعة أن يصلي؟ قال فرض الله عليه أن يقيم العدل ويصلي في وقته ركعتين، قال: قلت له: ولم؟ أو لم يفرض عليه في يوم الخميس أن يقيم العدل ويصلي أربعا؟ قال: فلم يجبني بشيء، قال: فقال لي الربيع: أشدد يدك يا محبوب.
مات ولم يوص فاخرج عنه وصية لأنه يدين بها
قال أبو سفيان مات جدي من الرضاعة وكان يسمى المليح، وكان من المسلمين فأتانا الربيع وكان المليح لم يوص فأرسلني إلى بنات له، فقال: أقرئهن السلام وعزهن عني في أبيهن وقل لهن: أن المليح كان عندنا ممن يدين بالوصية، ويراها حقا عليه واجبا، وإنه قد مات وعليه الأمر ولم يوص، وإني أرى لكن أن تخرجن عنه ألف دينار في قراباته ووكرا من بر في كفارات أيمانه، قال أبو سفيان: وكنا نرى تركته تبلغ ثلاثين ألف.
قال أبو سفيان: قال أبو الربيع: جاءتني امرأة في مسألة لم أسمعها من أحد فقالت: ما تقول في مسجد (2/79)
صفحة 310
عليه سلم هل للحائض أن ترقى على السلم الذي على المسجد؟ قال: فقال الربيع: لا يسمح ذلك، قال: وكان الربيع يقول: ليس لها أن تصل المسجد بيدها، ولا شيء من جسدها وإن أرادت أن تأخذ منه ثوبا فلتأخذه بعود، وبما شاءت غير جسدها.
أبو عبيدة يقول: في الربيع كفاية عمن سواه
وقال لما أصاب أبا عبيدة الفالج وحضر خروج الناس إلى الموسم ومضى حاجب إلى أبي عبيدة وعبد الله بن عبد العزيز ليبعثه مع الربيع إلى الموسم، قال: فأبى أبو عبيده وقال: لا أفعل فقيل له: فالمثنى بن المعرف، قال: نعم فبعث إلى المثنى في ذلك، قال: ما كنت لأفعل، أخرج مع الربيع، والربيع حاله في فضله وسنه ومعرفته على ما تعلمون! فما أشير عليكم أن تبعثوا غلاما حدثا مثلي مع الربيع، فيقال: لم نجد من نبعث إلى الموسم إلا هذا الغلام وفي الربيع كفاية عمن سواه، قال: فبلغ قوله أبا عبيدة فازداد في نفسه له محبة، وازداد عندهم بذلك رضى، قال أبو عبيدة: صدق المثنى، قال: فتوجه الربيع للناس يومئذ، قلت لأبي سفيان: وكيف لم يخرج حاجب؟ قال: لم يكن صاحب فقه، قال أبو سفيان: وسمعت أبا طاهر ذكر الربيع عند أبي عبيدة فقال: فقيهنا وإمامنا وتقينا، قال: وكان الربيع إذا سئل عن مسألة فقيل: يا أبا عمرو ممن سمعت هذه المسألة؟ فيقول: إنما حفظت الفقه عن ثلاثة، عن أبي عبيدة، وأبي نوح وضمام، هذا قول أحدهم، لم يكن يكاد يخفى عليه قول واحد منهم إلا أنه ربما اشتبه عليه قول من المسألة، قال: وقلَّ ذلك.
إنما أريد أن أسألك عما يحتاج إليه الناس
وقال قدم أبرهة بن عطية من الجزيرة إلى البصرة، فنزل في جوار الربيع ((بالحرسة)) فدخل عليه وسلم، فقال: (2/80)
صفحة 311
يا أبا عمرو رجل من إخوانك، فقال: من أي بلاد أنت؟ قال من أهل الشام، فلم يفتش الربيع، قال: وكان يختلف إليه ويسأله عن الفقه ولا يحرك شيئا من أمر القدر، فلبث بذلك أياماً حتى دخل على الربيع بعض المسافرين، وقال له الربيع: سلم على أخينا هذا فسلم عليه، ثم قال: ممن أنت يا فتى؟ قال: من أهل الشام قال: ما بالشام أحدٌ من أهل هذه الدعوة، فمن أي الشام أنت؟ قال: من أهل الجزيرة، قال: لعلك ابن عطية، قال: نعم، قال: يا أبا عمرو هذا ابن عطية الذي أهلك أهل نجران هو وأبوه من قبله، فلا يدخلن عليك ولا تنعمه علينا قال: فقال له الربيع: أسرعت على الرجل قال: فقال ابن عطية: يا أبا عمرو ما سألتك قط عن أمر تنكره إنما أريد أن أسألك عما يحتاج إليه الناس من الفقه من الحلال والحرام، قال: فخرج الرجل وأتى " وائل" والمعتمر، وعبد الملك، وجماعة من أصحابنا فأعلمهم بحال الرجل، قال: فمشوا إلى الربيع مغضبين، فدخلوا عليه فقالوا: أنزلت ابن عطية وقربته، قال: فقال لهم: لا يجمل بمثلي أن أرد من يأتيني مع أن الرجل لم يسألني عن شيء أكرهه، ولم أكن علمت به، قالوا: فلا يدخل عليك ولا تفته في مسألة واحدة، قال: فلما غلبوا عليه حمل نفسه على رده، قال أبو سفيان: فأتاه أبرهة كما كان يأتيه فلم يأذن له، قال: فبكى وقال: ما كنت أظن أن الربيع في فضله وورعه وحاله يرد مثلي، وإنما أسأله عما ينتفع به الناس من أمر دينهم، قال فارتحل من " الحرسة" إلى داخل البصرة. (2/81)
صفحة 312
وائل بن أيوب الحضرمي
ومنهم وائل بن أيوب الحضرمي -رحمه الله- صنو الربيع وتلوه، ومن له في حلبة الفضائل مثواه، فإنهما رضيعا لبن التفقه في العلوم، وفيما – هو – خير ميراث، فما منهما إلا له فيه مقام معلوم، وإن كان لأبى عمرو فضل وزيادة، وشهرة في الإفاده والاستفادة، فإن لوائل أنواعا من حميد الصفات، أحيا الله بها على يده أعظم الدين الرفات، من طيب شيم، وخلق كريم، واهتبال بالتعلم والتعليم، فكم من ضال هداه الله به إلى صراط مستقيم وسافل أعاده إلى أحسن تقويم، فبركته شاملة في حياته، وبعد الموت، وآثاره المثقفات بالعراق، والمغرب، وعمان، وحضرموت، فله الحظ الأوفر في طريقة المتفقهين، وله في مسالك الصلحاء رتبة وقوانين قد تقدم ما رويناه عن وائل من قوله: إنما الفقيه الذي يعلم الناس ما يسع الناس فيه مما سألوه عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ الاحتياط قال أبو سفيان: كان عبد الله بن القاسم ربما سئل عن مسألة فيقول عليكم بوائل فانه أقرب عهدا بالربيع -رحمه الله-.
محبوب بن الرحيل
ومنهم محبوب بن الرحيل العبدي - رحمه الله - أحد الأخيار الأنجار، وممن سبق إلى تخليد سير السلف الأخيار (1) واللف مما يحصل عنده عنهم من الآثار، وجمع ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه، وعجائب
__________
(1) / يعني بهذا سيرته التي كتبها في التابعين وم بعدهم من أئمة الاباضية رحمهم الله وقد اعتمدها صاحب الطبقات ونقل عنه كثيراً وهو المعني بأبي سفيان. (2/82)
صفحة 313
الأخيار، وذكر مناقب المجتهدين من مجاهدين في سبيل الله وأنصاره، ونبه على مثالب من بدا منه اقصار، والمشعرين التدابر والمولين الأدبار واعتذر عمن قام عذره واستحق قبول الاعتذار، هذا وهو ممن صحت عليه الفتاوى وانتفع به مصاحبه من مرحل وثاوي، وجملة الأمر أن مناقب أبي سفيان مغنية شهرتها عن المشاهرة، فقد قامت مقام العيان، وانه لو لم يؤثر عنه إلا عهده الذي جمع فيه المواعظ والحكم والآداب وجعل فيه تنبيها وذكرى لأولى العقول والألباب، لكان بذلك ما تؤدي النفس من المراقي والمناط ولكان كافيا في معناه، عما عداه (1) فكتب به إلى عبد الله بن يحيى وعالج به القلوب الميتة فأحيى ونصه:
عهد محبوب بن الرحيل إلى طالب الحق
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما
أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى جعل من طاعته طاعة من عمل بها كانت له درجة ونافلة، وزيادة خير، ومن لم يعمل بها لم يزله عن إسلامه ولا يضره شيء ولم يكفر بها، وعليه حقوق يسئل بلاغها وجعل مما نهى عنه زواجر من انتهك حرمتها لم يقبل الله له صنيعا حتى ينتقل عنها، ومن زواجراه زواجر من أصاب منها شيئا لم يحبط عمله ولم يكن كافرا ولم يحق عليه ما حق على راكب الكبائر الموبقات، المهلكات ما لم يتخذها دينا، فيذكرها فيصر عليها ولا يتوب منها وجعل وظيفة طاعته إيمانا بالله واليوم الآخر والملائكة
__________
(1) / هكذا العبارة في جميع النسخ فتأملها. (2/83)
صفحة 314
إلى آخر الآية (1) وصيام رمضان وحج البيت من استطاع اليه سبيلا، والوفاء بالعهود فهذه عرى الإسلام، ووظائف الدين، وأصل الأيمان، فمن رغبت عنه نفسه ويتبع غيره يكن من الخاسرين، فهذه العزائم من الطاعة، وجعل من طاعته الحج بعد الفريضة، والعمرة والصدقة والصيام بعد رمضان وقيام الليل والإنصات عند قراءة القرآن فمن بلغه الله هذه كانت له الفضيلة ومن لم يستطعها كان مسلما، ما استمسك بوظائف ما كان يعرف قبل ذلك من الحق، وهذا التطوع من طاعته وجعل مما نهى عنه أن لا تشركوا به شيئاً، ولا تعبدوا إلا إياه، ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، والزنا، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، فهذا كله موجب موبق بمن انتهك منه شيئاً حتى يتوب إلى الله متابا، وكل معصية أصابها، مما نهى الله عنه وأوجب الله فيها عذاباً في الآخرة ونكالاً في الدنيا فإنه يصير بها كافراً، لا يقبل الله منه عملا ًحتى يتوب إلى الله متابا، ومما نهى عنه أن الله تبارك تعالى قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) (الحجرات: من الآية 2) الآية، وقال: (لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا) (الاسراء: من الآية 110) (وَلا
تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) (النساء: من الآية 32.) (وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) (البقرة: من الآية 282)، فهذا عيب ودنس من أصاب منه شيئا لم يبلغ الكفر ولم يزله عن إسلامه، ولم تخلع ولايته، ما اجتنب الكبار من المعاصي. وقال (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) (النساء: من الآية 31)، وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ
__________
(1) / يعني آية البر من سورة البقرة (2/84)
صفحة 315
سَيِّئَاتِهِمْ) (الاحقاف: من الآية 16). وقال (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) (الزمر: من الآية 53)، فهذا اللمم من الذنوب من أصابه وهو مسلم يغفره الله، وقال (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء) (النساء: من الآية 48). ما لم يتخذها دينا يدعو الناس إليها، ويستتاب حين يصيبها فإن أبى وأخذته العزة بالإثم وحمية الجاهلية وأصر على هذا فعند ذلك تخلع ولايته.
بينوا للمذنب ذنبه قبل التبرئ منه إبعاده
فاتقوا الله ولا تجعلوا كل من نزل به بلاء من الله كافر فليتب من أنزله تلك المنزلة فإنه يصير على ما ترك من طاعة الله فاسقا كافرا، فإن العامل للمعصية كالتارك للطاعة، فأذكركم الله العظيم لأنفسكم لما اعتقدتم ذلك، فإن لكل منزلة سيرة ولكل شهادة حكما، ولكل حد عقوبة وقد بلغنا أن الرجل يكون فيكم زمانا لا ترون منه إلا ما يعجبكم من الرأي، والاجتهاد، والنسك، ثم أنه يصيب ذنبا فتخلعونه وتحقرونه من غير أن يعلم أنكم قد برئتم منه، ويرى أنكم عنه راضون ثم ينكر منكم أشياء لم يكن يراها قبل منكم، فيأتيكم فينشدكم الله ويسألكم النصيحة وأن تبينوا له ما يريبكم ولا يعجبكم، وأن ترضوا عنه، فتكتمون عنه، ولا تنصحون له، ولا ترضون عنه، وأذكركم الله لم لم تفعلوا ذلك؟ فإنه نقص لكم شديد وعيب في دين الله، ولم يكن ذلك في دين المسلمين قط، وإن كان ما بكم من أجل الذي أصاب فإن الله يغفر عند التوبة فاذكروا ما تصيبون من الذنوب فإن لكم في ذلك عبرة أن تعتبروا، وتقولون إنا إن استتبناه متى يتب فإنه يعود وما يدريكم ما يحدث الله بين الليل والنهار وما يحدث في القلوب؟ فيأتيكم تائباً فتردونه كما أتاكم، (2/85)
صفحة 316
ولا تتولونه عند توبته فأذكركم الله العظيم ألا تشرعوا شيئا لم يأذن الله به، وأن لا تبتدعوا شيئا لم يكن في دين الله، ولا سنة رسوله عليه السلام ولا من بعده، وقد أكمل الله الدين ورفع التنزيل وكمل الكتاب ولم تجدوا لذلك يرهانا، لا آية محكمة، ولا سنة ماضية، أن تردوا على تائب توبته، فاتقوا الله فإن ذلك ليس بأيديكم منه شيء ولا تملكونه، وقال الله عز وجل: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ) (الاسراء: من الآية 100) فإن كان ما بكم تقولون يعني إذا استتبناه من أمر عاد فيه فما يضركم من ضل إذا أنتم مهتدون بولايتهم حين يتوبون وأظهروا لكم المعروف تضلونهم حين عادوا إلى ما نهوا عنه
وتابوا منه؟ قال الله تبارك وتعالى: (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (يونس: من الآية 108) وقال (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة: من الآية 11) وقال: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة: من الآية 5).
وإن كان ما بكم أنكم تردون توبتهم فإن تقولوا إنهم يخدعوننا فاتقوا لله فان من يخدع بالله يخدع، ومن يخادع الله فهو المخدوع وتخرج ضغنته لوليه، ولا تأخذوا بالظن في ذلك، وتتركوا اليقين الذي ظهر لكم، ولا يكذبن ظنكم يقينكم.
البشر لا يخلون من عيب ونقص
وإن كان بكم أن لا تتولوا إلا كل مجتهد حريص لا يفتر عن صيام وقيام ولا ترون فيه عيبا فإن المرسلين والنبيين لم يزل بعضهم أفضل من بعض، ولم يكن الناس قط فيما مضى ولا فيما غبر اجتهادهم سواء ولا أعمالهم سواء، وقد قال الله تعالى: (الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا (2/86)
صفحة 317
مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) (فاطر: من الآية 32) وقال (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) (هود: من الآية 3) وقال (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة من الآية 253) وقال (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (الأنعام: من الآية 132) فاعتبروا من الناس على عهد نبيكم عليه السلام والخلفاء من بعده كل الناس كانوا مسلمين وولايتهم واحده منهم الضعيف والقصير النظر، وهم الذين تكرهون ولايتهم، هم أعلم بالسنة وأدرس للقرآن وأشد اجتهادا من هؤلاء إلا ما شاء الله، ولا تجعلوا هؤلاء الذين كانوا منكم زمانا من أجل ذنب يصيبونه فمن لم يكن منكم غير أن كبر ذنبا وأعظم جرما من الذين كانوا منكم (1) ثم تركتموهم، فلا يعرف دينكم أحد ولا تجالسونه أبدا وإن جاءكم مستجيبا فمتى تفعلوا، هذا الذي أخر بدينكم الذي انتحلتموه لا يستجيب له أحد، فكل دين لا يستجاب له فهو دين الضلالة، إن لم تصح مؤاخاتكم في الله ولا فراقكم، فأذكركم الله العظيم لا تضيقوا ما وسع الله تبارك وتعالى فانه (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) (الشورى:25 - 26)
فدين الله واسع يجب أن يدخل فيه ويدعو الله (2) فأحبوا ما أحب الله، وارضوا بما رضي الله واهتدوا بهدى من هدي قبلكم ولا تشدوا من الأمور عليكم فتكون لكم فيه هلكة وقد عاب الله تبارك وتعالى أقواما جعل
__________
(1) / لعل الصواب كمن لم يكن منكم
(2) / لعل الصواب وأن يدعى إليه بالبناء للمجهول. (2/87)
صفحة 318
صدورهم ضيقة حرجة كأنما يصعد في السماء إلى آخر الاية (1)؟
محبوب يشكو أهل زمانه
أما بعد فإن خير الإخوان الناصحون حين يتناصحون، وأفضل الأخلاء من عطف عن التقوى، وأفضل الأخوان الراشدون في المضلات، المذكرون في الغفلات، وهذا يوم تناصح الأحباء، أن الأموات في سكراتهم يعمهون حين عاد الدين غريبا مفقودا وعاد أهله غرباء منفيين وقد استحوذ إبليس على العباد فهم له جند محضرون، وقد نبذوا الكتاب جملة من شدة البلاء وقد توارثوا نبذه عن الآباء، حين مالت بهم الأهواء وجعلوا مكانه تحريفا لكاتبه كذبا وتكذيبا، باعوه بالبخس، وكانوا فيه من الزاهدين، فقد أصح البلاء في زماننا على الأتقياء في الخاصة والعامة، فسموا بصدقهم كاذبين وبأيمانهم كافرين وبهداهم ضالين، فقد بقوا وبقي الكتاب اليوم وأهله غريبين طريدين منفيين نافيين مستغنيين مع ذلك عمن استغنى عنهما، فيا حبذا ذلك الغريبان الطريدان النافيان المنفيان، والناس اليوم قد اجتمعوا على الفرقة، وتفرقوا عن الجماعة فصار أمر سلطانهم بينهم بعد أن كان شورى بينهم وفيئهم بعد قسم الرب دولة وغنيمة، ليس يلون أمر دينهم الرضى ولا عن رضى أهل الرضى إليهم في فعلهم أمام الكتاب، وليس الكتاب له بإمام، يدخل الداخل بينهم لما سمع من حكم القرآن فما يطمئن جالسا حتى يخرج من الدين لأنه يوضع في يده خلاف القرآن إذا عمل به خرج من الدين، فينتقل من ولاية ملك إلى ولاية ملك،
__________
(1) / (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) (2/88)
صفحة 319
ومن سلطان ملك إلى سلطان ملك، فليس له امام يسوسه ولا على أمر الله يطيعه، فيبقى متحيرا واشتبهت عليه الأمور كما قال: لا بصر أهتدي به ولا بصير يقودني، فإن احتاج إلى العلماء والقراء وجدهم يدينون بطاعة الجبابرة وآخر استحكم حكم القرآن مثل
ما عليه الصديقون فاظهر أمر الله، فصار عند علماء أهل زمانه ضالا إذ لم يوافقهم على خلافهم لله، وهو كاليتيم المفرد يستذله من لا يتق الله.
فالناس اليوم على ثلاثة: فرقة تميت الحق وهم علماء السوء طلبا للدنيا وعلوا فيها، فأفتوا بغير الحق ودعوا إلى أنفسهم فنسبوا أهل سنة وجماعة، وهم أهل بدعة وضلالة، وقد قال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة:159)
وأما الفرقة الثانية فهو كما قال فيهم الحكيم الصادق: إن لله عبادا رسخ عظم جلال الله في قلوبهم وركدت شفقة هيبته في صدورهم، وتمكن الحياء منه في ضمائرهم، ووطنت الفكرة أفئدتهم، وتمثلت العبرة بين أعينهم وجرت ينابيع الحكمة من دقائق سرائر إخلاص صدقهم على أطراف ترجمة ألسنتهم، فأنار بهم الدين وانحسرت بهم ظلم البدعة، وبادت بهم سواد الضلال، وارتعد بهم موارق الجهال، وأبت عليهم دعاة العمى، وازدادت بهم هدىً نصرة الهدى، أولئك الذين كفوا عن الدين تأويل الزائغين، وتحريف الملحدين، وشكوك المرتابين، واغلاء المعتدين، وحيرة المتحيرين بالدين، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، أحيانا بمصرع الدنيا، والشراب بكأس (2/89)
صفحة 320
أبنائها، ودخولا وابغلا في شعاب هلكاتها، واتيان في سياسة غدراتها، وتسليم الدين خشية آفاتها.
هؤلاء أولى بالاقتداء بهم
فاتبع الذين صدقت أقاويلهم أفعالهم – أو قال أعمالهم – وانقطعت من الدنيا آمالهم وكأنما سمعوا بآذانهم إلى صراخ أهل النار فيها أو تشنيش غليان جماجم أهلها، فهم محزونون وإن ابتسموا إلى أخوانهم، وهم المنعمون (1) بسرور الدنيا وإن خالطوا أهلها فيها فأولئك الذين لا تعتريهم سآمة، ولا تجتريهم رغبة، ولا ينظرون إلى الدنيا بعين نقية، ولا يعقدون لها على مودة، ولا يفرحون فيها على زينة، بل ضربوا في السهم الأوفر، ولزموا الطريق الاقصد، وسلكوا السبيل الأرشد، وهم أئمة التقى ونجوم الهدى وإمام الدين، ومنار الإسلام، كلامهم حكمة، وسكوتهم حجة، ومباينتهم حسرة، ومخالطتهم غنيمة، والاستنان بهم حياة، والاقتداء بهم نجاة، فعليك أيها الزائغ عن طريقهم، والراغب عن سبيلهم بالاتباع، فانه ليس الاتباع كالابتداع، وعليك بطريق من كان بالله أعلم وبحلاله وحرامه منك أبصر، ومن طائفتك الشاذة وعصابتك المناكثة التي ليست بهادية ولا مهتدية بل ضالة مضلة، زائغة عن سبيل الرحمن سالكة لسبيل الشيطان.
الشيء يعرف بضده
اعلم يا قارئ القرآن انك لن تتلو القرآن حق تلاوته حتى تعرف الذي حرفه، ولم تعرف الكتاب حتى تعرف الذي نقضه، ولم تعرف الهدى حتى تعرف الضلال، ولم تعرف التقى حتى تعرف البدعة، فإذا عرفت البدعة في
__________
(1) / كذا في النسخ ولعل الصواب وهم الممتنعون عن سرور الدنيا (2/90)
صفحة 321
الدين والتكييف، عرفت الفرقة والتحريف، وأن من هوى كيف هوى، وأن علم القرآن ليس يعلمه إلا من يخافه، فابصر به من عمى وسمع به من صمم، واحيي به بعد إذ مات ونجا به من السيئات.
الحكام الجورة لا يقفون عند حدود الله
واعلم يا قارئ القرآن أن العهد بالرسول قد طال ولم يبق من القرآن إلا رسمه ولا من الإسلام إلا اسمه، وأن الله لم يجعل ما قسم بيننا نهبا، ولا ليغلب قوينا ضعيفنا، ولا كثيرنا قليلنا، بل قسم علينا برحمته الأقسام والعطايا بالعدل والإحسان، فمن اجترأ على الله ممن زعم أن له أقساما بين العباد سوى ما حكم به الكتاب، فبيننا وبينه الحكم، والعدل والشاهد الذي لا تكذب شهادته ولا تبطل عدالته، فلو كانت الأحكام كما حكم به أهل الجور والآثام لما كان بيننا خصام ولا تداعينا إلى حاكم كما لا يستأذن بعضنا بعضا في اللحا والألوان، وتمام الخلق والنقصان، وقديما اتخذت الجبابرة عباد الله خولا، ودينه دغلا، وماله دولا، واستحلوا الخمر بالنبيذ والمكس بالزكاة، والسحب بالهدية، يأخذونها من غضب الله وينفقونها في معصية الله.
واتخذوا على ذلك خونة العلم أعوانا، ومن الوراع أعوانا، ومن الصناع إخوانا، ووجدوا على ذلك من المستأكلين أعوانا، فهؤلاء الأعوان خطبة أهل الجور على المنابر، وبهؤلاء الأعوان قامت راية الفسق في العساكر، وبهؤلاء الأعوان أخيف العالم فلا ينطق ولا يفطن بذلك الجاهل فيسأل، وبهؤلاء الاعوان مشى المؤمن في أطراف الأرض بالتقية والكتمان فهو كاليتيم المفرد يستذله من لا يتق الله، واعلم بأنك في زمان وجد فيه من لا يوجب (2/91)
صفحة 322
الميعاد، قد رفعت لهم الجبابرة أعلام التكاثر فتناقشوا فيها وتشاحنوا عليها حتى محلتهم الفتن بعبارات القرآن، فتلك معالم الطغيان وأذنت – هم - تلك المحلة بالعداوة والهجران (1).
وأعلم إن في معاينتهم مشبة اشتعال النار، وأحكامهم الحرص والتحضيض على الشهوات وفي معاشرتهم ذم للقناعة وتصغير للنعم، وهم كما جاء فيهم الحديث مساجدهم في ذلك الزمان عامرة، وأنه قد بدل على ما كان فيها من الهدى، سكانها وعمارها أجابت إلى الخطيئة في مساجدهم فهي أظهر منها في الريبة لأن أهل الريبة إذا رأوا من لا يريد ما عندهم اختفوا بالخطيئة، فهؤلاء قد بارزوا بالمحاربة، وكذبوا على الله في العلانية، فواحدنا يقول سمعت وما أكذب، ونطقت ما أكذب، وذلك أني لم أدرك من الإسلام إلا رسما عافيا، وعلما منقطعا باليا، فصرت ميتا بين الأموات وحيرانا بين المتحيرين فلو أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر لم أكن للظالمين ظهيرا، ولا لمن يدين بطاعتهم مواليا، ولا كنت كالمستعطي بكفه حتى يظهر حكم ربي.
جملة ما يدين به أهل الدعوة ويدعون إليه
الحمد لله الذي جعل في كل زمان وأوان أقواما يذبون عن دينه، عارفين بحكمه تابعين لسنة نبيه أحمد صلى الله عليه وسلم، أخذ من الدنيا قوته كفافا، ولم ينازع أهله فيها عفافا، وقال يدعو إلى الله وإلى كتابه وإلى سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونجيب من دعانا إليها: الله ربنا ومحمد عليه السلام نبينا، والقرآن إمامنا، والكعبة
__________
(1) / لعلك تلاحظ أيها القاريء شيئاً من الغموض في الفقرات الأخيرة وهذا هو ما وجدناه في النسخ التي اعتمدناها جميعاً وما يوجد بين مطتين زيادة منا لتستقيم العبارة. (2/92)
صفحة 323
قبلتنا، رضينا بحلاله حلالا، وبحرامه حراما، لا نبتغي به بدلا، ولا عنه حولا، وندعو إلى فرائض مثبتات، وآيات محكمات، وإنا في آثارها مقتدون بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، إن الذي ندين لله به الدعاء إلى سبيل المقتدين قبلنا، والأخذ منه بسبيلهم، والاعتراف فيه لهم بفضلهم الذي فضلهم الله به من سابقتهم، وفراق الناس جميعا على المعصية وإنزالهم حيث أنزلوا أنفسهم، والسيرة فيهم على قدر منازلهم، والأمر بالمعروف والمعروف طاعة، والنهي عن المنكر، والمنكر معصية الله، وفراق أهله كله مع شهادة أن لا له إلا الله، فردا واحدا ليس كمثله شيء، ومعرفة الموت والبعث والحساب والجنة والنار والإيمان بما أنزل الله من كتاب وبما أرسل من رسول، ونتولى الله ورسوله والذين آمنوا ونخلع ما سواهم ونقر له بجميع ما أمر به وجميع ما نهى عنه بحق السمع والطاعة".
وعنه أنه قال: كان رجل من " ضنو" هو ابن عم المسيب ابن زهير، وكان صفريا وكان من أصحاب شبيب، وكان الحجاج بن يوسف طلبه فهرب إلى البصرة، فنزل عندنا في دربنا في الازد واكتتم عندنا، قال: فدعاه المسلمون إلى الإسلام فأجابهم، وكان يسمى مصقلة ويسمى بعد ذلك بسطاما، أبا النظر، فغلب عليه بسطاما، قال: فكان يقول لهم إلى من تدعونني؟ فقالوا له: إنا ندعوك إلى ولاية من علمته أنه يقول الحق ويعمل به، وندعوك إلى البراءة ممن علمت أنه يقول بخلاف الحق ويعمل به، وندعوك إلى الوقوف عمن لا تعلم حتى تعلم. قال أبو النظر؟ فلما سمعت هذا من كلامهم علمت أنه دين الله الذي ارتضاه، (2/93)
صفحة 324
قال: فقبل الإسلام وكان خيرا فاضلا وله فضل في المسلمين وشرف، قال: ويحضر المجالس فأول من يتكلم هو، وقد قال الإمام أفلح -رضي الله عنه-: عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة لا سيما كتب أبي سفيان.
... أبو غسان مخلد
ومنهم أبو غسان مخلد بن المعرد -رحمه الله- أحد علماء علم الفروع والكلام، والمناضلين عن كلمة أهل دعوة الإسلام، وممن نجب من أصحاب أبي عبيدة وضح يده في العلوم وأيده، إن أفتى فالشمس مشرقة الشعاع، وإن ناظر فالقمر مقتد في البقاع، وهو أحد من أفاد واستفيد منه، ورويت الأحاديث والفتاوى عنه.
قال أبو سفيان جاء رجل إلى مخلد بن المعرد فقال له: يا أبا غسان، إن عبد الله بن عبد العزيز وجماعة معه يقولون من أفتى الناس بما لا يعلمونه حقا، فان لهم أن يقفوا عنه، فقال له أبو سفيان: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: فارجع إليه وقل له: يا ابن عبد العزيز ما تقول فيما أفتيتنا به من أمر حجتنا فإنا لا نعلم ما تقول حقا ألسنا يجب لنا أن نقف؟ قال: ففعل الرجل فقال له ابن عبد العزيز: أنت رجل شغب، ولم يجب بشيء فانصرف الرجل إلى أبي غسان فاعلمه بذلك، فقال أبو غسان: إن الذي قال لا يجوز في الدين ولا يسع نقض ولاية أهل الدين إلا بما يسع مفارقتهم.
ومن هذه الطبقة حملة العلم الخمسة وقد تقدم من ذكر مناقبهم وسيرهم وأحوالهم، في أثناء ما بسط من الأنباء للدولة الرستمية، ما فيه كفاية، -رحمه الله- عليهم أجمعين. (2/94)
صفحة 325
الطبقة الخامسة 200 - 250 هـ: 1 - أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني
منهم الإمام أفلح بن عبد الوهاب – -رحمه الله- – هو ومن ولي من ذريته قد تقدم أيضا من أخبارهم في مواضعها ما أغنى عن إعادته.
... أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني
ومنهم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني -رحمه الله- قد ذكرنا من نفوذه في الأمور وامضائه وقيامه بالمدافعة عن نفوسة وضيائه، وأدائه الأمانة ووفائه، أحوالا مستحسنة المواقع، مستحلات في المسامع، إلى ما طبع عليه من الورع واطراح الحرص في الدنيا وترك الطمع وهو أحد علماء نفوسة، الموصوفين بالأخلاق النفسية.
... أبو زكرياء التكوتى
ومنهم أبو زكرياء التكوتي، وأبو مرداس مهاصر- رحمهما الله - بلغا في العلوم النهاية، وجريا في أمر الصلاح إلى أقصى غاية، إلا أن أبا مرداس ممن هرب، وقنع بالخمول واعتمد على أن ما عدا أمر المعاد فصول، وأما أبو زكرياء فكان علما لكل الفضائل، ومعلما لكل ناهل، (2/95)
صفحة 326
وذكر أن أبا مرداس كان يصلي في المسجد إذ سمع قائل يقول: من يعطيني شيئا الليلة، ينجيني وكان ذلك في مجاعة عظيمة فلما قضى أبو مرداس صلاته، قال: ما يقول هذا؟ فأخبروه، فقال لهم: بادروه فقد أقام عليكم الحجة فابتدورا إليه فوجدوه خلف جدار المسجد ميتا ففرضوا ديته، فأدى أبو مرداس ما ينوبه منها، وذكر أبو الربيع عن شيوخه أن أبا مرداس كان إذا أراد زيارة إخوانه بتاهرت يجمع ما بالجبل من أموال الوصايا مما كان فيها من فضل عما عينت له فيحمله معه إلى تاهرت ليقوى به بيت مال المسلمين، ويتوخى في ذلك انتفاع أصحاب الوصايا.
أبو مرداس مهاصر يتحرج من إراقة دماء الموحدين
وذكر أن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه قال: ذاكرت أبا مرداس في الوجوه التي يحل بها أو بأحدها إراقة دماء الموحدين، فذكرت أحدها فتنكر وكره، فأمسكت عن باقيها ثم ذكر الإمام أربعين وجها وقيل سبعين وجها يحل بها دم من فعل شيئا فكيف لو سمعها أبو مرداس كلها على تحرجه.
وعن أبي مرداس أنه رأى خطأ من غير قصد امرأة مكشوفة الرأس فصام سنة كفارة على ذلك لكثرة اجتهاده، وكان ذلك في أيام الربيع وقد خرج الناس ولم يبق في البلد إلا أبو مرداس فنظرت المرأة في البلد فقالت: ما بقي في البلد غير أبي مرداس ومثله لا أتحفظ عنه فرقت الدرج، فرآها، وذكر أن أبا مرداس فرغ ماء وضوئه فخرج يطلب الماء فطلبه من سبعة أبيات من جيرانه فلما لم يجد رأى أن قام عذره فعدل إلى التيمم، وعنه أنه قال: قد كفرت جارتنا اليوم مراراً، وذلك أنه سمع (2/96)
صفحة 327
صوتها من خيمة إلى خيمه، وبينهما سبع قامات، ولعل الذي نسب إليها من الكفر إنما هو ألفاظ لم يقصد بها الكفر، وربما كانت ممن لا ينبغي مخاطبتها بالتعليم والإرشاد، فقال هذا القول منه ليسمعه من كان ينهاها ويعلمها، وذكر عنه أنه كان إذا قدم تاهرت فحصد الناس زروعهم، ولقط اللقاطون السنابل التي تبقى بعد اللقاطين ورعي المواشي تعقبهم أبو مرداس فيلقط ما يقوم بقوت عام، فيعتقد أن الذي بقي بعد اللقاطين ورعي المواشي إنما هو متروك.
ستشملنا اللعنة إذا سكتنا عن المنكر
وذكر عنه أنه كان بتاهرت ذات مرة فسمع رجلا يدعو رجلاً آخر إلى الحق، فلم يجب دعوته وأعرض عنه فجاء أبو مرداس إلى دار الإمام فجعل يضرب فيها بالحجارة ويقول: بهلة"1" الله اليوم على من سكن هذه البلدة، فقال رجل للإمام: كيف نحن وهذه التي يذكر أبو مرداس، فقال نحن في وسطها إذا لم نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر، والإمام حينئذٍ مشتغل بغسل يوم الجمعة، وكان أبو مرداس إذا نزلت عنده نازلة من مسائل الدماء كتب بها إلى عبد الخالق الفزاني يستفتيه، فيكون العمل بما يجاوبه به، وذلك لكونه يرى عبد الخالق أعلم أهل زمانه بالدماء وأحكامها.
وبلغنا أن رجلاً من أصحابنا من أهل المشرق أقبل من بلاده يريد زيارة أهل الدعوة بالمغرب، فاجتاز بجبل نفوسه فتصفح أحوال أهل الجبل واختبر كل من يأويه إليه منهم، ثم توجه إلى الإمام بتاهرت، ولما وصلها تصفح أحوالها وأحوال من بها فسأله أهل تاهرت عن جبل نفوسة (2/97)
صفحة 328
فقال لهم: الجبل هو أبو زكرياء وأبو زكرياء هو الجبل، وأما أبو مرداس فكالغزال نفسي، نفسي، وأما أبو العباس ففتى مقرعي – يصفه بالشدة والنجدة – فلما رجع المشرقي إلى الجبل سألته نفوسة عن أهل تاهرت، فقال: ليس بها أحد غير الإمام ووزيره مزور بن عمران.
وبلغنا أن أبا مرداس كلف بأمر آخرته فأضاع أمر دنياه وكان مقترا عليه، يذكر أنه شاور بعض أخوانه في التزوج وسأله أن يخطب له امرأة تصلح به فطاف بالجبل فلم يجد أيما إلا واحدة مجنونة، فأخبرها أن أبا مرداس أرسله ليخطب عليه امرأة، فقالت له: فأنا أجبت خطبته، قال: فأتى الرجل إلى أبي مرداس فأعلمه بما كان من جواب المرأة وعرفه بحالها، فقال أبو مرداس: أما إذا اختارتني فأنا أتزوجها، فتزوجها أبو مرداس ومكث معها دهرا وكانت من أفضل نساء نفوسة وأحسنهن وأرفعهن ذكرا وذلك ببركة الشيخ وموافقته، قلت لعل الذي ذكر في وصفها بالجنون إنما هو الوسوسة وشراسة الأخلاق، أو ممن يجن ويفيق، وإلا فكيف ينعقد النكاح على مجنونة لا تفيق؟ وأما ما أذهب الله عنها فلا ينكر، وهي أيضا من الكرامات نحو ما تقدم من أمثال ذلك في هذا الكتاب.
-----------------------
1 - اللعنة والطرد
أبو ميمون الجطالي
ومنهم أبو ميمون من أهل ايجطال من نفوسة الجبل -رحمه الله- ممن له في الآخرة رغبة وترغيب ولم يكن له في دنياه أكثر نصيب، وكان ذا جد في العلم، والاجتهاد وسعي في العبادة ومنافع العباد، وكان ممن يعد في الشيوخ وممن قدمه في العلم ذا رسوخ، وكان ذا تفقد (2/98)
صفحة 329
لمواضع المعروف وذا إيثار على ما كان عليه من الإقلال والإقتار.
أبو ميمون تصدق فيه فراسة أمه
ذكر جماعة من الشيوخ أنه كان بجبل نفوسة بايجطال امرأتان ولكل واحده منهما ابن صغير فسألت كل واحده منهما الأخرى ما ظنك بابنك وما ترين فيه؟ فقالت إحداهما: أراه أن يكون عالما، وقالت الأخرى: أراه أن يكون عابدا، فسألت كل واحدة منهما صاحبتها بماذا استدللت على ما قلت؟ فقالت أم العابد: أرى ذلك لأني إذا كنت في الصلاة سكن وترك البكاء والتنغيص، فإذا خرجت من الصلاة واشتغلت بغيرها أكثر البكاء والتنغيص، فقالت الأخرى: أرى ذلك لأني إذا شهدت مجالس الذكر والعلم سكن واطمأن قلبه لذلك ولم يتحرك، وإذا كنت في غيره أكثر البكاء والقلق، فصدقت فراسة كل واحدة منهما فكان العالم منهما أبو ميمون المذكور قيل وكانت حلقة تجتمع على أبي ميمون يدرسون العلم ويأخذون السير إذ خطر ببال أبي ميمون أن ينظر في التزويج من بلد غير بلده، فمضى ومضى معه تلامذته وهم متمادون على دراستهم واجتهادهم ولم يغتروا في مقام، ولا في رحيل فتزوج أبو ميمون وابتنى بامرأته فكان التلامذة مواظبين على درسهم عاكفين على عزمهم.
وذكر أن زوج الشيخ قالت: لما رأيتهم أقبلوا أبصرته أقصرهم قامة، فلما حلقوا عليه وأقبل كل واحد منهم يسأل والشيخ يجيب، رأيت حينئذ الشيخ أطولهم أعظمهم.
معاذ الله أن أكون واجداً وتكونوا معدمين
وذكر أبو الربيع عن أبي محمد عبدالله بن محمد وسمعته من غير واحد، أنه قال: استودع رجل عند أبي (2/99)
صفحة 330
ميمون وديعة دنانير، وسافر عن جبل نفوسة وطالت غيبته، فوقعت في جبل نفوسة مجاعة عظيمة واشتدت عليهم الشدة، حتى اضطروا إلى أكل الميتة، ثم إن صاحب الوديعة قدم فقصد دار الشيخ أبي ميمون، فسلم عليه ورحب به، فوجد قدرا يفور باللحم، فسأله الرجل عن الوديعة فقال له: هي حيث دفنتها فاحفر عنها وارفع وديعتك فحفر في الموضع الذي دفنها فيه قال المخبر: وفي أثناء ذلك وقع في قلب صاحب الوديعة شيء مما يقع في القلوب من التغيير وساء ظن نفسه بالشيخ، لما لم يعرض عليه المقام لتناول الطعام، وهو قادم بعد طول المغيب وبعد عهد بالمزار، مع ما تعهده في الشيخ من الإيثار، فلم يتمالك إن تكلم بما في قلبه ولم يكف عن غربه في عتبه، حتى إذا استوفى ما عنده قال له الشيخ: احمل وديعتك وعد عما سواها، فإن الذي في البرمة مباح لنا وليس لك بمباح، قال: وما هو؟ قال: الميتة اضطرنا إليها الجوع والقرم، ولست أنت بمعدم، قال: معاذ الله أن أكون واجدا وتكونوا معدمين حتى تستوجبوا أكل الميتة فدفع له عشرين دينارا، فقبلها منه وأمر بانكفاء القدر وعالج من العشرين دينار ما أكلوا وأطعموا ضيفهم.
أبو المنيب محمد بن يانس
ومنهم أبو المنيب محمد بن يانس-رحمه الله- المجالد لنفسه المتصف بالمآثر في أهل جنسه ذو الدعوات المجابات، والخشوع والإنابة، وكرامات تضاهي المعجزات (2/100)
صفحة 331
يخل بالدنيا، ويفرغ لأعمال الطاعات قد تقدم من وصف أحواله وما كان عليه من المجاهدة والقيام والصيام وخدمة أصحابه الذين وفدتهم نفوسة مددا للامام، ما يدلك أنه أهل لإجابة الدعاء، لا تسد دونه أبواب السماء، وهو ممن سمع العلم وسمع منه، وأخذه عن أهله وأخذ عنه، لدعائه المستجاب وكراماته التي هي العجب العجاب، وسنذكر من ذلك ما أمكن وأن أسره فقد أبى الله إلا أن يعلن، ذكر عن أبى زكرياء التكوتى أن محمدا بن يانس كانت له غنيمة لا راعي لها، فكان إذا أصبح وأراد أن يرسلها إلى المراعي يقول لها: أنهاك أن تضري أحدا وأنهى أن يضرك أحد، امضى في حفظ الله، قال فتسرح فتمر في أوساط الزرع فلا تضر شيئا، ولا تأكل غير الحشيش والمباح الذي لا حق فيه للناس، حتى تروح على ربها سالمة، لا يطمع فيها سارق ولا يضرها ذئب، ولا ضبع ولا سبع.
محمد بن يانس يتفرغ للحسبة
قيل وكان دأبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان يتفقد المزارع والجنات والطرقات محتسبا ثواب لله، فمتى وجد أحدا هم بإفساد شيء من ذلك، أو بإدخال ضر على أحد من المسلمين صرفه عن ذلك، وحال بينه وبينه، وكان لا تمسه غفلة عن هذا الشأن، ومع كثرة عبادته فقد جعل هذا من أوكدها، قيل فلما كان ذات يوم وجد ثلاثة أخوة وقد عزموا على ضرر قد قصدوا به غيرهم، وقد أخذوا في عمله، فنهاهم عن ذلك فقاموا إليه ونالوا منه وعاملوه أقبح معاملة، فسمعت قبيلته وأهل منزله بالذي ناله من القوم، وأرادوهم بضر، فنهاهم محمد عن ذلك وقال ما نالوا منى شيئا إلا وقد نلت منهم أكثر وأعظم، (2/101)
صفحة 332
فسار أحد الاخوة الثلاثة فطلع إلى كبار رآها متعلقة بالجبل فوقع فلم يصل إلى الأرض إلا وقد تمزقته جروف الجبل، فلم يجمع لحمه الا بالإبرة فيما ذكر، ومضى الثاني إلى بئر يسقي منها، فسقط في البئر فوجدوا رأسه موشوقا كرأس بصلة بين الصخور، ودخل الثالث داره فبلاه الله بالانتفاخ فانتفخ حتى انشق بطنه، وكان ذلك في يومهم الذي كان فيه ما كان منهم إلى الشيخ، نعوذ بالله من العقوق.
كرامة يظهرها الشيخ لرفيقه
وذكر عنه أيضا أنه كان له سبعة مساجد بعضها في الجبل وبعضها في السهل فكان لا تفوته الصلاة في كل مسجد منها كل ليلة وهو شيخ كبير.
وذكر عنه رافق رجلين لا أدري إلى الحج أم إلى تاهرت، فلما كانوا ببعض الطريق قال أحدهما: أتتمنى الآن ماء عين كذا- يعني عينا ببلده – وقال الآخر: أتمنى هاهنا لبنا، فقال لهما محمد: إن كتمتما ما تريانه يحضر ما تمنيتماه، فحل فم سقاء فصب منه لبنا على الصفة التي تمناها صاحبه، ثم صب للآخر ماء لا يشكون أنه ماء العين المذكورة التي تمنى ماء من ماءها، وكلاهما من سقاء واحد لم يتقدم فيه غير ماء من مياه المكان الذي كانوا فيه وذلك بقدرة الله عز وجل وإكرامه وعرفه وخدمته.
قيل ودخلوا في توجههم هذا مدينة من المدن فمرت بهم امرأة في أيدي الشرط يغلونها، وهي تصيح: أغيثوني معاشر المسلمين فأغاثها محمد بن يانس، وسلَّ سكينه ودافعهم حتى خلصها منهم، فحملوه إلى السلطان وقد هرب أصحابه، فقال: ما حملك على انتزاع المرأة من أيدي خدامي؟ قال: سمعتها تصيح بالله وبالمسلمين فلم أتمالك ولم أر في ديني أن أسلمها فأمعن النظر فيه طويلا، ثم (2/102)
صفحة 333
قال: تركناها لله وإجلالا لحقك يا حاج، فرجع إلى أصحابه فوجدهم مستخفين، فقال لهم: ما حملكم على هذا؟ قالوا: خفنا من سوء عاقبة ما اجترأت عليه، فقال: إنما كان قيامي في الله وهو أعلم فليس بمضيعى ولا خاذلنى ولم اغضب لله قط إلا ونصرني ونجاني ثم تلا:) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ((الزمر:61)
وفي هذه الحكاية ما يدل على انهم إنما كانوا في طريق الحج والله أعلم.
يقتصر على القليل من الزاد أثناء تفرغه للعبادة
وذكر عنه أنه كان إذا مضى إلى غار يتعبد فيه يعد زادا قليلا فليبث في الغار المذكور المدة الطويلة التي يفنى في بعضها أضعاف ذلك الزاد، فكانت هذه حالته حتى ساء ظن امرأته وحسبت أنه قد تزوج غيرها، وأن التي تزوج هي التي تقوم بطعامه المدة التي يفنى فيها زاده فتوجهت امرأته إلى الغار، فدخلته في خفية على حين غفلة، وكمنت بحيث لا يشعر بها بعلها وراقبت إلى وقت افطاره، فلما صلى ما شاء الله كما كان يصلي قبل تلك الليلة تحول إلى شجرة رتم أم تمام فأخذ منها فافطر عليه، وأكل منه ما اقتات به، حتى اكتفى فلما وجدت الأمر على خلاف ما حسبت، وعاينت ما عاينت، قالت له: أو دأبك على هذا؟ فقال لها: كلي يا أمة الله فأكلت طعاما نهاية في الحلاوة، ثم حملت ما قدرت عليه من ذلك الطعام وأتت به إلى البلد، وأخبرت أهل البلد بما شاهدت وناولتهم وقالت لهم: كلوا فلما ذاقوه وجدوه مرا مضرا.
أبو خليل اليدركلي
ومنهم أبو خليل من أهل ايدركل -رحمه الله- شيخ الجماعة النفوسية الأخيار وأول من أخذ عن الخمسة (2/103)
صفحة 334
حملة العلم الأخيار، ومن أثبتت أخباره في مشهور الأخيار ورويت عنه السير والآثار، ذكر أبو الربيع أن أبا خليل -رحمه الله- يقول: والله ما أنتم إلا على الجادة، ولا تركتكم إلا على الواضحة المنيرة، وما بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير ثلاثة لم أرهم وذلك لأنه أخذ عن ابن عباس وعن غيره من الصحابة رضى الله عنهم وروايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،.
شهادة المشائخ له عند احتضاره
وذكر شيوخ من أصحابنا أن أبا خليل لما حضرته الوفاة اجتمعت عليه الشيوخ فقال لهم: كيف حالي عندكم؟ فقالوا له: خير حال عبدت ربك العمر الطويل وتعلمت العلم وعلمته وعلمت السير والأخلاق، فقال لهم: أبهذا تشهدون لي عند الله؟ قالوا نعم، قال: اكتبوها هاهنا فكتبوها في رقعة، فقال لهم: إذا مت فاجعلوا الرقعة فيما يلي جسدي تحت الكفن فتوفي – رحمه الله – على مائة وعشرين سنة وعقله محفوظ، فلما جهزوه جعلوا الرقعة بين جسده وكفنه فلما أصلحوا القبر وألحدوه ورمسوه، وقفوا وخطوا عليه الحريم، فإذا كتابهم الذي فيه شهادتهم ملقى فوق تراب القبر، فرفعوه فإذا فيه غير خطهم الذي كتبوه فقرأوه فوجدوا فيه: هو عندنا كما هو عندكم.
يقتل الجاني خوفاً على أولاده أن يكونوا جناةً
وذكر أبو الربيع أن ولدا لأبي خليل قتل وترك يتامى فأخذ الشيوخ قاتله، فقادوه لأبي خليل، ثم سألوه أن يعفو عنه فقال لهم: دعوني الليلة أدبر رأيي فمضوا وتركوه عنده، فأمر بالجاني فأضجع وذبح فلما أصبح غدوا إليه فوجدوا القتيل مذبوحا، فاستعظموا ذلك وأنبوه عليه، فكان مما خاطبوه به أن قالوا: اجتمعت في قصتك هذه ثلاثة أشياء: ائتمناك عليه، وسألناك العفو، واستعنت (2/104)
صفحة 335
عليه بغيرك! فقال لهم: أما قولكم أمانة فمحال وإلا فما تقولون في رجل أتى إلى رجل بمال، فقال: هذا ملك أمانة عندك هل يأكله أم لا؟ وأما سؤالكم العفو وهو خير فصحيح، ولكني خفت على أولادي أن يكونوا جناة بأن يقتلوا غير القاتل أو يقتلوه، وليس ذلك لهم، وأما قولكم استعنت عليه بغيري، فما تقولون في شأن الضحية هل على من استعان عليها بغيره من جناح.
قلت لعل اليتامى الذي خلف ابنه إناثا لا ذكر معهن، ولو كان معهن ذكر لكان أولى بالدم من أب المقتول، ولا يصح غير هذا، إذ لا ينسب إلى أبي خليل هذه السقطة على جلالته وصلاح حالته، ومكانه في العلم والدين أن يتعمد قتل من لا سبيل له عليه.
يحث أولاده على ملازمه مجلس العلم والبحث عنه
وروي أن أبا خليل كان يقول للتلاميذ سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما كانت يا كسالى، فان رجلا قد سار من الجبل إلى فزان والي غدامس، وإلى الساحل، رغبة في الحلقة وفيما يستفيده، فلقيه في الطريق قطاع، فدافع عن نفسه حتى جرح سبعة عشر جرحا فظنوا أنه قد مات فتركوه فوجد في نفسه النهوض فنهض، ودخل موضعا يقال له وعمان، ومكث فيه أربعين ليلة بلا طعام ولا شراب غير أنه يرى في نومه من يطعمه ويسقيه، وخرج من الموضع وهو أصح شيء، وكأنه لم يصبه ألم وذلك بفضل الله وحسن نية الرجل وجميل قصده.
أبان بن وسيم
ومنهم أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي -رحمه الله- طود العلم الشامخ، وحصن الورع الباذخ، ودع (2/105)
صفحة 336
أهل الدنيا بعد حين، ورجع إلى الله فهو في حلبة المفلحين، وأحيى السنة من البلى وذلك ببركة الصالحين، وكان ذا سعة في المال والعلم وممن وسع أهل زمانه ما لديه من المعروف والحلم، فكان أمضى من الحسام متى أفتى، جامعا من المحامد لمعان شتى، وقد أوتي من كرامات الأولياء ما أوتي أمثاله، لم تزل ملازمة الصلاح أحواله، مصدقة أقواله أفعاله.
كان الشيخ يجل ويحترم من يتعلم العلم لله
كان أبان ممن قرأ على أبي خليل وكان معه طالب آخر يعرف بابن مؤنسة، يقرآن جميعا على أبي خليل، فكان أبان متى دخل على الشيخ فوجده مضطجعا أو متكئا أو مسغشيا ثيابه انحفز واستوفز"1" وجلس ومستويا، فأخرج رأسه من ثيابه احتفالا به، واهتبالاً لشأنه، وإذا دخل عليه ابن مؤنسة فوجده على أي حال كان، بقي عليه لم يتحرك، ولم يتحول استخفافا به، فكانوا على هذه الحالة الموصوفة مع كل واحد منهما، حتى قال حفيد الشيخ أو ابن أخت له: هل علمت ياشيخ أن قد تكلم فيما تقابل به كل واحد من تلاميذك؟ قال له الشيخ بالبربرية " يا مبتلى" أفطنت لهذا يا بني أن أبانا يتعلم العلم لله، وابن مؤنسة إنما يتعلم العلم ليؤذي به، ويؤذى، فكانا كما تفرس فيهما الشيخ – -رحمه الله- – وذكر أن أبانا تزوج امرأة فلما انعقد عليها نكاحها زارها في بيتها، ورام ارخاء الستر عليها هنالك، فلما وصل بيتها استأذن عليها، ففتحت الباب فقالت: من هذا؟ فقال: أنا ابان قد زوجنيك وليك، فأغلقت الباب في وجهه، وقالت: إنك وإن كنت أمينا لمحتاج إلى أمناء، قلت: ولعمرك إن هذه لمن زلات العلماء، وإن المرأة (2/106)
صفحة 337
لأولى بالصواب منه لوجوه كثيرة ولم نذكر هذه الحكاية لتطلع منها (على) عورة الشيخ، بل لتعلم إنها نظرت بمرآته واستضاءت بنوره، وشملتها بركته، وكان الأولى أن يعلمها بذلك وليها، وشهود عقد النكاح، وحينئذ يحاول في أهه ما شاء، ولئن فعل فإنه لم يأت أثما ولا حاب حوبا.
أبان سهل للناس في ثلاث مسائل شددوا فيها
ومما شكره عليه الشيوخ بجبل نفوسة أنه رخص للناس في ثلاث مسائل: أفتى فيها وشهد له كلهم بالصواب، الأولى: أن النساء قد كن في رمضان متى كن في انتظار أيام الحيض إذا أقبل الليل يوقدن النار الليل كله خشية أن يفاجئهن الأمر ولا علم عندهن، فكان ذلك أشد شيء عليهن تعبا ونصبا، فقال لهن أبان: أيما امرأة منكن أحست شيئا من ذلك فلتجعل علما فكل ما رأت على علمها بعد الصبح فاستدلت به، حكمت بذلك ويجزيها، الثانية: أن نساءهن المرضعات كن يرين أن وضوءهن منتقض بأفواه أولادهن فمتى أرضعن أعدن الوضوء في كل وقت صلاة لأجل أفواه الرضع، فقال لهن: أيما امرأة حفظت فم ولدها ومسحته فأرضعت وهي متوضئة فلا ينتقض وضوؤها، الثالثة: أنهن إذا عملن غزلا قد صبغها اليهودي، فمسته رأين أن وضوءهن قد انتقض لمسه، لأن اليهودي نجس، فقال لهن: أيما امرأة مست صباغ اليهودي فليس عليها إلا غسل يديها، وليس عليها إعادة وضوء.
مكانة أخيه تحفزه على التعلم والاجتهاد رغم الكبر
ذكر غير واحد أن بدأ أمر أبان بن وسيم ورجوعه إلى الله وتركه ما كان فيه من الخوض في غمرات الدنيا، أنه كان هو وأخ له اسمه سعيد يكنى أبا محمد مريضين، وكان أخوه أسن منه، وكان متقدم التوبة فاضطجعا في غار واحد، وكان مضطجع أبي محمد داخل الغار، وأبان مما (2/107)
صفحة 338
يلي باب الغار، وكان الشيوخ والعواد يدخلون ليعادة أبي محمد فيدخلون، ويتجاوزون أبان، وينتهون إلى سعيد فيجلسون إليه، ويؤنسونه، ويحفون به ويختلفون إليه ويسألونه عن حاله، وعما يشتهي، فإذا كان عند انصرافهم دعوا الله أن يشفيه، ثم يتجاوزون على أبان لا يختلفون وغايتهم أن يقولوا كيف حالك يا أبان؟ يا ضعيف؟ وربما دعوا له بالشفاء، فكان ذلك لما أراد الله به من الخير والصلاح زجرا له عما كان عليه، وردعا، فإذا سألوه هذا السؤال قال: فإن فرج الله على أبان سيريكم ما يصنع وتقفون على خبره، إن شاء الله، وفرج الله عليه فوفى بما اعتقد، وتاب ورجع إلى الله تعالى، فكان في حلقة أبي خليل مواظبا للدراسة، عاكفا على القراءة، والمطالعة، حتى بلغ الغاية بالعلم والورع والاجتهاد في العبادة.
لكن زمان نذير وأنت نذير زمانك
فبلغنا أن شيخه أبا خليل قال له يوما وقد أعجبه ما هو عليه واستسر بما انتهى إليه: اعلم أن لكل زمان نذيرا، وأنت نذير زمانك، يا أبان افت الناس بما لا بأس به من الرخص يكون ذلك لهم عذرا، عند مولاهم، فسأله رجل: عمن أكل يوما يحسب أنه أكل ليلا وهو صائم فإذا هو أكل بعد الصبح فتجهم له وأغلظ عليه، وشدد حتى بدا في لسانه تلجلج والتواء، وقال: يحمل أحدكم الشره والنهم حتى يأكل صباحا، ثم يطلب المخلص ثم أفتى له بأن صومه لا ينهدم، وأمره أن يقضي يوما مكانه.
تحفظ من المطر لطاعتها لزوجها
وذكر أن ابنة لأبان جاءته زائرة فصب مطر غزير يمنع من التصرف، فقال لها: بيتي الليلة عندنا، فقالت: لم يأذن لي في المبيت، إنما أذن لي في الزيارة فقط، تعنى بعلها، قال: فتمادى المطر يهطل وأقبل الليل، فعلم الشيخ (2/108)
صفحة 339
أن الذي قالته هو الواجب، وأن امتناعها من أجابته هو الصواب، فقال لها: إذا فسيري في حفظ الله وستره، فمضت إلى زوجها ومنزله بعيد فأدركته والمطر يضرب ولم تقطر قطرة مطر، ولا وقعت على ثيابها، فمرت بناس في سباط المنزل قد حبسهم المطر، وجمعهم هناك، فلما رأوها وكيف حفظها الله عز وجل بدعوة والدها، جعلوا يتعجبون ويذكرون الله عز وجل ولطفه بعبادة الصالحين.
كيف كان الناس وكيف أصبحوا
ومما حفظ من كلامه في ذم الزمان وأهله، أنه قال: " قد أدركنا الناس الذين هم الناس محادثتهم ذكر الله تعالى، وزيارتهم في الله تعالى، ومعانقتهم في الله تعالى، ومحبتهم في الله تعالى، وبقينا حتى أدركنا ناسا محادثتهم ذكر الدنيا، وزيارتهم لتقاضي الحوائج ومعانقتهم نطاح"2" ومن كراماته أن ذئبا أذاه في بستانه فدعا عليه، فوجده من الغد منتفخا، وذكر أن أبانا قال يوما لأبي عبيدة عبد الحميد: علينا ولاية الأشخاص فأبى له أبو عبيدة، فلما رآه أبان كذلك دخل بيته وأخذ سلاحه وخرج، وقال له: لتعتقدن هذا وتدين به، قال: فلما رأى أبو عبيدة صر يمته وعزيمته، قال: من أين أخذتها يا أخي؟ قال: أخذتها من الذي أوجب علينا طاعتك يعني الإمام عبد الوهاب، فقبل أبو عبيدة الحق وتبين له.
----------------------------
1 - جلس مستوياً متهيئاً للقيام
2 - يعني أنهم يتعانقون بأبدانهم ومشاربهم وأفكارهم مختلفة فعناقهم كأنه نطاح لا لمحبة وأخوة.
أبو مهاصر موسى بن جعفر
ومنهم أبو مهاصر موسى بن جعفر- -رحمه الله- - شيخ النسك والتبتل، والمكرم بالدعاء المستجاب، المتقبل، (2/109)
صفحة 340
رفض شهوات النفس وباعدها، فبان بأسنى المنازل، واستوجب الرقي في درجات الرقي في درجات الأفاضل، ازدرى أهل الدنيا وهم يرون أن قد أزدروه، وباع حظه منها حين بذلوا فيها نفائسهم واشتروه، وتحقق أن من اشترى الدنيا غبن، وجاء عليه الدرك فمن عرف ما تلاك هان عليه ما ترك، وما هو في تحصيل العلوم بذي تقصير، ولا باعه فيها بتقصر، إلا أن النسك أغلب عليه، والمجاهدة أقوى يقينه.
يذم البادية لأنه لا يتمكن فيها من الطهارة
حدث جماعة من المشائخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع، هو وعمروس بن فتح - رحمهما الله - فلبثا أياما على غير ماء في برية من الأرض، لا يجدون ما يتوضأون به، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا، وتكدر خاطر أبي مهاصر لذلك حتى قال ذاما لهذه الحال: قلوب تربو عليها الشحوم مما سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة، قلت: سلامة الدين مع أهل الوبر، إنما الدين في المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لإتباع شهواتنا، وإني لأخاف أن أكون ممن عاب الله عز وجل، فقال فيهم: (أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم: من الآية 59) فرد عليه عمروس بأن قال له: ليس في ذلك ما تخافه فقد أباح الله التيمم عند الضرورة، فأبان ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك في ابتغاء الفضل، وقطع الفيافي المجاهل من الأرض، وقال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (الجمعة: من الآية 10) وقال: (عَابِرِي سَبِيلٍ) (النساء: من الآية 43) وقال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) (النساء: من الآية 43) فلن يقنع ذلك جميعا أبا مهاصر بل ارتحل راجعا إلى منزله، قيل وأنه استصحب معه من الزبد وغيره ما يتحف به أهل منزله، فلما وصل (2/110)
صفحة 341
جعل يهدي إلى كل دار من ديار قريته ما أمكن، حتى لم يبق بقريته أحد إلا وقد قات من ذلك قدر له، حتى يهودي ضعيف كان معهم ساكنا، فأناله من ذلك، وقال اليهودي: وأنا أيضا لم ينسني اللهم لا تنسه من رحمتك برحمتك، فقال عند ذلك: وهذا ما أردته منك يا يهودي يعنى الدعاء، قلت: ولعله أراد ما يعطفه ويلين، فيدخل الإسلام، وإلا فمثل أبي مهاصر لا يجهل قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (المجادلة: من الآية 22) قيل وجمع أبو مهاصر من الصبيان فأعطاهم حتى هرة كانت معهم، وقد قيل جروة فدعا له الصبيان
ربهم، ولقد شوهدت الهرة عند اختلافهم وهم في الدعاء شائلة يدها معهم كهيئة الداعي إلى الله تعالى فيما ذكروه، فقال من شاهد ما شاهد: أن الله خلق الرأفة والرحمة وأسكنها قلوب المؤمنين، وخلق القسوة والجفوة وأسكنها قلوب الكافرين، وجواب أبي مهاصر قد حكي مثله عن أبي مسعود رضى الله عنه.
لم تضحكون ممن أتاني وقد أقامت عليكم الحجة؟
وحدث الشيخ أبو نوح عن غير واحد أن أبا مهاصر كانت له أتان حج عليها سبع مرات، وعادته إذا خرج متوجها إلى الحج، سار حتى إذا وصل مصلى له كان يتعود الركوع فيه، فيقف هناك يدعو الله، فتنهق الأتان هناك نهقة، فنهيقها يعرفه أهل قريته بانفصاله، ثم لا تنهق حتى يعود، فإذا عاد ووقف بذلك المصلى يصلي، فيدعو فتنهق أيضا، فيعرف أهل قريته أنه قد رجع فيضحك عوامهم وجهالهم، ويقولون: أتسمعون أتانه نهقت؟ فيقول لهم أبو مهاصر: لم تضحكون عليها وقد أقامت عليكم الحجة، وانقطع عذركم في استطاعة السبيل؟ وذكر أن أبا مهاصر (2/111)
صفحة 342
خرج ذات مرة في بعض شؤونه فمر بغزاله ترضع طلاها فلما رأته ذعرت، وفرت، وعزلت طلاها، فقال لها أنا أبو مهاصر، ارجعي إلى ولدك، فرجعت، وذكر أنه سمع نقنقة ضفدعة فنزل إليها فوجد علقة متعلقة بعينها فنزعها وقال: آذتك يا ضعيفة؟ فأومت برأسها: أي نعم.
أبو عثمان المزاتي
ومنهم أبو عثمان المزاتي الدكمي -رحمه الله- ذو الإيثار والسخاء وكرامات الأولياء، المفزع إليه لاستجابة الدعاء، المقصود في الشدة والرخاء، سلك في النسك والزهد أنهج المسالك وتحرى جهده فيما يبعده عن المهالك، وأما العلم فليس هو هنالك، وأبو عثمان هذا ممن سكن بجبل نفوسة، وليس الجبل قديما له بدار لكنه نزله فاستقر خير استقرار، ووسعه ما وسعه في الإسار والإعسار، ولمصيره كأحدهم غلب على أسمه ما غلب على ذلك اللسان، فكان أسمه مشهورا باللغة النفوسية فإذا ذكروه قالوا (باثمان).
باثمان يتعظ بالحيوان الذي يسعى ولا يدخر
فمن كرامته ما ذكر أن مجاعة وقعت بجبل نفوسة فكان عند باثمان غرفة موسوقة شعيرا، فخرج يوما يستقي فلم يجد على البر أحدا يستعين به، فنظر فإذا ذئب فقال له: باثمان بلسان البربرية كلاما ترجمته بالعربية، لم نجد اليوم على الماء سواك فهلم فامسك لي فم السقاء يا آفة الغنم، فأنطق الله الذئب فأجابه باللسان أيضا بما ترجمته أنا ساع في تحصيل معيشتي، إذ لست مثلك يا باثمان، تدخر الشعير الحولي، فذكر أن الذئب أقبل حتى أدخل رأسه بين علاقة السقاء، وأمسك بفمه فم السقاء، فملأ بأثمان (2/112)
صفحة 343
سقاءه، وسار الذئب وانقلب باثمان إلى البلد، فألهم أن ذلك تنبيه من الله عز وجل، وعناية به، فعمد إلى الغرفة فتصدق بجميع ما فيها.
باثمان يدعو الله فيستجيب له
وذكر أن الجبل أقحط سنة من السنين، ولباثمان بستان فجفت أغصانه وتساقطت أوراقه، فقالت امرأة باثمان لابن له: سر إلى أبيك فقل له يدعو الله أن يسقي بستاننا فقد هلك، وسار الصبي حتى قدم على أبيه فلما رآه قال: أبعثتك أمك لاستقي لكم البستان؟ من غير أن يعلمه الصبي بشيء، فقال له: نعم، فدعا باثمان ربه فأرسل الله سحابه فحامت على بستان الشيخ فسقته، حتى فاضت جسوره وسكوره"1"، فأصبح مهتزا، مخضرا، ولم تجاوز السحابة بستان الشيخ، فاجتاز به شخص كثير الإصابة بالعين، فنظر إلى اخضراره، فقال عجبا لهذا البستان كأنه في النيل ولم يلبث أن جف وذبلت أشجاره، فبلغ الشيخ ذلك فدعا على العائن بان يميته الله فريدا بلا وصية، قيل فخرج من منزله فغدا إلى الحصادين فوجد في طريقه ميتا، فريدا، وقد كتب وصيته فنسفتها الريح، وقيل بل دخل في سرب يحفر طفلا، فانهدم عليه، ومات. وعلى كلا الخبرين قد علم ذلك من نفسه متقدما فلم يغض طرفه، ولم يكف لسانه، وإلا فأي ذنب على من نظر مستحسنا خلق الله، أو تكلم متعجبا من صنع الله.
نساء يتمنين التفاني في خدمه الغير رجاء ما عند الله
وذكر الشيوخ أن ثلاث نسوه صالحات مجتهدات اجتمعن يوما بجبل نفوسة، وتحدثن فأمضى بهن التحدث إلى الأماني حتى قالت أحدا هن: أتمنى لو أن الله ساقني إلى قوم جهال (2/113)
صفحة 344
فأعلمهم ما يحتاجون إليه، من أمور دينهم فيرحمني الله بما أعلمهم من فضل العلم والتعليم، وقالت الثانية أتمنى أن لوآوى إلي نفر من المسلمين في ليلة ذات مطر وبرد وقد بللهم المطر، وتمكن منهم البرد والجوع، فانهض فأعالج لهم ما يذهب عنهم البرد والجوع، فيرحمني الله بهم، لفضل الصدقة وحرمة الصالحين. وقالت الثالثة أتمنى لو تزوجني رجل ذو غلظة وفضاضة فيحملني ما يعجز عنه مثلي، ويكلفني من خدمة فوق طاقتي، ويؤذني بأنواع من سوء العشرة، فاصبر على ذلك واطيعه، فأنال بذلك خيرا فيرحمني الله لفضل حسن التبعل، والصبر على الأذى قيل، فقضى الله عز وجل أمنية كل واحدة منهن.
منزو بنت باثمان وأمنيتها المتعبة
وكانت المتمنية البعل السوء العشرة، منزو بنت باثمان فأنكح باثمان بنته رجل من قومه مزاتيا، فلما تزوجها ركب على جمل له ومضى، حتى مر بنساء على ماء فقال: إن كانت منزو فيكن فأنى لا آذن لها في المقام بعدي، وكانت فيهن فقامت فأخذت ردائها فارتدت وسارت في اثر بعلها حافيه، راجلة، فمشت حتى وجيت"2"، فصارت إذا رفعت قدمًا إذ الدم في موضع القدم، إلى أن ينزلا فإذا نزلا قامت وابتدرته بردائها فوسدته، فكان ذلك حاله وحالها حتى وصلا وطنه، فبنى لها بيتا بنبذة عن الناس، فكن يسيء إليها وتحسن، ثم تزوج عليها امرأة فكان ما تلقاه ابنة الشيخ من سوء العشرة في زيادة، وكان الذي يبدو منها من الإحسان والصبر في زيادة، فلما كان ذات يوم إذا قافلة لأهل جادوا قد مرت بها، فتكلمت بكلام له وزن في غناء البربر، وترجمته (ألا أحد يزورني في الله (2/114)
صفحة 345
فيذهب غم النفوس، ويزيل الوحشة؟) فوقع كلامها في مسامع بعض أهل القافلة فحدوا بها جمالهم، حتى وصلوا جادوا، وتذاكروا كلامها، ففطن بذلك أبو زكرياء يحيى ابن يونس السدراتى، فعلم أنه كلام بنت الشيخ فمشوا في جماعة من المشائخ يندبهم إلى زيارتها، حتى تيسر له مراده من ذلك، فخرج إليها المشائخ، ومعهم باثمان، حتى وصلوا إليها فوجدوها منفصلة في قميص تصلح خيمتها، خارجا من الخيمة فقال لها أبو زكرياء: إني لأختار أن أجد جنازتك خارجا ولا أراك على هذا الحال واستتابها، فتابت مما كان منها، ومكثوا عندها ثلاثا فأرادوا الانصراف، فرغبت إليهم في إقامة ثلاثة أيام أخرى، ففعلوا فلما مضت ست ليال، وأرادوا الانفصال واجتمعوا لوداعها قالت لأبي زكرياء:: انصب لي هاهنا قدمك لأذكركم بها، وتذهب عني الوحشة، ففعل، فأكفأت عليها قدحا، فقالت له: أزلت عني الوحشة وعلمتني العلم يا سدراتى، لا عطشت يوم المرورات، فقال لها: لا تقولي يوم المرورات بل قولي يوم الشدائد، لان المرورات المفاوز في الدنيا، - والشدائد – ما يكون في الآخرة، ثم
قال باثمان: يا بنتي سبق القضاء بان أنكحتك من لا أحبه ولا تحبينه، فعاملك بما أرى فلا تجزعي، ولكن اصبري فإني أرجو الله أن لا تنصرم عشرة أيام إلا ويموت من يموت، ويفرج الله عليك، وينقطع عنك النصب، وهذا القول بكلام بربري موزون أيضا، قال فودعوها ومضوا، قيل: فلما كان العاشر من يوم وداعها أورد بعلها ابله على بئر لهم، فجعلوا يمتحون ويسقون حتى انقطع الرشاء وسقط الدلو في البئر، فهم (2/115)
صفحة 346
أحد عبيده بالنزول إلى الدلو، فأبى إلا أن يكون هو الذي ينزل، وذلك لما سبق في علم الله، فنزل وشدها، ثم قال لهم: ارفعوني فرفعوه إلى أن حادى بحفير في البئر، فإذا حنش عظيم قد رصد له، فقال أيضا: أنزلوني فأنزلوه فلم يزل حاله: أنزلوني، ارفعوني حتى أيقن بالهلاك وقال لهم: ارفعوني فلما قابل مكان الحنش أخذه وجذبه إلى غاره، فما سمعوا إلا تضعضع عظامه، وكفى الله المؤمنين القتال.
وقد ذكر الشيخ أبو نوح: أنه حين جلبها يسيران نهارهما، فإذا نزلا قامت من حينها فعالجت العشاء بنفسها وأصلحت جميع شؤونها، ثم قامت إلى التهجد فلا تزال راكعة ساجدة إلى طلوع الفجر فتصلي الصبح فكان هذا دأبها إلى أن وصلت منزل بعلها.
سوء تصرف العجائز
وذكر المشائخ أن بأثمان صحب أبا مهاصر موسى بن جعفر، يريدان التوجه إلى الحج وأبو مهاصر يتوهم أنه خرج معه مودعا له، حتى وصلا مصلى أبي مهاصر فوقفت به أتانه، فدعا الله، فقال له: ابق في حفظ الله يا بأثمان فقال له باثمان: أو تقول ذلك يا موسى بن جعفر؟ أو ترى أني أقيم بعدك؟ لعلنا نرعى الإبل والغنم فقال أبو مهاصر: فإذا عزمت فتوكل على الله، فاصطحبا ومؤونة باثمان على أبي مهاصر، حتى قال له رجل ممن سار معهما إلى الحج، اترك باثمان إلي لأقوم به، ففعلوا، ومضوا وباثمان يمونه الرجل المتكلف بمؤو نته. حتى (2/116)
صفحة 347
وصلوا أرض الحجاز، فقالت عجوز للمكتلف بباثمان: دع هذا، فإلى متى تحمله؟ فأخذ بقولها، وخلى باثمان، فعاد إلى أبي مهاصر، كما كان أولا فبقيت في نفس باثمان مضاضة من كلام العجوز، فتكلم بما معناه: وصلنا أرض الحجاز وموضع كرب النفوس، فذهبت المرأة وثبت الدين لمن كان عليها فياسيل إياك، إياك الرجال، ودونك العجائز – لا تدع منهن من يعبر أو كما قال، قيل فأرسل الله سيلا فهلك فيه ثلاثمائة عجوز، ولم يضر أحدا من الرجال، قيل، وقد حفظ من كلام عمر- رضى الله عنه- في العجائز ما ينبغي معه الحذر منهن، روي عنه أنه قال: لأن أجد في بيتي سبعين سارقا، أحب إلي من أن أجد فيها عجوزا واحدة، وإن كان هذا من غير هذا المعنى.
روي أن باثمان زارته ابنته " تكفا" فلما أرادت الرجوع صحبها أبوها ليبلغها إلى منزل بعلها، وقد قيل أن ذلك إنما كان في وقت اهدائها لبعلها، فأصابها مطر وكانت على أتان، فقالت: يا والدي إني أخاف على ثيابي البلل، وأنت تعلم حال العروس، واحتياجها إلى الثياب الجديدة، وما ينبغي لمثلها من النظافة والنقاء، فما الحيلة؟ قيل فدعا الله أن يحوطها ويسترها، ولم يبتل شيء من ثيابها، وابتل باثمان وأتانه وما ركبت عليه، قلت: وما ذلك على الله بعزيز.
-------------------
1 - سكوره جمع يسكر بالكسر ما سد به النهر أو ساقية الماء.
2 - وجيت / رقت قدمها وآذاها المشي حافيه.
مهدى النفوسي
ومنهم مهدى النفوسي -رحمه الله- قوم الجدال. ومدرة النضال. المقدم في علم البرهان والاستدلال، المحتج على (2/117)
صفحة 348
إمكان الممكن، واستحالة المحال، وعلى الفرق بين الحلال والحرام، ولنعم الدرع إذا دعيت نزال، الرادع لقيام أهل البدع والضلال قد مضى من ذكر أنبائه في وفوده على الإمام، وما كان من ادحاضه حجج الملحدين، في ذلك المقام، ما هو مشهور في الآفاق، ومغن عن زيادة اعلام.
وذكر مشائخ أن مهديا هو أحد من صد مكائد نفاث، وقمع أن يشيع في نواحيه تلك الأحداث حتى ضرب بعضهم الأمثال، فيما شوهد من تلك الأحوال، واستحسنت أحوالهم وسارت مسير الشمس وإن كان في وضعها وألفاظها بعض السير فإنا اعتذرنا عنها، إنما وضعها واضعها باللسان البربري ليتناقلها البربر، فكالهم بصاعهم لم يطغف ولم يبخس ولم يعد من الألفاظ ما يفهمونه، ولا أعرب ولا أغرب بحيث يتوهمونه، ذكروا عن أبي مهاصر بن جعفر - رحمه الله- وكان شديد الغضب في والله إن كان في العلم ليس بمنتهاه، أنه ضرب مثلا في نفسه في نفاث، وقال تنبح جروة أبي مهاصر لئلا يأكل الذئب الغنم، وقد كاد يأكلها حتى أتت سلائق " ويغو" فهرب الذئب وأمنت الغنم يعني الجروة نفسه لضعفه في العلم، ويعني بالذئب نفاث بن نصر، ويعني بالغنم نفوسة، ويعني السلائق مهديا وعمروسا، وهما من منزل يقال له: ويغو، يعني بأكل الذئب الغنم استحواذ نفاث على أهل الجبل، واستفزازه إياهم بأن يدعوهم إلى ما أحدث من التبديل، واعتقد من الأضاليل فصادف الفحلين فجعل الله بهما كيده في تضليل وأرسل الله من بيانهما طيرا ترميه بحجارة من سجيل. (2/118)
صفحة 349
. أبو مسور يصنيتن
ومنهم أبو مسور يصنيتن النفوسي - رحمه الله-، أحد الشيوخ المجتهدين في أفعال البر، المخلصين في العلانية والسر، أكل الدهر عليه وشرب، وعمرت معاني قلبه وإن كان بنيان جسمه قد خرب، أفنى العمائم الثلاث، وليس بغير محاسبة نفسه اكتراث، ولئن كان دون غيره في درجة العلم، فقد فاق في الورع والحلم.
الشيخ عَّمر حتى صار غريبا في غير جيله
كان مما حفظ من أقواله: إذا وقعت الفتن أمسكنا أيدينا، وأموالنا، وألسنتنا، وعيوننا، وأرجلنا، ووكلنا أمر قلوبنا إلى الله عز وجل وفوضنا أمرنا إليه، قيل وكان هذا الشيخ قد عمر حتى بلغ الغاية في السن والهرم، وكان يقول: عشت حتى لم أجد في الأيام ما أريده، ولا في نفسي، ولا في الإخوان، ولا في الأولاد، ولا في القبيلة، فأدعو الله أن يريحني مما أنا فيه، وقال: الشيخ أبو نوح لم يقل هكذا، وإنما كان في زمان الإمام عبد الوهاب - رحمه الله- وعاش بعده زمانا فلعله لما ضعف جسمه وقل ما بيده وقصر عما كان يبدي من الصلات وفقد ما أدرك في ريعان الشباب، من مرضي الحالات، لامه أولئك الأقارب ووخزوه بشبات ألسنه كأذناب العقارب، وأنكروا ما عرفوا من معرفته وعرفانه لما عدموا مع العدم ما كانوا وجدوه حين الجدة من إحسانه وتغير الزمان بتقلب الحدثان، وكتم ما أصابه احتسابا، واعتقد أن يدخر بكتمانه ثوابا، فغايته أن قال: لم أجد من نفسي ما أحب، ولما سمع المشائخ هذا الاعتذار استحسنوه، وحفظوه عنه، وأتقنوه، وتحققوا صوابه، وأيقنوه، لأن الشيخ في غير جيله غريب، مخطيء ولو (2/119)
صفحة 350
أنه مصيب، وكذلك أنا لما استحسنتها واستصوبتها أعطيتها حقها من الترتيب وهذبتها.
إبنة الشيخ وآراؤها المصيبة
وذكر أن ابنة له سألته عن مسألة من مسائل الحيض ووصفت له إمارات من ذلك، ثم قالت له: أتراني أن أصلى بهذا أو لا؟ فقال لها: ألا تستحي منى يا ابنتي؟ فقالت: أخشى أن استحيت في أمور ديني أن يمقتني الله تعالى يوم القيامة، فاستيقظ الشيخ فقال: لا يمقتك الله يوم القيامة يا ابنتي، قيل وكانت ابنته هذه عظيمة القدر في أهل زمانها، وممن يروى عنها الفوائد الكثيرة، فمما روي عنها مع ابيها أيضا أنها جلست معه ذات يوم، حتى قال المسلمون أفضل من أقوالهم، فقالت هي: أقوالهم أفضل، لأن المسلمين يموتون وتبقى أقوالهم ينتفع بها بعدهم، إلا إن كنت تريد فضل الأجسام على الأعراض، وإلا أفعالهم والدين أفضل المخلوقات، قيل وجلسا يوما يتحدثان وقد غسلا ثيابهما ونشراها للشمس، فنظر الشيخ إلى صفاء الثياب، فقال: تمنيت أن الله عز وجل طهر قلبي كطهارة هذه الثياب، فقالت: تمنيت أن يكون بيدي تطهير قلبي فاطهره كهذه الثياب، وأرسله إلى مولاه، فقال لها: انك لأبلغ مني حتى في الأماني.
أبو محمد عبدالله بن الخير
ومنهم أبو محمد عبدالله بن الخير - رحمه الله- شيخ التقى والإخلاص، والمتحري مسالك الخلاص، المعمر في الطاعة، الذي لم يخل من العبادة يوما ولا ساعة، وكان عالما كبيرا، فاضلا أثيرا، كانت الأمثال تضرب به فمنها أنهم كانوا يقولون: من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبدالله بن الخير. (2/120)
صفحة 351
الطهارة تغلب النجاسة مهما وجدت لها وجها
ذكر أنه ذات مرة أصابه سعال فأمر أن يتداوى باصطباحه حليب ناقة، وكانت عند أفلح بن العباس ناقة فكان يجيئه كل صباح بحلبها، فجاء يوما فرأى زيتا يسيل على ساق زيتونه، فقال: ما هذا؟ فقال: حضر غدائي فقدم ملثوثا بزيت في إناء مشغوب مرئب بالحديد، فأصابت يدي حديدة فرفعت يدي فإذا دم فاكفأت الإناء بما فيه على الزيتونة، فقال له: أخطأت ولعل دمك لم يسل إلا بعد أن رفعت يدك، لان العلماء يقولون إذا النجس يتوجه من تسعة وتسعين وجها، والطهارة من وجه واحد، غلبت الطهارة، فما جعل الله علينا في الدين من حرج، وكان إماما لمسجد موضعه وكان ثقيل السمع فجعل يجهر في صلاة السر، حتى يسمع من خلفه قراءته وقال له يحيى بن يونس: ما يسعنا في الصلاة خلفك وأنت لم تكلف إلا ما تسمع؟ فقال: لم أكلف سماعك يا ابن يونس، وتمادى على ذلك فلما أسن وضعف صار يجلس جلوس قومنا، فقال له: ما حال صلاتنا خلفك وأنت لم تكلف إلا طاقتك؟ فلما سمع ذلك منه تأخر فلم يؤم بعدها -رحمه الله-.
أبو زكرياء يحيى بن يونس
ومنهم أبو زكرياء يحيى بن يونس-رحمه الله- كان من أهل الورع والزهد، وممن أخذ نفسه بالمعهود والجهد ساعيا في الصلاح، داعيا إلى طرق الفلاح، هاديا إلى الرشاد، مغيرا للفساد، متحيز القطريات أين تصوب ليس لمناهل بره غور ولا نضوب.
صلاة الشيخ وتبتله ليلا
ذكر أن أبا زكرياء كان من عادته إذا صلى صلاة المغرب وصل بينهما وبين صلاة العشاء بالركوع والسجود حتى (2/121)
صفحة 352
يصلي العشاء ثم ينفل ما اعتاد التنفل به، ثم يوتر ثم يحتاط لجميع الصلوات، فكان هذا دأبه -رحمه الله- وقد ذكر مثل هذا عن أبي زكرياء بن أبي مسور اليراسني - رحمه الله-.
الشحيح محروم من خير الدنيا والآخرة
وذكر أن يحيى بن يونس زار عجوز ا تدعى أم زكار، وكانت صالحة مجتهدة، فوجدها هالكة جوعا ليس فيها إلا رمقا، وذلك في سنة مجاعة وبؤس، فسمع من قولها: أشتهي لبنا، قيل فمضى أبو زكرياء إلى شيخ يقال له باكبت، فاستدعى منه لبنا واعلمه بمحتاج أم زكار إليه وشهوتها فيه، وكان باكبت المذكور رجلا مكثرا، ممسكا، بخيلا، فقال: والله لا نبيض لها به مصرانا، وعنده إذ ذاك وضبان عظيمان مملوءان لبنا. لا يمخضها إلا أمتان تمسك كل واحده منهما بعروة من عرى الوضب لعظمهما، فلما أيس أبو زكرياء من خير باكبت رجع وعالج للعجوز حيسا وجاءها به وقد وجدها قد اختلفت أسنانها من الجوع، وجعل يحتال في تحصيل الحساء في فيها بعود شيئا فشيئا حتى عادت نفسها وقوي رمقها، فقالت: من هذا الذي أنقذ عظامى من الجوع؟ أنقذ الله عظامه من النار فاستوت جالسة ثم ابتدرت الانتقال لصلاتها وطاعة الله ربها، فأنت ترى ما نسب إلى أبي زكرياء في هذه الحكاية من الفضائل فإنها اشتملت على فصول من الصفات المحمودة، ذلك لتعلم أن الرجل ونظراءه إنما كان همهم أمر آخرتهم، لا يعوقهم عنه عائق ولا يطرقهم من الاغترار بزهرة الحياة الدنيا طارق. (2/122)
صفحة 353
. الطبقة السادسة 250 - 300 هـ: 1 - الإمامان محمد بن أفلح وابنه
وهم الذين تجرعوا أفاوق الغصص رغما، وتبدلوا بعد راحة الأنفس غما، وصاروا بعد صفو العيش إلى كدره، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، فانهم أدركوا عصر الظهور وهو أحسن الأعصار، وبدلوا به وسلبوه ذلا في آخر الأعصار، وفيهم من قبض وشمس الإمامة عند الطفل، وبعضهم لم يأفل إلا وبدرها قد أفل، كانوا في ظل عدل الإمامة، فصاروا يغتبطون لساعة يجدون فيها السلامة، ومع ذلك فلم يضرهم ما هم فيه، على الاجتهاد في سخط ما أسخط الرب، وبذل الاجتهاد فيما يرضيه، فمنهم الإمامان محمد ويوسف رضي الله عنهما -ما- وقد نبهت على أن مناقبهما جمة خطيرة، وقد تقدم ذلك، مع ذكر أسلافهما عند التاريخ والسيرة، وهاهنا ندبت تعيين إيراد ما في فضائل أفلح ومحمد وعبد الوهاب، فإنها على إنفرادهما في أصل الكتاب.
الإمامان محمد بن أفلح وابنه:
الأئمة الثلاثة يجمعون بين العلم والصلاح
ذكر أن محمدا – رضي الله عنه - لم يأل الإمامة إلا بعد أن ألف تأليفا مشتملا عل أربعين جزاء في الاستطاعة، (2/123)
صفحة 354
الأئمة الثلاثة يجمعون بين العلم والصلاح
وأن أباه - رضى الله - عنه لم يلها حسب ما تقدم إلا وقد جلس لثلاث حلق في ثلاثة أنواع من العلم، وقام في الإمامة تسعة وأربعين سنة، وما أعاد خطبة قط، وأنه قد كان أراد السفر إلى " جوجو" فسأله أبوه - رضى الله عنه - عن مسائل الربا، فتوقف في مسألة واحدة لم يجب عنها ولم يعرفها، فأمره أبوه بالرجوع من السفر، فقال له: أقم لئلا تدخل علينا الربا، فرجع، بعد أن تجهز وأبرز رحله، وهذا على ما هو عليه من التناهي في العلم خشي أبوه أن يرتطم في الشبهات وفي ذلك كله ما يشعرك بفضيلة كل واحد منهم - رضي الله عنه -م.
عمروس بن فتح
ومنهم عمروس بن فتح - رضي الله عنه - بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ، ولم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادفة تلك الهموم، فكابد وكابر، وصادر وصابر، لازم الدرس والاجتهاد، ثم رابط على الجهاد، يتلقى السيوف بالصدر والمنحر، يقيم هامته مقام المغفر حتى انتظم في سلك من تحسبهم أمواتا وهم أحياء عند ربهم يرزقون (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ((الانبياء:103) فلحق بالنعيم المقيم، بعد أن خلف شيعه وأتباعه منتهجين الصراط المستقيم، وهو الذي لولاه لدثر معلم المذهب وانطمس، وعفر أثره واندرس، لتمسكه ببقية الحوائج العظائم وتصحيحه ما قيد عن الخراساني أبي غانم"1 "، وله مصنفات في الفروع والعقائد، تولت (2/124)
صفحة 355
فوائدها الصدور والقلائد، ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه وآدابه، وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه، إذ كان علم الدين يقتدى به، وذكر أو الربيع سليمان بن عبد السلام عن أشياخه أن عمروسا كان أعلم أهل زمانه.
عزم على تأليف كتاب في الفقه يرد كل مسألة إلى أحد الأصول الثلاثة
بلغنا أنه هم أن يعلق تأليفا في الفقه لم يسبق في طريقته، عزم أن يفرق العلم على ثلاثة أوجه: التنزيل، والسنة، والرأي، وما يتعلق بكل واحد منها من المسائل فيرتب كل باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاثة، وصرف إلى ذلك وجه العناية والاكتراث، حتى يكون تأليفه طراز لما صنف في علوم شرائع الإسلام، فلم يقدر الله ذلك بل قضى له باعجال الحمام، ونرجو به أن يكون له ثواب ما نواه، فجزاه على الكمال والإتمام.
وذكر عنه أنه كان ذات يوم جالسا في مجلس الحكم أيام أن ولاه القضاء أبو منصور إلياس، إذ حضر مجلسه خصمان لطلب أحدهما الآخر في حق تعلق به عليه، فلما أدلى بحجته سكت المطلوب، فقال: للمطلوب أجبه فلم يجب، فكرر عليه ثلاثا، فلما رآه لا يجيب وتبين له لدده قام إليه فركضه برجله، فقال له: جلساؤه عجلت يا عمروس فجمع عمروس أصابع يده ثم أطلقها، وقال: لهم كم هذه؟ فقالوا: خمس، قال: هذه منكم عجلة إذ أجبتم قبل أن تعدوها ثم قال: لإلياس إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك، قتل مانع الحق، والطاعن في دين الله، والدال على عورات المسلمين.
وذكروا أن جماعة قطاع أغاروا على رفقة فاستباحوها جميعا وخلوا سبيل أصحابها، ثم صحبوهم إلى جبل نفوسة (2/125)
صفحة 356
فلما انتهوا جميعا على الجبل، وأبو منصور إذ ذلك والي، قال وعمروس قاضي، فتشاجر أصحاب الرفقة والقطاع وترافعوا إلى أبي منصور فكلهم يدعي الرفقة وينسبها إلى نفسه، فحار في أمرهم ورفعهم إلى عمروس فقال: احكم بينهم، فعزل عمروس أهل الرفقة ناحية وجعل يسألهم واحدا واحدا، عن رحله، وجملته وعدده، وصفته وعلامة متاعه وقيد مقالة كل واحد منهم بشهادة، ثم استحضر القطاع، فسألهم كما سأل الأولين وقيد مقالة كل واحد منهم أيضا بشهادة، ثم أمر بحل الحمولة واستخراج ما فيها، فوجدوا وفق ما قال أصحاب الرفقة، ووجدوا قول القطاع مختلف مخالفا، متناقضا فقال عمروس: لإلياس هؤلاء أصحاب الرفقة، وأولئك أضيافك، فأنزلهم. يعني بذلك عن حبسهم وتنكيلهم فحكم بحمولة الرفقة لأربابها، فردها عليهم.
وجلس معه ذات مرة داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون -رحمه الله- فتحدثوا حتى جرى بينهم ذكر أهل الصدق، وأهل الكذب، وذكروا أهل شروس، فقال الشيخان: أن أهل شروس لا يكذبون فأظهر عمروس إجازة شهادة كل شروسي فعاتباه على ذلك، فقال لهما: إنما حكمت بشهادتكما، إذ زكيتما جميع أهل شروس، فقالا: ما أردنا ذلك، فوقف عن الحكم بشهادة غير المعدلين، قلت: وعمروس أجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر أو ينسب إليه هذا التهاور، ولعل الشيخين لما قالا في أهل شروس ما قالاه ظهر له أن في ذلك القبول مجازفة، إذ برءا من الكذب جميع أهل شورس جملة من غير تعديل، وتأدب أن يواجههما بالمناقضة فسلك بهما طريقا يرجعان به إلى الصواب من (2/126)
صفحة 357
غير تخطئة ولا توبيخ، وهذه إحدى فضائله، لا ينسب إليه غير هذا.
استنساخ عمروس لمدونة أبي غانم
وذكروا أن أبا غانم بشر بن غانم الخراسانى خرج من المشرق متوجها إلى المغرب ليفد على الإمام عبد الوهاب - رضي الله عنه - ومعه مدونته المشهورة التي رواها عن تلاميذه أبي عبيدة -رحمه الله- وقيد سماعها عنهم، فاجتاز على جبل نفوسة فاستودع عمروس الكتاب المذكور، وتمادى إلى تاهرت بعد أن استأذنه عمروس في انتساخ الكتاب المذكور فلم يأذن له، وعمروس حينئذ حدث فحسن عمروس الظن وحمله الحرص في العلم على انتساخه، فواضبه وعكف على النسخ وأخته تملي عليه، وكان إذا جلس للنسخ في موضع لازمه حتى تدركه الشمس فينتقل إلى الظل والأصل في يدي أخته وعينه في الكتاب لا يتحول حرصا في إحياء العلم، فما رجع أبو غانم من تاهرت إلا وقد أكمل عمروس انتساخ الكتاب، ورده في المكان الذي وضعه فيه فلما تناول الكتاب رأى في أحد أجزاءه نقطة حبر، فقال: أاسترقت هذه؟ قال نعم، سماني سارق علم، اخبارا لا أمراً وكان الكتاب في اثني عشر جزاءً وفي اثر هذا كان ما كان من تلف ديوان تاهرت غصبا وحرقا، ولولا تمسك عمروس بهذا الكتاب لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمد عليه وذلك بحسن نية عمروس وبركته ويمنه.
اجتماع عمروس بالشيخ ابن محبوب في مكة
وذكروا أن عمروسا كتب وصيته في كتاب، ودفعها لأولاده وورثته، فقال لهم: هذا كتاب وصيتي فاعملوا بمضمونه، وأنا خصمكم بين يدي الله. وذلك – والله (2/127)
صفحة 358
أعلم – عندما كان مرهقا إلى الخروج للقاء العدو يوم وقعة قصر " مانو" وفيها ستشهد حسب ما تقدم ذكره، فلم يعقب من ورائه الأخيرا، وانتقم الله من أعدائه الأغالبة ومزقوا كل ممزق قتلا، وغرقا، وكان مصرع البغي مرتع وخيم"2 ".
وذكروا أن عمروسا وأصحابه توجهوا إلى بلاد المشرق حجاجا فلما نزلوا مكة وجدوا بها محمد بن محبوب -رحمه الله-، فدخلوا عليه في مجلس فوجدوه مع أصحابه فسلموا عليه، فهش بهم وقربهم إجلالا للجنس، دون معرفة الأشخاص. فلما تبوأوا مقاعد المذاكرة، سأل عمروس أبا عبدالله عن مسالة فقال: ابن محبوب إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه ولا يرد إلا منه، فقالوا له: أنه هو السائل، فرفع ابن محبوب مجلس عمروس لما عرفه، وزاد دنوه من مجلسه، ثم جعل عمروس يسأل في مسائل الدماء عن مسألة بعد مسألة، حتى قال له ابن محبوب: هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال، فعند ذلك قال عمروس لأصحابه احفظوا السؤال واحفظ لكم الجواب، حتى نقدم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا ففعلوا فلما قدموا بلادهم قال لهم عمروس: هلم ما تكلفتم به، فقالوا له: لم نحفظ شيئا سوى قولك احفظوا المسائل لنرد بها على إخواننا. ثم أن عمروسا أعادها مسألة، فمسألة، عن آخرها.
أم عمروس توكله على وصيتها وهو صغير
وذكر أن أم عمروس حضرتها الوفاة وعمروس رضيع فأوصت بوصايا وأشهدت بها شهود الوصية، فقالوا لها إلى من تفوضين تنفيذ هذه الوصية؟ قالت إلى ذلك الذي في (2/128)
صفحة 359
مهدى، فأشارت إلى عمروس، فكان خليفتها على الوصية قيل فلما كبر عمروس وبلغ مبلغ الرجال شرع في وضع الوصايا مواضعها، وتنفيذها في وجهها حتى لم يبق منها شيء، قيل وأنه لما وجد في الوصية الحج توقف عنه، واشكل عليه الآمر وجعل يسأل في جهات نفوسة عن أحوال والدته فلم يجد من يعف حالها وتولاها غير امرأة واحده، فتولاها لذلك وحج عنها، أخذ في ذل بقول من قال أن الحجة تقوم في ولاية الدين بشهادة النساء والعبيد إذا كانوا ممن يقبل قوله، وتقوم به الحجة ولم يستجز أن يحج عنها أخذا بقول من يقول: بأن من يحج عن غير متولي فأنه غير مرضي الفعل، ولا مشكور الحال، فهذا الذي أوجب توقفه لا أنه استصعب الحج، ولا استعظمه، وإلا فالأمر يسير.
ذكر الأشياخ أن أهل جبل نفوسة كانوا في ذلك الزمان أكثر الناس حجا فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم حتى أنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر، فما ظنك بعدد من لم يولد له ذكر ومن لم يولد له أصلا ومن ليس معهم.
---------------------------------------------------
1 - يشير إلى ما قام به من نسخ مدونة أبي غانم الخرساني بمعونة أخته وسيأتي خبر ذلك.
2 - لعل في النسخ تحريف والمؤلف يشير إلى قول المتنبي/ والغي مرتع مبتغيه وخيم.
الشيخ أبو معروف ويدران بن جواد
ومنهم أبو معروف ويدران"1" بن جواد - رحمه الله - ناهيك بأبي معروف ذي الآثار والمعروف، الموصوف بدراسة العلوم والمطروف، الراقي ذراها البواذخ، المتقن لما أخذ عن أبي خليل وغيره من المشائخ، المنتفع بما تعلم (2/129)
صفحة 360
وعلم، المصيب متى رقم أو تكلم، وله في النوازل والأسئلة المعضلات أجوبة بديهة، كاشفة أشكال المشكلات، وكان متى قصده آمل فاز بالأمل لأنه جمع ما بين العلم والعمل.
لغز في مسألة إرث
ذكر أبو الربيع أن أبا معروف دخل عليه رجل يسأله عن مسألة معضلة، فوجده مريضا مرضه المتصل بوفاته -رحمه الله- فسأله الرجل عن المسألة وهي: ثلاثة رجال ونساؤهم ثلاث دخلوا بستتهم على مريض فقالوا له: أوص في مالك، فقال بماذا أوصي؟ ومالي يصير بينكم بالميراث أسداسا لكل واحد منهم سدسه، فقال أبو معروف: ذلك رجل ترك أما وأختين لأم وثلاثة بني عم له، وقد تزوج أحدهم الأم وتزوج الآخران الأختين.
يصون مال اليتيم بحيلة
وعنه -رحمه الله- أن صبيا يتيما جاءه كالمستغيث فقال له: يا عمي رأيت سيف أبي في يدي دلال في السوق ليبيعه، وإنما ناوله إياه بعل أختي وحقي في السيف باق فاستحضر ابو معروف الدلال فقال له: أشهر نصيب الابنة دون نصيب أخيها ففعل، فلم يجد من يسومه بقليل ولا كثير، فكان ذلك سببا لصونه على اليتيم.
وروي أن المعز أمير القيروان أهدى سيفا لمشائخ الجبل يريد تشتيت أمرهم، واختلافهم، لا التحافهم وإلطافهم فلما وردت عليهم هدية عدو الله، اختلفوا، فقال بعضهم: ردوه، فهو أولى به لأن صاحب الريبة أحق بالوقوع فيها وقال بعضهم: لا تفعلوا، فان ذلك عون له على ما هو عليه من الباطل والجور، وقال: آخرون اكسروه وادفنوه. فهؤلاء كلهم رأيهم مقصور على التحرج والورع والخمود على (2/130)
صفحة 361
الوقوف دون الشبهات لأن ذلك شأنهم وما رابوا عليه لا يزيغون عنه. قيل: وقال آخرون أمسكوه، فإن عطايا الملوك جائزة لمن يأخذها ما لم يلامس أمورهم الفاسدة، فهو المشهور عند جمهور الأمة، قيل، وأصيب من أدلى بهذا الرأي في بصره لما جاءهم من الفتيا بما لم يعهدوا العمل به، فقال ابن ماطوس: الحمد الله الذي جازاه في أن جعل له عقوبة ذلك في بدنه، وما يختص بدنياه، ولم يجعل له عقوبة في آخرته، قيل والمصاب ببصره هو أبو معروف.
أبو معروف يفقد بصره
قيل ولما أصيب أبو معروف ببصره وجه كتابا إلى الشيخ عبد الحميد الفزانى، وكان عالما كبيرا من أهل الدعوة، وكان قاطنا ببلد السودان يستمد منه دواء العين، فلما ورد عليه كتابه قال: عجبا لهذا الشيخ أعطاه الله دواء لداء الذنوب وهو يسأل ما يزيله عنه. فبلغ قوله أبا معروف فقال: أترى الفزاني يهزأ بي ويعدني صبيا يرضع إبهامه؟
فعبد الحميد إنما يعني أجر المصيبة والسلامة مما يكتسب بالعين من الآثام، وأبو معروف يرى أنه حرم بفقد البصر أنواعا من الخير كالاعتبار، والتعجب بصنع الله عز وجل، ومطالعة كتب العلم، والمشي إلى بيوت مجالس الذكر، وكلاهما ذهب مذهبا حسنا ورأى رأيا مصيبا. قلت أما كونهم اعتقدوا أن الذي أصابه عقوبة على فتياه مع علمهم أنه لم يخرج عن أقوال العلماء غير أنه مال إلى الأسهل وترك الأحوط فإنهم عدلوا إلى ما قاله قبل المشائخ في أمثالهم، وحفظ من أقوالهم، حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكونه تكلم بالعلم حسنة بالنسبة إلى من لا يلتفت (2/131)
صفحة 362
للعلم، وكونه ترك الأحوط سيئة بالنسبة إلى أحوال من اعتاد محاسبة نفسه، وإلا فحاشهم أن يعدوا كلام العلماء سيئة على الإطلاق.
وذكر غير واحد من أصحابنا أن أبا معروف كان تاجرا حينا من الدهر جالسا في دكان دأبه أيما وزن لأحد من الناس زاده من نفسه خروبة، وإذا أراد أن يأخذ لنفسه من أحد نقص خروبة، فلما حضرته الوفاة أوصى بعشرين دينارا احتياطا من تباعة الميزان، وذكر أن أم أبي معروف مرضت فدخل عليها لتوصي فاستفتت شهود الوصية في وصيتها، أي الوجوه أولى أن يصرف فيه أكثرها؟ فقالوا: كفارات الأيمان، قيل: فأوصت بثلاثمائة كفارة، فأنفذ أبو معروف جميعها.
يحسم النزاع والتهور بحسن تصرفه
وذكر أن رجلا رمى طائرا بحجر على غصن زيتونة، فتطاير بعض الحجر فأصاب رجلا فقتله، وذكر في زمان أبي معروف فترافع إليه أولياء القاتل والمقتول فأخذ أبو معروف القاتل إليه، فقال أولياؤه يا شيخ إن صاحبنا لم يتعمد، إنما رمى الطائر، فقال لهم أبو معروف: امسكوا، واصبروا لئلا أدفعه بمرأى منكم ولا قدرة لكم على رده، قيل وكان أولياء المقتول يقولون ادفع إلينا يا شيخ قاتل ولينا فإنه قتل مظلوما، فيقول لهم: امسكوا واصبروا، وإلا دفعته إلى إخوانه ولا تقدرون على رده، ثم حكم بالدية، فكان الذي خاطب به كل فريق من الخصماء قطعا للتشاجر والاختلاف، وكان توقفه لما علم في المسألة من الخلاف حتى حكم بينهم بما رآه أسد الأقوال، وتفرقوا على أيسر الأحوال. (2/132)
صفحة 363
يلوم شيخه لأنه رآه على صورة غير لائقة
ومما يذكر من تواضعه وبرائه من الكبر، ومحافظته على السير، وإنصافه من نفسه ما حكي أن أبا مسور اليراسني في مدة قراءته على شيخه أبي معروف، تيممه يوما فوجده في بستان له يعمل فيه بيده، وهو محتزم سراويل ليس على بدنه غيره، فإنه لما أخذ في العمل خلع عنه ثيابه فحين عاين التلميذ شيخه على هذه الحالة لم يرضها له، فأخرجه الخطة"2" فجعل الشيخ يتوب ويستغفر معترفا بالخطأ اعترافا استوجب به الرجوع، ثم أن أبا مسور أراد لومه، فقال له: قد كان اللوم متوجها قبلي قبل التوبة وأما بعدها فقد ارتفع اللوم.
--------------------------------
1 - أثبته صاحب السير باسم أبو معروف ويار بن جواد
2 - يبدو أن في العبارة سقطاً فهي هكذا: فأخرجه إلى الخطة أو فألزمه الخطة.
أبو منصور الياس
ومنهم أبو منصور إلياس - رحمه الله - الملاين المتخاشن الجامع أطراف المحاسن، جمع الأنفة والسيادة والتواضع والزهاده فهو لأولياء الله أطوع من النعل وأخضع وأحلى من العسل وأنفع، وعلى أعدائه أشد من الجبل وأمنع، وأمر من الموت وأفضع، وفي منازل الشرف أسنى من النجم وأرفع، وفي بحر العلم والجود أفيض من اليم وأوسع، إن قام في الله فالرئبال حول الأشبال، وإن دافع فالحمام للحمام"1"، ولي فعدل، وقال ففصل، يرعى حقوق الله حفظا، ولا يرى في ذات الله لذي حظ حظا.
ثلاث مكارم لم يخل منها آل أبي منصور
وكانت له كرامة في أهل مذهبه فقد جعلها باقية في عقبه، ذكر المشائخ أنه لم ينقطع من بيت أبي منصور وذريته ثلاثة أشياء، ولم تتبدل منذ فارقوا النصرانية، (2/133)
صفحة 364
ثلاث مكارم لم يخل منها آل ابي منصور
ورجعوا في دين الإسلام إلى الوقت الذي وقع فيه ذكرهم بذلك، وهي: الصلاحية، وزريعة القمح، وتناسل الغنم، الأولى بدعوة سابقة، والثانية والثالثة بالورع والتحرج وذلك كله بمساعدة وتوفيق من الله عز وجل.
وذكر أن رجلاً تاجرا مات بغتة في أيام ولاية إلياس فلم تمكنه الوصية، وكان معروفا بودائع الناس، قيل، فطلب الناس ودائعهم ورفعوا أمرهم إلى أبي منصور إلياس، فسأل طريقا يتوصل به إلى معرفة ما يدعيه كل مودع منهم، فاشتد ت عليهم طريق الشهادة، واستقبح أن يحكم بغير بينه، واستقبح أن يمنع المدعين، فطلب بتلطف رأيه وسياسته طريقاً إلى الحكم بدون الشهادة فقال هاتوا رحله وأرزمته فأحضروها، فكل من وجد له اسما على شيء حكم له به وإلا منعه قلت: وأراه إنما حكم في القضيه بهذا الحكم لأنه لما تعذر عليه إقامه البينه، رجع إلى الحكم بالوجهين وفي أحدهما ضعف في المذهب، لكنه رجع إليه عند الضروره وهما العادة والشهادة على الخط.
الام أولى بالحضانة وأحق
ومما يذكر من إطراحه حقوق الآدميين، وإسقاطه حظوظ ذوى الحظوظ رعيا لحقوق الله تعالى، ما يذكر أن امرأة عم لأبي معروف رفعت أبا معروف إلى مجلس أبي منصور طالبة نفقة ابنة لها هي ابنة عم أبي معروف يتيمة فتخاصما، فقال أبو معروف لأبي منصور: وإنما أضم إلي ابنة عمي، إنها بعد كبيرة. فقال له أبو منصور: لئن فعلت لأ نكلن بك حتى تكون هزؤة لفتيان أهل ويغوى، قلت: وهذا على ظاهره ليس بالمرضي في جانب أبي معروف فإنه أجل وأورع من أن ينسب إلى أن يعامله وإلى الإمام بمثل هذه المعاملة، وهذا عندي إذا صح فإنه محتمل (2/134)
صفحة 365
إما أن يكون وصيا على ابنة عمه، أو اتهم الكافلة بأنها لا تحسن تربية اليتيمة، ولا تحفظ عليها نفقتها، ولا هي أهل لحظانتها، فهو أولى بكفالتها بالقرابة والايلاء وأنه قد ثبت ذلك بالبينة فكان أبو منصور أراد تنزيه أبي معروف عن هذه القبيحة ورأى الستر على الحرائر أجمل، وإما أن يكون أبو معروف أراد بذلك أن ينكحها نفسه ورآها أبو منصور صغيرة مع يتمها، وفي نكاحها خلاف، فأراد أبو معروف ارتكاب أضعف ما قيل وتحرى أبو منصور الأخذ بالأحوط. فكلاهما قصد مقصدا جميلا وقد تقدم من وصف أحواله السنية عند ذكر الدولة الرستمية، ما يدلك على علو شأنه ومكانته في الفضائل ومكانه.
------------------------------
1 - الحمام بالضم السيد الشريف.
5 - الشيخ يعقوب بن سهلون
ومنهم أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن سهلون السدارتي المعروف بالطرفي - رحمه الله - العالم الفقيه، الفطن النبيه، اليقظان الذكي، الورع الزكي، ذو الجهادين الأكبر والأصغر، والاجتهادين المصلى والدفتر، كان يلقب شيخ الرأي الناصح، وكانت قراءته على الائمة بتاهرت قبل انطفاء تلك المصابح، هو الذي استشاره الشيخ عيسى بن يرزكشن في نزوله بتالا، وهي إذ ذاك عامرة، فقال تصلح للناس والعبادة، ولا يخلو من ذي حافر إلى أريغ، وإلى وارجلان، فنزلها وبلغ فيها مبلغا عظيما وذريته بعده.
وصية الشيخ لابنه
ولما حضرت الوفاة أبا يوسف قال له ابنه: أوصني، قال له: لا أراك تقبل الوصية يا ابن الرديئة فتردد في ذلك ثلاثة أيام فلما رأى جده قال له: لا يكن ندبك الناس إلى (2/135)
صفحة 366
وصية الشيخ لابنه
الخير أوكد من ندبك نفسك إليه، ولا يكن غيرك أسبق إلى الحرث منك، وكن للناس كالميزاب وكالسيل للأدران وكالسماء للماء.
وقصده رجل من دمر في مجاعة يسأله ما يتبلغ به فقال له: عرفني بأرخص ما في السوق، فأعلمه برخص الجمال، وكانت بيده أربعة وعشرون دينارا وديعة، فقال له: اشتر بها جمالا، فاشترى بها ثلاثة جمال وأمره أن يعزبها في أرض مزرعة مربية بين وارجلان واندرار موضع يقال له: " ايفدانن طوم" وزوده، ففي أيام قليلة صلحت أحوال الجمال، فوافق ذلك قدوم رب الوديعة فقال له سق أحد الجمال فسومه فبلغت قيمته أربعة وعشرين دينارا، فباعه ودفعها لصاحب الوديعة، وقال للدمري: بع أحد الجمال واشتر بثمنه ما تحمل على الآخر إلى أهلك، وبادر أهلك، وسر في حفظ الله، قلت: ومن شأن العزابة وأهل المذهب قديما إذا وضع عند أحد منهم وديعة أن يستأذن ربها في التصرف فيها في المصالح بغير تعد فيها، فإذا أذن تصرف، وفعل أبي يوسف من هذا النوع.
وذكر أنه كان في مدة قضائه كان يقضي بين الناس وهو يعمل أشغال داره لا يلهيه شيء عن شيء، وذلك لذكائه وقلة كبره، وكان منتهى الفتيا بوارجلان، وله مصلى معروف بوارجلان لاستجابة الدعاء، هو بين تينمصيون، وتينماطوس بمقربة من بئر الأجر.
6 - أبو محمد ملي
ومنهم أبو محمد ملي الايدرفي - رحمه الله - ممن يعزى إلى الورع والصلاح، لا ممن ضرب في المدارسة (2/136)
صفحة 367
بقداح، أو أديرت عليه من راح المذاكرة أقداح، إلا أن التقوى أظهر حاله (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (البقرة: من الآية 282)
يأبى أن يأكل طعامه لأنه يحمل له شهادة
ذكر أن أبا محمد ملي كان يحفظ شهادة بحق رجل نفوسي، فلما أراد منه أن يؤديها عمل طعاما واستدعاه إليه، فلما وضع بين يديه ذكر له الشهادة وأعلمه أنه يريد أداءها، فلما ذكره فيها وعلم أن الطعام إنما كان بسبب الشهادة المذكورة، قال له: " ارفع طعامك فإن عندي لك شهادة، فقال له: كل يا شيخ، فأبى عليه، فقال له: كل واشهد أني تركت لغريمي مالي عليه من حق شهادتك فانصرف، فأحضر أبو محمد قمحا صالحا واستدعى الرجل المذكور، فقال له خذ هذا الطعام فاصرفه فيمن تراه محتاجا والقمح إنما احتاط به لما أتلف من الطعام بسببه، فحمل القمح مساعدة للشيخ وصنع منه طعاماً وحمل أبو محمد معه زيتا وكسى به الطعام، وقال للرجل: كل أنت، وعيالك، ومن عندك.
تغير النعم من سوء تصرف الناس
وكان أبو محمد أحد المستجابين دعاءهم، الكثير اجتهادهم ورفعتهم في درج الكرامات، وسنائها، فمن ذلك ما ذكر أنه كانت له بقرة يحلبها وعادتها إذا أصبح قامت امرأته فتناولت القدح فتحلبها ساكنة لا تتحرك، ولا تنفر، فلما كان ذات يوم قامت إليها لتحلبها على حسب العادة، فركضتها برجلها، فانكب القدح، وتبدد اللبن، فقامت المرأة فذكرت ذلك لبعلها، فقال: ما هذا إلا لنازلة سوء شنيعة نزلت بالجبل، فأخذ عكازه وخرج مبادرا، فأتى جمع أهل الجبل، فوجدهم محتفلين على رجل ينكل ويجلد فسألهم عن شأنه. فقالوا له: جاء في كتاب من الوالي، فقال أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة؟ أو قال (2/137)
صفحة 368
يا معشر المسلمين، فقالوا لعمروس: جاوبه، فقال إذا قيل الحق بطل الجواب، قال: ثم سألوا فوجدوا الرجل المكتوب فيه غير هذا المظلوم، فلما علموا أنهم قد تعدوا وأنه برئ قوموا جنايتهم عليه، وغرموها.
يتحرج من أخذ غلة أرض حرثها بدون رضى صاحبها
وذكروا أنه حرث ذات سنة أرضا فلما حصد الزرع ودرسه وصير الحب في التلاليس إذا برجل قد وقف على الشيخ، ومعه ولده، فقال له الرجل: اللهم إنك تعلم أني لم آذن في حرث أرضي، ولا بعت ولا وهبت، وإنها لأرضى لم تخرج عن ملكي، فقال الشيخ لابنه أفرغ الطعام لربه ففعل ومضى الشيخ وابنه راضيين بسلامة دينهما.
7 - الشيخ سعد بن أبي يوسف
ومنهم سعد بن أبي يوسف -رحمه الله- ذو الأخلاق الحميدة. والآراء السديدة، والاجتهاد في طلب العلوم لا يعتاقه"1"، عنها إلا ما ليس فيه بملوم، قرأ على الإمام أفلح وتخدم فاستفاد وأفلح، وحافظ على طريق إمامه، وتساوى حاله في زمن رحيله عنه ومقامه، وفى بواجب البيعة لما نكث الناكث، ولم تمل به عن الطاعة علائق الشهوات، وقد مضى في السيرة الرستمية من ذكر صفته وأخلاقه، ما يدلك على طيب شيمه وكرم أعراقه، ومن تمسكه بعصم الدين وأسبابه، ما تعرف به سبقه في ضروب من الفضائل على كثير من أضرابه، وتقدم له من المناقب، ما هو أضوى من النجم الثاقب.
-----------------------
1 - هكذا في النسخ ولعل الصواب لا يعوقه عنها.
8 - الشيخ ياكرين وداود بن ياكرين
ومنهم الشيخ ياكرين وداود بن ياكرين - رحمهما الله - شيخا نسك وزهد، واجتهاد في العبادة وجد، (2/138)
صفحة 369
وقد ذكر أنهما خرجا ذات سنة من السنين إلى البادية في فصل الربيع، فكانا متوافقين، فلما عزما على الافتراق أو قبل أن يفترقا قال ياكرين لداود: أوصني يا أخي، قال: لا تستنج بيمينك، ولا تنزل أهلك إلا في موضع الدراء والسترة، ولا تسكن أزواجك في بيت واحد، وغيرهم كثير أخفاهم الخمول، وحب الاختصار. (2/139)
صفحة 370
. الطبقة السابعة 300 - 350 هـ: 1 - الشيخ أبو مسور يسجا
منهم أبو مسور يسجا بن يوجين اليراسني -رحمه الله- الشريف المنصب، الكريم المنسب، الطالب أرفع مطلب، الكاسب أنفع مكسب، الناهج أوضح طريق ومذهب، العاجز كنه أوصافه كل بليغ أوجز أو أطنب، خدم الدين فخدمته الدنيا، ورفضها فنال منها الدرجة العليا، طلب العلوم فحوى عيونها، وورد مناهل الخير والصلاح فحاز معانيها، فكان موئلا للقاصد، ومنهلا للوارد والقاطع سبيل الفساد والهادى إلى طريق الرشاد، بيته في المذهب أكبر البيوتات، لم تزل مذ لم يزل مخصوصا بالبركات، ولم يزل قط منهم نقات مقتفية آثار الأباء نجباء الأعقاب وقد مضى من مناقبه، وذكر كريم مذاهبه في أثناء الكتاب ما هو كاف، ولو اقتصر منه على أدنى باب، وسنذكر في هذا الفصل نبذا من أخباره التي هي علم في الفضل دالة على ما كان عليه من السيادة والنبل. (2/140)
صفحة 371
الشيخ أبو مسور يعرض عن شاتميه حسما للفتنة
فمن ذلك ما يذكر أنه حضر مجلسا حضره جمع وافر من أهل جزيرة جربة، وهبيتها ونكارتها، وكان فيمن حضر من النكار رجل يقال له: خلف بن أحمد وهو خال لأبي مسور فكان النكار يقعون في أبي مسور يقولون: رجل غريب ما عسى أن يكون له من القدر؟ في أنواع من قبح القوم، وضروب من الهمز واللمز، بحيث يسمع وبحيث لا يسمع، فكان يتغافل عنهم وينزه سمعه من أن يصغي إليهم، وينزه لسانه عن مجاوبتهم فبلغ ذلك أهل المذهب في الأقطار فاستعظموا ذلك، قيل وكان حينئذ أهل الجزيرة إذا اختلفوا كان محفلهم واحدا، وهبيتهم ونكارهم فبينما هم ذات يوم مجتمعين وقد احتفل مجلسهم، إذا بكتاب قد ورد إلي أبى مسور من قبل زواغة البادية، ومن معهم من الوهبية فقرأ الكتاب فإذا فيه قد سمعنا يا شيخ أن النكار يقعون فيك ويهمزون ويلمزون، ويتحركون في أمرك ويتحاولون أذاك فان صح ذلك فاخبرنا نلق عنا ثيابنا ونصرخك، وليس علينا غير الازر والسلاح رغبة في نصرتك، وقرعا لمن يرومك ويحاول ضيمك، فقال: لم أسمع بهذا أولا لي به علم، قيل ولم يفرغ من قراءة الكتاب المذكور إلا وكتاب آخر قد ورد من جهة دمر، فقرأه أيضا فوجد فيه: يا شيخ بلغنا أن النكار يتحركون ويسيئون إليك ويلوكون أمرك، فان صح ذلك فأخبرنا نصرخك بعسكر يكون أوله عندك وآخره عندنا، فقال أبو مسور: ما لي بهذا علم، ولم يفرغ من قراءة الكتاب الثاني إلا وكتاب ثالث قد ورد من جهة جبل نفوسة، فيه مثل ما في الكتابين المتقدمين، إلا أنهم قالوا فإن صح ذلك فأخبرنا نكسر أغماد السيوف ونصلك (2/141)
صفحة 372
والسيوف مصلتة في أيدينا، فقال: لا علم لي بذلك ولم أسمع به، وكل ذلك في مجلس واحد كما ذكر، كأنهم تواعدوا، وكل ذلك لرغبتهم في نصرة الدين والذب عنه وكثرة الحزم والتحفظ عنه، وعن القبيلة، قيل فكان خلف بن أحمد بعد ذلك يقول: ابن اختي إمامنا أجمعين، لحمي ودمي، رئيس الكل، وجعل يكرر ذلك في مجالسه، وحيثما حضر، وكان عميد القوم وفقيههم.
رأي العالم له جانب من الصواب
قيل اختلف أبو مسور والنكار في مسألة وخلف غائب حينئذ عن جزيرة جربة، فلما قدم سأله عنها أصحابه واعلموه بما قالوه فيها، وبما قاله أبو مسور فقال: أخطأتم وأصاب يسجا، فبلغ أبو مسور قوله لهم، فقال: لهذا أو أمثاله يقول العلماء: لا يعوج قول عالم ولو أنه مخالف.
ما ينبغي أن يقرأ على المحتضر
وسئل أبو مسور عما يقرأ عند احتضار المريض فقال: ما سألني عنه أحد منذ فارقت أبا معروف إلي اليوم ثم قال: قول الله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الفجر:27 إلى 30) ومن حسن أخلاقه ودهائه ما ذكر أنه وضع طعاما بين يدي التلامذة بعد أن غسلوا أيديهم، وخرج لم يقل لهم كلوا، فأمسكوا عن الأكل حتى دخل عليهم بعد وقت فوجد أيديهم مرسلة، فقال: ما لكم لم تأكلوا؟ خشيتم أن أغرمكم، كلوا وإن شئنا غرمناكم، ومات له ابن فجاءه الشيوخ يعزونه، فجلسوا يتذاكرون ويوردون ما فيه تسلية، فقال لهم الشيخ: أخبروني ما الصبر الجميل؟ وكيف صفته؟ فقالوا له: الجواب من عندك، فقال هو: (2/142)
صفحة 373
أن لاتظهر المصيبة في وجه صاحب المصيبة ولا يبين من بين جلسائه ثم قال: هذا صعب، فهل أيسر منه؟ فقالوا: الجواب من عندك، فقال لهم ما لم يتغير وجهه ويسدم ويوجم، ثم قال: وهذا صعب فهل أيسر منه؟ فقالوا وما هو؟ قال ما لم يصح ويدع بالويل والثبور، لأن البكاء قد يكون بالرأفة والرحمة في النفس.
2 - الشيخ سحنون بن أيوب
ومنهم سحنون بن أيوب - رحمه الله - فقيه أوانه وعمدة مكانه، علقت عنه مسائل، وفتاوى في كثير من النوازل، ورويت عنه في العلوم روايات وكان يعد في أهل الذاريات، وله آثار محفوظة غير منسية بل منتشرة في الجهات الطرابلسية، إلا أني لم أحفظ له سيرة، ولا وقفت في تعاليق له على مسألة من مسائله صغير ة ولا كبيرة، وليس ذلك بباخس حظه في الفضل، ولا قاعد به عن أولية السبق، وأوليه الحصل، فإنه في الأئمة الثقات المثبتة أسماؤهم في صدور الطبقات، وقد أذنت بل رغبت لمن يقف على ذا الكتاب من الفضلاء، أن يثبت له فيما يحفظه عنه من طيب الأنباء فليعلق في حاشية الكتاب وهو إن شاء الله مأجور مثاب"1".
------------------------------------------
1 - راجع سير الشيخ أحمد الشماخي ص 292 ط الباروني.
3 - أبو الخطاب وسيل
وكذلك أبو الخطاب وسيل بن ستتن الزواغي"1" - رحمه الله- معدود في هذه الطبقة، مذكور فيمن أفنى بدنه في العبادة، وماله في الصدقة موسوم بسمة الصلاح (2/143)
صفحة 374
وتسميته، مرسوم في ديوان علماء وقته، لا بطيئا في السباق، ولا قاصرا عند اللحاق، هذا فيما أدركتهم يتداولون ويتعاطون من أوصافه ويتناولون، وما يخرجني إلى الخطة إذ لم أحفظ عنه رواية، فأطرز برد طبقته بما أمكن عنه من ذلك ولو حكاية، فيكفي نهلها عن العمل، ويكون لي جهد المقل"2".
---------------------------------
1 - النهل بالتحريك مصدر نهل شرب أول مرة والعمل والعلل الشرب مرة ثانية أو تباعاً.
2 - أخطأ وعدل عنه.
4 - الشيخان أبو القاسم مخلد وأبو خزر يغلا
ومنهم الشيخان أبو القاسم، وأبو خزر، الوسيانيان - رحمهما الله - لا يمكن فيهما مزيد على ما قدمناه في هذا التصنيف ولا يحتاج مع شهرتهما إلى زيادة تعريف، فانهما إماما أهل التوحيد، وفخر من نشأ بقسطيلية وغيرها من بلاد الجريد، ولكل واحد منهما أخبار سارده وفضيعة فاطلب ذلك فيما مضى من الشيعة، وسنذكر هاهنا مسائل وقع بينهما فيها اختلاف وكل أصاب سهمه الغرض وما ضاف"1"، فمن هذه المسائل ما نبهنا عليه وسنذكره، والخير لا يسأم من يكرره.
لا تتسرع إلى الحكم السيء ما وجدت احتمالا
فمن ذلك رجل قال: لا إله فسكت، ولا حول ولا قوة، ما الحكم فيه؟ فقال: أبو خزر، أشرك، لأنا إنما يلزمنا الحكم بالظاهر وقال: أبو القاسم بل في المسألة احتمال، لعله يعني لا إله في الأوثان وأضمر في نفسه تتميم الكلام، ولا نظن بالمسلم إلا خيرا، ولا نخرجه إلى الشرك بالاحتمال، وهذا كما قيل عن الإمام أفلح -رحمه الله- أن (2/144)
صفحة 375
من دين الله أن أحدا إذا جاء بوجه يحتمل وجوها حمل على أحسنها.
الأم أولى الأبوين بالبر وأحق
واختلفا في الأبوين أيهما أعظم حقا قال أبو خزر الأب أعظم حقا، لأنه المأخوذ بحقوق الولد، وقال أبو القاسم: بل الأم أعظم حقا لأنها أعظم مؤونه، فقد قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما سأله عن ذلك سائل: فقال التي حملتك بين الجنبين، وأرضعتك بالثديين، ووسدتك الفخذين، قلت: وهذا إنما هو مجرد حكاية، ولا ينبغي لكل واحد منهما على مكانه في العلم وجلالة القدرأن ينكر ما قاله صاحبه أو يعتقده خلافا، بل لكل وجهة يصدقها ما يجري من أحكام الميراث، وما قاله رضي الله عنه لما سأله سائل يا رسول الله (من أحق الناس مني بالصحبة؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال أبوك)، فالأول لأبي خزر، والثاني لأبي القاسم أفترى أن أحدهما يجهل ما تمسك به صاحبه؟.
حكم من لم يجاهد نفسه ولم يحملها على الجد
وذكر أيضا أن أبا خزر قال: من جاهد نفسه من أهل الدعوة فإما نال خيرا، وإما لم ينله، وأما من لم يجاهدها فلا ينال خيرا، فقال أبو القاسم في الأول أنه ينال خيرا على كل حال، وفي الثاني محتمل، قلت: وهذا أيضا غير بعيد من الأول ولكل واحد منهما تأويل يحمل عليه لفظه لا يمكن أن ينكره الآخر، ولا أن يعتقد خلافه.
--------------------------------
1 - أخطأ وعدل عنه.
أبو صالح جنون بن يمريان
ومنهم أبو صالح جنون بن يمريان - رحمه الله - ذو الورع والسخاء وبركات صالح الدعاء، وهو أحد الأبدال، وأصحاب الكرامات والأحوال، وأحد أقطاب الدين (2/145)
صفحة 376
وثمال اليتامى والمساكين، إن لم يكن مقدما في العلوم فمقدم في المعارف، وإن لم يكاشف أجسام الدواوين فهوا لأرواحها مكاشف بل إن قيس بسواه في عمله ودرايته، وجد سواه يقصر دون أدنى طلقه، فكيف بغايته، وقد مضت في هذا الكتاب جمل من أخباره ونكت من حميد آثاره.
حال الشيخ يوافق ما يقال عنه
وذكر أن ثلاثة من فقهاء جربة أحدهم أبو صالح بكر بن قاسم، والثاني أبو موسى عيسى بن السمح، والثالث أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور، توجهوا إلى جهة ريغ ووارجلان زائرين إخوانهم وأهل دعوتهم، قيل فوصلوا وارجلان ودخلوا على أبي صالح وصافحوه وتبركوا بمشاهدته، ثم تساءلوا فيما بينهم عن حال أبي صالح؟ فقال أحدهم: لما رأيته توليته، وقال الثاني: لما عانقته توليته، وقال الثالث: لما تكلم توليته، قلت: وهذا مستحسن من وجه ومستقبح من وجه فوجه الاستحسان حسن التوسم من مثلهم في مثله، ووجه الاستقباح إذا حمل على ظاهر ما رواه الراوي، كونهم إنما تولوه بعد هذه المشاهدة من رؤية وعناق واستماع كلام، أتراهم كانوا قبل ذلك يبرأون منه؟ ويقفون فيه بل لم يزل قبل ذلك وبعده أهلا لتوليتهم، فان حمل اللفظ على ظاهره لم يصدق عليه المعنى، لكنهم أرادوا – والله أعلم – أنهم لما شاهدوه مع ما كان متقدما عندهم من توليته شاهدوا منه مصداق ما تقدم عندهم، فإنه تقدم على طريق السماع، والاستفاضة، فلما شاهدوه تحققوا ذلك عيانا، لا يحمل كلامهم على غير هذا. (2/146)
صفحة 377
وصية الشيخ أبي صالح لبنيه
قيل وأوصى بنيه بثلاث، وكل واحدة منهن تشتمل على ثلاث، فتلك تسع، قال: يابني إذا كان إبان غلتكم فولوها بأنفسكم، ولا تولوها غيركم، حتى توصلوها موضع حرزكم، فان لم تكونوا أصحاب غله ولم يكن لكم بد من شرائها فاشتروها ما دامت في أصولها، ولا تتركوها حتى تصل الحرز فيصعب إخراجها، فان لم تكونوا أصحاب غلة ولا قادرين على الشراء وتنزلتم إلى طلبها فاطلبوها قبل دخولها إلى الحرز، يسهل إعطاؤها، والثانية إن كنتم في بلد فأول ما تلتمسون أنفسكم وأموالكم المسكن. فإن من سكن في غير مسكنه فإما أن يكون غنيا، وإما أن يكون فقيرا، فإن كان غنيا ووسع على نفسه سماه الناس مبذرا، وإن ضيق سموه مقترا ممسكا، وإن كان فقيراً قالوا ليس وراء هذا إلا الدخول والخروج وإن كان في مسكنه يستر على غنائه وفقره ولا يعرف الناس له عيبا، والثالثة إذا أقبل الشتاء فحصلوا كسوة شتوتكم، فإن من بات مبيت سوء ليلة واحدة لا يخلفها أبدا والذي تخلفونه من مجرد ثيابكم وخلقها فيه بقية ومنفعة، فإن أعين الناس وألسنتهم متسلطة على من معهم، يتحسسون للكبيرة والصغيرة، وهذه الوصية ليس فيها من أمور الدين شيء إلا النهي عن إضاعه الحال والمال، وفي ذلك مصالح كثيرة، ومنافع جمة.
منابت النخل أغنى من مزراع القمح
وذكر أن إبن عم له كتب إليه كتابا من المغرب: يا ابن عمي ائتنى فانك قمت في أرض الفقر، فإن عندنا أرضا كريمة، قدر الكساء يحمل البعير وسقه حبا فأجابه أبو صالح: يا ابن عمي أيبتنى، فإن عندنا أرضا قعدة الرجل يحمل البعير وسقه عسلا، وفي هذه الحكاية حسن الجواب (2/147)
صفحة 378
المسكت، وفيها ما يدل على القناعة وعلى الرصانة وعدم الطيش.
للرجل الفقير أن يأخذ زكاة زوجته لا العكس
وذكر أن رجلا من أهل قصر بكر، أحد قصور وارجلان كان رجلا مقلا، وله امرأة كثيرة المال فسأل أبا صالح: هل يجوز أن يأخذ زكاة امرأته؟ فتوقف عن الجواب تحرجا إلى أن قدر الله بوصول أبي نوح سعيد بن زنغيل إلى وارجلان، حين فراره من أبي تميم الشيعي، فسئل عن المسألة فأباح ذلك، وأعلمهم أن للرجل أن يأخذ زكاة مال امرأته، وليس للمرأة أن تأخذ زكاة بعلها، وهذه المسألة مشهورة ليس في هذه الحكاية ما يدل على قله علم أبي صالح، بل يدل على ورعه وتنزهه.
وذكر أن ابنا له، اشترى كتابا، فكان يقرأه على أبيه، فكان أبو صالح يخاطب الكتاب ويقول: باعك من يعرفك واشتراك من لا يعرفك، وهذه الحكاية تدل على أن هذا الكتاب كتاب عجيب، وأن الولد ولد غير نجيب، ولكن خاطب ابنه بما يفهم من هذا الوجه ولم يقابله بقبح الزجر.
تضربه المرأة فيصبر لذلك احتسابا
ومما يذكر من سعة صدره، وقلة ضجره، وكثرة صبره، أنه جلس ذات مرة مع امرأته وهي تعجن عجينا، فخاطبها بكلام لم يقع منها موقع الموافقة، فلطمته حتى ارتسمت آثار أصابعها في خد أبي صالح، فتكدر خاطره، فلم يمكنه الشكوى إلى أحد، ولم يكن له بد الشكوى إلى شيخ أبي يوسف يعقوب الطرفي، فجاءه شاكيا فلما بثه حاله، قال الشيخ: أترى هذه؟ وأشار إلى زوجته، فقال (2/148)
صفحة 379
ما لها؟ قال: ضربتني البارحة بمقلى فصيرته طوقا في عنقي فقال أبو صالح أنت، أنت، يريد أنت أصبر مني ثم والله لا أشكوها بعد اليوم.
الشيخ أبو محمد جمال المدوني
ومنهم أبو محمد المدوني -رحمه الله- فقيه الأسلاف المتلافي في سيرهم حين التلافي، الشامل ما أشرف على الشتات المؤلف للجمع بعد ما صدر الأشتات، تدارك المريض فأقامه، وقد أراد أن ينقض فرده إلى أحسن حاله، وعالجه بحسن رأيه وإيالته فالممسك فيه به اقتدى، وهو من السابق في العلم والورع والندى وله في معاملاته أمور سنية، وأحوال مرضية.
يختلفان لأجل كتاب فيفصل بينهما الشيخ برأي مصيب
ذكر أبو الربيع أن رجلا من مزاتة قارض رجلا بمال فكان يتجر به، فبينما هو ذات يوم في بعض شؤونه، إذا بكتاب تفسير القرآن لهود بن محكم الهواري يعرض للبيع، فاشتراه وجاء به إلى رب المال، فقال له: إني اشتريت هذا الكتاب وهو لي دونك، وإنما لك رأس المال، فقال له رب المال: بل هو لي دونك وإنما لك نصيبك من الربح، إن كان في متجرك ربح، فتخاصما وتشاتما حتى قامت مع كل واحد عشيرته متعصبة، وتآمروا على القتال، وتواقف الفريقان وقد اشرفوا على أن يتفانوا، فبلغ ذلك أبا محمد جمالا، فجاء مبادراً فقال: ايتوني بالكتاب الذي أراكم تريدون أن تقتتلوا عليه، فأتوه به ففتح وقصد موضعا منه، فإذا بين النصفين ورقتان بيضاوان، ففصل ما بين النصفين، وضم إلى كل نصف ورقة بيضاء وقطعة بسكين وأعطى لكل واحد من الخصمين نصفا، وقال: من شاء منكم (2/149)
صفحة 380
الآن إكمال الكتاب فلينسخ النصف الذي فاته فاصطلح الفريقان وافترقا على خير، وزعم بعض الناس أن منتسخ الكتاب تفرس أو كشف أن أمره يؤول إلى تفرق بالحديد، فاحتاط عليه وترك ورقتين غير مكتوبتين، وهذا الذي زعموا لا حاجة لنا إليه، وإنما المقصود ما ذكرناه من بركة هذا الشيخ، وحسن سياسته.
يشح على نفسه وعياله فيطعمه الشيخ قسرا
وذكر أن أبا محمد جمالا كان جواره رجل من أهل البادية في سنة مجاعة، وللرجل صرمة، وقد أضربه الجوع، وشحه المطاع مانعه أن ينحر منها ناقة، فيطفئ سغب نفسه وعياله فبلغ ذلك أبا محمد فجاءه فوجده في خيمة لا حركة له من ألم الجوع، فقام أبو محمد احتسابا في الرجل وفي يده حربة، فدخل في إبله فعمد إلى ناقة كوماء لم ير في إبل الرجل أحسن منها، ولا أسمن منها، يريد أن ينحرها، فرآه صاحب الإبل، فقال: لعل غيرها يا أبا محمد؟ فأبى إلا تلك التي قصد إليها، فنحرها بحربته، فلما نحرها قال لهم: قوموا، وكلوا، فلما أصبح أغارت عليهم غارة، فاكتسحت إبل الرجل، فلولا أن الله عز وجل لطف بهم ببركة الشيخ لماتوا جوعا، قيل تبلغوا بشحم الناقة ولحمها، وسدوا فاقتهم تلك السنة الشديدة.
على العالم أن ينظر للجاهل ما يصلح به
وذكر أن عاملا خرج على عشيرة أبي محمد من قبل السلطان فكان هذا العامل يماكسهم، ويشدد عليهم فلما كان يوما من الأيام قال لهم العامل: إن أعطيتموني اليوم كذا وكذا مضيت عنكم، وإن بت الليلة ضاعفت عليكم وكلما بت ضاعفت قيل فلم يدفعوا له شيئاً ولم يعبأوا بقوله، فكان يضاعف عليهم فلما رأى أبو (2/150)
صفحة 381
محمد العامل يضاعف عليهم الغرامة كل ليلة، ورأى قومه غير مكترثين به حماقة، وخرقا لا قدرة وعزا، قال للعامل وخدامه: قفوا على ترع الأحياء ولا تتركوا مالهم يسرح، فلما رأى أصحاب الأموال ماشيتهم يأكل بعضها بعضا جوعا، أدوا إلى العامل ما لزمهم، وانصرف فجعل جهالهم يطعنون في الشيخ، ويعيبون فعله، حتى قال قائلهم: ما هذا إلا معونة الظلمة الفجار على الضعفاء والمساكين، فقال لهم أبو محمد: لله على العالم أن ينظر للجاهل ويدله على ما فيه سلامة دينه ودنياه.
يقنت في الصلاة وهو لا يرى ذلك موافقة للجماعة
وعنه أنه كان يصلي بجماعة أكثرهم أهل الخلاف ممن يرى القنوت في الصبح، فكان أبو محمد يقنت بآي القرآن التي فيها الدعاء الذي في آخر سورة البقرة، وكالآية من آل عمران، (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) (آل عمران: من الآية 8) الآية، وما أشبه ذلك. لعلمه أن ذلك لا يفسد الصلاة على مذهب الامتناع من القنوت فكانوا يشكرونه ويثنون عليه وقيل: بل الذي فعل ذلك فتوح بن أبي حاجب المزاتي، وهو أيضا من طبقة أبي محمد في العصر والتحصيل للعلوم، وعن فتوح - رحمه الله - أنه سمع رجلا يطعن في دين الوهبية من المخالفين فغضب، وأخرجه ذلك وأحنقه حتى قال: ما ههنا أحد من أولاد المشومات؟ فسمعه جماعة من شبان مزاتة وفتاكهم، ممن يغضب لغضبه، فعلموا أنه عرض بفعلة تفعل بالرجل وأنه رأى أن دمه مباحا، فلما كان الليل نام الرجل في أعلى داره فتسوروا إليه وخنقوه حتى مات وذلك في بعض قرى بعض الزاب، فلما مات رموا به في الزقاق فلما أصبح وجده الناس لا روح فيه، ففتشوا ليجدوا فيه أثر جرح أو ضربه فلم (2/151)
صفحة 382
يجدوه، فقالوا: والله ما قتله إلا الملائكة، قيل ثم أن الفاعلين لذلك مروا بالشيخ بعد عام فوجدوه يدرس زرعا، فقالوا يا شيخ هل هنا أحد من أولاد المشومات أم لا؟ يذكرونه فعلتهم فأثنى عليهم وشكر فعلتهم.
حكم طهارة ما صنع من نبات الأرض بالزمن
وذكروا أن جماعة من المشائخ توجهوا نحو طرابلس فركبوا البحر، ونزلوا بجزيرة جربة، وحضروا بها مجلسا، قد حضرته فقهاء أهل جربة، ومشيخته كأبي مسور وأمثاله، فتذاكروا في الطهارة حتى وردت بينهم مسألة فوقع فيها الاختلاف بينهم، وهي: ما كان من نبات الأرض من الثياب هل يطهره من النجس ما يطهر الأرض والنبات لأنها من نجسها أم لا؟ فاجتمعوا على أن الثياب كلها حكمها في ذلك إذا نجست حكم واحد، لا يطهرها إلا الغسل بالماء لا يطهره سواه بخلاف العناصر فخالفهم أبو محمد جمال وحده فقال لهم: حكم الأرض ونباتها وما يعمل منها من ثياب جميعاً واحد يطهرها تداوم الشمس والرياح عليها، إذا أبرزت المدة الطويلة، ما لم تبق عين النجاسة، قائمة، قيل فنبهه بعض أصحابه وأعمله بما كان من اتفاق الجميع وان إتفاقهم هو الصواب، فأقام أبو محمد الحجج على صحة مذهبه وقوله، ولم يرجع عنه فقال لهم أبو مسور: كفو عنه فان العالم كالأجدل"1" إذا حلق ضرب.
ما نقل عن الشيخ وقيل عنه وهو في طريقه إلى الحج
وذكر أنه توجه إلى المشرق للحج فصحبه الشيخ مطكداسن، وعبد الله بن الأمير ومع أبي محمد جمال حينئذ أثني عشر جملا فأراد عند الركوب أن يحملها (2/152)
صفحة 383
فاستدعى مطكداسن ليعينه، فقال: ليس ذلك من شأني قال وما شأنك إذا؟ قال: الدواة والقلم، حسبك بأني كتبت أحد عشر كتابا في عشرة أيام فاستحسن ما أجابه به ولم يكلفه شططا، وساروا حتى نزلوا مدين فرأى رجلا يطفف الكيل فلطمه، فقال (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) (الشعراء:181) فرفع إليه رأسه وقال: فينا والله نزلت يا مغربي، وإنما خاطبهم أبو محمد بالآية لأنهم المخاطبون بها ولما قضوا مناسكهم ورجعوا إلى بلادهم كان فيمن جاء لتهنئتهم عبدالله بن مانوج، فقال لابن الأمير لما رآه سالما في ماله ونفسه: لعلك يا أبا محمد ما أصبت في سفرك هذا بشيء؟ فقال: قد سلمني الله وعافاني من ذلك، فقال له ابن مانوج: قد كنت أود لو احتسبت بشيء تصاب به فأصبح أحد عشر جملا من جماله جيفا. وإنما قصد ابن مانوج في ذلك وجوها منها قوله صلى الله عليه وسلم:" من يرد الله به خيرا يصب منه" ومنها خشية العين، ولم يكن ابن مانوج ممن يتمنى العطب لأخيه في الله تعالى، بل أراد ما يوفر به الأجر.
-----------------------
1 - الأجدل العقاب يريدان العقاب إذا حلق في الجو ضرب فيه وأوغل شبه به العالم يتوسع في الحجج وذكر العلل.
7 - سليمان بن زرقون وابن ماطوس
ومنهم سليمان بن زرقون وابن ماطوس - رحمهما الله - كانا بدري الفراقد وكلاهما مطلب للناشد ومعلم للراشد، إن تباعدت بقاعهما فقد جمعهما أصل واحد، وعصر واحد ولكل منهما تأليف في علوم الدين كم هدى الله بهما من المهتدين؟ ونفى بهما من فساد المفسدين؟ وقد تقدمت لأبي زرقون في هذا الكتاب أخبار وسير، فيها مقنع لمن عليها اقتصر، وسنذكرها هنا من أخبار كل منهما ما أمكن، فكلاهما مستملح مستحسن. (2/153)
صفحة 384
التعبد بدون علم يوقع في الخطا
ذكر أن سليمان بن زرقون -رحمه الله- كان مسافرا ومعه رجلان من أصحابه، ممن ينتمي إلى العلم والصلاح وحضر وقت صلاة من الصلوات، فاجتازوا على غدير ماء، ذلك في فصل يجمد فيه الماء من شدة البرد، فلما وقف عليه أبو الربيع توقف وغلب على ظنه أنه وجب عليه العدول إلى التيمم، ولا يتعمد بإلقاء نفسه إلى التهلكة ونزل أحد صاحبيه إلى الغدير فغسل يديه، واقتصر على الزيادة على غسل اليدين، لما وجد من ألم برد الماء، ونزل الثالث وغسل في محزر فشج عصبه، ووقع ملقى فنزلا إليه فلفاه في ثيابه وحملاه وقالا له: ألا تهون على نفسك التيمم لصلاة واحدة؟ فتيمم الآن لصلوات فأي الاثنين الأفقه عندك؟ وإني لأراه أبا الربيع وأما صاحبهما فتعبد بلا علم.
الفاهم لعلة الحكم هو الفقيه لا المتمسك بألفاظه
وذكر أن أبا صالح اليراسني وأبا موسى ومن معهما من التلامذة، ساروا إلى أبي الربيع سليمان بن ماطوس، ليقرأوا عليه فاقاموا يقرأون عليه ما شاء الله، ثم انتقلوا إلى موضع بافريقية يقال له" سلام ليك" فاقاموا به يدرسون الكتب زمانا، ثم إنهم رجعوا إلى ابن ماطوس ليعرضوا عليه ما قرأوا في تلك المدة فلقوا بكر بن أبي بكر بنفزاوة، وصحبهم فساورا إلى وقت صلاة الظهر، ومعهم رجل فقال لهم: ما الذي أصلي أقصرًا أم تماما؟ فقالوا كلهم: صل صلاة المقيم، حتى تجاوز ستة أميال، إلا بكر بن أبي بكر فقال له: صل صلاة المسافر إذا نويت خروج ستة أميال، ثم مروا بامرأة تغسل صوفا نزع من شاة ميتة فقالوا لها: لا يطهر صوف الميتة حتى يترب في سبعة أمكنة بسبع أتربة، وسبع قضبان، ثم يغسل بعد هذا، فقال لها بكر: اغسلي صوفك كما تغسلين غيره من الصوف، ولا (2/154)
صفحة 385
يلزمك مما قالوا شيء وقالوا في رجل تيمم ويده منجوسة أن اليد تطهر وأن التراب ينجس، فقال بكر: أن اليد تطهر وأن التراب لا ينجس، فقالوا له: فأين ذهبت نجاسة اليد؟ قال: ذهبت بين الضربات، فساروا حتى وصلوا ابن ماطوس فأعلموه بالمسائل الثلاث، وبجواب بكر، فقال لهم: الفرسطائي عالم، ثم أخذوا في تصحيح ما قرأوه ونظروه على ابن ماطوس فصححوه في ستة أشهر، ورجعوا إلى أهاليهم، وهذا بمناقب بكر بن أبى بكر أشبه، وأولى وذكر أن ابن ماطوس قال لبعض من يرد عليه من بعض نواحي بلادهم: بلغنا عن رجال منكم أنهم يأخذون الصدقات ويردون منها على من أخذوها منه، فأزجرهم فانه مما لا يرضى الله تعالى.
الشيخ أبو سهل الفارسي
ومنهم أبو سهل الفارسي - رحمه الله - غلبت عليه هذه العزوة الفارسية وليس بفارسي، وإنما هو نفوسي ولا شك أ ن أمه رستمية من بيت الإمامة، فغلب نسبها عليه واشتهر به، وقيل هو رستمي، أبا وأما، وأن أباه ولد لميون بن عبد الوهاب - رحمه الله - تمسك من العلوم بسبب، فليس برأس فيها ولا بذنب، إلا أن الغالب من أحواله، همل الدموع، والتلهف على فائت ليس له رجوع، فجعل هجيراه مراثي الدين وأهله، والبكاء عليه بوابل الدمع وطله، حتى دونت الدواوين من كلامه، وانتشر في الآفاق حسن نظامه، وقد أعجز المراثي بما أوعظ، فلها بذلك في النفوس أحسن موقع وأوفر حظ، وجميع ما حفظ من ذلك فإنما هو بلسان البربر، أكثره بالصواب (2/155)
صفحة 386
حدا، فقف على دواوينه تكن عليه مترجما، ولا ترمها إذا لم تجد لها مترجما.
الديوان الذي نظمه بالبربرية وهو في جزائر بني مزغنه
وعن أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر أن رجلا من العرب من موالي لواتة قنطنار، يسمى سعيدا، اطلع إلى البادية فانتهى إلى موضع أبي سهل، بمرسى الخزر، وقيل بمرسى الدجاج، وهو الصحيح، وهو بجزائر بنى مزغنان، قال: فأكرمه وسأله عن أهل الدعوة، فقال له: أي فن يسرهم أن أدونه لهم؟ قال: انتظم لهم بلغة البربر كلاما يكون فيه وعظ وتذكير وتخويف، وكان أبو سهل فصيحا بلغة البربر، ولقد كان ترجمان جده الإمام أفلح، وقيل بل ترجمان خاله يوسف الإمام، قال فقيد له أثنى عشر كتابا في المواعظ، وفيها جمل من تواريخ أهل الدعوة فاختلس النكاري شطرها، وبقي له ستة أجزاء فكان إذا أراد قراءتها أدخل رأسه في ثيابه وقرأها على الناس حذرا عليها، فلما كان ذات يوم قرأ منها ألفاظا دلت على أنه أتحف بها أهل الدعوة، فأمر الشيوخ خلوف بن وحنين أن يخاصم ويطالب سعيدا محتسبا في حق أهل الدعوة، حتى يسترج لهم منه هديتهم، ففعل فكتب منها العزابة، ما كتبوا فلما أخذت قلعة بني درجين وأحرقت أحرق ما وجد من هذا الكتاب، وحينئذ تلافى أبو عبدالله ما تحصل في صدور العزابة فقيد منها أربعة وعشرين بابا، فلذلك قد تجد فيها قلة الاتزان والزيادة والنقصان، وذكر أن قبر أبي سهل بالموضع المذكور ويزار حتى أن صنهاجة كانت حينئذ تزوره، وربما قال قائلهم: انطلقوا بنا إلى قبر النادب ذنبه ودينه، وهذا مما يصحح أنه بجزائر بني مزغنان، لانها بلاد صنهاجة. (2/156)
صفحة 387
. الطبقة الثامنة 350 - 400 هـ: 1 - أبو نوح سعيد بن زنغيل
ومنهم أبو نوح سعيد بن زنغيل- رحمه الله - لا مزيد له على ما تقدم في الكتاب من المناقب، فلكل فصل منها في دجى العلم شهاب ثاقب، هو في الأوصاف الحميدة نهاية فاطلبها في موضعها ففيه كفاية.
... أبو صالح بكر بن قاسم
ومنهم أبو صالح بكر بن قاسم اليراسني- رحمه الله - أنجب من طالع ودرس، وأحد من أحيى ما كان عفى ودرس، جبلته طلب الصلاحية والعلم، وسمته الاعتصام بالوقار والحلم نوره يلتاح صامتا أو متكلما، وبركته ظاهرة متعلما أو معلما فبهمته انتشرت الخيرات، وتلاميذه المفيضون للبركات، وكان أحد من يوصف بالاجتهاد والتصميم، لا فرق في الحق عنده بين العدو والحميم.
ذكر أن أبا صالح نكل برجل من تلامذة أبي مسور، فأقبل الرجل مستغيثا بأبي مسور، شاكيا إليه ما لقي من أبي صالح، فقال له: ألا ترى ما بي؟ فقال له أبو مسور: وطن نفسك على ما تلقى من أبى صالح وأمثاله، فإن المسلم في الحق كالحديدة المحماة ما أوقع عليها أحرقته، وما (2/157)
صفحة 388
وقعت عليه أحرقته والحق أحق أن يتبع، وإن كان مرا، قيل: ثم تعين على الرجل المذكور حق من الحقوق مرة ثانية فعيد به إلى أبي صالح، فنكل به مرة ثانية فجاء إلى أبي زكرياء شاكيا إليه، كما شكى إلى أبيه، وكان من قوله: ألا ترى ما فعل في وضربني مبينا"1"؟ فانتهره أبو زكرياء وتجهم في وجهه، وقال له: لا، وأخذ الله الشيخ فيما ترك قبلك من الحق، فإن أباك جاءني شاكيا بك، وذكر أنك تنتف لحيته، وما ذلك بقليل.
شدة الشيخ على الجناة
قيل وكان أبو صالح في أول أمره بالبادية، في موضع يقال له" أزارق" وهو إذ ذاك شديد على العصاة حديد على العتاة، ومع ذلك كان لا يضرب السراق من صنهاجة متى عثر عليهم تقية، لا مداهنة، وكان متى وقع عليه جان بين يديه، وثبت عليه حق، أخذ خشبة عظيمة قد اسردت فيها حلق، وسلاسل فجعل رجل الجاني في حلقة من تلك الحلق، ثم يقلب الخشبة على رجليه لئلا يهرب، قيل فكانوا بالليل يصيحون صياح التيوس، من شدة الحر والبرد، مع ما هو فيه، قيل فلما اشتد الحال في البادية وكثرت الزلازل، واضطرمت نيران الفتن، انتقل إلى جربة فعمد إلى تلك الخشبة وما معها فرماها في بئر، فتكلم في ذلك بعض العزابة، وقال: ما دعاه إلى رميها في البئر؟ فقال لهم ولده أبو محمد: إنما اتخذ ذلك ليصرفه في الوجه الذي أراده له، وإذ تخلى عن ذلك فلا ينبغي أن ينتفع بما في غيره.
العرف له اعتباره في المعاملات
وذكر أن رجلين اختصما إليه بجزيرة جربة، أحدهما باع للآخر سلعة بستين ولم يسم أي الجنس هي من الأثمان فقال المشتري: إنما اشتريت بقراريط الحندوس، وقال (2/158)
صفحة 389
البائع: إنما لي عليه ذهب، وقال المشتري: لا أعرف الذهب، قال أبو صاح للبائع: خذ منه ما ذكر، وإلا فخذ سلعتك لأن أهل جربة إنما يعرفون التبايع بالحندوس، ولا يعرفون الذهب، قلت: وهذا الكم شبيه بالصلح، ولعله عرف أن البائع كان من بلاد جرى العرف فيها بالتبايع بالذهب وعرف أن المشتري لا يعرف إلا الحندوس، فاكتفى عن البينة واليمين بما عرف، والنظر إلى أشبه قوليهما.
الحق لا يختلف باختلاف الناس في مذاهبهم
قيل وكان لرجل نكاري على رجل وهبي دينار، فمات الذي عليه الدين فخلف ابنا عزابيا، ولم يترك مالا يورث عنه سوى شاة واحدة فطلب النكاري دينه من ولد الميت فقال: إن غريمك لم يخلف إلا شاة، فبعها وخذ منها دينك، فقال النكاري: بع أنت، وادفع لي: فقال: بيني وبينك أبو صالح، فترافعا إليه، فلما قربا من مجلسه قال النكاري للعزابي: سر إليه أنت، وحدك، واستفته، فما أفتى به أمضيته على نفسي، ورضيته فجاء العزابي، وعرفه ما بينه وبين صاحبه، فقال أبو صالح: صدق صاحبك، بع وادفع إليه الثمن، فقال بعض من حضره من العوام هذه إعانة للنكاري على الوهبي، فقال لهم: إن الحكم لا يختلف.
الحكم فيما إذا تخلى الورثة عن التركة للغرماء
فقال أبو محمد لو كان أبو صالح تتبدل فتياه لتبدلت في هذه القضية، وأخذ بقول من قال أن الورثة إذا أخلوا بين التركة وبين الغرماء فليس عليهم غير ذلك، قلت: الوجه في المسألة إن كان المديون لا مال له غير الشاة، أن يجتهد الحاكم في النداء حتى تبلغ أقصى غاية قيمة الوقت ولا يكون ذلك إلى أحد من الخصمين، فإنه أرأيت إن باعها ولد المدين بأقل من قيمتها، ثم قام عليه غريم آخر، (2/159)
صفحة 390
فحاصص الغريم الأول فيما أخذ أليس قد ضيع بذلك حق الغائب والحاضر إذا كانت في البيع حطيطة إليهم؟ اللهم إلا إن تطوع الوارث بقضاء جميع الدين سواء كان في التركة وفاء أو لم يكن.
وذكر أن أبا صالح سار ذات مرة في بعض شؤونه ومعه ابنه أبو محمد، فلما كانا بعض الطريق وجدا شاة لا يدري أحد منهما لمن هي والشاة على آخر رمق فقال أبو صالح لابنه: اذبحها، فامتنع فكرر عليه، فامتنع. وكان الشيخ راكبا فنزل عن مركوبه، فذبح الشاة فتركها وانصرف فقال لابنه أبي محمد: أنتم أهل هذا الزمان لا تجزون على أحد صغيرة ولا كبيرة، ثم قال لابنه: اقطع لي قضيبا أسوق به الحمار، فقطع له قضيبا فاستحسنه وألقى الذي في يده، ثم قال: هكذا المتروك الذي يسميه العلماء متروكا.
وذكر أن أهل الحي شكوا إليه شاة تشرب من الآنية، فقالك ائتوني بها، فأتوه بها فضربها ضربة واحدة بين إذنيها، فصاحت صيحة منكرة، فلم تعد بعد ذلك إلى شرب اللبن.
شفقة الشيخ على الحيوان
وغاب عن أهله ذات مرة في بعض شؤونه وخلف ناقة له وعليها الصرار، فلم ينزعوه عنها فلما قدم وجد خيط الصرار قد أثر في غارب الناقة، حتى أحدث فيها قرحا، فاستعظم ذلك وأظهر غضبا، وابتدر ليحل الخيط عن الناقة، والصديد يقطر على كمي جبته، فقال أبو محمد: وكنت أضم كميه لئلا يصيبهما الصديد، فانتهرني وقال: تنح عني لا بأس بذلك. (2/160)
صفحة 391
يتحمل الشيخ المشاق للإبقاء على أثر الصالحين
وذكر أن أبا صالح سمع بالنكارة أنهم استولوا على جبل دمر بحلقة كانت لهم تطوف في الجبل فتكدر خاطره، فتوجه إليهم بالحلقة، ومعه ابنه أبو محمد وذلك في سنة ممحلة، وكان الشيخ يكابد الجوع والوعر، وصعود الجبل كل ذلك في الله وإحياء لسيرة المسلمين، وابقاء لذكرى الصالحين وفي ذلك كان ولده أبو محمد يرفده من وراميه لما صعد الجبل، لئلا يقع، حتى وصل إلى رئيسهم ومقدمهم " زيري بن كلمين" فعاتبه أبو صالح وقال له: ما هذا الذي بلغنا عنكم يا زيري من مرور النكار عليكم وحلقتهم بين أظهركم وأنت بالحياة؟ فقال له زيري: إن عذرنا يا شيخ بين أما سمعت المثل السائر في كلام البربر؟ وخاطبه ببيت بربري ترجمته: المرأة متى لم يزرها بعلها ابتغت السفاح، وهذا الكلام له بالبربرية وزن، وطلاوه ومساغ، غير ما يظهر من تركيبة العربية، وقال له الشيخ: منع من ذلك شجة الزمان، وما يدركنا من الشقفة عليكم فقال له زيرى فترفعون أزواجكم! فخصمه وأصاب، لأن الله أثنى على المؤمنين فقال: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب، ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيض الكفار، ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) ومن أعظم الجهاد الجهاد في الدين.
الشيخ يفضل تآليف أهل المشرق (عمان)
وكان أبو محمد يقرأ على ابنه مختصر ابن محبوب فكان أبو صالح يقول، هذا كلام محقق، فقيه، أصولي ولم يقع منه هنا إلا الجزء السادس وهو سبعون جزاء. هذا منه تحريض على العلم، وعلى تحصيل الدواوين، وذكر عنه أنه كان يقرأ عليه الكتاب المعروف بالنسخ الثلاث في (2/161)
صفحة 392
الحيض، وكان كلما قرأ في النسخة الأولى يقول: هذا الفقيه العالم وفي الثانية يسكت لم يمدح ولم يذم، وفي الثالثة يقول: خلط، خلط، ذلك ليعلم أن تأليف أهل المشرق مفيدة، دون ما سواها"2".
ومن فضيلته أن رجلا من نفوسة يدعى أبا يخلف، وكان عندهم بجربة وكان هذا النفوسي متقنا لمسائل الحيض، فمتى وردت مسألة من مسائل الحيض على أبي صالح رفعها إلى أبي يخلف فتكلم فيها بما عنده بعد ما يقول لا أرى نفسي أهلا لذلك، ويسأل من أبي صالح الجواب.
وذكر أنه لم تسمع منه لفظة شر قط إلا مرتين، إحداهما أنه سئل عن بئر إذا كانت في الجنان هل هي عيب؟ فقال: هي شر العيوب"3"، والأخرى ذكر له رجل وكل رجلا أن يزوج له فزوج له أربع نسوة، فقال: هو شر الوكلاء.
وذكر أن رجلا نكاريا سأل الشيخ أبا صالح: هل تجوز الصلاة بثوب واحد؟ قال: نعم، إذا كان ساترا، فقال النكاري: إنما عنيت الشاشية، فقال أبو صالح: إنما قلت لك إذا كان ساترا، وسأله مبكتا، أيجوز صوم العيد؟ فقال: لا، قال فلم تصومون يوم الجمعة وقد علمتم أنه عيد؟ قال: أرأيت إن كان في رمضان؟ فلم يجد جوابا.
وذكر أبو صالح قال: ما أفتى سليمان بن ماطوس قط في رخصة إلا في ثلاث مسائل: أحدهما أن من باع سلعة بقراريط وهو يعني دراهم الحندوس أن ذلك جائز، لأن القراريط في أوزان الذهب، والدراهم في الفضة، (2/162)
صفحة 393
الثانية رجل تحقق في أعضاء وضوئه نجاسة، أو في عضو واحد منها فتوضأ حتى انتهى إلى موضع النجاسة فجعل مرور الماء على العضو النجس إزالة للنجاسة، وأداء لفريضة الوضوء، أن ذلك يجزيه ولو لم يقصد، فقال له أبو محمد: لا أعلم هذا إلا أن ترجعوا إلى جواب غيركم، والثالثة رجل سأل من رجل خمسين دينارا قراضا وخمسين سلفا، فأتاه بمائة دينار جميعا ودفعها له، ولم يبين ما للقراض ولا ما للسلف أن ذلك جائز.
يجوز الرجوع إلى الرضى بعد الإنكار لا العكس
وقال أبو صالح في امرأة عقد نكاحها وليها فأنكرت، ثم رضيت أن ذلك جائز لأن لها أن ترجع إلى الرضى بعد الإنكار ولا يرجع إلى الإنكار بعد الرضى، في قول أبي عبيدة - رحمه الله - فقال له أبو محمد: النكار أولى بالصواب في هذا الجواب، فقال له: النكار أولى من أبي عبيدة بالصواب يا هذا؟ فقال: لا ولكنهم أخذوا بقول أبي نوح صالح الدهان، وهو أظهر وأصح فصادفه النكار فرجحوه.
يهتم به تقديرا لأبيه
وذكر أن رجلا من ولد أبى مسور متخلفا، خرج من جربة إلى بلاد أهل الدعوة، يستجدي ويستعين، فعظمت مصيبته على أبي صالح لكونه خرج في شيء لم يخرج إليه سلفه، فعز على أبي صالح أن يجتمع عليه فيه مصيبتان الاستجداء وأن لا يعرف قدره، فجعل يسأل كل من يرد عليه من النواحي التي توجه إليها، ويبحث عن منزلته عندهم، وهل عرف له حظ أم لا؟ وهل أكرم إجلالا لآبائه؟ فقال له ابنه أبو محمد: إن فلانا لم يبلغ قدره هذا الاهتمام الذي اهتممت له، فقال له أبو (2/163)
صفحة 394
صالح: يا هذا لا تقل هذا فإن ذلك ابن أبي مسور، (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) (الكهف: من الآية 82).
وذكر أن تلميذا من تلامذة أبي صالح كان يقرأ عليه كتابا بحضور رجل نكاري يرد عليه، وأكثر الرد عليه في غير موضع الرد، ففهم أبو صالح عن النكاري أنه ينتفخ بما ليس عنده، فقال للتلميذ: ناول الكتاب من هو أجود منك قراءة، فناوله النكاري فلما أخذه بقي حائرا لم يحسن القراءة ولو حرفا واحدا فبهت وخزي.
عادة أهل جبل دمر في أخذ جزء من الدية واستنكار ذلك
وذكر أن رجلا يكنس مربدا بجبل دمر، فرفع حجرا من المربد فرمى به وراء ستر، فصادف رجلا فقتله فترافع أولياء القاتل مع صاحب المربد إلى أبي صالح فحكم فيه بالدية، فسر بذلك رئيسهم زيري، لأن عادة أهل الجبل متى وجبت دية على أحد وأخذها مستحقها فإنه يجيزها المقدم بثلثها، وزعم أهل جبل دمر أنهم أخذوا هذه السيرة عن الأئمة، ومعاذ الله، فبلغ ذلك أبا صالح فأنكره عليهم وغيره، وكره أن يتخذوه سنة، فيشتهر ذلك عنهم فيزداد في الشريعة ما ليس منها.
ينفق ماله احتسابا فيشتكي منه أبناؤه
وذكر أن رجلا من بني يراسن تاب في آخر عمره، وكان موسرا وكان يتصدق بماله فجاء بنوه إلى أبي صالح شاكين بأبيهم، ذكروا له أنه أتلف المال وتركهم فقراء فيما زعموا فقال له أبو صالح: مالك وبنيك؟ زعموا أنك أتلفت المال فقال له: يا أبا بكر، أفعل كفعل الذي نزلت فيه آية الكنز (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة: من الآية 34)؟ فكان أبو صالح يستحسن ذلك ويتعجب من كونه صدر من رجل عامي. (2/164)
صفحة 395
وزاره جماعة من العزابة في مرض أصابه فدخلوا عليه في عريش له بمقربة من موضع وضوئة فجعلوا يحفظون ثيابهم أن يصيبها شيء من ثرى موضع الوضوء فقال لهم: لا تحذروا، فإني لم آته قط بنجاسة وكان من عادة أبي صالح إذا أكمل ركوع النوافل التي اعتاد ركوعها دعا من يقرأ آيات سجدات القرآن. فكلما قرأ منها آية سجد، حتى أتى على آخرها.
قلة ذوي الفضل في آخر الزمان
وذكروا عن أبي صالح أنه قال: يأتي على الناس زمان يود الرجل من يأكل طعامه فلا يجده، ويود من يستشير فلا يجده، ويود من يرفع إليه أمر النازلة تنزل عليه في أمر دينه، فلا يجده، لا لقلة الناس بل لقلة الفضلاء، فمن أدرك ذلك الزمان منكم فليتمسك بما حفظ من دين الله، وليعض عليه النواجذ.
-----------------------------
1 - في نسخه مئتين.
2 - هكذا في النسخ فتأمل.
3 - كان وجود البئر في الجنان عيباً لأن الناس يقصدونها للسقي ولا يمنع الماء عن المحتاج إليه فيكون ذلك البستان عرضة لإفساد الدواب ولا يمتنع عن الأيدي
أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور
ومنهم أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور - رحمه الله - الطيب موردا ومرعى، الكريم أصلا وفرعا، المبارك عينا وآثارا، المحمود خيرا وأخبارا ورث المجد عن أمجد الآباء، وأورثه نجباء الأبناء، وأبقاه فيهم مخلدا لا يفنى إلى يوم الفناء فهم شجرة الدين، لأن أصلها ثابت وفرعها في السماء، إن ذكرت السباق في حلبة العلم كان المبرز، وإن ذكرت المخلصين وجدته لخصال الخير بأسرها قد أحرز، قد تقدم من ذكر أحواله في التعلم والتعليم، وماله في طريق الصلاح من رتب حديث وقديم، وفي كل مسموع طيب وثناء كريم، وسنذكر ماله من المناقب، وكريم المذاهب، وما وهب الله على يده من المواهب، ما (2/165)
صفحة 396
يحسن مرئيا عند الشاهد والغائب. من فضائل مشهورة، سائرة بها الركبان، لو سكت عنها لأثثت الحقائب.
تسلط ابن وانموى على الجزيرة في زمن الشيخ
ذكر أن قائدا من قواد السلطان يعرف بابرايهم بن وانموي، مزاتي وهو من أهل المذهب من مزاتة القيروان، إلا أنه كان جائرا، فاسقا توجه إلى جزيرة جربة، وكتب قبل وصوله إليها إلى أبي زكرياء فصيل، أن تنح بأهلك وعشيرتك إلى المسجد الكبير، لئلا يدركهم من إضراره شيء أو تصيبهم من الجيش معرة، ففعل أبو زكرياء فاستباح القائد جربة نهبا وغصبا، ووقى شره بني يراسن فإنهم في جنب الشيخ لم يصبهم شيء مما أصاب أهل الجزيرة ببركته، قيل فلما قضى ابن وانموي من أهل الجزيرة إربه، وصل إلى أبي زكرياء، فأعلمه أن أهل جربة أفسدوا على السلطان رعيته، ولم يؤدوا حق طاعته، فلذلك نزل بهم ما نزل، ولكن يا أبا زكرياء ما الذي تعلم من أحوال بني يراسن؟ قال ضعفاء، قال أما يقدرون على أدني شيء؟ قال يقدرون على دينارين، قال قد قنعت بدينارين منهم، وتقدم أبو زكرياء وغرم له الدينارين من ماله وقد تقدم له في الكتاب نحو من هذا "1" - رحمه الله - قيل وكان ممن انضم إلى الشيخ أبي زكرياء من بني يراسن رجل يسمى أبا ملدين، فأصيبت له جدي وعنز فأعلم بذلك ابن وانموى، قال: أما العنز فلك، وأما الجدي فلا، فقال: بل كلاهما لي، فقال له القائد: يطلقان جميعا فإن صحب الجدي أمه فلك، وإلا فلا، فاطلقا فأخذ كل واحد منهما طريقا غير طريق الآخر، فقال له القائد: (2/166)
صفحة 397
كيف ترى دعواك يا ملدين؟ قال: قد والله نالهما من رعبك ما نالنا فدهشا كما دهشنا، فضحك حينئذ، وسلمهما إليه وإنما ذلك كله ببركة الشيخ.
يطعم الجبابرة تقية ويتبرع بمثل ذلك للفقراء [COLOR]
وكان أبو زكرياء ربما عامل ابن وانموي وأشباهه بالإكرام، وقابلهم بإطعام الطعام، فإذا فعل شيئا من ذلك تبرع بإطعام مثله للعزابة، فالأولى وقاية للعرض وابقاء للحرمة، والثانية تكفيرا عن الأولى على أنه يقول: من حرث زرعا وحصده، ودرسه، وطحنه، وعجنه، وأطعمه الجبابرة، بمنزلة من أطعمه الأولياء، فلكليهما حظ من الثواب، وكلاهما يكتب عند الله صدقة، كما روي في الخبر.
[COLOR=darkblue] اهتمام الشيخ بالطلبة و إعانتهم سرا
وكان يقول: " منزل التلامذة كشجرة الخروب" يعني أنه لا ينبت حول الخروب نبات، فإن نبت كان ضعيفا لأن الخروب يشتف، وكذلك ما كان حول منزل التلامذة، فإنه يكون اهتمام أهله لما يصلح شأن التلامذة فجهدهم مكابرتهم، والطافهم، والقيام بمئونتهم، وكأني به - رحمه الله - يخاطب بذلك أهله وحشمه، ليكون لهم من الاهتمام والاهتبال بأمورهم، والقيام بحقوقهم، ما لا يكون عند غيرهم من ذلك فيقتفون آثاره، ولا يستعظمون ما ينفقون في جانب التلامذة، وما يخرج من مصالحهم وكان - -رحمه الله- عليه - يصرف الدنانير بالدراهم، ويجعل الدراهم في القراطيس، والصرر، ثم يعلقها في ألواح التلامذة، وربما يجعلها في أوعية دفاترهم، وربما جعلها بين التلميذ وبين ثيابه، وهم لا يشعرون، وكل ذلك منه رغبة في كتمان الصدقة فلما مات أبو زكرياء - رحمه الله- عليه - انقطع عن التلامذة ما (2/167)
صفحة 398
كانوا يعتادونه من ذلك فعلموا أنه إنما كان يفعل ذلك أبو زكرياء وتحققوا ذلك.
وبلغه عن أبي بكر الزواغي أنه كان يقول: لسنا في دفاع ولا في ظهور ولا في كتمان، ولا في شراء، ولكن زماننا سائب لتضييع الناس القيام بالحق، ولا يعني أن السائب وجه من الدين خامس، فقال الشيخ أبو زكرياء لما بلغه ذلك عنه: أخبروه أن مسالك الدين أربعة: الكتمان وهو الأمر السابق لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم الظهور كحاله بالمدينة ثم بعده أن أمر بالجهاد، ثم الدفاع كدفاع أهل النهروان الراضين بحكم ابن العاص وعبدالله بن قيس، ثم الشراء، كأبي بلال - رضي الله عنه- - فلو رأيا زماننا وأهله لاستحالوا التمسك بشيء من الدين.
-----------------------------------
1 - للشيخ علي معمر صاحب كتاب الإباضية في موكب التاريخ كلام ونقد لموقف الشيخ أبو زكرياء فراجعه إن شيءت ولعل الذي جعل الشيخ يقف هذا الموقف من القائد الظالم أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً فرضي أن ينجو بنفسه وبعائلته.
4 - أبو عمرو النميلي
ومنهم أبو عمرو النميلى -رحمه الله- الراسخ القدم، المؤثر موسرا وذا عدم، التارك الآثار والتبعات، المعمر في اكتساب البر وأفعال الطاعات، الذي كان الورع خدينه، والعلم في كل وجهة قرينه، وهو أحد أقطاب الجزيرة، وما يجري فيها الفرض والسنة والسيرة.
ذكر أبو الربيع أن أبا محمد واسلان بن أبي صالح زار أبا عمرو النميلي، بعد ما كبر وعلت سنه، وقيل أبو عمرو لما كبر زار أبا محمد، فقال: يا وأسلان يا بني، ذاكرنى بشيء أنتفع به فسكت عنه أبو محمد فلم يجبه، (2/168)
صفحة 399
فقال: مهلا عليك يا واسلان، مهلا عليك، إن كنت استثقلت سؤالي فإني أخفف عنك وإلا فعلام تركت سؤالي، ولم تجبني؟ ولما رأى أبو محمد تغير أبي عمرو أقبل عليه، يذاكره، بما اعتقد أنه ينتفع به فهكذا كانت أحوال السلف وأخلاقهم، وتسارعهم إلى الخير، وسباقهم، لا يضيعون الوقت، ولا يفوتون الغائب.
جند المعز ينكلون بعدة مشائخ في جربه
وكان أبو عمرو قد عاش مائة وعشرين سنة، وقتل شهيدا قتله بنو وتران زولية وذكر أنهم ذبحوه وخرج من مذبحه شيء كاللبن يسيل، وهؤلاء الذين قتلوه هم عسكر أخرجه المعز بن باديس فيما ذكر، فقتلوا عدة من مشائخ جربه، كأبي عمرو، وأبي صالح، وأبي موسى"1" وذكر أن رجلا خرج ليلا إلى المقتلة، يتفقد القتلى، هل فيهم من بقيت فيه بقية نفس، فسمع قائلا يقول باللسان البربري يا قاتل أبي عمرو النميلي، شتت الله شملك، وأزال عزك، فلم يلبث إلا أياما فخرج عليه يونس بن يحيى الطنبري ومزق ملكه، وقتل رجاله، وخرب سلطانه ونفاهم من القيروان إلى المهدية.
---------------------------------------
1 - كان ذلك في الحملات الارهابية وأعمال القمع التي قام بها أمراءهم ليحمل الناس على اعتناق المذهب المالكي بعد أن تمذهب به هو فعانت من جراء ذلك بقية الطوائف الاسلامية وهذه الأعمال الوحشية قام بها في الجنوب التونسي سنة 431 هـ.
أبو موسى عيسى الزواغي
ومنهم أبو موسى عيسى بن السمح الزواغي -رحمه الله- شيخ أهل الاخلاص والتقوى، المعتمد على قوله في الفتوى، ذو الرصانة والحلم، والمتقدم في فنون العلم، جوابه عند السؤالة رونق وبلاغة، وألفاظه حسنة (2/169)
صفحة 400
الوصف والصناعة، وحسبك بأول من فخرت به زواغة، فإنه صدق في التجرد والإنابة فأتاه الله مع العلم والاجتهاد الدعوات المستجابة.
المسائل الثلاث التي انتقدها منه المشائخ وجوابه عنها
ذكر المشائخ أن أبا موسى كان يتحرى الصواب ويتحفظ بالجواب، لكنهم انتقدوا عليه ثلاث مسائل إحداها قوله له أن الأمر والنهي مرفوعان عن أهل الكتمان لا يلزمهم من ذلك شيء، والثانية قوله: الرياء لا يكون بين العبد والناس وإنما يكون بين العبد وربه، والثالثة أنه لما أصيب قومه ايرءبان، لازم الفرائض مضطجعا اغتماما لما أصابهم من إخوانهم " بني تاتيتن" عذروه على الأولى، أنهم قالوا إنما يعني سقوط الأمر والنهي في أهل الخلاف، فهذا لا بأس به، وهو قريب من جواب أبي محمد جمال وهو قوله كل ما أجازه أهل الخلاف في مذهبهم، ولم يجز في مذهبك، فليس عليك إنكاره ولا يسمى هذا تضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجمهور من أصحابنا يأبون ذلك، ويوجبون النهي عن جميع المناكر، ما لم يمنع من ذلك ضعف أو خوف، فيسقطه عند ذلك، وعن الثانية أن قول من يقول لا يكون في الفرائض وإنما يكون في النوافل، وعن الثالثة اعتذر عن نفسه وذلك أنه لما سمع به الشيوخ جاءوه معاتبيين، فقالوا: حججت، وتصدقت وأعتقت وأنفقت، وأنفذت وصيتك بيدك، ومع ذلك فإن الوهبية غير راضين أحوالك، لكلفك بقومك حتى بلغ بك إلى هذا الحال، وأظن المتكلم منهم أبو صالح بكر بن قاسم، فأجابهم بأن قال: يا أبا بكر ألستم تقولون أن من إذا نال خيرا نلته معه، وأن من ناله شر نالك معه، فإنه مهما أصابه مكروه فتوجهت وتوجعت شفقة عليه أن ذلك ليس بحمية؟ (2/170)
صفحة 401
فقال لهم أبو صالح: اسألوا من صاحبكم المحاللة، فإنه قد أجابكم بمخ العلم.
تركناهم وطلبنا العلم فرجعنا ولم يفتنا شيء
وذكر عنه أنه قال: خرجنا من هؤلاء – يعني قومه وأهله – وتركناهم أصحاب شياه وبقرات، وقرأنا العلم ورجعنا وجمعنا مثل ما جمعوا من شياه وبقرات، لا أقول أن أبا موسى -رحمه الله- قال هذا القول فخرا وافتخارا، بل تحريضا على طلب العلم والاجتهاد في الخير والصلاح، وإعلاما بأن طلب الدنيا مدرك لا يفوت، وأن المتعين طلب العلم والدين.
أبو نوح سعيد بن يخلف
ومنهم أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي -رحمه الله- ممن سلك مسالك الأخيار، وحافظ على إحياء السير والآثار، وأخذ نفسه بما تلقى عن ذلك الأبرار، وكان ذا سعة في العلم والمال، رحيب الصدر فيهما عند السؤال، ولا يضجر من المسائل، ولا ينبو عن جوابه السائل، والورع في كل ذلك دليله، والرفق خليله.
ذكروا أن أبا نوح كان له أربعون فرسا، وكان يصطفي منها فرسا عتيقا، كان يبذل فيه الأثمان الجليلة، والأموال الجزيلة، فيضن به، ولا يسمح بخروجه عن ملكه لما خبر من صبره وشدة أسره، وكان يعده للشدائد والمرامي البعائد، حتى وصل به إلى بلاد المشرق، فقضى عليه فريضة الحج، وعليه سافر إلى " تادمكت"، ولعل كثرة ما اقتنى من الخيل لكثرة ما بأمله من الخير في نصرة الدين، ومدافعة المعتدين. (2/171)
صفحة 402
وذكر أن أبا نوح لم يصل صلاة بالتيمم على كثرة سكناه بالبادية، ولم يلبس الثياب المعدة للصلاة إلى غيرها قط، بل إذا قضى الصلاة طواها وأوعاها في الخرج، ولم تفته ركعات الضحى قط، ولم يفته نوم القائلة، فهذه خلال اعتادها لا يقطعهما عنه ما يقوم به من الأسفار ولا يتركها بعذر من الأعذار فكان إذا سافر وحان وقت المقيل نزل عن فرسه ثم نام، ثم يقف غلامه عند رأسه ممسكا له الفرس، حتى ينتبه فيصلي ثم يركب فيدرك الناس، لم يفوتوه، وكذلك يفعل في جميع الصلوات، فرضها ونفلها، وكان كثير المال كثير الأضياف لا يرد بابه دون أحد، وكان له أربع زوجات وكل واحدة منهن في خيمة فإذا نظرت إلى خيامه رأيت جلود الشياه منشورة، وعليها لفائف قطن، لكثرة ما يغشاه من الأضياف، فيكثر الذبائح.
رأيه في التصرف في مال الغير جلبا للمصلحة
وكان يقول كلما تصرفت في أموال الناس في وجوه المصالح لتدخل عليهم بذلك نفعا، أو تكف ضررا، فليس عليك في ذلك تباعة، ذكرأنه رأى بقر الناس في زرع فأخرج البقر وطرده عن الزرع، وهو على فرس أنثى يتبعها مهر، فلم ير على نفسه حرجا في دخول فرسه ومهره في الزرع، لما أنه إنما قصد بذلك إزالة الضرر.
وكان -رحمه الله- مطرحا حظوظ النفس، لا يقف عند مراعاة الظواهر، إنما كان عنده القصد والإخلاص، فذكر عنه أنه كان عند أهله في ناحية من نواحي طرابلس في عام الأبراج وهو العام الذي وقع فيه الحرب بين زناتة وصنهاجة فهزمت صنهاجة، وكان بنواحي إفريقية زلازل (2/172)
صفحة 403
عظيمة، وأحوال شديدة، فتشمر حينئذ من كان بنواحي أفريقية من مزاتة فصاروا بجهات إخوانهم بنواحي بلاد طرابس، فنزل إليه أبو نوح سعيد بن زنغيل، وكان عنده ضيفا، فلم يجد عنده غير الشعير واللبن، قيل فكان إذا قدم إليه شيئا من ذلك قال له: كل يا شيخ فأني لا أعتذر لمن أدعو له بالجنة، وأرجو أن يكون من أهلها، ألا ترى حسن هذه العبارة ولطافة هذه الإشارة؟ - رحمه الله- عليهما-.
قيل وفي هذه السنة انضم عبد السلام بن أبي وزجون فيمن انضم من مزاتة إلى جهة طرابلس، وفيها سئل عن السخط والرضى وعن تلك المسائل، فقال: إنها صفات الله فعيب هذا الجواب وطرد، وسافر إلى المشرق للحج، قلت: ولعل الجماعة رضوا عنه، وحينئذ توجه إلى الحج، وإلا فلا يمكنه أن يقصد إلى الحج وهو في وحشة الهجران، بل بعد أن يتوب وتقبل توبته.
أبو محمد واسلان بن يعقوب المزاتي
ومنهم أبو محمد واسلان بن يعقوب المزاتي -رحمه الله- لم يقصر عن مدى أصحابه، وإن كان غير منتفع بشبابه، وذلك أنه قضى أيام الشباب في لا شيء، ثم توجه إلى الله فبدل الرشاد بعد الغي، فسعى وحفد وجد واجتهد، حتى فتح الله عليه في مدة يسيرة، بما ناله غيره في الأعوام الكبيرة فكان بالمجاهدة مذكورا، وبالعلم والورع مشهورا.
ينتقل من رعي الغنم إلى طلب العلم
ذكروا أن أبا محمد واسلان كان راعي غنم، فأتى عليه حين من العمر وهو لم يدر ما الصلاح، ولا أهله وكان عادته إذا خرج في رعاية أن تجتمع الرعاة، فيغني لهم، وكان حسن الغناء، فإذا كان آخر النهار ختم غناءه (2/173)
صفحة 404
بكلمات، فيذكر الله فيها ويدعوه، فكانوا إذا سألوه أن يغني لهم فراغه من الدعاء يقول لهم: أما بعد إذ ختمت فلا، ويمتنع فلا يعود إلى الغناء على كل حال، وكانت له هذه خيرة، فهداه الله إلى الطريق المرضي فتاب ورجع إلى الله، ولحق بتلامذة القرءان في أيام أبي القاسم يزيد بن مخلد فابتدأ في قراءة القران على تكلف شأن التعلم على الكبر كما في كريم علمك وكان جهير الصوت فمر به رجل فوجده يعالج من ذلك ما يعالجه المبتدئ فقال له: يا واسلان هلا رجعت إلى أهلك فلازمت الصلاح واصطناع المعروف؟ فان ذلك أنفع لك وأجزى عنك وكأنه أياسة من التعلم، فساءه ذلك فخرج من المسجد ولوحه في يده، وعبرته تخنقه، بل دموعه تسيل، فوجده رجل آخر على هذا الحال فقال له: ما شانك يا واسلان؟ فأخبره بما قال له الرجل وأياسه إياه من روح الله، فقال له الرجل هات لوحك وكان قد رماه فقال له: اقرأ فقرأ فقال له: أي عالم يخرج منك يا واسلان! فارتاح لقوله، ورجع إلى تعلم القرآن، حتى حفظه، ثم تعلم علم الكلام وحصل الأصول على شيخه أبي القاسم - رحمه الله-.
فذكر أنه كان في أيام قراءته على أبي القاسم حضر يوما إلى منزله، فوجده راقدا فطفق يتناظر هو وزوج الشيخ في مسألة من علم الكلام، قال: فلما أفاق قال له: هل سمعت ما نحن فيه! قال: نعم سمعتكما تتراميان بالخزف، يريد ضعف حجتهما في المناظرة، فلما قضى واسلان من هذا الفن وطره شاقت نفسه إلى تعلم الفروع فاستأذن أمه في السفر، والغز عليها في الاستيذان، فقال لها: أتأذنين لي في الطلوع إلى الجبل، فقالت: نعم، (2/174)
صفحة 405
فذهبت هي إلى الجبل بمقربة من منزلهم، وذهب هو إلى جبل نفوسة، فجعل يقرأ العلم حتى حفظ في الفقه كتبا كثيرة، وكان في أثناء هذه المدة إذا وصله كتاب من تلقاء أهله رمى به في الكوة لا يقرأه، حتى قضى وطره من علم الفروع وعقد النية على الرجوع إلى أهله، فقرأ الكتب فوجد في الأول التعزية بأمه ووجد في كل كتاب مالو اطلع عليه لكان شاغلا عما قصد إليه من الخير، قيل ولما خرج مسافرا عن جبل نفوسة شيعه المشائخ مودعين، فلما أراد الانفصال قال لهم: أخبروني يا معشر نفوسة عن رجل حلف بالله ثم حنث ما يجب عليه؟ قالوا: العتق أو الإطعام أو الكسوة هو مخير في الثلاثة إن كان مستطيعا، فقال لهم: هو مخير؟ قالوا: نعم فقال: هذا ما كنت أحاول أن أسمعه منكم، وقد ظفرت به منكم، فإني متى سألني سائل عن مذهب أهل جبل نفوسة، قلت: التخيير فقالوا له: إلى هذا كان قصدك.!!
قيل: وكانت إقامته فيهم سبع سنين فحصل ديوانا عظيما فكان يقرأ فيه ويدرس عند أهله، وكانوا إذا رأوه يقرأه في الشتاء، قالوا له: يبتل كتابك ببلل أندية الشتاء، ويقول لهم: سيأتي الصيف ويجف فان كان الصيف قالوا: يحترق كتابك ويتقبض بحر الشمس، ويقول لهم: سيأتي الشتاء، وينبسط. وكان -رحمه الله- لا يفتر عن القراءة في كل زمان.
يتعجبون من حلمه فيمتحنونه
ومما يذكر عنه من رحب الصدر وكثرة الصبر، ما حكاه جماعة من أصحابنا أن قوما من أهل القيروان ذكروا أبا محمد واسلان وما وهب الله له من العقل والفضل، والعلم والحلم، وسعة الصدر، فتعجبوا، وقالوا: أيكون (2/175)
صفحة 406
هذا من أخلاق بربري؟ قال أحدهم أنا أمتحنه لكم اليوم فقعد له في طريقة حتى مر فرفع إحدى رجليه ليخطو فجذب رجله الأخرى فصرعه، ثم قام ومسح التراب عن وجهه، ثم قال: الحمد الله، ولم يكترث بذلك.
أبو صالح الياجراني
ومنهم أبو صالح الياجراني -رحمه الله- هذا الشيخ أعبد العباد، وأزهد الزهاد، وكان لكثرة زهده يحسب أن ذلك بله، ولفرط حزنه على الآخرة يظن أن الذي به وله، لا يكترث إلا بخدمة ربه، ولا يعمل لشيء غير حبه، حتى خصه بالكرامات التي خص بها الاولياء، وأفاض عليه نور معرفته وكساه الآلاء.
تهجد الشيخ وملازمته المسجد
ذكر أبو الربيع عن خاله عبود بن منار، أنه كان يذكر عنده أن أبا صالح ينتقل في كل ليلة في جميع مساجد وارجلان، يطوف عليها مسجدا، بعد مسجد، قال: فأتبعته ليله وقد قام لتهجده، فجعل كلما أتى مسجدا ركع ما شاء الله أن يركع، فإذا انصرف قفوت أثره، وهو لا يشعر ثم يأتي مسجدا آخر، فيركع كذلك أيضا، وأنا خلفه أركع، حتى مر ببعض المساجد وأخذ بالركوع فغلب علي النوم فاستندت إلى بعض المساجد أساطين المسجد، فلم أستيقظ إلا وقد خرج، وغلب على ظني أنه أتى مسجدا آخر حتى يطوف على جميعها، فحققت ما كان يقال عنه.
بعض ما ذكر من كرامات الشيخ
وكان هذا الشيخ يحضر مجالس أبي عبد الله محمد بن بكر، فحضر مجلسه ذات يوم، فكان أكثر ما أورد فيه الوعظ والتخويف، وأسهب ما أمكنه، فقال له أبو صالح: يا محمد، أليس يقولون الجنه في آخر الزمان (2/176)
صفحة 407
أرخص من حمار أدبر؟ فقال: نعم، أرأيت إذا وجدت في السوق جملا بقيراط واحد أتكون لك قدرة لتحصيل الجمل ما لم تملك القيراط؟ وذكر عيسى بن يرزكشن قال: مررنا بأبي صالح في الغيران المعروفة " ببني أجاج" بخارج وارجلان وكنا في جماعة من العزابة، قال فأضافنا أبو صالح وبتنا عنده تلك الليلة فلما كان وقت من الليلة وأخذ العزابة في القراءة جعلت الجن ترد عليهم، يسمعون الأصوات، ولا يرون الأشخاص وذلك دأبهم مع أبي صالح، ولعلهم من مؤمني الجن، تأنسوا بأبي صالح، وتأنس بهم، لأن من هرب من الناس وتوحش منهم تأنس بما يتوحشون.
وذكر من كرامات أبي صالح أنه إذا أتى ليلا إلى الغار الذي هو مصلاه من غيران: بني أجاج" وأراد الدخول ليتنفل على حسب العادة أسرج له سراجان أحدهما عن يمينه، في الجانب الغربي، والآخر عن شماله في الجانب الشرقي، ولا يعلم ولا يرى من يسرجهما له.
خروج الشيخ من وارجلان اعتزالا للفتنة
ووقعت فتنة بوارجلان فلم يكن أبا صالح المقام بها فخرج مهاجرا إلى ناحية أدرج، وكانت له بها إبل، فمكث عند إبله مدة سبع سنين حتى صرف الله الشر عن بلاد وارجلان، وانتشرت فيها العافية فأراد أبو صالح الرجوع إلى الوطن، وكان حينئذ ببلاد أدرج شيخ من المشائخ الكبار، وكانت عنده حلقة عظيمة فيها نحو ثلاثمائة تلميذ يقرأون العلوم، وسير أهل الخير والصلاح فكان أبو صالح يستأنس به، ويستفيد منه، فلما خرج مسافرا خرج الشيخ معه، وتلاميذه مودعين، وجعلوا يودعونه جماعة بعد أخرى، حتى لم يبق غير الشيخ. (2/177)
صفحة 408
الدعاء الصالح من خير المكاسب
فدار بينهما من الكلام المفيد أنواع، فكان آخر ما دار بينهما أن قال أحدهما للآخر: أخبرني ما أعظم شيء ينال به خير الدنيا، وسعة الأرزاق فيها أبالتجارة أم بالزراعة أم بالصناعة؟ فلم يجبه طلبا لأخذ الفائدة وليكون الجواب من عند السائل فقال: إن أفضل ما ينال به ذلك دعاء الصالحين، لا سيما إذا أغثت ملهوفا أو سددت فاقة مضطر، وذكر أنه استسلف حينئذ من تلك النواحي عشرة دنانير صرفها فيما لابد له منه، فلما قدم على أهله وأحضر الدنانير المذكورة وأراد تبليغها منه ولم ير ما يخلصه منها إلا أن يؤديها بنفسه، فلما ارتحل عن أهله اجتاز بقوم يعملون المعروف ويتطوعون به لسد خلة أو نفقة على أنفسهم، فكل رجل منهم يتنفل بما عنده، ويتطوع بما قدر عليه، فارتاح أبو صالح واهتز ورآها فرصة تنتهز، لكن تردد ما بين الفرصتين أداء الاتباعة لمستحقها أو اصطناع المعروف في محله ثم أنه رأى تقديم ما يخاف فواته على ما ليس بفائت واستخار الله عز وجل، وتطوع له بدينار من العشرة دنانير، ودفعه لهم عازما على استئناف اغترامه لصاحب السلف، فلم ير بذلك باسا لأن ذمته كانت عامرة بالكل، وتبقى عامرة بالبعض، فبعد دفعه الدينار تمادى في طريقه حتى وصل إلى صاحب السلف، فدفع له الصرة فعدها فوجد فيها عشرة دنانير، والشيخ لا يعرف أكثر من تسعة، فقال له: أعد عدها، فأعاد، فوجد عشرة فعلم أن ذلك من عند الله.
تحرج الشيخ وشدة ورعه
ومما يحكى من الأخبار التي لم ينسج أحد على منواله ما ذكر أنه جلب من إبله أبعرة إلى وارجلان للبيع، فاشترى (2/178)
صفحة 409
وارجلاني منها بعيرا، فلما أراد أن ينقده الثمن قال له: إن ثمن جملك في تادمكت، وكان له جمل أراد المسير عليه، فقال له رجل من أهل وارجلان: أتحمل لي على جملك هذا حمل متاع إلى تادمكت فتبيعه لي هناك؟ فقال: بكم أبيع حمله، فقال: بكذا وكذا، وكان بعدد سماه له، فلما وصل تادمكت وسوق تلك الوديعة، نقص من العدد الذي سمى شيء يسير، قيل قدر ثلاثة أرباع قيراط، فقال لا يمكن البيع بدون ما سمى لي فرجع بالحمل إلى وراجلان قالوا: فلم ير حمل رجع من تادمكت إلى وارجلان غيره، ولا سمعنا به، وهذا في التحرج شيء بعيد.
قوة إيمانه ويقينه
وكان لأبي صالح ولدان أحدهما يسمى صالحا وبه يكنى، والآخر يسمى سليمان وكان إذا أراد أن يسأل عن ولديه يقول: ما فعل ابني صالح؟ وأما سليمان فقد رضى عنه المسلمون، وكان يقول: إذا نظرت إلى ولدي سليمان، وإلى عمران بن زيرى وسدري بن سليمان احترقت نفسي، وعلمت أني محتاج إلى التوبة والإنابة، واستئناف العمل، وكان هؤلاء النفر الثلاثة يقول بعضهم لبعض: سيروا بنا إلى زيارة الأخيار، ودعونا من هذا الشيخ – يعنون أبا صالح- فإنه لو سكن بين أظهر المشركين ما تبدل، ولا تغير، ومما يحكى أيضا من إطراحه الاستعمال أنه كان ربما قصد مع أبي عبدالله محمد بن بكر -رحمه الله- حتى تذاكر معه في الصغيرة والكبيرة، حتى كان مما ذكره أبو صالح أن قال له: يا محمد يا ولدي ما عسى أدركت منى وشعر رأسي كالثغامة، ولحيتي كالصفار وجسدي هزيل، ولو علمت ما علي من القوة والشجاعة والعبادة، لو رأيتني حينئذ (2/179)
صفحة 410
لرأيت شيئا عجيبا تعجب أن تراه، أفتراه -رحمه الله- يريد بذلك تفاخرا وسمعة؟ حاشاه، ثم حاشاه، إنما ذلك دليل على صفاء باطنه وكونه لا يحذر شيئا يحذره أهل الدنيا - رحمه الله-. (2/180)
صفحة 411
. الطبقة التاسعة 400 - 450 هـ: 1 - أبو عبدالله محمد بن بكر
منهم أبو عبدالله محمد بن بكر -رحمه الله- الطود الذي تظاءلت دونه الأطواد، والبحر الذي لا تقاس به الثماد، بيت أهل المذهب والمشهور بالبركات، والمعتمد عليه فيما أصل للحركات والسكنات أسس قواعد السيرة وله في كل فن تآليف كثيرة، وأكثرها الحجج والبرهان لأنه كان فيها ركن الأركان، وحفظ عنه في الأخلاق حكم قد خلدت في بطون الأوراق، وله الدعوات التي ترتجى وتتقي عواقبها، وهي باقية لذريته يتوارثها بدورها وكواكبها.
كرامات تحكى عن الشيخ أبي عبدالله
وصنوف فضائل أبي عبدالله أكثر من أن تحصى، لكن أذكر منها ما تيسر، فمن كراماته أنه أضاف جماعة من أهل الخير والصلاح؛ ممن ينبغي معه الاحتفال، وممن لا يقابل بالمحال وكانت غنم الشيخ في مرعاها بالبادية، ولم (2/181)
صفحة 412
كرامات تحكى عن الشيخ ابي عبد الله
يحضر ما يسنى به طعام أضيافه ولا وجدوه له بوجه الشراء فقال لهم: انظروا العريش هل فيه شيء أم لا، وكان في داره عريش فنظروا العريش، فإذا فيه كبش عظيم، فجهز به ضيافة أضيافه فبعد ذلك قدم رعاء الغنم فسألهم عن حال الغنم فقالوا: ما علمنا بأسا إلا أن الكبش الكبير الفلاني دارت عليه زوبعة ريح في يوم كذا وكذا، فتشنا عنه فلم نجده، وهذه الحكاية روتها جماعة ممن لا يرد ما ذكر، ومثلها لمثله، لا ينكر، ومن كرامته ما ذكر الفقيه أبو الربيع -رحمه الله- قال: كنت عنده ذات يوم وحوله عمال يعملون فقدم لهم بسرا ليأكلوه، فقال لي: كل يا سليمان، فامتنعت، فقال: كل يا سليمان، إن من يطاوع لمشكور الحال، محمود الخلائق، فأردت أن أقول ولو فيما لا ينبغي، فأمسكت فاطلع على ما كتمت، وكوشف بما عنه سترت فقال لي: يا سليمان ذلك ليس بمطاوع فنطق به قبل أن أظهره له.
وكانت في أيام أبي عبدالله امرأة كثيرة التخدم لتلامذته، محسنة القيام بمعائشهم، وكثير من مهماتهم، فتزوجها رجل وغاب عنها في نواحي طرابلس في بعض أحياء مزاته، فأضر بها مغيبه عنها، وبلغ ذلك في الشيخ مبلغاً عظيماً، لكثرة اهتباله بها، فوجه رجلين إلى ناحية طرابلس في شأنها، أحدهما علي بن يعقوب، والآخر عمرو بن يحيى، وأشهدتهما على نفسها أنه متى فارقها فقد أسقطت عنه المهر، فلما استوثقا منها سارا إلى جهة طرابلس، فوصلا إلى الرجل فأشهدهما أنه خلى سبيلها، فكرا راجعين إلى أريغ، ثم انقلب علي بن يعقوب إلى جبل نفوسة ثم أراد الرجوع، فمر بقرية خاملة الذكر، فيها (2/182)
صفحة 413
عجوز يجتمع إليها الناس يسألونها عن مسائل دينهم، ولها مصلى تصلي فيه، قال علي فصليت فيه صلاة الصبح مع أهل المنزل، فتفرقوا.
خير الجني الذي قيل أنه كلم الناس
ثم جلست أتلو القرآن حتى غلبتني سنة، فما أيقظني إلا صوت قاريء يقرأ بازائي، أسمع صوته ولا أرى شخصه، ثم سمعت صرير ثياب لها تحرك وهي جديدة، فارتعت ارتياعا شديدا، فقال في الصائت: لا تخف فإني جني ممن لا يخشى أذاه فسألته عن كثر من الأنباء فأعلمني بما سألته عنه من الأشياء البعيدة عنا، ثم سألني عن السبب الباعث لي على السفر إلى ناحية طرابلس، فذكرت له خبر المرأة وبعلها وما كلفني به الشيخ أبو عبدالله من إصلاح حالها، ثم وضع سؤالا فسألني به، فقال: كيف ولايتنا لكم، وولايتكم لنا؟ فقلت: الجواب من عندك، قال: نعم أما ولايتكم لنا فبالجملة، وأما ولايتنا لكم فبالأشخاص، فسمعت العجوز تجاوبنا، فجعلت تسبح وتكثر التعجب ثم شكوت إليه ما استقبلته من الحركة وأتوقعه من خوف الطريق، فقال: اقرأ هذه الآية: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: من 136 إلى 137) فكررها علي حتى حفظتها، ولم تقنعه قراءتي معه حتى قال لي: اقرأ وحدك، فقرأت، فقال: الآن قد تحققت أنك قد حفظت، ثم قال: إن لنا موعدا بالجزيرة اليوم، لا يمكنني المغيب عنه، فلا تغب عن هذا المكان حتى أعود إليك إن شاء الله، (2/183)
صفحة 414
فإنا لنتحدث إذ طلعت الشمس فقال لي: هذا وقت الختمة، فخذ بنا في الدعاء فقلت له: الدعاء من عندك، فقال: بل الدعاء منك لأنكم أفضل، فدعوت، ثم دعا، ثم قال: زيدي من الدعاء يا عجوز، فدعت وأكثرت التسبيح، ثم مضى الجني وانتشر الخبر في القرية أن الجني
تكلم وحار الناس وتنحيت عن الناس بحذاء القرية في خربة، ثم نمت فيها، فلما استيقظت أقبلت أنظر ميعاد صاحبي، وجئت إلى العجوز فأعلمتني أن الجني أقبل، وسأل عنك، فلم يجدك فناولني حصيات، وقال ادفعها إليه إذا جاء، وقد انصرف وترك الحصيات برسمك، فهاكها، فأخذت الحصيات فوجدت عليها خطاً رقيقاً، لا أكاد أبينه، فعزمت على التوجه إلى ناحية بلادنا، فسلكت على نفزاوة، ثم على تقيوس، ثم قال وقد اشتريت كساء طاقيا (1) من نفزاوة، فلما صرنا في السبخة التي بين نفزاوة وبين تقويس من طريق بشرى وتوسطنا السبخة واجهتنا خيل لا نستطيع الهروب منها فقصدناها وقصدتنا وأنا في ذلك أردد الآية التي علمنيها الجنى، فلما وصلناهم حفوا بنا والكساء الطاقى على عاتقي، فردد في أميرهم نظره وصعد فينا بصره وصوبه وقد غشينى زبد فرسه، فقال لنا من أنتم؟ فقلنا: عزابة تلامذة، فقال: امضوا على طريقكم راشدين، قال: وقد كنت أتوقع أن يقول ضع الكساء فسلمني الله، وذلك بفضل الله ثم ببركة الشيخ أبي عبدالله فإني ما تحركت إلا مساعدة له وموافقة لمراده، قال: فكانت معي تلك
__________
(1) / كذا في النسخ وفي الأصل كتاب (الموجز) كساءة أنطاكية. (2/184)
صفحة 415
الحصيات فوصلت بها إلى تادمكت لم أزل أتعرف ببركتها فلم أرزأ قليلا ولا كثيرا مذ ظفرت بها.
جملة من الأحكام الشرعية استجوب فيها القاضي أبا الحكم
وذكر يعقوب بن أبي القاسم أن أبا الحسن أفلح كان من أصحاب أبي عبدالله وكان أبو الحسن تلامذة حمو بن اللؤلؤ فاحتاج بنو ورتيزلن إلى أن يقوم عليهم أبو الحسن قاضيا فقدمه عليهم الشيخ أبو عبدالله قاضيا، فمكث سنين فيهم قاضيا يحكم بالعدل، حتى ملوه وضجروا منه، فوقعوا فيه عند الشيخ أبي عبدالله وأكثروا الشكوى وكرروا القول فلما طال ذلك على أبي عبدالله وكان من جبلته الغيرة على أهل الفضل فاستحضر جماعة بني ورتيزلن ومن يليهم من تلك النواحي وحضروا في جمع جم، وحضر أبو الحسن وحلق القوم حلقة واحدة عظيمة فسكتوا طويلا، فقال لهم أبو عبدالله: ما الذي نقمتم من أبي الحسن؟ فقال قائلهم: أن أبا الحسن يحكم بين بعض منا دون بعض، فقال الشيخ: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ فقال: نعم، فقال لهم الشيخ: ثم ماذا؟ قالوا: حكم على رجل بصداق امرأة بغير إقرار ولا شهادة، فقال له: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ قال نعم فقال لهم: ثم ماذا؟ قالوا له اختصم عنده رجلان في شفعة فأبطلها من يد القائم فيها، فقال له: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ قال: نعم، قال لهم: ثم ماذا، قالوا: مات رجل بقرانا فأوصى في ماله بوصية فاستأثر بها أبو الحسن، فقال له: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ فقال له: سأخبرك بما فعلت فيها، قال لهم الشيخ: ثم ماذا، فلم يجدوا زيادة.
فقال له أبو الحسن: يا محمد أيثبت الحاكم الخصومة في الأرض المشاعة التي لم يتعين لها رب؟ قال: لا، قال فإن هؤلاء القوم حين دخلت هذه البلاد قالوا لي: ما بين فلانة إلى فلانة (2/185)
صفحة 416
مشاعة لبني ورتيزلن، فجعلوا يعمرون هذه الأرض دون أن يسلم بعضهم لبعض، فهو ما لم أحكم فيه بينهم، ثم قال: ما تقول في رجل أقر بالنشوز هل يحكم عليه بالصداق أم لا؟ قال: نعم، قال: اختصم إلي الخير وامرأته تازوراغة، فأقر بالنشوز، فحكمت عليه بصداقها، ثم قال أبو الحسن: ما تقول في نخل نبت في أعلى مجرى العامة هل يحكم فيها بالشفعة لبعض دون بعض؟ قال: لا، ثم قال: إن رجلين اختصما عندي في نخله هي في مجرى العامة، فطلبها رجل بالشفعة من مشتريها وهو واحد من تلك العامة، فلم أحكم له بها، وأما أمر الوصية فإن الرجل الذي مات من بني ورتيزلن استخلف امرأته على تنفيذ الوصية، فقالت ليك أرسل معي من يعلمني كيف أنفذ هذه الوصية، فأرسلت معها ولدي فبلغني أنها تصدقت عليه بربع شاة لحما، ولم أره، ولم آكله، ثم قال إن عندي كلاما لا أريد أن ألقيه إليك فقال: دع كلامك فحلف أبو الحسن أن لا يتكلف قضاء بينهم سبع سنين، فصاح فيهم الشيخ، فتفرق كل واحد على جهة، وقام أبو الحسن منصرفا فقال الشيخ ليعقوب بن أبي القاسم: اردد أبا الحسن، فرده ومضى معه إلى الغار، فقال الشيخ ليعقوب: أنظرني، وذلك في أول الليل، فلما أصبح لم يخرجا ثم إلى غروب الشمس فلم يخرجا، ثم إلى الصبح فخرجا فتوادعا، فقال يعقوب: فقمت إلى أبي عبد الله فقال من هذا فقلت: أنا يعقوب فقال: أو أنت قاعد هنا إلى الآن؟ فقلت: أجل، فقال: إن أبا الحسن لم يزل يسئلني عن مسائل الأحكام، ولم يفتر عن السؤال إلا إذا قمنا إلى الصلاة، ثم قال: إن جيرانك يصارعون من لا يصرعونه. (2/186)
صفحة 417
ومن الكرامات ما ذكر علي بن يعقوب قال: رأيت في منامي بعد موت أبي عبدالله كأني أتيت إلى تين يسلى، فسألت عائشة زوج الشيخ عنه، فقالت لي قد خرج، فأنا في ذلك إذ أقبل على فرس ادهم، فنظرت إلية فإذا هو كحيل العينين، ناعم الجسم والوجه، فنظر إلي فقال: امض بنا فقلت يا شيخ أني غير ماض بعد؟ فنظر إلي فقال تركته للناقضين الذين يموت الدين على أيديهم (1)، فتوجه نحو المشرق.
مشائخ يتسابقون إلى قضاء دين أخيهم
ومن فضائله ما ذكر أبو الربيع أن رجلا نفوسيا كان صاحبا ليكنول بن عيسى المزاتي، وكان بتاجديت وكان لازمه ويسعى في أموره وحاجاته، حتى ترتب للنفوسي على يكنول عشرون دينارا، فمات يكنول في بلاد إفريقية في غير بلاده، فسار النفوسي في طلب ماله قبل يكنول، فلقي المشائخ بتاجديت، فقالوا له: إن يكنول قد مات في غير بلده ولم يترك وارثا سوى بنتا له طفلة ولم يوص بما ذكرت، فلما أيس النفوسي من الخلاص على أيديهم وسمع بمشائخ أهل الدعوة قدموا إلى قسطالية ونزلوا قنطرار وفيهم الشيخ أبو عبدالله محمد بن بكر ومحمد بن الخير وداود بن يوسف وسعيد بن إبراهيم -رحمه الله- جميعا في جماعة كبيرة قصدهم النفوسي، فأعلم الشيخ أبا عبدالله بقضيته وشكى إليه بعدم خلاصه، فجمع أبوعبدالله أصحابه وقص عليهم قصة النفوسي ويكنول، وما شكى به النفوسي، فقام داود بن يوسف فقال: علي قضاء دين يكنول من مالي، فقال له الشيخ أبو عبدالله: اجلس فلا
__________
(1) / يبدو في العبارة نقص ولعل الصواب هكذا: قلت: لمن تركت المذهب فنظر إلي فقال ... إلخ. (2/187)
صفحة 418
يصح لك إلا نصيبك ثم قام سعيد فقال كقول داود، فقال له أبو عبدالله مثل ما قال لداود، فقام محمد بن الخير فقال: علي دينه لسعة مالي، فأجابه أبو عبدالله بمثل جواب أصحابه، فلما رأى النفوسي تبرعهم ورغبتهم ومسارعتهم إلى الخير واهتمامهم بقضاء دين يكنول. فقام فقال لهم: تركت لليكنول ديني عليه، فقال له المشائخ: اجلس فجلس فجمعوا له دينه.
ومن تحرجه ما ذكر أبو الربيع قال: دعاني أبو عبدالله محمد ذات مرة، فقال: إني قمت البارحة فلم أجد ما أتوكأ عليه إلا هذه الجريدة ولا أدري لمن هي فأخذتها على وجه الدلالة على العزابة عموما، فسل عن صاحبها وادفعها له.
الجماعة أولى وأهم من الفرد
وتوجه إلى وغلانة فوجد بين أهلها تنازعا وتدابرا وفيها رجل من لواتة يسمى أبد الله من ذرية أبد الله السكاك، يعنتهم في الأمور وينزع إلى الخلاف والتشاغب، فقال له أبو عبدالله لما علم أنه أحد أسباب الخلاف بين جماعتهم: اعلم يا أبد الله أنه ليس واحد أفضل من جماعة غير النبي عليه السلام، واعلم يا أبد الله أن من يتكلم وقد أحتيج إلى كلامه فقد ابتلي ببليه، ومن يتكلم ولم يحتج إلى كلامه فقد ابتلى ببليتين.
ضيوف الله أولى بالإكرام
ومن إيثاره وحسن آثاره ما ذكر أنه قدم وغلانة وبها جماعة من التلامذة العزابة، فجلس أبو عبدالله في ظل النخيل التي عند رأس تغرمات، فأطرفه أبو عمران موسى بن كنون برطب بني باكور وقثاء، فعلم -رحمه الله- أن ذلك لا يؤثر به غيره وأن العزابة الغرباء قد يكون بهم تشوق (2/188)
صفحة 419
لمثل هذا مما يستغرب فلم ينفرد بذلك دونهم فقال له: يا موسى أعلي تتجرأ بمثل هذا، وتجهم في وجهه، فقال: وما ذلك؟ قال: تتحفني بمثل هذه التحفة ومعك أضياف الله لا يتحفهم أحد بمثل هذه التحفة، وهم أولى من أوثر بها فاذهب وادفع ذلك إليهم وطب نفسا بما يقر عيونهم، فقال: إن هذا شيء يسير لا يجزي فيهم، ولا يقوم لهم مقاما، فقال: بل يقوم لهم أي مقام فجز القثاء على عددهم، أو أكثر من عددهم ثم ضعه على الرطب، ثم ادفع إليهم، ففعل ولا يبعد أنه تناول لنفسه مثل نصيب أحدهم لا زيادة وكل ذلك ليبقيه سيرة يقتدي بها من رآه أو سمع به.
ومن الكرامات ما ذكر أبو الربيع أن الجراد نزل" بتين يسلى" وكاد يتلف ضيعة الشيخ أبي عبدالله فدعاني، فقال لي: صل إلى الضيعة فاقرأ هذه الآية (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (الرعد: من 10 إلى 11) ثم ناد يا من هنا من إخواننا يستعين بالله ثم بكم الشيخ الضعيف الأعمى، على دفع الجراد عن ضيعته، قال: ففعلت ما أمرني به، فانكشف الجراد وانقشع بإذن الله، ونحو ذلك ما ذكر أنه كان نازلا بالبادية في فصل الربيع بالناحية الغربية إلى بلاد أريغ، فنفرت بغلة الشيخ وصارت متوجه إلى بلاد أريغ، فلم يستطيعوا ردها، فقال: قوموا يا إخواننا ردوا على الشيخ الضعيف الأعمى بغلته ففعلوا فرجعت البغلة دون أن يردها أحد. (2/189)
صفحة 420
ومن حكمه وأمثاله في ذم الزمان وأهله قوله: أن أهل زماننا هذا كالسبخة، إن ابتلت أزلقت، وإن جفت خدشت وكالتيوس إن اجتمعوا تناطحوا، وإن افترقوا تصايحوا وقال: قطيعة الرحم كقطع عضو من الجسد، لا يخاط ولا يربط، ولا يناط.
خروج الشيخ من أريغ
وذكروا أن بني ورزمار طغوا وأكثروا من الفساد وقطع الطرق وأنواع الأذى، فاجتمعت جماعة أهل أريغ عند الشيخ أبي عبدالله فوعظهم وذكرهم على حسب ما جرت به العادة في مجالسه ثم ذاكرهم فيما تدمر به السالكون في الطرق، والمستضعفون في الأرض من أضرار بني ورزمار بهم، وأنهم ينبغي لهم النظر في حسم هذه العادة، وأكثروا القول في ذلك، فأجاب قائلهم بأن قال: لا طاقة لنا، وما عسى أن نقدر عليه؟ فقال لهم الشيخ: نحن نقدر إذا على أنفسنا فارتحل بأهله وعياله ونزل أيفران من قرى وارجلان، فأقام فيهم عاما فضاعت أحوال أريغ لفقدهم أبا عبدالله، وما كان يصلح من أحوالهم وفسادهم فاجتمعوا في جمع كثير، وقصدوه ورغبوا إليه في الرجوع إلى موضعه وكان من قولهم أن قالوا له: لم تركت ضيعتك وقد أقبلت منفعتها وأقبل خيرها؟ فقال: هي عندي وهذه" الزيتا" واحد –و أشار إلى شجر" الزيتا (1) حوله كأنه يراها – وما الذي في ضيعتي من فائدة إذا كنت منكم كالفريسة يعتادها السباع من كل مكان؟ أولا ترونني أقصد من الآفاق؟ يقصدني العزابة للاستفادة فيقتلون بنواحي أريغ! وعدد عليهم أشياء قبيحة.
__________
(1) / نوع من أشجار البرية قصير لا يصلح لشيء حتى للإيقاد وهو كثير الدخان. (2/190)
صفحة 421
فلما أيسوا من رجوعه معهم تلك المرة رجعوا، فاجتهدوا في قطع الفساد جهدهم، واستعملوا الصلاح وتحلوا بحيلة الخير، وتعاونوا على البر حتى ارتدع عتاتهم، وانقمع غواتهم، فلما بلغه ما هم عليه من الخير وسألوه الرجوع رجع.
منشأ الخلاف الاستبداد والعناد
وقد كان محمد بن سليمان زاره إذ هو بايفران ورغب إليه في المسير إليه، فقال: تصل إلى وارجلان فترى الناس ويرونك ويتبركوا بك، فقال: مالي ولقوم عمدوا إلى مكتل عظيم فجعلوا فيه القدور والملاقي"4" والشقف والملاحف، وخلطوا ما لا ينبغي أن يخلط قال الشاعر:
وعن أبي عبدالله -رحمه الله- أنه أوصى بعض تلامذته عند وداعه إياه منفصلا إلى أهله فقال: اذهب إلى منزلك وأهلك فإن وجدت من تقدمه في الأمور فتكتفي به فاتبعه فإن لم تجده ووجدت من تتعاون معه فتعاونوا على البر والتقوى، وإن لم تجده ووجدت من يقتدي بك في الخير فكن إماما، وإن لم تجد من هؤلاء أحدا فألزم الطريق وحدك، وجانب الناس.
وعنه أيضا قال: خرجنا في حلقة زائرين أهل الدعوة فلما صرنا في بلاد الساحل خرج أهل المنزل فتلقونا فأدخلونا وأحسنوا نزولنا، وإذا فيهم رجل ممن كنت أعرفه من تلامذة شيوخي، وممن قرأ معي، وإذا هو قد لبس (2/191)
صفحة 422
كساء حشميا (1) وفي رجلية قرق قلعي، وعلى رأسه شاشية حمراء وفي يده مزراق يرفعه ويضعه فأدخلواني المنزل وقد عزمت على هجران صاحبنا المذكور، ثم أن الرجل أدخلنا بيتا وأدخل معنا رجالا من أعوان الجبابرة فأزددت عليه حنقا، وتضاعف غيظي عليه، وقلت لابد من الخطة فأكلنا طعاما إلى آخره وفرغت القصعة وجعل الفور يتصاعد من قعرها، ولم أرى قبلها قصعة تفور بعد فراغ الطعام، وذلك لشره الأعوان وشدة أكلهم وقلة أدبهم وكان ذلك مما زاد في حنقى وقوى عزمي على هجرانه، إلا أنه كان من لطف الله أن حبست نفسي ولم أعجل عليه، قال فبعد انصرافهم أدخلنا بيتا آخر ليس إلا العزابة فيه، وأحضر طعاما حفيل، ا فقال: كلوا فلعلنا نؤدي بعض حقوق الإسلام وأهله، ............. (2) ما تعلق بنا من طعام كنا نأكله من أموال أهل الدعوة في حرمة هذا الاسم، ثم قال: ما دعانا إلى ما ترون من مؤاكلة غير الجنس إلا المداراة عليكم وعلى المذهب قال: فانحل بعض ما اعتقدت ثم دعونا وانفصلنا إلى المسجد فلما كان وقت الصلاة الأولى فإذا بالرجل قد جاء – وأذن فانحل بعض ذلك أيضا ثم جاء وركع ما شاء الله، ثم أقام الصلاة فلم يجد من يقدمه ليؤم فتقدم وأم بالجماعة فانحل بعض ذلك أيضا، ثم دعا فقام وركع ما شاء الله، ثم جلس وأخذ الكتاب وجعل يقرأ ويفسر ما أشكل منه، فانحل جميع ما اعتقد عليه، وحمدته واستحسنت حاله، وحمدت الله إذ لم تكن مني إليه عجلة بنشاط، ولا معاملة بمكروه.
__________
(1) / نسبة إلى حشم الرجل أتباعه ومن اصطنعه ويعني به أتباع الظلمة وذوي الجور من الحاكمين فلهم لباس يميزهم وفي نسخه جسيماً.
(2) / بياض في الأصل. (2/192)
صفحة 423
وعن أبي عبدالله -رحمه الله- قال مثل الجماعة كالخشب ومثل من يستغني برأيه كالوتد الذي يضرب في الخشبة فتفريق الجماعة إنما يكون بسببه، وذلك إذا استبد برأيه في أمر تنبغي فيه المفاوضة كان حريا بأن يخطئ فإذا أخطأ فلا بد من اجتماع الجماعة للنظر في أمره، فإذا أخذوا في الكلام في قضيته لم يعدموا من يقوم غضبا للخاطئ يدافع عنه فيكون خاطئا ثانيا، فهو كوتد ثان يضرب في الخشبة في سمة الوتد الأول، ثم إذا حاول الجماعة النظر في أمر الوتد الثاني قام الثالث يدافع عنه فهو بمنزلته وتد ثالث في سمة الوتدين، فعند قيام هذا الثالث تتفرق الجماعة، ألا ترى أن الخشبة بعد الوتد الثالث تصير اثنين؟ فلا ينبغي الاستبداد فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: " من استغنى برأيه ضل، ومن هجم على الأمور عطب".
رأيه في بعض كتب الفقه
وبلغنا أن محمد بن سليمان النفوسي ومحمد بن غمرة زاراه حينئذ فسألهما عن مقدمهما، فاعلماه أنهما قدما من غيران بني" أجاج" وأنهما بها يدرسان الكتب كتب الفقه فاستحسن عكوفهما في دراسة الكتب، وقرر لديهما أن من يدرس كتب اللقط كمن يهيل أنواع الثمر إلى غرارته وأن كتاب أبي غانم قد أوضح قول كل عالم من مشائخه، وأسنده إليه وأن أجوبة الأئمة هي مخ الفقه، قلت: إنما يعني أن ملتقطات العزابة مختلطة كمن يجمع في غرارة واحدة من كل نوع من الثمر وكذلك هي قد تشتمل ورقة واحدة على مسائل شتى من أبواب شتى، فلا مسألة تنتظم مع أختها، ولا باب من أبواب الفقه يستوعب ويستقصي له فهي قليلة الفائدة جدا والغناء، كثيرة التعب والعناء، وأن الغانمي قد نظمت مسائله (2/193)
صفحة 424
في أبوابه منسوبة إلى أصحابها، فمتى حفظت بابا عرفت مسائله، ومن قال بها ومستند كل قول منهم، فهي بالمصلحة عائدة، قنيه باجتلاب الفائدة، وأجوبة الأئمة مليحة في معناها، فإنك تعرف منها وضع السؤال فتفرغ ذهنك لما في جوابه، كما فرغ المجاوب خاطره، واستجم فكرته للجواب عن فصوله مستقصات، فهي مخ كما قال.
الآخرة تقوم أحيانا بالدنيا
قيل وزار أبو محمد بعض أصحابه وقد كان عهده قبل ذلك على حالة سنية ورفاهية، فرآه في حالة ركيكة وثياب رثه، فساءه ما راءه فيه من سوء الحال، فقال له: ما هذا يا أخي؟ فقال له: نحن في زمان من فقد فيه دنياه فقد أخرته وكان السلف في زمان من فقد دنياه لم يفقد أخرته، فالسعيد من احتاط على سلامة آخرته.
وقدم رجل من لمطة يسمى " منزو" إلى أريغ وقصد أبا عبدالله وتاب على يديه، وتعلم السير، وسلك سبيل الصلاح، فكان من حاشية أبي عبدالله ومن المقربين عنده فذكر أن أبا عبدالله أرسله في غنم له بجبال بني مصعب سائمة، فخرج فكانت الغنم تحت يده وله فيها غنم قد جمعها فيها جميعا، فأغارت خيل بني غمرة عليه، فاستاقوا الغنم كلها فاتبعهم يطلب أن يردوها له، فأبوا، فألح عليهم، فأخرج أحدهم رجله من الركاب فركله بها، فتيبست رجله، بإذن الله، فلم يطق ردها في الركاب فلما رأى أصحابه ما نزل به رغبوا إليه أن يحالله فيغفر له، فامتنع فكرروا الرغبة ففعل بلا نية، فقالوا: لكن نرغب إليك أن يكون ذلك منك بنية، ففعل فانطلقت رجله سوية، كما كانت أول حال، فلما تحققوا ما هو عليه صاروا يتجنبون أذاه، ولا يتعرضون له بمكروه، فلما (2/194)
صفحة 425
كان أيضا ذات مرة أغاروا عليه، وعنده غنم الشيخ أبي عبدالله أيضا، فقال لهم: خذوا غنمي واتركوا غنم الشيخ، فإنه أفضل مني، وإنما نالني بعض بركته فأبوا عليه، فكان عاقبتهم خسرا.
الخوض من جديد في مسألة الحارث وعبد الجبار
وذكروا أن أبا عمران موسى بن زكرياء -رحمه الله- ضاق في الوقوف في الحارث وعبد الجبار والذين وقع فيهم الاختلاف، فقال فيهما عبدالله المدوني بالوقوف لانهما لم يبلغنا صلاحهما إلا مقرونا بفسادهم فتنازعا فيهما فورد عليهم يوسف بن نفاث فسألاه عنهما، فسمع مقالة المدوني، فقال: هذه نكارية بعينها واستحسن ما قال أبو عمران ثم كان بعد ذلك بأيام مجلس آخر حضره جل العزابة المشائخ، فيهم أبو عمران فسألهم أبو عمران ما تقولون فيمن وقف لكم في أئمة المسلمين؟ فأداروا السؤال بينهم حتى انتهى إلى المدوني، فقال: من وقف فيهم دون أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه، فلم يقنع السائل بهذا الجواب ثم قدم عليهم يوسف بن سهلون فسألوه عنها وعلم ما كان من جواب كلا الشيخين، فقال لهم: كفوا عن منازعة الشيخ فلعله لم يبلغه ما تقوم به عليه الحجة فيهما قبل حد ثهما، فكتب أبو عمران إلى الشيخ أبي عبدالله سؤالاً عن هذه المسألة وكتب لهأاخبرني بما حفظت فيها عن شيخنا أبي نوح -رحمه الله- فأجابه ما نصه – الله أعلم- في الحارث وعبد الجبار، وأما رجل لم يبلغك صلاحه إلا مقروناً بحدثه فليس عليك منه شيء والسلام، فلم يقنعهم الجواب ووقف عليه يعقوب بن أبي محمد واسلان فقال: أما أنا فقد ظفرت بهذا الجواب ولا أبالي في الحارث وعبد الجبار. (2/195)
صفحة 426
تحرج الشيخ من أموال العامة
وعن أبي يعقوب بن أبي عبدالله قال: أوصى أبي بألف دينار ثم استكثرها، وأوصى بخمسمائة دينار، ثم قال: يا يوسف يا بني هذه وصيتي فانفذها ولا جعلك الله في حل إن دفعت زائداً على أربعة دراهم لشخص، أي شخص كان، فإنما هي حوطة من أموال أهل الدعوة، وما أطعمتكم منها عشاء ولا غذاء إلا أنهم ربما أرادوا وجهاً فصرفته في غير الوجه الذي أرادوه.
ومن تواضعه ما ذكر ياجر بن جعفر قال كنا في حلقة أبي عبدالله نقرأ عليه، فكان العزابة أرادوا كنس الغار فكنس معهم الشيخ أبو عبدالله وجعل يرفع معنا الكناس على عاتقه، فقال له يوماً بعضنا وهو ينقل معنا: أقعد يا شيخ فإن العزابة يكفونك، قال أو يحملون عني ذنبي؟
فكان يرفع قليلاً قليلاً جهد طاقته، فقلت له: ارفع إذا أكثر من هذا، فقال: لو كان رأيك يؤخذ لأخذنا به آنفا، وكان أبو الربيع إذا شبه الشيوخ وضرب بهم المثل قال: إنما مثل أبي عبدالله كما قال الله تعالى: (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (الاحقاف: من الآية 29) (1).
وكان أبو عبدالله إذا سئل عن أحد فإن علم به خيرا قاله، وإن علم غيره سكت، و توفى -رحمه الله- سنة 440 أربعين وأربعمائة ودفن في مقبرة بمقربة غارة في أجلو وهو موضع معروف بالبركة (2).
__________
(1) / يعني آية سورة الأحقاف (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين).
(2) / لازال قبره رحمه الله معروفاً إلى الآن في مسجد بقرية بلدة عمرو بدائرة تيقورت وهو مشهور عند الأهالي باسم سيد محمد السائح وإلى هذا الوصف تنسب ذريته في الناحية حسب ما أفادني به بعض الشيوخ الأفاضل. (2/196)
صفحة 427
. أبو يحيى زكرياء وأبو القاسم يونس
ومنهم الشيخان أبو يحيى زكرياء وأبو القاسم يونس بن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور اليراسني - رحمهما الله - ورضي عنهم أجمعين - لما علم الشيخ أبو عمار نجابة هذين الشيخين وتصرفهما في فنون المسائل، وسبقهما في حلبة الفضائل، أثبتهما في طبقة شيخهما الذي قرأ عليه، واستمدا في رواية العلوم إليه، لعلمه بأنهما لم يقصرا عن مداه ولازاغا عن هداه، بل الكل فرسان حلبة وكلهم سابق، والساعي في أثرهم لاحق أو متلاحق، ولكل واحد من هذين الشيخين مزايا، وسجايا يالها من سجايا، جود كالسحاب، ودعاء كالشهاب، وحسن سلوك الطريقة وحفظ العلوم الحقيقية والتمسك من عرى التقوى بالأسباب الوثيقة، وما عسى يقال في هذين الشيخين وهما فرعا تلك الجرثومة، والناميان في أكرم أرومة فطاب منهما الخبر والمخبر، وكيف لا والأب فصيل والجد أبو مسور وقد تقدم في أول الكتاب من فضائلهما فصول، كلها فضل وما عداها فضول.
حكم طهارة ما صنع من نبات الأرض
ذكر أبو الربيع أن أبا زكرياء يحيى بن كرنان قدم إلى ناحية طرابلس زائرا، وكان بها زكرياء بن فصيل فاجتمع الناس يوما على ابن كرنان يسألونه عن أمر دينهم وذلك في مجلس محفل عظيم، وكان ممن حضر هذا المجلس زكرياء بن فصيل، فسأل ابن كرنان سائل عما يعمل من نبات الأرض كالحصير وما أشبهها هل تطهره الشمس إذا أصابتها نجاسة؟ فقال: نعم تطهره الشمس، فقال أبو زكرياء: (2/197)
صفحة 428
ليس هذا الجواب من المعمول به يا شيخ، كأنه لم يرض بهذا الجواب فقال ابن كرنان: بل المعمول به وكرر صحته وكرر ابن أبي زكرياء المنع، فقال ابن كرنان: فإن الذي يقال في أولاد الشيوخ أنهم غير منقادين صحيح؟ فقال ابن أبي زكرياء: هل علمت أن عقبة المستجاب (1) قال لأولاده: إياكم والمرخصين لئلا تفارقوا دينكم وأنتم لا تشعرون.
أخوة تصل إلى حد الدلالة والتدلل.
وذكروا أن أبا القاسم يونس بن أبي زكرياء وأبا نوح صالح قدما على أبي محمد عبدالله بن مانوج زائرين له، فلما أديا حق الزيارة وانفصلا عن موضعه متوجهين إلى موضعهما مرا بشجر تفاح قد أينع ثمره واحمر، والشجر لأبي محمد، فقال له أبو نوح: ألم ترها يا يونس حمراء؟ وكانا راكبين، فنزل أبو القاسم وخلع ما كان في رجليه وجعل يمشي في رمل هنالك وأكثر المشي في موضع يتيسر فيه بيان الأثر لئلا يقع الشك في غيره، فعمد إلى الأغصان واجتنى من ثمارها ما رأى فيه كفاية، ودفع إلى أبي نوح فرد أبو نوح بعضه إلى أبي القاسم، وسارا إلى أهليهما فجاء أبو محمد فقال: هذا أثر أبي القاسم، وهذه منه دلالة لم يستبدل عندي ولم يزل مثله يدل في مال أخيه له ولغيره، وذلك يثبت المودة بينهما فقد حكي عن أبي عبدالله -رحمه الله- أنه قال: من كان له أخ كأخي حاجب فليأكل وليرفع.
وكان أبو القاسم ممن يزور أبا محمد عبد الله بن مانوج فزاره مرة فتواردا ما يرد بين أمثالهما، فقال أبو القاسم لأبي محمد إن وكليلك على الحج قد أخذ وأخذنا معه
__________
(1) / في نسخه – ب – عقبة المستجابة. (2/198)
صفحة 429
فإن أذنت لنا أن ننظر إليك شيئا تستعين به فعلت فنظر له خمسا وعشرين دينارا ليدخرها لقضاء فريضة الحج، وأراد أن يحدب عليه فلم يقبله، واستحسن أبو محمد إيثاره على نفسه وذلك لحسن ظنه ولا عجب في مثلها من مثلهما -رحمه الله- عليهما.
... الشيوخ الثلاثة الكنوميونُُ
ومنهم الشيوخ الثلاثة أبو عبد الله محمد بن سودرين وأبو محمد عبد الله بن زورستن وميمون حمودى ابن زورستن الوسيانيون، ثلاثتهم من أهل كنومة -رحمه الله- كان هؤلاء النفر الثلاثة علماء زمانهم، وفخرا لإخوانهم وطرازا لمكانهم درسوا علوم النظر وأتقنوها، وأحرزوا معاني الألفاظ بصيانة الكلام، ودونوها فلم يقدم حينئذ من المخالفين مجادل، ولا نجم من خيالهم مناضل وهم لبنيان رتبة الحلقة دعائم وعندهم ابتدأت وقامت، فكانوا لها من القوائم بعد أن جالوا في تحصيل العلوم وطلابها، وأخذوها كما يجب عن أربابها، فكانوا بدورا بأفق تقيوس تميل بهيجة بهم النفوس.
الشيخ يتحرج من تقديم معونة لآبق
ذكر أبو الربيع أن أبا محمد توجه إلى أبي صالح فسار هو وأصحابه حتى وصلوا وسط السبخة التي بين نفزاوة وقسطيلية فرأى أبو محمد في السبخة شخصا أسواد فحين رآه على بعد ظن أنه غراب، فقال: لأصحابه ما ذلك الشخص فيما تظنون؟ فلما نظروا إلى الشخص تسارعوا إليه، فإذا الشخص أمة، فضموها ورفعوها، وأظنها أبقت فذكر أنه تكدر من أجلها خاطره وتنكر، فلم يهنأ له عيش وحار في وجه تخلصه من هذه الورطة، فلما وصل جربة قصد أبا صالح إلى المسجد، قال: وحان وقت صلاة الظهر وحلقت (2/199)
صفحة 430
الجماعة وناولوني كتاباً، فكنت أقرأ وأفسر حتى جاء أبو صالح وأمسكت عن التفسير، فقالوا له: فسر فجعلت أقرأ الكتاب، فقال لي بعض من في المجلس: فسر لنا، وكان في المجلس أبو عمرو النميلي ولم أعرفه قبل ذلك، قال فطفقت أقرأ فقالوا له: فسر لنا يا شيخ فأحال أبو صالح على أبي عمرو النميلي، فكنت أقرأ ويفسر فأصابني خجل لما فرط مني إذ تكلفت التفسير بمحضر منه، ولم أعرف مكانه قال أبو محمد ثم سألت أبا صالح عن مسألتي –أعني- تلافي الأمة وكنت السبب في تلافيها (1)، وأوضحت له المسألة، طلباً أن يدلني على الخلاص فقال لي: لا بأس عليك، لأنك لم ترد إلا خيراً، وما تعمدت إتلاف مال أحد ولا أتلفته أنت.
دين الله أعز من هذا
وذكر عن أبي محمد أنه فتى أبي نوح المقرب من تلامذته، صاحبه في أسفاره وكان له مواتياً موافقاً، كان المشهور من أسمائه أن يقال له فتى أبي نوح، كيوشع بن نون وموسى u، فذكر أنه صحبه ذات مرة إلى بني كطوف الذين حول تملى فألفاهم حين ظعنهم، وتمادوا في رحيلهم، فتبعهم الشيخ حين نزلوا، فنزل الشيخ عن فرسه فأرسلها إلى المرعى، فلهى أهل الحي في أشغالهم وغفلوا عن الشيخ حتى ضاق صدراً من قلة التفاتهم، فقال لفتاه: اردد إلي فرسي فإن دين الله أعز من هذا، قال الفتى: فقمت إلى الفرس لأزاوله وأصلح هيئة ركوب الشيخ، وعيني ترمي إلى أهل الحي، فرأيتهم اجتمعوا بجمع يسيرون إلى الشيخ مسلمين متعذرين، فلما أقبلوا قدت الفرس وأقبلت أمشي لمشيهم حتى التقينا عند الشيخ،
__________
(1) / تحرج من ذلك لأنها آبقة والعبد الآبق لا يؤى ولا تقدم له المعونة. (2/200)
صفحة 431
وصافحوه واعتذروا فقبل عذرهم، ثم إني أخبرته بما كان مني من مماطلة وما اقتضته سياستي في ذلك، فقال: أحسنت يا بني، وناهيك.
للغرماء طبائع مختلفة
وذكر أن أبا نوح كان إذا سئل عن مسألة في الفقه يجاوب بأن يقول روى فيها هذا الفتى عن أبي صالح كيت وكيت، ويشير إلى أبي محمد عبدالله بن زورستن، وعن ميمون بن حمودي قال: كنت أقرأ على بعض شيوخي حتى ظننت أني قد استفدت ووعيت ما عنده من العلم، حتى سمعته يوماً يقول: رؤية المديان غريمه في تقاضي بعض دينه، فلما قال ذلك ولم أسمعه قبل ذلك قلت: لا تدرك للعلوم غاية، قلت: وهذا الكلام إنما أخرجه فيما يلوح بخاطري في المديانين أنواع، وطبائعهم تختلف، فبعضهم إذا أراد الغريم تقاضى دينه تقاضاه بعنف وإغلاظ، هذا إذا علم فيه لدداً، وبعضهم يتقاضاه منه بكلام لين ودون التقاضي الذي وصفته، وبعضهم ينظر إلى الغريم نظرة يفهم منها التقاضي فتقوم عنده مقام مطالبة بأبلغ قول وأشد اقتضاء، هذا إذا كان ممن يستحي ويتقي على عرضه ودينه، فالدين الذي يكون على من هذه صفته هو الذي عنى الشيخ، وهذا مقصده، والله أعلم، لا أنه استوفى بعض حقه، والله أعلم.
تعاونهم على تخريج الطلاب في ثلاث مراحل
وذكر عن أبي يعقوب شيخ كان بنفوسة أمسنان، أنه كان مقصداً للمبتدئين فإذا انتظموا في حلقته علمهم السير وآداب الصالحين، ثم ينقلهم إلى محمد بن سودرين فيجرون قراءة القرآن ويتعلمون اللغة والإعراب ثم ينتقلون إلى أبي عبدالله بن بكر فيعلمهم أصول الدين، والفقه، فكان العزابة في ذلك الزمان يشبهون الشيوخ الثلاثة بثلاث (2/201)
صفحة 432
نجارين أحدهم يحسن قطع الخشب من الشعراء، والثاني يشقها وينشرها، والثالث يركب الألواح ويسمرها، فيما يصلح بين الأدوات.
وعن أبي عبدالله محمد بن سودرين أنه قال: بينما أنا أمشي في بلاد الساحل إذ رأيت باباً مفتوحاً ورأيت ناساً يدخلون ويخرجون فقصدت إليهم ودخلت، فوجدت بيتاً مفتوحاً، وإذا برجل جالس في دكان فكل من دخل ناوله الرجل ديناراً، فدخلت فناولني الرجل ديناراً، فأخذته فسرت غير بعيد ثم راجعت نفسي لائماً، مقبحاً لفعلي، ثم رجعت إليه فقلت له: أنا على غير مذهبك، فنظر إلي مبتسماً وزادني ديناراً آخر، ألا ترى أنه لم يقبل صلة من ظن أنه مخالف حتى تحقق بتلك الزيادة أنه أهل لصلته.
اختل الأمن في زمنهم حتى سقط فرض الحج
وذكر أن أبا يعقوب بن أبي عبدالله تذاكر يوماً مع أبي محمد فبسط أبو محمد القول في ذم الزمان وعدم الإخوان، فقال له: اكسب يا أخي من المال ما شيءت، فلا أرى الحج إلا وقد سقط عنك لانقطاع السبيل، وجور أهل هذا الزمان، قلت: وقد صدق -رحمه الله- فإن فريضة الحج الاستطاعة، فإذا انقطع السبيل فكان من الجور ما يجحف بالمسافر في زاده فقد عدمت الاستطاعة، وسقط فرض الحج، وميمون ابن حمودى هو الذي يروي عن هود بن محكم أنه جاءه رجل من العزابة يستعين في افكاك كتب له مرهونة عند رجل نكاري في خمسة دنانير، فدعا هو رجلا فقال له: سر مع هذا الرجل إلى أحياء مزاتة فأعلمهم بما جاء به فأعلمهم وتسارع الرجال والنساء كل يجمع ما أمكنه من دنانير ودراهم، حتى اجتمع مال كثير فجاء به إلى هود، فقال له: يا شيخ هذا ما فتح الله (2/202)
صفحة 433
على يديك فأنت أولى به وأحوج إليه لكثرة مؤن من يقصدك، فأخذ من ذلك كله خمسة دنانير وترك الباقي، وزعموا أنهم عند ما تداعوا لاعانة الرجل بسطوا بساطا وجعلوا يلقون فيه حتى كاد يضيق عن زيادة حتى ناولوه وضموا أطرافه، وناولوه معه فلا أدري أميمونا أم هودا قال حينئذ: صدق الإمام -رحمه الله- في قوله المشهور بقيام هذا الدين بأموال مزاتة (1).
حكم أخذ الاجرة على تعلم القرآن
واجتمعت بوارجلان بالمسجد الكبير جماعة فيها أهل الدعوة منهم أبو عبدالله محمد بن بكر وابن سودرين وابن زورستن وعبدالله المدوني فسألهم رجل عن مسألة وهي الأجرة هل تؤخذ على تعليم القرآن أم لا؟ فتدافعوا السؤال بينهم، فقال عبدالله المدونى: أجب الرجل عن مسألته، فقال له: نعم تؤخذ الأجرة على تعليم القرآن، فإن لم تؤخذ عليه فعلى ماذا تؤخذ أعلى رعي البقر؟! فسكت الفقهاء توقيرا له، مع أنه لم يحسن العبارة تأدبا منهم وفضيلة، قلت: وهذا الجواب غير معروف بالمذهب، والذي أنكر من الإجارة على رعي البقر فهذا الإجارة لا خلاف في جوازها، وكان ينبغي أن يقول بما في المذهب من جواز الأجرة على تعليم الأدب والخط، وصناعة الكتابة وأدواتها دون أن يكون للقرآن ثمن، والعذر عنه -رحمه الله- كره أن يقول لا تجوز فيكون ذلك ذريعة إلى ترك التعليم فيفضي ذلك بالناس أن يكونوا أميين لا يعلمون الكتاب، يقول: فإذا جاز لراعي البقر الأجرة وهو يأخذها على إصلاح أحوال الدنيا فالذي يأخذها بسبب إصلاح الآخرة أولى.
__________
(1) /راجع ذلك في اول الكتاب في الحديث عن امامة عبد الوهاب (2/203)
صفحة 434
. أبو محمد عبدالله بن مانوج
ومنهم أبو محمد عبدالله بن مانوج اللمائي -رحمه الله- أحد من نظر"1" فأبصر واستبصر، وذكر حينا فتذكر، تلافى الفوات بعد حين، واعتاض الإجهاد بما ضيع عدد سنين، واطمأن بعد الحزن إلى السهولة، وعالج ما يعالج الشاب وهو في الكهولة، يسر الله له الورود من منهل الوعظ ألفاظا فارتوى، وبادر ولم يتباطأ وجد ولم يثن عن طلب الخير عنانه، ولا أزاح من الاجتهاد فكرته ولاجثمانه، حتى أصبح من العلم مفعم الوعاء ومن القرب من ربه أهلا لإجابة الدعاء.
شيخ حكيم يؤثر في ابن مانوج ويوجهه
ذكر أبو الربيع أن أبا محمد عبدالله بن مانوج تاب بعد الكبر وسبب توبته أنه لقي شيخا من لماية وهو يرعى غنما له، فقال له الشيخ: اعلم أن غنما ترعاها اللحية هي خير الغنم، وأن لحية تتبع الغنم هي شر اللحى، فوقعت التوبة في نفسه فتاب، وطلع حينئذ إلى المشائخ: أبي مسور، وأبي صالح، وأبي موسى عيسى بن السمح، فمكث عندهم في الجزيرة ما شاء الله ثم رجع إلى أهله فلقي الشيخ المذكور فقال له: اعلم أن الجمال تبرك للحمل عليها ولكن تتفاضل في تبليغ الأحمال فرجع إلى المشائخ فمكث عندهم ما شاء الله ثم رجع فلقي الشيخ المذكور فقال الشيخ: اعلم أن الغدران كلها تأخذ الماء وإنما التفاضل فيما يبقى فيها الماء، فرجع ثالثة إلى المشائخ فمكث عندهم ما شاء الله يقرأ العلم، حتى تفقه وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورة نسبتهم إلى غار امجماج."2" (2/204)
صفحة 435
أخبار عن قناعة الشيخ وجوده
ومما يذكر من قناعة وقلة تعلقه بعلائق الدنيا ما ذكر أبو الربيع أن عبدالله بن مانوج لم يستسلف من أحد شيئا قط غير دينار واحد، استسلفه مرة ورده بعينه إلى الذي استسلفه منه، وليس منه هذا استغناء بل رضي بما قسم الله له، قال: ومع قلة ماله فإن ضيافته لا تزال حفيلة لا فضل عليها لضيافة ذوي اليسار، ومن ذلك ما ذكر أبو الربيع أن راعي غنم أبي محمد بن مانوج قدم عليه فسأله عن حال الغنم فقال: هي صالحة الحال، وإن وهب الله لها العافية إلى قابل فستكمل مائة فقال أبو محمد: لا أحب أن تكون مائة، كما لا أحب أن أكون يهوديا.
ومن اجتهاده ما ذكر أنه لما كبر وضعفت قواه وكان أعمش وكان يضر بعينيه مرور الماء عليهما، فكان إذا وجب عليه الاغتسال غسل جسده كله إلا وجهه، وإذا توضأ أمر الماء على أعضاء وضوئه إلا وجهه، ويتيمم في كلا الأمرين في مقابلة غسل الوجه، فكان دأبه على ذلك يتخذ مستحما في كل ناحية من نواحي خيمته الأربع بسبب الرياح، فقيل له: فهلا اكتفيت بالتيمم؟ فقال تلك مسئلة" العجزانين" لا آخذ بها.
تحرج الشيخ من الأموال المجهولة
وذكر أنه زاره مرة أبو عمران موسى بن زكرياء فتذاكرا في أنواع من الفوائد، وصنوف من العلم حتى أفضت بهم المذاكرة إلى ذم الزمان، وما صار الناس إليه من ضيق الحال، والتحرج مما يدخل على الناس، وهم لا يعلمون أو يعلمون، فقال أحدهما للآخر: أكثر ما عاش الناس عليه اليوم حمل الأشياء على أحسن وجهها، وقال الآخر: إنما ينبغي أن يرتكب ذلك في أحوال الطهارة (2/205)
صفحة 436
والنجاسة، وأما في أموال الناس فلا، واستحسن الآخر ما أتى به.
العبادة هي التقوى والإخلاص
وسئل عن العبادة ما هي؟ فقال: النية والإخلاص لا ما يتخيلونه من الاجتهاد في القراءة وغيرها، إذا لم يصحب ذلك تقوى الله، ألا ترون أن داود يقيم الفتن ويقعدها وهو يحفظ ما بين الدفتين وأكثر، قصده في ذلك ما يقدم به ابنه عما هو ليس بسبيله، وكان ينهى بنيه عن معاضدة داود ومساعدته، خوفا أن يصيبهم ما أصابه، ولم يزل متكدر النفس من أجله لسلوكه غير طريقة أبيه، حتى عادت عليه بركته، فألهمه الله الرشاد وتاب عما كان عليه، وحسنت توبته بهمة الشيخ.
وذكر الشيخ ماكسن بن الخير قال: لما توجهت إلى جربة برسم الطلب كان طريقي على الشيخ أبي محمد عبدالله فاستشرته في أي فن أبتدئى فيه القراءة، الكلام أم الفروع؟ فقال: يا بني اقرأ كليهما فقلت: أرأيت إن كان ذهني يقصر عن ذلك؟ قال: فدينك إذا يا بني يشير إلى علم الفروع، والله أعلم.
لا يرضى منه أن يزروه وعليه دين
وذكر أن عبود بن منار زار ذات مرة أبا محمد، فقال له: يا عبود إنك لعظيم القدر عندي، فكيف حالك يا عبود؟ فقال: بخير يا شيخ، إلا أنه علي ديون قال له: أيكون عليك الدين وتزورني؟ ابعد عين يا عبود، فانفصل عنه وأتى إلى موضعه فقال لعلي بن يخلف: أخي سليمان الفقيه بادرني يا علي يما يخلصني من هذا، فأتاه بمن اشترى منه قطعه غنم وعبدا، أو مطمورة شعير، فقضى دينه، فبعد ذلك بأيام أغارت عليه غارة للنكار (2/206)
صفحة 437
خرج بها رجل منهم يعرف بمنصور بن فلديك يلقبونه في " زريق " فدافع عبود عن نفسه وماله وأهله، حتى قتل شهيدا فكانت زيارته لأبي محمد فضلا من الله ونعمة، قيل فرآه بعض أهل الصلاح في منامه فقال: مضيت وتركتنا يا عمي، فقال: لا تقل ذلك فإني تركت فيكم سليمان بن يخلف نذيرا بعدي.
وصية لعمروس الزواغي
وزاره مرة عمروس بن عبدالله الزواغي فسأله عن حاله فأعلمه أنه صالح الحال، فكان مما قال له: يا عمروس اجعل تقوى الله جنة فإنها خير جنة، وأحسن معاشرتك للناس فقال له: أي الناس؟ فقال: أحسنت، وفهمت، الناس هم الصالحون.
يختار أن يترك الناس قبل أن يتركوه
قال أبو الربيع كان أبو محمد يقول بعد ما كبر أن من العلماء من يقول أن العالم إذا أحس بعقله ضعفا لعلة أو لكبر فلا يجوز له أن يفتي، وأنا آخذ بهذا القول وأترك الناس قبل أن يتركوني، وكان قد أخر الله في أجله فلم يعرض نفسه لم يجر عليه نقصا.
----------------------------------
1 - في نسخة (أ) أحد من بصر فأبصر بالبناء للمجهول وهو أنسب لما سيذكره بعد.
2 - سيأتي الحديث عنهم فيما بعد.
أبو جعفر أحمد بن خيران
ومنهم أبو جعفر أحمد بن خيران الوسياني -رحمه الله- ذو الاجتهاد العظيم، والتشمير والتصميم، الثابت على الورع وملازمة المنهاج القويم، العامل بما يرجو فيه خلاصه، المؤثر على نفسه ولو كانت به خصاصة ليس بكثير في العلم، ولكنه حاز من التقوى الخلاصه، كان أبو عبدالله محمد بن بكر يقول لأهل الدعوة من أهل قسطيلية: قطع عذركم أحمد بن خيران إن زعمتم أنكم (2/207)
صفحة 438
مقلون فكذلك هو، وإن زعمتم أنكم مسلك ومسكنكم في بلاد قائمة الأسواق فكذلك هو.
اهتمام الشيخ بالضيف وابن السبيل
وكان من عادته تأخير العشاء إلى صلاة العتمة فإذا صلى نادى في المسجد: "أهاهنا ضيف؟ ألا لا يبيتن أحد دون عشاء، ثم لا يفته ذلك حتى ينتظر انصراف الناس فإذا انصرفوا طاف على زوايا المسجد بعكازه يفتش هل من طارق؟ هل من ابن السبيل؟.
سماحة الشيخ وسعة صدره
وذكر عنه أنه دفع لجنان جنته في أبان الزراعة زريعة على أنه يزرعها، فكان إذا أتى من الجنة يسأله كيف حال الزراعة؟ فيقول: بخير يا عمي أبا جعفر، فلما كان يوم من الأيام وقد فات وقت الزراعة خرج ليرى زرعه فلم يجد شيئاً، فقال للجنان: ما هذا يا فلان!! فتلقاه بكلام مغضب قبيح، فقال له: يا عم يا أبا جعفر أتظن أني أزرع لك الزريعة ويموت أولادي جوعاً؟ فخرج وهو يقول سلاماً سلاماً امتثالاً لقوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) ً فلم يسمع منه الجنان ما يسوءه.
قال أبو الربيع سليمان بن يخلف: مررت أنا وخالي عبود بن منار بأبي جعفر، فأخر ج من جيبه صريرة فيها دراهم، فقال: خذا هذه الصريرة فاذهبا بها إلى السوق واشتريا بها خبزاً نقياً لغذائكما، فقلنا لا إنا قد تغذينا واكتفينا ودعونا له، فقال: الحمد لله رب العالمين، ثم أعاد الصريرة إلى جيبه.
أبو الخطاب عبدالسلام
ومنهم أبو الخطاب عبدالسلام بن منصور بن أبي وزجون المزاتي –-رحمه الله- - ممن انتفع بكثرة الاجتهاد، (2/208)
صفحة 439
وانتفع به كثير من العباد، أحد نجباء تلامذة ابن زنغيل، والحادي حدوده في كثير من الفعل والقيل، وكان أحد من رتب الحلقة وابتدأ الأساس، وأحكم لها الأمراس وهجر الأهل رغبة في العلم والدين، وخدم الهدى فكان من المهتدين.
إنما نال الصالحون ما نالوا بترك اللذات
ذكر أن عبدالسلام كان من التلامذة بكنومة في أيام ابتداء ترتيب الحلقة على أبي عبدالله، فكان يتحرى مجالسة الصلاّح، وينتهز الفرصة أينما سنحت، حتى عرفت له هذه الشنشنة، وتناقلتها عنه ألسنة، وكان بها الشيخ أبو محمد يوجين اليفرني، فقال له: يا عبدالسلام يا بني أريد أن يكون رقادك في موضع أعرفه ليتأتى فيه إيقاظك عند خروجيإلى الوضوء فكان عبدالسلام يطيل القعود في المجلس للقراءة، فإذا قام من المجلس ذهب إلى الموضع الذي يعتاده فيه الشيخ، فإذا نام قليلاً جاءه الشيخ فأيقظه، فيقول له: يا عبدالسلام يا بني إنما نال الصالحون ما نالوا بترك اللذات، والنوم من اللذات.
مؤازرة الشيخ للإمام أبو عبدالله
قال: فلما ارتحل الشيخ أبو عبدالله بأهله وتلامذته إلى أريغ قال لعبدالسلام: يا عبدالسلام كن معي فإن من يقصده الناس بحاجاتهم كمن دخل في الحرب، لا غنى له عمن يؤيده ويرعاه ويرفده، ويداوي جراحه، ويسد خلله، وإلا كان هلاكه وشيكاً، فأجابه إلى ذلك وأنكحه ابنة أبي القاسم، فمكث بذلك ما شاء الله.
محمد بن بكر يهجر أهله ويقيم بينهم ليحيى الدين
ثم سار إلى عشيرته زائراً فلما وصل إليهم، قالوا له: إن كنت تتركنا فإنا لا نتركك فكن معنا كما كان أبوك (2/209)
صفحة 440
لتحيي ما كان أحياه من الدين، وإلا كنت مسؤولا عنا، واعلم أنه لاغنى لنا عنك، فأجاب رغبتهم واعتقد المقام فيهم، فأنكحوه زينب بنت أبي الحسن، وأقام حينا ثم انحدر إلى أريغ واستصحب ما تيسر من صداق بنت أبي القاسم، فقدم على الشيخ أبي عبدالله وأعلمه بما كان من رغبة قومه فيه، وأنه قد قضى الله بفراق ابنة الشيخ وقد جئت بما أمكن من صداقها، والباقي إن شاء الله أوفيه، فأخبر أبو عبدالله أبا القاسم، فقال: معاذ الله أن نأخذ من عبدالسلام عرضا من أعراض الدنيا وإنما جمع بيننا وبينه الدين والتقوى لا الطمع فيما نناله منه، واشهدوا أني قد تحملت جميع ما وجب لها عليه، وتركته له، فلم يقنعه ذلك حتى أبرأته المرأة من نفسها، من جميع ما كان لها عليه من صداق، فلما تخلص بعضهما من بعض قال له الشيخ: يا عبد السلام ما حصلت؟ كأنه يشير عليه بالإقامة معه، فلم يمكنه ذلك، فرجع إلى أهله وأقام فيهم حتى ارتحلت زناتة إلى طرابلس وارتحلت معه مزاتة، فكان عبد السلام معهم مدة إقامتهم، فلما انقلبوا إلى إفريقية قصد عبد السلام إلى جبل نفوسة فأقام هنالك حيناً ثم سافلا إلى المشرق للحج فقضى الفريضة، فلما رجع انتقل إلى قسطالية فسكن قلعة بني درجين فكان فيها مرفها.
وكان حينئذ كثيرا ما يقول لزينب: يوشك أن يغلب بنو العلم على بناتك يا زينب، تعرض لها بالنظر إلى زوجة ليهب الله له منها ولدا ذكرا، وكان حينئذ كثير البنات فجرى من قدر الله أن وقعت مجاعة في بلاد طرابلس وسنة شديدة، تسمى سنة فرورار سنة ثلاثين وأربعمائة (2/210)
صفحة 441
فانجلى أهل طرابلس في الأفاق، ووقع رجل من ورغمة في قلعة بني درجين فنزل الورغمي في جيرة دار عبد السلام، ومعه عياله وله ابنة، فاستحسنت زينب صورة بنت الورغمي فخطبتها على بعلها، فتزوجها وسكنوا معه في دار واحدة، فطلع هو وزوجته إلى أفريقية ووصلا إلى مزاته ففى مغيبهما نزل عسكر لصنهاجة على قلعة بني درجين فحاصرها حصارا شديدا، وذلك سنة أربعين وأربعمائة فلما اشتد عليهم الحصار ولا صريخ لهم خرجوا عليهم خروج رجل واحد يقاتلون، حتى قتلوا عن آخرهم، واستبيح ما في القلعة وهدمت، فخرجت امرأة ابن أبي وازجون معها بناتها، وجعلت تنادي: يا آل مزاته فسمع دعوتها رجلان من العسكر فحاطاها وبناتها حتى تخلصن ولم ينكشفن فقدم عبد السلام فوجد أحوالا لم يستقر له معها قرار، فأجمع على الارتحال إلى سوف فتسامعت به بنو ورتيزلن فسارعوا إليه بالحمولات وارتحلوا به إلى أجلو، فمنحوه أرضا عظيمة فعمرها.
وولد له من الورغمية ولد فسماه سعيدا، فلما بشر به قال: ولد الشيخ يتيم، إنما قال ذلك شفقة ورقة أولعله كشف له بابن سيكون يتيماً، ويمكن أن يكون قال ذلك لئلا يظهر عليه الأشر لأنه سر به سروراً عظيماً، ومن هذا المولود تناسلت ذرية هذا الشيخ.
وكان حين قدومه أريغ وجد أبا عبد الله محمد بن بكر في آخر أيامه، فزاره عند احتضاره فوجده في السياق فجعل يتأسف ويظهر الجزع لفراقه، فقال له - -رحمه الله-: يا أخي أقصر عن هذا، ولكن الدعاء الدعاء فصار يكررها حتى قبض -رحمه الله-. (2/211)
صفحة 442
حزن الشيخ على موت الإمام محمد بن بكر
وكان عبد السلام يقول بعد موت أبي عبدالله إنما مثلي كمثل رجل يسير في يوم شديد الحر، فبينما هو يمشي إذ وقعت له شجرة عظيمة فقصدها جاريا ليتفيأ ظلها، ويتقي بها حر الشمس، فلما وصل إليها اقتطعت فأزيلت فبقي ضاحيا.
وذكر أن عبد السلام اشترى بأفريقية خرافا من السوق فلما استوجبها وجاء بائعها ليقبض الثمن قال له: " أرا" ومعنى هذه الكلمة بلغة صنهاجة: هات، فغلب على ظنه أنه صنهاجي، فدفع له ثمن الخرفان ثم تصدق بها، ولم يستجز اقتناء غنم غلب على ظنه انه اشتراها من صنهاجي (1).
وذكر أبو نوح، أن أهل امسنان سألوا عبد السلام عن رجل زنى بامرأة وأقر على نفسه بالزنا، ما الحكم الذي يجرونه عليه؟ فقال: أدخلوه المزبلة وارجموه، ففعلوا، فلما فرغوا عنه، وحضرت صلاة الجمعة صلى ركعتين بخطبة، ثم قال: إن الكتمان يأخذ من الظهور، والظهور لا يأخذ من نفوذه فتدخل أحكام الظهور حينئذ في أيام الكتمان، يعنون أهل الظهور لا ينبغي لهم أن يدخلوا تقية في شيء من الأحكام التي تلزم أهل الظهور، ففعلوا ما لا يحل فعله إلا في الكتمان، والكتمان حينئذ لا تدخل أحكامه في الظهور (2).
__________
(1) / مما يذكره المؤرخون أن قبائل صنهاجة هي التي أيدت أمراء العبيدين وخلفائهم بشمال أفريقيا، كآل زيري وآل حماد، وكانوا لا يتورعون من مصادرة الأموال ونهبها وسلب ما يرونه يستحق ذلك عن حق أو باطل، ولو كان مسلماً، فلذالك تورع الشيخ من التعامل مع الصنهاجي.
(2) / صلى الشيخ ظهر يوم الجمعة ركعتي (أي صلاة الجمعه) لأن الاباضية لا يوجبون صلاة الجمعه لإ مع الخليفة العادل الذي يقيم الأحكام الاسلامية ويعتبرون صلاة الجمعه من جملة مظاهر الدولة المسلمة المرتبطة بأحكام الإسلام، هذا رأي القدامى منهم. (2/212)
صفحة 443
. الشيخ أبو عمران المزاتي
ومنهم أبو عمران موسى بن زكرياء المزاتي -رحمه الله- رأس من رؤوس المذهب وأعلم علمائه، وشمس من شموسه الكاشفة لظلمائه، العلم والأدب حليته والكرم والصبر سجيته، شيمته تفوق الشيم، أدرك المشائخ وروى عنهم العلوم والآثار، وسادت تلامذته فكل منهم منير في الدين ومنار، وله كرامات مذكورة، وبركات مشهورة، ولنذكر معه هاهنا أهل غار امجاج السبعة إذ كان رأسهم على أن منهم حينئذ الشيوخ والشبان، لكنهم لما ضمهم مضمار واحد، جرى ذكرهم هنا في نسق وأجروا في ميدان، ولجميعهم فضيلة في هذا الفن وشأن من الشأن.
المشائخ السبعة و تأليفهم للديوان
وهم أبو عمران موسى بن زكرياء هذا، وجابر بن سدرمام، وكباب بن مصلح وأبو جبير المزاتي، وأبو عمرو النميلي، وعبد الله بن مانوج اللمائي، وقد تقدم ذكرهما، وأبو يحيى زكرياء، بن جرنان النفوسي -رحمه الله- وسبب نسبتهم إلى غار أمجاج أنهم اجتمعوا به وصنفوا تصنيفا في الفقه مشهورا، في أثنى عشر جزءا. فتولى نسخه أبو عمران لما خصه الله من جودة الخط، فنسب إليه التصنيف، وليس له ما عليهم فضل سوى فضل البنان وإلا فهو كأحدهم في فضل البنيان، شريكا فيما أودعوه شركة عنان، ذكروا أن أبا عمران رأى في منامه أن يده صارت مصباحا فقص رؤياه على معبر الرؤيا، الماهر في تأويل الرؤيا، فقال له: هذا رجل يحيى دين الله بيده فلم يبعد. (2/213)
صفحة 444
يتأسف على ثلاثة فاتته
وقال أبو محمد لا أندم على شيء فاتني من الدنيا كندمي على ثلاثة أشياء لتركي إياها قراءة كتاب الجهالات، وزيارة أهل الدعوة، ومجالسة أبي عمران، سافر مرة زائرا لأهل الدعوة فاجتاز بقسطيلية، فنزل عند أبي جعفر أحمد بن خيران، فقال له أبو جعفر هلم بنا إلى زيارة الغاية زوجة الشيخ أبي القاسم، ففعلا، فلما دخلا إليها وسألا عن أحوالها سألتهما عن نازلة نزلت بها وخصصت أبا عمران بالسؤال، فقالت له: ما تقول في امرأة صحبت النساء إلى الوادي فنزلت في الماء ثيابها وجعلت على رأسها سترة؟ فقال لها: أيما امرأة نزلت في الوادي مكشوفة فإنها ستقوم في سبعة أودية من نار جهنم، قال: فتغير لونها لما سمعت ذلك، فقالت له: هل من رخصة؟ فقال لها: إذا كان ما ذكرت من السترة فإنه أشبه شيء وأقرب إلى السلامة، ثم قلب عليها السؤال فقال لها: ما تقولين أنت؟ فقالت: نعم هكذا سمعته من سعيد بن يونس.
وذكر أن أبا نوح سعيد ابن يخلف قدم إلى وارجلان فجلس في مسجد " تماواط" فرأى رجالا يغتسلون ويتوضاؤن من ساقيتها ويطلعون إلى المسجد حفاة، يطأون في الطين فانتهرهم ونهاهم عن ذلك، وقال: أرى أن الذي يقوله الناس حق: أن أهل وارجلان سيصيرون مخالفين للمذهب، وإنما حمله على هذا الكلام ما طبع عليه من التحرج والتنزه فيما طهر ونجس، حتى أ، ثياب صلاته غير ثياب لباسه ويجعلها في خرج حسبما تقدم.
واجتمع بها في مجلس هو، وأبو نوح سعيد بن زنغيل فوقع بينهما كلام في مسألة أمة أخذت في الصلاة مكشوفة الرأس فلما قضت بعض ركعات صلاتها، اعتقها ربها (2/214)
صفحة 445
فأتمت صلاتها كذلك، فقال أحدهما: عليها إعادة الصلاة لأن حكمها أخيرًا غير حكمها أولا، وقال الآخر: ليس عليها إعادة لأنها دخلت في فعل عبادة على وجه جائز لها، فبينما هما في هذا الاختلاف إذ طلع عليهم الشيخ أبو عمران موسى بن زكرياء، فلما رأياه قال أحدهما للآخر: اسكت فقد جاء من هو أعلم مني ومنك، ثم سألاه عنه فأجاب بما وافق أحدهما، قلت: هكذا حكى صاحب الكتاب مبهما، والذي يغلب على الخاطر أنه أجاب بأسهل قوليهما وقياسا على غير هذا قلت: والذي يظهر في قول ثالث بين قوليهما وهو أنها لا تخلوا أن تكون عالمة بوقوع العتق عليها من سيدها أم لا تعلم حتى خرجت من الصلاة، فإن علمت وقد بقي عليها شيء من أركان صلاتها وتمت صلاتها مكشوفة الرأس فأولى، والأصح إعادة الصلاة، وإن لم تعلم فأولى والأصح لا إعادة عليها، فكيف ترى هذا الجواب؟
فضل تعلم العلم ونشره
وعن أبي محمد أن أبا عمران قال مرارا في مجالس كثيرة تعلم حرف واحد من العربية كتعلم ثمانية مسائل في علم الفروع، وتعلم مسألة واحدة كعبادة ستين سنة، ومن حمل كتابا إلى بلد لم يكن فيه ذلك الكتاب فكأنما حمل ألف حمل دقيقا، وتصدق بها على أهل ذلك البلد، وهكذا في فضل العلم وطلبه.
وذكر أن جابر بن سدرمام أضاف أضيافا، فلما استدعاهم وكان ذلك بمحضر صاحب له يعرف بخليفة بن تزوراغت، فرغب إليه جابر في أن يصحبهم فامتنع فألح عليه، فقال له: يعلم الله إني لا أصحبهم، فقال له جابر: أما الآن فإن شيءت فاصحب وإن شيءت فامكث فالكفارة قد وجبت، قال الراوي: وإنما أوجبها لأنه حتم في شيء (2/215)
صفحة 446
لا يدري أن يكون أم لا، قلت: وهذا تشديد لأنه لم يذكر شيئا من ألفاظ القسم.
أبو إسماعيل البصير
ومنهم أبو إسماعيل البصير إبراهيم بن ملال المزاتي -رحمه الله- شيخ عبادة وورع، واجتهاد في معرفة ما فرض الله وشرع، كثير الملازمة لزوايا المسجد، لالتقاط الفوائد، يغدو إليها ويروح كما يغدو الطير ثم لا يروح إلا بطينا باستفادة كل خير، وعنه يحكي أبو محمد ماكسن أنه كان يعلمه في درب بني ميدول من بني راسين بتوزر، وأنه اكتسب فيها خمسمائة كتاب، وأكل فيها خمسمائة رأس ضانية سوداء، وعنه يحكي أبو محمد ماكسن أنه قال وقد آب من سفر: لقد استفدت في سفري هذا ثلاث مسائل، فذكر المسائل التي يذكرها العزابة ويرددونها كثيرا، وهي مسألة القراد المتعلق بالميت، والطريق في المقبرة، ونخلة المقبرة وغار المقبرة وكذلك بئر المقبرة، فالقراد إن أثر يتيمم للميت، وإن لم يؤثر غسل، قلت: والغسل عندي على كل حال أولى، والمسائل الأخرى يعطى الحكم للمتقدم منها أيهما كان.
لا يحل المبيت عند قوم أظهروا المظالم وأعلنوا المناكر
وحكي عنه أنه زار أهل الدعوة فاجتاز على بلاد أريغ وعلى كدية بني غمرة، وهم قوم ظلمة فتاكون أهل فساد وغارات، وفي المنزل قوم صالحون، فرغبوا إليه بأن يبيت عندهم ضيفا تلك الليلة، فقال: لا يحل المبيت عند قوم أظهروا المظالم، وأعلنوا المناكر، فإذا قيل لهم انقادوا إلى الحق لا ينقادون، ولا يذعنون، فتجاوزهم ونزل (2/216)
صفحة 447
" بتميرينت" فلم تكن الأيام قلائل حتى نزل عليهم حماد بعسكر فأجلاهم ودمرهم تدميرا.
أبو محمد عبدالله بن الأمير
ومنهم أبو محمد عبدالله بن الأمير اللمائي -رحمه الله- شعار الدين والتقوى مع صبر ورصانة تزوى على رضوى، ومحافظة على السير والآثار، والتحلي بالتواضع، والتخلي عن الاستكبار، إذا رفع عينه إلى السماء فتحت له أبوابها لاستجابة الدعاء، فكان من يعاشره يتقي عقوقه، وكل من يعرفه يعرف في الصغيرة والكبيرة حقوقه.
يفطر من صوم النافلة إرضاء لأخيه في الله
ذكر أبو الربيع أن أبا محمد عبدالله بن الأمير زار أبا محمد عبدالله بن مانوج، ومع ابن الأمير لحم مطبوخ وذلك في يوم جمعة، وابن مانوج حينئذ صائم فتناول وأكل منه، وذكر إبراهيم بن يوسف أن ذلك بعد الظهر، لما علم ابن مانوج أنه إنما قصده به على جهة الود خشي أن يسخطه ويعقه أن امتنع من أكله، فآثر رضاه على تتميم صوم هو فضيلة من الفضائل، واعتقد أن رضى الشيخ لاحق بالفرائض.
إحذروا سخط الله فإنه يعم
وحكى إبراهيم بن إبراهيم أن أبا محمد كان يعظ لماية ويحذرهم، ولقد قال لهم يوما فيما أورده عليهم " يا لماية" احذروا أن تؤاخذوا بذنوبكم، ثم قال من فم أبي صالح إلى أذني، الويل لي إن ظلمته، سمعته يقول: السخطة تعم والرحمة تخص، يهلك الصالح بذنب الطالح، قال الله عز وجل (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) (آل عمران: من الآية 152) وقال (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران: من الآية 155).
العمل بالحلال فضيلة ما لم يضر بالآخرة
وقال أبو الربيع جئت لزيارة عبدالله بن الأمير فلم أجده في منزله، فأعلمت أنه في الأندر فقصدته، (2/217)
صفحة 448
فوجدته في جبة صوف وقد وضع كساءه وهو يضم أطراف الأندر، فلما رآنى تنحى الى كسائه فلبسه فلاقانى، فصافحته ثم أقبل يعتذر كأنه أساء فى وضع الكساء، وقلت له: وهل فى ذلك من بأس؟ أليس هو العمل فى الحلال؟ فقال: نعم ولكن أين من يحسن العمل فى الحلال؟ إنما يحسن ذلك أبو صالح، فقلت: وكيف عمله، قال: كان في أيام الحصاد يحمل الزرع إلى الأندر على ناقة له، فإذا كان وقت صلاة الضحى أناخ ناقته وحط عنها حملها، ثم عقلها، وحل إزاره وأخذ في الصلاة، حتى يصلي ما كان يصلي ذلك، ثم يرجع لناقته، فهكذا العمل في الحلال، إنما هو ما لم يضر بعمل الآخرة.
علف دابة الضيف من جملة إكرامه
قال أبو الربيع وجه إلي سليمان بن موسى شيئاً، وأمرني أن أشتري به طرفا من المآكل وألطافا فآتى بها إلى عبد الله ابن الأمير ليأكلها، ففعلت من ذلك ما أمكنني ثم توجهت إليه، فمررت في طريقي على كلاء خصيب وكنت على حمار لي، فجمعت من ذلك لحماري ما قدرت أنه يكفيه، فلما وصلت إليه قال لأولاده: اعلفوا حمار سليمان، فقلت له: يا شيخ إنه ليس بحمار يعتاد العلف، وقد جمعت له في طريقي ما يكفيه، فقال: هكذا جرت قصتي مع عبد الله بن مانوج، جئته ذات مرة وأنا على دابة وقد جمعت لها كلأ كثيرا، فقال: اعلفوا دابة عبدالله، فقلت له ما هو حمار علف، فقال: لا بل يعلف، ولا بد من ذلك، فإن علف دابة الضيف يا عبدالله أهم من إطعام الضيف.
وكان عبدالله بن الأمير من أمة سوداء وكان ذلك غالبا على لونه، فذكرعنه أنه صحب في بعض تقلباته شيخا (2/218)
صفحة 449
يعرف بعزون، فلما كان في بعض الطريق أراد عزون تكليف أبا محمد أحد الكلفات الكبار المستثقلة، فلم يساعده فقال عزون معرضا لسواده: لو كان العبد من ديباج لكانت أطرافه من تليس، فقال أبو محمد: يا عزون أنفترق بعد هذا الطريق ولابد؟ قال: نعم، قال: تعال فاركب على عاتقي.
أبو زكرياء يحيى بن ويجمن
ومنهم أبو زكرياء يحيى بن ويجمن"1" الهواري -رحمه الله - الورع الزكى، الفطن الذكي الدين النقي، المقر بفهمه كل شاف قصي، الكاشف بذكائه كل غامض خفي، المذلل بسياسته كل عاص قسي، المعترف بفضله البدوي والحضري، إن نطق جلا المبهم في صورة جلي، وإن صمت فله معتبر في كل شيء.
الناس في شأن علي بين إفراط وتفريط
قال أبو عبدالله بن محمد قلت لأبي زكرياء: ما معنى قوله عليه السلام هلكت فيك فئتان يا علي: محبك وبغيضك المفرط؟ فقال: صدق عليه السلام، أما محبه المفرط ففرقة الشيعة الذين قالوا فيه مثل قول النصارى في عيسى عليه السلام أنه نبي، وأنه حي لا يموت، وأنه في جبال رضوى، وأنه إله، وأنه إمام مطاع ومن عصاه فهو كافر، وأنه إمام يجوز له تبديل الكتاب والسنة ونسخهما، وأنه أولى من أبي بكر وعمر، وأنه وصي، وأن الأمة ارتدت إذ لم يولوه، وأما بغيضه المفرط فأصناف، الصفرية الذين اتفقوا على أن كل معصية شرك، وقال قوم كل كبيرة شرك، فجعلوه مشركا لأنه حكم الضالين وقتل المسلمين، فافهم ذلك. (2/219)
صفحة 450
الشيخ يأبى عليه أن يذكر الحديث بدون سنده
وقال أبو محمد كنا في أجلو فجلسنا يوما للمذاكرة، وكان رجل عزابي يقرأ آثار الربيع عن ضمام عن جابر رواية عبدالله بن صفرة، قلت: وكنت أفسر بلسان البربرية ما يقرأه القارئ فكنت كلما قرأ سند أثر من آثاره تجاوزت السند فلم أتكلم عليه وتركته إلى أن يصل الحديث، أو الأثر فأتكلم عليه فسمعنا أبو زكرياء وكان في ناحية قال: مالك لا تذكر أئمتك؟ فعدت أذكر كلما قرأ فأقول: روى أبو صفرة عن الربيع عن ضمام عن جابر.
وقال أبو محمد كنت إذا سألت ماكسن عن مسألة عويصة توقف فيها، وقال: دعها الآن حتى نسأل عنها صاحب الغوامض أبا زكرياء يحيى.
يحاسب الله العبد على مبلغ عقله
وقال أبو محمد اجتمع الشيوخ ذات مرة في مسجد الشيخ يكنول بن الطويل في تمولست وكان الاختلاف بين جماعة " تين وال" وأرادوا أن يصلحوا ذات بينهم وكانوا يقرأون كتابا فمروا في الكتاب، على خبر وهو: " أن رجلا كان في زمن موسى عليه السلام وكان للرجل حمار فقال: يا رب لو كان لك حمار لعلفته مع حماري، وربطته مع حماري، فهم به موسى عليه السلام فأوحى الله إليه: يا موسى ذلك مبلغ عقل عبدى فتركه موسى عليه السلام" واجتمعت بأثر ذلك جماعة " تين وال" فجعل الشيوخ يعاتبون رجلا يلي الأمر يقال له أيوب بن حمو، فقال لهم أبو زكرياء: اتركوا عنكم البله الذين تمتلئ بهم الجنة، يعنى – الأثر المروى- ألا ترون قصة صاحب الحمار؟ دعونا من هؤلاء وهلموا لمن يثقب الخرزة بكيسه، مثل ياتياسن بن حمو فجاءوه ولحوه حتى تابوا واصطلحوا. (2/220)
صفحة 451
وذكر أن أبا زكرياء يحيى بن ويجمن رأى ليلة القدر في مصلى المسجد عند موضع المحراب الذي يلي الحائط القبلي من مسجد أجلو فبنوا محراباً ملصقاً إلى جدار قبلة المصلى، في دار يحيى بن ويجمن وهو اليوم هنالك معروف مما يلي الجانب الغربي، وهو من المواضع المزورة المعروفة بالبركة.
الشيخ يحبس الأب ليؤدي دينه على ابنه
وذكروا أن رجلا ممن ينسب إلى الديانة كان لابنه عليه دين، فماطله فدعاه إلى المشائخ بأجلو وفيهم يحيى بن ويجمن وغيره من جماعة عزابة أجلوا، فجبروا الأب على الدفع وحبسوه وجعلوه في الخطة، وأعلموه أنه لا يبرح حتى يقضي دين ابنه أو يسرح الابن سبيله، فسمع بذلك ماكسن، وقدم من تين وال إلى مشائخ أجلو، فقال لهم: علام يحبس الأب في مال ابنه؟ فقال له أبو زكرياء يحيى بن ويجمن: قد حكم به أبو عبدالله بن بكر بوغلانة، وحكم بها هنا في أجلو ونحن نحكم بها فلا يخرج من تلك الخطة حتى يؤدي ما عليه.
-----------------------
1 - أثبته صاحب السير باسم يحيى بن وجمين.
أبو عبدالله محمد بن سليمان
ومنهم أبو عبدالله محمد بن سليمان النفوسي -رحمه الله- جال في حلبة المتقين، وجمع الله له بين الدنيا والدين، فكان مرضي الحال موسعا عليه في المال، فكان ينفق مما آتاه الله من سعة عطائه، حتى أنسى كل ذي سخاء بسخائه فإنه يهب من كلتي الذخيرتين لا تغيب هباته، ومهما بدرت أملا في بدره فطيب يخرج نباته، يفيد العلم ويكسو ويمون، فنيله مأمول، وحرمانه مأمون، يحنو على التلامذة حنو أبيهم، ويقويهم دون قرابة ويجتبيهم. (2/221)
صفحة 452
الشيخ يعلم طلبته وينفق عليهم
ذكروا أن أبا عبدالله بن سليمان كانت عليه حلقة عظيمة يعلمهم ويطعمهم ويكسيهم من ماله، وكان إذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها دفء فإذا أقبل الصيف اشترى لهم أكسية خفيفة برسم الصيف، ويدخر الأخرى للشتاء وربما باعها بالثمن الذي اشتراها به ويخرج لهم كل يوم ما يقيم طعامهم وإدامهم، وقال أبو عمرو: قال لي إبراهيم بن يرمون -وكان شيخا صالحاً-: دعاني أبو عبدالله يوما فوجدته يلوت عمامته ويصلح نفسه، فقلت له: ما هذا يا شيخ؟ فقال: عزمت على الوصول إلى " شروس" فإن لي فيها شجرة زيتونة مشرفة على السوق، تضيع غلتها فلا انتفع منها بشيء، فأردت بيعها فقلت: بكم تريد بيعها؟ فقال: إذا وجدت عشرة دنانير فأنا أبيعها، قال إبراهيم: فساعدته فأقبلنا ماشيين، حتى وصلنا " شروس" فسيمت منه شجرته بأربعين دينارا، ثم صر الثمن في عمامته صرارا متفرقة، فلما وصلنا إلى موضعه أخذ يفرق الدنانير على العزابة لكل واحد منهم دينارا أو أقل، أو أكثر ودفع لي ستة دنانير، ففرقها حتى لم يبق لنفسه غير عشرة دنانير، فقلت له: ما هذا؟ قال: كنت نويت البيع بعشرة دنانير، فكل ما زاد فهو لله أرى له فيه شيئا قال أبو عمر: سألت عن ذلك أبا العباس فقال: إن من العلماء من يقول الفقراء أحق بتلك الزيادة، والذي فعله حسن جميل.
رأيه في الزواج وإقتناء الحيوان
وكان أبو عبدالله يقول: ثلاثة لا أراها إلا في بيت عدو الفرس في رأسه مطحنة، وفي تحته مزبلة، والكلب ينبح فيسمع نباحه فيروع ولو مسلما واحدا، وساق هنا خبرا قال: سرنا ذات مرة مع الشيخ أبي سليمان أيوب في بعض (2/222)
صفحة 453
الطريق حتى نبحنا كلب من إحدى الدور، فذعر الشيخ وقال: إن دخلكم الروع مثل ما دخلني فإن صاحب الكلب لا يدخل الجنة، والثالثة المرأة تفشي الأسرار وتهتك الأستار.
وروي أنه لم يملك قط حيوانا ذا روح ولا تزوج قط، فلما علت سنه قال لأصحابه إن أهلي وآبائي قد عرف من عادتهم أنهم إذا كبروا اعترضتهم حبسة باللسان، تؤذنهم بفراق الدنيا، فإذا رأيتم ذلك أصابني فزوجوني امرأة تقوم بي في مرضي، فلما رأوا ذلك نزل به أنكحوه امرأة قامت عليه في مرضه حتى توفي --رحمه الله- - قلت: وفي هذه الحكاية مواضع تحتاج إلى النظر منها: ما قال في اقتناء الكلب ولعله علم أنه كلب غير مباح الاقتناء وكونه لم يتزوج قط فقد حكي ذلك عن غيره من المؤمنين والتزوج أفضل، إلا إن علم من نفسه أنه غير قائم بحقوق الزوجة، وكونه لا يقتني حيوانا – وقد قال عليه السلام ما من نبي إلا ورعى الغنم – لا يلزم منه أن نقول من يكتسب الحيوان مذموم، بل ربما أراد راحة خاطره وتفرغ باله إلى ما هو أوكد وأولى وقوله: إذا رأيتم ذلك فزوجوني نظرا لأمرين أحدهم: أن المريض يصير إلى حالة يحتاج فيها إلى من يطلع على عورته، ويقلبه في مضجعه، والثاني نظرا إلى قوله عليه السلام من مات عازبا مات شيطانا فأخذ بالظاهر وأراد أن لا يموت عازبا، وهذا إذا صح هذا الحديث.
حكم التزوج في مرض الموت
وكونه تزوج في مرضه الذي مات فيه هو جائز عندنا خلافا لمن منعه اللهم إلا إذا علم أن المريض إنما قصد التزوج ليمنع ما لورثته من الميراث، فهاهنا وافقناهم على منع (2/223)
صفحة 454
التزوج وأما إن قصد به شيئا مما يقصد بالتزوج غير المحابات فلا يمنع.
الشيخ أبو مكدول الزنزفي
ومنهم أبو مكدول مطكو داسن الزنزفي -رحمه الله- هذا الشيخ منسوب إلى صلاح، وزهد في الدنيا واطراح، ويعد في الوعاظ والنصاح، والداعين المرشدين إلى سبيل الفلاح، ويحكى عنه الحكم والأمثال، والإصابة في الأقوال والأفعال، أن أكثر ما يروى عنه إنما هو باللسان البربري، صادر عن صدر رحب، وقلب جرئ، وهو من كل غش برئ ذكر يحيى بن جعفر أن أبا القاسم يونس بن أبي زكرياء كتب إلى أبي مكدول:
" بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. إلى أبي مكدول أطال الله بقاءه وأدام عليه نعماءه.
أما بعد فإني سمعت أن جماعة من النكار طلعوا قبلكم فإياكم ثم إياكم، أن يردوا أرضكم ولو للضيافة، فإن القوم أخدع الأمة، وأنت ممن لا يحتاج إلى أن يوصى والسلام" فوقف عند ما حد له وكان أهلاً لصد ما يخشاه منه من هذا الداء"1" وذكروا أن أبا محمد ماكسن ويخلف التميجاري أضافهما أبو مكدول فقدم لهما طعاما حفيلا ضيافة كاملة، وعلى كمالها فإنها دونها دون قدرهما وقال حين قدمها لهم: كلوا فقد مات من يسلم في نفسه ويسلم معه غيره، فشكرا صنيعه وشكرهما حين رآهما شكرا ولم يذما، وحمد هو الله على اقتران الشكرين، وخطر بباله (2/224)
صفحة 455
أن اللعنة مع الضيف مقرونة، فإذا حمد وشكر وقابله المضيف بحمد الله وشكره وقعت على إبليس، لعنة الله عليه وإن لام أحدهما وضجر وقعت عليه، وقد وقفت لأبي مكدول على كلام كثير بالبربرية لم أحصل منه فائدة فاعلقها.
-----------------------------
1 - في نسخه من هذا الدعاء.
أبو موسى يزيد المزاتي
ومنهم أبو موسى يزيد المزاتي وابنه ضمام -رحمهما الله- ممن تمسك بالورع بحبل وثيق، وسلك في الصلاح أنهج طريق أتقن مسائل الحلال والحرام، وأشهر نفسه بعلامة المجتهدين من الخدام، وذللها وراضها حتى انقادت لموافقة أهل الإسلام، وبث المعروف في الأجانب وأولي الأرحام وكان من أفاضل تلامذة أبي خزر، وأخذ عنه الآثار والسير.
مساعدة الشيخ لقبائل مزاتة وإنقاذهم
ذكر الشيخ أبو نوح صالح بن إبراهيم أن بلاد أفريقية أصابتها سنة، فاشتدت أحوال أهلها وعدموا القوت، حتى ضمت أهل البوادي وغيرهم إلى بلاد الجريد فانتجعت مزاتة إلى قابس ليمتاروا منها التمر بالدين والقرض فأتوا ضمام بن أبي موسى يدلون عليه بالقرابة والأخوة، وهو حينئذ عند أهل قابس معروف، وبالخير والصلاح موصوف فسألوه أن يستقرض لهم، ويستدين ويتحمل عنهم، وأعلموه بما هم فيه من شدة الحال، وأن جاهه كفيل باستنقاذهم من الجوع فشاور والده في ذلك وأعلمه بما جاء به قومه، وبما طلبوه، فقال له هل يعرفهم أحد؟ قال: لا، قال: وأنت هل يعرفك أهل قابس ويأمنونك؟ قال: نعم، ولا يعرفون غيري فقال له أبوه: دخولك في شيء يستنقذهم من الجوع إذا فرض من الفروض اللازمة، (2/225)
صفحة 456
إذ كانوا ينتفعون بجاهك أكثر مما ينتفعون بأموالهم فقضى مآربهم أجمعين.
يسأل المرء عن جاهه كما يسأل عن ماله
وقال أبو نوح صدق أبو موسى وقد قيل: يسأل المرء عن فضل جاهه كما يسأل عن فضل ماله، وقد قيل من تبرم بجاهه فقد تعرض لزواله، قال: فهو كقوله عليه السلام: " إن للله وجوها من خلقه يستخصهم بنعمته ما بذلوها لخلقه، فإذا بخلوا بها بدلها إلى غيرهم" فتحمل عنهم ضمام وأنجز مآربهم فلما أيسروا قضوا ما عليهم إلا أقلهم فقضاه عنهم ضمام، وقد نسب إليه كلام في ذم الحمالة.
أبو يعقوب بن سهلون
ومنهم أبو يعقوب بن سهلون -رحمه الله- العظيم القدر، الكثير البر والغزير الحفظ في فنونه، المتحصن من كل روع بورعه ودينه، لا تهوله الأهوال ولا يغتر بما يرى من حسن الحال.
مصاب الشيخ في لسانه وسبب ذلك فيما قيل
ذكر يعقوب بن أبي القاسم أنه وصل ذات مرة إلى وارجلان قال: فرجعت ووجدت أبا عبدالله محمد بن بكر، ومزين بن عبدالله عنده، فقال لي أبو عبدالله: هل رأيت أبا يعقوب يوسف بن سهلون؟ قال: فقلت: لا، فقال انظر يا مزين! أولا تعجب لهذا الذي سافر إلى وارجلان ولم يزر أبا يعقوب؟ فعظم علي ذلك، و رجعت إلى أبي عبدالله فأخبرته بحال أبي يعقوب، وذلك بعد ما أصيب في لسانه ومنع الكلام، وسبب ذلك أن مسألة شنيعة نزلت في وراجلان فاجتمع لها كل من بها من وجوه العزابة، ومن ينسب إلى العلم والرأي وكان دأبهم في ذلك الزمان إذا نزلت مسألة أن يجتمعوا من شأنهم (2/226)
صفحة 457
الاجتماع للتشاور في النوازل، فاجتمعوا بالموضع المعروف بمنبر وارجلان فوضعوا المسألة وذلك أن امرأة ادعى تزويجها رجلان وأتى كل واحد منهما ببينة على صحة التزوج، فتراد الشيوخ المسألة حتى انتهت إلى أبي يعقوب، فقال: حرمت على الأول، والأخير، ورجال الدنيا، والآخرة إلا أن تتوب فتحل لرجال الآخرة، فقال رجل من بني ياجرين: هاج الفحل فتفرقت الفصلان، فأصابته عين، فاحتبس لسانه حتى لا يستطيع كلاما.
كيف أعان الشيخ ابنه على بره
وكان أبو يعقوب كثير السياسة كثير الرفق وله ابن يسمى أيوب وكان إذا أراد أن يأمره بشيء أشار إشارة أو ساقه في حكاية لئلا يغلق عليه الأمر فيخالفه فيعق، وكان إذا أشاره بشيء امتثله وأتى به على حسب ما يرضيه ويجئ على وفقه حتى ضرب بهما المثل في بر الابن للأب والأب للابن فقالوا:" الأب كأبي يعقوب والابن كأيوب"
وحكى الشيخ فلفول خلافا وقع بين أبي عبدالله بن بكر، وبين الشيخ أبي يعقوب بن سهلون في مسألة وهو: الرجل يقول فيمن يتولاه: هو مسلم عندي أو مسلم عند الله وعندي، فقال أبو عبدالله: لا يجوز إلا أن يقول مسلم عندي، وقال أبو يعقوب: كلاهما جائز سواء لا فرق بينهما لأنك إذا قلت عند الله فإنك تعني يعلم الله أنه عندي مستحق لهذه المنزلة.
قلت: إماما قاله أبو يعقوب في المرأة التي ادعاها بعلان أنها لا تحل للأول ولا للأخير فتصح على أصل تحريم الزانية: وحرم ذلك على المؤمنين، وهذه المرأة قد تعمدت (2/227)
صفحة 458
الحكم الشرعي في التي يدعيها رجلان انها زوجته
الزنا بإدخالها بعلا في عصمة آخر، وهذا إذا كانا مقرين بالدخول، وهي أيضا مقره، فإن لم يكن إقرار بالدخول، ولم تقم به شبهة فلا تخلو البينتان أن تثبتا على تاريخ أحد النكاحين أم لا، فإن تثبتا فهي للأول، وإن لم تثبتا أو أحدهما فسخ النكاح، ويتزوجها من شاءت منهما أو من غيرهما.
كتابة عقود النكاح والطلاق تدفع الشك
ولأجل هذه الشنائع وأمثالها تجدني أتلهف وأتأسف على شيء لو أمكنني فعله والإشارة به، هو والله أمر سهل، رافع للالتباس، كاشف لهذا البأس، وهو والله مما ينبغي أن يسعى فيه أهل الخير، وذلك: أن يؤذن في جهة من الجهات على أيدي القضاة أو عن رأي الجماعات بأن لا يشهد في النكاح خاصة أو في النكاح والطلاق إلا رجال معلومون، لا يعدوهم هذا الشأن، يختارون أهل علم ودين، وسنن ويستلزمون كتب التاريخ ولو لم يكتبوا غيره، فكيف والكتاب في جميع فصول النكاح والطلاق أحوط، فإنه إذا كان على هذا الوجه كان قطعا لاشتراك ما لا يشترك، ورفعا للالتباس، والاختلاط في الأنساب، والشك في التوارث والعدد، وفي الخبر: إن أولى ما احتيط عليه الفروج. وأما ما اختلف فيه الشيخان فمسألة تضرب في علم النحو بنصيب، وأرى أبا يعقوب فيها هو المصيب. (2/228)
صفحة 459
. الطبقة العاشرة: 450 ـــ 500 هـ: 1 - أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي
منهم أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي -رحمه الله- الأصولي الفقيه، الزكي النبيه، أفنى في الدراسة أيام الشباب، وفي حفظ كتب الفقه كتابا بعد كتاب، حتى برز وبعدت عنه محائبه، وظهرت بين النجباء نجائبه، ولما بانت فضيلته سبقت بين السوابق، وحمدت منه الخلائق تصدر للتدريس، وإفادة كل جليس، فأحيى الله به طرق الصلاح، وفتح له أبواب الخيرات أي افتتاح، وخرج من تلامذته كل نجيب، وقيد عنه كل جواب مصيب، وتصنيف عجيب.
ذكر أبو عمار أن جماعة عزابة اجتازوا على قرية من قرى نغزاوة فإذا هم مقدمها رجل يسمى "أبا علي"، فقالوا له: (احذر عقوق الوهبية)، فقال لهم ارغبوا إليهم وقولوا لهم يدعوا علي. فوصلوا جربة يوم جمعة، فوجدوا الشيوخ قد أقبلوا إليها بجماعة التلامذة، وفيهم الشيخ أبو الربيع فسلموا وصافحوهم، وأخبرهم بما بلغ أهل الدعوة من ضرر المذكور، وقوله لهم، فقال أبو الربيع: رب كلمة سلبت نعمة، اللسان يلعب بالبلاء، فاجتمعوا وبدأ أبو الربيع بالدعاء فأداروا الدعاء، وختم (2/229)
صفحة 460
أبو الربيع، فأصاب الملعون في تلك الساعة وجع فجعل يصيح من شدة الوجع، ويقول: (قتلني الأعور، يعني أبا الربيع، حتى مات، ولم تماطله دعوة أبي الربيع.
الحكم الشرعي في الوصية للوارث
وروي عن أبي عبدالله محمد بن بكر - رضي الله عنه - أنه لما حضرته الوفاة قال لمن حضره: (اشهدوا أن الجنان الذي على العيون لابني يوسف)، فلما سمعت امرأته ذلك حسبت أن به غفلة أو ذهاب عقل، فقالت له: ما هذا يا شيح؟ تنبهه، فكرر الإشهاد على نفسه بما قال أولا، ولم يرجع عنه، فقال لامرأته إني اعتقدت له أكثر من ذلك، وعلمي ورأيي لا أرجع فيه إلى علمك ورأيك، وكان ابنه أحمد إذ ذاك عند أبي الربيع سليمان بن يخلف فبلغه وفاة أبيه وقد بقيت بيده بقية من نفقته فكف عن الأكل منها، ورأى أن ذلك قد صار ميراثا، فقال له أبو الربيع: أمسك ما بيدك ولا حرج عليك ولا تلزمه العدالة بينكما.
قلت: أما فعل أبي عبدالله فلا ينفد لوجوه: منها أنه عطية في المرض الذي توفي فيه فلا يجوز إلا بإجازة الورثة، الثاني أنه لم يذكر التسليم والحوز وذلك شرط عند جميع أهل العلم إلا الشاذ، والثالث أنه لم يعدل فيما دل عليه اللفظ والعدل بين البنين واجب على الأب في قول جماعة من أهل العلم، وإليه مال كثير أصحابنا فيما علمت والشيخ أبو الربيع رجح قول من قال لا تجب العدالة على الارب، وأقول والله أعلم: إن ذلك إنما جاز لإجازتهم له إياه أبرارا بالشيخ -رحمه الله-.
وعن غير واحد من تلامذته قال لما كان عام واحد وسبعين وأربعمائة رجعنا من عنده فشيعنا إلى المصلى الذي فوق (2/230)
صفحة 461
عيون تونين، فوقفنا لموادعته، فقال أحدنا: أوصنا يا شيخ، قال: لقد عزمت على ذلك ولو لم تقله لي، ثم قال: (امضوا بالسلام. فإذا وصلتم إن شاء الله منازلكم فإياكم والدنيا أن تستقبلوها بوجوهكم، فان من استقبلها أغرقته ومن استدبرتا فلا بد أن تأخذ منه، وعليكم بالألفة والنصيحة، والتزاور، وحفظ مجالس الذكر، وإياكم وأمور الناس والتقصير فيمن يرد عليكم من أهل دعوتكم والسلام).
وكنا قد أردنا إذ نحن بتمولست الطلوع إلى جبل (دمر) برسم دراسة الكتب، فلم يوافق ذلك أبا الربيع ولا أبا ذكرياء يحيى بن أبي بكر فشيعنا أبو ذكرياء يحيى، فقال: اعلموا أنكم أن رجعتم إلى أهليكم على هذه الحال فأنتم كمن ترك الإسلام عمدا، وهذا منه تحريض وترغيب في طلب العلم.
وذكر إن تلميذين من تلامذة أبي الربيع قال أحدهما للآخر: (زوجتك أختي)، وقال الآخر: (قبلت) فلما لفظ بالقبول داخله ما وسوس عقله وشغل خاطره، وجعل يسأل الطلبة واحدا بعد واحد هل عليه من هذا شيء؟ ولب على خاطره ان النكاح قد انعقد، فجعل يسأل العزابة الحل عازما على الانفصال، فقال أبو الربيع لما رأى ما رأى من حاله: ما نال فلانا؟ فأخبروه خبره، فقال لهم: قولوا له فليقم وليشتغل بالقراءة، فانه لم ينعقد عليه نكاح، ولا عليه شيء، ولو أجازته، قلت وهذه المسألة لها وجوه تقيد بها وليست بمطلقة وذلك أن أخا المرأة لا يخلو أن يكون وكيلا مع كونه وليا أو لا يكون وكيلا، فان وكان وكيلا فالنكاح قد انعقد بلا خلاف، وان (2/231)
صفحة 462
كان أنكح فضولا بغير توكيل ثم أجازته بقرب العقد فالأولى جوازه، وقيل يكون موقوفا على قبولها وامتناعها، ولعل أبا الربيع -رحمه الله- عر في هذه القضية بعينها ما أوجب امتناعها كترك وقع متقدما مع ما خاطب أو عقد تقدم مع ولي تقدم مع خاطب آخر، والله أعلم. وذكر أبو عمرو عثمان بن خليفة أن أبا يعقوب محمد بن يدير سئل عن مسألة في مجلسه، فأخطأ في الجواب، وذلك انه قال: علينا العمل بالفرائض وليس علينا العلم بها، وكان يزيد بن يخلف الزواغي وأبو الربيع سليمان بن يخلف في المجلس حينئذ، فلما سمع يزيد ذلك قال يا سليمان ما الذي أخذت عن أبي عبدالله بن بكر في هذه المسألة قال: إذ لزم فعل شيء لزم العلم به، وان له في فعله الثواب، وانه فرض وعدل، وكان قد باتا في حلقته فلم يقل لهما رجعت عن قولي، ولا قالا له: ارجع عنه ولا أدناهما من المجلس، وجوابه في هذه المسألة جواب النكار وهو خطأ وجوابهما جواب أصحابنا وهو الصواب إن شاء الله، وهو قول جمهور الأمة لأنه كيف يمتثل الأمر من جهله؟ وكان هذا حال الشيخ أبي الربيع لا يعجل بتخطئة أحد، ولا يسمعه جفاء.
وتوفي -رحمه الله- عام أحد وسبعين وأربعمائة، فبلغ خبر وفاته المشائخ ببلاد أريغ أمثال ماكسن، ومزين، ويوسف بن ابي عبدالله بن بكر، وغيرهم فجل عندهم الخطب وسامرهم الرثاء والندب، واجتمع اليهم اعيان تلك النواحي يعزونهم، وهيهات، فقد لازموا العويل والاكتئاب الطويل، حتى قال لهم ابو يعقوب كفوا عافاكم الله فان هذا لا يغني عنكم شيئا، وعليكم بالتمسك بما أخذتموه (2/232)
صفحة 463
عنه، وعن غيره من الأشياخ، وكونوا لها كإبراهيم بن أبي إبراهيم للأمانة، وذلك أن رجلا أودع الشيخ إبراهيم دينارا، وقال له: (ادفعه إلى فلان، واحذر أن يسقط، فقال له: (تسقط هاتان ولا يسقط يا عماه)، وأشار إلى عينيه.
الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبدالله مزين بن عبدالله الوسيانيان
ومنهم الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبدالله مزين بن عبدالله الوسيانيان -رحمهما الله- كانا ممن تنسب إليهما أنواع من الفضائل، وترفع إليهما عند وقوعها المسائل وترجى بدعائهما عند الله الوسائل، ويستشفى برأيهما متى نزلت الخطوب النوازل، وتتيممهم للبركة القنابل (1) والقبائل، وممن يفصل الخطة لما أعيت كل فاصل، فليس منها إلا عائل.
قال أبو عبدالله: كان مزين يقول: (الرأي إشارة، وأما الموارئة (2) فقتال، لا تدخلن بين العصا ولحائها)، وذكر أبو محمد قال: دخل علي ينجاسن بن حمو ذات يوم كأنه ذاهل، فاستلقى مضطجعا، فقلت له مالك؟ ومن أين أقبلت؟ قال: (من عند مزين، جئته أستفتيه في تباعة تعلقت بذمتي في قرية من قرى وارجلان، وسألته كيف الخلاص منها قال لي: أتعرف الموضع؟ قلت: نعم، قال: أتعرف صاحب التباعة؟ قلت لا، قال تجد من يشهد لك بأن تلك التباعة لفلان بن فلان؟ قال: لا، قال: فتصدق بها إذا في موضعك، وأقم ولا تتكلف حركة). فحاربها -لله أعلم- إنما بسبب كونه لا يدري من يصرف إليه
__________
(1) / جمع قنبلة بفتح القاف جمع من الناس.
(2) / كذا في النسخه ولعل الصواب المؤاربة. (2/233)
صفحة 464
تلك الصدقة فيكون لها أهلا ولأنه ذكر عنه أنه قال حينئذ: خائن حازم، خير من أمين مضيع فداخله من ذلك شغل شاغل.
وذكروا أن " أبا ويدران" الفطناسي استخلف على وصيته مزين فعمد إلى خيار ماله وما تكثر فيه رغبة المشتري فباعه، وجعل ينفذ منه الوصية فشكته زوجة أبى " ويدران" وبناته إلى الشيخ أبي عبدالله وقلن له: أنه قد باع أفضل المال إن في التركة أطرافا لو باعها لم يصبنا لفقدها جزع، فقال له مالك ولهؤلاء؟ قال: أعلم أني لم أشتغل بمصلحة هؤلاء لكن بفكاك رقبتي ورقبة أخي في الله.
كيف كان الشيخ أيام التلمذة ورفق شيخه به
وذكرا أبو الربيع أن أبا محمد ماكسن كان من أعاجيب الزمان، وذلك أنه أصيب في بصره وهو ابن سبعة أعوام وقيل سبعة أيام، فجاءت أمه إلى أم يوسف زوج المعز بن باديس فأعلمتها بما أصاب ابنها فقالت لها: رديه في الكتب، فانه يستفيد لما رأته من حدة فكره، وحضور ذهنه وذكائه ففعلت فحفظ القرآن تلقينا في أسرع وقت ثم قصد جربة وحضر حلقة أبي محمد واسلان ابن أبي صالح، فكان أنجب تلميذ حضرها وكان كل من رآه يستغرب ذكاءه وبراعته، وكثرة حفظه، إلا أنه كان مع ذلك سريع الغضب حاد الكلام، فكان الطلبة يقولون لأبي محمد: اطرد عنا هذا السريع الغضب الحاد الكلام، فيقول لهم: والله لا أسمع قولكم فيه ولا أقبله ولا أخرج عليه لما تفرس فيه من الخير والبر وإحياء الدين والسير ويقول لهم: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل له: (لم تكون الخفة في المؤمن؟ فقال: لغزارة في قلبه)، (2/234)
صفحة 465
وقيل لابن عباس - رضي الله عنه - إنك لخير لو لا خصلة فيك قال وما هي؟ قال الخفة، فقال ابن عباس: عبتنى بخير الخصال.
وكان ماكسن إذا ذكر هذا القول يقول -رحمه الله-: أن أبا محمد لو سمع في قولهم وطردني لرفعت رأسي وكنت في غير هذا المذهب فأضل وأهلك، فلم يكن إلا مدة يسيره حتى تفقه وعظمت منزلته فأعجب بيتيم عديم مكفوف البصر ينتهي إلى هذه الغاية في أسرع وقت ولا جرم أن الشيخ أبا الربيع سليمان ابن يخلف كان مفتاح باب الخير عليه لأنه كان محاضره فكان ينشطه ويدربه ويحرضه ويقرأ عليه الكتاب فإذا قرأ بابا رددا معاً مسائله هكذا كانت عادتهما وكان كل واحد منهما بارا بالآخر حفيا به، كان أبو الربيع كما ذكرنا لا يأل جهدا فيما ينتفع به صاحبه فلا يعرف له طريق مصلحة إلا تحراه وكان ماكسن على نحو ذلك فيما له عليه قدره حتى أن ماكسن يدعوه بالخؤولة مع كونه دونه في السن، وهذه الدعوة لأن أم ماكسن مزاتية من قوم أبي الربيع.
ولقد تنازعا يوما في مسألة حتى تغاضبا وكان ماكسن يصلي بثوب أبي الربيع فحضر وقت الصلاة ولم ير ماكسن انه تصح له صلاة بثوب أبي الربيع، وحسب أنه يجد منه في نفسه شيئا وأراد نزع ثوبه، فقال له: صل عافاك الله فإنه لم يحدث عندي شيء.
وذكر أن أول مسكن الشيخ ماكسن بوارجلان وذلك بعد انفصاله عن القيروان ومجيئه من جربة، فأقام بوارجلان حتى سافر منها إلى الحج وقضى الفريضة وتنفل وتزوج (2/235)
صفحة 466
ابو العزيز يدعوا الشيخ ماكسن الى الاهتمام باولاده
بوارجلان وقطن به، وجاءه رجل من أهل أجلو يقال له أبو العزيز داود، فقال له: أقم هنا يأكل أولادك تحف أهل الدعوة فإذا متَّ اقتسموا ريح الصبا فسمعت كلاما أذن واعية ووقع في نفس ماكسن الانتقال إلى أريغ، فلقي الشيخ عيسى بن أبى الحجاج فقال له: اجعلني يا أخي في حل فإني عازم على الارتحال فقال: بل اسأل الحل في قولك لي اجعلني في حل فقد أدخلت علي روعة، فقال له: اعلم أنه لا يصح لك انتقال عن وارجلان حتى أموت وتغسلني وتكفنني ثم انتقل، بعد ذلك أو أقم وأما وأنا حي فلا أذن لك في المسير، فوافقه وأقام حتى قضى الله بموت الشيخ عيسى، فتولى عنه ما سأله أن يتولاه، وأجمع على المسير إلى أريغ، فقال له عبدالله بن عيسى الوسياني من أهل " كرناداس": ألم تقدر في سفرتنا يا ماكسن؟ فقلت: قد عولت عليكم وهيأت لكم، فساروا جميعا إلى أريغ فأقام ماكسن بأريغ مدة وليس لأولاده مؤدب، فجاءه أبو العزيز داود فقال له: أقم هكذا يا ماكسن حتى تموت وتبيع أولادك كتبك، فأيقظه وعلم إنما نبهه على أولاده فاستأجر مؤدبا يعلمهم.
الشيخ يتعجب من ثلاث مسائل والحكم الشرعي فيها
وكان أبو محمد ماكسن يتعجب من ثلاث مسائل أحدها قولهم" يموت الرجل ولا يقذف" ثم اجازوا له إذا خاف أن يقول: ليس هذا بابن فلان، أو ليس من القبيلة الفلانية فينفيه، والثانية قولهم: " يموت ولا يتعرى" ثم أجازوا له أن يتعرى عند الاختتان وعند الطبيب والقابلة، وقياس الجراح، والثالثة قولهم في امرأة المفقود:" عدتها عدة المتوفى عنها زوجها" ومع ذلك قالوا: لا تخرج حتى يطلق عنه أولياؤه، قلت: أما الأولى (2/236)
صفحة 467
فمن باب الكذب المباح لا من باب القذف والثانية ضرورة تعارض فيها حكمان فلا بد من أرجحهما والثالثة أخذوا في العدة بالحوطة ونظروا في تسريح المرأة خشية الضرار وجعلوا التطليق إلى الأولياء، على أنه لا حكم على غائب.
يحمل أولاده على الحق
ومن تحرجه ما ذكر أن أولاده بنوا بابا وزادوا في حائطه شيئا من الطريق فقال لهم: اهدموا هذا البنيان وردوا الشيء بحاله فقالوا: إن الطريق واسعة بحيث لا يضرها ما نقصناه منها، فقال لهم: لا بد من هدمه ولا انصرف حتى يهدم فهدموه وحينئذ طابت نفسه على الانصراف.
وذكر أبو الربيع قال: أغارت غارة" لبنى يوجين" على رأس وادى أريغ فساقت غنمهم، فاتبعتهم عدة من المشائخ منهم ماكسن، وأبو العباس الوليلي، وعيسى بن يرصوكسن وعبدالله الدمري فلم يلتحقوا بهم إلا بعد أحيائهم فلبثوا مدة يستردون حتى استردوا الغنم بجملتها، وما استردوها إلا وقد نفدت أزوادهم أو كادت، قيل وفيهم عجوز مرابطة، وقد اطلعت على حال المشائخ وعلمت أن أزوادهم نفدت، وأن طعام قومها لا يرون أكله تورعا، فرغبت إليهم أن يأذنوا لها في أن تعالج لهم طعاما من مالها فأجابوا، فاستعملت طعاما ولما حان وقت صلاة المغرب وصلوا جاءتهم العجوز تسألهم عن مسائلها، والشيخ أبو العباس الوليلي حينئذ يركع ولم يتفرغ من ركوعه، فعاد كلما سلم من ركعتين قال لهم: أبعدوا العجوز عنكم واطردوها عن أنفسكم، ولم يفطنوا لما أراد، حتى سألتهم ما تقولون في قومي هؤلاء إذا غاروا غارة وغنموا وأخذوا وأعطوني زكاة ما أخذوا فهل في ذلك من حرج؟ (2/237)
صفحة 468
قالوا: إذا فأنت على هذا الحال المذمومة يا عجوز؟ أبعدي عنا، فقال لهم أبو العباس: ألم أقل لكم من قبل؛ أبعدوها عن أنفسكم فانصرفت ولم يذوقوا طعامها فقالت " بنويوجين" لماكسن: إن رخصت لنا في ثلاث مسائل رجعنا إلى مذهبك وهي: أموالنا، وأولادنا، وأزواجنا كلها حرام، فأذن لنا بالمقام فيها فقال لهم: لا يحل ذلك في مذهبي، قالوا فإنا نجد من يرخص لنا في ذلك كله.
وغارت غارة لبعض العرب على وارجلان فساقوا عدة من الإماء، فلحقهم الشيخ ماكسن" بالدرمون" فوق بئر الكاهنة، فسألهم بالله أن يردوا عليه ما أخذوا من أموال المسلمين فكان في القوم رجل يعرف بابن يلبان، فقال لهم: أجيبوا سؤال العزابي، فردوا عليه جملة الإماء إلا واحدة مولودة (1)، فزينها الشيطان في أعينهم فرغبوا في الابتناء عليها، فقال لهم الشيخ: إنها حرة، فقالوا: عريقة؟ قال لهم: نعم قالوا له: أتحلف؟ قال نعم، قالوا بالطلاق؟ قال لا يحلف بالطلاق مسلم فلا أحلف به، قال: فردوها له، ثم سئل بعد ذلك ما أردت بقولك حرة؟ قال: أمي، قيل ما أردت بقولك عريقة؟ قال فخدي.
أهل جربة يبتهجون بمقدمهم في سمت حسن وأبهه
وذكر عن الشيخ ماكسن أنه قال: أقبلت أنا وأصحابي من الحج، وكنا في أثنى عشر رجلا كسليمان بن موسى الزلفيني، وعبد السلام بن عمران النكسي، ومحمد بن عيسى بن إبراهيم، وأمثالهم، ووصلنا طرابلس فاشترينا منها كسوتنا؛ كسوة سنية، ودخلنا جربة، فشكروا ذلك منا واستحسنوه، ودخل عليهم من السرور ما لا يتصف، حتى قال لهم زكرياء بن الشيخ أبي زكرياء فصيل - رضي
__________
(1) / لعل الصحيح موِّلدة. (2/238)
صفحة 469
الله عنه-: لقد عاملتمونا في زورتكم هذه بما لا نستطيع أن نودي حقه وقلدتمونا عظيمة لا تقوم ألسنتنا بشكرها وإن إختصاصكم إيانا بقدومكم علينا عند مقدمكم في تلك المشاهدة الشريفة ومشاهرتكم لنا ليقوم عندنا مقام قدوم جميع من سلف من أئمتنا، وأشياخنا، من لدن أبى عبيدة إلى اليوم فالله يتولى متوليكم وأكثر ما أدخل عليهم السرور قدومهم في أحسن زي واشارة فإنهم باهوا بهم جيرانهم النكارة وظهر من جلالة أقدارهم ما زاد في جيرانهم الحقارة.
فتن أهله في وغلانة وتينتلات وسوء مصيرها
وذكروا أن قافلة خرجت من وارجلان من أهل ريغ متوجهين إلى أهل ريغ فلما وصلوا إلى " ونو" يعني: البئر ازدحموا عليه يستسقون حتى اقتتلوا فقتل رجل من بنى سيتتن رجلا من " وغلانة" ورأى الوغلانيون أن لا طاقة لهم ببني سيتتن، لكونهم جميعا يكون طريقهم على بني سيتتن فخافوهم على أنفسهم فافترقوا من هنالك وجعل الوغلانيون طريقهم على بني ينجاسن فعاهدوهم على أن يكون معهم ألبا على طلب حقهم فلما وصلوا منازلهم عيبوا ونهضوا إلى بني سيتتن ثائرين بصاحبهم فلما وصلوا قرية " خيران" خرج إليهم أهلها يريدون إنزالهم ويحسبونهم أضيافاً، فقالوا لهم: مكنونا من القود بصاحبنا، فقالوا: نعم، لكم القود، فألقى الشيطان في أسماعهم، أن لا يصلح لكم القود، فلم يلبثوا أن وثبوا عليهم بالسلاح، فدافع يعقوب بن يسفا وأمثاله حتى قتلوا، في ثمانين قتيلاً من بني سيتتن، وكان رجل من وغلانة أدرك يعقوب على بغلة فعقرها، قال: فأدركته الرجالة، فقتلوه فأوصى عاقر البغلة بدية يعقوب، واستخلف على وصيته يعلو بن (2/239)
صفحة 470
صالح فدفعها إلى ورثة يعقوب، فلما رأى أهل تينتلات أنفسهم في قلة بعد موت العدد المذكور عزموا على الرجوع إلى أهل الخلاف، وكادوا يفعلون، فبلغ ذلك ماكسن فقال: من ذا الذي يعرض لأهل المذهب من تنتلات؟ فانتقل إليهم بحلقته فوجد أعلام الخلاف قد نصبت، فلم يزل يكف شرهم، ويدحض عزمهم، حتى انقطع الاختلاف ولم يبق إلا الإئتلاف، فحينئذ ارتحل عنهم، ومدة إقامته عندهم ثلاث سنين.
وسبب ارتحاله عنهم فيما ذكر أنه كان ذات يوم هتف به هاتف: يا ماكسن اهرب، اهرب إلى حيث طاب الزمان، فالجبن خير من الجرأة إذا الفتنة تمكنت عروقها، قيل ولما ارتحل عزم من بها من أهل الخلاف وهم في غاية الحقارة والضعف على أن يبنوا لأنفسهم مسجداً، ورأوا أن الفرصة قد أمكنتهم بعد انفصال الحلقة، فاستفزوا ضعفاء العقول من أهل الموضع، وشاوروهم في ذلك، فأذنوا لهم في بنيانه، وكان ذلك في مغيب أبي يوسف بن زيري وهو من أعيان القوم، فاستحضروه للمشورة، فلما حضر تكلم متكلمهم فقال: عزمنا على أن نبتني هنا مسجداً لإخواننا قال: لا يبنى إلا أن يبنى على رأسي، فانحل عقدهم، ومن سمع بجواب أبي يوسف شكره ودعا له، ويتصل بهذا ما ذكر أن يعلو بن صالح خرج فاراً بنفسه، غضباً لما فعل أهلها ببني سيتتتن وذلك أنهم لما رجعوا من قتالهم دخلوا من باب وخرج هو من باب آخر، فمر بيعقوب بن أبي موسى الزواغي وكان بينهما قرابة، فصحبه وسارا حتى لقيا أبا عبدالله بن الخير فقال له: يا يعلوا بني سيتتن صرعوا قتلى لم يدفنوا بعد، وأنت تغدوا وتروح عليهم، فقال له (2/240)
صفحة 471
يعقوب: هذه منك سقطة يا أبا عبدالله، أتخاطب بهذا رجلا خرج مهاجراً مراغماً لأهل الظلم طلبا للسلامة فلتلقاه بهذا القول وأنت لا تقدر له على شيء؟ فمن ذلك اليوم سار إلى أجلو.
... أبو سليمان داود بن أبي يوسف
ومنهم أبو سليمان داود بن أبي يوسف -رحمه الله- أحد المشائخ المذكورين، والفقهاء المشهورين، استفاد وأفاد، وخدم حتى ساد، فكان شيخ حلقة، يعرف كل أحد حقه، وسعهم علماً وخلقاً، وسيراً حميدة وتقى، ولا يجتنبه الطالب، ولا يخيب أمل الراغب.
ذكر أن جماعة من شيوخ العزابة توجهوا إلى» تنومة «فيهم أبو عبدالله محمد بن بكر، وأبو سليمان داوود بن أبي يوسف، وكان على داوود دين لرجل من تنومة، فلما كانوا ببعض الطريق لقوا زنغيل بن نوح بن الشيخ أبي نوح، فسألوه عن الرجل صاحب الدين، فقال: تركته على آخر وقته، فرجع أبو سليمان فشق عليه ما سمعه، وتكدر خاطره، فقال له أبو عبدالله: إن لي على صاحبك ديناً أكثر مما له عليك، وقد وهبت لك من ذلك مقدار ما له عليك، فقاصصه بذلك فيما عليك، ففعل، وهذه الفضيلة لأبي عبدالله -رحمه الله-.
وذكر أن الشيخ أبا عبدالله -رحمه الله- كان على جلالة قدره إذا أقبل الشتاء وفرغ من حرث ضيعته طلع بحلقته إلى أبي سليمان يقرأون عليه، فيقيمون حتى يسمعوا صيى البعوض فينزل إلى ضيعته، وجاء رجل من أهل وارجلان فسألوه عن حال أبي سليمان فقال له: لما به أما أدركتموه (2/241)
صفحة 472
وأما لم تدركوه فمضى الشيخ ماكسن يجد السير فوجده على آخر وقته، فقال: كيف تجدك فقال متمثلا:
ولا يعرف الريان من طال عطشه
ولا يعرف الشبعان من هو جائع
فأقام عنده حتى توفي -رحمه الله- عليه.
وذكر أنه لما كان عام اثنين وستين وأربعمائة توفي داود بن أبي يوسف وبلغ خبر وفاته المشائخ وهو إذ ذلك في زنزفة عند انحدار الشيخ أبي الربيع من زنزفة إلى منزله بتمولسة فشيعه المشائخ إلى قلعة بني علي، منهم علي ابن منصور وإبراهيم بن يوسف وغيرهم فوقفوا للرجوع فكرهوا مفارقة أبى الربيع إلا وقد عزوه في أبي سليمان فتناجوا أيهم يجسر على مخاطبته بذلك وخشوا أن يدخلوا عليه روعة، إذ لم يتقدم عنده علم، فدنا أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف والشيخ حينئذ راكب على فرس لرجل من بني زنزفة فقال له: أحسن الله عزاك في الشيخ، وآجرك في المصيبة فيه فقال له: ومن الشيخ؟ قال: أبو سليمان داود بن يوسف فلما سمع ذلك نزل على الفرس فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون"، فلما توادعوا وقضوا حق التعزية فرجعوا عنه قال: وسرنا معه نحن إلى " تمولسة" فأخذ يحدثنا أخبار السلف ويذكر سيرهم ومناقبهم وما صبروا عليه وما صابروا وكابروا وكابدوا ويتوجع لما صار الناس إليه من فساد الزمان، وما نزل بهم من ذهاب الخير وأهله، وانقراض العلم وحملته حتى قال انقطعت آثارنا من المغرب. (2/242)
صفحة 473
مصيبة الأخيار تكون أحيانا في أبنائهم
وذكر حديثا للرجلين الذين أقبلا من المشرق يريدان زيارة بكر بن حماد الشيعي، فلما وصلا مصر سمعا بوفاته فقال أحدهما للآخر: انقطعت آثارنا من المغرب، فرجع من موضعه وقال الآخر: أما أنا فلا أرجع حتى آتي أولاده، فتمادى به السير حتى انتهى إلى تاهرت، فسأل عمن خلف بكر بن حماد فقيل له خلف ولدا لا يستحق أن يسأل عنه، فأبى إلا رؤيته، فطلبه فوجده ينوح مع النساء فلما رءاه قال: " إنا لله مصيبة الأخيار في أبنائهم" وإنما أورد هذا تفجعا وتوجعا لفقد أبي سليمان، وكونه لم يخلف من يقوم مقامه.
الشيخ يشكو من جهل الناس بأحكام الشريعة
وسرنا طريقنا كله وهو يكرر انقراض الخير واندراس الدين، وفقد العلماء وانطماس الآثار، حتى قال: فقد الناس من مسائل الحلال والحرام والفقه أكثر مما فقدوا من مسائل علم الكلام والجدال، ولا أعلم اليوم من يقرأ عليه علم الفروع إلا أن يكون أحد من تلامذة أبي سليمان هذا " يعني ابن أبي يوسف" فإن منهم جماعة بوارجلان، وقال إبراهيم ابن أبي إبراهيم رأيت أبا سليمان في منامي بعد موته فقلت لعلك ظفرت يا شيخ؟ قال: نعم، ثم قال: قل للعزابة عليكم بالدعاء، وقيام الليل والمعروف.
أبو القاسم يونس ابن أبي الحسن
ومنهم أبو القاسم يونس بن أبي الحسن -رحمه الله- من جملة الفضلاء، المكرمين باستجابة الدعاء، المنتظمين في سلك العلماء وإن كان السيماء مقصورة على شيم الصلحاء. (2/243)
صفحة 474
ذكر أبو سليمان أن الوباء وقع في أجلو سنة من السنين فأضر بأهلها في جناتهم وآذاهم أذى كثيرا، واقتضى نظرهم أن يجتمعوا ويصوموا يوم الأربعاء والخميس والجمعة، ولما صلوا صلاة العصر يوم الجمعة خرجوا إلى محراب المقبرة وهو موضع معروف بالبركة، واستجابة الدعاء، واجتمعوا عنده وقرأوا وتطوعوا بالمعروف، وعادتهم أن يحضروه ويدعوا، ثم حضرت صلاة المغرب وصلى بهم إمامهم يونس بن أبي الحسن، فلما صلى دعا الله أن يرفع عنهم الوباء، ولم يصبح حتى لم يجدوا له آثرا.
وذكروا عنه أنه كتب إلى من بقسطيلية من طلبة مزاتة " أما بعد فاجعلوا حوائجكم بكريات، وإذا وجدتم ما ترعون فارعوه رعى النهماء من الغنم، ولا تمجوه مج الريان الماء" في كلام كثير ينشطهم به إلى القراءة والاجتهاد في الطلب.
أبو الربيع سليمان الزلفيني
ومنهم الشيخ أبو الربيع سليمان بن موسى الزلفيني -رحمه الله- ذو النفس الألفية، والخلق المرضية، والدعوات المتسجابات الدينية، المحافظ على الأمور الدينية والدنيوية.
كان الشيخ مجاب الدعوة عند الله
وعنه يحكى أنه نظر فرج ابنته ففارق أمها وعنه يحكى أنه قال: أن أهل وارجلان إذا مات أحد من فضلائهم في أي قرية من قراهم بعثوا إلى أهل القرى ليحضروا جنازته، فكانت هذه عادتهم، فلا يعجلون بدفن من يموت عندهم حتى يشهدوا جنازته جماعتهم، قال فمات رجل في "يمطنون" يسمى " صالح الصادق" فبعثوا إلى أهل (2/244)
صفحة 475
" تينبماطوس" قالوا: فحضرنا جنازة الرجل وكنا قد وجدناه قبل أن تخرج جنازته وجدنا داره مشحونة بالناس، قال: فقعدنا على باب الدار، فجئ بالنعش فإذا الباب ضيق قصير عنه، فجهزوا الميت وأخرجوا النعش ولما صلوا إلى الباب خرجوا أسهل خروج، فاختلف من حضر داخل الدار وخارجها فقال بعضهم: إنما خرج من العتبة، وقال بعضهم: بل اتسع الباب وخرج النعش ببركة الله تعالى.
وذكروا أن أبا محمد بن سليمان العرجا ورد من القلعة (1) على أبي الربيع فقال له: إني تركت عبدالله بن حسن وولده في الجيش القلعي، فادع الله أن يهلكهما، فقال له: كن في غيرهما، وأما هما فقد هلكا، فكان كما قال، وسمع ماكسن يدعو على بني ظافر فقال له: ادع على غيرهم، وأما هم فقد هلكوا فكان كما قال، وكان العزابة يقولون: إذا أردت أن تعرف عدد عيال أبي الربيع فراقبه وقت التطوع بعمل المعروف يعني أنه يتطوع على كل رأس بمعروف، وكانت له حركة في جسده فيها دلالة يعرف بها أمورا خفية، فكان الشيوخ إذا دعوا وحس بما يدله على استجابة دعائهم يقول لهم: قد أجيب دعاؤكم وإلا سكت ومثل هذا من الكرامات لا تنكر.
يأبى من ارتكاب المكروه ولو أنه يجر منفعة
وعزم أبو الربيع سليمان بن موسى على أن ينكس عينا أو يحفرها، وهي التي في شرق مسجد تامولسة فأعانه إخوانه بخدمة عبيد، فلما حضره العبيد وشرعوا في الخدمة جعلوا يتغنون، ويقولون ما يقول أمثالهم، فقال لهم " اطلعوا من عيني فإن كانت لا تحفر إلا بمعصية الله فلا (2/245)
صفحة 476
حفرت، قال أبو مرداس هلاك في طاعة خير من نجاة في معصية" فلما رأوا ذلك منه تركوا ما كره.
الشيخ أبو الربيع يكرم ابن أبي وايدران تقديرا لأبيه
وذكر أن الشيخ معاذ بن أبي علي كان مسكنه بقصر بني وليل من بلاد قبلة أريغ، فكان دأبه أن يأتي في كل ليلة الجمعة إلى أجلو فيبيت مع الحلقة، يحيي ليله ثم يقيم حتى يشهد مجلس يوم الجمعة، ثم يصلي العصر ثم ينصرف إلى أهله، فصادف مجيئه ليلة من الليالي مجيء فتى من ولد أبي ويدران الفطناسي المزاتي يسأل المعروف وكان هذا الفتى أقرع وكان أبو ويدران المذكور أول غريب دخل هذه البلاد الريغية وهو الذي بنى مسجد تينسلمان، على مصلى حبيب بن زلفين قيل فلما رأى معاذ المذكور الفتى المذكور ازدراه وانتهره، فقال له: ما ها هنا إلا التلامذة وإلا فأهل المنزل قد خرجوا في طلب الربيع، وكان الشيخ أبو الربيع بحيث يسمع كلام معاذ فانتهره، وقبح عليه ما قابل به الفتى، وقال له: قال الله تعالى (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) (الكهف: من الآية 82) ثم التفت إلى أهل الموضع فقال لهم: أعطوه ما أعطاه وقته، فأعطوه ما أربى على مأموله، وانقلب شاكرا، ثم إن الشيخ أبا الربيع قابل معاذا بأشد من الوجه الذي قابل به الفتى، وأنبه كل التأنيب بكلام طويل.
-----------------
1 - يعني قلعة بني حماد بنواحي أمسيلة.
أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف ابنا الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر
ومنهم أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف ابنا الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر - رضي الله عنه-ما- كانا في طلب الخير فرسي رهان مشتركين في كل فضيلة، شركة عنان، فلعل أحدهما أعلم والآخر أزهد، فلكلا الوصفين دلائل تشهد فإن المنسوب إلى أحدهما تأليف كتاب، وتهذيب جواب (2/246)
صفحة 477
والمنسوب إلى الآخر دعاء مستجاب واستعداد لمآب، وبينا أنهما حائزان على هذا السباق، ومن دون اغبارهما تقطعت الأعناق، ولا غرو لأمثالهما في جميع أحوالهما فإن مفيض ضيائهما بدر باهر النور بهيجه وهل ينبت الخطى إلا وشيجة؟
فضل أبي العباس وخدمته للمذهب
قال أبو محمد اجتاز بنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر فخرجنا معه مودعين وكان فيما أورده من القول عند وداعنا أن قال: إن أقل ما نزل من السماء إلى الأرض التوفيق وقل ما يدعو به المرء إلا استجيب له، ثم قال: رحم الله أحمد بن محمد فقد كان رحمة لأهل مذهبنا حيا وميتا، وذلك أنه كان في حياته بيت العلم يفيد به كل طالب وكل ذي حاجة، ولما دنت وفاته أودع علومه الكتب فصنف تصنيفات خمسة وعشرين كتابا وكتابا آخر تركه في الألواح (1).
يتعجب من أحوال الناس يفعلون خلاف ما يعتقدون
وذكر داود بن يخلف عن أبي العباس أنه قال: الناس إذا أتاهم خبر خوف انتقلوا عن الحال التي كانوا عليها قبل ورود الخبر ولو كانوا في حر وبرد، وأخذوا لأنفسهم بالحذر والتحرز، ولعل ذلك الخبر يكون أو لا يكون وليسوا منه على يقين ولقد أنذرهم الله النار وخوفهم من الشيطان، وكان ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدقوا المرسل والمرسل، وأيقنوا بذلك وتركوا التحرز، وأغفلوا الاستعداد لذلك، والحذر من سوء ما يتوقع من ذلك ونسوا فقد إخوانهم وتفقد أحوالهم،
__________
(1) / يشير إلى المؤلفات التي تركها الشيخ أبو العباس بعضها مفقود وبعضها لا زال ضمن المخطوطات ككتاب أصول الأرضين في ستة أجزاء والسيرة في الدماء والجراحات والجامع المعروف بأبي مسألة وتبين أفعال العباد في ثلاثة أجزاء وبعض هذه الكتب أصل لكتاب النيل وملخص لها. (2/247)
صفحة 478
ويا عجبا الناس يكرمون أضيافهم خوفا من اللؤم والذم وأضياف الله الكرام الكاتبون معهم وهم يعملون ويتيقنون أنه (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18)، (له لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) (الرعد: من الآية 11) ومع ذلك فلا يعبأون ولا يكترثون.
سبب إقبال الشيخ على التأليف
وعن أبي محمد أن سبب تأليف أبي العباس كتابه الذي تسميه العزابة" أبا مسألة" أن أبا عبدالله محمد النفوسي كتب إليه من " أبيدلان" يرغب إليه في مختصر، مشتمل على مسائل في الفروع فتدبر كيف يضع هذا التأليف فنام فرأى في منامه قائلا يقول له: اذكر أبا مسألة، فجعله في جزءين فسماه العزابة أبا مسالة وأما أبو محمد فكان يسميه جامع الشيخ أبي العباس.
وروى أبو محمد وأبو نوح عن أبي العباس قال: أتاني آت في منامي رجل أبيض فتقدمني واتبعته حتى دخل في قرية " تنزاج" من قرى نفزاوة ثم أتى المسجد وقصد المحراب، فقال لي: احفر فحفرت حتى استخرجت قصعة المحراب، فقال لي: أحفر فحفرت حتى استخرجت قصعة كبيرة، فوجدت فيها دينارا، فقال لي: خذا إرث والدك فسألت " بقابس" عن تأويل رؤياى رجلا حاذقا بتفسير الرؤيا، فقال لي: القصعة العلم والخير والدينار الصافي دين والدك فرجعت إلى " تمولسة" قال فبلغ فيها في العلم مبلغا عظيما وصنف بها عشرين كتابا وكتابين معروضين عليه، وقد عرض جميع ما صنف غير كتاب واحد تركه في أجلو مبيضا في الألواح ورغب إليه الأشياخ في وصولها إليهم " بايفران" من قرى وارجلان فعرضها عليهم ولده، وهم: إسماعيل وحمود بن المعز، (2/248)
صفحة 479
وأيوب بن إسماعيل، وداود بن واسلان وأبو سليمان الزواغي.
انكباب الشيخ على المطالعة زمن التلمذة
وروى أبو عمرو عن أبي العباس أنه قال: كنت أقرأ على الشيخ سعدون وأحضر مجالسه فأول ما وقعت فيه المذاكرة عنده مسألة ذبيحة الأقلف، هل تؤكل أم لا؟ وقال: في المسألة قولان ولم يزد على هذا شيئا قال أبو العباس وكان الديوان في نفوسة مشتملا على تصانيف في المذهب فلازمت الدراسة أربعة أشهر لم أذق فيها نوما ليلا ولا نهارا إلا فيما بين أذان الصبح إلى طلوع الفجر فنظرت في أثناء ذلك فيما هناك من كتاب المذهب التي وصلت من المشرق فإذا هي نحو ثلاثة وثلاثين ألف جزء فتخيرت أكثرها فائدة فقرأتها حينئذ.
الفتنة التي وقعت بين أهل الدعوة بأريغ وخروج المشائخ منها
وذكر أنه وقعت فتنة ببلاد أريغ سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وهي فتنة " خيران" " وتاغمارت" هي أول فتنة وقعت بين وهبية أريغ فلم يمكن أبا يعقوب بن الشيخ مقام فهرب إلى وارجلان فكان " بتماواط" وهرب أبو صالح من " وغلانة" فقضى الله بوفاة أبي يعقوب بتماواط فأوصى واستخلف على تنفيذ وصية الشيخ أخاه أبا العباس، فجاء أبو العباس إلى محمد بن أخيه فلم يجد عنه ما ينفذ منه وصية والده غير دينار واحد، لأنهم كانوا في عسر شديد عظيم، بعد رجوعهم إلى عين يونس، فقبض منه الدينار فصرفه في أوكد وجوه الوصية، ولم يزل يستخرجها برفق حتى أنفذها كلها.
وبلغ أبا محمد أن أبا العباس احتضر وكان قد استخلف أبا موسى على وصيته فجاء أبو محمد مبادرا إلى (2/249)
صفحة 480
" أجلو الغربي" فوجدوه في دار يحيى بن جعفر في السياق، فأعلم بقدومه هو ومن معه فقال: إئتونى به وبأصحابه فلم يدخلوا عليه إلا وقد توفي --رحمه الله- - وكان قد أوصى بأن يصلي عليه أبو محمد، فجهزوه وصلى عليه ودفنوه وكانوا قد ألقوا على القبر سترة، فقال بعضهم: إنما هذا للنساء، وقال بعض: نصنعها للرجال وللنساء، فهو أحسن من أن لا تكون سترة فلما دفنوه دخلوا وعزى بعضهم بعضا، وعزوا أهله فتمثل أبو محمد عند دفن الشيخ أبي العباس بقول الشاعر:
كفى الخليلين ان الارض بينهما
هذا عليها وهذا تحتها بالي
وكانت وفاة أبي العباس بذي الحجة سنة أربع وخمسمائة -رحمه الله- عليه-.
أبو العباس أحمد الوليلي
أبو العباس أحمد الوليلي --رحمه الله- - ممن رزق على العبادة والطاعة طاقة، وأيد بالرضا والصبر على العدم والفاقة، وكان ذا كرامات يتناقلها الراوون وبركات لم ير مثلها الراؤون وكان له حسن اعتقاد كثرة قناعة واقتصاد.
ساعة تجل ظهرت لأبي العباس
ذكروا أن أبا العباس أحمد الوليلي طلع سنة من السنين إلى جبل بني مصعب، في أيام الربيع، فصادفه هنالك شهر رمضان فلازم ربوة (1) يتعبد فيها عاكفا على القيام والصيام فلما كان في الليلة السابعة والعشرين من رمضان وكانت ليلة جمعة أقبل على ركوعه وسجوده،
__________
(1) / وتعرف الربوة الآن في ميزاب بجبل أبي العباس ومصلاه فيها معروف يقصد للدعاء والتبرك. (2/250)
صفحة 481
فبينما هو كذلك إذ رأى كل شيء معه ساجدا، فلما سلم رأى نورا ساطعا وأبواب السماء مفتحة، وإذا بحورتين (1) قد نزلتا من السماء فقصدتا نحوه وقد التفتا في لحاف واحد، إحداهما كبيرة والأخرى دونها صغيرة لم يرى مثل صورتهما ولا مثل نورهما الذي أضاء البر، فقعدتا أمامه والصغيرة خلف الكبيرة، فخاطبتاه وجرى بينهما كلام، حتى أعلمتاه أنهما زوجتاه في الجنة، فحاول الدنو منهما فقالت له الكبرى: إليك، إليك عنا، فإن فيك نتن الدنيا، ولكن الميعاد بيننا وبينك في العام القابل ليلة الجمعة كدية الطبل من تينسلمان، وهو منزل أبي العباس قال: فصعدتا ثم اتبعتهما ببصري حتى غابتا في السماء، وغلقت الأبواب دونها فسار أبو العباس بأثر ذلك إلى وارجلان فأخبر بعض الشيوخ بما عاين فلما دنا الوقت جاء إلى أريغ فمر بالشيخ أبي العباس ابن محمد بتينيسلا فرغب إليه هو والعزابة في المبيت، فأبى وجاء إلى أبي العباس وأخبره أن الميعاد بينه وبين الحور العين ليلة الجمعة المقبلة، فقال لهم أبو العباس: دعوه فإن الدولة عنده الليلة المقبلة، فتوجه إلى الرملة فإذا الحورتان كاسفتا اللون كأن بهما كآبة، وكان أبو العباس إذا وصفهما يقول كأن العين منهما كالقدح، والاشفار كجناح النسر، وارنبتيهما كناحية قصر بني يخلف، فسألهما عن تغيرهما فقالت: لبوحك بسرنا، ولأن أولياء الله يقتلون على
أمرهم بالحق، وذلك حين قتل عبد الحميد الوليلي، واستخف بأهل دين الله وماكسن بن الخير يرجم بالحجارة لأمره بالقسط، قيل: وقد ذكرت له ألا بدال
__________
(1) / هكذا ثناها الشيخ رحمه الله وإلا فالقياس حوراوين. (2/251)
صفحة 482
حينئذ، إن إبدال وقتهم سبعة: عبدالله بن يحيى وإبراهيم بن إسماعيل وإبراهيم بن معاذ ويحيى بن عيسى والنعيم بن الولي، وقيل سليمان بن عبدالله، وصالح بن محمد، وقيل يوسف بن ونماواي، وقيل عبدالله بن يعقوب، وهؤلاء كلهم رجال صالحون، ثم قالت له ليلة الاثنين تبيت عندنا وصعدتا إلى السماء، فلما صلى صلاة الظهر يوم الأحد بعد أن ودع أهله وقضى جميع ما أراد قضاءه موقنا بما لا بدله منه، فقال لهم: أحسست صداعا فما هو إلا أن صلى العصر فمات --رحمه الله- -.
أبو زكرياء يحيى وأخوه زكرياء
ومنهم أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، وأخوه أبو يحيى زكرياء -رحمهما الله- كانا من الأفاضل المقتفين آثار الأوائل، لم تزل نفس الديانة بحياتهما حية، وطرق البر ناهجة والصلاحية وطلب علوم المذهب، وسير من تنسك أو ترهب، ولهما في علوم النظر أطول باع، بأدلة ذات إقناع وحجج تملأ القلوب والأسماع، وتغني عند المحاضرة ما لا تغني المشرفية عند القراع فكانا مراد الفارين على تباعد الدارين.
ما عليه أهل وارجلان في عهد الشيخ أبي يحيى
ذكروا أن أبا يحيى زكرياء بن أبي بكر توجه ذات سنة إلى وارجلان زائرا، ثم رجع فمر بجماعة من أصحابه بقنطرار، فسألوه عن أحوال أهل وارجلان وكان ذا فطنة وبصيرة، فقال: أما أنا ذهب بصري فلا أرى شيئا، ولا رأيت أحدا، وأما وارجلان خلت فما بها أحد.
وحكي أن أهل وارجلان قالوا له حين وصل إليهم: أقم عندنا (2/252)
صفحة 483
قليلا نتآنس بك، فقال لهم: قالوا أقم عندنا قليلا يمت قلبك، وذلك لما اطلع عليه من سوء طريقتهم، ورداءة أحوالهم (1).
وذكر غير واحد من تلامذة أبي الربيع سليمان بن يخلف قال: أردنا الطلوع إلى جبل دمر لدراسة الكتب، ونحن جماعة نقرأ بتمولسة، فلم يوافق ذلك أبا الربيع ولا أبا يحيى زكرياء فمضينا على ذلك فشيعنا أبو يحيى فقال: اعلموا أن سوء الرأي إنما يخرج منه من دخل فيه بالرجوع عنه، لا بالتمادي عليه، وقال لهم أيضا: أنكم إن مضيتم إلى أهليكم على هذه الحالة كنتم كمن تعمد إماتة الدين، وهذا تحريض وترغيب في طلب العلم.
وكان كثيرا ما يوصيهم فيقول لهم: إياكم والتسارع إلى قبول صنائع الناس وهداياهم فإنه قيل كن عبدا لله ولا تكن عبدا للناس، وأنشد في ذلك:
ولست وان قربت يوما ببائع لديني و اخلاقي، رجاء التقرب
ويعتاده قوم القوم تجارة و يمنعني من ذاك ديني ومنصبى
وكما قيل: اترك الطمع يتركك الفقر، واحمل نفسك على مالك يحملك وارض بقليل من الرزق يرض الله عليك بقليل من العمل.
وكتب أبو زكرياء إلى أبي نوح محمد في مسئلتين: إحداهما خلغ الفضول هل ينعقد؟ وذلك مثل رجل يقول (2/253)
صفحة 484
احكام شرعية في الخلع والتصرف في مجال الابن والزوجة
للآخر قد رددت ل ما لامرأته عليك على وجه الطلاق، فيقول: قد قبلت فيبلغ ذلك المرأة فترضاه، فأجابه بان ليس في ذلك شيء، ولو أجازته ألانه تقدم بغير أمر، والثانية الوالد والولد والزوج والزوجة هل يجوز لكل واحد منهما حوز مال الآخر أم لا؟ فأجاب بأنه يجوز ذلك للأب والزوجة ولا يجوز ذلك للابن والبعل ألانهما خديمان وقيل فيهما غير ذلك، قلت أما المسئلة الأولى فعلى اصل قول أبى الشعثاء -رحمه الله- لا ينعقد الطلاق لذلك على كل حال، ألانه عنده فسخ نكاح، وأما على قول أبى عبيدة فتخرج المسئله على انه أن قال له تركت لك صداق امرأتك على أن يطلقها، فيقول قبلت، فتجيز المرأة الترك ويقبل الخروج من العصمة فهذا ينعقد، وألا فتحتمل الخلاف. وأما الثانية فان الابن إذا كان في حجر أبيه جاز له، وان كان غير محجور فله من مال أبيه النفقة والكسوة والمؤن، وفي مذهبنا العتق في الظهار، وليس له التصرف في غير ذلك، وللمرأة في مال بعلها ما لمثلها على مثله فقط.
ينبغي للإنسان أن يتزوج كفاه
وشاور رجل أبا يحيى زكرياء في التزوج، وأي امرأة يتزوجها؟ فقال: إذا جئت إلى شجرة فأي ثمارها أيسر عندك؟ ما مددت إليه يدك نحو فمك، أم ما أشرف إليه عنقك، أم ما طأطأت إليه رأسك؟ فقال: بل ما مددت إليه يدي، وما كان أمامي فلم أحتج فيه إلى مد يدي إلى الأشراف ولا أن أطأطئى إليه رأسي، قال: عليك بقرينتك.
وروى أبو عمرة عن أبي زكرياء بن أبي بكر أنه كان كثيرا ما يردد قول يحيى بن معاد الرازي: للتوبة ثلاثة مقامات، الندم، والاستغفار، والحقيقة، فالندم عند التحول – والشعور- بمرارة المعاصي، والاستغفار طلب (2/254)
صفحة 485
الغفران بصحة الإرادة، والحقيقة الأوبة إلى الله عز وجل فآفة الندم الأمل، وآفة الاستغفار الغفلة، وآفة الحقيقة الشهوة فيستحسن فيعمر به مجالسه.
من ينبغي أن يجالس
وروى أبو عمرو عن أبي يحيى قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: من نجالس بعدك يا روح الله؟ قال: من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله قال أبو زكرياء، مثل أبي يحيى، وقال أبو عمرو مثل أبي زكرياء.
--------------------------------
1 - كان أولى بالشيخ رحمه الله أن يقيم بينهم فترة لينير لهم الطريق خير من الهروب كما فعل من سبقه من المشائخ ولعله رحمه الله أدرى بالأحوال فرأى ذلك أسلم
مصالة بن يحيى وفلفول بن يحيى
ومنهم مصالة بن يحيى، وفلفول بن يحيى -رحمهما الله- لكل واحد من هذين الشيخين مآثر، وفضائل مخلدة في بطون الدفاتر ينقلها عن الأوائل الأواخر، معدودين في أهل العلم والديانة والبصائر.
وكان الشيخ عظيم الثقة في الله تعالى
ذكروا أن مصالة بن يحيى كان كثير الثقة بالله عز وجل، وكان يقول: إنما استدللنا على أن الله عز وجل قد استجاب دعاءنا الذي ندعوه به في أمر الآخرة بما شاهدناه من إجابة فيما نسأله في الدنيا.
وذكروا أن مصالة بن يحيى أوصى داود بن أبي يوسف فقال: إذا عمل أهل وارجلان عملا مما لا تعلم فاحمل نفسك على أنك لا تعلم، وإن كان مما تعلم أنه سوء عمل فاحمل نفسك على الكتمان، ودع عنك الاختلاف وقد حكاه آخر عن أبي عبدالله، وقال أبو نوح كان مصالة إذا سئل بماذا تصلي هذه الفضيلة أو هذه النافلة من القرآن؟ يقول: القرآن كله قدح عسل فما والاك منه وجدت عسلا. (2/255)
صفحة 486
احتفاؤه بالتلامذة
وعن جماعة من تلامذة أبي الربيع سليمان بن يخلف قال: لما انفصلنا عن " تمولست" وتوجهنا إلى بلادنا جزنا على ناحية أريغ، فسلكنا من "وغلانة" ومررنا بفلفول بن يحيى فأكرم مثوانا، وأحسن نزلنا، وكان يقول مع ذلك معتذرا قريتنا صغيرة، ودراهمنا قليلة، ويتمثل بالبيتين:
أرى نفسى تتوق الى المعالي
ويقصر دون مبلغهن مالي
فلا نفسى تساعدني ببخل
ولا مالى يبلغني المعالي
وأقبل تلك الليلة على مؤانستنا وإفادتنا بغرائب الأخبار والسير، حتى كاد الفجر يطلع، فمما حفظناه تلك الليلة أرجوزة في الوعظ أوردها علينا وهي قول الراجز:
اذا رأيت صلعا في الهامة
وجذبا بعد انتصاب القامة
وصار شعر الرأس كالثغامة
فأيس من الصحة والسلامة
وعد الى التوبة والندامة
فقد عليك قامت القيامة
وقال: لما مات أبو عبدالله محمد بن بكر قلت للمشائخ " اقتفوا بنا آثاره مادامت جديدة غير مندرسة، قالوا مهلا عليك، فساعدتهم حتى عفا الأثر، ودرست السير. ولما انفصلنا شيعنا فقال له أحدنا: ارجع، فقال آه، لا يقال (2/256)
صفحة 487
كذلك إنما يقال انظر في الرجوع ولم يزد بعد هذا خطوة، لأنه قال: إنه ما جوز ما لم يقل له ارجع، وكان هذا الشيخ شديدا في الأمر والنهي والذب عن دين الله، فروي أنه حين احتضر كان يتمثل بقول عمران بن حطان --رحمه الله- -:
حتى متى لا أرى علا اسر به ولا أرى لدعاة الخـ ير اعوانا
فتح عليه بالقسم الأخير، وعجز عن الأول، فطفق يسأل من حضر كيف القسم الأول من هذا البيت؟ فكان هذا من آخر كلامه -رحمه الله-.
أبو موسى عيسى بن يرصوكسن
ومنهم أبو موسى عيسى بن يرصوكسن --رحمه الله- - الشريف منسبا، الطيب مكسبا، الرفيع مطلبا، الهاشمي العربي، وابن عم النبي، نماه عبد المطلب والعباس، فانتمى إلى أشرف بناء قائم على أثبت أساس، الدين حليته والحياء والكرم جبلته، والسخاء سجيته، وهو ممن يتعلم منه الورع والعلم، وممن يطعم ولا يطعم.
الشيخ أحيى مواتا وعمره فظهرت فيه البركة
فروي أن عيسى بن يرصوكسن شاور أبا يعقوب يوسف المعروف بالطرفي في نزوله المنزل المعروف " بتلاعيسى" المنسوب إليه، فأخبره بحال البلد، فدله على ذلك وشكره له، إلا إنه قال: إذا توطنت هذا الموضع فلا تمش راجلا ولا تشرب ماءه إلا ممزوجا ولا تشربه صرفا، واستخدم ولا تخدم بنفسك، وكن للناس كالسمار مع الماء إن علاه الماء خضع، وإنا علا الماء سطع، فبلغ في هذا المنزل مبلغا عظيما هو وبنوه من بعده، يحيى وداود، وعبدالله بن (2/257)
صفحة 488
يحيى، وانضم إليه الناس وسكنوها معهم وغرس بها الشيخ عيسى الأشجار من النخيل، وصار في النخيل ودايا كثيرة، وكان إذا قلع الودايا الراكبات في الأمهات يسلخها ويرفع جمارها إلى "باماوط" مع لحم ما يصيده من الوحش والظباء والأرانب والظلمان، والبيض، والحبارى وغير ذلك، فيهدي ذلك إلى المشائخ العزابة فيأكلون اللحم والجمار فكان يتبرك بذلك فبارك له ربه في كل ما يحاوله، وسعى في إصلاح فساد المفسدين من بني وليل حتى أصلح الله فسادهم، فاستقامت عمارة هذا الموضع واشتهرت بركته وعمره جماعة معه من المشائخ، وانضافوا إليه ومنهم من ضرب في العقار بسهم وإن لم يستوطن المنزل، والجماعة المذكورة هم: أبو عبدالله بن بكر، ومحمد بن الخير، وماكسن بن الخير، ومعاد بن علي، وعبد السلام بن أبي وزجوف، وأن آثارهم بها إلى اليوم معروفة.
خبر خيل الميروقي عندما وصلت الموضع
ولقد حدثني رجل ينتمي إلى "لمتونة" يعرف بابن القابلة، ورد توزر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، قال"وكنت في خيل يحيى بن اسحق الميروقي (1) متوجها بعسكره من أريغ إلى وارجلان، أو قال من وارجلان إلى أريغ، فنزل "تلاعيسى"، وأراد الأجناد والأعراب أن يطلقوا خيلهم في الزرع فأنذرهم بعض من معهم ممن عرف قديما حال الموضع وأهله، وحذرهم، فقال: هذا موضع منسوب إلى رجال عزابة، صلحاء مساكين، يتقى عقوقهم فإياكم وإياهم، فمن الجند من تنحى ومنهم من توقف، فقال لهم عمران كاتب الميروقي: " أبكلام هذا السخيف أمنع فرسي هذا الخصب، قال لهم: فليدعوا على (2/258)
صفحة 489
فرسي، وأطلقهما في الزرع ترعى واقتدى به غيره في هذا الضلال، والاستخفاف بقدر أولياء الله، قال: وكانت فرس عمران تسوى أربعمائة دينار، قال: فوالله ما رفع من هناك إلا رستها وسرجها وإنها السابقة سبعة وعشرين فرسا للمستخفين من الأعراب، والأجناد، كلها صرعى هلكى عبرة لاولى الأبصار.
ويروى أن جماعة من دعار بني وليل بلغهم أن الشيخ عيسى عزم على المسير إلى أريغ، فهموا بقتله، ورصدوه، فركب بغلته وصرف وجهها إلى ناحية أريغ فشمست وامتنعت عن المشي، فضربها فتولت وذبحت برأسها فلما رأى ذلك استخار الله تعالى في الرجوع، فلما رجع إلى أهله شعر بمكر أعداء الله فقال: قد وقفت عند كل ما أوصاني به الشيخ أبو يعقوب إلا الخدمة فإني لم أجد بدا من الخدمة بنفسي، يريد لو لا سبب ركوبي ما نجوت من مكر أعداء الله.
---------------------------------
1 - هكذا أثبتت نسبته النسخ المعتمدة.
إسماعيل بن يدير
ومنهم إسماعيل بن يدير -رحمه الله- لم يتأخر عن تلك الطبقة ولا فاته أحد من تلك الحلبة ولا سبقه، بل هو معدود في المبرزين، نقي من درن إعجاز المعجزين، وإذا عد الحفاظ كان أولهم تحصيلا، أو سمى المجتهدون فهو الذي لا يفتر بكرة وأصيلا.
ديوان العزابة والذين تعاونوا على تأليفه
ذكر غير واحد من المشائخ أن جميع الطلبة العزابة لما اجتمعوا على تأليف كتاب في المذهب، يسهل على المبتدئين حفظه وجعلوه خمسة وعشرين جزاءا، انفرد الشيخ إسماعيل بكتاب الصلاة، فجاء فيما نحوه أحسنهم تأليفا، (2/259)
صفحة 490
وجاء تأليفه أحسن من تلك التواليف رتبة، وأكثرها فائدة وقيل بل جمع إسماعيل كتاب الصلاة كما ذكر، وجمع أبو العباس بن بكر كتاب الحيض، وجمع يخلفتن بن أيوب كتاب النكاح، وجمع محمد بن صالح كتاب "الوصايا" ولما مات أبو سليمان داود بن أبي يوسف اجتمع تلامذته على تأليف الكتابين المنسوبين إليه، وليس هو مؤلفهما وقال أبو العباس: وأما الذين ألفوا كتاب العزابة فهم ثمانية شيوخ عزابة طلبة مخلصون، منهم من نفوسة: امسنات يخلفتن بن أيوب، ومحمد بن صالح و ومن قنطرار: يوسف بن موسى. ومن أريغ عبد السلام بن أبي سلام، وجابر بن حمو، وإبراهيم بن أبي إبراهيم، وعرضت هذه الأجزاء على أبي العباس وأبي الربيع ماكسن، وقال أبو الربيع لا يطعن في هذا التأليف إلا شيطان، ولست أدري هل الأجزاء المتقدمة الذكر داخلة في تكميل الخمسة والعشرين أم زائدة عليها. (2/260)
صفحة 491
. الطبقة الحادية عشرة 500 هـ 550: 1 - عبد الرحمن بن معلى
منهم عبد الرحمن بن معلى --رحمه الله- - ورضي عنه- ذو المقامات الكريمة، والكرامات العظمية أول من أسس بمسجد تقورت الحلقة وأنهج طرقها، وأحكم عقودها وأوثقها، وقيدها ووقتها، وحجر على تلامذته أزقتها، وقسط موازينها، وحقق قوانينها، فتخلق كلهم بحميد هذه الأخلاق وتيممها طلاب الخير من جميع الآفاق، يشاهدون البراهين والعبر، يشهدون المنافع الكبيرة، ويأخذون السنن عن الثقاة والسير، ويصدقون المخبر والخبر، فلا يكلفهم بمحمل العلوم، حتى يتجاوزوا هذا المقام المعلوم.
رؤى الشيخ وبشارته بالجنة
حدث أبو الربيع عن شيوخ عدة أن الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- لما حانت وفاته وبشر بلقاء الله وتحقق قربه استدعى إخوانه، وتلامذته، فاجتمعوا عنده في جمع كبير فاعلموا أنه يروم سفرا، فأراد توديعهم وأن يوصيهم، قال: فحضروا بقلوب كليه غير كليلة، وكآبة كثيرة غير قليلة، فقال لهم: أوصيكم بتقوى الله، وملازمة ما انتم عليه، وإن لا تبدلوا ولا تغيروا فإنكم والله على (2/261)
صفحة 492
طريقة الهدى، فإن أهل هذا الطريق لمفلحون واسمعوا أحداثكم ما رأيته البارحة، رأيت كأن القيامة قد قامت والناس من قبورهم ينتشرون، وإلى ربهم يحشرون، فانتشرت من قبري، فرأيت جمعا كبيرا نظر الوجوه بيض الثياب باهر حسنهم، وجمالهم، صالحة شؤونهم وأحوالهم قد انتشرت من مقبرة بتجديت، فقلت من هؤلاء؟ فقيل لي: هؤلاء العزابة الوهبية، فوهب الله لي جناحين فطرت بهما، حتى اتصلت بهم فكنت أحدهم، فبشرت بالخير، ثم نظرت إلى ناحية أخرى فرأيت أناسا كالجذوع المحروقة، فقلت من هؤلاء؟ فقيل لي: هؤلاء الأعراب، وبنو ((تاكسنيت))، ولقد رأيت في الجمع الاول رجالا اعرفهم بأعينهم، من جباة بني سيتتن، فقلت لهم بم فارقتم أهل الشقاوة؟ فقالوا بمخالطة أهل الدعوة، فإذا كان بملازمة أولئك فما ظنك بالمجتهدين، وبأهل الفضل والدين؟ ثم قال: ومصداق كل ما قلت لكم: أني إذا مت وغسلتموني وأردتم تكفيني فان طراز الكفن يجئ على عاتقي فتريدون تحويله، فتحولوه ثلاث مرات فيجئ على عاتقي، فتبقونه حينئذ على حاله، ثم إذا حملتم جنازتي وخرجتم تبعتكم عشر حمامات بيض تتبع النعش، حتى تضعوني في المصلى لتصلوا علي فإنكم تصطفون فتكون الحمامات صفا من ورائكم، فإذا هممتم بتقديم من يؤم بكم في الصلاة علي فإن جماعة من صلحاء أهل قرى قبلة اريغ سيقدمون برسم زيارتي فيعلمون بموتي وخروج جنازتي، فيخرجون ليصلوا على فيرونكم في أهبة من تقدمون فيقولون لكم من بعيد: رويدا؛ لا تعجلوا، فتنتظرونهم، فإذا وصلوكم كان الذي يؤم بكم أحد (2/262)
صفحة 493
القادمين وهو لي من أولياء الله، فساءهم وانالهم من الجزع عليه كلما حدثهم، حتى إذا كان عند التكفين كان ما أعلمهم به فتذكروه، ثم كان من شأن الحمام والزائرين ما أعلمهم به، فلما وصلوا قدم الجماعة أبا عبدالله محمد بن الخير، فهو الولي وإنه لذلك لحري، قلت لعل المذكورين من الجباة من لا يتقلد التباعات، وكذلك فيما بلغنا كانت تلك الجماعات، وأن الجباة إذ ذاك محسنون عدول في الجهات.
2 - أبو إسماعيل أيوب بن إسماعيل
ومنهم أبو إسماعيل أيوب بن إسماعيل -رحمه الله-. بحر تتقاذف في غواربه السفن، وبدر يقتدي به من بحر تتقدى به من اقتفى من المقتفين، إن سئل في العلم أجاب فاقنع، وإن استسيل غيث سمائه في سماحة صاحب فأوسع، وإن استقسي فيهما معا أروى فانفع، وملأ الآذان والأيدي، بالافادتين وانزع، وهو ممن وقف على علاماته وشوهد عجائب كراماته شيخ شيوخ أكثرهم ساد، وقل ما روى من تلامذته إلا من استفاد.
الخبر عن دار الطلبة والضيوف
حدث جدي يخلف بن يخلف التميجارى -رحمه الله- قال: كان شيخنا أبو سليمان أيوب بن إسماعيل كثير الأبرار لتلامذته، وكانت له داران بوارجلان متقابلتان، يفصل بينهما طريق، وفوق الطريق ساباط وصل بين الدارين من علو، فإحدى الدارين دار سكناه والأخرى مطلقة للتلامذة، والاضياف فما كان في دار سكناه من تحف وضيافة يتحف بها تلامذته، أو يكرم بها أضيافه فأتينا يوما بجماعة من تلامذته إلى الدار التي أبيح لنا فيها (2/263)
صفحة 494
التصرف فوجدنا بابها مغلوقا، فقرعناه فلم يجبنا أحد؛ فوقفنا فإذا الباب مفتوح فدخلنا فلم نجد أحدا فعجبنا لكلا الأمرين فإنا لكذلك إذ نزل الشيخ من جهة الساباط فصادفنا عند دخولنا الدار، فقال: من أين دخلتم؟ وأنا أغلقت الباب فقلنا: أو لست فتحته أو أمرت من فتحه؟ قال: لا ولكني أعلم أن في الدار من فتحه لكم ممن لا ترونه، وإلا فليس في الدار غير الهرة التي ترونها، وكنا شاهدنا آيات ذلك مرارا، فمنها أن أحد عمار دارهم إليهم نشير وعنهم يكني، وإنا لا نراهم أنثى ذات ولد، كان يخاطبها وتجاوبه إعلانا وكان يوما من الأيام ملازما للدعاء وكان الزوار يدخلون مثنى وفرادى لا يعرضهم مكروه، حتى دخل شخص غريب لا رفق معه، فلما دخل صرخ ورأيناه في اسوأ حال، فقال الشيخ: مالك ولهذا الشيخ المسكين الضعيف؟ فسمعنا صوتا مجاوبا له يقول: إنه ظلمني، كنت عند عضادة الباب وابني في حجري، فكل من دخل استأذن وبسمل فأنحي ابني عن الطريق، فلا يؤذيني أحد ولا ولدى، حتى دخل هذا الجافي فلم يستأذن ولم يبسمل حتى ركض ابني برجله، فآلمه، فجازيته على ذلك بمثله، فقال لها: ومع ذلك كله غريب مسكين قليل الحيلة قليل القدرة فأزيلي عنه ما أصابه منك، قال سمعا لك وطاعة يا شيخ، فذهب في الحال ما كان من سوء الحال، ومثل هذا كثير.
وكان والدي -رحمه الله- متألما ذات يوم لعلة كانت تعتاده فحاولت ما أسلى به نفسه، واريح به ألمه فناولت تعليقة فيها شعر الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي -رحمه الله- فصادفت القصيدة البائية فجعلت أسرد أبياتها (2/264)
صفحة 495
بحيث يسمع فأصغي إلي سمعه وسلا ما كان به، فقال: أعلم أن هذه القصيدة قالها أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم يرثى بها شيخه أبا سليمان أيوب إبن إسماعيل، ثم قال: وأن فيه الدلالة على صحة خبر كنت سمعته في صغري من أبى -رحمه الله- فقلت وما هو قال: كان أبي في زمان شبيبته مهاجرا بوارجلان يقرأ على شيخه أبي سليمان أيوب بن إسماعيل حتى قضى حاجته من الطلب فانفصل فجاء إلى قسطيلية فأقام بموضعه بكنومة ما شاء الله، فبلغه موت عم له كان مهاجرا بوارجلان قاطنا بها بتماواط وليس له وارث سواه، قال أبى فسافرت إلى وارجلان سفرة ثانية طالب ورث لا طالب علم، فلما وصلتها سألت عن شيخنا أبي سليمان لأزوره، فأخبرت بان الله قد ابتلاه في جسده ببعض ما ابتلى به أولياءه فعم جسده الجذام، ولازمه اشد لزام ولازم المضجع لا حركة له، فجئت عجلان ولهان، فلما دخلت عليه نظر إلي وعرفني فتقدمت إليه لاسلم عليه، فخاطبني خطاب محذر أن أعافه واتقذره، فقال إليك إليك يا سليمان يا ولدى، فليس في حالي ما تدنو منه، فقلت: حاشا لله أن أتقذرك يا شيخنا، وسقطت منكبا عليه أعانقه واقبله وأبكي حتى شفيت بعض هيامي، قال سعيد: ما علمت أن أبي حكاها قط إلا بكى وأبكى، ولا علمت إني حكيتها قط إلا بكيت وأبكيت، قال سليمان: وأقمت مدة إقامتي بها لا افتر عن الدخول عليه حتى اقتضيت ما كان لي من حق، فلما أردت السفر قافلا وودعت الشيخ وزودني بالدعاء وعموم البركة فانفصلت وقد بشرني بأن سيخلصني الله من شدة عظيمة (2/265)
صفحة 496
فلما صرنا من وارجلان واريغ وكنا في رفقة كبيرة فيها أموال جليلة ومعي مال صالح، مما خف وثقل فاغرات علينا خيل كثيرة، وقد نسيا أحمد من أي العرب هي، قال: فبادرت
ودفنت كل ما معي فعلمته بحربة كنت دفنت عودها وتركت السن بارزا ليكن لي علامة، وكانت الحربة صقلية واستباح الأعراب جميع ما في الرفقة من قليل وكثير وجليل وحقير، واسروا الرجال، فلطف الله تعالى به وعجل فرجه قال فآمنوني ولم يعرضني أحد منهم بمكروه، وصحبتهم كأني أخ لهم، فلما كان من الغد جددوا لي الأمان في نفسي ومالي فاستأجرت أحدهم وصحبني إلى الموضع الذي دفنت فيه ما كان معي فرأيت سنان الحربة من بعيد، فمشيت إليه واستخرجت كل ما دفنت فحملته وحلمت الأجير والمتاع، وجئنا حتى وصلنا، والعجب للحربة إذ لم يرها أحد من العرب بالأمس، وهي ظاهرة تلمع، وقدمت إلى أهلي سالما من جميع الآفاق، وما ذلك إلا بفضل الله وبركة الشيخ -رحمه الله-.
والقصيدة هي هذه:
ايوب ما ايوب لا ايوب
أودى به قدر الردى المجلوب
فتلوثت أيامه وتصر مت
حينا عليه، وللردى تعقيب
علقته اشراك الردى من بعدما
اوفى على مائة، وجاب الجوب
ما خط في المكتوب لا يخطئ الفتى،
وكذا الفتى لم يخطئه المكتوب
462 (2/266)
صفحة 497
حكمت عليه يد المنية حكمها
قبل الممات، ولوحته خطوب
لت
سدکت به امراضه و تنح أوصاله، لم يشف منه طبيـ
دب البلاء بجسمه بعد البلى، فله به طول الحياة دبيـ
ذهبت بشاشته، وشرة مابه، وعلاه من بعد الشحوب شحوب
وتغيرت منه المحاسن كلها
فتؤوب حينا، ثم بعد تلوب
حتى تخيل كالخيال خياله
بع
ــد النضارة والرداء قشيب
فانسل منه الروح عند وفاته بابي وامي الطاه
،
المسلوب
بل مات سبع سنين قبل مماته لم يبق الا الروح والتركيب
وليلة في كل ما يوم يمر
ابدا يقلب ظهره التقليب
ضاه النبيء سميه في دأبه اذ البلايا بجانبيه تذوب فلذا عدا الدهر الملوم بصرفه فكذاك كان سميه اي (2/267)
صفحة 498
قد كان ذكرى للعباد ورحمة للعالمين، وانه لمنيـ
فلئن اتي أيوب يطلب أجره يوم القيامة والاله مثيـ
واتي امام الصابرين يقودهم فلانت انت الصابر المنكوب
الحصور سيدا، ولئن أتى يحيى
6
لهو الحصور السيد المحبوب
ولئن أتى عيسى بن مريم
زاهدا
لعلى هداه، وهديه المحبوب
ولئن أتى يعقوب يحتسب ابنه اذ غاب عنه وانحنى يعقوب
ملكان هذا كان اعظم رثوة من مشكلات جلهن رقوب
بكت السماوات العلا ونجومها حزنا عليه، والفلا والروب
واستوحشت منه المساجد كلها لما خلت منه، وحن النيب
واستشعر التقوى شعارا خالصا فدثاره الترغيب والترهيب
الف التقى فاعتاده حباله وجفا الذنوب، وقد جفته ذنوب
464
i (2/268)
صفحة 499
سبق الخلائق كالجواد بشدة لما استوى عتقا به الا لهوب (1)
بد السوابق كلها متهللا كيف السؤال اذا احتمى اليعبوب
فضلت فضائله الفضائل كلها، واها الجسم لم تشنه
رجل أتاه اللـ
بسطة ربي
في العلم، والجسم الكريم لبيب
لله عبد خالص
(
متخشع
متهلل، متهييء، متعـ
عبد دعاه الاهه فاجابه لما تيقن انه مر بـ
منحته ابصار العباد محبة لما رأته، والوداد قلوب
طاب الثناء به، فطاب رثاوه والمدح والتبيين، والتقريب
اضحى اسير الله في ايامه في العالمين، وحاله مغلوب
والعقل اوفر ما يكون، وانه كالشمس نور ثاقب مثقوب
وجه اغر، وشيمة وجلالة من نور رب العرش، وهو مهيب
(1) الالهوب اسم من الهب الفرس اجتهد في الجرى والعدو
465 (2/269)
صفحة 500
يا غائبا ما تنقضي حسراتنا ابدا عليه، ولات حين يتوب
يا غائبا سكن الثرى في حفرة تعلو الصفائح قبره والطوب
ان غبت عن ابصارنا وسماعنا لم تحتجبك عن القلوب غيوب
قد كان أن لك الجواب لسائل
يدعو، ويسئل كيف كنت تجيب؟
ما كان ضرك لو اجبت نداءه ان الحشاض ضرم، وانت قريب
فلئن رحلت وغبت عنا ميتا للحزن في الدنيا علي رقيب
ولقد رأيت الخلق يوم مصابه والنعش بعد لقاهم مركوب
بهم
حيرا سكاري، هائمين لما زمرا، حيارى، مردهم والشيب
تبكي لصرعته الفواني نوادبا عون النساء، وغادة رعبوب
في مأتم حور المدامع قرح، كادت تمزق اثوب وجيوب
واذا انتحبن تفرقت اكبادنا وتصدعت منه القلوب الهيب
466 (2/270)
صفحة 501
خطب اجل، وعبرة مسفوحة، مهراقة، ان الخطوب
وعلا النحيب على رؤوس العالمي ن الحاضرين وأين منه نحيب!!
وترى العيون من الدموع كانها ديم السماء تهمى الحيا وتصوب
واذا دعون ترنما وتفجعا واعمهن تهتك المحجوب!
واذا تراجعن البكاء تفطرت منها النفوس، وللقلوب وجيب
يا
مات ولم امت كمداله يوم اعظم به حزنا علي نديب
يا رجة للعالمين لفق قدهم علم الهدى، وتعذر الاسلوب
عمدوا الى جبل ظليل ظله سكنوا ذراه، ورأسه لشحوب
جعلوه تحت الارض ثم تنعموا
يا للخلائق، ان ذا لعجيب!
لهفي على الظل الذي ضمنته بطن الثرى، والمسترادر
جادت به الدنيا وثم بدالها سلبته، ان السالب المسلوب
467 (2/271)
صفحة 502
نسيت مناقبه التي سلبت له والباقيات الصالحات الطي
فالدين يبكي شجوه من فقده بحلاله وحرامه منسـ
فكان مجلسه مساجد اسست سكنا على تقوى، ولا تصخيب
يعلوهم فيه الوقار تخشعا ان الطيور على الرؤوس رقيب
لم يشنأوا فيه بغيبة غائب سفها، ولا نبز، ولا تقليب
طوبى له، عمرا طويلا خالصا في طاعة الرحمن، وهو اديب
من للصلاة بجوف ليل مظلم والليل اسود حالك وغريب؟
او للصيام اذا تطاول يومه وامتد طرفاه وهاج لهيب؟
أو لليتامى والارامل بده وتواترت في العالمين حروب
أو للامور اذا تفاقم هولها، أهل النهي والرأي بعد غريب
وتفاقم الخطب العظيم لفقده ولربما هانت عليه خط
؟
468 (2/272)
صفحة 503
في المعظلات تلاحكت وتلابكت (1) واستعجمت، واستبهم المطلـ
أو للجموع اذا اتت وتباينت وعلا الكلام، فجفجف الخطيب
وترى الخلائق افحموا، وتهافتوا والناس منهم مخطئ ومصيـ
يكفيك، بل يشفيك مما ترتجي
فهو الخطيب وانه لمنيب
جمعت محاسنه المكارم كلها والمسلمون خلائق وضروب
ما ضرنا ما فاتنا من بعده لم تبق الا روضة وكثيب
ما يعبأ الاعمى بظلمة ليلة أو حال من شمس النهار غروب
فعليه رحمة ربه وسلامه
حتى القيامة والاله وهوب
سبقت به الايام باقي دهرنا فمضى وما ادراك ما ايوب
خلق ابن آدم عرضة لمهالك
ان المنية يومها لعصيب
(1) تلاحكت الحوادث تداخلت والتصق بعبها ببعض، ومثله تلابك الامر أو الشيء اختلط وتلبس
469 (2/273)
صفحة 504
أبو زكرياء يحيى
ومنهم أبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء -رحمه الله- كثير الغضب في الله وعلى دينه شديد الغيرة مستشعر خشية الله عز وجل، لا يخشى غيره، وقف عندما حده المشائخ، واعتقد أن طريقهم لجميع الطرق ناسخ فهو على بصيرة في دين راسخ، قرأ العلوم أتقنها ووضع المشكلات وبينها، ورتب السير وأحكمها، وتعلم العلوم وعلمها.
روى أبو عمرو عن الشيخ أبي زكرياء أنه وجد الشيخين عبدالله بن عيسى، ويوسف بن موسى متصارمين، فسعى بينهما حتى أزال ما وجد بينهما من وحشة، وما كان له علم بسبب ذلك ما هو فقال له يوسف: أما ترى يا أخي ما نالني منه من العقوق وأنا أقرأ في جزء من كتاب "الأشراف على مسائل الخلاف؟ " فتوجه إلى "تونين" فاجتمع بالمشائخ فأعلمهم بما رأى فبعثوا إلي بالهجران، فأسرعت في اللحاق بهم فلاموني ثم قبلوا توبتي فسعى في طيب نفس كل واحد منهما على الآخر حتى طابت نفوسهم وله في الأدب نبذ تذكر في مواضعها إن شاء الله.
أبو محمد عبدالله اللواتي
ومنهم أبو محمد عبدالله بن محمد اللواتي -رحمه الله- هو عبدالله بن محمد بن ناصر بن ميال بن يوسف وزير الإمام أفلح -رضي الله عنه- وتربته القديمة "بمرقة (1) " فيما ذكروه، نجيب النجباء وإمام الأدباء، المعتني بحفظ الأخبار وتقييد سير الأخيار، درس العلوم زمانا وصحب الأشياخ ضروبا وألوانا، حتى غدا وافر البضاعة في كل
__________
(1) / في نسخه برقه. (2/274)
صفحة 505
الفنون، مقلدا في كل مفروض ومسنون مميزا في مكيل ومذروع وموزون، قرأ عليه جماعة من التلامذة فنجبوا، وطلبوا ففازوا بما طلبوا.
إننا جعلنا الله أحرارا لنملك أمر نفوسنا
ذكر أبو الربيع أن أبا محمد عبدالله قدم إلى أريغ سنة خمسين وأربعمائة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان في حلقة الشيخ يزيد ين يخلف الزواغي وله لوح طويل فلما وصلوا إلى "أجلو" خرج إليهم الشيخ "ماكسن" فصافح العزابة ورجع إلى أهله فلحقته خارجا، فقلت له: يا شيخ إن العزابة قد اتفقوا أن لا يفترقوا فهل يجوز لي أن أفارقهم إن رأيت في مفارقتهم مصلحة؟ فقال لي: إنما جعلنا الله أحراراً لنملك أمرنا فصحبته فكان هذا أمره مع أبي محمد ماكسن.
سفر الشيخ إلى القلعة بحثا عن تفسير الإمام عبد الرحمن
وذكروا أن سبب سفر أبي محمد إلى القعلة، فكان مما عرفه به مدوار أن قال له: تركت كتابا في تفسير القرآن من تآليف الإمام عبد الرحمن ينادى عليه بالبيع في سوق القلعة، فسافر وليس له هم ولا أرب غير الكتاب المذكور، واستبضع شيئا من الشب يظهر أنه تاجر، وغرضه أن نستتر به فيما اعتمده، وكان وصوله إليها في فصل الخريف فلما وصلها جعل يسأل عن الكتاب في خفاء برفق وسياسة، فبينما هو يسأل ذات يوم لقي رجلا نكاريا يدعى علم مسائل الفروع، فسأله عن الكتاب المذكور فقال له: متأسفا على فواته، قد بيع قبل قدومك، قال أبو محمد: وكان في القلعة حينئذ رجل من أهلها يعرف "بمحمد بن عصمة"، متفقه مدرس عليه حلقة فكنت أحضر مجلسه وأعد من جملة أهل حلقته، فحضرنا عنده ذات يوم فقال لابن له: سمعت بأن أغناما لبني ينجاسن دخلت السوق، وما ضرنا (2/275)
صفحة 506
أن نجتنب الشراء من السوق ثلاثة أيام فإن من العلماء من يقول: إذا دخل السوق ريبة فدع الشراء ثلاثة أيام ثم لا حرج بعدها في شراء، قال أبو محمد: فأعجبني ما قاله، فجلسنا يوما عنده حتى تذاكروا الفقهاء وذكروا أبا حنيفة فقلت: أليس قد قال مالك: أبو حنيفة شيطان قذفه اليم، أبو حنيفة أضل لهذه الأمة من شيطان رجيم؟ وذلك لوجهين أحدهما كونه يقول بالإرجاء، والآخر لنقضه السنن بالرأي فلما قلت لهم ذلك وقعت عليهم وجمة وعلتهم كآبة، ودهشوا فقام إلى رجل منهم وفي لسانة ثقل فقال: ما حملك على ما قلت؟ فقلت له: إني لم أقل من عندي شيئا إنما هو قول قاله مالك، فقال لي: حسبك بالعلماء بينهم كالضرائر، قال أبو محمد: فاشتريت كتبا ووجهتها في رفقة فأصيبت ثم استأنفت النظر في شراء كتب أخرى فبلغ أصحابي أن كتبي التي وجهت قد أصيبت فقالوا لي: ألا تكلم السلطان في حقك لتكون من قبله معونة في الذي تحاوله من تحصيل الكتب فإنه شغل ليس بحقير؟ قلت لهم: لا، بل إن كانت لي حاجة في شيء رجعت إليكم، ثم استعنت بكم، قال ثم اشتريت كتبا أخرى فلقيني
الرجل النكاري فسلم علي فرددت عليه السلام، فلما انصرف قالوا لي: مالك تسلم على مثل هذا؟ فقلت مالكم تسلمون على اليهود وهم مشركون ولا أسلم أنا على رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأفحمتهم، ولم يجدوا جوابا، ورآني رجل منهم في موقف الشب وهو مكان معروف بأهل وارجلان، فقال لي وارجلاني والله! فقلت له: أيحل لك أن تخاطب بهذا رجلا مسلما؟ فقال له أهل سوق ذلك الموضع: بئس ما قلت! وكان ذلك في مدة قتل فيها أهل وارجلان (2/276)
صفحة 507
جماعة من الأشعرية وسمعت رجلا منهم يقول: قال لهم فليخرجوا أو يظهروا أو نقتلهم، فلما رأيت ذلك أسرعت في قضاء حوائجي ثم إن السلطان أخرج عسكرا فخرجت معه، فلما حضرت الصلاة قال لي قائد العسكر: ماذا تصلي يا عبدالله، وقد علمت الذي خرجنا إليه؟ فقلت له اشتغل بنفسك يا إنسان، وسرنا حتى وصلت "وغلانة" سالما، وسمع شيوخ "وغلانة" بما أصابني في الكتب فاجتمعوا وأجمع رأيهم على أن ينظروا في إعانتي بقدر ما أصيب مني ليخلفوه علي – فالله يحسن عونهم، ويخلف عليهم – فلما أحسست بالذي عزموا عليه أردت الخروج في خفية، فخرجت بالهاجرة فلم يشعروا بي إلا وأنا خارج البلد، فوصلت "تنوال" سالما والحمد لله رب العالمين.
فهذا الذي كان منه في مواطن كثيرة من هذه الحكاية من تقية وستر حسن جميل لا كما زعمه الحاسدون ونسبوه إليه، فانه وإياهم كما قال ابن أبي ربيعة شعرا:
حسدا حملنه في حسنها وقديما كان في الناس الحسد
وذلك أنهم زعموا أنه بدل وغير، وطول وقصر، وحاشا فضيلته من ذلك.
قائد لبني حماد يحاصر وغلانه
وذكر أبو الربيع عن أبي محمد أن أبا زعبل الخزري حاصر "وغلانة" فاجتمع هو وأمثاله من المشائخ فدعوا عليه، فسلط الله على جنوده مطرا وابلا هطالا، فأوهنهم وأركسهم حتى أنه لاشيء لأحد منهم قبل منهم بشيء، فتحققوا هذه العبرة، فقال أبو زعبل، أيكون لهذه الخوارج دولة بعد هذا وإن فيها لدلائل استقامة أحوالهم (2/277)
صفحة 508
وأيامهم؟ فقال له وزراؤه: إنما أرسل الله إليهم هذا المطر ليهدم الحيطان ويكسر شوكتهم، حتى ندخل عليهم بغير قتال، فدام المطر أياما فجعله الله على أبي زعبل عذابا واصبا، وجعله لأهل وغلانة خصبا ورفقا وتثبيتا وأذل الله أعداءه وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فلما يئسوا منها ارتحلوا صاغرين داحضين.
على الأب أن يعين ولده على بره
قال أبو الربيع تحدثت مع أبي محمد حتى ذكر أولاده ونظر في أمرهم فهونت عليه وقلت: إنهم ذكران، رجال، فلا يهمك أمرهم فقال: لا تقل هذا القول فإن على الأب أن يعين ولده على إبراره، وقد قال بعض المفسرين في الذين سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، ثم قلت له: كيف حالك وابنك أحمد ويوسف إذا جاءا من المكتب؟ قال كيف حال ولدي العجوز، يعني الدنيا وأنشد:
فمن لم يؤدبه أبوه وامه
تؤدبه روعاته، وزلازله
وقال آخر:
وليس يؤدب الانسان ابنا
كتاديب الدوائر اذ تدور
ووجدته في وقت الهاجرة يكنس غديرا له فقلت ما هذا؟ فانشد:
نروح ونفدو لحاجتنا
وحاجة من عاش لا تنقضي (2/278)
صفحة 509
تموت مع المرء حاجته وتبقى له حاجة ما بقى
وكان كثيرا ما يتمثل اذا اصابه خوف أو مكروه بقول الشاعر:
اذا ما خفت في ارض مضيقا فشد اليعملات الى سواها
فانك واجد ارضا بارض ولست بواجد نفسا سواها
فنفسك فربها ان خفت منها وخل الدار تنعى من بناها
ويتمثل لمن يتعاطى ما لا قبل له بقول الشاعر:
ومستعجل للحرب والسلم حظه فلما استدرات كل عنها محافره
ويتمثل ايضا في الخادعين الخالبين وفيما ينبغي ان يصحب به الزمان واهله بقول الشاعر:
اذا اقتصد الفتى في المال قالوا بخيل لا يهش الى المعالى
وان هو سامح الاقوام جودا فيالك فيه من حسن المقال!!
خداعا يخلبون نداه حتى اذا عروه من نشب ومال
فعادوا بعد تقديس بشتم وصار بعد مذموم الفعال (2/279)
صفحة 510
انا ابن الدهر تجربة وخبرا به، وباهله في كل حال
ارى لك ان تمد يداك قصدا بلا سرف ولا امساك غال
وقال أبو الربيع قعدت أنا وأبو محمد على طريق فمرت بنا امرأة فالتفت إليها، فقال لي: لا يجوز قعود على الصعدات إلا لمن أدى حقها، قلت: وما حقها؟ قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (وما حقه؟ قال: إغاثة الملهوف، وهداية الأعمى، وغض البصر عن المحرمات وإماطة الأذى).
وصية أبي محمد اللواتي لأهل الدعوة
وله كلام وعظ في أثر ما مضى يقول فيه: "ثم إني موصيكم أخواني ونفسي بتقوى الله العظيم في السر والإعلان، وباتباع آثار دعوة المسلمين فإن الاتباع أولى بالهدى من الابتداع، وعليكم بالائتمار لما أمر الله به من طاعته، والانتهاء عما نهى عنه من معصيته، فاقتفوا آثارهم، فان الله أوعد بالنار من خالفهم كما أوعد بها من خالفه وخالف رسوله، إذ قال تبارك وتعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115) فاتقوا الله أخواني واحذروا مخالفة أئمتكم في القليل والجليل، فإنه قيل في المثل: حيثما مال الحمل وقع، واحذروا كثرة مجالسة المخالفين، ففى ذلك أثر مشهور عند المسلمين، كالذي يروى عن أبي نوح وأبي خزر -رضي الله عنهما- وتجنبوا مخالطتهم والميل إليهم، وكثرة مطالعة كتبهم، وحذروا من ذلك سواكم، ألا ترون مسألة (2/280)
صفحة 511
السخط والرضا قد وقعت عند من وقعت من أهل الدعوة من كتاب أحمد بن الحسن الضليل، فرسخت في قلوبهم ودانوا بها فضلوا وأضلوا، وكذلك خبر سليمان بن يعقوب بن الإمام وما تفرس فيه أبوه أنه سيضل بقراءته ديوان ابن الحسين، فضل وقال بمسائل لم يوافقه عليها أحد من الأئمة إلا الشاذ الذي لا يخرج على قوله، حتى برأ منه أبو صالح وكان معه من المباهلة ما هو مشهور، وأحذركم الترك بعد الحج، وعليكم بالحذر من الانهماك في الشر والخلاف بعد الزجر عنه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وغضب منه وقال: (أمنهمكون أنتم فيها بعد ما جئتكم بها بيضاء نقية سمحة سهلة؟) وقد قال الإمام -رضي الله عنه-: بلغنا أنه قد ألقى في ديوان المسلمين ألف مسألة من مسائل الزنادقة فكيف ديوان غيرهم؟ وليس عليكم رحمكم الله إلا الأتباع فإنهم سنوا لكم ما ترشدون به.
ولقد بلغنا عن أبي عبيدة الحميد الجناوني -رحمه الله- أنه قال لأهل الجبل "والله ما تركتكم إلا على الواضحة النيرة، ما بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث رجال لم أرهم، وفي بعض الروايات أن أبا خليل هو المتكلم بهذا الكلام، وقال النفوسي (1): " نحن أصحاب آثار لو سلكوا بنا على جدار لسكناه" فكيف يقول هذا بل قل قد سلكوا بنا على ظبات المرهفات، وسلكناها، فكيف الجدار؟ وبلغنا عن أبي عبدالله بن يزيد الفزاري قال: " إنما غلبنا أصحاب الربيع باتباع الآثار" وقال أبو صالح يعلو: "السبيل محفور إلى الركبة، فلا يؤخذ
__________
(1) / يعني الشيخ أبي عبيدة الجناوني رحمه الله. (2/281)
صفحة 512
منه مخرج إلا بالوثنية" وقد حكى أبو سفيان -رحمه الله- عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال:" قد بينت الأمور، وقامت الحجة، وانقطع العذر، فلا جهل ولا تجاهل في الإسلام" وقد روي عن الإمام أفلح رضى الله عنه أنه قال:"عليكم بدراسة كتب المسلمين لاسيما هذا الكتاب، يعنى كتاب أبي سفيان محبوب -رحمه الله- " فإنا لله وإنا إليه راجعون على موت الصلحاء والأولياء، وذهاب سيرهم وآثارهم، وقد بلغنا عن أبى مسرور -رضى الله عنه- أنه قال: ما أرى رميات الاولين مخطئتكم، ولقد صدق نبينا عليه السلام حيث قال:" بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء في ذلك الزمان قيل ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون أنفسهم عند فساد الناس ويحيون من سنتي ما أماته الناس". وقد قال أبو محمد واسلان بن أبي صالح –رحمه الله-: ما مر قط على هذا الدين شر من هذا الزمان قيل له: ما يئس الناس، بل نحن في جموع وجماعات وحلق وظهور، غير مستخفين ولا خائفين من أحد، لم نكن كالأولين مختفين مكتتمين معتزلين في الجبال والمغارات،.
والبراري والقرى، فقال لهم: هيهات لم ير زمان منذ قام هذا الدين إلا ولهم إمام إما ظهور وإما دفاع، وإما شراء، يقتلون ويقتلون ولا يهابون القتل في ذات الله تعالى، القتل عندهم آثر من الحياة في رغد عيش، ولا يريدون غير إظهار الدين ودعوة الإسلام (ِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: من الآية 44) (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام: من الآية 55) (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ) (لأنفال: من الآية 42) فهل حال أضعف من حال أهل هذا الزمان؟ هذا قوله (2/282)
صفحة 513
-رحمه الله-، فكيف بنا وقد قل العلماء، وكثر الجهال فلا تابع ولا متبوع، إلا من شاء الله.
لا يموت الإسلام حتى يفر عنه أهله ويتدافعون
وقد بلغنا في بعض الأخبار: " أنه لا يذهب الإسلام حتى يتدافعه الناس وكل منه خال، فنعوذ بالله من إماتة مذهب المسلمين ورفض سيرهم.
وقد بلغنا من سليمان بن موسى أنه قال: أثبتوا ثلاثا حرمة الإسلام، والحق، وصلة الرحم، خذوا لأنفسكم اخواني منها واتبعوا لها مجالس الذكر، واختاروا لها الأرشد، ولا تأخذوا بمتروك العلم الذي جفاه المسلمون، فقد قال جماعة من العلماء: "من عمل بمتروك العلم وأخذ به لا يموت حتى يفارق الإسلام، ولا يموت إلا محتاجا" نعوذ بالله من خالفة المسلمين ونبذ سيرهم، وقالوا: لا يذهب الإسلام وتبقى سيره وأعلامه ولكن تذهب سيره وأعلامه ثم يذهب واحذروا غمض الحق وتغميضه، فإن من سفه مقالته المسلمين فقد طعن وأباح دمه، وتسفيه سيرهم وآثارهم كل ذلك طعن في الدين.
روي عن أبي الربيع سليمان بن يخلف -رضى الله عنه-: أنه قلما يقوم من المجلس إلا قال: نعوذ بالله من تهوين رأي المسلمين وتخطئتهم، ومن الترك بعد الاجتهاد ومن الحور بعد الكور، ومن ذم ما يِأتي، ومن تحسين القول وتقبيح الفعل، وقد قال ابن بركة العماني -رضى الله عنه- قلما تعسف أحد مذاهب المسلمين بغير فهم إلا حرم التوفيق، وقال أيضا: أعوذ بالله من مسامحة الآراء، وتقليد الآباء والكبراء، واتباع الأمراء.
وبلغنا عن رجال من أهل هذا الزمان، أنهم قد صاروا إلى ما حذر منه السلف الأولون من التعسف وقلة التعفف، (2/283)
صفحة 514
ولقد بلغنا عن بعض أهل العلم من أصحابنا أنهم قالوا: بقيت فرقة ستخرج من هذا المذهب، نعوذ بالله من سوابق الشقاء، ومما يعوق عن التقى نعوذ بالله من اتباع الهوى المضل ومن قسوة القلب، وجفاء الذكر، وعليكم أخواني بالنظر لأنفسكم مما يخلصها من نار عذابها طويل، ليس لها من آخر، ولا تغرنكم هذه الدار الفانية الغرارة، ولا ترغبوا فيما يفنى، وتذروا ما يبقى فإن الموت من قريب سيفاجئكم، ولا تغفلوا عن الاستعداد لحياة الآخرة فإنكم لم تخلقوا لهذه الفانية، إنما خلقتم للباقية، رحم الله عبدا أخذ من نفسه لرمسه، ومن داره لغاره، ومن مره لحلوه، ومن مرتحله لمنزله، قطنتم فظعنتم، ورجفتم ففجعتم، والدنيا قد أذنت بصرم، وأنذرت بكلم، يا إخواني بيعوا ما يفنى تربحوا ما يبقى فإن الله لا يعذر جاهلا مرتكبا لمعاصيه، وعليكم بأن تعملوا ما يهديكم وينجيكم، إخواني ألم تروا التغيير في الناس فاشيا؟ وقد ذهب الأخيار فزالوا، وبقي الأشرار فاستطالوا، فلا مذكر يذكر، ولا موقظ يوقظ، فاتقوا الله وجدوا، واجتهدوا، وعضوا بالنواجذ على ما أدركتم عليه الأخيار، فإن الدعاة إلى الضلال كثير، واستعينوا بالله، واصبروا، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: من الآية 197) (2) (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: من الآية 195) وقيل أن الكلام لإسماعيل بن صالح -رحمه الله- فالله أعلم.
وذكر أبوعمرو عن أبي محمد عبدالله بن محمد أنه تلقى جماعة عزابة "بايرغت" وقد قدموا من فحص "قسطيلية" فقال: لهم إنما ينبغي أن نلقاكم في "سوف" وإلا ففي "وغلانة" ولكن الزمان غير مساعد، قال رسول (2/284)
صفحة 515
الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال أمتي بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت)، جعل الله مجيئكم مجئ أبي مودود إلى حضرموت، فقام عندهم هذا الكلام أشرف مقام.
أبو محمد عبدالله بن محمد اللنثي
ومنهم أبو محمد عبدالله بن محمد اللنثي -رحمه الله- شيخ المشائخ وأستاذهم، ومن إذا التجأوا فهو ملاذهم منه تقتبس الفوائد، وفي منهله العذب تطيب الموارد، نور هداه يكشف الغماء، وغيث حياته يروي فيشفى الظماء، كثير الانبساط والانقباض، والإقبال والإعراض، إن أحب في الله انبسط وأقبل، وإن أبغض في الله انقبض لا يتأول ولا يتأمل.
حكم من رمى أحدا من أهل الإسلام بالشرك
قال أبو الربيع لما أسن عبد السلام بن أبي وزجون جلس ذات يوم مجلسا يكلم في العقائد، وقد حضر فيه جماعة ممن ينسب إلى النهوض في الفن الذي بسط فيه القول، فقال: إن من رمى أحدا من أهل الإسلام بالشرك فليس على من سمعه أن يشركه، إلا أن يكون المرمي من أهل الولاية، فلما سمع الطلبة كلامه حملوه على الضعف والخرف والكبر، ولم يردوا عليه في مجلسه ذلك بكلمة واحدة، وكان في المجلس عبدالله بن محمد اللنثي وغيره، فأجمعوا بعد قيامهم من المجلس على أن يتكلموا غداً عن المسألة، ويصرحوا بتشريك الرامي، فلما كان الغد جعلوا منهم من سأل عن المسأله فاتفقوا على أن الرامي مشرك، لم يخالف أحد من الطلبة في هذا الجواب، وبلغه ما اتفقوا عليه وفطن أنه تعريض بما جرى أمس (2/285)
صفحة 516
في المجلس، فلما انتهى السؤال إليه أجاب كجواب أمس، فلم يخجلوه أيضا إجلالا لسنه وتعظيما لقدره، قال الشيخ أبو عمرو: إن ادعى التأويل كان الرامي منافقا كالصفرية وإن لم يدع التأويل كان مشركا.
تصرف أهوج يثير فتنه
وكانت لأبي محمد حلقة في تينزارتين ولم يزل به الحلقة قائمة، قد رتبت على الشيخ أبي محمد لا يخشون أحدا ولا يمسهم سوء، حتى جعل الله لخروجها سببا، وسبب ذلك فيما ذكر أبو الربيع فيما ساقه من هذه الحكاية، قال: كان تلامذة، أبي الربيع سليمان بن يخلف من أهل سوف، وأريغ، ووارجلان، وميزاب، وقسطيلية، حلقوا على أبي محمد في تين زراتين، وكانت الفتنة حينئذ بين بني " تاكسينت: وهبيتهم، ومالكيتهم، والوهبيه منهم قبيلة يقال لها " بنو يرويتن" والمالكية من عداهم من قبائل بني تاكسينت، فكانت بينهم الفتنة، والعزابة منها في أمان لا يخافون مكروها ولا يسمعونه، فقدر بأن حضر بنو يريتن فرقى على السور رجل جاهل ممن شملته الحلقة، يقال له: توزين من أهل قنطرار، فقال لأهل العسكر: أنصتوا واسكتوا. فقال لهم: فلان وفلان وفلان حتى عد جماعة من أئمتهم عليهم اللعنة ولهم سوء الدار، فلما سمعوا ذلك منه تركوا القتال، واستدعوا شيخا لهم، يقال له: مظهر بن نفاط، فأخبروه الخبر، فقال أسمعتم ذلك حقا؟ قالوا: نعم، فقال لهم: احرقوا، واسبوا، واقتلوا، فلما سمع العزابة ذلك خرجوا ليلا وتفرقوا إلى اليوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. (2/286)
صفحة 517
أبو عمرو عثمان بن خليفة
ومنهم أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي -رحمه الله- هو في أهل المذهب أحد الاعلام، الكاشف بحسن بيانه ونور منطق لسانه دياجى الظلام، المفتي في العلوم لا سيما علم الكلام، المجاحش المدافع عن كلمة الإسلام، حتى إن له في موطن اللين قراعا بلسان مخدام، وربما كان في محل هدنة فاشتعل الاضرام، ولم يعبأ بمن قال، كل مقال له مقام.
مجادلة بالباطل تؤدي إلى انقراض أهل الدعوة من حامة قابس
فمن ذلك ما حكى أبي -رحمه الله- وقد سأله بعض الجلساء ما سبب انقراض المذهب من الحامة؟ قال: إن الحامة لم تزل في أدبار منذ عهد أبي القاسم وأبى خزر رحمهما الله وما طرأ على كل واحد منهما وعلى من بعدهما، حتى إذا كان في زمان الشيخ عثمان بن خليفة فورد الحامة، وليس فيها من أهل المذهب إلا أطلال بالية، ومساجد عامرة كالخالية، وكان أبو عمرو عابر سبيل فأراد أن يذاكر من هناك من أهل المذهب بما يثبتهم في الدين، ويمسكهم في عقائدهم على يقين، وكان المخالفون من أهل الموضع قد سكنت نفوسهم، واطمأنت قلوبهم بانقراض مذهبنا من بلدهم وضعف من بقي من أهله، فلما سمعوا بقدوم أبي عمرو بما شرع فيه عضوا عليه الأنامل من الغيظ، واجتمعوا فيما بينهم، وأرادوا ما يفضح أبا عمرو إذا ناظروه، فتشاوروا في ذلك فجعل كل منهم يدلي برأيه فقال فريق منهم اعلموا أن الرجل عالم ذو قدرة على المناظرة ولا طاقة لكم به إن حاولتم أخذه في الطريق المهيع، لكن إن سلكتم معه بنات الطريق وجادلتموه بالباطل (2/287)
صفحة 518
أوقعتموه في آذان العوام، وإن طلتم فإنكم تظفرون به، فقالوا: وكيف يمكن الظفر به من طريق الباطل؟ قالوا: يسأله أحدكم هل يجوز في مذهبكم تزوج نسائنا؟ فإنه حينئذ يقول الحق ويجيب بأن يستعظم هذا، ويقول: يا سبحان الله قد جاز عندنا تزوج اليهوديات والنصرانيات فكيف نساؤكم؟ فإذا قال هذا ألزمناه الذنب بأن نقول نراك أنزلتنا منزلة اليهود والنصارى، فنكفره ونفحمه، وإن هو أجاب بنعم فقد استأنفنا سؤالا ثانيا، فلما كان غدا أجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم، وحضروه هو وتلامذته فسأله سائلهم بما أعد من مسألة النكاح، فأجاب بما كان خصمه ينتظره منه، فلما قال ذلك قال مدرة القوم: ألا إن هذا أنزلكم منزلة اليهود والنصارى فقاموا عليه قيام رجل واحد شتما وصفعا وضربا، وطردا عن نفوسهم من البلد وأكرهوا كثيرا ممن بقي من أهل المذهب على الرجوع إلى مذهبهم، وعمدوا إلى المسجد الكبير من مساجد
الوهبية، وغسلوه بمياه كثيرة، حتى جرت أنهارا وسالت في الطرقات، وخرجت من البلد هامية يعتقدون أن ذلك تطهيرا للمسجد، قال: ودعوا عليهم فأجاب الله دعاءهم ولكن بعد حين، فلما دخلها إسحاق الميرقي قتل فيها سبعمئة رجل حتى سالت واختلطت عجاجا شبهه، من رآه بالوادي الذي أجروه ليطهروا به المسجد فيما زعموا، قال: فلم يبق إلا مستضعف لم يكن على بصيرة، أوهارب بدينه إلى حيث أمكنه من البلاد.
وقال عثمان خرجت من وارجلان أريد ناحية بلادنا فخرج معي أيوب ابن إسماعيل وموسى بن علي يودعاني (2/288)
صفحة 519
فقال لي أيوب "يا عثمان العلم والوطوطة لا يجتمعان" وقال له موسى الحجر المتقلب لا يثبت على بناء، فرأيت ما أشار به هو الصواب.
الحكم في العطايا
وقال أبو الربيع قال لي الشيخ أبو عمرو عثمان: العطايا أربع: اثنتان جائزتان؛ عطية لما عند الله وعطية لثواب الدنيا، واثنتان غير جائزتين عطية إكراه وخوف، وعطية على وجه الركون.
الطبقة الثانية عشر 550 هـ 600 هـ: 1 - أبو عمار عبد الكافي
منهم أبو عمار عبد الكافي -رضي الله عنه- هو ابن أبي يعقوب التناوتي، تدارك المذهب قد أقبر فأنشره نشورا، ونوه به وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، فأحيى الله به رفاته، وجمع ببركته شتاته خدم العلم دهرا حتى وعاه، وأوعى منه الأوعية، ثم أخذ يفتيه ويعلمه، فسالت منه الأودية، في تصنيف كتاب، أو تهذيب جواب، أو تدرب متكلم، أو إفادة متعلم وهو الذي أزرى بموجزه (1) على الماضين، وأتعب الحاضرين والآتين، فإنه رتب مقدماته أرتب تقديم، وقوم فصوله أحسن تقويم، وقسم الفرق أبين تقسيم، بألفاظ عذبة وقصد مستقيم، وله تصانيف يشفى بريها هيام النفوس الهيم، وأما الورع والسخاء فهما أقل صفات خلاله، فذكرهما الشيخ بالنسبة إلى حلاله.
ما كان من الشيخ أبي عمار وهو بتونس
ذكر شيوخنا أن أبا عمار لما عزم على طلب العلوم رأى أن أهم ما يقدمه إصلاح اللسان ثم إصلاح الجنان بعلوم
__________
(1) / يشير إلى كتاب الموجز في الكلام والعقائد، وقد تقدمت الإشارة إليه في اول الكتاب. (2/289)
صفحة 520
القوانين والبراهين، فهاجر إلى تونس فأقام فيها أعواما يدرس الليل والنهار ولا يحضر بباله ذكر الأهل والدار، والذي توخاه في قصده تونس شيئين أحدهما ملاقاة من يشغل خاطره عن ذكر أهله، والثاني أراد أن ينقطع عن اللسان البربري بالبعد عمن يخاطبه به، والتدرب على لسان العربية، بكثرة مخالطة به، وكان أبو عمار موسعا عليه فكانت تأتيه من بلده في كل عام ألف دينار، وبطاقة فيضع البطاقة في موضع، ويقسم الدنانير نصفين فيدفع النصف إلى شيخه ويصرف النصف في نفقته وكسوته، وشراء ما يحتاجه من الكتب، فلما كان عند عزمه على السفر وقد رأى أنه قضى حاجته من طلب العلوم التي اعتمدها هنالك أعلم شيخه بذلك، وأجمع على الارتحال فأخذ في قراءة الكتب الواردة من بلده كتاباً بعد كتاب فوجد في الكتاب الأول إعلاما بوفاة أحد أبويه وفي الثاني وفاة الثاني، ووجد شواغل لا علم له بها، فأطلع على ذلك شيخه وأصحابه فعزوه وانفصل إلى بلده، ولقد حدثني بعض الطلبة النفطين الذين قرأوا بتونس عن بعض أشياخه أنهم قالوا: أدركنا أشياخنا يذكرون طالبا من أهل وارجلان قرأ معهم على شيخهم إذ ذاك، قالوا: أدركناهم يتعجبون من فهمه وحفظه ومواظبته وورعه، وسخائه ودلاله نفسه وسعة خلقه، قالوا: ولم ير مثله من العرب ولا من البربر، قال لي: وكانوا يذكرون أنهم اطلعوا على كتاب معه في علوم مذهبه، وكان نظما في قصائد فما هذا الكتاب؟ فقلت له: هو دعائم ابن النظر كانت منه في بلادنا من قبل هذا نسخة غير محلوله، ولما (2/290)
صفحة 521
حله ابن وصاف (1) لم يرد بلادنا حتى ورد به الشيخ أبو موسى عيسى بن زكرياء وأعلمته أن الطالب المذكور هو أبو عمار، وأطلعته على كتاب الدعائم لما ذكره وسأل عنه، فلما رآه جعل يتعجب منه فنظر منه بعض قصائد العقائد وهي الرائية التي في الرد على القدرية، فقال معرضا ما أرى
هاهنا إلا موافقة أهل السنة، فقلت له: وما خالف هذا الكتاب فهو خلاف السنة.
وكان أبو عمار ذا كرامات فمن كراماته ماحدثنا به في وارجلان شيخ من أهل الصدق والبر حكاه عن ثقات، قال: خرج أبو عمار في سنة من السنين في فصل الربيع إلى بادية بني مصعب بغنمه فتوغلوا في البرية، تتبعا لطلب المرعى، حتى قربوا من جبال "بني راشد" فلما كان يوما من الأيام قال أبو عمار لأهله اشتغلوا بعشاء عمار الليلة المقبلة، وكان هذا القول منه غدوة، وكانوا قد عهدوا عمار بوارجلان، إلا أنهم لم يمكنهم إلا امتثال أمر الشيخ، فوافق وقت إعلامه إياهم توجه عمار من وارجلان إلى قصور بني مصعب، فلما أصبح صباح يومئذ، قال لمضيفه: انظر لي دليلا استأجره أن يصحبني إلى موضع الشيخ، بشرط أن يكون على نجيب مثل نجيبي، ليكون مبيتي عند الشيخ فإني شديد الاشتياق إليه، فقال له: ليس لها إلا "فلان" فأرسلوا إليه فوجدوه ينضح زرعا له بالطبق، فقال: أخشى على زرعي ولا بد من موافقة ابن الشيخ، قال: فاستأجره بدينار فركب كل واحد منهما نجيبه، وصارا يرجفان ويجدان السير بجهدهما، قال:
__________
(1) / هو محمد بن وصاف العماني من مشائخ الإباضية بالمشرق شرح دعائم أحمد بن النظر وهو مجموعة قصائد في العقيدة والأحكام الشرعية والشرح في ثلاثة أجزاء وهو من المخطوطات القيمة. (2/291)
صفحة 522
وكان نجيب المصعبي أسبق من نجيب عمار، وكان إذا تقدم قال له: مالك يا هذا الوارجلاني؟ هلكت زرعي عطشا يعني أجهد ليكون رجوعي إلى زرعي سريعا، فقال وكان بين الموضع الذي فيه الشيخ وبين القصر الذي خرجا منه مسيرة ثلاثة أيام، فما صلى الشيخ إلا عمار وصاحبه قد أناخوا عندهم، وأكلوا العشاء معهم.
وذكر عيسى بن أحمد أن أبا عبدالرحمن الكرثي كتب إلى جماعة الشيوخ بوارجلان كتابا يسئلهم سؤال مسترشد قال: فلما ورد عليهم كتابه لم يروا نفوسهم أهلا لمجاوبته إلا أبا عمار، فجاوبه عن جميعها حسبما يفسر.
أسئلة الشيخ أبي عبدالرحمن الكرثي والإجابة عنها
(سؤال) ما اليقين والقدر وما الفرق بينهما؟
(
الجواب): اليقين صحة الاعتقاد، وهو من أفعال القلب ومن أفضل أفعال العباد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعبد الله على الرضى واليقين، وإلا ففى الصبر على ما تكره خير كثير" وقال: "لو ازداد يقينا لمشى على الهواء، والقدر ما قدره الله قبل أن يكون" قال عليه السلام في الإيمان: " أن تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله"
(سؤال): هل يقال لله تعالى بالبربرية ايراد؟
(الجوال): ما سمعنا أحدا أجازه إلا أبو سهل، ولعل هروبهم من جوازه اشتراك اللفظة في لغة البربر، فإنهم يسمون الداجن من الطير الوحش "ايرادن" ولمن أخلف الوعد " يردى" وهذا على حسب اللغات، والهروب من المشكل إلى الواضح أولى.
(سؤال): ما الحكم فيمن قال أن الله ليس بييكش؟ (2/292)
صفحة 523
(الجواب): إن كان بربريا أو ممن يعرف اللسان البربري فهو كمن قال: "إن الله ليس بإله" ومن قال ذلك فهو مشرك، فقال بعض من حضر أراك أدرجت المسألة فقال أو تشكون في ربكم؟ فقال حينئذ عبدالله بن سجممان سمعت شيخنا أيوب بن إسماعيل يقول: من قال أن ايكش السلحافة فهو مشرك بالله العظيم.
(سؤال) ما أعلام الساعة؟
(
الجواب) أنها خمس اثنتان منصوصتان واثنان مستخرجتان من النص وواحدة من الحديث، فالمنصوصتان قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ...... الآية) (الانبياء:96) وقوله في عيسى عليه السلام (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا ..... الآية) (الزخرف: من الآية 61) والمستخرجتان من النص طلوع الشمس من مغربها قال الله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا) (الأنعام: من الآية 158) والدابة، قال الله تعالى (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ) (النمل:82) والحديث قوله عليه السلام:" نار تخرج من عدن تطرد الناس إلى محشرهم وحبشي يعلو على الكعبة بفأسه يهدمها، وخسف بجزيرة العرب".
قلت وهذه الأجوبة أنها هي على قدر وسع السائل لا بكونه مقدار المجاوب، بل إنما عرض في تلك السوق ما أشبهها من المتاع وما ينفذ فيها، وادخر الخز والديباج لأشكاله، اللهم إلا في جواب السؤال الأخير.
وقال أبو عمار حضرت أنا، وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم، مجلس شيخنا أبي زكرياء يوما فقصصت رؤيا رأيتها، وذلك أني رأيت إبراهيم عليه السلام نزل من (2/293)
صفحة 524
السماء إلى "تموصين" قرية من قرى وارجلان فتعلقت نفس الشيخ أبي زكرياء إلى الرؤيا فجعل يقول كيف رؤياك يا عبد الكافي؟ يحب أن أكررها عليه فالتفت إلى أبي يعقوب فقلت له: لا أعلم أحدا كملت فيه هذه الصفات غير النبوة في هذا الزمان إلا هذا الشيخ وأني لأحسب أنه سيموت في هذا العام، فمات فيه بعد أشهر، وهذه الحكاية من مناقب أبي زكرياء إلا أن لأبي عمار فيها صدق الرؤيا وإصابة التأويل.
حكم مال من استشهد بالإغارة والنهب
وسأل الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم أبا عمار -رحمهما الله- بمحضر من أصحابهما وذلك بجبال مكة، فقال: عجبا منا نتنزه من أموال العرب (1) التي بأيديهم، وننهى عن الدنو منها، وعن الدنو ممن يدنو منها، ونتجهم في وجوه من يصاحبهم إذا كنا ببلادنا، ها نحن الآن نأكل منها ونحمل عليها، ونتزود منها، ونحن في أكرم بقعة وأبرك بلدة ونحن عايناهم يأخذون أموال الحجاج، ويسلبونهم، ويقتلون من دافع منهم عن نفسه أضراب"بنى مجزية" وغيرهم ممن شهر بالنهب والغصب، فقال أبو عمار: هذه جزيرتهم إلا قعد فيما بأيديهم والأغلب عليه الحلال، وتلك جزيرة البربر أنهم فيها غارة وكل ما بأيدي الغارة ريبة، إلا من أبصر شيئا عيانا فلا يحل له الدنو منه في بدو ولا حضر، فأنهم في بلادنا غارة ونحن البربر في جزيرتنا كالعرب في جزيرتهم.
قلت هكذا وجدتها وأقول والله أعلم، أن الذي استثناه من قوله "من أبصر شيئا عيانا فيجبتنبه" إنما ذلك
__________
(1) / يعني بهم قبائل الأعراب التي تعيش الإغارة والنهب واتخذتها حرفة وعرفت بذلك وخاصة زمن اضطراب شمال افريقيا في عهود المؤلف (راجع ابن خلدون ج 6) (2/294)
صفحة 525
في بلاد العرب وجزيرتهم، والصواب أن يذكر أولا قبل ذكر بلاد المغرب.
رأي الشيخ في أهل الفتنة
وروي أن أبا عمار كان يقول: إذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين فالأحب إلي أن يصطلحوا، فإن لم يفعلوا فالأحب إلي أن لا تغلب فئة، فإن من أحب أن تغلب إحداهما الأخرى فقد دخل في الفتنة، ولزمه ما لزم أهل تلك، وكأن سيفه يقطر دما، وروى عنه عيسى بن أحمد أنه قال السلامة عندي أن يكون في البراءة سواء، لا يرجح إحدى الطائفتين.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي وابنه أبو إسحاق إبراهيم رحمهما الله
نبدأ بذكر أبي يعقوب في صدر الأسلوب فنقول: هو بحر العلم الزاخر، المسخر للنفع فترى الفلك فيه مواخر، الرفيع القدر والهمة، الجامع لفضائل كل أمة، المحتوي على علوم جمة، كأن التوحيدي ينظر إليه في وصفه للقاضي أبي حامد، وما اشتمل عليه من صنوف الفوائد، إذ كان له في كل جو متنفس، ومن كل نار مقتبس، وهذا الشيخ له يد في علم القرآن، وفي علم اللسان، وفي الحديث والأخبار، وفي رواية السير والآثار، وعلم النظر والكلام والعلوم الشرعية وعباداتها والأحكام، وعلم فرائض المواريث، ومعرفة رجال الأحاديث، ولم يخل من اطلاع على علوم الأقدمين، بل حصل مع ملازمة السنة قطعة من علم الحكماء المنجمين. (2/295)
صفحة 526
وأما أبو إسحاق إبراهيم فإمام في علم الأدب، وإن ذاكر في الفروع فيا للعجب، لقد تمسك من الحديث والأصول بسبب أقوى سبب، وعند كليهما من الورع والزهد والتواضع والاقتصاد، ما ليس يدركه أحد من المتنسكين وذوى الاجتهاد، وإن تقاربا في نظم القريض فإن للشيخ قدرة على تأليف التواليف، وله من ذلك الصدر الفسيح الغليظ، وقد كان لا تهمه عظائم المهمات، إلا خدمة العلم منذ نشأ حتى مات.
انقطاع الشيخ إلى خدمة العلم
وذكروا عنه أنه أقام سبعة أعوام ملازما داره لا ينصرف فكان متى زاره أحد من الزوار وجده إما ينسخ وإما يدرس، وإما يقابل، وإما يبرئى الأقلام، وإما يطبخ الحبر، وإما يسفر كتابا، لا يعدل عن هذا الفن إلى ما سواه إلا إن قام لاداء فريضة، وكان إذا اعتمد تأليفا أو نسخ ديوان لا يهوله ولا يستعظم فيه صعوبة ولا كثرة فإن له على ذلك قدرة، ولقد حدثنا بعض الثقاة قال: وقفت ببلادنا قسطيلية وسوف وأريغ ووارجلان على سبع نسخ أو ثمان من كتاب العدل والإنصاف (1) تأليف أبي يعقوب كلها بخط يده، وأما أنا فرأيت منها ثلاثا.
حرص أهل وارجلان على الاستفادة منه
وكان إذا جاء إلى موضع الوضوء في مسجد في وارجلان انصرف كل من حول المتوضى، فيضع من يده سفرا ومفتاحا ويضع عمامته وكساءه، ويقعد في ثوب واحد فيدخل المطهرة، فيرجعون ويأخذ أحدهم شيئا منها ويأخذ الآخر شيئا آخر، حتى يرجع الشيخ فلا يجد شيئا فيقول ردوا علي علائقي، فيقول أحدهم: أرد بعوض فيسأل عن مسألة في النحو ثم يجيب فيرد ما أخذ، ثم يسأل الآخر (2/296)
صفحة 527
عن فريضة ويسأل الآخر عن مسألة فقهية ويسأل الآخر عن تأويل آية، ويسأل الآخر عن تأويل رؤيا وعن غير ذلك، فيجيب كلهم فحينئذ يردون عليه ما أخذوا، فكان هذا دأبه -رحمه الله- حتى لقي الله.
وحدثني أبي -رحمه الله- قال حدثنا بعض أصحاب أبي سليمان أيوب بن نوح قال: سألت أبا سليمان عما حصل من علم النجامة قال: رحم الله شيخنا أبا يعقوب عمد إلى العلوم النافعة كعلم القرآن والفقه وعلم اللسان فحملها ابنه أبا إسحاق، ووجد عندنا أفهاما قابلة لعلم لا ينفع يعنى علم النجامة فعلمناها، وقلت له: ما غاية المنجم المحقق أيعلم يومه متى يكون؟ قال: أعلم أن غاية المنجم العالم يعرف أسعيد هو أم شقي، وكان أيوب هذا يقول يكون أجلي يوم كذا، فكان كما قال (2).
وصول الدعوة الموحدية إلى وارجلان
وحدثنا بعض أهل وارجلان أن أول داع وصل إلى وارجلان من دعاة الدعوة المهدية العيتروسي وصلها في خيل، فلما قدم إليهم دعاهم إلى إجابة الدعوة، فتشاوروا فيما يأتون وما يذرون، فأجمع رأي أكثرهم على قتله وأصحابه، حتى لا يظهر لهم ذكر، فقال علماؤهم: ما ضرنا أن نصل إلى الفقيه أبي يعقوب نعلمه بما وقع في نفوسنا ونأخذ ما عنده، فجاؤوه بجمعهم، فقالوا له: إن هذه خيل تدعو إلى سلطان قد ظهر، وقد جمعنا على أن نقتلهم قبل أن يعرفوا بلدنا، فإنا نخاف أن يخربوا بلادنا إن عرفرها، فقال لهم: هؤلاء لا يخربون بلدكم بل تنالون في (2/297)
صفحة 528
أيامهم عزا وإقبالا، وتلقون منهم في بلادهم خير لقاء وإكراما وإحسانا، أكثر مما تلقونه في بلادكم فأجيبوا دعوتهم تفلحوا فليسوا بالذين يخربون بلدكم، وأما الذي يخرب بلدكم فيخرج من سلجماسة يموت في البحر وإن خرج من البحر فإنه يموت في سلجماسة، وهو المتلثم، فإذا ظهر فلا بد أن يرد بلادكم قاعا صفصفا، وسمعت هذا الخبر سنة عشرين وستمائة فلما كان سنة ست وعشرين أوسبع وعشرين دخلها يحيى بن إسحاق الميروقي المتلثم، فهدم كل ما دار عليه سورها إلى المسجد، وعاد وارجلان كان لم تغن بالأمس (3).
الحديث عن حجازية أبي يعقوب
وبلغنا أن أبا يعقوب كان في عصر شبيبته يقرأ بقرطبة ففيها أتقن هذا الفن وفيها حصل بضاعة وافرة من اللغة غير مزجاة، وفيها قرأ جملة من كتب الحديث، ومما يدلك على سعة ما عنده من هذه الفنون قصيدته الحجازية المتطاولة فإنه أودعها فصولا على ما ذكرته من ذلك، أبياتها عدد أيام العام بدأ فيها بغزل رقيق، ثم الرحلة عن وارجلان، والتنبيه عمن صحبهم في ذلك الركب، وذكر الطريق منزلة منزلة في سيرهم حتى وصلوا، وذكر المناسك، ثم فعل كذلك حتى خرج، ثم خرج إلى شيء من علم الحدثان ثم وعظ أحسن وعظ وتذكير، ففيها ما يشهد له باتساع الفن، فكنت اعتقدت أن أودعها هذا الكتاب وأشرحها إجابة لرغبة من رغب إلى ذلك، لكن منعتني العجلة في تعليق هذا الكتاب، وكوني أيضا لم أجد من يرويها عن أبي يعقوب فأرويها عنه على صحة (2/298)
صفحة 529
وأعرف مقاصده فأحدو حدوها، ولعمر الله أن فيها لفوائد كثيرة.
ولأبي يعقوب تآليف كثيرة، أحسنها فيما ذكر لي أبو العباس ابن محمد كتاب الدليل والبرهان هو في علم الأصول، وأما أنا فلم أقف عليه لأني إذ كنت بوارجلان لم أعلق همتي بنظر هذا الفن، فلا قوة إلا بالله، وأيضا فإن الأمهات منه قليلة.
وسمعت في وارجلان من جماعة من شيوخ إن أبا إسحاق رأي في منامه كان نخلتين صنوان أحدهما باسقة والأخرى قصيرة وكان والده في الطويلة منهما يجتني منها ثمارا وكأنه عالج الطلوع فقدر على الصغيرة، فلما صار إليها عالج طلوع الكبيرة إلى حيث كان أبوه فلم يطق، فقصها على أبيه فقال يا بني أنك تحاول منزلة أبيك في العلم وأنت دونها.
-------------------------------------------
1 - كتاب له قيم في أصول العقائد والفقه لا زال مخطوطاً.
2 - لا يخفى ما في هذا الكلام من مبالغة ففي القرآن الكريم (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي أرض تموت إن الله عليم خبير) هذا مع قطع النظر عما قيل في مثل هذه المعلومات إن صح أن تسمى معلومات من التنجيم وغيره.
3 - يشير إلى خراب سدراته على يد الميروقي وما أصاب وارجلان.
أبو يعقوب يوسف بن خلفون
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي -رحمه الله- المحقق الوصول إلى الغاية في علم الفروع والأصول، إن درس فلقن أحسن تلقين، وإن أفتى فمغترف من عذب معين، لا يخشى منه تعسف، ولا يدرك ألفاظه تكلف، كثير الاطلاع على مسائل الاتفاق والاختلاف، وكثير الدفاع عما قيده فقهاء الأسلاف، وله تعليقات عجيبة، وأجوبة محافظ على بيضة الدين، محصن للمذهب أمنع نحصين، مقنعة مصيبة، إلا أنه كان مع محافظته وكثرة حفظة يعجب من ضعف بخته مع الأخوان، وقلة حظه، فإنهم لم (2/299)
صفحة 530
يقيلوه في العشرة أنصافا، ولم يهبوه من أنفسهم إسعافا، بل قد أذاقوه العقوق أصنافا، وجرعوه منه مرا زعافا.
خبر اختلاف الشيخ مع العزابة في مطالعة كتب المخالفين للمذهب
حدثني غير واحد من أصحابنا أن أبا يعقوب يوسف بن خلفون كان كثير المطالعة في كتاب الأشراف (1) وغيره من تصانيف علم الخلاف، فكان العزابة يكرهون ذلك وينتقمون عليه، وينهون عنه، حتى أنه ربما شافهه بعضهم يقول"تركت المذهب، أو رغبت عن المذهب" وأظهروا له الكيل بهذا الصاع، فلم يكن رغبة عما أكرهوه ولا إقلاع، قال فلم يروه معرضا عن سلوك ذلك المنهاج ورأوا منه التمادي واللجج فأوجبوا عليه كلمة الهجران وقالوا له: لا تقربنا من الآن فإنك أسهبت في المناقضة أي إسهاب، ورغبت عن طريقة إمامك عبد الوهاب، فعند ذلك التفت إليهم وقد ولى فقال لهم: "والله ما فيكم وهبي غيري" ومما نقموه منه إعلان القول بأن يقول لهم: والله ما علمت لكم كتابا غير كتاب "اختلاف الفتيا" و "والغانمي" فكانوا ينسبوه بذلك إلى تعجيز العزابة وذم تواليفهم، والبحث عن معايبهم والتصريح عما يضع منهم، وحاشاه بل لو قال الآن أحد هذا القول لم أنسبه إلى نقص ولا تنقيص، والذي يظهر في هذا الشأن أن كلهم مصيب، فإن العزابة إذا فضلوا كتب العزابة وعصبو الترجيح غيرها عليها فوجه العذر لهم وللمولعين بين ظاهر، وهو أن الذي صنفه الأشياخ إنما جاءوا به على حسب موافقة المبتدئين أهل اللسان البربري، وذلك جهد طاقتهم، فإذا أوجبوا (2/300)
صفحة 531
الذنب على أمثال أبي يعقوب فإنما اقتدوا بقول من قال من المشائخ لما وقف على الخمسة والعشرين جزاء، لا يطعن في هذا التأليف إلا منافق، يتخيلون أن قد حقت عليهم كلمة الخلاف، وأنه لم يبلغه هذا القول، ولعله إذ بلغه جعل للمطعن وجها وللنفاق وجها غير الوجهين الذين ذهبوا إليهما، وينبغي أن يحمل ذلك على أحسن محتملاته، تزكية للفضلاء، وقياما بحق أولياء الله العلماء.
ووجه العذر له في ترجيح الكتابين ظاهر، وهو أنهما كلام عربي غير متكلف مع كثير ما تجد في مسائلهم المسند إليه، والمعتمد فيهما غير المبتدئين، فكأنهما أرفق لنفوس النجباء مثل أبي يعقوب، ولقد حدثني أبو الربيع عن أبي الحاج أبي عبدالله محمد بن سعيد -رحمه الله-، أنه يحكي عن جدي يخلف حكاية تدل على براءته مما قذف به، قال أبو عبدالله: خرجنا حجاجا مع شيخنا يخلف بن يخلف حتى إذا كنا "بعقاب" قدم علينا في وقت المساء رجل لا نعرفه، فرأيناه يسأل عنا، فقال له يخلف: من هذا السائل؟ وممن هو؟ قال أنا ابن صباح المزاتي، فاستحال ذلك شيخنا فبادره بأن قال: كذبت، قال أبو عبدالله وما رأيته قط عجل بسوء معاملة قاصدا إلا تلك الليلة، ثم تدارك فسأله ما شأنك؟ وما وراءك؟ قال: قدمت مع عمي يوسف بن خلفون وأعلمه بأمور دلت على صدقه فجعل يستغفر الله ويتوب مما فرط منه فقال له: وأين عمك يوسف؟ قال يبيت عندكم الليلة المقبلة، قال أبو عبدالله: فلما كان في الليلة المقبلة لحق بنا هو ومن معه، فلما حل بنا أبو يعقوب لم يمكنا إقبال عليه لأنا قد خرجنا من بلادنا والعلم عندنا بأنه في الهجران، ولا علم عندنا (2/301)
صفحة 532
بتوبته ولا غيرها، فجهدنا أنا نتأسى بشيخنا فلما تقدم فيه تقدمنا، قال فلما نزل الشيخان وضع شيخنا يده في يد أبي يعقوب وتنحيا عنا غير بعيد، فجعل يثرب عليه ويعدد ما نسبوه إليه بتثريب، لم نفهم منه إلا ما عاينا الشيخ كلما ذكر خطيئة خط بإصبعه في الأرض فكلما عد عليه شيئا ذكر وجهه وسببه واعتذر، واستغفر، حتى أتى على جميعها وظهرت براءته وكان الشيخ يخلف يقول له في تثريبه: يا ابن خلفون كيت وكيت ثم يخط، ويقول: يا ابن خلفون كيت وكيت، وأطال العتاب، وأبو يعقوب مطرق إلا أنه مهما عد عليه شيئا ذكر عذره ووجهه، وسببه حتى توجه عند الشيخ عذره فسمعنا شيخنا يقول الحمد لله رب العالمين، وقاما معا واعتنقا وقمنا نحن أيضا وسلمنا على الفقيه أبي يعقوب وسلم علينا
وتأنسنا به، وسرنا إلى بلد الله الحرام، فأدركنا هنالك ركب إخواننا أهل عمان، ومعهم فقيههم الذي حج بهم يسمى ناجية بن ناجية، قال أبو عبدالله: فحججنا حجة لم يحججها مغربي قبلنا ولا بعدنا وذلك أنه لا يضيق الحال بأحد من أصحابنا أو تنزل عليه نازلة من مسائل المناسك أو غيرها من مسائل الدنيا إلا والاها أحد الفقهاء الثلاثة، فيجد عنده الشفاء فيما يأتي أو يذر، ورجعنا إلى بلادنا وأبو يعقوب راض مرضي عنه.
وبلغنا عن بعض من عاصره أنه قال قدمت من جهة طرابلس بعد قراءتي فيه على الشيخين أبي محمد عبدالله و أبي عمران موسى النفوسيين مسائل المذهب فقصدت جهة وارجلان لألاقي الشيخ "أبا رحمة اليكشي" وأعرض عليه ما أخذت، قال فاجتزت على"تينبماطوس" وبها الشيخ أبو يعقوب ثم جئت إلى أبي رحمة "بايفران" فلما (2/302)
صفحة 533
رآني قال لي: على "تينماطوس" كان طريقك؟ قلت: نعم، قال: هل سلمت على فلان؟ قلت: لا، قال: لو سلمت عليه لم أسلم عليك، فهذا الخبر وشبهه لعله كان قبل أبي يعقوب إلى الحج، أو كانت وحشة بين الشيخين لا ذنب فيها على أحدهما، أو لا ذنب فيها على أبي يعقوب، وإلا فليكن صحيح اعتقادك على ما حكاه أبو عبدالله بن سعيد.
ومما قيد من تعليقات أبي يعقوب للأجوبة عن المسائل التي سأله عنه سائل فكتب بها إليه وبين ما في جميعها من أقاويل العلماء، فوجه ما قال أصحابنا، واستدل على صحته بأدلة قاطعة، رسالته إلى أهل جبل نفوسة مشتملة على فقه ووعظ.
-----------------------------------
1 - لعل الكتاب هو كتاب الأشراف على مذاهب الأشراف لأبي بكر النيسابوري الشافعي المتوفى سنة 318 هـ جمع فيه المذاهب الإسلامية وقد علق عليه الشيخ أبي سعيد الكدمي العماني وسمى كتابه زيادات الأشراف وكتابه هذا من ضمن المخطوطات أما إنكار العزابة منه مطالعة مثل هذا الكتاب فرأي شخصي وقد وجهه المؤلف وليس رأياً عاماً لعلماء المذهب الإباضي كما يدل على ذلك صنيع الشيخ أبي سعيد الكدمي.
أبو عبدالله محمد بن علي
ومنهم أبو عبدالله محمد بن علي السوفي -رحمه الله- ذو السخاء والفتوة والدين والمروءة، والقيام والصيام، والسهر إذا الناس نيام المتحرى الاورع، والوقور الأروع، الحازم ولم يفرط، الزاهد ولم يقرط، سلمت له ديناه مع سلامة الدين، وكان يذكر في الهادين الهتدين، وممن تجري الصالحات على يديه، ويفزع في الصغائر إليه، فإنه لحليم أواب، وذو دعاء مستجاب، وله يد في مسائل المذهب، وفي المواعظ إذا رغب أو رهب.
الصلح الذي تم على يده بين أهل درجين
وحدثونا أنه وقعت فتنة ببلاد درجين السفلى الجديدة، فأفضت إلى حرب الأوطان وذهاب الأنفس والأموال، وأشفى كلا فريقيها على التلاشي فبلغ ذلك أهل الدعوة في الجهات الشرقية والغربية، فعظم عليهم ما نال أهل درجين من الضعف واستبدال أحوالهم، واستبعدوا استصلاح (2/303)
صفحة 534
حالهم بعدم الأسباب المعينة على ذلك، فحرك الله سبحانه إلى ذلك أبا عبدالله محمد ووفقه لما يحبه ويرضاه من امتثال أمره في الإصلاح بين الفئتين من المؤمنين إذا اقتتلوا، ونصرة السبيل الذي منه يتوصل إلى إصلاح ذات بينهم فقدم من سوف إلى أن وصل "درجين" فتمادى إلى خارج ربض "نفطة" ولم يدخل درجين، فنزل إليه من يربط نفطة من العزابة، فيهما الحاجان يخلف بن يخلف، ومحمد ابن سعيد، فرغب إليه يخلف في النزول إلى الضيافة فامتنع، وقال أنا جئت لمهم ولا أبدأ بغيره حتى يقضيه الله وييسره وأنا أحب معاونتكم بأن تستحضروا له كل مهاجر إليكم، وفارق لوطنه بسبب هذه الفتنة، وترغبوا إليهم في الدخول في هذا الصلح، فإنهم عندي أشد ممن في درجين، وأرجوا أن أجد ممن في درجين من المطاوعة ما لا أجده فيمن عندكم، فأغيثوني بإحضارهم و هلموا بهم إلى خارج درجين، فصحبه عزابة الربض ومعهم من طاوعهم من أضيافهم من بني درجين والأكثر قد طاوعوا أو أنابوا، ولما صاروا بأجمعهم مع الشيخ أبي عبدالله حول مسجد قنطرأر الفوقية خرجت إليه جماعة بني درجين من كلا الفريقين، فيهم الواتر والموتور، ورغب إلى أولياء الدماء فعفوا عنها، وندب جميعهم إلى الصلح فأجابوا، وعقد بينهم الصلح، فلما اصطلح الفريقان استدعى سبع حصيات من أيدي سبعة رجال حجاج حضروا حينئذ، ثم قال: هذه حصيات تناولتها أيد قد استلمت الحجر الأسود، وحفر في الأرض على قدر ذراعين حتى غاب عاتقه ودفن الحصيات، ثم قال: هذه فتنة أهل درجين قد دفنت فمن أثارها جعل الله بأسه في (2/304)
صفحة 535
رأسه، فآمنوا كلهم على دعائه، وقطع الله تلك الفتنة إلى اليوم، وكان الذين تخلفوا بالربض
وأبوا أن يحضروا الصلح وأن يرجعوا إلى البلد ثلاثة أشخاص، فدعا عليهم فلم يعقبهم خيرا، ودعا للذين عفوا عن الدماء وأنابوا إلى الصلح فنموا وكثروا.
وذكروا عنه أنه قال: دعوى القبائل هي التي تحرك الفتن فادعوا الله على من دعا بها، ففعلوا، فلما انعقد الصلح دخل وتضيف وحمد الله تعالى وشكره على ما جرى على يديه من الخير والصلح.
وذكروا عنه أنه لما عزم على السير إلى الحج أودع عند الشيخ أفلح المرغني مائتي دينار، فلما قدم بعد عامين، قال له: ما فعلت الوديعة يا أفلح؟ قال: أكلها الزمان يا محمد فلم يسأله عنها حتى لقي الله تعالى.
وكان أبو عبدالله عظيم القدر في أهل المذهب بحيث لا يجهل موضعه، ولا يجحد حقه، ولا ينكر فضله فمما يشهد بذلك قصيدة الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الحجازية وقد حضرت الفقيه أبي العباس أحمد مرارا وفي يده ديوان شعر أبي يعقوب فإذا قرأ لنا القصيدة المذكورة وبلغ قوله فيها
إلى قوله: ومغراوة عليا زنانة كلها يقول لنا لم يسافر في ذلك الركب من مغراوة غير أبي، يعني الشيخ أبا عبدالله فيسلم له بذلك جميع من حضر من مغراوة، وناهيك (2/305)
صفحة 536
بواحد يقوم مقام جماعة في مثل تلك القصيدة التي بقيت تاريخا.
5 - أبو يحيى زكرياء اليراسني
ومنهم الشيخ أبو يحيى زكرياء بن صالح اليراسني -رحمه الله-، علم المذهب ومناره، المحمود فيه عينه وآثاره، وناصره متى قلت وكلت أنصاره، وعامر ربعه متى ولت واعتلت عماره، أتاه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أشهره الله في خدمته فأطال عن خدمة الدنيا وسنه، وأوسع عليه في الأخلاق والأرزاق والأعمال والمال والعطاء والثناء سعة تناقلتها الألسنة. ومنحه من البركة ويمن الحركة ما أقام في ساعة من العمر مقام سنة، وهو الذي فضله الله بأشياء فضل بها الإله الأموات والأحياء: الورع و والسخاء، ولزوم السيرة، ونفوذ عين البصيرة، وتساوى صلاح العلانية والسريرة، واليد العليا في الكبيرة من الصلاة والصغيرة.
ما كان منه وهم في الطريق إلى نفزاوه ومعهم أموال
سمعت من غير واحد من المشائخ حكايات في مناقب الشيخ أبي يحيى زكرياء بن صالح، منها ما هو في باب الجود والكرم، ومنها ما هو في الكرامات وعجائب البطائن، ويمن الناصية وبركة الرأي فمن ذلك ما سمعته مرارا عن أبي -رحمه الله- قال: وصل الشيخ أبو زكرياء ذات مرة من سلجماسة إلى وارجلان، ثم خرج من وارجلان متوجها إلى جربة في جماعة من أصحابه يكونون خمسة وعشرين راكبا، أو عشرين راكبا ومعهم قريب من مائتين وخمسين مثقالا ذهبا تبرا، لما صاروا ببعض الطريق بين وارجلان ونفزاوة وأصبحوا راحلين غادين (2/306)
صفحة 537
بين كثبان رمل أشرفوا من أعلى كثب فرأوا نعما كثيرا في المرعى، ومن ورائها أحياء فأيسوا من السلامة، إلا إنهم تضاموا وأخفوا شخوصهم قبل أن يراهم أحد، ثم تشاوروا فيما بينهم، فقائل يقول " ندفع ما معنا" وقائل "نولى خلفنا" وقائل " نرسل إليهم من يجاعل على سلامتنا بجزء مما معنا" ثم قالوالي: ما عندك ياشيخ البركة؟ فقال: إنما مثلنا مثل أعمى سلم عينيه إلى القادح ليقدحها رجاء انجلاء العمى، فإن أبصر نورا فبفضل من الله ولطفه به، وإن لم يبصر فإنما كان أعمى وبقي أعمى، وكذلك نحن، وعندي رأى هو بمنزلة القدح فإن فعلنا ونجونا فبلطف من الله، وإن عطبنا فنحن عاطبون من قبل ذلك، قالوا: وما رأيك المبارك إن شاء الله؟ قال: أرى أن نستدير مع بعض الأحقاف إلى أقرب قطيع يلينا من النعم الذي رأيناه، فنخرج إلى القطيع على حين غفله من أرباب الإبل ورعاتها، ثم ندخل في وسط القطيع، ثم نقول لهم: نحن دخلاء هذه الإبل، ففعلوا فعند مروقهم من بين الكثبان ودخولهم الإبل رأتهم فرسان، فما كان بأسرع من اتيان الخيل إليهم مثنى وفرادى متوجهين مرجفين، فإذا هم من "المغترف" وللمغترفين إذ ذاك أحساب طيبة، وإذا برب القطيع من أشرف أول فارس، فقال لراعى ابله: ما هذا؟ قال: لا أدرى، إلا أن الإبل كانت ترعى فلم أشعر إلا والركبان كانت في وسطها، وقالوا: نحن دخلاء لصاحب هذا الإبل،
وقال الفارس لهم: أمان الله، وإذا بالخيل تركض فقال لهم: لا تتعبوا خيلكم فقد حرموا، قال: فأنزلهم وأكرم مثواهم، ثم صحبهم أو أصحبهم من خيله من بلغهم إلى مأمنهم من قراى "نفزاوة". (2/307)
صفحة 538
مكانة الشيخ لدى العبيديين بمراكش
وسمعت من جماعة منهم أبي -رحمه الله- أن الشيخ أبا زكرياء يحيى كان بمراكش في أيام ولاته لها، فلبغت عندهم منزلته مبلغا عظيما وكان له بها جاه عظيم لما أشتهر من أمانته وصلاحه، ومحافظته على دينه، ولما ظهر من كراماته وبركاته، وكان مختصا بيعقوب (1) وهو إذ ذاك وزير أبيه وقبل أن يلي الوزارة فكان يلبي له كل مطلب، ولا يكاد يحرجه في كثير من المسائل إلى أبيه إلى أن قال يوماً عرفني بكل سبب تأمله عند أمير المؤمنين لأتكفل لك به عنده وأسعى لك في كتاب كريم يكون لك ظهيرا، وأتمشى لك به كلما تحب، فقال له: بل إن عندي شيء أريد أن ألقيه إليك، قال: وما هو؟ قال: صح عندي بدليل لا أرده أنك الذي تلي الخلافة بعد أبيك دون من سواك من بنيه، وأراك أن تكتب لي ظهيرا بما ذكرته فيكون منك، ولا أحب أن يكون من سواك، فقال له: إن كتابي لا ينفعك شيئا، ثم من أين لك ما ذكرته؟ قال له: ما ذكرت لك إلا قولا صحيحا، فكن منه على يقين، ولا أعتقد النفع إلا في كتابك، فاستبشر وكتب له بما أحب، فلما ولى انحدر إلى إفريقية بعسا كره فوقف إليه وذكره الموطن وأحضر كتابه، فضاعف إكرامه وقضى مسائله، وأعلى منزلته وشفعه في كل من شفع فيه، وانتفع بعنايته جميع أهل الجزيرة بل أكثر أهل المذهب إلا ما شاء الله.
------------------------
1 - هو يعقوب المنصور من أحفاد عبدالمؤمن مؤسس الدولة الموحدية وله أعمال هامة في بجاية والمهدية مات سنة 580 هـ.
6 - أبو يحيى فصيل بن مسعود
ومنهم أبو يحيى فصيل بن مسعود -رحمه الله- شيخ الانبساط والانقباض، والعزوب عن الدنيا والإعراض والاحتقار لما يستعظم الناس فيها من (2/308)
صفحة 539
الأعراض، وسلامة الصدر من الشهوات والأعراض، المجدد لما كان من السير قد أشفى على الإنقراض، المزري بجزيل معرفته ومعروفه على البحر الفياض، المفني أيام عمره في الصلاح فتساوى عنده مستقبل وماض، الموفي لله عز وجل بما تعين عليه من الافتراض.
7 - الشيخان أبو عبدالله محمد، وأبو الربيع سليمان
ومنهم الشيخان أبو عبدالله محمد بن داود وأبو الربيع سليمان بن داود -رحمهما الله- كلاهما بحر العلم والسماح، وعمادا أهل التقوى والصلاح فسيحا الجنان وإن كان في اللسان تعذر إفصاح، نصيحان في الله متى عدم النصاح، إن وعظا أو ذكرا فنور الإيمان يمتاح، وكذا الزيغ والفساد ينكشف عن مستمعه أي انكشاف وينزاح، لا يرى عند مرضاة الخالق بسط المخلوق من جناح، طالت أيام أبي الربيع فعمت السعادة غدوها والرواح، وشملت بركته أهل القرب والانتزاح.
حدث أبو الربيع عن أبيه قال حججنا وقفلنا إلى بلادنا فتشبث رجال من أصحابنا من نفوسة الجبل بشيخنا يخلف -رحمه الله-، فلما وصلنا حيز طرابلس رغبوا إليه كل الرغبة في أن يصحبهم إلى بلدهم، ليبين حدودا جهلوا في نسبهم ونشبهم، ورجوا أن يجدوا عند حفظ ما يخلصهم في دينهم ومذهبهم، قال فأجاب رغبتهم وأذن لنا في التقدم عنه، فودعناه وتقدمنا، فلما فارقته وجدت من الوحشة لفراقه أضعاف ما كنت وجدت من التأنس به، فكنت المطلق المسجون، والمؤالف الشجون، فما راقني من لقيت بعده حتى قدمت على الشيخ سليمان بن داود -رحمه الله- (2/309)
صفحة 540
وذلك بمنزله "بتونين" قال فلما لقيته لقيت شيخا جليلا عظيم القدر، متناهيا في الصلاح ووجدت منه تأنيسا وأفادة، حتى سلوت عن كل هم، وكان مما حفظت عنه عند التسليم أني قلت: أدع، فقال: بل أدع أنت، ففي الأثر "استقبلوا الحاج واستدبروا الغازي" وحضرت الصلاة وهي رباعية وأظنها صلاة الظهر، قال: فأقام الصلاة وقدمني، فقلت: إني مسافر، فقال لي: اعتقد الإقامة هنالك، وصل بنا، فامتنعت منه كل الامتناع، فقال: ساعد، فما من ذلك بد، قال: فلما قضيت الصلاة وحضرنا طعامه أوتي بزجاجه فيها شراب، فعرض علي الشراب فامتنعت فلم يكرر علي، وشرب هو، وقال هذا شراب حلاب أقتات به، إذ لا أقدر على الطعام لضعفي، ولما أكلنا تناول بإصبعه من الفضلة، فقال آكل هذا تبركا وإن كنت لا أقدر عليه.
الشيخ أبو عبدالله يعظ أهل جربة وينهاهم عن المداينة
الشوحدث بعض أصحابنا أن أبا عبدالله محمد بن داود -رحمه الله- دخل جربة سنة من السنين زائرا فجلسوا عنده ذات يوم فجعل يعظهم ويذكرهم ويخصهم واحداً بعد واحد، حتى أفضت النوبة إلى الشيخ أبي مسعود؟ فقال وما هو؟ قال بلغني عنك انك تداين ضعفاء أهل جربة في حال العسر ثم تأتيهم لتقاضي دينك، فإذا رأوك من بعيد أدخلت الروعة على المرأة والطفل، وأثمت فيهم، ويروع المديان منك، واستدعيت منه بذلك ضعف دينك وقلة مروءتك، وما هو إلا أن يروك ويقولوا هذا ابن أبي زكرياء قد أقل، فعل الله به وصنع، أترضى لنفسك ومنزلتك وأبويتك ومنصبك أن تكون هذه منزلتك؟ كلا (2/310)
صفحة 541
والله، ولكن جانب المداينات ما استطعت، فإن لذلك رجالاً فقال إني تائب يا شيخ ولا أعود.
أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عيسى العباسي
ومنهم أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عيسى العباسي -رحمه الله- ممن يقدمونه إذا عد الأتقياء، وينسبون إليه السخاء متى عد الأسخياء، وكان لتحرجه لا يتحرى من الطرق إلا ما يجري فيه خلاصه، ومن جوده الذي حيل عليه كان من المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
الشيخ يدخر كرائم ماله لإكرام الضيف
حدثني بعض العزابة عن الشيخ عبدالله عن علي قال خرجت من أريغ أريد وارجلان في جماعة من العزابة، فسلكنا على تلا منزل الشيخ عبدالله بن يحيى، قال فخرج إلى العزابة فسلم عليهم، وأنزلهم للضيافة، فلما دخلنا موضعه قدم لنا تمراً كبيساً معسلاً، ولبنا عجيباً، فلما أكلنا من ذلك ما اشتهينا أحضر صحفة ثريد، يقدر كل واحد منا أن يأتي على آخرها وحده، أو هو وآخر حتى لا يبقى منها شيئاً ولا يدره، قال: وعليها من الزبد ما أخرجه من اللبن الذي شربناه أولاً مع التمر، قال: فينظر كل واحد منا إلى صاحبه تعجباً منه كيف قابلنا بالطعام القليل ونحن تسعة أو عشرة، قال: ووضعنا فيه أيدينا وكلنا قد استقله، قال: فوالله لقد صدرنا شباعاً غاية الشبع، وفضلت منه فضلة صالحة، قال: فلما أراد العزابة الخروج عدت إليه لأخبره، بذلك فوجدته يفرق تلك الفضلة على الجيران، ثم دخلت عليه فصادفته على مرضخه وبين يديه حشف أحرش يابس وكوز ماء، وكلما رفع حشفة رضخها وأزال نواتها وأكلها، وأتبعها بجرعة ماء (2/311)
صفحة 542
من الكوز، وفض النواة لعلف الغنم، فقلت له: ما هذا يا شيخ؟ هلا أكلت من التمر الذي أطعمتنا منه؟ فقال: يا بني إن من أكل خيار ماله فقد أكل دم وجهه، وذلك مدخر لأمثالكم، وإن الذي بين يدي مع العافية كثير.
يعرض عليه الإقامة والنفقة ليحفظه القرآن
ثم قال هل لك يا عبدالرحمن في رأي هو خير لك من السفر؟ قلت: وما هو؟ قال: أن تقيم هنا وتنتفع بتحصيل القرآن، وفوائد ولا تعدم ما تتزود به من المال؟ قال: فقبلت بنصحه وأقمت عنده، وكان قوي الحفظ لكتاب الله العزيز، فكنت عنده في أرغد عيش وفي اجتهاد وعكوف على درس القرآن قال: وأقبل فصل الربيع وخرجت أغنامهم إلى المنزل الموالي للبرية طلباً للمرعى، ولينتفعوا بألبانها، وخرج بعض العيالات، وكان الشيخ مقيماً فيمن أقام إلا أنه لإبراره بي قال: يا بني إني لأكره أن يفوتك اللبن وهو في هذا الفصل غنم، والاغتذاء به نعم، وأرى لك أن تخرج مع العيال إلى المنزل والبراني، وتخرج معك مصحفاً ولوحك، فإذا حفظت محوت كلتي صفحتيه ثم كتبتها من المصحف، ثم جئتني فتعرضه علي، ثم تخرج وتكون هنالك حتى تحفظ ما تحصل في اللوح، فلا يزال ذلك دأبك مدة الربيع، قال: ففعلت وأمر من تكفل بمعيشتي أن يخرج تمراً طيباً برسمي وأمر المتكلف بعيشي أن يجعل وصيباً مملوءاً برسمي لا يتناوله غيري، فكنت على ذلك حيناً حتى نلت ما مناني به من حفظ القرآن والسير والفوائد، وإفادة المال.
عبدالسلام بن عبدالكريم
ومنهم عبدالسلام بن عبدالكريم المزاتي -رحمه الله- (2/312)
صفحة 543
الورع الجواد الكثير الاجتهاد، كم تردد على الخلق حتى استفاد، وتكرر في زيارة الشيخ حتى فاز بالمراد.
حكي عنه أنه قدم أول قدومه من الحلقة فسأله يوسف بن أبي حسان عن ثلاث مسائل مما يستعجز به المبتدؤون العاجزون، فلم يجبه عن واحدة، فقال: عجلت بالرجوع يا عبدالسلام وأنت محتاج إلى الحلقة فليت شعري ما الذي جاء بك؟ قال: وقد أخجله بكلام شافهه به، فكان ذلك سبباً لرجوعه إلى الحلقة، قال: فرجعت إلى عيسى بن أحمد فقرأت عليه ما شاء الله، ثم رجعت فأجبت السائل الذي سألني عن مسائله وعن غيرها، قيل وكان مفتياً لأهل مكانه يحتاج إليه أهل زمانه، وعنه يحكون أنه قال: سافرت مرات فأحسن سفرة سافرتها أني سافرت مرة ومعي أصحابي عزابة قدر ثلاثين رجلاً، فإذا دعا أهل الرفقة بالكلام الذي هو إشعار بالأكل حط العريف الزاد عن البعير، فما يحطه إلا وأصحابي محدقون به لم يغب منهم أحد، وأحسن كتاب قرأته كتاب كتب إلي به الشيخ أبو عبدالله محمد بن داوود وكتب لي فيه أخبار أهل الدعوة كلهم، وأحسن مركوب ركبته حمار صحبت به خيل الأعراب، فكانوا يهمزون يولهم بالأشابر وحماري لم يتخلف عنهم.
أبو نوح يوسف وابنه أبو زكرياء يحيى
ومنهم أبو نوح يوسف وابنه أبو زكرياء يحيى -رحمهما الله- لكليهما فيضان في العلوم يزري بفيضان البحر، ونظم يزري بالدر، يباهي قلائد النحر، بل تزان به فوائد الدهر، ومآثر حميدة الذكر، لها أنفاس نفيس العطر، وهما اللذان أحيا ما ورثاه عن جدهما محمد بن (2/313)
صفحة 544
بكر، وبقيت فيهما بركته تتوارث إلى هذا العصر، بل هي باقية إن شاء الله إلى يوم الحشر، وكان كل واحد منهما شديد الغضب في الله متى قام في إنكار المنكر، معتمدا على الحق في السر والجهر، فأما أبو نوح فقد كان ساعية دأبه في تنمية الصلاح، ومحو آثار الفساد بحيث ما كان لا يفتر عن هذا الفن، وكان مطاعاً مسخراً إلى القوي والضعيف، والقريب والبعيد من أهل مذهبه وغيرهم، وكان أوسع بضائع حفظه سير أهل الدعوة وأخبار السلف، فمتى رأيت في هذا الكتاب أو في غيره من كتب المشائخ رواية عن أبي نوح فهو هذا الشيخ فاعرفه، وأما أبو زكرياء فحدثوني عنه أنه كان أكثر حفظاً من أبيه وله تأليف في المذهب، وله فضائل مشهورة منها القصيدة الحجازية، وقصيدة في الاعتقاد، ومخاطبته إلى الفقيه أبي إسحاق وغيره، أمسكت عن تقييد لك كله اختصاراً.
قيام الشيخ بإحقاق الحق في وغلانة
احتفاء أهل وغلانة بالشيخ وقيامه بالعدل والإصلاح
وحدثنا بعض تلامذته قال: انتقل الشيخ أبو زكرياء وبعض آله من» تينيسلي «إلى وغلانة فأنزلهم أهل وغلانة، وأكرموهم إكراماً بليغاً، ووهبوا لهم أنواع المواهب حتى ملكوهم أنواع الأملاك العظيمة من مركوب ومسكن وجنات وعيون، وأكثر ذلك لأبي زكرياء وكان فيها بحلقته على أبر الأحوال، وكان متى سمع عن أحد من أهل قرى أريغ فعلة شنيعة عن فساد أو فعل شيء من الكبائر أو ما يفضي إلى الفتنة وتخريب العمار كائنا ذلك ما كان فإنه ينهض إليه بالحلقة، وإن احتاج إلى عسكر استنهضه حتى يتمكن من الفاعل، فإذا ثبت ذلك عليه واستحق ووجب حد أن قتل قتل، وإن سجن سجن، وإن تعزير بالحد أو بالنكال أنفذ ذلك كله، قال: فلقد كنت في جملة تلامذة (2/314)
صفحة 545
حلقته مرة من المرات، وكان في فصل الشتاء وكان البرد في ذلك العام شديداً، فنال التلامذة ألمه فآثره بعض أهل الموضع بقطيفة، فكانوا يتدثرون بها في الليل في بيت بالمدرسة، مكان مبيتهم، وكان إذ ذك ببلاد» تنتمرنت «رجل عات من أفتك الفتاك، وأشهر الدعار، فبات التلامذة ليلة من الليالي فنزع عنهم القطيفة، فقاموا ليدافعوه عنها فأصاب بعضهم بجراحات، فلما أصبح وقد عرف الفاعل استعظم أهل الموضع ذلك، فخرج الشيخ وقد بلغت فيه هذه الفعلة مبلغاً عظيماً لتعديه على غرباء مساكين منقطعين إلى الله، وكان الفاعل ليس من أهل المذهب وفي بلد ليس فيه أحد من أهل المذهب، فأجمع رأي جميعهم على أن يخرجوا بعسكر عظيم وينزلوا على البلد، ويطلبوا من أهله أن يدفعوا لهم الجاني فإن دفعوه لهم ارتحلوا عنهم، وإن أبوا قاتلوهم، فرحلوا بعسكرهم حتى نزلوا تنتمرنت فدفعوا لهم الجاني وارتحلوا عنها، فلما صاروا ببعض الطرق ابتدره بعض العبيد فقتلوه.
ميمون بن أحمد المزاتي ويوسف بن أحمد
ومنهم ميمون بن أحمد المزاتي ويوسف بن أحمد الوسياني -رحمهما الله- كلاهما لخلال الخير جامع، وقد ألجأهما إلى سكنى درجين زمان غير مطاوع، فكان كل ما حفظاه من المسائل كالضائع، وإن كان أحدهما أكثر حفظاً بل الآخر أفقه في الشرائع، وأعلم بالأجوبة المقاطع.
ذكروا أن الشيخ ميمون بن أحمد كان ذا فطنة وذكاء، وعقل وذهن، وكان مصدراً بدرجين من قبل مقدمهما مولاهم أبي علي والجماعة، فكان حكمه عدلاً، وقوله فصلاً، إلا أنه (2/315)
صفحة 546
طال عمره، حتى كف بصره، فتخلى عن التشديد، وكان يتمنى أن يلقى من يسأله من المسألة سؤال مستفيد، فقلما ظفر بسائل، أو بلقاء عارف، أو معترف بما أوتي من الفضائل.
حدثني أبي -رحمه الله- قال: دخلت حلقة بني درجين وأنا صبي قبل أن أكمل حفظ القرآن فكان الشيخ ميمون سبباً لتمرني على قراءة الكتاب، لأنه كان يعظمني إجلالاً لوالدي، ويخصني بالفوائد، وذلك أنه متى خرج إلى المسجد دعاني وقال اقرأ فآخذ الكتاب فأقرأ، فمتى توقفت في بعض ما يشكل علي قال لي: حرك ولا ترهب، فإذا قرأت حرفاً فأصبت أو صحفت استحسن ذلك، وكان يقول لي: لما كف بصره اقرأ علي سورة كذا وكذا، وكان لا يخليني من فائدة وحدثني من لا أتهم عن جدي يخلف أنه كان متى حضرته تحفة ذكر عندها الشيخ ميمون وكان يحض على إكرامه، ويقول: أكرموا ميمون بن أحمد، قد اجتمعت فيه الصفات الثلاث عزيز ذل، وغني افتقر، وعالم بين الجهال.
وأما يوسف بن أحمد فلا يبعد أن يكون حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فإنه كان حفاظاً، ولكن لا يحسن التصريف فيما يحفظه.
بلغني أن رجلاً من أهل توزر قدم نفطه ثم حضر إلى درجين فطلب مناظراً من أهل مذهبنا، فيمن ينسب إلى التفقه، فأبرزوا له يوسف، فذاكره في مسألة يحفظها سرداً فتلعثم فيها ولم يتكلم بفائدة تقنع، فبلغ ذلك الشيخ ميمون فغاظه واستقبحه، وقال: أقدمتم ذلك الجبان لمناظرة المخالف؟ وبئسما فعل، وكان الشيخ (2/316)
صفحة 547
يوسف كثير الورع والاجتهاد، ذا خمول واقتصار ممن يتعلم منه ويستفاد.
أبو الربيع سليمان بن عبدالسلام
ومنهم أبو الربيع سليمان بن عبدالسلام الوسياني -رحمه الله- أحد شيوخ الحلق الكبار، الحافظ للسير والآثار، المروي عنه التواريخ والأخبار، لم تفته سيرة لأهل الدعوة في كل الإعصار، وجملة أوصافه باختصار أنك متى وجدت في هذا الكتاب أو غيره رواية قديمة عن أبي الربيع فهو راويها عن شيوخه الأخيار.
يخلف بن يخلف وعلي بن يخلف
ومنهم يخلف بن يخلف وابنه علي -رحمهما الله- أما الشيخ فعلامة نسابة، ذو خشوع وإنابة، وأجوبة في فنونه معلنات الإصابة، وأدعية سريعة الإجابة، وفتوة على ذي الجنابة والغرابة، يستطيب بذل المعروف كل الاستطاب إن كهم قلمه فاللسان قد حدث الآداب غرابة، وأما الابن ففصيح اللسان، ذكي الجنان، كثير الإصابة والبيان، ممن يقلد في فنون الآداب وعلوم الأديان.
مكانة الشيخ يخلف لدى أهل الدعوة وغيرهم
وحدثني من لا أتهم أنه كانت جماعة البربر وجماعة العرب من قبائل مختلفة، ومذاهب مفترقة يقصدون الشيخ يخلف، فيجتمعون عنده أفواجاً يقضي بينهم في الجراحات وغيرها، كلهم راضون بحكمه، لا يرغب عنه أحد لمخالفة مذهبه، ولا يرد عليه قوله، وأما سكان الحاضرة فكانوا مفتقرين إلى علمه، وحدثني أبو عبدالله بن بهلول النفطي قال: ورد بعض الزوار على شيخنا أبي علي حسنون (2/317)
صفحة 548
بن محمد النفطي، قال: فأخذ جلساؤه من أهل بيته نفطة في ذكر مناقب يخلف العزابي وبنيه وأهل بيته، فأوسعوا في القول والزائر الغريب يستحسن ويستغرب، حتى قال أحد الجلساء للشيخ: أترى يا سيدي أنهم يرجى لهم الخير عند الله لهذه الأوصاف؟ وهم على ذلك المذهب فلم يجبه بغير الصمت؟ فقال الزائر للشيخ: يا سيدي وما مذهبهم؟ قال الصلاح، وانقطع الكلام.
وحدثني أبو الربيع عن أبيه قال: لما قفلنا يوماً أنا والشيخ يخلف من جنته بغابة نفطة فلقينا محمد بن عمران والد أبي علي المرابطي فسلم، وسأل عن الحال، ثم قال: يا يخلف ما منزلتي عندكم جملة العزابة؟ قال: منزلة مشمش ومفشفش يعني جلوازين حسينين كان بين يدي قاضي نفطة، فاستعظم ذلك لما سمعه وكرهه، ثم قال: بماذا؟ قال: لأنك تقول تدخل النار ثم تخرج منها، وهما يقولان أنهما يدخلان النار ثم يخرجان منها، فانبسط بعد الانقباض، فقال: أهاهنا عدت؟ قال: نعم، قال: والله إنكم لمعذورون وإن حجتكم لقاطعة.
وقوع الشيخ والركب الذي معه في ضائقة عند رجوعهم من الحج
وحدثني أبو الربيع عن أبيه قال: لما قفلنا من أرض الحجاز بعد قضاء الحج ووصلنا الإسكندرية وقد قل ما بأيدينا فأجمع الرأي على الخروج من زي هؤلاء المشاة، لأنا لا نقدر على ركوب البحر، ولا نجد ما نشتري به أبعرة، فنحمل عليها، فاقتضى نظر الشيخ أن اشترينا بثمن ما بعناه من ثيابنا ومن فضلة ما بأيدينا سقط المتاع كالإبر والمسلات وما خف من عطر، ثم خرجنا متوجهين إلى المغرب ونحن نسير في قبائل الأعراب كل يوم، فإذا كان في آخر النهار بعنا فيما والانا من الأحياء بما نقتات به (2/318)
صفحة 549
من ذلك السقط، فما خرجنا من برقة إلا وقد نفذ الزاد، وانقطع الأحياء من طريقنا، وليس لنا رفيق ولا دليل إلا الله تعالى، وقال لنا الشيخ يخلف: توكلوا على الله واستخيروه وسيروا، قال: فسرنا في مهامه لا شيء فيها، فربما وجدنا من المباح ما نقتات به مما تنبت الأرض، وسلكنا جرزاً لا نبات بها وليست بمسلك معتاد لسالك، فسرنا يومين أو ثلاثة، وليس منا من ذاق طعاماً، فلما كان في ضحى الثالث أو الرابع قام أمامنا شيء لونه مخالف للون الحمرة، فتيممناه حتى وقفنا عليه، فإذا هو لبنة من جبن عجيب، قال العزابة: ما ترى في هذا؟ فقال الشيخ يخلف: ما هذه بأرض عمارة، ولا بطريق فنقول لعل له رباً، وما هذه إلا كرامة أكرمكم الله بها، فاقبلوا كرامته، ثم تناول ذلك الجبن فقسمه بخنجر كان عنده على عددنا، ثم تقدم يقطع الأرض، ونحن نتبعه، وقد اقتات كل واحد منا بنصيبه، ثم تمادينا نجد السير إلى الغد، وقد كدنا نهلك جوعاً فشكونا إليه ما أصابنا فأخرج من جيبه ما كان أخذ بالأمس فإذا هو لم يذقه، فقسمه على عددنا وأكل معنا سهمه من هذه القسمة الثانية، ثم سرنا غير طويل فلطف الله بنا ووصلنا ما والانا من البلاد على أحسن حال، والحمد لله.
اشتغال الشيخ بالفقه وميل بعض أصحابه إلى الأشعار
وسمعت جماعة ممن أدركه وممن أدرك من أدركه يروون عنه ألفاظاً من منثور الحكم هو منشئها لو قيدت صارت دواوين كلها نافعة للدنيا والدين، وكان ابنه قد أسرع التنقل عن سلوك طريقة المتفحصين إلى النظر في علوم الدين، وبقي أصحابه جاعلين شعارهم الأشعار، فربما عاتبهم على ذلك وبين أن في الاستغراق في الغر والعار، وهم يصدون عنه، ولا يسمعون منه فمنهم الخلف (2/319)
صفحة 550
اشتغال الشيخ بالفقه وميل بعض أصحابه الى اشعار
بن الخلف المنبوز بالزناد الوارجلاني، وعظه يوماً فقال: أقلع عن هذه الأشعار فقد أكثرت، واشتغل بالفقه، فقال مرتجلاً:
دعنى بفقهك يا ابن يخلف انني
رجل غدا بفوائدى الاشعـ
ان التفقه والتنسك والتقى
أنساك ذكـ ــــر الخرد الابكار
ولا أقول إن هذا في الزناد مجون أو نقلته مما عبر عنه لسان شجون، بل إنما حنينه إلى الأدب فجعل له صفات الحجون.
مقابلة مع ابن العمودي المتصوف
وكان القاضي عمر بن غزوة النفطي يقول له: ما رأيت مثل علي بن يخلف من الناس، فمن عجيب ما رأيته منه أن أبا القاسم بن العمودي كان من مشائخ المتصوفين قدم من توزر ومعه طلبته، فأكرمه طلبة نفطة وصوفيتهم وبالغوا في إكرامه، فقلت: لا ينبغي أن يغيب أبو الحسن علي بن العزابي عن مثل هذا الحضور، فأحضرته وقد حضروا، فلما رآه ابن العمودي قال لي: من هذا الجالس معنا؟ قلت: هذا الفقيه أبو الحسن ابن العزابي، فقال: أهو من الذين يبغضون علياً؟ فلما قال ذلك رأيت ظلمة حالت بيني وبينه وندمت على الاشتغال بإكرامهم أو إذا اشتغلت بإكرامه، لم جنيت على نفسي وعلى صاحبي فما أغناني وإياه عن هذا الحضور، فلما سمع علي منه هذا قال له: من أنباك هذا يا شيخ؟ قال: كذا يذكرون عنكم، قال: فهل رأيت أحداً يسمي ولده باسم عدوه؟ قال: لا، قال: كان أبي من فقهاء الوهبية وقد سماني علياً، قال: ثم أخذ معه في مذاكرة (2/320)
صفحة 551
تشفي الصدور، حتى استمال قلبه وملك لبه، فجعلت تلك الظلمة تنجلي حتى صرت في ابتهاج عظيم، ولم يفترقا حتى قال أبو الحس: أريد أن لا تفارقني مدة إقامتي بهذا البلد، وانفصل ابن العمودي يحمده ويحمد مذهبه.
سفرة الشيخ إلى غانة ودخول الإسلام إليها على يده
وحدث جماعة من أصحابنا أن علي بن يخلف سافر إلى غانة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فانتهى إلى مدينة» مالي «فأكرمه ملكها غاية الإكرام، وكان هذا الملك مشركاً وتحته مملكة عظيمة كل أهلها مشركون، وتحته اثنا عشر معدناً يستخرج منها الذهب التبر، فكان الملك قلما يجلس مجلساً إلا أجلسه معه إكراماً له، وكان يتعجب من خلقه وخلقه، وكثرة عبادته ومحافظته على دينه، حتى عقد النية على الانفصال، وقد قضى حاجته، وكان ذلك في سنة قحط شديد فشكت الرعية ما أصابهم إلى ملكهم، فأمرهم بالاستسقاء فجعلوا يستسقون ويتقربون بقربانهم التي يعتادونها في ملتهم، وذبحوا أنواع الحيوان من البقر والغنم والحمير، حتى الأناسي والسنانير، فلم يسقوا، فقال الملك: لعلي ألا تدعو إلهك الذي تعبده أن يسقينا؟ «فقال له: لا يسعني ذلك وأنتم تكفرون به وتعصونه، وتعبدون غيره، فإن آمنتم به وأطعتموه فعلت ذلك ورجوت أن يسقيكم، فقال له الملك: علمني الإسلام وفرائضه حتى أتابعك عليه، وتستقي لنا، فعلمه كيف يقر بالشهادتين فعلمهما، ثم قال اصحبني إلى نهر النيل ففعل، فعلمه كيف يتطهر فتطهر، ولبس ثياباً طاهرة ورقى به ربوة فوق النيل (1) (2/321)
صفحة 552
فعلمه الصلاة فصلى، ثم قال إن أنا صليت فافعل ما تراني أفعل، وإذا دعوت فقل آمين، فباتا ليلتهما في عبادتهما وضراعة إلى الله عز وجل، فلما كان بعد صلاة الصبح أنشأ الله سبحانه سحابة فما حاولا الانحدار من الربوة حتى حالت السيول بينهما وبين المدينة، فجاءهما زورق في النيل، فركبا حتى دخلا المدينة ودامت السحابة سبعا غير مقلعة تسيح ليلا ونهارا، فزادت المؤمن إيمانا واستدعت إيمان الكافر، فلما رأى الملك صنع الله تعالى دعا جميع أهل بيته إلى الإسلام، فأجابوا ثم دعا أهل المدينة فقالوا: نحن عبيدك فأجابوا، ثم دعا من دنا من المدينة من رعيته فأجاب أكثرهم ثم دعا الأقصين فقالوا: نحن عبيدك ولك منا الطاعة
وتتركنا على ما ألفينا عليه آباءنا فسمح لهم، ثم حكم بأن المدينة لا يدخلها إلا من آمن بالله ورسوله ومتى رؤي فيها كافر قتل، ثم قال له: علمني القرآن وشرائع الإسلام فجعل يعلمه حتى تعلم جملة ينتفع بها، فبينما هو عنده في ذلك إذ ورد عليه كتاب أبيه يستدعي منه المجيء ويحجر عليه في الإقامة، فقال للملك: أعلم أني على السفر فقال: لا يحل لك أن تتركنا نعود إلى العمى بعد أن أبصرتنا دين الهدى، فقال أعلم أن من فرائض هذا الدين إبرار الوالدين وقد حجر علي والدي المقام، وهذا كتابه فلما رأى جده أحسن منقلبه وانفصل، وبقوا على الإسلام والحمد لله رب العالمين.
ومن عجائب ما يحكى أن يخلف بن يخلف وجماعة من أصحابه صلوا صلاة الصبح بمسجد ربض نفطة فقرءوا ما شاء الله وختموا، وذلك في يوم من أيام الشتاء فقال لهم على وجه الدعابة، والبسط والدلال: من يغدينا اليوم (2/322)
صفحة 553
ونوليه الإمارة على أنفسنا؟ أومأ إلى موسى بن الياس المزاتي، فقال أنا أغديكم، وأكون أميركم، وكان قريب عهد بالقدوم من البادية وقد صحبه من غلة غنمه ما يجهز به غداءهم فقام فاحتفل لهم بالغداء، فلما أكلوا ودعوا بالبركة، قال له الشيخ يخلف: أما إمارتك فلا تمكن فإنك واحد منا، ولكن إن شاء الله سيولد لك ولد من الحمل الذي عندكم، وتسميه أفلح على اسم إمام المسلمين، ونرجوا أن يكون عنده غنى وتكون فيه بركة إن شاء الله قال رواة هذا الحديث فقدر أن ولد له ولد من ذلك الحمل، هذا الشيخ المبارك أبو سعيد أفلح، فسرت فيه همة الشيخ يخلف وأصحابه، فكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر مطاعا متبعا في كل ما تقدم فيه من أفعال الخير، فهذا أمر شاهدناه عيانا، ألا ترى أن ذلك بفضل الله ثم بركة الشيخ وأصحابه؟.
---------------------------
1 - لعله يقصد نهراً من أنهار غانا كنهر النيجر مثلاً لا النيل المعروف.
الشيخ سليمان بن علي
ومنهم سليمان بن علي -رحمه الله- ذو سخاء ونزاهة نفس وورع، وكان فرضيا متقنا لمسائل الفروع في المذاهب ناظما للقريظ إلا أن بضاعته من النحو مزجاة، وإن اتسع في اللغة، فلذلك قد يوجد في شعره ما لا يجيزه أهل الصناعة، إلا أن أشعاره في الوعظ قد رويت وانتفع بها وله قصيدة وعظية بلسان البربر، وهي مقفاه وإنها لمن العجائب، ومن أهم أموره المحافظة على المذهب وله كرامات.
إن كانوا أولياء لله فإن الله لا يضيعهم
وأما سخاؤه فقد قال أبي -رحمه الله-: كان والدي -رحمه الله- ذا مال بكنومة من عقار وناض، فلم يزل مبسوط اليد فيه حتى أنفذه ولم يبق لنفسه غير دويرة وبستانين، وكان (2/323)
صفحة 554
ان كانوا اولياء لله فان الله لا يضيعهم
كلما رأوا فيه من كثرة الأضياف وقلة المبالاة بتلف المال لم يعدم ناصحا يقول: ابق لأولادك بقية، واتق الله فيهم، فيقول: إن يكونوا أولياء لله فإن الله لا يضيعهم وإن يكونوا غير ذلك فأنا أولى بمالي منهم، قال: وكان دأبه إذا قام من نومه إلى صلاة الصبح يقول: "اللهم، أرضني بما قضيت علي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا أحب تأخير ما عجلت" قال وكان كذلك.
يرفض إعانته ويدعوه أن يقوم بالواجب بنفسه
وأما نزاهة نفسه فحدثوني أنه لما قل ماله ولم تنقص أفعاله أوصاه بياضة بن عزوز وصاية نصيح مشفق، قال له: يا شيخ إن مالك قد قل، ومؤونتك قد كثرت، فهل لي في خمسين ويبة تمرا أو مائة شاءة من أحمد تكون من عندي في كل عام تستعين بها على أضيافك، وأضياف المسجد، وضعفاء أهل الدعوة، فقال له: لا والله إن فيما أبقى الله لكفاية أؤدي منها حقوق من ذكرت ولو على عسر، ولكن إذا كنت فاعلا فقم بحقوقهم كما قام به غيرك، وتولى ذلك بنفسك ومالك.
اعتزاله للفتنة والهروب منها
وأما ورعه فإن وهيبة كنومة لما خرجوا منها لمكيدة كانت من نكارتها خرج جدي من البلد يلتحق بإخوانه غير معلن فتنة ولا مسعرها، فقاموا إليه بجمع من أهل الفتنة من النكار، فقال قائلهم: كيف نترك فقيه القوم ينجو وضربوه بل طعنوه طعنة من أراد قتله، فنجاه الله منهم، وخرج جريحا وكان معه بعض أصهاره فافلتوه، واستحوذوا على دور الوهبية فلم يدعوا فيها شيئا إلا انتهبوه، وكانوا قد أصابوا له ذخرا كثيرا، أفلا ترى أنهم قد أذوه في النفس والحصن والمال والآل؟ ومع ذلك (2/324)
صفحة 555
فلم يكن منه إلى أحد منهم أذى في شيء من الأشياء قبل الفتنة ولا بعدها.
وأما نظمه فقد سمعته من أبي وامتنع أن يروي لي شيئا من شعر أبيه أو شعر نفسه، فإنه كان يقول لي أنت أشعر مني وأنا أشعر من أبي، وحدثوني أن رجلا جاء إلى جماعة في "كنومة" بعد موته فشكا علة مزمنة أشرفت به على الموت لا يدري ما هي، ولم يدع علاجا إلا عالجها فلم يجد الشفاء فقال له رجل منهم: هلم بثلاث بيضات من بيض الدجاج فأتاه بها، فقال له: إذا كان الغد فجئني فقال له اطبخ هذه البيضات في ثلاثة أيام كل يوم واحدة وكلها متواليات كل صباح واحدة، وفعل الرجل العليل ما أمره به فبرئ بإذن الله في أسرع وقت، فجعلوا يتعجبون ثم سألوا الرجل العالج ما زدت في البيضة من خصائص؟ فقال: ما زدت فيها شيئا، غير أني رأيت علة أعيت الأطباء فعلمت أنها لا تبرأ إلا بمنة من الله الذي ابتلاه، فناجتني نفسي أن أتوسل إلى الله ببعض أوليائه فخرجت إلى قبر سليمان العزابي فلما كان الصباح استخرجتها فكان فيها ما رأيت من البركة.
ومما حدثني به أبي عنه -رحمهما الله- أن أهل قرى "تقيوس" كانوا يعمرون جنات غاباتهم بالمناصفة، فيكون لهم النصف من تمرتها وللسلطان النصف، ثم يؤدون العشر من النصف فكانوا بذلك في ضيق شديد، وكان كل واحد منهم يحتال فيما يتخلص به من ذلك قبل امتداد يد عامل السلطان، ولما كان سنة من السنين خرج الخراصون إلى "تقيوس" يخرصون التمر، فلما قربوا من جنة الشيخ وعلى أنهم يدخلونها بعد غد وكان ذلك يوم الجمعة، فتقدم (2/325)
صفحة 556
الشيخ إلى الخدام فقال: أريد تخفيف ما قدرنا عليه لنسلم من أن يخرص علينا، فجعلوا يقتلعون العراجين من كل نخلة نصف غلتها والثلث والربع على حسب ما يأمنون غائلة العامل، فلما جمعوا ما أرادوا جمعه من التمر وجعلوا يحتالون في تنقيله حتى يدخلوه البلد ليلا إذا بالخراصين قد دخلوا في طرف الجنة، لأنهم قالوا نريد أن تخرص هذه الجنة ونطلع لئلا تفوتنا صلاة الجمعة، فلما رأوهم وبين أيديهم كدس عظيم يراه الأعمش عن بعد فخاف ما يخاف أمثاله، وقال: "اللهم لا تفضح شيبتي" قال: فوالله لقد اجتازوا إلى الجنة وخرصوا ثمرها فأعماهم الله عن الكدس فلم يروه ولا خرصوا النخل التي هو فيها، فقال: أما الآن فنرفع ثمرنا علانية والحمد لله رب العالمين.
يوسف بن سد ميمان
ومنهم يوسف بن سد ميمان -رحمه الله- من المعدودين في القوامة بالليل، والصوامين بالقيل، والداعين المستجابين المصيبين والصابرين وإن كانوا مصابين، حدث أبي -رحمه الله- قال كان هذا الشيخ آخر أشياخ أهل الدعوة من أهل "دقاش" يعني منزله من قرى "تقيوس" وكان في آخر عمره وقد أصيب بصره، وقل ماله فلم يزدد بذلك إلا رضى بقضاء الله، واجتهادا في طاعته، وكان الزوار يقصدونه من كل ناحية تبركا به، قال فقصده يوما عزابة كنومة يزورونه وفيهم أخي محمد، وكان حدثا، وذلك بعد وفاة أبيه، قال محمد: فدخلنا عليه فصافحناه وسلمنا عليه، وقال للعزابة من هذا معكم أسمع صوته ولا أعرفه؟ قالوا له: إن هذا من أولاد الشيخ سليمان قال ثم بكى عند ذلك، وقال إلي يا ابن الحبيب ثم أنشد متمثلا: (2/326)
صفحة 557
كانهم لم يكونوا عارفين بنا
ولم نكن لهم بالامس اخوانا
قال ثم أورد علينا من المواعظ والحكم والأمثال، ما لم أسمعه من أحد قبله ولا في حلقة من الحلق.
الشيخ يأبى من أكل المال المراب
وحدثنا أبو الربيع أن يوسف بن سد ميمان سار من درجين يريد توزر فصحب ناسا من العرب فكانوا في إبلهم ووجدوا في الطريق خصبا عظيما لم تسمح نفوسهم بأن يتجاوزوه ولم ترعه إبلهم، فساروا ثلاثة أيام بين نفطة وتوزر، قال والشيخ معهم لم يذق طعامهم ولا شرابهم، قال فلم يدخل توزر إلا وقد آذاه الجوع والعطش، فكان أول من لقي بها جماعة من أهل درجين فرغبوا إليه أن يتغدى معهم، وقد عرفوا ما دلهم على شدة ما ناله من الجوع، قال: ومعهم صرة ينفقون منها ويقضون بها حوائجهم فأخذوا منها ما اشتروا به غذاءهم وغذاء الشيخ فأكلوا ودعا لهم بالبركة وانصرف إلى تقيوس، قال الدرجينيون فأقمنا أياما ننفق من تلك الصرة ونقضي بها حوائجنا وخرجنا من توزر والصرة بحالها لم ينتقص منها شيء، والحمد لله رب العالمين.
تم كتاب الطبقات بحمد الله العظيم.
وحسن عونه الكريم والله الموفق (2/327)
صفحة 558
فهرس العناوين والمواضيع الواردة في الجزء الثاني من كتاب الطبقات
جابر يدعو الناس الى الاعتبار
فهرس العناوين والمواضيع الواردة في الجزء الثاني
من كتاب الطبقات
ذكر طبقات المشائخ وسيرهم الطبقة الثانية 50 - 100 هـ
عبد الله بن وهب الراسبي
حرقوص بن زهير
الاحاديث المنتحلة فيه
جابر بن زيد الازدي
201
201
202
202
205
206
بقية الشراة تقتص ممن حاربهم
223
حوار عروة مع ابن زياد وقد أخذ
للقتل
خشية ابي بلال وخوفه من الله
عمران بن حطان
224
225
226
تنقل عمران في احياء العرب مختفيا 228
جعفر بن السماك العبدي
232
جابر يتمنى لقاء الحسن قبل ان يموت 207
يحبس لكي لا يذهب الى الحج
حكم عطاء الجبابرة من الحكام
208
209
وفوده مع العزيز صحار العبدي
جماعة على عمر بن عبد
رأى جابر فى الهرم العاجز عن الصيام 210
لا نكافي، الاساءة بمثلها
جابر يتهرب من القضاء
رأى جابر في القدر
قريب وزحاف ابنا مالك
232
233
233
عبد
الله
بن اباض التميمي
ابو بلال وعروة الشاريان
210
211
212
214
214
215
يكفرون عن خطئهم بالخروج للشراء 234
الناس يومئذ على ثلاث فرق
الاحنف بن قيس
اياس بن معاوية
اياس يتهرب من القضاء تحرجا
235
235
236
236
217
أول سيف سل للشراة ابو بلال مرداس ينجو من الموت فيعود اليه
حد الغبن في البيع كما يراه رأى الشراة وخروجهم على الظلمة 218
يقتلون غدرا لاجل محافظتهم على
الصلاة
222
حجة ابي عبيدة في القدر
رأى أبي عبيدة في ضمان المكترى 242
الطبقة الثالثة 100 ـ 150 هـ
ابو عبيدة مسلم
ابو عبيدة يتسم بالتشدد
238
239
239
241
524 (2/328)
صفحة 559
يوصى ان ينوب عنه الربيع في الموسم 245 تعرض أهل المدينة لابي ابو عبيدة يحاجج واصل بن عطاء 246 خطبة ابي حمزة بمكة
ضمام بن السائب حاجب الطائي ابو مودود
246
248
استصلاح الاحداث اخوانه يتحملون عنه دينه بعد موته 250
الفقيه من يفتى الناس بما يسعهم الخروج على الظلمة غير واجب الا على من تطوع
يتأخر عن رفقته ليشهد الجمعة
أبو عبيدة عبد الله بن القاسم
251
251
252
253
خطبته بالمدينة ابو الحر وطريقته الحكيمة في
الطبقة الرابعة 150 ـ 200 هـ
الربيع بن حبيب
اليمين تنعقد على العلم
مات فاخرجوا عنه الوصية لانه
يدين بها
في الربيع كفاية عمن سواء يترك نصيبه في الربح من المال المراب 253
ابو نوح صالح الدهان
254
عاتكة تسأل جابر عن ثلاث مسائل 255
وائل بن ايوب الحضرمي محبوب بن الرحيل
عهد محبوب ورسالته الى طالب الحق 279 ليست الطاعات في مستوى واحد
وكذلك المعاصي
البشر لا يخلون من عيب
محبوب يشكو أهل زمانه
هؤلاء اولى بالاقتداء بهم
الشيء يعرف بضده
279
282
284
286
286
255
255
257
257
ابو روح ومازن ابنا كنانه اجتهادهما في التقوى والعبادة
ابو محمد النهدي
الحسن البصري ليس قدريا
ان لك اخوانا على مذهبك وانت
لا تدرى
ابو زيد الخوارزمي
عبد الله طالب الحق وابو حمزة
المختار الشاري
257
258
258
الحكام الجورة لا يقفون عند حدود الله 287
علماء السوء يخدمون ركابهم
نحن احوج الى العمل لا الى القول 259 جملة ما يدين به أهل الدعوة ويدعون اليه اخبار ثورة طالب الحق وابي حمزة 260
260
287
288
290
291
291
ابو غسان مخلد
الطبقة الخامسة 200 ـ 250 هـ
ابو عبيدة عبد الحميد الجناوني ابو زكرياء التكوتي وابو مرداس
مهاصر
262
262
264
525
يتعظ به ميتا فيتوب
لا تكون للرجل مكانة ان لم يرغب في الشراء
وقوع ابي الحر في الاسر
اجتماع ابي حمزة بوفود الحجيج (2/329)
صفحة 560
سيشملنا غضب الله ان سكتنا عن
المنكر ابو مرداس كالغزال يفر بنفسه أبو ميمون الجطالي
معاذ الله ان أكون واجدا وتكونوا
معدمين
أبو المنيب محمد بن يانس
كرامة يظهرها الشيخ الرفيقه
لم يغضب لله قط الا نصره
الشيخ يقتصر على القليل من الزاد
اثناء تفرغه للعبادة
ابو خليل اليدرکلي
شهادة المشائخ له عند احتضاره يحث اولاده على ملازمة مجالس الذكر
والبحث عنها
الشيخ ابان بن وسيم
منزو بنت باثمان وامنيتها المتعبة 310
مهدى النفوسي
ابو مسور يصلتين النفوسي
313
315
عمر
الشيخ حتى صار غريبا في أهله 315
ابنة الشيخ وآراؤها المصيبة
ابو محمد عبد الله بن الخير
316
316
الطهارة تغلب النجاسة ما
وجدت
لها وجها
صلاة الشيخ وتبتله
317
317
الشحيح محروم من خير الدنيا والآخرة 318
الطبقة السادسة 250 – 300 هـ الامامان محمد بن افلح وابنه يوسف 319
عمروس بن فتح النفوسي
شدة عمروس في الحق وصرامته
استنساخ عمروس للمدونة
320
321
323
التقاء عمروس بالشيخ محمد بن
محبوب
323
أبان سهل للناس في ثلاث شددوا
فيها
303
توكله أمه على وصيتها وهو في المهد 324 ابو معروف ويدران بن جواد مكانة اخيه تحفزه على التعلم والاجتهاد 303 يصون مال اليتيم بحيلة كيف كان الناس وكيف اصبحوا 305
325
326
الشيخ ابو مهاصر موسى بن جعفر 305 يحسم النزاع والتهور بحسن التصرف 328
يذم البادية لانه لا يتمكن فيها من
الطهارة
لم تضحكون من اتاني وقد اقامت
عليكم الحجة؟
ابو عثمان المزاتى «باثمان
306
307
308
يلوم شيخه لانه رآه على هيئة غير
لائقة
ابو منصور الياس
ثلاث مكارم لم يخل منها بيت
ابي منصور
329
329
330
يتعظ بالحيوان الذي يسعى ولا يدخر 308 الشيخ يعقوب بن سهلون الطرفي 331
نساء يتمنين التفاني في خدمة الغير رجاء ما عند الله
وصية الشيخ لابنه
ابو محمد ملي
309
526
332
332 (2/330)
صفحة 561
يأبى أن ياكل من طعامه لانه يحمل
له شهادة
333
الفاهم لعلة الحكم هو الفقيه
الشيخ ابو سهل الفارسي
تغير النعم من سوء تصرف الناس 333 الديوان الذي نظمه في جزائر
الشيخ سعد بن ابي يوسف
الشيخ ياكر وداود بن يكرين
الطبقة السابعة 300 350 هـ
334
334
بنى مزغنة
الطبقة الثامنة 350 ـ 400 هـ
ابو نوح سعيد بن زنفيل
الشيخ ابي مسور يسجا اليراسني 336 ابو صالح بكر بن قاسم شدة الشيخ على الجناة رأي العالم له جانب من الصواب 338
الصبر الجميل وصفته
العرف له اعتباره في المعاملات
الحق لا يختلف باختلاف الناس
الحكم فيما اذا تخلى الورثة عن
التركة
يتحمل الشيخ المشاق للابقاء على اثر الصالحين
الرخص الثلاث التي افتى بها ابو زكرياء فصيل بن ابي مسور
تسلط ابن وانموى على الجزيرة اهتمام الشيخ بالطلبة واعانتهم
ابو عمرو النميلي
جند المعز ينكلون بعدة مشائخ
ابو موسى عيسى الزواغي
ابو نوح سعيد بن يخلف
التصرف في مال الغير جلبا للمنفعة 368 ابو محمد واسلان بن يعقوب المزاتى 369
الشيخ سحنون بن ايوب ابو الخطاب وسيل بن ستتن
الشيخان ابو القاسم مخلد وابو
خزر يغلا
لا تتسرع الى الحكم السيء ما
وجدت
محملا
الشيخ ابو صالح جنون بن يمريان
الورجلاني
وصية الشيخ لبنيه
الشيخ ابو محمد جمال المدوني يختلفان لاجل كتاب فيفصل بينهما الشيخ برأي مصيب
يشح على نفسه وعياله فيطعمه الشيخ قسرا
على العالم ان ينظر للجاهل ما يصلح
يقنت في الصلاة موافقة للجماعة 347
رأي الشيخ في طهارة الثياب بمرور الزمن
348
اجتهاده في طلب العلم يتعجبون من حلمه فيمتحنونه
ابو صالح الياجراني
بعض ما ذكر من كرامات للشيخ سليمان بن زرقون وابن ماطوس 349
التعبد بدون العلم يوقع في الخطأ 350
خروجه من وارجلان اعتزالا للفتنة 373
527 (2/331)
صفحة 562
تحرج الشيخ وشدة ورعه وقوة ايمانه
الطبقة التاسعة 400 – 450 هـ
تسارع مزاتة الى الخير
حكم أخذ الاجرة على تعليم القرآن 399
ابو محمد عبد الله بن مانوج
ابو عبد الله محمد بن بكر
ذكر بعض كرامات للشيخ
شيخ حكيم يؤثر في ابن مانوج
أخبار عن قناعة الشيخ وجوده
خبر الجني الذي قيل انه كلم الناس 380 تحرج الشيخ من الاموال المجهولة 401
جملة من الاحكام الشرعية مما استجوب فيه القاضي ابا الحسن مشائخ يتسابقون الى قضاء دين
أخيهم
الجماعة أهم واولى من الفرد
ضيوف الله اولى بالاكرام خبر خروج الشيخ من أريغ رأي الشيخ في بعض كتب الفقه
الآخرة تقوم احيانا بالدنيا
الخوض من جديد في مسألة الحارث وعبد الجبار
الاستبداد بالرأي يفرق الجماعة
وصيته رحمه الله لبعض تلامذته
تحرج الشيخ من الاموال العامة
العبادة هي التقوى والاخلاص
لا يرضى منه ان يزوره وعليه دين 402
وصيته لعمروس الزواغي
يختار ان يترك الناس قبل ان يتركوه 403
أحمد بن خيران
قطع عذركم يا أهل قسطيلية
ابو الخطاب عبد السلام
موازرة الشيخ الامام ابي عبد الله
محمد
يهجر
أهله ويقيم بينهم
لاحياء
دين الله
محاصرة قلعة بني درجين وتهديمها 407
الشيخ ابو عمران موسى بن زكرياء
المزاتي
ابو يحيى زكرياء وابو القاسم يونس 393 المشائخ السبعة وتأليفهم للديوان 409
حكم طهارة ما صنع من نبات الارض 393 الشيخ يتأسف على ثلاثة فاتته أخوة في الله تصل الى الدلالة
الشيوخ الثلاثة من كنومة
فضل تعلم العلم ونشره
ابو اسماعيل البصير ابراهيم بن ملال 412
يتحرج من تقديم مساعدة لعبد آبق 395 لا يحل المبيت عند قوم اعلنوا بالمناكر 412
دين الله لا يرضى بالذلة
لاغرماء طبائع مختلفة
اختل الامن في زمنهم حتى سقط فرض الحج
ابو محمد عبد الله بن الامير
العمل في الحلال فضيلة ما لم يضر
بالآخرة
ابو زكرياء يحيى بن ويجمن (2/332)
صفحة 563
الناس في شـ والتفريط
بين الافراط الحكم فيمن عليه تباعة لا يعلم صاحبها 429
الشيخ يأبى عليه ان يذكر الحديث بدون سند
يحاسب الله العبد على مبلغ عقله الشيخ يحبس الاب ليؤدى دينه على ابنه ابو عبد الله محمد بن سليمان يعلم الطلبة وينفق عليهم
حكم التزوج في مرض الموت
الشيخ ابو مكدول الزنزفي
ابو موسى يزيد المزاتى
مساعدة الشيخ لقبائل مزاتة
يسأل المرء عن جاهه كما يسأل عن
كيف كان الشيخ ايام التلمذة ابو العزيز يدعو الشيخ ماكسن الى
430
432
الاهتمام بأولاده يطلبون منه ان يرخص لهم في الاموال والانساب ليرجعوا الى مذهبه 434
434
أهل جربة يبتهجون بمقدمهم فتن أهليه فى وغلانة وسوء مصيرها 435
يفر من وغلانة اعتزالا للفتنة
436
ابو سليمان داود بن ابي يوسف 437
الشيخ يشكو جهل الناس بالاحكام الشرعية
ابو القاسم يونس بن ابي الحسن 439 ابو الربيع سليمان الزلفيني يأبى من ارتكاب المكروه ولو يجره
ماله
ابو يعقوب يوسف بن سهلون
الى منفعة
مصاب الشيخ في لسانه
وسبب
ذلك 422
الحكم الشرعي في التي يدعى زواجها رجلان
كتابة عقود الطلاق والنكاح تدفع
الشك
424
424
الطبقة العاشرة 450 ـ 500 هـ ابو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي 425
يستهزئ بدعوة الصالحين فيصاب
بها
الحكم الشرعي في الوصية لوارث
ابو العباس احمد واخوه يوسف ابنا الشيخ ابي عبد الله
فضل ابى العباس وخدمته للمذهب 443 عجبا لاحوال الناس يفعلون خلاف ما يعلمون
443
سبب اقبال الشيخ على التأليف 444 الفتنة التي وقعت باريخ وخروج المشائخ منها
ابو العباس احمد الوليلى
ساعة تجل ظهرت له ونزول
وصية الشيخ ابي الربيع لتلامذته 427 حوراوين عليه
هل العلم بالفرض واجب کالعمل به؟ 428 ابو زكرياء يحيى واخوه زكرياء
الشيخان ماكسن بن الخير ومزين الوسيانيان
429
529
يابي من تلامذته التوقف دون اكمال
الدراسة (2/333)
صفحة 564
احكام شرعية في مال الابن والزوجة
ينبغي للانسان ان يتزوج
كفاه
من ينبغي ان تجالس
مصالة بن يحيى وفلفول بن يحيى
شدة ثقته في الله
احتفاء الشيخ بتلامذته
والتصرف في على الاب ان يعين ولده على بره
وصية الشيخ ابي محمد اللواتي
لاهل الدعوة
476
ابو محمد عبد الله بن محمد اللنثى 481
تصرف أهوج يثير فتنة
ابو عمرو عثمان بن خليفة السوفي 483 مجادلة بالباطل تؤدى الى انقراض المذهب من حامة قابس الطبقة الثانية عشر 550 ـ 600 هـ الشيخ ابو عمار عبد الكافي ما كان من الشيخ ابي عمار وهو
بتونس
485
اسئلة الشيخ أبي عبد الرحمن الكرتي والاجابة عنها
488
حكم مال من اشتهر بالاغارة والنهب 490 الشيخ ابو يعقوب يوسف السدراتي
وابنه انقطاع الشيخ الى خدمة العلم حرص أهل وارجلان على الاستفادة 492 وصول الدعوة الموحدية الى وارجلان 493 الحديث عن حجازية أبي يعقوب
ابو يعقوب يوسف بن خلفون
ابو موسى عيسى بن يرصو كسن الشيخ أحيى مواتا فظهرت فيه البركة
خبر خيل الميورقي عندما وصلت
الموضع
اسماعيل بن يدير
ديوان العزابة والذين تعاونوا على تأليفه
455
الطبقة الحادية عشر 500 ـ 550 هـ
عبد الرحمن بن معلا
رؤيى الشيخ وبشارته بالجنة
457 457
ابو اسماعيل ايوب بن اسماعيل 459 الخبر عن دار الطلبة والضيوف زيارة والد المؤلف للشيخ ابي اسماعيل قصيدة ابي يعقوب يوسف في رثاء الشيخ أبو زكرياء يحيى بن ابي زكرياء ابو محمد عبد الله اللواتي انما جعلنا الله احرارا لنملك أمر نفوسنا
سفر الشيخ الى قلعة بني حماد
قائد
حماد يحاصر وغلانة بني
خبر اختلاف الشيخ مع العزابة في مطالعة كتب المخالفين للمذهب
أبو عبد الله محمد بن على
الصلح الذي تم على يده بين أهل درجين
499
أبو زكرياء يحيى بن صالح اليراسني 502 ما كان منه وهم في الطريق الى نفزاوة
502 (2/334)
صفحة 565
مكانة الشيخ لدى العبيديين بمراكش 504 ابو الربيع سليمان بن عبد السلام 513
ابو يحيى فصيل بن مسعود الشيخان ابو عبد الله محمد، وابو الربيع سليمان
ابو عبد الله ينهى أهل جربة عن
المداينة
يخلف بن يخلف وابنه على
مكانة الشيخ يخلف لدى مواطنيه 513
خبر وقوع الشيخ في ضائقة عند
رجوعهم من الحج
514
ابو محمد عبد الله بن يحيى العباسي 507 مقابلته مع ابن العمودى المتصوف 516
يعرض عليه الاقامة والنفقة ليحفظه
القرآن
عبد السلام بن عبد الكريم ابو نوح يوسف وابنه ابو زكرياء يحيى
احتفاء أهل وغلانة بالشيخ، وقيامه فيها بالعدل والاصلاح ميمون بن أحمد المزاتى ويوسف بن
أحمد
سفرة الشيخ على بن يخلف الى غانة
ودخول الاسلام اليها
الشيخ سليمان بن علي
ان كانوا أولياء الله فان الله
لا يضيعهم
الشيخ يوسف بن سد ميمان
الفهارس (2/335)
صفحة 566
فهرس الاسماء والاعلام الواردة
في الجزء الثاني من كتاب الطبقات
-1 -
آمنة «زوج جابر، 210 ـ 213 أبرهة بن عطية 276 ـ 277
احمد بن الحسين 476
احمد بن الحسين «المتنبي
الاحنف بن قيس 216 - 235
اسلم بن زرعه 219
ابراهيم بن ابراهيم 413 - 428 ـ 439 اسماعيل بن يدير 444 - 455
ابراهيم بن يوسف 413
الاسود بن قيس 234
ابو اسحاق ابراهيم بن أبي يعقوب الاشعث بن قيس 215 - 235
يوسف 438 - 491 - 493 - 495
ابراهيم بن يرموز 418
ابراهيم بن ملال البصير 412
ابراهيم بن وانموي 462
الابدال السبعة 447
ابد الله السكاك 384
ابان بن وسيم 301 الى 303
ابو حمزة الاشعث 208
اشجع بن قرة 235
477
افلح بن العباس النفوسي 316
الامام افلح بن عبد الوهاب 291 - 352
519 - 478
افلح المرغني 501
افلح بن موسي ابو سعيد 519
أبو
روح
كنانة 255 - 256 - 269 بن
أبو طالب مكى 205
ابو الحسن افلح 381 أم الرحيل 210
382
-
ابو الحر 210 - 263 - 264 - 269 – 270 انس بن مالك 205
ابو الوزير 208 - 260
اياس بن معاوية 205
236 -
ابو العباس احمد بن ابي عبد الله محمد ابو منصور الياس 321 - 322 - 329 الى
226 - 442 الى 451 - و 456 و 495 و 501
ابو العباس أحمد الوليلي 433 - 434 ابو جعفر احمد بن خيران 403 - 405
331
ابو اسماعيل ايوب بن اسماعيل 445 459 الى 470
532 (2/336)
صفحة 567
-ابو الشعتاء جابر بن زيد 205
238 234 232 214 J 207
-
450 - 255
ابو سليمان أيوب 418 - 494
ابن بركة 479
ابو غانم بشر الخرساني 322 - 323 ابو بكر الصديق 415
بكر بن حماد التيهرتي 439
ابو صالح بكر بن قاسم 342 الى 360
396
بلج بن عقبة 249 - 262 - 266
البلجاء 216 - 217
ابو بلال الشاوى 214 الى 225 – 364
بلال بن بدرة 257
بياضة بن عزوز 520 ابن بهلول النفطي 513
با ثمان ابو) (عثمان المزاتى 308 الى 313
بنو تميم 215
ثابت البناني 207
- ج -
جعفر بن السماك 232
جابر بن سدرمام 411
- c-
الحجاج بن يوسف الثقفى 211 ـ 213 ـ
247 240 231 230 229
289 248
حريث بن حجل الشاوى 218 - 219 -
222 220
حرقوص بن زهير 202 – 203 - 204 الحسن البصري 206 - 20 - 233 - 236
الحصن بن عدى 235
حليمة المهلبية 264
حمزة الكوفي 241
حمودي بن زوريستن (انظر ميمون) حمو بن اللؤلؤ 381
حمو بن المعز 444 حماد الصنهاجي 413
حيان بن حاجب 275
حيان بن سالم 239
ابو مودود حاجب 242 - 245 - 250 الى
276 - 262 - 252
حاجب بن مسلم 234
481
ابو محمد جمال المدوني 345 الى 349
365
حارثة بن قدامة 215
- خ -
ابو صالح جنوف بن يمريان 341 الى الحباب بن كليب 231
477 - 344
خليفة بن تازوراغت 411 (2/337)
صفحة 568
ابو خليل اليدركلى 300 - 301 - 302 ابو زكرياء التكوتي 292
304.
خلفوب بن وحنين 352 الخوارج 208
247
خالد بن عبد الله القسري 258
297
زنغيل بن نوح 436
زيد بن حصن 218
زيري بن كملين 356 - 357
زياد بن ابيه 235 زواغة
ابو سليمان داود بن يوسف 383 ـ 436
- 3 -
الى 439 - 455
سحنون بن أيوب 340
داود بن يخلف 443
سعد بن أبي يوسف 334
داود بن ابي يعقوب يوسف الطرقي 454 ابو نوح سعيد بن زنغيل 307 - 312 -
داود بن ياجرين 321
داود بن واسلان 444
397 396 390 369 353 315
462 483 411 - 405
ابو نوح سعيد بن يخلف 367 - 410
سعيد بن يونس 410
سعيد بن ابراهيم 382 الربيع بن حبيب 213 - 242 - 243.
271 - 250 -
ابو رحمة اليكشي 498
روح بن زنباع 227 الى 231
زحاف
– ز –
بن مالك 232 - 233
ابو زعبل الخزري 473
زفر بن الحارث 229 - 230
-
ابو يحيى زكرياء بن ابي زكرياء فصيل
434 395 394 - 393
451
ابن سعادة 218
ابن السكيت 226
ابو الربيع سليمان بن داود 504 ـ 505
سليمان بن زرقون 349
سليمان بن عبد السلام الوسياني 512
سليمان بن على بن يخلف 518 سليمان بن موسى الزلفيني 414 - 434
479 441 440
ابو الربيع سليمان بن يخلف 403 ـ 404
451 437 431 430
ابو الربيع سليمان بن ماطوس 358
أبو يحيى زكريا بن صالح اليراسني سليمان بن يعقوب الفرشي 477
504 503 502
ابو سليمان الزواغي 444 (2/338)
صفحة 569
سهل بن صالح 242
ابو سهل الفارسي 351 سابق العطار 240
سالم الهلالي 231
ابن سيرين 236
- ? -
شعيب بن عمرو 248
شعيب بن المعروف 274
صحار العبدي 233
صالح الدهان ابو نوح 210 – 240
276 254
ابو نوح صالح بن ابراهيم 421 الصفرية 261
ابو صالح اليراسني 350 ابو صالح الياجراني 371 ـ 372 – 359.
- y? -
-
عبد الخالق الفزاني 294 عبد الرحمن بن رستم 471
ابو القاسم عبد الرحمن بن عمر 443
عبد الرحمن بن معلا 457 عبد السلام بن عبد القدوس 243 عبد السلام بن عمران النكسي 434 ابو الخطاب عبد السلام بن منصور المزاتى 405 الى 408
عبد السلام بن ابي وزجون 369 - 481 عبد السلام بن عبد الكريم 508
بن اباض 214 عبد الله
عبد الله بن زريق 242
عبد الله بن زياد الانصاري 217 عبد الله بن الحسن بن على 264 عبد الله بن الامير 348 - 349 – 413 -
414
عبد الله بن زوريستن 395 الى 398 عبد الله بن عيسى الوسياني 432 - 470
عبد الله بن على 261
عبد الله بن عباس 204 - 205 - 235 - ضمام بن ابي موسى المزاتى 421 ـ 422
ضمام بن السائب 208 - 246 الى 248
276
300
ابو عبيده عبد الله بن القاسم 250
278 -
274
-
252 الى 254
-
251
- ع -
ابو عبيدة عبد الحميد الجناوني 291
477 - 305
الامام ابو عبيده (انظر مسلم)
عبد الحميد الفزاني 327 عبد الحميد الوليلى 447
عبد الله بن سعد 251
عبد الله النثى) ابو محمد) 481 – 482 بن محمد 296 الله عبد عبد الله المدوني 388 – 399 عبد الله بن مانوج 349 – 394. 400 الى 403 - 413
395
535 (2/339)
صفحة 570
عبد الله بن مسعود 12 عبد الله بن سجممان 488
-
عبد الله بن وهب الراسبي 201 - 218
على بن يخلف 403 - 512 - 515 - 516 على بن يعقوب 381 - 383
عمر بن الخطاب 202 - 203 - 415 - 477
عبد الله بن يحيى طالب الحق 258 الى 268 عمر بن عبد العزيز 232 - 233 - 236
ابو محمد عبد الله
بن يحيى
عبد الله بن الخير 316 - 317
ابو عبد الله بن الخير 436
507 - 506
ابو عبد الله بن يزيد الفزاري 477 عبيد الله بن زياد 214 الى 221 عبيد الله بن الحسن 252
عبد الملك الطويل 240 - 249 - 252
277
- 262
عبد الملك بن مروان 227 - 228
ابو عمار عبد الكافي 393 - 425 - 485
الى 494
عمر بن غزوة النفطي 515 عمرو بن عبيد 246
ابو عمرو النميلى 364 – 365 – 396 عمروس بن عبد الله الزواغي 403 عمروس بن فتح 306 - 314 – 319 320 الى 324 - 333 عمار بن ابي عمار 487 عمران بن حطان 223 - 226 الى 232
453
العنبر (جد ابي سفيان محبوب) 212
الامام عبد الوهاب 292 ـ 293 - 315 ابن العمودي 515
496 322
-
عبود بن منار 372 - 402 - 404
عباد بن أخضر 219 - 221
222
-
ابو العباس النفوسي 294 ابو عمرو عثمان بن خليفة 427 - 481
483 482
عروة بن أدية الشاوى 215
223
عطية بن عبد الملك 261 - 282
على بن ابي طالب 415
على بن عبد الحسن التنوخي 236 على بن علقمة 271
على الحضرمي 254
-
222
عيسي بن احمد 488 - 491 - 508 عيسى بن ابى الحجاج 431
عيسى بن زكرياء (ابو موسى) 486 ابو موسي عيسى بن السمح 342 ابو موسى عيسى الزواغي 365 - 367
عيسي بن عمر 241 - 262 عيسى بن علقمة المصرى 269 عيسى بن فاتك التميمي 220 - 221 ابو موسى عيسى بن يرصو كسن 330 372 - 433 - 453 الى 455 عائشة أم المؤمنين 206 - 213 عاتكة بنت ابي صفرة 255
536 (2/340)
صفحة 571
-?-
غيلان الضبي 214 - 216
فتوح بن ابى حاجب 347 الفرزدق 230
الفضل بن جندب 239 - 250 - 253
254
ابو زكرياء فصيل بن ابي سور 318
ابو يحيي فصيل بن مسعود 504 فلفول بن يحيى 423 - 451
- 3 -
قتادة 209 - 213
القعقاع بن عطية 220
قريب بن مالك 232
قرة بن عمر
250
المثنى بن المعروف 276
ابو سفيان محبوب بن الرحيل 278
478 477 - 279
محمد بن أفلح 319 - 333 - 340 محمد بن حبيب 242
محمد بن خليفة المدنى 242
ابو عبد الله محمد بن الخير 383 - 384
459 - 454 -
436
ابو عبد الله محمد بن بكر 295 - 352
409 - 407 - 405 - 404 - 393 J 1 377 436 427 425 423 — 422 - 417
440 - 451 - 470 الى 476
ابو عبد الله محمد بن داود 504 - 508
ابو عبد الله محمد بن سعيد 497
ابو عبد الله محمد بن سليمان النفوسي
444418 417 - 387
233
القاسم بن ربيعة الحوني 236
ـك
كعب بن مالك 234
کهمس الشاري 217 - 220
ابن مؤنسة 302
- م -
المبرد 215 - 227
المتنبى (انظر احمد بن الحسين)
محمد بن سلامه المدنى 242 - 243 ابو عبد الله محمد بن سودرين 391
404 393
محمد بن صالح 455
ابو عبد الله محمد بن على السوفي
499 الى 501
محمد بن عصمة 471
محمد بن عمران 513
محمد بن سليمان العرجاء 441
محمد بن عيسى بن ابراهيم 224
محمد بن محبوب
ابو المنيب محمد بن يانس 297 (2/341)
صفحة 572
ابو يعقوب محمد بن يدير 427
ابو محمد ملي 332 - 333 - 334 ابو محمد النهدى 257 - 258 - 258
منزو بنت باثمان 310 - 311 - 312
المنيب بن زهير 289
ابو مرداس مهاجر 292 - 293 - 442
307 306 - 305
314 313 312
ابو محمد بن بكر بن قاسم 354 - 359 ابو مهاجر موسي ابو حمزة المختار بن عوف 245 - 249
258 الى 269
ابو غساف مخلد 290 مروان بن محمد الاموى 260 - 262
265 263
مزور بن عمران 294
مزين بن عبد الله 422 - 428 - 429
المعتمر بن عمارة 244 - 272 – 277 معبد الشاري 218
مهدى النفوسي 313 - 314 ميمون بن أحمد المزاتى 511 - 512 ميمون حمودي بن زريستن 395 الى 399
ميمون بن عبد الوهاب 351 ابو ميمون الجطالي 295 - 296 الميورقي (انظر (يحيى) موسى بن الياس المزاتى 518 ابو عمران موسى بن زكرياء 388 - 401
المعز الفاطمي (ابو تميم) 326
411 410 407
موسى بن على 484
المعز بن باديس 429
معاد بن أبي على 442
معاوية بن ابي سفيان 215
ابو مسعود الجربي 466 مسعود بن فدكي 215
ابو عمران موسي بن کنون 384
ابو مودود (انظر حاجب مازن بن کنانه
256 255
بتو مازن 222
ماطوس بن هارون 321
ابو عبيدة مسلم 210. 238 الى 248 ابن ماطوس 330 - 349
276 272 - 259
450
مصالة بن يحيى 451
290
358322
مالك بن أنس 267 - 268 - 472
ماكسن بن الخير 402 - 412 - 416
421
428 الى 433
437 -
435 -
ابو مكدول الزنزفى مط كداسن 348
421
المليح 248
456 - 447
ن.
المنصور ابو جعفر) 254 - 276 منصور بن خلدين 403
نفات بن نصر 314 نافع بن الازرق 208 - 213 (2/342)
صفحة 573
هشام بن عبد الملك 257
هنده بنت المهلب 210
هود بن محكم الهواري 345
ابو الخطاب وسيل الزواغي 339
ابو معروف ويدران 325.
الى 330 - 338
327 326
ابو ويدران الفطناسي 430
ابن ابي ويدران 442
يخلف بن يخلف 459 - 497 الى 499
518 512 505
يخلف التميجاري 421
يختلفن بن ايوب 455
يزيد بن ابي مسلم 211 - 212 يزيد بن يخلف الزواغي 427 - 471 ابو موسى يزيد المزاتى 421 ابو يزيد الخوارزمي 258
ابو القاسم يزيد بن مخلد 340 - 342 ابو مسور يسجا اليراسنى 335 - 336
381 358 353 348 337
ابو محمد واسلان 364 - 365 - 369
وائل بن أيوب الحضرمي 271 الى 278 واهل بن عطاء 246
254 -
يحيى بن جعفر 421
258 -
يحيى بن اسحاق الميورقي 450 - 484
495
أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر 351
426 - 448 الى 451
490 -
489
أبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء 470 ابو زكرياء يحيى بن ابي عبد الله 509
ابو زكرياء يحيي بن كرنان 393 ابو زكرياء يحيى بن ويجمن 415 الى 417 ابو زكرياء يحيى بن يونس السدراتي
318 317 311
يحيى بن أبي يعقوب الطرفي 453
يحيى بن معاد الرازي 447
ابو مسور يصنيتف النفوسي 415 - 416 يعقوب بن ابي محمد واسلان 385 يعقوب بن ابى القاسم 381 ـ 383 - 422 يعقوب بن أبي موسى
يعقوب بن صالح 436
427
ابو يوسف يعقوب بن سهلون الطرفي
453 344 -
332 -
331
ابو صالح يعلو 477
ابو خزر يغلا 339 - 340 - 341 - 421
يكفول بن عيسى المزاتى 382
384
ينجاسن بن حمو 429
383
ابو يعقوب يوسف بن ابراهيم 460
495 494 493 491 490 - 489
ابو محمد يوجين اليفرني 405 يوسف بن احمد 512 ابو يعقوب يوسف بن ابي عبد الله محمد بن بكر 398 (2/343)
صفحة 574
ابو يعقوب يوسف بن خلفون 495 يوسف بن نفاث 388
497
499498
أبو يعقوب بن سهلون 422 - 423 424 يوسف بن ابي حسان 508
ابو نوح يوسف بن ابي عبد الله 509 يوسف بن موسى 470
ايو يوسف بن زيري 435 ابو القاسم يونس بن ابي زكرياء 393 الى
أبو القاسم يونس ابن ابي الحسن 439
421 - 396
440
522 -
يوسف بن سد ميمان 521
يونس بن يحيى الطنبرى 365 الامام ابو اليقظان يوسف بن محمد 319
ياجر بن جعفر 391
540
352 (2/344)
صفحة 575
فهرس اسماء القبائل والاماكن الواردة
في الجزء الثاني من كتاب الطبقات
-1 -
آسك «ارجان، 218 أبيدلان 444
أجلو 393 - 407 - 415 - 417
431 -
471 444 442 440 - 436
نفيوس 381 - 395 - 520
تمرينت 413
تمولست 416 - 426 - 437 - 441
444
تموصين 489 أريغ (وادي ريغ (331 - 342 - 379
432 431 428 - 407 405 385
-
456 455 442 - 434
461 459
510
506 412
482 - 462
الأزد 227 - 230 - 289
أفريقية (تونس) 350 - 367
504 421 407 - 406
369
-
تلاعيسي 331 - 453 - 454
توزر 412 - 454 - 512 - 515 – 522
توزين 482
تونين 470 - 505
تونس
485
تينزراتين 482
تينوال 416 - 417 ايفران «وارجلان» 385 - 386 - 444
498
تينيما طوس 441 - 498
تينسل 382
بئر الكلهنة 434 برقه 514
البصرة 205 - 207 - 208 - 211 - 213
تيقورت 457
تاجديت 382 – 458
تا دمکت 367 - 374 - 381
تاهرت «تيهرت، 292 - 284
439 330 322 - 303
252 251 251 238 237 - 234
269 - 257 - 256
276 271
541
295 - (2/345)
صفحة 576
- ج -
جبال بني مصعب و مزاب، 387 - 482
487
جربه 397 - 342 - 347 - 354 - 357
429 425 402 400 363 361
-
506 504 502 434 431
جبال بني راشد 487
-
زناته 367 - 406
زوانحه 366
الجريد 340 - 421
جزائر بنى مزغنة (الجزائر) 351 - 352 يوم الجمل «موقعة، 206
جوجو 319
جادو 310
الحجاز 227 - 260
سلجماسة 502
بنو سيتتس 225
458441
وادي سوف 480 - 482 – 492 - 499
بلاد الساحل 390 - 398
المسجد الحرام 206 - 246
شروس 322
حضر موت 242 - 251 - 261 - 278
الشام 215 - 224
الحامه 483
صفين «موقعة» 202
صنهاجة 352 - 353 - 367 407 - 408 در جين 352 - 499 - 500 - 511 - 512
521
•
الدرمون 434 دقاش 521
دمر «جبل» 331 - 337 - 356 - 359
426
ذي طوي 265
طرابلس 339 - 347 - 367 الى 369
498 434 407 406 393 - 379
505
- ع -
العراق 227 – 271 – 278
عمان 206 - 230 - 273 - 278 – 498
542 (2/346)
صفحة 577
غدامس
301
- غ -
بنو غمره 387 - 412
غانه 516
- م -
المدينة المنورة 260 - 263 - 265 - 267
مرسى الدجاج 351
فزان 301
قرطبه 495
مصر 438
مرقه 470
مراکش 503
مزاته 361 - 360 - 399 - 406 - 421
مغراوه 501
مزاب انظر جبل بني مصعب مكة المكرمة 209 - 233 - 240 - 242 - 245
406 395 382 - 350
-2651 262
260 - 252 - 246
قديد 265
قسطيل
قصر بكر 343
قصر مانو 323
درجين 352 قلعة
407 - 406 -
بني حماد 441 - 471 قلعة
القيروان 326 - 361 - 364 - 371
431
قنطرار 383 - 482 - 500 قابس 421 - 444
مالي 516
نفزاوة 350 - 381 - 395 - 435 - 444
503 - 502
جبل نفوسة 292 - 294 - 295 – 303
309 - 308
345 - 331
324 322 321 314
499 371 370
كدية بن غمرة نظر عمرة كنومه 395
نقطه 499 - 512 - 513 - 518
النهروان (موقعة) 363
520 519 459 - 405
لمطه 389
لماية 413 لواته 382
- ل -
بنو يراسن 361
اليمن 260
-3 -
بنو ينجاسن 224 - 472
بنو يوجين 432 - 433 - 422 (2/347)
صفحة 578
482 472 460 459 454 - 440
458 495 492 487 486 484
506 502
480 473 434 417 382
بنو وارزمان 385
بنو وارتيزلن 381 - 382 - 391 - 407 بنو وليل 442 - 454 - 455
544
وادي القرى 260
وارجلان 331 - 332 - 342 - 343
410 399 386
374 373 344
437 434 433
431
429 - 422 (2/348)
صفحة 579
جدول التصويبات
رغم اجتهادنا في اصلاح الاخطاء فقد بقى البعض ننبه اليه القارئ فيما يلى: ورد اسم مدينة قنطرار بالراء وبالنون قنطنار احيانا، مما تعذر على تحقيق اسمها، وافادني بعض المشائخ انها بالراء على المتداول.
الصحيفة
السط
الخطا
الصواب
ابو فاره ابراهيم ابو فاره محمد بن ابراهيم
وبينك
وبينك
مولى بن العباس
مولى بن عباس
ثم ليعمن
ثم ليعمين
حثو المطى
حثوا المطى
قد علمتوه
قد علمتموه
فاملأ السفر
فأملى السفر
وكان في القتي
وكان في القتلى
ثمانين رجل
ثمانين رجلا
في ابتداء اشغالهما في ابتداء اشتغالهما
ومدارستهما
مستنشعة
ومدارستها مستشنعة
ان يجلد في كتاب
وتعليم
ان يخلد في كتاب وتلعثم
احداهما
احداها
وحرصها
وحرصا (2/349)
صفحة 580
السطر
الصحيفة
الخط
الصواب
مذكرة الطلبة
مذاكرة الطلبة
الى القاسم
الى أبي القاسم
واذا ادفعوه
واذا دفعوه
فازدادوا حنقا
بتفيوس
فازداد حنقا بتقيوس
و اورجلان
و وارجلان
جلدا وشامه
جلدا وشهامة
الانتهاء فيه
الانتهاء فيها
ومفرق سهمه
ومفوق سهمه
ولم يثبوا
ولم يثبتوا
فلما أبطوا
فلما ابطاوا
هذه احد
هذه احدى
العمل بعد الموت
العمل لما بعد الموت
قصرت عليهم الخطا قصرت عليهم الخطى
عابر السبيل في عونه عابر السبيل في كونه
على ما فعلنا
على ما فصلنا
وكان طريقة
وكان طريقه
قطعتين مملوءتين
قصعتين مملوءتين
احذروا غمض الحق
احذروا غمص الحق وتغميصه
و تغميضه
حيث وردن بني ويليل
بني وليل (2/350)