صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: السير والتراجم والطبقات - علوم التربية
------------------------------------------
العنوان: من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المؤلف: زايد بن سليمان بن عبد الله الجهضمي
الناشر: د.ن
عدد الأجزاء: 2
ج1:
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1424ه/ 2003م
الطبعة: 2
الإيداع القانوني: 2004/22
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1683&id_ty=1
ج2:
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1429ه/ 2008م
الطبعة: 1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/186
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع. من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
الجزء الأول
زايد بن سليمان بن عبد الله الجهضمي
الطبعة الثانية (1/1)
صفحة 2
}
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
" المفتي العام لسلطنة عمان
الجزء الأول
"
زايد بن سليمان بن عبد الله الجهضمي
الطبعة الثانية
سلطنة عمان
-
مسقط
1424 هـ - 2003 م (1/2)
صفحة 3
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف (1/3)
صفحة 4
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد
الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان
قة (1/4)
صفحة 5
"فهذه الصحوة الإسلامية - والحمد لله - أخذت تقض على الجاهلية الحديثة مضجعها، وتثير في أعماق نفسها الخوف والرعب، وسوف يأتي اليوم الذي يسود فيه هذا الدين
- إن شاء الله - ويهد أركان هذه الجاهلية، ويحنث بنيانها، كما فعل بسالفتها الجاهلية القديمة، عندما طوى ظلامها بإشراق نومره، وسطوع هداه".
الشيخ / أحمد بن حمد الخليلي.
318/ 2:
"أما أنا فلا أتشاء قط - والحمد لله - أنا متفائل، ولا ريب أنني أرى يقظة المسلمين اليوم هي خيراً منها بالأمس، مهما كانت الأحوال سابقاً ... فهذه الصحوة الإسلامية إنما هي تباشير صبح مقبل بمشيئة الله، وإنا لنظر وصوله عما قريب - إن الشيخ / أحمد بن حمد الخليلي. الطريق إلى الأقصى: جدا.
شاء الله
"وإذا كان العالم اليوم يقف على عتبة مرحلة جديدة، يواجه فيها صحوة إسلامية مشرقة يتألق نومرها في عقول شباب المسلمين، فإن الواجب يفرض على جميع أفراد المسلمين أن يضافر وا جهودهم - كل بحسب ما يملك - للمحافظة على سير هذه الصحوة في مسلكها السليم، وانتشارها بنور من وحي القرآن، حتى لا يعتريها الشذوذ والانحراف. الشيخ / أحمد بن حمد الخليلي. جواهر التفسير: 11/ 1. (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
من معالم الفكر التربوي
{v}
المقدمة
دافع التأليف
عند الشيخ أحمد الخليلي
الحمد لله المتفرد بالكمال، والجلال محقق الآمال ومقدر الآجال،
المضفي على من يشاء من عباده حميد الخصال، والصلاة والسلام على أحسن البشر خَلْقاً، وأعظمهم خُلُقاً، وأزكاهم سيرة، وأصفاهم سريرة، وعلى آله وصحبه المضطلعين بحمل رسالة الإسلام، المستهينين في سبيلها بالأعباء الجسام، وعلى الواطئين مواضع أقدامهم من التابعين والصالحين إلى يوم الدين.
أما بعد:
فلقد جعل الحكيم الذي لا يسأل عما يفعل لكل شيء سبباً، وكان من السبب الباعث على هذا التحبير، والدافع الملح على هذا التسطير؛ إرواء الغلة المتخلقة بحشاي مذ كنت صبياً، والمترعرعة بطواياي منذ كنت فتياً، قبل نفور الحبيب بتباشير المشيب، إذ ساقني طالع السعد، وقادني لطيف القدر، إلى محاضرة بالمعهد الإسلامي بما ينيف على عقدين من السنين، حيث تصدر سماحته على دست الجلال بهيبة ووقار وأخذ ينثر على مستمعيه من فرائد، وقلائد حكمه، وسديد توجيهاته، ولطائف إرشاداته، وانهمك في توضيح ما اندرس من معالم الأخلاق، محركاً في تلافيف النفوس إليها كوامن الأشواق، يهدر كالسيل المتدارك، ثم خرجنا مستحوذاً على قلوبنا الإعجاب، ومستولياً على نفوسنا الاندهاش، ولم نخرج آنذاك بغير ذاك، ثم تواترت علي
علمه، (1/7)
صفحة 8
من معالم الفكر التربوي
{N}
عند الشيخ أحمد الخليلي
نعماء القدر، فكحلت بنور غرته مني البصر في دروس التفسير لكتاب الله العلي القدير، التي يكشف فيها ما خفي من دلالات القرآن، فتتجلى بذلك ما كمن في نفس الشيخ من آيات الرحمن، فأشريت قلوبنا بحبه، وطمحت نفوسنا إلى التماس قربه، فوجدناه مع سمو قدره، وعلو منزلته:
دان إلى أيدي العفاة وشاسع عن كل ند في الندى وضريب.
فدلتنا بشاشته على لطفه ولطفه على عطفه، ونبهنا سخاؤه على رجائه، فحشرت نفسي مع الداخلين فانبهرت بما شاهدت من آيات تفرده، وبقيت أشيم بارقة الهدى في سجاياه، وتستجيش تلهفي أنوار الإيمان المتلألئة في محياه، فاستطبت المقام في ظل دوحة خلقه الوارف، ألتقط ثمار علم مختلفة أفنانها، وأكرع من نمير حياض فضل متنوعة طعومها وألوانها، فغرست حينها غصن المني في تشريف نفسي بتسجيل مآثره، وتخليد ذكري بحفظ عقد جواهره، ليتزين بها جبين التاريخ، ويلهج بها لسان الدهر، فولعت من حينها بالحرص على ملء أصداف مسامعي بثمين فرائد أخباره، واستهداء المقربين إليه لطائف آثاره، ومضت قافلة الزمن وأنا أتعلّل من أخباره في الصدور والورود، بلطائف أرق من دموع الندى على خدود الورود، وكلما هزتني الرغبة في مصر أغصان المنى، استشعرت العجز والونى، لقصور عقلي عن الفهم، وانعدام بضاعتي من العلم، وأيقنت بخيانة القلم، وخذلان التعبير، وأنا أسجل شمائل سماحته، وأفصح عن مآثره، وأعرب عن سماته، وأبين عن صفاته، وأظهر بعض محامده، ولكن جسرني على اختراق حمى الكتابة، ما أولانيه - حفظه الله - من حياطة كنفتني، وعناية شملتني، وما تواتر علي من نعمه، وترادف (1/8)
صفحة 9
من معالم الفكر التربوي
{A}
عند الشيخ
أحمد
علي من مننه، وتتابع علي من آلائه وتلاحق علي من نعمائه، فكان هذا الكتاب صغيراً في متنه كبيراً في فحواه عظيماً بما تناول من شخصيته المصطفاة، ليجدد الله به - في عصرنا - صرح الدين بعد اندثاره. وينتظم به عقده بعد انتشاره. وإني لأرفع أكف الضراعة لرب الأرباب، ومنزل الكتاب. أن يجعله خالصاً من جميع الشوائب محفوظاً من عواصف النوائب إلى أن يقوم
الناس لرب العالمين.
مرجعية التاليف:
لقد اتضح لي نوعان من التربية لسماحته: الأول يتعلق بالتربية الفردية الخاصة بالفرد في ذاته، والنوع الآخر التربية الجماعية وهي تربية الأمة في مجموعها بمنهجية متميزة عن تلك المنهجية في النوع الأول، وقد تناول هذا الكتاب النوع الأول من التربيتين.
يشتمل في أجزائه على مقدمة وستة فصول وخاتمة، جعلت الفصل الأول يتحدث عن حياة الشيخ الخليلي ومؤلفاته ودوره الإصلاحي، ولم أشأ أن أضيف إلى هذا الفصل مبحثاً عن عصر الشيخ؛ فقد كفاني ذلك الجهد
الكثير من الباحثين.
أما الفصل الثاني: فقد جعلته مدخلاً إلى الفكر التربوي، ليكون تمهيداً
لتصور بعض المعالم التربوية حال الحديث عنها في الفصول اللاحقة. (1/9)
صفحة 10
من معالم الفكر التربوي
+
{10}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أما الفصل الثالث: فقد تناول أهم أنواع التربية وهي التربية الروحية،
وجاء الفصل الرابع متناولاً للتربية العقلية وجعلت الفصل الخامس متحدثاً عن
التربية السلوكية، التي هي الميدان الذي تتجسد فيه التربيتان الروحية والعقلية
،
بينما يتناول الفصل السادس تحليلا مفصلا عن نظرية الشيخ التربوية في ضوء أهم النظريات التربوية القديمة والمعاصرة، وأنهيت الكتاب بخاتمة أودعتها خلاصة البحث.
لقد كان هذا الكتاب في أصله بحثاً أردت المشاركة به في ندوة تكريم الشيخ بعد مضي ثمانية عشر عاماً في تفسير سورة البقرة وحدها من القرآن الكريم، وقد حاولت فيه جهدي - وأنا أبين بعض معالم الفكر التربوي – أن أقرن الفكر النظري لسماحته بما استطعت الوصول إليه من تجسيد في حياته العملية لهذا الفكر، فتقترن النظرية بالتطبيق وليكون أدعى للتأثر وأعمق في التأثير، وأيسر للفهم. وأوضح للفكرة، وربما استطردت أحياناً في هذا المضمار؛ لدفع السامة التي قد تخلفها ركة أسلوبي، واضطراب تعابيري،
وأرجو أن لا تخلو تلك الاستطرادات من فائدة إن لم تخدم الهدف المقصود. ولقد كابدت في اقتناص هذه التطبيقات المشاق، وتجرعت غصص الحرمان غير ما مرة، وكم توشحت عصاي قاصداً فلاناً على أن أحظى من لدنه بأحد خفي حنين ولكن - للأسف - أعود عاضاً على أناملي، وقارعاً سني بأظافري، على أن هناك من كان يفوقني رغبة في إنجاز هذا البحث، ويمد إلي كلتا يديه - فلهم جميعاً جزيل شكري، كما أن هناك من لم يتحفني القدر (1/10)
صفحة 11
من معالم الفكر التربوي
{N}
عند الشيخ أحمد
بلقائهم البتة، ولو سعدت بالجلوس إليهم، لأغدقوا علي من فيض معارفهم التي ربما غيرت كثيراً من ملامح هذا الكتاب وتحسن الإشارة هنا إلى أن أهل عمان جميعاً وغيرهم عرفوا الشيخ أباً وشيخاً، فمن شاء الكتابة عن حياته - حفظه الله - فإنه واجد ثروة عظيمة من المعلومات - إن لم يضنوا بها تواضعاً منهم - فسماحته يعيش بين الناس، ويلتقي به كل أحد – كما يتبين في ثنايا الكتاب - ولكني لم أرد التوسع في الكتابة عن حياته؛ لأن أصول البحث تقتضي وضع مختصر عن حياة المفكر، وقد اعتمدت أحياناً على ما شرفت به من مواقف مع سماحته، وربما أوقعني ذلك في بعض التكرار والناظر المتأمل يجد تعليلاً مسوغاً لذلك التكرار، الذي لا تفارقه الفائدة، وأقلها التأكيد – كما يقول البلاغيون - ومع ذلك حاولت مستطاعي أن لا يكون التكرار باهتاً، مع حرصي على التقليل منه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، مدركاً تماماً أن القارئ قد لا يسعفه الحال على الاطلاع الكامل على الكتاب، بحيث يستقصي جميع جزئياته، فربما اغترف أحدهم من المنهل الذي يعله، واستمتع بالمبحث الذي يستهويه، وارتوى بالفصل الذي يستأصل غلته.
أما في الجانب النظري فقد حرصت - في زحمة متطلبات دراستي - أن أسمع الكثير من المحاضرات، فضلا عما وقع في يدي من مؤلفات الشيخ، بيد أن ملاحقة ذلك لا يستطيعه فرد واحد؛ فحياة الشيخ جهاد مستمر لا يفتر، فهو - كما قيل - واحد كالألف، أو كما وصف أبو عبيدة التميمي بلج بن عقبة الأزدي في خطابه لطالب الحق: "بعثنا إليك اثني عشر رجلاً وألفاً يعني
بالألف بلج بن عقبة، ونتيجة لما يقوم به الشيخ من دور اجتماعي إصلا (1/11)
صفحة 12
من معالم الفكر التربوي
? {14}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فإن الكثير من التوجيهات كانت تتكرر بسبب تحدد أماكن الإلقاء، لذا كنت أكتفي بمصدر واحد في التوثيق غالباً لتحقق الهدف المراد منه. وحصرت البحث بتوقيت زمني لتجدد الفكر عادة. لقد طمحت أن يكون كتاباً يناغي الأرواح، ويهامس القلوب، مع الالتزام التام بقواعد البحث العلمي في التوثيق والمنهجية ومصادر المعلومات، وقد قصدت عدم التوسع في التحليل، أو عقد المقارنات، وبيان الأسس، فالكتاب قريب إلى التوصيف، إذ التحليل سيطيل البحث - في حال امتلاكي أدواته - ويخرج بنا عن الغرض من هذا الإصدار، ويؤثر سلباً على الهدف المراد، ولهذا سأترك ذلك لمن شاء أن يتم هذا العمل، ويسد خلله، ويرتق فتوقه، إذ كانت غاية همي في هذا الكتاب أن أجعله مرجعاً لي ولأمثالي من العوام، وأشباه العوام نسترشد بما نستوحيه من مواقف الشيخ ونستنير بما نستوعبه من توجيهاته في شؤون حياتنا، وربما كان أنيساً لنا في الوحدة، وسميراً لنا في الخلوة؛ فقد عدمنا - والحق أولى أن يقال – أمثال هذه النماذج الإسلامية الحية في زمن كهذا، محبل بالشخصيات الزائفة، بل زمين تهاوت فيه النجوم، وتعكرت فيه الموارد، وأصبح الحليم فيه - كما قيل - حيراناً، فكان حفظه الله ذلك المجدد العدل الذي اصطفاه الله في القرن الرابع عشر والخامس عشر الهجريين؛ لينفي زيغ المبطلين، ويرد تأويلات الجاهلين، ويدحض شبه المغرضين، ويبطل حجج المفترين، ويقشع أوهام الحاقدين، ويتألق في سماء المسلمين قدوة نقية تشع للسالكين، وترشد الضالين إلى صراط
رب العالمين. (1/12)
صفحة 13
م من معالم الفكر التربوي
{\"}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ومن المهم جدا الإشارة هنا إلى أن الشيخ - حفظه الله - حلقة مشعة في سلسلة علماء الإباضية الأوائل، ودرّة تومض بفكرها في عقد أولئك العباهل، جرى على مضمارهم في أصول المذهب وأسسه الفكرية، مجددا لصياغة الحلول الجذرية للمشكلات التي تفرزها الحياة العصرية، فهو لحمة سوية لأساس متين راسخ، ولبنة قوية لصرح مشيد شامخ
هذا وكان الأولى بالكتابة في مثل هذا الموضوع من هو أقدر مني على إرساء قواعده، على أسس راسخة من التقعيد والتنظيم، وإعلاء صرحه في أفق التحليل السليم، ولكن إرادة القدر نافذة لا محيص عنها، وما لا يدرك جله لا يترك كله، فأقحمت نفسي في لجة الترجمة له، مع اعترافي بأني لا أحسن العوم في تلك اللجج، كما أعترف بركاكة تعبيري، وضحالة فكري، وتهاوي بناء عباراتي، وافتقار معجمي إلى أبسط المفردات، وأسهل التراكيب، ولكنّي خفت أن تذهب جميع مواقف الشيخ أدراج النسيان، وقد ذهب أكثرها ولم يبق إلا النزر اليسير منها، فكم أولئك الذين صحبوه لا يذكرون من مواقفه شيئا كثيراً، فقد لفتها الأيام في تيارها، وانداحت في تلافيفها، وبعضهم اختطفتهم يد القدر إلى الدار الآخرة، والله المستعان.
وختاماً لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل شكري لكل من ساهم في إتمام هذا الكتاب ولو بمعلومة أو توجيه وإرشاد، وأخص بالذكر الشيخ كهلان الخروصي، وأخي العزيز الفاضل خليل بن أحمد الخليلي الذي وجدته رحب أفق الوعي، راعياً للأمام، يعجز قلمي عن تسجيل شكره كما هو حقيق (1/13)
صفحة 14
من معالم الفكر التربوي
?
{14}
عند الشيخ أحمد الخليلي
به، والأخ سلطان الشيباني الباحث الحثيث عن دقائق المعلومات الذي أسعفني
"
بغرفة من بحره العذب الفرات والصحفي المتميز عثمان بن عبدالله الزدجالي، الذي كان لتوجيهاته وعونه الأثر الكبير في إخراج الكتاب، والأخ عمير المعمري الذي أسعفني بالكثير من صور سماحته، والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء الصراط.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.
زايد بن سليمان الجهضمي
مسقط. شوّال 1424 هـ / ديسمبر 2003 م (1/14)
صفحة 15
الفصل الأول
حياة الشيخ أحمد الخليلي (1/15)
صفحة 16
[صفحة فارغة] (1/16)
صفحة 17
من معالم الفكر التربوي
{17}
عند الشيخ أحمد الخليلي
حياة الشيخ أحمد
بن حميد
الخليلي
لقد حبا الله سبحانه وتعالى بعض البقاع ببعض إكرامه، فجعل بعضها مباركاً وبعضها مقدساً، وقد خص الله تعالى عمان - كما يشهد الواقع التأريخي - بمزايا عديدة، فقد شهد زوارها بسمو خلق أهلها، وحسن معاملتهم، ودماثة طبعهم، ولما جاءهم مبعوث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سبوه ولا ضربوه ولا عنفوه، كما فعل غيرهم من العرب، بل آمنوا وصدقوا على بعد دارهم، ومنعة بلادهم - ولا يمتنع من الله أحد - وقد شكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلهم، وذكر خلفاؤه من بعده صنيعهم، وحمدوا لهم اعتصامهم بعروة الإسلام الوثقى حين تزعزع كثير من الناس، وباركوا لهم ثباتهم على منهج الحق حين تزلزل كثير من العرب، وكانت مقولة أبي بكر الصديق فيهم مستشرفة لمستقبلهم الوضيء، حين قال: "ولست أخاف عليكم أن ترتدوا عن دينكم، بارك الله فيكم فأجاب الله دعوته، كما أجاب دعوة خير الخلق أجمعين لهم من قبله، فبعد أن أجابوا داعي الله عن طيب أنفسهم، ثبتوا مستمسكين بحبل الله المتين، ونوره المبين، مطبقين أحكام الله، عاضين عليها بالنواجذ، يفدون دينهم بأرواحهم وبكل غال ولمين، واستمروا ثابتين على ذلك جيلاً بعد جيل، يحكمون كتاب الله فيما بينهم، لا فرق في ذلك بين قوي وضعيف، وحاكم ومحكوم. فسجل لهم التاريخ بحروفه النورانية سجلات مجد فريد تسطع أنوار العدالة من صفحاته، وينفح شذا (1/17)
صفحة 18
من معالم الفكر التربوي
{18}
+
عند الشيخ أحمد الخليلي
الحياة الإسلامية الحقة من بين سطوره، فحسدهم خصومهم على هذه الهبات الربانية والمكارم الإلهية، فكالوا لهم التهم، وهالوا عليهم الألقاب وغمروهم بالأكاذيب والفرى، فلم يصدّهم ذلك عن السير الحثيث في طريقهم الواضح، بل زادهم تضحية وفداء، وجهاداً وبلاء، فاستمرت فيهم الإمامة الشرعية على منهاج النبوة زهاء ثلاثة عشر قرناً، لا تلبث حين تخفت حتى تتوهج، يتولاها علماء عاملون، ويتقلدها فطاحل مخلصون، ويمسك زمامها قادة ربانيون، مع ما يحيط بأولئك القادة من الشراة البائعين نفوسهم لذي الجلال والإكرام جمعوا بين الزهد والتقوى والشجاعة، فهم رهبان الليل وفرسان النهار، ثبتوا على ما أبصروا من الهدى، فلما كان عهد الإمام التقي الورع الرضي محمد بن عبد الله الخليلي الذي ولي الإمامة سنة 1339 هـ استمر يدير دفتها، إلى أن ناداه العلي الأعلى، فلبى نداءه في عام 1373 هـ، ومما كان في عهد هذا الإمام أن جعل على ولاية "هلا" الشيخ أبا زيد عبد الله بن محمد الريامي المشهور بعلمه، وحسن إدارته وقوة شخصيته، وكان من عساكره الشيخ محمد بن ناصر المفرجي، فرأى الأخير في منامه كأن القمر نزل من السماء واستقر في محلة "الخضراء" من ولاية بهلا، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ارتفع عنها، فقص رؤياه على الشيخ العالم أبي زيد الريامي، وكان مشهوراً بتأويل الرؤيا، فسأله عن وقت رؤيتها، فأخبره بأنه رآها عند منتصف الليل، فقال الشيخ أبو زيد: إنه سينزل بهذه المحلة عالم جليل، ولا يلبث فيها إلا قليلاً، فينتقل عنها، ولا أراني أدرك زمانه (1) ولم تطل السنون حتى صدق هذا
(1) لقاء الشيخ خليل بن أحمد بالشيخ علي بن ناصر المفرجي. (1/18)
صفحة 19
من معالم الفكر التربوي
ہے
{19}
عند الشيخ أحمد الخليلي
هـ
التفسير، فقد عاد إليها سماحة الشيخ الخليلي - حفظه الله – من زنجبار عالماً جليلاً في شهر جمادى الثانية من عام 1384 هـ. ويقي هناك عشرة أشهر، ثم انتقل عنها إلى مسقط؛ ليؤدي واجبه العلمي، تلبية لدعوة السيد أحمد بن إبراهيم البوسعيدي، الذي كان يتولى النظر في الشؤون الداخلية في عمان في عهد السلطان سعيد بن تيمور. لقد كانت هذه الرؤيا مبشرة، بمقدم الشيخ أحمد الخليلي إلى عمان، كما هي مبشرة بفضل عميم من الله تعالى لأهل
عمان، ومن هذه الرؤيا أنطلق في الحديث عن حياته، بدءاً بنسبه وأسرته.
نسبه وأسرته
هو الشيخ العلامة المجتهد أبو سليمان، بدر الدين أحمد بن حمد بن سليمان بن ناصر بن سالمين بن حميد الخليلي الخروصي، كان والده رجلاً فاضلاً من سكان محلة "الخضراء" بولاية بهلا، رحل إلى زنجبار في العاشر من شهر ربيع الأول عام 1341 هـ وتزوج هناك وأنجب، وعاش فيها عيشة كفاح، كان رجلاً مفوها، طليق اللسان، حلو الكلام مؤثراً، وكان له أثر فاعل في الجمعية العربية بزنجبار، إذ كانوا يعتمدون على رأيه في تسيير أمورها (1) عاد إلى عمان بعد أحداث الانقلاب العسكري - كما سيأتي - بمشيئة الله. أما أم الشيخ أحمد - حفظها الله - فهي من قبيلة البهلاني" ابنة حمود بن سالم البهلاني، من ولاية إزكي امرأة صالحة نبيهة، برز دورها في تربية أبنائها التربية الصالحة، وجاهدت مع زوجها صروف الدهر القاسية، وكان لها دور
،
(1) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن سيف الخليلي (1/19)
صفحة 20
من معالم الفكر التربوي
{20}
عند الشيخ أحمد الخليلي
كبير أيام الانقلاب حين أودع زوجها السجن، واشتد القلق على حياته، فقد كان الأفارقة آنذاك يقتلون العرب دون مبالاة، فلم الله بها شمل الكثير من الأولاد من أبناء الأسر الأخرى من أقاربها، حتى تجمع في بيتها من الأطفال حوالي أربعين فرداً من مختلف الأعمار (1) كانت تشملهم برعايتها، يساعدها في ذلك ولدها الشيخ أحمد.
أما جده سليمان بن ناصر فقد كان قاضياً ورعاً شديداً في ذات الله تعالى، يقارع أهل الظلم والفساد، ولا يخشى في الله لومة لائم، وكانوا يجدون منه بأساً عظيماً، وقد كبتهم الله عنه، ويبدو أنهم كانوا - مع شدته عليهم
،
وعدم مهادنته لهم - يحترمونه ويجلونه، وقد وقر في نفوسهم إكباره وتعظيمه فعندما وقع الطاعون ببهلا وقد بدأ بابنه وأخذ يحصد الناس، جاءوا يهرعون إليه، ومن قبل كانوا يعملون السيئات يترجونه أن يخرج بهم للصلاة، عسى الله أن يرفع عنهم البلاء، ويكشف الضراء، فأجابهم - متعجباً - برباطة جأش وثبات جنان: كيف أخرج بكم لدفع البلاء وأنتم مصدر البلاء كله؟ فظلمكم وجوركم هو سبب البلاء، قالوا: إنا تائبون، راجعون إلى الله، فأجابهم: كيف تتوبون؟ وهذه ضرائبكم أرهقت الناس وأثقلت كواهلهم؟ وقد كان أولئك يأخذون من أصحاب الأموال "خمسين قرشاً" يسمونها "المؤدى" وقد صاح الناس منها، فقالوا: تتوقف عنها ونعفي الناس منها؛ فتوبهم وخرج إلى
(1) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن سيف الخليلي (1/20)
صفحة 21
من
معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
المصلى وصلى بالناس، ودعا وتضرع؛ فرفع الله البلاء، وكان الشيخ رحمه
بينهم،
(1)
الله آخر من. حصد الطاعون. لقد كان الشيخ سليمان بن ناصر مرجعاً لأهل بهلا يحكمونه فيما شجر ويسلمون له ويرضون بحكمه، ومما يذكر أن تخاصمت لديه قبيلتان، فأوجب على إحداها اليمين وطلب منهم خمسين رجلاً ليقسموا، فأقسموا، وقد أصيب أولئك الخمسون جميعاً بعد قسمهم، فمنهم من مات، ومنهم من سقط عن راحلته، والبقية أصيبوا إصابات مختلفة.
وفي ليل الظلم الذي عاشه - رحمه الله - فقد كان متفائلاً كثير التفاؤل، يبشر الناس بانقشاع ليل الظلم، وانبلاج الصبح عما قريب، فكان ما كان من تولية الإمام سالم بن راشد الخروصي بعد وفاته بثلاث سنوات
تقريباً.
ويذكر أنه كانت له مكتبة ضخمة تحوي كتباً متنوعة، ذهبت جميعها. وينقل الشيخ الخليلي عن الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري وأخيه أحمد، أن الشيخ سليمان ذهب يزور الشيخ ماجد بن خميس العبري في بلدة "الحمراء" فجأة، وكانت تربطه به علاقة حميمة، وتوفي بعد تلك الزيارة بثلاثة أيام، قال الشيخ ماجد: " كأنما جاء ليرني نفسه " وكان أول من لقي الشيخ سليمان في زيارته تلك أحمد بن سعيد العبري، وكان بالمجلس، فسأله هل تتعلم يا ولد؟
قال نعم، قال: أعرب هذا البيت) (وهو لابن الفارض):
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أحمد بن حمد الخليلي
(2) لقاء المؤلف بالشيخ أحمد بن حمد
الخليلي (1/21)
صفحة 22
من معالم الفكر التربوي
{22}
عند الشيخ أحمد الخليلي
كمثل هلال الشك لولا أنه
أن عيني عينه لم تتأى
أما جده الأعلى الذي ينتسب إليه أبناء الخليل فهو الإمام الخليل بن شاذان الخروصي، بويع بالإمامة سنة 445 هـ إلى أن توفي سنة 475 هـ، قال عنه الإمام السالمي في تحفة الأعيان: "فسار بهم - أي أهل عمان - سيرة جميلة،
ودفع عنهم الجبابرة، وأمنت بعدله البلاد واستراحت في ظله العباد، ودانت له
(1) =
الممالك، ووفدت إليه الوفود لظهور العدل وانتشار الفضل") ولا عجب في
ذلك فالإمام الخليل رحمه الله، من سلالة الإمام الصلت بن مالك الخروصي، الذي بويع بالإمامة في شهر ربيع الآخر سنة 237 هـ إلى ذي الحجة سنة 272 هـ،
(T)
وهو الذي حرر جزيرة سقطرى) من النصارى بعد أن نكثوا عهدهم، وكتب لقائديه محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال ذلك العهد الرائع الذي يعد وثيقة إسلامية تمثل نقاء السيرة، ونزاهة الإسلام وسمو قدره ومثاليته في التعامل مع الأعداء .. وهكذا اصطفى الله تعالى شيخنا من نبعة طابت مغارسها، وانتقاه من معدن کرمت علائقه، واختاره من محتد راعت محامده، وهكذا شأن من تصنعهم يد القدر للتغيير والتجديد، والنهوض بأعباء الأمة.
تقدم الشيخ وهو بزنجبار لخطبة زوجته الأولى أم سليمان ابنة صالح بن محسن بن سليمان بن مؤمن بن ناصر بن خميس بن سليمان الحارثي، من أفراد أسرة اشتهرت باعتنائها بالعلم، وأصلهم من سمد الشأن، ولم يتيسر له العقد هناك بسبب أحداث الانقلاب العسكري وما جرّه من آثار سيئة، قرر على إثرها
(1) تحفة الأعيان، الشيخ السالمي 295/ 1
(2) جزيرة تقع في بحر العرب قبالة الساحل اليمني، تبعد عن الساحل حوالي 425 كم (1/22)
صفحة 23
من معالم الفكر التربوي
{23}
عند الشيخ أحمد الخليلي
6
هو وأهله الرحيل إلى عمان - كما سيأتي بيانه لاحقاً - وهكذا شأن الأحرار لا يحتملون الضيم، ومن توفيق الله أن جاءت أسرة من تقدم إليهم بالخطبة، في السفينة نفسها، وبعد أيام قليلة من وصولهم أعادت أسرة الشيخ الخطبة، فتم العقد بعون الله وتوفيقه في شهر رجب من عام 1384 هـ، وقد دفع لها قروشاً يسيرة، فأقلهن مهراً أكثرهن بركة، وبنى على أهله بتيسير الله في شهر شعبان من السنة نفسها، ورزقه الله منها ابنين وبنتين توفي الابن الأكبر (خليل) وهو طفل صغير، وأمد الله في عمر سليمان وأختيه، وقد انتقلت الأم إلى جوار ربها في شهر رمضان سنة 1392 هـ وقد رآها الشيخ بعد ذلك في منامه تلبس ثوباً أخضر سابغاً، وتحمل طفلاً صغيراً في حضنها، رحمها الله رحمة واسعة، وكان سماحته في سنة 1990 هـ - أي قبل وفاة زوجته الأولى بسنتين على وجه التقريب - قد بنى على زوجته الحالية وهي ابنة الشيخ الأديب المشهور عبد الله ابن علي بن عبد الله بن العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي وقد دفع لها مهراً يسيراً لم يستطع. - حفظه الله - يومذاك دفعه مرة واحدة، وقد رزقه الله منها بنين وينات، أما البنون فهم خليل وأفلح وعبد الرحمن ومحمد وعبدالله وعمر، ويصبح مجموع أبنائه الأحياء من الذكور سبعة ومن الإناث ست، وكلهم بفضل الله ذوي صلاح ونباهة، ومن يشابه أبه فما ظلم، وكما يقول زهير بن
أبي سلمى: وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل. للشيخ حفظه الله أخ يصغره سناً بخمسة عشر عاماً، وهو حمود بن حمد، وهو معروف بشجاعته وجرأته. ولم يدرك الشيخ أحداً من أعمامه سوى (1/23)
صفحة 24
من معالم الفكر التربوي
{24}
+
عند الشيخ أحمد الخليفي
عم واحد، وهو أخ لوالده من أمه، واسمه ناصر بن سالم العدوي، وقد كان رجلاً فاضلاً، أدركه الشيخ قبل وفاته بقليل، وأدرك من أخواله سعيد بن خلفان البهلاني، وهو أخ لوالدته من جهة أمها، كما أدرك من أخواله الأشقاء لوالدته محمداً وعلياً وسيفاً وسليمان وناصراً.
مولده:
بعد أن ترسّخ الوجود العماني في زنجبار، وتوالت الرحلات العمانية إليها، رحل والد الشيخ إلى زنجبار مع العديد من العمانيين، في العاشر من شهر ربيع الأول عام 1341 هـ، واستقر به المقام هناك مع أسرته، وفيها وهبه الله تعالى المولود الأول الذي سماه أحمد في الساعة الثامنة من صباح يوم الثاني عشر من شهر رجب عام 1361 هـ الموافق له السابع والعشرون من شهر يوليو من عام 1942 م، سماه أبوه بهذا الاسم وهو في بطن أمه، قال: لئن رزقني الله ولداً فسأسميه أحمد، فلما ولد الطفل قال جده من أمه. حمود بن سالم البهلاني: نسميه سعود بن حمد فقال والده: لقد سميته وهو في بطن أمه بأحمد، ولو لم اسمه من قبل لأسميته سعوداً، واتفق الحال على تسميته بأحمد) فجمع الله له السعادة والحمد في الدنيا، والله نسأل أن يضفيها عليه
(1)
وعلينا في الآخرة.
(1) لقاء مع والدة الشيخ أحمد الخليلي (1/24)
صفحة 25
من معالم الفكر التربوي
حياته:
? {10}
عند الشيخ أحمد الخليلي
يمكن تقسيم الحديث عن حياة الشيخ إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: الحياة الإفريقية.
المرحلة الثانية: الحياة العمانية.
الحياة الإفريقية:
بقيت متردداً مدة من الزمن في اختيار منهجية كتابة النشأة في مراحلها
المتطورة، بين أن أتتبع الحوادث على مدار السنين، أو أنني أقسم النشأة إلى مرحلتين: أفريقية وعمانية، مع الفارق الزمني في كليهما، وقد رجحت الآخر، ثم رأيت مع ذلك أن أقسم النشأة الأفريقية قسمين: إلى ما قبل الخامسة عشرة، وما بعدها، ومن غريب القدر أن يفتح الشيخ عينيه على الوجود مع مستهل الحرب العالمية الثانية، ثم يبلغ سن الخامسة عشرة مع العدوان الثلاثي على مصر، ويرحل عن مسقط رأسه في سن الثالثة والعشرين بفعل الانقلاب العسكري في زنجبار. تلك الصعاب والشدائد التي اكتنفت مراحل حياته صنعت منه رجلا وأي رجل، ومما لا يفوتني التنبيه عليه، أن هذا التقسيم يحاول قدر الإمكان السعي إلى تحقيق قدر كبير من الضبط للحوادث في مراحل الحياة في أطوارها المتعددة، ومما لا يفوت الدارس أن كثيراً من المهام التي يقوم
بها الشيخ كانت مستمرة في المرحلتين، فذكرها في المرحلة الأولى يعني بدايتها، ولا يعني حصرها في تلك المرحلة بأي حال. (1/25)
صفحة 26
من معالم الفكر التربوي
{26}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وقد اخترت سن الخامسة عشرة بسبب انتقال الشيخ فيها إلى طور البروز في الإصلاح الاجتماعي، والإفصاح عن مكنون فكره، ومسار توجهه، متخذاً من حادثة إلقاء الخطبة أمام رئيس الجمعية العربية فاصلاً بين المرحلتين.
حياة الطفولة حتى سن الخامسة عشرة
أود قبل الحديث عن نشأة الشيخ الخاصة أن أعرج على الوسط الذي ترعرع فيه سماحته، وأعني بذلك المحيط الاجتماعي المتمثل في جزيرة زنجبار خاصة، والوسط الأسري الذي كان يكتنف سماحته، ويقضي فيه أكثر وقته، أما زنجبار فهي جزيرة واقعة في المحيط الهندي تابعة لتنزانيا، تقع بين جزيرة بمبة ودار السلام، يقول المغيري عنها إنها تبعد عن الساحل بمقدار خمسة وعشرين ميلا، وهي جزيرة غنّاء كثيرة المياه من الأنهار والعيون، ونترك للمغيري الحديث في وصفها، قال: " إن البقاع الخصبة بزنجبار معمورة ذات أشجار مثمرة، وأزهار باسمة يزاحم بعضها بعضاً في اقتسامها منافع النور والهواء، غنية بالفواكه، مملؤة بالخيرات. وبها أشجار القرنفل والنارجيل والبرتقال) ثم قال: " والحقيقة، جديرة أن تسمى زنجبار "بستان أفريقية الشرقية"، الجمال منظر أريافها، التي هي محاطة بشجر القرنفل والنارجيل والبرتقال، تمتد بساحة أرضها الطرق الواسعة المضروبة بالأحجار والقار،
(1) جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، سعيد بن علي المغيري، وزارة التراث القومي بسلطنة
عمان، ط 2، 1406، 1986، ص 74 (1/26)
صفحة 27
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
فيرى المتجول في أريافها كأنه يتنزه في بستان جميل المنظر، تتدفق المياه العذبة في
جميع أر
أرجائه
(1) w
تلك طبيعة زنجبار في إطارها العام أما من حيث الحياة الداخلية فإن " أهل زنجبار كانوا جميعا مسلمين وهم أهلها الأصليون، وفئة قليلة وفدت إليها من غير المسلمين من أماكن أخرى من أفريقيا، ثم أقاموا في زنجبار، أما أهل
(2)
زنجبار الذين هم من أصول زنجبارية فهم مسلمون كلهم ويوجد بين الأهالي
طبقة ثرية وطبقة كادحة، تعمل باجتهاد في كسب لقمة العيش وحفظ الكرامة. أما الأعمال الشخصية (غير الرسمية (بزنجبار فهي مهيأة للجميع، فللإنسان الفرصة بأن يزرع شتى الأنواع الزراعية ويحصد، وبإمكانه الانتفاع بالأشجار الباسقة كوجوز الهند والقرنفل ويتجر بذلك، وهناك فئة اللصوص وهم الكسالى الذين لا يحبون العمل، وكثيراً ما يكون استنزاف دخل هؤلاء في شرب الخمور، بسبب ذلك كانوا يلجأون إلى السرقة والاحتيال (3) ومما يحمد عليه أهل زنجبار ويشكرون عليه ما يتمثل في أوساطهم من مبدأ التكافل الاجتماعي، الذي يتجلى في صور عديدة، من ذلك أن صاحب الأرض. وزنجبار ذات أراض واسعة وضياع كثيرة - لا ينتفع من أرضه إلا بالأشجار الباسقة كالنارجيل والقرنفل وشجر البن وأمثال هذه الأشجار، ويبيح لعامة الناس استغلال أرضه في زراعة الخضار والمواد الغذائية التي يعتمد عليها الناس، يزرعونها تحت تلك الأشجار دون مقابل، ولا يمانعهم من ذلك
(1) جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، ص 76 (2) لقاء المنفلوطي بالشيخ أحمد الخليلي
(3) السابق (1/27)
صفحة 28
من معالم الفكر التربوي
{2}
عند الشيخ أحمد الخليلي
مطلقاً، ومن صور ذلك أن يبني الإنسان بيتاً في أرض غيره، وقد يسمح صاحب الأرض بقطع بعض الأشجار. دون مقابل. لأجل بناء ذلك البيت، ومما يحمدون عليه اشتراكهم إذا مات ميت من أي طبقة كانت، فالكل يشترك في تشييع جثمانه وفي حضور عزائه، من غير أن يكون التفات إلى لون أو إلى أي شي، وقد تكون هناك إعانة من بعض الناس لهم، وهذا التعاون الأسري، وإطعام اليتامى يكون بينهم كل بحسب استطاعته
(1)
تعتمد جزيرة زنجبار كثيراً على ما يأتيها من بلاد الهند، ومن بلاد أخرى، وكانت بطبيعة الحال يومئذ لا تمخر عباب البحر إلا بحذر شديد؛ بسبب تربّص الطوائف المتحارية، فكل طائفة منها تتربص بالطائفة الأخرى، وهذا الذي جعل الناس في ذلك الوقت يعيشون في شي من ضنك العيش، إلا أنهم كانوا يعتمدون على الزراعة، فالبلاد بلاد خصبة ولكن المزارعين ما كانوا موجهين، لذلك كانت جهودهم جهوداً فردية، فكانت هذه الجهود مبعثرة لا تنتظم في نظام معين، ومن أجل ذلك ما كان الإنتاج حسب المستوى المطلوب
في ريف زنجبار وبمحلة " مفنيسيني " بالتحديد والعرب يسمونها " الفنسا " ولد الشيخ - حفظه الله - ونشأ في كنف أبوين مسلمين، كانا يرعيانه بحنانهما رغم الصعوبة والشدة التي كانا يعانيانها في ذلك الوقت، فقد كان والد الشيخ يعتني بالتجارة حيث خصص لها قسماً من بيته، وكانت البضاعة
تأتي من العاصمة، كما كانت لديهم بعض الماشية التي يعنون
(1) لقاء المنفلوطي بالشيخ أحمد الخليلي (1/28)
صفحة 29
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
صورة للمكان الذي ولد فيه الشيخ الخليلي بزنجبار مع أسرته وقد محيت آثاره الآن بتربيتها أيضا، ويقوم والد الشيخ ببعض المعاملات التجارية، بشراء عمر القرنفل على شجره، ثم يقوم بحصاده وبيعه بحثاً عن الربح، ولربما هبت رياح أمله بغير ما يشتهي؛ فينقلب الربح إلى خسارة فادحة؛ لتقلب سعر القرنفل، كما كان لديهم بعض المزروعات التي يعتمدون عليها في تغذيتهم وهي بحاجة إلى عناية ورعاية، وفي هذا الوسط نشأ الشيخ وبقي وحيد أبويه إلى سن الخامسة
عشرة.
لقد تربى الشيخ تحفّه عناية الله تعالى في كل طور من أطوار حياته، التي يبدو أنها منذ بدايتها لم تكن كحياة سائر الأطفال، لقد كانت سمات تميزها منطبعة في سائر الحوادث التي كان يمر بها الشيخ في جميع المراحل، فمنذ صغره لم يكن ميالاً إلى اللعب وتضييع الأوقات في مالا يجدي، ولا يعود عليه أو على أسرته بفائدة، لم يكن يلعب خارج البيت مطلقاً، أو مع غير محارمه، (1/29)
صفحة 30
من معالم الفكر التربوي
{30}
عند الشيخ. أحمد الخليلي
وكان أبوه يوجهه إلى ذلك حرصاً عليه من التأثر بأخلاقيات غير حميدة من أبناء الأسر التي لم تتقيد بأوامر الشريعة في حياتها، لذا كان يلعب مع أخته من الرضاعة، أو بعض أقاربه من أترابه، يقول سماحة الشيخ واصفاً تلك
،
المرحلة: " هؤلاء الأتراب منهم من كان يكبرني شيئاً قليلاً وهو أحد أخوالي ومنهم من كان أصغر مني بعام واحد وهو خال لي، وكانت لي خالة أصغر مني بعام واحد، وكانت تربطني بهم علاقة الطفولة، وفي أيام الطفولة كنت غالباً لا أبرح البيت إلى مكان آخر، اللهم إلا عندما يأتي بعض الأتراب عندي يلعبون هناك، وذلك لأجل محافظة والدي عليّ؛ لئلا أختلط بالصبيان الذين تعودوا على أمور منكرة هناك؛ لأن المجتمع من حولنا كان يضم عدداً من الناس الذين لا يخشون الله ولا يتقونه، وكان الكثير منهم يشربون الخمر علانية، وكثير منهم لصوص لا يبالون بالسرقة علانية؛ فلئلا اختلط بأولاد هؤلاء كان والدي يصونني في البيت إلا إذا جاء الخواص من الآخرين وهناك نلعب في البيت " مع هذه التربية ورعاية الله له نشأ بعقل أكبر من سنه الذي هو فيه، ومن ذلك ما تحكيه والدته عنه في يوم وفاة جده لأمه، حين كان الشيخ ابن ثلاث سنوات وستة أشهر أخذ يناديها: أمي تعالي، إني أريدك، فأجابته: تعال إلي، فقال: لا أستطيع؛ فهناك نساء، كيف أدخل بينهن؟
(1) ?
في سن الرابعة تقريباً اصطحبته أمه معها مرة لحضور احتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف، وما أن وصلا إلى المكان المخصص للاحتفال تحت
(1) لقاء المنفلوطي بالشيخ أحمد الخليلي (1/30)
صفحة 31
من معالم الفكر التربوي
? {r 1}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الأشجار، بحيث يكون الرجال في ناحية والنساء في ناحية، حتى خطرت لطفلها الموهوب مسألة مهمة، ترى هل استأذنت والدته زوجها للخروج إلى هذا الاحتفال؟ ولذا بادرها بالسؤال عن ذلك، فأجابته: بأن والده في مكان بعيد، ولم يتهيأ لها إخباره، وهو بلا شك لا يمانعها لو كان موجوداً، فما كان منه إلا أن انخرط في بكاء مر، لم تستطع معه أمه البقاء فعادت به إلى البيت، وهناك هدأت نفسه، وارتاح ضميره، وعادت إليه بشاشته
(1)
ومنذ نعومة أظفاره كان يحمل هم مساعدة والديه مهما لقي في ذلك من الشدة والمتاعب، تقول أمه: " في سن الرابعة من عمره صنع له أبوه على هيئة
سيارة، يجمع فيها قشور المر جوز الهند الملقى، ويحمله إلى البيت؛ لتستخدمه والدته وقوداً في الطبخ، ويعيد ذلك كان الوالدان يأمرانه بأداء الكثير من المهمات الصعبة على من كان في عمره، وكان يؤديها بإتقان، ويبادر إليها من تلقاء نفسه مهما كلّفه الأمر، وتحكي والدته أيضا أنه في سن الرابعة تقريبا ذهب ليقطف زيتوناً، فاتكأ على شي من سعف جوز الهند، فخانته الشجرة، فسقط على الأرض فانكسرت يده؛ فجاء محمد بن سعيد ليجبر ذلك الكسر، فعافاه الله منه، ومرة ذهب في بعض المهام وكان يركب دابة قوية، فما كان من تلك الدابة إلا الدخول به في وسط الأشجار الملتفة، فاذته غصونها وربما سقط عنها)، ولكن هذا الطفل ما كانت همته لتخور، وما كان لعزيمته أن تخمد، وما كان ليستسلم لهذه الشدائد، بل كان يصارعها ويعاركها بهمة الكبار.
(1) لقاء مع والدة الشيخ أحمد الخليلي (2) لقاء مع والدة الشيخ أحمد الخليلي (1/31)
صفحة 32
من معالم الفكر التربوي
{32}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بعيد هذا العمر أخذ يتعلم الحساب والقراءة، ثم قراءة القرآن على يدي والديه، يقول سماحته: " واذكر عندما بدأت أتعلم القرآن الكريم كنت عند أمي أحسب الأرقام من واحد إلى مائة، فقالت لي: استعد لأن تتعلم، وبدأت تعلمني الحروف الهجائية وكيفية دخول الأشكال عليها، ثم انتقلت إلى سورة الفاتحة "
(1).
وفي سن السادسة كان الشيخ يتقن قراءة القرآن وغيره، وبدأ يطلع على بعض الكتب الموجودة في البيت، وشرع عندها في حفظ القرآن الكريم، وأخبرني الشيخ سليمان بن سيف الخليلي قال: كان الشيخ أحمد في هذا العمر يقرأ كتباً كثيرة ويخرج لنا أوراقا مسودة ينقل فيها من الكتب، فيغضب عليه أبوه؛ فيقول له: هذه الأوراق بها كلام الله، ماذا نصنع بها الآن؟ ويحكي عنه خاله سيف بن حمود البهلاني قال كنت أزورهم في بيتهم يوم كان صغيراً، فلا أذكر أني دخلت البيت إلا وجدت الشيخ يقرأ، وعندما يكون في الدكان (المحل
(2)
التجاري) ليحل محل والده كان لا يفارق الكتاب يده إلا في حالة البيع فقط وكان في هذا العمر يتقن اللغتين العربية والسواحلية (3) وفي هذا العمر كان يحضر دروس الشيخ أبي إسحاق أطفيش العامة بزنجبار إبان زيارته لها، ولكن الشيخ لا يذكر الآن مواضيعها بالتحديد، وكان - حفظه الله - شغوفاً بطلب العلم لا يجد فرصة مهما كان قصرها إلا يستغلها في القراءة، وفي سن السابعة كان يؤذن للصلاة في المسجد، ويصلي أبوه بالناس إماما.
(1) لقاء المنفلوطي بالشيخ الخليلي (2) لقاء المؤلف مع الشيخ سليمان بن سيف الخليلي الذي كان يعيش مع الشيخ أحمد في صغره. (3) لقاء المؤلف مع الوالد سيف بن حمود البهلاني. (1/32)
صفحة 33
من معالم الفكر التربوي
{3}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وفي سن التاسعة من عمره كان قد أنهى حفظ كتاب الله تعالى عن ظهر قلب وانفلت بجانب مشاغل الحياة الأخرى إلى مطالعة كتب العلم، والتردد
(1)
على مشايخ زنجبار من العلماء يشرحون له ما أشكل عليه من المسائل، وتعشق الطلب حتى خالط لحمه ودمه، فكان يخرج بعد صلاة الفجر يدرس ساعتين ثم يعود إلى المنزل لمساعدة والده في أعماله، وإذا جاء الليل ونام الخليون هجر الشيخ فراشه وانكب على مطالعة الكتب، يقول الشيخ سليمان بن سيف الخليلي الذي صحب الشيخ في هذه المرحلة: كان الشيخ يسهر في القراءة سهراً طويلاً وهو صغير السن، حتى يشفق عليه والداه؛ فينصحانه بتقليل مدة السهر، وأخذ قسط من الراحة، فيأبى عليهما ذلك، فيغضبان عليه لكثرة خصوصاً والده الذي كان يتعهده في الليل فيجده ـ أحيانا - منكباً على
سهره،
وجهه في الكتاب وهو نائم من شدة الإرهاق والتعب وطول السهر وسيأتي وصف شيء من ذلك في باب تعلمه - إن شاء الله.
(2)
ونتيجة لطموحه المتوقد كان يأمل الرحيل إلى عمان لأجل تلقي العلم على يدي الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، والاغتراف من بحر علمه، وتذكر والدته أنه من شدة تعلقه بالعلم بكى الشيخ بكاء حاراً عندما توفي الإمام الخليلي - ر- - رحمه الله - وعندما سأله والده عن بكائه أجاب: لقد توفي الإمام الخليلي - رحمه الله ـ فمن سيعلمني بعده؟ (3).
(1) لقاء مع والدة الشيخ أحمد الخليلي (2) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن سيف الخليلي
(3) لقاء مع والدة الشيخ أحمد الخليلي (1/33)
صفحة 34
من معالم الفكر التربوي
{3}
عند الشيخ أحمد اليلي
في عام 1371 هـ. وكان عمر الشيخ آنذاك عشر سنوات - تم إنشاء المعهد الإسلامي بزنجبار، وجيء له بشيخ أزهري، هو الشيخ محمد محمد الدهان، وقد تاقت نفس الشيخ إلى دخول هذا المعهد، ولكن الظروف الاقتصادية لوالده حالت بينه وبين شد الرحال إليه؛ فالشيخ من سكان الريف، والمعهد في المدينة، ويسبب ذلك عوّل الشيخ على نفسه في طلب العلم، ولنترك للشيخ فسحة من القول يحدثنا عن معاناته الشديدة التي حالت بينه وبين التفرغ لطلب العلم في تلك المرحلة الذهبية من عمره، يقول: " كانت هناك معاناة، فأنا كنت أمارس التجارة وأمارس الرعي، وبجانب ذلك مارست الزراعة أيضاً، وأنا في مرحلة مبكرة، فكنت أزرع حول البيت بعض
الأشياء التي تساعدنا على الغذاء، من بينها
البئر التي كانت في بيت الشيخ الخليلي بزنجبار وقد ساهم في تعميرها بعد انهيارها في إحدى زياراته (1/34)
صفحة 35
معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
الموز والجزر وبعض الخضار، نزرعها حول البيت ونعتني بها، وفي هذه الفترة كنا في البيت أنا ووالدي وأمي فقط، وكان ابن عمي عندما يأتي من عمان يقيم عندنا فترة، بينما كنت وحدي غالبا، فالجو ما كان يشجع الإنسان على ويتحدث سماحته عن الظروف الحائلة بينه وذبين دخول المعهد
الدراسة
(1) m
الإسلامي قائلا: " وقد حُرمت من دخول هذا المعهد؛ لأني كنت في الريف، وعندما نشأت في الريف كانت الظروف الاقتصادية في ذلك صعبة للغاية بالنسبة إلى والدي، لأنه في الأيام الأخيرة توالت عليه محن متعددة، فقد حاول أن يعمل في القرنفل، والقرنفل كما كان يُسمّى بزنجبار " شجرة الذهب وكان والدي أحياناً يشتري غلة ضيعة من الضياع ويحصدها ويبيعها، بارتفاع، سعره وانخفاض سعره؛ فإما أن يغني القرنفل صاحبه وإما أن يفقره، فاشترى والدي غلة بعض الضياع، وكان سعر مئة الرطل عندما اشترى هذه الغلة حوالى 840 شلنج - العملة المتداولة في زنجبار - وفي أثناء الحصاد أخذ السعر ينحدر شيئاً فشيئاً إلى أن وصل السعر 140 شلنج، وكان ذلك سببا لخسارته، ثم تتابعت ظروف صعبة بالنسبة إليه (2) فلذلك لم أتمكن من الدراسة في المعهد الإسلامي، وإنما بقيت أعاني هذه الظروف الصعبة، واشتغلت بالتجارة لمدة عشر سنوات، كنت أبقى في الدكان نيابة عن والدي الذي كان يذهب في
(1) لقاء المنفلوطي بالشيخ أحمد الخليلي (2) أخبرني الشيخ سليمان بن سيف الخليلي بأن منزل الشيخ أحمد في " مقاديني" بزنجبار أحرقه الأفارقة بالكامل وبدأ والد الشيخ حياته من جديد. (1/35)
صفحة 36
من معا
التربوي
{36}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أعماله، ولدينا أغنام في البيت كنت أشرف عليها، وأذهب بها إلى المرعى
وأردها "
(1) "
هكذا قضى الشيخ تلك المرحلة من عمره، ويسبب ما كان يتفاعل في نفسه من حب العلم وكبح الظروف القاهرة في سبيله، كان منه ذلك الموقف النبيل وهو في سن الخامسة عشرة من عمره أمام رئيس الجمعية العربية بزنجبار:
،
فقد طالبه بإنشاء المعاهد الشرعية خصوصا في الأرياف، وسأجعل هذه الحادثة
بداية لمرحلة جديدة في حياة الشيخ الخليلي - حفظه الله تعالى
ب. من الخامسة عشرة حتى الثالثة والعشرين
لقد حددت هذه المرحلة من عمر الشيخ هذا التحديد لتجانسها، وهذه المرحلة قضاها الشيخ بزنجبار قبل رحيله النهائي عنها إلى وطنه الأصلي ووطن آبائه، عُمان، وكان ذلك في عام 1384 هـ و الشيخ آنذاك في الثالثة والعشرين
من عمره.
يتصدر هذه المرحلة موقف مهم أشرت إليه سابقا، وهو وقوف الشيخ في مستهل هذه المرحلة خطيباً في جمع غفير من الناس، وكان الدافع إلى ذلك ما يعتلج في نفس الشيخ من الطموح الكبير المتزايد في طلب العلم، الذي يبصر منابعه جافة أمام ناظريه، ولا من منهل يشفي غلته ويروي ظماء، فحفزه ذلك إلى أن يهتبل الفرصة السانحة التي عرضت له في هذا السن؛ فاقتنصها،
ففي اليوم السابع من ربيع الثاني عام 1376 هـ أقيمت حفلة عرس. عند أحد
(1) لقاء المنفلوطي بالشيخ أحمد الخليلي (1/36)
صفحة 37
من معالم الفكر التربوي
{7}
عند الشيخ أحمد الخليلي
العرب الكرماء حضرها عدد كبير من الناس ينيف على خمسمائة رجل، ومن بينهم الشيخ الوقور عبدالله بن سليمان الحارثي رئيس الجمعية العربية والجالية العربية بزنجبار، فلما سمع الشيخ بذلك حدثته نفسه المشرئبة إلى الرقي بواقعها إلى أن يعد كلمة يتحدث فيها عن مزية العلم والعلماء، وأن حياة الأمة الإسلامية لا تقوم إلا على التفقه في دين الله تعالى، كما يتحدث فيها عن ضرورة نشر العلم وأهمية إنشاء المدارس العربية والمعاهد الشرعية، التي تعنى بتدريس الناس أمور دينهم، ويطالبه فيها بإنشاء مثل هذه المدارس في الريف أيضا؛ لأن أبناء الريف قد لا تواتيهم ظروفهم للرحيل إلى المدينة، ويطالبه بأن يتيح لطلبة العلم فرصة الطلب على أيدي بعض المشايخ الموجودين في زنجبار؛ للاستفادة من علومهم، وأن يعقدوا الدروس للمستفيدين من أبناء البلدة).
أعد الشيخ هذه الكلمة وكانت كلمة طويلة، لكنه حفظها عن ظهر قلب، ولما كان الحفل واجتمع ذلك الحشد، قام الشيخ فيهم خطيباً، برباطة جاش وسكون نفس، وفصاحة من القول، فأعجب به الشيخ عبدالله الحارثي، وسُرّ سروراً بالغاً، وبعد انتهاء الحفل وإلقاء الشيخ كلمته كان
،
بصحبته الشيخ عبدالله بن حمد الحارثي، فمرا على رجل يدعى سالم بن حميد الرحبي فلما سلّم سماحته عليه قال للشيخ الخليلي: " من أنباك .... فأكمل الشيخ عبد الله بن حمد الحارثي الجملة على الفور بقوله: أن أباك
(1)
من
لقاء المنفلوطي بالشيخ أحمد بن حمد الخليلي (1/37)
صفحة 38
من معالم الفكر التربوي
{3}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ذئب (1) فذكراً الشيخ بآبائه الأماجد الذين سار على منهجهم، وأعطى صورة
(2).
رائعة عن مكانتهم، على الرغم من حداثة سنه ومن مظاهر سرور الشيخ عبدالله بن سليمان وتفاعله مع هذه المقترحات المطروحة أنه حاول تنفيذ بعض
منها، ولكن تصارع الأحزاب السياسية آنذاك حال بينه وبين تنفيذ ما يريد. هذا الموقف يعكس ما انطوت عليه نفس الشيخ من طموح، وما حوته من تعشق لطلب العلم، وما تضمه من إحساس بآلام الأمة ونظر في مصالحها وآمالها، وسعي إلى الرقي بها في مدارج المجد والكمال، فضلاً عما تفصح عنه من ملكات، وتكشف عنه من مواهب.
إن مما يميز هذه المرحلة من حياة الشيخ شغفه الكبير بطلب العلم ولم يكن ليطلبه إلا ليعمل به ويبلغه ويصحح بنوره المفاهيم، وذلك واضح مما تحكيه عنه والدته، فقد كان ورعاً شديد الورع في هذه المرحلة وقبلها، فهناك من المواقف ما يشهد على ذلك دون أن يكون هناك تحديد دقيق لزمن حدوثها، فمن ذلك ما حدثت به أمه قالت: " كان لنا ثور، وحدث مرة أن أكل ذلك الثور ربما شيئاً من المهوجو أو الفندال (نوعان من الأشجار التي تثمر تحت الأرض) وأخذ الشيخ يحوقل ويسترجع لما صنع الثور حين كان يتعهده، فما
(1) لهذا المثل " من أتباك أن أباك ذئب " مناسبة تروى، يقال أن أعرابياً راعياً وجد في الصحراء ذئبا وليدا تركته أمه، فحمله ليتربى مع خرافه، فتربى مع حمل صغير كانت ولدته أمه حديثا، حتى إذا ترعرع الاثنان افترس الذئب أخاه الحمل:، فعاد بذلك إلى طباع آبائه الذئاب، وإن لم يكن قد تربي في أحضانها، ولا تعلم شيئا من طباعها - فلما جاء الراعي ورأى الذئب قد افترس الحمل، قال له متعجباً مستغربا: " من أنباك أن أباك ذئب؟! " من لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن أحمد الخليلي
(2) (1/38)
صفحة 39
معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
كان منه بعد ذلك إلا أن جمع مبلغاً من النقود وذهب ليدفعه إلى صاحب ذلك، ولكنه أعفاه ولم يقبل منه .. وكان يعف عن مشاركة أحد في قطف ثمر
المال،
(1)
من أي شجر كان، كتلك التي تكون غير مملوكة لأحد، كأشجار الزيتون التي تنبت من تلقاء نفسها في زنجبار، وذلك منه تنزهاً وورعاً (2) وكان يعترض على والده في بعض المعلومات التي يطرحها، كالحوادث التاريخية مثلاً ونحوها، فربما يغضب والده عليه، ولكن الشيخ أحمد ما يزال يتلطف بوالده ويناقشه ويعتذر إليه - إن بدت له ملامح غضبه - حتى يقنعه تماما بوجهة نظره
(3)
من الحوادث المهمة في حياة الشيخ بزنجبار التقاؤه بالشيخ أبي إسحاق أطفيش، وتلقيه العلم عنه، كما سيأتي بيانه لاحقاً. وحبذا هنا أن أتحدث عن التكوين العلمي لسماحته لتتضح بعض ملامح مكانته العلمية التي بناها بعصاميته، وشيدها، وأعلى صرحها.
لقد سبق الحديث أن الشيخ بدأ يتعلم القراءة والحساب وتلاوة القرآن على يد والديه، ثم بدأ يعتمد على نفسه في القراءة، ويتردد على شيوخ زنجبار فيما أشكل عليه، فهو عصامي في تلقيه العلم حتى برع فيه وترسخ، ويمكن
تكملة المسيرة العلمية لسماحته من خلال لقاءات عدة في النسق التالي: بعد تعلمه القراءة والكتابة على يد والديه كان يقرأ في الكتب المتوافرة لديه في البيت، وكان يبحث عمن يروي
(1) لقاء مع والدة الشيخ أحمد الخليلي
(2) لقاء المؤلف مع الشيخ سليمان بن سيف الخليلي (3) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن سيف الخليلي
ظماه،
ويشفي غلته من التعطش (1/39)
صفحة 40
من معالم الفكر التربوي
{{}
عند الشيخ أحمد الخليلي
لطلب العلم، ولا يجد إلا التواضع من أهل العلم، والرغبة عن الجلوس للتعلم، ومن شواهد ذلك ما يحكيه الشيخ الخليلي عن الشيخ أحمد حمدون الذي كان مفتيًا للإباضية بزنجبار، وكان الشيخ يتردد عليه يطلب فتح
بن
هذا الباب وهو مصر على إغلاقه، يقول الشيخ الخليلي: وقد كان يقنعنا أحيانًا بالموافقة؛ ولكن الأسف الشديد لما جبل عليه مشايخنا من الجمود كان سرعان ما يغلق الباب الذي يكاد ينفتح، واعتذر أكثر من مرة إلي عما كنت أسعى إليه، وأطلبه منه ولا أزال أذكر قصيدة وجهها إلي معتذرا فيها عن طلبي، وكانت بدايتها: سلام رق وانتظما لأحمد صفوة الكرما
ثم قال بعد ذلك بعد أبيات عدة:
لقد ألبستني صفة أخاف
بحبها
النقما
قد استسمنت ذا
وخلت الآل ملتطما
ورم
فما أنا عالم أبداً ولا من في العلوم سما لعمرك إنني رجل طفيلي على العلما وإن شئت العلوم كما تقول فصدق الكلما فيهم مسرعاً عجلا إلى أولئك العظما فخذ من بحرهم درراً وكن أوفى الورى ذمما ودعني جانبا كلما
وهب لي منك معذرة
إلى آخر القصيدة (1)
(1) لقاء الشيخ العيسري بالشيخ الخليلي (1/40)
صفحة 41
من معالم الفكر التربوي
? {{1}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بجانب ذلك كان الشيخ يذهب إلى محلة أخرى قريبة من المحلة التي يسكنها بزنجبار للتعلم على يد الشيخ عيسى بن سعيد الإسماعيلي، فبدأ عنده بقراءة " تلقين الصبيان للشيخ السالمي يقول سماحة الشيخ: وكان يحفظني إياه عن ظهر قلب، ثم بقيت أدرس عند هذا الشيخ مدة، فدرست العديد من الكتب على يديه، وكان عمري آنذاك أناهز العشر سنوات، فدرست النحو الواضح، وكان يحفظني هذا الكتاب بكل ما فيه من مسائل وأمثلة، ثم انتقلت إلى دراسة كتابين عنده، كتاب في الفقه هو "جامع أركان الإسلام" وكتاب في النحو "ملحة الإعراب" وكنت أحفظ في ذلك الوقت متن الملحة. ثم درست عنده أيضا كتاب متن البناء" مع بعض الشروح عليه، ثم درست عليه كتاب "لامية الأفعال" لا بن مالك مع شرح بحرق عليها، ثم درست متن " قطر الندى " مع شرح ابن هشام، ثم متن " شذور الذهب " مع شرحه لابن هشام، وكانت دراستي بعد صلاة الفجر وأبقى عنده ساعتين تقريباً، ثم أعود إلى المنزل وأساعد والدي في أعماله التجارية، وتتم عملية مذاكرة الدروس أحيانًا وأنا في طريقي إلى بيت الشيخ المدرس، أقرأ الدرس في طريقي واستظهره عن ظهر قلب، واستمررت في التردد عليه مدة، وكنت فيما بعد أحضر حلقة العلم تقديرا مني له) ثم بعد
(1)
ذلك التحق الشيخ الخليلي بالدراسة على يد الشيخ خلفان بن مسلّم الحراصي، فدرس على يديه جوهر النظام للإمام السالمي، ولكن الظروف الصعبة حالت دون بقائه في تلك المنطقة حيث رحل الشيخ إلى منطقة أخرى، وهناك بدأ يقرأ في علم الحديث، فأخذ يقرأ مسند الإمام الربيع مع حفظ الأحاديث على يد الشيخ حمود بن سعيد الخروصي، يقول الشيخ: " وكنت أذهب إليه في
(1) لقاء الشيخ العيسري بالشيخ الخليلي (1/41)
صفحة 42
من معالم الفكر التربوي
{42}
عند الشيخ أحمد
الأسبوع مرة واحدة؛ لأن مكانه بعيد جداً بما يقارب ثمانية أميال (أكثر من 12
(1) m
كيلو متر) وكنت أركب سيارة أحيانًا، وأحيانًا أسير ماشياً على الأقدام ثم بعد ذلك قرأ على الشيخ أحمد بن زهران الريامي كتاب "جوهر
النظام مرة أخرى، وواصل في قراءته قدرًا أكبر من القدر الذي قرأه على يد الشيخ خلفان بن مسلّم الحراصي.
ثم تعلم المواريث على يد الشيخ سعيد بن محمد الكندي ثم بعد ذلك جاء الشيخ أبو إسحاق أطفيش إلى زنجبار للمرة الثانية، بتنسيق أو طلب من الجمعية العربية، وربما كان ذلك من نتائج خطبة الشيخ أمام رئيس الجمعية التي طلب فيها الاهتمام بنشر العلم، وضرورة المسارعة إلى ذلك، فاستغل الشيخ الخليلي وجود الشيخ أبي إسحاق، فطلب منه أن يدرس على يديه، فما كان من أبي إسحاق إلا أن خصص له دروسا قرأ فيها الشيخ على يديه "بهجة الأنوار" و مشارق الأنوار للشيخ السالمي، وكان حريصًا كل الحرص على حضور دروسه العامة في مسجد السيد حمود، وكان يسجل ما يسمعه من فرائد آراء شيخه في ذاكرته، وانعقدت أواصر المودة بين الشيخ وتلميذه، وكان الشيخ أبو إسحاق حريصاً على البقاء بجانب الشيخ الخليلي ليساعده في النهل من ينابيع العلم، لما رأى فيه من النباهة والحرص النادرين، ولكن القدر حال دون ذلك؛
،
إذ لم يبق أبو إسحاق بزنجبار سوى شهرين ورحل على أمل العودة إليها ونترك المجال لسماحة الشيخ يحدثنا عن زيارة الشيخ أبي إسحاق إلى زنجبار لغرض نشر العلم والوعي يقول: " جاء أبو إسحاق لأجل التمهيد لهذا الغرض بادئ الأمر لمدة شهرين، فكانت هذه الزيارة بدايتها في اليوم السابع من
(1) لقاء المنفلوطي بالشيخ الخليلي (1/42)
صفحة 43
من معالم الفكر التربوي
143 هـ عند الشيخ أحمد الخليلي
شهر صفر من عام 1380 للهجرة وسافر من زنجبار راجعا أدراجه إلى القاهرة في اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني من عام 1380 للهجرة، على أن يرجع إلى زنجبار مرة أخرى، إلا أن الظروف هناك حالت بينه وبين تحقيق هذه الأمنية. وأذكر أنني كتبت إليه رسالة أبديت فيها أسفي على عدم تحقيق هذه الأمنية التي نصبو إليها، وكتب إلي رسالة جوابية بها كثير من الحض والحث على طلب العلم، وقد أبدى فيها أيضا مشاعره الطيبة تجاه شخصي الضعيف، وعواطفه النبيلة، كما أبدى أسفه على عدم تحقق تلك الأمنية. من ضمن ما جاء في رسالته هذه "وكم كنت أود أن استمر هنالك لأكون بجانبك كي أساعدك على نيل ما تصبو إليه من المعالي حتى تنال قبسا من العلم النافع لتفيد وتستفيد، وتستنير وتنير، ولكن القدر الذي له الحكم النفاذ، هو غاية لا بد من حصولها، وقد كان ذلك هو انتقالي عنكم لأمر أراده الله سبحانه وتعالى .. ثم عندما جئت إلى عُمان كان الشيخ العبري في مقدمة العلماء الذين لقيتهم
واستفدت منهم
(1) "
ومما هو معروف أن الشيخ الخليلي كان عصاميًا في طلب العلم كما
عاشقا قدمت، كثير الاطلاع عن والدته أن ذلك كان ديدنه منذ صغره، وبداية طريقه في طلب
للقراءة، وبذلك فاق أقرانه بل وشيوخه، وقد
نقلاً. سمعت
العلم، فقد كان والداه يناديانه ليأكل وجبة الغداء معهما، وهو منكب على كتابه ينهل منه، ويجيبهما ابدءا، وسألحق بكما، وينتهيان من طعامهما، وهو ما يزال يطارد مسائله العلمية التي ملكت عليه ليه، وفصلته عن الوجود من حوله، فقد قال واصفاً بعض مطالعاته الخاصة في تلك المرحلة عدا ما يتلقاه
(1) لقاء الشيخ العيسري بالشيخ الخليلي (1/43)
صفحة 44
من معالم الفكر التربوي
{44}
عند الشيخ أحمد الخليلي
على أيدي شيوخه: " ثم واصلت المطالعة في الكتب النحوية الأخرى ككتاب * ألفية ابن مالك " مع بعض الشروح وفي مقدمتها "شرح ابن عقيل" مع حاشية الخضري و شرح الأشموني" مع " حاشية الصبان " وطالعت بعض المطالعات
في " شرح ابن الناظم " وكذلك كتاب " مغني اللبيب " كانت لي به عناية
(1)
وبالنسبة إلى علم الصرف فقد طالعت بنفسي بعض الكتب من بينها " مقاليد التصريف" التي هي ألفية في علم الصرف للمحقق الخليلي مع شرحه عليها، وهكذا تدرجت بعد ذلك في مطالعة الكتب الفقهية وكتب أصول الفقه بقدر المستطاع، واعتنيت بكتب الحديث من بينها صحيح البخاري مع شرح الحافظ ابن حجر عليه إلى غير ذلك.
(2).
لقد استمرت حياة الشيخ فيما يبدو بين مشاغل الحياة ومساعدة والده، وبين محاولة إشباع نهمه في طلب العلم، متردداً على شيوخ زنجبار، حتى تبدلت الأحوال في زنجبار بنشوء الأحزاب السياسية وتصارعها، الذي أفرز فيما بعد الانقلاب العسكري الأحمر، وقد ذاق العرب العمانيون الويلات في هذا الانقلاب العسكري، حتى أن حرّ الضمير لا يرضى بالبقاء هناك. الأحوال، ويرى الشيخ في تحليله لتلك الأحداث أن لذلك أسباباً منها: إهمال التربية والتوعية للناس، كما أهملت الدعوة إلى الله، وتهاون الناس في
التمسك بأمور الدين (3).
مع
تلك
(1) أي بعد الذي درسه على شيوخه
(2) لقاء مع سماحة الشيخ في برنامج " واحة المستمعين" بالإذاعة العمانية
(3) لقاء المؤلف بالشيخ أحمد الخليلي (1/44)
صفحة 45
من معالم الفكر التربوي
{45} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
لم تسلم أسرة الشيخ من لفحات هذا الانقلاب؛ فقد أودع والده السجن، وحدث بعد مدة من الزمن أن قتل رجل اسمه حمد، فظن الشيخ أنه والده، وأخذ أخوه حمود يبكي بكاءا شديداً، فذهب أحد الأفارقة إلى السجن، للتأكد من أن والد الشيخ على قيد الحياة، لكن حموداً لم يتوقف عن البكاء، مما اضطرهم إلى الذهاب جميعاً لرؤية والدهم، وهناك اطمأنوا على حياته (1).
رأى الشيخ بعد ذلك أنه لا يمكن البقاء على هذه الأحوال مع أن قادة الانقلاب كانوا لا يؤذون الشيخ بشيء، تقول والدته: كانوا يهينون العرب ويتركونهم يعملون الأعمال الشاقة، فذهب الشيخ معهم مرة، فناداه كبيرهم ويسمى - ثابت كو - وقال له: هذا ليس شغلك، اذهب إلى بيتك، فعاد أدراجه إلى المنزل ونجاه الله تعالى. وكانت الشرارة التي أصر معها الشيخ على الرحيل، أن كان مرة يحمل طعاماً لوالده في السجن فرأى بعض العمانيين ممن يعرفهم يهانون إهانة عظيمة، فتألم لذلك، وتأثر بما رأى أيما تأثر، ورفض الذهاب مرة أخرى، كي لا يشاهد مثل ذلك المنظر (3). هنا أخذ الشيخ ينظم مسألة الرحيل إلى عمان، فتقدم إلى الصليب الأحمر بطلب إخراج والده من السجن، فلم يتيسر له ذلك، وقد أضر بهم العوز وقلة ذات اليد، فساعدهم الصليب الأحمر على ترتيب شؤون سفرهم، ويسر الله لهم أثناء ذلك خروج
(1) لقاء مع والدة الشيخ أحمد الخليلي
(2) السابق (1/45)
صفحة 46
من معالم الفكر التربوي
{4}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الوالد من السجن، وهناك عزموا على الرحيل إلى عمان، فكان خروجهم من زنجبار في أواخر جمادى الأولى من عام 1384 م.
يذكر سماحته في تقرير أعده في نهاية رحلته الأولى إلى إفريقية الشرقية في شهر محرم عام 1407 هـ الموافق له سبتمبر 1986 م ما دفعهم إلى الرحيل قائلا: " شاء الله تعالى - والله يفعل ما يشاء - أن أطل على هذا الوجود وأن أخرج إلى الحياة في مدينة زنجبار في الشرق الأفريقي، وأن تكتحل عيناي بالنور في بقعة منها هي (المكاديني) وهكذا قدر لي أن أقضي أيام الصبا وجزءاً من أيام الشباب في ربوع زنجبار وتحت ظلالها الوارفة الجميلة، ولكن الأيام لا تستمر على حال، وسبحانه مغير الأحوال، وشاء القدر أن يحدث ما حدث في عام 1383 هـ / 1964 م ودار الفلك دورته، فانقلب المجن على ظهره، وحل النقص محل التمام، فتحولت الجنة الخضراء إلى جحيم حمراء، والمدينة الحالمة الوادعة إلى مكان مضطرب مزعج، حتى أصبح النسيم العليل كأنه صفارات إنذار، فخرجنا من هناك ميممين عمان، تخت العروبة وحمى الإسلام، أرض الآباء والأجداد، فكان البديل .. والله الحمد والشكر خيراً، والخير فيما اختاره الله (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم).
(1)
ويحدثنا سماحته عن مراحل هذه الرحلة إلى موطن الآباء والأجداد في
موضع آخر، يقول: "جئنا في باخرة باكستانية ضخمة، كانت تسمى (سفينة الحجاج)، تحمل المانية آلاف حاج، وهي أكبر باخرة شاهدناها وهكذا يحكى عنها (لعلها احترقت أخيرا قبل خمس سنوات تقريبا أي في حوالي سنة
(1) من تقرير محفوظ بإرشيف مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف العمانية (1/46)
صفحة 47
من معالم الفكر التربوي ہے {47}
(1)
عند الشيخ أحمد الخليلي
1418 هـ في ميناء دبي) وتتكون هذه الباخرة من أربعة عشر دوراً، وكان بها مسجد للصلاة) رحلنا من زنجبار في أواخر جمادى الأولى إلى ممباسا، وقد بتنا ليلة واحدة في الطريق، ويقينا في ممباسا ثلاثة أيام؛ لتنزل الباخرة شحنتها من الأرز (أربعين ألف جونية من الأرز (التي حملتها من كينيا لتنزيلها في ممباسا، ثم من ممباسا إلى عدن، والأصل أن تتجه من عدن إلى مسقط لكن بسبب وجود ركاب يقصدون الهند غيرت الباخرة مسارها إلى الهند، وحاول العمانيون الاعتراض لكن دون جدوى، لقد بقينا في عدن يوماً واحداً، ثم وصلنا بومباي، وبقينا يومين، ثم خور بندر وبقينا يوماً واحداً، ثم سرنا إلى كراتشي وبقينا فيها ثلاثة أيام؛ لتنزيل الحمولة، ثم سرنا إلى مسقط، ونزلنا صباح يوم التاسع عشر من جمادى الثاني 1384 هـ وبتنا في مسقط السيارات مساء اليوم الثاني بين الظهر والعصر إلى إزكي، ثم بتنا في إزكي حيث وصلنا إليها بعد منتصف الليل، ثم غادرنا صباحاً إلى نزوى وبقينا قليلا في نزوى ثم رحلنا إلى بهلا، ووصلنا قبيل الظهر إلى بهلا، يوم الحادي والعشرين من جمادى الثانية 1384 هـ
(T)
،
وحملتنا
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشيخ - حفظه الله - استغل زمن رحلته تلك بشاغله الأول، وهو طلب العلم، فراجع خلال الرحلة ـ بعض محفوظاته، مثل " شمس الأصول " للشيخ السالمي، وقرأ شرحها " طلعة الشمس " للشيخ السالمي للمرة الثانية.
(1) كان الشيخ الخليلي يصلي بالناس إماما في مسجد السفينة، كما أخبرت بذلك والدته
(2) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي (1/47)
صفحة 48
من معالم الفكر التربوي
الحياة العمانية
{4}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أبدأ الحديث عن حياة الشيخ في عمان منذ وصوله إلى بلده الأصلي (بهلا). وكان ذلك قبيل ظهر يوم الحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى من عام 1384 هـ وبرفقته أبواه وأخوه حمود بن حمد الخليلي، وقد نزل الشيخ أول نزوله بـ (بستان سحيم (القريبة من سوق بهلا، يقول خلف بن زاهر الشرياني وكان من المستقبلين لأسرة الشيخ: بعد ذلك ذهبنا إلى محلة (الخضراء) مشياً على الأقدام، تغمر أهل البلاد الفرحة والبهجة والسرور بوصول هذا الشيخ بصفة عامة، وأهل محلة الخضراء بصفة خاصة (1) واتجه الجميع صوب البيت القديم الذي تركه آباء الشيخ مقفراً مستوحشاً لفراق أولئك العباهل من نسل سليمان بن ناصر الخليلي، ودخل الشيخ وأسرته، وليس في البيت شيء يسد المسغبة أو يرطّب الحلق، ويشفي من ال الظمأ، وقد جرد الانقلاب الشيوعي الأحمر هذه الأسرة المتواضعة من أملاكها، كما جرد غيرها من الأسر، وحسبها أن سلمت من براثن الموت، ورضيت من الغنيمة بالإياب، نعم لقد وصل الشيخ فقيراً فقراً مدقعاً من حطام هذه الحياة الزائل، ثرياً ثراء واسعاً بالعلم والصلاح والفضل وحسن التوكل على خالق الوجود، و مصرف كل موجود، ورازق كل مولود، وبفضل الله تعالى أصبح بعد ذلك في أحسن حال.
(1) لقاء الشيخ خليل بن أحمد بالشيخ خلف بن زاهر الشرياني (1/48)
صفحة 49
من معالم الفكر التربوي
+ {{9}
{4}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ما كاد الشيخ يلقي عصا ترحاله بمحلة الخضراء، ويقضي سحابة نهاره الأول بها، يستنشق شذا أخبار الحركة العلمية في هذه البلدة الوادعة، حتى شنف أذنيه خبر إقامة حلقة علمية بمسجد (الرفيع) بمحلة الخضراء بأول ليلة للشيخ في عُمان يرأسها الشيخ القاضي علي بن ناصر المفرجي، ويحضرها عدد من أهل المحلة وأهالي المحلات المجاورة لها، فانطلق الشيخ إليها مسرعاً، لا تقترب من حماه نوازع الإرهاق من السفر، أو تثبط عزائمه وساوس الشيطان بالتعب والنصب، إنها أول ليلة، وقد وصلت لتوّك من سفر مرهق طويل، وفي الوقت متسع، وإن لجسمك عليك حقاً، ما كان لشيء من ذلك أن يناوش أحاسيسه، أو يداني حمى إرادته القوية، يحكي الشيخ القاضي علي بن ناصر أحد المواقف قائلا: " جاءنا عبدالله بن سعيد العدوي ونحن مجتمعون بمسجد الرفيع وأخبرنا خبره، وقال بأنكم تبحثون عن معلم للقرآن، وهو مناسب ومتعلم، فطلبنا مجيئه؛ فجاء بعد ذلك إلى المسجد، وقلنا له: نحن نريدك معلماً للقرآن لأبنائنا، ونريد من يقرأهم تلقين الصبيان، فهل أنت متعلم ما يكفيك لذلك، فقال: قليلاً، فسألناه، هل تعرف في النحو؟ فقال: (شوي) يعني قليلاً، وحينها أردت اختباره فسألته عن المروحة، هل هي اسم أو فعل أو حرف؟ فقال: هي اسم، فقلت: هل هي معرفة أو نكرة؟ فقال: هي معرفة. واتفقنا على جعله معلماً للأولاد، وقلنا له: إن الراتب قليل، فلك في الشهر عشرة قروش، قال: لا بأس، وكان سيف بن سالم الهميمي هو الذي يعلم الصبيان، وقبله كان الشيخان ناصر بن راشد المحروقي وحمود بن عبدالله الراشدي، وأخوه مبارك كان يومها صغيراً معه، وبعد ما طرحت عليه ذينك (1/49)
صفحة 50
من معالم الفكر التربوي
{•.}
{50 هـ
عند الشيخ أحمد الخليلي
السؤالين ابتدرني هو بسؤال حيرني، فلم أحر جواباً، فقلت له: أنا أستعفيك
لأني غير متعلم)، ولكن تجهز لنذهب بعد غدر إلى الشيخ إبراهيم بن سعيد
العبري
(T)
1
وأخذ الشيخ القاضي علي بن ناصر بيد خلف بن زاهر الشرياني
إلى خارج المسجد قائلا له: إن هذا الشيخ لديه علم غزير، ولم نعرف عنه شيئاً من قبل، فالحمد لله الذي أخرجه من زنجبار إلينا؛ لنستفيد منه نحن وأولادنا، وما هو إلا توفيق من الله لنا (3) وقد وافق في صباح اليوم التالي أن كان القاضي والوالي علي بن حمد المعولي وبعض أعيان المحلة على موعد لزيارة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (المفتي السابق لعمان) في بلدة (الحمراء) فاقترح الشيخ القاضي على الشيخ أحمد مصاحبتهم للتعرف على الشيخ العبري، فقال الشيخ: إني أحب ذلك وأرغب فيه، ولكن الأمر يرجع إلى والدي في الموافقة أو عدمها، فأرسلوا خلف بن زاهر إلى الوالد حمد بن سليمان، فأخبره الخبر ورغبة المشايخ في اصطحابهم لزيارة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، فأجاب دعوتهم قائلا: إنها فرصة لنا في اصطحابهم أولاً والتعرف على الشيخ إبراهيم ثانياً، فسار الجميع تحفهم عناية الله وتكلوهم
(1) يقول الشيخ سليمان بن سيف أن القاضي جلس يستمع إلى كلام الشيخ المسهب في القضية منكسا رأسه حتى: ناداه المؤذن قائلا: الشيخ علي الصلاة، فرفع رأسه وهو يقول: ها الصلاة نعم الصلاة. ويقول الشيخ صالح الربخي: أن الشيخ أحمد أجاب بإسهاب وتفصيل حتى أن القاضي نهض وقبض على رقبة الشيخ يطلب منه العذر والعفو؛ لأنه لم يكن يعلم
مدى سعة علمه.
(2) لقاء الشيخ خليل بن أحمد بالشيخ علي بن ناصر المفرجي
(3) لقاء الشيخ خليل بن أحمد الخليلي بالشيخ علي بن ناصر المفرجي (1/50)
صفحة 51
من معالم الفكر التربوي
+ {01}
عند الشيخ أحمد الخليلي
رعايته، وكان في استقبالهم ببلدة الحمراء الشيخ إبراهيم وجماعته العبريون، يعلوهم البشر والسرور، مرحبين بضيوفهم الكرام، ولما استقر بالجميع المجلس كان الشيخ القاضي يجلس بجانب الشيخ إبراهيم العبري وكان الشيخ أحمد الخليلي بعيداً عنهما، فأشار الشيخ القاضي على الشيخ إبراهيم بأن يدني الشيخ أحمد منه، ويجلسه بجانبه يسأله في فنون العلم) وترك له مهمة اكتشاف خزائن مكنونات علمه، قلبى الشيخ إبراهيم رغبة الشيخ القاضي ونادى الشيخ أحمد لينهض من مكانه، فأجلسه بينه وبين القاضي، وأخذ يناقشه في العديد من القضايا، وأعجب الشيخ إبراهيم به إعجاباً شديداً وقال معقبا: ما كنا نسمع عن هذا الشيخ شيئاً قبل اليوم، وأرى أن علمنا أمام علمه لا يكاد يذكر، وأسأل الله أن يبارك فيه، ويكثر من أمثاله، وبقيا متلازمين طوال مدة الزيارة، يتحاوران ويتساءلان، وقد أفصح الشيخ الخليلي عن تطلعه إلى نشر التعليم في كافة أنحاء عمان، مبينا أهمية العلم وضرورة إتاحة الفرصة للناس كي تتعلم. فطلب منه الشيخ العبري النزول عند رغبة أهل بهلا ليكون مدرساً لأولادهم، فقال الشيخ أنا لا علم عندي، ولكني لن أبخل بما لدي من العلم، وكانت رغبة الشيخ أحمد أن يرحل إلى سمائل للانضمام إلى حلقات الشيخ خلفان بن جميل السيابي ولكن الشيخ إبراهيم بن
(T)
(1) يروي الشيخ صالح الربخي أن الشيخ العبري طرح مسألة في المجلس وكان الشيخ أحمد يجلس في طرف المجلس، وشارك الحاضرون فيها، ثم طرح الشيخ أحمد قضية مهمة جدا تبين من خلالها علو قدره فنهض الشيخ العبري من مكانه وأخذ بيد الشيخ أحمد وأجلسه
بجانبه
(2) لقاء الشيخ خليل بالشيخ خلف بن زاهر الشرياني (1/51)
صفحة 52
من معالم الفكر التربوي
{OT}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سعيد كان يرى بقاءه للتدريس في بهلا (1) ولذلك كتب رسالة إلى السيد أحمد بن إبراهيم بهذا الخصوص جاء في هذه الرسالة) ولئن أطال الله. عمر هذا الفتى فسيكون مرجع أهل عمان (وكان الشيخ القاضي علي بن ناصر المفرجي هو حامل الرسالة إلى السيد أحمد؛ لذا نترك له مجال الحديث عن رحلته هذه يقول: ويعدها أخذت الرسالة وجئت بها إلى مسقط مروراً بالشيخ عبدالله بن علي الخليلي في سمائل وأخبرته عنه، ولما قرأ رسالة الشيخ العبري قال: هذا سيأخذونه عنكم، وكثر الكلام في أنه سيؤخذ من بهلا، ولما وصلت إلى مسقط سلّمت إلى السيد أحمد البوسعيدي الرسالة، وأخذ يسألني عنه فأجبته، ثم دخلت على القضاة، وأخبرتهم عنه، فقال الشيخ هاشم بن عيسى: كم عمره، فقلت: نحو العشرين، فقال كيف سيكون هذا عندما يبلغ
الأربعين؟!. وذهبت بعدها إلى السيد أحمد لأخذ الجواب منه، فقال لي بأننا قد وصينا عليه بأن يأتينا هنا، فقلت له: نحن أخبرناكم خبره لا لتأخذوه عنا، وإنما لتثبتوه عندنا؛ إذ لا عالم في بلادنا، فنريده معلماً لنا ولأولادنا، فقال: أنتم عندكم الشيخ إبراهيم، ترجعون إليه في الدقيق والجليل، وهذا نريده هنا في المركز، حيث التجمع الكبير) وحينها طلب الشيخ العبري أن يؤجل نقله فترة من الزمن حتى يشرع في التعليم في جامع بهلا، فوافق السيد أحمد، فأخذ يدرس في الجامع ببهلا وقت الصباح، وفي وقت المساء يفرغ نفسه للقراءة والاطلاع في مسجد (الميثاء)، يقول الشيخ القاضي علي بن
(1) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي
(2) لقاء الشيخ خليل بالشيخ علي بن ناصر المفرجي
(2) (1/52)
صفحة 53
من معالم الفكر التربوي
{0}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ناصر: " قال لي الوالي ذات يوم: تعال بنا نذهب لنرى هذا المدرس وتلاميذه، ولما دخلنا عليهم الجامع قام الشيخ وألقى كلمة ترحيبية ارتجلها
(1)
ارتجالا فحيرنا؛ فقال الوالي: هذا رجل كبير وشاع خبر الشيخ وسعة علمه في أنحاء عمان، فأخذت تضيفه القرى واحدة تلو الأخرى، فبعد زيارته الأولى للشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، وخلالها تقدم إليه بطلب زيارة أخرى تكون خاصة به وبوالده، فلبى الشيخ الخليلي دعوته، وكانت أفرغ من الزيارة الأولى للتباحث والمناقشات، ثم دعاه الشيخ عبدالله بن زاهر الهنائي لزيارة بلدة الغافات، فرحل إليها مع والده والشيخ خلف الشرياني، وكانت مدتها ثلاثة أيام، وكانا خلالها يستعرضان سير الأئمة، والأولياء الصالحين، واستعرضا سيرة الإمام الرضي محمد بن عبد الله الخليلي. وعرجا على محبته
،
للعلم ونشره، وحبه لطلبة العلم وتقديم المساعدات لهم، والإحسان إليهم ثم تلتها زيارة إلى "بسياء "، بدعوة من أشياخها، ثم بلدة العارض، ثم رحل
إلى عبري بدعوة من أشياخ بني خليل هناك، وكان الشيخ في جميع زياراته متفقداً أحوال الأهالي والبلاد، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ولا يخشى في الله لومة لائم، يقول الشرياني: " في زيارته لبسياء رأى رجلا يلبس خنجراً مزينة بالذهب، وآخر يلبس خاتماً من الذهب فنهاهما عن ذلك وساق لهما الحديث الشريف المحرم للبس الذهب للرجال، وقال: إن شرف الرجل وعزته في تقواه وصلاحه، لا في لبس الذهب، وفي زيارته بلدة العارض زار قبر العلامة الزاهد أبي سعيد الكدمي - رحمه الله - ورأى ما رأى حول القبر من
(1) لقاء الشيخ خليل بالشيخ علي بن ناصر المفرجي (1/53)
صفحة 54
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
النذور، وقرب القبر شجرة عليها الكثير من الثياب البالية، وعندما سألهم عن ذلك أخبروه، أن المرأة إذا وُلِدَ لها مولود معافى، وقد نجت من مخاطر الولادة تذبح شاة على القبر، فنهاهم عن ذلك وبين لهم حرمته، وأمرهم بقطع الشجرة وإزالة جميع الأذى من القاذورات وبقايا الطعام من على ظهر القبر، وقال: احترموا هذا العالم الجليل في قبره، كما كان يحترمه معاصروه أيام حياته، وفي زيارته العبري لحظ الإسراف الكبير في الكرم، فلم يعجبه صنيعهم، ولم يرضه لهم، فنهى جملة من الناس عن ذلك قائلا: إن هذا الإسراف منهي عنه نهياً شديداً، فلا تعد إليه مرة أخرى. وهكذا كان شأنه لا
(1)
يرى ما يخالف أمر الله إلا ساءه؛ فأنكره ونهى عنه وفي هذه الأثناء كان الشيخ يستغل وقته الاستغلال الأمثل بين طلب العلم وإرشاد الناس، يقول الشيخ صالح الريخي: كان الشيخ في هذه المرحلة يستعير المخطوطات من الناس في محلته ويخرج مبكراً في الصباح إلى الصحراء ويبقى هناك إلى آخر النهار، وفي طريق عودته يجلس مع الشباب الذين يجلسون في الأودية، أو يلعبون الألعاب الشعبية، حرصاً منه أن يعلمهم شيئاً ينفعهم، بأسلوب مرح بشوش، وكانوا يحترمونه، فيجلسون إليه ويستفيدون منه، كان - حفظه الله ـ على هذا المنهج يرجع الكتاب إلى صاحبه في يومين أو ثلاثة (2)
أرسل السيد أحمد بن إبراهيم الناظر في الشؤون الداخلية لعمان، يدعو الشيخ إلى زيارته في مسقط، وكان الشيخ القاضي المفرجي والشرياني مرافقين
(1) لقاء الشيخ خليل بالشيخ خلف بن زاهر الشرياني
(2) لقاء المؤلف بالشيخ صالح الربخي (1/54)
صفحة 55
محال الفكر الزيزي
من
{00}
عند الشيخ أحمد الخليلي
للشيخ في زيارته هذه، يقول الشرياني: " فلما وصل الشيخ عند السيد أحمد تلقاه بالبشر والسرور، وقال: دعوناك وأزعجناك، ولكن دعوناك لنقلدك أمر القضاء بولاية ضنك؛ لأن الأهالي هناك قدّموا شكوى ضد قاضيهم الحالي، وهم غاضبون، يريدون قاضياً آخر مكانه، وقد رشحناك لهذا المنصب، فأجاب قائلا: "أرجو المعذرة، فأنا لا أصلح لوظيفة القضاء؛ ذلك لأني لا معرفة لدي بأحكام القضاء، وقد تربيت في زنجبار، ولم أتعلم العلم الذي يؤهلني لهذه المهمة، وليس عيباً أن يعترف المرء بعدم معرفته بالشيء الذي لا يعلمه، وليس عيباً علي أن قلت لا أعرف أحكام القضاء، وإنما العيب يلحق من تفشم وأدخل نفسه في القضاء دون دراية بأحكامه، فهذا عذري واضح جلي، فقال السيد أراك لا تريد القضاء يا شيخ، فكلامك هذا يدل على غزارة علمك، وسعة فقهك، ولكن لا بأس، ارجع إلى بلدك، وواصل عملك الذي أنت فيه؛ ومتى أردناك دعوناك لتأتينا، بارك الله فيك وفي أمثالك، والتقى في زيارته تلك بالقضاة في مسقط، ودارت بينهم محاورات علمية (). والذي يبدو أن السيد أحمد كان ينوي تعيين الشيخ أحمد قاضياً على ضنك " على الرغم من اعتذاره غير أن الشيخ إبراهيم العبري أرسل برسالة إلى السيد أحمد يطلب فيها إبقاء الشيخ الخليلي في بهلا، في مهمة التدريس، ويعتذر له عن تعيينه في منصب القضاء، مطالبا بإعفائه من هذه المهمة، معتذراً إليه بأن القضاء يتطلب ارتحالاً وتنقلاً، وصحة الشيخ لا تسعفه على ذلك، فهو يجد صعوبة في الترددات وغيرها، وربما اعتذر إليه أن عمان تتميز
(1) لقاء خليل بن أحمد بالشيخين المفرجي والشرياني (1/55)
صفحة 56
من معالم الفكر التربوي
+ {0"}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بوجود الأفلاج ولها أحكام كثيرة ربما يجهلها الشيخ أحمد، لأن زنجبار لا أفلاج بها ولا سواقي، وإنما اختص العمانيون بذلك (1)
فكانت هذه الرسالة شفيعا قوياً، ومعززاً لحجة الشيخ واعتذاره الشخصي للسيد أحمد، ويقول الشرياني: أن السيد طلب الشيخ الخليلي بعد زيارته الأولى بمدة من الزمن لزيارته مرة أخرى فرحل إليه، وهناك أبلغه بأنه سينقله إلى مسقط عما قريب " يقول الشيخ الخليلي: قال لي عند الذهاب: لن نتركك دائماً في بهلا، ولكن الآن اذهب، وسنطلبك فيما بعد، وكانوا قد طلبوا الشيخ خلفان بن جميل السيابي أن يأتي إلى مسقط، ليقيم في مسجد الخور
مدرساً وقد شق ذلك على الشيخ خلفان بسبب شيخوخته.
بعد ستة أشهر جاء الطلب بالرحيل إلى مسقط في برقية إلى والي بهلا، فيها " أبلغ مدرس الخور أن يأتينا (3) فما كان من الشيخ إلا الاستعداد للرحيل بمفرده بعد عشرة أشهر قضاها في بهلا، ثم التحقت به أسرته المباركة بعد ذلك. سكن الشيخ مع أسرته في وادي العور من مسقط، في اليوم السادس من جمادى الثانية 1385 هـ، وانضم إلى أسرة التدريس بالمركز العلمي، بمسجد الخور، وكان بمعيته الشيخ الربيع بن المر، وحمد بن خلفان الرواحي، وكان الشيخ يتولى تدريس المستوى الأعلى، وهو المستوى الثالث، يقول سماحته
(1) من لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن سيف الخليلي
(2) لقاء خليل بن أحمد بالشرياني
(3) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي (1/56)
صفحة 57
من معالم الفكر التربوي
{57}
عند الشيخ أحمد الخليلي
في سؤال عن تدريسه بمسجد الخور: "كنت أقوم بتدريس أصول الفقه والعقيدة والفقه، وكنا نعتني بطلعة الشمس في أصول الفقه) وفي سؤال وجهته إلى الشيخ أحمد بن سعود السيابي عن نظام الدراسة بمسجد الخور قال: كانت الدراسة على ثلاثة مستويات:
الأول: يدرسه حمد بن خلفان الرواحي، يدرس الآجرومية في النحو، وتلقين الصبيان في الفقه والعقيدة.
الثاني: يدرسه الشيخ الربيع بن المر، يدرّس ملحة الإعراب، ومدارج الكمال، وشيئاً من جوهر النظام.
الثالث: يدرسه الشيخ أحمد الخليلي، يدرس شرح ألفية ابن مالك، وجوهر النظام في الفقه، وطلعة الشمس في أصول الفقه، ومشارق الأنوار
في العقيدة، وحلقة عامة بعد المغرب في تفسير الكشاف للزمخشري.
يقول سماحة الشيخ بدأنا دراسة التفسير من عام 1390 هـ، 1970 م،
(T)
كنا نقرأ الكشاف ونحاول تحليله قدر المستطاع فيما بين العشاءين. "" ومما
تتميز به دروس الشيخ الربط بين الأصالة والمعاصرة، وذلك بما وهبه الله تعالى من تفتح ذهني، واستنارة عقلية، ووعي رحب بمجريات الأحداث في عصره، يقول مرشد الخصيبي - وهو أحد الطلبة الدارسين بمسجد الخور - في كتابه " عمان أيام زمان: كنت أتذكر وهو يحدثنا بين الفينة والفينة
(1) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي
(2) السابق (1/57)
صفحة 58
من معالم الفكر التربوي
{ON}
عند الشيخ أحمد الخليلي
عن بعض الأحداث التي تدور في حينها بما يثير الدهشة ويبعث على الاستغراب، كما يدعو إلى الإعجاب أن يعرف شيخ دين مثله كل ذلك، فما له ولهذه الأحداث، والشيخ حين يتحدث عن ذلك لا لأجل الإخبار بها فقط، وإنما يربط هذه الأحداث بأمور يتوقع حدوثها ويتجه بها اتجاها دينيا، وقد كان بالفعل صائباً في تفسيره ذلك، وقد سمعت أول ما سمعت عن زعماء الاتحاد السوفيتي من لسانه، إذ كان يذكرهم واحداً واحداً في وقت لا يعرف فيه بعض زملائه الآخرين من شيوخ العلم من قضاة وغيرهم الفرق بين الشيوعية والشيعة " (1) كما تتميز دروسه بكثرة التحليل وسعة البسط والشرح، يقول مرشد الخصيبي أيضاً: "أتذكر أننا بقينا ما يزيد على السنتين في دراسة كتيب تلقين الصبيان ... وربما لا يأخذ هذا الكتيب أكثر من فصل دراسي عند غير هذا الشيخ "
(2)
ويقول مرشد الخصيبي أيضا: " كان التعليم مكثفاً على فترات ثلاث: الفترة الصباحية: وتبدأ في حوالي الساعة الثامنة صباحاً وحتى صلاة الظهر
جماعة في المسجد.
الفترة الثانية: وتبدأ بأداء صلاة العصر جماعة، وحتى نهاية صلاة
المغرب.
(1) عمان أيام زمان، مرشد الخصيبي، ص 64
(2) السابق، ص 67 (1/58)
صفحة 59
من معالم الفكر الزبري
{0}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الفترة الثالثة: وهي الفترة التي بين صلاتي المغرب والعشاء (1)
لقد بدأت الدراسة في هذا المسجد من عهد السيد ثويني بن سعيد وكان متولي شؤون الدراسة في المسجد السيد هلال بن أحمد البوسعيدي، صاحب الأوقاف والخيرات وأول من قام بالتدريس فيه آنذاك أحمد بن محمد الكندي، ثم ابن عمه الشيخ سعيد بن ناصر الكندي، ثم توالى المشايخ بعد ذلك، ودرّس فيه حمد بن عبيد السليمي.
(2)
أنار الشيخ بعلمه سماء عُمان، وانتشر خبره لدى الخاص والعام، والصغير والكبير، وجاء بعض المشايخ لينظروا كيف هو؟ وما سعة علمه؟ وكان الشيخ كلما زاره أحد من المشايخ في مقر التدريس يلقي بعض الكلمات ترحيباً بهم، ويقول أحمد بن سعود السيابي: إنه كان يحث طلابه أيضا على الإلقاء، وممن زاره من المشايخ آنذاك، الشيخ محمد بن شامس البطاشي، والشيخ سالم بن حمود السيابي، والشيخ إبراهيم بن سيف، والشيخ هاشم بن عيسى الطائي، والشيخ إبراهيم بن سعيد
(3)
العبري، والشيخ سعود بن عامر المالكي (3) الذي عقب بعد زيارته بقوله: هذا الرجل من رجال دولة الإمام محمد الخليلي ولكنه قد تأخر زمانه، وقد سألت الشيخ عن زيارة هؤلاء المشايخ الأجلاء، هل كانوا يلقون كلمات تحت الطلبة على طلب العلم وما شابه ذلك أثناء زيارتهم؟ فأجابني
(1) عمان أيام زمان، مرشد الخصيبي، ص 65 (2) لقاء المؤلف بالشيخ أحمد بن سعود السيابي (3) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي (1/59)
صفحة 60
من معالم الفكر التربوي
?
{+}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بقوله: هذا الأمر لم يكن معهوداً. وقد تبين بذلك مدى النقلة التي أحدثها الشيخ الخليلي في مجال الإلقاء والخطابة في عمان، هذه الميزة التي يعدها الشيخ أحمد بن سعود السيابي إحدى الخصائص المميزة لمدرسة الشيخ
الخليلي.
في يوم الاثنين 7 / ربيع الثاني / 1389 هـ الموافق له شهر يونيو 1969 م توفي والد الشيخ الخليلي - نسأل الله له الرحمة. ويقي الشيخ يعمل مدرساً ليل نهار، ففي الصباح لديه حلقة في المسجد، وفي المساء حلقة التفسير، وبعد ذلك يجتمع لديه الكثير من الطلبة في بيته، وربما خرجوا في وقت متأخر وأصبح ذلك ديدنه،، ومع ذلك كان يرحل إلى خارج مسقط ناشراً للعلم، أمراً بالصلاح والتقوى، ناهياً عن البدع والمنكرات، كما سيأتي في باب جهاده - بمشيئة الله - وفي عام 1390 هـ / 1970 م بعد تولي جلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم بعشرة أيام، استدعي الشيخ الخليلي إلى القصر لمقابلة جلالته، وكان ذلك هو لقاؤه الأول بجلالته، وفي سؤال وجهه إلى سماحته وليد عوض الصحفي بمجلة الأفكار جاء فيه: هل جرى حوار بين السلطان وبينك؟ أجاب سماحته: كان للعلماء والمشايخ
جلسات متعددة مع جلالة السلطان، وكانت المواضيع من صلب الدين
والسلطان حاكم البلاد، وأبو الجميع، وأبناء البلد هم أبناؤه، وسأله
،
:
لابد أنه تنبه إليك أثناء الحديث، فأجاب سماحته، ذلك كرم منه
وتلطف (1)
(1) لقاء الصحفي وليد عوض بالشيخ الخليلي. مجلة أفكار (1/60)
صفحة 61
من معالم الفكر التربوي
?
{11}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وفي هذا العام انتقلت أسرة الشيخ من وادي العور إلى ميابين في مسقط، وبعد سنتين تقريباً - أي في عام 1392 هـ توفيت زوجه الحارثية، وبنى على زوجه الخليلية، كما سبق الحديث عن ذلك.
وفي يوم الـ الثالث عشر من صفر عام 1392 هـ الذي يوافقه شهر مارس من عام 1972 م كانت أول رحلة للشيخ إلى خارج عمان، وقد استمرت هذه الرحلة شهرين وسبعة عشر يوماً تقريبا، ولكونها أول رحلة لسماحته كان من الطريف والمهم على السواء أن نستمع إلى بعض تفصيلاتها من لسان الشيخ نفسه، يقول: " خرجت من مسقط إلى قطر والتقيت بالشيخ القرضاوي والتقيت بالشيخ عبد المعز عبد الستار، وأكرمنا وتحمل نفقات إقامتنا في قطر، ويقينا يومين، ثم رحلنا من قطر إلى جدة وبتنا ليلة واحدة، ثم سرنا إلى المدينة، وبقينا خمسة أيام، ثم ذهبنا إلى العمرة لأول مرة، وبقينا خمسة أيام في مكة وزرنا كلية الشريعة ومن فيها، وسرنا إلى جدة وبقينا ثلاثة أيام في جدة، ثم خرجنا إلى مصر، والتقينا بشيخ الأزهر الدكتور محمد الفحام والتقينا بوزير الأوقاف آنذاك الشيخ عبد الحليم محمود الذي أصبح شيخ الأزهر فيما بعد، والتقيت بمجموعة من علماء مصر، ويقينا عشرين يوماً في مصر، ثم سافرنا إلى الجزائر، والتقينا بالشيخ بيوض في العاصمة، وتوجهنا إلى ميزاب، واستقبلنا الشيخ عبدالرحمن بكلّي، وزرنا القرى الست، وهي بريان وغرداية والعطف ثم مليكة و بنيسجن ثم بنوّرة ثم ذهبنا إلى القرارة وبقينا فيها أياما، ثم اتجهنا إلى العاصمة، ثم إلى تونس، وزرنا جزيرة جربة، ثم من جربة اتجهنا إلى (1/61)
صفحة 62
من معالم الفكر التربوي
{12}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ليبيا، وزرنا جبل نفوسة، وزرنا زوارة وزرنا في نفوسة (جادو وكباو
وطمزين وتندميرة، ثم رجعنا إلى مصر ثم إلى دبي ثم إلى مسقط. (1)
ولنقتطف من هذه الرحلة ما جرى لسماحته من بعض المواقف في المملكة العربية السعودية، يقول سماحته: " وصلنا إلى المدينة المنورة حيث بقينا هنالك خمسة أيام، تشرفنا بها بزيارة المسجد الشريف للنبي (صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وبزيارة قبره عليه أفضل الصلاة والسلام، والتقيت بمجموعة من العلماء منهم الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز، حيث أخذنا ضيوفاً على الجامعة. وكان آنذاك رئيساً للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والتقيت هناك كذلك بالشيخ عبد المحسن عباس الذي كان أمينا عاما للجامعة الإسلامية، والشيخ عمر الفرجاني الذي كان آنذاك نائبا للأمين العام للجامعة، ثم التقيت بمجموعة من العلماء وزرت كليتي الشريعة وأصول الدين، وكانت هاتان الكليتان بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وثار نقاش بيني وبين أحد المدرسين في كلية أصول الدين، فعندما دخلت وجدته يدرّس حديث الرؤية الذي في صحيح مسلم، وكان يتحامل على الذين ينفون الرؤية، وقد كنت قبل ذلك دخلت فصلا في تدريس العقيدة ودخلت مكان الدراسة، وكان في موضوع وحدة الوجود، والرد على الذين يقولون بوحدة الوجود، والبحث في موضوع فكرة الحلاج ودعوته، وقول أبي زيد العيصطاوي ما في هذه الجبة غير الله، أي
(1) لقاء الشيخ العيسري بالشيخ الخليلي (1/62)
صفحة 63
معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
بمعنى هوا الله - تعالى الله عن ذلك - إن كان ذلك ثابتا عنه، وكذلك قول ابن
عربي:
الرب عبد والعبد رب
فليت شعري أين المكلف
لو كنت عبدا فذاك.
رب
أو قلت رب فأنى يكلف
وكان الذي يدرس هذه المادة الدكتور تقي الدين وهو رجل مغربي وكان قد عمر عمراً طويلا في ذلك الوقت، كان عمره يتجاوز التسعين، كان ضريرا وعاش فترة طويلة في بلاد المشرق وفي أوروبا، وأخذ الدكتوراه ـ كما أخبرت. من ألمانيا، وكان من الذين ينتمون إلى ما يسمى بالدعوة السلفية، وقد عهد هذه الدعوة من الشيخ العالم الهندي صاحب " تحفة الأحوذي " الذي درس ودرس في الهند فترة، وكان رجلا أديباً وعاش في العراق فترة طويلة، وعاش في المملكة العربية السعودية أيضا فترة طويلة، وكان إماماً ـ فيما أحسب ـ في المسجد الشريف فترة طويلة (1) وكان يتحدث في موضوع وحدة الوجود عن الذين كانوا دعاة هذه الفكرة الساعين إلى بثها، وذكر عن كاتب فرنسي - في درسه هذا - أنه قال بأن محاكمة الحلاج كانت أعدل محاكمة؛ فإنه حوكم لمدة أربعين سنة إلى أن أدين، وحكم عليه بالإعدام، وسأله طالب عن هذا الكتاب للمؤلف الفرنسي، فأجاب بأن الكتاب باللغة الفرنسية، وليس باللغة العربية، وقد قرأه وهو بتلك البلاد، ولكني وجدت بعض الكتب. ولا أذكر
(1) ذكرت هذه التفاصيل لبيان قوة ذاكرة الشيخ الذي يتذكر المعلومات من سنوات طويلة الرجال لقيهم في سفره (1/63)
صفحة 64
من معالم الفكر التربوي
{4}
عند الشيخ أحمد الخليلي
المصدر الذي وجدت فيه هذا الرأي - أن محاكمة الحلاج كانت لمدة تسع سنوات. بعد هذا الحديث عندما قمت للخروج من الصف الدراسي بالجامعة القيت كلمة شكرتُ فيها المحاضر، وشكرت عناية المملكة العربية السعودية، بطلب العلم ونشره، واحتواء الجامعة الإسلامية للعدد الكبير من طلبة العلم من جنسيات متعددة، وخرجت، وكان هناك رجل يسمى الشيخ سالم بن مطر البلوشي، مشرفاً على الطلاب بالجامعة، ولا يزال مقيماً إلى الآن أي وقت اللقاء بالمدينة المنورة، وقد بلغ من الكبر عتيا، وقد أقعده المرض؛ فأودى بصحته، وكان هو الذي يحضني على أن أتحدث بعد الاستماع إلى الدرس، فتحدثت بكلمات وجيزة، وخرجت ثم دخلت صفاً آخر كان التدريس فيه في الفقه، وكان الكتاب الذي يدرّس " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " لابن رشد، وتحدثت بعد الإصغاء إلى حديث المحاضر بكلمات، وخرجت ثم دخلت الصف الثالث، وكان التدريس في صحيح مسلم في أحاديث الرؤية، كان في حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وعندما أردت الخروج أشار إلي الشيخ سالم بن مطر بأن أتحدث كالمعتاد، فقلت: بأنني أشكر الجامعة على عنايتها بنشر العلم وترغيب الناس في تلقيه، أما من حيث الدرس بالذات فإنني أبدي تحفظاً عليه، فأنا لا أؤمن به، ولا أعتقد ما يقوله المحاضر، بل أعتقد خلاف ذلك، هذا الذي أردت قوله إن كنتم تكتفون بذلك فذاك، فإني ما جئت لأناقش وأعارض وأعترض الناس في عقائدهم، وإن كنتم أردتم معرفة الحجة التي عندي فأنا مستعد، فأبدى الدكتور الذي يتولى التدريس استعداده للمناقشة، وكان عميد الكلية أيضا بصحبتنا، فأبدى أيضا استعداده للمناقشة، فذكرت (1/64)
صفحة 65
من معالم الفكر التربوي
+ {10}
عند الشيخ أحمد الخليلي
لهم أولاً الآية الكريمة " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " فأسرع الدكتور المحاضر. وهو مصري - إلى القول: بأن الإدراك شي والرؤية شي آخر، فعندما يقول الإنسان أدركت هذا الشيء، يعني أحاط به من جميع جوانبه، والرؤية لا تستلزم الإحاطة، ونظراً إلى أنه مصري، قلت له: هل فضيلتكم أدركتم حياة شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمود شلتوت؟ قال: نعم، قلت له: هل أحطت بجميع حياته منذ ولادته إلى وفاته؟ يلزمك على هذا أن تكون محيطاً بحياته من أولها إلى آخرها، ثم بعد ذلك كلما أمسكته الحجة من حيث الاستدلال بالقرآن أراد أن يفر إلى الحديث، يقول: ماذا
،
تصنع بالحديث الصريح؟ ماذا تصنع بالحديث الصريح؟ قلت له: طيب وهذا الحديث هل أنت تعتقد ما فيه على ظاهره كما هو؟ قال: نعم، قلت له: هل رأيت ربك؟ قال: لا؟ قلت له: أليس الحديث في أول موقف من مواقف يوم القيامة؟ قال: نعم، قلت له: الحديث هذا هو؟ وأمسكت الكتاب وقرأت عليه الحديث، قلت له: الحديث يقول إنكم سترونه كذلك، يبعث الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يقال لهم: تتبع كل أمة ما كانت تعبد، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، فتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونه بها، فيقول لهم: أنا ربكم، فيقولون له: نعوذ بالله منك، لا نبرح مكاننا حتى يأتينا ربنا، قلت له: إن كان هذا في أول موقف من مواقف القيامة، وأنت لا تعتقد أن الدنيا محل لرؤية الله، متى رأوه حتى عرفوا صورته وارتسمت في عقولهم؟ فإذا رأوه بخلافها، قالوا: نعوذ بالله منك، لا نبرح (1/65)
صفحة 66
من معالم الفكر التربوي
{11}
عند الشيخ أحمد الخليلي
مكاننا حتى يأتينا ربنا، فأجاب: بأنهم عرفوه مما جاء من وصفه لنفسه ووصف الرسول (صلى الله عليه وسلم) له، فقلت له: طيب، أنت قرأت كلام الله وقرأت سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهلم إلى وصفه على حسب ما ارتسمت صورته في ذهنك، حسبما عرفته مما قرأته بنفسك من الكتاب والسنة، فأجابني أحدهم قائلا: هذا السؤال لا يليق بك، فلا ينبغي لعاقل أن يطرح هذا السؤال، فيسأل أحدا عن الله تعالى كيف هو؟ قلت: أنا أعرف أن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولكن يلزمكم ما دمتم تعتقدون هكذا، يلزمكم أن تجيبوا على هذا السؤال. واستمر النقاش طويلا، ثم قيل: الأولى أن تخرج من الصف حتى لا نشوش فكر الطلبة، فخرجنا إلى قاعة أخرى، وجاء الطلبة وراءنا (1).
تلك لمحة سريعة من رحلته الأولى إلى الخارج، ونعود لمتابعة مراحل حياته، ففي عام 1393 هـ / 1973 م انتهت الدراسة بمسجد الخور وعين الشيخ الخليلي مديراً للشؤون الإسلامية، وانتقل على أثرها من مسقط إلى روي في شقة بإحدى العمارات هناك، وكان ذلك في عام 1394 هـ، 1974 م
وفي هذه السنة كانت أول رحلة للشيخ إلى أوروبا وبالذات إلى إيطاليا.
وبعد وفاة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري في حادث سير 1395 هـ / 1975 م عيّن جلالة السلطان قابوس الشيخ الخليلي مفتياً عاماً للسلطنة، وفي سنة 1397 هـ - 1977 م انتقل مسكن الشيخ إلى مدينة السلطان قابوس ليعود
(1) لقاء الشيخ العيسري بالشيخ أحمد الخليلي (1/66)
صفحة 67
من معالم الفكر التربوي
{97}
عند الشيخ أحمد
بعد سنة واحدة إلى روي مرة أخرى، حيث كان مسكنه بقرب مكتبة الاستقامة حالياً بل في البناء نفسه، وفي هذه السنة أي 1398 هـ - 1978 م كانت أول رحلة للشيخ إلى بريطانيا بمناسبة تدشين، سفينة للبحرية العمانية حيث
سماحة الشيخ الخليلي يلقي كلمة في بريطانيا بمناسبة تدشين سفينة للبحرية العمانية
ألقى سماحته كلمة هناك بهذه المناسبة. ثم بعد تلك الرحلة كانت أول رحلة له إلى خارج البلاد العربية، حيث توجه - حفظه الله - إلى باكستان ثم إلى الهند - وقد ذهب إليها مرات عديدة - ثم سافر إلى الصين والفلبين وسنغافورة وهونج كونج، ثم سافر إلى فرنسا وتكررت الرحلات لسماحته بما تصعب (1/67)
صفحة 68
من معالم الفكر التربوي
? {9^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
متابعته). وللشيخ مشاهدات ومواقف أبان عن بعضها في بعض محاضراته. سأوردها في مواضعها من البحث طلباً للاختصار. وما دام الحديث يدور في فلك الترحال والتنقلات تجدر الإشارة هنا إلى أن الشيخ انتقل من بيته المجاور المكتبة الاستقامة إلى بيت آخر بمنطقة الممتاز في حوالي عام 1409 هـ تقريبا، وكل هذه المساكن كانت مستأجرة إلى أن انتقل سماحته إلى مسكنه الحالي الجديد؛ ليضع بذلك حداً للتنقلات الأسرية. ويصوّر (وليد عوض) الصحفي بمجلة الأفكار حياة الشيخ في لقائه معه جاء فيه: نلاحظ يا شيخ أحمد أنك تعيش حياة تقشف إلى أبعد حد، فأنت تقيم في منزل متواضع دلونا عليه بالأمس، وتحته مخازن، ولا تسكن في قصر ولا في فيلا، كما يفعل أكثر رجال ديننا في وطننا العربي، وليست لك مراسم ولا سكرتير يستقبل الزوار قبل أن يدخل به عليك، أهي نشأة تقشفية خاصة بك؟ أم أن تركيبة البلاد هكذا هنا؟ فأجاب: إنني أتعامل مع الحياة بمنظار المقتنع بأنه منظار صحيح ولا شائبة فيه، فالحياة يعيشها الإنسان لفترة محدودة على ظهر هذه الأرض، ثم لا يلبث أن ينتقل إلى باطنها، ويجب أن ينظر إليها بأنها حياة لا تستحق العناية الكبيرة، وأنا أرى أن ما أنا فيه هو الآن فوق ما استحق، والشاعر الواعظ
يقول:
وخيمة خوص أو ظليلة راكة
كثير على حي يموت فيقبر
(1) من لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي (1/68)
صفحة 69
من معالم الفكر التربوي
{79}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ومن كان مثواه باطن الأرض، وجسمه غذاء للدود، ينبغي أن يتعظ في حياته، ومع ذلك علينا أن نتأمل قول الله سبحانه وتعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). وتجدر الإشارة هنا إلى أن سماحته رفض بشدة الانتقال إلى بيته الحالي، فما كان يعلم بذلك البيت حال تشييده، فقد تولى شؤونه أخوه حمود، يقول محمد الرشيدي سائق سيارة الشيخ: " مررنا مرة بجانب البيت وهو قيد الإنشاء ومعي سماحته، فسألني قائلا: أرى تعميراً هنا، فما هذا الإنشاء؟! فأجبته: هذا منزلكم، فتعجب، كيف لا يعلم بذلك؟! وبعد الانتهاء منه رفض الانتقال إليه، وأصر على ذلك، وقال لأبنائه: اجعلوا لي عريشاً من سعف النخيل يكفيني لأقضي تحته ما تبقى من عمري، ورأى أن يبقى في بيته المتواضع المستأجر، وأخذ يدفع إيجاره الشهري - حوالي ألف ريال شهريا - فتراكمت عليه بسبب ذلك ديون كثيرة، لم يجد سبيلا لسدادها، وحين رأى أولاده تراكم، وعجز سماحته عن سدادها دخلوا معه في مفاوضات كثيرة أقنعوه خلالها بأن هذا المنزل الجديد يحوي بالإضافة إلى عائلة الشيخ عائلات الأبناء أيضا، وسيبقى ضيقاً صغيراً، فهناك عائلة خليل، وعائلة أفلح، وعائلة عبد
الديون
الرحمن، وعائلة محمد، عدا الضيوف الكثر المرتادين بيت سماحته دون انقطاع، ولعل في طوايا الأيام أسباباً أخرى لم تبن عنها لنا دفعت سماحته إلى
العدول عن رأيه والانتقال إلى المسكن الجديد.
(1) لقاء الصحفي وليد عوض بالشيخ الخليلي (1/69)
صفحة 70
من معالم الفكر التربوي
{v}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وفي عام 1986 م عين الشيخ وكيلاً لوزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية بجانب منصب الإفتاء، وحزن لذلك حزناً شديداً، وحاول مراراً الاعتذار عن الأعمال الإدارية نظراً لاهتماماته العلمية وطبيعته الإصلاحية، وقدر الله أن ابتلاه ببعض الأمراض الشديدة التي لزم معها الفراش، واضطر للسفر إلى أمريكا طلبا للعلاج، وقد زوده الطبيب هناك بتقرير طبي يصف حالته المرضية التي تتطلب عدم الإرهاق، فرفع الشيخ التقرير إلى المقام السامي ملتمساً إعفاءه من هذا المنصب، فجاءت الموافقة على ذلك، ثم بعد ذلك رقي إلى درجة وزير، فما أحدث ذلك أي تغيير مطلقاً على أسلوب حياته.
كيف يقضي سماحته سحابة يومه؟
ذلك مرهون بتقلب الظروف والأحوال، وخلاصة القول: إن يومه جهاد مستمر لا يفتر، وعمل جاد لا يهدأ، والشيخ حال كتابتي هذه السطور يطوي عامه الثاني والستين، ولا شك أن الظروف المحيطة به في هذه المرحلة من العمر ليست تلك التي كان يعيشها في العقد الثالث من عمره المبارك، غير أن الشيخ يلخص ذلك في جواب على سؤال من صحفي كويتي، جاء فيه: كيف تقضي يومك؟ فأجاب قائلا: ليس هناك برنامج معين، لأن أوقاتي كثيراً ما تكون فيها ما يتجاذبها، فأنا أستيقظ قبل أذان الفجر بساعة، وأستعد للصلاة، وبعد صلاة الفجر أتلو ما تيسر، وأحيانا أعود إلى النوم، ثم بعد ذلك أفطر ثم أبدأ مشوار العمل والحياة، وهنا تتجاذبني عدة عوامل، فأحيانا أخرج من (1/70)
صفحة 71
من معالم الفكر التربوي
{71}
عند الشيخ أحمد الخليلي
البيت ولا أتمكن من العودة إليه إلا في وقت متأخر من الليل. () والأيام تختلف لدى سماحته، فصباح الثلاثاء من كل أسبوع يتفرغ لدرس التفسير الذي يلقيه بعد صلاة المغرب، أما بقية الأيام العادية فإنه في طريق خروجه إلى الوزارة يمر بالمجلس حيث ينتظره ذوو الحاجات؛ فيقضي حوائجهم، وبعدها يتجه صوب الوزارة أو لجنة التظلمات، أو أحيانا يبدأ بكتابة صفحات في التفسير، وأحيانا تحول دون ذلك أعمال اضطرارية، وإذا عاد ليلاً بعد العشاء ورأى مجلسه مضاءً، فإنه يأبى إلا الدخول مهما كان الإرهاق قد حطم قواه الجسدية، فيكرم ضيوفه، ويقضي حاجة كل ذي حاجة، وربما دخل إلى أهله في وقت متأخر من الليل. إنه يرى نفسه قد تحملت عبئاً ثقيلا فللناس عليه حقوق، فلم يخلقه الله لذاته، وإنما لنفسه وللآخرين المتعطشين إلى المنقذين والموجهين من أمثاله، وما أجمل كلمات سطّرها قلم وليد عوض، يشهد فيها بحال الشيخ في زيارتين متباعدتين، وهو يصف ما شاهده مساء الثلاثاء في درس التفسير لسماحته، يقول: المساء في جامع السلطان قابوس مهرجان صوفي، مئات المصلين يتدافعون إلى داخل المسجد، بعدما يخلع كل منهم نعليه عند العتبة، وفيما يكتفي فريق منهم بتأدية صلاة المغرب ليعود إلى أشغاله، وسوق العمل في مسقط مفتوح حتى العاشرة مساء، يلازم الآخرون سجاجيد المسجد؛ ليقرؤوا القرآن الكريم، أو يتوجهوا بالأدعية إلى الله عز وجل، أو يتحلّقوا حول رجل نحيف القامة، يرتدي أبيض بأبيض، ويروح تقشف عز نظيرها، ويضعون بين يديه ما عندهم من هواجس ومشاكل وهموم، فيفتي بينهم
(1) لقاء الصحفي الكويتي بالشيخ الخليلي شريط مسجل. (1/71)
صفحة 72
من معالم الفكر التربوي
{V}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ويريح صاحب الكرب، ويشفي غليل الحيران. ذلكم هو الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان، ومحدث يوم الجمعة على شاشة التلفزيون العماني، وصاحب الكلمة الفصل في كل ما يحتاج إلى فتاوى. أنا أعرف الشيخ أحمد الخليلي منذ عام 1974 م، يومئذ لم يكن قد ولي سدة الإفتاء بعد، وكان أبرز وجه في المحكمة الشرعية، حتى اختاره السلطان قابوس بن سعيد من بين عشرات العلماء ورجال الدين الضالعين في الشريعة والفقه ليكون مفتي السلطنة. والشيخ أحمد ابن الأربعين لم يتغير علي هذه المرة، إلا في جسده، فقد أصبح أقل نحافة، ولكن لم يتغير لا في فروسيته ولا في جرأته، إنَّ الرأي ند الشيخ أحمد استراتيجية وليس تكتيكاً، وكما عرفته زاهداً متقشفاً متواضعاً كذلك ألفيته هذه المرة. لم يكن الإفتاء عنده مكتباً فخماً، ولا ديواناً مترامياً، بل حسبه وهو يقابلك أن يتجمع فوق كرسي عادي، ويثوب أبيض عادي، وبعمامته العمانية على رأسه، فإذا ناديته بصاحب السماحة، قال: استغفر الله، أنا عبد من عبيد الله الضعفاء المساكين، المحتاجين إلى مغفرة الله عز وجل ورضوانه (1).
عند
أما يوم الجمعة فالشيخ - كالعادة - لا يخلو مجلسه من الزوار وذوي الحاجات، فيقضي حاجاتهم قبل النهوض للاستعداد لصلاة الجمعة، ثم يستقبل ضيوفه بعد الصلاة على وجبة الغداء التي ربما كثر عليها العدد بما لا يتصوره المرء، إذ يأتي بعض الناس دون أن يحيطوا الشيخ علماً، وقد رأيت بعيني رأسي مرة ما يمكن أن أسميه باحتفال الجمعة، فقد حدثتني نفسي أن
(1) لقاء الصحفي وليد عوض بالشيخ الخليلي (1/72)
صفحة 73
من معالم الفكر التربوي
+
{V}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أزور الشيخ بعد صلاة الجمعة وأتناول معه وجبة الغداء، وقلت في نفسي إني شخص واحد، لا أوثر شيئاً، حضرت أو غبت، وما إن استقر بنا المجلس حتى بدأت الأفواج تتدفق، زرافات ووحدانا، حتى ضاق المجلس الدائري بالحاضرين، فأمرهم الشيخ أن يكونوا صفوفا كصفوف الصلاة، ثم بعدها اضطر الشيخ إلى الخروج بنفسه للإشراف على الانتقال إلى المجلس الكبير، وأمرنا بعد ذلك بالانتقال إلى المجلس الداخلي، وهكذا يمر وقت الشيخ من أجل الآخرين على حساب راحته أما بعد صلاة العصر فالشيخ يتفرغ للتلاوة والذكر والدعاء في المسجد حتى أذان المغرب، التماساً للساعة المباركة من يوم الجمعة، ثم يبقى إلى صلاة العشاء هناك، ويحبسه الناس بعد الصلاة إلى وقت متأخر من الليل أحياناً يستفتونه ويستشيرونه، وربما عاد إلى البيت ووجد بعض الأفراد ينتظرونه في المجلس، ليعود إلى أهله متأخراً، إنها حياة جهاد لا يفتر وعمل دؤوب لا يهدأ، بإرادة قوية لا تخور، حفظه الله وعافاه.
حفظه و نامه:
ماته وأخلاقه
لقد رزق الله الشيخ حافظة قوية، وذكاء حاداً، ونباهة وقادة، فهو سريع الحفظ، دقيق الملاحظة، كثير القراءة، واسع الاطلاع، رحب أفق الوعي،
تعلق بذاكرته الكثير من الشوارد، وقد أورثه ذلك فقها للواقع لا يبارى
،
ووعيا بما حوله لدرجة لا تجارى، يحفظ الكثير من الحوادث في سن مبكرة من (1/73)
صفحة 74
من معالم الفكر التربوي
74}
عند الشيخ أحمد الخليلي
طفولته، ففي سؤال قدمه إلى الشيخ الخليلي الشيخ عبدالله ابن عامر العيسري، عن أقدم ذكرياته، أجاب فيه: " في حوالي العام أو دونه علقت بذهني أول ذكرى تذكرتها وأنا في مرحلة الطفولة، عندما كنت في حضن والدتي، حفظها الله، وكانت تطعمني القثاء (الفرع) وكنت أرفض أن أطعمها بسبب أنني في ذلك الوقت لا أحب ذلك، وعندما سألتها عن عمري في ذلك الوقت، قدرته بنحو العام أو أقل قليلاً من العام.
(1)
الذكرى الثانية عندما فُطِمْتُ، وأذكر تلك الجلسات التي جلستها عند جدي) وذكرى أخرى ما تزال عالقة بذهني، ولعل علوقها بسبب ما فيها من الإيلام، وقد كان ذلك عندما فطمت من الرضاع، وذلك في منزل جدي لأمي، وهذه الصور باقية في ذهني إلى الآن (3) ومن الذكريات التي أذكرها، ذكرى وفاة جدي حمود بن سالم البهلاني وهو أبو والدتي، وقد توفي في شهر صفر عام 1365 هـ، وأذكر أن نعيه وصل إلينا وقت صلاة المغرب، وكان والدي يستعد لأداء صلاة المغرب، وذهبت بصحبة والدتي وأحد إخوتها إلى المنزل الذي وقعت فيه مصيبة جدي، وأذكر بكاء النساء في ذلك الوقت، ولا أزال أذكر إلى الآن قصة كانت تتحدث بها إحدى النساء هناك، وهي أن امرأة كبيرة في السن. وقد أدركتها - خرجت في طريق قد ناوشتها الكلاب فيه فجرحتها، وأثرت عليها، والحديث لا يزال مرتسما بمخيلتي إلى وقتنا هذا، وقد كان عمري يوم وفاة جدي بحسب الأشهر القمرية ثلاث سنوات وستة
(1) لقاء الشيخ العيسري بالشيخ الخليلي
(2) لقاء الشيخ العيسري ولقاء المنفلوطي بالشيخ الخليلي (1/74)
صفحة 75
من معالم الفكر التربوي
{Ye}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أشهر، ومن الذكريات القديمة لقائي بالشيخ أبي إسحاق أطفيش في حال زيارته الأولى لزنجبار عام 1367 هـ، وأذكر أنه حضر في منطقة تسمى بالمحلية مفنيسيني، وأهل عمان يسمونها الفنسا، وقد ألقى درساً، لكن لا أحفظ ما قاله في ذلك الدرس () ولكن الشيخ يذكر تماما ما قاله الشيخ أطفيش في دروسه التي ألقاها في زيارته الثانية لزنجبار، فقد أورد في جواهر التفسير في تفسير فواتح السور: "وممن جرى في هذا المضمار شيخنا العلامة أبو إسحاق إبراهيم أطفيش - رحمه الله ـ فقد سمعته في دروسه التفسيرية التي كان يلقيها بجزيرة زنجبار أيام زيارته لها عام 1380 هـ ما رأيته من بعد منقولا عنه في كتاب إعجاز القرآن بين
(Y) M
النظرية والتطبيق للدكتور محمد حفني شرف. يتحدث الشيخ بنعمة الله عليه هنا فيقول: " عندما كنت أحضر دروس الشيخ أبي إسحاق كان زملائي
يكتبون ما يلقي علينا الشيخ في أوراقهم، وبعض ميسوري الحال يسجلون الدروس في أشرطة سمعية، وأنا ما كنت أملك شيئا من ذلك، وإنما كنت معتمداً على ذاكرتي، فلما حدث الانقلاب ضاعت أوراقهم، وتلفت أكثر أشرطتهم، ويقي عندي من فرائد الشيخ أبي إسحاق ما حفظته الذاكرة" (3)
ومن عجائب حفظه ما يحدثنا به معاصروه، فمن ذلك ما أخبرني به ولده سليمان نقلا عن عمه، وأخبرني بذلك الشيخ بدر اليحمدي وقد حضر
(1) لقاء المنفلوطي بالشيخ الخليلي
(2) جواهر التفسير 88/ 2
(3) نقل إليَّ هذا الحديث أكثر من واحد ممن سمع الشيخ منهم الشيخ سالم بن خلفان
البراشدي وسلطان الشيباني (1/75)
صفحة 76
من معالم الفكر التربوي
?
{V}
عند الشيخ أنماء الخليلي
مجلس الشيخ فحدثهم بذلك، قالا: جلس الشيخ تحت شجرة قرنفل يحفظ
(1)
من جوهر النظام، فحفظ منه ثمانمئة بيت في جلسته تلك ومن هذه العجائب
أنه وهو بزنجبار عُقد مجلس تأبين لموت الإمام الخليلي، ألقيت فيه خطبتان، الأولى ألقاها الشيخ عبد الله بن سليمان الحارثي، كما ألقى فيه الشيخ عبدالله بن حمدون الخطبة الأخرى، فحفظ الشيخ الخليلي كلتا الخطبتين، وكانت إحداهما تقارب ثلث الساعة) ومن ذلك ما حدثني به الشيخ أبو الحسن شحاته قال: زار الشيخ الخليلي طلبة القسم الداخلي بمعهد القضاء الشرعي بروي، فألقى للطلبة محاضرة قال فيها بما معناه: قرأت في مجلة البحث عن أثر العقيدة في النفس، قصة هرقل في حربه مع الفرس، وأخذ يسرد القصة كما وردت بالمجلة، وكان لدي العدد نفسه الذي أشار إليه الشيخ، فلما رجعت إلى البيت وكان معي الشريط المسجل لتلك المحاضرة، فأخذت أتتبع النص من المجلة، فوجدته كأنما يقرأ من المجلة؛ حتى أنه لا يغير حروف العطف، ولو لم أسمعه بنفسي لما صدقت ذلك، كما كنت أتتبع نقله في محاضرة التفسير عن الإمام محمد عبده، والسيد رشيد رضا من تفسير المنار، فلم أجده يحيد حرفاً عما قالاه (3) وقد سألت الشيخ سعيد بن حمد الحارثي عن موقف يدل على مدى حفظ الشيخ فقال: " أما الحفظ فحدث ولا حرج، فقد كنت ذكرت له في سنة 1391 هـ رؤيا منامية رأيتها، ثم في سنة 1408 هـ أي بعد سبعة عشر عاماً ذكرت له رؤيا أخرى، فقال لي على الفور: هذه الرؤيا تشبه الرؤيا التي
(1) لقاء المؤلف بالشيخين سليمان الخليلي وبدر اليحمدي
(2) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن أحمد الخليلي
(3) لقاء المؤلف بالشيخ أبي الحسن شحاتة
C (1/76)
صفحة 77
من معالم الفكر التربوي
?? {VV}
عند الشيخ أحمد الخليلي
رأيتها عام 1391 هـ، يقول الشيخ سعيد: لقد نسيتها أنا وذكرني هو بها (1) وحدثني الشيخ بدر اليحمدي بما يشبه هذه الحادثة إلى حد بعيد، قال: رأيت مرة رؤيا فقصصتها على الشيخ، ومرت السنون فنسيت الرؤيا، فلما زارنا الشيخ في بلدنا حدثني بالرؤيا، وسألني أتذكرها؟ قلت: لا، فقد حفظها هو
(2)
ونسيتها أنا (1) وحدثني الشيخ زياد ابن طالب المعولي، قال: لما كنت أدرس بالأردن قرأت كتاباً قديماً نادراً بمكتبة الجامعة يتحدث عن تاريخ اليمن،
فحفظت منه عدة أبيات تتعلق بشرب القات منها:
(3)
مداعتي أنيستي جليستي في وحدتي
تقول في كركرها بالله خذني بالتي
وفي عام 1996 م عقدت ندوة مازن بن غضوبة، وقد ذهبنا إلى سمائل، فعرض الحديث لموضوع القات، فذكر الشيخ الأبيات كاملة، فتعجبت كيف عثر الشيخ على الكتاب، وكيف يحفظ تلك الأبيات، لولا كثرة اطلاعه، وقوة حفظه، ربما لما يشاء حفظه وما لا يشاء. () والمواقف الدالة على ذلك كثيرة، أما النباهة والذكاء فإني أترك للمواقف التالية المجال لتفصح عن ذلك:
(1) لقاء المؤلف بالشيخ سعيد بن حمد
الحارثي
(2) لقاء المؤلف بالشيخ بدر اليحمدي
(3) المداعة.
مي
الشيشة
(4) لقاء المؤلف بالشيخ زياد بن طالب المعولي (1/77)
صفحة 78
من معالم الفكر التربوي
?
{VA}
عند الشيخ أحمد الخليلي
يقول الشيخ زياد المعولي زارنا الشيخ الخليلي في المعهد أيام الامتحانات النهائية، وكان ذلك قبيل إخراج نتائج الامتحانات، فأعطيت الشيخ الكشف المفصل لدرجات الطلاب، وكان هذا الكشف يحوي درجات امتحان منتصف الفصل والتقارير والمشاركة ودرجة الامتحان النهائي، ثم المجموع والنسبة المئوية، فأخذ الشيخ يقلب صفحات الكشف، وبسرعة قال لي: هنا خطأ في النسبة المئوية، والصحيح كذا، فحسبنا النسبة بالآلة الحاسبة، فوجدناها كما قال سماحته. فتعجبت كيف كشف الشيخ الخطأ بتلك السرعة، ونحن بحاجة إلى استخدام الآلة الحاسبة. (1)
ومن نماذج الفطنة الحاضرة أن الشيخ - حفظه الله ـ عندما يلقي محاضراته
،
ويستحضر أثناء إلقائه حادثة مرت عليه، أو قصيدة قرأها في المصدر الفلاني سرعان ما يقوم الشيخ بعملية حسابية مذهلة، دون توقف عن الحديث، فيقول مثلاً: في زيارتي للصين منذ كذا سنة، أو قرأت في المجلة الفلانية عام كذا، أي منذ كذا وكذا من السنين، فهو يقوم بتذكر السنة أولاً، ثم يقوم بطرح العام الذي قرأ فيه من العام الذي يتحدث فيه بسرعة فائقة؛ فيعطيك مقدار السنين التي مرت عليه من تلك الحادثة إلى وقته ذلك. وقد لمسنا فيه ما أكرمه الله به من حضور البديهة باستمرار، ولو كان في وقت متأخر من الليل، بله في أوقات الصباح مثلا، ومن أجوبته المفحمة ما كان من ردّه على الشيخ ابن باز، عندما دعاء الشيخ الخليلي إلى المناظرة فأبى، يقول سماحة الشيخ: فقلت له: أرأيت أن لو جاءك يهودي أو نصراني أو صاحب مبدأ آخر، وجادلك في الإسلام أما
(1) لقاء المؤلف بالشيخ زياد بن طالب المعولي (1/78)
صفحة 79
من معالم الفكر التربوي
{V}
عند الشيخ أحمد
كنت توافقه على النقاش العلني؟ قال: نعم، لأن في ذلك دعوة إلى الإسلام. قلت له: وفي هذا أيضاً دعوة إلى الإسلام النظيف الخالي من البدع والشبهات. فقال: إن أصحاب البدع لا ينفكون عن بدعهم مهما كان الأمر. فقلت له: لقد تبين ذلك من موقفكم الآن الذي وقفتموه، وأخيراً بعد أخذ ورد، أصر الشيخ إصراراً على موقفه الرافض لما دعوته إليه، فقلت له: إن هذا الإصرار لا يمكن أن يفسر إلا أنه إفلاس من الحجة، وعجز عن إقامة البيئة، فإن صاحب الحق لا
يكون هياباً ولا جباناً، بل صاحب الحق يجرؤ على إظهار الحق الذي يعتقده.
(1)
ومن ذلك أنه يلحظ الأمور بمنتهى الدقة لكل معارفه، حتى إذا رأى أحدهم جاوز الحد، أتاه بلطف وبشاشة ليسرد له تأريخ حياته، وجميع المواقف المتضافرة التي مر بها ليصل به في النهاية إلى صحة ما توصل إليه من ملاحظة يطلب منه أن يصحح مساره بعدها، ويعود إلى جادة الصواب، ويثوب إلى الرشد، ويتخلص من تلك المعايب. ولذا لا يستطيع أحد كائنا من كان أن يصطلي بناره، أو يحوم حول حماه، لأنه سيلقى ما لم يكن في حسبانه، وكل
من سولت له نفسه مناوشته. فيما يتعلق بمصلحة الإسلام. لقنه درسه البليغ ولا حاجة لذكر الأسماء هنا، ولأجل الأجيال القادمة أذكر أني كنت ذات مرة أتحدث مع الشيخ؛ فجرنا الحديث إلى مسألة فقهية، واستطرد الحديث إلى ذكر شخصية كتبت في ذلك الموضوع، وقد عابت الرأي الذي يذهب إليه الشيخ الخليلي - حفظه الله ـ بأسلوب لا ينبغي أن يكون، وكان رأي الشيخ هو الأسلم
(1) الرد على فنوى الشيخ ابن باز، محاضرة بجامعة السلطان قابوس، بثها التلفزيون العماني، وهي محاضرة منتشرة مشهورة متداولة. (1/79)
صفحة 80
من معالم الفكر التربوي
+ {^•}
عند الشيخ أحمد الخليلي
في الدين والدنيا، وهو رأي كثير من العلماء، في كثير من المذاهب الإسلامية، قال الشيخ: فأرسلت إليه، لئن لم تنته ستلقى المصير نفسه الذي لقيه فلان،
فانتهى والحمد لله.
مكانته العلمية
عالما
لا شك أن الاجتهاد والحرص على طلب العلم قد صيّرا من الشيخ. كبيرا، راسخا في العلم، متضلعاً لا يشق له غبار، وتتبدى ظواهر ذلك في الكثير من المواقف في القديم والحديث التي أشير إلى بعض منها:
يقول الشيخ سعيد بن حمد الحارثي فيما قبل 1973 بقليل جئنا لزيارة والدي في مسقط، في خلال زيارتنا تلك جاء الشيخ أحمد الخليلي يزور والدي، وفي المجلس بدأ الشيخ يتحدث ويفيض علينا من بحار علمه، وكان هناك أخي سالم بن حمد، فقال والدي لسالم: تعال سالم، تعال شوف العلم .. على هيئة المباهي بالشيخ، يدعو سالماً لينظر كيف العلم؟ (1)
ومن ذلك ما أخبرني به الشيخ أبو الحسن شحاته، قال: " كُلفت بتحقيق كتاب الشيخ أبي سعيد الكدمي " الاستقامة " وكان الشيخ في مكتبة الجامع مشغولا بالقراءة، فطلبت منه مقدمة عن حياة المؤلف، فأخذ الشيخ الدفتر مني وتناول القلم، وبدأ يكتب من ذاكرته .. فلما أنهى صفحتين قلت: الحمد لله
(1) لقاء المؤلف بالشيخ سعيد بن حمد ا
الحارثي (1/80)
صفحة 81
من معالم الفكر التربوي
+
{A}
عند الشيخ أحمد الخليلي
تكفي صفحتان، ثم الحمد لله هما ثلاث .. فكتب لي أربع عشرة صفحة، ثم عاد إلى عمله، ولم يأمرني بالعودة تعال في غد، أو بعد غد أو كذا. (1) ومن مروياته أيضا ما حدثني به قال:
وردت إلي ثلاث أسئلة من علماء (مصر) عن:
-
—
شهادات الاستثمار الفئة (ج).
حكم كلمة "يحيى الهلال مع الصليب"
الدين الله والوطن للجميع - لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة.
لأن علماء مصر يبحثون عن عالم مخلص لا يخاف في الله لومة لائم، فجلست مع الشيخ في غرفة منعزلة، وأجاب عليها في أشرطة سمعية لمدة ثلاث
ساعات متواصلة. وقال: كنت أدرس التفسير لطلبة المعهد، وعند الإشكاليات نرجع إلى سماحته، فلاحظت أنه يجيب من الذاكرة وبالتفصيل فلما أخذنا قوله تعالى: ما ننسخ من آية ... } رأينا أبا مسلم الخراساني ينكر النسخ، فقال أحد الطلبة: نسأل الشيخ عن الرأي الصحيح، فبعد صلاة المغرب، بعد المصافحة للشيخ كان معنا الشيخ زهران البراشدي وهو طالب يومئذ، وسألنا الشيخ الخليلي قائلين: إن بعض العلماء ينكرون النسخ، فرد الشيخ مباشرة: لقد ردّ عليهم أبو زهرة في كتابه الفقه على المذاهب الإسلامية الجزء كذا، صفحة كذا، فيُهِتُ من شدة حفظه. ومرة كنت أشرح قول الله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} فمعظم علماء المذهب يرون أنه في الأصناف الستة، في حين أن بعض الباحثين يرون أن يصرف النص لصالح الفقير، فسألنا الشيخ، فقال الشيخ: إن علماء
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أبي الحسن شحاتة (1/81)
صفحة 82
من معالم الفكر التربوي
{2}
عند الشيخ أحمد الخليلي
كذا، وبعضهم كذا، واستمر
المذهب تكلموا في هذا الموضوع، فقال بعضهم بما يزيد على نصف الساعة يجيب على هذا السؤال ارتجالاً. (1)
ومما يدور في هذا الفلك ما قرأته لسماحته في كتابه "جواهر التفسير" وكتابه "الحق الدامغ" وكتابه " وسقط القناع" فضلاً عما تحوي من علم رصين، ومناقشات واحتجاجات تعكس مكانته العلمية، لا يخلو الكتابان من إيحاءات جاءت عفو الخاطر تدل بوضوح على المكانة العلمية السامقة التي يحتلها سماحته، فمن ذلك قوله في كتابه " وسقط القناع": " وأتحدى بما أورده هنا من النص الذي قلته في الحق الدامغ الحشوية أن ينقضوا هذا الكلام جملة جملة إن ثانوا صادقين بأنهم على حق، وأن الذي قلته باطل" (") وقد نقلت هذا التحدي وسائل الإعلام العُمانية، واطّلع العالم عليه، ولم يحرك أحد ساكنا، ومن النصوص التي أشرت إليها سابقا ما جاء في جواهر التفسير بعدما أورد الشيخ ما قيل في هاروت وماروت من أقوال المفسرين وأطال فيها ثم قال: " هذه خلاصة ما قيل في قصة هاروت وماروت وما أشارت إليه الآية في شأنها، والذي يتجه لي من المراد بها وبشأنها خلاف كل ما قيل .. (3) ويأخذ في تفسير الكثير من المشكلات المتراكمة على الأفهام عبر العصور فيجلي غوامضها، ويقشع تراكماتها، وحسبنا من الدلالة على مكانته كونه مفسرًا لكتاب الله تعالى، وما اشترطه العلماء في المفسر من الشروط الكثيرة، وليس هذا المستوى من التمكن خاصاً بعلوم الشريعة، فالشيخ متضلع إلى حد التشبع في علوم اللغة
العلمي
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أبي الحسن
(2) وسقط القناع، الشيخ الخليلي، ص 17
(3) جواهر التفسير 51/ 1 (1/82)
صفحة 83
من معالم الفكر التربوي
? {AT}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سقطات
والأدب، والثقافة العامة، والبلاغة والبيان، أخبرني الشيخ زياد المعولي قال: حكى لي صالح محمود نهية، وهو متخصص في النحو، قال لي: ما كنت أعتقد أني سأجد خطيبًا في عُمان بهذا المستوى، فقد كنت أبحث عن لحوية لدى الخطباء والمحاضرين، وكنت حريصاً على التقاط سقطة لدى الشيخ الخليلي؛ فما وجدت إلى ذلك سبيلا، ولذلك كنت أحرص على حضور دروس التفسير، وآتي إليها من مسافة بعيدة لأني لا أجد لغة سليمة عند بقية المتحدثين. وكنت في عام 1991 م في الكويت، وقد عقد مؤتمر اللجنة العليا لاستكمال تطبيق الشريعة الإسلامية في دولة الكويت، كانت هناك جلسة للاقتصاد الإسلامي من ضمن أعمال المؤتمر، واجتمعت بعدد كبير من العلماء، وتعجبت فالكل يسألني عن سماحة الشيخ، ويشيدون بعلمه وخلقه (1) وليس في ذلك عجب، فالشيخ قد تكونت له شخصية علمية عالمية، قلت له: ذلك
C
أكثر من أن يحصى ويكفي ما أشار إليه الشيخ في رده على الطحان من الرسائل الكثيرة التي وصلت إليه، مليئة بالثناء، ولو نشرها لكانت كتاباً
مستقلا،
وأخبرني الشيخ زياد المعولي مرة عن اطلاع الشيخ الأدبي قال: كنا في رمضان فدعانا الشيخ للإفطار، وكان معنا أحد الضيوف من دولة قطر هو الشيخ المحمود، وكان معنا الشيخ فرحات الجعبيري، وذكر بيت شعر ذكره
الشيخ المحمود القطري، وهو:
إن الثمانين وبلغتها
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
(1) لقاء المؤلف بالشيخ زياد المعولي (1/83)
صفحة 84
من معالم الفكر التربوي
{^ {}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فسألت الشيخ: أهذا البيت للبيد؟ قال: لا، هذا لعوف بن محلم، من شعراء العصر العباسي، ثم أتي على حياة عوف، فما ترك فيها شاردة ولا واردة، ثم قرأ القصيدة كاملة، وجاء بنوادر في حياة الشاعر ثم عدت إلى البيت، وكان عندي كتاب معجم الأدباء لياقوت وبحثت عن ترجمة عوف، وأخذت أقرأ ترجمته، فما وجدت الشيخ غادر شيئًا مما كتب عنه، وكأنما كان الشيخ يقرأ من كتاب ياقوت، فدهشت تلك الليلة. (1)
وحسب الإنسان أن يطلع على جواهر التفسير" أو يسمع بعض محاضراته عن الأخطاء اللغوية، والأدب أيضا ليعلم يقينًا أي عَلَم شامخ هو. وأود التعريج السريع على مقتطفات من رصانة الأسلوب وقوة السبك، وحسن انتقاء الألفاظ، ثم ما يشدّها من التآخي، ويربطها من الوشائج البلاغية، مما يوحي بتمكنه من ناصية اللغة، وتحكمه بزمامها، يقول في جواهره
أن
عن تحدي القرآن العرب بأن يأتوا بسورة من مثله: " وما الذي منعهم يحشدوا فرسان البلاغة الذين لا يشق لهم غبار، وأئمة البيان الذين كانوا كأنما خُلقوا من مادته، واستخلصت أرواحهم من روحه، ليضافروا جهودهم على تلفيق سورة من مثل القرآن" (2)
ثم قال عن الإعجاز القرآني: " فمن نظر إلى تلاطم مبانيه بأنوار معانيه،
وقع في قرارة نفسه أن معانيه منساقة الألفاظه ثم لا يلبث ... )
(3)
(1) لقاء المؤلف بالشيخ زياد المعولي
(2) جواهر التفسير 51/ 1
(3) السابق 62/ 1 (1/84)
صفحة 85
من معالم الفكر التربوي
{he}
عند الشيخ أحماد الخليلي
فانظر إليه في النص الأول كيف اختار كلمة الحشد بدل كلمة الجمع، فقال يحشدوا ولم يقل يجمعوا ثم شبه البلاغة بالخيل على سبيل الاستعارة المكنية، وشبه العرب بالفرسان المتصرفين فيها، المتمكنين من ناصيتها، ثم كنى بقوله: " لا يشق لهم غبار" عن مهارتهم في تطويعها حسب إرادتهم، وهي تطير بهم كالريح، مخلفة سحب النقع وراءها، ولا يستطيع أحد اللحاق بهم وشق غبارهم، إضافة إلى ما في ذلك من التناسب بين المشبه به وهي الخيل المثيرة للغبار مع سرعة جريانها، والمشبه وهو الفرسان في ساحة ميدان السباق، ثم جعلهم أئمة يُقصدون ويأتم بهم غيرهم، ثم أردف ذلك بتشبيه رائع، حين شبههم كأنهم خلقوا من مادة البيان فاكسب البيان - وهو معنوي - صفة المحسوس، وأسبغ عليه الحياة، فجعل له روحًا، وهذه الروح استخلصت منها أرواح هؤلاء العرب البلغاء، والروح سر من أسرار الله، لذا اختار لها كلمة الاستخلاص، ولم يقل اشتقت أو اقتطعت أو نحو ذلك، لما في هذه الكلمة من إيحاء بالخلوص والإخلاص والخلاص بعد العناء؛ فالخلاصة هي ما استخرج بعد عمليات عدة متوالية، كل ذلك (ليضافروا) ولم يقل ليوجهوا، بما في هذه الكلمة من تعاون وحرص على النجاح وإحراز الفوز، ثم حكم على جهودهم تلك بأنها عمل زائف؟ إنه (تلفيق) ولن يعدوا ذلك، إنه تلفيق وحسب، وهذه الكلمة توحي بتشرب المعاني الدينية، والحكم الصائب على ما يمكن أن يكون من جهود، ومثل هذا في قوله: " تلاطم المباني بأنوار المعاني" ولدينا کلمتان يشكلان كل نص المبنى والمعنى الجسد والروح، فيختار لروح النص، كلمة الأنوار، إنها تضيء المبنى، وترشد السالك وتهدي الضال إلى سواء الصراط، فهي مضاءة في داخلها، متشربة بالنور، إنها مضيئة من بعيد للسالكين، ثم انظر إلى روعة الاختيار لكلمة التلاطم، أهي أمواج هائجة (1/85)
صفحة 86
من معالم الفكر التربوي
{^"}
عند الشيخ أحمد الخليلي
تبعثها قوة داخلية دافعة للحركة القوية، ثم تردفها أمواج أخرى، ويمكنك أن تتصور ما يحصل حال التلاطم من حدث رهيب، تلاطم الأنوار ذاتها أو تلاطم مبان نورانية، ماذا سيكون الحدث؟ وهكذا تتلاطم أمواج القرآن النورانية دون انقطاع حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا أريد الإطالة بالكشف عن شذا هذه الإيحاءات المودعة في هذه اللآلي المعجونة بأنوار الإخلاص المتجلي في جنبات سياقها، وحسبي أن أورد بعضاً من عقود الدرر المبثوثة في ثنايا جواهر التفسير، يقول في مقدمة جواهره:
1 - وكانت الفرص التي أتيحت لي للقيام بهذا العمل كأنما انتزعها القدر انتزاعا من قبضة الدهر، فأهداها إلى، واختلسها الجد اختلاسا من
بين رقابة الزمن؛ فمنحني إياها، والحمد أولاً وآخرا الله (1)
2 - ذلك لأن الناس مختلفون غير متفقي الحال في أي طور من أطوار الحياة، فتجد أحدهم وهو في صغره يتفيأ ضلال الراحة، ويتقلب على بساط النعيم، حتى إذا بلغ طور الرشد لفحته الدنيا ببؤسها، وكشرت له الأيام عن عصل أنيابها، وفرته الحوادث بأظفارها، بينما تجد غيره لا يذوق في طفولته الراحة، وإن اشترك مع غيره من الأطفال في براءتهم
الفطرية
(2))
وقد تستيقظ الفتنة بنبرة صوتها وبرنّة حليها، وبنفحة طيبها، لما يترتب على ذلك من خواطر نفسية، تؤرق النفس وتقض عليها مضجعها، وقد تثير هذه الأمور أنواعًا من الخيال تراود النفس بين لحظة وأخرى،
(1) جواهر التفسير 12/ 1
(2) جواهر التفسير 147/ 1 (1/86)
صفحة 87
من معالم الفكر التربوي
{XY}
عند الشيخ أحمد الخليلي
حتى تتركها تهيم في أودية الخيال السحيقة، فتفقد اتزانها وهل كانت ماسي العشاق إلا بمثل هذه الأسباب؟ (1)
ويسبب
(2)
هذه المكانة العلمية المؤيدة بالأسلوب الأدبي الرفيع، والخلق الإسلامي السامي المزكّى بالإخلاص، تجده يستحوذ مباشرة على نفوس المتلقين، فقد أخبرني ابنه أفلح بأن الشيخ ألقى محاضرة في باكستان، فلما خرج أخذ الناس يتدافعون إليه وأصبحت غرفته كخلية النحل من ازدحام طلبة العلم وحدثنا الشيخ خميس العدوي قال: لما ذهب الشيخ إلى السودان مشاركًا في أحد المؤتمرات، وتجلّى علمه وفضله للناس، طلب منه العلماء هناك يصلي بهم الجمعة في مسجد الجامعة بالخرطوم، وهو من أكبر الجوامع في السودان" (3) وأخبرني ابنه عبد الرحمن الذي صحبه في أداء العمرة وقت كتابة هذا البحث، قال: كان العمال في الحرم المكي قد طووا السجاد من الصحن المحيط بالكعبة المشرفة، وقاموا بتغسيل الأرض، فلما جاء الشيخ سألناهم عن إمكانية فرش سجادة لسماحته خلف المقام، فأمر الضابط بفرش تلك الناحية كلها إكراما للشيخ ومن في صحبته.
أن
(4)
هكذا يكون سماحته في الملتقيات الثقافية والمؤتمرات الفقهية وغيرها، فقد
أخبرني الشيخ خميس العدوي أيضا عن موقف الشيخ في مؤتمر " التقريب بين
المذاهب الإسلامية " فقال:
(1) جواهر التفسير 106/ 1
(2) لقاء المؤلف بالشيخ أفلح الخليلي
(3) لقاء المؤلف بالشيخ خميس العدوي
(4) لقاء المؤلف بعبد الرحمن بن
أحمد الخليلي (1/87)
صفحة 88
من معالم الفكر التربوي
?? {AN}
عند الشيخ أحمد الخليلي
" في مؤتمر "التقريب بين المذاهب" الذي انعقد في سوريا برعاية جمعية الإمام الخوئي، وبرئاسة عبد المجيد بن الإمام الخوئي، وفي إحدى جلسات المؤتمر كانت رئاسة الجلسة لسماحة الشيخ فقام شخص من أهل السنة وتكلم على الشيعة كلاما شديدا في كثير من القضايا، وفي المقابل كان الرد من علماء الشيعة الحاضرين عليه ردًا. ربما - أكثر في القوة والمقدار من كلام الرجل المردود عليه، واشتدت الأزمة بين الطرفين، فتدخل الشيخ لأجل حسم النزاع، وقال: علينا أن نتأدب مع الصحابة ومع آل البيت بالأدب الإسلامي الرفيع، وتكلم كلاما رتق به الفتق الحاصل، ولمّ به الشمل، وكان الخطاب مؤثراً، جعل العلماء يعجبون به، ويثنون على مهارته وقدرته على حسم النزاع مع اجتماع. وما يتميز به من فكر نير يلم شعث الأمة ويوحد صفها، مع أنه طرف ثالث من
(1)
الكلمة،
حيث المذهب، وأخذوا يرددون ذلك الثناء حتى نهاية المؤتمر تلك
هي
الحكمة في التبليغ والإصلاح، ويدور في هذا الفلك ما أخبرني به أفلح وغيره قال: شارك الشيخ مرة في أحد مؤتمرات المسلمين التي انعقدت في الاتحاد السوفيتي سابقا، وفي إحدى جلسات المؤتمر قام أحد المشاركين من إحدى الدول العربية بإلقاء كلمته التي كانت مليئة بالتضليل والتبديع للمسلمين، وما فشا فيهم من الشركيات، مما أدى إلى استياء الجميع وخصوصا القائمين على المؤتمر الذين كانوا ينتظرون من إخوانهم اللطف بهم وشد أزرهم في الثبات على مبادئ الإسلام أمام أمواج الكفر والفتن العاتية في تلك البلاد، فأحسوا
بالإحباط، وهبوط المعنويات، فلما جاء دور سماحة الشيخ في إلقاء الكلمة
(1) لقاء المؤلف بالشيخ خميس العدوي
" (1/88)
صفحة 89
من معالم الفكر التربوي
{89}
عند الشيخ أحمد الخليلي
قام وشد من أزر المسلمين هناك، وطوف بهم على أمجادهم السامقة التي شادها علماؤهم، وذكرهم بتأريخ أسلافهم الأماجد، وعدد لهم الكثير من أسماء علماء تلك البقاع البارزين، ونوه ببعض المواقف المضيئة التي ساهموا بها في بناء صرح حضارة الإسلام الشامخة، ودعاهم إلى التآزر فيما بينهم؛ لتكون جبهتهم قوية مكينة أمام الأعاصير التي تهب عليهم من بلاد الكفر لأجل استئصالهم، واقتلاع جذورهم، وحثهم على العلم بالشريعة ليستطيعوا اجتثاث كل ما يخالف أمر الله ورسوله في شتى مجالات حياتهم: فلما انتهى من كلمته تلك ضجت القاعة بالتكبير. لله أنت أيها الشيخ، لا ندري مم نعجب؟ أمن حكمتك التي رتقت بها الفتوق المتسعة؟ أم من سعة علمك واطلاعك ورحابة آفاق وعيك؟!.
ومن ناحية أخرى فإن المطلع على كتابه "جواهر التفسير" يتملكه الإعجاب بفكر الشيخ ومنهجيته وعلمه ودقة تفسيره، ولذا تجد الكثيرين ممن اطلعوا عليه، حرصوا على اقتناء نسخة منه خصوصاً أساتذة الجامعات في خارج عُمان
وداخلها.
أخلاقه
مما لا شك فيه أن الله تعالى يصطفي من يشاء من عباده؛ ليخصهم ببعض إكرامه، والعلماء من أولئك الذين اختصهم الله بهذه الكرامة، ثم يخص من هؤلاء العلماء من يشاء بالعمل بعلمه والإخلاص في ذلك لوجه الله، فيكونون بذلك هداة مهتدين ولا عجب أن تجد تفاوتا بينهم في هذه المزايا على قدر (1/89)
صفحة 90
من معالم الفكر التربوي
{9}
+
عند الشيخ أحمد
هممهم وعزائمهم في الاغتراف من بحر العلم، وترجمته واقعا حيا في جوانب حياتهم كلها، حتى تتحوّل جميع سلوكياتهم من حركة وسكون إلى قرآن ينبض بالحياة في واقعهم المعيش، وهذا ما يلمسه كل من اتصل بالشيخ الخليلي في أي شكل من أشكال الاتصال، والذي يبدو جليا لا غبار عليه أن سماحة الشيخ أحرز قصب السبق في الكثير من السمات، والذروة في الخلق والمعاملة والقمة في حسن الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ويمكن الإشارة هنا إلى بعضها من خلال ما يحكيه معاصروه، لتكون نبراسا لمن أراد الاقتداء، وسراجاً لمن أراد الاهتداء.
الحلم والأناة:
يتعرض الشيخ لكثير من المواقف الصعبة التي لا يكاد يحتملها إلا من هم على شاكلته، كالأحنف بن قيس ومن يدور في فلكه. فمن هذه المواقف الدالة على حلمه وصفحه وأناته ما كان من موقفه -حفظه الله - يوم وفاة ابنه عبدالله وكان طفلاً صغيراً، حيث دهسته عجلات السيارة التي يقودها سائق مركبة الشيخ، وهو رجل بنجالي، وكان الشيخ يومذاك في مكة المكرمة لأداء مناسك العمرة في شهر رمضان المبارك عام 1412 م، فقامت الشرطة باحتجاز السائق، ولما أبلغ الشيخ الخبر استرجع وحوقل، ثم سأل عن السائق، فقيل له إنه في الحجز، فقال: أخرجوه فورًا وعفا عنه.
وأخبرني الشيخ خالد الخوالدي، قال: في إحدى أيام رمضان كان الشيخ في الزاوية الشمالية من الجامع يتلو كتاب الله، إذ جاءه رجلان من غير العرب، (1/90)
صفحة 91
من معالم الفكر التربوي
{9}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بأيديهما أوراق، وطلبا منه أن يقضي لهما حاجتهما في تلك اللحظة، وقد قطعا عليه تلاوته فقال لهما بأدب ولطف: أنا مشغول الآن، وعليكما أن تكتبا حاجتكما في رسالة، وعلي بعد ذلك أن أوجهها إلى الجهة المختصة، وكأن الكلام لم يعجبهما، وأخذا يشرحان القضية من جديد، فقال الشيخ: لقد فهمت القضية .. ولكني الآن مشغول بتلاوة القرآن؛ فاكتبا الرسالة وسأقوم بدوري بتوجيهها إلى المختصين، فقال أحدهما: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ... فاحتمل الشيخ منهما وقال: نعم .. أفهم هذا .. وقام الشيخ ووجههما إلى شخص آخر يكتب لهما الرسالة.) وقد يصدر مثل هذا الموقف ممن هم من رجال الاستقامة والدعوة، يقول الشيخ خليل بن أحمد جاء مرة أحد الإخوة برسالة يطلب فيها عونا، فقال له الشيخ: اترك الرسالة عندي وأنا بدوري أتخير الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب لمخاطبة المسؤولين في الدولة بهذا الطلب، فقال الأخ: لا، سأذهب معك، لابد أن نضغط عليك، والشيخ
(2)
(1)
ملتزم حلمه المعهود. (وكم مرة اعتدى عليه بعض الأشخاص، ولكنه يحلم عنهم ويصفح، ولا يعاقبهم بشيء، (3) مع قدرته عليهم، والبطش بهم، وقد شاهدت بنفسي مرة شيئا من هذه المواقف؛ فقبيل إقامة صلاة الفجر في إحدى الأيام عندما وصل الشيخ وأراد صلاة السنة نهض رجل أعجمي من الجالسين هناك. يبدو أن. خللاً عقلياً. واحتضن الشيخ، وبقي يحتضنه مدة، وظننت في نفسي أنها نوع
(1) لقاء المؤلف بالشيخ خالد الخوالدي
(2) لقاء المؤلف بالشيخ خليل بن أحمد الخليلي
(3) لقاء المؤلف بالشيخ عاشور بن يوسف (1/91)
صفحة 92
من معالم الفكر التربوي
{92}
عند الشيخ أحمد الحناياي
من العاطفة الدينية عند هؤلاء، وضرباً من التعبير عن المحبة والولاء للعلماء والصالحين، ثم قال له الشيخ: اتركني أصلي، فما تركه، هناك نهض إمام المسجد وأخذ يبعد الرجل عن الشيخ، فإذا بالرجل يترك الشيخ ويحتضن إمام المسجد، ويضغط عليه حتى صرخ الإمام، فنهض الشيخ حارب المحروقي ليبعده عنه، فإذا بالرجل يحتضن الشيخ حارباً، ولكنه تلقاه بصدر رحب، فقد رزقه الله بسطة في الجسم، واعتنق الرجلان عناقاً حاراً وكانهما حبيبان فرّق الدهر بينهما حتى ظنا أن لا تلاقي، وارتفعت قدما الرجل الأعجمي عن الأرض، وذهب به الشيخ حارب إلى الجدار الخلفي للمسجد، ونهض الناس لينقذوا الرجل من بين براثنه.
ومن مرويات الشيخ عاشور قال: كنا ذات مرّة عند الشيخ في بهلا على مائدة الغداء، وقد أعد الطعام أمامنا ولم نلتف حوله بعد، ننتظر الشيخ حتى ينتهي من إجابته على مسائل رجل متعلق ينادي الشيخ بسيدي الشيخ، ثم
ما
يسأل: ما قولكم في البول والغائط إذا كان كذا وكذا، والشيخ يجيب قولكم في العذرة إذا سقطت في كذا وغيرها من الأسئلة التي تقطع الأكباد، حتى فرغ من أسئلته، والشيخ صابر صامد وبعد الغداء عاد مرة أخرى إلى أسئلته، فسألت عنه؛ فقيل لي: إنه من أصحاب النفوس الضعيفة ولكنه يظهر بهذا المظهر للتملق، فعجبا من حلم الشيخ وصبره واحتماله.
(1)
ومن مرويات الشيخ ناصر السابعي قال: قلت للشيخ ذات مرة: سماحة الشيخ، حاول أن تخصص وقتا للكتابة لا تخرج فيه للناس، فتبسم الشيخ،
(1) لقاء المؤلف بالشيخ عاشور بن يوسف (1/92)
صفحة 93
من معالم الفكر التربوي
+ {W}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وقال: أتاني مرة أحد القضاة بقضية مشكلة، وكنت أبحث في المسألة في مكتبتي، فجاء أحد الناس ودخل المجلس، ووجد أحد الأولاد، فسأل عني، فقال له الولد: والدي مشغول وسيأتي بعد قليل، فقال أنا أريده، فقال: سيأتي بعد قليل، فجئت فقال لي الرجل: أخبر حجابك بأن لا يمنعوا عنك ذلك يبقى الشيخ لا يرى نفسه ذا صبر واحتمال، فقد كنا مرة جلوساً في جامع السلطان قابوس بروي، وسرد لنا الشيخ طرفاً من صبر الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، ثم قال: الناس اليوم محتاجون مثل صبر الشيخ إبراهيم واحتماله ولكن من اليوم فيه مثل ذلك الصبر؟.
(1)
الناس ومع
وروى لي الشيخ سليمان الخليلي قال: كان ممن حضر مجلس الشيخ بعض أهل المكانة في العصر الحاضر ممن كان والدهم على استقامة وفضل وسير حسنة محمودة، ولم يكن أبناؤه الحاضرون على نفس السيرة، فأخذ الشيخ يتحدث في سير الأئمة والصالحين ويبين فضائلهم، ثم عرّج الشيخ على السيرة الحسنة لوالد أولئك الحاضرين، وكان بين الحاضرين رجل عامي فقال: أولئك الرجال كانوا في زمن الإمام الخليلي، وفي زمانك أنت خرج الذين لا ينفعون بشيء، فقال الشيخ: أحسنت، وجزاك الله خيرا. لقد تفهم الشيخ أنه عامي، فلم يغضب عليه، ولا اعتبر كلمته مسبة، بل أحسن إليه وقال له: لقد علمتني درسا في الحياة لن أنساه، وكان الشيخ كلما لقي ذلك الرجل يقدره ويناديه بالأستاذ، وعندما يزوره، يقوم الشيخ بمرافقته إلى خارج المجلس "
(1) لقاء المؤلف بالشيخ ناصر السابعي
(T)
(2) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان الخليلي، ويبدو لي أن التعبير قد خان الرجل، ولعله يعني أنَّ
القدر لم يسعفك أيها الشيخ بما أسعف به الإمام الخليلي -
- رحمه الله (1/93)
صفحة 94
من معالم الفكر التربوي
{94}
عند الشيخ. أحمد اخليلي
ومما شهدته من المواقف المشابهة لهذا، إذ كنا مرة في مجلس الشيخ، فسأل سائل عن رجل عليه ديون للبنك ويريد الحج، أ يحج أم يقضي دينه؟ وكان في المجلس رجل كبير في السن من العوام، فقال: أنا أجيب بدل الشيخ، يقضي دينه ثم من بعد يذهب إلى الحج، فما تكلم سماحة الشيخ ومرة كان الشيخ يحدثنا عن كتاب صدر حديثا أعجب به الشيخ، ثم أمر أحد أولاده بإحضار الكتاب، فأحضره، فأخذ الشيخ يقرأ فيه بسرعة، فقال رجل من الجالسين: أيها الشيخ أنا لا أفهم ... د. د. د ...... ليش كذاك .. شوي شوي .. فقال الشيخ: إن شاء الله. ولا أعظم من ذلك الموقف الذي وقفه مع الشيخ ابن باز الذي ضلّله وبدعه، وقد كان الشيخ الخليلي في ضيافته .. وسماحته لم يخرج عن حلمه
المعهود، بل كان يرد عليه بثبات ورصانة تسندها قوة الحق وهيبته.
عدلا
والشيخ لا يغضب لنفسه غالباً وإنما غضبه الله تعالى وحده، فإذا ما انتهكت محارم الله، أو تعدى أحد على أحكامه، رأيته مغضباً لا يخشى في الله لوماً ولا، ولا يقر قراره حتى يؤدي واجبه، من تبيين الحق للجاهل، أو قمع استكبار الزائغ، كما سيأتي بيانه لاحقاً. الغضب الله:
من المعروف المشتهر عن الشيخ حفظه الله، حسن المعاملة، ودماثة الخلق، والحلم والتواضع إلى آخر تلك السلسلة الرفيعة من الخلق الإسلامي، وربما جعل ذلك بعض الناس لا يحترزون من تعدي حرمات الله أمامه، جهلاً أو عادة جروا عليها، وربما أوقعهم في ذلك ما يعيشونه من الأنس في مجلسه، وما (1/94)
صفحة 95
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
يظللهم من الأريحية في مجاذبة أطراف الحديث معه، لكن الشيخ لا يداري أحدًا مهما كانت مراتبه، ولا يجامل أحداً مهما علت منزلته؛ إذا ما تعدى على حرمات الله تعالى، بل يغضب غضبا يحمر معه وجهه، ويعلو في بعضها صوته، وترتعد فرائص من حوله، فرقا، ناهيك بمن كان سببا في غضبه، وحينها لا يقترب أحد من حماه، وكما يقول الشاعر:
هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا
على الدر واحذره إذا كان مزيدا
وما أجمل قول الآخر:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا والأمثلة على ذلك كثيرة، وأبدأ بمرحلة الصغر، فقد أخبرني الشيخ سليمان بن سيف الخليلي، قال: عندما كان الشيخ في العاشرة من عمره تقريبا، وقد ترسخت فيه معاني التقوى، كنت أنا وإياه نجلس تحت عريش خارج البيت بزنجبار، نتجاذب أطراف الحديث، ثم تنتابني رغبة في سبر غور غضبه الله، فأقول كلمة لا ينبغي أن أقولها، لا لشيء سوى إغضاب الشيخ، فينصحني، فأرد عليه كأني غير مبال فيشتد غضبه علي ويشتد في كلامه؛ فأقوم عنه وأتركه، ولا يلبث حتى يتبعني، ويعتذر إلي قائلاً: أنت دائما تتسبب في إغضابي فاعذرني، فتعود كان شيئاً لم يكن (1) ومما شهدته بنفسي من مظاهر الغضب الله أن كنا سماحته في جامع السلطان قابوس بروي منذ سنين بعد صلاة العشاء، فجاء رجل عربي من غير أهل عُمان، وطلب الانفراد بالشيخ صوب المحراب، فابتعدنا عنهما قليلاً،
(1) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن سيف الخليلي (1/95)
صفحة 96
من معالم الفكر التريزي
? {99}
عند الشيخ أحمد النايلي
وأخذ الرجل يتحدث والشيخ يسمع، ثم رأينا الشيخ قد نام على جلسته فترة ثم استيقظ، وبعدها أخذ في الحديث نسمع الصوت ولا نتبينه، وكنا صحبنا الشيخ إلى داره، فاعتذر لنا عن تأخره وأخبرنا القصة، قال جاء هذا الرجل
،
يتشفع وأخذ يمدحني حتى نمت ثم استيقظت وهو ما يزال يمدح، فاستوقفته وقلت له: ما الموضوع فإني لست كما تصفني، فأني أقل من ذلك، فقال: هناك طالبة تذهب إلى المدرسة في الحافلة، وقد ارتكبت الفاحشة مع السائق، وقامت الوزارة بحرمانها من الامتحانات عقاباً لها وجئت متشفعا لها أن تخاطب الوزارة لتسمح لها بأداء امتحاناتها، وكان هذا الرجل مع الأسف يعمل إماما في أحد المساجد، فغضب الشيخ غضبا شديدا، وقال له: جئتني لأتشفع في حد من حدود الله، ألا تدري ما حكم الله تعالى فيها؟! إنها لم تنل جزاءها، لا بد أن تجلد مئة جلدة، ذلك حكم الله، وأخذ الشيخ يهدر كالرعد القاصف، فانقلب الرجل إلى الاتجاه المعاكس تماما، وقال للشيخ: نعم إنها لم تنل جزاءها، وهو كما تفضلتم، فأنتم كذا، وأنتم كذا وكذا، ورضي الرجل من الغنيمة بالإياب من بين براثنه - حفظه الله.
ومما حدثني به الشيخ صالح الربخي قال: جاء الشيخ مرة إلى "بهلا" لكي يصلح بين فريقين متخاصمين عندنا، ولما اجتمعوا في المجلس كان في أحد الفريقين رجل معاند رافض لمبدأ الصلح من أساسه، ومصر على موقفه على الرغم من خطئه الواضح، وحاول الشيخ إقناعه وهو يزداد إصراراً، وخشي الشيخ أن تتفرق الجماعة المسلمة بموقف الرجل الرافض للصلح، فغضب الشيخ، وأخذ يضرب بعصاه الأرض واشتد في خطابه؛ فنهض الناس إلى (1/96)
صفحة 97
من معالم الفكر التربوي
{97}
عند الشيخ أحمد
الشيخ وقبضوا على العصا، خوفاً على الرجل منه، ولكن الرجل تراجع عن موقفه حين رأى ما رأى من غضبه حفظه الله تعالى.
(1)
ومما حدثني به الأخ محمد الرشيدي: قال كنا في الجامع فجاء شاب يلبس عمامة، وبيده رسالة، وكان مع الشيخ ابنه سليمان، فدفع ذلك الشاب الرسالة إلى الشيخ يتشفع فيها لأحد الطلبة المفصولين من إحدى المؤسسات التعليمية لأسباب مقنعة، وكان الشيخ على دراية بجوانب الموضوع كله من قبل، فلما قرأ الرسالة غضب الشيخ، والتفت إلى ذلك الشاب، وأخذ يوجه إليه كلاما شديدا، وقال له فيما قال: اخلع هذه العمامة، فإنك لست أهلاً لها، أمع كل هذا تلبس العمامة .. ؟! وكان سليمان يرتعد فرقا خلف الشيخ، فسألت سليمان: ما الذي أخافك، ولا صلة لك بالموضوع؟ فقال: لما رأيت الشيخ في
ذلك الحال من الغضب، خفت على نفسي أن ينالني شيء منه.
ومن المواقف التي شهدتها إذ كنا في مجلس الشيخ بعد صلاة العشاء، وكان على يمين الشيخ رجل عامي، وكان الشيخ يبادله بعض الأحاديث ويسمع منه، ثم أتي بالقهوة ووضعت الفواكه واستدرنا، حولها، وأخذ الشيخ يحث ذلك الرجل على الأكل بين الحين والآخر، فعرفنا مكانة الرجل عند الشيخ، وإن كان الشيخ - عادة - يعامل الجميع باحترام وتقدير، فلما صبت القهوة في الفناجين، آثر الشيخ الرجل، وقال له: تفضل فقال الرجل: حرام أخذ قبلك، فقلب له الشيخ ظهر المجن. وقال مغضباً: اتحرم ما أحل الله؟ من أين لك
C
(1) لقاء المؤلف بالشيخ صالح الربخي (1/97)
صفحة 98
من معالم الفكر التربوي
{9}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ذلك؟ وتلا قول الله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ... ونصحه أن لا يعود لمثلها أبدا.
ومما حدثني به الشيخ عيسى بن يوسف البوسعيدي، قال: كنا في مكتب سماحة الشيخ، وكان معنا الشيخ سعيد بن خلف الخروصي مساعد المفتي، فدخل رجل يستفتي في مسألة عجيبة غريبة في الطلاق، فابتسم الشيخ سعيد بن خلف، فلما ابتسم التفت إليه الشيخ الخليلي مغضباً، وقال: أتضحك؟! أهذه مسألة يُضحك منها؟! فقال الشيخ سعيد: لا يا سماحة الشيخ، ولكني فيما
اطلعت عليه من افتراضات الفقهاء الكثيرة، لم تمر علي هذه المسألة قط". (1) ومما يشبه هذا ما رواه لي الشيخ بدر اليحمدي قال: كنت مرة في مكتب سماحته فجاء رجل يستفتي في مسالة طلاق زوجته وقد طلقها ثلاثاً دفعة واحدة، فقال له الشيخ: لم ذلك؟ فقال بعد كلام: المعلم الفلاني كتب لي هذه الورقة في طلاقها بالثلاث، فلما رأى الشيخ الورقة غضب غضباً شديداً، وقال لمنسق مكتبه: اتصل الآن بمكتب قاضي الولاية، وليطلب فلان بن فلان، لابد أن يحاكم وينال جزاءه، أريد أن أكلم القاضي، وخاف الرجل المطلق على ذلك الرجل المعلم، وقال للشيخ: ليس من المعلم اتركوه أرجوكم، مني أنا ليس منه فقال الشيخ للرجل: أنت عليك أن تذهب لتبحث عن زوجة أخرى، ولا دخل لك بموضوع متابعة المعلم، لماذا ترجعون
(1) لقاء المؤلف بالشيخ عيسى بن يوسف البوسعيدي (1/98)
صفحة 99
من معالم الفكر التربوي
{99}
عند الشيخ أحمد الخليلي
إلى الجهلة الذين لا يعلمون من أمور الدين شيئا؟ يقول الشيخ بدر: وقد خفت
على نفسي حين رأيت ذلك الغضب الشديد)
(1)
ومن ذلك ما أخبرني به أحد الأخوة الثقات، قال: كنا في أحد المجالس ومعنا الشيخ الخليلي، وطرحت قضية وقع فيها أحد الأشخاص، وكان لأحد الناس المعروفين موقف فيها، فشعر الشيخ بالأسى حين علم بذلك، فقلت للشيخ: هذا رأيه، وما زدت على تلك الكلمة، فهب الشيخ من مكانه ورفع صوته قائلاً: هذه مسألة دين لا مسالة رأي، فقلت خائفا:
إن شاء الله، إن شاء الله.
ومن مرويات الشيخ عيسى بن يوسف أيضا قال: حضرت مجلس الشيخ وحضر رجل مع امرأته المطلقة، وكان الرجل مسنا، فذكرت تلك المرأة للشيخ، أن مطلقها يعشق امرأة أخرى عشقا عظيما، وقد بلغ به الحال أنه يصلي على تلك المرأة، ولم يردّ الرجل بشيء، وبعد أن بحث سماحته القضية وثبت له ذلك غضب ـ حفظه الله - حتى احمر وجهه احمرارًا شديدا، وأخذ يعنف الرجل قائلاً له: أبلغ بك الحال أن تصلي على امرأة، ألا تتقي الله، ألا
(2).
تتقي الله ... . ومما حدثنا به الشيخ خميس العدوي قال كنا في مؤتمر عقده المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، عُقد هذا المؤتمر في العراق عام 1990 م، فجاء صحفي لمجلة الوطن العربي، التي تصدر في باريس، وأخذ يسأل الشيخ
(1) لقاء المؤلف بالشيخ بدر بن هلال اليحمدي (2) لقاء المؤلف بالشيخ عيسى بن يوسف البوسعيدي (1/99)
صفحة 100
من معالم الفكر التربوي
100}
عند الشيخ أحماد الخليلي
ويحاول أن ينتزع من سماحته ما يؤيد فكرته المخالفة للفكر الإسلامي، والشيخ له فكره الإسلامي الناصع، فهو يعبر عنه، وعما هو مقتنع به، فلما عجز الصحفي عن أن ينال من الشيخ ما يريد قال كلمة سخر فيها بالفكر الذي يحمله
الشيخ، فغضب سماحته عليه، وتناول منه جميع أوراقه المكتوبة ومزقها. ومن رواياته أيضا قال: كنا في بيت الشيخ في بهلا، فجاء شخص من نزوى وعنده مريض، وطلب من الشيخ أن يكتب له شيئًا من القرآن أو يقرأ على المريض، فقال للشيخ: أنتم تنفعون وتضرون، فغضب الشيخ وقال له: إن الله هو النافع وهو الضار وحده، واشتد الشيخ وأمره بإصلاح عقيدته، والرجل يكرر الجملة نفسها .. فسأله الشيخ هل تقرأ وتكتب، قال: لا، فأخذ الشيخ يردد: إن الله هو النافع وهو الضار وحده.
(1)
وهناك مواقف كثيرة غضب فيها الشيخ غضبا شديدا حين رأى انتهاك
حرمات الله، وغير منكرها، ولحاجة في نفسي أضرب صفحاً عنها.
تواضعه
الحديث عن تواضع الشيخ أمر يطول ويصعب في آن واحد، يطول من حيث إن سماحته قطب علمي تدور حوله مشكلات العالم، ومن حيث المناصب الدنيوية هو مفت لعمان، وهو أعلى منصب ديني، ويرتبة وزير، ولا شيء من مخايل ذلك كله تتمثل أمام ناظريه قط، الناس يعلمون ذلك وجميع فتها به نفوسهم، ويصعب الحديث أيضا من حيث إن سماحته ضرب أروع
(1) لقاء المؤلف بالشيخ خميس العدوي (1/100)
صفحة 101
من معالم الفكر التربوي
{10}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الأمثلة وأندرها على الإطلاق في تواضعه بحيث إن الإنسان يكاد أن يكذب ناظريه وهو يشاهد تواضع الشيخ الذي لا يستطيعه كل أحد، ويبدو لي أن الضرورة تستدعي الإسهاب في سرد العديد من مواقف الشيخ في هذا الجانب؛ لكونه قدوة تحتذى، وقد ألقى الزمن المعاصر على كثير من ذوي الجاهات بشيء من التعالي الزائف، والشعور الكاذب برفعة الذات وتميزها، وما هم في حقيقة الأمر في العير ولا النفير، ولو كانوا كذلك لما حقٌّ لهم غير التواضع، وإنما هي لفحات غرور ينفثها الجهل المعشش في جنبات النفس.
الشيخ الخليلي في زيارته لولاية إبراء
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر
على صفحات الماء وهو رفيع
ولاتك كالدخان يعلو بنفسه
إلى طبقات الجو وهو وضيع
ومن المواقف الكثيرة في تواضعه الجم، ودنوّه الكبير من الناس مع علو مكانته أن تجده بأي مكان، وتحدثه وتنفرد به دون أن يحول بينك وبين ذلك (1/101)
صفحة 102
من معالم الفكر التربوي
{102}
عند الشيخ أحمد الخليلي
حائل، صغيرًا كنت أو كبيراً، في السن أو المكانة، يقول علي محمد المهدي،
وهو صحفي كتب في مجلة "مواقف" عن سماحة شيخنا حفظه الله، قال: عالم رباني زاهد في الدنيا ولا يهتم إلا بأمور الإسلام ومصلحة المسلمين، داره مفتوحة لكل طالب حاجة ولكل من لديه مشكلة، وقد رأيت ولمست ذلك بنفسي،، حينما مكنت في مجلسه مدة تزيد على الثلاث ساعات. يستقبل هذا بابتسامة المؤمن الوديع، ويودّع هذا بوجه بشوش خال من التصنع والتكلف، يعامل الآخرين بقلب مفتوح ينبض بالإيمان وطاعة الرحمن" ويقول عنه
(1) "
الدكتور ناصر الدين الأسد في رسالة كتبها إثر زيارته لعمان عام 1412 هـ / 1991 م: " وكان لأخي - صاحب السماحة - الأثر الأكبر في كل ذلك بفضل ما رزقه الله من شمائل وصفات فكرية ونفسية تعرفها فيه وتعترف بها له، بين تمكن في العلم، وتصرّف في فنون القول، مع التواضع الجم، والذوق الرفيع، والمؤانسة الرقيقة، والمباسطة المحمودة الرفيقة، فتبوأ بذلك في نفوسنا ونفوس كل من اتصل به المنزلة العليا من المحبة والاحترام
(2).
ويقول الدكتور مصطفى عبد القادر النجار في مقال له بمجلة " الشرطة": سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ظاهرة عمانية حضارية تجمع بين التراث والمعاصرة، حبا الله بها عمان؛ فأصبح يعبر عن همومها السلفية من جهة، وحياتها اليومية من جهة أخرى؛ فيشرح ويفصل ويحكي ويحاضر ويخطب ويكتب في كل مجال يتهيأ له وتصل إليه يده، فأعطى لوطنه أبجدية الروح في
(1) مجلة مواقف، ص 13
(2) من رسالة د. ناصر الدين الأسد بتاريخ 17 جمادى الأولى 1412 هـ الموافق له 11/ 23/
1991 م (1/102)
صفحة 103
من معالم الفكر التربوي
{1}
<
عند الشيخ أحمد
هذا الزمن الحائر، فلا ينكر أحد سعة اطلاعه، وشدة تواضعه، وفتح قلبه لكل سائل صغيراً كان أو كبيراً، مثقفاً أو أمياً، يتبادل معهم الفكر والفقه بكل
تفاصيله، ولا يمل لهم مجلساً، ولا يشعر بضيق أو يرفض لهم سوالا ... (1) يقول الشيخ حميد اليحمدي: خرج الشيخ من الجامع ذات مرة، بعد صلاة العصر مستعجلا؛ فقد كان لديه موعد؛ فجاءه اثنان وطلباه، فقال لدي موعد وأنا مستعجل فقالا: هي حاجة سريعة، فنزل وجلس معهما على الرصيف وافتاهما ثم ذهبا
(2)
إن كل من لا يعرف شخص سماحته لا يستطيع بحال أن يميزه من بين جلسائه، فتعامله تلقائي ولباسه عادي وهذا أسلوب مؤثر في النفوس أيما
تأثير
يقول الشيخ عاشور: كان أحد الأصدقاء من إحدى الدول العربية يعيش
في الإمارات، ولديه أسئلة في المذهب الإباضي، أثارها له بعض الناس فأراد
(2) لقاء المؤلف بالشيخ حميد اليحمدي (1/103)
صفحة 104
من
{104}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الالتقاء بالشيخ فحددنا له موعداً بعد صلاة العشاء ليلة السبت، فجاء الرجل والتقى بالشيخ طويلا، وفرح بلقائه وانشرح صدره ثم أخبرنا بعد ذلك بقوله " كنت أتوقع حجابًا، حاجباً بعد حاجب، وبوابة بعد أخرى .. وأجد الأبهة في الملبس والمسكن والكلام .. فوجدت تواضعاً وعلما غزيرا .. فقلت له: كيف؟ أين أسئلتك؟ قال: حسبي ما رأيت إني على يقين أنه على حق .. رأيت خلقا دمنا ما رأيته في حياتي، فلا حاجة بي إلى السؤال. (1)
ومن مروياته أيضا قال: كان أحد المدرسين التونسيين في جعلان، وجاء لزيارتنا في مسقط، وكان ذلك اليوم يوم السبت ونحن على موعد للغداء عند الشيخ؛ فعرضنا له أن يصحبنا ففرح بذلك، واستقبلنا الشيخ لدى الباب، وجئ بالغداء، وبدأنا الأكل والشيخ يوزّع اللحم، ويضحك مع هذا، ويلقي طرفة ونادرة وفائدة، وكان الرجل التونسي ينتظر مجيء المفتي، فسألني: أين المفتي؟ ومتى سيأتي؟ فقلت له: إن المفتي لا يتغدى مع الناس؟ فصمت، ثم بعد قليل قلت له: هذا هو المفتي كما تراه جالساً معنا، فاندهش دهشة كبيرة، وبقي يتحدث بذلك في كل مكان.
ومن مروياته أيضا قال: كان لي صديق سوداني، يعمل بالإمارات؛ فجاء لزيارتي، فذهبنا لنلتقي بالشيخ صباح الجمعة، ورأيت علامات الإعجاب والدهشة بادية عليه، فسألته عن موقفه، فقال: ما رأيت في حياتي
(1) لقاء المؤلف بالشيخ عاشور بن يوسف (1/104)
صفحة 105
من معالم الفكر التربوي
{10}
عند الشيخ أحمد
رجلاً عالما قمة في التواضع، قمة في الورع، مثل الشيخ الخليلي، وأصدقك
القول: إني مقتنع بكل ما يقول. "
(1)
وهذا التواضع التلقائي ليس للكبار فقط، بل يشمل الأطفال الصغار، فالشيخ إذا جاء أحد الأطفال لمصافحته انحنى له وسأله عن اسمه، ومسح على رأسه، ودعا له، وربما انتهز بعض الأطفال الفرصة فيسأل الشيخ عن بعض الأمور، فيجيبه الشيخ بلطف وسماحة، وعندما يحضر بعض الأطفال على مائدة الشيخ، يعتني بهم أكثر من عناية والدهم الذي يصحبونه، فتجده يؤانسهم، ويحثهم على الأكل.
ومن تواضعه أنه من عادته بعد أداء صلاة الفجر أن يصافح كل من يكون في الجانب الأيمن من الصف الأول، وإذا ما شاهد أحدًا من معارفه لم يره منذ مدة، ينتظره الشيخ حتى تتم المصافحة؛ فيعود إليه يسائله، ثم يدعوه لتناول وجبة الغداء، أو زيارته في بيته أو نحو ذلك.
ومن غريب المواقف الدالة على تواضعه ما حدثني به الشيخ أبو الحسن شحاته، نقلاً عن أحد أولاد الشيخ، قال: كان الشيخ خارجا ذات يوم، فعاد إلى بيته في وقت متأخر من الليل وآوى إلى فراشه وقد تحطمت قواه من الإرهاق، وما هي إلى سويعة فيما بعد منتصف الليل، وإذا بطارق يطرق الباب، فنزل إليه ولد الشيخ وسأله عمّا يريد، فقال إنه جاء لحاجة ضرورية لا بد أن يلقى الشيخ فيها الليلة، وأصر على موقفه واستنفد ابن الشيخ جميع حيله، وفشلت جميع محاولاته في تأجيل هذا اللقاء إلى الصباح، فاضطر إلى
(1) لقاء المؤلف بالشيخ عاشور بن يوسف (1/105)
صفحة 106
من معالم الفكر التربوي
{106}
عند الشيخ أحمد الخليلي
إيقاظ الشيخ رغم ما كابده من التعب سائر اليوم، خصوصا عندما أصر الرجل أنه لا مكانه ذلك حتى يأتيه الشيخ، وجاء الشيخ لينظر حاجة الرجل، يبرح فإذا به يرفع غطاء رأسه إلى الأعلى، ويطلب من الشيخ أن يقرأ على مقدمة
رأسه بعض الآيات؛ لأنه يعاني من صداع شديد .. فقرأ عليه الشيخ دون تضجر
(1)
ولا سامة، ثم عاد إلى فراشه) والله أعلم أنام أم لا؛ ذلك لأن الشيخ إذا أزعج في نومه فاستيقظ لا يعود إليه النوم، يقول أفلح: إن والدي إذا استيقظ من نومه فمن الصعب أن يعود إليه النوم مرة أخرى
(2)
ومن تواضعه للجميع أنه لا يمر على أحد في ذهابه للمناسبات إلا سلّم
عليه وصافحه، خصوصاً مجالس العزاء، فقد صحبته مرة بعد صلاة العصر إلى مجلس عزاء في مدينة السلطان قابوس، فلما وصل بدأ بجماعة منفردة يبدو أنها مختصة بشؤون الضيافة من التمر والقهوة ونحوها، وفيها العديد من فسلم عليهم وصافحهم جميعًا، ثم اتجه إلى جماعة أخرى في صرح المسجد
الأطفال،
فسلم عليهم وصافحهم، ثم دخل المسجد وسلم سلاما عاما، ثم بدأ يصافح
أخذه
الناس من الجانب الأيمن حتى انتهى إلى حيث بدأ، وما كاد ينتهي حتى أصحاب العزاء صوب المحراب، ويقي واقفا مدة من الزمن بسبب دخول الجماعات الواحدة تلو الأخرى، ولم يتناول الشيخ شيئًا من المأكولات قط، ثم استأذن للعودة، وكنت قد حضرت موقفًا لشخصية أخرى من ذوي المناصب مختلفة في توجهها، جاء إلى مجلس العزاء فسلم على الباب، ثم اتجه إلى صدر
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أبي الحسن شحاتة (2) لقاء المؤلف بالشيخ أفلح بن أحمد الخليلي (1/106)
صفحة 107
من معالم الفكر التربوي
{17}
عند الشيخ
أحمد
المجلس؛ فوسع له الناس، وجاء من شاء أن يسلم عليه فسلم عليه، وهو في مكانه ذلك، فتبين لي بذلك الفارق بين الموقفين.
ومن تواضعه ما حكاه محمد الرشيدي قال: كنا في زيارة لإحدى البلدان، فعندما حان وقت النوم في مبيتنا هناك، هيأت لنا غرفة خاصة، وأعد فيها للشيخ فراش وثير، فلما دخلنا للنوم قيل للشيخ: هذا فراشك، فرفض أن ينام عليه، وأخذ فراشا عاديًا نام عليه هجعة من الليل، ثم قام يصلي آخر الليل، وترك ذلك الفراش لأحد أبنائه (1)
ومما عايشته من مواقفه المتواضعة، أني كنت مع طلبة فصل دراسي بمعهد القضاء الشرعي في جامع السلطان قابوس في صباح رمضان، وقد تحلّقنا في المسجد أتحدث إليهم، وكانت من إرادة القدر أن مرّ علينا الشيخ ونحن جلوس في حلقتنا تلك، فوجد فرجة بين طالبين فجلس فيها، فماذا عساني أن أفعل
(1) لقاء المؤلف بالأخ محمد الرشيدي (1/107)
صفحة 108
من معالم الفكر التربوي
{18}
عند الشيخ أحمد الخليلي
حينها؟ فحولت مجال الحديث إليه - حفظه الله - وقلت للطلبة إن حضور الشيخ نعمة من الله تكرم بها علينا، فمن كان لديه سؤال فعليه أن يستغل الفرصة الساعة، فقال سماحته: يبدو أني أفسدت عليكم حديثكم؛ لذا اعتذر عن عدم البقاء معكم حتى تواصلوا درسكم، ثم بعد ذلك لقيته فاعتذرت إليه عن تصر في ذلك، قائلاً له: ما كان من الأدب أن أتصرف بتلك الصورة، فقال لي: لا .. لا .. ثم ابتسم وأردف قائلاً: أنت لا تهب الحكمة إلا من يستحقها .. ويبدو أني لا أستحق أن أستفيد شيئًا منكم، فكانت هذه أشد علي من الأولى، ذلك هو التواضع والسمو الخلقي. ومن مواقفي معه أيضًا وقد تجلى فيها الكثير من المعاني السامية، وتواضعه على وجه الخصوص، يوم القيت قصيدتي في الإشادة ببعض سماته، في أمسية عقدها معهد العلوم الشرعية، وكان أول لقاء بيننا بعد ذلك الإلقاء في جامع السلطان قابوس بروي، فبعد إحدى الصلوات التي لا أذكرها الآن أهي العصر أم العشاء؟ تزاحمت أفراد الناس يسلمون على سماحته، فدخلت في تيار هذا الطوفان البشري، وما إن صافحته حتى قال لي أريدك فانتظرني .. فدارت في مخيلتي أسئلة عديدة، استعرضت فيها الكثير مما جنته حماقتي علي، إلا قولي هذه القصيدة فما خطرت مني على بال وما أن فرغ من مصافحة الناس حتى أخذ عصاه وانتحينا ناحية المحراب، وقال: لي عليك عتابان، فقلت له: العصا في يدكم - حفظكم الله - وأنا طوع أمرك إن شاء الله، فسد الخلل، فقال أعاتبك أولاً على قلة الزيارة، فاعتذرت إليه بأن ذلك حرص مني على صحة سماحته ووقته، وإلا فالزيارة شرف لنا، ومع ذلك أدركت أن شيئا (1/108)
صفحة 109
من معالم الفكر التربوي
{1,4}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أعظم منها ينتظرني في العتاب الثاني، قال: ما هذه القصيدة التي قلتها؟ أنا لست أهلاً لما ذكرته من الصفات .. وبدا عليه شيء من الغضب فعلاً، ثم أردف
من
قائلاً:: اجعل موهبتك فيمن يستحق، ومن هو أهل للثناء عليه، ولم أستطع أن مطلقا رهبة وإجلالاً أتلفظ بشيء سوي أن قلت: إن شاء الله أيها الشيخ ... والقصيدة من الركاكة والضعف بمكان لا يخفى على كل ذي بصيرة بالشعر، أو طاف حول حماه، و هذه المواقف تعكس سجية التواضع التي لا تنفك عنه، فعندما سئل - حفظه الله - هل يشترط العلم في لبس العمامة قال: لو كان العلم شرطًا في لبس العمامة لكنت أول من وجب عليه خلعها؟ فانظر هداك الله إلى هذه المواقف كيف يمكن أن تكون؟ ومع أي شخص أنت تحيى وتعيش، ولذلك لا تتعجب بعد اطلاعك على ما قدمت من المواقف الحية في حياته أن تسمعه يعتذر عن كل ثناء، بما تشعر به يقينًا أن الشيخ فعلاً لا يرى نفسه ممن يستحق أن يهتم بهم، فانظر إلى هذه المواقف الكلامية التالية:
1 - قال في مقدمة محاضرة بعنوان " الإخلاص"
إن حديث الليلة عسير. علي، فكنت أتمنى أن أسمع هذا الحديث من غيري، وأن أستفيد ما يستفيده الحريصون على تتبع هذا الأمر، واستقصاء هذا الموضوع، وإنني وجلال الله سبحانه لأجدني أقلكم أهلية في الحديث عن هذا الموضوع، الذي هو في حقيقته جوهر الإسلام، وسر رسالات الله تعالى التي
بعث بها المرسلين (1)
(1) محاضرة بعنوان الإخلاص 21 / أ (1/109)
صفحة 110
من معالم الفكر التربوي
{\\,}
عند الشيخ أحمد الخليلي
2 - قال في مقابلة أجرتها معه الإذاعة العمانية في برنامج " واحة المستمعين": " قبل كل شيء أريد أن أقول بأن الناس يحسنون بي الظن كثيراً، وأنا أعرف بنفسي منهم، فأنا لست في المستوى الذي يرفعونني إليه، أنا لا أعد نفسي من العلماء، وإنما أعد نفسي من صغار الطلبة، ولي الشرف أن أكون طالب علم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبقيني طالب علم، وأن يميتني طالب علم، إنه تبارك وتعالى على كل شيء قدير"
(1)
3 - قال في مقدمة لقاء أجراه الشيخ عبدالله العيسري مع سماحة الشيخ عن ذكريات حياته الأولى: أنا لست ممن ينبغي أن يعتني بذكرياته، ويحتفى بها؛ لأن أثري في حياة الأمة الدعوية والاجتماعية لا يكاد يذكر؛ فلذلك أجد أن ما أتحدث به وأذكره لن يعدو أن يكون شيئًا تافها لا ينبغي أن يشتغل به أحد، وأن يطرح على مسمع سامع.
(2)
4 - قال في بداية جلسة عقدت للإجابة على أسئلة السائلين.
مع
غزارة
علمه الذي بهر به الدنيا: وأرجو عند الخطأ والانحراف في الجواب أن يكون هنالك تنبيه فرحم الله امرءا أهدى إلينا عيوبنا، فالأمر قبل كل شيء
البضاعة مزجاة.
(4)
أن
ه - أرسل رئيس جامعة آل البيت بالمملكة الأردنية الهاشمية رسالة إلى سماحته يخبره فيها بتمام طباعة المحاضرتين اللتين ألقاهما سماحته بالجامعة في
(1) برنامج " واحة المستمعين " حلقة بإذاعة سلطنة عمان بتاريخ 21/جمادى الآخرة / 1421
هـ الموافق له 2000/ 9/19 م
(2) لقاء الشيخ العيسري بالشيخ الخليلي
(3) شريط رقم 5، أنت تسأل والمفتي يجيب، تسجيلات المناهل (1/110)
صفحة 111
من معالم الفكر التربوي
{11} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
موضوع البحث العلمي عند علماء المسلمين. وقد تركت المحاضرتان أثراً عميقاً في نفوس الحاضرين، وإعجاباً عظيماً بسماحته. فقال سماحته في رسالة جوابية لرئيس الجامعة: " إن دل هذا على شيء فإنما يدل على أخوتكم الصادقة، وأخلاقكم العالية، لأن ما جاء فيهما لا يستحق كل هذا العناء من طباعة ونشر، وعسى أن يكون في ذلك تشجيع لي
(1).
6 - قال في بداية محاضرة له بعنوان " معالم الشخصية الإسلامية": أعتذر إليكم من الثناء الذي قيل في غير محله ووصف به من ليس من
أهله، وما هي إلا عين الرضا التي تغطي العيوب كما يقول الشاعر
ولست براء عيب ذي الود كله ولا بعضه يوما إذا كنت راضياً فعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا (2) هذه هي القدوة لمن شاء الاقتداء؟ وها هو وريث الأنبياء؟ فهل من يطأ مواضع القدم؟ وأختم الحديث بهذين الموقفين النادرين جدا، أولهما ما حدثني به سليمان ابن الشيخ أحمد قال: كنا مرة نمشي في بلدة "العوابي على الشارع العام، فمرّ علينا شاب، بسيارته، فلما رآنا أوقف السيارة ونزل ليصافحنا، فلما
(T)
ركب سيارته جاء الشيخ بكل تواضع وأغلق عليه باب سيارته وودعه. وحدثني أبو الحسن وكذا الشيخ عيسى بن يوسف نقلاً عن أنور السالمي قال ذهب الشيخ إلى العمرة وبرفقته سليمان السالمي وأنور وغيرهما، وفي حال
(1)
من رسالة سماحته إلى رئيس جامعة آل البيت بتاريخ 14 ربيع الأول 1417 هـ، الموافق له
1996/ 8/28 م
(2) معالم الشخصية الإسلامية، رقم 284/ أ (3) لقاء المؤلف مع الشيخ سليمان بن أحمد الخليلي (1/111)
صفحة 112
من معالم الفكر التربوي
{112}
+
عند الشيخ أنشد الخليلي
خروجهم من المسجد جاء أنور بحذاء الشيخ إليه ليلبسه، فاستغفر وحوقل،
وغضب لهذا التصرف لتواضعه "
(1)
مجلس الشيخ:
الشاعر:
مما يلحق بتواضعه أن مجلسه مفتوح لكل صادر ووارد، وما أجمل قول
يزدحم القصاد في بابه والمنهل العذب كثير الزحام
فما هي صفات هذا المجلس؟
مما يعلمه كل أحد أن الباب مفتوح على مصراعيه، أكان الشيخ موجودًا في المجلس أم لا؟ فإن لم يكن موجوداً تلك اللحظة فسيأتي ما دام قريبا، لا يتعزز على أحد، ولا يترفع ولا يمتنع ولو كان ذلك على حساب صحته وراحته، فإن مر أمام المجلس ورأى حذاء أو مصباحًا مضاءً، دخل المجلس لينظر هل من صاحب حاجة يقضيها له .. وربما استمر المجلس في بعض الليالي إلى منتصف الليل، خصوصا عندما يزدحم بالثقلاء الذين لا يشعرون بأحاسيس الآخرين، ولا ينقدح في ضمائرهم شيء من الشعور بحاجة المحارب إلى الراحة. وأود الإشارة إلى مميزتين يحويهما هذا المجلس هما: الكرم المادي، وكرم السجايا والأخلاق وكل منهما داع إلى الانبهار.
1 - الكرم المادي: ولا أريد الإطالة في ذلك فما أنا بمستقص طرفًا منه، وحسبك أنك لا تجد الشيخ يومًا يأكل وحده، ومن العسير أو المتعذر أن تسنح
(1) لقاء المؤلف بالشيخين أبي الحسن وعيسى بن يوسف البوسعيدي (1/112)
صفحة 113
من معالم الفكر التربوي
{11}
عند الشيخ أحمد الخليلي
المائدة
له فرصة للأكل مع أبنائه داخل داره ولذا يسأله صحفي كويتي عن ذلك، وهو معذور لأنه لم ير ولم يسمع، فقد سأل الشيخ هل تحرص على حضور مع أبنائك؟ فقال: نعم إن تيسر ذلك؟ ولكن من أين يتيسر له ذلك؟ ومجلسه عامر بالناس كل حين .. من بعد طلوع الشمس وعلى وجبة الغداء، وبعد العصر وبعد العشاء إلى منتصف الليل ... وكثيرا ما تكثر موائد الغداء التي يلتف حولها الجمع الغفير من الناس ويبقى الطعام، ومع ذلك يقول أولاد الشيخ: إن والدنا دائما يستقل الطعام، يقول أخاف ألا يكفي، وكثيرا من الناس يأتون بغير موعد سابق، فيستقبلهم الشيخ ببشاشته المعروفة، وطلاقة وجهه المعهودة، إنه على أهبة الاستعداد من هذه الناحية لأي طارئ، مهما كثر الضيف. ولأجل الأمانة التأريخية أقول: عادة ما تتبع هذه الوجبات مائدة أخرى من الفواكه والحلوى قبل أن يغادر الجمع مجلس سماحته.
مما تجدر الإشارة إليه أن مجلس الشيخ كله فوائد، فمثله كالبستان المتعدد الثمار، مختلف الأشكال والألوان فيستمتع من فيه باستعمال جميع وسائل الإدراك؛ فتبتهج النفس، وينشرح الصدر ويتغذى العقل، ويقوى الإيمان، ويحسن الخلق، ويتعمق الوعي، وتشتعل العزيمة، وتشتد الإرادة، فكأنه في عالم آخر، وقد خلق خلقًا جديدًا .. ومما لا يفوتني ذكره، أن كل من حظي بشهود مجلسه صغيرًا كان أو كبيرًا، عزيزاً كان أو ذليلاً، يتمتع باحترام الشيخ ويفوز بحصانة تحميه من كل أذى ما دام في مجلسه، ولا يستطيع أحد أن يخترق (1/113)
صفحة 114
من معالم الفكر التربوي
{\\ {} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
تلك الحصانة التي يمنحها الشيخ لهم مهما يكن مقربًا، وقد علم ذلك أهله ومقربوه، ولندع الحوادث تؤدي شهادتها، فمن ذلك ما رواه الشيخ أبو الحسن شحاته، قال كان الشيخ ذات مرة في مكتبة جامع السلطان قابوس بروي، وكنا نحن وبعض الطلبة خارج المكتبة، فجاء رجل بدوي يسأل عن الشيخ، والشيخ مشغول يبحث، ولم نرد أن نشغله، ولا شك أن هذا البدوي لديه مسألة ستأخذ ساعة من الزمان، لذا أقنعناه بالعودة، وفي طريق عودته لقي أحد الطلبة؛ فدله على الشيخ بالمكتبة، فجاء إليه يسأله عن نخلة كانت له، وقع عليها كذا وكذا .. فقلت للرجل: سبحان الله .. أترك الشيخ يا رجل، ما أكثر القضاة، أما وجدت أحدا إلا الشيخ تشغله بمثل هذه المسائل التي لا دخل له فيها؟ فاعترضني الشيخ وقال: دعه، فقد قصدني من مكان بعيد، وأخذ البدوي حريته كاملة، والشيخ يرفق به ويتلطف حتى قضى مراده وانصرف (1).
ومن ذلك تلك الحادثة التي سبق ذكرها لذلك الرجل المصاب بالصداع في
منتصف الليل، حيث لم يستطع أولاده صنع شيء لحماية الشيخ له. ويقول الشيخ حميد اليحمدي منسق مكتب الشيخ الخليلي يوم كان مكتب سماحته بوزارة العدل والأوقاف - قبل انفصالهما إلى وزارتين - جاء رجل يطلب مقابلة الشيخ، فاعتذرت له؛ لأن الشيخ كان مشغولاً جدًا، لا يجد متنفسا للمقابلات، وإضافة قضايا جديدة، فقال الرجل إنه يريد التسليم فقط لمدة ثوان معدودة، فسمحت له بالدخول، وإذا به يطيل المكث، فدخلت لأذكره
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أبي الحسن (1/114)
صفحة 115
من معالم الفكر التربوي ہے
{\\0}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بوعده، فوجدته بكل أريحية يشرح قضاياه، فنظرت إليه شزراً، وأنا أقول في نفسي أين الوعد؟ ولولا أنك تتمتع بحماية الشيخ لجررتك إلى الخارج. فقال أحد الزملاء الجالسين معنا: كما جررت ذلك الرجل من محرابه حين رأيته غير أهل للإمامة. ويقول سليمان ابن الشيخ أن الأطفال يأخذون حريتهم كاملة في اللعب عندما يكون الشيخ موجوداً، حيث لا أحد يستطيع أن يحد من حريتهم .. قال: كنا مجتمعين مرة في بيتي في الغبرة مع إخواني بحضور والدي، وكان الأطفال يلعبون بمنتهى الحرية، وكان أحدهم قد جاوز حده في الفوضى، ولكن لا أحد يستطيع أن يوقفه عند حده خوفًا من الشيخ، ثم بعد ذلك دخلت والدة الشيخ فهدأ ذلك الطفل، لأنهم كانوا يهابونها ... وللقصة بقية تأتي في سياقها
،
الخاص بها ...
2003/ (1/115)
صفحة 116
من معالم الفكر التربوي
? {117}
عند الشيخ أحمد الخليلي
هذا وقد قدمت أن الجالس يشعر بالأنس والانشراح بسبب إقبال الشيخ على الجميع، وعادة يكون الحديث عاماً توجيهيًا، يضرب الشيخ فيه الكثير من القصص والعبر، ومن سير الماضين وتاريخهم بحيث لا يشعر الجالس إلا بانتهاء
المجلس.
السخاء:
الشيخ - حفظه الله - معروف بكرمه وسخائه حتى ليصدق عليه قول
الشاعر:
ولو لم يكن في كفه غير روحه
لجاد بها فليتق الله سائله وكما هو جواد في سائر أوقاته، فإنه أجود ما يكون في رمضان، فمائدة الإفطار على الدوام، يحضرها جمع من الناس كما هي مائدة الغداء في غير
رمضان.
وحتى لا يكون الوصف بالسخاء ضربًا من التنظير، أعرج على بعض المواقف الدالة على ذلك، فقد أخبرني أحد الثقات أن رجلاً اقترض من الشيخ مبلغ ثلاثة آلاف ريال عُماني، وشاء الله أن يرحل ذلك الرجل إلى الدار الآخرة قبل سداد دينه، فجاء ورثته إلى الشيخ، فأبى أن يأخذ شيئًا. من تلك النقود، وادخر أجرها عند الله في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ومما هو معلوم عن سماحة الشيخ أنه لا يرد سائلاً ولو جاءه على فرس، ومن عادته أن يدخل يده في جيبه فيتصدق بما أخرجت من الأوراق النقدية، دون أن يلتفت إلى يده، فقد تجده يتصدق بعشرين وثلاثين ريالاً لسائل لا ينتظر منه سوى ريال واحد، ذلك (1/116)
صفحة 117
من معالم الفكر التربوي
{117}
عند الشيخ أحمد
لمن يسأله وهو في طريقه .. وربما سعى الشيخ إلى ذوي الحاجات بنفسه بمنتهى السرية، حتى لتكاد شماله لا تدري بما أنفقت يمينه، ومن العسير التوصل إلى مواقف من مثل ذلك الحرصه الشديد على الكتمان، وقد شاهدت مرة في جامع السلطان قابوس في شهر رمضان المبارك من بعد صلاة العصر، حيث كان الشيخ يتلو القرآن في الناحية الشمالية الشرقية من الجامع، إذا ببدوي يدخل، ثم يتجه إلى وسط المسجد تحت الثريا أو أمامها بقليل وينام على الأرض، وما هي إلا لحظات حتى قام الشيخ من مكانه، وسلّم على البدوي، وأخرج له من
جيبه شيئًا أظنّها أوراقا نقدية، فانصرف البدوي ورجع الشيخ إلى تلاوته. ومرة كنت أمشي معه في الجامع إذ جاءه رجل من الأعاجم بعد صلاة الظهر، وطلب منه شيئًا من الصدقة، فابتسم الشيخ له وقال: الآن ما عندي،
لكن تعال بعد صلاة العصر إن شاء الله، فقال الرجل إن شاء الله. فالشيخ لم يُعف نفسه بسبب تفريقه تلك الأموال في سبيل الله شرقا غربا،
حتى وعد الرجل بعد الصلاة، ولا شك أنه منجز وعده.
ومن المواقف الطريفة التي ضحكت لطرافتها، إذ كنا في مجلس الشيخ، فدخل علينا رجل من خلفه، امرأة، ولا أدري أكنا على مائدة الفطور أم الغداء، فأمر الشيخ بإدخال المرأة في غرفة خاصة على مدخل المجلس الدائري، وبعد الطعام، نهض الشيخ وأتى بمبلغ من المال أعطاه الرجل، وخرج الرجل وبقيت المرأة في الغرفة، وعند خروجنا رآها الشيخ، فقيل لها: لقد ذهب زوجك، فقالت: ليس زوجي، لقد جئت وحدي ولقيته في الخارج، والله أعلم بصحة (1/117)
صفحة 118
من معالم الفكر التربوي
{118}
عند الشيخ أحمد الخليلي
قولها، فأمر الشيخ بالصدقة عليها أيضا، وإكرامها، وهناك تذكرت قول الشاعر:
استمطروا من قريش كل منخدع إن الكريم إذا خادعته اتخدعا وأخبرني الشيخ عاشور عن رجل من إحدى الدول العربية جاء لزيارة الشيخ، قال فلهبنا فإذا بالرجل يطلب من الشيخ حديثا انفراديًا، وبعد لحظة نادى الشيخ الخليلي الشيخ عاشور، وقال له: إن فلانا هذا طلب مني مبلغا من المال، قدره كذا وكذا، وليس لدي الآن هذا المبلغ، وأنا أشهدك أمامه أني سأعطيك هذا المبلغ لتوصله إليه، فقلت له: إن شاء الله، وعندما خرجنا عاتبت الرجل على هذا الموقف، وقلت له: أما وجدت غير الشيخ؟! أما تعرف ظروفه الاقتصادية الصعبة؟! قال: وفعلاً أتاني الشيخ بالمبلغ كاملاً وأوصلته لصاحبه، ثم لقيت الرجل بعد أكثر من سنة، وسألته: هل وفيت بالدين؟
قال: لا .. (1)
(2)
ويقول الشيخ خميس العدوي: إن الشيخ يساعد الكثير من الشباب في حالات الزواج أو ضيق المعيشة، وربما تصدق بشطر راتبه .. ولا داعي لذكر أسماء أعرفها شخصيا. (2) أما مساعدة الناس بكتابة الرسائل إلى الوزارات فحدث المختلفة لمساعدتهم وقضاء حاجاتهم، عن ذلك بلا حرج، ولا داعي لنسبته إلى أحد فهو من الشهرة بمكان لا يخفى على أحد.
(1) لقاء المؤلف بالشيخ عاشور بن يوسف
(2) لقاء المؤلف بالشيخ خميس العدوي (1/118)
صفحة 119
من معالم الفكر التربوي
{11}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ومما يشير إليه أفلح أن الشيخ يحسن على الناس ثم ينسى ذلك الإحسان، فكم من الناس الذين ساعدهم، ثم ينسى جميع ما قدمه ولا يكاد يذكره. (1) الوفاء
سمة الوفاء عند الشيخ متشعبة المناحي، وفاء بالوعد مهما كلف الأمر، ووفاء للعلماء المتقدمين بالإحسان، لذراريهم، ومن كان في خدمتهم، مواقف من الوفاء تدعو إلى العجب.
يوم
يحدثني الشيخ خالد الخوالدي قال: دعا الشيخ ناصر المنذري ذات الشيخ أحمد الخليلي والشيخ سعيد القنوبي ومن صحبهما لتناول وجبة ء، وفي ذلك اليوم قدر الله أن توفي خال الشيخ الخليلي، وحضر الشيخ
العشاء،
دفنه بين صلاتي المغرب والعشاء فذهبنا بصحبة الشيخ سعيد القنوبي إلى منزل الشيخ ناصر، وظننا أن الشيخ الخليلي لا يأتي بسبب حادثة الوفاة، ولما دخلنا المجلس وجدنا الشيخ الخليلي قد سبقنا، حرصاً منه على الوفاء بوعده، وكان ذلك المجلس مليئًا بالعبر والعظات قال الشيخ الخوالدي: ومن ذلك أنه كان لديه موعد لإلقاء محاضرة في "البداية من منطقة الباطنة وكانت الأحوال الصحية للشيخ سيئة جداً، حتى أنه كان يلبس صوفًا تحت الدشداشة بسبب شعوره بالبرد، ولكنه مع ذلك كله حرص على الوفاء بوعده، وطلب من
الشيخ سالم النعماني أن ينوب عنه في إلقاء المحاضرة؛ واكتفى بالحضور
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أفلح الخليلي
(2) لقاء المؤلف بالشيخ خالد الخوالدي
(2) (1/119)
صفحة 120
من معالم الفكر التربوي
{12}
عند الشيخ أحمد
قلت: وكذلك الحال عندما افتتح مسجد الزاهد بالشريعة من سمد الشأن، فقد كان مريضا، ولم يستطع أن يكمل محاضرته بسبب التهاب في حنجرته .. وطلب من الشيخ حمود بن حميد الصوافي أن يدعو للناس فأبى، فاحتمل الشيخ ذلك
ودعا بنفسه.
أما النوع الآخر من الوفاء فمنه ما حدثني به الشيخ سليمان بن أحمد الخليلي، قال: جاء مرة رجل لا نعرفه إلى مجلس الشيخ، فقربه الشيخ وأدناه، واهتم به اهتماما كبيرا، ثم سألناه من هذا الرجل؟ فقال هذا ابن من كان يخدم الإمام الخليلي - رحمه الله. (1) ومن مرويات أبي الحسن أن الشيخ أحمد الخليلي زار الشيخ محمد بن عبدالله السالمي (الشيبة) فقص الشيخ محمد للشيخ أحمد قصة وقعت لأبيه، قال كنا ذهبنا للحج وأردنا شراء شيء من عطر العود لوالدي، فلما دخلنا محل العطار، ناولنا زجاجة فيها عطر العود، فوقعت الزجاجة من يد والدي - رحمه الله ـ فانكسرت، فعرضنا قيمتها على العطّار، فأبي أن يأخذ شيئًا، وذكر للشيخ اسم ذلك العطار، فلما ذهب الشيخ الخليلي إلى الحج أخذ يسأل عن محل ذلك العطار، حتى وصل إليه، ووجد حفيده في المحل، فقص عليه القصة، وأعطاه خمسين ريالاً. (2)
ومن مروياته أيضا ما حكاه عن سليمان السالمي قال: ذهبنا مع الشيخ في مؤتمر بالمملكة المغربية في الدار البيضاء، وقد وصلنا قبل المؤتمر بأيام، قال
(1) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان الخليلي
(2) لقاء المؤلف بالشيخ أبي الحسن شحاتة (1/120)
صفحة 121
من معالم الفكر التربوي
{11}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ: قرأت فيما قرأت أن بعض العائلات هربت من الأندلس إلى الدار البيضاء في أيام حروب الفرنجة هربًا بإسلامهم من التنصير الذي كان يُفْرَض عليهم بالقوة .. وأخذ الشيخ يسأل عن تلك العائلات التي يحفظ أسماءها، حتى
التقى ببعض أحفادهم.
خشبته من الله:
من المعلوم أن الخشية أمر معنوي لا يعرف إلا بآثاره وتجلياته، وكما لا تدرك ماهيته، كذلك لا يمكن قياس مقداره ولكن مع ذلك يمكن الاستدلال على وجوده، ومقدار ترسخه في النفس، ومدى استحواذه على القلب والجوارح، ذلك من خلال المواقف التي تتجلى فيها بوضوح مقدار هذه هذه التجليات الحرص على العبادة في شتى صورها، وأنواعها،
الخشية، ومن
من صلاة وصيام، وقيام وتلاوة للقرآن ومن ذلك التأثر المهيمن على الجوارح أثناء هذه العبادات، أو من خلال بروز بعض المواقف التي تكشف عن جوهر هذه الخشية في النفس، كالبكاء من خشية الله، وانهمال الدموع، أو القشعريرة التي تهز البدن ومنها الصمود على الحق والثبات عليه دون أن يخشى الإنسان قوى الأرض مجتمعة، فكيف بلوم اللائمين، وعذل العاذلين، وتجليات هذه الخشية في حياة الشيخ كثيرة، وقد لازمته الخشية منذ طفولته، وهو بزنجبار، يقول الشيخ سليمان ابن سيف الخليلي: كان للشيخ أحمد خال يقال له سليمان بن حمود، وكان يكبر الشيخ بسنة ونصف تقريباً، وكان يقطف بعض الثمار من الأشجار العامة بزنجبار فيسأله عن مصدرها ومن أين قطفها؟ (1/121)
صفحة 122
معالم الفكر التربوي من
{122}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
وينصح خاله بعدم العودة لمثلها، لأنه لا يدري لمن هي، والأكل من أموال
الناس بغير إذنهم حرام، ويأبى الشيخ أن يأكل من تلك الثمار كل الإباء ومن خشيته الله أنه كان إذا سمع صوت الرعد ورأى البرق تراه خائفاً وجلاً،
(1)
C
يدخل داخل البيت ويمكث فيه. وهكذا كان عليه أفضل الصلاة والسلام إذا سمع صوت الرعد يدخل ويخرج خائفاً وجلاً.
سكنت
ومن مظاهر الخشية بعد ذلك ما رأيته بعيني رأسي في إحدى ليالي رمضان المبارك من تفاعل عجيب مع آيات القرآن واستجابة ظاهرة من جوارحه مع قوارع، نذره، فقد صليت ذات مرة قيام رمضان على يسار الشيخ في جامع السلطان قابوس بروي، فلما قرأ الإمام قول الله تعالى: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُّتَشَابِها مَّثَانِيَ نَفْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (2) انتفض جسد الشيخ انتفاضة شديدة، ثم جوارحه، وعاد إلى ما كان عليه بعد مجاوزة الإمام لتلك الآيات. أما عن شدة بكائه من خشية الله، فحدث عن ذلك بلا حرج، وريما بكى أثناء إلقاء محاضرة تبدو للإنسان عادية في موضوعها، ولكنه – حفظه الله - يتفاعل مع الكلمات، فيعي أبعاد مدلولاتها، وذلك ما يهز وجدانه هزاً عنيفًا من الداخل، ففي عرفات - مثلا - لم يخطب قط إلا حبسه البكاء عن مواصلة الخطبة، والاستمرار في الدعاء، ولذلك يلحظ على خطبه بعرفات أنها قصيرة
(1) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن سيف الخليلي
(2) سورة الزمر، الآية 23 (1/122)
صفحة 123
من معالم الفكر التربوي
{17}
+
عند الشيخ أحتما.
للغاية؛ بسبب ما يتخللها من غلبة البكاء عليه، مع أنه – حفظه الله - يكتم بكاءه ولا يسترسل فيه، وذلك بقطع دواعيه والبعد عن مهيجاته .. ويقف بجانب خطب عرفات خطب الاستسقاء، فلا يتمالك الشيخ أثناء الدعاء وهو يستشعر آلاء ذي الجلال والإكرام، حتى ينخرط في بكاء حاد، تشفق عليه منه، وهكذا الشأن في دعائه عقب المحاضرات خصوصا عندما يمر بذكر مصائب المسلمين، وما أصابهم من قهر عدوهم لهم، كما هو الحال في فلسطين، كثيرًا ما يتأثر فيبكي، وخصوصا عندما يدعو على أعداء الله تعالى، فيقتبس في دعائه من قول الله تعالى في عاد و ثمود، فيقول: وافعل بهم كما فعلت بثمود وعاد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ... تستحضر نفسه الشفافة قوة عاد وثمود وما بسطه الله لهم من النعم الكثيرة؛ فاغتروا بسلطانهم وقدرتهم، ونسوا نعم الله تعالى عليهم، وكفروا بها، فغشيهم من عذاب الله ما غشيهم، يتذكر قوتهم بجانب قوة الله وسلطانه، وقهره وبطشه، فتهزه تلك الكلمات من أعماقه فتنهل الدموع من عينيه، وكذلك بعد ركعتي الطواف في الحرم المكي يجتمع الشباب خلفه، فيدعو دعاء جماعياً ويبكي حتى لا يكاد يقوى على إكمال دعائه، ومن ذلك أيضا تذكره لعذاب الله تعالى في الدار الآخرة، وربما يمنعه ذلك من مواصلة الحديث، يقول الشيخ حميد اليحمدي: روى لنا الشيخ الخليلي قصة رجل متعلم، ويعد نفسه شيخا من شيوخ العلم، دخل إلى صحن إحدى المساجد بحذائه حيث لا يدخل الناس إلى ذلك المكان من المسجد بأحذيتهم، فلقيه المؤذن فقال له: أيها الشيخ هذا المكان مصلى للمسلمين، فاخلع حذاءك. فقال الرجل: إن حذائي هذا أكرم من (1/123)
صفحة 124
من معالم الفكر التربوي
* {124} *
عند الشيخ أحمد الخليلي
وجهك، فبكى المؤذن وهو يقول: إن كان مصير وجهي إلى النار، فإن حذاءك أكرم من وجهي، وينخرط الشيخ هنا في بكاء حاد، لا يستطيع أن يكمل بقية القصة، ويمتنع الحاضرون عن سؤاله إشفاقا عليه، يقول الشيخ حميد اليحمدي، وما قص الشيخ علينا هذه القصة إلا وتوقف عند هذا المقطع وقد منعه البكاء عن مواصلة الحديث، فهو - حفظه الله - من البكائين الذين عرفهم التاريخ في مداره.
ومن المواقف التي تتجلى فيها الخشية من الله والورع معا، إذ سأله سائل مرة، وكنا في مجلسه، عن معنى قوله الله تعالى {وفاكهة وأبا ما معنى الأب،
فقال الشيخ::: لقد قال أبو بكر رض رضي الله عنه: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، وأين أذهب إذا قلت في كتاب الله بغير ما أنزل الله، وقال عمر بن الخطاب: قد عرفنا الفاكهة فما الأب ثم قال لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا
.
لهو التكلف، فكيف تريد مني أن أقول في شيء توقف فيه أبو بكر وعمر؟! ومن ملحوظات الشيخ عيسى بن يوسف البوسعيدي: أن الشيخ إذا سئل عن شيء في القرآن، ولو كان إعرابا نحويًا، توقف وفكر وتأمل، ولو كانت الإجابة - فيما يبدو - حاضرة لديه، ولكنه لا يتسرع أبدا في الحديث عن القرآن.، ولذلك تجد سماحته يفرغ نفسه يوما كاملاً من المشاغل يوم لأجل أن يفسر آية أو بعض آية أحيانًا من كتاب الله تعالى، خوفا من الله سبحانه أن يقول في كتابه بغير ما أنزله.
بشيء،
الثلاثاء،
ومن هذه المواقف ما حدثني به الأخ محمد الرشيدي، قال: ذهبنا مرة في
تعزية أحد أصدقاء الشيخ الحميمين إلى منطقة بعيدة عن مسقط، ألا وهي ولاية (1/124)
صفحة 125
من معالم الفكر التربوي
{125}
عند الشيخ أحمد
"بدية وكان وصولنا بعد صلاة المغرب بقليل فلما دخلنا مجلس العزاء وجدناهم بسطوا موائد العشاء، وطلبوا من الشيخ أن يأكل ولو لقمة، وذكروه بحق الصداقة الحميمة، فرفض أيما رفض، فقالوا: إنها ليست على حساب أهل العزاء، ولا أيتام ولا تشوبها شائبة، فقال: لا، وأبى أن يبقى، بل أدى واجبه من تعزيتهم، واستأذن في الذهاب، ذلك هو الورع حقا.
ومن مظاهر الخشية التزامه الدائم بقيام الليل في الحضر والسفر، ناهيك عن قيامه في المسجد النبوي والمسجد الحرام، عندما يشد رحاله إليهما في رمضان وغيره، وأترك مجال الحديث لمرافقيه في ترحاله؛ يقول الشيخ سعيد بن
حمد الحارثي: "عندما تكون في رحلة مع الشيخ الخليلي، يقوم قبل الفجر في الثلث الأخير من الليل فيصلي ما شاء الله"
(1) "
ويقول محمد الرشيدي: " عندما نكون في سفر مع الشيخ، ويأتي وقت
النوم يختار الشيخ الفراش المتواضع الخفيف، ولا يرغب في الفراش الوثير، بل يرفضه، ثم يتوضأ ويتلو القرآن، وينفث على كفيه ويمسح على جسده كاملاً، ثم ينام على الجانب الأيمن وهو يذكر الله، ويستمر على ذكره حتى ينام، فإذا جاء الثلث الأخير من الليل، نهض الشيخ فتوضأ وانتصب يصلي حتى الفجر، ثم يقوم بإيقاظ المرافقين له من نومهم لصلاة الفجر، وبعد الصلاة يبقى في حلقة أنا تلاوة القرآن مع أصحاب التلاوة، ولا ينام بعد الفجر، يقول الرشيدي:
(1) لقاء المؤلف بالشيخ سعيد بن حمد الحارثي (1/125)
صفحة 126
من معالم الفكر التربوي
{126}
+
عند الشيخ أحمد الخليلي
أصحو من نومي ليلاً وأرى الشيخ يصلي، ولكني أعود إلى نومي، ولعل ذلك تواضع منه أيضًا، وليس ذلك غريبا على من صحب الشيخ
(1)
ويروي الشيخ ناصر السابعي قال: صحبت الشيخ في سفره إلى البحرين للمشاركة في أحد المؤتمرات، كنت أسمع خرير الماء في حوالي الساعة الثانية ليلاً، ثم بعد صلاة الفجر، يناولنا الشيخ المصحف، ويقول: اتلوا، فأنا قد
(T)
تلوت قبلكم. ويقول سليمان ابن الشيخ الخليلي: إن والدي لا يفوته قيام الليل، ففي كل الليالي التي كنت معه فيها، سفرًا وحضرًا، ما نهضت للفجر إلا وجدته يصلي، وعندما أرافقه إلى العمرة ونقوم نحن للسحور، لا نجده في البيت، وبعد سحورنا نذهب إلى الحرم فنجده هناك قائمًا يصلي، وهو يطيل في قيامه، حتى أني في إحدى المرات، بدأت مع الشيخ في صلاته، فصليت عشرين ركعة والشيخ في الركعة الأولى وما يزال واقفا. (3). ويروي أفلح ابن الشيخ الخليلي عن عمه حمود، قال: لما كنا في الحرم مع الشيخ، كان يصلي ذات مرة، وأنا صليت بجانبه حتى فرغت من الصلاة التي قدرت عليها فانصرفت إلى البيت كي أنام والشيخ يصلي في الحرم .. وهو بلا شك أحرص ما يكون على القيام في رمضان،، وقد أكرمه الله مرات عديدة بمشاهدة الأنوار التي تصحب الملائكة في نزولهم إلى الأرض في ليلة القدر، يقول أفلح: إن والدي يخبرنا
(1) لقاء المؤلف مع محمد الرشيدي (2) لقاء المؤلف بالشيخ ناصر السابعي (3) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان الخليلي
(3) (1/126)
صفحة 127
من معالم الفكر التربوي
{17}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بمشاهدته تلك في صباح اليوم التالي) ونحن نعلم أن هذه الأنوار لا يشاهدها كل أحد إلا من اختصهم الله من أوليائه المقربين، وقد سئل سماحته في إحدى حلقات سؤال أهل الذكر بتلفزيون سلطنة عمان عما شاع في أوساط العوام في ليلة القدر من تقلب الأشجار وسطوع الأنوار وغير ذلك، فأجاب سماحته، بأن الأشجار لا تتقلب، وأما الأنوار فإنما يشاهدها الخواص من عباده المقربين. إن الشيخ حريص كل الحرص على الإكثار من القربات إلى الله من الصلاة والصيام والصدقة والحج وعون الآخرين، مع حرصه على إخفاء ذلك عن علم الناس؛ ليكون أنقى من كل الشوائب، فهو يصوم سنا من شوال وعشر ذي الحجة، دون أن يعلم ذلك إلا خواص أهله، مع كثرة تعلق الناس به، وترددهم عليه، فمثلاً يخرج للناس في الصباح، وقد أمر محمد الرشيدي أن يناشد الضيوف ويقدم لهم القهوة، حتى إذا انتهوا من طعامهم جاءهم الشيخ، وسألهم إن كان أحد منهم لم تقدم إليه القهوة سهوا أو نسيانا مثلاً، أو جاء متأخراً، فإذا بهم جميعاً قد أنهوا مهمتهم، فيقضي لهم حاجاتهم الأخرى، ويُعرف الشيخ حال صيامه بكثرة صمته فلا يتكلم إلا بثمن، مع أنه لا يقول إلا حقاً، فأكثر شغله التسبيح والتحميد إلا إذا سأله سائل، وذات مرة صادف صيام الشيخ يوم الثلاثاء وهو موعد درس التفسير الذي يلقيه الشيخ عقب صلاة المغرب مباشرة، فلم يتأخر الشيخ وإنما قام بإلقاء الدرس بين الصلاتين، وبعد صلاة العشاء حبسه الناس في المسجد، كلّ له مطلبه من استفتاء أو طلب قضاء حاجة، وازدحموا عليه، فجلس لهم كعادته، دون تضجر أو أدنى درجة
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أفلح الخليلي (1/127)
صفحة 128
من معالم الفكر التربوي
? {IYA}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من التبرم أو الضيق، ومحمد الرشيدي يدور في المسجد جيئة وذهابا، فأنكر الشيخ خالد الخوالدي عليه هذه الحالة، فسأله: بالك تجوب المسجد؟ ما الذي دهاك؟ فقال الرشيدي الشيخ صائم هذا اليوم، وإلى الآن لم يجد وقتا يفطر فيه؟ وهؤلاء الناس قد حبسوه دون مراعاة لشيء، والوقت متأخر جدا. (1) قلت له: لا شك عندما يعود إلى البيت سيجد مجموعة أخرى تنتظره في المجلس، ولن يغادرهم أيضا الله أنت أيها الشيخ! ما أكرم معدنك! وما أنبل
صفاتك!
هذه لمحات خاطفة من تجليات الحرص على مرضاة الله تعالى في حياة علم من أعلام الأمة الذين شرف بهم التاريخ ولا يفهم مني أني أرفعه إلى مقام العصمة، كلا، ولكنه يقظ متنبه لما يسخط الله في سائر سلوكه، وجميع حركاته وسكناته
ولا تقنع بسمع دون عين فما عين الحقيقة كالخيال ولا بأس أن أكمل هنا القصة التي بدأتها سابقاً ولم أتمها، يقول سليمان ابن الشيخ كنا مجتمعين في بيتي بالغبرة وكان أحد الأطفال قد أكثر الفوضى تحت حماية الشيخ، ولم يتجاسر أحد منا على الحد منها، فلما دخلت أم الشيخ
، فلما
هدأ الطفل، فقال أحد إخوتي كلمة تعيير للطفل، ومرت الجلسة بسلام. تكرر مثل ذلك الجمع في روي، نادى الشيخ أخي المتلفظ بتلك الكلمة، وقال له: تب إلى الله، فقال: تبت إلى الله، ولكن هل لي أن أعرف ذنبي؟ فقال الشيخ: أتذكر يوم كنا بالغبرة في بيت سليمان، وقلت لأحد الأطفال كذا
(1) لقاء المؤلف بالشيخ خالد الخوالدي (1/128)
صفحة 129
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
وكذا، فهم أخي بالابتسام؛ لأنه لم ينتبه لذلك، وما كان قاصداً بها سوءا، لكن الشيخ زجره بقوة قبل أن تولد ابتسامته، وكرر عليه الأمر بالتوبة، قائلاً له: حقك أن تعزّر، وشدّد عليه النكير، وما كان الشيخ ليحمل أبناءه على هذا السمو الخلقي المنبثق من المفهوم العميق لتقوى الله سبحانه، إلا وهو في منزلة أسمى وأعلى، وأزكى وأطهر مما يحمل عليه غيره.
الالهية
إن الحديث عن جهود الشيخ - حفظه الله - أمر عسير. رجدا، لأن حياته في شتى صورها، ومختلف جوانبها جهاد لا يفتر وكفاح لا يهدأ، ولكني أسير على المنهجية نفسها من الاختصار وذكر اللمحات الخاطفة دون الإطالة فضلاً عن محاولة الاستقصاء، ويمكنني اختصار حركته الجهادية الدؤوبة في تأطيرها بالقول: إنها جميع الحركات والسكنات التي قدمها الشيخ لتكون كلمة الله هي العليا، فذلك جهاد لا يستقصي جوانبه حديث ولا تسطير قلم.
أبدأ الدخول إلى ساحة جهاده لأحدو على أطرافها دون أن أخترق الحومة
في وطيسها، فتلك منزلتي
من لم يقف عند انتهاء قدره
تقاصرت عنه فسيحات الخطا
لقد رأيت أن أقسم الحديث هنا إلى عنصرين هما:
ا - جهوده في الإصلاح الداخلي ب جهوده في الإصلاح العالمي (1/129)
صفحة 130
من معالم الفكر التربوي
{13}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أولا: جهوده في الإصلاح الداخلي
أبدأ الحديث هنا بلمحة عن واقعه الذي باشر الكفاح فيه بعيد وصوله من زنجبار، فقد جاء إلى وسط ذي جوانب مدلهمة، يغرّد في جنباتها الجهل، بعد أن عشش في العقول، فانطمست بذلك البصائر، وضرب البعد عن أوامر الشرع بجرانه بينهم، وصال وجال دون أن ينبري له أحوذي، يلوي عنقه، ويضع حدًا لتفريخه، وأترك للحوادث كعادتي المجال لتحدث عن إيحاءاتها بنفسها، حول الواقع المأساوي المرير الذي واجهه الشيخ بصلابة كالجبال، رهمة تناطح النجوم، فقبل وصول الشيخ من زنجبار - حاضرة عُمان آنذاك - لزمن ليس ببعيد، جاء الشيخ سليمان الباروني بأفكاره الإصلاحية التي لم يكتب لها القبول، فضلاً عن الانتعاش، وأذكر في هذا الصدد قصة حدثني بها الشيخ زياد المعولي تعكس شيئًا من الوضع الراهن للناس آنذاك، قال: إن الشيخ سليمان الباروني اقترح مدارس نظامية تؤسس على النظام في القبول والدرس، وكان قد اختار طلابه بعناية مشترطًا عليهم الانتظام في الحضور، والتركيز أثناء الدروس، وذات مرة كان يلقي درسه على طلابه إذا بامرأة تنادي ولدها في الشارع، واسمه عليّان، فقال أحد الطلبة، دون عليان خرط القتاد، فغضب الشيخ سليمان الباروني، وقال دون ما تلقي يا سليمان أيضا خرط القتاد، وحدثني أيضاً عن قصة وقعت للشيخ الخليلي نفسه في حال انتقاله ذات مرة من العاصمة إلى الداخلية، يقول ركب الشيخ الخليلي ناقلة كبيرة في تلك الأيام تسمى "بيت فرت" وهذه السيارات تحمل جمعًا كبيرًا من الناس، من النساء والأطفال وحوائجهم وأغنامهم أحيانًا، وركب الشيخ الخليلي معهم، (1/130)
صفحة 131
من معالم الفكر الزبوي {13}
عند الشيخ أحمد الخليلي
والطريق غير معبد مطلقا، فالسيارة تسير ببطء شديد والمسافة طويلة، يقول الشيخ فأردت الحديث مع أحد الجالسين، فبحثت عن رجل تبدو عليه سمات الرزانة، ويبدو أنه أمثل الراكبين، طريقة، وأحسنهم فطنة، فحدثته عن الرحيل من الدنيا إلى الآخرة، وما يجب على الإنسان من الاستعداد لذلك اليوم، وبعد كلام طويل قال لي الرجل: أهذا هو "البرزنجي الذي قرأناه في مطرح يوم أمس
في جلسة المولد" فقال: أي برزنجي؟! وكأن الرجل لم يفهم شيئًا مطلقا. (1) وحدثنا سماحة الشيخ مرة عن تلك الأيام وكان الحديث عن التفاؤل فقال الشيخ: عندما قدمت من زنجبار كان صلاة الرجل سريعة جدا: يلتفت فيها يمنة ويسرة لا يكاد يستقر رأسه، وقد وجدنا صعوبة في تعليم الناس قول: لا إله إلا الله، إذ كانوا يقولون: لا إله إنّ الله.
وسألته عن أهم الصعوبات التي كانوا يواجهونها في طريقهم الإصلاحي، فقال: الجهل من ناحية وعدم تقبل الناس بسبب الجهل أيضا،
(2)
فلم يكن هناك حماس لهذا الشيء كله، فقد كان شيئًا غريبًا بالنسبة إليهم." يقول الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي، في تلك الأيام سرنا بصحبة الشيخ
إلى سمائل، فزرنا الجامع و به حلقة علم هناك، فألقى الشيخ لهم محاضرة، فأحببت بعد تلك الكلمات أن أتعرف على مدى الاستيعاب، وما أحدثته في نفوسهم من الأثر، فاخترت نخبة من الحاضرين ممن أتوسم فيهم الفطنة والفهم من الموجودين، فسألتهم؛ عن هذه المحاضرة، فقالوا: إنه بحر يتدفق، وأخذها
(1) لقاء المؤلف بالشيخ زياد بن طالب المعولي
(2) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي (1/131)
صفحة 132
من معالم الفكر التربوي
{132}
عند الشيخ أحمد الخليلي
يطنبون في الثناء، بعد ذلك سألتهم عن أهم الأفكار التي طرحها الشيخ في
المحاضرة، فما ظفرت منهم بشيء وإنما كانوا منبهرين فقط. "
(1)
وذات مرة ذهبنا إلى بهلا في أمسية أقيمت في أحدى المدارس، وأفتتحت الأمسية بالقرآن، فصفق الحضور، ثم قام الشيخ ليلقي محاضرته، نهاهم خلالها عن التصفيق مبينًا لهم أصول هذه الظاهرة، ثم حدثهم عن صلاة الجماعة وحثهم عليها، فلما انتهى من المحاضرة صفق له الحضور مرة أخرى. وكأنهم ما فهموا ما يقول، وعلى الرغم من كل ذلك كان الشيخ متفائلاً: بقول لي: إن هذا سيؤتي ثمارًا طيبة بإذن الله. (2)
لقد شمّر الشيخ عن ساعد الجد، وامتطى العزيمة متسلحا بإرادة تفت الصخر، متزودًا في صراعه مع هذا الواقع ما آتاه الله من العلم والإخلاص وحب التضحية بكل غال ولمين لا يدخر شيئًا من جهده ووقته إلا بذله في ذلك السبيل، فقد كانت عُمان تنتظر أمثاله كما تنتظر الأرض المجدبة الغيث من السماء، على حد قول الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي، ومن أهم ما اعتنى به الصلاة، لكي يقيمها الناس على وجهها. ويحثهم على صلاة الجماعة، فقد كان الناس خصوصاً في السفر يركبون سيارة واحدة ثم ينزلون للصلاة، فيصلون فرادى، وقد أولى عنايته الفائقة بنشر العلم، لأن انتشاره في أوساط الناس هو الحل الجذري للعديد من المشكلات المترسخة في أوساطهم، ولذلك
كانت له رحلات إلى العديد من المناطق خارج مسقط.
(1) لقاء المؤلف بالشيخ يحيى بن سفيان الراشدي
(2) السابق (1/132)
صفحة 133
من معالم الفكر التربوي
{14}:
عند الشيخ
جانب من الحضور الندوة التي عقدت للشيخ عن " إعادة صياغة الدعاة "
يقول الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي الذي كان رفيقا له في السفر غالبًا، كانت للشيخ رحلات إلى عدة مناطق لإرشاد الناس والبحث عن طلبة يقبلون على تلقي العلم ممن لديه الرغبة والاستطاعة، فقد سافرنا إلى عدة ولايات حتى وصلنا "بدية" على سيارة "لاندروفر" كنا، اثنين، أنا السائق وهو بجانبي، والطريق ترابي مرهق. ثم كانت له رحلات إلى جعلان وصور وإلى فهود أيضا (1)
أما رحلة الشيخ إلى فهود فإنها رحلة شاقة جدا، ولولا لطف الله لكانت الكارثة، يقول الشيخ يحيى بن سفيان، اتجهنا إلى فهود لإرشاد العمال والموظفين في الشركات هناك، وكانت الرحلة على طائرة صغيرة، تخفق كأنها
(1) لقاء المؤلف بالشيخ يحيى بن سفيان الراشدي (1/133)
صفحة 134
من معالم الفكر التربوي
{134}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
جرادة في صعودها وطيرانها، فلما كنا فوق الجبل الأخضر، أخذت تعلو وتهبط وتهتز حتى آثرنا الذهاب على السيارة من شدة ما وجدنا فيها، وبعد أن وصلنا بتنا تلك الليلة هناك، وفي رحلة العودة ركبنا الطائرة نفسها، وقبل أن تحلق بقليل رأينا الدخان يتصاعد منها، فنزلنا عنها، والحمد لله أنها ما تزال على الأرض فأحضرت لنا طائرة أخرى أكبر منها بقليل وعدنا بسلام. تلك لمحات من التضحيات والمصابرة في جهاد الشيخ - حفظه الله - ضد الجهل، والانحراف، ومع هذا الجهل المتفشي كان هناك ظاهرة الإلحاد، والمد الشيوعي البغيض، يقول سماحة الشيخ: " وفي عصرنا نحن شهدنا فترة من الزمن كان الإلحاد فيه رمز التقدم وشارة الرقي، ودليل التحضر، وكان الاستمساك بالفكر الديني في نظر كثير من هؤلاء استمساكا بأمور وهمية لا تلبث - حسب نظرهم - إلا أن تتلاشى، فقد غشيت الناس غاشية من الإلحاد، هذه الغاشية لم تلبث أن بددت أفكارهم وتركتهم يهيمون في هذه الحياة، لا يعرفون قبيلها من دبيرها، و لا يفرقون بين نافعها وضارها، إنما مقياس النفع والضرر عندهم ما يكسبون أو يخسرون من شهوات هذه الحياة الدنيا، ولكن ما لبثت هذه الحضارة أن تزلزلت أركانها، وتصدع بنيانها)
(2)
لقد شاهد الشيخ بعيني رأسه ما ارتكبه الشيوعيون في زنجبار - وليس من رأى كمن سمع - لذلك كان واعيًا جدًا لمخططاتهم الخبيثة، لقد كان ذلك الهم
(1) لقاء المؤلف بالشيخ يحيى بن سفيان الراشدي (2) الإيمان مفهومه وتطبيقاته، شريط 65 / ج (1/134)
صفحة 135
من معالم الفكر التربوي
{135}
عند الشيخ أحمد الخليلي
يقض مضجعه، ويؤرقه طوال الليل، فانبرى لها يجادل معتنقيها، ويحذر الناس منها بشتى الوسائل، وبكل ما أوتي من قوة حتى اندحرت، محمد الله تعالى. إنشاء المعهد الإسلامي
أنشيء المعهد الإسلامي بالوطية بتوجيه من سماحة الشيخ الخليلي، يقول الشيخ أحمد بن سعود السيابي: لقد رأى الشيخ أن لا بد من إنشاء معهد ديني، وأخذ يطالب بذلك، فأسس المعهد الإسلامي " بالوطية " يطلب من الشيخ، وجعلت له روافد (معاهد إسلامية) في البلدان بطلب من الشيخ أيضا، وبالتنسيق مع معالي السيد فيصل بن علي وزير التربية والتعليم آنذاك، فأنشأت معاهد بالرستاق، ونزوى، وبهلا، وسمائل، وسناو، وبدية " (1)
وقد أهتم الشيخ بطلبة المعهد الإسلامي، فكان يزورهم ويلقي لهم المحاضرات يقول الشيخ يحيى بن سفيان: "كان المعهد الإسلامي يستقبل الطلبة ما قبل الإعدادية بسنتين، ثم المرحلة الإعدادية ثم الثانوية، وكان الشيخ يذهب إليهم، حيث كان مسكنه في روي ويصلّي معهم قيام رمضان، ويلقي لهم دروساً بعد صلاة القيام في مكبر الصوت، ويتوافد ساعتها الطلبة والناس جميعا ممن يسمع صوته إلى المسجد، واستمرت تلك الرعاية من سماحته لأبنائه الطلبة بالمعهد الإسلامي، الذي حلّت مكانه كلية الشريعة الآن ". (2)
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أحمد بن سعود السيابي
(2) لقاء المؤلف بالشيخ يحيى بن سفيان (1/135)
صفحة 136
من معالم الفكر التربوي
{136}
عند الشيخ أحمد الخليلي
- إنشاء معهد القضاء الشرعي.
جاءت فكرة معهد القضاء والإمامة والخطابة، أو معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد بمطالبة حثيثة من سماحة الشيخ للمسؤولين في الدولة، حين رأى ضرورة تخريج جيل متشبع بالعلوم الشرعية، متخصص فيها، لأن المجتمع العماني آنذاك كان مفتقراً افتقاراً شديداً إلى فئة متفقهة ترشد الناس إلى الخير، وتبصرهم بأمور دينهم، وتحكم بينهم بالعدل، وتم استئجار مبنى في روي ليكون مقراً لهذا المعهد يأوي طلبته ليل نهار، وكان سماحة الشيخ يتعهد هؤلاء الطلبة، ويمنحهم الكثير من وقته، فقد كانوا بارقة
C
الأمل الذي يتلألأ أمام ناظريه، ونسمات البشرى التي تداعب حناياه بانقشاع عتمات الجهل عن المجتمع، والمحاء آثاره التي خلفها وراءه، يقول الشيخ أبو الحسن شحاته، وهو من المدرسين الأوائل في المعهد: "كان الشيخ يصلي معنا صلاة العصر في المعهد في أيام المعهد الأولى، ويبقى إلى الساعة العاشرة مساء، وبعد صلاة العشاء كان يحدث الطلبة، ويناقشهم حول المقررات الدراسية، ويعطى نصائحه وتوجيهاته، ويتابع سير التدريس عن كتب، وكان يرافقه أحيانا الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، والشيخ سليمان السالمي، والشيخ ناصر الإسماعيلي، ويبدو لي أن جهد الشيخ فيما يتعلق بالمعهد كان يسير في اتجاهين:
الأول: السعي المستمر إلى تطوير المعهد في مناهجه، وأن يقوم على
أسس ثابتة تكفل له الاستمرار، لذا صدر مرسومان سلطانيان بإنشاء المعهد أحدهما عام 1976، والآخر في عام 1986 م. (1/136)
صفحة 137
من معالم الفكر التربوي
{137}
عند الشيخ أحمد
الثاني:: العناية الخاصة بالطلبة.
أما الأول فيتضح من خلال الدور الذي كان يؤدّيه سماحته بصفته رئيس المعهد، ونائب الرئيس بمجلس المعهد الذي كان يرأسه وزير العدل والأوقاف
آنذاك، يقول الشيخ زياد بن طالب المعولي: " عندما كان المعهد باسم معهد، كان هناك مجلس يعقد بصفة دائمة، يسمى " مجلس المعهد "
القضاء الشرعي ويحضره رئيس المجلس وهو معالي الوزير، ويحضره سماحة الشيخ، وكنت أحضره بصفتي ممثل وزارة التربية والتعليم بمجلس المعهد قبل الانتقال إليه، وأعجبت بذلك الحرص الشديد من سماحة الشيخ للارتقاء بالمعهد، وتثبيته بصفة علمية أكاديمية، ومن خلال الاستماع إلى مداخلاته ومحاوراته، وجدت لهفة شديدة في حديثه نحو تطوير المعهد، وكان ذلك أحد الأسباب التي شجعتني للموافقة على العرض الذي قدم إلي للانتقال إلى إدارة المعهد، فقد أحسست أن هناك حاجة إلى بعض الخبرة المتواضعة لدي، لكي أقدمها للمعهد، وبعد الانتقال كان الشيخ يشجعني دائماً، ويستمع إلي باهتمام فيما أحدثناه من تطوير، وكان يشاركنا أحيانا في اجتماعات هيئة التدريس، ويحثنا على الارتقاء بالمعهد في جميع شؤونه (1) وأخبرني الشيخ زياد مرة أن من المواقف المؤثرة في نفسه التي دفعته إلى الانتقال إلى المعهد، أن سماحة الشيخ لقيه في جامع السلطان قابوس بروي، فقال له: نريدكم أن تكونوا معنا في إدارة المعهد، وأخبرني مرة، قال: "عندما ظهرت فكرة دمج المعاهد الإسلامية وكان من بينها المعهد، بدأنا بإنهاء بعض المراحل، وتوقف التسجيل وبدأ اليأس
(1) لقاء المؤلف بالشيخ زياد المعولي
? (1/137)
صفحة 138
من معالم الفكر التربوي
{138}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
ينتابنا، بينما كان الشيخ متفائلاً كثيراً، فقد التمس سماحته من المقام السامي استمرار المعهد، وفعلاً جاءت الأوامر السامية باستمراره في أداء رسالته، وهذا يدل على حرص غير عادي من سماحته على المعهد. أما الأمر الثاني وهو عنايته بالطلبة خاصة، فأبدأ الحديث فيه بعناية سماحته بأساتذة المعهد والإداريين فيه وتقديره الكبير لهم، فهو يدعوهم سنوياً لتناول وجبة العشاء في بيته، وكلما لقي أحداً منهم أولاء عناية
الشيخ يتناول وجبة الغداء مع ضيوفه من الهيئتين الإدارية والتعليمية والطلبة الوافدين بالمعهد خاصة، واستمع إلى ملاحظاته فيما يتعلق بالمعهد والطلبة عموماً، يقول الشيخ زياد المعولي: " عندما أزور الشيخ في مكتبه يسألني عن أخبار المعهد، وأحوال الطلبة، وكنت أحس بأن الكثير من المعلومات تسبقني إليه، وذلك دليل لهفته الشديدة لمعرفة الأحوال ومتابعتها ودليل اهتمامه الكبير، فمرة من المرات مرض أحد الطلبة اليمنيين المسجلين بالمعهد، وأدخل المستشفى، و أنا
(1) لقاء المؤلف بالشيخ زياد المعولي (1/138)
صفحة 139
من معالم الفكر التربوي {139
عند الشيخ أحمد الخليلي
لم أعلم بأن حالته سيئة إلى ذلك القدر، وفي صباح اليوم التالي كنت في مكتب سماحته، فأخبرني بأنه قد زار الطالب مساء الأمس بالمستشفى، مع ازدحام الأعمال لديه، وهو يتابع أحوال الطلبة الدينية والعلمية، ومدى تقدمهم، ويتابع الشيخ زياد قائلاً: مع هذه العناية والتوجيهات المستمرة لا يتدخل الشيخ في عملية قبول الطلبة بالمعهد، وإنما يعلق على الرسائل التي تقدم إليه لطلب المساعدة بتعليق عميق جداً، يتسق مع النظام المتبع دون محاباة لأحد. ولم يكن هذا الاهتمام خاصاً بالطلبة وحدهم وإنما يشمل الطالبات أيضا، يقول الشيخ زياد بن طالب: عندما بدأنا في تسجيل الطالبات بالمعهد كان سماحته يتابع باهتمام خطوات العمل حتى كان يسألنا عن عدد الطالبات الملتحقات وغير ذلك، وقد برزت مسألة إعداد سكن للطالبات المسجلات من خارج مسقط، ولضيق الإمكانات في المعهد، كان التوجه إلى عدم توفير هذا المسكن، ولكن الشيخ وقف وقفة صامدة، وأصر بشدة على إيجاد سكن للطالبات، مما دفعنا إلى اجتماع خاص بمعالي الوزير، حضره الشيخ نفسه وتمت الموافقة أخيرا وأعد السكن بعون الله وتوفيقه (1)، ويحرص سماحته على
"
،
الالتقاء بكل دفعة جديدة من الطلبة أو الطالبات، فيرحب بهم جميعا ويحثهم
"
على طلب العلم، ويبين لهم منهجية الطلب والمشكلات التي قد تعترض طريقهم وسبل علاجها، ولا يتوانى أن يزورهم خلال دراستهم، وأحيانا في الفصول الدراسية، حين يرى الحاجة داعية لذلك. ومن حرصه الشديد على نشر العلم الشرعي في عمان ما أخبرني به الشيخ أحمد بن سعود السيابي،
(1) لقاء المؤلف بالشيخ زياد بن طالب المعولي (1/139)
صفحة 140
من معالم الفكر التربوي
140
عند الشيخ أحمد الخليلي
قال: " بعد أن أعلن صاحب الجلالة السلطان قابوس في خطابه السامي بناء جامعة السلطان قابوس، توجه سماحة الشيخ إلى المقصورة السلطانية، وطلب من جلالته أن تحتوي الجامعة على كلية للشريعة، وإيجاد أماكن خاصة
للطالبات (1)
2003
الشيخ الخليلي يوزع الجوائز التشجيعية على الفائزين في حفظ القرآن الكريم بولاية إبرا ومن ذلك رعايته للمراكز الصيفية في الولايات، بسؤال القائمين عليها عن مستواها، وتشريف بعضها بزيارته، ورعاية احتفالات اختتامها، ومن أمثله ذلك أن جمعنا القدر مرة مع مجموعة من الشباب من بعض الولايات في مكتب الشيخ، فأخذ الشيخ يسألهم عن سير المراكز الصيفية، وهم يشرحون له، ثم
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أحمد بن سعود السيابي (1/140)
صفحة 141
من معالم الفكر التزيري 141}
عند الشيخ أحمد
سألني كيف المراكز عندكم؟ فأخبرته بما لدينا من جهد متواضع لا يذكر، وأخبرني الشيخ خميس العدوي قال: كان عندنا موسم ثقافي في بهلا، وقد وعدنا الشيخ بزيارة في هذا الموسم، فلما حان الوقت ازدحمت الأعمال لديه بكثرة، فاعتذر لنا عن عدم الحضور، فقلت له يا سماحة الشيخ، إننا بحاجة إلى وقفتكم معنا " فقال: إن شاء الله، وأخذ يرتب أعماله حتى يتهيأ للحضور، وفعلا حضر معنا الموسم الثقافي)
ومن اهتمامه بالعلم عنايته الشديدة بالمؤسسات التعليمية بالسلطنة التي تتجلى في مظاهر عدة منها زيارته المتكررة لطلاب هذه المؤسسات، ورده على استفساراتهم، وتوجيه النصح والإرشاد لهم، وحثهم على مواصلة الطلب والجد والاجتهاد، ومن ذلك متابعة وضع المقررات الدراسية، وإشرافه على مراجعتها، فكثيراً ما يرأس لجان التأليف والمراجعة، ومن ذلك إلقاؤه الدروس والمحاضرات في قاعات المؤسسات التعليمية باستمرار، فله محاضرة بجامعة السلطان قابوس على مدار الأسبوعين بين العشاءين، وكانت السلسلة الأولى دروساً في العقيدة، والسلسلة الحالية دروس في الفكر الإسلامي، وله محاضرات كثيرة وزيارات متكررة إلى كليات التربية والمعاهد وغيرها، ويحرص كثيراً على الالتقاء بالطلبة الدارسين خارج السلطنة عندما تكون له زيارات إلى تلك الدول، ويقوم بالاطلاع على مشكلاتهم، وإبداء النصح والتوجيه لهم. ومن مظاهر جهاده، قيامه بواجب الإصلاح بين المتخاصمين، بل والمختلفين في الرأي، ومحاولة الجمع بين آرائهم، فأحيانا يختلفون على إقامة
(1) لقاء المؤلف بالشيخ خميس العدوي (1/141)
صفحة 142
من معالم الفكر التربوي
{142}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الجمعة، وأحيانا على بناء مسجد وأحيانا على الأسلوب في الدعوة، وأحيانا
•
وأحيانا ... والشيخ هو الذي ينزع فتيل الخلاف، ويلم الشمل، ويجمع الشتات بفضل الله وعونه وتوفيقه، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد، ولا أطيل بها
البحث لشهرتها. ومن مظاهر جهاده أيضا وقوفه بالمرصاد لكل من حاول نشر أفكار تخالف الحق، وتنابذ أمر الشارع الحكيم، ولا أدل على ذلك من وقفته الصامدة أمام فكرة تحرير المرأة التي رُوِّج لها في حقبة سابقة في الوسط العماني، ووجدت لها من يسوقها، ولكنهم اندحروا بحمد الله، ومن ذلك رده على حدى الباحثات الاجتماعيات في عزوها سبب الطلاق في المجتمع العماني إلى الزواج المبكر، ورده على من أنكر اليوم الآخر، ورده على عبد الرحيم الطحان الذي قال: " لا خير في قرآن بلا سنة ولا خير في سنة بلا فهم لسلفنا الكرام " وقال: " فكل من يدعو إلى كتاب بلا سنة فهو ضال، وكل من يدعو إلى كتاب وسنة بلا فهم لسلفنا الأبرار فهو ضال" (1) فرد عليه سماحته في ثلاثة أشرطة سمعية، خرجت فيما بعد في كتاب " وسقط القناع " ورد على كثير من النصارى المفترين الذين تهجموا على الإسلام.
ومن مظاهر الجهاد العظمى سعة صدره لكل الناس، وتسخير وقته الثمين لتلبية حاجاتهم مع كثرة ما يشغله من الأمور المهمة، فقد أخبرني محمد الرشيدي، قال: لما كان الشيخ يؤلف كتاب زكاة الأنعام، أراد أن يتفرغ قليلا
(1) محاضرة للشيخ عبد الرحيم الطحان ألقيت بإحدى الدول العربية، بحوزة الباحث نسخة منها، وانظر وسقط القناع للشيخ أحمد الخليلي، ص 87 (1/142)
صفحة 143
من معالم الفكر التربوي
+
{143}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من زحمة الزيارات لغير ذوي الحاجات، الذين يأتون في أحيان كثيرة لاستغلال
،
أوقات فراغهم الكبير، لذا ذهب الشيخ إلى مكان منعزل ليتفرغ للتأليف ولكنه مع ذلك كان يحرص على الذهاب إلى مكتبه في وقت مبكر، فقال له
الرشيدي: يا شيخنا لو تفرغت أكثر للتأليف حتى تنهي هذا المشروع، فقال الشيخ إن للناس حقوقاً عليناً، وقد غبنا عنهم وقتاً كثيراً، ولا بد أن نجعل لهم نصيباً من الوقت (1) الله درك يا سماحة الشيخ، والله در أبيك. أين أولئك الذين تشاغلوا ولم يشتغلوا، ووضعوا أنفسهم في بروج مشيدة من العاج، وكأنهم لم يعرفوك، وما رأوك، ولا طرق مسامعهم شيئ من سيرتك في التضحية، وما حملوا عشر معشار ما تحمل من الهموم، نعم إن الله رجالا.
يقول الشيخ حميد اليحمدي، كنا مرة في نزوى ورجعنا إلى مسقط في الساعة الحادية عشرة تقريباً، وكان الشيخ مريضاً ومرهقاً، فرأى المجلس مضاء فأبى إلا الدخول، فقلنا له إنا نكفيك المهمة، وأنت مريض، قال: "لا، " لعل لهم حاجة فأقضيها لهم (2)
ومن مظاهر جهاده ـ حفظه الله - إنكاره المنكر بجانب أمره بالمعروف، وعدم المبالاة بما يلقاه في سبيل ذلك من المحن، معتصماً بالله تعالى، إنه خير حافظاً وهو أرحم الراحمين، وذلك على مستويات عدة، وبأساليب شتى، وطرق مختلفة بما يناسب المقام، ويتفق مع الحال. فأحيانا يوجه الإرشاد عموماً، ويعالج المنكر عند أولئك القوم بطريق المحاضرات. وأحيانا يوجه النصح إلى
(1) لقاء المؤلف بمحمد الرشيدي
(2) لقاء المؤلف بالشيخ حميد اليحمدي (1/143)
صفحة 144
من معالم الفكر التربوي
14 هـ
عند الشيخ أحمد
الفرد نفسه، أو الجماعة نفسها، وقد تقدم شيء من ذلك، وأورد هنا ما لم يرد هناك، فمما حكاه الشيخ زياد بن طالب المعولي قال: كان ابن خالي طلب مني أن أتوسط له عند الشيخ ليعقد له قرانه، فأخبرت الشيخ، فقال: لا بأس بشرط أن يحضر والد الفتاة ليخبر الشيخ بذلك، فجاء والد الفتاة، وكان يتختم بخاتم من ذهب، ودخلنا جامع السلطان قابوس بروي فسألني الرجل: الخلع الخاتم؟ وكنا في مواجهة الشيخ، ولا مجال للخلع تلك اللحظة، فقلت له: تعال وسنرى ما يحصل لك، فسلمنا على الشيخ وجلسنا، وذكرت الموضوع وبعد ذلك سأل الشيخ الرجل عن خاتمه: ما هذا؟ فقال الرجل: الشيخ هذا هب نقلي وليس أصلياً؟ فقال الشيخ: الذهب حرام على الرجال، النقلي والأصلي سواء " فخلعه الرجل، وصلحت أحواله بعد ذلك بسبب تلك
النصيحة، وتغير إلى الأحسن بكثير.
ثانيا: جهوده في الإصلاح العالمي
لم تكن جهود سماحته منحصرة في الإصلاح الداخلي وإنما كانت له جهوده المتميزة في العالم الإسلامي وخارجه بما يسعفه به وقته، والحديث عن هذه الجهود يطول لمن رام الإلمام بجوانبها، فقد تقدم أن أول رحلة خارجية لسماحته كانت في عام 13992 هـ ومنذ ذلك الحين تتواصل الرحلات في المساهمة الفاعلة لمناقشة قضايا الأمة وحل معضلاتها، ولو افترضت أن سماحته يسافر بمتوسط رحلة واحدة كل شهر لكان مجموع رحلاته إلى زمن كتابة هذه السطور ما يقارب ثلاثمئة وخمسة وتسعين رحلة، مع أن سماحته (1/144)
صفحة 145
من معالم الفكر التربوي
{145}
عند الشيخ أحمد الخليلي
يرحل أحيانا في الشهر الواحد أربع رحلات، ولا يعني هذا أن الجهد الإصلاحي منحصر في الأسفار، وإنما هي إحدى تجليات هذا الجهد المبارك.
يمكن إيجاز مظاهر جهوده الإصلاحية في العالم الإسلامي في النقاط التالية: الأولى: سعيه الحثيث إلى رقي الأمة المسلمة وتمسكها بدينها في شتى مذاهبها ومدارسها الفكرية في شتى بقاع الأرض، ويتجلى ذلك في استخدامه الوسائل
التالية:
أ - دعواته المتعددة زماناً ومكاناً إلى الوحدة الإسلامية بين جميع الطوائف الإسلامية، فكم دعا في الندوات والمؤتمرات وفي وسائل الإعلام، وفي لقاءاته الفردية بالعلماء، وزياراته الرسمية وفي كتبه وسائر مؤلفاته إلى توحيد الصفوف، ولم الشمل، ورتق الفتوق، وترك التنابز بالألقاب، وإلى تصحيح التصورات فيما يتعلق بهذه القضية، فقد لفت نظر الكثيرين تبنّيه هذه الفكرة، وكأنه يسعى إلى المستحيل، فبعضهم يرى أن النبي أخبر أن الأمة ستفترق، فالسعي إلى توحيد الأمة فيه تكذيب للنبي، فرد سماحته على ذلك قائلا: " إن كان النبي لا لو أخبر عن افتراقها فذلك إنما هو خبر قد تحقق فعلاً، لكن لا يعني ذلك أن يستمر هذا الافتراق طول عهود هذه الأمة؛ فإنه من الممكن أن يزول الافتراق، وأن تعود الأمة إلى صفو الوحدة، كما كانت من قبل في عهد النبي وفي عهد الخلافة الراشدة الصحيحة، من أجل جمع كلمتها، وظهور ريحها، وإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى (1/145)
صفحة 146
من معالم الفكر التربوي
? {1 {9}
عند الشيخ أحمد الخليلي
في هذه الأرض، وإسقاط كلمة الباطل، ونحن نأمل أن يتحقق ذلك، ونسعى إلى وحدة الأمة من غير أن نكون مكذبين لقول الرسول (1) ب - تداركه السريع لكل بادرة من بوادر الشقاق وإمارات الخلاف بين طوائف الأمة المسلمة، مسخّرا في ذلك ما آتاه الله من علم غزير، وفكر منير، وتصرف في فنون القول، ودمائة في الخلق، وصبر وسعة احتمال، فمن هذه المواقف:
ما أخبرني به الشيخ خميس العدوي، وقد تقدم ذكره، قال: " في مؤتمر "التقريب بين المذاهب" الذي انعقد في سوريا برعاية جمعية الإمام الخوئي، وبرئاسة عبد المجيد بن الإمام الخوئي، وفي إحدى جلسات المؤتمر كانت رئاسة الجلسة لسماحة الشيخ، فقام شخص من أهل السنة وتكلم على الشيعة كلامًا شديدا في كثير من القضايا، وفي المقابل كان الرد من علماء الشيعة الحاضرين عليه ردًا - ربما - أكثر في القوة والمقدار من كلام الرجل المردود عليه، واشتدت الأزمة بين الطرفين، فتدخل الشيخ، ووضع نهاية لهذا الجدال بكلمته التي قال فيها: علينا أن نتأدب مع الصحابة ومع آل البيت بالأدب الإسلامي الرفيع، وتكلم كلاما رتق به الفتق الحاصل، ولمّ به الشمل، وكان الخطاب مؤثراً، جعل العلماء يعجبون به، ويثنون على مهارته وقدرته على حسم النزاع مع اجتماع الكلمة، وما يتميز به من فكر نير، يلم شعث الأمة ويوحد صفها، مع
(1) جواب لسائل عن سبل وحدة المسلمين، محرر من جواب مسجل (1/146)
صفحة 147
من معالم الفكر التربوي
* {147}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أنه طرف ثالث من حيث المذهب، وأخذوا يرددون ذلك الثناء حتى نهاية
المؤتمر
(1)
أخبرنا الأستاذ عبد المنعم البحر من أهل صلالة، قال: حضرت مرة خطبة الجمعة، فتعرض الخطيب لبعض المسائل التي أخالفه فيها، وبعد الصلاة تحدثت إلى الناس مبيناً وجهة نظري، وثار الخلاف في المسجد، فلما زار الشيخ الخليلي صلالة دعاني إليه، وكان قد علم بما جرى من موقفي، فنصحني كثيراً، وبين لي منهجية الحوار، وأسلوب التعامل مع من يخالفنا في الرأي، حرصاً على جمع الشمل، والمودة بين
المسلمين.
أخبرني الشيخ أسعد المقيمي أن الشيخ حال زيارته للجزائر، ذهب مع جماعة من الإباضية هناك للصلاة في مسجد المالكية، وأحاطوه بكل إجلال وتقدير، وألقى فيهم محاضرة حثهم فيها على الوحدة ونبذ الخلاف، وكان يحترم علماءهم غاية الاحترام؛ فأعجبوا بعلمه وخلقه منتهى الإعجاب " ج - بعث العزائم وإيقاظ الهمم والتذكير بأمجاد السلف في سبيل تحقيق هذه الغاية، وذلك كثير في مشاركاته في المؤتمرات، وأكتفي هنا بذكر موقف ترك أثراً كبيراً، وصدى عظيما في نفوس المسلمين بالاتحاد
(Y)
(1) لقاء المؤلف بالشيخ خميس العدوي (2) لقاء المؤلف بالشيخ أسعد المقيمي (1/147)
صفحة 148
من معالم الفكر التربوي
?> {\ {N} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
السوفيتي سابقاً على وجه الخصوص، والمشاركين في المؤتمر من شتى الأقطار الإسلامية على وجه العموم.
ففي مؤتمر عقد في " طشقند" بمناسبة مرور 1200 عام على وفاة الإمام الترمذي، وقد كان أحد المشايخ من إحدى الدول العربية المشاركة في تلك البلاد المستهدفة من عدوها قد تحدث عندما أعطي المجال عن الشركيات والقبور والنذور، مما أورث استياء لدى البعض، فلما أعطي مجال الحديث لسماحته في جمع غفير من المسلمين والقساوسة النصارى وغيرهم في قاعة كبيرة تغص بالحاضرين، حثهم الشيخ على التمسك بتعاليم الإسلام ومبادئه، والتضحية في سبيل ذلك بالغالي والثمين، وذكرهم سماحته بأسلافهم من العلماء الذين ساهموا في بناء حضارة الإسلام من بلاد ما وراء النهر، كالإمام الرازي
والزمخشري والجرجاني وغيرهم، وأوضح بعض جهودهم الإسلامية ثم دعاهم إلى أن يسيروا سيرتهم وينهجوا نهجهم، فها هي الأمة تنتظر جهودهم ومساهماتهم؛ لتكون امتداداً لتلك الجهود الخيرة التي قدمها سلفهم الصالح، وأفاض سماحته في ذلك، فلما أنهى كلامه ارتجت القاعة بالتكبير، فقد أعاد إليهم ثقتهم بأنفسهم في وجه التيارات المعادية، وألهب فيهم العزيمة والإرادة، ورسخ فيهم مبدأ الثبات
والصمود. (1)
(1) قامت مجلة منار الإسلام التي تصدر في الإمارات بنقل هذه المحاضرة في أحد أعدادها (1/148)
صفحة 149
من
معالم الفكر التربوي
{\ {^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ومثل هذا الموقف حصل لسماحته في باكستان أيضا، فبعد الانتهاء من إحدى محاضراته هناك علت أصوات المسلمين بالتكبير وهرع إليه الصحفيون يسألونه عن الشهادات التي يحملها؛ فأجابهم بأنه يحمل شهادتين: الأولى شهادة أن لا إله إلا الله، والثانية شهادة أن محمداً رسول الله. د. تشخيصه أمراض الأمة التي أدت بها إلى التقهقر، وبيان أسباب ذلك، وسبل معالجتها، داعياً الأمة إلى النهوض من خلال استخدام
الطرق التالية:
1 - دعوة الأمة إلى اليقظة والانتباه لعصرها، وإيقاد العزائم في نفوس أبنائها، يقول سماحته: ولئن أرادت أمتنا المنافسة على هذه المعالي فالميدان فسيح، وقصبات السبق تلوح على رأس المضمار، ورب لاحق كان أسبق إلى الغاية وأسرع إلى درك المأمول، ولكن ذلك موقوف على يقظة الهمم، وتوقد العزائم وإحكام الخطط، ووثوب الخطى لطى المسافات السحيقة .. "وكل
(1)
من سار على الدرب وصل 2 - التزام المسلمين بالاستقلال التام في العقيدة والفكر والمنهج والقربات والعبادة والقول والعمل والسجايا والأخلاق، وهذا يعني أن صفحة الحياة الإسلامية يجب أن تظل بيضاء نقية، لا
(1) كذبة إبريل. سماحة الشيخ الخليلي، ص 54، 55. (1/149)
صفحة 150
من معالم الفكر التربوي
{10.}
عند الشيخ
أحمد الخليلي
يدنسها شيء من شوائب الفساد، ولا يكدر صفوها ما يذهب
ببهائها، أو يؤثر على رونق بقائها (1)
- إحكام خطة النهوض لمسابقة الزمن، ويشمل ذلك:
أ. تحصيل العلم والخبرة بشتى الطرق والوسائل وتكثيف
الدراسات والبحوث المتنوعة.
ب - توحيد الأهداف والغايات بين فئات المسلمين.
،
ج - تنسيق الجهود وتنظيمها بحيث يتحرك الفرد في إطار المجتمع والمجتمع يعمل كأنه فرد في استجماع فكره وضبط خطواته، وتنسيق رواده. "
(T)
د الأخذ بأسباب التقدم الحضاري ومنافسة الغربيين على التغلغل في أعماق الطبيعة، وتفجير طاقاتها واستخراج مكنوناتها، وإحصاء خيراتها؛ لأجل التحكم في سير مركبة الحضارة حسب الوجهة الإسلامية (3)
الثانية: السعي إلى نفي التهم، ودحض الفرى الملصقة بالإسلام والمسلمين، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، من خلال الحوارات والردود الرصينة على أفكار المفترين من النصارى والملحدين، بل قد تصدر أحيانًا من المسلمين عن قصد وغير قصد، فمن ذلك ردّه على المفتري النصراني
(1) كذبة إبريل. سماحة الشيخ الخليلي، ص "
(2) السابق، ص
(3) السابق، ص
0.
51
33، 32 (1/150)
صفحة 151
من معالم الفكر التربوي
* 151}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وبحثه منشور على الشبكة العالمية ومسجل بصوته .. ورده على الشيخ عبدالرحيم الطحان الذي قال: " لا خير في قرآن بلا سنة، ولا خير في سنة
(1).
بلا فهم لسلفنا الكرام. وقد أشار سماحته في رده إلى أنه تعمد تأخير الرد؛ لينظر ردود فعل أتباع عبد الرحيم ومن على مذهبه، أتراهم يلتزمون الصمت أم ينكرون عليه مقولته تلك؟ فلما طال الانتظار نهض الشيخ لتبديد تلك الشبهات، وهتك تلك الأوهام.
الثالثة حرصه الشديد في زياراته للغرب على الدعوة إلى الاسلام قولاً وعملاً، ومحاورة أصحاب العقول، وذوي المكانة الاجتماعية منهم، حتى في رحلاته العلاجية، وأذكر هنا موقفين:
أحدهما: لقاءه بالدكتور موريس بوكاي صاحب كتاب العلم في التوراة والإنجيل والقرآن" يشير سماحته إلى لقائه به قائلا: " التقيت به في الملتقى الخامس عشر للفكر الاسلامي، والذي انعقد بمدينة الجزائر عاصمة الجمهورية الجزائرية في عام 1401 هـ عام 1981 م، والثاني لقاؤه بالدكتور "هيمن" وهو طبيب أمريكي من أصل يهودي يعمل جراحًا للأعصاب بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو رجل علماني ملحد، أشرف على علاج سماحته في الولايات المتحدة، وكان يوجه نصائحه الطبية إلى سماحته، وكلما وجه نصيحة قال له الشيخ: إن شاء الله فاعترض الدكتور هيمن عليه متسائلاً: لِمَ قولك إن شاء الله، إن شاء الله، بل هي مشيئتك أنت فأجابه الشيخ: بل مشيئة الله، فإن
(1) سبق توثيقه (1/151)
صفحة 152
من معالم الفكر التربوي
{101}
شند
الشيخ
أما الخليلي
شئت شيئًا ولم يشأ الله ذلك فإن مشيئة الله هي النافذة، فقال له: كيف ذلك، ها أنا أمارس ما أشاء، أتيت هنا بمشيئتي، وأفعل ما أريد بمشيئتي، شاء الله أم أبى، فقال له الشيخ: إنما تفعل ما تفعله؛ لأن الله شاء لك ذلك، أرأيت أن لو جئت إلى المستشفى لتعالج الناس، ألا يمكن أن تسقط مريضا ويحول المرض بينك وبين ما تريد؟ قال: نعم، قال الشيخ: فتلك هي مشيئة الله لا مشيئتك؟ (1)
ودخل الشيخ معه في حوار عن الإيمان بالله، وأنه خالق الوجود ومدبره، فقال الدكتور: لقد بقيت مدة لا أؤمن بالخالق، ثم توصلت بعد ذلك إلى قناعة أن هذا الكون لا بد له من خالق. ولكني الآن مع إيماني هذا لا أعتقد أن هذا الخالق هو الذي يسير هذا الكون، وإنما تسيره الطبيعة؟ فقال الشيخ: إن الطبيعة ميتة لا عقل لها ولا سمع ولا بصر، هي عمياء صماء أنى لها أن تدبر هذا الكون الواسع الأرجاء، المترامي الأطراف، فهذه ملايين المجرات؟ والمجرة الواحدة تحوي الملايين من الأجرام الفلكية تسير بنظام محكم، ودقة متناهية، فلا تتصادم مطلقا، وتظهر وتختفي في مواقيتها الزمنية الدقيقة، ثم انظر إلى السيارات مثلاً، مع قلتها يقودها بشر لهم عقل وسمع وبصر، ولكنها كثيراً ما تتصادم بينما هذه الأجرام مع كثرتها لا تتصادم أبدا. وكذلك الأمر في الطائرات أيضا مع أنها تسير في فضاء واسع، واستطرد الشيخ في شرح الكثير
(1) فعلاً في يوم من الأيام جاء الدكتور هيمن إلى المستشفى كعادته فإذا به يسقط على الأرض (لقد أصيب بمرض في القلب) وأسعف على الفور وأدخل غرفة العمليات حينها تذكر إنها مشيئة الله هي! النافذة فعلاً. (1/152)
صفحة 153
من معالم الفكر
+ {10}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من الشواهد العلمية في هذا المضمار؛ فبهت الطبيب وقال: من أين لك هذا العلم بالمجرات وغيرها وليست من تخصصك؟ قال له: كتاب الله تعالى يعلمنا ذلك، فالله تعالى يقول: " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ يمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ماءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ والسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (1) "وسرد له العديد من الآيات وبين له أن القرآن الكريم سبق الاكتشافات العلمية بقرون عديدة، فقد قال سبحانه: " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْف يربِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " (2)
(2)
ثم بعد انتهاء فترة العلاج وحان موعد عودة سماحته إلى وطنه؛ ذهب الشيخ لتوديعه؛ فاستقبله الطبيب استقبالاً حسناً، ورحب به ترحيباً كبيراً، فقال له الشيخ: إني جئت إليك لأقدم لك الشكر على جهودك التي بذلتها في العلاج، فإن ديننا الإسلامي يأمرنا بأن نشكر من أحسن إلينا، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله وبعد حوار بينهما قال سماحته: لقد وهبكم الله عقلاً راجحاً، وفطنة كبيرة، ودماثة في الخلق، وعلماً وإطلاعاً، وإني لأعجب كثيراً وأتساءل مع هذا كله، لم لا تؤمن بالملائكة و باليوم
(1) سورة البقرة، الآية 164
(2) سورة فصلت الآية 53
(T) A
(3) رواه الترمذي رقم 1955، والطبراني في المعجم الكبير رقم 2501 وأحمد رقم 7495،
ورقم 11298 (1/153)
صفحة 154
من معالم الفكر التربوي
{154}
عند
الشيخ
أحمد الخليلي
الآخر؟! فضحك الدكتور كثيراً وقال: لقد بقيت سنوات كثيرة حتى آمنت بوجود الله، أتريدني أن أو من بهذه الأمور كلها مرة واحدة؟ لكن الشيخ كان حريصاً جداً على إسلامه، فناقشه في ذلك، فوعده الدكتور بأن يفكر جدياً في الموضوع، وتبادلا العناوين، فلما عاد الشيخ إلى عمان أرسل له كتباً بالإنجليزية في الإعجاز العلمي.
بعدها أرسل الطبيب رسالة إلى الشيخ بأنه سيأتي لزيارته في عمان هو وزوجته، وفعلاً جاء ودخل في حوارات مع الشيخ، ورحل معه سماحته إلى داخلية عمان، وزارا مسفاة العبريين" بولاية " الحمراء" فمر الطبيب بطلبة يدرسون القرآن تحت شجرة، فسأل عنهم، فأخبره الشيخ، فتبرع لهم بمبلغ 700 دولار أمريكي، وللحدث بقية.
الرابعة عنايته الفائقة بتصحيح منهجية التفكير للأمة بأسرها ودعوته إياها إلى إعادة صياغة نفسها، يقول سماحته: "لقد قلنا في أكثر من موقف بأنه يجب أن تصاغ هذه الأمة من حيث الفكر والأخلاق، والاجتماع، على أن تكون هذه
،
الصياغة قرآنية، نابعة من صميم عقيدة القرآن والسنة الثابتة وأسس الدين الحنيف" () وقد طرح في ذلك أطروحته التي يضيق المقام بشرحها وتوضيحها، وإنما أكتفي هنا بالإشارة إلى خطوطها العريضة:
يرى سماحته أن الأمة منيت بغزو تصورات باطلة، تسربت إلى عقيدتها وتصوراتها وسلوكياتها، وربما كان بعض ذلك من الموروثات الجاهلية القديمة،
هناك تصورات باطلة تتعلق بثلاث قضايا مهمة:
(1) إعادة صياغة الأمة، الشيخ الخليلي، ص 13، وص 112 (1/154)
صفحة 155
من معالم الفكر التربوي
1 - الإيمان بالله.
{100} <
عند الشيخ أحمد الخليلي
2 - الإيمان باليوم الآخر.
العلاقة بين الحاكم والمحكوم
ولديها غبش في التصور فيما يتعلق بمنهجية التفكير والنظر والاستدلال، وغبش في التصور فيما يتعلق بالموقف السليم من السلف الصالح الموقف الوسط بين التقليد الأعمى مع تحطيم إطاري الزمان والمكان وبين نبذ هديهم، هناك غبش في التصور فيما يتعلق بالتطلعات المستقبلية لهذه الأمة، وكأنها لم تستطع استيعاب ما استجد على ساحتها منذ انتهاء الخلافة الراشدة،، وما يزال يستجد إلى وقتنا الحاضر، فلا بد من النظر في هذا كله لأجل الرقي والنهوض بهذه الأمة في مواجهة أعدائها، وفي طريق تملكها لزمام
قيادة البشرية.
مكافحة الإرهاب ولكنه الإرهاب ذات المفهوم المنبثق من التصور الإسلامي الناصع، لا ذلك المفهوم الذي تروج له بعض الأنظمة. إن الإرهاب مصطلح تتعدد مفاهيمه بتعدد الأغراض وتنوع المقاصد، إن سماحته يشنّع على أولئك الذين يرتكبون الجرائم ويرهبون الناس من النساء والأطفال والأبرياء باسم الإسلام وتنديده الشديد بهذا الفكر العقيم، يقول سماحته: " أولئك الذين ارتكبوا الماسي العظيمة لم يبالوا بالحرمات؛ فقتلوا الأطفال والنساء وشردوا الآمنين وارتكبوا ما ارتكبوا باسم الإسلام، والإسلام براء (1/155)
صفحة 156
من معالم الفكر التربوي
-> (107)
عناد الشيخ أحمد الخليلي
من كل ذلك، فإن الإسلام دين يدعو إلى الرحمة في أي موقف من المواقف، ولذلك ينهى أتباعه كل النهي وأشده عن العدوان، وحتى عندما يقابل المسلمون العدوان عليهم أن يردوا عدوان المعتدي وحده، وألا يتعدوا إلى غيره؛ فالله تعالى يقول في كتابه: " وَقَاتِلُوا
فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " (1) فكيف يرضى المسلم مع ذلك أن يعامل إخوانه المسلمين من أهل بلدته، وأبناء جلدته هذه المعاملة القاسية؟ ويتنكر المبادئ الإنسانية حتى يكون سبعاً ضارياً لا يبالي بأن يفتك بالأطفال والنساء والشيوخ الكبار وكل ضعيف، إن هذه الحالة حالة شاذة بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام وقيمه، فليت هؤلاء ما انتموا إلى الإسلام قط، وليتهم لم يرضوا بأن يلحقوا بهذا الدين الحنيف النظيف هذه التهم القذرة التي يبرأ الدين منها" (2) وأخبرني الشيخ أسعد المقيمي أن الشيخ لما كان في زيارة الجزائر ألقى محاضرة عن حرمة دماء المسلمين، وبدد الكثير من الشبهات في هذا الموضوع، وكان للمحاضرة أثر كبير هناك (3) وليس هذا الفكر غريباً على الإباضية، الذين حرموا دماء المسلمين قولاً وفعلاً، طول فترات تاريخهم المشرق منذ النشأة.
(1) سورة البقرة، الآية 190
(2) إعادة صياغة الأمة، الشيخ الخليلي، ص
13
، وص
173
(3) لقاء المؤلف بالشيخ أسعد المقيمي (1/156)
صفحة 157
من معالم الفكر التبري.
تفاؤله
{157}
عند الشيخ أحمد الخليلي
حمل هموم الأمة وشرح قضاياها الكبرى، كقضية الأقصى على سبيل التمثيل، فكم وجه وأرشد، واستنهض وتأسف ويكي حسرة وألماً على واقع الأمة المرير، يقول سماحته: "للأقصى مكانة خاصة. الأقصى أمانة المسلمين بأيديهم، والله تعالى سائلهم عنها: - ثم قال - فالمحافظة على هدي النبوات أمر واجب على هذه الأمة، ولذلك كانت المحافظة على المسجد الأقصى أمراً واجباً عليها، و نحن تدعو جميع المسلمين لأن تتضافر جهودهم على
تخليص المسجد الأقصى، ورده إلى حظيرة الإسلام
لقد عقدت مع سماحته بعض الندوات حول هذا الموضوع، وألقى محاضرات عدة في جامعة السلطان قابوس في تحليل قضية فلسطين، وتحليل حرب العراق الأخيرة، فوجه المسلمين إلى الموقف السليم
حيال هذه القضايا في غمار البث الإسلامي المتناقض.
المساهمة بنفسه وحاله في المشاريع الإسلامية في العالم الإسلامي مثال ذلك جمعية الاستقامة بزنجبار، فقد ساهم الشيخ في وضع أساسها، وتعهدها بالرعاية والعناية، وربما رحل إلى زنجبار
حجر
موجها للمسلمين هناك، ومثبتاً لهم من أجل الصمود في وجه
التيارات المعادية للمنهج الإسلامي.
على الرغم من الشدائد والمحن، والمكائد والإحن، التي واجهها الشيخ
وهو يشق طريقه الواضح، لم يعرف التشاؤم إلى نفسه سبيلا، فهو متفائل أبداً (1/157)
صفحة 158
من معالم الفكر التربوي
? {10^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
، مهما اكفهر أفقه، ومهما احلولك الظلام من حوله، فإنه يأمل انبلاج النور، وهذا العنصر مهم غاية الأهمية للداعية في سبيل الله، إذ يدفعه إلى حومة الصراع من أجل العقيدة غير عابيء بما يناوشه في انطلاقه، فإنما عليه العمل وليس عليه إدراك النجاح، ولذا ارتسم هذا المبدأ ارتساما في حياة الشيخ العملية، وساعده ذلك على تحقيق قدر كبير من النجاح والارتياح، يقول سماحته في جواب على سؤال وجهه إليه صحفي كويتي عما تعلمه من الحياة: " إن الشدة بعدها فرج، وإن مع العسر يسراً، كما نص القرآن الكريم. وعندما يضيق بالعبد الأمر وتشتد حلقاته، يأتي الفرج من عنده تعالى، وهذا الأمر جربته كثيراً؛ ولذلك أنا كثير التفاؤل.
? (1)
ويقول في موضع آخر: "أما أنا فلا أتشاءم قط والحمد لله، أنا متفائل، ولا ريب أنني أرى أن يقظة المسلمين اليوم هي خير منها بالأمس، مهما كانت الأحوال سابقاً ... فإن شعار الإسلام يتردد على الأفواه، والكل يعلم أن سبيل
النصر هو الإسلام، وهذه الصحوة الإسلامية إنما هي تباشير صبح مقبل بمشيئة الله، وإنا لننتظر وصوله عما قريب إن شاء الله.".
الشيخ في بيته
(T)
على الرغم من المسؤوليات العظيمة الملقاة على عاتق سماحة الشيخ، وما ينوء به من هموم الأمة، فإنه يعيش في أسرته كأي شخص عادي، يتناسى
(1) لقاء الصحفي الكويتي مع سماحة الشيخ
(2) الطريق إلى الأقصى، ج 2 (1/158)
صفحة 159
من معالم الفكر التربوي
{104}
عند الشيخ أحمد.
الهموم، ويلقيها ساعتها وراء ظهره، فيداعب الأطفال ويلاعبهم ويحدب عليهم، يقول أفلح ابن سماحة الشيخ، " إن والدي يلاعب الأطفال كأنه واحد منهم (1) ولا شك أنهم ينسجمون معه لما يفيض به عليهم من الشفقة
والحنان.
سماحة الشيخ مع طفليه عبد الرحمن ومحمد
لقد رأيت مرة أحد أطفاله الصغار جاء إلى المجلس ركضاً حتى ارتمى في حضن أبيه، فاستقبله الشيخ بصدره، ثم أجلسه وتابع حديثه، ولم ينهره أو يتضجر منه، كما يفعل الكثيرون، فإذا ما شبوا وترعرعوا أولاهم المزيد من العناية والمراقبة لجميع سلوكياتهم، الدقيقة والجليلة، فيكونون بذلك تحت سمعه وبصره، يجمعهم أحيانا عندما يتيسر له الوقت؛ فيحثهم على تقوى الله تعالى، والاستمساك بسيرة السلف الصالح والاقتداء بهم، وأن يظهروا بالمظهر
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أفلح الخليلي (1/159)
صفحة 160
من معالم الفكر التربوي
? {\\,}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الإسلامي في جميع سلوكهم، وعدم الإساءة إلى أحد من الناس، وإذا خرج أحدهم عن النهج السوي، أعاده إليه بالحسنى، يقول أفلح أيضا: إن والدي يراقب سلوكنا، وقد يستدعي) أحدنا أحيانا بمفرده ويناقشه وينصحه، وإذا كان الأمريهم الجميع، جمعنا جميعا وبين لنا ما يجب علينا، وربما وصل الأمر إلى الضرب أحيانا، إذا كان الشأن عظيماً في نظر الشيخ، وأنا قد ضُرِنت قبل سنوات قليلة لأني قد تأخرت عن صلاة الجماعة) وسألت أفلح، ما الإحساس الذي ينتابكم عندما يطلبكم الشيخ أو يطلب أحدكم؟ فقال: لا شك أننا نشعر بالخوف الشديد، ويبدأ كل واحد منا باستعراض ما اقترفت يداه، ليعد لذلك جواباً؟ ومن طبيعة الشيخ أن يعرض عن أخطائنا الصغيرة، وبعدها زلات ندركها بأنفسنا فنتركها، ولكن إذا ارتكب أحدنا جرماً كبيراً في نظره تتحول جميع تلك الصغائر التي غض طرفه عنها إلى كبائر، وبالتالي يسرد لنا جميع أفعالنا صغيرة كانت أو كبيرة، وربما نسينا بعضا منها لكنه. حفظه الله ـ لا ينساها، ويبدو أن الشيخ يتغاضى عن تلك الأخطاء باعتبارها زلات أو هفوات لم يقصدها مرتكبها، والذي يعنيه من الأخطاء تلك التي تصدر عن فكر يحمله صاحبها فهي في ذلك الحال نتائج فكر أفرزها، فلا بد من معالجتها، وبالتالي تصبح الزلات هنا سنداً قوياً لبيان الخلل الفكري. وهذه المراقبة لا تعني أن الشيخ يضيق الخناق على أولاده، بل يترك لهم الخيار في الكثير من الأمور التي فيها احترام شخصياتهم، كتحديد التخصص العلمي،
واختيار الزوج المناسب فدوره هنا التوجيه فقط، فلا إلزام ولا إكراه.
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أفلح الخليلي (1/160)
صفحة 161
من معالم الفكر التربوية {161) عند الشيخ أحمد الخليلي تلك شخصية الشيخ الأبوية الحنونة، لا غطرسة فيها ولا تسلط، بل إنه يأتي متأخرا أحيانا، فيجد الجميع قد تناول طعامه، فيذهب بنفسه إلى المطبخ ويحضر الطعام ويأكل، وكأن شيئا لم يكن (1) لقد طبت. حفظك الله.
شيخاً معلماً، وأباً حنوناً، وعالماً جليلاً.
مناهبه
الشيخ يحمل أحد أطفاله
من المناصب الرسمية التي يشغلها سماحة الشيخ ما يلي:
المفتي العام لسلطنة عمان
- رئيس مجلس إدارة معاهد السلطان قابوس للثقافة الإسلامية - رئيس معهد العلوم الشرعية (معهد القضاء الشرعي سابقا) - عضو لجنة التظلمات) أعلى هيئة قضاء في السلطنة)
(1) لقاء المؤلف بالشيخ أفلح الخليلي (1/161)
صفحة 162
من معالم الفكر التربوي
+ {111}
عند الشيخ أحمد الخليلي
- رئيس لجنة المطبوعات وتحقيق الكتب بوزارة التراث القومي والثقافة - عضو لجنة مطالعة الأهلة بالسلطنة
- عضو مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي - عضو مؤسسة آل البيت (المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية) عضو مجلس أمناء الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد بباكستان.
مؤلفاته
مع كثرة الأعمال لدى سماحة الشيخ، وتزاحم الوراد على منهله، وتعدد المهام الموكولة إلى شخصه، يقتطع بعض الوقت للكتابة، وأحياناً يكون من وقت راحته فكان من حصيلة ذلك الثمار التالية:
الكتب:
(1) جواهر التفسير، أنوار من بيان التنزيل: طبع منه ثلاثة أجزاء حتى نهاية الآية (96) من سورة البقرة، والجزء الرابع مخطوط.
2) الحق الدامغ: في مناقشة بعض مسائل العقيدة: الرؤية ـ الخلود. خلق
القرآن
الفتاوى 3 أجزاء: فتاوى العبادات - النكاح - المعاملات.
(4) شرح غاية المراد: شرح مختصر لمنظومة الشيخ السالمي في العقيدة. ه) وسقط القناع: يرد فيه سماحته على بعض الافتراءات التي صدرت من
الشيخ عبد الرحيم الطحان مبيناً وجه الحق.
6 - عوامل تقوية الوحدة الإسلامية في الشعائر الدينية: مطبوع (1/162)
صفحة 163
من معالم الفكر التربوي {193
عند الشيخ أحمد الخليلي
إعادة صياغة الأمة: يحوى بعض ملامح المنهج الذي تسير عليه الأمة في
حاضرها، مطبوع
(8) زكاة الأنعام: أصله بحث مطول شارك فيه سماحته في ندوة " الهيئة الشرعية العالمية للزكاة " بالكويت عام 1422 هـ / 20001 م
(9) المحكم والمتشابه (تحت الطبع)
(10) الدين والحياة (لم يطبع بعد)
البحوث:
1 - البحوث التي قدمها في المؤتمرات، منها:
الذبائح وأثرها في إنجاز الذكاة: بحث ألقي في الدورة العاشرة لمجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، بتاريخ 23 - 28 صفر 1418 هـ الموافق له 6/ 28 - 19987/ 3 م
الدعوة الإسلامية مهمة ثقافية روحية أو غزو عسكري: بحث ألقي في
مؤتمر الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان - عام 2002 م
الاجتهاد ودوره في التجديد: بحث في المؤتمر الدولي الخامس عشر للوحدة الإسلامية بطهران بتاريخ 14 - 17 من ربيع الأول 1423 هـ الموافق له 27? 30 مايو 2002 م
الحقوق في الإسلام وفق المذهب الإباضي: بحث لندوة الحقوق في الإسلام من ندوات مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، عمان. 20. 21 محرم 1413 هـ / 21 - 22 - يوليو 1992 م (1/163)
صفحة 164
من
{164}
عند
أحمد الخليلي
- مشروعية استثمار أموال الزكاة: بحث في الندوة الثالثة من سلسلة ندوات الحوار بين المسلمين، مؤسسة آل البيت، عمان 5.3 صفر 1415
هـ / 12 - 14 يوليو 1994 م
العبادات والمعاملات وأثرها في المجتمع (قدم لملتقى القرآن الكريم -
الجزائر 1401 هـ 1981 م)
(2) وحي السنة في خطبتي الجمعة
(3) الذكاة الشرعية
5) الغصب: بحث منشور في آخر كتاب فتاوى المعاملات
الأجوبة المطوّلة:
1) بيع الإقالة: مطبوع في كتيب
التدخين: مطبوع في كتيب
كذبة إبريل: مطبوع في كتيب
(4) حكم الإسبال: متداول منتشر على شكل مذكرات.
ه) نبذ التعصب المذهبي: مطبوع في كتيب
(6) المعتدة بين البدعة والسنة: مطبوع في كتيب.
الردود العلمية:
1) الحجج المقنعة في نفي رؤية الله (الرد على الشيخ ابن باز) الرد على المفتري النصراني (1/164)
صفحة 165
من معالم الفكر التربوي
{190) +
عند الشيخ أحمد الخليلي
الرد على أحد المغرضين (سمي باسم منهج سلفنا الصالح) (4) مسألة الكحل في اللغة العربية) تعقيب على رأي أحد الدكاترة) ه جواز نقل الدم (تعقيب على رأي أحد العلماء)
المحاضرات والدروس المطبوعة:
(1 الأساس في أحكام الحيض والنفاس
2) القيادة في الإسلام
الإسلام والمرأة استجابة لنداء الفطرة
) رسالة الإنسان في الحياة
ه حقيقة الإسلام
(1) أثر المعنويات في الإسلام
التحذير من آفات المجتمع
) المرحلة الذهبية
(9) أهمية العلم
10) الحساب والعدل الإلهي (11) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(12) الإسراء والمعراج
13) الإيمان زيادة ونقصاناً
14) انتشار المذهب الإباضي في شمال أفريقية
(15) التغلب على مشكلات الزواج
(16) الإنسان من منظور الإسلام (1/165)
صفحة 166
من معالم الفكر التربوي
{166}
17) تربية الأبناء في الإسلام
18) السخرية بالدين وأهله
19) جرس الإنذار
20) معالم الجيل الواعد
(21) مناهج التشريع الإسلامي والبحث العلمي
(22) الشباب والتحديات المعاصرة
(23) الشباب بين الواقع والطموح 24) لترتقي فتاة الإسلام
25) محطات الصائمين (مجموعة لقاءات)
26) فقه الهبة والهدية
(27) من ضروب الانتحار
(28) إخلاص روح العبادة
(29) العبادة وأثرها في حياة المسلم
(30) المدخل العام إلى دراسة العقيدة الإسلامية
31) جوهر الإيمان
(32) الجملة وتفسيراتها
(33) الإيمان بالله عز وجل
(34) تنزيه الله سبحانه وتعالى
(35) الآيات المتشابهات في القرآن
(36) صفات الله سبحانه وتعالى
عند الشيخ أحمد الخليلي (1/166)
صفحة 167
من معالم الفكر التربوي {167}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(37) تلاعب المعاصرين بفكرة الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية (ندوة)
عن أعلام عمان:
1) العوتبي بين الفقه والأدب
(2) التأصيل الفقهي عند الإمام أبي سعيد الكدمي
3) العلامة أبو نبهان الخروصي ومنهجه الفقهي
4) الخليلي فقيهاً ومحققا
5) البهلاني فقيهاً وأديباً
6) ابن بركة والبحث العلمي
إضاءات في حياة الشيخ أبي مسلم البهلاني
ابن النظر بين الفقه والأدب
9) الشيخ خميس الشقصي ومنهجه الفقهي
10) العلامة الكندي - صاحب بيان الشرع ـ بين الفقه والأدب
11) الأثر العلمي والحضاري في الوجود العماني بزنجبار (1/167)
صفحة 168
[صفحة فارغة] (1/168)
صفحة 169
من معالم الفكر التربوي
الفصل الثاني
مدخل إلى الفكر التربوي
- مفهوم التربية
ضرورة التربية
أهداف التربية
مصادر التربية
عند الشيخ أحمد الخليلي
القرآن الكريم
السنة النبوية
سيرة السلف الصالح
العلم الحديث
- محتوى التربية
- أساليب التربية
القدوة
الصحبة
الموعظة الحسنة
القصة
ضرب الأمثال
المحاضرات والخطب
الحوار
الثواب والعقاب
الإعلام
اعتقاد السؤال
بيئات التربية
الأسرة
المسجد
المدرسة
المرافق العامة (1/169)
صفحة 170
[صفحة فارغة] (1/170)
صفحة 171
من معالم الفكر التربوي
{17} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
مفهوم التربية
إن الشيخ - حفظه الله - حين تشرب كيانه معاني التربية الحقة المستمدة من كتاب الله العظيم وسنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، لم يكن. وهو يربي هذا الجيل - متفرغاً لوضع كتاب خاص بالتربية؛ ولذا نجد مفهوم التربية متناثراً في ثنايا توجيهاته المقروءة والمسموعة، بيد أن هذه المفاهيم تعكس صفاء الفطرة ونقاء الفكر ودقة الفهم، وعمق الإدراك، كما يتبين من حديثه في النصوص التالية:
(1) علينا أن ندرك معنى التربية التربية: هي بمعنى الإصلاح، وبمعنى التنمية، ويراد بها تنمية الفضائل وتربية النشء على طاعة الله، وعلى الأخلاق الفاضلة، وعلى تجنب سفاسف الأمور، والاستعلاء عليها، والحرص
على الترقي في مدارج الكمال إلى ما فيه مرضاة الله سبحانه وتعالى، من الاستمساك بخير الدنيا والآخرة " (1).
2) " التربية لها مفهوم عميق، فإن التربية ليست هي مجرد التعليم، وإنما التربية هي الإصلاح والتنمية، والله تبارك وتعالى يربي عباده تربيتين، تربية تكوينية، بخلق أجسادهم وتهيئة ما يصلح هذه الأجساد من الغذاء وغيره، عباده أيضاً ويربي تربية تشريعية وهي التي تسمو بروح الإنسان حتى
(1) التعليم الأساسي ومصيرنا، محاضرة مفرغة، صا. (1/171)
صفحة 172
من معالم الفكر التربوي
+ {\ VY}
{172}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ترتفع إلى الأوج الأعلى، وتعيش هذه الروح مع الملأ الأعلى، بإدمان ذكره، واستشعار خشيته، وحب الله ورجائه (1).
وتربية الله سبحانه تغمر كل كائن دقيقاً كان أو جليلاً، وما من شيء إلا وهو ناطق بلسان حاله معلناً افتقاره إلى الله ذي الجلال" (2).
تحليل المفهوم:
يوجز الشيخ تعريف التربية في مصطلح "التنمية" ثم يبين ما ينطوي عليه هذا المفهوم، ويمكن إيضاح ذلك من خلال النصوص السابقة بتحليل المفهوم
إلى عناصره التي يمكن إيجازها في نقاط أربع هي:
1 - المحافظة على فطرة الناشئ فمصطلح التنمية يشمل المحافظة على الشيء، إذ لا يمكن تنمية شيء دون المحافظة عليه والعناية به، وقد ورد مصطلح العناية أيضاً في مواضع عديدة منها قول سماحته في محاضرة عن حقوق
الأولاد في الإسلام العناية بتربيتهم إنما هي عناية بمستقبل الأمة (3). 2 - تنمية الاستعدادات الفطرية في الناشئ، وتقوية مواهبه وتأصيلها، كما ورد في النص الأول "ويراد بها تنمية الفضائل".
(1) تربية الأولاد في الإسلام، شريط 106 /أ بمكتبة معهد العلوم الشرعية، وانظر أيضاً جواهر
التفسير. الشيخ أحمد الخليلي، ج 1، ص 222.
(2) جواهر التفسير، ج 1، ص 220.
91
(3) حقوق الأولاد في الإسلام، محاضرة بجامعة السلطان قابوس، برقم 91/ج بمكتبة معهد
العلوم الشرعية. (1/172)
صفحة 173
من معالم الفكر التربوي
{17}
عند الشيخ أحمد الخليلي
- توجيه الفطرة في الناشئ، وتوجيه جميع مواهبه واستعداداته نحو صلاحها، لتخلو من شتى الشوائب وصنوف القوادح، وتنمو نقية صافية وهو ما يعنيه مصطلح الإصلاح بحيث يقوم بتنمية الفضائل، واجتناب السفاسف والرذائل، ويستعلي عليها، يقول سماحته مشيراً إلى التوجيه في موضع آخر: "توجيه الناشئة على الحق، وتأصيل العقيدة في نفوسها، وتلازم هذه العناصر سمة تربوية مهمة من سمات التربية ولا تُعَدُّ من عناصرها، الا سمة وهي التدرج في العملية التربوية، وهو ما يفهم من قول الشيخ: الترقي في مدارج الكمال، وقوله في معرض حديثه عن تربية النشئ: "عندما تنمو مداركه يلقن أركان الإسلام الخمسة ثم أركان الإيمان الستة، ثم يعود شيئاً فشيئاً على المثل (3) وسيأتي الحديث عنه. بمشيئة الله -
في موضع الدعوة بالحكمة.
استنتاجات:
التالية:
يمكن الوصول بعد قراءة النصوص الثلاثة السابقة وتحليلها إلى النتائج
(1) طريق الإصلاح، محاضرة ألقيت بجامعة السلطان قابوس، رقم 104 ج بمكتبة معهد العلوم
الشرعية.
(2) جعل الباني في مدخل إلى التربية سمة التدرج عنصراً، ويرى الشيخ عبد الله الدهماني
أنها سمة، إذ العنصر يكون أحد المكونات، وقد أخذت برأيه.
(3) تربية الأولاد محاضرة للشيخ برقم 1/ 106 بمكتبة معهد العلوم الشرعية. (1/173)
صفحة 174
من معالم الفكر التربوي
{174}
+
ند الشيخ أحمد الخليلي
1 - وضع تعريف اصطلاحي عام للتربية هو أنّ "التربية هي العناية بالجوانب المتعددة للناشئ، وتنميتها شيئاً فشيئاً إلى أن يرتفع إلى الأوج الأعلى محققاً العبودية المطلقة الله تعالى".
-2 - إن المربي الحق هو الله سبحانه وتعالى، فهو خالق النفوس، والعالم بخباياها وما يصلحها، وهو مقسم المواهب " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" وهو الذي أرسل الرسل، وأنزل الكتب التربية الخلق تشريعياً بعد تربيتهم
-0
تكوينياً.
- إن حقل العمل التربوي هو الإنسان خليفة الله في أرضه، المكلف بحمل الأمانة التي ما طاقت السماوات والأرض والجبال أن تحملها وأشفقن منها، بهدف إعداده التام للقيام بهذه المسؤولية، يقول سماحته: "وأما
(1)
التربية التشريعية؛ فالإنسان هو المستهدف بها، وإن عم أثرها غيره.
- إن جهد المربي في تربيته يأتي تابعاً لشرع الله تعالى، الذي هو مصدر يستمد منه مبادءه، وقد يضبط به وسائله التربوية، يقول سماحته: "علينا أن نعود
إلى كتاب ربنا، ونحرص أن نربي أولادنا عليه ... وأن نربيهم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدى السلف الصالح).
(2)
القيم والأخلاق لا تورث كما يورث لون البشرة أو العينين مثلاً، لذا كانت التربية أساس وجود الإنسان وبدونها تنهدم مقومات حياته.
1) جواهر التفسير، 221/ 1.
(2) حقيقة الإسلام - الشيخ الخليلي، ص 62. (1/174)
صفحة 175
من معالم الفكر التربوي
? {\ VO}
عند الشيخ أحمد الخليلي
6 - التفريق بين التربية والتعليم، حين يقول سماحته في النص الثالث: "فإن التربية ليست هي مجرد التعليم، وإنما هي الإصلاح والتنمية" أما التعليم فهو عنده "تحويل الغير من الجهل بالشيء إلى المعرفة به، ويكون في آن واحد،
(1) ".
وفي آنات متعددة"، وبين مصطلحي "التربية" و"التعليم" نقاط تلاق وافتراق، فلكل منهما قواعده وأصوله التي تتحقق بها أهدافه، ولا أود
الخوض في مسائل الفرق بينهما بما يخرج بنا عن إطار البحث، فلذلك مصادره في كتب التربية مكتفياً بالإشارة هنا إلى أن التعليم في حقيقته إحدى أهم الوسائل التربوية، ولذا فرّق سماحته بين العملية التربوية في ذاتها وبين وسائلها، فيشير في جواهر التفسير إلى أن الإنسان "متكون من روح وجسم، ومنطو على عقل وقلب وغرائز وضمير، ولهذه كلها مطالب شتى، والتنسيق بين متطلباتها يدعو إلى العلم والمعرفة، حتى لا يؤدي الأمر إلى ضرر نفسي واجتماعي
(2)
فالتربية بذلك تهتم بتنمية الجسم والعقل والنفس بكل ما تنطوي عليه من ميول وغرائز، وتضبط ما يصدر عن النفس من سلوك، أما التعليم فهو منحصر في الناحية العقلية من حيث الاكتساب، وهي الأداة التي تتحكم في جانب كبير من السلوك كما يشير إلى ذلك سماحته، وإهمال التعليم مؤد إلى وقوع نشاز كبير بين جوانب النفس الإنسانية، ولذا يشدّد سماحته على جانب الرسوخ في العلم من ناحية، وعلى ضرورة التطبيق لما
(1) جواهر التفسير، 45/ 3.
(2) جواهر التفسير، 44/ 3، 3. (1/175)
صفحة 176
من معالم الفكر التربوي
?
{176}
عند
الشيخ أحمد الخلي
يعلمه الإنسان من ناحية أخرى، كما سيأتي بيان ذلك مفصلاً - بمشيئة الله -
في فصل التربية العقلية. (1/176)
صفحة 177
من معالم الفكر التربوي ہے {177} عند الشيخ أحمد الخليلي
? {\ YY}
شر السرية التربية
لقد اقتضت مشيئة الله وحكمته أن يستخلف الإنسان في الأرض؛ ليسير على منهج الله الذي اختطه له غير أن هذا الإنسان قد يتعامى عن قصد السبيل لما يتجاذبه من طبائع النفس، ويتقاضاه من مطالب الحياة، فهو واقع بين العواطف الملتهبة والغرائز الجارفة، والمطالب المختلفة، والدوافع المتنوعة، فلا
(1)
عجب إذا أنساه ذلك ما يجب عليه تجاه خالقه وتجاه الخلق، فيرسل الله رسله
عليهم السلام لتقويم الاعوجاج في مسيرة البشر، بما يتناسب مع أولئك القوم وعصرهم الذي يعيشون فيه، يقول سماحته: "إن شرائع الله ما أريد بها إلا
تربية عباده على الخير، وقد تكون التربية في عصر سلبية بما كانت به إيجابية في غيره؛ لتحوّل الأحوال، واختلاف الظروف (3).
(Y)"
ينبه الشيخ - حفظه الله ـ هنا إلى نقطة في منتهى الأهمية لكل مرب في كل عصر من العصور، وهي الانتباه إلى المحيط التربوي، الانتباه إلى إصلاح العيوب المتراكمة عبر التاريخ، إلى الوعي العميق بالظروف والأحوال، فإنّ ما هو صالح في بعض العصور قد لا يكون صالحاً في بعضها الآخر، ومن جهة أخرى يشير سماحته إلى أن بعض الأجيال قد تضع لمشكلاتها حلولاً لا تكون ناجعة في استئصال الداء، واقتلاع جذوره، أو ناجعة في ذلك العصر فحسب، فعلى الجيل المتأخر أن يعيد النظر في تلك الحلول، ويدرس تلك المشكلات؛ حتى
(1) جواهر التفسير 229/ 1 - 230.
(2) جواهر التفسير 4/ 129 مخطوط بحوزة الباحث صورة منه. (1/177)
صفحة 178
من معالم الفكر التربوي
?> {\ VA} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
تتوقف عن دورانها عبر الأجيال بوضع حلول أخرى في إطاريها الزماني
والمكاني. أهداف التربية:
الهدف هو ما تسعى العملية التربوية إلى بلوغه في الناشئة بدنياً أو عقلياً أو علمياً أو خلقياً ... أو غير ذلك. وتطرح الكثير من النظم التربوية قديماً وحديثاً أهدافها التي تسعى إلى تحقيقها في أجيالها. فالتربية الصينية مثلاً تسعى إلى نقل الأنماط السلوكية من جيل إلى آخر، بينما تهدف التربية الرومانية إلى تكيف الفرد مع محيطه، وتشير التربية العربية الحديثة إلى هدف إعداد المواطن الصالح" ويبدو أنها استمدت هذا الهدف من نظرية "جون ديوي" في التربية حين وضع التربية في إطار وظيفتها الاجتماعية ولا أدل على ذلك من تلك الأهداف التي صاغها ميثاق الوحدة الثقافية العربية التي وصى بها وزراء التربية والتعليم العرب في مؤتمرهم المنعقد في العراق، ثم أقرته جامعة الدول العربية (؟). كما أن هناك أهدافاً أخرى عامة أو تفصيلية كتنمية الذات أو الاهتمام بالفروق الفردية وغيرها وكلها أهداف لا تبلغ المدى، فماذا يرى سماحة الشيخ في أهداف التربية؟ يقول: "والله سبحانه وتعالى بعث عبده ورسوله محمداً ليقيم حياة إسلامية على أنقاض الحياة الجاهلية، حياة إسلامية في التصور إسلامية في
(1) التربية الإسلامية،. عبد الوهاب طويلة، ط 1، 1418 ه، /1997 م ص 25.
(2) انظر أصول الفكر التربوي في الإسلام، عباس محجوب، ط 1، 51408، /1987، ص (1/178)
صفحة 179
من
معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
العبادة إسلامية في المعاملة إسلامية في الأخلاق والسلوك، إسلامية في كل ما له صلة بالفرد أو المجتمع أو الأمة" (1).
ويقول أيضاً ولكن الهدف الأساسي بهذه الرسالة إصلاح النوع الإنساني، لأنه الخليفة في الأرض والقطب الذي تدور عليه رحى هذا الكون، وإصلاح الإنسان يكون نفسياً واجتماعياً". ويقول في موضع آخر: إن اتباع صراط الله المستقيم إنما يكون بتحويل الإنسان نفسه إلى أن يكون متحركاً أي حركة من أجل إرضاء الله سبحانه وتعالى، بحيث يكون المحيى لله ويكون الممات الله، وتكون العبادات الله، وتكون الأمور الضرورية التي يمارسها الإنسان في حياته يمارسها أيضاً الله سبحانه وتعالى،. فيدور بذلك في فلك
طاعة الله (3).
يبدو واضحاً من هذه النصوص الثلاثة المتقدمة أن هدف التربية العام في
تصور الشيخ الخليلي، أن تكون الحياة في جميع جوانبها حياة إسلامية، مقيدة بأوامر الشريعة، فيدور الإنسان في فلك طاعة الله، وهنا يبدو مدى التوافق و الانسجام بين المنطلق العقدي وهدف التربية، بين مفهوم الإيمان الذي هو قول وعمل وتطبيقاته السلوكية؛ لتكون حياة المسلم استقامة تامة في جميع حركاته وسكناته في نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته، وهذا من الأسس الراسخة في المذهب الإباضي، ويمكن صياغة ذلك في هدف التربية الإسلامية العام وهو تحقيق العبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى ويزيد ذلك تأكيداً ووضوحاً قوله:
(1) الجملة وتفسيراتها، الشيخ أحمد الخليلي، ص 3.
(2) جواهر التفسير، 2/ 1.
(3) منهج إصلاح المجتمع، 104 / ج بمكتبة معهد العلوم الشرعية (1/179)
صفحة 180
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
فللبيت، دوره وللمدرسة دورها وللمسجد، دوره وللشارع دوره، فيؤدي الكل وظيفته من أجل تحقيق هذه الغاية وهي استقامة النشء على تقوى الله وعلى العمل الصالح (1). وهذا هو هدف التربية الإسلامية الحقة، وتجدر الإشارة في ثنايا الحديث عن هذا الهدف إلى النقاط التالية:
(1) =
1 - أنه هدف عام يشمل الناس جميعاً، فالإنسان مستعبد الله، وعليه الخضوع المطلق لأمر الله، والانقياد التام لحكمه، وبالتالي تبدو على المسلم الصبغة العالمية لا الصبغة القومية أو الإقليمية الضيقة، إنه يعامل الناس جميعاً في شتى مذاهبهم الدينية والفكرية بالخلق الذي تمليه عليه هذه العقيدة السمحة، وهي تسعى حثيثاً في تحقيق هذا الهدف النبيل في الإنسان، بصفته إنساناً قبل كل شيء، لا مواطناً يخدم مصلحة وطنه الإقليمي، وإن تعارضت مع مصالح الأوطان الأخرى.
2 - إنه يتفق مع طبيعة خلق الكائن البشري، وينسجم مع فطرته "فطرة الله التي فطر الناس عليها بل ينسجم مع حركة الكون بأسره، وهو يسبح بحمد الله، فيتم التوافق بين الإنسان خليفة الله في أرضه، وبين ما سخر له من خلق السموات والأرض، وإذا لم تحقق العبودية لله، كان النشاز والاضطراب والاختلاف
3 - إنه يشمل جميع جوانب الإنسان في الحياة فردية واجتماعية، قولية وفعلية، روحية ومادية، بشكل متوازن بحيث لا يطغى جانب على آخر يقول سماحته: "والإصلاح النفسي هو التنظيم الدقيق بين جوانب الإنسان
(1) التحذير من آفات المجتمع، الشيخ أحمد الخليلي، ص 58. (1/180)
صفحة 181
من معالم الفكر التربوي
{YAY}
<-
عند الشيخ أحمد الخليلي
المختلفة، بحيث لا يطغى جانب على آخر، فلا توفّر مطالب الجسم على حساب الروح، ولا تلبى مطالب الغريزة على حساب الضمير والعقل، ولا عكس ذلك، ولكن تراعى مطالب الروح والجسد معاً، وأشواق القلب وتطلعات العقل جميعاً، حتى لا يحدث أي نشاز وتضاد بين جانب وآخر).
4 - إنه يتصف بالمرونة والقدرة الكاملة على مواكبة معطيات العصور على اختلافها، ومسايرة تطوراتها وما تفرزه من مشكلات.
ه - إنه متفق مع الحق الذي ينشده كل أحد قولاً وعملاً، مولّد للسلوك الحميد، والتعامل الحسن بين جميع الأطراف المشكلة للوجود.
مصادر التربية
لا بد أن تكون للتربية مصادرها التي تستقي منها مبادءها، ويرى سماحته أن مصادر التربية ثلاثة: القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهدى السلف الصالح، يقول: "علينا أن نعود إلى كتاب ربنا، ونحرص على أن نربي أولادنا عليه، تلاوة ودرساً وحفظاً وفهماً وعملاً وتطبيقاً لكل ما جاء فيه، وأن نربيهم على سنة رسول الله له وهدى السلف الصالح، وبهذا يمكننا أن نستعيد شرفنا ونستعيد كرامتنا وأن نستعيد مكانتنا). ويمكن الحديث عن هذه المصادر
منفصلة على النحو التالي:
(1) جواهر التفسير 2/ 1.
(2) حقيقة الإسلام، الشيخ أحمد الخليلي، ص 62. (1/181)
صفحة 182
من معالم الفكر التربوي
{\ AY}
عند الشيخ أحمد الخليلي
1 - القرآن الكريم:
القرآن الكريم هو المصدر الأول الموجه لحياة المسلم في شتى جوانبها، ولا يصح إيمان أحد يُنكر حرفاً واحداً من القرآن، فضلاً عن نبذ أحكامه، وإهمال توجيهاته والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف يصبح القرآن مصدراً
تربوياً في حياة المسلم؟ تتمثل الإجابة على ذلك في النقاط التالية:
أولاً: الإيمان به والمراد بذلك تشخيصه بالإيمان وتمييزه عن غيره، وإتباع ما جاء به، بحيث يصبح مسيطراً على شعاب النفس وموجهاً للجوارح والأركان. وهذه هي صفة المؤمنين بآيات الله كما وصفهم بها (1). وهذا الإيمان ليس دعوى يدعيها الإنسان، أو كلمات تلقلقها اللسان، أو شعارات ترفع في كل آن بكل مكان، بل تسليم لما في القرآن وانقياد تام بالجوارح والفكر والمشاعر حتى يتحول القرآن إلى واقع محسوس يتجلى للناس جميعاً في حياة المؤمنين العامة والخاصة (2). ثانياً: الإكثار من تلاوته فإن تلاوة القرآن تصقل الروح، وتهذب الوجدان وتربّي، الضمير وتنير الفكر، وتقوم السلوك فإن كل كلمة فيه تشع منها الهداية، وبإمكان تاليه أن يستفيد بكل ما يتلوه في تهذيب نفسه وتربية ضميره (3). ولا ريب أن المسلم متعبد
(1) جواهر التفسير 202/ 2.
(2) السابق 204/ 2.
(3) السابق 227/ 1. (1/182)
صفحة 183
من معالم الفكر التربوي
+ {1^""}
عند الشيخ أحمد
بتلاوته، مأجور بكل حرف منه عشر حسنات، غير أن التلاوة التي يدعو إليها سماحته ليست التلاوة الشكلية أو الترنم بالأصوات، والتفنن في مخارج الحروف، أو حساب عدد الأجزاء المتلوّة في كل يوم، خصوصاً في شهر رمضان المبارك، دون أن يصاحب التلاوة التفكر في المعاني، ويرافقها التأمل في الدلالات، فتسكن النفس لها وتخشع الروح، وتتردد أصداء القرآن في جنبات الضمير وتمازج تلافيف النفس، فتقشعر لوقعه الجلود، وتلين القلوب، ذلك ما عناه سماحته بقوله: "يستفيد بكل ما يتلوه تهذيب نفسه وتربية ضميره وبدون ذلك لا يتحقق هدف
التلاوة. ويقول في جواهر التفسير في تفسير قول الله تعالى " وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ: " وفي هذا التوبيخ تنبيه على أن التلاوة
(1) "
اللسانية إن لم يصحبها التأثر النفسي الذي يصدر عنه العمل بموجب ما يتلى ليست من ورائها جدوى، إذ كل ما أنزل الله من كتاب إنما أنزله ليكون هدى للناس، يقتادهم إلى صراط الله الحميد، فقراء هذه الأمة الذين يقتصرون في تلاوتهم على تحسين الأنغام، وتجويد الحروف، مع نسيانهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وإرشاداته، مندرجون فيمن يصدق عليهم هذا التقريع
(2).
والإنكار)
(1) جواهر التفسير 277/ 3
(2) سورة البقرة، الآية 44 (1/183)
صفحة 184
من معالم الفكر التربوي
{184}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ثالثاً: دراسة القرآن الكريم دراسة خاصة، تخرج كنوزه التي لا تنتهي، يقول سماحته لحرص على أن نربي أولادنا عليه، تلاوة، ودرساً وحفظاً وفهماً وعملاً (1). وهذه الكلمات المختارة بعناية
تبين النهج الأمثل في التعامل مع الكتاب الكريم، فالطفل أول ما يبدأ تعليمه يتعلم تلاوة القرآن ثم دراسته دراسة مبسطة لفهم معانيه التي تعينه على الحفظ والاستظهار، ثم دراسته حسب المرحلة التي هو فيها؛ ليصل إلى الفهم العميق لمعانيه، ثم ينقلب إلى التطبيق الواعي لأحكام القرآن والعمل المبني على الدراسة والفهم والاستيعاب على أن سماحته لا يفصل بين هذه المراحل، فلا يعني ذلك بحال أنه إذا انتقل إلى تصيير القرآن حياً في حياته الفردية والاجتماعية ترك التلاوة والدرس مثلاً، بل يتلو ويدرس ويحفظ ويطبق، فالقرآن كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم " هو حبل الله المتين و، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه
(Y)"
العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه .. "، فإذا نظرنا في سيرة السلف وجدنا أن "السلف الصالح كما كانوا يحرصون على تلاوته كما أنزل، كانوا يحرصون على تعلم ما في القرآن من علم وتطبيق ذلك في جميع أعمالهم، كما روى ابن
(1) حقيقة الإسلام، الشيخ الخليلي، ص 62
(2) رواه الترمذي، رقم 2906، والدارمي رقم 31
2331 (1/184)
صفحة 185
من معالم الفكر التربوي
+ {10} <
عند الشيخ أحمد
مسعود – رضي الله عنه - أنهم كانوا يتعلمون عشر آيات من القرآن لا يتجاوزونهن إلى غيرهن إلا بعد أن يتقنوا ما فيهن من
العلم والعمل، كانوا يتعلمون العمل كما يتعلمون العلم. وكم يسر الشيخ حين يرى اهتمام الناشئة بالقرآن الكريم حفظا ودرسا، ويتمنى أن يعم ذلك الخير البلاد الإسلامية، فعندما زار وادي ميزاب بالجزائز عام 1409 هـ الموافق له 1988 م ورأى العناية الكبيرة بالقرآن الكريم حفظا ودرسا، سجل ذلك في تقرير أعده سماحته عن هذه الزيارة قال فيه: " وكم كنا نتمنى أن نلمس هذا الاهتمام بكتاب الله في بلدنا عمان، لكونها هي أم المذهب وراعيه، فإنك لا تكاد تجد من يحفظ كتاب الله كاملاً إلا قليلاً ... فنأمل أن يأتي اليوم الذي تنعكس فيه الآية فلا تكاد تجد
من لا يحفظ كتاب الله
(T) =
رابعاً: التربية السلوكية الفردية على المسلم أن يعمل بما في القرآن في نفسه خاصة أولاً، ثم في غيره، فدعوات القرآن في الأخلاق والسلوك كثيرة جداً، ترتقي بالمسلم إلى الأوج الشامخ من مدارج الفكر والسلوك وسلامة العقيدة كنبذ الحسد، والأحقاد والغيبة والنميمة ويدعو إلى الدفع بالتي هي أحسن، وحب الخير للآخرين، إلى ما وراء ذلك، والقرآن الكريم إنما يؤثر تأثيره
(1) الإيمان مفهومه وتطبيقاته. الشيخ أحمد الخليلي 66 / ج بمكتبة معهد العلوم الشرعية (2) من تقرير لسماحته عن الزيارة محفوظ بإرشيف مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف العمانية (1/185)
صفحة 186
من معالم الفكر التربوي
{1^9}
4
عند الشيخ أحمد الخليلي
الفاعل في حياة الفرد حين يُقبل عليه المسلم مخلصاً راغباً، وينقل سماحته في جواهر التفسير ما فعل القرآن الكريم في العرب،
ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية:
1 - حررهم من الأوهام.
-2 - سلخهم من عاداتهم السيئة.
- أرهف خسهم ورقق طباعهم.
بعث في نفوسهم الهمم وأوقد في قلوبهم العزائم.
- صيرهم بعد بداوتهم هداة للبشرية وقادة للأمم. 6 - حرروا به الشعوب المستضعفة المقهورة المحكومة بنير الجبارين).
خامساً: التربية الاجتماعية بحيث يسيطر القرآن العظيم على جميع مناحي الحياة المختلفة لتصبح إسلامية قلبا وقالباً، يقول سماحته: "فما أحوج المسلمين اليوم إلى عودة حميدة إلى القرآن من جديد وبناء هيكل حياتهم على أسس صلبة متينة من تعاليمه، سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو العبادات أو الأخلاق أو المعاملات أو السياسة أو الاقتصاد أو الأدب أو الثقافة أو
(2)
الاجتماع (2).
(1) جواهر التفسير 9/ 1.
(2) جواهر التفسير 11/ 1. (1/186)
صفحة 187
من معالم الفكر التربوي
187 هـ عند الشيخ أحمد الخليلي
بذلك يصبح القرآن مصدراً تربوياً للأجيال، وبذلك تتحرر الشعوب المستضعفة بفضل قيادة المسلمين، وإذ يعجب الشيخ - حفظه الله ـ من شيء فإنه يعجب "لأولئك الذين يزعمون أنهم من أمة القرآن، وهم يرتعون في المعاصي، غير مبالين بخلق ولا فضيلة ولا شرف، ويتساءل متعجباً "ما قيمة إيمان هؤلاء بالقرآن (1). ويعظم العجب أن ترى أحدهم يعمل ببعض أحكام القرآن، وينبذ بعضها وراء ظهره تحت شعارات جوفاء، ونداء القرآن يصح مسامعه أَفَتُؤْمِنُونَ يَبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ".
"
ا - السيدات
تعد السنة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم المصدر الثاني لاستقاء الأحكام الشرعية التي تحكم حياة المسلم الفردية والاجتماعية، يقول سماحته: " وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الحجة بعد كتاب
الله (2)
ويقول: "أما السنّة النبوية فهي وحي، خفي، لأن ألفاظها لم توح إليه كما أوحيت ألفاظ القرآن الكريم، ولكن أوحيت معاني هذه السنة، والكل
من عند الله سبحانه
(3)
(1) جواهر التفسير 202/ 2.
(2) وسقط القناع، الشيخ أحمد الخليلي،
(3) الجملة وتفسيراتها، ص 7.
، ص
110 (1/187)
صفحة 188
من معالم الفكر التربوي
{188}
عند الشيخ أحمد الخليلي
تشريعياً
وذلك كما هو واضح في سنته القولية والحكم السابق بوصفها مصدراً
يسري على سنته الله الفعلية والتقريرية، فرسول الله عليه الصلاة
(1)
والسلام يقول: " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه. يعني بذلك سنته المطهرة، التي فيها إيضاح ما أبهم من الكتاب وتفصيل ما أجمل، ومن ثم كانت أقواله وأفعاله وتقريراته لتشريعات لأمته، تهدي للتي هي أقوم، وتكشف عما توارى عن الأفهام من معاني القرآن، ومن هنا نجد في آيات الكتاب التأكيد الذي يلي التأكيد على اتباعه الله في أمره ونهيه، والتأسي بأفعاله والتخلق بصفاته، يقول تعالى: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُدُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فانتهوا
(T) (Y)"
والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مع إتيانها مفصلة لمجملات القرآن، وموضحة المبهمه، تأتي أيضاً " بأحكام زائدة عن الأحكام التي في القرآن الكريم، وتأتي أيضاً بأحكام تنسخ أحكام القرآن الكريم، ولكنها - في الواقع - هي امتداد للقرآن لا تنافي القرآن الكريم"
(E)"
وإذ احتلت السنة المطهرة هذه المكانة السامقة في التشريع كانت السنة هدفاً للوضاعين من أعداء الإسلام وأصحاب الأهواء والأغراض المتنوعة، وبسبب طول العهد، كان من المحتم على المسلم الواعي أن يدرك ذلك، فيضع منهجية سليمة في معرفة درجات اليقين بمدى صحة ما نسب إلى النبي عليه
(1) رواه أبو داؤد رقم 4046
(2) سورة الحشر، الآية 7
(3) جواهر التفسير 6/ 1.
(4) ندوة الفقه الإسلامي، ص 250. (1/188)
صفحة 189
من معالم الفكر التربو
{1^9}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أفضل الصلاة والسلام، فالله سبحانه وتعالى لم يكتب للسنة الحفظ الذي كتبه للقرآن الكريم، لذلك جاءت طرق النقل للسنة متفاوتة، يقول سماحته: " والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام منها ما روي متواتراً، فحكمه حكم القرآن من حيث عدم جواز الشك في ثبوت سنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأن المتواتر قطعي لفظه؛ فإن كان نصاً فهو كالنص في القرآن الكريم، لا يجوز بحال من الأحوال لأي واحد أن يجتهد في ما دلت عليه السنة المتواترة دلالة نصية. وأما ما كان من هذه الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم عاماً فهو ظني الدلالة ولو كان قطعي المتن ... وإذا جئنا إلى الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم بطريق الآحاد، فلا يبعد أن تكون حجتها ظنية وإن كانت نصاً في مدلولها، فقد يتعارض الأحادي مع غيره في الظاهر، وقد يتعارض مع عموم القرآن؛ فيختلف العلماء في الترجيح. على أن ثبوت الأحادي نفسه ظني، فإن ثبت إسناد الحديث لم يردّ لأجل اجتهاد أحد من الناس، إذا كان ذلك الاجتهاد مخالفاً للحديث أو الآية القرآنية (1).
(1) "
تلك لمحة مهمة حول منهجية التعامل مع السنة في طريق اعتمادها مصدراً في التربية والتشريع لا أن نعصب أعيننا عن الحقيقة التي هي كالشمس في رابعة النهار، بدعاوى أوهى من خيوط العنكبوت، ونحن نعلم يقيناً ما نال السنّة من التحريف والوضع، ثم ما تلا ذلك من التأويلات الباطلة، ثم نجد بعد ذلك من يرفع شعار التسليم المطلق لكل ما روي عنه دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن صحة ما نسب إليه عليه أفضل الصلاة
(1) مناهج التشريع الإسلامي، ص
23، 24 (1/189)
صفحة 190
من
معالم الفكر التربوي
{19} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
والسلام، ولعمري إنها لمفارقة واضحة وتناقض بين، وتخبط كبير، ربما نال من العقيدة الموجهة للسلوك الذي يحاسب عليه العبد كما يحاسب على عقيدته. إذا وصل المسلم إلى درجة صحة الحديث كانت السنة بجانب القرآن الكريم هما الميزان العدل الذي يفرق به بين الحق والباطل، والمحك الذي يستوضح به الهدى والضلال والغي والرشد والاستقامة والانحراف). وكان واجباً على المسلم أن يقتدي بالنبي في جميع شؤون حياته، ولا يتفلسف أو يتلكا في قبول ما صح عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن "من لم يتأس بالرسول فليس هو ممن يرجو الله واليوم الآخر "
(2)
لقد كان الشيخ - حفظه الله - وما يزال يتصدى بصلابة لا تعرف الوهن، لكل من حاول المساس بالسنة المطهرة في أي شكل من أشكال الدعاوى الفارغة، والتحايلات الفاضحة، والتأويلات الجاهلة، فمن ذلك تصديه
لدعوى رشاد خليفة في إحدى المؤتمرات الإسلامية، الذي ادعى أن أوامره مقيدة بعصره، منتهية بانتهاء زمانه، أو عبد الرحيم الطحان الذي نص صراحة في إحدى محاضراته على أنه لا خير في قرآن بلا سنة ولا خير في سنة بلا فهم لسلفه الكرام، فحكم بنفي الخيرية عن القرآن والسنة إلا بشرط، فرد عليه سماحته في كتابه وسقط القناع" وما يزال سماحته إذا ألقى محاضرة في أي بقعة، يصدر توجيهاته في معرض ذكر السنة الطاهرة بأن يربي المربون أبناءهم على كتاب الله وسنة رسوله، وذلك أوسع من أن يحصر أو يمثل له، لأجل
(1) وسقط القناع، ص
?
(2) الإيمان مفهومه وتطبيقاته 66 / ح. بمكتبة معهد العلوم الشرعية (1/190)
صفحة 191
من معالم الفكر التربوي
{19}
عند الشيخ أحمد الخليلي
العلماء
أن ينشأ هذا الجيل على محبته عليه أفضل الصلاة والسلام، وأذكر أنه ذكر لنا قصة رجل أعجمي آسيوي كان سكيراً مغروراً بنفسه، يرى جميع والفلاسفة والمفكرين تلامذة صغاراً على مائدة علمه، ولكنه كان يجل النبي صلى الله عليه وسلم إجلالاً عظيماً، وفي مجلس شربه في إحدى الأيام، أراد منه أحد السفهاء أن ينال من شخص النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فأخذ يعدد له الفلاسفة، ما رأيك في أفلاطون؟ فقال هو أحد تلاميذي، ما رأيك في سقراط؟ قال: هو لا يرقى أن يفهم ما أقول، ثم قال له ما رأيك في محمد؟ فهب الرجل واقفاً، وضرب بزجاجة الخمر في الأكواب وقلب الطاولة، وصرخ فيهم أيها
الأنذال، أبلغت بكم السفاهة أن تتطاولوا للنيل من شخصية النبي محمد. وإذا كان هذا الحال لرجل عربيد سكير، فماذا يجب أن تكون حالة المسلم المستقيم تجاه نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو يقرأ مواقف الصحابة الرجولية الرائعة من حوله.
- السلف الصالح
يعني الشيخ - حفظه الله - بالسلف الصالح الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً، وأئمة المسلمين من التابعين ومن بعدهم بإحسان ممن سبقوا عصره، وقد سأله أحد الصحفيين في الكويت عن الشخصيات التي لها أثر في الله نفسه فأجاب " في مقدمتها الرسول والصحابة رضي
المبارك،
عنهم
وأئمة (1/191)
صفحة 192
من معالم الفكر التربوي
? {191} +
عناد الشيخ أحمد الخليلي
المسلمين)، وبناء عليه كان الشيخ يعد إجماع السلف رضي الله كما عنهم، يعد سيرهم العطرة مصدراً تربوياً يأتي بعد الكتاب الكريم والسنة المطهرة،
هـ:
يقول في إحدى التعقيبات في ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة في مسقط عام 1408.: " وإجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إنما هو في الواقع أيضاً امتداد للكتاب والسنة من حيث إن السلف الصالح لم يستقوا إلا
من هذين المنبعين الصافيين"
(2)
مكانة الصحابة
يؤكد الشيخ في العديد من المناسبات على وجوب احترام الصحابة رضوان الله عليهم، وإعلاء، منزلتهم، فقد اختارهم الله تعالى الذي بيده ملكوت السماوات والأرض أن يكونوا في صحبة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، خير الخلق أجمعين فلا بد من إعلاء شأنهم، وإجلال قدرهم، وتعظيم مكانتهم، ومن هذه التأكيدات قوله:
1. الصحابة هم خير القرون بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهم أولى الناس بالاتباع، وأحق الناس بالتعظيم، وقد شهد علماء السلف الصالح بأن صحابة الرسول اللهم أعظم الناس منزلة، وأرفعهم قدراً، وأجلهم شأناً بعد الأنبياء والرسل (3).
(1) لقاء أجراه الصحفي الكويتي جراح الشمري لمجلة "الفتيان" شريط مسجل.
(2) ندوة الفقه الإسلامي، ص
(3) ندوة الفقه الإسلامي، ص
250
249 (1/192)
صفحة 193
من معالم الفكر التربوي
{193}
عند الشيخ أحمد
- لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبق الناس إلى الخير. كان أصحابه رضي الله عنهم أعلم الناس بمعاني القرآن، وبمجمله ومفصله، وناسخه ومنسوخه، ومطلقه ومقيده، وخاصه و عامه (1).
أعتقد أن لأصحاب رسول الله منزلة كبرى، فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في كتابه في قوله: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً " (") وأثنى عليهم الحق في قوله: " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)، وفي قوله: " لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ
(1)
وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" (وإنني لحريص جداً
(0)
على دخولي في ضمن الذين قال الله عنهم: " وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) وإنني أعتقد أن أحدنا لو أنفق مثل جبل أحد ذهباً لما ساوى ذلك مد أحدهم أو نصيفه، كما أخبر عن ذلك الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وإنني لحريص جداً على طي صحيفة الفتنة التي كانت بينهم، ولم أكن أريد أن يتحدث لساني أو أن يكتب قلمي شيئاً عن تلك
(1) جواهر التفسير، 13/ 1.
(2) سورة الفتح، الآية 29.
(3) سورة الفتح، الآية 18
(4) سورة الحشر، الآية 8 (5) سورة الحشر، الآية 10 (1/193)
صفحة 194
من معالم الفكر التربوي
{198}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الفتنة، عملاً بقوله سبحانه: " تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وهذا المبدأ هو الذي أعلنه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، إذ قال: "تلك دماء طهر الله منها أسنتنا، أفلا نطهر منها ألسنتنا" وهو نفسه ما قاله الإمام نور الدين السالمي، رحمه الله:
لمحن الأولى نسكت عمن قد مضى ولا نعد الشتم دينا يرتضى فهذه بلادنا لا تلق
فيها لسب الصحب قط نطقاً (2)
هذا الموقف الرائع لسماحته من الصحابة رضوان الله عليهم يعكس خلفية تاريخية الرؤية أصيلة للفكر الذي يستنير به الشيخ - حفظه الله.
مكانة الأئمة
يكبر الشيخ - حفظه الله - منزلة أئمة المسلمين وعلمائهم، ويعلي قدرهم، أقطاب
وأكتفي هنا بنقل نصين فقط، ليكونا نموذجين يحتذيان في التعامل مع العلم المخلصين، ودليلاً لا يقبل الجدل على رحابة أفق الوعي لدى سماحته: الأول: ما جاء في جواهر التفسير في معرض حديث الشيخ عن كعب الأحبار ووهب بن منبه اللذين كانا من أهل الكتاب قبل إسلامهما، وهما من مفسري التابعين، يقول سماحته: " وقد صرّح بتكذيبهما العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنار، معتمداً في ذلك على خلو نسخ التوراة الموجودة الآن من كثير مما نسب إليها، وأبدى إعجابه بنباهة ابن تيمية الذي كان يميل إلى التحفظ من قبول ما يرويان، وقد كان ذلك قبل أن يتبين كذبهما،
(1) سورة البقرة، الآية 134
(2) رأي الإباحيين في الخليفتين عثمان وعلي " جواب لسائل من أمريكا". (1/194)
صفحة 195
من معالم الفكر التربوي
{190}
<
عند الشيخ أحمد الخليلي
فكيف وقد تبين ونحن نرى في المسارعة إلى تكذيبهما شيئاً من الخطورة، فإنهما بإسلامهما قد جبا كل ما سبق منهما قبله، وللمسلم حقوقه وحرماته، منها: عدم رميه بكبيرة ما لم يصح ارتكابه لها، والكذب من الكبائر، خصوصاً إن كان في أمور الدين، ورجال الجرح والتعديل قد وثقوهما، وقبلوا روايتهما، ولا نشك أنهم كانوا لا يسارعون إلى التوثيق، أما ما نسب إليهما من عزو أشياء إلى التوراة لا توجد فيها، فعلينا أن ننظر من زاويتين الأولى: أسانيد تلك الروايات التي تتصل بهما ... الثانية: نسخ التوراة الموجودة بيننا من حيث كونها متفقة مع التوراة التي يعزو إليها كعب ووهب بن منبه ما يعزوان أو
مختلفة"
(1)
الثاني: قول سماحته في المذاهب الإسلامية: " علينا أن نعتبرها أمة واحدة، وأن نعتبر هذه المذاهب هي مدارس فكرية، والخلاف إنما هو اختلاف
وجهات النظر "
(2)
•
ونجد الشيخ كثيراً ما يعود إلى سيرة السلف الصالح مستنداً إليها في إيقاظ الهمم، وتنشيط العزائم، وتفعيل الإرادات وتربية الأجيال التربية الصالحة، فلا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها فالتجربة السابقة تجربة رائدة يجب أن تتكرر، وأن تتوحد في عناصرها وإن اختلف زمنها، يقول:
1 - ويسبب هذا التفاعل العجيب مع روح القرآن، استطاع السلف الصالح أن ييتوا هدايته في الأرض، فقد فتحوا به القلوب الغلف، وأسمعوا به الآذان
(1) جواهر التفسير 31/ 1، 32.
(2) محاضرة ألقيت في نادي الطلبة العمانيين بالأردن يحوزة الباحث نسخة منها (1/195)
صفحة 196
من معالم الفكر التربوي
(197) +
عند الشيخ أحمد الخليلي
الصم، وبصروا به الأعين العمي، ودحروا بسلطانه القوى الكبرى التي
كانت تقف في وجه الدعوة إليه "
(1) "
2 - ونحن إذا عدنا نتصفح تاريخ السلف الصالح الذين تلقوا من رسول الله القرآن غضاً طرياً ... نجد أنهم بالقرآن والسنة استطاعوا تحقيق الأماني
التي لا يكاد العقل يتصورها ... فكان كل منهم صورة حية لهداية القرآن، وهذا الذي دعا أعداءهم إلى إكبارهم، وخشية بأسهم، فكانوا يتناقلون صفاتهم فيما بينهم في عبارات كلها ثناء ومدح" والسلف الصالح عندما فتحوا الأرض فتحوها بعزائم الإيمان، ويسلاح
(2)
اليقين، ولم يكونوا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً (3).
إن القضية التربوية الشائكة ذات الصلة الوثيقة بموضوع السلف هو التمسح بسيرة السلف الصالح واتخاذها قنطرة عبور إلى أهواء ونزعات ورغبات تحتويها الصدور، يقول سماحته: " وهكذا أصبح التمسح بسيرة السلف الصالح ستاراً يرخى على عجائب يبدو لنا في كل يوم منها (جديد)
•
(t)
وهذه القضية طالما ألقت بظلالها على فكر الذين كان لهم نصيب في توجيه الأجيال وتشكيل عقولها، ومن هنا تكتسب أهميتها، وقد كثر في هذه القضية الخبط، وتاه فيها الفهم؛ لذا أولاها سماحته العناية الفائقة، فجلي
(1) جواهر التفسير 8/ 1.
(2) جواهر التفسير 6/ 1.
(3) السابق 131/ 1.
(4) الرد على أحد المغرضين، مخطوط بحوزة الباحث صورة منه، ص 43 - 54. (1/196)
صفحة 197
من معالم الفكر التربوي
{194} <
عند الشيخ أحمد الخليلي
غوامضها، وأوضح مداخلها، وبدد عتماتها، وأنار جنباتها، بما يهتك به غبش التصور عن كل بصيرة، ولذا أرى أن أنقل كلامه مع طوله في هذا الموضوع وذلك لنفاسة الكلام وأهمية الموضوع، يقول في إحدى أجوبته: هذا ومما يجدر بنا أن لا يفوتنا في هذا المقام، الكشف عما وراء هذه أخذت تتردد على ألسنة المناوئين للإصلاح في مجتمعنا، واتخذها سلاحاً يواجهون به المصلحين وهي نغمة المحافظة على ما كان عليه السلف الصالح، والذي يظهر لي أن القائمين في مجتمعنا على هذه الدعوة
النغمة التي
العديد منهم
هم صنفان من الناس:
الصنف الأول: هم صادقون في إعجابهم بطريقة السلف الصالح، ولكن قصرت مداركهم عن فهم حقيقة ما كانوا عليه، وما تجب المحافظة عليه من أحوالهم وأقوالهم، فظنوا أن ذلك يتمثل في الجمود على كل ما حكي عنهم من الأقوال والأعمال، من غير تفرقة بين الثوابت والمتغيرات، ومنشأ ذلك ضيق أفقهم الفقهي، وعدم دراسة الشريعة بأدلتها، إذ جل هؤلاء ليس لهم نصيب من علم أصول الفقه، ولا من علم المقاصد الشرعية، وليس لهم باع في علم الحديث ومصطلحه، فلذلك لا يميزون بين الثابت وغيره من الأخبار، بل لا يميزون بين الخبر والأثر، فظنوا أن التفقه في الدين لا يكون إلا بتقليد الرجال في الأقوال والأعمال، وقد تحدّث عن هذا الصنف إمامنا نور الدين السالمي - رحمه الله تعالى - في معرض حديثه عن ضرورة علم أصول الفقه للمتفقه فقال: "وقد رغب عن ذلك كثير من أهل زماننا؛ لجهلهم بما فيه من التحقيق، وصعوبة ما فيه من التدقيق فقصارى فقه متفقههم حفظ أقوال (1/197)
صفحة 198
من معالم الفكر التربوي
{19}
عند
الشيخ
أحمد الخليلي
الفقهاء، وغاية نباهة أحدهم رواية ما قاله النبهاء، لا يدرون غث الأقوال من سمينها، ولا خفيفها من رزينها، قد حبسوا في التقليد المضيق عن فضاء التحقيق، وليتهم لما وقعوا هنالك عرفوا منزلتهم بذلك، ولم يدع أحدهم منزلة ابن عباس، ويقول هلموا أيها الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب العلم وأهلوه، ويقي الجهل وينوه."
الفقه
ونحن لا نتهم هؤلاء في حسن نيتهم وسلامة طويتهم، ولكنا لا نعذرهم على هذا الجمود الفكري والتحجر الذهني فإن الواجب يقتضيهم أن يطلبوا من مصادره، فإن عجزوا عن ذلك فلا يقفوا في وجه الآخرين، فإن وقوفهم هذا يعد جريمة في حق العلم والأمة؛ أما كونه جريمة في حق العلم فبالنظر إلى ما يؤدي إليه من تعطيل مصادره، وهي القرآن والسنة والإجماع والاكتفاء عنها بآراء الرجال، مع أن آراءهم كثيراً ما تكون حلولاً وقتية أملتها ظروف معينة، هذا ومع فهي نابعة من فكر محدود لا يؤمن عليه الخطأ والنسيان، بخلاف الكتاب والسنة، فإنهما لا ينضب معينهما، ولا يأفل نورهما، ولا تستنفد حلولهما بتطور الأحداث، وتجدد المشكلات؛ أما الكتاب فهو تنزيل من حكيم حميد يحمل ما يستجد في الكون، وما يحتاج إليه الناس، وأما السنة فهي وحي خفي من عنده تعالى مصون من جميع المؤثرات التي تطغى على نفوس البشر، فتتحكم في آرائهم التابعة من تلك النفوس، فإن الله تعالى يقول: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى *
(1) M
(1) سورة النجم، الآيتان 3، 4 (1/198)
صفحة 199
من معالم الفكر التربوي
{199}
4
عند الشيخ أحمد
وأما كونه جريمة في حق الأمة؛ فلأنه يجعلها أمة جامدة عاجزة عن الرجوع إلى مصادر العلم لاستلهام الحق، مفلسة من الرصيد العلمي الذي يكفيها لحل مشكلاتها المستجدة بتطور الأحداث وتقلبات الدهر؛ لأنها اعتادت أن ترجع إلى رصيد محدود من آراء الرجال الذين لم يستوعبوا من الأحداث إلا ما عاصروه، وفي مثل هذه الحالة تجد الأمة نفسها مدفوعة - على كره منها - إلى التعويل على مصادر التشريع الأجنبية، عندما تنضب مصادرها، وكيف لا تنضب وهي آراء لقوم عاشوا في فترة محدودة من الزمن، فلم يعرفوا ما يستجد بعد تلك الفترة من أحداث.
أما إذا عودت الأمة على استلهام الحق، ومعرفة القول الفصل من كتاب الله المبين وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وكان منها فقهاء نابهون أخذوا بحظ وافر من علوم القرآن والسنة فإنها ولا شك ستكون أمة عزيزة؛ باستغنائها بما عندها من الرصيد العلمي عما عند الآخرين، وفي هذا يقول شيخنا العلامة المحقق الإمام أبو إسحاق إبراهيم أطفيش رحمه الله تعالى: "لقد جعل الله للعباد في القرآن قواعد عامة يهتدون بها في مراحل الحياة، ويستنبطون منها كل ما يصلح لهم من الأحكام ويسعدون به من الأعمال، ثم بين الشيء الكثير منها النبي بأقواله وأفعال وتقريره، فكانت تلك كذلك، يرجع إليها فحول العلماء في كل حين والإسلام كامل من حيث السياسة الشرعية والسياسة المدنية، والسياسة الاقتصادية، فإذا ظهر شيء من الخفاء في بعضها، فإن العقول الحاضرة لم تهتد إلى كنهه، ولم تسجل غامضه، ولو انصرفت إلى تدبره لألفته آية واضحة". (1/199)
صفحة 200
من معالم الفكر التربوي
عناء الشيخ أحمد * {هـ
ومن تدبر ما كان عليه السلف الصالح من أهل الاستقامة في الدين، وجدهم أبعد ما يكونون عن هذا الجمود الذي ينادي به أولئك الذين يدعون إلى المحافظة على ما كان عليه السلف ولا أدل على ذلك من أن أحدهم كان إذا أبصر دليلاً في مسألة لم يتردد في اتباعه ولو وجد عمل الناس على خلافه، ومن أمثلة ذلك أن الإمام محمد بن محبوب رحمهما الله تعالى وجد أهل عمان يصلون ركعتين بعد الأذان الثاني من يوم الجمعة يفصلون بهما بينه وبين الخطبة، فغير ذلك، ورد الناس إلى العمل بالسنة، يقول تلميذه الإمام أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي - رحمه الله - في كتاب الأحداث والصفات: "ومن السنة في الجمعة، أن الخطبة متصلة بالأذان والأذان متصل بالإقامة، والإقامة متصلة بالصلاة لا فرق بينهن، ولقد كان بعض المبتدعين صلى ركعتين بعد الأذان، واتبعه الناس على ذلك، ثم إن محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ غير تلك البدعة ورد الناس إلى الأمر الأول".
ومن المعلوم عند من عرف التاريخ أن عمان عندما جاءها ابن محبوب. رحمه الله ـ ما كانت خالية من أهل العلم، بل كانت في أزهى عصورها العلمية بكثرة علمائها، وسعة أفقهم العلمي، وكان من بينهم أحد حملة العلم عن الربيع - رحمه الله - وهو الإمام منير بن النير - رضوان الله عليه ـ ولم يمنع ذلك محمد بن محبوب من تغيير ما رآه مخالفاً للسنة، ورد الناس إلى ما كان عليه
رسول الله.
ومن أمثلة ذلك أيضاً أن أئمة المذهب - رحمهم الله تعالى ـ اتفقوا من
عهد الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد على أن العاجز عن الصيام لهرم أو مرض (1/200)
صفحة 201
من معالم الفكر التربوي
{201}
عند الشيخ أحمد الخليلي
لا يرجى برؤه، ولا مال له يفتدي به يصوم عنه أخص خاصته، أو يدفع عنه الفدية من ماله هو، كما أفتى به أبو الشعثاء - رحمه الله - الرحيل والعنبر في أمهما، واستمر الناس على الأخذ بهذه الفتوى حتى جاء أبو المؤثر، فاجتهد في المسألة، واستنبط من قوله تعالى: " لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا (1) سقوط الصيام والإطعام عن العاجز عنهما، وعدم انتقال الخطاب بهما إلى غيره، وأشبع المسألة تحقيقاً، فوافقه جل العلماء الذين جاءوا من بعده على رأيه هذا؛ لقوة دليله مع أنه لم يقله أحد من علماء المذهب قبله، وإنما هو قول مكحول، وخالد بن دريد، وربيعة بن عبد الرحمن، وأبي ثور، وابن المنذر من فقهاء
الأمصار.
قال الإمام السالمي رحمه الله: "وأول من فتح باب ذلك أبو المؤثر، وتبعه أبو سعيد، وأبو محمد وغيرهما، وقال أيضاً: "وبالغ أبو المؤثر في ردّ الصيام والإطعام، مع علمه أنه قول أئمته، ونصر قول خالد بن دريد وربيعة
بن عبد الرحمن".
وما ذهب إليه أبو المؤثر هو القول الراجح في المسألة كما أوضحت ذلك
بما فيه مقنع في درس التفسير. ولا يكاد يوجد أحد من علماء السلف المجتهدين إلا وله مثل هذا
الموقف، وعلى هذا درج علماؤنا المتأخرون، فهذا قطب الأئمة - - رحمه الله. انفرد بكثير من الآراء في مسائل أخذ فيها بغير ما استقر عليه أئمة المذهب، وربما
رجع
قولاً شاذاً مهجوراً
عند
علماء الأمة، كما فعل في المسألتين جميع
(1) سورة البقرة، الآية 286 (1/201)
صفحة 202
من معالم الفكر التربوي
{202}
عند الشيخ
أحمد
الخليلي
الغراوين، عندما رجح فيهما مذهب ابن عباس رضي الله عنهما، على مذهب عنه، إذ وصف مذهب ابن عباس بأنه الحق، ثم قال: "وليس
الله زيد رضي زيد بن ثابت جبريل الفرائض ولا نحن حمر الفرائض".
شمر وكن في أمور الدين مجتهداً
ولا تكن مثل عير قيد فانقادا
وهذا الإمام السالمي. - رحمه الله تعالى - وجد أهل عمان مطبقين جيلاً
بعد جيل على أن يقيم للصلاة الإمام دون المؤذن، وكان العلماء الذين سبقوه التمسك بذلك، حتى أن أحد المتأخرين منهم أفرد لهذه المسألة مؤلفاً
شديدي
خاصاً انتصر فيه للقول المعمول به في زمانه، أدرجه صاحب قاموس الشريعة في الجزء الثاني من كتابه هذا، فاحتل من صفحاته أكثر من مائة صفحة، وممن انتصر له الإمامان العلامة أبو نبهان والمحقق الخليلي - رحمهما الله تعالى. وقد قال الإمام السالمي في معرض الحديث في هذه المسألة: "وهذان الشيخان هما أجل علمائنا المتأخرين"، ولم يمنعه كل ذلك من إبطال ما كان الناس عليه، وردهم إلى السنة التي كان عليها رسول الله وخلفاؤه الراشدون، وسائر أصحابه والتابعون، وهي أن يقيم المؤذن لا الإمام، واشتد نكير الإمام السالمي - رحمه الله - تعالى على الذين بدلوا هذه السنة حتى قال فيهم:
ورسخت بقلب من لا يعقل
فبدلوا وليتهم ما بدلوا
حتى ادعاها سنة واحتالا
على ثبوتها بما قد قالا
وهو لعمري جدل محرم
لأنه يقول ما لا يعلم
وإنه ساع لهدم السنة بجهله كفى بهذا
لو كان سنة كما قد زعما
محنة
لم تفتئن أسلافنا والعلما (1/202)
صفحة 203
من معالم الفكر التربوي
{203}
عند الشيخ أحمد الخليلي
كيف تكون سنة مخالفة
لما عليه العلماء السالفة
وفعله صلى عليه ريه
مشتهر مضى عليه صحبه
والخلفاء الراشدون أجمع إلى انتهائهم عليه أجمعوا
وقد أبطل رحمه الله ما تعورف عليه من قراءة القرآن على القبور، كما
أبطل الأوقاف الموقوفة لذلك، وأمر بصرفها في مصارف الأموال المجهولة الأرباب، إن لم يعرف لواقفها وارث، وفي هذا يقول:
أتعمرن قبورنا الدوارس
وهذه المساجد المعدة
ويترددن إليها الدارس
نتركها وهي لذاك عدة
والمصطفى قد زارها وما قرا
إلا سلاما ودعا وأدبرا
وإن يقولوا خالف الآثارا
حسبك أن تتبع المختارا
وقد لقي معارضة شديدة، واستنكاراً حاداً من الذين يحرصون على عدم مخالفة ما وجدوا عليه أسلافهم في كلتا المسألتين، وكانت الثانية سبباً لحتفه - رحمه الله ـ إذ أصيب في طريقه إلى أحد شيوخه لإقناعه بالحق فيها، وقد وفق. والحمد لله - في ردّ الناس إلى العمل بالسنّة فيهما، واجتهاداته - رحمه الله تعالى كثيرة.
وهذا إمام المسلمين العلامة محمد بن عبد الله الخليلي - - رحمه الله تعالى. ردّ عمل الناس في زمانه إلى ما تقتضيه السنة في العديد من المسائل، منها صلاة التراويح في قيام رمضان، فقد دعا الناس إلى أن يصلوها لماني ركعات، كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما كانوا يصلونها اثنتي عشرة ركعة، ومنها جهر (1/203)
صفحة 204
من معالم الفكر التربوي
(204}
عند الشيخ أحمد الخليلي
المأمومين بالتكبير وراء الإمام يوم النحر وأيام التشريق أدبار الصلوات المفروضة، ومنها عدم السجود أدبار الصلوات إلا للساهي
وأما الصنف الثاني: فهم قوم ليست لهم بالسلف الصالح صلة، وإنما اتخذوا الدعاية السلفية التي يتمسحون بها جسراً يعبرون عليه إلى غايات يدفعهم إليها ما وقر في نفوسهم من الهوى، وسلاحاً يجهزون به على الإصلاح، ويقاومون به المصلحين الذابين عن حرمات الدين، لأنهم وجدوا هذه النغمة التي تستهوي النفوس آلة صالحة لاستثارة عواطف الجماهير ضد من من يصمونهم بأنهم خارجون على منهاج السلف، فلم يفتأوا – تحت هذه اللافتة - يكيلون التهم للأبرياء ويلمزونهم بالأباطيل والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً" فإذا دعا داعي الحق ونادى منادي الإصلاح إلى ما فيه صلاح الأمة والدين، ثارت ثائرتهم؛ فلم تهدأ لهم عاصفة، ولم يخمد لهم ضرام مدعين زوراً أنه أمر بدع في الدين، وتعد على سيرة السلف ولا يهمهم أن يفشو بينهم الإلحاد، ولو صح صخبه مسامعهم، أو ينتشر في وسطهم الفساد وإن أزكم نتنه معاطسهم، وقد يكون ذلك من أقرب قريب إليهم، وأعز عزيز لديهم، فلا تنقدح في قلوبهم غيرة ولا يتحرك لهم ضمير، ولا يقوم في نفوسهم باعث يدفعهم إلى تغيير المنكر،
ومقاومة الباطل " لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَيْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (1)
فليت شعري أين الحجة من الدعوى؟! فشتان بين الواقع والمدعى.
،
(1) سورة المائدة، الآية 79 (1/204)
صفحة 205
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
على أنهم أنفسهم أسرع الناس إلى مخالفة السلف إذا لاح لهم في الأفق مطمع أو تخيلوا في أمر ما يخالونه منفعة لهم، يتهالكون على الدنيا كما يتهاوى الفراش على ألسنة النار، ويتساقط الذباب على عفونة الأقذار، وكثيراً ما يلبسون باطلهم ثوباً فضفاضاً مموهاً بدعاية الحق " يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا
(1).
يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (1) ليت شعري أبمثل هذا ينصر الحق؟! وتحيى سيرة السلف الصالح؟ ويشاد بناء الدين؟ كلا والله! وإنما كل هذا الذي يأتونه من هذا القبيل، ليس هو إلا نقضاً لعرى الإسلام، وهداً لبنيانه الشامخ، فالإسلام لا يشاد بنيانه إلا بدعائم الحق، ولا يقوم قائمه إلا بعمل الخير، يقول شيخنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم أطفيش رحمه الله: "إن الإسلام لا يؤيد بالسيئات والعيوب وإنما بالحسنات ومحاسن الأعمال".
وما انتماء هذا الصنف من الناس إلى السلف الصالح إلا عار يلصق بالسلف وهم منه براء براءة المسيح عليه السلام ممن اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فسيرة السلف ما كانت مشوبة بالعيب، ولا ملطخة بالعار، وإنما كانت بيضاء نقية، أصفى من الماء القراح ما كانوا يقرون الحاداً، أو يسكتون عن فساد لأجل محاباة قريب أو رعاية حبيب، وما كان أحدهم يغدو ويروح وهمه محصور في مصلحة نفسه بل كان كل منهم ينوء صدره بأثقال الأمة ودينها، ولو كانوا يعيشون تحت سراديب الأرض توارياً عن مراقبة الباطل ونفوذ بطشه، فقد كانوا وهم على هذه الحالة يتابعون ما يجري في أطراف بلاد
هموم
(1) سورة البقرة، الآية 9 (1/205)
صفحة 206
من معالم الفكر التربوي
{206}
عناد
الشيخ أحمد الخليلي
الإسلام بكل يقظة وحزم وعزم ولم تكن منهم متابعة مجردة، بل كان يليها
التخطيط والتنفيذ لما يعود بالخير والعز والكرامة على الأمة والدين.
إن سيرة السلف – أيها الناس – ما كانت يوماً ما تحجراً وجموداً وبرود عاطفة تجاه الدين، ومخادعة الله وللمؤمنين، وإنما كانت انطلاقاً لا يقف عند حد، وغيرة على الدين وحرماته، يؤججها الإيمان الصادق، وإخلاصاً لله عز وجل، يبعث على المحافظة على أوامره ونواهيه).
وبعد هذا الكلام النفيس الجامع الممتنع، لا يمكن أن يصلح تعليق عليه
إلا من جنسه، نختم به هذا المبحث وهو قول سماحته: إن الغيور على سيرة السلف الصالح ليس هو الذي يدعو إلى إغلاق باب النظر والاجتهاد والتعامي عن الأدلة الشرعية، وإنما الغيور حقاً على سيرة السلف هو من اعتصم بكتاب الله وسنة رسوله، وحافظ على ما كان عليه السلف من التمسك بهما والغيرة عليهما ومواجهة الباطل مهما كان مصدره، بكل قوة وحزم، من غير مراعاة لقرابة قريب أو محبة حبيب"
4 - العلم الحديث
(2)
يمكن إضافة هذا المصدر إلى المصادر الثلاثة الأولى التي ترتكز عليها مصادر التربية مما يعددها التربويون، وذلك من تجديد سماحة الشيخ في الفكر التربوي، فكثيراً ما نلمس رجوع الشيخ في توجيهاته إلى الحقائق العلمية الثابتة، وإلى
(1) الرد على أحد المغرضين، مخطوط بحوزة الباحث صورة منه، ص 43 - 54.
(2) الرد على أحد المغرضين،، ص 42. (1/206)
صفحة 207
من معالم الفكر التربوي
{207}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أقوال أصحاب الاختصاص وآرائهم في فهم الكثير من القضايا المشكلة، والمعضلات المعقدة، فيصدر في حكمه عن فهم استوعب فيه مصادر الشريعة، ووعى فيه رؤية العلم الحديث، إذ الكثير من القضايا لا تحل عقدها إلا في ضوء رؤية العلم؛ فبه يكتمل التصور للقضايا والمشكلات، والحكم على الشيء فرع تصوره، فإذا انحرف التصور انحرف الحكم، وإن الحرف الحكم النحرف السلوك، يقول سماحته: " ولا ريب أن الانحراف في تصورات الإنسان يؤدي به إلى الانحراف في كل شؤون الحياة، فإن شؤون الحياة كلها إنما هي مبنية على التصورات (1)؛ لذا نجد سماحته كثيراً ما يوجه طلبة العلم ورادة الإصلاح إلى
(1) "
استيعاب قضايا العصر بجانب التضلع في علوم الشريعة، ويدعوهم إلى التفتح العقلي وعدم التقوقع والانزواء، يقول سماحته: "يجب أن تكون هناك طائفة من المسلمين تتخصص في دراسة الشريعة الإسلامية بعمق ... ولا يعني ذلك أن تكون منعزلة عن واقع حياة البشر في عصرها؛ فإن الانعزال يؤدي بها أن لا تحل للبشر مشكلة، ولا تعالج لهم معضلة، هذه الطائفة يجب أن تكون مدركة تمام الإدراك لعصرها، وما يتطلبه هذا العصر، وما تفرزه تطورات العصر من مشكلات مختلفة لتستنبط حلول هذه المشكلات من القواعد الكلية.
(2)
(1) آثار الانحراف الفكري 99/ ج
(2) أهمية العلم، ص 24، 25 (1/207)
صفحة 208
من معالم الفكر التربوي
{*•^}
يناء الشيخ أحمد الخليلي
محتوى التربية
لقد تقدم الحديث عن مصادر التربية التي يستقي منها المحتوى مادته، ويشكل منها كيانه، فالمحتوى بذلك يشمل الأحكام العقدية، والخلقية والعملية (الفقهية) ثم يتوجه المتربي إلى الحياة الإنسانية ليأخذ منها مهاراته ومعلوماته الضرورية في تسيير حياته، مستفيداً في ذلك من تجارب بني جنسه. لقد أشار سماحة الشيخ إلى هذا المحتوى في العديد من توجيهاته، يقول عن الأحكام العقدية مثلا: " إن أولى العلوم بالاهتمام والعناية والحرص هو العلم الذي يعرف هذا الإنسان من أين جاء وإلى أين ينتهي، وما هي وظيفته
(1).
بين مبدئه ومنتهاه، هذا العلم لا يخضع لتجارب البشر ونظرياتهم وإنما يستمد من الله سبحانه وتعالى بواسطة النبوات" ويقول عن الأحكام الفقهية: فكل واحد مطالب بأن يتفقه في دين الله
سبحانه وتعالى بقدر ما يعبد الله على بصيرة وبقدر ما يسوس نفسه في هذه
الحياة بسياسة شرع الله سبحانه تعالى، بحيث لا تخرج أعماله وتصرفاته عما
(T)"
يقتضيه حكم الله سبحانه ويقول عن الجانب الخلقي: " وما أولى هذا الجانب بأن يرعى، وأن يولى كل عناية، وذلك لأن هذا الجانب مرتبط بصميم الدين، بل هو من أساسيات الدين الحنيف ... قال: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، فمكارم
(1) أهمية العلم، ص 8
(2) السابق ص 20 (1/208)
صفحة 209
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
الأخلاق غاية من غايات هذا الدين الحنيف ومقصد أسمى من مقاصد هذه الدعوة المباركة التي بعث بها الله التي كانت رحمة للعالمين (1) وسيأتي تفصيل ذلك في فصل التربية السلوكية. ويقول عن جانب المهارات والاستفادة من التجربة الإنسانية: " لذلك كانت دراسة العلوم المؤدية إلى استغلال ثروات الطبيعة فرضاً كفائياً على المسلمين؛ لما يترتب عليها من قوام شأن الأمة الإسلامية واستغنائها عن الآخرين، واستقلالها في أمورها المعاشية، وكان لزاماً على المسلم أن يكون حريصاً على تتبع ما يجري في هذا العالم ليأخذ العبرة من كل شيء، فإن الله سبحانه سنناً في هذه الحياة لا تتبدل
(T) #
أحد اليب التربية
لقد تقدم الحديث في مبحث مصادر التربية أن نشاط التربية مستهدف به الإنسان من أجل تحقيق العبودية المطلقة الله، وقد شاء المولى - جلت قدرته ـ أن يخلق هذا الإنسان في تكوين عجيب، يدعو إلى التفكر حقاً، ففيه انطوى العالم الأكبر، مخلوق متباين في صفاته النفسية، كما هو متباين في سماته الجسمية، لذا
98/ج
(1) الإسلام ومكارم الأخلاق، 98
(2) جواهر التفسير 2/ 252 (1/209)
صفحة 210
من معالم الفكر
عند الشيخ أحمد الخليلي
يبدو الاختلاف في أحوالهم المعيشية، ومنهجية تصريفها، وهذا التباين في أحوال الناس سمة من سمات البشر المعهودة فلذلك نجدهم متفاوتين في المدارك، مختلفين في المشارب متعاكسين في الأحاسيس، وإلى ذلك يرجع تعدد مذاهبهم في الأمر الواحد، وتباين تصوراتهم في القضية الواحدة)
(1) "
لهذا كانت مهمة المربين دقيقة، ومسالكهم خطيرة، فإن فساد الأسلوب التربوي مفض إلى فساد الجيل، وفساد الجيل مؤد إلى فساد المجتمع لا محالة؛ ولذلك يشير كثير من الكاتبين من المتقدمين والمتأخرين إلى أن التربية فن وصناعة، لها أصولها وقواعدها، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في مقدمته (3).
يصح
والحياة الإنسانية متطورة في شتى مناحيها مستمرة في تطورها؛ لذا لم بحال أن تكون التربية متحجرة جامدة، بل تواكب المد الحضاري،
كالطبيب
وتستوعب معطيات العصر، وتستجيب لحاجاته. ولهذا يشبه الشيخ - حفظه الله - المربي بالطبيب، سواء كان هذا المربي أباً أو معلماً أو واعظاً أو مفتياً أو في أي موقع من مواقع التربية والتوجيه يقول سماحته: " الأب المربي الحاذق في استخدام العلاج، قد يكون الأب إذا اتخذ وسيلة الإرشاد والنصح والتوجيه والتذكير بالعواقب، يكون عمله هذا أجدى في بعض الحالات، وهذا يختلف باختلاف طبائع الأولاد، قد يكون بعضهم تصيبه الغفلة، فعندما يذكره يتذكر على الأقل حياء، فيؤخذ بهذه الناحية، وبعضهم يحتاج إلى تعنيف في
(1) الحق الدامغ، الشيخ الخليلي، صه. (2) مقدمة ابن خلدون، الباب السادس الفصل الثاني: في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع.، دار الكتب العلمية، ط 1، 1993 م، ص 341. (1/210)
صفحة 211
من معالم الفكر التربوي
{11}
عند الشيخ أحمد الخليلي
القول، وبعضهم يحتاج إلى عقوبة فهذا يعاقب بقدر الجرم الذي ارتكبه وبقدر الخطأ الذي وقع فيه، ولا يرضي عاطفته هو، فبعض الحالات يكفي فيها
النصح ويلجأ الأب إلى العنف ... فالطبيب يحتمل أحياناً أذى المريض، كذلك الأب عليه أن يحتمل أذى الأولاد (1)
(1)
ذلك تعريج سريع على ضرورة منح الوسائل التربوية وأساليبها عناية فائقة، فهي بمثابة الطريقة التي يقدم بها الطبيب علاجه إلى مرضاه، وسأذكر
هنا أهم الأساليب التربوية التي أشار إليها سماحته.
1) القدوة
يقول سماحته: "القدوة ناتجة عن تأثر نفساني من قبل المقتدي بالمقتدى به، سواء كان ذلك لعظم شخصيته في اعتقاد المقتدي أو لتفوقه في ناحية من النواحي، كالنواحي العلمية والنواحي العملية وغيرها، أو لأي. سبب من هذه الأسباب، وهذا ما يجعل الإنسان ينساق وراء شخص بسبب هذا الإعجاب
البالغ الذي يتحكم في نفسه"
(2)
إن التربية بالقدوة من أكثر الطرق تأثيراً في نفوس الناشئة في شتى مراحل حياتهم، وهي تسبق في تأثيرها القول في أي شكل من أشكاله، أكان نصحاً
(1) تربية النشء 211/ 1. بمكتبة معهد العلوم الشرعية
(2) جريدة عمان عدد 6783، الثلاثاء 20 / رمضان 1420 هـ، 1999/ 12/28 م، ص 15. (1/211)
صفحة 212
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
مباشراً، أو خطة عامة مثلاً، إذ لا يجدي القول إلا بعد أن يكون صاحبه ترجمة حية لما يقول، ويؤكد الشيخ - حفظه الله - على المربين ضرورة جعل أنفسهم قدوة لكل من يتأثر بهم، ومن هؤلاء المربين على سبيل التمثيل:
1. الآباء: يقول سماحته على الآباء والأمهات في البيوت أن يكونوا قدوة لأبنائهم في التمسك بقيم الإسلام والمحافظة على واجبات الدين، وعليهم أن يغرسوا المفاهيم الإسلامية الصحيحة في نفوس أولادهم؛ حتى يكون هؤلاء الأولاد ثمرة طيبة لهم، وامتداداً حسناً لوجودهم بعد وفاتهم وسبباً لفوزهم يوم القيامة، فإن من عمل
الإنسان الذي يبقى له بعد موته الولد الصالح الذي يدعو له
بالخير
(1)
2. المدرسون: يقول سماحته: "على المدرسين أن يهتموا كل الاهتمام أن يكونوا هم القدوة لهؤلاء الأولاد في السمو بأنفسهم إلى الأوج الأعلى، فيترفع عن الكلمات النابية، والقذف بالشتائم، وتسميته بأقبح الأسماء كأن يناديه يا كلب يا حمار، لأن ذلك ينطبع في ذهن الطالب، فيمارسه في حياته، وعليهم التزام الصدق وتجنب الكذب؛ لأن له تأثيراً على نفسية الأولاد، فهو عندما يرى أستاذه يخدعه بالكذب يظن أن ذلك مهارة وشطارة، فيتعود مثل ذلك،
(1) التحذير من آفات المجتمع، ص 57. (1/212)
صفحة 213
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد
وعليهم أن يكونوا قدوة في غرس الاعتزاز بقيم الدين وفضائله
والاستهانة بما عند أعداء الحق
(1) m
"
الدعاة: الذين جندوا أنفسهم لدعوة الناس إلى الخير، أكان المدعوون من المسلمين أو من الكفار، بل على المسلم أياً كان أن يكون ترجمة حقيقية لمبادئ الإسلام والأمر أوجب في حق العلماء منه في حق غيرهم، يقول سماحته:
ا ـ "أما الدعوة النافعة التي تحوّل الناس من الضلال إلى الهدى، ومن الفساد إلى الصلاح، فهي الدعوة التي يصدقها فعل الداعية، ويترجمها واقعه، ويزكيها إخلاصه وإذا لم يتفاعل الداعية مع دعوته فكيف يتفاعل معها غيره "
(2)
ب - على الفقيه أن تكون أعماله كلها ترجمة حية صادقة لما آتاه الله
سبحانه من علم، وبهذا تنتشر الدعوة الإسلامية (3).
ج على المسلم أن يكون ترجمة الحقيقة الإسلام، يتجلى جوهر الإسلام بمجرد النظر إلى تصرفات هذا المسلم في جميع أحواله، في أخذه وعطائه، وفي قبوله ورفضه، وفي غضبه ورضاه، في تصرفاته ومعاملاته كلها، هكذا يجب أن يحرص فقهاء المسلمين على أن
(1) تربية الأولاد 106 /أ.
(2) جواهر التفسير 440/ 3.
(3) أهمية العلم - الشيخ أحمد الخليلي، ص 37. (1/213)
صفحة 214
من معالم الفكر التربوي
{214
-> {18} +
عند الشيخ
أحمد الخليلي
يقودوا المسلمين أولاً إلى هذا الخير حتى يقتنع غير المسلمين
بالإسلام، ويدخلوا في دين الله أفواجاً (1).
إن البلية العظيمة التي أصيب بها المسلمون، وساهمت بفاعلية كبيرة في فساد الأمة، هي فساد من هم في مواضع القدوة، من العلماء وأشباه الصالحين والموهوبين الذين لهم كبير الأثر في نفوس الناس، ويلبس هذا الفساد لبوساً متعدد الأشكال ومتباين الألوان، فقد تجد بعض المتميزين بالفهم والنباهة والحفظ مثلاً يستغلون اقتناع الناس بهم، وإجلالهم لهم في إفساد الأجيال. وتلك مصيبة طامة، وأعظم منها أن تجد العلماء القادة قد فقدوا مصداقيتهم في نفوس الناس بمداهناتهم الرخيصة، وحرصهم على جمع الحطام، والركون إلى السلامة والإخلاد إلى بهارج الحياة، غير مبالين بما تتطلبه مواقعهم من المواقف الأبية الحاسمة المشرفة، غير عابئين بما تخلفه سلوكياتهم في نفوس العامة)، وعندما ذكر سماحته المشكلات التي تواجهها الصحوة الإسلامية، عد منها:
فقدان بعض العلماء مصداقيتهم في نفوس الشباب المسلم، فتجد هذه - المجموعة تولّي وجهها شطر السياسة الغالبة، فتتحول من وجه إلى وجه، فتفتي اليوم بفتوى، وتفتي غداً بما يضادها، فيجب أن تكون هناك قيادات علمية إسلامية موصولة بحبل الله تعالى، تقول كلمة الحق ولو كانت مرة في أي موقف
(1) السابق، ص 39.
(2) مثال ذلك أني كنت في نقاش مع أحد كبار السن المتعلمين في ثبوت عدم ذبح الدجاج المستورد من البلدان الكافرة على الطريقة الإسلامية، وإنما قتل بالشنق والصعق الكهربائي
وغيره، فقال لكن القاضي فلان بن فلان الفلاني يأكله وهو أعلم منكم. (1/214)
صفحة 215
من معالم الفكر التربوي
{215}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من المواقف، ولو كان ذلك على حساب حياتها، وبذلك توجد الثقة بين
الشباب والعلماء
(1) "
بل ربما بلغ الخطر الزبي، حين تتهم الدعوة من جراء وجود المفارقة الواضحة بين الداعية وما يدعو إليه، بل المفارقة بين سلوك المسلم العادي وما هو معروف عن الإسلام عند غير المسلم من خلال القراءة عنه، فكيف بالداعية؟! يقول سماحته وإذا كان هناك نشاز بين سلوك الداعية وما يدعو إليه فإنه مؤد إلى تقهقر الدعوة، بل وليس إلى اتهامه فقط وإنما إلى اتهام الدعوة
أيضاً (2).
(2
الصحبة: يبين سماحته في مواضع عديدة أثر الصحبة على سلوك الفرد، فمن ذلك قوله: " على الآباء أن يجنبوا أولادهم رفقاء السوء، وهي
(3)
من أهم الواجبات، وعلى الأب أن يتابع ذلك ويراقبه ويقول في موضع
آخر: " واختيار القرناء الصالحين من أهم الأمور، فالإنسان يتأثر بقرينه كثيرا، فرب قرين يُصلح قرينه، ورب قرين يُفسد قرينه، فإن تأثير القرين على القرين بالغ، وقد أجاد الذي قال:
لا تصحب الكسلان في حالاته كم صالح بفساد آخر يفسد
(1) الصحوة الإسلامية، محاضرة بكلية الشريعة، تسجيلات مشارق الأنوار. (2) آثار الانحراف الفكري، محاضرة بالجامعة، رقم 101/ ج بمعهد العلوم الشرعية. (3) حقوق الأولاد 91/ ج بمعهد العلوم الشرعية (1/215)
صفحة 216
من معالم الفكر التربوي
{11} <
عند الشيخ أحمد الخليلي
فعندما يماشي أحد أحدا، يقاس به، فيسأل الناس عن صاحبه، فيقال: صاحبه الذي يصحبه فلان، وهو رجل سيء الخلق، شرس المعاملة، يُحْمَل عليه ويقاس به، ولو لم تتبدل أحواله؛ لأن من العادات أن تؤثر أحوال القرناء في قرنائهم، من هنا كان الواجب على الأبوين أن يبعدا ولدهما عن قرناء السوء " (1) وليس الأمر محصورا في الناشئة وحدهم كما هو معلوم، فإن التربية بالصحبة أسلوب تربوي شائع لدى علمائنا المتقدمين، بل هو عنصر إسلامي تجلى في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام مع صحابته الكرام.
3) الموعظة الحسنة:
تقترن الموعظة الحسنة في كتاب الله تعالى بالحكمة، يقول سبحانه: ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (3) وفي توسط الموعظة بين الحكمة والجدال بالتي هي أحسن، إشارة إلى أن الموعظة الحسنة مفتقرة إلى الحكمة كافتقار الجدال بالحسنى إلى الحكمة، وإن خلت من الحكمة كانت الموعظة خشنة لا حسنة وفي هذا المعنى يقول سماحته: " الله تعالى يقول: " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (3) ولم يقل وقولوا للمؤمنين حسناً، أو للمسلمين حسناً، وهذا الخطاب وإن كان موجهاً إلى بني
الموعظة
(1) حقوق الأبناء على الآباء، 90 / ج
(2) سورة النحل، الآية 25
(3) سورة البقرة، الآية 83 (1/216)
صفحة 217
من معالم الفكر التربوي
{217}
عند الشيخ أحمد الخليلي
إسرائيل فهو أيضاً موجه إلى هذه الأمة، لأنها حكي لها هذا الخطاب، وهو من
المعاملة الحسنة.
الشيخ الخليلي يلقي محاضرة في زنجبار بأفريقيا
فعلى المسلم أن يقول حُسناً، وعندما يدعو الإنسان إلى الحق وإلى الرشد يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، كما وصى بذلك الله سبحانه وتعالى رسوله .. فالكلمة الهادئة الهادفة تستهوي الناس وتميل قلوبهم، وتؤثر على وجدانهم ومشاعرهم حتى تجتذبهم إلى الخير اجتذاباً، فلا يلبث من كان عدواً لدوداً أن ينقلب إلى صديق حميم، بتأثير الكلمة الهادفة، فيجب على المسلمين والمسلمات أن يتفطنوا لذلك"
(1) "
(1) سلوك المرأة المسلمة، محاضرة بالمصنفة بتاريخ 19/ جمادى الأولى / 1419 هـ، تسجيلات
الهلال. (1/217)
صفحة 218
من معالم الفكر التربوي
218}
عند الشيخ أحمد الخليلي
يمكن - من النص السابق - استخلاص عدة مبادئ فيما يتعلق
بالموعظة الحسنة هي: 1 - إن الموعظة تعني تذكير الإنسان بما يهدف إلى تحقيق مصلحته، ولا يختص توجيهها إلى المسلمين فقط، بل تكون لغيرهم من بني البشر، لأنها – باختصار - دعوة إلى الله.
2 - وصف الموعظة بأنها حسنة، والحسن هنا عام في ذاته، لفظاً ومعنى ودلالة، وفي أسلوب تقديمها كذلك، وإلا أصبحت موعظة خشنة قاسية، ولذا يؤكد الشيخ كثيراً على أن يكون سبك الموعظة من الكلمات الهادئة الهادفة، ويقول سماحته في رسالة وجهها إلى أهل المغرب: " فإننا لم نؤيد قط أسلوب الشدة في محاولة التصحيح، بل طالما نصحنا القائمين بذلك – من أبنائكم – بأن يترفقوا ويتلطفوا، وألا يدفعوا إلا بالتي هي أحسن.
(1)
والرسالة نفسها - على الرغم من طولها - جاءت مترجمة لهذا المبدأ التربوي السامي، ولم تغفل عنه لحظة، فعندما يوجه الشيخ توجيهاته إلى مخاطبه لا يوجهه بأسلوب مباشر أو بصيغة، أمر، أو ما يشعر بالجفاء، بل كثيراً ما يأتي بأسلوب الاستفهام، وهو أسلوب معدود من أساليب الحكماء، فتراه يقول بين الفينة والأخرى: "أرأيت أن لو كان كذا .. فما بال كذا .. ألا يرى الشيخ أن كذا .. سيؤدي إلى ........ إلى آخر ذلك.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموعظة الحسنة إذا عجنت بماء الحكمة، وأحميت بحرارة الإخلاص، وقدمت على طبق من البشاشة، فعلت فعلها في
(1) رسالة من سماحة الشيخ إلى أهل ميزاب بحوزة الباحث صورة منها،. (1/218)
صفحة 219
من معالم الفكر التربوي
+ {111} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
النفس البشرية، وذلك ما نقلته كتب السير عنه عليه أفضل الصلاة والسلام. وانتهج نهجه سماحة الشيخ. - حفظه الله - فإذا أراد نصيحة أحد من المتعلمين مثلاً استأذنه وانفرد به ويبدأ حديثه ببشاشة تتلألأ أنوارها في قسمات وجهه، معتذراً إليه في إبداء بعض الملاحظات أو الاستفهامات أو العتاب بصوت هادئ لا انفعال فيه ولا شدّة، بل برفق ولطف وسماحة، مبيناً ـ حفظه الله ـ حجته، شارحاً لمداخلاتها، موضحاً الإيجابيات وكاشفاً عن السلبيات، معدداً الكثير من مواقف الشخص المخاطب، التي تسند صحة ملاحظة الشيخ، وتؤيد سداد رأيه، فيجد المرء نفسه قد استحوذ عليها الشيخ، وأخذ بمجامع قلبه، وتلابيب أحاسيسه ومشاعره، لا يدري كيف تغلغل الشيخ إلى أعماق نفسه فطهرها، وتسلل إلى دواخل منعرجات نفسه فنقاها، ولنترك مجالاً لأحد المشايخ الفضلاء
يحدثنا
عن أحد م د مواقفه، يقول: ذات مرة جمعت العشاء مع المغرب جمع تقديم في جامع روي - حيث أكون مسافراً هناك – وكنت أنا إمام صلاة العشاء، وكان الشيخ حاضراً، فلما فرغت أقبل علي، فسلمت عليه، فقال لي: "هذه الحالة، إن كانت تسوءني من غيرك مرة، تسوءني منك ومن أمثالك مرات، أنتم تشجعون الناس على جمع الصلاتين، وتوهمون العوام أنه لا بد من الجمع في السفر، ما الذي يمنعكم إذا حضرت صلاة العشاء أن تصلوها حيثما حضرت ... ". وأنا محتار ماذا أقول، وإنما أكرر له قولي: " إن شاء الله، إن شاء الله ثم قلت له أخيراً: " إن شاء الله لن أعود" فابتسم لي وافترقنا .. ورغم أن لي بعض العذر في الجمع من جهة الصحة والاشتغال، لكن ظلت تلك العبارات تتردد في خاطري وجلست أقلب فكري في الموضوع، وأراقب حالة (1/219)
صفحة 220
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ
أحمد
الجمع المتكررة في جامع روي إثر كل صلاة ظهر وكل صلاة مغرب، فأدركت
أن الحالة تورث استياء شديدا ..
ثم حرصت ألا أجمع الصلاتين قدر الإمكان، خاصة في جامع روي
عدم
خشية من عدم تحقيق الوعد بعدم العود، وحرصاً على رغبة سماحته في وضع الإنسان نفسه موضع القدوة، وصرت أكابد متاعبي ومشاغلي مفضلاً الجمع أبداً على أية حال مهما كلفني الثمن، اللهم إلا في حالات الضرورة، وكانت النتيجة أني ازددت حرصاً على صلاة الجماعة حتى في حال الطريق، وصرت أوقت للجماعات في السفر لأحدد المسجد الذي ستحضرني فيه الجماعة، ثم حرصت أن أنصح من يجمع بعدم الجمع، خاصة من كانت له نظرة من قبل الناس، وعلى أية حال فقد أصبح الجمع لدي مما لا أحبه، لأنه أصبح يعني لدي الكسل وحب الدعة والنفور من العبادة، والتشجيع على الإهمال. وانعكس أثر الاهتمام بعدم الجمع على كثير من سلوكياتي وحفاظي على المواعيد، وكان لذلك أثر بالغ في تقوية عزيمتي وطاقتي الروحية، فقد كان ذلك دافعاً إلى الإكثار من صلوات النوافل، والتعلق بالمسجد في أوقات الصلوات الخمس، وها أنا الآن أشعر بسعادة غامرة بهذا التطور الجيد في حياتي الروحية، وأكثر من ذلك زاد حبي للشيخ وغبطتي بنصيحته لي، حيث نما لدي الشعور باقترابه مني واقترابي منه أكثر من ذي قبل .. لا سيما بعد أن ذكرت الحادثة لأكثر من شخص، فكانوا يقولون لي: أنت محظوظ بحظوتك لدى الشيخ، نحن نتمنى أن ننال من إرشاد الشيخ وتقويمه وتسديده وتصحيحه (1/220)
صفحة 221
من معالم الفكر التربوي
{221}
عند الشيخ أحمد الخليلي
للأخطاء مثل ما نلت لأننا نشعر بأنه مثل الوالد الذي يحرص على مصلحة
أولاده وتهذيبهم ... وينقل الشيخ خميس العدوي موقفاً آخر مشابهاً، يقول: كنت مرة في
مكتب الإفتاء والشيخ - حفظه الله - يهم بالخروج، فقال لي: إني بحاجة إليك، أريدك في موضوع فقلت سمعاً وطاعة، قال: إذن تذهب معي إلى البيت بالسيارة، قلت: بمشيئة الله، ثم تبين أن سائق سيارة المفتي غير موجود، فقال الشيخ: أذهب معك بسيارتك، فخرجنا وإذا بالسائق قد جاء، فقلت للشيخ: إذن الحقكم بسيارتي، فالتقينا في البيت، فأظهر لي أبوته وحنانه ورفقه، وعتب علي في موضوع، قديم، فطلبت منه مستقبلاً أن يعجل لي بالنصح، ولا يؤخره، فوعدني بذلك، ثم انهال علي بنوادره، وأقبل علي ما خلف بصدر منشرح، حتى مسح من أثر العتاب، فخرجت بالفائدة،
(1)
والشيخ أحب إلي من نفسي (1)
وحدثني الشيخ بدر اليحمدي قال: نصحني الشيخ مرة نصيحة شدد علي فيها، ولا أخفيك أني تأثرت من شدة وقعها علي، وتكدرت نفسي، فلما طلبت الإذن بالانصراف أحس الشيخ بانكسار خاطري، فقال: اليوم ستتناول الغداء معنا، قلت: أحسنت سماحة الشيخ، أرجو أن تعذرني، قال لي: أزعلت؟ وأصر على أن أتناول الغداء مع سماحته، وأخذ يحدثني
(1) لقاء المؤلف بالشيخ خميس العدوي، (1/221)
صفحة 222
من معالم الفكر التربوي
{222}
عند الشيخ أحمد الخليلي
حتى خرجت بعد الغداء وقد استل آثار تلك النصيحة من نفسي، ويقي نفعها (1)
وحكى لي الشيخ خالد الخوالدي، قال: كنت ألقي درساً في الجامع، وكان الشيخ حاضراً، لكنه من رفقه بنا لا يجلس قبالتنا، وإنما يكون خلف المتحدث متكناً على المنبر، وكان الدرس يتناول موضوع المزاح، وكنت أنطقها بضم الميم، وأستخدم اللهجة الدارجة أحياناً، وبعد صلاة العشاء طلبني الشيخ وانفرد بي، وأخذ يتحدث بكل حنان ورفق وتواضع، وسألني هل ضبطت لفظة المزاح؟ فقلت: نظرت في المعجم وأعني القاموس المحيط، فوجدتها بالضم، فقال: القياس يقتضي الكسر، ولكن لعلها جاءت على غير القياس، ثم أخذ يتحدث عن إهمال الناس للعربية، يقول: أصبح الناس الآن لا يهتمون بالعربية، وضرب لذلك أمثلة لما يقع فيه الناس من الأخطاء، كتكرار كلّما الشرطية في الشرط والجواب، وعدّد الآيات القرآنية التي ورد فيها جواب شرط كلما دون تكرارها، وبعض تلك الأخطاء في الحقيقة وقعت فيها أثناء الدرس. لكنه لحكمته ولطفه لم يشر إلى أني وقعت فيها، وإنما ترك استنباط
ذلك لي
(2).
4. القصة
القصة أسلوب تربوي مؤثر فقد جبلت النفوس على التذاذها والارتياح إليها، والانفعال بأحداثها، والاعتبار بوقائعها، والتأثر بدلالاتها في
(1) لقاء المؤلف بالشيخ بدر اليحمدي
(2) لقاء المؤلف مع الشيخ خالد الخوالدي. (1/222)
صفحة 223
من
معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
السلوك عامة، يقول سبحانه وتعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ
(1)
وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (1)
يشير الشيخ إلى أهمية هذا الأسلوب في التربية بقوله: " إن فيما قصه الله تبارك وتعالى في كتابه عن الصالحين وفي مقدمتهم أنبياء الله تعالى الذين اختصهم الله تعالى بمواهبه، ورفع من شأنهم ما فيه معتبر لأولي الألباب، فالمؤمن لا تمر به هذه القصص من غير أن يأخذ منها العبرة (2).
(2)
والعبرة عندما لا تتحول إلى واقع مؤثر في سلوك الفرد فما هي بعبرة في الحقيقة، وما يجدي التأثر العاطفي العابر إن لم يحدث أثراً واقعياً ملموساً في حياة الإنسان، بل عليه أن يترجم تأثره واعتباره إلى مبادئ ترسم منهجية حياته العملية. يقول سماحته في جواهره في معرض تفسير قصة آدم عليه السلام وإخراجه من الجنة: " وفي استحضار ذلك لمن تلا الآية أو تليت عليه موعظة وذكرى، وترسيخ لعداوة الشيطان في النفس، فإنّه هو الذي جرّ على أصل الإنسانية هذه المصيبة، فما أجدر الفروع أن تثأر لأصلها بمعاداة الشيطان و حزبه ومقاومة وساوسه والحذر من إغرائه وإغوائه، والسعي إلى تخييب سعيه في إضلال البشر، وقطع حبل أمانيه في إهلاكهم، وهذا أصل تربوي ناجح في إعداد النفوس لما يراد منها، إذ في تذكير الأولاد والأحفاد بمصائب
(1) سورة يوسف، الآية 111
(2)
جريدة عمان، ع 6783، بتاريخ 20 / رمضان / 1420 هـ، ص)
15 (1/223)
صفحة 224
من معالم الفكر التربوي
{224}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الآباء والأجداد تأصيل لكراهية من كان السبب في هذه المصائب، وقد اتبع
،
القرآن هذه الطريقة التربوية في أكثر من موضع من ذلك قوله تعالى: يا بني آدَمَ لَا يَفْتِنَكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِنَ الْجَنَّةِ (1) (2).
وأود هنا أن أوسي الحديث ببعض التطبيقات العملية لسماحته لهذا الأسلوب التربوي الفاعل، فهو - حفظه الله - موسوعة قصصية ثمينة نادرة، وكم توغل في أعماق القلوب بهذا الأسلوب، والقصص عند سماحته ـ كما سيتضح - قصص هادف يجمع العبرة والتوجيه، وبحث الهمم، وتنشيط العزائم، وصقل السلوك، وإبهاج النفوس، وقد يستخدم القصة ليحقق بها - في آن واحد - أهدافاً عديدة، بما وهبه الله من فطنة متوقدة، ومنحه من ذكاء حاد، واختصه به من أسلوب في السبك، ومما شاهدناه أنه – حفظه الله - يركز على المقاطع المهمة في القصة فيعيدها أحيانا بأسلوب آخر. وربما أتبع القصة شيئاً من التحليل لأحداثها؛ ليسهل للسامعين استيعابها، وبالتالي يحسن فهمها، وتتم أخذ العبرة منها، وتتحقق أهدافها.
يذكر الشيخ خالد الخوالدي قصة تشهد لما قدمته، قال: "حضرت مرة مجلس الشيخ وكان بالمجلس أحد طلبة العلم ومعه أحد الدعاة ممن يكبره سناً وفضلاً، وكان الداعية يقدم الطالب قائلاً: هو شيخنا وأستاذنا وكذا، ولم نلبث إلا برهة من الزمن، حتى أخذ الشيخ يقص لنا قصة الشيخ أبي زكريا مع
(1) سورة الأعراف، الآية 27
(2) جواهر التفسير 131/ 3. (1/224)
صفحة 225
من معالم الفكر التربوي
{225}
+
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ الثميني - رحمهما الله - من زيارته لجربة في تونس والدرس على علمائها، قال: " إن الشيخ أبا زكريا اتخذ صندوقاً يرمي به الرسائل التي ترد إليه دون أن يفتحها ويعرف ما فيها، حتى أخذ كفايته من العلم، فجاء إلى صندوق الرسائل، وأخذ في قراءتها الواحدة تلو الأخرى، فوجد ما وجد مما حل بأهله والأعزاء عليه، ولكنه حصل على نصيب وافر من العلم، ثم عاد من جربة إلى ميزاب؛ فقدمه شيخه في الفتيا، هكذا شأن علماء أصحابنا تواضعاً وفضلاً، لا حسد فيهم ولا رائحة لحب الظهور والريادة لا كما نجد عند غيرهم، فقد أن طالباً جاء إلى شيخه بكتاب مختصر ألفه في أصول الفقه، فقال له
روي
(1) "
شيخه: " لقد وأدتني حياً، هلا تركتني حتى أموت (1).
ويبدو أن القصة تحمل الدلالات التالية:
1 - الحث على طلب العلم والاجتهاد في الطلب.
-2 - اعتراف المشايخ لتلاميذهم عند نبوغهم في العلم.
تواضع الطلبة أمام شيوخهم.
4 - تنقية النفوس من الأمراض النفسية، والأرجاس القلبية.
ويستخدم الشيخ القصة كثيراً في محاضراته ودروسه لتحقيق الأهداف التي أشرت إليها سابقاً، مع ما يكون من تحلية الحديث وإكسابه الطرافة والجاذبية، وأذكر هنا بعض الأمثلة ليكون شاهداً مع ما أتيت به، فمن ذلك ما ذكره في حثه طلبة العلم على حفظ كتاب الله، قال: " عندما زرت الاتحاد السوفييتي آنذاك وذهبت إلى جمهوريتين من الجمهوريات الإسلامية، ورأيت
(1) لقاء المؤلف مع الشيخ خالد الخوالدي. (1/225)
صفحة 226
من معالم الفكر التربوي
226
عند الشيخ أحمد الخليلي
أوضاع المسلمين فيها .. ووجدت الأطفال الصغار يرددون " لا إله إلا الله " ووجدت من بين شبابهم شاباً ناشئاً عمره ثلاثة عشر عاماً، حفظ القرآن الكريم
وهو ابن ست سنوات، وعندما كان يقرأ القرآن الكريم حسبته خبيراً باللغة العربية؛ لأنه عندما يقف وقفاً اضطرارياً في جزء من آية، يبدأ من حيث يبدأ
المعنى، أي ترتبط المعاني في، تلاوته ولكن عندما كلمته بالعربية وجدته لا
(1) "
يعرف شيئاً من العربية قط (1).
(2)
" وقبل سنتين)، كانت مسابقة حفظ القرآن في مكة المكرمة، وكان
الفائز الأول شاب إنجليزي، حدثني من لقيه وكلّمه، فإذا به لا يعرف شيئاً من العربية (3).
ومن القصص ما ذكر سماحته في الرد على الذين يقولون بتأمين المستقبل قبل الزواج، في أن المستقبل بيد الله تعالى، ذكر قصة رجل أوروبي غني بلغ من الثراء مبلغه تزوج امرأة وأراد أن يتمتعا بشبابهما ولم يريدا شيئا من الأولاد، فاستخرجا حيواناً منوياً وبيضة، فمتى أرادا الولد يتم اللقاح بينهما، وخرجا بطائرتهما الخاصة، فتحطّمت بهما، فاختلف في الميراث لمن يكون؟ فأشار أحد المسؤولين بتلقيح البيضة بالحيوان، فوجدا فاسدين، فتلفت الأرواح والأموال" (4).
طشقند (1) القيادة في الإسلام الشيخ أحمد الخليلي، ص 53، واسم الشاب علي شيخان من
عاصمة أوزباكستان.
(2) أي من تاريخ إلقاء المحاضرة.
(3) حقوق الأولاد، شريط 91/ج، بمعهد العلوم الشرعية
(4) الإيمان مفهومه وتطبيقاته، شريط 66 /ج. بمعهد العلوم الشرعية (1/226)
صفحة 227
من معالم الفكر التربوي
{227}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ومن ذلك ما ذكره في حاجة الفكر والسلوك إلى العقيدة الصحيحة، من مشاهداته في زيارته لإحدى الدول الشيوعية يقول: " رأيت ما رأيت من المآسي التي يعيشها الإنسان هناك في ظل النظام الشيوعي، فالإنسان مسلوب الحرية، يتحرك كما تتحرك الآلة عندما نضغط على الأزرار. فالناس يستيقظون في ساعة معينة، وليس لأحد الاختيار في الاستيقاظ، وإنما هو أمر مفروض على جميع الناس، ثم عليهم أن يمارسوا الرياضة لمدة معينة، وبعد ذلك يتناولون وجبة الإفطار في لحظة معينة، ثم على كل أحد أن يغدو إلى عمله بالوسيلة التي تنقله على حسب ما أريد له لا ما يريد بنفسه، ويبقى في عمله من السابعة صباحاً إلى الخامسة مساء، تتخلل ذلك وجبة الغداء لمدة نصف ساعة، وفي الإفطار والغداء والعشاء لا يسمح للإنسان أن يأكل ما يشتهيه، بل ما يشتهى له، وليس للإنسان أيضاً أن يختار الملبس الذي يريده بنفسه بل ما يراد له. وعليه أن يتحرك وفق ما يراد له لا ما يريد بنفسه، فليس لأهل منطقة أن ينتقلوا إلى منطقة أخرى لزيارة أو سياحة إلا إذا أريد له ذلك، فلو أراد لما وجد وسيلة النقل لأن البطاقة الممنوحة له لا تسمح له بالسفر إلى أي منطقة، ثم لا يجد مأوى ولا طعاماً إن وجد المأوى، وإلى الآن الناس هناك لا يعرفون الماء البارد، وقد وقعت في أمر عجيب بنفسي طلبت ماء للشرب وجيء إلي بالشاي بدل الماء، فقلت أريد ماءً، فجيء بماء ساخن يغلي، فسألت عن سبب ذلك، كيف لا يطعمون الماء البارد؟ فأجيب: بأنهم عودوا ذلك، لأنهم لو عودوا الماء البارد لاحتاج كل عشرة على الأقل إلى ثلاجة ... وهم يشربون (1/227)
صفحة 228
من معالم الفكر التربوي
{228}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشاي بدون السكر، لأي شيء؟ أجابوا أنهم لو عودوا استعمال السكر
لاحتاج كل واحد منهم - على الأقل - إلى جرامين من السكر ...... ثم انتقلت بالطائرة مسافة لم تأخذ أكثر من ساعة، فوجدت الحياة تختلف رأساً على عقب، حيث وجدت ظلم الإنسان يتجلى هناك، فالناس بين متخم وجائع يكابد المسغبة طول حياته، فبينما كنت أشاهد العمارات الشاهقة التي تعانق السحاب، وتناغي النجوم، وقد قيل لي قد يملك العمارة فرد واحد، وهذه العمارة قد تتكون من مائة، دور والشقة الواحدة تؤجر بما يساوي أربعة آلاف ريال عماني في الشهر، وهناك بجانب ذلك قطعان من البشر لا تجد المأوى، فرأيت جماعة لم يجدوا حتى أكواخاً يأوون إليها، بل منهم من يأوي في الليل إلى قوارب الصيد في البحر، ومنهم من يأوي إلى هياكل السيارات فهم لم يجدوا ما يقيهم لفح الحر في الصيف، وقوة البرد في الشتاء،
المتحطمة،
فلذلك شاعت الأحقاد، فشاعت الجريمة حتى أنها تقاس بالثانية " (1)
فالشيخ يستغل القصة في زرع الإيمان ومفهومه الصحيح في نفوس الناس ويذكرهم بالله سبحانه وتعالى ويقوّي قناعتهم بالمبادئ الإسلامية وجدواها في حل معضلات الناس، وإنقاذهم من المشكلات .. وربما أوضح الشيخ غرضه من القصة بأسلوب لطيف لا يشعر به المتلقي بقدر ما ينغرس في نفسه المعنى، ويتحقق المراد، فقد كنا مرة جلوساً لديه في مكتبه فحدثنا عن قصر لأحدهم، وأن فيه ما يقارب ألفين وخمسمائة غرفة عدا القاعات
(1) حاجة الفكر والسلوك إلى العقيدة، 64/ج. (1/228)
صفحة 229
من معالم الفكر التربوي
{229}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الضخمة .... ثم قال: " هل الشعور بالموت ومفارقة الحياة عند رجل يسكن
هذا القصر، ورجل يسكن في خيمة شعور واحد".
ه ضرب الأمثال
للعيان،
المثل من التمثيل، وهو أسلوب قرآني، فكثيراً ما يضرب الله الأمثال في
(1)
القرآن " كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ ((1) يقول سماحته: " ومن فوائد الأمثال ترسيخ المعاني في الأذهان، وتقريب الحقائق حتى تكون كالصور البارزة ومع ذلك ففيها إيجاز للقول بعد الإطناب، وإجمال بعد التفصيل، فإن المعاني إذا قدمت في عبارات متفرقة ربما تتشتت في الذهن، فإن جمعت في الأمثال كان ذلك أدعى لأن تعيها الأذهان وترتسم في الأدمغة، على أن الوهم قد يكابر العقل في المعقولات ولكنه أضعف في المكابرة من المحسوسات. فإذا ما أبرزت الحقائق المعنوية في عرض الصور المحسوسة كان ذلك أدعى لأن تتضاءل
(T)=
الأوهام، وتتبدد الشبه، فتستسيغ العقول تلك الحقائق المجلوة بدون تردد (2). ويقول أيضاً: " وضرب الأمثال شائع عند العرب وهو مما يزيد المعاني رسوخاً في الأذهان وانكشافاً حتى تتجسد كالصور الماثلة للعيان، ومثل كل شيء بحسب حاله، فالعظائم تمثل بالعظائم والمحقرات تمثل بالمحقرات، وذلك لا يشين الكلام، ولا يحط من قدره (3).
(1) سورة الرعد، الآية 17
(2) جواهر التفسير 371/ 2.
(3) السابق 484/ 2، وانظر إطالة الكلام فيه ص 490. (1/229)
صفحة 230
من معالم الفكر التربوي
{230}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وينبه الشيخ أن الأمثال بحاجة إلى الدقة في الانتقاء والحبك، وحسن
الاستشهاد كالدقة في قوة الارتباط بين المثل وموضع ضربه، وعمق الصلة بينهما، حتى يتحقق الهدف المنشود.
لهذا كله كثيراً ما يستخدم الشيخ ضرب المثل في ترسيخ المفاهيم، فمن
الأمثلة على ذلك قوله:
(1)
1 - " مثل الحياة كمثل القاطرة التي لا تتوقف في جميع الأحوال، وهي تسير سيراً حثيثاً، وعندما يصل أحد إلى النقطة التي كتب له أن لا يتجاوزها يخر من هذه القاطرة بدون توقف.
2 - " إن الأنفاس مثلها مثل السقاء الذي حُلّ، وكاؤه، وتتقاطر قطراته باستمرار حتى تنتهي هذه القطرات أو مثل عقد حُلِّ نظامه فتتساقط خرزاته باستمرار حتى تنتهي ". - " مثل الناس في الحياة الدنيا كمثل السجناء يعيشون بين أسوار السجن، وقد حكم عليهم جميعاً بالإعدام، ولكن لا يعرف أحدهم اللحظة التي ينفذ
حمله
فيها الحكم". إن المثل قد يحمل في طياته - إن حسن انتقاؤه - ما يعجز عن الخطاب الطويل من دلالات، فربما استطاع الإنسان بضرب المثل الرد على مناظر يناظره فيفحمه، أو التخلص من سؤال محرج، أو لفت الانتباه إلى أمر أو الإجابة المقنعة التي تسكت المتسائل أو تنقله إلى مستوى الشك، أو مهم،
تتركه يعمل عقله بتكرار النظر في المثل ليصل إلى الغاية والمراد.
(1) الإيمان باليوم الآخر، محاضرة رقم 32/ج. (1/230)
صفحة 231
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
المحاضرات والمطلب
هي خطاب بليغ يلقى بلسان فصيح يجلي حقائق معينة، وله مواصفات تميزه
عن أنواع الخطاب الأخرى، كالدروس والمواعظ وما شابهها.
وقد اكتسبت المحاضرات أهمية بالغة في العصر الحاضر بسبب تلاطم الأفكار المطروحة، وتزاحم النظريات في توجيه عجلة الحياة المتطورة بسرعة فائقة، والمتسارعة بدرجة عالية، وقد انفتح العالم على أكنافه حتى أصبح كالدرهم في يد الصيرفي يتأمله كيف يشاء، وبسبب هذا التداخل المتشابك بين أمم الأرض - مع تفاوت حضارتها وتمدنها - أصبح كل فريق يدلي بدلوه بقدر
صولته المادية والمعنوية، ومنهجية طرحه لمبادئه وأسسه في توجيه حياته. وإذ احتلت المحاضرات والخطب هذه المكانة في توجيه الفكر المتحكم في السلوك، فقد أولاها سماحته عنايته الكبيرة منذ وطئت قدماه ثرى عُمان. وتصدر حلقات العلم بها، بعد أن امتطى صهوة الخطابة، وصال بها وجال في ميدان الفصاحة والبيان، وهو ابن اثني عشر ربيعاً يوم كان بزنجبار.
يقول الشيخ أحمد بن سعود السيابي، وهو أحد طلبة العلم لدى الشيخ الخليلي في مسجد " الخور " بمسقط: " لما كنا في مسجد الخور، كان الشيخ الخليلي يحثنا على إلقاء الكلمات، بل يفرض - أحياناً - على بعض الطلبة أن يلقوا كلمات بعد نهاية الدرس، وكذلك إذا زارنا أحد من الخارج يفتح لهم (1/231)
صفحة 232
من معالم الفكر
+
{232}
عند الشيخ أحمد الخليلي
المجال للإلقاء، كما ذكر أن الخطابة والإلقاء من أهم المعالم المميزة لمدرسة الشيخ الخليلي الحديثة، مقارنة بالمدارس الفكرية السابقة في عُمان (1).
يبين الشيخ الخليلي أهمية هذا العنصر التربوي في مواقف عدة، يقول في أحدها: " الخطابة سواء كانت بالعربية أو كانت بغيرها عندما تكون بعبارة مؤثرة، فيها عرض للحقائق، وفيها بيان الحجج والأدلة يكون لها تأثير كبير
(2)
حتى على الأعداء أنفسهم، ولهذا أنزل الله سبحانه القرآن بأبلغ العبارات) ويرى سماحته من أهم وسائل امتلاك الخطابة والإلقاء بعد وجود العلم
والثقافة:
1 الطموح والرغبة)، وهما لا ينتجان إلا عن طبع متأصل في تلك الشخصية، أما من كان أصل طبعه لا ينسجم مع هذا المطلب فلا يتولد
لديه الطموح بلا شك.
(1) لقاء المؤلف مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي. (2) الدعوة إلى الله محاضرة بمعهد العلوم الشرعية رقم 9/
(3) لقاء المؤلف مع سماحته (1/232)
صفحة 233
من معالم الفكر التربوي
السير
(1)
(2)
233
عند الشيخ أحمد الخليلي
2 - التدرب، وقد نوه حفظه الله - بأهمية التعود على الخطابة، وذكر قصة الرجلين الذين زارا أبا مودود في بيته كما أوردها الشماخي في كتابه "، كما ينبه سماحته المتدرب أن لا يقنط إذا لم يكن مستوى أدائه على حسب طموحه ورغبته في أداء المعنى، ولم ينقل تصوراته على أكمل، وليعلم أن ذلك مشترك بين جميع الخطباء، يقول: " والناس مهما أوتوا من ملكة البيان فبيانهم لا يفي بما في نفوسهم من التصورات، فقد تنساق في نفس أحدهم المعاني الكثيرة، فإذا جاء يعبر عنها أخفق في التعبير، وجاء بيانه دون ما يرمي إليه، وهذا لأن فنيّة التصوير تكون دائماً أقل من عمق التصور، وهذا أمر مشترك بين جميع البلغاء لا فرق فيه بين
وجه،
العرب وغيرهم"
(T)"
ولكي ترقى الخطابة في سلم التأثير وقوة الإبلاغ ينبغي على الخطيب التركيز على ما يلي: أ - أن تشتمل المحاضرة أو الخطبة على خطاب القلب والعقل معاً، يقول سماحته: " فالحديث إذا كان حديث إقناع فيه خطاب للعقل والقلب، إقناع للعقل والوجدان معاً، هذا الحديث هو الذي يجعل الناس تتفاعل معه تفاعلاً تاماً، فلذلك يجب على الدعاة أن ينهجوا هذا النهج، عليهم أن يعرضوا الحقائق عرضاً دقيقاً، عرضاً آخذاً شيقاً)).
(1) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي
(2) الدعوة إلى الله - محاضرة بمعهد العلوم الشرعية، رقم 9 /أ
(3) جواهر التفسير 75/ 1.
(4) الدعوة إلى الله محاضرة لسماحته بمعهد العلوم الشرعية، رقم 9/ 1 (1/233)
صفحة 234
من معالم الفكر التربوي
1234}
+
عند الشيخ أحمد الخليلي
ب - تفاعل الخطيب مع ما يقول؛ فإن تفاعل المتحدث مع الكلمات التي
يقولها تفاعلاً تاماً،
ا يؤثر الأثر الكبير، وقد كانت خطابته أقوى ما تكون،
فعندما كان يخطب في الناس ينفعل ويتأثر بما يقوله، حتى يكون كأنه منذر
جيش
(1).
جـ - حسن العرض وجودة الأداء: يقول سماحته: " إن حسن الأداء وسيلة من وسائل الإبلاغ والله تبارك وتعالى لحكمة أنزل الكتاب بهذه العبارات البليغة التي حيرت الألباب، حتى تطأطأت رؤوس أهل الجاهلية أمامها، فلذلك من الضرورة أن يحرص الإنسان على أن يكون الأداء بقدر المستطاع بعبارة تؤثر على النفوس وتجتذبها بعبارات مؤلفة غير منفرة، ومبسطة غير معقدة، وقد تقدّم حثه للدعاة أن يكون عرضهم للحقائق
عرضاً شيقاً.
(2)
وليقرن سماحته حديثه النظري بالواقع ينقل للمتلقين حادثة وقعت في العصر الحاضر، تبين مدى تأثير الخطابة في نفوس المخاطبين وإن كان خصوماً ألداء، وبالتالي قد تغير الواقع، وتقلبه إلى ضده، هذه الحادثة هي ما كان من الخطيب الهندي أبي الكلام أزاد (أحمد خير الدين الذي خطب أمام المحكمة الإنجليزية إثر اتهامه بمحاولة زعزعة السيادة البريطانية في الهند، يقول سماحته: أبو الكلام أزاد كان خطيباً مفوّهاً، بلغات مختلفة، وكان ذا أثر كبير إذا خطب، وفي عام 1339 هـ ألقي القبض عليه من قبل الحكومة البريطانية، وحاكمته أمام
(1) السابق، رقم 9 / أ
(2) لقاء المؤلف مع سماحة الشيخ (1/234)
صفحة 235
من معالم الفكر التربوي
{235}
عند الشيخ أحمد الخليلي
محكمة بريطانية، كان رأسها إنجليزي وفيها قضاة آخرون، حوكم بتهمة التحريض ضد السيادة الإنجليزية في الهند وكان يحاكم بقانون (124) الذي فيه عقوبة الإعدام لكل من يحاول أن يزعزع السيادة البريطانية، فلما أتي به إلى قفص الاتهام وقرئ عليه سجل الدعوى التي قدمت ضده، أجاب بخطاب بليغ مؤثر شجاع جريء جداً، والخطاب منشور في مجلة " ثقافة الهند " العدد الخاص الذي صدر في يناير عام 1958 م بعد وفاة أبي الكلام أزاد الذي خصص للكلام عن حياته، وجاء هذا الجواب في ست وثلاثين صفحة من صفحات المجلة، وكان من ضمن ما قاله في خطابه هذا:
نعم إني قلت: إنَّ الحكومة الحاضرة ظالمة، وإن لم أقل ذلك فماذا أقول يا ترى؟ إني لأعجب كيف يطلب مني أن أسمي الشيء بغير اسمه، وأن أدعو الأسود بالأبيض، إني، مسلم ولأجل أني مسلم وجب علي أن أندد بالاستبداد، وأقبحه وأشهر مساوءه، إن الإسلام أعلن حقوق الإنسان قبل استقلال فرنسا بأكثر من أحد عشر قرناً، ولم يكتف بمجرد الإعلان، بل وضع
نظاماً لجمهورية الحق، ولعمري إن مطالبة المسلم بأن يسكت عن الظلم، ولا ظلماً يسميه مثل مطالبته بأن يتنازل عن حياته الإسلامية، فكما لا ترون لأنفسكم الحق بأن تطالبوا المسلم بأن يرتد عن دينه، فكذلك ليس لكم أن تطالبوه بأن يسكت عن الظلم ولا يسميه ظلماً، لأن معنى كلتا المطالبتين واحد"، واستمر حتى قال: "ألا فلتعلم الحكومة الإنجليزية أن المسلم الذي أمره ربه أن يرحب بالموت الأحمر، ويتغلغل في لحج الدواهي والكوارث، ولا يقبل (1/235)
صفحة 236
من معالم الفكر التربوي
+ {17"}
عند الشيخ أحمد الخليلي
السكوت على الظلم، لا يخيفه قانون (124) من العقوبات الهندية، ولا يمنعه من التصريح بالحق وتسمية الظلم ظلماً.
وكشف عن جانب كبير - بما بهر أولئك السامعين - من مناقب الإسلام، ومواقف المسلمين الأوائل، وجرأتهم بجانب إلقاء كلمة الحق، ولو في أحرج المواقف وأدقها، وذكر بعض المواقف لأبطال الإسلام أمام الحكام المسلمين الذين انحرفوا عن طريق الحق، كيف كانوا يواجهونهم بالحق بدون مبالاة، وذكر أنه إن كان الحكام من أهل هذه الملة قد ووجهوا بمثل هذه
المواجهة، فماذا تنتظر الحكومة الإنجليزية منا وهي على غير ملتنا؟!. ثم بعدما نفض كنانته التفت إلى القاضي فقال له: "وأنت أيها القاضي، ماذا عسى أن أقول لك، إلا كما قال المؤمنون من قبلي في مثل موقفي هذا " فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضِ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيا (1) فاندهش القاضي، وتأثر الآخرون بخطابه، فأخر تنفيذ الحكم، وسجن لفترة مؤقتة، وبعد عامين أطلق سراحه، وظل يواصل إصدار مجلة الهلال التي كانت كلماتها قذائف من
نار.
(Y)"
هذا أثر الخطابة، فالجرأة في القول، ورصف الكلمات وغزارة معانيها،
مع
وبلاغتها في تأدية هذه المعاني، مع تفاعل المتحدث الكلمات التي يقولها تفاعلاً تاما، أثر الأثر الكبير على الحكومة الإنجليزية حتى خفضت العقوبة، والرجل نفسه اختلف في وقت من الأوقات مع "غاندي" وكان يعارض تقسيم
(1) سورة طه، الآية 72
(2) الدعوة إلى الله، محاضرة لسماحته 1/ 9 (1/236)
صفحة 237
من معالم الفكر التربوي
ہے {237} عند الشيخ أحمد الخليلي
في الحزب
الهند إلى الهند وباكستان ولعل نظرته كانت صائبة انكشفت الآن بعد أن انقسمت إلى شرقية وغربية، فلعله كان يهدف إلى خير من وراء هذا على رغم أن كثيراً من علماء المسلمين حملوا عليه، وهو وإن كان داخلاً الوطني مع غاندي إلا أنه كان لا يبالي أن يقول كلمة الحق بكل جرأة أمام غاندي نفسه، فقد اختلف مرة معه، فألقى أبو الكلام أزاد خطاباً هز الحزب الوطني هزاً، وما جاء مساء ذلك اليوم حتى قام غاندي نفسه إليه وقال: "هاكم المذنب يعود تائباً لمولانا". (1)
هكذا يكون تأثير الخطاب، فلا بد أن يكون قادراً على إيصال الحقائق
التي يجليها للناس إلى أذهانهم، ولا بد أن يكون قادراً على التأثير عليهم من
خلال كلامه البليغ الذي يخاطب به الناس.
الحداد
يقول سماحته مبيناً أهمية الحوار والمناقشة الهادئة: "وقد ظل النبي
?
يعرض الإسلام على الناس بحسن الأسلوب وهدوء المناقشة، وسماحة الحوار،
ولم ينفك عن هذا المسلك إلى أن قبضه الله إليه، وقد مضى أصحابه من بعده
في نفس هذا الطريق "
(2)
ويقول في معرض الحديث عن مسائل الخلاف بين الأمة الإسلامية: "نحن لا تمنع أن يكون هناك حوار في هذه الأمور التي ربما وقع فيها
(1) السابق 1/ 9
(2) جواهر التفسير 140/ 4 مخطوط (1/237)
صفحة 238
من معالم الفكر التربوي
+ {YYA}
عند الشيخ أحمد الخليلي
خلاف بين الأمة، مع حسن الظن بحيث يحسن كل فريق ظنه بالفريق الآخر، على أن يكون هذا الحوار هادئا وهادفا، لا أن يكون لأجل التشهير أو لأجل غلبة فريق على فريق، بل عندما تكون النوايا صافية ويكون الهدف واضحا، وتكون الغاية هي جمع الكلمة، لا ريب أن الحوار بهذه الطريقة يؤتي ثماره، ويؤدي إلى نتائج إيجابية بمشيئة الله سبحانه وتعالى
والذي يبدو لي أن توجّه القوة الغالبة المتحكمة في العصر الحاضر هو إشاعة مبدأ الحوار مع الآخر، وهذا المبدأ حسن في ذاته، وأصيل في أساسه غير إن كثيراً ممن يصرفون دقة المدنية بسبب غلبتهم؛ فرضوا على أسس الحوار وجهات نظرهم الخاصة، وأطروه بما يخدم مصالحهم الذاتية، ناهيك عن إلغائه البتة أحياناً إذا كان الحوار يعرّي دواخلهم، ويكشف سوءاتهم، ويبين عن مساوئهم، ويفصح عن فضائحهم، ويفضح خططهم، ويظهر مكنوناتهم، ويجلي حقائق مقاصدهم. لذا كان الاهتمام بالحوار مع كونه مطلباً إسلامياً دينياً، هو مطلب عصري كذلك، وكثيراً ما يشجع عليه سماحته، قولاً وعملاً، يقول السيابي: إن الشيخ تعجبه المحاورة والمداولة والدليل، فإذا أبدى رأياً ما فقلت له: يا شيخ هذا فيه كذا وكذا والدليل كذا ينشرح صدره، ويقبل عليك مسروراً، ويدخل معك في حوار هادئ، وهو يشجع عليه ولا يتبرم منه أبداً، بل يعده من السمات الحسنة التي تدل على إطلاع الطالب () ومن المواقف الحوارية اللطيفة
(2)
(1) لقاء مع الشيخ الخليلي في " واحة المستمعين " الإذاعة العمانية، بتاريخ 21/ جمادى
الآخرة 1421 هـ / 2000/ 9/19 م
(2) لقاء المؤلف مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي (1/238)
صفحة 239
من معالم الفكر التربوي
{239}
عند الشيخ أحمد الخليلي
التي نبه بها سماحته طلبة العلم في العصر الحديث حواره مع الشيخ ابن باز يقول سماحته في غرة شهر جمادى الأولى من عام 1406 هـ سافرت مع
:
مجموعة من مشايخ العلم إلى المملكة العربية السعودية، تلبية لدعوة كريمة
،
وجهها إلي معالي وزير العدل السعودي وفي اليوم الثاني ليوم المغادرة من عمان توجهت مع المجموعة إلى مكتب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، وقد كنا ونحن نسعى إليه تدور بأدمغتنا أمور شتى، تتعلق بالأمة الإسلامية ومصالح المسلمين، نريد أن نبحثها معه، ولكن ما كدنا ندخل مكتبه ويلتقي بنا، حتى دخل بنا إلى حجرة ضيقة، مع رجل واحد من أصحابه فقط والمجموعة التي كنت معها، وهناك ابتدأ يتحدث عما سمعه من فتواي فيما يتعلق بالرؤية، ويتعلق بخلق القرآن وقال: إن عليكم أن ترجعوا إلى عقيدة الحق، فإن الإباضية والمعتزلة والشيعة والخوارج والأشعرية في مسألة الأسماء والصفات" هم ضالون مضلون، فيجب عليكم أن تتخلصوا من عقائدهم وأن ترجعوا إلى عقيدة الحق، وأخذ يتهجم على المسلمين كأنما الحق حصر فيه، وفيمن تبعه على رأيه وكأن من تحت السماء ومن فوق الأرض، الكل من أهل النار ما عداه وما عدا من وافقه على رأيه. فأجبته شاكراً على هذه النصيحة، ثم قلت له: إن هذه القضايا الخلافية لكل أحد فيها حجته، ولكل أحد فيها دليله والخلاف فيها ليس وليد الأمس واليوم، وإنما هو منذ قرون متطاولة، وما دمتم تريدون توحيد هذه الأمة على عقيدة واحدة، فإنني أقترح أن نلتقي في حرم الله سبحانه وتعالى بجوار الكعبة المشرفة، حيث تعقد ندوة لحوار هادئ هادف، بعيد عن كل تشنج وكل انفعال، على أن يكون هذا
" (1/239)
صفحة 240
من معالم الفكر التربوي
عناد الشيخ أحمد 240} جـ
الحوار مفتوحاً لكل من أراد أن يحضره، ومفتوحاً لمراسلي وكالات الأنباء الإسلامية وغيرها؛ لنقل وقائعه إلى القراء، وأن تنقله إذاعة صوت القرآن بمكة المكرمة والتلفزيون السعودي، ويسمح لكل إذاعة في العالم ولكل محطة تلفزيون في العالم بنقله عبر الأقمار الصناعية؛ ليكون النقاش تحت سمع العالم وبصره، فأجابني: بأن هذا إشاعة للبدع، وهذا أمر لا يجوز. قلت له: لا، إن هذا قضاء على البدع، فإن البدعة عندما تتضاءل شبهتها أمام حجة الحق، لا يبقى لأي أحد عذر في التعلق بها فقال: لا فقلت له: أرأيت أن لو جاءك يهودي أو نصراني أو صاحب مبدأ آخر، وجادلك في الإسلام أما كنت توافقه على النقاش العلني؟ قال: نعم، لأن في ذلك دعوة إلى الإسلام. قلت له: وفي هذا أيضاً دعوة إلى الإسلام النظيف الخالي من البدع والشبهات. فقال: إن أصحاب البدع لا ينفكون عن بدعهم مهما كان الأمر. فقلت له: لقد تبين ذلك من موقفكم الآن الذي وقفتموه، وأخيراً بعد أخذ ورد، أصر الشيخ إصراراً على موقفه الرافض لما دعوته إليه، فقلت له: إن هذا الإصرار لا يمكن أن يفسر إلا أنه إفلاس من الحجة، وعجز عن إقامة البيئة، فإن صاحب الحق لا يكون هياباً ولا جباناً، بل صاحب الحق يجرؤ على إظهار الحق الذي يعتقده، وخرجت من عنده وهو غضبان، فأعجب لماذا يصر سماحته على الرفض، إن كان يعتقد ما عنده هو الحق، وما عند غيره هو الباطل؟ ولماذا يشنّع من وراء الجدر؟ إن حجة الحق يجب أن تكون ظاهرة جلية لا تواريها الجدر، والمناظرة في (1/240)
صفحة 241
من معالم الفكر التربوي
{241}
عند الشيخ،
أحمد
مثل هذه القضايا يجب أن تكون ظاهرة؛ لأن المستمع والمشاهد هو الحكم إذا ما
سمع حجة الحق تدحض شبهة الباطل.
الثواب والا
(1)
تقدم أن الله سبحانه وتعالى هو المربي الحق لعباده، وقد وعد الموجهين لسلوكهم في الحياة الدنيا وفق أحكام الشرع الشريف بجنات عرضها السموات والأرض، كما توعد المتفلتين من قيود أوامره سبحانه بنار تلظى لا يفنى عذابها، ولذا يعيش المؤمن راجياً من ربه الثواب، خائفاً من العذاب، فبذلك
(T)"
يصبح الرجاء حافزاً على عمل الخير، والخوف زاجراً عن عمل الشر (2) ويقول
سماحته في جواهر التفسير: في الآيات القرآنية الواصفة للمؤمنين بالخوف والآمرة به، وفي أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ما يكفي دليلاً على أن الخوف من الله كرجائه تعالى، من أهم واجبات الدين فيهما يستقيم أود النفس، وتنزجر عن المعاصي، وتسابق إلى الخيرات وإذا كان النبيون أشد خوفاً من الله – كما ثبت في الحديث - فما بالكم بسائر المؤمنين، على أن خوف كل أحد إنما هو بقدر علمه وإيمانه" (3)
(3)
(1) الرد على فنوى الشيخ ابن باز، محاضرة بجامعة السلطان قابوس، بثها التلفزيون العماني
، وهي محاضرة متداولة.
(2) لقاء المؤلف مع الشيخ أحمد الخليلي
(3) جواهر التفسير 158/ 3 (1/241)
صفحة 242
من معالم الفكر التربوي
? {Y{Y}
عند الشيخ أحمد
إن النفس الإنسانية وهي تشق غمار هذه الحياة تعترضها الكثير من العقبات الموهنة عن السير قدماً في طريق الاستقامة، فكان لزاماً على الإنسان
مجاهدة نفسه، وتربيتها تربية تثبت بها على طريق الإيمان ماضية إلى رضوان الله، ولا شك أن الإنسان بعد تربية نفسه، وتعهدها باستمرار، يمد يده إلى إخوانه المسلمين فيعينهم على الطاعة باتباع هذا الأسلوب من الترغيب في الثواب والتخويف من العقاب، فإن عباد الله تعالى "بحاجة إلى تربيتهم بالترغيب والترهيب، وإيقاظ الشعور بالخوف والرجاء في نفوسهم، لينشطوا للأعمال الصالحة بباعث الرجاء، وليحاذروا الأعمال السيئة لداعي الخوف" (1) وبالتالي يعم الصلاح في المجتمع، فإن صلاح المجتمع معين على صلاح الأجيال وعلى استمرارهم في الاستقامة على أمر الله تعالى. ينبه الشيخ إلى أن أسلوب الترغيب والترهيب متفاوت الأثر في نفوس الناس، وذلك لتباين طبائعهم يقول والناس متباينون في طبائعهم، فمنهم من هو أسرع تأثراً بالتشويق ومنهم من يتأثر بالتخويف، ومنهم من يدفعه
(T)"
التشويق إلى المسارعة إلى الخيرات، ويمنعه التخويف من ارتكاب الموبقات ويستفاد من ذلك أن على المربي مراعاة الأسلوب الأجدى في التربية، فقد ينفع الترغيب أحياناً ولا يجدي الترهيب، وقد يكون العكس، ومن الناس من لا يشعر بأهمية ما يخاطب به إلا إذا اقترن بالعقاب، ومنهم من يتغير سلوكه جذرياً إذا ما أثيب على ذلك السلوك ولو بكلمة طيبة، وهذا يدعونا بإلحاح إلى
(1) جواهر التفسير 231/ 1
(2) السابق 263/ 2 (1/242)
صفحة 243
من معالم الفكر التربوي
ہے
{243}
عند الشيخ أحمد الخليل
الحديث عن الثواب والعقاب بوصفهما أسلوباً تربوياً في تقويم السلوك الإنساني، في الحياة الدنيا.
1 - العقاب: ويكون حسياً كالضرب والحبس وما أشبه ذلك، أو معنوياً كالتهديد، والحرمان من المكافأة وما أشبه ذلك، والجامع بين النوعين الأثر النفسي الحاصل منهما، فإن العقاب الحسي لا بد أن يكون له أثر نفسي، وربما كان أبلغ في الزجر من العقاب الحسي، وذلك مما هو معلوم لكل أحد، غير أن العقوبات إنما تأتي بعد فشل محاولات الإصلاح التربوي، يقول سماحته: "ولم تشرع العقوبات المتنوعة في الإسلام إلا لردع الذين يشدون عن منهج الحياة الإسلامية السليم، وهؤلاء هم الذين لم يُجد فيهم الإصلاح التربوي؛ بسبب شذوذ طبائعهم عن الفطرة الإنسانية السليمة" (1) وهي مؤدية حتما إلى صلاح المجتمع الذي يعين الإنسان على إصلاح نفسه، واستمرار استقامته حين يرى استقامة المجتمع الذي يعيش فيه، يقول سماحته في مشروعية العقاب: " لئلا يجد المجرمون الباب مفتوحاً أمامهم للعبث
في الأرض وسفك دماء الأبرياء كما شرع لأجل صون الأعراض
) ويقول: "وليس هو مجرد سياط لاذعة، وسيف صارم. كما يحلو للبعض -
وإنما هو تربية للضمير الإنساني
(T)"
(1) جواهر التفسير 92/ 1
(2) السابق 93/ 1
(3) السابق 98/ 1 (1/243)
صفحة 244
من معالم الفكر التربوي
244}
عند الشيخ أحمد الخليلي
هذا وتتفاوت درجة العقاب بتفاوت الذنب، وبقدر عظم المخالفة، ثم حسب نفسية المعاقب، ومنزلتها من الصفاء والشفافية، فقد يكون العقاب بسيطاً لإنسان سريع التأثر، سهل الازدجار نادر الخطأ، وقد يكون قاسياً لمن
كانت طباعه خلاف ذلك، وكما يقول المتنبي:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
مضر كوضع السيف في موضع الندى
ويشير سماحته في معرض حديثه عن تربية الأولاد إلى كيفية استخدام أسلوب الضرب قائلاً: الضرب" ليس في كل شيء، يوجه أولاً، فإن أصر على موقفه يزجر، ثم بعد ذلك يضرب ضرب الأدب، وهو الضرب الذي لا
(1) w
يبرح ولا يجرح ولا ينحصر الترهيب في العقاب وحده، بل يكون بالموعظة الحسنة، سواء ما يتعلق بالدار الآخرة والموقف العظيم أمام رب العالمين، أو ما يجره سلوك العبد من النتائج السلبية عليه، وعلى أسرته ومجتمعه، وبيان العواقب الوخيمة، وما سيحيق به من الجزاء من قبل أولي الأمر إن فعل هذا، أو امتنع عن ذلك، وسألت سماحته عن العقاب المالي كالأخذ من أموال المعاقب
فأجاب قائلاً: "لا .. فمال المسلم له حرمة" (2)
،
(1) دور الآباء في تربية الأبناء، رقم 1/ 181 (2) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي (1/244)
صفحة 245
من معالم الفكر التربوي
{245}
عند الشيخ أحمد الخليلي
2 - الثواب: ويكون حسيّاً كالمكافات المادية من الجوائز أو الرتب ونحوها، ويكون معنوياً كالثناء ونحوه، فقد يكتفي الطفل الناشئ بقول أبيه له
أحسنت يا بطل، أو يثني عليه أمام أخوته، أو يربت على كتفه. وقد سألت سماحته عن أخذ الجوائز التشجيعية، أيقدح ذلك في إخلاص العبد؟ فأجاب: "الناس يتفاوتون في هذا، فمنهم من يتخذ هذه وسيلة للوصول إلى الخير، ومنهم من يجعلها غاية فالناس يتباينون بحسب
مقاصدهم
(1)
وإذا اقترن الترغيب بالترهيب كان أبلغ في التأثير لأن الضد يظهر حسنه الضد، وهذا الأسلوب يبدو كثيراً لدى سماحته. ومن شواهد ذلك هذا النص الوارد في جواهر التفسير، يقول:
وما أعظم خسارة من لم تسعه جنة عرضها السموات والأرض، وكان قراره في عذاب لا ينتهي في نار حامية ليست لأحد طاقة بعذابها، وأما في الدنيا فإنهم لا يبارحهم فيها القلق ولا يفارقهم الاضطراب، فلا يذوقون فيها طعم الطمأنينة، ولا يعرفون راحة الاستقرار، بخلاف المؤمنين المتقين المطمئنة قلوبهم بذكر الله " أَلاَ يذكرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (3)
(3) (2)
(1) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي (2) سورة الرعد، الآية 28
(3) جواهر التفسير 511/ 2 (1/245)
صفحة 246
من معالم الفكر التربوي
{246}
عبد الشيخ أحمد الخليلي
الإعلام:
لا ينكر أحد دور وسائل الإعلام المعاصرة بشتى صورها المرئية والمسموعة في توجيه الناس، وتغيير الكثير من أفكارهم بشتى الأساليب ولذا كان دوره عظيماً في تربية الناشئة، يقول سماحته: "الإعلام له دور خطير، فإنه الآن - كما يقال - يتجاوز جميع السدود، ويدخل إلى الناس في بيوتهم بدون استئذان، فالإعلام وسيلة خطيرة، هو كسلاح ذي حدين يمكن أن يستغل في الخير، ويمكن أن يستغل في الشر، وإن لم يستغل في الخير استغل في الشر، وكانت عاقبته عاقبة سيئة.
(1)
ويقول: " إن الصحافة ملزمة في وسائلها بالموضوعية والجدية، فإن زللها يترتب عليه زلل أفكار لا تحصى، وضلالها يقفوه ضلال عدد كبير من رواد
(T)"
الثقافة ومحبي الوعي ونتيجة لهذا الدور عني سماحة الشيخ في مستهل عمره في إيجاد مجلة إسلامية تبث الفكر الإسلامي، فبعدما عين الشيخ مديراً للشؤون الإسلامية في عام 1975 م في وزارة الأوقاف اقترح على المسؤولين أن تكون هناك مجلة تعنى بالقضايا الإسلامية، فتأسست مجلة الوحي
(3)
ويضرب الشيخ أمثلة للتربية الفاسدة التي يقدمها الإعلام، والمفارقة الواضحة في مواد برامجه، بل قلبه للحقائق في كثير من الأحيان يقول:
(1) دور الآباء في تربية الأبناء 1/ 181
(2) مجلة الوحي العدد 34 الصادر في شهر صفر 1399 هـ / يناير 1979 م ص 7 (3) لقاء المؤلف مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي (1/246)
صفحة 247
من معالم الفكر التربوي
{247}
عند الشيخ أحمد الخليلي
1. قد تفتتح بالقرآن برامج الإذاعة المسموعة والمرئية وتختتم، وما يدور بين الافتتاح والاختتام معظمه حرب على القرآن، وهدم لما شيده (1) بل يجمع الإعلام بين تلاوة القرآن والأحاديث، وما بين مسلسلات الإجرام ومسلسلات الفساد بمختلف أنواعها. (2)
2. ولقد رأيت بعيني رأسي غير مرة في إحدى المجلات، صوّرت فيه المرأة عارية وبجانبها راديو سانيو، وقد صُورت تستحم وتستمع إلى الموسيقى الهادئة من ذلك الراديو، بينما صورت راقصة على نفس الصحيفة على صورة شاشة تلفزيون لأجل دعاية لذلك التلفزيون، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل صُوِّرت المرأة وهي مستلقية وكلب أعلاها، وتوحي تلك الصورة أنه يمارس الجنس معها". (3)
هناك ترويج بإعلانات ظاهرة مكشوفة، ثم يأتي سطر صغير دقيق لا يكاد يبصره من يبصر فيه تحذير من التدخين، ومن الأمور الفاضحة أن تحارب المخدرات إلى حد إعدام من يتجر بها، وفي الوقت نفسه يتم تداول الخمور والتبغ ونشر هذه المفاسد، وضرر التدخين لا يقل عن ضرر المخدرات، فإن ضحايا التدخين أضعاف أضعاف أضعاف ضحايا
المخدرات. (4)
(1) جواهر التفسير 10/ 1
(2) تربية النشء 21 / أ
(3) تشريعات الإسلام للمرأة، الشيخ الخليلي، ص 37،36 (4) منهج إصلاح المجتمع، رقم 104/ج (1/247)
صفحة 248
من معالم الفكر التربوي
{248}
عند الشيخ أحمد الخليلي
4. ومن الأمثلة على سخافة بعض وسائل الإعلام، وسعيها لهدم صرح العقيدة الإسلامية، نشر بعض الصحف في بعض الزوايا ركناً ثابتاً هو ما تقوله لك النجوم أو أنت والحظ، وغيره من العناوين، وهي تربية للأجيال بلغت الذروة في الإفساد، يقول سماحته: "نحن نأسف كثيراً أن يكون هذا في بلاد الإسلام في البلاد التي أكرمها الله تعالى بأن تستظل بظل القرآن، وأن تستظل بمظلة الإسلام، وتستضيء بنور الإسلام وهدايته، فالمفروض أن تكون هنالك مراقبة على هذه الصحف لثلا تنشر هذا الهراء الباطل الذي يبث سموماً بين الناس، فتتلقفه تلك العقول الحائرة المظلمة البعيدة عن الحق، من أين لهذا الإنسان أن يعلم ما يأتي به اليوم من خير أو شر؟ أو سعد أو نحس؟ أو نفع أو ضرر؟ اليوم محكوم بأمر الله، وما من يوم إلا وفيه الخير وفيه الشر، ما من يوم من الأيام إلا وفيه السعد وفيه النحس، وفيه النفع وفيه الضرر، فلا معنى لتخصيص يوم بسعد ويوم أخر بنحس، وهل هذا اليوم المخصوص بالسعد لا يصاب فيه الإنسان بمرض ولا يموت فيه، بحيث يكون آمناً من الموت أو أن يصاب فيه بمصيبة، ثم إن النظر في هذه البروج والتعلق بذلك، وربط حركة الإنسان بحركة هذه الأجرام الفلكية، بحيث تعد مؤثرة على طبيعة الإنسان، هذا قول باطل لا أساس له من الحق، وإنما هو من الأوهام التي زاغت بها هذه العقول الحائرة، وذلك ـ لا ريب - من تأثير المعتقدات الباطلة، معتقدات المجوس الذين كانوا يعبدون هذه النجوم، ويعتقدون لها تأثيراً في حركات الإنسان (1/248)
صفحة 249
من معالم الفكر التربوي
{249}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وطبيعته). ويقول مرة: " إن مما يؤسف له حقا أن نرى الإسلام ومثله وعقائده وقيمه وأخلاقه في واد والصحافة التي تصدر في البلاد الإسلامية في واد آخر، هذا يدعونا إلى البحث: هل هناك خطة مدروسة لشن هجوم على الإسلام من خلال الصحافة التي تصدر في البلاد الإسلامية نفسها؟ أو أن القائمين على مثل هذه الصحافة جاهلون بالإسلام، لا يفرقون بين حلاله وحرامه؟ إن كلا الأمرين محتمل، ولا يبعد أن يكونا جميعا مجتمعين ")
(3)
(2).
لذلك يدعو سماحته إلى أن يكون بجانب الإعلام الغازي من الخارج المخالف في قيمه قيمنا إعلام مواجه له، لا يعنى إلا بالتربية الصحيحة. (3)، يقول في كلمته بمناسبة افتتاح موقع " المجرة الإسلامية" على الشبكة العالمية للمعلومات: " ولا ريب أن هذه خطوة بنّاءة في سبيل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وما أحوجنا إلى استغلال جميع الوسائل الحضارية المعاصرة لإيصال كلمة الحق إلى جميع العالم الذي هو أحوج ما يكون إلى من يرشده إلى سواء الصراط، وينقذه من التردي في هوة الهلاك السحيقة، وهو اليوم على شفا جرف منها .. إن نعمة هذه الوسائل يجب شكرها بتسخيرها لدعوة الحق وإرشاد الحائر، وتبصير الجاهل وإماطة اللثام عن وجه الحقيقة التي يجهلها السواد الأعظم من الناس، وما من ريب بأن ترك استغلالها
(1) سؤال أهل الذكر، تلفزيون سلطنة عمان
(2) مجلة الوحي العدد 34 الصادر في شهر صفر 1399 هـ / يناير 1979 م ص 7 (3) تربية النشء، 211/ 1 (1/249)
صفحة 250
من معالم الفكر التربوي
? {TO.}
عند الشيخ أحمد الخليلي
في الخير يؤدي بأهل الشر أن يشيعوا بها الفساد في الأرض، وتلك هي الطامة الكبرى والعياذ بالله، ألا فلينتبه أرباب الحجي" (1) كما يحدر سماحته الآباء من إهمال أولادهم في مشاهدة التلفاز، يقول: " أما أن يقف الأولاد أمام هذه الشاشة لينظروا ما فيها من خير وشر، والشر أكثر من الخير، وما فيها من نفع وضر، والضر أكثر من النفع، فإنّ في ذلك تدميرا للأولاد ... فعلى الآباء أن يحذروا على أولادهم من هذه الشاشة بكل ما فيها من غث وسمين
(2)
10. اعتقاد السؤال
لقد رسخ في المذهب الإباضي قديماً مبدأ وجوب " اعتقاد السؤال " وهو وسيلة تربوية فاعلة إلى أبعد الحدود في إرساء دعائم الاستقامة في النفس، والسعي الذاتي إليها، وقد أولاه سماحته عنايته، وجلاه بما سيأتي تفصيله في فصل الحياة العقلية، ويعنيني هنا التنبيه إليه من حيث هو أسلوب تربوي فريد، بوصفه حركة ذاتية من النفس في طلب الاستقامة على منهج الله تعالى، فعندما يعتقد الفرد بوجوب السؤال عليه في طلب الحكم الشرعي؛ فإنه لا يقر قراره إلا بالسعي إلى المعبر أو قل الموجه والمرشد والمربي، سالكاً أي طريق توصله إليه، ليعلم ما يجب عليه اعتقاده، وما يفترض عليه تصوّره، وما ينبغي عليه أن يقوم به فكره وسلوكه، إنه تفعيل دائم لدافعية النفس إلى طلب المعرفة،
(1) موقع المجرة www.almajara.com
(2) حقوق الأبناء على الآباء، 100 / أ بمعهد العلوم الشرعية
، (1/250)
صفحة 251
من معالم الفكر التربوي
{251}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وتقويم السلوك، إنه سعي دائم إلى الاستقامة في الدين، يقول سماحته: " إن معرفة الله سبحانه وتعالى إذا قامت حجتها على العبد لم ينفس له لحظة واحدة، لأن الإنسان لا يسعه أن يرجع إلى الشك بعد اليقين، أو يرجع إلى
"
الكفر بعد الإيمان (1) ويقول في موضع آخر: "حجة الله قد قامت ببعثه الرسل، وإنزاله الكتب، وبالسماع الذي وصل إلى آذان الناس بأن هناك ديناً، فعلى هؤلاء الذين علموا بأنَّ هناك ديناً أن يبحثوا عن الدين، ومعرفة الله سبحانه وتعالى تقوم عن طريق العقل، أما جزئيات الأحكام الشرعية فهي لا تقوم إلا بالسماع، فمن لم تبلغه هذه الجزئيات، ولم يكن في وسعه الوصول إلى من يبلغه بها ويعرفه بها ترجى له المعذرة " (3) وعليه من استطاع إلى ذلك سبيلا فلا يعذر بحال من الأحوال.
ينات التربية
يولد الطفل عاجزاً محتاجاً لا يقدر على شيء، مفتقراً إلى أبسط أنواع الرعاية - محتاجا إلى أرقى أنواع العناية، وأحوج ما يمكن إلى الإعانة، فتبدأ أول مراحل التربية، وهي التربية الجسدية، لينمو ويترعرع عضواً جديداً في مجتمع متكامل بقيمه وأخلاقه ومعتقداته، ولا شك أن أول بيئة يتلقى فيها الناشئ تربيته هي الأسرة التي كانت السبب في وجوده، ولذا كان تأثيرها عليه بليغاً عظيماً فهي التي تحافظ على صلاح فطرته أو تفسدها، وأي أثر أعظم من
ذلك؟.
(1) الجملة وتفسيراتها، ص 5 (2) خلاف الأمة في القدر، 45 / ج (1/251)
صفحة 252
من معالم الفكر التربوي
>
(TOT) +
عند الشيخ أحمد الخليلي
تأتي بعد ذلك البيئات الأخرى التي يعدد سماحته بعضها في قوله: "إن المسؤولية في تربية النشء على مقومات الحياة الإسلامية تقع على عاتق الآباء والمدرسين والمجتمع، فللبيت دوره وللمدرسة دورها وللمسجد دوره، وللشارع دوره، فيؤدي الكل وظيفته من أجل تحقيق هذه الغاية وهي استقامة
(1)
النشء على تقوى الله وعلى العمل الصالح" () وأبدأ بالحديث عن أهم هذه البيئات التي أشار إليها، وهي المحضن الأول للطفل الناشئ، وقد أولى سماحته عناية كبيرة في وضع أسس بنائها، ومنهجية تشكيلها، وأصول تكوينها، لأنها المؤثر الأول والأهم في نفوس الناشئة، والعناية بهذه المؤسسة في حقيقته عناية بمستقبل الأمة؛ لأن مستقبل الأمة معقود بحالة ناشئتها، فبقدر ما تكون هذه الناشئة على خير وصلاح واستقامة وبر وإيمان يكون هذا المستقبل سعيداً (2)
الأسرة
يرى سماحته أن كل إنسان يرى وجوده مستمراً في عقبه، فيحرص أن يكون هذا الامتداد امتداد خير وبركة، يقول: "ومن أجل ذلك نجد أن الصالحين يحكي الله تبارك وتعالى عنهم أنهم يضرعون إلى الله عز وجل لأن تكون ذريتهم ذرية صالحة مستقيمة على درب الخير فالله تعالى عندما ذكر عباد الرحمن، ووصفهم بما وصفهم به من الصفات الكثيرة، حكى عنهم فيما حكى قولهم" رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (3) (1) ويمكن
(1) التحذير من آفات المجتمع.
ص
58،57
(2) حقوق الأولاد في الإسلام 91/ج
(3) سورة الفرقان، الآية 74 (1/252)
صفحة 253
من معالم الفكر التربوي
{253}
&
عند الشيخ أحمد الخليلي
بعد ذلك وضع مراحل تأسيس الأسرة المثالية في حياتها الراقية في تربية أبنائها في
النقاط التالية:
اختيار الزوجة ويعد ذلك من أهم الأمور؛ لأن الأم هي المحضن الأول
(Y) n
للطفل. (2) يقول سماحته في بيان تأثير الأمهات: " تأثير الأمهات في الأولاد تأثير بالغ، فربما انتمى الولد إلى آباء غير صالحين، فسلكت به الأم مسلك الاستقامة، وأقرب مثال إلى ذلك عمر بن عبد العزيز، وأمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وعاصم بن عمر قد تزوج تلك الفتاة التي رفضت بشدة الانصياع لأمر أمها حين أمرتها ليلاً أن تقوم لتعذق الماء باللبن، فقالت لها: يا أماه، إن أمير المؤمنين عمر نهى عن ذلك، فقالت: أين عمر منا الآن؟ إنه لا يرانا فقالت الفتاة إن كان أمير المؤمنين عمر لا يرانا فإن رب أمير المؤمنين يرانا، فلما سمع عمر - رضي الله عنه - كلامها وهو في عسسه الليلي، خطبها لابنه، فكان من نسلها عمر بن عبد العزيز، وآباؤه هم بنو أمية.
،
وسمعت قصة أخرى رواها الشيخ في إحدى محاضراته، حكى أن رجلاً طلق امرأته وله ابن منها، وبعد سنتين طلب الأب ولده، فرفضت الأم ذلك؛ فشكاها إلى القاضي الذي كان فقيهاً نبيهاً، فسألها عن امتناعها، فقالت: خير
،
الطفل، وانظر من يختار فقال: إني اختار أبي، فقالت المرأة: سله، لماذا اختار أباه؟ فسأله، فقال الطفل: إن أبي يتركني ألعب، وأمي تحملني إلى المعلم
(1) أسس التربية الصالحة 217 / أ
(2) تربية النشء 211/أ
(3) أسس التربية الصالحة 1/ 217 (1/253)
صفحة 254
من معالم الفكر التربوي
{254}
عناء الشيخ أحمد الخليلي
يدرسني، فقال القاضي: اذهبي به، فأنت أولى به من أبيه. ذلك هو أثر
الأمهات البالغ. وعليه يرى سماحته أن تربية الأولاد تبدأ من قبل ولادتهم، وذلك باختيار أمهم، يقول: تبدأ العناية بالأولاد من قبل وجودهم، ذلك لأن الرجل يؤمر بأن يختار المحضن الصالح لأولاده، بحيث يختار المرأة الصالحة التي تكون شريكة عمره، والقائمة على توجيه أولئك الأولاد، في بداية تنشئتهم، إلى طريق الخير والسداد فالحديث اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس أما المقاييس التي يتم على أساسها اختيار شريك الحياة فقد أوردها الحديث الشريف " تنكح المرأة لأربع" وهذه المقاييس حق للمرأة أيضاً في اختيار
شريك عمرها. ويمكن الحديث عنها على النحو التالي:
" (1)
(1) المال: وقد غزت هذه الشهوة الجامحة قلوب الناس في العصر
الحاضر، وتحكمت في عقولهم ومشاعرهم، بعد أن دخلت المرأة سوق العمل، فرغب كثير من الشباب في الموظفات ولو على حساب الدين والخلق، ما دامت تدر دخلاً على الأسرة، وإن كانت على أقل التقديرات ستقوم بشراء حاجاتها ومستلزماتها من مالها الخاص، ولذا يحدر الشيخ من الانغماس في أوحال الجشع في شتى صوره، يقول: " الواجب على الإنسان أن لا يندفع وراء شهواته، وأن لا تغره المظاهر، وأن لا يتحكم به حب الماديات، ولكن يضع
(1) أسس التربية الصالحة 1/ 217 (1/254)
صفحة 255
من معالم الفكر التربوي
{TOO) +
عند الشيخ أحمد الخليلي
القيم الدينية نصب عينيه، فيختار المرأة الصالحة التي تعينه على دينه ودنياه،
وتربي أولاده على الخير"
(1)
وهذا الإرشاد يوجه إلى المرأة أيضاً في اختيار زوجها، وموجه إلى أوليائها للنظر في الوسط الذي يلقون فيه بكريماتهم، حين يحرصون على تزويج الأثرياء دون رعاية للكفاءة في أدنى مستوياتها، فلربما انزلقت عجلة الحياة الزوجية إلى غير قرار.
(2) الجمال: وهو مخدّر خفي يسري في أوصال الإنسان فيستجيش مشاعره، ويصاول اتزانه، ويناوش رسيس مبادئه، وربما حاول جاهداً أن يعلل
،
الكثير من الأمور التي توهن الإقدام على الزواج على أساس مقياس الجمال، بعد أن خضعت لسلطته مشاعره، واستسلمت لقهره إرادته، وانحنت الجبروته هامات عزائمه، مدعيّاً طلب العفة وصون العرض، وسلامة الدين، فعندما
يحبوه الله بهذه الغانية الفاتنة لن يمتد طرفه إلى ما متع الله به أزواج الآخرين قاذفاً وراء ظهره صرخات العقل المدوية، إنها خضراء الدمن، حتى إذا نال منها وطره بدرجة فوق الإشباع، ثاب إلى رشده، ورجع إلى وعيه، فرأى جلياً واضح الملامح ما كان يغشيه قبل من غبش التصور للحقيقة، من هنا ينبه سماحته إلى ذلك بقوله: "لقد حذر من خضراء الدمن، وعندما سئل
(T)"
قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء " (" داعياً الإنسان إلى أن لا يندفع وراء شهواته، فإن الجمال زائل لا محالة، ويبقى الدين والخلق، وقد أسلفت أن
(1) تربية الأولاد 106/أ
(2) أسس التربية الصالحة 217 /أ. (1/255)
صفحة 256
من معالم الفكر التربوي
{909}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الخطاب موجه إلى الجنسين، فكما يحرص الرجل على أن يختار امرأة جميلة تحرص المرأة كذلك على أن تختار الرجل الوسيم، وربما أوقعها ذلك في مغبة
عظيمة قاست فيها الويلات مدة حياتها، وتجرعت فيها الغصص طول عمرها فقد تتعرف على شاب وسيم، يبتسم لها بخبث حتى يوقعها في شرائكه المعقدة، فإذا به يستحوذ على قلبها دون أن تعرف خلقه ودينه، ونسبه ومن أي الأصقاع، فتجد نفسها بواقع تلك النظرة العجلى قيد الأسر، ولا غرابة حينذاك أن تلقي له بقصاصة قد كتب عليها "لفت انتباهي، أرجو الاتصال على
....
فسبحان الله الحليم الكريم.
الرقم التالي. (3) الحسب والنسب: وهو كل ما يحسب للمرأة، ويعد لها مع نسبها الرفيع، ويعتني بهذا المقياس - في كثير من الأحيان - رغبة في المباهاة والتفاخر، وذلك عند أولئك النفر المتيمين بحب المظاهر، المفتنونين بحب الظهور والتقدمة، فيقال: تحته ابنة فلان، ولو كانت ابنة فلان هذه لا توازن فتيلاً، ولا تعادل نقيراً، وحقيقة الأمر أن الشأن كل الشأن في ذلك هو رغبة الأولياء أو رغبة الفتيات حين يخطب فلان من الوجهاء لابنه، أو علان من) الأعيان لنجله، وإن كان ذلك الوجيه وجهه كقفاه أو تلك العين دمعها سرب، وإن كان الولد لا في العير ولا في النفير كالوتد في خمول ذكره، لا يعبأ به كاللقا، لا يحرك ساكناً ولا يغني فتيلاً، وصوت الحق سبحانه يصح مسامعهم " فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا
(1)
أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ " (1). وماذا يجدي النسب مع عدم الاستقامة على أمر الله، يقول سماحته في أحد أجوبته: " إن العبرة بالاستقامة على
(1) سورة المؤمنون الآية 101 (1/256)
صفحة 257
من معالم الفكر التربوي
{257}
{YOY} <-
عند الشيخ أحمد الخليلي
التقوى لا بالأنساب والأحساب، فالله تعالى يقول: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " والنبي يقول: " لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"
(1) =
والنبي
تزوج من غير العرب؛ فقد تزوج صفية بنت حيي الإسرائيلية وكانت سبية في غزوة خيبر، ومن هو أعرق نسبا، وأرفع حسبا من النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد العرب والعجم؟) وذلك لا يعني أن لا يرعى المتزوج أن تكون شريكة حياته، ورفيقة عمره من أسرة أصيلة في الفضل والعلم والصلاح والنسب ولكن ليس النسب وحده بمجد مع فقدان الدين والصلاح.
،
(4) الدين: من المعلوم أن النبي أوصى أمته حال اختيارهم أزواجهم أن يقدموا الدين على غيره، وعد ذلك ظفراً، ودعا لصاحبه خيراً، لأن صلاح المرأة يعني صلاح الذرية، وصلاح الذرية يعني صلاح المجتمع فالأمة فالإنسانية يقول سماحته: " لا ريب أن استقامة المرأة من أسباب استقامة المجتمع، فبقدر ما تكون عليه المرأة من استقامة وصلاح واتباع لأمر الله وتجنّب لما نهى عنه، تكون النتيجة في المجتمعات التي يتربى فيها الذكور والإناث نتيجة إيجابية، لأن الأم هي المدرسة الأولى، وإذا كانت تربية الأم تربية سلبية فإن تربية الجيل كله سوف تكون سلبية.". (3)
(3)
وتستطيع المرأة التي تربت نفسها تربية حسنة، وأدركت أبعاد مسؤولياتها في مملكتها الضخمة أن تسير بقافلة الحياة الزوجية سيراً سليماً، تنأى
(1) رواه أحمد رقم 23536
(2) فتاوى النكاح، الشيخ أحمد الخليلي، دار الجيل، ط 1، 1423 هـ 2002 م، ص 47، 48
(3) تشريعات الإسلام للمرأة، ص 9 (1/257)
صفحة 258
من معالم الفكر التربوي
? {YON}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بها عن المخاطر المحدقة والمهددات الخطرة، بل باستطاعتها إن فرض عليها الزوج إرادته المنابذة لإرادة الشرع أن تحول حياة الأولاد عن مجرى حياة أبيهم، وحياة ذويهم كذلك إذا كانت حياتهم غير مرضية، فتلك لعمري مسؤوليتها أمام أولادها قبل ربها، يقول سماحته: " والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، فهي مسؤولة عن تربية أولادها في بيتها، وإسعاد الأسرة فيه"، فإذا علم ذلك بدت أهمية حسن الاختيار على درجة كبيرة من الأهمية، وبات عنصر الدين هو الأهم بالنسبة إلى غيره؛ لأنه باق مستمر - بمشية الله ـ بقاء حياة الزوجين، أما الحطام والجمال، فظلّ زائل، وفقاقيع تتلاشى، وبهارج
تضمحل.
وتجدر الإشارة هنا إلى قضية معاصرة مهمة، تتلخص في مخادعة الصالحين والصالحات أنفسهم في تسويغ اختيارهم في الاقتران بمن لا يتحقق فيه شرط الدين بمفهومه الصحيح، فترضى الفتاة بفتى وسيم، أو ثري أو نحو ذلك، متجاهلة الدين، حتى إذا وضح الصبح لعينيها، وافتقرت الخلايا إلى باعث الشهوة المتدفقة، وبدأت الأحلام تتبدد شيئاً فشيئا، قالت: ياليتني قدمت لاختياري، فيومئذ لا تنفعها ياليتني ولا تغني عنها واحسرتاه على ما فرطت، وضرر اختيار المرأة أكثر بكثير من اختيار الرجل، فهي ليس لها أن تستبدل زوجاً مكان زوج ولو آنته قنطاراً إلا بإذنه ورضاه، وقد يقع الشاب الصالح أحياناً فريسة شهوة جامحة، ودغدغة جمال فاتن، وإحداق حسن باهر، فينسى أنه طالما كان جائعاً فشبع حتى لا مزيد، وعطشان فارتوى، ومرهقاً
"
فاستراح، وهكذا تسكن عاصفة الشهوة بعد هيجانها، وتخمد نارها بعد (1/258)
صفحة 259
من معالم الفكر التربوي
{259
+
عند الشيخ أحمد الخليلي
اشتعالها، هناك يتذكر الزوج الأولاد، وسعادة الحياة، ولذا يطلق الشيخ التحذير من الانسياق وراء نداء الرغبات الجامحة، ويدعو الإنسان أن يؤثر الدين على كل شيء، فإذا وجد الفتاة المتدينة الجميلة الحسيبة الثرية فبها ونعمت، فتلك خير متاع الدنيا، وإلا فلا تفريط في الدين، وليس المقصود هنا الحديث عن الزواج بالمتدينة مع غض الطرف عن باقي الصفات، وإنما المعني بالكلام أن يؤثر الدين ولا يفرّط فيه، وكم من جميلات أولئك المتدينات جمالاً داخلياً نفسياً وخارجياً، فجمعن أطراف الحسن، وتدثرن برداء الجمال، فتعيش الأسرة في سعادة وهناء لا يعرفها إلا أولئك الذين اقترنوا بمن أذقنهم الويلات بتفريطهن في دينهن
بعد أن يتم اختيار الزوج زوجه وينتقل إلى مرحلة التحول من العزوية
إلى التأهل، فلا بد من إشهار زواجه، فتأتي مرحلة العقد فالعرس.
الأعراس:
بعد أن يتم العقد ولو بحضور شاهدين يكون الإسلام قد أباح للرجل من امرأته ما لم يبحه له من قبل من الخلوة وغيرها، ولكل مجتمع عاداته في الاحتفال بهذه المناسبة، غير أن الإسلام يضع ضوابط لسلوك المجتمع بأسره، فضلاً عن الزوجين في احتفالهما بعقدهما، وقد انتشر في أوساط الكثير من الناس عادة سيئة دخيلة هي لباس الدبلة، بحيث يُلبس الرجل المرأة، والمرأة الرجل، يقول سماحته: إلباس الرجل للمرأة والعكس في الخنصر اليسرى من يده كل ذلك إنما جاء من الغرب، وهذا مبني على خرافة وهمية لا أساس لها (1/259)
صفحة 260
من
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
ن الصحة، فالغربيون كانوا في عهود الرومان يعتقدون أن القلب ينبض في الخنصر اليسرى وكانوا يعتقدون أن المرأة إن البست الرجل في خنصره خاتماً من حديد أسرت قلبه، وإن ألبسها خاتماً من حديد أسر قلبها، ثم تطورت العادة ر الزمن من خاتم الحديد إلى خاتم الذهب، وعندما رمتنا أوروبا بكل مع مرور الـ عاداتها السيئة ومفاسد أخلاقها تأثرنا بذلك، وإذا بالناس يقلدون الأوروبيين في هذه العادة، مع أنها خرافة لا أساس لها من الصحة، مع أن كثيراً من الزواج الذي يكون بهذه الطريقة ينتهي إلى الفشل الذريع، وكثير من الزواج الذي لا يكون بهذه الطريقة ينعم الزوجان فيه بالاستقرار والطمأنينة والحياة السعيدة الوادعة الآمنة، وكذلك إحضار الكعكة وإلقام الرجل لزوجته وإلقامها له،
(1) ".
كلها عادات لا تمت إلى ديننا الإسلامي بصلة (1) وقال في موضع آخر عن هذه العادات: " وقد فتن بها كثير من مرضى القلوب في بلاد الإسلام) وتعظم في عين الصغير صغارها) وأصبحت من عناوين التقدم، وشارات الرقي، وما هي لعمري إلا من دلائل التأخر، وشواهد الانحطاط "
(T) M
ومن العادات القبيحة المخالفة لمنهج الإسلام ما يكون عند البعض في تحديد موعد عرسهم، وذلك بأن " يحرص الإنسان أن يسأل عن المنزلة عندما يريد أن يتزوج، فإن البحث عن هذه المنزلة أهي مناسبة أو غير مناسبة؟ إنما هو من تأثر هذه العقول بهذه الأوهام والخرافات التي هي موروثة عن هؤلاء الذين كانوا يعبدون هذه النجوم ويقدسونها " (3)، أو أنه لا يكون عرسه في صفر أو
(1) عنوس الفتيات / محاضرة لسماحة الشيخ، إصدار مكتبة مشارق الأنوار.
(2) کتاب فتاوى النكاح، ص 11
(3) سؤال أهل الذكر، حلقة في التلفزيون سلطنة عمان (1/260)
صفحة 261
من معالم الفكر التربوي
{261}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بين العيدين الفطر والأضحى، وقد حدّر الشيخ من هذه العادات جميعها، قولاً وتطبيقاً فكان عرسه ما بين العيدين، وها هي حياته تسير بحمد الله ـ على منهج الله سعيدة مطمئنة.
ومن العادات التي بدأت تنتشر في أوساط الناس إلباس العرس ثوباً يعرف عند الناس باسم (فيلي) وهو ثوب أبيض واسع الأطراف، ضيق على الجسم، يقول سماحته عن هذا الثوب: "الثوب الذي يصف لا يجوز للمرأة لبسه، وإرخاء الذيل أكثر من ذراع لا يجوز للمرأة المسلمة " (1)
وبعد انتقال المرأة إلى بيت الزوجية، فلتعلم ما لها على زوجها من الحقوق، وما لزوجها عليها، ويتصدر ذلك حفظ دينه وعرضه بشتى الوسائل
من الزينة وغيرها، يقول سماحته: " تصنع المرأة من الزينة ما تشاء إذا كان ذلك وحقوق الزوجين مبثوثة في كتب الفقه، ولا حاجة لذكرها
(2)
،
للزوج لا لغيره"
هنا.
تربية الأوان
ليست تربية الأولاد مسؤولية الأم وحدها، ولا الأب وحده، وإنما هي مسؤولية مشتركة بينهما، والدور الأكبر خصوصاً في المراحل الأولى من عمر الطفل يقع على عاتق الأم، يقول سماحته: "ومسؤولية إصلاح البيوت وتربية
(1) سؤال أهل الذكر، حلقة في التلفزيون سلطنة عمان (2) محاضرة لسماحته بنادي الطلبة العمانيين بالأردن (1/261)
صفحة 262
من معالم الفكر التربوي
{262}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الأولاد يشترك فيها الرجال والنساء، ودور المرأة في هذه المسؤولية دور كبير،
فالولد أول ما ينشأ ينشأ في حضن الأم "
(1) "
ولكن تربية الولد في بعض مراحل عمره تقع على عاتق الأب أكثر من
وقوعها في عاتق الأم، وعلى الأب بذلك عدم الاشتغال عنهم بجمع ما يزيد
عن حاجتهم في حياتهم الزوجية من حطام الحياة الدنيا، يقول سماحته:
ولكن الولد يخرج إلى أماكن لا تعرف الأم عنها شيئاً، فماذا عساها أن تصنع، فالاب عليه تربيتهم فيما لا تستطيعه الأم، وإن كان الكسب زائداً على الكفاف فعليه أن يهتم بهذه الثروة وهم الأولاد" (2)
(2)
منهجية تربية الأولاد حتى سن البلوغ
يمكن تلخيص توجيهات سماحته في تنشئة الطفل وتربيته التربية الصالحة
منذ ولادته حتى سن البلوغ في الملاحظات التالية:
1 - الأذان في مسامعه: يقول سماحته: "بعد الولادة ينبغي أن يقرع مسامعه صوت الحق، صوت الأذان، فيستيقظ ضميره على الحق وأفضل عبادة" (3) فيؤذن على أذنه اليمنى وتقام الصلاة على أذنه اليسرى، ليسمع بكلتا أذنيه
-
(1) لقاء الصحفي الكويتي جراح الشمري مع سماحته بدولة الكويت
(2) تربية الأولاد 1/ 107
(3) تربية الأولاد 1/ 106 (1/262)
صفحة 263
من معالم الفكر التربوي
{263}
عند الشيخ أحمد الخليلي
صوت الحق، يسمع الله أكبر ولا إله إلا الله، حتى تنغرس في نفسه معاني
هذه الكلمات
(1).
(2)
2? حسن اختيار اسم المولود، يقول ويحسن أن يكون كأسماء الأنبياء والصالحين" ("). وينبه الشيخ إلى ذلك حين شاع في أوساط المسلمين تسمية أبنائهم بمن يسمونهم نجوم الفن من المغنيين والممثلين، وذلك بواقع تأثير الغزو الإعلامي في بيوتهم، كما تعشق الناس اليوم تسمية أبنائهم بالتسميات النادرة الغريبة، فنجدهم يبحثون، هل سمّي أحد بهذا الاسم من قبلنا، وإن كان ذلك الاسم يثير الشؤم، أو ربما استحى منه الطفل وخجل بين أقرانه، وربما نشأ على استقامة فيخجل من اسمه حين يوافق اسماً من أسماء المنحطين خلقياً في التأريخ القديم أو الحديث، أو اسماً يبعث دلالة تغزّل كأسماء البنات، نحو ناهد" مثلا، وما أشبه ذلك، لذا كان ـ حفظه الله - يوصي الناس بحسن اختيار الأسماء لأبنائهم. 3 - تقديم النسيكة في اليوم السابع أو بعيده، يقول سماحته: وهي أن ينسك الإنسان للمولود بعد بلوغه سبعة أيام، ثم من بعد لا بأس ما بين سبعة أيام وخمسة عشر يوماً، ينسك للذكر بشاتين وللأنثى بشاة واحدة، ذلك من السنة،
وقد فعل النبي ذلك في السبطين الكريمين "
(3)
(1) أسس التربية الصالحة 1/ 217، وانظر حقوق الأولاد ج/91
(2) حقوق الأولاد 91 / ج
(3) تربية الأولاد 211 / أ (1/263)
صفحة 264
من معالم الفكر التربوي
> {\\ {}
عند الشيخ أحمد الخليلي
- تعليمه معرفة الله وغرس العقيدة الصحيحة في نفسه، يقول سماحته: "فعندما يعي ويبدأ التمييز، يؤمر الوالدان بأن يعرفاء بأن له إلهاً معبوداً خالقاً، رازقاً واحداً أحداً فرداً صمداً، يدبّر الكون، ومنه المبدأ وإليه الرجعي" (1). ثم يعرفانه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويعرفانه بكتابه القرآن الكريم، ويعرفانه الإخوان الذين يرتبط بهم، وهم المسلمون، وعندما تنمو مداركه يعلمانه أركان الإسلام الخمسة، ثم أركان الإيمان السنة " ". ويغرسان فيه العقيدة الصحيحة وصفات الله تعالى، ويعلمانه الصلة بالله، بحيث يردُّ كل شيء إلى الله، لأنه هو الذي صرف هذا الوجود، وهو الذي يمن بالخير على عباده، وهو الذي يرفع الشر لنهم، ويذكرانه بكل نعمة إنها من عند الله، وأنه يجب عليه أن يشكر الله على
نعمه
(T)
(A)
ه - تعليمه القرآن الكريم، ويكون ذلك في سن الدراسة، يقول سماحته: تعليمه قبل كل شيء القرآن، وتلاوته وحفظه، وتفهيمه ما يفهم من معاني القرآن، كما يدل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم علموا أولادكم القرآن، فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو " (1) ويقول: " خيركم من تعلم القرآن (ه) ويفهم معانيه بما يستوعبه ويحتمله فهمه، ويسعه إدراكه" (1)
وعلمه
(1) أسس التربية الصالحة 1/ 217، وانظر حقوق الأولاد ج/91 (2) تربية الأولاد 106 /أ، تربية النشء 211/أ
(3) لقاء الصحفي الكويتي جراح الشمري مع الشيخ الخليلي
(4) الجامع الصحيح، الإمام الربيع بي حبيب، رقم 3
(5) رواه البخاري رقم 4739، وابن حبان رقم 118، وأبو داؤد رقم 1452 والترمذي
2907، وابن ماجه 211، وغيرهم (1/264)
صفحة 265
من معالم الفكر التربوي
2003
{265}
عند الشيخ أحمد الخليلي
6 - اجتناب هجر الكلام يقول سماحته: " على الوالدين أن يسعيا جهدهما أن يجنباه هجر الكلام - أي قبيحه " (2) فلا يسبّانه ولا يشتمانه بالكلمات البذيئة (3)
كأن يقولا له يا حمار، وأنت حمار لا تفهم، وأنت كلب لا خير فيك
:
ومالك غبي هكذا، أو أيها الخسف بمعنى البليد الذي لا يحسن التدبير، فإنه يتعلم منهما هذه الشتائم، ثم يقوم بدوره بإسقاطها على الآخرين، فضلاً عما تتركه من أثر سيء في نفسه فيشعر بالإحباط، ويحس بنوع من الاشمئزاز من أسرته، فيكثر الخروج، وهنا تتلقفه الفئات الضالة، ويجرفه التيار. إن للكلمة لأثراً لا يدرك كثير من الآباء مداه، ومن ذلك دعاء الوالدين المتكرر عليه؛ حين يضيق ذرعهما بتصرفاته، وعند العمانيين نسمع العوام وأشباههم
(1) حقوق الأولادج /91، أسس التربية الصحيحة 1/ 217، تربية النشء 211/أ.
(2) حقوق الأولاد ج/91
(3) تربية النشء 211 / أ (1/265)
صفحة 266
من معالم الفكر التربوي
{266}
عند الشيخ أحمد الخليلي
يوجهون الكثير من الدعوات إلى أبنائهم، مثل: الله يقرعك قرعة - الله
يصرفك – طفر من قبالة وجهي – علك ما تشاف ... الخ
- غرس العادات الحميدة والقيم النبيلة والأخلاق الفاضلة ليتربى عليها، ويعتادها، حتى تصبح سجية من سجاياه، وخصلة من خصاله، ويحث سماحته الآباء في مواطن كثيرة على غرس الأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، ففي الحديث: إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون، وقد كان خلقه الله القرآن كما أخبرت السيدة عائشة بذلك" (1) وفي لسؤال وجهه إليه صحفي من الكويت عما يحرص سماحته على زرعه في أبنائه، أجاب سماحته: " أنا دائماً أحرص على نصحهم بالأخلاق الفاضلة، وأن يوفروا الكبير، ويرحموا الصغير، وأنصحهم بأن يحرصوا على طلب
(T)
العلم، وأن يسعوا من أجل السباق فيه، قدر المستطاع. ومن أهم هذه القيم التي ينبغي غرسها في الطفل: عادة الصدق في الحديث، واجتناب الكذب فقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تقول لولدها: تعال فقال لها: ماذا تريدين أن تعطيه؟
فأخبرته، فأخبرها بأن لو لم تعطه لكانت في حكم الكاذبين
(1)
توقير الوالدين والبربهما، وحقوق الأرحام).
(1) أسس التربية الصحيحة 217/أ،
(2) لقاء الصحفي الكويتي جراح الشمري مع الشيخ الخليلي
(3) تربية الأولاد 106 / أ، حقوق الأولاد 91/ج
(4) تربية النشء 211 / أ
(3) (1/266)
صفحة 267
من معالم الفكر التربوي
-
-
-
{267}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
الأمانة، وعلى الوالدين أن يعظما من شأنها (1).
الرحمة بالمساكين والرفق بهم، والرفق بكل المستضعفين.
الرفق بالحيوان.
الإحسان إلى الجيران، وأن لهم حقوقاً بالغة، ولو كانوا على غير
الإسلام.
إغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم
(2)
التقزز من معاصي الله ظاهرها وباطنها (3)
السخاء في سبيل الله، وحب الخير للإنسانية كلها، والأمة
الإسلامية على الخصوص)
(1)
القناعة وعدم الطمع فيما بأيدي الناس)
(0)
- الحياء والعفّة، فإنه شعبة من الإيمان، كما جاء في الحديث، ومن لا حياء له لا إيمان له ويغرس به الحياء من الله فلا. يعصيه،، والحياء من
حرمات الناس أن ينتهكها والحياء أن يأتي بشيء من المعايب. إن سُلّم القيم كبير، وتجدر الإشارة هنا إلى أهم وسائل غرس هذه
القيم، حيث يشير سماحته إلى ثلاث منها:
تحديثه عنها وتحبيبها إليه.
(1) أسس التربية الصالحة 1/ 217
(2) تربية النشء 211 / أ
(3) تربية النشء 211 / أ
(4) تربية النشء 211 / أ
(5) أسس لتربية الصالحة 217 /أ. (1/267)
صفحة 268
من معالم الفكر التربوي
{268}
القدوة العملية في الوالدين.
عند الشيخ أحمد الخليلي
- وضع المسائل العلمية فيها (1) بعد ذلك تأتي المتابعة الحثيثة لمدى التزامهمم بهذه الأخلاق، يقول سليمان ابن الشيخ أحمد الخليلي: إن الشيخ يتابعنا كثيراً، ويراقب سلوكنا بدقة متناهية، وكثيراً ما يستدعينا، فإذا طلب أحدنا ورأينا في وجهه الغضب، فجميعنا يسترجع ماضيه كله، ويتهيأ للنقاش، وحتى عمي حمود لما يستدعيه والدي يحسب حساباته كلها، أما نحن فقد يصل الحال بنا إلى بعض الضربات الساخنة الشديدة أحياناً، ولا يقتصر المقام
(2)
على مجرد القول أو التوجيه. (3)، ولا أدل على ذلك من قصة ابنه
الذي. غير ذلك الطفل عند سكونه بعد مرحه الزائد، فعزر الشيخ ولده وطلب منه التوبة.
وسأخص وسيلة التربية بالقدوة بالحديث فيما بعد. نظراً لأهميتها من ناحية، ولتأكيد سماحته عليها كثيراً من ناحية أخرى، يقول سماحته: "على الآباء والأمهات، وعلى المدرسين أن يهتموا كل الاهتمام أن يكونوا هم القدوة
لهولاء الأولاد إلى الأوج الشامخ
(4)
ويقول: ومما يجب على الأبوين في تربية الأولاد أن يحرصا دائماً على طهارة اللسان، بحيث لا يتعرضان لأعراض الناس، بحيث ينعتان الناس ويذكران مساوئهم، حتى لا يتأثر الأولاد بذلك فيقلدوا آباءهم، وكذلك
(1) أسس التربية الصالحة 217/أ.
(2) لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن أحمد الخليلي. (3) تربية الأولاد،1/ 106، أسس التربية الصالحة 1/ 217 (1/268)
صفحة 269
من معالم الفكر التربوي
{299}
عند الشيخ أحمد الخليلي
النميمة أو احتقار الناس وما هو فساد من القول " ومن الأمثلة على ذلك، أن يدخّن الأب أمام ابنه، فإنه يتعلم منه السلوك السيء، ومن ذلك أن يرن جرس الهاتف؛ فيقول الأب لابنه رد عليه وقل له: أبي غير موجود، بل يحترز الآباء أن يعدوا أولادهم بشيء لا يحققونه لهم، إذ يتصور الطفل أن أباه يكذب عليه، أو يخدعه إلا أن يبدي لهم عذره في تقلب رأيه، وما اعترضه من الظروف التي
تحول بينه وبين تنفيذ وعده؛ حتى لا يسجلوا عليه خيانة أو إخلافاً للوعد. - تعليمه الصلاة وما لا تتم إلا به من الطهارات، وآداب قضاء الحاجة والغسل من الجنابة، ومن الحيض للصبية، كما يعلمانه التفرقة بين الأركان والسنن في الوضوء، ويكون ذلك في سن السابعة، وعندما يتوانى عن ذلك يزجرانه من غير ضرب حتى يبلغ عشر سنوات، فعندما يقصر في الصلاة بعدها يضربانه، ففي الحديث " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع " وهذا الأمر للوجوب، والطفل إن لم يتعود على الصلاة قبل الحلم وجد مشقة فيها بعد الحلم
(2)
9 - المحافظة على العبادات وفي مقدمتها إقامة الصلاة، فيأخذ الوالد أولاده إلى المسجد، وعليه أن يخبرهم وهم صغار أنه ذاهب إلى المسجد للصلاة،
فتتعلق قلوبهم بالمساجد.
(4)
(1) أسس التربية الصالحة 1/ 217
(2) أسس التربية الصالحة 1/ 217، تربية النشء 1/ 211، تربية الأولاد 1/ 106، حقوق
الأولاد 91/ج
(3) تربية الأولاد 106 /أ، حقوق الأولاد 91/ج. (1/269)
صفحة 270
من معالم الفكر التربوي
+ {YY•}
عند الشيخ أحمد الخليلي
10 التفريق بينهم في المضاجع: وذلك عندما يبلغ الأولاد عشر سنين، يقول سماحته: " التفريق في المضاجع لعشر سنوات بين الذكور والإناث؛ بحيث لا ينامان في غرفة واحدة، وقال بعض أهل العلم يفرق بين أفراد الجنس
(1)
الواحد، بحيث يكون بينهم فاصل) وقال في موضع آخر: هذا التفريق
على قسمين بالنسبة إلى الجنس الواحد، الذكور وحدهم، والإناث وحدهن، ثم التفرقة بينهم في المضجع الواحد، بحيث لا يُترك الذكر مع الذكر، ولا الأنثى مع الأنثى) أما بالنسبة إلى الذكور والإناث فإنهم يفرق بينهم في الغرف التي ينامون فيها، فلا ينام الذكر والأنثى معا في غرفة واحدة بعد بلوغ عشر سنوات، لأن هذه المرحلة مرحلة استيقاظ الغرائز في الأولاد، وهي مرحلة صعبة جداً، وقد يدفع كل من الذكر والأنثى إلى ما
لا تحمد عاقبته.
وقد ذكر الشيخ - حفظه الله - دليلاً واقعياً من حياة الناس يبين خطورة عدم المبالاة بهذا الخلق الإسلامي الرفيع يتلخص في قضية رفعت إليه عن أخت تنام مع أخيها في غرفة واحدة، مما أدى الأمر إلى أن تحمل الأخت من أخيها، فكم هي الفاجعة أن تفقد الأم فلذتين من كبدها، ثم تستمر ذكرى المأساة في حفيدها، ابن ابنها وابن بنتها تعاني تربيته بدموع تذرف، وقلب يتفطر، وكبد تحترق، وتستمر الذكرى ما بقي شاباً وكهلاً، حتى يرحل عن الحياة الدنيا، فكم هي المأساة في فجاعتها، ومما يتصل بهذا أن يحرص الآباء
(1) تربية الأولاد 106/أ (2) أسس التربية الصالحة 1/ 217 (1/270)
صفحة 271
من معالم الفكر التربوي
? +
{271}
عند الشيخ أحمد الخليلي
على الابتعاد التام عن كل ما من شأنه أن يثير غرائز الأولاد يقول سماحته: *
على الآباء الابتعاد بالأولاد في هذه المرحلة عن كل ما من شأنه أن يثير الغرائز،
(1)
(2)
ويؤجج الشهوات ويجب الاحتراز من تأثير وسائل الإعلام عليهم) لما تنفثه من سموم، تفتك بالأخلاق، وتدعو إلى هتك الأعراض، خصوصاً بهذا الزمن الذي تعددت فيه القنوات الفضائية، إضافة إلى شبكات الإنترنت ذات المواقع الخليعة الماجنة، وكم شاهدت صغاراً في سن المراهقة يتهافتون على هذه المحطات، دون رقابة من أولياء أمورهم، ولا من المجتمع الذي يسعى فيه تجار الفساد إلى ضرب أساسات صروح الأمة بمعاولهم القاسية، حين يبذرون بذور الفساد في نفوس الناشئة الصغار، وهم في عفويتهم لا يدركون خطورة الأمر، ولا النتائج البعيدة لهذه السلوكيات الخاطئة، إلا بعد أن يكون قد فات الأوان، ويتجرع الناشئ العظائم، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
11 - تعليم الأولاد العلوم النافعة التي تقربهم إلى الله تعالى زلفى، والعلوم
(3)
التي تنفعهم في حياتهم الدنيا ويعرف الناشيء بسير الصالحين من الصحابة
والتابعين، وقادة المسلمين المستقيمين، ليتعلق بسيرهم ويحذو حذوهم، ومن الناحية التخصصية يوجه إلى التخصيص الذي يتلاءم مع ملكاته ورغباته، ولا يهمل الجانب الفقهي، فإن الإنسان مهما كان تخصصه العلمي، واختصاصه
(1) أسس التربية الصالحة 217/أ
(2) حقوق الأولاد 91/ج
(3) حقوق الأولاد 91/ج. (1/271)
صفحة 272
من معالم الفكر التربوي
{TV} 4
عند الشيخ أحمد الخليلي
العملي، عليه أن يعبد الله على بصيرة، ولا تكون العبادة مستقيمة إلا بالفقه
مع دين الله. (1)
12 - تعويدهم على الصيام، مع تعليمهم حكمته وأحكامه ونواقضه (2) ويقول سماحته: " عندما يكون قادراً على الصيام، فعلى أبويه أن يعوداه على الصيام
في السابعة، أو الثامنة، أو التاسعة)
(3)
13 - تعويدهم على تحري الحلال في مطعمهم وملبسهم، فالغذاء الحلال عنصر
مهم في تربية الولد التربية الصالحة التي تسير على منهج الله يقول سماحته: 1 - أن يحرص الأبوان على الغذاء الحلال في أنفسهما؛ لأجل أن يقتدي الولد بهما في ذلك، وأن يغرسا في الأولاد كره الحرام والاستهزاء منه،
(E) "
حتى لا يطمعوا في شيء من المحرمات 2. أن يعوداه على الحلال الطيب، ويعلماء أن البقاء على الجوع والظمأ خير له من أكل الحرام، فيختار الطعام الحلال، ويبينان له أن الحرام
(1)
يفضي به إلى النار - فللغذاء الحلال دور مهم في استقامة الطفل على السلوك الحسن، وذلك حين يتربى على القناعة وترك الطمع، خاصة عندما يرى أبويه على
(1) أسس التربية الصالحة 1/ 217
(2) تربية النشء 1/ 211، حقوق الأولاد 91/ج
(3) أسس التربية الصالحة 1/ 217
(4) أسس التربية الصالحة 1/ 217
(0) تربية النشء 1/ 211
(6) حقوق الأولاد 91/ج (1/272)
صفحة 273
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد
الخليلي
ذلك يقول سماحته: "لقد كانت المرأة في السلف تمسك بتلابيب الرجل
وتقول له: اتق الله في مكسبك؛ فلا تطعمنا الحرام" (1)
14 - تجنيب الأولاد رفقاء السوء، يقول سماحته على الآباء أن يجنبوا أولادهم رفقاء السوء، وهي من أهم الواجبات، وعلى الأب أن يتابع ذلك
(2).
ويراقبه (1) وما ذلك إلا للأثر البالغ من القرين على قرينه، فكيف إذا كانت الرفقة في مجموعها سيئة، فمهما يكن الولد صالحاً، فإن إدمان الطرق الخبيث على قلبه لا شك أنه سيوهنه، فيفتح أبوابه للشرور، ولو كان شيئاً يسيراً منها سرعان ما تستفحل؛ فتصبح جحيماً لا يطاق.
15 - الاستئذان: وهو سياج منيع للأسرة المسلمة، يحميها من الكثير من الشرور، يقول سماحته: " وقد أحاط الإسلام الأسرة المسلمة بسياج يمنع تسرب أي تلوّث إليها، مثال ذلك نظام الاستئذان وهو يضبط الحياة الأسرية ضبطاً محكماً" (3) ويقول في موضع آخر: " على البالغين أن يستأذنوا في مطلق الأوقات، الاستئذان العام ... فإن رؤية الطفل لأبويه في بعض الحالات التي تكون بينهما قد تسبب ردة فعل نفسية وعصبية وخلقية في نفسه، كما يقرر ذلك علماء النفس ودخول الناس فجأة من غير استئذان في بيوت غيرهم، مما يسبب الريبة، ويجرّ إلى الفساد، فقد تتسلط أبصارهم على عورات النساء، والنظرة وإن كانت عابرة، فإنها قد تترك أثراً لا يستهان به في النفس، فيجر إما
(1) تربية الأولاد 107/أ،
(2) حقوق الأولاد 91/ج.
(3) جواهر التفسير 101/ 1 (1/273)
صفحة 274
من معالم الفكر التربوي
{YV{} 4
عناء الشيخ أحمد الخليلي
إلى الانطلاق من قيود الفضائل والأخلاق أو إلى آلام نفسية وأمراض
عصبية
(1) ".
16 - تعويدهم على معالي الأمور، يقول سماحته: " من الأمور التي تجب على الآباء خاصة، تعويد الأولاد على معالي الأمور. (2) كما يعودونهم الترفع عن السفاسف، وكل ما لا يليق بالأبي الحر الكريم، ويضربون لهم المثل من أنفسهم، فالرجل لا يخلو بالمرأة الأجنبية، ويغض بصره، والمرأة تجتنب كل ما من شأنه إثارة الرجل بالحلي والطيب ونحوه، فينشأ الولد في كنفها عالي الهمة، مترفعاً عن السخافات، نائياً بنفسه عن التفاهات، ومعاني السمو تجوب في
دمائه.
(3)
17. العدل بينهم، وذلك من الفروض على الآباء (3) يقول سماحته: "يجب على الوالدين العدالة بين الأولاد بحيث لا يؤثر الوالد ولداً على آخر، ولا يقدّم ذكراً على أنثى في العطاء، بل يعدل بينهم حسب الميراث، فقد جاء رجل إلى
النبي وقال: إني نحلت ولدي كذا، وأريدك أن تشهد على ذلك؛ قال له أكل ولدك نحلت مثله، فقال: لا، فقال: لا تشهدني في جور" وقال بعضهم: يعدل حتى في القُبَل وتفضيل بعضهم على بعض يربي الحسد والبغضاء
،
(1) السابق 103/ 1
(2) تربية الأولاد 1/ 106 (3) حقوق الأولاد 91/ج. (1/274)
صفحة 275
من معالم الفكر التربوي
{YVO}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
(1)
والتشفي (1) وإذا أراد الأب إهداء أبنائه، فإنه يبدأ بالبنت ثم بالابن حتى يجبر خاطرها ... أما العطاء فللذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الذكر ينفق في الجهاد والديات والأروش، ويتحمل تبعات الحياة الأسرية، ودفع الصداق، ويوفر المسكن والضيافة.
(T)
18 - تجنيبهم الترف، وتعويدهم على خشونة العيش، يقول سماحته: " إن هذا الجيل هو الذي يعقد عليه الأمل بأن يكون جيل الإسلام والإيمان، جيل المسجد والقرآن، جيل العمل الصالح والخلق الفاضل، جيل الاستقامة على طريق الخير، وطريق الرسول علم والخلفاء الراشدين والمهاجرين والأنصار الذين
"
اتبعوهم بإحسان، حتى يكون ما تصبو إليه الأمة من العز والتمكين أمراً
ميسراً - بمشيئة الله تعالى.
(3)
فإن عاش هذا الجيل عيشة ترف لا شظف وليونة لا خشونة، فماذا
هو صانع في آمال أمته وفاعل في دفع آلامها بل يعود على الملبس الخشن وعلى الطعام الخشن، وأن يبعده والداه عن الرفقاء المترفين، لما لذلك من أثر على نفسيته " (1) "فلم يذكر الله الترف إلا مقروناً بالشر، والترف يفضي غالباً إلى الميوعة والانحلال، فعلى الآباء أن يرتوهم على التحرر من قيود المدنية ويربوهم على الشدائد ومواجهتها.، ويقول: " إن الترف هو مصدر كل
-??? (0)
(1) تربية الأولاد 106 /أ، حقوق الأولاد 91/ج.
(2) تربية الأولاد 106/أ
(3) تربية الأولاد 106/أ
(4) حقوق الأولاد 91/ج
(0) تربية الأولاد 107 /أ (1/275)
صفحة 276
من
معالم الفكر التربو
(T) (1) me
عند الشيخ أحمد الخليلي
بلاء، ومنشأ كل ضلالة، وسبب كل انحراف، فالترف مقرون بالتلف، تلف الأخلاق، وتلف القيم، وتلف الفضائل، وتلف العزة، ولذلك لم يذكره الله تبارك وتعالى إلا مقرونا بالشر ... والمترفون هم الذين يقفون في وجوه المصلحين في كل عصر من العصور، فإن الله تبارك وتعالى ذكر معارضة الإصلاح ومحاربة المصلحين، وأشار أن منشأ ذلك من الترف، فقد قال سبحانه: فَلَوْلاً كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وكم يجهل الآباء أو يهملون تربية أولادهم على هذه الصفة الراقية، والسمة الرفيعة، فنجد الأب أو الأم على السواء لا يكاد يبكي طفلهما رغبة في شيء حتى يسارعا إلى تلبية رغبته، بأكثر مما يحلم أو يتمنى أو يرغب فتطمح نفسه إلى المزيد حتى يبكي على ما في أيدي الآخرين، وتتأصل في نفسه صفة الطمع و الأنانية، وربما أشفق الوالدان على ابنهما أو بنتهما أن تقوم بما في مقدورها من الأعمال في المنزل، وربما كانا مشغولين بما هم فيه من شواغل الحياة الدنيا؛ فيكثران من شراء الألعاب بشتى أنواعها وأشكالها، فيعيش الطفل عيشة كسل وخمول، بل إن كثيراً من ألعابه أحيانا لا تجدي ولا تنفع غير قتل وقته وإلهائه عن مضايقتهما، إن التربية الخشنة تنفع ولا تضر، وتصلح ولا تفسد، وهكذا كان شأن الأبطال في التاريخ، ما تربوا على الخنوع والاستكانة، والترف الذي يفت الأعصاب ويقتل العزائم، ويخمد الشكائم،
(1) سورة هود، الآية 116
(2) تصحيح مفاهيم خاطئة، 118 / أ (1/276)
صفحة 277
من معالم الفكر الزبري
{277} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
ويورث النفوس الجزع من مفارقة النعيم، والله درّ أسماء فيما روي عنها حين كانت تترك ولدها عبدالله وحيداً في الصحراء بعد الغلس، ليعود بمفرده إلى
البيت، أو لم يقل النبي أخشوشنوا فإن النعم زائلة لا تدوم".
المراة
سات
قد تكون في البيت مربية أجنبية، بسبب اشتغال الوالدين بوظائفهما، وقد يكون ذلك ترفا وتنعماً، ويوكل إلى هذه الخادمة مهمة تربية الأولاد مع سائر الأعمال الأخرى عند ذوي الدخل المحدود بالنسبة إلى أولئك الذين يجعلون لكل مهمة في البيت خادمة خاصة، إنّ ذلك في حقيقة الأمر تخل كبير من الأبوين عن رعاية أولادهما، لعرض زائل، وأهم ما تتركه هذه التربية على الأولاد ثلاثة آثار سلبية: 1 - الأثر النفسي في الطفل: إذ ينشأ مفتقداً بدرجة كبيرة حنان أمه،
(1)
يقول سماحته: ليس حنان الأم كحنان المربية،) بل كثيرا ما تقسوا عليه فتنزل به العقاب لأتفه الأسباب، وربما لما تركته الغربة في نفسها من ضيق لا تكاد تحتمل معه أذى الأطفال ومعاكستهم لإرادتها، أو سوء معاملة الأسرة لها فينال الطفل جزاء والديه، إن تلك المعاملة السيئة تترك أثرها البالغ في نفس الطفل، فينشأ مفتقراً للحنان، يعامل الناس على ما نشأ عليه من الغلظة
والقسوة، وقد أصبحت جبلة في نفسه يستعصي علاجها.
(1) تربية الأولاد 106/أ (1/277)
صفحة 278
من معالم الفكر التربوي
{278}
عند الشيخ أحمد الخليلي
-
:
الأثر الديني: يقول سماحته إن كثيراً من المربيات غير مسلمات ويغرسن في الأولاد المفاهيم والقيم غير الإسلامية، فينشأ بعيداً عن طاعة الله" (1) ولا تؤمن أن تغدي الطفل بمعتقداتها وأفكارها، وعندما تكون مسلمة يحذر منها أيضاً، فقد تكون غير مأمونة في دينها، فليس كل من انتسب إلى الإسلام يكون مأموناً في دينه" (2) و من الآثار الخلقية المنابذة للدين، التبدل والاختلاط، والملابس الفاضحة، وعدم الاحتشام، وربما استدرجت الخادمة الأولاد
الذين يشارفون سن البلوغ إلى الرذيلة، والعياذ بالله.
الأثر اللغوي، يقول سماحته: "من حيث اللغة قد تعوّد الخادمة الطفل على أن يتحدث بلغة مكسرة عندما تكون أعجمية، وهذا هو الغالب (3) مضيفاً إلى أن العرب كانوا يخرجون أولادهم إلى
(1)
البادية لتعلم الفصاحة واللغة.) والأمر المضحك المبكي، وشر البلية ما يضحك، أن تترك هذه الخادمة أثرها اللغوي على الأبوين أنفسهما، على مسمع ومرأى من الطفل، فيرضى الوالدان أن يكسر ا لغتهما، ويقبلان لها المحل الدون، دون محاولة النهوض بمستوى الخادمة إلى الفصاحة؛ فلا تعجب أن تسمع منهما "ثلاثة
(1) تربية الأولاد 106/أ
(2) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي
(3) لقاء المؤلف بالشيخ الخليلي
(4) تربية الأولاد 106/أ (1/278)
صفحة 279
من معالم الفكر التربوي
{TV} &
عند الشيخ أحمد الخليلي
يوم - ما فيه موجود - أو أنا فيه روح بعدين أنت فيه تعال- أنت ما
فيه معلوم. أنت فيه كلام ... فأي عار حل بالأمة؟!!
الزواج المستمرة
من الحقوق التي تجب على الآباء لأبنائهم تعجيل زواجهم، وتبكير إحصانهم، والمسارعة إلى إعفاف نفوسهم، وإعانتهم على إكمال نصف دينهم، بكل ما أوتوه من استطاعة، وعليهم أن لا يتعللوا بعلل أوهى من خيوط العنكبوت؛ ليتستروا على أطماعهم بما يقدح في عقيدتهم، ومن ثم يلقون بأولادهم في أوحال الفساد، أو جحيم الأمراض، لذا كان من حق الأولاد على آبائهم تزويجهم عندما يبلغون الحلم، وإلا أدّى ذلك إلى أمراض نفسية وعصبية، أو تحطيم الأخلاق (1)
(1)
ويمكن إجمال الحديث في ذلك في النقطتين التاليتين:
1 - ضرورة الزواج المبكر: يقول سماحته: "إن الزواج المبكر استجابة للفطرة، فالرجل والمرأة إذا بلغا سن الرشد وجدا ميلا في نفسيهما إلى الزواج، فضلا عن الغريزة الجنسية، وهو وسيلة لإكمال النقص الذي يشعر به أحد الجنسين في نفسه، وتكميل للنوع الإنساني؛ فالرجل يكمل نقصان المرأة والمرأة تكمل نقصان الرجل والزواج مودة ورحمة، ففيه
(1) حقوق الأولاد 91/ج (1/279)
صفحة 280
من معالم الفكر التربوي
280}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بذلك استجابة لمطالب الروح وراحة للنفس، وراحة الجسم، واستجابة
لمطالب الجسم من الغريزة" (1)
ويقول سماحته أيضا:
" إن الإسلام حث على الزواج والتيسير فيه، يقول تعالى: " وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (2) فالقضية قضية عقيدة،
(2)
فالإنسان يعتقد أن الله هو الرزاق، ومع تقوى الله، والاتجاه إلى الله تُحل كل المشكلات. ولقد أطلعت على الكثير الكثير من القضايا التي لا تحصى ولا تعد، من قبل فتيات غُرر بهن، فلم يتزوجن زواجاً مبكراً، أدى الأمر إلى وقوعهن في الفاحشة، وغير واحدة اتصلت بي وهي تبكي، لأنها فقدت عذريتها وهي تخجل من الزواج لذلك، فضلا عن اطلاعي على الفظائع والفواحش والأمور العجيبة وعلى الشذوذ والانحراف في الجنسين، فالقضية خطيرة والعفة تكون بالزواج الشرعي
(T)"
2 - دعوى تأمين المستقبل: يكون أحيانا من شدّة حب الآباء للأولاد، وأحيانا من غزو الفكر المنابذ للعقيدة الإسلامية لعقول الشباب، يقول سماحته: " إننا نسمع كثيراً من الشباب العازفين عن الزواج يقول أحدهم: أنا لا أتزوج الآن حتى أؤمن حياتي، هل يستطيع أحد أن يؤمن حياته وهو لا يدري متى يأتيه الموت؟ هل يستطيع أحد أن يؤمن حياته وهو لا يدري متى يجتاح ثروته الفقر؟
(1) تربية الأولاد 106/أ، وبه حديث إذاعي في الرد على الباحثة الاجتماعية
(2) سورة النور، الآية 32
(3) تربية النشء 211/أ (1/280)
صفحة 281
من
مجال الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
هل يستطيع أحد أن يؤمن حياته وهو لا يدري متى يقضي على صحته المرض؟ هل يستطيع أحد أن يؤمن حياته وهو لا يدري متى اللحظة التي تلي اللحظة التي هو فيها كيف يكون فيها؟ وماذا يصيبه فيها؟ وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم " وربما كان المستقبل هو إكمال الدراسة التي ربما كانت وبالا على المرأة حين يفوتها القطار، ويلوح لها المسافرون. حينها ترتفع حرارتها فتقوم بتبريد وهجها بهواء تلك الشهادات يقول سماحته: هذه مناشدة إلى كل الآباء، إلى كل أب يؤمن بالله واليوم الآخر،؟ إلى كل أب يخشى أن يمثل بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وقد حمل أوزار ابنته التي جاءت بما جاءت به من الفحشاء بسبب سوء تصرفها، هذه مناشدة إلى كل الآباء أن يتقوا الله سبحانه وتعالى في ذلك، وأن يسارعوا إلى تزويج بناتهم بأيسر الصدقات ويقول في موضع آخر:
(2)
أكرر بأنه يجب على الآباء أن يراجعوا أنفسهم، الذين يعضلون بناتهم عن الزواج، فإن ذلك ليس من الإسلام في شيء، فالله تبارك وتعالى يقول في المطلقات: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (3)
هذه موعظة من الله توجه إلى من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا تنحصر هذه الموعظة في المطلقات، بل الفتيات غير المطلقات عندما يردن الزواج
(1) ندوة الفقه الإسلامي.
(2)
ص
659
ر الآباء في تربية الأبناء 1/ 181 دور
(3) سورة البقرة، الآية 232 (1/281)
صفحة 282
من معالم الفكر التربوي
{282}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ويمنعهن آباؤهن من ذلك، يكون هؤلاء الآباء غير مستجيبين لداعي الله، وغير مؤمنين بالله واليوم الآخر، لأن ذلك ليس من شيمة المؤمن بالله واليوم الآخر، والله تبارك وتعالى عندما وعظ عباده هذه الموعظة، أكد وجوب المسارعة إليها بقوله تعالى: " وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (1) ففي ذلك الصلاح وفي غيره الفساد (2) ويقول أيضا منفراً من عضل الفتيات: " ولئن قارفن أية معصية فإن إثم ذلك يعود عليهم معهن، لأنهم الذين دفعوهن إلى المعصية (3)
تزوج الكفء
(r)".
فإذا جاء الخاطب الكفء لا يرد أياً كان العذر في ذلك، يقول سماحته: "من الأمور التي يجب مراعاتها هو عدم رد الخاطب الكفء، تحت تأثير الطمع) ويتشكل هذا الطمع بأشكال مختلفة، ويلبس لبوسا متنوعا، فمن ذلك مثلا: حبس الفتاة المعلمة لاستغلال راتبها في مصلحة الأسرة، بل أحيانا لمصلحة الأب وحده، وربما أنفق أموالها في مخازيه ومباذله، فيجمع العار من ناحيتين، لأنه عاجز وفاسد، وكم فتاة جاوزت سن الفتوة والجمال، وكتب الدهر على وجهها خطوط الذبول، وكم من فتيات متراكمات في بيت واحد، هذه مديرة مدرسة، وهذه معلّمة، وتلك ممرضة، فلا تلك تقدر على إدارة
(1) سورة البقرة، الآية 232
(2) دور الآباء في تربية الأبناء، 1/ 181
(3) وقفات حول الزواج المعاصر، محاضرة لسماحته، تسجيلات مكتبة مشارق الأنوار
(4) تربية الأبناء 1/ 106 (1/282)
صفحة 283
من معالم الفكر التربوي
{283}
عند الشيخ أحمد الخليلي
شؤونها، ولا تلك أنقذها، علمها، ولا الأخرى استطاعت تطبيب نفسها وعلاج مشكلتها، فمن لهن يا ترى؟!.
ومن جشع الآباء المغالاة في المهور، ووضع الشروط القاسية أمام الخاطبين، البيت وما أدراك ما البيت؟! فيه كيت وكيت، و تتحاشاه لعل وليت؛ ولأمها كذا، ولإخوانها كذا، ولأخواتها كذا، فمن للكفء يعينه على
النفقات؟!.
من حقوق امام المصرية في اختيار أزواجهم:
مما يدركه كل أحد اختلاف العصور، ودوران عجلة التطور في العصر الحاضر بسرعة، حتى يكاد أن تلحظ بوضوح مدى التباين بين فكر هذا الجيل والجيل الذي قبله والذي بعده، حيث تفرز القوى المتصارعة على قيادة العالم وتوجيه البشرية الكثير من الآراء والنظريات والأفكار التي تكاد أن تطال كل شيء في حياة الناس، تزعزع ثوابتهم، وتزلزل قيمهم؛ فتختلط عليهم الأمور، إنه عصر بالغ التعقيد؛ لذا كان لزاماً على المسلم الواعي أن يدرك مدى ما أفرزته هذه التقلبات من نتائج في الحياة العامة، بحيث لا يمكن أن يسيطر رأي اب عاش عصرا مختلفاً له ظروفه وأحواله على رأي الابن الذي عاش عصرا مختلفا تماماً، ذلك اختيار الأب زوجة ابنه حسب مقاييسه، ورفض تلك ومن التي اختارها الولد بنفسه، وارتضاها لتكون شريكة حياته، وكذلك الفتاة يفرض عليها أبوها الزواج برجل ما قد يكون ابن عمها أو ابن خالها، أو مقايضة شغاراً - أو أنها حُجزت له منذ ولادتها، وقد حظر عليها الزواج بغيره، أو غير ذلك من المقاييس التي لا تكاد تعد ولا تحصى، ولذا يحدر الشيخ (1/283)
صفحة 284
من
معالم الفكر التربوي
? {Y^{}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الآباء من هذا السلوك بقوله: "ليس للآباء منع أولادهم من اختيار أزواجهم، كما ليس لهم منعهم عن الجهاد، أو طلب العلم، أو تكليفهم ما يدفعهم إلى العقوق" (1). وقد عمل بذلك الشيخ مع أبنائه، يقول ولده أفلح: إن أبي لا يتدخل في مسألة اختيار أزواجنا، ولا يفرض رأيه علينا " (2)
وإذا خالف الأولاد آباءهم في هذه القضية فليس ذلك من العقوق في شيء، يقول سماحته: "مما ينبغي تفاديه من قبل الآباء والأمهات أن يفرضوا على أولادهم أن يتزوجوا نساء معينة، هذا الشيء كثيراً ما يؤدي إلى سوء معاملة تلك المرأة، وتكون هي الضحية التي يتزوجها المرء بإكراه، فينبغي أن لا يفرض على الولد إلا من اقتنع بها بنفسه، كما أن البنت لا يفرض عليها أن تتزوج إلا من اقتنعت به بنفسها، فعندما يُفرَض عليها زوجاً لا تحبه كثيرا ما يشقى بها الزوج وتشقى هي به، وهذه من أخطاء الوالدين في حقوق أولادهم، ونظرا إلى أن تزوج الرجل بالتي لا يرغب فيها ولا يحبها يؤدي به إلى التقصير في حقوقها، والتقصير في الحقوق أمر غير جائز، فإن مخالفة الأبوين في ذلك. لا تعد معصية، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يكلف الإنسان مالا
يستطيع"
(3).
(1) حقوق الأولاد 91/ج
(2) لقاء المؤلف بالشيخ أفلح بن أحمد الخليلي
(3) حقوق الأولاد 91/ج، وانظر فتاوى النكاح
ص
413، 414 (1/284)
صفحة 285
من معالم الفكر التربوي
الصداق للفتاة وحدها:
{285}
عند الشيخ أحمد الخليلي
إن الفتاة التي تعاني عضل أبيها قد يكتب الله لها النجاة من بين براثن أطماعه، وعتمات أفكاره، وما تكاد تلامس قلبها تباشير فرحة موافقته على زواجها حتى يقذف بأحجار العثرات في طريقها، غلاء المهر، وتعدد الطلبات، فإن صمدت لصمود خطيبها في وجهه، وشدَّت من أزره في تجاوز هذه المحنة، حين تعده برجع معظم المهر، حتى تصطدم بجشعه الفظيع، وطمعه في التهام مهرها، إلا ما يتساقط من فتات قليل من بين أصابعه، وما حيلتها، وهي الضعيفة المسكينة؟ وهو حاميها وحارس مصالحها، وراعي منافعها، ما حيلتها وهو صاحب الأمر والنهي؟! والحل والعقد؟ إلا أن ترفع أكف الضراعة إلى القاهر الجبار الودود الرحيم، الجواد الكريم سبحانه، أن يجعل حياة أسرتها كفافاً، وأن يخفف وطأة الهموم على قلب زوجها حتى لا ينظر إليها نظرة شوم، نظرة من أدخل الفقر والهموم في حياته، ديون تتراكم، وغموم تتعاظم والأب يسرح ويمرح، ولا يختلج في خلده إحساس بذنب، ولا تأنيب ضمير، أن يرى ابنته تحت مستوى الفقر، تكابد شظف العيش؛ لأن زوجها دفع الطارف والتليد، ولم تنل منه زوجه إلا اليسير، وربما تبدد الحلم السابق في سماء مطامع الأهل، حلم عودة بعض الشيء من الصداق إلى الزوجين الذين كابدا الأمرين في سبيل إنجاح حياتهما، فهل يسأل الآباء أنفسهم، أحلال ما أكلوا أم حرام؟! لذا يطلق الشيخ صرخة مدوية، تصك آذان الأولياء أن ليس لهم من
الصداق شيئاً، فليتقوا الله في وليّاتهم، وليقللوا من مهرهن. يقول: (1/285)
صفحة 286
من معالم الفكر التربوي
286
عند الشيخ أحمد الخليلي
لا يأخذ الأب من مهر ابنته شيئاً إلا إن سمحت له، كل أولى بماله، لا يأخذ الوالد من مال ولده إلا عندما يحتاج ويضطر، أما إذا لم يكن مضطراً فلا يأخذ من مال ولده إلا إن سمح له الولد والصداق أولى به البنت، فالله تبارك وتعالى يقول: " وآتُوا النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ((1) ولم يقل أتوا أولياء النساء ... فما للأب من مهر ابنته شيء.
(T) "
(3)
إن الإسلام لم تفرط أحكامه في شيء، " مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ وما يكسبه العبد من كسب يجز به "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرِّاً يَرَهُ () ومما يدعو إلى العجب حقاً، أن يبيح الإنسان
لنفسه الأخذ من مهرا ابنته، لكونه ربّاها منذ صغرها وأنفق عليها، فيما تحتاجه من مطعم وملبس، أيذهب ذلك كله هباءً؟ عجبا لأولئك الذين انحصر همهم في الحياة الدنيا، وانحبس تفكيرهم في إطار محيطهم الضيق الفاني، إلى أي مدى أصبحت نظرات الناس متعلقة بالمادة؟! و إلى أي مدى بلغ بهم انحطاط الفكر، وضعف الإيمان، وقساوة القلوب؟!.يقول سماحته: "ولئن كانت العرب في جاهليتها ترى من العار أن يثري الرجل من وراء الدية التي ينالها
(1) سورة النساء، الآية 4
(2) دور الآباء في تربية الأبناء 181 / أ
(3) سورة الأنعام، الآية 39
(4) سورة الزلزلة، الآيتان 7،8 (1/286)
صفحة 287
من معالم الفكر التربوي
{287}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بسب العفو عن قاتل قريبه، فإن هذا العار أعظم وأعظم أن يحرص الرجل على
أن يثري من وراء تزويج ابنته، كأنما يبيعها بيعاً وهي بضعة منه
(1).
عنوص الفتيات:
هذه المشكلة تتحول في الواقع المعاصر إلى معضلة تستعصي على الحلول، ما دمنا نرفض تقبل الرضا المطلق لتشريعات الإسلام، والاستسلام التام لأمره وأحكامه، كنت أود قبل شروعي في مناقشة هذه القضية من وجهة نظر الشيخ الخليلي وما يفكك به معضلات هذه القضية من حلول تستأصل جذورها، كنت أود القيام بدراسة بيانية لفئة عشوائية من الفتيات غير المتزوجات اللاتي بلغن بوابة العنوسة أو دونها، بسؤال بسيط في إجابته عميق في دلالته، وهو هل تقدم لخطبتها أحد من الرجال حتى الآن؟! لأصل إلى نتيجة معروفة قبل الاستبانة وهي الإجابة بنعم، إذ يبدو أن كل الفتيات تقدم لمن خاطب، ولكن العوائق التي تصطنعها الفتيات أو أولياؤهن هي التي
،
حالت دون انتقالهن إلى رياض الزوجية، ليصلن إلى قاعة الانتظار المفتوح. إن الذي يشعر بعمق المأساة بالدرجة الأولى من الفتيات العوانس، ثم من وهبه الله قلباً فطرياً سليماً، وإدراكاً واسعاً، ووعيا عميقاً، وإحساساً مرهفاً، وغيرة شديدة على دين الله، وحباً للآخرين كما يحب الخير لنفسه،
(1) وقفات حول الزواج المعاصر، محاضرة لسماحة الشيخ الخليلي، إصدار مكتبة مشارق الأنوار. (1/287)
صفحة 288
من معالم الفكر التربو
? {AN} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
وقد رأيت من الأنسب في مناقشة هذا الموضوع أن أجعله في علاقات ثنائية بين مصطلح العنوسة وسببها الذي ببطلانه يكون حلها.
1 - العنوس وجشع الآباء: لا شك أن جشع الآباء في تحديد المهور يتصدر قائمة الأسباب المفرزة لهذه الظاهرة، يقول سماحته: "من أسباب العنوسة حب المادة والجشع في نفوس الآباء في المهور والمهر خاص بالمرأة، لقوله تعالى: " وَآتُوا النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً (1) ولم يقل وآتوا أولياءهن، والمهر ليس مقياساً لقدر المرأة علواً
-1
(1)
وانحطاطاً، بل عليه أن يزوج الكفء عندما يأتيه خاطباً. (2) من الواضح أن النص المتقدم يشخّص السبب الأول في غلاء
المهور، وعندما يبحث عن الدافع إلى هذا الغلاء نجد من ذلك: طمع الأولياء: حين يستولي الأب على النصيب الأكبر - غالباً - من مهر ابنته، ليعيش في لذة، ونعيم، بينما تعيش ابنته في شقاء ونكد على الأكثر، فإن الحالة الاقتصادية للسواد الأعظم من الناس تترواح بين المتوسطة والضعيفة. ولذا ينبه الشيخ إلى أن الآباء ليس لهم من مهور بناتهم شيئاً إلا عن طيب نفس منها، وأجر تربيته مدخر له عند الله، ليوفيه إياه في يوم هو في أشد الحاجة فيه إلى الثواب، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون يوم يعض الظالم على
(1) سورة النساء، الآية 4
(2) عنوس الفتيات / محاضرة لسماحة الشيخ، إصدار مكتبة مشارق الأنوار. (1/288)
صفحة 289
من معالم الفكر التربوي
289}
عند الشيخ أحمد الخليلي
يديه، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً.
2 - جعل المهر مقياساً لمكانة المرأة وعلو قدرها، والحق خلاف ذلك، ولو كان مقياساً لكانت بنات النبي وزوجاته أولى النساء بذلك، مع أنه لم يتزوج نساءه، ولم يزوج بناته إلا بأيسر الصدقات، فمن هذه التي تنافس في علو قدرها أمهات المؤمنين؟ وبناته؟ وقد يكون ذلك لبيان مكانتها الاجتماعية، فهي ابنة شيخ القبيلة أو أحد رجالها المعدودين، أو ابنة الثري الغني فلان، الذي بسط نفوذ المادة وقهرها على الفقراء والمعوزين، فهل يقبل المجتمع زواج ابنة فلان الفلاني بمهر يسير؟! كلا ... فرضاء المجتمع مهم جداً، لأن الإنسان اجتماعي بطبيعته، أما الله خالق الخلق، وباسط الرزق، جبار السموات والأرض، فرضاه أمر مؤجل، بل يفكر فيه الرجل الجشع بعد إرضاء غروره وجشعه ونهمه، فسبحان الله الحليم
الكريم.
،
مباهاة الآخرين في صدقات الفتيات، إذ كثيراً ما نسمع في أوساط الناس لا أزوج ابنتي، أقل من فلانة بنت فلان، أو ليست ابنتي بأقل من فلانة، أو أريد أن أعرف بني فلان حين رموا ابنتهم بذلك المهر، أو ابنتي ليست رخيصة حتى أرميها بهذا المهر، وكلها أقوال أوهى من خيوط العنكبوت، نسجت على عقول عشش فيها (1/289)
صفحة 290
من معالم الفكر التربوي
{290}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الجهل، وفرّخ فيها الغرور، وحين تترسخ في أوساط الأولياء مثل هذه الترهات فماذا ستكون النتيجة؟ وفي أي حال يكون المجتمع؟ إن الذي يدفع الثمن هو المجتمع نفسه، والثمن سيكون باهضاً
من محق البركات، وشيوع الفساد وانتشار الكراهية والبغضاء، فضلاً عن الأمراض النفسية والعصبية.
4 - تأمين مستقبل الفتاة، وذلك على افتراض أن الأب عفيف من حيث أخذ صداق ابنته، فإن الدعوى المرفوعة هنا هي أن الرجل غير مأمون، فقد يطلق الفتاة، ولذا عليها أن تستثمر هذه الأموال أو تحتفظ بها في أي شكل من أشكال المحافظة على الثروة، فإذا خانها وقذف بها دون مبالاة كانت قد احتاطت لنفسها، ويؤمن سير حياتها سيراً مرفهاً، ولكن الآباء هنا لم يدركوا أن غلاء المهر هو أحد أهم الأسباب التي تولد كراهية الزوج لزوجته في مستقبل الحياة، ولذا يتولد لديه شعور داخلي بالكراهية لها، والنفور منها، بعد أن يشبع غريزته منها، ويشعر بالعجز عن سداد ديونه، وها هي تذكره بين الفينة والفينة بكارثته، وكلما مد بصره إليها وجدها ترفع شعار " أنا السبب"، ولربما فقد صوابه فقال لها اغربي عن وجهي .. كنت فبنت. أو ليس الأولى تيسير المهر لتسعد حياتها؟ وهل الأفضل لهذا الفتاة أن تؤمن مستقبلها بالمال أو بالاحتفاظ بعرش الزوجية؟ هل الأفضل أن تعيش بعد ذلك عائساً وجيوبها (1/290)
صفحة 291
من معالم الفكر التربوي
? (191) +
عند الشيخ أحمد الخليلي
ممتلئة بالنقود أو تملأ جيوبها وخلاياها بحب زوجها لها، وتعيش
هانئة مستقرة؟.
لهذه الدوافع - من وجهة نظري - غلت المهور، ولذا عجز الشباب عن خطبة الفتيات، وجاوزت السن المرغوب، ودخلت إلى ساحة العنوسة، تنتظر الفارس المنقذ حينها ربما قدمت التنازلات كل التنازلات، ورضيت بمن هو
أقل ممن ينتظر لمثلها.
العنوسة
كثيراً ما يكون مهر الفتاة منفصلاً عن ملحقاته، أو شروط إتمام الزواج؛ وغالباً ما تكون الشروط الملحقة قضماً لفقار ظهور الأزواج، وربما كانوا هم أنفسهم يسعون إلى حتفهم بظلفهم، إنها متطلبات الحياة المترفة؛ الحياة التي ينبذها الإسلام، ويدعو المسلم إلى تنزيه نفسه عن التورط في شباكها، والتلطخ بأوحالها، يقول سماحته: " من أسباب العنوسة، المباهاة
:
والترف ومتطلبات الزواج، وكثرة الشروط منها المسكن المترف، والأثاث الفاخر، والسيارة الفاخرة، والكثير الكثير من ذلك" (1)
1
ومما يؤسف له كثيراً أن تصدر مثل هذه الشروط ممن يتمسحون بسيرة السلف الصالح، ويلبسون لبوس الاستقامة، ويعدون أنفسهم من قادة الإصلاح الاجتماعي، والمنافحة عن دين الله، وإن تعجب فعجب صنيع بعض
(1) عنوس الفتيات / محاضرة لسماحة الشيخ، إصدار مكتبة المشارق. (1/291)
صفحة 292
من معالم الفكر التربوي
{292}
عند الشيخ أحمد الخليلي
هؤلاء النفر مع إخوانهم الصالحين، ممن يدعون أنهم على شاكلتهم، وقد يكون ذلك الشاب في مستهل حياته الوظيفية، بعد أن أفنى طرفاً من شبابه يبحث عن مصدر كسبه في حياة اختلط فيها الحابل بالنابل، وفقدت أدنى معاني التكافل الاجتماعي، ومقومات الحياة المستقرة، ولديه إخوة وأخوات ينفق عليهم جزءاً كبيراً من دخله، يشترط عليه صاحبه المخلص، وأخوه الوفي، الذي أكل معه الحلو والمر، أن يكون لوليته لأخته أو ابنته بيت فيه كذا وكذا، ويخاطبه بلهجة الممتن عليه، لا تحسب أننا نقبل بأي بيت، كما لا تحسب أننا نوافق على الزواج بتسكينها مع أهلك، هيهات ثم هيهات، نريد بيتاً يكون على مقدار أختنا أو بنتنا، أو على قدرنا، نعم على قدر البيت الذي تربت فيه، مسكين ذلك الخاطب أتي من مأمنه وكان حذراً، لذا يناشد في أخيه معاني الأخوة، ويستعطف فيه الضمير الذي قد كبر عليه العقلاء أربع تكبيرات، ولكن على من تقرأ زيورك يا داود؟!! ومن العجب الذي يُضحك الثكالي، ويُطرب الحزانى، أن يدعي أولئك النفر الوعي الإسلامي، والاهتمام بالدعوة وشؤون المسلمين، وينعتون زيداً وعمراً ممن تشربت نفوسهم معاني الإسلام بضيق الأفق، وانعدام الوعي، أو ليسوا حقاً قد انقلبت في أدمغتهم المفاهيم، واضطربت في عقولهم حقائق الأشياء، وتبدلت عندهم الأصول؟ سبحانك تفعل ما تشاء، وتصنع ما تريد.
وليت البيت وحده، إنها قائمة طويلة، من أنواع الأثاث والسيارة،
والهدايا التي تعم جميع أرحامها، من يصلها في حياته ومن لا يصلها، إنها فرصة العمر، فإياكم ثم إياكم أن تفوت. (1/292)
صفحة 293
من معالم الفكر التربوي
{293}
عند الشيخ أحمد الخليد
قد يكون هذا من ناحية أهل الفتاة، وربما كان أحياناً من ناحية الزوج نفسه، الذي يرى أنه لا بد من توفير مسكن راق يليق بمقامه، إنه خاطب فلانة، أو إنه فلان صاحب البيت الفلاني، ألا توافقين عليه يا فلانة؟ إنه صاحب البيت الذي فيه، وفيه ترف، وبذخ ونسيان للآخرة، يقول سماحة الشيخ عن الترف: " إن الله تعالى ما ذكر الترف إلا مقروناً بالشر، فعلى المسلمين أن يقنعوا؛ فإن الدنيا دار زائلة والدار الآخرة هي دار البقاء والخلود، فالاستكثار من حطام هذه الحياة الدنيا والحرص على مباهاة الآخرين، ولو كان ذلك على حساب القيم والفضائل والأخلاق يؤدي بطبيعة الحال إلى الانغماس في المهالك والخطر وتعقيد الحياة" (1)
(1)
ومما يزيد القضية تعقيداً ما انتشر في أوساط من يشكلون القدوة للناس، حسب نظرات البسطاء من الناس، وهي التفاخر والمسابقة في فخامة المسكن وسعته ونقوشه، وإن كانت دعوى التوسعة في المسكن، والنظرة المستقبلية عند تزايد عدد الأولاد، مقبولة، فهل النقوش والفسيفساء وما وراء ذلك مما قد يبني بيتاً متواضعاً لرجل مستقيم لا تسمح له الهموم الليلية أن ينام إلا قليلاً، هل ذلك أيضاً ينسجم مع هذا التعليل، إن ذلك يلقي بظلال كثيفة على نفوس لآخرين الذين قدر الله عليهم أرزاقهم، ويولد الغيرة في نفوس أزواجهم وأولادهم، مما يدفع بالكثير منهم تحت وطأة هذا الشعور إلى الانجراف في هذا التيار، وتعم بذلك البلوى، فيصبح أمر بناء البيت بهذا المستوى شاقاً على الكثير من ذوي الدخل المحدود، فيقع بين ناري الإقدام والإحجام، والإقدام
الآح
(1) عنوس الفتيات / محاضرة لسماحة الشيخ، إصدار مكتبة المشارق. (1/293)
صفحة 294
من معالم الفكر التربوي
{294}
عند الشيخ أحمد الخليلي
هنا يستهلك مدخراته لمدى سنين، مما يعني عزوفه عن الزواج لتأمين هذا البيت، وعزوف الشباب عن الزواج مفض إلى العنوسة بلا ريب، وليت هؤلاء تصدقوا بشيء من هذه المبالغ التي ينفقونها في زخارف بيوتهم على خاصتهم أو أشقاء أرواحهم من ذويهم الراغبين في الزواج؛ فيساهموا بذلك بشيء عظيم عند الله في القضاء على هذه الظاهرة، ولا يحقروا من المعروف شيئاً، ولكن أين نحن من ذلك، واحسرتاه.
ومما يستطرف من وقائع بعض الشباب فيما يتعلق بزخارف البيوت، أن أنهى تعمير بيته ولم يرغب في الزخارف والنقوش، واكتفى بتحقق الهدف الأساسي من بنائه، وهو المأوى والستر، مهما طال به العيش فإنه راحل لا محالة، فجاءه الهندي المختص بتركيب النقوش يعرض عليه ذلك، وزين له الصفقة، وعدد له أسماء الناس الذين زخرف لهم في بلده، فشكره الشاب ورده بالحسنى، وأخذ ذلك الهندي يتردد عليه، يعرض له بأسعار منافسة كما يقولون، قال الشاب: فاضطررت أن ألقي على الهندي محاضرة باللغة العربية المكسرة، بدأت فيها بمآسي الهند، وما يعانيه المسلمون هناك، معرجاً على ماسي المسلمين في أفريقيا السوداء، وهجمات التنصير بسبب الفقر، وما يكابده الفلسطينيون من هجمات اليهود الشرسة، ناهيك عن الفقر المنتشر في البلاد العربية والهندي يردد بين الفينة والأخرى: صحيح صحيح، فلم يعد إليه بعدها، فليت أولئك سلكوا مسلكه.
ومن النوادر الطريفة في عدم الاغترار بالأثاث الفاخر، وفي نقد الواقع
أن أحد الشباب المستقيمين ذهب مع زوجته لزيارة صاحبه من الشباب (1/294)
صفحة 295
من معالم الفكر التربوي
{295}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أهذا
المتدينين، فلما دخلت الزوجة الصالحة إلى داخل البيت، واستقبلتها صاحبتها، أدخلتها إلى المجلس النسائي، بأثاثه الفاخر وستائره الأفخر، وبقيت المرأة مندهشة لما ترى حولها من أعاجيب الحياة التي يعج بها البيت، وبقيت شاردة في ذهولها، أفي حلم أنا أم يقظة؟ أهذ رجل مستقيم أم ماذا؟ في أي مكان أنا؟ وما كادت تنتهي الزيارة وتركب في سيارة زوجها، صرخت في وجهه، الشاب الذي زرناه مستقيم حقاً؟ فقال زوجها: هدئي من روعك، ما بالك؟! قالت: أنتم تحدثون الناس عن الزهد والتقشف، وعن القبر وما بعد القبر؟ كيف أجمع بين هذا الكلام وما أرى؟ قلت هنيئاً لها ولزوجها حين أكرمه الله بخير متاع الحياة الدنيا المرأة الصالحة، ولم يبتليه الله كما ابتلى بعض الشباب الذين كلما زار أحدهم صاحبه خرجت زوجته بطلباتها، نريد ستائر مثل ستائرهم الحريرية، وإذا زار آخر، قالت: نريد خزائن كخزائنهم المنقوشة، ومثل كذا وكذا ... فسبحان الله الحكيم
إن ذلك. هو ما يساهم به الترف في تعقيد قضية العنوسة، ولو كانت الأمور على غير ذلك لأصبح أمر الزواج ميسورا، ولاستراح الشباب والمجتمع
والأمة.
العنوسة وولائم الأعراس
ومن الأسباب التي ترهق كاهل الشباب وتؤخر إقدامهم على الزواج وبالتالي عنوس الفتيات ما يمارسه الكثير من الناس في أعراسهم من الإسراف في الولائم التي تنهكهم وتتعب من بعدهم، حيث يخجل أمام مجتمعه أن يكون (1/295)
صفحة 296
من معالم الفكر التربوي
299 ها
عند الشيخ أحمد الخليلي
أقل من أولئك، وربما دخلت المباهاة بين بعض البيوتات التي تعتد بنفسها، وقد تكرّست هذه العادة في بعض القرى والمدن، حتى أضحى خلافها متعذراً، والخروج عليها في عداد المستحيلات السبع" ولذا يحدر من ذلك سماحته؛ فقد
ذكر في تعداد أسباب العنوسة، قائلا: من أهم أسبابها نفقات الزفاف، مع أن
(1) "
الله تعالى نهى عن الإسراف، وجعل المبذرين من إخوان الشياطين" (1) فهناك
قطعان من الأغنام، وقطعان من الأبقار تساق إلى المذبحة، وشحنات مترادفة من الفاكهة، وأخرى من الحلوى في ليلة الزفاف، ذلك إن لم يكن في إحدى الفنادق الراقية التي تعادل نفقات الصالة منها مع الحفلة صداق المرأة، والأمر الشرعي خلاف ذلك كله، أولم ولو بشاة، فالمقصد الإشهار للزواج، ولكنها العادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتقاليد الزائفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولو ملك الشباب شجاعة التحدّي؛ لغيروا سير المجتمع إلى الخير والصلاح، كما غيره أولو الأهواء والنزعات إلى الشر والفساد، وإن يكبر المرء جهود المصلحين فإنه يكبر جهود أولئك المتضامنين من الذين ابتكروا العرس الجماعي، في يوم واحد نسأل الله أن يبارك في جهودهم.
العنوسة وتأمين المستقبل
لقد تقدم الحديث في هذا الموضوع في حال الحديث عن الزواج المبكر بوصفه حقاً للأولاد على آبائهم، ويؤكد الشيخ أن من أسباب العنوسة هو عزوف الشباب عن الزواج بحجة تأمين المستقبل، والمستقبل ليس بيد أحد من
(1) عنوس الفتيات / محاضرة لسماحة الشيخ، إصدار مكتبة المشارق. (1/296)
صفحة 297
من معالم الفكر التربوي
{297}
عند الشيخ أحمد الخليلي
البشر، يقول سماحته: "من أسباب العنوسة شيوع نظرة تأمين المستقبل أو إكمال الدراسة، والمستقبل بيد الله، لا بيد الرجل ولا المرأة، والأرزاق من عند الله وهذه النظرة تقليد للذين يقيسون الأمور بمقياس المادة. (1)
يضع الشيخ يده على موضع الداء لدى كثير من الشباب، فهم في الحقيقة وإن أكدوا أنهم يؤمنون أن المستقبل بيد الله، وأن الأمور بقضاء وقدر، وقد تجري المقادير بغير ما يتصورون، بل بما لم يدر في خلدهم، غير أن سلوكهم في الواقع خلاف ذلك، وهو في حق المرأة - وعلى ما يبدو - أوضح منه في الرجل، فمن أين للشاب بالصداق إذا كان يعتمد فيه على نفسه؟ ومن أين له بتلبية تلك القائمة من متطلبات الزواج، حتى يطمئن على مصدر رزقه، ولو وعى الآباء ووعت الفتيات أن الله يعين كل من طلب التقوى والعفاف، لما وجدوا غضاضة أن تسير أمور الحياة في أبسط حالاتها، فإن الحياة في أصل وجودها بسيطة عقدها الإنسان، سهلة صعبها الإنسان، ميسورة عمرها الإنسان، وماذا عليهم لو تركوها على بساطتها، أيخافون غضب الرب عليهم سبحانه وتعالى؟! كلاً، وها هم يودعون كل يوم حبيبا إلى المقابر، وينقلون عزيزاً من بين أهله وذويه إلى بيت الوحدة، مفارقاً نعومة الأرائك إلى خشونة
التراب، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ولتحليل كلام الشيخ وبيان بعض أبعاده، يمكن القول، إننا لو سرنا مع هؤلاء الذين أمنوا مستقبلهم، أيقدرون على تأمين بقائه على حاله، ودفع الكوارث عنه؟ إن التأريخ القريب والبعيد يشهد على تقلب الأيام، وتبدل
(1) عنوس الفتيات / محاضرة لسماحة الشيخ، إصدار مكتبة المشارق. (1/297)
صفحة 298
من معالم الفكر التربوي
{298}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الحالات، فكم من الملوك أمسوا في السجون، هذا إن سلموا من القتل، وكم من أصحاب الجاهات المخدمين أصبحوا يتكفّفون الناس، وكم من الأثرياء أضحوا عالة على غيرهم يعيشون على نوال المحسنين، فهل أمن المستقبل عند هؤلاء مما حاق به؟ أو لا يحرص العقلاء على تأمين مستقبل الدين والعرض والشرف بإحصان أنفسهم عن الانحراف؟ أو ليس تأمين الدين من الأذى أولى من تأمين مستقبل الحياة الدنيا الفاني؟ لا محالة أن الذي حافظ على دينه، واتقي ربه، كفاه الله أمر دنياه.
والله تعالى يأخذ عباده بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، ولكن قست القلوب، فأنى لبصيص الذكرى أن يتسرب إليها، وقد جعل الله في القصص والحوادث عبرة لأولي الألباب، فمن حوادث الدهر، ما صنعه القدر بالمعتمد بن عباد ملك إشبيلية، فقد كان مترفاً أيام ملكه، وذات مرة أطلت امرأته الملكة من شرفة قصرها في يوم ماطر، فرأت بنات الفقراء، حافية أقدامهن يمشين على الطين، وبأيديهن القرب يستقين الماء، فاشتهت أن تمشي على الطين مثلهن، فأمر المعتمد من يعجن المسك والكافور والعنبر بأنواع الطيب، ويملأ فناء القصر بتلك العجينة، ووسيت لها قربة بالحرير والذهب، وخرجت حافية مع بناتها، يطأن على طين العنبر والكافور، فلما ذهبت دولته وأصبح سجيناً في أغمات، وحل بأهله الذل بعد العز، والفقر بعد الغني، فأصبحت بناته يغزلن للناس مقابل دريهمات يعشن بها، فعندما جئن لزيارته
"
في السجن، ورأى من حالهن ما رأى قال قصيدته:
فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً فساءك العيد في أغمات مأسوراً (1/298)
صفحة 299
من معالم الفكر التربوي
ترى بناتك في الأطمار جائعة
? {199}
عند الشيخ أحمد الخليلي
يغزلن للناس لا يملكن قطميراً
برزن نحوك للتسليم خاشعة أبصارهن حسيرات مكاسيرا يطان في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا لا خد إلا ويشكو الجدب ظاهره وليس إلا مع الأنفاس ممطورا قد كان دهرك إن تأمره ممثلاً فردّك الدهر منهياً ومأموراً
وقد سمعت عن شاب غرته بهارج الحياة الدنيا وزخارفها، وأراد أن يؤمن مستقبله قبل الزواج، فبنى له بيتا فخما أنفق فيه الكثير الكثير من النقود، ثم خطب امرأة وعقد عليها،، وأخذ هو وهي يجهزان ذلك البيت بأحدث الأثاث وأفخره، وقضوا في ذلك شهورا، حتى إذا أنهوا التأثيث أراد أن يكون العرس ليلة الجمعة في منزلهم الجديد الفخم؛ ليرى الناس المهنئون قصرهم المشيد، وشاء القدر أن يمنح الناس عبرة ما بعدها عبرة، فبعد صلاة المغرب من ليلة الجمعة وهي ليلة العرس، كان ذلك الشاب الذي أنفق ماله وشبابه في إعداد هذا المسكن يقاسي سكرات الموت، وزفٌ هو إلى القبور، وسكن رمسه، وتوسد التراب، ويقيت زوجه في بيت أهلها، وأغلقت الدار، وسكت
المغنون، وصاح النائحون، كما يقول صالح بن عبد القدوس:
وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ورأيت دمع نوائح يترقرق
سكت الذي حمل العروس مبهتا ورأيت من حمل الجنازة ينطق ويشير سماحته إلى طرف آخر للقضية، وخاصة ما يكون في جنب الفتيات اللاتي يتقدم لهن الخاطبون، فيرفضن بحجة إكمال الدراسة، وكثير من ذلك لم يكن تقديراً للعلم أو حباً له، بل تأمين المستقبل، فالشهادة لأجل (1/299)
صفحة 300
معالم الفكر التربوي من
عند الشيخ أحمد الخليلي
الوظيفة، والوظيفة تأمين للمستقبل، وليس كل طالبة منهم بحاجة إلى العمل، عدا الفقيرات اللاتي يرزح أهاليهن تحت مطارق العوز والحاجة، وبعضهن يطلب الشهرة، وبعضهن لجلب الراقين من الخاطبين، قد يكون لبعضهن الحق عندما يرتبطن بمن فسدت ضمائرهم وتعفنت فطرهم، وتلك مسؤوليتها حين يتقدم لها الكفء الصالح فترفض بحجة الدراسة، ثم يتقدم لها غير الكفء فتكون النتيجة على غير ما تحمد، فتكون على نفسها جنت براقش، ولعل تلك إحدى الدلالات التي تستوحى من الحديث الشريف" إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وكم من الخريجات من الجامعات رغب عنهن الشباب، بل انتشر في أوساطهم عدم الثقة بهن وغدت ظاهرة العزوف عن الزواج بالجامعيات واضحة، وإن تزوجت فبأقل مما كانت تتمنى أو تنتظر، أما خوف الطلاق فهاجس شيطاني، نعم عندما تقذف المرأة بنفسها مع رجل لا خلاق له، لا يرعى في أحد إلا ولا ذمة، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، ومع هذا فإن المرأة الذكية تستطيع بلباقتها كسب قلبه، حتى يصبح بين أصبعين من أصابعها تقلبه كيف تشاء، بحسن المعاملة، وكظم الغيظ، والعفو، وامتصاص الغضب، والتحبب إليه، والتزين له، والقيام بحقوقه على أكمل وجه، وإظهار المودة له، والشفقة عليه، وإعانته في تحقيق مصالح الأسرة، إلى ما راء
ذلك مما تفعله النابهات من النساء
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فربما استعبد الإنسان إحسان
مع أن الفتاة - فيما أرى - يمكن أن تصيد عصفورين بسهم، فتتزوج وتكمل
دراستها، فتلبي نداء فطرتها، وتحصن دينها، ويتحقق لها الاطمئنان النفسي (1/300)
صفحة 301
من معالم الفكر التربوي
{31}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الذي هو أمر مهم في طلب العلم، وتتفادى الحمل بالطرق الشرعية، من مثل ما يطرحه الطب الحديث من حساب وقت إنتاج البويضة وتوقع الحمل ومعرفة الأوقات التي لا يتم فيها الإخصاب، وهذا ما يوجه إليه سماحته، فقد سألته فتاة تقدم لها خاطب وتريد أن تكمل دراستها، فماذا تفعل؟ فأجابها بقوله: ولم لا تجمعين الحسنيين؟ (1).
وما تدري الفتاة بعد أن تكمل دراستها أتتزوج أم لا؟ وإن تزوجت أيمنعها زوجها من العمل أم يبيح لها؟ وهي تستطيع الجمع بين المهمتين؟ غير إن الواقع يشير إلى فئة كبيرة لا يستهان بها من الخريجات غير المتزوجات، اللاتي يصرخن خذوا الشهادة، وأعطونا زوجاً.
ينبه الشيخ إلى عدم تقليد الماديين في نظراتهم، فالمسلم له مبادؤه وله عقيدته التي تميزه عن الآخرين، نظرة شاملة ودقيقة للكون والحياة، فعلينا أن لا نقيس الأمور بمقياس المادة، ولنعلم أنه من كان مع الله كان الله معه، ولكن ليأخذ مع ذلك بالأسباب، وليتوكل على الله، ولو أنا توكلنا عليه حق التوكل لرزقنا كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً، كما أخبر بذلك الحديث الشريف، وفي الحديث الآخر "ثلاثة حق على الله عونهم، ذكر منهم والناكح يريد العفاف" ويقول سبحانه إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
وإذا أصابتنا مصيبة فبما كسبت أيدينا.
(T) ==
(1) شريط سمعي في الإجابة على أسئلة طالبات الجامعة.
(2) سورة النور، الآية 32 (1/301)
صفحة 302
من معالم الفكر التربوي
العنوسة والحملات الإعلامية
عند الشيخ أحمد الخليلي
لقد مضى الحديث - بحمد الله - عن دور الإعلام في التوجيه السلوكي، وأقصر الحديث هنا عن دوره في ظاهرة العنوسة، يقول سماحته: "من أسباب العنوسة الحملات الإعلامية من المتأثرين بالأفكار الدخيلة على المجتمع الإسلامي، وتقليد الغربيين في كثير من سلوكهم (1) فلقد غزت وسائل الإعلام كل بيت تقريباً، - القنوات الفضائية والانترنت تتصدران القائمة - ومن هذه الحملات ما هو صريح ومنها ما هو مبطن يحمل سمّه في دسمه، ويمكن الإشارة إلى بعض تلك المظاهر التي تجلت فيها هذه الحملات.
1 - عقد الندوات لمناقشة مسألة الزواج المبكر وتنفير الناس منه، لتحقيق هذا الهدف تستدعي القناة الفضائية أو المحطة الإذاعية من يخدم غرضها مهما كلّفها ذلك من التكاليف المادية، ومن ذلك على سبيل التمثيل ما قامت به إحدى الباحثات الاجتماعية من الحديث عبر إحدى وسائل الإعلام عن ظاهرة الطلاق، وقامت بتضخيم الموضوع وهو نادر قليل، وذكرت الباحثة أن من أسبابه هو الزواج المبكر، وقد قام سماحته بالرد عليها عبر الوسيلة الإعلامية نفسها. 2 - المسلسلات التي تنقل نمط الحياة سواء عند الغربيين أو المتأثرين بهم في نمط حياتهم، حيث تبدو الفتاة حريصة على تأمين مستقبلها،
(1) عنوس الفتيات / محاضرة لسماحة الشيخ، إصدار مكتبة المشارق. (1/302)
صفحة 303
من معالم الفكر التربوي
{303}
عند الشيخ أحمد الخليلي
والبحث عن شريك حياتها، وخوض التجارب المتنوعة معه، وتقديم
ذلك بأسلوب عصري يظهر فيه نجاح الحياة رغم فشلها الذريع. 3 - الدعايات الإعلامية المتنوعة التي تجلب لب الفتاة والشاب معا إلى زخرف الحياة، فيؤثران الاستجابة لتلك الدعايات، التي تعنى بكماليات الحياة، وبالتالي تأخير مسألة الزواج إلى حين، وإن ما يحدث من هزات عنيفة لقيم المجتمعات الإسلامية عن طريق هذه الوسائل، مؤد حتما إلى اشتغال الشباب جميعا عن الزواج، وتلبية
نداء الغريزة بالمحرم.
العنوسة عن التعدد
قد تنشأ العنوسة أحيانا من تجاهل الفتاة للخاطبين حتى يجاوزها قطارهم وقد تترمل أحيانا، أو تطلق أحيانا أخرى، بَلْه أن النساء أكثر من الرجال عادة كما تدل على ذلك الإحصائيات العلمية، ذلك في حالة السلم، وفي حالات الحروب - نسأل الله السلامة منها - تصبح العوانس عددا هائلا، وبالتالي يكون التعدد هنا أمرا لازما، فهل الأفضل للفتاة أن تبقى على تلك الحالة المريرة، أو ترتبط مع شريكة لها أختاً في العقيدة، وتتوحد معها في الشعور والآمال والآلام، حتى يعبر الجميع جسر الحياة الدنيا إلى الآخرة سالمين من المعاصي غانمين بالثواب. ولذا يرى سماحته أن التعدد من ضمن حلول مشكلة العنوسة
، يقول:
1 - لقد أباح الله تعدد الزوجات، بشرط تحري العدل، والمرأة بطبيعة فطرتها لا تريد أحدا يشاركها في شريك حياتها، وهو مطلب لا تلام عليه، ولكن (1/303)
صفحة 304
من معالم الفكر التربوي
304}
عند الشيخ أحمد الخليلي
عليها أن تفكر في بنات جنسها، هل الأولى لبنات جنسها أن ينشأن على الرذيلة والفحشاء؟ هل الأولى أن يكبتن أنفسهن وأن يغالبن الفطرة حتى يؤدي الأمر إما إلى أمراض نفسية وعصبية، وإما إلى الانفجار، الذي تتلاشى معه القيم، وتتحطم معه الأخلاق؟ " (1) والشباب الراغبون في التعدد لحل مشكلة العنوسة عليهم تنقية ضمائرهم، وصقل نياتهم من الشوائب أولاً، ثم الاتجاه إلى خندق العنوسة لتخفيف وطأتها على المجتمع، وبالتالي عليهم خطبة العوانس من النساء، بذلك يتحقق الهدف، أما الاتجاه إلى الصغار من النساء فذلك مما يعمق من حدة المأساة، ويروي جذورها، ويشدّ هيكلها، ويرسي دعائمها، إذ الشاب البكر في العادة يجد عروضاً كثيرة من الفتيات الأبكار الصغار اللاتي من سنه أو أصغر منه، فيحصل التنافس على تلك الفئة من الفتيات، وتبقى العوانس كما هن، على أن عدد الراغبين في تعدد الزوجات قليل، والداخلات من بوابة العنوسة كثيرات، فأين الحل إذن بالله عليكم؟ نعم يمكن الحل عند شيوع مبدأ التعدد شيوعاً كبيراً، ويقتنع الكثير من الشباب القادرين على العدالة بذلك، يقول سماحته: "إن النساء توجد منهن كثرة كاثرة أكثر من الرجال، وبماذا تحل هذه المشكلة، إذا كانت النساء الصالحات للزواج الراغبات فيه، أكثر من الرجال الصالحين للزواج الراغبين فيه؟ هل تترك المرأة الصالحة للزواج الراغبة فيه. إن لم يوجد لها زوج إلا وهو مقترن بزوجة أخرى؟ - هل تترك وشأنها حتى تكبت غريزتها؟ أو يباح لنفسها التفسخ والميوعة
(1) عنوس الفتيات / محاضرة لسماحة الشيخ، إصدار مكتبة المشارق. (1/304)
صفحة 305
من معالم الفكر التربوي
305}
عند الشيخ أحمد الخليلي
والانحلال؟ ولها أن تخادن من تشاء أو أنها تتزوج بزوج، ولو كان هذا الزوج ذا زوجة أخرى؟ إلا أنه يستطيع العدل بين هذه المرأة والمرأة الأخرى، على أنه مما لا ريب فيه أن فترة الإخصاب مع الرجل أطول منها
في المرأة ... وإذا كانت امرأة الرجل القادر على القيام بأداء الوظيفة الفطرية عاجزة عن القيام بهذه الوظيفة، فهل يؤمر بطلاقها حتى يتيسر له ضم زوجة أخرى لديه، أو أنه يباح له أن يتزوج زوجة أخرى بجانب تلك الزوجة الأولى؟ أو يباح له أن يخادن من شاء من النساء؟ إن الزواج بأخرى يحفظ التوازن بين أفراد النوع الإنساني، وقد دعا فيلسوفان ألماني وإنجليزي إلى تعدد الزوجات حفاظاً على المجتمع، وقطعاً للفساد وخراب المجتمع
المسي
(1).
يعد المسجد المؤسسة التربوية الثانية في الإسلام بعد الأسرة، فقد كان المسجد مكاناً للعبادة والتعليم وعقد الرايات وانطلاق الجيوش، وما يزال المسجد يؤدي دور التعليم والتربية - والحمد لله - مهما كانت مكائد الكائدين، وتربية المسجد. حقاً - تربية متميزة عن سائر المؤسسات والبيئات الأخرى، بما يضفي على مرتاديه من صفاء، روحي، ونقاء نفسي، فضلاً من الله ونعمة؛ لذا يحرص الجميع على أن يغترف من معين بركاته، ويتعرض للطائف نفحاته، يقول سماحته: "فجدير بكل أحد أن يحرص بأن يربي أفلاذ كبده في بيوت الله سبحانه وتعالى، من أجل دراسة كتاب الله، ومن أجل تلقي المعارف الربانية
(1) تربية الأولاد -106 /أ- الرد على الباحثة الاجتماعية حديث إذاعي (1/305)
صفحة 306
من معالم الفكر التربوي
? {~•"}
عند الشيخ أحمد الخليلي
خلال
بين جنباتها، ومن أجل التكيف وفق مقتضيات هذا الدين الحنيف؛ من الانتظام في صلوات الجماعات، حيث يشاهدون ليل نهار صفوف عباد الله تمثل بين يديه، خاضعة خاشعة (1) ويقول أيضاً "فللبيت دوره، وللمدرسة دورها
(2)
وللمسجد دوره وتتجلى المهمة التربوية في بيوت الله تعالى في مظاهر متعددة، وأهمها:
1 - التربية الروحية: فالمسجد مكان الصلاة والاعتكاف، تتراص صفوف عباد الله تعالى في صلاة الجماعة متكلفة متآخية، فتصفوا من أكدارها، ويزكو إيمانها، يقول سبحانه: " إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ"
(r)",
2 - التربية العقلية: فالمسجد في وقتنا هذا هو مؤسسة تعليمية مهمة تعقد فيه حلقات العلم والمواعظ الحسنة، ويتدارس فيه المسلمون كتاب الله، ويتلقى فيه الطلبة دروساً علمية بجانب أمور دينهم، من العقيدة والفقه واللغة، فتسدّ الخلل الناتج عن التعليم الرسمي، كما يحفظون - من خلال المراكز التي تعقد فيه ـ كتاب الله تعالى، ويتعلمون تفسيره، ويتلقون دروساً متنوعة في الخلق والفكر
وغيرهما.
(1) مكانة المساجد، محاضرة مسجد الدعوة بالموالح 7/صفر / 1419 هـ
(2) التحذير من آفات المجتمع، 58/ 57
(3) سورة التوبة، الآية 18 (1/306)
صفحة 307
من
معالم الفكر التربوي
{307}
عند الشيخ أحمد الخليلي
-3 - التربية السلوكية: ولو لم يكن سوى التقاء المسلمين ومعرفة أحوال بعضهم بما يوطّد أواصر الود والألفة والمحبة، فتحسن بذلك أخلاقهم، وتسمو سلوكياتهم، أضف إلى ذلك ما تتلقاه الأجيال الناشئة عن الكبار من تجارب حياتهم، فيرون معاملة الكبار لأقرانهم فيتشبهون بهم، وينشأ الفرد اجتماعياً دماً محباً للخير عدا أن الناشئة تتلقى فيه التربية السلوكية على أيدي المعلمين
المدمرة
والمرشدين.
يقول سماحته: إن المسؤولية في تربية النشء على مقومات الحياة الإسلامية تقع على عاتق الآباء والمدرسين والمجتمع ... فللبيت دوره وللمدرسة دورها (1) وقد نشأت المدارس بعد أن ضاقت المساجد بالمتعلمين لكثرتهم،، وظهرت أصناف التخصصات التي تحتاج إلى التقنيات التعليمية، ووسائله الثابتة أحياناً، ولا يجهل أحد الدور المهم الذي تؤديه المدرسة في تربية الأجيال من الناحية الجسدية والنفسية والفكرية ... ولذا كانت الأهمية بالغة في وضع المنهاج المدرسي في عناصره المتعددة .. وسأخص ذلك بالحديث، بمشيئة الله - في باب المنهاج الدراسي في التربية العقلية.
ومن المعلوم أن اختلاط الطالب بأقرانه ومن هم في سنّه يولد في نفسه الانشراح النفسي، وحب المنافسة الشريفة في طلب العلم، كما يوطد علاقاتهم
(1) التحذير من آفات المجتمع، 57/ 58 (1/307)
صفحة 308
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
فيما بينهم، ويحسن أخلاقهم، تحت إشراف مربيهم من المعلمين، كما تقوم المدرسة ببناء متكامل للطفل من الناحية العلمية والعقلية والسلوكية والجسمية وهو إعداد متكامل إن أحسن المربون تطبيقه، فإن الناشئ يسير في طريق النشأة السليمة، وتشكل المدرسة وسطاً للتقويم السلوكي، حيث ينظر المربي كيفية تعامل الطالب مع أقرانه، ومعلميه وسائر العاملين في المدرسة، وكيف يتعامل مع مرافق المدرسة المسخرة له. إضافة إلى إمكانية تدريس علم الأخلاق
نظرياً، بجانب التطبيق العملي. فهل تؤدي المدرسة دورها فعلاً؟!
المرافق العامة
هناك الأندية والملاعب والحدائق والمهرجانات والمجالس العامة، والعادات والتقاليد في المجتمع، وطبيعة البيئة الجغرافية، كل ذلك يدخل في مفهوم البيئة التي يتربى فيها الإنسان، وجميعها مؤثرة على تربيته وتنشئته، كل عنصر بحسبه، ويقدر اتصال الناشئة به.
إن البيئة العامة، بما فيها من العادات والتقاليد التي قد تكون قريبة أو بعيدة عن أحكام الدين، فلاشك أنها تترك آثاراً واضحة في النفس البشرية قد يصعب محوها، ولذا كان على المربين عدم المهادنة في تنشئة الأجيال على المبادئ التربوية والإسلامية، ومقارعة العادات الباطلة بالتي هي أحسن، من الحكمة والموعظة الحسنة، ويبين لنا سماحته أثر البيئة قائلا: " ومن أهم المؤثرات الاجتماعية البيئة، فإنها ذات أثر كبير على من ينشأ فيها، ويتربى في محيطها، ولذلك تختلف أفكار الناس استحساناً واستهجاناً بحسب اختلاف بيئاتهم، (1/308)
صفحة 309
من معالم الفكر التربوي
{30}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بحيث تجد أمراً يعد عند أهل بيئة من أحسن الأمور، بينما يعد عند غيرهم من أقبحها، والكل معدودون من العقلاء، ولذلك كان الواجب الاحتكام إلى الشرع المنزل من السماء لا إلى عقول الناس المتغيرة الأطوار، المختلفة الأحوال. ويقول أيضاً "ما أصعب التغلب على العادات عند من لم يتسلح
(1)
باليقين، ويتدرع بالصبر" (3) ويقول أيضاً: "إنَّ العقول متباينة باختلاف المؤثرات النفسية والاجتماعية على أصحابها، فالتربية والتثقيف والبيئة والمحيط لها أثر في تكوين الفكر وتوجيه العقل، بينما الدين فوق ذلك كله، لأنه تنزيل من حكيم حميد، يخضع له العقل والقلب وتستسلم له الروح والجسد" (3) وإذ ينبه سماحته على إدراك أثر البيئة في توجيه السلوك؛ فإنه يدعو بإلحاح إلى أن يكون المناخ الذي تتربى فيه الناشئة مناخاً صالحاً معيناً على الاستقامة، وبالتالي يتحمل كل فرد من أفراد المجتمع بلا استثناء دوره في تهيئة هذا المناخ للصلاح والمحافظة على استمرار الاستقامة، ولتحقيق ذلك لابد. في نظري - من
طريقتين:
1 - التمسك من الجميع بمبادئ الدين وتحقيق القدوة للجيل بذلك
التمسك.
2 - تهيئة البيئة الصالحة، بالمساهمة المستطاعة في تربية الجيل فكرياً وسلوكياً، ولا يحقر الإنسان جهده مهما كان صغيراً، فإنه عند الله
كبير، والجهد كبير بأثره لا بحجمه.
(1) جواهر التفسير 3/ 41
(2) السابق 3/ 235
(3) جواهر التفسير 3/ 155 (1/309)
صفحة 310
من معالم الفكر
{31}
عند
الشيخ
أحمد الخليلي
فالكل يساهم في توجيه الناشئة إلى الحق، وتأصيل العقيدة الصحيحة في نفوسها، وتربيتها على كتاب الله وسنة رسول الله يقول سماحته: "ولذلك كان من الضرورة بمكان أولاً، وقبل كل شيء، إصلاح المناخ، حتى لا تكون هذه السموم واجدة مناخاً يمكن أن تعشش فيه وتستشري، فيجب أن يكون المناخ مناخاً صالحاً مهيئاً للصلاح والخير، ويكون ذلك بتوجيه الناشئة إلى الحق، وتأصيل العقيدة في نفوسها، وتربيتها تربية سليمة تقوم على كتاب الله وسنة رسوله " (1) ويقول سماحته أيضا: "على المجتمع بأسره أن يكون في تمسكه بمبادئ هذا الدين واعتزازه بموارده الفكرية والسلوكية بيئة حسنة لهذا
النشء
(2).
بهذا. ولله الحمد والمنة - ينتهي الجزء الأول من معالم الفكر التربوي لدى سماحته ويليه - بمشيئة الله - الجزء الثاني وأوله الفصل الثالث في الحياة الروحية، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) منهج إصلاح المجتمع، ج / 104
(2) التحذير من آفات المجتمع، ص 58 (1/310)
صفحة 311
من معالم الفكر التربوي
{31}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ملحق (1)
جزء من رسالة كتبها الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، المفتي السابق للسلطنة، يذكر فيها نبوغ -
ة الشيخ الخليلي.
الأسريا قامتها من في ذلك الأوان محذرا رها لنا الا من أجل عدم جواز تعددها و الامر التي كان يحذرها قد ذهبت الآن غزا المحذور ما بقي المالعمل بما ل عا ولنك المشايخ الجهابذة رحمهم الله وكذلك العارض بعض فقهائنا في جعلنا للجمعة خطيبتين كا كان يفعله الصدر الأول من سلف هذه الامبية وروى فعله عين النبي صل الله عليه وسلم وفي الجلسة الخفيفية. بسته بان قاتل من ان الايمة في عمان ماكانوا يتعاون الأرجواب هؤلاء تتكفل به شيخنا البلام الحافظ احمد نعد الخليل وقد افاض عن ذكر الجرج واقامة الادلة بمالم يستو اليه في رسالية سميتها انا مشارق النيرين فيما جاء في الجلسة بين الخطبتين وفي ذلك كفاية الطال الله حيان وجزا عنا خيرا وكذلك يبحث بعضهم عن الصلاة والجامع بعد السليم من صلاة الجمعتها المو من الما أورام بيئي حادث لان الله بقول فاذا قضيت الصلاة فانتشر و في الارض وانجواب ان هذا الاسم الله عز وجل انما هو امر اباحة والاباحتلا تقتضى النهيئ و الصلاة بعدها ولا كانت الركعتان بعد صلاة الظهر من الرواتب التي التركها المسلوبة في صلاة الحضر فكذلك ينبغى المشترك بعد صلاة الجمعة وان قبلان رسول اس ملے اسد عليہ اسلام لا يصلى بية الى المجد بعد ما يسلم من صلات الجمعة فانه كان عليه السلام يعود الى بيته فيصلى فيد وهكذا كان اكثر نتقالات نے بہت صلوات الله عليه وسلم وقد ذكر ابو بكر المعروف بابن المنذر في كتاب الاشراف ان النبي صلى اله عليه وا قال من كان شكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها ز ثبت عنه انه كان يصلى علا الجمعة ركعتين قلب وقبل انه كان بيمار بعدها اربعا قال الامام ابوسعيد الكدير بما يعلقه على باب الايران يخرج أنه يؤمر بعدها بركعتين وقد قيل إنهم سنة وقيل ماموربا والناس على شبه الاجماع فيه ما لا تتركها بعد جمعة والظهير وكذلك كان الالما لم ينتقل بعد صلاة الجمعة والمسجد والناس يتفلون وهذا ما اردنا بيانه الحاقا ما كتبه الشيخ العلامة الحملة عن الخليلي و دفع المار کرناه من الاعتراضات فنرجو من اخواننا ان يحسنوا بنا الظن وان لا يتوهموائي نفوسهم البانريد خالفة المتن الاسترين علي انا العاملين المدرس رضوان الرد عليهم ولسنا ندعي انا اكثر منهم اطلاعا أو اتباع السنة كلا والذي فالو الحية وبرا النسمة بالكننا ما وجمع الجميع يا منعناه عنهم ما نورا وفى متهم مذكورا علما انهم لايرون ينا من ذلك مجبورافعي يبلغنا الصالح معتدون و هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مهتدون و قولنامي هذا و غيره قولى المسلمين والحمد سد رب العالمين ولے اس على سيدنا خاتم الانبياء والمرسلين وعلى اله وصحبه من الأولين والآخرين وحسبنا الله ونعم الوكيل ابراهيم بن سعد العبري
معنى السلطنة (1/311)
صفحة 312
من معالم الفكر التربوي
{12}
ند الشيخ أحمد الخليلي
ملحق (2)
مقال نشر مجلة الشرطة بسلطنة عمان
الشيخ الخليلي حجة فكرية عربية وتأريخية إسلامية
للأستاذ الدكتور: مصطفى عبد القادر النجار
المستشار الأكاديمي بوزارة التعليم العالي
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ظاهرة عمانية حضارية، تجمع ما بين التراث والمعاصرة، حبا الله بها سلطنة عمان؛ فأصبح يعبر عن همومها السلفية من جهة، وحياتها اليومية من جهة أخرى، فيشرح ويفصل، ويحكي
ويحاضر ويخطب ويكتب في كل مجال يتهيأ له وتصل إليه يده، فأعطى لوطنه أبجدية الروح في هذا الزمن العاثر، فلا ينكر أحد سعة اطلاعه، وشدة تواضعه، وفتح قلبه وعقله، وأبواب ضميره لكل سائل، صغيراً أو كبيراً، مثقفا أو أميا، يتبادل معهم الفكر والفقه بكل تفاصيله، ولا يمل لهم مجلساً، ولا يشعر بضيق أو يرفض سؤالا
وقد حدثنا التأريخ عن شخصيات أعطت لأوطانها غذاء روحيا لا يمكن أن ينضب على مدى السنين، عربياً وإسلاميا وعالمياً، والشيخ الخليلي يظهر عملاقاً في هذا الجانب بمقولاته وفتاويه، واجتهاداته وآرائه، ليسد فراغاً ليس
بالسهولة ملؤه في زمن كثرت فيه الاجتهادات، وتعددت التأويلات واختلفت الرؤى، وأصبح من العسير على المؤمن أن يطمئن إلى هذا الرأي أو ذاك في تفسير أمور دينه ودنياه وصار يسبح في بحر متلاطم الأمواج من (1/312)
صفحة 313
من معالم الفكر التربوي
{13}
عند الشيخ أحمد الخليلي
تناقض الأقوال، ولا يدري أين يرسو بسفينته للاطمئان إلى شاطئ السلامة، حيث أصبح المسلم في ذلك الجو الملبد حائراً منذهلا في كيفية ارتشافه لرحيق الحقيقة، فجاء الخليلي ليعالج ذلك الفراغ، ويعطي أبناء قومه عصارة فكره الخلاق، المبني على أحكام الإسلام الحنيف، بتجرد وتعفف تنحني له الهامات، وسوف تعتز به الأجيال عبر القرون، فامتد فكره إلى ماضي التاريخ ففهمه، وإلى حاضر الأيام فهضمها، وإلى مستقبل الحياة فأدرك معانيها؛
فمزج بين الأصالة والحداثة؛ ليحتل مكانة متميزة في نفوس أبناء وطنه. ليس لك الخيار إلا سماع حكمه، وتكتشف عمق تفكيره، وصفاء ذهنيته وصواب آرائه، وعلميته حديثه، وليس بالسهولة أن تجد بين أقرانه في هذا
الزمن الصعب من يسد الفراغ الذي ملأه بذات الطريقة المشبعة بالتواضع، والتراكم العجيب من المعرفة، ما يعجز أصحاب شهادات عليا من النطق بها، فيحلق بك إلى عالم، وينقلك إلى أجواء الصحابة الكرام، وعصور الإسلام الأولى، لتتعايش مع قيمها ومبادئها بطريقة مثلى، منتشلا إياك من واقعك المتردي الذي تحمله كابوساً ثقيلاً على كتفيك، فتجد نفسك معه متألقاً متعففاً
عن كل مبتذلات وهموم الحياة الرخيصة تتعايش مع روح الإسلام الحنيف، وسيرة المسلمين الأوائل، وأحكام الشريعة السمحاء، محلقاً في سماء المثل
العليا التي جاء بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ ليرسو بك إلى عالم الإيمان بواقعيته وحسه الوطني، وأجوائه الخلاقة، التي ترتشف من مكنونات الحياة الصالحة، والتي تستند إلى كتاب الله وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه (1/313)
صفحة 314
من معالم الفكر التربوي
{314}
عند الشيخ.
أحمد الخلية
وسلم كل هذا وغيره من فلسفة الدين والحياة تتعلمها من هذا الزاهد العماني، الذي وهب نفسه لعمل الخير وفلاح البشر
وسماحة المفتي يعيش عصره الذي تزاحمت فيه التحديات والانحرافات، وهو يدرك أن ذلك العصر ليس من اليسير إدراك ميتافيزيقيته، ولكنه استطاع أن يخاطب الناس بلغة مبسطة، وأن يعبر عن عمانيته الأصلية بالدفاع عن اللغة العربية التي هام في حبها من محاولات اغتيالها وهي لغة القرآن الكريم، إلى جانب الحفاظ على الأطر البلاغية فيها.
وحقا نقول: إن سماحته صار عملاقاً في زمنه، فمن أين يستطيع الإنسان أن يخاطب بما ملك من مواهب وصفات قلما تجتمع في إنسان، فأصبح ملكة ابتكارية مولدة للتصورات الحسية
وقد قيل: إن العلماء ورثة الأنبياء، وهم الذين يغارون على الحق، ويتبحرون في تفاصيل العلوم، وهمهم سرد الحجج حول المسائل المثارة لإقناع البشر، وهو بلا شك منهم وإليهم، لقد لخص سماحته صفحات التاريخ العربي عبر عصوره بآراء وأقوال واجتهادات بلغ بها الذرى، أفلا يحق للمؤمنين أن يعطوه صفة (مفتي العروبة والإسلام ويسلطوا الضوء على قدراته الخلاقة، وأفكاره النيرة، وأقواله المأثورة التي عجزت عن النطق بها مؤسسات علمية ومراكز بحثية.
وبمراجعة دقيقة لكل الفتاوى التي نطق بها ذلك الطود الشامخ، والتمعن بعمق ومقارنتها بما كان عليه السلف الصالح، تجد أن القلم يعجز عن تقويمها أو إصدار الحكم بشأنها، لأنك ستجد نفسك أمام السهل الممتنع الذي لا (1/314)
صفحة 315
من معالم الفكر التربوي
{315}
عند الشيخ أحمد الخليلي
تستطيع بسهولة أن تدلي دلوك فيه، فهو يوضح لك أسس العقيدة الإسلامية كما جاءت عند نزول الوحي والتعريف بما نقله الصحابة الثقات الذين سلكوا الصراط المستقيم واتبعوا تعاليم الدين الصحيح، ونقلوها إلى الخلف دون تحريف.
وهو يهدي المؤمنين إلى الأسانيد التي يجب الاعتماد عليها لتجنب الوساوس التي تضلل السذج من الناس، وهو في كل هذا لا يطعن مذهباً أو يسفه ديناً أو ينال من أي فرقة إسلامية.
وإذا التفتنا إلى دراسة شخصية هذا الرمز الإبداعي يمكن أن نحدد صفات تميزه عن غيره، وذلك في اتساع مداركه وغزارة علمه، والاقتصار في مقولاته، والإيجاز في عباراته، فهو يبتعد عن التفصيل الممل إلا إذا استدعى الأمر ذلك، مراعياً عقلية السائل وغموض وتعقيد المسألة المطروحة، فبحذاقته وقدرته الذاتية يستطيع أن يكشف عن خصوصية السؤال، وما يتطلبه من إجابات إن كانت مفصلة أو مختزلة دون أية مبالغة أو حشو في الكلام
•
وهو في كل الأحوال يعطي المسلمين على اختلاف مذاهبهم ودون تمييز مكانتهم وقدراتهم مبتعداً عن التعصب الأعمى .. ساعياً إلى بعث روح السلف الصالح ليكشف عن الصورة المشرقة لهم، مؤكداً على عدم الانغلاق وحبس العقل وجمود النص وفتح الأبواب على مصراعيها للنقد الذاتي، منتشلا الأفكار مما علق بها من تراكمات تاريخية باتت بحكم المسلمات في وقت هي في أشد الحاجة إلى التنقية ورفض التقليد الأعمى المغلف بالحق، والذي يحمل في طياته جوانب عديدة من الانحراف والباطل المنمق، فبحسه المتميز وقدراته (1/315)
صفحة 316
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
الخلاقة التي وهبها الله له يستطيع أن يكشف زيفها بلا أية مجاملة، وعليه اعتبرت مهمته التي يقوم بها أمام الناس بأنها تكليف إيماني أمام الله والشريعة
والدين
وعمان التي لم تنصف في الكشف عن كنوز فكرها الخلاق تحتاج في عصر العولمة الألفية الجديدة من يسلط الضوء على مبدعيها، ويأتي على رأسهم سماحة الشيخ الخليلي الحجة الفكرية العربية والتاريخية الإسلامية، الذي تجاوزت أعماله حدود وطنه عمان إلى العالمية، ليأخذ على عاتقه الدفاع عن الإسلام وشرح أصوله، ومنهجه وفكره وفلسفته، وعمل على تنقية الأجواء العقلية لوطنه عمان، مبتعداً عن العواطف الهوجاء التي تبعد الحقيقة عن ذاتها وتستسلم إلى رقة الكلام المنمق.
ونجد الصحافة اليومية و الأسبوعية تتسابق لأن تتبنى نشر فتواه التي لا تحدها أسطر، وتؤطرها الدوريات الشهرية أو الفصلية، مما يثير الدهشة إن الذي دعاني لكتابة هذه الأسطر بحقه هو ما شاهدته في الوطن العربي عندما كنت رئيسا لمنظمة عربية - للاحتفال برجالاته المتميزين – ففي كل عام نسمع أن مؤسسات ومنظمات وجامعات ودول تحتفل بواحد من أبرز الرجالات الذين قدموا عطاءهم لأوطانهم، بحيث يتسابق العلماء بأقلامهم في إبراز الجوانب المضيئة من تلك المسيرة وذلك العطاء إنها دعوة صادرة من قلب عربي لا هدف له إلا إعلاء كلمة العلم والعلماء في بلد التاريخ عمان، كما أني أدعو هذا الرمز الإسلامي لأن لا يحرم جيله من تجاربه، فيكتب لنا (يومياته أو مذكراته (كما فعل رموز وعباقرة العالم عبر
• (1/316)
صفحة 317
من معالم الفكر التربوي
{317}
4
عند الشيخ أحمد الخليلي
حقب التاريخ، والواقع إنها دعوة واجبة لابد أن يحققها لنا، فهو مدرسة من
حق طلابها أن ينتفعوا وينهلوا من معينها
من مجلة الشرطة. سلطنة عمان (1/317)
صفحة 318
من
معالم الفكر التربوي
318
عند الشيخ أحمد الخليلي
ملحق الصور التذكارية لسماحة الشيخ الخليلي
صورة للقرية التي كان يسكنها الشيخ بزنجبار
الشيخ الخليلي يقف على يسار الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق لعمان الصورة أخذت من كتاب الشيخ العبري لحمد بن محسن العبري (1/318)
صفحة 319
من معالم الفكر التربوي
{19}
عند الشيخ أحمد
الشيخ الخليلي الشخص الثالث على يسار جلالة السلطان المعظم في تأدية الصلاة:
صورة للشيخ في عام 1977 م
بمسجد
الخور (1/319)
صفحة 320
من معالم الفكر التربوي
{32}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
صورة أخرى للشيخ في عام 1977 م (1/320)
صفحة 321
من معالم الفكر التربوي
الجمهورية الا
{32}
ن ايران طهرات
عند الشيخ أحمد الخليلي
امور منابع نترات 21 - 22 ج 2 1409 ه. ق
7 th Islamic Thought Conference
29.31 Jan.1989
سماحة الشيخ يشارك في مؤتمر بالجمهورية الإسلامية الإيرانية (1/321)
صفحة 322
من معالم الفكر التربوي
322}
عند الشيخ أحمد الخليلي
MOMIXXIXIX WhaX
سماحة الشيخ في صورة جماعية مع مجموعة من العلماء في أحد المؤتمرات
سماحة الشيخ يترأس الجلسة في أحد الاجتماعات (1/322)
صفحة 323
من معالم الفكر التربوي
323}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ الخليلي يلقي كلمة أمام جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم
الملك الراحل الحسين بن طلال ملك الأردن يستقبل الشيخ الخليلي (1/323)
صفحة 324
من معالم الفكر التربوي
ET
324}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ الخليلي مع حاكم زنجبار ومجموعة من الشباب هناك
الأمير الحسن بن طلال ولي عهد الأردن سابقا يستقبل الشيخ الخليلي (1/324)
صفحة 325
من معالم الفكر التربوي
(TTO) +
عند الشيخ
أحمد
جوري الاوان
الأمير حمزة ولي عهد الأردن يسلم الشيخ وسام الاستقلال
الشيخ الخليلي يصافح جموع مستقبليه في إبرا (1/325)
صفحة 326
من معالم الفكر التربوي
326}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سماحة الشيخ في جلسة مع بعض العلماء المشاركين في مؤتمر الفقه الإسلامي
الشيخ الخليلي في دولة الإمارات العربية المتحدة (1/326)
صفحة 327
من معالم الفكر التربوي
{327}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ الخليلي في زيارته لمكتبة الندوة الأهلية ببهلا
الشيخ الخليلي في بهلا يجيب على أحد السائلين (1/327)
صفحة 328
من معالم الفكر التربوي
{32}
الشيخ يتصفح مجلة المعالم
عند
الشيخ:
أحمد
الخليلي (1/328)
صفحة 329
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ يتفقد مشروع نسخ المصحف الشريف بالمعهد العماني لتعليم الخط العربي 1995 م
الشيخ الخليلي يتفقد معرضا في بلدة «يتي» بمسقط في اختتام المركز الصيفي (1/329)
صفحة 330
من معالم الفكر التربوي
{T} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ الخليلي في جمهورية مصر العربية
الشيخ الخليلي يستقبل الشيخ حمدي مفتي يوغسلافيا (1/330)
صفحة 331
من معالم الفكر التربوي
{31}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ الخليلي يلقي خطبة العيد في مسجد الخور بمسقط (1/331)
صفحة 332
من معالم الفكر التربوي
332
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ في زيارة لماليزيا يقف مع مجموعة من الطلبة العمانيين هناك
سماحة الشيخ يجيب كتابيا على المستفتين (1/332)
صفحة 333
من معالم الفكر التربوي
{+} +
عند الشيخ أحمد الخليلي
الإفتاء لكل إنسان في جميع الأحيان بأي مكان
سا کيا تم نے
سماحة الشيخ أثناء مشاركته في أحد المؤتمرات (1/333)
صفحة 334
من معالم الفكر التربوي
334}
عند الشيخ
أحمد
سماحة الشيخ يتفقد مكان نشأته في زنجبار
سماحة الشيخ مع جمهور مستقبليه بالمنطقة الداخلية
الخليلي (1/334)
صفحة 335
من معالم الفكر التربوي
335}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سماحة الشيخ في مكتبه السابق بوزارة الأوقاف
سماحة الشيخ يزور مع بعض العلماء سفينة فلك السلامة (1/335)
صفحة 336
من معالم الفكر التربوي
336}
عند الشيخ أحمد الخليلي
مسجد الرفيع بمحلة الخضراء بولاية بهلا حيث كان يسكن الشيخ
سماحة الشيخ يلقي محاضرة بدولة الإمارات العربية المتحدة (1/336)
صفحة 337
معالم الفكر التربوي
337
الشيخ أحمد الخليلي
أولا: الكتب والدوريات
المراجع
أصول الفكر التربوي في الإسلام، عباس محمود، ط 1، 1987 م - إعادة صياغة الأمة، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ط 1، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان، 2003 م
أهمية العلم، الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة
عمان
التحذير من آفات المجتمع، الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الضامري، السيب
، سلطنة عمان
تحفة الأعيان، الشيخ نور الدين السالمي، مكتبة الاستقامة
- التحذير من كذبة إبريل، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مكتبة الغبيراء، بهلا، سلطنة عمان، ط 1، 1424 هـ / 2003 م
التربية الإسلامية، عبد الوهاب طويلة، ط 1، 1997 م
- تشريعات الإسلام، الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الضامري، السيب
سلطنة عمان
- جريدة عمان، العدد 6783، الثلاثاء 30 رمضان 1420 هـ
- الجملة وتفسيراتها، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
"
- جهينة الأخبار في تأريخ زنجبار، سعيد بن علي المغيري، وزارة التراث
القومي، سلطنة عمان، 1986 م (1/337)
صفحة 338
من معالم الفكر التربوي
{338}
عند الشيخ أحمد الخليلي
- جواهر التفسير، الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الاستقامة، ط 1، 1984 م،
الجزء الأول
- جواهر التفسير، الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الاستقامة، ط 1، 1986 م،
الجزء الثاني
- جواهر التفسير، الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الاستقامة، ط 1، 1988 م،
الجزء الثالث
جواهر التفسير، الشيخ أحمد الخليلي، ج 4، مخطوط
الحق الدامغ، الشيخ أحمد الخليلي، مسقط، 1419 هـ
- حقيقة الإسلام، الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة
عمان
الرد على أحد السائلين، الشيخ أحمد الخليلي، مخطوط
- رسالة الشيخ الخليلي إلى أهل ميزاب، الشيخ أحمد الخليلي، مخطوط عمان أيام زمان، مرشد بن محمد بن راشد الخصيبي
-
فتاوى النكاح. الشيخ أحمد الخليلي، الأجيال للتسويق، ط 1، 2002 م القيادة في الإسلام الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الضامري، السيب،
سلطنة عمان
- مجلة أفكار اللبنانية، لقاء الصخفي وليد عوض بالشيخ الخليلي - مجلة مواقف، لقاء الصحفي علي مهدي هاشم بالشيخ الخليلي - مجلة الوحي العمانية العدد 34 صفر 1399 هـ / يناير 1979 م
- مدخل إلى التربية، عبد الرحمن الباني، المكتب الإسلامي، ط 2، 1980 م (1/338)
صفحة 339
من معالج الفكر التربوي
{39}
عند الشيخ أحمد الخليلي
مقدمة ابن خلدون، دار الكتب العلمية، ط 1، 1993 م
- مناهج التشريع الإسلامي، الشيخ أحمد الخليلي، دار الجيل، مسقط،
ط 1، 2001 م
- ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة في مسقط عام 1408 هـ، ط 1، 1990 م - وسقط القناع، الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة
عمان، طان 1998 م
تارا من أن المسموعة لسماحته:
آثار الانحراف الفكري: 101/ج - أسس التربية الصالحة: 2/ 217
الإسلام ومكارم الأخلاق، 98 / ج
- الإخلاص: 1/ 21
-
الإيمان باليوم الأخر: 22/ج
الإيمان مفهومه وتطبيقاته، جـ 1: 65/ج
الإيمان مفهومه وتطبيقاته، جـ 2: 66/ج
الدعوة إلى الله، ج 1، 1/ 8
- الدعوة إلى الله
1/ 9 "
الصحوة الإسلامية: محاضرة بكلية الشريعة، مكتبة مشارق الأنوار
جميع المحاضرات الواردة مسجلة بمكتبة معهد العلوم الشرعية السمعية حسب التصنيف الموثق
عدا ما أشير إليه بحذائه (1/339)
صفحة 340
من معالم الفكر التربوي
الطريق إلى الأقصى، 1/ 325
340 أ عند الشيخ أحمد الخليل
- أنت تسأل والمفتي يجيب، رقم 5 / مكتبة المناهل
- تربية الأولاد في الإسلام، جا: 106/ج
- تربية الأولاد في الإسلام، جـ 2: 107/ج 107/ج
- تربية النشء: 2/ 211
تضحيح مفاهيم خاطئة، 118، أ
حاجة الفكر والسلوك إلى العقيدة: 64/ج حقوق الأبناء على الآباء: 90/ج - حقوق الأبناء على الآباء، 1/ 100 حقوق الأولاد في الإسلام، 91/ج دور الأباء في تربية الأبناء: 1/ 117
سلوك المرأة المسلمة: محاضرة بولاية المصنعة، مكتبة الهلال، ومكتبة
المعهد برقم 1/ 276
- طريق الإصلاح: 104/ج
عنوس الفتيات: مكتبة مشارق الأنوار
معالم الشخصية الإسلامية: 1/ 284
مكانة المساجد في الإسلام: محاضرة بمسحد الدعوة الموالح، صفر، 1419 هـ
منهج إصلاح المجتمع: 104/ج
موقف الإباضية من الخليفتين عثمان وعلي، 130/ 1
وقفات حول الزواج المعاصر، مكتبة مشارق الأنوار (1/340)
صفحة 341
من
معالم الفكر التربوي
{31}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ثالثا: اللقاءات
- لقاء الشيخ خليل الخليلي بالشيخ القاضي علي بن ناصر المفرجي - لقاء خليل الخليلي بالشيخ خلف بن زاهر الشرياني - لقاء الشيخ عبد الله بن عامر العيسري بالشيخ أحمد الخليلي - لقاء المنفلوطي بالشيخ أحمد بن حمد الخليلي - لقاء برنامج " واحة المستمعين " بالإذاعة العمانية مع الشيخ أحمد الخليلي
- لقاء المؤلف بالشيخ أحمد بن حمد الخليلي
- لقاء مع والدة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.
- لقاء المؤلف بالشيخ سعيد بن حمد الحارثي مدير معهد القضاء الشرعي سابقا - لقاء المؤلف بالشيخ يحيى بن سفيان الراشدي، مدير دائرة التربية الإسلامية
،
بوزارة التربية والتعليم - لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن سيف الخليلي ابن عم سماحة الشيخ الخليلي - لقاء المؤلف بالشيخ أبي الحسن شحاتة، مدرس بمعهد القضاء الشرعي سابقا
- لقاء المؤلف بالشيخ أحمد بن سعود السيابي، أمين عام مكتب الإفتاء - لقاء المؤلف بالشيخ زياد بن طالب المعولي: المدير العام لمعهد العلوم الشرعية لقاء المؤلف بالشيخ صالح بن سليم الربخي، مدير إدارة الجوامع والمساجد بمركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية بديوان البلاط السلطاني
- لقاء المؤلف بالشيخ عاشور بن يوسف، المدرس بمعهد العلوم الشرعية - لقاء المؤلف بالشيخ عيسى بن يوسف البوسعيدي، مستشار وزير الأوقاف والشؤون الدينية لمعهد العلوم الشرعية (1/341)
صفحة 342
التربوي
1342 عند الشيخ أحمد الخليلي
- لقاء المؤلف بالشيخ بدر بن هلال اليحمدي، مدير مكتب تطوير المناهج بمركز
السلطان قابوس للثقافة الإسلامية بديوان البلاط السلطاني
- لقاء المؤلف بالشيخ خالد بن سالم الخوالدي، المدرس بمعهد العلوم الشرعية - لقاء المؤلف بالشيخ ناصر بن سليمان السابعي، المدرس بمعهد العلوم الشرعية
- لقاء المؤلف بالشيخ خميس بن راشد العدوي، مدير دائرة الفتوى بمكتب
الإفتاء
- لقاء المؤلف بالشيخ سيف بن حمود البهلاني، خال سماحة الشيخ الخليلي - لقاء المؤلف بالشيخ حميد بن محمد اليحمدي، مدير دائرة التنسيق والمتابعة بمكتب الإفتاء
- لقاء المؤلف بالشيخ أسعد بن حمود المقيمي: الباحث بمكتب الإفتاء - لقاء المؤلف بالشيخ سليمان بن أحمد الخليلي، المدرس بمعهد العلوم الشرعية، وهو ابن سماحة الشيخ أحمد الخليلي
- لقاء المؤلف بالشيخ خليل بن أحمد الخليلي مدير شؤون الطلاب بكلية
الشريعة والقانون، وهو ابن سماحة الشيخ أحمد الخليلي
- لقاء المؤلف بالشيخ أفلح بن أحمد الخليلي، ابن سماحة الشيخ أحمد الخليلي - لقاء المؤلف بالشيخ عبد الرحمن بن أحمد الخليد، ابن سماحة الشيخ أحمد
الخليلي
- لقاء المؤلف بمحمد بن مسعود الرشيدي سائق مركبة الشيخ الخليلي (1/342)
صفحة 343
عند الشيخ أحمد الخليلي
الصفحة
من معالم الفكر التربوي
الموضوع
المحتويات
المقدمة
دافع التأليف
منهجية التأليف
الفصل الأول
حياة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
نسبه وأسرته
مولده
حياته
الحياة الأفريقية
أ - حياة الطفولة حتى الخامسة عشرة
ب - من الخامسة عشرة حتى الثانية والعشرين
الحياة العمانية
كيف يقضي سماحته سحابة يومه
سماته وأخلاقه
- حفظه ونباهته
- مكانته العلمية (1/343)
صفحة 344
من معالم الفكر التربوي
أخلاقه
- الحلم والأناة
- الغضب الله
تواضعه
مجلس الشيخ
السخاء
الوفاء
-
خشيته من الله
جهوده الإصلاحية
تفاؤله
أ- جهوده في الإصلاح الداخلي
ب جهوده في الإصلاح العالمي
الشيخ في بيته
مناصبه
مؤلفاته
مدخل إلى الفكر التربوي
الفصل الثاني
مفهوم التربية
ضرورة التربية
عند الشيخ أحمد الخليلي (1/344)
صفحة 345
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي
أهداف التربية
مصادر التربية
أ - القرآن الكريم
ب - السنة النبوية
ج - السلف الصالح د ـ العلم الحديث
محتوى التربية
أساليب التربية
القدوة
- الصحبة
- الموعظة الحسنة
- القصة
- ضرب الأمثال
- المحاضرات والخطب
الحوار
- الثواب والعقاب
- الإعلام
- اعتقاد السؤال
بيئات التربية
1 - الأسرة (1/345)
صفحة 346
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي
- اختيار الزوج
الأعراس
- تربية الأولاد
منهجية تربية الأولاد حتى سن البلوغ
- المربيات الأجنبيات
- الزواج المبكر
- تزويج الكفء
- حقوق الأبناء في اختيار أزواجهم
الصداق للفتاة وحدها
- عنوس الفتيات
- العنوس وجشع الآباء
- العنوس والترف
- العنوس وولائم الأعراس
العنوس وتأمين المستقبل
- العنوس والحملات الإعلامية
- العنوس ورفض التعدد
2 - المسجد
4 - المدرسة
ه - المرافق العامة (1/346)
صفحة 347
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي
ملحق (1) رسالة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري
ملحق (2) مقال نشر بمجلة الشرطة بسلطنة عمان
ملحق صور تذكارية لسماحة الشيخ الخليلي
المراجع
المحتويات (1/347)
صفحة 348
[صفحة فارغة] (1/348)
صفحة 349
رقم الإيداع: 2004/ 22 م
طبع بمطابع النهضة ش. م. م ت: 563104 (1/349)
صفحة 350
عُمان التي لم تُنصف في الكشف عن كنوز فكرها الخلاق تحتاج في عصر العولمة الألفية الجديدة من يسلط الضوء على مبدعيها، ويأتي على رأسهم سماحة الشيخ الخليلي الحجة الفكرية العربية والتأريخية الإسلامية الذي تجاوزت أعماله حدود وطنه عُمان إلى العالمية
ليأخذ على عاتقه الدفاع عن الإسلام
وشرح أصوله ومنهجه، وفكره وفلسفته ... مبتعداً عن العواطف الهوجاء التي تبعد الحقيقة عن ذاتها، وتستسلم إلى رقة الكلام المنمق.
لقد لخص سماحته صفحات التأريخ العربي عبر عصوره، بآراء وأقوال واجتهادات بلغ بها الذرى أفلا يحق للمؤمنين أن يعطوه صفة (مفتي العروبة والإسلام ويسلّطون الضوء على قدراته الخلاقة، وأفكاره النيرة، وأقواله المأثورة التي عجزت عن النطق بها مؤسسات علمية، ومراكز
بحثية.
أ. د. مصطفى عبد القادر النجار
المستشار الأكاديمي بوزارة التعليم العالي
من مقال بمجلة الشرطة
سلطنة عُمان (1/350)
صفحة 351
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
الجزء الثاني
التربية الروحية
عشرون وسيلة للتربية الروحية
تأليف
د. زايد بن سليمان بن عبد الله الجهضمي (2/1)
صفحة 352
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
الجزء الثاني
التربية الروحية
تأليف نمايد بن سليمان بن عبد الله الجهضمي
الطبعة الأولى
مسقط
1429 هـ / 2008 م (2/2)
صفحة 353
" ما دامت اللحظات تقرب الإنسان إلى لقاء الله فعليه أن يكون في كل لحظة من هذه اللحظات أكثر محاسبة للنفس وأكثر صلة بالله وأقرب إلى الله سبحانه
وتعالى بتصفية سريرته وإخلاص عمله
وتقويم سيرته "
الشيخ أحمد الخليلي المحاضرة الإيمان باليوم الآخر (2/3)
صفحة 354
" إِنَّ الإنسان مطالب
أن يزكي نفسه ولا ينسيها، لأن
صلاحه منوط بتزكيتها، بينما تنسيتها
سبب الخيبة التي تكون في الدنيا
وتكون في الآخرة "
الشيخ أحمد القليلي (2/4)
صفحة 355
من معالم الفكر التربوي
{0}
عند الشيخ أحمد الخليلي
المقدمة
الحمد لله الذي أكرم الإنسان بالطاقات الروحية، وجعل الروح من بعض أسراره الخفية؛ ليكون دليلا على عظمة الذات العلية، وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على خير البرية، ومنقذ البشرية، أطهر العالمين قلبا، وأزكاهم نفسا، وأسماهم روحا،، وأشدهم خشية، وأصفاهم طوية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار، والأئمة الأبرار، ما توالت بكرة وعشية.
أما بعد:
من
أنَّه
فلا ريب أنَّ تركيبة خلق الإنسان بهذه الصورة العجيبة، تجعل كل ذي بصيرة لا يملك إلا أن يخر ساجداً لذي الجلال والإكرام، ذلك لما أودع الله فيه من الطاقات التي هي آيات الله تعالى الشاهدة على الحق، تلك الآيات التي لم يستطع البشر اكتناه الكثير منها في أي عصر من العصور، كما أشار إلى ذلك سماحته في تفسيره، بقوله: " لقد هيأ الله سبحانه وتعالى الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وأودع فيه من الطاقات الحسية والمعنوية ما لم يودعه في أي كائن آخر يعيش على ظهر هذه الأرض، وقد خلق الله له الأرض ومنافعها، ومكنه من استخراج هذه المنافع، كما أن الله سبحانه وتعالى سخر له ما في الكون جميعاً، وقد قال عز من قائل امتناناً على الناس: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ " والطاقات البشرية المودعة في طبيعة الإنسان لا يمكن للعلم البشري ولو اتصلت حلقاته، وسار في نمو متزايد منذ وجد الإنسان على ظهر هذه الأرض وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أن يحيط هذا العلم بما في الإنسان من طاقات مختلفة، والله سبحانه وتعالى ينشر في كل عصر من العصور من العلم بالطاقات الإنسانية ويطوي ما يشاء، وقد يكشف في عصر من العصور ما يريد كشفه للناس، حتى يستخدموا هذا العلم في مصالحهم ومنافعهم،
(1) سورة الجاثية، الآية 13
ج (2/5)
صفحة 356
{T}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي وليكون حجة لهم أو عليهم، ويطوي ذلك في عصور أخرى، ويكشف لهم جوانب أخرى من هذه الطاقات ... إنّ في الإنسان طاقات روحية يمكنه أن يتخذها وسيلة في تسخير منافع الكون التي سخرها الله سبحانه وتعالى له، كما أمكنه أن يسخر كثيراً من منافع الكون بالطاقات المادية الموجودة في ذاته، والموجودة في الكون، وهذه الطاقات الروحية قد كشفها الله سبحانه وتعالى للناس في عصور غابرة، وقد وصلوا إلى ما لم يصل إليه الإنسان اليوم الذي يعايش التكنولوجيا الحديثة، والذي يباهي ويفاخر بأنه قطع شوطا بعيدا وفاق الأولين في استخدام الطاقات الكونية المادية، وهذه الطاقات الروحية تشاهد آثارها ويعترف بها حتى الملاحدة الذين لا يؤمنون بما وراء المحسوس والعلم الحديث وقف عاجزا عن تفسيرها وإن اعترف بها وبآثارها، ومن أمثلة ذلك ما يسمى في العلم الحديث (التليباد) وهو في حقيقته علم المكاشفة، مثل الذي وقع للخليفة عمر بن الخطاب - رضي عنه - عندما كان على منبر رسول الله يخطب الناس الجمعة فألقى الله سبحانه وتعالى في روعه أن جيش المسلمين الذي كان في أقصى أرض فارس مهدد من قبل الفرس إذا لم يلجأ إلى الجبل، وكان على رأس جيش المسلمين الذي كان مهددا سارية بن زنيم - رضي الله عنه - فإذا الله بعمر - رضي يقطع خطبة الجمعة وبقول: يا سارية الجبل الجبل، وبهت الناس عندما سمعوا هذا الصوت من عمر - رضي الله عنه ـ فسألوه عندما فرغ من خطبته وصلاته، فأخبرهم بما ألقي في روعه وعندما جاءت رسل الجيش الإسلامي إلى المدينة المنورة أخبروا أنهم في نفس الوقت سمعوا صوت عمر - رضي الله عنه ـ واتجه قائد الجيش الإسلامي إلى ناحية الجبل، ونجا من مؤامرة أعداء الله سبحانه وتعالى التي بيتوها له، ... ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى أودع في طاقة الإنسان من الخاصية بما يمكنه من اكتشاف هذه لأشياء من
الله
عنه - (2/6)
صفحة 357
{7}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي الغيبيات عندما يشاء الله سبحانه وتعالى، ومثل ذلك لا يزال يتكرر عند الناس حتى في هذا الوقت)
(2)
ويشير ألكسس كاريل إلى مثل هذه الإمكانات والطاقات الهائلة في جسم الإنسان قائلا:" فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة وواقع الأمر أن جهلنا مطبق ... لأنَّ هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية، مازالت غير معروفة من هذا المنطلق أولى سماحة الشيخ العلامة بدر الدين الخليلي جانباً من اهتمامه بتفجير شي من هذه الطاقات الروحية الإنسانية في كفاحه التربوي، وأرشد الناس إلى العناية بها ابتغاء مرضاة الله عز وجل والدار الآخرة، وهو. حفظه الله ـ إمام روحي أدرك ببصيرته النافذة الكثير من أبعاد هذا الجانب، وقد تفيأ ظلاله، وجنى اليانع الطيب من ثماره، فكان هذا الجانب عنصراً أساسيا في نظريته التربوية في صياغة هذا الجيل بعيداً عن رواسب الجاهلية القديمة، وأوحال الجاهلية الحديثة، فمن خلال اطلاعي المتواضع على عطائه الفكري والتربوي المكتوب والمسموع لأذكر حقيقة هي كالشمس في رابعة النهار، بأن سماحته يملك طاقة فكرية، ونظراً ثاقباً بعيداً سديداً، يجعل الدارس يوقن تماماً أنَّ ذلك لا يكون إلا بتسديد رباني، وبمدد روحاني من ذي الجلال والإكرام، بعد أن ولى سماحته إلى الله وجهته، وأخلص له نيته، وطهر ابتغاء وجهه علانيته، و سريرته فكان الله سمعه وبصره ولا ره ولسانه، وعقله وقلبه وجنانه، والله يهب ما يشاء لمن يشاء، لا يسأل عما يفعل، وهو على كل
شيء قدير. وإن كان سماحته - حفظه الله - قد ترك لهذا الجيل في آثاره ما لو عكفوا عليه لاستطاعوا الانتفاع بما أودعه فيه، ولكن أين هم عن محاورته الحوار العلمي
(1) تفسير قوله تعالى " وما أنزل على الملكين بابل هاروت وماروت"، الشيخ الخليلي، رقم 102/ 1 / ج 2 (2) الإنسان ذلك المجهول الكسيس كاريك، تعريب شفيق أسعد،، ص 17 (2/7)
صفحة 358
من معالم الفكر التربوي
{^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الرصين، واستغلال العلم الذي آتاه الله تعالى إياه، قبل أن يحكم القدر - أطال الله في عمره - بما لا سبيل لهم على رده فالعمر بحكم الله تعالى محدود، والوقت للأسف إن مضى لا يعود. لقد جاءت هذه السطور بمثابة الضوء اللافت إلى بحر زخار بالهبات، ودعوة ضمنية إلى سبر أغواره، واستخراج كنوزه، فقد كفى ما كان، وما هي إلا حيلة العاجز المعترف بعجزه المقصر المقر بتقصيره، لعلها وعساها أن تفصح عن يسير مما يختلج في نفس كاتبها، ويعتمل في خفاياه، وقد نهجت فيها المنهج الوصفي ولم أعمد إلى التحليل البتة، عملا بنصيحة أحد إخواني بذلك، إذ الناس متعطشون لالتقاط ما ينثره سماحته من درر ألفاظه، وثمين توجيهاته، فرأيت أن لا أكدر بكلامي، صفوها، ولا أشوه به جمالها، ولا أمسخ به رونقها، ولا يفوتني أن أشير إلى أن أغلب المادة العلمية جمعتها منذ سنوات، لم أجد لها وقتا لمراجعتها إلى أن يسر الله لي هذه الآونة إخراجها، وقد اطلعت في إحدى زياراتي لسماحته - حفظه الله - في مكتبه على سفر عظيم أعده سماحته في العقيدة وهو كتاب برهان الحق في تأصيل العقيدة الإسلامية" " فاستأذنت سماحته في تقليب صفحاته، فأذن لي فشدَّني الموضوع، وأسلوب الطرح الجديد والمنهجية الرائعة في التأليف، في ثوب قشيب من عبارات سماحته الأدبية الأخاذة، فعدت إليه مرة أخرى أهز أغصان كرمه للاطلاع على الكتاب، فكان كعادته فضلا وكرما، فقد أعارني إياه أياما، فإذا به كتاب رائع يثري موضوع الحياة الروحية بشكل كبير، حينها تمنيت أن يكون قد صدر قبل تسطيري هذا الكتاب، فقد عرج فيه سماحته على الاكتشافات العلمية المذهلة والدالة على قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته، والآيات الدالة على وجوده، ووحدانيته والدافعة إلى الإيمان به
(1)
(1) أخبرني سماحته أنه أتم تأليف ثلاثة أجزاء من هذا الكتاب، وسألته عن عدد الأجزاء المتوقع أن يصدر بها هذا السفر، فقال: أحد عشر جزءا، وهذه بشارة للأمة الإسلامية وعسى أن يكون فتحا مبينا قريبا. (2/8)
صفحة 359
{9}
عند
الشيخ أحمد ا
من معالم الفكر التربوي إيمانا جازما راسخا، وينقل الكثير من شهادات العلماء الغربيين، يقول سماحته في مقدمة الكتاب: " وأرجو بهذا أن أكون قد شاركت في كشف كثير من اللبس الذي يباعد الأفهام عن إدراك الحقيقة، وأديت ما ينوبني في ردم هذه الهوة التي تفصل أمة القرآن بعضها عن بعض، فدونك - أيها الطالب للحقيقة الساعي إلى الحق - سفراً تطالعك الحقيقة من شرفاته بوجهها المشرق، وثغرها البسام، وجمالها الآخذ بمجامع الألباب، وهي تختال في حلل من صدق عبارات تنجذب إليها الأذهان، وحلي من دلائل ترنو إليها أبصار البصائر، فتجلو عنها غبش الأوهام. وإني لأرجو أن يجد في هذا السفر كل باحث عن الحقيقة ضالته المنشودة، سواء في ذلك المسلم وغيره ... " ولقد اقبست منه القليل، وخلفت ورائي الكم العظيم.
لقد جعلت كتاب " المعالم " هذا يتناول الجانب الروحي من جوانب النفس الإنسانية، سائلا المولى الكريم أن ييسر لي في الأجزاء القادمة الكتابة في الجانبين السلوكي والفكري، حيث لا مناص لي هناك من التحليل والوقوف على بعض المعالم وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه. وختاما لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل شكري، وعظيم عرفاني إلى أولئك الذين كانوا من حولي مآزرين، ومساندين بكل إمكاناتهم، من إيقاد عزيمتي على مواصلة السير، أو تزويدي ببعض الصور المنتشرة في الكتاب، أو ساهموا في الطباعة والإخراج والمراجعة وأخص بالذكر الشيخ سيف بن سليمان الخليلي، والأخ سيف الخروصي - جزاهما الله عني خير الجزاء. والله تعالى الهادي والموفق إلى سواء السبيل. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. زايد بن سليمان الجهضمي
صفر / 1429 هـ الذي يوافقه 2/ 12/ 2008 م (2/9)
صفحة 360
من معالم الفكر التربوي
{1}
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/10)
صفحة 361
من معالم الفكر التربوي
{11}
التمهيد
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/11)
صفحة 362
من معالم الفكر التربوي
{12}
عند
الشيخ أحمد الخليلي (2/12)
صفحة 363
من معالم الفكر التربوي
{13}
عند الشيخ أحمد الخليلي
المبحث الأول: الشيخ الخليلي روحانيا
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي روحاني هذا الزمان، تجسدت في شخصه وسماته آيات الرحمن، أعتقد يقينا أن أقلام البلغاء، وألسنة الخطباء، وأساليب الأدباء، ينحسر مدها حين تروم تسطير مآثره، ولكم كانت تشدني في نفسه روائع المعاني ومعالي الأمور، وتدفعني في نفسي كوابح التواني وسلاسل القصور، ولكني قذفت بما ينتابني من خوالج العجز عن المضي في بحر لجي، وتشبثت بما ينفحني به من نفحات روحانية، وعزمات ربانية، وأصررت على التحليق ولو على ارتفاع منخفض في سماء روحانيته، مستعينا بما يضي سبيلي من أنوار قلبه، وشفافية روحه، ولذا سأقطر هذه السطور على الإفصاح عن الشيخ الخليلي روحانيا.
(1)
من
تجدر الإشارة إلى أن أهم صفات الروح الخفاء، وأمرها يعود إلى الله سبحانه وتعالى ولذلك سمى الله عز وجل جبريل روحا {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمين وعليه فإن حياة سماحته الروحية بالغة الخفاء تتطلب يقظة يصاحبه الذهنية لاقتناص بعض الشواهد الإيمانية التي ينفح عبيرها ويفوح شذاها في محيطه، إذ هو حفظه الله شديد التكتم، عظيم الحرص على ألا تطلع حشاياه على تراتيل قلبه ولا تعلم شماله بتسابيح يمينه، ولا تسمع أذكار لسانه، حياء من ذي الملك والملكوت، والفضل والرحموت، وخوفا من ذي العزة والجبروت أن يرد إليه عمله لشي من قوادح الإخلاص الخفية فيه فها هو في مقدمة محاضرته عن الإخلاص يقول: " إنني وجلال الله لأجدني أقلكم أهلية في الحديث عن هذا الموضوع
(r)!!
مع
أذناه
من الملكات، وما
إنك لتراه يتضاءل ويتضاءل أمام نفسه ما آتاه الله حباه به من القدرات ولعمري إنها لسمة من سمات المؤمنين، لا يستطيعها
(1) سورة الشعراء، الآية 193
(2) محاضرة الإخلاص، الشيخ الخليلي، 21/ أ (2/13)
صفحة 364
{14}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي إلا من رضي الله عنه وارتضاه في زمن تجد فيه الكثرة الكاثرة ممن يتوشحون بألقاب العلم وحقهم أن يكونوا في أبجد، يحرص هؤلاء أن يقدموا ألقابهم أمام أسمائهم، وتراهم يقدمون أنفسهم ويرفعونها فوق غيرهم من ذوي العلم والفضل، منخدعين بما توحيه إليهم تلك الألقاب من زخارف الأوهام الباطلة، وغرور الخيالات العاطلة ولربما أمعن بعضهم في ضلال السبيل حين يستبد به الغضب إن نودي بغير لقبه، لأنه حينذاك لم يُنزل المنزلة التي تسنم أعلى أعاليها، وقد صوّر له خياله أنه من أهلها وذويها. ذلك مما يجعل أمر الكتابة عن سماحته روحانياً أمراً عسيراً على كل العسر، فهذه الروحانية التي أقرأ وأسمع عن نفحاتها ما ذقت طعمها، وإن شممت شذاها مما يفوح من أردان سماحته وأمثاله من الروحانيين، فإن ذلك لا يؤهلني بحال أن أكتب ما ينبغي أن يكتب، إذ الأولى بذلك من أوتوا نصيبا منها، وقد مكنهم الله تعالى من ناصية البلاغة، وملكهم زمام الفصاحة والتفنن في أساليب القول، ومع ذلك فهم قد صحبوا الشيخ ورافقوه، ولئن رقمت سطورا قليلة عن سماحته في هذا المضمار فلا يعني ذلك أني أترجم لهذا العالم الرباني، لا أبدا، أنا لست هنا أكتب تأريخاً روحياً أو ترجمة لشيخ الزهاد والناسكين، ولست هنا أعرف به، أو أفصح عن عظمته وعلو شأنه، أنا لا أزكيه على حبيب قلبه ومولاه، والذي أحبه واصطفاه، وأنعم عليه وأولاه، إن محاولتي الكتابة هنا لا تعدو أن تكون تطلّع إليه من بعد وهو في علياه، أو إصغاء إليه عن قرب وهو في نجواه لعلي أن أرسم ظلالا لتلك الصورة المتلألئة بنور الإيمان، أتجاوز بها حدود الزمان والمكان، لأولئك الذين لم تسعفهم المقادير، ولم تسعدهم الحظوظ بلقائه في مساجد مسقط أو دروبها، ومواطن طلب العلم فيها، ولم تكتحل أعينهم برؤية الزهد متجسداً في أثوابه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت عن سجايا رجل نحيل ملأ مسامع الدنيا زهداً ونسكاً وورعاً ووداعة ورحمة. هذا ما سأحاوله في هذه الصفحات طالباً المدد من العلي الأعلى، كي أعيش وإياك - أيها القارئ الكريم - في رحاب (2/14)
صفحة 365
من معالم الفكر التربوي
{10}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سمو
من
العلامة الروحي أحمد الخليلي لحظات نرفع بها من قدر حياتنا، ونعلى بها من أرواحنا، ونفتح آفاقا صفاء قلوبنا، لحظات مع هذا الرجل التقي الزكي الأبي، في روحانيته المتألقة التي تفجرت زهداً، وتفجر الزهد صفاء والصفاء ذكاء، والذكاء إباء، والإباء بناء، فأذاب بعلمه في بوتقة زهده مفاهيم الحياة المعاصرة المتداخلة، فقوم بعلمه معوجها، وغشاها نور من روحه، وكساها ثوبا قشيباً من عظمة خلقه وسلوكه، فغدا منارة الله في أرضه، وهديته إلى خلقه.
إنني حين أخصص الكتابة هنا للجانب الروحي، فلا يعني أبداً أنّ جانباً من جوانب شخصية سماحته يطغى على الآخر، فهو ـ حفظه الله ـ رجل أحرز قصب السبق في جوانب شخصيته كلها، إنه رجل " جميع" كما يقال، فهو في كل لحظة يعيشها يعيش حينها كل الجوانب؛ لأنه أبعد ما يكون عن ازدواج الشخصية.
أحمد الخليلي هو ذلك الرجل التقي الزكي، الأواه المخبت المنيب، الذي يهز كيانه، ويذيب فؤاده، ويفتت أكباده، خوفه من ربه، وخشيته من أليم
عذابه ..
أحمد الخليلي هو ذلك الرجل العلامة الفقيه، الورع النزيه، والمتحدث الفصيح، المتفنن في أساليب الكلام المفحم لمن ساوره من مصاقيع الأنام.
أحمد الخليلي هو ذلك الرجل الذي لم يخف في حياته أحداً من البشر قط، ولم تعبر جنانه خلجة من فزع أو خاطرة رغبة أو ميل إلى حطام زائل أو
طمع.
أحمد الخليلي هو ذلك الرجل الذي لا يعرف أنصاف الحلول، ولا يهادن الزائفين، ولا تنحني هامته لغير الله ذي القوة المتين، ولا يقبل الضيم لحظة مهما قصرت، والضيم أوسع في مفهومه من الخسف والرهق، بل يشمل أن يحال بينه وبين حمل رسالة ربه، وإبلاغ الحق بأعلى صوته، ولذا حين سمع (2/15)
صفحة 366
{17}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي أحد الناطقين باسمه يخاطب شخصاً ما، قائلا: إنَّ سماحته يطلب كذا، التفت إليه قائلا على الفور: " لا تقل يطلب، بل قل يشترط " هكذا رأى من الضيم أن يمرر تلك الكلمة الشاردة دون أن يردها إلى منظومته الإيمانية الفكرية لتحمل سماتها وملامحها.
أحمد الخليلي هو ذلك الرجل الذي يتحرك بكليته وفق قناعاته الفكرية، وأساساته الإيمانية، لا وفق هواه، أو إملاءات محيطه.
أحمد الخليلي هو ذلك الرجل الذي تستنكف طبيعته أن تكون تابعة، وتأبى الرضوخ للأوهام والأراجيف وتستعلي على الأباطيل والخرافات، فمرجيعته حق لا يحوم حولها الباطل، إيمانه الراسخ بالعلي الأعلي يستمد منه التسديد، والإصرار الأكيد على تجلية الحقائق، وفضح الزيف في كل صوره
وأشكاله.
أحمد الخليلي هو ذلك الرجل الذي بدأت أزاهير استشرافه لمستقبل أمته تتفتح في العقد الثاني من عمره، وأصبح يؤوده حمل هم إنقاذها مما تتردى فيه، ويؤرق جفنه تواني فلذات أكبادها، لكنه لم يكن ليسالم الأزمات، أو يهادن المعضلات، ويخلو بنفسه لذرف الدموع، فما مفاد من شكى ومن بكي بل امتطى الجد، وامتشق حسام العزم، في مثابرة لا تعرف الكلل، ولا يدانيها الملل، متحديا كل بهارج الباطل في أشكاله المستأسدة، إنه يعلن صراحة ليصخ مسامع الدهر" إنني لن أدخر جهدا في الوقوف أمام كل من يسعى إلى إفساد ديننا مادام في جسدي عرق ينبض بالحياة، رضي الناس أم أبوا، لأن مرضاة الله هي غايتي، وسأسخّر جميع جهدي في ذلك إن شاء
الله".
أحمد الخليلي هو ذلك الرجل اللبيب الأريب، الذكي الأبي، يتوقد ذكاء وحصافة في الرأي، ألقت إليه الحكمة مقاليدها، وسلمته طارفها وتليدها. (2/16)
صفحة 367
من
معالم الفكر التربوي
{17}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أحمد الخليلي هو ذلك الرجل المرهف في أحاسيسه، الحساس في مشاعره، ظاهره كباطنه، لم يعرف في حياته غلا ولا حسدا، وإن تكالب عليه الحساد، ولا مرَّ بقلبه طيف من الأحقاد، بل يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ولا يغضب إلا لربه، وإذا غضب فهو الحليم المغضب.
ذاك
أحمد
الخليلي هذا من اليسير جدا أن تقترب منه كل القرب فتقلب صفحات نفسه الصافية، وتقرأ بإمعان كل سطورها، وتفهم دخيلتها، عند ستجد نفساً عظيمة متكاملة متناسقة، لا تتنازعها الأهواء ولا تتجاذبها النزعات ولا تميل بها الرغبات ولا تنقسم على ذاتها، بل هي كل في ذاتها، هي قوة في كل سماتها وصفاتها، رائعة في مظهرها ومخبرها، متزنة في إرادتها ومنهجها، فلا اضطراب ولا تفاوت ولا نشاز ستجد شخصية فذة قلما تجد لها نظيراً، هنالك سيكون من العسير عليك جدا أن تبتعد عنها أو تفارقها، بل ستقع بلا ريب في إسارها وملك، سجاياها ستدرك حينها بصمات يد القدرة واضحة في جميع جوانبها، وحين تفتح عينيك على واقع مرير يكتنف أمة الإسلام تعلم يقينا ما ناطته يد القدرة من ثقل المسؤولية على كاهل هذا الرجل النحيل الذي يعيش العقد السادس من عمره بعنفوان الشباب و همته المتوقدة، نعم ستدرك يد القدرة الإلهية التي حشدت كل هذه المواهب والملكات والقدرات على هذا النسق الفريد فهي بذلك لم تترك لأحمد الخليلي خيارا إلا أن يعبر عن هذا التفوق، المهيمن، والإمكانات الحافلة، تعبيرا يبلغ بها المدى، ويفصح عن التميز والامتلاء
رجل صقله الإيمان فتواضع لعباد الرحمن
ليس ثمت شي يميز النفوس العظيمة، ويرفع شأنها، ويعلي قدرها مثل التزامها منهج التواضع، ونأيها عن الغرور، دنو في علو، وتواضع في سمو، نعم لئن حاول الغرور أن يحكم حصاره على حصون سماحته فلن يجد ثغرة يستطيع النفاذ منها، والتسلل إلى قلب أحاط به سياج متين من الإيمان (2/17)
صفحة 368
من معالم الفكر التربوي
{1^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
مع
6
بسبب
أحمد
واليقين، والمدد المتدارك من رب العالمين ولو وجد رجل في عصرنا كان لا بد للغرور أن يقتحم عليه أسواره، ويفتتح حصونه، ويدكدك معاقله من فرط مزاياه ونبل، سجاياه وعظم ملكاته، لكان سماحة الشيخ الخليلي، أو لم يصل إلى عمان في حفاوة وتكريم من سلطانها وأولي الأمر فيها؟ وما يزال، ألم تتفتح ببركة جهوده أزاهير الصحوة الإسلامية في عمان؟ ألم يصبح صاحب القول الفصل بين العلماء؟ ها هو ينظر فيرى التفاف الناس حوله ينزلون عند رغبته، وينتهون عند قوله ولا يأبهون بفتوى بعد فتواه، هذا كله وغيره لم يجد الغرور إلى نفسه سبيلا، ولو بمجرد خلجات نفسانية، ولم يعرف حب الظهور إليه دليلا، ولم بمجرد بارقة وجدانية، إن مثل هذه النفس الربانية، الطاهرة الزكية العزوفة عن زخارف الحياة لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه لولا ما نشأت عليه منذ نعومة أظفارها، ثم اعتادت عليه من الصلة الوثيقة بالقوة المطلقة التي لا يعجزها شي وقد وصلتها بمدد روحاني لا ينقطع، وقوة رهيبة لا تضعف، ومنحته هدى وبصيرة واقتدارا. كثيرا ما يردد " أستغفر الله " إذا أثنى على أخلاقه مثن، أو يعقب عليه بقوله " تلك عين الرضا" أو يردف قائلا: " اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون" لأنه يرد كل ذلك إلى رب العالمين، منه المبدأ وإليه الرجعي، إنه يرى نفسه أقل من ذلك بكثير، بل يرى أن ما يقدمه لا يستحق أن يذكر أبدا، فعندما أردت كتابة الجزء الأول من معالم الفكر التربوي عند سماحته" جئت لأستأذنه وقدمت إليه مسودة خطة البحث، فأخذ يقرأها ثم قال: " كنت أحسب أنَّ لك عقلا راجحاً فما بالك الآن؟! " ثم دفع إلي أوراقي وقال: " أكتب في شي ينفع الأمة، أما أنا فلست أهلا لهذا" وعندما كنت أجري لقاءاتي مع سماحته كان يعتذر لي في بداية كل لقاء، ويهضم نفسه، أنا لست أهلا لأن يكتب عني، وأذكر أنه سألني مرة ما الذي دفعك لهذا؟ فمع إجلالي له وحيائي منه قلت له: أنت يا سماحة الشيخ، قال: كيف؟ قلت له: يقول الشاعر: (2/18)
صفحة 369
{19}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي أنت صيرتني لما قد تراه بالذي فيك من صنوف المعاني وما أكتبه عنكم أرجو أن يكون نبراساً لأبناء هذه الأمة، قال: أنا لم أقدم
شيئا يستحق الذكر هكذا هو - حفظه الله - لا يرى في كل ما قدمه لربه ويقدمه سوى جهد المقل العاجز المعترف بتقصيره، ويرى كل ذلك نعماً من الله تعالى توجب عليه الشكر اللائق بذي الجلال والإكرام، يقول: " المؤمن يحرص على أن يكون موصولا بربه سبحانه وتعالى، في كل حال من الأحوال، فعندما يشاهد نعماء يبسط يديه لشكر الله عز وجل الذي أنعم بها .. ثم إنه ولا ريب يعلم أن وراء كل سبب مسبباً، فالله سبحانه وتعالى مسبب الأسباب، وهو الذي يؤذن لهذه الأسباب أن تصل إلى مسبباتها " وهو يعلم علم اليقين بأن أحداً من البشر لا يستطيع أن يشكر الله سبحانه حق شكره مهما كان ناسكاً عابداً مجاهدا أواها منيباً، كما يعلم أن شكره لربه هو نعمة أخرى تستوجب شكراً جديداً، يقول سماحته: " إن المؤمن يعلم علم اليقين أن كل سراء مسته، أو منفعة تيسرت له، ما هي إلا فيض من نعم الله الواسعة، التي يعجز عن حصرها، وينوء بشكرها، بحيث لو وقف حياته كلها مجهدا، نفسه، ومستنفذاً، طاقته، من أجل شكر نعمة من هذه النعم، لما وفاها حقها، بل ولا أدنى نسبة مما تستحق "" وهو يستحضر في كل فينة أن الله تعالى هو الذي اختصه بهذه العطايا الوفيرة والنعم الكثيرة، والمزايا العظيمة، والسجايا الكريمة، ولو شاء جل في علاه أن يضفيها على أحد من خلقه لفعل، وهذا ما يجعل سماحته يذوب حياء، ويتقطع في مرضاة ربه؛ ليحقق أكبر قدر ممكن من العرفان والشكران لخالقه ورازقه ومدبر أمره. إنَّه ليخشى كل الخشية أن يقف بين يدي ربه وقفة الذليل الخاشع، المستكين الخاضع ليسأله عن كل نعمة أسبغها عليه لم يبذل قصارى جهده في شكرها، فضلا عما يقضّ عليه مضجعه ويقلق قلبه أن يسأله ربه " يا أحمد لم فعلت
(1) وحي المنابر، الشيخ الخليلي، 152/ 2 (2) برهان الحق، الشيخ الخليلي، مخطوط، ص 33 (2/19)
صفحة 370
من معالم الفكر التربوي
{20}
عند الشيخ أحمد الخليلي
هذا؟ " فيحذر كل الحذر أن إلى أحد ليبارزه يسى يوم الحساب، فيترفق بالناس ويتلطف راجيا أن يرفق الله به ويلطف في يوم لا ينفع فيه مال ولا
بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
الشيخ الخليلي والحياة الدنيا
يقول سماحته:" على الإنسان أن يكون مستبصراً جداً في الحياة الدنيا، آخذاً بحجزة تقوى الله تبارك وتعالى، وأن لا يعبر خضمها إلا على سفينة من التقوى التي تبلغه القصد، فإنه خضم رهيب متلاطم الأمواج، متعاظم الأعاصير، فالإنسان تتنازعه في هذه الحياة الدنيا أمور شتى، فهو واقع بين شهواته المتنوعة، ونزعاته المتعددة، ونزواته المختلفة، وكل منها ـ والعياذ بالله - يجره إلى الردى إن لم يكن مستبصراً آخذا من تقوى الله تبارك وتعالى بالعروة
(1) 11
الوثقى" هذا منطق رجل لو شاء أن يظفر بأوسع القصور وأعلاها، وأفخم المراكب وأسناها، وألذ المطاعم وأشهاها، وأنعم الملابس وأبهاها، والنعيم الواسع في شتى صوره وأشكاله لظفر بذلك كله، ولكنه آثر لنفسه عيشة الكفاف، واختار لها شظف العيش، وإن تعجب من منهجيته متعجب من، کشف له النقاب بقوله:
وخيمة خوص أو ظليلة راكة
كثير على حي يموت فيقبر
(T)
لله هذه النفس السامية، والروح المتألقة، لا ريب إنه يحمل نفسه مسؤولية القدوة الصالحة لكل زمان ولكل مكان لا تغيرها الأحوال، ولا تبدلها الصروف، والنصيب الأوفر والسهم المعلى لا يكون في هذه الدنيا الفانية، وإنما هو في دار الخلود في مقعد صدق عند مليك مقتدر، نعم إن
(1) وحي المنابر، الشيخ الخليلي 158/ 2 (2) لقاء الصحفي وليد عوض بالشيخ الخليلي (2/20)
صفحة 371
{21}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي خضم الحياة المتلاطم لن يعبره إلا على سفينة من التقوى التي تبلغه القصد، كم يؤوده حمل " كيف يلقى ربه غدا حتى أصبح هذا السؤال هو الشرارة التي تتكهرب بها كل خلاياه وذرات، كيانه بل هو البوصلة التي تتحرك باتجاهها كل أفكاره وأحاسيسه ومشاعره، وسفينة التقوى هي الملاذ والملجأ والمنجى، فلله هو ما أصفاه وأنقاه، وأبره، وأتقاه عزف عن الحياة الدنيا عزوف العارفين الحقيقتها، وطلقها بالثلاث طلاقا باتا، لم تستطع بكل ألوانها الزاهية، ومناظرها الخلابة أن تحظى منه بالتفاتة واحدة، وهي تتراقص منه ذات اليمين وذات الشمال، بل كان حداؤه دوماً " دعيني منك يا دنيا دعيني"
"1
لقد سكن في بيت صغير مستأجر سنين عديدة وكان فيه غاية في السعادة، لاقترابه في معيشته من حياة العامة على الرغم من منصبه الكبير، وتجده قد
قامت قيامته حين تهدى إليه هدية من ذوي الشأن، لم كل هذا يا شيخ وهؤلاء من هم أقل شأنا وأهون مكانا يتقلبون في النعيم، وأنت تحمل نفسك كل هذا، نعم إنه يخاف أن يكون ممن عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، إنه عمري النزعة والهوى، والتلذذ بالطيبات قد يجر الإنسان شيئاً فشيئاً إلى الترف الذي هو طريق التلف أنصت إليه يقول: " والترف مؤذن بالتلف، فإن الترف هو الذي يجعل صاحبه يخلد إلى الراحة ولا يبالي أبداً بما يترتب من الشهوات من المضار التي سوف يتجرع من بعد
على إشباع نهم
نفسه
(1)
غصصها ويكابد مشاقها".
المناصب لا تحمل لديه أي معنى سوى المسؤولية والتكليف، وأصداء ذلك السؤال الكبير يتردد في جنبات نفسه حين يقف بين يدي ذي العزة والجبروت، " كيف يلقى ربه غداً؟ " من هذا المنطلق كان رده واضحاً جلياً
لذلك الرجل الذي جاء ليبشره ويهنيه بترقيته إلى درجة وكيل وزارة، يومها
(1) كيف تتحقق المقاطعة محاضرة للشيخ الخليلي سبلة الدين بالشبكة العمانية،
www.omania.net. (2/21)
صفحة 372
من معالم الفكر التربوي
{22}
عند الشيخ أحمد الخليلي
كان جوابه
كان في زيارة للمملكة الأردنية، " أجئت معزياً أم مهنئاً" نعم عجيبا في نظر أولئك الذين يلهثون وراء المناصب، ويتشبثون بها تشبث الغريق بوسيلة النجاة، ويبيعون من أجلها الذمم، إنه رجل تتجاوز نظراته الآفاق، وتتعدى حدود ما نراه، لأنه يرى بنور الله، والحظ الوافر عنده ليس المنصب والجاه والتقدمة في الحياة الدنيا، وإنما هو الظفر بمرض رضاة الله تعالى، والفوز بجنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
كنت ذات مرة بمعية الشيخ زياد المعولي المدير العام لمعهد العلوم الشرعية في زيارة لسماحته في مكتبه - حفظه الله - (وذكر سماحته في أثناء حديثه موقف رجل معروف رفعته الدنيا إلى أعلى مراتبها ثم غدرت به وخانته صروفها، إنها غدارة مكارة، وكل أرباحها خسارة إلا طاعة الله وما والاها، نعم لقد عادت بذلك الرجل القهقرى، حتى اضطرته إلى القول السجن أحب إلي مما تدعونني إليه" ثم يعقب سماحته قائلا: هذه هي الدنيا، وبصوت الشهيق المشحون بالأسى وحرقة الفؤاد يردد "لا إله إلا الله" ويهز رأسه معتبرا، ومتفكرا في كل من يثق بهذه الدار الفانية.
هذه هي الأمواج المتلاطمة، وتلكم هي الأعاصير المتعاظمة، كم لفت في تيارها من عظماء، وكم اجتاحت في مدها من كبراء، ركبوا لجتها مأخوذين بسكونها، مفتونين بمسالمتها، حتى قلبت لهم ظهر المجن، فأصبحوا خبراً بعد عين، وما أسرع ذلك وما أدناه،" فما يكاد الإنسان يمر بمناسبة ويغمض عينيه إلا ويفتحها على أختها التي تأتي في السنة الآتية، وهكذا شأن هذه
(1). كان ذلك بتاريخ 9 / ذو القعدة / 1428 هـ - الموافق له 11/ 20/ 2007 م (2/22)
صفحة 373
من معالم الفكر التربوي
{23}
الحياة الدنيا") فما هي إلا ظل زائل، أو "خبال عابر الحزم عند سماحته من أول الأمر ألا يدانيها.
الشيخ الخليلي والقرآن
(د)
11
عند الشيخ أحمد ا لذا كان من
يمكنك أن تتخيل حال طير صُبّ عليه الماء فانتفض وارتعش، تلك الحالة أشبه ما تكون بحالة الشيخ أحمد الخليلي حين تتلى عليه آيات الله تعالى، ذات مرة قرأ الإمام في صلاة التراويح اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَبِها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكر الله (3) فارتعش سماحنه ارتعاشة شديدة، وارتجف بقوة، وكنت على يساره في الصف، فسبحان الله كأنّها أنزلت عليه وحده تلك اللحظة، أو كأنه يتلوها لأول مرة، تلك الرجفة تعبر عن خوف ملأ عليه كيانه، امتزاج بين روحه وروح القرآن؛ لتصبح له روح غير تلك التي يحيى بها بين البشر، نعم إنه حين يدخل إلى عوالم الكتاب الكريم فهو مخلوق آخر يختلف تماما عما كان عليه قبل دخوله، وله روح جديدة يهبها له الكتاب العزيز غير تلك الروح وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) بقدرات تلك الروح وإمكاناتها يحلق في عوالم أخرى تختلف تماما عن عالمنا الأرضي، فذات مرة صلى بنا الإمام في جامع السلطان قابوس بروي صلاة الفجر؛ وقرأ فيها سورة القيامة، فعقب سماحته على تلاوته بعد المصافحة بقوله: ما شاء الله لقد
(4)
حلقت بنا" نعم لقد حلق وحلق، هكذا يفصح سماحته بالتحليق في عوالم الملكوت متجاوزا في تحليقه جاذبية التراب والطين، وما على ظهرها من زيف ولهو وهراء. ومع ذلك الإجلال والاندماج يلتزم حدوده مع كلام ربه، فحين
(1) وحي المنابر، الشيخ الخليلي 158/ 2
(2) السابق 157/ 2
(3) سورة الزمر، الآية 23
(4) سورة الشورى، الآية 52 (2/23)
صفحة 374
من معالم الفكر التربوي
{24}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
سأله سائل في مجلسه عن معنى الأب في قوله تعالى {وَفَكَهَةً وَأَبا) عادت الذاكرة بسماحته إلى خير القرون، وخير الرجال، العلماء الأتقياء إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، إلى أبي بكر الصديق الذي لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح، إلى صاحب رسول الله وصهره، ورفيقه في هجرته، وجاره في قبره، الذي يقول ليتني كنت شجرة تعضد، وإلى عمر بن الخطاب الفاروق الذي أعز الله به الإسلام صاحب رسول الله وصهره، ذلك التقي الأبي الذي كثيراً ما كان يردد ليت أم عمر لم تلد عمر، ليتني أبعث يوم القيامة لا عليَّ ولا لي، ها هو سماحته يتوقف ولا ينبس ببنت شفة، ويصعد نظراته ثم يقول: توقف فيها أبو بكر وعمر، فماذا عسى أحمد الخليلي أن يقول؟ كلا، لا
أدري"
ألف العبادة وألفته
من
كل أفعال المسلم عبادة، خضوعه واستسلامه لأمر مولاه عبادة، رضاه بقضائه وقدره عبادة تبتله وتضرعه عبادة، كل ذلك وما جرى مجراه انعقدت بينه وبين سماحته الألفة، وأية ألفة، حتى أضحى نضواً طلحاً العبادة والسهر، هو متصوف من غير تصوف ألح على العبادة في شتى تجلياتها، فما استثقل ولا استطول، ولا مل ولا كل، وكيف يمل مصدر أنسه، وريحانة فؤاده، وتوأم روحه، حين يؤم الحرمين للعمرة في رمضان يهجر مضجعه ليخلو بمناجاة خالقه سبحانه، يسري إلى الحرم فلا تراه إلا عموداً في محرابه، يروي ولده سليمان قائلا: لحقت بأبي في الحرم فوجدته واقفا يصلي فصليت عشرين ركعة وأبي مايزال في وقفته لم يتحرك، فتركته على حالته وقفلت راجعاً، لا ريب إنَّه مع القرآن، وبينه وبين القرآن عهد وميثاق، تمازج أرواح وتحليق في عوالم الغيب فما أطيب الرحلة، وما ألذ التجوال، إنه لينسى نفسه فضلا أن ينسى العالم من حوله، وأصعب ما يكون عليه أن
(1) سورة عبس، الآية 31 (2/24)
صفحة 375
{to}
عند الشيخ أحمد ا
من معالم الفكر التربوي يفارق ذلك الأنس العجيب، وأشق ما يكون على نفسه أن ينتهي إلى قوله " السلام عليكم إنه في رحلة كونية وانسجام مع تسابيح الكون وتراتيله، فهناك راحته وسعادته وفراغ همه ألم يقل المصطفى أرحنا بها يا بلال؟ وألم تخبر عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأنه إذا حضرت الصلاة كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه؟ وها هو سماحنه يتحدث عن هذه اللحظات بقوله: قد يكون العبد في إقباله على ربه، وهو يؤدي عبادة من عباداته قد امتلكته نشوة الذكر، حتى يكون غارقاً في شهوده، ذاهلا عن كل شي حتى عن ملاحظة وجوده فيعرج عن الملك والملكوت إلى من بيده الملك والملكوت، فلا يلبث أن يكون كأنما يشاهد بأم عينيه في الحضرة القدسية يد الله تعالى تصرف الوجود إيجاداً، وإعداماً، وإحياءاً، وإماتة، ورفعاً وخفضاً، وبسطاً ومنعاً، ولطفاً وشدة وتوفيقاً وخذلاناً، فلا يكون منه أمام هذه المشاهد إلا أن تعنو نفسه لقيومها، فيسلم الله تعالى جسمه وروحه وعقله، وقلبه وفكره ووجدانه، وسره وعلنه "، من هنا استنكر سماحته على أولئك الذين شكوا إليه تطويل الإمام في صلاة التراويح بمسجد السلطان قابوس بروي، وتملكه العجب كيف يعيش هؤلاء؟ لقد عادت إليه صورة المشايخ في زمن الإمام الخليلي وهم يتكئون على عصيهم، وما شكوا طول الصلاة عجبا لهؤلاء كل العجب! السر يكمن هنا، في اقتفاء مسلك العباد الزهاد، فالحلقات متصلة بأولئك الذين وصفهم أبو حمزة الشاري بقوله: أنضاء عبادة وأطلاح، سهر، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم من كثرة السجود، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام" لا غرابة إذن أن نرى هذا النحول في شخص سماحته، فقد تخرج في مدرسة محمد الذي تورمت قدماه من طول القيام، وحمل سمات أبطال
(1) برهان الحق، الشيخ الخليلي،
6 (1)
، ص
119 (2/25)
صفحة 376
{26}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي مدرسته من الصحابة الكرام، تلك السمات التي ورثها أصحاب أبي حمزة الشاري، رحمهم الله جميعا - ولئن كان الناس يصبرون أنفسهم على ركعات معدودات فهناك من يصبّر نفسه على فراق البركعات الطوال حين يفارقها حتى يعود إليها، يقتلع الجسد على كره، ويبقى القلب معلقا هناك، فإذا فرغ من لون عبادي متع قلبه بلون آخر، فلا يزال پرفرف بقلبه وروحه بين تلك الرياض، الله ما أطيبها وما أزكى عبيرها، فعادة سماحته في كل رمضان حين يكون في عمان أن يخرج من الصباح إلى المسجد فيبقى هناك حتى صلاة الظهر، ثم يعود لصلاة العصر ويبقى إلى صلاة المغرب، ثم يعود إليه لصلاة القيام، وكان من عادته أن يسافر إلى العمرة بعد مضي خمسة أيام من رمضان ليعود في العشر الأواخر منه، أتراه يمل - حفظه الله اللطائف - من جني الرحمانية؟! أو يكل من اقتباس النفحات النورانية؟ وهو منها وإليها، لقد نابته نائبة من صروف الدهر ذات يوم فأهمته وأقلقته، فهرع إلى مصدر أنسه، وينبوع راحته، ومخلص همومه فلما اعتکر، الدجى ونام الخليون، مد يدي الضراعة مستكيناً خاضعاً لمولاه ومصرف الوجود بأسره، اللهم اكفني أهمني، ورتل في ضراعته تلك قوله سبحانه: {فَسَيَةٌ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) " ثلاثة آلاف مرة، و يأتيه المدد الإلهي وهو ما يزال مع تراتيله، فتأخذه سنة من النوم يرى فيها نفسه محاطا بسياج متين مبني من قوله تعالى و فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وتنقشع الهموم، وتتحقق المآرب بما لم يكن في الحسبان إنه - حفظه الله - ممن يرجون لله وقارا، ويتضرعون له ليلا ونهارا، ويتبتلون له إجلالا وإكبارا، حتى غدا التسبيح والاستغفار والتبتل غذاء روحه ومادة تفكيره يقف دوما موقف الخشية والحذر والحياء، فلا تفوت عليه الدقائق في الغفلة عن ذكر فاطر الأرض والسماء، صحبته يوما إلى عزاء في مدينة السلطان قابوس بعد صلاة العصر، فكانت شفتاه لا تفتران عن الذكر، وحين أسأله يجيب ثم يعود إلى ما كان
(1)
(1) سورة البقرة، الآية 137
ما (2/26)
صفحة 377
{27}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي عليه، وفي رمضان المنصرم من سنة 1428 هـ كنت على يساره ننتظر أذان المغرب، فحدثني قليلا في موضوع كان بيننا، ثم عاد إلى تسابيحه واستغفاره فلا أسمع إلا أصوات الصفير تخرج من شفتيه، وتتضح بعض حروفها حين تخرج مع زفرات فؤاده، وكلما وفد أحد على المائدة حياه ورحب به، ثم عاد إلى عادته من الذكر، هذه روافد تغذي روحانيته إنه يستشعر يد القدرة تنتزعه بأي لحظة فهو في قلق دائم، وحذر مستمر، ورقابة الله لا تنفك، كأنه سيؤخذ هذه اللحظة أو التي بعدها، فماذا قدم لنفسه؟ وماذا كسب؟ كثيراً ما يردد في محاضراته وجلساته كل عمل ابن آدم محصي عليه"، " كل كلمة يتفوه بها يجدها في صحيفته يوم القيامة"
"1
هكذا شأن العبادة مع الشيخ أحمد الخليلي. لقد ألفته العبادة حين ألفها، ألفته لكثرة ملازمته ظلالها، ومصاحبته نفحاتها، لقد ألفته حقا وهي سر من الأسرار فسرت في روحه، واستحوذت على وجدانه، وامتزجت روحه بروحها، فذاب وتلاشى في سلطانها، وانداح في تيارها.
أنوار الحكماء تسبق أقوالهم
كان سماحته ذات مرة في تسجيل برنامج تلفزيوني، وفي طريق خروجه من المبنى يصحبه مرافقه فتح له باب الخروج فإذا بإحدى الفتيات العاملات أمام سماحته وجها لوجه اقشعر بدنها، تكهربت كل خلاياها، استولى عليها الارتباك أمام هذا العلامة والشيخ المهيب، كل ما أسعفتها به قواها أن تلقي عليه السلام، وهي تذوب عفة وحياء، وإذا بالسكينة تنسكب في فؤادها، حين تسمع نبرات صوت سماحته الندية يرد عليها السلام في هدوئه وسمته ووقاره، لم تكن تصدق ما يحدث أبداً، لقد كانت تلك النبرات موجات الطهر تغسل أدران الحياة العالقة بها، فكانت تلك الليلة حاسمة في حياتها، محطة محاسبة للنفس على ما فرطت في جنب الله، ونقطة تحول جذري في فكرها وسلوكها كم ارتعدت فرائصها أن يقابلها بالزجر والاستنكار، أو (2/27)
صفحة 378
{28}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي الصلف والاستكبار، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث أبداً، سبحان الله، أبمجرد لقاء خاطف صامت؟ فما الذي حدث يا ترى؟ يقول ابن عطاء الله: "إِنَّ أنوار الحكماء تسبق أقوالهم" لا ريب إنها هالة النور التي تجلل شخص سماحته، بؤرتها تشعشع في قلبه إنها تجليات المولى جل وعلا في قلوب المخلصين من عباده المقربين تذكيها المخافة والتقوى لخالقها وبارئها، فهو رواؤها، وهو منتهى طلبها، وغاية مناها قلب ملتاع بمحبة الله، والخوف منه سبحانه، قلب مرتاع بما يتجلى فيه من عجائب القدرة الإلهية، وما يتراءى له من روائع الوعد وقوارع الوعيد، فليس في الأمر عجب إذن، فأنوار الحكماء تسبق أقوالهم، حقا، كما أشار ابن عطاء الله.
وإذا ما أذكى سماحته ذلك النور بطيب المعاملة ودماثة الخلق، ولين القول، ولطف العتاب، وهو يسدي النصح والتوجيه بأسلوب الحوار المعجون بماء الحكمة المقدم على أطباق رائعة شتى من أفانين القول، وبلاغة الخطاب، حينها تشعر بملامسة دفقاته النورانية شغاف قلبك فتطهره، وتعانق ضفاف الروح فتسمو بها، ولن تذهب بعيداً حتى يغسل عنك جميع ما يمكن أن يتولد من آثار تنسجها الوساوس الشيطانية، فيدعوك على وجبة الغداء، أو يعطرك بطيب يحمله في جيبه، إنه صاحب رسالة، ومبلغ دعوة، ومقيم حجة، وموضح حق، ومرشد إلى سواء الصراط، إنه يريد لكل العالمين أن ينجوا من عذاب الله تعالى الذي لا طاقة لهم به، ذلك العذاب الذي يتراءى له أمام ناظريه؛ فيذوب مخافة على نفسه، ويخشى على الخلق أجمعين ما يخشاه على نفسه.
هذا ما حدثني به الشيخ خميس العدوي بعد عتاب سماحته له، ثم تناولا وجبة الغداء معا وكذلك الشيخ بدر اليحمدي بعد أن وجد في نفسه من شدة وقع العتاب عليه، ولكن إصرار سماحته على أن يتناولا معا وجبة الغداء وانبساطه معه لم يترك أثراً بعده، بل محبة وإجلالا، ومنذ مدة دعاني سماحته. (2/28)
صفحة 379
{29}
معالم الفكر التربوي من عند الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله ـ لزيارته لبعض المفاهمة، فقلت سمعاً وطاعة، وفي أثناء عتابه المر لحظ تعاقب ألوان الطيف في وجهي، فتداركني بقوله: " مع هذا كله فأنت في سواد العين" وأخرج من جيبه زجاجة عطر العود فتعطرت، وما تزال أصداء تلك الجملة تتردد في نفسي، فكل إنسان يحمي سواد عينه من كل أذى وقذى، إنها عزيزة غالبة، حقيق بمثل هذه الجملة أن لا تترك أثراً بعدها، فكيف إذا كانت المعاملة بعدها أرقى مما تتوقع أهي ياترى بلاغة الكلمات؟ وجزالة المفردات، وجودة السبك؟ ورصانة التعبير؟ كلا، فكم من كلمات طنانة رنانة سمعناها، ليست إلا مجرد ضجيج يصم الآذان، ولا يعرف إلى القلب سبيلا، تهريج وهذيان ينخدع به كل مهرج مبهرج مسكين، لإنه لا يدرك أن للكلمات قلوباً تعانق قلوب البشر، وأرواحاً تمازج أرواحهم، فحين تتجرد من أرواحها تبقى حروفها جثثاً هامدة، لا حراك لها ولا حياة بها، ولذا تنطلق ميتة وتصل هامدة، أما كلمات سماحته فهي دفقة حياة، وقبس نوراني تستمد قوتها من روح صاحبها الصافية وتقتبس نورها من أنوار قلبه المشعشعة، فتجلي غياهب الظلمات بنورها الساطع، وتبعث الحياة في القلوب الغفل الذابلة بحياتها الدافقة بالروحانية التي تستمدها من محبة الله ومخافته والاستسلام لأمره، والانقياد لحكمه، واستشعار مراقبته الدائمة سراً وجهراً، إنها نفحة من نفحات الله التي يسبح في خضمها ـ حفظه الله وأبقاه. وإن كنت أنسى فلن أنسى تلك الموعظة البليغة التي ألقاها علينا سماحته في سنة من السنوات حين كسفت الشمس بين العصرين، فنودي في جامع السلطان قابوس بروي الصلاة جامعة فصلي بنا سماحته صلاة الكسوف، ثم التفت إلينا وهو جالس، وألقى علينا درساً وعظياً هزنا به من الأعماق هزاً عنيفاً، وعلى كثرة ما أسمع دروسه فما رأيته واعظاً بليغاً كذلك اليوم، الله تلك الكلمات الروحانية التي صوّر لنا فيها قدرة الخالق العظيم وتصريفه للكون وخضوع كل الموجودات لأمره وقهره ثم تحدث عن الآخرة وانقلاب الناس إليها، وحث الناس على محاسبة أنفسهم حين تمر بهم هذه الآيات، حقاً (2/29)
صفحة 380
من معالم الفكر التربوي
{30}
عند الشيخ أحمد الخليلي لقد جعلني تلك الليلة أستعرض كل شأن من شؤون حياتي، ما حضر وما غبر، وكيف لي بالخلاص؟ لم تكن الكلمات وحدها، وإنما صدق صاحبها قوة تهز الأعماق.
لقد منحته هذه الشفافية المرهفة مكانة مكينة في قلوب الناس عامة، حتى أضحى الوحيد بين علماء عصره من تهفو له قلوب المحتاجين، والظامئين، تلقي على عتبات صدره الفسيح أثقال همومها، وأحمال أتعابها، وتتفيأ ظلال روحه قلوب العارفين والناسكين.
العلم غذاء خشيته والخشية غذاء روحه
(3)
يقول الله عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) فالعلماء أكثر الناس خشية من الله تعالى ويقول سبحانه: {الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله) " ويقول سبحانه: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّه المَصِيرُ) فالذين يخشون ربهم هم الذين ينتفعون بالآيات والنذر، ويزكون بذلك أنفسهم، وهذا ما حرص عليه سماحته منذ نعومة أظفاره، فقد تربى على خشية الله تعالى في سره وعلانيته مراقبا خلجات نفسه و محاسبا خطرات قلبه، أشد من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه، إنه يمهد لنفسه السبيل إلى دار النعيم، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}) فيوم أن كان بزنجبار فتى يافعاً كان حريصاً كل الحرص أن يعبد الله تعالى على بصيرة من أمره، ولا يتهجم على
(4)
(1) سورة فاطر، الآية 28
(2) سورة الزمر، الآية 23
(3) سورة فاطر، الآية 18
(4) سورة الروم، الآية 44 (2/30)
صفحة 381
من معالم الفكر التربوي
{31}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الأمور بغير علم، فما أشكل عليه توقف عنه، ونزه نفسه عن الحوم حول
حماه.
يبح
إنَّ عبادة الله على بصيرة ليست حلماً وردياً يداعب الخيال، ولا هي مطمحا سهل المنال، وإنما هي أمنية تتطلب التشمير عن سواعد الجد والاجتهاد، وحرمان الأعين من لذيذ الرقاد، لذا كان سماحته يسهر الليالي الطوال في القراءة والاطلاع، لم تدغدغ طبيعة تنزانيا الخلابة خياله، ولم تستحوذ نسماتها اللطيفة على شغاف قلبه، وما استلذت نفسه أطايب الفواكه والثمار كما كان يستطيب فكره بدائع الآثار في التفاسير والسنن وكتب الفقه والأخبار، لذا كان أبواه كثيراً ما يجدانه منكباً على وجهه في بطون الكتب، قد أنهكه السهر، وأخذ منه النصب مأخذه، إنه لم لنفسه أخذ قسط من الراحة عن طيب نفس إلا وهي ملزوزة إليه لزَّاً، مدفوعة إليه بدافع الفطرة الإنسانية، ها هو أبوه بما فطر عليه من الحنان الأبوي يكاد يتفطر قلبه شفقة على فلذة كبده وشطر حياته حين يراه على هذا الحال، يواصل كلال الليل بكلال النهار، فيدنو منه بكل شفقة وحنان، ويلين له الخطاب، وكأنه يترجاه، بل يشكو إليه، يا بني لو رفقت بنفسك قليلا، يا بني ها أنت جفيت لذة المنام، وحرمت نفسك من أطايب الطعام، ندعوك لتناول وجبة الغداء أو العشاء معنا فيطول انتظارنا، وأنت منهمك في هذه الكتب، يا بني، ألا ترفق بنفسك قليلا؟ فإنَّ لجسمك عليك حقاً، وليست ثمت إجابة لدى الفتى الطموح سوى دمعة تحترق في عينيه، ونظرة حزينة تغادر وجه والديه وتغيب في الأفق، ماذا عساه أن يقول؟ إنها شفقة تفتت على صخرة عزمه، وجلمود
إرادته.
كان يمشي على الأقدام لحضور حلقة شيخه مدة ساعتين، مستغلا وقته في استرجاع محفوظاته؟ الحافز نادر والدافع عزيز، لا ريب إنك تدرك - أيها القارئ الكريم - أن الأمر لم يعد محصوراً بالرغبة في طلب العلم فقط، الأمر (2/31)
صفحة 382
{32}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد أعمق من ذلك بكثير، إنَّها تصورات أخرى لا يتوقع تفتح أزاهيرها في مثل هذا السن المبكر، ولكنها الهبات الربانية لمن اصطفاهم الله سبحانه وتعالى من عباده لما يشاء من معالي الأمور، إنّها مكانة الله في قلبه، وعلمه به جل وعلا، وكأني به يرمق الناس في غمرات أعمالهم وهو يردد " وما قدروا الله حق قدره" كيف يهنأ بالرقاد إذن؟ وها هو ينخرط في بكاء مر يوم أن توفي الإمام الخليلي، وحين يسأله والده عن حرقته ولوعته وسر بكائه، يا بني ما الذي أشجاك وأبكاك بهذه اللوعة؟ فيجيب الفتى يا أبتاه من سيعلمني بعد وفاة الإمام الخليلي؟ إنه ابن اثني عشر ربيعا فقط ولما يبلغ الحلم بعد. لقد طبع ذلك روحه بشفافية مرهفة، وأورثه خوفا من خالقه جل وعلا، ولذا عندما كان يرعى حيوانا لهم في صباه وتعدى مرة على مزارع الآخرين لم تبح له نفسه بعدها أن يفلت حبله من يده في رعيه وكان يشتد نكيره على خاله سليمان بن حمود الذي كان يقطف بعض الثمار من الأشجار العامة بزنجبار، وينصحه بعدم العودة لمثلها تورعاً، ونمت المخافة في قلبه بتعهده الدائم لها بالرعاية والعناية والتنمية حتى أضحى لرهافة روحه سريع التأثر، تستجيش بكاءه أدنى المواقف التي تذكره بيوم الحساب، فكم مرة بكى وبكى لذكر نار جهنم، أو حين يمد يديه إلى السماء ضارعا إلى الله تعالى "، وأذكر مرة أني كنت في العمرة بصحبة مجموعة من الشباب، وفي إحدى المرات كنا قد فرغنا من الطواف حول البيت وجئنا لنصلي ركعتين خلف المقام، فأسعدنا القدر هناك، بوجود سماحته يصلي وبعد أن فرغ من صلاته طلب منه أحدنا أن لنا دعاء جماعياً، فوقف واستقبل البيت العتيق، ورفع يديه إلى السماء
يدعو
(1)
مبتدئا بالثناء على الله عز وجل وما لبث إلا هنيهة حتى غلبه البكاء.
هذه الطبيعة القويمة المستقيمة التي حبا الله تعالى بها الشيخ أحمد الخليلي جعلت منه رجل صدق وبرهان حق، وينبوع خير لا ينضب، لا يبتغي من
(1) راجع الجزء الأول من معالم الفكر التربوي عند سماحة الشيخ الخليلي، ط 2، 121 - 123 (2/32)
صفحة 383
{33}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي أحد كائناً. من كان جزاء ولا شكورا، إنه يخاف من ربه يوما عبوساً قمطريراً كل ما يفعله ابتغاء وجه ربه كان تعبيراً عن طبيعته المتميزة، وفطرته الصافية وروحه الشفافة، ونفسه السامية التواقة التي سخرها لخدمة دينه، ونذره لنصرته، وكلما قدم شيئاً من ذلك العطاء غمرته السعادة؛ فاستغفر وأناب. (2/33)
صفحة 384
من معالم الفكر التربوي
{34}
عند الشيخ أحمد ا (2/34)
صفحة 385
من معالم الفكر التربوي
{30}
عند الشيخ أحمد الخليلي
المبحث الثاني مفهوم الشخصية
لقد اختلف علماء التربية وعلماء النفس في تعريف الشخصية، وذلك لتباين زوايا النظر إلى تلك الجوانب المشكلة بمجملها شخصية الإنسان، فمنهم من اهتم بالشكل والمظهر، وهذا ما نلحظه في حياتنا العامة فلان ذو شخصية " أو عليه شخصية " أو هو "شخصية " ومنهم من أولى عنايته بجانب السلوك، و على رأس هؤلاء واطسن (watson) زعيم المدرسة السلوكية وسكنر (Scnar) وماي (May) وشيرمان (Sherman) ، وغيرهم، والشخصية عند هؤلاء يمكن تلخيصها بكلمتين" مجموعة مواقف " فنحن حين ندرس شخصية الشيخ السالمي مثلا، إنما ندرس مجموعة مواقفه في الحياة، وسلوكه المميز له عن الآخرين، ومن علماء النفس من صب اهتمامه على الجانب المعنوي الداخلي. وهو جانب الجوهر، أي ما تحتويه الشخصية من الجوانب النفسية والعقلية والغريزية وغيرها، ومن هؤلاء برنس (Morton Prince) وألبورت Alport) وماكو (Maco) وغيرهم، ومنهم من نظر إليها من خلال الجانب الإجتماعي، بمعنى توافق الشخصية مع المجتمع ومتطلبات البيئة ومدى استعدادها للتكيف مع الظروف المعيشية، ومن هؤلاء ركسرود (Rexrood) وجريفيث (Grifith)) ولا شك في أن هؤلاء جميعا فيما يبدو لي تجمع نظراتهم بين النواحي الإدراكية والسلوكية، والنفسية؛ لأنّ عملية التوافق مع المجتمع عملية معقدة ' بعض الشيء، لما يتطلبه التكيف من عملية تنظيم دقيقة وتفاعل عميق بين مفرزات الوراثة ومؤثرات البيئة، وطرق التعلم.
(1)
"
(1) انظر " السلوك وبناء الشخصية د. إبراهيم محمد السرح. وعلم النفس التربوي. أحمد زكي
صالح.
(2) علم النفس الإرشادي، صالح حسن الداهري، ص 322 (2/35)
صفحة 386
من معالم الفكر التربوي
{36}
عند الشيخ أحمد الخليلي ولا بأس أن أعرج هنا على بعض تعريفاتهم للشخصية لتكون مدخلا لبيان وجهة نظر سماحة الشيخ الخليلي في إيضاح مفهوم الشخصية، فمن التعريفات:
1) يعرفها الداهري بأنها " أنماط السلوك التي يقوم بها الإنسان في مواقف الحياة المختلفة")
(1)
2) يعرفها ركس رود (Rexrood) ومورتون برنس (Morton Prince) بأنها "مجموعة من الاستعدادات والقدرات والميول والدوافع، وجميع الجوانب البيولوجية، والسمات والميول المكتسبة ".
(3) يعرفها عبد الرحمن عيسوي " التنظيم الفريد لاستعدادات الشخص للسلوك في المواقف المختلفة". 4 - ويعرفها البورت (Alport) بأنها ذلك التنظيم الديناميكي في الفرد المتضمن لتلك الاستعدادات النفسية التي تحدد طريقته الخاصة مع التكيف مع البيئة ". ه. ويرى محمد بني يونس أن الشخصية نظام سيكوفسيولوجي - بيئي مفتوح - وهي مزيج مركب من القدرات والطبع والسجايا والسمات الإدارية، والانفعالات، والمكانة الاجتماعية)
(1)
(1) علم النفس العام
•
د. خليل ميخائيل معوض 388
() علم النفس العام. عبد الرحمن عيسوي ص 199
() (الشخصية السوية. سيد عبد الحميد مرسي. ص 11 نقلا عن
Sonality: A Pasyehological Alport.G: Per interpretation New york. Holt
1987 p 48
وانظر التعريف في مدخل إلى علم النفس سهير كامل أحمد
() مبادئ علم النفس، محمد بني موسى. ص 216، 218
، ص 43 (2/36)
صفحة 387
{37}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي وهناك تعريفات أخرى عديدة توحي بما يحيط بمفهوم الشخصية من التعقيد، لتبقى آيات الله عز وجل شاخصة في هذا المخلوق العجيب الذي نيطت به الخلافة في هذه الأرض، ليتطامن أمام قدرة الله الواحد الأحد، الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، ومهما قطع العلماء من مراحل في معرفة مجاهل هذا المخلوق العجيب الذي كرمه الله، فستبقى أمامه مراحل ومداخل لم يستطع اكتناه حقيقتها، ولا سبر أغوارها، ليعلو بذلك عبر الزمن صوت الحق تبارك وتعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} "
(1)
وهذا ما يشير إليه الدكتور ألكسس كاريل في كتابه الشهير " الإنسان ذلك المجهول" حين يقول:
" وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهوداً جباراً لكي يعرف نفسه، ولكن بالرغم من أننا نملك كنزاً من الملاحظة التي كدسها العلماء، والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط أنفسنا.
من
إننا لا نفهم الإنسان ككل، إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة ... فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة وواقع الأمر أنَّ جهلنا مطبق ... لأنَّ هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية مازالت غير معروفة)
أما سماحة الشيخ الخليلي - يحفظه الله - فقد تشربت روحه بمعاني – القرآن الكريم، ولذا تبدو الصبغة القرآنية واضحة في تصوره لمعالم الشخصية وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهُ صِبْغَةٌ (3)
(1) سورة فصلت، الآية 53
(2) الإنسان ذلك المجهول، الكسيس كاريك،، ص 17
() سورة البقرة، الآية 138 (2/37)
صفحة 388
11
{3}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ سماحته أشار في أحد دروسه (الحياة البرزخية) إلى دراسات العلماء المتقدمين من الفلاسفة المسلمين وغير المسلمين في التفريق بين الروح والقلب والنفس، مشيراً أيضا إلى ما سطره الشيخ ناصر بن أبي نبهان في هذا الموضوع بما يزيد على أربعين صفحة، يقول سماحته: و ممن بسط القول في هذا الشيخ ناصر بن أبي نبهان، فقد تحدث عن الفرق بين الروح والنفس والعقل في نحو أربعين صفحة أو أكثر، ولكن لا أستطيع أن أقول شيئاً؛ لأنّ هذه الأشياء تحتاج إلى استناد على أدلة") كما يؤكد في جواهر التفسير الفكرة ذاتها وأن النفس لا تختص بالأجسام حين يقول: " والنفس حقيقة الشي وذاته ولا تختص بالأجسام " ثم قال بعد ذلك: "أما ما عدا ذلك من المعاني فهو من اصطلاح الحكماء الذي لا داعي إليه في فهم مقاصد القرآن" "
(T)
ولم يحبذ سماحته الخوض في ذلك لعدم قناعته بالجدوى الحاصلة منه، داعيا إلى أهمية التركيز على تربية النفس بما ينهنهها عن المخاطر، ويصل بها إلى بر السلامة. كما يدعو في مواضع أخرى إلى الاهتمام بتكوين الشخصية وإبرازها لتكون مؤثرة في شتى المجالات)
على الرغم من ذلك يمكننا أن نتلمس مفهوم سماحته للشخصية من خلال بعض إشاراته إلى تكوين الإنسان، يقول سماحته:
() للتوسع في معرفة دراسات الفلاسفة انظر الدراسات النفسانية عند العلماء المسلمين. د.
محمد عثمان نجاتي، علم النفس في القرآن الكريم: سعد رياض
(2) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 285
(1) الخطوات العملية لإبراز الشخصية الشيخ الخليلي، 392/ 1 (2/38)
صفحة 389
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
1) " ومن المعلوم أن تكوين الإنسان تكوين عجيب، فهو يجمع بين الروح والجسم، والعقل والقلب والضمير، والغريزة، ولكل منهما طبعه وخصائصه، وضروراته، ومطالبه)
(T)
2 " إن هذا الإنسان واقع بين تجاذب وتدافع، لأنَّ الإنسان يتكون من روح وجسد، ويتكون من عقل وقلب، ويتكون من ضمير وغرائز، ولكل ناحية من هذه النواحي مطالب، ولكل منها دوافع 3) " جعل الله سبحانه وتعالى الإنسان في تكوينه الجسدي، وفي تكوينه النفسي - الجانب الروحي، والجانب العقلي ـ جعله كائنا متكاملا،، فجميع أجزائه هي أجزاء متكاملة، كل جانب منها مكمل للجانب الآخر، بمشيئة الله سبحانه وتعالى (3)
يشير النصان الأول والثاني إلى ستة جوانب مكونة للإنسان، وهي:
الجسم
الروح
القلب
العقل
الغريزة
الضمير
ولكل منهما خصائصه، وضروراته ومطالبه، ويشير النص الثالث إلى أنَّ هذه الجوانب متكاملة فيما بينها فهي تشكل كلاً واحداً، كما يشير إلى أن الجسد يشتمل على النفس التي تتمثل في الجانب الروحي، والجانب العقلي، ولا يعني سماحته بالجانب الروحي الروح التي هي سر من أسرار الله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) بل يبدو لي أنه يعني بذلك الجانب المكمل لجانب
(4)
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 1/ 1 (2) الإيمان باليوم الآخر، الشيخ الخليلي 32/ 1 /ج (2) آيات الله في الإنسان، الشيخ الخليلي، 1/ 390 (1) سورة الإسراء، الآية 85 (2/39)
صفحة 390
{{+}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي العقل: من القلب، والغرائز، والعواطف التي يكون لها في كثير من الأحيان دور واضح في توجيه السلوك كما أبينه بعد قليل بمشيئة الله، وربما لخصه سماحته في بعض المواضع بمصطلح " القلب " يقول سماحته:
" إن التزكية تعود إلى ما سماه الله تعالى " القلب " فبقدر ما يكون عليه هذا القلب من السلامة والإنابة إلى الله تعالى تكون سلامة الإنسان، وبقدر ما يكون عليه هذا القلب من التكدر والانحراف يكون الأمر بعكس ذلك، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم " إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب
(1) 11
لذلك نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى أن الفوز والسلامة والنجاح لمن كان ذا قلب سليم، فالله سبحانه وتعالى يقول: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ))
(2)
ويبشر سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بنعيم الجنة، ولكن ببين أن هذا النعيم إنما هو لمن كان ذا قلب منيب، فالله تعالى يقول: {وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْر بَعِيدٍ: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٌ (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبِ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (2) هُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزيدٌ) " فالقلب هو أساس السلامة أو الخطر، فبقدر ما يكون هذا القلب صافياً نقياً تكون السلامة بمشيئة الله؛ لأنَّ القلب هو ملاك الإنسان، فالجسد يتفاعل مع القلب ويتأثر به، والجوارح بمثابة
(r)
(E)
الرعايا للقلب، فهي لا تجد مناصا عن الاستجابة لأمره، والإذعان له ")
(1) صحيح البخاري 28/ 1، رقم 52 (1) سورة الشعراء، الآيتان 89،88 () سورة ق، آية 31 - 32
() تطهير القلوب 480/ 2 (2/40)
صفحة 391
من معالم الفكر التربوي
{41}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ويقول أيضا في إحدى خطب الجمعة: " فصلاح القلب هو الذي يؤدي إلى انضباط الإنسان في سلوكه ومعاملاته) فهل يعني سماحته بالقلب الجسم الصنوبري المعروف، أو ما يوحي به من المعاني غير المحسوسة؟ مع أنَّ بعض العلماء يرى من المحتمل أن يكون القلب محلا حقيقياً لتلك الانفعالات والعواطف كما هو الحال في الدماغ، خصوصا أن الله عز وجل جعل القلب محلا للفطرة السليمة من الأكدار، والإنابة إلى الله تعالى، كما هو محل للرأفة
والرحمة والرعب، يقول سبحانه وتعالى:
يَوْمِ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (ع) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
وقال: {مِّن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ 3
(3)
وقال: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} (0)
(4)
(0)
وقال: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)
وقال سبحانه: ليَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ}
ويعبر
(1)
القرآن أحيانا بالقلب ويريد به العقل نحو قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ))
وقال: (هُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ مَا
(1) وحي المنابر، الشيخ الخليلي، 1/ 160 (1) سورة الشعراء، الآية 88 – 89 () سورة ق، الآية 33
() سورة الحديد، الآية 27 () سورة آل عمران، الآية 151 (1) سورة آل عمران، الآية 156 () سورة ق، الآية 37 (1) سورة الأعراف، الآية 179
(A) (2/41)
صفحة 392
من معالم الفكر التربوي
{42}
عند الشيخ أحمد الخليلي
والذي يبدو لي أن كثيراً من الانفعالات قد تعود إلى إفرازات بعض الغدد، فكم من الأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب تعالج أحيانا بتناول بعض الأدوية الحسية كالأقراص مثلا، ومما هو مشاهد أن الإنسان أحيانا يقع في موقف حرج جداً فيتصبب جبينه عرقاً، وربما أحمر وجهه خجلا، أو يجف ريقه خوفاً، فالغدة اللمفاوية تصاب بالالتهاب بسبب كثرة المشاكل والمخاوف لدى الإنسان خصوصا في الجنس النسائي، وذلك يعني أنَّ القلب ليس وحده المتحكم في هذه الانفعالات.
فالنفس إذن أشمل من القلب، وقد حدا ذلك بعض الدارسين إلى القول بأن النفس هي الدم، لأن الدم هو المسرح الذي تصب فيه الغدد والخلايا إفرازاتها الكيمياوية، يقول: " ولقد اكتشف العلم منذ بدء الستينات مئات المواد الكيمياوية في داخل الجسم وخارجه وكلها تتحكم في الظواهر والأمراض النفسية، وتنتقل أو توجد أو تصب في الدم، الذي ينقلها إلى مختلف أعضاء الجسم التي ستكون مسرح العوارض النفسية، فإذا عرفنا النفس بأنها الدم، فهذا التعريف الموجز الجامع البسيط يوافق مع ما بدأ علم كيمياء العوارض النفسية بإثباته، وهذا علم جديد لا يتجاوز عمره عشرين سنة. فكل العوارض النفسية من حبور وغضب، وهلوسة وهدوء، تتحكم فيها بالحقيقة مواد كيميائية ينقلها الدم إلى مختلف أعضاء الجسم التي هي الانفعالات مما يعني عدم القدرة على حصر مفهوم النفس في معنى
مسرح
واحد.
إن تفسير النفس بالدم قد يتعارض مع كثير من آيات الكتاب الكريم التي ترد فيها النفس بمعان مختلفة يحددها السياق القرآني، ومن هذه الآيات قوله سبحانه وتعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا)
() من علم النفس القرآني د. عدنان الشريف. دار العلم للملايين. بيروت ط 4، عام 2000 م (1) سورة البقرة، الآية 48 (2/42)
صفحة 393
من معالم الفكر التربوي
{43}
عند الشيخ أحمد
فهي هنا بمعنى الكل المتكامل للإنسان، ومنها قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا
ہو
النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ: ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ.
(1)
بمعنى الروح. ومنها قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} " وقوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.
(3)
فهي هنا بمعنى النية والمعاني القائمة بالنفس. وهناك الكثير من الآيات لا يمكن حملها على معنى الدم نحو قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ نَفْسٍ " وقوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا " وقوله: {وَلْتَنظُرْ
(1).
(1)
نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ويمكن القول أن النفس عموما هي جوهر داخلي في الإنسان، وتأخذ معان عدة، ويتحدد معناها من سياقها الذي ترد فيه، ولا يمكن حصرها في معنى واحد، وهي قد تشمل القلب فيما تشمله، وقد تشمل الإنسان كله ولكنها ترد بمعنى العقل وحده أو الجسم وحده مجردا، مما يحدوني إلى القول أن سماحته - حفظه الله - يرى أن الإنسان مكون من ثلاثة أجزاء رئيسية الجسد - النفس - العقل) وتحل فيها الروح وهي سر من أسرار الله تعالى، بها قوام حياة الجسد بما يحتويه؛ لذا كان على المربين أن يولوا عنايتهم بهذه الجوانب الثلاثة النفسية والعقلية والجسدية.
(1) سورة البقرة، الآية 233
(2) سورة ق، الآية 16 () سورة الرعد، الآية 11 (1) سورة الرعد، الآية 42 () سورة النحل، الآية 111 (1) سورة الحشر، الآية 18 (2/43)
صفحة 394
من معالم الفكر التربوي
{44}
عند الشيخ أحمد الخليلي
مميزات الشخصية الإسلامية
بعد الحديث عن أهم معالم الشخصية الإنسانية، أتناول بالحديث الموجز. هنا أهم معالم الشخصية الإسلامية المميزة لها من بين الشخصيات الإنسانية، يقول سماحته: " تكوين الشخصية الإسلامية هو العنصر الأول من العناصر التي تؤدي بهذه الأمة أن تكون مؤثرة في شتى المجالات الفكرية والتربوية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية ذلك لأنه بدون تكوين هذه الأمة على التصور الصحيح وعلى السلوك المستقيم لا يمكن أن يتبوأوا هذه المكانة العالية الرفيعة") ويقول سماحته: " لا ريب أن الشخصية الإسلامية جعلها الله سبحانه وتعالى متميزة بكل شيء، فهي متميزة بتصوراتها وفكرها، وهي متميزة بسلوكها وأخلاقها، وهي متميزة بشعائرها وتعبداتها، وهي متميزة بأحوالها
وعاداتها.
(1)
لأن الشخصية الإسلامية شخصية مؤثرة في هذا العالم) فهي ربانية التصور والفكر والسلوك تدين لخالق الخلق ومصرف الوجود بعبادتها، شخصية تستمد معطياتها من كتاب ربها المصان عن التحريف والتبديل، وبذلك كانت الشخصية الإسلامية متميزة عن سائر الشخصيات، فهي تمتلك القوة التي تمنحها التأثير وتصونها عن التأثر، فهي:
1) تؤمن بالله إلها واحدا لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، يدبر الكون بأسره، ويصرف الوجود بأكمله، ولا يعجزه شيء ولا يعزب عن علمه شيء، أرسل إليها رسوله الخاتم بكتاب معجز؛ ليبين لها ما
نزل إليها، وليهديها سواء الصراط
(1) الخطوات العملية لإبراز الشخصية، الشيخ الخليلي، 1/ 392
(1) السابق (2/44)
صفحة 395
{{0}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي (2) تؤمن باليوم الآخر، وأن كل إنسان يجزى بعمله، إن كان خيراً ففي جنة عرضها السموات والأرض، وإن شراً ففي نار تلظى، لا يطاق لهيبها،
ولا يفني عذابها، وإيمانها باليوم الآخر جزء من إيمانها بالغيب
3) سلوكها وأخلاقها مستمدة من شريعتها الربانية، فالناس سواء لا يتفاضلون إلا بالإيمان بالله وتقواه سبحانه وتعالى الذي هو أعلم به، ولا تقلد أحدا
4) شعائرها وتعبداتها بتوجيه من ربها، وهي تؤديها خالصة من جميع الشوائب ابتغاء وجهه الكريم، ورجاء رضوانه. ه) أحوالها وعاداتها محكومة أيضا بالمنهج الرباني، فليست هي في حاجة إلى أن تستمد من خصومها وأعدائها شيئا من عاداتهم وأحوالهم، فهي مستقلة كل الاستقلال، معتزة كل الاعتزاز بما آتاها الله من شرف ومكانة، وأسبغ عليها من فضله وامتنانه.
ولذلك فهي لن تكون متأثرة بالبهارج، مستجيبة لكل ناعق، بل على
العكس تماما، تملي على العالم إرادتها، وتفرض عليه اتجاهها. (2/45)
صفحة 396
من معالم الفكر التربوي
{46}
عند
الشيخ أحمد الخليلي (2/46)
صفحة 397
من معالم الفكر التربوي
{47}
عند الشيخ أحمد
المبحث الثالث: ملخص فلسفة سماحته في التربية الروحية
لقد
سعي
سماحته بحنكته التربوية الفريدة والمسددة من الله تعالى إلى سلوك مسلك التدرج في إيضاح معالم هذه الفلسفة التي تنداح في جهوده التربوية الإصلاحية، التطبيقية، دون أن يتجه سماحته - فيما يبدو ـ إلى إبراز تلك المعالم نظريا، ولذا اتسمت التوجيهات في المراحل الأولى تلك من الجهود بالتركيز على الجوانب التطبيقية التي تسرع عملية الإصلاح والتهيئة النفسية لقبول مبدأ الارتقاء أولا، ثم تتضح تلك المعالم تدريجياً في المراحل المتأخرة، فلربما ألقى سماحته محاضرات تربوية خالصة مع حرصه الشديد على التواضع الذي يصبغ منهجيته التربوية بالخفاء، إضافة إلى عنايته بالجانب التطبيقي الذي تتجسد فيه معالم التربية في دنيا الواقع، أكثر من عنايته بالتنظير لهذا ربما يحصل بعض التعديل بين الحين والآخر على بنود هذه الفلسفة لتوجه الواقع حيث هو متقلب سريع التقلب، وستكون هذه التشخيصات في هذه العجالة أكثر ما بنيت على الملاحظة التي يعتريها
القصور عادة.
تنطلق فلسفة سماحته - حفظه الله - في التربية الفردية من تسليط الأضواء على مركز الخلق الذي سخر له ما في السموات والأرض، لتتسع الدائرة شيئا فشيئا فتشمل الوسط الذي يكتنف هذه النفس البشرية التي تدور حولها رحى الكون الخاضع بأسره خضوعا مطلقا لجبار السموات والأرض، وبذلك يتحقق الانسجام والائتلاف، ويضمحل النشوز والاختلاف، حينئذ يرتبط هذا القطب الأرضي، بعد أن يكون في نفسه تقيا نقيا، بوسط أتقى وأنقى في الملأ الأعلى الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فتتجسد فيه تلك الخصال السامية؛ فيرقي رقيا يتجاوز به في بعض الأحيان مكانة ذلك الملأ بسبب التكريم الإلهي لجنسه المباين الجنس الملأ الأعلى في تركيبته ونزعاته، فالارتباط بين المركزين ارتباط معنوي روحاني، تدرك آثاره (2/47)
صفحة 398
{{^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي ولا تدرك ماهيته فهو خفي خفاء الروح التي تسرى في شرايين الإنسان هنالك تنتظم حلقات الفلسفة التربوية لتعكس انتظام أجهزة هذا الإنسان
المختلفة في ذاته من ناحية، وانتظامه مع مكونات الوجود من ناحية أخرى. إنَّ التربية الروحية في نظرية سماحته التربوية جزء من هيكل متكامل في بناء متناسق ذي أبعاد متداخلة تتشابك فيه أقطاب أربعة: الروح، والنفس، والعقل والجسد الذي هو آية عظمى من آيات الله تعالى المبثوثة في هذا الوجود، ذلك الجسد الذي تتجلى عبره الكثير من مظاهر السلوك الإنساني الذي سيحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإما إلى جنة عالية، وإما إلى نار حامية، خالدا مخلدا فيها أبدا.
إنَّ هذا الإنسان المكرم عند ربه - إن أطاعه. يحوي في تكوينه العجب عجاب من آيات الله عز وجل في جسده وفي تفكيره وفي طبائعه وغرائزه، مور عظيمة تتفاعل في حناياه، فهو في جانبه الجسدي يحوي ألف مليون
(1) "1
ليون خلية، ويقول سماحته: "إن كل خلية في جسم الإنسان عالم كامل وهذه الخلايا تشكل أجهزة تقوم بوظائفها المنوطة بها، بعض تلك الوظائف حسي، والبعض الآخر معنوي، وفي هذا الجانب الأخير تكمن الكثير الكثير من الآيات الباهرات، إذ كيف تستجيب تلك الأجهزة وتتفاعل ـ وهي قطع لحمية - مع أمور معنوية، وأبسط مثال تأثر الإنسان بتلاوة القرآن، والخشوع في الصلاة، والخوف من الله تعالى، ومهيجات البكاء، وكذلك السعادة ونحوها، كيف تحدث؟ وأين تحدث؟ في جسم خلق من طين. من هنا تأتي مهمة التربية الروحية وتتشكل، ومن هنا تنبع أهميتها، فهي
أمر ليس بالسهل، ولكنها ميسرة بتيسير الله تعالى لعباده.
يرى سماحته أنَّ الإنسان ينقسم إلى أقسام ثلاثة عدا الروح سر الحياة:
(1) في لقائي بسماحته يوم الاثنين 5/ محرم / 1429 هـ وقد شرح ذلك في كتابه برهان الحق ص 170 وما (2/48)
صفحة 399
من معالم الفكر التربوي
{{9}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الجسم، والعقل والنفس، فالجسم مادة تسري فيها الروح التي هي سر الحياة، ويحوي ذلك الجسم عقلا مميزاً، ونفساً تنطوي على القلب والغريزة والضمير، ويمكن ضم هذه الجوانب، وذلك بجعل الجانب الروحي يشمل الجانب النفسي أيضا بجامع الخفاء في كليهما، فتصبح الجوانب هي: الجانب الروحي الروح)، والنفس وما تحويه من الضمير والغريزة، وما تنطوي عليه من الأحاسيس ونحوها والجانب العقلي (الفكري) والجانب
الجسدي، أما الروح التي هي سر الحياة في الإنسان فأمرها إلى الله تعالى. ومع تمتع كل جانب من هذه الجوانب بخصائصه ومطالبه ودوافعه، تشكل هذه الأجزاء كلا متكاملا، كل جانب منها مكمل للجانب الآخر، وتعنى التربية الروحية بالجانب المعنوي عدا النشاط العقلي، ولكنها تعوّل عليه في انتظام مسلكها، وتثبيت دعائمها. لا ريب أنَّ الإنسان موقوف بين يدي ربه يوم القيامة، ومحاسب على سلوكه الفعلي والاعتقادي، وهذا السلوك هو نتاج هذه الجوانب الأساسية في الإنسان، فكل ما ينتج من سلوك تشترك فيه هذه الجوانب، فعلى سبيل المثال نجد أن حل مسألة في الميراث هو أمر عقلي لا تتدخل فيه العاطفة، وأن الخوف والرجاء أمران نفسيان روحيان، ونقل شئ من مكان إلى مكان آخر مجهود جسدي لا يتدخل فيه الجانبان الآخران، واختيار أحد الجنسين لزوجه أمر يشترك فيه العقل والعاطفة معاً إن كان الوضع طبيعيا، والصلاة تشترك فيها الجوانب الثلاثة. ولذا فإن سماحته يرى أن هذه الجوانب استقلالها، مع كل جانب منها مكمل للجانب الآخر بمشيئة الله تعالى " كما تقدم بيانه.
إنَّ الإنسان بهذا التركيب العجيب قد استخلفه الله في الأرض، وحمله أمانته، وسخر له ما في السموات والأرض، وجعل من سنته أن يبتليه ويمحصه، وخلال ذلك ينزل إليه الكتب ويرسل إليه الرسل لتبصيره
(1) آيات الله في الإنسان، الشيخ الخليلي، 1390 (2/49)
صفحة 400
من معالم الفكر التربوي
{00}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وإرشاده في خوض غمار الحياة الدنيا، حتى يعبر محقاً سالماً إلى رحمة الله ورضوانه، وإلا فإلى غضبه ونيرانه، ولذا فإن مرحلة الحياة الدنيا مرحلة اختبار وابتلاء، ومرحلة إبحار إلى شاطئ السلامة، وهنا يأتي دور المربين من العلماء المخلصين من أمثال سماحة الشيخ الخليلي لإكمال مسيرة المرسلين عليهم السلام. يتوجه الخطاب الإلهي إلى الإنسان المتمثل في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي الصحيح الثابت السنة من المطهرة) ـ على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، يتوجه هذا الخطاب ليتناول ثلاثة أقسام: تفاعلات الإنسان مع نفسه المكونة من جوانبها الثلاثة، وتعامله خالقه مع جل وعلا، وتفاعله مع محيطه الذي يشمل الكون كله مما سخره الله تعالى له فتحدث بذلك تفاعلات ثلاثة، تحدد في النهاية العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، ويبين الشكل الآتي هذا التعامل والتفاعل.
الخالق سبحانه
الخطاب
الإنسان
الإلهي
التكليفي
المحيط الخارجي
(1) يقول سبحانه وتعالى " {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (7) سورة الحشر {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله} (80) سورة النساء {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} (3) سورة النجم (2/50)
صفحة 401
من معالم الفكر التربوي
{0\}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ينصب التوجيه التربوي لسماحته في هذه العلاقات المشار إليها في ضوء التوجيه الإلهي، مبتدئا بعلاقة الله مع ربه سبحانه وتعالى، فيؤمن به إلهاً خالقاً له ولكل شي، وحده سبحانه لا شريك له، يدبر هذا الكون كما تقتضي ذلك عز وجل، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ويقتضي ذلك الإيمان طاعته في كل ما يأمر به جل وعلا، وفي كل ما ينهى عنه، ليفوز الإنسان
حكمته
بالحسنيين في الدار الآخرة: النجاة من النار، والخلود في دار الكرامة.
لا
أن الإنسان في طريقه هذا تعترضه الكثير من المشكلات ريب والصعاب فتؤثر على سيره، بدءا من نفسه الأمارة بالسوء (المؤثرات الداخلية) ثم ما حوله من مخلوقات الله تعالى (المؤثرات الخارجية) وقد تشترك المؤثرات الخارجية مع الداخلية حين تجد لها صدى في نفسه، لذا كان من الضروري الركون إلى مصدر القوة العظمى المطلقة لاستمداد القوة والنصر والتسديد؛ ليكون السلوك إيجابياً موصلا إلى رضوان الله تعالى ونعيم الآخرة، ولا يكون سلبياً مفضياً إلى غضب الله وأليم عذابه. لذا يركز سماحته أولا على ترسيخ العقيدة الصافية في النفوس، العقيدة النقية من كل شوائب التوحيد وتلتزم التنزيه الكامل لمالك الملك سبحانه وتعالى، ويحشد لذلك الأدلة، ويستجمع لها الجهد كله، لما لذلك من أثر بالغ على النفس وسلوكها، داعياً ومعيناً على اعتماد مبدأ التفكر في صفحات الوجود المشحون بالآيات والنذر لزرع مخافة الله تعالى في النفوس بحيث لا تستطيع المؤثرات زعزعتها فضلا عن اجتثاث جذورها، ثم يستعرض الكثير من المؤثرات الداخلية والخارجية، وسبل تكييفها وضبطها؛ لتدور في الفلك نفسه المحقق للهدف المنشود من خدمة الروح وهنا يتناولها من جانبين اثنين الوسط الذي هي فيه الحياة الدنيا وزخارفها) والنفس الإنسانية بطبيعتها البشرية في تعاملها مع هذا الوسط رابطاً ذلك كله بالمحور الذي تدور عليه العملية (الجنة والنار وما يسبقهما من أهوال، شارحا الكثير من (2/51)
صفحة 402
من معالم الفكر التربوي
{or}
عند الشيخ | أحمد الخليلي
الوسائل التي لا غنى عنها لكل من أراد تربية روحه، وصفاءها، وتألقها، وسموها، ليعيش في واحة من الراحة والأمان كما يعبر سماحته.
بعد أن يحقق الإنسان إنجازاً فعليا في هذا المضمار فلا يعني أنه وصل إلى نهاية المطاف، وحقق النصر، وقد وضعت الحرب أوزارها، كلا، فإن النفس تعتريها حالات من الضعف كما تنفحها نفحات القوة والاستعلاء، لذا يبرز هنا عنصر مراقبة النفس ومحاسبتها ومعاقبتها بوسائل أوضحها سماحته، وقد جاء بيان ذلك كله - بحمد الله - في ثنايا الكتاب. (2/52)
صفحة 403
من معالم الفكر التربوي
القرآن
الوح
الإنسان
عند الشيخ أحمد الخليلي
السنة
الحياة الدنيا
{or}
حياة البرزخ
المؤثرات الداخلية
المؤثرات المشتركة
المؤثرات الخارجية
الآخر
الجانب الروحي
السلوك
الإيجابي
الجانب العقلي
الجنـ
ــة
الجانب الجسدي
السلوك
السلبي
يبين هذا الرسم ما يتضح من نظرية سماحته في تربية الجانب الروحي من جوانب التربية المتكاملة (2/53)
صفحة 404
من معالم الفكر التربوي
{0 {}
عند
الشيخ أحمد الخليلي (2/54)
صفحة 405
من معالم الفكر التربوي
{00}
مدخل إلى
التربية الروحية
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/55)
صفحة 406
من معالم الفكر التربوي
{07}
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/56)
صفحة 407
من معالم الفكر التربوي
{ov}
مفهوم التربية الروحية
عند
- الشيخ أحمد الخليلي
تقدم الحديث أنَّ النفس جوهر داخلي يشمل القلب الذي هو محل العواطف، والانفعالات، والأمور المعنوية التي هي في حقيقتها لا يمكن إدراكها بذاتها بالحواس، كما لا يمكن قياسها، وإنما تدرك بآثارها فقط. فهي بذلك أقرب إلى معنى الروح، فحين تجد إنساناً سعيداً فإنك تتبين آثار السعادة البادية عليه، دون أن يعرف هو ولا أنت مكان السعادة في نفسه ومحلها، وليس بمقدور أحد أن يقيس مقدار السعادة أو مداها سوى استخدام المصطلحات العامة نحو " هو سعيد " أو " تغمره السعادة " أو "هو سعيد جداً " أو " لقد بلغ ذروة السعادة " وبما أنَّ تلك الأمور تتميز بالخفاء فإني أميل إلى استخدام مصطلح "التربية الروحية " مشيرا إلى أن
هناك من يستخدم مصطلح التربية النفسية أو التربية المعنوية أو التزكية.
تقدم إيضاح مفهوم التربية في الجزء الأول من "من معالم الفكر) بأنها تعني التنمية والإصلاح، وتستلزم المحافظة والتوجيه، وأقرب المعاني إلى مصطلح الروحية مصطلح " الإيمانية " التي تجعل الإنسان ذا ملكة إيمانية شفافة مرهفة، تتجلى في قسمات وجهه أنوارها، وتهيمن على جوارحه سكينتها ووقارها، دمث الأخلاق، سهل العريكة، يألف ويؤلف، يعيش مع الناس حياته الفانية بنفس تتطلع إلى الدار الباقية، وروح معلقة بالملكوت الأعلى، فإذا ذكر الله تعالى وجل قلبه واقشعر جلده، وخشع بصره، واستسلمت جوارحه؛ فسبح بحمد ربه؛ فتغشاه لطائف السكينة والاطمئنان والأمان.
ويمكنني الاجتهاد في وضع تعريف لما أعنيه هنا بالتربية الروحية أنها: "تنمية القوة النفسية المدعمة بالعقل والإيمان المتجلية في سلوك يحفظ
() أنظر معالم الفكر التربوي 183/ 1 (2/57)
صفحة 408
من معالم الفكر التربوي
{ON}
عند الشيخ أحمد الخليلي
للكيان الإنساني إرادته وصموده أمام نوازع الشر، سعيا إلى تحقيق الطاعة
المطلقة الله سبحانه وتعالى "
وإذا استبدت هذه الروح بالنفس الإنسانية نظرت إلى الوجود بنور الله، يقول سماحته: " أما القوة الروحية فإنَّها لا تنحسر وبخاصة إذا تمكنت من النفس الإنسانية، فإنَّها تسيطر على جوانبها العقلية والنفسية)
ويستخدم سماحته مصطلح " التزكية " أو " تزكية النفس " وقد يعني به التطهر من المعاصي، وتنمية جوانب الخير، يقول سماحته: " التزكية التطهير، والتزكية التنمية، تطهير النفس من الرذائل وتنمية الأخلاق والفضائل. والتطهير تخلية، والتنمية تحلية)
(r)
ويقول أيضا: " التزكية لها معنيان من حيث الاستعمال اللغوي: فهي تستعمل بمعنى الطهارة، وتستعمل أيضا بمعنى التنمية. ومن ذلك " زكا الزرع " بمعنى: نما، فتزكية النفس إنما هي بتطهيرها من آثار الله معاصي سبحانه وتعالى، وبتنمية خصال الخير فيها من خلال ممارسة الإنسان لأنواع الفضائل وابتعاده عن صنوف الرذائل، حتى تكون هذه النفس منقادة في سبيل الحق" " يبدو واضحاً أنَّ التزكية تطهير من جانب، وتنمية في الوقت ذاته من جانب آخر، هي: " تخل وتحل" وقد يشمل ذلك جميع جوانب النفس الإنسانية، فلا يشك أنه يشمل الجانب النفسي فيتطهر الإنسان من جميع الأمراض النفسية، والأرجاس القلبية من الغل والحقد والحسد، ونحوها، كما تتناول جانب التصورات والعقيدة، فينبذ الإنسان البدع والشركيات، كما تشمل أيضا الجانب السلوكي، فيتخلى الإنسان عن الرذائل ويتحلى
(1) المدخل العام إلى دراسة العقيدة، الشيخ الخليلي، 9/ 1. (1) تفسير قوله تعالى: " أفمن اتبع رضوان الله "، الشيخ الخليلي، بتاريخ 2 صفر 1425، 23/ 3 / 2004 م (2) تطهير القلوب، الشيخ الخليلي، 2/ 480 (2/58)
صفحة 409
من معالم الفكر التربوي
{09}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
بالفضائل، ويكبح جماح نفسه فيلزمها السير في منهج الله تعالى، وهذا يدفعنا إلى الحديث عن مصدر السلوك الإنساني، أهو الجانب النفسي الانفعالي؟ أم الجانب العقلي؟ أم هما معا؟ وقبل ذلك، ما هو السلوك؟ وتنبع أهمية الحديث عن هذا الجانب من أهمية التربية نفسها.
يختلف علماء النفس في تعريف السلوك وتحديد مفهومه كاختلافهم في تعريف الدوافع أيضا " ففي حين يقصره فريق من العلماء على النشاط العضوي الظاهري، يتوسع فريق آخر في تعريفه ليشمل كل ما يجري في الذات الإنسانية وكل ما يصدر عنها ".
وقلة من علماء النفس الذين يقصرون لفظ السلوك على السلوك الخارجي الذي يمكن ملاحظته ومشاهدته) كالأكل والشرب، والضحك والمشي والغالبية من علماء النفس المعاصرين يعنون بالسلوك "جميع الأنشطة التي يقوم بها الكائن الحي ذاته وبذلك يشمل السلوك جميع مناشط الكائن الحي الداخلية والخارجية " وذلك مثل الجوع، والسعادة، والحزن، والتفكير، والتخيل ونحوها. ومنهم من يعرف السلوك " بالتفاعل
(r) !!
بين الذات والموضوع ومثال ذلك أن يشاهد الإنسان لوحة مرسوم ومة، أو يسمع قصيدة شعرية، فإنها ستحدث لديه استجابة سلوكية داخلية، كاللذة أو الألم أو الحزن، أو خارجية كشراء اللوحة أو طلب نسخة من القصيدة. وتلك
الأمور النفسية لا تعنى علم النفس الفسيولوجي
(1) محددات السلوك الإنساني والتنظيمي. عبدالله بن حمدان الدهماني، ص 7
() علم النفس العام. عبد الرحمن عيسوي ص 41
(2) مبادئ علم النفس، محمد بن يونس ص 71
(4)
(4) من المعلوم أن علم النفس ينقسم إلى ما يزيد عشرين قسما كعلم النفس العام، علم نفس النمو، علم النفس التربوي، وعلم النفس الإرشادي، وعلم النفس البيولوجي إلخ. (2/59)
صفحة 410
من معالم الفكر التربوي
{T}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أما
معينة (1)
الدافع فهو " حالة داخلية جسمية نفسية تثير السلوك في ظروف
ولا شك أن غاية السلوك الإشباع، تحقق ذلك أم لم يتحقق، فالجوع دافع إلى السلوك وهو تناول الطعام، ورؤية الطعام مثير لذلك الدافع، وينبغي عدم الخلط بين السلوك الاختياري ودوافعه ومصدره، ومحدداته، فالمصدر في صورته العامة لا يعدو أن يكون العقل أو القلب (الوجدان) أو كليهما، فحل مسألة في الميراث مثلا سلوك عقلي لا دخل للعواطف فيه ولا الانفعالات، والخوف أو الحب أو الحنان سلوك انفعالي، واختيار الزوج شريكا في الحياة سلوك يشترك فيه العقل والقلب معا في الحالات الطبيعية. أما محدد السلوك فهو " العامل المؤثر الذي يتحدد به الاختيار الإرادي الإنساني لسلوك دون غيره أو الامتناع عن سلوك ما") وقد أولى الإسلام عنايته بجميع تلك الجوانب، فرعاها وهذبها ووجهها، ولا يعنينا من ذلك هنا إلا ما يحاسب عليه العبد وتتحكم في ذلك النيات في الشريعة الإسلامية.
(2)
لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)
أهمية التربية الروحية
القيامة، يوم
لقد خلق الله سبحانه وتعالى النفس الإنسانية مجبولة على الاستئثار، وحب الخير لنفسها، كما خلق الإنسان مدنياً بطبعه، اجتماعيا بفطرته، لا غنى
(ا) علم النفس العام. خليل ميخائيل معوض، ص 68
((محددات السلوك الإنساني والتنظيمي. الدهماني. ص 23 23
)) سورة البقرة، الآية 225
() سورة البقرة، الآية 286 (2/60)
صفحة 411
شيئا
{61}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي له عن الآخرين، ولا محيص له من التفاعل مع أفراد جنسه بشتى المعاملات، ولا ريب أن هذا التفاعل بين أفراد الجنس البشري - مهما كان نادرا - يخلّف من الآثار على النفوس، ويبتعد بها عن ذروة الطهارة والنزاهة والتسامي، وإذا ما تراكمت تلك الآثار كان من العسير - إن لم يكن من المتعذر - محو آثارها، مما يدعو الإنسان إلى الحرص الكامل على تزكية نفسه وتطهيرها مما علق بها من أدران الحياة وشوائبها؛ ليبقى بذلك طاهر السيرة، نقي السريرة، مؤهلا للفوز بدار الكرامة مع النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، يقول سماحته عن الإنسان بأنه:
" قد يتعامى عن قصد السبيل لما يتجاذبه من طبائع نفسه، ويتقاضاه من مطالب الحياة، فهو واقع بين العواطف الملتهبة، والغرائز الجارفة، والمطالب المختلفة، والدوافع المتنوعة، فلا عجب إذا أنساه ذلك ما يجب عليه تجاه
(1) 11
خالقه، وتجاه الخلق فعلى الإنسان إذن أن يتسامي بنفسه عن جاذبية التراب، ولينظر إلى هدفه البعيد، مستصغرا في جنبه عظائم التضحيات، ولا يركن إلى الدعة والراحة ويلقي السلاح مستسلما لهوى نفسه التي لا يملأ جوفها إلا التراب، بل عليه أن يظل في صراع معها، وعراك حتى تستسلم له وتنقاد؛ فتكون مذعنة لأمره، خاضعة لإرادته. النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم وليعلم أن الحياة الدنيا هي حلبة الصراع، وساحة النزال، وليست هي
محلا للراحة، أو منزلا للبقاء.
تطلب الراحة في دار الفناء
إنَّما تطلب أمراً لا يكون
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 1/ 229، 230 (2/61)
صفحة 412
من معالم الفكر التربوي
{62}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ه إن التربية الروحية تستمد أهميتها وضرورتها من عظم قدر الأهداف التي تروم تحقيقها، والغايات التي تصل إليها، لذلك كانت العناية بالتربية الروحية الإيمانية في مقدمة العنايات كلها، وتحتل المكان الأسمى، والمحل الأسنى، والمنزل الأعلى من اهتمامات الإنسان التربوية، ولهذا يشير سماحته بقوله: " تأتي التربية الإيمانية رائدة في تربية الشباب، فالشباب يجب أن ينشأوا على الإيمان بالله، والتعلق به سبحانه وتعالى وحبه حباً يتملك شعاب قلوبهم، ويسيطر على أفكارهم ووجدانهم، كما يقتضي ذلك الإيمان الحق الذي كان عليه السلف والذي يأتي عليه من بعد من سلك مسلكهم من الخلق، والذي دعت إليه آيات الكتاب العزيز والسنة النبوية "
(1) "
ويمكن الإشارة هنا إلى أهم ما تغمر به التربية الروحية نفس الإنسان من هبات وما تسبغه عليها من أعطيات إذا ما أولاها عنايته، وأحاطها برعايته، ولم يبخسها مالها من حقوق، ومن جملة هذه الهبات:
1 - تعميق الصلة بالله، وتوثيق عرى محبته في النفس، فيفوز بالهداية إلى صالح القول والعمل، يقول سبحانه: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ واهُمْ} (") وهي التي يشير إليها سماحته بهداية التوفيق، يقول حفظه الله:
(2)
" هداية التوفيق خاصة بعباد الله المؤمنين، وتتعدد مراتبها: المرتبة الأولى التوفيق للعمل الصالح، وهي المعنية في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} (3)
(r).
والمرتبة الثانية الاستدامة على هذه الهداية، والاستزادة منها وهي عناها الله تعالى بقوله (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ.
(1)
التي
() معالم الجيل الواعد الشيخ الخليلي، إصدار مكتبة مشارق الأنوار
() سورة محمد، الآية 17
() سورة القصص، الآية 56 (2/62)
صفحة 413
{7}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي والمرتبة الثالثة: الهداية لثواب الله تعالى في دار القرار، في جنة عرضها السموات والأرض، وهي المقصودة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
(T)()
الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ له (0)
فأي نعمة أعظم من الهداية في الدنيا، والنعيم في الآخرة {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ
(د)
-2 - تجعل النفس محلاً لإشراق أنوار الحق وفيوض العرفان، يقول سماحته: " على الإنسان أن يزكي نفسه تزكية يجعلها محلا لإشراق أنوار الحق عليها، فالله سبحانه وتعالى يقول: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن
دشاها (1)
فبقدر ما يزكي الإنسان نفسه يكون مفلحاً، وبقدر ما يدسها يكون خائباً، وهذه التزكية إنما تعود إلى الإيمان الراسخ، واليقين الصادق، وما يترتب على ذلك من العمل الصالح"
(0) 11
ولذا قيل " المؤمن يرى بنور الله" وما قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه " يا سارية الجبل" من ذلك ببعيد، فتشرق بصيرته بنور الله، وتتفتق محايل النباهة لديه، وتشع أنوار الفطنة في جنبات نفسه، مؤيدا بنور الحق في التمييز بين الهدى الضلال والغي والرشد
3 - إشباع غريزة الإنسان ونزعته إلى حب التدين، فيشعر بالاطمئنان والراحة النفسية " وما حوادث الانتحار وسفك دماء الأبرياء، وأمراض
(1) سورة محمد، الآية 17
(1) الإيمان بالقدر، الشيخ الخليلي، 44/ 2 / ج
() سورة آل عمران، الآية 185
() سورة الشمس، الآيتان 10،9
() تطهير القلوب، الشيخ الخليلي، 2/ 480 (2/63)
صفحة 414
من معالم الفكر التربوي
{64}
عند الشيخ أحمد الخليلي
القلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية الشائعة في هذا العصر إلا انعكاس
واضح جلي يكشف عن مدى البعد عن الروحانيات، والدين الحق. لقد أشار سماحته إلى ضرورة التدين في حديثه عن آثار العبادة الخالصة الله، يقول عن العبادة: " هي مطلب ملح ونداء متتابع من أعماق نفس الإنسان، فإن كل أحد يشعر بالخواء الروحي و الفراغ الفكري إذا لم يعبد الله سبحانه وتعالى كما أمر؛ ولذلك فإن الناس الذين لم يتلقوا طريقة العبادة من الوحي هاموا في هذا الأمر واتبعوا أهواءهم ... فمنهم من صار يعبد الظواهر الكونية الطبيعية، ومنهم من صار يعبد القوى الروحانية الخفية، ومنهم من صار يعبد أنواعاً من المخلوقات الظاهرة، ومنهم، ومنهم .. وفي هذا كله ما يدلنا على أن كل أحد يشعر بالضرورة الملحة إلى العبادة، والحاجة التي لا تقف عند حد إليها. والإنسان ولو تفتحت له آفاق المعرفة، وتفنن في طرائق الفلسفة، وبلغ أوجه في التطور، لابد له من الدين، فإن الدين كما قيل ضروري للسعادة والنظام ")
ويقول: " ما أعظم هذا الأنس العظيم الذي يشعر به العبد في صلته بالله
سبحانه وتعالى، وفي علاقته بالكون عندما يملأ الإيمان جوانبه)
كما يشير إلى حالة الاضطراب النفسي التي تنتاب المعرضين عن ذكر الله تعالى بقوله: " إن الذين لا يعبدون الله سبحانه وتعالى يشعرون باضطراب النفس، وعدم الاستقرار، وتنتابهم الأمراض العصبية، والأمراض النفسية
نتيجة البعد عن ذكر الله تعالى "
(1) العبادة وأثرها، الشيخ الخليلي، ص 16، 17 () وحي المنابر، الشيخ الخليلي، 137/ 1 () العبادة وأثرها، الشيخ الخليلي، ص 18 (2/64)
صفحة 415
من معالم الفكر التربوي
{70}
عند الشيخ أحمد الخليلي وهذا ما عبّر عنه الفيلسوف الألماني (ليبنز) في حديثه عن دور الإيمان في طمأنينة النفس، يقول: " ولإزالة القلق النفسي والروحي أن يؤمن بالله عن
طريق العقل ... لأن القلق ناتج عن الشك، والشك وسيلة لتفتيت القلب'
(1) "
وما يشير إليه سماحته من الاضطرابات النفسية لدى المعرضين عن ذكر الله تعالى، تدعمه الإحصائيات والتقارير الطبية. إذ تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الانتحار هي الأعلى في بلدان أوروبا الشمالية التي هي الأرقى عالميا من
الناحية المادية.
حين أصبح القلق والاكتئاب المرض الأكثر شيوعا في العالم، وقد أشار تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية إلى أنَّ 25? من تعداد سكان العالم يشعرون بالتوتر، والخوف والإحباط، وتوقع الخطر والسوء، وحدوث ما يهدد حياتهم.
كما أكدت منظمة الصحة العالمية ارتفاع معدلات الانتحار بين صفوف الشباب في العالم وخاصة في أوروبا إلى مليون حالة انتحار في السنة، وتوقعت أن يرتفع الرقم إلى 1.5 مليون عام 2020 م. وقالت المنظمة إن حالة انتحار مميتة واحدة يتم تسجيلها في العالم كل 40 ثانية، مما يتفق مع الحقائق المسجلة بأن شخصاً واحداً على الأقل يحاول التخلص من حياته كل ثلاث ثوان. (3) وقد أكدت آخر الإحصائيات التي أجريت أخيرا في ايطاليا أن أكثر من ?80 من حالات القتل التي تقوم بها الأمهات الايطاليات ضد أطفالهن تأتي
(3)
(1) علم النفس التربوي في الاسلام. د. مقداد يالجن، د. يوسف القاضي. ص 333 نقلا عن Oeuvers
Philosphiques de Leibniz/ \^ par paul janet paris
www.annabaa.org/nbanews// 67()
atefmoussa.about.tc/stats/assasinat.doc () (2/65)
صفحة 416
من معالم الفكر التربوي
{77}
عند الشيخ أحمد الخليلي
نتيجة إصابتهن بحالة القلق والتوتر والخوف من المستقبل علي أبنائهن في
(1)
مواجهة الحياة الصعبة التي تنتظرهم. "
(2)
وتشير الدراسات إلى أن ما بين %40 - 50? من المتزوجين في الولايات المتحدة الأمريكية انتهى زواجهم بالطلاق مخلفين وراءهم أكثر من مليون طفل - سنوياً - يعانون مأساة طلاق الوالدين وكشفت إحصائية أمريكية نشرت عام 2005 م عن ازدياد حالات الانتحار في الولايات المتحدة مقارنة بجرائم القتل. وقد أكدت الإحصائية تسجيل 29 ألف حالة انتحار سنويا بواقع 80 حالة يومياً. ذلك 3
ويعني
حالات انتحار مقابل جريمتي قتل، وعزي ذلك إلى زيادة حالات الاكتئاب ومشاعر القلق بالإضافة إلى الأمراض العقلية والنفسية، وقد بلغت حالات الانتحار في ولاية أوريجون وحدها 518 حالة مقابل 71 جريمة قتل عام
أمريكا
منهم
2002 م وأشارت إحصائيات أخرى إلى أنه ينتحر 300 ضابط شرطة سنوياً في عشرة في نيويورك وحدها؟ ومنذ عام 1987 م يتزايد عدد ضباط الشرطه المنتحرين هناك، وهي ظاهرة أقلقت السلطات ظاهرة أقلقت السلطات وقام الاتحاد الوطني لضباط الشرطة ببحثها فوجد الاتحاد أن أبرز أسباب انتحار الضباط هو: توتر الأعصاب الدائم الذي يعيشون فيه."
وكشفت دراسة فرنسية أن 160 ألف فرنسي يحاولون كل عام الانتحار يموت منهم 32،يوميا، العديد منهم من الشباب خاصة من النساء الاكتئاب والضغوط الشديدة للحياة العصرية والتسابق على تحقيق الربح
المادي.
بسبب
akhbarelyom @akhbarelyom.org ()
(1) الجمعية الغربية السعودية للعلوم التربوية والنفسية
() www.vipv.com/vb/showthread.php? (2/66)
صفحة 417
من معالم الفكر التربوي
{TV}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وأظهرت الدراسة التي أجرتها جون شوكيه" رئيسة الاتحاد القومي الفرنسي لمكافحة الانتحار أنَّ ظاهرة الانتحار تضرب جميع الطبقات الاجتماعية في فرنسا بدون استثناء، حيث تتركز عملية الانتحار بشكل كبير بين الشباب في المرحلة السنية ما بين 16 و 17 سنة. وأوضحت الدراسة أن معدلات الانتحار زادت في فرنسا في الفترة من 1993 م إلى 1999 م بنسبة 40% لدى الفتيات و 20% لدى الفتيان)
(1)
وقد ذكرت الشرطة اليابانية أن معدلات الانتحار ارتفعت بدرجة عالية جدا، ففي عام 2003 م قام 34427 شخصاً يدينون بالبوذية بقتل أنفسهم. وأفادت مصادر صحفية نقلاً عن الناطق باسم الشرطة أن الزيادة بلغت 71? عن الأعوام السابقة، وحسب الإحصائيات فإن سبعين بالمائة من المنتحرين هم ذكور في العشرينات من أعمارهم. "
(2)
وللحد من مثل هذه المعاناة فقد استهلكت فرنسا 125 مليون علبة منوم ومهدئ أعصاب في سنة 1982 م ... وفي الولايات المتحدة كل وصفة طبية
(') atefmoussa.about.tc/stats/assasinat.doc www.aawsat.com/details.asp?section ('atefmoussa.about.tc/stats/assasinat.doc (2/67)
صفحة 418
من معالم الفكر التربوي
{18}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
من أربع هي وصفة مهدئ أعصاب، ومن كل مريض يدخل عيادة الطب العام 70? هم مرضى نفسيون عصبيون بصورة ظاهرة أو خفية") وهذه العلاجات ذات تأثير مؤقت بلا شك. وإنما يستأصلها من
جذورها الإيمان الحق بالله سبحانه وتعالى حاكما ومشرعا وإلها واحدا. 4 - تطهير النفس من الأحقاد والغل والحسد، وسائر الأمراض النفسية، فيصل الإنسان إلى قمة السعادة، وهي راحة البال. وقد أشار سماحته فيما نقلته سابقا من أهمية تزكية النفس، وأثرها في تطهير القلب من جميع الأرجاس والأدناس.
ه - تحقيق النصر والتمكين للأمة، والارتقاء إلى الأوج الشامخ من القوة التي ترهب العدو، وهذا ما ركن إليه السلف الصالح لهذه الأمة، فهان أمام عزائمهم كل عسير، وتهاوت تحت سنابك خيولهم تيجان الأكاسرة، وعروش القياصرة، يقول سماحته
" إن الصلة بالله تعالى هي التي تهون كل صعب، وهي التي تيسر كل عسير، وهي التي تقود الأمة إلى الخير كله .. والسلف الصالح إنَّما انتصروا على أعدائهم بما كان لهم من صلة بالله سبحانه وتعالى، كانوا يتبتلون بين يديه آناء الليل وآناء النهار، يحاسبون أنفسهم على ما قدموا، وعلى ما أخروا، وكانوا أحذر من الذنوب منهم من أعدائهم " "
(T)
ومن الأمثلة الرائعة الشاهدة على أثر قوة الصلة بالله في دكدكة عروش الظالمين، ومحو طموحات الطامعين في مقدرات الأمة، ما أكرم الله به أهل الاستقامة على الدين من أهل جزيرة جربة بتونس في بداية القرن العاشر
(1) من علم النفس القرآني، د. عدنان الشريف، ص 194
() وحي المنابر، الشيخ الخليلي، 1/ 215 (2/68)
صفحة 419
من معالم الفكر التربوي
{79}
عند الشيخ أحمد الخليلي
شهر
الهجري، وسأنقل هنا باختصار شديد تصوير تلك الحادثة الإيمانية بلسان سماحته الملهم، يقول: لقد شُردَ المسلمون بعد نكبة الأندلس، وقُتلوا، ونصر فريق منهم، ثم أنشأت محاكم التفتيش لتعقب كل من تبدو عليه مسحة إيمانية، أخذ الصليبيون يجوبون عرض البحر الأبيض المتوسط يأسرون المسلمين ليبيعوهم عبيداً في أسواق أوروبا، وفي بداية القرن العاشر الهجري أخذت القوى الأسبانية تحتل الموانئ الإسلامية ميناء بعد ميناء، حتى وصلت في ربيع الأول من عام 910 هجرية إلى طرابلس، فسقطت طرابلس في أيدي الصليبين، ولم يبق في وجههم إلا جزيرة جربة، وكانوا يقدرون أن هذه الجزيرة لا تحتاج إلا رحلة سياحية بحرية لاحتلالها، وكانت زعامة الجزيرة ترجع إلى شخصين إلى الشيخ أبي زكريا يحيى السمومني، وهو الشيخ السياسي للجزيرة، وإلى الشيخ أبي النجاة يحيى بن سعيد التعاريفي وهو رئيس مجلس العزابة، وإليه ترجع الزعامة الدينية للجزيرة، فاجتمع الشيخان لمناقشة هذا الأمر الخطير، فقال الشيخ أبو النجاة: إن الأمر يتطلب أحد موقفين: أما الاستسلام من أول الأمر، وإما المقاومة والصمود، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى القرآن إذا حلت بنا الفتن، وكتاب الله يقول لنا كم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} " ويقول: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز (الَّذِينَ إِن مُكْتَهُمْ فِي الْأَرْضِ) أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَن الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُور} " والله لا يخلف وعده أبداً، وإنما علينا أن نحقق إيماننا
(2)
ونكون مؤمنين حقا لنستوجب النصر، ونستحق التمكين، فأرشدهم أولاً على أن يحاسب كل أحد نفسه منذ بلغ الحلم إلى وقته ذلك، وأن يتنصل من جميع الآثام، ويتخلص من جميع التبعات وأن يتحاللوا، وأن يكون
(1) سورة البقرة، الآية 249 (2) سورة الحج، الآيتان 41،40 (2/69)
صفحة 420
من معالم الفكر التربوي
{70}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الاستشهاد أحب إليهم من النصر، وأمرهم أن يجتمعوا - كعادتهم - لتلاوة القرآن على طريقة جماعية، وتنهي كل حلقة القرآن الكريم قبل أن ينتهي الأسبوع، على أن يختموا الختمة القرآنية بالابتهال إلى الله سبحانه وتعالى بأن ينصرهم، وأن يمدهم بملائكته المقربين وأمرهم أن يرسلوا إلى إخوانهم في جبل نفوسه بأن يجتمعوا أيضا ويقرأوا القرآن الكريم ويدعوا الله سبحانه وتعالى لإخوانهم أن ينصرهم الله تعالى، وأن يثبت أقدامهم، وأن يمكنهم من نواصي أعدائهم القوم الكافرين، وقد امتثل الناس أمر الشيخ وسارعوا إلى التوبة والتخلص من التبعات والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وتجديد العهد بينهم وبين بأن ينصروه، وأن يستعذبوا العذاب في سبيله، وأن يقدموا أرواحهم رخيصة في جنب إعزاز دينه، وقد كان سكان الجزيرة آنذاك لا يزيدون عن ثلاثين ألفا بمن فيهم النساء والأطفال والعجزة، والبلد مقطوع من كل الجهات.
ربهم
وقد بدأت تباشير الغزو، إذ وصل أسطول يتكون من حوالي عشرين سفينة، ونزل من الأسطول على زورق صغير رسول من القائد يحمل كتاباً إلى شيخ الجزيرة، يأمره فيه بتسليم الجزيرة، أو أن يستعد لحرب هذا الأسطول، فأجاب الشيخ قائلا للرسول: قل لسيدك: إن الجزيرة لن تسلم نفسها حتى يكون أهلها جثثاً هامدة، وقد خرجت هذه الكلمة كأنها قذيفة خرجت من مدفع، ضربت ذلك القائد في صميم قلبه، فوقع بين أمرين: العاطفة المتأججة التي تدفعه إلى الانتقام من هذه الجزيرة التي سخرت منه، وبين الرجوع لتكوين قوة أكبر نظرا إلى الأثر الكبير لتلك الكلمة، فرجع أدراجه إلى طرابلس، ثم رجع إلى جربة بأسطول يتكون من مئة وعشرين سفينة، تحمل عشرين ألفا من المقاتلين المتدربين على أحدث الأسلحة، المزودين بكل وسائل الحرب المتوفرة في ذلك العصر، ونزل هذا العدد الهائل على أرض الجزيرة، فكان عدد الذين استعدوا لقتالهم من أهل الجزيرة حسبما تذكر المصادر الأوروبية ثلاثة آلاف مقاتل وكان أكثرهم عزلا، وكانوا غير (2/70)
صفحة 421
من معالم الفكر التربوي
{V}
عند الشيخ ا أحمد الخليلي
مدربين على القتال، وإنما كان سلاحهم الوحيد الإيمان، وصلتهم بالله سبحانه وتعالى، وكان نزول جيش الصليبين على ساحل الجزيرة مساء يوم الخميس فبات المسلمون ليلة الجمعة بين تهجد ودعاء وابتهال إلى الله سبحانه وتعالى فأراد جيش النصارى شن حرب نفسية على المسلمين لإدخال الرعب في قلوبهم فباتوا يطلقون المدافع والبنادق، وينشدون الأناشيد الحربية المصحوبة بالآلات الموسيقية، وعندما تحرك الجيش الصليبي إلى قلب الجزيرة خرج المسلمون لمقاومتهم.
كان الجيش الصليبي قد اتخذ خطة محكمة - فيما يبدو - فقد جعلوا أنفسهم صفوفاً، يواجه الجيش الإسلامي الصف الأمامي منهم، فإذا انهزم رجع إلى الخلف وتقدم الصف الذي خلفه للقتال، ثم الصف الثالث وهكذا، فلو تمكن المسلمون من دحر الصفوف جميعاً كانت الصفوف الأولى قد استعادت نشاطها بأخذها قسطاً من الراحة، بينما الجيش الإسلامي ما كان يملك إلا صفاً واحداً في مقابل هذه الصفوف المتراصة، وقبل القتال قام أحد المسلمين فيه خطيباً، وحثهم على الاستشهاد، فقال فيما قال: إنَّ الشئ الذي لا يحل لأحد أن يحدث به نفسه هو الاستسلام، فلو بقي فرد واحد لكان عليه أن يقاتل حتى يلقى الله سبحانه وتعالى، ولا يستسلم، وما كاد القتال يستحر حتى اندحر من الصليبين الصف الأمامي المواجه للصف الإسلامي، ثم تقدم الصف الآخر وتأخر الصف الأول لأخذ الراحة، فأخذ يحدث الصفوف الخلفية بما رآه من صمود المسلمين، وكيف شاهد الموت ينطلق من ذلك الصف كأنه حمم تقذفها البراكين وكان ابن شيخ الجزيرة أبو الربيع سليمان بن أبي زكريا ينظر بعيني الحذر اليقظ، فرأى أن إنزال الهزيمة بالأعداء لا يكون إلا بإحداث ارتباك في جيش العدو، فأخذ ثلة من جيش المسلمين وجاء من خلف جيش العدو وحال بينهم وبين سفنهم، وإذا بالصف الصليبي الذي اندحر وهو يحدث أصحابه بما شاهده من مواقف المسلمين بهم يرون الموت الزؤام يغشاهم كما يغشاهم الليل الذي لا مفر منه
إذا (2/71)
صفحة 422
من معالم الفكر التربوي
{72}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وشعروا أنهم محصورون من كل جانب، فإذا تقدموا شاهدوا الموت، وإذا تأخروا شاهدوا الموت، وإذا انطلقوا جهة الميمنة شاهدوا الموت، وإذا انطلقوا جهة الميسرة شاهدوا الموت وأحسوا كأن الأرض من تحت أقدامهم تفجرت براكين وقذفتهم بحممها، وأنَّ السماء قذفتهم بشهبها، فلا مفر لهم من الموت أبدا، فأخذوا يعدون إلى سفنهم والمسلمون خلفهم يقتلونهم ويأسرونهم، فما كادوا يصلون إلى البحر إلا وسقط منهم ثلاثة آلاف قتيل، وعدد من الأسرى يتراوح بين ستة آلاف وسبعة آلاف، وعندما وصلوا إلى الساحل وقد أنهكت قواهم ناموا هناك ليستعيدوا شيئاً من القوى، فشاء الله سبحانه وتعالى أن تصوّر الأحلام المزعجة لأحدهم أن المسلمين أحدقوا بهم من جديد، فأخذوا يتقاتلون فيما بينهم بعدما صرخ صارخهم أن المسلمين أحاطوا بنا، فلم يروا ملجأ إلا البحر، فأخذوا يقذفون أنفسهم في البحر ليسبحوا إلى السفن فكان البحر يبتلعهم ليؤيد الله به المسلمين، فوصل منهم عدد قليل إلى السفن، فأرسل الله ريحاً عقيماً دامت مدة أسبوع، وحطمت ثمانية عشر سفينة من سفنهم، ثم عادوا أدراجهم إلى طرابلس، وقد أصيبوا بجراح لم يصابوا بها من قبل، ثم بعد مدة أرادوا غزو صفاقس لاستعادة كرامتهم، فخرجوا بأسطولهم الضخم فخرج أهل صفاقس بما لديهم من أسلحة الملاقاتهم على شاطئ البحر، فلما رأى الصليبيون حماس أهل صفاقس المتأجج ولوا مدبرين، فناموا في جزيرة غير آهلة بالسكان فلما سمع عنهم أهل جربة انطلق منهم قرابة ستمئة رجل فوجدوهم نائمين، فقتلوهم عن بكرة أبيهم، ثم أخذوا يعدون العدة لمدة عشر سنين لغزو جربة مرة أخرى، فلما عادوا لقتالهم تلقاهم أهل جربة بتلك القلوب المؤمنة التي لاقتهم من قبل، فما كادت صفوف الصليبين تندحر حتى أمرهم قائدهم بالانسحاب، فرجعوا يجرون أذيال الخيبة وراءهم. (2/72)
صفحة 423
من معالم الفكر التربوي
{7}
هي
عند
الشيخ أحمد الخليلي
الصلة التي يستمد منها
(1)
ذلك كله يدلنا على أنَّ صلة العبد بالله تعالى. العبد المدد من الله عز وجل، وأنَّ الإيمان هو القوة التي تتبخر أمامها القوى، وتتحطم أمامها الطاقات وتذوب أمامها جميع العزائم. ولذا حاول أعداء الإسلام بما وقر في قلوبهم من كراهية هذا الدين إضعاف هذه القوة الرهيبة بكل ما لديهم من إمكانية. يقول سماحته: " نحن ندرك أن أعداء الإسلام يدركون مدى أثر القوة الروحية عند المسلمين؛ لذلك يريدون أن يضعفوها بشتى الأسباب بكل ما يملكون من قوة، لأنهم يدركون أن هذه القوة لا يمكن أن تقف أمامها قوة قط، فهم يريدون إيهان هذه القوة بشتى الأسباب بالمغريات، وبإغراق المسلمين في الشهوات، و بتزيين الحياة الدنيا لهم، وترغيبهم في الترف في هذه الحياة الدنيا، حتى يحيق ما يحيق بالمترفين، ولذلك كان لزاما على الأمة المسلمة أن تتيقظ، وأن تعرف ما يريده أعداؤها بها، فتزكية هذه النفوس وتربيتها على الإيمان، والتقوى والصلاح، والاستقامة، وحب الله والتمسك بتعاليم القرآن من غير تفريط في أي جزئية من جزئياته، ولا تهاون في أي ذرة من الذرات. ذلك هو السبيل الأمثل، والطريق الأقوم، الذي يجعل هذه الأمة تصل إلى ما تصبو إليه من ذروة الشرف ومكان القيادة والإمامة بين الأمم جميعا "
بهم
6 - إذكاء الهمة والعزيمة على الاستمرار في طريق الاستقامة على أمر الله، والثبات على النهج القويم والقضاء على دواعي الفتور، ووساوس التقاعس والإخلاد إلى الراحة، فهي بمثابة الوقود الذي لابد منه لاستمرار مجاهدة النفس في صراعها المرير مع الهوى والرغبات والنوازع، بما تضطلع به من صقل القلوب من الران وتنقية النفس من شوائب الحياة، يقول عز
(1) جزيرة جربة، الشيخ الخليلي، 2/ 83
() تطهير القلوب، الشيخ الخليلي، ص 480/ 2 (2/73)
صفحة 424
من معالم الفكر التربوي
{74}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
وجل وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} " ويقول سبحانه: يُثبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ
اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ " وفي هذا يقول سماحته:
"1
على الإنسان أن لا يترك نفسه وهواها بل عليه أن يقودها إلى الخير بسلاسل عزائم الإيمان، فتنقاد له، فهو عندما يعودها على أن يقودها إلى الخير لابد أن تنقاد، أما أن أهملها فإنها تحب هذا الإهمال، وتغدو بعد ذلك نفسا منقادة للشهوات، والعياذ بالله "
فحرص الإنسان على استخدام وسائل التربية الروحية مؤدية به لا محالة إلى السمو الروحي، وأن تصبح تلك الوسائل سهلة ميسورة عليه، تؤتي أَكُلَهَا كُلّ حِينٍ بإِذْنِ رَبَّها وذلك باعتياده عليها حتى تصبح جزءا من
برنامج حياته اليومي، فتقوى عند ذاك إرادته بإذن الله تعالى.
7 - الوقاية من الكثير من الأمراض العضوية، والمساعدة على الشفاء منها، وهذا ما أثبتته العديد من الدراسات والواقع المعيش، فالرجوع إلى الله تعالى، والتوبة والإنابة والاستغفار والدعاء مع الإخلاص في ذلك كله كفيلة باستئصال العديد من الأمراض المستعصية على الطب الحديث. ويكفي أن نمثل هنا بما يولده القلق من أمراض مصاحبة " فهو حالة شعورية بالضيق، مصحوبة بانعكاس عضوي على وظيفة أغلب أجهزة الجسم من تسارع في ضربات القلب وضيق في التنفس، واضطراب في عمل جهاز الهضم، والأعصاب والعضلات، وعملية إفراز الغدد وغيرها "» وتشير دراسات
)) سورة العنكبوت، الآية 69
(1) سورة إبراهيم، الآية 25
() الفتور، الشيخ الخليلي، 1/ 433
() من علم النفس القرآني، عدنان الشريف، ص 67 (2/74)
صفحة 425
من معالم الفكر التربوي
{vo}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أخرى بالإحصائيات إلى أن الصلاة والدعاء ذات أثر كبير في الشفاء من
(1)
الأمراض)
هذه بعض الثمرات الدانية التي يجنيها العبد المسلم من ثمار مختلفة الطعوم من جنى غرسه الروحي، وفي مقدمتها الاستقامة السلوكية وفق المنهج الرباني الذي ارتضاه رب العالمين لعباده المؤمنين.
((انظر مثلا د. سامر سقا أميني
retrieved/www.arabmedmag.com/general/issue-1 - .-Y ... /general.htm
of cache (2/75)
صفحة 426
من معالم الفكر التربوي
{V}
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/76)
صفحة 427
من معالم الفكر التربوي
{77}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الفصل الأول
وسائل التربية الروحية المعنوية (2/77)
صفحة 428
من معالم الفكر التربوي
{YA}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وسائل التربية الروحية
لقد تقدم الحديث عن أهمية التربية الروحية وضرورتها، فهي الأساس الذي يقوم عليه بناء الإنسان، وبدون تلك التربية يصبح الإنسان خواء هباء، مهما أوتي من قدرات جسدية، وطاقات فكرية وقاعدة تلك التربية هي الإيمان بالله وحده لا شريك له، وجوهر ذلك الإيمان العلم، فإن " للإيمان مسالك ومبادئ وغايات، قد تكون من الدقة بحيث تخفى على من لم ينور الله بصيرته بالعلم، ويشرح صدره بالعرفان وسأدير دفة الحديث عن الوسائل - بإذن الله تعالى- بما يحقق الهدف الذي نسعى إليه من جني الثمار الروحية، مبتعدا به عن المسائل الكلامية، وأهم الأسس في هذه التربية - كما قدمت - الإيمان بالله تعالى، فالإيمان هو "أساس الهداية، ومصدر التقوى، وينبوع الفضائل " كما وصفه سماحته.
(1)
وسائل التربية الروحية المعنوية
1) الإيمان بالله:
(3)
أصل الإيمان " التصديق " نحو قوله تعالى: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ومأخذه من الأمن، لأن المصدق آمن محدثه التكذيب " " والإيمان " قناعة في نفس الإنسان بحقائق يستشفها من وراء ستار الغيب، وهذه القناعة إنما تبنى على اليقين " التام ولا تجدي فيها الظنون، وأهم قضية إيمانية هي قضية وحدانية الله سبحانه وتعالى، وقد جاء جميع النبيين مؤكدين عليها
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 342 () جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 126)) سورة يوسف، الآية 17
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي،، 2/ 126 () العقل نور إلهي، الشيخ الخليلي، 208/ 2 / ج (2/78)
صفحة 429
من معالم الفكر التربوي
{V 9}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
(1)
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} فهو سبحانه الخالق لكل شيء، والرازق لكل حي، والمدبر للوجود بأسره، وحده لا شريك له في الصفات والعبادة والأفعال، فعلى الإنسان أن يؤمن بذلك إيماناً راسخاً " يلامس شغاف القلب و يمتلك المشاعر والعقل والوجدان، فإن الحياة بدون هذا الإيمان حياة خاوية الروح، خاوية الفكر، مظلمة الجوانب لا قيمة لها عند الله، ولا قيمة لها عند من أدرك الحقيقة بالتلقي عن الله سبحانه وتعالى؛ فإنَّ الإيمان هو الذي يحل ألغاز هذا الوجود، ويفسر حقيقته، ويبين للإنسان مبدأه، ومصيره، ويبين له الحكمة من وجوده، ويبين له وظيفته في هذا الوجود، ولذلك من حُرم هذا الإيمان فقد حرم خير الدنيا والآخرة، ومن رزق هذا الإيمان رزق خير الدنيا والآخرة "
وقد وهب الله تعالى الإنسان نور العقل الذي تتبدد به غياهب الشك والحيرة، ولأجل ترسيخ دعائم هذا الإيمان فإنه مطالب أن يستعمل عقله حتى يستلهم الحقائق " ويقلب صفحات هذا الكون المترامي الأطراف ويقرأ آيات الله في نفسه وفي سائر الموجودات من حوله، فإذا رسخ الإيمان في قرارة نفسه فإنَّه " لا يلبث أن يتفاعل مع إيمانه تفاعلا تاما، في كل تصرفاته وأعماله، بحيث يكون ما يصدر عنه من الفعل والترك، والسلب والإيجاب، انعكاسا لأثر هذا الإيمان الراسخ في نفسه " وما قيمة إيمان بالله لا يعدو أن يكون لقلقة باللسان أو أن يكون في طوايا النفس والسلوك يناقض ذلك كله ويصادمه، فإن من آمن بشيء واعتقده ظهرت ترجمة ذلك في وأقواله، ولذا ذهب أصحابنا والجم الغفير من علماء السلف إلى " أنَّ الإيمان ليس محصورا في الاعتقاد، وإنما يصدق عليه مع ما يقتضيه من صادق القول
((سورة الأنبياء، الآية 25
() وحي المنابر، الشيخ الخليلي 1/ 133، 134. () العقل نور إلهي، الشيخ الخليلي، 208 / / ج () تطهير القلوب، الشيخ الخليلي، 480/ 2
أفعاله (2/79)
صفحة 430
{^.}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي وصالح العمل .... وروي بإسناد صحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أنَّ الإيمان قول وعمل، وذكر ابن كثير في تفسيره أن الشافعي وأحمد بن حنبل وأبا عبيدة وغير واحد حكوا الإجماع عليه ")
(1)
(T)!!
11
العقيدة
وبهذا الإيمان يشعر المؤمن بالأنس، والطمأنينة، ويحلق بروحه وعقله في ملكوت الله تعالى الفسيح ليستجلي منه " مشاهد جلال الله وجماله، وعلوه وكبريائه، وعزته سبحانه وتعالى، ونعمته على خلقه وحينئذ تتجه نفسه بالكلية إلى الاعتقاد الصحيح اللائق بجلال الله سبحانه، فينزهه عما لا يليق به، فتزداد عظمته في نفسه، وتزداد خشيته في قلبه، يقول سماحته: مؤثرة في الحياة تأثيرا عجيبا إيجاباً وسلباً، فعندما تكون العقيدة منحرفة؛ فإن تأثيرها يكون تأثيرا سلبيا " وهذا المعنى يشمل كل ما يعتقده الإنسان فيما يتعلق بخالق الوجود سبحانه وتعالى، وسواء أكان الإنسان ممن يجحد وجود الله عز وجل، أو كان ممن يؤمن به سبحانه وتعالى، ولكنه يصفه بما يتنافى مع عزته وكبريائه
وجلاله.
وسائل ترسيخ الإيمان في النفوس:
هناك وسائل كثيرة ترسخ دعائم الإيمان في نفس الإنسان، وقد أوصى بها سماحته في توجيهاته، وقد اتبعها في منهجه التربوي، وسأقتصر على أهم تلك الوسائل، عامدا إلى الشرح والتوضيح - أحيانا ـ لتكون عونا للمحتاج
على استحضار تلك المعاني بغية التزكية والتهذيب.
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 130
()
وحي المنابر الشيخ الخليلي، 1/ 136
() الخطوات العملية للشخصية، الشيخ الخليلي، 1/ 392 (2/80)
صفحة 431
من معالم الفكر التربوي
التفكر:
{^1}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
يدعو سماحته في كتاباته ومحاضراته إلى ضرورة التفكر في مخلوقات الله تعالى، واستخدام العقل في تدبر آيات الله سبحانه في الأنفس والآفاق، فمن ذلك قوله في جواهر التفسير: " إنّ من الأمور التكليفية ما تكون طريقة معرفته العقل، كمعرفة الخالق عز وجل وصفاته الواجبة، وانتفاء أضدادها، ولذلك يحيل القرآن الكريم إلى التفكر في ملكوت السموات والأرض؛ لأجل الاهتداء إلى معرفة الخالق وعظمته وتقوية الإيمان به عز وجل، ويشير القرآن الكريم إلى أنَّ الذين يستفيدون من ذلك هم أولو الألباب الذين الله تعالى من طاقات العقل والفكر في استجلاء
يستخدمون ما وهبهم
الحقيقة، واستظهار الحق
(1) "
(T)!!
ويشير سماحته إشارة واضحة إلى دور التفكر في آيات الله، وإلى آثاره الروحية، وفاعليته في تقوية الصلة بالله، يقول: " ولعمري إنَّ هذه الطريقة تأمل الآيات الكبرى في فسيح الكون] هي أنجح طريقة في إيقاظ الفطرة من سباتها، وتنبيهها من غفلتها، وكانت هي الوسيلة لإقناع الناس بهذا الدين من غير تعمق في الجدل، ولا غلو في البحث " لذلك نجد الآيات القرآنية تقود العقل إلى التفكير السليم، وتفتح له المنافذ على البصيرة، لكي يتدبر آيات الله سبحانه وتعالى في الإنسان، والكون، والحياة؛ ليصل منها إلى إدراك العقيدة الحقة، في قوله سبحانه وتعالى وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) () ()
(4) (3)
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 289/ 1
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 431/ 2)) سورة البقرة، الآية 163
((المدخل العام إلى دراسة العقيدة، الشيخ الخليلي، ص 20 (2/81)
صفحة 432
من معالم الفكر التربوي
{2}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ويلفت سماحته نظر الناس بأسلوبه التربوي الشيق إلى بعض الآيات رجاء تعميق الإيمان وترسيخه في نفوسهم؛ لتزكوا بذلك نفوسهم، وتقوى
صلتهم بخالقهم.
1 - التفكر في خلق الإنسان
كثيرا ما يتحدث سماحة الشيخ في هذا الجانب المهم الذي يبصر الإنسان بأصل خلقه، وتطوره من طور إلى طور، فإن الذي خلقه من عدم بهذه الطريقة العجيبة قادر على أن يعيده خلقا آخر، فتطمئن نفسه، ويستشعر عجزه أمام قدرة الله سبحانه. وسأنقل هنا مقتطفات من تلك اللفتات بما فيه إثبات الأسلوب التربوي في التغذية الروحية، دون حصرها؛ لتعذر ذلك بسبب عطاء سماحته الكبير.
يلفت سماحته النظر إلى الطريقة التي يتكون بها الجنين، مع أن الله سبحانه امع وتعالى قادر على أن يخلق ما يشاء كما يشاء، بمجرد إرادته خلق ذلك الخلق، وفي أقل من لمح البصر، يقول: " كما أنه سبحانه وتعالى لو شاء أن يخلق الناس والبهائم من غير لقاء بين الذكر والأنثى، ومن غير مرور بأطوار الحمل لكان ذلك، ولكنه جلت حكمته - أراد بتنقل الأشياء من طور إلى آخر، ونقلها
من حال إلى أخرى، تذكيراً للعباد، وتبصيرا بحكمة المبدأ وإمكان المعاد" ولنتابع مراحل خلق الإنسان كما أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في الكثير من الآيات، منها قوله سبحانه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةٌ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ
(T)
الخالقين)
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 424/ 2 وأنظر تفاصيل خلق الإنسان في " الجزء الأول من "برهان الحق"
لسماحته
(1) سورة المؤمنون، الآية 12 - 14 (2/82)
صفحة 433
(1) "
{3}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي يقول سماحته: " أول ما بدأت به الآية بيان إن الطين هو العنصر الأول الذي خلق منه الإنسان ودلالتها على ذلك واضحة لا غبار عليها، وفي الإنسان نفسه شواهد جمة على صدق هذا الخبر، فالعناصر الترابية كلها موجودة في جسمه ويزيد سماحته هذه الفكرة إيضاحا في موضع آخر من جواهره، يقول: فقد كان الإنسان ميتا؛ لأنَّ عناصره كانت منبثة في طبقات الأرض الجامدة، والسائلة، والغازية، ثم أخذت تتدرج في الأطوار وتنتقل إلى أن كون الله فيها الغذاء الذي تكون منه الدم فحول الله منه ما يشاء إلى مني دافق، يتدرج هو أيضا بعد استقراره في الرحم من طور إلى آخر، حتى يخرج منه هذا الكائن الذي نفخ الله فيه من روحه، وأفاض عليه من نعمه، وأكمل حواسه ومشاعره)
11
فمن خلاصة التراب يتكون الحيوان المنوي في الرجل والبييضة في المرأة وفي هذين الاثنين أسرار عجيبة مذهلة يقول سماحته: "الله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان الذي هو عالم أصغر من نطفة مهينة حقيرة، وهي التي يعبر عنها بالحيوان المنوي فإن هذا الحيوان المنوي في دقته وحقارته بحيث لا يكاد يبصره الإنسان حتى بأشعة المجهر، ويقال بأن الدفقة الواحدة من المني فيها مئتا ألف من الحيوانات المنوية، (3) فالإنسان يخلق من حيوان منوي واحد يحمل جميع الخصائص البشرية العامة والخصائص الأسرية الخاصة، فهو كشريط ينطوي على الشيء الكثير، بحيث لو نشر لكان آية باهرة، وقد جعل
(3)
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 1/ 140 (1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 516 () ذكر سماحته هذا الرقم منذ سنين في إلقاء محاضرته، أما في كتابه الأخير " برهان "الحق" فقد ذكر آخر الاكتشافات العلمية بأن الدفقة الواحدة تحوي 400 مليون حيوان منوي ونقل في الحاشية بأنه جاء في كتاب آيات الله المبصرة للأستاذ الدكتور توفيق علوان، ص 22 أن الدفقة الواحدة من مني! الرجل تحتوي على مليون حيوان منوي.
وللمزيد من الشرح والتوضيح المسيرة الخلق راجع " برهان الحق " لسماحته.
500 (2/83)
صفحة 434
484}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي الله سبحانه وتعالى هذه الأسرار التكوينية يشتمل عليها هذا الحيوان المنوي الصغير الحقير الدقيق، وجعل الله سبحانه وتعالى تفاعلا عجيباً بين هذا الحيوان المنوي والبيضة، حيث يلتحم الحيوان المنوي بالبييضة التحاماً عجيباً، ويبدأ التكون بمشيئة الله - سبحانه وتعالى - في هذه المرحلة المبكرة بحيث تذهب هذه البييضة إلى جدار الرحم، وفيها خاصية حادة تجرح جدار الرحم؛ فينهمر ودق من الدم، بحيث تسبح هذه البييضة مع ما التحم بها من الحيوان المنوي في بركة من الدم وتتغذى شيئاً فشيئاً حتى تتخلق بمشيئة الله سبحانه وتعالى، والقرآن الكريم يشير إلى ذلك عندما قال الله عز وجل: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) (فإن الحمل من أول الأمر يكون بمشقة ... ثم لا يلبث هذا الكائن الجديد أن يتطور من طور إلى طور حتى تتكون منه ملايين الخلايا ... " " وقد أشار سماحته أن لجسم الإنسان ألف مليون مليون خلية " " وأن كل خلية سفر حافل بأسرار الله تعالى في الخلق) أو أن كل خلية عالم بذاته) وأن شرح خريطة الجينات وحدها يستغرق ما
يقارب ثلاثمئة سنة.)
(0)
(1)
(4)
وتستقر تلك النطفة بأمر الله " في قرار مكين، وهو الرحم، وما أدق هذا الوصف و أكثر انطباقه على طبيعة الرحم التي لم تصل إليها عقول البشر إلا في العصر الحديث، فالرحم تحيط به عظام الحوض التي تحفظ سلامة الجنين مما يصيب بطن أمه وظهرها من اللكمات والهزات وعلى بابه حماية للجنين تتكون من إفرازات تقيه مخاطر الجراثيم التي يخشى منها الفتك به لولا
() سورة الأحقاف، الآية 15
(2) آيات اله في الانسان، الشيخ الخليلي، 2/ 390 () برهان الحق، الشيخ الخليلي، مخطوط، 1/ 169
((المرجع السابق، 170/ 1 وللمزيد من التفاصيل أنطر برهان الحق 1/ 169 – 224
() لقاء المؤلف بسماحته بتاريخ 5/ محرم / 1429 هـ / 2008/ 1/14 م
د.
-
((حدثني بذلك سماحته نقلا عن أ.
خالص حلبي. بتاريخ 5/ محرم / 1429 هـ / 2008/ 1/14 م (2/84)
صفحة 435
من معالم الفكر التربوي
{10}
عند الشيخ أحمد الخليلي
حيلولتها دون ذلك، ومَثَل عظام الحوض الحصينة التي تحمى الجنين مثل الحصن المنيع، ومثل الإفرازات التي تدفع عنه الجراثيم، مثل الجنود
المدافعين"
(1)
صورة الجنين في بطن أمه
وهي
تبصر
بأشعة
بسبب
لا تكاد وهذه النطفة التي استقرت في ذلك القرار المكين المجهر يطورها الله سبحانه تعالى طوراً من بعد طور، فتصبح علقة علوقها بجدار الرحم، ثم مضغة بين جوانب الرحم، فهي أشبه في ترددها باللقمة التي يمضغها الأكل ثم يتكون منها الهيكل العظمي الذي يكسى بعد ذلك باللحم. والعلم الجديد يقرر أنه لا تنبت خلية من خلايا اللحم حتى تتكون جميع خلايا العظام، يقول سبحانه وتعالى: {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحاً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ وتبين الآية تحول الجنين بعد ذلك إلى خلق آخر، حيث تجتمع فيه صورة الإنسان وتنفخ فيه الروح والروح أمرها يدعو إلى التفكر والاعتبار والاستسلام المطلق لمن بيده الخلق والأمر سبحانه جل في علاه. يقول سماحته عن الروح: إن الروح سر
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 1/ 140
(r)!!
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 141/ 1 الإيمان بالله، الشيخ الخليلي، ص 9، 10 (2/85)
صفحة 436
{AT}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي من أسرار الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال عز وجل: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً). فالله سبحانه وتعالى استأثر بعلم الروح التي هي سر من أسرار غيبه، فالإنسان يرى العجب العجاب في تأثير هذه الروح؛ فإن الإحساس والمدارك المختلفة والمشاعر الظاهرة والباطنة، إنَّما يترتب وجودها جميعا على وجود هذه الروح في الجسم فإذا انتهت هذه الروح من الجسم انتهى كل شيء ولا يدري الإنسان كيف تتصل هذه الروح بالجسم؟ ولا يدري كيف تنفصل عنه؟ وما هي حقيقتها؟
وإنما غاية ما يكمن أن يتوصل إليه هو اليقين القاطع بأنها سر من أسرار الله تبارك وتعالى حل في هذا البدن؛ فحلت معه الحياة، فإن البدن مع خروج الروح يتوقف نموه بل تتلاشى أجزاؤه، وتنحل خلاياه شيئاً فشيئاً، بل تعود هذه الخلايا إلى الطبيعة الأولى كما كانت من قبل ترابا ".
وسأعود إلى الحديث عن الروح مرة أخرى بعد تتبع مراحل نمو الإنسان حتى وصوله إلى الموت والرحيل عن هذه الحياة الدنيا، ولنتفكر في هذا الجسم وما بين أجزائه من التكامل، يقول سماحته: "جسم كل إنسان ذكراً كان أو أنثى ينطوي على ستين مليون مليون خلية" وهذه الخلايا لم تخلق سدى بل لكل خلية وظيفة في حياة الإنسان. والدماغ وحده الذي هو مركز الحركة والحس في الجسم يشتمل على أربعة عشر مليارا من الخلايا: ألف مليون خلية منها وظيفتها الاستقبال والتصدير، وهى الخلايا العصبية، تمتد منها أسلاك دقيقه إلى الجسم تدعى بالأنسجة العصبية، بواسطتها نسمع ونرى ونتذوق ونتحرك ونحس إذ هي التي تؤدي إلى الدماغ الأصوات والصور فالذبذبات الضوئية يلتقطها مئة وثلاثون مليونا من الخلايا
(1) آيات الله في الإنسان
)) ورد في برهان الحق لسماحته بأن جسم الإنسان يحتوي ألف مليون مليون خلية أنظر 169/ 1 (2/86)
صفحة 437
من معالم الفكر التربوي
النص الجداري
الخص التذالي
المخيخ
جذع الدماغ.
{AY}
عند الشيخ أحمد الخليلي
النص الجبهي
الفص الصدفي
6 abib.com
صورة الدماغ البشري
البصرية في كل عين وهي تقوم بدورها لنقلها إلى الدماغ، والأصوات تلتقطها عشره آلاف خلية لتؤديها إلى الدماغ كذلك، وتنقل أنواع المذاقات إلى الدماغ ثلاثة آلاف خلية وإذا لامست الجلد حرارة أو قاربته تولت ثلاثون ألف خلية نقلها إلى الدماغ، وإذا لامست البرودة الجسم نقل ربع مليون خلية حسها إلى الدماغ، فإذا شعر بها الدماغ اقشعر الجسم وتنفست الشرايين الدموية فتؤدي إليها الدورة الدموية مزيدا من الدم لسد هذا الفراغ، والحرارة إذا ما زادت تولت مجموعة من الخلايا نقلها إلى الدماغ؛ فتفرز ثلاثة ملايين غدة من الغدد العرقية عرقاً بارداً يجري على الجسم، وهذه الأشياء كلها مقدرة تقديرا في الإنسان والطاقات المتنوعة الموجودة فيه جعلها الله بمقادير معينة فالطاقة البصرية لو زادت عن هذا المقدار لكانت شاغلا للإنسان عن وظيفته الضرورية لرؤيته ما لا داعي إليه كالميكروبات الدقيقة، ولو نقصت لما أمكنه أن يؤدي وظيفته الحيوية على ما يرام، فالطاقة السمعية بمقدار حاجته من الأصوات، ولو زادت لكان سببا (2/87)
صفحة 438
من معالم الفكر التربوي
{^^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
لبلبلة فكره، لما يتزاحم عليه من الأصوات التي هو غني عنها، ولو نقصت لتعسر عليه القيام بمهامه)
ولو تفكرنا في القدرة التي أودعها الله في الدماغ لوجدنا أمراً عجباً فبالإضافة إلى ما تقدم ذكره من عمل الدماغ في إدارة جسم الإنسان فإنَّه يتمتع بقدرة مذهلة في حفظ المعلومات، يقول سماحته في موضع آخر: "إنَّ قوة الدماغ وما أودع الله سبحانه وتعالى فيه من الطاقات لو أريد لما يسمى الآن بالعقل الالكتروني أن يحل محلها، ويقوم بدور القوة الدماغية، لاحتيج إلى أجهزة تملأ الكرة الأرضية لأجل تكوين هذه القوة فيما يسمى بالعقل الالكتروني، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الدماغ محتوياً على هذه الطاقة الغيبية العجيبة، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الإنسان يحفظ معلومات كثيرة ولا يمتلئ بها الدماغ، فمهما ورد على الدماغ من معلومات فإن الدماغ يستوعبها جميعا "
ويقول سماحته بعد أن أورد مثل هذا في البرهان:" فسبحان من أودع هذه الطاقة كلها في جهاز لا يتجاوز وزنه (350) غراما في كل مخلوق من
r) "
البشر" إن تلك العمليات تجري بسرعة فائقة لا يشعر بها الإنسان البتة، وليتأمل الإنسان كذلك في ما أودع الله فيه من الحواس والقدرات المذهلة، والطبائع المتعددة، يقول سماحة الشيخ: " إذا تأمل الإنسان في نفسه رأى أمرا عجباً، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي أودع فيه الحواس المختلفة، والذي جمع فيه الطبائع المتنوعة، والذي نسق بين جميع أجزاء جسمه، ونسق بين كل خلايا جسمه حتى صارت كالشيء الواحد، لا يمكن إلا أن يكون
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 150 (1) آيات الله تعالى في الإنسان، الشيخ الخليلي، 2/ 390 (1) برهان الحق، الشيخ الخليلي، 1/ 204 (2/88)
صفحة 439
من معالم الفكر التربوي
{19}
عند
د الشيخ أحمد الخليلي
قديراً على كل شيء، ولننظر كيف هيأ الله سبحانه وتعالى للإنسان وسيلة الإبصار بطرق معقدة جداً، وكيف هيأ له وسيلة السمع، ووسيلة التذوق، ووسيلة اللمس، وكيف هيأ له وسيلة التخيل وتصور الأشياء، وهيأ له وسيلة، الحفظ وهيأ له وسيلة التحرك والانتقال بنفسه من مكان إلى آخر، يجد الإنسان في ذلك من نفسه أمراً عجباً.
ولا ينسى سماحة الشيخ أن يلفت النظر إلى ذلك التفاوت العجيب الغريب بين أفراد الجنس البشري، سواء كان ذلك التفاوت في الشكل الخارجي، أو الطبائع والملكات الداخلية، يقول سماحته:" الكائن البشري تتفاوت أفراده تفاوتاً عظيماً من كل ناحية من النواحي، سواء من ناحية القوى الظاهرة أو القوى الباطنة، سواء من ناحية المواهب الحسية أو المواهب المعنوية، فإن التفاوت جد عميق بين أفراد هذا الجنس، نحن لو نظرنا إلى المخلوقات الأخرى لوجدنا أفرادها متقاربة في طبائعها مهما حصل من تفاوت بينها، فلو نظرنا إلى المخلوقات الشرسة مثلا التي تملك الشجاعة؛ فإن هذه الشجاعة فيها متقاربة، أي في أفراد الجنس الواحد، فلو نظرنا إلى طبع الذئب وطبع النمر مثلا لوجدنا الشجاعة في الذئب والشجاعة في النمر متقاربة، لا تكاد تتفاوت بين أفراد هذا الجنس أو ذاك الجنس، فمن شأن الذئب ومن شأن النمر لو أصيب أن تشتد جرأته أكثر فأكثر، أما الكلب وفيه الجرأة فهو بخلاف ذلك، فإنّ من شأنه إن أصيب أن يرجع القهقري، وأن ينثني إلى الخلف، والإنسان في أفراده التفاوت الكثير، فمن أفراد الجنس البشري من هو أشجع وأجرأ من الأسد، ومن أفراد الجنس البشري من هو أشد جبنا من الصفرد، والذين فيهم الشجاعة هم متفاوتون، فمنهم من يكون طبعه كطبع الذئب، وكطبع النمر، ومنهم من يكون بخلاف ذلك،
(1) آيات الله تعالى في الإنسان، الشيخ الخليلي، 1/ 390 (2/89)
صفحة 440
من معالم الفكر التربوي
{9}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فبمجرد إصابته بضربة من قبل عدوه ينثني إلى الخلف ولا يملك قوة على
التقدم "
(1) "
يواصل سماحته حديثه في بيان هذا التفاوت فيقول:
أحط
"كذلك لو نظرنا في المواهب العقلية، فبعض الناس عقولهم تسع رحاب الفضاء، وبعضهم لا يكاد عقلهم يتجاوز - لو قيس- أن يكون كسم الخياط، ومن حيث الأخلاق أيضا هم متفاوتون تفاوتاً كبيراً، منهم من جعله الله سبحانه وتعالى مطبوعين بالخلق الحميد الفاضل، ومنهم من هم بخلاف ذلك منهم من هم كالملائكة في عليائها، أي يشبهون الملأ الأعلى ومنهم من هم من الفئران ومن الزواحف السامة، كذلك أيضا من ناحية التفكير بعضهم من يفكر في يومه ولا يفكر في مستقبله وبعضهم بخلاف ذلك، فهذا التفاوت لا يرجع إلى إرادة الإنسان نفسه إنما يرجع إلى موهبة الخالق الذي خلقه، فهو آية من آيات الخالق العظيم الذي وهب الناس هذه المواهب العظيمة، نجد أن أحد العلماء يتحدث عن تفاوت الناس فيقول: إن الناس بما طبعهم الله سبحانه وتعالى عليه هم متفاوتون، بحيث أن
بعضهم لا يكاد يسوي بعرة، وبعضهم يكون أرقى من الأفلاك الزاهرة " ويتحدث سماحته عن التفاوت بين الناس في الرحمة والتضحية في سبيل الآخرين وسائر الصفات البشرية، كما يتحدث في العديد من المواضع عن التفاوت في الطول والقصر وفي الألوان كذلك، فمنهم الأبيض ومنهم الأسمر وبين ذلك درجات من الألوان فضلا عن الاختلاف في الشكل والوجه وصورته، ولو فكر الإنسان ملياً في صفاته، وحاول مقارنتها بصفات الآخرين في محيطه ممن يعايشهم؛ لوجد تبايناً عظيماً، فمن الناس من هو
(1) آيات الله في الانسان، الشيخ الخليلي، 1/ 390
)) آيات الله في الإنسان 2/ 390 وانطر جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 3/ 10 (2/90)
صفحة 441
من معالم الفكر التربوي
{91}
عند الشيخ أحمد الخليلي مكفهر الوجه مقطب الجبين، لا يكاد يبتسم إلا لماماً، وكأنَّ ارتسام الابتسامة على ثغره أشق عليه من خروج روحه، ومنهم من لا تفارق الابتسامة محياه، ومنهم الحليم الصفوح الذي لا تكدر بحره الدلاء، ومنهم من لا تستطيع التحرش به حتى يهب في وجهك كالأسد الهصور، أو النار المشتعلة، مهما كان السبب تافهاً، ومنهم الذكي النبيه الفطن الدقيق في ملاحظته العميق في تفكيره، ومنهم البليد الأبله الذي لا يكاد يفهم.
تفاوت
والله في خلقه شؤون، ومن هذا التفاوت الذي يحير الألباب هو الأعمار، فمنهم من يعمر سنين عديدة، ومنهم من يموت بعد ولادته بساعات أو أيام، ذلك لأنَّ أمر الروح كما تقدم في يد مالك الملك سبحانه وتعالى، يقول سماحته " وأمر الروح لا تخضع لمقاييس البشر ولا لتجارب البش، والناس لا يستطيعون مهما أوتوا من علم ومن تجارب أن يحددوا حياة إنسان بعينه. هذا أمر تعجز عنه ملكات البشر؛ لأنَّ القدرة عليه إنَّما هي قدرة خالق القوى والقدر، الذي يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل، والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، والذي يدبر الأمر في السماء والأرض. فقد يوجد بيننا إنسان قوي الجسم، يتمتع بحيوية وشباب، وبكل ما يجعل الناس يظنون أنه سيعمر عمراً مديداً، ولا يفاجأ بأي سبب من أسباب الموت، ولكن فجأة يموت، وقد يوجد مريض يتقلب في فراشه دهراً طويلاً وزمناً مديداً، يعاني ما يعانيه والناس يظنون أنه لن يتجاوز بضع ساعات عندما ينظرون إلى حاله، ولكنه. يعمر عمراً مديداً، ومن أن أحد المشايخ الذين كانوا يعانون أمراضاً ثقيلة، وقد كان طاعناً في السن، وكان في أحد المستشفيات، وقد تعرض لأنواع متعددة من الأمراض، وتعرض لعمليات متعددة، وبينما كنت نائماً في ليلة من الليالي قبيل الفجر إذ سمعت جرس الهاتف، وأخذت الهاتف وكانت المكالمة من المستشفى،
أمثلة ذلك (2/91)
صفحة 442
من معالم الفكر التربوي
{92}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وأخبرت عنه بأنه الآن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولكن لم تمر فترة طويلة من الوقت حتى تماثل للشفاء بقدرة الله تعالى وعادت إليه صحته، وخرج من المستشفى، واستقبل شهر رمضان، وأخبرت عنه انه كان يؤم الناس في صلاة التهجد، ويقرأ في الليلة الواحدة جزءا من القرآن، في المقابل هناك شاب آخر قوي الجسم، وكان يمشي عشرات من الأميال على الأقدام من غير أن يشعر بأي تعب، ولا بأي ملل، وقبيل وفاته قطع على الأقدام مسافة حوالي ثلاثين كيلومترا من غير أن يشعر بأي تعب، ولكن وهو في ريعان نشاطه وفي أوج قوته، قال: أحس بطعنات في صدري وأريد أن أنام، فنام، ولما جيئ إليه بعد لحظات ليوقض من نومه إذا هو
ميت
(1) "
ومن المعلوم أن الله تعالى كرم هذا الإنسان تكريماً، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، ولكن بجانب هذا التكريم الإلهي لهذا الكائن البشري فإن الله ابتلاه بنقص ذاتي لئلا يذهب به الغرور أنه أوتي ما أوتي باستحقاقه ومن مظاهر هذا النقص الضعف الجسمي، فإن كل ما يصيبه يؤلمه أكثر من إيلام غيره من المخلوقات الحية، ومن مظاهر نقصه ضرورته إلى النظافة والزينة فهو دائما بحاجة إلى الماء للاستنجاء والاستحمام والى السواك وإزالة التفث عنه، فلو لم يستنج
ويستحم لنتن، ولو لم يستك لبخر، ولو لم يلق التفث عنه لتشوه " ومما يدعو إلى الاعتبار من مظاهر الضعف الإنساني حاجته الملحة إلى النوم وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) " وهو على أي حال لا يستطيع النوم واقفاً، فإن داعب النعاس عينه لا يملك إلا أن يهوي إلى الأرض، وينبطح مستلقياً على طوله
(1) آيات الله في الإنسان، الشيخ الخليلي، 2/ 390
)) خواهرا التفسير، الشيخ الخليلي، 9/ 3 (1) سورة الروم، الآية 23 (2/92)
صفحة 443
من معالم الفكر التربوي
{9}
عند الشيخ أحمد الخليلي
كأنه كومة من التراب، وحين ينهك جسمه الإرهاق والتعب يرتمي على فراشه أشل القوى، لا يستطيع حتى الدفاع عن نفسه، وما يلبث أن يغرق في نوم عميق أشبه ما يكون بالموت لا يدري بما يدور حوله، وقد تعطلت حواسه عن العمل، حتى إذا أخذ قسطاً من النوم، استيقظ كأنه بشر آخر من حيث النشاط والقوة والحيوية، فما الذي حدث في حالة النوم؟! ا إنك لتنظر مثلا - إلى جموع الحجيج في ليلة المبيت بمزدلفة فتراهم مبعثرين على الأرض وهم رقود، أين ذهبت قواكم؟ إنك أيها الإنسان في منتهى الضعف، فإن لم تنم اليوم فغدا وإلا فبعد غد، ولا أظنك تقوى على أكثر من ذلك في الحالات الطبيعية، وإلا أصبت بمرض عقلي يؤدي بك إلى الجنون.
فسبحان الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
حقا إنَّ " الإنسان عالم فسيح، بل هو عوالم، فطبيعته عالم، ونفسه عالم، وأفكاره عالم، ومشاعره عالم، وغرائزه عالم، وحواسه عالم، بل الروح التي هي من أمر ربي عالم "
ونكتفي بما تقدم من إشارات إلى بعض الآيات في خلق الإنسان بغية التدبر، واستشعار عظمة المولى جلت قدرته المؤدية إلى طاعته، فهناك كتب متخصصة في هذا الموضوع، ولا بأس أن نسرد بعض الآيات القرآنية هنا لتعين القاراء على التدبر، منها قوله سبحانه: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (3) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْن وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَينِ)
فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ
والترايب: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرٌ يَـ
)
السَّرَابِرُ فَمَا لَهُ
لَهُ.
قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ)
(r).
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 149/ 1
(2) سورة البلد، الآية 9
(3) سورة الطارق، الآية 7 (2/93)
صفحة 444
{94}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1) 4
من معالم الفكر التربوي وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا. ونحْنُ خَلَقْتَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (3) وَأَنتُمْ تَخلَقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَلِقُونَ (3) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ علَى أَن نَبَدِّلَ أَمَثَلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (3) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ"
2 - التفكر في المخلوقات المحيطة
وأعني بها ما يحيط بالإنسان في بيئته، وما أكثرها بل لا يقدر على حصرها إلا من خلقها، فهو أحاط بكل شيء علما، فما على الإنسان إلا التأمل "فإنَّ كل ذرة في الوجود هي حجة قاطعة على وجوده سبحانه، ودليل ساطع عل صفاته اللائقة بجلاله يقول سماحته: " ولا يخلو شيء في الوجود من آيات الله، فكل ذرة فيه منطوية على ما لا يحصى من الآيات الدالة على قدرة
() "
خالقها وعلمه وحكمته وهي كذلك " تنبئ بلسان حالها أنها مفتقرة إلى واجب الوجود لذاته، وأنها لا يمكن أن تقوم بنفسها، ولذلك يقول أحد علمائنا: " إن كل ذرة من ذرات الكون هي كلمة من كلمات الله ناطقة
بوجوده سبحانه، وما عداها فهو كالشرح لتلك الكلمة " ()
ثم يوجه سماحته إلى ضرورة التفكر فيقول: " لذا من الضروري أن يفكر هذا الإنسان في المخلوقات من حوله، أو يتدبر في إبداع هذا الكون
(1) سورة الفرقان، الآية 54
(2) سورة الواقعة الآيات 57 61
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 220/ 1
() السابق، 62/ 3
() سؤال أهل الذكر جمادى الثاني 1425 (2/94)
صفحة 445
من معالم الفكر التربوي
{90}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وعظمته، فيعرف ربه سبحانه وتعالى، وأنه خلقه ثم يميته، ثم يحييه حياة
أخرى
(1) "
ويقول سماحته: "وأول ما ينبغي أن نلتفت إليه من نعم الله التي لا تحصى ولا تسنقصي هذه الأرض التي نحيا عليها، وكيف مهدها الله لنا، وجعلها كالفراش، يقول سبحانه: {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ} " ويقول:
(T),
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
(2)
(3)
" فهي كالفراش من حيث أنهم يتقلبون عليها حسبما أرادوا، فعلى ظهرها يمشون ويقعدون وينامون ومن حكمته سبحانه لم يجعلها رخوة كالوحل والدقيق، ولا لطيفة كالماء والهواء، ولا صلبة كالصلد، بل جعلها مهيأة لراحة الإنسان كما يقتضيه حاله وقد أودع الله في هذه الأرضِ وسخر فيها كل ما تستلزمه حياة هذا الكائن البشري الكريم، ونجد أن الله سبحانه وتعالى يسر للإنسان ما كانت حاجته إليه أدعى بدون كلفة وبدون مشقة، فالإنسان أحوج ما يكون إلى النفس وهذا الأكسجين مهيأ له الجميع أحواله، يستنشقه في حركته وفي سكونه، وفي يقظته وفي نومه وفي راحته وفي تعبه وفي شدته وفي رخائه، وفي فرحه وفي حزنه، وفي جميع أحواله يستنشق هذا الأكسجين ليتغذى به ولينتعش به، فلو أن الله تعالى قطع عنه الأكسجين من الذي كان يأتي به؟ ومع ذلك لا يكلفه ذلك أي مأونة، ولا يكلفه ذلك أي مغرم فهو يستنشقه وهو نائم بحيث لا يشعر أبدا، وكذلك إذا جئنا إلى ما بعد ذلك، فالماء في الجسم بحاجة إليه، وحاجته أقل من حاجة الهواء، وقد جعل الله تعالى الماء ميسراً أكثر من الطعام، ولكن هو أقل يسرا من الهواء فهو ليس
((المدخل العام لدراسة العقيدة، الشيخ الخليلي، ص 23)) سورة الذاريات، الآية 48
(3) سورة الزخرف، الآية 10
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 421 (2/95)
صفحة 446
من معالم الفكر التربوي
{97}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
كالأكسجين في يسره فيحتاج إلى بعض العناء حتى يتناوله الإنسان، ثم يأتي بعد ذلك الطعام ثم يأتي بعد ذلك الدواء
ولكي تصلح الكرة الأرضية للعيش فيها فقد هيأ الله سبحانه وتعالى فيها كل مستلزمات الحياة واستمرارها فكل شيء فيها بقدر موزون، كما قال سبحانه وتعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ " ويقول: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
(r)
(4)
فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ولنستمع إلى سماحة الشيخ يشرح لنا كيف هيأ الله تعالى الأرض للإنسان لكي تكون صالحة للعيش فيها، وفي ذلك ذكرى للذاكرين، يقول: " لقد هيأ الله تعالى الأرض لأن تكون قراراً للإنسان، وزودها بكل ما تحتاج إليه من ضرورات الحياة وكمالياتها، وجهزها بما لم يجهز به غيرها من الأجرام من وسائل الحياة، والقرآن الكريم يفتح الأبصار على ذلك إذ يقول: {وَفي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ) (فحجم الأرض جعله الله بمقدار، ولو كانت أصغر من حجمها لانخفضت جاذبيتها، ولتعذرت الحياة عليها أو تعسرت، فإن الضغط الجوي عليها بطبيعة جاذبيتها المعهودة هو بمقدار خمسة عشر رطلا على كل بوصة، بحيث يحمل كل إنسان من الهواء اثنين وعشرين ألفا وثمانمائة وأربعين رطلا، وإنما لا يشعر بهذا الحمل لتعادل الضغط من كل جانب، فمثله كمثل السابح في عمق الماء لا يشعر بثقل الماء عليه، ولو كانت الأرض في ربع قطرها بحيث تكون في حجم القمر؛ لانخفضت جاذبيتها إلى سدس جاذبيتها الحالية وتعذر أن تمسك الماء والهواء من حولها، ولأدى ذلك إلى برودتها ليلا إلى حد التجمد، وحرارتها نهارا إلى حد الاحتراق، ولو كانت أكبر من حجمها لزاد الضغط بمقدار زيادتها، ولبلغ ضغط الهواء
(ا) سؤال أهل الذكر 27 رمضان 1424 هـ ...
)) سورة القمر، الآية 49
() سورة الفرقان، الآية 2
) سورة الذاريبات، الآية 20. (2/96)
صفحة 447
{97}
عند الشيخ أحمد الخليلي
معالم الفكر التربوي من زنة طن على كل بوصة، وتعذرت نشأة الأجسام ونموها، وامتنع وجود العقل في الإنسان، والقشرة الأرضية هي بمقدار أيضا، فلو كانت أسمك نحو عشرة أقدام لامتص ثاني أكسيد الكربون الأكسجين، وتعذر نمو النبات، وتعذرت بالتالي الحياة على الأرض، وعمق البحر فيها بمقدار كذلك، فلو كان أعمق ببضعة أقدام عما هو عليه لانجذب إليه الأكسجين، وتوقف النبات، وتعذرت الحياة، والبحر يغمر ثلاثة أرباع مساحة الأرض وهو بمقدار ما ينظفها من الأدران، والغلاف الهوائي يقدر بخمسمائة ميل يحيط بالكرة الرضية من جوانبها، وهو يتعادل الأرض، إذ لو
مع حجم
كانت أصغر من ذلك لارتفع الغلاف وتلاشى، وحلت الكارثة على الأرض ومن فيها وما فيها، فإنّ هذا الغلاف يحمي الأرض وما عليها من الشهب التي تتقاذف في هذا الفضاء، وتنطلق في سرعة رصاص بندقية بتسعين مرة، بحيث لو مرت على إنسان لكان مرورها وحده كافيا في إهلاكه لسرعتها وحرارتها الملتهبة، ونسبة الأكسجين في الأرض بمقدار، وهي إحدى وعشرون في المائة، ولو انخفضت إلى عشرة في المائة لتعذرت وسائل الحياة، فإن الإنسان في هذه الحالة تعوزه النار التي يطبخ بها طعامه، ولو ارتفعت إلى خمسين في المائة لأدى هذا الارتفاع إلى خطورة بالغة بحيث لو لمع برق لكفت شرارة منه تأتي على غابة بأسرها، ودوران الأرض حول نفسها بمقدار، فهي تدور بقدر ألف ميل في الساعة الواحدة، وبهذا يكون الليل والنهار في ظرف أربع وعشرين ساعة تستكمل فيها الأرض دورتها حول نفسها، ولو قلت هذه السرعة إلى قدر مائتي ميل في الساعة لطال الليل والنهار، ولاشتدت برودة الليل وحرارة النهار إلى حد ألا يطيقهما الإنسان. والمسافة بين الأرض والقمر بمقدار مائتين وأربعين ألف ميل، وذلك بقدر ما يحفظ توازن المياه في الأرض؛ لأنَّ للقمر تأثيرا في حركة الجزر والمد، فلو كان أبعد لغارت المياه، ولو كان أقرب لفاضت على الأرض، والمسافة بينها وبين الشمس بمقدار ثلاثة وتسعين مليوناً، ولو كانت أبعد من
ذلك (2/97)
صفحة 448
ينمي
{98}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي لتجمدت الأرض، ولو كانت أقرب لصهرتها بحرارتها التي لا تطاق، وما يصل إلى الأرض من الطاقة الشمسية جزء من مليوني جزء، وهو بمقدار ما النباتات ويزود الأجسام بالطاقة الحرارية، ولو زاد عن ذلك لاشتد لهيب الحرارة في الأجسام وتأثرت النباتات، ولو كان في مكان الشمس أحد النجوم الضخمة كالشعرى اليمانية، أو السماك الرامح، أو سهيل؛ لتبخرت الأرض، فإن الشعرى اليمانية أكبر من الشمس بعشرين ضعفاً وأقوى منها بخمسين مرة، والسماك الرامح أضخم منها بثمانين مرة، ونوره أقوى نورها بثمانية آلاف ضعف وسهيل أقوى منها بألفين وخمسمائة مرة، على أنّ من العلماء المحدثين من يثبت أن الشعرى أكبر من هذا القدر بأعداد هائلة وليس ذلك ببعيد " (1)
هناك
من
هكذا سخر الله لنا هذا الكوكب للحياة، فله الحمد و الشكر والمنة والثناء الحسن الجميل، وإذا تجاوزنا ذلك إلى الطعام والشراب وكيف يسره الله لنا لازداد يقيننا بعظم قدر نعم الله سبحانه وتعالى علينا، يقول سماحته: " من الضروري أن يفكر الإنسان في أمور حياته التي تعتبر من الضروريات بالنسبة إليه، ومن أهمها الطعام الذي جعله الله غذاء له، ثم لينظر الإنسان إلى هذا الطعام كم يتدرج حتى يصل إليه، ورُبّ طعام ينبت في أوروبا أو في أمريكا أو في أقصى الأرض ثم يصل إلى هذا الإنسان، بتدرج من يد إلى أخرى ومن بلد إلى آخر. سخر الله تعالى الوسائل والأسباب المختلفة ليصل إلى هذا الإنسان، وبعد وصوله أيضا سخرت له أسباب متنوعة حتى يكون هذا الطعام صالحا للأكل، يسد جوانب الحاجة في جسده؛ فيتغذى به وينمو، ويخلق الله منه أناسي كثيرة. هذه الأمور كلها داعية للاعتبار "
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 1/ 144 - 146
() المدخل العام إلى دراسة العقيدة الشيخ الخليلي، ص 23، وانظر العقيدة الصحيحة أهميتها وأثرها، الشيخ الخليلي، وسؤال أهل الذكر 27 رمضان 1424 هـ – 22/ 11 /2003 م (2/98)
صفحة 449
"1
{99}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي فنعم الله وآياته تحيط بالإنسان من كل جانب، حتى تلك الأشياء التي يتصور فيها مضرته، هي في حقيقة الأمر لمصلحته، ومثال ذلك: الجراثيم، يقول سماحته: فهذه الجراثيم هي في عداد المنافع، بعد أن كان الناس لا يتصورون منها نفعا، فقد استعين بها في كثير من ضرورات الحياة المعاصرة، كاستخدامها وقودا للآلات وإصلاحا للأغذية وحتى الثعابين ونحوها من المؤذيات إنما هي تذكر الإنسان بعذاب الله وأليم عقابه، فإنَّ في النار - والعياذ بالله - ألوانا من العذاب لا طاقة لأحد بها، وإذا كان لا يحتمل هذا الألم القليل فكيف به في نار جهنم؟! والعياذ بالله
(1)!!
أرحم حياة طلحت بوزرها في حمل ذر منه إيهان القوى
لو قرصتها ذرة تألمت
فكيف بالنار إلى غير مدى)
(2)
وهكذا يتقلب الإنسان في بحر نعم مولاه وسيده، فهل له أن يشكر ويعتبر؟ يقول سماحته: ولو أن نعمة من أبسط هذه النعم قوبلت بأعمال الناسك الأواب الذي وقف حياته كلها على عبادة ربه، ولم يترك شيئاً مما في وسعه من الطاعات إلا فعله ولا شيئا من المنهيات إلا جانبه، لذهبت تلك النعمة بهذه الأعمال كلها، فما بالك بهذا البحر الواسع من النعم.
(r)!!
يعصي
فالعجب كل العجب هذا المخلوق الضعيف المفتقر إلى الله، من ربه بنعمته التي أنعمها عليه!! ألا يعتبر بمن حوله ممن فقدوا الكثير مما خوله الله إياه وأسبغه عليه؟!
وجدير بالذكر أن سماحته نوّه إلى الكثير من النعم، وإلى ما يحيط بالإنسان من آيات الله سبحانه وتعالى كالمطر والريح، وقد رأيت أن أشير إلى بعضها مع حضور الصورة الحسية لتكون أدعى للتأثير والاعتبار، مبتدأ بقول
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 522
(1) ديوان أبي مسلم البهلاني () جواهر، الشيخ الخليلي، 2/ 462 (2/99)
صفحة 450
{+}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي سماحته: " على الإنسان وهو يعيش هذه الحياة ويشاهد هذه الآيات أن لا يكون مشغولا بقشرها عن البابها، بل عليه أن يتعمق بفكره فيدرك ما وراء هذه الأسرار، بحيث يدرك أن خالق هذا الوجود هو الذي اختص الإنسان بما اختصه به من المواهب، لأنه أراده أن يكون خليفة في هذه الأرض،
وأراده أن يكون سيدا في هذا الكون "
اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتْثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ)
() آيات الله في الإنسان 2/ 390 (2/100)
صفحة 451
من معالم الفكر التربوي
{11}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
{فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ مِّنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (2/101)
صفحة 452
من معالم الفكر التربوي
{12}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ألم ترَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ وَلَوْ شَاء جَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ
دليلا الفرقان
www.aliyadh.com
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَتِهِ إِنَّ فِي ذَالِكَ لَايَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (2/102)
صفحة 453
من
الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
أَمَن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خَلَلَهَا أَنْهَرًا
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَمَا طَرِيًّا * (2/103)
صفحة 454
من معالم الفكر التربوي
{104}
عند
د الشيخ أحمد الخليلى
وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يهْتَدُونَ) وفي يوم القيامة يقول سبحانه عن الجبال: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ا، ويقول سبحانه: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ)
وَالنَّخْلَ بَاسِقَتِهَا طَلْعُ نَضِيدٌ) (2/104)
صفحة 455
من معالم الفكر التربوي
{1.0}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}
(1)
التفكر في الكون):
كما دعا سماحته إلى التفكر في الأنفس وما يحيط بها من الكائنات فإنه يحث الناس على أن يفتحوا أبصارهم على ما في هذا الكون الرحب الواسع من الآيات الشاهدة على عظمته جل في علاه، يقول سماحته: " الكون كله لاعتبار الإنسان فإن كل ذرة من ذرات الكون فيها دلائل شتى على وجود الله ودلائل متعددة على عظمته وقدرته وجلاله وعلمه، فإن كل الكائنات تدل على الله تبارك وتعالى وصفاته من خلال إن الإنسان يرى أن كل ما في الكون مصنوع حادث كان بعد أن لم يكن
مسرح
(1) ft
(1) الأرقام الواردة للمقايس هنا مقيدة بزمن كتابتها، أما الآن فقد توسعت الاكتشافات وتطورت الأجهزة فتغيرت بعض الأرقام، ومن شاء المزيد من الدقة فليرجع إلى كتاب سماحته) برهان الحق، ص 225 - 238)) سؤال أهل الذكر 15 / ربيع الأول 1425 هـ 25/ 2004/4 م وانظر حلقة 1 / رجب / 1423 هـ - 9/ 8/ 2002 م) و العقل نور إلهي 208/ج/ (2/105)
صفحة 456
{1.7}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي وبعد هذه الدعوة المتكررة من سماحته، فإنه يبين لنا الثروة الروحية الطائلة التي يجنيها الإنسان من حلال هذا التفكر في صفحات الكون، يقول
6
: " إن الإنسان هو جزء من الموجودات في هذا الكون يربطه به رباط وثيق. لأنه في الحقيقة المحور الذي تدور عليه رحاه، والكون كله صفحات مهيأة لدراسة الإنسان، كل سطر من سطورها حافل بما لا يحصى عددا من آيات الله الشاهدة على وجوده الناطقة بتسبيحه وحمده، فلا يكاد اللبيب الموفق يفتح عينيه على شيء يتلوه من هذه السطور حتى يمتلئ قلبه إيماناً بمبدع الكون، الذي تسبح بحمده كل ذرة في هذا الوجود، وتسجد خاضعة لجلاله وكبريائه، فلا يجد اللبيب الموفق مناصاً من التجاوب مع ذرات الكون في تسبيحها، والتفاعل معها في سجودها الله وانقيادها لأمره ")
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 136/ 1 (2/106)
صفحة 457
{17}
(1) "
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي ويلفت سماحته النظر إلى بعض هذه الآيات الكثيرة، فأول ما يرفع رأسه إلى الأعلى يرى السماء التي " تعتقد العامة أنها جسم أزرق مبنى كالقبة، وما هي إلا فضاء واسع يسبح في عبابه ما لا يحصي من الأجرام الفلكية وهذا لا ينافي كونها طبقات لما عرف من أنَّ الفضاء يتكون من طبقات، وقد ربط الله بين أجرامها بسنة الجاذبية التي هي أشبه بوضع لبنة على لبنة في البناء ... وبجانب ذلك فإن الغلاف الهوائي المحيط بالكرة الأرضية أشبه ما يكون بالسقف المبني الواقي، فالشهب التي تتقاذفها في أرجاء الفضاء لا تكاد تصلنا بسبب هذا الحاجز "الطبيعي وليعتبر بهذا التناسق والترابط والتشاد ما بين أجزاء هذا الكون، ذراته ومجراته هناك تناسق عجيب لا نشاز ولا، اضطراب، ولا اختلاف ولا تصادم حتى بين مكونات الذرة التي تتكون منها العناصر فالأجزاء، وصولاً إلى الأجرام العملاقة "فالذرة مثلا بتراكيبها بحيث إن فيها نواة وفيها الكترونات تدور من حولها وفيها من النيوترونات وغيرها ما هو مقدر تقديرا عجيبا، ذلك كله شاهد على أنَّ الله تبارك وتعالى هو الذي أوجد هذه الذرة وهو الذي خلقها، فهي معربة بلسان حالها عن افتقارها إلى واجب الوجود لذاته سبحانه وتعالى الذي تجلى في كل موجود وجوده وغمر الكون کله شهوده (2)
?
وعندما ينظر الإنسان أيضا إلى ما فوق هذه الذرات، عندما ينظر إلى العناصر وكيف تتكون من هذه الذرات وكيف تلتئم وتتحد بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وعندما ينظر بعد ذلك إلى المركبات، وينظر إلى الأجسام وينظر إلى الأجرام الفلكية وغيرها يأخذه العجب، ويرى كيف الرباط الذي يربط ما بين هذا الكون المترامي الأطراف، الواسع الأرجاء، بحيث
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 421 (2) سيأتي الحديث عن الذرة لاحقا
أَنَّه
مع (2/107)
صفحة 458
من
معالم
الفكر التربوي
{1+^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
هذه السعة التي تفوت مدارك البشر لا يخرج عن كونه وحدة متكاملة، كل جزء منه مكمل لبقية الأجزاء، وفي ذلك دلالة واضحة على وحدانية الله
المجموعة،
(2)
تعالى، لأن وحدة نظام الكون دليل على أنه صادر عن مكون واحد) ويبن سماحته بياناً مفصلاً قدرة الله تعالى وحكمته في تدبير أمر هذا الكون، فيقول:" وإذا تجاوزنا حدود الأرض قليلا إلى أخواتها، ككواكب المجموعة الشمسية، نجد التناسق بينها مرتبطاً بمقادير أحجامها ودورانها وطبائعها، فلكل منها حجمه الخاص ودورانه المقدر، وتأثيره الدقيق في هذه تسعة وهي مع الأرض تدور حول أمها الشمس ومعهن واحد وثلاثون قمرا توابع لهن، وثلاثون ألفا من النجيمات، وآلاف من ذوات الأذناب، وأعداد هائلة من الشهب والشمس ليست بينهن ثابتة بل هي تجري كما أخبر الله تعالى بقوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَا ذَالِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} " ويقدر دورانها حول نفسها بستمائة ألف ميل في الساعة الواحدة وكل هذه الأجرام تابعة لها في هذا الدوران، ولها دوران آخر مع كل توابعها على الحاشية الخارجية للمجرة، وهي تبتعد عن هذه الحاشية بسرعة اثني عشر ميلا في كل ثانية، وما هذه المجموعة الشمسية إلا واحدة من الملايين التي لا تحصى من المجموعات التي تنتسب إلى نفس هذه المجرة التي تقع في مجموعتنا الشمسية، وقطر هذه المجرة يقدر بمائة ألف سنة ضوئية، والسنة الضوئية تقدر بستمائة مليون مليون من الأميال، لأنَّ الضوء يقطع في الثانية الواحدة مائة ألف ميل وستة وثمانين ألف وثلاثمائة ميل (أي ثلاثمائة ألف كيلو متر) والمسافة بين الأرض والشمس سبع دقائق بسرعة الضوء، ويمكن أن يدور الضوء على الكرة الأرضية في الحدود الاستوائية سبع مرات في الثانية الواحدة، والأرض تبعد عن مركز هذه المجرة بثلاثين
(1) سؤال أهل الذكر، ربيع الأول 1425 هـ، 2004/ 4/25 م (1) سورة يس، الآية 38 (2/108)
صفحة 459
{1.9}
معالم الفكر التربوي من عند الشيخ أحمد الخليلي ألف سنة ضوئية، وما هذه أيضا إلا مجموعة من أعداد هائلة من المجرات يقدر الفلكيون ما اكتشفوه منها خمسمائة مليون مضروبة في 10001000 500000000" من الملايين، ويقدر بالتعادل النسبي ما في كل مجرة من النجوم مائة مليار) ولا تنس أن كل ما في هذه المجرات مقدر تقديراً دقيقاً بحيث لو وقع أي خلل في شيء منها لأدى إلى اختلال التوازن العام للأجرام الفلكية فينتج عن ذلك تهاويها وسقوط بعضها على بعض؛ فيؤدي إلى تلاشي الكون وهلاك ما فيه، وذلك ما وعدنا به في الكتاب عند قيام الساعة، فالله تعالى يقول: {إِذَا السَّمَاءُ أَنفَطَرَتْ) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَتَرَتْ " وفي هاتين الآيتين إشارة واضحة إلى سنة الجاذبية التي تربط بين هذه الأجرام وهي من إعجاز القرآن، ودلائل صدق النبوة، فإن الناس في ذلك العهد ما كانوا يتصورون الجاذبية ولا يخطر ببالهم نظامها الذي يربط بين الأجرام الفلكية، وهذه الدقة في مقادير الأشياء في هذا الكون هـ هي التي جعلها الله عاملا في حفظ نظامه وأداء كل جزء منه مهمته، وهي واضحة في
(T)
كل دقيق وجليل من طبيعة هذا الوجود من الذرة إلى المجرة، فالمجرات على كثرتها الهائلة يوجد بينها هذا التقدير الدقيق في كل شيء منها، فلو فكرنا في أبعد المجرات عنا لوجدناها مرتبطة بمجرتنا التي تنتسب إليها مجموعتنا الشمسية بحسب ما أودع الله سبحانه وتعالى في كل منها من طبائع خاصة كانت العامل المهم في التلاؤم بينها، حتى أصبح هذا الكون الفسيح وحدة متكاملة يشد بعضه بعضا، ويكمل كل جزء منه غيره، ومع أنَّ علماء الفلك يختلفون في تقدير أبعاد المجرات بحسب ما يتسنى لهم من الاكتشافات
() يقول سماحته في كتابه " برهان الحق" إن أقرب مجموعة من النجوم وهي التي نراها في الليل كخيوط بيضاء دقيقة، تضم حيزا مداه مائة ألف سنة ضوئية، ونحن سكان الأرض - نبعد عن مركز هذه المجموعة بمقدار ثلاثين ألف سنة ضوئية، وهذه المجموعة جزء من مجموعة كبيرة تتألف من سبع عشرة مجموعة قطرها مليونان من السنين الضوئية " (
برهان الحق، 230/ 1)
(1) سورة الانفطار، الآيتان 1 - 2 (2/109)
صفحة 460
من معالم الفكر التربوي
(1)
{11}
عند الشيخ أحمد الخليلي العلمية، فإنهم متفقون على وجود هذا الترابط الدقيق، وأذكر أنني منذ عشر سنين قرأت كتاباً عن الكون وجدت فيه أن أبعد مجرة يقدر بعدها عن الأرض بخمسمائة مليون سنة ضوئية وما لبثت إلا قليلا حتى اطلعت في مجلة (العربي) على مقال للدكتور أحمد زكي في المقاييس جاء فيه أن أبعد مجرة عن الأرض قد اكتشفت بأكبر منظار، بينها وبين الأرض نحو ألفي مليون من السنين الضوئية، ولم ألبث بعد ذلك إلا بضعة شهور حتى اطلعت على بحث آخر لأحد العلماء المتخصصين جاء فيه: أن أبعد مجرة تبعد عن الأرض بخمسة آلاف مليون سنة ضوئية، وفي هذا ما يدل دلالة واضحة أن البشر لم يكتشفوا من هذا الكون إلا زاوية صغيرة (وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً * () وهناك نظرية يكاد علماء الكون يطبقون عليها وهي تمدده المستمر، بحيث لو قدر هذا الكون أن يبقى ألف وثلاثمائة مليون عام لصار ضعف ما هو عليه الآن، وما يدرينا إن كانت هذه النظرية صادقة أن تكون الإشارة إليها في قول الحق سبحانه (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} "
(4)
وإذا كنا نقف حائرين عندما ندرك الدقة في الأجرام الفلكية الهائلة بحث يكون كل واحد منها مقدرا في حجمه ووزنه وطبعه ودورانه وطاقته والمسافة التي تفصل بينه وبين غيره، فإن الأمر يكاد يكون أعجب عندما ندرك أن هذه الدقة توجد في أدق ما يعرفه الناس وهو الذرة، فإن الذرات لها نفس السنة الكونية التي هي في الأجرام الفلكية وحسبنا أن نعرف أن النظام الشمسي في المجموعة الشمسية هو نفسه نظام هذه الذرة المهينة التي لا تكاد تبصر حتى بأشعة المجهر، فإن الالكترونات تدور على نواة الذرة دوراناً هائلا يقدر بملايين المرات في الثانية الواحدة، وكل ما في هذه الذرات
(1) أي من زمن تحرير هذه السطور في كتابه جواهر التفسير
)) سورة الإسراء، الآية 85
)) سورة الذاريات، الآية 47 (2/110)
صفحة 461
من معالم الفكر التربوي
7
عند الشيخ أحمد الخليلي
صورة للذرة ودوران الألكترونات حول النواة
الدقيقة من بروتونات ونيوترونات والكترونات مقدراً تقديراً بحيث لو زاد شيء أو نقص لأدى إلى الخلل في نظامها، والخلل الذي يكون في الذرة يؤثر على غيرها فالأرض مثلا بكل ما فيها من نبات وإنسان وحيوان وهواء تتكون من عناصر هي نحو المائة أخفها الهيدروجين وأثقلها اليورانيوم، والعناصر تنقسم إلى جزيئات، والجزيئات تنقسم إلى ذرات، وزنة جرام واحد من ذرات اليورانيوم تقدر بألفي مليون مليون مليون من الذرات، فما بالك بالهيدروجين الذي هو أخفها، وإنك لتمتلكك الدهشة ويستولي عليك الاستغراب إذا علمت أن عناصر كل مركب مقدرة تقديرا، وجزيئات كل عنصر فيه محدودة بحيث لا تزيد ولا تنقص، وذرات كل جزيء بمقدار، ولو كانت ثم زيادة أو نقص لكانت سببا للخلل، فسبحان من خلق كل شيء فقدره تقديرا "
ويمكن الإشارة هنا إلى بعض الآيات الكونية التي تدعو إلى الاعتبار والخضوع لمن بيده الخلق والأمر، والحكم والقهر مبتدأ ومتهبأ يقول سماحته: " وما على الإنسان - وما هو إلا جزء من هذا الكون - إلا أن يقرأ في
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 146/ 1 - 147 (2/111)
صفحة 462
من معالم الفكر التربوي
{112}
عند
الشيخ أحمد الخليـ
صفحات هذا الوجود آيات الله الناطقة بإحاطة علمه، وبسعة قدرته، وعظم شأنه، وجلال سلطانه، لا إله إلا هو خالق كل شيء، وبيده ملكوت كل شي ء، منه المبدأ وإليه الرجعي، وله الحمد في الآخرة والأولى"
(1) 11
إن في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تجرى في الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَنحَ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَايَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
لَقَدِرُونَ
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَابِقَ وَمَا كُنَّا عَن الْخَلْقِ غَفِلِينَ (3) وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابِ بِهِ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ، جَنَّتِ مِن بِخَيْلِ وَأَعْنَبِ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةٌ: شَجَرَة تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبَتَ بِالدُّهْنِ وَصِبْعَ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ لَكُمْ فِي الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً نَسْقِيكُم مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مُتَنفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) "
(r)
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَّا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اليلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الريح بشرا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا () لِنَحْى بِهِ بَلدَةً مِّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِي كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذْكُرُوا فَأَتَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا).
(1)
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 536 (2) سورة البقرة، الآية 164
(3) سورة المؤمنون، الآيات 17 – 22
(4) سورة الفرقان، الآيات 45 - 49 (2/112)
صفحة 463
من معالم الفكر التربوي
{13}
عند الشيخ أحمد
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّبِيرًا) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَرَ أَوْ أَرَادَ
شُكُورًا أَفَرَءَ يْتُم مَّا تَحْرُثُونَ) وَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْتَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ((إِنَّا لَمُعْرَمُونَ: بَلْ نَحْنُ (3) مَحرُومُونَ) أَفَرَءَ يَتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (3) وَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (3) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْتَهُ أَجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (2) أَفَرَءَ يَتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (3) وَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَنعًا لِلْمُقْوِينَ () فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا (3) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (وَخَلَقْتَكُمْ أَزْوَجًا) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا (3) وَجَعَلْنَا الَّيلَ لِبَاسًا (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا: وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً تَجَاجًا (ع) لِنُخرجَ بِهِ، حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّتٍ أَلْفَافًا) "
(2)
(T)
فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ: أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) ثُمَّ شَقَقْنَا) الْأَرْضَ شَفَا (ج) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبَّا (ج) وَعِنَبا وَقَضْبًا (3) وَزَيْتُونَا وَتَخَلاً)
وَحَدَابِقَ غُلُبا) وَفَكَهَةً وَأَنَّا مَّتَنعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ).
)
(1)
(1) سورة الفرقان، الآيتان 61،62 (2) سورة الواقعة الآيات 63 74 (3) سورة النبأ، الآيات 6 - 16 (4) سورة عبس، الآيات 24 32 (2/113)
صفحة 464
من معالم الفكر التربوي
{118}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ب التفكر في حوادث الدهر ونوائبه:
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيل كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
(1)
يُؤْمِنُونَ)
إن التفكر في صروف الدهر، ونوائب الزمان، على مر العصور فيه عبرة وأي عبرة لكل ذي قلب؟! وهو أسلوب تربوي رفيع في شحذ الهمة، وإيقاد العزيمة في السير على المنهج الرباني لتوقي الشرور والمصير المظلم لكل من حاد عن ذلك النهج السوي، وفيه جني الثمار الروحانية اليانعة التي تدفع بالإنسان إلى السير الحثيث في تحقيق مرضاة رب العالمين، وذلك بالاستمساك بحبله المتين، والاهتداء بنوره المبين. إنَّ سماحة الشيخ - حفظه الله - كثيراً ما يرشد الناس في دروسه وخطبه ومحاضراته إلى هذا المنهج التربوي الرائع، بل كثيرا ما يرد ذلك مقرونا بالعبر في مجلسه وهو يحدث جلساءه بذلك، حيث يعد سماحته موسوعة تأريخية ضخمة - وقد جهل ذلك الكثير من الناس - تحوي من قصص البشر وسيرهم وتأريخهم الشيء الكثير، مما لا نجده في بطون الكتب، بل لم تسجله الأقلام
إذ الكثير منه غير مدون أصلا.
ويمكن تقسيم الحوادث التأريخية قسمين:
أ- قصص الماضيين الغابرين
ب - الحوادث المعاصرة
(1) سورة يوسف، الآية 0111 (2/114)
صفحة 465
من معالم الفكر التربوي
{110}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
أ- قصص الماضيين الغابرين
(T)
(1)
يقول سماحته: " إنَّ في مصائر القرون الغابرين لعبرة للمعتبرين إن في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن تَخْشَى و القرآن الكريم يشد انتباه الإنسان إلى ذلك في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن تَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَر تجرى مِن تَحتِهِمْ فَأَهْلَكنهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا اخَرِينَ) فكم من قرون مُكّن لها في الأرض أعظم التمكين، واستخلفها الله سبحانه وتعالى في الأرض لينظر عملها، فعمرت الأرض أكثر مما عُمرت الآن، وكانت لها السيادة، وكان لها طول العمر، ولكن الله سبحانه وتعالى أخذها بذنوبها، فأصبحت عبرة للمعتبرين يقول سبحانه: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَوَاثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن
واق
(3 () 4)
ويقول سماحته في موضوع آخر:
" ففي مصير القوم الذين ظلموا أنفسهم وانقلبت عاقبتهم إلى السوء عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين، فكم من أحد منهم كان يخيل إليه أنه، ينطح السماء بقرنيه، ويطأ الجوزاء بنعليه، وإذا به ينقلب إلى مصير فيه عبرة للمعتبرين {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبَرَةُ لِمَن تَتَخشَى)، كما كان لفرعون وقارون وهامان وغيرهم من الأمم التي بادت وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب
)) سورة النازعات، الآية 26
() سورة الأنعام، الآية 6
() سورة غافر، الآية 21
() وحي المنابر،، الشيخ الخليلي، 9/ 1
() سورة النازعات، الآية 26 (2/115)
صفحة 466
{117}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي الأيكة، كل هؤلاء في مصيرهم عبرة للمعتبرين والله تبارك وتعالى يدعو الناس إلى الاعتبار بمصير القوم الظالمين في القرآن الكريم: {أَلَمْ يَرَوْا كَمَ أهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مكنتهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ يُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَرَ تَجرى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ}) فإذا عندما يقرأ الإنسان قصص الأمم الماضية عليه أن يعتبر، وأن يقف وقفة المشاهد لمصيرهم ومنقلبهم وما كانوا
عليه
(T)!!
(1)
ويقول سماحته: " وما أحق هذه الأمة التي أنزل عليها القرآن وأكرمت بخاتم رسل الله عليه أفضل الصلاة والسلام أن تعتبر، وهي تتلو كتاب ربها بكل ما جرى على الأمم من قبلها في حال برها وفجورها، وشكرانها وكفرانها، واجتماعها وتشتتها، فإن سنن الله لا تتبدل {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تبديلا.
(1) 3)
ونضرب بعض الأمثلة من قصص الماضيين مما يحصل بتذكره الاعتبار، ثم نعرج على شيئ مما أشار إليه سماحته، مما يشعر الإنسان بقوة الله
وقهره لكل حي، وقدرته على كل شيء.
قوم نوح عليه السلام
هؤلاء قوم نوح عليه السلام - لبث فيهم نبيهم نوح يدعوهم إلى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما، فكذبوه وسخروا منه، فأمره الله ببناء السفينة وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَةٌ مِّن قَوْمِهِ، سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا
(1) سورة الأنعام، الآية 6
-
(3) سؤال أهل الذكر 19 جمادى الاول \ 51425 - 27\ 6\2004 م
)) سورة الاحزاب، الآية 1
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 286/ 3 (2/116)
صفحة 467
من معالم الفكر التربوي
{117}
(1)
عند الشيخ أحمد الخليلي
فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}. فأذن الله بهلاك قومه بمن فيهم امرأته وابنه، وكان من آيات الله أن يفور الماء من التنور الذي تتوهج فيه النار حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا أَحْمِلْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ " وركبوا السفينة وَهِي تجرى بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ أَبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَنبُنَيَّ أَرْكَبِ مَعَنَا وَلَا تَكُن مَعَ الْكَفِرِينَ) قَالَ سَاوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) وَقِيلَ يَتَأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَسْمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيَ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّلِمِينَ (3) فانظر هداني الله وإياك إلى التصوير الإلهي
المحكم في قوله تعالى فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ
انظر إلى هذا المشهد لأمواج عاتية كالجبال فعلا؟ كيف يكون حال الإنسان فيها؟
(1) سورة هود، الآية 38
() سورة هود، الآية. 4
() سورة هود، الآية 44 (2/117)
صفحة 468
من معالم الفكر التربوي
{11^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فهل تتصور المشهد الرهيب أمواج عاتية كالجبال، والأرض تمور بالماء؟ هل تسمع صخب الموج وهديره؟ وتلاطم بعضه ببعض وهو بارتفاع الجبال الشامخة؟ ماذا سيكون حال الظالمين في هذه التيارات المائية العاتية؟! ألا تسمع الصريخ والعويل والبكاء؟ ألا تشاهد التسابق نحو قمم الجبال؟ الكل يطلب النجاة لنفسه في حالة قصوى من الذعر والهلع والارتباك، وقد أحاط بهم الموت من كل مكان، ألا تراهم لا يلوي والد على ولده، ولا أم على رضيعها؟ ولكن إلى أين الهروب؟ إلى أين الفرار؟ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم؟ لا اله إلا أنت يا ذا العزة والقهر والجبروت.
وانظر رحمني الله وإياك إلى قول رب العزة: {وَقِيلَ يَتَأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَسمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ}
انظر إلى كمال القدرة وعظيم القهر لكل شيء، ثم تتوجه الإرادة الإلهية النافذة إلى السماء والأرض وهما في صلابتهما وضخامتهما، لقد جاء الأمر الإلهي إلى السماء أن تقلع والى الأرض بأن تبلع الماء، ويسرعان في الإمتثال لأمر خالقهما سبحانه وتعالى، ألا تتذكر قوله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَا أَتَيْنَا
طابعين):)
نعم كل شيء في الوجود خاضع له، يسبح بحمده، إلا أنت أيها الإنسان الضعيف تؤثر الانضمام إلى صف الشيطان في إعلان تمرده على الأمر الإلهي، وكل ذرة فيك تسبح بحمده، ولكن لا تفقه تسبيحها، أما لك في ذلك معتبر وعظة؟ ألا تسمع قول الحق يصح أذنيك {بُعْدًا لِلْقَوْمِ لَظَّالِمِينَ "
)) سورة فصلت، الآية 11
(1) سورة هود، الآية 44 (2/118)
صفحة 469
معالم الفكر التربوي من
{119}
عند الشيخ أحمد الخليلي
- قصة عاد قوم هود عليه السلام:
رو
كانت عاد تسكن في الأحقاف كما ذكر القرآن الكريم، وكانت على قدر عظيم من القوة أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ تُخَلَقَ مِثْلُها في البلاد " وقد أنعم الله عليها بصنوف النعم من الجنات والأنهار، فأخلدوا إلى الكفر، فأرسل الله تعالى إليهم هودا عليه السلام * وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} " فاذا كان جواب قومه على هذه الدعوة المباركة ومحاولة العودة بهم إلى الصراط المستقيم قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَتَرَنكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ: قَالَ يَنقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِي رَسُولٌ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ أَبْلَغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحُ أَمِينُ} " فأخذ يذكرهم بنعم الله عليهم، مبديا خوفه الشديد أن يحل بهم عذاب من الله تعالى، قائلاً لهم إنّي لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (وَمَا، أَسْتَلَكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِى إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع وَايَةً تَعْبَثُونَ) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلِدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم (بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (3) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (3) أَمَدَّكُم بِأَنْعمٍ وَبَنِينَ (= وَجَنَّتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ
الواعظين (= إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ (= وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ}
(3)
لقد أصروا على ما هم عليه من الكفر، وتصامموا عن الآيات والنذر، حتى جاء أمر الله عز وجل بإهلاكهم كيف يا ترى كان إهلاكهم؟ وما
(1) سورة الفجر، الآية 7
() الأحقاف، الآية 21
() سورة الأعراف، الآيات 66 - 68
() سورة الشعراء، الآية 128 (2/119)
صفحة 470
من
معالم الفكر التربوي
{12}
(1)
عند
الشيخ أحماد
العذاب الذي نزل بساحتهم؟ يقول تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ فَوَةً وَكَانُوا بِنَايَتِنَا تَجْحَدُونَ (3) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا في أَيَّامٍ نَحِسَاتِ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أُخْرَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) «. لقد رأوا العذاب فحسبوه الغيث الذي سينهمر مخصبا بلادهم كلا إنه العَذَابِ {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، رِيحٌ فِيهَا عَذَابُ مركل بأمرتها فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسكُهُمْ كَذَلِكَ جزى الْقَوْمَ الـ مَ الْمُجْرِمِينَ * وَلَقَدْ مَكَنَّهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَا أَفْئِدَهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا تَجْحَدُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} ولربما تساعدك على تصور هذا العارض المقبل هذه الصورة لأحد الأعاصير
الشديدة.
!
(1)
صورة لإعصار شديد فانظر إلى الظلمة الشديدة واقتراب السحب من الأرض ودورانها
)) سورة فصلت الآية 16
() سورة الأحقاف، الآية 24 (2/120)
صفحة 471
من معالم الفكر التربوي
{121}
عند
- الشيخ أحمد الخليلي
نعم هبت الريح الشديدة العاتية بأمر ربها سبع ليال وثمانية أيام متتابعة، فما أتت على شي إلا جعلته حطاماً، مفتتاً كالرميم، إنك لتتخيل المشهد المرعب، الدمار الكامل، الحطام، الجثث المبعثرة كأنها أعجاز نخل خاوية، أين القوة والغطرسة؟ أين القصور والدور؟ أين بطش الجبارين؟! لمن الملك اليوم؟ ومن بيده الأمر كله؟ لله الواحد القهار. وينجي الله بقدرته المؤمنين وحدهم {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنجَيْنَهُم مِنْ عَذَابِ عَلِيظٍ} " ويسكت القرآن عن الحديث عن كيفية نجاة هود ومن معه من المؤمنين، فالله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، وها نحن نرى في عصرنا الحاضر كيف فعلت أمواج سونامي بأندونيسيا وكيف ثبتت المساجد، بينما حل الدمار بكل ما حولها.
نبي
الله
(1)
() سورة هود، الآية 58
182
صورة لمسجد أبقاه الله بعد أمواج سونامي بأندونيسيا (2/121)
صفحة 472
من معالم الفكر التربوي
{122}
- قصة ثمود قوم صالح عليه السلام:
عند الشيخ أحمد الخليلي
جاءت ثمود بعد عاد، وكانت تتقلب في النعيم العظيم مع ما آتاها الله من القوة، لكنهم كفروا وكذبوا رسولهم صالح عليه السلام، يقول سبحانه كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (إِذْ قَالَ هُمْ أَخُوهُمْ صَلِحُ أَلَا تَتَّقُونَ رَ إِلَى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (3) وَمَا أَسْتَلَكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أخرى إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ) أَتُتَرَكُونَ فِي مَا هَنهُنَا وَامِنِينَ الله في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (3) وَتَنْحِتُونَ مِن الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ (3) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُون (ج) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ " وأخذ رسولهم يعظهم
(1)
الله
ويذكرهم بمصارع عاد الذين ظلموا أنفسهم، ويبعث فيه استشعار نعم عليهم قائلا لهم {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا الَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ " ولكنهم تعنتوا، و أبوا طاعته، واستحبوا العمى على الهدي كما وصفهم رب العزة {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الهُدَى) وطالبوا صالحا عليه السلام بمعجزة تثبت صدق دعواه أنه مرسل من عند الله {قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَرِينَ (مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ مَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ) فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (" وبسبب طغيانهم اعتدوا على الناقة فعقروها؛ فحذرهم نبيهم صالح عليه السلام من مغبة فعلهم و وطالبهم بالتوبة والاستغفار وإلا نزل عليهم العذاب فعتوا وطغوا وطالبوه بنزول العذاب سريعا إن كان من الصادقين (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
)) سورة الشعراء، الآية 141)) سورة الأعراف، الآية 74)) سورة الشعراء، الآية 183
د) (2/122)
صفحة 473
معالم الفكر التربوي من
{13}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وَقَالُوا يَنصَلِحُ انْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فكان من جوابه هم: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. وبعد تلك المهمة أرسل الله إليهم جنديا من جنوده، إنها الصاعقة فأخذتهم الصَّعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ}، {فَأَصْبَحُوا فِي دِيرِهِمْ جَثِمِينَ
(3)
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ.
صورة لصاعقة برقية وقانا الله شر الصواعق
وَيُرْسِل الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِمَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ تُجدِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ بِمَا مَن في الله
شَدِيدُ الْمِحَالِ
ويكفى للاعتبار ما نسمعه من صوت هائل مرعب لأصوات الصواعق البسيطة في أيامنا هذه حال هطول الأمطار، بما يخلع القلوب من مستقرها، فلله الأمر، فكيف بقوة هذه الصاعقة؟ وكيف بتلك القعقعة المرعبة جداً
)) سورة الأعراف، الآية 77
(1) سورة هود، الآية 65)) سورة الذاريات، الآية 44
(1) سورة هود، الآيتان 68،67 (2/123)
صفحة 474
من معالم الفكر التربوي
{124}
عند الشيخ أحمد الخليلي
التي هلك بها قوم صالح بأكملهم إلا من شاء الله من المؤمنين؟ سبحانك آمنت بك تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد، وأنت على كل شي قدير
- قصة قارون
لقد كان قارون من قوم موسى عليه السلام، وكان رجلا غنيا ذا ثراء فاحش عظيم، مما دفعه إلى كفران نعمة الله عليه، وقال إنَّما أوتيته على علم، وكذب نبي الله موسى وقال عنه: ساحر كذاب، ونصحه قومه نصحاً كثيراً، فلم يصخ سمعه لشيء من ذلك أبداً، إنَّه الكبر والطغيان، وهكذا شأن الإنسان. كَلَّا إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْغَى (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى إلا من رحم ربي
سبحانه.
ج
(1)
لقد قصَّ الله لنا خبره فقال (إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى فَبَغَى وَاتَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أَوْلِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا وَاتَنكَ اللَّهُ) الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنَ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْتَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (3) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِي زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا يَنلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا وَلَا يُلَقَّتَهَا إِلَّا الصَّبِرُونَ (3) خَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَـ وَاصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْس يَقُولُونَ وَيَكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مِّنَ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيُكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ
() سورة العلق، الآيتان 7،6
من (2/124)
صفحة 475
من معالم الفكر التربوي
{125}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الْكَفِرُونَ (1) نعم لقد خرج قارون في زينته مزهواً مغروراً، ناسياً أو متناسياً فضل الله عليه كافراً، بأنعمه، فخلب الأبصار، واستهوى القلوب، ولكن ممن كان ذلك؟ كان من أولئك السذج البسطاء الذين يريدون الحياة الدنيا، ويلهثون وراء زخرفها و بهارجها الزائفة وفي تلك اللحظة لحظة النشوة والاغترار، لحظة الزهو والافتخار، لحظة الاستعلاء والاستكبار، يأتي الأمر الإلهي بنزول العذاب، وحلول النقمة من العلي الأعلى، فخسف الله به وبداره الأرض يا للهول ويا لفظاعة المشهد اين قارون المزهو المغرور؟ أين ثروته وكنوزه؟ لقد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، ويختم الله عز وجل هذه القصة المؤثرة التي يجب أن تكون عبرة لكل أثرياء العالم الذين لا يؤدون حق الله تعالى فيما آتاهم، يختمها المولى بقوله: تلك الدار الآخِرَةُ تَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ
(T),
لِلْمُتَّقِينَ "
6
كان
وفي العصر الإسلامي عبرة للمعتبرين، فأين مدائن كسرى؟ وأين مناعة القسطنطينية؟ بل أين ذهب الرومان بعد منعتهم ببلاد الشام يقول سماحته: "لو وقف أحد على مدينة جرش الرومانية ونظر وضعها لقال: إن من فيها لا يخاف جيشا يحيط به، ولو جاءته الطائرات من أعلى والدبابات من أسفل فضلا عن أن يأتيه بالسيف والرمح، بماذا استطاع المسلمون القلة أن يخرجوا أولئك الرومان من هذه المدائن ويجلوهم منها مع حصانتها وقوتها، فضلا عن كثرة عدد الرومان وكثرة من عندهم من الجيوش الأخرى. فبماذا استطاعوا أن يتغلبوا عليهم؟! إنهم تغلبوا عليهم بالإيمان بالله سبحانه
وتعالى"
(r)!!
)) سورة القصص، الآية 76)) سورة القصص، الآيو 83
() أثر المعنويات في الإسلام (2/125)
صفحة 476
من معالم الفكر التربوي
{126}
صورة لآثار مدينة جرش بالمملكة الأردنية
عند الشيخ أحمد الخليلي
صورة أخرى لآثار مدينة جرش بالمملكة الأردنية
نعم إيمان هؤلاء وطاعتهم الله عز وجل، وكفر أولئك وظلمهم، تلك سنة الله التي لا تتبدل، وكم هي الزلازل والبراكين التي تحل بالظالمين، وما حل بمدينة " آتشه " بإندونيسيا في منتهى العبرة والعظة، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. (2/126)
صفحة 477
من معالم الفكر التربوي
{127}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ب - الحوادث المعاصرة
())
يقول سماحته: "على العبد أن يرجع إلى الله عز وجل، وأن يتدبر في هذه الأحداث التي تحدث من زلازل، ومحن، وفتن، فإنها جميعاً بسبب من معصية العبد الله عز وجل، وجرأته على انتهاك حرماته") ويقول أيضا: "لا ريب لدى المؤمنين الصادقين أنَّ الله تعالى وحده الذي يدبر أمر كل ذرة في هذا الكون المترامي الأطراف، ويشملها برعايته، وكل تلك الذرات والمجرات وسائر المخلوقات خاضعة مستكينة لخالق الوجود
سبحانه وتعالى، تأتمر بأمره، وتستجيب لإرادته وتسبح بحمده آناء الليل وأطراف النهار وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، وكلها جنود الله تعالى يسلطها على من يشاء من عباده بما كسبت أيديهم،، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ. "
يشير سماحته إلى مرتكزين أساسيين فيما يتعلق بالأحداث المعاصرة الأول: التدبر في هذه المحن ذاتها ودلالتها على قوة الله تعالى وقهره.
الثاني: أنها نتيجة معصية العباد الله سبحانه وتعالى.
ينبغي للمسلم أن يولي هذين العنصرين عنايته الكبيرة، فلا تمر عليه الأحداث كأنها لم تكن، أو كأنها لم تطرق مسامعه، بل يتدبر تدبرا يستخلص منها العبر التي يكون لها عظيم الأثر في حياته الروحية والسلوكية.
(1) سورة الإسراء، الآية 44
(1) سورة المدثر، الآية 31 (2/127)
صفحة 478
من معالم الفكر التربوي
{128}
عند الشيخ أحمد الخليلي
مشهد لانهيار بناية ضخمة إثر هزة أرضية فليت شعري كيف الحال يوم الزلزال الأعظم
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
منظر لبركان يقف حمه بأمر الله
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهَ جَمِيعًا (2/128)
صفحة 479
من معالم الفكر التربوي
{129}
عند الشيخ أحمد الخليلي
صورة لأحد الأعاصير وانظر إلى قوة المطر والسحب المستديرة بقوة الريح
الماء يغمر المساكن بعد أحد الفيضانات (2/129)
صفحة 480
من
معالم الفكر التربوي
{13}
صورة أخرى رهيبة لأحد الأعاصير
عند
الشيخ أحمد الخليلي
صورة لبعض آثار الإعصار المداري الذي ضرب السلطنة عام 2007 م (2/130)
صفحة 481
من معالم الفكر التربوي
{13}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أمواج حلزونية مصحوبة بالنار وذلك من آيات الله الدالة على عظيم قدرته اختلاط الماء بالنار
صورة جوية للإعصار المداري الذي ضرب السلطنة عام 2007 م وهو في بحر العرب (2/131)
صفحة 482
من معالم الفكر التربوي
{132}
عند الشيخ أحمد الخليلي
منظر ضحايا إحدى الكوارث من الفيضانات
ويذكر أن أكثر الأعاصير تسبباً في وفيات إعصار بنجلادش عام 1970 م، وقد تسبب حسب أقل التقديرات في 300.000 وفاة. وأن أكثر الأعاصير دماراً إعصار "آندرو" عام 1992 م، والذي أصاب جزر "ألباهاما"، وولايتي "فلوريدا" و "لويزيانا" الأمريكيتين، والذي قدرت خسائره بـ 26.5 بليون دولار أمريكي.
وتحسن الإشارة هنا إلى أنَّ الفارق بين أمواج سونامي وأمواج البحر العادية، هو أن طاقة الأولى تستمد من حركة الأرض وليس من الرياح. ويصل طول أمواج سونامي (أي المسافة بين قمة الموجة وقاعها إلى مئة كيلومتر تقريبا، كما أن الزمن بين إحدى موجات سونامي والموجة التالية لها قد يصل إلى ساعة كاملة، وتصل سرعة أمواج سونامي في المحيط الهادي إلي 800 كيلومتر في الساعة. فإذا وقع زلزال في مدينة لوس الأمريكية مثلا، فإن أمواج سونامي تصل إلى العاصمة اليابانية طوكيو في زمن أقل مما تستغرقه
الرحلة بين المدينتين بطائرة نفاثة. فسبحان الله العظيم، كل شيء بأمره. (2/132)
صفحة 483
{13}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي بعد هذه التهيئة التي قدمتها هذه الصور ندرك تماما بمقتضيات الإيمان بالله سبحانه وتعالى أنه هو الذي يصرف الوجود بأسره، لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بأمره وإرادته، فمن أهلك قوم نوح بالطوفان والفيضان العظيم؟ ومن أرسل الصواعق على قوم صالح؟ ومن شق الأرض لتبتلع قارون؟ ومن أرسل الريح العقيم على قوم عاد؟ أهي الطبيعة، أم دوران الفلك؟ ومن يدير الفلك إذن؟ أو لا نسمع إلى قول الحق سبحانه: وَيُرْسِل الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الِحَالِ) ويقول عن المطر وَيُنَزِلَ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَن يَشَاءُ. وما معنى أن ينجو الصالحون العاملون الناهون عن المنكر من غمرات العذاب؟ أهي الطبيعة العمياء؟ أم المناخات الفلكية؟ سبحان الله! فمن أنجى العجوز وهي في قلب الطوفان إِلا عَجُوزًا فِي الْغَبِرِينَ. أليس ذلك هو الله سبحانه؟ ومن أنجى} الذين كانوا ينهون عن السوء؟ ومن أخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يصنعون؟ ومن شق البحر لموسى؟ ومن أطبقه على فرعون؟ ومن أمر الحوت أن لا يؤذي يونس عليه السلام بعد أن لبث في بطنه ما شاء الله له أن يلبث؟ ومن؟ ومن؟ أليس ذلك هو الله العزيز الحكيم؟
يقول جل شأنه: هُوَ الَّذِي يُسَبِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بهم بريحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنتُمْ أُحِيطَ بهم دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) ()
)) سورة الرعد، الآية 13
)) سورة النور، الآية 43
)) سورة الشعراء، الآية 171)) سورة يونس، الآية 22 (2/133)
صفحة 484
من معالم الفكر التربوي
{134}
عند الشيخ أحمد الخليلي
2 ـ الإيمان بالغيب
مفهوم الإيمان بالغيب وآثاره الروحية
لقد سيق بيان معنى الإيمان، أمَّا مفهوم الغيب فإنه يصدق على كل ما غاب عن الحواس، سواء اهتدى إليه الإنسان بعقله، أو دله عليه دليل الوحي، فيدخل في ذلك كل ما ذكره المفسرون قيل" الغيب ما جاء منه عز وجل، وقيل: ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وقيل: الغيب كل ما حواه القرآن من أمور غيبية مثل البعث والحساب والجنة والنار، وقيل كل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما لا تهتدي إليه العقول. كما يدخل ما دل عليه القرآن أو تواترت به السنة من أخبار الأمم البائدة، وأحوال الأحداث المستقبلية، فإن الإيمان به إيمان بغير محسوس، بل يدخل فيه التصديق
(1)
بالعبادات المشروعة المعلومة من طرق الأخبار الثابتة والعمل بها ".
•
إنَّ الإيمان بجميع ذلك لا شك أنه ينهنه النفس عن موارد الهلاك، ويهذب فيها الإحساس بالمراقبة الدائمة وينمي فيها مخافة الله عز وجل، فتسعى النفس إلى كسب الخيرات، يقول سماحته مبينا هذا الأثر:
"إنَّ الإنسان يتكون من روح وجسد، وعقل و قلب، ومن ضمير وغرائز، لكل ناحية منها مطالب ودوافع، لذلك قد ينسى الإنسان أو يتناسي هذا الحق الذي فرضه الله سبحانه وتعالى عليه وينسى هذا الإنسان السلوك في المنهج السوي الذي يؤدي به إلى سلامة نفسه، واستقامة أحواله، وانسجامه مع بني جنسه، وإلى رضوان خالقه سبحانه وتعالى في وسط هذه النوازع المتعددة، والدوافع المختلفة، ولكن الإيمان باليوم الأخر يجعله يستعلي على ذلك، فيستطيع الهيمنة على نزعاته ورغباته، والسيطرة على ميوله وغرائزه، والتغلب على مطالب جسده وروحه المتنوعة، فتوجه هذه المطالب
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 134 - 133
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 12 134 (2/134)
صفحة 485
من معالم الفكر التربوي
{135}
عند
الشيخ أحمد الخليلي كلها في الطريق السليم، وينسق بينها بالنظام الإلهي الذي أراده الله سبحانه
وتعالى أن يكون فيه سلامة الإنسان في معاشه، وسعادته في معاده ") ولهذا كان الإيمان بالغيب كما يقول سماحته: "هو نقطة الافتراق بين أصحاب الفطر السليمة والنفوس الزكية والعقول الراسخة، والأفكار الواعية، الذين يتصلون بما وراء هذا العالم المحسوس وبين الذين تكدرت فطرهم، وأظلمت نفوسهم، واضطربت عقولهم وانغلقت أفكارهم، فلم يفهموا تفسيراً للوجود إلا ما وقعت عليه حواسهم المحدودة حبس نفسه في مضيق المادة فلا ينظر إلى شيء إلا بمقياسه المادي، ولا يتطلع إلى ما وراء هذه المادة ")
(T)!!
لأنه
والذين يؤمنون بالغيب يرون أنَّ هدف الحياة أسمى من أن يكون من أجل شهوات الدنيا والتنافس على حطامها والتناحر على منافعها، بينما الذين يكذبون الغيب لا يعرفون هدفا في هذه الحياة إلا إرضاء العواطف المضطربة، وإشباع الغرائز المنهومة) ولو كان ذلك على حساب الآخرين بل ولو أدى الأمر إلى إزهاق الأرواح، وإتلاف الأنفس، للصغار والكبار، وإهلاك الحرث والنسل، وقد يؤدي عدم الإيمان بالغيب إلى أن يحرص الإنسان كل الحرص على الكسل وترك الاجتهاد في العمل ")
(د)
وليس الإيمان بالغيب مجرد كلمات ترددها اللسان، أو تصديق واستعبار لا سلطة له على الجوارح والجنان، وتهذيب السلوك، بل " الإيمان بالغيب المطلوب هو الإيمان العميق الأثر القوى التأثير، الذي يقود صاحبه إلى
() الإيمان باليوم الآخر وأهميته 32 ا ح، وانظر جواهر التفسير 4111، 229
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي
2/ 126،
() سؤال أهل الذكر 19 رمضان 1424 هـ / 2003/ 11/14 م
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 127/ 2
() الإيمان باليوم الآخر وأهميته 32 ج (2/135)
صفحة 486
(1) "
{136}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي مناهج الخير والصلاح، ويبعد به عن مسالك الشر والفساد، وليس الإيمان التقليدي الذي لا أثر له في سلوك صاحبه ولا تأثير له على وجدانه ومشاعره بل تكون له سلطة قوية مباشرة على التصورات والأفكار والسلوكيات، فكلما أقدم على شيء أو أراد الإحجام عنه طن في أذنيه نداء اليوم الآخر، فالإنسان حين يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله سبحانه وتعالى هو مالك الملك ومدبر الأمر، ر، هو مصرف الوجود، وهذا بطبيعة الحال يجعله يعتقد أن كل ما يجري في الملك والملكوت لا يخرج عن إرادة الله تعالى وتصريفه، فلذلك يكون المؤمن رابطاً جميع تصوراته بهذه القاعدة - قاعدة الإيمان بالغيب - ثم مع ذلك يؤمن بأنَّ الدنيا موصولة بالآخرة، وأنَّ الحياة بعدها ممات وبعد الممات حياة أخرى أبدية، ويؤمن أن العمل موصول بالجزاء إلى غير ذلك، فتكون التصرفات مرتبطة بهذا الإيمان " ()
ونظرا لاتساع مفهوم الإيمان بالغيب سأقصر الحديث على ما ورد في حديث جبريل من الإيمان بالملائكة والكتب والرسل وباليوم الآخر؛ لما لذلك من تأثير واضح على حياة الفرد الروحية.
الإيمان بالملائكة:
بعد أن تحدث سماحته عن القوى التي أعطاها الله تبارك وتعالى الملائكة قال: " ولئن كان هؤلاء الذين أعطوا هذه القوى " وتمكنوا بما أوتوه من فعل ما لا يتصوره الإنسان بحيث يتمكن أحدهم من نسف جانب من الأرض في أسرع من طرفة عين فكيف بالإنسان الضعيف الذي يتعثر
(ا) جواهر التفسير 2/ 135
() لقاء المؤلف بسماحة الشيخ.
() ذكر النبي عليه الصلاة والسلام جبريل فقال لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض (سؤال أهل الذكر 27 شوال، 1424 هـ الموافق له 2003/ 12/21 م) انظر الحديث في صحيح مسلم رقم 287، وسنن الترمذي 3068 (2/136)
صفحة 487
{137}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي بالبعرة ويقيد بالشعرة أليس هذا الإنسان أولى بأن يشفق على نفسه من عذاب الله، هؤلاء الملائكة الكرام المقربون الذين أوتوا ما أوتوه من القوى والطاقات واتصفوا بما اتصفوا به من الملكات لم تغرهم أنفسهم، فتجرأوا على الله تبارك وتعالى بمعصيته، وإنما هم ملازمون لطاعته سبحانه وتعالى لا يفتأون عن هذه الطاعة، يسبحونه الليل والنهار لا يفترون، فكيف والإنسان الذي يشعر بضعفه؟. سبحان الله ما أجرأ هذا الإنسان على معصيته تبارك وتعالى مع هذا الضعف الإنسان الذي يتردد إلى دورة المياه ليقضي حاجته كل يوم كم من مرة، والذي يتأذى من البعوضة والنملة، ومن أتفه الأشياء، فكيف يجرؤ على الله تبارك وتعالى فيعصيه؟!. بينما هؤلاء الملائكة الذين أوتوا هذه القوى العظيمة هم لا يفتأون عن ذكر الله، ولا يفترون عن طاعته، يسبحونه سبحانه وتعالى بالليل والنهار ويدأبون على طاعته، فعندما تخالط هذه الحقيقة فكر المؤمن ويتلبس المؤمن بها تمام التلبس، لا بد من أن يتفاعل معها؛ فيحرص أيضا على أن يكون مطيعا الله سبحانه وتعالى، مشفقاً على نفسه من عقاب الله، راجياً لثواب الله، متعرضاً لنفحات الله بالتزامه ذكر الله آناء الليل وآناء النهار، كما هو شأن الملائكة الذين يسبحون الله الليل والنهار لا يفترون ". ويقول أيضا:" وهم مع هذا العظم يتضاءلون أمام عظمة الله، وجلين من هيبته، مشفقين من عقابه، لا يفتأون عن ذكره، ولا ينفكون عن ... فما بال هذا الإنسان الضعيف العاجز الذليل الذي لا توازي قدراته شيئا مما أوتي الملائكة من الطاقات الهائلة يجترئ على ربه فيعصيه جهارا، كأنه لا يرجو منه حسابا، ولا يخشى من جانبه عقابا، أليس إيمانه هذا بعالم الملائكة جديرا به أن يستجيش من أعماق نفسه ما سكن من خشيته لربه، ويبعث في
طاعته،
() الإيمان مفهومه وتطبيقات، الشيخ الخليلي، 665 / ج (2/137)
صفحة 488
معالم الفكر التربوي من
138}
عند الشيخ أحمد الخليلي
نفسه عزائم الإيمان والتقوى، حتى يتأسى بالملأ الأعلى في الطاعة والانقياد
(1)
لرب السموات والأرض؟! "»
ومن هؤلاء الملائكة من هم ملازمون للإنسان يسجلون كل شيء مما
(2)
مما
يعمله من خير أو شر، وهم الملائكة الكرام الكاتبين، كما أخبر بذلك سبحانه وتعالى {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحَنفِظِينَ (2) كِرَامًا كَتِبِينَ) وفي ذلك دفع للإنسان إلى الطاعة والاستحياء من الله تعالى، ومن هؤلاء الملائكة، فإن الإنسان حين يشعر بمراقبة الملائكة الكرام الكاتبين الذين لا يخفى عليهم شيء يأتيه، لأن الله سبحانه وتعالى مكنهم من ذلك، ومع ذلك فإن الله تعالى المراقب الأعظم سبحانه وتعالى ... جدير بالإنسان أن يستشعر هذه المراقبة الدقيقة، وأن يحرص على أن لا ينقلب الملائكة إلى الله سبحانه وتعالى إلا بصحائف بيضاء من أعماله الصالحة، وأن يستشعر عظمة الله سبحانه وتعالى الذي تخشاه هذه الملائكة على ما لها من قوة وما جعل لها من مزايا ليست موجودة في سائر الخلق، ومع ذلك لا يفترون عن عبادة الله، خشيته مشفقون. ومع ذلك فإذا خالف أحدهم أمر الله جازاه الله على ذلك، فكيف بهذا الإنسان الضعيف ". {دَعُونِ رَهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ (3) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ هُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ) () ()
(4)
وهم من
ويقول سماحته - حفظه الله -:" إن إيمان الإنسان بالملائكة يجب أن لا يكون صورة خيالية، تعرض للذهن تارة وتختفي أخرى، وإنما يجب أن يكون
(1) برهان الحق، الشيخ الخليلي، مخطوط، ص 53
(1) سورة الانفطار، الآيتان 11،10
)) الإيمان وحقيقته 2/ج /2
() سورة السجدة، الآيتان 15 - 16
) سؤال أهل الذكر 27 شوال 1424 هـ / 2003/ 12/21 م (2/138)
صفحة 489
من معالم الفكر التربوي
139}
عند الشيخ أحمد الخليلي
إيمانا حياً، يتجسد في أقواله وأعماله وميوله ورغباته ومشاعره وانفعالاته،
فلأمر ما كان الإيمان بهم ركنا ركينا في بناء هيكل الإيمان".
الإيمان بالكتب
(4)
(1)
من مقتضيات الإيمان بالكتب عند المسلم الحق هو التطبيق العملي لما جاء في الكتاب المعجز القرآن الكريم بحيث يكون دستور حياته، بجانب تلاوته كما أُنزل، يقول سماحته: "الإيمان بالكتب يقتضي التفاعل مع القرآن، فقد قال الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض " وقال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ". وهكذا شأن المسلم عندما يهجر هذا الكتاب فلا يعمل بمقتضاه، ولا يعمل بهديه، ولا يتبع، نوره فمثله مثل الحمار الذي حمل أوزارا " ويقول سماحته أيضا: " أما الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله فهو إيمان بنور الله المنزل على صفوة خلقه للهداية إلى الخير، وتبديد ظلمات المعتقدات الضالة من قلوب الناس، ووصل هذه القلوب ببارئها تعالى، ومعنى ذلك أنَّ الإيمان بها هو ترجمتها في واقع حياة المؤمن، فعلا وتركا، وقبولا ورفضا، إذ لم ينزل الله تعالى كتابا منها لمجرد التلاوة، بل للتدبر والإمعان والهداية والاتباع، وقد اجتمع ما فيها من هدى وبصائر ونور وحكمة في القرآن الكريم".
(E)
ره
() برهان الحق، الشيخ الخليلي، مخطوط، ص 54)) سورة البقرة، الآية 85
)) سورة الجمعة، الآية.
() الإيمان وحقيقته، الشيخ الخليلي، 2/ج/ () برهان الحق، الشيخ الخليلي، مخطوط، ص 55 (2/139)
صفحة 490
{140}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي
الإيمان بالرسل:
يقول سماحته: " الإيمان بالرسل مدعاة إلى العمل الصالح؛ لأنَّ الإنسان يفكر في هؤلاء الرسل لماذا أرسلوا؟ إنما أرسلوا لدعوة الخلق إلى الحق، ما هو الحق؟ أهو الإيمان والعمل الصالح؟ فإذن على الإنسان الذي آمن بهؤلاء المرسلين أن يعمل صالحا ")
(r)ll
وكذلك فإنَّ الإيمان برسل الله تبارك وتعالى يعني الإيمان بصفوة خلقه، الذين اصطفاهم لحمل رسالته إلى عباده، وجعلهم وعاء لنوره، وجعلهم مهبطاً، لوحيه هؤلاء الرسل الإيمان بهم يقتضي ترسم خطواتهم، وإتباع سيرهم، فالإنسان مطالب بأن يسير على هداهم، وأن لا يحيد عن مسلكهم. فالإيمان برسل الله تعالى يعني أن يكون الإنسان أولاً معجباً بهؤلاء المرسلين؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى كرمهم وفضلهم، ورفع من شأنهم، فهم أولى أن يتملكوا النفوس البشرية بالإعجاب، ثم من ناحية أخرى هم أولى بأن يتبعوا ويقتدى بهم، ويهتدى بهديهم وبعد أن ذكر سماحته في "البرهان" فضائل الرسل ومزاياهم قال: " ولئن جميع أولئك الرسل تجللوا بتلكم الفضائل النورانية، فإن من آمن بهم حقيق بأن يقتبس من فضائلهم، وأن يجعلهم أسوة له في حياته، لأنهم مثاله الذي يحتذيه، وأئمته الذين يعتز بالانتماء إليهم، لا سيما خاتم النبيين الذي رقى من درجات الخير ما لم يرق إليه غيره، فبأي قدوة يقتدي إن لم يكن هذا النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - قدوة لحياته، وقائدا له في منهاجه؟. ومن المعلوم أنَّ جميع المرسلين ضربوا أروع الأمثال في خشية الله والخشوع له وحسن عبادته، والانقياد له في أمره ونهيه، والتضحية بكل راحة
كان
(1) الإيمان وحقيقته، الشيخ الخليلي،، 2/ج/
() سؤال أهل الذكر 27 شوال 1424 هـ / 2003/ 12/21 م (2/140)
صفحة 491
من معالم الفكر التربوي
{11}
عند الشيخ أحمد الخليلي
في حياتهم، بل بحياتهم كلها، من أجل إبلاغ دعوة الحق وهداية الناس إليه، وإنقاذهم مما هم واقعون فيه من الكفر والضلال، والبغي والعدوان، فما على من آمن بهم إلا أن يتجرد من جميع صفاته الشائهة البالية، ويجلل أزهى الحلل من صفاتهم العالية، بحيث يجرد حياته للحق استمساكا ونصرة ودعوة، ليكون إيمانه بهم حياً يتحرك في عباداته وأخلاقه وسلوكه ومعاملاته" فليحذر الإنسان كل الحذر أن يتسلل لواذاً، أو أن يسئ إلى أحد من رسل الله تعالى مهما كان الأمر، بل عليه أن ينتصر لهم، ويغضب أجلهم، فذلك من مقتضيات إيمانه بهم.
الإيمان باليوم الآخر:
(1)
لله
من
وهو اليوم العظيم، يوم البعث والنشور، يوم الحساب، يوم العرض الأكبر، يوم الجزاء، يوم يعض الظالم على يديه، يوم الحسرة والندامة، يوم لا يجزى والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، يوم يفر المرء من
أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. والدخول إلى اليوم الآخر يبدأ من خروج الروح من الجسد، إنَّه الموت الذي لا مفر منه ولا مهرب كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} " فليتذكر الإنسان سكراته الشديدة، ثم حياة البرزخ بما فيها من راحة أو عذاب، ثم يكون البعث من القبور (يَوْمَ تُبَدِّلُ الْأَرْضُ غَيْر الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) " يقول سماحته: " الإيمان باليوم الآخر إيمان بالمنقلب
(3)
أن
بحيث يلقى كل أحد جزاءه، وينقلب إلى مصيره، وهذا الإيمان يقتضي يكون الإنسان عاملا لذلك اليوم، حاسبا له حسابه، مستعدا للقاء ربه سبحانه وتعالى فيه، عارفا أنه سينقلب إلى حساب يتناول جميع أعماله، دقيقها
(') برهان الحق، الشيخ الخليلي، مخطوط 54/ 1، 55
() سورة الأنبياء، الآية 35
() سورة إبراهيم، الآية 48 (2/141)
صفحة 492
{142}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي وجليلها، كما أخبر سبحانه وتعالى عن ذلك عندما قال: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ)). فيومئذ يعرضون على ربهم لا تخفى من أحد خافية قط مما فعل، ومما قدم، وأخر، وهذا يعني الاستعداد لذلك اليوم بالحرص على طاعة الله، وتجنب معصيته
(1)
(0)
(T) 11
(3)
فيا
(1)
في ذلك اليوم يتناول الإنسان كتابه إما بيمينه وإما بشماله على حس عمله، ويقال له: اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} للعجب إن هذا الكتاب يحصي مثقال الذرة، مما لا يتصوره الإنسان، إنها العدالة المطلقة و لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} {هَذَا كِتَبْنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، {وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَنَهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) حينئذ يقول الإنسان يا ليتني قدمت لحياتي، ولكن هل تنفع يا ليتني؟ كلا، هي في الدنيا لا تنفع في استرجاع ما فات فكيف في الدار الآخرة؟ ويقول الظالم: يَنحَسْرَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنْبِ اللهِ " ولكن هل تجدي حسرته شيئا؟ لا وربي، ولمزيد من العبرة والاتعاظ ومزيد من الدعوة إلى تصحيح المسير والإنابة إلى الله عز وجل، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يذكر الحساب مقروناً بانحلال نظام هذا الكون وتهاوي أجرامه، ووقوع بعضها على بعض، وما في ذلك من أهوال فوق ما يتصور الإنسان، فالله تعالى يقول:
)) سورة الحاقة، الآية 18
() سؤال أهل الذكر 27 شوال 1424 هـ / 2003/ 12/21 م
)) سورة الإسراء، الآية 14
() سورة غافر، الآية 17)) سورة الجاثية، الآية 29)) سورة الكهف، الآية 49)) سورة الزمر، الآية 07 (2/142)
صفحة 493
من معالم الفكر التربوي
{143}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (3) فَيَوْمَبِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) وَأَنشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَبِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَابِهَا وَتَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَنِيَةٌ يَوْمَيذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخَفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ، " ويقول: فَإِذَا بَرَقَ الْبَصَرُ: وَخَسَفَ الْقَمَرُ: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ: يَقُولُ الْإِنسَنُ يَوْمَبِذٍ أَيْنَ الْفَرُ) (2) كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيذٍ الْمُسْتَقَرُ يُنَبَّوا الْإِنسَنُ يَوْمَبِدْ بِمَا قَدَّمَ وَزَرَ) وَأُخَرَ " ويقول: (إِذَا الشَّمْسُ كُوَرَتْ: وَإِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ اللَّهِ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيَرَتْ) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطَلَتْ (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) وَإِذَا البِحَارُ سُحْرَتْ (وَإِذَا النفوسُ زُوَجَتْ (3) وَإِذَا الْمَوْءُ دَةُ سُبِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (3) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (3) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ
(T)
سُعَرَتْ: وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْ لِفَتْ عَامَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ. (1) ألا فليتذكر أولوا الألباب، وليعتبر أولوا النهي، فما بعد القبر دار، إلا الجنة أو النار؟! نسأل الله السلامة والعافية.
الإيمان بالجزاء:
ونعني بذلك اعتقاد الإنسان أنه سيجازي حتما على ما قدم من أعمال في هذه الحياة الدنيا (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءِ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) وَتَرَى الظَّلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا
(1) سورة الحاقة، الآيات 13 – 18
(1) سورة القيامة، الآيات 7 13
)) سورة التكوير، الآيات 1 14
() شريط وللآخرة خير وأبقى، الشيخ الخليلي،
() سورة آل عمران، الآية 30
)) سورة البقرة، الآية 281 (2/143)
صفحة 494
من معالم الفكر التربوي
{144}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعُ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ هُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}. {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِن فَزَع يَوْمَيدٍ وَامِنُونَ (وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تَجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ()
(2)
إنَّ هذا الإيمان) بالجنة والنار إذا خالطت بشاشته قلب الإنسان، وسيطر على عقله ووجدانه، فإنَّه يعيش دائما مع أحلام الدار الآخرة فتهون في نظره الدنيا - مهما كانت - فلا يفكر في مصائب الدنيا ولا في نعيمها، بل يتساوى في ميزانه تبرها، وترابها، وعذبها وعذابها، وحلوها ومرها، وعسلها وصابها، لأنه يفكر في الدار الآخرة، فالدنيا مهما طالت هي أنفاس محدودة، ولحظات معدودة، سوف يتجاوزها الإنسان إلى غيرها. أما الآخرة فهي دار البقاء، وحسب الإنسان نعمة وسعادة ورحمة أن يتبوأ يوم القيامة جنة عرضها السموات والأرض له فيها ما تشتهيه نفسه، وتلذ عينيه،
وحسبه عذاباً ونكداً كبيرا، وشقاء وشراً مستطيرا، أن يتبوأ - والعياذ بالله ناراً وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون موكلون بعذابه، فيتساوى عند ذلك في قلبه الخوف والرجاء، وينبعث للعمل الصالح بدافع من رجائه، ويكف عن العمل السيئ بباعث من خوفه "
فإذا استشعر الإنسان ذلك في جميع أحواله، سمت روحه، وصفت نفسه وتهذب وجدانه وارتقى فكره، وحسن سلوكه. ولأجل تحقيق هذا الهدف، يرشدنا سماحته إلى تدبر آيات كتاب الله الكريم، الحافلة بذكر نعيم الجنة، والآيات التي تصور عذاب النار فعلى الإنسان أن يعتبر بها، وعليه
)) سورة الشورى، الآية 22
(2) سورة النمل، الآيتان 90،89
)) الإيمان باليوم الآخر، الشيخ الخليلي، 41/ج/ أ بتصرف (2/144)
صفحة 495
من معالم الفكر التربوي
{1 {0}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أن يتزود العظة منها. وعليه أن يعرف أنَّ هذه الدار لا تساوي بجانب تلك
الدار شيئا وذلك يتجسد في حسن الطاعة، والانقياد لحكم الله ")
ويقول سماحته: " كتاب الله حافل بأوصاف الجنة، وحافل بأوصاف النار، وما على الإنسان إلا أن يتلو كتاب الله بإمعان ويتدبره ليشهد مشاهد القيامة كأنها تتراءى بين عينيه وتتصور له بين يديه، فيحس كأنما يشاهد أهل الجنة في نعيمهم، ويشاهد – والعياذ بالله أهل النار في
عذابهم"
(T) I
-
وسأعرض هنا شيئاً مما نوه به سماحته من نعيم الجنة، ومن عذاب النار، آخذاً بتوجيهه ـ حفظه الله ـ بالرجوع إلى كتاب الله الكريم لتوضيح ما أشار إليه، لتكتمل به الصورة، ويكون أدعى للتأثير والتهذيب.
الجنة أولاً: نعيم
لا ريب أن كل إنسان يتمنى أن يكون من سكان الجنان، خالدا مخلدا في النعيم، ورضوان الرب الكريم، تحفه عناية العزيز الرحيم، النبيون والمرسلون جيرانه والشهداء والصالحون إخوانه وخلانه، تتلقاه الملائكة بالحفاوة والتكريم، وتطوف عليه بكرة وعشية بالزيارة والتسليم وَالْمَلَتَبِكَة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابِ (سَلَامُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُ فَنِعْمَ
(r)
عُقْبَى الدَّارِ)
ارواج
ولكن ياترى ماذا تضم هذه الجنان بين جدرانها من النعيم؟ الذي أعده
الله تعالى للطائعين من المؤمنين.
أحاول هنا تصنيف هذا النعيم قدر المستطاع على النحو الآتي:
() وللآخرة خير وأبقى، الشيخ الخليلي () الإيمان باليوم الآخر، الشيخ الخليلي، 41/ج/ أ () سورة الرعد، الآيتان 24، 25 (2/145)
صفحة 496
من معالم الفكر التربوي
{146}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أ - عظم قدر نعيمها
يقول سماحته في ذلك الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين ذلك حيث يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: " لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها " فالموضع الذي يضع أحدنا سوطه ـ أي عصاه. في هذه الجنة، هو خير من هذه الأرض وما فيها من أنواع الثروات المختلفة، والأموال والمتع وكل ما في هذه الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم يصف أيضا هذه الجنة ببلاغة النبوة، فيقول: " فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" في هذه الجنة مما أعده الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين ما لا عين رأت، أي لم تكتشف عين مثل ما في الجنة، و لا أذن سمعت، أي ولم تسمع أذن بأوصاف متع وعطاء وخير مثل ما في الجنة، ولا خطر على قلب بشر نعيم كنعيم الجنة)
ب - سعتها:
يقول الله سبحانه وتعالى واصفاً سعة الجنة وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ".
(r)
تلكم هي سعتها، وأبعادها، قد ندرك بعقولنا القاصرة عرض الأرض بما فيها من اليابسة والبحار والمحيطات، ولكن أنى لنا بتصور أبعاد السموات وما اكتشف العلم الحديث من أبعادها إلا القليل، أو زاوية من الزوايا
فحسب، وما اكتشف يدعو الى العجب، ويفوق قدرة التخيل لدى البشر يقول سماحته موضحا سعة الجنة." قد أخبر الله سبحانه وتعالى عن سعة هذه الجنة في قوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ()
(1) سنن الترمذي 1664، وفي صحيح البخاري " من الدنيا وما عليها " رقم 2735
(1) الإيمان باليوم الآخر، الشيخ الخليلي، 1/ 41 /ج
() سورة آل عمران، الآية 133 (2/146)
صفحة 497
من معالم الفكر التربوي
{147}
عند الشيخ أحمد الخليلي من الذي يستطيع أن يقدر عرض السموات والأرض؟ ومن الذي يمكنه أن يقيس أبعاد سماء واحدة من هذه السموات؟ إن ذلك أمر مستحيل بالنسبة إلى قدرات الخلق، فعظم الجنة شيء لا يعرفه إلا الله سبحانه وتعالى وحده، فهذه الجنة لا يمكن لأحد أن يقدر قدرها، وأن يعرف أبعادها، وأن يحيط بحدودها. (2) ويقول أيضا: "إن علماء الفلك الآن يتحدثون أن أبعد مجرة اكتشفوها تبعد عن هذه الأرض خمسة آلاف مليون سنة ضوئية، والسنة الضوئية هي 600 مليون ميل، فالضوء يقطع 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، فلو أنَّ إنسانا مشي بسرعة الضوء واستمر في الاتجاه إلى أبعد مجرة تبعد عن الأرض لما وصل إليها إلا بعد خمسة آلاف مليون سنة ضوئية، وفوق ذلك هناك ما يسمى بالإشعاعات التي حسبما يقول علماء الفلك أنهم اكتشفوا الأبعاد التي اكتشفوها فيها، يقدر بعدها عن الأرض بعشرين مليار سنة ضوئية، فهذه زاوية من عرض السموات الذي ذكر الله تبارك وتعالى، والذي أنَّ الجنة بمقدار عرض السموات والأرض، تلك الدار هذه هي سعتها، وبجانب هذه السعة يقول النبي الله في وصفها: " لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها " أي موضع عصا.
تبين
ج - الأشجار والأنهار والعيون:
يقول سماحته: " لم يتكرر وصف من أوصاف الجنة كما تكرر وصف "تجري من تحتها الأنهار " فقد تكرر قوله تعالى جَنَّتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا
) سورة آل عمران الآية 133
- () ((
) الإيمان باليوم الآخر / 41/ج
((
) الإيمان باليوم الآخر / 41 / ج
) الإيمان باليوم الآخر / 41 / ج (2/147)
صفحة 498
من معالم الفكر التربوي
{148}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الأنهر) ستا وثلاثين مرة و الجنات جمع جنة وهي الحديقة ذات الشجر
الملتف بعضه على بعض
"1
(1) "
وجريان الأنهار من تحتها هو انسيابها تحت تلك الأشجار الباسقة الزاهية، وتدفقها تحت قصورها البهية العالية ")
يمكنك أخي المسلم أن تتخيل تلك الصورة البديعة، والمشهد الرائع الخلاب، والرونق الجذاب " مشهد الأرض المكتظة بالشجر الذي يلتف بعضه على بعض، ومع ذلك تنساب المياه من تحت تلك الأشجار صافية
رقراقة "
فيا للروعة، ويا للبهجة ويا للسعادة والسرور " إِنَّ جريان الماء بين المروج الخضراء مما يضاعف بهجة النفس وقرة العين، وسرور الخاطر، فما بالك إذا كانت المروج من حسن الشكل، وبديع المنظر، بحيث لم تر مثل حسنها عين ولا يتصور جمالها خيال وكانت المياه تنساب على تراب المسك والكافور، وتتدفق على أحجار الدر والياقوت
(E)!!
مين
وفيها العيون الجارية النضاخة بالمياه، {وَإِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا)).
ويقول سبحانه: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً
(0)
فِيهَا
تُسَمَّى سَلسَبِيلا
(1)
()، الشيخ الخليلي، 2/ 466 ()، الشيخ الخليلي، 2/ 466
() الإيمان باليوم الآخر، الشيخ الخليلي، 41 //ج
()، الشيخ الخليلي، 2 1 465
() سورة الإنسان، الآيتان 6،5
() سورة الإنسان، الآيتان 17، 18 (2/148)
صفحة 499
(1)
{189}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي إنها عيون كثيرة كما وصف الله تعالى {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينِ: فِي جَنَّتٍ وَعُيُون ألا تسمع - أخي المسلم - إلى خرير المياه يعزف ألحانه البهيجة، والطيور الصداحة منسجمة مع أنغام غصون الأشجار المثقلة بالثمار اليانعة، إنها دار الخلود، يمكنك أن تتصور تداخل أشجار السدر المخضود، والطلح المنضود وسائر أشجار الفواكه التي لا تنقطع عنها الثمار، ذات ظلال وارفة ممتدة، تخللها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى، لقد جاء في الحديث عن طريق أبي هريرة " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرأوا إن شئتم " وظل ممدود " وظل الجنان ليس كظل الدنيا الناتج عن حجب أشعة الشمس، كلا، إنَّه ظل بديع يكسب المنظر روعة ونقاء، وجمالاً وبهاء، فليس في الجنة شمس ولا زمهرير، وليس فيها حر ولا برد، يقول سبحانه: مُتَّكِثِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (3) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذَلِلَتْ قُطُوفُهَا تَدْلِيلاً " إنهم في تمتع دائم، بلا كلل ولا ملل ولا ضجر، يقول سبحانه عن أهل الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْخَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (لقد ذهب زمان التعب والنصب في الدار الدنيا، إذن ها أنت يا أخي ما تزال على قيد الحياة فانصب تنصب عن قريب غاية الأمل.
د. مساكن الجنان:
(3)
في
لقد وصف الله عز وجل مساكن المؤمنين في دار الخلد وصفاً عاماً قوله: (وَعَد اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
(1) سورة الدخان، الآيتان 52،51
() رواه البخاري رقم 3252 () سورة الإنسان، الآيتان 13،14
(1) سورة فاطر، الآيتان 35،34 (2/149)
صفحة 500
من معالم الفكر التربوي
{10.}
?
عند الشيخ أحمد الخليلي
خَلِدِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) ووصفت بعض الآيات المساكن بالغرف، نحو
(1)
(3)
(2)
قوله عز وجل: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَامِنُونَ) وقوله: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَم هُمْ غُرَفٌ مِن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ وَعْدَ اللَّهِ لَا تُخلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} (3) إنها القصور البهية الشامخة، ناهيك عن حسنها وجمالها وسعتها. إنها غرف من فوقها غرف، وتمن ـ يا عبد الله - ما شئت من الغرف تعط ما تشاء من تلك القصور، التي لم تشيد بالإسمنت والحجارة، إنَّها من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، فقد جاء في الحديث الشريف موضحا قول الله تعالى {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْحَيَامِ) بأنَّ الخيمة درة
(0)!!
?
(4)
مجوفة طولها في السماء ثلاثون ميلا، في كل زاوية منها للمؤمنين أهل لا يراهم الآخرون وإذا كانت هذه خيام الجنة فما بالك بالقصور المؤثثة بأفخر الأثاث وأروعه؟!، كما سيأتي الحديث عنه بعد قليل. سأورد هنا بعض الصور من مساكن الحياة الدنيا الفانية، وهي - لاريب - لا تقارن بمساكن الجنان فالبوم شاسع، فهناك مالا يخطر على قلوب البشر، مع يقيني أنه لا يوجد أحد من العباد لا يرضى أن يكون جزاؤه في الآخرة مثل هذه المساكن مع الخلود الدائم والنجاة من عذاب الله تعالى الذي لا يطاق ولا يحتمل، كيف لا؟! وهذا عمر بن الخطاب فاروق الأمة يتمنى أن يكون
لا له، ولا عليه يوم القيامة.
() سورة التوبة، الآية 72
(1) سورة سبأ، الآية 37
() سورة الزمر، الآية 20 (4) سورة الرحمن، الآية 72)) صحيح البخاري رقم 3243 (2/150)
صفحة 501
من معالم الفكر التربوي
{101}
عند الشيخ أحمد الخليلي
تصور أن هذا الممر مدخل لأحد قصورك التي تستقبل فيها زوارك في الجنة وهو من اللؤلؤ والزمرد
تصور أن هذه النقوس من الذهب والفضة والزبرجد واللؤلؤ لإحدى زوايا غرف قصورك في دار الخلود والفرق بعيد جدا جدا، فلا مجال مطلقا أبدا المقارنة هذا بما في دار الكرامة التي لا يخطر ببال أحد ما فيها من النعيم، وإنما الصورة للتقريب والعون على التخيل، فأرسل لفكرك العنان، وتخيل الأعاجيب، فإنك ستلقى بإذن الله فوق ما تتخيل. ستجد العجب العجاب، وكم سمعت من الذين رأوا الجنة في منامهم لا
يستطيعون الوصف، ولا يملكون حال تذكر ذلك إلا البكاء، فيا رب رحماك. (2/151)
صفحة 502
معالم الفكر التربوي من
{109}
عند الشيخ أحمد الخليلي
هـ - لباس أهل الجنة:
(1)
يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أَوَلَتَبِكَ هُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ (3) الأَمرُ مُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خَضْرًا مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا () ويقول: (عَلِيهِم ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَلَهُمْ رَهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (" ويقول: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ امَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَيْتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ حَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) " يمكنك أن تتخيل العبد المؤمن يبدو في هذا اللباس الأنيق الزاهي بوجه مشرق كالقمر ليلة البدر كما جاء في الحديث " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون) بقدرة الواحد القهار. و - الفراش والأثاث:
تختلف دار النعيم المقيم كليا في أثاثها، وما يحتاج إليه أهل تلك الدار بالطبع، هل هم بحاجة إلى أدوات الطبخ والتبريد؟ كلا وألف كلا، كل شي
يأتيهم إلى فرشهم وتدنو لهم الثمار، فأي نعيم ونعيم هناك؟؟
يقول سبحانه وتعالى عن فرشهم: (مُتَّكِثِين عَلَى فُرُشٍ بَطَابِهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانِ) ويقول: (عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُّتَّكِثِينَ
(0)
)) سورة الكهف، الآية 31
() سورة الإنسان 20، 21
() سورة الحج، الآية 23
)) صحيح البخاري، رقم 3245
)) سورة الرحمن، الآية 54 (2/152)
صفحة 503
(2)
(1)
(3)
{10}
(2)
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي عَلَيْهَا مُتَقَبِلِينَ} " إنها فرش الديباج الناعم، والوسائد والطنافس الحسان فيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (ج) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (ج) وَزَرَائِيُّ مونَهُ} " أما آنيتهم فكما ذكر الله عز وجل وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُخَلَّدُونَ: بِأَكوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ (3) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ} " ويقول سبحانه: {وَيُطَافِ عَلَيْهِم بِنَانِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وَأَكْوَابِ كَانَتْ قَوَارِيرَاً (2) قَوَارِيراً مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقدِيرًا) و يقول: وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَابِ مِن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وَتَلَكَ الْأَعْيُنَ)) ويقول فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ) قيل الكوب هو مالا أذن له ولا عروة، والأباريق ذوات الأذان والعرا " وقد جاء في الحديث " آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوة (العود) ورشحهم المسك " ولا ريب أن الكثير من الأثاث والآنية للزينة، وإضفاء مسحة من الرونق والجمال.
(1)
ز الطعام والشراب:
(0)
لي
يشير القرآن إلى بعض الأصناف من الطعام والشراب، والغالب على أسماء تلك الأصناف أنها مما يألفه الناس في حياتهم الدنيا، ويطربون له،
() سورة الواقعة، الآية 15
(1) سورة الغاشية، الآيات 13 16 () سورة الواقعة، الآيات 17 – 19 () سورة الإنسان، الأيتان 15،16 () سورة الزخرف، الآية 71 () سورة الغاشية، الآيتان 14،13)) معاني القرآن للقراء 3 1231 () صحيح البخاري، رقم 3246 (2/153)
صفحة 504
من معالم الفكر التربوي
{10 {}
عند الشيخ أحمد الخلي
ويحرصون عليه، على أنَّ أنواعها وأشكالها وألوانها وطعومها لا يحيط بها إلا
الله وحده، فما أشار إليه القرآن من طعام أهل الجنة:
- اللحم
(1)
(Y)
يقول سبحانه وتعالى: {وَأَمْدَدْنَنهُم بِفَنِكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. فما يشتهيه عباد الله من أنواع اللحوم المطبوخة أو المشوية أو المقلية بقدرة الله فهو رهن إشارتهم، ويقول سبحانه وتعالى أيضا: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) وتشير بعض الروايات أن الطائر يأتي إلى العبد فيقول له: جانبي الأيمن مطبوخ وجانبي الأيسر مشوي فكل من حيث شئت، فيأكل العبد ما شاء له أن يأكل، ثم يعود الطير كما كان يرفرف بجناحيه في رياض الجنة و أشجارها، فسبحان الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فقد أعد العباده في دار كرامته ما لا يخطر ببال البشر.
- الفواكه:
وهي فواكه متنوعة عديدة، لا تنقطع في زمن من الأزمان وليست مقيدة بمواسم كما هو الحال في الدار الدنيا، يتخير منها صاحب الجنة ما يشاء، يقول سبحانه وتعالى: {وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ)، ويقول سبحانه وتعالى: مُتَّكِثِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَيكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ»»، ويقول
(4)
(1) سورة الطور، الآية 22
(1) سورة الواقعة، الآية 21
() سورة الزخرف، الآيتان 70، 71
() سورة ص، الآية 57 (2/154)
صفحة 505
من معالم الفكر التربوي
{100}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
وَفَكَهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ}) ويقول: (وَفَكَهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ
وَلَا مَمْنُوعَةِ ()
(2)
—
الشراب:
وقد وصف الله تعالى الشراب بأنَّه طهور من كل أذى، يقول سبحانه: وَسَقَبْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} " وهو ذو طعوم مختلفة يكون أنهاراً وعيونا، وفي الآنية من الأكواب التي هي قوارير من فضة صفاء وحسنا، ومن أنواع الشراب الماء الطيب الزلال الصافي، واللبن الذي لا يتغير طعمه، والخمر التي لا إثم ولا غول ولا سكر فيها، وشراب العسل المصفى، والماء الذي مزاجه الكافور لطيب رائحته، وما لا يعلمه إلا الله من عصائر الفواكه الكثيرة والمتنوعة، يقول سبحانه وتعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تَخَلَّدُونَ) بأكواب وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ (4) لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ) () ويقول أيضا: إِن الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا) " ويقول: {يُطَافُ عَلَيْهِم مِّن مَّعِين) بَيضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ (3) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ
(0)
(4)
(1)
() سورة الواقعة، الآية 20 () سورة الواقعة، الآيتان 32،33
)) سورة الإنسان، الآية 21 () سورة الواقعة، الآيات 17 – 19
() سورة الإنسان، الآيتان 5، 6 ((الصافات، الآيات 44 - 47 (2/155)
صفحة 506
من معالم الفكر التربوي
{107}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ح الحور العين وأوصافها:
لقد أفاض القرآن الكريم في ذكر أوصاف الحور العين، وهن نساء أهل الجنة، والحوّر في العين سعتها، وقيل شدة بياض بياضها، وسواد سوادها، ومنه قول الشاعر:
إنَّ العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصر عن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا ويصدق وصف الحور العين على جميع نساء الجنة من الصالحات المؤمنات واللاتي أنشأهن الله تعالى إنشاء، ليحصل الأنس بين الأزواج، ويتم الاستمتاع، ويكمل النعيم، يقول سماحته: " والإنسان يوم القيامة لا يتحول عن إنسانيته، وقد وفر الله لعباده المؤمنين في دار كرامته جميع ما تتوق إليه أنفسهم في الدنيا من متع الحياة ونعيمها، فما يؤتونه في الدنيا إنما هو بقدر هذه الحياة المحدودة، وبقدر طبيعتها المقيدة التي تختلف تمام الاختلاف عن طبيعة الحياة الأخروية المطلقة، فالفارق بين الدارين كالفارق بين البقاء
فيهما "
(T)
ونبدأ صفات نساء الجنة بقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) يقول سماحته: "ويراد به أنهن منزهات من جميع الأدناس الحسية والمعنوية مما يكون في الدنيا خاصا بالنساء، أو مشتركاً بينهن وبين الرجال، فجميع الأقذار التي تفرزها الطبيعة في نساء الدنيا أو فيهن وفي رجالها نزهت منها نساء الآخرة، وكذلك ما يكون من لؤم الطباع مما تعد قذارته معنوية كالغل والكيد والحسد، نزّه الله تعالى منه نساء الآخرة، سواء كن من الصالحات في الدنيا كما روي عن ابن مسعود في تفسير الأزواج هنا، أو كن من الحور
(1) جواهر 2/ 475 - 476.
(1) سورة البقرة، الآية 25 (2/156)
صفحة 507
{10 V}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي العين كما قال غيره والظاهر أن المراد بالأزواج هنا ما يعم النوعين لكمال أنس المؤمنين بهما معاً وقد تقدم الحديث أن أهل الجنة لا يمتخطون ولا يتغوطون، ذلك لأن الله تعالى أبعد عنهم كل الأذى ودواعيه، و أعطاهم ما تشتهي أنفسهم، فهم أطهار حساً كما هم أطهار من الناحية المعنوية، بدليل قوله تعالى أيضا: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلَّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَبِلِينَ)) وقد وصف الله تعالى الحور العين بقوله: {فِيهِنَّ قَصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ). أي لم يباشر هن أحد من قبل، وذلك
(r)
أدعى لطهرهن ونقائهن؛ لكونهن طاهرات مطهرات من أصل خلقتهن.
الحسن و الجمال:
مما لا ريب فيه أن نساء أهل الجنة في غاية الحسن، ومنتهى الجمال، وذروة البهاء والدلال، وجوه مشرقة وضيئة كأنهن الشموس في رابعة النهار ليس من دونها، حجاب لهن عيون حور تفتك بالقلوب لولا أن الله تعالى قضى أن من في الجنان لا يموت فيها ولا يشقى، بشعر طويل فاحم تسرحه لهن الوصائف من الحور العين بأمشاط الذهب أجسادهن كأنهن بيض مكنون تفوح منهن الروائح الزكية كأنهن فتائل عطر من روائح الجنة التي توجد من مسيرة كذا وكذا من السنين، فلله ما أطيب العيش وأسعده، وما أهنأه وما أرغده، إقرأ إن شئت قوله تعالى: (وَعِندَهُمْ قَصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (4) كَأَنَّهُنَّ بيض مكنون ". وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ)، وقوله تعالى: {وَحُورُ عِينٌ كَأَمَثَلِ اللُّؤْلُو الْمَكْنُونِ} " وقوله تعالى: {إِنَّا أَنشَأْتَهُنَّ
(4)
() جواهر 2/ 474 - 475
(1) سورة الحجر، الآية 47
)) سورة الرحمن، الآية 56
() سورة الصافات، الآيتان 48، 49
)) سورة الرحمن، الآية 58
() سورة الواقعة، الآيتان 23،22
(1) (2/157)
صفحة 508
من معالم الفكر التربوي
{10^}
(1)
عند الشيخ أحمد الخليلي
إنشَاءُ فَجَعَلْتَهُنَّ أَبْكَارًا: عُرُبًا أَتْرَابًا، والعرب جمع مفردها عروب " وهي المرأة الغنجة المتحببة إلى زوجها " وقيل: الأتراب، أي في الثالثة والثلاثين وهو سن الفتوة والحيوية والشباب، وفوق ذلك فإنهن قاصرات الطرف فلا ينظرن إلى غير أزواجهن، وقد ألف الله بين القلوب، وجمعها في ظلال الحب والأنس الذي لا يتكدر
سن
(1)
(0) ,
(4)
أنَّ
وتتساءل الكثير من النساء أينطبق وصف الحور العين على النساء الصالحات في الجنة؟! ولعمري إذا كانت الأحاديث النبوية تنص على الرجل في صور القمر ليلة البدر، فماذا عسى أن تكون زوجه من النساء الصالحات؟ وفي النص القرآن: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ، وقوله سبحانه: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكنُون))، وقوله عز من قائل: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجُ مُطَهَّرَةٌ " ما يدل على مكانتهن من الحسن والجمال، والطهارة والنقاء، وقد أشارت بعض الروايات عنه الله و أن الحور العين يكن وصائف للمرأة الصالحة، يخدمنها ويرفعن مروطها وأذيالها من السندس والحرير، تلك المروط التي تجرها غنجاً ودلالا في دار النعيم، ولئن اشتهت المرأة الصالحة في جنان الخلد أن تضاهي الشمس في ضيائها إلى ما وراء ذلك مما لا يخطر بالبال من صفات الحسن والجمال، فإن الله تبارك وتعالى يعطيها سؤلها. أو ليس هو القائل سبحانه: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيَ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا
(1) سورة الواقعة، الآيات 35 - 37
() معاني القرآن، القراء. 3/ 125 ((السابق بالصفحات نفسها (4) سورة الرحمن، الآية 58 (5) سورة الصافات، الآية 49
() سورة البقرة، الآية 25 (2/158)
صفحة 509
من معالم الفكر التربوي
(1)
{109}
عند الشيخ أحمد الخليلي
?
(2)
تَدَّعُونَ)، والقائل: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ " فسبحانه لا
يعجزه شيء أبدا.
di
ولئن كانت المرأة في الدنيا تحب أن تبدو جميلة، فقد أعطاها الله في دار كرامته من الحسن والجمال ما لا يتصور، كما أعطى زوجها جمالا عظيماً، ويعطيان من القوة على اللقاء الزوجي ما الله عليم، يقول سماحته: وجاءت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحوال نساء الجنة منها الصحيح ومنها الحسن، ومنها دون ذلك، وهي صريحة في أن الاتصال بين الزوجين يتم يوم القيامة على نحو ما يكون في الدنيا، وإن كان أكمل في اللذة، وأبعد عن الأذى وفي بعض تلك الروايات أنَّ العناق يدوم أكثر من أربعين عاما، ولم لا يكون ذلك، فالحياة دائمة لا انقطاع لها، والنعيم
(r)!!
مستمر، ورزق الله ماله من نفاد.
الوصف الجامع لنعيم الجنة:
يقول سماحته: " لقد وصفها الله سبحانه وتعالى بأوصاف شتى تدل على ما فيها من النعيم المقيم، من تلكم الأوصاف التي تعد من أجمع أوصاف الجنة وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىَ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) فما من شيء تشتهيه النفس الإنسانية، وتتفتح عليه إلا وقد أعدها الله سبحانه وتعالي لعباده المؤمنين، كما جاء أيضا وصفها بأنَّها وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذَّ
)) سورة فصلت، ألاية 31
() سورة الزمر، الآية، 34
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 475
)) سورة فصلت، الآية 31 (2/159)
صفحة 510
من معالم الفكر التربوي
(1)
{17.}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الأعين) فما من شيء يسر الناظرين إلا وهو في الجنة، وما من شيء
يميل إليه القلب إلا وهو في الجنة "
(3)
ويقول عز وجل: وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَلِدُونَ} " ويقول سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ هُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ " ويقول عز وجل: هُم فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَلِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولاً " و قال
(4)
(0)
سبحانه: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ. وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (3) جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ هُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ))
(1)
تؤكد هذه الآيات على حقيقة أن العبد الصالح يعطى كل ما تشتهيه نفسه ويعطى كل ما يشاء ويرغب ويتمنى. إنه فضل الله الكبير المتعال، فاطلب ما شئت وكما يحلو لك تعط، وماذا عساك أن تتمنى والله عز وجل قد أعد لك ما لم يخطر على بالك القاصر، فالله يعلم خطرات الأنفس، وما تخفي
الصدور.
هذا وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرءوا إن شئتم (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنِ). وقد أخفى الله سبحانه وتعالى عنا الكثير من النعيم الذي تقر به الأعين، ربما لتشويقنا
)) سورة الزخرف، الآية 71
() الإيمان باليوم الآخر، الشيخ الخليلي، 41 / ج
)) سورة الأنبياء، الآية 102
)) سورة الشورى، الآية 22
)) سورة الفرقان، الآية 16
() سورة النحل 20، الآيتان -21.
() صحيح البخاري 3244
(A) (2/160)
صفحة 511
{171}
ذلك
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي إلى دار الكرامة، فنعدل من مساراتنا المنحرفة، ونحث السير إلى بلوغ دار الخلود، وتحقيق مرضاة الكريم المنان وقد يضاف إلى ذلك علمه جل شأنه عدم قدرة عقولنا البشرية القاصرة في هذه الحياة الدنيا على تصور النعيم العظيم، فلا طاقة لعقولنا على التخيل، إذ هو فوق طاقتهم المحدودة، أضف إلى ذلك أنه لا توجد لغة تعبر عنه لأنه غير موجود بالدنيا أصلا. حاول أن تتخيل نعيم الجنة
يمكنك الآن أن تسترخى قليلا، غضَّ من طرفك، واسمح لبصيص من الضياء أن يتسرب إلى مقلتيك لتسبح في حلم من أحلام اليقظة الوردية، تخيل أنك في جنة الفردوس، يا للروعة والجمال وجهك يشع بالنور كالقمر ليلة البدر، وأنت في غاية الوضاءة والنضارة والحسن والجمال، وفي قمة السعادة والحبور، وذروة البهجة والسرور، تلبس ثيابا من السندس الأخضر الموشى بالحرير، وعليك لحاف من الإستبرق، تفوح منك روائح المسك، وفي معصميك أساور من الذهب تلمع لمعان الكواكب الدرية، لا شعر في جسدك إلا لمة الرأس إلى شحمة الأذنين فاحماً كثيفاً مرجلاً لامعاً، وشعر الحاجبين كأنما خططا بقلم ها أنت تمشي الهويني في ظل ممدود مسيرة ألف عام تحت أشجار كثيفة شديدة الاخضرار من أشجار الفواكه المتنوعة شكلا وألوانا وأحجاما، تتدلى في غصونها النضرة، تكاد تلامس رأسك، وبعضها على جانبيك تناديك " خذني يا عبدالله"، تنساب من تحتها المياه الرقراقة الصافية، تهب عليك نسائم لطيفة تداعب ثيابك السندسية، فتحدث أصواتاً خفيفة تشبه الأهازيج، يطرب لها الفؤاد، محملة براوئح زكية، يملأ عبق شذاها الآفاق، وها أنت تسير على ضفاف نهر من لبن لم يتغير طعمه، تزين ضفتيه حشائش الزعفران والأشجار الباسقة، والقصور المنيفة، وغير بعيد عنك في الناحية الأخرى نهر من عسل مصفى، تترقرق مياهه محدثة أنغاماً عذبة تلذ النفس، وقعها، وطيور زاهية الألوان تجوب سماءك، تهزج (2/161)
صفحة 512
من معالم الفكر التربوي
{162}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بالتسبيح والتحميد لذي الجلال والإكرام تعرض نفسها عليك، فجانبها الأيمن مطبوخ وجانبها الأيسر مشوي. إن كان لك رغبة إلى الطعام فهي رهن إشارتك حيثما كنت وفي أي وقت تشاء، ولا تنس أن تلتفت على يسارك، ألا ترى تلك العين الضخمة نضاخة بالمياه العذبة الصافية، نعم هاهي المياه الرقراقة تنساب على لآلئ من الدر والياقوت، وبدر من الذهب والفضة والزبرجد الأخضر، إنّها ترسم لوحة بديعة تأخذ بمجامع القلوب، ها أنت قد اقتربت من قصرك المنيف الذاهب في عنان السماء، إنها غرف كثيرة من فوقها غرف مبنية بقدرة الواحد الأحد.
فيا الجودة البناء، وبالجمال المنظر اغرف من اللؤلؤ، وغرف من الياقوت، وغرف من الذهب، وغرف من الزبرجد مزخرف أحسن زخرفة في الوجود، تتعانق من حوله الأشجار الباسقة بثمارها الدانية وطيورها الصداحة وتجري من تحتها الأنهار وها هي الملائكة الكرام تتلقاك بالبشر والسرور، والحفاوة البالغة والتكريم يقولون لك: سَلَامُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقبى الدارِ} فتسبح الله وتحمده على ما أعطاك وأولاك، فيقولون لك: هذا ملكك مسيرة ألف عام، يا الله لك الحمد والمنة، وها أنت تدخل القصر المشيد، فهناك زوجتك تنتظرك منذ مدة، وهي في أحر ما تكون من الشوق إليك، والحنين إلى رؤياك ولك في قصرك أزواج كثيرة، وفي قصور أخرى نعيم وأزواج مطهرة أخر، ناهيك عن حسنهن وجمالهن الرائع، وضاءة شديدة، وصفاء عظيم، وجوههن كالشموس، يرسلن على ظهورهن وأكتافهن خصائل الشعر الطويل الكثيف الفاحم في سواده الحالك، يضعن على رؤوسهن تيجان بديعة الشكل من الذهب مكللة بدرر تتخالف فيها الأضواء، فكل درة تعكس طيفاً مختلفاً في لونه ومقدار نوره، إن ابتسمت إحدى الحور أضاء القصر كله واكتست وجناتها وضاءة وبريقاً، وكساها البشر حسناً على حسن وبدت أسنانها في انتظام بديع، كأنهن الدر المنظوم، بريقاً ولمعاناً وانتظاماً، تكسبها الشفاه اللماء روعة وجمالاً فوق ما هي عليه (2/162)
صفحة 513
من معالم الفكر التربوي
{163}
عند
ند الشيخ أحمد الخليلي
من الحسن والجمال، وأجسادهن أنعم من الديباج، تكاد الحوراء تذوب في لحظتها غنجا ودلالا، يرفلن في أثواب الحرير والإستبرق، متعدد الألوان والأشكال والنقوش يسحبن ذيول ثيابهن على أرض القصر، يلبسن من
ها
تتخلله
الحلي والأساور ما لا يستطيع وصف جماله وحسنه إلا الخالق العظيم. هي زوجتك قد أقبلت إليك كأنها شمس الضحى ليس دونها حجاب ترفل في ثياب السندس، والحرير الذي تأخذ بذيوله بعض الوصائف من الحور العين وزوجتك مرسلة ذوائبها على كتفيها فيزداد وجهها وضاءة وحسناً رائعاً، وفوق رأسها تاج من الياقوت مكلل بالجواهر، درر من الذهب والفضة، تعكس شتى الألوان، وقد ارتجت جنبات القصر بأريج عطرها الفواح، ونفح طيبها الذي يكاد يسلب العقل لولا حكم الله أن لا نصب في الجنان، تمشي الهوينى ومن حولها وصائفها من الحور العين اللاتي كن يؤانسنها في غيبتك، ويطفن عليها بصحائف الذهب المليئة بشتى صنوف الطعام، وأكواب الشراب، إنّها مقبلة إليك فرحة جذلى، تكاد تسبقها خطواتها إليك من شدة البهجة بمقدمك الميمون، والسرور بوصولك المبارك، تزيدها اللهفة غنجاً ودلالاً، قد علاها البشر فكساها ضياء وبهاء وجمالا على جمال، وها أنتما تعتنقان عناقاً حاراً بعد شوق وفرقة وحنين، ويفتح لكما الولدان المخلدون أبواب المجلس ريثما تهدأ الأشواق قليلا لتذهبا سويا بعد ذلك بالتجوال في أجنحة القصر، وغرفه المنيفة، وها هو المجلس سعته مسيرة فرسخين تستقبل فيه إخوانك الصالحين من سكان الجنان، وقد صففت فيه الوسائد والطنافس بطائنها من إستبرق، مزود بالموائد، وما شاء الله أن يكون فيه من نقوش الذهب والفضة والزينة الفاخرة، وأنواع الأثاث الذي يخلب العيون، ولا تظن أن تلك الأضواء تنبعث من المصابيح المثبتة في السقف، كلا بل هي صفائح من الذهب، وصفائح من الفضة في لمعانها وبريقها، وهاهم الولدان المخلدون، قد أقبلوا كأنهم لؤلؤ مكنون، يطوفون عليكما بصحاف من الذهب وآنية من الفضة وَأَكْوَاب كَانَتْ قَوَارِيرًا (ع) (2/163)
صفحة 514
من معالم الفكر التربوي
{164}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ ه). فيتناول كل واحد منكما لو كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا
(2)
زنجبيلا) ()
الآن قبل أن تصعد إلى أجنحة القصر مع زوجك النورانية، استيقظ يا أخي، افتح عينيك، اعركهما بلطف براحتيك قليلا، أين أنت الآن؟ أين زوجتك التي كنت تعانقها قبل قليل؟ أين ذهبت عنك؟ أين الحور العين والولدان؟ أين الصحاف والأكواب؟ انظر إلى ملابسك هل هي من الحرير والإستبرق؟ هل ثمة عطر ينفح من أعطافها وأردانها؟ ماذا تشاهد؟ جداراً كالحاً؟ لا عليك، قم قليلا أزح الستارة وافتح النافذة! أين الأشجار الباسقة؟ والأنهار المتدفقة من اللبن والعسل المصفى؟ أين القصور والطيور؟ ماذا تشاهد؟ لا شيء! لا عليك فأنت ما تزال في الدار الدنيا، وتلك الدار تحتاج إلى ثمن، والحور العين تطلب مهراً، ولكنه ميسور على من يسره الله عليه. هل تريد ما كنت تحلم به قبل قليل إرادة صادقة؟ سل نفسك بأمانة، نعم؟ إذا عاهد نفسك من هذه اللحظة بأن لا تعصي الله أبداً، ما استطعت، وأن تؤدي جميع الواجبات، وتتعهد نفسك باستمرار دون كلل ولا ملل، حتى لا يستفزها الشيطان، وتخدعها حبائله، ويجمح بها الهوى، واحذر كل الحذر من الوقوع في المهينات والسخافات، فلا يراك الله تعالى إلا حيث أحب، وما هي إلا لحظات ستمر سريعاً جداً حتى تصل إلى هناك، يقول سماحته: " وكفى سعادة أن يفوز الإنسان برضوان الله، وما يترتب عليه من حياة الخلد والنعيم المقيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، في مقابل أن قيد نفسه عن شهواتها في فترة قصيرة لا توازي شيئاً بجانب حياة
الأبد"
(r)!!
(1) سورة الإنسان، الآيتان 16،15
() سورة الإنسان، الآية 17
() جواهر 3/ 155. (2/164)
صفحة 515
من معالم الفكر التربوي
عذاب النار والعياذ بالله:
{190}
عند الشيخ أحمد الخليلي
لقد بين الله لنا طرفاً من العذاب الشديد الأليم الذي لا يطاق ولا يحتمل مما أعده الله للعصاة، والكافرين إنّها نار حامية، إنَّها لظى، نزاعة للشوى (للجلد)، وإذا كان الإنسان لا يحتمل لفح حرارة الشمس في الحياة الدنيا فأنى له باحتمال السموم والحميم، والعذاب الشديد من السلاسل ومقامع الحديد، يقول عز وجل: نَى عِبَادِيَ أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ () وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ، ويقول: {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} ويقول: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ هُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) (أسأل الله السلامة والعافية وأن يباعد بيننا وبين العقاب، وأليم العذاب، وأن يعتقنا من النار بمنّه ورحمته وفضله، وسأعرض لشيء مما ذكره الله تعالى من عذاب
(2)
النار في كتابه الكريم.
• الصراخ والخصام:
(1)
(3)
يخبرنا المولى جلت قدرته أنَّ أصحاب النار يختصمون ويتشاجرون إضافة إلى صراخهم الدائم، وشهيقهم وزفيرهم المستمر من شدة العذاب يقول سبحانه وتعالى عن خصامهم: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (2) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَن الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَ كُم بَلْ كُنتُم مُجْرِمِينَ () وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا
(1) سورة الحجر، الآيتان 50،49
)) سورة الحديد، الآية 20
) سورة فاطر، الآية 10 (2/165)
صفحة 516
من معالم الفكر التربوي
{177}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
)
الأَغْلَيْلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "، ويقول: هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَهِمْ مَعَكُمْ لَا مَرْحَيَّا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (3) قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (3) قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا تَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ أَتَّخَذَنَهُمْ سِخَريًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَرُ إِنَّ ذَلِكَ الحَقِّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ " ويقول سبحانه: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَقُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّعْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلَّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} " ويقول: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّلِمِينَ مِن نَصِيرٍ)، ويقول: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ هُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقُ.
(1)
(4)
(a).
لباس أهل النار: يقول الله سبحانه وتعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ
(v)
، وقال سبحانه: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) " وإذا كان أهل الجنة يرفلون في الحرير وأساور الذهب، فهؤلاء يأتون مكبلين بالسلاسل والأغلال يلقون في مكان ضيق جدا، يقول عز وجل: {إِذِ الْأَغْلَلُ فِي
(1) سورة سبأ، الآيات 31 - 133
() سورة ص، الآية 59 (2) سورة غافر، الآيتان 48047
() سورة فاطر، الآية 37
() سورة هود، الآية 106
() سورة الحج، الآية 19
)) سورة ابراهيم الآيتان 108، 109 (2/166)
صفحة 517
من معالم الفكر التربوي
{167}
عند الشيخ أحمد الخليد
أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَنسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ... ويقول سبحانه: {وَإِذَا الْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَجِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} " وقال سبحانه عمن أوتي كتابه بشماله يوم القيامة خُذُوهُ فَعَلُوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَة ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ» (3). ويقول سبحانه: {إِنَّا أَعْتَدْنَا للكفرين سَلَسِلاً وَأَغْلَلاً وَسَعِيرًا} " .. هذا ما يلف أجسادهم من
الحديد والثياب النارية، والعياذ بالله
الطعام والشراب:
(3)
(4)
(1)
إذا كان أصحاب الجنة يتلذذون بفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون، فأهل النار ليس هُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيع (3) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي من جوع، ويقول سبحانه: {فَلَيس لَهُ الْيَوْمَ هَنهُنَا حَمِيمٌ (ج) وَلَا طَعَامُ إِلَّا مِنْ غِسْلِينِ (3) لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَطِئُونَ) "، والضريع: "شيء في النار كالشوك مر منتن، والغسلين: ما يسيل من صديد أهل النار ودمهم من الجروح والحروق، ويقول سبحانه في وصف طعامهم أيضا: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أما الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ (3) لَاكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُومٍ) فَمَالِكُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (3) فَشَرِبُونَ شُرْبَ أَلِيمِ} " وقال سبحانه في وصف شجرة الزقوم: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ (3) طَعَامُ الْأَثِيمِ
(v)
() سورة غافر، الآية 71 - 72
)) سورة الفرقان، الآية 13 (2) سورة الحاقة، الآيات 30 - 32
() سورة الإنسان، الآية 4 () سورة الغاشية، الآيتان 6 - 7 () سورة الحاقة، الآيات 35 - 37)) سورة الواقعة، الآيات 51 - 55 (2/167)
صفحة 518
من معالم الفكر التربوي
(2)
{168}
(1)
عند الشيخ أحمد الخليلي
كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (3) كَغَلّيِ الْحَمِيمِ} " والمهل هو: النحاس المذاب الذي تناهي حره، فهو يجرجر في البطن كغلي الحميم، أي كغليان الماء الشديد الحرارة، وقال سبحانه في وصف هذه الشجرة وثمرتها: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُوم (إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةً لِلظَّلِمِينَ) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (3) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (3) فَإِنَّهُمْ لاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِكُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ال ثُمَّ إِنَّ مَرْجَعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيم) .. وشبه الثمرة برؤوس الشياطين لفظاعة شكلها، وقبح منظرها مع ما تحتويه من المرارة الشديدة، ويقول تعالى في وصف طعامهم أيضا: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَحَيمًا (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا) " يغص به آكله قال ابن عباس: " شوك من نار يعترض في حلوقهم لا يخرج ولا ينزل)، وإذا أكلوا من ذلك احتاجوا إلى الشراب، ولا شراب إلا من الحميم ذلك الماء الذي يغلي من شدة حرارته فيقطع الأمعاء {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ أو من الماء الصديد (وَيُسْقَى مِن مَاءِ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتِ وَمِن وَرَأَىبِهِ، عَذَابٌ غَلِيظٌ)
،
(1)
فلا إله إلا الله ما أشد العذاب في جهنم، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (اللهم أعذنا منها يا أرحم الراحمين.
) سورة الدخان، الآيات 43 - 46
() سورة الصافات، الآيات 62 - 67
() سورة المزمل، الآية 12
() صفوة التفاسير 3/ 467
() سورة محمد، الآية 15
() سورة إبراهيم، الآيات 15 - 17 (2/168)
صفحة 519
من معالم الفكر التربوي
{179}
عند الشيخ أحمد ا
صنوف العذاب:
(2)
(1)
تلك الثياب التي قطعت من النار لأهل النار، ومع أنهم مكبلون في الأصفاد، ومع الجوع الشديد الذي يلجأون معه إلى أكل الزقزم والصديد والقيح، ومع العطش الشديد الذي يلجأون معه إلى شرب الحميم، مع كل ذلك فهناك الكثير من ألوان العذاب وضروب النكال {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا " ومن ألوان هذا العذاب ما حكاه الله تعالى في سورة الحج في قوله: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (وَهُم مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن تَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمْ أعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)، فانظر وقاني الله وإياك عذاب النار كيف تكون ثيابهم نارية، ثم يصب فوق رأس العاصي الماء الحار المغلي الذي ينصهر به ما في بطنه، وينسلخ جلده فيبدل الله له جلدا آخر كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْتَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ " ثم فوق ذلك يضرب في رأسه وسائر جسده بمقامع وسياط من الحديد، وفي الحديث " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينقذف فينفذ إلى الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان ". فيهمون عند ذلك بالخروج من شدة الغم وعظيم الكرب، فيعادون فيها من جديد ليذوقوا ألوان العذاب. قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّةَ طَعَامُ الْأَثِيمِ (3) كَالْمُهْلِ يَعْلَى فِي الْبُطُونِ كَعَلَى الْحَمِيمِ خُذُوهُ (3) (فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (3) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ الله
(3)
() سورة المزمل، الآيتان 13،12
() سورة الحج، الآيات 19 – 22)) سورة النساء، الآية 56
((أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح غريب، سنن الترمذي 705/ 4 (2/169)
صفحة 520
من معالم الفكر التربوي
{17}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ذق إِنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (هذه أوصاف رهيبة خطيرة، الشجر الذي يطعمونه هو شجر الزقوم يغلي في البطون كغلي الحميم، له ثوران عظيم - والعياذ بالله - يقول سماحته: يقول سبحانه: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي تِهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ هُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسهم الحمية يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُو مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ (*) وَهُم مَّقَمِعُ مِـ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن تَخْرُجُوا مِنْهَا مِن عَمِّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ
حَدِيدٍ
(3)
مِنْ
الحريق ". هذا الذي يصبُّ على رؤوسهم من الحميم تنصهر به أمعاؤهم والعياذ بالله، وبجانب ذلك لهم مقامع من حديد تقمع به رؤوسهم، وما أدراكم ما تلكم المقامع؟ ". وأين المهرب؟ هيهات، فهناك ملائكة موكلون بعذابهم {غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ}، وهي مؤصدة عليهم مقفلة الأبواب والنار بنفسها تجرهم بألسنتها، وتقلهم وتهوي بهم في قاعها، إنها تكاد تتقطع من الغيظ، يقول سبحانه وتعالى: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَهُمْ خَزَنَها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، بل إنها من قبل أن يلقوا فيها وهم بعيدون عنها يسمعون زفيرها من شدة الغيظ على العصاة إِذَا رَأَتْهُم من مكان بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيْظًا وَزَفِيرًا) "، أي " سمعوا صوت لهيبها وغليانها كالغضبان إذا غلا صدره من الغيظ وسمعوا لها صوتا كصوت، وهي دائمة التوقد، لا يفتر لهيبها"، {وَقُودُهَا
الحمار وهو الزفير
(v)!!
(0)
(1)
() سورة الدخان، الآية 43
)) سورة الحج، الآية 19 – 22
() الإيمان باليوم الآخر، الشيخ الخليلي، 41 / ج () سورة التنحريم، الآية 6
)) سورة الملك، الآية 7 () سورة الفرقان، الآية 12 () صفوة التفاسير 2/ 256 (2/170)
صفحة 521
(1)
{171}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) قيل: " هي حجارة الكبريت لتميزها بين الأحجار بسرعة الاشتعال، وشدة الحرارة وكثرة الدخان ونتن الرائحة، والالتصاق
بالأبدان، وهو قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنها، وذلك جزاء الذين عملوا السيئات ولم يتوبوا، مصرين على ما هم عليه، يقول سماحته: " الذي يأتي بالسيئة يجزى مثلها، ولكن ما أدراكم ما هو الجزاء، إنما الجزاء ذكره الله تعالى في قوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَبِكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وقد جاء وصف عذاب النار في آيات شتى، وكلها تدل على أنَّ هذا العذاب عذاب لا يطاق، والله تعالى يقول: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَيهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيم) يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) وَهُم مَّقَدِمعُ مِن حَدِيدٍ (2) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن تَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمَ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحريق هذا العذاب لا يمكن لأحد أن يطيقه مهما أوتي من قوة كيف والقوة يومئذ كلها تتلاشى، إنَّه عذاب فوق ما يتصور نعم صدق الله العظيم القائل: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ
(0)
الإنسان
الأليم،
((7)
(1
(*)
فاعتقنا يا أرحم الراحمين من عذاب الجحيم، إنك جواد كريم، غفور رحيم، عفو حليم، برحمتك يا أرحم الراحمين يارب العالمين.
)) سورة البقرة، الآية 24
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 449/ 2
() سورة التنحريم،، الآية 6
() سورة الحج، الآيات 19 22 () وللآخرة خير وأبقى الشيخ الخليلي،
) سورة الحجر، الآية 50
250/ 2 (2/171)
صفحة 522
من معالم الفكر التربوي
{172}
عند الشيخ أحمد الخليلي
إياك والأماني الفارغة
إياك أخي المسلم أن تغتر بالأماني الفارغة، إياك ثم إياك. فعندما تصل هناك فلا رجعى، ولا عودة، فتزود الزاد الكافي من هذه الدار، ولا يغرنك ما قيل من أماني الشفاعة لأهل الكبائر فلا يدخلون النار، أو أنهم يدخلونها أياما معدودة ثم ينقلبون إلى النعيم، كلا إنما الشفاعة بزيادة النعيم أو التعجيل بدخول الجنة للطائعين فلا يشفعون إلا لمن ارتضى، كيف يجعل الله الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات؟ أم كيف يجعل المتقين كالفجار؟ وهو الذي لا يظلم أحدا من خلقه سبحانه جل شأنه، مما يدلك على أن دعوى الشفاعة للعصاة غير مجدية، فكل إنسان رهين
عمله.
يقول سماحته:" وهذه كلية من كليات العقيدة الإسلامية الحقة، جاء بها القرآن في آيات متعددة ليثبت أن الإنسان يومئذ رهين عمله، ولم يجن إلا ما زرع، وهو بذلك يقطع حبال الآمال على الكسالى الذين يمنون أنفسهم الجني من غير غرس، والراحة من غير، نصب، فيعطون أنفسهم هواها، فلا يصدونها عن حرمة ولا يكلفونها واجبا، آملين السعادة بشفاعة الشافعين، وبمجرد الانتماء إلى الدين " وعقيدة الإسلام التي جاء بها القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، إنما تقوم على اعتبار استقلال كل فرد في التكليف، فلا ينفع فاسدا صلاح غيره، كما لا يضر صالحا فساد غيره، ومن هنا كان كل أحد مطالباً بإصلاح نفسه، وتقويم انحرافها، وحملها على الخير والنأي بها عن وإن عقيدة الخروج من النار عقيدة يهودية المنشأ وقد حذرنا الله تعالى من إتباع مسلك اليهود، وأن لا نتمنى أمانيهم، يقول عز وجل: ليسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ) " فمالنا والقول بأن عذاب
الشر
(1) "
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 3/ 259
(1) سورة النساء:، الآية 123 (2/172)
صفحة 523
من معالم الفكر التربوي
{173}
عند
الشيخ أ
أحمد
الخليلي
الآخرة مؤقت كما قالت اليهود، ونحن نعلم ما لها من آثار سلبية في الدنيا والآخرة، يقول سماحته: " وإذا كانت عقيدة توقيت عذاب الآخرة جرأت اليهود على ما جرأتهم عليه من نبذ الكتاب، وانتهاك الحرمات، وتعدي الحدود، فإنّ الذين تلقفوها من هذه الأمة أخذوا بحظ وافر من ذلك كله، فكم من حرمة ارتكبت أو محرمة أبيحت، وحقيقة طمست تحت مظلة اعتقاد العفو عن الكبائر بعدم دخول النار مطلقا، أو تعذيبهم عذاب مؤقتاً ينقلبون بعده إلى النعيم المقيم؛ فيتساوون مع البررة المتقين في المنزلة والثواب، فيا الله ما هذه المصيبة في الدين؟ أين عقول هؤلاء من قوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ الفجار)
(2) (1)
ولا يغرنك أبدا ما تمسكوا به في دعواهم أن الله تعالى ينجز وعده ويخلف وعيده، وقد عدوا ذلك من سمات الحلم، وسعة الإحسان، ويتعقب سماحته هذه الدعوى بالقول: " لو كان الأمر كذلك فإنَّ الله تعالى لا يخلو حال الوعيد إما أن يكون عالما بأنه لن ينجزه، وإنما توعد بما توعد به لمجرد الردع والكف عن المخالفة، وهذا هو الكذب بعينه، وهو غير لائق بأصحاب الشيم والإباء من البشر، فكيف يليق برب العالمين، وإما أن يكون غير عالم بما سيحدث من موجبات الإخلاف وإنما انكشف له من بعد ما كان منطويا عنه من قبل، فرأى الإخلاف أولى من الإنفاذ، وهو - كما ترى ـ يستلزم لا محالة الجهل، وبدو البدوات، تعالى الله عز وجل عن ذلك "
فاستعد أخي المسلم ما دمت على قيد الحياة، وتزود بزاد التقوى، واعلم أنك إذا صرت إلى تلك الدار، ولم يكن لك زاد من الصالحات، وعرفت
(1) سورة ص، الآية 28
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 512/ 3 ص 28 وانظر الحق الدامغ ص 226
() جواهر 281/ 3 (2/173)
صفحة 524
من معالم الفكر التربوي
{174}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الحقيقة، وبان لك الرشد، ورأيت بأم عينيك ما رأيت من الهول العظيم، وعلمت ما قضى الله به عليك والعياذ بالله أن ترد تلك الموارد ـ فلن ينفعك ساعتها الندم، ولا العض على الأيدي أسفا وحسرة، هيهات لا رجعى ولا عمل، ولا تصحيح مسير، ولا توبة ولا شفاعة فأنت وعملك، هذا منطق العدالة، فخذ الأهبة من الآن فلا قدرة لك على عذاب الله مهما أوتيت من قوة حيث لا قوة، ولا طاقة لك أيضا بالحرمان من النعيم الدائم، فأي العذابين أشق عليك؟؟ ألا تحسم أمرك الساعة الساعة، وتحاسب نفسك وتعاهدها ألا تقدم بأي حال من الأحوال على معصية العزيز العظيم الجبار، الذي لو شاء أخذك بغتة في سهوك ولهوك، فما أنت بمعجز له سبحانه، ولا تغرنك طاعتك، ولا يخدعنك عملك، فاحذر كل الحذر من مكائد الشيطان فهيهات هيهات أن تدخل الجنة بعملك، إنها تدخل الجنة برحمة الله وفضله، فتقرب إلى العظيم الجليل بصنوف الطاعات، وعليك بتقوية صلتك به سبحانه ما استطعت إلى ذلك سبيلا، عسى أن يتقبل الله منك طاعتك،
وصالحات عملك، ويمن عليك بالرحمة والرضوان إنه جواد كريم.
ومنه (2/174)
صفحة 525
من معالم الفكر التربوي
{175}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
الفصل الثاني
وسائل التربية الروحية العملية (2/175)
صفحة 526
من معالم الفكر التربوي
{176}
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/176)
صفحة 527
من
معالم الفكر التربوي
{177}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وسائل التربية الروحية العملية
توجد وسائل عملية عديدة لتنمية الجانب الروحي والرقي به إلى الأوج الشامخ، وكل تلك الوسائل تدخل في مفهوم العبادة، وذلك لشمول هذا المفهوم لكل أفعال الإنسان وتركها إذا كان ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى. سأتبع هنا الأسلوب نفسه الذي عمل به سماحته من بيان مفهوم العبادة العام، ثم أتعرض لبعضها بشكل خاص، مبينا أثرها في البناء الروحي للإنسان، وأبدأ بالعبادات المفروضة بعد توضيح المفهوم
1 - العبادة بأنواعها
يقول سماحته: " العبادة أوسع مدلولا مما يظنه كثير من الناس من أنها منحصرة في الصلاة والصوم والحج، وهذا الذي تدل عليه الآيات والأحاديث الشريفة فمن الأحاديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في كل ذي كبد رطبة أجر " وهو دليل على أنَّ الإنسان يتقرب إلى الله سبحانه بالإحسان
حتى إلى البهيمة العجماء.
(r)"
ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: " في بضع أحدكم صدقة ... " فانظر كيف يكون العمل الفطري الذي يلبي به الإنسان داعي الغريزة عبادة يؤجر عليها " (3)
ويقول سماحته أيضا: " والعبادة هي مطلق الخضوع والانقياد بحيث يشعر الإنسان من أعماق نفسه بهيئة المعبود، وعظمته وجلاله، ويشعر بخوف هذا المعبود، خوف يمتلك وجدانه ومشاعره، ويقود إلى طاعته، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، إذ الأعمال الصالحة داخلة ضمن
من
(1) صحيح البخاري، رقم 2234، وصحيح مسلم، رقم 2244
(1) صحيح مسلم، رقم 53، 1006
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 250/ 1 (2/177)
صفحة 528
من معالم الفكر التربوي
{178}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(1)
العبادة، الدليل على ذلك أنَّ رسول الله لا و اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَتَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) في حديث عدي بن حاتم قال: أتيت النبي وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَتَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله) قال أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه " " فإذا العبادة الواجبة الله تعالى هي طاعته المطلقة، والشهادة عهد الله أن يعبده الإنسان كما يحق لجلاله
(r)!!
وقال أيضا: " وعبادة الله تعالى تعني الخضوع المطلق الله سبحانه وتعالى، خضوع الروح والجسد والقلب والعقل، وجميع الحواس والمشاعر الله سبحانه وتعالى، هذا الخضوع يكون بتحكيم أمر الله، واتباع هداه وبالإعراض عن نهيه وبالوقوف عند حدوده
أثر العبادات الروحي
(E)!!
يشير سماحته في كثير من المواطن إلى الأثر الروحي العميق للعبادات بصورة إجمالية، وبصورة تفصيلية أحيانا فالعبادة تعني الإنعتاق من الخضوع لغير الله، وإذا كان الأمر كذلك فإنها تمد الإيمان بطاقة روحانية كبيرة، يقول سماحته: " وقد جعل الله سبحانه عباداته المتنوعة وقودا روحانيا للإيمان"، لأنها " ذات أثر عميق في الإصلاح النفسي والاجتماعي، وتنوير
)) سورة التوبة، الآية 31
() سنن الترمذي رقم 3095
((الجملة، الشيخ الخليلي، ص 14، 15، وانظر العبادة وأثرها الشيخ الخليلي، ص 23، عوامل تقوية الوحدة،
الشيخ الخليلي، ص 11.
() الحساب والعدل الإلهي، الشيخ الخليلي، ص 23
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي،
197/ 2 (2/178)
صفحة 529
من معالم الفكر التربوي
{179}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الفكر، وتهذيب الأخلاق، وإمداد العقيدة بالطاقات التي تمكنها من الهيمنة
على العقل والقلب والروح والجسم، والعواطف والغرائز "
فالإنسان بخلقته العجيبة بحاجة إلى تلبية متطلبات فطرته مما يجعله
ينطلق إلى هذه الحياة التي هل محل الكثير من الأكدار النفسية التي تنقص من وقوده المعنوي، وتخفض من سموه الروحي، لذا تأتي العبادات هنا لإمداده بالوقود اللازم للتحليق في آفاق الروحانية، فيتطهر قلبه من الأدناس وتزكو نفسه، وتقوى صلته بخالقه، يقول سماحته في هذا المعنى: " إِنَّ الله سبحانه وتعالى من فضله جعل لعباده أسبابا للخلاص من كدرات هذه النفس، وما يرين على هذا القلب، وذلك من خلال تلكم العبادات التي شرعها للعباد، فإن كل عبادة من هذه العبادات تؤدي إلى تزكية النفس وتطهيرها وتخليصها من آثار معاصي الله تعالى، فالله عزوجل ناط العبادات جميعا بالتقوى بحيث جعلها الغاية منها عندما قال عز من قائل: {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (3)
بعد بيان الدور الروحي بشكل عام لسائر العبادات سأخص كلا من الصلاة والزكاة والصيام والحج بحديث خاص يبين أثر كل عبادة من هذه
العبادات في التربية الروحية.
أثر الصلاة في التربية الروحية
يبين سماحته أثر الصلاة في تهذيب النفس، وتغذية الروح في مواضع كثيرة جدا، وأقتصر على ثلاثة مواضع منها يكمل بعضها بعضا، يقول سماحته: " والصلاة هي إمام الأعمال البدنية وأقواها في تهذيب النفس،
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 140/ 2
() سورة البقرة، الآية 21
() تطهير القلوب، الشيخ الخليلي، 1/ 480 (2/179)
صفحة 530
من معالم الفكر التربوي
{1^.}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وتقويم السلوك، وأجداها في إمداد العقيدة، لما فيها من التذكير بالله وسلطانه
وإحسانه
(1) "
ويقول: " إنَّ الصلاة أثرها كبير في تزكية النفس وتصفية الروح وتجريد الإنسان من سلطان الشهوات الذي كثيرا ما يسيطر عليه، فالله سبحانه وتعالى شرع في هذه الصلوات من الأذكار ما يحيي القلب،، ويوقض الضمير، ويفيض على النفس البشرية من الأنوار الربانية ما يجعلها تهتدي بعد ضلالها، وترشد بعد غيها، وتغفل بعد غفلتها، فكل كلمة من الكلمات التي تقال في الصلاة تسكب في حس الإنسان شعورا بعظمة الله سبحانه وتعالى، وبحكمه من أمر ونهي، ووعد ووعيد، لتكون هذه النفس يقظة مستعدة للقيام بأوامر الله، ولا ريب ب أنَّ الإنسان عندما يخوض غمار هذه الحياة يتكدر بما يلاقيه، وعندما يأتي إلى الصلاة يطهر نفسه من آثار هذه الأكدار، فتعود في كل مرة من المرات الخمس صافية نقية، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرأيتم لو أن على باب أحدكم نهرا جاريا غمرا ينغمس فيه كل يوم خمس مرات، أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا، يارسول الله، قال: ذلك مثل الصلوات الخمس" فالصلاة تطهر أعماق الروح " " ويقول في موضع آخر: " إن عبدنا الله تبارك وتعالى بحق كما فرض علينا أن نعبده عاشت الروحانية، فالصلاة في اليوم والليلة خمس مرات تقوى جانب الروح، وتشع في باطن الإنسان نور الإيمان، تذكر بالله وباليوم الآخر، وتذكر بنعم الله تبارك وتعالى، فما من كلمة يقولها المصلي في صلاته إلا وفيها الدواء النافع لروح الإنسان، لباطن الإنسان، لعقل الإنسان، لقلب الإنسان "
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 162/ 2
() صحيح البخاري، رقم د 505، وصحيح مسلم، رقم 284، 668 () تطهير القلوب، الشيخ الخليلي، 1/ 480
() الدين الخلق، الشيخ الخليلي (2/180)
صفحة 531
{11}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي إن تركيز سماحة الشيخ - حفظه الله - في النص الأخير على عبادة الله بحق كما فرض علينا تدفعني إلى الإشارة في موضوع الصلاة بالذات إلى أنَّ الله تعالى فرض علينا إقامتها لا تأديتها، كما تنص على ذلك الآيات القرآنية، فمع الخشوع الذي سأتناوله بالحديث بعد قليل ومع توفية الأركان حقوقها، فمن الواجب على الرجال خاصة أن يؤدوا الصلاة في الجماعة، حيث ينادى بها، ولا يصلوا منفردين من غير عذر شرعي، وهذا ما ذهب إليه سماحته في فتواه في صلاة الجماعة مربيا هذا الجيل على الجد والاجتهاد والتمسك بأهداب السنة المطهرة، يقول سماحته: " والقول بوجوبها على الأعيان هو الذي اطمأن إليه قلبي وسكنت إليه نفسي واعتمدته في العمل والفتيا،
واقتصرت عليه في مجال الدعوة، وذلك لاعتضاده بكثير من الأدلة ()
إنَّ الصلاة إنما تؤتي ثمارها المرجوة من التزكية النفسية، والتطهير القلبي، إذا كانت قائمة على عمودها موصولة بروحها وهو الخشوع " فإنَّ الخشوع في الصلاة هو روحها، إذ الصلاة بدونه هي بمثابة الجسم الذي خلا من الروح، والجسم إن كان خالياً من الروح فإنه لا حراك له ولا إحساس له، ولا أثر له، ولذلك كانت صلاة كل أحد بحاجة إلى أن يكون فيها خاشعا، ولذلك نيط الفلاح بالخشوع كما في قوله تبارك وتعالى {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}) وفي الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله من رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام قال: لكل شيء عمود، وعمود الدين
(2)
الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع، وأكرمكم عند الله أتقاكم ".
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 202/ 3
() سورة المؤمنون، الآيتان 1 - 2
)) سؤال أهل الذكر 6/ محرم 1424 هـ 2003/ 3/9 م (2/181)
صفحة 532
من معالم الفكر التربوي كيف يتم الخشوع؟
{182}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ولأهمية هذا الموضوع وضرورته لكونه متعلقا بعمود الدين فإني أنقل هنا كلام سماحته النفيس في كيفية تحصيل الخشوع في الصلاة من كتابه جواهر التفسير، يقول سماحته: " وبالجملة فإنّ الأدلة متضافرة على أن الصلاة الصحيحة المقبولة عند الله هي الصلاة المصحوبة بالطمأنينة والسكينة المقترنة بروحها ومصدر سلطانها وهو الخشوع، وبدون ذلك لا يكون لها على النفس سلطان، ولا في الحياة أثر، فإنها تعد ميتة لا تغني شيئا ولا تحيي قلبا، وإذا أردت أن تعرف حقيقة ذلك فأمعن فكرك فيما تقوله في صلاتك مستحضرا معانيه مستشعرا عظمة الله المعبود الذي أنت واقف بين يديه، تجد كل كلمة تلفظ بها دافقة بمعنى حيوي يسري في نفسك كما تسري الروح في جسمك، وأول ما تنطق به التكبير، وبه تدخل في صلاتك، وهو يسكب في نفسك شعورا بأن كل ما في الوجود وإن عظم شأنه وعلا قدره عند الخلق هو صغير حقير بجانب كبرياء الله وعظمته، إذ ليس من المعقول أن يقارن بين الخالق والمخلوق وبين القديم والحادث وبين الباقي والفاني، فالمخلوق مهما أوتي من قوة أو سلطان فهو نسبي في حدوده لا يوازي شيئا بجانب قوة الله المطلقة، وسلطانه المهيمن على الوجود، وإذا استشعرت هذه الحقيقة كان لها أثر نفسي عليك؛ لأنك إما أن تكون من ذوي القدر والمكانة عند الناس بمنصبك، أو مالك، أوجاهك ووجاهتك وإما أن تكون من الذين تتجاوزهم الأنظار، ولا زنة لك عند الناس لضعفك المادي، ولضعة قدرك
بينهم.
فإن كنت من الصنف الأول، كان نطقك بتكبير الله عز وجل كافيا في تنبيه قلبك الغافل، وإيقاظ بصيرتك النائمة بأنك لا مزية لك على غيرك من الناس، فأنتم جميعا متساوون في الضعف والفقر، والذلة والمسكنة أمام الله، وليس ما أوتيته مما تظنه أو يظنه غيرك مزية لك وعلواً لقدرك إلا ابتلاء من (2/182)
صفحة 533
{13}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي الله تعالى مالك الملك ذي الطول والحول الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويهب النعمة من يشاء، ويسلبها ممن يشاء، وله ما آتي وما نزع،
وبيده ما وهب وما سلب، فيكون لك من ذلك دواء لغرورك، وكبح لشرورك، لأنك تستشف بهذا الشعور عيوبك المتنوعة، سواء ما كان خاصا بك، أو ما كان مشتركا بينك وبين الناس وتدرك أنك واحد من العباد المفتقرين إلى الله لا مزية لك بينهم، ولا فضل لك عليهم إلا بقدر ما تتقي ربك، وتتقرب إليه بالتذلل والخضوع، والخشية والخشوع، وذلك ينافي ما أنت فيه من الغرور والاستكبار، والتطاول على الناس بما ابتلاك الله به. وإن كنت من الصنف الثاني، كان شعورك بما يوحيه التكبير كافيا لأن يرفع من قدرك!!، فلا ترضى أن تنزل منزلة المهانة والذلة بين الناس بسبب فقرك أو ضعفك، فإنهم مثلك، وكلكم في الضعف سواء، ولئن كان بعضهم أوتي ما لم تؤته من أسباب القوة ووسائل النعيم في الحياة الدنيا؛ فإنَّ ذلك لا يعدو أن يكون ظلا زائلا وخيالا عابرا، وإذا أنت تقربت إلى الله بصالح الأعمال، واستمسكت بعروة التقوى كنت أجدر منهم بالعزة، وأولى منهم بالكرامة، وهذا الشعور نفسه كفيل بتحرير نفسك من الذل لغير الله، وجعلك تقصر خضوعك على مقام الربوبية، فما أعظم هذه التربية النفسية للمصلين، سواء كانوا من الفريق الأول أو الثاني.
وإذا شرعت في التلاوة وافتتحتها بالاستعاذة عملا بقول الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ)
(1)
، شعرت أنك تلجأ إلى حمى الله المنيع هروبا من الشيطان ووساوسه ومكائده، وفي ذلك ما يوقظ نفسك لما يريد بك الشيطان من سوء، وما يقصدك به من إضلال، فهو عدوك الذي لا ينفك عن الكيد لك؛ حتى يرديك في الجحيم إن لم يتداركك الله بلطفه، ويعصمك منه بحوله، وهذا
(1) سورة النحل، الآية 98 (2/183)
صفحة 534
{184}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي يقتضي أن لا يكون الجوؤك إلى الله لجوءا قوليا فحسب، بل لجوءا قلبيا وعمليا بحيث تستنفد طاقتك في مقاومة مكائد إبليس بالطاعات التي تؤهلك للدخول في حمى الله، أما إذا قلت ذلك بلسانك فحسب، وكان قلبك وجوارحك في قبضة الشيطان، لم يغنك هذا القول شيئا، وإنما يكون مثلك مثل الأسير في قبضة العدو لا يستطيع الانفلات منه، وهو مع ذلك يدعي بلسانه أنه هارب من ذلك الأسر، ولاجئ إلى حمى أحد الملوك، وكيف يكون
لمثله اللجوء وقد أحاطت به حبال الأسر، ومنعته من قصده قيود القهر. فإذا نطقت البسملة استشعرت عظمة الموقف الذي أنت واقفه، وقدر العمل الذي أنت عامله، فإنك واقف بين يدي الله، وعامل باسمه، ومن شأن ذلك أن يوحي إليك أنه لا اعتداد بشيء ما لم يكن الله تعالى خالصا
فإذا قلت الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ} شعرت بفيض من نعم الله
تعالى يغمر جوانبك ويملأ وجودك ووجود كل شئ، فإن كون الحمد محصورا في الله سبحانه دليل على أنه مصدر كل نعمة، وهذا داع إلى قطع حبال التعلق بغيره تعالى؛ لأجل تحقيق منفعة أو دفع مضرة، ويكون ذلك وصفه بأنه رب العالمين، فهو مشعر بخضوع كل ما في الوجود لعزه وسلطانه، وافتقار كل كائن إلى فضله وإحسانه، فما من ذرة في الكون إلا وهي واقعه تحت حيطة قدرته، معلنة بلسان حالها افتقارها إلى فضله ومنته، وشعورك بذلك يقوي صلتك به تعالى بحيث لا ترى غيره أهلا لأن أو يتقى، كما يستدعي أن تكون في أحوالك المتقلبة، وتصرفاتك المتنوعة تتحرى مرضاته، وتجانب سخطه، ولا ريب أن قلبك ـ في مثل هذا الموقف الذي تتجلى فيه آيات توحيده تعالى، وتشاهد شواهد عظمته وجلاله - تغمره الدهشة وتمتلكه الهيبة، غير أنك إذا قلت الرَّحمنِ الرَّحِيمِ} أحسست بالسكينة تسري في نفسك، وتمتزج بدهشتك، وبالطمأنينة تزاحم الهيبة في قلبك، فتتعادل فيه كفتا الخوف والرجاء، لأنك تستشعر أنَّ ربوبيته تعالى.
يرجى (2/184)
صفحة 535
مع.
{110}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي جلاله الباهر وسلطانه القاهر - هي ربوبية رحمة وإنعام وفضل وإحسان، ويقوي هذا التعادل إذا ما قلت مَلِكِ يَوْمِ الدِّين واستشعرت خطورة ذلك الموقف الذي تمثل فيه بين يدي رب العالمين، وقد تجردت من كل ما خولته في الدنيا، وقطعت جميع علائقك بأحبابك ونصرائك فيها، لتعرض عليك أعمالك السيئة والحسنة فلا يخفى منها خافية، وأنت بين الجنة والنار، أولهما عن يمينك والثانية عن شمالك، لا تدري إلى أيهما منقلبك والله بك محيط لا مهرب لك عنه، ولا نصير لك دونه، وفي شعورك بهذا تقوية لعزائم الخير في نفسك، وكبح لعزائم الشر التي يمليها عليك هواك.
فإذا قلت {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، أحسست بتضاعف الهيبة، لأنك انتقلت إلى خطاب الله تعالى خطاب الحاضر، ومضمون الخطاب نفسه يستلزم منتهى الخضوع والوصول إلى أقصى حد في التواضع، لأن معنى خطابك تقديم عبادتك إليه تعالى وهو غني عنك وعنها، وإنما هي وظيفتك التي لأجلها خلقك، ورفع قدرك بما بسط لك من نعمه، وسخر
لك من خلقه، فقيامك بها إنما هو شرف لنفسك، ومنفعته عائدة إليك. وهذا الخطاب منك يقتضي عدة أمور منها صدق المقال، وإخلاص السريرة، وتعظيم المقام، والاستمرار على الخضوع المطلق للمعبود، وطاعته الدائبة، والعطف والرحمة بعباده. فإن الله علمك في هذا الخطاب أن تشرك مع غيرك من عباده العابدين، ولم يعلمك أن تخاطبه بصيغة فردية، نفسك التي تقتضي استقلالك عنهم، وفي هذا ما يقتضي وحدة الأمة المؤمنة القائمة بعبادة ربها، وحدة عامة في الشعور والإحساس، وفي القول والعمل، وفي المبادئ والأهداف، وفي الآلام والآمال -
فإذا قلت وإياك نستعين شعرت بقيمتك عند خالقك، إذ لم يجعل بينك وبينه وسائط تستعين بها في طلب محبوب أو أتقاء مخوف، كما أنه لم يجعل بينك وبينه وسائط تعبدها، دونه فالعبادة والاستعانة خاصتان.
به
تعالى، (2/185)
صفحة 536
من معالم الفكر التربوي
{186}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وذلك فيما لم يجعل الله التعاون فيه بين الناس من سنن كونهم ونواميس وفي شعورك بهذا تخليص لك من التشبث بالأوهام، كالضراعة إلى الموتى في القبور، أو إلى الأشجار والأحجار، أو العيون والأنهار، أو
حياتهم
الجن والشياطين، في طلب فكاك من معضلة أو وصول إلى هدف. فإذا قلت {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (2) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، شعرت أنك أمام طريقين: طريق الهداية والاستقامة المؤدي إلى نعمة الله تعالى بالتوفيق والفوز بالرضوان، وهو الذي وفق الله لسلوكه عباده الصالحين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
وطريق الضلال والانحراف المؤدي إلى غضب الله وعقوبته، وتتشعب منه مسالك لا تحصى، كلها ملتوية مطموسة المعالم، وهو طريق الفريق الآخر
الذي نكب عن صراط الحق، وتعرض لغضب الخالق سبحانه.
وفي هذا الشعور ما يدعو إلى التبصر في مسالك الحياة والدؤوب على اتباع الحق، واجتناب الباطل، ويدعو إلى الترابط المديد بين أهل الحق، أسلافهم وأخلافهم، فلا تخرج أجيالهم عن كونها حلقات متواصلة في
سلسلة واحدة.
وهكذا شأن الخاشع في صلاته في كل ما يتلوه من القرآن وما يكرره من تكبير وتسبيح وتعظيم، وجميع حركاته من قيام وقعود وركوع وسجود. فإذا أدى صلاته على هذا النحو خرج منها طاهر الروح، زكي النفس، نقي الوجدان، مرهف الحس مهذب الأخلاق
فإذا خاض من بعد غمار الحياة وكاد يتلوث من جديد بدخانها وغبارها عاد إلى هذا المعين الفياض فارتمى فيه وتطهر من أوضاره، وتخلص من (2/186)
صفحة 537
من معالم الفكر التربوي
{JAY}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أكداره وهكذا تتكرر العملية في اليوم والليلة خمس مرات، فضلا عن الرواتب والنوافل.
وقد صور رسول الله هذا الأثر النفسي للصلاة وتطهيرها باطن الإنسان من الأرجاس المعنوية في صورة المحسوس المألوف. وهو الطهارة الحسية - حيث قال: أرأيتم لو أن على باب أحدكم نهرا جاريا غمرا ينغمس فيه كل يوم و ليلة خمس مرات أيبقى من درنه شئ؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، وهو مثل أراد به صلى الله عليه وسلم إفهام العقول وتقريب المعاني، فإن النفس آلف للمحسوس وأدرك لحقيقته، وإلا
فشتان بين نقاء الظاهر ونقاء الباطن، وطهارة الجسم وطهارة الروح " بهذا تتحقق المنفعة وتؤتي الصلاة ثمارها اليانعة، فيخف إليها المصلي، ويرتاح بها المتعب، ويهش إليها المنهك، فيسمو ويسمو، وكأنه يسبح في الملأ الأعلى، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين
الهاتف المتنقل وأثره على الخشوع في الصلاة
ولأجل
عموم
الفائدة وتحقيق الخشوع، والحفاظ على قدسية الصلاة
حرصا على جني ثمارها، أنقل فتوى سماحته في فتح الهواتف المتنقلة أثناء الصلاة، ففي جواب على سؤال عن تأثير الهاتف المتنقل على الصلاة من حيث الصحة والفساد، قال ـ حفظه الله: "، ما دام هذا الإنسان تعمّد أن يأتي بشاغل يشغله في صلاته فإن هذه الصلاة تتأثر بذلك، لأنه تعمد أن يأتي بشاغل، وهذا الشاغل يتنافى مع قدسية الصلاة، يشغله عن الخشوع، بل
نفس هذا الشغل من النوع الذي لا يجوز في المساجد لكونه موسيقى. وأنا أعجب كيف يغفل هذا المصلي الذي يأتي إلى المسجد أن يغلق الهاتف النقال؟ أنا سافرت بنفسي كثيراً في أنحاء مختلفة وبطائرات متنوعة، ولم
() جواهر التفسير 146/ 2 153 (2/187)
صفحة 538
من معالم الفكر التربوي
{1^^}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أسمع في يوم من الأيام في الطائرة هاتفاً نقالاً، لأنهم جميعاً ينبهون بأن إغلاق الهواتف النقالة ضروري في الطائرات، لئلا تشوش على الاتصالات، فهنالك يحافظون على مصلحتهم الدنيوية، وهي مصلحة هذه الطائرات، يحافظون على سلامتهم في الدنيا، ولا يحافظون على سلامتهم في العقبى، عندما يأتون إلى مساجد الله هم أولى بأن يحترزوا، وأولى بأن يغلقوا هواتفهم، ولكن مع ذلك لا يبالون بذلك.
يسمع
هذا الاتصال،
ومع
ذلك لا
وهذه الهواتف النقالة تشغل أصحابها وغيرهم، فصاحب الهاتف عندما هذا الاتصال لا بد من أن يكون مشغولاً به من أين جاءه الاتصال، ولا بد من أن يفكر كثيراً في قصد هذا المتصل لأي غرض اتصل به، لا سيما التجار فإنهم مشغولون بتجارتهم، وهم دائماً يحسبون حساباً للأرباح التي يحرزونها أو الأعمال التي يقومون بها، فلذلك تشغلهم الهواتف النقالة، وكذلك صاحب أي عمل من الأعمال يشغله عمله، فإذا ما جاءه الهاتف النقال اشتغل بذلك وأصبح لا يفكر في أمر صلاته بقدر ما يفكر في مضمون ينحصر شر الهواتف في شغل هؤلاء عن صلاتهم فحسب، بل هذه الهواتف تشغل المصلين؛ لأن كثيراً منهم يمتعضون منها، فيتألمون منها وأنا واحد منهم، أنا إن سمعت هاتفاً في الصلاة أتأثر كثيراً لأنني أرى أن هؤلاء الذين يحملون هذه الهواتف ويتركونها شغالة غير مغلقة عندما يدخلون في المساجد إنما هم في الحقيقة يتعمدون أن يلهوا الناس عن الصلاة، وأن يلهوهم عن ذكر الله فلذلك أتأثر بهذا، فإذا تنصب على هؤلاء اللعنات من كل جانب، فمالهم ولهذا الأمر، ما بالهم لا ينتبهون، هذه مصيبة من المصائب نسأل الله تبارك وتعالى السلامة منها، ونسأل الله أن يهدي هذه القلوب إلى الحق وإلى طريق مستقيم "
(1) سؤال أهل الذكر 6 من محرم 1424 هـ / 2003/ 3/9 م (2/188)
صفحة 539
من معالم الفكر التربوي
{119}
عند الشيخ أحمد
الزكاة والإنفاق في سبيل الله وأثرهما الروحي الزكاة ركن من أركان الإسلام فرض يجب على من توافرت فيه شروط الوجوب، وهي بقدر معلوم حدده الشارع الحكيم ومن زاد فهو خير له، ومن ضاعف ضاعف الله له، وقد فرضت الزكاة على المسلمين في مرحلة مبكرة من تأريخ الإسلام " وهي مأخوذة من زكا الزرع إذا نما، ومن زكا الشي إذا طهر، فهي نماء للمال لأنها سبب لحلول البركة فيه، كما أنها نماء لنفس المزكي لأنها توفر أخلاقه الحميدة، وتضاعف حسناته، وتقيه شرور الدنيا
رهي
والآخرة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ که (1) تطهير للمال وصاحبه كما نص عليه قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكّيم بها} " وذلك لأنَّ النفس البشرية جبلت على حب الاستزادة من الأموال، فإذا تركت وما جبلت عليه تأصلت هذه الجبلة فيها، فاستعصى علاجها وتعذر استئصالها، فتسعى إلى توفير المال ولو على حساب الغير، وقد جعل الله إيتاء الزكاة وسيلة من وسائل علاجها "
(3)
وإذا كان أثر الزكاة الواجبة واضح جلي في تطهير النفس من أدران الشح، فإن الإنفاق الطوعي الذي بؤتيه الإنسان في الخير برحابة صدر، طيبة به نفسه لهو أدعى إلى تطهير النفس من الشح والأثرة، فتترفع النفس عن الدنايا، وتسمو الروح عن جاذبية الحطام والتراب، ويحث سماحته على الإنفاق في سبيل الله، لمعالجة شح النفوس، وحب الاستبداد بالثروة، وصولا إلى الأوج الشامخ من الاستعلاء على مطامع النفس وجموحها، يقول: والإسلام بما شرعه من الإنفاق يعالج النفس البشرية التي من طبعها حب
(1) سورة البقرة، الآية 276
)) سورة التوبة، الآية 103
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 191/ 3
"1 (2/189)
صفحة 540
{19.}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي المال والرغبة في الاستكثار منه فإنها إذا أرسل لها العنان في هذه الرغبة تجاوزت كل الحدود، واستخفت بكل الواجبات الأسرية والاجتماعية، وأصبح همها الوحيد ما تكسبه من مال تستكثر به على الآخرين، ولن تبالي في هذه الحالة في الوطء على كل القيم والفضائل وقطع جميع الوشائج والأواصر، ما دام في ذلك تحقيق لرغبتها الجامحة، وإرواء لظمئها الملتهب وفي مثل هذه الحالات تنضب العواطف وتغور مشاعر الرحمة، ويغلظ الإحساس في الإنسان، وتستعر البغضاء والعداوات حتى بين الأقرباء الأدنين، فلا والد يعطف على ولده، ولا ولد يوقر والده، كما هو الشأن السائد في المجتمعات التي تعبد المادة وتقدس الثروة، وفي هذا الإنفاق علاج لهذا المرض الفتاك، فهو يرهف الحس، ويفجر مشاعر الرحمة وعواطف الإحسان بين ذوي القربي خاصة، وسائر الناس عامة. والله تعالى قدير على إغناء كل أحد حتى يستقل بمصالحه عن غيره، ولكنه أراد بما طبع عليه النفوس من الاحتياج إلى الغير، وأمر به من التعاون بين الناس تربية الضمير الإنساني، وتمتين العلاقات بين أفراد الجنس البشري، وإنما انحراف الناس عن هذا المنهج المستقيم الواضح هو السبب في وجود العداوات في القلوب وتأجج الأحقاد في الصدور، وتحول الإنسان إلى سبع ضار لا يبالي بمن يفتك به ما دام ذلك يحقق رغبته، وليس شي أسرع في اشتعال نار الفتنة بين الناس من حب المال، فكم من ولد استعجل وفاة والده، أو قريب استطال حياة قريبه فسقاه السم الزعاف، أو استخدم أية وسيلة في القضاء على حياته، وما الغاية من ذلك إلا حيازة تركته والتنعم
بثروته)
وبهذا الكلام النفيس يتضح جليا الأثر الروحي والتطهير النفسي الحاصل من اعتياد الإنفاق في سبل الخير ابتغاء وجه الله، إنَّه انتصار ساحق
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 178/ 2 (2/190)
صفحة 541
من معالم الفكر التربوي
{19}
عند الشيخ أحمد الخليلي على النفس التي لا تلبث أن تلقي الزمام لصاحبها، وتسلم له قيادها بعون الله وتوفيقه. وما أجمل تلك الدرر التي نظمها الشيخ أبو الحسن الندوي بيراعه الملهم مصورا ما يفعله حب المال والثروة من السيطرة الكاملة على النفس، وما يفرضه من التوجيه السلبي للسلوك، يقول: " وقد اعتاد العرب لأسباب كثيرة وبتأثير من الحضارة الغربية - حياة الترف والدعة والاعتداد الزائد بالكماليات وفضول الحياة والإسراف والتبذير والاستهانة بمال الله في سبيل اللذة والشهوة والفخر والزينة، وبجانب هذا الترف والنعيم وحياة الترف والتبذير جوع وعري وفقر فاضح، يرى الناظر مناظره الشائنة في عواصم البلاد العربية؛ فتدمع العين ويحزن القلب، وينتكس الرأس حياء وخجلا، فبينما هنالك رجل عنده فضول الثياب وزائد الطعام والشراب لا يعرف كيف يستهلكه، إذا ببدوي لا يعرف قوت يومه وكسوته، وبينما أمراء العرب وأغنياؤهم على سيارات تباري الريح وتثير النقع، إذا بفوج من النساء والأطفال عليهم ثياب سوداء قد أصبحت خيوطا من طول اللبس، يعدو لأجل فلس أو قرص، فما دامت المدن العربية تجمع ما بين القصور الشامخة والسيارات الفاخرة، وبين الأكواخ الفقيرة والبيوت المتداعية الضيقة المظلمة، وما دامت التخمة والجوع يزخران في مدينة واحدة فالباب مفتوح على مصراعيه للشيوعية والثورات والاضطراب والقلق، لا تقفها دعاية ولا قوة، وإذا لم يسد النظام الإسلامي في بلاده بجماله واعتداله، يحل محله نظام جائر بعسفه وقهره، عقاب من الله كرد فعل عنيف (1)
فإذا أردت أخي المسلم تزكية نفسك وتحريرها من حب المال واللهاث خلف الحطام الزائل، فما عليك إلا أن تحملها على ممارسة الإنفاق في سبل الخير، فكلما وجدت فيها شحاً فلا تطعه، وخاطبها قائلا: " كلا يانفس، لن أطيعك أبدا، سأقدم بعض هذا المال على رغم أنفك، فإنما يعدك الشيطان
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ط 7، ص 287، نقلا من جواهر التفسير 186/ 2 (2/191)
صفحة 542
من معالم الفكر التربوي
{192}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الفقر، والله يعدك مغفرة منه وفضلا وحاول أن تجعل لك برنامجا للصدقة في جدول تعده سابقا، ليعينك ذلك على محاسبة نفسك، وعاهدها على اقتطاع جزء من دخلك لا يدخل في حسابك أبدا، قدمه الآن وانسه تماما
تجده غدا في ميزان حسناتك.
الصوم وأثره الروحي
(1)
6
لقد فرض الله سبحانه وتعالى على عباده صيام شهر كامل في كل عام، وهو شهر رمضان المبارك،" لأجل تربية الضمائر وتقوية الملكات، ولأجل تهذيب النفس ولأجل ترقيق الشعور، ولأجل تنوير الأرواح " ويوقض جانب الإحساس لدى الإنسان بتذكره عند الجوع حال البؤساء والفقراء والمساكين؛ فترق أحاسيسه ومشاعره تجاههم، ويفيض عليهم بما آتاه الله تعالى من خير " فيحصل الارتقاء بالنفس من جانبين: الأول: من ثمرة الصيام نفسه بكف النفس عن الانجراف وراء شهواتها من الطعام والشراب ونحوه، فتقوى بها إرادة الإنسان.
(1) "
والثاني من حيث الصدقة والإنفاق في سبيل الله، وقد تقدم الحديث عن آثار الإنفاق الروحية.
كذلك الصيام هو " سبب للتقوى، فهو مطهر للقلب لما بعود به النفس من البعد عن معاصي الله سبحانه وتعالى، فإن الصائم بصيامه تقوى إرادته على شهواته، ويستطيع أن يهيمن على نفسه، بل الصيام في جوهره ه الكف عن محارم الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله)، ويقول
() وجي المنابر، الشيخ الخليلي، 170/ 1 () السابق 1/ 157
)) رواه (2/192)
صفحة 543
من معالم الفكر التربوي
{19}
أحمد عند الشيخ)
الخليلي
: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس الله حاجة في أن يدع طعامه
وشرابه)
وعندما يتعود الإنسان ذلك يطهر نفسه من آثار المعاصي ورجسها، فتكون هذه النفس طهورا بمشيئة الله سبحانه "
هذه الثمار جميعها تستطيبها النفس الإنسانية وتستلذها حين يكون أداؤها للصيام على الوجه الشرعي الذي أمر الله به، وليس مجرد فطم النفس على الطعام والشراب ثم تسرح في ارتكاب معاصي الله سبحانه وتعالى، وفي شرح كيفية الصيام المطلوب وما يحققه من نتائج، ويخلفه من آثار يفيض سماحة الشيخ في إيضاح ذلك وبيانه فيقول: " الصيام هو فطم لهذه النفس عن ملذاتها، الطعام والشراب والوطء الجنسي، كل هذه الأمور تدعو إليها فطرة الإنسان ولكنه عندما يكون في عبادة الصيام يمنع النفس منها. وقد يكون في خلوة بحيث لا يطلع عليه أحد من الناس، قد يكون مرخيا على نفسه الستر فلا يطلع أحد من الناس على أمره، ومع ذلك بين يديه لذيذ الطعام وبارد الشراب، وهو في النهار القائظ وفي الجوع الشديد، فيتحمل أذى الجوع، ويتحمل مشقة الظمأ أجل أن من يصبر حتى يؤدي هذه الفريضة على النحو الذي أوجبها الله تبارك وتعالى عليه، محتسبا أجره عند الله
سبحانه وتعالى.
ومع هذا كله فإنَّ الصيام أيضا لا يعني الكف عن الأكل والشرب فحسب، بل هو فطم للنفس عن شهواتها وملذاتها جميعا. شهوة الجنس أيضا هي داخلة ضمن المفطرات الكبرى والصائم يمنع نفسه من ذلك، وقد يكون في خلوة مع أهله وكل منهما في ميعة الشباب، وفي زهرة العمر، وكل منهما تدعوه الرغبة إلى الآخر، ولكن يمنع كل منهما عن الآخر حاجز التقوى
)) صحيح البخاري، رقم 1804
) تطهير القلوب، الشيخ الخليلي، 1/ 480 (2/193)
صفحة 544
{198}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي الذي يفصل بينه وبينها. وبجانب كل ذلك فإنَّ الصيام ضبط لهذه النفس عن كل معاصي الله سبحانه وتعالى، بحيث يمنع الإنسان جوارح جسمه كلها عن معاصي الله، ولكل جارحة من الجوارح رغبة، فالعين رغبتها النظر والأذن رغبتها السماع والأنف رغبته الشم، وهكذا، ولكن الإنسان في صيامه عليه أن يمنع نفسه من ذلك كله عندما تكون هذه الرغبة فيما لا يجوز له شرعا، فعليه أن يمنع عينه من الامتداد إلى كل ما يتنافى مع قدسية الصيام من المحذورات، فعليه أن لا ينظر بها إلا إلى مباح، عليه أن يحبس عينه من النظر إلى محاسن النساء، وإلى كل ما يشغل هذه النفس عما هي متوجهة إليه وما هي مشغولة به؛ وعليه أن يمنع أذنه من الإصاخة إلى ما حرم الله من قول الزور الصادر من الغير، وعليه أيضا أن أذنه من سماع الأصوات يمنع
الشيطانية الملهية عن ذكر الله من غناء وزمر وغير ذلك؛ وعليه بجانب ذلك أن يضبط لسانه، واللسان شهوته الحديث، وقد يتعدى الإنسان حدود الجائز عندما يكون غير متكيف وفق أمر الله سبحانه وتعالى في مخاطباته، قد يتعدى حدود الجائز فيقع في عرض هذا، ويتناول ذاك بالذم والقدح، ويسيء إلى ذلك، ويشير إلى ذلك في كلامه إشارة لمز ونبز، ولكن هو في صيامه يمتنع من ذلك كله ليتكيف وفق أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا يدعو الإنسان إلى أن يتزود هذا الزاد من التقوى في سائر العام، وأن يصبر على ضبط هذه النفس ومنعها من الوقوع في محارم الله تعالى في أي حال من الأحوال، فإن المسلم مطالب بأن يمنع لسانه من قول الزور، وأن يمنع أذنه من سماع الزور، وأن يمنع عينه من الامتداد إلى محارم الله سبحانه وتعالى، وأن يمنع كل جارحة من جوارح جسمه عن مواقعة شيء من معاصي الله في أي حال من الأحوال، ولكن مدرسة الصيام هي التي تمكن الإنسان من ذلك، ولذلك نيط الصيام بالتقوى وجعلت التقوى هي الغاية منه)
(1) ?
() محاضرة في سناو، الشيخ الخليلي، بعنوان الصبر، وانظر هذه المعاني في سؤال أهل الذكر 17/ رمضان / (2/194)
صفحة 545
من معالم الفكر التربوي
{190}
عند الشيخ أحمد الخليلي ولا يعني ذلك أن يكون الالتزام بتلك الآداب والانضباط بتلك القيود خاصا بالشهر الكريم، بل في كل حالات الصيام فهي ملازمة له في أي وقت كان، وبما أن الصيام يحوي هذه الثروة الروحية فلا ينبغي للمسلم التفريط فيه، بحيث تمر عليه سائر أيام العام دون أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بصيام بعض الأيام على الأقل ذات الليالي البيض، ذلك لمن أراد لروحه السمو، ولقلبه الطهارة، بله الثواب العظيم من المولى الكريم سبحانه وتعالى. الحج وأثره الروحي
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام وهو فرض على من استطاع إليه سبيلا، وذلك لما له من آثار روحية عظيمة، حين يتذكر الإنسان في تلك العرصات الطاهرة منقلبه إلى الله تعالى يوم القيامة، بعد أن ارتدى ثوبي الإحرام، هناك يتساوى الحاكم والمحكوم والغني والفقير، والعظيم والحقير، وناهيكم بيوم عرفة، وما تتنزل فيه من الرحمات، وما يكون فيه من الخيرات والبركات، هناك حيث تسيل العبرات ويذيب القلوب الخوف من رب الأرض والسموات، فيجللها برد الرجاء للرحمة والغفران، والقبول
والرضوان.
إن يوم عرفه المشهد عظيم يذكر الإنسان بمشهد يوم الحساب، وقد اجتمع فيه الأولون والآخرون لقضاء رب العالمين.، يقول سماحته في إحدى خطبه بعرفات:" ما أعظم هذا المشهد في هذا اليوم العظيم الذي اجتمعت فيه هذه الحشود من بقاع الأرض، يحدوها أمل المغفرة، ويحفزها رجاء الغفران، وما أشبهه بمشهد يوم القيامة عندما يقف الناس بين يدي الله سبحانه، وقد تخلى عنهم كل شي {وَلَقَدْ جِعْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْتَكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَ كُمُ الَّذِينَ
1423 هـ الموافق 23/ 2002/11 م (2/195)
صفحة 546
من معالم الفكر التربوي
{196}
عند الشيخ أحمد الخليلي
زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَنُوا لَقَد تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ
تَزْعُمُونَ) (1) (2)
وحين يتذكر سماحته هذا الموقف العظيم ينخرط في البكاء الحاد، فما من خطبة خطبها بعرفة إلا وغلبه فيها البكاء من خشية الله، ولذا ترى خطبه بعرفة قصيرة جدا. فلله أنت يا حلية الأيام.
ويوضح سماحته ثمار هذه العبادة، وما ينبغي للحاج أن لا يغفل عنه وهو يؤدي مناسك هذه الشعيرة قائلا: " الحج من العبادات التي تغرس روح التقوى في نفس الإنسان وتثمر في سلوكه تقوى الله تبارك وتعالى، بحيث يكون هذا الإنسان حريصاً على اتباع أمر الله، فعندما ينقلب إلى الحج عليه أن يقلب صفحته من الشر إلى الخير، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشد، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الانحراف إلى الاستقامة، ومن النفرة من إخوانه إلى التآخي معهم، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن كل شر إلى كل خير. ويؤمر الإنسان أيضاً وقد أكرمه الله سبحانه وتعالى بالوفادة إلى ربه سبحانه في تلكم الأماكن المقدسة أن يحرص على تذكر الانقلاب إلى الله تعالى في الدار الآخرة، وأن يزن جميع تصرفاته وأعماله بموازيين الحق التي أنزلها الله سبحانه وتعالى ليكون مستعداً للانقلاب إلى ربه تبارك وتعالى، وهو الله، نظيف الجيب طاهر القلب والنفس نقي السلوك، بعيد عن معاصي مستمسك بحكم الله تعالى المتين، ناهج صراطه المستقيم، وبهذا كان الحج ينفي الأوزار، ينفي المعاصي كما جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب
(1) سورة الأنعام، الآية 94
() وحي المنابر، الشيخ الخليلي، 307/ 1 (2/196)
صفحة 547
من معالم الفكر التربوي
(1)
{19}
عند الشيخ أحمد الخليلي
والفضة ")، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ")، فعلى الإنسان أن يحرص على أن يكون حجه مبروراً، وعلامة بره أن يعود خيراً منه عندما ذهب (3) كما عليه في حجه أن يتذكر ما كان عليه السلف الصالح من تضحية في سبيل الحق من لدن إبراهيم عليه السلام ومرورا بمحمد الله و صحبه "الكرام
2 ـ النوافل وأثرها الروحي
(2) "1
لقد تبين لنا من هذا العرض أنَّ العبادات المفروضة من الصلاة والصيام والزكاة والحج، هي من أكبر الوسائل وأعظمها في تهذيب النفوس وتزكيتها، وتقوية الإيمان، وتربية الروح على الخوف والرجاء الله سبحانه، وعلى الإنسان أن لا يقتصر على ما هو واجب، بل عليه أن يتنفل ويزيد من القربات صلاة وصياما وصدقة وحجا، وعمرة، ليكون رصيده وافرا من الحسنات والثواب بإذن الله تعالى، وتقوى صلته بالله عزو جل ويصبح قلبه متوجها إلى الحق فإنَّ " الإنسان إذا توجه قلبه إلى الحق تفاعلت الأمور كلها معه، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يجعل بينه وبين ذلكم القلب الطهور النقي صلة، وقد جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عن ربه سبحانه وتعالى: " ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها " وما معنى ذلك إلا أن الإنسان يكون موفقا من قبل الله سبحانه وتعالى في جميع تصرفاته وفي جميع أعماله فيسخر الله له الوجود)
() سنن الترمذي، رقم 810، وسنن النسائي، رقم 2630، وسنن ابن ماجة، رقم 2887)) صحيح البخاري، رقم 1683، وسنن الترمذي، رقم 933
)) سؤال أهل الذكر 24/ شوال 1423 هـ / 2002/ 12/29 م
() وحي المنابر، الشيخ الخليلي، 158/ 1
تطهير القلوب، الشيخ الخليلي، 1/ 480 (2/197)
صفحة 548
من معالم الفكر التربوي
{198}
الإخلاص في العمل وأثره الروحي
عند الشيخ أحمد الخليلي
كل العبادات من القربات والطاعات وأداء الواجبات لا قيمة لها ولا أثر لها في النفس إذا تجردت من الإخلاص التام الله تعالى، وبسبب هذا القدر من الأهمية والمكانة للإخلاص كان سماحته كثيراً ما ينبه الناس على ضرورة تجريد أعمالهم من كل الشوائب وتخليصها من كل الأقذار، وربما ألقى محاضرات خاصة تناقش هذا الموضوع بالذات ولكن السؤال ما هو الإخلاص؟ وكيف يتحقق؟ وما القوادح التي تقدح فيه، يقول سماحته: " الإخلاص هو روح العبادة والعمل والعمل إن تجرد من الإخلاص كان أشد نتنا، وأقبح مظهرا من الجثة التي تفقد الروح، ذلك لأن قيمة العمل إخلاصه، وقد عرف بأنه تصفية الأعمال من شوائب القصد بها غير وجه الله تعالى، وقيل هو سر بين العبد وربه، وقد جاء في الكتاب العزيز ما يدل على أن الإخلاص هو روح هذا الدين، وجوهره وسره، وعدم الإخلاص الشرك الخفي، وهو المقصود بقوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
وهذا ما عناه أبو مسلم:
وجرد على الإخلاص جدك في التقى
ففوقك بالشرك الخفي خبير"
هو
(1)
ولا ريب أنَّ للإخلاص دوراً عظيماً جداً في تزكية النفس، وصقل الروح، وتهذيب الوجدان وارتقاء المشاعر وتطهير القلوب من جميع الأدناس والأرجاس، لأنه كما قيل روح العمل التي بها يحيى، وقلبها النابض بالحياة، وهو ذو ثمار يانعة دانية يجنيها الإنسان في الدار الدنيا وفي العقبى وَالْآخِرَةَ خَيْرٌ وَ أَبْقَى)
يقول سماحته مبينا آثار الإخلاص في تزكية النفوس: "أمر الإنسان في أعماله كلها بأن تكون هذه الأعمال خالصة لوجه الله، لا أن يريد بها شيئاً مما
(ا) الإخلاص، الشيخ الخليلي، 1/ 21
() سورة الأعلى، الآية 17 (2/198)
صفحة 549
{199}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي يريده الناس في هذه الحياة الدنيا من التوصل إلى السمعة والشهرة، والثناء المنتشر بين الناس ولا إلى شيء من المكاسب الدنيوية المادية أي لا يتوصل الإنسان بعمله إلى مكسب مادي، ولا إلى مكسب معنوي، بل الأعمال تكون كلها خالصة لوجه الله، يقول سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين) أي مخلصين له الطاعة فلا يشرك الإنسان في عمله أحداً من الناس بحيث يريد أن يتقرب إليه مع الله أو منفعة من المنافع بحيث يعمل ذلك العمل من أجل تلك المنفعة، وأن الأعمال كلها يجب أن تكون خالصة لوجه الله، لذلك كان إخلاص الطاعة في كل العبادات أي كل القربات التي
(1)
يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى أمرا لا بد منه حتى يتزكى هذا الإنسان" ويقف الشيطان اللعين للإنسان بالمرصاد، محاولا جهده أن يفسد عليه عمله، باذلا كل طاقاته لبث الوساوس في نفس الإنسان، وتحريك مشاعره وأحاسيسه من حيث الإعجاب بعمله، أو الاغترار بما يقدمه من جهود وأعمال خيرية، وينفث فيه الرغبة الجامحة في لفت نظر الآخرين، ومن ثم ثناؤهم عليه، أو تقديرهم لشخصه واحترامهم لهم، أو يستغل ضعفه الفطري من حيث حب المال والجاه فيقول له لو عملت كذا وكذا من الخير لكان أدعى إلى أن تعطى المنصب الفلاني، أو توهب شيئا من المكافآت المادية، والحطام الزائل، أو سيقدمك الناس عليهم، أو أحيانا يصل الأمر إلى تسهيل أمور خطبة فتاة معينة يهواها قلبه أو تتمناها نفسه، فيلبس المسوح ثم ينكشف عنها عن جوهر ذئب شرس، أو يتوصل بعمله إلى تقريب الوالي أو الحاكم وتوليته شيئا من المناصب إلى ما وراء ذلك من المنافع الدنيوية التي تلبث أن تضمحل وتزول وتتلاشى وتذهب ذهاب أمس الدابر، ومن كان على الإنسان أن يكون أشد ما يكون احتراسا من فساد عمله، ومن
هنا
(1) سورة البينة، الآية.
) تزكية الأنفس، الشيخ الخليلي، 1/ 273 (2/199)
صفحة 550
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
يعتصم
دخول الشيطان الرجيم إلى قلبه، فيغلق عليه جميع المنافذ، سائلا المولى القدير أن يعينه على ذلك. يقول سماحته: " إن القلب يقع بين جزر ومد، تطغى عليه مؤثرات نفسية ومؤثرات أخرى فيتزعزع ويتزلزل وطبيعة الإنسان الضعف، الإنسان ضعيف جدا، وإنما عليه أن بالله، ولذلك الله تبارك وتعالى أمر أن يفزع الإنسان إليه مستعيذا بالله سبحانه وتعالى من الشيطان الرجيم يقول عز من قائل: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ عليه) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}، يقول سبحانه وتعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ، فالإنسان مأمور أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى مع إحساسه بمثل هذه المؤثرات التي تطغى على
نفسه (3)
ولابد من التعريج هنا باختصار على مرضين خطيرين يذهبان بالأعمال، ويعملان باستمرار على تفريغها من مضامينها، ويقضيان على روحها قضاء تاما، وهما الرياء والعجب، ومن هنا أتناول توجيهات سماحته في اتقاء الإصابة بهما، وسبل العلاج لمن ابتلي بهما. التخلص من الرياء وأثره السلبي:
يقول سماحته: " إن الرياء في الأعمال يرجع إلى فساد الفطرة، وإلى انطماس البصيرة، ذلك لأن العاقل يرى أن الكون مسخر بأمر الله، فالله وحده هو المقدم والمؤخر فيه، وهو الذي يوجد المعدوم، ويعدم الموجود فيه، والله وحده هو الذي يبسط النعماء، ويدفع الضراء، والله تبارك وتعالى
(1) سورة الأعراف، الآية 201،200
() سورة فصلت، الآية 36
() سؤال أهل الذكر 3 رمضان 51424 - 2003110129 م (2/200)
صفحة 551
ماذا
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي وحده هو الذي يحقق للإنسان مطالبه ويستجيب دعاءه، ويعطيه سؤله. فلماذا يتعلق بعمله عندما يعمله لغير الله تعالى، وهو القادر عليه والمتفضل عليه بصنوف النعم وإذا كان الإنسان يرائي بعمله، فليسأل نفسه من يرائي يا ترى؟ فإن كان يرائي الناس فماذا عسى أن يفيده الناس إن عمل من أجلهم؟ الناس كلهم لا يملكون لأي أحد نفعاً ولا ضرا، على أن كل أحد منهم فان عسي أن يفيد هذا العامل من إعجاب هذا الإنسان الفاني لعمله؟ أو ليس أولى له أن يعمله لوجه الله تبارك وتعالى الباقي الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا ريب أن العاقل يدرك أن المصلحة إنما هي في أن يعمل ذلك لوجه الله تبارك وتعالى، لا من أجل الناس، وما قيمة الناس؟ الناس كلهم مهما كانت أقدراهم، ومهما كانت منازلهم، ومهما كان شأنهم في هذه الحياة، إنما هم عباد لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، فضلا عن أن يملكوا لغيرهم، فلا يحق أن يعمل لأي أحد منهم، إنما العمل يجب أن يكون الله سبحانه وتعالى "
وعلى الإنسان أيضا أن " يفكر أن جميع الناس مهما أحبوه و أكنوا له التقدير بسبب ما يرون من، عمله لا يفيدونه شيئاً، ولو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء كتبه الله عليه على أن عمله إنما ينقلب وبالا عليه إن عمله من أجل الناس، وإنما ينفعه إن أخلصه الله سبحانه، والله أغنى الأغنياء عن الشرك، لذلك لا يتقبل الله عملا أشرك فيه غيره ".
/21
() الإخلاص، الشيخ الخليلي، () سؤال أهل الذكر 3 رمضان 51424 - 29\ 10\2003 م
() الدين الخلق، الشيخ الخليلي، المعهد (2/201)
صفحة 552
{202}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي ويقول سماحته مؤكداً على تلك المعاني ومبيناً ما يمكن أن يستأصل به
الإنسان داء الرياء قائلا:
"لو أنَّ أهل السماوات والأرض اجتمعوا على الثناء على أحد من الناس، عند الله تعالى مرفوض لما أفاده ذلك شيئا، ولو أنهم اجتمعوا على ذمه والقدح فيه، والحط شأنه، فإن ذلك لا يضره ه عند الله تبارك وتعالى إن
وهو
من
وجه
الله
كان مقبولا عنده سبحانه، وعلى هذا فعلى العبد أن يبتغي بعمله تبارك وتعالى لأجل مصلحة نفسه، إذ مصلحة نفسه إنما تناط بالإخلاص الله تعالى والإنسان يدرك أن الذي خلقه فسواه هو الله سبحانه، وهو القادر عليه، فلماذا يتعلق بغيره فيبتغي بعمله غير وجه الله؟ قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نطْفَةٍ خَلَقَهُ، فَقَدَّرَهُ (3) ثُمَّ السَّبِيلَ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا فَليَنظُر) و الإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبَّا) الْأَرْضَ شَقًا شفا: فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونَا
وتخلاً * وَحَدَابِقَ غُلَبَا وَفَيكِهَةً وَأَنَّا مَتَنعًا لَكُمْ وَلأَنْعَمكُمْ)
(1)
فإذا كان يدرك أن الله تعالى هو الذي بسط له هذا الخير كله، وهو الذي خلقه وطوره من طور إلى طور حتى اكتمل خلقه وصار على ما هو عليه، وهو الذي نمي مواهبه، وبسط له في الرزق وهيأ له هذه الأسباب، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا، فكيف يبتغي الثناء من الناس أو يبتغي المثوبة من الناس، ويترك إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى؟! يتأتها الإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَتِكَ الْكَرِيمِ (الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنَكَ فَعَدَ لَكَ) في
(T).
أَي صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكْبَكَ)
)) سورة عبس، الآيات 17 32
() سبورة الانفطار، الآيات 86 (2/202)
صفحة 553
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي فالإنسان خلقه الله تبارك وتعالى هذا الخلق، وأبدعه هذا الإبداع، وصنعه هذه الصنعة، وصوره هذا التصوير، ومع ذلك يريد بهذا العمل غير وجه الله تبارك وتعالى.
إن الله تبارك وتعالى عندما أمر عباده بعبادته ذكرهم نعمه عليهم، يقول تعالى: (يَنَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (3) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضِ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) فالذي يرائي في عمله؛ إنما جعل الله سبحانه وتعالى أنداداً، لأنه رأى غير الله تعالى أهلا لأن يتقرب إليه بذلك العمل، مع أن الله لا يرضى أن يكون ذلك العمل إلا خالصا لوجهه الكريم، ففي هذا ما ينفع العباد في تطهير سرائرهم، وجعلها خالصة لله تبارك وتعالى، وتزكية أعمالهم
بالإخلاص"
(1)
(2)
ومن أنواع العلاج الناجع لداء الرياء هو كتمان العمل عن أعين الناس يقول سماحته: " جاء فيما روي عن لقمان كيفية علاج آفة الرياء، بحيث لا يبتغي بعمله إلا وجه الله، ويتجرد في جميع أعماله من شوائب الرياء وطلب أغراض الدنيا، وذلك أن لقمان أوصى ابنه بأن يخلص الله جميع أعماله، فسأله ابنه عن طريق ذلك، فقال له: كتمان العمل. فقال: وإن كان إظهاره واجبا؟ فقال له: إن كان إظهاره واجبا فاجتهد في إخلاص هذا العمل الله سبحانه وتعالى، وإن كان إظهاره غير واجب فاستعن على إخلاصه الله تعالى بكتمانه. ولذلك كان السلف الصالح حريصين كل الحرص على كتمان أعمالهم التي يتقربون بها إلى الله تبارك وتعالى - من غير الفروض ـ عن الناس، أما الفروض فإنها تظهر، إذ كتمانها يؤدي إلى سوء الظن بالناس، فالنوافل ينبغي
)) سورة البقرة، الآيتان 21،22 () الإخلاص، الشيخ الخليلي، 2/ 21 (2/203)
صفحة 554
{204}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي أن تكون مكتومة، وقد كان السلف يحرصون على كتمان النوافل، وإخفائها عن أبصار الناس، وإبعادها عن مسامعهم، فكانوا عندما يتهجدون يتهجدون في الخفاء، وعندما يتصدقون - صدقات النفل - يتصدقون في السر، ويحرصون على كتمان ذلك حتى عن أولئك الذين يتصدق عليهم، لئلا ينالوا منهم جزاء أو يسمع لهم ذكر بين الناس، والعاقل يحرص كل الحرص على منفعته، ومنفعة الإنسان إنما تتوقف على الإخلاص"
- التخلص من العجب والغرور:
وهما خلقان دنيئان، ذميمان، يولدان في نفوس الآخرين الكراهية للمعجب بنفسه أو بعمله أو بما آتاه الله تعالى، ويولدان النفور منه، والاشمئزاز والتقزز من مخالطته، لأنه يعمل على احتقار الآخرين والاستهانة بأقدارهم، والتعالي عليهم، وبذلك تنشأ في نفس من أصيب بهذا الداء البغيض حالة من الدناءة، الخلقية والمرض النفسي، يستحق بذلك غضب الله عليه، وأن يفعل به كما فعل بأشياعه من قبل. يقول سماحته عن هذا
المرض:
" إذا كان الإنسان يحس بعجب في نفسه فعليه أن يفكر في مصدر عجبه، هل هو معجب بعلمه؟ فإن كان كذلك فعليه أن يقارن بين ما يعلمه وما يجهله، يجد إن ما يعلمه لا يوازي شيئا بجانب ما يجهله، ولا يعلم من الحقائق إلا ظواهرها، والله تعالى وحده المحيط بكل شيء، على أن هناك الكثير الكثير من البشر يفوقونه علما ومعرفة، وأن العلم لا قيمة له إن لم يكن لوجه الله فإنه عباده، فربما كان علم الإنسان وبالا عليه إن لم يقصد به
وجه الله تعالى.
(1) الإخلاص، الشيخ الخليلي، 21/ 2 (2/204)
صفحة 555
من معالم الفكر التربوي
{205}
عند الشيخ أحمد الخليلي وإن كان معجبا بعمله فعليه أن يعلم أن روح العمل الإخلاص فبدون الإخلاص لا قيمة لذلك العمل الذي يعمله، وإن كان معجبا بماله فعليه أيضا أن يدرك أن المال إنما هو عرض زائل، وأنّ من الناس من يفوقه مالاً بكثير وقارون كان أكثر منه مالاً، حتى أن الله تبارك وتعالى وصف أمواله بقوله: {وَآتَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوَا بِالْعُصْبَةِ أَوْلِى الْقُوَّةِ
6 (1)
وهذه الأموال كانت وبالا عليه فقد خسف الله به وبدار ه الأرض، فماذا عسى أن تكون قيمة هذا المال، وهناك الكثير من الكفرة يفوقونه في كثير من الأموال. والمال وبال على العبد إن لم يتصرف فيه تصرفا حسناً، كما يقول
الشاعر:
النار آخر دينار نطقت به والهم آخر هذا الدرهم الجاري والمرء بينهما إن لم يكن ورعاً ماذا يكابد بين الهم والنار
وليس من الورع أن يعجب بماله
والمال ما ليس به افتخار لأنه إن لم يزك نار
(2)
والفقر من المال شعار الصالحين.)
أما الغرور فيقول سماحته في سبيل علاجه: " ثم إن كان الإنسان أيضا مغروراً بعمله، أو مغرورا بعلمه، أو مغروراً بماله، أو مغروراً بمنصبه، أو مغروراً بأي شيء مما خوله الله في هذه الحياة الدنيا، فعليه أن يدرك أن ذلك إنما هو خيال عابر وظل زائل. الدنيا كلها لا تساوي شيئاً. فماله وللإعجاب بما أوتي في هذه الدنيا من علم أو ما صدر منه من عمل، وما أوتيه من مال،
(3) سورة القصص، الآية 76 الدين الحق، الشيخ الخليلي (2/205)
صفحة 556
{206}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي أو ما أوتيه من جاه، أو ما أوتيه من منصب، أو أوتيه من جمال، أو أوتيه من أي شيء من هذا القبيل؟!. هذه حلية معارة لا تلبث أن تسترد، فلذلك على الإنسان أن يستبصر، وأن لا يغتر بشيء من ذلك وأذيل هذه المعاني ببعض الأبيات التي قالها أبو مسلم ناصر بن سالم الرواحي في هذا المعنى أيضا:
(1)
وجرد على الإخلاص جدك في التقي ففوقك بالشرك الخفي خبير واخلص مع الجد اليقين فإنه به تنضر الأعمال وهي بذور وبالرتبة القصوى من الورع التبس فللورع الدين الحنيف يحور وكن في طريق الاستقامة حاذرا كمين الأعادي فالشجاع حذور يجوز طريق الاستقامة حازم على حرب قطاع الطريق قدير مراصدها شتى وفي كل مرصد لخصمك حرب بالبوار تغور فلا تخش إرهاقاً وساور ليوثها
بعزم يفض الخطب وهو
(T)
تذكر أخي المسلم أن الإخلاص يحقق لك فوق ما ترجو، فوق ما تتصور، فوق ما تتوقع، فوق ما تأمل، ولا تغتر بثناء الناس عليك فكثير منه دجل وتمويه، ومجاملات فارغة، وهي فارغة حتما من الثواب، ومثل ذلك الثناء قد يفسد عليك عملك، ويحرمك من الثواب، فتكون ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، وأعلم أنّ الذي يثني عليك وعلى عبادتك، أو يطريك أو ما شابه ذلك، إما أن يكون ممن يحب أن يثني عليه فهو يريد أن ينقلك إلى رتبته الدنيئة، وإما أن يكون ممن لا يحب ذلك وإنما يريد أن يولد في نفسك حب الخير ويشجعك عليه، كما هو حال المربين من العلماء المخلصين، وسيكرهك وتصغر في عينيه إن رآك معجبا مرائيا مغرورا
((سؤال أهل الذكر 3 رمضان 1424 هـ - 29/ 10 / 2003 م)) ديوان أبي مسلم ص 207 (2/206)
صفحة 557
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي بعملك، فاحرص على أن لا تحمل ذلك الثناء على غير محمله، وقل لنفسك أنا أقل من ذلك، أو لا أجد في نفسي شيئا من ذلك، فلا تغتري يا نفس، وسيري إلى ربك سيراً مرضياً.
- التوبة من الذنوب:
من وسائل التربية الروحية التوبة النصوح من الذنوب والمعاصي، ولا ريب أن المعصية شؤم كلها، وهي انحراف في الفطرة، ونشاز عن سنن الكون الخاضع بأسره لذي الملك والملكوت، والقهر والجبروت، ونتائجها المؤلمة الوخيمة تعم الدنيا والآخرة، ويذوق حصادها المر البر والفاجر، والمعصية وإن كانت من الصغائر فإنها تنكت في القلب نكتة سوداء، فيتكدر صفاء القلب، ويتلوث نقاؤه، ويخفت لمعانه وبريقه، وإن بقى عليها العبد مصرا تحولت إلى كبيرة من الكبائر والعياذ بالله، ولا يفتأ الشيطان الرجيم يزين للإنسان المعاصي، ويهون عليه اقترافها، مستغلا الطبيعة التي فطر عليها الإنسان من الضعف والاغترار بالدنيا وبهارجها، يقعد له بكل صراط، يعده بمغفرة الله تعالى الحليم الكريم بعد اقتراف الذنوب، قائلا له: إنها صغيرة وتغفر باجتناب الكبائر، أو أنك ستتوب سريعا عاجلا، وأن الله له غفار لمن تاب وعمل صالحا ولا يزال يخادعه ويمنيه ويوسوس، ويهون عليه العواقب، فإما أن تدركه العناية فينجو، أو تجتاحه الغواية فيردى، والعياذ بالله.
يقول سماحته: " وإذا كان هذا العدو الماكر الشيطان الرجيم عليه لعنة الله استطاع بأساليبه الخبيثة أن يوقع صفي الله آدم عليه السلام في حبائل المعصية حتى فكه الله منها، فما بالكم بذرية آدم عليه السلام الذين يندر منهم من يتفطن لمكائده وينتبه لمداخله. فاللبيب يكون حذرا في جميع أوقاته، فطنا في (2/207)
صفحة 558
من معالم الفكر التربوي
{208}
عند الشيخ أحمد الخليلي
كل حالاته، يراقب الشيطان
بعيني
يلج عليه، وفي أي حال يفضي إليه
(1) "
الخائف الوجل، لا يدري من أي ثغرة
على الإنسان قبل أن يقدم على المعصية أن يتفكر مليا في عواقبها، وليعلم أنها لذة عاجلة فانية إذا انتهى زمنها فكأنها لم تكن أبدا، ذهبت لذتها وبقي أثمها وحرجها النفسي، وبقي دفع ضريبتها، وأداء ثمنها، وليتذكر جيدا أن الثمن غال باهض ربما استمر يدفعه طول حياته، ولربما حمل من عقبه ومجتمعه أيضا سداد ذلك الثمن من بعد حياته، حينئذ يقول: يا ليتني ما ارتكبت، ليتني ما فعلت، لقد عطلت عقلك ونداء ربك، واتبعت هواك ونداء الشيطان، فلا تنفعك ياليتني شيئا فإياك إياك و الإقدام على
المعاصي.
من الآثار المترتبة على المعاصي
يشير سماحته إلى بعض الآثار المترتبة على المعصية والناتجة عنها ويوضح شيئا من النتائج المرة الكثيرة التي تخلفها المعاصى، ففي ذلك تربية للنفس، وزجر لها عن الانسياق وراء الشهوات، والانصياع لداع الهوى، فمن هذه الآثار السلبية:
1 - فساد القلب وظلمته وخواء الروح وانهيارها، فيصبح بذلك الإنسان أسيراً للمعاصي والعياذ بالله وقد يدركه الموت على ذلك فيخسر الدارين، يقول سماحته: " ومن المعلوم أن القلب يتأثر بمعاصي الله ويفسد بها، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أذنب العبد الذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع وتاب
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 3/ 121
)) سورة المطففين، الآية 14 (2/208)
صفحة 559
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي واستغفر صقل، وإن هو عاد زادت حتى تملأ قلبه، فذلكم الران، ثم تلا قول الله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) فهذا دليل على أن القلب يتأثر بالذنب.
(1)
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى بين أن النجاة لمن جاء بقلب سليم، إذ قال سبحانه وتعالى: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سليم)) كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى وعد الجنة من جاء بقلب منيب، فلذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على تنظيف قلبه وإبعاده من أثر المعاصي، وذلك بتوبته من كل معصية، فإن وقع في معصية سارع إلى التوبة والإقلاع عن الغي الذي كان عليه حتى تتحول صفحته من السواد إلى البياض ومن الظلمات إلى النور لتكون صفحة بيضاء مشرقة بإذن الله تعالى (3)
2 - انطماس نور البصيرة، وانطفاء ضياء العقل، فيحس العاصي بالبلادة، وتنعمي عليه الكثير من الأمور العقلية على العكس من الإنسان الصالح الذي يتفتق ذهنه بالابتكارات، ويدرك الكثير من الأمور ذات الأعماق البعيدة، يقول سماحته: " ومن المعلوم أن معصية الله تبارك وتعالى تسبب عمى البصيرة، وانطماس الفطرة .. فتعمى بصيرة الإنسان عن الحق بسبب استئثار نفسه لشهواتها، وانغماسها في معاصي الله تبارك وتعالى. ومن المعلوم أن المعاصي كلها شر وفساد وكلها منافية للفطرة، ومفسدة لها .. ).
(1) مسند احمد رقم 7939 وسنن الترمذي رقم 3334، وابن ماجة رقم 4244
) سورة الشعراء 88 - 89
2) سؤال أهل الذكر /28/ رمضان / 1424 هـ / 23/ 11 / 2003 م / وتطهير القلوب 1/ 480 منهج إصلاح المجتمع، الشيخ الخليلي، 104 / ج (2/209)
صفحة 560
{210}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي ويقول عن الإنسان المنحرف عن طريق الاستقامة بأنه: " يتوالى عليه خذلان الله سبحانه وتعالى، فيسلبه نور الفطرة باستحبابه العمى على
الهدى"
(1) "
الحرمان من العناية الإلهية والولاية الربانية، فلا يكاد ينجو من مشكلة حتى يقع في أخرى، ولا يكاد يتخلص من أزمة أو ضائقة حتى ينزلق في أخرى، تضيق به الدنيا على سعتها، حتى تصبح كأنها في نظره أضيق من راحة الكف، ويضيق صدره كأنه يصعد في السماء، يقول سماحته: ا إن الاسترسال في العصيان والاستسلام لمطالب الشيطان، يؤديان إلى الهبوط في دركات المعاصي، وحضيض الضلال، حتى يحرم صاحب ذلك من عناية الله "
"1
(T)
وإن حرم من العناية فمن ذا الذي ينصره من دون الله؟ كلا ليس له ولي
من بعده.
- الشعور بالقلق والاضطراب النفسى من جهة، وعداء الكون له من ناحية أخرى، وكأنه يعيش وحيداً فريداً ينظر إلى الكائنات من حوله فيراها باهتة اللون، تسير في اتجاه معاكس، يحس إحساساً جلياً بالنشاز الذي بينه وبين الكون بأسره، يقول سماحته: " فإذن هذا الكون بأسره يسبح بحمد الله ويخضع ساجدا لجلال الله عز وجل لا تخرج حركة ذرة من ذراته عن أمر الله سبحانه وتعالى. فإذا أطاع هذا الإنسان ربه واستجمع هذه الخصال التي جعلها الله سببا لنجاته من الخسران كان هناك تألف وتوائم بينه وبين حركة هذا الكون. أما إن كان أمره بخلاف ذلك، وذلك أن يشذ هذا الإنسان على نظام الكون، بحيث يتمرد على ربه ويتكبر على طاعته سبحانه
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 384
) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 251 (2/210)
صفحة 561
من معالم الفكر التربوي
وتعالى، فلا
الكون "
{211}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ريب أنه يحصل نشاز واضطراب بين حركته وحركة هذا
وهذا النشاز حاصل في جانبين: الأول بين الإنسان ونفسه، والثاني بين الإنسان والوجود من حوله، أما الأول فبالمعصية يحصل عدم التواؤم بين حركتي الإنسان الاختيارية والاضطرارية فجسم الإنسان تعد خلاياه بملايين الملايين وكل خلية تتحرك بحسب سنة الله فيها، فإذا انقاد هذا الإنسان وأذعن لربه وعبده حق عبادته حصل الانسجام التام ما بين هذه الحركات الطبيعية في جسمه وحركته الاختيارية التي ينساق إليها مختارا طاعة مولاه)
أما إذا عصاه وقع الاختلاف والنشاز والاضطراب، فالخلايا أشياء مخلوقة تسبح الله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (3)، فالعاصي يحمل هذه الخلايا وهي تسبح الله على ارتكاب المعصية حال تسبيحها، وهي لا تفتر عنه، أليس ذلك
(3)
نشازا كبيرا؟!. وكذلك عدم التواؤم مع الكون بأسره، بنجومه ومجراته، بأشجاره وأحجاره وحيواناته، الكل يضج بالتسبيح الله، وذلك الإنسان العاصي يدور في فلك، آخر، فلك التمرد على أوامر الله تعالى.
-0
إفساد مصالح الناس وخبراتهم، ونزول السخط الإلهي على الجميع من المقترفين والصامتين، يقول سماحته: " فالمعصية لا تلبث أن تحول المنافع إلى مضار، والمصالح إلى مفاسد، خصوصا عندما تتفشى في أوساط الناس، عند المرتكبين لها، بل تشمل الساكتين
ولا تجد لها مقاوما، فلا تقف آثارها
(تفسير سورة العصر، الشيخ الخليلي،
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 28، 249، العبادة وأثرها،، الشيخ الخليلي،
(1) سورة الإسراء، الآية 44
ص 18 (2/211)
صفحة 562
من معالم الفكر التربوي
{212}
عند الشيخ أحمد الخليلي عنها، فيعم الجميع سخط الله المفضي إلى هوان الدنيا وعذاب الآخرة، والعياذ بالله، أولم يستمعوا إلى قول الله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْن مَرْيَمَ ذَالِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا (4) يَفْعَلُونَ (1) (2)
ومن ذلك الفساد الذي يعم الناس فساد زروعهم، وانحباس المطر عنهم، بل فساد خيرات البر والبحر على السواء، والإنسان العاصي المجاهر ليس فاسدا في نفسه، بل مفسد لغيره حتماً، وبطريقة مباشرة، أما فساده في نفسه فواضح جلي، أما كونه فاسداً في نفسه مفسدا لغيره فيتجلي ذلك في
الأمور الآتية:
أ) إفساد ذريته ومن حوله من أفراد أسرته بطريقة القدوة، فإنهم يسيرون على نهجه، ويقتفون أثره حين يهون عليهم ارتكاب المعاصي باقترافه لها باستمرار، على مسمع منهم ومرأى ب إفساده الناس من حوله، كالأصحاب والأقران، وذلك بطريقة
القدوة أيضا، وببث الأخلاق الدنيئة في أوساطهم باستهانته بالمعاصي. ج) إفساد المجتمع عموما بتكثير سواد العاصيين، فهو وذريته وخلانه، يشكلون مجتمعاً فاسداً مصغراً وبيئة متعفنة، يتهاوى إليها العصاة والفجرة، ويفجرون فيها، فيفسدون الأمة بذلك.
د) إفساده مصالح الناس ومعايشهم وخيرات البلاد، وإفساده الحرث والثمار، بسبب انتهاك حرمات الله فالمعصية شؤم تعم بها البلوى، ويتبع ضررها الضب في جحره، والسمك في بحره.
(1) سبورة المائدة، الآيتان 78 790
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 510 (2/212)
صفحة 563
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي 6 - الإصابة بالأمراض العصبية والنفسية والعضوية، فحتى الجسد يتأثر بالمعصية، ولو بطريق غير مباشرة، فضلا عما تخلفه بعض المعاصي من أمراض فتاكة كمرض الإيدز ونحوه، فالعصاة والكفرة الذين لا يعبدون الله تعالى " تنتابهم الأمراض العصبية والأمراض النفسية نتيجة البعد عن ذكر الله تعالى)
(1)
وربما نجد في كلام الكسيس كارل شيئا من التوضيح والشرح لهذا الإجمال مما تخلفه المعصية من أمراض يقول في كتابه (تأملات في سلوك الإنسان) كما نقله عنه سعيد حوى:
" إن الخطيئة انتهاك إرادي أو غير إرادي لقوانين الحياة، وقوانين الحياة صارمة صرامة قوانين اختلاط الغازات، وسقوط الأجسام، ولما كان انتهاك هذه القوانين لا يعاقب عليه إلا بعد مضي زمن وقوعه، وبطريقة خفية فإن الإنسان لم يدرك بعد فداحة النتائج التي تترتب على الخطيئة، فكل خطيئة تؤدي إلى اضطرابات عضوية أو عقلية أو اجتماعية، وهي اضطرابات لا يمكن علاجها على وجه العموم، وإذا كانت التوبة لا تشفي تليف الأنسجة لدى السكير أو الأمراض العصبية لدى أولاده، فإنها تعجز أيضا عن إصلاح الاضطرابات الناجمة عن الحسد والإسراف الجنسي، والغيبة، والنميمة، والبغضاء، كما أنها كذلك تبعد الشقاء عن الشواذ الذين يولدون الأبوين مصابين بالعيوب، فالخطيئة تؤدي عاجلا أو آجلا إلى التدهور و الموت، التدهور للجاني نفسه، أو للوطن أو للنوع، ولهذا يجب على كل فرد أن يكون قادراً على التمييز بين الخير والشر " ".
يتبين من ذكر تلك الآثار السيئة الناجمة عن اقتراف المعاصي أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مخلص إلا التوبة النصوح، التوبة التي تتوافر بها شروط
() العبادة وأثرها، الشيخ الخليلي، ص 18
) المؤيدات الفطرية، سعيد حوى (2/213)
صفحة 564
{214}
(2)
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي التوبة الصحيحة، فهي التي تجلو القلب بعد كدره، وتغذي الروح بالإيمان والصلاح، فإن الفلاح والسعادة منوطان بسلامة القلب إِلَّا مَنْ أتى الله بِقَلبِ سَلِيمٍ: والقلب السليم هو القلب الذي لا يشاب صفاؤه بكدر المعاصي، فإن من استمر على معصية ربه سبحانه وتعالى لا يكون قلبه سليما. وقد حذر الله سبحانه وتعالى من الاستمرار على المعاصى حتى يفوت الأوان، فقال سبحانه: (وَلَيْسَت التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَتبِكَ أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} " وقد بين الله تبارك وتعالى أن غفرانه يكون للتائبين فقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى)، وليس غفرانه تبارك وتعالى للمتمادين الموسوفين للتوبة من حين إلى حين. فالواجب على الإنسان أن يتعجل التوبة عندما يقع في المعصية فوراً إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَتِبِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي يتوبون توبة سريعة عاجلة، فقلب الإنسان مثله كمثل الثوب، فالثوب عندما يصيبه الدنس ويهمل ويتراكم عليه الدنس، ويبقى من العسير أن ينظف فيما بعد، وكذلك القلب عندما يهمل ولا يتعجل الإنسان في صقله بالتوبة النصوح يكون هكذا شأنه، وإما إن تعجل صاحب الثوب في تطهير ثوبه وتنظيفه بمجرد ما يصيبه الدنس يمتحي ذلك الأثر
(3)
(3)
منه. فلذلك دعا الله تبارك وتعالى عباده أن يتعجلوا التوبة ..
ويقول سماحته أيضا:
() سورة الشعراء، الآية 89
(1) سورة النساء، الآية 18
() سورة طه، الآية 82
) سورة النساء، الآية 17
((التوبة إلى الله، الشيخ الخليلي، 1/ 337 (2/214)
صفحة 565
{215}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي لقد وصف الله سبحانه وتعالى عباده المتقين بأنهم يسارعون إلى التوبة عندما يظلمون أنفسهم أو يقارفون شيئا من الفواحش. فالله سبحانه وتعالى بعد جنة عرضها السموات والأرض للمتقين، ويصفهم بما يصفهم من الأوصاف، ومنها هذا الوصف الكريم، فقد قال الله تبارك وتعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَيحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
(1)
ونجد أن الله تعالى بين لنا في كتابه الكريم أن التوبة التي تكون مقبولة عنده هي توبة المسارع إليها. لأن توبة المسارع إلى استغفار الله تبارك وتعالى والإنابة إليه ومحاسبة النفس تأتي على أثر المعصية، فالإنسان يتأثر بالمعصية تأثراً خطيراً جداً، لأنَّ قلب الإنسان سرعان ما تطغى عليه آثار المعصية السوداء حتى ترين عليه عندما يكون غير متدارك لنفسه.
ولينظر الإنسان في كلا الحالين، حال التوبة والرجوع إلى الله، وحال اقتراف المعاصي والإصرار عليها، فإنه يرى أن من تاب إلى الله فإنه يقتدي بأبيه وصفي الله آدم إمام التائبين - عليه السلام - ومن أصر على معصية الله سبحانه، فإنه اقتدى بإمام المصرين وهو إبليس عليه لعنة الله، فلينظر الإنسان أي القدوتين خيرا له "
(2)
((سورة آل عمران الآيات 133 – 135
(التوبة، الشيخ الخليلي، 2/ 337 (2/215)
صفحة 566
{216}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي
شروط التوبة
والتوبة ليست دعوى يدعيها الإنسان، إنما هي انتقال من حال إلى حال، من الانحراف والضياع والتيه، إلى الاستقامة والاهتداء، ولتحقيق ذلك لابد من أن تتوافر في التوبة الشروط الآتية:
1 - الندم: على الإنسان أن يندم ندماً شديداً على ما وقع منه من معاصي الله تبارك وتعالى، بحيث أنه يتمنى أن لو استقبل من أمره ما استدبر حتى يكون لم يأت تلك المعصية " فالتوبة الندم " ومعنى ذلك أن الندم على رأس أركان التوبة جميعا كما أن " الحج عرفة " لأن الوقوف بعرفة هو رأس أركان الحج. فمن لم يندم لا يكون تائبا بحال من الأحوال، إذ لا يدفع الإنسان إلى بقية أركان التوبة إلا الندم.
الإقلاع عن المعصية: فالمستمر على معصية الله تعالى ليس تائبا منها،
إنما التائب هو التارك لمعصية الله
- عقد العزم ألا يعود للمعصية كما لا تعود الألبان إلى الضروع التي
خرجت منها، أي أن يكون في قرارة نفسه، أنه لن يعود لتلك المعصية. 4 - الاستغفار: وهو أن يطلب الإنسان المغفرة من ربه سبحانه وتعالى، ولا يكون ذلك باللسان فحسب، بل يكون بصدق بحيث يكون نابعا من أعماق القلب، يجلو هذا القلب ويصفيه. ولذا كان لا يدأب على الاستغفار. وقد أسقطه كثير من العلماء، وقالوا لا يجب، إلا أننا نجده واجبا بدلالة القرآن، لأن آيات كثيرة من القرآن تدل عليه، فالله تبارك وتعالى حكى الأمر بالاستغفار عن أنبيائه نوح وهود وغيرهما، وأمر به في مواضع عدة من كتابه للوجوب، ما لم تصرفه قرينة عن الوجوب، وهذا الأمر نيط به ما يدل أنه واجب، إذ نيطت به السلامة والفوز، وهدد من لم يأت به
وال على
بخلاف ذلك ". (2/216)
صفحة 567
{TIY}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي ه رد المظالم إلى أصحابها: فإن كان قد أخذ مال أجد فعليه أن يرد الأموال إلى أصحابها، وإن كان أصاب عرضا لأحد فعليه أن يتخلص، وذلك على نوعين:
أ) إما أن يكون بنحو غيبة أو قذف أو نحو ذلك.
ب إما أن يكون بانتهاك عرض بارتكاب فاحشة في أحد، أو سفك دم أحد، أو اعتدى على نفس بجرح أو نحوه، فعليه أن يتخلص من ذلك. وإن كانت المعصية في تضييع الفرائض فعليه الإتيان بالفرائض التي أضاعها " ()
فإذا توافرت هذه الشروط مع صدق النية والإخلاص ارتقت التوبة بروح الإنسان إلى الأوج الشامخ من الشفافية الإيمانية، وأضاءت في جنبات نفسه أنوار الإيمان، وتطهر قلبه من سائر الأدران، فصفا وزكي، وتسامي عن الانحطاط إلى درك إغضاب مالك الملك العزيز الجبار قتملأ السعادة
جوانب حياته
ه ـ التقوى:
كلمة التقوى هي كلمة جامعة في ذاتها، وهي مبتغى كل مسلم وهدف كل مؤمن، وصفة يسعى الجميع إلى الاتصاف بها. فماذا نعني بالتقوى؟ حقيقة التقوى
التقوى تدل على الاجتناب أي اجتناب ما يسخط الله تعالى " وذكر اللغويون أن الوقاية فرط الصيانة ومن هذا المعنى أخذ علماء الشريعة تعريف التقوى، فقالوا إنها صيانة الإنسان نفسه مما يوجب العقوبة من فعل
التوبة، الشيخ الخليلي، 337 / أ بتصرف (2/217)
صفحة 568
من معالم الفكر التربوي
أوترك
(1) 11
{218}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فهي من حيث الدلالة اللغوية " تدل على التخلي، ومن حيث
(T)
الدلالة الشرعية تدل على التخلي والتحلي) ويتضح أن للتقوى في الشرع شقين، شقاً سلبياً وهو ترك ما نهى الله عنه، وآخر إيجابياً وهو فعل ما أمر الله، ولا بد من الجمع بينهما للاتصاف
بحقيقة التقوى الشرعية " (3)
وقد وردت تعاريف كثيرة للتقوى مروية عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم، أنقلها كما أوردها سماحته في تفسيره: " أخرج الإمام أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: تمام التقوى أن يتقي العبد حتى يتقي من مثقال ذرة حين يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية مثله أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام، وروي عن جماعة من التابعين وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة أن رجلا قال له ما التقوى؟ قال: هل وجدت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: كيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى ". وذكر القرطبي أن عمر سأل أبياً - رضي الله عنهما - عن التقوى – فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ فقال: نعم، قال: فماذا صنعت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت. قال: فذاك التقوى. ونظم معنى هذه الإجابة ابن المعتز في قوله:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 112/ 2
(1) سؤال أهل الذكر 3 من شعبان 1423 هـ الموافق / 2002/ 11/6 م وأنظر الطريق إلى التقوى، الشيخ الخليلي،
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 116
، (2/218)
صفحة 569
من معالم الفكر التربوي
219}
عند الشيخ أحمد الخليلي
لا تحقرن صغيرة إنَّ الجبال من الحصى
وذكر أبو السعود عن عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – أن التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما فرض. وعن شهر بن حوش: " المتقي من يترك ما لا بأس به حذرا من الوقوع فيما فيه بأس "، وعن أبي يزيد: أن التقوى هي التورع عن كل ما فيه شبهة. وعن محمد بن حنيف: أنه مجانبة كل ما يبعدك عن الله تعالى. وعن سهل: المتقي من تبرأ من حوله وقدرته. وقال بعضهم: التقوى ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك. وقال ميمون بن ـران: لا يكون الرجل تقيا حين يكون أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح، والسلطان الجائر. وقال بعض الحكماء: لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلا أن يكون لو جعل ما في قلبه في طبق فطيف به في السوق لم يستح ممن ينظر إليه، وقيل: التقوى أن تزين سرك للحق، كما تزين علانيتك
مهرا
للخلق"
(1)
صفات المتقين
يقول سماحته "علينا أن نستلهم حقيقة التقوي مما وصف الله به المتقين في كتابه: كقوله في وصفهم: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ))
(3) (2)
وسأضع هذه الصفات في نقاط مقرونة بمكان ذكرها من الآية:
الصفة
الإيمان بالله تعالى
الإيمان باليوم الآخر
) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 115
سورة البقرة، الآية 3
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 113
القرآن
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر (2/219)
صفحة 570
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالكتاب
الإيمان بالرسل والنبيين
الإيمان بالغيب
وَالْمَلَتَبِكَة
والكتب
وَالنَّبِيِّن)
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
إقامة الصلاة
إيتاء الزكاة
الإنفاق في سبيل الله
الوفاء بالعهد
الصبر
كظم الغيظ
العفو
وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ "، وَأَقَامَ الصَّلوة
وَآتَى الزَّكوة
وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْمُنفِقِينَ
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا
وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأس
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)
التوبة والاستغفار من الذنوب
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ
فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) (2/220)
صفحة 571
من معالم الفكر التربوي
{221}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الصدق
القنوت " الطاعة
وَالصَّدِقِير
والقنتير
ومن هنا فعلى الإنسان أن يستصحب التقوى من بداية طريق حياته إلى نهايته؛ لأن حياته " محفوفة بالمخاطر، مفروشة بالأشواك "، فإن كل خطوة يخطوها الإنسان مهددة بكمين إما من غرائزه وشهواته، وإما من عواطفه ونزعاته، وإما من مطامعه ومطامحه، وإما من خوفه ورجائه، وهي طبائع موجودة في كل أحد، وكل منها صالح لاستخدامه في الخير والشر .. والتقوى هي العامل الوحيد لضبطها، وعدم إرسال العنان لها، والباعث على استخدامها فيما يعود بالمصلحة على مجتمعه وأمته ")
هذا هو الدور الكبير الذي تؤديه التقوى في نفس الإنسان، والأثر الذي ينطبع على روحه، فتكون التقوى بذلك مصدر كل صلاح، ومنبع كل فضيلة وأساس كل خير " (2)
والتقوى تستلزم صفاء الروح وروحانية النفس، وزكاء الفطرة، وطهارة اللسان، ونقاء الوجدان، واستقامة الأركان، وحياة الضمير وبهذا يتم التناسق بين المشاعر الباطنة، والحركات الظاهرة عند المتقين" 6 ـ التحلي بالصبر:
لقد خلق الله عز وجل الإنسان وركب فيه غرائز متنوعة وأمره بضبطها بضوابط الشرع، فإذا سار الإنسان على طريقة الاستقامة تجاذبتها أطراف
() جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 117/ 2 السابق، 118/ 2
السابق، 196/ 2 (2/221)
صفحة 572
من معالم الفكر التربوي
{222}
عند الشيخ أحمد الخليلي
عديدة منها " النفس الأمارة بالسوء، والشيطان والبيئة الفاسدة عن قرناء السوء وغيرهم)
وكذلك بهارج الدنيا وهوى نفسه، ولذا كان عليه أن يتسلح بسلاح الصبر في المقاومة، فإن الصبر مفتاح الفرج بإذن الله، {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
(2)
ولذا كان الصبر ذا أثر كبير في التربية الروحية من شتى الجوانب.
يقول سماحته: " والإنسان يتحمل مسؤوليات كثيرة، فهو كما تعلمون خليفة في هذه الأرض والخلافة في الأرض تعنى تكييف الإنسان منهجه وفق أمر الله، وذلك أمر يقتضي الصبر والمصابرة. فالله سبحانه وتعالى فرض فرائض، وحد حدوداً، وحرم وألزم النفس تحمل هذه الأمانة، وهذه الأمانة أمانة ثقيلة، يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالٍ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً " فالإنسان مسؤول عن هذه الأمانة الكبيرة ومطالب بأن يتحملها بجدارة، وأن يقوم بواجباتها وتكاليفها بصبر، وهذا أمر يقتضي حبس النفس على مكارهها
(3)
النفس كما علمنا تدعوها دواع عديدة إلى شهواتها، وتدفعها دوافع متعددة إلى نزواتها، النفس البشرية واقعة بين تجاذب وتدافع، ما بين الغرائز الملتهبة والضرورات المختلفة والحاجات المتنوعة والإنسان مع سلوكه مسلك هذه الحياة لا بد له من أن يتدرع بالصبر، وهو يواجه لأواء الحياة، ويواجه مشاق هذه التكاليف، ويواجه عنت المواجهات المختلفة "
() معالم الاستقامة، الشيخ الخليلي
() سورة العنكبوت، الآية 69
)) سورة الأحزاب، الآية 72
(3) محاضرة سماحته في سناو بعنوان الصبر (2/222)
صفحة 573
{223}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي والإنسان يحتاج إلى الصبر بقدر ما يحيط به من أزمات، وما يكتنف حياته من مصاعب ومتاعب، تتطلب منه التضحيات والتحمل والتجلد، وذلك حسب الزمان والمكان الذي يعيش فيه، وما ابتلاه الله تعالى به، وبقدر المحنة تكون المنحة والعطاء من العلي الأعلى، وقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة في الثبات والصبر أمام التحديات من أجل مرضاه الله تعالى، فكم من الناس شردواً، وكم من أناس قتلوا، وكم من أناس دفنوا وهم أحياء ما صدهم ذلك عن دينهم وقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذكر أحوال الأمم السابقة، أن أحدهم كان ينشر بالمناشير من رأسه إلى ذلك صابر، ووصل الأمر بالمتقدمين الذين كانوا يواجهون أعداء الله سبحانه وتعالى بصبرهم وجلدهم وإيمانهم وثباتهم أن أحدهم كان ينشر بالمناشير، ولكن مع ذلك كله لا يمنعه ذلك من مواصلة طريقه حتى يلقى الله سبحانه وتعالى على ما هو عليه من الإيمان واليقين والصبر والاحتساب)
أسفله، وهو مع
وليتذكر الإنسان دائما أنَّ الحياة الدنيا إلى زوال، فعناء بسيط في الدنيا خير من العناء الدائم في الآخرة، فما الدنيا بدار خلود، وما نيل الخلود منها
بمستطاع.
لا
ـ التلاوة مع التدبر
ريب
للمؤمنين،
، أنّ القرآن الكريم كتاب هداية للناس، فهو شفاء ورحمة وهدى للمتقين، وقد سماه الله تعالى روحا كما في قوله: رُوحًا
مين أمرنا (") وذلك " لما يشتمل عليه من أسرار غيبية، ولأنه تحيى به
الأ.
رواح كما تحيي به الأبدان
(3)
اضرة سماحته في سناو عن الصبر
سورة اله (2/223)
صفحة 574
{224}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي فإن كلمات القرآن مشاعل هداية، لمن شاء الاقتباس والاهتداء " كل ما في الكتاب العزيز من توجيه للإنسان بأوامر صالحة، أو نهي عن فساد، إنما في ذلك تزكية للنفس .. وتربية للروح وتهذيب للضمير.
إنَّ التلاوة المطلوبة ليست تلك التلاوة المصحوبة بشتى الأنغام والأصوات، العارية عن التدبر، والخالية من التأمل فتلك لا أثر لها في النفس، ولا ثمرة لها في الروح، يقول سماحته: "الإنسان يؤمر أن يقرأ القرآن قراءة المتدبر، المتأمل الواعي، المدرك لمعانيه المتدبر لأمثاله وحكمه، و وعظه وإرشاده، وأمره ونهيه ووعده ووعيده وقصصه وأمثاله؛ ليتزود من ذلك زاد الإيمان وزاد التقوى، هكذا يؤمر الإنسان، فالله تبارك وتعالى أمر بترتيل القرآن الكريم عندما قال وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً، خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو وإن كان خطابا للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام إلا أن الأمر بذلك ينطبق علينا، هو خطاب لأمته أيضا من خلال شخصه صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك قال سبحانه وتعالى: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى
معنى المكث الترسل والتأني وعدم الإسراع فالإنسان يؤمر أن يتدبر القرآن، كيف والغاية من قراءته الانتفاع به وتدبره، الله تعالى يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنِ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا) ويقول سبحانه: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ». وقد سماه الله روحا في قوله سبحانه: {رُوحًا مِنْ أمرنا
(1)
(1) الإيمان مفهومه وتطبيقاته، الشيخ الخليلي، 65/ح
(1) سورة المزمل: الآية 4
(1) سورة الإسراء، الآية 106
(1) سورة محمد، الآية 24 (2/224)
صفحة 575
من معالم الفكر التربوي
{225}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فهكذا ينبغي للإنسان أن يتدبر القرآن وأن يقرأه قراءة الفاهم الواعي المتقن المدرك المعانيه وغاياته.
ويوصى سماحته بأن يغالب الإنسان نفسه، ويجاهدها من أجل أن يتلوا القرآن بعقل حاضر بوعى وتركيز، لا أن يتلو لسانه وعقله يهيم في كل واد ويرتاد كل ناد، أو أن يقرأ قراءة سريعة وبين الحين والآخر يقلب الصفحات، كم بقي له عن نهاية السورة؟ أو ينظر إلى ساعته كم قضى في التلاوة من الدقائق؟ ما هذه بتلاوة حقا، فعلى الإنسان أن يدرك أنه في مقام التلقي عن الله مالك الملك سبحانه وتعالى. يقول سماحته: " الإنسان يطلب منه عندما يتلو كتاب الله سبحانه وتعالى أن يقبل عليه بشعور خاص،، أن يقبل عليه بشعور أنه يتلقى عن الله، لأن ذلك هو كلام الله سبحانه، فيستحضر في نفسه أن الله تبارك وتعالى يخاطبه بهذا القرآن، ولذلك عليه أن يقابل هذا الخطاب بخضوع وتذلل بين يدي الله سبحانه. ثم إن الإنسان مطالب بأن يتدبر القرآن ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {وتلك الأَمْثَلُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) أي ليتفكروا، فإن ضرب هذه الأمثال من أجل التفكر والاتعاظ وإقبال الإنسان بكليته على كتاب الله. ويقول سبحانه وتعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا».
(3)
على أن الإنسان يؤمر عندما يقبل على كتاب الله تبارك وتعالى يتلوه أن يستحضر بأنه يعالج به نفسه، فإن الله تعالى يقول: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ
(1) سؤال أهل الذكر 30 شعبان 51424 26/ 10 / 2003 م
(1) سورة الحشر، الآية 21
(2) سورة محمد، الآية 24 (2/225)
صفحة 576
من معالم الفكر التربوي
{226}
عند الشيخ أحمد الخليلي
شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا، فهو شفاء وهو
رحمة للمؤمنين.
(1)
نعم هو شفاء لأن الله تعالى شفى به الصدور، ذلك لأن كل ما يتعلق بحياة هذا الإنسان حله في كتاب الله ... فعليه الاعتبار، أي أن يقرأ القرآن قراءة متدبر معتبر متعظ مدرك ... عليه مغالبة ذلك، وأن يحرص على أن يعالج نفسه، ويداوي أدوائه بهذا القرآن الكريم عندما يتلوه".
وحسن أن نختم هنا ببعض أبيات أبي مسلم في النهل من معين القرآن حين يقول:
وخذ بكتاب الله حسبك إنه دليل مبين للطريق خفير فما ضل من كان القرآن دليله وما خاب من سير القرآن يسير تمسك به في حاله السخط والرضا وطهر به الآفات فهو طهور وحارب به الشيطان والنفس تنتصر فكافيك منه عاصم ونصير دعيت لأمر ليس بالسهل فاجتهد وسدد وقارب والطريق منير
فكلما نابك هم، أو صادك غم، أو أحسست بضيق، أو شعرت بقلق، فما عليك إلا أن تسرع إلى كتاب الله تعالى تتلوه بتدبر، هناك ستشعر بإذن الله كيف تنفك عنك القيود، وتنزاح عنك أغلال الهموم فتشعر بالارتياح
والسعادة.
(1) سورة الإسراء، الآية 82
(1) سؤال أهل الذكر 9 جمادى الأولى 2004/ 6/2701425 م (1) ديوان أبي مسلم البهلاني، ص 207 (2/226)
صفحة 577
من معالم الفكر التربوي
{227}
- الخوف والرجاء والموازنة بينهما
عند الشيخ أحمد الخليلي
إن مخافة الله تعالى هي منشأ كل الفضائل، والباعثة إلى كل خير والزاجرة عن كل سوء، وقد جاء في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على مكانة الخوف في الإسلام فالرسول الله يقول كما أخرجه الإمام الترمذي من طريق أبو هريرة الله يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: " من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)
من خاف أدلج أي: أسرع السير، إذ من شأن الإنسان عندما يخشى من ربه سبحانه وتعالى، وليس الله سبحانه وتعالى عدوه، إنَّما الشيطان هو العدو، فالذي يخشى من ربه سبحانه وتعالى أن يعاقبه عندما يتبع طريق الشيطان، ويعلم أن الشيطان يلاحقه يسرع في طاعة الله عز وجل، ويبتعد عن الشيطان كثيراً حتى يكون بمشيئة الله تعالى بعيداً عن مكايد الشيطان، فعندئذ يكون قد بلغ المنزل، من أدلج أي من أسرع السير - بلغ المنزل - بلغ القصد ـ الذي يقصده، فهذا يبلغ بمشيئة الله القصد ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة" فالجنة لا تنال بالأماني، وإنما تنال
(1) "
بالإيمان والعمل الصالح" وبقدر القرب من الله تعالى، وبقوة الصلة به يكون مقدار الخشية، فإنَّ الذي يجترئ على معاصي الله تعالى قد نزعت الخشية من قلبه، ولذا تجره المعصية الأولى إلى الثانية و الثانية إلى الثالثة فيسترسل في المعصية، بينما الذي يخشى الله تعالى إن استزله الشيطان فوقع في شيء من المعاصي ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه، ولم يجد ملجأ من الله إلا إليه، وما ذلك إلا بسبب عمق الخشية من الله تعالى، فالنبي هو أعظم " المؤمنين إيمانا، وأقربهم من الله، وأرفعهم منزلة عنده، وأعلاهم قدرا عنده، ولكنه مع
(1) سنن الترمذي رقم 2450
(1) أمراض القلوب، الشيخ الخليلي، 1/ 480 (2/227)
صفحة 578
{228}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي ذلك هو أشدهم خوفا. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء في الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، وددت أني شجرة تعضد)
(T) !!
فإذا كان النبي لله ع مع تلكم المنزلة العالية الرفيعة التي بوأه الله تبارك وتعالى إياها، يصل به الخوف من الله تبارك وتعالى إلى أن يود أن يكون شجرة تعضد! فكيف بنا نحن مع كوننا نسبح في خضم الخطايا والأوزار؟!. فنحن أولى أن نحاسب النفوس، ونخشى الله سبحانه وتعالى خشية تمتلك ألبابنا، بسبب ما نشعر به من تقصير في حقه عز وجل، ومن اجترائنا على انتهاك حرمه، وارتكاب معاصيه وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن يكون شجرة تعضد، فكيف بهذا الذي يغرق في معاصي الله، يمسي ويغدو في معاصي الله سبحانه وتعالى، وهو مع ذلك يدعي أنه لن تحبط أعماله بسبب أن المعصية تظل معصية، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهو غير ملتفت إلى أن الحسنة إنها تتقبل من المتقين لا تتقبل من غير المتقين، فالله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (3) ويقول سبحانه وتعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ
كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) () ()
(3)
وعلى هذا فإن المؤمن في الدنيا لا يبارحه الخوف، لأنَّه الواقي من الخوف في الآخرة، إذ لا يجمع الله على عبد خوفين، وفي الآيات القرآنية الواصفة
(1) كان النبي يتأثر بهبوب الريح وكان يتأثر برؤية الغيم وكان لا يقر له قرار إذا رأى سحابة حتى
تمطر
وحي المنابر 83/ 1
(1) الخطوات العملية للشخصية، الشيخ الخليلي، 392/ 1
(1) سورة المائدة، الآية 27
(1) سورة ص، الآية 28
(0) أثر الإيمان بالغيب في الخوف من وعيد الله، الشيخ الخليلي، محاضرة (2/228)
صفحة 579
229}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي للمؤمنين بالخوف، والآمرة به، وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يكفي دليلا على أنَّ الخوف من الله تبارك وتعالى كرجائه تعالى من أهم واجبات الدين، فبها يستقيم أود النفس، وتنزجر عن المعاصي، وتسابق على الخيرات، وإذا كان النبيون أشد خوفا من الله تعالى كما ثبت في الحديث، فما بالكم بسائر المؤمنين، على أنَّ خوف كل أحد إنما هو بقدر علمه وإيمانه
(1) "
هذه المخافة كما تقدم تدفع الإنسان إلى محاسبة نفسه دائما، كما تورث فيها الاعتبار والتذكر والانتفاع بالمواعظ والعبر، وأن لا يمر عليها أصم وأعمى، فإن الله تعالى ناط الذكرى بمن يخشونه، {سَيَذَّكَّرُ مَن تَخْشَى، {إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَن تَخْشَى (3)
(3)
(4)
بجانب هذا الخوف من الله تعالى فإنَّ المطلوب من المسلم أن يوازن هذه الكفة بكفة الرجاء لثواب الله وغفرانه، فيكون الخوف واق له من عمل الشر، ويكون الرجاء حافزاً له على عمل الخير ويستطيع أن يقاوم تيارات الهوى، ونزغات الشيطان في نفسه، بتيار أقوى منه هو تيار الخوف والرجاء" (ه)
ويطلب من المسلم أن يعدل بين جانبي الخوف والرجاء كذلك، يقول
سماحته:
والإيمان هو الذي يجعل الإنسان يربط نفسه بخوف الله ورجائه، فيكون راجيا وخائفا، يعدل بين الخوف والرجاء، فهو من ناحية ينظر إلى فضل الله سبحانه وتعالى وإحسانه فيرجو من الله أن يختم له بخواتم الصالحين، فيدعو
(1) الشيخ الخليلي، 3/ 158
(1) سورة الأعلى، الآية 10
(1) سورة طه، الآية 2
(1) لقاء المؤلف بسماحته
(1) سؤال أهل الذكر 30 شعبان 1424 هـ - 1026/ 10 / 2003 م (2/229)
صفحة 580
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
الله باستمرار أن يمن عليه بحسن الخاتمة وأن يبوأه مبوأ صدق في الدار الآخرة، وأن يخلصه من أسر شهواته ورغباته حتى يكون عبداً مخلصا له سبحانه وتعالى، ويرجو من الله تعالى أن يستجيب هذا الدعاء ")
إن سماحته - حفظه الله - كثيرا ما يحث على استخدام هذه الوسيلة في التربية الروحية، لأنها مناط الخير كله وبها تتحقق السعادة للفرد وللأمة في الدارين، فمن تلك التوجيهات قوله:
يجب أن يربى الشباب على المسارعة إلى طاعة الله، وعلى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وعلى عدم الاستهانة بشيء من أوامر الله تعالى ونواهيه، يجب أن يربى الشباب على الشوق إلى لقاء الله في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين "
ويقول أيضا: " فإنَّ العباد بحاجة إلى تربيتهم بالترغيب والترهيب وإيقاظ الشعور بالخوف والرجاء في نفوسهم؛ لينشطوا للأعمال الصالحة بباعث الرجاء، وليحاذروا الأعمال السيئة لداعي الخوف"
يقول أبو مسلم
وزن صالح الأعمال بالخوف والرجا هما جنة للصالحات وسور وبالعدل والإحسان قم واستقم كما أمرت وبادر فالمعاش قصير كيفية استجلاب الخشية
(4)
يقول سماحته " يستجلب خوف الله بمعرفة الله، وصفاته، كالقدرة، والقوة، ومعرفة عقابه وثوابه، وتأمل كتاب الله من وعد و وعيد ")
(1) أمراض القلوب، الشيخ الخليلي، 480/ أ
(1) وحي المنابر، الشيخ الخليلي، 1/ 41 (2) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 1/ 231،232 (1) ديوان أبي مسلم ص 206
(1) (2/230)
صفحة 581
من معالم الفكر التربوي
وقد
عند الشيخ أحمد الخليلي
مر الحديث عن معرفة العقاب والثواب في الحديث عن الإيمان باليوم الآخر، وهو الإيمان بالجزاء، كما سبق الحديث عن دور تلاوة القرآن الكريم في تهذيب الروح، وأتحدث هنا عن النقطة الثالثة وهي معرفة صفات الله تعالى، وأقصر الحديث على ثلاث صفات هي: القدرة والعلم والإرادة. 1) القدرة:
(2)
مما نؤمن به عقلا وتقلا أنَّ الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} () فبمجرد أن تتجه الإرادة الإلهية لفعل شيء ينفعل ذلك الشيء كما أراده الله بأسرع من لمح البصر. إنَّه سبحانه وتعالى له القدرة المطلقة التي لا تحد بحدود.
تتجلى بعض مظاهر القدرة الإلهية المطلقة في القرآن الكريم لأجل لفت نظر الناس إليها للإعتبار، وتقدير الله تعالى حق قدره، والخشية من بطشه سبحانه وتعالى وأليم عقابه في الدنيا وفي الآخرة، ليتفكر الإنسان في قدرة المخلوقين التي هي هبة من الله بجانب هذه القدرة المطلقة، فيذعن ويسلم وجهه الله.
يقول سماحته: " وإذا كان الإنسان يخشى صاحب القدرة المحدودة، يخشى إنسانا مثله تعرض له عوارض شتى تحول بينه وبين درك مراده، وبينه وبين أنفاذ مخططة، فكيف لا يخشى من إذا أراد أمرا قال له كن فيكون، ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يخلق السموات والأرض في لحظة واحدة لخلقها في لحظة واحدة، لكن حكمته اقتضت أن يخلقها في ستة أيام فخلقها في ستة أيام، ولو شاء الله أن يعدمها في لحظة واحدة لانعدمت في لحظة واحدة، وإذا كانت قدرة الله سبحانه وتعالى تتجلى في هذا الخلق العجيب في هذا الكون
(1) انظر وحي المنابر، الشيخ الخليلي، (1) سورة يس، الآية 82 (2/231)
صفحة 582
{232}
عند الشيخ أحمد الخليلي من معالم الفكر التربوي من ذراته الدقيقة إلى مجراته الواسعة، فإن قدرته أيضا تتجلى في تدبير هذا الكون، فإن المدبر لهذا الكون بأسره لا بد أن تكون قدرته أحاطت بكل شيء، لننظر في حالة الأجرام الفلكية مع كثرتها، بحيث لا يحصيها أحد من خلق سبحانه وتعالى، نجد أنها لا تتغير مواقيتها ولا تتبدل مواعيدها، فالشمس تطلع في ميقاتها المحدد.
فهذا اليوم اللحظة التي طلعت فيها الشمس سوف تطلع فيها في مثل هذا اليوم في العام القادم من السنة الشمسية، وكذلك اللحظة التي غربت فيها الشمس، وهكذا سائر الأجرام الفلكية كلها وهكذا الفصول لا تتقدم
ولا تتأخر "
وسأورد هنا بعض ما تتجلى فيه القدرة الإلهية في القرآن الكريم، خصوصا في قصصه، فمن ذلك:
1) قوم لوط عندما أخلدوا إلى الكفر، وعملوا بمعاصي الله، نزلت الملائكة بأمر الله إلى لوط {قَالُوا يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ يقطع مِنَ الَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (3) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلَيْهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِيلٍ مِّنضُودٍ (3) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّلِمِينَ بِبَعِيدٍ). وإلى الآن تعد منطقة البحر الميت أخفض منطقة في العالم.
(2) عصا موسى: كيف تحولت إلى ثعبان ضخم بقدرة الله؛ فالتهمت الحبال والعصي، ثم عادت عصا كما كانت، فأين ذهبت الحبال والعصي
(1) صفات الله، الشيخ الخليلي، 8/ /ج
(1) سورة هود، الآيات 81 - 83 (2/232)
صفحة 583
من معالم الفكر التربوي
التي
{233}
عند الشيخ أحمد الخلي
(1)
ألقاها السحرة؟!. {فَأَلْقَوْا حِبَاهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ: فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ»» ثم كيف انفلق له البحر بقدرة الله تعالى بعد أن ضربه بعصاه، وفرعون وجنود من خلف موسى مسرعين، فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي لا سَيَهْدِين) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ (3) فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. فلما دخل فرعون الطريق الممتد وسط البحر أطبق عليه البحر، وأدركه الغرق هو وجنوده.
(T)!!
"
رفع الطور فوق بني إسرائيل كأنه ظلة، {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعُ بهم) يمكنك أن تتصور اقتلاع الجبل وارتفاعه فوق رؤوس العباد كأنه سحابة تظلهم، يقول سماحته: " ولم أجد أحداً من القدامى ينكر اقتلاع الجبل ورفعه فوق الرؤوس كالسحب، وهو بهذا آية كونية خارقة للمألوف عند الناس من أحوال الكون .. ثم تابع معي أخي المسلم الإشارات الإلهية الآتية الدالة على القدرة الربانية ونحن نمر عليها صباح مساء، وذلك من خلال الصور الآتية.
(1) سورة الشعراء، الآيتان 44، 45
(1) سورة الشعراء، الآية 63 (1) سورة الأعراف ن الآية 177
(4) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 3/ 418 (2/233)
صفحة 584
من معالم الفكر التربوي
{234}
عند الشيخ
أحمد الخليلي
ألَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ
مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ
فَانظُرْ إِلَى آثَارٍ رَحْمَتِ اللهَ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
العليم
فَالِي الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيـ (2/234)
صفحة 585
من معالم الفكر التربوي
{235
351120
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
عند الشيخ أحمد الخليلي
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وكيف جعل الله الفجاج سبلا
للسالكين بين شعابها
قرية آمنة في ظل هذا الطود الشامخ، يأتيها رزقها رغدا، فكيف تأمن أن يطبق
الله الجبل عليها، إنه رحيم ودود. (2/235)
صفحة 586
من معالم الفكر التربوي
{236}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وتفكر أخي المسلم في قوله تعالى: {قُلْ مَن يُنَجِيكُم مِّن ظُلُمَتِ الْبَرِ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَبِنْ أَنجَتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ) قُلْ اللَّهُ يُنَجِيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْب ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (3) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ تحتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ أَنظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الآيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) بعد هذا العرض لبعض مظاهر القدرة الإلهية نختم بكلام سماحته فيما يمكن أن نستفيد منه من وصفنا الله سبحانه وتعالى بالقدرة يقول:
" ونستفيد من وصفنا الله سبحانه وتعالي بالقدرة فائدة سلوكية عظيمة وهي الخضوع المطلق الله سبحانه وتعالى فإن من شأن الضعيف أن يستكين ويخضع للقوي، وهذا معهود في الكائنات على اختلاف أنواعها، فالحيوان الضعيف يستكين للحيوان القوي، والفرد من أفراد جنس الحيوان الواحد إذا كان ضعيفا للفرد الذي هو أقوى منه من ذلك الجنس، والإنسان الذي هو ضعيف معنويا أو ماديا ليستكين للذي هو أقوى منه معنويا أو ماديا، فإذا كان الأمر كذلك فمن خلق هذا الوجود بأسره، وسبح كل شيء في الوجود بحمده تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضِ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}. هو أولى وأجدر بأن تخضع له - تعالى - خضوعا مطلقا، وأن تطيعه طاعة مطلقة، طاعة لا تتقيد بحدود، لأن طاعة كل من سوى الله ـ تعالى ـ تتقيد بحدود، وأما طاعة الله عز وجل فلا تقف عند حد، يجب أن يطاع الله سبحانه وتعالى في كل ما يأمر به، وفي كل ما ينهى عنه ")
(2)
(1) سورة الأنعام، الآية 65
(1) سورة الإسراء، الآية 44
(1) صفات الله، الشيخ الخليلي، 1/ 8/ج (2/236)
صفحة 587
معالم الفكر التربوي من
القوة الإلهية:
{237}
عند الشيخ أحمد الخليلي
إن القادر على كل شيء لابد أن يكون قويا، والله الحول والطول والقوة جميعا، يقول سبحانه وتعالى: {وَلَو يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)
(1)
ويضرب الله الأمثال للناس للتدبر والتفكر، ليروا مدى ضعفهم أمام قوة الله المطلقة، وقد خلق الله الإنسان ضعيفا. ومن هذه الأمثال، عدم قدرتهم على خلق الذباب، بل ضعفهم التام أمامه إذا أخذ شيئا منهم، فلا قوة لهم على استنقاذ ما سلبه منهم، يقول سبحانه وتعالى: {يَنَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن تَخَلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذَّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ "
(3)
ج
(2)
ويصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالقوة، فيقول: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} " ويقول سبحانه: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ وَكَانُوا بِشَايَتِنَا تَجْحَدُونَ (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى حِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أُخْرَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ)) ويقول سبحانه وتعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتُ بِيَمِينِهِ،
(4)
سُبْحَنَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)
(1) سورة البقرة، الآية 165 (1) سورة الحج، الآيتان 72، 73 (1) سورة الذاريات، الآية 58 (1) سورة فصلت، الآية 15 (1) سورة الزمر، الآية 67 (2/237)
صفحة 588
من معالم الفكر التربوي
{238}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ويقول سبحانه وتعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ
(1)
ظَامَةً إِنَّ أَخَذَهُ وَ أَلِيمٌ دِيدُ)
ويقول سبحانه: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أو مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ أَنظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)
هنا يستشعر الإنسان ضعفه التام الكامل ويدرك تمام الإدراك حاجته الملحة إلى القوة المطلقة، ولذا أمرنا أن نكرر كثيراً قول " لا حول ولا قوة إلا بالله " فإن الإنسان عاجز تمام العجز عن دفع الضر عن نفسه إلا بقوة الله وإرادته، وهو عاجز كل العجز عن جلب النفع لنفسه إلا بقوة الله وقدرته، وإذا كان قوي الصلة بالله كان قويا في إرادته قويا في أخذه وتركه، قويا حين يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.
قوة الله إن تولت ضعيفا
العلم الإلهي:
تعبت في مراسه الأقوياء
كثيرا ما يرد في القرآن الكريم وصف الله سبحانه وتعالى بأنه بكل شيء عليم، وأنه سميع عليم، وأنه حكيم عليم، يقول سبحانه وتعالى: {عِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَبٍ " وأنه سبحانه: {عَلَمُ الْغُيُوبِ)» فيشعر أن الله تعالى يراه في
(1)
من
(1) سورة هودن الآية 102 (1) سورة الأنعام، الآية 65 (1) سورة الأنعام، الآية 59 (1) سورة سبأ، الآية 48 (2/238)
صفحة 589
من معالم الفكر التربوي
كل.
عند
د الشيخ أحمد الخليلي
لحظة ومطلع عليه، وعلى ما تختلج به نفسه {يَعْلَم خَابِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا
تخفى الصُّدُورُ)
عن.
ويقول سماحة الشيخ: " إن الإنسان يدرك أنَّ مبدع هذه المخلوقات، وصانع هذه الكائنات، لا بد أن يكون محيطا علمه بكل شيء، فإن من يجهل الشيء لا يمكن أن يصنعه " فخلق الله سبحانه وتعالى لهذه الموجودات على ما هي عليه، وربط بعضها ببعض، وتهيئة كل جزء منها لأن يؤدي دوره كما أراده الله سبحانه وتعالى دليل بارز قاطع على أن الله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء " فإن من لم يكن عالما بهذه الدقائق وبهذه الجزئيات لا يمكن أن يرتب الكون على ما هو عليه " ويخبرنا الله سبحانه وتعالى علمه بكل شيء، إذ يقول عز من قائل: {وَلَقَد خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) () فالله سبحانه وتعالى يعلم خطرات الأنفس في أعماق الضمائر، ويعلم سبحانه وتعالى ما يجرى في كل خلية من خلايا الإنسان، فما من شيء يجري في جسم الإنسان إلا والله سبحانه وتعالى محيط به، وكذلك كل ذرة في الكون وكل ما يتحرك في أعماق هذه الذرة من أجزاء دقيقة جدا إنما هي بعلم الله، فلا يفوت علم الله شيء في الأرض ولا في السماء يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)
(2)
(3)
ونورد هنا بعض الآيات الدالة على علم الله تعالى الواسع المحيط بكل شيء مقرونة بصورها لتعين على سرعة التصور والتخيل.
(1) سورة غافر، الآية 19
(1) سورة ق، الآية 16 (2) سورة سبأ، الآية 2 (2/239)
صفحة 590
من معالم الفكر التربوي
{240}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وَلَوْ أَنَّهَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً)
فكم عدد حبات الرمل في هذا التل الكبير؟ ولماذا بهذا اللون؟ وفي هذا المكان؟ العلم عند الله. (2/240)
صفحة 591
من معالم الفكر التربوي
{241}
عند الشيخ أح و أحمد
وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا * وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ
يقول سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهَ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) والمراد بكلمات الله معلوماته سبحانه، فقد روي أن الشيخ السالمي - رحمه الله - كان في جلسة علم مع طلابه وفسّر لهم " كلمات الله " في أواخر سورة الكهف بمعلومات ا الله، فقال له أحد تلاميذه: عمن هذا التفسير؟ فضرب بعصاه الأرض، و قال: أرأيت إن كان مني، أو ليس مقبولا؟.
"
فسبحان الذي أحاط بكل شيء علما، فكيف للإنسان محدود الطاقات في تفكيره وعلمه، مع ما يعتريه من النسيان، ألا يخضع خضوعا مطلقا لإرادة ريه العليم بكل شيء. ونستفيد من اعتقادنا أنَّ الله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم في سلوكنا في مراقبة الله سبحانه وتعالى لنا؛ فإنَّ من شأن الإنسان أن يراقب إطلاع البشر على أفعاله وشؤونه، فكيف لا يراقب علم الله وتعالى الذي أحاط بكل شيء، فهذا الاعتقاد يدفع الإنسان إلى مراقبة الله سبحانه وتعالى في سريرته، وإلى مراقبته في علانيته، بحيث لا يخرج شيء من أعماله عن إطار طاعة الله سبحانه (2/241)
صفحة 592
{242}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي وتعالى، وبحيث يخشى كل الخشية أن يطلع الله سبحانه وتعالى منه على ما لا يرضيه من أعمال السر أو من أعمال العلانية و بهذا يكون الإنسان نقيا طاهرا مخلصا في عمله الله عز وجل
الإرادة الإلهية
(4)
(3)
إنَّ الله يفعل ما يريد، وإذا أراد شيئا فلا مرد له، ولا قوة تحول دون إرادته، فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد سبحانه، يقول عز وجل: إن رَبَّكَ فَعالِ لِمَا يُرِيدُ) ويقول: إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُريدُ " ويقول سبحانه: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ}) ويقول سبحانه: {قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ هُم مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} " ويقول: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ...
(0)
لا أحد يا سيدي ومولاي، لا أحد يملك لنفسه ولا لغيره منك شيئا، يقول سماحته في صفة الإرادة مبينا أثرها في التربية الروحية: " إن الله يفعل كل شيء بإرادته، فالأمور كلها مدبرة على حسب ما يقدر الخالق العليم، والمدبر الحكيم الذي يخضع كل شيء في الوجود لإرادته، فقد روي أن خالد بن الوليد كان يتحدث عندما احتضر فيقول فيما معناه: " لقد خضت أكثر من مائة معركة وما في بدني موضع إلا وفيه أثر طعنة بالرمح أو ضربة بالسيف، وها أنذا أموت على فراشي مثل ما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء " إنما شاء الله سبحانه وتعالى أن يدفع عنه الموت بفتك الفتاك، فمات
(1) صفات الله 1/ 8/ج (1) سورة هود، الآية 107 (1) سورة الحج، الآية 14 (1) سورة الرعد، الآية 11 (0) سورة الأحزاب، الآية 17
(1) سورة الفتح، الآية 11 (2/242)
صفحة 593
{243}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي حتف أنفه مع خوضه غمار المعارك، وكم من آخرين يحصنون ويحافظ على حياتهم بمختلف الوسائل، وإذا بهم يؤتون في مأمنهم. من هذا كله نعلم ونقرأ سطور آيات إرادة الله سبحانه وتعالى المدبرة لهذا الوجود.
بحسب
سلوكنا،
وهو
(1)
وإذا أيقنا أن الله سبحانه وتعالى مريد، وأنه لا يقع شيء في الوجود إلا ما تقتضيه إرادته، فعلينا أن نستمد من ذلك درسا نستفيده في أن تشعر بمنة الله سبحانه وتعالى علينا فإن الله عز وجل اقتضت إرادته أن يمن علينا بما من به. فإن الله سبحانه وتعالى رتب هذا الكون بإرادته ترتيبا دقيقا يتلاءم مع مصلحة الإنسان، ولذلك يقول: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} " ويقتضينا الاعتقاد باتصاف الله سبحانه وتعالى بالإرادة أن نتعلق بالله سبحانه وتعالى وحده، لأننا نعلم من خلال اعتقادنا ذلك أن الكائنات بأسرها لو اجتمعت إرادتها على شيء وكانت إرادة الله تقتضي غيره لنفذت إرادة الله وتجمدت إرادة الكائنات بأسرها. فلو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف، فعقيدتنا تقتضي أن نتعلق بالله سبحانه وتعالى وحده وأن لا نتعلق بغيره وكل صفات الله تعالى عندما يتفكر الإنسان فيها ويتأمل ويتدبر تتولد العقاب، شديد العذاب، سريع في نفسه خشيته سبحانه فإنه ـ سبحانه - سريع
(T)"
الانتقام، وهو سبحانه حليم غفور، كريم ودود، وكل هذه الصفات تستدعي محبة الطائع الله سبحانه فهو المنعم المتفضل، ومحبته تستلزم الاستمساك بطاعته، ورجاؤه يستلزم الخضوع له، والخوف منه يستدعي
) سورة الجاثية، الآية 13 صفات الله 1/ 8/ج (2/243)
صفحة 594
من معالم الفكر التربوي
{244}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الإذعان لأمره ونهيه، ولا يغرنك حلمه في الجرأة عليه سبحانه {وَكَذَلِك أَخَذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخَذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}
(1)
9 - التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل: يقول سماحته: ومن الأمثلة السائرة " التخلي قبل التحلي " أي التخلي عن النقائص والمذام، قبل التحلي بالكمالات والمحامد، والإنسان لا يكون للخير أهلا، وللفضيلة خدنا حتى يتجرد من الشر والرذيلة ")
(3)
ويزيد ذلك توضيحا بقوله: فالنفس لا تتأهل لأن تكون وعاء للخير حتى تتطهر من أدران الشر، ولا يمكنها أن تتحلى بالفضائل المحمودة حتى تتخلى عن الرذائل المذمومة، وكيف يقر الإيمان في نفس لوثها الفساد وألفت الشقاق والنفاق؟ اللهم إلا أن يتغير مسلكها، وتتبدل عاداتها". وكلامه ـ حفظه الله - واضح أن الإنسان مأمور أن لا يخلط الخير بالشر، فهما نقيضان لا يجتمعان في نفس سوية أبدا، وإنما يتقبل الله من المتقين، فلا بد إذن من التخلي التام الكامل عن الدنايا والمعاصي، بله الموبقات، لتكون الصفحة صافية نقية، كي تسيطر عليها ما تشاء من الفضائل، وسألته حفظه الله يوما إن لم يجمع الإنسان بين التخلي والتحلي، فتحلى بالفضائل مع إهماله للتخلي عن الرذائل فقال سماحته: " إذا كان الإنسان متحليا بالمكارم ومتلبسا بالدنايا في نفس الوقت، فإن ذلك التحلي يشاب بعدم التخلي بهذا الذي تلبس به، وإنما يؤمر الإنسان أن يحرص على تهذيب نفسه بالتخلي عن
المذموم؛ ليتصف بالمحمود.
(1) سورة هود، الآية 102
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 3/ 335 (2) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 335 (1) لقاء المؤلف بسماحة الشيخ (2/244)
صفحة 595
من معالم الفكر التربوي
وهذا يعني
{245}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أنَّ الدنايا دنس أسود، والفضائل وجه ناصع
،
ولذلك
يتكدر بمخالطة السواد له وهما بلا شك لا يجتمعان في قلب واحد، ولذا سيكون القلب،کدرا ويزداد کدره وسواده حتى يعتم.
ومن هنا فإن السمو الروحي لا يتحقق البتة إلا مع التخلي عن المعاصي، وكل ما يعيق صفاء الروح وشفافيتها، ولا يعني ذلك بحال أنه إذا كان الإنسان يواقع شيئا من المعاصي أنه لا يفعل شيئا من الفضائل، بحجة أنه يطهر نفسه من الدنايا، فهو يعمل على تحقيق عملية التخلي، وهي عملية قد تطول معه وتطول، بحجج أوهى من خيوط العنكبوت، بل يؤمر بالتخلي الكامل والسريع والهجر التام والبراءة المطلقة من كل المعاصي؛ ليحل محلها كل الفضائل ويزيد عليها، فإن سقف الخيرات والقربات بعيد، ومجاله
واسع، وأفقه جداً رحب، وإن لم يستطع ذلك فعليه الاستمرار في عملية التخلي، وفي المقابل يتحلى بالفضائل؛ فينهدم بناء الشر ويعلو بناء الخير، فحاسب نفسك أخي المسلم، وأعلم إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} () فإن كنت قد ابتليت بشئ من الدنس والعياذ بالله فمن هذه اللحظة باشر عملية التخلي، وأقم مكانها التحلي بالفضائل {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هدًى وَآتَنهُمْ تَقوَنهُمْ} ". وإياك أن يقوم بجانب بناء الخير إلا بناء خير
مثله لا سواه.
•
(2)
10 - تطهير القلب من الأمراض:
لاريب أن أمراض القلوب أعظم خطرا، وأكثر فتكا من أمراض الجسد والأحق أن تولى المزيد من الاهتمام بالعلاج والمداواة، وذلك لأنها تتعلق بأمر الدين، وتغزو القلب، وتباشر الروح، أما أمراض الجسم فتبقى خارج هذا الإطار، يقول سماحته: " الأمراض الجسمية مؤدية إلى هلاك الجسد،
(1) سورة المائدة، الآية 27
(1) سورة محمد، الآية 17 (2/245)
صفحة 596
من معالم الفكر التربوي.
{246}
عند الشيخ أحمد الخلي
وفوات المنفعة العاجلة، وهذا المرض النفسي مؤد إلى هلاك الروح، وفوات المنفعة الآجلة، والبون بينهما كالبون بين قيمة الجسد و الروح، وقدر الحياتين العاجلة والآجلة "
(1)
والأمراض القلبية تذهب بالسعادة رأسا وتحوّل حياة الفرد ومن حوله إلى تعاسة وشقاء، فلله الأمر من قبل ومن بعد، نسأل الله العافية منها أهم مرضين يصيبان القلب
وأعرج هنا على مرضين خطيرين جداً نوَّه إليهما سماحته، وهما يؤثران تأثيراً مباشراً على الطرف الآخر، ثم أتناول سبل العلاج بعد ذلك. وهذان المرضان هما الحسد وسوء الظن
أ) الحسد:
الحسد من الأمراض النفسية الفتاكة التي تأكل قلب صاحبها كما تأكل النار الهشيم " وهو تمني الإنسان زوال نعمة الغير وانتقال هذه النعمة له، بل ولو لم يتمن أن تنتقل إليه فإن مجرد تمني زوال هذه النعمة هو أمر مذموم جداً، ولذلك حذر النبي الله من الحسد " ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا" " هكذا يأمرنا الرسول الكريم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم.
إن الحسد داء يظهر أثره على كثير ممن بعدوا عن الإيمان، فهم يسعون دائما إلى الحيلولة بين الناس والوصول إلى الخير وإلى النعيم، ويسرون عندما يرون غيرهم يكابد لأواء المشقة، ويكابد عنت هذه الحياة، فهؤلاء في نفوسهم مرض. لذلك وصف الله سبحانه تعالى اليهود بأنهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فليس من شيمة المؤمن أن يكون حسوداً،
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 2/ 292 (1) رواه البخاري رقم 1615، و 2256 ومسلم رقم 2559 (2/246)
صفحة 597
{247}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي على أنَّ الحسود عليه أن يفكر بأنه لا يضر إلا نفسه، فإنَّ الحسد نار تأكل قلبه، وهو يتألم عندما يرى غيره في نعمة، ويرى غيره في طمأنينة وراحة، وهذا الأمر خطير جدا، وقد أحسن الشاعر التهامي عند ذكر حالة الحسد وأصحابه عندما قال:
إني لأرحم حاسدي لحرما ضمنت صدورهم من الأوغار
الله
نهار
نظروا صنيع بي فعيونهم في جنة وقلوبهم في نار لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي فكأنما برقعت وسترتها بتواضعي فتطاولت أعناقها تعلو على الأستار "
وجه
وليعلم الحاسد أيضا أنه لن يستطيع أبدا أن يمنع خيراً قضاه الله لغيره، ولن يستطيع أن يوقع ضرا بأحد وقد كتب الله أن لا يصيبه، فقد قسمت الأرزاق، ورفعت الأقلام، فليرح نفسه، وليرضى بما قسمه الله بين عباده بحكمته وعدله، وليقرأ قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُحْريًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ) وعليه أن يتجنب الحسد فقد جاء في الحديث: " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار " " فجدير بالإنسان أن يتجنب حسد عباد الله، فإن حسده لا يضر
الخطب
ـه إلا نفسه
(4)
(T)
)
وقال بعض الحكماء في علاج هذا الداء أن ينظر الحاسد إلى المحسود، أيكون من أهل الجنة أم من أهل النار؟ والعياذ بالله من النار، فإن كان من
(1) أمراض القلوب،، الشيخ الخليلي، 480 / ج
(1) سورة الزخرف، الآية 32
(2) سنن ابن ماجه، رقم 4210
وحي المنابر،، الشيخ الخليلي، 1/ 22 (2/247)
صفحة 598
من معالم الفكر التربوي
{248}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أهل الجنة، فعلام يحسده على متاع زائل وبهرج فان؟! فكل شيء على ظهر هذه الأرض يضمحل ويتلاشى لا محالة، كيف يحسد وليا من أولياء الله تعالى على دنيا فانية بجانب أن الله تعالى سيعطيه دار الخلود.
وإن كان من أهل النار، والعياذ بالله فحسبه ما ينتظره من العذاب، ولا ينبغي أن يحسد على متاع زائل في دنيا فانية في زمن قصير جدا ولو أوتي ملك الدنيا، فليتمتع بها، فإنما هي الدار الفانية فحسب، وماله في الآخرة من نصيب، فوراءه ما وراءه من الجحيم.
وإن كان المحسود حسد لقربه من ربه وتنزل الكرامات الربانية عليه فلينظر الحاسد ما الذي يمنعه أن يتفوق على محسوده في القربات مع الإخلاص؟! فليس بين محسوده والرب الكريم سبحانه نسب، ولا صلة إلا صلة التقوى، وكذا الشأن إن حسده على سمو خلقه، وسعة صدره، أوكل نعمة يتنعمها إنما هي من الله فليتجه إليه بكليته ينال الرضا والكرامة. وعلى الإنسان أن يسمو بنفسه عن هذا الدرك، وليلتفت إلى قلبه بالتربية
الروحية التي لا يبقى معها مرض قلبي بإذن الله تعالى.
ب) سوء الظن
إن سوء الظن معضلة خطيرة لا تبقي ولا تذر، تفرق الجماعات بعد تألفها، وتنافر بين القلوب بعد تعانقها وتورث البغضاء والشحناء، وتقضي على نزعة الإيمان قضاء مبرما، ويصبح قلب الإنسان عرضة للهواجس والأوهام، لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال وما ذلك إلا بسبب مرض في قلبه وخواء في روحه، فيورثه ذلك بلادة في ذهنه، وانطماسا في بصيرته، فيصدق الأوهام، ويحقق الخيالات، ويمسي في ليل من الشك مظلم، وأكثر ما يكون هذا الداء فيمن ساء خلقه، وفسد، طبعه، وقبحت أعماله، فأصبح يرى الناس كما يقول سماحته من خلال نفسه، وينظر إليهم من منظار قلبه
الأسود، وضميره المتعفن، فيحسب كل الناس مثله في قذارته المعنوية. (2/248)
صفحة 599
{249
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي و من هنا حذر الله سبحانه وتعالى من الظن السيئ، إذ قال: {يَنَأْيها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنَ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ".
(1)
لذا نهى الإنسان أن يظن بأخيه ظنا سيئاً، بل عليه أن يظن بالمؤمنين الظن الحسن، وأن لا يحمل في قلبه ظنا سيئا تجاه مؤمن من المؤمنين، فالمؤمنون شأنهم كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
(r)!!
(4)
بالسهر والحمى و الحق سبحانه وتعالى عبر عن ذلك بالأخوة إذ قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}) وحذر الله سبحانه و تعالى من عمل ظاهر هو التجسس الذي ينتج عن هذا الظن الخفي بين حنايا النفس، فقال: {وَلا تَجَسَّسُوا والله سبحانه و تعالى عندما حذر من التجسس أطلق التحذير ولم يقيد بكون هذا التجسس تجسسا من مؤمن على مؤمن، بخلاف الاغتياب عندما قال: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا (إذ الكافر و الفاجر لا غيبة لهما، يتجسس على أي أحد أن
بخلاف التجسس، فإنه ليس من شأن المؤمن
كان (ه)
وإن كان الإنسان فريسة الوهم و الخيالات، و أخذت الظنون تذهب به وتجيء، فإنه ينبغي أن لا يصدق ظنونه، و لا يجزم بذلك. يقول سماحته:
(1) سورة الحجرات، الآية 12
(1) صحيح البخاري رقم 4849، صحيح مسلم رقم 2568 (3) صحيح البخاري رقم 5665، صحيح مسلم رقم 2586
(1) سورة الحجرات، الآية 10
() أمراض القلوب 1/ 480 (2/249)
صفحة 600
من معالم الفكر التربوي
"1
{250}
عند الشيخ أحمد الخليلي
' ونجد نحن في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الإنسان مأمور و لو ظن الظنون أن لا يجزم، لأن من شأن الإنسان أن تختمر في نفسه آراء و أفكار، وتعتمل في داخله ظنون و ظنون، ولكن مع ذلك عليه أن لا يقطع، فقد قال النبي الله في ضمن وصاياه لأمته: " وإذا ظننتم فلا تحققوا "، ثم قال: " وذلك آية ما بين المؤمن والمنافق " فمعنى ذلك أن المؤمن وإن ظن الظنون لا يجزم بها، بخلاف المنافق. على أن القران الكريم حذر من الاندفاع وراء الظنون، فالله سبحانه وتعالى يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمٌ))
(2)
فالإنسان مأمور بأن يحسن الظن بكل الناس. فالظن الحسن الجميل من شأن المسلم، ومن أخلاقه المعروفة التي يحرص عليها، والمسلم كسائر البشر، ينظر إلى غيره من خلال نظرته إلى نفسه، فلذلك يرى أنه يحب الخير للناس، ويسعى في مصالح الناس، ولا يجب أن يضر أحدا من الناس، في نفسه ولا في ماله، فلذلك يظن بغيره مثلما يرى نفسه عليه، أما من كان بخلاف ذلك فإنه أيضا ينظر إلى غيره من خلال نظره إلى نفسه، لأن نظرة الإنسان إلى الغير
تنعكس على نفسه فيرى الغير من خلال نفسه، وفي هذا يقول الشاعر:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم وعادي محبيه بقول عداته وأصبح في ليل من الشك مظلم
ولا يفهم من ذلك أن يكون الإنسان أبلها بليدا، يرى انتهاك الحرمات أمام ناظريه ثم لا يحرك ذلك فيه ساكنا، بدعوى أنه يحسن الظن، أو تستلب
(1) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علي بن حسام الدين الهندي، رقم 7441، وكشف الخفاء، رقم
295
(1) سورة الحجرات، الآية 12 (2/250)
صفحة 601
من معالم الفكر التربوي
{251}
عند الشيخ أحمد الخليلي
إرادته جهارا وهو يترنم بحسن الظن، أو يصول الأوغاد في عرضه وأعراض المسلمين وهو يكفكف نفسه بحسن الظن، حتى تمتد مدية الذابح إلى نحره، ما يزال متكئا على أريكة حسن الظن. وإنما خير الأمور الاعتدال، والوعي العميق، مع أن الإنسان يكون وقافا عند حدود الله.
وهو
علاج أمراض القلوب
وأنقل هنا ما يقدمه سماحته – حفظه الله – من علاج لأمراض القلوب عامة، وإن بدا فيه شيئاً من الطول فإنه سيكون ناجعا لمن أرد الله له الانتفاع به، يقول سماحته: " لا ريب أن وصف الداء وحده لا يكفي من غير أن يوصف الدواء، فقد علمنا أن هذه الأمراض النفسية بأسرها إنما تنشا عن عدم المبالاة بأوامر الله سبحانه وتعالى، فإذن ما هو العلاج؟ وكيف يتوصل الإنسان إلى إصلاح نفسه؟ كيف يمكن لهذا الإنسان أن يصلح قلبه؟ العلاج يعود إلى أربعة أمور لابد منها:
الآخر
أولا: إصلاح العقيدة
نجد أن التركيز في كتاب الله سبحانه وتعالى على عنصرين من عناصر الإيمان ... وهذا يتكرر في كتاب الله سبحانه وتعالى كثيرا في معرض الترغيب والترهيب، مبينا مدى عناية النصوص الشرعية بالإيمان بالله الإيمان باليوم إخر، الإيمان بالله يعني الإيمان بالخالق الواحد الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الذي خلق فسوى وقدر فهدى، وله الآخرة والأولى، سبحانه أمر ونهى ووعد وتوعد، وهو صادق في كل ما يقول في وعده ووعيده، ليس له أول، وليس له أخر، مصدر كل شيء منه، فمنه المبدأ، واليه الرجعي، هو الذي خلق هذا الكون بأسره، وما يسبح فيه الإنسان من نعم إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى.
ولا ريب أن هذا الإيمان يجعل الإنسان يستعلي على رغباته ونزواته، ويقاوم شهواته ونزعاته، حتى يصلح قلبه بحيث يكون هذا القلب أفاقا (2/251)
صفحة 602
{252}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي من هيبة الله سبحانه وتعالى. والإيمان باليوم الآخر، إنما هو إيمان بالمنقلب الذي ينقلب إليه كل إنسان، فكأنما الحق سبحانه وتعالى منه مبدأ كل شيء واليه منقلبه، فليس لأحد من الناس منقلب إلا إلى الله سبحانه وتعالى منه المبدأ واليه الرجعي.
ولا ريب في أن الإنسان في منقلبه هذا محاسب على ما قدم وأخر، وأعطى ومنع، ومحاسب على القليل والكثير، ذلك لأن الله سبحانه وتعلى أمره ونهاه، سائله عن فعل ما أمره به وعن ترك ما نهاه عنه. وهذا إيمان بطبيعة
وهو
الحال يؤدي إلى تقوية الإرادة النفسية في مقابل شهواتها ونزعاتها. ثانيا: الأعمال الفعلية والتركية
وأقصد بالأعمال الفعل والترك، فالأعمال الصالحة هي سبب لصلاح القلب بخلاف الأعمال السيئة، وقد علمنا أن الأعمال السيئة سبب الفساد القلب، ودواء هذا الفساد هو الأعمال الصالحة، وفي مقدمة هذه الأعمال العبادات التي شرعها الله تعالى، فالصلاة تصلح القلب، يقول الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلوةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر) " ويقول تعالى: (إِنَّ الإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِمُونَ}) ثم وصفهم بصفات متعددة واختتم هذه الصفات بالمحافظة على الصلاة كما
(1)
(2)
ابتدأها بالمداومة عليها وقال: وَالَّذِين هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ حَافِظُونَ) وكذلك الزكاة هي مطهرة للنفس من آثار الشح، يقول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم مَا) فالنفس البشرية كما هو معلوم
(1) سورة العنكبوت: من الآية 45 (1) سورة المعارج: الآيات 19 - 23 (1) سورة المعارج: الآيات 34 (1) سورة التوبة: الآية 103 (2/252)
صفحة 603
{253}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي مجبولة على حب المال، وهذا الحب عندما يطغى على جوانب النفس يكون داء عضالا يستعصي علاجه واستئصاله ولكن جعل الله سبحانه وتعالى العلاج مستمراً، وهو هذه الزكاة التي يدفعها والإنفاق الذي ينفقه في سبيل الخير، فإنفاقه المال في وجوه الخير يفجر في نفسه مشاعر الرحمة ويرقق وجدانه ويرهف حسه ويجعله يشعر بضرورة معاونته لبني جنسه وضرورة معاونة إخوانه المؤمنين، فيكون دائما يتألم بآلام غيره، ويفرح بفرح غيره وهكذا يتمكن من التحرر من أسر شهوة المال التي هي جامحة، وهي من أخطر الأخطار. لأن الحرص على الدنيا من أخطر الأخطار التي تجعل قلب الإنسان في عمى. فحب الدنيا كما جاء رأس كل خطيئة.
وهكذا الصيام أيضا يذكر الناس بالبؤساء والمحرومين والكادحين، الذين يقضون سحابة نهارهم وهم يكدحون من أجل الوصول إلى لقمة العيش، التي يسدون بها جوعتهم أو من أجل الوصول إلى طمر يسترون به سوأتهم. ويشعر بالرقة تجاه هؤلاء، وهذا مما يجعله يتعاون معهم.
وكذلك الحج يربط ما بين الإنسان وبين إخوانه المؤمنين، ويصل بين نفسه ونفوسهم؛ فيتألم لآلامهم؛ ويحب ما يحبونه لنفسهم، وهكذا. ثالثا: الأقوال:
إن تحرى الصدق في الكلام من جملة ما يتم به إصلاح القلب الذي يؤدي إلى صلاح العلانية، وكل ما يقوله الإنسان من خير، من أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو إرشاد لغوي، أو تنبيه الغافل، أو تعليم الجاهل أو إرشاد الجائر، كل من ذلك يؤدي بمشيئة الله سبحانه وتعالى إلى إصلاح النفس، يعني أن يتجنب الإنسان القول السيئ ومن ذلك النميمة، والغيبة شأنها كشأن من ينهش من لحم أخيه الميت، والنميمة هي من أخطر الخطر، فإنها تؤدي إلى القطيعة بين الناس، ومن نم ففي قلبه مرض عظيم، لأنه يكره أن يرى الناس على وفاق وصلح وخير وصلة، فهو يسعى إلى تقاطعهم
وهذا (2/253)
صفحة 604
{254}
عند الشيخ أحمد الخليلي
معالم الفكر التربوي من وتدابرهم، ولذلك ينم الحديث بينهم من أجل الإفساد. فتجنب النميمة من جملة أسباب صلاح القلب، وكذلك تجنب الكلمات التي فيها التحقير للغير، فقد علمنا تحذير الله سبحانه وتعالى وتحذير رسوله من تحقير المؤمن للمؤمن، فهذه الأقوال عندما تكون على هذا النحو يكون بها صلاح القلب
بمشيئة الله.
رابعا: التخلق بالتواضع
الأخلاق التي بها صلاح القلب التواضع، فإنّ الإنسان يجب عليه أن يتواضع قبل كل شيء لربه، وأن يتواضع لعباد الله، وذلك في الحقيقة تواضع الله سبحانه وتعالى فان الله تعالى نهاه عن الاستكبار، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: " الكبرياء رداءي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ولا أبالي " هكذا جاء في الحديث القدسي الرباني، فليس للإنسان أن يتطاول على الله حتى ينازع الله عز وجل شيئاً من صفاته، وقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الكبرياء رداءي، والعظمة إزاري، يعني اختصاصه سبحانه وتعالى للكبرياء، واختصاصه بالعظمة، كما أن احدنا لا يرضى أن ينازعه أحد في إزاره الذي هو مختص به، وفي ردائه الذي هو مختص به، فرداء المرء لا ينازع فيه، والإزار الذي هو خاص به لا ينازع فيه، فكذلك إذن الكبرياء صفة لا تليق إلا بالله، وليس لأحد من خلق الله سبحانه وتعالى
أن ينازع الله عز وجل فيها.
التخلق بحب الخير للآخرين
وكذلك من الأخلاق التي تؤدي إلى صلاح القلب أن يحرص الإنسان دائماً على حب الخير لغيره، لاسيما إخوانه المؤمنين كما يحبه لنفسه، ففي الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه (2/254)
صفحة 605
من معالم الفكر التربوي
ما يحب
لنفسه
(1) "
{255}
عند الشيخ أحمد الخليلي
" أي الإنسان لا يصل إلى حقيقة الإيمان وجوهره، ره، ويعد حقاً من المؤمنين الفائزين الناجين حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فالإنسان المؤمن يشعر بالراحة، ويشعر بالاطمئنان، ويشعر بسلامة باله عندما يشعر بأن إخوانه المسلمين نالهم خير ويشعر بخلاف ذلك عندما يكون الأمر بخلاف ذلك، فهو يتألم لآلامهم، ويفرح لأفراحهم، هكذا شأن المؤمن وهذا مما ينافي الحسد، فالحسد إذن داء فتاك، ومرض يؤدي إلى فساد الظاهر والباطن. ولابد من استجماع هذه الأمور كلها، وبهذا يضمن بمشيئة الله
سلامة قلبه "
(T)!!
ولا عطر بعد عروس، فلا تعليق على ما تفضل به سماحته سوى القول: إن الانتفاع بهذه العلاجات مرهون بصدق نية الإنسان، وصفاء طويته، وحسن إقباله على التطبيق، وعمق الرغبة في تنقية القلب، وتنمية الروح، وصقل الوجدان، والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط.
11 - الخلوة والأوراد:
وهي من الوسائل التربوية الروحية المهمة، فمن المعلوم أن الإنسان يؤدي ما افترضه الله عليه ويتقرب إليه بصنوف الطاعات، وهو يخوض معترك أعماله اليومية، فلربما أخذت تلك الأعمال والمخالطات والذهاب والإياب شيئا مما جناه من الثمرات الروحية من تلك الطاعات، فهي بلا شك ذات أثر كبير في تزويده بالطاقة الإيمانية، ولكن الأمر ليس كما لو كان الإنسان في خلوته متفرغا برهة من الزمن، يأوي إلى نفسه وادعة وتأوي إليه أيضا، ويجتمع شمل النفس والروح، وقد ألقت عليهم الخلوة ظلالها، وأرخت الروحانية عليهم سكينتها، فعرجت الروح في آفاق الملكوت، ومخر القلب في بحار الرحموت وهبت على النفس نسائم الإيمان، فانتشى بها
(رواه البخاري، رقم 13، و 11، ومسلم رقم 45 أمراض القلوب، الشيخ الخليلي، 480 / أ بتصرف (2/255)
صفحة 606
من معالم الفكر التربوي
{256}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الضمير والوجدان، فتجاوبت الأعضاء بالتسبيح والتحميد، وتناغمت مع التهليل والتمجيد لرب الأنام، ذي الجلال والإكرام.
اقتطفت
(1) "
ما ألذها من لحظات، وما أطيبها من أوقات، إنّها حياة الخلوات وكأنها من حياة أهل الجنان، لا يهوى الإنسان إلا بقاءها، ولا يتمنى إلا استمرارها، يقول سماحته حفظه الله: " إن ذكر الله تعالى تعمر به القلوب، فالقلوب الميتة تحيى به والقلوب الحزينة تعمر به، فينبغي للإنسان أن يذكر الله تعالى، والخلوة سبب من أسباب التفكر وإمعان النظر في ملكوت السماوات والأرض، وهذا حصل لنبينا عندما هيئ للرسالة بتحبيب الخلوة إليه، واتخاذ الأوراد لذلك حسن لم لا تعمر القلوب؟ ولم لا تحلق الأرواح؟ ولم لا تذرف العيون؟ وقد تخلصت النفس من شوائب الحياة، ولجأت إلى بارئها سبحانه وتعالى، فآواها إليه وأكرمها، وأصفاها ونعمها، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " ورجل ذكر الله حاليا فقاضت عيناه (2) نعم إنه يهيم مع أوراده، وينسجم مع تراتيله، وما الورد وردا إلا أنه الإنسان كما يرد العيون الفياضة بالماء الرقراق الزلال الصافي، إنه معين لا تنضب روحانيته، مهما نهل الإنسان من زلاله الذي يسري في كل خلية فيطهرها ويزكيها، ويشحذ فيها عزائم الإيمان ويجليها.
أصداء
سمي
پرده
ولأهمية الاختلاء للذكر والتلاوة والصلاة وسائر القربات، ولما له من أثر روحاني لا يستغنى عنه المسلم، فقد حث الإسلام على الاعتكاف والتنصل من جواذب الحياة، وقيود العيش، ليأتي دور الغذاء الروحي الذي به حياة الجسد والقلب معا. فبمجرد أن يدخل الإنسان إلى معتكفه خالياً وحيداً تتغير معالم الحياة أمام ناظريه يقول سماحته: " فالإنسان بمجرد ما
(1) رواه البخاري، رقم 629، ومسلم، رقم 715 (1) لقاء المؤلف بسماحته (2/256)
صفحة 607
{257}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي يقف بين يدي ربه تبارك وتعالى ماثلا راكعاً ساجداً قائلاً الله أكبر يستشعر عظمة الخالق تبارك وتعالى، وتتراءى أمام ناظريه مشاهد العوالم الساجدة الله تبارك وتعالى، المسبحة بحمده التي هي كما أخبر الله تبارك وتعالى عنها لا يشذ شئ منها عن السجود والتسبيح الله تعالى كما يقول عز وجل سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)
(1) ,
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
(2)
تُسَبِّح لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ يحمدِهِ، وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}
،
وكذلك بجانب كونها مسبحة الله تعالى هي ساجدة أيضا لجلال الله فكل شيء في هذا الكون أيضا يسجد لله تعالى إلا من يشذ من الجنس البشري. فالله تعالى يقول: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَنِ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ» أي وكثير منهم الشاذون عن هذا النظام الذي جعله الله تبارك وتعالى موحداً ما بين هذه العوالم كلها، فالمسلم في خلواته يحس بهذه الصلة ما بينه وبين هذه الكائنات
يسبح
(4)
بل يحس المسلم أيضا بأنه لا بلسانه الناطق فحسب، بل هناك السنة صامتة في نفسه هي تسبح مع تسبيحه بلسانه الناطق، فكل خلية من هي تسبح بحمد الله تعالى، بل كل ما هو أدق من الخلايا من
خلايا.
جسمه
الجسيمات أيضا يشترك في هذا التسبيح
) سورة الحشر: من الآية 1 (سورة الجمعة: من الآية 1 (1) سورة الإسراء، الآية 44 صورة الحج: من الآية 18 (2/257)
صفحة 608
{YON}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي نستطيع أن نقول أن ملايين الملايين من الألسنة في جسم الإنسان الواحد
تسبح بحمد الله تسبيحا صامتا، وإن كان هذا التسبيح لا يصل إلى فهمه وإدراكه إلا أولو البصائر الذين نور الله تبارك وتعالى بصائرهم حتى عرفوا أن الكائنات بأسرها منتظمة في هذا النظام العجيب، وأما حركة الإنسان الاضطرارية هي أيضا منسجمة مع نظام الوجود، وشذوذ الإنسان بعدم مع ذلك عندما يكون خارجا عن المنهج الرباني يؤدي به إلى النشاز بينه وبين نفسه.
تفاعله
فأشهد مني
ألف ألف لسان
وهذا ما قاله بعض العلماء الربانين عندما كان يفكر في مثل هذه الأمور، وهو الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله تعالى فقد قال: أعاين تسبيحي بنور جناني وكل لسان أجتلي من لغاته إذا ألف ألف غريب أغاني ويهدى إلى سمعي بكل لغية هدى ألف ألف من شتيت معاني وفي كل معنى ألف ألف عجيبة يقصر عن إحصائها الثقلان ولم أذكر الأعداد إلا إشارة كأني في أوصاف ميططران وإلا ففوق العد أمر منزه عن الحد يفني دونه الملوان
و
?
تتعجب إن عجبت فإنها حقائق صدق ليس بالهذيان
فالإنسان الذي يخرج بنفسه من هذا العالم المادي الضيق بحيث يأوي إلى ربه سبحانه وتعالى في بيت من بيوته، مستشرفا عالم الغيب، متطلعا إلى نفحات الله تبارك وتعالى يحس هذا الإنسان بروحانية عجيبة، يحس بأنه خرج من سجن كان فيه إلى رحاب واسعة لا يحيط بها إلا الله تبارك وتعالى، يحس أنه خرج إلى رحاب عالمية واسعة لا يمكن أن يحيط بها فكره، ولا يمكن أن يحيط بها علمه، إنما المحيط بها هو الله سبحانه، بل يشعر أنه يعيش في الملأ الأعلى. (2/258)
صفحة 609
من معالم الفكر التربوي
{259
عند
الشيخ أحمد الخليلي
وعندما يتلو كتاب الله تبارك وتعالى الذي تتجلى فيه آيات الله سبحانه وتعالى الواسعة المتطابقة مع آياته الصامتة في مخلوقاته الواسعة التي لا يحيط بها غيره سبحانه وتعالى يحس أيضا بالعجب العجاب، لأنه يحس بأنه يشاهد العالم من خلال ما يقرأه في كتاب الله سبحانه وتعالى من آيات الله تعالى تحدث الواسعة التي عن هذا الوجود، وأنه بأسره خاضع لجلال الله، مستجيب لداعيه.، مسبح بحمده، ساجد لكبريائه.
فهذه جملة من الثمرات التي يجنيها المعتكف عندما يقضي تلك البيمات في بيوت الله سبحانه وتعالى حيث القدسية، وحيث الطهارة، وحيث النزاهة وحيث الإيمان، وحيث الأمان.
مين
وبجانب ذلك أيضا يشعر أنه زالت حواجز بينه وبين ربه، فهو وإن كان في أي حال الأحوال يمكنه الاتصال بربه سبحانه وتعالى من خلال مناجاته، إلا أن هناك حواجز تقف في سبيله، منها أطماعه الكثيرة، ومنها رغباته في هذه الحياة الدنيا ومتعها، ومنها صلاته بعباد الله، ولكنه عندما هذه الصلات كلها، وينفرد مكانه بربه سبحانه وتعالى مناجياً خاضعاً يقطع راكعاً ساجداً متضرعاً تالياً لكتاب الله يشعر بتلكم الحواجز وقد تحطمت كلها، فيصل بفضل الله تعالى ومشيئته إلى درجة الإحسان، التي أخبر عنها النبي بقوله " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " فإن هذا الشعور إنما يخامر الإنسان في مثل هذه اللحظات الطيبة ". وقد يرى الأنوار تتجلى أمام ناظريه في خلواته، فضلا من الله ونعمة وكرما، وإشعارا له بالقبول وحلول الإجابة كما روي وقوع ذلك لأحد
علمائنا المعاصرين - حفظهم الله.
2610
8، وسنن الترمذي رقم 10
(4) صحيح البخاري، رقم 4499، وصحيح مسلم، رقم 8،) (3) سؤال أهل الذكر 19 / رمضان 1424 هـ 14/ 11 / 2003 م
(1) 11 (2/259)
صفحة 610
من معالم الفكر التربوي
{260}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فهلم أخي إلى موائد الخلوات واتخذ لك وردا مهما كان قليلا، وجاهد الآن، وإن كنت من أهلها فحث السير فإن البقاء هنا
نفسك، وأبدأ
من
قليل.
خطأ
12 - محاسبة النفس ومراقبتها:
ممن دونهم،
" كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " " هكذا قال عليه أفضل الصلاة والسلام، فكل الناس يقعون في الأخطاء، أخطاء باطنة، وأخطاء ظاهرة، أخطاء في الفكر والتصورات وأخطاء في الأقوال والأفعال، وتأتي هذه الأخطاء على قدر المراتب من العلم والإيمان، فالعالمون المخلصون أقل وأقوياء الإيمان أقل أيضا من غيرهم وقوعا في الأخطاء بسبب قوة بصيرتهم التي اكتسبوها من إيمانهم، وتتنوع الأخطاء في نفسها أيضا بغض النظر عمن وقعت منه والمخلص والمنجى من ذلك كله هو التوبة النصوح، ولا بد أن تكون التوبة مسبوقة بعمليات نفسية، فهناك أخذ ورد، وجذب وشدّ، وهناك مراقبة وعتاب ومحاسبة وعقاب، فإن تدارك الله تلك النفس بالعناية تابت، وإن لفحتها الغواية بقيت على ما كانت عليه والله المستعان.
هكذا تأتي محاسبة النفس على ما أسلفت مهمة للغاية في تربيتها، وتهذيبها وتزكيتها، وحملها على السير على سواء الصراط.
•
وللعلماء الذين كتبوا في تهذيب الأنفس وتزكيتها طرق جعلوها على مراتب من أجل مجاهدة النفس، بدأوها بالمشارطة فالمراقبة فالمحاسبة فالمعاقبة. ولكل واحدة من هذه الطرائق أسلوب ما في التعامل مع النفس. وإن كنت لم أجد فيما اطلعت عليه من كلام سماحته ما يوجه به إلى المشارطة، فإنها حاصلة بقبول الإنسان الدين، ورضاه به، والتوجه نحو
(1) سنن الترمذي، رقم 2499، وابن ماجة 4251، وسنن الدارمي 2727 (2/260)
صفحة 611
{261}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي الاستمساك بهديه، فلا بد أن تتكون لديه العديد من المبادئ الذي تتآلف بشكل تكاملي لتشكل منظومته الفكرية، إنَّها مشارطة النفس على أن تسير على ذلك المنهج، ولا تحيد عنه، فالإسلام دستور حياة كامل في جميع نظم الحياة ومجالاتها، وتلك المبادئ هي الإطار الذي يتحرك المسلم ضمن حدوده، وهي الشروط التي تحكم أخذه وعطاءه، وأمره ونهيه، وذهابه وإيابه، وفعله وتركه
فيكون قد شارطها منذ بداية طريق الحياة، وأعلمها بجميع الشروط، وبقي عليه حال العمل أن يكيف سلوكه وأداءه وفق تلك الشروط التي قد أسميها الأحكام.
ثم تأتي بعد ذلك المحاسبة، وهي القضية المهمة في التربية الروحية، فإن لم يحاسب الإنسان نفسه لم يذكر ولم يتنبه لكثير مما يأتي من الأخطاء، ولم يزدجر عنها. ولذا نجد سماحته حفظه الله كثيراً بالمحاسبة الدقيقة حتى على يوصي خطرات الأنفس، وكثيرا ما يوجه الأمة والأفراد إلى أهمية المحاسبة للنفس، وأنقل هنا جملة من توجيهاته التي يؤكد بعضها بعضا، وتحث على الإسراع في محاسبة الأنفس قبل فوات الأوان. يقول سماحته - كيف بنا ونحن نغدو ونروح مع المعاصي؟ أليس الأولى بنا أن تحاسب هذه النفوس ونسارع إلى تزكيتها بالتوبة النصوح والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ومحاسبة النفس والإقلاع عن هذه المعاصي والندم عليها؟ " حالتنا؟ ما الذي يجب أن نعمله؟ ما هي
علينا أن نحاسب أنفسنا ما
هي الأسباب التي يجب أن نأخذ بها سواء الأسباب المعنوية أو الأسباب الحسية؟ لنكون أمة حقيقية بنظر الله سبحانه وتعالى. علينا أن نراجع أنفسنا
مراض القلوب، الشيخ الخليلي، 480 / أ (2/261)
صفحة 612
{262}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي في كل دقيقة وجليلة، وفي كل ما نعمله وفي كل ما نقوله، بل علينا أن نحاسب أنفسنا على خطرات قلوبنا، وعلى ما يتلجلج في أعماق ضمائرنا). " يخلو المؤمن إلى نفسه ويأخذ في محاسبتها على أفعالها وعرضها على
كتاب الله وسنة نبيه للتمييز بين صالحها وسيئها وجيدها ورديئها، مع التعمق في أغوار نفسه ليستجلي إخلاصها في أعمالها الصالحة، مع استشعار وعد الله على الخير، ووعده على الشر، استشعارا يجلو له حقائقه الغيبية، كأنها يشاهدها بأم عينيه، فيكون كمن دخل الجنة فأصبر نعيمها الذي أعده الله لأوليائه البررة، ودخل النار فشاهد عذابها ونكالها، وما أعده الله سبحانه لأعدائه الفجرة ... لذلك كان الإنسان بحاجة إلى هذه الخلوات مع النفس لمحاسبتها حتى تنقاد دائما إلى الخير وتسارع إلى الطاعات، وتتجلى عنها أغيان الطبع التي تحول دون إشراق أنوار الإيمان عليها ") وبعد محاضرة عن الأحداث الراهنة في العراق ونحوه، وانقلابها إلى غير ما يتصور، قال سماحته بعد ذلك:
11
(2)
نحتاج إلى دراسة نفوسنا، ودراسة أوضاعنا، ودراسة كل ما يتصل بأحوالنا، سواء فيما كان بيننا وبين ربنا سبحانه وتعالى، أو فيما بيننا وبين أنفسنا، فالقضية تدعو إلى الاعتبار، وتدعو إلى اتخاذ مواقف، منها: محاسبة النفس على كل ما قدمت وكل ما أخرت على أننا واثقون أن العاقبة للتقوى وللمتقين
ويقول في إحدى خطبه:
" ولئن كانت السنون التي تمر بالإنسان هي موجات هذه الحياة التي تدفع بالإنسان إلى الفناء الذي تعقبه تلك الحياة، فإنه ليجدر بهذا الإنسان
(1) إن في ذلك لعبرة، الشيخ الخليلي، محاضرة (1) برهان الحق، الشيخ الخليلي، مخطوط، 1/ 121
(2) إن في ذلك لعبرة، الشيخ الخليلي، محاضرة (2/262)
صفحة 613
من معالم الفكر التربوي
{263}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وهو يمر بهذه الأعوام، أن يقف عند كل عام ليعتبر وليحاسب نفسه ماذا قدم؟ وماذا أخر؟ ماذا قدم من خير؟ وماذا عمل من صالح؟ وماذا عمل
من صالح لأمته التي ينتسب إليها؟ فإنه عضو من أعضائها.
ويرى سماحته أن المحاسبة الفردية تسير في اتجاهين:
الأول: محاسبة النفس على بواطنها:
يقول سماحته: " يجب على الإنسان قبل كل شيء أن يحاسب نفسه حساباً دقيقاً، فيحاسب نفسه على ما تبطن، بحيث يكون ما تبطنه النفس منطبقا تمام الانطباق مع ما أمر الله. عز وجل، فإن الله عز وجل قد حذر عن أشياء كثيرة مما تخفيه النفس بين حناياها، فقد حذر الله عز وجل من سوء الظن ويمثل سماحته لتلك الأمور الباطنة مع سوء الظن الرياء والكبر،
والجسد (3)
الثاني: محاسبة النفس على ظواهرها
(T)!!
يقول سماحته: وأما محاسبة النفس في العلانية فإطارها واسع جدا، ذلك لأن هذه المحاسبة تسقط الكثير والقليل، والدقيق والجليل، سواء مما يقوله الإنسان أو مما يعمله، وسواء مما يطعمه أو يشربه، أو يلبسه أو مما يلابسه بأي وجه من الوجوه ")
فإذا دامت المحاسبة على هذه الوتيرة مستمرة فإنَّها بلا ريب تجعل حياة الإنسان تسير في طريق السعادة، وتكون كل لحظة تأتي هي خيرا مما قبلها،
فيستعد بذلك للقاء ربه سبحانه.
(1) وحي المنابر، الشيخ الخليلي، 10/ 1
في المنابر، الشيخ الخليلي، 1/ 17 المنابر، الشيخ الخليلي، 1/ 22 المنابر، الشيخ الخليلي، 1/ 18 (2/263)
صفحة 614
{264}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي يقول سماحته: " ما دامت اللحظات تقرب الإنسان إلى لقاء الله، فعليه أن يكون في كل لحظة. من هذه اللحظات أكثر محاسبة للنفس، وأكثر صلة بالله، وأقرب إلى الله سبحانه وتعالى بتصفية سريرته وإخلاص عمله وتقويم
سيرته)
المراقبة:
كما أن المحاسبة ضرورية، ومهمة فلا بد أن تكون بجانبها مراقبة للنفس، كيف تستجيب لدوافعها ونزعاتها؟ و بأي طريقة تلبي غرائزها؟ فتكون هناك مراقبة لجميع أعمالها. والمراقبة والمحاسبة تتداولان تسبق كل منها الأخرى وتعقبها.
يقول سماحته: " على الإنسان أن يتفقد نفسه، وعليه أن يراقبها مراقبة دقيقة، فإن النفس تؤثر عليها مؤثرات متعددة، يؤثر عليها هواها وشهواتها، ويؤثر عليها الشيطان بتزيينه هذه الشهوات وتؤثر عليها الدنيا عندما يركن الإنسان إليها، فيطلب من الإنسان ألا يهملها، فالنفس هي مطيته إلى الدار الآخرة، فإن أهملها والعياذ بالله كان الغاية غاية سيئة، وإن رعاها وتعهدها وحرص على إصلاحها كانت الغاية غاية حميدة "
ويقول سماحته، بعد أن تحدث عن عناصر الاستقامة في الدين: فالاستقامة عندما يجعلها الإنسان نصب عينيه تجعله يراقب نفسه مراقبة تامة، يحاسب نفسه حتى على خطرات قلبه وهواجس نفسه، فلا لنفسه أن تفكر إلا في حدود ما أذن به الله "
يسمح
(1) الإيمان باليوم الآخر، الشيخ الخليلي، 32/ 1/ج (1) شريط الفتور، الشيخ الخليلي، 1/ 433
(2) الخطوات العملية، الشيخ الخليلي، 1/ 392 (2/264)
صفحة 615
معالم الفكر التربوي
{265}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فإذا كانت المراقبة دقيقة وقع الإنسان على مواضع المخالفة الله، لمنهج فحاسب نفسه وحملها على العودة إلى النهج السوي، وألزمها بالثبات عليه.
المجاهدة ووسائلها
يقول المولى جلت قدرته: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ
اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
(1)
(T)!!
جهاد بالمال وجهاد بالنفس في سبل شتى وجهاد النفس أعظم وأشق بسبب الصراع العنيف بين العقل والهوى، الذي لا تهدأ عواصف تياره إلا ببذل الكثير من التضحيات " فمع الجهاد والبذل كل شيء يهون بإذن الله) وجهاد النفس جهاد مستمر لا يفتر حتى يوارى الإنسان التراب، فهي لا تلبث إن هدأت حتى تثور إلا من ألجمها بلجام التقوى باستمرار، وقيدها بقيد الخشية من الله تعالى، فهي تتململ في قيدها لا تقوى على النهوض.
ويرى سماحته أن مجاهدة النفس تتم بثلاثة أمور هي:
1 - التصور الصحيح للحياة الدنيا، فالمؤمن ينظر إلى الدنيا نظرة قرآنية، والقرآن كشف هذه الحياة وطبيعتها كشفا جليا للناس ووصفها كما هي عليه، فالله تعالى ضرب فيها الكثير من الأمثال، فقد قال عز من قائل: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوة الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنهم قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
(1) سورة العنكبوت، الآية 69
نحو تربية أفضل، الشيخ الخليلي، 376 / أ الخطوات العملية للشخصية، الشيخ الخليلي، 392/ أ
(r). (2/265)
صفحة 616
من معالم الفكر التربوي
{266}
عند الشيخ أحمد الخليلي
2 - التعلق بالدار الآخرة، ودعوة القرآن إلى ذلك. فبذلك يقوى على
مقاومة طبيعة نفسه التي هي ميالة إلى زخرف الحياة الدنيا"
3 - إدمان ذكر الله تعالى واستغلال مواسم الخير، ونفحات الإيمان لترسيخ الإيمان في النفس، فقد يأتيها النشاط إلى الخير فيستغله، وإن نشطت للشر كبح جماحها.
يقول سماحته: " للنفس مواسم، والإنسان عليه أن يستغل الفرص، ثم إن النفس أيضا لها فلتات وعلى الإنسان أن يحرص على ضبطها، لئلا
تنفلت. وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا فمجاهدة النفس لابد منها وعلى الإنسان أن يدمن ذكر الله تعالى، وبهذا يرسخ الإيمان في نفسه "
13 ـ التصور الصحيح للحياة الدنيا: الدنيا مزرعة الآخرة، كل ما فيها إلى ذهاب، بهارج وزخارف، لا تسمن ولا تغني من جوع لمن لم يخلص وجهته الله. حسناء وجناء فرعاء، تحسبها دانية ومزارها قريب ودونها خرط القتاد، وما تناله من الحياة تبصر حقيقته على فراش الموت، حين يتمنى أعظم الملوك في الدنيا أن يكون رويعي
غنم في شعب الجبال.
الدنيا
،
الدنيا كاسمها، دنو وانخفاض عن المراتب العليا، تلك التي تكون في الدار الآخرة .. يقول سماحته: " وقد ضرب الله الأمثال الكثيرة التي تبين حقارة هذه الدنيا وهوانها، فإن الله تعالى سماها متاع الغرور، ويقول الله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ
فَاخْتَلَطَ
به
(1) السابق،
(1) تصحيح مفاهيم خاطئة، الشيخ الخليلي، 1/ 118 (2/266)
صفحة 617
من معالم الفكر التربوي
{267}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنَهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلَتَنها حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَعْن بالأمس فعلى الإنسان أن يجعلها وسيلة إلى الدار الآخرة لا غير، إما إن جعلها غاية فإنه يكون قد أعطاها فوق حقها، ويكون قد غمط الآخرة حقها، على أن الدنيا لا تسوى شيئا بجانب الآخرة، فإن الآخرة لو كانت ترابا وكانت الدنيا ذهبا لكانت الآخرة أحرى بأن يحرص عليها من أجل بقائها، وخلودها، فكيف والآخرة أغلى من الذهب، والدنيا أرخص من التراب "
ويوجه وصيته ونصحه للشباب المقبلين على الحياة الدنيا، ألا ينخدعوا بها، بل عليهم أن يصموا آذانهم عن ندائها، ويغلقوا أبصارهم عن بهارجها، يقول: "على الشباب أن يكونوا على صلة بالله بحيث تكون عقيدتهم راسخة، وتكون أعمالهم صالحة، ويكون طموحهم في ما عند الله سبحانه وتعالى مما أعده لأوليائه في الدار الآخرة، مع عزوفهم عن الدنيا، وزهدهم فيها، وعدم فتح نظرهم إليها، هذا المسلك هو الذي نرجو بمشيئة الله أن ينهض بهذه الأمة وأن يحررها من ربقة الذل الذي أصبحت أسيرة له بسبب ما كسبت أيديها، حتى طمع فيها أعداؤها".
وما ألذ حديث سماحة الشيخ عن حقيقة الدنيا، وما أبرد وقعه على القلوب، يزكيه الإخلاص، ويصدقه واقع الشيخ، ويذكيه قوة الخطاب ويعمق وقعه حسن البيان موشحا ببلاغة الشعر ورصانته، لذا سأزين مساحة هذه الصفحات بدراري نثره البديع يقول سماحته: " يقول الشاعر:
إذا ما تقاضي المرء يوم وليلة تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا الناس في هذه الحياة مثلهم كركاب قاطرة تسير بهم سيراً حفيفاً، لا تقف ليل ولا نهار، ولا في يقظة ولا في نوم ولا في غفلة ولا في صحة، ولا في
وللآخرة خير وأبقى، الشيخ الخليلي، 250 / أ
محاضرة في بلدة مجز ... صحار .. الشبكة العمانية، سبلة العرب. (2/267)
صفحة 618
{268}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي مرض ولا في نعيم، ولا في فرح ولا في حزن. وإنما تسير هذه القاطرة سيرا حثيثاً، وعندما يصل أي أحد إلى النقطة التي كتب له ألا يتجاوزها يخر من هذه القاطرة بدون توقف هكذا شأن هذه الحياة، وهذه الأنفاس التي يتنفسها الإنسان هي خطواته إلى هذا المصير، فكل نفس يتنفسه الإنسان يدنو به إلى هذا المصير، وكل نفس يتنفسه الإنسان لا يمكن أن يعود أبداً، فهذه الأنفاس مثلها كمثل السقاء الذي حل وكاؤه، وتتقاطر قطراته باستمرار حتى تنتهي هذه القطرات، أو مثل عقد حل نظامه فتتساقط أيضا خرزاته باستمرار حتى تنتهي.
حتى
وقد صور الشعراء البلغاء حقيقة هذه الحياة بما أوتوا من موهبة شاعرية تصويراً دقيقا نسمع مثلا التهامي الذي رزئ في ابنه، وقد كان طفلا صغيراً، فاندفع في رثاء هذا الابن بقصائد متعددة، من بين هذه القصائد تلك القصيدة التي كان المعري يعجب بها إعجاباً بالغاً، أنه كان لا يفد إليه وافد إلا ويسأله قبل كل شيء: أتنشد رثاء أبي الحسن التهامي لابنه؟ فإذا قال له: نعم، يقول له: أنشدني، حتى جاءه التهامي نفسه فسأله هذا السؤال، فقال له: نعم، فقال له أنشدني هذه القصيدة وعندما أنشده إياها قال له: أحسنت وأنت صاحبها، فقال له بم عرفتني؟ قال له: عندما كنت تنشد أبياتها كنت أحس أن هذه الأبيات تخرج من كبد حرى، فشعرت من ذلك أنك المصاب الذي فاضت عواطفه بهذا الشعر، ففي مقدمة هذه القصيدة
يقول:
حكم المنية في البرية جار ما هذه الدنيا بدار قرار بينا يرى الإنسان فيها مخيرا حتى يرى خبرا من الأخبار جبلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذار والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هار (2/268)
صفحة 619
من معالم الفكر التربوي
{179}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فالعيش نوم والمنيية يقظة والمرء بينهما خيال
سار
هذه هي حقيقة الإنسان، عيشه، نوم، ومنيته يقظة، وفي هذا خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم " الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا " وقد صاغ على هذا المنوال الشاعر الكبير العلامة أبو مسلم قصيدته في رثاء الشيخ السالمي، وقد جاءت هذه القصيدة حافلة بالمواعظ البالغة وبتصوير هذه الحياة الدنيا على طبيعتها وفي مقدمة هذه القصيدة يقول: ريب المنون مقارض الأعمار وحياتنا تعود إلى المضمار والنفس تلهو فوق تيار الردى ياليتها حذرت من التيار قرت على رنق وزخرف باطل مثل القرار على شفير هار ماذا يغر المرء من محياه في دنياه وهي قرارة الأكدار يتساقط المغرور في لهواتها تفريه بالأنياب والأظفار شر الغرور سكون ذي بصر إلى عيش تمزقه يد الأخطار عبر تلونها الصروف وأنفس تفني هل زاد عيشك ذرة عن هذه لو كنت في الدنيا على استبصار هلا اعتبرت وفي حياتك عبرة مما
و آثار
تصرفه يد
على
آثار
المقدار
لا تستمر لك السلامة لمحة وغوائل الأيام في استمرار ما بالنا نبكي الفقيد ونحن من حب الذي أراده في استهتار شغف النفوس بما يراقبه الفنى أثر الهوى ومحبة الأوطار جسر المنون أمام وجهك عابر ولسوف تعبره مع السفار لتعبره مخفا سالما من ثقل ما أوقرت من أوزار ليس العظات بما يقول مذكر مثل العظات بمصرع الأعمار كم للمنون لو اعتبرنا من يد في سلبها الأرواح بالتذكار ما الحزن ألفتنا لمقصود الردى ينتاب في الإيراد والإصدار
شمر (2/269)
صفحة 620
من معالم الفكر التربوي
{270}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أترى يجد البين فينا هازلا
ويريحنا بمصارع
الأخيار
مزمومة نير القضاء يقودها مربوبة بإماتة
لمشيئة الأحياء
المختار والإنشار
كتب البقاء لنفسه مستأثرا وإذا اعتبرت حياتك الدنيا تجد أن الحياة مظنة الأعذار ما بين معركة وأخرى يبتغي أملا لباقية ذوو الأبصار لو كان يشترك البقاء لغادرت غيل المنية أنفس الأبرار وفي إحدى قصيدتيه اللتين رثى بهما قطب الأئمة – رحمه الله – يستهلها
بقوله:
تكب على دنياك وهي تبيد و تفتقد النائي وأنت فقيد حريصا عليها جامعا لحطامها وغاية ما نافست فيه نفود تساور ملحاحا لتحصيل فائت نعم كل ما يرجى الحصاد حصيد نكالب فيها أهلها وتذودهم وعمرك لو كنت اعتبرت تذود على لحظات ينقص العمر مرها تؤكد آمال البقا ولو أملا أدركته لم تجد له وفاء ولم تصحبك منه عهود وتبني بناء طينه نقض دارس سيدرس يوما والغرور جديد
وتزيد
هكذا شأن هذه الحياة الدنيا، كما يصفها هؤلاء الشعراء الموهوبون. وفي قصيدة رثى فيها العلامة أبو مسلم أيضا أحد أصدقائه يقول: تهد العمر رائعة المنون وحد الحي إتيان اليقين الهوا بالغرور ولا نبالي و نؤخذ بالشمال وباليمين الا جزع بقاصفة وأخرى والقرين طافحات إلى تغرير كاذبة خؤون
تليها
للمباين
ودركا والمهالك على أن الحياة لها حدود سنقطعها على رغم الركون أليس على الغباوة ذو هناء وظفر الحتف يسري في الوتين (2/270)
صفحة 621
من معالم الفكر التربوي
يمر
{271}
عند الشيخ أحمد الخليلي
القارضان ونحن ندري بأن مسيرنا نحو الكمين ولو أنَّ الكمين على خفاء ولكن بطشه رأي العيون
يثبطنا
من
الآمال وهم
ويجلي الوهم بالحق المبين
ودون مدارك الآمال رصد من الآجال منقطع الظنون
تمر
بنا
جنائزنا
بطانا حواصلها تزف إلى الدفون وتغدو في مراعيها خماصا ألا عجبا من الخمص البطين هذه الدنيا بتاتاً طلاقك لا أليك ولا تليني
وطلق
عنك يا دنيا دعيني
عرفتك حية لينا وسوءاً دعيني خدعت بنيك ثم فتكت فيهم وإنك لا محالة تخدعيني يروعني ابتسامك فوق مكر كذاك السيف براق المتون أبنت محاسناً زانت فشاهت فبييني أيها الشوهاء بيني هبلتك يا غدور خذي طريقاً ذات آخذ فإني اليمين تركتك مزجر الكلب المضرى سوي ما كان منك لأمر ديني إلى أن يصل إلى قوله وحسبك يا فجار من المساوي رحاك المستديرة في القرون
جهينة
باليقين
أريني أينهم فلديك خبر خبرينا دع التدليس إن القوم صاروا طحينا يا مبددة الطحين فغري يا خباث بني العمايا وكفي عن خداع المستبين أسلمك ابتغي والفتك جار ونحن وأنت في حرب زبون دهانك ما تشعث ليس يجدي لأن القصد حلقوم الدهين
أبعد الصيد من سروات قومي تراموا في القبور وخلفوني الذ معيشة وسكون وهيهات السبيل إلى السكون
قلب (2/271)
صفحة 622
من معالم الفكر التربوي
{272}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أبعد الطيبين يطيب أنس وطيب القوم في خلق ودين أبعد تهدم الأكناف منهم تظل الناس قاطنة
بلين
فالحياة الدنيا تسير بالناس سيراً حثيثاً لا تتوقف في أي لحظة من اللحظات، تمر بهذا الإنسان وهو لا يشعر، ولقد سمعت أحد مشايخنا يلقي
خطبة عيد وكان فيما قاله في هذه الخطبة من الكلمات الوعظية البليغة: فوا عجبا من واقف وهو في حال وقوفه يرحل، ووا أسفا على راكب لا يعرف إلى أي الدارين يحمل " وقال أيضا في خطبة أخرى: فوا عجبا من واقف وهو في حال وقوفه راحل، ونائم وهو في حال نومه يقطع المراحل ". هكذا شأن الإنسان لا يتوقف سيره، والناس في هذه الحياة الدنيا وإن اختلفت أحوالهم وتفاوتوا بين نعيم وبؤس وغنى وفقر، ويسر وعسر، وفرح وحزن ..... الخ، ولكن مع ذلك فإن الناس جميعا مثلهم في هذه الحياة الدنيا كمثل السجناء الذين يعيشون بين أسوار السجن، وقد حكم عليهم جميعا بالإعدام، ولكن لا يعلم أحد اللحظة التي ينفذ فيها الحكم، إذ لا يدري أحد ما يحدث له)
هذه.
هي
الدنيا التي صورها لنا سماحته ببلاغته الباهرة، فإن فتن بها أحد بعد معرفتها إنه لمغرور حقا، ومن انخدع بزخرفها إنه لمخدوع صدقا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ}
يهواها القلب ولكن
يحذرها المرء العاقل
(1) الإيمان باليوم الآخر، الشيخ الخليلي، 32 / أ/ج
(1) سورة الأعلى، الآية 17
(2) سورة النحل، الآية 30 (2/272)
صفحة 623
من معالم الفكر التربوي
{273}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ومما يكبح جماح النفس عن جريانها وراء زخارف الحياة الدنيا،
وانخداعها ببهرجها، أمور شتى، منها:
تذكر الموت وغصته:
يقول الله سبحانه وتعالى {وَجَاءَتْ سَكَرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ
ويقول عز من قائل: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَدَمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَنعُ الْغُرُورِ} " ويقول تعالى {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ. الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَةٍ " ويقول تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلدَ أَفَابْن مِن فَهُمُ الخَلِدُونَ (3) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}
هذه
هي
نهاية كل
حي
(1)
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فهو
الحي الذي لا يموت سبحانه، وكل شي هالك إلا وجهه، ولا يملك أحد مهما كانت، قوته وخدمه وحشمه وجنوده وعتاده، أن يؤخر الموت ثانية واحدة عن موعده هكذا طريق الأحياء جميعا.
فللموت تغذو الوالدات سخالها كما لخراب الدور تُبني المساكن
(1) سورة ق، الآية 19
(1) سورة آل عمران، الآية 185
(2) سورة النساء، الآية 78 (1) سورة الأنبياء، الآية 34،35 (2/273)
صفحة 624
{274}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي أين فرعون وهامان، وأين قارون ونمرود، أين الأكاسرة والقياصرة، أين الأباطرة، لقد ذهبوا كأمس الدابر {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ, قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
ويقول أبو مسلم الرواحي:
لم تهدأ الدور من نوح وصارخة ولا المقابر من مستودع فيها نمر بالطرق والأيتام تملؤها ولا نفكر فيمن كان يؤيها ونرسل الطرف والأبواب مغلقة والدور فارغة والدهر يبليها أين الذين غنوا فيها مقرهم أظنهم في طباق الأرض تطويها أين الذين عهدنا أين مكثهم أين القرون لمن تبقي مغانيها أين الحميم الذي كنا نخالطه أين الأحبة نبكيها ونرثيها أين الملوك ومن كانت تطوف بها أو من ينازعها أو من يداويها أين الأباعد أين الجار ما فعلت بهم بنات الليالي في تقاضيها لو أمكن القوم نطق كان نطقهم ريب المنون جرت فينا عواديها
ويقول أيضا:
يمر بنا ركب ويتلوه غيره ويسبقه ركب وفي الأرض أقحموا تنعم في ميراثهم غير كاسب وعما قليل يقعص المتنعـ أينسي بنو الدنيا مصارع أهلها وفي كل قلب للمنية مبسـ بنون وآباء لدنيا أعزة ندسهم في الأرض لا نتخرم
ويقول:
تمزقنا الغارات من أم قشعم وما حدث تبقي عليه وقشعم
(1) سورة ق، الآية 37 (2/274)
صفحة 625
من معالم الفكر التربوي
{TVO}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
متى تفرغ الأذان من صوت نائح وقعقعة تحت التراقي تهمهم ويبرد قلب بالأسى يتضرم أثقالها ليس ترزم
دمعه
وينشف دمع من سوافح متى تحسر الأكتاف من نعش هالك رواحل من قوافل تمتار النفوس إلى الفلا ألا هذه الأبشار للأرض مطعم أروني خيام الحي من حيث طنبت أليس ضمير الأرض ذاك المخيم
ولسنا تأخرنا معافين بعدهم ولكنه عمر مداه يتم أنه الرحيل الحتمي ومفارقة الأهلين والأولاد، والإخلاء والأحباب حيث لا عودة ولا لقياً أبداً، إلا في يوم يفر منه المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، فأي لقيا هذه إلا أن كتب الله لهم الكرامة، فليكن على أهبة الاستعداد بهذه الذكرى ينتصر المرء على هواه، ونزغات الشيطان، يقول
سماحته:
" وعندما يستذكر الإنسان أن يوم القيامة بين يديه ولا يدري متى يفجؤه الموت، ولا يدري إلى أين مصيره؟ هو راكب على راحلة وليس قيادها بيده، إنما قيادها بيد غيره، فلا يدري بها إلى أين ترحل؟ هل ترحل إلى جنة عالية؟ أو ترحل والعياذ بالله به إلى نار حامية؟ لا بد من أن يقوى على كبح هذه النفس الأمارة بالسوء، وزمّ، هواها وضبط غرائزها، والتصرف في طاقاتها؛ لتكون عاملة في مجال البناء والتعمير بدلاً من أن تكون وسيلة للهدم والتدمير، والعياذ بالله "
وليت كل إنسان تخرج روحه بسهولة ويسر ولكن للموت سكرات وغمرات لم يسلم منها المصطفون الأخيار يقول سبحانه: {وَجَاءَتْ سَكَرَةُ: الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ " ويقول سبحانه: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّلِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَبِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا
(1) سؤال أهل الذكر 3 شعبان 51424 - 2003/ 10/26 (1) سورة ق، الآية 19 (2/275)
صفحة 626
الفكر التربوي من
{276}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} حتى ليقال أن سكرة واحدة من سكرات الموت أشد من سبعين ضربه بالسيف، ولا يعلم قدر ذلك الألم الشديد إلا من ذاقه حقاً ولذا تجد الناس حين يعبرون عن المواقف الشديدة المؤلمة التي تمر بهم يقول أحدهم (لقد ذقت الموت (كناية عن شدة ما لاقى. وقد روى عنه عندما كان على فراش الموت أنه كان يغمس يده في ركوة. ة ماء ويمسح بها جبينه ويقول: " إن للموت سكرات" وكان يغط ثم يفيق من هول ما يلقى من سكراته، فكيف بمن هم دونه؟ إذا كان هذا حال خير الخلق وحبيب الحق، فكيف بسائر الناس؟ كيف بمن يتقلب في المعاصي ليل نهار؟! أتستمتع بلذة؟ أيهنأ لك العيش؟ أيقر لك قرار؟ أيهدأ لك بال؟ كأنك في مأمن تام عن مباغتة الموت؟ والله تعالى يقول: {فَلَمَّا نَسُوا مَا كَرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَنهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} "
1)
ويقول: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ
فإذا نزل ملك الموت لقبض روحك فانه لا يرجع إلا بها {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ
إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخِّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)
ينزل ملك الموت وأعوانه من الملائكة، كما يقول سبحانه وتعالى:
(1) سورة الأنعام، الآية 3 (1) سورة الأنعام، الآية 44 (1) سورة الزخرف، الآية 66
(1) سورة نوح، الآية 44 (2/276)
صفحة 627
من معالم الفكر التربوي
{277}
عند الشيخ أحمد الخليلي قُلْ يَتَوَفَّنكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وَكَلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ فان كنت صالحاً وجدت خفة في النزع وسلب الروح، لا كالذي يجده الكافر والعاصي يقول سماحته:
"على الذي قسا قلبه أن يذكر لقاء ربه في ليله ونهاره. أن يذكر الموت وغصته والقبر ووحشته والحشر، وهوله والموقف العظيم بين يدي الله سبحانه وتعالى، والحساب، فإن ذلك كله مما يرقق القلب. ومن علاج القسوة زيارة القبور والنظر إلى المساكين، وإلى المحتاجين، ومحاولة أن يحسس نفسه بأحاسيسهم، وأن يشعرها بما يشعرون به من الآلام
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغل" تذكر وحشة القبر:
إن الإنسان بعد أن يحل الموت بساحته، وتقبض الملائكة الكرام روحه يكون بذلك قد قامت قيامته وانتقل إلى دار أخرى والى حياة أخرى. لقد رحل مفارقا أهله وأحبابه وذويه، وأصحابه ليسكن داراً موحشة، وحيداً فريداً، لا أنيس له من أهله إلا عمله الذي قدمه. لقد حملوه على أكتافهم بعد تغسيله وتكفينه؛ ليودعوه في حفرة عميقة بعض الشيء حتى لا تؤذيهم ريح جيفته النتنة، وأهالوا عليه التراب وألقوا عليه نظرة الوداع. نعم لقد تركوه وذهبوا عنه لقد تركوه هناك في مدينة الأموات في قبر موحش مظلم، ولم تلبث أن أنستهم الأيام ذكره فهلا أذكرت أيها الحي؟ لابد من الذكرى أيها الناس، أيها الأكياس قبل تنفع الذكرى؟ يقول سماحته: " على الإنسان أن يكثر من ذكر الموت وغصته والقبر ووحشته، والحساب وهوله ")
ألا
(1) سورة السجدة، الآية 11
(1) الدين الخلق (2/277)
صفحة 628
من معالم الفكر التربوي
{TVA}
عند الشيخ أحمد الخليلي
صورة مقبرة وهي مسكن الإنسان الطويل قبل بعثه للحساب
وعليه أن يزور القبور ولا يهجرها فيقسو قلبه، لأنَّ زيارة القبور ترقق القلوب، وتذكر الإنسان بالدار الآخرة وبمسكنه الذي سيمكث فيه طويلا.
يقول سماحته:
" زيارة القبور إنما هي للعبرة والعظة، وشدد النبي صلى الله عليه وسلم أول الأمر في زيارة القبور مطلقا، بحيث منعها لأجل قرب الناس بعهد الجاهلية، ثم لما استقرت العقيدة، وقوي الإيمان، وكان الناس موصولين بالله تبارك وتعالى أباح لهم زيارتها، وقال:" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا را ولكن مع ذلك يجب أن يتجنبوا كل ما فيه حرمة، ومن ذلك ألا تتخذ زيارة القبور وسلية لأمر محرم كدعاء الميت واستغاثته، والتضرع إليه.
هجرا
فإن الله تبارك وتعالى هو وحده قاضي الحاجات
(3)
(1) سؤال أهل الذكر /27 رمضان 2002/ 12/3/ 51423 م (1) سنن النسائي رقم 2033
(2) سؤال أهل الذكر /26/ رمضان 01424 - 2003/ 11/21 م (2/278)
صفحة 629
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
ولا تنصح النساء بزيارة القبور، بسبب هيجان عواطفهن، وقد تأتي بالأمر الذي لا يحمد كالعويل وغيره وقد تنوح وهي في وسط المقبرة، فلذلك منعت من زيارة القبور؛ لئلا يكون ذلك مهيجاً لعاطفتها ". وينبغي على الرجال تعويضهن هذه الفرصة بنقل الصورة إليهن عبر
(1)
التذكير والموعظة الحسنة وشرح ما يكون عليه سكان القبور من الظلمة والوحدة، ويذكرها بما ورد في السنة الشريفة من الأحاديث في عذاب القبر، وسبل الخلاص منه، وهو في حقيقة الأمر يذكر نفسه أيضا ويعظها بذلك، ويقوي إيمانه، ويشد من عزيمته في تخطي خنادق الهوى، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة تبين حال الإنسان في مرحلة البرزخ، يقول سماحته:
" إن الإنسان قد يجد في هذه المرحلة نوعان من الجزاء على ما قدمه في هذه الدنيا خيراً كان أم شراً، وقد جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تخبر خبراً صريحاً عن عذاب القبر والعياذ بالله وجاءت هذه الأحاديث تبين للناس أن هذا العذاب يتنوع، فقد يكون هذا العذاب نهشاً من الهوام، وقد يكون هذا العذاب - والعياذ بالله - بضغط الأرض عليه، وجاء في أحاديث رسول الله أن العبد يفتن في قبره، وأنه يتعرض المسائلة ومناقشة واختبار، فيسال عن عقيدته في الله وفي الدين وفي الكتاب وفي الرسول، ويقول كثير من المفسرين: إن الإشارة إلى ذلك في قول الله سبحانه وتعالى:
يُشبتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّلِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ " وقد جاءت رواية مرفوعة إلى النبي جاءت عن طريق البراء بن عازب - رضي الله عنه - عن الشيخين وأصحاب السنن وفحوى هذه الرواية أن الميت يأتيه ملكان، وقد جاءت روايات متعددة في وصف هاذين الملكين، ومن جملة ما جاء في
(1) سؤال الذكر /26/ رمضان 01424 - 2003/ 11/21 م (1) سورة إبراهيم، الآية 27 (2/279)
صفحة 630
{280}
ربي
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي وصفهما في بعض الروايات أن عيني كل واحد منها تبرق بريقا، وفي يد كل واحد منها مطرقة من حديد، فيسألان الميت عن ربه، فإن كان من الموفقين يثبته الله بالقول الثابت، فيقول الله، ويسألانه عن دينه، فيقول ديني الإسلام، ويسألانه عن رسوله، فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم فيوسع له في قبره، ويفتح له باب إلى النار ـ والعياذ بالله - ويقال له هذه النار التي أنقذك الله منها، وباعدك عنها، لو لم تعمل صالحا لانقلبت إليها، ويفتح له باب إلى الجنة ويقال له هذه الجنة التي تنتظرك، وسوف تعود إليها، ويأتيه من طيب روائح الجنة وهو في قبره و مضجعه، ويقال له: نم نومة العروس؛ فيكون مضجعه ذلك نوما. أما إذا كان بعكس ذلك، فإنه يحير في الجواب وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّلِمِينَ}، وبعد هذا يطرقه الملكان بتلك المطرقة. وجاء في بعض الروايات أن الله سبحانه وتعالى يسمع الكائنات الحية ما عدا الثقلين هذه الطرقة، كما يسمعهم أنين هذا الميت منها والعياذ بالله من ذلك، وأن الأرض بعد ذلك تضغط عليه حتى تختلف أضلاعه - معاذ الله. ذلك. في رواية عن عائشة رضي الله عنها أن النبي الله قال لها: " أن الميت ليفتن في قبره فقالت يا رسول الله كيف حالي وأنا امرأة ضعيفة، فتلا عليها النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا
من
-
وقد جاء
وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّلِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ " والأحاديث التي وردت أيضا في بيان الهوام التي تأتي الإنسان، أحاديث متعددة منها حديث " أن الله يسلط على الكافر أو الفاجر في القبر تسعة وتسعين تنينا لو أن واحداً منها نفخ على الأرض ما أنبتت خضراء " " وهذه الروايات قال كثير من علماء الحديث بأنها بلغت مبلغ التواتر المعنوي على خلاف في إثبات ذلك وفي كيفيته، والله على كل شيء قدير.
(1) سورة إبراهيم، الآية 27 (1) روي الحديث بألفاظ مختلفة، انظر سنن الترمذي،1071 ومصنف عبد الرزاق 6738، 6760، والمعجم الأوسط 4629 (2/280)
صفحة 631
{281}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي وإذا استدللنا مما شوهد وسمع فان القرائن متوفرة على إن الميت قد يعذب تعذيباً يحس به كما يحس به وهو في حالة الحياة، وقد يصدر منه أنين. ذلك لأنَّ أصواتاً يسمعها بعض الناس تنبعث من القبور والعياذ بالله، فقد أخبرني من سمع بنفسه، وكان بصحبة رفيق له أنينا ينبعث من قبر كأنها نفضت الأيدي ترابه من جديد فقال لصاحبه ما الذي تحشه؟ قال له: أسمع أنينا، فقال: وإنا أسمع كذلك، فكانا عندما يقتربان من القبر يختفي هذا الأنين، وعندما يبتعدان عنه يسمعان هذا الأنين، فسألا بعد ذلك أهل الحارة التي يدفن أهلها موتاهم في تلك المقبرة عمن دفن أخيراً؛ فاخبروهم عن شخص وهو رجل لم يكن مرضيا في حياته، كما إن بعض الناس أخبروا أيضا عن بعض الظالمين المشهورين بالظلم أنهم عندما حفر له في قبره كان التراب كالجمر، تنبعث الحرارة من التراب كما تنبعث من الجمر، حتى جاءوا إلى أحد العلماء فشكوا إليه الحال؛ فتلا آيات من كتاب الله على سعف النخل، وأمرهم بأن يضربوا الأرض بتلك السعف وهم يحفرون، فخفف ذلك
عنهم.
(1) "
فهذه الأحوال التي يحدث بها كثير من الناس هي شاهدة على عذاب القبر، ودليل عليه، والأحاديث الثابتة الصحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كانت لم تبلغ مبلغ التواتر اللفظي هي أقوى الأدلة التي تدل على ذلك" اللهم نسألك السلامة والعافية، وأن تعيذنا من عذاب القبر، برحمتك يا
أرحم الراحمين.
ويشير سماحته إلى الأثر الروحي والتربوي الذي يتركه الإيمان بما يلاقيه الإنسان في قبره، في تلك المرحلة التي قد تطول أضعاف أضعاف العمر الذي قضاه في الحياة الدنيا، يقول سماحته: " وفي إيماننا الجازم بأن الميت ينتقل بعدما يعيش في هذه الدنيا في النعيم إلى القبر وما فيه من الهول، وما
(1) الحياة البرزخية، الشيخ الخليلي، 8/ 24/ج (2/281)
صفحة 632
{YAY}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي فيه من الوحدة، وما فيه من الوحشة، وما فيه من الخطورة، موعظة وذكرى لأولي الألباب. فعلى العبد أن يستعد لذلك اليوم الذي ينفرد فيه بقبره، ويخلو فيه بعمله، سواء كان مؤنسا أو كان موحشا، وقد أجاد ابن النظر
حيث يقول:
أتأمل بعد شيب الرأس عمرا ومن أخيتهم قد مات طرا تظنك خالدا تحصي الليالي ومر شهورها شهرا فشهرا فسوف يسوق أشهرهن يوم يسوق إليك مجزرة ونحرا للبلى كفنا وقبرا
فما
فدعه للدنيا زخرفت
وزخرف
وأولى للمرء أن يشيد قبره بالعمل الصالح من أن يشيد مسكن الحياة الدنيا، الذي سيرحل عنه عاجلا، فإن مسكن الدنيا لا يعلم متى ينقل عنه، وربما لا يلبث فيه إلا قليلا، وربما يحرمه فيموت قبل أن يتبوأه. بينما البرزخ لابد أن يجتازه فيبقى فيه مرحلة طويلة أضعاف أضعاف ما بقي في هذه الحياة الدنيا. وما بعد الموت مستعتب ولا بعد القبر دار، إلا الجنة أو النار- والعياذ بالله من النار - نسأل الله مغفرته ورضوانه.
14 - التناصح والتواصي بالحق:
ويشمل الجانبين بذل النصح، وقبوله، ويدخل فيه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يعني ذلك أن يتوجه النصح إلى الجانب السلوكي بحيث يتناول توجيه السلوك الفعلي الوجهة الصحيحة، أي جانب التعامل مع الآخرين، بل يتناول الحث على فعل الخير، وتصحيح النيات، و تصفية الضمائر من الأكدار، فقد يكون الإنسان ممن وفقه الله تعالى لفعل الصالحات ولكنه مع ذلك يقع في أمور مهلكة، أو أمور تقدح في صلاحه على الأقل، أو تعيق سيره نحو بلوغ الأوج الشامخ من الفضل، والاستقامة، والصلاح، والتقوى، فهو بذلك محتاج إلى توجيه الآخرين له، وكما يقول (2/282)
صفحة 633
الله
عنه:
{283}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي سماحة: " قد يرى الإنسان عيب غيره، لأنه يشاهده، ولا يرى عيب نفسه لأنه لا يشاهدها، ولأن العادة تنسيه حاله. ولذا كان لزاما على الجميع قبول الحق ممن جاء به، حبيباً كان أو بغيضاً، وصغيرا كان أو كبيراً "فإنَّ خير الناس من يتقبل الحق برحابة الصدر، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي " أنه جاء إليه رجل فقال له في وسط المجلس بين الناس: يا أمير المؤمنين اتق الله، فكبرت هذه الكلمة على كثير من الناس الذين سمعوها من ذلك الرجل، وهو يجترئ على إلقائها على أمير المؤمنين، وهو في مقدمة المؤمنين المتمسكين بحبل التقوى، فكيف يؤمر بجانب ذلك بالتقوى؟ ولما وجد عمر ـ رضى الله عنه ـ أن أولئك الناس وجدوا في نفوسهم حرجا لما قيل له، قال لهم: لا خير فيكم إن لم تقولها، ولا خير فينا إن لم نقبلها "
ومما يربي الجانب الروحي لدى الإنسان، ويقوي إرادة الخير لديه، قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنَّ هذا الواجب متعلق بالغير، وهذا الغير أي الطرف الآخر قد يكون عاتياً شرساً، سيواجه الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر بفضاضة وغلظة وحدة، وقد يتقبل ذلك برحابة صدر، ويشكر صاحبه ويبدي أسفه إما على جهله أو سيطرة الهوى على قلبه، خصوصاً إذا كان الأمر مصحوباً بالحنان والرقة والاحترام والتقدير، وشيء من المواعظ التي ترقق القلوب، وهنا يشعر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في كلا الحالتين أنه انتصر على نفسه المحبة للدعة، المتخوفة من ردود الأفعال المؤثرة للسلامة، فتزداد النفس سموا، والروح تألقاً، أخرى يجد أن لا محيص لنفسه من الالتزام بما يأمر الناس به، وينهاهم عنه، فيسير بنفسه نحو الأسمى، ويتخلص من جميع العيوب والمعاصي، وكل ما يقدح في استقامته، ومن جهة ثالثة يشعر بتوفيق الله له، وحفظه ورعايته،
ومن ناحية
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 216/ 3 (1) رسالة إلى الشباب المسلم، الشيخ الخليلي، محاضرة (2/283)
صفحة 634
من معالم الفكر التربوي
{284}
عند الشيخ أحمد الخليلي
فيزداد بذلك قربا من الله سبحانه، وتقوى صلته، لأنه يقوم بمهمة المرسلين عليه السلام، ومن جهة رابعة هو بقيامه بذلك الواجب يعمل على إيجاد بيئة صالحة مؤمنة، تتربى فيها نفوس المؤمنين، وتنشأ فيها الأجيال على حب الخير والصلاح، وفي هذه البيئة نفسها يحيى ويعيش، فلا بد أن تصفو روحه، وتصفو نفسه، يقول سماحته
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما ركنان يأوي إليهما من أراد الإيواء إلى ركن الله سبحانه وتعالى، إذ هما جند الله سبحانه و تعالى في هذه الأرض، والقلوب المتنافرة تتألف عندما تفهم المعروف وتأتمر به، وتدرك المنكر وتنهي
عنه عنه، وتنتهي. ويوجه سماحته القائمين بهذا الواجب بعدم الإفراط وعدم التفريط، وإلا وقع الداعية في مأزق كبير قد يؤدي به إلى التفريط والتخلي عن القيام بهذا الواجب، وإذا ما تخلى فلا ريب أنه واقع في معصية الله تعالى، فأنى له بالارتقاء الروحي الذي نتناوله الآن يقول سماحته في حديث عن ضرورة التواصي بالحق وهو مما يدخل في الأمر بالمعروف، يقول: "التواصي بالحق ضرورة من ضرورات الحياة البشرية لأجل الوصول لسلوك الناس إلى الغاية التي يطمح إليها وهي الفوز برضوان الله سبحانه وتعالى، بحيث تكون أعمال الناس مفضية إلى رضوان الله تبارك وتعالى. وهذا إنما يتم بإرشاد كل إنسان لغيره، وتبصير كل إنسان لغيره، حتى يتقي كل أحد ما يجب أن يحذره، وذلك داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الدعوة إلى عز وجل ... وعلى الداعية أن يتصور أن المنهج المعتدل في الدعوة هو المنهج القرآني، بحيث لا يحمل الداعية أوزار الناس، ولا يفرط أيضا في دعوتهم إلى الخير ... والمفرطون هم الذين يتصورون أنَّ. أن عليهم يوصلوا الناس إلى حقيقة الهداية، وهؤلاء عندما ينتهون إلى طريق مسدود يصطدمون
الله
(1) الألم المعاصر، الشيخ الخليلي، إصدار إصدار المشارق، محاضرة (2/284)
صفحة 635
من معالم الفكر التربوي
{TAO}
عند الشيخ أحمد الخليلي
بالأمر الواقع، وقد يفضي بهم الأمر – والعياذ بالله – إلى أن يكونوا من بعد من المفرطين. والمفرطون هم متوعدون من قبل الله سبحانه وتعالى؛ ذلك لأنّ الله عز وجل فرض على الناس التواصى بالحق، والدعوة إلى الحق فلا
أنه ريب
مقصر في واجب بينه وبين ربه وهذا التقصير يفضي إلى خسارة
الدنيا وخسارة العقبى
(1) T
15 ـ ترقيق القلوب بالمواعظ
قد تكون الموعظة بالقول، وقد تكون بالفعل، قد يعظ الإنسان أو يتعظ بالقول والفعل، وفي كلا الأمرين فالأثر حاصل بهما في النفس بإذن الله، يقول سماحته عنها: " الموعظة: ما دعا إلى الاعتبار وبعث على الاستعبار من كلمات نافعة، أو أحداث رادعة، وأصلها بالقول المرقق للقلوب الباعث على الخير، الزاجر عن ضده، ثم أطلقت على كل ما أثر في النفس هذا الأثر كالمنايا، وسائر الأحداث:
ليس العظات بما يقول مذكر مثل العظات بمصرع الأخيار") فقد تكون الخطب والدروس وعظية بمعنى أنها تتناول الموضوعات المشحونة بالعبر والعظات التي ترقق القلوب فتؤثر فيها تأثيراً إيجابياً نحو فعل الخير والازدجار عن الشر، كالحديث عن صفات الله تعالى المطلقة التي يجلي التفكير فيها تبيان حقيقة الإنسان الضعيف المفتقر إلى رحمة ربه، وكالحديث عن حقيقة الدنيا، وأن مصيرها إلى فناء، وكقصص الظالمين، وكالحديث عن الموت والقبر والجنة والنار وغيرها؛ فيعتبر الإنسان بذلك، فالموعظة وسيلة عظيمة للتربية الروحية وتنقية القلوب من أدناسها، فعلى الإنسان أن يتخلل حياته بين الحين والأخر بالمواعظ المتعددة، ولا يهملها، وخصوصا حين يرى فيها فتوراً عن العبادة، وتكاسلا عن فعل الصالحات،
(1) تفسير سورة العصر، الشيخ الخليلي، محاضرة (1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 434/ 3 (2/285)
صفحة 636
من معالم الفكر التربوي
{YAT}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أو هجوما من الدنيا علي ومحاولة مراودة شموخه وزهده عن نفسيهما،
فيردع جميع ذلك بتلك المواعظ
•
16 - صحبة الصالحين:
يقول سبحانه وتعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ
الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَن
فرط
ء،
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة " " ويقول الشاعر:
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي ذلك لما للصحبة من أثر كبير في الإنسان، ولا شك أن الأثر متبادل ولكن الأقوى منهما يؤثر في صاحبه بما أوتي من ملكات، وما وهب من قدرات، وهذا التفاوت من طبيعة البشر، ولكن الشخصية الإسلامية المحقة مؤثرة لا متأثرة في الغالب، ولكنها قد تصاحب من تبتغي التأثير عليه، فإن وجدته حجراً صلداً لا ينبت زرعاً، ولا يخرج ماء، فما لها وذاك، من هنا كان على الإنسان أن يختار لنفسه ولمن تحت رعايته الصحبة الصالحة، بل والأرقى في صلاحها، تلك التي يرجو الانتفاع بها والاستفادة من فضائلها، لأنهم يشكلون له يقضي فيها شطراً من عمره، يقول سماحته: "على الإنسان
(1) سورة الكهر
(1) سورة الكهف، الآية 38
(1) انظر صحيح البخاري رقم 1915 5214، ح مسلم رقم 2628 (2/286)
صفحة 637
{YAY}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي أن يحرص على البيئة الصالحة فإن الإنسان مطالب بأن يطلب لنفسه البيئة الصالحة التي تعينه على طاعة الله، وتمكنه من أداء واجبات الدين، وتشجعه على المضي قدما في طريق الاستقامة والحق، لا أن يترك لنفسه هواها، والصحبة لها أثر كبير على الإنسان، فالإنسان عندما يصاحب الأخيار يتحول
من الفساد إلى الصلاح، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشد لذلك كانت البيئة الصالحة هي من الضرورة بمكان، ونحن نرى حكمه الله تبارك وتعالى عندما أمر نبيه والمؤمنين أن يهاجروا من دار الكفر إلى دار الإيمان، ولم يجعل في ذلك خيارا، لأحد بل جعل الإيمان الصادق منوطا بهذه
الهجرة " (1)
(2)
،
ومن كلامه النفيس في الصحبة ما أورده - حفظه الله - في البرهان، يقول: " فكم يكون للرفيق من أثر على أخيه بما يشعر به من رقة الشعور، وإشراق البصيرة وطهر السريرة، فيزداد بذلك يقينه قوة وعزيمته في الخير ثباتا، ولا يكاد ينفلت عنه حتى تبدأ العقدة في نفسه تضعف وترتخي، فيحتاج إلى مداومة العلاج باستمرار، من خلال تجديد الصحبة الصالحة، والتذكير بالله واليوم الآخر" ومن شاء تربية نفسه روحياً، فليختر الأصحاب الصالحين حقا، العباد الزهاد، الذين لم تختلبهم زهرة الحياة الدنيا، الأواهون المنيبون، الرجاعون إلى الله، الذين يعينونه على ذكر الله حين يذكر، ويذكرونه إذا نسي، يلفهم معترك واحد، كل منهم ممسك بحجزه أخيه، يعينه على الطاعة ويحجزه عن المعصية، ويدعو له بظهر الغيب، ويؤثره على نفسه ولو كان به خصاصة، يزكيهم الإخلاص لربهم، ويوقد عزائمهم ذكر آخرتهم، ويقضّ مضاجعهم حال أمتهم، يتعبدون بلا كلل، ويتفكرون في آلاء الله بلا ملل، أولئك لهم الأمن
(1) الفتور، الشيخ الخليلي، 1/ 433 (2) برهان الحق، الشيخ الخليلي، 1/ 120 (2/287)
صفحة 638
من معالم الفكر التربوي
{288}
عند الشيخ أحمد الخليلي
(r) !!
بفضل الله ومنته، ولكن أنى لك أخي المسلم بهذه النخبة، فإن وجدتها فالزمها، ولا يغرنك الشكل والمظهر حتى تعلم صدق المخبر والجوهر " فإن الصالحين أقل من سواهم في جميع العصور - وهو الذي تقتضيه المشاهدة - ويدل عليه قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) وقوله إِلَّا الَّذِينَ امَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) لأن كثرتهم معنوية وليست عددية، ولذلك أمر الله بادئ الأمر أن يثبت الواحد منهم للعشرة من أعدائهم، ثم خفف عنهم فأمرهم أن يثبتوا لضعف عددهم " وإن شئت أشباه الصالحين، فهم كثر، فمن ذا الذي لا يعد نفسه من الصالحين، ويرضى أن يسم نفسه بصفه الفاسدين؟ كلا، إن أشباه الصالحين كثر ولكنهم غثاء كغثاء السيل، يتساقطون عند أول هزة ذات اليمين وذات الشمال، وإذا فتشت سمعت قعقعة ولم تر صحينا. فاصبر أخي ـ هداك الله - وتبصر، ولا تسيء الظن بأحد أبداً. فإن رأيت وعلمت يقينا فاطلب لنفسك النجاة، ولقلبك السلامة، يقول سماحته حفظه الله وهو يتحدث عن العلماء فما بالك بمن هم دونهم، يقول:
"وما أكثر علماء السوء وأحبار الضلال في هذه الأمة، وما أعظم بلاءهم وأشد فتنهم على الناس، فهم يتقمصون الدين لأجل أن يأكلوا به أموال الناس، ويرتقوا على أكتافهم إلى المناصب التي يتطلعون إليها، يأمرون الناس بالخير ولا يأتمرون، وينهونهم عن الشر ولا ينتهون يتباكون في مواعظهم ولا يبكون كل همهم جمع حطام الدنيا ونيل ما يشتهونه من ملذاتها، والارتقاء إلى أوج مناصبها ليست في نفوسهم على حرمات الله غيرة، ولا لدينه حمية، يتجاذبون الدنيا كما تتجاذب الكلاب الجيف، ويغار
(1) سورة سبأ، الآية 13
(1) سورة ص، الآية 24
(2) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 495/ 2 (2/288)
صفحة 639
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي بعضهم من بعض إذا نال منها نيلا كما تغار الضرة من ضرتها، إذا استأثرت عليها بمودة الزوج أو عطائه، ويتقربون إلى الحكام بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، وإبطال الحق، وإحقاق الباطل، تتقلب فتواهم بين عشية وضحاها ما يملي عليهم الهوى، ويقتضيه رضى ساداتهم الذين يؤثرون طاعتهم على طاعة الله.
بحسب
إن دعوا يوما إلى الحق أو أرشدوا إلى الهدى ناقضت أعمالهم أقوالهم، وكذبت أحوالهم دعوتهم، ورأى الناس فجوة سحيقة بين ما هم فيه وما يدعون إليه، فبقوا حائرين بين اتباع القول أو الاقتداء بالعمل، فلا تلبث دعوتهم أن تتطاير هباء في الفضاء، ولا يكون لها أي أثر في نفوس سامعيها، بل كثيراً ما تكون دعوة هؤلاء إلى الحق أعمل المعاول في هدم صرحه، لأن الفجوة بين القول والعمل تجعل الناس يستخفون بالدعوة من أساسها، إذ لا تقف سخريتهم عند الداعية بل تتجاوزه إلى ما يدعو إليه، فيصبح أثر دعوته عكسيا، فلربما ظن الناس أنه لم يرد بدعوته إلا شغلهم بما يأمرهم به، والاستئثار بما ينهاهم عنه، كما لو نهى عن أكل الربا وكان آكله، أو حذرهم من الرشوة وعرف عنه الارتشاء، أو حضّ على ملازمة الجماعات وهو لا يأتي المساجد (1)
ومما يأسف له الحر الكريم، ويبعث في نفسه الحسرة والأسى، أن تنتقل العدوى إلى المتعلمين ممن يظن بهم الصلاح وحمل مشاعل الخير والهدى، فأكثر حديث بعضهم في مجالسهم عن تنمية الأموال، وشراء العقارات، وما شابه ذلك، ولا يعني هذا أن يبتعدوا عن هذا الجانب ويتركوه لغيرهم ممن لا يرقب في المؤمنين إلا ولا ذمة ولكن عليهم أن يعطوا الجانب الآخر حقه ومستحقه، وأن لا تلههم الحياة الدنيا عن ذكر الله، وعن الدار الآخرة، فلا إفراط ولا تفريط.
(1) جواهر التفسير، الشيخ الخليلي، 220/ 219/3 (2/289)
صفحة 640
من معالم الفكر التربوي
{290}
عند الشيخ أحمد الخليلي
17 - زيارات الفقراء والمساكين
يقول سبحانه وتعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا) تلك حكمة الله تعالى في خلقه، ولو شاء الله لجعلهم سواء، وهو الغني ذو القوة المتين ولكن ليبلوهم فيما آتاهم وليعلم الشاكرين والصابرين، فيجازى كلا بما عمل وما قدم وفي زيارة الفقراء والمساكين معتبر وأي معتبر، وذكرى لمن آتاهم الله من فضله كيف يقاسون شدائد الزمان، ونوائب الدهر، ويكافحون من أجل البقاء وهم صابرون محتسبون، قد يجدوا ما يأكلون اليوم ولا يجدون ذلك غدا وبعد غد، وهناك من يعيش تحت ظلال الأشجار، أو يأوي إلى الأماكن الخربة، يلتقط من أماكن القمامة ما يسد به جوعته، ويبقي به رمق العيش وكم شاهدنا ذلك عيانا، فالحمد الله على نعمائه وفضله، ومن هنا كانت زيارة هذا الصنف من الناس تشعر بنعمة الله ووجوب حبه وطاعته، والإذعان لأمره، وتبعث في النفس الشفقة والرحمة، والعطف على أولئك ومن يعولونه من أسر وخصوصا أطفالهم الذين لا يجدون ما يلبي لهم رغباتهم الطفولية.
يقول سماحته: " فما شرع من أنواع البر وصنوف القربات مما يؤدي إلى الرحمة والعطف على القرابات والفقراء والمساكين كل من ذلك يؤدي إلى طهارة هذا القلب، فيكون ذلك من أسباب تزكية النفس)
ولا
ريب
أنَّ
سلوك سماحة الشيخ في الواقع ترجمة حية لما يدعو إليه
الناس، فكثيراً ما تراه في المسجد، وفي مجلسه العامر، يحدب على الضعفاء
كأنه المسؤول عن رعايتهم، يسألهم عن أحوالهم وحاجتهم بتودد وأسلوب مفعم بالحنان والرفق، ويلبي مطالبهم ويتصدق على المحتاجين منهم،
(1) سورة الزخرف، الآية 32 (1) تطهر القلوب، الشيخ الخليلي، 1/ 480 (2/290)
صفحة 641
من معالم الفكر التربوي
291}
عند الشيخ أحمد الخليلي
حفظك الله يا كهف الفقراء وموئل المحتاجين، وملجأ المساكين، يا معدن الرفق، وينبوع الحنان.
ذلك
يحدثني الأخ محمد الرشيدي سائق مركبة سماحته يقول: " إذا خرجنا بالسيارة ومعنا سماحته - حفظه الله - ورأينا رجلا كبيراً في السن يقف على جانب الطريق، يريد العبور يأمرني سماحته بالتوقف كلياً حتى يعبر الرجل المسن، ثم يقول سماحته ليت لدى هذا الرجل من يعينه، وكذلك الحال إذا مررنا بطفل صغير يأمرني بالتوقف أيضاً حتى يعبر ويقول: ليت هذا الطفل مصحوب بمن يرعاه ويحافظ عليه وكم رأيت الفقراء يأتون إلى مجلس الشيخ فيتناولون الطعام، وتبقى
(1) "
الفقيرات في غرفة خاصة ملحقة بالمجلس، فيتصدق على الجميع.
الصنف
ومن الثمرات الروحية التي يجنيها المتردد على الفقراء المساكين التواضع والقرب من الناس، ومحبتهم له، وهو بالطبع لا يسعى إلى كسب الحب وإنما هو ثمرة دانية له، بل يبتغي بذلك وجه الله تعالى، فلا يداخله الكبر والغرور والترفع، فيتطهر قلبه بذلك من تلك الأدناس، وإذا كان ذلك الرجل من الأثرياء أو أصحاب المناصب تطامنت نفسه وزكى قلبه، وينبغي لمثل هذا الناس أن يكون قريباً من الفقراء والمساكين، يزورهم ويتردد من على مساكنهم، ويقدم لهم العون قدر استطاعته، فيدخل عليهم السرور أولاً، وفي ذلك ما فيه من الثواب، ويكسب منهم الدعاء له بالخير، ويكسب المزيد من التوفيق ثانياً، ولا يجد في نفسه حرجاً أن يعمل أعمالهم ويعيش عيشتهم، إذا ما قلب الزمان له ظهر المجن، وأحاطت به نوائبه، وعاش بعد الثراء فقيراً، ومن المناصب رجلا عاديا كسائر الناس، فكم سمعنا من أثريا سلبهم القدر ثروتهم، إما بسوء تصرفهم، أو بسبب ضروف الزمان، فعادوا فقراء معوزين، أو أصحاب منصب وجاه نزع القدر منهم مناصبهم، فعادوا كأي
(1) لقاء المؤلف بمحمد الرشيدي قائد مركبة سماحته (2/291)
صفحة 642
من معالم الفكر التربوي
{292}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أحد من الناس، فوجدوا بذلك أنفسهم في حرج شديد، وضيق أشد، أينزلون إلى مستوى العامة من الناس في هذه المرحلة بعد أن كانوا مترفعين عن النزول في أيام العز والشأن؟ فإن نزلوا رمقتهم العيون شزرا، وربما تلقوا غمزا من بعض سفهاء القوم، أم يبقوا مترفعين مع عوزهم وحاجتهم؟ ولو كانوا من قبل مع الناس في حلوهم ومرهم، ومع المعوزين والمحتاجين فإن انقلاب الأمور لا تغير بحال من الأحوال من سير حياتهم، بل تستمر
على حالتها الطبيعية، فلله در المنهج الإسلامي، إنه التوجيه الرباني.
18 - الدعاء
الدعاء مخ العبادة، ومفرج الكربات وملجأ كل حي، لأنه ضراعة إلى الواحد الأحد الذي بيده مفاتيح خزائن السموات والأرض، ولجوء إلى الملك العظيم القادر على كل شيء الذي إذا شاء أمراً كان في أسرع من لمح البصر، وهو الرب الحليم، الودود الكريم الغفور الرحيم، سبحانه وتعالى حث عباده على دعائه، واللجوء إليه في كل حاجاتهم الصغيرة والكبيرة، ووعدهم بكرمه وفضله أن يستجيب دعاءهم، ويكشف ضراءهم، ويفرج كروبهم، ويغفر ذنوبهم، ويجزل لهم العطاء، يقول سبحانه {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ويقول أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءِ الْأَرْضِ أَإِلَهُ مَّعَ اللَّهَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ م) وهو سبحانه بحكمته وتدبيره يهب ما يشاء لمن يشاء، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يسأل عما يفعل، ولا يخشى عواقب الأمور، إذ هو مسيرها جل وعلا، ومن هنا فإن عدم الدعاء أو قلته تنافي صدق الإيمان بالله تعالى والخضوع لأمره، والرغبة إليه، ويرى سماحته مع ذكره لفضل الدعاء ومنزلته، أن العبد عليه أن يستجيب أولا الله حتى يستجيب الله له، لقوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ
(1) سورة غافر، الآية 60 (1) سورة النمل، الآية 62
(2) (2/292)
صفحة 643
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
جينے
صلے
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
(2) (1)
وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} ()
فهي
مشكلات في طريق العقيدة
الله تعالى،
لا ريب أنَّ عقيدة المسلم هي رأس ماله في الحياة الدنيا، وسياجه الذي يصونه عن الانزلاق في المتاهات والانحراف عن الصراط المستقيم الموصل الى سلامة الآخرة، والفوز بدار النعيم، دار الكرامة، دار الخلود، عند مليك مقتدر، ولذا كان على الإنسان المسلم أن يوليها جل عنايته، ويمنحها خالص اهتمامه، ويصونها كما يصون روحه التي بها قوام حياته، واستمرار وجوده، أغلى من ذلك وأثمن، ومن هنا حرص أعداؤنا وأذنابهم من شياطين الإنس المستعينة بشياطين الجن على توجيه سهامهم المسمومة إلى قلب العقيدة الإسلامية، فأصابت من أصابت من أبناء المسلمين ممن كتب الله الفتنة في دينهم بما كسبت أيديهم، ويبعدهم عن منهج عليهم وتصاممهم عن نداء الحق في الكتاب الكري، ودعوته إلى الاعتصام بحبل الله المتين، والاستعانة في جميع شؤونهم بخالقهم العظيم، الذي بيده الخلق والأمر والنفع والضر، وبجانب تصامهم ذلك فقد أصاخوا أسماعهم الإيحاءات المبطلين، وزخارف القول من المغرضين، وهذا من أعظم ما منيت الأمة في زمن صحوتها المباركة، وقد أشار سماحة الشيخ يحفظه الله إلى ذلك في قوله: " ومن فضل الله تعالى أن من على هذه الأمة بصحوة منذ فترة من الزمن، هذه الصحوة قد استبشر الكل بها خيرا، ورجونا بفضل الله سبحانه وتعالى أن تجمع الشتات، وأن تؤلف بين القلوب المتنافرة، وأن توحد ببين الفئات المتدابرة لتنطوي هذه الأمة جميعا تحت لواء الحق والحقيقة
الا) سورة البقرة، الآية 186
(1) فتوى محررة لسماحته مخطوطه تتناول شروط استجابة الدعاء (2/293)
صفحة 644
من معالم الفكر التربوي
{294}
عند الشيخ أحمد الخليلي
ولكن مما يؤسف له أن هذه الصحوة أصيبت بشى من غبش التصور في بعض الأمور، وذلك مما جعل أبناءها يعيشون في عالم الأوهام، أسارى للخيالات
المختلفة، وقد دفعهم ذلك إلى تجاهل سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه ") نعم ما أكثر الأوهام، وما أوسع فضاءات الخيال الذي تسبح فيه مجرات عقول هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون حديثا.
الأوهام المتعلقة بالسحر
إنَّ من أعظم الأوهام التي أشار إليها سماحته، وأشدها فتكا في أوساط الناس، الوهم المتعلق بقدرة المخلوق على دفع البلاء، والتعويل عليه في كل ذلك كل التعويل، والثقة بقدرته أكثر من الثقة بقدرة الله الواحد الأحد، التي لا تأتي في الغالب عند هؤلاء إلا مجرد لقلقة باللسان، وكل اعتمادهم واستعانتهم إنما هي بغيره سبحانه وتعالى إنها مشكلة تتعلق بدور العرافين والسحرة وأعوانهم من الجن والشياطين في علاج الناس الحيارى التائهين في أودية الخيالات والأوهام. لقد بذل سماحته جهده في توجيه هذه الأمة الوجهة الصحيحة السليمة، والمعتقد الحق، وحاول قدر مستطاعه تنقية عقول هؤلاء المنجرفين في هذا التيار من شوائب الخيالات الفاسدة، وأكدار المعتقدات الضالة، وإعادة التصورات الصحيحة إليها، إذ القضية جد خطيرة؛ لأنها قضية عقيدة تتعلق بخالق الوجود، ومصرف الكون، ومدبر أمر كل موجود، وفي هذا المضمار تتناوش الناس اليوم قضايا ثلاث تتصل ببعضها مع انفصالها، تتداخل وتختلف في الوقت ذاته قضية الجن ودخولهم في جسم الإنسان وتأثيرهم عليه، وقضية السحر والسحرة وأثرهم ومكافحتهم، وقضية العرافين المعالجين لآثار الجن والاستعانة بهم واستعانتهم بنفر من الجن في العلاج
(1) الإنسان بين الحقيقة والاوهام، الشيخ الخليلي، 1/ 85 (2/294)
صفحة 645
من معالم الفكر التربوي
أيضا
{190}
عند الشيخ أحمد الخليلي، وهي قضايا شائكة لأن الواقع المر التي عششت فيه يلفها بضباب كثيف يصعب معه تعرية حقيقتها أمام الجميع، وخصوصا الذين ربما بدت له الاستفادة من ممارسات هؤلاء، وانطلت عليهم الحيل، وبقوا أسارى تلك الأوهام، وسأتناول هنا توجيهات سماحته في هذه النقاط الثلاث:
أولا: هل يدخل الجني في جسم الإنسان؟
يرى بعض المرضى أنهم قد وقع عليهم تأثير من السحرة بفعل حسد الحاسدين لهم، فهؤلاء السحرة سلطوا عليهم بعض الجن، فسكتوا في أجسامهم، فهم معهم أينما حلوا وساروا، فآذوهم في أجسادهم؛ فأصيبوا ببعض الأمراض النفسية والجسدية التي لم ينفع معها علاج الطب العضوي في المستشفيات؛ ولذا حين يصاب أحدهم بأي أذى صرخ بأعلى صوته: إنه السحر، إنه الجني، يقول سماحته في هذا الشأن: "حقيقة الأمر هذه قضية بحثها العلماء ووقفوا منها موقفين منهم من قال بدخول الجن في جسم الإنس، لأن أجسامهم أجسام لطيفة أي هم أقرب إلى الروحانية، فلذلك يتمكنون من الدخول، ومنهم من قال بعدم دخولهم؛ لأنهم ولو كانت هذا أجسامهم لطيفة إلا أنهم أجسام فلا يتلبس جسم بجسم، مع هنالك تأثير من حيث الإيحاء، فقد يتكلم الإنسان كلاماً يوحيه إليه الجني الذي تلبس به بقوة طاقته الروحانية، لا بدخوله في جسمه حسب ما يبدو، وإنما يؤثر عليه تأثيراً حتى يتحدث بما يتحدث به. وهذه القضية قضية لا ننكر وقوعها، إلا أنَّ ذلك قد رُوِّج له ترويجاً عجيباً عند الناس، وهذا الذي جعل الناس يتأثرون تأثراً نفسياً عجيباً، وتترادف عليهم الأمراض النفسية، وتكثر عندهم الأوهام، وتشيع عندهم الخيالات حتى يتحدث الإنسان بأنه رأى كذا ورأى كذا، وأنه يحس بكذا في حالة نومه، أو في حالة انفراده، أو في غير ذلك من أنواع الحالات، هذا إنَّما
ولكن (2/295)
صفحة 646
من معالم الفكر التربوي
{296}
عند الشيخ أحمد الخليلي
هو في الغالب ناشئ عن حالات نفسية، وقد كان الواجب أن تكافح هذه الأمور نفسياً بحيث يُعوّد الناس على التصلب.
وصل الأمر بالناس أن أحداً إذا أحس حشرجة في حلقه، قال هذا من أثر الجن، أو أوجعته أذنه قال هذا من الجن، أو وجعه رأسه قال هذا من الجن، أو أصابه أي شيء قال هذا من الجن، كأنها الإنسان ليس عرضة للبلاء، مع أن أي أحد عرضة للبلاء فمثل هذه الإشاعات أوحت إلى الناس إيحاءات غريبة، وأثرت عليهم تأثيراً نفسياً، فلذلك من الواجب أن يكافح هذا، ومع هذا يؤمر كل أحد أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فعندما شكا عبدالله بن عمرو بن العاص إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه عندما ينام يرى أهوالاً علمه النبي ه أن يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده و من همزات الشياطين وأن يحضرون)
(1) "
ويقول سماحته: " جاءني قبل فترة رجل يشكو بحة في حلقه، ويقول: بأن هذا أصابه بسبب تأثير جني عليه، نتيجة سحر وقع عليه " إنَّ للناس أسوة حسنة في أنبيائهم وما أصابهم من البلاء في سبيل الله، وخير مثال على ذلك أيوب عليه السلام، الذي شكا الى ربه عز وجل قائلا: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} بل على المسلم أن يستبشر خيراً بما يصيبه، ولو كان ذلك شوكة يشاكها حين يصبر ويحتسب أجره على الله، فما أصابه من الضراء إنما هو بأمر الله ومشيئته، ولا يرتفع عنه ضره إلا بأمر الله
و
ومشيئته، فما له ومال الأوهام الزائفة.
(1) الإنسان بين الحقيقة والأوهام، 85
(1) سورة الأنبياء، الآية 83 (2/296)
صفحة 647
من معالم الفكر التربوي
{297}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
حقيقة السحرة والمسحورين في الجبال
السحر حق لا يُنكر فقد نصَّ عليه القرآن في قصة هاروت وماروت، كما نص عليه الحديث الشريف في حديث السبع الموبقات، ولكن ليس بالكيفية التي هي منتشرة في أوساط الناس الجهلة ومتصورة في أذهانهم، وأن الساحر يمتلك قدرة خارقة تمكنه من الطيران في الفضاء، وقطع المسافات في زمن قصير جداً، أو لمجرد خط يخطه على الأرض، ثم يقتحم ذلك الخط ليصل الى المنطقة التي يريد الوصول إليها، وأنه قادر على التحول الى صورة حيوان كالفأر أو السحلاة، فيدخل الى البيوت من أي ثقب مهما كان صغيراً، وأنه يركب على الضباع بشكل مقلوب، وأنه يأكل لحوم البشر، ولذلك فلديه مجموعة بين الناس الذين سحرهم فماتوا في الظاهر عند أهليهم وما هم بميتين في الحقيقة بل نقلهم الساحر إلى إحدى الشعاب بين الجبال، وأخفاهم عن الناس، وقد مسخ عقولهم فلا يتعرفون على أحد من الناس، بل يخافونهم ويهربون منهم، وربما كانوا جميعا عراة رجالا ونساء في أحد الكهوف الواسعة، وبعضهم معلق من يديه كما تعلق الذبيحة ـ كما سمعت ذلك من أحد العرافين المعالجين - إلى ما وراء ذلك من الهراء والأباطيل
والأوهام. ومن أين للساحر بمثل هذه القوة؟ فيا سبحان الله العظيم. لقد عاصر سماحة الشيخ - حفظه الله - شيئاً من القصص الواقعية في هذا المجال، وتابع تفاصيل بعض الوقائع؛ لذا أترك له المجال للحديث، وفي ذلك عبرة لأولي الألباب، يقول سماحته
قبل ستة وعشرين عاماً من الآن أي زمن إلقاء المحاضرة. ذهبت عند أحد المشايخ وقد توفي الآن فوجدته كتب قصة في دفتر في مجلسه، فاطلعت على القصة فعجبت من هذا، وجدته كتب جاءني فلان بن فلان وهو من منطقة سداب من ضواحي مسقط، وذكر أنه سافر قبل كذا من السنين إلى الكويت، واصطحب معه ابناً له يسمى فلانا وتوفي الابن في الكويت ودفن، (2/297)
صفحة 648
{298}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي وإذا به بعد هذه السنين يظهر هنا في عمان، وقد وجدته بعينه وعليه علاماته التي تدل على أنه هو الولد الذي كان عنده وتوفي حسب الظاهر، ثم بعد أيام رأيت سيارة تقف أمام بيتي وينزل منها رجل وامرأة وجاءا إلى، وإذا بالرجل يحدثني بالقصة نفسها، ويقول: إنه هو أب الولد، وإنه بعد ما عاد إلى عمان وبعد مضى سنين وجد الابن الذي دفنه بالكويت مع كل علاماته عند أحد بعينه، وهو الساحر الذي سحره، وقد أثر عليه وغيّر اسمه، وغير عقله، وأصبح ينفر منا وينفر من أمه، وهذه هي أمه، وتقول هي: إنَّها اطلعت على كل العلامات التي كانت تحفظها في جسم ابنها، فاستبعدت هذا الأمر، فقلت لهما: انصرفا وأنا أفكر في ذلك، وفي مساء اليوم نفسه بعد أقل من ثلاث ساعات ذهبت إلى عزاء في مسقط، وإذا برجل فيه لوثة في عقله، وقال لي بعض المشايخ القضاة هناك بأنَّ هذا طلق امرأته وهو مصاب بلوثة، فهل يثبت طلاقه؟ فانظر إليه، واسمع منه، وإذا بهم ينادونه بالاسم الذي فهمت من الرجل والمرأة أنَّ الساحر سمى. به ولده، فقلت لهم: هل هذا هو الذي يقال بأنه مسحور، قالوا: نعم، وقالوا: من عجيب الأمر أن هذه المرأة التي تدعي أنها أمه، وأنَّ هذا هو ابنها الذي مات قبل سنين، قالت: إن من علاماته كذا وكذا وكذا، فجاء الشرطة ورأوا هذه العلامات وقالوا لها: خذي ابنك، مع إننا نعرف أنَّ هذا الولد لهذا الرجل منذ طفولته، ونحن نعرف أنه ابن هذا الرجل، فذهب أب الولد إلى ابن خالته وأخبره، فاتصل بمحافظ العاصمة في ذلك الوقت، (محافظة مسقط حاليا) وقال له: هذا الرجل ابن خالتي، كيف ينزع من أبيه وأمه ويسلم إلى شخص آخر وامرأة
أخرى؟!.
أما القصَّة الأخرى فبقول سماحته ادعى مدع بأنه كان مسحوراً، وقد تقمص شخصية أحد من الموتى، وقد ظهر بعد ما مات بأكثر من خمسة عشر عاماً، وجاء وقال للناس: هذا مالي، وهذا مكان أبي، وذكرهم بالكثير من القصص، فاطمأنوا إليه، وعرفته أمه، واطمأنت إليه، ووثقت به وصدقته، (2/298)
صفحة 649
{799}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي وادعت أنها وجدت العلامات التي كانت في ابنها ظاهرة فيه، وصدق الناس أنه هو الشخص الميت بنفسه، وقد أجريت مع هذا الرجل مقابلة صحفية، ونشرت في مجلة العقيدة وبعد فترة من الوقت ارتكب هذا الرجل جريمة قتل، وساعدته على القتل امرأة بَغَيّ كان له علاقة معها، فساعدته على قتل زوجها، وعندما أمسكته الشرطة كان كل ملف له باسم ذلك الميت الذي مات قبل ما يقارب عشرين عاما، حتى عقدت جلسة لمحاكمته، وكنت شريكاً في تلك الجلسة، فلما حضرتُ، وبعدما أدلى باعترافاته وسألناه، قلت له: أنت أولاً أخبرنا عن حقيقة أمرك؟ من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان بن فلان الفلاني، من منطقة السيب، بينما كان بقول سابقا: إنه من الداخلية، ووالدتي كانت تسمى فلانة، وهي ميتة، ووالدي ميت، حتى المرأة البغي اندهشت من هذا الأمر، وانزعجت وقالت له: أنت تقول هذه أمك، قال: ليست أمي، ولكن ابتليت بها قلت في الحقيقة هي التي ابتليت بك، وقلت له: المعلومات الدقيقة التي كنت تخدع بها الناس وتقول لهم بأنني حفظت من الوقائع كذا وكذا، فمن كان يزودك بهذه المعلومات؟ فإذا الذي زوده بها هو أخ ذلك الميت ولا أدري ما الذي كان وراء هذه المؤامرة) فيجب رفض ذلك ديناً ولا يصح اعتقاده أبداً، فما قدمه سماحته كاف لدحض هذه الهرطقات والأباطيل.
الذهاب إلى العرافين
المنطقة
بعد أن تبين أن الجن والسحرة لا قوة ولا سلطان لهم على عباد الله إلا بأمر الله، وأن حالهم كحال، غيرهم فماذا يا ترى يصنع العرافون الذين يجعلون من أنفسهم أطباء مهرة يعجز عن الوصول إلى ذروة مهارتهم الطب الحديث، هم لا ريب متباينون في المذاهب العلاجية، كتباينهم في المشارب
(1) اليوم الآخر، الشيخ الخليلي، 133/ج/ أ، وانظر أيضا الإنسان بين الحقيقة والأوهام، الشيخ الخليلي
1/ 850 (2/299)
صفحة 650
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
الفكرية والأعوان من الإنس والجان، فلله الأمر من قبل ومن بعد، ولكن في الغالب تجد بخور اللبان الذي تغطي سحائبه سماء الغرفة، والمكان المغلق المحكم في الإغلاق، ثم تبدأ مراسيم العلاج، ما اسمك؟ ما اسم أمك؟ ثم قليل من تلاوة القرآن، وكثير من الطلاسم والأوامر والنواهي من المعالج والتأثرات التى لا يدرى سببها على المريض كالصراخ والعويل، لتظهر بعد ذلك نتيجة الفحص الطبي (أنت محسود) أو (أنت مسحور) لكن لا أسمي لك أشخاصا بأعينهم، ولكن من صفاتهم كذا وكذا؟ ألا تعرف الشجرة الفلانية؟ وبجانبها شي مثل الجبل، فهناك قد وضع لك الطب ـ أي الحسد. مدفونا، والمطلوب منك أن تذبح شاة سوداء على عتبة الباب، وأوصاف من العلاج، والوصفات السحرية العجيبة. يقول سماحته موجهاً الناس إلى الصواب والرشد منذ البداية: السؤال عن اسم أم المريض فذلك مما يدخل في التنجيم، والتنجيم باطل وهو حرام، حرام، حرام، لا يجوز لأحد من الناس أن يفعله، ولا يجوز لأحد من الناس أن يأتي من يفعله، فإنّ التنجيم إنما هو من بقية المعتقدات الضالة،
(1)
أما
معتقدات الذين يعتقدون أنَّ لهذه النجوم تأثيراً في حياة الناس. فيجب على الناس أن لا يصدقوا هذا الذي يدعي علم الغيب، لأنَّ القرآن صريح في أنَّه لا يعلم الغيب إلا الله، فالله تعالى يقول: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) فلا يجوز} لأحد أن يصدق قط أن هنالك من خلق الله تعالى من يعلم الغيب في السماء وفي الأرض، هذا ما يجب أن يكون في قرارة نفوسنا جميعاً أنه أمر مستحيل ومن كان في قرارة نفسه خلاف ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد،، لأنه كفر بصريح هذه الآية الكريمة.
(1) سورة النمل، الآية 65 (2/300)
صفحة 651
{r 1}
(T)
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي ونحن نطالب أولئك الذين يتورطون ويذهبون إلى هؤلاء العرافين أن يعودوا قبل كل شيء إلى عقيدة الإسلام، وأن يستلهموا الحقائق من القرآن الكريم، وأن لا يقعوا أسارى لأولئك الذين يروجون بينهم هذه الأوهام، فإنهم بهذا تعمى عليهم السبل، ولا يجدون الطريق الذي يؤدي إلى الحقيقة، فليتقوا الله تعالى وليرجعوا إلى رشدهم، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول " من أتى عرافا فسأله فقد كفر بما أنزل على محمد " والله تعالى المستعان" ولا ريب أن الذي يذهب للعلاج عند هؤلاء لا يرجع بخير، فهم يزيدونه وهما على وهم، ومرضاً فوق مرض، ومن ذا الذي يأمن هؤلاء وأمثالهم إن لم يكن به مس من الجن أن يسلطوا عليه من يؤذيه من الجن بعد ذلك، ليبقى متعلقا بهم متردداً على أبوابهم، ينفق الغالي والثمين ابتغاء الشفاء، وطلبا للعافية، بل ليته يرجع لحاله الأول، ويرضى من الغنيمة بالإياب، يقول سماحته
" الذين يؤمنون بهذه الأشياء يذهب أحدهم الى أحد يشتكي له ما أصابه، وسرعان ما يزيده وهما على وهمه، فيقول له: هذا أصابك بسبب سحر، بل أقل ما يقولون لهم: إنّ هذا بسبب الحسد، ولو مرض أحد وشكى مرضه الى أحد من الذين يعتنون بالعلاج الروحاني مثلا، فأدنى ما يقولونه للمصاب: أصبت بما أصيبت به بسبب حسد الحاسدين، كأنَّ الناس لا يصابون بأمراض إلا بسبب حسد من الناس"
(r!!
استعانة المعالجين الروحانيين بالجن
هناك من المعالجين بالطرق الروحانية من إذا جاءه المريض يشكو إليه علته، قال له: أنا لا أعالج بنفسي، وإنما أطلب الشيخ فلان من الجن، كأن
(1) المستدرك للحاكم، رقم 15، المعجم الكبير، رقم 10005 (1) سؤال أهل الذكر 7 ربيع الآخر - 2003/ 6/8 م (2) الإنسان بين الحقيقة والأوهام، الشيخ الخليلي، 2/ 85 (2/301)
صفحة 652
{r.Y}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي يكون الشيخ عبد القادر، والشيخ صالح والشيخ علي، فهو الخبير الذي أستند إليه، وفعلا يؤتي بالبخور وما هي إلا دقائق معدودة حتى يسلم على الحاضرين الشيخ الجني، وقد وصل لتوه من بغداد أو الحرم المكي أو الحرم المدني، أو الشام ونحوها معتذرا عن التاخير وأنت لا تدري كيف يتم استدعاء الشيخ بهذه السرعة، أبمجرد شم رائحة البخور من ذلك المعالج؟! أو بتمتمات تنتقل عبر الأثير بسرعة الضوء لا بسرعة الصوت من غير أجهزة سلكية أو لاسلكية؟! لكن الشيخ يحضر ويتكلم بلهجة بدوية أحياناً، أو عادية أحيانا أخرى، وإن كان من سكان بغداد، فهو لا يتكلم بلهجة العراقيين، بل بلهجة بدو عمان أو أهل حاضرتهم، وسرعان ما يبدأ مسلسل الأوهام، أنت بك مضرة من أشخاص أو حسد أو سحر، فالمرض لدى الجميع واحد وأن تعددت أسبابه أو مسبباته، ولذا فالأصل أن يكون العلاج واحداً أيضا، لكن الاتفاق بين المحتالين يتعذر لكثرتهم، بقي أن يكون القاسم المشترك بينهم هو زيت الحبة السوداء، وماء الورد، وبعض الخلطات العجيبة من الأعشاب والعسل والباطل والعاطل وسائر ما يتاجر به العطارون، فمن أين لهؤلاء الجن علم الغيب؟ فبمجرد سماع شكوى المريض يتم تشخيص الداء ووصف الدواء، وإن تعجب فعجب من المال الذي يدفعه المريض المسكين، يدفع بعضهم مئات الريالات، وبعضهم فوق الألف، فمن يأخذها؟ الإنسي أم الجني؟ وكيف يأخذها الجني؟ يقول العراف: إنها وليست له بل هي للشيخ فلان يعني الجني، كي يشتري بها الأدوية، وكم كنت أتمنى رؤية اختفائها من قبضة الإنسي لتنتقل الى جهة مجهولة، إلا إذا تم خداع بصري، والتخييل عليَّ من قوة السحر، وقد قص لي مرة أحد المعالجين العرافين قصة طريفة يقول: كنت مرة ذاهبا إلى السوق لشراء بعض الأدوية للمرضى، وأحمل معي عشرة ريالات، وسقطت مني في السوق، والتقطتها الشيخ فلان) أي (الجني وحملها إلى البيت، ولما فقدتها في السوق، وبحثت عنها جاءني الشيخ وقال لي: إنها سقطت منك، وقد أخذتها (2/302)
صفحة 653
{r.r}
عند الشيخ أحمد الخليلي
من معالم الفكر التربوي ووضعتها في المكان الفلاني من البيت فلما عدت وجدتها حيث أخبرني فعلا، فعجبت لماذا لم يعطه إياها في السوق حيث الحاجة إليها؟! أو على الأقل ينبهه حال سقوطها لكي يأخذها حالاً، ولا يحملها إلى البيت ويتركه في السوق بلا نقود، ولا أظن صاحبنا كان قد أخذها معه، بل نسبها في بيته، وكان يظن أنها معه، ثم افتقدها في السوق، وعندما رجع بيته تذكرها ووجدها حيث كانت فظن ذلك التذكر إلهاما من صاحبه الجني، نعوذ بالله من الخذلان.
ومن المواقف الطريفة التي عشتها أنَّ رجلا عرَّافا كان يدعي أنه يعالج الناس، وأن امرأة من الجن متلبسة به، وهي التي تتولى العلاج ووصف الدواء، وحين تحضر تلك الجنية يقوم الرجل المعالج فيلبس حجاباً نسائياً مزخرفاً (ليسوا بلهجة العمانيين وذات يوم دخل بيتا لأحد جيرانه ليزورهم، فحضرته جنيته ـ على حد زعمه ـ فأخذ حجابا لأحد النساء فلبسه، وكان هناك رجل شهم لم يعجبه المشهد، وثارت غيرته، فأخذ يتمطى ويهز رأسه بعنف ويصرخ، وادعى أن به عبد القادر الجيلاني، وقد حضره ه الآن، وقام بطرد ذلك الرجل المعالج الذي يلبس ملابس النساء خارج البيت. لا ريب إنها زخارف الشياطين وألاعيبهم.
يقول سماحة الشيخ في موضوع علاج الجن للأنس: " أولا قبل كل شيء، الجن لا يعلمون الغيب، فالله تبارك وتعالى يقول وهو سبحانه وتعالى أصدق القائلين: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْحِنُ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ المُهِينِ)، ثم إِنَّ الله سبحانه وتعالى يبين في سورة الجن أن تشبث الإنس بالجن وتعلقهم بهم من أجل دفع الضرر أو من أجل تحقيق المنافع أمر لا يزيد هؤلاء المتشبثين إلا رهقا {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ
(1) سورة سبأ، الآية 14 (2/303)
صفحة 654
{304}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً، فالتعلق بالجن من أجل دفع شيء من هذه المضار، أو تحقيق شيء من المكاسب، من الأمور التي هي وليدة الأوهام و
الجهل والخرافة، فلا يجوز لأحد أن يصدقها، وأنا أتعجب من تصديق هذه الأشياء من قبل أحد يتلو كتاب الله تعالى ويصلي وفي صلاته يقرأ سورة الفاتحة الشريفة، وهذه السورة فيها ما يبيّن أن الاستعانة لا تكون إلا بالله، كما أنَّ العبادة لا تكون إلا له فالله تعالى يعلمنا كيف نستعين، وكيف نعبد، بحيث لا نستعين إلا به ولا نعبد إلا إياه، يقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فكما أن العبادة لا يجوز أن تكون إلا لله فالاستعانة أيضاً يجب أن لا تكون إلا بالله سبحانه وتعالى، هذا في الأمور التي لم يجعل الله تعالى التعاون فيها بين الناس من سنن الحياة ونواميس الوجود، أمَّا الأمور التي جعل الله تعالى التعاون بين الناس من سنن الحياة، ومن نواميس الوجود، فبهذا الأسلوب لا مانع من استعانة أحد بأحد، فللإنسان أن يأتي إلى غيره من الناس ليقول له أعني بإقراض مبلغ من المال، ولكن ليس له أن يقول له أعني فاجعلني من الأغنياء، وله أن يقول له: أعني بحيث تعالجني من هذا المرض، ولكن ليس له أن يقول له: أعني بحيث تشفيني من هذا المرض، فإن الشافي إنما هو الله سبحانه وتعالى. ولما كان ذلك من مقدور الله تعالى وحده، فليس لأحد أن يستعين عليه بأحد إلا به تبارك وتعالى، ليس له أن يستعين بإنسي، أو أن يستعين بجني، فالإنس والجن جميعا لا يملكون دفع الضرر، ولا يملكون تحقيق منفعة إلا بأمر الله تعالى ".
(1) سورة الجن، الآية 6 (1) سورة الفاتحة، الآية 0
(1) شبكة الدرة الإسلامية (2/304)
صفحة 655
من معالم الفكر التربوي
{r.o}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أهي أمراض من الجن أم أمراض نفسية؟ أشار سماحة الشيخ سابقاً الى الكثير من تلك الأمراض، وفي الحقيقة هي أوهام أمراض، بل وبالأصح مرض نفسي له علاجه عند الأطباء النفسانيين، أو عند من أوتي حكمة من التصرف، ويسوق لنا سماحته شواهد على وجود الأمراض النفسية التي يتصور أصحابها أنها أمراض حقيقية، يقول حفظه الله: " أُخبرتُ أنَّ أحداً من الناس يخيل إليه أنَّ في رأسه مسماراً من حديد، وقد ذهب إلى الأطباء وحاول كل طبيب أن يقنعه بأنه ليس في رأسه شي، وهو يقول: لا إنني موقن بأن في رأسي مسماراً من حديد، حتى جاء الى طبيب وعرف الطبيب داءه، فقال له صدقت فيما قلت، والمسمار هكذا ظهر في الأشعة، ونحن إن شاء الله سنخرجه، فخدَّره ونومه، وبعد التخدير شطبه قليلا، ثم جاء بمسمار من حديد، وطلاه بدم ديك ذبحه، وبعد ما أفاق قال له هذا المسمار والحمد لله نزعناه، وستكون إن شاء الله بصحة وعافية.
فأخذ المريض يشكر ذلك الطبيب ويقول: الحمد الله، ارتفع عني ذلك الوجع الذي كنت أحسه، كان لا ينام ليله من هذه الأوهام التي كان تخامر رأسه، وظل هكذا فترة من الزمن وهو في راحة بعد ما زالت عنه تلك المعاناة، إلا أنَّ أحداً من بين الناس بعد فترة قال له: ما كنت تشكو شيئاً، وإنما الطبيب عالجك علاجا نفسياً، وحدثه بكل ما فعله الطبيب، فقال: لذلك أنا أحس بالوجع ما يزال في رأسي، وأخذ بعد ذلك يسهر ليله مما يحس من الوجع الوهمي، ويبكي، ويقول ما يزال المسمار موجوداً في الرأس
"
(1) الإنسان بين الحقيقة والأوهام، الشيخ الخليلي، 2/ 85 (2/305)
صفحة 656
من معالم الفكر التربوي
{30.6}
عند الشيخ أحمد الخليلي
كيف يعالج المريض بالمس أو السحر؟ لا ريب أن المريض المصاب بشى من المس أو نحوه قادر أن يعالج نفسه بنفسه، فعليه أن يعود الى الله تعالى ربه ورب كل شي، الذي لا يعجزه شي
في الأرض ولا في السماء بالدعاء وبتلاوة القرآن الذي لا تستطيعه البطلة فما بال الناس يتعامون عن ذلك؟ يقول سماحته: "أصبح الناس يتصورون الآن تصورات عجيبة، جاءني اتصال من امرأة في قضية معينة، وتتعلق في أمر لا يملك أحد أن يحقق فيه منفعة أو أن يدفع فيه مضرة، فأجبتها، وآخر الأمر تقول على من تدلني؟ فقلت لها: أدلك على الله العليم الخبير، السميع البصير، الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، الله سبحانه وتعالى هو الذي يصرف الوجود.
فما للناس وهم لا يقتنعون بهذا، إن دلوا على الله تبارك وتعالى اشمأزوا، هذه عادة جاهلية) وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) () تشمئز نفوسهم من دلالتهم على الله سبحانه وتعالى، ويعتقدون في البشر تحقيق المنافع ودفع المضار، هذه لوثة عقدية خطيرة جداً، وعلى الناس أن يتقوا الله، وأن يدركوا المعتقد الصحيح، أن يعرفوا المعتقد الصحيح ويلتزموه، وعليهم أن يتداركوا أنفسهم لإنقاذها من هذه الورطة،
والله تعالى المستعان".
ويقول سماحته في موضع آخر: " فالمسلم يؤمر أن يتقي الله في جميع أحواله، أن يتقي الله عندما ينام، وأن ينام على طهارة، وأن يتقي الله عندما يستيقظ، وأن يستيقظ على نية خالصة ترضي الله وتعالى، وأن يذكر الله قبل نومه، وأن يذكر الله عند يقظته، وأن يذكر الله تعالى في جميع أحواله، استجابة المسلم لذكر الله تبارك وتعالى في أحواله المختلفة سبب لوقايته من هذه
(1) سورة الزمر، الآية 45
(1) سؤال أهل الذكر 16 من ذي القعدة 1423 هـ، 2003/ 1/19 م (2/306)
صفحة 657
{r.v}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي الشرور، ومن الأوهام ومن هذه الخيالات، فليكثر الناس من ذكر الله تبارك وتعالى لتطمئن قلوبهم، فإن الله تعالى يقول: {لا بِذِكْرِ اللَّهَ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}
(1)
(2)
والله تعالى الموفق.
وعلى المسلم أن يحافظ على الأذكار والأوراد وإن قلت، وليعتمد على الثابت عن رسول الله الله كما أورده العلامة المحدث الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي - حفظه الله - في تحفة الأبرار، ولسماحة الشيخ الخليلي رقى شرعية، أوردها هنا لكل محتاج، وكلنا محتاج إليها لدفع وساوس الشيطان ونفثاته.
(1) سورة الرعد، الآية 28
(1) سؤال أهل الذكر سؤال أهل الذكر / رجب 1423 هـ. 2002/ 9/8 م (2/307)
صفحة 658
من معالم الفكر التربوي
{30}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الرقى الشرعية لسماحة الشيخ الخليلي
تقرأ في كل صباح وكل مساء ما يأتي:
سورة الفاتحة
(7) مرات
آية الكرسي
(7) مرات
سورة الانشراح
(7) مرات
سورة الإخلاص (7) مرات
سورة الفلق
(7) مرات
سورة الناس
(7) مرات
وبعد كل مرة تنفث في يديك، ثم بعد فراغك من جميع القراءة تمسح بيدك جميع جسدك، وأنت تقول:
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أعوذ بالواحد الصمد من شر كل ذي حسد، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما أجد وأحاذر، أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِى * وَيَسَرْ لِي أَمْرِى * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي)
الله الرحمن الرحيم
الم ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) أَوْلَتَبِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأَوْلَتَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (2/308)
صفحة 659
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلَفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وسع كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللهُ وَلَى الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَنتِ أُوْلَتيك أصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
التوبة
آيات تقرأ في الصباح والمساء
{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (51) سورة
{وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ} (17) سورة الأنعام (2/309)
صفحة 660
من معالم الفكر التربوي
{31}
عند الشيخ أحمد الخليلي
{وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهُ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِي كِتَابٍ
مُّبِينٍ} هو ما
{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ} لودآه
{وَكَأَيْن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} العنكبوت 60 {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحريم} فاطر 2
{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهَ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ} الزمر 38
خمس آيات تقرأ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها {أَلَمْ تَرَ إِلَى المُلا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً تُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهُ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا الْأَنْقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهَ وَقَدْ أَخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ} البقرة 246
{لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} آل عمران 181 {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَما كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهُ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ مَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً
} النساء 77 (2/310)
صفحة 661
من معالم الفكر التربوي
{11}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلُ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} المائدة 27
{قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا اللَّهَ شُرَكَاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُل اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الرعد 16 التداوي بلعب الزار
الزار لمن لا يعرفه مصطلح يدل على اجتماع نفر من الغواة من البشر الذين يجمعهم الهوى، وقرع الطبول على أن يكون هذا الاجتماع في جنح الليل، بعيداً عن المنازل، أما في قلب الصحراء أو بين الجبال، وللطبل قرعة معروفة مميزة عن سائر الضربات على الطبول فيقال أحيانا "هذة ضربة زار" وهناك يأكلون ويشربون ويغنون وتتنزل عليهم الشياطين من الإنس والجن، ولعل هذا المصطلح أخذ من الزيران، أو العكس، والزيران هم الجن الذين يسكنون في الإنسان حسب زعمهم، وينزلون من رأسه في حالات الشدة والضيق، بعد أن يقوم الإنسي ببعض الحركات الغريبة، من شم بخور اللبان، ثم يأخذ في التلويح بيديه، وهز رأسه بعنف، وإخراج بعض الأصوات العجيبة، ثم بعد ذلك يسلم الجني على الحاضرين، ويسأل عن سبب مضايقة صاحبه الإنسي، أو تشخيص حالته، أو أنه جاء لنجدته، وما شابه ذلك، وبعد أخذ ورد ينصرف مخلفا جملة من الوصايا والتوجيهات، وأحيانا الطلبات.
عنهم
وجلسة الزار آنفة الذكر يلتقي فيها أمثال هؤلاء المملوكين أو المسكونين من الجن بزعمهم، أي أصحاب الزيران بسبب إلحاح من الجن عليهم، وقد يأخذ بعض الجهلة الغوغاء بعض نسائهم اللاتي يزعمون أنهن مريضات للتداوي عند هؤلاء المهلوسين حال عربدتهم تلك، وقد تكون تلك النساء (2/311)
صفحة 662
من معالم الفكر التربوي
{312}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
استحوذ عليهن الجن أيضا، أي بهنَّ، زيران فيطربن ويكشفن عن شعورهن، وصدورهن، من عظم النشوة والطرب، وربما أدى الأمر إلى الفجور بهن من قبل أولئك الرجال، مدعين أنهم في غير حالتهم الطبيعية، بل في حالة غيبوبة من الوعي والإدراك، بسبب حضور الجن، وأن الإنسي مغيب تلك
اللحظات.
أما كيف يحصل العلاج والتداوي؟ فالجواب: إنَّ ذلك الجني - حسب اعتقاد هؤلاء ـ هو الذي كان يؤذي الإنسان، ويسبب له الأمراض، فهو يريد منه حضور هذا المجلس، فإذا حضر وطرب، وفسق ولعب، وفجر وكفر، رفع عنه الأذى والمرض، وذلك حسبه، وإن أبى الحضور، ورفض الانصياع لرغبات الجني الساكن فيه بقي على مرضه، ولا يخفى ما في هذا الاعتقاد من لوثة عقلية، لذا ينبه سماحته إلى ذلك قائلا: "هذه الظاهرة هي من دلائل البعد عن الإيمان الحق، وعدم التعلق بالله، وعدم الصلة بالقيم الإيمانية التي تجعل الإنسان يثق كل الثقة أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، فالدنيا دار کدر، وقد صدق الشاعر حين يقول:
جبلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذار والأكدار
فكل نعمة من نعمها مشوبة بالكثير الكثير من الأكدار، فالصحة مهددة بالسقم، والغنى مهدد بالفقر، والشباب يعقبه الهرم، إن أنسي الإنسان في عمره، والقوة يليها الضعف، وهكذا، فهذا الذي يصيبه المرض هو موعود بالأمراض، والله يبتلي من يشاء بما يشاء، ابتلى الله النبيين وهم صفوته من خلقه، أصيبوا بالأمراض، وابتلوا بما ابتلوا به من أنواع البلاء، فنبى الله تعالى أيوب ـ عليه السلام - ابتلى ببلاء في بدنه ونبى الله تعالى يعقوب عليه السلام ابتلى بافتقاد ولده، حتى أدى به الأمر أن اشتد عليه الحزن، فابيضت عيناه من الحزن، فكيف مع هذا يقول الإنسان بأنه يحرص على أن يبقى صحيحاً غير مبتلى بأي مرض من الأمراض؟ على الإنسان إذا مرض أن يصبر، وعليه أن (2/312)
صفحة 663
من معالم الفكر التربوي
{313}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
يسلك الطريق السوية التي فيها علاج هذا المرض، وأن يشعر في سلوكه هذه الطريق بأنه يستعين بالله سبحانه وتعالى، أما أن يستعين بالشياطين كما هو حال أهل الزار، فذلك ليس من الإيمان في شي، فهؤلاء كفروا بالله وآمنوا بهؤلاء، فالله تعالى يقول: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ
يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَبَه الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَلِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ) فإن شعر بعضهم ببعض الراحة فذلك من باب الاستدراج، ومن الفتنة التي يفتنون بها في الحياة الدنيا، إن ذلك من باب الكفر (2)
اللجوء إلى القبور والعيون والأنهار ونحوها
يكون ذلك إما للتداوي من المرض، أو لطلب النفع، ولدفع الضر النازل أو المتوقع، وهو سمة من سمات الجاهلية القديمة، وهو نحت في العقيدة الإسلامية، حين تكون الاستعانة بغير الله سبحانه وتعالى.
صميم
لقد نبه سماحته إلى خطورة هذا المسلك في الكثير الكثير من المواضع، داعياً المسلمين أن يحاربوا البدع والخرافات، التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله وأنقل هنا أربعة نصوص في أربعة مواضع من توجيهات سماحته في محاربة هذه البدع، يقول:
(3)
1 - " وبهذا تدرك خطورة ما يصنعه كثير من الناس من التعلق بغير الله سبحانه وتعالى في طلب الحاجات التي لم يجعل الله قضاءها بيد الناس، والأعجب من ذلك أن يأتي أحدهم إلى ضريح طالباً من صاحبه الميت البالي
(1) سورة الرعد، الآية 16
(1) سؤال أهل الذكر (1) المعتدة، الشيخ الخليلي، ص 12 (2/313)
صفحة 664
314}
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي أن يعينه على ما لا يستعان عليه إلا بالله، أو يأتي إلى صخرة صماء، أو شجرة، أو نهر، أو أي شي من هذا القبيل، طالباً. منه ذلك، مع أن هذه الأشياء لا تسمع ولا تبصر ولا تحس ولا تعقل، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق منزلة وأعظمهم شأنا يقول له سبحانه في حياته: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) فما بالك بغيره " "
(1)
ه (2)
2 - " أما أن يقول أحد لغيره من البشر ارزقني مالا، أو اجعلني من السعداء، أو اجعلني من الأذكياء، أو ارزقني ذرية، أو نحو ذلك من الأمور التي لم يجعل الله تعالى لأحد سلطاناً عليها، فذلك من الشركيات والعياذ بالله، وإذا كان هذا في الإنسان الحي المتكلم الواعي البصير فما بالكم بالاستعانة بالأموات، أو الاستعانة بالأحجار، أو الاستعانة بالعيون والأنهار، هذه الأشياء كلها لا تصح الاستعانة بها؛ لأنها لا تملك للإنسان نفعاً ولا ضراً، وتفشي ظاهرة طلب قضاء الحاجات من هذه الأشياء دليل على ضلال العقول وانحراف الفطرة، وقد كان ذلك من سمات الجاهلية الحمقاء التي جاء الإسلام الحنيف لا ستئصالها " "
(3)
- " فما دام الإنسان يعتقد بأنَّ الله سبحانه هو وحده موجد هذا الوجود، والقاهر لكل موجود فلماذا يلجأ إلى غيره عز وجل طالبا قضاء حاجة، وطالبا تحقيق منفعة، أو دفع مفسدة في الأمور التي لم يجعل الله سبحانه وتعالى التعاون فيها بين الناس من سنن الحياة ونواميس الكون، فإن إتباع الأسباب إنما هو إتباع لسنن الله، أما أن يأتي أحد إلى ميت في القبر، فيطلب منه الغوث والنصر، والتأييد والرزق، أو أن يأتي أحد إلى شجرة أو عين، أو إلى نهر أو إلى مسجد باعتبار أن المسجد هو الذي يحقق له تلك
(1) سورة الأعراف، الآية 188
(1) جواهر التفسير،، الشيخ الخليلي، 259/ 1 (2) العبادة وأثرها،، الشيخ الخليلي، 54/ 1 (2/314)
صفحة 665
من معالم الفكر التربوي
{31}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
بينهم وبينه
يجدي
فالله
المنفعة، أو يحمل باكوراً (عصا) إلى مكان معين يعتقد أن فيه جنّا بإمكانه أن يدفع عنه المضرة، فهذه كلها وثنيات حاربها الإسلام. ماذا أن عسى الميت؟! إنَّ الميت نفسه هو أحوج إلى الحي من حاجة الحي إلى الميت ". . جاءت الآيات الكثيرة في كتاب الله سبحانه ناعية على المشركين الذين كانوا يتخذون مع الله آلهة أخرى فيتقربون إلى تلك الآلهة بالقرابين والنذور وغيرها، ويشركونها في عبادة الله، ويعتقدونها وسائط سبحانه وتعالى يقول: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا اللهَ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُل اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ"، ويقول سبحانه وتعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهَ إِنْ أَرَادَيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكَّلُونَ} ونجد الآيات الكثيرة دالة على أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يرفع الضراء، وهو الذي يبتلي من يشاء بما يشاء، فقد قال سبحانه: {قُلْ أَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهُ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ})، وقال: {مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسَكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ()، وهكذا تتوالى الآيات لأجل أن تبلور العقيدة الصحيحة، والفكر السليم الذي يصل بين العبد وربه سبحانه وتعالى من غير أن تكون بينهما واسطة، وهذا يعني حرمة أن يتقرب الإنسان بنذر أو قربان
(1) صفات الله تعالى، ص 17،16
(1) سورة الرعد، الآية 16
(r)
(4)
(2) سورة الزمر، الآية 38
(1) سورة التوبة، الآية 51
(0) سورة فاطر، الآية 2 (2/315)
صفحة 666
من معالم الفكر التربوي
{r 1}
عند الشيخ أحمد الخليلي
أو أي شيء مما كان إلى غيره تعالى، كأن ينذر لعين، أو ينذر لشجرة، أو لحجرة، أو لأي شيء كان.
ونجد من العلماء من بني حكمه على أنَّ ذلك شرك بالله سبحانه وتعالى عندما قال: بأن من فعل ذلك وعنده امرأة مسلمة صارت المرأة حراماً عليه؛ لأنه في حكم المرتد عن الإسلام، ومعنى ذلك أنها تخرج من عصمته إلا إن تاب ورجع إلى عقيدة الإسلام، وتبرأ من هذه العقيدة الزائفة التي يعتقدها في الأشجار والأحجار، وهذه الأمور كلها.
وأنا أعجب كيف لا يفكر هذا الإنسان في أنَّ هذه الكائنات بأسرها لا تملك منفعة، ولا دفع مضرة عن نفسها، فكيف تستطيع أن تحققه لغيرها!!. لا يختلف اثنان من العقلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل مخلوقات الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى يقول له: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللهِ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوء " هذا مع أنَّ النبي عندما أُمر بأن يقول ذلك كان إبان حياته، وملء ثيابه، فكيف بغيره؟ بل كيف بالأموات في القبور؟ وكيف بالأشجار والأحجار وغيرها؟. فهذه القضية في منتهى البلاء
الاعتقادات المنحرفة في الأنبياء والملائكة
"1 (2)
لقد أصيب بعض المسلمين - جرَّاء الروايات الباطلة - بما أصيبوا به من الاعتقادات الفاسدة في أنبياء الله ورسله، لذا حرص سماحته في مواضع عدة على لفت الانتباه إلى هذه القضية المهمة التي ربما كان من أسبابها تعطيل العقل في نقد الروايات، وتقديس كل ما هو مكتوب، يقول سماحته: " إن الكثير من هذه المرويات جاءت في ما يتعلق بتفسير الآيات التي تتناول
(1) سورة الأعراف: الآية 188
(1) سؤال أهل الذكر غرة رمضان 1424 هـ، 2003/ 10/27 م (2/316)
صفحة 667
من معالم الفكر التربوي
?
{317}
عند الشيخ أحمد الخليلي قصص الأنبياء، فإذا بها تنقص من قدر هؤلاء الأنبياء، وتصورهم شهوانيين هم لهم إلا السعي وراء شهوات أنفسهم، وهذا غير بدع إذا نظرنا إلى مسلك اليهود، فإنَّ اليهود إنما الصقوا بأنبياء بني إسرائيل الكثير الكثير من المرويات التي شوهت صورتهم، حتى أنهم قالوا في بعض النبيين بأنه زنى بابنته، هذا نسبوه إلى لوط - عليه السلام - وقالوا إنه كان في حالة سكر، وزني بابنته، وحملت منه، ونسبوا إلى الكثير من أنبياء بني إسرائيل من ذرية يعقوب - عليه السلام - ما نسبوا إليهم من الضلال، وقد صدق الناس مرويات بني إسرائيل، وقد دخلت هذه الروايات في تفسير القرآن الكريم ومن ذلك ما نسب - على سبيل المثال - إلى نبي الله داود ـ عليه السلام - من أنه عشق امرأة، وبعث بزوجها في سرية من أجل أن يقتل، حتى يتمكن من الزواج بتلك المرأة، وهذا مما تداوله المفسرون كثيراً، وهو بطبيعة الحال من الغزو الفكري، ومع هذا فإن الله تبارك وتعالى وصف نبيه داود ـ عليه السلام بأحسن الصفات التي تبرأه من هذا الذي نسب إليه.
كذلك نبينا على عظم قدره وعلو شأنه وصف في الكثير من هذه الروايات التي جاءت، ومما يؤسف له أنها جاءت في الصحاح، وصف بأوصاف لا تدل إلا على الهمجية، وعلى الشهوانية، فمما يؤسف له أن نجد في صحيح البخاري أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يشارك قومه في بناء البيت الحرام ويحمل الحجارة على كتفه لم يجد ما يتقي به، فأشار عليه عمه العباس - رضي الله عنه ـ أن يخلع إزاره ويتقي به، فخلع إزاره وكان بادي العورة أمام الناس، وأمام بيت الله الحرام، ثم انتبه بعد ذلك وخر مغشياً عليه، من يصدق هذه الرواية ولو جاءت بأصح الأسانيد كما يزعمون؟ من يصدق النبي الذي يصفه الله بأنه على خلق عظيم {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) يصل به الأمر بأن يرضى أن يبدي عورته؟ ذلك الشيء الذي لا يرضاه حتى أولئك الذين يعيشون في الأدغال أبعد ما يكونون عن الحضارة وعن القيم
الإنسانية، فضلاً عن القيم الدينية، من الذي يصدق هذا؟؟
أنَّ (2/317)
صفحة 668
من معالم الفكر التربوي
{318}
عند الشيخ أحمد الخلي
وكذلك ما نسب إليه صلوات الله وسلامه عليه كما جاء في صحيح مسلم، أنه نما إلى علمه بأن ابن عم جاريته مارية بواقعها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبي طالب أن يذهب إليه ويقتله على الفور، هذا أمر لو نسب إلى جبار من جبابرة الأرض لكان ملوماً، وقالوا بأن علياً ذهب والسيف في يده، ووجد الرجل يستحم في ركوة ماء، فأمسك بيده وأخرجه من الركوة من أجل أن يقتله، وإذا به يسقط إزاره ويتبين أنه مجبوب ليس فيه ذكر، فرجع علي إلى النبي وأخبره الخبر فأمره النبي الليل بالكف عنه، من الذي يصدق هذه
الرواية؟
هل النبي صلى الله عليه وسلم جبار يأخذ الناس بالظنة بمجرد أن ينسب إلى أحد أنه يفعل هذا الأمر، يأمر أحداً بقتله، أن، مع مجيء هذه الجارية إليه كان بعد وقوع قصة الإفك عند أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وقصة الإفك فيها درس لأي أحد، فلو كان النبي رجلاً عادياً، ولم يكن رسولاً مرسلاً من قبل الله سبحانه وتعالى، لكفته قصة الإفك درساً حتى لا يتجرأ مثل هذا
التجرؤ.
ثم من ناحية أخرى هل يكون النبي له أغير على جاريته منه على زوجه أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها؟ فلماذا عندما نُمِّي إلى ما نُمّي وتحدث الناس بما تحدث به من أن رجلاً صارت علاقة بينه وبين أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها - وبرأها الله من ذلك، لماذا لم يأمر بقتل ذلك الرجل في ذلك الحال؟ هذا مما يدل على أنَّ هذه الرواية ليست صحيحة، ولا يمكن أن تقبل، ومع الأسف جاءت في صحيح مسلم معزوة إلى أنس بن مالك ـ رضي الله تعالى عنه - إلى غير ذلك من الروايات.
وكذلك نسب إلى النبي الله كما جاء في تفسير ابن جرير الطبري، بأنه أبصر امرأة زيد، وكانت عليها ثياب رقاق فاستبد جمالها بقلبه، وسرى حبها في أعماق نفسه، فلم يتمالك، وخرج وهو يقول: سبحان مقلب القلوب، (2/318)
صفحة 669
من معالم الفكر التربوي
{319}
عند الشيخ أحمد الخليلي
وقالوا بأن هواه بها، وتعلقه بها، هو المعني بقول الله تبارك وتعالى {وَتُخفي في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، من أين ذلك؟ وهل يليق هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ هل يليق برجل مؤمن عادي أن يذهب إلى بيت إنسان ويمتد نظره إلى ما في داخل حرمه حتى يرى امرأته بالثياب الرقاق؟ ويأخذ جمالها بشعاب نفسه؟ ويستبد حبها بقلبه؟ هل يمكن أن يليق ذلك برجل مؤمن عادي فضلاً عن أن يكون نبياً مرسلاً من عند الله تبارك وتعالى عصمه الله، مع أن المراد بقول الله تبارك وتعالى وتخفى فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أنه كان يأمر زوجها زيداً بأن يستمسك بها ويقول له (أمسك عليك زوجك) مع أنه يعلم بأن الله تعالى كتب له أن يتزوجها، فعلى أي حال هذا من جملة الغزو الفكري الذي سرى إلى هذه الأمة. ومن جملة الأمور التي ألصقت بالنبيين، ولا ريب أنَّ هؤلاء النبيين قدرهم عال، وشأنهم عظيم، وقد أمر الله تبارك وتعالى نبيه يقتدي بهم عندما قال بعد ذكرهم فَبِهُدَنْهُمُ اقْتَدِه، فعلى أي حال من يقرأ عنهم مثل هذا الذي كتب عنهم من هذه السفاسف الدنية، ألا يجد في ذلك ما يشجعه على الوقوع الفحشاء والانحراف عن سواء الصراط، جملة الغزو الفكري الذي أصيبت به هذه الأمة في صميم
أن.
هذه
من
عقيدتها؛
لأن نزاهة النبيين وعفتهم إنما ذلك من صميم عقيدة هذه الأمة. وكذلك ما ألصق بالملائكة، فقد نسبوا إلى الملائكة ما نسبوا بأنهم كان بينهم وبين الله تبارك وتعالى ما كان، وأن الله عز وجل أمرهم أن يختاروا ملكين هما من أكثر الملائكة عبادة وأكثرهم خشية الله تبارك وتعالى، فأنزلهما إلى الدنيا، ولما أنزلها إليها ابتلاء وركب فيهما الشهوة جاءتهما امرأة تشكو إليهما زوجها، فكان منهما أن راوداها فاشترطت عليهما أن يسجدا للصنم، وأن يشربا الخمر، وأن يقتلا زوجها، ففعلا كل ذلك، ثم بعد ذلك نالهما من العذاب ما نالهما، إلى آخر ما نسب إليهما مما هو أبعد ما يكون عما وصف الله تبارك وتعالى به الملائكة في كتابه، فالله تعالى يقول فيهم: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ (2/319)
صفحة 670
من معالم الفكر التربوي
{320}
عند الشيخ أحمد الخليلي
مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} () ويقول: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ ع يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ} " (2)
(2)
نعم لقد أصيبت الأمة في الصميم، وإذا أصيب الصميم فماذا بعد ذلك؟ أيبقى من روحانية العبد شي؟ أيبقى من دينه شئ غير شكليات ومظاهر زائفة؟ ثم لا تلبث تلك المظاهر أن تتلاشى وتضمحل شيئاً فشيئاً، حتى يعلو الران، قلبه إلا أن يتداركه اللطيف الخبير برحمة من عنده جل في علاه، إنه وسع كل شئ رحمة وعلما، نسأل الله السلامة والعافية.
أحمد
بهذا ينتهي الجزء الثاني من معالم الفكر التربوي عند سماحة الشيخ بن حمد الخليلي ويليه الجزء الثالث بمشيئة الله تعالى في التربية الفكرية والسلوكية، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) سورة التحريم، الآية 6
(1) محاضرة في جامع نزوى يوم الأربعاء الرابع من شهر رجب 1423 هـ، الموافق 11 سبتمبر 2002 م. (2/320)
صفحة 671
من معالم الفكر التربوي
{321}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
الملاحق
جدول محاسبة النفس الشهري
صور تذكارية لسماحة الشيخ الخليلي (2/321)
صفحة 672
من معالم الفكر التربوي
{322}
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/322)
صفحة 673
املا) فراغات الأيام بـ سبت، أحد، ... إلخ، وعند المحاسبة ضع علامة في الفراغ بالجدول مقابل عنصر المجال)
مجال
جدول محاسبة النفس يوميا وشهريا
اليوم المحاسبة | التاريخ
صلاة الفحر
صلاة الظهر جماعة صلاة العصر جماعة
صلاة المغرب
صلاة العشاء
تلاوة القرآن
أذكار الصباح
أذكار المساء
قيام الليل
صوم الليالي البيض
إنفاق في سبيل الله
زيارة الأرحام
زيارة الفقراء
زيارة مريض
زيارة العلماء
زيارة الصالحين
زيارة القبور
متابعة فتاوى
استماع لمحاضرة
التفكر في المخلوقات
إلقاء درس
قراءة في كتاب
محاسبة النفس على تفريطها (2/323)
صفحة 674
من معالم الفكر التربوي
{324}
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/324)
صفحة 675
من معالم الفكر التربوي
ليالي
325}
عند الشيخ أحمد الخليلي
صور تذكارية لسماحة الشيخ الخليلي
سماحة الشيخ الخليلي ويقف على يمينه الشيخ أبو الحسن الندوي وعلى
يساره الشيخ أحمد بن سعود السيابي
الدكتور ثروت محمود عكاشة
الشيخ صدا
سماحة الشيخ الخليلي وعلى يمينه. د ثروت عكاشة ثم الشيخ محمد الغزالي (2/325)
صفحة 676
من معالم الفكر التربوي
{326}
حديث ودي على هامش أحد المؤتمرات
عند
الشيخ أحمد الخليلي (2/326)
صفحة 677
من معالم الفكر التربوي
{327}
عند
سماحة الشيخ الخليلي في لقاءات على هامش المؤتمر
سماحة الشيخ الخليلي في أحد المؤتمرات الخارجية
- الشيخ أحمد الخليلي (2/327)
صفحة 678
من معالم الفكر التربوي
{328}
عند
الشيخ أحمد الخليلي (2/328)
صفحة 679
من معالم الفكر التربوي
329}
عند
- الشيخ أحمد الخليلي
سماحته يلقي كلمة الوفود في الأردن بمناسبة إعمار المسجد الأقصى
سماحته يلقي كلمته في إحدى الندوات المنعقدة في مسقط (2/329)
صفحة 680
من معالم الفكر التربوي
{330}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سماحته في المؤتمر المنعقد في البحرين وعلى يساره د. سعيد العبري
F (2/330)
صفحة 681
من معالم الفكر التربوي
عند
الشيخ أحمد الخليلي
سماحته في المؤتمر المنعقد في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
سماحة الشيخ الخليلى في لقاءات على هامش الندوة (2/331)
صفحة 682
من معالم الفكر التربوي
332}
سماحة الشيخ الخليلي في تنزانيا
SH-T
سماحة الشيخ في تنزانيا
عند
الشيخ أحمد الخليلي (2/332)
صفحة 683
من معالم الفكر التربوي
(333}
عند الشيخ أحمد الخليلي
الشيخ يضع حجر الأساس لمشروع بناء مسجد بمنطقة "كونزا"بتنزانيا
سماحته يؤدى صلاة الجمعة (2/333)
صفحة 684
من معالم الفكر التربوي
334}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سماحته يلقي محاضرة لأبنائه طلبة معهد العلوم الشرعية (2/334)
صفحة 685
من معالم الفكر التربوي
{TTO}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سماحته يستقبل ضيوفه في بيته من طلبة المعهد والإداريين
سماحته في زيارة لمعهد العلوم الشرعية وعلى يمينه المدير العام للمعهد ثم على يكينه الشيخ عاشور وعلى يسار سماحته أ. د. محمد الزيني
سماحته في لقاء صحفي بمكتبه وعلى يساره الصحفي سيف الخروصي (2/335)
صفحة 686
من معالم الفكر التربوي
{336}
DOXC
عند الشيخ أحمد الخليلي
سماحته بجامع السلطان قابوس قبيل إلقاء درس التفسير
سماحته يلقي درس التفسير كعادته كل ثلاثاء (2/336)
صفحة 687
من معالم الفكر التربوي
337}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سماحته في زيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة
سماحته في زيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة (2/337)
صفحة 688
من معالم الفكر التربوي
338}
سماحته
مع ضيوفه في مجلس داره
سماحته مع ولده خليل
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/338)
صفحة 689
من معالم الفكر التربوي
عند الشيخ أحمد الخليلي
2005 & 3
سماحته يتحدث مع الشيخ حمود بن حميد الصوافي
سماحته في زيارة للشيخ حمود بن حميد الصوافي (2/339)
صفحة 690
من.
معالم الفكر التربوي
{30}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سماحته
وعلى يمينه الشيخ سالم بن حمد الحارثي ثم على يمينه الشيخ سعيد بن خلف الخروصي ثم على يمينه الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي
سماحته يشارك في مؤتمر بالمملكة الأردنية الهاشمية (2/340)
صفحة 691
من معالم الفكر التربوي
{31}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
سماحته يتفقد معرضا للوحات فنية كتابية من القرآن الكريم
17. 3.04
سماحته يتفقد طباعة المصحف الشريف (2/341)
صفحة 692
من معالم الفكر التربوي
{342}
سماحته في مدخل مجلسه العامر
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/342)
صفحة 693
من معالم الفكر التربوي
343}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
أولا: الكتب
المراجع
1. الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريك، تعريب شفيق أسعد، مكتبة المعارف، بيروت، 1989 م.
2 برهان الحق في تأصيل العقيدة الإسلامية ودرء الشبه عنها بالأدلة العقلية والنقلية، الشيخ أحمد الخليلي. مخطوط في طريقه إلى الطبع.
الجملة وتفسراتها. الشيخ أحمد الخليلي. مكتبة الاستقامة 4. جواهر التفسير. الشيخ أحمد الخليلي. مكتبة الاستقامة. ط 1،
1986 م. ه. الحساب والعدل الإلهي. الشيخ أحمد الخليلي.
6. الدراسات النفسانية عند العلماء المسلمين. محمد عثمان نجاتي.
دار الشروق، القاهرة ط 1، 1993 م.
ديوان أبي مسلم البهلاني
السلوك وبناء الشخصية " د. إبراهيم محمد السرخسي. ط 1،
1423 هـ - 2002 م
9. سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني، تح محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر بيروت.
10. سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تح محمد أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
11. سنن الدارمي، عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي، ت فواز أحمد زمرلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1407 هـ. (2/343)
صفحة 694
من معالم الفكر التربوي
{TEE}
عند الشيخ أحمد الخليلي
12 سنن النسائي، أحمد بن شعيب النسائي، مكتبة الفمطبوعات الإسلامية، حلب، ط 2، 1406 هـ، 1986 م.
13. الشخصية السوية. سيد عبد الحميد. مكتبة وهبة،
القاهرة، ط 11406 هـ، 1985 م
مرسي
14. صحيح البخاري، محمد بن اسماعيل البخاري، تح مصطفى ديب البغا، دار اليمامة، بيروت، ط 3، 1407 هـ، 1987/
15
صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، تح محمد فؤاد عبدالباقي،
دار إحياء التراث العربي، بيروت.
16. صفات الله تعالى. الشيخ أحمد الخليلي.
17. صفوة التفاسير محمد بن على الصابوني دار القلم، بيروت،
5، 1406 هـ، 1986 م
18. العبادة وأثرها. الشيخ أحمد الخليلي.
19. علم النفس الإرشادي، صالح حسن الداهري، دار وائل للنشر، الأردن، ط 1، 2005 م.
20. علم النفس التربوي. أحمد زكي صالح: مطابع النهضة المصرية. القاهرة ط 10/ 1972 م
•
21. علم النفس التربوي في الاسلام مقداد بالجن، د. يوسف القاضي دار عالم الكتب الرياض ط 2، 1418 - 1997 م.
22. علم النفس العام. عبد الرحمن عيسوي. دار النهضة العربية،
بيروت، د. ت. (2/344)
صفحة 695
من معالم الفكر التربوي
{345}
عند الشيخ أحمد الخليلي
23. علم النفس العام. خليل ميخائيل معوض، مركز الإسكندرية
للكتاب، ط 1، 2001 م.
24. علم النفس في القرآن الكريم. سعد رياض، مؤسسة اقرأ. القاهرة 1425 هـ - 2004 م
25 عوامل تقوية الوحدة. الشيخ أحمد الخليلي.
26
وكشف الخفاء، إسماعيل بن محمد الجراحي.
27 كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، على بن حسام الدين الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1989 م.
28 مبادئ علم النفس، محمد بني يونس. دار الشروق. الأردن،
ط 1، 2004 م.
29 محددات السلوك الإنساني والتنظيمي. عبدالله بن حمدان الدهماني طا، مسقط، 1410 هـ / 1999 م.
مدخل إلى علم النفس. سهير كامل أحمد، مركز الإسكندرية للكتاب، ط 2، 200 م.
31.
المدخل العام إلى دراسة العقيدة، الشيخ أحمد الخليلي. مكتبة
الاستقامة.
32 مسند أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، القاهرة.
33 المستدرك على الصحيحين محمد بن عبدالله الحاكم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1411 هـ، 1990 م.
34. مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تح حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1403 هـ. (2/345)
صفحة 696
من معالم الفكر التربوي
{346}
عند الشيخ أحمد الخليلي
35. معاني القرآن، يحيى بن زياد الفراء، عالم الكتب، بيروت،
ط 3، 1983 م.
36. المعتدة. الشيخ أحمد الخليلي.
37. المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد الطبراني، تح طارق بن عوض الله وعبد المحسن بن إبراهيم، دار الحرمين، القاهرة،
1415 هـ.
38. من علم النفس القرآني. عدنان الشريف دار العلم للملايين.
بيروت. ط 4، عام 2000 م
39. وحي المنابر. الشيخ أحمد الخليلي.
ثانيا: أشرطة محاضرات سماحته
أثر الإيمان بالغيب في الخوف من وعيد الله
أثر المعنويات في الإسلام
الإخلاص 1/ 21
الأحداث الراهن، 1/ 516 الألم المعاصر، إصدار مكتبة المشارق
أمراض القلوب 480 / أ
إن في ذلك لعبرة، الشيخ الخليلي،
الإنسان بين الحقيقة والأوهام 1/ 85
آيات الله في الإنسان، الشيخ الخليلي، 390/ أ
الإيمان مفهومه وتطبيقاته ج 1، 65/ج (2/346)
صفحة 697
معالم الفكر التربوي من
{347}
عند
الشيخ أحمد الخليلي
الإيمان مفهومه وتطبيقاته ج 2، 65/ج
الإيمان وحقيقته، 2/ج/ أ
الإيمان بالقدر 44 / ج / أ
الإيمان باليوم الآخر 41/ج/ أ الإيمان باليوم الآخرج 1، 32 / ج / أ الإيمان باليوم الآخر ج 2، 32 / ج / أ تزكية الأنفس 273/ أ
تصحيح مفاهيم خاطئة 1/ 118
تطهر القلوب 1/ 480
تفسير سورة العصر
تفسير قوله تعالى: " أفمن اتبع رضوان الله " بتاريخ 2 صفر 1425،
23/ 3 / 2004 م التوبة 337 / أ
جزيرة جربة، الشيخ الخليلي 83/ أ الحياة البرزخية 24/ج/ أ
خطبة الجمعة بتاريخ 1 - 2 - 1403 هـ
الخطوات العملية لإبراز الشخصية، الشيخ الخليلي، 392 / أ
الدين الحق، الشيخ الخليلي
رسالة إلى الشباب المسلم (2/347)
صفحة 698
من معالم الفكر التربوي
{348}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سؤال الذكر /26 رمضان 51424 - 2003/ 11/21 م) سؤال أهل الذكر 27 رمضان 1424 هـ ....
سؤال أهل الذكر خلفه /1 رجب / 1423 هـ / 2002/ 9/8 م سؤال أهل الذكر، 5 ربيع الأول 1425 هـ، 25/ 4 / 2004 م سؤال أهل الذكر 15 / ريبع الأول 1425 هـ / - 25/ 4 / 2004 م سؤال أهل الذكر 16 من ذي القعدة 1423 هـ / 2003/ 1/19 م سؤال أهل الذكر /17 / رمضان / 1423 هـ / 2002/ 11/23 م سؤال أهل الذكر 19 رمضان 1424 هـ / 2003/ 11/14 م سؤال أهل الذكر /24 شوال 1423 هـ / 2002/ 12/29 م سؤال أهل الذكر 26/ رمضان 51424 - 2003/ 11/21 م) سؤال أهل الذكر 27 رمضان 1424 هـ - 22/ 11 / 2003 م
سؤال أهل الذكر 27 شوال 1424 هـ / 2003/ 12/21 م سؤال أهل الذكر 27 شوال 1424 هـ / 2003/ 12/21 م سؤال أهل الذكر /27 رمضان 1423 هـ / 3/ 12 / 2002 م) سؤال أهل الذكر /28 رمضان 1424 هـ / 23/ 11 / 2003 م سؤال أهل الذكر 3 رمضان 1424 هـ - 29/ 10 / 2003 م
سؤال أهل الذكر 3 رمضان 51424 - 2003110129 م
سؤال أهل الذكر 3 من شعبان 1423 هـ الموافق/ 2002/ 11/6 م سؤال أهل الذكر 3 شعبان 51424 - 2003/ 10/26 (2/348)
صفحة 699
معالم الفكر التربوي من
{29}
عند الشيخ أحمد الخليلي
سؤال أهل الذكر 30 شعبان 1424 هـ - 26 10/ 10 / 2003 م
سؤال أهل الذكر /6 / محرم 1424 هـ 2003/ 3/9 م
سؤال أهل الذكر 7 ربيع الآخر 1424 هـ ـ 2003/ 6/8 م سؤال أهل الذكر 9/ جمادى الأولى 2751425/ 6 / 2004 م
سؤال أهل الذكر جمادى الثاني 1425
سؤال أهل الذكر سؤال أهل الذكر 1/ رجب 1423 هـ. سؤال أهل الذكر غرة رمضان 1424 هـ، 2003/ 10/27 م سؤال أهل الذكرا 1 رجب 1423 هـ ـ 2002/ 9/8 م
الصبر، محاضرة لسماحته في نيابة سناو.
صفات الله 8/ ج / أ
الطريق إلى التقوى 103/ أ
العقل نور إلهي / 208 ج
الفتور 433 / أ
لقاء المؤلف بسماحة الشيخ
محاضرة في بلدة مجز ... صحار .. سبلة العرب
محاضرة في جامع نزوى يوم الأربعاء الرابع من شهر رجب 1423 هـ، الموافق
11 سبتمبر 2002 م.
معالم الجيل الواعد، الشيخ الخليلي، إصدار المشارق
منهج إصلاح المجتمع / 104 ج (2/349)
صفحة 700
من معالم الفكر التربوي
{350}
موضوع السحر. الشيخ أحمد الخليلي. 116/ج
نحو تربية أفضل 376 / أ
وللآخرة خير وأبقى 250 / أ
اليوم الآخر 133/ج/ أ
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/350)
صفحة 701
من معالم الفكر التربوي
الموضوع
المقدمة
التمهيد:
{201}
فهرس المحتويات
المبحث الأول الشيخ الخليلي روحانيا
رجل صقله الإيمان فتواضع لعباد الرحمن الشيخ الخليلي والحياة الدنيا
الشيخ الخليلي والقرآن ألف العبادة وألفته
أنوار الحكماء تسبق أقوالهم
العلم غذاء خشيته وخشيته غذاء روحه
المبحث الثاني: مفهوم الشخصية العام مميزات الشخصية الإسلامية
المبحث الثالث: ملخص فلسفة سماحته في التربية
مدخل إلى التربية الروحية
مفهوم التربية الروحية
أهمية التربية الروحية
الفصل الأول: وسائل التربية الروحية المعنوية 1 - الإيمان بالله تعالى
- وسائل ترسيخ الإيمان في النفوس
- التفكر
1 - التفكر في خلق الإنسان
التفكر في المخلوقات المحيطة
3 - التفكر في الكون
4 - التفكر في حوادث الدهر ونوائبه
أ قصص الماضين الغابرين
عند
الشيخ أحمد الخليلي
الصغحة (2/351)
صفحة 702
من معالم الفكر التربوي
{352}
- قصة قوم نوح عليه السلام
- قصة عاد قوم هود
- قصة ثمود قوم صالح
- قصة قارون
ب ـ الحوادث المعاصرة
2 - الإيمان بالغيب
- مفهوم الإيمان بالغيب وآثاره
- الإيمان بالملائكة
- الإيمان بالكتب
- الإيمان بالرسل الإيمان باليوم الآخر - الإيمان بالجزاء أولا: نعيم الجنة
- عظم قدر نعيمها
- سعتها
الأشجار والأنهار والعيون
- مساكن الجنان
- لباس أهل الجنة
- الفرش والأثاث
- الطعام والشراب - الحور العين
الوصف الجامع لنعيم الجنة - حاول أن تتخيل نعيم الجنة
- عذاب النار
- الصراخ والخصام - لباس أهل النار - الطعام والشراب
- صنوف العذاب
عند الشيخ أحمد الخليلي (2/352)
صفحة 703
من معالم الفكر التربوي
(353}
- إياك والأماني الفارغة
الفصل الثاني: وسائل التربوية الروحية العملية 1 - العبادة بأنوعها
- أثر العبادات الروحي
أثر الصلاة في التربية الروحية
- كيف يتم الخشوع
عند الشيخ أحمد الخليلي
- الهاتف المتنقل وأثره على الخشوع - الزكاة والإنفاق في سبيل الله وأثرهما
- الصوم وأثره الروحي - الحج وأثره الروحي 2 - النوافل وأثرها الروحي - الإخلاص ملاك الأمر كله
- التخلص من الرياء وأثره السلبي - التخلص من العجب والغرور
4 - التوبة من الذنوب
الآثار المترتبة على المعاصي
- شروط التوبة
ه التقوى
- حقيقة التقوى
- صفات المتقين
6 - التحلي بالصبر
التدبر
- التلاوة مع
- الخوف والرجاء والموازنة بينهما - كيفية استجلاب الخشية
9 - التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل 10 - تطهير القلوب من الأمراض أهم مرضين يصيبان القلب (2/353)
صفحة 704
من معالم الفكر التربوي
{354}
- الحسد
- سوء الظن - علاج أمراض القلوب 11 - الخلوة والأوراد
12 - محاسبة النفس ومراقبتها
- محاسبة النفس على بواطنها - محاسبة النفس على ظواهرها
- المراقبة
- المجاهدة ووسائلها
13 - التصور الصحيح للحياة الدنيا
- تذكر الموت وغصته
- تذكر القبر ووحشته
14 - التناصح والتواصي بالحق 15 - ترقيق القلوب بالمواعظ 16 - صحبة الصالحين
17 - زيارات الفقراء والمساكين
18 - الدعاء
مشکلات في طريق العقيدة
الأوهام المتعلقة بالسحر
- هل يدخل الجني بجسم الإنسان
عند الشيخ أحمد الخليلي
- حقيقة السحر والمسحورين في الجبال 297
الذهاب إلى العرافين
- استعانة المعالجين الروحانيين بالجن - أمراض من الجن أم مرض نفسي؟
- كيف يعالج المريض بالمس أو السحر 306
- الرقى الشرعية لسماحة الشيخ - التداوي بلعب الزار (2/354)
صفحة 705
من
معالم الفكر التربوي
{30}
عند الشيخ أحمد الخليلي
- اللجوء إلى القبور والعيون والأنهار الاعتقادات المنحرفة في الأنبياء والملائكة
- الملاحق
- جدول محاسبة النفس الشهري
- صور تذكارية لسماحة الشيخ
- المراجع
- المحتويات (2/355)
صفحة 706
رقم الإيداع:2008/ 80 (2/356)