صفحة 1
الكتاب: التفسير المُيسَّر
المؤلف: سعيد بن أحمد الكندي (1207هـ)
تحقيق: مصطفى بن محمد شريفي و محمد بن موسى باباعمي
بلد دار النشر: سلطنة عُمان
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
[مبوب]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
{الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا قَيِّمًا}. والصلاة والسلام على النبيِّ الكريم محمَّد، الذي خاطبه ربُّ الجلال بقوله: {طَهَ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى}.
وبعد، فإنَّه لم يحظ كتاب من الكتب السماويَّة ولا البشريَّة بما حظي بِهِ القرآن الكريم من عناية: حفظا، وتدبُّرا، وتفسيرا ... حتَّى عزَّ على الباحث عدُّ التصانيف التي أُلِّفت في القرآن وعلومه، واستحال على العالم حصر التفاسير التي عنيت بشرح آيه وسوره.
وتفسير الشيخ سعيد بن أحمد الكندي (1207هـ/1792م)، يعدُّ من بين هذه المشاركات المباركة في حركة التفسير، غير أنَّه لم يكتب له أن يطبع أو يُعرف لدى الأوساط العلميَّة، لظروف نجهلها. إلى أن منَّ الله تعالى بأهل الفضل، فوفَّروا لنا نسخة مخطوطة يتيمة من هذا التفسير القيِّم؛ فاستعنَّا بالله على الشروع في إعداده للطبع، آملين أن يكون لبنة في المكتبة الإسلاميَّة بعامَّة، ونموذجا لجهود الإباضيَّة في مجال التفسير بخاصَّة.
ملاحظات حول الأسلوب والمنهج والمضمون
1 - سهولة أسلوب التفسير وبساطته، بحيث يفهمه كُلُّ من له معرفة ولو يسيرة باللغة العَرَبِيَّة.
2 - العرض المحبك للعبارات، ممَّا يسهِّل على القارئ تتبُّع المعاني.
3 - إحكام منهج العرض، واطِّراده في جميع الكتاب.
4 - خلوُّه من الاختلافات اللغويَّة والفقهية والكلاميَّة؛ ممَّا يجعله مرجعا للخاصَّة والعامَّة.
5 - اقترابه من نوع التفسير الهدائيِّ، رغم تقدُّمه في العصر.
6 - كونه تفسيرا كاملا غير منقوص ولا مخروم. (1/1)
صفحة 2
7 - اعتماده المقصد التربويَّ كلَّما وجد لذلك سبيلا، فرغم كونه تفسيرا مختصرا، إِلاَّ أَنَّهُ لا يخلو من اللفتات التربويَّة التي تفيد الفرد والمجتمع؛ فهو يتوسَّع أحيانا في تفسير بعض الآيات بمباحث مهمَّة في مجال التربية والتوجيه. مثال ذلك:
... «{الذين إذا أصابتهم مصيبة} مكروه، {قالوا إِنَّا لله} إقرار له بالملك، ولا يَسخط عليه ما يفعله في ملكه، {وَإِنَّا إليه راجعون} إقرار على أنفسنا وما خوَّلناه بالفناء، وأنَّ الأمور كلَّها راجعة إليه، وليس الصبر بالاسترجاع باللِّسان بل بالقلب بتصوَّر ما خلق لأجله، وأنَّه راجع إلى ربِّه، وبذكر نعم الله عليه فيرى أنَّ ما بقي عليه أضعاف ما استردَّه منه فيهون على نفسه ويستسلم له».
مصادر الكِتَاب
أشار المُصَنِّف فيِ نهاية تفسيره إِلىَ الكتب التي اعتمدها، بقوله: «وقد نسخته مِن كِتَاب يسمَّى "مدارك التنزيل" (1)، وكتاب "معالم التنزيل" (2)، وَمن كِتَاب "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" المعروف بـ"البيضاويِّ" (3)، ومِن كِتَاب "جوامع الجامع" (4)، وكلُّها مِن تفاسير القوم، وزدت فِيهِ أشياء مِن كتب أصحابنا، وشَيْئًا مِن عندي، مَا أرجوه أَنَّهُ خارج عَلَى معاني الصواب، وحذفت منها مَا حذفت طلبا للإيجاز».
وَهَذِهِ الفقرة رغم اختصارها تَدُلُّ عَلَى الأمانة العِلمِيَّة التي تحلَّى بها الشيخ الكنديُّ رحمه الله، فهو لم ينسب العمل إِلَيْهِ، وقد وضَّح لنا منهجه فيِ تفسيره بدقَّة.
طريقته في الاختصار
__________
(1) - ... لأبي بركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي.
(2) - ... لأبي مُحَمَّد حسين بن مسعود الفرَّاء، أو ابن الفرَّاء، البغوي الملقَّب بمحيي السنَّة.
(3) - ... لناصر الدين، أبي الخير عبد الله بن عمر بن مُحَمَّد بن علي البيضاوي الشافعي.
(4) - ... لأمين الدين، أبي عليٍّ الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي. (1/2)
صفحة 3
1 - لا يتعرَّض المصنِّف لبعض الجوانب التي كثيرا ما يوردها المُفَسِّرُون. فبتتبُّع الكِتَاب يتَّضح لنا أَنَّهُ لا يغوص فيِ أوجه القراءات والتخريجات اللغويَّة، والبلاغيَّة، والنحويَّة، والكلاميَّة، التي كثيرا ما لا يفهمها العامَّة من الناس.
2 - أحيانا يعزف عن الاختصار إلى التطويل في بعض مسائل تزكية النفس، ممَّا يقرِّبه من التفسير الصوفيِّ، في محتواه ولغته.
... وكمثال على استعماله للمصطلحات الصوفيَّة ما ذكره في تفسير قَوْله تعالى: {له الأسماءُ الحُسنَى} [الحشر: 24]: «لأنَّها دالَّة على محاسن المعاني، فليتأمَّل معاني هذه الأسماء والصفات لتنكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إِلاَّ للموقنين».
تفسير الكندي وعلاقته بالفكر الإباضيِّ
نتبيَّن من خلال تفسير الكنديِّ روح الفكر الإباضيِّ، فنجد مؤلِّفنا فيِ الآيات التي تَتَعَلَّقُ بالآراء العقديَّة عند الإِبَاضِيَّة يبرز رأيه بوضوح، ويَدَعُ المصدر الذي اعتمده جانبا، مثال ذَلِكَ:
- مسألة القضاء والقدر: يقول البيضاويُّ فيِ تفسير الآيَة الثانية من سورة التغابن: «{فمنكم كافرٌ} مقدَّر كفره، موجَّه إِلَيْهِ ما يحمله عليه، {ومنكم مُّؤمنٌ} مقدَّر إيمانه، موفَّق لِمَا يدعوه اليه» (1).
ويقول الشيخ الكنديُّ: «{فمنكم كافرٌ} مقدَّر كفره، ناهٍ عمَّا يحمله عليه، {ومنكم مؤمن} مقدَّر إيمانه، آمر بما يدعوه اليه». فهنا يظهر رأي الإِبَاضِيَّة بوضوح فيِ قَضِيَّة الجبر أو الاختيار.
- مسألة رؤية الله عَزَّ وَجَلَّ: يقول البيضاويُّ فيِ تفسير الآيَة 23 من سورة القيامة: «{إِلىَ ربِّها ناظرةٌ} تراه مستغرقة فيِ مطالعة جماله بحيث تغفل عَمَّا سواه ... » إلخ (2).
ويقول الكنديُّ فيها: «{إِلىَ ربِّها ناظرةٌ} منتظرة ثوابه».
وصف النسخة المعتمدة
__________
(1) - ... البيضاوي: تفسير، ج4/ ص204.
(2) - ... البيضاوي: تفسير، ج4 / ص 233. (1/3)
صفحة 4
- - الورقة الأولى غير مرقَّمة، وتحمل التمليكة، منها كلمات مُنمحية.
- - الناسخ: سيف بن مالك بن سيف اليعربي وغيره، حيث يقول الناسخ: «ونسخته لنفسي بخطِّ يدي وبخطِّ غيري».
- - تاريخ النسخ والمكان: غير مذكورين. غير أَنَّ المالك الأخير للنسخة، وضع تاريخ شرائه الكِتَاب وَهُوَ: يوم 27 ربيع الأَوَّل 1278هـ؛ ولا شَكَّ أَنَّ بين هَذَا التاريخ وتاريخ النسخ زمن غير قليل حَتَّى ينتقل الكِتَاب من ناسخه سيف بن مالك ـ رُبَّمَا بعد موته ـ إِلىَ حفيد المؤلِّف: قيس بن سليمان الكندي، ثُمَّ يموت هَذَا ليشتريه من ترائكه: سيفُ بن أحمد بن سليمان الكندي. وَهَذَا يدفعنا إِلىَ القول إِنَّ هَذِهِ النسخة التي بين أيدينا قريبة جِدًّا من عهد المؤلِّف الذي توفي سنة 1207هـ.
- - أصل النسخة: بخطِّ المُصَنِّف، حيث يقول الناسخ: «هَذَا ما أردت نسخه، ووجدته مكتوبا بخطِّ الشيخ سعيد بن أحمد الكندي».
- - الخطُّ مشرقي صعب المراس، ورديء في كثير من الأحيان.
- - عدد الأوراق: 341 ورقة، أي 682 صفحة.
- - عدد الأسطر فيِ الصفحة: متذبذب بين 28 و 31 سطرا.
- - عدد الكلمات فيِ السطر: متذبذب بين 12 و 20 كلمة.
- - المقاس: 24 سم × 18 سم.
- - التمليكات:
... المالك الأَوَّل: الناسخ سيف بن مالك بن سيف اليعربي، لأَنَّهُ نسخه لنفسه.
... المالك الثاني: حفيد المُصَنِّف: قيس بن سليمان بن الشيخ سعيد ابن أحمد الكندي. لأَنَّ المالك الأخير قال: «صار ملكا لي بالشراء من ترائك الشيخ الثقة قيس بن سليمان ... ».
... المالك الثالث: سيف بن أحمد بن سليمان الكندي.
عملنا في التحقيق:
- - عنوان التفسير غير وارد في جميع الكتاب، ولذلك وضعنا العنوان باجتهادنا، ونسبناه إلى مصنِّفه، فكان كالتالي: «تفسير القرآن الكريم للشيخ سعيد بن أحمد الكندي». (1/4)
صفحة 5
- - المخطوط كلُّه مرقَّم بقلم الرصاص حسب الصفحات، لا حسب الأوراق كما اعتيد في المخطوطات. وقد وضعنا رقم الصفحة في المخطوط بين معقوفين في متن المطبوع؛ مثل: [258].
- - كثيرا ما لا يستطيع الناسخ فهم الأصل الذي نقل منه فيضيف كلمة "لعلَّه" قبل الكلمة التي لم يفهمها في المتن، وقد وضعناها بين قوسين فيِ كُلِّ الكِتَاب: (لَعَلَّهُ) (1). وكلُّ ما يحتمل أنَّه من إضافة الناسخ نضعه بين قوسين، سواء كان كلمة أو جملة، مثال ذلك: «والعدل عن المقصد (لَعَلَّهُ القصد)». «أو فاتركم (لَعَلَّهُ فاتركهم) فيِ أَرض الله».
- - قد يَكتب الناسخ نصًّا في الحاشية ولا يحيل إِلَيهِ في متن الكتاب، فنجتهد في إدراجه في محلِّه.
- - يبدو أنَّ الناسخ لا يراعي معنى النصِّ فيخطئ في النقل، مِمَّا جعلنا نلقى عنتا كبيرا في ضبط النصِّ، وقد نبقى مع كلمة أو عبارة واحدة مدَّة طويلة نناقشها، ونقلِّبها عَلَى وجوهها، ونرجع إِلىَ مصادر التفسير الأخرى، وقد نظفر ببغيتنا وقد لا نظفر، خَاصَّةً إذا كانت العبارة ممَّا انفرد بِهِ المصنِّف، ولم نجد لها مثيلا عند غيره. ومثال ذَلِكَ فيِ تفسير آيَة عرض الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال من سورة الأحزاب نجد عبارة بهذا الرسم: «لا جرم فالما فالما أدى لها والقائم بحقوقها ... » وبعد طول بحث تَبَيَّنَ أَنَّهُ يقصد «لا جرم فالمؤدِّي لها والقائم بحقوقها ... ».
- - لا نصحِّح الخطأ في متن الكتاب ــ عُمُومًا ــ وإنَّما نذكر الصواب في الهامش، إِلاَّ إذا كان الخطأ واضحا بديهيًّا، لا شكَّ فيه فإنَّنا نصحِّحه في المتن ونشير إِلىَ الخطإ في الهامش، وخاصَّة ما يَتَعلَّقُ بالإعجام والهمزات كما سنوضِّحه. وأمَّا إذا لم نتأكَّد من المعنى فإنَّنا نحيل إِلىَ الهامش، ونضع الاحتمالات الصائبة الممكنة.
__________
(1) - ... ينصح القارئ أثناء مطالعته بعدم قراءة (لعلَّه) حتَّى لا يختلَّ عليه تتبُّعه للمعنى. (1/5)
صفحة 6
- - الإعجام (تنقيط الحروف) في المخطوط متذبذب، فأحيانا يضع النقاط، وكثيرا ما يهملها، فنضعها باجتهادنا حسب ما يقتضيه السياق إذا تأكَّدنا من المعنى، ونظرا لكثرتها فإنَّنا نصحِّحها في المتن دون أن نشير إِلىَ ذلك في الهامش حَتَّى لا نثقل الكتاب بكثرة الإحالات.
وهذه نماذج من أخطائه في الإعجام والهمزات وغيرهما:
نوع الخطأ ... تفصيل نوع الخطأ ... النموذج ... الصواب
التنقيط ... إهمال التنقيط أصلا ... رسد ... = رشد
إهمال التنقيط في البعض وكتابة البعض ... النواب ... = الثواب
التكتبر ... = التكبير
الخطأ في التنقيط ... يشال ... = يسأل
شايخات ... = سائحات
قلب المعنى رأسا عَلَى عقب ... مفاجرهم ... = مفاخرهم
الهمزات (1) ... الألف المقصورة والياء ... الهدي ... = الهدَى
الألف المقصورة والممدودة ... أسارا ... = أُسارَى
دنيى ... = دنيا
الألف المقصورة والهمزة ... يتجزَّى ... = يتجزَّأ
الهمزة وأحرف العِلَّة ... ساير ... = سائر
التبري ... = التبرُّؤ
الألف بعد الواو (غير واو الجماعة) ... أرجوا ... = أرجو
واو الجماعة إذا عقبها ضمير مُتَّصِل يضيف لها ألفا ... ليبلِّغواهم ... = ليبلِّغوهم
يحتقروانهم ... = يحتقرونهم
يدعوانهم ... = يدعونهم
همزة الوصل في أَوَّل الفعل أحيانا لا يكتبهما ... «ودعوه مخلصين» ... = «وادعوه مخلصين»
لتفت ... = التفت
بتدروا ... = ابتدروا
أمثلة لأخطاء أخرى في الهمزات ... الجزا ... = الجزاء
اطمنانية ... = اطمئنانيَّة
المستهزاء ... = المستهزِئ
قراة ... = قراءة
نباء ... = نبأ
لأولياءيه ... = لأوليائه
الجزوء ... = الجزء
أخطاء أخرى (2) ... وصل الكلمات أو فكُّها ... فيحال ... = في حالِ
عنما ... = عَمَّا
التاء والهاء ... مناجات ... = مناجاة
التورات ... = التوراة
__________
(1) - ... كلُّ ما يتعلَّق برسم الهمزات نصحِّحه حسب الرسم الإملائيِّ، دون أن نشير إِلىَ ذلك، كما هو متعارف عَلَيه في علم التحقيق.
(2) - ... في مثل هذه الأخطاء اعتمدنا الرسم الإملائيَّ دون الإحالة إلى التصحيح في الهامش. (1/6)
صفحة 7
الجمع بين عدَّة أخطاء (1) ... نفتاالاض ... = الانقباض
وأخيرا، فهذا مجهود مقلٍّ ومستعجل في تحقيق هذا التفسير القيِّم، ونحن لا ندَّعي الكمال في اجتهادنا، آملين أن نحصل على نسخ أخرى للمخطوط، فنعيد ـ أو يعيد غيرنا ـ تحقيقه من جديد؛ وهكذا العمل العلميُّ الدؤوب دوما في ازياد وتصحيح وتنقيح ... ولا يضمن التواصل العلميَّ إِلاَّ النقد العلميُّ البنَّاء، الذي ننتظره بفارغ صبر، شاكرين لِكُلِّ من يخلص لنا النصح، ولكلِّ من يدعو لنا عن ظهر الغيب.
والله نسأل أن يقيل عثراتنا، وأن يأجر كلَّ من سعى لإخراج هذا التفسير في صورته المكتملة، ونذكر على رأسهم: سعادة المستشار، صاحب الأفضال الظاهرة في مجال العلم والتحقيق:
الذي زوَّدنا بمخطوط الكتاب. وأستاذنا ـ مرشد الجيل ـ فضيلة الدكتور محمَّد ابن صالح ناصر، الذي كان لنا نعم السند في كُلِّ خطوات التحقيق.
كما لا ننسى جهود الإخوة الطلبة: سليمان بابزيز، إسماعيل ابن عيسى، مسعود حامي، قاسم أوبكة وغيرهم مِمَّن ساعدنا في تصفيف النص، ومقارنته ...
{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا، رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِنَا، رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَآ، أَنتَ مَوْلاَنَا، فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
المحقِّقان ... ...
القرارة يوم 11 جمادى الأولى 1418هـ
14 سبتمبر 1998م
[سورة] الفاتحة
__________
(1) - ... وهذا من أعجب الأخطاء التي وقع فيها الناسخ فقد وضع مكان الفاء قافا، ومكان التاء باءً، والألف واللام وهمزة الوصل تتقدَّم من وسط الكلمة إِلىَ أَوَّلها!، وحلُّ اللغز في كلمة كهَذِهِ ليس بالأمر الهيِّن. (1/7)
صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم (1) [1]
{الحمد لله} أي: فَرض حمده على عباده، وحمدُ الله: هو الثناءُ عليه بصفاته الحسنى.
{__________
(1) - ... كتبت في وجه الورقة الأولى من المخطوط ــ وهي غير مرقَّمة ــ عبارةٌ تحمل اسم المالك الأَوَّل للكتاب ومالكه الثاني، وهي كالتالي:
... « ... ـت [انمحاء، تقديره: اشتريت] هَذَا الكتاب بالشراء الصحيح من ترائك الشيخ الثقة: قيس بن سليمان ... ـيخ [انمحاء تقديره: بن الشيخ] العالم سعيد بن أحمد بن الكندي. وهو الآن ملكي وأنا الأقل [كَذَا] لله تعالى، ... ـــ[انمحاء] بن أحمد بن سليمان الكندي بيدي. تاريخ يوم 27 من شهر ربيع الأَوَّل سنة 1278هـ».
... وفي ظهر نفس الورقة كتب ما يلي:
... «[قـ]ـوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إِلاَّ بالتي هي أحسن حَتَّى يبلغ أشده} ورد في آيتين متجانستين [في] اللفظ في الأنعام. و"سبحان" معناه: لا تقربوا أي لا تتعرضوا لمال اليتيم. مَنَعَهُم مَنْعَ تحريم [و] زجرٍ وتهديد، لقوله في سورة الأنعام: {قل تعالوا أتلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم} فكانت هَذِهِ واحدة [ممَّـ]ـا تلاه عليهم، فقد حرَّم عَلَيهم الدخول في مال اليتيم إِلاَّ بشريطة هي أن يُنزَلوا بالمنزلة التي حدَّها [لـ]ـهم، وَهي قوله: {إلاَّ بالتي هي أحسن}، أي بالطريقة المستقيمة فيدخلوا أنفسهم في ماله وينبسطوا».
... وهذه العبارة ليست من تفسير الكندي، كما سيتَّضح لنا في تفسير سورة الأنعام، (الآية:152)، وفي تفسير سورة الإسراء (الآية: 34). ويبدو أَنَّهَا من إضافة الناسخ، ويقصد بقوله: «و"سبحان"» سورةَ الإسراء.
... كما يوجد تحتها بيتان من الشعر، وهما:
... «تبيَّن أخي في الله قولي فإنَّني ... ... عَلَى النصح في ذات الإله مع العتبى
... وأهديه صرفا في عموم أولي النهى ... ... كذا في خصوص من عموم أولي القربى» (1/8)
صفحة 9
ربِّ العالمين (2)} الربُّ المالكُ، وقيل: الخالق، والعالَمين جمع عالَم، وقيل: الدنيا عالَم واحدٌ من ثمانية عشر ألف عالَم، وقيل: لا يحصي عدد العالَمين أحدٌ إلاَّ الله؛ وقال الله: {وما يعلمُ جنودَ ربِّك إلاَّ هو} (1).
{الرحمن} "فَعلان" مِن "رحم"، وهو الذي وسعت رحمته كلَّ شيءٍ، وكذا {الرحيم (3)} "فعيل" منه.
{مالك يوم الدين (4)} أي: قاضي يوم الجزاء، وقيل: المالك، والملِك: هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود، ولا يقدر عليه أحد إلاَّ الله. وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه ربًّا أي مالكاً للعالَمينَ، ومنعِما للنعم كلِّها، ومالكاً للأمر كلِّه، أي (2) يومَ الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: {الحمد لله} دليلٌ على أنَّ من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحقَّ منه بالحمد والثناء عليه.
{إِيَّاكَ نعبد وإيَّاك نستعين (5)} أي لا نعبد إلاَّ إِيَّاكَ، ولا نشرك في عبادتنا غيرك، {وإيَّاك نستعين} أي: لا نستعين إلاَّ بك، لا بأنفسنا وحَوْلِنا وقوَّتنا، فعَمَل الأوَّلِ هو العمل لله، وعَمَلُ الثاني هو العمل بالله؛ والعمل لله يوجب تحقيق العبادة، والعمل بالله يوجب تصحيح الإرادة. {اهدنا الصراط المستقيم (6)} أي: ثبِّتنا، وقيل: أي أَرشِدنا وثبِّتنا على المنهاج الواضح، وهو طريق الحقِّ وملَّة الإسلام. {صراط الذين أنعمت عليهم} أي: صراط المسلمين، {غير المغضوب عليهم} من اليهود والمستوجبين لغضب الله، وغضب الله هو عقوبته. {ولا الضالِّين (7)} من النصارى، أي غيرِ الكافرين والمنافقين؛ والمنعَمُ عليه والمغضوبُ عليه متضادَّان لا يستويان. قيل: وأصل الضلال والهلاك والغيبوبة، يقال: ضلَّ الماء في اللبن، إذا هلكَ وغاب به.
سورة البقرة
قيل: مدنيَّة، وهي مائتان وسبع وثمانون آية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... سورة المدَّثِّر: 39.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «أي». (1/9)
صفحة 10
ألَم (1)} ونظائرها قيل: إنَّها أسماء للسُّوَر، وقيل: إنَّها اسم الله الأعظم، وقيل: إنَّها من المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها، كما قال: {آمنَّا به كلٌّ مِّنْ عندِ ربِّنا} (1) الله، وقيل غير ذلك.
{ذلك الكتاب} أي ذلك الكتاب الكامل، {لا ريبَ} لا شكَّ فيه أنَّه من عند الله وأنَّه الحقُّ الصدقُ، وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «دع ما يُريبك إلى ما لا يريبكَ» (2)، فإنَّ الشكَّ ريبةٌ، وإنَّ الصدق اطمئنانيَّة، أي: فإنَّ كون الأمر مسلوكٌ (3) فيه كما تقلق (4) له النفس ولا تستقرُّ، وكونه صحيحاً صادقا مِمَّا تطمئنُّ له القلوب وتسكن، {ألاَ بذكرِ اللهِ تطمئنُّ القلوب} (5)، والمعنى: أنَّه من وضوح دلالته بحيث لا ينبغي أن يُرتاب فيه، إذ لا مجال للريبة فيه.
{__________
(1) - ... سورة آل عمران: 7. ولعلَّ الصواب حذف كلمة “الله”.
(2) - ... رواه الترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع، رقم 2442، بسند: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، عن الحسن بن عليٍّ، وبزيادة: «فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ». قَالَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورواه النسائي في آداب القضاة، وَفيِ الأشربة؛ وأحمد في مسند أهل البيت، وَفيِ باقي مسند المكثرين؛ والدارمي في المقدِّمة والبيوع. انظر: العالمية: موسوعة الحديث.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «مشكوكًا».
(4) - ... كتب الناسخ في الهامش: «لعلَّه: بهما تقلق».
(5) - ... سورة الرعد: 28. (1/10)
صفحة 11
فيه هدى} وإنَّما قيل: {هدى للمتَّقين}، والمتَّقون: مهتدون به إلاَّ الفاسقون، ولم يقل: هدى للضَّالين؛ لأنَّهم فريقان: فريق عَلِم بقاءَهم على الضلالة، وفريق علم أنَّ مسيرهم إلى الهدى، وهو هدى لهؤلاء فحسب، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل: هدى للسائرين إلى الهدى، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا، فقيل: {هدى [2] للمتقين(2)} والمتَّقي في الشريعة: هو الذي يقي نفسه تعاطي ما تستحقُّ به العذاب، ويقال: اتَّقى بترسه، أي: جعله حاجزاً بين نفسه وبين ما يقصده، فكان التقيُّ يجعل امتثال أوامر الله والاجتناب عمَّا نهاه عنه، حاجزاً بينه وبين العذاب، (لَعَلَّهُ) (1) أي: هو بيان ورشد لأهل التقوى، والتقوى: عبارة عن مقتضى الخوف، مع أنَّ فيه تصدير للسورة التي هي أولى الزهراوين (2) ،
__________
(1) - ... هَذِهِ الكلمة كثيرا ما ترد في النصِّ، ويبدو أَنَّهَا من إضافة الناسخ لِما لم يفهمه من نسخة الأمِّ؛ لذلك وضعناها بين قوسين، لأنَّها ليست من وضع المؤلِّف.
(2) - ... ثبت هَذَا الاسم من الحديث الشريف، فقد روى أحمد في مسنده، باقي مسند الأنصار، رقم 21897 قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : «تَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ. تَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا هُمَا الزَّهْرَاوَانِ يَجِيئَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُجَادِلاَنِ عَنْ صَاحِبِهِمَا». وروى نحوه أَيْضًا في باقي مسند الأنصار. والدارمي في كتاب فضائل القرآن. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «الزهراوان».. (1/11)
صفحة 12
وسنام القرآن (1). بذكر أولياء الله.
والمتَّقي في اللغة اسم فاعل من قولهم: وقاء فاتَّقى، ففاؤها واو ولامها ياء، فإذا بَنيتَ من ذلك “افتعل” قَلبتَ الواو ياء وأدغمتَها في التاء الأخرى، فقلت: اتَّقى. والوقاية فرط الصيانة، وقيل: لا كمال أكمل ما (2) للحقِّ واليقين، ولا نقص أنقص مِمَّا للباطل والشبهة. وقيل لعالم: فيم لذَّتك؟ قال: «في حُجَّة تتحرَّ اتَّضاحاً، وفي شبهة تتضاءل افتضاحاً». ثمَّ أخبر عنه بأنَّه هدى للمتَّقين، فقرَّر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشكُّ حوله، وحقًّا {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} (3)، والمتَّقي في الشريعة هو الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحقُّ به العقاب من فعل أو ترك (4).
{__________
(1) - ... روى الترمذيُّ في سننه، رقم 2803 قال: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَفِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ هِيَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ وَضَعَّفَهُ. رورى نحوه أحمد في مسند البصريِّين؛ والدارمي في فضائل القرآن. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «سنام القرآن».
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «مِمَّا».
(3) - ... سورة فصِّلت: 42.
(4) - ... في الأصل: «أو اترك» وَهُوَ خطأ. (1/12)
صفحة 13
الذين} هم الذين {يؤمنون} يصدِّقون {بالغيب} بما غاب عنهم مِمَّا أنبأهم به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من أمر البعث والثواب والعقاب وغير ذلك، فهو بمعنى الغائب. وحقيقة الإيمان في الشرع هو المعرفة بالله وصفاته وبرسله، وبجميع ما جاءت به رسله؛ وكلُّ عارف بشيء فهو مصدِّق به، لأَنَّ الإيمان هو التصديق، والمؤمن هو المصدِّق، والمصدِّق هو المقرُّ المعترف بالإسلام. والتصديق من الإيمانِ الطاعةُ والعمل لله بما أمر. {ويقيمون الصلاة} يتشمَّرون لأدائها من غير فتور ولا توانٍ؛ أو أريد بإقامتها تعديل أركانها. وقيل: للداعي مصلٍّ تشبيها في تخشُّعه بالراكع الساجد، ويقال: أقام بالأمرِ، وأقام الأمرَ، أتى به معطيا حقوقه. {وممَّا رزقناهم ينفقون(3)} المراد به الزكاة لاقترانه بالصلاة التي هي أختها، أو غيرها من الإنفاق في سبيل الخير لمجيئه مطلقا.
{والذين يؤمنون بما أنزل إليك} يعني: القرآن، {وما أنزل من قبلك} سائر الكتب المنزَّلة قبله، {وبالآخرة هم يوقنون(4)} الإيقان العلمُ بانتفاء الشكِّ.
{أولئك على هدى من ربِّهم} أي مُنِحوه وأعُطُوه من عنده، وَهُوَ اللطف والتوفيق عَلَى أعمال البرِّ. {وأولئك هم المفلحون(5)} أي الظافرون بما طلبوا، الناجون عمَّا هربوا، فالفلاح دَرْكُ البُغية، والمفلح والفائز من البغية كأنَّه الذي انفتحت له وجوه الظفر.
{ (1/13)
صفحة 14
إنَّ الذين كفروا} والكفر سِبْرُ (1) الحقِّ بالجحود وغيره، والكفر هو التغطية للحقِّ والسترُ عليه، وإظهار خلافه، كما يقال: «كفر فلانٌ حقَّه»، إذا أنكره وجحده وغطَّاه، فالكفر التغطية، فالكفر تغطية الحقِّ، فغَطَّوْه وجَحَدوه. وكُفْر نعمةِ الله: جَحْدها وسترها، والمكفر: المجحود النعمة مع إحسانه، وكَافَرَه حقَّه: جحده، والتكفير في المعاصي كالإحباط [3] في الثواب.
{سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} بهمزتين كوفي [كَذَا]، و «سواء» بمعنى الاستواء، كأنَّه قيل: إنَّ الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه، والإنذار التخويف من عقاب الله، {لا يؤمنون (6)}.
{ختم اللهُ على قُلوبِهم} قيل: الختم التغطية، لأنَّ في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه تغطيةً له لئلاَّ يُطَّلع عليه. وقال ابن عبَّاس: «طبع الله على قلوبهم، فلا يعقلون الخير»، يعني أنَّ الله طَبَع عليها فجعلها حيث لا يَخرج منها ما فيها من الكفر، ولا يَدخُلها ما ليس فيها من الإيمان؛ وحاصل الختم والطبعِ والرَّيْن والحجابِ والعمَى والصمم والغطاء خَلْقُ الظلمة والضيق في صدر العبد عندنا، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه. وقال بعضهم: إنَّ إسناد الختم إلى الله تعالى مجاز، والخاتم في الحقيقة الكافر، إلاَّ أنَّه تعالى لَمَّا كان هو قدَّره ومكَّنه أسند إليه الختم.
{__________
(1) - ... قال في اللسان: «السبرُ: التجربة، وسَبَر الشيء سبرا: حزره وخبره»، ثمَّ قال: «قال المؤرِّج ... السِّبر: العداوة، قال: وَهَذَا غريب»، ويبدو أنَّ المؤلِّف يقصد بالسبر المعنى الثاني الغريب، فهو أقرب إِلىَ السياق. ابن منظور: لسان العرب المحيط، قدَّم له العلاَّمة الشيخ عبد الله العلايلي، أعاد بناء عَلَى الحرف الأَوَّل من الكلمة: يوسف خيَّاط، نشر دار الجيل، ودار لسان العرب، بيروت، 1408هـ/1988م، ج3/ 85. (1/14)
صفحة 15
وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} البصر: نور العين، وهو ما يبصر به الرائي، كما أنَّ البصيرة نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمَّل؛ وكأنَّهما جوهران لطيفان خلقهما الله تعالى، فيهما آلتين (1) للإبصار والاستبصار. والغشاوة: الغطاء. والأسماع داخلة في حكم الختم، لا في حكم التغشية. قال أبو منصور: «الكافرُ لمَّا لم يسمع قول الحقِّ، ولم ينظر في نفسه وغيره من المخلوقات، ليرى آثار الحدث، فيعلم أن لا بدَّ له من صانع، جُعل كأنَّ على بصره وسمعه غشاوة، وإن لم يكن ذلك حقيقةً». والغشاوة: فِعَالَة مِن “غشاه”، إذا غطَّاه.
{ولهم عذاب عظيم (7)} ومعنى التنكير أنَّ على أبصارهم نوعا من التغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب، لا يعلم كنهه إلاَّ الله، والفرق بين العظيم والكبير أنَّ العظيم يقابِل الحقير، والكبير يقابل الصغير. والعذاب قيل ما يمنع الإنسانَ عن مراده، كأنَّهم مُنعوا عن مرادهم الحقيقيِّ، إلاَّ أنَّهم لم يعلموا به، ولذلك قال: {وما يشعرون}، (لَعَلَّهُ) لأنَّهم تركوا التفكُّر عن (2) حقيقة مآلهم فصاروا معذَّبين في الدنيا والآخرة في المعنى، لأنَّ ما بهم من دنياهم ليس بثابت، فليس بشيء في الحقيقة؛ والمؤمنون بضدِّ ذلك، فهم منعمون في الدنيا والآخرة، لأنَّ ما ينالهم من المكروهات في الدنيا ليس بباقٍ، ولهم الثواب عليه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «آلتان»، أو: «خلق الله تعالى فيهما آلتين».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «في». (1/15)
صفحة 16
ومن الناس من يقول آمنَّا بالله وباليوم الآخر} افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم لله، وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم؛ ثمَّ ثنَّى بالكافر قلوبًا وألسنةً؛ ثمَّ ثلَّث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة، لأنَّهم خلطوا (1) بالكفر استهزاء وخداعًا، ولذا نزل فيهم: {إنَّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار} (2). {وما هم بمؤمنين (8)} إنكارا لِما ادَّعوه من الإيمان ونفيَه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خلطوا الإيمانَ بالكفر».
(2) - ... سورة النساء: 145. (1/16)
صفحة 17
يخادعون الله} يظهرون غير ما في نفوسهم، فالخداع إظهار غير ما في النفس. {والذين [4] آمنوا وما يخدعون إِلاَّ أنفسَهم} أي وما يعاملون تلك المعاملة المشبَّهة بمعاملة المخادعين لأنفسهم، لأنَّ ضررها يلحقهم، وحاصلُ خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم؛ فكأنَّهم خدعوا أنفسهم. والنفس ذات الشيء وحقيقته، والخداع من الله في قوله: {وهو خَادِعُهم} (1) أي يظهر لهم ويجعل لهم من النعيم في الدنيا خلافَ ما يغيِّب عنهم من عذاب الآخرة؛ وقيل: أصل الخدع الفسادُ، معناه يفسدون (لَعَلَّهُ) ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من الكفر؛ {وهو خَادِعُهم}: (لَعَلَّهُ) أي يفسد عليهم (لعلَّه) يعني في الدنيا، لما (لعلَّه) يصيروا إليه من عذاب الآخرة. ثمَّ قيل: للقلب والروح «النفسُ»، لأنَّ النفس بهما، وللدم نفس، لأنَّ قوامها بالدم، وللماء نفس لفرط حاجتها إليه؛ والمراد بالأنفس هاهنا ذواتُهم، والمعنى: لِمُخادعتهم ذواتِهم، لأنَّ الخداع لاصقٌ بهم، لا يعدوهم إلى غيرهم. {وما يشعرون (9)} أنَّ حاصل خداعهم يرجع إليهم، والشعور على الشيء (2) علم حسٍّ من الشعار وهو ثوب يلي الجسدَ، ومشاعر الإنسان حواسُّه لأنَّها آلات الشعور، والمعنى أنَّ لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسَّ له.
{__________
(1) - ... سورة النساء: 142.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالشيء». (1/17)
صفحة 18
في قلوبهم مرضٌ} أي شكٌّ أو نفاقٌ، لأنَّ الشكَّ تردُّد بين الأمرين، والمنافق متردِّد؛ في الحديث: «مثلُ المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين» (1)، والمريض متردِّد بين الحياة والموت، ولأنَّ المرضَ ضدُّ الصحَّة، والفساد يقابل الصحَّة، فصار المرض اسماً لكلِّ فساد؛ والشكُّ والنفاق فسادٌ في القلب. {فزادهم الله مرضا} أي ضُعفاً عن الانتصار، وعجزاً على الاقتدار؛ وقيل: المراد به خَلْقُ النفاقِ في حالة البقاء بِخَلقِ أمثالِه، كما عُرف في زيادة الإيمان؛ وقيل: لأنَّ الآيات كانت تنزل تترى آيةً بعد آية، كلَّما كفروا بآية ازدادوا كفراً ونفاقاً، وذلك معنى قوله: {وأمَّا الذين في قلوبهم مرضٌ فزادتهم رجساً إلى رجسهم} (2). {ولهم عذاب أليم} أي مؤلم، يخلص وجعه إلى قلوبهم {بما كانوا يكذبون (10)}، أي بِكَذِبهم في قولهم (3): {آمنَّا بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين}.
{__________
(1) - ... رواه مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم 4990. عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً». وَفيِ رواية: «تَكِرُّ فِي هَذِهِ مَرَّةً وَفِي هَذِهِ مَرَّةً». ورواه النسائي في كتاب الإيمان وشرائعه. وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة من عدَّة طرق؛ والدارمي في كتاب المقدِّمة. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «مثل المنافق».
(2) - ... سورة التوبة: 125.
(3) - ... في الأصل: «قلولهم»، وَهُوَ خطأ. (1/18)
صفحة 19
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} الفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به، وضدُّه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة؛ والفساد في الأرض هيج الحروب والفتن، لأنَّ في ذلك فسادا في الأرض وانتفاء الاستقامة على أحوال الناس، والزروع والمنافع الدينيَّة والدنيويَّة. {قالوا: إِنَّمَا نحن مصلحون (11)} أي إنَّ صفة المصلحين حصلت لنا، وتمحَّضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد، وذلك ظنًّا منهم وحرصاً بلا قيام دليل، ولو قابلوا أحوالهم بالدليل لاستبان لهم فسادها عياناً.
{أَلاَ إنَّهم هُمُ المفسدون} أنفسَهم بالكفر، والناسَ بالتعويق عن الإيمان، [5] {ولكن لا يشعرون (12)} أي لا يعلمون أنَّهم مفسدون، لأنَّهم يظنُّون أنَّ الذي هم عليه من إبطال الحقِّ صلاح، قد ردَّ الله ما ادَّعوه من جملة المصلحين أبلغَ ردًّا (1).
{وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء} نُصِحوا من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب، وجرِّه إلى الفساد، وثانيها (2) تبصيرهم لطريق السداد، وكان مِن جوابهم أن سفَّهوهم وجهَّلوهم لتمادي جهلهم، وفيه تسلية للعالِم مِمَّا يلقى من الجهَلَة. وذَكَرَ الناسَ أي كما آمن الكاملون في الإنسانيَّة، أو جُعل المؤمنون كأنَّهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم، وإنَّما سفَّهوهم وهم العقلاء المراجيح لأنَّهم جُمِع لجهلهم اعتقدوا (3) أنَّ ما هم فيه هو الحقُّ، وأنَّ ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها. والسفه سخافة العقل، وخفَّة الحِلم؛ وقيل: السفيه خفيف العقل، رقيق الحِلم، وقولهم: ثوبٌ سفيه، أي رقيق.
{ألا إِنَّهُمْ هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13)} إنَّهم هم السفهاء.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ردٍّ».
(2) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «وثانيهما».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اعتقادهم»، أو «أنَّهم اعتقدوا». (1/19)
صفحة 20
وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنَّا} بيانا لمذهب المنافقين، {وإذا خلوا إلى شياطينهم} رؤوسهم الذين ماثلوا الشياطين في تمرُّدهم، والشيطان: المتمرِّد العاتي من الجنِّ والإنس، وأصله البُعد، يقال: بئر شيطان، أي بعيدة قعر العمق؛ وسمِّي الشيطان شيطاناً لامتداده في الشرِّ وبعده من الخير، {قالوا: إِنَّا معكم} أي مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم، {إنَّما نحن مستهزئون (14)} توكيد لقوله: {إنَّا معكم}، وقوله: {إنَّما نحن مستهزئون} ردٌّ للإسلام، لأنَّ المستهزئ بالشيء المستخفَّ به منكِرٌ له، والاستهزاء السخريَّة والاستخفاف، {الله يستهزئ بهم} أي يجازيهم على استهزائهم، فسمَّى جزاء الاستهزاء باسمه، كقوله: {وجزاء سيِّئةٍ سيِّئةٌ مثلُها} (1)، {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} (2)، فسمَّى جزاء السيِّئة سيِّئة، وجزاء الاعتداء اعتداء، وإن لم يكن الجزاء سيِّئةً والاعتداء (3)؛ وهذا لأنَّ الاستهزاء على الله تعالى لا يجوز من حيث الحقيقة، لأنَّه من باب العبث وتعالى عنه، ويجوز في المعنى استهزاؤه بهم خذلانُه لهم، وتركُ نصرته إيَّاهم، كما تَركوا دينه، ولم يحتلفوا (4) به، على معنى المقابلة والمجازاة، لأنَّهم إذا تركوا دينه فقد اتَّخذوه هزُؤًا، وإن لم يستهزئوا بألسنتهم؛ وقيل: معناه إهانتهم لأنَّ المستهزئ غرضه (5) بالشيء غرضه إدخال الهوان والحقارة عَلَيه. {__________
(1) - ... سورة الشورى: 40.
(2) - ... سورة البقرة: 194.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ولا اعتداءً».
(4) - ... كذا في الأصل، ولم نجد هَذِهِ الكلمة في كتب اللغة ولعلَّ الصواب: «ولم يحتفلوا به»، أي لم يبالوا، قال ابن منظور في اللسان: «وما حفله، وما حفل به، يحفِل حفْلاً، وما احتفل به، أي ما بالى، والحفل: المبالاة، يقال: ما أحفِلُ بفلان،: أي ما أبالي به». ابن منظور: لسان العرب، ج1/ 676.
(5) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «غرضه»، فتكون العبارة: «لأنَّ المستهزئ بالشيء غرضه إدخال الهوان ... ». (1/20)
صفحة 21
ويمدُّهم} يمهلهم {في طغيانهم} في غلوِّهم وكفرهم {يعمهون (15)} أي: يعمهون ويتردَّدون، والعمَه محرَّك تردُّدٌ في الضلال، والتحيُّر في منازعةٍ أو طريق، لا يعرف الحجَّة.
{أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدَى} أي استبدلوها به، واختاروها عليه، وفيه دليل على جواز البيع تعاطيا، لأنَّهم لم يتلفَّظوا بلفظ الشراء، ولكن تركوا الهدى بالضلالة [6] عن اختيار، وسمَّى ذلك شراء (1)، فصار دليلا على أنَّ من أخذ شيئاً من غيره وتركَ عوضَه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلَّم به. وضلالةٌ (2): الجور عن القصد، [و] فَقْدُ (3) الاهتداء، يقال: ضلَّ منزله، واستعير للذهاب عن الصواب في الدين، {فما ربحت تجارتهم} الربح الفضل على رأس المال، والتجارة صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، {وما كانوا مهتدين (16)} لطريق التجارة، كما يكون التجَّار المتصرِّفون العالِمون بما يُرشَّح بربحٍ فيه ويخسروا، والمعنى أنَّ مطلوب التجَّار سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوها (4)، فرأس مالهم الهدى، ولم يبق لهم مع الضلالة، وإذا لم تبق لهم إلاَّ الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأعراض الدنيويَّة، لأنَّ الضالَّ خاسرٌ، ولأنَّه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح.
{مَثَلُهم كَمَثَل الذي استوقد نارا} لمَّا جاء بحقيقة صفتهم عقَّبها بضرب المثل زيادة في الكشف، وتتميماً للبيان، ولضرب الأمثال في إبراز خفيَّات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، بائير (5) ظاهر، ولقد كثر في الكتب السماوية ومن سور الإنجيل سورة الأمثال، والمثل في أصل كلامهم هو، وهو [كذا] النظير؛ يقال: مَثل ومِثل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «شرًى».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «والضلالةُ».
(3) - ... في الأصل: «ققد»، وهو خطأ.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أضاعوهما».
(5) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بأسلوب»، أو «بتعبير» حسب ما يُتبادر من السياق. (1/21)
صفحة 22
فلمَّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون(17)} فالمنافق خابط في ظلمات الكفر أبدا، ولكن المراد ما استضاؤوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق المخفية، المفضية إلى ظلمة العقاب السرمديِّ؛ وللآية تفسير آخر، وهو أنَّهم لمَّا وصفوا بأنَّهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثِّل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقِد، والضلالةَ التي اشتروها بذهاب الله بنورهم، وتركِه إِيَّاهُم في الظلمات.
{ (1/22)
صفحة 23
صمٌّ بُكمٌ عُميٌ} أي هم صمٌّ، كانت حواسُّهم سليمة ولكن لمَّا سدُّوا عن الإصاخة (1) إلى الحقِّ مسامعَهم، وأبوا أن يُنطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصَّروا بعيونهم (2)، جعلوا كأنَّما انقبت حشاعرهم (3)؛ أو أنَّهم حينما لم يستعملوها فيما جعلت له، كأنَّهم عدموها فصارت كَلاَ شيءَ، وكأنَّهم خلقوا (لعلَّة) بغير آذان وبغير ألسن وبغير أعين، وإن وجدت صُوَرُها بهم، لأنَّ تلك الآلات أريدت (لعلَّة) لا لغيرها. وقدَّم ذكر الصمِّ على البكم، لأنَّ من لم يسمع الحقَّ لتصاممه عنه لم يفهم معانيه، ومن لم يفهم معانيه لم يستطع أن ينطق به؛ وقدَّم ذكر البكم على العمي، لأنَّ من لم يستطع أن ينطق بالحقِّ لم يقدر أن يعمل به، وهذه الأحوال متلازمة لا ينفكُّ بعضها من بعض، لأنَّ من استمع علم، ومن علم عمل. {فهم لا يرجعون (18)} لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، أو أراد أنَّهم متحيِّرون، بقوا خامدين [7] في مكاناتهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدَّمون أم يتأخَّرون.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الإضاحة»، وهو خطأ، والإصاخة الاستماع، قال في اللسان: «أصاخ له يُصيخُ إصاخة: استمع وأنصت لصوت ... ويروى بالسين». ابن منظور: لسان العرب، ج3/ 498.
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «بعيوبهم»، ورسم الكلمة في الأصل هكذا: «بعتوبهم»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ الناسخ متأكِّد مِمَّا كتبه فقد كتب حاءً صغيرة تحت حرف الحاء من كلمة «حشاعرهم»، ولا معنى له، ولعلَّ الصواب: «انتفت مشاعرهم»، بدليل ما يأتي من السياق. (1/23)
صفحة 24
أو كصيِّب من السماء فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ} ثنَّى الله سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر، لزيادة الكشف والإفصاح، وشبَّه المنافق في التمثيل الأوَّل بالمستوقذ ناراً، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وهنا شبَّه دين الإسلام بالصيِّب، لأنَّ القلوب تحيَى به حياة الأرض بالمطر. {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} الصاعقة قصفة رعد تنفضُّ معها شقَّة من نار، قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكَّت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمرُّ بشيء إلاَّ أتت عليه، إلاَّ أنَّها مع حدَّتها سريعة الخمود؛ يحكى أنَّها سقطت على نخلة فأحرقت نحو نصفها ثمَّ طفئت. ويقال: صعقته الصاعقة، إذا أهلكته، فصعق أي مات، إمَّا بشدَّة الصوت أو بالإحراق. {حذر الموت} الموت فساد بنية الحيوان، أو عرَض لا يصحُّ معه إحساس، معاقب للحياة. {والله محيط بالكافرين(19)} يعني أنَّهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاطُ به المحيطَ به.
{ (1/24)
صفحة 25
يكاد البرق} أي يقرب، يقال: كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل، {يخطف أبصارهم} الخطف الأخذ بسرعة، و «كاد» يستعمل لتقريب الفعل، {كلَّما أضاء لهم مشوا فيه} هذا تمثيل لشدَّة الأمر على المنافقين بشدَّته على أصحاب الصيِّب، وما هم فيها من غاية التحيُّر والجهل، لِما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من البرق خفقه مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهضوا لتلك الخفقة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا. . . (1) خفي لَمَعَانُه بقوا واقفين، {وإذا أظلم عليهم قاموا} وقفوا وثبتوا في مكانهم متحيِّرين، فالله شبَّههم في نفاقهم بقوم كانوا في مفازة (2) في ليلة مظلمة أصابهم مطر، فيه ظلمات، لا يقدر على المشي (3) فيها، فالماء القرآن لأنَّه حياة الجَنان، والظلمات صفة الكفر، والبرق صفة الهدى. {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إنَّ الله على كُلِّ شيء قديرٌ (20)} أي إنَّ الله قادر عَلَى كُلِّ شيء.
{__________
(1) - ... كلمة غير واضحة في الأصل، رسمها: «وفير»، والمعنى كامل بحذفها.
(2) - ... قال في اللسان: «المفاز والمفازة: البرِّيَّة القَفْر، وتجمع المفاوز». ابن منظور: لسان العرب، ج4/ 1144.
(3) - ... في الأصل: «المسىء»، وهو خطأ. (1/25)
صفحة 26
يا أَيُّهَا الناس اعبدوا ربَّكم} أكثر النداء في القرآن من الله لعباده، من أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، أمور عظام، وخطوب جسام، يجب عليهم أن يتيقَّظوا لها، ويميلوا بقلوبهم إليها، وهم عنها غافلون، وعن معانيها ساهون، فاقتضت الحال أن ينادوا ياءكدالابلغ (؟) [كَذَا]، فقال: {اعبدوا ربَّكم}، قيل: كلُّ عبادة في القرآن فهو توحيد، ومن وحَّد الله تعالى فقد عيده، ومن عبده فقد وحَّده. {الذي خلقكم} الخلق إيجاد المعدوم على تقدير واستواء، {والذين من قبلكم} احتجَّ عليهم بأنَّه خالقهم وخالق من كان من قبلهم، لأنَّهم كانوا مقرِّين بذلك، وإذا تقرَّر ذلك معهم في [8] عقائدهم، اقتضى الحال أن لا يستحقَّ العبادة سواه، فقيل لهم: إن كنتم مقرِّين بأنَّه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام؛ وممَّا يدخل في اسم الأصنام والآلهة عبادة الأَهْوِيَة بغير الحقِّ، كما قال: {أفرأيت من اتَّخذ إلهه هواه} (1)، {لَعَلَّكُمْ تتَّقون (21)} أي اعبدوه على رجاء أن تتَّقوا، فتنجوا بسببه مِن العذاب، وقيل: لعلَّ بمعنى كي.
{__________
(1) - ... سورة الجاثية: 23. (1/26)
صفحة 27
الذي جعل لكم الأرض فراشا} بساطا، تقعدون عليها، وتنامون وتتقلَّبون، {والسماء بناء} سقفاً، {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا} أمثالاً تعبدونهم (1) كعبادة الله، وهو متعلِّق بالأمر، أي اعبدوا ربَّكم الذي جعل لكم هذا لتستعينوا به على العبادة، فلا تجعلوا له ندًّا، لأنَّ أصلَ العبادة وأساسَها التوحيدُ، وأن لا يجعل له ندٌّ ولا شريك في شيء، لأنَّه لم يشاركه أحد في ما جعله وخلقه وأنعم به عليكم، {وأنتم تعلمون (22)} أنَّه لا يخلق ولا يرزق ولا يستحقُّ العبادة غيره، فكيف وأنتم من أهل العلم، وجعلُ الأصنام لله أنداداً غاية الجهل، ولمَّا احتجَّ عليهم بما يثبت الوحدانيَّة، ويبطل الإشراك، [احتجَّ] بخلقهم أحياء قادرين، وخلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرُّهم، وخلق السماء التي هي كالقبَّة المضروبة على هذا القرار وما سواه عزَّ وجلَّ، من شبه عقد النكاح التكافؤ بين المقلة والمظلة (2) بإنزال الماء منها عليها، والإخراج به من بطنها من الثمار رزقا لهم، فهذا كلُّه دليل موصل إلى التوحيد، مبطل للإشراك، لأنَّ المخلوقات عاجزة لا تقدر على إيجاد شيء، فكيف تستحقُّ أن تعبد، ثمَّ عطف على إثبات نبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فقال:
{__________
(1) - ... في الأصل: «تعبدوانهم»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولم يتَّضح لنا مَعنَى العبارة. (1/27)
صفحة 28
وإن كنتم في ريب مِمَّا نزَّلنا على عبدنا} العبد اسم لمملوك من جنس العقلاء، أي إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله، {فأتوا بسورة} أي فهاتوا أنتم بسورة {من مثله} والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلُّها ثلاث آيات، وواوُها إن كانت أصلاً فإمَّا أن يسمَّى بسورة (1) المدينة وهي حائطها، لأنَّها طائفة من القرآن محدودة محجورة على حبالها كالبلد المسوَّر، أو لأنَّها محتوية على فنون من العلم، وأجناس من الفوائد، كاحتواء سورة المدينة على ما فيها؛ وإمَّا أن تسمَّى بالسورة التي هي الرتبة، لأنَّ السُّوَر بمنزلة المنازل والمراتب، يترقَّى منها المماري؛ أو لِرفعة شأنها، وجلالة محلِّها في الدين؛ وإن كانت منقلبة عن همزة فلأنَّها قطعة وطائفة من القرآن كالسؤرة، وكالتي (2) هي البقية من الشيء من مثله، على صفته في البيان الغريب وعلوِّ شأنه.
{وادعوا شهداءكم من دون الله} أي غير الله، أي ادعوا الذين اتَّخَذتموهم آلهة من دون الله، وزعمتم أنَّهم يشهدون لكم يوم القيامة أنَّكم على الحقِّ، أو من يشهد لكم بأنَّه مثل القرآن، {إن كنتم صادقين (23)} [9] أنَّ ذلك مختلَق.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، أنَّث المصنِّف هَذِهِ الكلمة، والصواب تذكيرها، ومنه قوله تعالى: {فضُرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره مِن قِبَله العذاب} [الحديد:13]، وقد ناقش ابن منظور قَضِيَّة اشتقاق السورة، وأورد أقوال اللغويِّين فيها. انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج3/ 237 - 238.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والتي»، فتكون العبارة اللاحقة شرحا لمعنى «السؤرة» بالهمزة. انظر: المصدر نفسه. (1/28)
صفحة 29
فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتَّقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} لمَّا أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرَّفون صدق النبيء - عليه السلام - قال لهم: فإذا لم تعارضوه وبان عجزكم، ووجب تصديقه، فآمِنوا وخافوا العذاب المعدَّ لمن كذَّب؛ ومعنى قولِه: {وقودُها الناسُ والحجارةُ}، فإنَّها نارٌ ممتازةٌ عن غيرها من النيران، بأنَّها تتَّقد بالناس والحجارة، وهي حجارة الكبريت فهي أشدُّ توقُّداً (1)، وأبطأ خموداً، وأنتن رائحة، وألصق بالبدن؛ {أعدَّت للكافرين (24)} هيِّئت لهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «توقُّد»، وهو خطأ. (1/29)
صفحة 30
وبشِّرِ الذين آمنوا وعملوا الصالحات} لأنَّ الإيمان الحقيقيَّ يقتضي العمل بالصالحات دون المفسدات، والصالحاتُ كلُّ ما استقام من الأعمال بدليل العلم، قال معاذ: «العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء: العلم، والنية، والصبر، والإخلاص»؛ {أَنَّ لهم جَنَّاتٍ} تنكيرها أنَّ الجنَّة اسم لدار الثواب كلّها، وهي مشتملة على جِنانٍ كثيرة، مرتَّبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكلِّ طبقة منهم جنَّات من تلك الجنان؛ والجنَّة البستان الذي فيه أشجار مثمرة، سمِّيت بها لاجتنانها وتستُّرها بالأشجار، {تجري من تحتها الأنهار}: الماء الجاري من النعمة العظمى، ولذا قَرَنَ الجنَّات بذكر الأنهار الجارية، وقدَّمه على سائر نعوتها، {كُلَّما رُزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا: هذا الذي رُزِقنا من قبلُ} من قبلُ في الدنيا؛ وقيل: الثمار في الجنَّة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم، فإذا رزِقوا ثمرةً بعد أخرى ظنُّوا أنَّها الأولى، فإذا طعموا منها وجدوها على غير صفة الأولى، كما قال: {وأُتُوا به متشابها} في اللون مختلفا في الطعم، وقيل: يشبه بعضها بعضاً في الجودة وكلُّها خيار لا رذالة فيها؛ وقيل: تشبه ثمرة الدنيا غير أنَّها أطيب؛ وقيل: متشابها في الاسم مختلفاً في الطعم؛ قال ابن عبَّاس: «ليس في الدنيا مِمَّا في الجَنَّة إلاَّ الأسامي»، {وأوتوا به متشابها ولهم فيها (1) أزواج مطهَّرة} من مساوئ الأخلاق وسائر الأقذار والأنجاس، {وهم فيها خالدون (25)} الخلد: البقاء الدائم الذي لا ينقطع، ولذا قيل: يرسل الله إلى عباده في الجنَّة كتاباً فيه بشارة البقاء من الحيِّ الذي لا يموت إلى الحيِّ الذي لا يموت.
{__________
(1) - ... في الأصل: + «فيها»، وهو خطأ. (1/30)
صفحة 31
إنَّ الله لا يستحيي أن يضرب مَثَلا ما بعوضة} أي لا يترك ضرب المَثَل بالبعوضة تركَ من يستحيي أن يتمثَّل بها لحقارتها، وضربُ المثَل صنعه، مِن ضربِ اللَّبْن وضربِ الخاتَم. {فما فوقها} فما تجاوزها، {فأمَّا الذين آمنوا فيعلمون أنَّه} المثل {الحقُّ}، الحقُّ: الثابت الذي لا يسوغ إنكاره ولا بطلانه ولا ذهابه، وهو من الحقيقة التي هي ضدُّ الظاهر الوهميِّ، وضدُّه الباطل الذاهب الزاهق الممتحق، يقال: حقَّ الأمرُ إذا ثبت، {من ربِّهم. وأمَّا الذين كفروا فيقولون ماذا} أيُّ شيء؟ {أراد الله بهذا مثلا} (1) [10] إنكار (2) منهم لذلك. {يُضلُّ به} بالمثل {كثيرا} من الضالِّين، أو إضلالا كثيرا، {ويهدي به كثيرا} بيان أنَّ المؤمنين الذين عادتُهم الإنصاف والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أنَّه الحقُّ، وأنَّ الكفَّار الذين غلبَهم الجهل، والهوى على عقولهم، كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار، وأنَّ ذلك سبب هدى المؤمنين وضلال الكافرين الفاسقين؛ والعجب منهم كيف أنكروا ذلك. وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأجناس الأرض، فقالوا: «أجمع من ذرَّه»، و «وأجرَء من الذباب»، و «أسمع من قراد» (3)، و «أضعف من فراشة»، و «آكل من السوس»، و «أضعف من بعوضة»، و «أعزُّ من مخِّ البعوض» (4)؛ ولكنَّ ديدن المحجوج والمبهوت (5) أن يرضى لفرط الحيرة بدفع الواضح، وإنكار اللائح. {__________
(1) - ... في الحاشية السفلية من المخطوط عبارة بخطِّ الناسخ: «قالوا: دمعت فقلتُ». ولا محلَّ لها من النصِّ.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «إنكارًا»، لأنَّه حال.
(3) - ... قال في المنجد: «قيل: إنَّه يسمع أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرَّك». ص 992.
(4) - ... قال في المنجد: «يضرب فيها لِما يندر وجوده أو لا يكون». ص 1000.
(5) - ... في الأصل: «ولمبهوت»، وهو خطأ. (1/31)
صفحة 32
وما يضلُّ به} (لَعَلَّهُ) قيل: الإضلال هو الصرف عن الحقِّ إلى الباطل، وقيل: هو الإهلاك. {إلاَّ الفاسقين (26)} الفسق: الخروج عن القصد، وفي الشريعة الخروج عن الأمر بارتكاب الكبيرة، وهو النازل بين المنزلتين: منزلة المؤمن والمشرك.
{الذين} صفة لهم {ينقُضون عهد الله} النقض: الفسخ، وفكُّ التركيب والكسر، والعهد الموثَّق ما ركز في عقولهم من الحجَّة على التوحيد، كأنَّه أمرٌ وصَّاهم به، {من بعدِ ميثاقه} أصله من الوثاقة، وهي إحكام الشيء، {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} أي قطع الوصل الذي به نظام العالَم وصلاحه، وقيل: الإيمان بمحمَّد - صلى الله عليه وسلم - وبجميع الرسل، لأنَّهم قالوا: {نؤمن ببعضٍ ونكفرُ ببعضٍ} (1)، وإذا قطع تولَّد منه الفساد. {ويفسدون في الأرض} بعد إصلاحها، أي خلقها الله صالحة، منتفَعا بها للتزوُّد للمعاد، {أولئك هم الخاسرون (27)} أي خسروا ما خلق الله لهم من النعم، حيث كفروها فلم ينتفعوا بها، بل حاق بهم ضررها، لأنَّهم ازدادوا بها عذابا، وخسروا إهمال العقل عن النظر، واقتناص ما يفيدهم الحياة (2) الأبديَّة.
{كيف تكفرون بالله} بعد نصب الدلائل، ووضوح البراهين، ثمَّ ذكر الدليل فقال: {وكنتم أمواتا} يقال لعادم الحياة أصلا ميِّتٌ، {فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحييكم} كما قال: {ربَّنا أمتَّنا اثنتينِ، وأحييتنا اثنيتن} (3)، فانظر بين الموتتين والحياتين ولِما بينهما من التفاوت، {ثمَّ إليه ترجعون (28)} إلى الجزاء على قدر الأعمال.
{__________
(1) - ... سورة النساء: 150.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «للحياةِ».
(3) - ... سورة غافر: 11. (1/32)
صفحة 33
هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} أي لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم، أمَّا الأوَّل فظاهر، وأمَّا الثاني فالنظر فيه، وما فيه من العجائب الدالَّة على صانع قادر، حكيم عليم، وما فيه من التذكير بالآخرة، لأنَّ ملاذَّها تذكِّر ثوابها، ومكارهها تذكِّر عقابها، فقد خلق الله له السرَّاء والضرَّاء مطيَّتين، ليتوصَّل بهما إلى دار الثواب، وكلُّها في حقِّ المطيع الشاكر نِعَمٌ، وكلُّها في حقِّ مَن كفرها نِقمٌ, {ثُمَّ استوى إلى السماء فسواهنَّ سبع سماوات} معنى [11] تسويتهنَّ تعديلُ خلقهنَّ وتقويمه، وإخلاؤه من العوج والفطور. {وهو بِكُلِّ شيء عليمٌ(29)} فمن ثمَّ خلقهنَّ خلقاً مستويا محكما، من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض، على حسب حاجات أهلها ومنافعهم، ولم يخلق شيئاً عبثاً لأنَّه حكيم عليم، ولكنَّ عقولَ الخلق تقصر عن إدراك بعض معلوماته بالأشياء وما فيها، وما خلِقت له.
{ (1/33)
صفحة 34
وإذ قال ربُّك للملائكة: إِنِّي جاعل في الأرض خليفة} وهو من يخلف غيره، وقيل: سُمُّوا خليفة لأنَّهم خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه. {قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} بغير حقٍّ، كما فعل بنو الجانِّ، فقاسوا بالشاهد على الغائب، وهو تعجُّب أو استكشاف لِما خفي عليهم من الحكمة. {ونحن نسبِّح} (لَعَلَّهُ) نعيذُك عمَّا لا يليق بك، {بحمدك} ملتبسين به، {ونقدِّس لك} نطهِّر نفوسنا عن المعاصي، لك: لأجلك، أو نقدِّسك، كأنَّهم علموا أطباع الخليقة أنَّها تؤول إلى المنازعة في الرُّبُوبِيَّة، وهو من الفساد في الأرض، ولعلَّه قد سبقهم خلقٌ فيها قبلهم، فعصوا وتعالوا عليه بارتكاب ما (لَعَلَّهُ) نهى وترك ما أمر، ولذلك قيل واستدلَّ بقوله: {والجانَّ خلقناهُ من قبلُ} (1) أي من قبل آدم. {قال: إِنِّي أعلم ما لا تعلمون (30)} أي أعلم من الحِكم فيه ما هو خفيٌّ عليكم، يعني يكون فيهم الأنبياء والعلماء والأولياء، وما خلق الله لهم، وفيهم من الحِكم مِمَّا لم يخلق لكم.
{__________
(1) - ... سورة الحجر: 27. (1/34)
صفحة 35
وعلَّم آدم الأسماء كلَّها} يحتمل: علمه بأسمائها، وقيل: علَّمه صنعة كلِّ شيءٍ، ويحتمل علمه بمعانيها وما خُلقت له، لأنَّ المعاني (لَعَلَّهُ) وما تُراد له أخصُّ من الأسماء، (لَعَلَّهُ) مِمَّا يحتاج له من أمر دينه ودنياه؛ وقيل: اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة؛ وقيل: علَّمه أحوالها وما يتعلَّق بها من المنافع الدِّينِيَّة والدُّنْيَوِيَّة، ويحتمل أن يكون علَّمه اسم ما ينفعه ويضرُّه عاجلاً وآجلاً، ليستعمل النافع ويجتنب الضارَّ، وهو لم يخلق إلاَّ لهذا لأنَّ ما عداه باطل. {ثُمَّ عرضهم على الملائكة} أي سألهم وقد علِم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت، {فقال: أنبئوني} أخبروني {بأسماء هؤلاء} تبكيت لهم، وتنبيه على قصورهم، وليس لعلم الأسماء جدوى بغير معرفة المعاني، بل لكلِّ معنى اسمٌ، {إن كنتم صادقين(31)} في زعمكم أنِّي أستخلف في الأرض مفسدين سافكين، وكنتم أعلم وأفضل منهم، وفيه ردٌّ عليهم وبيان أنَّ فيمن يستخلفه من الفوائد العِلْمِيَّة التي هي أصول الفوائد كلِّها ما يستأهلون لأجله أن يُستخلفوا ويُفضَّلوا.
{قالوا: سبحانك} تنزيها لكَ أن يخفى عليكَ شيءٌ، أو عن الاعتراض عليكَ في تدبيرك، وأفادتنا الآية أنَّ العلم بالمعلومات وحقائقها، وما تراد له وخلقت لأجله، والحقِّ من الباطل، وما يستقيم به الدين ويقتضيه، فوق التحلِّي بالعبادة، مع جهل هذا. {لا علم لنا إلا ما علَّمتنا} أي ليس لنا من العلم إلاَّ ما علَّمتنا إيَّاه، {إِنَّكَ أنت العليم} غير معلَّم، {الحكيم(32)} فيما [12] قضيتَ وقدَّرت، والحكيم المحكِم للأمر كيلا يطرق إليه الفساد والنقص فيبطل، وقيل: الحكيم المحكِم لمبتَدَعاته الذي لا يفعل إلاَّ ما فيه حكمة بالغة.
{ (1/35)
صفحة 36
قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم} أخبِرهم، فسمَّى آدمُ كلَّ شيءٍ باسمه، وذكر الحكمة التي لأجلها يُخلق (1)، {فَلَمَّا أنبأهم بأسمائهم} (لَعَلَّهُ) فلمَّا ظهر فضل آدم سمَّى كلَّ شيءٍ باسمه، ويحتمل أنَّه علَّمهم كلَّ شيءٍ بمعناه، وما يراد به وله؛ وقيل: أخبر الملائكة بأسمائهم أي باسم كلِّ شيءٍ، ومنافعه ومضارِّه، وخواصِّه، وفي هذا أنَّ تعليمه ... (2) الأسماء كلّها بما فيها من المعاني، ونتق (3) لسانه بذلك معجزة أقامها الله (لَعَلَّهُ) للملائكة دالَّة على نبوَّة وجلالة قدره وتفضيله عليهم. {قال: ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السماوات والأرض} أي ما غاب فيهما عنكم، مِمَّا كان وممَّا يكون، وهو قوله لهم: {إِنِّي أعلم ما لا تعلمونَ}، حين عاضوا في خلق الخليفة، وعلم الله من الخليفة ما يكون منها، وما تصلح له من العلوم العَقْلِيَّة والاكتسابيَّة، مِمَّا لم يجعل لهم. {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33)} ما تظهرون بألسنتكم، وتسرُّون بقلوبكم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لأجلها خُلق».
(2) - ... كلمة غير واضحة، رسمها: «تعم»، ويبدو أنَّ حذفها لا يخلُّ بالمعنى.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ونَطْقَ». (1/36)
صفحة 37
وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم} أي اخضعوا له، وأقرُّوا له بالفضل، والسجود الحقيقيُّ طاعة الله، ويحتمل ذلك بمعنى الائتمام به في الطاعة لمَّا صار أعلمهم، وحقيق بالعالِم أن يؤتمَّ به؛ وقيل: على معنى الانحناء تعبُّداً من الله لهم بذلك؛ وقيل: إنَّ المأمور بِهِ وضع الوجه على الأرض؛ وفي الآية دلالة على فضل آدم على جميع الملائكة، لأنَّه (لَعَلَّهُ) قدَّمه عليهم إذ أمرهم بالسجود له، ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل، ولو لم يكن سجود الملائكة له على وجه التعظيم لشأنه وتقديمه عليهم، لم يكن لامتناع إبليس عن السجود له، وقوله: {أرأيتَك هذا الذي كرَّمتَ عليَّ} (1)، وقوله: {أنا خير منه} (2) وجهٌ. {فسجدوا إِلاَّ إبليس أبى} امتنع مِمَّا أمر به، (لَعَلَّهُ) وسمِّي إبليس لأنَّه إبليس (3) من رحمة الله، {واستكبر} تكبَّر عنه، {وكان من الكافرين (34)} في علم الله (لَعَلَّهُ) أو صار كافراً بإيبائه واستكباره.
{وقلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجَنَّة وكلاَ منها رغَدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة} اختلف في الشجرة ما هي؟ قيل: السنبلة، وقيل: شجرة العنب، وقيل: شجرة التين، وقيل: شجرة العلم [كَذَا]، وفيها من كلِّ شيءٍ؛ {فتكونا من الظالمين (35)} من الذين ظلموا أنفسهم، بوضع أمر الله غير موضعه.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 62.
(2) - ... سورة الأعراف: 12.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «أَبْلَسَ». قال في اللسان: «وأبْلَسَ من رحمة الله، أي يئس وندم، ومنه سمِّي إبليس، وكان اسمه: عزازيل، وفي التنزيل العزيز: {يومئذ يبلس المجرمون}، وإبليس لعنه الله: مشتقٌّ منه لأنَّه أُبلِس من رحمة الله، أي أويِسَ». ابن منظور: لسان العرب، ج1/ 256. (1/37)
صفحة 38
فأزلَّهما الشيطان عنها} عن الجنَّة، بمعنى أذهبهما عنها، وأبعدهما فأخرجهما، {فأخرجهما مِمَّا كانا فيه} من النعيم والكرامة، أو من نعمة الطاعة، {وقلنا: اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ} والضمير لآدم وزوجته، وإبليس فيما قيل، {ولكم في الأرض مستقرٌّ} استقرار {ومتاع} وتمتُّع بما أوتوا {إلى حين (36)} إلى الموت. قال ابن أدهم (لعلَّه ابن آدم) (1): «أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلاً»، قال غيره: «لا يُعبأ بالحزن الفاني إذا أعقبته السلامة».
{فتلقَّى} تلقَّن، والتلقِّي هو قبولٌ [13] عن فطنة وفهمٍ؛ وقيل: هو التعلُّم، ومعنى تلقِّي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها، أي أخذها من ربِّه على سبيل الطاعة. {آدم من ربِّه كلماتٍ} وهنَّ قوله: {ربَّنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفِر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين} (2)، وهو دخوله في الجملة قولا وعملاً ونية، بعد أن خرج منها. {فتاب عليه} فرجع عليه بالرحمة، {إِنَّهُ هو التوَّاب} لمن تاب إِلَيهِ {الرحيم (37)} بعباده، من حيث تفضَّل عليهم بالتوبة والإمهال، ولم يؤاخذهم على ذنب تابوا منه.
{قلنا: اهبطوا منها جميعا فإمَّا يأتينَّكم منِّي هدى} بيان وحجَّة، {فمن تَبِع هُدَايَ} بالقبول {فلا خوفٌ عليهم} من العقاب، {ولا هم يحزَنون (38)} على فوت الثواب، أو لا يحزنون على ما يفوتهم من أمر الدنيا.
{__________
(1) - ... هَذِهِ العبارة من إضافة الناسخ، كما هو واضح، إِلاَّ أنَّه أخطأ في احتماله، بدليل ما سيأتي في قوله: «قال غيره»، أي قال غيرُ ابنِ أدهم من العارفين، أو الحكماء ... وليس المقصود غيرُ ابنِ آدم.
(2) - ... سورة الأعراف: 23. (1/38)
صفحة 39
والذين كفروا وكذَّبوا بآياتنا} بحججنا إذا بلغتهم، {أولئك أصحاب النار} أي أهلها ومستحقُّوها، لأنَّهم خُلقوا لها، وخُلقت لهم، كما قال: {ولقد ذرأنا لجهنَّم ... } الآية (1)، {هم فيها خالدون (39)} لأنَّه لا مطمع في الخروج منها بعد الدخول فيها.
{يا بني إسرائيل} قيل: هو يعقوب، وقيل: معنى إسرائيل: عبد الله، وقيل: هو صفوة الله، {اذكروا} أي احفظوا الذكر، {نعمتي التي أنعمتُ عليكم} ذكَّرهم النعمة بأن يطيعوه بها ولا يكفروها، ولا يبخلوا بها بشكرها، لكن عظِّموها ولا تغفلوا عنها، وهي جميع النعم التي لله على عباده، {وأوفوا بعهدي} أدُّوه وافيا، بامتثال أمري {أُوفِ بعهدكم} بما عاهدتكم عليه من التوفيق على الطاعة، والجزاء عليها تخليداً أبديا، {وإيَّاي فارهبونِ (40)} فلا تنقضوا عهدي، ولا تتعرَّضوا لخذلاني لكم عن الطاعة في الدنيا، واستحقاق التخليد في الآخرة، ولا مَرهوبَ سواه في الحقيقة عند أولي النهى، والأمر لهم بالرهبة منه نهي منه لهم عن الرهبة من غيره، {وآمنوا بما أنزلتُ} يعني القرآن أو تأويله، {مصدِّقا لِما معكم} موافقا وشاهدا لِما معكم من التوراة، يعني في التوحيد والعبادة والنبوَّات والأخبار، {ولا تكونوا أَوَّلَ كافر به} أي أوَّل من كفر به، أو ولا يكن كلُّ واحد منكم أوَّل كافر به، وهذا تعريض بأنَّه كان يجب أن يكونوا أوَّل من يؤمن به، لمعرفتهم به على سبيل المسارعة والمسابقة إلى الخيرات، {ولا تشتروا بآياتي} ولا تستبدلوا، بتغييرها وتحريفها وترك العمل بها، {ثمنا قليلا} هو عرض الأدنى، {وإيَّاي (2) فاتَّقونِ (41)} فخافوني وارهبوني، (لَعَلَّهُ) لا قوَّة الرئاسة.
{__________
(1) - ... الأعراف: 179. وتمام الآية: {ولقد ذرأنا لجهنَّم كثيرا من الجنِّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها}.
(2) - ... في الأصل: «وياي»، وهو خطأ. (1/39)
صفحة 40
ولا تلبسوا الحقَّ بالباطل} لبس الحقِّ بالباطل خَلطُه، كأنَّ المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها، فيختلط الحقُّ المنزَّل بالباطل الذي كتبتم، حتَّى لا يميَّز بين حقِّها وباطلكم، أو ولا تجعلوا الحقَّ ملتبساً مشتبها بباطلكم الذي تهوونه، أو لا تغطُّوا (1) الحقَّ بالباطل وتسترونه، {وتكتموا الحقَّ} أي ولا تجمعوا لبس الحقِّ بالباطل وكتمان الحقِّ، {وأنتم تعلمون (42)} في حال علمكم أَنَّكُم لا تسبُّون الحقَّ بالباطل، كاتمون الحقَّ، وهو أقبح لهم، لأنَّ ارتكاب النهي على العلم أقبح.
{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} المفروضتين، وهي مأخوذة من النماء، وقيل: من التطهير، [14] وكلاهما موجودان فيها التطهير والنماء للمال. {واركعوا مع الراكعين (43)} جاز أن يراد بالركوع الصلاة، كما يعبَّر عنها بالسجود، وأن يكون أمر بالصلاة مع المصلِّين في الجماعة.
{أتأمرون الناس} توبيخاً لهم وتعجُّبا من حالهم، {بالبرِّ} أي سعة الخير، ومنه البَرُّ لسعته ويتناول كلَّ خير، {وتنسون أنفسَكم} وتتركونها من البرِّ، {وأنتم تتلون الكتاب} وعيد لمخالفة القول العمل، {أفلا تعقلون (44)} قُبحَ ما قدِمتهم عليه، حتَّى يصدَّكم استقباحه عن ارتكابه، وهو توبيخ عظيم؛ والعقل مأخوذ من عقال الدَّابَّة، وهو ما يشدُّ به ركبة البعير فيمنعه عن الشرود، وكذلك العَقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لا تغطُّون»، وهو خطأ. (1/40)
صفحة 41
واستعينوا} على حوائجكم إلى الله {بالصبر والصلاة} أي بالجمع بينهما، وأن تصلُّوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقِّها، وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوسواس (1) الشيطانيَّة، والهواجس النفسانيَّة، ومراعاة الأدب والخشوع، واستحضار العلم بأنَّه انتصاب بين يدي جبَّار السماوات والأرض؛ أو واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها، والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها؛ وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة (2) .
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «الوساوس».
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «حزبه». فقد روى أحمد في مسنده، باقي مسند الأنصار، رقم: 22210، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ وَخَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالاَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا يَعْنِي ابْنَ زَائِدَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله الدُّؤَلِيِّ قَالَ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخُو حُذَيْفَةَ قَالَ حُذَيْفَةُ: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. العالمية: موسوعة الحديث، موضوع البحث: «الصلاة تقوِّم سلوك الإنسان». (1/41)
صفحة 42
وقيل: الصبر الصوم، لأنَّه حبس على المفطرات؛ وقيل: الصلاة الدعاء، أي استعينوا على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء، والابتهال إلى الله في دفعه، والتضرُّعِ، ولأنَّ الصوم يزهِّده في الدنيا، والصلاة ترغِّبه عَلَى الآخرة، {وإنَّها لكبيرة} لشاقَّة ثقيلة، {إِلاَّ على الخاشعين (45)} يعني المؤمنين المتواضعين، وأصل الخشوع: السكون، فالخاشع ساكن إلى طاعة الله، لأنَّهم يتوقَّعون ما ادَّخر للصابرين على متاعبها، فتهون عليهم، ألا ترى إلى قوله: {الذين يظنُّون أَنَّهُم ملاقوا ربِّهم} أي يتوقَّعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده إن امتثلوا، ويخافون عقابه إن خالفوا أمره، وأمَّا من لم يوقن بالجزاء ولم يرجُ الثواب كانت عليه مشقَّة، والخشوع الإخبات، وأمَّا الخضوع فاللين والانقياد. {وَأَنَّهُمْ إليه راجعون (46)} مجازون على أعمالهم كيف كانت.
{يا بني إسرائيل} (لَعَلَّهُ) وهم المتمسِّكون بدين قوم موسى على ما يدلُّ عليه معاني ما بعده، {اذكروا نعمتيَ التي أنعمتُ عليكم وأنِّي فضَّلتكم على العالمين (47)} على الجمِّ الغفير من الناس، والمراد الكثرة، أو على عالَمي زمانهم، أو فضَّلهم على سائر الحيوانات كما قال: {ولقد (1) كرَّمنا بني آدم وحملناهم ... } تمام الآية (2).
{واتَّقوا يوما لا تجزي} أي يوم القيامة {نفس} مؤمنة {عن نفس} كافرة {شيئًا} أي لا تقضي عنها شيئًا من الحقوق التي لزمتها شيئا، {ولا يقبل منها شفاعة} عن أن يطمع في الشفاعة مرتكب الكبائر، {ولا يؤخذ منها عدلٌ} أي فدية لأنَّها معادلة للمفدي؛ أو ولا يقبل منها عمل بطاعة لأنَّها غير مطيعة {ولا هم ينصرون (48)} يعانون.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والقد»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة الإسراء: 70. وتمام الآيَة: {ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحر ورزقناهم من الطَّيِّبَات وفضَّلناهم على كثير مِمَّن خلقنا تفضيلا}. (1/42)
صفحة 43
وإذ نجَّيناكم [15] من آل فرعون} أي نجَّينا أسلافكم وآباءكم الذين هم (1) سبب إيجادكم، {يسومونكم سوء العذاب} يكلِّفونكم ويذيقونكم سوء العذاب، أشدَّ العذاب وأسوءَه، بدليل قوله: {يذبِّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} يتركون بناتكم أحياء للخدمة، وقيل: إِنَّمَا فعلوا لهم ذلك لأنَّ الكهنة أنذروا فرعون بأنَّه يُولَد مولود يَزول ملكُه بسببه، فلم يغن عنه اجتهاده، {وفي ذلكم بلاء} صنيعِهم، محنةٌ إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، ونعمةٌ إن أشير به إلى الإنجاء. {من ربِّكم} لأنَّه هو المقدِّر ذلك لهم، {عظيم (49)}.
{وإذ فَرَقنا} فصلنا بين بعضه بعض حتَّى صارت مسالكَ لكم، {بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون} اِقتصر على ذكر الآل (لَعَلَّهُ) للعلم بأنَّ فرعون أولى بالغرق، {وأنتم تنظرون (50)} إلى ذلك وتشاهدونه.
{وإذ واعدنا موسى} قيل: وعده الله الوحيَ، ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور، {أربعين ليلة} لأَنَّ الشهور عددها (2) بالليالي، {ثُمَّ اتَّخَذتم العجل} إلهًا {من بعده (3) وأنتم ظالمون (51)} بوضعكم العبادة غير موضعها.
{ثُمَّ عفونا عنكم} محونا عنكم ذنوبكم، {من بعد ذلك} (لَعَلَّهُ) أي الاتِّخاذ (4)، {لَعَلَّكُمْ تشكرون (52)} لكي تشكروا النعمة في العفو عنكم.
{وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} الجامع بين كونه كتابا منزَّلا وفرقانا يفرق بين الحقِّ والباطل وهو التوراة، {لَعَلَّكُمْ تهتدون (53)} لكي تهتدوا بالكتاب.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الذينهم».
(2) - ... يمكن أن نقرأ في الأصل: «غررها»، ولا معنى له.
(3) - ... في الأصل: - «من بعده».
(4) - ... أحال الناسخ إِلىَ الهامش وكتب: «الاتِّحاد»، والصواب ما أثبتناه. (1/43)
صفحة 44
وإذ قال موسى لقومه}: عباد العجل، {يا قوم إِنَّكُمْ ظلمتم أنفسكم باتِّخاذكم العجل} معبودا، {فتوبوا إلى بارئكم} خالقكم الذي خلق الخلق أبرياء من التفاوت؛ وفيه تقريع لمَا كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم أبرياء من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثلٌ في الغباوة والبلادة، {فاقتلوا أنفسكم} فرض عليهم قتل أنفسهم إذ ظلموا أنفسهم باتِّخاذهم العجل، وكان ذلك توبة لهم، إذ قال: {فتبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم}، فلمَّا قتلوا أنفسهم كان ذلك توبة الله عليهم، وكانت تلك طاعة عليهم؛ يبتلي الله خلقه بما يشاء، {ذلكم خير لكم عند بارئكم} (1)، {فتاب عليكم إِنَّهُ هو التوَّاب الرحيم (54)} يغفر الذنوب وإن كثرت.
{وإذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حَتَّى نرى الله جهرة} عيانا، {فأخذَتْكُم الصاعقة} أي الموت؛ قيل: هي نار نزلت من السماء فأحرقتهم. روي أنَّ السبعين الذين اختارهم موسى، وكانوا معه عند الانطلاق إلى الجبل، فقالوا له: نحن لم نعبد العجل كما عبده هؤلاء فأرنا الله جهرة، فقال موسى: سألته عن ذلك فأباه عليَّ، قالوا: إنَّك رأيت الله، فلن نؤمن لك حتَّى نرى الله جهرة، فبعث الله عليهم صاعقة فأحرقتهم.
{وأنتم تنظرون (55)} إليها حين نزلت، {ثُمَّ بعثناكم} أحييناكم، {من بعد موتكم لَعَلَّكُمْ تشكرون (56)} فيما بقي من العمر، قيل: هو (2) الشكر، هو الطاعة بجميع الجوارح في السرِّ والعلانيَّة؛ وقيل: شكر كلِّ نعمة أن لا نعصي الله بعد تلك النعمة؛ وقيل: حقيقة الشكر: العجزُ عن الشكر.
{__________
(1) - ... هذه الآية غير مفسَّرة في المتن.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «هو»، أي: «قيل: الشكر هو الطاعة». (1/44)
صفحة 45
وظلَّلنا عليكم الغمام} قيل: ذلك في التيه، سخَّر الله لهم السحاب يسير سيرهم [16] يظلُّهم (1) من حرِّ الشمس، وذلك أنَّه لم يكن لهم في التيه كِنٌّ (2) يسترهم فشكوا إلى موسى، فأرسل الله غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر فيما قيل. {وأنزلنا عليكم المنَّ} قيل: كان ينزل عليهم مثل الثلج؛ وقال الزجَّاج: «جملة المنِّ ما يمنُّ الله من غير تعب». {والسلوى} قيل: كان يبعث عليهم طيورا سُمَانَى (3). {كلوا من طيِّبَات} لذيذات، أو حلاوات، {ما رزقناكم وما ظلمونا} أي ما ضرَّه ظلمهم جلَّ وعزَّ وتعالى عن ذلك، {ولكن كانوا أنفسَهم يظلمون (57)} لأنَّ وبال ظلمهم راجع ضرره إليهم على أنفسهم.
{وإذ قلنا}: لهم بعدما خرجوا من التيه، {ادخلوا هذه القرية} الأرض المقدَّسة، {فكلوا منها حيث شئتم رغدا} واسعا، {وادخلوا الباب سجَّدا} قيل: أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا. {وقولوا حطَّة} أي حطُّوا التعالي على الله، وأسلموا له وقال عكرمة: «هو قول لا إله إلا الله» وهو صحيح. {نغفر لكم خطاياكم} جمع خطيئة وهي الذنب، {وسنزيد المحسنين (58)} كما قال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (4).
{__________
(1) - ... في الأصل: «يضلُّهم»، وهو خطأ.
(2) - ... قال في اللسان: «الكِنُّ والكنَّة، والكِنان، وقاء كُلِّ شَيْء وستره. والكِنُّ البيت أَيْضًا، والجمع أكنان، وأكنَّة ... وفي التنزيل العزيز: {وجعل لكم من الجبال أكنانا}»، ثُمَّ قال: «الكِنُّ: ما يردُّ الحرَّ والبرد من الأبنية والمساكن». ابن منظور: لسان العرب: ج5/ 304 - 305.
(3) - ... نوع من الطير، قال في اللسان: «السُّمَانَى: طائر، واحدتُه: سُماناةٌ، وقد يكون السُّمانَى واحدا. قال الجوهريُّ: ولا تقل: سُمَّانَى، بالتشديد». ج3/ 209.
(4) - ... سورة يونس: 26. (1/45)
صفحة 46
فبدَّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} يعني مكان «حطَّةٌ» قولاً غيرَها وهو ضدُّها؛ {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا} عذابا، {من السماء بما كانوا يفسقون(59)} بسبب فسقهم.
{وإذ استسقى موسى لقومه} (لَعَلَّهُ) أي اذكروا نعمتي في إجابتي دعاء نبيِّكم في شأنكم، {فقلنا: اضرب بعصاك الحجر} قيل: إِنَّهُم عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا، فقيل له: اضرب بعصاك الحجر، {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} قيل: على عدد الأسباط، {قد علم كلُّ أناس مشربهم} عينهم التي يشربون منها، {كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين(60)} قيل: العثوُّ أشدُّ الفساد.
{ (1/46)
صفحة 47
وإذ قلتم: يا موسى لن نصبر على طعام واحد} قيل: هو ما رُزقوه من المنِّ والسلوى؛ {فادع لنا ربَّك يخرج لنا مِمَّا تنبت الأرض من بقلها} هو ما أنبتته الأرض من أطايب البقول مِمَّا يأكله الناس، {وقثَّائها} قيل: الخيار، {وفومها} قيل: الحنطة أوالثوم، وقيل: الحبوب التي تؤكل كلُّها؛ {وعدسها وبصلها قال: أتستبدلون الذي هو أدنى} أقرب منزلة وأدون مقدارا، {بالذي هو خير} أرفع وأجلَّ، {اهبطوا مصرا} من الأمصار، {فإنَّ لكم ما سألتم} أي الذي سألتموه يكون في الأمصار لا في التيه، ويحتمل سؤالهم هذا لمباشرةِ الأسباب، وهم قد أمروا بالعبادة والانقطاع فيها، والله أعلم بتأويل كتابه؛ ويدلُّ على أنَّهم منقطعون عن الأمصار بدليل قوله: {اهبِطوا مصرًا}. {وضربت عليهم الذلَّة} أي جعلت الذلَّة محيطة بهم، مشتملة عليهم، فهم فيها يعمهون؛ {والمسكنة} أي الهوان والفقر، أو فقر القلب؛ سمِّي الفقير مسكينا لأَنَّ (1) الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، وقيل: الذلَّة فقر القلب، {وباءوا بغضب من الله} أي صاروا [17] أحقَّاء بغضبه، {ذلك} إشارةً إلى ما تقدَّم من ضرب الذلَّة والمسكنة والغضب، {بأنَّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيِّين} أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء، وقتلُهم لهم يَخرج على معنيين: قتلهم بتفويت أرواحهم، وقتلهم بالتخطئة لدينهم كما جاء عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «خلع المؤمن كقتله، ومن خلع مؤمنا فقد قتله} (2) ، وهذ أعمُّ من الناس في بعضهم بعض. والنبيء بمعنى النبأ (3)
__________
(1) - ... في الأصل: «الان».
(2) - ... لم نعثر عَلَيه في الكتب التسعة، وَإِنَّمَا الوارد في الحديث «...لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ». البخاري كتاب الأدب، حديث رقم: 5640.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المنبئ».. (1/47)
صفحة 48
لأنَّه يخبر عن الله تعالى، فعيل بمعنى مُفْعِل، أو بمعنى مُفْعَل؛ ومن نَبَأ: أي ارتفع، والنبوة: المكان المرتفع. {بغير الحقِّ} عندهم أيضًا فإنَّهم لو أنصفوا لم يذكروا شيئًا يستحقُّون به القتل عندهم أي يقتلونهم مبطلين. {ذلك} الكفر والقتل، {بما عصوا وكانوا يعتدون (61)} بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي، واعتدائهم حدود الله في كلِّ شيء مع كفرهم بآيات الله.
{إنَّ الذين آمنوا} قيل: بألسنتهم من غير مواطأة للقلوب، وهم المنافقون، {والذين هادوا} قيل: هاد إذا تاب، لقولهم: {إِنَّا هدنا إليك} (1). {والنصارى} سمُّوا نصارى لأنَّهم نصروا المسيح لقولهم: {نحن أنصار اللهِ} (2). {والصابئين} الخارجين من دين مشهور إلى غيره، مِن صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانيَّة وعبدوا الملائكة، وقيل: هم يقرأون الزبور. {من آمن بالله واليوم الآخر} من هؤلاء إيمانا خالصا، {وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربِّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)} قيل: لا خوف عليهم في الدنيا، ولا هم يحزنون في الآخرة.
{وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} قيل: إنَّ موسى - عليه السلام - جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقَّة حتَّى كبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر جبريل - عليه السلام - فقلع الطور ورفعه فظلَّله فوقهم، وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلاَّ ألقي عليكم، حتَّى قبلوا، والله أعلم بتأويل كتابه، {خذوا ما آتيناكم بقوَّةٍ} بجدٍّ واجتهاد ومواضبة وعزيمة، فوصَّى الله عباده بذلك، لأَنَّ طبعهم التراخي والتثاقل عن طلب ما يجب عَلَيهم من طلب السؤال لِما يلزمهم في دين خالقهم، وَأَنَّهُمْ لا يبلغوه (3) بدون القوَّة.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 56.
(2) - ... سورة آل عمران: 52.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «لا يبلغونه». (1/48)
صفحة 49
واذكروا ما فيه} واحفظوا ما في الكتاب من معانيه وأسراره وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه وعن التدبُّر والعمل بما فيه. {لَعَلَّكُمْ تتَّقون (63)} لكي تنجوا من الهلاك في الدينا، والعذاب في العقبى، لأَن ليس إلى التقوى سبيل إِلاَّ بالعلم. {ثُمَّ (1) تولَّيتم} ثمَّ أعرضتم عن الميثاق والوفاء به؛ {من بعد ذلك} من بعد القبول أ [و] من بعدِ الأمر بالقوَّة بأخذِ ما أوتوا، {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} بتأخير العذاب عنكم، أو بتوفيقكم للتوبة، {لكنتم من الخاسرين (64)} (لَعَلَّهُ) الرحمة وذهاب [كَذَا] الدنيا والآخرة المستوجبين عقوبة الدنيا والآخرة.
{ولقد علمتم} حال {الذين اعتدوا} عن الحدِّ {منكم (2) في السبت} مصدر سبتَتِ اليهود إِذَا عظَّمت يوم السبت، وقد اعتدوا فيه، أي جاوزوا [18] ما حدَّ لهم فيه من التجرُّد للعبادة وتعظيمه، واشتغلوا بالصيد، وذلك أنَّ الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت بما ابتلاهم، فما كان يبقى حوت في البحر إِلاَّ أخرج خرطومه في السبت، فإذا مضى تفرَّقت، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا اليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد وكانوا يسدُّون مشارعها من البحر فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض اعتداءُهم فيه، والله أعلم بتأويل كتابه. {فقلنا لهم: كونوا} بتكويننا إِيَّاكم، {قردة خاسئين (65)} صغارًا مطرودين، والخساء: الإبعاد. {فجعلناها} يعني المسخة، {نكالاً} عبرةً لكلِّ من اعتبرها، تنكلُ أي تمنعه، والمسخ (لَعَلَّهُ) صوريٌّ ومعنويٌّ، {لما بين يديها} لِما قبلها، {وما خلفها} وما بعدها من الأمم والقرون، {وموعظة لِلْمُتَّقِينَ (66)} الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكلِّ متَّقٍّ سمعها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فإن تولَّيتم»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: - «منكم». (1/49)
صفحة 50
وإذ قال موسى لقومه: إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} البقرة الأنثى من البقر، ويقال: هي مأخوذة مِنَ البَقْرِ وهو الشَّقُّ، سمِّيت به لأنَّها تشقُّ الأرض، أي تشقُّها للحراثة. قال بعض المفسِّرين: أوَّل القصَّة مؤخَّر في التلاوة، وهو قوله: {وإذ قتلتم نفسا فادَّارأتم فيها}، وذلك أنَّ رجلا موسِرًا قتلوه بنو عمِّه ليرثوه وطرحوه على باب مدينةٍ، ثمَّ جاءوا يطلبون بديَّته فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليُحيَى فيخبرهم بقاتله. {قالوا: أتتَّخذنا هزوًا} أتجعلنا مكان هزء، أي اتستهزئ بنا؟ نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة! وإنمَّا قالوا ذلك لبُعد ما بين الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه. {قال: أعوذ بالله} أي أمتنع بالله، العياذ واللِّياذ من حال واحد، {أن أكون من الجاهلين (67)} لأنَّ الهزُؤ في مثل هذا من باب الجهل والسفه.
{قالوا: ادع لنا ربَّك يبيِّن لنا ما هي} أي ما حالها وما صفتها، {قال: إِنَّهُ يقول إِنَّهَا بقرة لا فارضٌ ولا بكر} لا مُسنَّة ولا فتيَّة، {عوان} نصف، {بين ذلك} أي ما بين ذكر الفارض والبكر. {فافعلوا ما تؤمرون (68)} أي يؤمرون به.
{قالوا: ادع لنا ربَّك يُبَيِّن لنا ما لونها، قال: إِنَّهُ يقول إِنَّهَا بقرة صفراء فاقع لونها} الفقوع نصوع الصفرة، ولذلك يقال: أصفر فاقع. {تسرُّ الناظرين (69)} أي تعجبهم.
{قالوا: ادع لنا ربَّك يُبَيِّن لنا ما هي إنَّ البقر تشابه علينا} إنَّ البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا. {وَإِنَّا إن شاء الله لَمهتدون (1) (70)} لمعرفتها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «المهتدون»، وهو خطأ. (1/50)
صفحة 51
قال: إِنَّهُ يقول إِنَّهَا بقرة لا ذلول تُثير الأرضَ} أي لم تذلَّل للكِراب (1) وإثارة الأرض. {ولا تسقي الحرث} ولا هي من النواضح، {مسلَّمة} عن العيوب وآثار العمل، {لا شية فيها} لا لمعة في نُقْبَتِها (2) من لون آخر سوى [19] الصفرة. {قالوا: الآن جئت بِالْحَقِّ} أي بحقيقة وصف البقرة. {فذبحوها} أي فحصَّلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلِّها فذبحوها، {وما كادوا يفعلون (71)} لغلاء ثمنها، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل؛ وقيل: وما كانوا (3) (لَعَلَّهُ) يجدونها باجتماع وصفها؛ وقيل: وما كادوا يفعلون من شدَّة اضطرابهم واختلافهم.
{وإذ قتلتم نفسا فادَّارأتم فيها} فاختلفتم واختصمتم في شأنها. {والله مخرج ما كنتم تكتمون (72)} مظهر ما كتمتم من أمر القتل.
{فقلنا: اضربوه ببعضها} ببعض البقرة، {كذلك يحيي الله الموتى}، روي أنَّهم لمَّا ضربوه قام بإذن الله وقال: «قتلني فلان وفلان» لابني عمِّه ثُمَّ سقط ميِّتًا فاُخذا وقُتلا. {ويريكم آياته} دلائله على أنَّه قادر على كلِّ شيء. {لَعَلَّكُمْ تعقلون (73)} تعملون على قضيَّة عقولكم.
{__________
(1) - ... قال في اللسان: «وكَربَ الأرضَ يكرُبُها كَرْبا وكِرابا: قلبها للحرث، وأثارها للزرع». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ 237.
(2) - ... قال في اللسان: «والشِّيَةُ: سواد في بياض، أَوْ بياض في سواد. الجوهريُّ وغيره: الشية كلُّ لون يخالف لون معظم لون الفرس وغيره، وأصله من الوشْيِ ... والجمع شِيَات». ابن منظور: لسان العرب، ج6/ 934، مادَّة: “وشي”.
... والنُّقبة: اللون. المنجد، ص 829.
(3) - ... كتب الناسخ: «وما كادوا»، فشطَّب عَلَيه وصحَّحه بـ «وما كانوا»، ويبدو أنَّ الصواب هو ما شطَّب عَلَيه. (1/51)
صفحة 52
ثُمَّ قست قلوبكم} استيعاب القسو من بعد ما يوجب لين القلوب ورقَّتها، وصِفَة القلوب بالقسوة مثل لنبوِّها عن الاعتبار والاتِّعاظ؛ وقيل: قست يبست وجفَّت وجفاف القلب خروج الرحمة واللَّين عنه؛ وقيل: غلظت؛ وقيل: اسودَّت. [20] {من بعد ذلك} من بعد ما تقدَّم من الآيات المذكورة. {فهي كالحجارة} فهي في قسوتها مثل الحجارة، {أو أشدُّ قسوة} منها، {وإنَّ من الحجارة} بيان لزيادة قسوة قلوبهم عليها. {لَمَا يتفجَّر منه الأنهار} التفجُّر التفتُّح بالكثرة. {وإنَّ منها لما يشَّقَّق فيخرج منه الماء} يعني أنَّ من الحجارة فيه جروف واسعة يندفق منها الماء الكثير (1) ، ومنها ما ينشقُّ انشقاقا بالطول والعرض فينبع منه الماء أيضًا، وقلوبهم لا تندَى ولا يخرج منها ما يوجب القسوة وهي الأمراض[كَذَا]. {وإنَّ منها لَمَا يهبط} يتردَّى من أعلاه، {من خشية الله} قيل: هو مجاز عن انقيادها لأمر الله، وأنَّها لا تمتنع عمَّا يريد فيها (2) ، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به؛ وقيل: المراد به ما أمرت به حقيقة الخشية، على معنى أنَّه يخلق فيها الحياة والتمييز، وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصه (لَعَلَّهُ) عند أهل السنَّة، وعلى هذا قوله: {لو أنزلنا [21] هذا القرآن على جبل...} (3) الآية، بشيءٍ (4) ،
__________
(1) - ... في الأصل: «اكثير»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «منها».
(3) - ... سورة الحشر: 21. وتمام الآيَة: {...لَرَأَيتَهُ خاشعا متصدِّعا من خشية الله}.
(4) - ... في الأصل هَذِهِ الكلمة غير واضحة، وأثبتناها حسب السياق.. (1/52)
صفحة 53
وقلوبهم لا تخشى وهو هدٌّ ووعيد وتعليمٌ أَنْ ليس ما يتولَّد من القلوب القاسية إِلاَّ الباطل، فإن قيل: حجر جماد لا يفهم كيف يخشى؟ قيل: الله تعالى يُفهمها ويلهمها فتخشى بإلهامه؛ ومذهب أهل السنَّة أنَّ لله علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء، لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال: {وإن مِن شيء إِلاَّ يسبِّح بحمده} (1)، فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله. {وما الله بغافل عَمَّا تعملون (74)} وهو هدٌّ ووعيد وتعليم أن ليس ما يتولَّد من القلوب القاسية إِلاَّ الباطل (2).
{أفتطمعون} (3) الخطاب لرسول الله والمؤمنين، {أن يؤمنوا لكم} أن يؤمنوا لأجل دعوتكم. {وقد كان فريق منهم} طائفة مِمَّن سلف، {يسمعون كلام الله} وهي الكتب الخالية. {ثُمَّ يحرِّفونه من بعد ما عقلوه} من بعد ما فهموه. {وهم يعلمون (75)} أنَّهم كاذبون مفترون، والمعنى إن كَفَرَ هؤلاء وحرَّفوا فهم سابقه (4) في ذلك، وكأنَّ الحجَّة قامت على الجميع بقيامها على طائفة منهم؛ وإذا كان هذا حال علمائهم فما طمعكم بسَفَلَتِهم!.
{وإذا لقوا الذين آمنوا} أي المنافقون لقوا المخلصين، {قالوا: آمنَّا} بأنَّكم على الحقِّ. {وإذا خلا بعضهم} الذين لم ينافقوا {إلى بعض} الذين نافقوا {قالوا}: عاتبين عليهم، {أتحدِّثونهم} أتخبرون أصحاب محمَّدٍ، {بما فتح الله عليكم} مِمَّا بَيَّن لكم في التوراة من صفة محمَّد، {ليحاجُّوكم به عند ربِّكم} ليحتجُّوا عليكم بما أنزل ربُّكم في كتابه، {أفلا تعقلون (76)} أنَّ هذه حجَّة عليكم حيث تعترفون به ثمَّ تتابعونه. {أولا يعلمون أنَّ الله يعلم ما يسرُّون وما يعلنون (77)} ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 44.
(2) - ... كذا في الأصل، والعبارة مكرَّرة كما هو واضح.
(3) - ... في الأصل: «فتطمعون» وهو خطأ.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كَسَابِقِيهم». (1/53)
صفحة 54
ومنهم أمِّيُّون} لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحقَّق (لَعَلَّهُ: ويتحقَّقوا) ما فيها. جمع أمِّيٍّ منسوب إلى الأمِّ، كأنَّه يأتي على ما اتَّصل من الأمِّ لم يتعلَّم كتابة ولا قراءة. {لا يعلمون الكتاب} التوراة، {إِلاَّ أماني} إِلاَّ ما هم عليه من أمانيهم أنَّ الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا تمسُّهم النار إِلاَّ أَيَّاما (1) معدودة، أو إِلاَّ أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فيقبلوها على التقليد؛ ومنه قول عثمان: «ما تمنَّيت منذ أسلمت»؛ أو إلاَّ ما يقرؤون من قولهم: «تمنَّى كتاب الله أوَّل ليلة»، أي لا يعلمون [كَذَا] هؤلاء حقيقة للمنزَّل، وإنَّما يقرؤون أشياء أخذوها من أحبارهم. وقيل: الأماني جمع أمنيَّة، وهي في الأصل ما يقدِّره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر، ولذلك يطلق على الكذب وعلى ما يُتمنَّى؛ وقيل: لا يعلمون إِلاَّ التلاوة المجرَّدة. {وإن هم إِلاَّ يظنُّون (78)} [22] أي يشكُّون، وهم متمكِّنون من العلم بالحقِّ لا يدرون حقائقه.
{فويلٌ} ويلٌ كلمة يقولها كلُّ واقع في هلكة؛ وقيل: هو دعاء الكفَّار عَلَى أنفسهم بالويل؛ وقيل: شدَّة العذاب. {للذين يكتبون الكتاب} المحرَّف، {بأيديهم} من تلقاء أنفسهم، من غير أن يكون حقًّا؛ والكتاب جامع للتنزيل والتأويل. {ثُمَّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} عرضا فانيا، {فويل لهم مِمَّا كتبت أيديهم} من الكذب، {وويل لهم مِمَّا يكسبون (79)} من الثمن القليل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الا ياما»، وهو خطأ. (1/54)
صفحة 55
وقالوا: لن تمسَّنا النار إِلاَّ أَيَّاما معدودة قل: أتَّخذتم عند الله عهدا} أي عهد إليكم أنَّه لا يعذبكم إِلاَّ ما قدَّرتموه، ولعلَّهم خيَّل لهم الشيطان أنَّه لا يعذِّبهم إِلاَّ قدر ما عصوا من تكذيبهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ يخرجون من النار إلى الجنَّة، ولعلَّهم أثبتوا الأعمال الصالحة التي عملوها مع كفرهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما زعم من زعم من أهل القبلة وتأوَّلوا هذا التأويل. {فلن يُخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون(80)}.
{بلى} إثبات لمَا بعد النفي وهو لن تمسَّنا النار، أي تمسَّكم أبدا، بدليل قوله: {هم فيها خالدون}. {من كسب سيِّئة} كبيرة وهي ضدُّ الحسنة، {وأحاطت به خطيئته} أي استولت عليه واشتملت جملة أحواله حتَّى صارت كالمحيطة به مثل الحائط يستولي على ما فيه، ومتى أحاطت به خطيئة صار مخذولا مستدرجا محبوط الأعمال، فرائضها وفضائلها، مأخوذا بصغائر الذنوب وكبائرها، لأنَّه عاص فلا تقوم منه طاعة أبدا إِلاَّ أن يتوب. {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(81)}.
{والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجَنَّة هم فيها خالدون(82)} أنبأ الله مآل الفريقين.
{وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} الميثاق: العهد المؤكَّد غاية التوكيد. {لا تعبدون إِلاَّ الله} ولا تشركون به شيئًا من طاعة الشيطان ولا غيره، {وبالوالدين إحسانا} أي وأحسِنوا بهما، {وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا} قيل: الحقَّ، وقيل: حسن الخلق، وقيل: قولوا للناس ما تحبُّون أن يقال لكم. {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم تولَّيتم} عن الميثاق ورفضتموه، {إِلاَّ قليلا منكم} إِلاَّ الأقلَّ أقاموا بما عليهم، {وأنتم معرضون(83)} عن الوفاء بما يجب عليكم.
{ (1/55)
صفحة 56
وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض؛ وقيل: لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم. {ثُمَّ أقررتم} بالميثاق واعترفتم بلزومه، {وأنتم تشهدون (84)} [23] عليها، كما يقول فلان مقرٌّ (1) على نفسه بكذا شاهدا عليها.
{ثُمَّ أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} غير مراقبين ميثاق الله. {تظاهرون} أي تتعاونون، {عليهم بالإثم والعدوان} بالمعصيَة والظلم، {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرَّم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب} بفداء الأسارى، {وتكفرون ببعض} بالقتل والإجلاء، قيل: أخذ الله عليهم أربعة عهود: ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء الأسير، فأعرضوا عن كلِّ ما أمروا به إِلاَّ الفداء. {فما جزاء من يفعل ذلك منكم} هو إشارة إلى الإيمان ببعضٍ والكفر ببعضٍ، {إِلاَّ خزي} فضيحة وهوان لأَنَّ الخزي والهوان والعذابَ في الدنيا حالٌّ بكلِّ مَن عَبَدَ الشيطان عند من تحقَّق أمرهم ولم تغره ظواهر الأمور، {في الحياة الدنيا} ما دام حيًّا إِلاَّ أن يتوب، {ويوم القيامة يردُّون إلى أشدِّ العذاب} وهو الذي لا رَوْح فيه ولا فرج، أو إِلى أشدَّ من عذاب الدنيا، {وما الله بغافل عَمَّا تعملون (85)}.
{أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} اختاروها عَلَى الآخرة اختيار المشتري، {فلا يخفَّف عنهم} يهوَّن {العذاب ولا هم ينصرون (86)}.
{ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة، {وقفَّينا} أتبعنا من القفا، {من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البَيِّنَات} المعجزات الواضحات، {وأيَّدناه بروح القدس} قيل: بجبريل، لأنَّه يأتي بما فيه حياة القلوب، {أفكلَّما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} تعظَّمتم عن قبوله، {ففريقا كذَّبتم وفريقا تقتلون (87)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مقرًّا». (1/56)
صفحة 57
وقالوا: قلوبنا غُلْفٌ} جمع أغلف، أي هي خلقة مغشَّاة بأغطية لا يتوصَّل إليها ما جاء به محمَّدٌ ولا تفقهه، مستعار من الأغلف؛ وقيل: قلوبنا أوعية لكلِّ علم فلا نحتاج إلى علمك. قال الكلبيُّ: «معناه أوعية لكلِّ علم فلا تسمع حديثا إِلاَّ وعته إِلاَّ حديثك لا نعقله ولا نعيه، ولو كان فيه خير لوعته وفهمته». {بل لعنهم الله} (لَعَلَّهُ) طردهم وأبعدهم عن خير الدارين، {بكفرهم} فردَّ الله عليهم أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك، لأنَّها خلقت على الفطرة والتمكُّن من قبول الحقِّ، بل إِنَّمَا طردهم عن رؤية الحقِّ كفرهم وزيغهم فصار ذلك حجابا على قلوبهم كما قال: {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} (1). {فقليلا} منهم، {ما يؤمنون (88)} أو فإيمانا قليلا يؤمنون أي غير خالص، كما قال: {ولا يذكرون الله إِلاَّ قليلا} (2) أي غير خالص؛ وقيل: إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض؛ وقيل: «غُلْفٌ» تخفيف «غُلَّفٌ» وقرئ به جمع غلاف، أي قلوبنا أوعية [24] للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، أو أوعية للعلم فلو كان ما جئت به حقًّا لقبلنا.
{ولمَّا جاءهم كتاب من عند الله} أي القرآن، {مصدِّق} موافق، {لِما معهم} من كتابهم لا يخالفه. {وكانوا من قبل} يعني القرآن، {يستفتحون على الذين كفروا} يستنصرون على المشركين من غيرهم إذا قاتلوهم، قالوا: اللهمَّ انصرنا بالنبيِّ المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أطلَّ زمان نبيِّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. {فَلَمَّا جاءهم ما عرفوا كفروا به} بغيا وحسدا وحرصا على الرئاسة، {فلعنة الله على الكافرين (89)}.
{__________
(1) - ... سورة المطفِّفين: 14.
(2) - ... سورة النساء: 142. (1/57)
صفحة 58
بئسما اشتروا به أنفسهم} بئس ما باعوا به حظَّ أنفسهم أي اختاروا الكفرَ والنارَ على الإيمانِ والجنَّةِ. {أن يكفروا بما أنزل الله} القرآن، {بغيا} أي حسدا وطلبا لِما ليس لهم. {أن ينزِّل الله} بأن ينزِّل، أو على أن ينزِّل، أي حسدوه على أن ينزِّل الله. {من فضله} الذي هو الوحي، {على من يشاء من عباده} وهو محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، {فباءوا بغضب على غضب} فصاروا أحقَّاء بغضب مترادف، {وللكافرين عذاب مهين(90)} مذلٌّ في الدنيا والآخرة.
{وإذا قيل لهم} لهؤلاء اليهود أو غيرهم، {آمنوا بما أنزل الله} يعني القرآن أو غيره، {قالوا: نؤمن بما أنزل علينا} أي التوراة، {ويكفرون بما وراءه} أي يكفرون بما وراء التوراة، {وهو الحقُّ مصدِّقا لِما معهم} غير مخالف له، {قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبلُ إن كنتم مؤمنين(91)} قيل: توَلَّوْا قَتَلَةَ الأنبياء فسمُّوا قاتلين.
{ولقد جاءكم موسى بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذتم العجل} إلها {من بعده} من بعد خروج موسى إلى الطور، {وأنتم ظالمون(92)} أي وضعتم العبادة غير موضعها.
{ (1/58)
صفحة 59
وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوَّة} قد سبق تفسيره، {واسمعوا} ما أمرتم به في التوراة، {قالوا: سمعنا} قولك، {وعصينا} أمرك؛ وطابق قولُه جوابَهم من حيث أنَّه قال لهم: اسمعوا سماع تقبُّل وطاعة، فقالوا: سمعنا ولكن لا سماع طاعة. قال أهل المعاني: إنَّهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكن لمَّا سمعوا وتلقَّوه بالعصيان نسب ذلك إلى القول اتِّساعا. {وأُشرِبوا في قلوبهم العجلَ} أي تداخَلَهم حبُّه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، معناه: دخل في قلوبهم حبُّ العجل وخالطها كإشراب اللَّون لشدَّة الملازمة، فلأنَّ مشروب اللَّون إذا اختلط بياضه بالحمرة. وقوله: {في قلوبهم} بيان بمكان. {بكفرهم} بسبب كفرهم، {قل: بئسما [25] يأمركم به إيمانكم} بالتوراة، لأنَّه ليس في التوراة عبادة العجل. وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكُّم وتشكُّك في صحَّة (لَعَلَّهُ) إيمانهم، وقدحٌ في صحَّة دعواهم له، وكذا إضافة الإيمان إليهم. {إن كنتم مؤمنين(93)} تشكيك في إيمانهم، وقدحٌ في صحَّة دعواهم، أي بئس إيمان يأمر بعبادة العجل.
{ (1/59)
صفحة 60
قل: إن كانت لكم الدار الآخرة} أي الجنَّة، {عند الله (1) خالصة} لكم خاصَّة، {من دون الناس} أي ليس لأحد سواكم، كما قال: {وقالوا لن يدخل الجَنَّة ... } الآية (2). {فتمنَّوا الموت إن كنتم صادقين (94)} في ما تقولون، لأنَّ من أيقن أنَّه من أهل الجنَّة اشتاق إليها تخلُّصا من دار ذات الشوائب، كما قيل: عن عمَّار بصفِّين: «الآن ألاقي الأحبَّة محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه». وقال حذيفة حين احتضر: «مرحبا حبيبٌ جاء على فاقة لا أفلح من ندم»، أي على التمنِّي، سيما إذا علم أنَّها سلامة، وقال: «لا أبالي سقطتُ على الموت أو سقط الموت عليَّ».
{ولن يتمنَّوه أبدا} لن يتمنَّوه ما عاشوا، {بما قدَّمت أيديهم} من الكفر (لَعَلَّهُ) ولعلمهم أنَّهم في دعواهم كاذبون. {والله عليم بالظالمين (95)} تهديد لهم.
{ولتجدنَّهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا} لأنَّهم لا يؤمنون بعاقبة، ولا يعرفون إِلاَّ الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد، لأنَّها جنَّتهم، {يودُّ أحدهم} يريد ويتمنَّى، {لو يعمَّر ألف سنة} بيان لزيادة حرصهم، {وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمَّر} أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره، {والله بصير بما يعملون (96)} لأنَّهم لم يستعملوا أنفسهم في حال التعمير في الطاعة، وإنَّما يزيدهم عذابا، وفيه توبيخ عظيم، لأنَّ حرص المشركين على الحياة غير مستبعد لأنَّها جنَّتهم ولم يؤمنوا بعاقبة.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «عند الله».
(2) - ... سورة البقرة: 111، وتمامها: {وقالوا لن يدخل الجَنَّة إِلاَّ من كان هودا أو نصارى تلك أمانيُّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}. (1/60)
صفحة 61
قل: من كان عدوًّا لجبريل فَإِنَّهُ نزَّله على قلبك} فإنَّ جبريل نزَّل القرآن على قلب محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؛ وخصَّ القلب لأنَّه محلُّ الحفظ، ولو أنصفوا لأحبُّوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم. {بإذن الله مصدِّقا لِما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97)}.
{من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنَّ الله عدوٌّ للكافرين (98)} (لَعَلَّهُ) يعني من كان عدوًّا لأحد هؤلاء فإنَّه عدوٌّ للكلِّ، لأنَّ الكافر بالواحد كافر بالكلِّ.
{ولقد أنزلنا إليك آيات بَيِّنَات وما يكفر بها إِلاَّ الفاسقون (99)} الخارجون عن الطاعة.
{أوَكلَّما عاهدوا عهدا نبذه} نقضه ورفضه، وقال: {فريق منهم} لأنَّ منهم من لم ينقض، {بل أكثرهم لا يؤمنون (100)} بالتوراة وليس من الدين في شيء، فلا يعدُّون نقص المواثيق دينا، ولا يبالون به. {ولمَّا جاءهم رسول من عند الله} محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، {مصدِّق لِما معهم نَبَذَ [26] فريق من الذين أوتوا الكتاب} أي التوراة، والذين أوتوا الكتاب اليهود، {كتاب الله} يعني التوراة، لأنَّهم بكفرهم برسول الله المصدِّق لِما معهم كافرون (1) به نابذون لها؛ أو كتاب الله: القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقِّيه بالقبول. {وراء ظهورهم} مَثَلٌ لتركهم و إعراضهم عنه، مثل ما يرمَى به وراء الظهور استغناء عنه وقلَّة التفات إليه. {كأنَّهم لا يعلمون (101)} أنَّه كتاب الله. وقيل: كانوا يقرؤون التوراة ولايعملون (2) بها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «كافرين»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «يعملوا»، وهو خطأ. (1/61)
صفحة 62
واتَّبعوا ما تتلو الشياطين} أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر (لَعَلَّهُ) مِمَّا وسوست به الشياطين، {على ملك سليمان وما كفر سليمان} تكذيب للشياطين، ودفع لِما (لَعَلَّهُ) بَهَتت به سليمانَ من اعتقاد السحر والعمل به. {ولكنَّ الشياطين كفروا} هم الذين كفروا باستعمال السحر وتدوينه. {يعلِّمون الناس السحر} قصدا لإغوائهم وإضلالهم. (لَعَلَّهُ) وقيل: معنى السحر العلم والحدقُ بالشيء؛ وقيل: السحر عبارة عن التمويه والتخييل؛ وقيل: إنَّه يؤثِّر في فلت الأعنان، فيجعل الآدميَّ على صورة الحمار والأصحُّ أنَّه تخيُّل؛ قال الله: {يُخيَّل إليه من سحرهم (1) } (2) لكنَّه يؤثِّر في الأبدانِ، (لَعَلَّهُ) بالأمراض والموت، والحيوانِ، والكلامِ تأثيره النَّطَّاع، والنفوسِ؛ وقد يَسمع الإنسان ما يكره فيحمرُّ ويغضب فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثِّر في (لَعَلَّهُ) الأبدان. {وما أُنزل على المَلَكين ببابل هاروت وماروت} ومن جواب أبي سعيد: «وقلتُ: ما يقول في الملَكين هاروت وماروت اللَّذين يعلِّمان الناس يُبرأُ منهما أم كيف الوجه فيهما؟ أنَّهما كانا من الملائكة فالملائكة عليهم السلام في ولاية الله وطاعته، وقال الله فيهم: {من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنَّ الله عدوٌّ للكافرين} (3) . فمن عادى ملائكة الله فقد عادى الله عزَّ وجلَّ، وقد عرفنا من قول أبي الحسن رحمه الله قول الله تعالى: {يعلِّمون الناسَ السحرَ} إِنَّمَا أولئك الشياطين، {وما أنزل على الملكين} مَعَنَا أنَّه ما أنزل السحر على الملكين هاروت وماروت، {وما يعلِّمان من أحد} أي ما يعلِّمان هُمَا أحدا السحرَ، وإنَّما كانا يقولان: السحرُ كذا وكذا فلا تكفر، فلا تفعل كذا فتكفر».
__________
(1) - ... في الأصل: «سحره» وهو خطأ.
(2) - ... سورة طه: 66.
(3) - ... سورة البقرة: 98. (1/62)
صفحة 63
رجع: {وما يعلِّمان من أحد حَتَّى يقولا} ينبِّهاه وينصحاه ويقولاَ له: {إِنَّمَا نحن فتنة} ابتلاء واختبار، {فلا تكفر} بتعلُّمه والعمل به على وجه يكون كفرا، {فيتعلَّمون منهما ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه} أي علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين. {وما هم بضارِّين به} بالسحر، {من أحد إِلاَّ بإذن الله} بقضاء به ومشيئته. {ويتعلَّمون ما يضرُّهم ولا ينفعهم} في الآخرة، {ولقد (1) [27] علموا} أي اليهود، {لَمَن اشتراه} أي استبدل ما يتلوا الشياطين على كتاب الله. {ما له في الآخرة من خلاق} نصيب بسبب حبوط أعماله بارتكاب ما نهى الله عنه، {ولبئس ما شَرَوْا به أنفسَهم} باعوها، وإنَّما نفى العلم منهم بقوله: {لو كانوا يعلمون (102)} مع إثباته لهم: {ولقد علموا} على سبيل التوكيد القَسَميِّ (2) لأنَّ معناه لو كانوا يعلمون (3) بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنَّهم لا يعلمون.
{ولو أَنَّهُمْ آمنوا} برسول الله والقرآن، {واتَّقوا} الله فتركوا ما هم عليه، {لَمَثوبة من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون (103)} أَنَّ ثواب الله خير مِمَّا هم فيه.
{يا أَيُّهَا الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمَعوا} وأحسنوا سماع ما يكلِّمكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويلقي إليكم من الحكمة بآذان وأذهان حاضرة، حتَّى لا تحتاجوا إلى الاستعارة وطلب المراعاة. {وللكافرين عذاب أليم (104)}
{ما يودُّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزَّل عليكم من خير من ربِّكم والله يختصُّ برحمته من يشاء} يعني أنَّهم يرون أنفسهم أحقَّ بأن يوحى إليهم فيحسدونكم، وما يحبُّون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، والله يختصُّ بالنبوَّة من يشاء، {والله ذو الفضل العظيم (105)} فيه إشعار بأنَّ إيتاء النبوَّة من الفضل العظيم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والقد»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «لقسمى»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يعملون». (1/63)
صفحة 64
ما ننسخْ من آية أو نُنسِها} قيل: يجوز نسخُ التلاوةِ، والحكمِ دون التلاوةِ، والتلاوةِ دون الحكمِ. {نأتِ بخيرٍ منها} نأت بآية خير منها للعباد، أي بآيةٍ العملُ بها أكثر للثواب. {أو مثلِها} وقيل: أو مثلها في المنفعة والثواب، وكلُّ ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وأسلم، وما نسخ في الأشقِّ فهو أخطر، وفي الثواب أكبر في ذلك إذ لا فضيلة لبعض الآيات على البعض. {ألم تعلم أنَّ الله على كُلِّ شيء قدير(106)}.
{ألم تعلم أنَّ الله له ملك السماوات والأرض} فهو يملك أموركم ويدبِّرها، وهو أعلم بتعبُّدكم به من ناسخ ومنسوخ. {وما لكم من دون الله من وليٍّ} يلي أموركم، {ولا نصيرٍ(107)} ناصر يمنعكم من العذاب.
{أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدَّل الكفر بالإيمان فقد ضلَّ سواء السبيل(108)} قصده ووسَّطه.
{ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردُّونكم من بعد إيمانكم كفَّارا حسدا} أي لأجل الحسد، وهو الأسف على الخير عند الغير، {من عند أنفسهم} من قِبل شهواتهم لا من قِبل التديُّن والميلِ مع الحقِّ، {من بعد ما تبيَّنَ لهم الحق} أي بعد علمهم بأنَّكم على الحقِّ، {فاعفوا واصفحوا} فاسلكوا معهم عن المجاراة سبيل العفو والصفح عمَّا يكون منهم من العدواة، {حَتَّى يأتي الله بأمره} بالقتال، أو بما يشاء، {إنَّ الله على كُلِّ شيء قدير(109)} فهو يقدر على الانتقام منهم.
{وأقيموا الصلاة [28] وآتوا الزكاة وما تقدِّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إنَّ الله بما تعملون بصير(110)} ترغيبا وتهييجا لفعل الخير.
{وقالوا: لن يدخل الجَنَّة إِلاَّ من كان هودا أو نصارى} قيل: قالت اليهود: لن يدخل الجَنَّة إِلاَّ من كان هودا، و قالت النصارى: لن يدخل الجنَّة إِلاَّ من كان نصارى، وذلك واجب على كُلِّ متديِّن أن يدين لله أنَّ كلَّ من خالفه في دينه فهو في النار.
{ (1/64)
صفحة 65
تلك أمانيُّهم} أشير بها إلى الأمانيِّ المذكورة (لَعَلَّهُ) وهي شهواتهم الباطلة التي تمنَّوها عَلَى [الله] بغير الحقِّ. {قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111)} في دعواكم.
{بلى} إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنَّة. {مَن أسلم وجهه لله} من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره، والمعنى: أي ليس كما قالوا بل الحكم الإسلام، وإنَّما يدخل الجنَّة من أسلم وجهه لله، أخلص دينه أو أخلص عبادته لله، أو خضع وتواضع لله. وأصل الإسلام الاستسلام والخضوع. وخصَّ الوجه لأنَّه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه. {وهو محسن} في عمله، {فله أجره عند ربِّه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112)}.
{وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء}، عَلَى شَيْء يصحُّ ويُعتدُّ به من أمر دين أو دنيا، مبالغة عظيمة، كقولهم: «أقلُّ مِن لا شيء»، لأنَّ دنياهم في الحقيقة إذا كانوا على غير دين تزيدهم خسرانا، فصار ما عليه من أمر دنياهم أمورا وهميَّة مضمحلَّة لا ثبات لها، ولا تعدُّ سببا مع الباقي، عدمه كوجوده بل أشدُّ تخسرا؛ وكذلك قوله تعالى: {لستم على شيء حتَّى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربِّكم} (1). {وهم يتلون الكتاب} أي وهم على خلاف ما وجدوا في كتابهم، وحقّ على من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما وآمن به أن لا يكفر بالباقي، لأنَّ كلَّ واحد من الكتابين مصدِّق للآخر. {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} أي الجهله الذين لا علم عندهم ولا كتاب، كعبدة الأصنام والمعطِّلة، قالوا لأهل كُلِّ دين ليسوا على شيء، وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم. {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113)} أي بين المختلفين.
{__________
(1) - ... سورة المائدة: 68. (1/65)
صفحة 66
ومَن أظلمُ مِمَّن مَنَع مساجد الله أن يُذكَر فيها اسمه وسَعَى في خرابِها} هذا تهدُّد (1) من الله لكلِّ من منع مسجدا من مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها بلهو أو لغو، أو خوض في باطل، أو عمل من أعمال الدنيا يمنع الذاكرين الله بصلاة أو قراءة أو فكر، أو يشغلهم أو [29] يؤذيهم بأكل طعام أو شراب أو إدخال صبيان أو مجانين أو من لا يعقل على غير ضرورة، أو يجعل فيها مدارس لتعليم الصبيان أو قربَها، وكان ذلك مِمَّا يمنع الذاكرين لله فيها أو يشغلهم؛ وكذلك حضور العوامِّ الذين ديدنهم الخوض لأكل فطور أو هجور، أو عزاء ميِّت، أو تفريق شيء من الفواكه، أو أكل نذر، فكلُّ هذا ومثله وما أشبهه من السعي في خرابها والمنع عن عمارتها، وإن كان قد سبق عمل الناس بما ذكرنا وما أشبهه بلا حجَّة من كتاب ولا سنَّة ولا إجماع ولا أثر صحيح ولا حجَّة عقل، وقد قال الله تعالى: {في بُيوتٍ أذن الله أن تُرفع ويُذكرَ فيها اسمه يسبِّح له فيها بالغدوِّ والآصال} (2)، وقال: {وطهِّر بيتي للطائفين والقائمين والركَّع السجود} (3) فأين هذا وعمل الناس اليوم في مساجدهم؟ {أولئك} المانعون حقًّا الظالمون لها صدقا. {ما كان لهم أن يدخلوها إِلاَّ خائفين} أي ما كان ينبغي لهم أنَّ يدخلوا مساجد الله، المعنى ما الحقُّ إِلاَّ كذلك، لولا ظلم الكفر وعتوِّهم، {لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114)}.
{__________
(1) - ... قد يستعمل لفظ “التَّهَدُّد” بدل “التهديد”، قال في اللسان: «والتهدُّدُ والتهديد والتهداد: من الوعيد والتخوُّف». ابن منظور: لسان العرب، ج6/ 781.
(2) - ... سورة النور: 36.
(3) - ... سورة الحج: 26. في الأصل: «والعاكفين»، وهو خطأ، وفي سورة البقرة: 125: {أن طهِّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركَّع السجود}. (1/66)
صفحة 67
ولله المشرق والمغرب فأينما تولُّوا} يعني: تولية وجوهكم شطر القبلة، {فثمَّ وجه الله} أي الجهة التي أمر بها، والمعنى أنَّكم إذا مُنعتم أنَّ تصلُّوا في المسجد الحرام فقد جعلتُ لكم الأرض مسجدا فصلُّوا في أيِّ بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها فإنَّ التولية ممكنة في كُلِّ مكان. {إنَّ الله واسع عليم(115)} أي هو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده، وهو عليم بمصالحهم.
{وقالوا: اتَّخَذَ الله ولدا سبحانه} نزَّه وعظَّم نفسه، {بل له ما في السماوات والأرض} أي هو خالقه ومالكه، {كلٌّ له قانتون(116)} منقادون مقرُّون له بالربوبيَّة، وقيل: مذلَّلون مسخَّرون لِمَا خلقوا له، لا يمتنع شيء عن تكوينه وتقديره.
{بديع السماوات والأرض} أي مخترعهما ومبدعهما، لا على مثال سبق، وكلُّ من فعل ما لم يسبق إليه يقال له أبدع، ولهذا قيل: لمن خالف السنَّة والجماعة: مبتدع، لأنَّه يأتي في دين الإسلام بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون. {وإذا قضى أمرا} أي حَكَمَ أو قدَّر، {فَإِنَّمَا يقول له كن فيكون(117)} معناه أنَّ ما قضاه من الأمور، وأراد كونه إِنَّمَا يتكوَّن ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقُّف، كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل ولا يكون منه إيباء.
{ (1/67)
صفحة 68
وقال الذين لا يعلمون: لولا يكلِّمنا الله} هلاَّ يكلِّمنا، {أو تأتينا آية} استكبارا وعتوًّا، {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} في العمى، فلمَّا تشابهت العقائد تشابهت الأقوال والأعمال لأنَّها نتائجها. {قد بيَّنَّا الآيات لقوم يوقنون(118)} يطلبون اليقين [30] من حجَّة عقل أو كتاب أو سنَّة أو إجماع أو قياس صحيح أو رأي، فما بان لهم فيه اليقين وانشرحت له صدورهم واطمأنَّت به نفوسهم فهو الحقُّ اتَّبعوه، وما بان لهم فيه الباطل رفضوه، وما اشتبه عليهم أنَّه حقٌّ أو باطل وفقوا عنه ولم يقطعوا فيه، وردُّوا علمه إلى الله؛ أو يوقنون الحقائق لا يعتريهم شبهة ولا عناد.
{إِنَّا أرسلناك بِالْحَقِّ} ولم نرسلك عبثا ولا لعبا، وتفسيره ما بعده، {بشيرا} للمؤمنين بالثواب، {ونذيرا} للكافرين بالعقاب، {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم(119)} ولا نسألك عنهم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلَّغت، وبلَغت جهدك في دعوتهم؛ وقيل: و«تَسألْ» على النَّهْيِ، ومعناه تعظيم ما وقع فيه الكفَّار من العذاب؛ و«الجحيمُ» معظم النار.
{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حَتَّى تتَّبع ملَّتهم} أي لا يرضون عنك وإن أبلغت جهدك في رضاهم حتَّى تترك دينك وتتَّبع دينهم، وهذه سنَّة الله في المختلفين في الدين لا يرضى أهل ملَّة عن غيرها من الملل، ولا تقرُّ عينها، ولا ترضى عنها حتَّى تَتَّبع ملَّتها. {قل: إنَّ هدى الله} الذي رضي لعباده، {هو الهدَى} أي الإسلام، وهو الهدى كلُّه ليس وراءه هدى، {ولئن اتَّبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من وليٍّ ولا نصير(120)} فلا يمنعه من عذابه مانع.
{ (1/68)
صفحة 69
الذين آتيناهم الكتاب} هو العاملون بما علموا، {يتلونه حقَّ تلاوته} أي يقرؤونه حقَّ قراءته في الترتيب وأداء الحروف، والتدبُّر والتفكُّر، أو يعملون به ويؤمنون بما في مضمونه. ويوجد عن عبد الله بن إباض في تفسير هذه الآية قال: «وحقُّ تلاوته الإيمان به ووضع الكتاب مواضعه حتَّى يحلَّ ما أحل الله، ويحرِّم ما حرَّم الله، ويحكم بحكم الكتاب، ويضع الأمور مواضعها في جميع ما جاء من الله على ما جاء من الله، فيما تخيره [كذا]، وجعل الكفر به تحريف الكلم عن مواضعه». {أولئك يؤمنون به} أي صفة الذين يتلونه حقَّ تلاوته هم الذين يؤمنون به، وإيمانهم به يقتضي التدبُّر لمعانيه، والتدبُّر لمعانيه يقتضي العمل بما فيه، والإخلاص لله تعالى، وأمَّا الذين لا يؤمنون به لا يتلونه، وإن تلوه لا يتدبَّرون لمعانيه (1)، وإن تدبَّروا لم يعملوا، وإن عملوا لم يخلصوا. {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون (121)} حيث اشتروا الضلالة بالهدى.
{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتِيَ التي أنعمت عليكم وأنِّي فضَّلتكم على العالَمين (122)} على عالَمي زمانكم، وقيل: على عالَمي أجناس الحيوان، وهو تفضيل عظيم إنْ شَكَر النعمة التي فُضِّل بها وخُصَّ بها على غيره، وأفضلها العقل المركَّب فيه، لأنَّ به يستوجب غنى الدارين.
{واتَّقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} أمر الله به ونهى عنه، ليست لأحد في شيء مِمَّا قضى الله به ورسوله. [31] {ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «معانيَه». (1/69)
صفحة 70
وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات} اختبره بأوامر ونواهٍ، {فأتمَّهنَّ} قام بهنَّ حقَّ القيام، وأدَّاهنَّ حقَّ التأدية من غير تفريط ولا تقصير ونحوه: {وإبراهيمَ الذي وفَّى} (1)، خلاف الذين قال فيهم: {فما رَعَوْهَا حقَّ رعايتها} (2)، وقال: {وما (3) قدروا الله حقَّ قَدْرِه} (4). {قال: إِنِّي جاعلك للناس إماما} لأنَّ كلَّ من ابتلاه الله بشيء من دينه فأتمَّه وقام به حقَّ القيام ولم يضيِّعه، ولا ضيَّع شيئًا فرضه الله عليه فواجب أن يؤتمَّ به، لأنَّه سالك طريقة الحقِّ، فواجب أن تُقتفَى منه أقواله وأحواله ويكون إماما وحجَّة لمن اتَّبعه وحجَّة على من خالفه، وطوبى لمن كان إماما للمتَّقين، يسمو عليهم بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات كما قال: {واجعلنا للمتَّقين إماما} (5)؛ وهذا هو الجاه الحقيقيُّ، إذ أمر الله تعالى كافَّة الخلق من الجنِّ والإنس أن يذعنوا وينقادوا إِلىَ طاعته، ومن خالَفَه ظاهَرَه الله وملائكته وأهل طاعته عَلَيه، وأين يكون الجاه الوهميُّ مع هَذَا!. {قال: ومن ذرِّيَّتي قال: لا ينال عهدي الظالمين (124)} أي لا يرتقي لهذه الدرجة الفاضلة من هو ظالم لنفسه، لأنَّ من كان ظالما لنفسه لكان لغيرها أظلم، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إِنَّمَا هو لكشف الظلمة.
{__________
(1) - ... سورة النجم: 37.
(2) - ... سورة الحديد: 27.
(3) - ... في الأصل: «فما»، وهو خطأ.
(4) - ... سورة الأنعام: 91.
(5) - ... سورة الفرقان: 74. (1/70)
صفحة 71
وإذ جعلنا البيت مثابة للناس} مثابة: مرجعا يثاب إليه كلَّ عام، أي وقلنا له: اتَّخِذوا منه موضع صلاة يصلُّون فيه للناس مباءة ومرجعا للحجَّاج والعمَّار، (لَعَلَّهُ) والقائمين والعاكفين والركَّع السجود، يحصلون به الثواب. {وأمنا} أي ذا أمن، {واتَّخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى} للصلاة. عن النخعي: «الحرم كلُّه مقام إبراهيم». {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} أمرناهما، {أن طهِّرا بيتي} قيل: طهِّراه من كلِّ ما يعبد من دون الله، للعابدين الله لأنَّه موضع للعبادة، {للطائفين والعاكفين والركَّع السجود(125)}.
{وإذ قال إبراهيم: رَبِّ اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله} (لَعَلَّهُ) المتَّقين، {من الثمرات} لأنَّه لم يكن لهم ثمرة، {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} (لَعَلَّهُ) دعا للمؤمنين خاصَّة، {قال}: الله تعالى، {ومن كفر فأمتِّعه قليلا} (لَعَلَّهُ) أي سأرزق الكافرَ قليلا إلى منتهى أجله، وذلك أنَّ الله تعالى وعد الرزق للخلق (لَعَلَّهُ) كافَّة، مؤمنهم وكافرهم، وإنَّما (لَعَلَّهُ) قيل بالقلَّة لأَنَّ متاع الدنيا قليل. {ثمَّ أضطره} (لَعَلَّهُ) ألجئه وأدفعه، {إلى عذاب النار} دفع المضطرِّ الذي لا يملك الامتناع إلى عذاب النار، {وبئس المصير(126)}.
{وإذ يرفع إبراهيمُ القواعد من البيت وإسماعيلُ ربَّنا تقبَّل منَّا إِنَّكَ أنت السميع العليم(127)} (لَعَلَّهُ) دلالة على أنَّهما بنيا الكعبة مسجدا لا مسكنا لأنَّهما التمسا القبول، {ربَّنا واجعلنا مسلمين} موحِّدين، ومعناه زدنا إخلاصا وإذعانا، {لك ومن ذرِّيَّتنا أُمَّة مسلمة لك، وأرنا} علِّمنا [32] {مناسكنا} شرائع ديننا وأعلام حجِّنا؛ وقيل: متعبَّداتنا، {وتب علينا} قالا هذه الكلمةَ انقطاعا إلى الله، {إِنَّكَ أنت التَّوَّاب الرحيم(128)}.
{ (1/71)
صفحة 72
ربَّنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك} (لَعَلَّهُ) لأنَّه [كَذَا] من القرآن كلام متَّصل، {ويعلِّمهم الكتاب والحكمة} الحكمة: ما تكمل بها نفوسهم الروحانيَّة، وتمحو بها نفوسهم الجسمانيَّة، وهي العلم والعمل، ولا يكون الرجل حكيما حتَّى يجمعهما. {ويزكِّيهم} ويطهِّرهم من جليِّ الشرك وخفيِّه، (لَعَلَّهُ) ومن صفات أنفسهم، {إِنَّكَ أنت العزيز} (لَعَلَّهُ) الغالب، {الحكيم (129)} تضع الأمور مواضعها.
{ومن يرغب عن ملَّة إبراهيم} أي يترك دينه وشريعته، {إِلاَّ من سَفِه نفسه} استبعاد وإنكار لأَن يكون أحد يرغب عن الملَّة الواضحة الغرَّاء، إِلاَّ من جهل نفسه الذي لم يفكِّر في عاقبته، ومَن عبد غيرَ الله فقد جهل نفسه، {ولقد اصطفيناه في الدنيا} أي بعمل الصافي الخالص من الأعمال، {وإنَّه في الآخرة لمن الصالحين (130)} حجَّة وبيان لذلك، فإنَّ من كان صفوة الله في العباد مشهود له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة كان حقيقا بالاتِّباع لا يرغب عنه إِلاَّ سفيه متسفِّه، أذلَّ نفسه بالجهل والإعراض عن النظر.
{إذ قال له ربُّه: أسلم} أذعن وأطع، وأخلص دينك لله، {قال: أسلمتُ لربِّ العالمين (131)} كأنَّه قال: اذكر ذلك الوقت ليعلم أنَّه المصطفى الصالح المستحقُّ للإمامة والتقدُّم، وأنَّه نال بالمبادرة إلى الإذعان، وإخلاص (1) السرِّ حين دعاه ربُّه، أو خطر بباله دلائله المؤدِّية إلى الإسلام.
{__________
(1) - ... في الهامش: «يعني بكلمة الإخلاص لا إله إِلاَّ الله»، ويبدو أنَّها من إضافة الناسخ. (1/72)
صفحة 73
ووصَّى بها إبراهيم بَنِيه ويعقوب يا بَنِي إنَّ الله اصطفى لكم} أي: اختار لكم؛ وقيل: أعطاكم الدينَ الذي هو صفوة الأديان، {الدين} أي: فرض عليكم دين الإسلام، وهو أنَّ توحِّدوه وتعبدوه وتطيعوه، ولا تعصوه ولا تتعالوا عليه في شيء، ولا تشركوا به شيئًا من هوى نفس وطاعة شيطان، وغرور دنيا. {فلا تَموتُنَّ إِلاَّ وأنتم مسلمون(132)} فلا يكن موتكم إِلاَّ عَلَى حال كونكم ثابتين عَلَى الإسلام، فإنَّ الأمور بالخواتم، والنهي في ظاهر الكلام وقع عَلَى الموت، وإنَّما هو في الحقيقة عن ترك الإسلام، معناه داوِموا عَلَى الإسلام حَتَّى لا يصادفكم الموت إِلاَّ وأنتم مسلمون.
{أم كنتم شهداءَ إذْ حضرَ يعقوبَ الموتُ} والخطاب للمؤمنين، يعني ما شهدتم ذلك، وإنَّما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. {إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا} نفيٌ واعتقادٌ عن أن يعبدوا غيره من آلهة، {ونحن له مسلمون(133)}.
{تلك أُمَّة قد خلت لها ما [33] كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عَمَّا كانوا يعملون(134)} (لَعَلَّهُ) يعني يُسأل كلٌّ عن عمله لا عن عمل غيره.
{وقالوا: كونوا هودا أو نصارى تَهتدوا قل: بل ملَّة إبراهيم حنيفا} الحنيف المائل عن كلِّ دين باطل إلى دين الحقِّ، معناه بل نتَّبع ملَّة ابراهيم حنيفا. قال مجاهد: «الحنيفيَّة اتِّباع ملَّة إبرهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماما للناس. {وما كان من المشركين(135)} تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، لأَنَّ كلاًّ منهم يدَّعي اتِّباع إبراهيم وهو على شرك جليٍّ أو خفيٍّ. (1/73)
صفحة 74
ثمَّ علَّم المؤمنين طريق الإيمان، فقال جلَّ ذكره: {قولوا آمنَّا بالله} يحمل الخطاب للكافرين وغيرهم، {وما أنزل إلينا (1) وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق (2) ويعقوب والأسباط} الأسباطُ: قيل: أولاد يعقوب. {وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيُّون من ربِّهم لا نفرِّق بين أحد منهم} أي نؤمن بالكلِّ، لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، {ونحن له مسلمون (136)} لله مخلصون.
{فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولَّوا} عمَّا تدعونهم إليه، {فَإِنَّمَا هم في شِقاق} فما هم إِلاَّ في شقاق الحقِّ وهو المناوأة والمخالفة، فإنَّ كلَّ واحد من المتخالفين في شقٍّ غير شقِّ الآخر. قال ابن عبَّاس: «في خلاف»، قال: «شاقَّ إذا خالف كلُّ واحد أحدًا في شقٍّ غير شقِّ صاحبه». {فسيكفِيكَهُمُ الله} ضمان من الله لإظهار رسوله عليهم، وهذا عامٌّ لِكُلِّ من دعا إلى الإسلام فلم يقبل المدعَى منه ويحاول في معاداته فسيكفيه الله شرَّه، {وهو السميع العليم (137)}.
{صبغة الله} أي أصبغنَا اللهُ صبغتَه، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإنَّه حلية الإِنسَان المؤمن، كما أنَّ الصبغة حلية المصبوغ، (لَعَلَّهُ) لأنَّه يَظهر أثر الدين على المتديِّن كما يَظهر أثر الصبغ على الثوب. {ومن أحسن من الله صبغة} أي لا صبغة أحسن من صبغته، ولا تطهير أحسن من تطهيره، كما قال: {بل الله يزكِّي من يشاء} (3). {ونحن له عابدون (138)}.
{قل}: يا محمَّد، {أتحاجُّوننا في الله} في توحيده وربوبيَّته، {وهو ربُّنا وربُّكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (139)} أي موحِّدون. قيل الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله لله، فلا يشرك به في دينه أن (لَعَلَّهُ) يعمله من أجل الناس.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «وما أنزل إلينا».
(2) - ... في الأصل: + «وإسحاق».
(3) - ... سورة النساء: 49. (1/74)
صفحة 75
أم تقولون: إنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل}: يا محمَّد، {أأنتم أعلم أم الله} يعنى أنَّ الله شهد لهم بملَّة الإسلام، {ومن أظلم مِمَّن كتم شهادةً عنده من الله} أي كتم شهادة الله التي عنده أَنَّهُ شهد بها، وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفيَّة. {وما الله بغافل عما تعملون (140)}.
{تلك أُمَّة قد [34] خلت لها ما كسبت} (لَعَلَّهُ) لم يبق لها إِلاَّ كسبها، {ولكم ما (1) كسبتم ولا تسألون عَمَّا كانوا يعملون (141)} بل نسألكم عن أعمالكم.
{سيقول السُّفهاء من النَّاس} السُّفهاء من النَّاس، كلُّ من خالف دين الله في شيء منه، ولو بحرف واحد، فهو سفيه في دينه، وإن كان غير سفيه في أمور أخرى، وعلى هذا فالنَّاس كلُّهم سفهاء إِلاَّ المخلصون. {ما ولاَّهم} ما صرفهم، {عن قبلتهم التي كانوا عليها} يعنون بيت المقدس، والقِبلة "فِعْلَة" من المقابلة؛ {قل لله المشرق والمغرب} والأَرْض كلُّها له، {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142)} وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة، من التوجُّه إلى بيت المقدس تارة والكعبة أخرى.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «ما»، وهو خطأ. (1/75)
صفحة 76
وكذلك جعلناكم أُمَّة وسطا} خيارا، وقيل للخيار وسط، لأَنَّ الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محميَّة؛ قال أبو سعيد: «كذلك قوله: {أوسطهم} (1) أفضلهم، وكذلك قوله: {أُمَّةً وسطا}، قال: خيارًا فيما قيل»؛ {لتكونوا شهداء على النَّاس} أي تشهدون أعمالهم من برٍّ وفجور، فتضعون كلاَّ منزلته، وتوفونه حقَّه، {ويكونَ الرَّسُول عليكم شهيدا} كما كنتم شهداء على النَّاس، {وما (2) جعلنا القبلة التي كنت عليها إِلاَّ لنعلم من يتَّبع الرَّسُول مِمَّن ينقلب على عقبيه} إِلاَّ امتحانا وابتلاء، لنعلم الثَّابتَ على الإسلام الصَّادقَ فيه، مِمَّن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه؛ وكذلك جعل كلَّ فتنة حلَّت على أحد من خلقه امتحانا وابتلاء، ليعلم الثَّابت من خلقه على دينه، ليزداد بذلك إيمانا، ويعذِّب من ينقلب على عقبيه، كأنَّه سبق في علمه تحويل القبلة سببا لهداية قوم وضلالة آخرين، لأَنَّ تبديل العادات وترك المألوفات ثقيل على النفوس، إِلاَّ عباد الله المخلصين، وقليل ما هم؛ {وإن كانت لكبيرة} وإن كانت التَّحويلة لكبيرة ثقيلة شاقَّة، {إِلاَّ على الذِينَ هدى الله} إِلاَّ على الثَّابتين الصَّادقين في اتِّباع الرَّسُول، وجميع الطاعة كبيرة شاقَّة، (لَعَلَّهُ) ولا سيما الانقلاب من المنسوخ إلى النَّاسخ، إِلاَّ على المهتدين؛ {وما كان الله ليُضيع} (لَعَلَّهُ) وذلك قيل: إنَّ أنَاسا قالوا للمسلمين: «أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس إن كانت هدى، فقد تحوَّلتم عنها، وإن كانت ضلالة فقد دِنتم لله بها، ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة!، فقال المسلمون: إنَّ الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى عنه، {إيمانَكم إنَّ الله بالنَّاس لرءوفٌ رحيم (143)} لا يضيع أجورهم؛ والرأفة أشدُّ من الرحمة.
{__________
(1) - ... يقصد قوله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبِّحون}. سورة القلم: 28.
(2) - ... في الأصل: - «ما»، وهو خطأ. (1/76)
صفحة 77
قد نرى تقلُّب وجهك في السماء} يتوقَّع من ربِّه نزول الوحي عليه والتحوِلة إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود؛ {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} (لَعَلَّهُ) فلنعطينَّك، {قبلة ترضاها} تحبُّها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة، التي أضمرتها لا الهوائيَّة الجسمانيَّة الشيطانيَّة، ولذلك وافقت مشيئة الله وحكمته، (لَعَلَّهُ) ويرجَى له الثواب على ما طلب من ذلك؛ و (1) {فَولِّ وجهك شطر [35] المسجد الحرام} أي نحوه، {وحيث ما كنتم} من الأَرْض وأردتم الصلاة؛ {فولُّوا وجوهكم شطره، وإنَّ الذِينَ أوتوا الكتاب ليعلمون أَنَّهُ الحقُّ} أنَّ التحويل، تحويل التوجُّه إلى الكعبة هو الحقُّ المنزَّل، {من ربِّهم وما الله بغافل عَمَّا يعملون (144)} فالأوَّل: وعيد للكافرين بالعقاب على الجحود والإيباء، والثاني: وعد للمؤمنين بالثواب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «و». (1/77)
صفحة 78
ولئن أتيت الذِينَ أوتوا الكتاب} أراد ذوي العناد منهم، { بِكُلِّ آية} برهان قاطع، والمعنى لو أتاهم بِكُلِّ آيَة من آيات الله، ليس آيَة دون آية. {ما تَّبعوا قبلتك} لأَنَّ تركهم اتِّباعك ليس على شبهة تزيلها بإيراد الحجَّة، إِنَّمَا هو من مكابرة وعناد مع علمهم لِما في كتبهم من نعتك أنَّك على الحقِّ، وهكذا عادة كلِّ من كان دَيدَنه الحمق والعناد، {وما أنت بتابعٍ قبلتَهم} حسمٌ لأطماعهم إذ كانوا اضطربوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنَّا نرجوا أن يكون صاحبَنا الذي ننتظره، {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} يعني أنَّهم مع اتِّفاقهم على مخالفتك، مختلفون بأنفسهم في شأن القبلة، لا يرجى اتِّفاقهم كما لا يرجى موافقتهم لك، فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس؛ {ولئن اتَّبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم} أي من بعد وضوح البرهان، {إِنَّكَ إذا لَمِن الظالمين(145)} لَمِن المرتكبين الظلم الفاحش، وفي ذلك لطف للسامعين وتهييج للثبات على الحقِّ، وتحذير لمن يترك الدَّلِيل بعد إنارته، ويتَّبع الهوى؛ والخطاب متوجِّه لجميع المتعبِّدين، وكلُّ ما لم يقم الدليل بجوازه فهو اتِّباع الهوى.
{الذِينَ آتيناهم الكتاب يعرفونه} أي الرَّسُول أو القرآن، {كما يعرفون أبناءهم} مبالغة لارتفاع الشكِّ من قلوبهم، ومعرفة الأبناء من غيرهم مع آبائهم ليس فيها للشكِّ مجال. {وإنَّ فريقا منهم} من الذِينَ لم يسلموا، {ليكتمون الحقَّ} حسدا وعنادا، {وهم يعلمون(146)} ذلك لأَنَّ الله بيَّنه في كتابهم، {الحقُّ من ربِّك} كلُّ ما ثبت من عند الله فهو الحقُّ، وما لم يثبت من عنده فهو الباطل الذي لا ثبات له ولا أصل؛ {فلا تكوننَّ من الممترين(147)} الشاكِّين.
{ (1/78)
صفحة 79
ولكلٍّ} من أهل الشرائع والأديان أو الأهواء، {وجهة} قبلة وطريقة متوجِّهون إليها، {هو مولِّيها}، هو مولِّيها وجهَه؛ {فاستبقوا} أنتم أيُّها المؤمنون، أي: تسابَقوا إلى {الخيرات} لِكُلٍّ من المخلوقين وجهة هو مستقبلُها وساعٍ إليها من أمر الدارين، من خير وشرٍّ؛ وأمر الله المؤمنين أن يتوجَّهوا نحو الخيرات ويتسابقوا إليها، ومن كان أسبق كان أفضل، {أين ما تكونوا} أنتم وأعداؤكم، {يأتِ بكم الله جميعا} [36] أي يجمعكم يوم القيامة فيفصل بين المحقِّ والمبطل، وفيه وعد للمحقِّ ووعيد للمشاقق المبطل، {إنَّ الله على كُلِّ شيء قدير (148)}.
{ومن حيث خرجتَ فولِّ وجهَك شطرَ المسجد الحرام وإنَّه لَلحقُّ من ربِّك وما الله بغافل عَمَّا تعملون (149)} (1).
{ومن حيث خرجتَ فوَلِّ وجهَك شطرَ المسجدِ الحرام، وحيث ما كنتم فولُّوا وجوهكم شطرَه، لئلاَّ يكونَ للناس عليكم حجَّة} أي لا تكون حجَّة لمبطل على محقٍّ في شيء، بل الحُجَّة التامَّة له على جميع من خالفه؛ {إِلاَّ الذِينَ ظلموا منهم} قيل: والذِينَ ظلموا من النَّاس فلا يكونون عليكم حجَّة، و“إلاَّ” ههنا بمعنى الواو؛ وقيل: {إِلاَّ الذِينَ ظلموا منهم} فهم مشركو مكَّة أنَّهم قالوا لمَّا صرف قبلتهم إلى الكعبة: إنَّ محمَّدًا قد تحيَّر في دينه فلا تتَّبعوه، والله أعلم بتأويل كتابه؛ {فلا تخشوهم} ويحتمل: {والذِينَ ظلموا منهم فلا تخشوهم} فلا تخافوا مطاعنَتهم في دينكم فإنَّهم لا يضرُّونكم، {واخشوني} فلا تخالفوا أمري، {ولأُتمَّ نعمتي عليكم} بهدايتي إيَّاكم حتَّى أزحزحكم عن النار وأدخلكم الجنَّة التي هي دار القرار، وهو تمام النعمة، {ولَعَلَّكُم تهتدون (150)} ولكي تهتدوا إلى الحقِّ.
{__________
(1) - ... هَذِهِ الآيَة غير واردة في التفسير. (1/79)
صفحة 80
كما أرسلنا فيكم رسولا منكم} من مثلكم في الخلق، {يتلو عليكم آياتنا} أي آيات القرآن، {ويزكِّيكم} ويطهِّركم من خبائث الشيطان، {ويعلِّمكم الكتاب} أي: تنزيله وتأويله، {والحكمة} أي: العمل على مقتضى العلم، {ويعلِّمكم ما لم تكونوا تعلمون (151)} بالفكر والنظر والاستدلال والاستنباط، {فاذكروني} أي: وحِّدوني واعبدوني ولاتشركوا بي شيئًا، {أذكُرْكم} بالتوفيق على الطاعة والثواب عليها، {واشكروا لي} أطيعوني في جميع ما أنعمت به عليكم، {ولا تكفرونِ (152)} ولا تجحدوا نعمائي.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا استعينوا بالصبر} على الأمر والنهي، {والصلاة} التي هي أمُّ العبادات، ومعراج المؤمنين، وقوام الدين ومناجاة رَبِّ العالمين، {إنَّ الله مع الصابرين (153)} بالنصر والمعونة.
{ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ} لمن قتل على طاعته، وسبيلُه طاعتُه كما قال: {قيل: ادخلِ الجنَّة، قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربِّي وجعلني من المكرمين} (1)، وإن كان قيل: إنَّ الآية نزلت فيمن قتل في المعركة مجاهدا في سبيل الله، فأفضل منه من قتِل أو مات في طلب العلم والذبِّ عن الشريعة، وأفضل منهم الأنبياء والرسل عليهم السلام، {بل أحياء ولكن لا تشعرون (154)} لا تعلمون ذلك قبلَ أن يخبركم الله به، لأنَّ حياة الشهيد لا تعلم حِسًّا.
{__________
(1) - ... سورة يس: 27. (1/80)
صفحة 81
ولنبلونَّكم} ولنصيبنَّكم بذلك إصابة، تشبه فعل المختبِر لأحوالكم هل تصبرون على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا، {بشيءٍ} بقليل من كلِّ واحدة من هذه [37] البلايا وطرفٍ منه (1)، وقُلِّل ليؤذن أنَّ كلَّ بلاء أصاب الإنسان ـ وإن جلَّ ــ ففوقه من (2) يقل إليه [كذا]، ويريهم أنَّ رحمته معهم في كلِّ حال؛ وأعلمهم بوقوع البلوى قبل وقوعها ليوطِّنوا أنفسهم عليها، {من الخوف} من خوف العدوِّ، أو الله، {والجوع} أي القحط، أو صوم رمضان، {ونقصٍ من الأموال} بذهابها بشيء من الآفات أو بالزكاة، {والأنفس} بالقتل والموت، أو بالمرض والشيب، {والثمرات} وإهلاك ثمرات الحرث، أو موت الأولاد الذِينَ هم ثمرات الأكباد، {وبشِّر الصابرين (155)} على هذه البلايا، والمسترجعين عند البلايا، لأَنَّ الاسترجاع الحقيقيَّ بتسليم وصبر وإذعان، في الحديث: «من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحاً يرضاه» (3). وطُفئ سراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون»، فقيل: أمصيبة هي؟ قال: «نعم كلُّ شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» (4).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «منها»، أي من البلايا.
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «ما».
(3) - ... لم نعثر عَلَيه في الكتب التسعة. وَأَمَّا الأحاديث الواردة في الاسترجاع عند المصيبة وأنَّ الله يخلف للمؤمن ما هو خير له، فهي كثيرة، منها ما جاء عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ... ». رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، رقم: 1525. العالمية: موسوعة الحديث.
(4) - ... لم نعثر عَلَيه في الكتب التسعة. (1/81)
صفحة 82
الذِينَ إذَا أصابتهم مصيبة} مكروه، {قالوا إِنَّا لله} إقرار له بالملك، ولا يسخط عليه ما يفعله في ملكه، {وَإِنَّا إليه راجعون (156)} إقرار على أنفسنا وما خوَّلناه بالفناء، وأنَّ الأمور كلَّها راجعة إليه، وليس الصبر بالاسترجاع باللِّسان، بل بالقلب بتصوَّر ما خلق لأجله، وأنَّه راجع إلى ربِّه، وبذكر نعم الله عليه، فيرى أنَّ ما بقي عليه أضعاف ما استردَّه منه، فيهون على نفسه ويستسلم له.
{أُولَئِكَ عليهم صلوات من ربِّهم} الصلاة: الرحمة، فوضعت موضع الرأفة، وجمع بينها وبين الرحمة، كقوله: {رأفةً ورحمةً} (1)، {رؤوف رحيم} (2) والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة، {ورحمة} بعد رحمة، {وأُولَئِكَ هم المهتدون (157)} لطريق الصواب حيث استرجعوا، وأذعنوا لأمر الله، وردُّوا الملك إلى مالكه، والأمانة إلى أهلها.
{إنَّ الصفا والمروةَ} هما علَمان لمن تطوَّف بهما، {من شعائر الله} من أعلام دينه ومناسكه ومتعبَّداته، {فمن حجَّ البيت} قصد، {أو اعتمر} زار الكعبة، فالحجُّ: القصد، والاعتمار: الزيارة، ثُمَّ غلبا على قصد البيت وزيارته للنُّسُكَيْنِ، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان؛ {فلا جُناح عليه} فلا إثم، وأصله من جنح، أي: مال عن القصد، {أن يطَّوَّف بهما} أي يتطوَّف، وأصل الطواف: المشيُ حول الشيء، والمراد هنا السعي بينهما؛ {ومن تطوَّع خيرا} أي فعل غير المفرض عليه من زكاة وصلاة وطواف وغيره من أعمال الطاعات، {فإنَّ الله شاكر عليم (158)} مُجازٍ على القليل كثيرا، والشكر من الله أن يعطِي فوق ما يستحقُّ من شكر اليسير، ويعطي الكثير.
{__________
(1) - ... سورة الحديد: 27. وتمامها: {وجعلنا في قلوب الذين اتَّبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إِلاَّ ابتغاء رضوان الله فما رعوها حقَّ رعايتها}.
(2) - ... في مثل قوله تعالى: {ثُمَّ تاب عَلَيهم إِنَّهُ بهم رؤوف رحيم}. التوبة: 117. (1/82)
صفحة 83
إنَّ الذِينَ يكتمون ما أنزلنا من البَيِّنَات} من الآيات الشاهدة بالحقِّ و (1) عليه، والكتمان يحتمل كفرانهم للآيات، لأَنَّ الكفر هو التغطيَّة، ويحتمل [38] كتمانهم لغيرهم ما يجب إظهاره لغيرهم، {والهدى} أي الإسلام، {من بعد ما بيَّنَّاه} وضَّحناه، لأَنَّ الحقَّ واضح جليٌّ سهلٌ يسير على من طلبه، وكلُّه خفيٌّ على من تعامى عنه، {للناس (2) في الكتاب} المنزَّل لم يَدَع فيه موضع إشكال، فعمدوا إلى ذلك المبيَّن فكتموه أو حرَّفوه؛ {أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159)} الذِينَ يتأتَّى منهم اللَّعن، أي يسألون الله أن يلعنهم؛ وقيل: جميع ما خلق الله يلعنه غضبا لله، كما أنَّ المطيع كلُّ شيء يستغفر له رضًى لله.
{إِلاَّ الذِينَ تابوا} عن الكتمان وترك الإيمان، {وأصلحوا} ما أفسدوا من أمورهم، لأَنَّ ترك الإيمان والكتمان من الفساد في الدين، {وبيَّنوا} وأظهروا ما كتموا، وفسَّروا بأصحِّ تفسير، أو عملوا بمقتضاه، فإنَّ ذلك من البيان، وضدُّه الكفر؛ {فأُولَئِكَ أتوب عليهم} أقبل توبتهم، {وأنا التَّوَّاب} الرجَّاع لقلوب عبادي المنصرفة (لَعَلَّهُ) عنِّي إليَّ، {الرحيم (160)} الرحيم بهم بعد إقبالهم عليَّ.
{إنَّ الذِينَ كفروا وماتوا وهم كُفَّار} الذِينَ ماتوا على إصرارهم على الكفر {أُولَئِكَ عليهم لعنةُ الله والملائكة والنَّاس أجمعين (161)} المراد بالنَّاس: المؤمنون والكافرون، إذ يلعن بعضهم بعضا، لم يبق لهم خليل قطُّ.
{خالدين فيها} في اللَّعنة أو في النار، إِلاَّ أنَّها أُضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا، {لا يخفَّف عنهم العذاب (3)، ولا هم يُنظرون (162)} أي: لا يُمهلون أو لا يُنتظَرون ليعتذِروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «و»
(2) - ... في الأصل: - «للناسِ»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: - «العذاب»، وهو خطأ. (1/83)
صفحة 84
وإلهكم إله واحد} أي: إلهُ مَن عَبدَهُ ومَن عَبَدَ غيرَه، واحد لا ثاني له، {لا إله إِلاَّ هو} تقرير بالوحدانيَّة بنفي غيره وإثباته، {الرحمن الرحيم (163)} أي المُوليِ لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا شيء سواه بهذه الصفة، فما سواه إمَّا نعمةٌ وإمَّا منعَم عليه.
{إنَّ في خلق السَّمَاوَات والأَرْض واختلاف الليل والنهار} في اللَّون والطول والقصر، أو تعاقبهما في الذهاب والمجيء، {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع النَّاس وما أنزل الله من السَّماء من ماء فأحيَى به الأَرْض بعد موتها} يُبسها، {وبثَّ} فرَّق {فيها من كُلِّ دَابَّة، وتصريف الرياح} قَبولا ودَبورا، وجنوبا وشمالا، وفي أحوالها حارَّة وباردة، وعاصفة وليِّنة، وعقيما، ولواقح، وتارة بالرحمة، وطورا بالعذاب، {والسحاب المسخَّر} المذلَّلِ المنقادِ لمشيئة الله فيمطر حيث شاء {بين السَّماء والأَرْض لآيات لقوم يعقلون (164)} ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون، ويستدلُّون بهذه الأشياء على قدرة موجدها، وحكمة مبدعها ووحدانيَّة منشئها (لَعَلَّهُ) ولو لم يسبق معرفة الخلق لهذه الآيات وأمثالها لأبهرت عقولهم عند رؤيتها في أوَّل مرَّة؛ في الحديث: «ويل لمن قرأ [39] هذه الآية فمجَّ بها» (1)، أي لم يتفكَّر فيها ولم يعتبرها.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الكتب التسعة. (1/84)
صفحة 85
ومن النَّاس من يتَّخذُ من دون الله أندادا} أي مع هذا البرهان النيِّر مِن النَّاس [مَن] يتَّخذ أندادا، أمثالا من الأصنام، أو الأهوية الضالَّة، لقوله: {أفرأيت من اتَّخذ إلهه هواه} (1) أو الشيطان، كقوله: {لا تعبدِ الشيطانَ} (2)؛ {يُحبُّونهم} يعظِّمونهم ويخضعون لهم، تعظيم المحبوب {كحبِّ الله} كتعظيم الله والخضوع له، أي: يحبُّون الأصنام كما يحبُّون الله يعني يسوُّون بينهم وبينه في محبَّتهم، لأنَّهم كانوا يقرُّون بالله ويعبدونه في أحوال، ويعبدون وينقادون لآلهتهم في أحوال؛ وقيل: يحبُّونهم كحبُّ المؤمنين اللهَ؛ {والذِينَ آمَنُوا أشدُّ حبًّا لله} لأَنَّه لا تنقطع محبَّتهم لله في شدَّة ولا رخاء، ومحبَّة الكافرين الأنداد فإنَّها لأغراض فاسدة موهومة، تزول بأدنى سبب، كما قال: {وإذا مسَّكم الضرُّ في البحر ضلَّ من تدعون إِلاَّ إيَّاه} (3)، فهذا في الدنيا، وفي الآخرة قال: {وتركتُم ما خوَّلناكم وراءَ ظهوركم، وما نرى معكم شفعاءكم الذِينَ زعَمتم أنَّهم فيكم شركاءُ، لقد تقطَّع بينكم وضلَّ عنكم ما كنتم تزعمون} (4).
{ولو يرى} ذلك لرأيت أمرا عظيما (5)، {الذِينَ ظلموا} إشارة إلى متَّخذي الأنداد، {إذ يرون العذاب} عند الموت أو في الآخرة {أنَّ القوَّة لله جميعا} لم تبق لذي قوَّة قوَّته إِلاَّ الله، {وأنَّ الله شديد العذاب (165)} أي ولو يعلم هؤلاء الذِينَ ارتكبوا الظلم العظيم باتِّخاذهم الأنداد، أنَّ القدرة كلَّها لله على كلِّ شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم، ويعلمون شدَّة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة.
{__________
(1) - ... سورة الجاثية: 23.
(2) - ... سورة مريم: 44.
(3) - ... سورة الإسراء: 67.
(4) - ... سورة الأنعام: 94.
(5) - ... نلاحظ أنَّ المصنِّف فسَّر هَذِهِ الآيَة عَلَى رواية ورش: {ولو تَرى ... } بأسلوب الخطاب، وهي عَلَى رواية حفص بأسلوب الغائب. (1/85)
صفحة 86
إذ تبرَّأ الذِينَ اتُّبعوا} وهم الأنداد المتبوعون، {من الذِينَ اتَّبعوا} من الأتباع العابدين (1) غير الله، {ورأوا العذاب} أي بِتَراءٍ، وفي حال رؤيتهم العذابَ، {وتقطَّعت بهم الأسباب (166)} الوصلات التي كانوا يتواصلون بها، والأرحام التي كانوا يتعاطفون بها، والمعنى: زال عنهم كلُّ سبب يمكن أن يتوصَّل به من مودَّة أو عهد أو قرابة، التي كانت من الاتِّفاق على دين واحد، والأغراضِ الداعية (2) الباطلة الزاهقة عند بيان الحقائق وانكشافها، لأَنَّ الظواهر تنمحق والبواطن تتحقَّق.
{وقال الذِينَ اتَّبعوا} أي الأتباع، {لو أنَّ لنا كرَّة} رجعة إلى الدنيا، {فنتبرَّأَ منهم} على سبيل المجاراة لأنَّهم يتعذَّبون ببراءتهم من بعضهم بعضٍ، {كما تبرَّءوا منَّا} أي بترك طاعتهم وعبادتهم والانقياد إليهم، كما تركونا ووحَّدونا، لأَنَّا علمنا أنَّهم لا ينفعونا إن عبدناهم، ولا يضرُّونا إن تركناهم، وفي هذا يدخل جميعُ ما يشغل عن طاعة الله من جميع معاصي الله التي تعود عليهم حسرات [40] كما قال: {كذلك يُريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم} أي: أنَّ أعمالهم التي يحسبونها شيئًا، ولم يجدوها (3) كما حسبوها تنقلب حسرات عَلَيهم، فلا يرون إِلاَّ حسراتٍ مكان أعمالهم؛ {وما هم بخارجين من النار (167)} بل هم فيها دائمون، باقون ببقاء الله.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لعابدين»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولم يظهر معنى هَذِهِ الكلمة في هَذَا السياق، وَلَعَلَّ صوابها: «المتداعية»، مِن «تداعى البناءُ والحائط للخراب، إذا تكسَّر وآذن بانهدام». أي أنَّ الأغراض الباطلة تتداعى وتتحطَّم أمام الحقِّ. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 2/ 988، مادَّة «دعا».
(3) - ... في الأصل: «يجددوها»، وهو خطأ. (1/86)
صفحة 87
يا أَيُّهَا النَّاس كلوا مِمَّا في الأَرْض حلالا طيِّبا} أي كلوا مِمَّا أحل الله لكم منها، والحلالُ جميع المباح لأَنَّ أصله كان حلالا، إِلاَّ ما حرَّمه الله عليهم بالاستثناء، وله أن يركب الحلال مباحا له من المأكولات والمشروبات والمركوبات والمنكوحات، (لَعَلَّهُ): وَهُوَ مراده فيهم ذلك. {ولا تتَّبعوا خطوات الشيطان} طرُقه التي يدعوكم إليها إلى ارتكاب ما نهاكم الله عنه؛ والخطوة في الأصل ما بين قدمي الخاطي، يقال: اتَّبع خطواته إذا اقتدى به واستنَّ بسنَّته. {إِنَّهُ لكم عدوٌّ مبين (168)} ظاهر العدواة غرور، (لَعَلَّهُ) ولا تناقض هذه الآيَةُ قولَه: {والذِينَ كفروا أولياؤهم الطاغوتُ} (1) أي الشيطان، إنَّه عدوٌّ للناس حقيقة، ووليُّهم فإنَّه يريهم في الظاهر الموالاة ويزيِّن لهم أعمالهم، ويريد بذلك هلاكهم.
{إِنَّمَا يأمركم} بيان لوجوب الانتهاء عن اتِّباعه، وظهور عداوته، أي لا يأمركم بخير قطُّ، إِنَّمَا يأمركم {بالسوء} بالقبح، لأنَّها تسوء فاعلها، {والفحشاء} وما يتجاوز الحدَّ في القبح من العظائم؛ وقيل السوء ما لا حدَّ فيه، والفحشاء ما فيه حدٌّ. {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169)} هو جميع الكذب، ويدخل فيه استعمال الجوارح لِما لم تخلق له، وكلُّ ما يضاف إلى الله مِمَّا لا يجوز عليه.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 257. (1/87)
صفحة 88
وإذا قيل لهم} أي للنَّاس، {اتَّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتَّبع ما ألفينا} وجدنا {عليه آباءنا} فإنَّهم كانوا خيرا منَّا وأعلم، فردَّ الله عليهم بقوله: {أولو كان آباؤهم} معناه التعجُّب: أيتَّبعونهم ولو كان آباؤهم! ... {لا يعقلون شيئا} قطعا من أمر دينهم ودنياهم لأنَّهم لا يعقلون عاقبة شيء ولما خُلق له ذلك الشيء من جميع المخلوقات، وإنَّما هو كالبهائم التي لا تسمع {إِلاَّ دعاء ونداء، صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون} «شيئًا»: من الأشياء نفى عنهم عن (1) أن يعقلوا شيئًا، لأنَّهم وإن عقلوا ما عقلوه من غير الدين لم ينتفعوا به في دينهم إذ لم يعقلوا جميع اللَّوازم، لأَنَّ الدين لا يتجزَّأ، ولذلك (2) في قوله تعالى: {لا يعلمون شيئًا} (3). {ولا يهتدون (170)} (لَعَلَّهُ) لشيء من الصواب.
{ومَثَلُ الذِينَ كفروا} أي: وَمَثل داعي الذِينَ كفروا، {كمثل الذي ينعق} يصيح، {بما لا يسمع إِلاَّ دعاء ونداء} والمعنى أنَّهم لا يسمعون من الدعاء إِلاَّ جرس النغمة ودويِّ الصوت، من غير إصغاء أذهان ولا استبصار، كالبهائم التي لا تسمع إِلاَّ نداء الناعق ونداء الذي هو تصويت [41] لها وزجر لها، ولا تفقه شيئًا آخر كما يفهم العقلاء؛ والنعيق: التصويت، يقال: نعق المؤذِّن ونعق الراعي بالضَّأن؛ والنداء: ما يُسمع، والدعاء قد يُسمع وقد لا يُسمع. {صمٌّ بكمٌ عُميٌ} عن الحقِّ، {فهم لا يعقلون (171)} الموعظة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «عن».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومثل ذلك».
(3) - ... في قوله تعالى: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون}. سورة المائدة: 104. (1/88)
صفحة 89
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كلوا من طيِّبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إِيَّاهُ تعبدون (172)} أمر الله المؤمنين أن يتحرَّوا طيِّبات ما رُزقوا ويقوموا بحقوقها، فقال: {واشكروا لله} على ما رزقكم وأحل لكم، {إن كنتم إيَّاه تعبدون}، فإنَّ عبادته لا تتمُّ إِلاَّ بالشكر لإتمامه، وهو عدم عند انعدامه. وعن النبيِّ - عليه السلام -: «يقول الله إنِّي والإنس والجنّ في نبإٍ عظيم أخلقُ ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكر غيري» (1).
{إِنَّمَا حرَّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلَّ به لغير الله} أي: ذبح للأصنام، فذكر عليه غير اسم الله؛ {فمن اضطرَّ غير باغ} للذَّة وشهوة، {ولا عادٍ} متعدٍّ غير الحاجة، وأصل البغي قصدُ الفساد، وأصل العدوان الظلمُ ومجاوزة الحدِّ، {فلا إثم عليه إنَّ الله غفور رحيم (173)}.
{إنَّ الذِينَ يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أُولَئِكَ ما يأكلون في بطونهم إِلاَّ النار} لأنَّه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه، فكأنَّه أكل النار، {ولا يكلِّمهم الله يوم القيامة} كلام رضًى، وبما يسرُّهم، إِنَّمَا يتوعَّدهم بالنار، وَهُوَ (لَعَلَّهُ) ما يجدونه في كتابهم من ديوان سَيِّئَاتهم، {ولا يزكِّيهم} ولا يطهِّرهم من رجس ذنوبهم من حيث لم يطهِّروا أنفسهم منها، {ولهم عذاب أليم (174)}.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الكتب التسعة. (1/89)
صفحة 90
أُولَئِكَ الذِينَ اشتروا الضلالة بالهدَى} (لَعَلَّهُ) لمَّا لم ينتفع بعمله فصار وجوده أشدَّ عليه من عدمه، {والعذابَ بالمغفرة} لكتمان الحقِّ للأغراض الدنيويَّة؛ {فما أصبرهم على النار (175)}؟ فأيُّ شيء صبَّرهم واضطرَّهم على عمل يؤدِّي إلى النار، وهذا استفهام معناه التوبيخ، فقد سمَّى الله الضلالة نارا، فقد باعوا نِعَم الدارين بعذاب الدارين؛ قيل: فما أصبرهم عَلَى عمل أهل النار، أي: ما أدوهم (1) عليه؛ {ذلك بِأَنَّ الله نزَّل الكتاب بِالْحَقِّ} (لَعَلَّهُ) يعني: ذلك العذاب بأَنَّ الله نزَّل الكتاب بالحقِّ، فأنكروه وكفروا به؛ {وإنَّ الذِينَ اختلفوا في الكتاب} أي بالدِّين، فقالوا في بعضها حقٌّ، وفي بعضها باطل، {لفي شقاق} خلافٍ {بعيد (176)} عن الحقِّ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ما أدومهم». (1/90)
صفحة 91
ليس البرَّ أن تولُّوا} أي: ليس البرَّ توليتُكم {وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب} (لَعَلَّهُ) أي: أن يقوم المصلِّي يصلِّي على غير تقوى، {ولكنَّ البرَّ مَن (1) آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيِّين، وآتى المال على حبِّه} قيل: إنَّ الهاء راجعة إلى المال، الذي أعطى المال في حال صحَّته وحجيَّته المالَ؛ وقال ابن مسعود: «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر». وقيل: هي عائدة إلى الله، أي على حبِّ الله [42]، {ذوي القربى واليتامى} المراد الفقراء من ذوي القربى، واليتامى المحتاجين، {والمساكين وابن السبيل} المسافر المنقطع عن ماله، (لَعَلَّهُ) وفي خ (2) ابن السبيل المسافر الذي انقطع عنه ما يكفيه في سفره، وسمِّي ابن السبيل لملازمته له، و (لَعَلَّهُ) الضيف، صرَّح بِهِ السلف؛ {والسائلين وفي الرقاب} في معاونة المكاتبين إذا كانوا أهلا لذلك، وأنت أهل للبذل، {وأقام الصلاة} المكتوبة، {وآتى (3) الزكاة} المفروضة، قيل: هو توكيد للأوَّل، وقيل: المراد بالأوَّل نوافل الصدقات والمبارُّ، {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} الله والنَّاس، {والصابرين في البأساء} الشدائد، {والضرَّاء} المرض والزمانة (4)، {__________
(1) - ... في الأصل: - «مَن»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّه يقصد بالحرف “خ” «نسخة».
(3) - ... في الأصل: «وإيتاء»، وهو خطأ.
(4) - ... الزمانة: الآفة، قال في اللسان: «والزمانة آفة في الحيوانات، ورجل زمِنٌ أي مبتلى بيِّن الزمانة. والزمانة: العاهة. زمِنَ يزمَن زمَنا وزُمْنةً وزَمانة فهو زَمِنٌ، والجمع: زَمِنون؛ وزمِينٌ والجمع: زَمْنَى، لأنَّه جنس للبلايا التي يصابون بها ويدخلون فيها وهم لها كارهون ... » .. ابن منظور: لسان العرب، 3/ 49 (1/91)
صفحة 92
وحين البأس} وقت القتال؛ {أُولَئِكَ الذِينَ صدقوا} (لَعَلَّهُ) إيمانهم اللَّفظيَّ باتِّباع الحقِّ وطلب البرِّ وترك الشهوات، {وأُولَئِكَ هم المتَّقون (177)} عن الكفر وسائر الرذائل؛ والآيَة كما ترى جامعة للكمالات الإنسانيَّة بأسرها، دالَّة عليها صريحا وضمنا، فإنَّها بكثرتها وتشعُّبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحَّة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتب عليكم القصاص} عبارة عن المساواة، {في القتلى} المعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى، {الحرُّ بالحرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فمن عُفي له من أخيه شيء} أي تُرك له وصُفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص، وهذه توصيَّة للعافي والمعفوِّ عنه جميعا؛ {فاتِّباعٌ بالمعروف، وأداءٌ إليه بإحسان} يعني: أن الوليَّ إذا أعطي له شيء من مال أخيه، يعني القاتل بطريق الصلح، فليأخذه بمعروف من غير تعنيف، وليؤدِّه القاتل إليه بلا تسويف، {ذلك} (1) الحكم المذكور من العفو وأخذ الديَّة؛ {تخفيف من ربِّكم ورحمة} فإنَّه قيل: كان في التوراة القتل لا غير، وفي الإنجيل العفوُ (لَعَلَّهُ) بِغيرِ بَدَلٍ لا غير؛ وأبيحَ لنا (2) القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصلح توسعة وتيسيرا؛ {فمن اعتدى بعد ذلك} التخفيف، فيجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الديَّة، {فله عذاب أليم (178)} في الدنيا والآخرة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ذلكم»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «النا»، وهو خطأ. (1/92)
صفحة 93
ولكم في القصاص حياة} لكلام فصيح [كَذَا] لما فيه من الغرابة، إذ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جُعل طِراقا للحياة، (لَعَلَّهُ) لأَنَّ بالمجازاة يكفُّ الخلق بعضهم عن بعض الاعتداءَ، لأَنَّ أكثرهم لا يردعهم خوف الله تعالى، لأنَّه إذا همَّ بالقتل فعلم أنَّه يقتصُّ منه، فارتدع سلِم صاحبه من القتل، وسلم هو من القوَد، [43] فكان القصاص سبب حياة نفسين؛ وقيل: كانوا في الجاهليَّة يقتلون بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة ويقع بينهم التناصر؛ وفي تعريف القصاص وتنكير الحياة بلاغة بيِّنة، لأَنَّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص، حياة عظيمة، {يا أولي الألباب لَعَلَّكُم تتَّقون(179)} تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به، وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمَّة ومن يقوم مقامهم بذلك.
{كُتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ} أي: إذا دنا منه وظهرت أماراته، {إن تَركَ خيرا} مالا كثيرا، وسمِّي خيرا لأنَّه يُعين على الوصول إلى دار الخير وهي الجنَّة، كما سمِّيت نعمة الدنيا نعمة لأنَّها توصل إلى النعمة الأبديَّة. {الوصيَّة للوالدين والأقربين بالمعروف} (لَعَلَّهُ) أي: الشيء الذي يعرف العقلاء أنَّه لا جور فيه ولا حيف، {حقًّا على المُتَّقِينَ(180)} أي: حقُّ ذلك على أهل التقوى.
{فمن بدَّله بعدما سمعه فَإِنَّمَا إثمه على الذِينَ يبدِّلونه} قيل: إنَّه الورثة والوصيُّ، أو أحدهما، {إنَّ الله سميع عليم(181)}.
{فمن خاف من موصٍ جنفا} ميلا عن الحقِّ بالخطإ في الوصيَّة، {أو إثما} تعمُّد للحيف، {فأصلح بينهم فلا إثم عليه إنَّ الله غفور رحيم(182)}.
{ (1/93)
صفحة 94
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتب} أي فُرض {عليكم الصيام كما كُتب على الذِينَ من قبلكم لَعَلَّكُم تتَّقون (183)} المعاصي بالصيام، فالصائم أَمنَعُ لنفسه وأردع لها من مواقعة السوء؛ {أَيَّاما معدودات فمن كان منكم مريضا} لا يقدر أن يصوم، أو يخاف من الصوم زيادةَ المرض، {أو على سفر فعدَّة من أَيَّام أُخَر} قال أبو سعيد: «ولا يخرج في معنى الاعتبار في الإفطار، إِلاَّ بمعنى صرف المشقَّات، وكذلك القصر في الصلاة». {وعلى الذِينَ يُطيقونه فدية طعام مسكين} قيل: الإطعام منسوخ، وليس على العبد إِلاَّ الصيام إن قدر، وإن لم يقدر فلا إطعام عليه؛ وقيل: إذا عجز عنه صيم عنه وأُطعم عنه؛ {فمن تطوَّع خيرا} فزاد على مقدار الفدية، {فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184)}.
{شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبَيِّنَات من الهدى والفرقان} أي أُنزل هداية للناس إلى الحقِّ، وهو آيات واضحات مكشوفات مِمَّا يهدي إلى الحقِّ، ويفرِّق بين الحقِّ والباطل؛ ذَكَر أوَّلاً أنَّه هدي، ثُمَّ ذكر أنَّه من جملة ما هدى به الله، وفرق به بين الحقِّ والباطل من وحيه وكتبه السماويَّة الفارقة بين الهدى والضلال؛ {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدَّة من (1) أَيَّام أخر يريد الله بكم اليسر} فيما تعبَّدكم به، لأَنَّ دينه كلَّه يسرٌ لأوليائه، وكلَّه مشقَّة على أعدائه، {ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدَّة [44] ولتكبِّروا الله على ما هداكم} ولتعظِّموا الله عَلَى ما هداكم من أمر دينه، {ولَعَلَّكُم تشكرون (185)} كي تشكروا.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «مِن»، وهو خطأ. (1/94)
صفحة 95
وإذا سألك عبادي عنِّي فًإِنِّي قريب} عِلما وإجابة، لتعاليه عن القرب مكانا وهو قريب لمن سأل؛ {أجيبُ دعوةَ الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي} إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أنِّي أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم، {وليؤمنوا بي لَعَلَّهُمْ يرشدون (186)} كأنَّ إجابة الدعوة مستجابة لمن استجاب لله تعالى فيما أوجبه عليه، لأنَّه قال: {وإذا سألك عبادي} كأنَّه الذِينَ يعبدونه ولا يشركون به شيئًا، ثُمَّ قال: {فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} فصحَّ ذلك للمؤمنين المستجيبين لله تعالى، وقال في آيَة أخرى: {وما دعاء الكافرين إِلاَّ في ضلال} (1).
{__________
(1) - ... سورة الرعد: 14. (1/95)
صفحة 96
أُحلَّ لكم ليلة الصيام الرَّفَث} الجماع {إلى نسائكم} زوجاتكم وإمائكم، {هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهنَّ} قيل: لباس أي ستر عن الحرام، {علم الله أَنَّكُمْ كنتم تختانون أنفسكم} تظلمونها بالجماع وتنقصون حظَّها من الخير، والاختيان: مِن الخيانة، كالاكتساب: من الكسب، {فتاب عليكم} حين تبتم، {وعفا عنكم} ما فعلتم قبل الرخصة، {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حَتَّى يتبيَّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثُمَّ أتمُّوا الصيام إلى الليل ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد} العكوف: هو الإقامة على الشيء، والاعتكاف في الشرع: هو الإقامة في المسجد على عبادة الله؛ {تلك حدود الله} حدود الله ما منع الله عنها من مخالفتها، {فلا تقربوها} نهى أن نقرب الحدَّ الحاجز بين الحقِّ والباطل لئلاَّ يُدانَى الباطل فضلا أن يُتخطَّاه، كما قال - عليه السلام - : «إنَّ لِكُلِّ ملك حمى وحمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» (1) ،
__________
(1) - ... رواية البخاري عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ». وراه البخاري، في كتاب الإيمان، حديث رقم 50، وَفيِ كتاب البيوع؛ ورواه مسلم في كتاب المساقاة؛ والترمذيُّ في كتاب البيوع، وغيرهم..& (1/96)
صفحة 97
وهو أبلغ من قوله: «فلا تعتدوها»، ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه؛ {كذلك يُبَيِّن الله آياته} شرائعه، {للناس لَعَلَّهُمْ يتَّقون (187)}.
{ولا تأكلوا أموالكم بينكم} أي لا يأكل بعضكم مال بعض، {بالباطل} أصل الباطل الشيء الذاهب بالوجه الذي لم يحبَّه الله ولم يشرِّعه، {وتدلوا بها إلى الحكَّام} ولا تلقوا أمرها إلى الحكَّام، {لتأكلوا} بالتحاكم، {فريقا} طائفة {من أموال النَّاس بالإثم وأنتم تعلمون (188)} أنَّكم على الباطل، وارتكابُ المعصية مع العلم بقبحها أقبحُ، وصاحبه بالتوبيخ أحقُّ.
{يسألونك عن الأهلَّة قل هي مواقيت للناس والحجِّ} أي معالم يؤقِّت بها النَّاس مزارعهم [45] ومتاجرهم ومحالَّ ديونهم وصومهم وفطرهم وزكاتهم، وعِدَد نسائهم وحيضهنَّ، ومُدد حملهنَّ وغير ذلك؛ ومعالم الحجِّ يعرف بها وقته، {وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنَّ البِرَّ من اتَّقَى وأتوا البيوت من أبوابها} أي باشروا الأمور من وجوهها التي تحب أن تباشر منها، أيَّ الأمور كان، ولا تعكس انعكاسا على أمِّ الرأس، كقوله: {أفمن يمشي مكبًّا على وجهه} (1). {واتَّقوا الله} فيما تعبَّدكم به {لَعَلَّكُم تفلحون (189)} لتفوزوا بالنعيم السرمديِّ.
{وقاتلوا في سبيل الله} لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، {الذِينَ يقاتلونكم} الكفرةَ كلَّهم، بعد الدعوة إلى أن يرجعوا إلى ما خالفوا فيه الحقَّ، حَتَّى يكون الدين كلُّه لله لا شريك له فيه، ويدخل في هذا الخطاب مقاتلة الأعداء (2) الباطن إبليس وأعوانه، حتَّى لا يتابَعوا فيما يوسوسون فيه، {ولا تعتدوا} بترك ما أمرتم به وفعل ما نهيتم عنه؛ وقيل: ولا تعتدوا بقتال من نُهيتم عن قتاله، أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة، {إنَّ الله لا يحِبُّ المعتدين (190)} ما حدَّه وفرضه.
{__________
(1) - ... سورة الملك: 22.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أعداءِ»، بالتنكير عَلَى أَنَّهُ مضاف. (1/97)
صفحة 98
واقتلوهم حيث ثقفتموهم} وجدتموهم، والثقف: وجود على وجه الأخذ والغلبة، {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} من مكَّة وغيرها، {والفتنة أشدُّ من القتل} والفتنة هاهنا: فعل معصية الله ظاهرًا بين ظهراني الإسلام، مع القدرة على تغييرها وإنكارها، وهي أشدُّ من قتال فاعليها، لأَنَّ ذلك يرجى انكشافها (1)، ويطاع الله ولايعصى إِلاَّ سريرة، فإنَّ ذلك لايضرُّ إِلاَّ فاعلها. {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حَتَّى يقاتلوكم فيه} أي ولا تبدأوا بقتالهم في الحرم حَتَّى يبتدئوا. {فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191)}.
{فإن انتهوا} عن معاصي الله، {فإنَّ الله غفور} لِمَا سلف من ذنوبهم {رحيم (192)} بقبول توبتهم.
{وقاتلوهم حَتَّى لا تكون فتنة} معصية يجب إنكارها، {ويكون الدين لله} خالصا، ليس للشيطان نصيب، أي لا يعبد دونه شيءٌ ظاهرا: هوى ولا شيطان ولا نفس ولا دنيا، {فإن انتهوا فلا عدوان إِلاَّ على الظالمين (193)} أنفسهم بحبِّ الأدنى.
{الشهر الحرام بالشهر الحرام} أي: وهذا الشهر بذاك الشهر وهتكه بهتكه، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم، {والحرمات قصاص} أي: كلّ حرمة يُجزِي يُجزِي (2) فيها القصاص، مَن هَتَك حرمة ــ أيَّ حرمة كانت ــ اقتُصَّ منه بِأَن تهتك له حُرْمَةٌ (3)، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم [46] نحو ذلك؛ وأكَّد ذلك بقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} أي: بعقوبة مماثلة لعداواتهم. {واتَّقوا الله} في ما حدَّه وفرضه وبيَّنه، {واعلموا أنَّ الله مع المُتَّقِينَ (194)} بالنصر والتوفيق.
{__________
(1) - ... في الأصل: «انكشفافهاها».
(2) - ... كذا في الأصل: والصواب - «يجزي».
(3) - ... يمكن أن نقرأ: «حُرَمُهُ». (1/98)
صفحة 99
وأنفقوا في سبيل الله} في رضى الله، {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} التهلكة كُلُّ ما عاقبته إلى الهلاك، معناه أنَّ ذلك العبد إذا واقع المعصية أو السيِّئة، ثُمَّ تعرض له معصية أخرى فيركبها من أجل فعله المعصية السابقة منه، ثُمَّ يمضي قدما بترك الطاعات للمعصية الماضية منه، ويركب المعاصي للمعصية التي سبقت منه، فذلك هو إلقاؤه بيده إلى التهلكة. وحثَّه مع ذلك وأَمَره فقال: {وأحسنوا} أي وتوبوا من المعصية كلِّها الأولى والآخرة، ولا تتركوا شيئًا من الطاعة لمعصية، ولا تركبوا شيئًا من المعصية لمعصية، {إنَّ الله يحِبُّ المحسنين(195)} لأنفسهم بالطاعة.
{ (1/99)
صفحة 100
وأتمُّوا الحجَّ والعمرة لله} أدُّوهما تامَّين بشرائطهما لوجه الله بلا توان، {فإن أحصرتم} يقال: أحصر فلان إذا منعه أمر، من خوف أو مرض أو عجز، وحُصر إذا حبسه عدوٌّ عن المضيِّ، وعندنا الإحصار يثبت لِكُلِّ منع كان، لظاهر النصِّ. {فما استيسر من الهدْيِ} يعني فإن مُنعتم من المضيِّ إلى البيت وأنتم محرِمون لحجٍّ أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلُّل ما استيسر من الهدي، من بعير أو بقرة أو شاة، {ولا تحلقوا رءوسكم حَتَّى يبلغ الهدي محلَّه} أي لا تحلقوا (1) الرأس حتَّى تعلموا أنَّ الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ محلَّه. {فمن كان منكم مريضا} فمن كان به مرض يحوِّجه إلى الحلق، {أو به أذى من رأسه} وهو القمَّل أو الجراحة، {ففدية من صيام} ثلاثة أيَّام {أو صدقة} ستَّة مساكين، {أو نسك} شاة؛ {فإذا أمنتم} الإحصار، {فمن تمتَّع} استمتع {بالعمرة إلى الحجِّ} استمتاعه باستباحة ما كان محرَّما عَلَيه إِلىَ أَنْ يحرِم بالحجِّ، {فما استيسر من الهدي} هدي المتعة، {فمن لم يجد} المتعة، {فصيام ثلاثة أَيَّام في الحجِّ وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن (2) أهله حاضري المسجد الحرام واتَّقوا الله} فيما تعبَّدكم به، {واعلموا أنَّ الله شديد العقاب (196)} لمن لم يتَّقه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «تحلق تحلق».
(2) - ... في الأصل: - «يكن»، وهو خطأ. (1/100)
صفحة 101
الحجُّ أشهر معلومات} [47] (1)، معروفات عند النَّاس لا يشكلن عليهم، ولا يحتجن إلى تخصيص بتفسير. {فمن فرض فِيهِنَّ الحجَّ (2)} ألزم نفسه بالإحرام فِيهِنَّ، {فلا رفث} وهو الجماع وما تولَّد من أسبابه، {ولا فسوق} هو المعاصي، {ولا جدال في الحجِّ} ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكَّارين ولا غيرهم، وإنَّما أمر باجتناب ذلك ــ وهو واجب الاجتناب في كلِّ حال ــ لأنَّه مع الحجِّ أسمج، أي: أقبح، كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن، ثُمَّ حثَّ على فعل الخير عُقَيب النهي عن الشرِّ، وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسَن، ومكان الفسوق البرَّ والتقوى، ومكان الجدال الوفاق وحسن الأخلاق، فقال: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} واعلموا بأنَّه عالم به يجازيكم عليه. وقيل: كان أهل اليمن لا يتزوَّدون ويقولون: نحن متوكِّلون، فيكونون كَلاًّ على النَّاس فنزل فيهم: {وتزوَّدوا} أي: وتزوَّدوا واتَّقوا الاستطعام وإبرام النَّاس والتثقيل عليهم. {فإنَّ خير الزاد التقوى} أي الاتِّقاء عن الإبرام والتثقيل، وتزوَّدوا للمعاد باتِّقاء المحظورات (3) فإنَّ خير الزاد اتِّقاؤها، {واتَّقون} (4) وخافوا عقابي {يا أولي الألباب (197)} فإن قضيَّة اللُّبِّ تقوى الله، ثُمَّ أمرهم بِأَنَّ المقصود منها هو الله فتبرَّأوا عن كلِّ شيء سواه، وهو مقتضى العقل المعرَّى عن شوائب الهوى، فلذلك خصَّ أولي الألباب بهذا الخطاب.
{__________
(1) - ... في الأصل إعادة لفقرة سابقة من 16 سطرا، وتبدأ بـ: «التهلكة كلُّ ما عاقبته إلى الهلاك ... »، وتنتهي بقوله: « ... لمن لم يتَّقه. {الحجُّ أشهر معلومات}».
(2) - ... في الأصل: - «الحج»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «المحصورات»، وهو خطأ.
(4) - ... في الأصل: «وتقون»، وهو خطأ. (1/101)
صفحة 102
ليس عليكم جُناحٌ أن تبتغوا} في موسم الحجِّ، {فضلا من ربِّكم} عطاء منه وتفضُّلا [48] وهو النفع والربح في التجارة والكراء. {فإذا أفضتم} دفعتم بكثرة وهو من إفاضة الماء وهو صبُّه، {من عرفات فاذكروا الله} بالتلبية والتهليل والتكبير أو بصلاة المغرب، {عند المشعر الحرام} والمشعر: العَلَم، لأنَّه معلم للعبادة، {واذكروه كما هداكم} أي اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة، واذكروه كما علَّمكم، {وإن كنتم من قَبلِه} من قبل الهدَى {لمن الضالين(198)} الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه.
{ثُمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاس واستغفروا الله} لذنوبكم، أو من التقصير في أعمال الحجِّ، {إنَّ الله غفور رحيم(199)} بكم.
{فإذا قَضيتم مناسِكَكم} عباداتكم التي أمرتم بها في الحجِّ، {فاذكروا اللهَ كَذِكْرِكُم آباءَكم} أي فاذكروا الله ذكرا، مثل ذكركم آباءكم، والمعنى: فأكثروا ذكر الله وبالغوا فيه، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيَّامهم. {أو أشدَّ ذكرا} أي: أكثر من ذكر الآباء والدنيا كلِّها، لأنَّه إذا أحبَّ شيئًا أكثر ذكرَه بلسانه وبقلبه، وإذا أُمِروا أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم بعد فراغهم من مناسكهم فكيف ما داموا في حالها!. {فمن النَّاس من يقول} فمن الذِينَ يشهدون الحجَّ من يسأل الله حظوظ الدنيا للتمتُّمع بها لا غير، ولا يسأله لأمر آخرته. {رَبَّنَا آتنا في الدنيا} أي اجعل إيتاءنا أي إعطاءنا في الدنيا خاصَّة يعني: الجاه والغنى للتمتُّع لا للتزوُّد، ولم يسألوه حسنة كما سأله المؤمنون، لأنَّهم لا يريدون بسؤالهم الآخرة، ولأنَّ الحسنة من الطاعة، وهؤلاء مقتصرون على الحظوظ العاجلة، ويحتمل هذا السؤال منهم بلسان المقال، ويحتمل بلسان الحال. {وما له في الآخرة من خَلاَق(200)} من نصيب.
{ (1/102)
صفحة 103
ومنهم من يقول رَبَّنَا آتنا في الدنيا حسنة} عافية ومالا وعلما وعبادة وتوفيقا عليهما، {وفي الآخرة حسنة} عفوا ومغفرة وجنَّة، {وقِنا عذابَ النار(201)} اِحفظنا من عذاب جهنَّم، لأنَّهم كانوا وجلون منها، {أولئك} الداعون بالحسنتين، {لهم نصيب مِمَّا كسبوا} من أعمالهم الحسنة، أو إنَّ لِكُلِّ فريق نصيبا من جنس ما كسبوا. {والله سريع الحساب(202)} يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، فبادروا [إلى] إكثار الذكر وطلب الآخرة؛ ووصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلَّ على كمال قدرته، ووجوب الحذر من نقمته.
{واذكروا الله في أَيَّام معدودات} أيَّام التشريق، وقيل: المعلومات هنَّ العشر، والمعدودات هنَّ أيَّام التشريق، وقيل: المعلومات والمعدودات هنَّ أيَّام العشر والتشريق. {فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخَّر فلا إثم عليه لمن اتَّقى} الصيدَ والرفثَ والفسوق، أي مخيَّر في التعجُّل والتأخُّر، وإن كان التأخُّر أفضل، فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل، كما خُيِّر المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل. {واتَّقوا الله} في جميع الأمور، {واعلموا أَنَّكُمْ إليه تحشرون(203)} لأنَّ من علم بذلك علما لا شكَّ أخلص العمل لله.
{ (1/103)
صفحة 104
ومن النَّاس من يعجبك} يروقك ويعظم في قلبك، ومنه “الشيء العجيب” الذي يعظم في النفس، {قوله في الحياة الدنيا} بلسان مقاله، أو بلسان حاله، والآية في المنافقين. {ويُشهِد الله على ما في قلبه} يحلف ويقول: الله شاهد على ما في قلبي من محبَّتك ومن الإسلام، أو يشهد الله بِعَمَله الذي هو خلاف قوله أو اعتقاده بقلبه، {وهو ألدُّ الخصام(204)} شديد الجدال والعداوة [49] للمسلمين. والخصام: المخاصمة، ويشهد عليه بذلك لسان حاله؛ ويشهد عليه بذلك قوله: {وإذا تولىَّ} عنك وذهب بعد إِلاَنَة القول، {سعى في الأَرْض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} الزرع والحيوان، أو إذا كان واليا فعل ما يفعله ولاَّة السوء، من الفساد في الأَرْض بإهلاك الحرث والنسل؛ وقيل يظهِر الظلم حتَّى يمنع الله بشؤمِ ظلمِه القطرَ فيهلك الحرث والنسل. {والله لا يحِبُّ الفساد(205)}.
{وإذا قيل له اتَّقِ الله} في الإفساد والهلاك، {أخذته العِزَّة بالإثم} حملته النخوة وحميَّة الجاهليَّة على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأخذته العزَّة من أجل الإثم الذي في قلبه. {فحسبه جَهَنَّم} أي كافيه، {ولبئس المهاد(206)} الفراش.
{ومن النَّاس من يشري نفسه} يبيعها، {ابتغاء مرضاة الله} لم يكن منه سعي إِلاَّ ابتغاء مرضاته، كالعبد المملوك الذي لا يملك شيئًا، ماله ونفسه لمولاه ليس لنفسه ولا لهواه منه شيء إِلاَّ ما كان من الحقِّ. {والله رءوف بالعباد(207)} الذِينَ شروا أنفسهم لله.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا ادخلوا في السلم} وهو الاستسلام والطاعة لله، {كافَّة} لا يخرج أحد منكم بُدَّه عن طاعته، أو يدخلوا في الطاعات كلِّها. {ولا تتَّبعوا خطوات الشيطان} وساوسه، {إِنَّهُ لكم عدوٌّ مبين(208)} ظاهر العداوة.
{ (1/104)
صفحة 105
فإن زللتم} مِلتم عن الدخول في السِّلم، {من بعد ما جاءتكم البَيِّنَات} أي الحجج الواضحة، {فاعلموا أنَّ الله عزيز} غالب لا يمنعه شيء من عذابكم، {حكيم(209)} لا يعذِّب إِلاَّ بحقٍّ. وروي أنَّ قارئا قرأها: «غفور رحيم» فسمعه أعرابيٌّ لم يقرأ القرآن فأنكره، وقال: ليس هذا كلام الله إذ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل والعصيان.
{هل ينظرون} ما ينتظرون، {إِلاَّ أن يأتيهم الله} أي أمره وبأسه، أي لا يقلعون من الزلل إلى أن يأتيهم أمر الله، {في ظُلل} جمع ظلَّة وهو ما أظلَّك، {من الغمام} يحتمل هذا أن يكون مجازا، والغمام في الحقيقة سكرات الموت، {والملائكة} بقبض أرواحهم، ويحتمل {في ظُلل من الغمام} في حال جهلهم وعصيانهم وسكراتهم بسبب شهواتهم، أو يأتيهم أمر الله في غير حال تخوف، والله أعلم بتأويل كتابه. {وقضي الأمر} بقضاء آجالهم، وتمَّ أمر هلاكهم، وهو فرع منه. {وإلى الله ترجع الأمور(210)} أي أنَّه ملَّك العباد بعض الأمور ملكا وهميًّا لا ثباتَ له ولا حقيقة، والحقيقة بِأَنَّ مرجع الأمور إليه يوم النشور.
{ (1/105)
صفحة 106
سل بني إسرائيل} سؤال تقريع كما يُسأل الكفرة يوم القيامة. {كم آتيناهم من آية بيِّنة} واضحة، {ومن يبدِّل نعمة الله} هي آياته هي العلم، وهو أجلُّ نعمة من الله، لأنَّه أسباب الهدى من الضلالة والنجاة من الهلاك والغنى من الفقر والسلامة من العذاب في الحياتين، وتبديلهم إيَّاها أنَّ الله أتاهم بها ليكون أسباب هداهم، فجعلوها أسباب ضلالتهم وكفرهم، كقوله: {فزادتهم رجسا إِلىَ رجسهم ... } الآيَة (1). {من بعد ما جاءته} من بعد ما عَرَفها وتمكَّن من معرفتها وصحَّت عند، لأنَّه إذا لم يعرفها ويعرف المُرَاد بها فكأنَّها غائبة عنه. {فإنَّ الله شديد العقاب (211)} له في الدارين.
{زُيِّن للذين كفروا الحياة الدنيا} حسنت في أعينهم، وسرت محبَّتها في قلوبهم حتَّى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها، والمزيِّن في الحقيقة هو الله إذ ما من شيء إِلاَّ وهو فاعله؛ وقيل: المزيِّن هو الشيطان زيَّنها لهم وحسَّنها في أعينهم بوساوسه، وحبَّبها إليهم فلا يريدون غيرها غيرها (2). {ويسخرون من الذِينَ آمنوا} يريد فقراء المؤمنين، أي يسترذلونهم ويستهزؤون بهم ويسفِّهونهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى، {والذِينَ اتَّقَوْا فوقَهم يوم القيامة} لأنَّهم في علِّيِّين وهم في [50] أسفل سافلين، {والله يرزق من يشاء بغير حساب (212)} في الدنيا والآخرة.
{__________
(1) - ... سورة التوبة: 125. وتمامها: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيُّكم زادته هذه إيمانا فأمَّا الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأمَّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «غيرها». (1/106)
صفحة 107
كان النَّاس أُمَّة واحدة} قال أبو سعيد: «فجاء في التأويل أنَّهم كانوا أمَّة واحدة في معرفته تبارك وتعالى، يعبدونه بمعرفته ولم يكن لهم غير ذلك قبل أن يبعث الله الرسل، ولم يكن لهم في مخالفة ذلك ولا الشكُّ فيه ولا في شيء منه إِلاَّ بالاعتراف له بآياته وشواهد فضله وعدله وقدرته وحكمته وما أظهر من آياته، ولم يكونوا قبل ذلك ليبلغوا إلى ما لم يأتهم به الرسل من الأمر والنهي الذي يتعبَّدهم الله به، ولا بالكتب التي ينزِّلها الله عليهم، ولا بالرسل التي يرسلها الله إليهم، وإنَّما كانت العبادة له قبل الرسل له تبارك وتعالى، بصحَّة المعرفة له وإخلاص الطاعة له، والعبادة بالاستسلام له والإيمان به وبآياته. قال الله تبارك تعالى: {كان النَّاس أمَّة واحدة} على هَذَا فاختلفوا في عبادته قبل أن يرسل إليهم الرسل، منهم الشاكُّ ومنهم الجاحد ومنهم المعطِّل ومنهم العابد معه غيرَه. قال: {فبعث الله النبيِّين مبشِّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بِالْحَقِّ ليحكم بين النَّاس فيما اختلفوا فيه} فجاءت الرسل والكتب عن الله مبشِّرة لمن أطاعه وعبده، وشاهدة له بالصواب والثواب؛ ومنذرة لمن عصاه وشاهدة عليه بباطله ومخالفته، وبالعقاب على ذلك. {فبعث الله النبيِّين مبشِّرين} المؤمنين بالثواب، {ومنذرين} الكافرين بالعقاب، {وأنزل معهم الكتاب} مع كلِّ واحد كتابه، {بِالْحَقِّ ليحكم} الله أو الكتاب أوالنبيء المنزَّل عليهم. {بين النَّاس فيما اختلفوا فيه} في دين الإسلام، {وما اختلف فيه إِلاَّ الذِينَ أوتوه} أي الكتاب المنزَّل لإزالة الاختلاف، أي [ما] ازدادوا إِلاَّ اختلافا لمَّا أنزل عليهم الكتاب. {من بعد ما جاءتهم البَيِّنَات} الواضحات على صدقه، {بغيا بينهم} حسدا بينهم وظلما، لحرصهم على الدنيا وقِلَّة الإنصاف منهم. (1/107)
صفحة 108
قال الغزالي: “فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلِّف بينهم على طاعته فأمرهم أن يتآلفوا بالعلم فتحاسدوا وتخالفوا إذا (1) أراد كلُّ واحد أن يتفرَّد بالرئاسة وقبول القول فردَّ بعضهم على بعض”. {فهدى الله الذِينَ آمَنُوا لِما اختلفوا فيه} أي فهدي الله الذِينَ آمَنُوا بالحقِّ الذي اختلف فيه من اختلف، {من الحقِّ بإذنه} بإرادته من أهل طاعته، {والله يهدي من يشاء} فلا هداية إِلاَّ لمن هداه الله إلى الهدى، ولا هدى من الله أبدا إِلاَّ لمن آمن به، ولا يكون مؤمنا إِلاَّ حتَّى يوافق سبيل الإيمان» هذا من قول أبي سعيد. انتهى. {إلى صراط مستقيم (213)} أي إلى الحقِّ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إِذْ». (1/108)
صفحة 109
أم حسبتم أن تدخلوا الجَنَّة ولمَّا يأتكم} أي: إنَّ إتيان ذلك متوقَّع منتظر، {مثل الذِينَ خلوا} مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدَّة؛ {من قبلكم} أي: أخبارهم وما حلَّ بهم من البلوى، {مسَّتهم} بيان للمثل {البأساء} أي: البؤس، {والضرَّاء} المرض والجوع، {وزُلزلوا} وحرِّكوا بأنواع البلايا، وأزعجوا إزعاجًا شديدا شبيها بالزلازلة (1). {حَتَّى يقول الرَّسُول والذِينَ آمَنُوا معه} إلى الغاية التي قال الرَّسُول ومن معه من المؤمنين: {متى نصر الله} أي: بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر، ومعناه: طلب النصر وتميتنه (2) واستطالة زمان الشدَّة، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدّة وتماديه في العِظم، لأَنَّ الرَّسُول ومن معه مع علوِّ شأنهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حَتَّى ضجروا وضجُّوا، كان ذلك الغاية في الشدَّة التي لا مطمع وراءها، فقيل لهم: {ألا إنَّ نصر الله قريب (214)} وفيه إشارة إِلىَ أنَّ الوصل إلى الله والفوز بالكرامة عنده برفض [51] الهوى واللَّذات ومكابدة الشدائد والرياضات، كما قال - عليه السلام -: «حُفَّت الجنَّة بالمكاره، والنار بالشهوات» (3).
{يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإنَّ الله به عليم (215)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالزلازل»، أو «بالزلزلة».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وتمنِّيه».
(3) - ... رواه مسلم في كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها، رقم 5049. والترمذيُّ في صفة الجَنَّة، رقم 2482، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وأحمد في باقي مسند المكثرين، والدارميُّ في كتاب الرقاق. وكلُّهم عن أنس بن مالك. (1/109)
صفحة 110
كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} جميع ما كلَّفه الله العباد تأباه نفوسهم ومكروه في طباعهم وهو مناط صلاحهم، وسبب فلاحهم. {وعسى أن تحبُّوا شيئا وهو شرٌّ لكم} وهو جميع ما نهوا عنه، فالنفس تحبُّه وتهواه وهو يفضي بها إلى الردى وإنَّما قال: «عسى» لأَنَّ النفس إذا ارتاضت تنعكس لأمر عليها [كَذَا]، {والله يعلم} ما فيه صلاحكم {وأنتم لا تعلمون (216)} ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شقَّ عليكم.
{يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتال فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله} أي: منع المشركين [له] وأصحابه عن البيت، {وكُفرٌ به} أي بالله، {والمسجد الحرام} عطف على سبيل الله، {وإخراج أهله} أي أهل المسجد الحرام، {منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حَتَّى يردُّوكم عن دينكم} إخبار عن دوام معاداة المشركين للمسلمين، وأنَّهم لا ينفكُّون عنها حتَّى يردُّوهم عن دينهم. {إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأُولَئِكَ حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأُولَئِكَ أصحاب النار هم فيها خالدون (217)} سمُّوا أصحابها لأنَّها خلقت لهم وخلقوا لها.
{إن الذِينَ آمَنُوا والذِينَ هاجروا} جميع حظوظ النفس، {وجاهدوا في سبيل الله} جهاد الظاهر والباطن، {أُولَئِكَ يرجون رحمة الله} معناه أُولَئِكَ يستحقُّون أن يرجوا (1) رحمة الله، لأَنَّ من رجا طلب، ومن خاف هرب. {والله غفور رحيم (218)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أن يرجون»، وَهُوَ خطأ. (1/110)
صفحة 111
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} بسبب المخالفة لدينه، {ومنافع للناس} بالتجارة في الخمر ونيل المطامع بلا كدٍّ في الميسر، وقيل: ذلك قبل التحريم، {وإثمهما أكبر من نفعهما} لأَنَّ إثمها يخلِّد صاحبه في النار، {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} أي: الفضل، أي: أنفقوا ما فضل عن قدر الحاجة وكان التصدُّق بالفضل في أوَّل الإسلام، فنسخ بآيَةِ الزكاة، وقيل: العفو القبض [و] الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه من الجهد واستفراغ الوسع، {كذلك يُبَيِّن الله لكم الآيات لَعَلَّكُم تتفكَّرون (219) في الدنيا والآخرة} فتأخذون بالأصلح والأنفع منهما وتجتنبون ما يضرُّكم فعله ولا ينفعكم عمله، وتتفكَّرون بالحقائق والبواطن لا الأمور الوهميَّة.
{ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} أي مداخلتهم على وجه الصلاح لهم ولأموالهم خير من محمايتهم (1) وتركهم ضياعا، {وإن تخالطوهم فإخوانكم} في الدين لأنَّهم فطروا على الإسلام، {والله يعلم المفسد} لأموالهم وأحوالهم، {من المصلح} لها، فتجاريه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحرَّوا غير الصلاح ولا تعلموا فيهم إِلاَّ به، {ولو شاء الله لأعنتكم} لحملكم على العنت وهو المشقَّة، {إنَّ الله عزيز} غالب، {حكيم (220)} لا يكلِّف إِلاَّ وسعهم.
{ولا تَنكحوا المشركات حَتَّى يؤمنَّ ولأَمَة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تُنكحوا المشركين حَتَّى يؤمنوا ولَعبدٌ مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} ثُمَّ بيَّن علَّة ذلك فقال: {أُولَئِكَ يدعون إلى النار} أي يدعون إلى ما يؤدِّي إليها، {والله يدعو إلى الجَنَّة والمغفرة بإذنه وَيُبَيِّن آياته للناس لَعَلَّهُمْ يتذكَّرون (221)} فيتَّعظون.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مجانبتهم». (1/111)
صفحة 112
ويسألونك عن المحيض قل هو أذى [52] فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حَتَّى يطهرن فإذا تطهَّرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحِبُّ التوَّابين} التوَّاب كلَّما أذنب تاب، {ويحبُّ المتطهِّرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أَنَّى شئتم وقدِّموا لأنفسكم واتَّقوا الله واعلموا أَنَّكُم ملاقوه وبشِّر المؤمنين (223)}.
{ولا تجعلوا الله عرضة لأَيمانكم} ولا تجعلوه حاجزا لِمَا حلفتم عليه، أي ولا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من البرِّ والتقوى، {أن تبرُّوا وتتَّقوا وتصلحوا بين النَّاس} بقولٍ يدخل بين النَّاس بالصلح ويبرُّ قسمه، ولا يقبل باليمين فلا يصلح بين النَّاس ولكن يصلح ويكفِّر يمينه (1)، {والله سميع عليم (224) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} قيل: هو أن يحلف على شيء يظنُّه على ما حلف عليه والأمرُ بخلافه، {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} كسبُ القلب العقد والنيَّة. {والله غفور حليم (225)}.
{للذين يؤلون مِن نسائهم تربُّص أربعة أشهر فإن فاءوا فإنَّ الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطَّلاَق فإنَّ الله سميع عليم (227)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة المعنى. (1/112)
صفحة 113
والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ولا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ} قيل: كان الرجل إذا طلَّق زوجته ثلاثا في أَوَّل الإسلام كان أحقَّ بردِّها ما كانت في العدَّة، ثُمَّ نسخت هذه الآيَة بقوله: {الطَّلاَق مرَّتان}. {إن كنَّ يُؤمنَّ بالله واليوم الآخر وبعولتهنَّ أحقُّ بردِّهنَّ} فيما جعل الله عليهنَّ من العدَّة للأزواج في الطَّلاَق، فيما لا يبلغ إلى علمه إِلاَّ بعولتهنَّ من انقضاء (1) عدَّتهنَّ وغير انقضائها، فلا يحلُّ لها أن تقول: إنَّ عدَّتها قد انقضت بحيض أو بولادة، فيما يمكن صدقُ قولها في ذلك، وهي لم تنقض عدَّتها فتكون ... (2)؛ {في ذلك إن أرادوا إصلاحًا} وَهُوَ المعشارة (3) بالمعروف، {ولهنَّ مثل الذي عليهنَّ} ويجب لهنَّ من الحقِّ على الرجال و (4) المهر والنفقة، وحسن العشرة وترك المضارَّة، مثل الذي يجب لهم عليهنَّ، من الأمر والنهي؛ {بالمعروف} بالوجه الذي لا يُنكر في الشرع وعاداتِ النَّاس، فلا يكلِّف أحد الزوجين صاحبَه ما ليس له؛ والمُرَاد بالمماثلة: الواجبُ في كونه حسنةً لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له، أن يفعل نحو ذلك، ولكن تقابله بما يليق بالرجال (5).
{وللرجال عليهنَّ درجة} زيادة في الحقِّ، وفضيلة بالقيام بأمرها، وإن اشتركا في اللذَّة والاستمتاع، أو بالإنفاق وملك النكاح، وقيل: بالعقل، وقيل: بالطَّلاَق، وقيل: بالرجعة، وقيل غير ذلك، {والله عزيزٌ} لا يُتعرَّض عليه في أموره، {حكيم (228)} لا يأمر إِلاَّ بما هو صواب وحسن.
{__________
(1) - ... في الأصل: «النقصاء»، ولا معنى له.
(2) - ... في العبارة سقط واضح.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «المعاشرة».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «و».
(5) - ... لَعَلَّ الأصوب: «ولكن يقابلها بما يليق بالنساء». (1/113)
صفحة 114
الطَّلاَق مرَّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا مِمَّا آتيتموهن شيئا إِلاَّ أن يخافا ألاَّ يقيما حدود الله} إِلاَّ أن يعلم الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من واجب الزوجيَّة، لِمَا يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها، {فإن خفتم ألاَّ يقيما حدود الله فلا جُناح عليهما فيما افتدت به} قيل: إنَّ ذلك في الخلع على سبيل ما يرجو أنَّ الطاعة في ذلك، والخروج من المعصية، فلا جناح عليه أن يقبل فِديتَها ما لم تردَّ عليه أكثر بما نقدها مِمَّا تَدَعُ له مِمَّا عليه لها؛ {تلك حُدود الله} أي ما حدَّ من النكاح واليمين والإيلاء والطَّلاَق والخلع وغير ذلك، {فلا تعتدوها} فلا تجاوزوها بالمخالفة، {ومَن يتعدَّ حدود الله فأُولَئِكَ هم الظالمون(229)} الضارُّون أنفسهم.
{فإن طلَّقها فلا تَحِلُّ له مِن بعدُ حَتَّى تَنكح زوجا غيره فإن طلَّقها فلا جُناح عليهما أن يتراجعا إن ظنَّا أن يُقيما حدود الله} كان في ظنِّهما أنَّهما يقيمان حدود الله، ولكن للظنِّ علامات وأمارات، فإذا كان الغالب على ظنِّهما أنَّهما يقيمان حدود الله فيما يجب لهما وعليهما، في حال معاشرتهما بعضهما لبعض، {وتلك [53] حدود الله يُبيِّنها لقوم يعلمون(230)} يفهمون ما بيّن لهم.
{وإذا طلَّقتم النساء فبلغن أجلهنَّ فأمسكوهنَّ بمعروف أو سرِّحوهنَّ بمعروف ولا تُمسكوهنَّ ضرارا لتعتدوا ومَن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} بتعريضها لعقاب الله؛ {ولا تتَّخذوا آيات الله هزوًا} أي جدُّوا في التعليم لها والفهم لِمَا فيها، والأخذ بها والعمل بما فيها، وراعوها حقَّ رعايتها، وإلاَّ فقد اتَّخذتموها هزؤًا، ويقال لمن لم يَجدَّ في الأمر، إِنَّمَا أنت لاعب وهازئ، وقيل: لا تستخفُّوا بأوامره ونواهيه.
{ (1/114)
صفحة 115
واذكروا نعمةَ الله عليكم} كالعقل والإسلام، ونتائجَها؛ {وما أنزل عليكم مِن الكتاب والحكمة} من القرآن والسنَّة، وذكرُها مقابلتُها بالشكر، والقيام بحقِّها؛ {يعظكم به (1)} بما أنزل عليكم، {واتَّقوا الله} فيما امتحنكم به، {واعلموا أنَّ الله بِكُلِّ شيء عليم (231)} من الذكر والاتِّقاء والاتِّعاظ وغير ذلك، وهو أبلغ، وعد ووعيد.
{وإذا طلَّقتم النساء فبلغن أجلهنَّ فلا تعضُلوهنَّ أن ينكحن أزواجهنَّ إذا تراضوا بينهم بالمعروف} بما يحسن في الدين والمروءة، {ذلك يُوعظ به مَن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} فالموعظة فالمواعظ (2) إِنَّمَا تنجع فيهم؛ {ذلكم أزكى لكم وأطهرُ} من أدناس الآثام، وذلك أنَّه إذا كان في نفس كلِّ واحد منهما علاقة حبٍّ، لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحلَّ الله لهما؛ {والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232)}.
{والوالدات يُرضعن أولادهنَّ حَولين كاملين لِمَن أراد أن يتمَّ الرَّضاعة وعلى المولود له رزقهنَّ وكِسوتهنَّ بالمعروف لا تُكلَّف نفس إِلاَّ وسعها لا تُضارَّ والدة بولدها ولا مولودٌ له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك، فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} والمشاورة: استخراج الرأي، والمشاورة في الأمر غير الاستبداد؛ {فلا جُناح عليهما. وإن أردتم أن تَسترضعوا أولادكم فلا جُناح عليكم إذا سلَّمتم ما آتيتم بالمعروف واتَّقوا الله واعلموا أنَّ الله بما تعملون بصير (233)}.
{والذِينَ يُتوفَّون منكم ويذرون أزواجا يتربَّصن بأنفسهنَّ} بعد موت أزوجهنَّ، {أربعة أشهر وعشرا، فإذا بَلغن أجلَهنَّ فلا جُناح عليكم} أيُّها الأيمَّة والحكَّام، {فيما فعلن في أنفسهنَّ} مِن التعريض للخطَّاب، {بالمعروف} بالوجه الذي لا يُنكره الشرع، {والله بما تعملون خبير (234)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «به»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب حذف إحدى الكلمتين. (1/115)
صفحة 116
و (1) لا جناح عليكم فيما عَرَّضتم به من خِطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم} أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرِّضين ولا مصرِّحين. {عَلِم الله أَنَّكُمْ ستذكرُونهنَّ} لا تصبرون عن (2) السكوت عنهنَّ، وعن الرغبة فِيهِنَّ؛ {ولكن لا تُواعِدوهنَّ سِرًّا} جماعا، لأنَّه مِمَّا يسرُّ، أي لا تقولوا في العدَّة: إنِّي قادر على هذا العمل، {إِلاَّ أن تقولوا قولا معروفا} وهو أن تعرضوا ولا تصرِّحوا؛ {ولا تَعزموا عُقدةَ النكاح حَتَّى يبلغ الكتابُ أجلَه} حتَّى تنقضي عدَّتها وسمِّيت العدَّة كتابا لأنَّه لِكُلِّ أجل كتاب، {واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم (3)} من العزم على ما لا يجوز وما يجوز؛ {فاحذروه واعلموا أنَّ الله غفور حليم (235)} لا يعاجلكم (4) بالعقوبة.
{لا جُناح عليكم إن طلَّقتم النساء ما لم تمسُّوهنَّ أو تفرضوا لهنَّ فريضة، ومتِّعوهنَّ على الموسع قدرُه وعلى المقتر قَدره، متاعا بالمعروف حقًّا على المحسنين (236)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «و»، وهو خطأ.
(2) - ... كتب فوق «عن» حرف: «على».
(3) - ... في الأصل: «نفوسكم» وهو خطأ.
(4) - ... في الأصل: «يعاجالكم». وَهُوَ خطأ. (1/116)
صفحة 117
وإن طلَّقتموهنَّ مِن قبل أن تمسُّوهنَّ وقد فرضتم لهنَّ فريضة، فنصف ما فرضتم، إِلاَّ أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدةُ النكاح، وأن تعفوا أقرب للتقوى} أي عفوا (1) الزوج بإعطاء كلِّ المهر خير له، وعفوا (2) المرأة بإسقاط الْمَهر كلِّه خير لها، {ولا تنسوا الفضل بينكم} أي: ولا تنسوا أن يتفضَّل بعضكم على بعض، فإنَّكم مجازون عليه، أو الفضل المتقدِّم الساري من بعضكم لبعض، واشكروه وكافئوه عليه، وكذلك ينبغي للعبد، ومنه أن لا ينسى فضلا عن شكر ما أُسدِي إليه من الله، أو على يد أحد من خلقه أو بسبب [54] من الأسباب، أن لا ينسى ذلك المسبِّب ويراعيه حقَّه، ولا يغيِّره ولا يحوِّله إِلاَّ لشيء أفضل منه، فإنَّه إن فعل ذلك رُجِي له من الله تمام تلك النعمة، كما (3) قال النبيء - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تنازلتم (4) ... (5)»؛ {إنَّ الله بما تعملون بصير (237)} فيجازيكم على تفضُّلكم.
{حافظوا على الصَّلوات} داوموا عليها بمواقيتها وأركانها وشرائطها، {والصلاة الوسطى} هي مخصوصة (6) مِن بين الصَّلوات لفضلها وشرفها؛ {وقوموا لله قانتين (238)} مطيعين خاشعين، لأَنَّ الصلاة طاعة، فلا يستقيم أن يأتي بالطَّاعة على غير طاعة الله، في جميع أمره، لأَنَّ القَبول إِنَّمَا يُرجى عند كمال الطاعة.
{فإن خفتم فرجالاً أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله} صلُّوا صلاة الأمن {كما علَّمكم}، مثل ما علَّمكم {ما لم تكونوا تعلمون (239)} من صلاة الأمن.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عفوُ الزوجِ».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عفوُ المرأةِ».
(3) - ... في الأصل: «كمال»، وهو خطأ، إذ لا معنى له في هَذَا السياق.
(4) - ... يمكن أن نقرأ في «تباريتم».
(5) - ... بياض في الأصل قدر كلمتين.
(6) - ... في الأصل: «مخصواصة»، وَهُوَ خطأ. (1/117)
صفحة 118
والذِينَ يُتوفون منكم ويَذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج، فإن خَرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن مِن معروف والله عزيز حكيم (240)} قيل: إنَّ هذه [الآية] منسوخة، ومعناه (1): أن حقَّ الذِينَ يتوفَّون منكم عن أزواجهم، أن يُوصوا قبل أن يحتضروا بِأَن يتمتَّع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أي: يُنفق عليهنَّ من تركته، ولا يَخرجن من مساكنهنَّ، وكان ذلك مشروعا في أوَّل الإسلام.
{وللمطلَّقات متاعٌ بالمعروف حقًّا على المتَّقين (241)} لأنَّهم هم القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، ومن سواهم لا يتأتَّى منهم ذلك، وإلاَّ فجميع الواجبات واجبة على المتعبِّدين، [و] كلُّ ما تخصُّه من اللَّوازم، {كذلك يُبَيِّنُ الله لكم آياته لَعَلَّكُم تعقلون (242)}.
{أَلَم تَرَ إلى الذِينَ خرجوا مِن ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا} أي: فأماتهم مِيتةَ رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك مِيتة خارجة عن العادة، وفيه تشجيعٌ للمسلمين على الجهاد، وأنَّ الموت إذا لم يكن منه بدٌّ ولم ينفع منه مَفرٌّ، فأولى أن يكون في سبيل الله؛ {ثُمَّ أحيَاهم} ليعتبروا أنَّه لا مفرَّ من حكم الله وقضائه؛ {إنَّ الله لذو فضل على النَّاس} حيث يبصِّرهم ما يعتبرون به كما بصَّر أولئك، وكما بصَّركم باقتصاص خبرهم، أو لذو فضل على النَّاس، من حيث أحيَى أُولَئِكَ ليعتبروا فيفوزوا، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم النشور.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومعناها». (1/118)
صفحة 119
ولكنَّ أكثرَ النَّاس لا يشكرون(243)} فضل الله، لأنَّهم لا يعرفون النعم إِلاَّ بعد فقدانها، والدليل على أنَّه ساقَ هذه القصَّة بعثا على الجهاد، أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله، وهو قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} فحضَّ على الجهاد بعد الإعلام، لأَنَّ الفرار من الموت لا يغني، وهذا الخطاب لأمَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، أو لمن أحياهم، {واعلموا أنَّ الله سميع عليم(244)}.
{مَن ذا الذي يُقرض الله قرضا حسنا} ابتغاء رضاه، ويخرج هذا في بذل المال والنفس وجميع الطاعة لله تعالى، وإن كانت الآيَة مراد بها إخراج المال، لقول بعض أهل العلم: «أقرضوا الله من أنفسكم ساعات، يردَّها عليكم في الجِنان خالدات»؛ {فَيضاعفه له أضعافا كثيرة} لا يعلم كُنهها إِلاَّ الله، {والله يَقبض ويبسط} يقتِّر الرزق على عباده، ويقبض وُسعه عليهم، فلا تبخلوا عليه بما وسَّع عليكم، لا ببذلكم الضيقة، ولا بتركه السعة، {وإليه تُرجعون(245)} فيجازيكم على ما قدَّمتم.
{ (1/119)
صفحة 120
أَلَم تَرَ إلى الملإ} الأشراف، لأنَّهم يملؤون القلوب جلالة، والعيون مهابة، {مِن بني إسرائيل مِن بعد موسى، إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملِكا} أنهض للقتال معنا أميرا، نصدر في تدبير الحرب عن رأيه، وننتهي إلى أمره، لأَنَّ الأمور لا تتأتَّى بأميرين؛ {نُقاتل في سبيل الله؛ قال: هل عسيتم إن كُتب عليكم القتال ألاَّ تُقاتلوا} المعنى: ما أتوقَّعه أنَّكم لا تقاتلون وتجبنون، وإنَّه كما توقَّع فيهم، وإنَّه صائب في توقُّعه؛ وقيل: عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - إنَّه قال: «اتَّقوا فِراسة المؤمن فإنَّه يَنظر بنور الله» (1).
{قالوا: وما لنا ألاَّ نُقاتل في سبيل الله} وأيُّ داع لنا إلى ترك القتال؟ وأيُّ غرض لنا فيه!. {وقد أُخرجنا مِن ديارنا وأبنائنا فلمَّا كُتب عليهم القتال} أي: أجيبوا إلى ملتمسهم؛ {تَولَّوا إلاَّ قليلا مِنهم} وهم أهل خشية الله، {والله عليم بالظالمين (246)} وعيدٌ لهم على ظلمهم بترك الجهاد.
{__________
(1) - ... رَوَاهُ الترمذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ» ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} قَالَ لِلْمُتَفَرِّسِينَ. كتاب تفسير القرآن، رقم: 3052. (1/120)
صفحة 121
وقال لهم نبيُّهم: إنَّ الله قد بعث [55] لكم طالوت ملكا؛ قالوا: أنَّى يكون له الملكُ علينا} حسدا منهم له، {ونحن أحقُّ بالملك مِنه} طلبا للتَّريُّس، {ولم يُؤتَ سَعةً مِن المال} استحقارا له، وتعاليا عليه؛ {قال: إنَّ الله اصطفاه عليكم} أي: اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، ولا اعتراض على حكمه؛ ثُمَّ ذكر مصلحتين أنفع مِمَّا ذكروا مِن النسب والمال، وهو العلم المبسوط والجسامة، فقال: {وزاده بسطة في العلم والجسمِ} قيل: كان أعلم بني إسرائيل بالحربِ والدياناتِ في وقته، وأطول من كلِّ إنسان برأسه ومنكبه، والبسطة: السعة والامتداد، والملك لا بدَّ أن (1) يكون من أهل العلم، فإنَّ الجاهل مُزدرًى غير منتفَع بِهِ، ويُفسد أكثر مِمَّا يصلح من أمر الدِّين والدُّنيا، وَأَن يكون جسيما شجاعا، لأنَّه أعظم في النفوس، وأهيب في القلوب؛ {والله يُؤتي مُلكه من يشاء} أي: الملك له غير منازَع فيه، فهو يُؤتيه مَن يشاء وليس ذلك بالوراثة، {والله واسع عليم(247) (2) } واسع الفضل والعطاء.
__________
(1) - ... في الأصل: «الابدان»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: - «عليم» وهو خطأ. (1/121)
صفحة 122
ثمَّ طلبوا من نبيئهم آيَة على اصطفاء الله طالوت: {و (1) قالَ لهَم نبيُّهم إنَّ آية مُلكِه أن يأتيكم التَّابوتُ} صندوق التوراة، قيل: وكان موسى إذا قاتل قدمه (2)، فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرُّون، {فيه سكينةٌ من ربِّكم} سكون واطمئنانيَّة، {وبقيَّةٌ} قيل: هي زضاص (3) الألواح، وعصا موسى وثيابه، وشيء من التَّوراة، ونَعلا موسى، وعمامة هارون، {مِمَّا ترك آلُ موسى وآلُ هارون} أي: مِمَّا تركه موسى وهارون، والآل مقحم لتقحيم شأنهما قبل ذلك؛ {تحمله الملائكة} يعني: التابوت، قيل: كان رفعه الله بعد موسى، فنزلت به الملائكة تحمله، وهم ينظرون إليه؛ {إنَّ في ذلك لآيةً لكم إِن كنتم مؤمنين (248)} إِنَّ في رجوع التَّابوت إليكم علامة أن الله قد ملَّك طالوت عليكم إن كنتم مصدِّقين.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «و» وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ صواب العبارة: «إذا قاتل جعله قُدَّامه».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «رصاص». (1/122)
صفحة 123
فلمَّا فصلَ طالوتُ بالجنودِ} قيل: سألوا أن يُجري لهم نهرا، {قال: إِنَّ الله مُبتلِيكُم بِنَهر} مُختبركم بنهر، أي: يعاملكم معاملة المختبر له، ليتميَّز المحقِّقُ في الجهاد مِن المُعذِّر؛ {فمن شَرِب مِنه} كَرعًا (1)، {فليس منِّي} فليس من أتباعي وأشياعي وأهل ديني، {ومَن لَم يَطعمه} لم يذُقه، مِن طَعم الشيء إذا ذاقه، {فإنَّه منِّي إِلاَّ مَن اغترف غُرفةً بيده} معناه: الرُّخصة في اغترف الغُرفة باليد دون الكرع، والدَّليل عليه: {فشربوا منه} أي: فكَرَعوا {إِلاَّ قليلا مِنهم}، روي: أنَّ مَن اقتصر على الغُرفة كفَته كشَربة وأروته، ومَن لم يقتصر عليه عطشه، واسودَّ شفته (2)، ولم يقدر أن يمضي، وهكذا الدنيا لما صد الأجرة (3). {فلمَّا جاوزه هو والذِينَ آمَنُوا معه قالوا: لا طاقةَ لَنَا اليومَ بجالوت} هو جبَّار، {وجنودِه، قال الذِينَ يظنُّون أنَّهم مُلاقوا الله} يوقنون بثواب الشَّهادة، {كَم مِن فئة قليلة غَلَبت فئة كثيرة بإذنِ الله والله مع الصابرين (249)} إيقانا بوعد الله إيَّاهم.
{وَلَمَّا برزوا لجالوتَ وجُنوده قَالوا: ربَّنا} أي: قال الذِينَ يظنُّون أنَّهم مُلاقوا الله {أفرِغ علينا صَبرا وثبِّت أقدَامَنا} لتقوية قلوبنا، وإلقاء الرُّعب في صُدور عدوِّنا، {وانصرنَا علَى القَوم الكَافرين (250)} وذلك قالوا ببراء (4) منهم مِن الحول والقوَّة.
{__________
(1) - ... كَرَعَ في الماء، يكرَع، كُروعًا وكَرْعًا: تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء؛ وفي الحديث: «إِن كان عندك ماء بات في شنِّه، وَإِلاَّ كَرَعنَا». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 245.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومن لم يقتصر عَلَيها عطَّشته، واسودَّت شفتُه».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لمَّا تصدُّ عن الآخرة».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ صواب العبارة: «بِتَرائي الحول والقوَّة منهم». (1/123)
صفحة 124
فهزموهُم بإذن الله وقَتَل دَاوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمةَ} النبوَّة وفصل الخطاب، {وعلَّمَه مِمَّا يشَاء} لمَا يكون له آلة وعاملا به؛ {ولَولا دفعُ الله النَّاس بعضهم ببعض لفسدَت الأَرْض} ولولا أنَّ الله يدفع فساد بعض النَّاس ببعض، ويكفُّ بهم فسادَهم لَغَلب المفسدون وفسدت الأَرْض، وبَطلت منافعها والحرث والنسل، أو ولولا أنَّ الله ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأَرْض، بغلبة الكفَّار، وقتل الأبرار، وتخريب البلاد، وتعذيب العباد، أو ولولا العلماء الذِينَ يصلح بهم الأَرْض لفسدت بالجهل، لأنَّه لا يتأتَّى الصلاحُ إِلاَّ بالعلم، والفساد لا يكون إِلاَّ من نتيجة الجهل؛ وفي الحقيقة ما عُمل بالجهل فهو فاسد، ومعناه: أنَّ الله لا يترك النَّاس يفسدون الأَرْض بدون دفع من بعضهم، ما لم ينقَضِ أجل الدنيا، لأَنَّ ذلك خرقٌ [56] للحكمة الإلهيَّة، لأَنَّ ذلك مِمَّا يؤُول إلى فساد الدنيا والدين، فكيف وأنَّ الدِّين متيسِّر لمن طلبه؛ {و (1) لكنَّ الله ذو فضل على العالمين (251)} بإزالة الفساد عنهم.
{تلك آيات الله} يعني القصص التي اقتصَّها، والأخبار التي أوردها، {نتلوها عليك بالحقِّ} باليقين الذي لا شكَّ فيه، {وإنَّك لَمِن المرسلين (252)} حيث يخبر عنها.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «و» وهو خطأ. (1/124)
صفحة 125
تِلك الرُّسل} إشارة إلى جماعة الرُّسل التي ذُكرت قَصصها في هذه السورة، مِن آدم إلى داود، أو التي ثبت علمها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ {فضَّلنا بعضهم على بعض} بالخصائص وراء الرسالة لاستوائهم فيها، كما أنَّ المؤمنين مستوُون في صفة الإيمان، ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان، وكما أن العلماء يتفاوتون في القرائح؛ ثُمَّ بَيَّن ذلك بقوله: {مِنهُم مَن كلَّم الله} أي: كلَّمه الله، يعني: مِن فضله بأَن كلَّمه بما يشاء وكيف شاء، {ورَفَع بعضهم دَرجات} يعني: ومنهم مَن رفعه على سائر الأنبياء، وكان بعدها تفاوتهم في الفضل، أفضل [كَذَا] منهم بدرجات كبيرة، وهو مأجور على عمل ما أوتي، فلذلك فضّل به على سائره؛ {وآتينا عيسى ابنَ مريم البيِّناتِ} كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، بخصائص خصُّوا بها[كَذَا]، {وأيَّدنَاه بروحِ القُدس} قوَّيناه بجبريل، أو بالإنجيل، {ولو شَاء الله مَا اقتَتَل} أي: اختلف، لأنَّه سببٌ لتقاتُل {الذِينَ مِن بعدهم} من بعد الرُّسل، {مِن بعد ما جَاءتهم البيِّنات} المعجزات الطَّاهرات، {ولكن اختلفوا} بمشيئتي. ثُمَّ بيَّن الاختلاف فقال: {فمنهم مَن آمَن ومِنهم مَن كفر} بمشيئتي، يقول: أجريت أمور رُسلي على هذا، أي: لم يجتمع لأحد منهم طاعة جميع من أرسله الله إليهم في حياته وبعد وفاته، بل اختلفوا عليهم، فمنهم من آمن ومنهم من كفر {ولو شاء الله ما اقتتلوا} لم يقع بينهم اختلاف فيقتتلوا، {ولكنَّ الله يفعل ما يريد(253)}.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أنفقوا مِمَّا رزقناكم مِن قبل أن يَأتي يوم لا بيع فيه} يُشترى منه للحياة الأبديَّة، {ولا خلةٌ ولا شفاعةٌ والكافرون هم الظالمون(254)} أنفسهم، بتركهم التقديم ليوم حاجتهم.
{ (1/125)
صفحة 126
الله لا إله إِلاَّ هو} أي: لا مستحقَّ للعبادة إِلاَّ هو، لأَنَّ الإله هو المستحقُّ أن يعبد؛ {الحيُّ} الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء؛ {القيُّوم} الدائم القائم بتدبير الخلق وحفظه، وقيل: «القيُّوم» القائم في خلقه بما فيه صلاحهم ونفعهم ورشدهم، {لا تأخذه سِنَة} نعاس، وَهُوَ ما يتقدَّم النَّوم، والفتور، {ولا نَومٌ} عن المضلِّ، السِّنة: ثقل في الرأس، والنعاس: في العين، والنوم: في القلب، فهو تأكيد للقيُّوم، لأَنَّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيُّوما؛ {له ما في السَّمَاوَات وما في الأَرْض} مَلكًا ومُلكًا؛ {مَن ذا الذي يشفع عنده إِلاَّ بإذنه} هو بيان لِمُلكه ومَلكوته؛ {يَعلم ما بين أيديهم وما خلفَهم} ما كانَ قبلهم وما يكون بعدهم، أو عَلَى العكس؛ {ولا يحيطون بِشيء مِن علمه} ومعلوماته، والإحاطة بالشيء عِلما، أن يُعلم كما هو على الحقيقة؛ {إلاَّ بما شاء} إِلاَّ بما علم.
{ (1/126)
صفحة 127
وسِع كُرسيُّه السَّمَاوَات والأَرْض} أي: علمه، ومِنه الكُرَّاسَة لتضمُّنها العلم، والكراسي: العلماء، وسمِّي العِلم كرسيًّا تسمية بمكانه الذي هو كرسيُّ العالم، وَهُوَ كقوله: {رَبَّنَا وسعت كلَّ شَيْءٍ رحمةً وعلمًا} (1) أو عرشه أو قدرته؛ {ولا يَئُودُه} ولا يثقله ولا يشقُّ عليه {حِفظُهُما} حفظ السَّمَاوَات والأَرْض، ومِن حِفظ السَّمَاوَات والأَرْض حفْظُ مَن فيها مِن الخلائق وغيرها؛ {وهوَ العليُّ} في ملكه وسلطانه، {العظيم(255)} في عزِّه وجلاله وامتنانه، والعليُّ: المتعالي عن الصفات التي لا تليق به، [و]العظيم: المتَّصف بالصِّفات التي تليق به، فَهُما جامعان لكمال التوحيد؛ وإنَّما ترتَّبت الجمل في أنَّه الكرسيُّ بلا حرف عطف، لأنَّها ورَدت عَلَى سبيلِ البيان، فالأُولى: بيان القِيامة بتدبير الخلق، وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه، والثانية: لكونه مالكا لِما يدبِّره، والثالثة: لكبرياء شأنه، والرابعة: لإحاطته بأحوال [57] الخلق، والخامسة: لسعة علمه وتعلُّقه بالمعلومات، (لَعَلَّهُ) وتعلُّق المعلومات به كلِّها، أو لجلالة وعظم قدره، وهذه الآية مشتملة على أمَّهات المسائل الآلهيَّة، فإنَّها دالَّة على أَنَّهُ تعالى موجود، واحد في الإلهيَّة، متَّصف بالحياة، واجب الوجود لذاته، موجودٌ لغيره، إذ القيُّوم: هو القائم بنفسه، المقيم لغيره، منزَّه عن التَّحيُّز والجور، مُبرَّأٌ عن التَّغيُّر والفتور، ولا يناسب الأشباح، ولا يعتري به ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، ومبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده إِلاَّ مَن أذن له، العالم وحده بالأشياء كلِّها جليِّها وخفيِّها، كلِّها وجزئها، واسع الملك والقدرة كلَّما يصحُّ أن يملك ويقدر عليه، لايؤوده شاقٌّ، ولا يشغله شأن، متعال عن أن ندركه، وهو عظيم لا يحيط به فهمٌ، ولذلك قال - عليه السلام - : «إنَّ أعظمَ آيَة في القرآن
__________
(1) - ... سورة غافر: 7. (1/127)
صفحة 128
آيَة الكرسيِّ» (1).
{لا إكراه في الدين} أي: لا إجبار على الدين يعني أمور الدين جارية على ... (2) والأخبار ونحوه، {ولو شاء ربُّك لآمن مَن في الأَرْض ... } الآيَة (3)، قيل: لو شاء لأجبرهم. {قد تَبيَّن الرُّشد مِنَ الغيِّ} قد تميَّز الإيمان مِن الكفر بالدليل؛ {فمَن يكفر بالطَّاغوت} بالشَّيطان، وقيل: كلُّ ما عُبد من دون الله، وقيل: كلُّ ما يُطغي الإنسان، “فاعول” من الطغيان، {ويؤمِن بالله فقد استمسك بالعُروة الوُثقى} أي: تمسَّك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين، والوُثقى تأنيث للأوثق، هي الأشدُّ من الحبل الوثيق المحكم المأمون، {لا انفصام لها} لا انقطاع للعروة، وهذا تمثيل للمعلوم بالنَّظر، والاستدلال بالشاهد المحسوس، حتَّى يتصوَّره السامع كأنَّه ينظر إليه بعينيه، فيُحكم اعتقاده؛ والمعنى: فقد عقَدَ لنفسه مِن الدِّين عقدا وثيقا لا تحلُّه شبهة، {والله سميعٌ} لإقراره، {عليمٌ (256)} لاعتقاده.
{__________
(1) - ... لم نجده بهذا اللفظ، وَإِنَّمَا جاء في حديث طويل أنَّ أبا ذرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَيُّمَا نَزَلَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} آيَةُ الْكُرْسِيِّ. مسند الإمام أحمد رقم: 21257. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «الكرسي».
(2) - ... بياض في الأصل قدر ثلاث كلمات.
(3) - ... سورة يونس: 99؛ وتمامها: {ولو شاء ربُّك لآمن من في الأرض كلُّهم جميعا أفأنت تُكرِه النَّاس حتَّى يكونوا مؤمنين}. (1/128)
صفحة 129
الله وليُّ الذِينَ آمنوا} أي: ناصرُهم ومتولِّي أمورهم، {يُخرجهم من الظُّلمات} يحفظهم بولايته لهم وبتوفيقه إيَّاهم، من ظلمات الكفر والضَّلالة {إلى النُّور} إلى الإيمان والهداية، كما قال: {والذِينَ اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} (1) وكأنَّ هذه الآية تقتضي (2) بقوم كانوا كفارا فآمنوا؛ {والذِينَ كفروا} أي: الذِينَ ارتدُّوا من الإسلام إلى الكفر، {أولياؤهم الطَّاغوت يُخرجونهم من النُّور إلى الظُّلمات} الله وليُّ المؤمنين يُخرجهم مِن الشُّبهة في الدِّين إن وقعت لهم، بما يهديهم، ويوفِّقهم بتوفيقه لحلِّها، حتَّى يخرجوا منها إلى نور اليقين، والذِينَ كفروا أولياؤُهم الشَّياطين، يُخرجونهم من نور البَيِّنَات الذي يظهر لهم، إلى ظلمات الشَّكِّ والشُّبهات، لأَنَّ المعصية على الإصرار عليها تنتج معاصي، والطَّاعة على التَّوبة تُنتج طاعات، وذلك لأَنَّ المؤمن يتَّبع الملهِم الذي يُلهمه الحقَّ، ويرفض الوساوس الطاغوتيَّة، والذي في قلبه مرض، على العكس من هَذَا يتبع هواه بغير بيان، ويترك الحقَّ وإن نازله، والأوَّل يرفض ما يهواه، وقد أسَّس بنيانه على التقوى؛ {أُولَئِكَ أصحابُ النَّار هم فيها خالدون (257)} حكم من الله لهم بالتخليد.
{__________
(1) - ... سورة محمَّد: 17.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تختصُّ». (1/129)
صفحة 130
أَلَم تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه} في معارضة ربوبيَّة ربِّه، {أن آتاه الله الملكَ} الوهميَّ، يعني: أَنَّ إيتاءَ الملك أبطره وأورثه الكبر، فحاجَّ لذلك؛ {إذ قال إبراهيم: ربِّي الذي يُحيي ويُميت} كأنَّه قال له: مَن ربُّك؟ قال: ربِّي الذي يُحيي ويُميت، {قال} الذي حاجَّ، نمرود أو غيره مِن المردَة {أنا أُحيي وأُميت} يريد أعفي عن القتل وأقتل، فانقطع اللعين [58] بهذا عند الخاصَّة، فزاد إبراهيم ما لا يتأتَّى فيه التَّلبيس على الضُّعفاء؛ {قال إبراهيم: فإنَّ الله يأتي بالشَّمس مِن المشرق، فأت بها من المغرب} إن كنت تقول (1) إلها، {فبُهت الذي كفر} تحيَّر ودهش؛ {والله لا يهدي القوم الظَّالمين (258)} أي: لا يوفِّقهم للحجَّة، لأَنَّ الظَّالم لا يلقي حجَّة، فإن احتجَّ بحجَّة الباطل، غلبته حجَّةُ الحقِّ، لقوله: {بل نقذف بالحقِّ على الباطل فيدمَغه فإذا هو زاهق} (2).
{__________
(1) - ... في العبارة سقط واضح، وَلَعَلَّ صوابها: «إن كنتَ تقول: إِنَّكَ إلهٌ».
(2) - ... سورة الأنبياء: 18. (1/130)
صفحة 131
أو كالذي مرَّ على قرية وهي خاويةٌ على عُروشها} ساقطة مع سقوفها، وكلُّ مرتفع يسمَّى عرشا؛ {قال: أنَّى يُحيي} كيف يحيي، {هذه الله بعد موتِها؟ فأماته الله مائة عام، ثُمَّ بعثه} أي: أحياه، {قال} له قائل: {كم لبثت؟ قال: لبثتُ يوما أو بعض يَوم} بناء على الظنِّ، وفيه دليل على جواز الاجتهاد. رُوى أنَّه مات ضُحًى، وبُعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال: قبل النظر إلى الشمس يوما، ثُمَّ التفت فرأى بقيَّة من الشمس، فقال: «أو بعض يوم». {قال: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنَّه} لم يتغيَّر، معناه: لم تغيِّره السِّنون، {وانظر إلى حمارك} كيف تفرَّقت عظامه ونخرت، وكان له حمار قد ربطه، فمات وبقيت عظامه؛ {ولنجعلك آية للنَّاس} ليعتبروا بك مَن رآك منهم بعين اليقين، ومن رآك منهم بعلم اليقين؛ {وانظر إلى العظام} عظام الحمار أو عظام الموتى، {كيف نُنشِزها} نحرِّكها، ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب؛ {ثمَّ نكسوها لحما} نَجعل اللَّحم مجازا كاللِّباس؛ {فلمَّا تبيَّن له قال: أعلم أَنَّ الله على كلِّ شيء قدير(259)}.
{وإذ قال إبراهيم: ربِّ أرِني كيف تحُيي الموتى؟ قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن لِيطمئنَّ قَلبي} لمَّا أن أراد أَن يتعرَّف باليقين قدرة الله، لم يذمَّه الله، {قال: فخذ أربعة من الطَّير} قيل: طاوسا وديكا وغرابا وحمامة، {فصُرهن إليك} أي: اضممهنَّ إليك؛ {ثمَّ اجعل على كلِّ جبل منهنَّ جُزءا} جزِّئهنَّ، وفرِّق أجزاءهنَّ على الجبال التي بحضرتك؛ {ثمَّ ادعهنَّ يأتينَك سعيًا} ساعيات مسرعات، {واعلم أَنَّ اللهَ عزيز حكيم(260)} لا يعجزه ولا يغلبه شيء.
{ (1/131)
صفحة 132
مَثلُ الذِينَ يُنفقون أموالهم} فيه إضمار، تقديره: «مَثل صدقات الذِينَ ينفقون أموالهم»، {في سبيل الله} أراد سبيل الله الجهاد، وجميع أبواب الخير الخيِّرة؛ {كمَثل حبَّة أنبتت سبع سنابل، في كلِّ سنبلة مائة حبَّة والله يُضاعف لمن يشاء} أي: يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء، لا لِكُلِّ منفق لتَفاوُت أحوالهم، أو يزيد على سبع مائة لمن يشاء؛ قال أبو المؤثر: «وقد قيل: إنَّ الأضعاف ألفُ ألف»، {والله واسعٌ} لا حدَّ لوسعه، {عليمٌ (261)} عليم بمن يستحقُّ الأضعاف.
{الذِينَ يُنفقون أَموالهم في سَبيل اللهِ ثُمَّ لا يُتبعون ما أنفقوا منًّا} هو أن تعتدَّ (1) على مَن أحسن (2) إليه بإحسانه ويريه أنَّه اصطنعه، وواجب عليه حقًّا له، وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسَوها، {ولا أذًى} هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه، {لهم أجرهم عندَ ربِّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262)} لا خوف من العذاب، ولا حزن بفوات الثواب.
{قولٌ معروفٌ} ردٌّ جميلٌ، {ومغفرةٌ} ونيلُ مغفرةٍ مِن الله بسبب ردِّ الجميل، {خيرٌ مِن صدقة يتبعُها أذًى} منه، {والله غنيٌّ حليم (263)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يَعتَدَّ»، بضمير الغائب.
(2) - ... كتب فوق الكلمة: «حسن». (1/132)
صفحة 133
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تُبطلوا صَدقاتِكم بالمنِّ والأذى، [59] كالذي يُنفق مالَه رئاء النَّاس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} يريد أَنَّ الرِّياء يُبطل الصَّدقة ولا تكون النَّفقة مع النَّفقة مِن فعل المؤمنين، وهذا للمنافقين، لأَنَّ الكافر معلنٌ كفره غير مراء؛ {فَمثله كمثلِ صَفوان عليه تُراب} أي: حجر أملس عليه تراب، {فأصابَه وابلٌ} مطر عظيم، {فتركَه صلدًا} أجردَ وأملسَ نقيًّا مِن التُّراب، والصَّلد: الحجر الصلب الأملس، الذي لا شيء عليه، فهذا مثلٌ ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي، والممنُّ الذي يَمنُّ بصدقته ويؤذي، {لا يَقدرُون علَى شيء} أي: لا يُفدَون على ثواب شيء {مِمَّا كَسبوا} لا يجدون ثواب شيء مِمَّا أنفقوا وعملوا، {والله لا يهدي القومَ الكافرين(264)} ما داموا مختارين الكفر.
{ (1/133)
صفحة 134
وَمَثَل الذِينَ يُنفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من أنفسهم} أي: وتصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم، لأنَّه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله، عُلم أنَّ تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن إخلاص قلبه. وفي خ (1) {وتثبيتًا مِن أنفسِهم} معناه: وليثبتوا (2) من أنفسهم ببذل المال الذي هو أخ الروح، وبذله أشقُّ على النَّفس من أكثر العبادات الشَّاقة، ويجوز أن يُراد وتصديقا للإسلام، وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم، لأنَّه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله عُلم أن تصديقه بالثواب من أصل نفسه وإخلاص قلبه؛ {كَمَثل جنَّة} بستان، {بربوَة} مكان مرتفع، وخصَّها لأَنَّ الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرا، {أصابها وابلٌ فَآتت أُكلها} ثمرها {ضعفين} ضعفي ما كانت تُثمر، قيل: بسبب الوابل؛ {فإن لم يصبها وابل فطلٌّ} مطرٌ صغير القطر يكفيها، لكرم منبتها؛ أو مَثل حالهم عند الله بالجنَّة على الربوة، ونفقتهم الكبيرة (3) والقليلة بالوابل والطلِّ، وكما أنَّ كلَّ واحد من المطرين يضعِّف أُكل الجنَّة، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها رضى الله، زاكية عند الله، زائدة في زُلفاهم وحسن حالهم عند الله. {والله بما تعملون بصير (265)}.
{__________
(1) - ... لَعَلَّهُ يقصد بالخاء: نسخة ما.
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «وليميتوا».
(3) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «الكثيرة»، لأَنَّهَا تقابل: «القليلة»؛ وَإِلاَّ فإنَّ «الكبيرة» تقابل «الصغيرة». (1/134)
صفحة 135
أيودُّ أحدُكم أن تكونَ له جنَّة مِن نخيل وأعناب، تجري مِن تحتها الأنهار، له فيها مِن كلِّ الثَّمرات} يريد بالثَّمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها، ولأنَّ النخيل والأعناب لَمَّا كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصَّها بالذكر، وجعل الجنَّة منها، وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليبا لهما على غيرهما، {وأصابَه الكِبَر وله ذرِّية ضُعفاء} أولاد صغار؛ {فأصابها إعصارٌ} ريح تستدير في الأَرْض ثُمَّ تستطع (1) نحو السَّمَاء كالعمود، {فيه نار فاحترقت} هذا مَثل لمن يعمل الأعمال الحسنة رياء، فإذا كان يوم القيامة وجدها مُحبطة، فيتحسَّر عند ذلك حسرةَ من كانت [له] جنَّة جامعة للثمار فبلغ الكبر، وله (2) أولاد ضعاف والجنَّة معاشهم، فهلكت بالصاعقة؛ قال الحسن: «هذا مَثل قلَّ واللهِ مَن يعقله من النَّاس، إِلاَّ شيخ كبير ضعُف جسمه وكثر صبيانه، أفقر ما يكون إلى جنَّته، وأن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا»، {كذلك يُبَيِّنُ الله لكم الآيات} بالأمثال (3) في التوحيد والدين، {لَعَلَّكُم تتفكَّرون (266)} فتعلمون أن مقدار حاجة الإنسان إلى عمله، عند فوات رحمة الله عنه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تصعد»، أو «تسطع».
(2) - ... في الأصل: «واله»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... في الأصل: «با الأمثال»، وهو خطأ. (1/135)
صفحة 136
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أنفقوا من طَيِّبات ما كسبتم} من خيار مكسوباتكم، {ومِمَّا أخرجنا لكم مِن الأَرْض ولا تيمَّموا الخبيث} ولا تقصدوا المال الرديء {منه تُنفقون} تخصُّونه بالإنفاق، {ولستم بآخذيه} أي: «لا تنفقوا في فرض ربِّك خَبَثا، فإنَّك لو أردت شراءه لم تأخذه حَتَّى تحطَّ من ثمنه» من القاموس نقلا، لا تأخذونه في حقوقكم، {إِلاَّ أن تُغمضوا فيه} إِلاَّ أن تتسامحوا في أخذه، وتترخَّصوا فيه، مِن قولك: أغمَض [60] فلان عن بعض حقِّه، إذا غضَّ بصره؛ قيل: كانوا يتصدَّقون بِحشَف التَّمر، وشراره فنهوا عنه، {واعلموا أَنَّ الله غنيٌّ} عن صدقاتكم، {حميدٌ (267)} مستحقُّ للحمد.
{الشَّيطان يَعِدكم} في الإنفاق {الفقرَ} ويقول لكم: إنَّ عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا، والوعدُ يُستعمل في الخير والشرِّ، {ويأمركم بالفحشاء} يغرُّكم على البخل ومنع الصَّدقات، إغراء الآمر للمأمور، {والله يَعدُكم} في الإنفاق {مغفرة مِنه} لذنوبكم، وكفارة لها، {وفضلاً} وَأَن يخلف عليكم أفضل ما أنفقتم، {والله واسع} يوسِّع على من يشاء، {عليم (268)} بأفعالكم ونياتكم.
{يُؤتي الحكمةَ مَن يشاء} عِلم القرآن والسنَّة، أو العلم النافع الموصل إلى رضى الله والعمل به، والحكيم عند الله العالم العامل؛ قال قائل: الإصابة في القول والفعل، وهو موافق للأوَّل؛ وقال ابن عبَّاس: «هو عِلم القرآن»؛ قال الحسن: «من أُعطي القرآن فكأنَّما أُدرجت النُّبوَّة بين جنبيه، إِلاَّ أنَّه لم يوح إليه»؛ {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وما يذَّكَّر إِلاَّ أُولو الألباب (269)} وما يتَّعظ بمواعظ (1) الله إِلاَّ ذوو العقول السليمة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «بِمواعض»، وهو خطأ. (1/136)
صفحة 137
وما أنفقتم مِن نَفَقَة} يعمُّ جميع ما أنفق حتَّى الذي ينفقه على نفسه وأهله، {أو نذرتم مِن نذر} في سبيل الله، أو سبيل الشيطان، {فإنَّ الله يَعلمُه} لا يخفى عليه، فيجازيكم عليه؛ {وما للظَّالمين مِن أنصار (270)} مِمَّن ينصرهم من الله، ويمنعهم من عقابه.
{إن تُبدوا الصَّدقات فنِعِمَّا هي} فنِعم شيئًا إبداؤها، {وإن تُخفوها وتُؤتوها الفقراء، فهو خير لكم} فالإخفاء خير لكم في حالٍ، فالإبداء (1) أفضل في حالٍ، والإخفاء أفضل في حالٍ، {ويُكفِّر عنكم مِن سيِّئاتكم والله بما تعملون خبير (271)}.
{ليس عليك هُداهم} قيل: نزل هذا في الفقراء، وذلك على قول مَن يجيز تسليم الزكاة إلى غير الأولياء؛ قال محمَّد بن روح: قد يقال نزلت فيمن يُتصدَّق عليه، {ولكنَّ الله يهدي من يشاء وما تُنفقوا مِن خير فلأنفسكم} فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم، فلا تَمنُّوا به على النَّاس ولا تعجبوا به؛ {وما تُنفقون إِلاَّ ابتغاء وجه الله} وليست نفقتكم إِلاَّ ابتغاء وجه الله، فما بالكم تَمنُّون بها وتنفقون الخبيث؟!، وقيل معناه: النهي، أي: ولا تنفقوا إِلاَّ لابتغاء وجه الله، {وما تُنفقوا من خير يوفَّ إليكم} ثوابه أضعافا، فما بالكم تبخلون!؛ {وأنتم لا تُظلَمون (272)} لا تنقصون أجره.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وفا الإبداء»، وَهُوَ خطأ. (1/137)
صفحة 138
للفقراء الذِينَ أُحصروا في سبيل الله} هم الذِينَ أحصرهم الجهاد، أو طلب العلم، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أوخوف التَّباعة من الضَّرب في الأَرْض عن طلب الرزق، كأنَّهم ليسوا بأهل مال ولا احتيال، {لا يستطيعون ضربًا في الأَرْض} للكسب؛ {يحسبهم الجاهل} بحالهم، {أغنياء من التَّعفُّف} مستغنين من أجل تعفُّفهم عن المسألة، {تعرفهم بسِيماهم} بعلاماتهم، {لا يسألون النَّاس إلحافًا} إلجاجا، والإلجاج (1): هو اللُّزوم، وَأَن لا يفارق إِلاَّ بشيء يُعطاه، وفي الحديث: «أنَّ الله يحِبُّ الحيِيَّ الحليم المتعفِّف، ويبغض البديء السَّائل الملحف» (2)، وقيل معناه: إنَّهم إن سألوا بتلطُّف ولم يُلحُّوا، {وما تنفقوا من خير فإنَّ الله به عليم (273)}.
{الذِينَ ينفقون أموالهم باللَّيل والنَّهار سرًّا وعلانيَّة} يعني: يعمُّون الأوقات والأحوال بالصدقة، لحرصهم على الخير، وكلَّما نزلت بهم حاجة محتاج عجَّلوا قضاءها (3) ولم يُؤخِّروه، ولم يتعلَّقوا بوقت ولا حال؛ {فلهم أجرهم عند ربِّهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والاجاج»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... لم نجده بهذا اللفظ، وَفيِ رواية عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ». رواه ابن ماجه في كتاب الزهد، 4111. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «المتعفِّف».
(3) - ... في الأصل: «قضاهاء»، وهو خطأ. (1/138)
صفحة 139
الذِينَ يأكلون الرِّبَا لا يقومون إِلاَّ كما يقوم الذي يتخبَّطه} أي: يصرعه {الشيطان}، أي: المصروع، لأنَّه يَخبط في المعاملة، فجوزي على المقابلة، والخبط: الضَّرب على غير استواء كخبط العشواء {مِنَ المسِّ} من الجنون، يقال: مُسَّ الرجل، فهو ممسوس [61] إذا كان مجنونا؛ {ذلك بأنَّهم قالوا إِنَّمَا البيعُ مثلُ الرِّبَا وأحلَّ الله البيع وحرَّم الرِّبَا} فيه دليل على أَنَّ القياس يهدمه النصُّ مع خلافه له؛ {فمن جاءَه موعظةٌ مِن ربِّه} بذكر وتخويف، {فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله، ومن عاد فأُولَئِكَ أصحاب النَّار هم فيها خالدون (275)}.
{يَمحَقُ الله الرِّبَا} ينقصه ويهلكه بـ[ـإذهاب]ـبركته (1)، ويهلك المال الذي يدخل فيه. {ويُربي الصَّدقات} وينمِّيها ويزيدها، أي: يزيد المال الذي أُخرجت منه الصَّدقة ويبارك فيه، {والله لا يحبُّ كُلَّ كفَّار أثيم (276)}.
{إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وعملوا الصَّالحات وأقاموا الصَّلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربِّهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277)}.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقوا الله وذروا ما بقي مِن الرِّبَا} أخذوا ما شرطوا على النَّاس من الرِّبَا وبقيت لهم بقايا، فأُمروا أن يتركوها ولا يُطالبوا بها، {إن كنتم مؤمنين (278)} كاملي الإيمان، فإنَّ دليل كماله امتثال المأمور به.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ويهلكه ببركته» وفيه سقط واضح. (1/139)
صفحة 140
فإن لم تفعلوا فأذَنوا بحرب مِن الله ورسوله} فاعلموا بها، مِن أذَان (1) بالشَّيء إذا عَلِم؛ قال بعض أهل المعاني: حربُ الله لأهل (2) العصاةِ: الخذلان لهم في الدنيا، والنار لهم في العقبى؛ وحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم: السيف والبراءة منهم؛ {وإن تبتم فلكم رءوس أموالِكم لا تَظلمون} المديونين بطلب الزيادة عليها، {ولا تُظلمون (279)} بالنقصان منها.
{وإن كانَ ذو عُسرة فنَظِرة إلى مَيسُرة، وأنْ تصَّدقوا} بالإبراء، وقيل: بالانتظار، لقوله - عليه السلام -: «لا يَحُلُّ دَين امرء مسلم فيؤخِّره، إِلاَّ كان [له] بِكُلِّ يوم صدقة» (3)، {خير لكم} يوم القيامة {إن كنتم تعلمون (280)}.
{واتَّقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله، ثُمَّ توفَّى كلُّ نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون (281)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ذان»، وهو خطأ، وفي اللسان: أذان بالشيء إذنا وأذَنا وأذانة: عَلِم. ابن منظور: لسان، 1/ 39.
(2) - ... في الأصل: «الأهل»، وهو خطأ.
(3) - ... رواه ابن ماجه في كتاب الأحكام، رقم 2409، عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ بلفظ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ، وَمَنْ أَنْظَرَهُ بَعْدَ حِلِّهِ كَانَ لَهُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ». وروى نحوه أحمد في مسند البصريِّين، عن عمران بن حصين، وَفيِ باقي مسند الأنصار عن بريدة أَيْضًا. (1/140)
صفحة 141
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إذا تداينتم بدَين إلى أجلٍ مسمًّى فاكتبوه} وهذا الخطاب وارد للمؤمنين وفيهم، إذا وقعت المعاملة بينهم، وإن وقعت فيمن سواهم، فالأحرى إثبات الأشهاد حذرا عن (1) إتلاف المال، {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} أي: كاتب مأمون على ما يكتب، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولاينقص، وفيه أن يكون الكاتب فقيها عالما بالشَّرط حتَّى يجيء مكتوبهم معدَّلا بالشرع، وهو أمر للمتداينين (2) بتخيُّر الكاتب، ولا يستكتبوا إِلاَّ فقيها ديِّنا؛ {ولا يَأبَ كاتب} ولا يمتنع واحد من الكتَّاب {أن يكتب كما علَّمه الله} كتابة الوثائق، لا يبدِّل ولا يغيِّر؛ {فليكتب} تلك الكتابة لا يَعدِل عنها، {وليُملِل الذي عليه الحقُّ} ولا يكن المملُّ إِلاَّ من وجب (3) عليه الحقُّ، لأنَّه هو المشهود على ثباته في ذمَّته وإقراره، فيكون ذلك إقرارا على نفسه بلسانه، والإملال والإملاء لُغتان، {وليتَّق الله ربَّه} فلا يمتنع عن الإملاء، فيكون جحودا لكلِّ حقِّه، {ولا يبخس منه شيئا} ولا ينقص شيئًا منه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «على عن»، وَلَعَلَّ الأصوب: «مِن».
(2) - ... في الأصل: «اللمتدينين»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «حب»، وهو خطأ. (1/141)
صفحة 142
فإن كان الذي عليه الحقُّ سفيها} مجنونا لأَنَّ السَّفه خفَّة في العقل، أو محجورا عليه لتبذيره وجهله في التصرُّف، {أو ضعيفا} صبيًّا، {أو لا يستطيع أن يُملَّ هو} بعيٍّ أو لخرسٍ، {فليُملِل وليُّه} الذي يلي أمره، ويقوم به {بالعدل} بالصِّدق والحقِّ؛ {واستشهدوا شهيدين} واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدَّين {مِن رجالكم} من رجال المؤمنين، و [من أهل] الحرِّية والبلوغ؛ {فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان مِمَّن ترضون من الشُّهداء} مِمَّن تعرفون عدالتهم، فإنَّ مَن يكذب على الله أولى أن يكون مردود الشهادة، {أن تضلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى} لأجل أن تنسى إحداهما الشَّهادة فتذكِّرها الأخرى، ومعنى «تضلَّ» أي: تنسى، يريد إذا نسيت إحداهما شهادتها تُذكِّرها الأخرى.
{ولا يأب الشُّهداء إذا ما دُعوا} لأداء الشَّهادة أو للتَّحمل، لئلاَّ تتوي (1) حقوقُهم، وقد توجد، عن أبي سعيد فيما [62] أرجو أنَّه قال: إذا أدَّاها وحملها.
{ولا تسأموا} ولا تَمَلُّوا {أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله، ذلكم أقسَط عند الله} أي: أعدل لأنَّه أمر به، واتِّباع أمرِه أعدل مِن تركه، {وأقومُ للشَّهادة} وأعون، {وأدنى أَلاَّ ترتابوا} أحرى أو أقرب من انتفاء الرَّيب للشَّهادة والحاكمِ وصاحب الحقِّ، فإنَّه قد يقع الشَّكُّ في المقدار والصفات، وإذا رجعوا إِلىَ المكتوب يُزال ذلك؛ وألف «أدنى» منقلبة من واو، لأنَّه من الدُّنوِّ؛ {إلاَّ أن تكون تجارة حاضرة} إِلاَّ أن تكون التِّجارة تجارة حاضرة، أو إِلاَّ أن تكون المعاملة تجارة حاضرة {تُديرونَها بينكم} أي: تتعاطَونَها يدا بيد، {فليس عليكم جُناح أَلاَّ تكتُبوها} معنى: إِلاَّ أَن تتبايعوا يدا بيد، فلا بأس أَلاَّ تكتبوا، لأنَّه لا يُتوهَّم في التَّداين.
{__________
(1) - ... توَى يتوي تَوًى والتَّوَى: الهلاك، وفي الصحاح: هلاك المال. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/ 339. (1/142)
صفحة 143
وأشهِدوا إذا تبايعتم} هذا التَّبايع، يعني: التجارة الحاضرة على أنَّ الإشهاد كافٍ فيه دون الكتابة، والأمر (1) للندب. {ولا يضارَّ كاتب ولا شهيد} نَهَى الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التَّحريف والزِّيادة والنُّقصان والنَّهي عن الضَّرر بهما، بِأَن تعجَّلا عن مهمٍّ، ويلزأ (2) أو يعطي الكاتب حقَّه من الجعل، أو يحمل الشَّهيد مُؤنة مجيئه من بلد، {وإن تفعلوا} وإن تضارُّوا، {فإنَّه فُسوق بكم واتَّقوا الله} في مخالفة أوامره، {ويعلِّمكم الله} شرائع دينه وإصلاح دنياكم، {والله بِكُلِّ شيء عليم (282)} لا يلحقه سهو ولا قصور.
{وإن كنتم على سفر ولم تَجدوا كاتبا فرهانٌ مقبوضة، فإن أمِنَ بعضكم بعضا} فإن أمِن بعض الدَّائنين بعض المديونين بحسن ظنِّه فيه، فلم يتوثَّق بالكتابة والشُّهود والرَّهن، {فليؤدِّ الذي اؤتُمِن أمانته} دَينه، {وليتَّق الله ربَّه} في إنكار حقِّه؛ وكأنَّ في هذه الآية دلالة على أَنَّ الأمر بالإشهاد والكتابة للحقوق، وقَبض الرَّهن للنَّدب لا للوُجوب؛ {ولا تكتموا الشَّهادة ومن يكتمها فإنَّه آثم قلبُه} أي: فاجر قلبه، قيل: ما وعد الله على شيء كإيعاده على كِتمان الشَّهادة، قال: فإنَّه أثِم قلبه، وأراد به منه مسخ القلب، ونعوذ بالله منه، وصف القلب بالإثم لأنَّه رئيس الأعضاء، والمضغَة التي إن صلحت صلح الجسد كلُّه، وإن فسدت فسد الجسد كلُّه، فكأنَّه قد تمكَّن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان منه، {والله بما تعملون عليم (283)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «للأمر»، وهو خطأ.
(2) - ... لَزَأ يَلزَأ لَزْأً الإناء: ملأه، ـ والماشية: أشبعها، ولزأ فلانا: أعطاه. انظر: المنجد في اللغة والأعلام، 719. (1/143)
صفحة 144
لله ما في السَّمَاوَات وما في الأَرْض، وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبْكم به الله، فيغفرْ لمن يشاء ويُعذب مَن يشاء} قيل: لمَّا نزلت هذه الآية اشتدَّ ذلك على المسلمين، لأَنَّ ذلك مِن أشدِّ البلوى، إذا كان يؤخذ بما توسوس به النَّفس، إلى أن نزلت: {لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ وُسعها، لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت}، {والله على كلِّ شيءٍ قدير(284)}.
{آمَن الرَّسُول بما أُنزل إليه مِن ربِّه} أي: لم يؤمن ببعض، ويكفر ببعض، {والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرِّق بين أحد مِن رسله} أي: لا نفرِّق بين أحد منهم، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض؛ {وقالوا سمعنا} قولَك، {وأطعنا} أمرَك، {غُفرانَك} أي: اغفر لنا غفرانك {رَبَّنَا وإليك المصير(285)} المرجِع، وفيه إقرار بالبعث والجزاء.
{ (1/144)
صفحة 145
لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ وُسعها} ووسعها طاقتها، وطاقتها ما تَقدِر عليه، وقيل: الوُسع ما وسع (1) الإنسان ولا يضيق عليه؛ {لها ما كسبت وعليها ما اكتسَبَت} ينفعها ما كسبت من خير، ويضرُّها ما اكتسبت من شرٍّ، وخصَّ الخير بالكسب والشرَّ بالاكتساب، لأَنَّ "الافتعال" للانكماش، والنفسُ تنكمش في الشرِّ وتتكلَّف للخير؛ {رَبَّنَا لا تُؤاخذنا إن نسينا} تركنا أمرا مِن أوامرك سهوا، {أو أخطأنا} على غير تعمُّد؛ {رَبَّنَا ولا تحمل علينا إصرا} عباءً يأصر (2) حامله، أي: يحبسه مكانه لثقله، استعير لتكليف الشَّاق، من نحو قَتلِ الأنفس وغير ذلك، {كمَا حَملته على الذِينَ مِن قبلنا} كاليهود؛ {رَبَّنَا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به} مِن العقوبات النَّازلة بمن قبلنا، وقيل معناه: لا تفعل بنا فعلا يحول بيننا وبين طاعتك، لقوله: {واعف عنَّا} اُمحُ سَيِّئَاتِنا، {واغفر لنا} واستر ذنوبنا، {وارحمنا أنت مولانا} متوليِّ أمورِنا، {فانصرنا على القوم الكافرين (286)} فمن حقِّ المولىَ أن ينصر عبيده.
سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم
{ألم (1) الله لا إله إِلاَّ هو} تقديره لا إله في الوجود لأهل العبادة إِلاَّ هو {الحيُّ القيُّوم (2)} القائم على كلِّ الموجودات، {نزَّل عليك الكتاب} القرآن {بالحقِّ مصدِّقا لِمَا بين يديه} لما قبله، {وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبلُ} قبل القرآن، {هدى للناس وأنزل الفرقان} المفرَّق بين الحقِّ والباطل، {إنَّ الذِينَ كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4)} ذو عقوبة شديدة، {إنَّ الله لا يخفَى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5)}.
{هو الذي يصوِّركم في الأرحام كيف يشاء} أَي: صوَّركم لنفسه وعبادته [كَذَا]، {لا إله إِلاَّ هو العزيز الحكيم (6)} في تدبيره.
{__________
(1) - ... في الأصل: «سع»، وهو خطأ.
(2) - ... أَصَر يأصِر أَصْرًا: عطفه وكسره، أو ثقل عليه. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/ 76. (1/145)
صفحة 146
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات مُحْكَمَات} ظاهرة عبارتها لا تحتمل معاني، وإِنَّمَا تحتمل معنىً واحدًا، {هنَّ أمُّ الكتاب} مبيَّنات مفصَّلات، وسميِّت محكمات من الإحكام، كأنَّه أحكمها، فمنع الخلق من التصرُّف فيها، لظهورها ووضوح معناها، وهنَّ أصل الكتاب لتُحمَل (1) المتشابهات عليها وتردَّ إليها؛ {وأُخر} وآيات أُخر {متشابهات} مشتبهات محتملات لمعاني، ومثال ذلك: {الرحمن على العرش استوى} (2) فالاستواء يكون بمعنى: الجلوس، وبمعنى: القدرة والاستيلاء، ولا يجوز الأوَّل على الله بدليل المحكم وهو قوله: {ليس كَمِثْلِه شيءٌ} (3) وإنَّما لم يكن كلُّ القرآن مُحكما لِمَا في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحقِّ والمتزلزل، وبين المجتهد في الطلب والمقصِّر، ولِما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردِّه إلى المحكم من الفوائد الجليَّة والعلوم الجمَّة، ونيل الدرجات عند الله تعالى.
{فأمَّا الذِينَ في قلوبهم زيغ} أَي: ميل عن الحقِّ وَهَذَا لاتبِّاع الباطل؛ {فيتَّبعون ما تشابه منه} فيتعلَّمون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع بتأويل الضلال، ولا يطابقه في حكم {ابتغاء الفتنة} طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلُّوهم؛ قيل عن مجاهد إنَّه قال: ابتغاء الشبهات واللَّبس. {وابتغاء تأويله} وطلب أن يُؤوِّلوه التأويل الذي يَشتهونه، وكأَنَّهُم يريدون أن يكونوا متمسِّكين بالكتاب، وتابعين لهوى الأنفس، وكلُّ من عصى الله بتأويل ضلال لحقته هذه الصفة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «التحمُّل»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة طه: 5.
(3) - ... سورة الشورى: 11. (1/146)
صفحة 147
وما يعلم تأويله إِلاَّ الله} أَي: لا يهتدي إِلىَ تأويله الحقِّ الذي يجب أن يحمل عليه إِلاَّ الله؛ {والراسخون في العلم} والذِينَ رسخوا، أَي: ثبتوا فيه وتمكَّنوا وعضُّوا فيه (1) بضرس قاطع. قال الواسطيُّ: «هم الذِينَ رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب، وفي سرِّ السرِّ، بعرفهم ما عرَّفهم، وخاضوا بحر العلم بالفهم لطلب الزيادة، فانكشف لهم ــ من مذخور الخزائن والمخزون ــ تحت كُلِّ حرف وآية من الفهم والعجائب [بـ] النظر، فاستخرجوا الدُّرر والجواهر، ونطقوا بالحكمة».
{يقولون آمنَّا به} وهو ثناء منه تعالى عليهم بالإيمان على التسليم، واعتقاد الحقِّيَّة بلا تكييف {يقولون آمنَّا به}، أَي: بالمتشابه والمحكم، {كلٌّ} من متشابهه ومحكمه {من عند رَبِّنَا} وقولهم [64] هذا وإيمانهم به يدلُّ على علمهم بتأويله، وكلُّ من كان سالماً في دينه ولم ينقض إيمانه بشيء من الظلم، فهو (2) من الراسخين في العلم، وإن كان فوق كلِّ ذي علم عليم. {وما يذَّكر إِلاَّ أولو الألباب (7)} أصحاب العقول، وهو مدح للراسخين بإلقاء (3) الذهن وحسن التَّأَمُّل.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والأصحُّ: «عليه».
(2) - ... في الأصل: «فهوا» بزيادة الألف، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّهُ يقصد إلقاء الذهن في ملكوت الله، والغوص والتعمُّق في العلوم الشَّرْعِيَّة لاستنباط الأَدِلَّة من مكامنها. ويمكن أَن نقرأ: «بإنقاء» بمعنى: تنقيته وتنظيفه من الأدران. (1/147)
صفحة 148
رَبَّنَا لا تُزِغ قلوبنا} لا تُمِلها عن الحقِّ، بخلق الميل في القلوب {بعد إذ هديتنا} للإيمان، {وهب لنا من لدنك رحمة} رحمةً بعد رحمة من عندك بالتوفيق والتثبيت، {إِنَّكَ أنت الوهَّاب (8)} تعطي بلا استحقاق، {رَبَّنَا إِنَّكَ جامعُ الناس ليوم} أَي: تجمعهم لحساب يوم الجزاء، {لا ريب فيه} لا شكَّ في إتيانه، {إنَّ الله (1) لا يُخلف الميعاد (9)} لأَنَّ الإلهيَّة (2) تنافي خلف الميعاد.
{إنَّ الذِينَ كَفَرُواْ لن تُغنيَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مِنَ الله} من عذابه {شَيْئًا} لأَنَّهُمْ لم يريدوا بها وجه الله تعالى مثل المُؤْمِنين، وإنَّما أَرَادوا بها زينة وتكاثرا فيِ الأموال والأولاد؛ {وأولئك هم وقود النار (10)} حطبها.
{كَدَأبِ آل فرعون وَالذِينَ من قبلهم} الدَّأبُّ: (3) مصدر، دَأَب فيِ العمل إِذَا أكدح [كَذَا] فِيهِ، فوضع موضع مَا عليه الإنسان من شأنه وحاله، تقديره: دأَبَ هؤلاء الكفرة فيِ تكذيب الحقِّ، كدأب من قبلهم مِن آل فرعون وغيرهم، والمعنى: لن تغني عَنْهُمْ مثل مَا لم تغن عَنْ آل فرعون، {كذَّبوا بِآيَاتِنا} تفسير لدأبهم مِمَّا فعلوا، أو فُعل بهم، كأنَّه جواب لمن يسأل عَنْ حالهم؛ {فأَخَذهم الله بذنوبهم} بسبب ذنوبهم، وأَخْذُه إيَّاهم هلاكهم بغضب وعقوبة. {والله شديد العقاب (11)} فيِ الدارين لمن عصاه.
{قل للذين كَفَرُواْ ستُغلبون وتُحشرون إِلىَ جهنَّم} مِنَ الجِهِنَّام: وهي بئر عميقة العقر (4). {وبِئسَ المهاد (12)} المستقرُّ جهنَّم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إنَّك»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «لان لالهية».
(3) - ... في الأصل: «الدب»، وهو خطأ.
(4) - ... كذا في الأصل والصواب: «القعر». (1/148)
صفحة 149
قد كَانَ لكم آية} أَي: بيان، {فيِ فئتين التَقَتَا، فئة تُقاتل فيِ سبيل الله} وَهُم المُؤْمِنون، {وأُخْرَى كافرة يرونهم مِثلَيهم} يرى المشركون المُسْلِمِينَ مثلي المشركين ألفا، ومثلي عدد المُسْلِمِينَ ستمائة ونيفا وعشرين، أراهم الله إيَّاهم مَعَ قِلَّتهم أضعافهم، ليهابوهم ويجبنوا عَنْ قتالهم، وكَأنَّ ذَلِكَ مددٌ (1) مِنَ الله لَهُمْ، كما أمدَّهم بالمَلاَئِكَة، {رأي العين} يعني: رؤية ظاهره مكشوفة، وذلك من قدرة الله سبحانه أن يريهم القليل كثيرا، مثل رأي العين، ليقضيَ الله [أمره] وينفذ فِيهِم مشيئته. {والله يؤيِّد بنصره من يَشَاء} كما أيَّد المُسْلِمِينَ بتكثيرهم فيِ عين العدوِّ؛ {إنَّ فيِ ذَلِكَ} فيِ تكثير القليل، وتعظيم الحقير وبالعكس، {لَعبرةً} لَعِظَةً {لأولي الأبصار (13)} لذوي البصائر.
{زُيِّن للنَّاس حبُّ الشهوات} الشهوة: تَوَقَان النفس إِلىَ الشيء، والشهوة: مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتَّبعها، شاهد عَلَى نفسه بالبهيميَّة، وأُزيد عليها بقوله: {مِن النساء والبنين، والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة، والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث، ذَلِكَ متاع الحياة الدُّنْيَا وَاللهُ عنده حسن المآب (14)} المرجع، فِيهِ تزهيد فيِ الدُّنْيَا وترغيب فيِ الآخِرَة؛ ثُمَّ زهَّدهم فيِ الدُّنْيَا وقال: {قُل أَؤنبِّئكم بخير من ذلكم} مِنَ الذِي تقدَّم، معناه: أُخبركم بعمل خير مِنَ السعي لِمَا تقدَّم. {للذين اتَّقُوا} الله بترك مَا زُيِّن للنَّاس مِمَّا حرَّمه الله عليهم. {عند ربِّهم جَنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فِيهَا، وأزواج مطهَّرَة ورضوان مِنَ الله، وَاللهُ بصير بالعباد (15)}؛ {الذِينَ يقولون} بلسان مقالهم وحالهم: {رَبَّنَا إنَّنا آمنَّا فاغفر لَنَا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16)}.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الأصوب أن تكون العبارة هكذا: «وكان ذلك مددًا من الله». (1/149)
صفحة 150
الصابرين} عَلَى المصائب والطاعات، {والصادقين} قولا بإخبار الحقِّ، وفعلا بإحكام [65] العمل، ونيَّةً بإمضاء العزم، {والقانتين} المطيعين، {والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17)}.
{شَهِد الله} أَي: علم {أنَّه لاَ إله إِلاَّ هُوَ والمَلاَئِكَة وأولو العلم} علموا أنَّه: {قائما بالقسط}، قيِّما بالعدل فيما قسم وقضى، وقدَّر مِنَ الأرزاق والآجال، والأمر والنهي، والثواب والعقاب؛ {لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم (18)} فوافق علمهم علمه فيِ ذَلِكَ.
{إنَّ الدين عند الله الإسلام} أَي: الاستسلام والانقياد والطاعة لَهُ من عبيده، وعليهم؛ {وَمَا اختلف الذِينَ أوتوا الكتاب} أَي: أهل الكتاب مِنَ اليَهُود والنصارى، واختلافهم إِنَّمَا تركوا الإسلام وَهُوَ التوحيد؛ {إلاَّ من بعد مَا جاءهم العلم بغيا بَيْنَهُمْ} أَي: مَا كَانَ ذَلِكَ الاختلاف إِلاَّ حسدا بَيْنَهُمْ، وطلبا للرئاسة وحظوظ الدُّنْيَا، واستتباع كلِّ فريق أناسا. {ومن يكفر بِآيَاتِ الله} بحججه ودلائله، {فإنَّ (1) الله سريع الحساب (19)} سريع المجازاة بالخذلان فيِ الدُّنْيَا، وبالنار فيِ العقبى.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إنَّ»، وهو خطأ. (1/150)
صفحة 151
فإن حاجُّوك} جادلوك فيِ أنَّ دين الله الإسلام؛ {فقل: أسلمت وجهي لله} أَي: أخلصت نفسي وجملتي لله وحده، لم أجعل فِيهَا لغيره شِركا، بأن أعبده وأدعوه وَلاَ أدعوا إلها معه، يعني: أَنَّ ديني دين التوحيد، وَهُوَ الدين القيِّم الذِي ثبت عندكم صحَّته كما ثبت عندي، وَمَا جئت بشيء بديع حتَّى تجادلوني فِيهِ؛ {ومن اتَّبعني} أَي: أسلمت أنا ومَن اتَّبعني. {وقل للذين أوتوا الكتاب والأمِّيِّين}: وَالذِينَ لاَ كِتَاب لَهُمْ، وقيل: إِنَّهُم العرب، {أأسلمتم؟ فإن أسلموا} فإن انقادوا وأذعنوا، (لَعَلَّهُ) واستسلموا لأمر الله عَلَى مَا يوافق طبع النفوس، أو يخالفها؛ {فقد اهتدوا} فقد أصابوا الرشد، حيث خرجوا مِنَ الضلال إِلىَ الهدى. {وإن تولَّوا فَإِنَّمَا عليك البلاغ} أَي: ليس عليك هداهم، وإنَّما عليك إبلاغهم، {والله بصير بالعباد(20)} فيجازيهم عَلَى كفرهم.
{إنَّ الذِينَ يكفرون بِآيَاتِ الله ويقتلون النبيِّين بغير حقٍّ، ويقتلون الذِينَ يَأْمُرُون بالقسط مِنَ الناس} والقتل: هُوَ معروف، ويخرج من معناه التبرُّؤ مِنَ الذِينَ يَأْمُرُونهم بالقسط ومعاداتهم، كما قيل: البراءة مِنَ المُؤْمِن كقتله؛ {فبشِّرهم بعذاب أليم(21)}.
{أُوْلَئِكَ الذِينَ حبطت أعمالهم فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة} إحباطها فيِ الدُّنْيَا عدم التوفيق للخير، وفي الآخِرَة بعدم الثواب؛ {وَمَا لَهُمْ من ناصرِينَ(22)} يمنعونهم من عذابه.
{ألم تر إِلىَ الذِينَ أوتوا نصيبا مِنَ الكتاب} بقيام حجَّة تقوم عَلَيْهِم من كِتَاب من كتب الله؛ {يُدعون إِلىَ كِتَاب الله ليحكم بَيْنَهُمْ؛ ثُمَّ يتولىَّ فريق مِنْهُمْ وَهُم معرضُونَ(23)}.
{ (1/151)
صفحة 152
ذَلِكَ بأَنَّهُمْ قَالُوا لن تمسَّنا النار إِلاَّ أيَّاما معدودات} أَي: ذَلِكَ التولِّي بسبب تسهيلهم عَلَى أنفسهم مِنَ العقاب، وطمعهم فيِ الخروج مِنَ النار بعد أيَّام قلائل، {وغرَّهم فيِ دينهم مَا كَانُوا يفترُونَ (24)} قد غرَّ الشيطان لعَنهُ الله أكثر الخلق، بافترائهم الكذب بألسنتهم و قلوبهم، بِمَا خُيِّل إِلَيْهِم مِنَ الأماني الكاذبة، واعتقدوا أَنَّهُمْ ينجون من عذاب الله وينعمون بالثواب من قبل استحقاقهم ذَلِكَ من قبل مَا عملوه مِنَ الأعمال، وأنفقوا من أموال، وأتعبوا فِيهِ الأبدان، مَعَ تعدِّيهم لأكثر الحدود، ولَعَلَّهُم أصغوا إِلىَ المتشابه مِنَ الكتاب ولم يبنوا (1) دينهم عَلَى أم الكتاب وأصول الدين، تساهلا لموافقة الشهوات وارتكاب الشبهات. {فكيف إِذَا جمعناهم ليومٍ لاَ ريب فِيهِ ووفِّيَت كُلُّ نفس مَا كسبت} جزاء مَا [66] كسبت، وفي ذَلِكَ وعد لمن أطاع، ووعيد لمن عصى؛ {وَهُمْ لاَ يُظلمُونَ (25)} بزيادة فيِ سيِّئاتهم، ونقصان من حسناتهم.
{قل اللَّهُمَّ مالكَ المُلكِ} أصل ملك الدارين: القلوب السليمة فمن رُزِقها فقد أوتي الملك الحقيقيَّ، ومن حرمها بسوء كسبه فقد أذلَّه، ولم يعزَّه بانتزاعها منه وإن كَانَ لَهُ مِنَ الملك الوهميِّ نصيب، بدليل قوله فيِ الآية: {بيدك الخير}، {تُؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك مِمَّن تشاء، وتُعِزُّ من تشاء} قَالَ بِأَن يكون لك بك ومعك بين يديك؛ {وتذلُّ من تشاء بيدك الخير إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شيء قدير (26)}.
{تُولج الليل فيِ النهار، وتولج النهار فيِ الليل، وتخُرج الحيَّ مِنَ المَيِّت، وتُخرِج المَيِّت مِنَ الحيِّ، وترزق من تشاء بغير حساب (27)} لاَ يعرف الخلقُ عدده ومقداره، وإن كَانَ معلوما عند الله.
{__________
(1) - ... في الأصل كلمة غير واضحة ولعلَّ الصواب: ما أثبتناه. (1/152)
صفحة 153
لاَ يتَّخذ المُؤْمِنون الْكَافِرِينَ أولياء} نُهوا أن يُوالوا الْكَافِرِينَ، لقربة بَيْنَهُمْ {مِن دون المُؤْمِنين} يعني: أنَّ لكم فيِ موالاة المُؤْمِنين مندوحة، أَي: سعة عَنْ موالات الْكَافِرِينَ، فلا تؤثروهم عليهم، {ومن يفعل ذَلِكَ فليس مِنَ الله فيِ شيء} ومن يوالي الكفرة، فليس من ولاية الله فيِ شيء، يعني: أنَّه منسلخ عَنْ ولاية الله رأسا، لأنَّ موالاة الوليِّ، وموالاة عدوِّه متنافيان، فلا تستحقُّ مِنَ الله شَيْئًا فيِ الدُّنْيَا وَلاَ فيِ الآخِرَة، إِلاَّ الاستدراج فيِ الدُّنْيَا، وعذاب النار فيِ الآخِرَة؛ وقيل: ليس من دين الله فيِ شيء. {إِلاَّ أن تتَّقوا مِنْهُمْ تُقاة} إِلاَّ أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتِّقاؤه، وهذه رخصة فيِ موالاتهم عند الخوف، والمراد بهذه الموالاة: المحالفة الظاهرة، والقلبُ مطمئنٌّ بالعداوة. {ويحذِّرُكم الله نفسه} أَي: ذاته، فلا تتعرَّضوا لسخطه بالمخالفة، وهذا وعدٌ شديد. {وإلى الله المصير(28)} أي: مصيركم إِلَيْهِ، والعذاب مُعَدٌّ لديه لمن خالف.
{قل: إن تُخفوا مَا فيِ صدوركم أو تُبدوه يعلمه الله، ويعلم مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض وَاللهُ عَلَى كُلِّ شيءٍ قدير(29)}.
{يوم تجد كُلُّ نفس مَا عملت من خير محضرا، وَمَا عملت من سوء تودُّ لو أَنَّ بينها وبينه أمدا بعيدا} أَي: والذي عمِلَته من سوء، تودُّ لو تباعد مَا بينها وبينه، {ويحذِّركم الله نفسه} لتكونوا عَلَى بال منه، لاَ تغفلون عنه، وعن مَا تعبَّدكم بِهِ طرفة عين. {والله رءوف بالعباد(30)}.
{ (1/153)
صفحة 154
قل: إن كُنتُمْ تحبُّون الله فاتَّبعوني يحببكم الله} المحبَّة: ميل النفس إِلىَ الشيء لكمال إدراك فِيهِ، بحيث يحملها عَلَى مَا تقرِّبه إِلَيْهِ، والعبد إِذَا علم أنَّ الكمال الحقيقيَّ ليس إِلاَّ لله، وَأَنَّ كلَّ مَا يراه كمالا من نفسه أو غيره، فهو مِنَ الله وبالله وإلى الله، لم يكن حبُّه إِلاَّ لله وفي الله، وذلك تقصِّي إرَادَة طاعته والرغبة فيما يقرُّ بِهِ، فلذلك فُسِّرت المحبَّة: بإرَادَة الطاعة، وجعلت ملتزمة لاتِّباع الرسول فيِ عبادته، والحرص عَلَى مطاوعته، {يحببكم الله} ومعنى حبِّ الله لعباده: هوكشف الحجاب عَنْ قلوبهم، حتَّى يروا صفاته وأفعاله بقلوبهم، وإلى تمكينه إيَّاه (1) مِنَ القرب منه، {ويَغْفِر لكم ذنوبكم} وعد غفران الذنوب باتِّباع الرسول، {والله غَفُور رحيم (31)}.
{قل: أطيعوا الله والرسول} هِيَ علامة المحبَّة؛ {فإن تولَّوا} أعرضوا (2) عَنْ قبول الطاعة، {فإنَّ الله لاَ يحبُّ الْكَافِرِينَ (32)} لاَ يحبُّهم وَهُمْ فيِ غضبه وبغضه وعذابه وسخطه وعداوته، لاَ يزالون عَلَى (3) ذَلِكَ فيِ الدُّنْيَا وَلاَ (4) فيِ الآخِرَة إِلاَّ من تاب.
{إنَّ الله اصطفى} اختار، “افتعل” مِنَ الصفوة: وهي الخالص من كلِّ شيء؛ {آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} عَلَى عالمي زمانهم [67]. {ذُرِّيَّة بعضها من بعض وَاللهُ سميع عليم (34)}.
{إذ قالت امرأة عمران: رَبّ إِنِّي نذرت لك}، أوجبت {مَا فيِ بطني محرَّرا} أَي: معتقا أومخلَصا لله، مفرَّغا للعبادة، وكلَّما أخلص فهو محرَّر، يقال: حرَّرت العبد، إِذَا عتقته وخلَّصته عَن الرقِّ؛ {فتقبَّل منِّي} والتقبُّل أَخذ الشيء عَلَى الرضى بِهِ، {إِنَّكَ أنت السميع العليم (35)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إيَّاهم».
(2) - ... في الأصل: «عرضوا»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: مكتوب فوق «على» حرف «عن».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «لاَ». (1/154)
صفحة 155
فَلَمَّا وضعتها، قالت: رَبِّ إِنِّي وضعتُها أنثى، وَاللهُ أعلم بِمَا وضعت} تعظيما لموضوعها، وَاللهُ أعلم بالشيء الذِي وضعت، وَمَا علق بِهِ من عظائم الأمور. {وليس الذكر كالأنثى (1) وإِنِّي سمَّيتُها مَرْيَم، وإِنِّي أُعيذها بك} أجِيرها، {وذرِّيَّتها مِنَ الشيطان الرجيم (36)}.
{فتقبَّلها ربُّها} قبل الله مَرْيَم، ورضِيَ بها فيِ النذر، {بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا} مجاز عَن التربية الحسنة. قَالَ ابن عطاء: «مَا كَانَتْ ثمرته مثل عيسى؛ فذلك أحسن النبات»، ويحتمل {أنبتها نباتا حسنا} أَي: حسَّن خلقَها، وهذا هُوَ النبات الحقيقيُّ؛ {وكفلها} ضمِن القيام بأمرها، وقيل: كفَلها الله، {زكريا} أَي: جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها، ليتوفَّر لَهُ الثواب بكفالتها وتربيتها. {كلَّما دخل عليها زكريا المحراب، وجد عندها رزقا} يحتمل ها هنا الرزق أن يكون مِنَ المأكول، ويحتمل أن يكون علما وحكمة من غير تعليم معلِّم. {قَالَ: يا مَرْيَم أَنَّى لك هَذَا}؟ من أَين لك هَذَا الرزق؟ {قالت: هُوَ من عند الله} وإن كَانَ أتاها ذَلِكَ الرزق بسبب، فليس للأسباب مَعَ أهل التحقيق معنىً؛ فلذلك قالت: «هُوَ من عند الله» {إنَّ الله يرزق من يَشَاء بغير حساب (37)} بغير تقدير.
{هنالِك} فيِ ذَلِكَ المكان، لمَّا رأى حال مَرْيَم فيِ كرامتها عَلَى الله، ومنزِلها رغِب أن يكون لَهُ ذُرِّيَّة طيِّبة، {دعا زكريا ربَّه، قَالَ: رَبِّ هب لي من لدنك ذُرِّيَّة طيِّبة} الطيِّب مِنَ الناس مَا طاب عمله، {إِنَّكَ سميع الدعاء (38)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «كأنثى»، وهو خطأ. (1/155)
صفحة 156
فنادته المَلاَئِكَة، وَهُوَ قائم يصلِّي فيِ المحراب} قَالَ ابن عطاء: «مَا فتح الله عَلَى عبده حالة سَنيَّة إِلاَّ باتِّباع الأوامر وإخلاص الطاعات، ولزوم المحاريب». {أنَّ الله يبشِّرك بيحيى مصدِّقا بكلمة} بِآيَةٍ {من الله وسيِّدا} هُوَ الذِي يسود قومه، أَي: يفوقهم فيِ الشرف والعلم والعبادة، وقيل: السيِّد إِذَا جاد بالمكوَّنين عوضا بالمكوِّن؛ {وحصورا} مبالغة فيِ حبس النفس عَنِ الشهوات والملاهي، وقيل: إِنَّهُ مَرَّ بصبيان يلعبون فدعوه إِلىَ اللَّعب فقال: «مَا للَّعب خُلقت» وقيل: هُوَ الذِي لاَ يقرب النساء مَعَ القدرة حصرا لنفسه، ومنعا لها مِنَ الشهوات. {ونبيًّا مِنَ الصالحِينَ (39)}.
{قَالَ رَبِّ أَنَّى يكون لي غلام} استعظام للقدرة لاَ تشكُّك، {وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؛ قَالَ: كذلك الله يفعل مَا يَشَاء (40)} مِنَ الأفعال الخارقة للعادة.
{قَالَ: رَبِّ اجعل لي آية؛ قَالَ: آيتك أَلاَّ تُكلِّم النَّاس} أَن لاَ تَقدر عَلَى كلام الناس، {ثلاثة أيَّام إِلاَّ رمزا} الإشارةُ بعضو، أو إِنَّمَا خصَّ تكليمُ الناس، ليعلمه أنَّه يحبس لسانه عَنِ القدرة عَلَى تكليمهم، خاصَّة مَعَ إبقاء قدرته عَلَى التكلُّم بذكر الله ولذا قَالَ: {واذكر رَبَّكَ كثيرا، وسبِّح بالعشيِّ والإبكار (41)} يعني: بالتسبيح، صلاة الفرائض، أو دُمْ فيِ كلِّ وقتك.
{وإذ قالت المَلاَئِكَة: يا مَرْيَم إِنَّ الله اصطفاك} اختارك بشارة لها، {وطهَّرك} مِمَّا يستقذر مِنْهُ الأفعال والأقوال والنيَّات [68]؛ {واصطفاك عَلَى نساء الْعَالَمِينَ (42)}.
{يا مَرْيَم اقنتي لربِّك} أديمي (1) الطاعة، {واسجدي واركعي مَعَ الراكعِينَ (43)} أَي: ولتكن صلاتك مَعَ المصلين فيِ الجماعة، وأنظمِي نفسك فيِ جملة المصلِّين، وكوني فيِ عدادهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ادمي»، وَهُوَ خطأ. (1/156)
صفحة 157
ذَلِكَ من أنباء الغيب نوحيه إليك} يعني: أنَّ ذَلِكَ مِنَ الغيوب التِي لم تعرفها إِلاَّ بالوحي، {وَمَا كنتَ لديهم} معناه: محاضرا (1) معهم، {إذ يُلقون أقلامهم} أزلامهم، وهي قدحهم التِي طرحوها فيِ النهر مقترعين، وهي الأقلام التِي كَانُوا يكتبون التوارة بها، اختاروها للقُرعة تبرُّكا بها، {أيُّهم يكفل مَرْيَم} مِن عَدَمِ الكافل لها. {وَمَا كنت لديهم إذ يختصمُونَ (44)} فيِ شأنها، تنافسا فيِ التكفُّل بها.
وَ {إذ قالت المَلاَئِكَة: يا مَرْيَم إِنَّ الله يبشِّرك بكلمة} بِآيَةٍ {منه، اسمه المسيح عيسى ابن مَرْيَم، وجيها} ذا جاه وقدْر، لأَنَّهُ إمام (2) المُتَّقِينَ {فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة} لأَنَّ كلَّ من أطاع الله، فهو وجيه فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة؛ لكن للعاملين درجات عَلَى قدر الأعمال، {ومن المقرَّبِينَ (45)}.
{ويكلِّم الناس فيِ المهد وكهلا ومن الصالحِينَ (46) قالت: رَبِّ أَنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؛ قَالَ: كذلك الله يخلق مَا يَشَاء إِذَا قضى أمرا؛ فَإِنَّمَا يقول لَهُ كن فيكُونَ (47)}.
{ويعلِّمه الكتاب} تلاوة وتأويلا، {والحكمة والتَّوْرَاة والإِنْجِيل (48) ورسولا إِلىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قد جئتكم بِآيَةٍ من ربِّكم، أَنِّي أخلق لكم مِنَ الطين كهيئة الطير} أَي: أقَدِّر لكم شَيْئًا مثل صورة الطير، {فأنفخ فِيهِ؛ فيكون طيرا بإذن الله، وأُبرِئ الأكمه} الذِي وُلد أعمى، {والأبرص، وأُحيي الموتى بإذن الله، وأنبِّئكم بِمَا تأكلون وَمَا تدَّخرون فيِ بيوتكم إِنَّ فيِ ذَلِكَ لآيةً لكم إِن كُنتُمْ مُؤْمِنينَ (49) ومصدِّقا لِمَا بين يديَّ مِنَ التَّوْرَاة، ولأُحِلَّ لكم بعضَ الذِي حُرِّم عليكم، وجئتكم بِآيَةٍ من رَبِّكُم فاتَّقُوا الله وأطيعون (50)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «حاضرا».
(2) - ... في الأصل: «الإمام»، وَهُوَ خطأ. (1/157)
صفحة 158
إنَّ الله رَبِّي ورَبُّكُم فاعبدوه} إِقْرَار بالعبوديَّة، ونفي للربوبيَّة عَن نفسه. {هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم(51)} يؤدِّي صاحبه إِلىَ النعيم المقيم.
{فَلَمَّا أحسَّ عيسى مِنْهُم الكفر} علم مِنْهُمْ كفرا لاَ شبهة فِيهِ، كعلم مَا يدرك بالحواس؛ {قَالَ: من أنصاريَ إِلىَ الله}؟ من ينصرني إِلىَ إظهار دينه؟ {قَالَ الحواريُّون} حواريُّ الرجل: صفوته وخالصته، قيل: سمُّوا بذلك لنقاء قلوبهم، ويقال للنساء الحصر: الحواريَّات، لنظافتهنَّ وخلوص ألوانهنَّ؛ {نَحْنُ أنصار الله} أعوان دينه، {آمَنَّا بالله، واشهد بأنَّا مُسْلِمُونَ(52)}.
{رَبَّنَا آمنَّا بِمَا أنزلت واتَّبعنا الرسول؛ فاكتبنا مَعَ الشاهدِينَ(53)} مَعَ الذِينَ يشهدون لك بالوحدانيَّة، أو يشهدون للنَّاس وعليهم عَلَى حسب أعمالهم، وبتلك النيات والأقوال والأعمال صاروا حواريِّين.
{ومكروا} أَي: كفَّار بَنِي إِسْرَائِيلَ، الذِينَ أحسَّ مِنْهُم الكفر. {ومكر الله} أَي: جازاهم عَلَى مكرهم، وَلاَ يجوز إضافة المكر إِلىَ الله إِلاَّ عَلَى معنى الجزاء، لأَنَّهُ مذموم عند الخلق، وعلى هَذَا الخداع والاستهزاء أقوى؛ {والله خير الماكرِينَ(54)} أقوى المجازين، وأقدرهم عَلَى العقاب من حيث لاَ يشعر المعاقَب.
{إذ قَالَ الله يا عيسى: إِنِّي متوفِّيك} أي: مستوفي أجلك؛ ومعناه: إِنِّي عاصمك من أن يقتلك الكفَّار، ومُمَيِّتك حتف أنفك، لاَ قتلا بأيديهم، {ورافعك إليَّ} رافعك لطاعتي، إِلىَ درجة الكرامة، {ومطهِّرك مِنَ الذِينَ كَفَرُوا} أَي: من عملهم، {وجاعل الذِينَ اتَّبعوك [69] فوق الذِينَ كَفَرُوا إِلىَ يوم القيامة} بِالحُجَّةِ البالغة؛ وعد مِنَ الله (لَعَلَّهُ) لِكُلِّ مُؤْمِن. {ثمَّ إليَّ مرجعكم؛ فأحكم بينكم فيما كُنتُمْ فِيهِ تختلفُونَ(55)}.
{ (1/158)
صفحة 159
فأمَّا الذِينَ كَفَرُوا؛ فأعذِّبهم عذابا شديدا فيِ الدُّنْيَا} بِكُلِّ مَا يسوؤهم ويسرُّهم فِيهَا، لأَنَّهُ لاَ ثواب لَهُمْ فِيهِ، خلاف سعي المُؤْمِنين. {والآخِرَة} بعذاب النار، {وَمَا لَهُمْ من ناصرِينَ (56)} يدفع عَنْهُمْ ذَلِكَ.
{وأمَّا الذِينَ آمنوا وعملوا الصَّالِحَات فيوفِّيهم أجورهم} عَلَى كسبهم ومتاعبهم؛ فَيُنسيهم الجزاء تعبَهم، خلاف الكَافِرِينَ، {والله لاَ يحبُّ الظالمِينَ (57)}.
{ذَلِكَ نتلوه عليك مِنَ الآيات والذكر الحكيم (58)} القرآن، لأَنَّهُ لاَ ينطق إِلاَّ بالحكمة. {إنَّ مَثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب؛ ثُمَّ قَالَ لَهُ: كن فيكُونُ (59)؛ الحقُّ من ربِّك؛ فلا تكن مِنَ الممترِينَ (60)} الشاكِّين.
{فمن حاجَّك فِيهِ من بعد مَا جاءك مِنَ العلم؛ فقل: تعالو} نجمع {ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم؛ ثُمَّ نبتهل} قيل: نتضرَّع فيِ الدعاء؛ وقيل: ثُمَّ نبتهل، أَي: نتباهل بِأَن نقول: بهلة (1) الله عَلَى الكاذب مِنَّا ومنكم؛ والبهلة بالضم والفتح: اللَّعنة، بهله الله: لعَنْهُ وأبعده من رحمته، وقولك: أبهله إِذَا أهمله؛ {فنجعل لعنة الله عَلَى الكاذبِينَ (61)}.
{إِنَّ هَذَا لهو القصص الحقُّ، وَمَا مِن إله إِلاَّ الله، وإنَّ الله لهو العزيز الحكيم (62)؛ فإن تولَّوا فإنَّ الله عليم بالمفسدِينَ (63)} الذِينَ يعبدون غير الله، ويدعون الناس إِلىَ غير عبادة الله.
{__________
(1) - ... في الأصل: «بلهه»، وهو خطأ. (1/159)
صفحة 160
قل يا أهل الكتاب: تعالوا إِلىَ كلمة سواء} أَي: مستوية مُسْتَقِيمة، {بيننا وبينكم أَلاَّ نعبد إِلاَّ الله} وَمَا يراد مِنَ العباد إِلاَّ هَذِهِ الكلمة، قولا وعملا ونيَّة، {وَلاَ نشرك بِهِ شَيْئًا، وَلاَ يتَّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} أَي: لاَ يطيع بعضنا بعضا عَلَى غير طاعة الله؛ {فإن تولَّوا فقولوا: اشهدوا بأنَّا مُسْلِمُونَ (64)} أَي: لزمتكم الحجَّة، فوجب عَلَيْكُم أن تعترفوا وتسلِّموا: بِأَنَّا مُسْلِمُونَ دونكم.
{يا أهل الكتاب لم تحاجُّون فيِ إبراهيم؟ وَمَا أُنزلت التَّوْرَاة والإِنْجِيل إِلاَّ من بعده} قيل: زعم كلُّ فريق مِنَ اليَهُود والنصارى أنَّه كَانَ مِنْهُمْ، وجادلوا رسول الله والمُؤْمِنين فِيهِ؛ فقيل لَهُمْ: إنَّ اليَهُوديَّة إِنَّمَا حدثت بعد نزول التَّوْرَاة، والنصرانيَّة بعد نزول الإِنجِيل؛ فكيف يكون إبراهيم لم يحدث إِلاَّ من بعده بأزمنة {أفلا تعقلُونَ (65)}.
{ها أَنتُمْ هؤلاء حاججتم فيما لكم بِهِ علم} مِمَّا نطق بِهِ التَّوْرَاة والإِنْجِيل؛ {فلِمَ تحُاجُّون فيما ليس لكم بِهِ علم} لم يذكر فيِ كتابكم من دين إبراهيم، {والله يعلم وأنتم لاَ تَعْلَمُونَ (66)}.
{مَا كَانَ إبراهيم يهوديًّا وَلاَ نصرانيًّا} أَي: مَا كَانَ عَلَى دين أحد الملَّتين، {ولكن كَانَ حنيفا} مَائلا عَنِ الأديان كلِّها إِلىَ الدين المُسْتَقِيم، {مسلما وَمَا كَانَ مِنَ المشركِينَ (67)}.
{إِنَّ أولى الناس بإبراهيم} إنَّ أخصَّهم بِهِ وأقربهم مِنْهُ {لَلَّذين اتَّبعوه} فيِ زمانه وبعده؛ {وهذا النبيُّ} خصوصا، خُصَّ بالذكر لخصوصيَّته (1) بالفضل، {وَالذِينَ آمنوا} من أمَّته مدحا لَهُمْ وإلحاقا بِهِ، وإن كَانُوا دونه فيِ الدرجة. {والله وليُّ المُؤْمِنينَ (68)} متولِّي أمورهم وناصرهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لخصواصيته»، وهو خطأ. (1/160)
صفحة 161
ودَّت طائفة من أهل الكتاب لو يضلُّونكم، وَمَا يُضلُّون إِلاَّ أنفسهم} وَمَا يعود وبَالُ الإضلال إِلاَّ عليهم، لأَنَّ العذاب يضاعَف عَلَيْهِم بضلاهم وإضلالهم، {وَمَا يشعرُونَ (69)} أَنَّهُمْ يُضلُّون [70] أنفسهم.
{يا أهل الكتاب لم تكفرون بِآيَاتِ الله}؟ بالتَّوْرَاة والإِنْجِيل، وكفرهم بها لأَنَّهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ بِمَا نطقت بِهِ، من صِحَّة نبوَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيرها. {وأنتم تشهدُونَ (70)} تَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
{يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقَّ بالباطل}؟ تخلطون الإيمان بالكفر، أَي: تسترونه بِهِ، مِن لبس الشيء: إِذَا استتر بِهِ، ومَن لبس الحقَّ بالباطل جوزي بإلباس الباطل بِالْحَقِّ لقوله: {وَلَلَبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسون} (1) فلذلك لاَ يَعْلَمُونَ ضلالهم. {وتكتمون الحقَّ} أَي: لايظهرونه بالقول وَلاَ بالعمل؛ {وأنتم تَعْلَمُونَ (71)} أنَّه حقٌّ.
{وقالت طائفة من أهل الكتاب} فيما بَيْنَهُمْ: {آمنوا بالذي أُنزل عَلَى الذِينَ آمنوا} أَي: القرآن، عَلَى من آمن، {وجهَ النهار} أَي: أوَّله، {واكْفُرُوا (2) آخره لَعَلَّهُمْ يرجعُونَ (72)} لعلَّ المُسْلِمِينَ يقولون: مَا رجعوا وَهُمْ أهل كِتَاب وعلم، إِلاَّ لأمر تبيَّن لَهُم؛ فيرجعون برجوعكم.
{__________
(1) - ... سورة الأنعام: 9. وتمامها: {ولو جعلناه مَلَكا لجعلناه رجلا ولَلَبسنا عليهم ما يَلبِسون}.
(2) - ... في الأصل: «وكفروا» وهو خطأ. (1/161)
صفحة 162
وَلاَ تُؤمنوا إِلاَّ لمن تبع دينكم} وهذا لسان كلِّ أمَّة إن نطقت بمقالها أو بحالها. {قل: إِنَّ الهدى هدى الله، أن يؤتى أحدٌ مثل مَا أوتيتم} أَي: وَلاَ تظهروا إيمانكم، بِأَن يُؤتى أحد مثل مَا أوتيتم، إِلاَّ لأهل دينكم دون غيره؛ أَرَادَ أَسِرُّوا تصديقكم بِأَنَّ المُسْلِمِينَ قد أوتوا من كتب الله، مثل مَا أوتيتم، وَلاَ تفشوه إِلاَّ إِلىَ أشياعكم وحدهم دون المُسْلِمِينَ، لئلاَّ يزيدهم ثباتا، ودون المشركين لئلاَّ يدعوهم إِلىَ الإسلام، {أو يُحاجُّوكم عند ربِّكم} وَلاَ يؤمنوا لغير أتباعكم؛ إِنَّ المُسْلِمِينَ يحاجُّوكم (1) يوم القيامة بِالْحَقِّ، ويغالبونكم عند الله بِالحُجَّةِ. {قل: إِنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء، وَاللهُ واسع عليم (73)}.
{يَختصُّ برحمته} بالإسلام {من يَشَاء} من يعلم أنَّه من أهليَّته، {والله ذو الفضل العظيم (74)} يؤتي كلَّ ذي فضل فضله. {ومن أهل الكتاب مَن إن تأمنْهُ بقنطار يُؤدِّه إليك} من خوفه عَلَى نفسه من تباعته، {ومنهم من إن تأمنْهُ بدينار لاَ يؤدِّه إليك} من استخفافه بأمر الله فِيهِ؛ {إلاَّ مَا دُمتَ عليه قائما} إِلاَّ مدَّة دوامك عليه قائما عَلَى رأسه ملازما لَهُ؛ {ذَلِكَ بأَنَّهُمْ قَالُوا: ليس علينا فيِ الأمِّيِّين سبيل} أَي: تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم: {ليس علينا فيِ الأُمِّيِّينَ سبيل} أَي: لاَ يتطرَّق إثم وَلاَ ذمُّ فيِ شأن الأمِّيِّين، يعنون الذِينَ ليسوا من أهل كتابهم؛ فكأَنَّهُمْ صاروا فيِ حقِّهم لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا، لَمَّا عدموا المعرفة بكتابهم. {ويقولون عَلَى الله الكذب} بادِّعائهم إنَّ ذَلِكَ فيِ كتابهم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} أَي: أَنَّهُمْ كاذبون.
{بلى من أوفى بعهده واتَّقى} نفيا لقولهم وردًّا لما نفوه؛ {فإنَّ الله يحبُّ المُتَّقِينَ (76)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يحاجُّونكم». (1/162)
صفحة 163
إنَّ الذِينَ يشترون} يستبدلون {بعهد الله} بِمَا عاهدوه عليه مِنَ الإيمان. {وأَيْمَانهم ثمنا قليلا} متاع الدُّنْيَا، {أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فيِ الآخِرَة} أَي: لاَ نصيب، {وَلاَ يكلِّمهم الله} أَي: لاَ يلهمهم الخير، بإعراضهم عمَّا يدلُّهم الملهم، أو لاَ يعطيهم كتابهم بيمينهم، {وَلاَ ينظر إِلَيْهِم يوم القيامة} نظر رحمة، {وَلاَ يزكِّيهم} وَلاَ يطهِّرهم من أدناس مَا تدنَّسوا بِهِ من أقذار الذنوب؛ والمعنى: لاَ يَغْفِر لَهُمْ، {ولهم عذاب أليم (77)} فيِ الدارِينَ (1).
{وإنَّ مِنْهُمْ} من أهل الكتاب {لَفريقا يلوُون ألسنتهم بالكتاب} يقبلونها (2) بقراءته عَنِ الصحيح إِلىَ المحرَّف، والمراد: تحريفهم {لتحسبوه مِنَ الكتاب} أَي: مِنَ التَّوْرَاة، {وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب} وليس هُوَ منه. {ويقولون: هُوَ من عند الله} أَي: هُوَ حقٌّ، {وَمَا هُوَ من عند الله} [71]، لأَنَّهُ أمر هوى. {ويقولون عَلَى الله: الكذب، وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الدرين»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يقلبونها». (1/163)
صفحة 164
مَا كَانَ لبشر أن يؤتيه الله الكتابَ والحكم والنبوَّة؛ ثُمَّ يقول للناس: كونوا عبادا لي من دون الله} مَا يصحُّ مِنْهُ ذَلِكَ، ولكن يصحُّ مِنْهُ أن يقول: {ولكن كونوا ربَّانيِّين} أَي: ولكن يقول: كونوا علماء حكماء، والربَّانيِّين معلِّمين عاملين، {بِمَا كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الكتاب وبما كُنتُمْ تدرسُونَ (79)} بسبب كونهم عالمين، وبسبب كونهم دارسين للعلم، كَانَت الربَّانيَّة التِي هِيَ قوَّة التمسُّك بطاعة الله، مسبَّبة عَنِ العلم والدراسة؛ وكفى بِهِ دليلا عَلَى خيبة سعي من جهد نفسه فيِ جمع العلم ثُمَّ لم يجعله ذريعة إِلىَ العمل؛ فكَانَ كمن غرس شجرة حسناء، تؤنِّقه بمنظرها، وَلاَ تنفعه بثمرتها؛ وقيل معنى يدرسون: يَدرسونه عَلَى الناس، كقوله: {لتقرأه عَلَى الناس} (1).
{وَلاَ يَأْمُرُكم} معناه: مَا كَانَ لبشر أن يستنبئه الله، ونصَّبه (2) للدعاء إِلىَ اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد، ثُمَّ يَأْمُرُ الناس أن يكونوا عبادا لَهُ؛ ويَأْمُرُكم {أن تتَّخذوا المَلاَئِكَة والنبيِّين أربابا، أيَأْمُرُكم بالكفر بعد إذ أَنتُم مُسْلِمُونَ (80)}؟
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 106. وتمامها: {وقرآنا فَرَقناه لِتقرأَه على الناس على مُكثٍ ونزَّلناه تنزيلا}.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وينصِّبه». (1/164)
صفحة 165
وإذ أَخَذ الله ميثاق النبيِّين} قيل: هُوَ عَلَى ظاهره من أخذ الميثاق عَلَى النبيِّين، وقيل: أولاد النبيِّين. {لَمَا آتيتكم من كِتَاب وحكمة؛ ثُمَّ جاءكم رسول مصدِّق لِمَا معكم} للكتاب الذِي معكم، {لتؤمنُنَّ بِهِ ولتنصرُنَّه} أَي: الرسول، وقيل: هُوَ محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. {قَالَ: أأقررتم وأَخَذتم عَلَى ذلكم إصري} قبلتم عهدي؟ وسمِّي إصرًا لأَنَّهُ مِمَّا يُؤصر، أَي: يشدُّ ويعقل، والإصر: العهد الثقيل. {قَالُوا: أَقرَرنا؛ قَالَ: فاشهدوا} فليشهد بعضكم عَلَى بعض بالإِقْرَار، {وأنا معكم مِنَ الشاهدِينَ (81)} وأنا عَلَى ذلكم من إِقرَاركم وتشاهدكم مِنَ الشاهدين، وهذا توكيد عَلَيْهِم وتحذير مِنَ الرجوع، إِذَا علموا بشاهدة الله عليهِم.
{فمن تولَّى بعد ذَلِكَ} الميثاق والتوكيد، ونقض العهد بعد قبوله، والإعراض عَنِ الإيمان بالنبيِّ الجائي؛ {فأولئك هم الفاسقُونَ (82)} المتمرِّدون الخارجون مِنَ الإيمان إِلىَ الكفر.
{أفَغَير دين الله يبغون؟ وَلَهُ أسلم} خضع وانقاد {من فيِ السَّمَاوَات والأَرْض طوعا وكرها، وَإِلَيْهِ يرجعُونَ (83)} أفتعرفون (1) عَنِ الجمِّ الغفير، وكلُّهم أسلموا لَهُ، وأنتم كلُّكم خلقة. {قل: آمنَّا بالله وَمَا أنزل علينا، وَمَا أنزل عَلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وَمَا أوتي موسى وعيسى والنبيُّون من ربِّهم، لاَ نفرِّق بين أحد مِنْهُم} فيِ الإيمان بهم كلِّهم، كما فعلت اليَهُود والنصارى. {ونحن لَهُ مُسْلِمُونَ (84)} موحِّدون مخلصون أنفسنا لَهُ، لاَ نجعل لَهُ شريكا فيِ عبادتنا.
{ومن يبتغ غير الإسلامِ دينا} يعنى: التوحيد، وإسلام الوجه لله؛ {فلن يُقبل منه} أَي: كلُّ مَا يفعل لغير الله فهو مردود عَلَى فاعله، {وَهُوَ فيِ الآخِرَة مِنَ الخاسرِينَ (85)} مِنَ الذِينَ خسروا الدارين.
{__________
(1) - ... الكلمة غير واضحة في الأصل، وهي غامضة في هَذَا السياق، ويمكن أن نقرأ: «أفتفرقون». (1/165)
صفحة 166
كيف يهدي الله قوما كَفَرُوا بعد إيمانهم، وشهدوا أَنَّ الرسول حقٌّ، وجاءهم البَيِّنَات} بقيام الحجج أَي: لاَ يصحُّ أن يهديهم بعد ما تولَّوا عَنِ البَيِّنَات، مَا داموا متولِّين. {والله لاَ يهدي القوم الظالمِينَ (86)} مَا داموا مختارين الكفر.
{أُوْلَئِكَ [72] جَزاؤهم} أَي: عقوبتهم، {أنَّ عَلَيْهِم لعنة الله والمَلاَئِكَة والناس أجمعِينَ (87)} المطيعين والعاصين، {خالدين فِيهَا} فيِ اللَّعنة، {لاَ يُخفَّف عَنْهُم العذاب وَلاَ هم ينظرُونَ (88)} أَي: جزاؤهم الإبعاد مِنَ الله والمَلاَئِكَة والناس أجمعين، أَي: ليس لَهُمْ فيِ الحقيقة ناصر من دون الله إِلىَ شيء ينفعهم، وإنَّما أمورهم التِي هم عليها أمور وهميَّة.
{إلاَّ الذِينَ تابوا من بعد ذَلِكَ} الكفر، {وأصلحوا} مَا أفسدوا، {فإنَّ الله غَفُور رحيم (89)} لَهُمْ لاَ لمن سواهم، بدليل قوله:
{إنَّ الذِينَ كَفَرُوا بعد إيمانهم؛ ثُمَّ ازدادوا كفرا، لن تُقبل توبتهم} عند البأس؛ {وأولئك هم الضالُونَ (90)} طريقَ الهدى، {إنَّ الذِينَ كَفَرُوا وماتوا وَهُمْ كُفَّار؛ فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأَرْض ذهبا، ولو افتدى بِهِ، أُوْلَئِكَ لَهُمْ عذاب أليم وَمَا لَهُمْ من ناصرِينَ (91)}.
{لن تَنالوا البرَّ} لم تبلغوا حقيقة البرِّ، ولن تكونوا أبرارا، أو لن تنالوا برَّ الله وَهُوَ ثوابه ورضاه؛ {حَتَّى تُنفقوا مِمَّا (1) تحبون} حتَّى تكون نفقتكم من أموالكم ومحابِّكم التِي تحبُّونها وتؤثرونها. قَالَ الواسطيُّ: «الوصول إِلىَ البرِّ بإنفاق بعض المحابِّ، وإلى الربِّ بالتخلِّي عَنِ الكونين، والحاصل أنَّه لاَ وصول إِلىَ المطلوب إِلاَّ بإخراج المحبوب». {وَمَا تُنفقوا من شيء فإنَّ الله بِهِ عليم (92)} وذلك عامٌّ فِيهَا تبسطه اليد من خير وشرٍّ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ما»، وهو خطأ. (1/166)
صفحة 167
كلُّ الطعام كَانَ حلاًّ لبَنِي إِسْرَائِيلَ} أَي: كلُّ أنواع الطعام، والمعنى: المطاعم كلُّها لم تزل حلالا لبَنِي إِسْرَائِيلَ من قبل إنزال التَّوْرَاة وتحريم مَا حرّم عَلَيْهِم منها لظلمهم وبغيهم. {إلاَّ مَا حرَّم إسرائيل عَلَى نفسه من قبل أن تنزَّل التَّوْرَاة} قيل: لحوم الإبل وألبانها، وكَانَ أحبّ الطعام إِلَيْهِ. {قل: فأتوا بالتَّوْرَاة فاتلوها إن كُنتُمْ صادقِينَ(93)} أمر بِأَن يحاجّهم ويسكتهم بِمَا هُوَ ناطق بِهِ، وَمَا هم مقرُّون بِهِ، من أنَّ تحريم مَا حرِّم عَلَيْهِم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لاَ تحريم قديم كما يدَّعونه.
{فمن افترى عَلَى الله الكذب من بعد ذَلِكَ فأولئك هم الظالمونَ(94)} المكابرون الذِينَ لاَ ينصفون من أنفسهم، وَلاَ يلتفتون إِلىَ البَيِّنَات.
{قل: صدق الله فاتَّبِعوا ملَّة إبراهيم} وهي ملَّة الإسلام التِي عليها محمَّد ومن آمن معه، حتَّى تتخلَّصوا مِنَ اليَهُوديَّة التِي ورَّطتكم فيِ فساد دينكم ودنياكم، حيث اضطرَّتكم إِلىَ تحريف كِتَاب الله لتسوية أغراضكم، وتحريم الطيِّبات التِي أحلَّها لإبراهيم ومن اتَّبعه؛ وإنَّما دعاهم إِلىَ اتِّباع ملَّة إبراهيم لأَنَّ فيِ اتِّباع ملَّة إبراهيم اتِّباعُه. {حنيفا} مائلا عَنِ الأديان الباطلة. {وَمَا كَانَ مِنَ المشركِينَ(95)} برَّأه الله من كُلِّ الشرك جليًّا كَانَ أو خفيًّا.
{إنَّ أوَّل بيت وُضع للنَّاس} جعل متعبَّدا لَهُمْ، سبق جميع البيوت الموضوعة للتَّعبُّد لله. {لَلذي بِبَكَّة مباركا} كثير الخير، لما يحصل للحاجِّ والمعتمر مِنَ الثواب. {وهدى للعالَمِينَ(96)} لأَنَّه قبلتهم ومتعبَّدهم.
{فِيهِ آيات بيِّنات} علامات واضحات، كانحراف الطيور عَن مواراة البيت عَلَى مدى الأعصار[كَذَا]. {مقام إبراهيم، ومن دخله كَانَ آمنا ولله عَلَى الناس حجُّ البيت من استطاع إِلَيْهِ سبيلا، ومن كفر فإنَّ الله غنيٌّ عَنِ العَالَمِينَ(97)}.
{ (1/167)
صفحة 168
قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بِآيَاتِ الله وَاللهُ شهيد عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قل يا أهل الكتاب لم تصدُّون} الصدُّ: المنع، وقيل: لِمَ تصرفون [73] عَن دين الله. {عَنْ سبيل الله مَنَ آمن} عَنْ دين حقٍّ، علم أنَّه سبيل الله التِي أمر بسلوكها؛ {تبغونها عوجا} اعوجاجا وميلا عَنِ القصد والاستقامة، {وأنتم شُهداء} أنَّها سبيل الله التِي لاَ يصدُّ عنها، إِلاَّ ضالٌّ مضلٌّ. {وَمَا الله بغافلٍ عمَّا تَعْمَلُونَ (99)} وعيد لِكُلِّ صادٍّ عَنْ دين الله.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إن تطيعوا فريقا مِنَ الذِينَ أوتوا الكتاب} فرقة مِنْهُمْ، كأَنَّهُمْ فرق متعادُّون كلُّها فيِ النار، بدليل قوله: {يردُّوكم بعد إيمانكم كَافِرِينَ (100)}.
{وكيف تكفرون وأنتم تُتلى عَلَيْكُم آيات الله وفيكم رسولُه} ينبِّهكم ويعظكم ويزيح شبهكم. {ومن يعتصم بالله} ومن يتمسَّك بدينه ويمتنع بِهِ، أو يلتجيء إِلَيْهِ فيِ مجامع أموره؛ {فقد هُدي إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم (101)} موصل إِلىَ النعمة الأبديَّة.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اتَّقُوا الله حقَّ تقاته} هُوَ القيام بالواجب، والاجتناب عَنِ المحارم، وقيل: هُوَ أن يطاع فلا يُعصى، ويشكر فلا يكفر، ويُذكر وَلاَ يُنسى، ونحوه قوله: {فاتَّقُوا الله مَا استطعتم} (1) أَي: بالغوا فيِ التقوى، حتَّى لاَ تتركوا مِنَ المستطاع شَيْئًا. {وَلاَ تموتنَّ إِلاَّ وأنتم مُسْلِمُونَ (102)} أمر بالثبات عَلَى الطاعة، حتَّى يدركهم الموت وَهُمْ عَلَى حال الإسلام.
{__________
(1) - ... سورة التغابن: 16. (1/168)
صفحة 169
واعتصموا بحبل الله} تمسَّكوا بالقرآن، لقوله - عليه السلام -: «حبل الله المتين لاَ تنقضي عجائبه، وَلاَ يخلق عَنْ كثرة الردِّ، من قَالَ بِهِ صدق، ومن عمل بِهِ رشد، ومن اعتصم بِهِ فقد هُديَ إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم» (1). {جميعا وَلاَ تفرَّقوا} أَي: لاَ تفعلوا مَا يكون عليه التفرُّق، ويزول بسببه الاجتماع، وَهُوَ أمر بالتعاون عَلَى البرِّ والتقوى، ومن فرَّق عَنِ الاجتماع بهوى، أو بعمى فلن يحظَّ إِلاَّ حظَّه، ولن يضرَّ إِلاَّ نفسه؛ ثُمَّ ذكَّرهم بنعمة الاجتماع فقال:
{واذكروا نعمة الله عَلَيْكُم إذ كُنتُمْ أعداء فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} كَانُوا فيِ الجاهليَّة بَيْنَهُم العداوة والحروب، وَهُوَ مِنَ العذاب الأدنى، وَهُوَ سرُّ الافتراق، فألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيِ قلوبهم المحبَّة؛ فتحابَّوا وصاروا إخوانا متعاونين عَلَى الشيطان وحزبه، وذلك سرُّ الاجتماع. {وكنتم عَلَى شفا حفرة مِنَ النار} وكنتم مشفين عَلَى أَن تقعوا فيِ نار جهنَّم لما كُنتُمْ عليه مِنَ الكفر لأَنَّ كُلَّ من عمل معصيَّة، فهو عَلَى شفا حفرة مِنَ النار، لأَنَّهُ ليس بينها وبينه إِلاَّ الموت، وَلاَ يدري متى وصوله، وإذا مات وقع فِيهَا؛ {فأنقذكم منها} بالإسلام فنقلكم من حال الخوف والهلاك، إِلىَ حال الأمن والسلامة. {كذلك يبيِّن الله لكم آياته لَعَلَّكُمْ تهتدُونَ (103)} بها.
{__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ، رقم 2831، والدارميُّ رقم 3197، وكلاهما في كتاب فضائل القرآن وعن عليٍّ. العالمية: موسوعة الحديث. (1/169)
صفحة 170
ولتكن منكم أمَّة يدعون إِلىَ الخير ويَأْمُرُون بالمعروف} بِمَا استحسنه الشرع والعقل، وعدٌ مِنَ الله، إذ لاَ تخلو الأَرْض من قائم بحجَّة الله، {وينهون عَنِ المنكر} عمَّا استقبحه الشرع والعقل. {وأولئك هم المفلحُونَ (104)} هم الأخصَّاء بالفلاح الكامل؛ قَالَ - عليه السلام -: «من أمر بالمعروف ونهى عَنِ المنكر؛ فهو خليفة الله فيِ أرضه، وخليفة [74] رسوله، وخليفة أوليائه، وخليفة كتابه» (1). {وَلاَ تكونوا كالذِينَ تفرَّقوا} بالعداوة كأهل الكتاب وغيرهم، {واختلفوا} فيِ الديانة، {من بعد مَا جاءهم البَيِّنَات} الموجبة للاتِّفاق عَلَى كلمة وَاحِدَة، وهي كلمة الحقِّ؛ فلم يتمسَّكوا بها. {وأولئك لَهُمْ عذاب عظيم (105)} فيِ الدُّنْيَا بتعاديهم، وسائر عذاب الله لَهُمْ، وفي الآخِرَة بجهنَّم.
{يوم تبيضُّ وجوه، وتسودُّ وجوه؛ فأمَّا الذِينَ اسودَّت وجوههم} يقال لَهُمْ: {أكفرتم بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بِمَا كُنتُمْ تكفرُونَ (106)}.
{وَأَمَّا الذِينَ ابيضَّت وجوههم ففي رحمة الله هم فِيهَا خالدُونَ (107)}.
{تلك آيات الله نتلوها عليك بِالْحَقِّ وَمَا الله يريد ظلما} فيأَخَذ أحدا بغير جرم، أو يزيد فيِ عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن، وقال: {للعالَمِينَ (108)} عَلَى معنى: مَا يريد شَيْئًا مِنَ الظلم لأحد من خلقه، وَلاَ يتصوَّر مِنْهُ الظلم للعالم، لأَنَّهُ كلُّه خلقه وملكه للعالمين، أَي: لاَ يعاملهم معاملة من يريد ظلمهم. {ولله مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض وإلى الله تُرجع الأمور (109)} فيجازي كلاًّ عَلَى جنس عمله وقدره.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه عند الربيع ولا في الكتب التسعة. (1/170)
صفحة 171
كُنتُمْ خير أمَّة} كأنَّه قيل: وجدتم خير أمَّة، أو كُنتُمْ فيِ علم الله أو فيِ اللَّوح خير أمَّة، {أُخرجت} أظهرت {للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عَنِ المنكر، وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتاب لكَانَ خيرا لَهُمْ} لكَانَ الإيمان خيرا لَهُمْ مِمَّا هم عليه، لأَنَّهُمْ إنَّما آثروا دينهم عَنْ دين الإسلام حبًّا للرئاسة، واستتباع العوامِّ، ولو آمنوا لكَانَ لَهُم مِنَ الرئاسة والأتباع وحظوظ الدُّنْيَا مَعَ الفوز بِمَا وُعدوه عَلَى الإيمان بِهِ من إيتاء الأجر مرَّتين. {مِنْهُم المُؤْمِنون} وَهُم الأقلُّون، {وأكثرهم الفاسقُونَ (110)}.
{لن يضرُّوكم إِلاَّ أذى} إِلاَّ ضررا مقتصرا عَلَى أذى، بمعنى: طعن فيِ الدين، أو تهديد ونحو (1) ذَلِكَ. {وإن يقاتلوكم يولُّوكم الأدبار} بثبات عزائمكم، وعدم ثبات عزائمهم؛ {ثمَّ لاَ يُنصَرُونَ (111)}.
{ضُربت عَلَيْهِم الذلَّة أين مَا ثُقفوا} وُجدوا، {إلاَّ بحبل مِنَ الله} إِلاَّ معتصمين بحبل مِنَ الله، وَهُوَ رحمته الواسعة يجمع الخلق؛ {وحبل مِنَ الناس} والحبل العهد والذمَّة، والمعنى: ضربت عَلَيْهِم الذلَّة فيِ كلِّ حال، إِلاَّ فيِ حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، يعني: ذمَّة الله وذمَّة المُسْلِمِينَ، أن (2) لاَ عزَّ لَهُمْ قطُّ، إِلاَّ هَذِهِ الوَاحِدَة، وهي التجاؤهم إِلىَ الذمَّة، لما قبلوه مِنَ الحريَّة. {وباءوا بغضب مِنَ الله} استوجبوه، {وضُربت عليهم} محيطة بهم إحاطة البيت المضروب عَلَى أهله، {المسكنة} الفقر، أو خوفه، لأَنَّ الفقر مَعَ اليسار هُوَ الفقر بعينه. {ذَلِكَ بأَنَّهُمْ كَانُوا يكفرون بِآيَاتِ الله، ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ} أَي: ذَلِكَ كائن عَلَيْهِم بسبب كفرهم. {ذَلِكَ بِمَا عصوا وكَانُوا يعتدُونَ (112)} لأَنَّ المعصية تفضي إِلىَ معاصي، مَا لم ينزع العاصي منها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «نحوا»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أي»، أو «إذ». (1/171)
صفحة 172
ليسوا سواء} ليس أهل الكتاب مستوين، {من أهل الكتاب أمَّة قائمة} جماعة مُسْتَقِيمة عادلة، {يتلُون آيات الله} للتَّفهُّم والتدبُّر والتفكُّر، {آناء الليل} ساعاته، {وَهُمْ يسجدُونَ (113)} ينقادون ويذعنون لما تقتضيه الآيات المتلوَّة.
{يُؤمِنُونَ بالله واليوم الآخر، ويَأْمُرُون بالمعروف، وينهون عَنِ المنكر [75] ويسارعون فيِ الخيرات} تفسير لما أثمرت لَهُم التلاوة، لأَنَّ العلم أوَّلاً والعمل ثانيا. {وأولئك مِنَ الصالحِينَ (114)} الذِينَ صلحت أحوالهم حكما مِنَ الله لَهُمْ بالثناء والصلاح. {وَمَا يفعلوا من خير} وإن قلَّ {فلن (1) يكفروه} فلن تحرموا جزاءه، {والله عليم بالمتَّقِينَ (115)} بشارة للمتَّقين بجزيل الثواب؛ ثُمَّ أَخَذ فيِ صفة ضدِّهم فقال:
{إنَّ الذِينَ كَفَرُوا لن تُغني عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مِنَ الله} من عذابه {شَيْئًا، وأولئك أصحاب النار هم فِيهَا خالدُونَ (116)}.
{مثل مَا ينفقون فيِ هَذِهِ الحياة الدُّنْيَا} فيِ المفاخر والمكارم، وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس، وَمَا يتقرَّبون بِهِ إِلىَ الله مَعَ كفرهم؛ {كمثل ريح فِيهَا صِرٌّ} برد شديد {أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} بعدما أتعبوا فيِ تأسيسه أنفسهم، وأنفقوا فيِ عمارته أموالهم. {وَمَا ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمُونَ (117)} ظلموها حيث لم يأتوا بها عَلَى الوجه الذِي يُستحقُّ بِهِ الثواب.
{__________
(1) - في الأصل: - «فلن»، وَهُوَ خطأ. (1/172)
صفحة 173
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تتَّخذوا بطانة} بطانة الرجل: خصيصته وصفيه، شبِّه ببطانة الثوب، كما يقال: فلان شعاري، وفي الحديث: «الأنصار شعار، والناس دثار» (1). {مِن دونِكم} من دون أبناء جنسكم وَهُم المُؤْمِنون؛ وكلُّ من اتَّخذ من دونه (2) بطانة فسوف تنكشف لَهُ عداوته منه، إِذَا خالفه فيما لاَ يهواه، ولو بعد حين، تصديقا لكتاب الله، {لاَ يَألونكم خبالا} لاَ يُقصرون فيِ فساد دينكم، والخبال: الفساد. {ودُّوا مَا عنتُّم} أَي: تمنَّوا أن يضرُّوكم فيِ دينكم ودنياكم أشدَّ الضرر وأبلغه. {قد بدَت البغضاء} أَي: ظهرت أمارة العداوة {من أفواههم}، لأَنَّهُمْ لا يتمالكون مَعَ ضبطهم أنفسهم، أن ينفلت من أنفسهم مَا يُعلم بِهِ بغضهم للمُسْلِمِينَ، مَعَ التفرُّس لما يقتضيه مضمون كلامهم، تصريحا وتلويحا لأَنَّ “كلَّ إناء بِمَا فِيهِ يرشح”، والنفس مجبولة عَلَى النطق بِمَا فيِ ضميرها. {__________
(1) - ... رواه الشيخان وغيرهما عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، ومناسبة الحديث أَنَّهُ لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي ... » إِلىَ أن يقول بعد حديث طويل: «الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ». والشعار الثوب الذي يلي الجلد من الجسد، والدثار الثوب الذي فوق غيره من الثياب. البخاري: كتاب المغازي، رقم 3985؛ ومسلم: كتاب الزكاة رقم 1785؛ وابن ماجه: كتاب المقدِّمة، رقم 160؛ وأحمد: مسند المدنيِّين، رقم 15874. العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «دثار».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «من دونِهم»، أي من دون المؤمنين. (1/173)
صفحة 174
وَمَا تُخفي صدورهم} مِنَ البغض لكم {أكبر} مِمَّا بدا. {قد بيَّنَّا لكم الآيات} الدالَّة عَلَى وجوب الإخلاص فيِ الدين، وموالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله، والدلالة عَلَى صفة أعدائكم. {إن كُنتُمْ تعقلُونَ (118)} مَا بيَّن لكم بالتفكُّر والتدبُّر.
{ها أَنتُمْ} ها أَنتُم “ها” تنبيه، و“أَنتُم” كناية للمخاطبين، {أُولاَءِ} يريد أَنتُم أيُّها المُؤْمِنون. {تحبُّونهم وَلاَ يحبُّونكم} بيان لخطئهم فيِ محبَّتهم لمن يبغضهم. {وتؤمنون بالكتاب كلِّه} أَي: كتابهم، أو كتابكم، {وإذا لَقوكم قَالُوا: آمنَّا} نفاقا، {وإذا خَلَوا عضُّوا عَلَيْكُم الأنامل مِنَ الغيظ} من أجله تأسُّفا وتحسُّرا، حيث لم يجدوا إِلىَ التشفِّي سبيلا، وعضُّ الأنامل عبارة من (1) شدَّة الغيظ، وهذا من مجاري الأمثال، وإن لم يكن عضٌّ. {قل: موتوا بغيظكم} دعاء عَلَيْهِم بدوام الغيظ عليهم، وزيادته إِلىَ الموت، فيضاعف قوَّة الإسلام وأهله، حتَّى يهلكوا بِهِ. {إنَّ الله عليم بذات الصدور (119)} ذاتها، أَي: حقيقتها، أو النيَّة التِي تخفى عَلَى الحفظة (لَعَلَّهُ) الكاتبين.
{__________
(1) - كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «عن» (1/174)
صفحة 175
إن تمَسسكم حسنة تسؤهم، وإن تُصبكم سيِّئة يفرحوا بها} بيان لتناهي عداوتهم إِلىَ حدِّ الحسد، مِمَّا نالهم من خير ومنفعة، وشمتوا بِمَا أصابهم من ضرٍّ وشدَّة، وذلك طمع كلِّ عدوٍّ [76] والمسُّ مستعار للإصابة؛ {وإن تصبروا} عَلَى عداوتهم أو عَلَى مساوئ التكليف، {وتتَّقوا} موالاتهم (1)، أو مَا حرم الله عليكم. {لاَ يضرُّكم كيدهم شَيْئًا} بحفظ الله وفضله. {إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ محيط (120)} لاَ ينسى مِنْهُ شَيْئًا، وَلاَ ينفلت عليه مِنْهُ شيء لإحاطته بِهِ. {وإذ غَدَوتَ مِن أهلك تبوِّئ المُؤْمِنين} تنزِّلهم {مقاعد} أَي: مراصد {للقتال، وَاللهُ سميع عليم (121)} فلم تكتف بالمُؤْمِنين من دون سياسيته وحده.
{إذ همَّت طائفتان منكم أن تفشلا} (لَعَلَّها) هِمَّة طبع لا هِمَّة فعل، كما قَالَ: {وَهمَّ بها} (2) حين همَّت بِهِ، لأنَّها لو كَانَت عزيمة لَما ثبتت معها (لَعَلَّهُ) الولاية، لأَنَّهُ قَالَ: {والله وليُّهما} فلم يخرجهما من ولايته، ولو كانا اعتقدا الإفشَال لمَا ثبتا عَلَى ولاية (3) الله. {وعلى الله فليتوكَّل المُؤْمِنونَ (122)} أمرهم سبحانه بِأَن لاَ يتوكَّلوا إِلاَّ عليه، وَلاَ يفوِّضوا أمرهم إِلاَّ إِلَيْهِ.
{وَلَقَدْ نصركم الله بِبَدرٍ} بِمَا أمدَّكم بِهِ مِنَ المَلاَئِكَة، وبتقوية قلوبكم، وإلقاء الرعب فيِ قلوب أعدائكم، وذلك تذكير ببعض مَا أفادهم التوكُّل. {وأنتم أذلَّة} أقلاَّء؛ {فاتَّقُوا الله} فيِ الثبات، {لَعَلَّكُمْ تشكرُونَ (123)} مَا أنعم عَلَيْكُم بتقواكم ونصره.
{__________
(1) - ... في الأصل: «مولاتهم»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة يوسف: 24؛ وتمامها: {ولقد همَّت به وهَمَّ بها لولا أن رأى برهان ربِّه}.
(3) - في الأصل: «والايه»، وَهُوَ خطأ. (1/175)
صفحة 176
إذ تقول للمُؤْمِنين ألن يَكفيَكم أن يُمدَّكم رَبُّكُم بثلاثة آلاف مِنَ المَلاَئِكَة منزلِينَ (124)} إنكارا أن لايكفيهم ذَلِكَ. {بلى إن تصبروا وتتَّقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا} من ساعتهم هَذِهِ، {يمددكم رَبُّكُم بخمسة آلاف مِنَ المَلاَئِكَة مسوَّمِينَ (125)} معلَّمين، {وَمَا جعله الله} وَمَا جعل إمدادكم بالمَلاَئِكَة، {إلا بُشرى لكم} إِلاَّ بشارة لكم بالنصر، يحتمل أَنَّهُم يرونهم بدليل هَذِهِ الآية، ويحتمل أَنَّهُم لاَ يرونهم بدليل قوله: {بجنود لم تروها} (1) وهذه البشارة قول الرسول - عليه السلام - لَهُمْ، {ولتطمئنَّ قلوبكم بِهِ} ولتسكن إِلَيْهِ مِنَ الخوف. {وَمَا النصر إِلاَّ من عند الله}، لاَ مِنَ العُدَّة والعدد، يعني: لاَ تخيلوا [كَذَا] بالنصر عَلَى المَلاَئِكَة والجند، وَهُوَ تنبيه عَلَى أنَّه لاَ حاجة فيِ نصرهم إِلىَ مدد، وإِنَّمَا أمدَّهم ووعد لَهُم بشارة لَهُم، وربطا عَلَى قلوبهم، كقول إبراهيم: {قَالَ: بلى ولكن ليطمئنَّ قلبي} (2). {العزيز} الذِي لاَ يغالب فيِ أقضيته، {الحكيم (126)} الذِي ينصر ويخذل، بوسط وبغير وسط (3)، عَلَى مقتضى الحكمة والمصلحة.
{ليقطع طَرَفا مِنَ الذِينَ كَفَرُوا} ليقبض مِنْهُمْ بقتل بعض وأسر آخرين، وقيل: ليهدم ركنا من أركَانَ الشرك بالقتل والأسر. {أو يكبتهم} أو يخرِّبهم، والكبت: الهلاك وردُّ العدوِّ بغيظه. {فينقلبوا خائبِينَ (127)} خاسرين، لم ينالوا شَيْئًا مِمَّا كَانُوا يرجون.
{__________
(1) - ... سورة التوبة: 40.
(2) - ... سورة البقرة: 260.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّه يقصد: «بواسطة وبغير واسطة». (1/176)
صفحة 177
ليس لك مِنَ الأمر شيء} اعترض (1)، {أو يتوب عليهم، أو يعذِّبهم} المعنى: إنَّ الله مالك أمرهم إمَّا أن يهلكهم أو يكبتهم، أو يتوب عَلَيْهِم إن أسلموا، أو يعذِّبهم إن أصرُّوا، وإنَّما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم. {فإِنَّهُمْ ظالمُونَ (128)} قد استحقُّوا التعذيب بظلمهم، {ولله مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} خلقا وملكا. {يَغْفِر لمن يَشَاء} لمن تاب، {ويعذِّب من يَشَاء} لمن أصرَّ. {والله غَفُور رحيم (129)} لمن تاب.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتَّقُوا [77] الله لَعَلَّكُمْ تفلحُونَ (130)} راجين الفلاح، {واتَّقُوا} مَا يقود صاحبه مِنَ الفعل للمناهي، والترك للأوأمر، إِلىَ {النار} بامتثال الأمر، {التِي أعدَّت للكَافِرِينَ (131)} بالتحرُّر عَن متابعتهم، وتعاطي أفعالهم.
{وأطيعوا الله والرسول لَعَلَّكُم} لكي، {تُرحَمُونَ (132)}.
{وسارعوا إِلىَ مغفرة من ربِّكم} ومعنى المسارعة إِلىَ المغفرة و الجنَّة: الإقبال عَلَى مَا يستحقُّ بِهِ المغفرة، كالإسلام والتوبة والإخلاص. {وجنَّة عرضها السَّمَاوَات والأَرْض} أَي: عرضها كعرضهما، وذكر العرض للمبالغة فيِ وصفها بالسعة، عَلَى طريقة التمثيل، لأَنَّهُ دون الطول. وعن ابن عبَّاس: «كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض». {أعدَّت للمتَّقِينَ (133)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اعتراض». (1/177)
صفحة 178
الذِينَ ينفقون فيِ السرَّاء والضرَّاء} فيِ الأحوال كلِّها؛ {والكاظمين الغيظَ} الممسكين الغيظ عَنِ الإمضاء فيِ وقت وجوبه، يقال: كَظَم القِربة: إِذَا ملأها وشدَّ فاها، ومِنْهُ كظم الغيظ: وَهُوَ أن يمسك عَلَى مَا فيِ نفسه مِنْهُ بالصبر، وَلاَ يظهر لَهُ أثرا، والغيظ يوقد حرارة القلب مِنَ الغضب، {والعافين عَنِ الناس} أَي: إِذَا جنى عَلَيْهِم أحد لم يؤاخِذوه، {والله يُحبُّ المحسنِينَ(134)}. عَنِ الثوري: «الإحسان: أن يحسن إِلىَ المسيء؛ فإنَّ الإحسان إِلىَ المحسن متاجرة».
{ (1/178)
صفحة 179
وَالذِينَ إِذَا فعلوا فاحشة} أَي: ركبوا كبيرة، {أو ظلموا أنفسهم} بارتكاب صغيرة، {ذكروا الله} تذكَّروا وعيده أوحكمه أو حقَّه العظيم. وقال محبوب: «إِنَّهُ سمع مشايخه المُسْلِمِينَ يقولون فيِ هَذِهِ الآيَة: {ذكروا الله} يقولون: عظُم الله عندهم، وجلَّ فيِ نفوسهم أن يُقيموا عَلَى حرام طَرفَة عين، {ولم يُصرُّوا عَلَى مَا فعلوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}»؛ {فاستَغفَروا لذُنُوبهم} فتابوا عنها لقبحها نادمين، {ومن يَغْفِرُ (1) الذنوب إِلاَّ الله} فِيهِ تطيُّب لنفوس العباد، وتنشيط بالتَّوبة وبعث عليها، وردع عَنِ اليأس والقنوط، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته مِنَ التائب، وإشعار بِأَنَّ الذنوبَ ـ وإن جلَّت ـ فإنَّ عفوه أجلُّ. {ولم يصرُّوا عَلَى مَا فعلوا} ولم يقيموا عَلَى قبح أفعالهم، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)} مَعَ قيام الحجَّة عَلَيْهِم بذلك، ولن يهلك عَلَى الله فيِ دينه معنا إِلاَّ مصرٌّ عَلَى ذنبه، قادر (2) عَلَى الخروج مِنْهُ بعينه، فلم يخرج منه، لأَنَّ التوبة فيِ الجملة مِمَّا لاَ يقدر عَلَى الوصول إِلىَ علمه، كالتوبة مِنَ الشيء لعينه، والتوبة (3) مِنَ الذنب كمن لاَ ذنب لَهُ، والعاجز عَنِ الشيء معذور عنه.
{أُوْلَئِكَ جزاؤُهم مغفرة من ربِّهم، وجنَّات تجري مِن تَحتها الأنهار خالدين فِيهَا، ونِعمَ أجر العاملِينَ (136)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يغفروا»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ صواب العبارة: «ولن يهلك الله فيِ دينه إِلاَّ مصرًّا عَلَى ذنبه، قادرًا على الخروج منه ... ».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والتائب» ليكون التشبيه سائغا، كما وردت العبارة في الأثر. (1/179)
صفحة 180
قد خلت من قبلكم سُنَنٌ} مَا سنَّه فيِ أمم المكذِّبين من وقائعه، {فسيروا فيِ الأَرْض، فانظروا كيف كَانَ عاقبة المكذِّبِينَ (137)} فتعتبروا بها. {هَذَا} أَي: القرآن {بيان للنَّاس وهدى} أَي: إرشاد إِلىَ التوحيد، {وموعظة} ترغيب وترهيب {للمتَّقِينَ (138)} عَنِ الشرك.
{وَلاَ تَهِنوا} وَلاَ تضعفوا عَنِ الجهاد والمجاهدة، {وَلاَ تحزنوا وأنتم الأعلون} وحالكم أَنَّكُمْ أعلى مِنْهُم، {إن كُنتُم مُؤْمِنينَ (139)} أَي: وَلاَ تهِنوا إن صحَّ إيمانكم، يعني: أنَّ صِحَّة الإيمان توجب قوَّة القلب، والثقة بوعد الله، وقِلَّة المبالات بأعدائه، وإن أديل عليه، بدليل [78] قوله:
{إن يَمسسكم قرحٌ} أَي: جراحة؛ {فقد مسَّ القوم قرحٌ مثله} أَي: إن نالوا منكم؛ فقد نلتم مِنْهُم قبله؛ ثُمَّ لم يُضعف ذَلِكَ قلوبَهم، ولم يمنعهم عَن معاودتكم إِلىَ القتال؛ فأنتم أولى أن لاَ تَضعفوا، {فإِنَّهُمْ يألمون كما تألمون، وترجون مِنَ الله مَا لاَ يرجون} (1)، {وتلك الأَيَّام نداولها} نصرفها {بين الناس} أَي: نصرِّف مَا فِيهَا مِنَ النعم والنقم. {وليعلم الله الذِينَ آمنوا} أَي: نداولها بضروب مِنَ التدبير، وليعلم الله المُؤْمِنين، مميَّزين بالصبر والإيمان من غيرهم، كما علِمهم قبل الوجود، {ويتَّخذ منكم شهداء} ليتَّخذ منكم من يصلح للشهادة عَلَى الناس، كما قَالَ: {لتكونوا شهداء عَلَى الناس} (2)، والشاهد لا يكون إِلاَّ مُحقًّا، أو للقتل فيِ سبيله، {والله لاَ يحبُّ الظالمِينَ (140)} وَاللهُ لاَ يحِبُّ من ليس من هؤلاء الثابتين عَلَى الإيمان المجاهدين فيِ سبيله، وَهُم المنافقون والْكَافِرُونَ.
{__________
(1) - ... سورة النساء: 104.
(2) - ... سورة البقرة: 143؛ وتمامها: {وكذلك جعلناكم أُمَّة وسطا لتكونوا شهداء على النَّاس ويكون الرسول عليكم شهيدا ... }. (1/180)
صفحة 181
وليمحِّص الله الذِينَ آمنوا} التمحيص: التطهير والتصفية من خبائث الكفر، {ويَمحق الْكَافِرِينَ (141)} ويهلكهم؛ يعني: إن كَانَت الدولة عَلَى المُؤْمِنين، فلِلاستشهاد والتمحيص والتمييز وغير ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ صلاح لَهُم، وإن كَانَ عَلَى الْكَافِرِينَ، فلِمحقِهم ومَحو آثارهم.
{أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة} أَي: لاَ تحسبوا، {وَلَمَّا يعلم الله} أَي: ولم يعلم الله {الذِينَ جاهدوا منكم} أَي: وَلَمَّا يجاهدوا؛ وفيه ضرب مِنَ التوقُّع، {ويعلم الصابرِينَ (142)} أَي: قبل مجاهدتكم وصبركم.
{وَلَقَدْ كُنتُمْ تمنَّون الموت من قبل أن تلقوه} أَي: تتمنَّون ملاقاة العدوِّ للجهاد؛ يعني: كُنتُمْ تتمنَّون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدَّته؛ {فقد رأيتموه وأنتم تنظرُونَ (143)} أَي: رأيتموه معاينين، مشاهدين لَهُ، حين قتل إخوانكم بين أيديكم، وشارفتم أن تُقتلوا، وهذا توبيخ لَهُم تمنِّيهم الموت، وعلى مَا تسبَّبوا لَهُ من خروج رسول الله بإلحاحهم عليه؛ ثُمَّ انهزامهم عنه.
{وَمَا محمَّد إِلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل} فَسَيخلوا كما خلوا، وكما أنَّ أتباعهم بقوا متمسِّكين بدينهم بعد خلوِّهم؛ فعليكم أن تتمسَّكوا بدينه بعد خلوِّه، لأَنَّ المقصود من بعث الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجَّة لاَ وجوده بين أظهر قومه؛ {أفإن (1) مات أو قُتِل انقلبتم عَلَى أعقابكم، ومن ينقلب عَلَى عقبيه؛ فلن يضرَّ الله شَيْئًا وسيجزي الله الشاكرِينَ (144)} الذِينَ لم ينقلبوا، وسمَّاهم شاكرين لأَنَّهُمْ شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فإن» وهو خطأ. (1/181)
صفحة 182
وَمَا كَانَ لنفس أن تموت إِلاَّ بإذن الله} أَي: بعلمه، أو بِأَن يأذن لملك الموت فيِ قبض روحه؛ والمعنى: أَنَّ موت الأنفس محال أن يكون إِلاَّ بمشية الله؛ وفيه تحريض عَلَى الجهاد وتشجيع عَلَى لقاء العدوِّ؛ وإعلام بِأَنَّ الحذر لاَ ينفع، وَأَنَّ أحدا لاَ يموت قبل بلوغ أجله، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك، {كِتَابًا مؤجَّلا} لاَ ينسخه إِلاَّ وصول أجله، {ومن يُرِدْ ثوابَ الدُّنْيَا نؤتِه منها} ميسَّر لمن يريده؛ {ومن يرد ثواب الآخِرَة نؤته منها} ميسَّر لمن يريده، ويحتمل {نؤته منها} أَي: مِنَ الدُّنْيَا مَا قدَّرناه لَهُ، وَلاَ ينقص ذَلِكَ، إِرَادَتُه وعملُه وسعيُه كَانَ للدنيا أو للآخرة؛ بَلْ يجزي كما قَالَ: {وسنجزي الشاكرِينَ(145)}.
{وكأيِّن من نبيٍّ قاتل معه رِبِّيون كثير} أَي: ربَّانيون [79]، {فما وَهَنوا} فما فتروا عند قتل نبيِّهم، أو قتل بعضهم {لِما أصابهم} مِنَ الشدائد {فيِ سبيل الله، وَمَا ضعفوا} بسبب مَا أصيبوا عَنِ الجهاد، {وَمَا استكانوا} وَمَا خضعوا لعدوِّهم، {والله يحبُّ الصابرِينَ(146)} عَلَى جهاد الْكَافِرِينَ، أو عَلَى مشاقِّ التكليف.
{وَمَا كَانَ قولهم إِلاَّ أن قَالُوا رَبَّنَا اغفر لَنَا ذنوبنا} وَمَا كَانَ قولهم مَعَ ثباتهم وقوَّتهم، فيِ الدين وكونهم ربَّانيِّين، إِلاَّ هَذَا القول، وَهُوَ إضافة الذنوب والإسراف عَلَى أنفسهم هضما لها، وإضافة مَا أصابهم إِلىَ سوء أعمالهم والاستغناء عنها؛ ثُمَّ طلب التثبُّت فيِ مواطن الحرب، والنصر عَلَى العدوِّ، {وإسرافنا فيِ أمرنا} تجاوزنا حدَّ العبوديَّة، {وثبِّت أقدامنا} عَلَى دينك، {وانصرنا عَلَى القوم الْكَافِرِينَ(147)} من جنٍّ وإنس.
{ (1/182)
صفحة 183
فآتاهم الله ثوابَ الدُّنْيَا} تيسير أسبابها للطاعة، {وحسن ثواب الآخِرَة} المغفرة والجنَّة؛ فخصَّ بالحسن دلالة عَلَى فضله وتقدُّمه، وأنَّه هُوَ المعتدُّ عنده. {والله يحِبُّ المحسنِينَ (148)} لاَ غيرهم.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إن تطيعوا الذِينَ كَفَرُوا يردُّوكم عَلَى أعقابكم} يرجعوكم إِلىَ الكفر، {فتنقلبوا خاسرِينَ (149)} الدُّنْيَا والآخِرَة؛ {بَلْ الله مولاكم} متوليِّ أموركم وناصركم؛ فاستغنوا عَنْ نصرة غيره، {وَهُوَ خير الناصرِينَ (150)}.
{سنلقي فيِ قلوب الذِينَ كَفَرُوا الرعبَ} الخوف، والشيطان يلقي فيِ قلوب المُؤْمِنين الخوف، لقوله تعالى: {الذِينَ قَالَ لَهُم الناس: إِنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ... } (1) إِلىَ تمامها. {بِمَا أشركوا بالله} بسبب إشراكهم، أَيِّ شرك كَانَ؛ {مَا لم ينزِّل بِهِ سلطانا} حجَّة، وَهُوَ اتِّباع الشيطان ونظرهم إِلىَ الأسباب؛ فإنَّ من لاَ ينظر إِلىَ الأسباب يجعل الله فيِ قلبه الثبات. {ومأواهم} ومرجعهم {النار وبِئسَ مثوى الظالمِينَ (151)}.
{__________
(1) - ... سورة آل عمران: 173؛ وتمامها: { ... فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل}. (1/183)
صفحة 184
وَلَقَدْ صدقكم الله وعده إذ تحسُّونهم} تقتلونهم، وقيل: حسَّه: أبطل حسَّه بالقتل، {بإذنه} بأمره وعلمه؛ {حَتَّى إِذَا فشلتم وتنازعتم فيِ الأمر} أَي: اختلفتم، {وعصيتم} أمر نبيِّكم، بترككم المركز، أو اشتغالكم بالغنيمة {من بعد مَا أراكم مَا تحبُّون} مِنَ الظفر وقهر الكفَّار. {منكم من يريد الدُّنْيَا} وَهُم الذِينَ تركوا المركز لطلب الغنيمة، {ومنكم من يريد الآخِرَة} وَهُم الثابتون عَلَى الطاعة؛ {ثم صرفكم عَنْهُمْ} أَي: كفَّ معونته عنكم فغلبوكم؛ {ليبتليكم} ليمحِّص صبركم عَلَى المصائب، وثباتكم عندها وحقيقته ليعاملكم معاملة المختبر، لأَنَّهُ يجازي عَلَى مَا يعمله العبد، لاَ عَلَى مَا يعلمه منه؛ {وَلَقَدْ عفا عنكم} حيث ندمتم عَلَى مَا فرَط منكم، {والله ذو فضل عَلَى المُؤْمِنينَ(152)} بالعفو عَنْهُمْ وقبول توبتهم، أو هُوَ متفضِّل عَلَيْهِم فيِ جميع الأحوال، سواء أديل بهم، أو أديل عليهم، لأَنَّ الابتلاء رحمة، كما أنَّ النصرة رحمة.
{ (1/184)
صفحة 185
إذ تُصعدون} تبالغون فيِ الذهاب، صعيد الأَرْض، والإصعاد: الذهاب فيِ الأَرْض؛ {وَلاَ تلوون عَلَى أحد} وَلاَ تلتفتون، وَهُوَ عبارة عَنْ غاية انهزامهم، وخوف عدوِّهم؛ {والرسول يدعوكم} يقول: إليَّ عباد الله .. إليَّ عباد الله .. أنا رسول الله، من يكرُّ فله الجنَّة. {فيِ أخراكم} ساقتكم (1) وجماعتكم الآخرى، وهي المتأخِّرة؛ {فأثابكم} فجازاكم الله [80] {غمًّا} حين صرفكم عَنْهُمْ، وابتلاكم {بغمٍّ}، بسبب غمٍّ أذقتموه رسول الله بعصيانكم أمره، أو غمًّا بعد غمٍّ، وغمًّا متَّصلا بغمٍّ، مِنَ الاغتمام بِمَا أرجف بِهِ من قتل رسول الله، والجروح والقتل، وظفر المشركين، وفَوتِ الغنيمة والنصر، {لكيلا تحزنوا عَلَى مَا فاتكم} لتعتادوا عَلَى تجرُّع الغموم؛ فلا تحزنوا فيما بعد عَلَى فائت مِنَ المنافع، {وَلاَ مَا أصابكم}، وَلاَ عَلَى مصيب مِنَ المضارِّ، {والله خبير بِمَا تَعْمَلُونَ (153)} عالم بعملكم لاَ يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهذا ترغيب فيِ الطاعة وترهيب عَنِ المعصيَّة.
{__________
(1) - ... الساقة: الموكب، مؤخر الجيش؛ يقال: فلان في ساقة الجيش: أي في مؤخره وهي نقيض المقدِّمة. المنجد في اللغة الأعلام، 365. (1/185)
صفحة 186
ثُمَّ أنزل عَلَيْكُم من بعد الغمِّ أَمَنَةً نعاسا} ثُمَّ أنزل الله الأمن عَلَى المُؤْمِنين، وأزال عَنْهُم الخوف الذِي كَانَ بهم، حتَّى يُعْشُوا (1) وغلبهم النوم؛ والأصل: «أنزل عَلَيْكُم نعاسا ذا أمنة»، إذ النعاس ليس هُوَ الأمن. {يَغشَى طائفة منكم} هم أهل الصدق واليقين، {وطائفة} هم المنافقون {قد أهمَّتهم أنفسهم}، مَا بهم إِلاَّ همُّ أنفسهم، وخلاصها الجسد [ي] ... (2) البهيميَّة لاَ الروحانيَّة، لأَنَّهُ مَا خُلق إِلاَّ للاهتمام للنفس (لَعَلَّهُ) الروحانيَّة، كما قَالَ: {قد أفلح من زكَّاها وقد خاب من دسَّاها} (3)، وقد قَالَ أَيْضًا ذمًّا لَهُمْ: {فأنساهم أنفسهم أُوْلَئِكَ هم الفاسقون} (4)؛ لاَ همّ الدين، وَلاَ همّ رسول الله والمُسْلِمِينَ. {يظنُّون بالله غير الحقِّ} غير الظنِّ الحقِّ، الذِي يجب أن يظنَّ بِهِ، وَهُوَ أن لاَ ينصر محمَّدا {ظنَّ الجاهلية}، الظنَّ المختصَّ بالملَّة الجاهليَّة، وكلُّ من حقَّق ظنًّا عَلَى غير صِحَّة فهو من ظنِّ الجاهليَّة المنهيِّ عنه؛ أو ظنَّ أهل الجاهليَّة، أَي: لاَ يظنُّ مثل ذَلِكَ الظنِّ إِلاَّ أهل الشرك الجاهلون بالله.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل مع الشكل، ولعلَّ الصواب: «نَعَسُوا»، حسب السياق في تفسير قوله تعالى: {أمنة نعاسا}.
(2) - ... في الأصل كلمة غير مفهومة، رسمها: «اوانه».
(3) - ... سورة الشمس: 9 - 10.
(4) - ... سورة الحشر: 19. (1/186)
صفحة 187
يقولون: هل لَنَا مِنَ الأمر من شيء} هل لَنَا معاشر المُسْلِمِينَ من أمر الله نصيب قطُّ، يعنون: النصر والغلبة عَلَى العدوِّ. {قل: إِنَّ الأمر كُلَّه لله} أَي: الغلبة الحقيقيَّة لله وأوليائه، {فإنَّ حزب الله هم الغالبون} (1). {يخفون فيِ أنفسهم، مَا لاَ يبدون لك} خوفا مِنَ السيف، {يقولون}: فيِ أنفسهم، أو بعضُهم لبعضٍ منكِرين لقولك لَهُمْ: {إنَّ الأمركلَّه لله}. {لو كَانَ لَنَا مِنَ الأمر} من {شيء مَا قُتِلنا ها هنا} أَي: لو كَانَ كما قَالَ محمَّد: إنَّ الأمر كلَّه لله ولأوليائه وإِنَّهُم الغالبون، لما غُلبنا قطُّ.
{قل: لو كُنتُمْ فيِ بيوتكم} أَي: من عَلم الله مِنْهُ أنَّه يقتل فيِ هَذِهِ المعركة، وكتب ذَلِكَ فيِ اللَّوح، لم يكن بدٌّ من وجوده، ولو قعدتم فيِ بيوتكم {لَبرز} من بينكم {الذِينَ كُتب عَلَيْهِم القتل، إِلىَ مضاجعهم} إِلىَ مصارعهم، ليكون مَا اته (2) يكون، والمعنى: أنَّ الله كتب فيِ اللَّوح قتل من يقتل مِنَ المُؤْمِنين، وكتب مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُم الغالبون؛ لعلمه أنَّ العاقبة فيِ الغلبة لَهُمْ؛ وإنَّ دين الإسلام يظهر عَلَى الدين كلِّه، وَأَنَّ مَا ينكبون بِهِ فيِ بعض الأوقات تمحيص لَهُمْ، كما قَالَ: {وليبتليَ الله مَا فيِ صدوركم وليُمحِّص مَا فيِ قلوبكم} وليمتحن مَا فيِ صدور المُؤْمِنين مِنَ الإخلاص، ويمحِّص مَا فيِ قلوبهم، ويظهر سرائرها مِنَ الإخلاص أو النفاق. {والله عليم بذات الصدور (154)} قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد، وتنبيه عَلَى أنَّه غنيٌّ عَنِ الابتلاء، وإنَّما فعل ذَلِكَ لتمرين المُؤْمِنين وإظهار حال المنافقين.
{__________
(1) - ... سورة المائدة: 56؛ وتمامها: {ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنَّ حزب الله هم الغالبون}.
(2) - ... كذا في الأصل، وَلَعَلَّ الصواب: «ما كتب أنَّه سيكون». (1/187)
صفحة 188
إِنَّ الذِينَ تولَّوا منكم يوم الْتَقَى الجمعان} جمعُ المُسْلِمِينَ والْكَافِرِينَ، {إنَّما استزلَّهم الشيطان} دعاهم إِلىَ الذلَّة (1)، [81] وحملهم عليها ببعض مَا كسبوا، {استزلَّهم الشيطان}: طلب زلَّتهم ودعاهم إِلىَ الزلَل، {ببعض مَا كسبوا} من ذنوبهم، والمَعنَى: أنَّ الذِينَ آمنوا يوم أُحد كَانَ السبب فيِ انهزامهم، أَنَّهُم كَانُوا أطاعوا الشيطان؛ فاقترفوا ذنوبا، فلذلك منعتهم التأييد والتوفيق فيِ تقوية القلوب حتَّى تولَّوا، وقال الحسن: «استزلَّهم بقبول مَا زُيِّن لَهُم مِنَ الهزيمة»، وقوله: {ببعض مَا اكتسبوا} مثل قوله: {ويعفو عَنْ كثير} (2). {وَلَقَدْ عفا الله عَنْهُمْ} غفر لَهُمْ بعدما استغفروا. {إنَّ الله غَفُور حليم (155)} لاَ يعاجل بالعقوبة.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تكونوا كالذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخوانهم} فيِ النسب، أوالنفاق، {إِذَا ضربوا فيِ الأَرْض} سافروا فِيهَا للتجارة أو غيرها، {أو (3) كَانُوا غُزًّى}: جمع غاز، وأصابهم موت أو قتل، {لو كَانُوا عندنا مَا ماتوا وَمَا قُتلوا، ليجعل الله ذَلِكَ حسرة فيِ قلوبهم} أَي: لاَ يكونوا كهؤلاء فيِ النطق بذلك القول واعتقاده، {ليجعل الله ذَلِكَ حسرة فيِ قلوبهم} خاصَّة، ويصون منها قلوبكم، والحسرة: الندامة عَلَى فوت محبوب. {والله يُحيي ويُميت} ردٌّ لقولهم: إنَّ الأسباب تقطع الآجال. {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بصير (156)} فيجازيكم عَلَى حسب أعمالكم.
{ولئن قُتلتم فيِ سبيل الله أو متُّم لَمغفرةٌ مِنَ الله ورحمةٌ، خير مِمَّا يجمعُونَ (157)} المجموع الفائت، لأَنَّهُ لم يكن جمعه لله. {ولئن متُّم أو قُتلتم لإلى (4) الله تُحشرُونَ (158)}، لإلى معبودكم الذِي توجَّهتم إِلَيْهِ وبذلتم مهجتكم لوجهه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الزلَّة».
(2) - ... سورة الشورى: 30.
(3) - ... في الأصل: «لو» وهو خطأ.
(4) - ... في الأصل: «لا الى»، وهو خطأ. (1/188)
صفحة 189
فبما رحمة مِنَ الله لِنتَ لَهُمْ} «مَا» مزيدة للتوكيدِ والدلالةِ عَلَى أنَّ اللينة (1) لَهُم مَا كَانَ إِلاَّ برحمة مِنَ الله، ومعنى الرحمة ربطه عَلَى جأشه وتوفيقه للرفق والتلطُّف بهم. {ولو كنت فظًّا} جافيا، {غليظ القلب} قاسيه، {لانفضُّوا من حولك} لتفرَّقوا عنك، حتَّى لاَ يبقى حولك أحد مِنْهُمْ؛ {فاعف عَنْهُمْ} مَا كَانَ مِنْهُمْ مِمَّا يختصُّ بك، {واستغفر لَهُمْ} فيما يختصُّ بحق الله إِذَا تابوا، إتماما للشفقة عليهم، {وشاورهم فيِ الأمر} فيِ أمر الحرب ونحوه، مِمَّا لم ينزل عليك فِيهِ وحي، تطيُّبا لنفوسهم وترويحا لقلوبهم ورفعا لأقدارهم، وكشفا للآراء الصائبة، وهضما للنفس عَلَى الاستبداد، وطلبا لعلم مَا لم يعلِّمه الله، [و] فيِ الحديث: «مَا تَشاوَر قوم قطُّ، إِلاَّ هدوا لأرشد أمرهم» (2). وعن أبي هريرة: «مَا رأيت أحدا أكثر مشاورة مِنَ الصحابة»؛ ومعنى شاورت فلانا: أظهرت مَا عندي وَمَا عنده مِنَ الرأي، وفيه دلالة عَلَى جواز الاجتهاد، وبيان أنَّ القياس حجَّة، وعلى أنَّ الإحاطة بالعلم مُحال، وكلُّ وَاحِد مِنَ الخلق يخصُّه بعلم لم يخصَّ بِهِ الآخر، وإن كَانَ أفضل مِنْهُ وأعلم مِنْهُ بغيره. {فإذا عزمت} فإذا قطعت الرأي عَلَى شيء بعد الشورى، {فتوكَّل عَلَى الله} فيِ إمضاء أمرك عَلَى الأرشد، لاَ عَلَى المشورة. {إنَّ الله يحبُّ المتوكِّلِينَ (159)} عليه، والتوكُّل: الاعتماد عَلَى الله، وتفويض الأمر إِلَيْهِ. وقال ذو النون: «خَلعُ الأرباب، وقَطعُ الأسباب».
{__________
(1) - ... في الأصل: «النيه».
(2) - ... لم نعثر عَلَيه عند الربيع ولا في الكتب التسعة. (1/189)
صفحة 190
إن ينصركم الله فلا غالب لكم} إِنَّمَا يدرك نصر الله، من تبرَّأ من حوله وقوَّته، واعتصم بربِّه وقدرته، {وإن يخذلكم فمن ذا الذِي ينصركم من بعده} من بعد خذلانه إِيَّاكُم؛ هَذَا تنبيه عَلَى أن الأمر كلَّه لله، وعلى وجوب التوكُّل عليه، {وعلى الله فليتوكَّل المُؤْمِنونَ(160)} ولْيخُصَّ المُؤْمِنون ربَّهم بالتوكُّل عليه، [82] والتفويض إِلَيْهِ لعلمهم أنَّه لاَ ناصر سواه، وَلاَ رزق إِلاَّ من لدنه. وقيل: حقيقة التوكُّل: أن لاَ تعصي الله من أجل رزقك، وَلاَ تطلب لنفسك ناصرا غيره، وَلاَ لعملك شاهدا غيره؛ ولأنَّ إيمانه يقتضي ذَلِكَ.
{وَمَا كَانَ لنبيٍّ أن يغلَّ} يعني أن النبوَّة تنافي الغلول، روي أنَّ قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر مِمَّا أصيب مِنَ المشركين، فقال بعض المنافقين: لعلَّ رسول الله أَخَذها؛ فنزلت: {ومن يغلل يأتِ بِمَا غلَّ يوم القيامة} أَي: يأت بالشيء الذِي غلَّه، أو بمثله حاملا عَلَى ظهره، أو يأت بِمَا احتمل من وباله. {ثمَّ توفىَّ كلُّ نفس مَا كسبت} يعطى جزاؤها وافيا. {وَهُمْ لاَ يُظلمُونَ(161)} جزاء كلٍّ عَلَى قدر كسبه.
{أفمن اتَّبع رضوان الله} أَي: رضاء الله {كمن باء بسخط مِنَ الله ومأواه جهنَّم وبِيسَ المصير(162)}.
{هم درجات عند الله} هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات، أو ذو درجات، والمَعنَى: تفاوت منازل المثابين مِنْهُم، ومنازل المعاقبين أو التفاوت بين الثواب والعقاب، {والله بصير بِمَا يَعْمَلُونَ(163)} عالم بأعمالهم ودرجاتها، فيجازيهم علىحسبها.
{ (1/190)
صفحة 191
لَقَدْ منَّ الله عَلَى المُؤْمِنين} عَلَى من آمن مَعَ رسول الله من قومه، وخصَّ المُؤْمِنين مِنْهُمْ لأَنَّهُمْ هم المنتفعون بمبعثه لاَ غير؛ {إذ بعث فِيهِمْ رسولا من أنفسهم} من جنسهم، عربيًّا مثلهم، والمنَّة فيِ ذَلِكَ من حيث أنَّه إِذَا كَانَ مِنْهُمْ كَانَ اللِّسان واحدا؛ فيسهل أَخذ مَا يجب عَلَيْهِم أَخذه عنه. وكَانُوا واقفين عَلَى أحواله فيِ الصدق والأمانة؛ فكَانَ ذَلِكَ أقرب لَهُم الىَ تصديقه. {يتلو عَلَيْهِم آياته ويزكِّيهم} من دنس الطباع وسوء العقائد، {ويعلِّمهم الكتاب والحكمة، وإن كَانُوا من قبل} مبعثة (1) الرسول، {لفي ضلال} عمى وجهالة، {مُبِين (164)} ظاهر لاَ شبهة [فيه]، ولكن لاَ يبينُ ظهور الضلالة إِلاَّ بعد التعليم.
{أَوَلَمَّا أصابتكم مصيبة} يريد مَا أصابهم يوم أُحد، {قد أصبتم مثلَيْها} يوم بدر، {قلتم: أَنَّى هَذَا}؟ من أين هَذَا؟ {قل: هُوَ من عند أنفسكم}، من قِبَل اختياركم وكسبكم، {إنَّ الله عَلَى كلِّ شيء قدير (165)}.
{وَمَا أصابكم يوم التقى الجمعان} جمعكم وجمع المشركين، {فبإذن الله} بعلمه وقضائه، {وليعلم المُؤْمِنينَ (166)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مبعث»، أو «بعثة». (1/191)
صفحة 192
وليعلم الذِينَ نافقوا} وَهُوَ كائن ليميز المُؤْمِنين مِنَ المنافقين، وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء، {وقيل لَهُمْ} للمنافقين: {تعالوا قاتلوا فيِ سبيل الله} أَي: جاهدوا للآخرة كما يجاهد المُؤْمِنون، {أو ادفعوا} أَي: قاتلوا دفعا عَنْ انفسكم وأهليكم وأموالكم، إن لم تقاتلوا للآخرة، {قَالُوا: لو نعلم قتالا لاتَّبعناكم} أَي: لو نعلم مَا يصحُّ أن يسمَّى قتالا لاتَّبعناكم؛ يعنون أنَّ مَا أَنتُمْ فِيهِ لخطإ رأيكم ليس لشيء، وَلاَ يقال لمثله: قتال، إنَّما هُوَ إلقاء النفس فيِ التهلكة. {هم للكفر يومئذ (1) أقرب مِنْهُمْ للإيمان} يعني: أَنَّهُم كَانُوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذَلِكَ، وَمَا ظهرت مِنْهُمْ أمارة تؤذن بكفرهم؛ فَلَمَّا انخذلوا عَنْ عسكر المُؤْمِنين وَقَالُوا مَا قَالُوا بَان تباعدُهم بذلك عَنِ الإيمان المظنون بهم، واقتربوا مِنَ الكفر؛ أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة مِنْهُمْ لأهل [83] الإيمان، {يقولون: بأفواههم مَا ليس فيِ قلوبهم} وَأَنَّ إيمانهم موجود فيِ أفواههم، معدوم من قلوبهم باشتغالها بضدِّه. {والله أعلم بِمَا يكتمُونَ (167)} مِنَ النفاق.
{الذِينَ قَالُوا لإخوانهم} فيِ النسب أو فيِ الدين، {وقعدوا} وقعد هؤلاء القائلون عَنِ الجهاد: {لو أطاعونا مَا قُتلوا} أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم بِهِ مِنَ الانصراف عَنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقعود، {قل: فادرءوا عَنْ أنفسكم الموت إن كُنتُمْ صادقِينَ (168)} بِأَنَّ الحذر يغني عَنِ القدر.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «يومئذ». (1/192)
صفحة 193
وَلاَ تحسبن (1) الذِينَ قُتلوا فيِ سبيل الله} فيِ الجهاد، وفي إحياء دين الله، ويخرج فيِ جميع طاعة الله تعالى، {أمواتا، بَلْ أحياء عند ربِّهم يرزقُونَ (169)} قيل: أحياء فيِ الدين، وقيل: فيِ الذكر، وقيل: يرزقون مثل [مَا] يرزق سائر الأحياء، يأكلون ويشربون؛ وَهُوَ تأكيد لكونهم أحياء، وصف حالهم التِي هم عليها مِنَ التنعُّم برزق الله تعالى فيما قيل؛ وَاللهُ أعلم بحقيقة حالهم.
{فرحين بِمَا آتاهم الله من فضله} وَهُوَ التوفيق فيِ الشهادة، وَمَا ساق إِلَيْهِم مِنَ الكرامة والتفضيل عَلَى غيرهم، من كونهم أحياء مقرَّبين. يروى عَنِ النبيء - صلى الله عليه وسلم -: «لَمَّا أصيب إخوانكم بأُحد، جعل الله أرواحهم فيِ أجواف طير خضر، تدور فيِ أنهار الجَنَّة وتأكل من ثمارها، وتأوي فيِ قناديل من ذهب معلَّقة فيِ ظلِّ العرش» (2).
{__________
(1) - ... في الأصل: + «تحسبنَّ» وهو تكرار.
(2) - ... عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ ... ». مسلم: كتاب الإمارة، رقم 3500؛ الترمذيُّ: كتاب تفسير القرآن، رقم 2937؛ ابن ماجه: كتاب الجهاد، رقم 2791؛ الدارمي: كتاب الجهاد، رقم 2303. العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «قناديل معلَّقة». (1/193)
صفحة 194
ويستبشرون} ويفرحون، {بالذِينَ} بإخوانهم المجاهدين الذِينَ {لم يلحقوا بهم} لم يُقتلوا، فيلحقوا بهم {من خلفهم}، يريد الذِينَ من خلفهم قد بقوا بعدهم، من إخوانهم الذِينَ تركوهم أحياء فيِ الدُّنْيَا، عَلَى مناهج الدين والجهاد، ولعلمهم أَنَّهُمْ إِذَا اسشتهدوا أو لحقوا بهم، نالوا مِنَ الكرامة مَا نالوا هم، وَهُمْ قد تقدَّموهم. {أَلاَّ خوف عَلَيْهِم وَلاَ هم يحزنُونَ (170)} المعنى: أَنَّهُمْ يستبشرون بِمَا تبيَّن لَهُمْ من أمر الآخِرَة، وحال من تركوا خلفهم مِنَ المُؤْمِنين، وَهُوَ أَنَّهُم إِذَا ماتوا أو قُتلوا، كَانُوا أحياء حياة لاَ يكدِّرها خوف وقوع محذور، وحزن فوات محبوب. والآيَة تدلُّ عَلَى الإنسان غير الهيكل المحسوس، بَلْ هُوَ جوهر مُدرِك بذاته لاَ يفنى بخراب البدن؛ وَلاَ يوقف عليه إدراكه وتألُّمه والتذاذه، ويؤيِّد ذَلِكَ قوله تعالى فيِ آل فرعون (1).
{يستبشرون بنعمة مِنَ الله وفضل} يسرُّون بِمَا أنعم الله عليهم، وبما تفضَّل عَلَيْهِم من زيادة الكرامة، {وأنَّ الله لاَ يضيع أجر المُؤْمِنينَ (171)} بَلْ يوفِّر عليهم.
{الذِينَ استجابوا لله والرسول من بعد مَا أصابهم القرح} الجرح، {للذين أحسنوا مِنْهُمْ واتَّقَوا أجر عظيم (172)}.
{الذِينَ قَالَ لَهُم الناس: إِنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا} اطمئنانيَّة (2) وإيقانا، {وَقَالُوا: حسبنا الله} كافينا الله، أَي: الذِي يكفينا الله، يقال: حسبه الشيء إِذَا كفاه، وَهُوَ بمعنى: المحسب. {ونعم الوكيل (173)} نعم الموكول إِلَيْهِ هُوَ.
{__________
(1) - ... يشير إِلىَ قوله تعالى: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدَّ العذاب}. غافر: 45 - 46.
(2) - ... في الأصل: «اطمانيه»، وهو خطأ. (1/194)
صفحة 195
فانقلَبوا بنعمة مِنَ الله} وَهُوَ السلامة، وحذر العدوِّ مِنْهُمْ، {وفَضلٍ} وَهُوَ الربح فيِ التجارة، {لم يمسسهم سوء} لم يلقوا مَا يسوءهم من كيد عدوٍّ، {واتَّبعوا رضوان الله} بحربهم وخروجهم إِلىَ وجه العدوِّ، عَلَى إثر تثبيطه، {والله ذو فضل عظيم (174)} قد تفضَّل عَلَيْهِم بالتوفيق فيما فعلوا.
{إنَّما ذلكم الشيطان} أَي: إِنَّمَا ذلكم المثبِّط هُوَ الشيطان، {يخوِّف أولياءه} المنافقين [84] {فلا تخافوهم} أَي: أولياءه، {وخافُونِ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنينَ (175)} لأَنَّ الإيمان بِهِ يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله عَلَى خوف غيره.
{وَلاَ يحزنْك الذِينَ يسارعون فيِ الكفر، إِنَّهُمْ لن يضرُّوا الله شَيْئًا} يعني: أَنَّهُم لاَ يضرُّون لمسارعتهم (1) فيِ الكفر غير أنفسهم، وَمَا وبال ذَلِكَ عائدا عَلَى غيرهم ... (2) بقوله: {يريد الله أَلاَّ يجعل لَهُمْ حظًّا فيِ الآخِرَة} أَي: نصيبا مِنَ الثواب، {ولهم} بدل الثواب، {عذاب عظيم (176)} وذلك أبلغ مَا ضرَّ بِهِ الإنسان نفسه.
{إنَّ الذِينَ اشتروا الكفر بالإيمان} أَي: استبدلوا بِهِ، {لن يضرُّوا الله شَيْئًا ولهم عذاب أليم (177)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بمسارعتهم».
(2) - ... يبدو أنَّ في العبارة سقطا تقديره: «ويؤيَّد ذلك بقوله ... ». (1/195)
صفحة 196
وَلاَ يحسبنَّ الذِينَ كَفَرُوا أنَّما نملي لَهُمْ خير لأنفسهم، إِنَّمَا نملي لَهُمْ ليزدادوا (1) إثما ولهم عذاب مهِينٌ (178)} أَي: إنَّما نملي لَهُمْ ليزدادوا إثما عَلَى إثمهم فيِ الآخِرَة، وليس لَهُمْ فِيهِ منفعة فيِ الدُّنْيَا، وَلاَ خير فيِ الآخِرَة، بَلْ ليتضاعف عَلَيْهِم العذاب بِتَسبُّبه فيِ الدُّنْيَا بمزاولتهم لَهُ، وجمعهم إيَّاه، لأَنَّهُ مَا زاد عَلَى الكفاية، فهو زيادة عذاب فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة فيِ حقِّ العاصين؛ وكذلك سعيهم لما لاَ بدَّ لَهُمْ منه، أعني: العاصين هُوَ عذاب لَهُمْ فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، لأَنَّهُمْ لم يؤجروا بِهِ لأَنَّ أعمالهم محبوطة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ليزداوا»، وهو خطأ. (1/196)
صفحة 197
مَا كَانَ الله ليذر المُؤْمِنين عَلَى مَا أَنتُمْ عليه} من اختلاط المُؤْمِنين الخلَّص والمنافقين، {حتىَّ يميز الخبيث مِنَ الطيِّب} قيل: الخطاب لعامَّة المخلصين والمنافقين فيِ عصره. والمَعنَى: لاَ يترككم مختلطين، لاَ يعرف مخلصكم ومنافقكم حتَّى يميز المنافق مِنَ المخلص بالوحي إِلىَ نبيِّه، وبإخباره إِلىَ (1) أحوالكم، أو بالتكاليف الشاقَّة التِي لاَ يصبر عليها وَلاَ يذعن لها إِلاَّ الخلَّص المخلصون منكم؛ كبذل الأموال والأنفس فيِ سبيل الله، ليختبر بواطنكم ويظهر مَا عَلَى عقائدكم. {وَمَا كَانَ الله ليطلعكم عَلَى الغيب} وَمَا كَانَ الله ليؤتي أحدا منكم علم الغيوب؛ فلا يتوهَّم عند إخبار الرسول من نفاق الرجل وإخلاص الآخر أنَّه يطَّلع عَلَى مَا فيِ القلوب اطِّلاع الله، فيخبر عَنْ كفرها وإيمانها، {ولكنَّ الله يجتبي من رسله من يَشَاء} أَي: ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إِلَيْهِ من يخبره أنَّ فيِ الغيب كذا، وأنَّ فلانا فيِ قلبه نفاق، وأنَّ فلانا فيِ قلبه إخلاص، فيعلم ذَلِكَ من جهة إخبار الله، لاَ من جهة نفسه. {فآمنوا بالله ورسله} بصفة الإخلاص، ويحتمل فيِ تأويل هَذِهِ الآيَة، أَي: لاَ يكون المُؤْمِنون كلُّهم علماء بدين الله، ولكن يختصُّ من عباده، رسلا وعلماء بدينه؛ فإذا بلغتهم حجَّة من حجج الله، من رسول الله أو نبيء أو عالم أو جاهل فيما لاَ يسع جهله أو حجَّة عقل، فواجب عَلَى المُؤْمِنين الإيمان بها والتصديق لها. {وإن تؤمنوا وتتَّقوا} النفاق، {فلكم أجر عظيم (179)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عن». (1/197)
صفحة 198
وَلاَ يحسبنَّ الذِينَ يبخلون بِمَا آتاهم الله من فضله} من علم ومال، أو مهجة نفس أو غريزة عقل، {هُوَ خيرا لَهُمْ، بَلْ هُوَ شرٌّ لَهُمْ} لأَنَّ أحوالهم ستزول عَنْهُمْ، ويبقى عَلَيْهِم وبال البخل. {سيطوَّقون مَا بخلوا بِهِ يوم القيامة} تفسيرا لقوله: {بَلْ هُوَ شرٌّ لَهُمْ} أَي: سيجعل مَا منعوه عَنِ الحقِّ طوقا فيِ أعناقهم؛ كما جاء فيِ الحديث: «من منع زكاة ماله يصير حيَّة ذكرا أقرع لَهُ نابان، فيطوَّق (1) فيِ عنقه فينهشه ويدفعه إِلىَ النار» (2). {ولله ميراث السَّمَاوَات والأَرْض} وَلَهُ مَا فيهما مِمَّا يتوارثه فيهما من مال وغيره، فما لَهُمْ يبخلون عليه بملكه، وَلاَ [85] ينفقونه فيِ سبيله، {والله بِمَا تَعْمَلُونَ خبير (180)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فيوطوق»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... رواه الربيع في كتاب الزكاة والصدقة، باب [58] الوعيد في منع الزكاة رقم 343 بلفظ: «مَنْ كَثُرَ مَالُهُ وَلَمْ يُزَكِّهِ جَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيِ صُورَةِ شُجَاعٍ أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ مُوَكَّلُ بِعَذَابِهِ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ بَيْنَ الْخَلاَئِقِ». ورواه البخاريُّ عن أبي هريرة في كتاب تفسير القرآن، رقم 4199، بلفظ: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: {وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ... } إِلَى آخِرِ الآيَةِ». وبرقم 1315، ومسلم والنسائي وابن ماجه، وكلُّهم في كتاب الزكاة، وغيرهم ... العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «شجاع أقرع». (1/198)
صفحة 199
لَقَدْ سمع الله قول الذِينَ قَالُوا: إِنَّ الله فقير ونحن أغنياء} قيل: قَالَ ذَلِكَ اليَهُود حين سمعوا قوله تعالى: {من ذا الذِي يقرض الله قرضا حسنا} (1) وَقَالُوا إنَّ إله محمَّد يستقرض مِنَّا، فنحن إِذَن أغنياء وَهُوَ فقير. ومعنى سماع الله لَهُ أنَّه لم يخف عليه، وأنَّه أعدَّ لَهُ كفافه مِنَ العقاب. {سنكتب مَا قَالُوا، وقَتْلَهم الأنبياء بغير حقٍّ، ونقول: ذوقوا عذاب الحريق (181) ذَلِكَ بِمَا قدَّمت أيديكم، وأنَّ الله ليس بظلاَّم للعبيد (182)}.
{الذِينَ قَالُوا إِنَّ الله عهد إلينا} أمرنا فيِ التَّوْرَاة وأوصانا {ألاَّ نؤمن لرسول حَتَّى يأتينا بقربان تأكله النار} أَي: نقرِّب قربانًا، فتنزل نار مِنَ السَّمَاء فتأكله؛ فإن جئتنا بِهِ صدَّقناك؛ والقربان: كلُّ مَا يتقرَّب العبد بِهِ من نسك أو غيره، قد حرَّم الله عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ زكاة أموالهم ولم يحلَّها لغنيٍّ وَلاَ فقير مِنْهُمْ، وإنَّما كا [نوا] يخرجون زكاتهم ويجمعونها، ثُمَّ تنزل عليها نار مِنَ السَّمَاء فتأكلها؛ وهذه دعوى باطلة وافتراء عَلَى الله، لأَنَّ أكل النار القربان سبب لإيمان المرسول الآتي بِهِ، لكونه معجزة؛ فهو إِذن وسائر المعجزات سواء. وكانت القرابين والغنائم لاَ تحلُّ لبَنِي إِسْرَائِيلَ، وكَانُوا إِذَا قرَّبوا أو غنموا غنيمة، جاءت نار بيضاء مِنَ السَّمَاء بلا دخان، ولها دويٌّ ووجيف (2) فتحرق ذَلِكَ القربان وتلك الغنيمة.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 245؛ وتمامها: { ... فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون}. وسورة الحديد: 11؛ وتمامها: { ... فيضاعفه له وله أجر كريم}.
(2) - ... أي لها دويٌّ وسرعة، قال في اللسان: «الوجف سرعة السير. وجف البعير والفرس يجف وجفا ووجيفا: أسرع. والوجيف دون التقريب من السير. الجوهريُّ: الوجيف ضرب من سير الإبل والخيل ... ». ابن منظور: لسان، 6/ 882. (1/199)
صفحة 200
قل: قد جاءكم رسل من قبلي بالبَيِّنَاتِ} بالمعجزات سوى القربان، {وبالذي قلتم} أَي: بالقربان، يعني: قد جاء أسلافكم الذِينَ أَنتُمْ عَلَى ملَّتهم، وراضون بفعلهم؛ {فلِم قتلتموهم} أَي: إن كَانَ امتناعكم عَنِ الإيمان لأجل هَذَا، فلم لم تؤمنوا بالذين أتوا بِهِ؟ ولم قتلتموهم {إن كُنتُمْ صادقِينَ(183)} فيِ قولكم.
{فإن كذَّبوك فقد كُذِّب رسلٌ من قبلك} فإنَّ كذَّبك اليَهُود فلا يهولنَّك، فقد فعلت الأمم بأنبيائها كذلك، {جاءوا بالبَيِّنَات} بالمعجزات الظاهرات، {والزبر} جمع زبور، مِنَ الزبر: وَهُوَ الكتابة، أَي: بالكتب المزبورة، يعني: المكتوبة، واحدها: زبور، مثل رسول ورُسل. {والكتاب المنير(184)} المضيء عند الله، فيكون ذَلِكَ علامة القبول، وإذا لم تقبل بقيت عَلَى حالها وعند المُؤْمِنين.
{ (1/200)
صفحة 201
كلُّ نفس ذائقة الموت} وعد ووعيد للمصدِّق والمكذِّب. {وإِنَّمَا توفَّون أجوركم يوم القيامة} أَي: تُعطَون ثواب أعمالكم عَلَى الكمال يوم القيامة؛ فإنَّ الدُّنْيَا ليست بدار جزاء. {فمن زُحزِح} بُعِّد {عَنْ النار وأدخل الجنَّة فقد فاز} ظفر بالخير، وقيل: فقد حصل لَهُ الفوز المطلق، المتناول لِكُلِّ مَا يقارنه، وَلاَ غاية للفوز وراء النجاة من سخط الربِّ، وعذاب النيران، ونيل رضى الله ونعيم الجنان. {وَمَا الحياة الدُّنْيَا} (ولذَّاتها وشهواتها إِلاَّ متاع الغرور والخداع الذِي لاَ حقيقة لَهُ وَهُوَ المتاع الرديء الذِي يدلَّس بِهِ عَلَى طالبه حَتَّى يشتريه، حَتَّى يتبيَّن لَهُ رداءته؛ والشيطان هُوَ المدلِّس الغرور) (1). {إِلاَّ متاع الغرور (185)} شبَّه الدُّنْيَا بالمتاع الذِي يُدلَّس بِهِ عَلَى المستام (2)، ويُغرُّ حتَّى يشتريه ثُمَّ ينكشف لَهُ فساده ورداءته، فيراه عين اليقين. والشيطان هُوَ المدلِّس الغرور، وَعن سعيد بن جبير: «إنَّما هَذَا لمن آثرها عَلَى الآخِرَة، فأمَّا من طلب الآخِرَة بها فإنَّها متاع بلاغ»، وعن الحسن: «كخضرة النبات، ولعب البنات، لاَ حاصل لها». وقال قتاده: «هِيَ متاع متروكة، ويوشك أن يضمحلَّ بأهلها».
{__________
(1) - ... العبارة التي بين قوسين مكتوبة في الحاشية بخط الناسخ، لكن لم يُحِل إِلَيها في المتن، ووضعناها في المكان المناسب باجتهادنا مع مراعاة المعنى.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المشتري». (1/201)
صفحة 202
لتبلوَّن} لتختبرُّن {فيِ أموالكم} بالإنفاق فيِ سبيل الله، وبما يقع فِيهَا مِنَ الآفات، {وأنفسكم} بالقتل والأسر والجراح، والفرائض البدنيَّة الظاهرة والباطنة، وَمَا يَرِد عليها من أنواع العلل والمصائب والمخاوف، ووسواس الشيطان، {ولَتَسمعُنَّ مِنَ الذِينَ أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني: اليَهُود والنصارى، {ومن الذِينَ [86] أشركوا أذًى كثيرا} كالطعن فيِ الدين، وصدِّ من أَرَادَ الإيمان، وتخطئة من آمن، والسخرية والاستهزاء والهمز واللَّمز والاستخفاف ونحو ذَلِكَ. {وإن تصبروا} عَلَى مَا ابتليتم بِهِ وعلى المكافاة بمثل مَا فعل فيكم، {وتتَّقوا} مخالفة أمر الله، {فإنَّ ذَلِكَ من عزم الأمور(186)} مرجوِّ الأمور وواجباتها، وقال عطاء: «من حقيقة الإيمان». خوطب المُؤْمِنون بذلك ليعلمهم أنَّ الدُّنْيَا ذات عيوب، وليوطِّنوا أنفسهم عَلَى احتمال مَا سيلقون مِنَ الشدائد والصبر عليها، حتَّى إِذَا لقوها وَهُمْ مستعدُّون لاَ يرهقه من تصيبه الشدَّة مِنْهُمْ بغتة فينكرها. ثُمَّ بيَّن لَهُمْ إيجاب التعليم إن أجنح إِلَيْهِ فقال:
{ (1/202)
صفحة 203
وإذ أَخَذ الله ميثاق الذِينَ أوتوا الكتاب لتبيِّنُنَّه للنَّاس وَلاَ تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم} فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم، لم يراعوه ولم يلتفتوا إِلَيْهِ، والنبذ وراء الظهر مثل فيِ الطرح وترك الإعداد؛ وَهُوَ دليل عَلَى أنَّه يجب عَلَى العلماء أن يبيِّنوا الحقَّ للنَّاس وَمَا علموه وأن لاَ يكتموا مِنْهُ شَيْئًا لغرض فاسد، من تسهيل عَلَى الظلمة وتطيُّب لنفوسهم، ولجرِّ منفعة أو دفع مغرم أو لنحلٍّ بالعلم، وفي الحديث: «من كتم علما [عن] أهله أُلجم بلجام من نار» (1) وذلك إِذَا احتيج إِلَيْهِ؛ وقيل: مَا أَخَذ الله عَلَى أهل الجهل أن يتعلَّموا حتَّى أَخَذ عَلَى أهل العلم أن يعلِّموا. {واشتروا بِهِ ثمنا قليلا فبِيسَ مَا يشترُونَ (187)}.
{__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بلفظ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ». وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. الترمذي: سنن، كتاب العلم، رقم 2573. أبو داود: كتاب العلم. ابن ماجه: مقدِّمة. أحمد: مسند باقي المكثرين. العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «لجام من نار». (1/203)
صفحة 204
لاَ تحسبنَّ الذِينَ يفرحون بِمَا أتوا} فعلوا، وقيل: أعطوا عَلَى قراءة: «آتوا»، {ويحبُّون أن يُحمدوا بِمَا لم يفعلوا} قيل: مِنَ النفاق من إِذَا مُدح بشيء ليس فِيهِ فأعجبه، {فلا تحسبنَّهم بمفازة مِنَ العذاب} بمنجاةٍ منه، {ولهم عذاب أليم (188)} روي أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل اليَهُود عَنْ شيء مِمَّا فيِ التَّوْرَاة، فكتموا الحقَّ وأخبروه بخلافه، وأروه أَنَّهُم صدقوا واستحمدوا وفرحوا بِمَا فعلوا، فأطلع الله رسوله عَلَى ذَلِكَ، وسلاَّه بِمَا أنزل من وعيدهم، أَي: لاَ تحسبنَّ اليَهُود الذِينَ يفرحون بِمَا فعلوا من تدلِّيهم عليك، ويحبُّون أن يحمدوا بِمَا لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عمَّا سألتهم عَنْهُ ناجين مِنَ العذاب، وقيل: هم المنافقون يفرحون بِمَا أتوا من إظهار الإيمان للمُسْلِمِينَ وتوصُّلهم بذلك إِلىَ أغراضهم، ويستحمدون إِلَيْهِم بالإيمان الذِي لم يفعلوه عَلَى الحقيقة. وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فَرَح إعجاب، ويحبُّ أن يحمده الناس بِمَا ليس فِيهِ، ويروى عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ يبلغ العبد حقيقة الإيمان حَتَّى لاَ يحِبَّ أن يحمده أحد عَلَى العمل لله» (1).
{ولله ملك السَّمَاوَات والأَرْضِ، وَاللهُ عَلَى كُلِّ شيء قدير (189)}.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة. (1/204)
صفحة 205
إنَّ فيِ خلق السَّمَاوَات والأَرْض واختلاف الليل والنهار لآيات} لأدلَّة واضحة عَلَى صانع قديم عليم حكيم قادر، {لأولي الألباب (190)} لمن خلص عقله عَنِ الهوى خلوص اللُّب عَنِ القشر، فيرى أنَّ العَرَض المحدَث فيِ الجوهر يدلُّ عَلَى حدوث الجواهر، لأَنَّ كلَّ جوهر لاَ ينفكُّ عَنْ عرض حادث، وَمَا لاَ يخلو عَنِ الحادث (1) فهو حادث ثُمَّ حدوثها يدلُّ عَلَى محدِثها، وحسنُ صنعها يدلُّ عَلَى علمه، وإتقانه يدلُّ عَلَى حكمته، [87] وبقاؤه يدلُّ عَلَى قدرته. قَالَ - عليه السلام -: «ويل لمن قرأها ولم يتفكَّر فِيهَا» (2).
{__________
(1) - ... في الأصل جملة: «وما لا يخلو عن الحادث» مكررة.
(2) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة. (1/205)
صفحة 206
الذِينَ يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} قيل: هَذَا فيِ الصلاة قياما عند القدرة، وقعودا ــ قاعدين ــ عند العجز عَنِ القيام، وعلى جنوبهم عند العجز عَنِ القيام والقعود. {ويتفكَّرون فيِ خلق السَّمَاوَات والأَرْض} مَا يدلُّ عليه اختراعُ هَذِهِ الأجرام العظام وإبداعُ صنعتها، وَمَا دبِّر فِيهَا ــ مِمَّا تكلُّ الأفهام عَنْ إدراك بعض عجائبه ــ عَلَى عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه. وقال - عليه السلام -: «لاَ عبادة كالتفكُّر» (1)، وقيل: «الفكرة تذهب الغفلة، وتحدث للقلب الخشية، وَمَا حلِّيت القلوب بمثل الأحزان، وَلاَ استنارت بمثل الفكر». {رَبَّنَا مَا خلقتَ هَذَا باطلا} والمَعنَى: مَا خلقته عبثا من غير حكمة بَلْ خلقته لحكم عظيمة، من جملتها أن يكون مبدأً لوجود الإنسان وسببا لمعاشه، ودليلا يدلُّه عَلَى معرفتك، ويحثُّه عَلَى طاعتك، لينال الحياة الأبديَّة، والسعادة السرمديَّة إن أطاعك، ويستحقُّ العقاب إن عصاك. {سبحانك} تنزيها لك عَنِ الوصف بخلق الباطل، {فَقِنَا عذاب النار (191)} كأَنَّهُم قَالُوا مَا خلقت الخلق إِلاَّ ليعبدوك، ويوحِّدوك ثُمَّ ليعادوا للجزاء إمَّا للثواب وَإِمَّا للعذاب.
{رَبَّنَا إِنَّكَ من تدخل النار فقد أخزيته} أهنته أو هلكته أو فضحته، {وَمَا للظَّالمين من أنصار (192)} ينصرونهم من عذابك.
{رَبَّنَا إنَّنا سمعنا مناديا} هُوَ الرسول - عليه السلام -، أو القرآن، أو كلُّ دليل كَانَ من حجَّة العقل أو غيره، {ينادي للإيمان} لأجل الإيمان {أن آمنوا برَبِّكُم فآمنا رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذنوبنا} كبائرنا، {وكفِّر عنا سَيِّئَاتنا} صغائرنا، {وتوفَّنا مَعَ الأبرار (193)} مخصوصين بصحبتهم، معدودين فيِ جملتهم.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة. (1/206)
صفحة 207
رَبَّنَا وآتنا مَا وعدتنا عَلَى رُسلك} كأَنَّهُم سألوه التوفيق فيما يحفظ عَلَيْهِم أسباب إنجاز الميعاد، {وَلاَ تخزنا يوم القيامة إِنَّكَ لاَ تخلف الميعاد (194)}.
{فاستجاب لَهُمْ ربُّهم أَنِّي لاَ أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، بعضكم من بعض، فالذِينَ هاجروا وأُخرِجوا من ديارهم وأوذوا فيِ سبيلي} بسبب إيمانهم بالله، {وقاتَلوا} جاهدوا {وقُتلوا} واستشهدوا، {لأكفِّرنَّ عَنْهُمْ سيِّئاتهم ولأدخلنَّهم جَنَّات تجري من تحتها الأنهار، ثوابا من عند الله وَاللهُ عنده حسن الثواب (195)} أَي: لاَ يقدر عَلَى الثواب الحقيقي غيره.
{لاَ يغرَّنَّك تقلُّب الذِينَ كَفَرُوا فيِ البلاد (196)} والمَعنَى: لاَ تنظر إِلىَ مَا الكفرة عليه مِنَ السعة والحظِّ وصِحَّة الأبدان وقوَّتها، وَلاَ تغترَّ بظاهر مَا ترى من تبسُّطهم فيِ مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم، {متاع قليل} قليل من جنب مَا فاتهم من نعيم الآخِرَة، أو فيِ جنب مَا أعدَّ الله للمُؤْمِنين مِنَ الثواب، أو أَرَادَ أنَّه قليل فيِ نفسه لانقضائه، وكلُّ زائل قليل، وروي أنَّه - عليه السلام - قَالَ: «مَا الدُّنْيَا فيِ الآخِرَة، إِلاَّ مثل مَا يجعل أحدكم إصبعه فيِ اليمِّ» (1). {ثمَّ مأواهم جهنَّم وبِيسَ المهاد (197)} وساء مَا مهَّدوا لأنفسهم.
{لكن الذِينَ اتَّقُوا ربَّهم لَهُمْ جَنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فِيهَا نُزلا} النزل: مَا يقام للنَّازل، {من عند الله، وَمَا عند الله خير للأبرار (198)} مِمَّا ينقلب فِيهِ الفجَّار مِنَ القليل الزائل، أَي: لاَ بقاء لتمتُّعهم، لكن ذَلِكَ للذين اتَّقَوا.
{__________
(1) - ... رواه مسلم في كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها، رقم 5101؛ والترمذيُّ في كتاب الزهد، رقم 2245؛ وأحمد في مسند الشاميِّين من عدَّة طرق، وكلُّهم عن المستورد بن شداد. (1/207)
صفحة 208
وإنَّ من أهل الكتاب لَمَن يؤمن بالله وَمَا أُنزل إليكم} مِنَ القرآن، {وَمَا أُنزل إِلَيْهِم} مِنَ الكتابين [88]، {خاشعين لله، لاَ يشترون بِآيَاتِ الله ثمنا قليلا} دنيا فانية، {أُوْلَئِكَ لَهُمْ أجرهم عند ربِّهم إِنَّ الله سريع الحساب (199)} لنفوذ علمه فيِ كلِّ شيء.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اصبروا} عَلَى الدين وتكاليفه، وَلاَ تَدَعوه لشدَّةٍ وَلاَ رخاءٍ؛ والصبر: حبس النفس عَنِ المكروه، {وصابروا} أعداء الله من جنٍّ وإنس عَلَى الجهاد، لاتكونوا أقلَّ مِنْهُمْ صبرا، {ورابطوا} أنفسكم عَلَى الطاعة كما قَالَ - عليه السلام -: «من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة» (1)، وقيل: داوموا واثبتوا، {واتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحُونَ (200)} واتَّقُوه بالتبرُّء عمَّا سواه، لكي تفلحوا غاية الفلاح، واتَّقُوا القبائح لَعَلَّكُمْ تفلحون بنيل المقامات الثلاث المرتَّبة التِي هِيَ: الصبر عَلَى مضض الطاعات، ومصابرة النفس فيِ رفض العادات، ومرابطة الشرِّ عَلَى جناب الحقِّ، لترصُّد الواردات المعبَّر عنها بالشريعة والطريقة والحقيقة.
سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... رواه الربيع عن أنس بن مالك بلفظ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلىَ الْمَسَاجِدِ وَانتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» قَالَهَا ثَلاَثًا. كتاب الطهارة، باب [16] في فضائل الوضوء، رقم 98. ورواه مسلم؛ والترمذيُّ؛ والنسائي وكلُّهم في كتاب الطهارة؛ وأحمد في باقي مسند المكثرين؛ ومالك في الموطَّإ، كتاب النداء للصلاة. (1/208)
صفحة 209
يا أَيُّهَا الناس اتَّقُوا ربَّكم الذي خلقكم من نفس واحدة} فرَّعكم من أصل واحد، {وخلق منها زوجها وبثَّ} ونشر {منهما رجالا كثيرا ونساء} وذلك مِمَّا يدلُّ على القدرة العظيمة، ومن قَدر على نحوه كان قادرا على كلِّ شيء؛ ومن المقدورات عقاب الكفَّار، فالنظر فيه يؤدِّي إلى أن نتَّقي القادر عليه، ونخشى عقابه، ولأَنَّهُ يدلُّ على النعمة السابغة عليهم، فحقُّهم أن يتَّقوه في كفرانها. {واتَّقُوا الله الذي تسَّاءلون به والأرحام} واتَّقُوا الأرحام أن تقطعوها؛ المعنى: أَنَّهُم كانوا يقرُّون بِأَنَّ لهم خالقا، وكانوا يتساءلون بذكر الله والرحم، فقيل: لهم اتَّقوا ربَّكم الذي خلقكم، واتَّقُوا الذي تتناشدون بِهِ، واتَّقُوا الأرحام فلا تقطعوها، واتَّقُوا الله الذِي تتعاطفون باذِّكاره (1) وادِّكَار الرحم؛ وفي هَذَا أنَّ صلة الرحم من الله بمكان. {إنَّ الله كان عليكم رقيبا (1)}.
{وآتوا اليتامى أموالَهم} بعد بلوغهم واستئناس رشدهم، {ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيِّب} ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم، {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} أي: مضافة إلى أموالكم. وَالمَعنَى: ولا تضمُّوها إليها في الإنفاق حتَّى لا تفرِّقوا بين أموالكم وأموالهم، قلَّة مبالاة [و] تسوية بينه وبين الحلال. قال أبو سعيد: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}، يعني مع أموالكم، {إِنَّهُ كان حوبا كبيرا (2)} ذنبا عظيما.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بادِّكاره»، بالدال المهملة، وأصلها من فعل: «اذتكر»، عَلَىوزن “افتعل”، أدغمت الذال في التاء، وقلبت دالاً، ومثل ذلك قوله تعالى: {فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ}. سورة القمر: 15، 22 ... (1/209)
صفحة 210
وإن خفتم أَلاَّ تقسطوا} أي: لاَ تعدلوا، أقسِطْ: أي اِعدِلْ، {فيِ اليتامى فانكحوا مَا طاب لكم مِنَ النساء} انكحوا مقدارا يمكنكم الوفاء بحقِّه، لأَنَّهُ لاَ يطيب مَا لاَ يقام بحقِّه، {مثنى وثُلاثَ ورُباع؛ فإن خفتم أَلاَّ تعدلوا} بين هَذِهِ (1) الأعداد، {فوَاحِدَةً أو مَا مَلكت أيمانكم} إن خفتم ألاَّ تقوموا بحقِّ الوَاحِدَة، {ذَلِكَ أدنى أَلاَّ تعولوا (3)} أي: أقرب من أن لاَ تميلوا وَلاَ تجوروا، وقيل: أَن لاَ تكثر (2) عيالكم، لأَنَّ من كثر عياله لزمه عولهم؛ وفي ذَلِكَ مَا تصعب عليه المحافظة عَلَى حدود الورع، وكسب الحلال، وقيل: لَعَلَّ المراد بالعيال الأزواج، وإن أريد الأولاد فلأنَّ التسرِّي مظنَّة قلَّة الولد، بالإضافة إِلىَ التزوُّج لجواز العزل فِيهِ، كتزوُّج وَاحِدَة بالإضافة إِلىَ تزوُّج الأربع!! هذا عن البيضاويِّ.
{وآتوا النساء صَدُقاتِهنَّ نِحلَةً} أي: أعطوهنَّ مهورهنَّ عَن طيبة أنفسكم، {فإن طبن لكم عَن شيء مِنْهُ نفسا} فإن وهبن لكم شَيْئًا مِنَ الصداق، طيِّبات نفوسهنَّ بِهِ، غير مضطرَّات [89] إِلىَ الهبة من سوء أخلاقكم ومعاشرتكم، أو لاَ مخدوعات، وفي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى ضيق المسلك فيِ ذَلِكَ، ووجوب الاحتياط حيث بُني الشرط عَلَى طيب النفس، فقيل: {فإن طبن لكم عَن شيء مِنْهُ نفسا} ولم يقل: «فإن وهبن». إعلاما بِأَنَّ المراعَى هُوَ تجافي نفسها. {فكلوه هنيئا} لاَ إثم فِيهِ، {مريئا (4)} لإذاقته (3)؛ أو هنيئا فيِ الدُّنْيَا بلا مطالبة، مريئًا فيِ العقبى بلا تبعة، وهما صفتان، من هَنُؤَ الطعام ومرئه: إِذَا كَانَ سائغا لاَ تنغيص فِيهِ، وهذه عبارة عَن المبالغة فيِ الإباحة وإزالة التبعة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «هذا»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تكثروا».
(3) - ... في الأصل كلمة غير واضحة رسمها: «لابأفته»، أو «لادأفته»، وأثبتناها حسب اجتهادنا. (1/210)
صفحة 211
وَلاَ تؤتوا السفهاء أموالكم} فقد قيل ذَلِكَ فيِ النساء والصبيان، لاَ يملكون مَا يكون بِهِ العون عَلَى الطاعة مِنَ الأموال، فيبذِّرونها ويتلفونها؛ فيكون ذَلِكَ ضياعا فيِ المال. وسمَّاهم سفهاء استخفافا لعقلهم، واستهجانا لجهلهم. {التِي جعل الله لكم قياما} أي: قواما لأبدانكم ومعاشا لأهلكم وأولادكم وأنموذجا لدينكم، وقيل: المال سلاح المؤمن. وفي المعنى: يخرج ذَلِكَ فيِ الوارث إِذَا لم يؤدِّ لوازمه من ماله وخلف لوارثه، لأَنَّهُ إِذَا منع إتيانه فيِ حياته فأولى بالمنع بعد موته؛ {وارزقوهم فِيهَا} أي: أطعموهم واكسوهم لمن يجب عَلَيْكُم رزقه ومؤنته، أو المعنى: الصدقة لمن لاَ تجب لَهُ. {واكسوهم وقولوا لَهُم قولا معروفا (5)} عذرا عَن تسليم مَا يطلبون، وكلُّ مَا سكنت إِلَيْهِ النفس لحسنه عقلا أو شرعًا من قول أو عمل فهو معروف؛ وَمَا أنكرته لقبحه فهو منكر.
{وابتلوا اليتامى} اختبروا عقولهم، وذوقوا [كَذَا] أحوالهم ومعرفتهم بالتصرُّف، {حتىَّ إِذَا بلغوا النكاح} أي: الحلم، لأَنَّهُ يصلح للنكاح عنده ولطلب مَا هُوَ مقصود بِهِ وَهُوَ التوالد. {فإن آنستم مِنْهُم} تبيَّنتم، {رشدا} هداية فيِ التصرُّفات، وصلاحا فيِ المعاملات؛ {فادفعوا إِلَيْهِم أموالهم} من غير تأخير وتبكير؛ الرشد يُبَيِّنُ أنَّ المراد رشد مخصو [ص]، وَهُوَ الرشد فيِ (لَعَلَّهُ) التصرُّفات والتجارة، وقيل: الرشد فيِ الدين. أمر بدفع المال إِلَيْهِم بعد البلوغ واستئناس الرشد. {وَلاَ تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} وَلاَ تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم، {ومن كَانَ غنيًّا؛ فليستعفِفْ ومن كَانَ فقيرا، فليأكل بالمعروف؛ فإذا دفعتم إِلَيْهِم أموالهم فأشهدوا عليهم} بأَنَّهُم (1) قبضوها فإِنَّهُ أنفى للتُّهمة، وأبعد مِنَ الخصومة ووجوب الضمان، {وكفى بالله حسيبا (6)} محاسبا ومجازيا وشاهدا.
{__________
(1) - ... في الأصل: + «بأنَّهم»، وهو خطأ. (1/211)
صفحة 212
للرجال نصيب مِمَّا ترك الوالدان والأقربون، وللنِّساء نصيب مِمَّا ترك الوالدان والأقربون} هم المتوارثون من ذوي القربات (1) دون غيرهم. {مِمَّا قلَّ مِنْهُ (2) أو كثُرَ} كَانَ قليلا مَا تركوا أو كثيرا، {نصيبا مفروضا (7)} مقطوعا.
{وإذا حضر القسمة} أي: قسمة التركة، {أولو القربى} مِمَّن لاَ يرث، {واليتامى والمساكين} مِنَ الأجانب، {فارزقوهم} فأعطوهم {مِنْهُ} مِمَّا ترك الوالدان والأقربون، قيل: هُوَ ندب لم ينسخ، وقيل: كَانَ واجبا ثُمَّ نسخ بِآيَةٍ الميراث. وفي الجامع فيِ تأويل قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم مِنْهُ} يقول للورثة: أعطوهم مِنْهُ، ثُمَّ يقسم وليس شيء مؤقَّت (3)، نسختها آية الميراث، {وقولوا لَهُم قولا معروفا (8)} عذرا جميلا وعدَة حسنة.
{وليخش الذِينَ لو تركوا من خلفهم ذُرِّيَّة ضعافا خافوا عليهم؛ فليتَّقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9)} قيل: المراد بهم الأوصياء، أُمروا بأن يخشوا الله، فيخافوا عَلَى من فيِ حجورهم مِنَ اليتامى، فيشفقوا عَلَيْهِم خوفهم عَلَى ذرِّيَّتهم [90] لو تركوهم ضعافا، وأن يقدِّروا ذَلِكَ فيِ أنفسهم ويصوِّروه حتَّى لاَ يجسروا عَلَى خلاف الشفقة والرحمة، لأَنَّهُ «كما تدين تدان»، والقول السديد قول: لاَ إله إِلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله وَمَا جاء بِهِ فهو الحقُّ وَهُوَ صفة تقوى الله.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «القرابات».
(2) - ... في الأصل: - «منه»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، والعبارة المنقولة غير واضحة. (1/212)
صفحة 213
إنَّ الذِينَ يأكلون أموال اليتامى ظلما إِنَّمَا يأكلون فيِ بطونهم نارا} أي: يأكلون مَا يجرُّ إِلىَ النار فكأَنَّهُ نار، روي أَنَّهُ: «يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فِيهِ وأذنيه، فيعرف الناس أَنَّهُ كَانَ يأكل مال اليتيم فيِ الدُّنْيَا». {وسيصلون} أي: سيدخلون. يقولون: صلى النار: قاسى حرَّها، وصليته: شويته، وأصليته فصليته: ألقيته فِيهَا، {سعيرا (10)} نارا مِنَ النيران.
{يوصيكم الله} يعهد إليكم ويَأْمُرُكم ويفرض عَلَيْكُم لأَنَّ الوَصِيَّة ... (1) أمرٌ وفرضٌ، {فيِ أولادكم} فيِ شأن ميراثهم، وقيل: فيِ ميراثهم وعطيَّتكم لَهُم فيِ الحياة. {للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين؛ فإن كنَّ نساء فوق اثنتين، فلهنَّ ثلثا مَا ترك؛ وإن كَانَت وَاحِدَة فلها النصف، ولأبويه لِكُلِّ وَاحِد منهما السدس مِمَّا ترك إن كَانَ لَهُ ولد؛ فإن لم يكن لَهُ ولد وورثه أبواه فلأمِّه الثلث؛ فإن كَانَ لَهُ إخوة فلأمه السدس، من بعد وَصِيَّة يوصي بها أو دين، آباؤكم وأبناؤكم لاَ تدرون أيُّهم أقرب لكم نفعا} المعنى: فرض الله الفرائض عَلَى مَا هُوَ عنده حكمة، ولو وكَّل ذَلِكَ إليكم لم تعلموا أيَّهم لكم أنفع؛ فوضعتم أَنتُم الأموال عَلَى غير حكمة؛ والتفاوت فيِ السهام بتفاوت المنافع، وأنتم لاَ تدرون تفاوتها فتولىَّ الله ذَلِكَ فضلا مِنْهُ، ولم يكلها إِلىَ اجتهادكم لعجزكم عَن معرفة المقادير، {فريضة مِنَ الله إِنَّ الله كَانَ عليما} بالأشياء قبل خلقها، {حكيما (11)} فيِ كلِّ مَا فرض وقسم مِنَ المواريث وغيرها.
{__________
(1) - ... ثلاث كلمات غير واضحة، رسمها: «بوا منه لعل»، والمعنى كامل بدونهما. (1/213)
صفحة 214
ولكم نصفُ مَا ترك أزواجكم إن لم يكن لهنَّ ولد؛ فإن كَانَ لهنَّ ولد فلكم الربع مِمَّا تركن من بعد وَصِيَّة يوصين بها أو دين؛ ولهنَّ الربع مِمَّا تركتم إن لم يكن لكم ولد؛ فإن كَانَ لكم ولد فلهنَّ الثمن مِمَّا تركتم، من بعد وَصِيَّة توصون بها أو دين؛ وإن كَانَ رجل} يَعنِي: المَيِّت وَهُوَ اسم “كَانَ”، أي: وإن كَانَ رجل موروث مِنْهُ كلالة، أو {يورث} خبر كَانَ، و {كلالةً} حال مِنَ الضمير فيِ “يورَث”، والكلالة: تنطلق (1) عَلَى من لم يخلِّف ولدا وَلاَ والدا، وعلى من ليس بولد وَلاَ والد مِنَ المخلَّفين، وَهُوَ فيِ الأصل مصدر بمعنى الكلالة: وَهُوَ ذهاب القوَّة؛ {أو امرأةٌ} عَلَى رجل، {وَلَهُ أخ أو أخت فلكلِّ وَاحِد منهما السدس؛ فإن كَانُوا أكثر من ذَلِكَ فَهُم شركاء فيِ الثلث من بعد وَصِيَّة يوصى بها أو دين، غير مضارٍّ} لورثته بوصيَّته، {وَصِيَّةً مِنَ الله} لعباده، {والله عليمٌ} بمن جار أو عدل فيِ وصيَّته، {حليم (12)} لاَ يعاجل بالعقوبة.
{تلك} إشارة إِلىَ الأحكام التِي ذكرت فيِ باب اليتامى والوصايا والمواريث. {حدود الله} سمَّاها حدودا لأَنَّ الشرائع الحدود المضروبة للمكلَّفين، لاَ يجوز لَهُم أن يتجاوزوها، {ومن يطع الله} فيِ مَا حدَّ و فرض؛ {ورسوله} فيما سنَّ، {يدخله جَنَّات تجري من تحتها الأَنهار خالدين فِيهَا وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله، ويتعدَّ حدوده يدخله نارا خالدا فِيهَا، وَلَهُ عذاب مهِينٌ (14)} لهوانه عند الله.
{واللاتي} جمع التِي، {يأتين الفاحشة} بالزنا لزيادتها فيِ القبح عَلَى كثير مِنَ القبائح {من نسائكم [91] فاستشهدوا عليهنَّ أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن فيِ البيوت} فاحبسوهنَّ، {حتىَّ يتوفَّاهنَّ الموت، أو يجعلَ الله لهنَّ سبيلا (15)} قيل: السبيل الحدُّ فيِ حقِّ البكر بالجلد والتغرُّب، وفي الثيِّب بالرَّجم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «تُطلق». (1/214)
صفحة 215
واللَّذان} يريد الزاني والزانية، {يأتيانها منكم} أي: الفاحشة، {فآذوهما} بالتوبيخ والتعيير، وقولوا لهما: أما استحييتما مِنَ الله؟!، أما خفتما الله؟!، وَهُوَ تخوُّفهما (1) الله وعقوبتهما، عسى أنَّ يتوبا فيكون داعيا إِلىَ الله وإلى دينه. {فإن تابا وأصلحا} مَا فسدا (2) وهدما من منار الإسلام، {فأعرضوا عَنْهُما} فاقطعوا التوبيخ والمذمَّة، لأَنَّهُما صارا فيِ حال مَا يستحقَّان بِهِ المدح. {إنَّ الله كَانَ توَّابا (3) رحيما (16)} يقبل توبة التائب ويرحمه؛ فاقبلوا توبته وترحَّموا عليه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تخويفهما».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ما أفسدا».
(3) - ... في الأصل: «ثوابا»، وهو خطأ. (1/215)
صفحة 216
إِنَّمَا التوبة} هِيَ مِن “تابَ اللهُ عليه” إِذَا قبل توبته، أي: إِنَّمَا قبولها {عَلَى الله}، وليس المراد بِهِ الوجوب، إذ لاَ يجب عَلَى الله شيء، ولكنَّه تأكيد للوعد، يعني أن يكون لاَ محالة كالواجب الذِي لاَ يترك. {للذين يَعْمَلُونَ السوء} الذنب، لأَنَّهُ تسوء عاقبة فاعله ومرتكبه، {بجهالة} أي: يَعْمَلُونَ (1) السوء جاهلين سفهاء، لأَنَّ ارتكاب القبيح يدعو إِلىَ السفه. وقيل: من عصى الله فهو جاهل حتَّى ينزع عَن جهالته، وقيل: جهالته اختياره اللَّذة الفانية عَلَى اللَّذة الباقية، وقيل: لم يجهل أَنَّهُ ذنب ولكن جهل كنه عقوبته. {ثُمَّ يتوبون من قريب} وَهُوَ قبل معاينة أحوال الموت؛ {فأولئك يتوب الله عليهم} وعد وإعلام بِأَنَّ الغفران كائن لاَ محالة، مهما كَانَت التوبة فيِ ذَلِكَ الوقت لأَنَّها تكون باختيار العبد لا اضطرارًا (2)، حتَّى يعاين أحوال الهلاك، فإذا تاب فيِ ذَلِكَ الحين فإِنَّها تكون اضطرارًا (3). {وكَانَ الله عليما} بعزمهم عَلَى التوبة، {حكيما (17)} حَكَمَ بِأَن يكون الندمُ توبةً.
{وليست التوبة للذين يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حضر أحدَهم الموتُ قَالَ: إِنِّي تبت الآن} أي: وَلاَ توبة للذين يذنبون ويسوِّفون توبتهم إِلىَ أن يزول حال التكليف، بحضور أسباب الموت لأَنَّهُا توبة اضطرار، وَلاَ تصحُّ التوبة إِلاَّ لمختار لأَنَّهُا عمل، {وَلاَ الذِينَ يموتون وَهُم كُفَّار} قيل: هم المشركون والمنافقون. {أُولَئِكَ أعتدنا لَهُم عذابا أليما (18)} هيَّأنا، مِنَ العتيد وَهُوَ الحاضر.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يعلمون»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «لاضطرارا»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... في الأصل: «اضطرار»، وَهُوَ خطأ، فهو خبرُ “تكون” منصوبٌ. (1/216)
صفحة 217
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ يحلُّ لكم أن ترثوا النساء كرها، وَلاَ تعضلوهنَّ لتذهبوا ببعض مَا آتيتموهنَّ} وَهُوَ أن يعاضلها (1) بسوء العشرة لتفتدي مِنْهُ. قيل: كَانَ الرجل إِذَا تزوَّج امرأة ولم تكن من حاجته، حبَسَهَا مَعَ سوء العشرة ليرثها، أو لتفتدي مِنْهُ بمالها وتختلع، كما يفعله بعض الجهلة فيِ بعض أزواجهم ليرثها. وقيل: كَانَ وارث الرجل يرث زوجته أَيْضًا وإن كرهت، فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ يحلُّ لكم أن ترثوا النساء كرها}. {إِلاَّ أن يأتين بفاحشة} إِلاَّ أن تكون سوء العشرة من جهتهنَّ فقد عُذِر فيِ قبول الفدية. {مبيِّنة، وعاشروهنَّ بالمعروف} وَهُوَ الإنصاف فيِ المبيت والنفقة والإجمال فيِ القول ورفع الأذى، {فإن كرهتموهن} من قِبل اختلاف القلوب والأحوال؛ {فعسى أن تكرهوا شَيْئًا ويجعل الله فِيهِ} ذَلِكَ الشيء أو فيِ الكره، {خيرا كثيرا (19)} قيل المعنى: فإن كرهتموهنَّ فلا تفارقوهنَّ لكراهة الأنفس [92] وحدها، وليكن نظركم إِلىَ مَا هُوَ أصلح للدِّين وأدنى إِلىَ الخير، وَالمَعنَى: فإن كرهتموهنَّ فاصبروا عليهنَّ وإن كَانَ أسلم للدِّين وعسى فِيهِ الخير لقوله: {وعسى (2) أن تكرهوا شَيْئًا وَهُوَ خير لكم} (3) وليكن السعي للنظر فيِ أسباب الصلاح.
{وإن أردتم استبدال زوج مكَانَ زوج} إن أوجب النظر ذَلِكَ وكَانَ أصلح لأسباب الدين، {وآتيتم إحداهنَّ قنطارا} مالا؛ {فلا تأخذوا مِنْهُ شَيْئًا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20)} بيِّنا.
{__________
(1) - ... يمكن أن نقرأ: «يعاملها».
(2) - ... في الأصل: «فعسى»، وهو خطأ.
(3) - ... سورة البقرة: 216. (1/217)
صفحة 218
وكيف تأْخُذونه، وقد أفضى بعضكم إِلىَ بعض} أي: خلا بلا حائل، {وأَخَذن منكم ميثاقا غليظا (21)} وَهُوَ الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، وَاللهُ أَخَذ هَذَا الميثاق عَلَى عباده لأجله فهو كأَخذِهنَّ، أو قول النبيِّ - عليه السلام -: «استوصوا بالنساء خيرا؛ فإِنَّهُنَّ عوان فيِ أيديكم، أَخَذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله» (1).
{وَلاَ تنكحوا مَا نكح آباؤكم مِنَ النساء إِلاَّ مَا قد سلف، إِنَّهُ كَانَ فاحشة ومقتا} قيل: بغضا، {وساء سبيلا (22)} وبِئسَ الطريق طريقا.
{__________
(1) - ... دَمَج المصنِّف حديثين في حديث واحد:
... الأَوَّل: « ... وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ؛ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء؛ وكتاب النكاح. مسلم: كتاب الرضاع. الترمذي: كتاب الرضاع؛ وكتاب تفسير القرآن. ابن ماجه: كتاب النكاح. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «استوصوا بالنساء».
... الثاني: ما ورد في حجَّة الوداع: « ... فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ ... » مسلم: كتاب الحج، رقم 2137. أبو داود: كتاب المناسك، رقم 1628. ابن ماجه: المناسك، رقم 3065. أحمد: مسند البصريِّين، رقم 19774. الدارمي: كتاب المناسك، رقم 1778. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «أخذتموهنَّ بأمان الله». (1/218)
صفحة 219
حُرِّمت عَلَيْكُم أمَّهاتكم وبناتُكم وأخواتكم وعمَّاتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمَّهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم مِنَ الرَّضاعة، وأمَّهات نسائكم، وربائبكم اللاتي فيِ حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنَّ، فإن لم تكونوا دخلتم بهنَّ فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذِينَ من أصلابكم، وأن تجمعوا بين الأختين إِلاَّ مَا قد سلف إنَّ الله كَانَ غَفُورا رحيما (23)} قيل: إنَّ أهل الجاهليَّة كَانُوا يعرفون هَذِهِ المحرمات إِلاَّ نكاح امرأة الأب، والجمع بين الأختين، ولذا قَالَ فيهما: {إِلاَّ مَا قد سلف}.
{والمحصنات مِنَ النساء} قيل: المتزوِّجات، لأَنَّهُنَّ أحصنَّ فروجهنَّ بالتزوُّج، كأَنَّهُنَّ جعلن عليها حصنا لئلاَّ يستباح سلطان الشهوة. {إِلاَّ مَا ملكت أيمانكم كِتَاب الله عليكم} أي: كتب الله ذَلِكَ كِتَابًا عَلَيْكُم وفرضه فرضه (1). {وأحلَّ لكم مَا وراء ذلكم} سوى مَا حرَّم، {أن تبتغوا بأموالكم محصنين} متعفِّفين {غير مسافحين} لئلاَّ تضيِّعوا أموالكم، وتفقروا أنفسكم فيِ مَا لاَ يحلُّ لكم؛ فتخسروا دنياكم ودينكم، والإفساد أعظم مِنَ الجمع بين الخسرانين؛ والإحصان: العفَّة وتحصين النفس مِنَ الحرام؛ والمسافح: الزاني، مِنَ السفح وَهُوَ صبُّ المنيِّ. {فما استمتعتم} مَا أنفقتم وتلذَّذتم بالجماع مِنَ النساء بالنكاح الصحيح، {بِهِ منهنَّ فآتوهن أجورهنَّ فريضة} أي: فرض ذَلِكَ فريضة، {وَلاَ جناح عَلَيْكُم فيما تراضيتم بِهِ من (2) بعد الفريضة} فيما تحطُّ عَنْهُ مِنَ المهر، أو تهب لَهُ. {إنَّ الله كَانَ عليما} بالأشياء قبل خلقها، {حكيما (24)} فيما فرض من عقد النكاح الذِي بِهِ حفظت الأنساب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: - «فرضه»، أو يصحَّح: «فرضًا».
(2) - ... في الأصل: - «من»، وَهُوَ خطأ. (1/219)
صفحة 220
ومن لم يستطع منكم طولا} فضلا، يقال لفلان: عليَّ طَول أي: عليَّ فضل، {أن يَنكح المحصنات المؤمنات} الحرائر المسلمات، {فمِن مَا ملكت أَيْمَانكم من فتياتكم المؤمنات} أي: فينكح مملوكة مِنَ الإماء المسلمات، {والله أعلم بإيمانكم} فِيهِ تنبيه عَلَى قبول ظاهر إيمانهنَّ. {بعضكم من بعض} أي: (1) لاَ تستنكفوا من نكاح الإماء، فكلُّكم بنوا آدم، وَهُوَ تحذير عَن التعيير بالأنساب والتفاخر بالأحساب.
{فانكحوهن بإذن أهلهنَّ} مواليهنَّ (2)، {وآتوهنَّ أجورهنَّ بالمعروف} وأدُّوا إِلَيْهِنَّ مهورهنَّ بغير مطل وضرار، {محصنات} عفائف، {غير مسافحات} زوانٍ علانيَّة، {وَلاَ متَّخذات [93] أخدان} زوان سرَّا، والأَخدان: الأخلاَّء فيِ السرِّ. {فإذا أُحصنَّ} بالتزويج، {فإن أتين بفاحشة} زنا، {فعليهنَّ نصف مَا عَلَى المحصَنات} أي: الحرائر، {من العذاب} مِنَ الحدِّ. {ذَلِكَ لمن خشيَ العَنَتَ منكم} لمن خاف الإثم الذِي يؤدِّي إِلَيْهِ غلبة الشهوة؛ وأصل العنت: انكسار العظم بعد الجبر؛ واستعير لِكُلِّ مشقَّة وضرر، وَلاَ ضرر أعظم من مواقعة الإثم؛ وعن ابن عبَّاس: «هُوَ الزنا، لأَنَّهُ سبب الهلاك». {وأن تصبروا} أي: وصبركم عَلَى نكاح الإماء، {خير لكم}، لأَنَّ فِيهِ إرقاق الولد، وفي الحديث: «الحرائر صلاح البيت، والإماء (3) هلاك البيت» (4)، {والله غَفُور} يستر المحفوظ، {رحيم (25)} يكشف المحذور.
{__________
(1) - ... في الحاشية: «والأعضاء عن البواطن»، ولم يظهر محلُّها من المتن، إذ لم يُحِل إِلَيها.
(2) - ... في الأصل: «موالهنَّ»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «لاماء»، وهو خطأ.
(4) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة. (1/220)
صفحة 221
يريد الله ليبيِّن لكم} مَا هُوَ خفيٌّ عَلَيْكُم من مصالحكم، وأفاضل أعمالكم، وَمَا يقرِّبكُم إِلَيْهِ، {ويهديكم سُنن الذِينَ من قبلكم} وأن يهديكم مناهج من كَانَ قبلكم مِنَ الأنبياء والصالحين، والطرق التِي سلكوها فيِ دينهم، لتقتدوا بهم، {ويتوب عليكم} ويوفِّقكم للتَّوبة عمَّا كُنتُم عليه مِنَ الخلاف، {والله عليم} بمصالح عباده، {حكيم (26)} فيما شرع لَهُم.
{والله يريد أن يتوب عليكم} إرادة علم وأمر، لأَنَّ الله فرض عَلَى جميع المذنبين أن يتوبوا إِلَيْهِ، خلاف المتتبِّعين للشهوات، كما قَالَ: {ويريد الذِينَ يتَّبعون الشهوات}، يعمُّ جميع أهل الباطل؛ {أن تميلوا ميلا عظيما (27)} يَعنِي: الفجرة، فإنَّ اتِّباع الشهوات الاِئتمار لها، وَأَمَّا المتعاطي لما سوَّغه الشرع منها دون غيره فهو متَّبع لَهُ فيِ الحقيقة لاَ لها، والميل: هُوَ الميل عَن القصد للحقِّ، وَلاَ ميل أعظم مِنْهُ، بمساعدتهم وموافقتهم عَلَى اتِّباع الشهوات.
{يريد الله أن يخفِّف عنكم} أي: يسهِّل عَلَيْكُم فيِ أحكام الشرع مؤنه سهلة بإحلال نكاح الأمَة وغيره والرخص. {وخُلق الإنسان ضعيفا (28)} لاَ يصبر عَن الجماع، يُحتمَل هَذَا الوصف لجنس الكافر كما قَالَ: {والعصر إنَّ الإنسان لفي خسر} (1) لأَنَّ من أيَّده الله ببصيرة لاَ يكون ضعيفا، لأَنَّ من خفَّف الله عَلَيه لاَ يجوز إِلاَّ أن يكون قويًّا، لِمَا يسَّره (2) الله لَهُ وخفَّفه عليه، ولكنَّ جميع الشهوات مؤتيها حقيقةً فيِ حقِّ المطيعِ وجميعِ العصاة ضعفاءُ عَن المخالفة للشهوات، لقوله: {ويريد الذِينَ يتَّبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} لاَ يصبر عَن الجماع.
{__________
(1) - ... سورة العصر: 1 - 2.
(2) - ... في الأصل: «سره»، وَهُوَ خطأ. (1/221)
صفحة 222
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} بما لم تُتِحْه الشريعة، {إِلاَّ أن تكون تجارة عَن تراض منكم} إِلاَّ مَا صحَّ بِهِ [عن] طيبة النفس؛ والتراضي: رِضى المتبايعَيْن. {وَلاَ تقتلوا أنفسكم} من كَانَ من جنسكم مِنَ المؤمنين، لأَنَّ المؤمنين كنفس وَاحِدَة، أو لاَ يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة؛ أو لاَ تتَّبعوا هواها فتقتلوها؛ أو لاَ ترتكبوا مَا يوجب القتل، وكل ذَلِكَ يخرج بِالْحَقِّ وللحقِّ وفي الحقِّ. {إنَّ الله كَانَ بكم رحيما (29)} ولرحمته بكم نبَّهكم عَلَى مَا فِيهِ صيانة أموالكم وبقاء أبدانكم لعبادته.
{ومن يفعل ذَلِكَ عدوانا وظلما فسوف نُصليه نارا، وكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يسيرا (30)} قَالَ أبو سعيد: «فموافقة الظلم والعداون لِمَا يخرج عَلَى غير وجه الرضى وتعارف المتعارفين فيِ ذَلِكَ من أفعالهم فيِ أموال بعضهم البعض، هُوَ من وجه العدوان والظلم؛ وَمَا كَانَ مِنَ العدوان والظلم فقد ثبَت فِيهِ مجملا الوعيد واللَّعن مِنَ الله»، فلذلك ذهب ــ حسب من ذهب ــ إِلىَ أَنَّهُ كبير، ولم ينزله منزلة الصغير، لأَنَّهُ قد ثبت فِيهِ الوعيد واللَّعن، وصار لاَ يُحمل (لَعَلَّهُ) عَلَى غَيره.
{إن تجتنبوا كبائر مَا تُنهون عَنْهُ، نكفِّر عنكم سَيِّئَاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31)} حُسْنَ التوفيق، ومثله: {وقل رَبِّ أدخلني مُدخَلَ صِدقٍ} (1).
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 80. (1/222)
صفحة 223
وَلاَ تتمنَّوا مَا فضَّل الله بِهِ بعضكم عَلَى بعض} بِمَا خصَّ بِهِ بعضكم دون بعض، لأَنَّ ذَلِكَ التفضيل قسمة مِنَ الله صادرة عَن حكمة وتدبير، وعلم بأحوال العباد، وَمَا ينبغي لِكُلِّ من بُسط فيِ الرزق أو قبض أن يرضى بِمَا قسم لَهُ، ويسعى لمَا خلق لَهُ، وَلاَ يحسد غيره عَلَى مَا خصَّ بِهِ؛ فالحسد: أن يتمنىَّ [94] أن يكون ذَلِكَ الشيء لَهُ ويزول عَن صاحبه؛ والغبطة: أن يتمنىَّ مثل مَا لغيره، وَهُوَ مرخَّص فِيهِ فيِ حال مَا يمكن، وَأَمَّا فيما لاَ يمكن مثل أن يتمنىَّ الرجال مَا للنساء، أو النساء مَا للرِّجال، فذلك مَا لاَ يجوز؛ ولعلَّ النَّهي متوجِّه فيِ ذَلِكَ، وذلك مِمَّا يروى أنَّ أمَّ سلمة وغيرها قالت: «يا ليتنا كُنَّا رجالا، فجاهدنا وغزونا وكَانَ لَنَا مثل أجر الرجال».
{للرجال نصيب مِمَّا اكتسبوا، وللنساء نصيب مِمَّا اكتسبن} مَعنَاهُ: أنَّ الرجال والنساء فيِ الأجر فيِ الآخِرَة سواء؛ وذلك أنَّ الحسنة تكون بعشر أمثالها، يستوي فِيهَا الرجال والنساء، وإن فضِّل الرجال فيِ الدُّنْيَا عَلَى النساء فيِ حال؛ وقيل: معنى {للرجال نصيب مِمَّا اكتسبوا} من أمر الجهاد، {وللنساء نصيب مِمَّا اكتسبن} من طاعة الأزواج، وحفظ الزينة، وعلى مشقَّة الولادة ورضاع الولد وتربيَّته. {واسألوا الله من فضله} قيل: من رِزقه، وقيل: من عبادته، وَهُوَ سؤال التوفيق للعبادة، وَلاَ تتمنَّوا مَا لِلنَّاسِ مِنَ الفضل. {إنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شيء عليما(32)} فالتفضيل عَن علم بمواضع الاستحقاق.
{ (1/223)
صفحة 224
ولكلٍّ} أحدٍ، أو لِكُلِّ مال، {جعلنا موالي} وارثا يلونه، {مِمَّا ترك الوالدان والأقربون} أي: من مالٍ تركه الوالدان والأقرب ون. {وَالذِينَ عقَدَت (1) أيمانكم} عاقدتهم، والمعاقدة: المحالفة، وذلك قيل: إنَّ الرجل كَانَ فيِ الجاهليَّة يعاقد الرجل، فيقول: دمي دمك، وحزبي حزبك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عنِّي وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف، وكَانَ ذَلِكَ ثابتا فيِ أوَّل الإسلام لقوله تعالى: {فآتوهم نصيبهم} أي: أعطوهم حظَّهم مِنَ الميراث؛ ثُمَّ نسخ ذَلِكَ بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فيِ كِتَاب الله} (2). {إنَّ الله كَانَ عَلَى كُلِّ شيء شهيدا (33)} أي: هُوَ عالم الغيب والشهادة، وَهُوَ أبلغ وعدٍ ووعيدٍ.
{الرجال قوَّامون عَلَى النساء} يقومون عليهنَّ بالأمر والنهي والإصلاح، كما يقوم الولاَّة عَلَى الرعايا. {بِمَا فضَّل الله بعضهم عَلَى بعض} بالعقل والعزم والحزم والنبوَّة والخلافة والإمامة وغير ذَلِكَ، مِمَّا خصُّوا بِهِ دونهنَّ. {وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات} مطيعات قائمات بِمَا عليهنَّ للأزواج، {حافظاتٌ للغيب} بحواجب الغيب، وَهُوَ خلاف الشهادة؛ أي: إِذَا كَانَ الأزواج غير شاهدين لهنَّ، حفظن مَا يجب عليهنَّ حِفْظُه فيِ حال الغيبة، مِنَ الفروج والبيوت والأموال؛ وقيل: للغيب: للأسرار. {بِمَا حفظ الله} بِمَا حفظهنَّ الله، خبر؛ أو أوصى بهنَّ الأزواج؛ أو بِمَا حفظهنَّ الله وعصمهنَّ ووفَّقهنَّ بحفظ الغيب؛ أو بحفظ الله إيَّاهنَّ حيث صيَّرهنَّ كذلك.
{__________
(1) - ... في الأصل: «عاقدت»، عَلَى قراءة ورش، والملاحظ أنَّ المصنِّف اعتمد عموما عَلَى رواية حفص، ففضَّلنا إثباتها عَلَى ما جرى عَلَيه في غالب الكتاب.
(2) - ... سورة الأنفال: 80. (1/224)
صفحة 225
واللاتي تخافون نشوزهنَّ} عصيانهنَّ، وترفُّعهنَّ عَن طاعة الأزواج، {فعِظوهنَّ} خوِّفوهنَّ عقوبة الله، والعظة: كلام يلين القلوب القاسية، ويرغِّب الطبائع النافرة، {واهجروهنَّ} إن لم يؤثِّر فِيهِنَّ الوعظ، وذلك بمعنى الأدب يراد بِهِ لاَ غير. {فيِ المضاجع} فيِ المراقد، أي: لاَ تدخلوهنَّ تحت اللُّحف، أو هُوَ كناية عَن الجماع، أو هُوَ أن يولِّيها ظهره فيِ المضجع، لأَنَّهُ لم يقل: «عَن المضاجع»، {واضربوهنَّ} ضربا غير مبرِّح. أمر بوعظهنَّ أوَّلاً، ثُمَّ بهجرانهنَّ فيِ المضاجع ثانيا، ثُمَّ بالضرب ثالثا، إن لم يؤثِّر فِيهِنَّ الوعظ والهجران؛ فالأول أرفق مِنَ الثاني، والثاني أرفق مِنَ الثالث، والثالث [95] أرفق مِنَ الطلاق، والطلاق أولى مِنَ العصيان فِيهِنَّ. {فإن أطعنكم} بترك النشوز، {فلا تبغوا عليهنَّ سبيلا} فأزيلوا عنهنَّ التعرُّض بالأذى، {إنَّ الله كَانَ عليًّا كبيرا (34)} أي: إن علت أيديكم عليهنَّ فاعلموا أنَّ قدرته عَلَيْكُم أعظم من قدرتكم عليهنَّ؛ فاجتنبوا ظلمهنَّ؛ أو {إنَّ الله كَانَ عليًّا كبيرا} وَإِنَّكُم تعصونه عَلَى علوِّ شأنه وكبرياء سلطانه، ثُمَّ تتوبون فيتوب عليكم؛ فأنتم أحقُّ بالعفو عمَّن يجني عليكم، إِذَا رجع فا (1).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وفيه سقط واضح. (1/225)
صفحة 226
وإن خفتم شقاق بينِهما} عداوة وخلافا، {فابعثوا حَكَما من أهله} رجلا يصلُح للحكومة والإصلاح بينهما، {وحَكَما من أهلها} وإنَّما كَانَ بعث الحكمين من أهلهما، لأَنَّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، ونفوس الزوجين أسكن إِلَيْهِم، فيبرزان مَا فيِ ضمائرهما مِنَ الحبِّ والبغض، وإرادة الصحبة والفرقة، والضمير فيِ {إن يريدا إصلاحا} للحكمين وفي: {يوفِّق الله بينهما} للزوجين، أي: إن قصدا إصلاح ذات البين، وكانت نيتهما صحيحة بورك فيِ وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى فيِ نفوسهما المودَّة والاتِّفاق. أو الضميران للحكَمَين، أي: إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين، {يوفِّق الله بينهما} فيتَّفقان عَلَى الكلمة الوَاحِدَة، حتَّى يتمَّ المراد. أو الضميران للزوجين إن يريدا إصلاح مَا بينهما وطلبَ الخيرِ، وَأَن يزول عَنْهُما الشقاق يلقي الله بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاقِ الوفاقَ، وبالبغضاء المودَّةَ، وقد وعد الله التوفيق لمن أَرَادَ الإصلاح منهما، {إنَّ الله كَانَ عليما خبيرا(35)} بإرادة الحكَمَين والخصمين.
{ (1/226)
صفحة 227
واعبدوا الله} العبوديَّة، أن يوحِّدوه ويطيعوه فيِ الأحوال كلِّها، مخلصين لَهُ الدين حنفاء، {وَلاَ تُشركوا بِهِ شَيْئًا} صنما، أو شَيْئًا مِنَ الشرك جليًّا أو خفيًّا، أو شَيْئًا من كبائر الذنوب. {وبالوالدين إحسانا} أحسنوا بهما إحسانا، بالقول والفعل والإنفاق عليهما، مَعَ القدرة عند الاحتياج، {وبذي القربى} وبكلِّ من بينكم وبينه قربى، من أخ أو عمٍّ أو غيرهما، {واليتامى والمساكين والجار ذي القربى} قيل: الجار النسيب، وقيل: القريب الجوار، {والجار الجُنُب} الذِي جواره أبعد، أو الأجنبيُّ، {والصاحب بالجنب} قيل: الصاحب فيِ السفر، أو الذِي صحبك أن حصل بجنبك، إمَّا رفيقا فيِ السفر، أو شريكا فيِ تعلُّم علم، أو غيره، أو قاعدا إِلىَ جنبك فيِ مجلس أو مسجد، فعليه أن يراعَى حقُّه. {وابن السبيل} المسافر بِهِ، أو الضيف، {وَمَا ملكت أيمانكم} العبيد والإماء وبقيَّة الحيوانات. {إنَّ الله لاَ يُحِبُّ من كَانَ مختالا} متكبِّرا، يأنف عَن القيام بأمر الله، {فخورا (36)} يعدِّد مناقبه كِبْرا، وَهُوَ التيَّاه الجهول الذِي يتكبَّر عَن إكرام أقاربه وأصحابه؛ والفخور: الذِي يفخر بكثرة ماله.
{الذِينَ يبخلون ويَأْمُرُون الناس بالبخل} أي: يبخلون بذات أيديهم، وبما فيِ أيد [ي] غيرهم، فيَأْمُرُونهم بأن يبخلوا بِهِ مقتا للسخاء، قيل البخل: أن يأكل بنفسه، وَلاَ يُؤكِل غيره، والشحُّ: أن يأكل (1) وَلاَ يُؤكل، والسخاء: أن يأكل ويؤكل، ويجوز أن يؤكِل وَلاَ يَأكل، إِلاَّ إِذَا كَانَ الأكل أفضل مِنَ الإمساك. {ويكتمون مَا آتاهم الله من فضله} ويخفون مَا أنعم الله عَلَيْهِم بِهِ من مال أو علم، {وأعتدنا للكَافِرِينَ عذابا مهينا (37)} أي: يهانون بِهِ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أن لا يأكل»، وَإِلاَّ فلا فرق بين البخل والشحِّ. (1/227)
صفحة 228
وَالذِينَ ينفقون أموالهم رئاء الناس} [96] رئاء الناس أي: المُرَاآة والفخار، وليقال: إِنَّهُم أسخياء، لاَ لوجه الله، أي: للفخر وليقال (1): مَا أجودهم! لا ابتغاء وجه الله، {وَلاَ يُؤمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر} إيمانا بالقلوب، {ومن يكن الشيطان لَهُ قرينا فساء قرينا (38)} كلُّ من استجاب لَهُ فيِ دعوة وأطاعه كَانَ قرينه، لأَنَّ الشيطان لاَ يفارق أحدا مِنَ الإنس ــ المؤمنين والْكَافِرِينَ مِنْهُم ــ طرفة عين، ولكن إِذَا لم يطعه ولم يتابعه فيِ وساوسه كَانَ وجوده كعدمه، لأَنَّهُ لاَ يضرُّه مقارنته بَل تنفعه، لأَنَّهُ إِذَا دعاه ووسوس لَهُ فلم يتابعه كَانَ ذَلِكَ من أكبر الجهاد، وكَانَ لَهُ درجات، وللشيطان بدعوته لَهُ دركات.
{وماذا عَلَيْهِم لو آمَنُوا بالله واليوم الآخر، وأنفقوا مِمَّا رزقهم الله} مَعنَاهُ: وأيُّ تبعة ووبال عَلَيْهِم فيِ الإيمان والإنفاق فيِ سبيل الله، وَهُوَ ذمٌّ وتوبيخ، {وكَانَ الله بهم عليما (39)} فيجازيهم عَلَى إيمانهم، وإنفاقهم فيِ الآخِرَة.
{إنَّ الله لاَ يظلم مثقال ذرَّة} لاَ ينقص مِنَ الأجر وَلاَ يزيد فيِ العقاب أصغر شيء كالذرَّة، وهي النملة الصغيرة، وقيل: كلُّ جزء من أجزاء الهباء فيِ الكوَّة (2) ذرَّة؛ وفي هَذَا دلالة عَلَى أَنَّهُ لو نقص مِنَ الأجر أدنى شيء، أو يزيد عَلَى المستحق مِنَ العقاب لكَانَ ظلما؛ والمثقال: “مفعال” مِنَ الثقل. {وإن تَكُ حسنةً} وإن يك مثقالُ الذرَّة حسنةً {يضاعِفْها} يضاعفْ ثوابها، {ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40)} ويعطى صاحبها من عنده عَلَى سبيل التفضُّل ثوابا عظيما، وَمَا وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مَعَ أَنَّهُ سمَّى متاع الدُّنْيَا قليلا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «واليقال»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، والمقصود بالكَوَّة: الشعاع الذي يدخل البيتَ من خلال الكوَّة، لا الكوَّة نفسها. (1/228)
صفحة 229
فكيف} يصنع هؤلاء الكفرة، {إِذَا جئنا من كُلِّ أمَّة بشهيد} يشهد عَلَيْهِم بِمَا فعلوا، وَهُوَ نبيُّهم أو عالم زمانهم، {وجئنا بكَ} يا محمَّد {عَلَى (1) هؤلاء} أي: أمَّتك {شهيدا (41)} أي: شاهدا عَلَى من آمن، وعلى من كفر. وعن ابن مسعود أَنَّهُ قرأ سورة النساء عَلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى بلغ قوله: {وجئنا بك عَلَى هؤلاء شهيدا} فبكى رسول الله، وقال: «حسبنا» (2)، فانظر فيِ هَذِهِ الحالة إِذَا كَانَ الشاهد يبكي لهول هَذِهِ المقالة، فماذا ينبغي أن يصنع المشهود عليه، والانتهاء عَن كلِّ مَا يستحى مِنْهُ عَلَى رؤوس الأشهاد.
{يومئذ يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُوا وعصوا الرسولَ لو تُسَوَّى بهم الأَرْضُ} لو يُدفنون فتسوَّى بهم الأَرْض كما تسَّوى بالموتى، {وَلاَ يكتمون الله حديثا (42)} أي: لاَ يقدرون عَلَى كتمانه، لأَنَّ جوارحهم تشهد عليهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «على»، وهو خطأ.
(2) - ... رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ آقْرَأُ، عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ»؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا} قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ»، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. رقم 4662. ورواه البخاري أَيْضًا في كتاب تفسير القرآن. ومسلم: صلاة المسافرين. الترمذي: تفسير القرآن. ابن ماجه: الزهد. أحمد: مسند المكثرين من الصحابة. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «{وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا}». (1/229)
صفحة 230
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى} أي: لاَ تقربوها فيِ هَذِهِ الحالة {حتىَّ تعلموا} بالقلوب {مَا تقولون} أي: تقرؤون، ومن ذَلِكَ أن يأتي الصلاة وَهُوَ مشغول البال، إِلاَّ مَا لاَ يقدر عَلَى دفعه بقوَّة البشر، مِنَ الوساوس الشيطانيَّة. {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتىَّ تغتسلوا} وفي الآيَة تنبيه عَلَى أنَّ المصلي ينبغي أن يتحرَّر عمَّا يلهيه، ويشغل قلبه ويزكِّي نفسه مِمَّا يجب تطهيرها مِنْهُ. {وإن كُنتُم مرضى أو عَلَى سفر أو جاء أحد منكم مِنَ الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء} تقدرون عَلَى استعماله لعدمه أو بُعده، أو فقد آلة الوصول إِلَيْهِ، أو لمانع، أو خوف من حيَّة أو سبع أو عدوٍّ؛ {فتيمَّموا صعيدا طيِّبا؛ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إِنَّ الله كَانَ عفوًّا} بالترخيص والتيسير، {غَفُورا(43)} عَن الخطإ والتقصير لمن تاب مِنْهُ.
{ألم تَرَ} من رؤية القلب [97]، {إِلىَ الذِينَ أوتوا نصيبا مِنَ الكتاب} حظاًّ من علم التَّوْرَاة، {يشترون الضلالة} يستبدلونها بالهدى {ويريدون أن تضلُّوا} أَنتُم أَيُّهَا المؤمنون {السبيل(44)} أي: سبيلَ الحقِّ.
{والله أعلم} منكم {بأعدائكم} وقد أخبركم بعداوة هؤلاء؛ فاحذروهم، وَلاَ تنتصحوهم فيِ أموركم، {وكفى بالله وليًّا} فيِ النفع، {وكفى بالله نصيرا(45)} فيِ الدفع.
{ (1/230)
صفحة 231
من الذِينَ هادوا} بيان للذين أوتوا نصيبا مِنَ الكتاب، {يحرِّفون الكَلِمَ عَن مواضعه} يُميلونه ويُزيلونه عَن مواضعه، لأَنَّهُم إِذَا بدَّلوه ووضعوا مكانه كَلِمًا غيره، فقد أمَالوه عَن مواضعه التِي وضعها الله فِيهَا وأزالوه عنها. {ويقولون: سمعنا} قولك، {وعصينا} أمرك، قيل: أسرُّوا بِهِ، {واسمع} قولنا، {غير مُسمَع} أي: اسمعْ مِنَّا وَلاَ نسمعُ منك، {غير مُسمَع} أي: غير مقبول منك، وقيل: كَانُوا يقولون للنبيِّ - عليه السلام -: اسمعْ، ثُمَّ يقولون (1) فيِ أنفسهم: لا سَمِعتَ. {وراعنا} يحتمل راعِنا نكلِّمْك، أي: ارقبنا (2) وانتظرنا، وقيل: غير ذَلِكَ، {ليًّا بألسنتهم} فتلاً بها وتحريفا، أي: يفتلون بألسنتهم الحَقَّ إِلىَ الباطل، أو يفتلون بألسنتهم مَا يضمرونه مِنَ الشتم إِلىَ مَا يظهرونه مِنَ التوقير نفاقا {وطعنا فيِ الدين} أي: قدحا فِيهِ هُوَ قولهم (3): «لو كَانَ نبيًّا حقًّا لأخبرنا بما نعتقد فِيهِ». {ولو أَنَّهُم قَالُوا: سمعنا وأطعنا} ولم يقولوا: وعصينا، {واسمع}، ولم يلحقوا بِهِ {غير مسمع، وانظرنا} مكَانَ راعنا، {لكان} قولهم ذَلِكَ، {خيرا لَهُم} عند الله {وأقوم} وأعدل؛ {ولكن لعَنَهُم الله بكفرهم} طردهم وأبعدهم عَن مراشد أمورهم، بسبب اختيارهم الكفر؛ {فلا يُؤمِنُونَ إِلاَّ قليلا (46)} لأَنَّ مِنْهُم [من] قد آمن أَوَّلاً إيماناً قليلا ضعيفاً لاَ ينفع، أو إيمانا بشيء دون شيء.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يقولو» وَهُوَ خطأ.
(2) - ... في الأصل: «اراقبنا»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «قلولهم»، وهو خطأ. (1/231)
صفحة 232
يَا أَيُّهَا الذِينَ أوتوا الكتاب آمَنُوا بِمَا نزَّلنا} (1) يَعنِي: القرآن، {مصدِّقا لِمَا معكم} يَعنِي: التَّوْرَاة، {من قبل أن نطمِسَ وجوها} قَالَ ابن عبَّاس: «يجعلها كخفِّ البعير»، وقال قتادة: «يعمها» (2)، والمراد بالوجه: العين؛ {فنردَّها عَلَى أدبارها} فنجعلها عَلَى هيئة أدبارها، وهي الأقفاء مطموسة، وفي الحقيقة هِيَ عين القلب التِي يبصر بها حقائق الأشياء، والردُّ عَلَى أدبارها هُوَ الضلال عَن الحقِّ، كما قَالَ: {أفمن يمشي مكبًّا عَلَى وجهه ... } (3) الآيَة. {أو نلعَنَهُم كما لعنَّا أصحاب السبت} فنجعلهم قردة وخنازير، {وكَانَ أَمْرُ اللهِ} أي: المأمور بِهِ، {مفعولا (47)} كائنا لاَ محالة مَا أوعد إن لم يؤمنوا.
{إنَّ الله لاَ يَغْفِر أن يشرَك بِهِ} إن مات عليه، بأيِّ شركٍ كَانَ، {ويَغْفِر مَا دون ذَلِكَ} إن تاب مِنْهُ بلسان مقاله، أو لسان حاله، أو يخرج فيِ هَذَا الصغائر لمن اجتنب الكبائر، والأوَّل يعمُّ الكبائر. {لمن يَشَاء} وأهل مشيئته التائبون، {ومن يشرك بالله} أيّ شركٍ كَانَ؛ {فقد افترى إثما عظيما (48)} كذب كذبا عظيما، وَهُوَ مفتر فيِ زعمه أنَّ العبادة يستحقُّها غير الله سبحانه، وقد استحقَّ بِهِ عذابا عظيما.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أنزلنا»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يُعمِيَها».
(3) - ... سورة الملك: 22؛ وتمامها: {أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أمَّن يمشي سويًّا عَلَى صراط مستقيم}. (1/232)
صفحة 233
ألم تر إِلىَ الذِينَ يزكُّون أنفسهم} ويدخل فِيهَا كلُّ من زكَّى نفسه ووصفها بزكاء العمل، وزيادة الطاعة والتقوى، {بَل اللهُ يزكِّي من يَشَاء} إعلام بِأَنَّ تزكية الله هِيَ التِي يعتدُّ بها، لاَ تزكية الإنسان نفسه، لأَنَّهُ هُوَ العالم بمن هُوَ أهل للتزكية، ونحوه: {فلا تزكُّوا أنفسكم هُوَ أعلم بمن اتَّقى} (1) ونحوه: {صبغةَ الله ومن أحسن مِنَ الله صبغةً} (2). {وَلاَ يُظلمون فتيلا (49)} قدر فتيل، هُوَ مَا يحدث بفتل الأصابع مِنَ الوسخ.
{انظر كيف يفترون عَلَى الله الكذب} فيِ زعمهم أَنَّهُم عند الله أزكياء مَعَ ارتكابهم لشيء من مناهيه، {وكفى بِهِ إثما مبينا (50)} ظاهرا غير [98] خفيٍّ.
{ألم تر إِلىَ الذِينَ أوتوا نصيبا مِنَ الكتاب يُؤمِنُونَ بالجبت} أي: الأصنام، وكلّ مَا عُبد من دون الله. ومِن كُتُب أصحابنا: «وسألته عَن الجبت والطاغوت فقال: أمَّا الجبت فحُيَيُّ بن أخطب»، {والطاغوت} الشيطان، {ويقولون للذين كَفَرُوا: هؤلاء أهدى مِنَ الذِينَ آمَنُوا سبيلا (51)}.
{أُولَئِكَ الذِينَ لعَنَهُم الله} أبعدهم من رحمته، {ومن يلعن الله؛ فلن تجد لَهُ نصيرا (52)} يعتدُّ بنصره. ثُمَّ وصف اليهود بالبخل والحسد، وهما من شرِّ الخصال: يمنعون مالهم، ويتمنَّون مال غيرهم، فقال: {أم لَهُم نصيب مِنَ الملك؛ فإذًا لاَ يؤتون الناس نقيرا (53)} أي: لو كَانَ لَهُم نصيب مِنَ الملك أي: مُلك أهل الدُّنيَا أو مُلك الله، فإذاً لاَ يؤتون أحدا مقدار نقير، لفرط بخلهم؛ والنقير: النقرة فيِ ظهر النواة، وَهُوَ مَثل فيِ القلَّة كالفتيل.
{__________
(1) - ... سورة النجم: 32.
(2) - ... سورة البقرة: 138. (1/233)
صفحة 234
أم يحسدون الناس عَلَى مَا آتاهم الله من فضله} بَل أيحسدون رسول الله والمؤمنين عَلَى إنكار الحسد واستقباحه؟ وكَانُوا يحسدونهم عَلَى مَا أتاهم الله مِنَ الهداية والنصرة، والغلبة وازدياد العزِّ، والتقدُّم كلَّ يوم. {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة، وآتيناهم ملكا عظيما (54) فمنهم مَن آمَن بِهِ، ومنهم من صدَّ عَنْهُ} أعرض عَنْهُ، مَعَ علمه بصحَّته، {وكفى بجَهَنَّم سعيرا (55)} للمعرضين.
{إنَّ الذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنا سوف نصليهم نارا، كلَّما نَضجَت جلودهم} احترقت، {بدَّلناهم جلودا غيرها} غير الجلود المحترقة، قيل: تبدَّل فيِ ساعة مائة مرَّة، {ليذوقوا (1) العذاب} ليدوم لَهُم ذوقه وَلاَ ينقطع؛ والعذاب فيِ الحقيقة للنفس العاصية المدركة الآلة (2). {إنَّ الله كَانَ عزيزا} غالبا بالانتقام، لاَ يمتنع عليه شيء مِمَّا يريده بالمجرمين، {حكيما (56)} فيما يفعل.
{وَالذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات، سندخلهم جنَّات تجري من تحتها الأَنهَار خالدين فِيهَا أبدا، لَهُم فِيهَا أزواج مطهَّرة} من كلِّ مَا تكرهه النفوس وتعافه، لأَنَّهُا وَمَا فِيهَا بالعكس، {وندخلهم ظلاًّ ظليلا (57)}.
{إنَّ الله يَأْمُرُكم أن تؤدُّوا الأمانات إِلىَ أهلها} قيل: قد دخل فيِ هَذَا الأمر أداء الفرائض التِي هِيَ أمانة الله تعالى التِي حمَّلها الإنسانَ، وحفظ الحواسِّ التِي هِيَ ودائع الله. {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكُموا بالعدل، إِنَّ الله نِعمَّا يعِظُكم بِهِ} قيل: نِعمَ شيء يعظكم بِهِ. وقيل: نعمَّا يعظكم بِهِ ذاك، وَهُوَ المأمور بِهِ من أداء الأمانات (3) والعدل فيِ الحكم، {إنَّ الله كَانَ سميعا بصيرا (58)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ليذقوا» وهو خطأ.
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «الإله».
(3) - ... في الأصل: «الأمات»، وهو خطأ. (1/234)
صفحة 235
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} أي: الولاَّة والعلماء، لأَنَّ أمرهم ينفذ عَلَى الأمراء، {فإن تنازعتم فيِ شيء فردُّوه إِلىَ الله} أي: إِلىَ كتابه، {والرسول} إِلىَ سنَّته، {إنَّ كُنتُم تؤمنون بالله واليوم الآخر} أي: إنَّ الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان، ودلَّت عَلَى أنَّ طاعة الأمراء واجبة إِذَا وافقوا (1) الحقَّ؛ فإذا خالفوه فلا طاعة لَهُم، لقوله - عليه السلام -: «لاَ طاعة لمخلوق فيِ معصية الخالق» (2)، {ذَلِكَ} إشارة إِلىَ الردِّ، أي: الردِّ إِلىَ الكتاب والسنَّة، {خير} لكم عاجلا، {وأحسن تأويلا (59)} عاقبة.
{ألم تر إِلىَ الذِينَ يزعمون أَنَّهُم آمَنُوا بِمَا أُنزل إليك، وَمَا أنزل من قبلك} يَعنِي: المنافقين، {يريدون أن يتحاكموا إِلىَ الطاغوت} إِلىَ من يحكم بغير الحقِّ، وقيل: هُوَ كعب بن الأشرف [99] سمَّاه الله طاغوتا لإفراطه فيِ الطغيان، والطواغيت: الشياطين، أو جعل اختيار التحاكم إِلىَ غير رسول الله، عَلَى التحاكم إِلَيْهِ تحاكما إِلىَ الشياطين، بدليل قوله: {وقد أُمروا أن يكْفُرُوا بِهِ ويريدُ الشيطان أن يضلَّهم} عَن الحقِّ، {ضلالا بعيدا (60)} مستمرًّ (3) إِلىَ الموت، أو يعسر التخلُّص مِنْهُ.
{وإذا قيل لَهُم: تعالوا إِلىَ مَا أنزل الله وإلى الرسول} للتحاكم. {رأيت المنافقين يصدُّون عنك صدودا (61)} يعرضون عنك إِلىَ غيرك.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فوافقوا»، وهو خطأ.
(2) - ... رواه أحمد عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ». مسند العشرة المبشَّرين بالجنَّة، رقم 1041؛ مسند المكثرين من الصحابة، رقم 3694؛ مسند البصريِّين، رقم 19732، 19735.
(3) - ... في الأصل: «مستمر». (1/235)
صفحة 236
فكيف إِذَا أصابتهم مصيبة} الموت {بِمَا قدَّمت أيديهم ثُمَّ جاءوك يحلفون بالله، إن أردنا إِلاَّ إحسانا وتوفيقا(62)} بين الخصمين.
{أُولَئِكَ الذِينَ يعلم الله مَا فيِ قلوبهم} مِنَ المرض والنفاق والهوى بغير الحقِّ، وضدَّ مَا قَالُوا. {فأعرض عَنْهُم، وعِظْهُم} بالموعظة الحسنة، {وقل لَهُم فيِ أنفسهم قولا بليغا(63)} يبلغ فِيهِم بإقامة الحجَّة عليهم، ويجافيهم عن الإقامة عَلَى إعراضهم، وينصح لَهُم ويبالغ فِيهِم بالترغيب والترهيب.
{وَمَا أرسلنا من رسول} أي: رسولا قطُّ، {إِلاَّ ليُطاع بإذن الله} بتوفيقه فيِ طاعته وتيسيره، أو بسبب إذن الله فيِ طاعته، وبأَنَّهُ أُمِر، وبأَنَّهُ المبعوث إِلَيْهِم أن يطيعوه. {ولو أَنَّهُم إذ ظلموا أنفسهم} بالمخالفة، {جاءوك} تائبين مِنَ النفاق، معتذرين عمَّا ارتكبوا مِنَ الشقاق. {فاستغفروا الله، واستغفر لَهُم الرسول لوجدوا الله توَّابا} أي: التائب عليهم، {رحيما(64)} حيث يقبل التوبة مِمَّن عصاه.
{ (1/236)
صفحة 237
فلا ورَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يحكِّموك فيما شجَر بَيْنَهُم} فيما اختلف بَيْنَهُم، واختلط والتبس عَلَيْهِم حكمه، ومنه الشجر لتدخل (1) أغصانه، {ثمَّ لاَ يجدوا فيِ أنفسهم حَرَجًا} ضيقا، {مِمَّا قضيتَ} أي: لاَ تضيق صدورهم من حكمك، أو شكًّا، لأَنَّ الشاكَّ فيِ ضيق من أمره، حتَّى يلوح لَهُ اليقين، وقيل: سخطا، أي: لم ترض أنفسهم بذلك. {ويسلِّموا تسليما (65)} وينقادوا لقضائك انقيادا وحقيقة، سَلَّم نفسه لَهُ وأسلمها، أي: جعلها سالمة لَهُ خالصة، و «تسليما» مصدر مؤكِّد للفعل بمنزلة تكريره، كأَنَّهُ قيل: وينقادوا لحكمك انقيادا لاَ شبهة فِيهِ، بظاهرهم وباطنهم، وَالمَعنَى: لاَ يكونون مؤمنين حتَّى يَرضَوا بحكمك وقضائك، وَهُوَ علامة لانشراح صدورهم؛ فما كَانُوا مؤمنين أبدا حتَّى يستكملوا جميع مَا قسم الله (لَعَلَّهُ) بِهِ عليه، فكيف يؤمن بالله ولم يُحكِّم اللهَ ورسولَه، ووجد فيِ نفسه حرجا مِمَّا قضى بِهِ، ولم يسلِّم تسليما!.
{ولو أنَّا كتبنا عليهم} عَلَى المنافقين، {أن اقتلوا أنفسَكم} أي: تعرَّضوا بالقتل (2) بالجهاد، أو لو أوجبنا عَلَيْهِم مثل مَا أوجبنا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ من قتلهم أنفسهم. {أو اخرجوا من دياركم مَا فعلوه} لنفاقهم، {إِلاَّ قليل مِنْهُم، ولو أَنَّهُم فعلوا مَا يوعظون بِهِ} من اتِّباع رسول الله، والانقياد لحكمه، {لكَانَ خيرا لَهُم} فيِ الدارين، {وأشدَّ تثبيتا (66)} لإيمانهم، وأبعد مِنَ الاضطراب. {وإذا لآتيناهم من لدنَّا أجرا عظيما (67)} فيِ الدارين، {ولهديناهم صراطا مستقيما (68)} أي: لثبَّتناهم عَلَى الدين الحقِّ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لتداخل».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «للقتل». (1/237)
صفحة 238
ومن يطع الله والرسول، فأولئك مَعَ الذِينَ أنعم الله عَلَيْهِم مِنَ النبيِّين والصدِّيقين} كأفاضل صحابة الأنبياء، والصدِّيقُ: المبالغ فيِ الصدق بظاهره [100] بالمعاملة، وباطنه بالمراقبة، أو الذِي يصدِّق قولَه بفعله. يروى عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتَّى يكتب عند الله صدِّيقا» (1). {والشهداء} وَالذِينَ استشهدوا فيِ سبيل الله، أو شهداء عَلَى الناس، {والصالحين} ومن صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم، {وحَسُن أُولَئِكَ رفيقا (69)} أي: وَمَا أحسنَ أُولَئِكَ رفيقا. {ذَلِكَ الفضل مِنَ الله وكفى بالله عليما (70)}.
{__________
(1) - ... نصُّه عند مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» مسلم: كتاب البرِّ والصلة والآداب، رقم4721، ورقم 4720. وروى نحوَه البخاري في كتاب الأدب. الترمذي: كتاب البِرِّ والصلة. أبو داود: كتاب الأدب. ابن ماجه: كتاب المقدِّمة. أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، من عدَّة طرق. مالك: الموطَّأ، كتاب الجامع. الدارمي: كتاب الرقاق. العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «الصدق». (1/238)
صفحة 239
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا خُذوا حِذركم} يقال: أَخَذ حِذره إِذَا تيقَّظ واحترز مِنَ المخوف، كأَنَّهُ جعل الحذر آلته التِي يقي بها نفسه، ويعصم روحه، وَالمَعنَى: احذروا واحترزوا مِنَ العدوِّ. {فانفروا ثُباتٍ} فاخرجوا إِلىَ العدوِّ جماعات متفرِّقة، سَريَّة بعد سَريَّة، فالثُّبات: الجماعات، واحدها (1) ثُبتَة، {أو انفروا جميعا (71)} أي: مجتمعين، أو انفروا ثُبات إِذَا لم يعمَّ النفير، وانفروا جميعا إِذَا عمَّ النفير.
{وإنَّ منكم لَمَن ليُبطِّئَنَّ} نزلت فيِ المنافقين، وإنَّما قَالَ: «منكم» لاجتماعهم مَعَ المؤمنين فيِ إظهار الإيمان لاَ فيِ حقيقته، «ليبطِّئنَّ» ليتأخَّرن وليتثاقلنَّ عَن الخروج إِلىَ الجهاد، ويجوز أن يكون منقولا من بَطُؤ؛ فيكون المعنى: ليبطِّئن غيره، والتبطئة عَن الغزو. {فإن أصابتكم مصيبة} دنيوية لأَنَّ الآيَة فيِ الذِينَ آمَنُوا. {قَالَ} المبطِّئ: {قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيدا (72)} حاضرا، فيصيبني مثل مَا أصابهم.
{ولئن أصابكم فضل مِنَ الله} فتح أو غنيمة، {ليقولنَّ} هَذَا المبطِّئ متلهِّفا عَلَى مَا فاته مِنَ الغنيمة، لاَ طلبا للمثوبة: {كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة} أي: معرفة سابقة، {يا ليتني كنت معهم} وَالمَعنَى: كأن لم تتقدَّم لَهُ معكم مودَّة، لأَنَّ المنافقين كَانُوا يوادُّون المؤمنين فيِ الظاهر، وإن كَانَ (2) يبغون لَهُم الغوائل فيِ الباطن. {فأفوز فوزا عظيما (73)} فآخذ مِنَ الغنيمة حظا وافرا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «واحدهاها»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كانوا». (1/239)
صفحة 240
فليقاتل فيِ سبيل الله الذِينَ يشرون} يبيعون (1) {الحياة الدُّنْيَا بالآخِرَة}، والمراد المؤمنون، الذِينَ يستحبُّون الآجلة عَلَى العاجلة، ويستبدلونها بها، أي: إن صدَّ الذِينَ مَرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عَن القتال، فليقاتل الثابتون المخلصون، أو يشترون؛ والمُرَاد: المنافقون الذِينَ يشترون الحياة الدُّنْيَا بالآخِرَة، وُعظوا بِأَن يغيرِّوا مَا بهم مِنَ النفاق، ويخلصوا الإيمان بالله والرسول، ويجاهدوا فيِ سبيل الله حقَّ جهاده. {ومن يقاتل فيِ سبيل الله فيُقتَل} إِذَا أتى بالأمر عَلَى وجهه، {أو يغلب؛ فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74)} وَعَدَ المقاتلَ فيِ سبيل الله ــ ظافرا أو مظفورا بِهِ ــ إيتاءَ الأجر العظيم عَلَى اجتهاده فيِ إعزاز دين الله.
{وَمَا لكم لاَ تقاتلون فيِ سبيل الله} أي: وأيُّ شيء لكم تاركين القتال، وقد ظهرت دواعيه، {والمستضعفين} أي: فيِ سبيل الله، فيِ خلاص المستضعفين مِنَ المُسْلِمِينَ من أيدي الكفَّار. و «سبيل الله» عامٌّ فيِ كلِّ خير، وخلاص المستضعفين مِنَ المُسْلِمِينَ من أيدي الكفَّار، ومن كلِّ نائبة عضَّتهم، من أعظم الخير وأخصِّه، والمستضعفون: هم الذِينَ أسلموا بمكَّة، وصدَّهم المشركون عَن الهجرة، وعن القيام بأمر دينهم ظاهرا، فبقوا بين أظهرهم مستذَلِّين مستضعفين، يلقون مِنْهُم الأذى الشديد، [101] {من الرجال والنساء والولدان} ذَكرَ الولدان، تنحيلا [كَذَا] بإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الولدانَ غير المكلَّفين، إرغاما لآبائهم وأمَّهاتهم، أو لرجاء بقائهم عَلَى الإيمان بعد بلوغهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يبغون»، وهو خطأ، وَهُوَ عكس المراد. (1/240)
صفحة 241
الذِينَ يقولون: رَبَّنَا أخرجنا من هَذِهِ القرية الظالمِ أهلُها، واجعل لَنَا من لدنك وليًّا} يتولىَّ أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا، {واجعل لَنَا من لدنك نصيرا (75)} ينصرنا عليهم؛ كَانُوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه؛ فيسَّر الله لبعضهم الخروج إِلىَ المدينة، وبقي بعضهم إِلىَ الفتح، حتَّى جعل الله لَهُم من لدنه خيرَ وليٍّ وناصر، وَهُوَ محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؛ فتولاَّهم أحسن التوليِّ ونصرهم أقوى النصر.
{الذِينَ آمَنُوا يقاتلون فيِ سبيل الله} فيِ طاعته، {وَالذِينَ كَفَرُوا يقاتلون فيِ سبيل الطاغوت} أي: الشيطان، وفي الحقيقة يقاتلون فيِ هواء (1) أنفسهم، {فقاتلوا أولياء الشيطان} أي: الكفَّار الظاهرين والباطنين، {إنَّ كيد الشيطان} أي: وساوسه، وقيل: الكيد: السعي فيِ فساد الحال خِفية عَلَى جهة الاحتيال. {كَانَ ضعيفا (76)}، لأَنَّهُ غرور لاَ يؤول إِلىَ محصول كالجفاء السجري [كَذَا]، أو كيده فيِ مقابلة نصر الله ضعيف، ولأنَّ كيده للمؤمنين بالإضافة إِلىَ كيد الله للكَافِرِينَ ضعيف، لاَ يؤبه بِهِ؛ فلا تخافوا أولياءه، فإنَّ اعتمادَهم عَلَى أضعف شيء وأوهنه، وكيده ضعيف لمن خالفه وقابله (2) بالذكر، لأَنَّهُ لاَ سبيل لَهُ عليه، {إنَّما سلطانه عَلَى الذِينَ يتولَّونه وَالذِينَ هم بِهِ مشركون} (3).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أهواء».
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «قاتله».
(3) - ... سورة النحل: 100. (1/241)
صفحة 242
ألم تر إِلىَ الذِينَ قيل لَهُم كفُّوا أيديكم} أي: عَن القتال، {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة؛ فَلَمَّا كُتب عَلَيْهِم القتال إِذَا فريق مِنْهُم يَخشَوْنَ الناسَ كخشية الله} يخافون أن يقاتلهم الكُفَّار، كما يخافون أن ينزل الله عَلَيْهِم بأسه، لاَ شكًّا فيِ الدين وَلاَ رغبة فِيهِ، ولكن نفورا عَن الأخطار بالأرواح، أو خوفا مِنَ الموت، أي: يخشون الناس مثل أهل خشية الله، أي: مشبهين لأهل خشية الله، {أو أشدَّ خشية} أو أشدَّ خشية من أهل خشية الله، «أو» للتخيير، أي إن قلت: خشيتهم الناس كخشيتهم الله فأنت مصيب، وإن قلت: إِنَّهَا أشدُّ فأنت مصيب، لأَنَّهُم حصل لَهُم مثلها وزيادة.
{وَقَالُوا: رَبَّنَا لِمَ كتبت علينا القتال؟ لولا أخَّرتنا إِلىَ أجل قريب} هلاَّ أمهلتنا إِلىَ الموت، فنموت عَلَى الفرش، وَهُوَ سؤال عَن وجه الحكمة فيِ فرض القتال عليهم، أو لتأخير القتال عَنْهُم، من حال إِلىَ حال، كما قَالُوا: {لاَ تنفروا فيِ الحرِّ} (1) . {قل متاع الدُّنْيَا قليل، والآخِرَة خيرٌ لمن اتَّقى} متاع الدُّنْيَا قليل زائل، ومتاع الآخِرَة كثير دائم، والكثير إِذَا كَانَ عَلَى شرف الزوال فهو قليل، فكيف القليل الزائل. {وَلاَ تُظلمون فتيلا(77)} وَلاَ تنقصون أدنى شيء من أجوركم عَلَى مشاقِّ القتل؛ فلا ترغبوا عَنْهُ.
__________
(1) - ... سورة التوبة: 81. (1/242)
صفحة 243
ثمَّ أخبر أنَّ الحذر لاَ ينجي مِنَ القدر بقوله: {أينما تكونوا يدرككم الموتُ، ولو كُنتُم فيِ بروجٍ} حصون أو قصور، {مشيَّدة} مرفعة (1) ، والبروج فيِ الأصل: بيوت عَلَى أطراف القصر، مِن “تبرَّجت المرأة” إِذَا أظهرت زينتها. {وإن تصبهم حسنة} نعمة من خصب أو رخاء، {يقولوا: هَذِهِ من عند الله} ينسبوها إِلىَ الله، {وإن تصبهم سيِّئة} بليَّة من شدَّة أو قحط، {يقولوا: هَذِهِ من عندك} أضافوها إليك، وَقَالُوا: هِيَ من عندك، وَمَا كَانَت إِلاَّ بشؤمك، وذلك أنَّ المنافقين [102] واليهود كَانُوا إِذَا أصابهم خير حمدوا الله، وإذا أصابهم مكروه نسبوه إِلىَ محمَّد، فكذَّبهم الله بقوله: {قل: كلٌّ من عند الله} أي: كلُّ ذَلِكَ، فهو يبسط الأرزاق ويقبضها؛ {فمال هؤلاء القوم لاَ يكادون يفقهون} يفهمون {حديثا(78)}؛ فيعلمون أنَّ الله هُوَ الباسط القابض. وكلُّ ذَلِكَ صادر عَن حكمة؛ فنفى عَنْهُم فقه كلِّ حديث وَهُوَ كقوله: {لاَ يعقلون شَيْئًا...} (2) .
__________
(1) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «مرفوعة».
(2) - ... سورة البقرة: 170؛ وتمامها: {وإذا قيل لهم: اتَّبعوا ما أنزل الله. قالوا: بل نتَّبع ما ألفينا عليه آباءنا؛ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون}. (1/243)
صفحة 244
ثمَّ قَالَ: {مَا أصابك} يا إنسان، خطابا عامًّا، وقيل: خاصًّا للنَّبيِّ - عليه السلام -، والمراد غيره، {من حسنة} من نعمة وإحسان، {فمن الله} تفضُّلا مِنْهُ وامتنانا، {وَمَا أصابك من سيِّئة} من بليَّة ومصيبة، {فمن نفسك} فمن عندك، أي: مِمَّا كسبت يداك، {وَمَا أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} (1). ويحتمل هَذَا الخطاب لِكُلِّ متعبِّد، فـ {ما أصابك من حسنة} أي: طاعة، {فمن الله} أي: من فضله، {وَمَا أصابك من سيِّئة} أي: معصية فمن نفسك، لأَنَّ المعاصي لاَ تحال عَلَى الله، وإن كَانَت وقعت بقضائه، لأَنَّهُ زَجَرَ وحذَّر غاية التحذير. {وأرسلناك لِلنَّاسِ رسولا} لاَ مُقدِّراً حتَّى ينسبوا إليك الشدَّة، أو أرسلناك لِلنَّاسِ رسولا فإليك تبليغ الرسالة، وليس لك الحسنة والسيِّئة. {وكفى بالله شهيدا (79)} بأنَّك رسوله.
{من يطع الرسول فقد أطاع الله}، لأَنَّهُ لاَ يَأْمُرُ وَلاَ ينهى إِلاَّ بِمَا أمر الله بِهِ ونهى عَنْهُ، فكانت طاعته فيِ أوامره ونواهيه طاعةَ اللهِ، {ومن تولىَّ} عَن الطاعات، فأعرض عَنْها {فما أرسلناك عَلَيْهِم حفيظا (80)} تحفظ عَلَيْهِم أعمالهم، وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، أو تحفظهم عَن العصيان.
{__________
(1) - ... سورة الشورى: 30. (1/244)
صفحة 245
ويقولون} ويقول المنافقون إِذَا أمرتم بشيء: {طاعةٌ}، أي ... (1) {فإذا برزوا} خرجوا {من عندك، بيَّت طائفة مِنْهُم} زوَّر وسوَّى، فهو مِنَ البيتوتة، لأَنَّهُ قضاء الأمر وتدبيره بالليل، {غير الذِي تقول} خلاف مَا قلت أو أمرتَ بِهِ، {والله يكتب مَا يبيِّتون} يثبته فيِ صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه؛ {فأعرض عَنْهُم وتوكَّل عَلَى الله} فيِ شأنهم، فإنَّ الله يكفيك معرَّتهم، المعرَّة: المشقَّة والمساءة (2)، وينتقم لك مِنْهُم إِذَا قوي أمر الإسلام. {وكفى بالله وكيلا (81)} مكافئا لمن توكَّل عليه.
{أفلا يتدبَّرون القرآن} أفلا يتأمَّلون فيِ معانيه ومبانيه، والتدبُّر: التأمُّل والنظر فيِ أدبار الأمر وَمَا يؤول إِلَيْهِ فيِ عاقبته؛ ثُمَّ استعمل فيِ كلِّ تأمُّل، ومعنى تدبُّر القرآن: تأمُّل معانيه، والتفكُّر بصرف القلب بالنظر في الدلائل؛ وهذا يردُّ قول من زَعَم مِنَ الروافض أنَّ القرآن لاَ يُفهم مَعنَاهُ إِلاَّ بتفسير الرسول. {ولو كَانَ من عند غير الله} كما زعم الكفَّار، {لوجدوا فِيهِ اختلافا كثيرا (82)} أي: تناقضا من حيث التوحيد والتشريك والتحليل، وتفاوت من حيث البلاغة، فكَانَ بعضه بالغا حدَّ الإعجاز، وبعضه قاصراً عَنْهُ يمكن معارضته؛ ومن حيث المعاني فكَانَ بعضه إخبارا لغيبٍ قد وافق المخبر عَنْهُ، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عَنْهُ، وبعضه دالاًّ عَلَى معنىً صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالاًّ عَلَى معنىً فاسد غير ملائم؛ فَلَمَّا تناسب كلُّه فصاحةً فاتَت قُوَى الفصحاء، وصِحَّة معان، وصدق إخبار، عُلِم أَنَّهُ من جهة الله.
{__________
(1) - ... في العبارة سقط واضح.
(2) - ... في المنجد: المساءة: من ساء سَواءً وسَوءً ومساءً ومساءة الأمرُ فلانا: أحزنه أو فعل به ما يكره ... (1/245)
صفحة 246
وإذا جاءهم أمر مِنَ الأمن أو الخوف} هم ناس من ضعفة المُسْلِمِينَ [103] الذِينَ لم يكن فِيهِم خبرة بالأحوال، أو المنافقون كَانُوا إِذَا غلبهم خير من اسرابا (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمن وسلامة، أو خوف وخلل، {أَذَاعوا بِهِ} أفشوه، وكانت إذاعتهم مفسدة، يقال: أذاع السرَّ. {ولو ردُّوه إِلىَ الرسول، وإلى أولي الأمر مِنْهُم} يَعنِي: كبار الصحابة البصراء بأمور الدين، {لَعَلِمه} لَعَلِم تدبير مَا أخبروا بِهِ، {الذِينَ يستنبطونه مِنْهُم} يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم، ومعرفتهم بالأمور، وتفرُّسهم فيِ عواقبها، ردَّ حكمه فيِ الوقائع إِلىَ استنباطهم، فألحق رتبتهم برتبة الأنبياء، (لَعَلَّهُ) فيِ كشف حكم الله. {ولولا فضل الله عليكم} بإرسال الرسول، {ورحمته} بإنزال الكتاب، {لاتَّبعتم الشيطان} فيما يلقي إليكم مِنَ الوساوس، والموجبة (2) لضعف اليقين والبصيرة. {إِلاَّ قليلا (83)} منكم وَهُوَ أهل البصائر النافذة، من ذوي الصدق (لعلَّه) واليقين. {إِلاَّ قليلا} لم يتَّبعوه، وكَانُوا آمَنُوا بالعقل؛ ومن ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أن ليس بأشدَّ عَلَى الشيطان مِنَ العالِم، وأنَّ مصيدَهُ مِنَ الجهلة الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ حدود مَا أنزل الله عَلَى رسوله.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل ولعلَّ صواب العبارة: «إذا بلغهم خَبَر من أسرار رسول الله (ص)»، وَهُوَ ما يتناسب وتفسير الآيَة.
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «والموحية»، وَلَعَلَّ الأصوب حذف واو العطف. (1/246)
صفحة 247
فقاتل فيِ سبيل الله} لَمَّا تقدَّم فيِ الآي قبلها تثبيطُهم عن القتال قَالَ: {فقاتل فيِ سبيل الله} وإن أفردوك وأوحدوك. {لاَ تكلَّف إِلاَّ نفسك} أي: لاَ تكلَّف إِلاَّ تقويم نفسك، كما قَالَ: {عليكم أنفسكم} (1) وهذه رحمة مِنَ الله منَّ بها عَلَى عباده. {وحرِّض المؤمنين} وَمَا عليك فيِ شأنهم إِلاَّ التحريض عَلَى القتال فحسب، {عسى الله أن يكفَّ بأس الذِينَ كَفَرُوا} أي: بطشهم وشدَّتهم، بقتال المؤمنين الْكَافِرِينَ، {والله أشدُّ بأسا} مِنَ الذِينَ كَفَرُوا، {وأشدُّ تنكيلا (84)} تعذيبا.
{من يشفع شفاعة حسنة} هِيَ الشفاعة فيِ دفع شرٍّ، أو جلب نفع، مَعَ جوازها شرعا، {يكن لَهُ نصيب منها} من ثواب الشفاعة، {ومن يشفع شفاعة سيِّئة} هِيَ خلاف الشفاعة الحسنة. قَالَ ابن عبَّاس: «مَا لها مفسِّر غيري، مَعنَاهُ: من أَمَر بالتوحيد وضدِّه»، {يكن لَهُ كِفل} نصيب، {منها وكَانَ اللهُ عَلَى كلِّ شيء مُقيتا (85)} مقتدرا، من أقات عَلَى الشيء إِذَا اقتدر عليه، أو حفيظا، مِنَ القوت (2)، لأَنَّهُ يمسك النفس ويحفظها.
{وإذا حُيِّيتم} أي: سُلِّم عليكم؛ فإنَّ التحيَّة فيِ ديننا بالسلام فيِ الدارين، {بتحيِّة؛ فحيُّوا بأحسن منها أو رُدُّوها؛ إنَّ الله كَانَ عَلَى كلِّ شيء حسيبا (86)} أي: يحاسبكم عَلَى كلِّ شيء مِنَ التحيَّة وغيرها.
{__________
(1) - ... سورة المائدة: 105.
(2) - ... في اللسان: «القوت ما يمسك الرمق ... وَفيِ أسماء الله تعالى “المقيت” هو الحفيظ، وَقِيلَ: المقتدر، وَقِيلَ: هو الذي يعطي أقوات الخلائق ... ». للتوسُّع انظر: ابن منظور: لسان العرب، 5/ 183. (1/247)
صفحة 248
الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ ليجمعنَّكم} مَعنَاهُ: الله، وَاللهِ ليجمعنَّكم، {إِلىَ يوم القيامة} أي: ليحشرنَّكم إِلَيْهِ، {لاَ ريب فِيهِ، ومَن أصدق مِنَ الله حديثا (87)} أي: لاَ أحد أصدق مِنْهُ فيِ إخباره ووعده ووعيده، لاستحالة الكذب عليه لقبحه، لكونه إخبارًا (1) عَن الشيء بخلاف مَا هُوَ عليه.
{فما لكم فيِ المنافقين فئتين} أي: مَا لكم اختلفتم فيِ شأن قوم قد نافقوا نفاقا ظاهرا، وتفرَّقتم فِيهِم فرقتين؛ وَمَا لكم لم تقطعوا القول بكفرهم؛ قيل: إنَّ فرقة سمَّتهم مشركين، وفرقة سمَّتهم مؤمنين، فردَّ الله عليهم، وأخبر أَنَّهُم ليسوا بمشركين وَلاَ مؤمنين، ولكنَّهم منافقون، وأخبر أَنَّهُ {أركسهم بِمَا كسبوا}، ثُمَّ قَالَ عتابا لَهُم: {أتريدون أن تهدوا من أضلَّ الله}، لأَنَّهُ يوقع العتاب ها هنا عَلَى من سمَّاهم مؤمنين، ثُمَّ قَالَ: {ودُّوا لو تكفرون كما كَفَرُوا فتكونون سواء} فسمَّاهم كُفَّارا، ثُمَّ قَالَ: {فلا تتَّخذوا مِنْهُم أولياء حتَّى يهاجروا فيِ سبيل الله} فقد انقطعت [104] الولاية بين المؤمنين والكفَّار حتَّى يهاجروا فيِ سبيل الله. {والله أركسهم بِمَا كسبوا} أي نكَّسهم وردَّهم إِلىَ الكفر بِمَا كسبوا، {أتريدون أن تهدوا} أن تجعلوهم مهتدين، {من أضلَّ الله} من جعله الله ضالاًّ، أو تريدون أن تسمُّوهم مهتدين، وقد أظهر الله ضلالهم، فيكون تعبيرا لمن سمَّاهم مهتدين. {ومن يضلل الله فلن تجد لَهُ سبيلا (88)} طريقا إِلىَ الهداية.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إخبار»، وهو خطأ. (1/248)
صفحة 249
ودُّوا لو تكفرون كما كَفَرُوا فتكونون سواء} فيِ الكفر، {فلا تتَّخذوا مِنْهُم أولياء حتَّى يهاجروا فيِ سبيل الله فإن تولَّوا} عَن الإيمان {فخُذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم وَلاَ تتَّخذوا مِنْهُم وليًّا وَلاَ نصيرا (89)} وإن بدلوا (1) لكم الولاية والنصرة فلا تصدِّقوهم.
{إِلاَّ الذِينَ يَصِلُون إِلىَ قوم} أي ينتهون إِلَيْهِم، ويتَّصلون بهم، {بينكم وبينهم ميثاق} أي فاقتلوهم إِلاَّ من اتَّصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق، {أو جاءوكم} عطف عَلَى صفة «قوم»، أي: إِلاَّ الذِينَ يصلون إِلىَ قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عَن القتال لاَ لكم وَلاَ عليهم. {حَصِرَت صدورهمُ} الحصر: الضيق والانقباض، أي: ضاقت، {أن يقاتلوكم} عَن أن يقاتلوكم، {أو يقاتلوا قومهم} معكم، {ولو شاء الله لسلَّطهم عليكم} بتقوية قلوبهم، وإزالة الحصر عنها، {فلَقاتَلوكم} عطف عَلَى «سلَّطهم». {فإن اعتزلوكم} فإن لم يعترضوا لكم، {فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم} أي: الانقياد والاستسلام، {فما جعل الله لكم عَلَيْهِم سبيلا (90)} إِلىَ القتال.
{ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم} بالنفاق، {ويأمنوا قومهم} بالوفاق، {كلَّ مَا ردُّوا إِلىَ الفتنة} كلَّما دعاهم قوم إِلىَ قتال المُسْلِمِينَ، {أركسوا فِيهَا} قلبوا فِيهَا أقبح قلب وأشنعه، وكَانُوا شرًّا فِيهَا من كلِّ عدوٍّ. {فإن لم يعتزلوكم} فإن لم يعتزلوا قتالكم، {ويلقوا إليكم السلم} عطف عَلَى «لم يعتزلوكم»، أي: ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح. {ويكفُّوا أيديهم} عطف عليه أَيْضًا، أي: ولم يمسكوا عَن قتالكم. {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} حيث تمكَّنتم مِنْهُم وظفرتم بهم. {وأولئكم جعلنا لكم عَلَيْهِم سلطانا مبينا (91)} حجَّةً واضحة لظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم فيِ الكفر والغدر، وإضرارهم بالمسلمين.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويمكن أن نقرأ: «بذلوا»، ولعلَّ الصواب: «أبدَوْا لكم». (1/249)
صفحة 250
وَمَا كَانَ لمؤمن} وَمَا صحَّ لَهُ وَلاَ استقام وَلاَ لاق بحاله، كقوله: {وَمَا كَانَ لنبيٍّ أن يغلَّ} (1). {أن يقتل مؤمنا} ابتداءً غير قصاص، {إِلاَّ خطأً، ومن قتل مؤمنا خطأً فتحرير رقبة مؤمنةٍ} محكوم بإسلامها، وإن كَانَت صغيرة فيما قيل، قد جعل الله تكفير (2) القتلِ التحريرَ، لأَنَّ ذَلِكَ حياء إِذا العبد مفقود لنفسه موجود لسيِّده (3)، فالإعتاق إيجاد لاَ يقدر الإنسان عَلَى أكثر مِنْهُ، فيقابل الإعدام بالإيجاد، وذلك سلوك طريق المضادَّة. {ودية مسلَّمة إِلىَ أهله} مؤدَّاة إِلىَ ورثته يقسمونها كما يقسمون الميراث، لاَ فرق بينها وبين سائر التركة فيِ كلِّ شيء، فيقضى منها الدَّين، وتنفَّذ الوَصِيَّة، وإذا لم يبق وارث كَانَت فيِ بيت المال، والديَّة عَلَى العاقلة، والكفَّارة عَلَى القاتل. {إِلاَّ أن يصَّدَّقوا} إِلاَّ أن يتصدَّقوا عليه بالدِّية، أي: يعفوا عَنْهُ، وفي الحديث: «إنَّ كلَّ معروف صدقة» (4).
{__________
(1) - ... سورة آل عمران: 161.
(2) - ... في الأصل: «تفكير»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ صواب العبارة: «لأنَّ ذلك حياة العبدِ، إذِ العبدُ مفقود بنفسه، موجود بسيِّده».
(4) - ... رواه البخاريُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». كتاب الأدب، رقم 5562. مسلم: كتاب الزكاة، رقم 1673. الترمذي: كتاب البِرّ والصلة، رقم 1893. أبو داود: كتاب الأدب، رقم 4296. أحمد باقي مسند المكثرين، رقم 14182، 14348، 17992 ... (1/250)
صفحة 251
فإن كَانَ من قوم عدوٍّ لكم} عَن أبي سعيد: «عَن قول الله: {فإن كَانَ من قوم عدوٍّ لكم وَهُوَ مُؤْمِن؛ فتحرير رقبة مؤمنة ... } الآيَة. {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين}، فقد قيل فيِ هَذَا: إِنَّهُ فيِ كفَّارة الخطإ، وكفَّارة ذَلِكَ عتق رقبة مؤمنة موحِّدة؛ فمن [105] لم يجد عتق رقبة فصيام شهرين متتابعين». قَالَ أبو عبد الله: «فيِ قول الله: {وإن كَانَ من قوم عدوٍّ لكم وَهُوَ مُؤْمِن فتحرير رقبة مؤمنة} قَالَ: هُوَ أن يكون رجلٌ مُؤْمِن يقتل رجلاً مِنَ المُسْلِمِينَ خطأ وورَثَةُ المقتول من أهل الحرب، فلا يلزمه إِلاَّ تحرير رقبة مؤمنة، كما قَالَ الله، فإنَّ المقتولَ خطأً وارثه من قوم أعداء لكم، أي: كَفَرة». {وَهُوَ مُؤْمِن} أي: المقتول مُؤْمِن، {فتحرير رقبة مؤمنة} يَعنِي: إِذَا أسلم الحربيُّ من دار الحرب ولم يهاجر إلينا، فقتله مسلم خطأ تجب الكفَّارة بقتله للعصمة الإسلاميَّة وَلاَ تجب الديَّة لأَنَّ وارثه (1) محاربون، لم يثبت لهم عهد وَلاَ ذمَّة، {وإن كَانَ} أي: المقتول {من قوم بينكم}، بين المُسْلِمِينَ، {وبينهم ميثاق} عهد؛ {فديَّة مسلَّمة إِلىَ أهله وتحرير رقبة مؤمنة} أي: وإن كَانَ المقتول ذمِّيَّا فحكمه حكم المسلم. {فمن لم يجد} رقبة، أي: لم يملكها، وَلاَ مَا يتوصَّل بِهِ إِلَيْهِ، {فصيام شهرين متتابعين توبة مِنَ الله} قبولا مِنْهُ ورحمة، مِن “تَاب الله عليه” إِذَا قبل توبته. {وكَانَ الله عليما حكيما (92)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «ورثته». (1/251)
صفحة 252
ومن يقتل مؤمنا متعمِّدا فجزاؤه جَهَنَّم خالدا فِيهَا وغضب الله عليه ولعنه} أي: انتقم مِنْهُ، وطرده من رحمته، {وأعدَّ لَهُ عذابا عظيما (93)} لارتكابه أمرا عظيما. فيِ الحديث: «لزوال الدُّنْيَا أهون عَلَى الله من قتل أمرئ مسلم» (1)، لأَنَّ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا جعلت آلة للمؤمن، ولم يجعل المؤمن آلة (لَعَلَّهُ) لعوامِّ الدُّنْيَا مَعَ أهل التحقيق.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا ضربتم فيِ سبيل الله فتبيَّنوا} فتثبَّتوا، بمعنى الاستفعال، أي: اطلبوا بيان الأمر وثباته وَلاَ تتهوَّكوا (2) فِيهِ. {وَلاَ تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} وَهُوَ الاستسلام، {لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدُّنْيَا} تطلبون الغنيمة التِي هِيَ حطام سريع النفاد، فهو الذِي يدعوكم إِلىَ ترك التثبُّت وقِلَّة البحث عَن حال من تقتلونه، {فعند الله مغانم كثيرة} يُغنمكموها، تغنيكم عَن قتل رجل يُظهر الإسلام، {كذلك كُنتُم من قبل} أوَّل مَا دخلتم فيِ الإسلام، سمعت من أفواهكم: كلمة الشهادة؛ فحصَّنت دماءَكم وأموالكم، من غير انتظار الاطِّلاع عَلَى مواطأة قلوبكم لألسنتكم (3). {فمنَّ الله عليكم} بالاستقامة والاشتهار بالإيمان، فافعلوا بالداخلين فيِ الإسلام كما فُعِل بكم، أو كذلك كُنتُم من قبلُ لاَ تتبيَّنون قبلَ أن يُبَيِّن الله لكم، {فتبيَّنوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خبيرا (94)}.
{__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ في كتاب الديات، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، رقم 1315. النسائي: كتاب تحريم الدم من عدَّة طرق. ابن ماجه: كتاب الديات.
(2) - ... الأَهْوَكَ: هو الأحمق، وقد هوِك هَوكًا. ورجل هوَّاك ومتهَوِّك: أي متحيِّر. وفي الحديث: «أمتَهوِّكون أنتم كما تهوَّكت اليهود والنصارى؟ ... » بمَعْنَى أمتحيِّرون؟. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 6/ 845.
(3) - ... في الأصل: «لا ألسنتكم»، وهو خطأ. (1/252)
صفحة 253
لاَ يستوي القاعدون} عَن الجهاد، {من المؤمنين غير أولي الضرر} من مرض أو عاهة من عمًى أو عرج أو زمانة (1) أو نحوها، تنبيها عَلَى أنَّ القاعد من أولي الضرر، شريك للمجاهد فيِ الأجر، إِذَا كَانَت نيَّته أن يجاهد إن لو لم يكن بِهِ ذَلِكَ. {والمجاهدون فيِ سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} لاَ مساواة بَيْنَهُم وبين من قعد عَن الجهاد من غير علَّة، وفائدته تذكير مَا بينهما مِنَ التفاوت ترغيبا للقاعد من غير علَّة فيِ الجهاد، رفعا لرتبته، وأنفة عَن انحطاط منزلته. {فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم عَلَى القاعدين} قَالَ أبو سعيد: «إِنَّمَا عذر عَن الجهاد عند القدرة عَلَى الجهاد مِنَ الكافَّة بجهاد البعض، ولو اجتمعوا كلُّهم عَلَى ترك الجهاد وَهُم قادرون عليه كَانُوا بذلك هالكين مضيِّعين لما لزمهم من ترك الجهاد». {درجة، وكلاًّ وعد الله الحسنى} أي: المثوبة الحسنى وهي الجنَّة، وإن كَانَ المجاهدون مفضَّلين عَلَى القاعدين درجة بزيادة عملهم. {وفضَّل الله المجاهدين عَلَى القاعدين} بعذر أو بغير عذر، {أجرا عظيما (95) درجات مِنْهُ [106] ومغفرة ورحمة وكَانَ الله غَفُورا رحيما (96)}.
{__________
(1) - ... سبق شرحها صفحة: 86 من هَذَا التفسير. (1/253)
صفحة 254
إنَّ الذِينَ توفَّاهم المَلاَئِكَة ظالمي أنفسهم} أي: فيِ حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة، {قَالُوا} قَالَ المَلاَئِكَة للمتوفَّين: {فيم كُنتُم} فيِ أيِّ: شيء كُنتُم من أمر دينكم، ومعناه التوبيخ بأَنَّهُم لم يكونوا فيِ شيء مِنَ الدين، وذلك كلُّ كافر يُوبَّخ عَلَى مَا كفر بِهِ، ويقرُّ فيِ ذَلِكَ الحين بِمَا أنكر، ويَسأل الرجوع إِلىَ الدُّنْيَا ليصلح مَا أفسد. {قَالُوا: كُنَّا مستضعفين} عَن الهجرة {فيِ الأَرْض؛ قَالُوا} أي: المَلاَئِكَة موبِّخين لَهُم: {ألم تكن أرض الله واسعة، فتهاجروا فِيهَا} أرادوا: إنَّكُم كُنتُم قادرين عَلَى الخروج من أرض الشرك إِلىَ أرض الإسلام، وإلى الرسول - عليه السلام -، وهذا يدلُّ عَلَى أنَّ الإنسان إِذَا كَانَ فيِ بلد لاَ يتمكَّن فِيهِ من إقامة أمر الدين لبعض العوائق، وعَلم أنَّ فيِ غير بلده أقوم بحقِّ الله، وجبت عليه المهاجرة؛ وفي الحديث: «من فرَّ بدينه من أرض إِلىَ أرض، وإن كَانَ شبرا مِنَ الأَرْض، استوجب الجنَّة» (1). {فأولئك مأواهم جَهَنَّم وساءت مصيرا (97)}.
{إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان لاَ يستطيعون حيلة} فيِ الخروج منها، لفقرهم أو عجزهم؛ وفيه دَلِيل عَلَى وجوب الاحتيال لإقامة الدين. {وَلاَ يهتدون سبيلا (98)} وَلاَ معرفة لَهُم بالمسالك.
{فأولئك عسى الله أن يعفو عَنْهُم، وكَانَ الله عفوًّا غَفُورا (99)}، وذكر الولدان وَهُم غير متعبّدين، كأَنَّهُ أمر بإخراج أولاد المؤمنين مَعَ القدرة، من دار الشرك إِلىَ دار الإسلام، خوفا عَن أن يدركهم التعبُّد وَهُم بين ظهرانيهم، فيؤول عَلَيْهِم الضرر الدينيُّ والدنيويُّ، ومن قِبَل مَا يُخاف عَلَيْهِم مِنْهُم، فيِ حال طفولتهم؛ أو الولدان الذِينَ بلغ سنُّهم وكمل عقلهم.
{__________
(1) - ... لم نقف عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة. (1/254)
صفحة 255
ومن يهاجر فيِ سبيل الله يجد فيِ الأَرْض مراغما} أي: مُتحوَّلا يتحوَّل إِلَيْهِ؛ وقيل: مُتزحزحا عمَّا يكره، وقيل: مهاجرا وطريقا، يُراغم بسلوكه قومه، أي: يفارقهم عَلَى رغم أنوفهم، والرغم: الذلُّ والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام، وَهُوَ التراب، يقال: راغمت الرجل، إِذَا فارقته، وَهُوَ يكره مفارقتك لمذلَّة تلحقه بذلك. {كثيرا وسعة} فيِ الرزق، أو فيِ إظهار الدين. {ومن يخرج من بيته مهاجرا إِلىَ الله ورسوله} إِلىَ حيث أمر الله ورسوله، {ثمَّ يدركه الموت} قبل بلوغه مهاجره، {فقد وقع أجره عَلَى الله} أي: حصل لَهُ الأجر بوعد الله، {وكَانَ الله غَفُورا رحيما (100)} قَالُوا: كلُّ هجرة لطلب علم، أو حجٍّ، أو جهاد، أو فرار إِلىَ بلد يزداد فِيهِ طاعة وزهدا؛ فهي هجرة إِلىَ الله ورسوله؛ وإن أدركه الموت فيِ طريقه، قد وقع أجره عَلَى الله.
{وإذا ضربتم فيِ الأَرْض} سائرين، {فليس عَلَيْكُم جناح أن تقصروا مِنَ الصلاة} من أعدد (1) ركعاتها، {إن خفتم أن يفتنكم الذِينَ كَفَرُوا} إن خشيتم أن يفتنكم الذِينَ كَفَرُوا، بقتل أو جرح أو أَخذ، وقد رخِّص للمسافر ولزمه اليومَ القصرُ، مَعَ الخوف وعدمه، {إنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لكم عدوًّا مبينا (101)} فتحرَّروا عَنْهُم لئلاَّ يضرُّوكم فيِ دين أو دنيا.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عدد». (1/255)
صفحة 256
وإذا كنت فِيهِم فأقمت لَهُم الصلاة، فلتقم طائفة مِنْهُم معك} فاجعلهم طائفتين، فلتَقُم أحدهما (1) معك، فصلِّ بهم، وتقوم طائفة تجاه العدوِّ، {وليأخُذوا أسلحتهم؛ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} أي إِذَا صلَّت هَذِهِ الطائفة التِي معك ركعة، فليرجعوا ليقفوا بإزاء العدوِّ، {ولتأت طائفة أُخْرَى لم يصلُّوا؛ فليصلُّوا معك، [107] وليأخُذوا حذرهم وأسلحتهم وَدَّ الذِينَ كَفَرُوا لو تغفلون عَن أسلحتكم وأمتعتكم} أي: تمنَّوا أن ينالوا منكم فيِ صلاتكم، فليميلوا (2) عَلَيْكُم مَيلَة وَاحِدَة، وهكذا أعداء الباطن مترصِّدون للغفلة مِنَ الإنسان. {فيميلون عَلَيْكُم مَيلَة وَاحِدَة}، كما قَالَ: {وَمَا أرسلنا من قبلك من رسول وَلاَ نبيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنَّى ألقى الشيطان فيِ أمنيَّته} (3). {وَلاَ جُناح عليكم} والجناح: الإثم، وجَنَحت: إِذَا عَدَلت عَن القصد، {إن كَانَ بكم أذى من مطر أو كُنتُم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم} قد أمر الله نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بالصلاة جماعة فيِ وقت القتال، تنبيها عَلَى عظم فضلها، وأن لاَ تُترك إِلاَّ مَعَ عدمها، ورخَّص لَهُم فيِ وضع الأسلحة إن ثَقُلَ عَلَيْهِم حملها، بسبب مَا يؤذيهم من مطر، أو يضعفهم من مرض. وأمرهم مَعَ ذَلِكَ أن يأخُذوا الحذر لئلاَّ يغفلوا، فيهجم عَلَيْهِم العدوُّ. {إنَّ الله أعدَّ للكَافِرِينَ عذابا مهينا (102)} أخبر أَنَّهُ يهين عدوَّهم لتقوى قلوبهم. إنَّ الأمر بالحذر ليس لتوقُّع غلبتهم عليهم، وإنَّما هُوَ تعبُّد مِنَ الله تعالى.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إحداهما».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ليميلوا».
(3) - ... سورة الحج: 52. (1/256)
صفحة 257
فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} أي: دوموا عَلَى ذكر الله فيِ جميع الأحوال، أو فإذا أردتم الصلاة فصلُّوا قياما، إن قدرتم عليه، وقعودا إن عجزتم عَن القيام ومضطجعين إن (1) عجزتم عَن القعود. {فإذا اطمأننتم} سكنتم بزوال الخوف، {فأقيموا الصلاة} فأتمُّوها بطائفة وَاحِدَة، أو إِذَا اطمأنتم بالصِحَّة فأتمُّوا بالقيام والقعود والركوع والسجود. {إنَّ الصلاة كَانَت عَلَى المؤمنين كِتَابًا موقوتا (103)} مكتوبا محدودا، بأحوال موصوفة فيِ أوقات محدودة.
{وَلاَ تَهِنُوا} وَلاَ تضعفوا وَلاَ تتوانوا {فيِ ابتغاء القوم} فيِ طلب الكفَّار، {إن تكونوا تألمون فإِنَّهُم يألمون كما تألمون} لأَنَّهُم شبهكم فيِ الخلق، ومثلكم فيِ الطبع مباينوكم فيِ الخاصيَّة، كما قَالَ: {وترجون مِنَ الله مَا لاَ يرجون} أي: ليس مَا تجدون مِنَ الألم بالجرح والقتل مختصًّا بكم، بَل هُوَ مشترك بينكم وبينهم، ويصيبهم كما يصيبكم، ثُمَّ إِنَّهُم يصبرون عليه، فما لكم لاَ تصبرون مثل صبرهم، مَعَ أَنَّكُم أجدر مِنْهُم بالصبر لأنَّكم ترجون مِنَ الله مالا يرجون من إظهار دينكم عَلَى سائر الأديان، ومن الثواب العظيم؛ وذلك تنبيه مِنَ الله تعالى، وحثٌّ للمؤمن عَلَى الصبر إن نالته شدَّة فيِ قيام بشيء من واجباته، ويُراعي بصبره صبر من يحتمل المشاقَّ عَلَى دنيا فانية عقابها الخسران، والذهاب والعتاب والعذاب، بَل يكون أشدَّ صبرا وأثبتَ عزيمة، لأَنَّهُ لاَ يقاس مَا يرجوه من مولاه، مِنَ التوفيق فيِ الدُّنْيَا والثواب العظيم فيِ الآخِرَة، مَعَ ظنِّ من يسعى للدنيا وحطامها، وَمَا يؤول عليه (2) مِنَ الخسران للدنيا والآخِرَة. {وكَانَ الله عليما} بِمَا يجد المؤمنون، {حكيما (104)}، لأَنَّهُ لاَ يَأْمُرُكم وَلاَ ينهاكم إِلاَّ بِمَا يعلم أن فِيهِ صلاحكم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «عن»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إِلَيهِ». (1/257)
صفحة 258
إِنَّا أنزلنا إليك الكتاب بِالْحَقِّ لتحكم بين الناس بِمَا أراك الله} عَلَى قدر دعاويهم، أو لتُنزِّلهم منازلهم، من أمين أو خائن، تحذيرا لَهُ عَن أن يُخاصم الخائن لقوله: {وَلاَ تكن للخائنين} أي: لأجل الخائنين، {خصيما(105)} مخاصما، {واستغفر الله} مِمَّا هممت بِهِ، {إنَّ الله كَانَ غَفُورا رحيما(106)}.
{وَلاَ تجادل عَن الذِينَ يختانون أنفسهم} يخونونها بالمعصية، جعلت معصية العصاة خيانة مِنْهُم لأنفسهم، لأَنَّ الضرر راجع عليهم. {إنَّ الله لاَ يُحِبُّ من كَانَ خوَّانا أثيما(107)} خوَّانا مبالغا فيِ الخيانة مصرًّا عليها، «أثيما» منهمكا فِيهِ [108]، وإذا عثرت من رجل عَلَى سيِّئة، فاعلم أنَّ لها أخوات فيِ حقِّ أكثر الخلق، إِلاَّ الذِينَ آمَنُوا، فإِنَّهُم إن بدت مِنْهُم زلَّة يسرعون إِلىَ الانقلاع منها بالتوبة.
{يستَخْفُون} يستترون {من الناس} حياء مِنْهُم، وخوفا من ضررهم، وطمعا لما فيِ أيديهم، {وَلاَ يستخفون مِنَ الله} وَلاَ يستحيون مِنْهُ، {وَهُوَ معهم} وَهُوَ عالم بهم، مطَّلع عليهم، لاَ يخفى عليه خاف من سرِّهم، وكفى بهذه الآيَة ناعية عَلَى الناس مَا هم فِيهِ من قِلَّة الحياء والخشية من رَبِّهم، مَعَ علمهم أَنَّهُ معهم أين مَا كانوا، {إذ يُبَيِّتُون} يدبِّرون، وأصله أن يكون خفية، ولذلك أسند إِلىَ البيات، لأنَّ الفعل فِيهِ أخفى، {مَا لاَ يرضى مِنَ القول} وَهُوَ دَلِيل عَلَى أنَّ الكلام هُوَ المعنى القائم بالنفس، حيث سمَّى التدبير قولا، أو كَانَ قولا مِنْهُم لبعضهم بعض، {وكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ محيطا(108)} عالما علم إحاطة لاَ يخفى عليه مِنْهُ شيء.
{ (1/258)
صفحة 259
ها أَنتُم هؤلاء جادلتم عَنْهُم فيِ الحياة الدُّنْيَا فمن يجادل الله عَنْهُم يوم القيامة} فمن يخاصم عَنْهُم فيِ الآخِرَة إِذَا أَخَذهم الله بعذابه، {أم من (1) يكون عَلَيْهِم وكيلا (109)} حافظا من بأس الله وعذابه، فكأنَّ أحدا مِنَ المؤمنين جادل عَن أحد مِنَ المنافقين فيِ حقوق ثبتت عَلَيْهِم فيِ الإسلام، فعاتبهم الله بذلك، بدليل قوله:
{ومن يعمل سوءا} ذنبا، {أو يظلِمْ نفسَه} يترك مَا تعبَّده الله بِهِ، أو بارتكاب (2)، (لَعَلَّهُ) شيء من محرَّماته. {ثمَّ يستغفر الله يجدِ اللهَ غَفُورا رحيما (110) ومن يكسب إثما} ولم يتب مِنْهُ، {فإنَّما يكسبه عَلَى نفسه وكَانَ الله عليما حكيما (111)}.
{ومن يكسب خطيئة أو إثما ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بريئا} أي: يبرِّئ مِنْهُ نفسه من غير توبة مِنْهُ، إِلاَّ ظنًّا مِنْهُ أَنَّهُ لاَ يعاقبه عليه، ويستصغره أو يتهاون بِهِ، أو لاَ يظنُّه أَنَّهُ ذنب، أو يرمي بِهِ عَلَى غيره، ويقول: أنا ليس (3) فعلته، وإنَّما فعله فلان. {فقد احتمل بهتانا} كذبا عظيما، {وإثما مبينا (112)} ذنبا ظاهرا.
{ولولا فضل الله عليك ورحمته} أي: عصمته ولطفه مِنَ الاطِّلاع عَلَى شرِّهم، {لهمَّت طائفة مِنْهُم أن يُضلُّوك} عَن القضاء بِالْحَقِّ، وتوخِّي طريق العدل، {وَمَا يضلُّون إِلاَّ أنفسهم وَمَا يضرُّونك من شيء} أي: لاَ يملكون من ضرِّك شَيْئًا لم يرده الله فيك. {وأنزل الله عليك الكتابَ والحكمةَ وعلَّمَك مَا لم تكن تعلم} من أمور الدين والشرائع، أو من خفيَّات الأمور، وضمائر القلوب. {وكَانَ فضل الله عليك (4) عظيما (113)} فيما علَّمك وأنعم عليك.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أمَّن».
(2) - ... في الأصل: «برتكاب»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ونلاحظ فيه خطأ في التركيب، ولعلَّ الصواب: «ويقول: أنا لم أفعله».
(4) - ... في الأصل: - «عليك» وهو سهو. (1/259)
صفحة 260
لاَ خير فيِ كثير من نجواهم إِلاَّ من أمر بصدقة أو معروف (1) أو إصلاح بين الناس} الإصلاح بالتأليف بَيْنَهُم بالمودَّة. ويروى عَن عليٍّ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الله فرض عَلَيْكُم زكاة جاهكم، كما فرض عَلَيْكُم زكاة مَا ملكت أيمانكم». {ومن يفعل ذَلِكَ ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114)} ابتغاء: طلب رِضَى الله، وخرج عَنْهُ من فعل ذَلِكَ رياء أو تروسا (2)، ووصف الأجر بالعظم تنبيها عَلَى حقارة مَا لحقه مِنَ المكروه، وفاته من أعراض الدُّنْيَا فيِ جنَّته.
{ومن يشاقِقِ الرسولَ من بعد مَا تبيَّن لَهُ الهدى} ومن يخالف الرسول من بعد وضوح الدَّلِيل، وظهور الرشد، {ويتَّبعْ غيرَ سبيلِ المؤمنين} أي: السبيل الذِي هم عليه مِنَ الدين الحنيفيِّ الحقيقيِّ. {نولِّه مَا تولىَّ} نجعله وليًّا لِمَا تولىَّ مِنَ الضلال، وندَعه وَمَا اختاره فيِ الدُّنْيَا، {ونُصلِهِ جَهَنَّم} فيِ العقبى، {وساءت مصيرا (115)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أمعروف»، وهو خطأ.
(2) - ... في اللسان: التُّرس من السلاح: المتوقَّى بها؛ أو خشبة توضع خلف الباب. وجمعه أتراس وتِراس وتروسا. ابن منظور: 1/ 317. ولم يتَّضح محلُّ الكلمة في هَذَا السياق، وربَّما يقصد: إِنَّمَا فعل ذلك اتِّقاء لشرٍّ، أو خوفا لأَن يذكره الناس بسوء. (1/260)
صفحة 261
إنَّ الله لاَ يَغْفِر أن يُشرك بِهِ} قَالَ أبو سعيد فيِ تأويل هَذِهِ الآية: «فمن قامت [109] عليه الحجَّة، وبلغته المعرفة، فخالف بعد بلوغ الحجَّة والمعرفة ببيان الحقِّ مِنَ الباطل، والضلالِ مِنَ الهدى، فيفعل (1) مَا قد نُهي عَنْهُ كَانَ مشاققا لله ولرسوله والمسلمين، متَّبعا لغير سبيل المؤمنين، وَلاَ عذر لَهُ، وَلاَ يعلم فيِ ذَلِكَ اختلافا». {ويَغْفِرُ مَا دون ذَلِكَ} الصغائر، {لمن يَشَاء} لمن اجتنب الكبائر، وَهُوَ يقتضي جميع الكبائر التِي لم يتب منها، {ومن يشرك بالله} بأيِّ شرك كَانَ، {فقد ضلَّ ضلالا بعيدا (116)} عَن محجَّة الصواب.
{إن يدعون من دونه} مَا يعبدون من دون الله، {إِلاَّ إناثا} جمع أنثى، وهي اللاَّت والعزَّى ومناة؛ قيل: ولم يكن حيٌّ من أحياء العرب، إِلاَّ ولهم صنم يعبدونه يسمُّونه أنثى بني فلان، وقيل: كَانُوا يقولون فيِ أصنامهم هنَّ بنات الله، {وإن يدعون} يعبدون {إِلاَّ شيطانا}، لأَنَّهُ هُوَ الذِي أغراهم عَلَى عبادة الأصنام، فأطاعوه، فجعلت طاعتهم لَهُ عبادة، وقيل: المراد بِهِ المَلاَئِكَة لقولهم: المَلاَئِكَة بنات الله، {مَريدا (117)} خارجا عَن الطاعة، عازبا عَن الخير، ومنه الأمرد.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فيعل»، وهو خطأ. (1/261)
صفحة 262
لعنه الله؛ وقال: لأتَّخذنَّ من عبادك نصيبا مفروضا} مقطوعا واجبا لي، {ولأضلَّنَّهم} بالدعاء إِلىَ الضلالة، والتزيين والوسوسة، ولو كَانَ إنفاذ الضلالة إِلَيْهِ لأَضلَّ الكلَّ، {ولأمنِّينَّهم} ولألقينَّ فيِ قلوبهم الأماني الباطلة، من طول الأعمار وبلوغ الآمال، {ولآمُرَنَّهم فليُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام} البتك: القطع، والتبتيك للتكثير والتكرير، أي: لأحملنَّهم عَلَى أن يقطعوا آذان الأنعام، {ولآمرنَّهم فليغيِّرُنَّ خلق الله} عَن وجهه، صفة أو صورة؛ ويندرج فِيهِ مَا قيل من فَقْءِ عينِ الحامي (1)، وخصيِ العبيد، والوشم والوشر (2)، واللواط والسحق (3)، ونحو ذَلِكَ ويغيِّر فطرة الله التِي هِيَ الإسلام، لقوله: {لاَ تبديل لخلق الله} (4)، وعبادة الشمس والقمر واستعمال الجوارح والقوى فيما لاَ يعود عَلَى النفس كمالاً، ولا يوجب لها مِنَ الله زُلْفى. {ومن يتَّخذ الشيطان وليًّا من دون الله} وأجاب إِلىَ مَا دعاه إِلَيْهِ، {فقد خَسِر خُسرانًا مبينا (119)} فيِ الدارين.
{يعدهم} يوسوس لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُم عَلَى مَا يقتضيه طبعه، ويميل إِلَيْهِ بهواه، ويقبل مِنْهُ، {ويُمنِّيهم} مَا لاَ ينالون، لقوله: {وَمَا يعدهم الشيطان إِلاَّ غرورا (120)} هُوَ أن يُريَ شَيْئًا يظهر خلافه.
{أُولَئِكَ مأواهم جَهَنَّم وَلاَ يجدون عنها محيصا (121} معدِلا ومقرًّا (5).
{__________
(1) - ... «الحامي: الفحل من الإبل يضرب الضِّراب المعدودة، قيل: عشرة أبطن، فإذا بلغ ذلك قالوا: هَذَا حامٍ، أي حمى ظهره، فيترك فلا ينتفع منه بشيء، ولا يُمنع من ماء ولا مرعى. الجوهريُّ ... :
... فقأتُ لها عين الفحيلِ عيافة ... وفيهنَّ رَعْلاء المسامعِ والحامي».
... ابن منظور: لسان العرب، 1/ 731، مادَّة “حما”.
(2) - ... في المنجد: وَشَرَ يشِر وشْرًا أسنانه: حدَّدها ورقَّقها.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «السحاق».
(4) - ... سورة الروم: 30.
(5) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومفَرًّا». (1/262)
صفحة 263
وَالذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات} ولم يتَّبعوا الشيطان فيِ الأمر بالكفر، {سندخلهم جَنَّات تجري من تحتها الأَنهَار خالدين فِيهَا أبدا، وعد اللهِ حقًّا ومن أصدق مِنَ الله قيلا (122)} قولا، وفائدة هَذِهِ التوكيدات، مقابَلةُ مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه.
{ليس بأمانيكم} ليس الأمر عَلَى شهواتكم أَيُّهَا المشركون والمنافقون، {وَلاَ أماني أهل الكتاب}، وقيل: ليس مَا وعد الله مِنَ الثواب يُنال بأمانيكم أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، وَلاَ بأماني أهل الكتاب، وإنَّما يُنال بالإيمان والعمل الصالح؛ وقيل: ليس الإيمان بالتمنِّي، ولكن مَا وقر فيِ القلب، وصدَّقه العمل. {من يعمل سوءا يُجزَ بِهِ، وَلاَ يجِدْ لَهُ من دون الله وليًّا وَلاَ نصيرا (123)} وهذا وعيد للمفسدين.
{ومن يعمل مِنَ الصالحات} بِمَا تعبَّده الله منها، وَمَا تقرَّب إِلَيْهِ مِنَ النوافل؛ {من ذَكَرٍ أو أنثى} إذ لاَ فرق بينهما فيِ العمل، {وَهُوَ مُؤْمِن؛ فأولئك يدخلون الجنَّة وَلاَ يُظلمون نقيرا (124)} لاَ يظلمون أعمال السوء فترادون (1) عذابا فوق مَا يستحقُّونه، وَلاَ أعمال (2) الصالحات فينقصون.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فَيَرِدُون».
(2) - ... في الأصل: «ولاعمال». (1/263)
صفحة 264
ومن أحسن دينا} [110] من أحسن مِنْهُ دينا، {مِمَّن أسلم وجهَه لله} أخلص نفسه لله وجعلها سالمة لَهُ، لاَ يعرف لها ربًّا ومعبودا سواه، {وَهُوَ محسِنٌ} عامل للحسنات، وقيل فيِ الحديث: «الإحسان أن تعبد الله كأَنَّك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإِنَّهُ يراك» (1). {واتَّبع ملَّة إبراهيم حنيفا} مائلا عَن الأديان الباطلة، {واتَّخذ اللهُ إبراهيمَ خليلا (125)} عبارة عَن اصطفائه واختصاصه بكرامة شبه كرامة الخليل عند خليله؛ والخليل هُوَ فيِ الأصل: المخال الذِي يخالك، أي: يوافقك فيِ خلالك، أو يداخلك خلال منزلك، أو يسدُّ خُللك، كما تسدُّ خلَلَه؛ فالخلَّة: صفاء مودَّة توجب الاختصاص بتخلُّل الأسرار؛ والمحبَّةُ أصفى، لأَنَّهُا من حَبَّة القلب؛ وَالمَعنَى: تأكيد وجوب اتِّباع طريقته، لأَنَّ من بلغ مِنَ الزلفى عند الله أن اتَّخذه خليلا كَانَ جديرا بأن تُتَّبع ملَّته وطريقته، ليكون الله خليله. وهذه الصفات شريفة لاَ تُنال إِلاَّ بتزكية النفوس من رذائل الأخلاق؛ وفي مضمون هَذِهِ (2): المرادُ مِنَ الخلق أن يكونوا كلُّهم أخلاَّء الله، لأَنَّهُم المخاطبون أن يأتَمُّوا بمن كَانَ عَلَى هَذِهِ المنزلة الشريفة.
{__________
(1) - ... رواه الإمام الربيع بن حبيب عن أنس بلفظ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْمَلَ للهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». حديث رقم 56، باب [9] في الإيمان والإسلام والشرائع. ورواه البخاري: كتاب الإيمان، رقم 48؛ كتاب تفسير القرآن، رقم 4404. مسلم والترمذي والنسائي كلُّهم في كتاب الإيمان. أبو داود: كتاب السنَّة. ابن ماجه: المقدِّمة. أحمد: مسند العشرة؛ باقي مسند المكثرين؛ مسند الشاميِّين. العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «الإحسان».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «هذا». (1/264)
صفحة 265
ولله مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} دليل عَلَى أنَّ اتِّخَاذه خليلا باحتياج الخليل إِلَيْهِ، لاَ لاحتياجه تعالى، لأَنَّهُ منزَّه عَن ذَلِكَ. {وكَانَ الله بكلِّ شيء محيطا(126)} إحاطة علم وقدرة.
{ويستفتونك فيِ النساء} الإفتاء: تبيين المبهم، {قل: الله يفتيكم فيهنَّ، وَمَا يتلى عَلَيْكُم فيِ الكتاب فيِ يتامى النساء اللاَّتي لاَ تؤتونهنَّ مَا كُتب لهنَّ} قيل: من صداقهنَّ، {وترغبون أن تنكحوهنَّ} أي: فيِ نكاحهنَّ لمالهنَّ وجمالهنَّ بأقلَّ من صداقهنَّ، وقيل: حقِّهن مِنَ الميراث؛ لأَنَّهُم كَانُوا لاَ يورِثون النساء، {وترغبون أن تنكحوهنَّ، والمستضعفين مِنَ الولدان} أي: اليتامى. قيل: كَانُوا فيِ الجاهليَّة إنَّما يورِّثون الرجل القوَّام بالأمور، دون الأطفال والنساء. وَالمَعنَى: يفتيكم فيِ يتامى النساء، وفي المستضعفين مِنَ الصبيان أن تعطوهم حقوقهم، وفي {أن تقوموا لليتامى بالقسط} أي: بالعدل فيِ أنفسهم وفي مواريثهم، تعطوا كلَّ ذي حقٍّ مِنْهُم حقَّه. {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} فيِ إصلاحهم، وإصلاح أموالهم، لأَنَّهُم لاَ يستقيمون بأنفسهم من دون قائم؛ {وَمَا تفعلوا من خير} من عدل وبِرٍّ؛ {فإنَّ الله كَانَ بِهِ عليما(127)} أي: يجازيكم عليه كَانَ قليلا أو كثيرا.
{ (1/265)
صفحة 266
وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} توقَّعت مِنْهُ ذَلِكَ، لِمَا لاح لها من مخايله، وَمَا رأته تجافيا عنها، وترفُّعا عَن صحبتها كراهة لها، ومنعا لحقوقها، {أو إعراضا} بِأَن يُقِلَّ محادثتَها ومؤانستَها، بسبب كِبَر سنٍّ أو دمامة، أو شيء فيِ خُلُق أو خَلْقٍ، أو ملال أو طموحِ عينٍ إِلىَ أُخْرَى، أو غير ذَلِكَ؛ {فلا جُناح عليهما أن يصلحا بينهما} صلحا، أن يتصالحا عَلَى [أن] تطيب لَهُ نفسا عَن القسمة، أو عَن بعضها، أو تهب لَهُ بعض المهر أو كلَّه، أو النفقة، {والصلح خير} مِنَ الفُرقة، أو مِنَ النشوز، أو مِنَ الخصومة فيِ كلِّ شَيء، أو الصلح خير مِنَ الخيور، كما أنَّ الخصومة شرٌّ مِنَ الشرور. ومن آثار أصحابنا قَالَ فيِ هَذِهِ الآيَة: «فمَعِي أَنَّهُ قيل: إنَّ هَذَا فيِ الرجل يكون عنده الزوجة، فيتزوَّج عليها غيرها، ويميل عنها إِلَيْهِا لمحبَّة، فوسَّع (1) الله للرَّجل ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَن رأي زوجته ورضاها أن يتزوَّج عليها إِذَا اصطلحا عَلَى ذَلِكَ، عَلَى مَا اصطلحا عليه من إيثار الآخِرَة (2) عليها فيِ [111] معاشرة، أو مؤنة إِذَا رضيت بذلك. وأخبر أَنَّ الصلح عَلَى ذَلِكَ إن اتَّفقا خير مِنَ المشاق والفراق، فإن لم يتَّفقا ولم يصطلحا، فليس إِلاَّ الحكم من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان بين الزوجين». هكذا وجدته فيِ زيادة جامع ابن جعفر، وأظنُّه أَنَّهُ عَن أبي سعيد.
{__________
(1) - ... يمكن أن نقرأ: «بوسع».
(2) - ... كذا في الأصل، وَلَعَلَّ الأصوب: «الأخرى»، أي الزوجة الأخرى. (1/266)
صفحة 267
وأُحضرت الأنفس الشحَّ} أي: جعل الشحَّ حاضرا لها، لاَ يغيب عنها أبدا؛ وَلاَ تنفكُّ عَنْهُ، يَعنِي: مطبوعة عليه، والمراد أنَّ المرأة لاَ تكاد تسمح بقسمها ببيتها، والرجل لاَ تكاد نفسُهُ تسمح بأن يقسم لها إِذَا رغِب عنها، فكلُّ وَاحِد منهما يطلب مَا فِيهِ راحته، ثُمَّ حثَّ عَلَى مخالفة الطبع ومتابعة الشرع، بقوله: {وإن تحسنوا} بالعفو والمسامحة، وترك الشحِّ، أو الإقامة عَلَى المعاشرة لنسائكم، وإن كرهتموهنَّ إِذَا كَانَ فيِ الإمساك يرجى صلاح أكثر مِنَ الفرقة، {وتتَّقوا} النشوز أو الإعراض، وَمَا يؤدِّي إِلىَ الأذى والخصومة، {فإنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} مِنَ الإحسان والصبر والتقوى، {خبيرا(128)} فيثيبكم عليه. قيل: كَانَ عمران الخارجي من أدمِّ بني آدم، وأمرأته من أجملهم، فنظرت إِلَيْهِ، وقالت: «الحمد لله عَلَى أنَّني وإيَّاكَ من أهل الجنَّة»، قَالَ: «كيف»؟ قالت: «لأنَّك رُزِقتَ مثلي فشكرتَ، ورُزِقتُ مثلك فصبرتُ، والجنَّة موعَدَة للشاكرين والصابرين».
{ (1/267)
صفحة 268
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} ولن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية، حتَّى لاَ يقع ميلٌّ البتَّة، فتمام العدل أن يسوَّى بينهنَّ فيِ المحبَّة والجماع، وذلك لاَ يطاق فيِ قوى الشرِّ، بَل واجب أن يسوَّى بينهنَّ فيِ المبيت وفي أداء الواجب لهنَّ؛ وكان - عليه السلام - يقسم بين نسائه، فيعدل فيقول: «هِيَ قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخِذني فيما تملك وَلاَ أملك» (1)، يَعنِي: المحبَّة، {ولو حرصتم} بالغتم فيِ تحرِّي ذَلِكَ، {فلا تميلوا كلَّ الميل} بترك المستطاع، “فإنَّ مَا لاَ يدرك كلُّه لاَ يترك كلُّه”. {فتذروها كالمعلَّقة} أي: فتقدعوا (2) الآخرى كالمنوطة، وهي التِي ليست بذات بعل، وَلاَ مطلَّقة، {وإن تصلحوا} بينهنَّ، {وتتَّقوا} الجور، {فإنَّ الله كَانَ غَفُورا} لما لاَ يستطاع فعله، {رحيما (129)}.
{وإن يتفرَّقا} أي: إن لم يصطلح الزوجان عَلَى شيء، وتفرَّقا بالخلع، أو بتطليقه إيَّاها، وإيفائه مهرها ونفقة عدَّتها، {يُغْنِ اللهُ كُلاًّ} كلَّ وَاحِد منهما، {مِن سَعَتِه} من غناه، أي: يرزقه زوجا خيرا من زوجه، وعيشا أهنأ من عيشه. {وكَانَ الله واسعا} من حيث أحلَّ استبدال الأزواج، {حكيما (130)} بالإذن فيِ السراح، فالسعة: الغنى والقدرة، والواسع: الغنيُّ المقتدر، ثُمَّ بيَّن غناه وقدرته بقوله:
{ولله مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} خَلْقًا، والمتملِّكون عبيدَه رقًّا.
{__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا، في كتاب النكاح، رقم 1059. والدارميُّ في كتاب النكاح، رقم 2110.
(2) - ... في اللسان: قَدَع يَقدَعُ قَدعًا والقَدْعُ: هو الكفُّ والمنع والكَبح؛ وفي الحديث: «اقدَعوا هَذِهِ النفوس فإنَّها طُلَعة». ابن منظور: لسان، 5/ 34. (1/268)
صفحة 269
وَلَقَد وصَّينا الذِينَ أوتوا الكتاب} هُوَ اسم للجنس، ويتناول الكتب السماويَّة، {من قبلكم} مِنَ القرون الخالية، {وإيَّاكم أن اتَّقُوا الله} المَعنَى: أنَّ هَذِهِ وَصِيَّة قديمة مِنَ الله لعباده، لستم بها مخصوصين، لأَنَّهُم بالتَّقوى يوحِّدونه، وبه يسعدون ويفوزون. {وإن تكْفُرُوا} المعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتَّقوى، وقلنا لَهُم: {وإن تكفرُوا فإنَّ لله مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض وكَانَ الله غنيًّا} عَن خلقه وعن عبادتهم إن أطاعوه، فلا يزيد فيِ ملكه شيء، وإن كَفَرُوا فلا يُنقص من سلطانه شيء، {حميدا (131)} مستحقًّا لأَن يحمد لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد. وتكرير [112] قوله: {ولله (1) مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} تقرير لما هُوَ موجبٌ توحيدَه وتقواه، لأَنَّ الخلق لمَّا كَانَ كلُّه لَهُ وَهُوَ خالقهم ومالكهم، فحقُّه أن يكون مطاعا فيِ خلقه غير مَعصيٍّ، وفيه دليل عَلَى أنَّ التَّقوى أصل الخير كلِّه فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، وأنَّ الكفر أصل الشرِّ كلِّه فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{ولله مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض، وكفى بالله وكيلا (132)} فاتَّخذوه وكيلا وَلاَ تتَّكلوا عَلَى غيره، وحقيقة التوكُّل: الانقطاع إِلىَ الله بالكلِّية. ثُمَّ خوَّفهم وبيَّن قدرته بقوله:
{إن يشأ يذهِبْكم} يعذِّبكم {أَيُّهَا الناس} إن عصيتموه، {ويأت بآخرين} ويُوجِد إنسا آخرين مكانكم، أو خلقا آخرين غير الإنس أطوع منكم. {وكَانَ الله عَلَى ذَلِكَ قديرا (133)} بليغ القدرة.
{من كَانَ يريد ثواب الدُّنْيَا} كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة، {فعند الله ثواب الدُّنْيَا والآخِرَة} فما لَهُ يطلب أحدهما دون الآخر، والذي يطلبه أخسُّهما، لأَنَّ من جاهد لله خالصا لم تخطئه الغنيمة، وَلَهُ من ثواب الآخِرَة، {وكَانَ الله سميعا بصيرا (134)} هُوَ وعد ووعيد.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لله» وهو سهو. (1/269)
صفحة 270
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كونوا قوَّامين بالقسط} مجتهدين فيِ إقامة العدل، حتَّى لاَ يقع منكم ميل إِلىَ الهوى، {شهداء لله} تشهدون للمحقِّين بِالْحَقِّ، وعلى الْكَافِرِينَ بالكفر، أو تقيمون شهادتكم لوجه الله، {ولو عَلَى أنفسكم} ومن القيام فأولى بالمرء نفسه (1)، وعلى كلِّ أحد أن يقوم لها وعليها، بِمَا يرجو لها بِهِ الفكاك، وبما يرجوا أن يسلم بِهِ مِنَ الهلاك، ثُمَّ عليه القيام بعد ذَلِكَ عَلَى أهله وأقاربه الأقرب فالأقرب، عَلَى مَا يبلغ إِلَيْهِ طَوله مِنَ القيام لَهُم بالقسط وعليهم، ثُمَّ بعد ذَلِكَ حيث بلغت قدرته، ليس معه لذلك غاية، وَلاَ لَهُ معه نهاية، حتَّى يموت عَلَى ذَلِكَ إن شاء الله.
ومن القيام بالقسط لله أن يشهَد لَهُ بالوحدانيَّة، وأَنَّهُ ربٌّ معبود، وعلى نفسه أَنَّهُ عبد لَهُ، ويندرج فيِ هَذِهِ الشهادةِ الشهادةُ بالحقوق والتحقيق، {أو الوالدين والأقربين} أي: ولو كَانَت الشهادة عَلَى أقاربكم، {إن يكن} المشهود عليه {غنيًّا}، فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلبا لرضاه، {أو فقيرا}، فلا يمنعها ترحُّما عليه، {فالله أولى بهما} بالغنيِّ والفقير، أي: بالنظر لهما والرحمة. {فلا تتَّبعوا الهوى} إرادة أن تعدلوا عَن الحقِّ، مِنَ العدول، وكراهة {أن تعدلوا} بين الناس، مِنَ العدل أن تلووا (بواوين) {وإن تلووا} ألسنتكم عَن شهادة الحقِّ أو حكومة العدل، {أو تعرضوا}، وقيل: بواو وَاحِدَة وضمِّ اللاَّم مِنَ الولاية، {فإنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خبيرا (135)} إن أطعتموه أو عصيتموه؛ وذلك يتناول الترغيب والتخويف.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ صواب العبارة: «ومن القيام بالقسط أن يبدأ المرء بنفسه». (1/270)
صفحة 271
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا} خطاب لمن آمن باللِّسان، {آمِنُوا} أي: صدِّقوا بالقلوب، وذلك بمعنى اليقين والمعرفة، {بالله ورسوله والكتاب الذِي نزَّل عَلَى رسوله} أي: القرآن، {والكتاب الذِي أنزل من قبلُ} أي: جنس مَا أنزل عَلَى الأنبياء قبله مِنَ الكتب. قَالَ أبو سعيد: «إِنَّمَا وجدنا تأكيد الإيمان من كِتَاب الله؛ إِنَّمَا وجدناه إيمان التصديق واليقين أو المعرفة، وإنَّما يخاطب بذلك المقرِّين بالجملة». {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} أي: ومن لم يصدِّق بشيء من ذَلِكَ بقلبه، {فقد ضلَّ ضلالا بعيدا (136)} لأَنَّ الكفر ببعضه كفر بكلِّه.
{إنَّ الذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازدادوا كفرا (1) لم يكن الله ليَغْفِر لَهُم وَلاَ ليهديَهم سبيلا (137)} أي: طريقا إِلىَ الجنَّة.
[113] {بشِّر المنافقين} أي: أخبرهم، والبشارة: كلُّ خبر تتغير بشرة (2) الوجه سارًّا كَانَ أو غير سارٍّ، {بأنَّ لَهُم عذابا أليما (138)} فيِ الدارين.
{الذِينَ يتَّخذون الْكَافِرِينَ أولياء من دون المؤمنين، أيبتغُونَ (3) عندهم العزَّة}؛ كَانَ المنافقون يوالون الكفرة يطلبون مِنْهُم المنعة والنصرة. {فإنَّ العِزَّة لله جميعا (139)} لأَنَّ الله مالك الأمور كلِّها، ومالك قلوب الْكَافِرِينَ الذِينَ يريدون منها العِزَّة.
{__________
(1) - في الأصل: لم يذكر هذه الآية «ثم ازدادوا كفرا» وهو سهو من الناسخ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يغيِّر بشرة» أو «تتغيَّر به بشرة الوجه».
(3) - ... في الأصل: «أيبغون» وهو خطأ. (1/271)
صفحة 272
وقد نزّل عَلَيْكُم فيِ الكتاب أن إِذَا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها} قيل: دخل فيِ هَذِهِ [الآية] كلُّ محدِث فيِ الدين، وكلُّ مبتدع إِلىَ يوم القيامة. {فلا تقعدوا معهم} أي: لاَ تشركوهم فيِ كفرهم واستهزائهم، {حتىَّ يخوضوا فيِ حديث غيره} حتَّى يشرعوا فيِ كلام غير الفكر (1)، {إِنَّكُم إِذًا مثلهم} فيِ الوزر، إِذَا قعدتم معهم لأجل استماع الخوض والاستهزاء، أو رضيتم بفعلهم. {إنَّ اللهَ جامِعُ المنافقين والْكَافِرِينَ فيِ جَهَنَّم جميعا (140)} لاجتماعهم فيِ الكفر والخوض والاستهزاء.
{الذِينَ يتربَّصون} ينتظرون {بكم}، مَا يحدث بكم، من ظفر أو عكسه، {فإن كَانَ لكم فتح مِنَ الله} نصر وغنيمة، {قَالُوا: ألم نكن معكم} مظاهرين فأشركونا فيِ الغنيمة، {وإن كَانَ للكَافِرِينَ نصيب} سمَّى ظفر المُسْلِمِينَ فتحا، تعظيما لشأنهم، لأَنَّهُ أمر عظيم تفتح لَهُ أبواب السَّمَاء؛ و [سمَّى] ظفر الْكَافِرِينَ نصيبا تخسيسا لحظِّهم، لأَنَّهُ قطعة مِنَ العذاب تصيبهم، {قَالُوا} الكُفَّار: {ألم نستحوذ عليكم} الاستحواذ مِنَ الاستيلاء والغلبة، كما قَالَ: {استحوذ عَلَيْهِم الشيطان} (2) أي: استولى عَلَيْهِم وغلبهم، يقول: ألم نخبركم بعودة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وبإطلاعكم عَلَى سرِّهم؛ وقيل: يقول المنافقون لِلكُفَّارِ: ألم نغلبكم عَلَى رأيكم، {ونمنعْكم مِنَ المؤمنين} بِأَن ثبَّطناهم عنكم، وخيَّلنا لَهُم مَا ضعفت قلوبهم بِهِ، وقصَّروا فيِ قتالكم؛ فهاتوا نصيبا مِمَّا أصبتم، {فاللهُ يحكم بينكم} أَيُّهَا المؤمنون والمنافقون، {يوم القيامة} فيدخل المنافقين النار والمؤمنين الجنَّة، {ولن يجعل الله للكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين سبيلاً (141)} بَل لَهُم عَلَيْهِم السبيل.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الكفر».
(2) - ... سورة المجادلة: 19. (1/272)
صفحة 273
إنَّ المنافقين يخادعون الله} أي: يفعلون مَا يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر. {وَهُوَ خادعهم} وَهُوَ خادعهم بالاستدراج والإملاء من حيث لاَ يَعْلَمُونَ، وكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى سبيل الجزاء، لمَّا أن أظهروا الإيمان بالظاهر وأخفوا المعاصي، أظهر الله لَهُم النعم الظاهرة، وألبس عَلَيْهِم مَا يلبسون عَلَى أنفسهم، حيث تصامموا وتعاموا عَن الحقِّ، فيرون أَنَّهُم مهتدون. {وإذا قاموا إِلىَ الصلاة قاموا كُسالى} متثاقلين كراهة، لاَ يريدون بها وجه الله، وَلاَ يرجون عليها ثوابا، وَلاَ يخافون من تركها عقابا؛ ثُمَّ فسَّر إقبالهم إِلَيْهِا كسالى بقوله: {يُراءون الناسَ} أي: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، {وَلاَ يَذْكُرون اللهَ إِلاَّ قليلا(142)} إذ المرائي لاَ يفعل إِلاَّ بحضرة من يرائيه، وَهُوَ أقلُّ أحواله، أو لأَنَّ ذكرهم باللِّسان قليل بالإضافة إِلىَ الذكر بالقلب. وقيل: المراد بالذكر الصلاة، وقيل: الذكر فِيهَا، فإِنَّهُم لاَ يذكرون فِيهَا غير تكبيرة الإحرام والتسليم. وقيل: لاَ يذكرون الله بإخلاص. وقيل: لاَ يذكرون الله فيِ جميع الأحوال كما يجب عليهم، بَل يذكرونه فيِ شيء دون شيء، وذلك لاَ ينفع.
{ (1/273)
صفحة 274
مُذَبْذَبِينَ} أي: متردِّدين (1) حياري، يَعنِي: ذبذبهم الشيطان والهوى، بين الإيمان والكفر؛ فَهُم متردِّدون بينهما متحيِّرون، يَعْمَلُونَ الطاعات عقيب المعاصي، والمعاصي [113] عقيب الطاعات (2) مثل التِي نقضت غزلها من بعد قوَّة أنكاثا (3). {بين ذَلِكَ}، بين عمل الكفر والإيمان، {لاَ إِلىَ هؤلاء} لاَ منسوبين إِلىَ أهل الشرك بإظهارهم الإيمان بالألسنة، {وَلاَ إِلىَ هؤلاء} وَلاَ إِلىَ أهل الإيمان لأَنَّهُم لم يعملوا عملهم، أو لاَ صائرين إِلىَ أحدهم بالكلِّية. {ومن يضللِ اللهُ فلن تجدَ لَهُ سبيلا (143)} طريقا إِلىَ الهدى.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تتَّخذوا الْكَافِرِينَ أولياء من دونِ المؤمنين} فإِنَّهُ صنيع المنافقين وديدنهم فلا تشبَّهوا بهم، {أتريدون أن تجعلوا لله عَلَيْكُم سلطانا مبينا (144)} حجَّة بيِّنة فيِ تعذيبكم.
{إنَّ المنافقين فيِ الدَّرَكِ الأسفلِ مِنَ النار} أي: فيِ الطبق الذِي فيِ قعر جَهَنَّم، والنار: سبع دركات سمِّيت (4) بذلك لأَنَّهُا متداركة، متتابعة بعضها فوق بعض؛ وقيل: فيِ توابيت من حديد مقفلة عليهم، تتوقَّد فِيهِ (5) النار؛ وإنَّما كَانَ المنافق أشدَّ عذابا مِنَ الكافر، لأَنَّهُ مثله فيِ الكفر، وضمَّ إِلىَ كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله. {ولن تجد لَهُم نصيرا (145)} يمنعهم مِنَ العذاب.
{__________
(1) - ... في الأصل: «مرددين». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... في الأصل: «الطاعطات»، وهو خطأ.
(3) - ... اقتباس من قوله تعالى: {ولا تَكُونوا كالتي نَقَضت غَزْلَهَا مِن بعدِ قوَّةٍ أنكاثا تتَّخذون أَيْمانكم دَخَلا بينكم أن تكونَ أُمَّة هي أربَى من أُمَّة}. سورة النحل: 92.
(4) - ... في الأصل: «سمت»، وهو خطأ.
(5) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فيها». (1/274)
صفحة 275
إِلاَّ الذِينَ تابوا} من نفاقهم، {وأصلحوا} مَا أفسدوا، {واعتصموا بالله} ووثقوا بِهِ، كما يثق المؤمنون الخلَّص، وَهُم المنقطعون إِلَيْهِ بالكلِّية، {وأخلصوا دينهم لله} لاَ يبتغون بطاعتهم إِلاَّ رضاه عَنْهُم، {فأولئك مَعَ المؤمنين} رفاقهم فيِ الدارين، لَهُ مَا لَهُم، {وسوف يُؤتِ الله المؤمنين أجرا عظيما (146)} فيشاركونهم فِيهِم. ثُمَّ استفهم مقرِّرا أَنَّهُ لاَ يعذِّب المؤمن الشاكر فقال:
{مَا يَفعَل الله بعذابكم إن شكرتم} نِعم الله {وآمنتم}، أيتشفَّى بِهِ غيظا؟ (1) أو يدفع ضرًّا؟ أو يستجلب بِهِ نفعا؟ وَهُوَ الغنيُّ المتعالي عَن النفع والضرِّ، وإنَّما يعاقب المصرَّ بكفره، لأَنَّ إصراره كسوء مزاج، يؤدِّي إِلىَ مرض؛ فإذا أزاله بالإيمان والشكر، ونقَّى عَنْهُ نفسه، يخلص من اتَّبعته (2). {وكَانَ الله شاكرا} يجزيكم (3) عَلَى شكركم، أو يقبل اليسير مِنَ العمل ويعطى الجزيل مِنَ الثواب، {عليما (147)} عالما بِمَا تصنعون.
{لاَ يُحِبُّ الله الجهرَ بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِم} أي: ومن ظُلم لاَ يُحِبُّ الله الجهر مِنْهُ، {وكَانَ الله سميعا عليما (148)} بظلم الظالم؛ ثُمَّ حثَّ عَلَى العفو، وأن لاَ يجهر أحد لأحد بسوء، وإن كَانَ عَلَى وجه الانتصار، فقال:
{إن تبدوا خيرا} أي: تظهروه، {أو تخفوه} أو تسرُّوه، {أو تعفوا عَن سوء} أي: عَن مظلمة؛ أي: تمحوه عَن قلوبكم اختيارا للثواب. {فإنَّ الله كَانَ عفوًّا قديرا (149)} أي: أَنَّهُ لم يزل يعفو عَن الآثام مَعَ قدرته عَلَى الانتقام؛ فعليكم أن تقتدوا بسنَّته وتتَّصفوا بأوصافه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «غيضا»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تَبِعَاتِه».
(3) - ... في الحاشية كتبت كلمة «الحزوء» وهي غير مفهومة بعد «يجزيكم». (1/275)
صفحة 276
إنَّ الذِينَ يكفرون بالله ورسله، ويريدون أن يفرِّقوا بين الله ورسله} بِأَن يؤمنوا بالله، ويكفرُوا برسله، {ويقولون: نؤمن ببعض، ونكفر ببعض} كاليهود كَفَرُوا بعيسى ومحمَّد والإِنجِيل والقرآن، وكالنصارى كَفَرُوا بمحمَّد والقرآن، وكذلك من ردَّ حجَّة عالم أقام عليه بشيء من دين الله، أو ردَّ حقًّا ألهمه الله إيَّاه من عقله، أو أعرض عَن آيَة من آيات الله تعالى، فهو داخل فيِ معنى هَذِهِ الآيَة. {ويريدون أن يتَّخذوا بين ذَلِكَ سبيلا (150)} أي: ذنبا (1) وسطا بين الإيمان والكفر.
{أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ} هُوَ الكاملون فيِ الكفر، لأَنَّ الكفر بوَاحِد كفر بالكلِّ؛ {حقًّا} تأكيد لمضمون الجملة، كقولك: هَذَا عبد الله حقًّا، أي: حقَّ ذَلِكَ، وَهُوَ كونهم كاملين فيِ الكفر، أو هُوَ صفة لمصدر الْكَافِرِينَ هم الذِينَ كَفَرُوا حقًّا ثابتا يقينا [114] لاَ شكَّ فِيهِ، {وأعتدنا للكَافِرِينَ عذابا مهينا (151)} معجَّلا ومؤجَّلا.
{وَالذِينَ آمَنُوا بالله ورسله} كلِّهم، ولم يردُّوا حجَّة الله [لمَّا] قامت عليهم، {ولم يفرِّقوا بين أحد مِنْهُم} لمن وصفهم [كَذَا]، {أُولَئِكَ سوف يؤتيهم أجورهم} فيِ الدارين بإيمانهم بالله وكتبه ورسله. {وكَانَ الله غَفُورا رحيما (152)} (لَعَلَّهُ) يَعنِي: مِنَ الرسل، والمؤمنون يقولون: {لاَ نفرِّق بين أحد من رسله} (2).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «دِينًا».
(2) - ... سورة البقرة: 285. والعبارة من قوله: «(لَعَلَّهُ) يعني» إِلىَ آخر الآيَة، غير واضحة إذ كثر فيها التشطيب وإعادة الكتابة فوق الكلمات المشطوبة نفسها. (1/276)
صفحة 277
يسألك أهل الكتاب أن تنزِّل عَلَيْهِم كِتَابًا مِنَ السَّمَاء} قيل: كِتَابًا محرَّرا بخط سماويٍّ عَلَى ألواح، كما كَانَت التَّوْرَاة، أو كِتَابًا نعاينه حين ينزل، أو كِتَابًا إلينا بإعياننا ... (1) بأنَّك رسول الله وإنَّما اقترحوا ذَلِكَ عَلَى سبيل التعنُّت. قَالَ الحسن: «لو سألوه لكي يَتبيَّنوا الحقَّ لأعطاهم، وفيما آتاهم كفاية». {فقد سألوا موسى أكبر من ذَلِكَ} أي: أعظم من ذَلِكَ؛ وإنَّما أسند السؤال إِلَيْهِم وإن وجد من آبائهم، لكونهم راضين بسؤالهم جهرة، {فَقَالُوا: أرنا الله جهرة} عيانا؛ {فأَخَذتهم الصاعقة} قيل: نار جاءت مِنَ السَّمَاء فأهلكتهم {بظلمهم} عَلَى أنفسهم، بسؤال شيء فيِ غير موضعه، أو بالتحكُّم عَلَى نبيِّهم، {ثمَّ اتَّخذوا العجل} إلها، {من بعد مَا جاءتهم البيِّنات؛ فعفونا عَن ذَلِكَ} تفضُّلا، ولم نستأصلهم بالهلاك، قيل: هَذَا استدعاء إِلىَ التوبة، مَعنَاهُ: أُولَئِكَ الذِينَ أجرموا تابوا فعفونا عَنْهُم، فتوبوا أَنتُم حتَّى نعفو عنكم مثلهم. {وآتينا موسى سلطانا مبينا (153)} حجَّة ظاهرة.
{ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوا، {وقلنا لَهُم} والطور مظلٌّ عليهم: {ادخلوا الباب سُجَّدا} متواضعين منقادين، غير متعالين عَلَى الله وعلى رسله وكتبه، {وقلنا لَهُم: لاَ تعدُّوا} لاَ تجاوزوا الحدَّ، {فيِ السبت} مَعنَاهُ: لاَ تعدُّوا لاَ تظلموا باصطياد (2) الحيتان فِيهِ. {وأَخَذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا (154)} قيل: قولهم سمعنا وأطعنا، أو خلقهم عَلَى الفطرة.
{__________
(1) - ... فراغ في الأصل قدر كلمة، تقديرها: «يُثبِتُ».
(2) - ... في الأصل: «باصياد»، وهو خطأ. (1/277)
صفحة 278
فَبِمَا نقضِهِم ميثاقَهم وكفرِهم بِآيَاتِ الله، وقتلِهم الأنبياءَ بغير حقٍّ} بغير سبب يستحقُّون القتل، {وقولهم: قلوبنا غُلف} أي: محجوبة لاَ يتوصَّل إِلَيْهِا شيء مِنَ الذكر والوعظ، وقيل: أوعية للعلوم، أو {فيِ أكنَّة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ} (1)، فقال مكذِّبا لَهُم: {بَل طَبَعَ اللهُ عليها بكفرهم} فجعلها محجوبة عَن العلم، لِمَا فِيهَا مِنَ التجاهل، أي: منعها الإلطاف، وخذلها بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، {فلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قليلا (155)} مِنْهُم، أو إيمانا غير خالص، وَلاَ منتفَع بِهِ إِلاَّ فيِ دار الدُّنْيَا، أو الإيمان ببعض والكفر ببعض، كما قَالَ: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}؟ (2) وكأنَّ هَذَا أصحّ.
{وبكفرهم وقولهم عَلَى مَرْيَم بهتانا عظيما (156)} هُوَ النسبة إِلىَ الزنا.
{وقولِهم: إِنَّا قَتَلنا المسيحَ عيسى ابنَ مَرْيَم رسولَ الله} سُمِّي مسيحا قيل: لأَنَّ جبريل - عليه السلام - مسحه بالبركة، أو لأَنَّهُ كَانَ يمسح المريض والأكمه والأبرص فيبرأ، فسمِّي مسيحا بمعنى الماسح. {وَمَا قتلوه وَمَا صلبوه، ولكن شُبِّه لَهُم؛ وإنَّ الذِينَ اختلفوا فِيهِ لفي شكٍّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ من علم، إِلاَّ اتِّباع الظنِّ} اتِّباع الظنِّ ليس من جنس العلم، {وَمَا قتلوه يقينا (157) بَل رَفَعَه الله إِلَيْهِ وكَانَ الله عزيزا حكيما (158)}.
{وإن من أهل الكتاب إِلاَّ ليؤمننَّ بِهِ قبل موته} قيل: ليس أحد من أهل الكتاب إِلاَّ ليؤمننَّ بِهِ قبل موته، يَعنِي: إِذَا عاين أسباب الموت، حين لاَ ينفعه إيمانه، لانقطاع وقت التكليف والاختيار. {ويوم (3) القيامة [116] يكون عَلَيْهِم شهيدا (159)} كما قَالَ: {فكيف إِذَا جئنا من كلِّ أمَّة بشهيد} (4).
{__________
(1) - ... سورة فصِّلت: 5.
(2) - ... سورة البقرة: 85.
(3) - ... في الأصل: «ويو» وهو خطأ.
(4) - ... سورة النساء: 41. (1/278)
صفحة 279
فبظلم مِنَ الذِينَ هادوا حرَّمنا عَلَيْهِم طيِّبات أُحلَّت لَهُم} دينية ودنيويَّة كما قَالَ: {وَعَلَى الذِينَ هادوا حرَّمنا كلَّ ذي ظفر} (1) وَالمَعنَى: مَا حرَّمنا عَلَيْهِم الطَّيِّبَات إِلاَّ لظلم عظيم ارتكبوه، وَهُوَ مَا عُدِّد قبل هَذَا. {وبصدِّهم عَن سبيل الله} وبصرفهم أنفسهم وغيرهم عَن الإيمان، {كثيرا(160)} خلقا كثيرا.
{وأَخْذِهم الربا، وقد نُهُوا عَنْهُ، وأكلِهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكَافِرِينَ مِنْهُم عذابا أليما(161)} فيِ الدارين.
{لكن الراسخون فيِ العلم} أي: الثابتون فِيهِ المتقنون لدقائقه، {مِنْهُم} من أهل الكتاب، {والمؤمنون} مِنَ المهاجرين والأنصار، {يُؤْمِنُونَ بِمَا أنزل إليك وَمَا أُنزل من قبلك} القرآن وَمَا تقدَّمه، {والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر، أُولَئِكَ سنؤتيهم أجرا عظيما(162)} فيِ الدارين.
{إِنَّا أوحينا إليك كما أوحينا إِلىَ نوح والنبيِّين من بعده، وأوحينا إِلىَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} قيل: أولاده، {وعيسى وأيُّوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا(163)}.
{ورسلا قد قصصناهم عليك من قبلُ، ورسلا لم نقصصهم عليك} الذِينَ خصَّهم بالذكر مَعَ اشتمال النبيِّين عَلَيْهِم تعظيما لَهُم، {وكلَّم الله موسى تكليما(164)}.
{رسلا مبشِّرين ومنذرين، لئلاَّ يكون لِلنَّاسِ عَلَى الله حجَّة بعد الرسل} تنبيه عَلَى أنَّ بعثة الأنبياء إِلىَ الناس ضرورة، لقصور الكلِّ عَن إدراك جزئيات المصالح، والأكثرِ عَن إدراك كلِّياتها، وفيه دليل عَلَى أنَّ الله تعالى لاَ يعذِّب الخلق إِلاَّ بعد بعثه الرسل لقوله: {وَمَا كُنَّا معذِّبين حتَّى نبعث رسولاً} (2) . {وكَانَ الله عزيزا حكيما(165)} فيِ بعث الرسل للإنذار.
__________
(1) - ... سورة الأنعام: 146.
(2) - ... سورة الإسراء: 15. (1/279)
صفحة 280
وَلَمَّا نزل {إِنَّا أوحينا إليك...} قَالُوا: مَا نشهد لك بهذا فنزل: {لكن الله يشهد بِمَا أنزل إليك} ومعنى شهادة الله بِمَا أنزل إِلَيْهِ: إثباته لصحَّته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بِالبَيِّنَاتِ، إذ الحكيم لاَ يُؤَيِّدُ الكاذب بالمعجزة، {أنزله بعلمه} بعلمه الذِي يحتاج إِلَيْهِ الناس، فيِ معاشهم ومعادهم، {والمَلاَئِكَةُ يَشهَدون} لك بالنبوءة، وفيه تنبيه عَلَى أَنَّهُم يودُّون أن يعلموا صِحَّة دعوى النبوءة عَلَى وجهٍ يستغني عَن النظر والتأمُّل، وهذا النوع من خواصِّ الملك، وَلاَ سبيل للإنسان إِلىَ العلم بأمثال ذَلِكَ سوى الذكر والنظر؛ فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوَّتك وشهدوا بها. {وكفى بالله شهيدا(166)} شاهدا وإن لم يشهد غيره.
{إنَّ الذِينَ كَفَرُوا} بتكذيب محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، {وصدُّوا عَن سبيل الله} ومنعوا الناس عَن سبيل الحقِّ، {قد ضلُّوا ضلالا بعيدا(167)} عَن الحقِّ، لاَ يستطيعون الرجوع إِلىَ الهدى، وَلاَ يرجى لَهُم مَا داموا عَلَى الكفر.
{إنَّ الذِينَ كَفَرُوا وظلموا لم يكن الله ليَغْفِر لَهُم} مَا داموا عَلَى الكفر، {وَلاَ ليهديَهم طريقا(168) إِلاَّ طريق جَهَنَّم خالدين فِيهَا أبدا، وكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يسيرا(169)} مقيمين عَلَى الإصرار لاَ تقع مِنْهُم (لَعَلَّهُ) طاعة، وَلاَ يتأتىَّ مِنْهُم إِلاَّ مَا يقرِّبهم إِلىَ جَهَنَّم، ويبعدهم مِنَ الجنَّة والرحمة.
{يَا أَيُّهَا الناس قد جاءكم الرسول بِالْحَقِّ من ربِّكم؛ فآمنوا خيرا لكم وإن تكفرُوا فإنَّ لله مَا فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} لاَ يتضرَّر بكفركم كما لاَ ينتفع بإيمانكم، {وكَانَ الله عليما} بأحوالكم، [117] {حكيما(170)} فيِ مَا دبَّر لكم.
{ (1/280)
صفحة 281
يا أهل الكتاب لاَ تغلوا فيِ دينكم} لاَ تجاوزوا (1) الحدَّ فغلت اليهود فيِ حطِّ المسيح عَن منزلته، حتَّى قَالُوا: إِنَّهُ ابن الزنى، وغلت النصارى فيِ رفعه عَن مقداره حيث جعلوه ابن الله، {وَلاَ تقولوا عَلَى الله إِلاَّ الحقَّ} وَهُوَ تنزيه عمَّا لاَ يليق بِهِ. {إِنَّمَا المسيحُ عيسى ابنُ مَرْيَم} لاَ ابن الله، {رسول الله، وكلمته} أي: آيته {ألقاها إِلىَ مَرْيَم} أي: أعلمها، {وروح مِنْهُ} سمِّي روحا:، لأَنَّهُ كَانَ يحيي الأموات أو القلوب، {فآمنوا بالله ورسله؛ وَلاَ تقولوا: ثلاثة انتهوا خيرا لكم إِنَّمَا الله إله وَاحِد سبحانه أن يكون لَهُ ولد لَهُ مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} بيان لتنزيهه مِمَّا نسب إِلَيْهِ، [والـ] معنى أنَّ كلَّ مَا فيهمَا خلقه وملكه؛ فكيف يكون بعض ملكه جزءًا مِنْهُ؟، إذ النبوَّة والملك لاَ يجتمعان، عَلَى أنَّ الجزء إِنَّمَا يصحُّ فيِ الأجسام، وَهُوَ يتعالى عَن أن يكون جسما. {وكفى بالله وكيلا (171)} حافظا ومدبِّرا لهما وَلِمَا فيهما.
{__________
(1) - ... في الأصل: «تجاوزا»، وَهُوَ خطأ. (1/281)
صفحة 282
لن يستنكف المسيح} أي: لم يأنف ولن يتعظَّم، والاستنكاف: التكبُّر مَعَ الأنفة، {أن يكون عبدًا لله وَلاَ المَلاَئِكَة المقرَّبون} أي: الكروبيُّون الذِينَ حول العرش، كجبريل ومكائيل وإسرافيل ومن فيِ طبقتهم، وَالمَعنَى: والمَلاَئِكَة المقرَّبون أن يكونوا عبادا لله. واختلف فيِ الأفضل مِنَ المَلاَئِكَة والمؤمنين مِنَ البشر؛ فقيل: المَلاَئِكَة، لأَنَّهُم لاَ يعصون الله أبدا، وقيل: المؤمنون مِنَ البشر أفضل، لأَنَّهُم تعبّدوا بقهر البواعث النفسانيَّة، والدواعي الجسدانيَّة، فكانت طاعتهم أشقَّ لكونها مَعَ الصوارف، بخلاف طاعة المَلاَئِكَة، لأنَّهم جُبلوا عليها، فكانت أزيد ثوابا، ولقول الله تعالى: {أُولَئِكَ هم خير البريَّة} (1)، والمَلاَئِكَة مِنَ البريَّة؛ وقيل: إنَّ خواصَّ البشر وَهُم الأنبياء عَلَيْهِم الصلاة [والسلام] والرسل أفضل من خواصِّ المَلاَئِكَة، وَهُم الرسل، كجبريل وميكائيل وعزرائيل (2) ونحوهم؛ وخواصُّ المَلاَئِكَة أفضل من عوامِّ المؤمنين مِنَ البشر؛ وعوامُّ المؤمنين مِنَ البشر أفضل من عوامِّ المَلاَئِكَة. {ومن يستنكفْ عَن عبادته ويستكبرْ} والاستكبار دون الاستنكاف، {فسيحشرُهم إِلَيْهِ جميعا (172)}، فيجازيهم عَلَى استنكافهم واستكبارهم.
{فَأمَّا الذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات فيوفِّيهم أجورهم} فيِ الدارين، {ويزيدهم من فضله، وَأَمَّا الذِينَ استنكفوا واستكبروا فيعذِّبهم عذابا أليما} فيِ الدارين، {وَلاَ يجدون لَهُم من دون الله وليًّا وَلاَ نصيرا (173)} ينصرهم من عذابه.
{يَا أَيُّهَا الناس قد جاءكم برهان من ربِّكم} أي: رسول يُبهِر المُنكِر بالإعجاز، {وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174)} قرآنا يُستضَاء بِهِ فيِ ظلمات الحيرة.
{__________
(1) - ... سورة الْبَيِّنَة: 7.
(2) - ... في الأصل: «عزائل»، وهو خطأ. (1/282)
صفحة 283
فأمَّا الذِينَ آمَنُوا بالله واعتصموا بِهِ} امتنعوا بِهِ من زيغ الشيطان، {فسيدخلهم فيِ رحمة مِنْهُ} ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله، ورحمة مِنْهُ لاَ قضاءً لحقٍّ واجب {وفضل} إحسان زائد عليه، {ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مستقيما (175)} غير معوجٍّ وَلاَ زائغٍ وَلاَ متردِّدٍ.
{يستفتونك، قل الله يُفتيكم فيِ الكلالة إن أمرؤٌ هَلَكَ ليس لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أختٌ فلها نصفُ مَا تَرك وَهُوَ يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مِمَّا ترك، وإن كَانُوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثلُ حظِّ الأنثيَينِ يُبَيِّنُ اللهُ لكم أن تضلُّوا} أي: يُبَيِّنُ الله لكم ضلاكم الذِي من شأنكم إِذَا خلَّيتم من طباعكم، لتميلوا عَنْهُ وتهوُوا خلافه، {والله بِكُلِّ شيء عليم (176)} يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده.
سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا أوفوا بالعقود} يقال: وفَّى بالعهد، ووافى بِهِ، والعقد: العهد الموثق شُبِّه بعقد الحبل ونحوه، وهي عقود الله التِي عقدها عَلَى عباده، وألزمها إيَّاهم، من مواجب التكليف والعقود، التِي تتعاقدها الناس مِنَ المبايعة والمناكحة وغيرها. {أُحلَّت لكم بهيمة الأنعام، إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُم غير محلِّي الصيد وأنتم حُرُم} كأنَّه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام، فيِ حال امتناعكم مِنَ الصيد، وأنتم محرمون لئلاَّ يضيق عليكم، {إنَّ الله يحكم مَا يريد (1)} لاَ ينازع فيِ حكمه، بل يحِبُّ الإذعان لحكمه، لأَنَّهُ هُوَ العالم بمصالح عباده.
{ (1/283)
صفحة 284
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تُحلُّوا شعائر الله} (لَعَلَّهُ) بالقول، أو العمل، أو النيَّة؛ جمع شعيرة: وَهُوَ اسم مَا أشعر، أي: جُعل شِعارا و عَلما للنسك من مواقف الحجِّ، ومرامي الجِمار، والمطاف والمسعى، والأفعال التِي هِيَ علامات الحاجِّ يعرف بها مِنَ الإحرام، والطواف والسعي والحلق والنحر، وقيل: دين الله، لقوله: {ومن يعظِّم شعائر الله} (1) أَي: دينه، وقيل: فرائضه التِي حدَّها لعباده، فليس للعباد إحلالُ مَا حرَّمه الله، وَلاَ حجر مَا أباحه الله، وليس [لهم] إِلاَّ التسليم لأحكامه جلَّ وعلا. {وَلاَ الشهرَ الحرامَ} أَي: وَلاَ شهر الحجِّ، {وَلاَ الهديَ} هُوَ مَا هُدي إِلىَ البيت؛ فتُقُرِّبَ بِهِ إِلىَ الله مِنَ النسائك، {وَلاَ القلائد} جمع قلادة: وَهُوَ مَا قلِّد بِهِ الهدي من نعل أو عروة؛ مراده أو لحاء شجر أو غيره. {وَلاَ آمِّين البيت الحرام} وَلاَ تُجلوا قوما قاصدين المسجد الحرام، وَهُم الحجَّاج والعمَّار، ويدخل فيِ ذلكَ جميع القاصدين لبيوت الله للطاعة، وإجلاء [كَذَا] هَذِهِ الأشياء أن يُتهاون بحرمة الشعائر، أو أن يُحال بينها وبين المتنسِّكين بها، أو أن تُحدثوا فيِ (2) أشهر الحجِّ مَا تصدُّون بِهِ الناس عَن الحجِّ، وأن يتعرَّض للهَدي بالغصب، أو بالمنع من بلوغ محلِّه، وَأَمَّا القلائد فجاز أن يراد (3) ذوات القلائد. {يبتغون فضلا من ربِّهم} أَي: ثوابا، {ورضوانا} وأن يرضى عَنْهُم، أَي: لاَ تتعرضوا لقوم هَذِهِ صفتهم، تعظيما لَهُمْ، ومن تعرَّض لأذاهم أو صدَّهم عَنْ ذلكَ، فقد تعدَّى أمر الله فِيهِم.
{__________
(1) - ... سورة الحجّ: 32.
(2) - ... في الأصل: + «في»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «يردا»، وهو خطأ. (1/284)
صفحة 285
وإذا حللتم فاصطادوا} إباحة للاصطياد بعد حظره عَلَيْهِم، بقوله {غير محلِّي الصيد وأنتم حُرم}. {وَلاَ يَجرمنَّكم} وَلاَ يحملنَّكم، أو لا يكسبنَّكم {شنآن قوم} أَي: شدَّة بغضهم وعداوتهم، {أن صدُّوكم عَن المسجد الحرام أن تعتدوا} وأجرم أَي: كسب، وَلاَ يكسبنَّكم بغضُ قوم لأَن صدُّوكم الاعتداءَ لتعتدوا عَلَيْهِم بغير مَا أمر الله، وَلاَ يحملنَّكم عليه، {وتعاونوا عَلَى البرِّ والتقوى} قيل: البرُّ: متابعة الأمر، والتقوى: (لعلَّه) مجانبة النهي. {وَلاَ تعاونوا عَلَى الإثم والعدوان} الإثم: ترك المأمور، والعدوان: فعل المحظور، وقيل: الإثم: الكفر، والعدوان: الظلم. {واتَّقُوا (1) الله} عباد الله، {إنَّ الله شديد العقاب (2)} فيِ الدارين لمن عاون عَلَى الإثم والعدوان، ولم يعاون عَلَى البرِّ والتقوى.
{حرِّمت عَلَيْكُم الميتة والدم ولحم (2) الخنزير، وَمَا أُهلَّ لغير الله بِهِ} أَي: رفع الصوت بِهِ لغير الله، وَهُوَ قولهم: باسم اللاَّت والعزَّى، أو نحو ذلكَ عند ذبحه، {والمنخنقة والموقوذة (3) والمتردِّية والنطيحة وَمَا أكل السبع، إِلاَّ مَا ذكَّيتم وَمَا ذُبح عَلَى النُّصب} قيل: كَانَت لَهُمْ حجارة منصوبة حول البيت، يذبحون [119] عليها، يعظِّموها بذلك ويتقرَّبون بِهِ إِلَيْهَا، تسمَّى الأنصَاب واحدها نَصْبٌ، أو هُوَ جمع، والوَاحِد نصاب. قَالَ أبو سعيد: «فأجمع أهل التأويل أنَّه مَا ذبح مِنَ الأنعام الحلال أصلها، ولم يذكر اسم الله عليها بشيء مِنَ الآلهة غير الله، أنَّها حرام، وأنَّها لاحقة بقوله: {وَمَا ذُبح عَلَى النصب}، {وَمَا أهلَّ بِهِ لغير الله} (4)».
{__________
(1) - ... في الأصل: «وتقوا»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «والحم»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «والموقواذة»، وهو خطأ.
(4) - ... سورة البقرة: 173. (1/285)
صفحة 286
وأن تستقسموا بالأزلام}: هُوَ طلب القسم، والحكم، مِنَ الأزلام (1) هِيَ القداح المعلَّمة؛ قيل: كَانَ أحدهم إِذَا أَرَادَ سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو غير ذَلِكَ، تعمَّد إِلىَ قداح ثلاثة عَلَى وَاحِد منها مكتوب: «أمرني رَبِّي»، وعلى الآخر: «نهاني ربِّي»، والثالث غفل؛ فإن خرج الآمر مضى لحاجته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاده؛ فمعنى الاستقسام بالأزلام، طلب معرفة قسمٍ لَهُ مِمَّا لم يقسم لَهُ. قَالَ الزجَّاج: «لا فرق بين هَذَا، وبين قول المنجِّمين: لاَ تخرج مِن أجلِ نجم كذا، واخرجْ لطلوع نجم كذا»، وقيل: هُوَ الميسر. {ذلكم فسق} أَي: الاستقسام بالأزلام خروج عَن الطاعة، ويحتمل أن يعود إِلىَ كلِّ محرَّم فيِ الآيَة.
{اليوم يئس الذِينَ كَفَرُوا من دينكم} يئسوا مِنْهُ أن يبطلوه أو يغلبوه، لأَنَّ الله وفَّى بعهده من إظهاره عَلَى الدين كلِّه، أو لاَ يطمعوا (2) فيِ الارتقاء بِهِ مَعَ وقوف أنفسهم فيِ بحبوحة هواهم، {فلا تخشوهم} بعد إظهار الدين وزوال الخوف مِنَ الكفَّار، وانقلابهم مغلوبين بعد مَا كَانُوا غالبين، {واخشون} أَي: أخلصوا إليَّ الخشية.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والأزلامُ هيَ ... ».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يطمعون». (1/286)
صفحة 287
اليوم أكملتُ لكم دينَكم} بالنصر والإظهار عَلَى الأديان كلِّها، أو بالتنصيص عَلَى قواعد العقائد، والتوفيق عَلَى أصول الشرائع، وقوانين الاجتهاد، وأكملت لكم مَا تحتاجون لَهُ فيِ تكليفكم، من تعليم الحلال والحرام، والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس. {وأتممتُ عَلَيْكُم نعمتي} بالهداية والتوفيق، أو بكمال الدين وهدم منار الجاهليَّة ومناسكهم، {ورضيتُ لكم الإسلام دينا} أَي: اخترته لكم من بين الأديان، {فمن اضطُرَّ} متَّصلٌ بذكر المحرَّمات؛ وقولُه: {ذلكم فسق} اعتراض أكَّد بِهِ معنى التحريم، وكذا مَا بعده، لأَنَّ تحريم هَذِهِ الخبائث من جملة الدين الكامل، والنعمة التامَّة، والإسلام المَرْضِيِّ دون غيره مِنَ الملل. {فيِ مَخْمَصَةٍ} أَي: جهد فيِ مجاعة، والمخمصة: خلوُّ البطن مِنَ الغذاء؛ نقول: رجل خميص البطن: إِذَا كَانَ طاويا خاويا. {غير متجانف لإثم} غير مائل لَهُ ومنحرف إِلىَ إثم، وعلامته أن يأكل متلذِّذا مجاوزًا أخذ (1) الرخصة؛ {فإنَّ الله غَفُور} لاَ يؤاخذه لما هُوَ مضطرٌّ إِلَيْهِ، {رحيم (3)} بإباحة المحظور للمعذور.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «مجاوزا حَدَّ». (1/287)
صفحة 288
يسألونك ماذا أُحلَّ لَهُمْ} مِنَ المطاعم، كأنَّهم حين تُلِي عَلَيْهِم مَا حُرِّم عَلَيْهِم من خبيثات المطاعم سألوه عمَّا أُحلَّ لَهُمْ منها، فقال: {قل: أُحلَّ لكم الطَّيِّبَات} مَا لم تستخبثه الطباع السليمة، وَهُوَ مَا أُحلَّ فيِ الشرع؛ فقد بيَّن الله لأولي الألباب فيِ هَذَا أنَّ مَا حرَّمه الله تعالى لخلقه هِيَ ضدُّ الطَّيِّبَات، وهي الخبائث التِي هِيَ عمل تصيب (1) الشيطان وأعوانه مِنَ الغاوين. {وَمَا علَّمتم مِنَ الجوارح} أَي: الكواسب للصيد من سباع البهائم والطير، {مكلِّبين} المكلِّب: هُوَ مؤدِّب (2) الجوارح ومعلِّمها، مشتقٌّ مِنَ الكلب، لأَنَّ التأديب فيِ الكلاب أكثر. {تعلِّمونهنَّ}، وفيه دليل عَلَى أنَّ كلَّ آخذ علما لاَ يأخذه إِلاَّ من أفقهِهِم علما، فكم من آخذ عَنْ غير متقن قد ضيَّع أيَّامه، وعضَّ عند انكشاف الحقائق أنامله [120]. {مِمَّا علَّمكم الله} أَي: مِنَ العلم الذِي علَّمكم الله من علم التكليب، {فكلوا مِمَّا أمسكن عليكم} الإمساك عَلَى صاحبه أن لاَ يأكل منه [كَذَا]؛ فإن أكل مِنْهُ لم يؤكل، إِذَا كَانَ صيد كلب. {واذكروا اسم الله عليه واتَّقُوا الله} واحذروا مخالفة أمره فيما أمركم بِهِ، {إنَّ الله سريع الحساب (4)} إنَّه محاسبكم عن أفعالكم، فيجازيكم فيِ الدُّنْيَا بالخذلان، وفي العقبى بالنار.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وحذف كلمة «تصيب» لا يخلُّ بالمعنى.
(2) - ... في الأصل: «المؤدِّب»، وَهُوَ خطأ. (1/288)
صفحة 289
اليوم أُحلَّ لكم الطَّيِّبَات} كرَّره تأكيدًا للمِنَّة، {وطعامُ الذِينَ أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم وطعامكم حِلٌّ لَهُمْ} فلا عَلَيْكُم أن تطعموهم، لأَنَّهُ لو كَانَ حراما عَلَيْهِم طعام المُؤمِنين لما متاع لَهُم اطعامهم (1). قَالَ أبو سعيد: «فاجتمعت الأمَّة بأسرها، لا نعلم بَيْنَهُمْ فيِ ذَلِكَ اختلافا، أنَّ الطعام هاهنا هُوَ اللُّحوم من أيدي أهل الكتاب، من ذبائحهم، وأنَّهُم مأمونون عَلَى ذَلِكَ، وجائز من عندهم شراء اللُّحوم» انتهى. فإن قيل: كيف شرع لَهُمْ حِلُّ طعامنا وَهُمْ كُفَّار ليسوا من أهل الشرع؟ يروى عَنْ الزجاج أنَّه قَالَ: «معناه حلال لكم أن تطعموهم، حرام عَلَيْكُم أن تزوِّجوهم». {والمحصَنات مِنَ المُؤمِنات}: هِيَ الحرائر والعفائف، والمحصن: هُوَ مأخوذ اسمه مِمَّن يحصَّن عَنْ عدوِّه لئلاَّ يأخذه، كأنَّه أحصن دينه عَن الوقوع فيِ الإثم من أسباب الجماع. {والمحصَنات مِنَ الذِينَ أوتوا الكتاب من قبلكم إِذَا آتيتموهنَّ أجورهنَّ محصنين غير مسافحين} متزوِّجين غير زانين، {وَلاَ متَّخذي أخدان} صدائق (2)، والخِدن: يقع عَلَى الذكر والأنثى، {ومن يكفر بالإيمان} شرائع الإسلام، وما أحلَّ الله وما حرَّم، أو بشيء من ذلك، {فقد حَبِط} بطل {عمله وَهُوَ فيِ الآخِرَة مِنَ الخاسرِينَ (5)} خسر دنياه وآخرته.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لَما أباح لهم إطعامهم».
(2) - ... في اللسان والمنجد لم يجمع “الصديق” على ما جمعه الناسخ إِنَّمَا الصحيح: الصديق جمع أصدقاء وصُدقاء وصُدقان، وجج: أصادق بمعنى الخِلُّ والحبيب. (1/289)
صفحة 290
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إِذَا قمتم إِلىَ الصلاة؛ فاغسِلوا وجوهَكم} أَي: إِذَا أردتم القيام إِلىَ الصلاة، كقوله: {فإِذَا قرأت القرآن} (1) قيل: كَانَ الوضوء لِكُلِّ صلاة واجبا، ولو من غير نقض للوضوء أوَّلَ مَا فُرض ثُمَّ نُسخ؛ وقيل: تقديره: إِذَا قمتم إِلىَ الصلاة وأنتم محدثون. {وأيديَكم إِلىَ المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم إِلىَ الكعبين، وإن كُنتُمْ جُنبا فاطَّهروا، وإن كُنتُمْ مرضى أو عَلَى سفر أو جاء أحد منكم مِنَ الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمَّموا صعيدا طيِّبا} فِيهِ إيجاب فرض التطهير مِنَ النجاسات بالماء لأجل أداء الصلاة، بذكره للغائط، فثبت التطهُّر بالماء لوجوده من جميع النجاسات، فإن عدم كَانَ التيمُّم بدله، يقوم مقامه. {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مِنْهُ مَا يريد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج} أَي: ضيق، {ولكن يريد ليطهِّركم وليتمَّ نعمته عليكم} وليتمَّ برُخَصِه إنعامَه عَلَيْكُم بعزائمه [كَذَا]، {لَعَلَّكُمْ تشكرُونَ (6)} توفُّون حقَّ النعم.
{واذكروا نعمة الله عليكم} بالإسلام لتذكِّركم المنعمَ، وترغِّبكم فيِ شكره، وأنَّه مَا بكم من نعمة فمِنهُ، لتستعينوا بها عَلَى عبادته، {وميثاقه الذِي واثَقَكم بِهِ إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتَّقُوا الله} فيِ نقضه، {إنَّ الله عليم بذات الصدور (7)} بسرائرها مِنَ الخير والشرِّ.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 98، في الأصل: «إذا قرأتَ»، وهو خطأ. وتمام الآيَة: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}. (1/290)
صفحة 291
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداء بالقسط} بين الأنام، {وَلاَ يجرمنَّكم شنآن قوم عَلَى أَلاَّ تعدلوا} أَي: لاَ يحملنَّكم بغض قوم على ترك العدل فِيهِم لعداوتهم؛ {اعدلوا هُوَ أقرب للتَّقوى} أَي: العدل أقرب إِلىَ التَّقوى؛ نهاهم أوَّلاً أن تحملهم البغضاء عَلَى ترك العدل، ثُمَّ استأنف فصرَّح لَهُمُ الأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا، ثُمَّ استأنف فذكر لَهُمْ [121] وجه الأمر، وَهُوَ قوله: {اعدلوا هُوَ أقرب للتَّقوى}. {واتَّقُوا الله} فيما أمر ونهى، {إنَّ الله خبير بِمَا تَعْمَلُونَ (8)} وعد ووعيد، ولذا ذكر بعدها آية الوعد، وَهُوَ قوله:
{وعد الله الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات لَهُمْ مغفرةٌ وأجرٌ عظيم (9)} مَا وصفه الله بالعظم فهو جدير أن تعظِّمه القلوب. {وَالذِينَ كَفَرُوا وكذَّبوا بِآيَاتِنا أُوْلَئِكَ أصحاب الجحيم (10)} لاَ يفارقونها.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اذكروا نعمة الله عَلَيْكُم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} بالقتل، يقال: بسط إِلَيْهِ لسانه إِذَا شتمه، وبسط إليه يده إِذَا بطش بِهِ، {ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} (1)؛ {فكفَّ أيديهم عنكم} وذلك يذكِّرهم (2) الله نعمته ليطيعوه ويتَّقوه، كما قَالَ: {واتَّقُوا الله وعلى الله فليتوكَّل المُؤمِنونَ (11)} واجبٌ ذكرُ نِعَمِ الله فيِ كلِّ شيء، وهذه النعمة من أخصِّ مَا أنعم الله بها عَلَى عباده، إذ لو خلىَّ الله الخلق واختيارهم فيِ بعضهم بعض، مِنَ البغي والضرِّ فيِ دينهم وأنفسهم وأموالهم وأمر معاشهم لما انتظم أمر العالم، وَمَا بقي عَلَى ظهر الأَرْض من دابَّة، ولبطلت الحكمة فيِ إيجاد خلقه لغير معنى، ولكنَّ الله رحيم بخلقه، قد تفضَّل عَلَيْهِم برأفته ورحمته؛ ولو سلَّط الله عَلَى ابن آدم بعوضة، أو أصغر منها جرما، لأهلكته فيِ أسرع حال.
{__________
(1) - ... سورة الممتحنة: 2.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ليذكِّرهم». (1/291)
صفحة 292
وَلَقَدْ أَخَذ الله ميثاق بَنِي إِسْرَائِيلَ، وبعثنا مِنْهُمْ اثني عشر نقيبا} النقيب: هُوَ الذِي (لَعَلَّهُ) المختار من القوم، وهو [الذي] ينقِّب عَن أحوال القوم ويفتِّش عنها، {وقال الله: إِنِّي معكم} أَي: ناصركم ومُعينكم. {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسلي وعزَّرتموهم} أَي: نصرتموهم وقوَّيتموهم، وأصله الذبُّ (1)، {وأقرضتُّم الله قرضا حسنا} قيل: هُوَ كلُّ فعل خير، ومخالفة النفس عَن كلِّ قبيح، {لأكفِّرنَّ عنكم سيِّئاتكم} صغائر أعمالكم، {ولأدخلنَّكم جنَّات تجري من تحتها الأنهار} أَي: مَن فَعل ذَلِكَ جوزي بهذا؛ {فمن كفر بعد ذَلِكَ منكم} أَي: بعد ذَلِكَ الشرط المؤكّد المعلَّق بالوعد العظيم؛ {فقد ضلَّ سواء السبيل (12)} أخطأ طريق الحقِّ. تعمُّ من كفر قبل ذَلِكَ فقد ظلَّ سواء السبيل أَيْضًا؛ ولكنَّ الضلال بعده أقبح وأعظم، وسواءُ كُلِّ شيء: وسطُه.
{فبِمَا نَقْضِهِم ميثاقَهم لعنَّاهم} طردناهم (2)، وأخرجناهم من رحمتنا، {وجعلنا قلوبَهم قاسية} يابسة لاَ رحمة فِيهَا وَلاَ لين، والقسوة: خلاف اللَّين والرقَّة؛ وقرئ: قسيَّة أَي: رديَّة، (لَعَلَّهُ) مغشوشة. {يُحرِّفون الكلم عَنْ مواضعه} يفسِّرونها عَلَى غير مَا أنزلت عقوبة لَهُم. وَهُوَ بيان لقسوة قلوبهم، لأَنَّهُ لاَ قسوة أشدَّ مِنَ الافتراء عَلَى الله، وتغيير وحيه.
{__________
(1) - ... في المنجد: الذَّبُّ: ذَبَّ ذبًّا عنه: دفع عنه، ومنع وحامى، أي: الدفاع عن الأهل والقوم.
(2) - ... في الأصل: «اطردناهم»، وهو خطأ. (1/292)
صفحة 293
ونسوا حظًّا} والمعنى: أنَّهم حرَّفوا التَّوْرَاة، وتركوا حظَّهم مِمَّا أُنزل عَلَيْهِم فِيهَا، فلم يتأوَّلوه عَلَى تأويله، فتركوه ولم ينالوه، يعني: أَنَّ إعراضهم عَن التَّوْرَاة إغفال حظٍّ عظيم. {مِمَّا ذُكِّروا بِهِ} أو تركوا نصيب أنفسهم، مِمَّا أمروا بِهِ مِنَ الإيمان بمحمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وبعثته. {وَلاَ تزال تطلَّع عَلَى خائنة مِنْهُمْ} أَي: عادة الخلق الخيانة وقلَّة الوفاء بما تعبَّدهم الله بِهِ، ومعاملتهم لبعضهم بعض، فلا ينبغي أن يستنكر ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لأَنَّهُ من طبعهم، والوفاء مِنْهُمْ نادر قليل. {إلاَّ قليلا مِنْهُمْ} وَهُم الذِينَ آمنوا مِنْهُم، {فاعفُ عَنْهُمْ (1) واصفح} وَلاَ تخن مثل مَا خانوا، وأحسن إِلَيْهِم بفعل مَا أمرك بِهِ فِيهِمْ. {إنَّ الله يحبُّ المحسنِينَ (13)}.
{ومن الذِينَ قَالُوا إِنَّا نصارى أَخَذنا ميثاقهم} هُوَ الإيمان بالله والرسل وَمَا جاءوا بِهِ؛ {فنسوا حظًّا مِمَّا ذُكِّروا بِهِ} أَي: تركوا حظَّهم [122] الوافر الباقي، باشتغالهم بالفاني الناقص، {فأغرينا} فألصقنا وألزمنا، من غَرَى بالشيء، إِذَا لزمه ولصق بِهِ، ومِنْهُ الغِراء الذِي يلصق بِهِ، {بَيْنَهُمْ} فرق النصارى المختلفين {العداوةَ والبغضاءَ إِلىَ يوم القيامة} بالأهواء المختلفة، والجدل فيِ الدين؛ فكلُّ فرقة تكفِّر الأخرى، {وسوف ينبِّئهم الله بِمَا كَانُوا يصنعُونَ (14)} (2) عند الموت، أو في القيامة بالجزاء والعقاب.
{__________
(1) - ... هنا إحالة إِلىَ الحاشية كُتب فيها: «يحتمل».
(2) - ... في الأصل: «يصعنون»، وَهُوَ خطأ. (1/293)
صفحة 294
يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا} محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، {يُبَيِّنُ لكم كثيرا مِمَّا كُنتُمْ تُخفون مِنَ الكتاب} من نحو صفة رسول الله، {ويعفو عَنْ كثير} مِمَّا تفعلون، لاَ يؤاخذكم بِهِ، أو يعرض عَن كثير مِمَّا أخفيتم فلا يُبيِّنه. {قد جاءكم مِنَ الله نور وكتاب مُبِين (15)} يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشكِّ، ولإبانته مَا كَانَ خافيا عَلَى الناس مِنَ الهدى.
{يهدي بِهِ الله} بالقرآن، {من اتَّبع رضوانه}، من طلب بِهِ رضى الله، {سُبُل السلام} طرق السلامة والنجاة من عذاب الله فيِ الدارين، {ويخرجهم مِنَ الظلمات إِلىَ النور} من ظلمات الكفر إِلىَ نور الإسلام، {بإذنه، ويهديهم إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم (16)} طريقٍ هُوَ أقرب الطرق إِلىَ الله وأرفقها، وتوصل إِلَيْهِ لاَ محالة.
{لَقَدْ كفر الذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ هُوَ المسيح ابن مَرْيَم} معناه: قطع القول عَلَى أنَّ الله هُوَ المسيح لاَ غير. قيل: كَانَ فيِ النصارى قوم يقولون بذلك، أو لأَنَّ مذهبهم يؤدِّي إِلَيْهِ، حيث اعتقدوا أنَّه يخلق ويحيي ويُميت، أو يستحقُّ العبادة من دون الله. {قل: فمن يملك مِنَ الله شَيْئًا} فمن يمنع من قدرته ومشيئته شَيْئًا، {إن أَرَادَ أن يهلك المسيح ابن مَرْيَم وأمَّه، ومن فيِ الأَرْض جميعا} أَي: أَرَادَ أن يهلك من ادَّعَوه إلها مِنَ المسيح وأمِّه، يعني: أنَّ المسيح عبد مخلوق كسائر العباد، وعطْفُ «من فيِ الأَرْض» عَلَى «المسيح وأمَّه» إبانةُ أنَّهما مِن جنسهم لاَ تفاوت بينهما وبينهم، والمعنى: أنَّ من اشتمل عليه رحم الأموميَّة متى يفارقه نُقْصُ البشريَّة؟! ومن لاحت عليه شواهد الحدثيَّة أنَّى يليق بِهِ نعت الربوبيَّة؟! ولو قطع البقاء عَن جميع مَا أوجد، لم يُعَدَّ نُقْصٌ إِلىَ الصمديَّة (1).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، مع الشكل، ونلاحظ أنَّ في العبارة خللا. (1/294)
صفحة 295
ولله ملك السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما يخلق مَا يَشَاء} أَي: يخلق من ذكر وأنثى، ويخلق من أنثى بلا ذَكَر، كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذَكر وَلاَ أنثى، كما خلق آدم؛ أو يخلق مَا يَشَاء كخلق الطير عَلَى يد عيسى معجزة لَهُ؛ فلا اعتراض عليه، لأَنَّهُ الفعَّال لمَا يريد، {والله عَلَى كُلِّ شيء قدير(17)} لاَ يعجزه شيء مِنَ الأشياء.
{وقالت اليهود والنصارى: نَحْنُ أبناء الله وأحبَّاؤه} أَي: أعزَّةٌ عليه كالابن عَلَى الأب، أو أشياع ابني الله عُزير والمسيح، {قل: فلِم يعذِّبكم بذنوبكم} أَي: فإن صحَّ أَنَّكُمْ أبناء الله وأحبَّاؤه، فلِم تُعذَّبون بذنوبكم بالمسخ والنار أَيَّاما معدودة عَلَى زعمكم، وأنتم مقرُّون بذلك، وهل يمسخ الأب ولده، وهل يعذِّب الوالد ولده بالنار؟؛ ثُمَّ قَالَ ردًّا عليهم: {بَلْ أَنتُمْ بشر مِمَّن خلق} مِمَّن تعبَّده بالأمر والنهي، {يَغْفِر لمن يَشَاء} لمن تاب عَن الكفر ويثيبه. {ويعذِّب من يَشَاء} من كفر ولم يتب منه. {ولله ملك السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما وَإِلَيْهِ المصير(18)} فِيهِ تنبيه عَلَى عبوديَّة المسيح، لأَنَّ الملك والنبوءة متنافيان.
{ (1/295)
صفحة 296
يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يُبَيِّنُ لكم} الشرائع، {عَلَى فترة مِنَ الرسل} أَي: جاءكم عَلَى حين فُتور (1) من إرسال الرسل، وانقطاع مِنَ الوحي؛ لأَنَّ سنن الشرائع تموت وتندرس، إِذَا تباعدت المدد من أيَّام الرسل عَلَى قِلَّة العاملين بها، ويَظهر حزب الشيطان [123] عَلَى حزب الله. {أن تقولوا: مَا جاءنا من بشير وَلاَ نذير}، لأَنَّهُ تطاولت الأيَّام، وقدم أمر الرسول، نسوا البشير والنذير المنزولين عليه، بعث الله عَلَيْهِمُ الرسول بشيرا ونذيرا، ليجدِّد الأمرَ عَلَيْهِم اندراسه (2). {فقد جاءكم} أَي: لاَ تعتذروا فقد جاءكم، {بشير} للمُؤْمِنين، {ونذير} للكَافِرِينَ، والمعنى: الامتنان عَلَيْهِم بِأَنَّ الرسول بعث إِلَيْهِم حين انطمست آثار الوحي، أحوج مَا يكونون إِلَيْهِ ليهشوا (3) إليه، ويعدُّوا (4) أعظم نعمة مِنَ الله، ويلزمهم الحجَّة فلا يعتلُّوا غدا بأنَّه لم يرسل إِلَيْهِم من يحييهم (5) من بعد موتهم، ويوقظهم من رقدهم، وينبِّههم عن غفلتهم. {والله عَلَى كلِّ شيء قدير (19)} وذلك من أدلِّ الأشياء عَلَى إثبات قدرة الله عَلَى جميع الأشياء الموجودات، أو المعدومات أو المتوهَّمات.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فتوور»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «لتجدُّد الأمر عَلَيهم بعد انداراسه».
(3) - ... في اللسان: «الجوهري: هشِشتُ بفلان بالكسر، أهشُّ هشاشة، إذا خفَّفت إِلَيهِ وارتحتُ له وفرحتُ به، ورجل هشٌّ بشٌّ». ابن منظور: لسان العرب، مادَّة «هشش».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ويعدُّوه».
(5) - ... في الأصل: «يحيهم»، وهو خطأ، لأَنَّهُ لا موجب للجزم. (1/296)
صفحة 297
وإذ قَالَ موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عَلَيْكُم إذ جعل فيكم أنبياء}، لأَنَّهُ لمَّا جعل فِيهِم أنبياء كَانَ أتمَّ للنعمة وألزم للحجَّة، لإزاحة الشبهة. {وجعلكم ملوكا} ومن تمام النعمة أن جعلكم مالكين غير مملوكين، وقيل: الملِك: هو من له مسكن واسع فيه ماء جار، وقيل: من له بيت وخدم، أو لأَنَّهُمْ كانوا مملوكين فيِ أيدي (1) القبط؛ فأنقذكم الله، فسمىَّ إنقاذهم مُلكا، وقيل عَن ابن عبَّاس أنَّه قَالَ: «أصحاب خدم وحشم»؛ وعندي أنَّ ذَلِكَ يعمُّ من كَانَ مخلَّى بينه وبين أشغاله الدينيَّة والدنيويَّة، وَهُوَ اسم يستغرق اسم الحرِّية عَن استخدام العبوديَّة. {وآتاكم مَا لم يؤتِ أحدا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)} من فلق البحر وإغراق العدوِّ، وإنزال المنِّ والسلوى، وتظليل الغمام، أو بِمَا خصَّهم الله من فضله عَلَى سائرهم، أو أَرَادَ عالَمي زمانهم.
{يا قومِ ادخلوا الأَرْض المقدَّسة} أَي: المطهَّرة والمباركة، وهي أرض بيت المقدس، سُمِّيَت بذلك لأنَّها كَانَتْ قرار الأنبياء ومسكن المُؤمِنين. {التِي كتب الله لكم} قسمها لكم وسمَّاها، أو كتب فيِ اللَّوح المحفوظ أنَّها مساكن لكم، أو جعل عاقبة ثوابها لكم إن امتثلتم الأمر. {وَلاَ ترتدُّوا عَلَى أدباركم} وَلاَ ترجعوا عَلَى أعقابكم، مدبرين منهزمين من خوف الجبابرة جبنا، أو لاَ ترتدُّوا عَلَى أدباركم فيِ دينكم؛ {فتنقلبوا خاسرِينَ (21)} الدارين.
{قَالُوا يا موسى: إنَّ فِيهَا قوما جبَّارين} الجبَّار، “فعَّال” مِن جَبَره عَلَى الأمر، بمعنى أجبره عليه، وَهُوَ العاتي الذِي يجبر الناس عَلَى مَا يريد ولو شخص وَاحِد، ولو فعل في هزَّته أو تهمته ما لاَ يجوز دخل عليه اسم الجبَّار (2). {وَإِنَّا لن ندخلها} بالقتال، {حتىَّ يخرجوا منها} بغير قتال، {فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلُونَ (22)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أيد».
(2) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة المعنى. (1/297)
صفحة 298
قَالَ رجلان مِنَ الذِينَ يخافون} الله ويخشونه، {أنعم الله عليهما} بالخوف منه: {ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب؛ فإذا دخلتموه فَإِنَّكُمْ غالبون} لأنَّهم أجسام لاَ قلوب فِيهَا، لأَنَّ قلوبهم لمَّا رانت عليها معاصيهم، لم يكن لَها حكم، والمُؤْمِنون: المتَّقون لم يجعلوا حكما لأجسامهم، لأنَّها خادمة لقلوبهم؛ فالأجسام تحيىَ وتقوى بالقلوب إِذَا أطاعتها، والقلوب تموت بطاعة الأجسام. {وعلى الله فتوكَّلوا إن كُنتُمْ مُؤْمِنينَ(23)} إذ الإيمان بِهِ يقتضي التوكُّل عليه، وَهُوَ قطع العلائق، وترك الخضوع للخلائق، إِلاَّ مَا كَانَ لله.
{قَالُوا يا موسى: إِنَّا لن ندخلها أبدا مَا داموا فِيهَا؛ فاذهب أنت ورَبُّكَ فقاتلا إِنَّا ها هنا قاعدُونَ(24)} مخالفة لأمره.
{قَالَ ربِّ إِنِّي لاَ أملك إِلاَّ نفسي وأخي} قيل معناه: وأخي لاَ يملك إِلاَّ نفسه، وقيل: لاَ تطيعني إِلاَّ نفسي وأخي. {فافرُقْ بيننا وبين القوم الفاسقِينَ(25)} فافصل بيننا وبينهم، بأن تحكم لَنَا بِمَا وعدتنا، وتحكم عَلَيْهِم بِمَا هم [124] أهله، وَهُوَ فيِ معنى الدعاء عَلَيْهِم، والبراءة مِنْهُمْ.
{قَالَ: فإنَّها محرَّمة عليهم} لاَ يدخلونها، قيل: معناه تلك البلدة محرَّمة أبدا، لم يُرد بها تحريم تعبُّد، وإنَّما أَرَادَ تحريم منع، {أربعين سنة}، فإذا مضى الأربعون كَانَ مَا كتب، {يتيهون فيِ الأَرْض} عاقبهم الله بحرمان التوفيق لمَّا خالفوا أمره، لاَ يهتدون طريقا إِلاَّ طريق جهنَّم مَا داموا مصمِّمين عَلَى كفرهم؛ وكأنَّهم فيِ الظاهر يسيرون، وفي الحقيقة ناكصون عَلَى أعقابهم، مُرتدُّون عَن مقصدهم، مكبُّون عَلَى وجوههم، وَلاَ يرون أنَّهم ناكصون مكبُّون عَلَى وجوههم، لأَنَّ ظلمات معاصيهم أعمت نور بصائرهم، وزيَّن لَهُمُ الشيطان أعمالهم، وَهُوَ معنى الاستدراج. {فلا تأسَ عَلَى القوم الفاسقِينَ(26)} فلا تحزن عَلَيْهِم فإنَّهم فاسقون.
{ (1/298)
صفحة 299
واتل عَلَيْهِم نبأ ابني آدم بِالْحَقِّ} أَي: بالصدق، {إذ قَرَّبا قربانا} مَا يُتقرَّب بِهِ إِلىَ الله من نُسك أو صدقة، يقال: قرَّب وتقرَّب. {فتُقبِّل من أحدهما، ولم يُتقبَّل مِنَ الآخر}، لأنَّه سخط حكم الله، ولم يخلص النيَّة فيِ قربانه، أو كَانَ عاصيا غير متَّقٍ فلا يقبل مِنْهُ، وإن أَرَادَ بذلك القربانِ وجه الله، لأَنَّهُ عاصٍ، وَلاَ تُقبل طاعة من عاص (1)، وانظر فيِ عملهما فيِ الصورة الظاهرة كأنَّه متوازن، وإنَّما بتقوى القلوب تبايَنَ، فصار هَذَا مقبولا مِنْهُ، وهذا مردودا عليه مضروبا [به] وجهه؛ فَهَذَا فيِ حقيقة حسنة، وهذا فيِ حقيقة سيِّئة (2). {قَالَ: لأقتلنَّك} توعَّد بالقتل لفرط الحسد، ولعلَّ فيِ أمانيه لينال بقتله مَا لاَ ينال فيِ حياته. {قَالَ: إِنَّمَا يتقبَّل الله مِنَ المتَّقِينَ (27)} فإنَّما أولى مَن قَتَل نفسَه لانسلاخها من لباس التقوى.
{لئن بسطتَّ إليَّ يدك لتقتلني، مَا أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إِنِّي أخاف الله ربَّ الْعَالَمِينَ (28)} ولم يجرمنَّه شنآن أخيه عَلَى أن يجور عليه خوفا مِنَ الله تعالى.
{إنيِّ أريد أن تبوء} تحمل أو ترجع {بإثمي} بإثم قتلي إِذَا قتلتني، {وإثمك} الذِي لأجله لم يُتقبَّل قربانك؛ {فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمِينَ (29)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لأَنَّهُ عاصي، وَلاَ تُقبل طاعة من عاصي»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فَهَذَا فيِ حقيقته حسنة، وهذا فيِ حقيقته سيِّئة». (1/299)
صفحة 300
فطوَّعت (1) لَهُ نفسُه قَتْلَ أخيه} فوِسعته وسرَّته وطاوعته وشانعته (2) وعاونته، مِن «طاوع لَهُ المرتع»: إِذَا اتَّسع. {فقتله، فأصبح مِنَ الخاسرِينَ (30)} دنيا ودينا.
{فبعث الله غرابا يبحثُ فيِ الأَرْض ليُرِيَه كيف يُواري سوأة أخيه} عورة أخيه؛ {قَالَ: يا ويلتَى أعجزتُ أن أكونَ مثلَ هَذَا الغرابِ، فأُوَارِيَ سَوْأةَ أخي}؟ لأهتديَ لما اهتدَى إِلَيْهِ. {فأصبح مِنَ النادمِينَ (31)}. قد بعث الله غرابا يبحث فيِ الأَرْض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، لمَّا عجزت دلائله عَن الدليل، وقد أقام عليه الحجَّة بفعله، ليتأسىَّ بِهِ، (لَعَلَّهُ) لأمر دينه ودنياه.
{من أجل ذَلِكَ كتبنا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أنَّه من قتل نفسا بغير نفس، أو فسادٍ فيِ الأَرْض} يريد بغير نفس وبغير فساد فيِ الأَرْض، مِن كفرٍ أو زنًا أو قطع طريق أو نحو ذَلِكَ؛ {فكأنَّما قَتَل الناسَ جميعا} ومن قتل نفسين، فكأنَّما قتل الناس مرَّتين، وكذلك مَا زاد. {ومَن أحياها} حماها عَن القتل، أو أخرجها من ضلال إِلىَ هدى؛ {فكأنَّما أحيا الناس جميعا} قيل للحسن: «يا أبا سعيد هل لَنَا كما كَانَ لبَنِي إِسْرَائِيلَ؟» قَالَ: «أَي والذي لاَ إله غيره، مَا كَانَ دماء بَنِي إِسْرَائِيلَ أكرم عَلَى الله من دمائنا». {وَلَقَدْ جاءتهم رسلُنا بِالبَيِّنَاتِ} بالآيات الواضحات؛ {ثمَّ إن كثيرا مِنْهُمْ بعد ذَلِكَ فيِ الأَرْض لَمُسرفُونَ (32)} متجاوزون.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وطوعت»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وتابعته». أو لَعَلَّه مِن «شنَّعَتِ وأشنعت، وتشنَّعت الناقة: شمَّرت في سيرها وأسرعت وجدَّت»، بمعنى سرَّعته نفسه إِلىَ فعلته. أو مِن تشنَّعتُ الفرسَ والراحلةَ: ركبتُها وعلوتُها، أي ركِبَتْهُ نفسه لفعل الشر. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادَّة «شنع». (1/300)
صفحة 301
إِنَّمَا جزاء الذِينَ يحاربون اللهَ ورسولَه ويسْعَوْنَ فيِ الأَرْض فسادا أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبوا أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا مِنَ الأَرْض، ذَلِكَ لَهُمْ خِزي فيِ الدُّنْيَا، ولهم [125] فيِ الآخِرَة عذاب عظيم(33) إِلاَّ الذِينَ تابوا من قبل أن تَقْدِروا عَلَيْهِم، فاعلموا أنَّ الله غَفُورٌ رحيمٌ(34)}.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اتَّقُوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الوسيلة} أَي: القربة فعليَّة[كَذَا]، مِن توسَّل إِلىَ فلان بكذا أَي: تقرَّب إِلَيْهِ. {وجاهِدوا فيِ سبيله لَعَلَّكُمْ تفلحُونَ(35)}.
{إنَّ الذِينَ كَفَرُوا لو أنَّ لَهُمْ مَا فيِ الأَرْض جميعا ومثلَه معه} حتَّى أعمالهم الطاعة التِي عملوها لله داخلة فيِ هَذَا، {ليفتدوا بِهِ من عذابِ يوم القيامةِ مَا تُقبِّل مِنْهُمْ ولهم عذاب أليم(36)}.
{يريدون أن يَخرُجوا مِنَ النار، وَمَا هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم(37)} هَذَا الوعيد متوجِّه عَلَى كلِّ كافر كُفر نعيم، أو كفر شرك، لأنَّه قَالَ: {إنَّ الذِينَ كَفَرُوا} أَبهم القولَ وأعمَّه فيِ الفريقين، ومَن خَصَّ بِهِ كافر الشرك دون كافر النعيم فعليه إقامة الدليل، وقال الله فِيهِمْ: {يريدون أن يَخرجوا مِنَ النار وَمَا هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم} فقد شهد الله عَلَيْهِم بالإقامة فِيهَا، وأن لاَ خروج منها بعد الدخول فِيهَا للعذاب؛ أعاذنا الله من ذَلِكَ.
{والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديَهما جزاءً بِمَا كسبا نَكالا مِنَ الله وَاللهُ عزيز حكيم(38) فمن تاب من بعدِ ظلمِه وأصلحَ} بردِّ المسروق، {فإنَّ الله يتوب عليه إِنَّ اللهَ غَفُور رحيم(39)}.
{ألم تعلم أنَّ الله لَهُ ملك السَّمَاوَات والأَرْض، يعذِّب من يَشَاء ويَغْفِر لمن يَشَاء، وَاللهُ عَلَى كُلِّ شيء قدير(40)} يعذِّب من يشاء من مات عَلَى كفره، ويَغْفِر لمن يَشَاء من تاب من كفره.
{ (1/301)
صفحة 302
يَا أَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنك الذِينَ يسارعون فيِ الكفر، مِنَ الذِينَ قَالُوا: آمنَّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} إيمان تصديق حقيقيٍّ، وَهُم المنافقون؛ لأَنَّ إيمان قلوبهم (لَعَلَّهُ) يقتضي ترك مسارعتهم للكفر، والمبادرة إِلىَ (لَعَلَّهُ) المسارعة للخير؛ وانظر كيف سمَّاهم الله كَفَرة. {ومن الذِينَ هادوا سمَّاعون للكذب} أَي: قائلون للكذب، كقول المصلِّي: «سمع الله لمن حمده» أَي: قَبِلَ، وقيل: معناه لأجل الكذب، أَي: يسمعون منك ليكذِّبوك؛ إنَّهم كَانُوا يسمعون مِنَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ يخرجون ويقولون: سمعنا مِنْهُ كذا، فلم (1) يسمعوا ذَلِكَ منه. {سمَّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك} أَي: سمَّاعون منك لأجل قوم آخرين مِنَ اليهود، وجَّهوهم (2) عُيونا ليبلِّغوهم مَا سمعوا منك.
{يحرِّفون الكَلِم مِن بعد مواضعه} أَي: يُزِيلونه ويميلونه عَن مواضعه التِي وضعها الله فِيهَا؛ فيهملونه بغير مواضع [كَذَا]، بعد أن كَانَ ذا مواضعَ عالية؛ {يقولون: إن أوتيتم هَذَا} المحرَّف المزال عَن مواضعه؛ {فخذوه} واعلموا أنَّه الحقُّ، واعملوا بِهِ، {وإن لم تؤتوه}، وأفتاكم بخلافه، {فاحذروا} وإيَّاكم وإيَّاه، فهو الباطل. {ومن يُرد الله فتنته} ضلاله، {فلن تَملِك لَهُ مِنَ الله شَيْئًا} من أمر دين وَلاَ دنيا. {أُوْلَئِكَ الذِينَ لم يُرِدِ اللهُ أن يطهِّر قلوبَهم} عَن الكفر، لعلمه مِنْهُمْ اختيار الكفر. {لَهُمْ فيِ الدُّنْيَا خِزيٌ} لاَ ينفكُّ الخزي عَن كلِّ من كَانَ فيِ قلبه خزيٌ. {ولهم فيِ الآخِرَة عذاب عظيم (41)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وهم لم يسمعوا ذلك منه».
(2) - ... في الأصل: «وجهوههم»، وهو خطأ. (1/302)
صفحة 303
سمَّاعون للكذب أكَّالون للسُّحتِ} هُوَ كلُّ مَا لاَ يحلُّ كسبه، وَهُوَ مِن سَحتَه: إِذَا استأصله، لأَنَّهُ مسحوت البركة، كما قَالَ: {يَمحَق الله الربا} (1)، وقال: {فيسحَتَكم بعذاب} (2) أَي: يهلككم بِهِ. {فإن جاءوك فاحكمْ بَيْنَهُمْ، أو أعرض عَنْهُمْ} قيل: كَانَ مخيَّرًا إِذَا تحاكم إِلَيْهِ أهل الكتاب بين أن يحكم بَيْنَهُمْ وبين أن لا يحكم؛ وقيل: نسخَ التخيير بقوله: {وأنُ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أنزل الله} (3). {وإن تُعرِضْ عَنْهُمْ، فلن يضرُّوك شَيْئًا، وإن حكمتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط، إِنَّ اللهَ يحِبُّ المقسطِينَ (42)} العادلين.
[126] {وكيف يُحكِّمونك وعندهم التَّوْرَاة فِيهَا حُكمُ الله} تنبيه عَلَى أنَّهم مَا قصدوا بالتحكُّم معرفة الحقِّ وإقامة الشرع، وإنَّما طلبوا بِهِ مَا يكون أهون عليهم، وإن لم يكن حكمَ الله فيِ زعمهم. {ثُمَّ يتولَّونَ (4) من بعد ذَلِكَ، وَمَا أُوْلَئِكَ بالْمُؤْمِنِينَ (43)} (لَعَلَّهُ) أَي: بمصدِّقين بك، وَلاَ بكتابهم كما يدَّعون.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 276.
(2) - ... سورة طه: 61.
(3) - ... سورة المائدة: 49.
(4) - ... في الأصل: «يقولون» وهو خطأ. (1/303)
صفحة 304
إِنَّا أنزلنا التَّوْرَاة فِيهَا هدى ونورٌ} يُبَيِّنُ مَا استُبهم مِنَ الأحكام، {يحكم بها النبيُّون الذِينَ أسلموا} أَي: أسلموا، أو انقادوا لحكم الله وَمَا أنزل في التَّورَاة، {للذين هادوا} تابوا مِنَ الكفر، {والربَّانيون والأحبارُ} أَي: العلماءُ والزهَّاد السالكون طريقة أنبيائهم، فسُمِّى العالم حبرا لما عليه من حال العلم، وبهائه وأماراته ودلائله. {بِمَا استُحفِظوا} استُودعوا {من كِتَاب الله}، الضمير فيِ «استحفظوا» للأنبياء، والربَّانيِّين والأحبار جميعا؛ والاستحفاظ مِنَ الله، أَي: كلَّفهم الله حفظه، أو بسبب أمر الله إيَّاهم بِأَن يحافظوا (1) كتابه مِنَ التضييع والتحريف، أو للربَّانيين والأحبار، والاستحفاظ مِنَ الأنبياء. {وكَانُوا عليه (2) شهداء} أنَّهُ كذلك، وقيل: أنَّهُ رقباء عَن التبديل فِيهِ.
{فلا تخشوا الناسَ} نهيٌ للحكَّام عَن خشيتهم غير الله فيِ حكوماتهم، وإمضائها عَلَى خلاف مَا أُمروا بِهِ مِنَ العدل، لخشية سلطان ظالم، أو خيفة أَذِيَّةَ (3) أحدٍ، {واخشون} فيِ مخالفة أمري، {وَلاَ تشتروا بِآيَاتِي} ولاتستبدلوا بِآيَاتِ الله وأحكامه {ثمنا قليلا} وَهُوَ الرشوة، وابتغاء الجاه، والخوف مِنَ الخلق ورضاهم. {ومن لم يحكم بِمَا أنزل الله} مستهينا بِهِ، أو منكِرا لَهُ، أو مستبدِلا بِهِ. {فأولئك همُ الْكَافِرُونَ (44)} فكلُّ من لم يحكم بِمَا أنزل الله، ولم يرض بحكم الله، فهو كافر ظالم فاسق.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يحفظوا».
(2) - ... في الأصل: - «عليه».
(3) - ... أذيَّة مصدر آذى، في اللسان: «آذاه يؤذيه أذًى وأذاةً وأذيَّة، وتأذَّيتُ به». ابن منظور: لسان العرب، مادَّة «أذي». (1/304)
صفحة 305
وكَتبنا عَلَيْهِم فِيهَا} وفرضنا عَلَيْهِم فيِ التَّوْرَاة، {أنَّ النفس بالنفس، والعينَ بالعين، والأنفَ بالأنف، والأذنَ بالأذن، والسنَّ بالسنِّ} وسائر الجوارح قياس عليها فيِ القصاص، [بدليل] قوله تعالى: {والجروحَ قصاص} فَهَذَا تعميم بعد تخصُّص فيما يمكن الاقتصاص منه، {والجروحَ قصاصٌ فمن تصدَّق بِهِ} من أصحاب الحقِّ بالقصاص وعُفي عنه، {فهو كفَّارة لَهُ} فالتصدُّق بِهِ كفَّارة للمتصدِّق بإحسانه إِذَا كَانَ مُؤْمِنا. {ومن لم يحكم بِمَا أنزل الله فأولئك هم الظالمُونَ(45)}.
{وقفَّينا عَلَى آثارهم} عَلَى آثار النبيِّين، ومعنى قفَّيت الشيء بالشيء: جعلته فيِ أثره، كأنَّه جُعل فيِ قفاه، {بعيسى ابن مَرْيَم، مصدِّقا لِمَا بين يديه} لمَا تقدَّمه {من التَّوْرَاة وآتيناه الإِنْجِيل فِيهِ هدى ونور ومصدِّقا لِمَا بين يديه مِنَ التَّوْرَاة وهدًى وموعظة للمتَّقِينَ(46)} لأنَّهم هم المنتفعون بِهِ.
{ (1/305)
صفحة 306
ولْيَحكُمْ أهل الإِنْجِيل بِمَا أَنزل اللهُ فِيهِ، ومن لم يحكم بِمَا أنزل الله فأولئك هم الفاسقُونَ (47)} الخارجون عَن الطاعة، والفاسق هُوَ الذِي فسق بفعله، وخرج من دخوله فيما أقرَّ به بفسقه، كمَا يقال: فسقت الرطبة: إِذَا خرجت من قشرتها، {وأنزلنا إليك} يا محمَّد، {الكتابَ بِالْحَقِّ مصدِّقا لِمَا بين يديه}، لما تقدَّمه نزولا، وإنَّما قيل: لِمَا قبل الشيء هُوَ بين يديه، لأَنَّ مَا تأخَّر عَنْهُ يكون وراءه وخلفه، فما تقدَّم عليه يكون قدَّامه وبين يديه {من الكتابِ} المراد بِهِ جنس الكتب المنزَّلة، لأَنَّ القرآن مصدِّق لجميع كتب الله، فكَانَ حرف التعريف فِيهِ للجنس؛ ومعنى تصديقه للكتب: موافقتها فيِ التوحيد والعبادة، {وَمَا أرسلنا من قبلك من رسول إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أنَّه لاَ إله إِلاَّ أنا فاعبدون} (1)، {ومهيمنا عليه} وشاهدا، لأَنَّهُ يشهد لَهُ بالصِحَّة والثبات، {فاحكم بَيْنَهُمْ بِمَا أنزل الله وَلاَ تتَّبع أهواءهم عَمَّا جاءك مِنَ الحَقِّ} بالانحراف عَنْهُ إِلىَ مَا [127] يشتهونه، أي: لاَ تعرض عمَّا جاءك مِنَ الحقِّ، وَلاَ تتَّبع أهواءهم.
{__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 25. (1/306)
صفحة 307
لِكُلٍّ جعلنا منكم شرعة} شريعة، وهي الطريقة إِلىَ الماء؛ شبَّه بها الدين، لأَنَّهُ طريق إِلىَ مَا هُوَ سبب الحياة الأبديَّة، وقرئ بفتح الشين، {ومنهاجا} طريقا واضحا فيِ الدين، يجرون عليه، {ولو شاء الله لَجَعَلَكم أُمَّةً وَاحِدَةً} جماعة متَّفقة عَلَى شريعة وَاحِدَة فيِ جميع الأعصار، من غير نسخ وتحويل، {ولكن} أَرَادَ {ليبلوكم} ليعاملكم معاملة المختبر، {فيِ مَا آتاكم} مِنَ الشرائع المختلفة المناسبة لِكُلِّ قرن وعصر، هل تعملون بها مذعنين لها، معتقدين أنَّ اختلافها يقتضي الحكمة الإلهيَّة؛ أم تزيغون عَن الحقِّ، وتفرِّطون فيِ العمل كما زاغ من زغ من أهل الكتابَين. {فاستبِقوا الخيرات} فابتدروها وتساكفوا (1) نحوها قبل الفوات بالوفاة بجميع مَا آتاكم مِنَ الأمور الدينيَّة والدنيويَّة؛ والمراد بالخيرات: كُلُّ مَا يُعبد الله بِهِ، ويتوسَّل بِهِ إِلَيْهِ، {إِلىَ الله مرجعكم جميعا فينبِّئكم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تختلفُونَ (48)} فيجازيكُم عَلَى حسب مَا عملتم.
{وأن احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أنزل الله وَلاَ تتَّبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك} أَي: يصرفوك، فإن تخييلاتهم مزلَّة للافتتان، {عَنْ بعض مَا أنزل الله إليك} من دقائقه وغوامضه، فإنَّهم لاَ يطمعون منك فيِ جميعه، بَلْ لاَ يطمعون منك فيِ الظواهر، {فإن تولَّوا} عَن الحكم بِمَا أنزل الله إليك، ومالوا إِلىَ سواه، {فاعلم أنَّما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} أَي: يعاقبهم بالتولِّي عَن الحقِّ، والتعامي منه ببعض ذنوبهم، أَي: فاعلم أنَّ إعراضهم من أجل أنَّ الله يريد أن يعجِّل لَهُمُ العقوبات فيِ الدُّنْيَا ببعض ذنوبهم، {وإنَّ كثيرا مِنَ الناس لفاسقُونَ (49)} لَخارجون عَن برِّ الله.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولم أجد في لسان العرب لمادَّة “سكف” معنىً يليق بهذا السياق، انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادَّة “سكف”، 3/ 172. ولعلَّ الصواب: «تسابقوا». (1/307)
صفحة 308
أفحكمَ الجاهلية يبغون}؟ الذِي هُوَ متابعة الهوى بغير الحقِّ، والجاهلية: ضدُّ الإسلام، {ومن أحسن} أَي: لا أحد أحسن {من الله حكما لقوم يوقنُونَ (50)} فإنَّهم هم الذِين يتدبَّرون الأمور، ويتحقَّقون حقائق الأشياء بتفكُّرهم، فيعلمون (1) أن لا أحسن حكما من الله.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تتَّخذوا اليهود والنصارى أولياء} أَي: لا تتَّخذوهم أولياء تنصرونهم، وتستنصرون بهم، وتؤاخذونهم، وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين؛ ثُمَّ علَّل النهي بقوله: {بعضهم أولياء بعض} في العون والنصرة بالباطل، ويدهم وَاحِدَة عَلَى المُسْلِمِينَ ودينُهم، وكلُّهم أعداء للمؤمنين، وفيه دَلِيل عَلَى أنَّ الكفر كلَّه ملَّة وَاحِدَة، {ومن يتولَّهم منكم} فيوافقهم ويعينهم، {فإنَّه مِنْهُمْ} من جملتهم، وحكمه في الوعيد حكمهم، {إنَّ الله لاَ يهدي القوم الظالمِينَ (51)} قد حكم عَلَى المتولِّي لَهُمْ أنَّه مِنْهُمْ بولايته إيَّاهم، وخرج من جملة المؤمنين، ودخل فيِ جملة الكَافِرِينَ بكفره وفسقه، وهذا تشديد مِنَ الله فيِ وجوب مجانبة المخالف فيِ الدين، كما جاء في الحديث: «لا ترااي ناراصما» [كذا!]. {فترى الذِينَ فيِ قلوبهم مرض} هوى، وَهُوَ المؤثر معهم عَلَى مَا سواه [كَذَا]، {يسارعون فِيهِمْ} فيِ معاونتهم عَلَى المُسْلِمِينَ وموالاتهم، {يقولون} أَي: فيِ أنفسهم، لقوله: {عَلَى مَا أسرُّوا}. {نخشى أن تصيبنا دائرة} أَي: حادثة تدور بالحال التِي يكونون (2) عليها المسلمون، معناه نخشى أن يدور (لعلَّه) الدهر علينا بمكروه، فنحتاج إِلىَ نصرتهم؛ ثُمَّ (لعلَّه) وعد الله، فقال: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} لرسول الله عَلَى أعدائه، وإظهار المُسْلِمِينَ، {أو أمر من عنده} لاَ يعلم كنهه إِلاَّ هُوَ، {فيصبِحوا عَلَى مَا أسرُّوا فيِ أنفسهم} مِنَ النفاق {نادمِينَ (52)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فيعملون»، ولا معنى له.
(2) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «يكون». (1/308)
صفحة 309
ويقول الذِينَ آمنوا} فيِ وقت ما ينزل عَلَى المنافقين مِنَ الدائرة والتدمير. {أهؤلاء الذِينَ أقسموا بالله جَهدَ أَيْمانهم إِنَّهُمْ لَمَعكم} أَي: أقسموا بأغلاظ الأيمان إنَّهم أولياؤكم ومعاضدوكم [128] عَلَى الكفَّار، و «جهد أيمانهم» مصدر فيِ تقدير الحال، أَي: مجتهدين فيِ توكيدها، يريد أنَّ المؤمنين حينئذ يتعجَّبون من كذبهم وحلفهم بالباطل. قَالَ الله تعالى: {حبطت أعمالهم} ضاعت أعمالهم التِي عملوها رياء وسمعة، إِلاَّ إيمانا وعقيدة، {فأصبحوا خاسرِينَ (53)} فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة لفوات المعونة، ودوام العقوبة.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا من يرتدَّ منكم عَن دينه} من يرجع منكم عَن دين الإسلام إِلىَ دين الكفر، {فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه} تقديره: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم (1)؛ ومحبَّة الله لعبده أصل محبَّة لَهُ، وكأنَّ الله تعالى وعد أن يخلف مكَانَ من يرتدُّ عَن دينه بقوم يطيعونه فيِ أرضه، مكَانَ طاعة من أريد قبل الارتداد؛ وهكذا شبَّه الله فيِ خلقه لمن يدبِّر الكتاب، لأَنَّ حجَّة الله لا تموت فيِ أرضه إِلى يوم القيامة؛ وقيل: لا تعدم الأَرْض مِنَ الأبدال إِذَا مات مِنْهُمْ أحد أو ارتدَّ أبدل الله مكانه. {أذلَّة عَلَى المؤمنين} عاطفين عَلَيْهِم متذلِّلين لَهُمْ، {أعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ} أشدَّاء عَلَى الكافرين، والعزاز: الأَرْض الصلبة، فَهُمْ مَعَ المؤمنين كالولد لوالده، والعبد لسيِّده، ومع الكَافِرِينَ كالسبع عَلَى فريسته. {يجاهدون} مجاهدة الظاهر والباطن، {فيِ سبيل الله} فيِ طاعته، {وَلاَ يخافون لومة لائم} وَلاَ يتركون المجاهدة لخوف الإثم، وَلاَ لمذمَّة ذامٍّ. {ذَلِكَ} الوصف المذكور، {ذَلِكَ فضلُ اللهِ يؤتيه من يَشَاء وَاللهُ واسع عليم (54)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «مكانكم». (1/309)
صفحة 310
إِنَّمَا وليُّكم} «إِنَّمَا» تفيد اختصاصهم بالمولاة، والمعنى: إِنَّمَا وليُّكم الذِي يتولَّى تدبيركم، ويلي أموركم {الله ورسوله وَالذِينَ آمنوا} الذِينَ هَذِهِ صفاتهم: وهم راكعون (1) {الذِينَ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وَهُمْ راكعُونَ (55)}.
{ومن يتولَّ الله ورسولَه وَالذِينَ آمنوا فإنَّ حزبَ الله هم الغالبُونَ (56)} أصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم، ومن يتولَّهم فقد تولَّى حزب الله واعتضد بمن لاَ يُغَالب.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تتخذوا الذِينَ اتَّخذوا دينكم هزوا ولعبا} يعني أنَّ اتِّخاذهم دينكم هزوا ولعبا لاَ يصحُّ أن يقابل باتِّخاذهم أولياء بَل يقابل ذَلِكَ بالبغضاء والمنابذة، {من الذِينَ أوتوا الكتاب من قبلكم والكفَّار أولياء واتَّقُوا الله} فيِ موالاة الْكَافِرِينَ، {إن كُنتُم مُؤْمِنينَ (57)} حقَّا، لأَنَّ الإيمان حقًّا يأبى موالاة أعداء الدين.
{وإذا ناديتم إِلىَ الصلاة اتَّخذوها هُزُوا ولعبا} أَي: الصلاة أو المناداة، وفيه دَلِيل عَلَى أنَّ الأذان مشروع للصلاة، {ذَلِكَ بأنَّهم قوم لاَ يعقلُونَ (58)} لأَنَّ لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنَّه لاعقل لَهُمْ، ومن سمع الأذان للصلاة، ولم يُجب من غير عذر، واستخفَّ بِهِ، أو تنقَّص بفاعله، فقد اتَّخَذَ آيات الله هزؤا.
{قل يا أهلَ الكتاب هل تَنقِمون مِنَّا إِلاَّ أن آمنَّا بالله وَمَا أنزل إلينا وَمَا أُنزل من قبلُ} يعني هل تعيبون مِنَّا وتنكرون إِلاَّ الإيمان بالله وبالكتب المنزَّلة كلِّها، {وأنَّ أكثركم فاسقُونَ (59)}، والمعنى: عاديتمونا لأنَّا اعتقادنا توحيد الله وصدق أنبيائه، وفسقكم لمخالفتكم فيِ ذَلِكَ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: حذف عبارة «وهم راكعون». (1/310)
صفحة 311
قل هل أنبِّئكم بشرٍّ من ذَلِكَ مَثوبةً عندَ الله} أَي: ثوابا، والمثوبة وإن كَانَت مختصَّة بالإحسان ولكنَّها وضعت موضع العقوبة، كقوله: {فبشِّرهم بعذاب أليم} (1)؛ وكَانَ اليهود يزعمون أنَّ المُسْلِمِينَ مستوجبون للعقوبة، فقيل لَهُمْ: {مَن لعَنَهُ الله} شرّ عقوبة في الحقيقة من أهل الإسلام فيِ زعمهم، {وغضب عليه} وعذَّبه، [129] {وجعل مِنْهُم القردة والخنازير وعَبَدَ الطاغوت} أَي: الشيطان، أَي: عاقبهم بسبب مخالفتهم إِيَّاهُ، بأن جعلهم عباد الشيطان. {أُوْلَئِكَ شرٌّ مكانا} جعلت الشرارة للمكَانَ، وهي لأهله للمبالغة، {وأضلُّ عَن سواء السبيل (60)} عَن قصد الطريق الموصل إِلىَ الجنَّة.
{وإذا جاءوكم قَالُوا آمنَّا وقد دخلوا بالكفر وَهُمْ قد خرجوا بِهِ} أَي: دخلوا كَافِرِينَ وخرجوا كَافِرِينَ، وتقديره ملتبسين بالكفر لاَ منفكِّين عَنْهُ، وكذلك قد دخلوا وَهُمْ قد خرجوا، معناه: دخلوا فيما دخلوا فِيهِ كَافِرِينَ، وخرجوا فيما خرجوا مِنْهُ مِنَ الأمور كَافِرِينَ، معناه: لاَ يزايلهم الكفر، كَانُوا ملازمين للأمور أم تاركيها. {والله أعلمُ بِمَا كَانُوا يكتمُونَ (61)} مِنَ النفاق.
{وترى كثيرا مِنْهُمْ يسارعون فيِ الإثم والعدوان}، قيل: الإثم مَا يختصُّ بهم، والعدوان مَا يتعدَّاهم إِلىَ غيرهم؛ والمسارعة فيِ الشيء: الشروع فِيهِ بسرعة عَن فواته عَنْهُمْ، لأَنَّ الهوى قادهم إِلَيْهِ، {وأكلهم السحت لبِيسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)} لبِيسَ شَيْئًا عملوه.
{لولا} هلاَّ {ينهاهم الربَّانيُّون والأحبار عَن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبِئسَ مَا كَانُوا يصنعُونَ (63)} هَذَا ذمٌّ للعلماء، والأوَّل للعامَّة؛ وعن ابن عبَّاس: «هِيَ أشدُّ آية فيِ القرآن، حيث أُنزِل تارك النهي عَن المنكر منزلة مرتكب المنكر».
{__________
(1) - ... سورة آل عمران: 21. (1/311)
صفحة 312
وقالت اليهود: يد الله مغلولة، غُلَّت أيديهم، ولعنوا بِمَا قَالُوا، بَلْ يداه مبسوطتان}، روي أنَّ اليهود لمَّا كذَّبوا رسول الله كفَّ الله مَا بسط عَلَيْهِم مِنَ السعة، وكَانُوا من أكثر الناس مالا؛ فعند ذَلِكَ قَالَ فنحاص: يد الله مغلولة، ورضي بقوله الآخرون، فأشركوا فِيهِ، وغلُّ اليد وبسطها مجاز عَن البخل والجود، ومِنْهُ قوله: {وَلاَ تجعل يدك مغلولة إِلىَ عنقك} (1)، و [من] لم ينظر في علم البيان تحيَّر فيِ تأويل أمثال هَذِهِ الآيَة؛ وقوله: {غُلَّت أيديهم} دعاء عَلَيْهِم بالبخل، ومن ثَمَّ كَانُوا أبخل خلق الله؛ وقال بعض أهل المعاني قولهم: «يد الله مغلولة» قلَّة الثقة بوعد الله، واطمئنانهم بمكاسبهم وَمَا فيِ أيديهم، وقوله: {بَلْ يداه مبسوطتان} قيل: رحمته لأهل الطاعة، وعقوبته عَلَى أهل المعصية، وقيل معنى: {بَلْ يداه مبسوطتان} يعني: نعمتيه نعمة الدين ونعمة الدُّنْيَا، قَالُوا: النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة. {يُنفق كيف يَشَاء} تأكيد للوصف بالكرم، ودلالة عَلَى أنَّه لاَ ينفق إِلاَّ عَلَى مقتضى الحكمة. {ولَيَزيدَنَّ كثيرا مِنْهُمْ مَا أُنزل إليك من رَبِّكَ طغيانا وكفرا} أَي: يزدادون عند قيام الحجَّة طغيانا وكفرا بردِّهم لها. {وألقينا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إِلىَ يوم القيامة} عقوبة وعذابا معجَّلا لَهُمْ؛ وَأَمَّا من عادى أعداء الله، أو عادوه عَلَى دينه، فذلك ابتلاء يبتلي بِهِ من يَشَاء، وَلَهُ زيادة ثواب إن صبر، وزيادة دركات عذاب لمن كفر. {كلَّما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} كلَّما أَرَادوا حرب الرسول وإثارة شرٍّ عليه، ردَّهم الله بِأَن أوقع بَيْنَهُمْ منازعة كفَّ بها عَنْهُ شرَّهم، لأنَّهم تجمعهم كلمة الحقِّ. {ويَسعَوْنَ فيِ الأَرْض فسادا} ويجتهدون فيِ دفع الإسلام، {والله لاَ يحبُّ المفسدِينَ (64)}.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 29. (1/312)
صفحة 313
ولو أنَّ أهل الكتاب آمنوا واتَّقَوا} وقَرنوا إيمانهم بالتقوى. {لكفَّرنا عَنْهُمْ سَيِّئَاتهم ولأدخلناهم جَنَّات النعيم(65)}.
{ولو أنَّهم أقاموا التَّوْرَاة [130] والإِنْجِيل} أقاموا أحكامهما وحدودها وَمَا فِيهَا، وَإِلاَّ فهما مُسْتَقِيمان فيِ الحقيقة بإقامة الله إيَّاهما من غير إقامتهم إيَّاهما، وإقامته (لَعَلَّهُ) القيام بِهِ، والذبُّ عنه (1) . {وَمَا أُنزل إِلَيْهِم من ربِّهم} من سائر كتب الله، لأنَّهم مكلَّفون الإيمانَ بجميعها، فكأنَّما أنزلت إِلَيْهِم، وقيل: هُوَ القرآن، وقيل: هُوَ كلُّ حجَّة من حجج الله قامت عَلَيْهِم، من حجَّة عقل أو غيره. {لأكلوا من فوقهم} حلالا طيِّبا، يعني: مِنَ الثمار، أو من مَا أنزل مِنَ السَّمَاء من رزق. {ومِن تحتِ أرجلهم} يعني: الزروع، أو هَذَا عبارة عَن التوسعة؛ ودليل الآية (2) عَلَى أنَّ العمل بطاعة الله سبب لسعة الرزق؛ وَهُوَ كقوله: {ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتَّقَوا لفتحنا عَلَيْهِم بركات مِنَ السَّمَاء والأَرْض} (3) ، {ومن يتَّقِ اللهَ يَجعلْ لَهُ مَخرَجا ويَرزُقْه من حيث لاَ يَحتسِب} (4) ، {فقلت استغفروا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غفاَّرا...} (5) الآية، {وأن لو استقاموا عَلَى الطريقة...} (6) الآية، ومعنى هَذِهِ الآيات مخصوصة (7)
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإقامتهما (لَعَلَّهُ) القيام بِهِما، والذبُّ عنهما».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وفي الآيَة دَلِيل...».
(3) - ... سورة الأعراف: 96.
(4) - ... سورة الطلاق: 2-3.
(5) - ... سورة نوح: 10. وتمامها وَهُوَ محلُّ الشاهد: {...يرسلِ السماءَ عليكم مِدرارا ويُمدِدْكم بأموالٍ وبنينَ ويجعلْ لكم جَنَّاتٍ ويجعلْ لكم أنهارا}.
(6) - ... سورة الجنّ: 16؛ وتمامها: {وأن لَو استقاموا عَلَى الطريقة لأسقيناهم ماء غَدَقا}.
(7) ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مخصوص»، والضمير يعود إِلىَ «معنى».. (1/313)
صفحة 314
لأهل الطاعة، ضاق عَلَيْهِمُ الرزق أو اتَّسع، (لَعَلَّهُ) وَلاَ يكون رزق المُؤمِن إِلاَّ واسعا وإن ضاق، لأنَّ ثوابه الجنَّة، ولايكون رزق الكافر إِلاَّ ضيِّقا، لأنَّ الدُّنْيَا متاعها قليل، كما قَالَ: {ومن أعرض عَن ذكري فإنَّ لَهُ معيشة ضنكا} (1). {مِنْهُمْ أمَّة مقتصدة} قيل: هِيَ الأمَّة المُؤمِنة، عادلة غير غالية وَلاَ مقصِّرة، {وكثيرٌ مِنْهُمْ ساء مَا يَعْمَلُونَ (66)} وكثير مِنْهُمْ مَا أسوء عملهم.
{يَا أَيُّهَا الرسول بلِّغ مَا أُنزل إليك من ربِّك} جميع مَا أنزل إليك، غير مراقب فيِ تبليغه أحدا، وَلاَ خائف أن ينالك مكروه. {وإن لَمْ تَفعلْ} وإن لم تُبلِّغ جميعه كما أمرتك، {فما بلَّغت رسالته} فلم تبلِّغ إِذًا مَا كلَّفتك من أداء الرسالة، ولم تؤدِّ منها شَيْئًا فيِ الحقيقة، وذلك أنَّ بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض؛ فإذا لم تؤدِّ بعضها، فكأنَّما أغفلت أداءها جميعا، كما أنَّ من لم يؤمن ببعضها، كَانَ كمن لاَ يؤمن بكلِّها، لكونها فيِ حكم شيء وَاحِد، لدخولها تحت خطاب واحد؛ والشيء الوَاحِد لاَ يكون مبلَّغا غير مبلَّغ، وَلاَ مُؤْمنا بِهِ غير مُؤْمن بِهِ، هَذَا مَا لاَ يجوز، {واللهُ يعصمُك مِنَ الناس} من إغوائهم وإضلالهم إيَّاك، {إنَّ الله لاَ يهدي القوم الْكَافِرِينَ (67)} لاَ يُمكِّنهم مَا يريدون من دين وَلاَ دنيا.
{__________
(1) - ... سورة طه: 124. (1/314)
صفحة 315
قل يا أهل الكتاب: لستم عَلَى شيء} فيِ الحقيقة عَلَى دين وَلاَ دنيا يعتدُّ بِهِ، حتَّى يسمَّى شَيْئًا لبطلانه، لأنَّهم خسروا الحَالَين، وإنَّما هم فيما هم عليه من أمر دنياهم أمور وهميَّة لاَ حقيقة لها، بمنزلة اللَّهو واللَّعب الذي لا يثمر فائدة، بَلْ يثمر التعب والتعذيب. {حتىَّ تُقيموا التَّوْرَاةَ والإِنْجِيل وَمَا أُنزل إليكم من ربِّكم} أَي: القرآن أَي: تقيموا أحكامها وَمَا يجب عَلَيْكُم فِيهَا، {ولَيَزيدَنَّ كثيرا مِنْهُمْ مَا أنزل إليك من رَبِّكَ طغيانا وكفرا} بكفرانهم بِمَا فِيهِ، {فلا تَأْسَ عَلَى القوم الْكَافِرِينَ (68)} فلا تتأسَّف عَلَيْهِم فإنَّ ضرر ذَلِكَ يعود عليهم.
{إنَّ الذِينَ آمنوا} بألسنتهم، {وَالذِينَ هادوا والصابئون والنصارى} قيل: ارتفع «الصابئُون» بالابتداء. {من آمن بالله واليوم الآخر} بقلوبهم، {وعمل صالحا} بالتوحيد، وصدَّق إيمانه بالعمل [131] الصالح، {فلا خوفٌ عَلَيْهِم وَلاَ هم يحزنُونَ (69)}.
{لَقَدْ أَخَذنا ميثاق بَنِي إِسْرَائِيلَ} (لَعَلَّهُ) بالتوحيد، {وأرسلنا إِلَيْهِم رُسلا} ليقفونهم (1) عَلَى مَا يأتون (لَعَلَّهُ) ويذرون فيِ دينهم، {كلَّما جاءهم رسول بِمَا لاَ تهوى أنفسُهم} بِمَا يخالف هواهم، ويَضادُّ شهواتهم من مشاقِّ التكليف، والعمل بالشرائع. {فريقا كذَّبوا وفريقا يَقتُلُونَ (70)} ففريق شأنهم التكذيب، وفريق شأنهم القتل.
{وحسبوا أَلاَّ تكون فتنةٌ} حسبوا أن لاَ يصيبهم من أمر الله عذاب بسبب التكذيب والقتل لأنبياء الله؛ أو وحسبوا أَن لا يكون التكذيب والقتل معصية، بِمَا خيَّل لَهُمُ الشيطان، {فَعموا وصمُّوا} فعموا عَن الحقِّ باتِّباع أهوائهم، {ثمَّ تاب الله عليهم} لمَّا تابوا؛ {ثمَّ عَموا وصمُّوا كثير مِنْهُم} من حيث أنَّهم ارتدُّوا عَلَى أدبارهم، {والله بصير بِمَا يَعْمَلُونَ (71)} فيجازيهم بحسب أعمالهم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ليوقفوهم». (1/315)
صفحة 316
لَقَدْ كَفَر الذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ هُوَ المسيحُ ابنُ مَرْيَم؛ وقال المسيح: يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعبدوا الله رَبِّي وربَّكم} لم يفرِّق عيسى بَيْنَهُ وبينهم، فيِ أنَّه عبدٌ مربوب. {إِنَّهُ من يشركْ بالله} فيِ عبادته غير الله، شرك الجحود أو شرك الطاعة، {فقد حرَّم اللهُ عليه الجنَّةَ} التِي هِيَ دار الموحِّدين المطيعين، {ومأواه} ومَرجِعه {النار} التِي أُعدَّت للكَافِرِينَ، {وَمَا للظالمين من أنصار (72)} ينصرهم ويحميهم من عذاب الله ويدخلهم الجنَّة.
{لَقَدْ كَفر الذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثة} أَي: ثالث ثلاثة آلهة، {وَمَا مِنَ الَهٍ إِلاَّ إله واحد} أَي: وَمَا إله قطُّ فيِ الوجود، إِلاَّ إله موصوف بالوحدانيَّة، لاَ ثاني لَهُ، وهو الله وحده لاَ شريك لَهُ؛ {وإن لم ينتَهوا عمَّا يقولون} بلسان المقال أو بلسان الحال، {ليمسَّنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عذاب أليم (73)} فيِ الدارين.
{أفلا يتوبون إِلىَ الله ويستغفرونه} أفلا يتوبون بعد هَذِهِ الشهادة ــ المكرَّرة (1) عَلَيْهِم بالوحدانيَّة لله وبإشراكهم بِهِ ــ وهذا الوعيد الشديد مِمَّا هم عليه، وفيه تعجُّب من إصرارهم. {والله غَفُور رحيم (74)} يَغْفِر لمن تاب.
{__________
(1) - ... في الأصل: «المكرَّر»، وهو خطأ. (1/316)
صفحة 317
مَا المسيح ابنُ مَرْيَم إِلاَّ رسولٌ} فِيهِ نفي الألوهيَّة، {قد خَلَتْ من قَبلِه الرسلُ} أَي: مَا هُوَ إِلاَّ رسول من جنس الرسل الذِينَ خلوا من قبله، لم يكن منه ــ لأَنَّهُ إله بَل للهِ (1) ــ إبراءُ الأكمهِ والأبرص، وإحياء الموتى عَلَى يده، {وأمُّه صِدِّيقة} أَي: وَمَا أمُّه أَيْضًا إِلاَّ كبعض النساء المصدِّقات للأنبياء، المُؤمِنات بهم، {كانا يأكلان الطعام} لأنَّ من احتاج إِلىَ الاغتذاء وَمَا يتبعه مِنَ الهضم والنقص، لم يكن إِلاَّ جسما مركَّبا من لحم وعظم يدلُّ عَلَمُه عَلَى أنَّه مصنوع مؤلَّف كغيره مِنَ الأجسام. {انظر كيف نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيات} أَي: الأعلام مِنَ الأدلَّة الظاهرة عَلَى بطلان مَا هم عليه مِنَ الكفر، {ثمَّ انظر أنىَّ يؤفكُونَ (75)} كيف يُصرفون عَن استماع الحقِّ وتأمُّله بعد هَذَا البيان.
{قل: أتعبدون من دون الله مَا لاَ يملك لكم ضرًّا وَلاَ نفعا} كلُّ مَا يعبد من دون الله من هوى الأنفس وغيرها، وهذا شاهد ثانٍ (2)؛ لاَ يملك لعامله ضرًّا وَلاَ نفعا. {والله هُوَ السميع العليم (76)} القادر عَلَى الضرِّ والنفع.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الله»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «ثاني»، وهو خطأ. (1/317)
صفحة 318
قل يا أهل الكتاب: لاَ تَغلوا فيِ دينكم} الغلوُّ: مجاوزة الحدِّ، فغلُوُّ النصارى رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهيَّة؛ وغلوُّ اليهود وضعه عَن استحقاق النبوَّة. {غير الحقِّ} أَي: علوًّا باطلا، وقوله {غير الحقِّ} أَي: فيِ دينكم (لَعَلَّهُ) المخالف [132] للحقِّ؛ وذلك بأنَّهم خالفوا الحقَّ، (لَعَلَّهُ) فيِ دينهم، لأنَّ الغلوَّ فيِ الدين غلوَّان: حقٌّ، وَهُوَ أن يفحَص عَن حقائقه، وينقش (1) عَن أباحر [كَذَا] معانيه، ويجتهد فيِ تحصيل حججه، كما يفعل المتكلِّمون من أهل العدل والتوحيد، وغلوٌّ باطلٌ وَهُوَ أن يتجاوز الحقَّ، ويتخطَّاه بالإعراض عَن الأدلَّة واتِّباع الشبهة، كما يفعل أهل الأهواء والبدع. {وَلاَ تتَّبعوا أهواء قوم قد ضلُّوا مِن قبلُ، وأضلُّوا كثيرا وضلُّوا عَن سواء السبيل (77)} عَن قصد السبيل.
{لُعن الذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لسان داوودَ وعيسى ابنِ مَرْيَمَ} أَي: أنزل لعنهُم عَلَى ألسنتهما بِمَا أوحي إِلَيْهِما، {ذَلِكَ بِمَا عصوا وكَانُوا يعتدُونَ (78)} ذَلِكَ اللَّعن بعصيانهم واعتدائهم؛ ثُمَّ فسَّر المعصية والاعتداء بقوله: {كَانُوا لاَ يتناهون} لاَ ينهى بعضهم بعضا {عَنْ منكر فعلوه، لبِئسَ مَا كَانُوا يفعلُونَ (79)}، وفيه دليل عَلَى أنَّ ترك المنكر مِنَ العظائم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّها من البحث والاستخراج، قال في اللسان: «ونَقَش عن الشوكة ينقشها نقشا، وانتقشها: أخرجها من رجله، وبه سمِّي المنقاش». ابن منظور: لسان العرب، 6/ 704، مادَّة «نقش». (1/318)
صفحة 319
تَرى كثيرا مِنْهُمْ يتولَّون الذِينَ كَفَرُواْ، لبِئْسَ مَا قدَّمت لَهُم أنفسُهم} بِئسَ مَا قدَّموا مِنَ العمل لأنفسهم فيِ معادهم، {أن سَخِطَ اللهُ عليهم} لبِئسَ شَيْئًا قدَّموه لأنفسهم، {سخطَ الله عَلَيْهِم} أَي: موجب سخط الله أبد الآباد، وهذا مُذ قارفوا المعصية أعظم شيء عَلَيْهِم، كما أنَّ رضاه عَن المؤمنين أبدَ الآباد أكبر شيء. {وفي العذاب هم خالدُونَ (80)} (لَعَلَّهُ) لاَ محيد لَهُمْ عَنْهُ فيِ الدُّنْيَا وَلاَ فيِ الآخِرَة، إِلاَّ بالتوبة إِذَا تابوا فيِ الحياة.
{ولو كَانُوا يُؤْمِنُونَ بالله} إيمانا خالصا بلا نفاق، {والنبيِّ} محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، {وَمَا أنزل إِلَيْهِ} يعني: القرآن، {مَا اتَّخذوهم أولياء} مَا استقام لَهُم أن يتَّخذوا المشركين أولياء، يعني: أنَّ موالاة (1) المشركين تدلُّ عَلَى نفاقهم، {ولكنَّ كثيرا مِنْهُمْ فاسقُونَ (81)} متمرِّدون فيِ كفرهم ونفاقهم، ومعناه: ولو كَانَ هؤلاء اليهود يُؤمِنُونَ بالله وبموسى وبما أنزل إِلَيْهِ، يعني: التَّوْرَاة، مَا اتَّخذوا المشركين أولياء، كما لم يوالهم المُسْلِمُونَ؛ {ولكنَّ كثيرا مِنْهُمْ فاسقون} خارجون عَن دينهم، فلا دين لَهُم يُعتدُّ بِهِ أصلا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «مولاه»، وهو خطأ. (1/319)
صفحة 320
لَتَجِدَنَّ أشدَّ الناسِ عداوةً للذين آمنوا اليهود وَالذِينَ أشركوا} إِذَا اعتبرت أحوالهم، {وَلَتَجِدَنَّ أقربَهم مودَّة للذين آمنوا الذِينَ قَالُوا: إِنَّا نصارى} لم يُرد بِهِ جميع النصارى، لأنَّهم فيِ عداوتهم للمسلمين كاليهود فيِ قتلهم المُسْلِمِينَ وأسرهم، وتخريب بلادهم، وهدم مساجدهم، لاَ وَلاَ كرامة لَهُمْ، بَل الآيَة فيمن أسلم مِنْهُمْ مثل النجاشيِّ وأصحابه؛ وقيل: نزلت فيِ جميع اليهود وجميع النصارى، لأَنَّ اليهود أقسى قلبا، والنصارى ألين قلبا مِنْهُمْ (لَعَلَّهُ) وأقلُّ مظاهرة. {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قسِّيسين ورهبانا} أَي: سبب مودَّة النصارى للذين آمنوا، لأَنَّ مِنْهُمْ علماء وعبَّادا يعطفون قومهم لموادَّة المؤمنين، {وأنَّهم لاَ يستكبرُونَ(82)} لاَ يتعظَّمون عَن الإيمان والإذعان للحقِّ، وفيه دَلِيل عَلَى أنَّ العلم أنفع شيء، وأهداه إِلىَ الخير.
{وإذا سمعوا مَا أنزل إِلىَ الرسول تَرَى أعينَهم تفيض مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفوا مِنَ الحقِّ} وصفهم برقَّة القلوب، وأنَّهُم يبكون عند استماع القرآن؛ {يقولون: رَبَّنَا آمنَّا} بمحمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء بِهِ، {فاكتبنا [133] مَعَ الشاهدِينَ(83)} مَعَ المحقِّين المصدِّقين الصادقين.
{وَمَا لَنَا لاَ نؤمن بالله} إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان، مَعَ قيام موجبه، وَهُوَ الطمع فيِ إنعام الله عَلَيْهِم بصحبة الصالحين، {وَمَا جاءنا مِنَ الحقِّ، ونطمعُ أن يُدخِلنا رَبُّنَا مَعَ القوم الصالحِينَ(84)} فيِ سعيهم وجزائهم.
{ (1/320)
صفحة 321
فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فِيهَا}، لأَنَّهُ من سلك طريق الجنَّة صار كأنَّه فِيهَا، كقوله لصدِّهم: {فما أصبرهم عَلَى النار}! (1)، أو لأَنَّ مصيرهم فيِ الآخِرَة إِلَيْهِا. {وذلك جزاء المحسنِينَ (85)} الذِينَ أحسنوا النظر والعمل، واعتادوا الإحسان فيِ الأمور.
{وَالذِينَ كَفَرُوا وكذَّبوا بِآيَاتِنا أُوْلَئِكَ أصحاب الجحيم (86)} هؤلاء ضدّ الأَوَّلين.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تحرِّموا طيِّبات مَا أَحلَّ الله لكم وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يحبُّ المعتدِينَ (87) وكلوا مِمَّا رزقكم الله حلالا طيِّبا، واتَّقُوا الله الذِي أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنونَ (88)} لأَنَّ الإيمان بِهِ يوجب تقواه وامتثال أمره.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 175. (1/321)
صفحة 322
لاَ يؤاخذُكم الله باللَّغو فيِ أَيْمانكم} اللَّغو فيِ اليمين: الساقط الذِي لاَ يتعلَّق بِهِ حكم، وَهُوَ أن يحلف عَلَى شيء يرى أنَّه كذلك، وليس كما ظنَّ، وقيل: مَا يجري عَلَى اللِّسان بلا قصد، وقيل: هُوَ أن يحلف الرجل ببعض اليمين، ثُمَّ يمسك عَن تمامها خوف الإثم؛ فهذا هُوَ اللَّغو الذِي لاَ يؤاخذ بِهِ، وَأَمَّا من أتمَّ اليمين فقد عقدها، وقد وجبت الكفَّارة عليه إن كَانَ كاذبا؛ وليس هُوَ كما قيل: إنَّ اللغو فيِ الأيمان مثل قول الرجل: «لاَ والله»، «وبلى والله»، وَلاَ يريد بهذا يمينا، وأنَّ هَذَا اللغو لاَ يؤاخَذ به، ولكن كلُّ ما حلف بِهِ الإنسان فهو لَهُ أو عليه. {ولكن يؤاخذكم بِمَا عقَّدتم الأَيمان} أي: بتعقيدكم الأيمان، وهو توثيقها؛ والعقد: العزم عَلَى الوفاء، والمعنى: {ولكن يؤاخذكم بِمَا عقَّدتم} إِذَا حنثتم، وإذا كَانَ لاَ يؤاخذ بالأيمان من غير عقد، فكذلك لاَ يثاب عَلَى أيمانه بغير عقد؛ {فكفَّارته إطعامُ عشرةِ مساكين} وَهُوَ أن يغدِّيَهم ويعشِّيهم؛ وقيل: يجوز أن يعطيهم بطريق التمليك، وَهُوَ مَا حُدَّ فيِ الشرع، {من أوسط مَا تطعمون أهليكم} قيل: الأوسط (لَعَلَّهُ) الخبز والخلَّ، وإلاَّ على الخبز (لعلَّه) النجب (1)، والكلُّ مجزي. {__________
(1) - ... كذا في الأصل، وقد بحثنا في اللسان عن معنى للكلمة يوافق السياق فلم نجد. (1/322)
صفحة 323
أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيَّام، ذَلِكَ كفَّارة أيمانكم إِذَا حَلفتم واحفَظوا أَيمانكم} فبرُّوا فِيهَا وَلاَ تحنثوا، إِذَا لم يكن الحنث خيرا، قيل: أَرَادَ بِهِ ترك الحلف، أَي: (لَعَلَّهُ) لاَ تحلفوا، وقيل: أَرَادَ بِهِ إِذَا (لَعَلَّهُ) حلفتم فلا تحنثوا، والمُرَاد بِهِ حفظ اليمين عَن الحنث؛ وقيل: احفظوا كيف حلفتم بها، وَلاَ تنسوها تهاونا بها، وقيل: إِذَا حلف وحنث ليحفظْها حتَّى يكفِّرها، {كذلك يُبَيِّنُ الله لكم آياته}، أعلام شريعته وأحكامه، {لَعَلَّكُمْ تشكرُونَ(89)} نعمته فيما علَّمكم، فتعملوا بِهِ.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إِنَّمَا الخمر والميسر} القمار، {والأنصاب} الأصنام، لأَنَّهَا تُنصَب فتعبد، {والأزلام}: وهي القداح التِي مرَّ ذكرها، {رجس} نجس أو خبيث مستقذر {من عمل الشيطان} لأَنَّهُ يُحمل عليه، فصار كأنَّه عمله؛ {فاجتنِبوه لَعَلَّكُمْ تفلحُونَ(90)}.
{ (1/323)
صفحة 324
إِنَّمَا يريد الشيطان أن يوقِع بينكم العداوةَ والبغضاءَ فيِ الخمر والميسرِ، ويَصُدَّكم عَن ذِكرِ اللهِ وعن الصلاة} ذَكَر مَا يتولَّد منهما مِنَ الوبال، وَهُوَ [134] وقوع التعدِّي والتباغض، من أصحاب الخمر والقَمْر، وَمَا يؤدِّيان إِلَيْهِ مِنَ الصدِّ عَن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة، وخُصَّ (1) من بين الذكر لزيادة درجتها، كأنَّه قَالَ: وعن الصلاة خصوصًا. وانظر إِلىَ أحوال الشيطان كيف يزيِّن فعل معصية لتكون سببا لركوب معاصي، وتركا لمَا فرض الله، وعقوبة فيِ الدُّنيَا، وهي العداوة والتباغض، وإضاعة المال فيِ المعاصي، وعذاب النار فيِ الآخِرَة لمن لم يتب؛ {فهل أَنتُمْ مُنتَهُونَ (91)}؟ مِن أبلغِ مَا يُنهى بِهِ، كأنَّه قيل: قد تَلى عَلَيْكُم مَا فيهما من أنواع الصوارف والزواجر، فهل أَنتُم مَعَ هَذِهِ الصوارف منتهون؟ أو أَنتُم عَلَى مَا كُنتُم عَلَيه، كأن لم توعظوا أو لم تنزجروا.
{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، واحذروا} الشيطان، وكونوا حذرين منه، لأنَّهم إِذَا حذروا دعاهم الحذر إِلىَ عمل الحسنات واتِّقاء السيِّئات؛ {فإن تولَّيتم} عَن الطاعة والحذر، {فاعلموا أَنَّمَا عَلَى رسولنا البلاغ الْمُبِين (92)} أَي: ليس عَلَى رسولنا إِلاَّ إبلاغكم بالآيات البَيِّنَات.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خُصَّت». (1/324)
صفحة 325
ليس عَلَى الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طَعموا} مِنَ الخمر قبل التحريم، {إِذَا مَا اتَّقَوا} الشرك {وآمنوا} بالله {وعملوا الصالحات} بعد الإيمان؛ {ثم اتَّقَوا} الخمر والميسر بعد التحريم، {وآمنوا} بتحريمها؛ {ثُمَّ اتَّقَوا} سائر المحرَّمات؛ أو الأوَّل: عَن الشرك، والثاني: عَن المحرَّمات، والثالث: عَن الشبهات؛ أو لأنَّهم أَرَادوا بأكل الطعام الحلال وجه الله، فلم تبق عَلَيْهِم تباعة؛ ليس كمثل الذِينَ طَعموا وتقَوَّوا بِهِ عَلَى المعاصي كقوله: {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} (1)، {وأحسَنوا} ولم يسيئوا {والله يحِبُّ المحسنِينَ (93)}.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لَيبلونَّكم الله بشيء مِنَ الصيد، تناله أيديكم ورِماحُكم} معنى يبلو: يختبر (2)، وَهُوَ مِنَ الله تعالى لإظهار مَا علم مِنَ العبد، عَلَى مَا علم، لاَ ليعلم مَا لم يعلم، {ليعلمَ اللهُ من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذَلِكَ، فله عذاب أليم (94)} فالوعيد لاَحق بِهِ، فإنَّ من لاَ يملك حاشيه (3) الصبر فيِ مثل ذَلِكَ، وَلاَ يراعي حكم الله فِيهِ، فكيف بِهِ فيما تكون النفس أميل إِلَيْهِ وأحرص عليه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «واهي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة»، وهو خطأ. سورة الأعراف: 32.
(2) - ... في الأصل: «ويحتبز».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «جأشه»، و «الجأش: النفس، وَقِيلَ: القلب، وَقِيلَ: رباطه وشدَّته عند الشيء، تسمعه لا تدري ما هو». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 390، مادَّة «جأش». (1/325)
صفحة 326
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم} أَي: مُحرِمون، {ومن قتله منكم متعمِّدا} أَي: ذاكرا لإجرامه، أو عالما أنَّ مَا يقتله مِمَّا يُحرم قتله عليه؛ {فجزاء مثل مَا قَتَل مِنَ النَّعَم} معناه: أنَّه يجب عليه مثل ذَلِكَ الصيد مِنَ النعَم، وأَرَادَ مَا يَقرُب مِنَ الصيد المقتول، شبها من حيث الخلقة لاَ من حيث القيمة، {يحكم بِهِ ذَوَا عدل منكم} حكمان عادلان، {هديا بالِغَ الكعبةِ، أو كفَّارة طعام مساكين، أو عدل ذَلِكَ صياما ليذوق وبالَ أمره} ليذوق سوء عاقبة هتكه لِحُرمة الإحرام، لعلَّ ذَلِكَ يكون ردعا؛ والوبال: المكروه والضرر الذِي يُنال فيِ العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، {عفا الله عَمَّا سلف} قبل التحريم؛ {ومن عاد} إِلىَ قتله بعد له (1) التحريم؛ {فينتقمُ الله منه} بالجزاء، وهذا من أشدِّ الوعيد، {والله عزيزٌ ذو انتقام (95)} لمن جاوز الحدود.
{أُحلَّ لكم صيدُ البحر، وطعامُه متاعا لكم وللسَّيارة} وللمسافرين، {وحُرِّم عَلَيْكُم صيد البرِّ مَا دمتم حُرُما، واتَّقُوا الله [135] الذِي إِلَيْهِ تحشرُونَ (96)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «له». أو «بعد ما بان له التحريم». (1/326)
صفحة 327
جَعَل اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ} سُمِّي البيت الحرام: لأنَّ الله حرَّمه وعظَّم حرمته، قَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله حرَّم مكَّة يوم خلق السَّمَاوَات والأَرْض» (1) عَلَى مَا يُروى عَنْهُ؛ {قياما للنَّاس} أَي: انتعاشا لَهُمْ فيِ أمر دينهم، {والشهر الحرام} والشهر الذِي يُؤدَّى فِيهِ الحج، {والهدي} مَا يُهدى إِلىَ مكَّة، {والقلائد} والمقلَّد مِنْهُ خصوصا، وهو البُدن فالثواب فِيهِ أكثر، وبَهاء الحجِّ معه أظهر؛ {ذَلِكَ لتعلموا أنَّ الله يعلم مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض، وأنَّ الله بكلِّ شيء عليم (97)} أَي: جعل ذَلِكَ لتعلموا أنَّ الله يعلم مصالح مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض، وكيف لاَ؛ وَهُوَ بِكُلِّ شيء عليم. {اعلموا أنَّ الله شديد العقاب} لمن عصاه حيًّا ومَيِّتا {وأنَّ الله غَفُور رحيم (98)} لمن تاب وآمن وعمل صالحاً، ثُمَّ اهتدى.
{مَا عَلَى الرسولِ إِلاَّ البلاغ} تشديد فيِ إيجاب القيام بِمَا أمر بِهِ، وأن الرسول قد فرغ مِمَّا وجب عليه مِنَ التبليغ، وقامت عَلَيْكُم الحجَّة، ولزمتكم الطاعة، وَمَا بقي إِلاَّ اختياركم فلا عذر لكم فيِ التفريط، {والله يعلم مَا تُبدون وَمَا تكتمُونَ (99)} فلا يخفى عليه نفاقكم ووفاقكم.
{__________
(1) - ... رواه البخاري في كتاب المغازي، رقم3971، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ... ». وانظر: البخاري: كتاب الحج، كتاب الجزية والموادعة. مسلم: كتاب الحجِّ. النسائي: مناسك الحج. ابن ماجه: كتاب المناسك. أحمد: مسند بني هاشم؛ مسند المدنيِّين. (1/327)
صفحة 328
قل: لاَ يستوي الخبيثُ} وَهُوَ كلُّ مَا زجر عَنْهُ الشرع، {والطيِّب} كلُّ مَا أباحه؛ فلا تسوُّوا فيِ الحكم بينهما، {ولو أعجبك كثرةُ الخبيث}، ومالت نفسك إِلَيْهِ؛ {فاتَّقُوا الله} وآثروا الطيِّب وإن قلَّ عَلَى الخبيث وإن كثر؛ وقيل: هُوَ عَلَم فيِ حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وجيِّد الناس ورديئهم، {ياأولي الألباب} أي: العقول الخالصة، {لَعَلَّكُمْ تفلحُونَ(100)}.
كَانُوا يسألون النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَن أشياء امتحانا؛ فنزل: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تسألوا عَن أشياء إن تُبْدَ لكم تَسُؤْكم} معانيها وتأويلها، {وإن تسألوا عنها حين يُنزَّل القرآن، تُبد لكم} أَي: وإن تسألوا عَن هَذِهِ التكاليف الصعبة فيِ زمان الوحي، وَهُوَ مَا دام الرسول بين أظهركم، تُبد لكم تلك التكاليف التِي تسؤكم، أَي: تغمُّكم وتشقُّ عَلَيْكُم، وتؤمروا بتحمُّلها؛ فتعرِّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فِيهَا، {عفا الله عنها} عفا الله عَمَّا سلف من مسألتكم، {وَاللهُ غَفُورٌ حليم(101)} لاَ يعاقب إِلاَّ بعد الإنذار.
{قد سألها قوم من قبلكم، ثُمَّ أصبحوا بها كَافِرِينَ(102)} صاروا بسببها كَافِرِينَ، قيل: «إنَّ الله فرض فرائض، فلا تسبقوها، ونهى عَن أشياء فلا تنتهكوها، وحدَّ حدودا فلا تعتدوها، وترك أشياء، فلم ينزل بها حكم من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها».
{ (1/328)
صفحة 329
مَا جعل الله من بَحيرة} أَي: مَا أنزل الله، ولا أمر به (1)، {وَلاَ سائبة وَلاَ وصيلة وَلاَ حامٍ}، قيل: كَانَ أهل الجاهليَّة إِذَا نتجت الناقة خمسة أبطن، آخرها ذكر، شقُّوا أذنها، وامتنعوا مِنَ الانتفاع بها، وسمَّوها «بحيرة»؛ وكَانَ الرجل يقول: إِذَا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، وحرَّم الانتفاع بها؛ وكَانَ الرجل إِذَا أعتق عبدا، قَالَ: هُوَ سائبة، فلا عقل بينه وبينه (2). وكانت الشاة إِذَا ولدت سبعة أبطن، فإن كَانَ السابع ذكرا، أكله الرجال، وإن كَانَ أنثى أرسلت فيِ الغنم؛ وكذا إن كَانَ ذكرا وأنثى، وَقَالُوا: وصلت أخاها، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن، قَالُوا: [136] قد حمَى ظهرَه، فلا يُركب، وَلاَ يحمل عليه، وَلاَ يمنع من جاء، وَلاَ يرعى، ومعنى «مَا جعل»: مَا شرع ذَلِكَ وَلاَ أمر بِهِ، {ولكنَّ الذِينَ كَفَرُواْ} بتحريمهم مَا حرَّموا، {يفترون عَلَى الله الكذب} فيِ نسبتهم هَذَا التحريم إِلَيْهِ، {وأكثرهم لاَ يعقلُونَ (103)} أنَّ الله لم يحرِّم ذَلِكَ وَهم عوامُّهم، أو أنَّ صاحب العقل السليم لاَ يحرِّم مَا أحلَّه الله.
{وإذا قيل لَهُمْ تعالوا إِلىَ مَا أنزل الله وإلى الرسول} أَي: هلمُّوا إِلىَ حكم الله ورسوله، بأنَّ هَذِهِ الأشياء غير مُحرَّمة، {قَالُوا: حَسبُنا مَا وجدنا عليه آباءَنا} أَي: كافينا ذَلِكَ؛ {أولو كَانَ آباؤهم لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَلاَ يهتدُونَ (104)} أَي: لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الأشياء فيِ الحقيقة من أمر دين وَلاَ دنيا، والاقتداء إِنَّمَا يصحُّ بالعالم المهتدي، وإنَّما يعرف اهتداؤه بِالحُجَّةِ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والاامر»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بيني وبينه»؛ أو «بينه وبين عبده». (1/329)
صفحة 330
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا عَلَيْكُم أنفسكم} أَي: عَلَيْكُم إصلاح أنفسكم، وتزكيتها وتقويمها عَلَى المحجَّة، {لاَ يضرُّكم من ضلَّ إِذَا اهتديتم} قيل: كَانَ المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة عَلَى أهل العناد مِنَ الكفرة، يتمنَّون دخولهم فيِ الاسلام، فقيل لَهُمْ: {عَلَيْكُم أنفسكم}، وَمَا كُلِّفتم من إصلاحها، لاَ يضرُّكم ضلالهم فيِ دينكم، إِذَا كُنتُمْ مهتدين، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عَن المنكر، {إِلىَ الله مرجعكم جميعا، فينبِّئكم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)} فِيهِ وعد لمن اهتدى ووعيد لمن ضلَّ.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا شهادة بينكم إِذَا حضر أحدكم الموت} أَي: مرض الموت، {حين الوَصِيَّة (1) اثنان ذوا عدل منكم} من أهل دينكم، {أو آخران من غيركم} من غير أهل دينكم، قيل: هُوَ منسوخ {إن أَنتُمْ ضربتم فيِ الأَرْض فأصابتكم مصيبة الموت تَحبِسونهما من بعد الصلاة، فيقسِمان بالله إن ارتبتم لاَ نشتري بِهِ ثمنا ولو كَانَ ذا قربى، وَلاَ نكتم شهادة الله إِنَّا إِذًا لمن الآثمينَ (106)}.
{فإن عُثِرَ} اطُّلِعَ {عَلَى أَنَّهُمَا استحقَّا} استوجبَا {إثمًا} بخيانتهما بأيْمَانِهِمَا الكاذبة إثما، {فآخران يقومان مقامَهما مِنَ الذِينَ استُحِقَّ عليهم} مِنَ الذِينَ استُحِقَّ عَلَيْهِمُ الإثم، ومعناه: مِنَ الذين جُني عَلَيْهِم، وَهُمْ أهل المَيِّت وعشيرته، {الأوليان} الأحقَّان بالشهادة، لقرابتهما ومعرفتهما، {فيُقسمان بالله لَشهادتُنا أحقُّ من شهادتهما وَمَا اعتدينا} في أيماننا وقولنا: إنَّ شهادتنا أحقُّ من شهادتهما، {إِنَّا إِذَا لَمن الظالمِينَ (107)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «حين الوصيَّة». (1/330)
صفحة 331
ذَلِكَ أدنى} أقرب (1) {أن يأتوا بالشهادة عَلَى وجهها} كما حملوها بلا خيانة فِيهَا، أَي: ذَلِكَ الذِي حكمتما به من ردِّ اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الشاهدان بالشهادة على وجهها، {أو يخافوا أن تردَّ أيمان بعد أيمانهم} قيل: أَن تردَّ اليمين على المدَّعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة، وقيل: أَي: تكرُّرُ أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور كذبهم؛ {واتَّقُوا الله} فيِ الخيانة واليمين الكاذبة، {واسمعوا} سَمْعَ قَبول وإجابة، {والله لاَ يهدي القومَ الفاسقِينَ (108)}.
{يوم يجمع الله الرسل فيقول: ماذا أُجبتم}؟ هُوَ سؤال توبيخ لمن أنكرهم، {قَالُوا لاَ علم لَنَا} بإخلاص (2) قومنا، {إنَّك أنت علاَّم الغيوب (109)}، أو بما أحدثوا بعدنا، [و] دليله: {كنتَ أنت الرقيبَ عَلَيْهِم}، أو قَالُوا ذَلِكَ تأدُّبًا، أَي: عِلمنا ساقط مَعَ عِلمك، أو مغمورٌ (3)؛ فكأنَّه لاَ علم لَنَا، والمعنى: أَي أنت الذِي تعلم مَا غاب ونحن لاَ نعلم [137] إِلاَّ مَا نشاهد.
{__________
(1) - ... في الأصل: «قرب»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... في الأصل: «بالإخلاص»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «مغمورا»، وَهُوَ خطأ. (1/331)
صفحة 332
إذ قَالَ الله: يا عيسى ابن مَرْيَم اذكر نعمتي عليك} وذكر النعمة شكرها، وشكرها إظهارها، {وعلى والدتك} حيث أوجدتها، وكانت سببا لإيجادك، فكانت نعمتي عليها نعمةً عليك؛ أو بما عمَّهما بِهِ جميعا مِنَ النعمة؛ ثُمَّ ذكر النعم فقال: {إذ أيَّدتُك} أَي: قوَّيتُك، قَالَ الغرالي: «التأييد: هُوَ عبارةٌ عَن تقوية أمره بالبصيرة من داخل، وبقوَّة البطش ومساعدة الأسباب من خارج»؛ و(لعلَّه) نعمة التأييد {بروح القدس} لِكُلِّ مُؤْمِن، إِلاَّ من يأباها ولم يقبلها، {بروح القدس} بجبريل - عليه السلام - ، وأضافه إِلىَ القُدس، لأَنَّهُ سبب الطهر من أدناس الآثام، دليله: {تُكلِّم الناس فيِ المهد} أَي: تكلِّمهم طفلاً، إعجازًا، {وكهلا} وتبليغا. {وإذ علَّمتُك الكتابَ} أي الخطَّ، {والحكمةَ} أَي: العلم والفهم، {والتَّوْرَاة} يحتمل أنَّه علَّمه تنزيلها، ويحتمل عِلْمُه بها إيمانَه بها، {والإِنْجِيل، وإذ تخلق} تقدِّر وتصوِّر {من الطين كهيئة} كصورة {الطير بإذني، فتنفخ فِيهَا فتكون طيرا} حيًّا يطير {بإذني، وتُبرئ الأكمه والأبرص بإذني، وإذ تُخرج الموتى} مِنَ القبور أحياء {بإذني؛ وإذ كففتُ} منعتُ {بَنِي إِسْرَائِيلَ عنك} حين همُّوا بقتلك، بسبب {إذ جئتهم بِالبَيِّنَاتِ؛ فقال الذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ: إن هَذَا} ما هَذَا {إِلاَّ سحرٌ مُبِين(110)} يعني: مَا جاءوا بحقٍّ.
{وإذ أوحيتُ} أَي: ألهمتُهم، وقذفتُ فيِ قلوبهم {إِلىَ الحواريِّين} الخواصِّ أو الأصفياء، {أن آمِنوا بي وبرسولي؛ قَالُوا: آمنَّا واشهد بأنَّنا مُسْلِمُونَ(111)} مخلصون، مِن «أسلَمَ وجهَه».
{إذ قَالَ الحواريُّون: يا عيسى ابن مَرْيَم هل يستطيع ربُّك} هل يفعل {أن ينزِّل علينا مائدة مِنَ السَّمَاء؟ قَالَ: اتَّقُوا الله إن كُنتُمْ مُؤْمِنينَ(112)} إذ الإيمان يوجب التقوى.
{ (1/332)
صفحة 333
قَالُوا: نريد أن نأكل منها وتطمئنَّ قلوبُنا، ونعلمَ أن قد صَدَقتَنا} أَي: نعلم صدقك عَيانا، كما علمناه يقينا، {ونكون عليها مِنَ الشاهدِينَ (113)} بِمَا عاينَّا؛ وَلَمَّا كَانَ السؤال لزيادة العلم لاَ للتَّعنُّت، كما سأل إبراهيم إذ قَالَ: {ربِّ أرني كيف تحيي الموتى} (1)، {قَالَ عيسى ابن مَرْيَم: اللَّهُمَّ} أصله يا الله، فحُذف «الياء»، وعوِّض مِنْهُ «الميم» {رَبَّنَا أنزِلْ علينا مائدة مِنَ السَّمَاء تكون لَنَا عيدا} العيد: السرور العائد، {لأوَّلنا وآخرنا وآيةً منك، وارزقنا وأنت خير الرازقِينَ (114)} خير من يرزق، لأَنَّهُ خالق الرزق ومعطيه بلا عرض (2).
{قَالَ الله: إِنِّي منزِّلها عَلَيْكُم، فمن يكفر بعدُ منكم فَإِنِّي أعذِّبه عذابا} مَن لم يُعطَ مثلَ مَا أُعطُوا، {لاَ أعذِّبه أحدا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)} فيِ الدارين.
{وإذ قَالَ الله: يا عيسى ابن مَرْيَم، أأنت قلتَ للناس: اتَّخذوني وأمِّي إلهين من دون الله}؟ أَي: أطيعوني وأمِّي فيِ غير طاعة الله، لأَنَّ من أطاع أحدًا فيما أمره بِهِ، عَلَى غير طاعة الله؛ فكأنَّه فيِ المعنى قد اتَّخذه إلها، وعبده من دون الله؛ {قَالَ: سبحانك مَا يكون لي أن أقول مَا ليس لي بحقٍّ؛ إن كنتُ قلتُه فقد علمتَه} ولم يقل: «لم أَقُل» رعاية لأدب الحضرة؛ ومَن أمر أحدا بمعصية، فكأنَّه قَالَ لَهُ أن يتَّخذه إلها من دون الله، هكذا فيِ المعنى. {تعلمُ مَا فيِ نفسي، وَلاَ أعلم مَا فيِ نفسك} ذاتك، ونفس الشيء: ذاته؛ وقيل: (لَعَلَّهُ) تعلم مَا أعلم، ولا (3) أعلم مَا تعلم؛ وقيل: لاَ أعلم مَا فيِ علمك؛ وقيل: تعلم مَا عندي، ولا أعلم مَا عندك؛ {إنَّك أنت علاَّم الغيوب (116)}.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 260.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عوض».
(3) - ... في الأصل: «والا»، وَهُوَ خطأ. (1/333)
صفحة 334
مَا قلتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا [138] أمرتَني بِهِ} قد نزَّه نفسه عَن أن يقول لَهُمْ خلاف أمره: {أن اعبدوا الله رَبِّي ورَبَّكُم، وكنتُ عَلَيْهِم شهيدا} عَلَى أعمالهم {مَا دمتُ فِيهِمْ؛ فَلَمَّا توفَّيتني، كنتَ أنت الرقيبَ عليهم} الحفيظ {وأنت عَلَى كُلِّ شيء شهيد (117) إن تعذِّبهم فَإِنَّهُمْ عبادك، وإن تغفر لَهُمْ فإنَّك أنت العزيز الحكيم (118)}.
{قَالَ الله: هَذَا يومَ ينفعُ الصادقين صدقُهم، لَهُمْ جَنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فِيهَا أبدا، رضي الله عَنْهُمْ} بأداء مَا أوجبه عَلَيْهِم {ورضوا عنه} بِمَا جازاهم بِهِ، أو بما قضى بِهِ لَهُمْ وعليهم. {ذَلِكَ الفوز العظيم (119)}.
{لله ملك السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا فِيهِنَّ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قدير (120)}.
سورة الأنعام
بسم الله الرحمن الرحيم
{الحمد لله الذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ، وجعَلَ الظلماتِ والنورَ؛ ثُمَّ الذِينَ كَفَرُوا بربِّهم يعدلُونَ (1)} يسوُّون بِهِ الأوثان، تقول: عدلتُ هَذَا بذا، أي: ساويته؛ والمعنى: أنَّ الله حقيق بالحمد عَلَى مَا خلق، لأَنَّهُ مَا خلقه إِلاَّ نعمة؛ ثُمَّ الذِينَ كَفَرُوا بِهِ يعدلون، فيكفُرون نعمته. {هُوَ الذِي خَلَقكم من طينٍ، ثُمَّ قضى أجلا} أَي: حكم أجل الموت، {وأجلٌ مسمًّى عنده} أجل القيامة، وقيل غير ذَلِكَ، {ثمَّ أَنتُم تَمتَرُونَ (2)} تشكُّون.
{وَهُوَ الله فيِ السَّمَاوَات وفي الأَرْض} متعلِّق بمعنى اسم الله، كأنَّه قيل: وَهُوَ المعبود فيهما، ليس مستحقٌّ للعبادة غيره، لأنَّ غيره خلقه وملكه، وَهُوَ المعروف بالإلهية فيهما وفي غيرهما. {يعلم سرَّكم وجهركم ويعلم مَا تكسبُونَ (3)} فالسرُّ: مَا أكنَّته الصدور، والجهر: مَا ظهر مِنَ الألسن، وَمَا تكسبون مَا عملته الجوارح.
{ (1/334)
صفحة 335
وَمَا تأتيهم من آية من آيات ربِّهم} وَمَا يظهر لَهُم دليل قطُّ مِنَ الأدلَّة التِي يجب فِيهَا النظر والاعتبار؛ {إلاَّ كَانُوا عنها معرضِينَ (4)} تاركين للنَّظر لاَ يلتفتون إِلَيْهِ (لعلَّه) خوفهم وتدبُّرهم فيِ العواقب.
{فقد كذَّبوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءهم} أَي: بِمَا هُوَ أعظم آية وأكبرها وَهُوَ القرآن؛ {فسوف يأتيهم أنباء مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ (5)} أَي: أنباء الشيء الذي كَانُوا بِهِ يستهزئون، وَهُوَ القرآن، أَي: أخباره وأحواله، يعني: سيعلمون بأيِّ شيء استهزؤوا، وذلك عند خروج أرواحهم، أو يوم القيامة، {ألم يروا} يعني: المكذِّبين {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} هُوَ مدَّة انقضاء كُلِّ أهل عصر، {مكَّنَّاهم فيِ الأَرْض مَا لم نمكِّن لكم} التمكين: التمليك، أَي: لم يعطوا كما أُعطي من تقدَّم، مِنَ البسطة فيِ الأجسام، والسعة فيِ الأموال، والاستظهار بأسباب الدُّنيَا، {وأرسلنا السَّمَاء عَلَيْهِم مدرارا، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أَي: عاشوا فيِ الخصب بين الأنهار والثمار، وسقنا الغيث المدرار {فأهلكناهم بذنوبهم} ولم يغن ذَلِكَ عَنْهُم شَيْئًا، لأنَّهم لم يريدوا بِهِ الله؛ {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرِينَ (6)} وخلقنا من بعد هلاكهم أمَّة أُخْرَى، وفيه دلالة عَلَى أنَّه سبحانه لاَ يتعاظمه أن ينفيَ عالَما، ويُنشئَ عالما آخر، كقوله: {فَلاَ يخاف عقباها} (1)، {ولو نزَّلنا عليك كِتَابًا فيِ قرطاس} كِتَابا من عند الله، {فلمسوه بأيديهم} أَي: عاينوه ومسُّوه بأيديهم، وذكر اللمس [139] ولم يذكر المعاينة، لأَنَّ اللَّمس أبلغ في إيقاع العلم مِنَ الرؤية، (لَعَلَّهُ) فالسحر يجري عَلَى المرئيِّ، وَلاَ يجري عَلَى الملموس بأيديهم. {__________
(1) - ... سورة الشمس: 15. (1/335)
صفحة 336
لقال الذِينَ كَفَرُوا: إن هَذَا إِلاَّ سحر مُبِين(7)} تعنُّتا وعنادًا للحقِّ بعد ظهوره لأنَّ نور البصيرة أعماها ملازمة الهوى؛ فلم يستطيعوا أن يبصروا بها الحقَّ.
{وَقَالُوا: لولا} هلاَّ {أنزل عليه مَلَك؟ ولو أنزلنا ملَكا لقُضيَ الأمرُ} لقضي أمر إهلاكهم، لأنَّهم لاَ يتَّبعون الحقَّ، ولو أُنزل عَلَيْهِم ملك، {ثمَّ لاَ يُنظرُونَ(8)} لاَ يُمهلون بعد نزوله طرفة عين، لأنَّهم لاَ يُؤمِنُونَ عند مشاهدة تلك الآية التِي لاَ شيء أَبين منها؛ فتقتضي الحكمة استئصالهم.
{ولو جعلناه ملَكا} ولو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا؛ لأنَّهم كَانُوا تارة يقولون: «لولا أنزل عَلَى محمَّد ملك»؛ وتارة يقولون: «مَا هَذَا إِلاَّ بشر مثلكم، ولو شاء رَبُّنَا لأنزل مَلاَئِكَة» {لَجَعَلناه رجلاً}، لأرسلناه فيِ صورة رجل، كما كَانَ يَنزل جبريل عَلَى رسول الله عليهما السلام، {ولَلَبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسون}، لأشكلنا عَلَيْهِم من أمره؛ فيقولون إذا رأوا المَلك فيِ صورة إنسان: هَذَا إنسان وليس بملك، كما قَالُوا حين رأوا الآيات البَيِّنَات: إن هَذَا إِلاَّ سحر مبين؛ يقال: لَبَسْتُ الأمر عَلَى القوم، ألبَسه إِذَا شبَّهته عَلَيْهِم، وأشكلته عليهم، فصار الأمركالمغرى عليهم، كأنَّه استوى حجاب عَن عين صورته. يروى عَن ابن عبَّاس قَالَ: «فرَّقوا دينهم، وحرَّفوا الكلم عَن مواضعه، فلبس الله عَلَيهِم كما لبسوا عَلَى أنفسهم»، قَالَ غيره: «وتلبيسه عَلَى أنفسهم (لَعَلَّهُ) هُوَ عين التلبيس مِنَ الله لَهُم، لأَنَّهُم فيِ الحقيقة لاَ فاعل إِلاَّ الله».
{وَلَقَد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزئ بك يا محمَّد، تعزية لَهُ، {فحاق} فأحاط {بالذين سخروا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ(10)} فأحاط بهم الشيء الذِي كَانُوا يستهزئون، به وَهُوَ الحقُّ، حيث أُهلكوا من أجل الاستهزاء بِهِ.
{ (1/336)
صفحة 337
قل سيروا فيِ الأَرْض ثُمَّ انظروا كيف كَانَ عاقبة المكذِّبِينَ (11)} سيروا لأجل النظر، وَلاَ تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير فيِ الأَرْض: معناه (1) هُوَ التفكُّر بالقلوب في عاقبة من مضى؛ وقيل: سافِروا فيها ثُمَّ انظروا بأبصاركم، وتفكَّروا بقلوبكم كيف كَانَ عاقبة المكذِّبين.
{قل: لمن مَا فيِ السَّمَاوَات والأَرْض؟ قل: للهِ} تقرير لَهُم، أَي: هُوَ الله لاَ خلاف بيني وبينكم، وَلاَ يقدرون أن يضيفوا شيئًا منه إِلىَ غيره، {كَتَبَ عَلَى نفسه الرحمةَ} التزمها تفضُّلا وإحسانا، أَي: أوجبها عَلَى ذاته فيِ هدايتكم إِلىَ معرفته، ونَصب الأدلَّة لكم عَلَى توحيده، بِمَا أَنتُم تعرفون بِهِ من خلق السَّمَاوَات والأَرْض، وقيل: أوجب الرحمة عَلَى نفسه فيِ إمهاله عباده ليتداركوا مَا فَرَط مِنْهُم. والمراد بالرحمة: مَا يعمُّ الدارين، ومن ذَلِكَ الهداية إِلىَ معرفته، والعلم بتوحيده؛ بنصب الأدلَّة، وإنزال الكتب وإمهال الكفرة، وذلك ترغيب مِنْهُ للمتولِّين عَنْهُ إِلىَ الإقبَال عليه، وإخبار بأنَّه رحيم بالعباد، لاَ يعجِّل العقوبة مِنْهُ تعالى، ويقبل الإنابة والتوبة. {لَيجمعنَّكم إِلىَ يوم القيامة لاَ ريبَ فِيهِ، الذِينَ خسِروا أنفسَهم} بتضييع رأس مالهم، وَهُوَ الفطرة الأصليَّة، [140] والعقل السليم، {فَهُم لاَ يُؤمِنُونَ (12)} «الفاء» للدَّلالة عَلَى أنَّ عدم إيمانهم سبب لخسرانهم؛ فإنَّ إبطال العقل باتِّباع الحواسِّ والوهم، والانهماك فيِ التقليد، وإغفال النظر، أدَّى بهم إِلىَ الإصرار عَلَى الكفر، والامتناع عَن الايمان.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «معناه»، لأَنَّهُ تكرار لِمَا سبق. (1/337)
صفحة 338
وَلَهُ مَا سَكن فيِ الليل والنهار} مَا سكن وتحرَّك فيهما، فاكتفى بأحد الضدَّين، وقيل: مِنَ السكنى حتَّى يعمَّ الجميع. ذكر فيِ الأوَّل السَّمَاوَات والأَرْض، وذكر هنا الليل والنهار؛ فالأول يجمع المكَانَ، والثاني يجمع الزمان، وهما ظرفان بجميع الموجودات مِنَ الأجسام والأعراض، {وَهُوَ السميع العليم (13)} يسمع كلَّ مسموع، ويعلم كلَّ معلوم.
{قل: أغير الله أتَّخذُ وليًّا}؟ ناصرا ومعبودا، {فاطر السَّمَاوَات والأَرْض} مخترعها، وقيل عَن ابن عبَّاس: «مَا عرفت معنى الفاطر، حتَّى اختصم إليَّ أعرابيَّان فيِ بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أَي: ابتدعتها» {وَهُوَ يُطعِم وَلاَ يُطعَم} وَهُوَ يَرزق وَلاَ رازق لمرزوق غيرُه، أَي: المنافع كلُّها من عنده، وَلاَ يجوز عليه الانتفاع، {قل إِنِّي أُمِرتُ أن أكون أَوَّل من أسلم} لأنَّ النبيَّ سابق أمَّته فيِ الاسلام كقوله: {وبذلك أُمِرتُ وأنا أوَّل المُسْلِمِينَ} (1) فهو إمام أمَّته كافَّة، والإسلام بمعنى الاستسلام. {وَلاَ تكوننَّ مِنَ المشركِينَ (14)} والمعنى: أُمرت بالإسلام، ونُهيت عَن الشرك، خفيِّه وجليِّه، وصغيره وكبيره، لأنَّ جميع المعاصي يدخل عليه اسم الشرك بدليل قوله: {قل إِنِّي أخافُ إن عصيتُ رَبِّي عذابَ يومٍ عظيم (15)}.
{من يُصرف عَنْهُ} العذاب {يومئذ فقد رَحِمه} الله الرحمة العظمى، وهي النجاة مِنَ العذاب، والفوز بالجنَّة، {وذلك الفوز الْمُبِين (16)} النجاة الظاهرة.
{وإن يمسسك الله بضرٍّ} من مرض أو فقر، أو نحوهما؛ {فلا كاشف لَهُ إِلاَّ هُوَ؛ وإن يمسسك بخير} من غنىً أو صِحَّة أو نحوهما؛ {فهو عَلَى كُلِّ شيء قدير (17)} قادر عَلَى إدامته وإزالته وغير ذَلِكَ.
{__________
(1) - ... سورة الأنعام: 163. (1/338)
صفحة 339
وَهُوَ القاهر} الغالب المقتدر، وفي القهر: زيادة معنى عَلَى القدرة، وَهُوَ منع غيره عَن بلوغ مراده، {فوق عباده} عالي عَلَيْهِم بالقدرة والقهر، {وَهُوَ الحكيم} فيِ تدبير أموره، {الخبير (18)} العليم.
{قل: أَيُّ شيء أكبر شهادةً؟ قل: الله} أَي: الله أكبر شهادة، وفيه دليل عَلَى جواز إطلاق الشيء عَلَى الله، لأنَّ الشيء اسم للموجود، وَلاَ يُطلق عَلَى المعدوم، وَاللهُ تعالى موجود فيكون شيئًا، ولذا يقال: الله تعالى شيء لاَ كالأشياء، {شهيد بيني وبينكم} عَلَى مَا أقول، أَي: يشهد لي بِالْحَقِّ، وعليكم بالباطل، {وأوحيَ إليَّ هَذَا القرآن لأُنذِرَكم بِهِ ومن بلَغَ} لأنذركم بِهِ يا أهل مكَّة، وسائر من بلغه مِنَ الأسود والأحمر، أو مِنَ الثقلين؛ أو لأُنذركم أيُّها الموجودون، ومن بلغه إِلىَ يوم القيامة؛ فيِ الحديث: «من بلغه القرآن، فكأنَّما رأى محمَّد (1) - صلى الله عليه وسلم - وأقام عَليه الحجَّة بِهِ» (2)، لأَنَّهُ معجز مخالف لكلام الآدميِّين، وقيل: من بلغه القرآن فكأنَّما كلَّمه الله تعالى، أو شيء مِنْهُ، وقيل: إنَّ المعنى ومن بلغ أن يكون إمامًا من آل محمَّد فهو يُنذر أَيْضًا بالقرآن، {أئنَّكم لتشهدون أنَّ مَعَ الله آلهةً أُخْرَى} استفهام إنكار وتبكيت، {قل: لاَ أشهد} إِن شهدوا {قل: إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِد وإنَّني بريء مِمَّا تُشركُونَ (19)} [141] بالقول أو العمل أو النيَّة.
{الذِينَ آتيناهم الكتابَ} يعني: اليهود والنصارى، {يعرفونه} أَي: الله تعالى أو رسوله، تجليته ونعته الثابت فيِ الكتابين، {كما يعرفون أبناءهم؛ الذِينَ خسروا أنفسهم} بتنقيصها عَن الكمال، {فَهُم لاَ يُؤمِنُونَ (20)} بتضييعهم مَا بِهِ يُكتسب الإيمان، فلم تغن معرفتهم بِهِ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «محمد»، وهو خطأ.
(2) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير وزياداته. (1/339)
صفحة 340
ومَن أظلمُ} استفهام يتضمَّن معنى النفي، أَي: لاَ أحد أظلم لنفسه، والظلم: وضع الشيء فيِ غير موضعه، وأشنعُه اتِّخاذ المخلوق معبودًا، وَهُوَ مِنَ الكذب قولاً أو فعلاً أو اعتقادا؛ ومن عصاه، فكأنَّه قد اتَّخذ غيره معبودًا فيِ المعنى، لأَنَّهُ اتَّخذ إلهَه هواه، {مِمَّن افترى} اختلق {عَلَى الله كذبا} فيَصِفه بِمَا لاَ يليق بِهِ، أو فعل فعلاً يناقض الإيمان بِهِ، {أو كذَّب بِآيَاتِه} لأَنَّهُ فيِ المعنى سواء كذَب عَلَى الله، أو كذَّب بِآيَاتِه؛ لأَنَّ المكذِّب كاذب، والكاذب مكذَّب؛ وآياته: حججه الواضحات، سواء كَانَت مِنَ التنزيل أو التأويل، أو حجَّة العقل، {إِنَّهُ لاَ يُفلح الظالمونَ(21)} لاَ سبيل لَهُم إِلىَ الفلاح، لأنَّهم لم يقصدوا سبيله وإنَّما قصدوا سبيل الظلم والهلاك.
{ويوم نحشُرهم جميعا، ثُمَّ نقول للذين أشركوا} مَا كَانَ مِنَ الشرك، من شرك الجحود، أو شرك الطاعة وَهُوَ طاعة إبليس، وكلُّ متعبّد لاَ يخلو من أحد الطاعتين: إمَّا طاعة الله فلا سبيل عليه وَلاَ لائمة؛ وَإمَّا طاعة الشيطان، فلا سلامة لَهُ.
{أين شركاؤكم}؟ آلهتكم التِي جعلتموها شركاء لله، وَهُوَ النفس والهوى والشيطان، {الذِينَ كُنتُم تزعمُونَ(22)}.
{ (1/340)
صفحة 341
ثُمَّ لم تكن فتنتَهم} كفرهم، {إِلاَّ أن قَالُوا: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مشركِينَ (23)} ثُمَّ لم تكن عاقبة كفرهم الذِي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه، إِلاَّ جحوده والتبرُّء مِنْهُ، والحلف عَلَى الانتفاء مِنَ التديُّن بِهِ؛ أو ثُمَّ لم يكن جوابهم إِلاَّ أنْ قَالُوا، فسمِّي فتنة، لأَنَّهُ كذب، ويحلفون عليه مَعَ علمهم أنَّه لاَ ينفع عَن فرط الحيرة والدهشة. كما يقولون: {رَبَّنَا أَخرِجْنَا منها} (1)، وقد أيقنوا بالخلود. والفتنة ها هنا: المعذرة. وإنَّما يصحُّ وقوع الكذب مِنْهُم مَعَ اطلاعهم عَلَى حقائق الأمور، ومعارفهم الضروريَّة، لِمَا يلحقهم مِنَ الدهش والحسرة، من أهوال ذَلِكَ اليوم وشدائده، والمبتلى قد ينطق بِمَا لاَ ينفعه، من غير رويَّة وفكرٍ فيِ عاقبة.
{انظر كيف كَذَبوا عَلَى أنفسهم} بقولهم: {مَا كُنَّا مشركين} تبرَّؤوا مِنَ الشرك وكَانَ فعلهم، واعتدُّوا بالباطل {وضلَّ عَنْهُم} يقال: ضلَّت الضالَّة إِذَا غابت، فلم تهتد سبيلاً، {مَا كَانُوا يفترُونَ (24)} من آلهة.
{__________
(1) - ... سورة المؤمنون: 107. (1/341)
صفحة 342
ومنهم من يستمعُ إليك} استماع الهائم حين تتلوا القرآن، {وجعلنا عَلَى قلوبهم أكنَّة} أغطيةً: جمع كِنَان، وَهُوَ الغطاء، وَهُوَ مَا يستر الشيء، وَهُوَ معنى صدِّهم عَن قبول مَا يستمعونه مِنْهُ، {أن يفقهوه} كراهة، أن يفقهوه {وفي آذانهم وقرا} ثقلاً، يمنع مِنَ السمع، {وإن يَرَوْا كُلَّ آية لاَ يؤمنوا بها} يعتقدون أنَّها ليست بِآيَةٍ، من قبل تعامِيهم عنها بالهوى، {حتىَّ إِذَا جاءوك يجادلونك، يقول الذِينَ كَفَرُوا}: المعنى: أنَّه بلغ تكذيبهم الآيات، إِلىَ أنَّهم يجادلونك ويناكرونك، وفسَّر مجادلتهم بأنَّهم يقولون: {إن هَذَا} مَا القرآن، أو مَا رأوا مِنَ الآيات {إلاَّ أساطير الأولِينَ(25} فيجعلون كلام [142] الله أكاذيب؛ والأساطير: الأباطيل، وأصله: السطر، بمعنى: الخط؛ وقيل: أسطورة، وهي (لَعَلَّهُ) السيرة.
{وَهُم ينهون عَنْهُ} ينهون الناس عَن القرآن واتِّباعه، والإيمان بِهِ، (لَعَلَّهُ) أو عَن مَا رأوا مِنَ الآيات، {وينأون عَنْهُ} ويَبعدون عَنْهُ بأنفسهم، فيَضلُّون ويُضلُّون، {وإن يهلكون إِلاَّ أنفسهم} أَي: لاَ يتعدَّاهم الضرر، {وَمَا يشعرُونَ(26)} أَي: مَا يَعْلَمُونَ بإهلاكهم، لأنَّهم يحسبون أنَّهم عَلَى شيء.
{ولو ترى}، ولو ترى لشاهدت أمرا عظيمًا، {إذ وُقفوا عَلَى النار} أو يدخلونها فيعرفون مقدار عنائها، لرأيت أمرا مشنَّعا؛ {فَقَالُوا: يا ليتنا نردُّ} إِلىَ الدُّنْيَا، تمنَّوا الردَّ إِلىَ الدُّنْيَا ليؤمنوا، {وَلاَ نكذِّب بِآيَاتِ رَبِّنَا ونكون مِنَ المؤمنِينَ(27)} واعدين الإيمان كأنَّهم قَالُوا: ونحن نؤمن وَلاَ نكذِّب.
{ (1/342)
صفحة 343
بَل} للإضراب عَن الوفاء بِمَا تمنَّوا، {بدا لَهُم} وقوله: {بَل} ردٌّ لقولهم، كقوله: {كلاَّ} أَي: ليس عَلَى مَا قَالُوا: إنَّهم لو ردُّوا لآمنوا، {بَل بدا لَهُم} ظهر لَهُم عقوبة، {مَا كَانُوا يُخفون} عَن الناس من نفاقهم {من قبلُ} فيِ الدُّنْيَا، من قبائحهم وفضائحهم، {ولو رُدُّوا} إِلىَ الدُّنْيَا بعد وقوفهم عَلَى النار؛ {لعادوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} أَي: كلٌّ مِنْهُم عاد إِلىَ فعل مثل مَا كَانَ يفعله من قبل مِنَ الكفر، لأَنَّ الطبع يقود، {وَإنَّهُم لكاذبُونَ(28)} فيما وعدوا من أنفسهم لانَفُوْن [كذا].
{وَقَالُوا} أَي: ولو رُدُّوا لكَفَرُوا ولقالوا: {إن هِيَ إِلاَّ حياتنا الدُّنْيَا}، كما كَانُوا يقولون قبل وقوفهم عَلَى النار؛ أو وقوفُهم عَلَى النار كناية لأحوال الموت، لأَنَّهُ حين تنزع روحه يرى مَا يرى من أحوال القيامة، {وَمَا نَحْنُ بمبعوثِينَ(29)} لأنَّهم كَانُوا قبل وقوفهم عَلَى النار لم يؤمنُوا بالبعث، وَهَذَا من أشدِّ العناد مِنَ العصاة، لأنَّهم وقفوا عَلَى النار، فلو رُدُّوا لعادوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، وَقَالُوا: {إن هِيَ إِلاَّ حياتنا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بمبعوثين}.
{ (1/343)
صفحة 344
ولو ترى إذ وُقِفُوا عَلَى ربِّهم} مجاز عَن الحبس للتوبيخ والسؤال، كما يُوقف العبد الجاني بين يدي سيِّده ليعاتبه، أو وُقِفوا عَلَى جزاء ربِّهم، أو عرفوه حقّ التعريف، أو وقفوا عَلَى حكمه وقضائه، وَهُوَ عند الموت، وَمَا بعده، لأنَّهم كَانُوا {إذا قيل لَهُم اسجدوا للرحمن، قَالُوا: وَمَا الرحمن}؟ (1)، {قَالَ: أليس هَذَا} البعث والجزاء {بِالْحَقِّ} بالكائن الموجود؛ وهذا (لَعَلَّهُ) تعيير لَهُم عَلَى التكذيب للبعث؛ {قَالُوا: بلى ورَبِّنَا} بالحَقِّ أقرُّوا، وأكَّدوا الإِقرَار باليمين، {قَالَ} الله: {فذوقوا العذاب بِمَا كُنتُم تكفرُونَ (30)} حكم الله عَلَيْهِم بالعذاب، بعد مَا أقام عَلَيهِم الحجَّة، فأقرُّوا بها.
{__________
(1) - ... سورة الفرقان: 60؛ وتمامها: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا}. (1/344)
صفحة 345
قد خسر الذِينَ كذَّبوا بلقاء الله} إذ فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم، ولقاء الله البعث وَمَا يتبعه، {حتَّى إِذَا جاءتهم الساعة} أَي: القيامة، لأَنَّ مدَّة تأخُّرها مَعَ تأبُّد ما بعدها كساعة، أو جاءهم الموت فيِ تلك الساعة {بغتة}، قيل: بغتتهم الساعة بغتة، وَهُوَ: ورود الشيء عَلَى صاحبه من غير علمه بوقته، {قَالُوا: يا حسرتنا} معناه: يا حسرةً احضُري فهذا أوانكِ، {عَلَى مَا فرَّطنا} قصَّرنا، {فِيهَا} فيِ الساعة، أَي: قصَّرنا فيِ شأنها، وفي الإيمان بها، {وَهُم يحملون أوزارهم} آثامهم، {عَلَى ظهورهم}، خصَّ الظهر، لأَنَّ المعروف حمل الأثقال عليه، كما عرف الكسب بالأيدي، وَهُوَ مجاز عَن اللزوم عَلَى وجه لاَ يفارقهم؛ وقيل: إنَّ الكافر إِذَا [143] خرج من قبره، استقبله أقبح شيءٍ صورةً، وأخبثه ريحا، فيقول: «أنا عملك السيِّئ، فطال مَا ركبتني فيِ الدُّنْيَا، وأنا أركبك اليوم»، {ألاَ ساء مَا يَزِرُونَ(31)} لبئس شيء يحملونه، وأفاد «أَلاَ» تعظيم مَا يذكر بعده، وقيل: أي: لبئس الحمل مَا حملوا.
{ (1/345)
صفحة 346
وَمَا الحياة الدُّنْيَا إِلاَّ لعبٌ ولهوٌ} أَي: باطل وغرور، لا بقاء لها؛ أَي: والحياة الدُّنْيَا تعبَّر هنا بالباطل، كما قَالَ: {أُولَئِكَ الذِينَ اشتروا (1) الحياة الدُّنْيَا بالآخرة فلا يُخفَّف عَنْهُم العذاب} (2) (لَعَلَّهُ) وعملها كاسمها، جواب لقولهم: {إن هِيَ إِلاَّ حياتنا الدُّنْيَا}. واللعب: ترك مَا ينفع لِمَا لاَ ينفع، واللهو: الميل عَن الجدِّ إِلىَ الهزل؛ قيل: مَا أهل الحياة الدُّنْيَا إِلاَّ أهل لهو ولعب، وقيل: مَا أعمال الحياة الدُّنْيَا إِلاَّ لعب ولهو، لأنَّها لاَ تعقب منفعة كما تعقب أعمالُ الآخِرَة المنافعَ العظيمة، {ولَلدَّار الآخِرَةُ} قُرِئَ: {وَلَدَار الآخِرَةِ} عَلَى الإضافة، أضاف الدار عَلَى الآخِرَة، ويضاف الشيء إِلىَ نفسه عند اختلاف اللفظين، كقوله: {وحَبَّ الحصدِ} (3)، وقولهم: ربيع الأوَّل، ومسجد الخليع. سمَيِّت الدُّنْيَا لدنوِّها، و (لَعَلَّهُ) قيل: لدناءتها {خير للذين يَتَّقون} وفيه دليل عَلَى أنَّ مَا سوى أعمال المتَّقين لعب ولهو. {أفلا تعقلُونَ (32)} دوام الآخِرَة وخلوص منافعها ولذاتها عَلَى الدُّنْيَا، وقوله: {للذين يتَّقون} عَلَى أن ليس من أعمال المتَّقين لعب ولهو.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يشترون»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة البقرة: 86.
(3) - ... سورة ق: 9. (1/346)
صفحة 347
قد نعلم إِنَّهُ ليحزِنُك الذِي يقولون} مِنَ التكذيب والأقوال الكاذبة، {فإنَّهم لاَ يُكذِبونك ولكنَّ الظالمين بِآيَاتِ الله يَجحدُونَ (33)} المعنى: أنَّ تكذيبك أمر راجع إِلىَ الله، لأنَّك رسوله المصدِّق بالمعجزات، فَهُم لاَ يكذِّبونك فيِ الحقيقة، وإنَّما يكذِّبون الله، وتكذيب الرسُل تكذيب للمرسِل، {وَلَقَد كُذِّبت رسلٌ من قبلك} تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وَهُوَ دليل عَلَى أنَّ قوله: {فإنَّهم لاَ يكذبونك} ليس بنفي لتكذيبه، {فصَبَروا عَلَى مَا كُذِّبوا وأوذوا} (1) فصبروا عَلَى تكذيبهم وإيذائهم؛ {حَتَّى أتاهم نصرُنا وَلاَ مبدِّل لكلمات الله} لِمَا حكم بِهِ، وقد حكم فيِ كتابه بنصر أنبيائه، فقال: {وَلَقَد سبقت كلمتُنا لعبادنا المرسلين، إنَّهم لَهُم المنصرون، وإنَّ جُندنا لَهُم الغالبون} (2) وَلاَ نقض لمواعيده، {وَلَقَد جاءك من نبإ المرسلِينَ (34)} بعض أنبائهم وقصصهم، وَمَا كابَدوا من مصابرة المشركين؛ قيل: وكَانَ يكبر عَلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كفر قومه وإعراضهم، ويحبُّ مجيء الآيات ليسلموا فنزل:
{__________
(1) - ... في الأصل: لم يذكر مقطع هَذِهِ الآية بل شرحها مباشرة وهو سهو من الناسخ.
(2) - ... سورة الصافات: 171 - 173. (1/347)
صفحة 348
وإن كَانَ كَبُرَ عليك} شقَّ عليك؛ {إعراضُهم} عَن الإسلام، {فإن استطعت أن تَبتغيَ نَفَقًا} منفذا تنفذ فِيهِ إِلىَ مَا تحت الأَرْض، حتَّى تطلع لَهُم آية يُؤمِنُونَ بها {فيِ الأَرْض، أو سلَّما فيِ السَّمَاء فتأتيهم} منها {بِآيَةٍ}، فافعل، والمعنى: أنَّك لاَ تستطيع ذَلِكَ، والمراد بيان حِرصه عَلَى إسلام قومه، وأَنَّهُ لو استطاع أن يَأتيهم بآية من تحت الأَرْض، أو من فوق السَّمَاء، لأتى بها رجاء إيمانهم، وقيل: فتأتيهم بِآيَةٍ أفضل مِمَّا أتيناهم بِهِ، يريد أَنَّهُ لاَ آية أفضل مِنْهُ، {ولو شاء الله لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى} لجعلهم يَختارون الهدَى، ولكن لَمَّا علم منهم أَنَّهُمْ يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم عَلَى ذَلِكَ، كذا قَالَ أبو منصور؛ {فلا تكوننَّ مِنَ الجاهلِينَ (35)} بالحرص عَلَى مَا لاَ يكون، والجزع فيِ مواطن الصبر؛ فإنَّ ذَلِكَ من دأب [144] الجهلة.
ثُمَّ أخبر أنَّ حرصه عَلَى هدايتهم لاَ ينفع لعدم سمعهم كالموتى بقوله: {إِنَّمَا يستجيب الذِينَ يسمعون} إِنَّمَا يجيب الذِينَ يسمعون دُعاءك إِلىَ الإسلام بفهم وتأمُّل، كما قَالَ: {أو ألقَى السمعَ وَهُوَ شهيدٌ} (1)، {والموتى} أَي: الكفَّار (2)، {يبعثهم الله ثُمَّ إِلَيْهِ يرجعُونَ (36)} فحينئذ يسمعون، وأمَّا قبل ذَلِكَ فلا.
{__________
(1) - ... سورة ق: 37.
(2) - ... الموتى لفظ عامٌّ، وتخصيصه بالكفَّار لا دليل عَلَيه. (1/348)
صفحة 349
وَقَالُوا: لولا نُزِّل عليه} هلاَّ أنزل عليه {آية من ربِّه} أَي: آية مِمَّا اقترحوه، كما قَالَ: {أو تكون لك جنَّة من نخيل وعِنَبٍ ... } (1) الآيات؛ أو آية أُخرَى سوى مَا أنزل مِنَ الآيات المتكاثرة، لعدم اعتدادهم بها، {قل: إِنَّ اللهَ قادر عَلَى أن ينزِّل آية} بِمَا اقترحوا، {ولكنَّ أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ (37)} عَلَى أنَّ الله قادر عَلَى أن ينزِّل تلك الآية، أو لاَ يَعْلَمُونَ مَا عَلَيْهِم فيِ الآية مِنَ البلاء لو أُنزلت.
{وَمَا من دابَّة فيِ الأَرْض وَلاَ طائر يطير بجناحيه إِلاَّ أمم أمثالُكم} فيِ الخلق والموت، والاحتياجِ إِلىَ مدبِّر يدبِّر أمر (2) مراشدها، وقيل: أمم أمثالكم يفقه بعضهم عن بعض، وقيل: أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة، {مَا فرَّطنا فيِ الكتاب من شيء} يحتاجون إِلَيْهِ من أمر دين أو دنيا؛ فهو مشتمل عَلَى مَا يُحتاج إِلَيْهِ، عبارة وإشارة، ودلالة واقتضاء، {ثمَّ إِلىَ ربِّهم يحُشرُونَ (38)} فيجب الجزاء لِكُلِّ عامل حسب عمله؛ وحشرُ الدوابِّ موتُها فيما قيل.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 90 - 93. وتمامها: {وقالوا لن نؤمنَ لكَ حَتَّى تفجِّر لنا من الأرض يَنبوعا، أو تكون لك جنَّة من نخيل وعِنَبٍ فتُفجِّر الأنهارَ خلالَها تفجيرا، أو تسقطَ السماءَ كما زعمتَ علينا كِسَفًا أو تأتيَ بالله والملائكة قبيلا، أو يكونَ لك بيتٌ من زُخرُفٍ أو ترقَى في السماءِ ولن نؤمنَ لرقيِّك حَتَّى تُنَزِّل علينا كتابا نقرؤه، قل سبحان ربِّي هل كنت إِلاَّ بَشرا رسولاً}!.
(2) - ... في الأصل: «أمرا»، وهو خطأ. (1/349)
صفحة 350
وَالذِينَ كذَّبوا بِآيَاتِنا صمٌّ} لاَ يسمعون مثل هَذِهِ الآيات الدالَّة عَلَى ربوبيَّته وكمال علمه وعظم قدرته، سماعاً تتأثَّر بِهِ نفوسهم، {وبُكْمٌ} لاَ ينطقون بِالْحَقِّ، خابطون {فيِ الظلمات} أَي: فيِ ظلالات الجهل والحيرة والكفر، غافلون عَن تأمُّل ذَلِكَ والتفكُّر فِيهِ، {من يَشأ الله يُضلِله} من اختار مِنْهُم الكفرَ، {ومن يشأ يَجعلْه عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيمٍ (39)} من اختار مِنْهُم الإيمان.
{قل: أرأيتكم} قل أرأيتم، و «الكاف» للتَّأكيد، يقول: أرأيتك إن فعلتُ كذا ماذا تفعل؟، {إن أتاكم عذابُ الله} فيِ الدُّنْيَا قبل الموت أو عنده، {أو أَتتكم الساعة، أغير الله تدعون}؟ أَي: تخصُّون آلهتَكم بالدعوة، منتصرين بها فيِ ذَلِكَ الحين؛ {إن كُنتُم صادقِينَ (40)} فيِ أنَّ الأصنام آلهة، فادعوها لتخلِّصكم.
{بَل إيَّاه تدعون} بَل تخصُّونه بالدعاء دون الآلهة فيِ ذَلِكَ الحين، {فيكشفُ مَا تدعون إِلَيْهِ} أَي: تدعونه إِلىَ السفه (1)، {إن شاء} إن أَرَادَ أن يتفضَّل عَلَيْكُم {وتَنسَوْنَ مَا تُشركُونَ (41)} وتتركون آلهتكم، أو لاَ تذكرون آلهتكم فيِ ذَلِكَ الوقت.
{وَلَقَد أرسلنا إِلىَ أممٍ من قبلك} رسلا، فكذَّبوهم، {فأخذناهم بالبأساء والضرَّاء لَعَلَّهُم يتضرَّعُونَ (42)} يتذلَّلون ويتخشَّعون لربِّهم، ويتوبون عَن ذنوبهم؛ فالنفوس تتخشَّع عند نزول الشدائد. والتضرُّع: السؤال بالتذلُّل.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، كتبها الناسخ فوق كلمة مشطوبة «الشفعة»، ولعلَّ الصواب: «الشفقة». (1/350)
صفحة 351
فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرَّعوا} أَي: هلاَّ تضرَّعوا بالتوبة!، ومعناه: نفي التضرُّع، كأنَّه قيل: فلم يتضرَّعوا إذ جاءهم بأسنا، ولكنَّه جاء بـ«لولا» ليفيد أنَّه لم يكن لَهُم عذر فيِ ترك التضرُّع؛ {ولكنْ قَسَتْ قلوبُهم} فكان سبب منع التضرُّع إليه قسوة قلوبهم، {وزيَّن لَهُم الشيطان مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(43)} فصاروا معجَبين بأعمالهم، أو زيَّن لَهُم سوء أعمالهم فرأوه حسنا.
{ (1/351)
صفحة 352
فَلَمَّا نسوا مَا ذُكِّروا بِهِ} مِنَ البأساء والضرَّاء، أَي: تركوا الاتِّعاظ بِهِ، ولم يزجرهم؛ {فتحنا عَلَيْهِم أبوابَ كُلِّ شيء} [145] مِنَ الصِحَّة والسعة وصنوف النعم؛ وَهَذَا فتح استدراج ومكر، أي: (لَعَلَّهُ) بدَّلنا مكَانَ البلاء والشدَّة، الرخاءَ والصِحَّةَ. {حَتَّى إِذَا فرحوا بِمَا أُوتوا} مِنَ الخير والنعم فرحًا، بمعنى الركون إِلَيْهِ، والاعتماد عليه والثقة بِهِ، والطمأنينة بوجوده، دون وعد الله؛ {أخذناهم بغتة} أَخْذ تعذيب فجاءةً، أمن مَا كَانُوا وأعجب مَا كَانَت الدُّنْيَا لَهُم [كَذَا]، {فإذا هم مبلسُونَ (44)} آيسون من كُلِّ خير متحيِّرون، وأصله الإطراق حُزنا لِمَا أصابه، ندمًا عَلَى مَا فاته، قَالَ أبو عبيدة: «المُبلس: النادم الحزين، وأصل الإبلاس: الإطراق مِنَ الحزن والندم»؛ وروي عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا رأيتَ الله يعطي لأحد مَا يحبُّ، وَهُوَ مقيم عَلَى معصية، فإنَّما ذَلِكَ استدراج»، ثُمَّ تلا: {فَلَمَّا نسوا مَا ذكِّروا بِهِ ... } الآية» (1)؛ {__________
(1) - ... رواه أحمد عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ»، ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}. مسند الشاميِّين، رقم 16673. العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «نسوا» .. (1/352)
صفحة 353
فقُطع دابرُ القوم الذِينَ ظَلَموا} هُلِكوا عَن آخرهم، ولم يُترك مِنْهُم أحد، {والحمد لله ربِّ الْعَالَمِينَ (45)} إيذان لوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة، وَأَنَّهُ من أجلِّ النعَم، وأجزل القسم؛ ثُمَّ دلَّ عَلَى قدرته، وتوحيده بقوله:
{قل: أرأيتم إن أَخَذ الله سمعَكم وأبصارَكم} بِأَن أصمَّكم وأعماكم، فلم تسمعوا، ولم تُبصروا عواقب مَا يضرُّكم وَلاَ ينفعكم، {وختم عَلَى قلوبكم} فشلَّت العقول والتمييز (1). {مَن إلهٌ غيرُ اللهِ يأتيكم بِهِ؟ انظر كيف نصرِّف الآيات} نكرِّرها تارة من جهة المقدِّمات العقليَّة، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدِّمين، وقيل: يُبَيِّنُ الآيات والعلامات الدالَّة عَلَى التوحيد والنبوَّة، {ثمَّ هم يصدفُونَ (46)} يعرضون عَن الآيات بعد ظهورها؛ والصدف: الإعراض عَن الشيء.
{قل أرأيتَكم إن أتاكم عذاب الله بغتةً} بِأَن لم تظهر أماراته، {أو جهرة} بِأَن ظهرت أماراته، {هل يُهلك إِلاَّ القوم الظالمُونَ (47)}؟ مَا يهلك هلاك تعذيب وسخط، إِلاَّ الذِينَ ظلموا أنفسهم بكفرهم. {وَمَا نُرسل المرسَلين إِلاَّ مبشِّرين} المؤمنين بالجنَّة، {ومنذِرين} الكَافِرِينَ بالعذاب، {فمن آمن وأصلحَ} دام عَلَى إيمانه؛ {فلا خوفٌ عليهم} مِنَ العذاب، {وَلاَ هم يحزنُونَ (48)} بفوت الثواب.
{وَالذِينَ كذَّبوا بِآيَاتِنا يمسُّهم العذاب} فيِ الدارين، جعل العذاب مَاسًّا كأنَّه حيٌّ يَفعل بهم مَا يُؤمر، {بِمَا كَانُوا يفسقُونَ (49)} بسبب فسقهم، وخروجهم عَن الطاعة بالكفر.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «من التمييز»، أو: «فسلبَ العقولَ والتمييزَ». (1/353)
صفحة 354
قل: لاَ أقول لكم عندي خزائن الله} أي: قسمه بين الخلق وأرزاقه، نزل ذلك ــ فيما قيل ــ حين اقتراحوا الآيات، وأمَره أن يقول لَهُم: {لاَ أقول لكم: عندي خزائنُ الله} أَي: خزائن رزقه، فأعطيكم مَا تريدون، {وَلاَ أعلمُ الغيبَ، وَلاَ أقولُ لكم: إِنِّي مَلَك} لاَ أدَّعي مَا يُستبعَد فيِ العقول، أن يكون لبشر مِن مُلكِ خزائن الله وعلمِ الغيوب، وَلاَ أنَّني من جنس المَلاَئِكَة، أو أقدر عَلَى مَا يقدرون عليه، وإنَّما أدَّعى مَا كَانَ لكثير مِنَ البشر، وَهُوَ النبوَّة والرسالة البشريَّة، {إن أتَّبع إِلاَّ مَا يُوحى إليَّ} تبرُّءًا من دعوى الألوهية والملكية، وأدَّعِي النبوَّة التِي هِيَ من كمالات البشر، {قل: هل يستوي الأعمَى والبصيرُ}؟ مَثل للعالم والجاهل؛ {أفلا تتفكَّرُونَ (50)}؟ فلا تكونوا ضالِّين، أشباه العميان.
{وأنذر بِهِ} أَي: خوِّفْ بِمَا يوحى إليك، {الذِينَ يخافون أن يُحشَروا إِلىَ ربِّهم}، هم المؤمنون بالبعث ومَا بعده؛ وقيل: «يخافون» أَي: يَعْلَمُونَ، لأَنَّ خوفهم إِنَّمَا كَانَ من عِلمِهم، {ليس لَهُم من دونه [146] وليٌّ وَلاَ شفيعٌ}، يَعْلَمُونَ ذَلِكَ علم حقيقي (1)، {لَعَلَّهُم يتَّقُونَ (51)} فينتهون عمَّا نُهوا عَنْهُ، وإنَّما نفى الشفاعة لغيره مَعَ أنَّ الأنبياء والأولياء يشفعون، لأنَّهم لاَ يشفعون إِلاَّ بإذنه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «علما حقيقيًّا». (1/354)
صفحة 355
وَلاَ تطرُدِ الذِينَ يَدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ} أثنى عَلَيْهِم بأنَّهم يواصلون دعاء ربِّهم، أَي: عبادته، ويواضبون عليها، والمراد بذكر الغداة والعشيِّ: الدوام، أَي: فيِ [أيِّ] وقت كانوا، وعلى أَيِّ حالٍ كانوا، أو معناه يصلُّونَ (1) صلاة الصبح والعصر، أو الصلوات الخمس، وَوَسمَهم بالإخلاص فيِ عبادتهم بقوله: {يريدون وجهه} فالوجه يعبِّر عَن ذات الشيء وحقيقته، قيل: نزلت فيِ فقراء المُسْلِمِينَ. {مَا عليك مِن حسابِهم من شيء} إذ بواطنهم لم تطَّلع عليها، {وَمَا من حسابك عَلَيْهِم من شيء} قيل: إنَّ ذَلِكَ طعنوا فيِ دينهم وإخلاصهم (2)؛ فقال: حسابهم عَلَيْهِم لازم لَهُم لاَ يتعدَّاهم إليك، كما أنَّ حسابك عليك لاَ يتعدَّاك إِلَيْهِم، {فتطرُدَهم فتكونَ مِنَ الظالمِينَ (52)}.
{وكذلك فتنَّا بعضَهم ببعضٍ} ومثل ذَلِكَ الفتن العظيم، ابتلينا الأغنياءَ بالفقراء، والعلماءَ المحقِّين بالجهلة التاركين، فيسخروا مِنْهُم فتكون ذَلِكَ فتنة عليهم، {ليقولوا: أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِن بينِنا} أَي: أنعمَ الله عَلَيْهِم بالإيمان، ونحن المقدَّمون والرؤساء وَهُم الفقراء، إنكاراً لأَن يكونوا عَلَى تلك المنزلة السيِّئة، وَهُم يقولون: إنَّهم من أراذلهم؛ فردَّ الله عَلَيْهِم فقال: {أليس الله بأعلمَ بالشاكرِينَ (53)}؟! بمن يشكر نعمته ومن لاَ يشكرها.
{__________
(1) - ... في الأصل: + «يصلون»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ذلك لأَنَّهُمْ طعنوا في دينهم وإخلاصهم». (1/355)
صفحة 356
وإذا جاءك الذِينَ يُؤمِنُونَ بِآيَاتِنا، فقل: سلام عليكم} الذِينَ يُؤمِنُونَ، هم الذِينَ يَدعون ربَّهم؛ وصفهم بالإيمان بالقرآن واتِّباع الحجج، بعدما وصفهم بالمواضبة عَلَى العبادة، وأمره بِأَن يَبدأهم بالتسليم، أو يبلِّغهم سلام الله إِلَيْهِم، ويبشِّرهم بسعة رحمة الله وفضله، بعد النهي عَن طردهم، إيذانا بأنَّهم الجامعون لفضيلتيَ العلم والعمل، ومن كَانَ كذلك ينبغي أن يقرَّب وَلاَ يُطرد، ويُعزَّ وَلاَ يُذلَّ، ويُبشَّر مِنَ الله بالسلامة فيِ الدُّنْيَا، والرحمة فيِ الآخِرَة.
{كَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نفسه الرحمةَ} من جملة مَا يقول لَهُم ليبشِّرهم بسعة رحمة الله وقبول التوبة مِنْهُ، ومعناه: وَعَدَكم بالرحمة وعدا مؤكّدًا، وقيل: {كتبَ رَبُّكُم عَلَى نفسه الرحمةَ} أَي: عَلَى ذاته، لاَ عَلَى شيء سواه، وقيل: {كتب رَبُّكُم عَلَى نفسه الرحمة} يقول: حكم رَبُّكُم بالرحمة لمن أطاعه؛ {أنَّه من عمل منكم سوءا} ذنبًا، تسوء عاقبة راكبه؛ {بجهالة} قيل: لاَ يعرف حلال ذَلِكَ الشيء من حرامه، ولم تَقم عليه الحجَّة بذَلِكَ، فمن جهالته ركب ذَلِكَ الأمر، {ثمَّ تاب من بعده وأصلح} أَي: طلب السؤال، ولو بالخروج مَعَ القدرة عَلَى ذَلِكَ، أو دان بالسؤال مَعَ العجز والتوبة من ذَلِكَ مَعَ القدرة، أو تاب فيِ الجملة مَعَ العجز عَن التوبة مِنْهُ بعينه، {ثمَّ تاب من بعده} من بعد السوء أو العمل، وأصلح وأخلص توبته، {فإنَّه غَفُور رحيم(54)} لمن تاب قبل الموت.
{ (1/356)
صفحة 357
وكذلك نفصِّل الآيات} آيات القرآن فيِ صفة المطيعين والمجرمين، بالدلائل والعلامات والسمات، {ولتستبينَ سبيلَ المجرمِينَ (55)} والمعنى: ومثل ذَلِكَ التفصيل البيِّن نفصِّل آيات القرآن، ونلخِّصها فيِ صفة أحوال المجرمين: من هُوَ مطبوع عَلَى طبعه لاَ تُرجى موافقته، ومن يُرجي إسلامه؛ ولتستوضحَ سبيلهم، فتعامل كلاًّ مِنْهُم بِمَا [147] يجب أن يُعامل بِهِ، أو لتحذِّره عَن أَن يسلكه (1)، فصَّلنا ذَلِكَ التفصيل.
{قل: إِنِّي نُهيت أن أعبدَ الذِينَ تَدْعُون من دونِ الله} أَي: زُجِرتُ وصُرفتُ ــ بأدلَّة العقل والسمع ــ عَن عبادة مَا تعبدون من دون الله، وَهُوَ فيِ المعنى يتناول كلَّ معصية للهِ تعالى، بِمَا تهواه النفس بغير الحقِّ، بدليل قوله: {قل: لاَ أتَّبع أهواءكم} أَي: لاَ أجري فيِ طريقتكم التِي سلكتموها فيِ دينكم، من اتِّباع الهوى دون اتِّباع الدليل، وَهُوَ بيان للسبب الذِي مِنْهُ وقعوا فيِ الضلال، وفي مضمون الآية دليل عَلَى أنَّهم يعبدون هوى أنفسهم بدليل قوله: {قل: لاَ أتَّبع أهواءكم}، {قد ضللت إِذًا} أَي: إن اتَّبعت أهواءكم فأنا ضالٌّ {وَمَا أنا مِنَ المهتدِينَ (56)} وَمَا أنا من أهل الهدى، يعني: إِنَّكُم كذلك، وإن فعلتُ ذَلِكَ فقد تركت سبيل الحقِّ، وسلكت طريق الهوى، وَلَمَّا نَفَى أن يكون الهوى متَّبعًا، نبَّه عَلَى مَا يجب اتِّباعه بقوله:
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لنحذِّركَ عن أن تسلكه». (1/357)
صفحة 358
قل: إِنِّي عَلَى بيِّنة من ربِّي} أي: إنِّي عَلَى معرفة ربِّي، وَإِنَّهُ لاَ معبود سواه، أي: على بيِّنة من ربِّي، أَي: عَلَى بصيرة وبرهان فيما أمر ونهى، عَلَى حجَّة واضحة، {وكذَّبتم بِهِ} حيث أشركتم بِهِ غيره، {مَا عندي مَا تستعجلون بِهِ} يعني: العذاب الذِي استعجلوه فيِ قوله: {فأمطر علينا حجارةً مِنَ السَّمَاء} (1)، {إنِ الحكمُ إِلاَّ لله} فيِ تأخير عذابكم. {يقصُّ الحقَّ} أَي: يقول الحقَّ النافونَ [كَذَا]، يقضي الحقَّ، أَي: القضاءَ الحقَّ فيِ كُلِّ مَا يقضي مِنَ التأخير والتعجيل، {وَهُوَ خير الفاصلِينَ (57)} القاضينَ.
{قل لو أنَّ عندي} أَي: فيِ قدرتي وإمكاني، {مَا تستعجلون بِهِ} مِنَ العذاب، {لقُضيَ الأمرُ بيني وبينَكم} لأهلكتكم عاجلاً، غضبا لله، {والله أعلمُ بالظالمِينَ (58)} بأحوالهم فيِ الدركات.
{وعنده مفاتحُ الغيب} أَي: خزائن الغيب {لاَ يعلمُها إِلاَّ هُوَ} المفاتح جمع: مِفْتَحْ، وَهُوَ المفتاح، وهي خزائن العذاب والرزق، أو ما غاب عَن العباد مِنَ الثواب والعقاب والآجال والأحوال، جَعل للغيب مفاتح عَلَى طريق الاستعارة، لأَنَّ المفاتح يُتوصَّل بها إِلىَ مَا فيِ المخازن المستوثق منها بالإغلاق والإقفال، ومن عَلم مفاتحها وَكَيفِيَّة فتحها توصَّل إِلَيْهِا؛ فأراد أنَّه هُوَ المتوصِّل إِلىَ المغيبات، وعاجدة [كَذَا] لاَ يَتَوصَّل إِلَيْهِا غيره، {ويعلم مَا فيِ البرِّ} مِنَ النبات والدوابِّ، {والبحر} مِنَ الحيوان والجواهر وغيرهما، {وَمَا تسقطُ من ورقة إِلاَّ يعلَمها} يريد ساقطة وثابتة (2)، يعلم عددها وأحوالها قبل السقوط وبعده، {وَلاَ حبَّة فيِ ظلمات الأَرْض وَلاَ رطبٍ وَلاَ يابس} قيل: هُوَ عبارة عَن كلِّ شيء، {إلاَّ فيِ كِتَاب مُبِين (59)} وَهُوَ علم الله، أو اللَّوح.
{__________
(1) - ... سورة الأنفال: 32.
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «ونابتة». (1/358)
صفحة 359
وَهُوَ الذِي يتوفَّاكم بالليل} أَي: يقبض أنفسكم عَن التصرُّف بالتمام فيِ المنام، {ويعلم مَا جرحتم بالنهار} خَصَّ الليل بالنوم، والنهار بالكسب، جريا عَلَى المعتاد، {ثمَّ يبعثُكم فِيهِ} ثُمَّ يوقظكم فيِ النهار، {ليقضى أجلٌ مسمَّى} ليوفِّر الآجال عَلَى الاستكمال، {ثمَّ إِلَيْهِ مرجعُكم، ثُمَّ ينبِّئكم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (60)} وقيل: الآية خطاب للكفرة، والمعنى: يُلقَون كالجيف بالليل، وكاسبون للأيَّام بالنهار [كَذَا]، كما قَالَ: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وَهُم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحًى وَهُم يلعبون} (1) وليس هم مِنَ الدين فيِ شيء (2).
{وَهُوَ القاهر فوق عباده} لاَ يتحرَّك متحرِّك وَلاَ يسكن ساكن إِلاَّ بمشيئته وإرادته، {ويرسل [148] عَلَيْكُم حَفَظة} مَلاَئِكَة حافظين لأعمالكم وَهُم الكرام الكاتبون، ليكون ذَلِكَ أزجر للعباد عَن ارتكاب الفساد، إِذَا تفكَّروا أن صحائفهم تُعرض عَلَيْهِم عَلَى رؤوس الأشهاد؛ ويحتمل: يحفظونكم عَن أن تزيغوا عَن مَا قدَّره الله لكم وعليكم من أمر الدين والدُّنْيَا، لأَنَّهُ لاَ رادَّ لقضائه وَلاَ معقِّب لحكمه، ويجب الاستسلام لقهره، والرجاء لعفوه، والخوف من عذابه، لأَنَّهُ القاهر فوق عباده، {حَتَّى إِذَا جاء أحدَكم الموتُ} «حتَّى» لغاية حفظ الأعمال، أَي: ذَلِكَ دأب المَلاَئِكَة مَعَ المكلَّف مدَّة الحياة، إِلىَ أن يأتيه الممات؛ يعني: أعوان مَلَك الموت، يقبضونه بأمر مَلَك الموت؛ فكان مَلَك الموت يؤتيه [كَذَا]، لأنَّهم يقبضون عن أمره (3) لقوله: {قل يتوفَّاكم مَلَكُ الموتِ} (4). {توفَّته رُسُلُنا وَهُم لاَ يفرِّطُونَ (61)} لايجاوزون مَا حُدَّ لَهُم بزيادة أو بنقصان.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 97 - 98.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وهم ليسوا من الدين في شَيْء».
(3) - ... في الأصل: «عن مره».
(4) - ... سورة السجدة: 11. (1/359)
صفحة 360
ثُمَّ ردُّوا إِلىَ الله} إِلىَ حكمه وجزائه، {مولاهم} مالكهم الذِي يلي أمورهم.{الحقِّ} الثابت، العدل الذِي لاَ يحكم إِلاَّ بِالْحَقِّ. {ألاَ لَهُ الحكمُ} ليس [هنالك] حكم مَعَ حكمه. {وَهُوَ أسرع الحاسبِينَ(62)} لاَ يشغله حسابٌ عَن حسابٍ، وقيل: «الردُّ إِلىَ من ربَّاك، خير مِنَ البقاء مَعَ من أذاك».
{قل: من ينجيكم من ظلمات البرِّ والبحر} من مخاوفهما وشدائدهما وأهوالهما، {تدْعونه تضرُّعا} معلنين الضراعة، {وخُفيَةً} أَي: مسرِّين فيِ أنفسكم خيفة حيث كَانَ، {لئن أنجانا} أَي: أخلصنا (1) {مِن هَذِهِ} المحنة والظلمة، {لنكوننَّ مِنَ الشاكرِينَ(63)} المطيعين لك، والشكر: هُوَ معرفة النعمة أنَّها مِنَ الله، مَع القيام بحقِّها.
{قل: الله ينجيكم منها ومن كُلِّ كرب} غمٍّ وحزن، أَي: لولا فضل الله ورحمتُه لترادفت عَلَيْهِم الكروب، والكرب: هُوَ غاية الغمِّ الذِي يأخذ النفس؛ {ثمَّ أَنتُم تشركُونَ(64)} تكفرون وَلاَ تشكرون، يريد: أنَّهم يُقرُّون أنَّ الذِي يدعونه (2) عند الشدَّة هُوَ الذِي ينجيكم؛ ثُمَّ إِن كشفها عنكم تشركون معه الأصنامَ، التِي قد علمتم أنَّها لاَ تضرُّ وَلاَ تنفع.
__________
(1) - ... في الأصل: «أخلصنات»، وهو خطأ، وَلَعَلَّ الأصوب: «خلَّصنا».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أنَّكم تُقرُّون أنَّ الذِي تدعونه عند الشدَّة ينجيكم». (1/360)
صفحة 361
قوله تعالى: {قل: هُوَ القادر} هُوَ الذِي عرفتموه قادرًا، وَهُوَ الكاملُ القدرةِ {عَلَى أن يبعث عَلَيْكُم عذابا مِن فوقكم} كما أمطر عَلَى قوم لوط، وَعَلَى أصحاب الفيل الحجارةَ، {أو من تحتِ أرجلكم} كما أغرق فرعون، وخسفَ بقارون، وعن ابن عبَّاس: «يريد: من فوقكم السلاطين الظلمة، {أو من تحت أرجلكم} أَي: من كَانَ أسفل منكم». {أو يُلبسَكم شِيَعا} أو يُخلطكم فرقا مختلفين عَلَى أهواء شتىَّ، كلُّ فرقة منكم مشايعةٌ لإمامٍ، وذلك الافتراق هُوَ عين العذاب، ومعنى خلطهم: أن ينشب القتال بَيْنَهُم، فيختلطوا ويشتبكوا فيِ ملاحم القتال، {ويُذيقَ بعضَكم بَأسَ بعض} يقتلَ بعضكُم بعضًا، والبأس: السيف؛ {انظر كيف نصرِّف الآيات} بالوعد والوعيد، {لَعَلَّهُم يفقَهُونَ(65)} يتعلَّمون، فيعلَمون عواقبَ الأمور، وَمَا صرف ذَلِكَ عَنْهُم إِلاَّ رحمته التِي وسِعت كلَّ شيء.
{وكذَّب بِهِ قومك} بالقرآن، {وَهُوَ الحقُّ} أَي: الصدق، {قل: لستُ عَلَيْكُم بوكيل(66)} بحفيظ وُكِّل إِلىَ أمركم، إِنَّمَا [أنا] منذرٌ، {لكلِّ نبإ} لِكُلِّ شيء تنبَّأ بِهِ؛ {مستقرٌّ} وقت استقرار، {وسوف تَعْلَمُونَ(67)} مآل العاقبة، وفيه تهديد.
{ (1/361)
صفحة 362
وإذا رأيتَ الذِينَ يخوضون فيِ آياتنا} بالباطل؛ {فأعرضْ عَنْهُم} فأعرض عَن باطلهم، {حَتَّى يخوضوا فيِ حديث غيره} مِمَّا أباحه الله لهم، {وَإِمَّا يُنسينَّك الشيطان} يثقل عليك القيام من مجالسهم، (لَعَلَّهُ) ويُحلِّيه لك، {فلا تقعد بعدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمِينَ (68)} يعني: إذا جلست معهم تأسِّيا فَقُم مِن عندهم بعدما ذَكَرت، وفيه بيان النهي واقع عَن مجالستهم (1)؛ فلا تقعد معهم بعدَ الذكرى. ويجوز أن يُراد: وإن أنساكَ الشيطانُ قبلَ النهيِ قُبحَ مجالستهم فلا تَقعد معهم بعدَ أن ذكَّرناك (2) قبحها، (لَعَلَّهُ) ونبَّهناك عليه؛ ويخرج فيِ المعنى إِذَا ذكَّرك المُلهم فلا تُصغ إِلىَ الوسواس الشيطانيِّ.
{وَمَا عَلَى الذِينَ يتَّقون من حسابهم} الذِينَ يخوضون فيِ القرآن {من شيء، ولكن} عَلَيْهِم أن يذكِّروهم {ذكرى} إِذَا سمعوهم يخوضون، {لَعَلَّهُم يتَّقُونَ (69)} الخوضَ حياءً أو خوفًا مِنْهُم، أو مِنَ الله.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بيان أنَّ النهي واقع عَلَى مجالستهم».
(2) - ... في الأصل: «ادكرناك». (1/362)
صفحة 363
وذَرِ الذِينَ اتَّخذوا دينَهم} الذِي كُلِّفوه ودُعوا إِلَيْهِ، وَهُوَ دين الإسلام، {لعبا ولهوا} أَي: بَنَوا أمر دينهم عَلَى التشهِّي، ويَدينوا (1) بِمَا لاَ يعود عَلَيْهِم بنفع عاجلاً وآجلاً، واتَّخذوا دينهم الذِي كُلِّفوه لعبا ولهوا، حيث سخروا بِهِ. واللهو: (لَعَلَّهُ) مَا يُشغلُ الإنسانَ مِن هوى أو طرب. {وغرَّتهم الحياةُ الدُّنْيَا} بظاهرها المزخرف، حيث لم يفكِّروا فيِ بواطنها، وَمَا تؤول إِلَيْهِ، {وذكِّر بِهِ} وَعِظ بالقرآن {أن تُبسلَ نفسٌ بِمَا كَسبت} مخافة أن تُسلَم إِلىَ الهلكة، وترتهن سوء كسبها؛ و أصل الإبسال: المنع، وأبسله: أسلَمه للهلكة، وربه إلى نفسه وكله [كَذَا]. {ليس لها من دون الله وليٌّ} ينصرها بالقوَّة، {وَلاَ شفيع؛ وإن تَعدل كلَّ عدل} وإن تُفدِ كلَّ فداء، والعدل: الفدية، لأَنَّ الفادي يعدل المَفديَ بمثله، {لاَ يُؤخذْ منها} لا يُقبل منها؛ {أُولَئِكَ الذِينَ أُبسلوا بِمَا كسبوا} أَي: سُلِّموا إِلىَ العذاب بسبب أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الزائغة، {لَهُم شرابٌ من حميم} أَي: ماء حارٍّ، {وعذاب أليم بِمَا كَانُوا يكفرُونَ (70)} والمعنى: هُم بَين ماءٍ يَتَجرجَر (2) فيِ بطونهم، ونار تشتعل بأبدانهم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ودانوا».
(2) - ... في اللسان: «جرجر: ضجَّ وصاح ... وَفيِ الحديث: “الذي يشرب في الإناء [كَذَا] الفضة والذهب إِنَّمَا يُجرجِرُ في بطنه نار جَهَنَّم” أي يَحدُر فيه، فجعل الشرب والجرع جرجرة، وَهُوَ صوت وقوع الماء في الجوف». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 438. (1/363)
صفحة 364
قل: أَنَدعو} أنعبدُ {مِن دون الله مَا لاَ ينفعنا} مَا لايقدر عَلَى نفعنا إن دعوناه، {وَلاَ يضرُّنا} إن تركناه، {ونُرَدُّ عَلَى أعقابنا} راجعين مِنَ الإسلام إِلىَ الشرك {بَعد إذ هَدانا الله} للإسلام، وأنقذنا من عبادة الأصنام؛ {كالذي استهوتهُ الشياطينُ} كالذي ذهبت بِهِ مَردَة الجنِّ، والعيلان (1) في المهامه (2)، وَهُوَ استفعال مِن “هوى فيِ الأَرْض” إِذَا ذهب هاويًا فيِ مَهَاوِيهَا، وقيل: ذهبت الشياطين بهواه وعمله، أو استوهمته وحيَّرته، أو زيَّنت لَهُ هواه؛ {فيِ الأَرْض} فيِ المَهْمَهِ (3)، {حيران} استهوته تائها ضالاًّ عَن الجادَّة لاَ يدري كيف يصنع، [و] لاَ يهتدي إِلىَ مخرج مِنْهُ. {لَهُ} لهذا المستهوَى {أصحابٌ} رفقاء، {يدعونه إِلىَ الهدى} إِلىَ أن يهدوه إِلىَ الطريق، {ائتنا} وقد تعسَّف للمَهْمَهِ تابعًا للجنِّ، لاَ يجيبهم وَلاَ يأتيهم، وهذا مبنيٌّ عَلَى مَا يُقال: إنَّ الجنَّ تستهوي الإنسان، والعَيلان (4) تستولي عليه، فشبَّه بِهِ الضالَّ عَن طريق الإسلام، التابع لخطوات الشيطان؛ والمسلمون يدعونه إِلىَ الإسلام فلا يلتفت إِلَيْهِم. {قل: إنَّ هُدى الله} وَهُوَ الإسلام {هُوَ الهُدى} وَحدَه، وَمَا سواه ضلال، {وأُمِرنَا لنُسلم لربِّ الْعَالَمِينَ (71)} لِنذعن ونَنقَادَ إِلىَ حكمه وعبادته.
{وأن أقيموا الصلاة واتَّقُوه} فيما أمر ونهى، {وَهُوَ الذِي إِلَيْهِ تُحشرُونَ (72)} ترجعون.
{__________
(1) - ... «العَيلان: الذَّكر من الضباع». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 945.
(2) - ... «والمَهْمَهُ: المفازة البعيدة، والجمع: المهَامِهُ ... الليث: المهمهُ: الفلاة بعينها، لا ماء بها ولا أنيس». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 545. مادَّة «مهه».
(3) - ... في الأصل: «المهمة»، وهو خطأ.
(4) - ... في الأصل: «الغيلان»، ولم نجد في اللسان معنى لهذه الكلمة غير أَنَّه اسم لرجل. (1/364)
صفحة 365
وَهُوَ الذِي خلق السَّمَاوَات والأَرْض بِالْحَقِّ} بالحكمة، {ويوم يقول: كن فيكون، قولُه الحقُّ} أَي: لا يكون شأنٌ مِنَ السَّمَاوَات والأَرْض، وسائر المكونات، إِلاَّ عَن حكمةٍ وصواب. {وَلَهُ الملكُ يَومَ يُنفَخ فيِ الصور} قيل: هُوَ القرن بِلُغة اليمن، أو جمع صورة، {عالم الغيب} السرِّ، {والشهادةِ} والعلانيَّةِ، {وَهُوَ الحكيم} الذِي لاَ يخلق إِلاَّ لحِكمةٍ (1)، {الخبير (73)}.
{وإذ قَالَ إبراهيمُ لأبيه آزَرَ: أتَتَّخِذُ أصناما آلهةً} استفهام توبيخ، أَي: اتتَّخذها آلهة وهي لاَ [150] تستحقُّ الإلهيَّة، {إِنِّي أراكَ} بعين البصيرة {وقومَك، فيِ ضلال مُبِين (74)} ظاهر الضلالة.
{وكذلك} أَي: وكما أريناه قُبح الشرك، {نُري إبراهيمَ ملكوتَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} أَي: عجائبها وبدائعها، وقيل: هُوَ ربوبيَّتها وملكها. والملكوت أبلغ مِنَ الملك، و“التاء” فِيهِ للمبالغة، وقيل: مُلكُها خَلقُها الظاهر، ومَلَكُوتها سرُّها الذِي خُلقت لأجله؛ فالملك يُرى بالبصر، والملكوتُ يُرى بالبصيرة، ولذلك اختصَّ بِهِ إبراهيم وأمثاله دون غيرهم؛ {وليكون مِنَ الموقنِينَ (75)} لأَنَّ من تفكَّر فيِ المخلوقات أيقن بالخالق.
{__________
(1) - ... في الحاشية: «بيان إِلاَّ لِحِكَمٍ». (1/365)
صفحة 366
فَلَمَّا جنَّ عليه الليلُ} أَي: أظلم، {رأى كوكبا} قيل: وكَانَ أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبِّههم عَلَى الخطإ فيِ دينهم، وأن يرشدهم إِلىَ طريق النظر والاستدلال، ويعرِّفهم أنَّ النَّظَر الصحيح مُؤدٍّ إِلىَ تشابه المخلوقات، من أحوال [مَن] ليس بإله، لقيام دليل الحدوث فِيهَا، وَأَنَّ لها مُحدِثًا أَحدثها، ومُدبِّرًا دبَّر طلوعها وأُفُولها، وانتقالها ومَسيرها وسائرِ أحوالها؛ فَلَمَّا رأى الكوكب الدُّرِّيَّ الذِي كَانُوا يعبدونه، {قَالَ: هَذَا ربِّي} أَي قَالَ لَهُم: هَذَا رَبِّي فيِ زَعمكم؛ {فَلَمَّا أَفَلَ، قَالَ: لاَ أُحبُّ الآفلِينَ(76)} أَي: لاَ أُحبُّ عبادة الأرباب المتغيِّرين.
{فَلَمَّا رأى القمر بازغا، قَالَ: هَذَا رَبِّي، فَلَمَّا أفلَ، قَالَ: لئن لم يَهدِني رَبِّي لأَكوننَّ مِنَ القوم الضالِّينَ(77)} استعجز نفسه، واستعان بربِّه فيِ دَرْك الحقِّ، فإنَّه لاَ يهتدي إِلَيْهِ إِلاَّ بتوفيقه.
{فَلَمَّا رأى الشمس بازغةً، قَالَ: هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر؛ فَلَمَّا أفلت، قَالَ: يا قوم إِنِّي بريء مِمَّا تشركُونَ(78) إِنِّي وجهتُ وجهي} خالصًا {للذي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ حنيفا، وَمَا أنا مِنَ المشركِينَ(79)} أحدًا من خلقه؛ قَالَ أبو محمَّد: «يعني: أهل الزيغ، والاعوجاج عَن الحقِّ».
{وحاجَّه قومُه} فيِ توحيد الله، ونفي الشركاء عَنْهُ. {قَالَ: أتحاجُّوني فيِ الله} فيِ توحيده، {وقد هداني} إِلىَ التوحيد، {وَلاَ أخاف مَا تُشركون بِهِ} (لَعَلَّهُ) من أصنامكم، وينضمُّ تحت معنى هَذِهِ الآية الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، بَل يعمُّ مَا سوى الخالق، {إلاَّ أن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا} إِلاَّ أنَّ يقدِّر عليَّ أمرا، لأَنَّهُ لاحول ولاقوَّة إِلاَّ بِهِ، {وسعَ رَبِّي كلَّ شيء علما} أَي: عَلِم كلَّ معلوم، {أفلا تتذكَّرُونَ(80)} فتميِّزوا بين القادر والعاجز.
{ (1/366)
صفحة 367
وكيف أخافُ مَا أشركتم} أَي: المعنى كيف أخاف عاقبةَ معاصٍ (1) فعلتموها ولم أفعلها، {وَلاَ تخافون أَنَّكُم أشركتم بالله، مَا لم ينزِّل بِهِ عَلَيْكُم سلطانا} حجَّةً، والمعنى: مَا تنكرون عَلَى الآمن فيِ موضع الأمن، وَلاَ تُنكرون عَلَى أنفسكم الخوف فيِ مَوضع الخوف، {فأيُّ الفريقين}: الموحِّدين والمشركين، {أحقُّ بالأمن} (لَعَلَّهُ) أنَا وأهل ديني أم أَنتُم؟ {إن كُنتُم تَعْلَمُونَ (81)} (لَعَلَّهُ) التَّمييز بين موضع الخوفِ والأمن.
{الذِينَ آمنوا ولم يَلبسوا إيمانَهم بظلمٍ، أُولَئِكَ لَهُمُ الأمنُ، وَهُم مهتدُونَ (82)} (لَعَلَّهُ) أوضح حجَّة الفريقين.
{وتلك حجَّتنا آتيناها إبراهيمَ} بعد أن اختارها {عَلَى قومه} باختيارهم مَا سِواها؛ {نرفعُ درجاتِ من نشاءُ} نرفع مَن نشاء بالعلم والعقل والفهم، {إنَّ رَبَّكَ حكيم} يفعل الأمورَ المحكمة، {عليم (83)} من هُوَ أهل للحكمة.
{ووَهَبْنَا لَهُ إسحاق ويعقوبَ، كلاًّ هدينا، ونوحا هدينا من قبلُ، ومِن ذرِّيَّتِه داوودَ وسليمانَ وَأَيُّوبَ ويوسفَ وموسى وهارونَ، وكذلك نَجزِي المحسنِينَ (84)} أَي: هديناهم بإحسانهم، كذلك نجزي كلَّ محسن، كما جزينا من ذَكَرنا لأَنَّ جميع العباد معنا عَلَى منزلة وَاحِدَة [151] (لَعَلَّهُ) إِذ أنزلوا فيِ حال واحد.
{وزكريَّا ويحيى وعيسى وإلياس} قيل: هُوَ إدريس، وَلَهُ اسمان، مثل: يعقوب وإسرائيل، {كلٌّ مِنَ الصالحِينَ (85)} الكاملين فيِ الصلاح، وَهُوَ الإتيان بِمَا ينبغي، والتحرُّر عمَّا لاَ ينبغي.
{وإسماعيلَ والْيَسَعَ ويونسَ ولوطا، وكلاًّ فضَّلنا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)} عَلَى عالَمي زمانهم، باختيارهم عمل الفضائل.
{ومِن آبائهم وذرِّياتهم وإخوانهم واجتَبَيْناهم} اخترناهم واصطفيناهم، {وهديناهم} لَمَّا أن اختاروا الهدَى {إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم (87)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «معاصي». (1/367)
صفحة 368
ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِن عباده} وأهل مشيئته من عباده من اختار مِنْهُم الهدَى، {ولو أشركوا} بشيء مِنَ المعاصي، الذِينَ سمَّاهم مَعَ فضلهم وتقدُّمهم، وَمَا رفع لَهُم مِنَ الدرجات، {لَحَبِط} لبطل وذهب {عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)} لبطُلت أعمالهم، لأَنَّ الحسنة وَالسَّيِّئَة ضدَّان، لاَ يستقيمان فيِ شخص وَاحِد كقوله: {لئن أشركتَ لَيَحبَطنَّ عملُك} (1).
{أُولَئِكَ الذِينَ آتيناهم الكتابَ والحُكمَ} والحكمة (2) أو فَهُم الكتاب، {والنبوَّة} وهي أعلى مراتب البشر؛ {فإن يَكفُرْ بها} بِآيَاتِ القرآن، {هؤلاء} أَي: قَومك؛ {فقد وكَّلنا بها قوما} هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم، بدليل قوله: {أُولَئِكَ الذِينَ هَدَى اللهُ، فبهداهم اقتده} ومعنى: توكيلهم بها، أنَّهم وفِّقوا للإيمان بها، والقيام بحقوقها، كما يُوَكَّل الرجل بالشيء ليقوم بِهِ ويتعهَّده ويحافظ عليه، وفيه إيذان عَلَى أنَّ حجَّة الله لاَ تُعدم مِن قائم بها، {ليسوا بها بكَافِرِينَ (89)}.
{أُولَئِكَ الذِينَ هَدَى اللهُ} أَي: الأنبياء الذِينَ مَرَّ ذِكرُهم؛ {فبهداهم اقتده} فاختصَّ هداهم بالاقتداء، وَلاَ يقتدى إِلاَّ بهم، والمراد بـ“هداهم” طريقتهم فيِ الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين، دون الشرائع والفروع والرأي والنوافل، لأنَّها مختلفة؛ فإنَّها ليست هدى مضافًا إِلىَ الكلِّ، ولا يمكن التأسِّي بهم فِيهَا جميعًا. {قل: لاَ أَسأَلُكم عليه}، عليَّ بتبليغ الوحي والدعاء إِلىَ التوحيد {أجرا}، لأَنَّهُ مِنَ اللازم عليه تبليغه، {إن هُوَ إِلاَّ ذكرى للعالَمِينَ (90)} مَا القرآن إِلاَّ عِظة للجنِّ والإنس.
{__________
(1) - ... سورة الزمر: 65.
(2) - ... في الأصل: «الحلمة»، وهو خطأ. (1/368)
صفحة 369
وَمَا قدروا الله حقَّ قدرِه} مَا عرفوه حقَّ معرفته فيِ الرحمةِ عَلَى عباده حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إِلَيْهِم، وذلك من أعظم رحمته؛ {إذ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بشرٍ مِن شيء} أنكروا الرسلَ وَمَا جاءوا بِهِ، وإنكارهم لرسالة الرسل، إنكار فيِ المعنى لوحدانيَّة الله. {قل: مَن أَنزَلَ الكتابَ الذِي جاء بِهِ موسى نورًا وهدى للنَّاس، تجعَلونه قراطيسَ تُبدونها وتُخفون كثيرا} بإبداء مَا تشتهونه وإخفاء مَا تكرهونه، {وعُلِّمتم مَا لم تَعلَموا أَنتُم وَلاَ آباؤكم} من أمر دينكم ودنياكم، {قلِ: اللهُ} أَي: اِلزم توحيده وطاعته وعبادته؛ {ثمَّ ذرهم} أَي: اتركهم وعبادتهم {فيِ خوضهم} باطلهم، {يلعبُونَ(91)} اللعب مَا فِيهِ تَعَب النفوس، وعذابها فيِ الدُّنْيَا، مَعَ العذاب الأكبر.
{وهذا كِتَابٌ أنزلناه مباركٌ} كثير المنافع والفوائد التِي لاَ حدَّ لَهَا من دينٍ ودنيا، {مصدِّق الذِي بين يديه} مَا قبله مِنَ الكتب، {ولتُنذر أمَّ القرى} مكَّة، وسُمِّيت أمَّ القرى لأنَّها سُرَّة الأَرْض وقبلة أهل القرى، وأعظمها شأنًا، ولأنَّ الناس يؤمُّونها، {ومَن حولَها} مَا سواها من أهل الأَرْض مِنَ المتعبِّدين، {وَالذِينَ يُؤمِنُونَ بالآخِرَة} يصدِّقون بالعاقبة، ويخافونها وأصل الدين: خوف العاقبة؛ {يُؤمِنُونَ بِهِ} فإنَّ من صدَّق بالآخِرَة خاف[152] العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله عَلَى النظر والتدبُّر، حتَّى يؤمن بالنبيِّ والكتاب، {وَهُم عَلَى صلاتهم يحافظُونَ(92)} خُصَّت الصلاة بالذكر لأنَّها عماد الدين؛ فمن حافظ عليها، حافظ عَلَى أخواتها ظاهرًا وباطنًا.
{ (1/369)
صفحة 370
ومَن أَظلَمُ مِمَّن افترَى عَلَى الله كَذِبا} تأوَّل الكتاب عَلَى غير تأويله، أو عمل بما يخالفه، {أو قَالَ: أُوحيَ إليَّ، ولم يوحَ إِلَيْهِ شيء} قيل: هُوَ مسيلمة الكذَّاب وأمثاله، ويدخل فيِ معنى هَذِهِ الآية: من جعل الوسوسة إلهامًا، وقال: إنَّها حقٌّ مِنَ الله، لأَنَّ الإلهام يخرج فيِ معنى الوحي، {ومن قَالَ: سأُنزِلُ مِثلَ مَا أَنزَلَ اللهُ. ولو تَرى إذِ الظالمون فيِ غَمَرَاتِ الموتِ} شدائده وسكراته، مِن “غَمَرَهُ الماءُ”: إِذَا غشيه، (لَعَلَّهُ) لَرأيتَ أمرا فظيعا، وغَمرَةُ كلِّ شيء: معظمه (1)، وأصلها الشيء الذِي يغمر الأشياء ويغطِّيها؛ {والمَلاَئِكَةُ باسطُوا أيديهم} بالعذاب والضرب، {أَخرِجوا أَنفسَكم} أَي: يَبسطون إِلَيْهِم أيديهم، يقولون: هاتوا أرواحكم، أخرجوها إلينا من أجسادكم، وَهُوَ عبارة عَن التشديد فيِ الإزهاق من غير إمهال، أو أخرجوها مِمَّا هِيَ فِيهِ مِنَ العذاب، توبيخًا لَهُم؛ {اليومَ تُجزون عذابَ الهون} أَرَادَ وقت الإماتة، ويعذَّبون بِهِ من شدَّة النَّزع، وقيل: يعذَّبون بضرب المَلاَئِكَة وجوهَهم وأدبارَهم، ويُلقى إِلَيْهِم عذاب الهون بأعمالهم، بدليل قوله: {بِمَا كُنتُم تقولون عَلَى الله غيرَ الحقِّ} وكَأنَّ هَذَا العذابَ عند النزع مخصوصٌ بِهِ العُصاة دون المطيعين، لأنَّهم لم يعصوا فيستحقُّوا العذاب بسببه، {وكنتم عَن آياته تستكبرُونَ (93)} عَن قبولها.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مغطِّيهِ». (1/370)
صفحة 371
وَلَقَد جئتمونا فُرَادى} بلا ثواب مِمَّا خوَّلوه، لأنَّهم لم يريدوا بِهِ وجه الله، {كما خلقناكم (1) أَوَّلَ مرَّة} عراة مِمَّا خُوِّلوه؛ وكأنَّهم لم ينعم عَلَيْهِم بنعمة، من حيث إنَّهم كفروها ولم يشكروها، {وتركتم مَا خوَّلناكم} لم يزدكم قربة، بَل زادكم بعدًا وغضبًا وخسارًا {وراء ظهوركم} فيِ الدُّنْيَا لأهلها، ولم تتزوَّدوا مِنْهُ لهذا السفر، {وَمَا نَرى معكم شُفعاءَكم الذِينَ زَعَمتم} أَي: ادَّعيتم، {أنَّهم فيكم شُركاء} مُعاونوكم ومناصروكم مِن دوننا، وَهُوَ هواء أنفسهم وَمَا عبدوه من دون الله، {لَقَد تقطَّع بينكم} أَي: وقع التقطُّع بينكم، أَي: تقطَّع وصلكم؛ وذلك مثل قوله: {وتقطَّعت بهم الأسباب} (2) أَي: المواصلات والبَين، {وضلَّ عنكم} ضاع وبطُل، {مَا كُنتُم تزعمُونَ (94)} أنَّها شفعاؤكم عند الله أو دونه.
{إِنَّ اللهَ فالقُ الحَبِّ والنوى} للنَّبت، {يُخرج الحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} النباتَ مِنَ الحَبِّ، {ومُخرجُ الْمَيِّتِ مِنَ الحيِّ} الحَبِّ مِنَ النباتِ، أو المؤمنِ مِنَ الكافرِ، والكافرِ مِنَ المؤمنِ، {ذلكم الله} المحيي المُميت: هُوَ الله الذِي تحقُّ لَهُ الربوبيَّة لاَ الأصنام، {فأنىَّ تؤفكُونَ (95)} فكيف تُصرفون عَنْهُ إِلىَ غيره، بعد وضوح الدليل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «خلقنا» وهو خطأ.
(2) - ... سورة البقرة: 166. (1/371)
صفحة 372
فالقُ الإصباح} أَي: شاقُّ عمودِ الصبح عَن سواد الليل، {وجعل (1) الليلَ سَكَنا} يسكن فِيهِ خلقه عَن كدِّ المعيشة، إِلىَ راحة الأجسام؛ {والشمسَ والقمرَ حُسبانا} أَي: جعلهما عَلَمَي حُسبان، لأَنَّ حساب الأوقات يُعلم بدورهما وسيرهما، ومعناه: جعل الشمس والقمر بحساب معلوم، لاَ يجاوزانه حتَّى ينتهيا (2) إِلىَ أقصى منازلهما، {ذَلِكَ تقديرُ العزيز} الذِي قهرهما وسخَّرهما {العليم (96)} بتدبيرهما وتدويرهما.
{وَهُوَ الذِي جَعَلَ لكم النجومَ} [153] أَي: خلقها لكم لاَ تتقدَّم وَلاَ تتأخَّر عَن منازلها وسيرها، {لتهتدوا بها فيِ ظلمات البرِّ والبحر} ظلمات الليل فيِ البرِّ والبحر؛ {قد فصَّلنا الآيات} بيَّنَّاها فصلا فصلا {لقوم يَعْلَمُونَ (97)} فإنَّهم المنتفعون بها.
{وَهُوَ الذِي أنشأكم من نفسٍ وَاحِدَة} من آدم، {فمستقرٌّ} فوق الأَرْض، {ومستودَع} تحتها، {قد فصَّلنا الآيات لقوم يفقهُونَ (98)} يتفكَّرون، فَيَسمون إِلىَ درجة أهل الفقه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وجاعل»، كتبها برواية ورش، والملاحظ أنَّه اعتمد في تفسيره رواية حفص عموما.
(2) - ... في الأصل: «ينتهيان»، وهو خطأ. (1/372)
صفحة 373
وَهُوَ الذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء ماءً؛ فأخرجنا بِهِ نباتَ كُلِّ شيء} نَبتَ كلِّ صنف؛ {فأخرجنا مِنْهُ خَضِرا، نخرج مِنْهُ حبًّا مُتراكبا، ومن النخل من طلعها قنوان} هُوَ العِذْقُ {دانيةٌ} مِنَ المجتَنِي قريبةٌ، {وجنَّات من أعناب والزيتونَ والرمَّان، مُشتبها وغير مُتشابِهٍ} طعمًا ولونًا وقدرًا. {انظروا إِلىَ ثَمَره إِذَا أَثمرَ} إِذَا أخرج ثمره كيف نُخرجه ضعيفًا لاَ يُنتفع بِهِ، {ويَنعِهِ} نُضجه، أَي: انظروا إِلىَ حال نُضجه، كيف يعود مُنتفَعًا بِهِ، {إنَّ فيِ ذلكم لآيات لقوم يُؤمِنُونَ (99)} أَي: بالآيات عَلَى وجود القادر الحكيم (1) وتوحيده؛ فإنَّ حدوث الأجناس المختلفة، والأنواع اامُفَنَّنة من أصل وَاحِد، ونَقلَها من حال إِلىَ حال، لاَ يكون إِلاَّ بإحداث قادرٍ يعلم تفاصيلها عَلَى مَا تقتضيه حكمته، مِمَّا يكون من أحوالها، وَلاَ يعوقه عَن فعله نِدٌّ يعارضه، أو ضدٌّ يعانده؛ ولذلك عقَّبه بتوبيخ مَن أشرك بِهِ، والردِّ عليه.
{وجَعَلُوا لله شُركاءَ الجنَّ} أَي: أطاعوهم فيما سوَّلوا لَهُم من شركهم؛ فجعلوهم شركاء لله كما قَالَ: {بِمَا أشركتُمُونِ من قبل} (2). {وخلقهم} وخلق الله الجنَّ؛ فكيف يكون المخلوق شريكا لخالقه، {وخَرَّقوا لَهُ} أَي: اختلقوا، يقال: خَلَق الإفك واختلقَه وخرَّقه واخترقه: بمعنًى، (لَعَلَّهُ) والتخريق هُوَ الكذب، {بنين} (لَعَلَّهُ) كقول أهل الكتابين، {وبنات} كقول بعض العرب فيِ المَلاَئِكَة {بغير علم} من غير أن يعلموا حقيقة مَا قَالُوا من خطإ أو صواب، ولكن رميًا بقول عَن جهالةٍ، وجهلا مِنْهُم بعظمة الله {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يصفُونَ (100)} تنزيه لَهُ عَن الشريك والولد.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ صواب العبارة: «يستدلُّون بالآيات عَلَى وجود القادر الحكيم».
(2) - ... سورة إبراهيم: 22. (1/373)
صفحة 374
بديعُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} أَي: مُبتدِعهما لا على [غير] مثالٍ سَبَق، {أنَّى يكون لَهُ ولد} من أين أن يكون لَهُ ولد {ولم تكن لَهُ صاحبة}؟ والولد لاَ يكون إِلاَّ من صاحبة، وَلاَ صاحبة لَهُ، ولأنَّ الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لاَ يكون جسما، حتَّى يكون والدا؛ {و (1) خَلَقَ كلَّ شيء وَهُوَ بِكُلِّ شيء عليمٌ (101)} أَي: مَا من شيء إِلاَّ وَهُوَ خالقه وعالمه، ومن كَانَ كذلك كَانَ غنيًّا عَن كلِّ شيء.
{ذلكم اللهُ رَبُّكُم لاَ إله إِلاَّ هُوَ خالقُ كُلِّ شيء، فاعبدوه} أَي: من استُجمعت لَهُ هَذِهِ الصفات، كَانَ هُوَ الحقيق بالعبادة؛ فاعبدوه وَلاَ تعبدوا مَن دونه من بعض خلقه. {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء وكيل (102)} أَي: هُوَ مَعَ تلك الصفات، مالك لِكُلِّ شيء مِنَ الأرزاق والآجال رقيب عَلَى الأعمال.
{لاَ تُدركُه الأبصارُ} لاَ تحُيط بِهِ أبصار مَن سَبق ذِكرُهم، {وَهُوَ يُدرك} لِلُطفِ إدراكِه للمدرَكات {الأبصار، وَهُوَ اللطيف} العالم بدقيق الأمور ومشكلاتها، {الخبير (103)} العليم بظواهر الأشياء وخفيَّاتها.
{قد جاءكم بصائرُ مِن ربِّكم} البصيرة: نور القلب الذِي بِهِ يستبصر بِهِ القلب، كما أنَّ البصر نور العين الذِي تُبصر بِهِ، أَي: جاءكم مِنَ الوحي أو الإلهام، والتشبيه: مَا هُوَ للقلوب كالبصائر؛ {فمَن أبصرَ} الحقَّ وآمن؛ {فلنفسه} أبصرَ، وَإِيَّاهَا نفَعَ. [154] {ومَن عَميَ} تعامى عَنْهُ وضلَّ {فعليها}؛ لاَ يتعدَّى ضررُه إِلىَ غيره، {وَمَا أنا عَلَيْكُم بحفيظ (104)} أحفظ أعمالكم، وأجازيكم عليها، إِنَّمَا أنا منذرٌ، والله هُوَ الحفيظ عليكم.
{وكذلك نُصرِّف الآياتِ، وليقولوا: دَرَستَ} كُتُبَ أهلِ الكتاب، كما قَالُوا: «أساطبرُ الأوَّلين»، {ولنبيِّنه} أَي: القرآن {لقوم يَعْلَمُونَ (105)} الحقَّ مِنَ الباطل بتفكُّرهم وتدبُّرهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «و»، وهو خطأ. (1/374)
صفحة 375
اتَّبِعْ مَا أوحيَ إليك مِن ربِّك} وَلاَ تتَّبع أهواءَهم، {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أَي: لاَ يستحقُّ العبادة إِلاَّ هُوَ، {وأَعرضْ عَن المشركِينَ (106)} وَمَا يعبدونه (1) من دون الله.
{ولو شاء الله} إيمانهم، {مَا أشركوا} بيَّن أنَّهم لاَ يشركون عَلَى خلاف مشيئته؛ ولو علم مِنْهُم اختيار الإيمان لهداهم إِلَيْهِ؛ ولكن علم مِنْهُم اختيار الشرك فشاء شركهم، فأشركوا بمشيئته، {وَمَا جعلناك عَلَيْهِم حفيظًا} مُراعيا لأعمالهم، مأخوذا بإجرامهم، {وَمَا أنت عَلَيْهِم بوكيل (107)} بمسلَّط.
قيل: وكَانَ المُسْلِمُونَ يسبُّون الآلهة؛ فنُهوا لئلاَّ يكون سبُّهم سببًا لسبِّ الله بقوله: {وَلاَ تسبُّوا الذِينَ يدعون من دون الله، فيسبُّوا اللهَ عَدْوًا} عدوانا {بغير عِلم} عَلَى جهَالة بالله، وبما يجب أن يُذكر، إِذَا تعرَّضوا لسبِّ مَا يدعون من دون الله؛ فكأنَّهم فيِ المعنى: سابِّين اللهَ عدوًا، {كذلك} مثل ذَلِكَ التزيين {زيَّنا لِكُلِّ أُمَّة} مِنَ الأمم {عَمَلَهم} أَي: كما زيَّنا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام، وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان. {كذلك زيَّنا لِكُلِّ أمَّة عملهم} مِنَ الخير والشرِّ بإحداث مَا يُمكِّنهم مِنْهُ ويحمِلهم عليه، توفيقا وتخذيلاً؛ {ثمَّ إِلىَ رَبِّهم مرجِعُهم} مصيرهم؛ {فينبِّئُهم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)} فيجازيهم عليه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يعبدوه»، وهو خطأ. (1/375)
صفحة 376
وأقسَموا بالله جهدَ أيمانهم} أَي: حلفوا بالله بأوكدَ مَا قدَروا عليه مِنَ الأيمان، {لئن جاءتهم آية} مقتَرَحة، بِمَا تهوى أنفسهم {ليؤمننَّ بها؛ قل: إِنَّمَا الآياتُ عند الله} ينزِّلها كيف يَشَاء؛ {وَمَا يُشعركم} قيل: كَانَ المؤمنون يطمعون فيِ إيمانهم إِذَا جاءتهم مثل تلك الآيات، ويتمنَّون مجيئَها، وَمَا يُدريكم {أَنَّهَا إِذَا جاءت لاَ يُؤمِنُونَ (109)} بها، يعني: أنَا أعلمُ أنَّها إِذَا جاءت لاَ يُؤمِنُونَ بها، وأنتم لاَ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
{ونُقَلِّب أفئدتَهم وأبصارَهم} عَن قبول الحقِّ ورُؤيته، {كما لم يؤمنوا بِهِ أَوَّلَ مرَّة} كما كَانُوا عند نزول آياتنا أوَّلاً، لاَ يُؤمِنُونَ بها، لأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم الإيمان بِهِ عند نزوله معا كلمح البصر، فإمَّا آمَن فيُوَفَّق، وَإمَّا كفَرَ، فيُخْذَل؛ وتقليب الأفئدة والأبصار: مجاز عَن الخذلان، بدليل قوله: {ونذرهم} (1) {فيِ طغيانهم يعمهُونَ (110)} وندعهم متحيِّرين، لاَ نهديهم بهداية المؤمنين مَا داموا سالكين طريق الضلال.
{ولو أَنَّنَا نزَّلنا إِلَيْهِم المَلاَئِكَة} كما قَالُوا: {لولا أنزل علينا المَلاَئِكَةُ} (2)، {وكلَّمهم الموتى} كما قَالُوا: {فأتوا بآبائنا} (3)، {وحَشَرْنا عليهم} جمعنا {كلَّ شيء قُبُلا} كُفلاء بصِحَّة مَا بشَّرنا بِهِ وأنذرنا، جمع قَبيل، وَهُوَ الكفيل؛ وقيل: قِبلاً، أَي: عَيانًا؛ {مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلاَّ أن يَشَاء اللهُ} إيمانَهم، وَهَذَا جواب لقول المؤمنين: لَعَلَّهُم يُؤمِنُونَ بنزول الآيات، {ولكنَّ أكثرهم يجهلُونَ (111)} أَنَّ هؤلاء لاَ يُؤمِنُونَ إِذَا جاءتهم الآية المقترحة، أَوالذِينَ لم يُؤمنوا.
{__________
(1) - ... كتب الناسخ في الحاشية «الجزؤا» من غَير إحالة لها في المتن.
(2) - ... سورة الفرقان: 21.
(3) - ... سورة الدخان: 36. (1/376)
صفحة 377
وكذلك جعلنا لِكُلِّ نبيٍّ عدوًّا} كما جعلنا لك أعداءَ سببا لظهور الثبات والصبر، وكثرة الثواب والأجر؛ فلا تَضجر من معاداتهم، فليس بثابت [كَذَا] ذَلِكَ، [155] ولن يقدروا عَلَى مضرَّة لأحد مَعَ توفيق الله لَهُ. {شياطين الإنس والجنِّ} ظاهرين وباطنين، {يُوحِي بعضُهم إِلىَ بعضٍ} يُوسوس شياطين الجنِّ إِلىَ شياطين الإنس، وكذلك بعض الجنِّ إِلىَ بعض، وبعض الإنس إِلىَ بعض، وقال - عليه السلام -: «قُرناء السوء شرٌّ من شياطين الجنِّ» (1)، {زُخرفَ القولِ} الأباطيل المموّهة، مِن “زَخرَفَه” إِذَا زيَّنه، مِنَ القول والوسوسة والإغراء عَلَى المعاصي، ويدخل في ذَلِكَ كلُّ قول مشحون بنفاق؛ فظاهره كأنَّه نصيحة، وباطنه خُدعة؛ وَهُوَ قول مُمَوّه، مُزيَّن مُزخرفٌ بالباطل لاَ معنى تحته. {غُرورا} خَدعًا وأخذًا عَلَى غِرَّة، وَهُوَ غَفلة، يعني: هؤلاء الشياطين يزيِّنُون الأعمَالَ القبِيحَةَ لبَنِي آدمَ يغرونَهُم؛ والغرور: القول بالباطل. {ولو شاء رَبُّكَ مَا فعلوه} أَي: الإيحاء، بمعنى: ولو شاء الله لمنع الشياطين مِنَ الوسوسة؛ ولكنَّه امتحن بِمَا يعلم أنَّه أجزَل فيِ الثواب، ويتضاعف (2) عَلَى الشياطين العذاب، {فذرهم وَمَا يفترُونَ (112)} عليك وَعَلَى الله من قول ووسوسة، فإنَّ الله يجزيهم وينصرك.
{ولِتَصغَى إِلَيْهِ أفئدةُ الذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بالآخِرَة} ولتميل (3) إِلىَ زُخرف القولِ ووسوسةِ الشيطانِ قلوبُ الكفَّار، (لَعَلَّهُ) بالهوى والعمى، {وليَرضَوه} لأنفسهم، {وليقترفوا مَا هم مُقترفُونَ (113)} (لَعَلَّهُ) مِنَ الآثام، بسبب الإصغاء إِلىَ الوسوسة، وزخرف القول، (لَعَلَّهُ) يحكمون بغير حكم الله؛ فردَّ الله عَلَيْهِم بقوله:
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير وزياداته.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ويُضاعف».
(3) - ... في الأصل: «والتميل»، وهو خطأ. (1/377)
صفحة 378
أفغير الله أبتغي حَكَمًا}؟ أَي: قل يا محمَّد، أفغير الله أطلب حاكِمًا يحكم بيني وبينكم، ويَفصِل المحقَّ مِنَّا من المبطل، {وَهُوَ الذِي أَنزل إليكم الكتاب مفصَّلا} أَي: مبيَّنا، فِيهِ الفصل بين الحقِّ والباطل، والشهادة لي بالصدق، وعليكم بالباطل والافتراء؛ ثُمَّ عَضدَ الدَّلاَلَة عَلَى أنَّ القرآن حقٌّ بعلم أهل الكتاب، لتصديقه مَا عندهم وموافقته لَهُ: {وَالذِينَ آتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنْزَلٌ من رَبِّكَ بِالْحَقِّ فلا تكوننَّ مِنَ الممترِينَ(114)} الشاكِّين فِيهِ، ويحتمل في {الذِينَ آتيناهم الكتاب} هُوَ القرآن، وَهُم المصدِّقون بِهِ.
{وتَمَّت كلمةُ ربِّك} بلغت الغايةَ أخبارُه وأحكامُه ومواعيده، {صدقًا} فيما أَخبر، {وعدلا} فيما قَضى وحَكم. {لاَ مبدِّل لكلماته} ليس لأحد تبديل شيء من كلماته؛ وكلماته: آياته، {وَهُوَ السميع العليم(115)}.
{وإن تُطع أكثرَ من فيِ الأَرْض يُضِلُّوك عَن سبيل الله} عَن الطريق الموصل إِلَيْهِ، فإنَّ الضالَّ فيِ غالب الأمر لاَ يَأْمُرُ إِلاَّ بِمَا فِيهِ ضلال، لأنَّ أكثر أهل الأَرْض كَانُوا عَلَى الضلالة، وفيه أنَّه لاَ عِزَّة فيِ معرفةِ الحقِّ (لَعَلَّهُ) بالكثرة؛ وإنَّما الاعتبار بِالحُجَّةِ. {إن يتَّبعون إِلاَّ الظنَّ} يريد دينَهم الذِي هم عليه ظنٌّ وهوى، لم يَبنُوه عَلَى بصيرة، والظنُّ: خلاف العلم، {وإن هم إِلاَّ يخرصُونَ(116)} يقدرون أنَّهم عَلَى شيء[كَذَا]، والخرص: هُوَ القول بالغيب، وَهُوَ أخو الظنِّ.
{إنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلمُ من يضلُّ عَن سبيله} من هُوَ أهل للضلالة؛ {وَهُوَ أعلم بالمهتدِينَ(117)} أَي: يعلم الضالِّين مِنَ المهتدين.
{فكلوا مِمَّا ذُكر اسمُ الله عليه إن كُنتُم بِآيَاتِه مؤمنِينَ(118)} فإنَّ الإيمان يقتضي استباحة مَا أحلَّه الله، واجتناب مَا حرَّمه.
{ (1/378)
صفحة 379
وَمَا لكم أَلاَّ تأكلوا مِمَّا ذُكر اسم الله عليه، وقد فصَّل لكم} بيَّن لكم {مَا حرَّم عليكم} مِمَّا لم يحرَّم، {إلاَّ مَا اضطُرِرتم إِلَيْهِ؛ وإنَّ كثيرا ليُضِلُّون بأهوائهم بغير علم} يحرِّمون ويحلِّلُون بأهوائِهم وشهواتهم من غير تَعلُّق بشريعة، أو يقودونَهم لِمَا تهواه أنفسهم مِنَ الباطل، [156] {إنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلم بالمعتدِينَ(119)} الذِينَ يجاوزون الحلال إِلىَ الحرام، ويَعتدُونَ (لَعَلَّهُ) الحدود.
{وذروا ظاهرَ الإثم وباطنَه} مَا بالجوارح والقلب، {إنَّ الذِينَ يكسبون الإثم} الظاهر أو الباطن، {سيُجزَونَ بِمَا كَانُوا يقترفُونَ(120)} اقترف: اكتسب، والذنبَ أتاه وفعله.
{وَلاَ تأكلوا مِمَّا لم يُذكَر اسم الله عليه} عند الذبح، {وَإِنَّهُ لَفِسقٌ} والفسق فيِ ذَلِكَ [ذِكْرُ] اسم غير الله؛ {وإنَّ الشياطين لَيُوحون إِلىَ أوليائهم} مِنَ المنافقين والكَافِرِينَ، {لِيُجادِلوكم} وذلك ليستعينوا بهم عَلَى إضلالكم، {وإن أطعتموهم} فيِ معصية، {إِنَّكُم لَمشركُونَ(121)}، لأَنَّ من اتَّبع غير الله فيِ دينه، فقد أشرك بِهِ، فانظر فإنَّه يدخل فيِ تأويل هَذِهِ الآية جميعُ من عصى الله، كَانَ شركه بجحود أو نفاق.
{ (1/379)
صفحة 380
أومن كَانَ مَيِّتا فأحيَيناه}، أَي: كافرًا فهديناه، لأنَّ الإيمان حياة القلوب، وجميع العصاة أموات فيِ الحقيقة، وإن كَانُوا أحياء فيِ الظاهر، فهي حياة وهميَّة، لأنَّه لم يتزوَّد للحياة الأبديَّة، وحياة الدُّنْيَا ليست بحياة، إذ يعقبها الفناء؛ إِلاَّ المؤمنين، فإنَّهم أحياء فيِ الحياة وبعد الموت، وجميع الخلق المُتعبّدِينَ يُخلَقون أحياء، لأنَّهم خُلِقوا عَلَى الفطرة والدين القيِّم، لكن يُميتُون (1) أنفسهم باقترافهم المعاصي، {وجعلنا لَهُ نورا يمشي بِهِ فيِ الناس} مستضيئا بِهِ فيما يعمل ويعتقد ويقول، {كمن مَثَلُه فيِ الظلمات} كمن صفته فيِ الظلمات خابط فِيهَا، {ليس بخارج منها} لاَ يفارقها، وَلاَ يتخلَّص منها، {كذلك} أَي: كما زُيِّن للمؤمن إيمانه، {زيِّنَ للكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)}، فيحسبون أنَّهم يحسنون صنعا (2).
{__________
(1) - ... في الأصل: «يميتوا»، وهو خطأ.
(2) - ... اقتباس من قوله تعالى: {وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعا}. سورة الكهف: 104. (1/380)
صفحة 381
وكذلك} وكما جعلنا فيِ مكَّة صناديد ليَمكُروا فِيهَا، {جعلنا فيِ كُلِّ قرية} مِنَ القرى، {أكابر مجرميها ليمكروا فِيهَا} ليتجبَّروا عَلَى الناس فِيهَا، ويعملوا بالمعاصي، وخصَّ الأكابر ــ وَهُم الرؤساء ـ لأَنَّ مَا فِيهِم مِنَ الرئاسة والسعة، أدعى لَهُم إِلىَ المكر والكفر من غيرهم، دليله: {ولو بسط اللهُ الرزقَ لعباده لَبَغَوْا فيِ الأَرْض} (1). ثُمَّ سلَّى رسولَه - صلى الله عليه وسلم -، ووعد لَهُ بالنصرة، بقوله: {وَمَا يمكرون إِلاَّ بأنفسهم}، لأَنَّ مكرهم يَحيق بهم، لاَ يتعدَّاهم، (لَعَلَّهُ) كَأَنَّ غيرَهم يمكر بهم، {وَمَا يشعرُونَ (123)} أنَّه يحيق بهم، مَا يقول لو مكر بك (لَعَلَّهُ) ماكر وأنت لاَ تشعر أنَّه يمكر بك، أتسلَمُ من عاقبة مكره بك؟ (لَعَلَّهُ) كَانَ غيرهم يمكر بهم (2).
{وإذا جاءتهم} أَي: الأكابرَ، {آيةٌ} مِنَ القرآن والعقل، {قَالُوا: لن نؤمن حَتَّى نُؤتَى مثلَ مَا أُوتيَ رُسُلُ الله} أَي: يُوحى إلينا مِنَ الآيات مثلما أُوحيَ إِلىَ الأنبِيَاء، فأعلمَ اللهُ تعالى أنَّه أعلمُ بمن يصلح للنبوَّة فقال: {اللهُ أعلمُ حيث يجعل رسالته} يعلم موضع رسالته. {سيصيب الذِينَ أَجرَموا} من أكابرها، {صَغَارٌ} ذلٌّ، وهو أن تُذِلَّه معاصيه وتخزيه فيِ الدُّنْيَا مَعَ أهل الدين [كَذَا]. {عند الله وعذابٌ شديد} فيِ الدارين، {بِمَا كَانُوا يمكرُونَ (124)} فيِ الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... سورة الشورى: 27.
(2) - ... كذا في الأصل، ونلاحظ أنَّ العبارة مكرَّرة، الأولى كتبت في الحاشية، والثانية في المتن. (1/381)
صفحة 382
فمن يُرِدِ الله أن يهديه يَشرَحْ صدرَه للإسلام} يُوسِّعه ويُنوِّر قلبه، قَالَ - عليه السلام -: «إِذَا دخل النور القلب انشرح وانفسح، قيل: وَمَا علامة ذَلِكَ؟ قَالَ: الإنابة إِلىَ دار الخلود، والتجافي عَن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» (1)، {ومن يُرِد أن يُضلَّه يجعل صدره ضيِّقا حَرجا} بالغا فيِ الضيق، يعني: يجعل قلبه ضيِّقا، حتَّى لاَ يدخله الإيمان، حتَّى [157] إِذَا سمع ذكر الله، اشمأزَّ قلبُه، وإذا ذكر شيء من عبادة الأوثان ارتاح قلبه، {كأنَّما يصَّعَّد فيِ السَّمَاء} كأنَّه كُلِّف أن يصعَد إِلىَ السَّمَاء، إِذَا دُعيَ إِلىَ الإسلام من ضيق صدره، يعني يشقُّ عليه الإيمان، كما يشُقُّ عليه صعود السَّمَاء، وأصل الصعود المشقَّة، ومنه: {سأرهِقُه صَعُودا} (2)، أَي: عقبة شاقَّة، والمعنى: كأنَّما يزاول أمراً غير ممكن، لأنَّ صعود السَّمَاء مَثَل فيما يبعد مِنَ الاستطاعة، وتضيق عَنْهُ المقدرة، {كذلك يجعلُ الله الرجسَ} اللعنة فيِ الدُّنْيَا، والعذاب فيِ العقبى، {عَلَى الذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ (125)} إيمان حقيقي (3).
{وهذا صِرَاطُ ربِّك} طريقه الذِي اقتضته الحكمة، وسنَّته فيِ شرح صدر من أَرَادَ هدايته، وجعله ضيِّقا لمن أَرَادَ إضلاله. ومستقيما عَن الاعوجاج، لأَنَّهُ لاَ يُعوِجه باطل، ومعناه: وهذا طريق رَبِّكَ وعادته فيِ التوفيق والخذلان، {مستقيما} عادلاً مطَّردا لا اعوجاج فِيهِ، {قد فصَّلنا} بَيَّنَّا، {الآيات لقوم يذَّكَّرُونَ (126)} يتَّعظون.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير وزياداته.
(2) - ... سورة المدَّثِّر: 17.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إيمانًا حقيقيًّا». (1/382)
صفحة 383
لَهُم دارُ السلام} دار السلامة من كُلِّ كدر وآفةٍ، وهي الجنَّة، لأَنَّ كلَّ من دخلها سلم مِنَ البلايا والرزايا، {عند رَبِّهم وَهُوَ وليُّهم} محبُّهم وناصرهم عَلَى أعدائهم، أو متولِّيهم بجزاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(127)} بأعمالهم.
{ويوم يحشرهم جميعا، يا معشر الجنِّ، قد استكثرتم مِنَ الإنس} أَي: من إغوائهم وإضلالهم، {وقال أولياؤهم مِنَ الإنس} الذِينَ أطاعوهم: {رَبَّنَا استمتع بعضُنا ببعضٍ} أَي: استمتع الإنس بالشياطين، حيث دلُّوهم عَلَى الشهوات، وَعَلَى أسباب التوصُّل إِلَيْهَا، واستمتع الجنُّ بالإنس، حيث أطاعوهم وساعدوهم عَلَى مرادهم فيِ إغوائهم، {وبَلَغْنَا أجلَنا الذِي أجَّلت لَنَا} يعنون يوم البعث؛ وَهَذَا الكلام اعتراف بِمَا كَانَ مِنْهُم من طاعة الشياطين، واتِّباع الهوى، والتكذيب بالبعث، والتحسُّر عَلَى حالهم، {قَالَ} الله: {النار مثواكم} منزلكم، {خالدين فِيهَا، إِلاَّ مَا شاء الله} قبل الدخول، كأنَّه قيل: النار مثواكم أبدا، إِلاَّ مَا أَمهلكم فيِ الدُّنْيَا قبل الموت. وقيل: {إِلاَّ مَا شاء الله} من أوقات حشرهم من قبورهم، ووقت محاسبتهم، {إنَّ رَبَّكَ حكيم عليم(128)} بأعمالهم؛ فيجزي كلاًّ عَلَى (لَعَلَّهُ) وفق عمله.
{وكذلك نولِّي بعضَ الظالمين بعضا} أَي: ومثل ذَلِكَ نولِّي بعض الظالمين بعضًا، نخلِّيهم حتَّى يتولَّى بعضهم بعضا، يترأَّس بعضهم عَلَى بعض، {بِمَا كَانُوا يكسبُونَ(129)} بسبب كسبهم. (1/383)
صفحة 384
ثُمَّ يقال لَهُم يوم القيامة عَلَى جهة التوبيخ: {يا معشر الجنِّ والإنس، ألم يأتكم رسل منكم} بقيام الدليل من رسول أو رسُول الرسُول، كما قَالَ: {ولَّوا إِلىَ قومهم منذِرين} (1)، {يقصُّون عَلَيْكُم آياتي} يقرؤون كتبي؛ هَذَا حكاية لتصديقهم وإيجابهم قوله، وإِقْرَارهم بأنَّ حجَّة الله لازمة لَهُم، {ويُنذِرونكم لقاء يومكم هَذَا، قَالُوا شهدنا عَلَى أنفسِنا} بوجوب الحجَّة علينا، وتبليغ الرسل إلينا، {وغرَّتهم الحياة الدُّنْيَا} لعلَّه بظاهرها المليح لأنَّهم لم يتفكَّروا فيِ عواقبها القبيحة، {وشهِدُوا عَلَى أنفسهم أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)} ذمٌّ لَهُم عَلَى سوء نظرهم، وخطإ رأيهم، فإنَّهم اغترُّوا بالحياة الدنيويَّة واللَّذات المجدبة [كَذَا]، وأعرضوا عَن الآخِرَة بالكلِّية، حتَّى كَانَت عاقبة أمرهم أن اضطرَّهم إِلىَ الشهادة عَلَى أنفسهم بالكفر والاستسلام [158] للعذاب المخلَّد، تحذيرا للسامعين من مثل حالهم.
{ذَلِكَ أن لم يكن رَبُّكَ مُهلك القرى} أَي: أهلها، {بظلم} معاملة من يريد ظلمهم، {وأهلُها غافلُونَ (131)} المعنى: لم يكن رَبُّكَ مُهلِك القرى بظلم، بسبب ظلم أقدموا عليه، أو ظالما، عَلَى أنَّه لو أهلكَهُم وَهُم غافلون لم ينبَّهوا برسول وكتاب، لكَانَ ظلمًا، وَهُوَ متعال عَنْهُ.
{ولكُلٍّ} مِنَ المكلَّفين، {درجات} منازل، {مِمَّا عملوا} من جزاء أعمالهم، أَي: مراتب من أعمالهم عَلَى حسب مَا يستحقُّونه؛ وقيل: أَرَادَ (لَعَلَّهُ) درجات، ودركات من جزاء أعمالهم، فغلَّب منازل أهل الجنَّة، {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)} فلا يخفى عليه مقاديره.
{__________
(1) - ... سورة الأحقاف: 29. (1/384)
صفحة 385
ورَبُّكَ الغنيُّ} عَن عباده وعبادتهم، {ذو الرحمة} عَلَيْهِم بالتكليف، تكميلاً لهم، لنحييهم الحياة الأبديَّة، خلافاً لبقيَّة الحيوانات، وتمهيل عُصَاتِهِم لَعَلَّهُم يرجعون قبل الممات. {إن يشأ يذهبكم} أيُّها الظلمة، {ويَستخلفْ مِن بعدِكم مَا يَشَاء} مِنَ الخلق المطيع، {كما أنشأكم من ذُرِّيَّة قوم آخرِينَ(133)} من أولاد قوم آخرين، لم يكونوا عَلَى مثل صفتكم.
{إنَّ مَا توعدون لآت} لكائن لاَ محالة، {وَمَا أَنتُم بمعجزِينَ(134)} بفائتين، كقولهم: من مات فات.
{قل: يا قوم اعملوا عَلَى مكانتكم} يحتمل: اعملوا عَلَى تمكينكم من أمركم، وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا عَلَى جهتكم وحالكم التِي أَنتُم عليها، {إنِّي عامل} عَلَى مكانتي التِي أنَا عليها، أَي: اثبتوا عَلَى كفركُم وعداوتكم لي، فإنِّي ثابت عَلَى الإسلام عَلَى مصابرتكم، وَهُوَ أمر تهديد ووعيد، دليله قوله: {فسوف تَعْلَمُونَ} أيُّنا تكون لَهُ العاقبة المحمودة، {من تكون لَهُ عاقبة الدار} أَي: فسوف تَعْلَمُونَ أيُّنا تكون لَهُ العاقبة المحمودة، وعاقبة الدار: العاقبة الحسنى التِي خلق الله هَذِهِ الدار لها، وَهَذَا طريق لطيف فيِ الانذار، {إِنَّهُ لاَ يفلح الظالمُونَ(135)} لأنَّهم لم يسلكوا طريق الفلاح (لَعَلَّهُ) معناه: لاَ يسعد الظالمون.
{ (1/385)
صفحة 386
وجعلوا لله مِمَّا ذرأ} أَي: خلق، {من الحرث والأنعام نصيبا} أَي: وللأصنام نصيبا، فاكتفى بدلالة قوله: {فَقَالُوا هَذَا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} بزعمهم، وَاللهُ لم يَأْمُرْهم بذلك، وَلاَ شرعَ لَهُم تلك القسمة، {فما كَانَ لشركائهم فلا يصلُ إِلىَ الله} أَي: لاَ يصل إِلىَ الوجوه التِي كَانُوا يصرفونه إِلَيْهِا من قِرَى الضيفان، والتصدُّق عَلَى المساكين؛ وسمَّى الأوثان شركاءهم، لأنَّهم أشركوهم فيِ أموالهم وفي أنعامهم، {وَمَا كَانَ لله فهو يصلُ إِلىَ شركائهم} قيل: كَانُوا يعيِّنون أشياء من حرث ونتاج لله، وأشياء منها لآلهتهم؛ فإذا رأوا مَا جعلوه لله زاكيًا نامياً، رجعوا فجعلوه للأصنام، وإذا زكى مَا جعلوه للأصنام تركوه لها؛ وقَالُوا بأنَّ الله غنيٌّ، وإنَّما ذَلِكَ لحبِّهم آلهتهم وإيثارهم بها عَلَى الله؛ وفي قوله: {مِمَّا ذرأ} إشارة إِلىَ أنَّ الله كَانَ أولى بِأَنَّ يجعل لَهُ الزاكي، لأَنَّهُ هُوَ الذِي [159] ذرأه، ثُمَّ ذمَّ صنيعهم بقوله: {ساء مَا يحكمُونَ(136)} فيِ إيثارهم آلهتهم عَلَى الله، وعملهم عَلَى مَا لم يُشرِّع لَهُم.
{وكذلك زَيَّن لكثير مِنَ المشركين} كما زيَّن لَهُم، {قتل أولادهم شركاؤهم} قيل: شياطينهم زيَّنوا وحسَّنوا لَهُم. سمِّيت الشياطين شركاء، لأنَّهم أطاعوهم فيِ معصية الله، {ليُردُوهُم} ليُهلِكُوهم بالإغواء، {وليَلبِسوا عَلَيْهِم دينَهم}، وليَخلِطوا عَلَيْهِم، ويُشبهوه ودينهم مَا كَانُوا عليه من دين إسماعيل؛ {ولو شاء الله مَا فعلوه} وفيه دليل أنَّ الكائنات كلَّها بمشيئة الله، {فذرهم وَمَا يفترُونَ(137)} أمره أن يعتزلهم، وَمَا يفترونه.
{ (1/386)
صفحة 387
وَقَالُوا هَذِهِ أنعام وحرث} للأوثان، {حِجْرٌ} حرام؛ كَانُوا إِذَا عيَّنوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قَالُوا: {لاَ يَطعمها إِلاَّ من نَّشاء بزعمهم} الرجال دون النساء، والزعم: قول باطن يشوبه الكذب، {وأنعام حُرِّمت ظهورُها} قيل: هِيَ البحائر والسوائب والحوامي، {وأنعام لاَ يذكرون اسم الله عليها} حين الذبح، وإنَّما يذكرون عليها أسماء الأصنام، {افتراء عليه} أَي: قسَّموا أنعامهم قِسمَ حِجرٍ لاَ يُركَب، وقسم لاَ يُذكر عليها اسم الله، ونسبوا ذَلِكَ إِلىَ الله افتراء عليه، {سيَجزيهم بِمَا كَانُوا يفترُونَ(138)}.
{وَقَالُوا: مَا فيِ بطون هَذِهِ الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومحرَّم عَلَى أزواجنا} كَانُوا يقولون فيِ أجنَّة البحائر والسوائب: مَا وُلد منها حيًّا فهو خالص للذكور، لاَ يأكل منها الإناث؛ وَمَا وُلد مَيِّتا، اشترك فِيهِ الذكور والإناث؛ {وإن يكن مَيتة} وإن يكن مَا فيِ بطونها مَيتة {فَهُم فِيهِ شُركاء} فِيهِ سواء؛ {سيَجزيهم وصْفَهم} جزاءَ وصفِهم الكذب عَلَى الله فيِ التحليل والتحريم، {إِنَّهُ حكيم} فيِ جزائهم، {عليم(139)} باعتقادهم.
{قد خَسِر الذِينَ قَتَلوا أولادهم} كَانُوا يَئِدون بناتِهم مخافةَ السبيِ والفقر، {سَفَهًا بغير علم} لخفَّة أحلامهم وجهلهم، بأنَّ الله هُوَ رازق أولادِهم لاَ هُم؛ {وحرَّموا مَا رَزَقهم الله} مِنَ البحائر والسوائب وغيرها {افتراءً عَلَى الله} أنَّه قد حرَّم ذَلِكَ، {قد ضلُّوا} عَن الهدى، {وَمَا كَانُوا مهتدِينَ(140)} إِلىَ الصواب.
{ (1/387)
صفحة 388
وَهُوَ الذِي أنشأ جَنَّاتٍ معروشات، وغيرَ معروشات} قيل: المعروش مَا رُفع، وغير المعروش مَا تُرك، {والنخلَ والزرعَ مُختلِفًا} فيِ اللون والطعم والحجم والرائحة، {أُكله، والزيتونَ والرمَّان متشابها وغير متشابه، كُلوا من ثَمَره إِذَا أَثمر، وآتوا حقَّه يوم حِصَاده} يريد بِهِ مَا كَانَ يتصدَّق بِهِ يوم الحصاد، لاَ الزكاة المقدَّرة، وقيل: الزكاة؛ والأمر بإتيانها يوم الحصاد ليهتمَّ بِهِ حتَّى لاَ يؤخَّر عَن وقت الأداء، وليعلم أنَّ الوجوب بالإدراك لاَ بالتنقية [كَذَا]، {وَلاَ تُسرفوا} بإعطاء الكلِّ، وتضييع العيال، {إِنَّهُ لاَ يحِبُّ المسرفِينَ (141)} المتجاوزين للحدود.
{ومِن الأنعام حمولةً وفرشًا} مَا يَحمل الثقل، وَمَا يُفرش للذبح، والحمولة: الكبار التِي تصلح للحمل، والفرش: الصغار كالفُصلان (1) والعجاجيل والغنم، لأنَّها دانية مِنَ الأَرْض، مثل الفرُش المفروش عليها، {كلوا مِمَّا رزقكم الله} أَي: مَا أحلَّ الله لكم منها، وَلاَ تحرِّموها كما فيِ الجاهلية، {وَلاَ تتَّبعوا خُطوات الشيطان} طُرُقه فيِ التحليل والتحريم والنفاق والشرك، {إِنَّهُ لكم عدوٌّ مُبِين (142)} ظاهر العداوة.
{__________
(1) - ... أصل الكلمة من الفصال، أي الفطام، «والفصيل هو ما فُصِل عن اللبن من أولاد البقر؛ والفصيل ولد الناقة إذا فُصل عن أمِّه، والجمع فُصلان وفِصال ... قال سيبويه: وقالوا: فِصلان شبَّهوه بغراب وغِربان، يعني أنَّ حُكم “فعيل” يكسَّر عَلَى “فُعلان” بالضمِّ، وحكم “فُعال” أن يكسَّر عَلَى “فِعلان”». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 1102. (1/388)
صفحة 389
ثمانيةَ أزواج من [160] الضأنِ اثنين، ومنَ المعز اثنين} زوجين اثنين، يريد الذكر والأنثى، والوَاحِدُ إِذَا كَانَ معه غيرُه من جنسه: سمِّيَ كلُّ وَاحِد منهما زوجًا، وهما زوجان بدليل قوله: {خلقَ الزوجين الذكرَ والأنثَى} (1) ويدلُّ عليه {ثمانيةَ أزواج}، ثُمَّ فسَّرها بقوله: {من الضأن اثنين، ومن المعز اثنيين}. {ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين؛ قل: آلذكرين حَرَّمَ أم الأنثيين، أَمَّا اشتملت عليه أرحام الأنثيين} للإنكار، والمراد بالذكرين: الذكر مِنَ الضأن، والذكر مِنَ المعز؛ وبالأنثيين: الأنثى مِنَ الضأن، والأنثى مِنَ المعز؛ والمعنى: إنكار أن يحرِّم الله من جنس الغنم ضأنها ومَعزها شيئًا من ذكورها وإناثها، وَلاَ مِمَّا تحمل الإناث، وذلك أنَّهم كانوا يحرِّمون ذكورة الأنعام تارةً وإناثها طورًا، وأولادها كيفمَا كَانَت ذكورًا أو إناثًا، ومختلطةً تارةً، وكَانُوا يقولون: قد حرَّمها الله، فأنكر ذَلِكَ عَلَيْهِم. ويروى عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَالَ لبعض المشركين: «إِنَّكُم قد حرَّمتم أصنافًا مِنَ الغنم عَلَى غير أصل، وإنَّما خلق الله هَذِهِ الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها؛ فمن أين جاء هَذَا التحريم من قِبَل الذكرِ أم من قِبَل الأنثى؟» فسكتوا وتحيَّروا، ثُمَّ قَالَ: «فلو جاء هَذَا التحريم بسبب الذكورة وَجَب أن يحرَّم جميع الذكور، وإن كَانَ بسبب الأنوثة وجب أن يحرَّم جميع الإناث، وإن كان باشتمال الرحم عليه، فينبغي أن يُحرَّم الكلُّ، لأَنَّ الرحم لاَ يشتمل إِلاَّ عَلَى ذكر أو أنثى؛ فأمَّا تخصيص التحريم بالولد الخامس والسادس، أو بالبعض دون البعض، فمِن أين؟». {نبِّئوني بعلم} من جهة الله، يدلُّ عَلَى تحريم مَا حرَّمتم {إن كُنتُم صادقِينَ (143)} فيِ أنَّ الله حرَّمه.
{__________
(1) - ... سورة النجم: 45. (1/389)
صفحة 390
ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، قل: آلذكرين} منهما {حرَّم أم الأنثيين} منهما {أمَّا اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ أم كُنتُم شهداء إذ وصَّاكم الله بهذا}؟ يعني: أم شاهدتم رَبَّكُم حين أمركم بهذا التحريم؟ {فمَن أظلمُ مِمَّن افترى عَلَى الله كذبا} فنسب إِلَيْهِ تحريم ما لم يحرِّم، {ليضلَّ الناس بغير علم، إِنَّ اللهَ لاَ يهدي القوم الظالمِينَ (144)} مَا داموا مصرِّين عليه، غير نازعين عَنْهُ بتوبة.
{قل: لاَ أجد فيِ مَا أوحيَ إِلَيَّ} أَي: فيِ ذَلِكَ الوقت، أو فيِ وحي القرآن، لأَنَّ وحيَ السنَّة قد حرَّم غيره فيِ بعض الرأي، {محرَّما عَلَى طاعم يَطعَمُه، إِلاَّ أن يكون مَيتة، أو دَما مسفوحا} مهراقا سائلا، قيل: مَا جُرح مِنَ الحيوان وهي أحياء، {أو لحمَ خنزير، فَإِنَّهُ رجس، أو فسقا} إِنَّمَا سمَّى مَا ذُبح عَلَى الصنم فِسقا، لتوغُّله فيِ الفسق، {أُهلَّ لغير الله بِهِ؛ فمن اضطرَّ غير باغ وَلاَ عادٍ} متجاوزٍ قدر حاجته من تناوله، {فإنَّ رَبَّكَ غَفُور رحيم (145)}.
{وعلى الذِينَ هادوا حرَّمنا كُلَّ ذي ظُفُر} قيل: كلَّ ذي ظفر، كلَّ ذي مخلب وحافر؛ وسمِّي الحافر ظُفُرا مجازا؛ وقيل: كُلُّ ذي ظُفر أَي: ما له إصبِع من دَابَّة أو طائر، ويدخل فِيهِ الإبل والنعام. {ومن البقر والغنم حرَّمنا عَلَيْهِم شحومهما} أَي: لم يحرم مِنَ البقر والغنم إِلاَّ الشحوم، {إلاَّ مَا حملت ظهورهما} إِلاَّ مَا اشتمل عَلَى الظهور و الجنوب مِنَ السحفة (1)، {أو الحوايا} أو مَا اشتمل عَلَى الأمعاء، وَاحِدُه: حَويَّة، {أو مَا اختلط بِعَظم} وَهُوَ الإلية أو المخُّ، {ذَلِكَ جزيناهم ببغيهم وَإِنَّا لصادقُونَ (146)}.
{__________
(1) - ... في المنجد: السحفَة جمع سِحَاف: وهي الشحمَة التي عَلَى الظهر. يقال: ناقة سحوف: ناقة ذهب شحمها، والعكس ناقة كثيرة السحائف. (1/390)
صفحة 391
فإن كذَّبوك} فيما أوحينا إليك من هَذَا، {فقل: رَبُّكُم ذو رحمة واسعة} فلا تغترُّوا [161] بإهماله، وذو رحمة واسعة لمن أطاعه، وذو بأس شديد لمن كذَّب وكَذَبَ، لأَنَّهُ قَالَ: {وَلاَ يُردُّ بأسه عَن القوم المجرمِينَ (147)}.
{سيقول الذِينَ أشركوا} إخبار بِمَا سيقولونه: {لو شاء الله مَا أشركنا وَلاَ آباؤنا، وَلاَ حرَّمنا من شيء} ولكن شاء، فهذا عذرنا، يعنون أنَّ شِركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم مَا أحلَّ الله بمشيئة الله، ولولا مشيئته لم يكن شيءٌ من ذَلِكَ؛ فعيَّرهم الله بذلك من حيث إنَّه لم يجبرهم بذلك، ولو ثبت الجبر لَبطُل العقاب والثواب ولم يكن ثَمَّ اختيار، ولو كَانَ كذلك لكَانَ العقاب والثواب عَلَى فعله لاَ عَلَى فِعالهم، كلاَّ، بَل ليس عذر لعاصي (1)، وقد قَالَ: {كذلك (2) كذَّب الذِينَ من قبلهم} أَي: كتكذيبهم إِيَّاكَ كَانَ تكذيبُ المتقدِّمين رسلَهم، وتشبَّثوا بمثل هَذَا فلم ينفعهم ذَلِكَ، {حتىَّ ذاقوا بأسنا} حتَّى ذاقوا (لَعَلَّهُ) تحسَّوا الموت، {قل: هل عندَكم من عِلمٍ} من أمر معلوم، حتَّى يصحَّ الاحتجاج بِهِ فيما قلتم: إنَّ الله جَبركم عَلَى فِعالكم، {فتخرجوه لَنَا} فتظهروه وتبيِّنوه لَنَا؛ {إن تتَّبعون إِلاَّ الظنَّ، وإن أَنتُم إِلاَّ تخرصُونَ (148)} تكذبون عَلَى الله وفيه دليل عَلَى المنع باتِّباع الظنِّ سيما فيِ الأصول.
{قل: فَلِلَّهِ الحجَّةُ البالغة} عَلَيْكُم بأوامره ونواهيه، وَلاَ حجَّة لكم عَلَى الله بمشيئته، {فلو شاء لهداكم أجمعِينَ (149)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «بل ليس عذرًا للعاصي».
(2) - ... في الأصل: - «كذلك»، وهو سهو. (1/391)
صفحة 392
قل: هَلُمَّ شهداءكم} هاتوهم، {الذِينَ يَشهَدون أنَّ الله حرَّم هَذَا}، هَذَا راجع إِلىَ مَا تقدَّم من تحريمهم الأشياءَ عَلَى أنفسهم، ودَعوَاهم أنَّ الله أمرهم بِهِ، والشهداء: يعني قدوتهم فِيهِ، استحقرهم ليُلزمهم الحجَّة، ويُظهِر بانقطاعهم ضلالتَهم، وَأَنَّهُ لاَ مستمسَك لَهُم كمن يقلِّدهم، ولذلك قيل: الشهداء بالإضافة، ووصفهم بِمَا تقتضي العهدة بهم، {فإن شهِدوا فلا تَشهد معهم} فلا تسلِّم لَهُم مَا شهدوا بِهِ، وَلاَ تصدِّقهم؛ لأَنَّهُ إِذَا سلَّم لَهُم فكأنَّه شَهدَ معهم بمثل شهادتهم، وكَانَ وَاحِدا مِنْهُم، {وَلاَ تَتَّبِع أهواء الذِينَ كذَّبوا بِآيَاتِنا} لأَنَّ المكذِّب بِآيَاتِ الله متَّبع للهوى، إذ لو يتَّبع الدليل لم يكن إِلاَّ مصدِّقا بالآيات موحِّدا لله، {وَالذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بالآخِرَة} هم المشركون، {وَهُم بربِّهم يعدلُونَ(150)} يجعلون لَهُ عديلا.
{قل} للذين حرَّموا الحرث والأنعام: {تعالوا أَتلُ مَا حَرَّم رَبُّكُم عليكم} (لَعَلَّهُ) حقًّا يقينا، لاَ ظنًّا وَلاَ كذبا كما تزعمون، {ألاَّ تُشركوا بِهِ شَيْئًا} وَهُوَ يقتضي ترك جميع المعاصي لله، وإيجاب الطاعة لَهُ، {وبالوالدين إحسانا} والدلالة عَلَى ترك الإساءة فيِ شأنهما غيرُ كافٍ، بخلاف غيرهما؛ فكيف إِذَا لم يحسن وأساء. {وَلاَ تقتلوا أولادكم من إملاقٍ} من أجل فقر، {نَحْنُ نرزقكُم وإيَّاهم} لأَنَّ رزق العبيد عَلَى مواليهم. {وَلاَ تقربوا الفواحش مَا ظهر منها} جميع المعاصي الظاهرة، {وَمَا بطن} يعمُّ جميع المعاصي الباطنة؛ {وَلاَ تقتلوا النفس التِي حَرَّم الله إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلكم وصَّاكم بِهِ لَعَلَّكُم تعقلُونَ(151)}.
{ (1/392)
صفحة 393
وَلاَ تقربوا مال اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أحسن} وهي حِفظُه وإصلاحُه، {حتىَّ يبلغ أشدَّه} حتَّى يبلغ قواه وعقله، ويستوي رجلا كاملا حافظا للمال غير أبله فِيهِ، {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} بالتسوية والعدل، ويدخل فيِ ذَلِكَ المعاملة بين الله والخلق، وبين الخلق فيِ بعضهم بعض، {لاَ نُكلِّف نفسا إِلاَّ وسعها} إِلاَّ طاقتها أو دينها، {وإذا قلتم، فاعدلوا} فاصدقوا وَهُوَ [162] يقتضي التَّكَلُّم بالقول الْحَقِّ ومجانبة الكذب، {ولو كَانَ ذا قربى، وبعهد الله} أَي: مَا عَهِد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع، {أوفوا، ذلكم} أَي: مَا مَرَّ، {وصَّاكم بِهِ لَعَلَّكُم تذكرُونَ (152)} أي: (لَعَلَّهُ) أمركم بِهِ لتتَّعظوا؛ قَالَ ابن عبَّاس: «هَذِهِ الآيات محكمات فيِ جميع الكتب، لم ينسخهنَّ شيء، وهنَّ محرَّمات عَلَى بني آدم كلِّهم، وهنَّ (لَعَلَّهُ) أمُّ الكتاب لأََعْلَى مِن سواهم (1)، مَن عمل بهنَّ دخل الجنَّة، ومن تركهنَّ دخل النار».
{وأنَّ هَذَا صراطي مستقيما} أَي: ماذكر من قوله: {قل: تَعالوا ... } هُوَ صراطه المُسْتَقِيم، {فاتَّبعوه وَلاَ تتَّبعوا السبل} الأديان المختلفة، أو الطرق التابعة للهوى؛ فإن مُقتضى الحجَّة وَاحِدٌ، ومُقتضى الهوى مُتعدِّد (2) لاختلاف الطبائع والعادات، {فتَفَرَّقَ بكم عَن سبيله} عَن صراطه المُسْتَقِيم، {ذلكم وصَّاكم بِهِ لَعَلَّكُم تتَّقُونَ (153)} التفرُّقَ عَن الحقِّ والضلال. ذَكَر أَوَّلاً «تعقلون» ثُمَّ «تذَّكَّرون» ثُمَّ «تتَّقون»، لأنَّهم إِذَا عقلوا تفكَّروا فتذكَّروا، أَي: اتَّعظوا، فاتَّقَوا المحارم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مِن سواهنَّ»، وَلَعَلَّهُ يقصد بقوله: «أعلى» أي هنَّ أمُّ الكتاب، وعليها يُحمل المتشابه، وَإِلاَّ فليس في القرآن آية أعلى من آية، والله أعلم.
(2) - ... في الأصل: «معتدد»، وهو خطأ. (1/393)
صفحة 394
ثُمَّ آتينا موسى الكتاب تماما} للكرامة والنعمة، {عَلَى الذِي أَحسَنَ} عَلَى مَن أَحسَنَ القيام بِهِ، {وتفصيلا لِكُلِّ شيء} وبيانا مفصَّلا لِكُلِّ مَا يحتاجون إِلَيْهِ من أمر دينهم ودنياهم، {وهُدًى} وهُدًى عَن الضلالة، {ورحمة} مِنَ العذاب، {لَعَلَّهُم بلقاءِ رَبِّهم يُؤمِنُونَ(154)} يصدِّقون.
{وهذا} أَي: القرآن، {كِتَابٌ أنزلناه مبارَكٌ} كثير الخير، {فاتَّبعوه واتَّقُوا} مخالفته، {لَعَلَّكُم} لكي، {تُرحَمُونَ(155)}.
{أن تقولوا} لئلاَّ تقولوا: {إِنَّمَا أُنزِل الكتابُ عَلَى طائفتين مِن قَبلِنا} أهل التَّوْرَاة وأهل الإِنجِيل، {وإن كُنَّا عَن دراستهم} عَن تلاوة كتُبهم، {لَغافلِينَ(156)} لاَ علم لَنَا بشيء من ذَلِكَ؛ والمراد إثبات الحجَّة عَلَيْهِم بإنزال القرآن عَلَى محمَّد - عليه السلام - ، لئلاَّ يقولوا يوم القيامة: إنَّ التَّوْرَاة والإِنجِيل أُنزل عَلَى الطائفتين مِن قَبلِنا، وكنَّا غافلين عمَّا فِيهَا.
{أو تقولوا} أو كراهة أن تقولوا: {لو أنَّا أُنزل علينا الكتابُ لكُنَّا أهدَى مِنْهُم} بحدَّة أذهاننا، وثَقابَة أفهامنا، وغزارة حفظنا، أَي: لو أُنزل علينا كما أُنزل عَلَى اليهود والنصارى لكنَّا خيرا مِنْهُم؛ {فقد جاءكم بيِّنة من ربِّكم} إن صَدَقتم فيما كُنتُم تعدُّون من أنفسكم، فقد جاءكم مَا فِيهِ البيان الساطع والبرهان القاطع، {وهدًى ورحمةٌ} لمن تأمَّله وعمل بِهِ، {فمن أظلمُ مِمَّن كذَّب بِآيَاتِ الله} بعدمَا عرف صدقها وصحَّتها، {وصَدَفَ عنها} أَي: أعرض عنها، {سنَجزي الذِينَ يَصدِفون عَن آياتنا سوءَ العذاب} وَهُوَ النهاية فيِ النكاية {بِمَا كَانُوا يَصدِفُونَ(157)} بإعراضهم.
{ (1/394)
صفحة 395
هل ينظرون} أَي: أقمنا حجج الوحدانية، وثبوتَ الرسالة، وأبطلنا مَا يعتقدون مِنَ الضلالة، فما ينظرون فيِ ترك الإيمان بعدها {إلاَّ أن تأتيهم المَلاَئِكَة} لقبض أرواحهم، {أو يأتي ربُّك} أَي: أمره، وَهُوَ العذاب، أو القيامة، {أو يأتيَ بعضُ آيات ربِّك} أَي: أشراط الساعة، {يومَ يأتي بعضُ آياتِ رَبِّكَ، لاَ ينفع نفسا إيمانُها لم تكن آمنت مِن قبلُ} قيل: هِيَ المشركة التِي لم تؤمن، {أو كسبت فيِ إيمانها خيرا} أَي: توبة؛ قيل: النفس المنافقة إن لم تتب قبل ذَلِكَ الحين، فلا تنفعها التوبة حين وقوع النزع. قَالَ أبو سعيد فيِ تأويل هَذِهِ الآية: «فإذا جاء أمر الله للعبد بالهلاك ونزل بِهِ أمر الهلاك ببعض آيات الله التِي يُعايِن بها أمر الموت، والانتقال [163] من أمر الدنيا إِلىَ الآخرة، ذهب حكم العمل في الدنيا وحصل أمر ما هو عليه في الآخرة». ومعي أَنَّهُ قيل: {لا ينفعُ نفسا إيمانُها لم تكن آمنت من قبلُ} أَنَّهُ المشرك الذي لم يكن آمن فلا ينفعه إيمانه حين ذلك. {أو كسبت في إيمانها خيرا} أَنَّهُ المقرُّ بالإيمان، (لَعَلَّهُ) المصرُّ عَلَى شيء من العصيان عَلَى صغير أو كبير لم يتب منه حتَّى عاين آيات الله أو بعض آياته. {قل انتظروا إنَّا منتظرون(158)} بكم.
{إنَّ الذين فرَّقوا دينهم} بدَّدوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. {وكانوا شِيَعا} فرقا، كُلُّ فرقة تشيِّع إمامها. {لستَ منهم في شيء} أَي: أنت منهم بريء، وهم برآء منك، يقول: إنِّي فعلت لك كذا، ولست منِّي ولست منك، أَي: كلُّ واحد منَّا بريء من صاحبه. {إنَّما أمرهم إِلىَ الله ثُمَّ ينبِّئهم بما كانوا يفعلون(159)} فيجازيهم عليه.
{ (1/395)
صفحة 396
من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تقديره: عشر حسنات أمثالها، وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة (1)، وبغير حساب (2)، ولذلك قيل: المراد بالعشر الكثرة دون التحديد. {ومن جاء بالسيِّئة فلا يُجزَى إِلاَّ مثلَها} من السوء. {وهم لا يظلمون (160)} بنقص الثواب وزيادة العقاب.
{قل إنَّني هداني ربِّي إِلىَ صراط مستقيم دينا قيِّمًا} لا عوج له، لأَنَّ العوج ينافي الحقَّ، لأَنَّهُ كاللعب واللهو، والله لا يأمر به؛ ولا يفعله أهل الحقِّ. {ملَّة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161)} الشرك الخفيَّ والجليَّ. ومن كان كذلك كان مخلصا خالصا لله دينه وحياته ومماته، ولذلك قال:
{قل: إنَّ صلاتي ونُسكي}، قيل: النسك: الذبيحة في الحجِّ والعمرة، وقيل: جملة الحجِّ، وقيل: جملة الدين. {ومحياي ومماتي} وما أنا عليه في حياتي، أقيمُ عليه وأَثبتُ إِلىَ أن أموت عليه من الإيمان والطاعة والخيرات المضافة إِلىَ الممات كالوصيَّة، والتدبير والبشارة [كذا]، {لله ربِّ العالمين (162)} خالص لوجهه، لا شريك له في شيء من ذَلِكَ، أَي: لا أعمل شيئا لغيره.
{وبذلك} الإخلاص {أُمرتُ وأنا أوَّل المسلمين (163)} لأَنَّ إسلام كُلِّ نبيٍّ متقدِّم عَلَى أمَّته.
{__________
(1) - ... إشارة إِلىَ قَوله تَعَالىَ: {مثل الذين ينفقون أموالهم فيِ سبيل الله كمَثَلِ حبَّة أنبتت سبع سنابلَ فيِ كُلِّ سنبلة مائة حبَّة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}. سورة البقرة: 261.
(2) - ... إشارة إِلىَ مثل قَوله تَعَالىَ: {ليجزيَهم الله أحسنَ ما عملوا ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب}. سورة النور: 38. (1/396)
صفحة 397
قل: أغير الله أبغي ربًّا} جواب عن دعائهم له إِلىَ عبادة أهوية أنفسهم، والهمزة للإنكار، أَي: منكر أطلب ربًّا (1) غيره. {وهو ربُّ كُلِّ شيء} وكلُّ من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبيَّة غيره. {ولا تكسب كلُّ نفس إِلاَّ عليها} جواب عن قولهم: {اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} (2). {ولا تَزِرُ وازِرَة وِزْرَ أخرى ثُمَّ إِلىَ ربِّكم مرجعكم فينبِّئكم بما كنتم فيه تختلفون (164)} بتبيين الرشد من الغيِّ، والمحقِّ من المبطل.
{وهو الذي جعلكم خلائف الأَرض} لأَنَّ بعض الخلق يخلف بعضا، وهكذا سنَّة الله في خلقه، وكلُّ من جاء مِن بعدِ مَن مَضَى يخلُفُه فيما يعمل، فَهُوَ خليفة له. {ورفع بعضَكم فوقَ بعض} في الشرف والرزق والعلم وغير ذَلِكَ. {درجات} لا لعبا ولا عبثا ولكن {ليبلوَّكم فيما آتاكم} فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال والعلم وقوَّة الأجسام والغرائز، فينظر كيف تشكرون تلك النعم. {إنَّ ربَّك سريع العقاب} في الدنيا والآخرة لمن كَفَر نعمته. {وَإِنَّهُ لغفور رحيم (165)} لمن قام بشكرها. ووصف العقاب بالسرعة لأَنَّ الخذلان يحيط بالكافر حينَ الكُفر لا قَبلُ ولا بَعدُ، فجدير أن يحذر؛ أو لأنَّ ما هو آت قريب، {وما أَمرُ الساعةِ إِلاَّ كلَمحِ البصرِ أو هو أقربُ} (3).
[تَمَّ بحمد الله وحسن عونه الجزء الأَوَّل من التفسير، ويليه الجزء الثاني بحول الله ويبدأ بتفسير سورة الأعراف]
فهرس الجزء الأَوَّل
تقديم ... .
مقدِّمة ... .
سورة الفاتحة ... 1
سورة البقرة ... 4
سورة آل عمران ... 138
سورة النساء ... 201
سورة المائدة ... 277
سورة الأنعام ... 328
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «منكِرٌ أن أطلب ربًّا غيرَه»، أو «منكرًا طلب ربٍّ غيرِه».
(2) - ... سورة العنكبوت: 12.
(3) - ... سورة النحل: 77. (1/397)
صفحة 398
سورة الأعراف
بسم الله الرحمن الرحيم
{المص (1) كتاب} أي: (لَعَلَّهُ) هَذَا كِتَاب {أُنزِل إليك فلا يَكُن في صدرِك حَرَجٌ منه} شكٌّ [164] منه، وَسمِّيَ الشكُّ حَرجا لأَنَّ الشاكَّ ضيِّق الصدر حرِجُه، كما أنَّ المتيقِّن منشرح الصدر منفسحه، أي: لا تشكَّ في أَنَّهُ منزل من الله، أو تقصِّر في القيام بِحَقِّه، أو معناه الإقبال إليه والإدبار عَمَّا سواه، لقوله: {اتَّبعوا ما أنزل إليكم من ربِّكم ولا تتَّبعوا من دونه أولياء} (1)؛ أو حرج من تبليغه، لأَنَّهُ (لَعَلَّهُ) كان يخاف قومه وتكذيبَهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من الأذى، فأمَّنه الله (لَعَلَّهُ) منه، ونهاه عن المبالاة بهم. {لِتُنذِرَ به} أي: أنزل إليك لإنذارك به أو بالنهي، لأنَّهم إذا لم يخَفْهم أَنذَرَهم، وكذا إِذا أيقن أَنَّهُ مِن عندِ الله شجَّعه اليقين عَلَى الإنذار، لأَنَّ صاحب اليقين جسور ومتوكِّل عَلَى ربِّه. {وذكرى للمؤمنين (2)} لا لغيرهم، لأَنَّهُ لهم شفاء، ولغيرهم مرض فوق مرضهم.
{اتَّبعوا ما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم} من القرآن والسنَّة وحجَّة العقل. {ولا تتَّبعوا مِن دونِه} من دون الله. {أولياءَ} أي: لا تتولَّوا مَن دونه من شياطين الإنس والجنِّ، فيحملوكم عَلَى عبادة الأوثان والأهواء والبدع، ومعناه: لا تطيعوا أحدا في معصية الخالق. {قليلا ما تذَّكَّرون (3)} حيث تتركون دينه وتتَّبعون غيره، ومعناه تتذكَّرون تذكُّرا قليلا، حيث تتركون دين الله وتتَّبعون غيره.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 3. (2/1)
صفحة 399
وكم من قرية أهلكناها} أردنا إهلاك أهلها، وأهلكناها بالخذلان. {فجاءها بأسنا} أي: عذاب الموت. {بَيَاتا أو هُم قائلون (4)} كأنَّهم عَلَى حال غفلة البيات أو القيلولة، لا يقودهم قائد، ولا يسوقهم سائق، ولا يردعهم رادع عن ذَلِكَ، والمعنى أَنَّهُ جاءهم الموت وهم في فيحال الأمن بعد من محيه (1) في ذَلِكَ الحين غير متوقِّعين لِذَلِكَ، وظاهر الآيَة يَعُمُّ الجماعة، وَهُوَ خاصٌّ في كُلِّ نفس جاءها أمر الله وهي عَلَى حال الغفلة.
{فما كان دعواهم} (لَعَلَّهُ) معناه: لم يقدروا عَلَى ردِّ الموت، وكان حاصل أمرهم، {إذ جاءهم بأسنا} لمَّا جاء أوَّل العذاب، (لَعَلَّهُ) عذاب الموت، {إلاَّ أن قالوا إنَّا كنَّا ظالمين (5)} (لَعَلَّهُ) ما كانوا يدَّعون من دينهم إِلاَّ اعترافهم ببطلانه، وقوله: {إنَّا كنَّا ظالمين} فيما كانوا عليه الاعتراف (2) بالظلم على أنفسهم حين لا ينفع الاعتراف.
{فلَنَسأَلَنَّ الذين أُرسِل إليهم} وهم الأمم عَمَّا أجابوا به رسلَهم، أوهو من التوبيخ لا سؤال استعلام، يعني يسألهم عَمَّا عملوا. {ولنسألنَّ المرسَلين (6)} عَمَّا أجيبوا به.
{فلنقصَّنَّ عليهم} على الرسل والمرسَل إليهم ما كان منهم {بِعِلمٍ} عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة. {وما كُنَّا غائبين (7)} عنهم وعمَّا وُجِد منهم، وهو وعد وبشارة للرُّسل ومتَّبعيهم، ووعيد وتهدُّد (3) على من خالفهم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «وهم في حال الأمن مِن بُعدِ مجيئه».
(2) - ... كذا في الأصل، وفيِ العبارة خلل فيِ التركيب، وَلَعَلَّ صواب العبارة: «فما كان منهم إِلاَّ الاعتراف بالظلم على أنفسهم حين لا ينفع الاعتراف».
(3) - ... التهدُّد والتهديد بمعنى واحد، انظر: 1/ 60 من هَذَا التفسير. وقد كتب الناسخ هكذا: «تهديد د». (2/2)
صفحة 400
والوزن} أي: وزن الأعمال بالتمييز بين الثقيل والخفيف، {يومئذ الحقُّ} والقضاء يومئذ العدل، وَهُوَ عبارة عن القضاء السويِّ والحكم العدل. {فمن ثَقُلَت موازينُه} أي: غُفِرت سيِّئاته وتُقُبِّلت حسناته. {فأولئك هم المفلحون (8)} الناجون.
{ومن خفَّت موازينه} بإحباط حسناته وإثبات سيِّئاته {فأولئك الذين خسروا أنفسهم} حيث قصَّروا عن تكميلها وتزكيَّتها؛ {بما كانوا بآياتنا يظلمون (9)} يجحدون، والظلم بها: وضعها غير موضعها إلى (1) جحودها وترك الانقياد منها لربِّها.
{ولقد مكَّنَّاكم في الأرض} أقدرناكم على التصرُّف فيها، {وجعلنا [165] لكم فيها معايش} ما يعاش به من المطاعم والمشارب. {قليلا ما تشكرون (10)} أي: قليل منكم الشاكر، أو تشكرون شكرا قليلا غير خالص ولا نافع.
{ولقد خلقناكم ثُمَّ صوَّرناكم} لعبادتنا، {ثُمَّ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قدِّموا أمرَه، وعظِّموا شأنه، واعرفوا قدره، وانقادوا له، وأذعِنوا له وأئتمُّوا به. {فسَجدوا إِلاَّ إبليسَ لم يكن من الساجدين (11)} انظر ما جرى منه وجرى عليه بعدما عَبَدَ غير الله!.
{قال ما مَنَعَكَ ألاَّ تسجُدَ} أي: شيء منعك من السجود {إذ أمرتُك، قال أنا خير منه} كأنَّه قال: إنِّي خير منه ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، وأمَّا الملائكة تواضعت لآدم عن الاستكبار انقيادا لأمر الله، ولم تقل كما قال إبليس اللعين {قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12)} تعليل لفضله عليه، وقد غلط في ذلك بِأن رأى الفضل كلَّه باعتبار العنصر، وغفل عَمَّا يكون باعتبار الفاعل، وكان في الاعتبار فضل آدم عَلَى إبليس قبل استكباره، من حيث أَنَّهُ أُمر أن يسجد له تفضيلا عليه بأحوال يعلمها الله فيه، فحسده لِذَلِكَ، فلمَّا أن قطع اللعين بالخيرة لنفسه، فكأنَّه فيِ المَعْنَى جهَّل الله، وجعل نفسه عالما، لقوله: «أنا خير منه».
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «آلَ إِلىَ جحودها». (2/3)
صفحة 401
قال فاهبط منها} من السماء فيما قيل، لأنَّها لم تخلق مستقرًّا للعصاة، بدليل قوله: {فما يكون لك أن تتكبَّر فيها} وتعصي، {فاخرج إنَّك من الصاغرين (13)} من أهل الصغار والهوان عَلَى الله وَعَلَى أوليائه.
{قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14)} أمهلني إِلىَ يوم البعث وَهُوَ وقت النفخة الأخيرة. {قال إنَّك من المنظَرين (15)} إِلىَ النفخة الأولى، وإنَّما أجيب إِلىَ ذَلِكَ لما فيه من الابتلاء عليه وَعَلَى غيره ما دام وقت التعبُّد باقيا، فَإِذَا انقضى وقت التعبُّد حلَّ وقت الجزاء.
{قال فبما أغويتني} أضللتني، تقديره: فبسبب إغوائك أقسم {لأقعدنَّ لهم صراطك (1) المستقيم (16)} لأتعرَّضنَّ لهم عَلَى طريق الإسلام، مترصِّدا للردِّ، متعرِّضا للصدِّ، كما يعترض العدوُّ عَلَى الطريق، ليقطعه عَلَى السابلة في خفية من المقطوع له.
{ثمَّ لآتينَّهم من بين أيديهم} أشكِّكهم في الآخرة، {ومن خلفهم (2) وعن أيمانهم} من قِبل الحسنات أَنَّهَا مقبولة مع التخليط، ويحسبون أَنَّهُم يحسنون صنعا (3). {وعن شمائلهم} من قِبَل السيِّئات أَنَّهَا مغفورة لهم وإن أصرُّوا، ويحتمل أن يقال: «مِن بينِ أيديهم»: من حيث يعلمون، عَلَى معنى التجاهل، و «مِن خلفِهم»: من حيث لا يعلمون، فيقع بهم من قِبل الجهل وَقِلَّة العلم. {ولا تَجِدُ أكثرَهم شاكرين (17)} مؤمنين. قاله ظنًّا فأجاب، لقوله: {ولقد صَدَّقَ عليهم إبليسُ ظنَّه} (4).
{__________
(1) - ... في الأصل: «صراط المستقيم». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... في الأصل: - {ومن خلفهم}، وَهُوَ سهو.
(3) - ... اقتباس من الآية الكريمة: {قل هل ننبِّئكم بالأخسرين أعمالا؟ الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أَنَّهُم يحسنون صنعا}. سورة الكهف: 103 - 104.
(4) - ... سورة سبأ: 20. (2/4)
صفحة 402
قال اخرج منها مذءوما} معيبا مخذولا، {مدحورا} مطرودا مبعدا من رحمة الله. {لَمن تبعك منهم} فيما آتاهم فيه من معصية أو معاصي، لقوله: {لآتينَّهم من بين أيديهم ... } إِلىَ تمامها. {لأملأنَّ جَهَنَّم} لأَنِّي ما خلقتها عبثا. {منكم} منك ومنهم، {أجمعين (18)}.
{ويا آدم اسكن أنت وزوجُك الجنَّةَ} اتَّخِذاها مسكنا، {فكُلاَ} منها {من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة} الشهوانيَّة، {فتكونا من الظالمين (19)} فتصير [ا] من الذين ظلموا أنفسهم فتجرّمهلمااعدلها (1) عَلَى الطاعة.
{فوسوس لهما الشيطان} وسوس إذا تكلَّم كلاما خفيًّا يكرِّره، وقيل: الوسوسة حديث النفس يلقيه الشيطان في قلب ابن آدم، {ليُبدِيَ لهما} أي: ليظهرَ لهما ما غُطِّي وسُتر عنهما، [166] {ما ووري (2) عنهما من سَوْآتهما} من عوراتهما، وفيه دَلِيل عَلَى أنَّ كشف العورة (3) من عظائم الأمور، وَأَنَّهُ كان مستقبحا في الطباع والعقول، وليس شيء أَشَدَّ من عورة الكفر، ثُمَّ بيَّن الوسوسة فقال: {وقال ما نهاكُما ربُّكما عن هذه الشجرة إِلاَّ أن تكونا مَلَكَينِ} عَلَى صورة مَلَك من جنس من الملائكة، وَهُوَ حجَّة لمن قال: إنَّ الملائكة أفضل من المؤمنين من بني آدم. {أو تكونا من الخالدين (20)} من الذين لا يموتون، ويبقون في الجنَّة ساكنين لا يفارقونها أمنا من الفناء.
{وقاسَمَهُما} أقسم لهما، {إنِّي لَكُما لَمِن الناصحين (21)} والناصح ضِدُّ الغَرور.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فنحرمهما مِمَّا أُعِدَّ لهما عَلَى الطاعة».
(2) - ... في الأصل: «ما أوري». وَهُوَ خطأ.
(3) - ... في الأصل توجد عبارة: «من الملائكة» فوق السطر، ولا ندري أين محلُّها من النصِّ. (2/5)
صفحة 403
فدلاَّهما بغُرور} (لَعَلَّهُ) مِن تدلية الدلو، وَهُوَ إرسالها (1) في البئر، أي: يزلُّهما إِلىَ الأكل من الشجرة، بما غرَّهما به من القَسَم بالله، وإنَّما يُخدع المؤمن بالله. وعن ابن عمر: «من خدعنا بالله انخدعنا له». {فلمَّا ذاقا الشجرةَ} وجدا طعمَها، آخذين في الأكل منها، {بَدَت لهما سَوْآتُهما} بانحلال الكسوة عنهما، فانظر لمَّا ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما لم تتأخَّر بدوُّها ولم تتقدَّم (2)، لأَنَّهُ لا يكون طائعا عاصيا في حال أبدا، ولأنَّ الله سريع العقاب؛ واحذر من مقارفة الطغيان عن أن ينسلخ منك لباس التقوى، لتبدو منك عورات الكفر لمن يعلم منك ذَلِكَ، فتكون في الظاهر عند العميان عن الدين كأنَّك مستتر، وعند الله وعند ملائكته وكتبه ورسله وجميع خلقه (لَعَلَّهُ) لمحقين (3) مكشوف العورة منسلخ اللباس وَهُوَ لباس التقوى. {وطفِقَا} وجعلا، {يَخصِفان} يغلِّفان {عليهما من ورق الجَنَّة وناداهما ربُّهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} هَذَا عتاب من الله وتنبيه عَلَى الخطإ. وروي أَنَّهُ قال لآدم: «ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنَّة مندوحة عن هذه الشجرة؟»، فقال: «بلى». {وأقل لكما إنَّ الشيطان لكما عدوٌّ مبين (22)}: ظاهر العداوة.
{__________
(1) - ... الدلو تذكَّر وتؤنَّث، «والتأنيث أعلى وأكثر، والجمع أَدْلٍ في أقلِّ العدد ... والكثير دِلاَء ودُلْيٌ». ابن منظور: لسان العرب، 2/ 1008، مادَّة «دلو».
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «لم يتأخر بدوُّها ولم يتقدَّم» بالتذكير.
(3) - ... «(لَعَلَّهُ)» كتبت فوق كلمة «لمحقين»، وَهَذِهِ الكلمة فعلاً غامضة في هَذَا السياق، وَلَعَلَّ الصواب: «المُحِقِّين». (2/6)
صفحة 404
قالاَ ربَّنا ظَلَمْنا أنفسَنا} حقَّها. {وإن لم تغفر لنا وترحَمْنا لنَكوننَّ من الخاسرين (23)} الدنيا والآخرة. {قال اهبطوا بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ} أي: متعادين، يعاديهما ويعاديانه إن استقاما. {ولكم في الأرض مستقرٌّ} موضع استقرار، {ومتاع} وانتفاع بعيش، {إلى حين (24)} إِلىَ انقضاء آجالكم. {قال فيها تَحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25)} للجزاء.
{يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} أي: خلقناه لكم بتدبيرات متفاوتة وأسباب نازلة، ونظيره: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} (1). {يواري سوآتكم} يستر عوراتكم التي قصد الشيطان إبداءها، {وريشا} لباس الزينة، استعير من ريش الطير لأَنَّهُ لباسه وزينته، وقيل: هو المال، {ولباس التقوى} لباس الورع الذي يستر عورة الكفر، ويقي جميع المكروهات في الدنيا والآخرة، وقيل: لباس التقوى هو السمت الحسن. {ذلك خير} المعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا استعمله مِمَّا خُلق له من اللباس والتجمُّل الطاهر. {ذلك من آيات الله} الدالَّة عَلَى فضله ورحمته عَلَى عباده، يعني إنزال اللباس. {لعلَّهم يذَّكَّرون (26)} فيعرفوا عظم المنعمه فبه (2). وهذه الآية واردة عَلَى سبيل الاستطراد عقب ذكر بدوِّ السوآت، وخصف الورق عليها، إظهارًا للمنَّة فيما خلق من اللباس، ولما في العري من الفضيحة، وإشعارًا بِأَنَّ التستُّر من التقوى خير لصاحبه، لأَنَّهُ إذا تستَّر بالتقوى تستَّر باللباس، وإن لم يتستَّر [167] به لم يستره لباسه، وبدت سوآته.
{__________
(1) - ... سورة الحديد: 25.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المنعم به»، أو «النعمةِ فيه»، أي: النعمة التي في اللباس. (2/7)
صفحة 405
يا بني آدم لا يَفتِننَّكم الشيطانُ كما أَخرَجَ أبويكم من الجنَّة} لا يخدعنَّكم ولا يضلَّنَّكم عن دخول الجنَّة كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها، وحرمهما ما أبيح لهما بسبب مخالفتهما، وفيه إيجاب الاعتبار بهما وبمن مضى. {ينزع عنهما لباسهما} أي: لا تتَّبعوه فيفتنكم، {ليريهما سوآتهما إنَّه يراكم هو وقبيله} أي: يرى أحوال قلوبكم عَلَى ما هي عليه من إيمان أوكفر، و «قبيله»: مثله، بمعنى المقابلة في المعنى والخفية والوسوسة والمعصية والعداوة والطبع للتزيُّن، والله المستعان. {من حيث لا ترونهم} حسًّا ولا صورة، وَلَكِنَّهُم يُرون بالمعنى الباطن إذا دَعَوا إِلىَ شيء من الباطل، ولا تظنَّنَّ أَنَّهُم يفارقون قلبك ما دامت روحك في جسدك، وَأَنَّهُم يوسوسون الليل والنهار لا يفترون ولا يسأمون ولا ييأسون، إلاَّ إذا كنت نائما، فاستعذ بالله منهم. {إنَّا جعلنا الشياطينَ أولياءَ للذين لا يؤمنون (27)} بما أوجدنا بينهم من التناسب، أو بإرسالهم عليهم، وتمكينهم من خذلانهم، وحملهم عَلَى ما سوَّلوا لهم.
{وإذا فَعلوا فاحشةً} ما يتبالغ في قبحه من الذنوب، {قالوا وجدنا عليها آباءنا واللهُ أَمَرَنا بها} أي: إذا فعلوها كان اعتذارهم بِأَنَّ آباءهم كانوا يفعلونها، فاقتدَوْا بهم، وأنَّ الله أمرهم بأن يفعلوها حيث قالوا: {لو (1) شاء الله ما أشركنا ولا آباؤُنا ولا حرَّمنا من شَيء} (2)، وكلُّ ذَلِكَ من أمر الشيطان من حيث لا يعلمون. {قل إنَّ الله لا يأمر بالفحشاء} لأَنَّ الله تَعَالىَ لا يامر إِلاَّ بالحسن، وإن كان هو عَلَى مراتب عَلَى ما عُرف في أصول الفقه؛ وَالمُرَاد بالفاحشة ما يأباه العقل والشرع، وينفر عنه الطبع، ويستنقصه العقل. والقسط: العدل، وَهُوَ الوسط من كُلِّ أمر، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. {أتقولون على الله ما لا تعلمون (28)}؟! استفهام إنكار وتوبيخ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ولو». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... سورة الأنعام: 148. (2/8)
صفحة 406
قل: أَمَرَ ربِّي بالقسطِ} وَهُوَ ضِدُّ الفحشاء، {وأقيموا وجوهَكم عند كُلِّ مسجد} وقل: أقيموا وجوهكم، أي: قوِّموا أنفسكم في عبادته، مستقيمين إليها غير مائلين عنها إِلىَ شَيء من الأديان، في كُلِّ وقت سجود، أو في كُلِّ مكان سجود، {وادعوه} واعبدوه، {مخلِصين له الدينَ} أي: الطاعة مبتغين بها وجهه خالصا. {كما بَدَأَكم تعودون(29)} كما أنشأكم ابتداء للعبادة يعيدكم فيجازيكم عَلَى أعمالكم، فأخلصوا له العبادة.
{فريقا هَدَى} أي: هداهم الله، {وفريقا حقَّ} وجب، {عليهم الضلالة} عن طريق السلامة بإرادته السابقة. {إنَّهم اتَّخذوا الشياطين أولياءَ مِن دون الله} بسبب اتِّخاذهم الشياطينَ أولياء من دونه، {ويحسبون أَنَّهُم مهتدون(30)} بما خيَّل لهم الشيطان، ولم يتَّبعوا في دينهم الكِتَاب والسنَّة والإجماع، بل بنوا دينهم عَلَى أصل الهوى.
{ (2/9)
صفحة 407
يا بني آدم خذوا زينَتَكم} لباسَ زينتِكم، {عند كُلِّ مسجد} كما (1) صلَّيتم، {وكُلُوا واشربوا} عَلَى معنى الإباحة؛ {ولا تسرفوا} بالشروع في الحرام، أو في مجاوزة الشبع. {إنَّه لا يحِبُّ المسرفين (31)}. عن ابن عبَّاس: «كُلْ والبَسْ ما شئتَ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة». وكان للرشيد طبيب حاذق ... (2) فقال لعليٍّ: «ليس في كتابكم من علم الطبِّ شَيء، والعِلم علمان: عِلم الأبدان وعلم الأديان» فقال له عليٌّ: «قد جمع الله الطبَّ كلَّه في نصف آيَة من [168] كتابه، وَهُوَ قوله: {وكلوا (3) واشربوا ولا تسرفوا}»، فقال النصرانيُّ: «ولم يَرِد من رسولكم شَيء من الطبِّ»، فقال: «قد جمع رسولنا الطبَّ في ألفاظ يسيرة، وَهُوَ قوله: “المعدة بيت الداء، والحِمية راس كُلِّ دواء، وأعط كلَّ بدن ما عوَّدته” (4)». فقال النصرانيُّ: «ما ترك كتابكم ولا نبيُّكم لجالينوس طبًّا».
{قل من حَرَّم زينةَ الله} من النبات وكلِّ ما يتجمَّل به، {التي أخرج لعباده والطيِّبات من الرزق} التي أجلَّها الله، {قل هي للذين آمنوا في الحياةِ الدنيا} غير خالصة لهم، لأَنَّ المشركين شركاؤهم فيها، وهم لا يؤجرون بها في الآخرة، لأنَّهم لم يريدوا بها وجهه، {خالصةٌ يومَ القيامة} للمؤمنين في الدنيا بالتمتُّع بها، وفي الآخرة بالثواب عليها، لأنَّهم أرادوا بها وجه الله. {كذلك نفصِّل الآيات} بتمييز المنتفع والمتمتِّع، {لقوم يعلمون (32)} بتعلُّمهم ذَلِكَ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كُلَّما».
(2) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا فالسياق يوهم أنَّ الحوار دار بين طبيب الرشيد وعليٍّ، وشتَّان بين عصري الشخصيتين، وَلَعَلَّهُ يقصد بعليٍّ غيرَ عليِّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه.
(3) - ... في الأصل: «فكلوا». وَهُوَ خطأ.
(4) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير وزياداته. (2/10)
صفحة 408
قل إنَّما حرَّم ربِّي الفواحش} ما تفاحش قبحه، أي: تزايد (1)، وَهُوَ جميع ما أمر به الشيطان. {ما ظهر منها} ما عملته الجوارح، {وما بطن} ما أسرَّته القلوب، {والإثمَ} كلَّ ذنب، {والبغيَ} والظلم والكبر، {بغير الحقِّ، وأن تشركوا بالله} من أي: الشرك كان، {ما لم ينزِّل به سلطانا} حجَّة، {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (33)} وأن تتقوَّلوا عليه وتفتروا الكذب.
{وَلِكُلِّ أُمَّة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يَستقدِمون (34)} قيل: بساعة لأنَّها أقلُّ ما يستعمل في الإمهال.
{يا بني آدم إمَّا يأتينَّكم رسل منكم يقصُّون عليكم آياتي} يقرأون عليكم كتبي، {فمن اتَّقَى} الشرك {وأصلح} العمل {فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (35)}.
{والذين كذَّبوا بآياتنا واستكبروا عنها} تعظَّموا عن الإيمان بها، {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (36) فمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أو كذَّب بآياته أولئك يَنَالُهم نصيبُهم من الكتاب} ما كتب لهم من الأرزاق والآجال والنعمة وضدِّها. {حَتَّى إذا جاءتهم رسلنا} «حَتَّى»: غاية لنيلهم نصيبهم، واشتهائهم إيَّاه، أي: إِلىَ وقت وفاتهم، {يتوفَّونهم} مَلَك الموت وأعوانه. {قالوا} أي: قالت الملائكة لهم، {أين ما كنتم تَدْعون} أي: أين الآلهة التي تعبدونها، {من دون الله} ليذبُّوا عنكم؟ {قالوا ضلُّوا عنَّا} غابوا عَنَّا فلا ينفعونا. {وشَهِدوا على أنفسِهم} اعترفوا عند معاينة العذاب، {أَنَّهُم كانوا كافرين (37)} اعترفوا بكفرهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «تزاند»، وَهُوَ خطأ. (2/11)
صفحة 409
قال}: أي: قال الله لِلكُفَّارِ يوم القيامة، {ادخلوا في أمم} أي: كائنين في جملة أمم وَفيِ غمارهم مصاحبين لهم، والمعنى: ادخلوا في النار مع أمم، {قد خلت من قبلكم} وتقدَّم زمانُهم زمانَكم {قد خلت من قبلكم من الجنِّ والإنس في النار كُلَّمَا دخلت أُمَّة لَعَنت أُختَها} شكلها في الدين، أي: التي ضَلَّت بالاقتداء بها لأَنَّهَا (1) لا تتابعها إِلاَّ إذا كانت مثلها، كما قال: {تشابهت قلوبهم} (2). {حَتَّى إذا ادَّاركوا فيها} أصله: “تداركوا” أي: تلاحقوا، لحق آخرهم أوَّلهم، واجتمعوا في النار، {جميعا قالتْ أخراهم} منزلةً، وهم الأتباع والسفلة، {لأُولاَهم} منزلة، وهم القادة والرؤوس، {ربَّنا هؤلاء أَضلُّونا فَآتِهم عذابا ضِعفا} مضاعفا، نسبوا (3) لنا الضلال فاقتدينا بهم فآتهم عذابا ضعفا، لأَنَّهُم ضلُّوا وأضلُّوا، وفيه إشعار بشدَّة عذاب المتَّبعين (4) حَتَّى ظنُّوا أَنَّهُ ليس أحد بِأَشَدَّ عذابا منهم، فلذلك دعوا الله أن يزيد الذين أضلُّوهم ضعف عذابهم بإضلالهم لهم سخطا عليهم. {من النار، قال لِكُلٍّ ضِعفٌ} للقادة بالغواية والإغواء، وللأتباع [169] بالكفر {ولكن لا تعلمون (38)} أي: لا تعلمون [أيُّها] الأتباع ما للمتبوعين من تضعيف العذاب عن أن تكون لهم راحة، لأَنَّهُم إذا رأوا أحدا أَشَدَّ عذابا منهم كأنَّهم استروحوا، وكان ذَلِكَ نعمة في حقِّهم، والنعمة محرَّمة عليهم، والله أعلم بتأويل كتابه.
{وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضلٍ} أي: قد ثبت أن لا فضل لكم علينا، وَإِنَّا متساوون في استحقاق الضِّعف، {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (39)} بكسبكم وكفركم.
{__________
(1) - ... عند هَذِهِ الكلمة أحال الناسخ إِلىَ الهامش وكتب: «لعلَّه». ولم يَتَبَيَّن ما محلُّها من النصِّ.
(2) - ... سورة البقرة: 118.
(3) - ... في الأصل: «نسبنوا»، وَهُوَ خطأ.
(4) - ... الكلمة غير واضحة فيِ الأصل، رسمها: «المطبغين». وأثبتناها حسبما يقتضيه السياق. (2/12)
صفحة 410
إن الذين كذَّبوا بآياتنا واستكبروا عنها} عن الإيمان بها، {لا تُفَتَّح لهم أبوابُ السماء} لقبول دعائهم وأعمالهم كما تفتح لأعمال المؤمنين، أو لا يفتح لهم فتوح رحمة لأَنَّهُم عن الرحمة مبعدون، وَفيِ العذاب (لَعَلَّهُ) هم خالدون. {ولا يَدخُلون الجنَّة حَتَّى يلج الجملُ في سمِّ الخياط} حَتَّى يدخل البعير في ثقب الإبرة، {وكذَلِكَ} (1): ومثل ذَلِكَ الجزاء الفظيع (2) الذي وصفنا، {نجزي المجرمين (40)} أي: الكافرين المباشرين للجرائم.
{لهم من جَهَنَّم مِهادٌ} فراش، {ومن فوقهم غواشٍ} أغطية، يعني ما غشاهم وغطَّاهم، يعني إحاطة النار بهم من كُلِّ جانب، جمع غاشية. {وكذلك نجزي الظالمين (41)} أنفسَهم بالكفر.
{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلِّف نفسا إِلاَّ وسعها} طاقتها، والتكليف إلزام ما فيه كلفة، أي: مشقَّة. {أولئك أصحاب الجنَّة هم فيها خالدون (42)}.
{ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍّ} حقد كان في الدنيا، وَهُوَ الطبيعيُّ، فلم يبق بينهم إِلاَّ التوادد والتعاطف. {تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا} لما هو وسيلة إِلىَ هَذَا الفوز العظيم، وَهُوَ الإيمان. {لهذا وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله} أي: وما كان يَصِحُّ أن نكون مهتدين لولا هداية الله. {لقد جاءت رُسُلُ ربِّنا بِالحَقِّ} وكان لنا لطفا وتنبيها عَلَى الاهتداء؛ يقولون ذَلِكَ سرورا بما نالوا، وإظهارا لما اعتقدوا. {ونودوا أن تلكم الجنَّة} إِذَا رأوها من مكان بعيد، أو بعد دخولها، {أورثتموها} أعطيتموها بسبب أعمالكم. {بما كنتم تعملون (43)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ولذلك». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... في الأصل: «الفضيع»، بالضاد، وَهُوَ خطأ. (2/13)
صفحة 411
ونادى أصحاب الجَنَّة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وَعدَنا ربُّنا حَقًّا فهل وجدتم ما وعد ربُّكم حَقًّا} تقديره: وعدكم ربُّكم، وَإِنَّمَا قالوا لهم ذَلِكَ شماتة بأصحاب النار، واعترافا بنعم الله. {قالوا نعم فأذَّن مؤذِّن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) الذين يصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} يطلبون لها الاعوجاج والتناقض. {وهم بالآخرة كافرون (45)}.
{وبينهما حجاب} قيل: هو السور المذكور في قَوله: {فضُرِب بينهم بسور} (1). {وعلى الأعراف} وَعَلَى ذَلِكَ السور، {رجال} قيل: هم أصحاب اليمين من أهل الجَنَّة، وبعضٌ من المسلمين وقف عن القطع فيهم لإبهام أمرهم، وَقِيلَ: مَن آخرهم دخولا في الجَنَّة وهم الضعفاء من المؤمنين. {يَعرفون كلاًّ بسيماهم} بعلامتهم. {ونادَوا أصحابَ الجَنَّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46)} في دخلوها.
{وإذا صُرِفَت أبصارهم} وفيه دَلِيل أَنَّ صارفا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا. {تلقاء} أي: ناحية، {أصحاب النار} ورأوا ما هم فيه من العذاب، {قالوا ربَّنا لا تجعلْنا مع القوم الظالمين (47)} فاستعاذوا بالله وفزعوا إِلىَ رحمته أن لا يجعلهم معهم، وكذلك ينبغي للمؤمن إذا رأى أحدا في الدنيا يعمل بغير رضى الله أن يستعيذ بالله من (2) عمله، ويسأله النجاة من عمله، [170] كما قالت امرأة فرعون: {ربِّ ابنِ لي عندك بيتا فيِ الجَنَّة، ونجِّني من فرعون وعمَلِه ونجِّني من القوم الظالمين} (3).
{ونادى أصحابُ الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم} من رؤساء الكفرة، {قالوا ما أغنى عنكم جمْعُكم وما كنتم تستكبرون (48)} وَهُوَ كَذَلِكَ لا يغني عن أهل النَّار مال ولا جمع.
{__________
(1) - ... سورة الحديد: 13.
(2) - ... في الأصل: + «من».
(3) - ... سورة التحريم: 11. فيِ الأصل: «ربِّ نجِّني من فرعون ... » وَهُوَ خطأ. (2/14)
صفحة 412
أهؤلاء الذين أقسمتم} حلفتم في الدنيا، والمشار إليهم فقراء المؤمنين الذين سخروا منهم في الدنيا واستهزأوا بهم. {لا ينالهم الله برحمة} في الدارين لتنكير الرحمة، لأَنَّ العاصي بمعزل من الرحمة في الدارين، وَذَلِكَ لأَنَّهُم يحتقرونهم لفقرهم وخمولهم وعزلتهم (1)، قال الله: {وإذا رأوهم قالوا إنَّ هؤلاء لَضالُّون} (2)، أي: كان أهل الضلال فيِ الدنيا يستهزئون بهم (3) بالمسلمين، ويحلفون: لا ينالهم الله برحمة، و ... (4) الضلال في دينهم وفعالهم. {ادخلوا الجَنَّة} وَذَلِكَ بعد أَن نظروا إِلىَ الفريقين وعرفوهم بسيماهم وقالوا ما قالوا. {لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزَنون (49)}.
{ونادى أصحاب النار أصحاب الجَنَّة أن أفيضوا علينا من الماء أو مِمَّا رزقكم الله قالوا إنَّ الله حرَّمهما على الكافرين (50) الذين اتَّخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرَّتهم الحياة الدنيا} الذين اغترُّوا بما خوِّلوا. {فاليوم ننساهم} نتركهم في العذاب ترك المنسيِّ كما تركناهم في الدنيا، {كما نسوا لقاء يومهم هذا} (لَعَلَّهُ) ولم يذكروه. {وما كانوا بآياتنا يجحدون (51)} أي: كَنِسْيَانِهم وجحودهم، والجاحد ضِدُّ المقرِّ.
{__________
(1) - ... لا ينبغي أن نفهم من هَذَا أَنَّ الخمول والعزلة السلبيَّة من صفات المؤمن، بل عليه أن يسعى ويكدَّ لتمكين دين الله فيِ الأَرض بِكُلِّ الوسائل المشروعة، وَهَذَا من باب قَوله تَعَالىَ: {وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوَّة ومن رباط الخيل} (سورة الأنفال: 60).
(2) - ... سورة المطفِّفين: 32.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب حذف «بهم».
(4) - ... كلمة غير واضحة، رسمها: «ويبجلونهم»، ولا معنى لها فيِ هَذَا السياق. (2/15)
صفحة 413
ولقد جئناهم بكتاب فصَّلناه} ميَّزنا حلاله من حرامه ومواعظه ومن (1) قصصه، {على علم} عالمين بكيفية تفصيل أحكامه. {هدى ورحمة} أي: جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة، {لقوم يؤمنون (52)} لأَنَّهُم هم المنتفعون به دون من سواهم.
{هل ينظرون} ينتظرون، {إِلاَّ تأويله} إِلاَّ عاقبة أمره، وما يؤول إليه من تبيين صحَّة صدقه، وظهور صحَّة ما نطق به من الوعد والوعيد، ومعناه: هل ينظرون إِلاَّ ما يؤول إليه أمرهم من العذاب، وَقِيلَ: هل ينظرون إِلاَّ بيانه ومعانيه وتفسيره، {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل} تركوه وأعرضوا عنه، {قد جاءت رسل ربِّنا بِالحَقِّ} إقرارا منهم بِصِحَّةِ ما جاءت به رسل ربِّهم، وَأَنَّهُ (2) عَلَى الحقِّ، فأقرُّوا حين لا ينفعهم الإقرار، {فهل لنا من شفعاء فيَشفَعوا لنا أو نُرَدُّ فنعمَلَ غيرَ الذي كُنَّا نعملُ قد خسِروا أنفسَهم} أهلكوها بالعذاب، {وضلَّ عنهم} بطل {ما كانوا يفترون (53)} ما كانوا يعبدونه من الأصنام.
{إنَّ ربَّكم الله الذي خلق السماوات والأرض في سِتَّة أَيَّام ثُمَّ استوى} (لَعَلَّهُ) استولى، {على العرش}، قيل عن بعض العلماء أَنَّهُ قال في هَذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة: «أقرُّوها كما جاءت بلا كيف». {يغشي} يغطِّي، {الليلَ النهارَ يطلبه حثيثا} سريعا، {والشمسَ والقمرَ والنجومَ} أي: وخلقَ الشمسَ والقمرَ والنجومَ {مسخَّراتٍ} أي: خلق هَذِهِ الأشياء مذلَّلات، منافعَ للمتعبِّدين {بأمره؛ ألاَ له الخلقَ والأمرُ} لأَنَّهُ خلق الخلقَ، ولَه الأمرُ، يأمرُ في خلقه ما يشاء. {تبارك الله} كَثُر خيرُه، أو دام برُّه، من البركة: وهي النماء، أو من البروك: الثبات، ومنه البِركَة: الحوض، أو تَعَالىَ الله: أي: نعظِّم {ربُّ العالمين (54)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب حذف «مِن» أو حذف واو العطف.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وَأَنَّهُمْ». (2/16)
صفحة 414
ادعوا ربَّكم تضرُّعا وخُفيَة} التضرُّع: “تَفَعُّلٌ” من الضراعة، وهي الذلُّ، أي: تذلُّلا وتملُّقا. قال أبو عثمان: «التضرُّع في الدعاء: أن تقدِّم إليه افتقارك وعَجْزَك وضروراتك، وَقِلَّة حيلتك». قال الواسطيُّ: «التضرُّع: بذلِّ العُبُودِيَّة، وخلعُ الاستطالة». {إنَّه لا يحِبُّ المعتدين (55)} المجاوزين ما أمروا به في كُلِّ شَيء من الدعاء وغيره.
{ولا تُفسِدوا في الأرضِ بعدَ إصلاحِها} أي: خلقت صالحة للصالحين غير ناقصةٍ [171] فتحتاجُ إِلىَ الزيادة، ولا فاسدة فتَحتاجُ إِلىَ الإصلاح، بل آلة للمطيعين، فلا تُفسدوا فيها بمعصيةٍ بعد الطاعة، أو بشرك بعد توحيد، أو بكفر بعد إيمان. {وادعوهُ خوفا وطَمَعا} أي: خائفين من الردِّ، طامعين في الإجابة. {إنَّ رحمةَ اللهِ قريبٌ مِن المحسنين (56)} لمن تقرَّب منها بالإحسانِ، لأَنَّهَا لا تُنال إِلاَّ به.
{وهو الذي يُرسِلُ الرياحَ بُشْرًا بَين يَدَي رحمتِه} أمام نعمته، وَهُوَ الغيث الذي هو من أَجَلِّ النعَمِ، {حتَّى إذا أقلَّت} حَمَلت ورَفعت {سحابا ثِقَالا سُقنَاه لِبلَدٍ مَيِّت} لأجل بلد قلَّ ماؤه أو ذهب؛ {فأنزلنا به الماء، فأخرجنا به من كُلِّ الثمرات؛ كذلك} أي: مثل ذَلِكَ الإخراج، وَهُوَ إخراج الثمراتِ بعدَ موتِها {لَعَلَّكم تذَّكَّرون}، فيؤدِّيكم التذكُّر إِلىَ أَنَّهُ لا فرق بين الإخراجين، إذ لِكُلِّ واحد منهما إعادةٌ (لعله) للشَّيء بعد إنشائه؛ {نُخرج الموتى لَعَلَّكم تذَّكَّرون (57)} فيؤدِّيكم التذكُّر إِلىَ الإيمان بالبعث؛ إذ لا فرق بين الإخراجين، لأَنَّ كلَّ واحد منهما إعادة الشيء بعد إنشائه (1).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وفيه تكرار لنفس الكلام ونفس المعنى كما هو واضح. (2/17)
صفحة 415
والبلدُ الطَّيِّبُ} الأَرضُ الطَّيِّبَة التُّربَ (1)، {يَخرجُ نباته بإذن ربِّه} بتيسيره، {والذي خَبُثَ} أي: والبلد الخبيث، {لا يخرج} أي: نباته، {إِلاَّ نكدا} [النكد:] الذي لا خير فيه؛ وَهَذَا مَثلٌ لقلب المؤمن لمن ينجع فيه الوعظ، ولمن لا يؤثِّر فيه شَيء من ذَلِكَ، وَهُوَ الكافر. {كذلك} مثل ذَلِكَ التصريف، {نصرِّف الآيات} نردِّدها ونكرِّرها، وَقِيلَ: نُبيِّنها، {لقوم يشكرون (58)} نعمة الله، وهم المؤمنون، ليفكِّروا فيها، ويعتبروا بها.
{لقد أرسلنا نوحا إلى قومه، فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} أي: ما لكم من إله غيره فتعبدوه. {إِنِّي أخاف عليكم عذابَ يومٍ عظيم (59)}.
{قال الملأ} أي: الأشراف والسادة، لأَنَّهُم يملأون العيون رواء والقلوب مهابة. {من قومه: إِنَّا لَنَراك في ضلالٍ مبين (60)} في ذهاب عن طريق الصواب الذين (2) سلكوه واعتقدوه، ومعناه خطأ وزوال عن الحقِّ، «مبين»: بيِّن.
{قال يا قوم ليس بي ضَلالة} في ديني، ولم يقل: ضلال، كما قالوا لأَنَّ الضلالة أخصُّ من الضلال، فكانت أبلغَ في نفي الضلال عن نفسه، كأنَّه قال: ليس بي شَيء من الضلال، ثُمَّ استدرك لتأكيد نفي الضلال فقال: {ولكنِّي رسولٌ من ربِّ العالمين (61)} لأَنَّ كونه رسولا من الله مبلِّغا لرسالاته في معنى كونه عَلَى الصراط المستقيم، وكان في الغاية القصوى من الهدى.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل بفتح الباء، ولعلَّ الأصوب: «الترابِ»، أو «التربةِ».
(2) - ... في الأصل شطَّب على «الذي»، وكتب «الذين»، والصواب ما شطِّب عليه. (2/18)
صفحة 416
أبلِّغكم رسالاتِ ربِّي} ما أوحي إِليَّ في الأوقات المتطاولة (1)، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والبشائر والنواذر. {وأنصَحُ لكم} وأقصد صلاحكم بإخلاص، وحقيقة النصح إرادة الخير لغيرك مِمَّا تريده لنفسك، أو النهايةُ في صدق العنايةِ. {وأعلَمُ من الله ما لا تعلمون (62)} أي: مِن صفاته، يعني: قدرته الباهرة، وَشِدَّة بطشه عَلَى أعدائه.
{أوعجبتم} الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عَلَيهِ محذوف، كَأَنَّهُ قيل: أكذبتم وعجبتم، {أن جاءكم ذِكْرٌ} موعظة {من ربِّكم على رجلٍ منكم} عَلَى لسان رجل منكم، وَذَلِكَ أَنَّهُم كانوا يتعجَّبون من نبوَّة نوح، ويقولون: {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأَوَّلِينَ} (2) يعنون إرسال البشر، {ولو شاء ربُّنا لأنزل ملائكة} (3). {ليُنذِرَكم} ليحذِّركم عاقبة الكفر إن لم تؤمنوا. {ولتتَّقوا} ولتسلكوا سبيل التقوى، وهي [172] الخشية بسبب الإنذار، {وَلَعَلَّكم ترحمون (63)} ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم.
{فكذَّبوه} فنسبوه إِلىَ الكذب، {فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذَّبوا بآياتنا، إِنَّهُم كانوا قوما عمين (64)} عن الحقِّ، يقال: “أعمى” في البصر، و“عَمٍ” في البصيرة، عميت قلوبهم عن معرفة الحقائق.
{وإلى عاد أخاهم} واحدا منهم، لأَنَّهُم إذا كان عن رجل منهم أفهم، فكانت الحُجَّة عليهم ألزم؛ {هودا، قال: يا قومِ اعبُدوا الله، ما لكم من إلهٍ غيرُه أفلا تتَّقون (65)} أفلا تخافون فتتَّقون نقمته.
{__________
(1) - ... فيِ الحاشية + «المتطاولة».
(2) - ... سورة المؤمنون: 24.
(3) - ... سورة المؤمنون: 24. وكان الأَولى للمصنِّف أن يبدأ فيِ إيراد هَذِهِ الآيَة بما بدأ الله به، فالمقطع الثاني سابق عَلَى الأَوَّل. (2/19)
صفحة 417
قال الملأ الذين كفروا من قومه: إِنَّا لنراك في سفاهة} في خفَّة حلم وسخافة عقل وحمق وجهالة، حيث تهجر دين قومك إِلىَ دين آخر لا نعرفه. {وَإِنَّا لنظنُّك من الكاذبين (66)} في ادِّعائك الرسالة.
{قال يا قوم ليس بي سفاهة} في ديني {ولكنِّي رسولٌ من ربِّ العالمين (67)} والسفاهة في الدين تنافي الرسالة بالدين.
{أبلِّغكم رسالات ربِّي وأنا لكم ناصح أمين (68)} ناصح أدعوكم إِلىَ التوبة، أمين عَلَى الرسالة؛ ففي إجابة الأنبياء عَلَيهِم السَّلاَمُ مَن نَسَبَهم إِلىَ الضلال والسفاهة ــ بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بِأَنَّ خصومهم أضلُّ الناس وأسفههم ــ أدبٌ حسنٌ، وخلقٌ عظيم، وإخبار الله تَعَالىَ ذَلِكَ تعليمٌ لعباده كيف يخاطبون السفهاء، وكيف يغضُّون ويُسبِلون أذيالهم عَلَى ما يكون منهم فيه هضم النفس، وحسن المجادلة بالتي هي أحسن، وهكذا ينبغي لِكُلِّ ناصح، وَفيِ قوله: {وأنا لكم ناصح أمين} تنبيه عَلَى أَنَّهُم عرفوا بالأمرين.
{أَوَعَجِبتم أن جاءكم ذِكرٌ من ربِّكم على رجلٍ منكم ليُنذِرَكم واذكروا إذ جعلكم خلفاءَ مِن بعدِ قومِ نوح} أي: خلفتموهم في الأَرض أو في مساكنهم، تحذير وتذكير لهم عن أن يُستخلَف من بعدهم قوم آخرون إن عصوا، كما استُخلِفوا هم من بعد قوم عصاة ماضين. {وزادكم في الخَلق بسطةً} طولا، قيل: كان أقصرهم سِتِّينَ ذراعا، وأطولهم مائة ذراع. {فاذكروا آلاء الله} في استخلافكم وبسطه أجرامكم، وما سواهما من عطاياه (لَعَلَّهُ) واحدٌ (1)؛ وآلاء الله: نعمه، وواحدها: أَلاَءٌ وإلىً، مثل: مِعًا وأمعاء، ونظيرها: آناء الليل واحدها أناء وإنىً. {لَعَلَّكُم تفلحون (69)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: + «و». (2/20)
صفحة 418
قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا} أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة وترك دين الآباء في اتِّخاذ الأصنام شركاء معه حبًّا لما نشأوا عليه وما ألفته نفوسهم. {فأتنا بما تَعِدُنا إن كنتَ من الصادقين (70)} أَنَّ العذاب يحلُّ بنا إن خالفنا.
{قال قد وَقَعَ عليكم} قد وجب أو نزل عليكم، فجعل المتوقَّع بمنزلة الواقع. «رجس»: أي: عذاب، من الارتجاس، (لَعَلَّهُ) وَهُوَ الاضطراب، {من ربِّكم رجسٌ} عذاب، من الارتجاس (1)، كَأَنَّهُم قد ارتجسوا بالإثم. {وغَضَبٌ} سخط. {أتجادلونني في أسماء سمَّيتموها} في أشياء ما هي إِلاَّ أسماء وصور ليس تحتها مسمَّيات، لأَنَّكُم تسمُّون الأصنام آلهة وهي خالية عن معنى الأُلُوهِيَّة، (لَعَلَّهُ) كقول إبراهيم - عليه السلام -: {ما هَذِهِ التماثيل التي أنتم لها عاكفون} (2)، وكقول (لَعَلَّهُ) موسى - عليه السلام -: {إنَّ هؤلاء متبَّر مَا هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} (3). {أنتم وآباؤكم ما نزَّل الله بها من سلطان} حجَّة متَّبعة، {فانتظِروا} لَمَّا وضح الحقُّ وأنتم مصرُّون عَلَى [173] العناد نزولَ العذاب، {إنِّي معكم من المنتظِرين (71)} لنزوله بكم ذَلِكَ.
{فأنجيناه والذين معه} أي: من آمن بِهِ؛ {برحمة مِنَّا} بفضل مِنَّا؛ {وقطعنا دابرَ الذين كذَّبوا بآياتنا} الدابر الأصل، والكائن خلف الشَّيء، وقطعُ دابرهم: استئصالُهم وتدميرهم عن آخرهم. {وما كانوا مؤمنين (72)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَفيِ العبارة تكرار واضح.
(2) - ... سورة الأنبياء: 52.
(3) - ... سورة الأعراف: 139. (2/21)
صفحة 419
وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بَيِّنَة من ربِّكم؛ هذه} آيَة ظاهرة شاهدة عَلَى صِحَّة نبوَّتي، وهي: {ناقة الله لكم آية} أضافها إِلىَ الله عَلَى التفضيل والتخصيص، كما يقال: بيت الله. {فَذَروها تأكلْ في أرض الله} أي: الأَرض أَرض الله، والناقة ناقة الله، فذروها تأكل في أَرض ربِّها، من نبات ربِّها، فليس عليكم مؤنتها، {ولا تمسُّوها بسوء} بضرب ولا عقر ولا طرد ولا إضمار [كذا] بسوء إكراما لآية الله. {فيأخذَكم عذاب أليم(73)}.
{واذكروا إذ جَعَلَكم خُلَفاءَ من بعدِ عاد} يذكِّرهم نعمة الله ليشكروها، {وبوَّأكم} أسكنكم ونزَّلكم، {في الأرض تتَّخذون من سهولها قصورا} غرفا للصيف، {وتنحتون الجبال بيوتا} للشتاء، {فاذكروا آلاء الله} أي: نعمة الله في ذَلِكَ وغيره، {ولا تَعْثَوْا في الأرض مفسدين(74)}.
{قال الملأ الذين استكبروا} أي: تعظَّموا وأَنِفوا في اتِّباع الرسول، {من قومِه للذين استُضعِفوا} للذين استضعفوهم واستذلُّوهم، {لمن آمن منهم: أتعلمون أَنَّ صالحا مُرسَلٌ من ربِّه؟ قالوا إِنَّا بما أُرسل به مؤمنون(75)}.
{قال الذين استَكبَروا إِنَّا بالذي آمنتم به كافرون(76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربِّهم} والعتوُّ العلوُّ في الباطل، {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين(77)}.
{ (2/22)
صفحة 420
فأخذتهم الرجفةُ} الصيحة التي زلزلت لها الأَرض واضطربوا لها، {فأصبحوا في دارهم جاثمين (78)} مَيِّتين قعودا، يقال: الناس جثم، أي: قعود لا حراك بهم ولا يَتَكَلَّمُون، {فتولىَّ (1) عنهم} لَمَّا عقروا الناقة، {وقال يا قوم} عند فراقه لهم، {لقد أبلغتُكم رسالةَ ربِّي ونصحتُ لكم ولكن لا تحبُّون الناصحين (79)} الآمرين بالهدى لاستجلاء الهوى، والنصيحة منيحة، بدراء الفضيحة، وَلَكِنَّهَا وخيمة تورث السخيمة (2)، فإن قيل: كيف خاطبهم بقوله: {لقد أبلغتكم رسالة ربِّي ونصحتُ لكم} بعدما أهلكوا بالرجفة؟ قيل: خاطبهم ليكون عبرة لمن خَلَفهم.
{ولوطا إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة} أتفعلون السَّيِّئَة المتمادية في القبح؟! {ما سَبَقَكُم بها من أحدٍ} ما عملها قبلكم {من العالمين (80) إِنَّكُم (3) لتأتون الرجال شهوةً من دونِ النساء} فسَّر تلك الفاحشة، يعني أدبار الرجال أشهى عليكم من فروج النساء!، {بل أنتم قوم مسرفون (81)} الإسراف: تجاوز الحدود.
{وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إِنَّهُم أناس يتطهَّرون (82)} يدَّعون الطهارة وبدَّعوا فعلنا الخبيث، عابوهم بما يُتمدَّح به.
{فأنجيناه وأهله إِلاَّ امرأته كانت من الغابرين (83)} من الباقين في العذاب الذين عليهم الغَبَرَة. {وأمطرنا عليهم مطرا} وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا، قيل: أمطر الله عليهم الكبريت والنار، {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فتولَّ». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... «السخيمة: الحقد والضغينة والموجدة في النفس، وَفيِ الحديث: “اللهمَّ اسلل سخيمة قلبي”». ابن منظور: لسان العرب، 3/ 115، مادَّة «سخم». والعبارة غير واضحة.
(3) - ... في الأصل: «أينَّكم». وَهُوَ خطأ. (2/23)
صفحة 421
وإلى مدين أخاهم شعيبا} يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، {قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بَيِّنَة من ربِّكم، فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم} ولا تنقصوهم حقوقهم ولا تظلموهم (لَعَلَّهُ) إِيَّاهَا، {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي: لا تفسدوا فيها بعدما أصلح فيها الصالحون [174] من الأنبياء والأولياء، وكلُّ نبيٍّ أو عالم يرسل إِلىَ قوم فهو صلاحهم. {ذلكم} الذِي ذكرت لكم وأمرتكم به، ذَلِكم {خير لكم} في الإنسانيَّة، وحسن الأحدوثة {إن كنتم مؤمنين (85)} مصدِّقين لي في قولي.
{ولا تقعدوا بِكُلِّ صراط} أي: عن كُلِّ صراط، {توعدون} (لَعَلَّهُ) تهدون (1) من آمن بشعيب بالعذاب، {وتصدُّون عن سبيل الله} عن دينه، {من آمن به وتبغونها} تطلبون لسبيل الله، {عوجا} أي: تصفونها للناس بِأَنَّهَا سبيل معوجَّة غير مستقيمة لتمنعوهم عن سلوكها، معناه: تطلبون الاعوجاج في الدين، والعدل عن المقصد (لَعَلَّهُ القصد) (2). {واذكروا إذ كنتم قليلا} عَلَى جهة الشكر وقت كونكم قليلا عددكم، {فكثَّركم} الله، ووفَّر عددكم، ويجوز: إذ كنتم فقراء مقلِّين فجعلكم أغنياء مكثرين، {وانظروا (3) كيف كان عاقبة المفسدين (86)} أمرنا بالنظر والتأمُّل في عاقبة من أفسد في دينه ودنياه مِمَّن تَقَدَّمَهم (4)، فَإِنَّهُ عبرة لمن استبصر ولم يَتَعَامَ (5).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أَنَّ الناسخ هنا قد أخطأ في الاحتمال الذي وضعه، فالصواب: «تهدِّدون».
(2) - ... عبارة: «لَعَلَّهُ القصد» يبدو أَنَّها من إضافة الناسخ لذلك وضعناها بين قوسين.
(3) - ... في الأصل: «وانظر»، وَهُوَ خطأ.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تقدَّم»، أو «تقدَّمَنا».
(5) - ... في الأصل: «يتعامَى» وَهُوَ خطأ، فهو مجزوم بحذف حرف العِلَّة. (2/24)
صفحة 422
وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أُرسِلتُ به وطائفةٌ لم يؤمنوا فاصبروا حَتَّى يحكمَ اللهُ بيننا} بأن ينصر المحقِّين عَلَى المبطلين، ويظهرهم عليهم، وَهَذَا وعيد للكافرين بانتقام الله تَعَالىَ منهم، أو هو حثٌّ للمؤمنين عَلَى الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من المشركين إِلىَ أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم؛ أو هو خطاب للفريقين. {وهو خير الحاكمين (87)} لأَنَّ حكمه حقٌّ وعدل، ولا يخاف منه الجور.
{قال الملأ الذين استكبروا مِن قومِه} يعني الرؤساء الذين تعظَّموا عن الإيمان بالله، {لَنُخرِجَنَّك يا شعيبُ والذين آمنوا معك مِن قريتنا} إخراجهم من قريتهم إجلاؤهم منها فيِ الظاهر، ومن حيث المعنى: إخرجهم من الرأي والتدبير فيما أمروا به، ودليله: {لئن اتَّبعتم شعيبا إِنَّكُم إذن لخاسرون} (1). {أو لَتعودُنَّ في مِلَّتنا قال: أَوَلَوْ كُنَّا كارهين (88)} يعني لو كُنَّا كارهين فتجبروننا عليه.
{قد افترينا على الله كَذِبا إن عُدْنا في ملَّتكم بعد إذ نجَّانا الله منها وما يكون لنا أن نعودَ فيها إِلاَّ أن يشاء اللهُ ربُّنا} إِلاَّ أن يكون سبق فيِ مشيئته أنَّا نعود فيها، فيمضي قضاء الله فينا، وينفذ حكمه علينا. {وسِعَ ربُّنا كلَّ شيء علما} تمييز، أي: أحاط علمه بِكُلِّ شَيء؛ {على الله توكَّلنا ربَّنا افتح بيننا وبين قومِنا بِالحَقِّ} أي: أظهر حال عاقبة المحقِّ من المبطل مِنَّا ومنهم، {وأنت خير الفاتحين (89)} والفاتح: المظهر لعاقبة الأمور المنغلقة المبهمة.
{وقال الملأ الذين كفروا من قومه: لئن اتَّبعتم شعيبا إِنَّكُم إذًا لَّخاسرون (90)} ما تهواه أنفسكم من غير عوض ولا جزاء، لأَنَّهُم لم يصدِّقوا به، {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91)} مَيِّتين.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 90. (2/25)
صفحة 423
الذين كذَّبوا شعيبا كَأَنْ لم يَغْنَوا فيها} كأن لم يقيموا فيها، وَكَأَنَّهُم لم يُخلقوا عليها، لأنَّهم صاروا إِلىَ ما كانوا عليه من حال العدم؛ غني بالمكان: أقام. {الذين كذَّبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92)}.
{فتولىَّ (1) عنهم} بعد أن نزل بهم العذاب، {وقال يا قوم لقد أَبلَغْتُكم رسالات ربِّي ونَصحتُ لكم فكيف آسى} أحزن {على قوم} ليسوا بأهل للحزن عليهم، لكفرهم واستحقاقهم للعذاب، {كافرين (93)}.
{وما أرسلنا في قرية من نبيٍّ إِلاَّ أخذنا أهلها بالبأساء والضرَّاء} قيل: البأساء فيِ المال، والضرَّاء فيِ النفس؛ وَقِيلَ: البأساء البؤس والفقر (2)، والضرَّاء: الضرُّ والمرض. {لعلَّهم يضَّرَّعون (94)} (3)، لأَنَّهُم إذا لم يتضرَّعوا عند البأساء لم يتضرَّعوا عند النعماء، وَذَلِكَ [175] بيان لفائدة الضرَّاء، وَأَنَّهَا نعمة فيِ حقِّ من تضرَّع.
{ثُمَّ بدَّلنا مكان السَّيِّئَةِ الحسنةَ} ابتلاء لهم بالأمرين، {حتَّى عَفَوا} كثروا ونموا فيِ أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات إِذا كثر؛ {وقالوا} من غرَّتهم (4) وغفلتهم بعد ما صاروا إِلىَ (لَعَلَّهُ) الرخاء، {قد مَسَّ آباءنا الضرَّاء والسرَّاء} أي: قالوا: هَذِهِ عادة الدهر: تعاقب فيِ الناس بين الضرَّاء والسرَّاء، وقد [مسَّ] آباءنا نحو ذَلِكَ وما هو بعقوبة الذنب، فكونوا عَلَى ما أنتم عليه؛ {فأخذناهم} بالهلاك، {بغتة} فُجَاءة، عبرة لمن بعدهم، {وهم لا يشعرون (95)} بنزول العذاب، لأَنَّهُ ولو تَقَدَّمَت نُذره ورسله فلم يطابطنوا أَنَّهَا أَنَّهَا (5) رسل الموت، لفرط طول الأمل وحبِّ الدنيا ونسيان الآخرة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فتولَّ». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... في الأصل كلمة رسمها: «البقر»، ولعلَّ الصواب ما أثبتناه.
(3) - ... في الأصل: «يتضَّرَّعون» وَهُوَ خطأ.
(4) - ... يمكن أن نقرأ: «عزتهم».
(5) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فلم يظنُّوا أَنَّهَا». (2/26)
صفحة 424
ولو أنَّ أهل القرى} إشارة إِلىَ القرى التي دَلَّ عليها: {وما أرسلنا فيِ قرية من نبيٍّ}، كَأَنَّهُ قال: ولو أَنَّ أهل تلك القرى الذين كذَّبوا وأُهلِكوا {آمنوا} بدل كفرهم {واتَّقوا} الشرك مكان ارتكابه، {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} لآتيناهم بالخير الدينيِّ والدنياويِّ من كُلِّ مكان، {ولكن كذَّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96)}.
{أَفَأَمِنَ أهلُ القرَى أن يأتيَهم بأسُنا بياتا وهم نائمون (97) أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98)} أي: ساهون لاهون عن العواقب، فهم بين حالين: بين النوم واللعب، لأَنَّ جميع كدحهم يؤَوَّل عَلَى معنى اللعب أن لو اعتبروا، لا حاصل له إِلاَّ التعب والتحسُّر (1)، وهم مع ذَلِكَ لا يتفكَّرون فيِ عواقب الأمور، ولا يتخوَّفون (لَعَلَّهُ) عن أن يبدَّلوا مكان (لَعَلَّهُ) الحسنات سيِّئات، وأن تقطع عنهم (لَعَلَّهُ) الأمداد السماويَّة.
{أفأَمِنوا مَكْرَ اللهِ} أخذه العبد من حيث لا يشعر، {فلا يَأمَنُ مكْرَ الله إِلاَّ القومُ الخاسرون (99)} فلا يحذرون المعاصي، ويرتكبون ما يثمر لهم المكر الخفيَّ، لأَنَّهُ إذا أَمِنَ أَنَّهُ لا يعصي فيما يستقبل فقد حكم بالغيب، ومن حكم بالغيب فقد أحاط به الخسران من حيث لا يشعر.
{أولم يَهْدِ} أي: يُبَيِّن، {للذين يرثون الأرض من بعد} هلاك {أهلها} الذين كانوا مختلفين {أن لو نشاءُ أصبناهم بذنوبهم} كما أصبنا من قبلهم، فأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين؛ {ونطبَعُ} أي: نختم {على قلوبهم فهم لا يسمعون (100)} سماع تفهُّم واعتبار، ويدلُّك ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إصابةَ العبد بدينه الطبعُ عَلَى قلبه، ويصير كَأَنَّهُ أصمُّ وأعمى ولا عقل له، فينغمس فيِ المعاصي من حيث لا يشعر، وَذَلِكَ إذا آثر هواه عَلَى ما اتَّضح له من الحقِّ ولو فيِ حرف واحد.
{__________
(1) - ... يمكن أن نقرأ: «والتحيُّر». (2/27)
صفحة 425
تلك القرى} أي: هَذِهِ القرى الذي (1) ذكرت لك أمر أهلها، {نقصُّ عليك من أنبائها} بعض أنبائها، لأَنَّ لها أنباء غيرها لم نقص، عبرة للمعتبرين؛ {ولقد جاءتهم رسلهم بِالبَيِّنَاتِ فما كانوا ليؤمنوا} عند مجيء الرسل بِالبَيِّنَاتِ، {بما كذَّبوا من قبل} بما كذَّبوا من آيات الله الأرضيَّة والسماويَّة قبل مجيء الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إِلىَ آخر أعمارهم بما كذَّبوا به أَوَّلاً حين جاءتهم الرسل، أي: استمرُّوا عَلَى التكذيب، من لدن مجيء الرسل إليهم إِلىَ أن ماتوا مصرِّين مع تتابع الآيات. {كذلك} مثل ذَلِكَ الطبع الشديد {يطبع الله على قلوب الكافرين (101)} بما علم منهم أَنَّهُم يختارون الكفر.
{وما وجدنا لأكثرِهم من عهد} يعني أَنَّ أكثر النَّاس ينقضون عهد الله وميثاقه فيِ الطاعة، لأَنَّهُم كانوا إذا عاهدوا الله فيِ ضرٍّ ومخافة قالوا: لئن أنجيتنا لنؤمننَّ، ثُمَّ لَمَّا نجَّاهم نكثوا. {وإن وجدنا أكثرهم [176] لفاسقين (102)} خارجين عن الطاعة؛ والوجودُ (2) بمعنى العلم.
{ثُمَّ بَعَثنا مِن بعدِهم موسى بآياتنا إلى فرعونَ ومَلَئِه فَظَلَموا بها} فكفروا بآياتنا، والظلم: وضع الشيء فيِ غير موضعه، وظلمهم وضعهم الكفر موضع الإيمان، جرى الظلم مجرى الكفر لأَنَّهُما من واد واحد، لأَنَّ الشرك لظلم عظيم (3)، أو فظلموا الناس بسببها حين آذوا من آمن بها، أو لأَنَّهُ إذ أوجَبَ الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلما حيث وضعوا الكفر غير موضعه وَهُوَ موضع الإيمان. {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (103)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «التي».
(2) - ... في الأصل: «ولوجود».
(3) - ... اقتباس من قَوله تَعَالىَ: {يا بنيَّ لا تشرك بالله إنَّ الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 13). (2/28)
صفحة 426
وقال موسى يا فرعون} يقال لملوك مصر: الفراعنة، كما يقال لملوك فارس: الأكاسرة، فَكَأَنَّهُ قال: يا ملك مصر، واسمه قابوس، أو الوليد بن مصعب فيما قيل. {إنِّي رسول من ربِّ العالمين (104)}.
{حقيق على أن لا أقول على الله إِلاَّ الحقَّ} أي: أنا حقيق عَلَى قول الحقِّ، أي: واجب عَلَى قول الحقِّ أن أكون قابله، والقائم به، وَقِيلَ: حريص عَلَى أن لا أقول عَلَى الله إِلاَّ الحقَّ؛ {قد جئتكم ببَيِّنَة من ربِّكم فأرسِلْ معي بني إسرائيل (105)} فخلِّهم يذهبوا معي راجعين إِلىَ وطنهم، أو فاتركم (لَعَلَّهُ فاتركهم) [كذا] فيِ أَرض الله، ولا تمسَّهم بسوء، وَذَلِكَ أَنَّ يوسف - عليه السلام - لَمَّا توفي غلب فرعون نسل الأسباط واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى.
{قال: إن كنتَ جئتَ بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (106)} فيِ دعواك؛ {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107)} أي: ثعبان حقيقيَّة لا وهميَّة ولا سحريَّة، كما تنقلب المعادن وتستحيل عن حالتها وصورتها عَمَّا كانت؛ {ونزع يده} من حينه {فإذا هي بيضاء للناظرين (108)}.
{قال الملأ من قوم فرعون إنَّ هذا لساحر عليم (109)} يعنون أَنَّهُ لَيَأخُذُ أعينَ الناس حَتَّى يحيل إليهم العصا حيَّة، والأدم أبيض. قيل: قاله هو وأشراف قومه عَلَى سبيل المشاورة فيِ أمره. {يريد أن يخرجكم من أرضكم} فتصيروا مملوكين بعد أن كنتم مالكين، كما قال: {وتكون لكما الكبرياء فيِ الأَرض} (1) {فماذا تأمرون (110)}؟.
{__________
(1) - ... فيِ الأصل سقط: «الأرض». وتمام الآية عَلَى لسان فرعون وملئه لموسى وأخيه هارون: {قالوا أجئتنا لتلفتنا عَمَّا وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء فيِ الأَرض وما نحن لكما بمؤمنين}. يونس: 78. (2/29)
صفحة 427
قالوا أرجه} أي: أخِّر أمره ولا تعجل، أو كَأَنَّهُ همَّ بقتله. {وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين(111)} جامعين {يأتوك بِكُلِّ ساحر عليم(112) وجاء السحرة فرعون قالوا إنَّ لنا لأجرا إن كُنَّا نحن الغالبين(113) قال نعم وإنَّكم لمن المقرَّبين(114)} لَمَّا وعدهم بالتقريب أغناهم عن الأجر المعيَّن.
{قالوا يا موسى إِمَّا أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين(115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس} أروها بالحيل والشعوذة، وخيَّلوا إليها ما الحقيقة بخلافه. روي أَنَّهُم ألقوا حبالا غلاظًا، وخشبا طوالا، فَإِذَا هي أمثال الحيَّات قد ملأت الأَرض. {واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم(116)}.
{وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقَّف} تبتلع {ما يأفكون(117)} ما يأفكونه، أي: يقلبونه عن الحقِّ إِلىَ الباطل، لأَنَّ الحقيقة خلاف ما رأوا ويرزوِّرونه. روي أَنَّهَا تلقَّفت ملء الوادي من الخشب والحبال، ورفعها موسى فرجعت عصىً كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة، أو فرَّقها أجزاء لطيفة عَلَى حالها.
{ (2/30)
صفحة 428
فوقع الحقُّ} فحصل وثنيـ (1)، وَقِيلَ: ثبت (2). {وبطل ما كانوا يعملون (118)} أي: ذهب عملهم، كَأَنَّهُ لم يكن. {فغُلِبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119)} صاروا أذلاَّء مبهوتين، فقال السحرة: لو كان ما يصنع موسى سحرا لبقت حبالنا وعصيُّنا، فَلَمَّا فقدت علموا [177] أَنَّ ذَلِكَ من أمر الله تَعَالىَ. {وألقي السحرة ساجدين (120)} ذليلين مبهوتين مستسلمين لله ولموسى، تائبين آيبين راجعين من دينهم وضلالهم إِلىَ دين الله، وخرُّوا سجَّدًا لله، كَأَنَّهُم ألقاهم ملقٍ لشدَّة خرورهم، ولم يتمالكوا مِمَّا رأوا، فكأنَّهم أُلقوا، فكانوا أَوَّل النهار كُفَّارًا سحرة، وَفيِ آخره شهداء بررة، نسأل الله أن يرزقنا مَا رزقهم.
{قالوا آمنَّا بربِّ العالمين (121) ربِّ موسى وهارون (122) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إنَّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا (3) منها أهلها} أي: فيصير أهلها مملوكين أذلاَّء بعد أن كانوا مالكين أعزَّاء. {فسوف تعلمون (123) لأقطِّعنَّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ثُمَّ لأصلِّبنَّكم أجمعين (124) قالوا إِنَّا إلى ربِّنا منقلبون (125)} فلا نبالي بما توعَّدتنا به لانقلابنا إِلىَ لقاء ربِّنا ورحمته.
{وما تنقم مِنَّا إِلاَّ أن آمنَّا بآيات ربِّنا لَمَّا جاءتنا} وما تعيب مِنَّا إِلاَّ الإيمان بآيات الله. {ربَّنا أفرغ علينا صبرا} اصبب صبًّا ذريعا، والمعنى: هب لنا صبرا واسعا ثابتا إِلىَ الممات، لا تميل عنه أنفسنا، {وتوفَّنا مسلمين (126)} ثابتين عَلَى الإسلام.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والكلمة غير واضحة.
(2) - ... هَذِهِ الكلمة ذات ثلاث نبرات غير منقوطة ــ كما في غالب الكتاب ــ أثبتناها حسب فهمنا، ولا شَكَّ أَنَّهَا ليست تكرارا للكلمة السابقة.
(3) - ... في الأصل: «لتخروجوا». وَهُوَ خطأ. (2/31)
صفحة 429
وقال الملأ من قوم فرعون أَتَذَرُ موسى وقومَه ليفسدوا في الأرض} وأراد (1) بالإفساد فيِ الأرض دعاءهم الناس إِلىَ مخالفة فرعون فيِ عبادته. {ويذرك وآلهتك} أي: عبادتك وطاعتك، لأَنَّ فرعون يُعبد ولا يَعبد. {قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم} بتركهنَّ أحياء للاستعباد والاستخدام؛ {وَإِنَّا فوقهم قاهرون (127)}.
{قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} قال لهم ذَلِكَ حين جزعوا من قول فرعون تسليةً لهم ووعدا بالنصر عليهم. {إنَّ الأرض لله يورثها (2) من يشاء من عباده} وَهُوَ مالكها يملِّك منها من شاء بما يشاء؛ {والعاقبة للمتَّقين (128)} كانوا مالكين أو مملوكين، أغنياء أو فقراء، بشارة بأَنَّ الخاتمة المحمودة للمتَّقين.
{قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربُّكم أن يهلك عدوَّكم ويستخلفكم في الأرض} من بعده {فينظر كيف تعملون (129)} فحقَّق الله ذَلِكَ فأغرق فرعون واستخلف بني إسرائيل فيِ ديارهم وأموالهم، فعبدوا العجل.
{ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} سني القحط؛ تقول العرب: مسَّتهم السنة، أي: قحط السنة. {ونقص من الثمرات لَعَلَّهُم يذَّكَّرون (130)} يبتلي الله عباده بما يشاء، ابتلى هؤلاء بما ذكر، وقال فيِ غيرهم: {فَلَمَّا نسوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كُلِّ شَيء} (3)؛ وكذلك يبتلي أهل الطاعة بهذا وَهَذَا، والعاصين بمثل ذَلِكَ، لأَنَّهُ العالم بأحوال خلقه، الحكيم فيِ جميع أفعاله أفعاله (4).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وأرادوا».
(2) - ... في الأصل: «يرثها». وَهُوَ خطأ.
(3) - ... سورة الأنعام: 44.
(4) - ... كذا في الأصل، «أفعاله» مكرَّرة. (2/32)
صفحة 430
فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه} أي: أُعطِيناها باستحقاقنا عَلَى العادة الجارية علينا فيِ سعة أرزاقنا، ولم يروها تفضُّلا من الله ليشكروا عليها. {وإن تصبهم سيِّئة يطَّيَّروا بموسى ومن معه} تشاءموا بهم، وقالوا: هَذِهِ بشؤمهم لما أصابتنا، وَهَذَا إغراق فيِ وصفهم بالغباوة والقساوة، قيل: إنَّ الشدَّة ترقو (1) القلوب وترغِّبها فيما عند الله، فإنَّ الشدائد ترقوا [كذا] القلوب وتذلِّل العرايك، وتزيل التماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهي لم تُؤَثِّر فيهم، بل ازدادوا عندها عتوًّا. {أَلاَ إِنَّمَا طائرهم} سبب خيرهم وشرِّهم {عند الله} فيِ حكمه ومشيئته، أو سبب شؤمهم عند الله هو أعمالهم المكتوبة عنده، فَإِنَّهَا التي ساقت إليهم ما يسوءهم. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون (131)} أَنَّ الذي أصابهم من عند الله.
{وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132)} أي: كُلُّ آيَة أتيتنا بها فيِ [178] الماضي أو تأتينا بها فيِ المستقبل فهي كذب، فما نصدِّقك فيها، وكانوا قد صمَّموا عَلَى تكذيبه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تُرِقُّ». (2/33)
صفحة 431
فأرسلنا (1) عليهم الطوفان} ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل؛ قيل: طفا الماء فوق جروبهم (2) ، وَذَلِكَ قيل: إِنَّهُم مُطروا ثمانية أَيَّام فيِ ظلمة شديدة لا يرون شمسا ولا قمرا، ولا يقدر أحد أن يخرج من داره؛ وَقِيلَ: دخل الماء فيِ بيوت القبط حَتَّى قاموا فيِ الماء إِلىَ تراقيهم، فمن جلس غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم؛ وَقِيلَ: هو الجدريُّ أو الطاعون أو الموت. {والجرادَ} فأكلت زروعهم وثمارهم وسقوف بيوتهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شَيء. (وابتلى الله الجراد بالجوع فكانت لا تشبع؛ وَقِيلَ: مكتوب عَلَى كُلِّ جرادة: “جند الله الأعظم”) (3) . {والقمَّل} وهي الدبا (4) وَهُوَ أولاد الجراد؛ قيل: بنات[كذا] أجنحتها، أو البرغيث (5) ،
__________
(1) - ... في الأصل: «وأرسلنا». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... لم أجد هَذَا الجمع للمعنى الذي يوافق السياق، و«الجريب من الأَرْض: مقدار معلوم الذراع والمساحة، وَهُوَ عشرة أقفزة... والجمع أجربة، وجُربان، وَقِيلَ: الجريب المزرعة، عن كراع. والجِربة بالكسر: المزرعة... وقال مرَّة: الجربة كلُّ أرض أُصلحت لزرع أو غرس... والجمع جِرْبٌ، كسدرة وسدر. الليث: الجريب: الوادي، وجمعه أجربة، والجربة: البقعة الحسنة النبات، وجمعها جِرب». ونلاحظ أَنَّهَا كلَّها تليق بالسياق، وليس من بينها ما يجمع على جروب. راجع: ابن منظور: لسان العرب، 1/428، مادَّة: «جرب».
(3) - ... ما بين قوسين مكتوب عَلَى حاشية الكِتَاب، ولم يضع الناسخ إشارة إليه فيِ المتن، فوضعناه فيه حسب اجتهادنا.
(4) - ... كذا في الأصل، قال في اللسان: «والقمَّل صغار الذَّرٍّ والدبي»، ثُمَّ أورد مختلف الأقوال في تفسير معنى القمَّل في الآيَة. للتوسُّع انظر: ابن منظور: لسان العرب، 5/165، مادَّة: «قمل».
(5) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «البراغيث».. (2/34)
صفحة 432
أو كبار القردان، وَقِيلَ: السوس الذي يخرج من الحنطة، فلم يصابوا ببلاء كان أَشَدَّ عليهم من القمَّل، وأخذت أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كالجذريِّ عليهم، ومنعهم النوم. {والضفادعَ} وكانت تقع فيِ طعامهم وشرابهم، حَتَّى إذا تكلَّم الرجل وقع فيِ فيه، فلقوا منها أذى شديدا. {والدم} أي: الرعاف، وَقِيلَ: مياههم انقلبت دما، حَتَّى إنَّ القبطيَّ والإسرائيليَّ إذا اجتمعا عَلَى إناء فيكون ما يلي الإسرائيليَّ ماء، وما يلي القبطيَّ دمًا؛ وَقِيلَ: سال عليهم السيل دما. {آياتٍ مُّفصَّلات} مبيَّنات ظاهرا لا تشكل عَلَى عاقل أَنَّهَا من آيات الله، أو مفرِّقات بين كُلِّ اثنين شهر (1). {فاستكبروا} فلم يعتبروا بالآيات، {وكانوا قوما مجرمين (133)}.
{وَلَمَّا وقع عليهم الرِّجز} العذاب المذكور واحدًا بعد واحد، والطاعون، {قالوا يا موسى ادعُ لنا ربَّك بما عهد عندك} أي: بعهده عندك من إجابة دعوتك، {لئن كشفتَ عَنَّا الرجزَ لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل (134)}.
{فَلَمَّا كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه} إِلىَ حدٍّ من الزمان هم بالغوه لا محالة فمعذَّبون فيه، لا ينفعهم ما تَقَدَّمَ لهم من الإمهال وكشف العذاب إِلىَ حلوله؛ {إذا هم ينكثون (135)} بنقض العهد.
{فانتقمنا منهم} هو ضدُّ الإنعام، كما أَنَّ العقاب ضدُّ الثواب. {فأغرقناهم في اليمِّ} البحر الذي لا يدرك قعره {بِأَنَّهُم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136)} أي: كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها، وَقِلَّة فكرهم فيها.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «شهرًا»، عَلَى أَنَّهُ تمييز، ومع ذلك فالعبارة غير واضحة. (2/35)
صفحة 433
وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعَفون} هم بنو إسرائيل، كان يستضعفهم فرعون وقومه بالاستخدام والقتل؛ {مشارقَ الأرض ومغاربَها} التي أورثهم إِيَّاهَا، {التي باركنا فيها} بالخصب وسعة الأرزاق، وكثرة الأنهار والأشجار. {وتمَّت كلمة ربِّك الحسنى} وهي نعمته، {عَلَى بني إسرائيل} هو قَوله: {عسى ربُّكم أن يهلكَ عدوَّكم ويستخلفكم فيِ الأرض} (1). {بما صبروا} بسبب صبرهم، وحسبك به حثًّا عَلَى الصبر، ودالاًّ عَلَى أَنَّ من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر ضمن الله له بالفرَج. {ودمَّرنا} أهلكنا {ما كان يصنع فرعون وقومه} من العمارات وبناء القصور، {وما كانوا يعرشون (137)} من الجَنَّات، أو ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيَّدة. وَهَذَا آخر قصَّة فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله، ثُمَّ أتبعه قصَّة بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر وغير ذَلِكَ، تسليةً [179] لِرَسُولِ اللهِ مِمَّا رأى من بني إسرائيل بالمدينة.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 129. (2/36)
صفحة 434
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} يواضبون عَلَى عبادتها كما يعبدون (1) أبناء زمانك أهويةَ أنفسهم بلا حجَّة، كلٌّ منهم نصب هواه صنما له يعبده من دون الله، لا يردعهم عن ذَلِكَ كِتَاب ولا سنَّة ولا إجماع ولا حجَّة عقل، ويقول: إن رُدِدتُ إِلىَ ربِّي لأجدنَّ خيرا من هَذَا منقلبا (2)، فزيَّن لهم الشيطان سوء أعمالهم. {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها} صنما نعكف عَلَيْهِ، وَفيِ المَعْنَى كَأَنَّهُم طلبوا شيئا (لَعَلَّهُ) مِمَّا تهواه أنفسهم بغير حقٍّ. {كمَا لَهُم آلهة} أصنام بعكفون عليها. قال يهوديٌّ لعليٍّ: اختلفتم بعد نبيِّكم قبل أن يجفَّ ماؤه، فقال: قلتم: اجعل لنا إلها ولم تجفَّ أقدامكم. وقد صدق اليهوديُّ فيِ هَذَا، لأنَّه (3) إذا وسوس الشيطان لأحد فيِ شَيء من الباطل فاتَّبعه فيِ وسوسته فَكَأَنَّما نصب ذَلِكَ الشيء صنما يعبده من دون الله، وقد قال الله: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألاَّ تعبدوا (4) الشيطان إِنَّهُ لكم عدوٌّ مبين، وأن اعبدوني هَذَا صراط مستقيم} (5)، وقال: {أفرأيت من اتَّخَذَ إلهه هواه} (6)، وليس من نصب صنما من الخشب والحجارة يعبده من دون الله بِأَشَدَّ عجبا مِمَّن نصب هوى نفسه يعبده من دون الله. {قال إِنَّكُم قوم تجهلون (138)} تعجَّب من قولهم عَلَى إثر ما رأوه من الآية العظمى، فوصفهم بالجهل المطلق وأكَّده.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «يعبدُ».
(2) - ... اقتباس من قصَّة صاحب الجَنَّة الظالم لنفسه، الذي قال الله تَعَالىَ عَلَى لسانه: {وما أظنُّ الساعة قائمة، ولئن رُددت إِلىَ رَبِّي لأجدنَّ خيرا منهما منقلبا} (سوة الكهف: 36).
(3) - ... هَذَا التعليل الذي ذكره المؤلِّف تعليقا عَلَى قصَّة عليٍّ مع اليهوديِّ غير مناسب، وَلَعَلَّ فيِ العبارة سقطا.
(4) - ... في الأصل: «يا بني آدم لا تعبدوا ... »، وَهُوَ خطأ.
(5) - ... سورة يس: 60 - 61.
(6) - ... سورة الجاثية: 23. (2/37)
صفحة 435
إنَّ هؤلاء} يعني عبدة تلك التماثيل والصور التي صوَّروها بأهويتهم، {متبَّر} مهلك، من التبار، {ما هم فيه} أي: يتبِّر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه. {وباطل ما كانوا يعملون(139)} أي: ما عملوا من عبادة الأصنام باطل مضمحلٌّ.
{قال أغير الله أبغيكم إلها} أغير المستحقِّ للعبادة أطلب لكم معبودا؟! {وهو فضَّلكم على العالمين(140)} عَلَى سائر الموجودات، أو عَلَى عالَمي زمانكم.
{وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} يبغونكم شدَّة العذاب، من السلعة إذا طلبها، وَهُوَ يذكِّرهم نعمته. {يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم} أي: فيِ الإنجاء، أو العذاب، {بلاء من ربِّكم عظيم(141)}.
{وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} لإنزال التوراة، {وأتممناها بعشر فتم ميقات ربِّه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلُفْني في قومي} كن خليفتي فيهم، {وأَصلِح} ما يجب أن يصلح من أمر البلاد والعباد، {ولا تتَّبع سبيل المفسدين(142)} الصلاح ضِدُّ الفساد، لأَنَّ الصلاح من الطاعة والفساد من المعصية.
{ (2/38)
صفحة 436
وَلَمَّا جاء موسى لميقاتنا} الذي وقَّتناه له، {وكلَّمه ربُّه} أوحى إليه بما شاء، {قال ربِّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه} بقي عَلَى حاله، {فسوف تراني فَلَمَّا تجلَّى ربُّه للجبل} قيل: ما تجلَّى من عظمة الله للجبل إِلاَّ مثل سمِّ الخياط حَتَّى صار دكًّا، أي: مستويا بالأرض، {جعله دكًّا} مدكوكا مفتَّتا، {وخرَّ موسى صعقا} مغشيًّا عليه. قيل: إنَّ موسى كان عالما بِأَنَّ الله لا يرى ولكن طلب قومه أن يريهم ربَّهم، كما قال مخبرا عنهم بِقَولِهِ: {لن نؤمنَ لك حَتَّى نرى الله جهرة} (1) فطلب الرؤية لِيُبَيِّنَ الله تَعَالىَ أَنَّهُ ليس بمرئيٍّ. {فَلَمَّا أفاق} موسى من صعقته، وثاب (2) ورجع إِلىَ عقله، وعرف أَنَّهُ سأل أمرا لا ينبغي له، {قال سبحانك تُبتُ إليك} من السؤال، {وأنا أَوَّل المؤمنين (143)} بعظمتك وجلالك، وأنَّك لا ترى فيِ الدنيا ولا فيِ الآخرة.
{قال يا موسى إِنِّي اصطفيتك على الناس} اخترتك عَلَى أهل زمانك، وَهُوَ يذكِّره نعمته التي اختصَّه بها دون [180] النَّاس، {برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك} أعطيتك من شرف النبوَّة والحكمة فاعلمه واعمل به، {وكن من الشاكرين (144)} للنعمة بأن تطيع الله بها ولا تكفرها.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 55.
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «وتاب»، بالتاء المثنَّاة. (2/39)
صفحة 437
وكتبنا له في الألواح} ألواح التوراة، فالله أعلم بصفتها وعددها، {من كُلِّ شَيء} يحتاجون له من أمر دينهم ودنياهم، لأَنَّهُ لا يجوز عَلَى الله أن يخلق خلقا خلقا (1)، ويتعبَّدهم بالطاعة، ويتركهم بغير هدى. {موعظة} بما تردعهم عن المعاصي، وترغِّبهم فيِ الطاعة، {وتفصيلا لِكُلِّ شيء} لما يحتاجون إليه. {فخذها بقوَّة} بجدٍّ واجتهاد وعزيمة؛ وَقِيلَ: بقوَّة القلب وصحَّة العزيمة، لأنَّه إذا أخذه بضعف النية أدَّاه فيِ الفتور (2)، وإذا كان مَن أمثال موسى ويحيى لا ينال فهمها وحفظها إِلاَّ بِقُوَّةٍ مع زهدهم للدنيا، ورغبتهم للآخرة، وتوفيق الله لهم، أيطمع من هو أقلُّ منهما فهمًا وغريزة [كذا] وحفظا، وأقلُّهم رغبة فيِ الآخرة إِلىَ فهم الحكمة وأخذها بغير اجتهاد؟ كلاَّ! بل البلوغ عَلَى قدر الاجتهاد. {وَأْمُرْ قومَكَ يأخذوا بأحسنها} أي: بأعدلها وأقربها من الحقِّ، وأبعدها من الباطل. {سأريكم دار الفاسقين (145)} فرعون وقومه، أو منازل عاد وثمود والقرون المهلكة كيف خلت منهم، لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم، فتعاقبون مثل ما عوقبوا، أو جَهَنَّم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، مكرَّر.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «في فتور». (2/40)
صفحة 438
سأصرف عن آياتي} عن التدبُّر فيها، أو عن فهمها. قال ذو النون قدَّس الله سرَّه: أبى الله أن يكرم قلوب البطَّالين بمكنون حكمة القرآن. {الذين يتكبَّرون} بالطبع عَلَى قلوبهم، فلا يتفكَّرون فيها ولا يعتبرون بها، وَقِيلَ: سأصرفهم من إبطالها وإن اجتهدوا؛ وَقِيلَ: سأصرفهم عن أن يتفكَّروا فيها ويعتبروا بها؛ وَقِيلَ: سأرفع فهم القرآن عن قلوبهم؛ وَقِيلَ: سأحجب قلوبهم. {في الأرض بغير الحقِّ} أي: يتكبَّرون بما ليس بحقٍّ، وَهُوَ دينهم الباطل. {وإن يروا كُلَّ آية} من الآيات المنزلة عليهم، وما كان من تأويلها والتي ألهموها، {لا يؤمنوا بها} لعنادهم واختلال عقلهم (1) بسبب انهماكهم فيِ الهوى والتقليد. {وإن يروا سبيل الرشد} صلاح الأمر وطريق الهدى، {لا يَتَّخِذُوه سبيلا} لا يسلكوه، لاستيلاء الشيطنة عَلَيهم، {وإن يروا سبيل الغيِّ} الضلال، {يَتَّخِذُوه سبيلا} يقيموا عليه، {ذَلِكَ} الصرف، {بِأَنَّهُم كذَّبوا بآياتنا} بسبب تكذيبهم، {وكانوا عنها غافلين (146)} غفلة عناد وإعراض، لا غفلة سهو وجهل.
{والذين كذَّبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «علقهم»، وَهُوَ خطأ. (2/41)
صفحة 439
وَاتَّخَذَ قومُ موسى مِن بعده} من بعد ذهابه إِلىَ الطور، {من حُليِّهم عجلا جسدا له خوار} وَهُوَ صوت البقر، قيل: صاغه بنوع من الحيل، فيدخل الريح جوفه فتصوِّت، ثُمَّ عجب من عقولهم السخيفة فقال: {ألم يروا أَنَّهُ لا يكلِّمهم} دَلِيل عَلَى أَنَّ خواره ليس تكليما لهم. {ولا يهديهم سبيلا} لا يقدر عَلَى كلام ولا عَلَى هداية سبيل حَتَّى يختاروه عَلَى من لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد بعض كلماته (1)، وَهُوَ الذي هدى الخلق إِلىَ سبيل الحقِّ بما ركَّز فيِ العقول من الأَدِلَّة، وبما أنزل فيِ الكتب، ثُمَّ ابتدأ فقال: {اتَّخَذوه} إلها، فأقدموا عَلَى هَذَا المنكر، {وكانوا ظالمين (148)} باتِّخاذهم الربوبيَّة (لَعَلَّهُ) لمربوبٍ.
{وَلَمَّا سُقط في أيديهم} وَلَمَّا اشتدَّ ندمهم عَلَى عبادة العجل، {ورأوا أَنَّهُم قد ضلُّوا} تبيَّنوا ضلالهم، كَأَنَّهُم أبصروه بعيونهم، وبان لهم الحقُّ بعدما أزاحوا عن قلوبهم الهوى الذي هو كالحجاب عَلَى نور العقل، {قالوا لئن لم يرحمنا [181] ربُّنا ويغفر لنا لنكوننَّ من الخاسرين (149)} المغبونين فيِ الدنيا والآخرة.
{__________
(1) - ... إشارة إِلىَ قَوله تَعَالىَ: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات رَبِّي لنفد البحرُ قبلَ أن تنفَدَ كلماتُ رَبِّي ولو جئنا بمثله مَدَدا} سورة الكهف: 109. (2/42)
صفحة 440
وَلَمَّا رجع موسى} من الطور {إلى قومه غضبان أسفا} أي: حزينا، {قال بئسما خلفتموني} قمتم مقامي، وكنتم خلفائي، {من بعدي} والخطاب لعبدة العجل من السامريِّ وأشياعه، أو لهارون ومن معه من المؤمنين، وَيَدُلُّ عليه قَوله: {اخلُفني فيِ قومي} (1)، والمعنى: بئسما خلفتموني حيث عُبِد العجل مكان عبادة الله، أو حيث لم يكفُّوا عن عبادة غير الله؛ {أعجلتم} أسبقتم بعبادة العجل {أمر ربِّكم} وَهُوَ إتياني لكم بالتوراة. {وألقى الألواح} عندما سمع خوار العجل، أو رآهم عاكفين عليه، أو عند مخاطبته لقومه غضبا لله، وكان فيِ نفسه شديد الغضب؛ {وأخذ برأس أخيه} غضبا عليه حيث (لَعَلَّهُ) ظنَّ به أَنَّهُ لم يمنعهم عن عبادة العجل، مع القدرة، {يجرُّه إليه} عتابا عليه. {قال ابن أمَّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} أي: أَنِّي لم آلُ جهدا فيِ كفِّهم بالوعظ والإنذار، وَلَكِنَّهُم استضعفوني وهمُّوا بقتلي، {فلا تشمت بي الأعداء} السامريَّ وأشياعه الذين عبدوا العجل، أي: لا تفعل بي ما هُو أمنيتهم من الاستهانة بي، والإساءة إِليَّ، {ولا تجعلني مع القوم الظالمين (150)} أي: لا تجعل منزلتي منزلتهم؛ فَلَمَّا اتَّضح له عذر أخيه،
{قال ربِّ اغفر لي} ما فرط مِنِّي فيِ حقِّ أخي، {ولأخي} أن فرَّط فيِ حسن الخلافة، {وأدخلنا (2) في رحمتك} فيِ عصمتك فيِ الدُّنْيَا، وجنَّتك فيِ الآخِرَة، {وأنت أرحم الراحمين (151)} فأنت أرحم بنا من أنفسنا.
{إنَّ الذين اتَّخَذُوا العجل} إلها {سَيَنَالُهُم غضبٌ من ربِّهم} قيل: هو ما أمروا به من قتل أنفسهم توبة، {وذلَّة في الحياة الدنيا} خروجهم من ديارهم، فالغربة تذلُّ الأعناق، أو ضرب الجزية عليهم، {وكذلك نجزي المفترين (152)} أي: نجزي كلَّ مفتر عَلَى الله بالغضب والذلَّة فيِ الحياة الدنيا، وبالعذاب فيِ الآخرة.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 142.
(2) - ... في الأصل: «ودخلنا»، وَهُوَ خطأ. (2/43)
صفحة 441
والذين عملوا السَّيِّئَات} من الكفر والمعاصي، {ثُمَّ تابوا} رجعوا إِلىَ الله، {من بعدها وآمنوا} أخلصوا الإيمان، {إن ربَّك من بعدها} أي: السَّيِّئَات، أو التوبة، {لغفور} لسَتور عليهم، {رحيم (153)} منعم عليهم بالجنَّة بعد ما وقع منهم من العبادة لغيره حين تابوا.
{وَلَمَّا سكت} أي: سكن، وقرئ به. {عن موسى الغضب أخذ الألواح} التي ألقاها، {وفي نسختها} اختلفوا فيه، قيل: المُرَاد به الألواح، لأَنَّها نسخت من اللوح المحفوظ، وَقِيلَ: إنَّ موسى ألقى الألواح فتكسَّرت، فنسخ نسخة أخرى. {هدى} من الضلالة، {ورحمة} ورحمة من العذاب، {للذين هم لربِّهم يرهبون (154)} أي: الخائفين من ربِّهم؛ وَقِيلَ: أراد من ربِّهم يرهبون.
{واختار موسى قومه} أي: من قومه، {سبعين رجلا} من أفضلهم، {لميقاتنا فَلَمَّا أخذتهم الرجفة} لأَنَّهُم قالوا: {لن نؤمن لك حَتَّى نرى الله جهرة}. {قال ربِّ لو شئت أهلكتهم من قبلُ وإيَّاي أتهلكنا بما فعل السفهاء مِنَّا} سؤال استغفار، أي: لاتهلكنا، {إن هي إلا فتنتك} ابتلاؤك من الخير والشرِّ قلَّ أو كثر، صغر أو كبر، {تضلُّ بها من تشاء} من اختار منهم الضلال تزيده إضلالا وإبعادًا، {وتهدي من تشاء} من علمت منه اختيار الهدى تزيده هدى وقربة، {أنت وليُّنا} متوليِّ أمورنا، {فاغفر لنا وارحمنا (1) وأنت خير الغافرين (155)} فالمغفرة هي ستر الذنوب، كما يقال: مِغْفَرٌ عَلَى رأسه إِنَّمَا هو سَتَر رأسه، [و] تغطَّى بغطائه، والمغفر [ة] ستر، وغفران الذنوب سترها.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «وارحمنا». (2/44)
صفحة 442
واكتب لنا في هَذِهِ الدنيا حسنة} حياة طيِّبة توصلنا بها إِلىَ دار الكرامة، [182] {وفي الآخرة} أي: اكتب لنا فيِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَفيِ الآخِرَة حسنة، {إنَّا هُدنا إليك} أي: تُبنا. {قال: عذابي أُصيبُ به مَن أشاء} مَن اختارَ الكفرَ، {ورحمتي وَسِعت كلَّ شيء} أي: من صفة رحمتي أَنَّهَا واسعةٌ تبلغ كلَّ شَيء؛ ما من مسلم ولا كافر إِلاَّ وعليه أثرُ رحمتي فيِ الدنيا. {فسأكتبها} (1) أي: هَذِهِ الرحمة أكتب ثوابها فيِ الآخرة، {للذين يتَّقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156)}.
{الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا} نعته {عندهم (2) في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف} بخلع الأنداد، والانصاف العباد [كذا]. {وينهاهم عن المنكر} وَهُوَ ترك عبادة سوى الله. {ويحلُّ لهم الطَّيِّبات ويحرِّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم} قيل: التكاليف الصعبة، كقتل النفس فيِ توبتهم، وَقِيلَ: ذنبهم الذي عملوه فيضعه عنهم بغفرانه لهم؛ {والأغلال التي كانت عليهم} هي الأحكام الشاقَّة التي كانت عليهم فيِ دينهم، {فالذين آمنوا به} بالنبيِّ الأمِّيِّ، {وعزَّروه} وعظَّموه، أو منعوه من العدوِّ، حَتَّى لا يقوى عليه، {ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه} هو القرآن، {أولئك هم المفلحون (157)} الفائزون بِكُلِّ خير فيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَة، والناجون من كُلِّ شرٍّ فيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فأكتبها»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: - «عندهم». (2/45)
صفحة 443
قل يا أَيُّهَا الناس إِنِّي رسول الله إليكم} قيل: بعث كلُّ رسول إِلىَ قومه خاصَّة، وبعث محمَّد - صلى الله عليه وسلم - إِلىَ كافَّة الإنس والجنِّ، {جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت} المعنى: مَن مَلَكَ العالم كان هو الإله عَلَى الحقيقة، وَفيِ «يحيي ويميت» بيان لاختصاصه بالإلهيَّة، إذ لا يقدِر عَلَى الإحياء والإماتة غيره، ولا يستحقُّ العبادة سواه، {فآمنوا بالله ورسوله النبيِّ الأمِّيِّ الذي يؤمن بالله وكلماته} أي: الكتب المنزَّلة، {واتَّبعوه لَعَلَّكم} أي: لكي، {تهتدون(158)}.
{ومن قوم موسى أُمَّة يهدون بِالحَقِّ} أي: يأمرون بِالحَقِّ، {وبه يعدلون(159)} وبالحقِّ يعدلون، أي: ينهون عن ضدِّه وَهُوَ المنكر.
{ (2/46)
صفحة 444
وقطَّعناهم} وصيَّرناهم فرقا، {اثنتي عشرة أسباطا} قيل: الأسباط القبائل، واحدها سبط، {أمما} لأَنَّ كلَّ سبط كان أُمَّة عظيمة، وكلُّ واحدة كانت تؤمُّ خلاف ما تؤمُّه الأخرى. {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} أي: سألوه أن يستقيهم، وكان ليس معه ماء، {أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا} عَلَى قدر الأسباط لِكُلِّ سبط عين، وَذَلِكَ ليريهم الله قدرته الباهرة، إذا نبع لهم من حجر صمٍّ ماء عذبا سائغا للشاربين بضربة عصًا. {قد علم كل أناس مشربهم وظلَّلنا (1) عليهم الغمام} جعلناه ظليلا عليهم فيِ التيه عن حرِّ الشمس فيما قيل. {وأنزلنا عليهم المنَّ والسلوى} يذهب به عنهم كَلَب (2) الجوع. {كلوا من طَيِّبَات ما رزقناكم} فما شكروا هَذِهِ النعم، بدليل قَوله: {وما ظلمونا} وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160)} ولكن كانوا يضرُّون أنفسهم، ويرجع وبال ظلمهم عليهم.
{وإذ (3) قيل لهم اسكنوا هذه القرية} بيت المقدس ليعبدوا الله فيه وحده. {وكلوا منها حيث شئتم وقولوا (4) حطَّة وادخلوا الباب سجَّدا نغفر لكم خطيئاتكم (5) سنزيد المحسنين (161)} وعدا من الله لِكُلِّ محسن ليزاد عَلَى قدر إحسانه.
{فبدَّل الذين ظلموا منهم قولا} خارجا عن الطاعة، {غير الذي قيل لهم} وَهُوَ قوله: حطَّة. {فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وضلَّلنا». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... «والكلَب أنف الشتاء وحدَّته ... قال أبو حنيفة: الكُلْبة كلُّ شدَّة من قِبل القحط والسلطان وغيره، وَهُوَ في كُلبة أي في قحط وشدَّة من الزمان». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 283، مادَّة: «كلب».
(3) - ... في الأصل: «وإذا». وَهُوَ خطأ.
(4) - ... في الأصل: «وكلوا حيث شئتم، وقالوا». وَفيها خطآن اثنان.
(5) - ... في الأصل: «خطاياكم»، وَهُوَ خطأ. (2/47)
صفحة 445
واسألهم عن القرية التي [183] كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت} بتجاوزهم حدَّ الله فيه، وَهُوَ اصطيادهم، وقد مضت قصَّتهم، {إذ تأتيهم حيتانُهم يومَ سَبْتِهِم شُرَّعا ويومَ لا يَسْبِتُون لا تأتيهم كَذَلِكَ نبلوهم بما كانوا يفسقون (163)} بسبب فسقهم يسَّر الله عَلَيْهِم العسرى، وأغلق عليهم باب اليسرى.
{وإذ قالت أُمَّة منهم} جماعة من صلحاء القرية الذين أيسوا من وعظهم عظهم (1) بعدما ركبوا الصَّعبَ والذَّلول فيِ موعظتهم الآخرين، لا يقلعون عن وعظهم، {لِمَ تعظون قوما الله مهلكهم} باستئصالهم، {أو معذِّبهم عذابا شديدا} ما دون الهلاك، {قالوا معذرة إلى ربِّكم} أي: موعظتنا إبلاء (2) عذر الله، لِئَلاَّ ينسب فيِ النهي عن المنكر إِلىَ التفريط، أي: وعظناهم للمعذرة. {ولعلَّهم يتَّقون (164)} فيتركون ما هم عليه.
{فَلَمَّا نسوا ما ذكِّروا به} (لَعَلَّهُ) أي: أهل القرية لَمَّا تركوا ما ذكَّرهم به الصالحون. {أنجينا الذين ينهون عن السوء} وهم الموعِّظون عن العذاب الشديد، {وأخذنا الذين ظلموا} الذين تركوا ما وعظوا به، {بعذاب بئيس} شديد، {بما كانوا يفسقون (165)}.
{فَلَمَّا عتوا عَمَّا نُهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (166)} مبعدين. والعذاب البئيس قيل: هو المسخ، قيل: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير، وكانوا يعرفون أقاربهم ويبكون ولا يَتَكَلَّمُون؛ والجمهور عَلَى أَنَّهَا ماتت بعد ثلاث؛ وَقِيلَ: مسخت قلوبهم لا أبدانهم، وجميع من عصى الله فهم مثل الأنعام والقردة بل أضلُّ وأعقل.
{وإذ تأذَّن ربُّك} أي: علم، {ليبعثنَّ عليهم} أي: كتب عَلَى نفسه ليسلِّطنَّ عليهم، {إلى يوم القيامة من يسومهم} من يوليهم، {سوء العذاب إنَّ ربَّك لسريع العقاب} لِلكُفَّارِ بالخذلان، {وَإِنَّهُ لغفور رحيم (167)} للمؤمنين.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «عظهم».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إبلاغ». (2/48)
صفحة 446
وقطَّعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} ومنهم ناس دون ذَلِكَ الوصف، منحطُّون عنه، وهم الفسقة. {وبلوناهم بالحسنات وَالسَّيِّئَات} بالنِّعم والنِّقَم {لَعَلَّهُم يرجعون(168)} يذَّكَّرون، فيحملهم التذكُّر إِلىَ الرجوع إِلىَ الحقِّ.
{فخلف من بعدهم خلْف} الخلْف بدل السوء، بخلاف الخلَف وَهُوَ الصالح، {ورثوا الكتاب} وقفوا عَلَى ما فيها ولم يعملوا بها، {يأخذون عرض هذا الأدنى} حطام الدنيا وما يتمتَّع به منها، {ويقولون سيغفر لنا} لا يؤاخذنا الله بما أخذنا، ويتمنَّون عَلَى الله الأباطيل. {وإن يأتهم عَرَضٌ مثله يأخذوه} كَأَنَّهُم لا يتورَّعون عن عرض دنياويٍّ تناله أيديهم، وَهَذَا إخبار عَلَى حرصهم عَلَى الدنيا وإصرارهم عَلَى الذنوب، نقول: إذا أشرف لهم شَيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما، ويتمنَّون عَلَى الله المغفرة. {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إِلاَّ الحقَّ} أي: بأَن لا يقولوا، وَالمُرَاد توبيخهم عَلَى القطع بالمغفرة مع عدم التوبة، والدلالة عَلَى أَنَّهُ افتراء عَلَى الله، وخروج عن ميثاق الكِتَاب، وليس فيِ التوراة ميعاد المغفرة عَلَى الإصرار. {ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير} من ذَلِكَ العرض الخسيس، {للذين يتَّقون أفلا تعقلون(169)} أَنَّهُ كَذَلِكَ.
{والذين يمسِّكون بالكتاب} التمسُّك: الاعتصام والتعلُّق بالشيء، {وأقاموا الصلاة} خصَّ الصلاة مع أَنَّ التمسُّك بالكتاب يشتمل عَلَى كُلِّ عبادة لأَنَّهَا عماد الدين. {إنَّا لا نضيع أجر المصلحين(170)}.
{ (2/49)
صفحة 447
وإذ نتقنا الجبل فوقهم} أي: قلعناه ورفعناه، كقوله: {ورفعنا فوقكم الطور} (1)، {كَأَنَّهُ ظلَّة} هي كلُّ ما أظلَّك [184] من سقيفة أو سحاب، {وظنُّوا أنَّه واقع بهم} قيل: وَذَلِكَ لأَنَّهُم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلطها وثقلها، فرفع الله الطور عَلَى رؤوسهم مقدار عسكرهم، وَقِيلَ لهم: إن قبلتموها عَلَى ما فيها وَإِلاَّ ليقعنَّ عليكم، فَلَمَّا نظروا إِلىَ الجبل خرَّ كلُّ رجل منهم ساجدا عَلَى حاجبيه. {خذوا ما آتيناكم بِقُوَّةٍ} بجدٍّ وعزيمة، ولا تنسوه {واذكروا ما فيه} من النواهي والأوامر، {لَعَلَّكُم تتقون (171)} قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق المؤدِّية إِلىَ النَّار.
{وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذريَّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربِّكم قالوا بلى شهدنا} هَذَا من باب التمثيل، ومعنى ذَلِكَ أَنَّهُ نصب لهم من الأَدِلَّة عَلَى ربوبيَّته ووحدانيَّته، وشهدت بها عقولهم التي ركَّبها فيهم، وجعلها مميِّزة بين معرفة الربِّ والمربوب، وَكَأَنَّهُ فيِ المعنى عَلَى هَذَا القول: أشهدهم عَلَى أنفسهم وقرَّرهم، وقال لهم: «ألست بربِّكم»، فَكَأَنَّهُم قالوا: «بلى، أنت ربُّنا شهدنا عَلَى أنفسنا، وأقررنا بوحدانيَّتك». {أن تقولوا} أي: فعلنا ذَلِكَ من نصب الأَدِلَّة الشاهدة عَلَى صحَّتها العقول كراهة أن تقولوا {يوم القيامة إِنَّا كُنَّا عن هذا غافلين (172)} لم نُنَبَّه عليه. فإن قيل: كيف يلزم الحُجَّة واحد لا يذكر الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدلائل عَلَى وحدانيَّته وصدق رسله فيما أخبر، فإن أنكر كان اذى (2) ناقضًا للعهد، ولزمته الحُجَّة، ونسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 63.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «إِذَنْ». (2/50)
صفحة 448
أو تقولوا} أو كراهة أن تقولوا، {إِنَّمَا أشرك آباؤنا من قبل وَكُنَّا ذرِّيَّة من بعدهم} فاقتدينا بهم، لأَنَّ نصب الأَدِلَّة عَلَى التوحيد وما نبِّهوا عليه قائم معهم، فلا عذر لهم فيِ الإعراض عنه والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم فيِ الشرك وأدلَّة التوحيد منصوبة لهم، لأَنَّ التقليد عند قيام الدليل، والتمكُّن من العلم به لا يصلح عذرا. {أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173)} أي: كانوا السبب فيِ شركنا، لِتَأسِيسِهم الشركَ، وتركهم سنَّه لنا، وَهُوَ شبيه قوله: {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} (1).
{وكذلك} ومثل ذَلِكَ التفصيل البليغ، {نفصِّل الآيات} نبيِّنها لهم {وَلَعَلَّهُم يرجعون (174)} عن شركهم، بفضلها، إِلىَ هَذَا ذهب المُحَقِّقُونَ من أهل التفسير، وذهب جمهور المُفَسِّرِين إِلىَ أَنَّ الله تَعَالىَ أخرج ذرِّيَّة آدم مثل الذرِّ، وأخذ عليهم الميثاق أَنَّهُ ربُّهم بقوله: «ألست بربِّكم»؟ فأجابوه بـ «بلى»، قالوا: وَهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها (2). وقال ابن عَبَّاس: أخرج الله من ظهر آدم ذرِّيَّة، وأراهم أباهم كهيئة الذرِّ، وأعطاهم من العقل، وقال: هؤلاء ولدك ولدك (3)، آخذ عليهم الميثاق؛ (لَعَلَّهُ) أو خلقهم محتملين للتكليف.
{__________
(1) - ... سورة المائدة: 19. فيِ الأصل: «ما وجدنا من بشير». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... إشارة إِلىَ قَوله تَعَالىَ: {فأَقمْ وجهَكَ للدينِ حنيفا، فطرَةَ اللهِ التي فطرَ الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذَلِكَ الدين القيِّم ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون}. سورة الروم: 30.
(3) - ... كذا في الأصل، مكرَّر. (2/51)
صفحة 449
واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} أوتي علم بعض كتب الله، {فانسلخ منها} فخرج من الآيات بأَن كفر بها ونبذها وراء ظهره، {فأتبعه الشيطان} فلحقه الشيطان، وأدركه وأحاط به، وصار قرينا له عند انسلاخه من الآيات، وكذلك يتبع كلَّ من تصامم عن حُجَّة قامت عليه من حجج الله تبارك وتعالى. {فكان من الغاوين (175)} فصار من الضالِّين الكافرين.
{ولو شئنا لرفعناه} إِلىَ منازل الأبرار من العلماء، {بها} أي: رفعنا منزلته ودرجته بتلك الآيات، {وَلَكِنَّهُ أخلد إلى الأرض} سكن إِلىَ الدنيا ورغب فيها، {واتَّبع هواه} انقاد لما دعا إِلَيْهِ الهوى، من إيثار الدنيا ولذَّاتها (1) عَلَى الآخرة ونعيمها. {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه} أي: تزجره وتطرده، {يلهث [185] أو تتركه} غير مطرود {يلهث} قيل: معناه هو ضالٌّ وُعظ أو تُرك، ويخرج معناه أَنَّهُ معذَّب بلهثه، حُمل عليه أو طُرد، وَقِيلَ: إن زجرته لم ينزجر، وَإِن تركته لم يهتدِ. قال الغزالي: سواء عليه أتيته بالحكمة أو لم تؤته فلا يدع شهوته. قال القتيبيُّ: كُلُّ شَيء يلهث من إعياء إِلاَّ الكلب، فَإِنَّهُ يلهث فيِ حال الكلال أو في حال الراحة. {ذلك مثل القوم الذين كذَّبوا بآياتنا} وَذَلِكَ مثل لِكُلِّ من كذَّب بشيء من آيات الله قامت عليه من كِتَاب أو سنَّة أو حُجَّة عقل. {فاقصص القصص} أي: قصص القرآن لأمَّتك، {لَعَلَّهُم يتفكَّرون (176)} فيحذرون مثل عاقبته إذا ساروا نحو سيرته.
{ساء مثلا القوم} أي: بئس مثلُ القومِ {الذين كذَّبوا بآياتنا وأنفسَهم كانوا يظلمون (177)} فكان هَذَا مثلا لِكُلِّ من كذَّب بشيء من آيات الله، وظلم نفسه بِذَلِكَ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والذاتها». (2/52)
صفحة 450
من يهدِ (1) الله فهو المهتدي ومن يضلل} تصريح بِأَنَّ هداية الله تختصُّ ببعض دون بعض، وَأَنَّها مستلزمة للاهتداء، والمعنى تنبيه عَلَى أَنَّ المهتدي واحد لاتِّحاد طريقهم، بخلاف الظالمين، وَعَلَى أَنَّهُ فيِ نفسه كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصل له غيره لكفاه، وَأَنَّهُ المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعاجلة. {فأولئك هم الخاسرون (178)}.
{ولقد ذرأنا} أي: خلقنا {لجهنَّم كثيرا من الجنِّ والإنس} هم الكُفَّار من الفريقين، المعرضون عن تدبُّر آيات الله، والله علم منهم اختيار الكفر، فكان منهم ما كان، وكان مسيرهم وسعيهم وعملهم إليها، كُلَّمَا مضى عليهم وقت من أعمارهم قربوا منها، ولا ينافي (2) بين هَذَا وبين قَوله: {وما خلقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ ليعبدون} (3). ثُمَّ وصف علاماتهم فقال:
{__________
(1) - ... في الأصل: «يهدي». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ولا تَنافِيَ».
(3) - ... سورة الذاريات: 56. (2/53)
صفحة 451
لهم قلوب لا يفقهون بها} الحقَّ من الباطل، إذ لا يلقونها إِلىَ معرفة الحقِّ والنظر فيِ الأَدِلَّة، {ولهم أعين لا يبصرون بها} طريق الجَنَّة من طريق النار، ولا ينظرون إِلىَ ما خلق الله نظر اعتبار، {ولهم آذان لا يسمعون بها} الآيات والمواعظ، سماع تأمُّل وتذكُّر. ثُمَّ ضرب لهم مثلا فيِ الجهل والاقتصار عَلَى الأكل والشرب والباءة فقال: {أولئك كالأنعام} فيِ عدم الفقه والإبصار للاعتبار، وَفيِ أَنَّ مساعدهم (1) وقواهم متوجِّه (2) إِلىَ أسباب التعيُّش والتشهِّي، مقصورة عَلَى ذَلِكَ؛ {بل هم أضلُّ} ما يمكن لها أن تدرك من المنافع وتجتهد فيِ جذبها ودفعها غاية جهدها، وهم ليسوا كَذَلِكَ، بل أكثرهم يعلم أَنَّهُ معاند ليقدم عَلَى النَّار. {أولئك هم الغافلون (179)} الكاملون فيِ الغفلة. فالآدميُّ روحانيٌّ شهوانيٌّ، سماويٌّ أرضيٌّ، (لَعَلَّهُ) فإن غلب روحُه هواه فاق ملائكة السماوات، وإن غلب هواه روحه فاقته بهائم الأَرض.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «سواعدهم».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «متوجِّهة». (2/54)
صفحة 452
ولله الأسماء الحسنى} لأَنَّها دالَّة عَلَى معاني هي أحسن المعاني، وَالمُرَاد بها الألفاظ، وَقِيلَ: الصفات، فمنها ما يستحقُّه بحقائقه كالقديم قبل كُلِّ شَيء، والباقي بعد كُلِّ شَيء، والقادر عَلَى كُلِّ شَيء، والعالم بِكُلِّ شَيء، والواحد الذي ليس كمثله شَيء؛ ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها، كالغفور الرحيم، والشكور والحليم؛ ومنها ما يوجب النحلوبه (1) كالفضل والعفو؛ ومنها ما يوجب مراقبة الأحوال، كالسميع والبصير والمقتدر، ومنها ما يوجب الإجلال كالتعظيم والتكبير؛ ومنها ما يوجب الهيبة كالقهَّار ونحوه. {فادعوه بها} فسمُّوه بتلك الأسماء، ونزِّهوه عَمَّا لا يليق به، والمعنى: فَكُلُّ [186] اسم من أسماء الله تبارك تَعَالىَ يوجب إجلالا فيعظَّم به، وكلُّ اسم منها يوجب تنزيها فيُنزَّه به، وكلُّ اسم منها يوجب هيبة فيهاب منه، وكلُّ اسم منها يوجب رحمة فيرجى به، وكلُّ اسم منها يوجب معنى من المعاني فيعبد (لَعَلَّهُ) بدلالة ذَلِكَ الاسم (لَعَلَّهُ) الدالِّ عَلَى ذَلِكَ المعنى. {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحقِّ والصواب فيها فيسمُّونه بغير الأسماء الحسنى، بما لا تجوز عليه، والإلحاد: العدول عن القصد. {سيجزون ما (2) كانوا يعملون (180)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «التحَلِّي به».
(2) - ... في الأصل: «بما». وَهُوَ خطأ. (2/55)
صفحة 453
وَمِمَّن خلقنا} للجنَّة، لأَنَّهُ فيِ مقابلة: {ولقد ذرأنا لجهنَّم}. {أُمَّة يهدون بِالحَقِّ وبه يعدلون (181)} ذكر ذَلِكَ بعدما بيَّن أَنَّهُ خلق للنار طائفة ضالِّين ملحدين عن الحقِّ للدلالة عَلَى أَنَّهُ خلق أَيضًا للجنَّة أُمَّة هادين بالحقِّ، عادلين فيِ الأمر، واستدلَّ به عَلَى صِحَّة الإجماع، لأَنَّ المُرَاد منه أَنَّ فيِ كُلِّ قرن طائفة بِهَذِهِ الصفات: «لا تزال أمَّتي قائمة بأمر الله، لا يَضُرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم، حَتَّى يأتي أمر الله، وهم عَلَى ذَلِكَ» (1).
{والذين كذَّبوا بآياتنا سنستدرجهم} سنستدبُّهم قليلا قليلا من الطاعة إِلىَ المعاصي عَلَى غير علم منهم بِذَلِكَ، لقوله: {من حيث لا يعلمون (182)} ما يراد بهم، وَذَلِكَ أن يزيَّن له سوءُ عمله فيراه حسنا؛ واستدرجَه: خدعه وأدناه، كدرَّجه وأقلقه حَتَّى تركه يدرج عَلَى الأَرض. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يتدرَّج إِلىَ الشيء فيِ خفية قليلا قليلا، فلا يباغت ولا يجاهر ومنه ... (2)
{وأملي لهم} أردف لهم النعم وأمهلهم، {إنَّ كيدي متين (183)} أخذي شديد، سمَّاه كيدا لأَنَّهُ شبيه بالكيد من حيث إِنَّهُ فيِ الظاهر إحسان، وَفيِ الحقيقة خذلان. وَلَمَّا نسبوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إِلىَ الجنون فنزل (3):
{أولم يتفكَّروا ما بصاحبهم} بمحمَّد - صلى الله عليه وسلم - {من جِنَّة} من جنون، {إن هو إِلاَّ نذير مبين (184)} منذر من الله، موضِّح إنذاره، ثُمَّ حثَّهم عَلَى النظر المؤدِّي إِلىَ العلم فقال:
{__________
(1) - ... متَّفق عَلَيْهِ رواه الشيخان وأحمد عن معاوية، ورواه مسلم، والترمذي، وابن ماجه عن ثوبان. انظر حديث رقم 7289، و7290 فيِ صحيح الجامع. (برنامج سلسلة كنوز السنَّة: الجامع الصغير وزياداته).
(2) - ... هنا إحالة إِلىَ الهامش ولم يكتب الناسخ فيه شيئا، وَفيِ العبارة سقط واضح.
(3) - ... الصواب حذف الفاء. (2/56)
صفحة 454
أولم ينظروا} نظر استدلال {في ملكوت السماوات والأرض} الملكوت: الملك العظيم؛ وَقِيلَ: الملكوت هو كُلُّ ما غاب عن العوامِّ وما لم يدرك إِلاَّ بنور البصيرة فهو من الملكوت؛ ومعاني جملة القرآن من الملكوت، {وما خلق الله من شيء} وفيما خلق الله مِمَّا يقع عليه اسم الشَّيْء من أجناس لا يحصرها العدد (لَعَلَّهُ) لما خلق له ليدلَّهم عَلَى كمال قدرة صانعها، وتوحيد مبدعها، وعظم شأن مالكها ومتولِّي أمرها، ليظهر لهم صِحَّة مَا يدعوهم إِلَيْهِ. {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} وَلَعلَّهُم يموتون عَمَّا قريب فيسارعون إِلىَ النظر وطلب الحقِّ وما ينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب. {فبأيِّ حديث بعده} أي: بعد القرآن، {يؤمنون (185)} بِأَيِّ كِتَاب غير ما جاء محَمَّد (1) - صلى الله عليه وسلم - يؤمنون إذا لم يؤمنوا به، كَأَنَّهُ قيل: لَعَلَّ أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون [إِلىَ] الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقِّ، وبأيِّ حديث أحقَّ منه يريدون أن يؤمنوا، ولكنَّ الحاصل من معناهم:
{من يضلل الله فلا هادي له} لعدم هداية الله إِيَّاهُم، {ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186)} يتحيَّرون.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ما جاء محَمَّدًا»، أو «ما جاء به محَمَّدٌ». (2/57)
صفحة 455
يسألونك عن الساعة} وهي من الأسماء الغالبة، كالنجم للثريَّا، وَسمِّيَت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لأَنَّهَا عند الله طولها كساعة من الساعات [187] عند الخلق؛ أو لأَنَّهَا تأتي فيِ ساعة من الساعات. {أيَّان} بمعنى: متى، {مرساها} إرساؤها أو وقت إرسائها، أي: إثباتها، وَالمَعْنَى: متى يرسيها الله؟ {قل إِنَّمَا علمها عند ربِّي} أي: عِلم وقت إرسائها عنده قد استأثر به، لم يخبر به أحدا، من ملك مقرَّب ولا نبيٍّ مرسل، ليكون ذَلِكَ أدعى للطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أخفى الأجل الخاصَّ للمخلوق، وَهُوَ وقت الموت. {لا يجلِّيها لوقتها إِلاَّ هو} لا يظهر أمرها، ولا يكشف خفاء علمها إِلاَّ هو وحده، {ثقلت في السماوات والأرض} أي: كلُّ من أهلها من الملائكة والثقلين أهمَّه شأن الساعة خوفا من عذاب الله، ويتمنَّى أن يتجلَّى له علمها، وشقَّ عليه خفاؤها، وثقل عليه؛ أو ثقلت هي، لأَنَّ أهلها يخافون شدائدها وأهوالها. {لا تأتيكم إِلاَّ بغتة} فجأة عَلَى غفلة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوِّم سلعته فيِ سوقه، والرجل يرفع ميزانه ويخفضه (1). {يسألونك كأنَّك حفيٌّ عنها} كَأَنَّكَ عالم بها، وحقيقتُه كَأَنَّكَ بليغ فيِ السؤال عنها، لأَنَّ من بالغ فيِ المسألة عن الشَّيْء والتنقير (2) عنه استحكم علمه منها. {قل إِنَّمَا علمها عند الله ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون (187)} إِنَّهُ المختصُّ بالعلم بها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يخفظه». وَهُوَ خطأ.
(2) - ... «وانتقر الشيءَ، وتنقَّره ونقَّره ونقَّر عنه، كلُّ ذلك: بَحث عنه، والتنقير عن الأمر: البحث عنه». ابن منظور: لسان العرب، 6/ 702، مادَّة «قلب». (2/58)
صفحة 456
قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضَرًّا إِلاَّ ما شاء الله} إظهارًا للعبودية، وبراءة عَمَّا يَخْتَصُّ بالربوبيَّة من علم الغيب، أي: أنا عبد ضعيف، لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضرٍّ كما كان للمماليك، إِلاَّ ما شاء مالكي من النفع لي والدفع عَنِّي؛ {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسَّني السوء} أي: لكانت حالي عَلَى خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء، حَتَّى لا يَمَسَّني منها شَيء؛ وَقِيلَ: الغيب: الأجل، والخير: العمل، والسوء: الوجل؛ ويحتمل الغيب فيِ الأمور والاختيارية [كذا] (1) المبهمة عليه، فيما يُخَصُّ من أمر دينه ودنياه، {إن أنا إِلاَّ نذير وبشير} إن أنا إِلاَّ عبد أرسلت بشيرا ونذيرا؛ وما من شأني أن أعلم الغيب، {لقوم يؤمنون (188)} (لَعَلَّهُ) بالغيب.
{هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} ليطمئنَّ إليها ويميل، {فَلَمَّا تغشَّاها حملت حملا خفيفا} وهي النطفة، {فمرَّت به} فاستمرَّت به، وقامت وقعدت، {فَلَمَّا أثقلت} حان وقت ثقل حملها، {دعَوَا الله ربَّهما لئن آتيتنا صالحا} لئن وهبت لنا ولدا سويًّا قد صلح بدنه، أو ولدا ذكرا، لأَنَّ الذكورة من الصلاح، أو ولدا (لَعَلَّهُ) نبيًّا. {لنكوننَّ من الشاكرين (189)} أي: لنطيعك به.
{فَلَمَّا آتاهما صالحا} ما طلبا، وَهُوَ ولد مطيع، {جعلا له شركاء فيما آتاهما} (لَعَلَّهُ) لم يجعله الله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ خالصا، وَالمَعْنَى: لم يطع الله سُبحَانَهُ به، {فتعالى الله عَمَّا يشركون (190) أيشركون ما لا يَخلق شيئا وهم يُخلقون (191)} يعني الأصنام والرؤساء والسلاطين والقدماء [كذا]. {ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192)} فيدفعون عنها ما يعتريها.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويمكن أن نقرأ: «ويَحتمِل الغيب فيِ الأمور، والاِختبار به المبهمة عَلَيْهِ»، وَلَعَلَّ الصواب حذف واو العطف. (2/59)
صفحة 457
وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193) إنَّ الذين تدعون (1) من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم} لجلب نفع، أو دفع ضرٍّ، {فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194)} أَنَّهُم مستحقُّوا العبادة من دون الله.
{أَلَهُم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها} الحقَّ، {أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم} واستعينوا بهم فيِ عداوتي، (2) {ثُمَّ كيدونِ} (3) جميعا، فبالغوا فيما تقدرون عليه أنتم [188] وشركاؤكم، {فلا تنظرونِ (195)} فلا تمهلوني فَإِنِّي لا (4) أبالي بكم.
{إن وليِّي} وناصري عليكم {الله الذي نزَّل الكتاب وهو يَتَوَلىَّ الصالحين (196)} لا غير، لأَنَّ من سنَّته أن ينصر الصالحين من عباده ولا يخذلهم.
{والذين تدعون (5) من دونه لا يستطيعون نصركم} لا يدفعون عنكم شَيئا، {ولا أنفسهم ينصرون (197)} ولا يدفعون عنها شيئا يضرُّها، {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198)} وجوه الصلاح.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يدعون»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... كتبت عبارة فيِ الهامش بخطِّ نفس الناسخ، ولا يوجد ما يثبت أَنَّهَا للمؤلِّف أم من إضافة الناسخ، ولم توجد فيِ المتن أي: إحالة إِلَيْهِ، وأثبتناها فيِ سياقها باجتهادنا، وَهَذَا نصُّها: «نفى عنهم هَذِهِ القوى لأَنَّها إن كانت جمادا فهي خالية من ذَلِكَ، فيِ الظاهر والباطن، وإن كانت حيوانا فلا تنفعهم بتلك القوى، فكانت فيِ المعنى كالمعدومة منها».
(3) - ... في الأصل: «كيدوني»، وَهُوَ خطأ.
(4) - ... في الأصل: «فإنِّي الا أبالي».
(5) - ... في الأصل: «يدعون»، وَهُوَ خطأ. (2/60)
صفحة 458
خذ العفو} اهو [كذا] ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم، والدنيا وما فيها، ولا تطلب منهم الجهد وما يشقُّ عليهم حَتَّى لا ينفروا، كقوله - عليه السلام - : «يسِّروا ولا تُعسِّروا». {وأمر بالعرف} هو كلِّ خصلة يرتضيها العقل، ويقبلها الشرع، {وأعرض عن الجاهلين(199)} ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، أو لا تعمل كعملهم، وفسَّرها جبريل - عليه السلام - بقوله: «صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عَمَّن ظلمك، ولا تخن من خانك» (1) .
__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه بهذا اللفظ، وَإِنَّمَا وجدنا:
... - رواية الترمذيِّ عن أبي هريرة بلفظ: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. كتاب البيوع، رقم 1185. وروى نحوه: أبو داود: كتاب البيوع، رقم 3067، 3068. أحمد: مسند المكِّيِّين، رقم 14877. الدارمي: كتاب البيوع، رقم 3484.
... - رواية أحمد بلفظ: «أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ مَنَعَكَ وَتَصْفَحَ عَمَّنْ شَتَمَكَ»، مسند المكِّيِّين، رقم 15065. (2/61)
صفحة 459
وعن الصادق: «أمر الله نبيَّه بمكارم الأخلاق»، وليس فيِ القرآن آيَة مفسِّرة أجمع لمكارم الأخلاق منها، وما سواه ينافي الحكمة، لأَنَّ من أراد الإنصاف من الناس فيِ معاملتهم طلب ما لا يدرَك وتعب. ويوجد عن أبي سعيد فيما أرجو فيِ تأويل هَذِهِ الآيَة قال: فتأوَّل ذَلِكَ المسلمون بالرواية عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «صِل من قطعك، وأعط من منعك، وأنصف من ظلمك، واعف عَمَّن شتمك» (1)، وَهَذَا كلُّه من الحقِّ، وبالحقِّ، وللحقِّ. وقد قال من قال من المسلمين: من عصى الله فينا، أطعنا الله فيه، فلا يكون إِلاَّ هكذا، والله الموفِّق للصواب.
{وَإِمَّا ينزغنَّك من الشيطان نزغ}، وما (2) ينخسنَّك منه نخس، بِأَن يحملك بوسوسته عَلَى خلاف ما أمرت به، وَهُوَ أن تغضب لغير الله، ولا يخرجْكَ غضبك من الحقِّ، {فاستعذ بالله} ولا تطعه، والنزغ: النخس، كَأَنَّهُ ينخس النَّاس حَتَّى يغرَّ بهم عَلَى المعاصي، {إِنَّهُ سميع} لنزغه، {عليم (200)} بدفعه.
{__________
(1) - ... رواه أحمد بلفظ: « ... قَالَ عُقْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَابْتَدَأْتُهُ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِفَوَاضِلِ الأَعْمَالِ، فَقَالَ: “يَا عُقْبَةُ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمَكَ”». أحمد مسند الشاميِّين، رقم 16696، ورقم 16810.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «وَإِمَّا». (2/62)
صفحة 460
إنَّ الذين اتَّقوا إذا مَسَّهم طائف من الشيطان} هي الوسوسة، وَهَذَا تأكيد لما تَقَدَّمَ من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وإنَّ عادة المُتَّقِينَ إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان، وإلمام بوسوسته، {تذكَّروا} أي: رجعوا إِلىَ نور العلم، فامتثلوا ما أمر الله به، وانتهوا عَمَّا عنما (1) نَهَى عنه فيما دعاهم إِلَيْهِ. {فإذا هم مبصرون (201)} أي: انكشف لهم الإشكال فأبصروا الحقَّ فاتَّبعوه، ودفعوا وسوسته، وحقيقة ذَلِكَ أن يفرُّوا منه إِلىَ الله، فيزدادوا بصيرة من الله وبالله.
{وإخوانهم} وَأَمَّا إخوان الشياطين من شياطين الإنس فإنَّ الشياطين من الجنِّ {يمدُّونهم في الغيِّ} يكونون مَدَدا لهم فيه، ويعضدونهم، يمدُّونهم: من الإمداد مدبي [كذا]، وَقِيلَ: لِكُلِّ كافر أخٌ شيطانيٌّ. {ثُمَّ لا يقصرون (202)} ثُمَّ لا يمسكون عن إغوائهم، حَتَّى يصرُّوا ولا يرجعوا. وجاز أن يراد: بالإخوان: الشياطين، ويرجع الضمير المُتَعَلِّق به إِلىَ «الجاهلين»، وَالأَوَّل أوجَه، لأَنَّ «إخوانُهم» فيِ مقابلة: «الذين اتَّقوا»، وَإِنَّمَا جمع الضمير فيِ «إخوانُهم» والشيطان (2)، لأَنَّ المُرَاد به الجنس.
{وإذا لم تأتهم بآية} مقترحة، {قالوا لولا اجتبيتها} هلاَّ اخترتها، أي: اختلقتها كما اختلقت ما قبلها. {قل إِنَّمَا أتَّبع ما يوحى إِليَّ من رَبِّي} ولست بمقترح لها. {هذا بصائر من ربِّكم} هَذَا القرآن [189] بصائر القلوب، بها تبصر الحقَّ، وتدرك الصواب، {وهدى} يهدي إِلىَ الحقِّ، {ورحمة} ينال الرحمة من اتَّبعه، {لقوم يؤمنون (203)} به.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «عنما».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وأفردَه فيِ “الشيطان”». (2/63)
صفحة 461
وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لَعَلَّكُم ترحمون (204)} ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن فيِ الصلاة وغيرها، وَقِيلَ: معناه إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له، والجمهور عَلَى أَنَّ (1) فيِ استماع المؤتمِّ. وإذا كان الاستماع واجبا عَلَى المؤتمِّ فما ظنُّك فيِ الإمام أو المصلِّي وحده إذا قرأ وَهُوَ ساهي القلب!.
{واذكر ربَّك في نفسك} قيل: عامٌّ فيِ الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذَلِكَ، {تضرُّعا وخيفة} متضرِّعا وخائفا. {ودون الجهر من القول} ومتكلِّما كلاما دون الجهر، لأَنَّ الإخفاء أدخل فيِ الإخلاص، وأقرب إِلىَ حسن التفكُّر، {بالغدوِّ والآصال} لفضل هذين الوقتين، وَقِيلَ: المُرَاد: إدامة الذكر باستقامة الفكر، وَمَعْنَى «بالغدوِّ» بأوقات الغدوِّ، وهي الغداة، والآصال جمع أُصُل، والأُصُل جمع أصيل، وَهُوَ العشيُّ، ويمكن أن يريد بِذَلِكَ الصلاةَ، لأَنَّ الذكر صلاة. {ولا تكن من الغافلين (205)} من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه، فتصير مصيدا للشيطان، لأَنَّ الشيطان يخنس عند الذكر.
{إن الذين عند ربِّك} مكانةً ومنزلةً لا مكاناً منزلا، يعني الملائكة، ومن اقتدى بهم من الإنس، {لا يستكبرون عن عبادته} لا يتعظَّمون، ولا يستنكفون، {ويسبِّحونه} وينزِّهونه عَمَّا لا يليق به، {وله يسجدون (206)} يخصُّونه بالعبادة ولا يشركون به غيره، وَهُوَ تعريض للاقتداء بهم حسب الطاقة، لا فيِ وقت دون وقت، ولا فيِ حال دون حال. وَذَلِكَ من مباهاة الله بالملائكة عباده المؤمنين.
سورة الأنفال
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أنَّه». (2/64)
صفحة 462
يسألونك عَن الأنفال، قل: الأنفال لله والرسول} النفل: الغنيمة، لأَنَّها من فضلِ الله وعطائه، والأنفال: الغنائم، سُئل عَن قَسْمِها، فقال لَهُ: إنَّ حكمها مختصٌّ بالله ورسوله، يَأْمُرُ اللهُ بقسمتها رسوله عَلَى مَا تقتضيه حكمته، {فاتَّقُوا الله} فيِ الاختلاف والتخاصم، وكونوا مُتَآخين فيِ الله، {وأصلحوا ذاتَ بينِكم} أحوال بينكم، يعني: مَا بينكم مِنَ الأحوال، حَتَّى تكون أحوالَ أُلفةٍ ومحبَّة واتِّفاق. وقال الزجَّاج: مَعْنَى «ذات بينكم» حقيقة وَصلِكم، والبَيْن الوصل، أَي: فاتَّقُوا الله، وكونوا مجتمعين عَلَى مَا أمر الله ورسوله بِهِ، {وأطيعوا الله ورسوله إن كُنتُم مؤمنِينَ (1)} فإنَّ الإيمان يقتضي ذَلِكَ، لأَنَّ من اختلَّ مِنْهُ الإيمان الحقيقيُّ لاَ تتأتَّى مِنْهُ النيات الخالصة، وَلاَ الأعمال الصالحة، ولا (1) الأقوال الصادقة. يقول: ليس المؤمن الذِي (لَعَلَّهُ) كذَّب الله ورسوله، إِنَّمَا المؤمن الصادق، وعلامة صدقه كما قَالَ:
{__________
(1) - ... في الأصل: «والا»، وهو خطأ. (2/65)
صفحة 463
إِنَّمَا المؤمنون} صفة كاملي الإيمان، {الذِينَ إِذَا ذُكر الله وجِلَت قلوبهم} فزعت لذكره استعظاما لَهُ، وترغيبا لما عنده، وتهيُّبا من جَلاله وعزِّه وسلطانِه، وإذا خُوِّف بالله انقاد خوفا من عقابه، ورجاءً لثوابه، {وإذا تُليت عَلَيْهِم آياتُه} القرآنُ وتأويله، {زادتهم إيمانا} ازدادوا بها يقينا واطمئنانيَّة، لأَنَّ تظاهرَ الأَدِلَّة أقوى للمدلول عليه، وأثبت لقدَمه، أو زادتهم إيمانا بتلك الآيات، لأَنَّهم لم يقفوا عليها بعدُ، ولمعرفتهم لأحكامها زيادة إيمان مَعَ إيمانهم. ويروى عَن عمر بن حبيب أَنَّهُ قَالَ فكانت لَهُ صحة [كَذَا]: «إنَّ للإيمان زيادة ونقصانا»، قيل: فما زيادته؟ قَالَ: «إِذَا ذكرنا الله وحمدناه، فَذَلِكَ زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فَذَلِكَ نقصانه». وَقِيلَ: كتب عمر بن عبد العزيز إِلىَ عديّ بن [190] عديٍّ: «إنَّ الإيمان فرائض وشرائع، وحدود وسننٌ (1)، فمن استكملها استكمل الإيمان»، {وعلى ربِّهم يتوكَّلُونَ (2)} يعتمدون؛ وَلاَ يفوِّضون أمورهم إِلىَ غير ربِّهم، لاَ يخشون وَلاَ يرجون إِلاَّ ربَّهم.
{الذِينَ يُقيمون الصلاة، وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ (3)} جمَع بين أعمال القلوب مِنَ الوجل والإخلاص والتوكُّل، وبين أعمال الجوارح مِنَ الصدقة والصلاة، لأَنَّ أعمال الجوارح لاَ تتأتَّى وَلاَ تستقيم إِلاَّ باستقامة أعمال القلوب؛ لأَنَّ القلب هُوَ السلطان. {أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حقًّا} لأَنَّهُم حقَّقوا إيمانهم، وشهدَ لَهُمُ الدَّلِيل أَنَّهُم عَلَى الحقِّ والصدق؛ {لَهُم درجات} مراتب بعضها فوق بعض، عَلَى قدر الأعمال، {عند ربِّهم ومغفرة} وتجاوز لسيِّئاتهم، {ورزق كريم (4)} صافٍ عَن كدِّ الاكتساب، وخوف الحساب.
{__________
(1) - ... في الأصل: «حدودا وسننا»، وهو خطأ.، أو: «أنَّ للإيمان فرائضَ وشرائعَ، وحدودًا وسننًا». (2/66)
صفحة 464
كما أخرجك رَبُّكَ من بيتك} يريد بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأَنَّهَا مَهجره ومَسكنه، {بِالْحَقِّ} إخراجا مُلتبسا بالحكمة والصواب. {وإنَّ فريقا مِنَ المؤمنين لكارهُونَ (5)} قيل: إِنَّهُم منافقون كرهوا ذَلِكَ اعتقادا، ويحتمل أن يكونوا مخلصِينَ (1)، ويكون ذَلِكَ كراهة طبع، لأَنَّهُم غير متأهِّبين لَهُ. {يُجادلونَك فيِ الحقِّ} الحقّ الذِي جادلوا فِيهِ رسول الله، تلقِّي العير عَلَى تلقِّي النفير لإيثارهم عليه. {بعد مَا تَبَيَّنَ} بعد إعلام رسول الله بِأَنَّهُم يُنصرون، وجدالُهم قولهم: مَا كَانَ خروجنا إِلاَّ للعير، وهلاَّ قلت لَنَا لنستعدَّ، وَذَلِكَ لكراهتهم القتال عَلَى مَا قيل. {كَأَنَّمَا يُساقون إِلىَ الموت وَهُم ينظرُونَ (6)} شبَّه حالهم فيِ فرط فزعهم، وَهُم يُسَار بِهم إِلىَ الظفر والغنيمة بحال من يُقاد إِلىَ القتل، ويُساق إِلىَ الصغار إِلىَ الموت، وَهُوَ مشاهد لأسبابه، ناظر إِلَيْهِا لاَ يشكُّ فِيهَا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «مخصلين»، وهو خطأ. (2/67)
صفحة 465
وإذ يَعِدُكم اللهُ إحدى الطائفتين أَنَّهَا لكم} وهما العير والنفير، {وتودُّون أنَّ غير ذات الشوكة تكون لكم} أَي: العير، وذات الشوكة ذات السلاح، والشوكةُ كَانَت فيِ النفير لعَدَدهم وعدَّتهم، أَي: تتمنَّون أن تكون لكم العير لأَنَّهَا الطائفة التِي لاَ سلاح لها، وَلاَ تريدون الطائفة الأخرى. {ويريدُ الله أن يحقَّ الحقَّ} أَي: يثبته، ويُلقِيه {بكلماته} بِآيَاتِه المنزلة فيِ محاربة ذات الشوكة، وبما أمر المَلاَئِكَة من نزولهم للنصرة، وبما قضى فيِ قتلهم، ولِيَبلو بعضكم ببعض، لتعظيم الأجر، {ويَقطَعَ دابِرَ الْكَافِرِينَ(7)} آخرهم، والدبُرَ: الآخر، وقطعُ الدبر عبارة عَن الاستئصال. يعني: أَنَّكُم تريدون الفائدة العاجلة، وسفساف الأمور، وَاللهُ تَعَالىَ يريد معاليَ الأمور ونصرة الحقِّ، وعلوَّ الكلمة، وشتَّان مَا بين المُرَادين، ولِذَلِكَ اختار لكم الطائفةَ ذات الشوكة، وكَسرَ قوَّتهم بضعفكم، وأعزَّكم وأذلَّهم.
{ليحقَّ الحقَّ} ليثبِّت الإسلام، {ويبطل الباطل} ويُذهب الباطل، أَي: مَا أمركم بقتال الطائفة ذات الشوكة إِلاَّ لإظهار الحقِّ وإثباته، وإبطال الكفر ومَحقِه. {ولو كَره المجرمُونَ(8)} المشركون.
{إذ تَستَغِيثون ربَّكم} لَمَّا علموا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ القتال طَفِقوا يدعون الله، يقولون: «ربِّ انصرنا عَلَى عدوِّك»، {فاستجاب لكم} فأجاب: {أَنِّي ممدُّكم} أَي: مُمدُّكم[كَذَا] {بألف مِنَ المَلاَئِكَة مُردِفِينَ(9)} بكسر الدال وبفتحها عَلَى أَنَّهُ أردفَ كلَّ ملَك ملَكا آخر.
{ (2/68)
صفحة 466
وَمَا جعله الله} أَي: الإمداد الذِي دَلَّ عليه «مُمِدُّكم»، {إِلاَّ بُشرى} إِلاَّ بشارةً لكم بالنصر، كما جعل المال فيِ اليد سببا للرزق، {ولتطمئنَّ [191] بِهِ قلوبكم} لأَنَّ طَبعَ النفوس تطمئن وتسكن إِلىَ مَا تراه عين اليقين، وكقول إبراهيم: {ولكن ليطمئنَّ قلبي} (1). {وَمَا النصرُ إِلاَّ مِن عندِ الله} أَي: وَلاَ تَحسبوا النصر مِنَ المَلاَئِكَة، فإنَّ الناصر هُوَ الله لكم وللمَلاَئِكَة، أو مَا النصر بالمَلاَئِكَة وغيرهم مِنَ الأسباب إِلاَّ مِن عند الله، واختُلِف فيِ قتال المَلاَئِكَة، فقيل: إنَّهم كَانُوا يقاتلون بأيديهم، نَزلوا فيِ صُوَرُ الرجال، عَلَيْهِم ثياب بِيض وعمائم بيض، قد أَرخُوا أذيالها بين أكتافهم؛ وقيل: أنَّهم لم يقاتلوا، وإنَّما كَانُوا يُكثِّرون السواد، ويُثبِّتون المؤمنين، كقوله: {فثبِّتوا الذِينَ آمنوا}، وَإِلاَّ فَمَلَك وَاحِد كاف فيِ إهلاك أهل الدُّنْيَا. {إنَّ الله (2) عزيز} ينصرُ أولياءه، {حكيم (10)} يقهر أعداءه.
{إذْ يُغشِيكم (3) النعاس} النوم، والفاعل هُوَ الله عَلَى القِراءتين (4). {أمَنَة} بمعنى أمنا، فالنوم يُزيح الرعب، ويُريح النفس؛ قيل النعاس فيِ القتال أمنةً، {مِنْه} (5) مِنَ الله، وفي الصلاة مِنَ الشيطان، {وينزِّل عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاء ماء ليطهِّركم بِهِ، ويُذهب عنكم رجزَ الشيطان} طاعته وعبادته، {وليربطَ عَلَى قلوبكم، ويثبِّت بِهِ الأقدام (11)} بالربط، لأَنَّ القلب إِذَا تمكَّن فِيهِ الصبر يُثبِّت الأقدام فيِ مواطن القتال.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 260.
(2) - ... في الأصل: - «الله»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «يغشاكم»، وهو خطأ.
(4) - ... في الأصل: «والفاعفل هو الله عَلَى القراتين».
(5) - ... في الأصل: - «منه»، وهو خطأ. (2/69)
صفحة 467
إذ يُوحي رَبُّكَ إِلىَ المَلاَئِكَة أَنِّي معكم} بالنصر، {فثبِّتوا الذِينَ آمنوا} بالإلهام بالبشرى بالنصر، أو الجنَّة، و قيل: بالمعونة. {سأُلقي فيِ قلوب الذِينَ كَفَرُوا الرعبَ} هُوَ امتلاء القلب مِنَ الخوف، وعدم الثبات [كَذَا] مِنَ المَلاَئِكَة لَهُم، لأَنَّ الذِي يثبِّتهم وهُوَ الشيطان {إِذَا تراءت الفئتان نكصَ عَلَى عَقبَيه، وقال: إِنِّي بريء منكم إِنِّي أرى مَا لاَ ترون ... } (1) الآية. {فاضربوا فوق الأعناق} أَي: أعالي الأعناق التِي هِيَ المذابح، تطييرا للرؤوس، أو إرادة الرؤوس (2)، لأنَّها فوق الأعناق، يعني: ضرب الهَامِ، {واضربوا مِنْهُم كُلَّ بَنَانٍ (12)} هِيَ الأصابع يريد الأطراف، والمَعنَى: فاضربوا المَقاتل.
{ذَلِكَ} إشارة إِلىَ مَا أصابهم مِنَ الضرب والقتل والعقاب العاجل؛ {بأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه} أَي: ذَلِكَ العقاب وقع بسبب مُشاقَّتهم، أَي: مخالفتهم، وهي مشتقَّة مِنَ الشقِّ، كلُّ المتعادين فيِ شقٍّ خلافَ شقِّ صاحبه، وكذا المعاداة والمخاصمة، لأَنَّ هَذَا فيِ عُدوة (3) وخصم، أَي: جانب، وَذَا فيِ عداوة وخصم. {ومن يُشَاقِقِ الله ورسوله، فإنَّ اللهَ شديدُ العقاب (13)} أَي: يُعاقب المشاقِقَ فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{ذلكم فذوقوه وأنَّ للكَافِرِينَ عذابَ النار (14)} أَي: ذوقوا العاجل مَعَ الآجل الذِي لكم فيِ الآخِرَة.
{__________
(1) - ... سورة الأنفال: 48؛ وتمامها: {وإذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وَإِنِّي جارٌ لكم، فَلَمَّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه، وقال: إِنِّي بريءٌ منكم، إِنِّي أرى ما لا تَرَون إِنِّي أخاف الله واللهُ شديد العقاب}.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أو أَرَادَ الرؤوسَ».
(3) - ... «والعِدَى والعُدوة والعِدوة، والعَدوة، كلُّه: شاطئ الوادي». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 714، مادَّة «عدا». (2/70)
صفحة 468
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إِذَا لَقيتم الذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} الزحف: الجيش الدَّهْمُ (1) الذِي يُري لكثرته كأنَّه يَزحف، أَي: يدبُّ دبيبا، من “زَحَفَ الصبيُّ” إِذَا دبَّ عَلَى اُستِه قليلا قليلا. {فلا تُولُّوهم الأدبار (15)} فلا تنصرفوا عَنْهُم منهزمين إِذَا لقيتموهم للقتال.
{ومن يولِّهم يومئذ دُبُره إِلاَّ متحرِّفا} مائلا {لقتال} وَهُوَ الكرُّ بعد الفرِّ، يخيِّلُ عدوَّه أنَّه مُنهزم، ثُمَّ يعطف عليه، وَهُوَ مِن خُدع الحرب، {أو متحيِّزا} مُنضمًّا {إِلىَ فئة} إِلىَ جماعة أُخْرَى مِنَ المُسْلِمِينَ، {فقد باء بغضب مِنَ الله ومأواه جهنَّم وبِئْسَ المصير (16)}.
{فلَمْ تَقتُلوهُم ولكنَّ الله قَتَلَهم} إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم؛ لأَنَّ فيِ الحقيقة لاَ فاعل إِلاَّ الله، وَمَا سواه أفعال وهمية، وهذه الآيَة ناعية للمُعجَبين بأعمالهم، {وَمَا رَمَيتَ إذ رمَيتَ ولكنَّ الله رَمَى} يحتمل إذ رمَيت مجازا ولكنَّ الله رَمَى [192] فيِ الحقيقة، وفي الآيَة بيان أنَّ فِعلَ العبد مُضاف إِلَيْهِ كَسبًا، وإلى الله تعالى خلقا، ومعناه قد عَفَر فيِ وجوه المشركين بكفِّ رمل حين أَخَذ أصحابُه القتال، فكَانَ ذَلِكَ سبب هزيمة أعداء الله. {ولِيُبلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاءً حسنا} لأَنَّ مآل جزائهم بالإحسان، ضدَّ مَا يُبلي غيرهم وَهُوَ العذاب الأدنى، {إنَّ اللهَ سميعٌ} لدعائهم، {عليم (17)} بأحوالهم.
{__________
(1) - ... الدَّهْمُ: الكثير. قال «الأزهريُّ: وَلَمَّا نزل قوله تعالى: {عليها تسعة عشر} قال أبو جهل: “ما تستطيعون يا معشر قريش وأنتم الدَّهم أن يغلب كلُّ عشرة منكم واحدًا منهم” أي وأنتم كثير. وجيش دَهْم: أي كثير». ابن منظور: لسان العرب، 2/ 1027. (2/71)
صفحة 469
ذلكم} إشارة إِلىَ البلاء الحسنِ. {وأنَّ الله موهنٌ كيد الْكَافِرِينَ (18)} إذ لاَ أساس (1) لَهُ وَلاَ مَدَدَ؛، لأَنَّهُ مبنيٌّ عَلَى غرور الشيطان. {إن تَستفتِحوا، فقد جاءكم الفتحُ} إن تستنصروا فقد جاءكم النصر عليكم؛ قيل: هُوَ خطاب لأهل مكَّة، لأنَّهم حين أرادوا أن ينفروا تعلَّقوا بأستار الكعبة، وَقَالُوا: «اللهمَّ إن كَانَ محمَّد عَلَى حقٍّ فانصره؛ وإن (2) كُنَّا عَلَى حقٍّ فانصرنا»، وقيل: «إن تستفتحوا» خطاب للمؤمنين. {وإن تنتهوا} أيُّها الْكَافِرُونَ عَن عداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، {فهو خير لكم، وإن تَعُودوا} لمحاربته {نَعُدْ} لنصرته عليكم، {ولن تُغنِي عنكم فئتُكم} جمعكم {شَيْئًا ولو كثرت} عددا، {وأنَّ الله مَعَ المؤمنِينَ (19)} بالنصر.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا أطيعوا الله ورسوله وَلاَ تولَّوا عَنْهُ} عَن رسول اللهِ {وأنتم تسمعُونَ (20)} آيات الله.
{وَلاَ تكونوا كالذين قَالُوا: سمعنا} أَي: ادَّعوا السماع، {وَهُم لاَ يَسمَعُونَ (21)} لأنَّهم ليسوا بمصدِّقين، وكأنَّهم غير سامعين، والمعنى: أَنَّكُم تصدِّقون بالقرآن والنبوَّة، فإذا تولَّيتم عَن طاعة الرسول فيِ بعض الأمور أشبه سَمَاعُكم سماعَ من لاَ يُؤْمِنُ، ثُمَّ قَالَ:
{إنَّ شرَّ الدوابِّ} أَي: شرُّ من دبَّ عَلَى وجه الأَرْض من خَلقِ الله، {عند الله الصمُّ البكم} عَن الحقِّ، فلا يسمعونه وَلاَ يقولونه، {الذِينَ لاَ يعقلُونَ (22)} أَمْرَ الله، أنَّ شرَّ من يدبُّ عَلَى وجه الأَرْض، أو أنَّ شرَّ البهائم الذِينَ هم صمٌّ عَن الحقِّ لاَ يعقلونه، جعلهم من جنس البهائم، ثُمَّ جعلهم أشرَّ منها؛ لأنَّهم عاندوا الحقَّ وكابروا العقل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ساس»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «ون»، وهو خطأ. (2/72)
صفحة 470
ولو عَلِمَ الله فِيهِم} فيِ هؤلاء الصمِّ البكم {خيرا} صدقا ورغبة، {لأَسمَعَهم} لَجَعَلهم سامعين حتَّى يسمعوا سماع المصدِّقين، {ولو أسمَعَهم} بعد أن علم أن لاَ خير فِيهِم، مَا انتفعوا بِهِ، {لتولَّوا} عَنْهُ، ولو أسمعهم وصدَّقوا لارتدُّوا بعد ذَلِكَ ولم يستقيموا، أو ولو فهَّمهم معانيَ آياته لتولَّوا عَن العمل بها، {وَهُم معرضُونَ (23)} عَن الإيمان والعمل بمقتضاه.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا استَجِيبُوا لله وللرَّسول} للطاعة {إِذَا دعاكم} وَالمُرَاد بالاستجابة: الطاعة والامتثال، وبالدعوة: البعث والتحريض. {لِمَا يُحيِيكم} الحياة الأبديَّة، من علوم الديانات والشرائع، لأَنَّ العلم حياةٌ، كما أنَّ الجهلَ موتٌ، {واعلموا أنَّ الله يَحول بين المرءِ وقلبه} أوجب عَلَى (1) المبادرة إِلىَ إخلاص القلوب، وتصفيتها قبل أن يَحول الله بينه وبين قلبه بالموت وغيره، فَيُمِيته، فتفوته الفرصة التِي هُوَ واجدها، وهي التمكُّن من إخلاص القلب، فاغتنموا هَذِهِ الفرصةَ وأخلصوا قُلوبَكم لطاعته، لأَنَّ القلوب تحيا وتموت، {وأنَّه إِلَيْهِ تحشرُونَ (24)}.
{واتَّقُوا فتنةً لاَ تصيبنَّ الذِينَ ظلموا منكم خاصَّة} واتَّقُوا فتنة، أَي: معصية ظهرت بين أظهركم من فاعلها، اتَّقُوها بالنهي لفاعلها، وأمروه بضدِّها وَهُوَ المعروف، فَإِنَّكُم إن لم تفعلوا أصابتكم عاقبةَ الفتنةِ الذِينَ أتوها أَنتُم وإيَّاهم، فَهُم استحقُّوا العقوبة بفعلهم لها، وأنتم بتركِكُم الأمرَ بالمعروف والنهيَ عَن المنكر. {واعلموا أنَّ الله شديد العقاب (25)} لمن ارتكب المعاصي [193] ولمن ترك الأمرَ بالمعروف والنهيَ عَن المنكر.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «على». (2/73)
صفحة 471
واذكروا إذ أَنتُم قليلٌ مُستَضعَفُونَ فيِ الأَرْض} قيل: أرضُ مكَّة قبل الهجرة، {تخافون أن يَتَخَطَّفَكم الناسُ} لأَنَّ الناس كَانُوا لهم أعداءً مضادِّين {فآواكم} إِلىَ المدينة، {وأيَّدَكم بنصرِه} بمظاهرة الأنصار، وبإمداد المَلاَئِكَة، {ورزقَكُم مِنَ الطَّيِّبَات} مِنَ الغنائم، أو رزقكم أطيب مِمَّا هاجرتم عَنْهُ، {لَعَلَّكُم تَشكرُونَ(26)} نِعَمَ الله التِي أوجدها لكم.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تخونوا الله} بِأَنَّ تُعطِّلوا فرائضه، {والرسول} بِأَن لاَ تستنُّوا بسنَّته، {وتخونوا أماناتكم} فيما بينكم بِأَن لاتحفظوها، {وأنتم تَعْلَمُونَ(27)} أنَّها أمانةٌ، أو تَبِعةَ ذَلِكَ وَوَبالَه، أو {وأَنتُم تَعْلَمُونَ} أَنَّكُم تخونون، ومعنى الخون: النُّقص، كما أنَّ معنى الوفاء: التمام.
{واعلموا أَنَّمَا أموالكم وأولادكم فتنةٌ} أَي: سببُ الوقوع فيِ الفِتنة، وهي الإثم والعذاب، أو محنةُ مِنَ الله ليبلوكم كيف تحافظون فِيهِم عَلَى حدوده، {وأنَّ الله عنده أجر عظيم(28)} إِذَا امتثلتُم فيِ فتنةِ أموالكم وأولادكم أمرَ الله فيما ابتلاكُم بِهِ.
{ (2/74)
صفحة 472
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إن تتَّقوا الله يَجعَلْ لكم فرقانا} هداية فيِ قلوبكم تفرقون بها بين الحقِّ والباطل، ومخرجًا مِنَ الشبهات، وشرحا فيِ الصدور، وذَلِكَ إِذَا طهَّرتم قلوبكم مِن الهوى والمرض مخافة عقوبته، أبصرتم بعين البصيرة الميزَ بَين الحقِّ والباطل، لقوله تعالى: {ومن يتَّق الله يجعل لَهُ مَخرجًا ويرزقْه من حيث لاَ يَحتسِبُ} (1) أَي: إن اتَّقيتم الله يجعل لكم مخرجًا مِنَ الشبهات. {ويكفِّر عنكم سيِّئاتكم} أَي: الصغائر، {ويَغْفِر لكم} ذنوبكم أَي: الكبائر، {والله ذو الفضل العظيم (29)} لمن اتَّقَاه، فجعل الله تعالى فُرقانه وتكفيرَه للسيِّئات وغفرانَه للذُّنوب بملازمة تقواه لاَ غير، فلا مطمع فيِ الارتقاء فيِ تلك المنازل السَّنيَّة، إِلاَّ بملازمة تقواه بفعل مَا أَمَر بِهِ وتَرك مَا نهى عَنْهُ.
{وإذْ يمكر بك الذِينَ كَفَرُوا} قيل: لمَّا فتح الله عليه ذكَّرَه مَكْر قريش بِهِ حين كَانَ بمكَّة، ليشكر نعمة الله فيِ نجاته من مكرهم، واستيلائه عليهم، {ليُثبِتوك} ليحبسوك ويوثقوك، {أو يقتلوك} بسيوفهم، {أو يُخرجوك} من مكَّة، {ويَمكرون} ويخفون المكائد لَهُ، {ويَمكُرُ اللهُ} ويُخفي الله مَا أعدَّ لَهُم حتَّى يأتيهم بغتةً من حيث لاَ يشعرون، {والله خير الماكرِينَ (30)} أَي: مَكْرُه أبعد من مكرهم وأبلغ تأثيرا؛ لأَنَّ مكره عَلَى قدر عظمته، وعظمتُه ليست متناهيةً إِلىَ حدٍّ، ومكرُ الله: التدبير بِالْحَقِّ.
{وإذا تُتلَى عَلَيْهِم آياتنا} أَي: القرآن، {قَالُوا: قد سمعنا لو نشاء لقُلنَا مثل هَذَا، إن هَذَا إِلاَّ أساطير الأولِينَ (31)} وذلك من تعاظُم وقاحتِهم، لأنَّهم دُعوا إِلىَ أن يأتوا بسورة مِن مِثل القرآن، فلم يأتوا بها.
{__________
(1) - ... سورة الطلاق: 2 - 3. (2/75)
صفحة 473
وإذ قَالُوا: اللَّهُمَّ إن كَانَ هَذَا هُوَ الحقَّ من عندك، فأمطر علينا حجارةً مِنَ السَّمَاء} روي أن النضر بن الحارث لمَّا قَالَ: {إن هَذَا إِلاَّ أساطير الأوَّلين} (1) قَالَ لَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ويلك إنَّ هَذَا كلام الله» فرفع النضرُ رأسه إِلىَ السَّمَاء وقال: {إن كَانَ هَذَا هُوَ الحقَّ من عندك، فأمطر علينا حجارةً مِنَ السَّمَاء} (2) أَي: إن كَانَ القرآن هُوَ الحقُّ، فعاقبنا عَلَى إنكاره بالسجِّيل كما فعلتَ بأصحاب الفيل، {أو ائتِنَا بعذاب أليم (32)} بنوع آخر، فقيل: إِنَّهُ قتل يوم بدرٍ صبرًا.
{__________
(1) - ... سورة الأنعام: 25.
(2) - ... قائل هَذَا هو أبو جهل لا النضر بن الحارث عند البخاري ومسلم، فقدر روى البخاريُّ، عَنْ عَبْدِالْحَمِيدِ هُوَ ابْنُ كُرْدِيدٍ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فَنَزَلَتْ {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } الآيَةَ. البخاري: كتاب تفسير القرآن، رقم 4281، 4282. مسلم: كتاب صفة القيامة والجنَّة والنار، رقم 5004. (2/76)
صفحة 474
وَمَا كَانَ الله ليعذِّبَهم وأنتَ فِيهِم} الدلالة عَلَى أن تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مُسْتَقِيم، لأنَّك بُعثت رحمةً للعالمين؛ وسنَّته أن لاَ يعذِّب قومًا عذابَ استئصال، ما دام بَيْنَهُم بين أظهُرِهم، وفيه إشعار بأنَّهم مُرصَّدون بالعذاب إِذَا هاجر عَنْهُم، {وَمَا كَانَ الله مُعذِّبهم [194] وَهُم يستغفرُونَ(33)} معناه نفى الاستغفار عَنْهُم، أَي: ولو كَانُوا مِمَّن يُؤْمِنُ ويستغفر مِنَ الكفر لَمَا عذَّبهم، أو معناه: وَمَا كَانَ الله معذِّبهم وفيهم من يستغفر، وَهُم المُسْلِمُونَ بين أظهرهم مِمَّن تخلَّف عَن رسول الله مِنَ المستضعفين لعذر.
{وَمَا لَهُم ألاَّ يعذِّبهم الله} أي: وما كان الله ليعذِّبهم وأنت فيهم، وهو معذِّبهم إذا فارقتهم {وَمَا لَهُم ألاَّ يعذِّبهم الله وَهُم يصدُّون عَن المسجد الحرام} وكيف لاَ يُعذَّبون وحالهُم أنَّهم يصدُّون عَن المسجد الحرام، أَي: يمنعون المؤمنين الطواف بالبيت، وكَانُوا يقولون: نَحْنُ ولاَّة البيت والحرَمِ، فنصدُّ من نشاء ونُدخل من نشاء، فقيل: {وَمَا كَانُوا أولياءه} وَمَا استحقُّوا مَعَ إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاَّة أمر الحرم، ولعلَّهم يظنُّون أنَّهم أولياؤه بمخالفتهم لأوليائه وَهُم المتَّقون، كما قَالَ: {إنْ أولياؤُه إِلاَّ المتَّقون ولكنَّ أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ(34)} ذَلِكَ من قلَّة تدبُّرهم، فوُلاَّة أمور الإسلام كلِّها مَن اتَّقى الله إِلاَّ مَا خُصَّ بِهِ غيرهم مِمَّا جعلوا فِيهِ أولياء.
{ (2/77)
صفحة 475
وَمَا كَانَ صلاتُهم عند البيت إِلاَّ مُكاءً} صفير كصوت المكاء، وَهُوَ طائر مليح الصوت أبيض، يكون بالحجاز لَهُ صفير فيما قيل؛ {وتصديَة}: وتصفيقا، كَانُوا يفعلون نحو ذَلِكَ إِذَا قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيِ صلاته يخلطون عليه فيما قيل؛ {فذوقوا العذاب} عذاب القتل والأسر، أو عام العذاب (1) الأدنى. {بِمَا كُنتُم تكفرُونَ (35)} بسبب كفركم.
{إنَّ الذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُون أموالهم لِيَصُدُّوا عَن سبيل الله} أَي: كَانَ غرضهم فيِ الإنفاق الصدُّ عَن اتِّباع محمَّد - عليه السلام -، وَهُوَ سبيل الله، {فسيُنفِقونها، ثُمَّ تكون عَلَيْهِم حسرةً} ثُمَّ تكون عاقبة إنفاقهم ندما وحَسرَة؛ لأَنَّ كلَّ نفقةٍ وعملٍ لغير الله تكون حسرة عَلَى فاعله. {ثمَّ يُغلَبون} آخر الأمر، وإن كَانَ الحربُ سجالا قبل ذَلِكَ؛ وَهُوَ من دلائل النبوَّة، لأنَّه أُخبر عَنْهُ قبل وقوعه، فكَانَ كما أُخبر. {وَالذِينَ كَفَرُوا إِلىَ جهنَّم يُحشَرُونَ (36)}.
{ليَمِيزَ الله الخبيثَ مِنَ الطيِّب} ليميز الكافرين مِنَ المؤمنين، {ويجعل الخبيثَ بعضَه عَلَى بعضٍ فيركُمَه} فيجمعه، ومنه السحاب المركوم: وَهُوَ المجتمِع الكثيف، {جميعا، فيجعله فيِ جهنَّم} فيِ الآخِرَة، أو فيِ طريقها فيِ الدُّنْيَا، كما قَالَ: {وَلاَ لِيهدِيَهُم طريقا إِلاَّ طريقَ جهنَّم} (2). {أُولَئِكَ هُمُ الخاسرُونَ (37)} الكاملون فيِ الخسران، لأنَّهم خسروا الدُّنْيَا والآخِرَة بذهاب رأس المال والربح، لأَنَّ تجارتهم قد بَارَت، فلا يُرجى لها نَفاق.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أو عامٌّ للعذاب».
(2) - ... سورة النساء: 168 - 169. (2/78)
صفحة 476
قل للذين كَفَرُوا: إن ينتهوا} عمَّا هم عَلَيْهِ {يَغْفِرْ لَهُم مَا قد سَلَفَ} مِنْهُم مِنَ العداوة، وَمَا عَملوه، وَهُوَ وعدٌ لِكُلِّ تائب بالتوبة، والقبول إِذَا صحَّت؛ وقيل: مخصوصة للمتديِّنين أن لاَ غُرم عليهم؛ {وإن يعودوا} لِمَا كَانُوا عليه مِنَ الكفر، {فقَد مَضَت سنَّة الأوَّلِينَ(38)} بالإهلاك فيِ الدُّنْيَا والعذابِ فيِ العقبى.
{وقاتلوهم حتَّى لاَ تكونَ فتنةٌ} حتَّى لاَ يبقى مِنْهُم إِلاَّ مسلم أو مستسلم، ولم توجد فِيهِم معصيةٌ ظاهرة يجب إنكارها، بدليل قوله: {ويكون الدينُ كلُّه لله} ويضمحلَّ عَنْهُم كلُّ دين باطل، ويبقى فِيهِم دين الإسلام وحده، {فإن انتهوا} عَن الكفر وأسلموا، {فإنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ بصير(39)} يثبِّتهم عَلَى إسلامهم.
{وإن تولَّوا} أعرضوا عَن الإيمان، ولم ينتهوا، {فاعلموا أنَّ الله مولاكم} ناصرُكم ومعينُكم، فثِقوا بوَلاَيته ونُصرَته؛ {نِعمَ المولى} لاَ يضيع من تولاَّه، {ونِعمَ النصير(40)} لاَ يُغلب من نَصَرَه.
{واعلموا أنَّما غَنِمتم من شيء فأنَّ لله خُمُسَه وللرسولِ ولذي القربَى واليتامى [195] والمساكين وابن السبيل إن كُنتُم آمنتم بالله} فاعملوا بِهِ، وارضوا بهذه القسمة، فالإيمان يُوجِب الرضى بالحكم، والعمل بالعلم، {وَمَا أنزلنا} أَي: إن كُنتُم آمنتم بالله وبالمنزَل {عَلَى عبدِنا يوم الفرقانِ} يوم بدر، لأَنَّهُ فرَّق فيه بين الحقِّ والباطل، {يوم التقى الجمعان} الفريقان مِنَ المُسْلِمِينَ والْكَافِرِينَ، وَالمُرَاد: مَا أنزل عليه مِنَ الآيات والمَلاَئِكَة والفتح، لأَنَّ عَلَى المؤمن أن يُؤْمِنُ بجميع مَا يرى مِنَ الآيات، {والله عَلَى كُلِّ شيء قدير(41)} يقدر عَلَى أن ينصر القليل عَلَى الكثير.
{ (2/79)
صفحة 477
إذ أَنتُم بالعُدوَة} شطُّ الوادي وشفير الوادي {الدُّنْيَا} القربى إِلىَ جهة المدينة، تأنيث الأدنى، {وَهُم بالعدوة القُصوى} البُعدَى عَلَى المدينة تأنيث الأقصى، {والركبُ} أَي: العير، أبا سفيان وأصحابه، وَهُوَ جمع راكب فيِ المعنى، {أسفلَ منكم} وفائدتها الدلالة عَلَى قوَّة العدوِّ، واستظهارهم بالركب، وحرصهم عَلَى المقاتلة عنها، وتوطين نفوسهم عَلَى أن لا تخلو مراكزهم، ويبذلوا منتهى جهدهم، وضعف شأن المُسْلِمِينَ؛ وكذا ذكر مراكز الفريقين، فإنَّ العدوة الدُّنْيَا ــ قيل ـ كَانَت رخوة تسوخ (1) فِيهَا الأرجل، بخلاف العدوة القصوى. {ولو تواعدتم} أَنتُم وأهل مكَّة، وتواضعتم بينكم عَلَى موعد تلتقون فِيهِ للقتال؛ {لاختلفتم فيِ الميعاد} لخالف بعضكم بعضا، فثبَّطكم قلَّتكم وكثرتهم مِنَ الوفاء بالموعد، وثبَّطهم مَا فيِ قلوبهم من تهيُّب رسول الله والمسلمين، فلم يتَّفق لكم مِنَ التلاقي، {ولكن} جمع بينكم بلا ميعاد، {ليقضيَ الله أمرا كَانَ مفعولا} من إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، ونصر أوليائه، وإهلاك أعدائه، وَمَا أَرَادَ كونَه فهو مفعول لاَ محالة. {__________
(1) - ... «ساخت بهم الأَرْض تَسُوخ سَوْخًا وسُؤوخا وسَوَخانا: إِذا انخسفت، وكذلك الأقدام تسوخ في الأَرْض وتسيخ: تدخل فيها وتغيب، مثل ناخت، وَفيِ حديث سُراقة والهجرة: “فساخت يد فرسي”، أي غاصت في الأَرْض، وَفيِ حديث موسى عَلَى نبيِّنا وعليه الصلاة والسلام: “فساخ الجبل وخرَّ موسى صعقا”، وَفيِ حديث الغار: “فانساخت الصخرة”، كذا روي بالخاء، أي غاصت في الأَرْض، قال: وَإِنَّمَا هو بالحاء المهملة ... وساخت الرِّجْل تسيخ كذلك مثل ناخت». ابن منظور: لسان العرب، 3/ 233. (2/80)
صفحة 478
ليَهلِكَ مَن هَلَك عَن بيِّنة} عَن حجَّة، {ويحيَا مَن حيِيَ عَن بيِّنة} استعير الهلاك للكفر والحياة للإسلام، أَي: ليصدر كفر من كفر عَن وضوح بيِّنة لاَ عَن مخالجة شبهة، حتَّى لاَ يبقى عَلَى الله حجَّة، ويصدر إسلام من أسلم عَن يقين وعلم بأنَّه دين الحقِّ الذِي يجب الدخول فِيهِ والتمسُّك بِهِ، وذلك أنَّ وقعة بدر مِنَ الآيات الواضحة التِي مَن كفر بعدها كَانَ مكابرا لنفسه مغالطا لها، ولهذا ذكر فِيهَا مراكز الفريقين، وَأَنَّ العير كَانَت أسفلَ مِنْهُم، مَعَ أنَّهم قد عملوا ذَلِكَ كلَّه مشاهدة، ليَعلم المحقُّ أنَّ النصر والغلبة لاَ تكون بالكثرة والأسباب، بَل بالله تعالى؛ وذلك أنَّ العدوة القصوى التِي أناخ بها المشركون كَانَ فِيهَا الماء، وكانت أرضا لاَ ناس بها وَلاَ ماء، بالعدوة الدُّنْيَا، وهي خَبَار (1) تسوخ فِيهَا الأرجل، وَلاَ تمشى فِيهَا إِلاَّ بتعب، وكَانَ العير وراء ظهور العدو، مَعَ كثرة عددهم وعدَّتهم، وقِلَّة المُسْلِمِينَ وضعفهم، ثُمَّ كَانَ مَا كَانَ. {وإنَّ الله لسميع} لأقوالهم، {عليم (42)} بكفر مَن كفر، وإيمان من آمن.
{__________
(1) - ... «والخَبارُ من الأَرْض: ما لانَ واسترخى، وكانت فيه جِحَرة». ابن منظور: لسان العرب، 2/ 784. (2/81)
صفحة 479
إذ يُرِيكَهم الله} أَي: يعلم المَصَالح إذ يقلِّلهم فيِ عينك، {فيِ منامك قليلا} أَي: رؤياك، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ أراهم إيَّاه فيِ رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فكَانَ ذَلِكَ تشجيعا لَهُم عَلَى عدوِّهم، وقيل: فيِ منامك أَي: فيِ عينك، لأَنَّ العين موضعُ النوم، {ولو أراكهم كثيرا لفشلتم} لَجَبُنتُم وهِبتُم الإقدام، {ولتنازعتم فيِ الأمر} (لعلَّه) أمرُ القتال، وتردَّدتم بين الثبات والفرار؛ {ولكنَّ الله سَلَّم} عَصَمَ، وأنعم بالسلامة مِنَ الفشل والتنازع والاختلاف. {إِنَّهُ عليم بذات الصدور(43)} يعلم مَا سيكون منها مِنَ الجُرأة [196] والجبن والصبر والجزع، وقيل: مَا فيِ صدركم مِنَ الحبِّ لله.
{ (2/82)
صفحة 480
وإذ يُريكُمُوهُم إذِ التقيتم} وقت اللقاء {فيِ أعينكم قليلا} وإنَّما قلَّلهم فيِ أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليعاينوا مَا أخبرهم بِهِ فيزداد يقينهم ويجدُّوا ويثبتوا، {ويقلِّلُكم فيِ أعينِهم} عينهم، قيل: حتَّى قَالَ قائل مِنْهُم: إِنَّمَا هم أكلةُ جَزُورٍ، ويجوز فيِ حكمة الله أن يبصروا الكثير قليلا، والكثير مِنَ الأمور صغيرا، والعظيم حقيرا (لعلَّه) من أمر الدين والدُّنْيَا، وكذلك بالعكس حتَّى يَنفُذ علمُه فيِ خلقه، فيَثبُتَ الحقُّ، وتضمحلَّ الوهميَّات، وَإِلاَّ فمتى هان عذاب الله للكَافِرِينَ معهم، (لعلَّه مِنْهُم)، فيِ جهنَّم إِلاَّ كما قَالَ: {وتحسبونه هيِّنا وَهُوَ عند الله عظيم} (1)، وكذلك ثواب الله فيِ قلب من كفر، (لعلَّه) تحقير مَعَ تعظيم الله له، فلا رادَّ لقضائه، يحكم فيِ خلقه بِمَا يَشَاء قسطا وعدلا، وانظر فيِ تعظيم الناس للدُّنيا مَعَ حقارتها عند الله، وَهَذَا حال يتَّسع فِيهِ النظر والفكر لأولي الألباب. {ليقضيَ اللهُ أمرا كَانَ مفعولا} وَهَذَا مِمَّا يعظِّم الخوف فيِ قلوب أولياء الله، خوفا مِنْهُم من تَقلُّب الأحوال بهم؛ لأَنَّ السعيد فيِ علم الله سعيدٌ لاَ محال (2)، والشقيُّ فيِ علم الله شقيٌّ لاَ محال (2مكرر)، {وإلى الله تُرجع الأمور (44)} فيحكم فِيهَا بِمَا يريد.
{__________
(1) - ... سورة النور: 15.
(2)، 2مكرر- كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «محالة». (2/83)
صفحة 481
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إِذَا لَقيتُم فِئةً} إِذَا حاربتم جماعةً مِنَ الكفَّار؛ وتَرَك وصفها، لأَنَّ المؤمنين مَا كَانُوا مَا يَلقَون إِلاَّ الكفار، واللقاء اسم غالب للقتال، {فاثبُتوا} لقتالهم وَلاَ تفرُّوا، {واذكروا الله كثيرا} أَي: وأكثروا ذكر الله بالتكبير والتهليل عند النزال والقتال، أَي: اذكروا ثوابه لمن ثبت وصبر، وعقابه لمن تولَّى ودبر، واثقين بوعده أنَّ النصر مَعَ الصبر، {لَعَلَّكُم تفلحُونَ(45)} تَظفرون بمرادكم مِنَ النصرة والمثوبة، وفيه إشعار بِأَنَّ عَلَى العبد أن لاَ يَفتُر عَن ذِكر ربِّه أشغل مَا يكون قلبا، وأكثر مَا يكون همًّا؛ وأن تكون نفسه فيِ الحقيقة مجتمعة لذلك، وإن كَانَ فيِ الظاهر متوزِّعة عَن غيره.
{وأطيعوا الله ورسوله} فيِ الأمر بالجهاد، والثبات مَعَ العدوِّ وغيرهما، {وَلاَ تَنازَعوا فتفشلوا} فتَجبُنوا، {وتَذهبَ رِيحكم} أَي: دولتكم، يقال: هبَّت رِياح فلان، إِذَا دالت لَهُ الدولة، وأنفذ أمره، {واصبروا} عَلَى جميع مَا أمر الله بِهِ ونهى عَنْهُ، {إنَّ الله مَعَ الصابرِينَ(46)} بالحفظ والمعونة.
{وَلاَ تكونوا كالذين خَرجوا مِن ديارهم بَطرا ورئاء الناس} البَطَر: أن يشغله (لعلَّه) ذكر كفر النعمة عَن شكرها، وَهُوَ الفخر والأشر؛ وقيل البَطَر: الطغيان فيِ النعمة؛ والرياء: إظهار الجميل لِيُرى، وسَتر القبيح. {ويصدُّون عَن سبيل الله} عَن دينه، {والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحيط(47)} عالم وَهُوَ وعيد.
{ (2/84)
صفحة 482
وإذ زيَّن لَهُمُ الشيطان أعمالهم، وقال: لاَ غالبَ لكم اليومَ مِنَ الناس} تلك مقالة نفسانيَّة، والمَعنَى أنَّه: ألقى في روعهم الظنَّ الكاذب، وخيَّل إِلَيْهِم أنَّهم لاَ يُغلبون، وَلاَ يُطاقون لكثرة عَددهم وعُددهم، وأوهمهم أن اتِّباعهم إيَّاه فيما يظنُّون أنَّها قُربات مجير لَهُم، بدليل قوله: {وإنِّي جارٌ لكم؛ فَلَمَّا تراءت الفئتان} مَعَ ظهور الحقِّ وزهوق الباطل، {نَكَصَ عَلَى عَقِبيه} أَي: بَطُلَ كيدُه، وعاد مَا خَيَّل لَهُم أنَّه مجيرهم بسبب هلاكهم، {وقال: إِنِّي بريء منكم، إِنِّي أرى مَا لاَ تَرَون إِنِّي أخاف الله} أَي: تبَرَّأَ مِنْهُم، وحاف [197] عليهم (1)، وأَيِس من حالهم [لَمَّا] رأى إمداد الله المُسْلِمِينَ بالمَلاَئِكَة، ورؤيته للإمداد بالمَلاَئِكَة (لعلَّه) إمَّا بالبصر وَإِمَّا بالبصيرة، أو بهما جميعا، وَهُم (لعلَّه) معدمون من رؤية الحالين باتِّباعهم إيَّاه، {والله شديد العقاب (48)} لمن كفر فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{إذ يقول المنافقون وَالذِينَ فيِ قلوبهم مرض} هُوَ من صفة المنافقين، أو أريدَ الذِينَ هم عَلَى حرفٍ ليسوا بثابتي الأقدام فيِ الإسلام: {غرَّ هؤلاء دينُهم} يعنون أنَّ المُسْلِمِينَ اغترُّوا بدينهم، فخرجوا وَهُم فيما قيل: ثلاثمائة وبضعة عشر إِلىَ زَهَاء ألف، ثُمَّ قَالَ جوابا لَهُم: {ومن يَتَوَكَّلُ عَلَى الله} يَكِلُ إِلَيْهِ أمره، {فإنَّ الله عزيز} غالب يسلِّط القليلَ الضعيفَ عَلَى الكبير القويِّ، {حكيم (49)} لاَ يسوِّي بين وليِّه وعدوِّه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «خاف منهم». (2/85)
صفحة 483
ولو تَرَى} ولو عايَنتَ وشاهدتَ، {إذ يتوفَّى الذِينَ كَفَرُوا} يَقبض أرواحَهم، ولو كَانُوا فيِ الظاهر مقتولين بالسيف، (لعلَّه) فإنَّ أوَّل مَا يلاقيهم ضَرب المؤمنين بالسيف أو مَا يشبهه، ثُمَّ تضربهم {المَلاَئِكَة} يتوفَّونهم المَلاَئِكَة {يضربون وجوههم} إِذَا أقبلوا، {وأدبارهم} إِذَا انهزموا؛ لرأيت أمرا عظيما وعذابا شديدا، {وذوقوا} ويقولون لَهُم: ذوقوا {عذاب الحريق (50)}، أَي: مقدِّمةَ عذابَ النار، أو ذوقوا عذابَ الآخِرَة، بشارة لَهُم بِهِ.
{ذَلِكَ بِمَا قدَّمت أيديكم} أَي: كسبت، أي: ذَلِكَ العذاب بكفركم ومعاصيكم، {وأنَّ الله ليس بظلاَّم للعبيد (51)} لأَنَّ تعذيب الكفَّار مِنَ العدل وقيل: «ليس بظلاَّم» لنفي أنواع الظلم.
{كَدَأبِ (1) آلِ فِرعون} أَي: دَأبُ هؤلاء مثل دأب آل فرعون، ودَأبُهم: عادتهم وعملهم الذِي دأبوا فِيهِ، أَي: داموا عليه، {وَالذِينَ مِن قبلهم} من قبل قريش أو قبل آل فرعون {كَفَرُوا} تفسيرٌ لدأب آل فرعون {بِآيَاتِ الله، فأخذهم الله بذنوبهم، إنَّ الله قويٌّ شديد العقاب (52)} والمَعنَى جَرَوا عَلَى عادتهم فيِ التكذيب، فأَجرَى عَلَيْهِم مثل مَا فَعَلَ بهم فيِ التعذيب.
{__________
(1) - ... في الأصل: «كدب»، وهو خطأ. (2/86)
صفحة 484
ذَلِكَ} العذاب والانتقام، {بأنَّ الله لم يَكُ مغيِّرا نعمةً أنعمها عَلَى قوم حَتَّى يغيِّروا مَا بأنفسهم} بسبب أنَّ الله لم يصحَّ في حكمته أن يغيِّر نعمته عند قوم، حَتَّى يغيِّروا مَا بهم مِنَ الحال؛ لأنَّ الله تعالى أوجدهم مِنَ العدم إِلىَ الوجود، وجعل لَهُمُ السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ والقوى، والسَّمَاء والأَرْض، وَمَا فيهمَا نعمةً مِنَ الله ليشكروها، ويستعينوا بها في طاعته؛ ولم يكن ثَمَّ من سنَّته أن يغيِّرها عَلَيْهِم، إلاَّ أن يغيِّروا مَا بأنفسهم، وتغييرهم لها: إهمالهم لها، وعدم استعمالهم لها، وكفرانهم إيَّاهَا، {وأنَّ الله سميعٌ} وعدٌ لمن لم يغيِّر ولم يبدِّل، ووعيد لمن غيَّر (1) وبدَّل، {عليم (53)} بِمَا يفعلون.
{كدأب آل فرعون} تكرير للتَّأكيد، أو لأنَّ الأَولى الأخذ بالذنوب بلا ... (2) ذَلِكَ، وهنا بَيَّن ذَلِكَ هُوَ الإهلاك والاستئصَال [كَذَا]. {وَالذِينَ مِن قَبلِهم كذَّبوا بِآيَاتِ ربِّهم} فيِ قوله: {بِآيَاتِ رَبِّهم} زيادة دلالة عَلَى كفْرانِ النعَم، وجحود الحقِّ؛ {فأهلكناهم بذنوبهم، وأغرقنا آل فرعون وكلٌّ} مِن غَرْقَى آل فرعون وقتلى قريش {كَانُوا ظالمِينَ (54)} أنفسَهم، من حيث أنَّهم غيَّروا مَا بها مِنَ النعَمِ فاستبدلوا بها النقم.
{إنَّ شرَّ الدوابِّ عند الله الذِينَ كَفَرُوا فَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ (55)} و (لعلَّه) إخبار عَن قوم مطبوعين عَلَى الكفر، أنَّهم لاَ يُؤْمِنُونَ.
{الذِينَ عاهدتَ مِنْهُم} بدلٌ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا، أَي: الذِينَ عاهدتَهُم من [198] الذِينَ كَفَرُوا جَعَلَهم شرَّ الدوابِّ، {ثُمَّ ينقضُون عهدهم فيِ كُلِّ مرَّة} فيِ كُلِّ معاهدة، {وَهُم لاَ يتَّقُونَ (56)} لاَ يخافون عاقبة الغدر، وَلاَ يُبالون مَا فِيهِ العار والنار.
{__________
(1) - ... في الأصل: + «غير».
(2) - ... طمس في الأصل قدر كلمة، رسمها: «للا». (2/87)
صفحة 485
فإمَّا تَثقفَنَّهم فيِ الحرب} فإمَّا تصادفنَّهم وتظفرنَّ بهم، {فشرِّد بهم مَن خَلفَهم}، ففرِّق عند عَن (1) محاربتك ومناصبتك بقتلهم شرَّ قتلة، والنكاية فيهم مَن وراءَهم (2) مِنَ الكفرة؛ حتَّى لاَ يجسر عليك بعدهم أحد اعتبَارًا بهم واتِّعاظًا بحالهم {لَعَلَّهُم يذَّكرُونَ (57)} لعلَّ المشرَّدين من ورائهم يتَّعظون.
{وإمَّا تخافنَّ مِن قومٍ} معاهدين {خِيانَة} نَكثًا بأمارات تلوحُ لك؛ {فانبذ إِلَيْهِم} فاطرح إِلَيْهِم العهد {عَلَى سواءٍ} أَي: أَعلِمهم قبل حربكَ إيَّاهم، أنَّك قد فسخت العهد الذِي بينك وبينهم؛ فيِ العلم أنت وَهُم بنقض العهد سواءٌ؛ فلا يتوهَّموا أنَّك نقضت العهد بِنَصب الحرب، {إنَّ الله لاَ يحبُّ الخائنِينَ (58)} الناقضين للعهود.
{وَلاَ يحسبنَّ الذِينَ كَفَرُوا سَبقوا} فاتوا وأفلتوا من أن يُظفر بهم، قيل: نزلت فيِ المنهزمين، {إِنَّهُمْ لاَ يُعجزُونَ (59)} أَي: إِنَّهُم لاَ يُعجزُونني وَلاَ يفوتونني.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «عن».
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «مِن ورائِهم». (2/88)
صفحة 486
وأعدُّوا لَهُم} للكَافِرِينَ {مَا استطعتم مِن قوَّة} من كُلِّ مَا يتقوَّى بِهِ فيِ الحرب، من عُدَدِها، والإِعداد: اتِّخَاذ الشيء في مَهلٍ لوقت الحاجة، {ومن رِباطِ الخيلِ} رَبطها واقتيادها للعدوِّ، خَصَّ الخيلَ من بين مَا يُتقوَّى بِهِ، كقوله: {جبريل وميكال} (1). {تُرهبون بِهِ} بِمَا استطعتم، {عدوَّ الله وعدوَّكم} كُلُّ من كَانَ لله والمسلمين حربًا وعدوًّا، {وآخرين من دونهم} قيل: هُمُ المنافقون، {لاَ تعلمونَهم} لأنَّهم معكم يقولون: لاَ إله إِلاَّ الله، وقيل: هم كفَّارُ الجنِّ. روي أنَّ صهيل (2) الخيل تُرهب الجنَّ، وإذا كَانَ ذلك كذلك (لَعَلَّهُ) فكُتُب الله وأنبياؤه ورسلُه وسننهم ومَلاَئِكَةُ الله والعلماء وآثارهم أرهب لَهُم من ذَلِكَ وأغيظ، لأنَّ ذَلِكَ أقوى عُدَّة للإسلام وأهله؛ ولذلك قيل: «إنَّ العالم الوَاحِد [أشدُّ] عَلَى الشيطان، من ألف عابد» (3). {لاَ تعلونهم} لاَ تعرفونهم بأعيانهم، {الله يعلمُهم. وَمَا تُنفقوا من شيء فيِ سبيل الله} فيِ طاعته، {يوفَّ إليكم} ليوفِّرَ عَلَيْكُم جزاءه {وأنتم لاَ تظلمُونَ (60)} فيِ الجزاء.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 98؛ في الأصل: «وميكائيل»، عَلَى قراءة ورش. وتمامها: {من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوٌّ للكافرين}.
(2) - ... في الأصل: «سهيل»، وهو خطأ.
(3) - ... روى الترمذيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. كتاب العلم، رقم 2605. ورواه ابن ماجه في كتاب المقدِّمة، رقم 218. (2/89)
صفحة 487
وإن جَنَحوا} مالوا {للسلم} للصلح، {فاجنحْ لها} فَمِل إِلَيْهِا {وتوكَّل عَلَى الله} وَلاَ تخف من إبطانِهم المكر فيِ جُنوحِهم إِلىَ السلم، فإنَّ الله كافيك وعاصمُك مِن مكرهم، {إِنَّهُ هُوَ السميع} لتبييتهم المكر بك، {العليم(61)} بِمَا يُضمِرونه مِنَ المخادعة.
{وإن يُريدوا أن يَخدعوك} يمكرون ويغدرون؛ {فإنَّ حسبَك الله} أَي: كافيك، {هُوَ الذِي أيَّدك} قوَّاك، {بنصره وبالمؤمنِينَ(62)} جميعًا، أو بالأنصار.
{وألَّف بين قلوبهم} مَعَ مَا فِيهَا مِنَ العصبية والحمية والضغينة فيِ أدنى شيء، والتهالُك عَلَى الانتقام، بحيث لاَ يكاد يأتلف فِيهِ قلبان، حتَّى صارت قلوبُهم كقلب وَاحِد لتشابُهِها، وهذا من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - وبيانه. {لو أنفقت مَا فيِ الأَرْض جميعا مَا ألَّفت بين قلوبهم} أَي: بَلَغَت عداوتُهم وتَفَرُّقِ قلوبِهم مَا لوْ أنفَقَ مُنْفِقٌ ــ فيِ إصلاح ذات بَيْنِهُم ــ مَا فيِ الأَرْض من أموال لم يَقدِر عليه؛ {ولكنَّ الله ألَّف بَيْنَهُم} بفضله ورحمته ورأفته، وجمع بين كلمتهم بقدرته، وأحدث بَيْنَهُمُ التحَابَّ والتوادَّ، وأمَاطَ عَنْهُم التباغُضَ والتماقتَ، {إِنَّهُ عزيزٌ} لاَ يُعجزه ذَلِكَ، {حكيم(63)} حيث جمع بعد التفرِقَةِ والتباعدِ.
{يَا أَيُّهَا النبيُّ حسبُك الله ومن اتَّبَعَك مِنَ المؤمنِينَ(64)} أَي: كفاك تُبَّاعك مِنَ المؤمنين اللهُ ناصرًا.
{ (2/90)
صفحة 488
يَا أَيُّهَا النبيُّ حرِّض المؤمنين عَلَى [199] القتال} التحريض: المبالغة فيِ الحثِّ عَلَى الأمر، {إن يَكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مِائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا مِنَ الذِينَ كَفَرُوا} (1) هَذِهِ عِدَة مِنَ الله وبشارة بأنَّ الجماعة مِنَ المؤمنين، إن صبروا غَلَبوا عشرةَ أمثالهِم مِنَ الكفَّار بعون الله وتأييده، {بأنَّهم قوم لاَ يفقهُونَ (65)} بسبب أنَّ الكفَّار قوم جهلة يقاتلون عَلَى غير احتسابٍ، وَلاَ طلبِ ثواب كالبهائم، فيقلُّ ثباتهم لجهْلهِم بالله [و] نصرتِه، خلاف مَا يُقاتل ذو بصيرة، وَهُوَ يرجو النصر مِنَ الله. قيل: كَانَ عَلَيْهِم أن لاَ يفرُّوا، وثبت الوَاحِد للعشرة مِمَّ ثقل عَلَيْهِم ذَلِكَ (2)، فنسخ وخفِّف بمقاومة الوَاحِد اثنين، بقوله:
{الآن خفَّف الله عنكم وعَلِم أنَّ فيكم ضعفا} قيل: ضعف البدن، وقيل: ضُعف القلب، وَهُوَ الأصحُّ مَعَنا (3)؛ لأنَّهم وأعداؤهم متشابهون فيِ خَلق الأجسام، وليس قُلوبهم متَشابهة بدليل قوله: {بأنَّهم قوم لاَ يفقهون}، وكقوله: {إذ يوحِي رَبُّكَ إِلىَ المَلاَئِكَة ... } الآيَة إِلىَ قوله: { ... سأُلقِي فيِ قلوب الذِينَ كَفَرُوا الرعبَ} (4) والجسمُ لاَ جدوى لَهُ مَعَ عدم الإيمان وضُعفِه، {فإن يكن منكم مائة صابرةٌ يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، وَاللهُ مَعَ الصابرِينَ (66)}.
{__________
(1) - ... في الأصل لم يذكر من الآية هَذَا الجزء: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين و}.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كَانَ عَلَيْهِم أن لاَ يفرُّوا، ويثبتَ الوَاحِد للعشرة، ثُمَّ ثقل عَلَيْهِم ذَلِكَ فنسخ».
(3) - ... كذا في الأصل، ويمكن أن نقرأ: «معنًى».
(4) - ... سورة الأنفال: 12. (2/91)
صفحة 489
مَا كَانَ لنبيٍّ} مَا صحَّ لَهُ وَلاَ استقام {أن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يُثخِن فيِ الأَرْض} الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فِيهِ، مِنَ الثخانة: وهي الغلظ والكثافة، يعني: حتَّى يذلَّ الكفر بإشاعة القتل فيِ أهله، ويعزَّ الإسلام بالاستيلاء والقهر؛ ثُمَّ الأسر بعد ذَلِكَ. رُوى أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوتي سبعين أسيرًا، فاستشارَ أبا بكر فِيهِم، فقال: «قومك وأهلك، اِستَبقِهم لعلَّ الله يتوب عليهم، وخُذ مِنْهُم فِدية تقوِّي بها أصحابك». وقال عمر: «كذَّبوك وأخرجوك فقدِّمهم واضرب اعناعنقاقهم (لَعَلَّهُ أعناقهم) (1)؛ فإنَّ هؤلاء أيمَّة الكفر، وإنَّ الله أغناك عَن الفداء؛ ثُمَّ قَالَ لَهُم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فادَيتُموهم»، واستشهد منكم بعدبهم [كَذَا]، فَقَالُوا: «بَل نأخذ الفداء»؛ فاستشهدوا بأَحد، فَلَمَّا أخذوا الفداء، نزلت الآية: {تُريدُون عَرَضَ الدُّنْيَا} متاعها، يعني: الفداء، سمَّاه عرضًا لقلَّة بقائه وسُرعة فنائه، لأَنَّهُ يزول كما عَرَضَ؛ {والله يُريد الآخِرَة} أَي: مَا هُوَ سبب الجنَّة من إعزازِ الإسلام بالإثخان فيِ القتل، {والله عزيز} يقهر الأعداء، {حكيم (67)} يعلم مَا يليق لِكُلِّ حال، ويخصُّه بِها كما أمر بِالإثخان، ومَنَعَ غِلَّ الفداء (2) حين كَانَت الشوكة للمشركين، وخيَّر بينه وبين المنِّ، لمَّا تحوَّلت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: ما أثبته الناسخ لَمَّا شكَّ في العبارة فقال: (لَعَلَّهُ ...
(2) - ... في الأصل: «لفداء»، وهو سهو. (2/92)
صفحة 490
لولا كِتَابٌ مِنَ الله} لولا {سَبَقَ} أن لاَ يُعذِّب أحدًا عَلَى العمل بالاجتهاد، وكَانَ هَذَا اجتهادا منهم، لأنَّهم نظروا في أَنَّ استبقاءهم ربَّما كَانَ سببًا فيِ إسلامهم، وأنَّ فداءهم يُتقوَّى بِهِ عَلَى الجهاد، وخَفيَ عَلَيْهِم أنَّ قتلهم أعزُّ للإسلام وأهيب لمن وراءهم، أو مَا كتب الله فيِ اللوح أن لاَ يعذِّب أهل بدر، وأن لاَ يُوَاخِذ قبل الإنذار. ويحتمل: لولا كتابُ الله من سبق (1) بتأخير آجالكم لاستأصلكم بالعذاب، كما قَالَ: {ويستعجلونك بالعذاب، ولولا أجل مسمَّى لجاءهم العذاب} (2)، {لمسَّكم فيما أخذتُّم} من فداء الأُسارى {عذاب عظيم (68)}.
روي أنَّهم أمسكوا عَن الغنائم ولم يَمدُّوا أيديهم إِلَيْهِا، فنزلت: {فكلوا مِمَّا غنمتم} [200] وقيل: هُوَ إباحة للفداء، لأَنَّهُ من جملة الغنائم {حلالا} مطلقًا عَن العتاب والعقاب، مأخوذ مِن “حَلَّ العقالَ”. {طيِّبا} حلالاً بالشرع، طيِّبًا بالطبع، {واتَّقُوا الله} فلا تُقدِموا عَلَى شيء لم يعهد إليكم فِيهِ، {إنَّ الله غَفُور} لمن تاب، {رحيم (69)} لاَ يُعاجل بالعقوبة لمن عصاه.
{يَا أَيُّهَا النبيُّ، قل لمن فيِ أيديكم مِنَ الأسرَى (3): إن يعلم الله فيِ قلوبكم خيرا} خُلوصَ إيمان وصِحَّةَ نيَّةٍ {يؤتكم خيرا مِمَّا أُخِذَ منكم} مِنَ الفداء، إمَّا أن يُخلفكم فيِ الدُّنْيَا أضعافه، أو يُثِيبكم فيِ الآخِرَة {ويَغْفِر لكم، وَاللهُ غَفُور رحيم (70)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لولا كتاب من الله سبق».
(2) - ... سورة العنكبوت: 53.
(3) - ... في الأصل: «الأسارى»، وهو خطأ. (2/93)
صفحة 491
وإن يريدوا خيانَتَك} يعني الأُسارى، نَكْثُ مَا بايعوك عليه مِنَ الإسلام بالرِّدَّة، أو منع ما ضمنوا مِن الفداء؛ {فقد خانوا الله مِن قبل} فيِ كفرهم بِهِ، ونَقْضِ مَا أخذ عَلَى عاقل من ميثاقه. {فأمكن مِنْهُم} فأمكنك منهم، أي: أَظفرك بهم كما رأيتم يوم بدر، فَسَتُمكَّن مِنْهُم إن عادوا (1) الخيانة، {والله عليم} بالمآل، {حكيم (71)} فيما حكم بِهِ فيِ الحال.
{إنَّ الذِينَ آمنوا وهاجروا} أوطانهم وشهواتِ أنفسِهم، حبًّا لله ولرسوله، {وجاهَدوا بأموالهم وأنفسهم} باعوها {فيِ سبيل الله} في طاعة الله، من جهاد أو أمر بمعروفٍ ونهيٍ عَن منكرٍ، أو طلب علم أو ترك شهوة لله تعالى، وَهُم المهاجرون. {وَالذِينَ آووا ونَصروا} أَي: آووهم إِلىَ ديارهم، ونصروهم عَلَى أعدائهم وَهُم الأنصار. {أُولَئِكَ بعضهم أولياء بعض} أَي: يتولىَّ بعضهم بعضًا بالمؤازرة عَلَى الطاعة، وبالمواصلة عَلَى القطيعة. {وَالذِينَ آمنوا ولم يُهاجروا مَا لكم من وَلايتهم من شيء حَتَّى يُهاجروا} لأنَّ الهجرة كَانَت فريضة، فصاروا بتركها مرتكبين كبيرة؛ فمن ذَلِكَ لم تجز وَلايتهم لَهُم؛ {وإن استنصروكم فيِ الدين} (لَعَلَّهُ) بعدما يُهاجروا، {فعليكم النصر} إن طلبوا معونتكم؛ فواجب عَلَيْكُم نصرتهم عَلَى الْكَافِرِينَ، {إِلاَّ عَلَى قوم بينكم وبينهم ميثاق} فَإِنَّهُ لاَ يجوز لكم نصركم عليهم، لأَنَّهُ لاَ يبتدئون بالقتال، إذ الميثاق مَانع من ذَلِكَ، {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بصير (72)} تحذير عَن تعدِّي حدِّ الشرع.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عاودوا الخيانة» أو «عادوا للخيانة». (2/94)
صفحة 492
والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} معناه نهي المسلمين عن موالاة الكُفَّار، وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم، وإن كانوا أقارب، {إِلاَّ تفعلوه} أي: إن لا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين، وتولِّي بعضهم بعضا، تفضيلا لنسبة الإسلام عَلَى نسبة القرابة، {تكنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير (73)} تحصيل (1) فتنة في الأَرْض، ومفسدة عظيمة، لأَنَّ المسلمين ما لم يصيروا يدًا واحدة عَلَى الشرك كان الشرك ظاهرا، والفساد زائدا.
{وَالذِينَ آمنوا وهاجروا وجاهدوا فيِ سبيل الله وَالذِينَ آووا ونصروا أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حقًّا} أَي: لاَ مِريَةَ وَلاَ ريب فيِ إيمانهم، لأنَّهم صدَّقوا إيمانهم وحقَّقُوه بتحصيل مقتضياته، من هجرة الوطن ومُفارَقَة الأهل والسكن، وبالانسلاخ مِنَ المال والدُّنْيَا، لأجل الدين والعقبى، {لَهُم مغفرة ورزقٌ كريم (74)} لاَ منَّة فِيهِ، وَلاَ تنغيص وَلاَ تكرار؛ لأنَّ هَذِهِ الآية واردة للثناء عَلَيْهِم مَعَ الموعد الكريم؛ والأُولى للأمر بالتواصل.
{وَالذِينَ آمنوا مِن بعدُ} يريد اللاَّحقين بعد السابقين إِلىَ الهجرة، {وهاجَروا وجاهَدوا معكم، فأولئك منكم} جعلهم مِنْهُم تفضُّلاً وترغيبًا، {وأُولو الأرحامِ بعضُهم أَولىَ ببعض} وأولو [201] القرابات أَولى بالتوارث، وَهُوَ نسخ للتَّوارث بالهجرة والنصرة، {فيِ كِتَاب الله} فيِ حُكمِه وقِسمتِه، أو فيِ اللوح أو فيِ القرآن، وَهُوَ آية المواريث، {إنَّ الله بِكُلِّ شيء عليم (75)} يقضي بين عباده بِمَا شاء من أحكامه.
سورة التوبة
بسم الله الرحمن الرحيم
{براءةٌ مِنَ الله} أي: هذه براءة من الله {ورسولِه إِلىَ الذِينَ عاهدتم مِنَ المشركِينَ (1)} المعنى: أنَّ الله ورسولَه قد بَرِئَا مِن العهد الذِينَ عاهدتم بِهِ المشركين، وأنَّه مَنبُوذٌ إِلَيْهِم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تَحصُلُ». (2/95)
صفحة 493
فسيحوا فيِ الأَرْض أربعةَ أشهر} فسيروا فيِ الأَرْض كيف شئتم، والسَّيْحُ: السير عَلَى مهلٍ. رُوِيَ أنَّهم عاهدوا المشركين مِن أهل مكَّة وغيرهم مِنَ العرب فَنكثوا، إِلاَّ نَاسًا مِنْهُم، فَنُبِذ العهدُ إِلىَ الناكثين، وأُمروا أن يَسيحوا فيِ الأَرْض أربعة أشهر آمنين أينَ شَاءوا، مُقبِلين ومُدبِرين لاَ يُتعرَّض لَهُم، وهي الأشهر الحُرُم فيِ قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحُرم} وذلك لصيانة الأشهر الحُرُم مِنَ القتل والقتال فِيهَا. {واعلموا أَنَّكُم غيرُ مُعجِزي الله} لاَ تَفوتُونَه وإن أمهَلَكم؛ قِيل: هَذَا تَأجِيل مِنَ الله للمشركين؛ فمن كَانَ مُدَّة عهده أقلَّ مِن أربعة أشهر رفعه إِلىَ أربعة أشهر، ومن كَانَت مُدَّته أكثر من أربعة أشهرٍ حَطَّهُ إِلىَ أربعة أشهر؛ ثُمَّ هُوَ حَربٌ بَعد ذَلِكَ لله ورسوله، يُقتَل حيثُ أُدرِك ويُؤسر إِلاَّ أن يتوب، وابتداءُ هَذَا الأجلِ يوم الحجِّ الأكبر، ومَن (لَعَلَّهُ) لم يكن لَهُ عهد؛ فإنَّما أجله انسلاخ أشهر الحرم {وأنَّ اللهَ مُخزي الْكَافِرِينَ(2)} مدَّ لَهُم فيِ الدُّنْيَا بالقتل وغيره، وفي الآخِرَة بالعذاب.
{ (2/96)
صفحة 494
وأذانٌ مِنَ الله ورسولِه إِلىَ الناسِ} الأذان: بمعنى الإيذان، وَهُوَ الإعلام، ومنه الأذان للصلاة، يقال: أذنته فأذِن، أعلمته فعلم؛ وأصله مِنَ الأُذُن، أي: أوقعت فيِ أُذنه، والفرق بين الجملة الأولى والثانية، الأولى: إخبار بثبوت البراءة، والثانية: إخبار بوجوب الإعلام بِمَا ثبت؛ وإنَّما عُلِّقت البراءة بالذين عُوهِدوا مِنَ المشركين، وعُلِّق الأذان بالناس، لأنَّ البراءة مختصَّة بالمعاهدين والناكثين مِنْهُم، وَأَمَّا الأذان فعامٌّ لجميع الناس، مَن عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث مِنَ المعاهدين ومن لم ينكث. {يومَ الحجِّ الأكبر} يومَ عرفة، لأَنَّ الوقوف بعرفة مُعظَمُ أفعالِ الحجِّ، أو يوم النحر، لأَنَّ فِيهِ تمام الحجِّ مِنَ الطواف والحلق والرمي؛ ووصفَ الحجَّ بالأكبر، لأَنَّ العمرة تسمَّى الحجّ الأصغر، أو لِعِظَم حُرمَتِه مَعَ عظم الاجتماع، قيل: مَا يجتمع خلق فيِ الدُّنْيَا كما يجتمع فيِ يوم عشية (1) عرفة.
{أَنَّ الله بريءٌ مِنَ المشركين ورسولُه، فإن تُبتُم} رَجَعتُم مِنَ الكفر والغدر، وأخلصتم التوحيد، {فهو خيرٌ لكم} مِنَ الإصرار عَلَى الكفر؛ {وإن تولَّيتم} عَن التوبة أو ثبتُّم عَلَى التوليِّ والإعراض عَن الإسلام، {فاعلموا أَنَّكُم غير مُعجزي الله} لاَ تفوتونه طلبا، وَلاَ تعجزونه هربا، {وبشِّر الذِينَ كَفَرُوا بعذاب أليم (3)} مكَانَ بشارةِ المؤمنين بنعيم مُقيم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «عشيَّة»، أو - «يوم». (2/97)
صفحة 495
إلاَّ الذِينَ عاهدتُّم مِنَ المشركين} استثناء من قوله: {فسيحوا فيِ الأَرْض} والمعنى: براءةٌ مِنَ الله ورسولِه إِلىَ الذِينَ عاهدتُّم مِنَ المشركين فقولوا لَهُم: سِيحوا، إِلاَّ الذِينَ عاهدتُّم مِنْهُم. {ثمَّ لم ينقصُوكم شَيْئًا} من شروط العهد، أي: وَفَّوا بالعهد ولم ينقضوه، {ولم يظاهروا عَلَيْكُم أحدا} ولم يُعاونوا [202] عَلَيْكُم عدوًّا؛ {فأتِمُّوا إِلَيْهِم عَهْدَهم} فأدُّوا إِلَيْهِم تمامًا كَملاً {إِلىَ مدَّتهم} والاستثناء: بمعنى الاستدراك، كأنَّه قيل: بعد أن أُمروا فيِ الناكثين لكنَّ الذِينَ لم ينكثوا فأتِمُّوا إِلَيْهِم عهدَهم، وَلاَ تجروهم مجراهم، وَلاَ تجعلوا الوافي كالغادر، {إِنَّ الله يحِبُّ المتَّقِينَ (4)} أَي: إنَّ قضيَّة التقوى أن لاَ تُسوِّي بين من أوفى بِمَا عاهد عليه وبين الناقض.
{فإذا انسلخَ الأشهر الحرُمُ} التِي أُبيح فِيهَا للناكثين أن يسيحوا، سُمِّيت أشهر الحرم (1)، لأَنَّهُ يحرم فِيهَا عَلَى المؤمنين دماء المشركين، {فاقتلوا المشركين} الذِينَ نقصوكم وظاهروا عَلَيْكُم، {حيث وجدتُّمُوهم، وخذوهم} وأسِروهم {واحصروهم} وقيِّدوهم، وامنعوهم مِنَ التصرُّف فيِ البلاد، {واقعدوا لَهُم كُلَّ مرصد} كلَّ مَمَرٍّ ومجتازٍ ترصدونهم بِهِ؛ {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلُّوا سبيلهم} فأطلقوا عَنْهُم بعد الأسر والحصر؛ أو فكفُّوا عَنْهُم وَلاَ تتعرَّضوا لهم، فإنَّه مَا يُراد بقتلهم وأسرهم وحصرهم إِلاَّ التوبةُ وأداءُ الحقوق، {إِنَّ الله غَفُور} لمن تاب، {رحيم (5)} لاَ يُعاجل بالعقوبة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أشهرًا حرمًا»، أو «الأشهر الحرم». (2/98)
صفحة 496
وإنْ أَحدٌ مِنَ المشركين استجارك فأجِره} المعنى: وإن جارك أحدٌ مِنَ المشركين بعد انقضاء الأشهر لاَ عهدَ بينكَ وبينه، واستأمنك ليسمع مَا تدعو إِلَيْهِ مِنَ التوحيد والقرآن فأمِّنهُ، {حتىَّ يسمعَ كلامَ الله} ويتدبَّره ويطَّلع عَلَى حقيقته ومكنون سرِّه، ويسمع ما لَه و [ما] عليه مِنَ الثواب والعقاب؛ {ثمَّ أَبْلِغْه} بعد ذَلِكَ {مَأمَنَه} داره التِي يأمن فِيهَا أن يَسلَم؛ ثُمَّ قاتله إن لم يَنجع فِيهِ كلامُ الله، وثَبَت عَلَى شركه؛ وفيه دليل عَلَى أنَّ المُؤتَمِن لاَ يُؤذَى، وليس لَهُ الإقامة فيِ دارنا، ويُمكَّن مِنَ العَودَة إِلىَ مَأمَنِه؛ {ذَلِكَ} أَي: الأمر بالإجارة؛ {بأنَّهم قومٌ لاَ يَعْلَمُونَ (6)} بسبب أنَّهم قومٌ جهلة، لاَ يَعْلَمُونَ مَا الإسلام، وَمَا حقيقة مَا يدعو إِلَيْهِ، وَلاَ دين الله، وَلاَ توحيده، فلا بدَّ من إعطائهم الأمان، حتَّى يسمعوا ويفهموا الحقَّ.
{كيف يكونُ للمشركين عهدٌ عند الله وعند رسوله}؟ «كيف» استفهام فيِ معنى الاستنكار، أَي: مستنكر أَن يَثبُت لهؤلاء عهدٌ، فلا تطمعوا فيِ ذَلِكَ، وَلاَ تتعجَّبوا من نقض العهد منهم، لأَنَّهُم جهلةٌ لا يعلمون ثمرةَ الإسلام، ولا ما يُثمِر لهم شركهم؛ ولكن تعجَّبوا من وفائهم وتمامهم للعهد، وَلأنَّهم قوم جُبِلُوا عَلَى النقد من حيث أنَّ ذَلِكَ من طِباعهم، وشهواتهم المركَّبة فِيهِم، وليس شَيْء يُزعِجُهم (1) ويُنهِضُهم عَن ذَلِكَ إِلىَ الوفاء مِن خوفِ الله وَلاَ عارٍ مِنَ الناس؛ {إِلاَّ الذِينَ عاهدتُّم} أَي: وَلكنَّ الذين عاهدتم مِنْهُم {عند المسجد الحرام} ولم يَظهر مِنْهُم نَكْث، فَتربَّصوا أمرهم وَلاَ تقاتلوهم. {فما استقاموا لكم} فما أقاموا عَلَى وفاءِ العهدِ؛ {فاستقيموا لَهُم} عَلَى الوفاء، {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقِينَ (7)} يعني: أنَّ التربُّص بهم من أعمال المتَّقين.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصحّ: «يرجعهم». (2/99)
صفحة 497
كيف وإن يَظهَروا عليكم} تكرارا لاستبعاد ثباتِ المشركين عَلَى العهدِ، وحُذفَ الفعلُ لكونه معلوما، أَي: كيفَ يكونُ لَهُم عهدٌ وحالُهم أنَّهم إن يظهروا عَلَيْكُم، أَي: يظفَروا بكم بوجدان الفرصة بعد مَا سبق لَهُم من تأكيد الأَيمان والمواثيق. {لاَ يرقبوا فيكم إِلاًّ} لاَ يراعوا، وَلاَ يحفظوا حِلفًا أو قرابة، {وَلاَ ذمَّةً} عهدًا؛ {يُرضونكم [203] بأفواههم} بالوعد بالإيمان، والوفاء بالعهد، وَهُوَ كلام مبتدأ فيِ وصف حالهم من مخالفة الظاهرِ الباطنَ، مقرِّر لاستبعاد الثبات مِنْهُم عَلَى العهد، {وتأبى قُلوبُهم} الإيمانَ والوفاءَ بالعهد، {وأكثرُهم فاسقُونَ(8)} ناقضون العهد، أو متمرِّدون فيِ الكفر، لاَ مروءة تَزَعُهم عَن الأدب، وَلاَ شمائل تَردَعُهم عَن النكث.
{اشتروا} استبدلوا {بِآيَاتِ الله} بالقرآن أو بما قام عَلَيْهِم به مِنَ الحجج، {ثمنا قليلا} عَرَضا يَسِيرا، وَهُوَ اتِّباع الأهواء والشهوات، {فصدُّوا عَن سبيله} فَعَدَلُوا عَنْهُ، وصرفوا غيرهم؛ {إنَّهم ساء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(9)} أَي: بئس الصنيعُ صنيعهم.
{لاَ يَرقُبُون فيِ مُؤمِن إِلاًّ وَلاَ ذمَّة وأُولَئِكَ هُمُ المعتدون(10)} المجاوزون الغاية فيِ الظلم والشرارة.
{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتَوا الزكاة، فإخوانكم فيِ الدين} لاَ فيِ النسب؛ {ونفصِّل الآيات} ونبيِّنُها {لقوم يَعْلَمُونَ(11)} يفهمون، فيتفكَّرون فيِ أسرارها، وهذا اعتراض، كأنَّه قيل: وإنَّ من تَأَمَّلَ تفصيلها فهو العالم، تحريضا عَلَى تَأَمُّل مَا فصَّل من أحكامِ المشركين المعاهدين، وَعَلَى المحافظة عليها.
{ (2/100)
صفحة 498
وإن نكثُوا أَيمانَهم من بعدِ عهدِهم} أَي: نقضوا العهود المؤكَّدة بأيمان، {وطَعَنوا فيِ دِينكم} أَي: (لَعَلَّهُ) قَدَحوا فِيهِ [و]عابوه؛ {فقاتِلوا أئمَّة الكفر إنَّهم لاَ أَيمان لَهُم} عَلَى الحقيقة، ويحتمل أن لاَ أَيمان لَهُم بعد نقضهم، أَي: فلَم تبقَ لهم عَلَى المُسْلِمِينَ يمين بعد حلِّهم إِيَّاها، ولم تقع بَيْنَهُم وبين المُسْلِمِينَ معاهدة، {لَعَلَّهُم ينتهون} أَي: ليكن غرضُكم فيِ مُقَاتَلتهم انتهاؤهم عمَّا هم عليه، بعدما وُجد مِنْهُم مِنَ العظائم، وهذا من غايةِ كرَمِه عَلَى المسيء، وأنَّه لاَ يُعاجِل بعقوبة الاستئصال قبل بلوغ الكتاب أجله.
ثُمَّ حرَّض عَلَى القتال، فقال: {ألاَ تُقَاتِلون قَوما نَكثوا أَيمانهم} التِي خلَفوها فيِ المعاهدة، {وهمُّوا بإخراجِ الرسول} من مكَّة، {وَهُم بَدَءُوكُم أَوَّلَ مرَّة} بالقتال، والبادئ أظلم؛ فما يمنعكم من قتالهم؟ وبَّخهم بترك مقاتلتهم، وحضِّهم عليها؛ ثُمَّ وصفهم بِمَا يوجب الحضَّ عليها من نكث العهدِ، وإخراج الرسول، والبدءِ بالقتال من غير موجب. {أتَخشَونَهم} تخافونهم، فتتركون قتالهم؟ توبيخ عَلَى الخشية مِنْهُم؛ {فالله أحقُّ أن تَخشَوه} بِأَن تخشوه فتقاتلوا أعداءه، وتمتَثِلوا أمره، {إِن كُنتُم مؤمنِينَ(13)} أَي: إنَّ قضية الإيمان الكامل: أن لاَ يخشى المؤمن إِلاَّ ربَّه، وَلاَ يُبالي بمن سواه. (2/101)
صفحة 499
وَلَمَّا وبَّخَهم الله عَلَى ترك القتال حَرَدَ (1) لَهُمُ الأمر بِهِ بقوله: {قَاتِلُوهم} وَوَعَدَهم النصرَ لتثبيت قلوبهم، وتصحيح نِياتهم بقوله: {يعذِّبْهُمُ اللهُ بأيديكم} قتلا، {ويُخزِهم} أسرا، {ويَنصرْكُم عليهم} يُغلِّبكم عَلَيْهِم، {ويشفِ صُدورَ قومٍ مؤمنِينَ (14)} بإذهاب مَا وقع عليها مِنَ الغيظ، (لَعَلَّهُ) بسبب مخالفتهم وأذاهم لَهُم بدليل قوله:
{ويُذهبْ غيظَ قلوبِهم} وقد حصَّل هَذِهِ المواعيد كلَّها، وكَانَ (2) دليلا عَلَى صِحَّة نُبوَّتة، {ويتوب الله عَلَى من يَشَاء} مِنْهُم، {والله عليم} مَا كَانَ وَمَا سيكون، {حكيم (15)} فيِ تدبير أموره وقبول التوبة.
{أم حَسِبتم أن تُتركوا وَلَمَّا يَعلَم الله الذِينَ جاهدوا} أَي: لاَ تُتركُون عَلَى مَا أَنتُم عليه حتَّى يتبيَّن الخُلَّص {منكم} وَهُم الذِينَ جاهدوا فيِ سبيل الله لإعزاز الحقِّ وأهله، وانمحاق الكفر وأهله، {ولم يتَّخذوا من دون الله} من دون القيام بأمر دينه، {وَلاَ رسولِه وَلاَ المؤمنين وليجة} أَي: مَخبَأ وبِطانة مِنَ الذين يُضادُّون [204] رسولَ الله والمؤمنين، كأنَّه قيل: وَلَمَّا يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتَّخذين وليجةً من دون الله؛ والمعنى: أحسبتم أن تُتركوا بلا مُجاهدة وَلاَ براءة مِنَ المشركين؟ {والله خبير بِمَا تَعْمَلُونَ (16)} من إخلاص ونفاق.
{__________
(1) - ... حَرَدَ حَرْدًا: «قَصَدَ، وبابه: ضرب؛ وقوله تعالى: {فغدوا عَلَى حَردٍ قادرين} أي: عَلَى قَصدٍ، وقيل: عَلَى منع». الرازي: مختار الصحاح، ص91. ويمكن أن نقرأ: «جَرَّدَ لهم الأمرَ به»، أي خصَّهم به.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وقد حصلت هَذِهِ المواعيد كلُّها، وكانت دَلِيلا». (2/102)
صفحة 500
مَا كَانَ للمشركين} مَا صحَّ لَهُم وَلاَ استقام {أن يَعمُروا مساجدَ الله} عَلَى الحقيقة، لأَنَّ من كَانَ كافرا، فليس من شأنه أن يعمرها؛ لأَنَّ حقيقة عمارة المساجد أن تُعمر بعبادة الله وحده، لاَ لغرض سواها؛ ومن كَانَ بمعزل عَن العبادة لله، فكيف يستقيم مِنْهُ عمارتُها، بل ذَلِكَ مِنَ المُحال، ومِن تنافي المعاني؛ ومن دخلها لغرض دنياويٍّ فقد تعدَّى أمر الله من حيث أنَّه استعملها لغير مَا جُعلت لَهُ، كما قَالَ {ومَن يُرِد فِيهِ بإلحاد بِظُلم ... } (1) الآية، وقال: {فيِ بيوتٍ أَذِنَ الله أن تُرفع} أَي: تمُنع وتطهَّر عَن الأمور الدُّنْيَاوية {ويُذكرَ فِيهَا اسمه} (2) فقد جُعلت للذِّكر كما قَالَ: {وطهِّر بيتيَ للطائفين والعاكفين والرُّكَّعِ السجود} (3)؛ {شاهدين عَلَى أنفسهم بالكفر} باعترافهم بعبادة غير الله بلسان مَقَالهم أو لسان حالهم، والمعنى: مَا استقام لَهُم أن يجمعوا بين أمرين متضادَّين: عمارة متعبَّدات الله مَعَ الكفر بالله وبعبادته، {أُولَئِكَ حَبِطَت أعمالُهم، وفي النار هم خالدُونَ (17)} وإذا وَجَدت المساجد بين ظُهراني من يَقدر عَلَى عمارتها خربة مِنَ العمارة بالذكر، ومخروبة بأعمال الدُّنْيَا، فذلك دليل عَلَى أنَّ قلوبَهم خاليةٌ مِنَ الذكر، خَرِبَة مشحونة بالوساوس اللَّغْوِيَّة والأوهام الباطلة، كما قَالَ:
{__________
(1) - ... سورة الحج: 23؛ وتمامها: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَنِ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءٌ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي، وَمَن يُّرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.
(2) - ... سورة النور: 36.
(3) - ... سورة الحجِّ: 26. (2/103)
صفحة 501
إِنَّمَا يَعمرُ مساجدَ الله} عمارتها بالعبادة لله، لأنَّها بُنيت لذلك وللذِّكر؛ ومِن الذكر درس العلم، ويمنعها عن الذكر جميع الأمور الدُّنْيَاوِيَّة الشاغلة، إِلاَّ من دخلها للذكر، ثُمَّ عرض له أمر دنياويٌّ مِمَّا لاَ يُوعِثُها (1) وَلاَ يضرُّ بها وَلاَ يَكِرُّ (2) بها، وَلاَ يُؤذي القائمين بها والذاكرين فِيهَا، من قول أو عمل، أو نوم ففيه اختلاف بين المُسْلِمِينَ بالرأي، فقيل: فِيهِ بالمنع، وقيل: بالترخيص، وَأَمَّا مَا يقع مِنْهُ الأذى للمسجد أو عُمَّارِه، فذلك ممنوع بالإجماع، ولو كَانَ قصده عند الدخول للعمارة، ولَحِقه اسم الظلم والتعدِّي بذلك، كما قَالَ: {ومَن أظلمُ مِمَّن مَنَعَ مساجدَ الله أن يُذكر فِيها اسمه، وسعى فيِ خرابها...} (3) الآية. وكذلك من قَصَدَها بالدخول لذلك الفعل لاَ للذِّكر، ولو كَانَ مِمَّا لاَ يضرُّ بها وَلاَ يَضرُّ بالقَائمِينَ بها، فذلك لاَ ينساغ جوازه. {مَن آمَنَ بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة}. وفي قوله: {ولم يخشَ إِلاَّ الله} تنبيه عَلَى الإخلاص، والمراد: الخشية فيِ أبواب الدين، بِأَن لاَ يختار عَلَى رِضى الله رِضى غيره لتوقُّع مَخوف؛ إِذِ (4)
__________
(1) - ... في المنجد: وَعِثَ يَوعَثُ وَعثا الطريق: تعسَّر سلوكه، ووعث الأمر: اختلط وفسد.
(2) - ... كرَّ بمعنى: رجع، ولم يتَّضح معناه في هَذَا السياق، «يقال: (كرَّه) و(كرَّ) بنفسه: يتعدَّى ويلزم». الرازي: مختار الصحاح، ص361. ويمكن أن نقرأ: «ولا يَكْرِبُها».
(3) - ... سورة البقرة: 114؛ وتمامها: {...وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إِلاَّ خائفين، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.
(4) - ... في الأصل: «إذا المؤمن»، وهو خطأ.. (2/104)
صفحة 502
المؤمن يخشى المحاذير وَلاَ يتمالك لاَ يخشاها [كَذَا]؛ {فعسى أُولَئِكَ أن يكونوا مِنَ المهتدِينَ (18)} تبعيدٌ للمشركين عَن مواقف الاهتداء، وحَسمٌ لأطماعهم فيِ الانتفاع بأعمالهم؛ والمعنى: إِنَّمَا تستقيم عِمارة هؤلاء ويكون معتدًّا بها عند الله دون من سِواهم.
{أجعلتم سِقايةَ الحاجِّ} مِنَ العاصين، {وعمارةَ المسجدِ الحرامِ} مِمَّن لم يُؤْمِن إيمانا مقرونا بالعمل، {كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهَدَ فيِ سبيل الله، لاَ يستوون عند الله، وَاللهُ لاَ يهدي القوم الظالمِينَ (19)} إنكارا أن يشبه المشركون المؤمنين، وأعمالُهم [205] المحبَطة، بأعمالهم المثبَتَة، وأن تُسوَّى بَيْنَهُم؛ وجعل تسويتهم ظلما بالكفر (1) لأنَّهم وضعوا المدح والفخر فيِ غير موضعهما قيل: نزلت جوابا لقول العبَّاس حين أُسر، وجعل يوبَّخ بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقطيعة الرحم، فقال: «تَذكُر مساوئنا، وتَدَع محاسننا» فقيل: أولَكم محاسن؟ فقال: «نعمر المسجد ونسقي الحاجَّ ونفكُّ العاني»؛ وقيل: افتخر العبَّاس بالسقاية وشيبة بالعمارة.
{الذِينَ آمنوا وهاجروا وجاهدوا فيِ سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجةً} أعلى رُتبةً، وأكثر كرامةً مِمَّن لم يستجمع هَذِهِ الصفات {عند الله} من أهل السقاية والعمارة {وأولئك هُمُ الفائزُونَ (20)} لاَ مَن سَقَى الحاجَّ، وعَمَرَ المسجد الحرام بغير إيمان حقيقيٍّ.
{يبشِّرهم رَبُّهم برحمةٍ مِنْهُ} بتوفيق وتيسير فيِ الدُّنْيَا {ورضوان} ورضًى عَنْهُم {وجنَّات لَهُم فِيهَا نعيم مقيم (21) خالدين فِيهَا أبدا إِنَّ اللهَ عنده أجر عظيم (22)} يُستحقر دونه مَا استوجبوه لأجله، أو نعيم (2) الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وجعل تسويتهم بالكفر ظلما».
(2) - ... في الأصل: «النعيم»، وهو خطأ. (2/105)
صفحة 503
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تتَّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبُّوا الكفر عَلَى الإيمان ومن يتولهَّم منكم فأولئك هُمُ الظالِمُونَ (23)} بوضعهم الموالاة فيِ غير موضعها.
{قل: إن كَانَ آباؤُكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفتموها، وتجارةٌ تَخشَون كسادَها، ومساكنُ تَرضونها أحبَّ إليكم مِنَ اللهِ ورسوله وجهادٍ فيِ سبيله} أَي: الحبُّ الاختياري دون الطبيعيِّ، فإنَّه لاَ يدخل تحت التكليف؛ {فتربَّصوا} فانتظروا {حَتَّى يأتي الله بأمره} وَهُوَ الموت، أو عذابٌ عاجلٌ أو آجل، أو فتح مكَّة، {والله لاَ يهدي القوم الفاسقِينَ (24)} والآية تنعى عَلَى الناس مَا هم عليه من رخاوة عُقَد الدين، واضطراب حبل اليقين، إذ لاَ تجد أورع الناس يُؤثِر دينه عَلَى الآباء والأبناء والأهواء وحظوظِ الدُّنْيَا.
{لَقَد نصركم الله فيِ مواطنَ كثيرة} مَعَ قِلَّتكم وضعفكم وكثرة عدوِّكم وقوَّتِهم، يُذكِّرهم الله بين تلك الوقائع وبين وقعةِ حُنَين {ويوم حنين} أَي: واذكر يومَ حُنَين: وَهُوَ وَالدَّلِيل ـ قيل ـ بين مكَّة والطائف، كَانَت فِيهِ الوقعة بين المُسْلِمِينَ ــ وَهُم اثنا عشر ألفا ــ وحَرْبُهم (1) أربعة آلاف فيما قيل؛ {إذ أعجبتكم كَثرَتُكم} فأدرك المُسْلِمِينَ كلمةُ الإعجاب بأكثره (2)، وزال عَنْهُم أنَّ الله هُوَ الناصر لاَ لكثرة الجنود، فانهزموا؛ والعجب من هَذَا الإعجاب كيف عَمَّهم جميعًا، وزيَّن لَهُمُ الشيطان (لَعَلَّهُ) ذَلِكَ. {فلم تُغن عنكم شَيْئًا، وضاقَت عَلَيْكُم الأَرْض بِمَا رَحُبَت} المعنى: لم تجدوا موضعا لفراركم عَن أعدائكم {ثُمَّ ولَّيتُم مدبرِينَ (25)}.
{__________
(1) - ... «وقومٌ حَرْبٌ كذلك، وذهب بعضهم إِلىَ أَنَّهُ جمع “حارب” أو “محارب” عَلَى حذف الزائد». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 595، مادَّة «حرب».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالكثرة». (2/106)
صفحة 504
ثُمَّ أنزل الله سكينَتَه} رحمتَه التِي سكنوا بها، بعد أن تابوا من إعجابهم وآمنوا. {عَلَى رسوله وعلى المؤمنين} سمَّاهم مؤمنين عَلَى الحقيقة، بعدما أنزل سكينته عَلَيْهِم، {وأنزل جُنودا لم تَروها وعذَّب الذِينَ كَفَرُوا} بالقتل والأسر، {وذلك جزاء الْكَافِرِينَ(26)} أَي: مَا فَعَل بهم إِلاَّ جزاء لكفرهم فيِ الدُّنْيَا.
{ثُمَّ يتوبُ الله مِن بعد ذَلِكَ (1) عَلَى مَن يَشَاء} مِنْهُم، من تاب مِنْهُم، وأهل مشِيئته هُمُ التائبون {والله غَفُور رحيم(27)}.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ} لِخُبث بواطنهم [206] وظاهر معاملتهم، كالنجاسة بعينها، ظاهرُها خبيثُ وباطنُها خبيثٌ؛ مبالغةً فيِ وصفهم. {فلا يقربوا المسجدَ الحرامَ بعدَ عامِهم هَذَا} قيل: نهيُ المشركين أن يَقربُوه راجع [إلى] نهي المُسْلِمِينَ عَن تمكينهم، وذلك لأَنَّهُ لاَ تصلح لَهُم أحوالهم، وَلاَ يَصلُحون لعمارته؛ {وإن خفتم عَيلَة} أَي: فقرا، بسبب منعِ المشركين مِنَ الحجِّ، وَمَا كَانَ لكم فيِ قدومهم عَلَيْكُم مِنَ الأرفاق (2) والمكاسب؛ {فسوف يغنيكمُ الله مِن فضله}، كلُّ شيء يتركه المرءُ لله وكَانَ سبب غناه فيِ الدُّنْيَا، فسوف يُغنيه الله من فضله بسواه {إِن شاء}، هُوَ تعليمٌ لتعليق الأمور بمشيئة الله لِتنقطع الآمال إِلَيْهِ. {إِنَّ الله عليم} بأحوالكم، {حكيم(28)} فيِ تحقيق آمالكم.
__________
(1) - ... في الأصل: - «مِن بعد ذلك»، وهو سهو.
(2) - ... «والرِّفق والمِرفَق، والمَرفِق، والمَرفَق: ما استعين به... وَفيِ التنزيل: {ويهيِّء لكم من أمركم مرفقا}». ابن منظور: لسان العرب، 2/1201. مادَّة «رفق». (2/107)
صفحة 505
ونزل فيِ أهل الكتاب: {قاتِلوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر} فإن قيل: أهل الكتاب يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر، قيل: لاَ يُؤْمِنُونَ كإيمان المؤمنين؛ فإنَّهم إِذَا قَالُوا: العُزَير ابن الله والمسيح ابن الله، لاَ يكون ذَلِكَ إيمانا لله. {وَلاَ يُحرِّمون مَا حَرَّم الله ورسوله، وَلاَ يدينون دين الحقِّ} وَلاَ يعتقدون دين الإسلام الذِي هُوَ الحقُّ، لأَنَّ التديُّن: هُوَ الاعتقاد، يقال: فلان يَدِين بكذا، إِذَا اتَّخَذَه دِينه ومُعتقده (1)؛ وقيل معناه: وَلاَ يطيعون الله طاعة أهل الحقِّ. {مِن الذِينَ أوتوا الكتاب حَتَّى يُعطوا الجزيَة عَن يدٍ} أَي: عَن يدٍ مُواتِية غير مُمتنعة {وَهُم صاغرُونَ (29)} لأَنَّ كلَّ من لم يستكمل طاعةَ الله فهو للصَّغَار أهلٌ.
{وقالت اليهود: عُزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، ذَلِكَ قولهم بأفواههم} أَي: قولٌ لاَ يَعضُده بُرهان، وَلاَ يستند إِلىَ بيان؛ فما هُوَ إِلاَّ لفظٌ يَفُوهون بِهِ، فارغٌ معناه؛ لأَنَّهُ صادر عَن ظنٍّ لاَ عَن حقيقة. قَالَ أهل المعاني: لم يَذكر الله عزَّ وجلَّ قولاً مقرونا بالأفواه والألسنة إِلاَّ كَانَ ذَلِكَ زورا. {يُضَاهِئُون} يشابهون {قول الذِينَ كَفَرُوا} بكذبهم عَلَى الله بالقول أو العمل {من قبلُ} [من قبلِ] هَؤُلاَءِ؛ {قَاتَلهم الله} أَي: هم أحقَّاء بِأَن يقال هَذَا، لأنَّهم حزبٌ لله وحزبٌ للشيطان؛ ومن قَاتَله مولاه لاَ يُرجى لَهُ فلاح وَلاَ نجاح، وَهُوَ هالك معذَّب فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، وهذا وعيد وتهدُّد عَلَى كلِّ من كفر بالله بارتكاب كبيرة، أو إصرارٍ عَلَى صغيرة أصرَّ عليها ولم يتب منها لَمحة عين، مُقيما عَلَى ذَلِكَ {أنىَّ يؤفكُونَ (30)} كيف يُصرفون عَن الحقِّ بعد قيام البرهان.
{__________
(1) - ... في الأصل: + «ومعتقده». (2/108)
صفحة 506
اتَّخَذُوا أحبارَهم} علماءهم {ورُهبَانَهم} نُسَّاكَهم {أربابا} آلهة {من دون الله} قَالَ ابن رَوْح: «{اتَّخَذوا أحبارَهم ورُهبانهم أربابا من دون الله} فجاء فيِ التأويل أنَّهم لم يتَّخذوا أحبَارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وَلاَ آلهة مَعَ الله، ولكن قلَّدوهم دينَهم فاتَّبعوا قولهم فيما لاَ يَحلُّ أن يتَّبعوهم فِيهِ؛ فخالفوا ــ فيِ اتِّبَاعهم لقول أحبارهم ورهبانهم ــ الحقَّ فيِ ذَلِكَ، واستحقُّوا عند الله أن سَمَّاهم الله بأنَّهم قد اتَّخَذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا» انتهى. {والمسيحَ ابن مَرْيَم} عطفٌ عَلَى “أحبارَهم”. {وَمَا أُمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها واحدا لاَ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عمَّا يُشرِكُونَ (31)} تنزيه إله (1) عَن الإشراك.
{يُريدون أن يُطفِئوا نور الله} وَهُوَ قيام الدليل {بأفواههم} [207] بشركهم وقولهم غير الحقِّ عَلَى الله؛ {ويأبى الله إِلاَّ أن يُتمَّ نوره} بإعلاء التوحيد، وإعزاز الإسلام، {ولو كَرِه الْكَافِرُونَ (32)} مَثَّل حالهم فيِ طلبهم أن يُبطلُوا وحدانية الله باتِّخاذ الآلهة من دونه، بِحال من يريد أن يَنفُخ فيِ نور عظيمٍ ساطعٍ عَلَى جميع الموجودات الشاهدة لَهُ بالوحدانية، يريد الله أن يزيده ويبلغَه الغايةَ القصوى مِنَ الإشراق {ولو كره الْكَافِرُونَ}.
{هُوَ الذِي أَرسلَ رسوله} محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - {بالهدى} بالقرآن {ودين الحقِّ} الإسلام، {ليظهِره} لِيُغلِبَه {عَلَى الدين كلِّه} عَلَى كلِّ دين خالفه {ولو كره المشركُونَ (33)}.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إنَّ كثيرا مِنَ الأحبار والرهبَان} المتسمَّونَ بهذا الاسم الشريف بزعمهم {لَيَأكُلُون أموالَ الناس} استعَارَ الأكلَ للأخذ {بالباطل، ويصدُّون} سَفَلَتَهم {عَن سبيل الله} دينه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تنزيهًا له»، أو «تنويهٌ لله». (2/109)
صفحة 507
وَالذِينَ يكنِزون الذهبَ والفضَّة وَلاَ يُنفقونها فيِ سبيل الله} خُصَّا بالذكر من بين سائر الأموال، لأنَّهما قانون (1) التموُّل، وأثمان الأشياء. قَالَ ابن عمر فيما يُروى عَنْهُ: «كُلُّ ما يُؤَدَّى زكاته فليس بكنز، وإن كَانَ مدفونا، وكُلُّ ما لاَ يُؤدَّى زكاته فهو كنز وإن كَانَ غير مدفون». {فبشِّرهم بعذاب أليم (34)} بِمحقِ مَا يكنزونه فيِ الدُّنْيَا وفي الآخِرَة، كما قَالَ:
{يوم يُحمَى عليها فيِ نارِ جَهَنَّم} إنَّ نار جَهَنَّم يُحمي عليها أَي: تُوقد {فَتُكوى بها جِباهُهُم وجُنوبهم وظُهورهم} لأَنَّ جمعهم وإمساكهم كَانَ لطلب الوَجَاهة بالغنى، والتنعُّم بالمطاعم الشهيَّة والملابس البهيَّة {هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم} يقال لهم: هَذَا مَا كنزتموه لتنتفع بِهِ نفوسُكم، وَهُوَ توبيخ. {فذوقوا مَا كُنتُم تَكنزُونَ (35)} أَي: وبالَ المالِ الذِي تكنزونه.
{__________
(1) - ... «والقوانين: الأصول، الواحد: قانون، وليس بعربيٍّ». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 177. (2/110)
صفحة 508
إِنَّ عدَّة الشهورِ عندَ الله اثنا عشرَ شهرا} من غير زيادة، والمراد: بيان أنَّ أحكامَ الشرع تُبنى عَلَى الشهور القمريَّة المحسوبة بالأهلَّة، دون الشمسيَّة، {فيِ كِتَاب الله} فيما أثبته وأوجبه من حكمه أو اللوح، {يوم خَلَق السَّمَاوَات والأَرْض منها أربعةٌ حُرم} ثلاثة سَرد: ذو القعدَّة للقعود عَن القتال، وذو الحجَّة للحجِّ، والمحرَّم لتحريم القتال فِيهِ، وواحد فَردٌ وَهُوَ رجب لترجيب العرب إيَّاه، أَي: تعظيمه؛ {ذَلِكَ الدينُ القيِّم} أَي: الدين المُسْتَقِيم، لاَ مَا يفعله أهل الجاهليَّة، يعني: أنَّ تحريم أربعة الأشهر هو الدين المُسْتَقِيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكَانت العرب تمسَّكت بِهِ، وكَانُوا يعظِّمونَهَا، ويحرِّمُون القتال فِيهَا؛ ثُمَّ أَحدَثت النسيء فغيَّروا. {فلا تَظلموا فيهنَّ} فيِ أشهر الحرُم، أو فيِ الاثني عشر {أنفسَكم} بارتكاب المعاصي، {وقاتِلوا المشركين كَافَّة كما يُقاتلونكم كَافَّة}أمرٌ وتحذيرٌ لجميع الْمُؤْمِنِينَ أن يتشمَّروا لمعاداة جميع الْكَافِرِينَ، وجعل الله جميع المتعبِّدين مِنَ الجنِّ والإنس حزبين لاَ ثالث لهما، حزبا لله تعالى، وحزبا للشيطان الرجيم؛ {واعلموا أنَّ الله مَعَ المُتَّقِينَ(36)} بالنصر.
{ (2/111)
صفحة 509
إِنَّمَا النسيء} بالهمزِ مصدر نَسَأَه: إِذَا أخَّره، وَهُوَ تأخير حُرمَة الشهر إِلىَ شهر آخر؛ وذلك أنَّهم كَانُوا أصحابَ حُروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وَهُم مُحاربون شقَّ عَلَيْهِم ترك المحاربة، فيحلُّونه ويحرِّمون مكانه شهرا آخر، حتَّى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم؛ فكَانُوا يُحَرِّمُون من شقِّ[كَذَا] شهورِ العام أربعة أشهر، {زيادة فيِ الكفر} أَي: هَذَا الفعل مِنْهُم زيادة فيِ كفرهم؛ [208] لأَنَّ لَهُم أعمالاً سيِّئةً غير هَذَا الفعل، {يُضَلُّ بِهِ الذِينَ كَفَرُوا} بالنسيء، والضمير فيِ {يُحِلُّونَه عاما، ويُحَرِّمُونَه عاما} للنسيء، أَي: إِذَا أحلُّوا شهرا مِنَ الأشهر الحرُم عاما، رجعوا فحرَّموه فيِ العام القابل؛ {ليواطئوا عدَّة مَا حَرَّمَ الله} ليوافقوا العدَّة التِي هِيَ الأربعة وَلاَ يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذِي هُوَ أحدُ الواجبين؛ {فيحلُّوا مَا حَرَّم الله} أَي: فيحلُّوا مواطأة العدَّةِ وحدها، مِن غير تخصيص مَا حَرَّم الله مِنَ القتال، أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها. {زُيِّن لَهُم سوء أعمالهم} زَيَّن الشيطان لَهُم ذَلِكَ، فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة. {والله لاَ يهدي القوم الْكَافِرِينَ(37)} حال اختيارهم الثابت عَلَى الباطل.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا مَا لكم إِذَا قيل لكم: انفروا فيِ سبيل الله اثَّاقلتم} أَي: تباطأتم {إِلىَ الأَرْض} أَي: مِلتم إِلىَ الدُّنْيَا وشهواتها، وكرهتم مشاقَّ السفرِ ومتاعِبه؛ {أرضيتم بالحياة الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَة}؟ بدل الآخرة؟ {فما متاعُ الحياةِ الدُّنْيَا فيِ الآخِرَة} في جنب الآخرة {إِلاَّ قليل(38)} تحقير لها.
{ (2/112)
صفحة 510
إِلاَّ تنفروا يعذِّبكم عذابا أليما} فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، لأَنَّهُ حكم بالعذاب عَلَى من لم يمتثل أمره، {ويستبدل قوما غيرَكم} لأَنَّ من سنَّته ذَلِكَ، {وَلاَ تضرُّوه شَيْئًا} سُخطٌ عظيمٌ عَلَى المتثاقلين، حيث أوعدهم بعذاب أليم، مطلق يتناول عذاب الدارين، وبه (1) وليستبدل بهم قوما آخرين، خيرا مِنْهُم وأطوع، وإن كَانُوا هم فيِ الوجود؛ وأنَّه غنيٌّ عَنْهُم فيِ نُصرة دينه، لاَ يقدح تثاقلهم فِيهَا شَيْئًا؛ وقيل: الضمير فيِ «وَلاَ تضرُّوه» للرسول، لأَنَّ الله وعده أن يعصمَه مِنَ الناس وأن ينصره، وَوعْدُه كائن لاَ محالة، {والله عَلَى كُلِّ شيء قدير (39)} جلَّ عَن أن يُعجزه شيء.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «وبه». (2/113)
صفحة 511
إِلاَّ تنصروه فقد نصرَه الله} إِنْ لاَ تنصروه فسينصره من نَصَرهُ حين لم يكن معه إلاَّ رجلٌ واحد؛ فدلَّ بقوله: {فقد نَصَرَه الله} عَلَى أَنَّهُ ينصره فيِ المستقبل، كما نصره فيِ ذَلِكَ الوقت؛ {إذْ أخرجه الذِينَ كَفَرُوا} أسند الإخراج إِلىَ الكفَّار، لأَنَّهُ حين همُّوا بإخراجه أذن الله [له] فيِ الخروج، وكأنَّهم أخرجوه. {ثانيَ اثنين} أحد اثنين وهما: رسول الله وأبو بكر فيما قيل. {إذ هُما فيِ الغار} وَهُوَ ثقب فيِ جبل، فيِ يُمنى مكَّة، عَلَى مسير ساعة فيما قيل. {إذ يقول لصاحبه: لاَ تحزن إِنَّ اللهَ معنا} بالنصرة والحفظ، فالمعيَّة المذكورة لاَ يجتمع معها حُزن، وَهُوَ وجود العيانِ، والعيانُ دَرجةً فوق درجةِ اليقين. قيل: طلع المشركون فوق الغار، فأشفق أبو بكر عَلَى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال له: إِن أُصبتَ اليوم ذهب دين الله؛ فقال - عليه السلام -: «ما ظنُّك باثنين ثالثهما الله» (1)؛ وقيل: لَمَّا دخل الغار، بعث الله حمامتين فباضتا فيِ أسفله، والعنكبوت نسجت عليه؛ فأعمى الله أبصارهم. {فأنزل الله سكينته} مَا أَلقَي فيِ قلبه من الأمَنَةِ التِي سَكَنَ عندها، وعلم أنَّهم لاَ يصلُون إِلَيْهِ. {__________
(1) - ... رواه البخاري عن أنس «قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قَالَ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا». كتاب تفسير القرآن، رقم 4295. مسلم: كتاب فضائل الصحابة، رقم 4389. الترمذي: كتاب تفسير القرآن، رقم 3021. أحمد: مسند العشرة المبشَّرين بالجنَّة، رقم 11. العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «ما ظنُّك باثنين». (2/114)
صفحة 512
عليه} عَلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أو عَلَى صاحبه، لأَنَّهُ كَانَ يخاف وكَانَ - عليه السلام - ساكنَ القلبِ. {وأيَّده بجنودٍ لم تَرَوهَا} هُمُ المَلاَئِكَة، يحتمل تأييد الله لَهُ بالمَلاَئِكَة، لتثبيت قلبِه وتثبيط من عاداه؛ ويحتمل لقتالهم، لأَنَّ الله لاَ [209] يُعجزه شيء. {وجعل كلمةَ الذِينَ كَفَرُوا} أَي: دعوتهم إِلىَ الكفر {السفلى، وكلمة الله} دعوته إِلىَ الإسلام {هِيَ العليا} أَي: هِيَ لم تزل كَانَت عالية (1) {والله عزيز} يُعزُّ بنصره أهلَ كلمته، {حكيم (40)} يُذِلُّ أهلَ الشرك بحكمته.
{انفروا خفافا} فيِ النفور لنشاطكم لَهُ، {وثقالا} عَنْهُ المشقة (2) عَلَيْكُم، أو خفافاً لقلَّة عيالكم، وثقالا لكثرتها؛ أو خفافا مِنَ السلاح، وثقالاً مِنْهُ؛ أو رجالاً وركبانا، أو شبابا وشيوخا؛ وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل. {وجاهدوا بأموالكم وأنفسِكم} إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما عَلَى حسب الحال، لأَنَّهُمَا لم يُجعلا للعبد إِلاَّ (لَعَلَّهُ) لِيُجاهد بهما لاَ غير، {فيِ سبيلِ الله} فيِ طاعته. {ذلكم خير لكم} أَي: الجهاد خير من تركه، {إِن كُنتُم تَعْلَمُونَ (41)} كونَ ذَلِكَ خيرًا، فبادروا إِلَيْهِ. قيل: خرج سعيد بن المسيّب إِلىَ الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه؛ فقيل لَهُ: «إنَّك ضعيف ومُضَرٌّ» فقال: «أَستنفِر الخفيفَ والثقيل، إن لم يُمكنيِّ الحرب كثَّرت السواد».
{__________
(1) - ... في العبارة اختلال تركيب، والأحسن: «هي التي لم تزل عالية».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لِمَشقَّته». (2/115)
صفحة 513
لو كَانَ عَرَضًا} مَا عُرِض لك من مَنافع الدُّنْيَا؛ يُقال: «الدُّنْيَا عَرَضٌ حاضر يأكل مِنْهُ البرُّ والفاجرُ». {قريبا} سَهل المأخذِ {وسفرًا قاصدا} وسطًا مقاربا، والقصد: المعتدل؛ {لاتَّبَعُوك} لخَرجوا معك؛ {ولكن بَعُدَت عَلَيْهِمُ الشُّقَّة} بُعدُ المسافة، والشُّقَّة: السفر البعيد، لأَنَّهُ يَشقُّ عَلَى الإنسان. {وسيحلفونَ بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} ذَلِكَ من دَلائل النبوَّة، لأَنَّهُ أخبر بِمَا سيكونُ قبلَ كونه؛ فقالوا كما أخبر. {يُهلِكون أنفسهم} والمعنى: أنَّهم يُهلكونها بالحلف الكاذب؛ لأَنَّهَا تُهلِك بالمعنى الوَاحِدِ، كما تُهلِك بالمعاني، {والله يعلم إِنَّهُمْ لكاذبُونَ (42)} بِمَا يعتذرون ويحلفون.
{عفا الله عنك} كناية عَن الزلَّة، لأَنَّ العفو لاَ يكون إِلاَّ من تقصير، وَهُوَ من لطيف التعاب (1) بتصدير العفو فيِ الخطإ؛ وفيه دلالةُ فَضلِه عَلَى الأنبياء، حيث لم يُذكر مِثلُه لسائر الأنبياء. {لِمَ أَذِنتَ لَهُم حَتَّى يتبيَّنَ لك الذِينَ صَدقوا} فيِ عذرهم، {وتعلم الكاذبِينَ (43)} أَي: تعلمَ من لاَ عُذر لَهُ؛ قيل: لأَنَّهُ لم يكن يَعرف المنافقين مِنَ المؤمنين بعد بالوحي، كأنَّه أذِن لَهُم عَلَى غير عِلم لَهُ سَبَقَ مِنَ الله؛ وفيه زجرٌ لمن يرتكب الأمور عَلَى جهالة، لاَ يَعرف حَجْرَها مِن إباحتها؛ لأَنَّ من دخل فيما لاَ يعلم، فليس بعاقل؛ ثُمَّ أعلمه بحال الفريقين بقوله:
{لاَ يستأذنك الذِينَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر أن يُجاهدوا} ليس من عادة المؤمنين أن يَستأذنوا فيِ أن يُجاهدوا {بأموالهم وأنفسهم، وَاللهُ عليم بالمتَّقِينَ (44)} عِدَةٌ لَهُم بأجزل الثواب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «العِتَاب». (2/116)
صفحة 514
إِنَّمَا يَستأذنك الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} يعني: المنافقين، {وارتابت قُلوبهم} شكُّوا فيِ دينهم، واضطربوا فيِ عقيدتهم؛ {فَهُم فيِ رَيبِهم يتردَّدُونَ (45)} يتحيَّرون، لأَنَّ التردُّد ديدن المتحيِّر، كما أنَّ الثبات ديدن المستبصر.
{ولو أرادوا الخروجَ لأعدُّوا لَهُ} للخروج، أو للجهاد {عُدَّةً} أُهبَة، لأنَّهم كَانُوا قادرين عليها، وترك العُدَّة علامةٌ للتخلُّف؛ {ولكن كرِهَ الله انبعاثَهم} نهوضهم للخروج، كأنَّه قيل: ماخرجوا، ولكن تثبَّطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم، {فثبَّطهم} فحَبَسَهم بالجبن والكسل، وضعف رغبتهم فيِ الانبعاث، والتثبيط: التوقيف عَن الأمر بالتزهيد فِيهِ. {وقيل: اقعدوا} أَي: قَالَ بعضهم لبعض؛ أو قاله [210] الرسول - صلى الله عليه وسلم - غضبا عَلَيْهِم؛ أو قاله الشيطان؛ وقيل: أوعي إِلىَ قلوبهم، وأُلهموا أسباب الخذلان؛ {مَعَ القاعدِينَ (46)} هُوَ ذمٌّ لَهُم، حيث أنزلوا بالنساء (1) والصبيان والزَّمْنَى الذين شأنهم القعود فيِ الحضوض (2) الدُّنْيَاويَّة ويُدعى بذلك عَلَى مَن قَعَد عَن فعل جميل.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أنزلوا منزلة النساء ... ».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الحظوظ»، أو هو من الحضيض، وَهُوَ «قرار الأَرْض عند سفح الجبل». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 660. (2/117)
صفحة 515
لو خَرَجوا فيكم مَا زادوكم إِلاَّ خَبَالا} فسادا، ومعنى الفساد: إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر، {ولأوضعوا خلالَكم} ولَسَعَوا بينكم بالتضريب (1) والنمائم، وإفساد ذات البين، وَ «لاَ أوضعوا» خُطَّ فيِ المصحف بزيادة الألف، لأنَّ الفتحة كَانَت تُكتب ألفًا قبل الخطِّ العربيِّ، والخطُّ العربيُّ اختُرع قريبا من نزول القرآن، وقد نفى من تلك الألف أثر فيِ الطباع [كَذَا]، فَكَتبَوا صورةَ الهمزة ألفًا، وفتحَها ألفًا أُخْرَى، ونحوُه: «أو لاأذبحنَّه». {يُبغُونَكم الفتنةَ} أَي: يَطلبون أن يفتنوكم، بِأَن يُوقعوا بينكم ويفسدوا نياتكم فيِ مغزاكم؛ {وفيكم سَمَّاعون لَهُم} ضعفةٌ يسمعون قولهم ويطيعونهم؛ وقيل: يسمعونَ حديثكم، فينقلونه إِلَيْهِم؛ {والله عليم بالظالمِينَ (47)} بالمنافقين.
{لَقَد ابتغَوا الفتنةَ} تشتُّتَ أمرِك، وتفريقَ أصحابِك، {من قبلُ، وقلَّبوا لك الأمور} ودبَّروا لك الحيَلَ والمكايد، ودوَّروا لك الآراء فيِ إبطال أمرِك أو لَبِسُوا عليك الحقَّ بالباطل، بمعنى: إضلالك، {حَتَّى جاء الحَقُّ} ببيان الله لك، {وظَهَرَ أمرُ الله} أَي: دِينه عَلَى كلِّ دين {وَهُم كارهُونَ (48)} عَلَى رغم مِنْهُم.
{ومنهم مَن يقول: اِئذن لي وَلاَ تفتنِّي} وَلاَ تُوقعني عَلَى الفتنة، وهي الإثم، بِأَن لاَ تَأذن لي فإنِّي إن تخلَّفتُ بغيرِ إِذنِك أَثِمتُ. {ألاَ فيِ الفتنةِ سَقطوا} فيِ فتنة التخلُّف، أو فيِ فتنة النفاق من حيث استأصلَتْهم وملَكَتهم، {وإنَّ جَهَنَّم لَمُحيطة بالْكَافِرِينَ (49)} لأَنَّ أسبابَ الإحاطةِ أحاطت بهم، أو هِيَ تحيط بهم يوم القيامة.
{__________
(1) - ... «ضربتُ الشيءَ بالشيء، وضرَّبتُه: خلطتُه، وضرَبت بينهم في الشرِّ: خلطتُ. والتضريب بين القوم: الإغراء». ابن منظور: لسان العرب، 3/ 521. (2/118)
صفحة 516
إِن تُصِبْك} فيِ بعض الغزوات {حسنةٌ} ظفرٌ وغنيمةٌ {تَسُؤْهُم، وإن تُصِبك مُصيبَة} نكبةٌ وشدَّة {يقولوا: قد أخذنا أَمْرَنا} الذِي نَحْنُ متَّسمون بِهِ مِنَ الحذَرِ والتيقُّظ، والعمل بالحزم {من قبل} من قبلِ مَا وقع، وَهُوَ يشبه معنى قوله: {قَالَ: إِنَّمَا أوتيتُه عَلَى علم عندِي} (1). {ويتولَّوا} من مَقَام التحدُّث بذلك إِلىَ أهاليهم {وَهُم فرحُونَ (50)} مسرورون.
{قل: لن يصيبَنا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} أَي: قضى من خير وشرٍّ، {هُوَ مولانا} أَي: يتولىَّ أمورنا ويعلم مصالحنا، و (لعلَّ) مصالحنا [كَذَا] فيما يصيبنا، {وعلى الله فليتوكَّل المؤمنُونَ (51)} وحقُّ المؤمنين أن لاَ يتوكَّلوا عَلَى غير الله.
{قل: هل تَربَّصون بنا} تنتظرون بنا {إلاَّ إحدى الحسنَيَيْن} إِلاَّ إحدى العاقبتين اللَّتين كلٌّ منهما حُسنى العواقبِ، وهما النصرة أو الشهادة، {ونحن نتربَّص بكم} إحدى السوأتين، إمَّا {أن يصيبكم الله بعذابٍ مِن عندِه} وَهُوَ نزول الموت عَلَيْكُم، {أو بأيدينا} وَهُوَ القتل عَلَى الكُفرِ؛ فانظر كيف سمىَّ الله الشهادةَ للمؤمنين إحدى الحسنيين، وقتل الكفَّار عذابا، وهما فعل وَاحِد فيِ الاسم والصفة؛ والمعنى: وذلك لأَنَّ إحدى الحسنيين يفضي بهم إِلىَ الحسنة، وهي الجنَّة، وقتل الْكَافِرِينَ يُفضي بهم إِلىَ العذاب المؤبَّد وَهُوَ نار جهنَّم، أعاذنا الله منها. وجميع مَا يُصيب المؤمنَ [211] فيِ الدُّنْيَا مِنَ المكروهِ والمحبوب فهو حسنةٌ لَهُ، وكذا مَا يصيب الْكَافِرَ فيِ الدُّنْيَا مِمَّا يكره أو يحِبُّ فهو عذابٌ لَهُ، لأنَّه يكون سببا لزيادة عذابه فيِ الآخِرَة؛ {فتَربَّصوا} مَا هُوَ عاقبتنا {إِنَّا معكم متربِّصُونَ (52)} مَا هُوَ عاقبتكم.
{__________
(1) - ... سورة القصص: 78. (2/119)
صفحة 517
قل: أنفقوا} فيِ وجوه البرِّ {طوعا} عَلَى اختيارٍ منكم، {أو كرها} عَلَى غيرِ اختيارٍ {لن يُتَقبَّل منكم} ليس بمقبول منكم ذا وَلاَ ذا؛ {إِنَّكُم} تعليلٌ لردِّ إنفاقهم، {كُنتُم قوما فاسقِينَ (53)} متمرِّدين خارجين عَن الطاعة، وَلاَ تقومُ طاعةٌ من فاسق.
{وَمَا منعهم أن تُقبَلَ مِنْهُم نَفَقَاتُهم إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا} أَي: مَا منعهم قبولَ نفقاتهم إِلاَّ كفرُهم {بالله وبرسوله، وَلاَ يأتون الصلاة إِلاَّ وَهُم كُسالى} متثاقلين {وَلاَ يُنفقون إِلاَّ وَهُم كارهُونَ (54)} لأنَّهم يعدُّونها مغرما، ومنْعَها مَغنما؛ لأنَّهم لاَ يرجون بها ثوابا، وَلاَ يخافون عَلَى تركها عقابا، لأنَّهم لاَ يريدون بها وجه الله؛ وصفهم بالطوع فيِ قوله: {طوعا} (1) وسَلَبَه عَنْهُم ها هنا، لأَنَّ المراد بِطَوعهم أنَّهم يُبدِّلونه من غير إلزام من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو من رؤسائهم، وَمَا طَوعُهم ذَلِكَ إِلاَّ عَن كراهةٍ واضطرار، لاَ عَن رغبةٍ واختيارٍ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أو طوعا» وَهُوَ خطأ. (2/120)
صفحة 518
فلا تُعجِبكَ أموالهُم وَلاَ أولادُهم} فإنَّ ذَلِكَ استدراج ووبال لَهُم، كما قَالَ: {إِنَّمَا يُريد الله ليعذِّبهم بها فيِ الحياة الدُّنْيَا} بسبب مَا يكابدون لجمعها وحفظها مِنَ المتاعب، وَمَا يرون فِيهَا من الشدائد؛ والإعجاب بالشيء: أن يُسَرَّ بِهِ سرورًا راضٍ بِهِ، مُعجب من حُسنه؛ والمعنى: فلا تَستحسن بِمَا أتوا من زينة؛ فإنَّ الله إِنَّمَا أعطاهم مَا أعطاهم، ليعذِّبهم بالمصائب فِيهَا، وبالإِنفَاق مِنها، وبِنَهبِها وبجمعها وحفظها وحُبِّها والبخل بها والخوف عليها، وكلُّ هَذَا عذاب من حيث أنَّهم لاَ يُؤجَرون عليه؛ وكلُّ من كَانَ أكثر مالا وأولادًا مِنَ الموصوفين، كَانَ أكثر عذابا فيِ الدُّنْيَا، وعدمهما [كَذَا] عذاب فيِ حقِّ الأكثر مِنَ الكَافِرِينَ؛ وَأَمَّا المؤمنون وإن كابدوا أمرها فلا يُسمَّى عذابا، ويُسمَّى حُسنا، لأَنَّ فِعلهم فِيهَا حقٌّ يُثَابون عليه، ويُفضي بهم إِلىَ جنَّات النعيم. {وتَزهَقَ أنفسُهم، وَهُم كَافِرُونَ (55)} وتخرج أرواحُهم عَلَى الكفر، من عدم توبتهم، والثباتِ عَلَى غيِّهم؛ وأصل الزهوق: الخروج بصعوبة، فيموتوا كَافِرِينَ مُشتغلين بِالتَّمَتُّعِ العاجل عَن النظر فيِ العاقبة، فيكون ذَلِكَ استدراجا لَهُم.
{ويحلفُونَ (1) بالله إِنَّهُمْ لَمِنكم} أَي: عَلَى دينكم، [وإنَّهم] لَمِن جملة المُسْلِمِينَ، {وَمَا هم مِنكُم} لكفرِ قلوبهم، [و] اختلاف أعمالهم، {ولكنَّهم قوم يَفرقُونَ (56)} يَخافون القتل، وَمَا يُفعل بالمشركين؛ فيُظاهرون بالإسلام تقيَّة.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «و» وَهُوَ سهو من الناسخ. (2/121)
صفحة 519
لو يجدون ملجأً} مكانا يَلجأون إِلَيْهِ متحصِّنين من رأس جبل، أو قلعة أو جزيرة، أو فُرصة لمخالفتكم، {أو مغاراتٍ} أو غِيرَانًا، {أو مُدَّخَلا} أو نَفَقًا يَندسُّون فِيهِ، {لَوَلَّوا إِلَيْهِ} لأقبلوا نَحوَه، {وَهُم يَجمحُونَ(57)} يُسرعون إسراعا لاَ يردُّهم شيء، مُستعمل مِنَ “الفَرَس الجَمُوح”؛ ومعنى الآية: أنَّهم لو يجدون مَخلَصا منكم ومَهرَبا (لَعَلَّهُ) يُخالفوكم.
{ومنهم} ومِن المنافقين {مَن يَلمِزُك فيِ الصدقاتِ} يَعِيبُك فيِ قِسمَتِها، ويطعن عليك؛ {فإن أُعطوا منها رَضُوا} عنك، وفي الآية دليل عَلَى جواز إعطاء الزكاة المنافقين؛ لأَنَّ الصدقات فيِ هَذَا يُراد بها الزكاة فيِ التأويل. {وإن لمَ يُعطَوْا منها إِذَا هم يَسخَطُونَ(58)} عليك، وَصَفهم بِأَنَّ رضاهم وسُخطَهم [212] لأنفسهم لاَ للدِّين وَمَا فِيهِ صَلاح أهله.
{ولَو أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتاهم الله ورسوله، وَقَالُوا: حسبُنا الله} كَفَانا فضله، {سَيؤتينا الله مِن فضلِه ورسولُه} لأَنَّ من تَوَكَّل عليه لاَ شكَّ أنَّه يُغنيه؛ ودليله قوله: {إِنَّا إِلىَ الله راغبُونَ(59)} فيِ أن يُغنينا الله من فضله؛ والمعنى: لو أنَّهم مَا أصابهم بِهِ الرسول مِنَ الغنيمة، فطابت بِهِ نُفوسهم ــ وإن قلَّ ـ قَالُوا: كَفانا فضل الله وصَنيعه، وحسبُنا مَا قَسَمَ لَنَا، سيرزُقنا غنيمة أُخْرَى فيُؤتينا رسوله - صلى الله عليه وسلم - منها.
{إِنَّمَا الصدقاتُ للفقراء والمساكين} أَي: الزكَوَات لهؤلاء المعدودين دون غيرهم، {والعاملين عليها} الساعين فيِ تحصيلها وجمعها، {والمؤلَّفةِ قلوبهم} للعطاء، {وفي الرقابِ والغارمين} المديونين فيِ غير معصية، {وفي سبيلِ الله} فيِ الجهاد، {وابنِ السبيل} المسافر المنقطعِ عنه ما يكفيه فيِ سفره؛ {فريضة مِنَ الله} أَي: واجب منه {والله عليم} بالمصلحة، {حكيم(60)} فيما قَسَمَ، يَضع الأشياء مواضعها.
{ (2/122)
صفحة 520
ومنهم الذِينَ يُؤذون النبيَّ ويقولون: هُوَ أُذُنٌ} يسمع كلَّ ما يُقال لَهُ، ويُصدِّقه. سُمِّي بالجارحَة للمبالغة، كأنَّه من فَرْطِ استماعه صار آلةً للسَّماع؛ كما سُمِّي الجاسوس عَيْنًا؛ وإيذاؤهم لَهُ وَهُوَ قولهم فِيهِ: «هُوَ أُذنٌ» قصدوا بِهِ المذمَّة، وأنَّهُ مِن أهل سلامةِ القلوب والغِرَّة (1)، ففسَّره الله تعالى بِمَا هُوَ مدحٌ لَهُ وثناءٌ عليه فقال: {قل أُذُنُ خيرٍ لكم} كقوله: رجل صِدْقٌ، يريد الجودة والصلاح؛ كأنَّه قيل: نَعَم هُوَ أُذُنٌ، ولكن نِعْمَ الأُذن؛ ويجوز أن يريد هُوَ أُذنٌ فيِ الخير والحقِّ، وفيما يَجب سَماعه وقبوله، وليس بأُذنٍ فيِ غير ذَلِكَ؛ ثُمَّ فَسَّرَ كونه أُذن خير بأنَّه {يُؤْمِنُ بالله} أَي: يصدِّق بالله لِما قَام عنده مِنَ الأدلَّة، {ويُؤمن للمؤمنين} ويَقبل مِنَ المؤمنين الخُلَّص وعدَّى فعل “الإيمان” بالباء إِلىَ الله، لأَنَّهُ قصد بِهِ التصديق بالله الذِي هُوَ ضِدُّ الكفر بِهِ، وَإِلىَ المؤمنين باللاَّم، لأنَّه قصد السّماع مِنَ المؤمنين، وأن يسلِّم لَهُم مَا يقولونه ويصدِّقه لكونهم صادقين عنده، ألا تَرى إِلىَ قوله: {وَمَا أنت بمؤمن لنا} (2) كيف ينبو عَن ينبؤ عَن (3) الباء. {ورحمة للذين آمنوا منكم} أَي: هُوَ رحمة للمؤمنين حيث استنقذهم مِنَ الكفر إِلىَ الإيمان. {__________
(1) - ... «وَفيِ الحديث: “المؤمن غِرٌّ كريم”، أي ليس بذي نُكر، فهو ينخدع لانقياده ولينه، وَهُوَ ضدُّ الخَبِّ، يقال: فتى غٍرٌّ، وفتاة غِرٌّ ... ومنه حديث الجَنَّة: “يدخلني غِرَّة الناس، أي البُلْهُ الذين لم يجرِّبوا الأمور، فهم قليلو الشرِّ منقادون». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 971.
(2) - ... سورة يوسف: 17.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كيف ينبو عن الباء»، أي أنَّ السياق لا يحتمل إدخال الباء عَلَى الضمير “نا”، فلا يليق أن يقول: «وما أنت بمؤمن بنا». (2/123)
صفحة 521
وَالذِينَ يُؤذون رسول الله لَهُم عذابٌ أليم (61)} فيِ الدارين، كأنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمَّا كَانَ رحمةً للمؤمنين، كَانَ عذَابا للمنافقين، من حيث استحقُّوا العذاب بإيذائهم لَهُ ومخالفتهم إيَّاه؛ ويحتمل أنَّ نفس الإيذاء يكون عذابا لَهُم من قبل اشتغالهم بشيء يضرُّهم وَلاَ ينفعهم؛ وبذلك صارُوا عبيدًا مسخَّرين للشَّيطان لعنَه الله.
{يحلفون بالله لكم ليُرضوكم} الخطاب للمسلمين، وكَانَ المنافقون يَتكلَّمون بالمطاعن، أو يتخلَّفون عَن الجهاد، ثُمَّ يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكِّدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويَرضوا عَنْهُم، لأَنَّهُم يكرهون الافتراق فيِ الظاهر، وإن كَانُوا فارقين فيِ السرائر؛ فقيل: لهم: {واللهُ ورسولُه أحقُّ أن يُرضُوهُ إن كَانُوا مؤمنِينَ (62)} أَي: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحقُّ مَن رضيتم (1) الله ورسوله بالطاعة والوفاق.
{ألم يعلموا أَنَّهُ من يُحادِدِ اللهَ ورسولَه} تجاوز الحدَّ [213] بمشاققته لهما، والمعنى: أن يكون فيِ جانب مُبايِن عَن أمر الله ورسولِه؛ {فأنَّ لَهُ نار جَهَنَّم خالدا فِيهَا ذَلِكَ الخزيُ العظيم (63)} الهلاك الدائم، والفضيحة العظيمة.
{يَحذَرُ المنافقون أن تُنزَّل عَلَيْهِم سورةٌ تنبِّئهم بِمَا فيِ قلوبهم} مِنَ الكفر والنفاق، وتهتك عَلَيْهِم أستارهم {قُلِ: استهزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخرجٌ مَا تَحذَرُونَ (64)} مُظهرٌ مَا كُنتُم تَحذرونه، أي: تَحذرون إظهاره من نِفاقكم، وكَانُوا يَحذرون أن يَفضَحَهم الله بالوحي فيهم، وفي استهزائهم بالإسلام وأهلِه؛ حتَّى قَالَ بعضهم: «وَدِدِت أَنِّي قدمتُ فجُلِدتُ مائة، وأنَّه لاَ ينزل فينا شيء يفضحنا».
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أرضيتم». (2/124)
صفحة 522
ولئن سألتَهم ليقولنَّ: إِنَّمَا كُنَّا نخوضُ ونلعبُ} قيل: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير فيِ غزوة تبوك، وركبٌ مِنَ المنافقين يَسيرون بين يديه، فَقَالُوا: «انظروا إِلىَ هَذَا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات!!»، فأطلعَ الله نبيَّه عَلَى ذَلِكَ، فقال: «احبِسوا عَلَى الركب»، فأتاهم؛ فقال: «قلتم كذا وكذا»؛ فَقَالُوا: «يا نبيَّ الله، لاَ وَالله مَا كُنَّا فيِ شيء من أمرك، وَلاَ من أمر أصحابك؛ ولكن كُنَّا فيِ شيء مِمَّا نخوض فِيهِ، ليُقصِّر بعضُنا عَلَى بعضٍ السفر»، أَي: {ولئن سألتهم} قلت لَهُم: «قلتم ذَلِكَ» لقالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخوضُ ونَلعبُ}، وكَانَ اعتذراهم عَن اللعبِ باللعبِ [كَذَا]، لأَنَّ الله لاَ يهدي القوم الظالمين للحجَّة، {قل} يا محمَّد، {أَبِاللهِ وآياتِه ورسولِه كُنتُم تستهزئُونَ (65)} لم يعبؤوا باعتذارهم، لأنَّهم كَانُوا كاذبين فِيهِ؛ فجُعِلُوا كأنَّهم مُعترفون باستهزائهم، وبأنَّه مَوجود فِيهِم الخوض واللعب ظاهرا، فلم يقدروا أن ينفوه عَن أنفسهم.
{لاَ تعتَذِروا} لاَ تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فإنَّها لاَ تنفعُكُم بعد إظهار شرِّكم ونفاقكم، {قد كَفَرتم} قد ظهر كُفركم بالاستهزاء {بعد إيمانكم} الظاهر؛ {إِن نَعفُ عَن طائفة منكم} بعد توبتهم (1) وإخلاصهم الإيمانَ بعدَ النفاقِ، {نعذِّب طائفة بأنَّهم كَانُوا مجرمِينَ (66)} مصرِّين عَلَى النفاق، غير تائبين.
{__________
(1) - ... في الأصل: «تنوبتهم»، وهو خطأ. (2/125)
صفحة 523
المنافقون والمنافقات بعضُهم من بعضٍ} أَي: متشابهون فيِ النفاق، والبعد عن الإيمان، كأبعاض الشيء الوَاحِد، كأنَّهم نفس وَاحِدَة، أَي: عَلَى دينٍ وَاحِد بالاجتماع عَلَى النفاق؛ وفيه نفيٌ أن يكونوا مِنَ المؤمنين، وتكذيبهم فيِ قولهم {ويحلفون بالله إنَّهم لمِنكم}، وتقرير لقوله: {وَمَا هم منكم}؛ ثُمَّ وصفهم عَلَى مضادَّة حالهم لحال المؤمنين، فقال: {يَأْمُرُون بالمنكر} بالكفر والعصيان، {ويَنْهَوْنَ عَنِ المعروف} عَن الطاعة والإيمان، {ويقبِضون أيديَهم} شُحًّا بالمَبارِّ والصدقات، والإنفاق فيِ سبيل الله؛ {نسوا الله} تركوا أمره، وغفلوا عَن ذكره، {فَنَسِيَهم} فتركهم (1) من رحمته وفضله وتوفيقه، {إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقُونَ (67)} هُمُ الكاملون فيِ الفسق الذِي هُوَ: التمرُّد فيِ الكفر، والانسلاخ [214] عن كلِّ خير؛ وكفى المسلم زاجرا أن يُلِمَّ بِمَا يُكسِبُه هَذَا الاسم الفاحش، الذِي وُصف بِهِ المنافقون، حين بالغ فيِ ذمِّهم.
{وعد الله المنافقين والمنافقات والكفَّارَ نَارَ جَهَنَّم خالدين فِيهَا، هِيَ حَسْبُهُم} كَافِيهِم جزاءً عَلَى كفرهم؛ وفيه دلالة عَلَى عِظَمِ عذابها، وأنَّه بحيث لاَ يُزاد عليه، {ولَعَنَهُمُ الله} وأهانهم وأبعدهم مَعَ التعذيب المقيم، {ولهم عذابٌ مقيمٌ (68)} دائم أَي: فعلتم كفعل الذِينَ من قبلكم، بالعدول عَن أمر الله، فَلُعِنتُم كما لُعنُوا.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فطردهم من ... ». (2/126)
صفحة 524
كالذين مِن قَبلِكم}، فمن حين لازموا النفاق، لازمهم العذاب {كَانُوا أشدَّ منكم قوَّةً، وأكثر أموالا وأولادا، فاستَمتَعُوا بخَلاَقِهم} نصيبهم من ملاذ الدُّنْيَا، {فاستَمْتَعْتُم بخَلاَقِكُم} بِمَا خُوِّلتُم إيَّاه، {كما استمتع الذِينَ من قبلكم بخَلاَقِهِم} ذمَّ الأَوَّلين باستمتاعهم بحظوظهم مِنَ الشهوات الفانية، واشتغالهم بها عَن النظر فيِ العاقبة، والسعي فيِ تحصيل اللذائذ الحقيقيَّة، {وخُضتُم} دخلتم فيِ الباطل، والكذب عَلَى الله، وتكذيب رُسُلِه، والاستهزاء بالمؤمنين، {كالذي خاضوا} كالخوض (1) الذِي خاضوا، والخوض: الدخول فيِ الباطل واللهو، {أُولَئِكَ حَبِطَت أعمالُهُم فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة}، فيِ مقابلة قوله: {وآتيناه أجرَه فيِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ في الآخرة لمن الصالحين} (2)، {وأولئك هُمُ الخاسرُونَ (69)} أَي: كما حَبِطت أعمالهم، وخسروا، كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم.
{ألم يأتهم} يعني المنافقين {نبأ} خبر {الذِينَ من قبلهم}، حين عصوا رُسُلنا، وخالفوا أمرنا، كيف عذَّبناهم وأهلكناهم، ثُمَّ ذكرهم فَقَال: {قومِ نوح وعاد وثمود وقومِ إبراهيم وأصحابِ مَديَنَ والمؤتفكاتِ} مدائن قوم لوط، وائتفاكهنَّ: انقلاب أحوالهن عَن الخير إِلىَ الشرِّ {أتتهم رُسُلهم بِالبَيِّنَاتِ} فكذَّبوهم، فعصوهم كما فعلتم، فاحذروا تعجيل العذاب؛ {فما كَانَ الله ليظلمهم} فما صحَّ مِنْهُ أن يظلمهم بإهلاكهم، لأَنَّهُ حكيم فلا يعاقبهم بغير جرم، {ولكن كَانُوا أنفُسَهُم يظلمُونَ (70)} بالكفر، وتكذيب الرسل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «كالخوظ»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة العنكبوت: 27. وفي الأصل: {واتيناه اجره فيِ الدنيا والاخرة} وهو خطأ. (2/127)
صفحة 525
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} فيِ التناصر والتراحم، والدين، واتِّفَاق الكلمة، والعون والنصرة، {يَأْمُرُون بالمعروف} بالإيمان والطاعة، {ويَنهَونَ عَن المنكر} عَن الشرك والمعصية، وَمَا لاَ يُعرف فيِ الشرع، {ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله} فيِ سائر الأمور، {أُولَئِكَ سيرحمُهُمُ الله} لاَ محالة، {إِنَّ الله عزيزٌ حكيمٌ(71)}.
{ (2/128)
صفحة 526
وعد الله المؤمنين والمؤمنات جَنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فِيهَا، [215] ومساكنَ طيِّبة} تستطيبها النفس، أو يَطِيبُ فِيهَا العيش. وفي الحديث: «إنَّها قصور مِنَ اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر» (1) ، {فيِ جَنَّات عدن} إقامة وخلود؛ ويُروى عَنْهُ - عليه السلام - أنَّه قَالَ: «عدن دار الله التِي لم ترها (2) عين ولم تخطر عَلَى قلب بشر» (3) ، {ورضوان مِنَ الله} وشيء من رضو (4)
__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير وزياداته.
(2) - ... في الأصل: «لم تراها»، وهو خطأ.
(3) - ... جاء في صحيح البخاري: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : «قَالَ اللهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}». كتاب بدء الخلق، رقم 3005، ونحوه في كتاب تفسير القرآن، كتاب التوحيد. مسلم: كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها. الترمذي: كتاب تفسير القرآن. ابن ماجه: كتاب الزهد. أحمد: باقي مسند المكثرين. الدارمي: كتاب الرقاق. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «خطر على قلب».
(4) - ... لم أجد في اللسان هَذَا المصدر، وَإِنَّمَا رضي مصدره: «الرضا، مقصور: ضدُّ السخط... وقد رضي، رِضًا، ورُضًا، ورِضوانا، ورُضوانا». ابن منظور: لسان العرب، 2/1179.. (2/129)
صفحة 527
الله {أكبر} من ذَلِكَ كلِّه، لأَنَّ رضاه سبب كلِّ فوز، وسعادة وسلامة من كلِّ شرٍّ، كما كانت الدراهم والدنانير سببا لشهوات الدُّنْيَا، وقيل: يقول الله لأهل الجنَّة: «أُحلُّ لكم رضواني، فلا أسخط عَلَيْكُم أبدا» (1)، {ذَلِكَ} إشارة إِلىَ مَا وعد أو إِلىَ الرضوان، {هُوَ الفوز العظيم (72)} وحده دون مَا يَعُدُّه الناس فوزا.
{يَا أَيُّهَا النبيُّ جاهِدِ الكُفَّارَ والمنافقين واغلُظْ عليهم} وَلاَ تُحَابهم، وكلُّ من وُقِفَ مِنْهُ عَلَى فساد فيِ العقيدة، أو مخالفة فيِ العمل، فهذا الحكم ثابت فِيهِ، يُجَاهَد بِالحُجَّةِ، وتُستعمَل معه الغلظة مَا أمكن منها، {ومأواهم جَهَنَّم وبِئْسَ المصير (73)} مصيرهم.
{__________
(1) - ... نصُّ الحديث عند البخاري: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا». كتاب الرقاق، رقم 6067، وكتاب التوحيد. مسلم: كتاب الإيمان، كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها. الترمذي: كتاب صفة الجَنَّة، أحمد: باقي مسند المكثرين. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «لا أسخط». (2/130)
صفحة 528
يحلفون بالله مَا قَالُوا} بشيء مِنَ الكذب، فَأكذَبَهُمُ الله بقوله: {وَلَقَد قَالُوا كلمةَ الكفر} يعني قولهم: «إن كَانَ مَا يقول محمَّد حقًّا، فنحن شرٌّ مِنَ الحمير»، أو هِيَ استهزاؤهم، {وكفروا بعد إسلامهم وهَمُّوا بِمَا لم ينالوا} من قتل محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؛ أو من إيثارهم بالدُّنْيَا [كَذَا] عَلَى الآخِرَة. {وَمَا نَقَمُوا} ومَا أنكروا وَمَا عابوا، {إِلاَّ أن أَغنَاهم اللهُ ورسوله مِن فضله} وذلك أنَّهم كَانُوا حين قَدِم رسول الله المدينة فيِ ضَنكٍ مِنَ العيش، لاَ يركبون الخيل وَلاَ يحوزون الغنيمة، فأُثْرُوا بالغنائم. وقتل للجلاَّس (1) مولىً، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بديَّة اثني عشر ألفا فاستغنى، {فإن يتوبوا يكن خيرا لَهُم} فيِ الدارين، {وإن يتولَّوا} بالإصرار عَلَى النفاق {يعذِّبهم الله عذابا أليما فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة}، فكلُّ متولٍّ عَن أمر الله معذَّبٌ فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، بدليل هَذِهِ الآية، {وَمَا لَهُم فيِ الأَرْض من وليٍّ وَلاَ نصير (74)} ينصرهم مِنَ العذاب.
{ومنهم مَن عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصَّدَّقنَّ ولنكوننَّ مِنَ الصالحِينَ (75) فَلَمَّا آتاهم من فضله} قيل: نزلت فيِ ثعلبة بن حاطب، {بَخِلُوا بِهِ} منعوا حقَّ الله، ولم يَفُوا بالعهد، {وتولَّوا} عَن أداء الواجب مِنْهُ، {وَهُم معرضُونَ (76)}.
{فأعقبهم نِفَاقًا فيِ قلوبهم} فأورثهم البخل نفاقا متمكِّنًا فيِ قلوبهم، لأَنَّهُ كان سببا فِيهِ. وقيل: جعل الله عاقبة فعلهم فيِ ذَلِكَ نفاقًا وسوءَ اعتقادٍ فيِ قلوبهم، {إِلىَ يوم يَلقَونَه} بالموت، أو يلقون جزاء أعمالهم، يريد: حَرَمهم التوبة {بِمَا أخلفوا الله مَا وعدوه، وبما كَانُوا يَكذِبُونَ (77)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «اللحلاس»، وهو خطأ. (2/131)
صفحة 529
ألم يعلموا أنَّ الله يعلم سرَّهم} مَا أسرُّوه مِنَ النفاق، بالعزم عَلَى خلاف مَا وعدوه، {ونجواهم} وَمَا يتَنَاجَون بِهِ فيما بَيْنَهُم، مِنَ المطاعن فيِ الدين، وتسمية الصدقة جزية، وتدبير منعها [216]، {وأنَّ الله علاَّم الغيوب(78)}.
{الذِينَ يَلمِزُون المطَّوِّعين} بالعيب؛ والمتطوِّعون: هُمُ المتبرِّعون {من المؤمنين فيِ الصدقات، وَالذِينَ لاَ يجدون إِلاَّ جهدهم}، وَهُم فقراء المُسْلِمِينَ، لاَ يجدون فضلا عَن سدِّ خلَلِهم، فيتصدَّقوا بِهِ، وَهُم أعدم مِنَ الأَوَّلين، لأَنَّ الأَوَّلين يتصدَّقون بالقليل، وهؤلاء لاَ تفضل مكاسبهم عَن لوازمهم، وَهُم أهلٌ لها، {فيَسخَرون مِنْهُم} فيهزؤون؛ {سخر الله مِنْهُم}، جازاهم عَلَى سُخرِيَّتِهم {ولهم عذاب أليم(79)} فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{استغفر لَهُم أو لاَ تستغفر لَهُم} يريد بِهِ التساوي بين الأمرين فيِ عدم الإفادة لَهُم، وذكر عدد السبعين للمبالغة فيِ اليأس، عَلَى طمع المغفرة؛ والضمير للمنافقين الذِينَ وصفهم الله فيما مضى، {إِن تَستغفِر لَهُم سبعين مرَّة}، وَمَا كَانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ليستغفر لَهُم بعد أن علم أنَّ الله لاَ يَغْفِر لَهُم؛ {فلن يَغْفِر الله لَهُم ذَلِكَ} إشارة إِلىَ اليأس مِنَ المغفرة {بأنَّهم} بسبب أَنَّهُمْ {كَفَرُوا بالله ورسوله، وَاللهُ لاَ يهدي القوم الفاسقين} الخارجين عَن الإيمان، مَا داموا مختارين الكفر والطغيان.
{ (2/132)
صفحة 530
فَرِحَ المخلَّفون} المنافقون الذِينَ استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأذن لَهُم؛ خلَّفهم كَسَلُهم ونفاقُهم أو الشيطان. {بمقعدهم} بقعودهم عَن الغزو، {خلاف رسول الله} - صلى الله عليه وسلم - مخالفة لَهُ؛ وذلك بأنَّهم يفرحون بالعاجل، {وكرهوا أن يُجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فيِ سبيل الله} أَي: لم يفعلوا مَا فَعَله المؤمنون من بذل أموالهم وأرواحهم فيِ سبيل الله، وكيف لاَ يكرهونه وليس فِيهِم كما فيِ المؤمنين من باعث الإيمان، وداعي الإيقان، {وَقَالُوا لاَ تَنفروا فيِ الحَرِّ} قَالَ بعضهم لبعض، أو قَالُوا للمؤمنين (1). {قل نَارُ جَهَنَّم أشدُّ حرًّا لو كَانُوا يفقهُونَ (81)} استجهالٌ لَهُم، لأَنَّ من تَصوَّن من مشقَّة ساعة، فوقع بسبب ذَلِكَ التصوُّنِ فيِ مشقَّة الأبد، كَانَ أجهل من كلِّ جاهل. ولأنَّهم {لو كَانُوا يفقهون} أنَّ مآلهم إِلَيْهِا، أو أنَّها كيف هِيَ مَا اختاروها بإيثار الدعة عَلَى الطاعة.
{فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} أَي: فليضحكون (2) قليلاً عَلَى فرحهم بتخلُّفهم فيِ الدُّنْيَا، ويبكون (3) كثيرا {جزاءً} فيِ العقبى، إِلاَّ أنَّه عَلَى لفظ الأمر للدلالة عَلَى أنَّه حتمٌ واجب لاَ يكون غيره. يروى أنَّ أهل النار يبكون فيِ النار عُمْر الدُّنْيَا لاَ يرقى (4) لَهُم دمعٌ، وَلاَ يَكتحلون بنوم، {جزاء بِمَا كَانُوا يكسبُونَ (82)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «المؤمنين»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «فليضحكوا».
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ويبكوا».
(4) - ... كذا في الأصل، والصواب بالهمزة: «يرقأ»، ففي اللسان: «رقأت الدمعة ترقأ رقْأً ورُقوءا، جفَّت وانقطعت». ابن منظور: لسان العرب، 2/ 1203. (2/133)
صفحة 531
فإن رَجَعَك الله} أي: ردَّك {إِلىَ طائفةٍ مِنْهُم} بِأَن ردَّك إِلىَ المدينة وفيها طائفة مِنَ المتخلِّفين، يعني: منافقيهم؛ {فاستأذنوك للخروج؛ فقل: لن تخرجوا معي أبدا، ولن تقاتلوا معي عدوًّا، إِنَّكُم رضيتم بالقعود أَوَّل مَرَّةٍ} أوَّل مَا دُعيتم؛ {فاقعدوا مَعَ الخالفِينَ(83)} مَعَ النساء والصبيان؛ وقيل: مَعَ المرضى والزَّمنَى، وقيل: مَعَ الذِينَ يَحلفون بغير عدل.
{وَلاَ تُصلِّ عَلَى أحدٍ مِنْهُم} مِنَ المنافقين {مات أبدا، وَلاَ تقم عَلَى قبره، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بالله ورسوله، وماتوا وَهُم [217] فاسقُونَ(84)}.
{ (2/134)
صفحة 532
وَلاَ تُعجِبكَ أَموالهم وأولادهم} يُريد أموال المنافقين وأولادهم قلَّت أو كَثُرت؛ {إِنَّمَا يُريد الله أن يعذِّبهم بها فيِ الدُّنْيَا، وتزهَقَ أنفسُهم وَهُم كَافِرُونَ (85)} تَكرير للتَّأكيد والمبالغة، والأمر حقيق بِهِ، فإنَّ الأبصار طامحة إِلىَ الأموال والأولاد، والنفوس مُغتَبِطةٌ بها؛ وإذا كَانَ الله تعالى لَيُعَذِّبُهم بالأموال والأولاد فيِ الحياة الدُّنْيَا، فكيف بِمَا عداها مِنَ المكارهِ لاَ يُعذَّبون بها، بَل معذَّبون بِكُلِّ مَا تَكرَهُه نفوسهم؛ وَأَمَّا المؤمن وإن نالَهُ (1) مكروه فيِ الدُّنْيَا فَلاَ يُسمَّى عذابا لَهُ، بل يُسمَّى بلاءً حسنا، لقوله: {ولِيُبلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاءً حسنا} (2)، لأَنَّهُ يرجو ثوابه فيِ الآخِرَة عند رَبِّه ويستبشر بوعد الله لَهُ. {وإذا أُنزِلَت سُورَة} يجوز أن تُرادَ سورة بتمامها، وأن يراد بعضها، كما يقع اسم القرآن والكتاب عَلَى كُلِّه، وعلى بعضه. {أن آمِنوا بالله وجاهِدوا مَعَ رسوله، استأذنك أولو (3) الطول مِنْهُم} ذَوُو السعة، لأنَّهم يتطاولون بها الأمور العليَّة، {وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَعَ القاعدِينَ (86)} مَعَ الذِينَ لَهُم عذر فيِ التخلُّف كالمرضى والزمنى والفقراء.
{رَضُوا بأن يكونوا مَعَ الخوالفِ} أَي: النساء، جمع خَالِفَة؛ وقد يقال الخالفةُ: الذِي لاَ خير فِيهِ؛ {وطبع عَلَى قلوبهم} ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق؛ {فَهُم لاَ يفقهُونَ (87)} مَا فيِ الجهاد مِنَ الفوز والسعادة، وَمَا فيِ التخلُّف مِنَ الهلاك والشقاوة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وإنَّاله» وقد أدغم الناسخ النون في النون الأخرى فكتبها واحدة.
(2) - ... سورة الأنفال: 17.
(3) - ... في الأصل: «ألو». (2/135)
صفحة 533
لكنِ الرسولُ وَالذِينَ آمنوا معه جَاهَدوا بأموالهم وأنفسهم} أَي: إِن تَخلَّف هؤلاء فقد نهض للغزوِ مَن هُوَ خيرٌ مِنْهُم. {وأولئك لَهُمُ الخيرات} تتناول منافع الدارين لإطلاق اللفظ؛ فهؤلاء لَهُم خيرات الدُّنْيَا والآخِرَة؛ والْكَافِرُونَ لَهُم عذاب أليم فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة؛ {وأولئك هُمُ المفلحُونَ (88)} الفائزون بِكُلِّ مطلوب.
{أَعَدَّ الله لَهُم جَنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فِيهَا، ذَلِكَ الفوزُ العظيم (89)} لِمَا لَهُم مِنَ الخيرات الأخرويَّة.
{وجاء المعذِّرُونَ مِنَ الأعرابِ ليؤذنَ لَهُم} هُوَ مِن عَذَّرَ فيِ الأمر: إِذَا قَصَّرَ فِيهِ وتَوَانَى (1)؛ وحقيقته أن تُوهم أنَّ لَهُ عذرًا فيما فعل، وَلاَ عذر لَهُ؛ أو المتعذِّرون بالباطل، قَالُوا: إنَّ لَنَا عيالاً، وبنا جَهدًا، وبيوتنا عورةٌ، فَأْذَن لَنَا فيِ التخلُّف. {وقعدَ الذِينَ كَذَبوا الله ورسوله} هم منافقو الأعراب الذِينَ لم يجيئوا ولم يعتذروا، وظهر بذلك أنَّهم كَذَبوا الله ورسوله بادِّعائهم الإيمان. {سَيُصيبُ الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُم عذاب أليمٌ (90)} فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة؛ ثُمَّ ذكر أهل [218] العُذرِ فقال:
{ليس عَلَى الضعفاء} الهرمى والزمنى، {وَلاَ عَلَى المرضى} كلُّ من بِهِ علَّةٌ تمنعه عَن الجهاد، {وَلاَ عَلَى الذِينَ لاَ يجدون مَا يُنفِقُون} هُمُ الفقراء، {حرجٌ} إثمٌ وضيقٌ فيِ التأخُّر، {إِذَا نَصَحوا للهِ ورسوله} هُمُ الخُلَّص. {مَا عَلَى المحسنين} الذِينَ اعتادوا فعل الإحسان {من سبيل} أَي: لا جناح عَلَيْهِم (لَعَلَّهُ) وَلاَ طريق للعائب عَلَيْهِم، والطريق عَلَى العائب عَلَيْهِم [كَذَا] {والله غَفُور} يَغْفِر لَهُم تَخلُّفهم {رحيم (91)} بهم.
{__________
(1) - ... انظر: ابن منظور: لسان العرب، 4/ 717، مادَّة «عذر». (2/136)
صفحة 534
وَلاَ عَلَى الذِينَ إِذَا مَا أَتَوكَ لتَحمِلهم} لِتُعطيهم الحمولة {قلتَ: لاَ أجد مَا أحملكم عليه؛ تولَّوا وأعينهم تفيضُ مِنَ الدمع} أَي: تسيل، وَهُوَ أبلغ من «يفيض دمعها» لأَنَّ العين جُعِلت كأنَّ كلَّها دمعٌ فائضٌ {حزنا أَلاَّ (1) يَجدوا مَا يُنفقُونَ (92)}.
{إِنَّمَا السبيل عَلَى الذِينَ يَستَأذنونك وَهُم أغنياء، رَضوا بأن يكونوا مَعَ الخوالف} بيانٌ لِمَا هُوَ السبب لاستئذانهم من غير عذر {وَطَبَع الله عَلَى قلوبهم فَهُم لاَ يَعْلَمُونَ (93)} مآلَ الفريقين.
{يعتذرون إليكم إِذَا رجعتم إِلَيْهِم} لتمكُّن النفاق فيِ قلوبهم؛ {قل: لاَ تعتذروا لن نُؤمِن لكم} لن نصدِّقكم، {قد نبَّأَنَا اللهُ مِن أخباركم} علَّة لانتفاءِ تصديقهم؛ لأَنَّهُ تعالى إِذَا أوحى إِلىَ رسوله لإعلامٍ بأخبارهم وَمَا فيِ ضمائرهم، لم يستقم (2) (لَعَلَّهُ) رسوله مَعَ تصديقهم فيِ معاذيرهم. {وسيرى الله عملَكم ورسولُه} أتتوبون أم تصرُّون. {ثُمَّ تُردُّون إِلىَ عالم الغيب والشهادة، فينبِّئكم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (94)} فيجازيكم عَلَى حسب ذَلِكَ.
{سَيَحلفون بالله لكم إِذَا انقلبتم إِلَيْهِم، لتُعرضوا عَنْهُم} لتتركوهم ولا تعاتبوهم، ودعوهم (3) وما اختاروه لأنفسهم من النفاق؛ {فأعرضوا عَنْهُم} فأعطوهم طلبتهم، {إِنَّهُمْ رِجسٌ} تعليلٌ لترك معاتبتهم، أَي: إنَّ المعاتبةَ لاَ تنفع فِيهِم وَلاَ تُصلِحهم، إنَّهم أرجاس لاَ سبيل إِلىَ تطهيرهم، {ومأواهم جَهَنَّم} يعني: وَكَفَتهم النار عِتابا وتوبيخا؛ فلا تتكلَّفوا عتابهم؛ {جزاءً بِمَا كَانُوا يكسبُونَ (95)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لا»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لم يستتبهم».
(3) - ... في الأصل: «وادعوهم»، وهو خطأ. (2/137)
صفحة 535
يَحلفون لكم لترضوا عَنْهُم} أَي: غرضهم بالحلْفِ بالله طلب رضاكم، لينفعهم ذَلِكَ فيِ دُنياهم؛ {فإن تَرضوا عَنْهُم، فإنَّ الله لاَ يَرضى عَن القوم الفاسقِينَ (96)} أَي: فإنَّ رضاكم وحدَكم لاَ ينفعهم إِذَا كَانَ الله ساخطا عَلَيْهِم، وكَانُوا عُرضة لعاجلِ عقوبتِه وآجلها؛ وإنَّما قيل: ذَلِكَ لئلاَّ يُتوهَّم أنَّ رِضي المؤمنين يقتضي رِضَى الله عَنْهُم.
{الأعرابُ} أهل البدو، {أشدُّ كفرا ونفاقا} من أهل الحضر، لجفائهم وقسوتهم، وبعدهم عَن العلم وأهله {وأَجدَرُ أَلاَّ يعلموا} وأحقُّ بِأَن لاَ يعلموا {حدودَ مَا أنزلَ الله عَلَى رسولِه} حدودَ الدين، وَمَا أنزل الله مِنَ الشرائع والأحكام؛ ومنه قوله: [219]- عليه السلام - «إنَّ الجفاء والقسوة فيِ الفدَّادين» (1)، يعني: أهل الحروث، لأنَّهم يُصبحون فيِ حروثهم [كَذَا]؛ وكذلك كلُّ من تَقَاعد عَن التعليم وأهمل نفسه عَنْهُ، ورَضيَ بالدعة والبطالة، والعطالة عَن التشمُّر والاجتهاد فِيهِ، واستغنى بعلمه عَن الطلب والسؤال، بثاثربه (2) الكفر والنفاق، لأَنَّ ذَلِكَ ثمرة الجهل، {والله عليم} بأحوالهم {حكيم (97)} فيِ إمهالهم.
{__________
(1) - ... رواه الإمام الربيع بن حبيب في صحيحه، باب [9] في الإيمان والإسلام والشرائع، رقم 58، عن أبي مسعود الأنصاريِّ قال: أشار النبيء - صلى الله عليه وسلم - بيده نحو اليمين فقال: «أَلاَ إِنَّ الإِيمَانَ هَاهُنَا وَإِنَّ الْفِتْنَةَ (الْقَسْوَةَ) وَغِلَظَ الْقَلْبِ فيِ الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ». وروى نحوه البخاري في كتاب بدء الخلق؛ كتاب المناقب؛ كتاب المغازي؛ كتاب الطلاق. مسلم: كتاب الإيمان. أحمد: باقي مسند المكثرين.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بأثَرَتِهِ». (2/138)
صفحة 536
ومِن الأعراب من يتَّخِذ مَا يُنفق} أَي: يتصدَّق {مَغرَما} غرامة وخسراناً، لأَنَّهُ لاَ يُنفِق إِلاَّ تَقِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ ورياء، لاَ لوجه الله وابتغاء المثوبة عنده. {ويتربَّص بكم الدوائر} دوائر الزمان، وتبدُّل الأحوال، تدور الأيَّام لتذهب قوَّتكم عَنْهُ فيتخلَّص من إعطاء الصدقة؛ {عليهم دائرةُ السَّوءِ} أَي: عَلَيْهِم تَدُورُ المصائبُ التِي يتوقَّعون وُقوعها فيِ المسلمين {والله سَميع} لِمَا يقولون إِذَا توجَّهت عَلَيْهِمُ الصدقة، {عليم (98)} بِمَا يُضمِرُون.
{ومنَ الأعرابِ مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر، ويتَّخِذ مَا يُنفق} فيِ المَبَارِّ، {قُرباتٍ} أسبابا للقُربَة {عند الله، وصلوات الرسول} أي: دُعاءه لَهُ واستغفاره؛ {أَلاَ إِنَّهَا} إِنَّ النفقة أو صلوات الرسول {قُرُبَة لَهُم}، وهذه الشهادة مِنَ الله للمتصدِّق بصِحَّة مَا اعتقد، من كون نفقته قُرُبَات وصلوات، {سيُدخِلُهم الله فيِ رحمته} التوفيق فيِ الدُّنْيَا، والجنَّة فيِ العقبى، وَمَا أدلَّ هَذَا الكلام عَلَى رضاء الله عَن المتصدِّقين، وأنَّ الصدقة مِنْهُ بمكَان إِذَا خَلُصت من صاحبها، {واللهَ (1) غَفُور رَحيم (99)}.
{والسابقون الأوَّلون من المهاجرين} قيل: هُمُ الذِينَ صلُّوا إِلىَ القبلتين، أو الذِينَ شهدوا بدرا، أو الذِينَ أسلموا قبل الهجرة، {والأنصار} وقيل: هم أهل بيعة العقبة الأولى: كَانُوا سبعة؛ أو أهل العقبة الثانية: كَانُوا سبعين عَلَى مَا قيل؛ {والأنصار الذِينَ اتَّبَعُوهم بإحسان} الذين اتَّبَعُوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة، {رَضِيَ الله عَنْهُم} بأعمالهم الحسنة {ورضوا عَنْهُ} لِمَا أفاضَ عَلَيْهِم مِن نعمته الدينيَّة والدنيويَّة، {وأعدَّ لَهُم جنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فِيهَا أبداً، ذَلِكَ الفوز العظيم (100)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إنَّ الله»، وهو خطأ. (2/139)
صفحة 537
وَمِمَّن حولكم} يعني: حول بلدتكم وهي المدينة، {من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مَرَدُوا عَلَى النفاق} وتَمهَّروا فِيهِ، {لا تَعلَمُهم} أَي: يَخفَون عليك مَعَ فطنتك، وصِدقِ فِراستك، لفرطِ بثوقهم [كذا] فيِ تحامي مَا يشكل من أمرهم، {نحن نعلمهم} أَي: لاَ يعلمهم إِلاَّ الله، وَلاَ يطَّلِع عَلَى سرِّهم غيره، لأنَّهم يُبطنون الكفر من (1) سويدات (2) قلوبهم، ويُبرزون ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين، ولذا قَالَ النبي - عليه السلام -: «المنافق بالمؤمن أشبه مِنَ الغراب من الغراب [كَذَا]، والماء مِنَ الماء» (3) {سنعذِّبهم مرَّتين ثمَّ يردُّون إِلىَ عذاب عظيم (101)}.
{وآخرون اعترفوا بذنوبهم} أَي: لم يعتذروا من تخلُّفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، ولكن اعترفوا عَلَى أنفسهم بأنَّهم بِئْسَ مَا فعلوا نادمين؛ {خَلَطوا عملا صالحا} أَي: توبتهم واعترافهم، {وآخرَ سيِّئا} الإثم؛ وفي الكلام تقديم وتأخير، معناه: وآخرون عملوا سيِّئا واعترفوا بِهِ وتابوا مِنْهُ؛ {عسى الله أن يتوبَ عَلَيْهِم إِنَّ اللهَ غَفُور رحيم (102)} فيتجاوز عَن التائب، ويَتفضَّل عليه.
{خُذْ مِن أموالهم صدقةً} كفَّارةً لذنوبهم، وهي الزكاة {تُطهِّرهم} من رذيلة البخل، {وتزكِّيهم بها} تُنمِّي بها حسناتِهم، وترفعهم إِلىَ منازل المخلصين، {وصلِّ (4) عليهم} واعطف عَلَيْهِم بالدعاء لَهُم؛ {إِنَّ صلاتك سكنٌ لَهُم} يسكنون إِلَيْهِ وتطمئنُّ قلوبُهم بِأَنَّ الله قد تاب عَلَيْهِم؛ {والله سميع عليم (103)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «في».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «سويداء». في المنجد: سُوَيداء القلب: حبَّته.
(3) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير وزياداته.
(4) - ... في الأصل: «وصلي» وَهُوَ خطأ. (2/140)
صفحة 538
ألم يعلموا أنَّ الله هُوَ يقبل التوبة عَن عباده} إِذَا صحَّت، {ويأخذ الصدقات} ويقبلها إِذَا صَدَرَت عَن خُلوص النيَّة {وأنَّ (1) الله هُوَ التوَّاب الرحيم (104)}.
{وقل} لهؤلاء التائبين: {اعملوا؛ فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} فإنَّ عملكم لاَ يخفى خيرا كَانَ أو شرا عَلَى الله وَعَلَى رسوله وَعَلَى المؤمنين، {وسَتُردُّون إِلىَ عالم الغيب والشهادة، فينبِّئكم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (105)} فيجازيكم عَلَى حسب أعمالكم.
{وآخرون مُرجَوْنَ لأمر الله} أَي: وآخرون مِنَ المتخلِّفين موقوفون إِلىَ أن يظهر أمر الله فيهم، لاَ يحكم لَهُم وَلاَ عَلَيْهِم بإيمان وَلاَ كفر، حتَّى ينكشف سرُّهم يوم القيامة؛ فحين ذَلِكَ يحكم فِيهِم بحكم الله من سعادة أو شقاء؛ {إِمَّا يعذِّبهم} إن أَصَرُّوا ولم يتوبوا؛ {وَإِمَّا يتوب عليهم} إن تابوا {والله عليم حكيم (106)}.
{وَالذِينَ اتَّخَذُوا مسجدا ضرارا} أَي: مُضارَّة لإخوانهم، أصحاب مسجد قُبَاء؛ {وكُفرا} وتقوية للنِّفاق، {وتفريقا بين المؤمنين} لأنَّهم كَانُوا يصلُّون مجتمعين فيِ مسجد قُبَاء؛ فأرادوا أن يتفرَّقوا عَنْهُ، وتختلف كلمتهم؛ وهذا يعمُّ كلَّ مسجد يُعمل فِيهِ شيء من أعمال الدُّنْيَا يمنع عمل الطاعة لله ويشغلهم عنها؛ {وإرصادا لمن حارب اللهَ ورسولَه من قبلُ، ولَيحلفُنَّ إن أردنا إِلاَّ الحسنى} أَي: العبادة فِيهِ لله؛ {والله يشهد إِنَّهُمْ لَكاذبُونَ (107)} أَي: مَا مُرادهم إِلاَّ الباطل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إنَّ» وَهُوَ خطأ. (2/141)
صفحة 539
لاَ تَقُم فِيهِ أبدا} ومعناه: أنَّ هَذَا النهيَ عامٌّ لِكُلِّ مُؤْمِن عَن القيام بمسجد يخاف عَلَى دينه أو نفسه، مِن قِبَل من كَانَ فِيهِ من عبادِ الشيطان؛ لأنَّ عبادةَ الله وعبادة الشيطان متنافيتان، لاَ يتأتَّيان بمقام وَاحِد فيِ حال وَاحِد، ولأنَّ النهي وارد عَن القعود مَعَ الخائضين فيِ الحقِّ، حتَّى يخوضوا [221] فيِ حديث غيره، إذ القدر عليه نهيهم فِيهِ. {لمسجد أُسِّس عَلَى التقوى} هُوَ مسجد قُبَاء فيما قيل؛ {من أوَّل يوم} من أيَّام وجوده وتأسيسه، {أحقُّ أن تقوم فِيهِ} للصلاة والذكر؛ {فِيهِ رجال يُحِبُّون أن يتطهَّروا}؛ فقد انكشف لأهل التحقيق أنَّ المراد بالمسجد الضِّرار (1) من كَانَ فِيهِ مِنَ المضارِّين للمسلمين الذِينَ يريدون عمارتها، والمسجد المؤسَّس عَلَى التقوى، عُمَّاره الذِينَ يُحِبُّون أن يتطهَّروا مِنَ المعاصي والنجاسات، وَإِلاَّ فلا يضر عُمَّارها المطيعين إِذَا أُسِّست عَلَى غير التقوى إذا اتُّخذت مساجد، وإن أسِّست عَلَى التقوى فلا تنفع الداخلين فِيهَا لعبادة الشيطان. {والله يُحِبُّ المطَّهرِينَ (108)} معنى محبَّتِهم للتطهُّر أنَّهم يُؤثرونه ويَحرصون عليه، حِرْصَ المُحبِّ للشيء، ومعنى محَبَّة الله إيَّاهم: أنَّه يرضَى عَنْهُم، ويُحسن إِلَيْهِم، ويوفِّقهم لمرضاته.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لِضرار»، وهو خطأ. (2/142)
صفحة 540
أفمن أسَّس بُنيانَه} وضع أساس مَا يبنيه من أمر دينه {عَلَى تقوى مِنَ الله ورضوان خير، أم من أسَّس بُنيانَه عَلَى شفا جُرف هَارٍ} المعنى: أفمن أَسَّس بنيانَ دينه عَلَى قاعدة مُحكمة، وَهُوَ تقوى الله ورضوانه خير، أمَّن أسَّسه عَلَى قاعدَة هِيَ أضعف القواعد، وَهُوَ الباطل والنفاق، الذِي مَثَلُه مثل «شفا جُرف هار» فيِ قِلَّة الثبات والاستمساك. وَضَعَ «شفا الجرف» في مقابلة «التقوى» لأَنَّهُ جُعل مجازا عَمَّا ينافي التقوى؛ والشَّفا: الحَرف، والشفير وجُرفُ الوادي: جانبُه، يتحفَّر أصله بالماء، وتحفره السيول، فيبقى واهيا؛ والهار الهائر: وهو المنصدع الذِي أشفى عَلَى التهدُّم والسقوط. {فانهار بِهِ فيِ نار جَهَنَّم} فطاح بِهِ الباطل فيِ نار جَهَنَّم؛ وَلَمَّا جُعل الجرف الهائر مجازا عَن الباطل رشِّح المجاز فجيء بلفظ الاهتيار الذِي هُوَ للجرف، وليصوِّر أنَّ المبطل كأنَّه أسَّس بنيانا عَلَى شفا جُرف من أوديةِ، جهنَّم فانهار بِهِ ذَلِكَ الجرف، فهو (1) فيِ قعرها؛ {والله لاَ يهدي القوم الظالمِينَ (109)} إِلىَ مَا فِيهِ صلاح ونجاة.
{لاَ يَزال بُنيَانهم الذِي بَنَوا ريبةً فيِ قلوبهم إِلاَّ أن تقطَّع قُلوبهم} وذلك كلُّ مَا كَانَ مِنَ البناء الذِي يبنيه عَلَى معصية الله، كَانَ من أمر الدُّنْيَا أو الآخِرَة؛ والتقطيع: أن تُقطع فيِ نار جهنَّم النجاةُ بالله مِنَ النار (2)؛ {والله عليم حكيم (110)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فَهَوَى».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ صواب العبارة: «والتقطيع: أن تُقطَّع فيِ نار جهنَّم، نسأل الله النجاةَ مِنَ النار». (2/143)
صفحة 541
إِنَّ اللهَ اشترى مِنَ المؤمنين أنفسَهم وأموالهم بأنَّ لَهُمُ الجَنَّة} عَن بذل أنفسهم وأموالهم فيِ طاعته، وطلب رضاه. {يقاتلون فيِ سبيل الله فيَقتُلُون [222] ويُقتَلُون وَعدا عليه حقًّا} وعدٌ ثابت قد أثبته الله {فيِ التَّوْرَاة والإِنجِيل والقرآن} وَهُوَ دليل عَلَى أنَّ أهل الشرائع الماضين قبلنا أُمروا بالقتال، ووعدوا عليه؛ ثُمَّ قَالَ: {ومَنَ أوفَى بعهده مِنَ الله} لأَنَّ إخلاف الميعاد قبيح، لاَ يَقدم عليه الكريم من خلقه، فكيف بأكرم الأكرمين؛ وَلاَ يُرى ترغيبا فيِ الجهاد أحسن مِنْهُ وأبلغ.
{فاستبشروا ببيعكم الذِي بايعتم بِهِ} فافرحوا بِهِ، فَإِنَّكُم تبيعون فانيا خسيسا بباق حسنٍ؛ {وذلك هُوَ الفوز العظيم(111)} قَالَ الصادق: ليس لإبدانكم ودنياكم ثمن إِلاَّ الجنَّة؛ فلا تبيعوها إِلاَّ بها.
{التائبون} صفةُ صفقةِ بيعهم، {العابدون} أَي: الذِينَ عبدوا الله وحده وأخلصوا لَهُ العبادة، أَي: التائبون مِنَ الكفر عَلَى الحقيقة، الجامعون لهذه الخصال؛ وعن الحسن: «هُمُ الذِينَ تابوا مِنَ الشرك، وتبرَّؤوا مِنَ النفاق». {الحامدون} عَلَى نعمة الله وَلِمَا نالهم مِنَ السوء والضرَّاء؛ {السائحون} لرياضة أنفسهم، يتوصَّلون إِلىَ الاطِّلاع عَلَى خفايا الملك والملكوت، ومن ذَلِكَ، قيل: «السائحون طلبة العلم» وقيل: الصائمون، لتركهـ[ـم] اللذات كلَّها؛ {الراكعون الساجدون} المحافظون عَلَى الصلوات؛ {الآمرون بالمعروف} بالإيمان والطاعة، عَلَى مَا يحكم بِهِ العلم، {والناهون عَن المنكر} عَن الشرك والنفاق، {والحافظون لحدود الله} أوامره ونواهيه إِذَا توجَّهت إِلَيْهِم، أو معالم الشرع؛ {وبشِّر المؤمنِينَ(112)} المتَّصفين بهذه الصفات.
{ (2/144)
صفحة 542
مَا كَانَ للنبيِّ وَالذِينَ آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كَانُوا أولي قُربى} أَي: مَا صحَّ لَهُ وَلاَ لَهُمُ الاستغفارُ فيِ حكم الله وحكمته {من بعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُمْ أصحابُ الجحيم (113)} من بعد مَا صحَّت معاصيهم واستتابوهم وأصرُّوا.
{وَمَا كَانَ استغفارُ إبراهيمَ لأبيه إِلاَّ عَن مَوعِدَة وَعَدَها إِيَّاهُ} قيل: وعده أبوه أن يُسلم؛ {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله} أَي: صحَّ معه إصراره، وإيباؤه عَن التوبة {تبرَّأ مِنْهُ؛ إِنَّ إبراهيم لأوَّاه حليم (114)} هُوَ المتأوِّه، واختلفوا فيِ صفته، قيل: هُوَ الخاشع المتضرِّع؛ وقيل: الدعاة (1) إِلىَ الحقِّ؛ وقيل: المؤمن التوَّاب؛ وقيل: الرحيم بالمؤمنين؛ وقيل: هُوَ الذِي يُكثر التأوُّه، يقول: آه مِنَ النار. والحليم: هُوَ الصبور عَلَى البلاء، الصفوح عَن الأذى، لأَنَّهُ كَانَ يَستغفر لأبيه وَهُوَ يقول: لأرجُمنَّك.
{وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قوما بعد إذ هداهم حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ} أَي: مَا أمر الله باتِّقائه واجتنابه، وبَيَّن أنَّه محظور (2)، لاَ يُؤاخِذ بِهِ عباده الذِينَ هداهم للإسلام، وَلاَ يَخذلهم [223] إِلاَّ إِذَا أقدموا عليه بعد بيان حظْرِه، وعِلمِهم بأنَّه واجبُ الاجتناب؛ وَأَمَّا قبل العلمِ والبيانِ فلا؛ وَأَمَّا مَا يُعلم بالعقل فغير موقوف عَلَى التوقيف للسؤال [كَذَا]؛ {إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْء عليم (115)}.
{إِنَّ الله لَهُ مُلكُ السَّمَاوَات والأَرْض يُحيِي ويُميتُ، وَمَا لكم من دون الله من ولِيٍّ وَلاَ نصير (116)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الداعية».
(2) - ... في الأصل: «محضور»، وهو خطأ. (2/145)
صفحة 543
لَقَد تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ} قيل: تاب عليه بإذنه للمنافقين فيِ التخلُّف عَنْهُ، كقوله: {عفا الله عنك} (1)؛ {والمهاجرين والأنصارِ}، فِيهِ بعثٌ للمؤمنين عَلَى التوبة، وأنَّه مَا من مُؤْمِن إِلاَّ وَهُوَ مُحتاج إِلىَ التوبة والاستغفار، حتَّى النَّبِيِّ والمهاجرين والأنصار، {الذِينَ اتَّبَعُوه فيِ ساعة العسرة} قيل: فيِ غزوة تبوك؛ والعسرة: الشدَّة، وكانت عَلَيْهِم عُسرة فيِ الظَّهْرِ والزاد والماء، {من بعد مَا كاد يَزِيغ} أَي: يميل {قلوبُ فريق مِنْهُم} عَن الثبات عَلَى الإيمان؛ أو عَن اتِّباع الرسول فيِ الغزوة والخروج معه؛ {ثُمَّ تاب عليهم} تكرير للتأكيد؛ {إِنَّهُ بهم رءوف رحيم (117)}.
{وعلى الثلاثة} أَي: وتاب عَلَى الثلاثة {الذِينَ خُلِّفوا} عَن الغزو {حَتَّى إِذَا ضاقت عَلَيْهِمُ الأَرْض بِمَا رَحُبَت} بِرَحبِها، أَي: مَعَ سعتها، وَهُوَ مَثَل للحيرة فيِ أمرهم، كأنَّهم لاَ يجدون فِيهِ مكانا يَقِرُّون فِيهِ قلقًا وجَزَعًا؛ {وضاقت عَلَيْهِم أنفسهم} أَي: قلوبهم لاَ يسعها أُنْسٌ وَلاَ سُرورٌ، لأنَّها خرجت [كَذَا] من فرط الوحشة والغمِّ، {وظنُّوا أن لاَ ملجأ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ} وعلموا أن لاَ ملجأ من سَخَطِ الله إِلاَّ إِلىَ استغفاره؛ {ثمَّ تاب عَلَيْهِم ليتوبوا} ليكونوا فيِ جملة التائبين؛ {إِنَّ الله هُوَ التوَّاب الرحيم (118)}. عَن أبي بكر الورَّاق أنَّه قَالَ: «التوبة النصوح: أن تَضيقَ عَلَى التائب الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وتَضيقَ عليه نفسُهُ كتوبة هَذِهِ (2) الثلاثة».
{__________
(1) - ... سورة التوبة: 43.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «هؤلاء». (2/146)
صفحة 544
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اتَّقُوا الله وكونوا مَعَ الصادقِينَ(119)} فيِ إيمانهم دون المنافقين، أو مَعَ الذِينَ صَدقوا فيِ دين الله قولا وعملا ونيَّة؛ والآية تدلُّ عَلَى أنَّ الإجماع حجَّة، لأَنَّهُ أمر بالكَونِ مَعَ الصادقين، فلزم قبول قولهم؛ وتدلُّ عَلَى أنَّ الأَرْض لاَ تخلو منهم فيِ زمن مِنَ الأزمنة إِلىَ أن تقوم القيامة.
{ (2/147)
صفحة 545
مَا كَانَ لأهل المدينة ومَن حولهم مِنَ الأعراب أن يتخلَّفوا عَن رسول الله} المُرَاد بهذا النفي: النهيُ، ويحتمل بمعنى (1) النفي، أَي: لاَ يصحُّ؛ كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لنبيٍّ أن يُغَلَّ} (2)؛ وخصَّ هؤلاء بالذكر وإن استوى كلُّ الناس فيِ ذَلِكَ لِقربِهم مِنْهُ، وَلاَ يخفى عَلَيْهِم خروجه، {وَلاَ يَرغَبُوا} وَلاَ أَن يَضِنُّوا {بأنفسهم عَن نفسه} عَن صحبته فيِ الأعمال؛ {ذَلِكَ} إشارة [224] لتفسير مَا سبق ذكره؛ والمعنى: أنَّهم لاَ يرغبون بأنفسهم عَن نفسه، من أجل أنَّهم يَعْلَمُونَ؛ وذلك إِذَا كَانَ النفي بمعنى النهي. {بأنَّهم لاَ يُصيبهم ظمأٌ} عطشٌ، {وَلاَ نصب} تَعبٌ، {وَلاَ مخمصة} مجاعةٌ {فيِ سبيل الله} فيِ الجهاد، أو فيِ جميع الاجتهاد. {وَلاَ يَطَئُون موطئا} وَلاَ يَدوسون مكانا من أمكنة الكفَّار بحوافر خيولهم وأخفاف (3) رواحلهم وأرجلهم، {يَغِيظُ الكُفَّار} يغيظهم ويضيق صدورَهم، {وَلاَ ينالون من عدوٍّ نَيلاً} وَلاَ يُصيبون مِنْهُم إصابة بقتل أو أسرٍ، أو جرحٍ أو كسرٍ أو هزيمةٍ، أو أذًى فيِ أجسامهم، وَلاَ فيِ قلوبهم؛ {إِلاَّ كُتِب لَهُم بِهِ عمل صالح} دليل عَلَى أنَّ من قصد خيرا كَانَ سعيه فِيهِ مشكورا، من قيام وقعود ومشيٍ وكلام، وغير ذَلِكَ. {إِنَّ الله لاَ يُضيع أجر المحسنِينَ (120)} أَي: أنَّهم محسنون، وَاللهُ لاَ يُبطِل ثوابهم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «معنى».
(2) - ... سورة آل عمران: 161.
(3) - ... «الخفُّ واحد أخفاف البعير، وهو أَيْضًا واحد الخِفاف التي تلبس ... ». الرازي: مختار الصحاح، ص124. (2/148)
صفحة 546
وَلاَ يُنفِقون نفقةً} فيِ سبيل الله {صغيرة} وإن قلَّت، {وَلاَ كبيرةً} أو جَلَّت، {وَلاَ يَقطعون واديا} أَي: أرضا فيِ ذهابهم ومجيئهم؛ {إِلاَّ كُتب لَهُم} ذَلِكَ مِنَ الإنفاقِ وقطع الوادي؛ {ليجزيَهم الله} متعلِّق بـ«كُتِب»، أَي: أُثبت فيِ صحائفهم لأجل الجزاء، {أحسنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(121)} أَي: يجزيهم عَلَى كلِّ وَاحِد جزاءَ أحسنِ عملٍ كَانَ لَهُم؛ فيلحق مَا دونه توفيراً لأجرهم.
{ (2/149)
صفحة 547
وَمَا كَانَ المؤمنون لينفروا كافَّة} ومَا استقام لَهُم أن يَنفروا جميعا لنحو غزوٍ، أو طلب علم، كما لاَ يستقيم لَهُم أن يَتركوا جميعا، فإنَّه يُخِلُّ بأمر المعاش؛ {فلولا نفر} فحين لم يُمكن نفير الكافَّة فهلاَّ نفَرَ {من كُلِّ فرقة مِنْهُم طائفة} أَي: من كلِّ جماعة كبيرة، جماعة قليلة مِنْهُم يَكفُونهم النفير؛ {ليتفقَّهوا فيِ الدين} ليتكلَّفوا الفقاهة فِيهِ، ويتجشَّموا المشاقَّ في تحصيلها، {ولِيُنذِروا قومهم}، وليجعلوا مري (1) همَّتهم إِلىَ التفقُّة إنذارُ قومهم وإرشادهم {إِذَا رجعوا إِلَيْهِم} (2) دون الأغراض الخسيسيَّة [كَذَا] من التصدُّر والترؤُّس (3) ، والتشبُّه بالظلمة فيِ المراكب والملابس؛ {لَعَلَّهُم يحذَرُونَ(122)} مَا يجب اجتنابه؛ وقيل: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا بَعَثَ بَعْثا بعد غزوة تبوك، بعدمَا أُنزِلَ فيِ المتخلِّفين (4) مِنَ الآيات الشداد استبق المؤمنون عَن آخرهم إِلىَ النفير، وانقطعوا جميعا عَن التفقُّة فيِ الدين؛ فأُمِرُوا أن ينفر من كلِّ فرقة مِنْهُم طائفةٌ إِلىَ الجهاد، ويبقى سائرهم يتفقَّهون، حتَّى لاَ ينقطعوا عَن التفقُّة الذِي هُوَ الجهاد الأكبر، إذ الجهاد بالحِجَاج أعظمُ أثرًا (5)
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «مَرْمَى». انظر: أبو السعود محمَّد بن محمَّد العمادي: تفسير أبي السعود المسمَّى: إرشاد العقل السليم إِلىَ مزايا القرآن الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، مج2/ج4/ص112.
(2) - ... في الأصل: - «إليهم»، وهو سهو من الناسخ.
(3) - ... في الأصل: «والنروس»، ولا معنى له.
(4) - ... في الأصل: «المختلفين»، وَهُوَ خطأ. ويقصد بهم الثلاثة التي خُلِّفوا.
(5) - ... في الأصل: «أثر»، وهو خطأ، فهو تمييز منصوب.. (2/150)
صفحة 548
مِنَ الجهاد والنضال، والضمير فيِ «ليتفقَّهوا» للفِرَق الباقية بعد الطوائف النافِرة من بَيْنِهِم، {ولينذروا قَومهم} ولتنذر (1) الفرق الباقية قومهم النافرين إذا رجعوا إِلَيْهِم، بما حصَلوا فيِ أيَّام غيبتهم مِنَ العلوم؛ وَعَلَى الأوَّل الضمير للطائفة النافرة إِلىَ المدينة للتفقُّه.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا قاتلوا الذِينَ يلونكم} يَقرُبون منكم، أُمروا بالقتال، الأقرب فالأقرب إِلَيْهِم فيِ الدار والنسب {من الكُفَّار}. القتال واجب مَعَ جميع الكفرة، قريبِهم ثُمَّ غيرهم من عرب الحجاز، ثُمَّ الشام؛ والشام: أقرب إِلىَ المدينة مِنَ العراق وغيره؛ وبعيدِهم، ولكنَّ الأقرب فالأقرب [225] أوجب، وقد حارب النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قومه، وهكذا المفروض عَلَى أهل كلِّ ناحية أن يُقاتلوا مَن (لَعَلَّهُ) يَلِيهم؛ {ولْيجدوا فيكم غِلظةً} وليعلموا فيكم شدَّة عَلَيْهِم، وغضبا لله فيِ المقال قبل القتال، لَعَلَّهُم يرجعون عَن كفرهم بالجفاء والغلطة دون القتال؛ أو ليعلموا أن حظَّهم ساقط مَعَ الإسلام وأهله؛ وقيل: صبرا عَلَى جهادهم. {واعلموا أنَّ الله مَعَ المتَّقِينَ (123)} بالنصرة والغلبة.
{وإذا مَا أُنزلت سورةٌ فمنهم} فمن المنافقين {من يقول} بعضهم لبعض: {أيُّكم زادته هَذِهِ إيمانا} إنكارا واستهزاء بالمؤمنين؛ وقيل: هُوَ قول المؤمنين للحثِّ والتنبيه. {فَأَمَّا الذِينَ آمنوا فزادتهم إيمانا} يقينا وثباتًا؛ أو خشيةً؛ أو إيمانا للسُّورة، لأنَّهم لم يكونوا آمنوا بها تفصيلاً؛ وقيل: بزيادة العلم الحاصل من تَدبُّر السورة وانضام (2) الإيمان بها وبما فِيهَا إِلىَ إيمانهم؛ {وَهُم يستبشرُونَ (124)} يَعدُّون زيادة التكليف بشارة التشريف؛ وقيل: يستبشرون بِنُزولها، لأنَّها سبب لزيادة كمالهم، وارتفاع درجاتهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ولينذروا»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «انضمام». (2/151)
صفحة 549
وَأَمَّا الذِينَ فيِ قلوبهم مرضٌ} شكَّ ونفاق، وهوًى مُتَّبع؛ وَهُوَ فسادٌ يحتاج إِلىَ علاجٍ، كالفساد فيِ البدن؛ {فزادتهم رجسا إِلىَ رجسهم} كفرا مضموما (1) إِلىَ كفرهم؛ {وماتوا وَهُم كَافِرُونَ (125)} واستحكم ذَلِكَ فِيهِم، حتَّى ماتوا عليه مصرِّين.
{أَوَلاَ يَرون} يعني: المنافقين؛ ليس هَذَا تعطيل [كَذَا]؛ {أَنَّهُمْ يُفتَنُون} يُبتَلَون بالقحط والمرض وغيرهما {فيِ كُلِّ عام مَرَّةً أو مرَّتين، ثُمَّ لاَ يَتُوبون} عَن نفاقهم، {وَلاَ هم يَذَّكرُونَ (126)} وَلاَ يعتبرون؛ أو بالجهاد مَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ لاَ يتوبون بِمَا يرون من دولة الإسلام، وَلاَ هم يذَّكرون بِمَا يقع بهم من أهل الإسلام.
{وإذا مَا أُنزلَت سورةٌ، نَظَر بعضهم إِلىَ بعض} تغامزوا بالعيون، إنكارا للوحي وسُخرِية بِهِ؛ قائلين: {هل يَراكم مِن أحد} مِنَ المُسْلِمِينَ لننصرف؛ فإنَّا لا نصبر عَلَى استماعه ويغلبنا الضحك، فنخاف الافتضاح بَيْنَهُم؛ أو إِذَا مَا أُنزلت سورة فيِ عيب المنافقين أشار بعضهم إِلىَ بعض، هل يراكم من أحدٍ إن قمتم من حضرته - عليه السلام -؛ {ثُمَّ انصرفوا} عَن حضرة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مخافة الفضيحة؛ أو عَن الإيمان بالمنزَّل. {صَرَفَ الله قلوبهم} عَن فَهْمِ القرآن، وعن مجالسة الكرام، {بأنَّهم} بسبب أنَّهم {قوم لاَ يفقهُونَ (127)} لاَ يتدبَّرون حتَّى يفقهوا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «كفروا مضمونا»، وفيه خطآن. (2/152)
صفحة 550
لَقَد جاءكم رسولٌ} مُحَمَّد - عليه السلام -، {من أنفسكم} من حَسَبِكم ونسبكم، عربيٌّ مثلكم، {عزيز عليه مَا عنتُّم} شديد عليه شاقٌّ، لكونه بعضا منكم عَنَتُكم ولقاءَكم المكروه؛ فهو يخاف عَلَيْكُم الوقوع فيِ العذاب. {حريصٌ عليكم} عَلَى إيمانكم وخلاصكم وصلاحكم؛ {بالمؤمنين} منكم ومن غيركم {رءوف رحيم (128)} قيل: لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
{فإن تَوَلَّوا} فإن أعرضوا عَن الإيمان بك وناصبوك، {فقل: حسبيَ الله} واستعن بالله، وفوِّض إِلَيْهِ؛ فهو كافيك معرَّتهم، وناصرك [226] عَلَيْهِم. {لاَ إله إِلاَّ هُوَ عليه توكَّلت} (1) لاَ كافيَ وَلاَ مُغنيَ سواه؛ فوَّضتُ أمرِي إِلَيْهِ؛ {وَهُوَ رَبُّ العرش} هُوَ أعظم خَلقِ الله خُلِقَ مَطافا لِمَلاَئِكَة الله فيما قيل؛ كما جُعِلَت الكعبة مَطافا. {العظيم (129)} قيل: آخر آية نزلت {لَقَد جاءكم رسولٌ من أنفسكم}.
سورة يونس
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... في الأصل: - «عليه توكَّلت»، وهو سهو من الناسخ. (2/153)
صفحة 551
الر تلك آياتُ الكتابِ الحكيم (1)} الكتاب: إشارة إِلىَ مَا تَضمَّنته السورة مِنَ الآيات، {أكَانَ للناس عَجَبا}؟ لإنكار التعجُّب، {أن أَوحينا إِلىَ رجل مِنْهُم أَنْ أَنذِر الناسَ وبشِّر الذِينَ آمنوا} من أفناءِ (1) رجالهم دون عظيم من عظمائهم (2)، قيل: كَانُوا يقولون: العجبُ أنَّ الله لم يجد رسولا يرسله إِلىَ الناس إِلاَّ يتيمَ أبي طالب؛ لقوله: {لولا نُزِّلَ (3) هَذَا القرآن عَلَى رجلٍ مِنَ القريتين عظيم} (4) وذلك من فرط حماقتهم، وقصور نظرهم عَلَى الأمور العاجلة، {أنَّ لَهُم} بِأَنَّ لَهُم. ومعنى: فيِ «للناس» [كَذَا] أنَّهم جعلوا لَهُم أُعجوبة يتعجَّبون مِنْهُ؛ والذي تعجَّبوا مِنْهُ أن يوحى إِلىَ بشر، وأن يكون رجلاً من سائرهم يرسله إِلىَ الناس، وأن يذكِّرهم بالبعث وينذِر بالنيران، ويبشِّرَ بالجِنان؛ وكلُّ وَاحِد من هَذِهِ الأمور ليس بعجب، لأَنَّ الرسل المبعوثين إِلىَ الأمم، لم يكونوا إِلاَّ بَشَرا مثلهم؛ وإرسال اليتيم أو الفقير ليس بعجب أَيْضًا، لأَنَّ الله تعالى إِنَّمَا يختار للنبوَّة من جميع (5) أسبابها، والغِنَى والتقدُّم فيِ الدُّنْيَا ليس من أسبابها، والبعث للجزاء عَلَى الخير والشرِّ هُوَ الحكمة العظمى، فكيف يكون عجبًا، إِنَّمَا العجب والمنكَر فيِ العقول تعطيل ذَلِكَ. {قَدَمَ صِدقٍ عند رَبِّهم} أي: سابقةً وفضلاً ومنزلةً رفيعةً، {قَالَ الْكَافِرُونَ: إنَّ هَذَا} يعنون مُحَمَّدا - صلى الله عليه وسلم - {لساحر مُبِين (2)} أي: كَذِبٌ بَيِّنٌ.
{__________
(1) - ... «رجل من أَفناء الناس: أي لا يُدرى من أيِّ قبيلة هو، وَقِيلَ: إِنَّمَا يقال: قوم من أفناء القبائل ولا يقال رجل». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 1139.
(2) - ... في الأصل: «عظائمهم»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «يزال»، وهو خطأ من الناسخ.
(4) - ... سورة الزخرف: 31.
(5) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مَن جمَع أسبابَها». (2/154)
صفحة 552
إنَّ رَبَّكُم الله الذِي خَلَقَ السَّمَاوَات والأَرْض} التِي [هي] أصول الممكنات {فيِ ستَّة أَيَّام؛ ثُمَّ استوى عَلَى العرش} أي: استولى فقد تقدَّس الديَّان عَن المكَانَ، والمعبود (1) عَن الحدود؛ {يدبِّر} يقضِي ويقدِّر عَلَى مقضيِّ (2) الحكمة أمر الكائنات، {الأمرَ} أمر الخلق كلَّه، وأمر ملكوت السَّمَاوَات والأَرْض والعرش، ولَمَّا ذَكر عَلَى مَا يدلُّ عَلَى عظمة شأنه وملكه، مِن خلق السَّمَاوَات والأَرْض، والاستواء عَلَى العرش، أتْبَعَهَا هَذِهِ الجملة، لزيادة الدلالة عَلَى العظمة؛ وأنَّه لاَ يخرج مِنَ الأمور (3) من قضائه وتقديره، وكذلك قوله: {مَا من شفيع إِلاَّ مِن بَعدِ إذنه} دليل عَلَى عزِّه وكبريائه، وقيل: ردٌّ لقولهم: الأصنام شفعاؤنَا؛ {ذلكم} العظيم الموصوف بِمَا وُصِف بِهِ. {الله ربُّكم} وَهُوَ الذِي يستحقُّ العبادة، {فاعبدوه} ووحِّدوه وَلاَ تشركوا بِهِ بعضَ خلقه مِنَ إنسان أو مَلَك أو جنٍّ أو إنسٍ أو هواء (4) أو غير ذَلِكَ مِنَ المخلوقات؛ {أفلا تذَّكرُونَ (3)} أفلا تدَّبَّرون فتستدلُّون بوجود المصالح والمنافع عَلَى وجود المصلح النافع.
{__________
(1) - ... في الأصل: «المبعود»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مقتضَى».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لا تخرج الأمور من قضائه».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «هوًى». (2/155)
صفحة 553
إِلَيْهِ مَرجعُكم جميعا} الحقُّ هُوَ المرجع إِلىَ الله؛ فاستعدُّوا للقائه، واحذروا عَن أن [627] تُلاقوه مشركين بِهِ شَيْئًا من مخلوقاته؛ {وعدَ الله حقًّا إِنَّهُ يبدأ الخلق ثُمَّ يعيده} للجزاء، لقوله: {ليجزي الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات} أي: الحكمةُ بابتداء الحقِّ (1) وإعادته هُوَ جزاء المكلَّفين عَلَى أعمالهم، وغير المكلَّفين خَلَقَه نفعا للمكلَّفين. {بالقسط} بالعدل لاَ بظلم مِنْهُ، كُلٌّ مِنْهُم عَلَى قدر عمله لقوله: {فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرًا يره} (2). {وَالذِينَ كَفَرُوا لَهُم شرابٌ من حميم} حارٍّ، {وعذابٍ أليم، بِمَا كَانُوا يكفرُونَ (4)}.
{هُوَ الذِي جعل الشمس ضياءً والقمرَ نورا وقدَّره منازلَ} والحكمةُ: {لتعلموا عددَ السنين والحسابِ} حساب الآجال والمواقيت المقدَّرة بالسنين والشهور؛ {مَا خلق الله ذَلِكَ} المذكور، {إِلاَّ بِالْحَقِّ} الذِي هُوَ الحكمةُ البالغةُ، ولم يخلقه عبثًا؛ {يفصِّل} أي: يُبَيِّنُ {الآيات لقوم يَعْلَمُونَ (5)} فينتفعون بالتأمُّل فِيهَا.
{إنَّ فيِ اختلاف الليل والنهار} فيِ مجيء كُلِّ وَاحِد منهما خلف الآخر، {وَمَا خَلَقَ الله فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} من شيء، {لآيات لقوم يتَّقونَ (6)} خصَّهم بالذكر، لأَنَّهُم يحذرون العاقبة، فيدعُوهُمُ الحذر إِلىَ النظر.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الخلق».
(2) - ... سورة الزلزلة: 7. (2/156)
صفحة 554
إنَّ الذِينَ لاَ يرجون لقاءنا} لاَ يتوقَّعون بِهِ أصلاً، لغفلتهم عَن التفطُّن بالحقائق، وَلاَ يأملون حسن لقائنا، كما يأملُه السعداء؛ أو لاَ يخافون سوء لقائنا الذِي يجب أن يُخاف، {ورضوا بالحياة الدُّنْيَا} بَدَلا مِنَ الآخِرَة؛ وآثروا القليل الفاني، عَلَى الكبير الباقي، {واطمأنوا بها} وسكنوا فِيهَا سكون من لاَ يُزعج عنها؛ فبنوا شديدًا، وجمعوا كثيرًا، وأَملوا بعيدًا. {وَالذِينَ هم عَن آياتنا} عَن أَدلَّتنا {غافلُونَ (7)} لاَ يتفكَّرون فِيهَا. {أُولَئِكَ مأواهم النار بِمَا كَانُوا يكسبُونَ (8)}.
{إنَّ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم رَبُّهُم بإيمانهم} يُسدِّدُهم بسبب إيمانهم للاستقامة عَلَى سلوكِ التسديد المؤدِّي إِلىَ الثواب؛ وفيه إضمار، أي: يُرشدهم رَبُّهم إِلىَ جنَّته، {تجري من تحتهم الأنهار فيِ جَنَّاتِ النعيم (9)}.
{دَعوَاهم فِيهَا سُبحانك اللَّهُمَّ} أي: دعاؤهم، لأَنَّ اللهمَّ نداء لله، ومعناه: اللهمَّ إِنَّا نُسبِّحك، أي: يدعون الله بقولهم: «سبحانك اللهمَّ» تلذُّذًا بذكره لاَ عبادة، لأَنَّ العبادة قد انحطَّت عَنْهُم، وبقوا متنعِّمين بثوابها أبد الآباد؛ فيَا لهَا من سعادة مَا أدوَمَهَا؛ {وتحيَّتهم فِيهَا سلام} أي: يُحيِّي بعضهم بعضا بالسلام؛ أو هُوَ تحيَّة المَلاَئِكَة إيَّاهم؛ أو تحيَّةُ الله لَهُم ببشارةٍ لِما دُعوا أو إجابةً لِمَا سُئلوا؛ {وآخر دَعواهم} وخاتمة دُعائهم الذِي هُوَ التسبيح، {أنِ الحمدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)} أي يقولون: الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ قيل: أوَّل كلامهم التسبيح، وآخره التحميد؛ فيبدؤون بتعظيم الله وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه، ويتكلَّمون بينهما بِمَا أرادوا، تنبُّها (1) لفضل التسبيح والتحميد.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تنبيها». (2/157)
صفحة 555
ولو يعجِّل الله للناس الشرَّ استعجالهم بالخير} أصله ولو يعجِّل الله الشرَّ تعجيلُه لَهُمُ الخيرَ؛ فوضع استعجالهم (1) بالخير موضع تعجيله لَهُمُ الخير؛ إشعارًا بسرعةِ إجابته لَهُم، والمراد: أهل مكَّة أو غيرهم، كقولهم: {فأَمطِرْ علينا حجارةً مِنَ السَّمَاء} (2)، أي: ولو عجَّلنا لهم الشرَّ الذِي دعوا بِهِ كما نعجِّلُ لَهُمُ الخير، ونجيبهم إِلَيْهِ، {لَقُضيَ إِلَيْهِم أجلُهم} لأُميتوا وأهلكوا؛ ولكن {فنذرُ الذِينَ لاَ يَرجون لقاءنا فيِ طغيانهم} شِركِهم وضلالتهم إلى مضيِّ آجالهم، وذلك هُوَ الخذلان بعينه؛ كأنَّه قيل: [228] وَلاَ يُعجِّل لَهُمُ الشرَّ، وَلاَ يقضى إِلَيْهِم أجلهم؛ فنذرهم أي: نمهِّلهم فيِ طغيانهم، ونفيض عَلَيْهِمُ النعمة مَعَ طغيانهم، إلزاما للحجَّة عليهم. {وإذا مسَّ الإنسان} أصابه {الضرُّ، دعانا} لإزالته، {لِجَنبِه أو قاعدا أو قائما} وفائدة ذكر هَذِهِ الأحوال، أنَّ المضرور لاَ يزال داعيا لاَ يَفتر عَن الدعاء، حتَّى يزول عَنْهُ الضرُّ؛ فهو يدعو الله فيِ حالاته كلِّها بلسان مقاله أو لسان حاله. {فَلَمَّا كشفنا} فرَّجنا {عَنْهُ ضرَّه، مَرَّ كأن لم يدعنا إِلىَ ضرٍّ مسَّه} أي: استمرَّ عَلَى طريقته الأولى قبلَ مسِّ الضرِّ، ونسيَ حال الجهد، كأن لم يكن مِنْهُ، وفيه ذَلِكَ. {كذلك} مثل ذَلِكَ التزيين، {زُيِّن للمسرفين} للمجاوزين الحدَّ عَلَى الكفر {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)} مِنَ الانهماك فيِ الشهوات، والإعراض عَن العبادات، وترك التدبُّر للآيات.
{__________
(1) - ... في الأصل: «استعاجلهم»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة الأنفال: 32. (2/158)
صفحة 556
وَلَقَد أهلكنا القرون من قبلكم (1) لَمَّا ظلموا} أشركوا، {وجاءتهم رُسلهم بِالبَيِّنَاتِ، وَمَا كَانُوا ليؤمنوا} أي: مَا استقام [لهم] أن يؤمنوا (2) لفساد استعدادهم، وخذلان الله لَهُم، وعلمه بأنَّهم يموتون عَلَى كفرهم. {كذلك} مِثلُ ذَلِكَ الجزاء، يعني: الإهلاك، {نجزي القوم المجرمِينَ (13)} وَهُوَ وعيد لمن نزل بتلك المنزلة.
{ثُمَّ جعلناكم خلائفَ فيِ الأَرْض من بعدهم}، الخطاب للذين بُعِثَ إِلَيْهِم مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -، أي: استخلفناكم فيِ الأَرْض بعد القرون المهلكة؛ {لننظر كيف تَعْمَلُونَ (14)} أي: لننظر أتعملون خيرا أو شَرًّا، فنعاملكم عَلَى حسب عملكم.
{وإذا تُتلى عَلَيْهِم آياتنا بَيِّنَاتٍ} للراسخين فيِ العلم، أو لمن عداهم؛ {قَالَ الذِينَ لاَ يرجون لقاءنا} لمَّا غاظهم (3) مَا فيِ القرآن من ذمِّ عبادة الأوثان، والوعيد لأهل الطغيان: {اِئْتِ بقرآنٍ غيرِ هَذَا} يوافق غرضنا، {أو بدِّلْه}؛ كلُّ من لاَ يرجو لقاء الله إِذَا قامت عليه الحجَّة سعى [كذا] مِنَ الذِينَ لَوَى عُنُقه، إِلاَّ مَا وافق هواه. {قل: مَا يكونُ لِي} مَا يستقيم لي {أن أبدِّله من تِلقاءِ نفسي} من قبلِ نفسي، فأكون عبدا لها لاَ لله تعالى. {إن اتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إليَّ} أي: لاَ أتَّبع إِلاَّ وحي الله، من غير زيادة وَلاَ نقصان وَلاَ تبديل، خالفَ هوى النفس أو وافقها، لأَنَّ الذِي أتيت بِهِ من عند الله لاَ من عندي، {إنِّي أخاف إن عصيتُ ربِّي} إن اختلقت شَيْئًا من عند نفسي بما تهواه، {عذاب يومٍ عظيمٍ (15)} حينمَا نلقى فِيهِ الموت، أو يوم القيامة.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «وَلَقَد أهلكنا القرون من قبلكم»، وهو سهو.
(2) - ... في الأصل: «ما ستقام أن يؤموا»، وفيه خطآن.
(3) - ... في الأصل: «غاضهم»، وهو خطأ. (2/159)
صفحة 557
قل: لو شاء الله مَا تَلَوتُه عليكم} يعني: أنَّ تلاوته ليست إِلاَّ بمشيئة الله، وإظهاره أمرا عجيبا خارجا عَن العادات، وَهُوَ أن يخرج رجل أُمِّيٌّ لم يتعلَّم، ولم يشاهد العلماءَ، فيقرأ (1) عَلَيْكم كِتَابًا فصيحا يغلب كلَّ كلامٍ فصيحٍ، ويعلو عَلَى كُلِّ منثور ومنظوم، ومشحونا بعلوم الأصول والفروع، والإخبار عَن الغيوب التِي لاَ يعلمها إِلاَّ الله، {وَلاَ أدراكم بِهِ} وَلاَ أعلَمَكم الله بالقرآن عَلَى لساني؛ {فقد لبثت فيكم عُمُرا مِن قبله} من قبل نزول القرآن، أي: فقد أقمت فيما بينكم مدَّة، ولم تعرفوني متعاطيا شَيْئًا من نحوه، وَلاَ قدت (2) عليه، ولاَ كنت متواصفا بعلم وبيان، فتتَّهموني باختراعه، {أفلا تعقلُونَ (16)}! فتعلمون أنَّه ليس إِلاَّ من عند الله.
{فمن أظلمُ مِمَّن افترَى عَلَى الله كذبا، أو كذَّب بِآيَاتِه} فزعم أَنَّ لله شريكا، إِن (3) خالف فيما تعبَّده به؛ أو كذَّب بآياته بالقرآن، أو شَيْء من تأويله، وفيه بيان أنَّ الكاذب عَلَى الله والمكذِّبَ بِآيَاتِه فيِ الكفر سواء. {إِنَّهُ لاَ يُفلح المجرمُونَ (17)} من دون الله، لأَنَّهُم لم يسلكوا طريق الفلاح.
{ويعبدون من دون الله (4) مَا لاَ يَضرُّهم} إن تركوا عبادتها، {وَلاَ ينفعهم} [529] إن عَبَدُوها. {ويقولون: هؤلاء شفعاؤُنا عند الله} أي: فيِ أمر الدُّنْيَا والآخِرَة. {قل}: يا محمَّد، {أتنبِّئون الله} أتخبرون الله، {بِمَا لاَ يعلم فيِ السَّمَاوَات وَلاَ فيِ الأَرْض}؛ ثُمَّ نزَّه نفسه فقال: {سبحانه وتعالى عَمَّا يشركُونَ (18)} نزَّه ذاته عَن أن يكون لَهُ شريك.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فيقرءوا»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «قدرتُ».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أو خالف».
(4) - ... في الأصل: - «من دون الله». (2/160)
صفحة 558
وَمَا كَانَ الناسُ إِلاَّ أمَّةً وَاحِدَة} متَّفقين عَلَى ملَّةٍ وَاحِدَة من غير أن يختلفوا بَيْنَهُم، {فاختلفوا} فصاروا مِلَلا. {ولولا كلمة سبقت من ربِّك} وَهُوَ تأخير الحكم بَيْنَهُمُ إلىَ يوم القيامة؛ {لَقُضِيَ بَيْنَهُم} حين اختلافهم {فيما} هم {فِيهِ يختلفُونَ (19)} فيما اختلفوا فِيهِ، وتبرَّأَ المحقُّ مِنَ المبطل مشاهدة وعيانا؛ ولكن سبَّق كلمته لحكمة، وَهُوَ: أنَّ هَذِهِ الدار دار تكليف، وتلك دارُ ثواب وعقاب.
{ويقولون: لولا أُنزل عليه آية من رَبِّه} (1) مِنَ الآيات التِي اقترحوها؛ {فقل: إِنَّمَا الغيبُ لله} أي: هُوَ المختصُّ بعلم الغيب؛ فهو العالم بالصارف عَن إنزال الآيات المقترحة لاَ غير. {فانتظِروا} نزول مَا اقترحتموه، {إنِّي معكم مِنَ المنتظرِينَ (20)} بِمَا يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات.
{وإذا أَذَقْنَا الناس} وَهُوَ (2) أَنتُم، عامٌّ لجنس الناس، {رحمة} رحمةً وحِصنا ونحوهما، {من بعد ضرَّاء مسَّتهم؛ إِذَا لَهُم مكر فيِ آياتنا} بدفعها وإنكارها، والمكر: إخفاء الكيد. {قل: الله أسرع مكرا} ولم يصفهم بسرعة المكر، لأَنَّ كلمة المفاجآت (3) دلَّت عَلَى ذَلِكَ، كأنَّه قَالَ: وإذا رحمناهم من بعد ضرَّاء فاجؤوا وقوع المكر منهم، وسَارَعوا إليه قبل أَن يغسلوا [كَذَا] رؤوسهم من مسِّ الضرَّاء. {إنَّ رُسلنا} يعني: الحفظة {يكتبون مَا تمكرُونَ (21)} إعلام بِأَنَّ مَا تظنُّونه خافيا لاَ يخفى عَلَى الله، وَهُوَ منتقم منكم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «من ربِّه آية» وهو خطأ، وقع فيه تقديم وتأخير.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وهم».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المفاجأة». (2/161)
صفحة 559
هُوَ الذِي يسيِّركم فيِ البِرِّ والبحر} يجعلكم قادرين عَلَى قطعـ[ـهما] بالأرجل والدوابِّ، والفلك الجارية. ويخلق فيكم [الأمور] الداعية إِلىَ السير. {حتَّى إِذَا كُنتُم فيِ الفلك، وجرين بهم بريح طيِّبة، وفرحوا بها} لِلَينها واستقامتها، {جاءتها ريحٌ عاصف} شديدةُ الهبوب، {وجاءَهم الموجُ من كُلِّ مكان} مِنَ البحر، {وظنُّوا أنَّهم أُحيطَ بهم} أهلكوا، جعل إحاطة العدوِّ مَثَلا فيِ الهلاك. {دَعَوا الله مخلصين لَهُ الدين} من غير إشراك بِهِ، لأَنَّهُم لاَ يدعون حينئذ معه غيره؛ يقولون: {لئن أنجيتنا من هَذِهِ} الأهوال، {لنكوننَّ مِنَ الشاكرِينَ(22)} لنعمتك، مؤمنين بك.
{فَلَمَّا أنجاهم إِذَا هم يَبغُون فيِ الأَرْض} يُفسدون فِيهَا {بغير الحَقِّ} أي: بالباطل. {يَا أَيُّهَا الناس إِنَّمَا بغيكم عَلَى أنفسكم} أي: ظلمكم يرجع عليكم. {متاعُ الحياة الدُّنْيَا} أي: بغيكم كمتاع الحياة الدُّنْيَا، ويضمحلُّ ويبقى وبالُه عليكم؛ {ثمَّ إلينا مرجعكم فننبِّئكم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ(23)} فنجزيكم بِهِ، ونجازيكُم عليه؛ وقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلا، لأَنَّ الأشياء يظهرُ سرُّها وحقيقتها بالمثل؛ فقال:
{ (2/162)
صفحة 560
إنَّما مَثَلُ الحياة الدُّنْيَا} حالها العجيبة فيِ سرعة نُقصِها، وذهاب نعمتها بعد إقبالها، واعتزاز البأس بها؛ وذلك مَثلٌ لجميع مَا خوِّل العبد مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ سريع الذهاب، لأَنَّهُ إن بقيَ لك لم يبق لَهُ، {كماءٍ أنزلناه مِنَ السَّمَاء، فاختلط بِهِ نبات الأَرْض} أي: فاشتبك بسببه حتَّى خالط بعضه بعضا، {مِمَّا يأكل الناسُ} مِنَ الحبوب والثمار والبقول؛ {والأنعامُ} يعني: الحشيش. {حتَّى إِذَا أخذت الأَرْض زُخرفها} أظهرت زينتها بالنبات، واختلاف ألوانه، {وازَّينت} وتزيَّنت بِهِ وأظهرت حسنها عند إقبالها، وأخفت عواقبها عَن أبنائها؛ {وظنَّ أهلها} [230] الطامحون إِلَيْهِا {أنَّهم قادرون عليها} كأنَّهم ظافرون بها؛ {أتاها أمرُنا} عذابنا، وَهُوَ ضرب زرعها ببعض العاهات، بعد أمنهم واستيقانهم أنَّه قد سَلِمَ، وأنَّه واصل إِلَيْهِم ومنتَفَعٌ بِهِ {ليلا أو (1) نهارا فجعلناها} فجعلنا زرعها {حصيدا} شبيها بِمَا يُجَذُّ مِنَ الزرع، وقطعه (2) واستئصاله؛ {كأن لم تَغنَ بالأمس} يعني: صارت كأن لم تكن، وَمَا حصلوا منها إِلاَّ الجزاء. {كذلك نفصِّل الآيات لقوم يتفكَّرُونَ (24)} فينتفعون بضرب الأمثال، وَهَذَا مِنَ التسلية؛ شبَّه حال الدُّنْيَا فيِ سرعةِ نقصها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأَرْض فيِ جفافه وذهابه حطاما، بعدما الْتَفَّ وتكاثف وزيَّن الأَرْض بِخُضرته؛ وَلَمَّا وصف الدُّنْيَا، وقلَّة انتفاعها، وسرعة ذهابها، وكثرة آفاتها؛ رغَّب فيِ عمل الآخِرَة فقال:
{__________
(1) - ... في الأصل: «و» وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «من قطعه»، أو «بقطعه». ليستقيم التركيب. (2/163)
صفحة 561
والله يدعو إِلىَ دار السلام} عَن الفناء والذهاب، يعني: الجنَّة؛ وَقِيلَ: السلام هُوَ الله تعالى، وداره: الجنَّة؛ يدعو عباده إِلىَ جنَّته ببعث الرسل، ونصبِ الأدلَّة؛ وقيل: سُمِّيَت الجنَّة دار السلام، لأَنَّ من دخلها سَلِمَ مِنَ الآفات، {ويهدي (1) من يَشَاء إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم (25)}.
{للذين أحسنوا الحسنى} المثوبة الحسنى وهي الجنَّة، {وزيادة} قيل: الرضوان. {وَلاَ يرهق وجوههم} وَلاَ يغشاها {قتر} غَبَرَة، {وَلاَ ذلَّة} وَلاَ أثر هوان، والمعنى: وَلاَ تُرهقهم مَا يرهق أهل النار. من آثار أصحابنا: «وعن قول الله: {وَلاَ يَرهَقُ وُجُوهَهَم قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} فقد قيل: لاَ يرهقهم لاَ يغشاهم، والقتر: الكسوف، والذلَّة: الكآبة». {أُولَئِكَ أصحاب الجنَّة هم فِيهَا خالدُونَ (26)}.
{وَالذِينَ كَسَبوا السَّيِّئَات} فنون [كَذَا] الشرك أو النفاق، {جزاء سيِّئة بمثلها، وترهقهم ذلَّة} ذلَّة وهوان، {مَا لَهُم مِنَ الله} من عقابه {من عاصم} أي: لاَ يعصمهم أحد من سخطه وعقابه، {كأنَّما أُغشِيت وجوههم قطعا مِنَ الليل مظلما} أي: جُعل عليها غطاءٌ من سواد الليل، لفرط سوادها وظلمتها، {أُولَئِكَ أصحاب النار هم فِيهَا خالدُونَ (27)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والله يهدي»، وهو خطأ. (2/164)
صفحة 562
ويوم نحشرهم جميعا} الكفَّار وآلهتهم؛ {ثمَّ نقول للذين أشركوا} أيَّ شرك كَانَ، {مكانَكَم} أي: اِلزموا مكانكم لاَ تبرحوا، {أَنتُم وشركاؤُكُم، فَزَيَّلنا} ففرَّقنا {بَيْنَهُم} وقطعنا قرناءهم، والوصل التِي كَانَت بَيْنَهُم فيِ الدُّنْيَا يُواصلون بها أُلفَتَهُم. {وقال شركاؤهم} من عبدوه من دون الله: {مَا كُنتُم إِيَّانا تعبدُونَ (28)} إِنَّمَا كُنتُم تعبدون الشياطين فيِ الحقيقة، من حيث أمروكم أن تتَّخذوا لله أندادا فأطعتموهم؛ فيقولون: بلى كُنَّا نعبدكم؛ فتقول الأصنام: إِنَّمَا كُنتُم تعبدون أهويتكم؛ لقوله: {أرأيت من اتَّخَذَ إِلهَه هَوَاهُ} (1). {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كُنَّا عَن عبادَتِكم لغافلِينَ (29)} مَا كُنَّا عَن عبادتكم إِلاَّ غافلين.
{هنالك تَبلُوا كُلُّ نفس} تُختَبَر وتَذُوق {مَا أسلفت} مِنَ العمل، فتعرف كيف هُوَ، أقبيح أم حسن. {ورُدُّوا إِلىَ الله مولاهم الحَقِّ} ربِّهم الصادق [في] ربوبيَّته، لأَنَّهُم كَانُوا يَتَوَلَّون مَا ليس لربوبيَّته حقيقة، {وضلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يفترُونَ (30)} وضاع عَنْهُم مَا كَانُوا يَدَّعُون أنَّهم شركاء لله.
{__________
(1) - ... سورة الفرقان: 43. كتبها الناسخ في الأصل: {أفمن اتَّخَذَ ... }، وهو خطأ. وفي سورة الجاثية: 23: {أفرأيت ... }. (2/165)
صفحة 563
قل: مَن يَرزُقكم مِنَ السَّمَاء [231] والأَرْض أَمَّن يملك السمعَ والأبصار} من يستطيع خلقهما وتسويتهما عَلَى الحدِّ الذِي سُوِّيَا عليه مِنَ الفطرة العجيبة، أو من يحميهما مِنَ الآفات مَعَ كثرتهما فيِ المدد الطوال، وهما لطيفان يُؤذِيهما أدنى شيء. {ومن يُخرج الحيَّ مِنَ المَيِّت، ويخرج المَيِّت مِنَ الحيِّ} أي: الحيوان والفرخ والزرع والمؤمن والعالم مِنَ النطفة والبيضة والحبِّ، والكافر والجاهل وعكسها، {ومن يدبِّر الأمر} ومن يلي تدبير أمر العالم. {فسيقولون: الله} فسيجيبونك عند سؤالك أنَّ القادر عَلَى هَذِهِ هُوَ الله، {فقل} لَهُم: {أفلا تَتَّقُونَ(31)} الشركَ فيِ العبوديَّةِ، إِذَا اعترفتم لَهُ بالربوبيَّة.
{فذلكم الله} أي: مَن هَذِهِ قُدرته: الله {رَبُّكُم الحَقُّ} الثابت ربوبيَّته ثباتا لاَ ريب فِيهِ، لمن حقَّق النظر. {فماذا بعد الحَقِّ إِلاَّ الضلال} أي: لاَ واسطة بين الحقِّ والضلال؛ فمن يخطئ الحقَّ وقع فيِ الضلال، ومن سلم مِنَ الضلال كَانَ عَلَى الحقِّ. {فأنى تصرفُونَ(32)} عَن الحقِّ إِلىَ الضلال، وعن التوحيد إِلىَ الشرك.
{كذلك} مِثل ذَلِكَ الحقِّ، {حقَّت كلمة رَبِّكَ} كما حقَّت الربوبيَّة لله حقَّت كلمة رَبِّكَ {عَلَى الذِينَ فسقوا} تَمرَّدوا فيِ كفرهم، {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ(33)} أي: حقَّ عَلَيْهِم كلمة الله أنَّ إيمانهم غير كائن.
{قل: هل مِن شُرَكَائكم من يبدأ الخلقَ} من نطفة، {ثُمَّ يعيده}، فإن أجابوك، وَإِلاَّ {قل: الله يبدأ الخلق، ثُمَّ يُعيده فَأَنَّى تُؤفَكُونَ(34)} فكيف تُصرَفُونَ عَن قصدِ السبيلِ.
{ (2/166)
صفحة 564
قُل: هل مِن شركائكم} يعني: الأوثان، {مَن يهدي إِلىَ الحَقِّ} يرشد إِلَيْهِ، {قل: الله يهدي لِلْحَقِّ أفمن يَّهدِي إِلىَ الحقِّ أَحَقُّ أن يُتَّبَع أمَّن لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أن يُّهدَى} والمعنى: أنَّ الله وحده هُوَ الذِي يهدي للحقِّ، بِمَا رَكَّب فيِ المكلَّفين مِنَ العقول، وأعطاهم مِنَ التمكين للنظر فيِ الدلالة (1) التِي نصبها لَهُم، وبما وفَّقهم وألهمهم، وَوَقفَهم عَلَى الشرائع بإرسال الرسل؛ فهل من شركائكم التِي (2) جعلتم أندادا لله أحدٌ يهدي إِلىَ الحقِّ؟ ثُمَّ مَثَّلَ هدايةَ الله ثُمَّ قَالَ: {أفمن يهدي إِلىَ الحقِّ أحقُّ} بالاِتِّبَاع، أم الذِي لاَ يَهِدِّي؛ أي: لاَ يهتدي بنفسه، أو لاَ يهدي غيرَه إِلاَّ أن يَهدِيه الله؛ {فما لكم كيف تحكمُونَ (35)} تقضون لأنفسكم بالباطل، حيث تزعمون أنَّهم أنداد لله.
{وَمَا يَتَّبِعُ أكثرهم إِلاَّ ظنَّا} بغير دليل فيِ عامَّة أمورهم الدُّنْيَاويَّة والأخرويَّة، لأَنَّهُم لاَ يتَّبعون إِلاَّ الوهميَّات مِنَ الأمور دون الحقائق. {إنَّ الظنَّ لاَ يُغني مِنَ الحَقِّ} أي: لاَ يقوم مقام العلم (لعلَّه) الثابتِ الذِي لاَ يزول {شَيْئًا، إِنَّ اللهَ عليم بِمَا يفعلُونَ (36)} من اتِّباعِ الظنِّ، وترك الحقِّ.
{وَمَا كَانَ هَذَا القرآنُ أن يُفترَى من دون الله} مَا صحَّ وَمَا استقام أن يكون مثله فيِ عُلوِّ أمرِه وإعجازِه مُفترى، {ولَكِنْ تصديقَ الذِي بين يديه} وَهُوَ مَا تقدَّمه مِنَ الكتب المنزَّلة، {وتفصيلَ الكتاب} وتبيين مَا كُتِب وفُرض مِنَ الأحكام والشرائع، {لاَ ريب فِيهِ} عند أهل الحقِّ، {من رَبِّ الْعَالَمِينَ (37)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «الدلائل»، أو «الأدلَّة».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «الذين». (2/167)
صفحة 565
أم يقولون: افتراه، قل} إن كَانَ الأمر كما تزعمون: {فأتوا} [232] أَنتُم {بِسورةٍ مِثلِه} أي: شبيهة بِهِ فيِ البلاغة وحُسن النظم، فأنتم مثلي فيِ العزيمة. {وادعوا من استطعتم} من شُرَكَائِكم {من دون الله} (لعلَّه) ومع ذَلِكَ فاستعينوا بمن أضلَّكم (1) {إن كُنتُم صادقِينَ (38)} أنَّه افتراه.
{بَل كذَّبوا بِمَا لم يحيطوا بعلمه، وَلَمَّا يأتهم تأويلُه} بَل سارَعوا إِلىَ التكذيب بالقرآن فيِ بَدِيهَة السماع، قبل أن يَفقَهُوه ويعلموا كُنه أمره، وقبل أن يتدبَّروه ويَقِفُوا عَلَى تأويله ومعانيه؛ وذلك لفرط نفورهم عمَّا يُخالف دينهم، وشِرَادِهِم (2) عَن مُفارقة دين آبائهم. {كذلك} مثل ذَلِكَ التكذيب، {كذَّبَ الذِينَ من قبلهم}، ويجوز أن يكون {وَلَمَّا يأتيهم تأويلُه} ولم يأتهم بعدُ، تأويل مَا فِيهِ مِنَ الإخبار بالغيوب؛ {فانظر كيف كَانَ عاقبةُ الظالمِينَ (39)} (3) مآلُ أمرهم.
{ومنهم من يُؤْمِنُ بِهِ} (لعلَّه) أي: سيؤمن بِهِ، {ومنهم من لاَ يُؤْمِنُ بِهِ} لفرط غباوته، وقلَّة تدبُّره. {ورَبُّكَ أعلم بالمفسدِينَ (40)}.
{وإن كذَّبُوك} وإن تمُّوا عَلَى تكذيبك، وأيست مِنْهُم بعد أن قامت عَلَيْهِمُ الحجَّة؛ {فقل: لي عملي، ولكم عَمَلُكم} لاَ تؤاخَذون بعملي وَلاَ أَؤَاخَذ بِعملكم، {أَنتُم بريئون مِمَّا أعملُ وأنا بريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)} فكلُّ مؤاخذ بعمله.
{ومنهم من يستمعون إليك} ولكنَّهم لاَ يَعْملُونَ وَلاَ يعقلون. {أفأنت تُسمع الصمَّ ولو كَانُوا لاَ يعقلُونَ (42)} أتطمعُ أنَّك تَقدِرُ عَلَى إسماع الصوتِ الصمَّ؛ فإذا اجتمع سَلْبُ العقلِ والسمعِ فقد (لعلَّه) فَسدَ الأمرُ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أظكنكم»، ولا معنى له.
(2) - ... مصدر “شَرَدَ”، قال ابن منظور: «شَرَدَ البعيرُ والدابَّة، يشرُد شَرْدًا وشِرادًا وشُرودا: نفر، فهو شارِدٌ». ابن منظور: لسان العرب، 3/ 293.
(3) - ... في الأصل: «المجرمين» وهو خطأ. (2/168)
صفحة 566
ومنهم من يَنظرُ إليك} ومنهم ناس ينظرون إليك ويُعايِنون أدلَّة الصدق، وأعلام النبوَّة، ولكنَّهم لاَ يصدِّقون. {أفأنت تَهدِي العميَ ولو كَانُوا لاَ يُبصرُونَ (43)} أتحسب أنَّك تَقدِرُ عَلَى هداية العُميِ ولو انضمَّ (1) إِلىَ فَقْدِ البصرِ فَقدُ البصيرة، لأَنَّ الأعمى الذِي فيِ قلبه بصيرةٌ قد يفهم، وَأَمَّا العَمَى مَعَ الحمق فجهد البَلاَء؛ يعني: أنَّ فيِ الناس من أَن لاَ يقبلوا [كَذَا] وَلاَ يُصدِّقوا كالصمِّ والعُميِ الذِينَ لاَ عُقول لَهُم وَلاَ بصائر، وقد أعمى الله قلوبهم فلا يبصرون شَيْئًا مِن (لعلَّه) الهدى.
{إنَّ الله لاَ يظلمُ الناس شَيْئًا}، لأَنَّهُ فيِ جميع أفعاله متفضِّل وعادل، لاَ ينصر عاصيا، وَلاَ يَخذل مُطيعا، {ولكنَّ الناسَ أنفسَهم يظلمُونَ (44)} أي: لم يظلمهم بسَلْبِ آلةِ الاستدلال، ولكنَّهم ظلموا أنفسَهم بترك الاستدلال، كما قَالَ: {وَلَقَد يسَّرنا القرآنَ للذِّكْرِ فهل مِن مدَّكِر} (2).
{ويومَ يَحشُرُهم كَأَنْ لم يَلبَثُوا} فيِ قبورهم؛ وقيل: فيِ الدُّنْيَا {إِلاَّ ساعةً مِنَ النهار}، لأَنَّ الماضي فيِ حقِّهم كَأَنْ لم يَكُن؛ استقصروا (لعلَّه) المدَّة لهول مَا [ ... ] (3)، وإنَّما هم كأنَّهم أبناء ساعتهم؛ وكذلك تَعَاقُب أحوالهم فيِ الدُّنْيَا بالخير والشرِّ، كأنَّ الماضي بهم لم يكن. {يتعارفون بَيْنَهُم} يَعرِف بعضهم بعضا. {قد خسر الذِينَ كذَّبوا بلقاء الله} قد اشتروا التجارة البائرة، فخسروا؛ وتعاموا عَن التجارة التِي لن تبور. والمُرَاد بالخسران خُسرانُ النفس، وَلاَ شيء أعظم مِنْهُ. {وَمَا كَانُوا مُهتدِينَ (45)} للتِّجارة التِي لن تبور.
{__________
(1) - ... في الأصل: «انظم»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة القمر: 17، 22، 32، 40.
(3) - ... وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية، ولم يكتب شيئا؛ وفي العبارة نقص واضح. (2/169)
صفحة 567
وإمَّا نُرِينَّك بَعْضَ الذِي نَعِدُهُم} مِنَ العذاب، {أو نتوفَّينَّك} قبل عذابهم، {فإلينا مَرجعهم؛ ثُمَّ الله شهيدٌ [233] عَلَى مَا يفعلُونَ (46)} مُطَّلِع عَلَيْهِم ومجازيهم.
{ولكلِّ أمَّة رسولٌ} يُبعث إِلَيْهِم لينبِّههم عَلَى التوحيد، ويدعوهم إِلىَ دين الحقِّ. {فإذا جاء رسولهُم} بِالبَيِّنَاتِ، فكذَّبوه (1) ولم يَتَّبِعُوه، {قُضِيَ بَيْنَهُم} بين النبيِّ ومكذِّبيه {بالقسط}، فَأُنجيَ الرسلُ، وعُذِّب المكذِّبون؛ أو ولِكُلِّ أمَّةٍ مِنَ الأممِ يومَ القيامة رسولٌ تُنسب إِلَيْهِ وتُدعى بِهِ؛ فإذا جاء رسولُهم الموقفَ ليشهدَ عَلَيْهِم بالكفر والإيمان قُضيَ بَيْنَهُم. {وَهُم لاَ يُظلمُونَ (47)} لاَ يُعذِّب أحدا بغير ذنبه؛ وإنَّما قَالَ: {وَإمَّا نُرينَّك بعض الذِي نعدهم} أي: مِنَ العذابِ؛ [فإذا] استعجلوا بِمَا وُعِدوا بِهِ مِنَ العذاب نَزَل.
{ويقولون: متى هَذَا الوعدُ} استبعادا لَهُ واستهزاء بِهِ، {إن كُنتُم صادقِينَ (48)} أنَّ العذاب نازل، وَهُوَ خطاب مِنْهُم للنبيِّ والمؤمنين.
{قل: لاَ أملكُ لنفسي ضرًّا وَلاَ نفعا} فكيف أملك لكم فأستعجل فيِ جلبِ العذابِ إليكم، {إلاَّ مَا شاء الله} أي: ولَكِن مَا شاء الله من ذَلِكَ كائنٌ؛ فكيف أملك لكم الضرَرَ، وجلبَ العذابِ. {لِكُلِّ أُمَّةٍ أجلٌ إِذَا جاء أجلهم، فلا يستأخرون ساعةً وَلاَ يستقدمُونَ (49)} لِكُلِّ أمَّةٍ وقتٌ معلومٌ للعذاب، مكتوب فيِ اللوح، فإذا جاء وقت عذابهم، لاَ يتقدَّمون ساعة وَلاَ يتأخَّرون.
{قل أرأيتم إن أَتَاكم عذابُه} الذِي تستعجلونه {بياتا} وقت بياتٍ، وَهُوَ الليل، وأنتم ساهون نائمون لاَ تشعرون، {أو نهارا} وأنتم مشتغلون، مستعجلون بطلب المعاشِ والكسبِ. {ماذا يَستعجلُ مِنْهُ المجرمُونَ (50)} أي: مِنَ العذاب، والمعنى: أنَّ العذاب كلَّه مكروه، وليس شيء مِنْهُ يوجب الاستعجال.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: حذف الفاء. (2/170)
صفحة 568
أثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ} العذابُ بالموتِ، {آمنتم بِهِ}، لأَنَّ كلَّ نفس تؤمن بِمَا كفرت فيِ ذَلِكَ الحين، ولكن لاَ ينفعها الإيمانُ حين ذَلِكَ {آلآن} آمنتم بِهِ {وقد كُنتُم بِهِ تستعجلُونَ(51)} أي: بالعذاب تكذيبا واستهزاء.
{ثمَّ قيل للذين ظلموا: ذوقوا عذابَ الخلدِ} أي: يومَ القيامةِ، أو لأَنَّ ذَلِكَ مقدِّمة، وَأَيَّام التعبُّد قد انقضت، والتوبة قد أُغلِقت؛ {هل تُجزَوْن إِلاَّ بِمَا كُنتُم تكسبُونَ(52)}؟!
{ويستنبئونَك} ويستخبروك، فيقولون: {أحقٌّ هُوَ} هُوَ استفهامٌ عَلَى وجهِ الإنكار والاستهزاء. {قل: إي وربِّي} نَعَم وَاللهِ {إِنَّهُ لَحَقٌّ، وَمَا أَنتُم بمعجزِينَ(53)} بفائتين العذاب، وَهُوَ لاحقٌ بكم لاَ محالة إن خالفتموه.
{ولو أنَّ لِكُلِّ نفسٍ ظَلَمَت مَا فيِ الأَرْض} مَا فيِ الدُّنْيَا اليوم من خزائنها وأموالها؛ {لافتدَت بِهِ} لجعلته فديةً لها، {وأسرُّوا الندامةَ لَمَّا رَأَوا العذابَ}، لأَنَّهُم بُهتوا لمَّا عاينوا مِمَّا لم يخشوه من فظاعة الأمر وهوله. {وقُضيَ بَيْنَهُم بالقسط} بين الظالمين والمظلومين، {وَهُم لاَ يُظلمُونَ(54)} من جَزَاء أعمالهم شَيْئًا.
{أَلاَّ إنَّ لله مَا فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} فكيف يَقبل الفداء، وَمَا فيهما مُلكُه. {أَلاَّ إنَّ وعدَ الله حقٌّ} كائن، {ولكنَّ أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ(55)} لقصور عقلهم، إِلاَّ ظاهرا مِنَ الحياة الدُّنْيَا، وفي الحقيقة لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا لظاهر الآيَة: {هُوَ يُحيي [234] ويُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرجعُونَ(56)} وَإِلىَ حسابِه وجزائه فيِ المرجِع، فَيُخاف ويُرجى.
{ (2/171)
صفحة 569
يَا أَيُّهَا الناس قَد جاءتكم موعظةٌ من رَبِّكم} أي: قد جاءكم كِتَاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه عَلَى التوحيد، والموعظةِ التِي تدعو إِلىَ كُلِّ مرغوب، وتزجر عَن كُلِّ مرهوب؛ كما فيِ القرآن مِنَ الأوامر والنواهي داعٍ إِلىَ كُلِّ مرغوب، وزاجر عَن كُلِّ مرهوب؛ إذ الأمر يقتضي حسن المأمور، فيكون مرغوبا؛ وَهُوَ يقتضي النهيَ عَن ضِدِّه وَهُوَ القبيح، وعلى هَذَا فيِ النهي. {وشفاءٌ لِمَا فيِ الصدور} مِنَ العقائد الفاسدة، والصدر موضع القلب {وهدًى} مِنَ الضلالة، {ورحمةٌ} مِنَ العذاب {للمؤمنِينَ (57)} لمن آمن بِهِ منكم.
{قل: بفضل الله وبرحمته} وَهُوَ مَا عَلِمُوه وعملوا بِهِ. {فبذلك فليفرحوا}. فيِ الحديث: «من هداه الله للإسلام، وعلَّمه القرآن، ثُمَّ شكا الفائت، كَتَبَ الله الفقر بين عينيه إِلىَ يوم يلقاه» (1). {هُوَ} أي: مَا آتاهم الله مِنَ العلم والعمل بِمَا فِيهِ {خيرٌ مِمَّا يجمعُونَ (58)} للدنيا، لأَنَّهُ حطام زائل ضارٌّ ليس بنافعٍ؛ وذلك يتناول كلَّ ما جُمع لغير الله، وعلى غير المأمور بِهِ.
{قل: أَرَأَيتم} فأخبروني {مَا أنزل الله لكم مِن رزقٍ فجعلتم مِنْهُ حراما وحلالا} فَبَعَّضتُموه، وقلتم: هَذَا حلال وَهَذَا حرام، بلا حجَّة. {قل آلله أَذِنَ لكم} فيِ التحريم، {أم عَلَى الله تفترُونَ (59)}، الآيَة زاجرة عَن التجوُّز فيما يُسأل مِنَ الأحكام، وباعثة عَلَى وجود (2) الاحتياط فِيهِ، وأن لاَ يقول أحد فيِ شيء: جائز أو غير جائزٍ عَلَى سبيل القطع بدين؛ إِلاَّ بعد الإيقان، وَإِلاَّ (3) فَهُم مفترٍ عَلَى الديَّان.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير وزياداته.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وجوب».
(3) - ... في الأصل: «ولا»، وهو خطأ. (2/172)
صفحة 570
وَمَا ظنُّ الذِينَ يفترون عَلَى الله الكذبَ} أيُّ شيءٍ ظنُّهم {يوم القيامة} أي: أيُّ شيء ظنَّ المفترون فيِ ذَلِكَ اليوم مَا يُصنع بهم فِيهِ، وَهُوَ يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وَهُوَ وعيد عظيم حيث أبهم أمره. {إنَّ الله لذو فضل عَلَى الناس} حيث أنعم عَلَيْهِم بالعقل، ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام، وَهَذَا يتناول كلَّ من يروم التعبُّد مِنَ الخليقة، وليس مضنونا بِهِ عن أحد إِلاَّ مَن يأباه، {ولكنَّ أكثرهم لاَ يشكرُونَ(60)} هَذِهِ النعمة وَلاَ يَتَّبِعُون مَا هُدُوا إِلَيْهِ.
{وَمَا تكون فيِ شأن} أي: مَا تكون فيِ أمر. والخطاب ظاهره للنبيِّ - عليه السلام - ، وَهُوَ عامٌّ لجميع المؤمنين، لقوله: {وَمَا تَتلُو مِنْهُ من قرآن}، لأَنَّ تلاوة القرآنِ مُعظم شأنِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنَّ كلَّ جزءٍ مِنْهُ قرآنٌ. {وَلاَ تَعْمَلُونَ} أَنتُم جميعا {مِن عمل} تعميمٌ للخطابِ بعد تخصيصه، {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُم شهودا} شاهدين رُقباء نُحصي عَلَيْكُم ولَكُم. خوَّفَهُم بِمَا عرَّفَهُم من اطِّلاعه عَلَيْهِم فيِ جميع أحوالهم. {إذ تُفِيضُون فِيهِ} تخوضون فِيهِ؛ مِن أفاض فيِ الأمر، إِذَا اندفع فِيهِ، {وَمَا يَعزُبُ عَن رَبِّك} وَمَا يبعد، وَمَا يغيب {من مِثقال ذَرَّة} وزن نَملة، أو هباء {فيِ الأَرْض وَلاَ فيِ السَّمَاء} أي: فيِ الوجود والإمكان، {وَلاَ أصغر من ذَلِكَ وَلاَ أكبر إِلاَّ فيِ كِتَاب مُبِين(61)} يعني: اللوح المحفوظ، أو فيِ علمه تبارك وتعالى.
{ (2/173)
صفحة 571
ألاَ إنَّ أولياءَ [235] الله} هُمُ الذِينَ يَتولَّونه بالطاعة، ويتولاَّهم بالكرامة؛ أو هُمُ الذِينَ تَوَلىَّ هُدَاهُم بالبرهان الذِي أتاهم؛ فتولَّوا القيام بحقِّه، والرحمة لخلقه؛ أو هُمُ المتحابُّون فيِ الله عَلَى غير أرحام بَيْنَهُم، وَلاَ أموال يتعاطَونَها، أو هُمُ المُؤْمِنُونَ المتَّقون {لاَ خوفٌ عَلَيْهِم} إِذَا خافَ العُصاة، {وَلاَ هم يحزنُونَ (62)} إِذَا حَزِنَ العصاة.
ثُمَّ وصفهم فقال: {الذِينَ آمنوا وكَانُوا يَتَّقُونَ (63)} الشركَ والنفاقَ جليَّهما وخَفيَّهما. {لَهُم البشرى فيِ الحياة الدُّنْيَا} مَا بشَّر الله بِهِ الْمُؤْمِنِينَ المتَّقين فيِ غير موضع من كتابه، وهي نِعمتهم المعجَّلة فيِ الحياة الدُّنْيَا، وَهُم يتسلَّون بالعاقبة الباقية، كما يتسلَّى أهل الدُّنْيَا بالعاجلة الفانية؛ وشتَّان مَا بينهما. {وفي الآخِرَة} هِيَ الجنَّة. {لاَ تبديل لكلماتِ الله} لاَ تَغيِير لأقواله، وَلاَ اختلافَ لمواعيده. {ذَلِكَ} إشارة إِلىَ كونهم مبشَّرين فيِ الدارين {هُوَ الفوز العظيم (64)} ينالون الفوزَ العظيمَ فيِ الدُّنْيَا قبلَ الآخِرَة بدليل هَذِهِ الآيَة، وَهُوَ نعيم معجَّلٌ للأنفس الروحانية، كما لضدِّهم عذاب أليم معجَّل فيِ الدُّنْيَا. فهؤلاء خُلقوا للعذاب فَهُم فيِ العذاب دائمون فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، وهؤلاء خُلِقوا للنعيم فَهُم فيِ النعيم دائمون فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة؛ وكلُّ ذَلِكَ عدل مِنَ الله تعالى لهؤلاء، وفضل مِنْهُ لهؤلاء. {لاَ يُسأل عمَّا يَفعل وَهُم يُسألون} (1).
{__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 23. (2/174)
صفحة 572
وَلاَ يُحزنك قولهم} تكذيبهم وتهديدهم وتشاورهم فيِ تدبير هلاكك وإبطال أمرك. {إنَّ العِزَّة لله} إنَّ الغلبة والقهر فيِ ملكة الله، لاَ يملك أحدٌ شَيْئًا منها، لاَ هُم وَلاَ غيرهم؛ فهو يَغلِبُهم وينصرُك عليهم. {كَتَبَ الله لأغلبنَّ أنا ورُسلِيَ} (1) {جميعا، هُوَ السميع} لِمَا يقولون، {العليم (65)} بِمَا يُدبِّرون ويعزمون عليه، وَهُوَ مكافيهم بذلك.
{ألاَ إنَّ لله من فيِ السَّمَاوَات ومن فيِ الأَرْض} يعني: العقلاء، وَهُم المَلاَئِكَة والثقَلاَنِ؛ وخصَّهم لِيؤذن أنَّ هؤلاء إِذَا كَانُوا لَهُ، وفي ملكته، وَلاَ يصلح أحد مِنْهُم للرُّبوبية، وَلاَ أن يكون لَهُ شريكا فِيهَا فما وراءهم مِمَّن لاَ يعقل أحقُّ أن لاَ يكون لَهُ نِدًّا وشريكا. {وَمَا يَتَّبِعُ الذِينَ يدعون من دون الله شُركاء} «مَا» نافية، أي: وَمَا يَتَّبِعُون حقيقةً الشركاءَ، وإن كَانُوا يُسمُّونها شُركاء، لأَنَّ شَرِكَة الله فيِ الربوبيَّة محالٌ، {إن يتَّبعون إِلاَّ الظنَّ} إِلاَّ ظنَّهم الفاسد أنَّهم شركاء. {وإن هُم} مَا هم {إلاَّ يخرصُونَ (66)} يقدِّرُونَ (لعلَّه) فيِ أنفسهم أن يكون [للهِ] شركاء تقديرا باطلا.
{هُوَ الذِي جعل لكم الليل لتسكنوا فِيهِ} تنبيه عَلَى كمال قدرته، وعِظَمِ نِعمَته المتوحِّد بها هُوَ، ليدلَّهم بها عَلَى تفرُّده باستحقاق العبادة. {والنهارَ مُبصرا} لتبصروا فِيهِ مطالبَ أرزاقكم الدينيَّة والدُّنْيَاويَّة. {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقوم يسمعُونَ (67)} سماعَ مدَّكِر مُعتَبِر.
{__________
(1) - ... سورة المجادلة: 21. (2/175)
صفحة 573
قَالُوا اتَّخذَ الله ولدا سُبْحَانَهُ} تنزيه لَهُ عَن اتِّخَاذ الولد، وتعجُّب بهم من كلمتهم الحمقاء. {هُوَ الغنيُّ} علَّةٌ لنفي الولد، لأَنَّهُ إِنَّمَا يطلب الولدَ ضعيفٌ ليتقوَّى بِهِ، أو فقير ليستعين بِهِ، أو ذليل ليتشرَّف بِهِ، والكلُّ أمارة الحاجة؛ فمن كَانَ غنيَّا غير مُحتاج كَانَ الولد عَنْهُ منفيا. {لَهُ مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} مُلْكًا، وَلاَ تجتمع النبوَّة (1) معه. {إنْ عندكم مِن سلطانٍ بهذا} مَا عندكم من حجَّة بهذا القول؛ {أتقولون [236] عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ (68)} وعيد لمن قَالَ بِمَا لاَ يعلم، (لعلَّه) وفي الآيَة دليلٌ عَلَى أنَّ كلَّ قولٍ لا دليل لَهُ، (لعلَّه) فهو جهالة.
{قل إنَّ الذِينَ يفترون عَلَى الله الكذب} قولا أو فعلا أو اعتقادا {لاَ يُفلحُونَ (69)} أي: لاَ يَنجون مِنَ النار، وَلاَ يَفوزون بالجنَّة؛ ولكن {متاع فيِ الدُّنْيَا} أي: افتراؤهم هَذَا منفعة قليلة فيِ الدُّنْيَا، حيث يُقيمون بِهِ رئاستهم فيِ الكفر، ومُناصَبَةَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالتظاهر عليه؛ {ثُمَّ إلينا مرجعهم، ثُمَّ نذيقهم العذابَ الشديد بِمَا كَانُوا يكفرُونَ (70)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الأبوَّة». (2/176)
صفحة 574
واتل عَلَيْهِم نبأَ نوح} خَبَره مَعَ قومه، {إذ قَالَ لقومه، يا قومِ إن كَانَ كَبُر عليكم} عظُم وثقل؛ كقوله: {وإنَّها لكبيرة إِلاَّ عَلَى الخاشعين} (1). {مَقَامِي} مكاني، يعني: نفسه، أو قيامي ومَكثي بين أظهركم، {وتذكيري بِآيَاتِ الله} بقيام حججه؛ {فعلى الله تَوَكَّلت} أي: فوَّضت أمري إِلَيْهِ. {فأَجمِعوا أمرَكم} مِن أجمعَ الأمر، إِذَا نواه وعزم عليه. {وشُركاءَكم} أي: مَعَ شركائكم؛ {ثُمَّ لاَ يكن أمركم عَلَيْكُم غُمَّة} مستورا، واجعلوه ظاهرا مكشوفا، {ثمَّ اقضوا إليَّ} ذَلِكَ الأمر الذِي تريدون بي؛ أي: أدُّوا إليَّ مَا هُوَ حقٌّ عندكم من هلاكي، كما يقضي الرجل غَرِيمه، واصنعوا مَا أمكنكم، {وَلاَ تُنظِرونِ (71)} وَلاَ تُهملوني.
{فإن تولَّيتم} فإن أعرضتم عَن تذكيري ونصيحتي، {فما سألتكم من أجر} يوجبُ التولِّي، أو فما سألتكم من أجر ففاتني ذَلِكَ بتَولِيَتِكُم؛ {إن أجريَ إِلاَّ عَلَى الله} وَهُوَ الثواب الذِي يُثِيبُني بِهِ فيِ الآخِرَة؛ أي: مَا نصحتكم إِلاَّ لله لاَ لغرض من أغراض الدُّنْيَا، وفيه دلالة منع أَخذ الأجر عَلَى تعليم العلم اللاَّزم، لأَنَّ تبليغ الأنبياء لازم عَلَيْهِمُ إِلىَ أممهم؛ {وأُمرت أن أكون مِنَ المُسْلِمِينَ (72)} مِنَ المستسلمين لأوامره ونواهيه.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 45. (2/177)
صفحة 575
فكذَّبوه} فداموا عَلَى تكذيبه، {فنجَّيناه ومن معه فيِ الفلك وجعلناهم خلائف} يَخلُفُون المغرَقين. {وأغرقنا الذِينَ كذَّبوا بِآيَاتِنا، فانظر كيف كَانَ عاقبة المنذَرِينَ(73)} هُوَ تعظيم لِمَا جَرَى عليهم، وتحذير لِمَن أُنذِر عَن مثله، وتسليةٌ لَهُ [ - صلى الله عليه وسلم - ]. {ثمَّ بعثنا مِن بَعدِه رُسلا إِلىَ قومهم، فجاءوهم بِالبَيِّنَاتِ فما كَانُوا ليؤمنوا} فما استقام لَهُم أن يؤمنوا {بِمَا كذَّبوا بِهِ من قبل} بسبب تعوُّدهم تكذيب الحقِّ. {كذلك نطبع} مثلَ ذَلِكَ الطبع {عَلَى قلوب المعتدِينَ(74)} بخذلانهم، لانهماكهم فيِ الضلال واتِّباع المألوف، وفي أمثال ذَلِكَ دليل عَلَى أنَّ الأفعال واقعةٌ بقدرة الله، وكسب العبد.
{ثمَّ بعثنا من بعدهم موسى وهارون إِلىَ فرعون ومَلَئِه بِآيَاتِنا فاستكبروا} عَن قبولها، وأعظمُ الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربِّهم بعد تبيُّنها، ويتعظَّموا عَن قبولها؛ {وكَانُوا قوما مجرمِينَ(75)} يتعاطَون الجرائم مِنَ الآثام.
{فَلَمَّا جاءهم الحَقُّ من عندنا} فَلَمَّا عرفوا أنَّه هُوَ الحقُّ، وأنَّه من عند الله؛ {قَالُوا} لحبِّهم الشهوات: {إنَّ هَذَا لسحر مُبِين(76)} لَكذبٌ بيِّن، وَهُم يَعْلَمُونَ أنَّ الحقَّ أبعدُ شيء مِنَ السحر.
{ (2/178)
صفحة 576
قَالَ موسى: أتقولون للحقِّ لَمَّا جاءكم أسحرٌ هَذَا وَلاَ يفلحُ الساحرُونَ (77) قَالُوا أجئتنا لِتَلفِتَنَا} لتصرفنا، واللفت والفلت أخوان. {عمَّا وَجَدنا عليه آباءنا} من عبادةِ الأصنام [237] أو هُوَ (لعلَّه) عبادةُ أهويتنا، لقوله: {أفرأيت من اتَّخذ إلهه هواه} (1). {وتكونَ لكما الكبرياءُ} أي: الملك، لأَنَّ الملوكَ موصوفون بالتكبُّر عَلَى الناس باستِتبَاعهم، {فيِ الأَرْض} بالتصرُّف فِيهَا، وفي أهلها؛ {وَمَا نَحْنُ لكما بمؤمنِينَ (78)} بمصدِّقين فيما جئتما به؛ فلم يتبعوا رئَاسَتَهم، (لعلَّه) ورفض هواهم بملازمة الحقِّ (2).
{وقال فرعون: ائتوني بِكُلِّ ساحر عليم (79)} ليقوِّي بهم رِئَاسَته. {فَلَمَّا جاء السحرةُ، قَالَ لَهُم موسى: ألقوا مَا أَنتُم ملقُونَ (80) فَلَمَّا ألقوا قَالَ موسى: مَا جئتم بِهِ السحرُ} أي: الذِي جئتم بِهِ هُوَ السحر، لاَ الذِي سمَّاه فرعون وقومه سحرا مِنَ الآيات. {إنَّ الله سيُبطله} يظهر بطلانه. {إنَّ الله لاَ يُصلح عملَ المفسدِينَ (81)} لاَ يثبته بَل يدمِّره. {ويُحقُّ الله الحقَّ} ويثبته {بكلماته} بِآيَاتِه، {ولو كره المجرمُونَ (82)}.
{__________
(1) - ... سورة الجاثية: 23.
(2) - ... كذا في الأصل، والعبارة غامضة من قوله: «فلم يتبعوا رئاستهم»، إِلىَ نهاية الفقرة. (2/179)
صفحة 577
فما آمن لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّة من قومه} من شيعته، {عَلَى خوفٍ مِن فرعونَ وملئهم} يرجع [الضمير] (1) إِلىَ فرعون، بمعنى: آل فرعون، {أن يفتنهم} يريد أن يُعذِّبهم فرعون. {وإنَّ فرعون لعالٍ فيِ الأَرْض} لغالب فِيهَا قاهر، {وَإِنَّهُ لَمِن المسرفِينَ (83)} فيِ الظلم والفساد، وفي الكبر، وفي العتوِّ فيِ ادعائه الربوبيَّة. {وقال موسى: يا قوم} لمَّا رأى تخوُّف الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، {إن كُنتُم آمنتم بالله} صدَّقتم بِهِ وبِآيَاتِه؛ {فعليه تَوَكَّلوا} فإِلَيْهِ أسندوا أمركم فيِ العصمة من فرعون، لأَنَّ من شرط الإيمان بالله التَّوَكُّل عليه، {إن كُنتُم مُسْلِمِينَ (84)} شرط فيِ التوكُّلِ الإسلام، وَهُوَ أن يُسْلِموا نفوسهم لله، أن يجعلوها لَهُ سالمة خالصةً، لاَ حظَّ للشيطان فِيهَا، لأَنَّ التوكُّل لاَ يكون مَعَ التخليط.
{فَقَالُوا: عَلَى الله توكلنا} إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ، لأَنَّ القوم كَانُوا مخلصين، لاَ جرم أنَّ الله قَبِل توكُّلهم وأجاب دعاءهم ونجَّاهم، وأهلك من كَانُوا يخافونه، وجعلهم خلفاء فيِ أرضه؛ فمن أَرَادَ أن يصلح للتوكُّل عَلَى ربِّه فعليه برفض التخليط للاخلاص [كَذَا]. {رَبَّنَا لاَ تجعلنا فتنة للقوم الظالمِينَ (85)} موضعَ فتنةٍ لَهُم، أي: عذابٍ يعذِّبوننا، أو يفتنوننا عَن ديننا؛ أي: يضلُّوننا، والفاتن: المضلُّ عَن الحقِّ. {ونجِّنا برحمتك مِنَ القوم الْكَافِرِينَ (86)} من كَيدهم، ومن شؤم عداوتهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ير بمر جع إِلىَ فرعون». (2/180)
صفحة 578
وأوحينا إِلىَ موسى وأخيه أن تبوَّءا لقومِكما بمصر بيوتا} تبوَّأ المكَانَ: اتَّخذه مباءة؛ كقولك: توطَّنه، إِذَا اتَّخَذَه وطنا؛ والمعنى: اجعلا بمصر بيوتا من بيوته مَبَاءَة لقومكما، ومرجعا يرجعون إِلَيْهِ للعبادة والصلاة فِيهِ، {واجعلوا بيوتكم قبلةً} أي: مصلًّى؛ ولعلَّهم كَانُوا فيِ أوَّل الأمر مأمورين بأن يُصلُّوا فيِ بيوتهم فيِ خفية مِنَ الكفرة، لئلاَّ يظهروا عَلَيْهِم، فيؤذوهم ويفتنوهم عَن دينهم؛ كما كَانَ المُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ فيِ أوَّل الإسلام بمكَّة؛ ويحتمل أَمرُه لهما أَن يتبوَّءا بمصر بيوتا أي: يجعلا بها مساجد؛ والمساجد: هِيَ بيوتٌ، كما قَالَ: {فيِ بيوتٍ أَذِنَ الله ... } الآيَة (1). {وأقيموا الصلاة} فيِ بيوتكم إشارة إِلىَ «تبوَّءَا» [238] {وبشِّر المؤمنِينَ (87)}.
{__________
(1) - ... سورة النور: 36؛ وتمامها: {في بيوتٍ أَذِنَ اللهُ أن تُرفع ويُذكَر فيها اسمُه، يُسبِّح له فيها بالغدوِّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلَّب فيه القلوب والأبصار}. (2/181)
صفحة 579
وقال موسى: رَبّنَا إنَّك آتيت فرعون وملأه زينةً} هِيَ مَا يُتزيَّن بِهِ من لباس وحليٍّ وفرش وأثاث، وغير ذَلِكَ، {وأموالاً} بقرا ونعما، وضيعة {فيِ الحياة الدُّنْيَا؛ رَبَّنَا ليضلُّوا} أي: يستعينوا بذلك عَلَى الضلالة {عَن سبيلك} أي: طاعتك. {رَبَّنَا اطمس عَلَى أموالهم} أي: اهلكها، وأذهِب آثارها، لأَنَّهُم يستعينون بنعمتك عَلَى معصيتك. والطمس: المَحقُ والإهلاك، وكلُّ من كَانَت معه أموالٌ مكنوزة مستغن عنها، ليس لَهُ فيِ ادِّخارها نيةٌ إِلاَّ التكاثر، فهي كالمطموس عليها، بَل هِيَ أضرُّ عليه، لأَنَّهُ يعاني جمعها وحفظها، لا يزال مُعَذَّبا بها، {واشدُدْ عَلَى قلوبهم} اطبع عَلَى قلوبهم، واجعلها قاسيةً، {فلا يؤمنوا حتَّى يروا العذاب الأليم (88)} عذاب الموت، وإنَّما دعا لَهُم بهذا لَمَّا أَيسَ من إيمانهم، أو علم بالوحي أنَّهم لاَ يُؤمنون؛ فأمَّا قبل أن يعلم بأنَّهم لاَ يؤمنون، فلا يسع لَهُ أن يدعو بهذا الدعاء، لأَنَّهُ أُرسل إِلَيْهِم ليدعوهم إِلىَ الإيمان، وَهُوَ كقول نوحٍ: {وَلاَ يلدوا إِلاَّ فاجرا كفَّارا} (1).
{قَالَ قد أجيبت دعوتكما} والمعنى: أَنَّ دُعاءكما مستجاب، وَمَا طلبتما كائن فيِ وقته؛ {فاستقيما} أي: عَلَى الحقِّ، وَلاَ يميل بكم الشيطان عَن الحقِّ إِلىَ الهوى. {وَلاَ تَتَّبِعانِّ سبيل الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89)} ولاَ تَتَّبِعانِّ طريق الجهلة [الذين] لا يعلمون إِلاَّ ظاهرا من الحياة الدنيا. والاستقامةُ مع اتِّبَاع سبيلِ الذِين لا يعلمون لا تستقيم أبدا.
{__________
(1) - ... سورة نوح: 27. (2/182)
صفحة 580
وجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البحرَ} أي: جاوزناهم فيِ البحرِ، حتَّى بلغوا البَرَّ حافظين لَهُم؛ {فأَتْبَعَهم فرعونُ وجنودُه بغيا وعَدوًا} ليهلكهم، {حتَّى إِذَا أدركه الغرق، قَالَ: آمنت أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ الذِي آمنت بِهِ بنو إسرائيل، وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ (90)}، لأَنَّ كلَّ مخالف فيِ شيء من دين الله، فحين يُدركه الموت يتوب مِمَّا خالف فِيهِ الحقَّ فيِ ذَلِكَ الحين، وَلاَ تنفع التوبة حين ذَلِكَ، لأَنَّ التعبُّد قد انقطع وأقبل الجزاء.
{آلآن} أي: تؤمن الساعةَ، فيِ وقت الاضطرار، وتركتَ وقتَ الاختيار؛ وَمَا كَانَ يُدعى إِلاَّ إِلىَ ذَلِكَ؛ ولو علم الله فِيهِ خيرا، ومنه خيرا لقالها قبل ذَلِكَ. {وقد عَصَيتَ قبلُ} (لعلَّه) الماضي من عُمِرك الذِي عُمِّرته، {وكنت مِنَ المفسدِينَ (91)} مِنَ الضالِّين المضلِّين.
{فاليومَ نُنجِّيكَ بِبَدَنِك لتكونَ لِمَن خَلْفَك آيةً} لمن وراءه مِنَ الناس، أن تَظهرَ عبوديَّته، وأنَّ مَا كَانَ يدَّعي مِنَ الربوبيَّة فهو محال؛ وأنَّه مَعَ مَا كَانَ فِيهِ من عِظم الملك، آل أمرُه إِلىَ مَا ترون لعصيانه ربَّه. {وإنَّ كثيرا مِنَ الناس عَن آياتنا لغافِلُونَ (92)} لاَ يتفكَّرون فِيهَا، وَلاَ يعتبرون.
{وَلَقَد بَوَّأنَا} أي: أنزلنا {بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأ صدق} وَهُوَ كقوله: {أَدخِلْني مُدخل صِدقٍ وأخرِجْني مخرجَ صِدقٍ} (1). {ورزقناهم مِنَ الطَّيِّبَات} مِنَ الأعمال الصالحة والأرزاق الواسعة، لمَّا أطاعوا واستقاموا. {فما اختلفوا} فيِ دينهم {حَتَّى جاءهم العلم} فكَانَ الاختلاف بَيْنَهُم بعد قيام الحجَّة. {إنَّ رَبَّكَ يقضي بَيْنَهُم يومَ القيامة فيما كَانُوا فِيهِ يختلفُونَ (93)} فَيُجازي كلاًّ عَلَى قدرِ عمله، ويميِّز المحقَّ مِنَ المبطل بالإنجاء والإهلاك.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 80. (2/183)
صفحة 581
فإن كنتَ فيِ شكٍّ [239] مِمَّا أنزلنا إليك فاسأل الذِينَ يقرَءُون الكتابَ مِن قَبلك} لمَّا قدَّم بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُم قُرَّاءُ الكتاب، وصفهم بِأَنَّ العلم قد جاءهم، لأَنَّ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكتوب فيِ التَّوْرَاة والإِنجِيل، وَهُم أبناؤهم؛ أَرَادَ أن يحقِّق علمهم بصِحَّة القرآن وصِحَّة نبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، ويبالغ فيِ ذَلِكَ، فقال: فإن وقع لك شكٌّ، فرضا وتقديرا، وسبيل من خالَجَتْه شبهةٌ أن يسارع إِلىَ حَلِّها بالرجوع إِلىَ قوانين الدين وأدلَّته، أو بمباحثة العلماء؛ كأنَّه قَالَ لَهُ: فاسأل أهل الكتاب، فإنَّهم مِنَ الإحاطة بصِحَّة مَا أُنزل إليك بحيث يَصلحون لمراجعة مثلك فضلا عَن غَيرك؛ والمراد: وصفُ الأخبار بالرسوخ فيِ العلم بصِحَّة مَا أُنزل إِلىَ رسول الله، لاَ وصف رسولِ الله بالشكِّ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: {لَقَد جاءك الحقُّ من رَبِّك} أي: ثبت عندك بالآيات الواضحة، والبراهين اللائحة أنَّ ما أتاك هُوَ الحقُّ الذِي لاَ مجال فِيهِ للشَّكِّ، {فلا تكوننَّ مِنَ الممترِينَ (94)} الشاكِّين.
{وَلاَ تكوننَّ مِنَ الذِينَ كذَّبوا بِآيَاتِ الله} بشيء من حُجَجِه؛ {فتكونَ مِنَ الخاسرِينَ (95)} أي: فاثبتْ ودُمْ عَلَى مَا أنت عليه من انتفاء المِريَة عنك، والتكذيب بِآيَاتِ الله؛ أو هُوَ عَلَى طريقة التهييج، كقوله: {فلا تكوننَّ ظهيرا للكَافِرِينَ} (1)؛ أو معناه: لاَ نأمرك بالسؤال لأنَّك شاكٌّ، ولكن لتزداد يقينا كما ازداد إبراهيم يقينا بمعاينة إحياء الموتى.
{__________
(1) - ... سورة القصص: 86. (2/184)
صفحة 582
إنَّ الذِينَ حقَّت عَلَيْهِم كلمة رَبِّك} لعنته إيَّاهم؛ إذ ثبت عَلَيْهِم قول الله الذِي كتبه فيِ اللوح؛ وقيل: كلمة رَبّكَ قوله: «هؤلاء فيِ النار، وَلا (1) أبالي» (2). {لاَ يُؤْمِنُونَ (96) ولو جاءتهم كُلُّ آية} أي: كلُّ آية من آيات الله، لأَنَّ الآيَة التِي أتتهم مثل الآيات التِي لم تأتهم، لأَنَّهُ قيل: «من لم ينفعه قليل الحكمة، ضرَّه كثيرها، وزاده عَشوَة وصمما وبكما»، {حتَّى يروا العذاب الأليم (97)} أي: عند الموت، فيؤمنون ولكن لا ينفعهم، لأَنَّ التعبُّد قد ارتفع.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والا»، وهو خطأ.
(2) - ... حديث قدسيٌّ رواه أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَتَادَةَ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ أَخَذَ الْخَلْقَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَقَالَ: هَؤُلاَءِ فِي الْجَنَّةِ وَلاَ أُبَالِي، وَهَؤُلاَءِ فِي النَّارِ وَلاَ أُبَالِي»، قَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَى مَاذَا نَعْمَلُ؟ قَالَ عَلَى مَوَاقِعِ الْقَدَرِ». مسند الشاميِّين، رقم 17000، وَفيِ لفظ آخر: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ {أَصْحَابُ الْيَمِينِ} {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ} فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ وَلاَ أُبَالِي وَهَذِهِ فِي النَّارِ وَلاَ أُبَالِي»، مسند الأنصار: 21062؛ ونحوه في مسند القبائل، برقم: 26216. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «لا أبالي». (2/185)
صفحة 583
فلولا كَانَت قريةٌ آمنت} فهلاَّ كَانَت قريةٌ وَاحِدَة مِنَ القرى أهلكناها، تابت عَن الكفر، وحصَّلت الإيمان قبل المعاينة ولم تُؤخِّره، كما أَخَّرَ فرعون وأمثاله إِلىَ أَن أُخذوا بمخنَقِهم. {فنفعها إيمانُها} بِأَن يَقبل الله منها لوقوعه فيِ وقتِ الاختيار، {إلاَّ قومَ يُونس} كأنَّه قَالَ: مَا آمن أهل قريةٍ مِنَ أهل القرى العاصية، فنفعهم إيمانهم إِلاَّ قوم يونس، {لَمَّا آمنوا كشفنا عَنْهُم عذاب الخزي فيِ الحياة الدُّنْيَا} وَهُوَ مكشوف عَن كلِّ مُؤْمِن، وحالٌّ بِكُلِّ كافر، بدليل هَذِهِ الآيَة. {ومتَّعناهم إِلىَ حِينَ (98)} إِلىَ آجالهم، وكلُّ من آمن إيمانا حقيقيًّا قبل التغرغر يُكشف عَنْهُ العذاب فيِ الحياة الدُّنْيَا، ومُتِّع (1) متاعا طيِّبا إِلىَ الموت، لأَنَّ العذاب مِنَ الله فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة لاَ يستحقُّه إِلاَّ من سبق مِنْهُ ذنبٌ، عقوبةً لَهُ مِنَ الله؛ ومن سبق مِنْهُ الإحسان لاَ يكون جزاؤه إِلاَّ الإحسان مِنَ الله لَهُ فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «ويمتَّع». (2/186)
صفحة 584
ولو شاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فيِ [240] الأَرْض كلُّهم} بحيث لاَ يشذُّ مِنْهُم أحدٌ؛ {جميعا} مجتمعين عَلَى الإيمان مُطبِقين عليه لاَ يختلفون فِيهِ. أخبر عَن كمال قُدرتِه ونفوذ مشيئته، أنَّه لو يَشَاء لآمن من فيِ الأَرْض كلُّهم، ولكنَّه شاء أن يُؤْمِنُ بِهِ من عَلِم مِنْهُ اختيار الإيمان بِهِ، وشاء الكفر مِمَّن علم أنَّه يختار الكفر وَلاَ يُؤْمِنُ بِهِ؛ وَهُوَ مشيئة علم وقضاء وقدر، لاَ مشيئة أمر وجَبْرٍ جلَّ الله عَن ذَلِكَ. {أفأنت تُكرِهُ الناس} بِمَا لم يَشَأ الله؛ والدليل عَلَى أنَّ خلاف المشيئة مستحيل، لاَ يمكن تحصيله بالإكراه عليه، فضلا عَن الحثِّ والتحريض عليه [قولُه]: {حتَّى يكونوا مؤمنِينَ (99)} أي: ليس مشيئة الإكراه والجبر فيِ الإيمان، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلىَ الله تعالى فاسد، لأَنَّ الإيمان فِعلُ العبد، وفعله مَا يحصل بقدرته، وَلاَ يتحقَّق ذَلِكَ بدون الاختيار. وتأويله عندنا: أنَّ الله لو أعطاهم لآمنوا كلُّهم عَن الاختيار، ولكن عَلِم مِنْهُم أنَّهم لاَ يُؤْمِنُونَ، فلم يُعطهم ذَلِكَ، وَهُوَ التوفيق. عَن ابن عبَّاس: «كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حريصا عَلَى أن يُؤْمِنُ جميع الناس، (لعلَّه) ويبايعوه عَلَى الهدى؛ فأخبر الله تعالى أنَّه لاَ يُؤْمِنُ إِلاَّ من (لعلَّه) سبق لَهُ مِنَ الله السعادةَ فيِ الأزل وَهُوَ [ ... ] (1)».
{وَمَا كَانَ لنفس أن تؤمن إِلاَّ بإذن الله} بمشيئته، أو بقضائه، أو بتوفيقه وتيسيره؛ {ويجعل الرجسَ} الكفرَ، لأَنَّهُ يرجسهم، {عَلَى الذِينَ لاَ يعقلُونَ (100)} لاَ ينتفعون بعقولهم.
{__________
(1) - ... وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية، ولم يكتب شيئا؛ وفي العبارة سقط واضح، تقديره: «قوله تعالى ... ». (2/187)
صفحة 585
قل: انظروا} نَظَرَ استدلالٍ واعتبار {ماذا فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} مِنَ الآيات والعبر، استدلالا لكمال قدرته، وذلك [بـ]ـتقصِّي جميع الكائنات، لأَنَّهَا دالَّة عَلَى وحدانية الله تبارك وتعالى، وشاهدة لَهُ بالألوهية، وشاهدة عَلَى نفسها بالعجز والفناء؛ وكلُّها حججٌ، إلزاما للقبول أو للترك، وأنموذجا للسعادة والشقاء، وإنَّها جنَّةٌ معجَّلةٌ لأهل الجنَّة، ونار معجَّلة لأهل النار؛ {ونادى} بلسان الحال، {أصحابُ الجنَّةِ أصحابَ النار أن قد وجدنا مَا وعدنا رَبُّنَا حقًّا؛ فهل وجدتُّم ما وعد رَبُّكُم حقًّا؟ قَالُوا:} بلسان حالهم، {نعم. فأذَّن مُؤذِّن بَيْنَهُم أن لعنةُ الله عَلَى الظالمين، الذِينَ يصدُّون عَن سبيل الله، ويبغونها عِوجا، وَهُم بالآخِرَة كَافِرُونَ} (1). {وَمَا تُغنِي الآياتُ والنذُر عَن قوم لاَ يُؤْمِنُونَ (101)} فيِ علمه وحكمه.
{فهل ينتظرون إِلاَّ مثل أَيَّامِ الذِينَ خَلَوا من قبلهم} (لعلَّه) من مكذِّبي الأمم، مثل وقائعهم، ونزول بأس الله بهم، إذ لاَ يستحقُّون فيِ الحقائق غيره. {قل: فانتظروا إِنِّي معكم مِنَ المنتظرِينَ (102)} ذَلِكَ؛ أو فانتطروا إهلاكي إِنِّي معكم مِنَ المنتظرين إهلاككم.
{ثمَّ نُنَجِّي رسلَنا} كأنَّه قيل: نُهلك الأمم، ثُمَّ نُنَجِّي رسلَنا عَلَى حكاية الأحوال الماضية. {وَالذِينَ آمنوا} وَمَن آمن معه، {كذلك حقًّا علينا} في الحقيقة لا يمكن ولا يتأتَّى خلافه، لأَنَّهُ ينافي الحكمة الإلهية. {نُنجِ المؤمنِينَ (103)} أي: مثل ذَلِكَ الإنجاء ننجِي المؤمنين منكم، [241] ونُهلك الْكَافِرِينَ.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 44 - 45. (2/188)
صفحة 586
قل: يَا أَيُّهَا الناس} الخطاب لجميع من أُرسل إِلَيْهِم النَّبِيُّ مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - {إن كُنتُم فيِ شكٍّ من ديني} وصحَّتِه وصفته وتأصيلِه؛ فهذا ديني فاسمعوا وصفه؛ ثُمَّ وصف دينه فقال: {فلا أَعبُد الذِينَ تعبدون من دون الله} أي: الأصنام، أو الشيطان، أو الأَهوِيَة. وفي الحقيقة إنَّهم يعبدون أهويتهم؛ {ولكن أَعبُدُ اللهَ الذِي يَتَوفَّاكم} فهذا خاصَّةُ ديني اعتقادا وعملا، (لعلَّه) وتَركًا؛ فاعرضوها عَلَى العقلِ الصرفِ، وانظروا فِيهِ بعين الإنصاف لتعلموا صحَّته؛ وَهُوَ أَنِّي لاَ أعبد مَا تخلقونه وتعبدونه؛ ولكن أعبد خالقَكم الذِي هُوَ يُوجِدُكم ويتوفَّاكم؛ وإنَّما خَصَّ التوفيِّ بالذكر للتهديد. {وأُمرت أن أكون مِنَ المؤمنِينَ(104)} يعني: أنَّ الله أمرني بذلك، بِمَا رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العقل، وبما أوحى إليَّ فيِ كتابه.
{وأن أقِم وجهَكَ للدين} أي: استقم مُقبلا بوجهك؛ أي: بقلبك وجوارحك عَلَى مَا أمرك الله بِهِ، ولا تلتفت عَنْهُ يمينا وَلاَ شمالا، فإنَّه الصِّرَاط المُسْتَقِيم، وَمَا سواه ففيه المهاوي والمغاوي. {حنيفا} مائلاً عَن كُلِّ دين. {وَلاَ تكوننَّ مِنَ المشركِينَ(105)} نهيٌ لَهُ عَن جليِّ الشرك وخفيِّه؛ وذلك يقتضي جميع المعاصي.
{وَلاَ تَدْعُ} أي: وَلاَ تعبد، لأَنَّ الدعاء ها هنا العبادة، {من دون الله مَا لاَ ينفعك} إن دعوته، {وَلاَ يضرُّك} إن أهملته، {فإن فعلت}، فإن دعوت شَيْئًا من دون الله، أي: عبدت غير الله، {فإنَّك إِذًا مِنَ الظالمِينَ(106)}، لأَنَّهُ لاَ ظُلم أعظم مِنَ الشرك، وَهُوَ يقتضي جميع معاصي الله.
{ (2/189)
صفحة 587
وإن يَّمسسك الله بِضُرٍّ فلا كاشفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} وَلاَ شَيْء أضرُّ مِنَ المعصية، {وإن يُردكَ بخير} وهي طاعة الله، لأَنَّهُ ليس بعدها خير، {فلا رآدَّ لفضله} فلا رادَّ لمرادِه؛ وَهُوَ صفةُ المستحقِّ للعبادة، {يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِن عباده} قطع بهذه الآيَة عَلَى عباده طريقَ الرغبة والرهبة إِلاَّ إِلَيْهِ، والتوكُّل إِلاَّ عليه؛ {وَهُوَ الغَفُور} المكفِّر بالبلاء، {الرحيم (107)} المعافي بالعطاء؛ أتبع النهي عَن عبادة الأوثان، ووصفها، لأَنَّهَا لاَ تضرُّ وَلاَ تنفع؛ وَاللهُ عزَّ وجلَّ المستحقُّ للعبادة، إن أصابك بضرٍّ، لم يقدر عَلَى كشفه إِلاَّ هُوَ وحده؛ وإن أرادك بخير لم يُرِد أحدٌ غير مَا يريده بك مِنَ الفضل والإحسان؛ وَهُوَ الحقيقُ إذا بان توجه إليه العبادة (لعلَّه) ورفض دونها [كَذَا].
{قل: يَا أَيُّهَا الناس} والجنُّ داخلون فيِ هَذَا الخطاب، {قد جاءكم الحَقُّ} فيِ هَذِهِ السورة، أو فيِ جميع القرآن، {مِن رَبِّكُم؛ فمن اهتدى} اختار الهدى واتَّبع الحقَّ، {فإنَّما يهتدي لنفسه} فما نفع باختياره إِلاَّ نفسَه، {ومن ضَلَّ فإنَّما يَضِلُّ عليها} ومن آثر الضلال، فما ضرَّ إِلاَّ نفسه؛ {وَمَا أنا عَلَيْكُم بوكيل (108)} بحفيظ، موكول إِلىَ أمركم.
{واتَّبِع مَا يُوحَى إليك} من وحيِ رسولٍ أو إلهامٍ، {واصبر} أَمَرَه بالصبر عَلَى اتِّبَاع مَا يُوحى إِلَيْهِ، لأَنَّهُ لاَ يُبلِّغ إِلاَّ به، {حَتَّى يحكمَ اللهُ} بوصول أجلِك، أو بينك وبين من خالفك، {وَهُوَ خير الحاكمِينَ (109)} إذ لاَ يمُكن الخطأ فيِ حكمه، لاطِّلاعه عَلَى السرائر، اطِّلاعَه عَلَى الظواهر.
سورة هود
مائة واثنتان أو ثلاث وعشرون آية (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... في الأصل: «الآية»، وهو خطأ. (2/190)
صفحة 588
الر كِتَابٌ} أي: هَذَا كِتَاب؛ كأنَّه يصف مَا فيِ هَذِهِ السورة. {أُحكمت آياته} صفة لَهُ، أي: نُظمت نظما قويًّا مُحكما، لاَ يقع فِيهِ [242] نُقص وَلاَ خلل كالبناء المحكم؛ {ثمَّ فُصِّلَت} كما تُفصَّل القلائد بالفرائد، من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص؛ أو جُعِلَت فصولا معنى معنى مَا يحتاج إِلَيْهِا العباد (1)؛ أي: بُيِّن ولُخِّص {من لدن حكيم خبير (1)} أي: من عنده إحكامُها وتفصيلُها.
{أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله} أي: لئلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله، وفائدة إحكامها وتفصيلها، قوله: {إنَّني لكم مِّنْهُ نذيرٌ وبشير (2)} أي: آمرُكم بالاستغفار عَن الشرك، وأَحثُّكم عَلَى التوحيد.
{وأن استغفروا رَبَّكُم ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ} أي: ارجعوا إِلىَ الله من هوى (2) أنفسكم بالطاعة والعبادة؛ {يُمتِّعكم متاعا حسنا} يَمنحكم مَا يكفيكم، ويَمنعكم مَا يُطغِيكم، أو يمتِّعكم بالعقول السليمة مِنَ الهوى؛ {إِلىَ أجل مسمىً} إِلىَ أن يتوفَّاكم، {ويُؤتِ كُلَّ ذي فضل فضله} ويُعطي فيِ الآخِرَة كُلَّ مَن كَانَ لَهُ فضل فيِ العمل. {وإن تولَّوا} أي: وإن تتولَّوا عَن الإيمان؛ {فإنِّي أخاف عَلَيْكُم عذابَ يوم كبير (3)} هُوَ يوم القيامة، لأَنَّهُ أكبر من كُلِّ عذاب فيِ الدُّنْيَا. {إِلىَ الله مرجِعُكم} إِلىَ الجزاء، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قدير (4)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَفيِ تفسير أبي السعود: «أو فصَّل فيها مهمَّات العباد». أبو السعود: تفسير أبي السعود، مج2/ ج2/ ص182.
(2) - ... في الأصل: «أ هواء». (2/191)
صفحة 589
ألاَ إنَّهم يثنون صدورَهم} يَزْوَرُّون عَن الحقِّ، ويَحرفون عَن الحقِّ، لأَنَّ من أقبل عَلَى شيء، استقبله بصدره؛ ومن ازورَّ عَنْهُ وانحرف ثنى عَنْهُ صدرَه وطوى عَنْهُ كَشحَه (1). {ليستخفوا مِنْهُ} ليطلبوا الخفاء مِنَ الله، فلا يطَّلع رسولُه والمؤمنون عَلَى ازورارهم. {ألاَ حين يَستغشَون ثيابهم} أَلاَ حين يأوون إِلىَ فراشهم يتغطَّون بها، أي: يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم، كراهةً لاستماع كلام الله، كقول نوح: {جَعَلُوا أصابعَهم فيِ آذانهم، واستغشَوا ثيابهم} (2). وكلُّ هَذَا استعارة بمعنى الإعراض عَن قبول الحقِّ، (لَعَلَّهُ) لأَنَّهُ كالساتر نفسه عَن أن يَرَى الحقَّ أو يراه. {يعلم مَا يُسرُّون وَمَا يُعلنون} أي: لاَ تفاوت فيِ علمه بين ذَلِكَ؛ فلا وجه لتوصُّلهم إِلىَ مَا يريدون مِنَ الاستخفاء، وَاللهُ مطَّلع عَلَى ثَنيِهم صدورهم، واستغشاءِ ثيابهم ونفاقِهم، فغير (3) نافع لَهُم؛ {إِنَّهُ عليم بذات الصدور (5)} بِمَا فِيهَا.
{وَمَا من دَابَّة فيِ الأَرْض إِلاَّ عَلَى الله رزقها} غذائها، وَمَا لاَ تقوم إِلاَّ بِهِ من جلب مَا ينفعها، ودفع مَا يهلكها فيِ الدارين، لتكفُّله إيَّاهَا، {ويعلم مستقرَّها} مكانها مِنَ الأَرْض، {ومستودَعَها} حيث كَانَ مستودعها قبل الاستقرار، من صلب أو رحم أو بيضة فيما قيل، {كلٌّ فيِ كِتَاب مُبِين (6)} كُلُّ وَاحِد مِنَ الدوابِّ ورزقها ومستقرُّها ومستودعها فيِ اللوح، يعني: ذِكْرُها مكتوب فِيهِ مبيَّن.
{__________
(1) - ... الكشْحُ: ما بين الخاصرة إِلىَ الضلع الخَلف، وَهُوَ من لدن السرَّة إِلىَ المتن ... ويقال: طوى كشحه عنه إذا أعرض عنه». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 261.
(2) - ... سورة نوح: 7.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «فهو غير نافع». (2/192)
صفحة 590
وَهُوَ الذِي خلق السَّمَاوَات والأَرْض} أي: وما بينهما {فيِ ستَّة أيَّام} قيل: تعليما للتأنِّي، لأَنَّ الله قادر أن يخلق جميع المخلوقات وأضعافهم مضاعفات معًا، كلمح البصر أو أقرب. {وكَانَ عرشُه عَلَى الماء} أي: فوقه؛ وفي وقوف العرش عَلَى الماء لعِظَمِه أعظمُ الاعتبارِ لأهل الأفكار. {ليَبلوَكم} أي: خلق السموات والأَرْض وَمَا بينهما للممتَحَن فيهما؛ ولم يخلق هَذِهِ الأشياء لأنفسها؛ وجميع مَا خلق الله من شيء من غير المتعبِّدين للمتعبِّدين، لاَ لأنفسها، وَلاَ عبثا وَلاَ لهوا وَلاَ لعبا، جلَّ الله عَن ذَلِكَ. {أيُّكم أحسن عملا} أكثر شكرا، [243] وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «أحسن عقلا، وأورع عَن محارم الله، وأسرع فيِ طاعة الله» (1)؛ فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه، وَلَمَّا شبه ذَلِكَ اختبارَ المختبر قَالَ: {ليبلوكم} أي: ليفعل بكم المبتَلِي لأحوالكم [لينظر] كيف تَعْلَمُونَ. {ولئن قلتَ: إِنَّكُم مبعوثون من بعدِ الموتِ، ليقولنَّ الذِينَ كَفَرُوا: إن هَذَا إِلاَّ سحر مُبِين (7)} (لَعَلَّهُ) أشاروا بهذا إِلىَ القرآن، [و] هُوَ الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحرا فقد اندرج تحته إنكار مَا فِيهِ مِنَ البعث وغيره.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير وزياداته. ونفس الرواية أوردها أبو السعود في تفسيره، مج2/ ج2/ ص187 - 188. (2/193)
صفحة 591
ولئن أخَّرنا عَنْهُم العذابَ} عذاب مَا وُعِدوا بِهِ، {إِلىَ أمَّة معدودة} إِلىَ جماعة مِنَ الأوقات معلومة أو قلائل، والمَعنَى: إِلىَ حينٍ معلومٍ، {ليقُولُنَّ مَا يَحبِسُه} مَا يمنعه مِنَ النزول، استعجالا له عَلَى وجه التكذيب والاستهزاء، {أَلاَ يومَ يأتيهم} العذابُ {ليس مصروفاً عَنْهُم، وحاق بهم} وأحاط بهم {مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ(8)} (لَعَلَّهُ) بالعذاب الذِي كَانُوا يستعجلون؛ وإنَّما وضع: «يستهزءون» موضع «يستعجلون» لأَنَّ استعجالهم كَانَ عَلَى وجه الاستهزاء.
{ولئن أذقنا الإنسان} هُوَ للجنس، {مِنَّا رحمة} نعمة، {ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّهُ ليئوس} شديد اليأس من أن تعود إِلَيْهِ مثل تلك النعمة المسلوبة، قاطع رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر وَلاَ تسليم لقضائه، {كفور(9)} عظيم الكفران لِمَا سلف لَهُ مِنَ التقلُّب فيِ نعمة الله، نسَّاء لَهُ.
{ولئن أذقناه نعماءَ بعد ضرَّاءَ مسَّته} كصِحَّة بعد سقم، وغنًى بعد عدمٍ؛ وفي اختلاف الفعلين نكتة لاَ تخفى بالنعم إِلاَّ معتربها[كَذَا]. {ليقُولَنَّ ذهب السَّيِّئَاتُ عنِّي} أي: المصائب التِي ساءتني، {إِنَّهُ لفَرِحٌ} أَشِرٌ بَطِرٌ، {فخورٌ(10)} على الناس بِمَا أذاقه الله من نعمائه، وقد شغله الفرح والفخر عَن الشكر؛ والفرح: لذَّة فيِ القلب، (لَعَلَّهُ) يبتلي بها المشتهي. والفخر هُوَ: التطاول عَلَى الناس، بتعديل المناقب، وذلك منهيٌّ عَنْهُ.
{إِلاَّ الذِينَ صبروا} فيِ المحنة والبلاء، {وعَمِلوا الصالحات}، وشكروا فيِ النعمة والرخاء، وطبعوا أنفسهم للطاعة عَن طبعها الأصلي، {أُولَئِكَ لَهُم مغفرةٌ} لصغائر ذنوبهم، {وأجرٌ كبيرٌ(11)} عَلَى صبرهم، أكبرمن كلِّ أجر فيِ الدُّنْيَا، ولو أُعطِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أجراً، فأجره فيِ الآخِرَة أكبر عَلَى مقابلة العذاب الكبير. (2/194)
صفحة 592
وكَانُوا يقترحون عليه آيات تعنُّتاً لاَ استرشادا، لأَنَّهُم لو كَانُوا مسترشدين، لكانت آية وَاحِدَة مِمَّا جاء بِهِ كافية فيِ إرشادهم، ومِن اقتراحاتهم: {لولا أنزل عليه كنزٌ أو جاء معه ملكٌ}؛ وكَانُوا لاَ يقتدون بالقرآن، ويتهاونون بِهِ، فكَانَ يضيق صدره أن يُلقِي إِلَيْهِم مَا لاَ يقبلونه، ويضحكون مِنْهُ فَيُهيجُه لأداء الرسالة، وطرح مبالاة بردهم [كَذَا] لاستهزائهم واقتراحهم بقوله: {فلعلَّك تاركٌ بعض مَا يوحَى إليك} تترك تبليغ بعض مَا يُوحى إليك، وَهُوَ مَا يخالف هوى المشركين، مخافة ردِّهم واستهزائهم بِهِ، {وضائِقٌ بِهِ صدرُكَ} بِأَن تتلوهُ عليهم؛ ولم يقل: «ضِيقَ»، ليدلَّ عَلَى أنَّه ضَيقٌ عارض غير ثابت، لأَنَّهُ [244] - عليه السلام - كَانَ أفسحُ الناس صدراً، {أن يقولوا} مخافة أن يقولوا: {لولا أنُزِل عليه كنز} ينفقه فيِ الاستتباع، كما تُنفِق الملوك من خزائنها، {أو جاء معه ملك} يصدِّقه ويشهد لَهُ بالرسالة؛ {إنَّما أنت نذير} أي: ليس لك إِلاَّ أن تُنذِرهم بِمَا أُوحِيَ إليك، وتُبلِّغهم مَا أُمِرت بتبليغه؛ وَلاَ عليك إن رَدُّوا أو تهاونوا، {والله عَلَى كُلِّ شيء وكيل(12)} يحفظك مِنْهُم، ويحفظ مَا يقولون، وَهُوَ فاعل بهم مَا يجب أن يفعل؛ فتوكَّل عليه، وَكِلْ أمركَ إِلَيْهِ، وعليك بتبليغ الوحي بقلب فسيح وصدر منشرح، غير مُلتفِت إِلىَ استكبارهم، وَلاَ مبال بسَفههم واستهزائهم.
{ (2/195)
صفحة 593
أم يقولون افتراه، قل: فأتوا بعَشْرِ سُوَرٍ مِثلِهِ} فيِ الحسن والجزالة، {مُفتَرَيَاتٍ} لمَّا قَالُوا لَهُ: افتريت القرآن واختلقته من عند نفسك، وليس هُوَ من عند الله، أرخى معهم العِنان، وقال: هَبُوا أنِّي اختلقته من عند نفسي، فأتوا أَنتُم أَيْضًا بكلام مثله مُختَلقٍ من عند أنفسكم، فَإِنَّكُم عرب فصحاء مثلي، تقدرون على مَا أقدر عليه، {وادعوا من استطعتم مِن دونِ الله}، (لَعَلَّهُ) من جنٍّ وإنسٍ إِلىَ المعاونة عَلَى نَظمِها، {إن كُنتُم صادقِينَ (13)} أنَّه مفترًى.
{فإن لم يستجيبوا لكم، فاعلموا أنَّما أُنزِل بعِلمِ الله} (لَعَلَّهُ) وأن لاَ مخلوق يَقدر ذَلِكَ، وأُنزِل بعلم الله (1)، {وأن لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أي: أُنزِلَ مُلتَبسًا بِمَا لاَ يعلمه إِلاَّ الله، من نَظْمٍ مُعجزٍ للخلق، وإِخبارٍ بغيوب لاَ سبيل لَهُم إِلَيْهِ؛ واعلموا عند ذَلِكَ: أن لاَ إله إِلاَّ الله وحده، {فهل أَنتُم مُسْلِمُونَ (14)} متابعون الإسلام بعد هَذِهِ الحجَّة القاطعة؟، ومن جَعَلَ الخطاب للمسلمين، فمعناه: فاثبتوا عَلَى العلم الذِي أَنتُم عليه، وازدادوا يقينا عَلَى أنَّه مُنزلٌ من عند الله وعلى التوحيد، فهل أَنتُم مُسْلِمُونَ مخلصون؟.
{من كَانَ يريد الحياة الدُّنْيَا وزينتَها} هُوَ مَا حرَّمه الله وحَجَره، {نوفِّ إِلَيْهِم أعمالهم فِيهَا} نُولِّهم مَا تولَّوا، ونُخلِّهم وَمَا يهوونه، {وَهُم فِيهَا لاَ يُبخَسُونَ (15)} نُوصِل إِلَيْهِم مَا قدَّرناه لَهُم من غير نقصان وَلاَ بخس، وَهُوَ مَا يُرزقون فِيهَا مِنَ الصِحَّة والرزق عَلَى وجه الاستدراج والإملاء.
{__________
(1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب بها شيئًا، ويبدو أنَّ في العبارة خللا. (2/196)
صفحة 594
أُولَئِكَ الذِينَ ليس لَهُم فيِ الآخِرَة إِلاَّ النارُ}، لأَنَّهُم لم يسلكوا غير طريقها، {وحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} وحبط فيِ الآخِرَة مَا صنعوه فيِ الدُّنْيَا؛ ولم يكن لَهُم ثوابٌ، لأَنَّهُم لم يريدوا بِهِ الآخِرَة لمَّا أرادوا بِهِ الدُّنْيَا، وقد وفَّى إِلَيْهِم مُحَمَّد مَا أرادوا، {وباطلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(16)} أي: كَانَ عملهم فيِ نفسه باطلا، لأَنَّهُ لم يعمل لغرض صحيح؛ والعمل الباطل لاَ ثواب لَهُ، ذاهب أصله وفرعه.
{أفمن كَانَ عَلَى بيِّنة من رَبِّه} أفمن كَانَ عَلَى بَيِّنَة لاَ يَعقُبونَهم وَلاَ يُقَارِبونَهم؛ يعني: أنَّ مَا بين الفريقين تبايناً بيِّنًا، والبيِّنة: البرهان مِنَ الله، وبيان أنَّ دين الإسلام حقٌّ، (لَعَلَّهُ) وَهُوَ دليل العقل، {ويتلوه شاهد} العالم المحقُّ، {مِنْهُ} مِنَ القرآن؛ وقيل: البيِّنة: هُوَ العالم المُحِقُّ، والشاهد مِنْهُ: لسانُه. {ومِن قَبْلِه} ومن قَبلِ [245] القرآنِ، {كِتَابُ موسى} وَهُوَ التَّوْرَاة؛ أي: ويتلو ذَلِكَ البرهان أَيْضًا من قبل القرآن كِتَابُ موسى، {إِمَاماً} كِتَابًا مُؤتَمًّا بِهِ فيِ الدين قدوة فِيهِ، {ورحمة} ونعمة عظيمة عَلَى متَّبعيه؛ {أُولَئِكَ} من كَانَ عَلَى بيِّنة، {يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالقرآن؛ {ومن يكفر بِهِ مِنَ الأحزاب} المتحزِّبِينَ عَلَى أهل الإسلام؛ {فالنار موعدُه} مصيره ومورده؛ {فلا تَكُ فيِ مِريَة} شكٍّ {مِنْهُ} مِنَ القرآن؛ {إِنَّهُ الحَقُّ من رَبّكَ ولكنَّ أكثر الناس لاَ يُؤْمِنُونَ(17)} لقلَّة نظرهم، واختلال فكرهم.
{ (2/197)
صفحة 595
ومَن أظلمُ مِمَّن افترى عَلَى الله كذبا} أي: ليس أحد أظلم مِنْهُ، وَهُوَ يعمُّ جميع العصاة؛ {أُولَئِكَ يُعرَضون عَلَى رَبِّهم} (لَعَلَّهُ) قسرًا فيسألهم عَن أعمالهم؛ {ويقول الأشهاد} قيل: إنَّهم المَلاَئِكَة، أو الأنبياء والعلماء: {هؤلاء الذِينَ كذَبوا عَلَى رَبِّهم ألاَ لعنةُ الله عَلَى الظالمِينَ (18)} لأنفسهم، الكاذبين عَلَى رَبِّهم.
{الذِينَ يصدُّون عَن سبيل الله} يصرفون الناس عَن دينهم، {ويبغونها عوجا} يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمةٌ، أو يبغون أهلها أن يعوجُّوا بالارتداد، كقوله: {أفمن يمشي مكبًّا عَلَى وجهه ... } الآية (1)، {وَهُم بالآخِرَة (2) هم كَافِرُونَ (19)}.
{أُولَئِكَ لم يكونوا معجزين فيِ الأَرْض} أي: مَا كَانُوا يعجزون الله فيِ الدُّنْيَا أن يعاقبَهم لو أَرَادَ عقابَهم، {وَمَا كَانَ لَهُم من دون الله من أولياء} من يتولَّهم (3) فينصرهم مِنْهُ، ويمنعهم من عقابه. {يُضاعف لَهُمُ العذاب} بضلالهم وإضلالهم؛ أو كما قَالَ: {زدناهم عذابًا فوق العذاب} (4) ليعمَّ كلَّ عاص، وكقوله: {لكلٍّ ضِعفٌ ولكن لاَ تَعْلَمُونَ} (5)؛ {مَا كَانُوا يستطيعون السمع} لتصامُمِهم عَن الحَقِّ، {وَمَا كَانُوا يُبصرُونَ (20)} لتعاميهم عَن آيات الله، وإنَّ مَا لاَ يَسمَع وَلاَ يُبصر لاَ يصلحُ للولايةِ.
{أُولَئِكَ الذِينَ خَسروا أنفسَهم} حيث اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، وحيث حَرَمُوا أنفسهم الجنَّة، واستحقوا العذاب بذلك، {وضلَّ عَنْهُم} غاب عَنْهُم وضاع مَا اشتروه، وَهُوَ {مَا كَانُوا يفترُونَ (21)} بعبادة غير الله.
{__________
(1) - ... سورة الملك: 22؛ وتمامها: {أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أمَّن يمشي سويًّا على صراط مستقيم}.
(2) - ... في الأصل: «في الآخرة»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يتولاَّهم».
(4) - ... سورة النحل: 88.
(5) - ... سورة الأعراف: 38. (2/198)
صفحة 596
لاَ جرم أَنَّهُمْ فيِ الآخِرَة هُمُ الأخسرُونَ (22)} لا جرم: أي حقًّا؛ وقيل: بَلَى؛ وقيل: لاَ محالة، وَهُم أخسر من غيرهم بالإضلال.
{إنَّ (1) الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إِلىَ رَبِّهم} الإخبات قيل: الخوف أو الإنابة، أو الخشوع، أو الاطمئنانية مِنَ الخبت، وهي الأَرْض المطمئنَّة؛ {أُولَئِكَ أصحاب الجَنَّة هم فِيهَا خالدُونَ (23)}.
{مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصمِّ والبصير والسميع} شبَّه فريقَ الْكَافِرِينَ: بالأعمى والأصمِّ، (لَعَلَّهُ) لأَنَّهُم لاَ يُبصرون الحقَّ وَلاَ يسمعونه، لتعاميهم وتصاممهم بالأهوية، كما قَالَ - عليه السلام -: (لَعَلَّهُ) «حبُّك للشيء يُعمِي ويصمُّ» (2)؛ وفريقَ المؤمنين: بالبصير والسميع، بترك متابعتهم للهوى، {هل يستويان مثلا}؟ أي: فيِ المثل لاَ يستويان، {أفلا تذَّكَّرُونَ (24)}؟! فتنتفعون بضرب المثل.
{وَلَقَد أرسلنا نوحا إِلىَ قومه: إِنِّي لكم نذير مُبِين (25)} أبيِّنُ موجبات العذاب، ووجه الخلاص، {أن لاَ تعبدوا إِلاَّ الله، إِنِّي أخاف عَلَيْكُم عذاب يوم أليم (26)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «إنَّ»، وهو سهو.
(2) - ... رواه أبو داود في كتاب الأدب، رقم 4465 عن أبي الدرداء، ورواه أحمد في مسند الأنصار، رقم 20705؛ وَفيِ مسند القبائل، رقم 26268. وكلُّهم بلفظ: «حبُّكَ الشيءَ». بلا لام الجرِّ. انظر: العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «حبُّك». (2/199)
صفحة 597
فقال الملأ الذِينَ كَفَرُوا من قومه}: يريد الأشراف، لأَنَّهُم يملؤون القلوب هيبةً، والمجالس أبَّهةً؛ أو لأَنَّهُم ملأٌ بأحلام (1) والآراء الصائبة لظاهر الحياة الدُّنْيَا، {مَا نراك إِلاَّ بشرا مثلنا} لا مزيَّة لك علينا تخصُّك بالنبوَّة، ووجوب [246] الطاعة، لأَنَّهُم نظروا إِلىَ البشريَّة الظاهرة، ولم ينظروا إِلىَ سرِّه الخفيِّ الذِي خصَّه الله بِهِ دونهم؛ {وَمَا نراك اتَّبَعَك إِلاَّ الذِينَ هُم أراذِلنا} أضعفنا فيِ الرأي؛ أو الجسم أو المال أو الرئاسة، لأَنَّ نظرهم كَانَ مقصورا عَلَى ظواهر الأمور دون حقائقها. {بَادِيَ الرأي} أي: اتَّبعوا ظاهر الرأي؛ من غير رؤية ونظر؛ ولو تَفَكَّروا مَا اتَّبعوك، واسترذالهم لَهُم لِمَا ذكرنا، ولتأخُّرِهم عَن الأسباب الدنيويَّة، لأَنَّهُم كَانُوا جُهَّالاً، مَا كَانُوا يَعْلَمُونَ إِلاَّ ظاهرا من الحياة الدُّنْيَا؛ فكَانَ الأشرف عندهم من لَهُ جاه ومال، كما نرى المتَسَمِّينَ بالإسلام يعتقدون ذَلِكَ، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم. وَلَقَد زال عَنْهُم أنَّ التقدُّم فيِ الدُّنْيَا لاَ يُقرِّب أحدا مِنَ الله، وإنَّما يُبعده؛ وَلاَ يرفعه بَل يضعه. {وَمَا نَرى لكم علينا من فضل} فيِ مال وَلاَ رأي، وَلاَ قوَّة وَلاَ جاه وَلاَ علم؛ {بَل نَظُنُّكُم كاذبِينَ (27)} أي: نوحًا؛ نوحًا فيِ الدعوة وأنتم فيِ الإجابة؛ يعني: تواطأتم عَلَى الدعوة والإجابة، تسبيبًا للرئاسة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب كما في تفسير أَبِي السعود: «مُلِئوا بالأحلام والآراء الصائبة». أبو السعود: تفسير أبي السعود، مج2/ج2/ص200. (2/200)
صفحة 598
قَالَ يا قوم أرأيتم} أخبروني {إن كنتُ عَلَى بَيِّنَة} برهان {من ربِّي} وشاهدٍ مِنْهُ لصِحَّة دعواي، {وآتاني رحمة من عنده} أي: هدًى ورحمة؛ {فَعُمِّيَت عليكم} خفيت والتَبَسَت عَلَيْكُم البيِّنة فلم تهدكم؛ كما لو عُمِّيَ عَلَى القوم دليلُهم فيِ المفازة بغير هادٍ، وحقيقتُه أنَّ الحجَّةَ كما جُعِلَت بصيرةً وتبصرةً، وجُعلت (1) (لَعَلَّهُ) البصيرة عَلَى الأعمى عَمَيًا، لأَنَّ الأعمى لاَ يهتدي وَلاَ يهدي غيره؛ {أنُلزِمُكموها} أنلزمكم عَلَى الاهتداء بها (لَعَلَّهُ) إلزامًا وجبرًا، {وأنتم لها كارهُونَ (28)} لاَ تريدونها.
{ويا قوم لاَ أسألكم عليه مالا} عَلَى تبليغ الرسالة، {إن أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى الله} وذلك من دلالةِ النبوَّة، والترك للدنيا، والإقبال عَلَى الآخِرَة، إن تَفَكَّروا فيِ حَسَنِ السيرة وخسيسها؛ وكذلك قوله: {وَمَا أنا بطاردِ الذِينَ آمنوا} كأنَّه جوابٌ لَهُم حين سألوا طَردَهُم ليؤمنوا بِهِ، أنفةً مِنَ المجالسة معهم، {إِنَّهُمْ مُلاقوا رَبّهم} فيشكونني إِلَيْهِ إن طردتُّهم؛ {ولكنِّي أراكم قوما تجهلُونَ (29)} تتسافهون عَلَى المؤمنين، وتَدعُونَهم أرذال؛ أو تجهلون لقاء ربِّكم، أو أنَّهم خير منكم.
{ويا قوم من ينصرني مِنَ الله} من يمنعني من انتقامه، {إن طردتُّهم أفلا تذَّكرُونَ (30)} لتعرفوا أنَّ التماس طردهم وتوقيفَ الإيمان ليس بصواب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب حذف واو العطف ليستقيم التركيب. (2/201)
صفحة 599
وَلاَ أقول لكم: عندي خزائن الله} فأدَّعي عَلَيْكُم فضلاً بالغنى، حتَّى تجحدوا فضلي بقولكم: {وَمَا نرى لكم علينا من فضل}؛ {وَلاَ أعلم الغيب} حتَّى أطَّلع عَلَى مَا فيِ نفوس أتباعي، وضمائرِ قلوبهم. {وَلاَ أقول: إِنِّي ملك} حتَّى يقولوا لي: {مَا أنت إِلاَّ بشر مثلنا}، {وَلاَ أقول للذين تزدري أعيُنُكم} وَلاَ أحكم عَلَى من استرذلتم مِنَ المؤمنين لفقرهم: {لن يؤتيهم الله خيرا} فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، لهوانهم عليه، مساعدة لكم، ونزولا عَلَى هواكم. {الله أعلم بِمَا فيِ أنفسهم} مِن صدقِ الاعتقادِ، وإنَّما عَلَيَّ قبول ظاهر إِقْرَارهم، إذ لاَ أطَّلع عَلَى خفيِّ أسرارهم، {إنِّي إِذًا لَمِن الظالمِينَ(31)} إن قلت شَيْئًا من ذَلِكَ؛ (لَعَلَّهُ) فَلَمَّا علت حُجَّتُه عَلَيْهِم بالبرهان النيِّر، ودَحَضَت حُجَّتَهم العمياء، صمَّمُوا عَلَى المكابرة بقولهم:
{قَالُوا: يا نوح، قد جادلتنا} [247] خاصمتنا، {فأكثرت جدالنا، فأتنا بِمَا تَعِدُنا} مِنَ العذاب {إن كنت مِنَ الصادقِينَ(32)} فيِ وعيدك.
{قَالَ إِنَّمَا يأتيكم بِهِ الله إن شاء} أي: ليس الإتيان بالعذاب إليَّ؛ وإنَّما هُوَ إِلىَ من كفرتم بِهِ؛ {وَمَا أَنتُم بِمعجزِينَ(33)} أي: لم تقدروا عَلَى الهرب مِنْهُ، {وَلاَ ينفعكم نُصحي} هُوَ إعلام الغيِّ ليُتَّقَى، والرشدَ ليُقتَفَى، {إن أردتُ أن أنصَحَ لكم إن كَانَ الله يريد أن يُغوِيكم} أي: مقدِّر عَلَيْكُم الإغواء بضلالكم عَن طريق الحقِّ، {هُوَ رَبّكُم} فيقدِّر فيكم عَلَى قَضِيَّة إرادته، {وَإِلَيْهِ تُرجعُونَ(34)} فيُجازيكم عَلَى حسب أعمالكم.
{ (2/202)
صفحة 600
أم يقولون: افتراه} بل أيقولون افتراه؟ {قل: إن افتريته فعليَّ إجرامي} إن صحَّ أَنِّي افتريته، فعليَّ عقوبة إجرامي، أي: افترائي؛ يقال: أجرَمَ الرجلُ: إِذَا أذنب. {وأنا بريء} أي: وإن لم يثبت ذَلِكَ وأنا بريءٌ مِنْهُ؛ ومعنى {مِمَّا تُجرمُونَ (35)}: من إجرامكم فيِ إسناد الافتراء، فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم.
{وأُوحيَ إِلىَ نوح أَنَّهُ لن يُؤْمِنُ من قومك إِلاَّ من قد آمن} فمن ذَلِكَ قَالَ: {وَلاَ يلدوا إِلاَّ فاجرا كَفَّارًا} (1)؛ {فلا تَبتَئِس بِمَا كَانُوا يفعلُونَ (36)} فلا تحزن حُزنَ بائس مستكين، وَالابتئاس: “افتعال” مِنَ البؤس، وَهُوَ الحزن والفقر؛ والمعنى: فلا تحزن بِمَا فعلوه من تكذيبك وإيذائك، فقد حان وقت الانتقام [مِن] أعدائك.
{واصنعِ الفلكَ بأعيننا} أي: محفوظا، وحقيقته ملتبسا بأعيننا، أي: بحفظنا وعلمنا عَن أن تزيغ فيِ صنعته عَن الصواب، {ووحينا} وَإِنَّا نُوحي إليك، ونُلهِمك كيف تصنع. {وَلاَ تخاطبني فيِ الذِينَ ظلموا} وَلاَ تَدْعُنيِ فيِ شأن قومك، واستدفاع العذاب عَنْهُم بشفاعتك، {إِنَّهُمْ مغرقُونَ (37)} محكومٌ عَلَيْهِم بالإغراق، حين قُضي بِهِ وجَفَّ القلم، فلا سبيل إِلىَ استدفاعه.
{ويصنَعُ الفلكَ} حكايةَ حالٍ ماضية، {وكلَّما مَرَّ عليه ملأٌ من قومه سَخِروا مِنْهُ} ومن عملِه السفينة، وكَانَ يعملها فيِ البرِّيَّة، وكَانُوا يتضاحكون ويقولون لَهُ: يا نوح، صرت نَجَّارا بعدما كنت نبيًّا؛ (لَعَلَّهُ) ورُويَ أنَّهم يقولون: يانوح ماذا تصنع؟ فيقول: أصنع بيتًا يمشي عَلَى الماء؛ فيضحكون مِنْهُ. {قَالَ: إن تسخروا مِنَّا فَإِنَّا نسخرُ منكم} عند رؤية الهلاك {كما تسخرُونَ (38)} مِنَّا عند رؤية الفلك؛ وقيل المراد بالسخرية: الاستجهال.
{فسوف تَعْلَمُونَ من يأتيه عذابٌ يخزيه} يذلُّه، يعني بِهِ إيَّاهم، وَهُوَ الغرق، {ويحلُّ عليه عذاب مقيم (39)} فيِ جهنَّم.
{__________
(1) - ... سورة نوح: 27. (2/203)
صفحة 601
حَتَّى إِذَا جاء أمرنا} وهو بلوغ الكتاب أجله، {وفارَ التنُّور} نَبَعَ الماء فِيهِ، وارتفع كالقِدرِ يفُور؛ {قلنا: احمل فِيهَا من كُلِّ} نوع {زوجين اثنين} فيِ القصَّة أنَّهُ قَالَ نوح: يا ربِّ كيف أحمل من كُلِّ زوجين اثنين؟ فَحَشَر إِلَيْهِ الحشرات؛ فجعل يضرب بيديه فيِ كُلِّ جنس، فيقع الذكر فيِ يده (1) اليمنى، والأنثى فيِ اليسرى فيحملهما. {وأهلك إِلاَّ من سبق عليه القولُ ومن آمن، وَمَا آمن معه إِلاَّ قليل (40)}.
{وقال: اركبوا فِيهَا بسم الله مُجرَاها ومرساها} أي: اركبوا فِيهَا قائلين: {بِسْمِ اللهِ} وقت إجرائها، ووقت إرسائها، (لَعَلَّهُ) وَهُوَ عَلَى معنى التَّوَكُّل عليه في حال ركوبهم وقتَ إجرائها وإرسائها، {إنَّ رَبِّي لغَفُور رحيم (41)} لمن تَوَكَّل عليه فيِ جميع أحواله.
{وهي تجري بهم فيِ موج كالجبال} يريد: موجَ الطوفان، وَهُوَ مَا ارتفع [248] مِنَ الماء عند اضطرابه بدخول الرياح الشديدة فيِ خلاله، شبَّه كلَّ موجة مِنْهُ بالجبل فيِ تراكمها وارتفاعها؛ وذلك (لَعَلَّهُ) ابتلاء وامتحان لإيمان الراكبين معه فِيهَا؛ وخاصَّة إِذَا لم تَجْرِ عادةٌ سابقة بهم، وَلاَ بغيرهم. {ونادى نوح ابنه، وكَانَ فيِ معزلٍ} عَن أبيه، وعن السفينة؛ أو عَن دين أبيه، {يا بُنيَّ اركب معنا} فيِ السفينة، أو أسْلِمْ، {وَلاَ تكن مَعَ الْكَافِرِينَ (42)} فيِ الدين والانعزال.
{قَالَ: سآوي} سألجأ {إِلىَ جبل يعصمني مِنَ الماء} يمنعني مِنَ الغرق، كأنَّه اعتصم بمخلوق مثله، فلم يعصمه؛ {قَالَ: لاَ عاصم اليوم من أمر الله إِلاَّ مَن رَحِمَ} إِلاَّ الراحمُ لمن لاذ بِهِ، وَهُوَ الله تعالى؛ أي: لاَ عاصم اليوم إِلاَّ من اعتصم بالله. {وحال بينهما الموجُ، فكَانَ مِنَ المغرَقِينَ (43)} فكَانَ فيِ علم الله كذلك.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يديه»، وهو خطأ. (2/204)
صفحة 602
وقيل: يا أرض ابلَعِي ماءك، ويا سماءُ أَقلِعي} أمسكي، {وغيض الماء} نقص، {وقضيَ الأمر} وأنجز مَا وعد الله نوحا من إهلاك قومه؛ {واستوت} واستقرَّت {عَلَى الجودي} قيل: جبل بالموصل؛ {وقيل: بُعدا للقوم الظالمِينَ (44)} أي: سُحقا لقوم نوح. أجمع أهل الفصاحة أنَّ طاقة البشر قاصرة عَن الإتيان بمثل هَذِهِ الآية، بعد أن فتَّشوا عامَّة كلام العرب والعجم، فلم يجدوا مثلها فيِ فخامةِ ألفاظها، وحُسنِ نظمها، وتصوير الحال، مَعَ الإيجاز من غير إخلال.
{ونادى نوحٌ ربَّه، فقال: (1) رَبِّ إنَّ ابني من أهلي، وإنَّ وَعدَكَ الحَقُّ} وإنَّ كلَّ وعد تَعِدُه فهو الحَقُّ الثابت الذِي لاَ شكَّ فيِ إنجازه والوفاءِ بِهِ؛ {وأنت أحكمُ الحاكمِينَ (45)} أي: أعلم الحكَّام وأعدلهم؛ إذ لاَ فضل لحاكم عَلَى غيره، إِلاَّ بالعلم والعدل. ورُبَّ غريق فيِ الجهل والجور من متقلِّدي الحكومة فيِ زمانك قد لُقِّب أقضى القضاة، ومعناه: أحكم الحاكمين؛ فاعتبر واستعبر.
{__________
(1) - ... في الأصل: «قال»، وهو خطأ. (2/205)
صفحة 603
قَالَ: يا نوح، إِنَّهُ ليس من أهلك إِنَّهُ عملٌ غيرُ صالحٍ} وفيه إيذان، لأَنَّ قرابة الدين غامرة لقرابة النسب؛ وأنَّ نسيبك فيِ دينك، وإن كَانَ حبشيًّا، وكنت قرشيًّا؛ [وأنَّ] لصيقك ومن لم يكن عَلَى دينك، وإن كَانَ أمسَّ أقاربكَ رحمًا، فهو يعدُّ بعيدا (1) منك. قَالَ أبو منصور: «كَأنَّ عند نوح - عليه السلام - أنَّ ابنه كَانَ عَلَى دينه، لأَنَّهُ كَانَ يُنافق؛ وَإِلاَّ لاَ يُحتمل أن يقول: إنَّ ابني من أهلي ويسأله نجاته، وقد سبق مِنْهُ النهي عَن سؤال مثله، بقوله: {وَلاَ تخُاطبني فيِ الذِينَ ظلموا إنَّهم مغرقون}، فكَانَ يسأل عَن الظاهر الذِي عنده؛ كما كَانَ أهل النفاق يُظهرون الموافقة لرسولنا، ويُضمرون الخلاف لَهُ، ولم يعلم بذلك حتَّى أطلعه الله عليه، وقوله: {ليس من أهلك} أي: مِنَ الذِينَ وعدتُ النجاة لَهُم، وَهُم المؤمنون حقيقة فيِ السرِّ والظاهر». {فلا تسألنِّي مَا ليس لك بِهِ علم، إِنِّي أعظُك أن تكون مِنَ الجاهلِينَ (46)}.
{قَالَ: رَبِّ إِنِّي أعوذ بك أن أسألك مَا ليس لي بِهِ علم} أي: مِن أن أطلب منك فيِ المستقبل مَا لاَ علم لي بصحَّته تأدُّبا بك واتِّعاظا بموعظتك، {وَإِلاَّ تغفر لي} مَا فرط منِّي، {وترحمني} بالعصمة عَن العَوْدِ إِلىَ مثله {أكن مِنَ الخاسرِينَ (47)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «بعيد»، وهو خطأ. (2/206)
صفحة 604
قيل: يا نوح اهبط بسلام مِنَّا} [249] بتحيَّة مِنَّا، أو سلامة مِنَ الغرق، {وبركات عليك}، هِيَ الخيرات النامية، وهي فيِ حقِّه العلم والعمل بمقتضى الحكمة، {وعلى أمم مِمَّن معك} أي: عَلَى أمم ناشئة مِمَّن معك، وهي الأمم إِلىَ آخر الدهر، {وأممٌ} أُخْرَى ضالَّة، {سنمتِّعهم} فيِ الدُّنْيَا بالسعة فيِ الرزق، والخفض فيِ العيش، كما قدَّرنا لهم بلا زيادة وَلاَ نقصان، {ثُمَّ يمسُّهم مِنَّا عذاب أليم(48)} فيِ الآخِرَة، أو فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة؛ والمعنى: أنَّ السلام مِنَّا، والبركاتِ عليك، وعلى أمم المؤمنين ينشأون مِمَّن معك؛ وَمِمَّن معك أمم ممتَّعون بالدُّنْيَا، منقلبون إِلىَ النار، والخلق بعد الطوفان مِنْهُ وممَّن كَانَ معه فيِ السفينة. وعن محمَّد بن كعب: «دخل فيِ ذَلِكَ السلام كلُّ مُؤْمِن ومؤمنة إِلىَ يوم القيامة؛ وفيما بعده مِنَ المتاع والعذاب كلُّ كافر».
{تلك من أنباء الغيب نُوحيها إليك} يا محمَّد {مَا كنتَ تعلمها أنت وَلاَ قومُك} أي: تلك القصَّة بعضُ أنباء الغيب، مُوحَاة إليك، مجهولة عندك، وعند قومك، {من قبل هَذَا} الإيحاء إليك؛ {فاصبر} كما صبر نوح مَعَ طول لَبْثِة فِيهِم، وتوقَّع فيِ العاقبة لك ولمن كذَّبك نحوَ مَا كَانَ لنوح وقومه، {إنَّ العاقبة} فيِ الفوز والنصر والتوفيق والغلبة والنعمة {للمتَّقين(49)} عَن المعاصي وَهُوَ حقيقة التوحيد.
{ (2/207)
صفحة 605
وإلى عاد أخاهم} واحدًا (1) مِنْهُم {هودا، قَالَ: يا قوم اعبدوا الله} وحده، غير مشركين بِهِ غيرَه، {مَا لكم من إله غيره} ينفعكم وَلاَ يضركم، فيِ الحقيقة {إن أَنتُم إِلاَّ مفترُونَ (50)} تفترون عَلَى الله الكذب، بِاتِّخَاذِكم له الأوثان لَهُ (2) شركاء.
{يا قوم لاَ أسألكم عليه أجرا، إن أجريَ إِلاَّ عَلَى الذِي فطرني} مَا من رسول إِلاَّ واجهَ قومه بهذا القول، لأَنَّ شأنهم النصيحة؛ وَلاَ يمحضها إِلاَّ حسم المطامع؛ وَمَا دام يتوهَّم شيء منها، لم تنجع ولم تنفع، {أفلا تعقلُونَ (51)} إذ تردُّون نصيحة من لاَ يطلب عليها أجراً إِلاَّ مِنَ الله، وَهُوَ ثواب الآخِرَة؛ وَلاَ شيء أنفى للتُّهمة من ذَلِكَ، لأَنَّهُ لم يسأل من أُرسل إِلَيْهِ أجرا، ولم يدفع عَن نفسه مغرما، ولم يطلب بذلك وَلاَ لغيره أمرا دنيويًّا بلسان مقاله، أو لسان حاله، كَانَ ذَلِكَ من سِمات الإيمان والأمانة، مَعَ الذِينَ يعقلون العلم فيِ الناس.
{ويا قوم استغفروا رَبّكُم} أي: آمنوا بِهِ، {ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ} من عبادة غيره، {يُرسل السَّمَاء عليكم} الأرزاق السماويَّة من دين ودنيا، {مدرارا} كثير الدرُورِ، {ويزدكم قوَّةً} [في] القلوب، يقدرون بها عَلَى المخرج من مضائق الأمور، وَلاَ يكون هَذَا الوعد فيِ الحقيقة إِلاَّ لِمتَّبعي الرسل، لأَنَّ ذَلِكَ يعود وبالاً عَلَى المكذِّبين، {إِلىَ قوَّتكم} كما قَالَ: {وَالذِينَ اهتدوا زادهم هدًى} (3)، {وَلاَ تَتَوَلَّوْا} وَلاَ تُعرضوا عَمَّا أدعوكم إِلَيْهِ. {مجرمِينَ (52)} مُصرِّين عَلَى إجرامكم وآثامكم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «واحد»، وهو خطأ، فهو منصوب عَلَى أَنَّهُ معطوف عَلَى ما قبله، في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إِلىَ قومه}، أي تقديره: «وأرسلنا إِلىَ عاد أخاهم هودا».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «له»، أي: «باتِّخاذكم الأوثانَ له شركاءَ».
(3) - ... سورة محمَّد: 17. (2/208)
صفحة 606
قَالُوا: يا هود مَا جئتَنا بِبَيِّنَةٍ} تكذيبٌ مِنْهُم وجحود للبَيِّنَة الغرَّاء، ولكن لِتَعَامِيهم عنها لم يُبصروها، إذ حُجِبهم عَن رؤيتها حبُّ الهوى. {وَمَا نَحْنُ بتاركي آلهتِنا} مَا تهواه أنفسنا {عَن قولك} استجهالا مِنْهُم لَهُ، {وَمَا نَحْنُ لك بمؤمنِينَ(53)} وَمَا يصحُّ من أمثالنا أن يصدِّقوا مثلك فيما تدعوهم إِلَيْهِ.
{إن نقول: إِلاَّ اعتراك بعضُ آلهتِنا بسوء} أي: ليس لَنَا [250] قولٌ إِلاَّ هَذِهِ المقالة، أي: إِلاَّ قولنا: «اعتراك بعض آلهتنا بسوء، بجنون وخَبَلٍ»؛ فَلَمَّا انقطعت حجَّتهم، وبان اغترارهم، وظهرت رئاستهم، وصحَّ إصرارهم؛ {قَالَ: إِنِّي أُشهد اللهَ، واشهدوا أَنِّي بريء مِمَّا تشركُونَ(54) من دونه} أي: من إشراككم آلهة من دون الله؛ {فكيدوني جميعا} من غير أن يَتَخَلَّفُ منكم أحد، {ثمَّ لاَ تُنظرونِ(55)} لاَ تُمهلوني.
{إنيِّ تَوَكَّلت عَلَى الله رَبِّي ورَبِّكُم، مَا من دَابَّة إِلاَّ هُوَ آخذٌ بناصيتها} أي: مالكها ومُدَبِّرها؛ وَلَمَّا ذكر تَوَكُّله عَلَى الله وثقته بحفظه وكلاَءَته من كيدهم؛ وصفه بِمَا يوجب التَّوَكُّل عليه، من اشتمال ربوبيَّته عليه وعليهم، ومن كون كُلِّ دَابَّة فيِ قبضته وملكته، وتحت قهره وسلطانه؛ والأخذُ بالناصية تمثيل لِمَا يقدِّره الله للخلق وعليهم، {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم(56)} إِنَّ رَبِّي عَلَى الحَقِّ، وَلاَ يخيب من رجاه، وَلاَ يَفُوته من عاداه.
{ (2/209)
صفحة 607
فإن تَوَلَّوا} تَتَوَلَّوا، {فقد أبلغتُكم مَا أُرسِلت بِهِ إليكم} فقد أدَّيت مَا عَلَيَّ مِنَ الإبلاغ وإلزام الحجَّة؛ فلا تقصير منِّي وَلاَ عُذر لكم؛ {ويستخلفُ رَبِّي قوما غيرَكم} (لَعَلَّهُ) أي: يُهلكُكُم الله ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم فيِ دياركم وأموالكم، {وَلاَ تضرُّونه شَيْئًا} بتولِّيكم، إذ لاَ يجوز فيِ حكمته ذَلِكَ؛ {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شيء حفيظ (57)} رقيب عليه مهيمن؛ فما تخفى عليه أعمالكم وتكذيبكم؛ أو من كَانَ رقيبًا عَلَى الأشياء كُلِّها حافظًا لها؛ وكانت الأشياء مفتقرة إِلىَ حفظه مِنَ المضارِّ، لم يضرَّ مثله مثلكم.
{وَلَمَّا جاء أمرنا نَجَّينا هودا وَالذِينَ آمنوا معه برحمة مِنَّا} أي: بفضل مِنَّا لاَ بعملهم؛ أو بالإيمان الذِي أنعمنا عليهم؛ {ونَجَّيناهم من عذاب غليظ (58)} كثيف.
{وتلك عادٌ} إشارة إِلىَ قبورهم وآبارهم؛ كأنَّه قَالَ: فسيحوا فيِ الأَرْض، فانظروا إِلَيْهِا واعتبروا؛ ثُمَّ استأنف وَصْفَ أحوالهم، فقال، {جحدوا بِآيَاتِ رَبّهم وعصوا رسلَه}، لأَنَّهُم إِذَا عصوا رسولهم، فقد عصوا جميع رسله من المَلاَئِكَة والنَّبِيِّين والعلماء والمؤمنين؛ ورسولُ الرسولِ رسولٌ فيِ هَذَا المعنى، {لاَ نفرِّق بين أحد من رسله} (1) وَلاَ فيِ حجَّة من حججه، وجب علينا اتِّبَاعُها والإيمان بها، والتصديق بها؛ فالمكذِّب لحجَّة عقليَّة قامت عليه من عقله، كالمكذِّب لأفضل رسول من رسل الله أقام عليه الحجَّة بحضرته، من مقال لسانه بشيء من كِتَاب الله أو أشدَّ؛ {واتَّبَعوا أمرَ كُلِّ جبَّار عنيد (59)} يريد رؤساءهم، ودعاتهم إِلىَ تكذيب الرسل، لأَنَّهُم الذِينَ يجبرون الناس عَلَى مخالفة الرسل، ويعاندون رَبّهم. ومعنى اتِّباع أمرهم طاعتهم.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 285. (2/210)
صفحة 608
وأُتبِعُوا فيِ هَذِهِ الدُّنْيَا لعنةً، ويوم القيامة} لَمَّا كَانُوا تابعين لَهُم دون الرُسلِ جُعِلت اللعنة تابعة لَهُم فيِ الدَّارين؛ واللعنة: الإبعاد من رحمة الله ونعمته، فَهُم فيِ غضب الله ونقمته وعذابه فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، ليس لَهُم غاية، إِلاَّ إِذَا رجعوا إِلَيْهِ تائبين. {ألاَ إِنَّ عادا كَفَرُوا رَبَّهم، ألاَ بُعدا لعادٍ} تكرير «ألاَ» مَعَ النداء عَلَى كفرهم، والدعاء عَلَيْهِم، تهويلٌ لأمرهم، وبعث عَلَى الاعتبار[251] بهم، والحذر من مثل حالهم. والدعاءُ بـ«بُعدا» فورَ هلاكهم ــ وَهُوَ دعاء بالهلاك ــ للدَّلالة عَلَى أنَّهم كَانُوا مستأهِلين لَهُ. {قومِ هود(60)} عَطف بيان لِعادٍ، وفيه فائدة، لأَنَّ عادًا عادان، الأولى: القديمة التِي هِيَ قوم هود، والقصة فِيهِم؛ والأخرى: إرَمٌ فيما قيل.
{وإلى ثمودَ أخاهم صالحا، قَالَ: يا قومِ اعبدوا الله مَا لكم من إله غيره، هُوَ أنشأكم مِنَ الأَرْض واستعمركم فِيهَا} وجعلكم عُمَّارها بالإصلاح والطاعة؛ {فاستغفروه} فاسألوا (لَعَلَّهُ) مغفرتَه بالإيمان، {ثمَّ توبوا إِلَيْهِ} مِمَّا أفسدتم وعصيتم؛ {إِنَّ رَبِّي قريب} داني الرحمة لمن تقرَّب إِلَيْهِ بالطاعة؛ {مجيبٌ(61)} لمن دعاه مِنَ الصالحين.
{قَالُوا: يا صالح، قد كنت فينا} فيما بيننا {مَرجوًّا قبل هَذَا} للسيادةِ والمشاورةِ فيِ الأمور، وَكُنَّا نرجوا أن تدخل فيِ ديننا، وتوافقنا وتساعدنا عَلَى مَا نَحْنُ عليه، {أتنهانا أن نعبد مَا يعبدُ آباؤنا} بضدِّ مَا نرجوه منك؟ {وَإِنَّنَا لفي شكٍّ مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ} مِنَ التوحيد، {مريب(62)} مُوقعٍ فيِ الريبة؛ مِن أَرَابَهُ: إِذَا أوقعه فيِ الريبة، وهي قلقُ النفس، وانتفاء الاطمئنانيَّة.
{ (2/211)
صفحة 609
قَالَ: يا قوم أرأيتم إن كنتُ عَلَى بَيِّنَة من رَبِّي وآتاني مِنْهُ رحمة} نبوَّةً. أتى بحرفِ الشكِّ مَعَ أنَّه عَلَى يقين أنَّه عَلَى بَيِّنَة، لأَنَّ خطابه للجاحدين؛ فكأنَّه قَالَ: قدِّروا أَنِّي عَلَى بيِّنة من رَبِّي، وَإِنَّنِي نبيٌّ عَلَى الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت رَبِّي فيِ أوامره، {فمن ينصرني مِنَ الله} من عذابِه وخذلانه وإبعاده {إن عَصَيتُه} فيِ تبليغ رسالته، ومنعكم عَن عبادةِ غيره؛ {فما تزيدونني} بقولكم: {أتنهانا أن نعبد مَا يعبد آباؤنا} {غير تخسير(63)} نسبتكم إيَّاي إِلىَ الخسار؛ أو نسبتي إيَّاكم إِلىَ الخسران.
{ويا قوم هَذِهِ ناقة الله لكم آية، فذروها تأكل فيِ أرض الله} أي: ليس عَلَيْكُم رزقها مَعَ أنَّ لكم نفعها، {وَلاَ تمسُّوها بسوء} بعَقْرٍ أو نحر، {فيأخذكم عذاب قريب(64)} عاجل، إمَّا ظاهرٌ: فاستئصالكم بالهلاك؛ وَإمَّا باطنٌ: فالإبعادُ والاستدراج، لأَنَّ كُلَّ من عصى الله سبحانه، فلا بدَّ من أَخذ العذابين فيِ الدُّنْيَا (لَعَلَّهُ) قبل الآخِرَة.
{فعقروها؛ فقال: تَمتَّعوا فيِ داركم ثلاثة أَيَّام، ذَلِكَ وعد غير مكذوب(65)؛ فَلَمَّا جاء أمرنا نَجَّينا صالحا وَالذِينَ آمنوا معه برحمة مِنَّا، ومن خزي يومئذ} من ذلِّه وفضيحته، ولا خزيَ أعظم مِن خِزي مَن كَانَ هلاكه بغضب الله وانتقامه؛ {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القويُّ} القادر عَلَى تنجية أوليائه {العزيز(66)} الغالب عَلَى إهلاك أعدائه.
{وأَخَذَ الذِينَ ظلموا الصيحةُ} صيحة جبريل فيما قيل؛ {فأصبحوا فيِ ديارهم جاثمِينَ(67)} مَيِّتين {كأن لم يَغنوا فِيهَا} كأن لم يقيموا فِيهَا. {ألاَ إِنَّ ثمود كَفَرُوا رَبَّهم أَلاَ بُعدا لثمود(68)}.
{ (2/212)
صفحة 610
وَلَقَد جاءت رسلُنا إبراهيم بالبشرى} البشارة بالولد أو غيره؛ {قَالُوا: سلاما} سلَّموا عليه سلاما، {قَالَ: سلام} أمركم سلام؛ {فما لَبِث أن جاء بعجلٍ حنيذٍ (69)} قيل: مشويٌّ بالحجارة المحماة؛ والحنيذ: قيل الذِي يقطر وَدَكُه، من حَنَذْتُ الفرسَ، إِذَا عَرَّقْتُه بالجِلال (1)، كقوله: {بعجلٍ [252] سمين} (2).
{فَلَمَّا رأى أيديَهم لاَ تصلُ إِلَيْهِ نكِرهم} نَكِرَ وأَنكَرَ بمعنىً. وكانت عادتهم أنَّه إِذَا مسَّ مَن يطرقُهُم طعامَهم أمِنوا، وَإِلاَّ خافوه؛ والظاهر أنَّه أحسَّ بأنَّهم مَلاَئِكَةٌ ونكرهم، لأَنَّهُ تخوَّف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه، أو لتعذيب قومه، دليله قوله: {وأوجس مِنْهُم خِيفة} أضمر مِنْهُم خيفة؛ {قَالُوا: لاَ تخف} لمَّا عاينوا مِنْهُ أمارات الخوف {إِنَّا أُرسلنا إِلىَ قوم لوط (70)} بالهلاك.
{وامرأَتُه قائمةٌ} قيل: وراء الستر تسمع تحاورهم، أو عَلَى رؤوسهم، {فَضَحكت} سُرورا بزوال الخيفة؛ أو بهلاك أهل الخبائث؛ أو من غفلة قوم لوط مَعَ قرب العذاب؛ أو فحاضت (3)؛ {فبشَّرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب (71)} (لَعَلَّهُ) أي: من ذُرِّيته، وَهُوَ ولد ولدها؛ فسمَّاه الله بشارة لها، لأَنَّهَا هِيَ سبب إيجادهم.
{قالت: يا ويلتى! أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا}؟ سمِّي الزوج بعلا، لأَنَّهُ قيِّم أجرها (4)، {إِنَّ هَذَا لشيء عجيب (72)} أن يُولَد ولدٌ من هَرِمَين، وَهُوَ استبعاد من حيث العادة.
{__________
(1) - ... انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/ 735 - 736. مادَّة «حنذ». أبو السعود: تفسير، مج2/ج2/ص224.
(2) - ... سورة الذاريات: 26.
(3) - ... قال أبو السعود: «وقيل: ضحكت: حاضت، من ضحكت الشجر إذا سال صمغها، وَهُوَ بعيد، وقرئ بفتح الحاء». أبو السعود: تفسير، مج2/ج2/ص225.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أمرها». (2/213)
صفحة 611
قَالُوا: أتعجبين من أمرِ الله} قُدرَتِه وحِكمَتِه، (لَعَلَّهُ) معناه لاَ تعجبي؛ وَإِنَّمَا أنكرت المَلاَئِكَة تعجُّبَها، لأَنَّهَا كَانَت فيِ بيت الآيات، ومهبط المعجزات، والأمور الخارقة للعادات؛ فكَانَ عليها أن تتوقَّر وَلاَ يَزدَهِيها مَا يزدهي سائر النساء الناشئات فيِ بيت غير النبوَّة؛ وأن تُسبَّح الله وتمجِّدَه مكَانَ التعجُّب؛ ولكنَّ أكثر الناس فيِ بَلادَة مِنَ الأمور الإلهيَّة الخارقة للعادات، {رحمةُ الله وبركاتُه عَلَيْكُم أهلَ البيتِ} أرادوا أنَّ هَذِهِ وأمثالها مِمَّا يُكرِمُكم بِهِ ربُّ العِزَّة، ويَخُصُّكم بالإنعام بِهِ يا أهل بيت النبوَّة، فلستِ بمكَان عجب، وَهُوَ كلام مستأنف عُلِّل بِهِ إنكار التعجُّب، كأنَّه قيلَ: إيَّاك والتعجُّب، فإن أمثال هَذِهِ الرحمة والبركة، متكاثرة مِنَ الله عَلَيْكُم، وكيف لاَ تكون رحمته وبركاته عَلَيْكُم مُتكاثرة، وكَانُوا سببا لإيجاد إسحاق ويعقوب ويوسف وإخوته. {إِنَّهُ حميد} محمود بتعجيل النعم، {مجيد(73)} ظاهر الكرم بتأجيل النقم، وأصل المجد الرفعة.
{ (2/214)
صفحة 612
فَلَمَّا ذهب عَن إبراهيمَ الروعُ} الفزع، وَهُوَ مَا أوجس مِنَ الخيفة حين أنكر أضيافه، {وجاءته البشرى} بالولد. سُمِّيَ بشارة لَهُ، لأَنَّهُ يرتفع بِهِ علوّ درجات، {يُجادلنا فيِ قوم لوط (74)} فيِ معناهم، أي: لمَّا اطمأنَّ قلبه بعد الخوفِ، ومُلِئَ سرورا بسبب البشرى فرغ للمجادلة، والمعنى: يجادل رسلنا، ومجادلته إيَّاهم أنَّهم قَالُوا: {إِنَّا مُهلِكُوا أهلِ هَذِهِ القريةِ، إِنَّ أهلها كانوا ظالمين؛ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لوطًا؛ قَالُوا: نَحْنُ أعلم بمن فِيهَا لَنُنَجِّينَّه وأهلَه} (1). وغير ذَلِكَ مِمَّا يخصُّ قوم لوط، لأَنَّهُ قَالَ: {يجادلنا فيِ قوم لوط} (ولعلَّه) بتأخير العذاب عَنْهُم، رجاء إسلامهم. {إنَّ إبراهيم لحليم} غير عجولٍ عَلَى كُلِّ من أساء إِلَيْهِ؛ أو كثير الاحتمال عمَّن آذاه، {أوَّاه} كثير التأوُّه من خوف الله، {منيب (75)} تائب رَجَّاع إِلىَ الله، وهذه الصفات دالَّة عَلَى رقَّة القلب والرأفة، والرحمة تُبَيِّنُ [253] أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا حَمَله عَلَى المجادلة فِيهِم، رجاء أن يُرفع عَنْهُم العذاب، ويُمهَلُوا لَعَلَّهُم يُحدثون توبة.
{يا إبراهيم، أعرِضْ عَن هَذَا} الجدال، وإن كَانَت الرحمة دَيدَنُكَ؛ فَتَرْكُ المجادلة أفضل مِن قبل {إِنَّهُ قد جاء أمرُ رَبّك} أي: قضاؤه وحكمه (لَعَلَّهُ) وانقضاء الأجل، لأَنَّ لِكُلِّ أجل كِتَاب؛ {وَإنَّهُم آتيهم عذاب غير مردود (76)} فلا يُردُّ بجدال.
{__________
(1) - ... سورة العنكبوت: 31 - 32. وردت في الأصل هكذا: «إِنَّا مُهلِكُوا أهل هَذِهِ القريةِ، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لوطًا؛ قَالُوا: نَحْنُ أعلم بمن فِيهَا لَنُنَجِّينَّه وأهلَه»، والصحيح ما أثبتنا في المتن. (2/215)
صفحة 613
وَلَمَّا جاءت رسلُنا لوطا} لمَّا أَتَوه ورأى هيأتَهم وجَمالهم، {سِيءَ بِهِم} أُحزِن، لأَنَّهُ حسب أنَّهم إنسٌ، فخاف عَلَيْهِم خُبثَ قومه، وأن يعجز عَن مقاومتهم ومدافعتهم، {وضاق بهم ذرعا} تمييز، أي: وضاق بمكانهم صدرُه، وَهُوَ كناية عَن شدَّة نفتاالاض (1) للعجز عَن مدافعة المكروه، والاحتيال فِيهِ؛ (لَعَلَّهُ) كأنَّ يده صارت قصيرة، {وقال: هَذَا يوم عصيب (77)} شديد.
{وجاءه قومُه يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} يُسرِعون، كأنَّما يُدفعون دفعًا لطلب الفاحشة من أضيافه، {ومن قبلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات} ومن قبل ذَلِكَ (لَعَلَّهُ) الوقت، كَانُوا يَعْمَلُونَ الفواحش، حَتَّى مَرِنوا عليها، وقلَّ عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا يُهرعون مجاهرين لاَ يكفُّهم حياء (2) (لَعَلَّهُ) فَلَمَّا عَلِم مرادهم فِيهِم، {قَالَ: يا قوم هؤلاء بناتي} فتزوَّجوهنَّ، أَرَادَ أنَّ يَقيَ أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، {هنَّ أطهر لكم} أحلُّ وأزكى لنفوسكم، لِغلمَة الشهوات، (لَعَلَّهُ) ليدفعهم بمثل ماهم فاعلوه، {فاتَّقُوا الله} بإيثار مَا أحلَّه عَلَى مَا حَرَّمَه، {وَلاَ تُخزونِ} ولا تُهينوني، وَلاَ تَفضحونِ، {فيِ ضيفي، أليس منكم رجلٌ رشيد (78)}؟ أي: رجل وَاحِد يهتدي إِلىَ سبيل الحَقِّ وفعل الجميل، والكف عَن السيِّء.
{قَالُوا: لَقَد علمت مَا لَنَا فيِ بناتك من حقٍّ} حاجة، {وإنَّك لَتَعلَمُ مَا نريد (79)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الانقباض»، انظر: أبو السعود: تفسير، مج2/ج2/ 228. وَهَذَا من أعجب الأخطاء التي وقع فيها الناسخ، وَهُوَ التقديم والتأخير في وسط الكلمة الواحدة!، مع التصحيف في تنقيط الحروف.
(2) - ... في الأصل: + «حياء»، وهو تكرار. (2/216)
صفحة 614
قَالَ: لو أنَّ لي بكم قوَّة، أو آوي إِلىَ رُكنٍ شديد (80)} المعنى: لو قَوِيت عَلَيْكُم بنفسي، أو آويت إِلىَ قَويٍّ أستند إِلَيْهِ وأمتنع بِهِ، فيحميني منكم؛ فشبَّه القويَّ العزيز بالركن مِنَ الجبل فيِ شدَّته ومنعته؛ فَلَمَّا رأت المَلاَئِكَة كَثُرَت (1) المجادلة بينه وبينهم فِيهِم، {قَالُوا: يا لوط} إنَّا ركنك الشديد، {إِنَّا رُسُل رَبّكَ، لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع مِنَ الليل} طائفة مِنْهُ، {وَلاَ يلتفتْ منكم أحد} بقلبه إِلىَ مَا خلَّف، وَلاَ ينظر إِلىَ مَا وراءه؛ أو لاَ يلتفت (2) منكم أحد، {إلاَّ امرأتَك، إِنَّهُ مُصِيبُها مَا أصابهم إِنَّ موعدَهم الصبحُ، أليس الصبح بقريب (81)}؟!.
{فَلَمَّا جاء أمرنا، جعلنا عالِيَها سافلَها} أي: جعلنا الغالب مغلوبًا، {وأمطرنا عليها حجارة من سِجِّيل منضود (82)} متتابع؛ أو مجموع مُعَدٍّ للعذاب.
{مُسوَّمة} أي: معلَّمة للعذاب؛ قيل: مكتوب عَلَى كُلِّ وَاحِد اسم من يُرمي بِهِ، {عند رَبِّك} فيِ خزائنه أو حكمه، {وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين ببعيد (83)} لاَ تفوتهم.
{وإلى مدين أخاهم شعيبا} هُوَ اسم مدينتهم، أو اسم جدِّهم. {قَالَ: يا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إله غَيرُه، وَلاَ تنقصوا المكيال والميزان، إِنِّي أراكم بخير} بثروة وسَعَة تغنيكم عَن التطفيف؛ أو أراكم بنعمة مِنَ الله حقُّها أن تُقابل بغير مَا تفعلون. {وإنِّي أخاف عَلَيْكُم عذاب يوم محيط (84)} مهلك من قوله: {وأُحيط بثمره} (3)، وأصله من إحاطة العدوِّ، [254] والمراد: عذاب الاستئصال فيِ الدُّنْيَا؛ أو عذاب الآخِرَة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، مع الشكل، ولعلَّ الأصوب: «كَثْرَةَ».
(2) - ... كذا في الأصل، وَهُوَ تكرار، ولعلَّ الصواب: «ولا يتخلَّف منكم أحد».
(3) - ... سورة الكهف: 42. (2/217)
صفحة 615
ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط} بالعدل، نُهوا أوَّلاً عَن عين القبيح الذِي كَانُوا عليه من نُقصِ المكيال والميزان؛ ثُمَّ ورد الأمر بالإيفاء الذِي هُوَ حسن فيِ العقول، لزيادة الترغيب فِيهِ؛ وجيء بِهِ مقتدا بالقسط الذِي ليكن الإيفاء عَلَى وجه العدل والسويَّة (1)، من غير زيادة وَلاَ نقصان. {وَلاَ تبخسوا الناس أشياءَهم} البخس: النقص؛ قيل: كَانُوا يُنقصون من أثمان مَا يشترون، وينضمُّ إِلَيْهِ بخس جميع الأشياء، حتَّى عدم الإِقْرَار بالإنصاف عند المحاجَّة. {وَلاَ تَعثوا فيِ الأَرْض مفسدِينَ (85)} العثيُ والعيث: أشدُّ الفساد، نحو السرقة والغارة، وقطع السبيل.
{بقيَّة الله} (2) مَا يبقي لكم مِنَ الحلال بعد التنزُّه عمَّا هُوَ حرام عليكم، {خير لكم إن كُنتُم مُؤْمِنِينَ} بشرط أن تؤمنوا؛ نعم، بقيَّة الله خير للكفرة أَيْضًا، لأَنَّهُم يَسلَمُون معها من تَبِعَة البخس والتطفيف، إِلاَّ أنَّ فائدتها تظهر مَعَ الإيمان بحصول الثواب، مَعَ النجاة مِنَ العقاب، وَلاَ يظهر مَعَ عدمِه، لانغماسِ صاحبها فيِ غمرات الكفر، وفي ذَلِكَ تعظيم للإيمان، وتنبيه عَلَى جلالة شأنه؛ أو المراد إن كُنتُم مصدِّقين لي فيما أقول لكم، وأنصح بِهِ إيَّاكم، {وَمَا أنا عَلَيْكُم بحفيظ (86)} بوكيل لنعمه عَلَيْكُم؛ فاحفظوها وراعوها حقَّ رعايتها.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا، أو زيادة في غير موضعها، وَلَعَلَّ الصواب: «وجيء به مقيَّدا بالقسط ليكون الإيفاء عَلَى وجه العدل والسويَّة».
(2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية كتب فيها: «تَفَكَّر فَإِنَّ فيه فوائد جليلة». وليست للمؤلِّف كما هو واضح، إذ المعنى كامل بدونها، وَإِنَّمَا هي من إضافة الناسخ تعليقا عَلَى ما يراه مهمًّا في المتن. (2/218)
صفحة 616
قَالُوا: يا شعيبُ أصلاتُك تأمرك أن نترك مَا يعبد آباؤنا، أو أن نفعل فيِ أموالنا مَا نَشَاء} كَانَ شعيب كثير الصلوات، وكَانَ قومه يقولون لَهُ: مَا تستفيد بهَذَا، فكَانَ يقول: «إنَّها تأمر بالمحاسن، وتنهى عَن القبائح»؛ فَقَالُوا لَهُ عَلَى وجه الاستهزاء: صلواتك تأمرك بترك عبادة مَا كَانَ يعبدُ آباؤنا، وأن نترك التبسُّط فيِ أموالنا بِمَا نشاء من إيفاء ونقص؛ وجاز أن تكون الصلاة آمرةً مجازا، كما سمَّاها الله ناهيةً مجازا. {إنَّك لأنت الحليم الرشيد(87)} السفيه الضالُّ؛ والعرب تصف الشيء بضدِّه؛ وقيل: قالوه عَلَى وجه الاستهزاء، وقيل: معناه الحليم الرشيد بزعمك؛ وقيل: هُوَ عَلَى الصِحَّة، عَلَى سبيل الإِقْرَار؛ أي: أنَّك فينا حليم رشيد، ولكن لاَ تقدر علىما نقدر عليه.
{ (2/219)
صفحة 617
قَالَ: يا قوم أرأيتم إن كنت عَلَى بيِّنة من رَبِّي، ورَزَقني مِنْهُ رِزقا حسنا} يعني: النبوَّة والرسالة، تقديره: «فهل يسع لي مَعَ هَذِهِ الأنعام (1) الجامعة للسعادات الروحانيَّة والجسمانيَّة، أن أخونَ فيِ وحيه فأخالفه فيِ أمره ونهيه»، وَهُوَ اعتذار مِنْهُ (2) (لَعَلَّهُ) المألوف، والنهي عَن دين الآباء. {وَمَا أريد أن أخالفكم إِلىَ مَا أنهاكم عَنْهُ} يعني: أسبقكم إِلىَ شهواتكم التِي نهيتكم عنها، لأستبدَّ بها. {إن أريد إِلاَّ الإصلاحَ مَا استطعت} مَا أريد إِلاَّ إصلاح أحوالكم فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، بموعظتي ونصيحتي وأمري ونهيي طول استطاعتي، مَا دمت [255] متمكِّنا لا آلو فيه جُهدي. والتنبيه عَلَى أنَّ العاقل يجب أن يُراعيَ فيِ كلِّ مَا يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها: حقُّ الله تعالى، وثانيها: حقُّ النفس، وثالثها: حقُّ الناس؛ قَالَ غيره: والمراعاة لأداء حقوقِ الناس، إِنَّمَا ذَلِكَ من شروط مُراعاة حقوق النفس، إِذَا كَانَت مِنَ الفرائض اللاَّزمة لَهُ عَلَيْهِم. {وَمَا تَوفيقي إِلاَّ بالله} وَمَا كَوني موفَّقا لإصابة الحقِّ فيما أعمل، إِلاَّ بمعونته وتأييده، (لَعَلَّهُ) والتوفيق: تسهيل سبيل الخير. {عليه تَوَكَّلت} اعتمدت، {وَإِلَيْهِ أنيب (88)} أرجِع فيِ السرَّاء والضرَّاء.
{__________
(1) - ... لم أجد هَذَا الجمع للنعمة، وَإِنَّمَا «جمعُ النعمة: نِعَمٌ، وأنعُمٌ، كشدَّة وأَشُدٍّ؛ حكاه سيبويه». ابن منظور: لسان العرب، 6/ 674. مادَّة «نعم».
(2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية، ولم يكتب فيها شيئًا، وَفيِ العبارة سقط واضح. (2/220)
صفحة 618
ويا قوم لاَ يجرمنَّكم} لاَ يحملنَّكم {شقاقي} خلافي إصابة العذاب، {أن يصيبكم مثل مَا أصابَ قومَ نوحٍ أو قومَ هودٍ أو قومَ صالحٍ} كأنَّه لم يتحقَّق هلاك قومه مِنَ الله بعدُ، بَل مُتَحِقَّق أنَّهم يُعذَّبون إن لم يؤمنوا. {وَمَا قومُ لوط منكم ببعيد(89)} فَهُم أقرب الهالكين منكم، أو فيِ المكَانَ، فمنازلهم قريبة منكم؛ أو فيما يُستحقُّ بِهِ الهلاك.
{واستغفروا رَبَّكُم ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رحيم ودود(90)} يحِبُّ المؤمنين، ويفعل بهم مِنَ اللطف والكرامة مَا يفعل البليغ المودَّة لمن يَوَدُّه.
{قَالُوا: يا شعيب مَا نفقهُ كثيرا مِمَّا تقول} أي: لاَ نفهم صِحَّة مَا تقول (لَعَلَّهُ) كوجوب التوحيد، ونفي التنديد (1) ، وَإِلاَّ كيف لاَ يُفهم كلامُه وَهُوَ خطيب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. {وَإِنَّا لنراك فينا ضعيفا} لاَ قوَّةَ لك وَلاَ عزَّ فيما بيننا، فلا تقدر عَلَى الامتناع مِنَّا إن أردنا منك مكروها، وقيل: كَانَ ضريرَ البصر. {ولولا رهطُك لرجمناك} ولولا عشيرتُك لقتلناك بالرجم، وَهُوَ شرُّ قَتْلَة؛ وكَانَ فيِ منعة من قومه، وكَانَ رهطه من أهل ملَّتهم، فلذلك أَظهر الميل إِلَيْهِم والإكرام لَهُم. {وَمَا أنت علينا بعزيز(91)} أي: لاَ تَعُزُّ علينا، وإنَّما يَعُزُّ علينا رهطك.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «النديد»، و«ندَّدتُ بالرجل تنديدا، وسمَّعتُ به تسميعا، إذا أسمعته القبيح، وشتمته، وشهَرته وسمَّعت به، والتنديد: رفع الصوت». ولا شكَّ أنَّ المصنِّف لم يقصد إِلىَ هَذَا المعنى، وَإِنَّمَا قصد «النديد»: بمعنى «النِّدِّ بالكسر: المثل والنظير، والجمع أنداد، وَهُوَ النديد والنديدة». ابن منظور: لسان العرب، 6/607. مادَّة: «ندد». (2/221)
صفحة 619
ولذلك {قَالَ} فيِ جوابهم: {يا قوم أَرَهطِي أعزُّ عَلَيْكُم مِنَ الله} أَمَكَان رهطي أَهْيَب عندكم مِنَ الله، فأولى بكم أن تَتَحَاموا عَن قتلي من سطوة الله وغضبه، {واتَّخذتموه وراءكم ظِهريًّا} أي: نبذتم أمر الله وراء ظهوركم، {إنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ محيط(92)} قد أحاط بأعمالكم علما.
{ويا قوم اعملوا عَلَى مكانتكم} أي: قارِّين عَلَى جهتكم وطريقتكم التِي أَنتُم عاكفون عليها، مِنَ الشرك والنفاق والشنآن لي، {إنِّي عامل} بمكاني (1) {فسوف تَعْلَمُونَ من يأتيه عذابٌ يُخزيه ومن هُوَ كاذب} فسوف تَعْلَمُونَ أيُّنا يأتيه العذاب ويخزيه، أي: يفضحه، وأيُّنا هُوَ كاذب، {وارتقبوا} العاقبة، {إنِّي معكم رقيب(93)} منتظرٌ لها.
{وَلَمَّا جاء أمرنا نَجَّيْنَا شعيبا وَالذِينَ آمنوا معه برحمة مِنَّا، وأخذت الذِينَ ظلموا الصيحة} قيل: صاح بهم جبريل فخرجت أرواحهم، أو أتتهم صيحة مِنَ السَّمَاء فأهلكتهم، {فأصبحوا فيِ ديارهم جاثمِينَ(94)} مَيِّتين بصيحة وَاحِدَة.
{كأن لم يَغنَوا فِيهَا} كأن لم يكونوا فيِ ديارهم أحياء متصَرِّفين متردِّدين، {ألاَ بُعدًا} هلاكا {لِمَديَنَ كما بَعِدَت} هلكت {ثمود(95)}.
{وَلَقَد أرسلنا موسى بِآيَاتِنا وسلطانٍ مُبِين(96)} حجَّة بيِّنة {إِلىَ فرعون ومَلَئه فاتَّبَعوا} أي: الملأ {أمر فرعون، وَمَا أمرُ فرعون برشيد(97)} هُوَ تجهيل لِمُتَّبعيه حيث شايعوه عَلَى أمره وَهُوَ ضلال مبين، وذلك أنَّه ادَّعى الإلهيَّة وَهُوَ بشر مثلهم، وجاهر بالظلم والشرِّ الذِي لاَ يصدر إِلاَّ من سلطان ظلوم، وذلك بمعزل عَن الإلهيَّة، ومن ذَلِكَ أنَّهم [256] عاينوا الآيات والسلطان المبين، وعَلِموا أنَّ مَعَ موسى الرشدَ والحقَّ، ثُمَّ عدلوا عَن اتِّباعه إِلىَ اتِّباع من ليس فيِ أمره رُشد، أو المراد: وَمَا أَمرُه بصالح حميد (لَعَلَّهُ) حميدُ العاقبة.
__________
(1) - ... في الأصل: «بمكني»، وهو خطأ. (2/222)
صفحة 620
قوله: {يَقْدُمُ قومَه يوم القيامة} أي: يتقدَّمهم وَهُم (1) يتبعونه كما كَانَ فيِ الدُّنْيَا {فأوردهم النار} أدخلهم فِيهَا، لأَنَّ كلَّ إمام يَأتمُّ بِهِ مأمومه فيِ الدينا والآخِرَة، كَانَ إمام هدى أو ضلال. {وبِئْسَ الوِردُ} المورد {المَورود (98)} الذِي ورده.
{وأُتبِعُوا فيِ هَذِهِ لعنة} أي: أُبعدوا فيِ هَذِهِ الدُّنْيَا مِنَ التوفيق والرحمة، {ويوم القيامة} يُلعَنون أَيْضًا، {بِئْسَ الرِّفدُ المرفود (99)} بِئْسَ العطاء المعطىَ، وذلك أنَّه ترادفت عَلَيْهِم لعنتان.
{ذَلِكَ من أَنباءِ القرى نقصُّه عليك، منها قائم} باقٍ عَلَى ساقه، {وحصيد (100)} عافي الأثر، كالزرع الذِي ذَرَتْه الرياح.
{وَمَا ظلمناهم} بمعاملتنا إيَّاهم، أو بإهلاكنا إيَّاهم، {ولكن ظلموا أنفسهم} بارتكاب مَا بِهِ أُهلكوا؛ {فما أغنت عَنْهُم آلهتهم التِي يدعون} يَعبدون {من دون الله من شيء}، لأَنَّهُم ليسوا مِنَ الله فيِ شيء لمَّا عبدوا غيره، ولم تغن عَنْهُم آلهتهم التِي عكفوا عَلَى عبادتها من دون الله، لَمَا استحقُّوا العذاب مِنْهُ. {لَمَّا جاء أمر رَبّك} عذابُه (لَعَلَّهُ) لمَّا تحقَّق الحَقُّ زَهَقَ الباطل، {وَمَا زادوهم غير تتبيب (101)} تخسير، بمعنى النزول فيِ الهلاك، يعني: وَمَا أفادتهم عبادة غير الله شَيْئًا، بَل أهلكتهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وهو»، وهو خطأ. (2/223)
صفحة 621
وكذلك} ومِثلُ ذَلِكَ الأخذِ {أَخذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذ القرى} أي: أهلها، وماذا عَلَى القرى [كَذَا]، {وهي ظالمة} لجميع من ظَلَمَ نفسه، كما قَالَ: {ولو ترى إذ يتوفَّى الذِينَ كَفَرُوا المَلاَئِكَة يضربون وجوهَهم ... } (1) الآيَة. {إنَّ أخذه أليم} مُؤلم {شديد (102)} صعب عَلَى المأخوذ، وَهَذَا تحذير لِكُلِّ نفس ظالمة؛ فعلى كُلِّ ظالم أن يُبادر [إلى] التوبة، وَلاَ يَغتَرَّ بالإمهال.
{إنَّ فيِ ذَلِكَ} فيما قصَّ، {لآيةً} لعبرةً {لمن خافَ عذابَ الآخِرَةِ} أي: اعتقد صحَّته ووجوده ووصوله. {ذَلِكَ يومٌ مجموعٌ لَهُ الناس} وأنَّهم لاَ ينفكُّون مِنْهُ، يُجمَعون للحساب والجزاء، {وذلك يومٌ مشهود (103)} أي: يشهد فِيهِ الخلائق الموقفَ لاَ يغيب عَنْهُ أحد.
{وَمَا نؤخِّره إِلاَّ لأجل (2) معدود (104)} إِلاَّ لانتهاء مدَّةِ معدودة، التِي صيَّرناها (3) لبقاء الدُّنْيَا.
{يوم يأتِ لاَ تَكَلَّم نفسٌ إِلاَّ بإذنه} أي: لاَ يشفع أحد إِلاَّ بإذنه، {فمنهم شقيٌّ وسعيدٌ (105)؛ فأمَّا الذِينَ شَقُوا ففي النار لَهُم فِيهَا زفير} هُوَ أوَّل نهيق الحمار، {وشهيق (106)} هُوَ آخره إِذَا ردَّده فيِ جوفه، وقيل: الزفير: الصوت الشديد؛ والشهيق: الصوت الضعيف؛ وقيل: الزفير فيِ الحلق، والشهيق فيِ الصدر.
{__________
(1) - ... سورة الأنفال: 50؛ وتمامها: {ولو ترى إذ يتوفَّى الذِينَ كَفَرُوا المَلاَئِكَةُ يضربون وجوهَهم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق}.
(2) - ... في الأصل: «وما ناخره لاجل» وَهُوَ خطأ.
(3) - ... يمكن أن نقرأ: «ضربناها». (2/224)
صفحة 622
خالدين فِيهَا مَا دامتِ السَّمَاوَات والأَرْض} أي: مدَّة دوام (1) السَّمَاوَات والأَرْض؛ والمراد: سماوات الآخِرَة وأرضها، وهي دائمة مخلوقة للأبد؛ والدليل عَلَى أنَّ لها سماوات وأرضا، قوله: {يوم تُبدَّل الأَرْضُ غير الأَرْض والسماوات} (2)، وقيل: مَا دام فوقٌ وتحتٌ، ولأنَّه لاَ بُدَّ لأهل الآخِرَة مِمَّا يُقِلُّهم ويُظلُّهم، إمَّا سماء أو عرش، كلُّ مَا أظلَّك فهو سماء، أو هُوَ عبارة عن التأبيد، ونفي [257] الانقطاع، كقول العرب: «مَا لاَحَ كوكبٌ». {إلاَّ مَا شاء ربُّك} مِنَ الفريقين، من تعميرهم فيِ الدُّنْيَا، واحتباسهم فيِ البرزخ مَا بَين الموت والبعث، قبل مصِيرِهم إِلىَ النار، يعني: هم خالدون فيهما إِلاَّ هَذَا المقدار؛ {إنَّ رَبَّكَ فعَّال لِمَا يريد (107)}.
{وَأَمَّا الذِينَ سعدوا ففي الجَنَّة خالدين فِيهَا مَا دامت السَّمَاوَات والأَرْض إِلاَّ مَا شاءَ رَبُّكَ عطاءً غير مجذوذ (108)} غير مقطوع، ولكنَّه مُمتدٌّ إِلىَ غير نهاية.
{فلا تَكُ فيِ مِريَة مِمَّا يعبدُ هَؤُلاَءِ} أي: فلا تَشُكَّ بعدما أُنزل من هَذِهِ القصص فيِ سوء عاقبة عبادتهم، لما أصاب أمثالهم قبلهم، تسلية لرسول الله، وَعَدَهُ (3) بالانتقام مِنْهُم، ووعيد لَهُم؛ ثُمَّ قَالَ: {مَا يعبدون إِلاَّ كما يَعبدُ آباؤهم من قبل} يريد أنَّ حالهم فيِ العبادة مثل حال آبائهم، وقد بَلَغَكَ مَا نزل بآبائهم، وسينزل بهم مثله؛ وإعلام أنَّهم مقلِّدون وأنَّ أكثر الخلق عَلَى غير عبادة الله. {وَإِنَّا لموفُّوهم نصيبهم} حظَّهم مِنَ العذاب، أو مِنَ الرزق؛ فيكون تأخُّر العذاب عَنْهُم مَعَ قيام مَا يُوجبه من أعمالهم، عَلَى مقتضى الحكمة. {غير منقوص (109)} (لَعَلَّهُ) عَلَى مُقتضى عملهم، أو أراد أرزاقهم التِي قُدِّرَت لَهُم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «داوم»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة إبراهيم: 48.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وَوَعْدٌ له». (2/225)
صفحة 623
وَلَقَد آتينا موسى الكتاب فاختُلِف فِيهِ} آمن بِهِ قوم، وكفر بِهِ آخرون، كما اختُلف فيِ القرآن، وَهُوَ تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - . {ولولا كلمة سبقت من رَبِّك} بعد آجالهم؛ {لقُضِيَ بَيْنَهُم} بإهلاك من كذَّب، وسلامةِ من أسلم، {وَإنَّهُم لفي شكٍّ مِنْهُ} مِنَ القرآن والعذاب {مريب(110)} من أَرَابَ الرجل: إِذَا كَانَ ذا ريبةٍ.
{وإن كُلاًّ} أي: جميع المختلفين، {لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعمالهم} أي: جزاء أعمالهم، {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خبير(111)}.
{ (2/226)
صفحة 624
فاستقم كما أُمِرَت} فاستقم استقامة، مثل الاستقامة التِي أُمرت بها، غير عادل عنها، {ومن تاب معك، وَلاَ تَطْغَوا} وَلاَ تَخرجوا عَن حدود الله، {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بصير(112)} فهو مجازيكم، فاتَّقُوه؛ قيل: مَا نزلت عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية كَانـ[ـت] أشقَّ عليه من هَذِهِ الآيَة، ولهذا قَالَ: «شيَّبتني هود» (1) .
__________
(1) - ... قال الهيثمي: «وعن عقبة بن عامر، أنَّ رجلا قال: يا رسول الله قد شبت! قال: شيَّبتني هود وأخواتها» رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح». وقال العراقي: رواه «الحاكم وصحَّحه من حديث ابن عبَّاس، وهو في الشمائل من حديث أبي جحيفة». «وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري». ورواه أبو نعيم في الحلية، والترمذي: سنن، كتاب التفسير، سورة الواقعة، 6، من حديث ابن عبَّاس، رقم 3219، بلفظ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - : يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ شِبْتَ، قَالَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلاَتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وروى عليُّ بن صالح هذا الحديث عن أبي إسحاق عن عن أبي جحيفة نحو هذا، وقد روي عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة شيء من هذا مرسلاً. وأخرجه ابن مردويه عن أبي بكر، وسعيد بن منصور في سننه عن أنس، وابن مردويه عن عمران،. صحَّحه الألباني في صحيح الجامع، رقم 3720 و3721 و3722. الهيثمي: مجمع الزوائد، مج4/ج7/27. الغزالي: إحياء علوم الدين، تخريج العراقي، 2/409؛ 5/21. المناوي: فيض القدير، حديث 4911 إلى 4918؛ 4/168-169. ابن الأثير: جامع الأصول، 2/268. الشيباني: تمييز الطيِّب، حديث 763، ص108. المعجم المفهرس، 3/224. برنامج سلسلة كنوز السنَّة. العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «شيبتني».
... ... وأورده القطب اطفيَّش في جامع الشمل، وقال محقِّقوه: «انظر الحديث في: (المقاصد الحسنة، 606. وتاريخ بغداد، 3/45. وحلية الأولياء، 4/350. وسنن الترمذي، 2/162. وأسنى المطالب، 797. والجامع الأزهر، 1/254/م. والدرر المنتثرة، 265). (2/227)
صفحة 625
{وَلاَ تَركَنوا إِلىَ الذِينَ ظلموا} أي: لاَ تركنوا إِلىَ القادة والكبراء فيِ ظلمهم، وفيمَا يدعونكم إِلَيْهِ؛ وإذا كَانَ الركون إِلىَ من وُجد مِنْهُ مَا يُسمَّى ظلما كذلك فما ظنُّك بالظلم نفسِه والانهماك فِيهِ، ولعلَّ الآيَة أبلغ مَا يُتصوَّر فيِ النهي عَن الظلم والتهديد عليه؛ {فَتَمَسَّكم النار} وقيل: الركون إِلَيْهِم الرضىَ بكفرهم. عَن الحسن: «جَعَلَ الله الدين بين لاَءَ. يْنِ: وَلاَ تطغوا وَلاَ تركنوا. ويُروى عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحبَّ أن يُعصى الله فيِ أرضه» (1). {وَمَا لكم من دون الله من أَولِيَاء} أي: فتمسَّكم النار وأنتم عَلَى هَذِهِ الحالة، ومعناه: وَمَا لكم من دون الله من أولياء يقدرون عَلَى منعكم من عذابه، {ثمَّ لاَ تُنصرُونَ (113)} لا ينصركم هُوَ، لأَنَّهُ حكم بتعذيبكم، وَلاَ تنصركم آلهتكم من عذابه.
{وأقم الصلاة طرفي النهار} غُدوة وعشيَّة، {وزُلُفا مِنَ الليل} وساعات مِنَ الليل، جمع زُلْفَة: وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، مِن أَزْلَفَه: إِذَا قرَّبه. {إنَّ الحسناتِ يذهبن السَّيِّئَات} أي: الصلوات يذهبنَّ بالصغائر، لِمَا بينهنَّ، مَا اجتنب العبد الكبائر؛ {ذَلِكَ ذِكرَى} أي: الصلوات ذكرى {للذاكرِينَ (114)} لاَ لغيرهم.
{واصبر} عَلَى عبادة الله، {فإنَّ الله لاَ [258] يُضيعُ أجرَ المحسنِينَ (115)} المُوَحِّدين الله.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير وزياداته. (2/228)
صفحة 626
فلولا كَانَ مِنَ القرون مِن قبلكم} أي: فهلاَّ كَانَ مِنَ القرون التِي أهلكناها {أُولو بَقيَّة} أُولو فضل وخير، وسمَّى الفضل والجودة بقيَّة، لأَنَّ الرجل يَستَبقي مِمَّا يَنفعه أجوده وأفضله؛ فصار مثلا فيِ الجودة والفضل؛ ويقال: فلان من بقيَّة القوم، أي: من خيارهم. ومنه قولهم: «فيِ الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا». {ينهون عَن الفساد فيِ الأَرْض} عَجَب مُحَمَّد - عليه السلام - وأمَّته أنَّه لم يكن فيِ الأمم التِي ذكر الله إهلاكهم فيِ هَذِهِ السورة جماعةٌ من أولي العقل والدين ينهون غيرهم عَن الكفر والمعاصي، من غير الرسل وتابعيهم، كما قَالَ: «من المستثنين»؛ {إلاَّ قليلا مِمَّن أنجينا مِنْهُم} استثناء منقطع، أي: ولكن قليلا مِمَّن أنجينا مِنَ القرون، نُهوا عَن الفساد وسائرهم تاركون للنهي. {واتَّبعَ الذِينَ ظَلَموا} أي: التاركون للنهي عَن المنكر، {مَا أُترِفُوا فِيهِ} أي: اتَّبعوا مَا عُرفوا فِيهِ مِنَ التنعُّم والتترُّف من حُبِّ الرئاسة والثروة، وطلب أسباب المعيشة والمال والجاه، ورفضوا الأمر بالمعروف والنهي عَن المنكر وراء ظهورهم، {وكَانُوا مجرمِينَ(116)} اعتراض وحكم عَلَيْهِم بأنَّهم قوم مجرمون.
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ ليهلكَ القرى بظلمٍ} أي: لاَ يصحُّ فيِ الحكمة أن يُهلِك الله القرى التِي ذكرها، وقصَّها فيِ هَذِهِ السورة وغيرها ظالما لها، {وأهلها مصلحُونَ(117)} تنزيها لذاته عَن الظلم.
{ولو شاء رَبُّكَ لجعلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَة} يَأتمُّون بإمام واحد، {وَلاَ يزالون مختلفِينَ(118)} بعضهم عَلَى الحقِّ، وبعضهم عَلَى الباطل.
{ (2/229)
صفحة 627
إلاَّ من رحمَ ربُّك} إِلاَّ ناسا عصمهم الله عَن الاختلاف فيِ الدين، فاتَّفقوا عَلَى دين الحقِّ ولم يختلفوا فِيهِ، {ولذلك خلقهم} أي: وَلِمَا هم عليه مِنَ الاختلاف؛ وقيل: للدين خلقهم؛ وقيل: محصول الآيَة: أهل الباطل مختلفون، وأهل الحقِّ متَّفقون؛ فخلق أهل الحَقِّ للاتِّفَاق، وأهل الباطل للاختلاف. {وتمَّت كلمةُ رَبِّك} وهي قوله للمَلاَئِكَة: {لأملأنَّ جهنَّم مِنَ الجِنَّة والناس أجمعِينَ (119)} لعلمه بكثرة من يختار الباطل (لَعَلَّهُ) منهما.
{وكلاًّ نقصُّ عليك من أنباء الرسل مَا نُثبِّت بِهِ فؤادك} أي: مَا نَقُصُّ الذِي قصصناه عليك، إِلاَّ لتثبيت فؤادك (لَعَلَّهُ) عَلَى الإيمان، لاَ لعبا وَلاَ لهوا وَلاَ عبثا، {وجاءك فيِ هَذِهِ الحقُّ} أي: فيِ هَذِهِ السورة، أو فيِ هَذِهِ الأنباء المقتصَّة، مَا هُوَ حقٌّ، {وموعظة} تَزجُر عَن المخالفة، {وذكرى للمؤمنِينَ (120)} ومعنى تثبيت فؤاده: زيادةُ يقينه، لأَنَّ تكاثر الأدلَّة، أثبت للقلب.
{وقل للذين لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا عَلَى مكانتكم} عَلَى حالكم وجِهَتِكم التِي أَنتُم عليها {إِنَّا عاملُونَ (121)} عَلَى مكانتنا.
{وانتظروا} بنا الدوائر، {إِنَّا منتظرُونَ (122)} أن يَنزِل بكم نحو مَا اقتصَّ الله تعالى مِنَ النقم النازلة بأمثاكم.
{ولله غيبُ السَّمَاوَات والأَرْض} لاَ يخفى عليه مَا يَجري فِيهَا، فلا تَخفى عليه أعمالكم. {وَإِلَيْهِ يُرجع الأمر كلُّه} فلا بدَّ أن يُرجع إِلَيْهِ أمرهم وأمرك، فيهلكهم ويُنجيك، {فاعبده وتوكَّل عليه} فإنَّه كافيك وكافلك، {وَمَا رَبُّكَ بغافل عمَّا تَعْمَلُونَ (123)} أي: أنت وَهُم عَلَى تغليب المخاطب، قيل: خاتمة التَّوْرَاة هَذِهِ الآيَة.
سورة يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (2/230)
صفحة 628
الر تلك آيات الكتاب الْمُبِين (1)}، «تلك»: إشارة إِلىَ آيات السورة؛ و «الكتابُ المبين» السورة؛ أي: تلك الآيات التي أُنزِلت إليك في هَذِهِ السورة، آيات السورة الظاهرِ أثرها فيِ إعجاز العرب؛ أو التي تُبيِّن لمن يُدبِّرها أَنَّهَا من عند الله لاَ من عند البشر؛ أو الواضحة التي لاَ تشتبه عَلَى العرب معانيها.
{إِنَّا أنزلناه قرآنا عربيًّا} (لعلَّه) مفهومًا ومحفوظًا لمن تدبَّره وكرَّره، {لَعَلَّكُم تعقلُونَ (2)} لكي تفهموا معانيه (1)؛ {ولو جعلناه قُرآناً أعجميًّا لقالوا: لولا فُصِّلت آياته} (2).
{نَحْنُ نَقصُّ عليك أحسنَ القصصِ} نُبَيِّنُ لك أحسن البيان؛ والقاصُّ الذِي يأتي بالقصَّة عَلَى حقيقتها، والقصص فيِ كلام العرب: هُوَ اتِّباع الأثر، قَالَ عزَّ وجلَّ: {وقالت لأخته: قُصِّيه} (3) أي: اتَّبعي أثره، وَاللهُ أعلم. {بِمَا أوحينا إليك هَذَا القرآن} أي: بإيحائنا إليك هَذِهِ السورة؛ وإنَّما كَانَ أحسنه لِمَا يتضمَّن مِنَ العبرِ والحِكم، والعجائب التِي ليست فيِ غيرها، {وإن كنتَ مِن قبلِه لَمِن الغافلِينَ (3)} عَن هَذِهِ القصَّة، لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك.
{__________
(1) - ... وضع الناسخ هنا إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب بها شيئًا، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا.
(2) - ... سورة فصِّلت: 44.
(3) - ... سورة القصص: 11. (2/231)
صفحة 629
إذ قَالَ يوسف لأبيه: يا أَبت إِنِّي رأيتُ أحدَ عشر كوكَبًا، والشمسَ والقمرَ} قيل: هما أبواه، والكواكب: إخوته {رأيتُهم لي ساجدِينَ (4)} أي: متواضعين؛ {قَالَ: يا بُنَيَّ، لاَ تَقصُص رُؤياك عَلَى إخوتِك، فيكيدوا لك كيدا} عَرَفَ يعقوب أنَّ الله يصطفيه للنبوَّة ويُنعم عليه بشَرف الدارين، فخاف عليه حسد إخوةٍ (1) بتفطُّنه فيِ عواقب الأمور؛ أو بِوحي مِنَ الله؛ {إنَّ الشيطان للإنسان عدوٌّ مُبِينٌ (5)} ظاهرُ العداوة؛ فيَحمِلُهم عَلَى الحسد والكيد لاَ محالة، مَتَى وجد سبيلا وسببا، وَهَذَا من أسبابه.
{وكذلك} ومثل ذَلِكَ الاجتباء الذِي دَلَّ عليك (2) رؤياك. {يجتبيك ربُّك} يَصطَفِيك؛ والاجتباء: الاصطفاء، افتعال من اجتَبَيتَ الشيء: إِذَا حصَّلته لنفسك، وجَبَيت الماء: فيِ الحوض إِذَا جمعته فِيهِ؛ {ويُعلِّمُكَ من تأويلِ الأحاديث} قيل: تأويل الرؤيا، وتأويلها: عبارتها وتفسيرها؛ أو تأويل أحاديث الأنبياء وكتب الله؛ {ويُتِمُّ نعمتَه عليك} بإتقان الحكمة، {وعلى آل يعقوب} بِأَن وصَل لَهُم نعمةَ الدُّنْيَا بنعمة الآخِرَة؛ أي: جعلهم أنبياء فيِ الدُّنْيَا وملوكًا، ونقلهم عنها إِلىَ الدرجات العلى فيِ الجنَّة؛ وآل يعقوب: أهله، وَهُم نسله وغيرهم؛ وإنَّما عَلِمَ يعقوب أنَّ يوسف يكون نبيًّا، وإخوته أنبياء، استدلالا بضوء الكواكب، أو بوحيٍ مِنَ الله تعالى، فلذا قَالَ: {وعلى آل يعقوب}، وبيانُ تفضيل يوسف عَلَى إخوته بسجود النجوم لَهُ. {كما أتمَّها عَلَى أبويك من قبلُ، إبراهيم وإسحاقَ، إِنَّ رَبَّكَ عليم} يعلم من يَحِقُّ لَهُ الاجتباء، {حكيم (6)} يضع الأشياء مواضعها.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إخوته».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «دلَّت عليه». (2/232)
صفحة 630
لَقَد كَانَ فيِ يوسف وإخوته} أي: فيِ قصَّتهم وحديثهم، {آيات} (1) علامات، ودلالات عَلَى قدرة الله وحكمته فيِ كلِّ شيءٍ آية مكي [كَذَا] {للسائلِينَ (7)} لمن سأل عَن قصَّتهم.
{إذ قَالُوا: لَيُوسُفُ وأخوهُ أحبُّ إِلىَ أبينا مِنَّا ونحن عُصْبَة} أي: إِنَّهُ يُفضِّلُهما فيِ المحبَّة علينا، وهما صغيران لاَ كَفَاءة فيهما، ونحن عشرة رجالٍ كُفَاة نقوم بمرافقه، فنحن أحقُّ بزيادة المحبَّة منهما، لفضلنا بالكثرة [260] والعُصْبَة عليهما؛ وكأنَّ نظرهم اقتصر عَلَى الظاهر والمنفعة الدُّنْيَاويَّة، فلذلك (لعلَّه) قَالُوا: {إنَّ أبانا لفي ضلالٍ مُبِينٍ (8)} (2) وكأنَّ نظرَ أبيهم فيِ الباطن الحقيقيِّ الدينيِّ ــ لِمَا يرى فِيهِ مِنَ المخايل، وبخاصةٍ لمَّا أعلَمَه برؤياه ــ تَفَطُّنٌ فيِ تدبير أمر الدُّنْيَا والدين، ولو وصفوه بالضلالة فيِ الدين لكفروا؛ والعُصْبَة: العشرة فصاعداً.
{اقتلوا يوسفَ أو اطرحوه أرضًا} منكورةً مجهولةً بعيدةً عَن العمران، {يَخْلُ لكم وجهُ أبيكم} يُقبِل عَلَيْكُم إقبالة وَاحِدَة، لاَ يلتفت عنكم إِلىَ غيركم؛ والمُرَاد: سلامة محبَّته لَهُم مِمَّن يشاركهم، فكَانَ ذِكْرُ الوجه لتصوير معنى إقباله عَلَيْهِم، لأَنَّ الرجل إِذَا أقبل عَلَى الشيء أقبل بوجهه؛ وجاز أن يُرَاد بالوجه الذات، كما قَالَ: {ويبقى وجهُ ربِّك} (3)، {وتكونوا مِن بعدِه قوماً صالحِينَ (9)}.
{قَالَ قائل مِنْهُم: لاَ تقتلوا يوسفَ وألقوه فيِ غيابات الجُبِّ} فيِ قعر البئر، وَمَا غاب عَنْهُ من عين الناظر، {يَلتَقِطْه بعض السَّيَّارة} بعض السائرين فيِ الأَرْض، {إن كُنتُم فاعلِينَ (10)} إن كَانَ لاَ بُدَّ لكم مِنَ الفعل بِهِ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يآت»، وهو سهو.
(2) - ... لم يذكر الناسخ هَذَا المقطع من الآيَة، وأضفناها في موضعها حسب اجتهادنا.
(3) - ... سورة الرحمن: 27. (2/233)
صفحة 631
قَالُوا: يا أبانا مَا لك لاَ تأمنَّا عَلَى يوسف وَإِنَّا لَهُ لناصحُونَ (11)} أي: لما (1) تخافنا عليه، ونحن نريد لَهُ الخير ونشفق عليه؛ وأرادوا بقولهم ذَلِكَ ــ لمَّا عزموا عَلَى كيد يوسف ــ استنزاله عَن رأيه وعادته فيِ حفظه مِنْهُم، وفيه دليل عَلَى أنَّه أحسَّ مِنْهُم بِمَا يُوجِب الحذر مِنْهُم عليه، ولكن لا يغني الحذر عمَّا قدَّره الله (لعلَّه) وعلِمهُ فيِ خلقه.
{أرسله معنا غداً يَرْتَعِ} يتَّسع فيِ أكل الفواكه وغيرها؛ والرتْعَة: السَّعة، {ويلعبْ} يرتاض لما يُباح، {وَإِنَّا لَهُ لحافظُونَ (12)} من أن يناله مكروه.
{قَالَ: إِنِّي ليَحْزُنُنِي أن تذهبوا بِهِ، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عَنْهُ غافلُونَ (13)} أَنظُرُ فيِ مَا قضاه الله وقدَّره لاَ بُدَّ من وقوعه وإمضائه، وكأنَّهم صاروا مَعَ أبيهم نازلين بمنزلة التهمة معه بالخيانة فيِ حفظ أخيهم؛ أو لَمَّا أمره بكتمان رؤياه عَنْهُم أَمِنَ عليه مِنْهُم.
{قَالُوا: لئن أكله الذئب ونحن عُصبَةٌ إِنَّا إِذًا لخاسرُونَ (14)} فعلنا بِهِ فعل المخسرين لأنفسهم.
{فَلَمَّا ذهبوا بِهِ وأجمعوا} اجتمع رأيهم جميعا عَلَى {أن يجعلوه فيِ غيابَة الجُبِّ، وأوحينا إِلَيْهِ} قيل: أُوحِيَ إِلَيْهِ فيِ الصغر، كما أوحي إِلىَ عيسى ويحيى، {لتُنبِّئنَّهم بأمرهم هَذَا} بِمَا فعلوا بك، {وَهُم لاَ يشعرُونَ (15)} أنَّك يوسف.
{وجاءوا أباهم عِشَاءً} للاستتار، والتحسُّر على (2) للاعتذار، {يبكُونَ (16)} عن الأعمش (3): «لاَ تُصدَّق باكية بعد إخوة يوسف».
{قَالُوا: يا أبانا إِنَّا ذهبنا نستبق} نتسابق فيِ العدْوِ أو فيِ الرمي، {وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب؛ وَمَا أنت بمؤمن لَنَا} بمصدِّق لَنَا، {ولو كُنَّا صادقِينَ (17)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لِمَ».
(2) - ... «على» إضافة من الناسخ في الهامش، والمعنى كامل بحذفها.
(3) - ... في الأصل: «الاعشمـ غمش»، وهو خطأ. (2/234)
صفحة 632
وجاءوا عَلَى قميصه بدمٍ كَذِبٍ} ذي كذبٍ، {قَالَ: بَل سوَّلت لكمْ أنفُسُكمْ أمراً} عظيما ارتكبتموه، {فصبرٌ جميلٌ} أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أَمثلُ، وَهُوَ مَا لاَ شكوى فِيهِ، وفيه الرضا بالقضاء، {والله المستعان} أي: لاَ يُستَعان بغيره فيِ مهامِّ الأمور، {عَلَى} احتمال {مَا تصفُونَ (18)}.
{وجاءت سيَّارة} رفقة تسير، (لعلَّه) وَهُم: القوم المسافرون، سُمُّوا سيَّارة لأنَّهم يسيرون فيِ الأَرْض [261]، {فأرسلوا واردَهم} هُوَ الذِي يَرِدُ الماء ليستقي للقوم، {فأدلى دلوَه} أرسل دلوه ليملأها، {قَالَ يابُشرَى} (1) نادى البشرى، كأنَّه يقول: تعالَيْ؛ أو هُوَ اسم غلامه، فناداه مضافا إِلىَ نفسه، {هَذَا غلام، وأسرُّوه} الضمير للوارد وأصحابه، أخفوه مِنَ الرفقة، أو غيرهم، {بضاعة} أي: جعلوه متاعاً للتجارة؛ والبضاعةُ: مَا بُضِعَ مِنَ المال للتجارة أي: قُطِعَ، {والله عليمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)} (2).
{وشروه} باعوه {بثمن بَخْسٍ}؛ قيل: حرامٍ، سُمِّي بخسا، لأَنَّهُ مبخوس البركة؛ وقيل: من زيف (3)؛ وقيل: قليل، {دراهم معدودة} قليلة تعدُّ عداًّ وَلاَ توزن، {وكَانُوا فِيهِ} أي: البائعون لَهُ، {من الزاهدِينَ (20)} مِمَّن يرغب عمَّا فيِ يده فيبيعه بالثمن الناقص، لعلَّه لأنَّهم [لم] يعلموا منزلته عند الله.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يابشراي».
(2) - ... في الأصل: «يفعلون» وَهُوَ خطأ.
(3) - ... في الأصل: «ريرف»، وهو خطأ. انظر: أبو السعود: تفسير، مج2/ج2/ص261. (2/235)
صفحة 633
وقال الذِي اشتراه من مصرَ لأمرأته: أَكرمي مثواه} اِجعلي منزله ومقامه عندنا كريما، أي: حسنا مرضيًّا بدليل قوله: {إِنَّهُ (1) رَبِّي أحسن مثوايَ}. وعن الضحَّاك: «بطيب معاشه، ولين رياشه (2)، ووطيء فراشه»؛ وفيه دليل عَلَى أنَّ تصرُّف مَا فيِ البيت بيدها دونه، {عسى أن ينفعنا} إِذَا تدرَّب وراض الأمور، وفهم مجاريها، نستظهر به عَلَى بعض مَا نَحْنُ بسبيله، {أو نتَّخذه ولدا} أو نتبنَّاه ونقيمه مقام الولد. وقيل: كَانَ العزيز عقيما، وقد تفرَّس فِيهِ الرشد، {وكذلك مَكَنَّا ليُوسُف} أي: كما أنجيناه عطَّفنا عليه قلب العزيز، {فيِ الأَرْض ولنعلِّمه من تأويل الأحاديث} أي: كَانَ القدَر مِنَّا، والقضاء السَّابق فيِ إنجائه وتمكينه، إِلىَ أن يُقيم العدل ويدير أمور الناس، ويعلم معانيَ كُتب الله وأحكامه، فيُنفِّذها، وليعلم من تأويل الأحاديث المُبهمة المُنبِّهة عَلَى الحوادث الكائنة، ليستعدَّ لها، ويشتغل بتدبيرها قبل أن تقع، كما أخبر الله عَنْهُ، {والله غالبٌ عَلَى أمره} لاَ يُمنع عمَّا يَشَاء لخلقه وبخلقه وفي خلقه، {ولكنَّ أكثر الناس لاَ يَعْلَمُونَ (21)} أنَّهُ مَا قدَّره الله لا محالة وقوعه.
{وَلَمَّا بلغ أشُدَّه} منتهى إشداد (3) قوَّته، يصلح مَا (4) يصلح لَهُ الرجال الصالحون، {آتيناه حكما وعلما} حكمةً، وَهُوَ العلم مَعَ العمل، واجتناب مَا يجهل فِيهِ، أو حُكمًا بين الناس وَفِقهًا، {وكذلك نجزي المحسنِينَ (22)} أي: من طُلاَّب العلم للعمل، تنبيه عَلَى أنَّه كَانَ محُسناً فيِ عمله، متَّقيًا فيِ عنفوان أمره.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إنَّ»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... راش، ريشا: جمع المال والأثاث. رجل راش: ذو مال. الريش: الأثاث. الرِّيش: الخصب. الريَّاش: ما كان فاخرا من الأثاث، المال الخصب. رجل أريش: ذو مال وكسوة.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اشتداد».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لِما». (2/236)
صفحة 634
وراودته التِي هُوَ فيِ بيتها عَن نفسه} أي: طلبته لنفسها، {وغلَّقت الأبواب} للخلوة بِهِ، {وقالت هيتَ لك} هُوَ اسم لـ«تعال» و«أَقبِلْ»، {قَالَ معاذَ الله} أعوذ بالله معاذاً أي: ألوذ بِهِ ملاذاً،{إِنَّهُ ربِّي} سندي ومالكي، وقيل: الضمير لله، {أحسنَ مثوايَ} حين قَالَ لكِ: «أكرمي مثواه»؛ فما حقُّه أن أخونه فيِ أهله، {إِنَّهُ لاَ يُفلِح الظالِمُونَ(23)} الخائنون.
{وَلَقَد هَمَّت بِهِ} همَّ: عزم وفعل، {وَهَمَّ بها} همَّ: طيع مَعَ الامتناع، ولا صنع للعبد فيِ مَا يخطر بالقلب، ولامؤاخذة عليه، ولو كَانَ كهمِّها لَمَا مدحه الله تعالى أَنَّهُ من عباده المخلصين، {لولا أَن رأى بُرهان ربِّه} لكَانَ مَا كَانَ، {كذلك لنَصرِفَ عَنْهُ السوءَ والفحشاءَ} ليتَّضح خلاصه وإخلاصه، وَأَنَّهُ قد ثبت قدَمُه فيِ المَقَام الأعلى، لمجاهدة نفسه مجاهدة أُولي العزم، (لعلَّه) ناظرا فيِ دلائل التوحيد [262] حتَّى استحق مِنَ الله الثناء، {إِنَّهُ من عبادنا المخلصِينَ(24)} بفتح اللاَّم حيث كَانَ، أي: الذِينَ أخلصهم الله لطاعته؛ وقيل: بكسرها، أي: الذِينَ أخلصوا دينهم .
{ (2/237)
صفحة 635
واستَبَقَا البابَ} تسابقا إِلَيْهِ، هِيَ للطلب، وَهُوَ للهرب، {وقدَّت قميصَه مِن دُبُر} مِن خلفِه، فانقدَّ، أي: انشقَّ حِينَ هرب منها إِلىَ الباب، وتبعته لتمنعه؛ {وألفيا سيِّدها لَدَى الباب} صادَفاه مُقبِلاً، فَلَمَّا رَأَته احتالت لِتبرِئَة ساحتها عند خُروجِها (1) مِنَ الريبة ولتخويف (2) يوسف طمعا فيِ أن يُواطِئها خِفيَةً مِنها ومن مَكرِها، حيث {قالت: مَا جزاءُ مَن أَرَادَ بأهلِك سُوءا، إِلاَّ أن يُسجَن أو عذاب أليم (25)}، أي: ليس جزاءَه إِلاَّ السجنُ أو عذابٌ أليمٌ: وَهُوَ الضرب بالسياط؛ ولم تُصرِّح بذكر يوسف، وأنَّهُ أَرَادَ بها سوءًا، لأنَّها قصدت العموم، أي: كلُّ من أَرَادَ بأهلك سوءًا لحقه كذلك، لأنَّ ذَلِكَ أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف، وَلَمَّا عَرَّضَت للسجن والعذاب دفع عَن نفسه.
{قَالَ: هِيَ راودَتنِي عَن نفسي؛ وشَهِدَ شاهد مِن أهلِها}، إِنَّمَا ألقى الله الشهادة عَلَى لسانٍ مِن أهلها، لِتَكون أوجَبَ للحجَّة، وأوثق لِبراءَة يُوسف؛ قيل: كَانَ صبيًّا فيِ المهد؛ وسمَّى قوله شهادة، لأَنَّهُ أدَّى مُؤدَّى الشهادة فيِ أن ثبت بِهِ قولَ يُوسفَ، وبطل قولها، {إن كَانَ قميصُه قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَت وَهُوَ مِنَ الكاذبِينَ (26)؛ وإن كَانَ قميصه قُدَّ مِن دُبُرٍ فكَذَبت وَهُوَ مِنَ الصادقِينَ (27)} كأنَّ الشهادة قِيَاس نظريٌّ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «عند زوجها من الريبة». انظر: الزمخشري جار الله محمود ابن عمر: الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، رتَّبه وضبطه وصحَّحه: مصطفى حسين أحمد، الطبعة الثانية، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1373هـ / 1953م، 2/ 357.
(2) - ... في الأصل: «والتخويف»، وهو خطأ. (2/238)
صفحة 636
فَلَمَّا رأى} سيِّدُها {قميصَه قُدَّ من دُبُرٍ}، وعَلِم بَراءة يوسف بِإلهام عَقليٍّ، أو بحجَّة الشهادة، {قَالَ: إِنَّهُ من كَيدِكُنَّ، إنَّ كَيدَكُنَّ عظيمٌ (28)} لأنَّهنَّ ألطفُ (1) كيدًا وأعظمُ حِيلةً.
{يُوسفُ} حذف مِنهُ حرف النداء، [وهو] مُنادَى قريب مفاطن للحديث؛ وفيه تَقريب لَهُ وتلطيف لِمحلِّه، {أعرِضْ عَن هَذَا} الأمر واكتمه وَلاَ تُحدِّث بِهِ، ثُمَّ أقبل لامرأته فقال: {واستغفري لِذنبِك إنَّك كُنتِ مِنَ الخاطئِينَ (29)}.
{وقال نِسوَة فيِ المدينة: امرأةُ العزيز تُراوِد فَتاها عَن نفسه قد شَغَفها حُبًّا} أي: خَرق حُبُّه شِغَاف قَلبِها، حتَّى وصل إِلىَ الفؤاد، والشِّغاف: حِجَاب القلب، أو جِلدَة رَقِيقة يُقالُ لها: لِسَان القلب، وقيل: قلبها حبّه (2) حتَّى لاَ تعقل سواه؛ {إِنَّا لَنَراها فيِ ضلالٍ مُبِين (30)} فيِ خطإ، وبُعدٍ بَيِّنٍ عَن طريق المحجَّة.
{__________
(1) - ... يعني ألصق وأقرب.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وقيل: شغف قلبَها حبُّه حتَّى ... ». (2/239)
صفحة 637
فَلَمَّا سمعت بِمكرهنَّ} باغتِيابهنَّ، وقَولهنَّ: «امرأة العزيز عَشقَت عَبدَها الكنعانيَّ». ويسمَّى الاغتياب: مكراً لا (1) فيِ خفية وحال غيبة، كما يُخفي الماكر مَكره، {أرسَلَت إِلَيْهِنَّ} دعَتهنَّ، {وأعتدَت} هيَّأت {لَهُنَّ مُتَّكأً} مَا يَتَّكِئن عليه من نَمارِق، {وآتت كلَّ وَاحِدَة مِنهُنَّ سِكِّيناً}؛ قيل: كَانُوا لاَ يأكلون فيِ ذَلِكَ الزمان إِلاَّ بالسكاكين؛ {وقالت: اخرُج علَيهِنَّ، فَلَمَّا رأينه أكبرنه} عظَّمنه {وقطَّعن أيدِيَهنَّ} جَرحنَها {وقُلنَ: حاشَ لله مَا هَذَا بشرًا إن هَذَا إِلاَّ مَلكٌ كَريم (31)} نَفَيْن عَنْهُ البشَرِيَّة، لِغرابَة جَمالِه، وأثبَتنَ لَهُ المَلَكِيَة، وثبَّتن بها الحكم، لِمَا رَكَزَ فيِ الطباع أنْ لاَ أحسنَ مِنَ المَلَكِ، كما رَكَزَ فِيهَا أنْ لاَ أقبح مِنَ الشيطان.
[263] {قالت: فذلكُنَّ الذِي لُمتُنَّنِي فِيهِ} (لعلَّه) بالافتِتَان بِهِ قبل أن تَنظُرن إلى صورَته، {وَلَقَد راودتُه عَن نَفسِه} (لعلَّه) إِقْرَارا بما فعلَت، {فاستَعصَم} بالعُروَة الوُثقَى عَن النزول فيِ المهاوي؛ {ولئن لم يفعل مَا آمُرُه ليُسجَننَّ، ولَيَكونًا مِنَ الصاغرِينَ (32)}.
{قَالَ: رَبِّ السجنُ أحَبُّ إليَّ مِمَّا يَدعونَني إِلَيْهِ}، قيل: افتُتِنَت كلُّ واحدةٍ بِهِ، فدعته إِلىَ نَفسِها سِرًّا، فالتجأَ إِلىَ ربِّه، وقال: «رَبِّ نُزولُ السجنِ والضيقِ أحبُّ إليَّ مِنَ السعَةِ ورُكوبِ المعصِيَة»، {وَإِلاَّ تَصِرفْ عَنِّي كَيدَهُنَّ} فزعٌ منه إلى الله في طلب العصمة، {أَصبُ إِلَيْهِن} أَمِل إِلَيْهِنَّ، والصبوَةُ: الميلُ إِلىَ الهوى؛ {وأكُن مِنَ الجاهلِينَ (33)} مِنَ الذِينَ لاَ يَعمَلُونَ بِمَا يَعلَمُونَ، لأنَّ مَن لاَ جَدوَى لِعِلمِه، فهو ومن لاَ يعلم سواء، وَهُوَ مِنَ السفَهاء.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «لأنَّه». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 361. (2/240)
صفحة 638
فاستَجاب لَهُ رَبُّه، فصرف عَنْهُ كيدَهنَّ} مَا دعونه إِلَيْهِ؛ {إِنَّهُ هُوَ السميع العليم (34)} بدعوات الملجين (1) إِلَيْهِ.
{ثُمَّ بَدا لَهُم} أي: ظهر لَهُم رأيٌ شيطانيٌّ، {من بعد مَا رأوا الآيات} وَهِي (لعلَّه) الشواهد (2) عَلَى براءته، {ليَسجُنَنَّه} لإبلاء عُذرِ الحال [كذا]، وإرخَاءِ الستر ِعَلَى القِيل والقَال، {حتَّى حِينَ (35)}.
{ودخل معه السجنَ فتيانِ قَالَ أحدُهما: إِنِّي أرانِي} أي: فيِ المنام {أعصر خمرًا} عنبًا. {وقال الآخر: إِنِّي أرانِي أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير مِنْهُ؛ نبِّئنا بتأويله إِنَّا نراك مِنَ المحسنِينَ (36)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الملتجئين». ولعلَّه من «لجَّ» أي: ألحَّ في الطلب.
(2) - ... في الأصل: «الشهواهدلَعَلَّهُ الشوا» كتبت هكذا فوق كلمة «الشهواهد». (2/241)
صفحة 639
قَالَ لاَ يأتيكما طعام تُرزَقَانِه إِلاَّ نبَّأتكما بتأويله} ماهيته وكيفيته، {قبل أن يأتيَكما} لمَّا استعبراه ووصَفاه بالإحسان، افترضَ ذَلِكَ، فوصل بِهِ وصفَ نفسِه بِمَا هُوَ فوق علم العلماء، وَهُوَ الإخبار بالغيب، وأنَّهما يُنبِّئهما بِمَا يُحمَل إِلَيْهِما مِنَ الطعام فيِ السجن قبل أن يأتيهما، ويصفه لهما ويقول: «اليوم يأتيكما طعام من صفته كذا وكذا، فيكون كذلك». وجعل ذَلِكَ تخلُّصًا أن يذكر لهما التوحيد، ويعرض عليهما الإيمان، ويُزيِّنه لهما، ويقَبِّح إِلَيْهِما الشرك، (لعلَّه) ويكون ذَلِكَ أدعى مِمَّا سألاه، لأنَّ ذَلِكَ أمر دنياويٌّ، وأمر التوحيد يُصلِح أمر الدارين؛ وفيه: أنَّ العالم إِذَا جُهلَت منزلته فيِ العلم، فوصف نفسه بِمَا هُوَ بصددِه، وغرضُه أن يُقتبس مِنْهُ، لم يكن من باب التزكية، {ذلكما} إشارة لهما إِلىَ التأويل، {مِمَّا علَّمني ربِّي} ولم أقله عَن تكهُّن وتنجُّم؛ {إِنِّي تركت ملَّةَ قوم لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُم بالآخِرَة هم كَافِرُونَ (37)} أي: علَّمني ذَلِكَ، لأنِّي رفضت ملَّة أُولَئِكَ.
{واتَّبعتُ ملَّة آبائي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ} وَهِي الملَّة الحنيفيَّة؛ يذكر الآباء ليريهما أنَّه من بيت النبوَّة، وليُقوِّي رغبتهما فيِ اتِّباع قوله، {مَا كَانَ لَنَا} مَا صحَّ لَنَا معشر الأنبياء {أن نشرك بالله من شيء} من صنم أو شيطان أو نفس أو هوًى؛ {ذَلِكَ} التوحيد {من فضل الله علينا وعلى الناس} (لعلَّه)، أي: ليس ممنوعا (1) أحدٌ مِنَ الناس فضلُه، {ولكنَّ أكثر الناس لاَ يشكرُونَ (38)} نعمته وفضله، فينتفعوا بهما، كما ينتفع بذلك من شكر؛ وإعلامٌ أن ليس لأحد فضل عَلَى غيره، إِلاَّ بسبب علمه كما قَالَ: {إنَّ أكرمَكم عند الله أتقاكم} (2) وَلاَ ينتبهون أنَّهم مشركون [264] هالكون.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ممنوع»، وَهُوَ خطأ لأنَّه خبر ليس.
(2) - ... سورة الحجرات: 13. (2/242)
صفحة 640
يا صاحبَيِ السجنِ} يا ساكنَيِ السجن؛ كقوله: {أصحاب النار}، {أَأَربابٌ متفرِّقون} (لعلَّه) وَهِي الأهوية المتجاذبة لصاحبها، {خيرٌ أمِ الله الوَاحِد القهَّار (39)} يريد التفرُّق فيِ العدد والتكاثر، أي: أن تكون أرباب شتَّى، يستعبِدُكُما هَذَا، ويستعبدُكُما هَذَا، خير لكما أم يكون لكما ربٌّ وَاحِد قهَّار، لاَ يُغلب وَلاَ يُشارك فيِ الربوبيَّة؛ وهذا مثلٌ ضربه لعبادة الله وحده، ولعبادة الأصنام المتفرِّقين عَلَى قدر الأهوية؛ ولا بدَّ للعبد أنَّ يَعبُد إمَّا رباًّ واحدا يؤول نفع عبادته إِلَيْهِ، وَإمَّا أن يَعبُد أربابا متفرِّقين، أي: يتَّبع هوى نفسه بغير حقٍّ، ثُمَّ يرجع وبالُ عبادته عَليه، كما قَالَ: {وَلَقَد خلقنا الإنسان فيِ كبدٍ} (1).
{مَا تعبدون} خطابٌ لهما، ولمن كَانَ عَلَى دينهما، {من دونه إِلاَّ أسماءً سمَّيتموها أَنتُم وآباؤُكم} أي: سمَّيتم ما لاَ يستحقُّ الإلهيَّة آلهة، باسم أو معنًى أو شبه، ثُمَّ عكفْتُم عَلَى عبادتها، فكأنَّكم لاَ تعبدون إِلاَّ أسماء لاَ مُسمَّيات تحتها؛ ومعنى {سمَّيتموها}: سمَّيتم بها آلهة معبودة مُستحقَّة للعبادة من دون الله بزعمكم، (لعلَّه) وهي أمثال تمثَّلوها فيِ قلوبهم صوراً ليست بشيء، ولكنَّها كالخيال لاَ يثمر نفعا بَل عذابا (2)، {مَا أنزل اللهُ بها} بتسميتها {من سلطان} حجَّة، {إنِ الحُكْمُ} فيِ أمر العبادة والدين، {إِلاَّ لله}؛ ثُمَّ بيَّن مَا حكم بِهِ فقال: {أمر أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إيَّاه} وتخلعوا مَا سواه، {ذَلِكَ الدين القيِّم} الثابت المُسْتَقِيم، الذِي دلَّت عليه البراهين، {ولكنَّ أكثر الناس لاَ يَعْلَمُونَ (40)} وهذا يدلُّ عَلَى أنَّ العقوبة تلزم العبد وإن جهل، إِذَا أمكن لَهُ العلم بطريقه.
{__________
(1) - ... سورة البلد: 4.
(2) - ... في الأصل: «عذاب»، وَهُوَ خطأ. (2/243)
صفحة 641
يا صاحبَيِ السجنِ أَمَّا أحدُكما فيَسقِي رَبَّه خمرًا} أي: يعود إِلىَ عمله، {وأمَّا الآخر فيُصلَب فتأكلُ الطيرُ من رأسه}؛ وَلَمَّا سمع الخبَّاز صَلبه قَالَ: مارأيت شَيْئًا (1)، فقال يوسف: {قُضِيَ الأمر الذِي فِيهِ تستفتيان (41)} أي: قُطِع وتمَّ مَا تستفتيان فِيهِ من أمركُمَا إِلىَ مَا يجرُّ إليه مِنَ التأويل، وهي (2) هلاك أحدهما ونجاة الآخر.
{__________
(1) - ... العبارة غير واضحة، ويوضِّحها ما أخرجه «جماعةٌ منهم الحاكم وصحَّحه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، إنَّما تحالما، ليجرِّبا علمه، فلمَّا أوَّل رؤياهما، قالا: إِنَّمَا كنَّا نلعب ولم نر شيئًا، فقال عليه السلام: قُضي الأمر ... ». انظر: أبو الفضل شهاب الدين السيِّد محمود الألوسي البغدادي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، نشر وتصحيح وتعليق إدارة الطباعة المنيريَّة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، د. ت، 12/ 246.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «وهو». (2/244)
صفحة 642
وقال: للذي ظنَّ أَنَّهُ ناج منهما} الظَّانُّ: هُوَ يوسف عليه السلام، إن كَانَ تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كَانَ (1) بطريق الوحي فالظَّان هُوَ الشرابيُّ، أو يكون الظنُّ بمعنى اليقين، {اذكرني عند رَبِّك} صِفْنِي عند المَلِك بصفتي، وقُصَّ عليه قِصَّتي لعلَّه يُخلِّصني من هذا الحال، {فأنساه الشيطان} فأنسى الشرابيَّ {ذِكْرَ رَبِّه} أن يذكره لربِّه، أو فأنسى يوسفَ ذكر الله حين وَكَّلَ أمرَه إِلىَ غيره. وفي الحديث: «رحم الله أخي يوسف لو لم يقل: اذكرني عند رَبِّكَ لما لبث فيِ السِّجن بضع سنين» (2)، {فَلَبِثَ فيِ السجن بضعَ سنِينَ (42)}، أي: سبعاً عند الجمهور، وَهُوَ مَا بين الثلاث إِلىَ التِّسع.
{__________
(1) - ... في الأصل: «كا»، وهو سهو.
(2) - ... روى الطبرانيُّ وابن مردويه عن ابن عبَّاس: «عجبتُ لصبر أخي يوسف وكرمه، والله يغفر له، حيث أرسل ليُستفتى في الرؤيا، ولو كنتُ أنا لم أفعل حَتَّى أخرج، وعجبتُ لصبره وكرمه، والله يغفر له، أُتي ليخرج فلم يخرج حَتَّى أخبرهم بعذره، ولو كنتُ أنا لبادرتُ الباب، ولولا الكلمة لَمَا لبث في السجن حيث يبتغي الفرج من عند غير الله». صحَّحه الألباني في صحيح الجامع، رقم 3984. برنامج سلسلة كنوز السنَّة. (2/245)
صفحة 643
وقال الملك: إِنِّي أرى سَبعَ بقراتٍ سِمَانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عجافٌ، وسَبعَ سنبلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابساتٍ} لمَّا دنى فَرَجُ يوسف، رأى الملِك رؤيا عجيبة هالته، فاستفتى فيِ تعبيرها، فقال: {يَا أَيُّهَا الملأ أفتوني فيِ رؤيايَ إن كُنتُم للرؤيا تعبرُونَ (43)} حقيقة تعبير الرؤيا: ذِكرُ عاقبتِها، وآخِرِ أمرها، كما تقول عبرتُ [265] النهر إذا قطعته حتَّى تبلغ آخر (لَعَلَّهُ) عرضه، وَهُوَ عُبْرُه (1)، ونَحوُهُ أوَّلتُ الرؤيا، إِذَا ذكرتُ مآل عاقبتها.
{قَالُوا: أضغاثُ أحلامٍ} أي هي: أضغاث أحلام أي: تَخَاليطها وأباطيلها، وَمَا يكون منها حديث نفس، أو وسوسة شيطان؛ وأصل الأضغاث: مَا جُمِعَ من أخلاط النبات، {وَمَا نَحْنُ بتأويل الأحلام بِعَالِمِينَ (44)} أرادوا بالأحلام: المنامات الباطلة، إِنَّمَا التأويل للمنامات الصحيحة، أو اعترفوا بقصور عِلمِهِم، وأنَّهُم ليسوا بتأويل الأحلام بنحارير.
{وقال الذِي نجا} مِنَ القتل {منهما} مِن صاحبَيِ السِّجن، {وادَّكر} (بالدَّال)، هُوَ الفصح (2)، وأصله: اذتكر؛ وقيل: وادَّكر معناه: تذكَّر يوسفَ، وَمَا شاهد مِنْهُ، {بعد أُمَّة} بعد مدَّة طويلة: {أنا أنبِّئكم بتأويله، فأرسلونِ (45)} فابعثوني إليه لأسأله.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل مع الشكل، وأوردها صاحب اللسان بكسر العين وفتحها لا بالضمِّ، حيث قال: «عَبَر الرؤيا يعبُرها عَبرًا وعِبارة وعبَّرها: فسَّرها، وأخبر بما يؤول إِلَيهِ أمرها، وَفيِ التنزيل العزيز: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} أي إن كنتم تعبرون الرؤيا، فعدَّاها باللام ... قال الزجَّاج: هَذِهِ اللام أدخلت عَلَى المفعول للتبيين ... وَقِيلَ: أُخِذ هَذَا كلُّه من العِبر، وَهُوَ جانب النهر، وعِبر الوادي وعَبره ــ الأخيرة عن كراع ــ: شاطئه وناحيته». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 667. مادَّة «عبر».
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «وهو الفصيح». (2/246)
صفحة 644
يُوسُفُ، أَيُّهَا الصدِّيق} البليغ في الصدق، {أفتنا فيِ سَبعِ بقرات سِمَانٍ يأكلُهنَّ سَبعٌ عجافٌ وَسَبعِ سنبلاتٍ خُضرٍ وأُخَرَ يابساتٍ لَعلِّي أرجع إِلىَ الناس لَعَلَّهُم يَعْلَمُونَ (46)}.
{قَالَ: تزرعون (1) سبعَ سنين دأبًا} عَلَى عادتكم المستمرَّة، {فما حصدتم فذَرُوه فيِ سنبلِه} كَيْلاَ يأكله السوس، {إِلاَّ قليلا مِمَّا تأكلُونَ (47) ثُمَّ يأتي من بعد ذَلِكَ سبعٌ شدادٌ يأكلنَ مَا قدَّمتم لهنَّ إِلاَّ قليلا مِمَّا تُحصِنُونَ (48)} تُحرِزُونَ وتُخَبِّئونَ لبذر الزراعة، (لعلَّه) أي: يأكل أهلهنَّ مَا ادَّخرتم لأجلهنَّ.
{ثمَّ يأتي من بعد ذَلِكَ عام فِيهِ (2) يُغَاثُ الناس، وفيه يَعصِرُونَ (49)} العنب والزيتون والسمسم، فيتَّخذون الأشربة والأدهان.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أتزرعون»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «عافية»، وهو خطأ. (2/247)
صفحة 645
وقال الملك: ائتوني بِهِ؛ فَلَمَّا جاءه الرسول} ليُخلِّصه مِنَ السجن، {قَالَ: ارجع إِلىَ رَبِّك} الملك، {فاسأله مَا بالُ النسوة اللاتي قطَّعن أيديهنَّ}، إِنَّمَا تثبَّت وتأنَّى فيِ إجابة الملك، وقدَّم سؤال النسوة، ليُظهِر براءة ساحته عمَّا قُرِف بِهِ وسُجِنَ فِيهِ، لئلاَّ يتسلَّق بِهِ الحاسدون إِلىَ تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلَّمًا إِلىَ حطِّ منزلته لديه، ولئلاَّ يقولوا: ما خلَد فيِ السجن بضع سنين إِلاَّ لأمر عظيم وجُرمٍ كبيرٍ؛ وفيه دليل عَلَى أنَّ الاجتهاد فيِ نفي التُّهَمِ واجب وجوب اتِّقاء الوقوف فيِ مواقفها. وعنه عليه الصلاة والسلام: «لَقَد عجبت من يوسف وكَرَمِه وصبره، وَاللهُ يَغْفِر لَهُ؛ سُئِلَ عَن البقرات، ولو كنتُ مكانه مَا أخبَرتُهُ، حتَّى أشترِطَ أنْ يخبروني (لعلَّه يخرجوني)؛ وَلَقَد عَجِبتُ مِنْه حين أتاه الرسول، قَالَ: ارجع إِلىَ ربِّكَ، ولو كنتُ مكانه، ولبثتُ فيِ السجن مَا لبثت (1) ، لأسرعتُ الإجابةَ، وبادرتُهُم الباب، وَلَمَا ابتغيتُ القدر؛ وإنَّه كَانَ لحليما ذا أناة» (2) .
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «لَبِثَ».
(2) - ... لم أعثر عَلَيه بهذا اللفظ، وَإِنَّمَا لفظ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى، قَالَ أَوْ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ. وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ». كتاب أحاديث الأنبياء، 3121، 3135؛ وَفيِ كتاب تفسير القرآن، 1326؛ كتاب التعبير، 6477. مسلم: كتاب الإيمان؛ كتاب الفضائل. الترمذي: كتاب تفسير القرآن. ابن ماجه: كتاب الفتن. أحمد: باقي مسند المكثرين. (2/248)
صفحة 646
ومن كرمه وحسن أدبه أنَّه لم يذكر سيِّدته مَعَ مَا صنعت بِهِ، وتسبَّبت فِيهِ مِنَ السجن والعذاب؛ واقتصر عَلَى ذكر المقطِّعَاتِ أيدِيهِنَّ، {إنَّ رَبِّي بكيدِهنَّ عليم(50)} أي: أنَّ كيدهنَّ عظيم.
{قَالَ: مَا خطبُكُنَّ إذ راودتُنَّ يوسُفَ عن نفسهِ}؟ هل وجدتنَّ مِنْهُ ميلاً إليكنَّ؟ {قلن: حاش لله} تعجُّبًا من قدرته عَلَى خلق عفيف مثله، {مَا علمنا عليه من سوء. قالت امرأة العزيز: الآن حصحصَ الحَقُّ} ظهر واستقرَّ، {أنا راودتُهُ عَن نفسه وَإِنَّهُ لَمنَ الصادقِينَ(51)} فيِ قوله: {هِيَ راودتني [266] عَن نفسي}، وَلاَ مزيد عَلَى شهادتهنَّ لَهُ بالبراءة والنزاهة، واعترافهنَّ عَلَى أنفسهنَّ، لأَنَّهُ لم يتعلَّق بشيء مِمَّا قُرِف بِهِ.
ثُمَّ رجع الرسول إِلىَ يوسف، وأخبره بكلام النسوة، وإِقْرَار امرأة العزيز وشهادتها عَلَى نفسها؛ فقال يوسف: {ذَلِكَ} أي امتناعي مِنَ الخروج، والتثبُّت لظهور البراءة، {ليعلم} العزيز {أَنِّي لم أخنْهُ بالغيب}، أو ليعلم الملك أَنِّي لم أخن العزيز، {وأنَّ الله} وليعلم أنَّ الله {لاَ يهدي كيد الخائنِينَ(52)} لاَ يُسدِّدُه؛ وكأنَّه تعريض بامرأته فيِ خيانتها، وأمانة زوجها؛ ثُمَّ أَرَادَ أنْ يتواضع لله، ويهضم نفسه لِئلاَّ [يكون] لها مزكِّيًا، وليُبَيِّنَ أنَّ مَا فِيهِ مِنَ الأمانة بتوفيق الله.
{وَمَا أُبرِّئ نفسيَ} من الزلل، إِلاَّ أن يعصم الله، {إنَّ النفسَ لأمَّارة بالسوء} من حيث أَنَّهَا بالطبع مائلة إِلىَ الشهوات، فتهمُّ بها، ويجب استعمال القوَى والجوارج فيِ أمرها كلَّ الأوقات، {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} يعني: أنَّ طبعها وديدنها الأمرُ بالسوء، وَلاَ تأمر بخير، ولكنَّ رحمة رَبِّي التِي تنبِّه عَلَى ذكر الله بمقاومة العقل لها، مَا دام غالبًا، {إنَّ رَبِّي غَفُورٌ} لمن كفَّ نفسه عَن المكروه، {رحيمٌ(53)} لمن طهَّرها وزكَّاها، ولجمها عَن إرادتها.
{ (2/249)
صفحة 647
وقال الملك: ائتونِي بِهِ أستخلِصُه لنفسي} أجعله خالصًا لنفسي. {فَلَمَّا كلَّمه} وشاهد مِنْهُ مَا لم يحتسب، {قَالَ: إِنَّكَ اليوم لدينا مكينٌ} ذو مكانةٍ ومنزلةٍ، {أمِينٌ (54)} عَلَى كلِّ شيء.
{قَالَ: اجعلني عَلَى خزائن الأَرْض إِنِّي حفيظٌ} أمين، أحفظ مَا تستحفِظنِيهِ، {عليمٌ (55)} عالمٌ بوجوه التصرُّف. وصف نفسه بالأمانة والكفاية، وهما طلبة الملوك مِمَّن يُولُونه؛ وإنَّما قَالَ ذَلِكَ ليتوصَّل إِلىَ إمضاء أحكام الله، وإقامة الحقِّ وبسط العدل، والتمكُّن مِمَّا لأجله بُعِثَ الأنبياء إِلىَ العباد؛ ولعلمه أنَّ أحدًا غيره لاَ يقوم مقامه فيِ ذَلِكَ، فطلبُهُ ابتغاءَ وجه الله، لاَ لحبِّ المُلكِ والدُّنْيَا؛ وفيه دليل عَلَى أنَّه يجوز أنْ يتولَّى الإنسان عملاً من يد سلطانٍ جائرٍ، وقد كَانَ السلف يتولَّون القضاء من جهة الظلمة، وإذا علم النبيُّ أو العالم أنَّه لاَ سبيل إِلىَ الحُكمِ بأمر الله، ودَفعِ الظلمِ إِلاَّ بتمكُّن (1) الملك الكافر أو الفاسق، فله أنْ يستظهر بِهِ. وقيل: كَانَ الملك يُصدِر عَن رأيه وَلاَ يتعرَّض عليه فيِ كلِّ مَا رأى؛ فكَانَ فيِ حُكمِ التابع لَهُ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بتمكين». (2/250)
صفحة 648
وكذلك} ومثل ذَلِكَ التمكين الظاهر {مكَّنَّا ليوسف فيِ الأَرْض}، التمكين: الاقتدار وإعطاء المكنة، {يتبوَّأُ منها حيث يَشَاء} أي: كلَّ مكَانٍ أَرَادَ أن يتَّخذه منزلاً، لم يُمنع مِنْهُ لاستيلائه عليها، {نُصِيبُ برحمتنا} بعطائنا فيِ الدُّنْيَا، مِنَ المُلكِ والغنى وغيرهما، من النِّعَمِ {من نشاء}، من اقتضت الحكمة أن يُشَاء لَهُ ذَلِكَ، {وَلاَ نُضيع أجر المحسنِينَ (56)} فيِ الدُّنْيَا {ولأجرُ الآخِرَةِ خيرٌ للذين آمنوا وكَانُوا يتَّقُونَ (57)} المكرهات (1)؛ قيل: إنَّ المؤمن يُثاب عَلَى حسناته فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، كما أنَّ الفاجر يُعذَّب بذنوبه فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، وإن نالته مسرَّة ظاهرة فيِ الدُّنْيَا، فذلك غرور واستدراج.
{وجاء إخوة يوسفَ، فدخلوا عليه فعرفهم وَهُم [267] لَهُ منكرُونَ (58)} أي: عرفهم يوسف ولم يعرفوه.
{وَلَمَّا جهَّزهم بِجَهَازِهِم} أعطى كلَّ وَاحِدٍ حِملَ بعير، {قَالَ: ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم، أَلاَ ترون أَنِّي أُوفيِ الكيل وأنا خير المنزلِينَ (59)} كَانَ قد أحسن إنزالهم وضيافتهم، [و] رغَّبهم بهذا الكلام على الرجوع إِلَيْه.
{فإن لم تأتوني بِهِ فلا كيل لكم عندي} فلا أبيعكم طعامًا، {وَلاَ تقربوني (60)} (لعلَّه) وَلاَ تغشون داري. {قَالُوا: سنُرَاوِد عَنْهُ أباه} سنخادعه عَنْهُ ونحتال، حتَّى ننتزعه من يده، {وَإِنَّا لفاعلُونَ (61}.
{وقال لفتيانه} أي: لغلمانه الكيَّالين {اجعلوا بضاعتهم فيِ رحالهم} أوعيتهم، {لَعَلَّهُم يعرفونها}، يعرفون حقَّ ردِّها، وحقَّ التكرُّم بإعطاء البدلين، {إِذَا انقلبوا إِلىَ أهلهم}، وفرغوا رحالهم، {لَعَلَّهُم يرجعُونَ (62)} لعلَّ معرفتهم بذلك تدعوهم إِلىَ الرجوع إلينا.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المكروهات». (2/251)
صفحة 649
فَلَمَّا رجعوا إِلىَ أبيهم} بالطعام، وأخبروه بما فعل، {قَالُوا: يا أبانا مُنِعَ مِنَّا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتلْ} نرفع المانع من الكيل، ونكتل مِنَ الطعام مَا نحتاج إِلَيْهِ، {وَإِنَّا لَهُ لحافظُونَ(63)} عَن المكروه.
{قَالَ: هل آمنكم عليه إِلاَّ كما أمِنتُكم عَلَى أخيه من قبلُ}؟ وقد قلتم فيِ يوسف: «وَإِنَّا لَهُ لحافظون»؛ {فالله خير حافظا وَهُوَ أرحم الراحمِينَ(64)}.
{ وَلَمَّا فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدَّت إِلَيْهِم قَالُوا: يا أبانا مَا نبغي} «مَا» للنفي، أي: مَا نبغي فيِ القول، وَلاَ نتجاوز الحقَّ وأمانته شَيْئًا وراء مَا فعل بنا مِنَ الإحسان، {هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّت إلينا، ونَمِير أهلَنا ونحفَظُ أخانا، ونزدادُ كيلَ بعيرٍ ذَلِكَ كيلٌ يسير(65)}.
{قَالَ: لن أرسِلَه معكم حتَّى تؤتونِ مَوثِقًا مِنَ الله}، والمعنى: حتَّى تعطوني مَا أتَوثَّق بِهِ من عند الله؛ أَرَادَ أنْ يحلفوا لَهُ بالله، وإنَّما جعل الحلف بالله موثقًا مِنْهُ، لأنَّ الحلف بِهِ مِمَّا تؤكَّد بِهِ العهود، {لتأتُنَّني بِهِ، إِلاَّ أن يُحَاط بكم} إِلاَّ أنْ تُغلبوا، فلم تطيقوا الإتيان بِهِ، {فَلَمَّا آتوه مَوْثِقهم قَالَ: الله عَلَى مَا نقول} من طلب المَوْثِقِ وإعطائه {وكيلٌ(66)} رقيبٌ، مُطَّلع.
{وقال: يا بَنِيَّ لاَ تدخلوا من بابٍ وَاحِدٍ، وادخلوا من أبواب متفرِّقة}؛ قيل: خاف عَلَيْهِمُ العين لجلالة أمرهم؛ وقيل: أحبَّ أن لاَ يفطن بهم أعداؤهم، فلا يحتالون لإهلاكهم، {وَمَا أُغنِي عنكم مِنَ الله من شيء}، أي: إن كَانَ أَرَادَ بكم سوءًا لم ينفعكم، ولم يدفع عنكم مَا أشرت بِهِ عَلَيْكُم، {إنِ الحكم إِلاَّ لله، عليه توكَّلت وعليه فليتوكَّل المتوكِّلُونَ(67)} التَّوَكُّل تفويض الأمر إِلَيْهِ.
{ (2/252)
صفحة 650
وَلَمَّا دخلوا من حيث أمرهم أبوهم مَا كَانَ يُغنِي عَنْهُم منَ الله من شيء} أي: شَيْئًا قطُّ حيث أصابهم مَا ساءهم مَعَ تفرُّقهم، من إضافة السرقة إِلَيْهِم وافتضاحهم بذلك، وأَخْذِ أخيهم بوجدان الصُّوَاع فيِ رَحْلِهِ، وتضاعف المصيبة عَلَى أبيهم {إِلاَّ حاجة} أي: ولكن حاجة، {فيِ نفس يعقوبَ قضاها} وَهُوَ شفقته عَلَيْهِم، {وَإِنَّهُ لذو عِلمٍ} يعني قوله: «وَمَا أغنِي عنكم»، وعلمه بأنَّ: “القدر لاَ يُغني عَنْهُ الحذر” {لِمَا علَّمناه} لتعليمنا إيَّاه، {ولكنَّ أكثر الناس لاَ يَعْلَمُونَ (68)} لأنَّهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم؛ أي: لم يطلبوا العلم ليعلموا، و لذلك رُفِعوا بدرجات [268] بطلبهم العلم عَلَى من لم يطلب.
{وَلَمَّا دخلوا عَلَى يوسف آوى إِلَيْهِ أخاه} ضمَّه إِلَيْهِ، {قَالَ: إِنِّي أنا أخوك فلا تبتئس} فلا تحزن {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69)} (1) بنا، فَلَمَّا مضى قَالَ: الله قد أحسن إلينا وجمعنا عَلَى خير.
{فَلَمَّا جهَّزهم بِجَهَازهم} هيَّأ أسبابهم، وأوفى الكيل لَهُم {جعل السقاية} قيل: هِيَ مشربة يسقى بها، وهي: الصُّوَاعُ، {فيِ رَحْلِ أخيه، ثُمَّ أذَّن مؤذِّن} ثُمَّ نادى مناد؛ آذنه: أي أعلمه، وأذَّن: أكثرَ الإعلامَ، ومنه المؤذِّن، لكثرة ذَلِكَ مِنْهُ. روي أنَّهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتَّى انطلقوا، ثُمَّ أمر بهم فَأُدرِكُوا، ثُمَّ قيل: لَهُم {أَيَّتُهَا العير} هي الإبل التي عليها الأحمال، لأَنَّهَا تَعِيرُ، أي: تذهب وتجيء، والمراد: أصحاب العير، {إِنَّكُم لسارقُونَ (70)} كناية عَن سرقتهم إيَّاه من أبيه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يعلمون»، وهو سهو. (2/253)
صفحة 651
قَالُوا وأقبلوا عَلَيْهِم: ماذا تفقدُونَ(71)؟ قَالُوا: نفقد صُوَاع الملِك، ولِمن جاء بِهِ حِملُ بعير وأنا بِهِ زعيم(72)} يقول المؤذِّن: وأنا بِحِمْلِ البعير كفيل أُؤدِّيه إِلىَ من جاء بِهِ، وأراد: وسق بعير من طعام جُعلاً لمن حصله؛ وفيه دليل عَلَى جواز الجعالة وضمان الجعل.
{قَالُوا: تالله لَقَد علمتم مَا جِئنَا لنُفسِدَ فيِ الأَرْض} استشهدوا بعلمهم لِمَا ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم؛ قيل: لأنَّهم دخلوا وأفواه رواحلهم مشدَّدة لئلاَّ تتناول زرعًا أو طعامًا لأحد من أهل السوق، أو أنَّهم ردُّوا بضاعتهم التِي وجدوها فيِ رواحلهم، {وَمَا كُنَّا سارقِينَ(73)}.
{قَالُوا: فما جزاؤه إن كُنتُم كاذبِينَ(74) قَالُوا: جزاؤه من وُجِدَ فيِ رَحلِهِ}، أي: جزاء سرقته أَخذُ من وُجِدَ فيِ رحله؛ قيل: وكَانَ حكم السارق في آل يعقوب أن يُستَرقَّ سنة، فلذلك استفتوا فيِ جزائه. وقولهم {فهو جزاؤه} تقرير للحكم، أي: فإنَّ السارق نفسه هُوَ جزاؤه لاَ غير، {كذلك نجزي الظالمِينَ(75)} أي: السُرَّاق بالاسترقاق.
{فبدأ بأوعيتهم قبل وِعاءِ أخيه} نفيا للتهمة حتَّى بلغ وعاءه، {ثُمَّ استخرجَها من وعاء أخيه؛ كذلك كِدْنَا ليوسفَ} الكيد مِنَ الخلق: الحيلة، ومن الله: التدبير بِالْحَقِّ؛ وقيل: كدنا: أَلهمْنَا، {مَا كَانَ ليأخذ أخاه فيِ دِينِ الملك} أي: فيِ حكمه؛ تفسيرٌ للكيد وبيانٌ لَهُ، لأنَّ الحكم في دين الملك للسارق أن يُغرَم مِثلَيْ (لعلَّه) مَا أَخَذ، لاَ أن يُستعبد، {إِلاَّ أن يَشَاء الله} أي: مَا كَانَ يأخذه إِلاَّ بمشيئة الله وإرادته فِيهِ، {نرفعُ درجات من نشاء وفوق كُلِّ ذي علم عليم(76)} أي: هُوَ الله عزَّ وجلَّ.
{ (2/254)
صفحة 652
قَالُوا: إن يسرق فقد سرق أخٌ لَهُ من قبلُ} أرادوا (لعلَّه) يوسف، {فأسرَّها يوسف فيِ نفسه} أي: مقالتهم: إنَّه سرق، كأنَّه لم يسمعها {ولم يُبدِها لَهُم، قَالَ أَنتُم شرٌّ مكانًا وَاللهُ أعلمُ بِمَا تصفُونَ(77)} تقولون.
{قَالُوا: يَا أَيُّهَا العزيز إنَّ لَهُ أبًا شيخا كبيرا} فيِ السنِّ، أو فيِ القدر {فَخُذْ أحَدَنَا مكانه} بدَلَه عَلَى وجه الاسترهان والاستعباد، {إِنَّا نراك مِنَ المحسنِينَ(78)} أي: من عادتك الإحسان فَاجْرِ عَلَى عادتك وَلاَ تغيِّرها.
{قَالَ: معاذَ الله [269] أن نأخذَ، إِلاَّ من وجدنا متاعَنا عنده} ولم يقل: من سرق، تحرُّزا مِنَ الكذب، {إِنَّا إِذَا لَظالمُونَ(79)} وذلك، لأَنَّهُ وَجَب عَلَى قَضِيَّة فتواكم، أَخْذُ من وُجِد الصُّوَاعَ فيِ رَحْلِهِ واستعباده، فلو أَخذْنَا غيره كَانَ ظلما فيِ مذهبكم، فَلِمَ تطلبون مَا عرفتم أنَّه ظلم؟.
{فَلَمَّا استيئسوا} يئسوا، وزيادة السين والتاء للمبالغة، كما مرَّ فيِ «استعصم»، {مِنْهُ خَلَصُوا} انفردوا عن الناس خالصين {نَجِيًّا} ذوي نجوى، {قَالَ كبيرهم} فيِ السن أو العقل: {ألم تعلموا أنَّ أباكم قد أَخَذ عَلَيْكُم مَوْثِقًا مِنَ الله، ومن قبلُ مَا فرَّطتم فيِ يوسفَ} أي: قصَّرتم فيِ شأنه، {فلن أبرحَ الأَرْض} فلن أفارق أرض مصر، {حَتَّى يأذن لِي أبِي} فيِ الانصراف، {أو يحكمَ الله لِي} بردِّ أخي إِليَّ أو بخروجي، أو بالموت، أو بقتالهم، {وَهُوَ خير الحاكمِينَ(80)} لأَنَّهُ لاَ يحكم إِلاَّ بالعدل.
{ (2/255)
صفحة 653
ارجعوا إِلىَ أبيكم، فقولوا: يا أبانا إنَّ ابنك سَرَقَ}، وقُرِئ: سُرِّقَ (1)، أي: نُسِبَ إِلىَ السرقة، {وَمَا شَهِدْنَا} عليه بالسرقة، {إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} يعني: مَا قلنا هَذَا إِلاَّ بِمَا علمنا، أي: مَا كَانَت مِنَّا شهادة بشيء قطعًا، إِلاَّ بِمَا عَلمنا، وليست هَذِهِ شهادة مِنَّا، إِنَّمَا هُوَ خبر عَن صنيعه بزعمهم، {وَمَا كُنَّا للغيب حافظِينَ (81)} وَمَا علمنا، أي: قلنا: ونحفظ أخانا، وَمَا لَنَا إِلىَ حفظه مِنْهُ سبيل.
{واسأل القريةَ التِي كُنَّا فِيهَا} أي: أَرسلْ إِلىَ أهلها فاسألهم عَن كُنْهِ القصَّة، {والعيرَ التِي أقبلنا فِيهَا} وأصحاب العير، وهي القافلة، {وَإِنَّا لصادقُونَ (82)} فيِ قولنا، فرجعوا إِلىَ أبيهم، فَقَالُوا لَهُ مَا قَالَ لَهُم أخوهم. فإن قيل: كيف استجاز يوسف أنْ يعمل هَذَا بأبيه، وَلاَ يعمله بمكانه (2)، وحبسَ أخاه مَعَ علمه بشدَّة وُجدِهِ عليه؛ وفيه معنى العقوق، قيل: عمل ذَلِكَ بأمر الله ليزيد فيِ بلاء يعقوب، فيضاعفَ لَهُ الأجر، ويُلحقَه في الدرجة بآبائه الماضين.
{قَالَ: بَل سوَّلت لكم أنفسكم}، زيَّنت {أمرًا} أي: حَمْلُ أخيكم إِلىَ مصر لطلب نفع عاجل؛ وقيل: فتواهم أنَّ السارق يُستَرَقُّ، {فَصَبْرٌ جميلٌ، عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} بيوسف وأخيه وكبيرهم، {إِنَّهُ هُوَ العليمُ} بحالي فيِ الحزن {الحكيمُ (83)} الذِي لم يَبْتَلِ (3) عباده إِلاَّ لحكمة.
{__________
(1) - ... بتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، وهي قراءة ابن عبَّاس وابن رزين والكسائي. انظر: الألوسي: روح المعاني، 13/ 37.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «من كان بمكانه»، أي في قدره ومنزلته.
(3) - ... في الأصل: «يبتلي»، وهو خطأ. (2/256)
صفحة 654
وتولَّى عَنْهُم} وأعرض عَنْهُم كراهة لِمَا جاؤوا بِهِ، {وقال: يا أَسَفَى} يا حزنًا {عَلَى يوسف}، والأسف: أشدُّ الحزن، {وابيضَّت عيناه} إذ أكثر الاستعبار، محَقَت العبرة سوادَ العين، وقلبته إِلىَ بياض كدر؛ قيل: قد عميَ بصره، وقيل: كَانَ يدرك إدراكًا ضعيفًا، {من الحزن} أي: كَانَ الحزن سبب البكاء، ويجور للنبيِّ أن يبلغ بِهِ الجزع ذَلِكَ المبلغ، لأنَّ الإنسان مجبول عَلَى أنْ لاَ يملك نفسه عند الحزن، {فهو (1) كظيم (84)} مملوء مِنَ الغيظ عَلَى أولاده، وَلاَ يُظهر (لعلَّه) مَا يسوءهم. مأخوذ مِن كَظَمَ السقاءَ (2) إِذَا شدَّه عَلَى مَا مِلئِه؛ وقيل: يردِّد حزنه فيِ جوفه، ولم يقل إِلاَّ خيرا.
{قَالُوا: تالله تفتأ} أي: لاَ تزال {تذكر يوسف حَتَّى تكون حَرَضا} قيل: الحَرِض: الذِي أذابه همٌّ أو مرض، {أو تكونَ مِنَ الهالكِينَ (85)} المَيِّتين.
{قَالَ: إِنَّمَا أشكو بَثِّي وحُزنِي إِلىَ الله}، البَثُّ: أصعب الأمر الذِي لاَ يصبر عليه صاحبه، فيبثُّه عَلَى الناس أي: ينشره [270]، أي: لاَ يشكو (3) إِلىَ أحد منكم ومن غيركم، وإنَّما أشكو إِلىَ رَبِّي، داعيا له وملتجئًا إِلَيْهِ، {وأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86)} وأَعْلَمُ من رحمته أنَّه يأتيني بالفرج من حيث لاَ أحتسب.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وهو»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «السقا». والصواب بالهمزة كما أثبتناه؛ فَفِي اللسان: «والسِّقاء: جلد السخلة إذا أجْذَعَ، ولا يكون إِلاَّ للماء». ابن منظور: لسان العرب، 3/ 167.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أشكو». (2/257)
صفحة 655
يا بَنَيَّ، اذهبوا فتحسَّسوا من يوسفَ وأخيه} فتعرَّفوا منهما، وتطلَّبوا خبرهما، {وَلاَ تيئسوا من رَّوْحِ الله} (1) وَلاَ تقنطوا من رحمة الله وفرجه؛ وقُرِئ «رُوحِ الله»، أي: من رحمته التِي يُحْيي بها العباد، {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ من رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ القوم الْكَافِرُونَ (87)} لأنَّ من آمن يعلم أنَّه متقلِّب فيِ رحمة الله ونعمته، وَأَمَّا الكافر فلا يعرف رحمته، وَلاَ (لعلَّه) نعمته، وَلاَ تقلُّبه فيهما، فييأس من رحمته ويطمع فيما سواه.
{فَلَمَّا دخلوا عليه، قَالُوا: يَا أَيُّهَا العزيز مسَّنا وأَهْلَنَا الضُّرُّ} (لعلَّه) الهزال مِنَ الشدَّة والجوع، {وجِئنَا ببضاعة مُزجاةٍ} أي: قليلة، رديئة كاسدة فيِ ثمن الطعام، {فأوفِ لَنَا الكيلَ} الذي [هو] حقُّنا، {وتصدَّقْ علينا} وتفضَّل علينا بالمسامحة، أو زدنا عَلَى حقِّنا، أو هب لَنَا أخانا، {إنَّ الله يجزي المتصدِّقِينَ (88)}
{قَالَ: هل علِمتم مَا فعلتم بيوسفَ وأخيه إذ أَنتُم جاهلُونَ (89)}؟! أَنتُم فيِ حدِّ السفه.
{قَالُوا أئنَّك لأنتَ يوسف؟ قَالَ: أنا يوسف، وهذا أخي قد مَنَّ الله علينا} بالأُلفة بعد الفُرقَة. ذَكَرَ نعمة الله بالسلامة والكرامة، ولم يبدأ بالملامة، {إِنَّهُ من يتَّق} الفحشاء، {ويصبر} عَلَى الابتلاء، لأنَّ الصبر من غير تقوى مَغرَمٌ، {فإنَّ الله لاَ يُضِيعُ أجر المحسنِينَ (90)} قيل: من يَتَّق مولاه، ويصبر عَلَى بلواه، لاَ يَضيع أجرُه فيِ دنياه وعقباه.
{قَالُوا: تالله لَقَد آثَرَكَ الله (2) علينا} اختارك، وفضَّلك علينا، بالعمل والحِلْمِ والتَّقوى والصبر، {وإن كُنَّا لخاطئِينَ (91)} اعترافا مِنْهُم لَهُ بالزلَّة.
{__________
(1) - ... في الأصل: - لفظ الجلالة: «الله».
(2) - ... في الأصل: - لفظ الجلالة: «الله». (2/258)
صفحة 656
قَالَ: لاَ تثريب عَلَيْكُمُ اليومَ} لا تعيير عليكم {يَغْفِرُ الله لكم}، لأنَّ التائب لاَ ذنب عليه، {وَهُوَ أرحم الراحمِينَ (92)} (لعلَّه) فإنَّه يَغْفِر الصغائر والكبائر ويتفضَّل عَلَى التائب.
{اذهبوا بقميصي هَذَا فأَلقُوه عَلَى وجهِ أبي يأتِ بصيرا، وأتوني بأهلِكم أجمعِينَ (93)} (لعلَّه) أحسنَ إِلَيْهِم بعدما أساءوا إليه.
{وَلَمَّا فَصَلَت العيرُ} من بيوت مصر {قَالَ أبوهم: إِنِّي لأجدُ ريحَ يوسفَ} (لعلَّه) كأنَّه ألقي إِلَيْهِ مخايل الرخاء (1)، {لولا أن تفنِّدونِ (94)} تُسَفِّهُونِي؛ لولا تفنيدكم، أي: لصدَّقتموني. والفند: الخطأ فيِ القول والرأي.
{قَالُوا: تالله إِنَّكَ لفي ضلالك القديم (95)} لفي خطئك القديم من ذِكركَ يوسفَ، [و] لاَ تَنساه؛ والضلال: هُوَ الذهاب عَن طريق الصواب، فإنَّ عِندهم أنَّ يوسف قد مات، وبظنونية [كذا] قد تهيَّج بذكره.
{فَلَمَّا أنْ (2) جاء البشير} المُبَشِّر بِيوسُف {ألقاه عَلَى وجهه فارتدَّ بصيرًا، قَالَ: ألم أقلْ لكم} يعني قوله: {إنِّي لأجدُ ريحَ يوسفَ}، أو قوله: {ولاتيأسوا مِن رَّوْحِ الله}، {إِنِّي أعلم مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ (96)} علَّمه الله من حقائق الأمور مَا لاَ يَعْلَمُونَ؛ فكيف لاَ، وَهُم يقولون: {تالله إنَّك لَفي ضلالك القديم}، {إنَّ أبانا لَفي ضلالٍ مُبين}، وقد لاح الدليل أنَّهم أخطؤوا مَا قالوه فِيهِ، وَوَسَمُوه بِهِ، وقد أضاء لَهُم عِرفَانُ الحقيقة وَمَا [271] تَوَسَّمه يعقوب عليه السلام، فقد انكشف قِناعُ مَا قد غمَّ عَلَيْهِم بِتعاميهم عَنْهُ، (لعلَّه) من حبِّه ليوسف، وذكرِه لَهُ، (لعلَّه) وحقَّت حقيقته، {قَالُوا: يا أبانا، استغفر لَنَا ذنوبنا إِنَّا كُنَّا خاطئِينَ (97)} ومِن حقِّ المعترف بذنبه أن يُصفَح عَنْهُ، ويُسأَل لَهُ المغفرة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الرجاء».
(2) - ... في الأصل: - «أن». (2/259)
صفحة 657
قَالَ: سَوف أستغفِر لكم رَبِّي، إِنَّهُ هُوَ الغَفُور الرحيم (98) فَلَمَّا دخلوا عَلَى يوسف آوى إِلَيْهِ أبويه (1)} معنى دخولهم عليه قبل دخولِهم مصر: أنَّه حين استقبلهم نزل بهم فيِ مضرب أو قصر كَانَ لَهُ ثمَّة، فدخلوا عليه وهم (2) إِلَيْهِ أبويه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أبواه» وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وضَمَّ». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 393. (2/260)
صفحة 658
وقال} لَهُم بعد ذَلِكَ: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنِينَ (99) ورفع أبويه عَلَى العرش وخرُّوا لَهُ سُجَّدًا} تصديق لِرؤياه، حيثُ قَالَ: {يا أبت، إِنِّي رأيتُ أحدَ عشرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين} (1) (لعلَّه)، وذلك قيل: لمَّا دخل مصر وجلس مجلسه، واجتمعوا إِلَيْهِ، أكرم أبويه، فرفعهما عَلَى السرير. {وخَرُّوا لَهُ} يعني الإخوةَ والأبوبين؛ {سُجَّدًا}: وكانت السجدة عندهم جارية مجرى التحيَّة والتكرمة، كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد؛ وقيل: سُنَّة للتعظيم (2) فيِ ذَلِكَ الوقت أن يُسجَد للمُعظَّم؛ وقيل: بمعنى الخضوع؛ {وقال: يا أبت، هَذَا تأويل رؤيَايَ من قبلُ قد جعلها رَبِّي حقًّا} أي: صادقة، {وقد أحسن بِي إذ أخرجني مِنَ السجن، وجاء بكم مِنَ البدو} من البادية، لأنَّهم كانوا أصحاب مواشي ينتقلون في المياه والمناجع، وما ضرَّ البدوَ من كَانَ مستقيما عَلَى طاعة الله، وربَّما فِيهِ السلامة والفراغ. {من بعد أن (3) نَزَغ الشيطانُ بيني وبين إخوتي} أي: أفسد بيننا وأغرى، {إنَّ رَبِّي لطيف لِمَا يَشَاء} أي: لطيف التدبير {إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم (100)} الذِي يفعل كلَّ شيء فيِ وقته عَلَى وجهٍ يقتضي الحكمة. روي أنَّ يعقوب عليه السلام قال ليوسف عليه السلام: «لِمَ (4) لم تكتب إليَّ، وأنا عَلَى سبع مراحل منك»؟ قَالَ: «أمرني جبريل بالتوقُّف»، فسأله، [فـ]ـقَالَ جبريلُ: «أمرني الله بذلك، لقولك: “وأخاف أن يأكله الذئب”» قَالَ: فهلاَّ خافني!، وَاللهُ أعلم بالغيب.
{__________
(1) - ... سورة يوسف: 4.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «التعظيمِ»، بالإضافة.
(3) - ... في الأصل: «من بعد ما ... »، وهو خطأ.
(4) - ... في الأصل: «لِما»، وهو خطأ. (2/261)
صفحة 659
ربِّ قد آتيتني مِنَ الملك وعلَّمتني من تأويل الأحاديث فاطر السَّمَاوَات والأَرْض أنت ولِيِّي فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة} أنت الذِي تتولاَّني بالنعمة فيِ الدارين وتوصل المُلكَ الفاني بالمُلكِ الباقي، {توفَّني مسلما} طلبٌ للوفاة عَلَى حال الإسلام، {وألحقني بالصالحِينَ (101)}.
{ذَلِكَ} إشارة إلى مَا سبق من نبإ يوسف؛ والخطاب لرسول الله (ص)، {من أنباء الغيب نُوحيه إليك، وَمَا كنت لديهم} لدَى (1) بني يعقوب، {إذ أجمَعوا أمرَهم} عزموا عَلَى مَا همُّوا بِهِ، من إلقاء يوسف فيِ البئر، {وَهُم يمكُرُونَ (102)} بيوسف، يخفون لَهُ الغوائل (2).
{وَمَا} كان {أكثرُ الناسِ ولو حَرصتَ} عَلَى إيمانهم وبالغت فيِ إظهار الآيات عليهم، {بمؤمنِينَ (103)} لعنادهم وتصاممهم (3) عَلَى الكفر.
{وَمَا تسألهم عليه} عَلَى التبليغ، أو عَلَى القرآن، {من أجرٍ} جُعْلٍ {إن هُوَ إِلاَّ ذكر للعالمِينَ (104)}.
{وكأيِّن من آيةٍ} من علامة ودلالة عَلَى صفات الخالق وتوحيده، {فيِ [272] السَّمَاوَات والأَرْض يمرُّون عليها} يشاهدونها بقيام الحجَّة عَلَيْهِم بها، {وَهُم عنها معرضُونَ (105)} لاستنكافهم عَن قبولها، لأنَّهم لاَ يعتبرون بها، وَلاَ يتفكَّرون، لأنَّ الهوى قد ملكهم وغلبهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الدى»، وهو خطأ.
(2) - ... «والغائلة: الحقد الباطن، اسم كالوابلة، وفلان قليل الغائلة والمغالة أي الشرِّ. الكسائيُّ: الغوائل: الدواهي. والغيلة بالكسر: الخديعة». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 1038.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وتصميمهم». «وتصامَّ عنه وتصامَّه: أراه أَنَّهُ أصمُّ، وليس به، وتصامَّ عن الحديث، وتصامَّه: أرى صاحبه الصمم عنه». ولا شكَّ أنَّ المصنِّف لا يقصد إِلىَ هَذَا، وَإِنَّمَا يقصد الإصرارَ عَلَى الكفر: «والتصميم: المضيُّ في الأمر. أبو بكر: صمَّم فلان عَلَى كذا: أي مضى عَلَى أمره بعد إرادته». ابن منظور: لسان العرب، 3/ 476، 478. (2/262)
صفحة 660
وَمَا يُؤْمِنُ أكثرُهم بالله إِلاَّ وَهُم مشركُونَ (106)} أيَّ شرك كَانَ، وَهُوَ ضدُّ الإيمان الخالص.
{أفأمِنُوا أن تأتيهم غاشِيَةٌ} عقوبة تغشاهم وتشملهم، {من عذاب الله} يحتمل: الموت، أو مَا يتألَّمون بِهِ فيِ الدُّنْيَا، {أو تأتيهم الساعة بغتةً وَهُم لاَ يشعرُونَ (107)} بإتيانها.
{قل: هَذِهِ سبيلي} هَذِهِ السبيل التِي هِيَ الدعوة إِلىَ الإيمان والتوحيد، {أدعو إِلىَ الله} أي: دينه، {عَلَى بصيرةٍ} حجَّةٍ واضحة غيرِ عمياء، {أنا ومن اتَّبعني}، ويدعو إِلَيْهِا من اتَّبعنى، {وسبحان الله} وأنزِّهه مِنَ الشركاء الظاهرين والمستترين، {وَمَا أنا مِنَ المشركِينَ (108)} الشركَ الجليَّ والخفيَّ.
{وَمَا أرسلنا من قبلِك إِلاَّ رجالا} لاَ مَلاَئِكَة، {نوحي إِلَيْهِم من أهل القرى} لأنَّهم أعلم وأحلم؛ وأهلُ البوادي فِيهِم الجهل والجفاء (1)، {أفلم يسيروا فيِ الأَرْض فيَنظُروا كيف كَانَ عاقبةُ الذِينَ مِن قبلِهم}؟ مِنَ المكذِّبين الرسلَ عَلَيْهِمُ السلام، {ولَدَارُ (2) الآخِرَةِ خير للذين اتَّقَوا} الشرك جليَّه وخفيَّه، وآمنوا بالله حقًّا وصدقا، {أفلا تعقلُونَ (109)} أفلا تعتبرون فتعقلون ذَلِكَ.
{حَتَّى إِذَا استيأَس الرسلُ} أَيِسُوا من إيمان القوم، {وظنُّوا أَنَّهُمْ قد كُذِّبوا} وأيقن الرسل أنَّهم قد كذبوهم (3) قومهم، {جاءهم نصرُنا} للرسل ورسلِهم، فُجَاءَةً من غير احتساب، {فَنُجِّيَ من نشاء} أي: الرسلَ ورسلَهم ومن تبعهم، {وَلاَ يُردُّ بأسُنا} عقوبتنا؛ أو أخذناهم (4) بالهلاك، {عَن القوم المجرمِينَ (110)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والجفى».
(2) - ... في الأصل: «والدار»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «كذَّبهم».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أخذُنا إيَّاهم». (2/263)
صفحة 661
لَقَد كَانَ فيِ قَصَصِهم} فيِ قَصَصِ الأنبياء وأُمَمِهم، {عبرةٌ} (لعلَّه) مُعتبَرٌ، {لأولي (1) الألباب} لاَ غيرهم؛ {مَا كَانَ} (لعلَّه) القرآن، {حديثا يُفتَرى، ولكن تصديقَ الذِي بين يديه}، ولكن كَانَ تصديقَ الكتب (2) التِي تقدَّمته، {وتفصيل كُلِّ شيء (3) وهدًى} مِنَ الضلالة، {ورحمة} مِنَ العذاب، {لقوم يُؤْمِنُونَ (111)} بالله وأنبيائه. قَالَ أبو منصور: «مِن (4) ذكر قصَّة يوسف وإخوته تصبير لِرَسُولِ اللهِ (ص) عَلَى أذى قريش، كأنَّه يقول: إنَّ إخوة يوسف مَعَ موافقتهم إيَّاه فيِ الدين، والأخوَّة فيِ النسب، عملوا بِهِ مَا عملوا من الكيد والمكر لمخالفتهم إيَّاه فيِ بعض (لعلَّه) الحقِّ، وصَبرَ عَلَى ذَلِكَ، فأنت مَعَ مخالفتهم إيَّاك فيِ الدين أحرى أن تصبر عَلَى أذاهم».
سورة الرعد
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... في الأصل: «الأولي»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: + «الكتب»، وَهُوَ تكرار.
(3) - ... في الأصل - {وتفصيل كلِّ شيء} وَهُوَ سهو.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «في». (2/264)
صفحة 662
الَمِر} أي: أنا الله أعلم وَأرى، {تِلك} إشارة إلى آيات السورة، {آيات الكتاب} أُرِيدَ بـ «الكتاب»: السورة، أي: تِلك الآيات، آيات السورة الكاملة العجيبة فيِ بيانها، {والذي أُنزِل إليك مِن رَبِّك} القرآن كُلُّه {الحَقُّ، ولكنَّ أكثر الناس لاَ يُؤْمِنُونَ (1)} أنَّه الحقُّ، فيعملون بموجباته؛ ثُمَّ ذكر مَا يُوجِبُ الإيمان بِهِ من دلائل وحدانيَّته، فقال: {الله الذِي رَفَع السَّمَاوَات}، أي: خلقها مرفوعةً، لاَ أن تكون موضوعةً فَرفَعَها، {بِغَير عَمَدٍ تَرَونَها} [273] بِلا عَمدٍ؛ وقيل: لِعمدٍ (1) لاَ تَرَونها، {ثُمَّ اسْتوَى عَلَى العرش} استولى بالاقتدار ونُفوذِ السلطان، {وسخَّر الشمس والقمر} (لعلَّه) أو انقضاء اليوم والشهر والسنَة في المنازل بلا تفاوُت، {يُدبِّر الأمر} (لعلَّه) لمنافع عباده، {كلٌّ يجري لأجل مُّسمًّى} وَهُوَ انقضاء الدُّنْيَا، (لعلَّه) أو انقضاء اليوم والشهر والسنَة فيِ المنازل بلا تفاوُت، {يُدبِّر الأمر} أمر مُلْكِهِ ومَلكُوتِه، {يُفصِّل الآيات} يُبَيِّنُها فيِ كُتُبِه، {لَعَلَّكُم بلقاء رَبِّكُم تُوقِنُونَ (2)} لَعَلَّكُم توقنون بِأَنَّ هَذَا المُدبِّر والمُفصِّل لاَ بدَّ لكم مِنَ الرجوع إِلَيْهِ؛ والإيقان بمعنى: اليقين.
{وَهُوَ الذِي مَدَّ الأَرْض} بَسَطَهَا، {وجعلَ فِيهَا رَواسيَ وأنهارًا، ومِن كُلِّ الثمرات جعلَ فِيهَا زوجين اثنَين} أي: الأسود والأبيض، والحُلوَ والحامض، والصغير والكبير، وَمَا أشبه ذَلِكَ، {يُغْشِى اللَّيل النهار} يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فيصير أسودَ مظلمًا بعد مَا كَانَ أبيضَ منيرًا، (لعلَّه) عَلَى غير الاختيار مِنهُما؛ {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقومٍ يتفكَّرُونَ (3)} فيعلمون أنَّ لها صانعًا عليمًا حكيمًا قادرًا، وأنَّه مَا خلقها إِلاَّ لِحِكمةٍ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بعمد». (2/265)
صفحة 663
وفي الأَرْض قِطَعٌ مُتجاوراتٌ} بِقاعٌ مُختلفة مَعَ كونها مُتجاورةً مُتلاصقة طيِّبة إِلىَ سبخَةٍ، وكريمة إِلىَ زهيدة، وصَلبة إِلىَ رَخوة؛ وذلك دَليلٌ عَلَى قادرٍ مُرِيدٍ، مُوقِع لأفعاله عَلَى وجهٍ دون وجهٍ، {وجنَّات من أعناب وزرعٍ ونخيلٍ، صنوانٍ وغير صنوانٍ}، الصنوان: جمع صِنوٍ، وَهُوَ: النخلة لها رأسان وأصلها وَاحِد، {يُسقَى بماءٍ وَاحِدٍ، ونُفضِّل بعضها عَلَى بعض فيِ الأُكُلِ، إنَّ فيِ ذَلِكَ لآياتٍ لقوم يعقلُونَ (4)} يستعملون عقولهم بالتفكُّر. عَن الحسن: «مَثَّلَ اختلافَ القلوب فيِ أثمارها وأنوارها وأسرارها باختلاف القطع فيِ أنهارها وأزهارها».انتهى. وهي تُمَدُّ كلُّها من بحرٍ إلهيٍّ لاَ مقطوعة وَلاَ ممنوعة، ولكنَّ الطيِّبَ يخرجُ نباته بإذن ربِّه، والذي خَبُثَ لاَ يخرج إِلاَّ نكدًا (1).
{وإنْ تَعْجَب} يا محمَّد من إنكارهم البعث، {فَعَجبٌ قولهم:}، أي: فحقيق قولهم بِأَن يُتعجَّب مِنْهُ، لأنَّ من قَدرَ عَلَى إنشاء مَا عُدِّد عليك، كَانَت الإعادة أهونَ شيء عليه، وإن كَانَ إنكارهم أعجوبة مِنَ الأعاجيب. {أئذا كُنَّا ترابًا، أئنَّا لفي خَلْقٍ جديدٍ، أُولَئِكَ الذِينَ كَفَرُوا بربِّهم} الكاملون فيِ كفرهم، {وأولئكَ الأغلالُ فيِ أعناقهم} مُغَلُّون فيِ أعناقهم بالضلال لاَ يُرجَى خلاصهم مِنْهُ، [وهو] وصفٌ لَهُم بالإصرار، {وأولئك أصحابُ النار هم فِيهَا خالدُونَ (5)}، ذكر: تكرار «أُولَئِكَ» على تعظيم الأمر عَلَيْهِم.
{__________
(1) - ... إشارة إِلىَ قوله تعالى: {والبلدُ الطيِّبُ يخرجُ نباته بإذن ربِّه، والذي خَبُثَ لاَ يخرج إِلاَّ نكدًا}. سورة الأعراف: 58. (2/266)
صفحة 664
ويستعجلونك بالسيِّئة قَبلَ الحسنة} بالنِّقمَة قَبلَ العافية، وذلك أنَّهم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيَهم بالعذاب استهزاء مِنْهُم بإنذاره؛ {وقد خَلَت من قبلهم المَثُلاتُ} أي: عُقوبات أمثالِهم مِنَ المكذِّبين، فما لَهُم لم يعتبروا بها! فلا يستهزؤوا؛ والمُثْلَة: العقوبة، لِمَا بين العقاب والمُعاقَب عليه مِنَ المُماثلة، {وجزاءُ سيِّئةٍ سيِّئةٌ مِثلُها} (1)، {وإنَّ (2) رَبَّكَ لَذُو مغفرةٍ للناس عَلَى ظُلمِهم} لِمن تاب مِن ظُلمِه، أو لإمْهَالِه العقوبة عنْهُم لأجَلٍ مسمًّى [274]، {وإنَّ رَبَّكَ لشديدُ العقاب (6)} لِمَن أَصرَّ عَلَى ظُلمِه.
{ويقولُ الذِينَ كَفَرُوا: لولا أُنزِل عليه آيةٌ مِن رَبِّه} لم يعتدُّوا بالآيات المنزَّلة عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عِنادًا، (لعلَّه) فَاقتَرحُوا نَحوَ آيات موسى وعيسى، من انقلابِ العَصَا حيَّة، وإحياء الموتى؛ فَقِيل لِرسول الله: {إنَّما أَنت مُنذِرٌ} مَأمُور، لَيسَ إتيان الآيات إليك وَلاَ مِنك، إِنَّمَا أنت مُنذرٌ بالقرآن، {ولكلِّ قَومٍ هادٍ (7)} عالمٌ يُعلِّمُهم أمر دينهم، (لعلَّه) ينزل في الحُكم فيِ اللوازم منزلة الحُجَّة اللازمة للعباد منزلة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويقوم مقامه فيِ القيام فيِ الحَقِّ (3).
{__________
(1) - ... سورة الشورى: 40.
(2) - ... في الأصل: - «إِنَّ» وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة من قوله: «(لعلَّه) ينزل ... ». (2/267)
صفحة 665
الله يعلم مَا تحَمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تغيضُ الأرحامُ} وَمَا تنقصه، {وَمَا تزدادُ، وكلُّ شيءٍ} مِنَ الأشياء {عنده بمقدارٍ (8)} بتقديرٍ وَاحِدٍ لاَ يجاوزه وَلاَ ينقصُ عَنْهُ، كقوله: {إِنَّا كلَّ شيءٍ خلقناه بِقَدَرٍ} (1)، لأَنَّهُ لم يَخلُقْ شَيْئًا عبثًا وَلاَ لعبًا، ولكن بعلمٍ سابقٍ، كما قَالَ: {عالِمُ الغيب} مَا غابَ عَن الخلقِ عِلمُهُ، {والشهادة} مَا شاهدوه؛ {الكبيرُ} العظيم الشأن، الذِي كلُّ شيء دونه {المُتعَالِ (9)} المُستعَلِي عَلَى كلِّ شيء بقدرته، أو الذِي كَبُرَ عَن صفات المخلوقين وتعالى عنها.
{سواء منكم من أَسَرَّ القولَ ومن جَهَرَ بِهِ} أي: فيِ علمه، {ومن هُوَ مُستَخفٍ بالليل} طالب للخفاء فيِ مخبإٍ بالليل، {وسَارِبٌ} (لعلَّه) بارز {بالنهار (10)} يراه الناظرون.
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} جماعات مِنَ المَلاَئِكَة تعتقب فيِ حفظه تَعاقُبَ الليل والنهار، حكمة مِنَ الله لاَ يعلم كُنهَهَا إِلاَّ هُوَ، {من بين يديه ومن خلفه} أي: قُدَّامه ووراءه، {يحفظونه من أمر الله}، أي: إِنَّ اللهَ أمرهم بحفظه (لعلَّه) والمعنى: يحفظونه بأمر الله، {إنَّ الله لاَ يُغيِّر مَا بِقَومٍ} مِنَ العافية والنعمة {حَتَّى يُغَيِّروا مَا بأنفسهم} بارتكابهم للشهوات؛ {وإذا أَرَادَ الله بِقَومٍ سوءًا} عذابا يسوؤهم، {فلا مردَّ لَهُ} فلا يدفعه شيء، {وَمَا لَهُم من دونه من وَالٍ (11)} يَلِي أمرهم من دون الله ويدفع عَنْهُم.
{هُوَ الذِي يُرِيكُمُ البرق خوفًا وطمعًا} يُخَافُ من وقوع الصواعق عند لمع البرق، ويُطمَعُ فيِ الغيث، {ويُنشئ السحَابَ الثقَالَ (12)} بالماء.
{__________
(1) - ... سورة القمر: 49. (2/268)
صفحة 666
ويُسبِّحُ الرعدُ بحمده} كما قَالَ: {وإنْ مِّن شيءٍ إِلاَّ يُسبِّح بحمده} (1)، {والمَلاَئِكَةُ من خيفته ويُرسِل الصواعقَ فيُصِيب بها من يَشَاء} قيل: الصاعقة: نار تسقط مِنَ السَّمَاء، {وَهُم يُجادلون فيِ الله وَهُوَ شديدُ المِحالِ (13)} المِحَال والمُمَاحَلَةُ: المُغَالبَة، وَهُوَ شدَّة المماكرة والمكايدة، ورَومُ الأمر بالحيلة، والمَعنَى: أنَّه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لاَ يشعرون.
{لَهُ دعوة الحَقِّ} قيل «دعوة الحقِّ»: التوحيد، {وَالذِينَ يَدعُون من دونه} أي: يَعبدُون الأصنام من دون الله، {لاَ يَستجِيبُون لَهُم بشيء} أي: لاَ يُجِيبُونهم بشيء يريدونه من نفعٍ أو دفعٍ، {إِلاَّ كباسط كَفَّيهِ إِلىَ الماء ليَبلُغَ فَاهُ}، أي: إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ ليقبض عَلَى الماء، (لعلَّه) لاَ يكون فيِ يده شيء، وَلاَ يبلغ إلى فِيهِ مِنْهُ شيء، {وَمَا هُوَ بِبَالِغهِ}، وَمَا الماء ببالغٍ فَاهُ، {وَمَا دعاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فيِ ضلالٍ (14)} فيِ ضَياعٍ لاَ منفعة فِيهِ، لأنَّهم إن دَعوا الله لم يُجِبْهُم وإن دعوا الأصنام لم [275] تستطع [إجابتهم] (2).
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 44.
(2) - ... انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 406. (2/269)
صفحة 667
ولله يَسجد من فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} سجودَ تَعبُّدٍ وانقيادٍ، {طوعًا}؛ قيل: يعني: المَلاَئِكَة والمؤمنين، {وكرهًا}؛ قيل: المنافقين والكَافِرِينَ فيِ حال الشدَّة والضيق؛ ويَخرُجُ فيِ المَعنَى: {ولله يَسجدُ مَن فيِ السَّمَاوَات والأَرْض طوعًا} بمعنى: الانقياد والإِقْرَار لله بالوحدانيَّة، {وكرهًا} نَفسُ المؤمن الروحانيَّة، مِن حَيث يَأْمُرُها العقل والشرع، لِتَذِلَّ وتَنقادَ، وتتواضع لخالقها مَعَ المتواضعين، وهي تطلب بطبعها العلوَّ والاستبكار، مُخالِفَة لِبقيَّة المخلوقات؛ وبذلك تستحقُّ الثواب إن انقادت، وتَستوجِب العقاب إن استَكبَرت؛ {وظِلاَلُهُم} يعني: ظِلال (1) الساجدين تسجد لله طوعاً، {بالغُدُوِّ والآصال (15)} وَهُوَ استيعاب الأوقات.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ضلال»، وهو خطأ. (2/270)
صفحة 668
قل: من رَبُّ السَّمَاوَات والأَرْض؟ قل: الله} حكاية لاعترافهم، لأَنَّهُمْ إذا قال لهم: من رَبُّ السموات والأرض؟ لم يكن لَهُم بُدٌّ من أن يقولوا: الله؛ {قل: أفاتَّخذتم من دُونِه أولياء؟} أَبَعْدَ أن علمتموه ربَّ السَّمَاوَات والأَرْض اتَّخذتم من دونه آلهة؟ {لاَ يملكون لأنفسهم نفعًا وَلاَ ضرًّا} لاَ يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها، أو يدفعوا عنها، فكيف يستطيعون لغيرهم، وقد آثرتمُوهم عَلَى الخالق الرازق، المُثِيبِ المُعاقِبِ، فما أَبْينَ ضلالتكم، {قل: هل يَستوِي الأعمى والبصير؟} أي: الكافر والمؤمن، أو من لاَ يُبصِرُ شَيْئًا، ومن لاَ يَخفَى عليه شيء، {أم هل تَستوِي الظلماتُ والنور؟} مِلَل الكفر والإيمان، {أم جَعَلُوا لله شُركاءَ؟} بَل أَجَعَلُوا، ومعنى الهمزة: للإنكار، {خَلَقُوا كَخَلقِهِ} خلقوا مثل خلقه، وَهُوَ: صفة لـ«شركاء»، أي: أنَّهم لم يتَّخذوا لله شركاءَ خَالِقِينَ قد خلقوا مثل خلقه، {فَتَشَابَهَ الخَلقُ عليهم} فَاشتَبَهَ عَلَيْهِم مخلوقُ الله بمخلوقِ الشركاءِ، حتَّى يقولوا: قَدرَ هؤلاء عَلَى أن يخلقوا كما قَدرَ الله عليه، فاستحقُّوا العبادة، فنتَّخذهم لله شركاء، فنعبُدَهم كما نَعبُدُ الله، ولكنَّهم اتَّخَذُوا لَهُ شركاء عاجزين، لاَ يقدرون عَلَى مَا يقدِر عليه الخالق، {قل: الله خالقُ كُلِّ شيءٍ} أي: خالق الأجسام والأعراض، لاَ خلاَّق غيرُ الله، وَلاَ يستقيمُ أن يكون لَهُ شريكٌ فيِ الخَلقِ، فلا يكون لَهُ شريك فيِ العبادة. من قَالَ: إنَّ الله لم يخلق أفعال العباد، وَهُم خلقوها، فتشابه الخَلقُ معهم [كَذَا] عَلَى معنى قولهم. {وَهُوَ الواحدُ} المُتوحِّد بالربوبيَّة، {القهَّارُ(16)} لاَ يُغَالَبُ، ومَا عداه مربوب ومقهور.
{ (2/271)
صفحة 669
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء ماءً}، أي: الوَاحِد القهَّار، {فَسَالَت أودِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحتَمَلَ السيلُ زَبدًا} هُوَ مَا عَلَى وجه الماء مِنَ الرغوة (1) ، {رَابِيًا} منتفخا مرتفعا عَلَى وجه السيل، {وممَّا يُوقِدُونَ عليه}، أي: ومنه ينشأ زبدٌ مثل زبد الماء، {فيِ النار ابتغاء حِليَةٍ} مبتغين حِليَةً مُتَحَلىًّ بها، {أو متاعٍ} مِنَ الحديد والنحاس والرصاص يُتَّخذ منها الأواني وَمَا يُتمتَّع بِهِ، {زَبدٌ} خَبَثٌ {مثله؛ كذلك يضرب الله الحَقَّ والباطل} أي: مثل الحقِّ والباطل، {فَأَمَّا الزبد فيذهب جُفَاءً}، وَهُوَ مَا تقذفه القِدرُ عند الغليان، والبحر عند الطغيان؛ والجفو: الرَّميُ، {وَأَمَّا مَا ينفع الناس} مِنَ الماء والحُلَيِّ [276] والأواني، {فَيمكُثُ فيِ الأَرْض} فيثبت الماء فيِ ينابيع الأَرْض، وكذلك الجواهر تبقى فيِ الأَرْض مدَّة طويلة؛ {كذلك يضرب الله الأمثال(17)} ليظهر الحقَّ مِنَ الباطل؛ قيل: هَذَا مثلٌ ضَرَبَهُ الله للحقِّ وأهله، والباطلِ وحزبه، فمثَّل الحقَّ وأهله بالماء الذِي ينزله مِنَ السَّمَاء فَتسِيلَ بِهِ أودية الناس فيحيَوْنَ بِهِ، وينفعهم أنواع (2) المنافع وبالفلز (3) الذِي ينتفعون بِهِ فيِ صوغ الحُليِّ مِنْهُ، واتِّخاذِ الأوانى والآلات المختلفة، وأنَّ ذَلِكَ ماكث فيِ الأَرْض، باق بقاء ظاهرًا يثبت الماء في منابعه، وكذا الجواهر تبقى أزمنة متطاولة.
__________
(1) - ... في الأصل: «الروغوة»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بأنواع».
(3) - ... «الفِلَزُّ، والفِلِزُّ، والفُلُزُّ: النحاس الأبيض، تجعل منه القدور العظام المفرغة والهاوُنات[كَذَا]، والفِلَزُّ والفِلِزُّ: الحجارة، وَقِيلَ: هو جميع جواهر الأَرْض من الذهب والفضَّة والنحاس وأشباهها، وما يرمى من خبثها». ابن منظور: لسان العرب، 4/1127. مادَّة «فلز». (2/272)
صفحة 670
وشَبَّه الباطل فيِ سرعة اضمحلاله، ووشك زواله، وعدم الانتفاع بِهِ بزبد السيل، الذِي يرمي بِهِ الفلز الذِي يطفوا فوقه إِذَا أُذِيبَ. وقال الجمهور: هَذَا مثلٌ ضَرَبَهُ الله تعالى للقرآن والقلوب والحقِّ والباطل، فالماء: القرآن نزل لحياة الجَنان، كالماء للأبدان؛ والأودية: القلوب. ومعنى «بقَدَرِها»: بقَدْرِ (لعلَّه) سَعَةِ القلب وضيقه. و«الزَّبَدُ»: الهواجس [و]الخواطر، هواجس النفس، ووساوس الشيطان. والماءُ الصافي المنتفَع بِهِ مثل الحقِّ، كما يذهب الزبد باطلا، ويبقى صَفوُ الماء؛ كذلك هواجس النفس ووساوس الشيطان، ويبقى الحقُّ كما هُوَ. وَأَمَّا حِلْيَةُ الذهب والفضَّة فمثلٌ للأحوال السَّنيَّة والأخلاق الزكيَّة. وَأَمَّا متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثلٌ للأعمال الممتدَّة بالإخلاص، المُعدَّة للخَلاَص؛ فإنَّ الأعمال جالبة للثواب، دافعة للعقاب، كما أنَّ تلك الجواهر بعضها أداة النفع فيِ الكسب، وبعضها آلة الدفع فيِ الحرب؛ وَأَمَّا الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل.
واللام في: {للذين استجابوا} أي: أجابوا متعلِّقة بـ«يضرب»، أي: «كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذِينَ استجابوا»، {لربِّهم الحُسنَى} الباقية التي لا تنفد، {وَالذِينَ لم يستجيبوا لَهُ} مثَلاً للفريقين، {لو أنَّ لَهُم مَا فيِ الأَرْض جميعًا، ومِثْلَهُ معه لافتدوا بِهِ} أي: لو ملكوا أموال الدُّنْيَا وملكوا معها مِثلَهَا، لبذلوه ليدفعوا عَن أنفسهم أدنى عذاب من عذاب الله، بَل {أُولَئِكَ لَهُم سُوءُ الحسابِ} المناقشة فِيهِ، بالتفتيش لجَلِيِّ الأعمال وخَفِيِّها، وقليلها وكثيرها، وصغيرها وكبيرها، والمُجازاة عليها، كما قَالَ: {ومأواهم جَهَنَّم} ومرجعهم بعد المحاسبة النار، {وبِئْسَ المهادُ(18)} المكَانُ الممهَّد.
{ (2/273)
صفحة 671
أفمن يعلم} لإنكار أن تقع شبهة بعد مَا ضرب مِنَ المثل فيِ أنَّ حَالَ من عَلِمَ {أَنَّمَا أنزل إليك من رَبِّكَ الحقُّ} فاستجاب بمعزل من حال الجاهل الذِي لم يستبصر فيستجيب، وَهُوَ المُرَاد بقوله: {كمن هُوَ أعمى} كبُعدِ مَا بين الزبد والماء، {إِنَّمَا يتذكَّر أُولُو الألبابِ (19)} الذِي عملوا عَلَى قضايا عقولهم، فنظروا واستبصروا؛ وتفسير التذكُّر إِنَّمَا هُوَ يسع حجاب القلب عَن الغفلة [كَذَا].
{الذِينَ يُوفُونَ بِعهدِ الله} عهد الله: مَا عقدوه عَلَى أنفسهم مِنَ الشهادة بربوبيَّته، {وأَشهَدَهم عَلَى أنفسِهم أَلَسْتُ برَبِّكُم؟ قَالُوا: بلى} (1)، [277] {وَلاَ يَنقضُونَ الميثاق (20)} وَمَا وثَّقوهُ عَلَى أنفسهم وقَبِلوه، مِنَ الإيمان بالله وغيره مِنَ المواثيق، بَيْنَهُم وبين الله، وبين العباد تعميم بعد تخصيص.
{وَالذِينَ يَصِلُونَ مَا أمر الله بِهِ أن يُوصَلَ} قيل: أَرَادَ بِهِ الإيمان بجميع الكُتُبِ والرُّسُلِ لاَ نفرِّق بينهما؛ وقيل: المراد بِهِ: صِلَةُ من أمر الله بِصِلَتِهِ، {ويخشَوْنَ رَبَّهم} أي: وعيدَه كُلَّه {ويخافونَ سوءَ الحسابِ (21)} فيحاسبون أنفسهم قبل أن يُحَاسبُوا، فيحبسوها عَلَى قوانبن الشرع بدليل قوله:
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 172. (2/274)
صفحة 672
وَالذِينَ صبروا} مطلقٌ فيما يُصبَر عليه من مشاقِّ التكاليف، {ابتغاء وجهِ رَبِّهم}، لاَ ليقال: مَا أصبره! وأحمله للنوازل! وأوقره عند الزلازل! وَلاَ لئلاَّ يُعَابَ فيِ الجزع، {وأقاموا الصلاة} بجميع مَا يجب وينبغي، {وأنفَقوا مِمَّا رزقناهم} أي: مِنَ الحلال، {سرًّا وعلانيَةً} كيفما اتَّفق لَهُم، {ويَدرَءُونَ بالحسنَةِ السَّيِّئَةَ} ويدفعون بالحسن مِنَ الأعمال والأقوال مَا يَسوءُهم من قول الجهلة وفعلهم، ويخرج فِيهِ دفع الذنب بالتوبة، {أُولَئِكَ لَهُم عُقبَى الدار(22)} عاقبة الدُّنْيَا وهي الجنَّة، لأنَّها أرادها الله أن تكون عاقبة الدُّنْيَا ومرجِعَ أهلها.
{جَنَّاتُ عدنٍ} بدل من «عقبى الدار»، {يدخلونها ومن صَلَحَ} أي: آمن {من آبائهم وأزواجهم وذرِّيَّاتهم، والْمَلاَئِكَة يدخلون عَلَيْهِم من كُلِّ بابٍ(23)} من أبواب المنازل، بالسلام والبِشَارَةِ بالرضى والهدايا.
{سلام عَلَيْكُم بِمَا صبرتم} أي: هَذَا الثواب بسبب صبركم عَن الشهوات، وَعَلَى أوامر الله؛ وكأنَّ الآية تدلُّ عل تفضيل المؤمنين عَلَى المَلاَئِكَة، لأنَّ دخولهم ثواب للمؤمنين، لأنَّهم يبشرونهم بالسلامة، {فَنِعمَ عُقبَى الدارِ(24)} الجنَّاتُ.
{وَالذِينَ يَنقضُون عهدَ الله من بعدِ ميثاقِهِ} من بعدمَا أوثقوه بِهِ مِنَ الاعتراف والقبول، {ويقطعون مَا أمر الله بِهِ أن يُوصَلَ} من حقوقه وحقوق خَلقِهِ، {ويُفسِدونَ فيِ الأَرْضِ} بالكفر والظلم، {أُولَئِكَ لَهُمُ اللعنةُ} الإبعاد مِنَ الرحمة، {ولهم سُوءُ الدارِ(25)} يحتمل أن يُرَادَ سُوءُ عاقبة الدُّنْيَا، لأَنَّهُ فيِ مقابلة عقبى الدار.
{ (2/275)
صفحة 673
الله يبسطُ الرزق لمن يَشَاءُ ويَقدِرُ} (لَعَلَّهُ) أي: يُوسِعُ؛ {وَفَرِحُوا بالحياة الدُّنْيَا} بِمَا بَسَطَ لَهُم مِنَ الدُّنْيَا فرحَ بَطَرٍ وأشَر (1)، لاَ فرح سرورٍ بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوه بالشكر حتَّى يُؤجروا بنعيم الآخِرَة؛ والفرحُ: لذَّةٌ فيِ القلب بِنَيلِ المُشتَهَى، وفيه دليل عَلَى أنَّ الفرح للدنيا حرام، {وَمَا الحياةُ الدُّنْيَا فيِ الآخِرَة إِلاَّ متاع (26)} قليل ذاهب.
{ويقول الذِينَ كَفَرُوا: لولا} هلاَّ {أُنزِلَ عليه آيةٌ مِّن رَّبِّه} (لعلَّه) آية مُقترحَةٌ {قُل: إِنَّ اللهَ يُضِلُّ من يَشَاء} باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، {ويهدي إِلَيْهِ من أناب (27)}، ويرشد إِلىَ دينه من رجع إِلَيْهِ بقلبه.
{الذِينَ آمنوا وتَطمئِنُّ قلُوبُهم} تَسكُنُ {بذكرِ الله} بالقرآن، {أَلاَ بِذكرِ الله تَطمئِنُّ القُلُوبُ (28)}؟ بسبب ذكره تسكن قلوب المؤمنين، ويستقرُّ فِيهَا اليقين، فإن قيل: أليس قَالَ الله: {إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَت قلُوبُهم}؟ (2) فكيف تكون [278] الاطمئنانيَّة والوجل فيِ حال وَاحِد؛ قيل: الوجل عند ذكر الوعيد والعذاب. والاطمئنانيَّة عند ذكر الوعد والثواب.
{الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات طُوبَى لَهُم} هُوَ مصدرٌ، مِن “طَابَ” {وحُسنُ مَآبٍ (29)} أي: مرجع.
{__________
(1) - ... «الأشَر: البطَر، وَقِيلَ: أشدُّ البطَر». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 65. مادَّة «أشر».
(2) - ... سورة الأنفال: 2. (2/276)
صفحة 674
كذلك أرسلناك} مثل ذَلِكَ الإرسالِ أرسلناك، يعني: أرسلناك إرسالاً لَهُ شأنٌ وفضلٌ عَلَى سائر الإرسالات؛ ثُمَّ فسَّر كيف أرسله، فقال: {في أُمَّةٍ قد خَلَت من قَبلِهَا أُمَمٌ} أي: أرسلناك فيِ أمَّةٍ قد تقدَّمها أممٌ كثيرةٌ، {لِتَتلُوَ عَلَيْهِمُ الذِي أوحينا إليك} لتقرأ عَلَيْهِمُ الكتاب العظيم الذِي أوحينا إليك، وتُفسِّرَه (1) لَهُم مَا يُحتَاج مِنْهُ إِلىَ (2) تفسير، {وَهُم يَكفُرُونَ} ودأب هؤلاء أنَّهم يَكفرُونَ {بالرحمن}، البليغ الرحمة، الذي وسعت رحمته كلَّ شَيْء، كقوله: {وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن قَالُوا: وَمَا الرحمن ... } الآية (3)، {قل: هُوَ رَبِّي لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أي: هُوَ رَبِّي الوَاحِد المتعالي عَن الشركاء، {عليه توكَّلتُ} اتَّخَذتُه وكِيلِي فيِ جميع الأمور، {وَإِلَيْهِ مَتابِ (30)} تَوبتِي [و] مَرجعِي.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تفسِّرَ».
(2) - ... في الأصل: + «إلى»، وهو تكرار.
(3) - ... سورة الفرقان: 60؛ وتمامها: {وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا وزادهم نُفورًا}. (2/277)
صفحة 675
ولوْ أنَّ قُرآنا سُيِّرت بِهِ الجبالُ} عَن مَقارِّها، {أو قُطِّعت بِهِ الأَرْضُ} حتَّى تَتصدَّع وتَتَزايَلُ قِطعًا {أو كُلِّمَ بِهِ الموتى} فتسمع وتُجيب، لَكَانَ هَذَا القرآن، لِكونِه [غاية] (1) فيِ التذكير، ونهاية فيِ الإنذار والتخويف، أو معناه: ولو أنَّ قُرآنًا وقع بِهِ تسيُّر (2) الجبال، وتَقطيعُ الأَرْض، وتَكلِيمُ الموتى وتنبيههم (3) لَمَا آمنوا بِهِ وَلَمَا تَنبَّهوا عليه، كقوله: {ولو أنَّنا نَزَّلنا إِلَيْهِم المَلاَئِكَة} ... الآية (4)؛ {بَل للهِ الأمر جميعا} بَل لله القُدرة عَلَى كُلِّ شيء وَهُوَ قادرٌ عَلَى الآيات المقترحة؛ {أفلَم يَيئَسِ الذِينَ آمنوا} أفَلَم يَعلَم، قِيل: إِنَّمَا استعمل اليأس بمعنى العلم، لِتَضمُّنِه مَعناه، لأنَّ اليائِس عَنِ الشيءِ عالمٌ بِأنَّه لاَ يكون، كما استعمل النسيان فيِ معنى الترك لِتَضمُّنِ ذَلِكَ، {أن لَوْ يَشَاء الله لهدى الناس جَمِيعا} فإنَّ معناه: نفي هدى بعض الناس، لِعدَم تَعلُّق المشَيئَة باهتدائهم؛ {وَلاَ يزال الذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعوا} مِن كُفرهم وسُوءِ أعمَالهم {قارعةٌ} داهِيَةٌ تَقرعُهم، بما يُحِلُّ الله بِهم فيِ كلِّ وقتٍ مِن صُنوفِ البلايا والمصائب، فيِ أنفسهم وأولادهم وأموالهم، كما قَالَ: {إِنَّمَا يُريدُ الله أنْ يُعذِّبهم بها فيِ الحياة الدُّنْيَا وتَزهَقَ أنفُسُهم وَهُم كَافِرُونَ} (5)، (لعلَّه) وكقوله: {وَمَا أصابكُم مِن مُصيبَة فَبِمَا كَسبَت أيدِيكُم} (6)، {__________
(1) - ... ينظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 412.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تسيير».
(3) - ... في الأصل: «تنبيهم»، وهو خطأ.
(4) - ... سورة الأنعام: 111، وتمامها: {ولو أنَّنا نَزَّلنَا إليهم الملائكة وكلَّمهم الموتى وحشرنا عليهم كلَّ شيء قُبُلا ما كانوا لِيُؤمنوا إِلاَّ أنْ يشاء اللهُ ولكنَّ أكثرَهم يَجهَلونَ}.
(5) - ... سورة التوبة: 55.
(6) - ... سورة الشورى: 30 .. (2/278)
صفحة 676
أو تَحُلُّ قَريبًا مِن دارِهم} أو تَحلُّ القارعةُ قريبًا مِنْهُم، ويَتَطايَرُ إِلَيْهِم شرارها، وتتعدَّى إِلَيْهِم شُرورُها {حتَّى يَأتِيَ وَعدُ الله} أي: مَوتُهُم؛ {إِنَّ الله لاَ يُخلِفُ المِيعاد (31)}.
{وَلَقَد استُهزِئَ بِرسُلٍ مِن قَبلِك} كمَا استُهزِئَ بِكَ، {فَأملَيْت للَّذين كَفَرُوا}، الإِملاَءُ: الإِمهَالُ، وأن يترك ملاوة (1) مِنَ الزَّمان فيِ حفظٍ وأَمنٍ، ومِنهُ الملوان: الليل والنهار؛ {ثُمَّ أَخذتُهم} (لعلَّه) بالهلاك، {فَكيفَ كَانَ عِقَابِ (32)} وهذا وعيدٌ لَهُم، وجوابٌ عَن اقتِراحِهم الآيات عَلَى رَسول الله استهزاءً بِهِ، وتَسلِيَةٌ لَهُ.
{__________
(1) - ... المِلاوة والمُلاوة والمَلاوة، والمَلا، والمَلِيُّ، كلُّه: مدَّة العيش، وقد تملَّى العيشَ، ومُلِّيَه، وأملاه الله إِيَّاهُ وملاَّه، وأملى الله له: أمهله، وطوَّل له». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 532. مادَّة «ملا». (2/279)
صفحة 677
أفَمَن هُوَ قَائِمٌ} احتِجَاجٌ عَلَيْهِم فيِ إشراكهم بالله، يَعنِي: فالله الذِي هُوَ رقيبٌ {عَلَى كُلِّ نَفسٍ} صَالِحَةٍ [279] أو طالحةٍ {بِمَا كَسَبَت} يَعلَم خَيرهَا وشرَّها، ويُعِدُّ لِكُلٍّ جَزاءَه، كمَنْ لَيسَ كذلك؛ ثُمَّ استَأنَفَ فَقال: {وجَعلُوا لله شُركَاءَ} أي: آلهةَ الألوهيَة وغيرَها {قُلْ: سَمُّوهُم} بَيِّنُوا أسماءَهم لَهُ مَن هُم؛ ثُمَّ قَالَ: {أمْ تُنَبِّئُونَه بِمَا لاَ يَعلَمُ فيِ الأَرْض} أي: بَل أتُنَبِّئُونَه بِشُرَكَاءَ لاَ يَعلَمُهم فيِ الأَرْض، وَهُوَ العالمُ بِمَا فيِ السَّمَاوَات والأَرْض؛ فإذا لم يَعلَمْهُم عُلِمَ أنَّهم لَيسُوا بِشَيءٍ، والمُرادُ نَفيُ أنْ يكونَ لَهُ شُركاءُ. {أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ} بَلْ أتُسمُّونَهم بِشُركَاء بِظاهرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَير أنْ يَكونَ لِذلك حقيقةٌ، كَقوْلِه: {ذَلِكَ قَولُهم بِأفوَاهِهِم} (1)، {مَا تَعبُدُون مِن دُونِه إِلاَّ أسماءً سَمَّيتُموهَا} (2)؛ {بَلْ زُيِّن لِلَّذينَ كَفَرُوا مَكرُهُم} كَيْدُهم للإسلام بِشركِهم {وَصَدُّوا} وصَرفُوا {عَنِ السَّبيل} (لعلَّه) وَهُوَ الدينُ، {ومَن يُضلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن هَادٍ (33)} مِن أحدٍ يَقدِر عَلَى هِدَايَتِه.
{لَهُم عذابٌ فيِ الحياة الدُّنْيَا} بِكُلِّ مَا يَسُوؤُهم ويَسُرُّهم فيِ الحياة الدُّنْيَا، لأَنَّهُ يُؤدِّي بهم إِلىَ العذاب الأكبَرِ، والمُؤمنون سَالِمون مِن عذاب الله فيِ الدُّنْيَا والآخرة، وإنْ سَاءَهم شيءٌ فيِ الدُّنْيَا فذلك ليس بعذابٍ (لعلَّه) فيِ الحقيقة، وَهُوَ (3) نعمةٌ، لأَنَّهُ يُؤدِّي بهم إِلىَ النعمة الدائِمَة، {ولَعذَابُ الآخِرَة أَشقُّ} أشدُّ، لدوامه وتعاظمه وتضاعفه، {وَمَا لَهُم مِنَ الله من واقٍ (34)} يقيهم العذابين.
{__________
(1) - ... سورة التوبة: 30.
(2) - ... سورة يوسف: 40.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإنَّما هو». (2/280)
صفحة 678
مثل الجَنَّة التِي وُعِدَ المتَّقون} صفتها التِي هِيَ فيِ غرابة المثَل، {تجري من تحتها الأنهار أُكُلُهَا دائِمٌ} ثمرها دائم الوجود لاَ ينقطع وَلاَ يمنع، {وظلُّها} دائم لاَ يُنسَخ كما يُنسَخ فيِ الدُّنْيَا بالشمس، {تلك عُقبَى الذِينَ اتَّقَوا} أي: الجنَّة الموصوفة عُقبَى تقواهم، يعني: منتهى أمرهم، {وعُقبَى الْكَافِرِينَ النارُ (35)}.
{وَالذِينَ آتيناهم الكتاب} يريد من أسلم مِنْهُم، {يفرحون بِمَا أنزل إليك (1)؛ ومن الأحزاب} أي: ومن أحزابهم، (لعلَّه) وَهُم كفرتهم الذِينَ تحزَّبوا عَلَى رسول الله بالعداوة، {من يُنكِر بعضه} لأنَّهم كَانُوا لاَ ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني، مِمَّا [هو] ثابت فيِ كُتُبِهِم، وكَانُوا ينكرون نبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وغير ذلك مِمَّا حرَّفوه وبدَّلوه مِنَ الشرائع (2)، {قل: إِنَّمَا أُمِرتُ أن أعبدَ الله وَلاَ أُشركَ بِهِ} هُوَ جواب للمنكرين، أي: قل: إِنَّمَا أُمرتُ فيما أُنزِلَ إليَّ بِأَن أَعبُدَ الله وَلاَ أُشرِكَ بِهِ، فإنكاركم [له إنكار] (3) لعبادة الله وتوحيده، فانظروا ماذا تنكرون، مَعَ ادِّعائكم وُجوبَ عبادةِ الله، وأن لاَ يُشرَك بِهِ، {إِلَيْهِ أدعو} خصوصًا لاَ أدعو إِلىَ غيره، {وَإِلَيْهِ مآب (36)} مَرجِعِي، وأنتم تقولون مثل ذَلِكَ فلا معنى لإنكاركم.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «{يفرحون بما أنزل إليك}» وَهُوَ سهو.
(2) - ... في الأصل: «الشريع»، وهو خطأ.
(3) - ... إضافة من الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 415. (2/281)
صفحة 679
وكذلك أنزلناه} ومثلُ ذَلِكَ الإنزال أنزلناه، مأمورًا فِيهِ بعبادة الله وتوحيده، والدعوة إِلَيْهِ وَإِلىَ دينه، والإنذار بدار الجزاء، {حُكمًا عربِيًّا} حِكمة عربيَّة مترجمة بلسان العرب، {ولئن اتَّبعتَ أهواءهم} وسبب اتِّباع أهوائهم اتِّباعُ هواه، {بعدما جاءك مِنَ العلم} أي: بعد ثبوت العلم بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة، {مَا لك مِنَ الله من وليٍّ وَلاَ واقٍ (37)} أي: لاَ ينصرك ناصر ولا يقيك مِنْهُ واق، وهذا من باب التهييج والبعث للسامعين عَلَى الثبات فيِ الدين، وأن لاَ يَزِلَّ زالٌّ عند الشبهة بعد استمساكه بالحجَّة، وَإِلاَّ فكان رسول [280] الله من شدَّة الثبات بمكَانٍ، وكَانُوا يعيبونه بالزواج والأولاد (1)، ويقترحون عليه الإناث، وينكرون النسخ، فنزل:
{وَلَقَد أرسلنا رُسُلاً من قبلِك وجعلنا لَهُم أزواجًا وذُرِّيَّة، وَمَا كَانَ لرسول أن يأتي بِآيَةٍ إِلاَّ بإذن الله} أي: ليس فيِ وُسعِهِم إتيان الآيات عَلَى مَا يقترحه قومه، وإنَّما ذَلِكَ إِلىَ الله، {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38)} لِكُلِّ وقت حُكمٌ عَلَى العباد، أي: يُفرَض عَلَيْهِم ولهم، عَلَى مَا تقتضيه حكمته.
{يمحو اللهُ مَا يَشَاء} ينسخ الله مَا يَشَاء نَسخَه {ويُثْبِتُ} بَدَلَه مَا يَشَاء، أو يُنزِّله غير منسوخ، أو يمحق كفر التائبين، ويبطل ثواب من عصى، ويثبت ضدَّه، {وعنده أمُّ الكتاب (39)} أصلُ كُلِّ كتاب وَهُوَ اللوح المحفوظ، لأنَّ كلَّ كائنٍ مكتوب فِيهِ؛ أو علمُه الذِي استأثر بِهِ.
{وإن مَّا نُريَنَّك بعضَ الذِي نَعدُهم أو نَتَوَفَّينَّك فَإِنَّمَا عليكَ البلاغ} فما يجب عليك إِلاَّ تبليغ الرسالة، {وعلينا الحساب (40)} وعلينا حسابهم وجزاؤهم عَلَى أعمالهم، فلا يهمَّنَّك إعراضهم وَلاَ تستعجل بعذابهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ولولاد»، وهو خطأ. (2/282)
صفحة 680
أولم يروا أنَّا نأتي الأَرْض} أرض الكفر، {نَنقُصُها من أطرافها}؟ بِمَا نفتح عَلَى المُسْلِمِينَ من بلادهم، فنُنقِصَ من دار الحرب ونَزِيدَ فيِ دار الإسلام؛ وقيل: المراد أرض الإسلام، وننقصها: بموت العلماء وذهاب الفقهاء، {والله يحكُمُ لاَ مُعقِّبَ لحُكمِهِ} لا رادَّ لحُكمِهِ؛ والمُعقِّب الذِي يستولي عَلَى الشيء فيبطله، وحقيقته الذِي يُقفِّيه بالردِّ والإبطال، والمعنى: أنَّه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، وَعَلَى الكفر بالإدبار والانتكاس، {وَهُوَ سريع الحساب (41)} فعمَّا قليل يحاسبهم فيِ الآخِرَة بعد عذاب الدُّنْيَا.
{وقد مَكَرَ الذِينَ من قبلهم} كفَّار الأممِ الخالية بأنبيائهم، والمكر: إِرَادة المكروه فيِ خِفيَةٍ، ثُمَّ جعل مكرهم ليس بشيء بالإضافة إِلىَ مكره، {فلله المَكرُ جميعًا} ثُمَّ فسَّر ذَلِكَ بقوله: {يعلمُ مَا تكسبُ كُلُّ نفسٍ، وسيعلم الكُفَّار لمن عُقبَى الدار (42)} يعني العاقبة المحمودة، لأنَّ من عَلِمَ مَا تكسبُ كلُّ نفس وأعدَّ لها جزاءها فله المكرُ كُلُّه، لأَنَّهُ يأتيهم من حيث لاَ يَعْلَمُونَ وَهُم فيِ غفلة مِمَّا يُرَادُ بهم.
{ويقولُ الذِينَ كَفَرُوا: لستَ مُرسَلاً، قل: كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم} لِمَا أَظهَرَ مِنَ الأدلَّة عَلَى رسالتي، {ومن عنده علمُ الكتابِ (43)} يريد مؤمني أهل الكتاب؛ وقيل: جبريل؛ وقيل: هُوَ الله، و «الكتاب»: اللوح المحفوظ؛ وقيل: القرآن، {ومن عنده علم الكتاب}: العلماء بدين الله.
سورة إبراهيم
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (2/283)
صفحة 681
الر كِتَابٌ} أي: هَذَا كتاب، يعني: السورة والجملة التِي هِيَ ... (1) {أنزَلنَاهُ إليكَ لتُخرِجَ الناس} بدعائك إيَّاهم، {من الظلمات إِلىَ النور} مِنَ الضلالة إِلىَ الهدى {بإذن رَبِّهم} بتيسيره وتسهيله، مِنَ الإذن الذِي هُوَ تسهيل للحجاب، وذلك مَا يمنحهم مِنَ التوفيق، {إِلىَ صِرَاطِ} بدلٌ مِنَ «النور» {العزيز} الغالب بالانتقام، {الحميد (1)} المحمود عَلَى الإنعام.
{الله الذِي لَهُ مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} خَلقًا ومُلكًا، {وويلٌ} وَهُوَ نقيض [281] النجاة {للكَافِرِينَ من عذابٍ شديدٍ (2)} لعلَّه فيِ الدارين.
{الذِينَ يستحبُّون} يختارون ويُؤثِرون {الحياة الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَة ويصدُّون عَن سبيل الله} طاعته، {ويَبغُونَهَا} أصله: ويبغون لها، {عِوَجًا أُولَئِكَ فيِ ضلالٍ بعيدٍ (3)} عَن الهدى، ولو استحبَّ الحياة الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَة بحرف وَاحِد من دين الله، وَهُوَ أن يترك لَهُ أمرًا مِمَّا أمره بِهِ، أو يرتكب لَهُ نهيًا مِمَّا نهاه عَنْهُ، فقد آثر الحياة الدُّنْيَا (لعلَّه) عَلَى موافقة حكم الله فيِ ذَلِكَ الحرف، وصَدَّ نفسه عَن سلوك سبيل الله وعوَّج سبيلَ الله المستقيمة. (لعلَّه) ومن سلك باعوجاجه هُوَ عنها وزُيِّنت له سبيله العوجاء بِهَوَاهُ وعَمائِه، وظنَّ أنَّها مستقيمة، وَهُوَ يمشي إِلَيْهِا مُكِبًّا عَلَى وجهه، كما قَالَ: {ومن يُشرِك بالله فكأنَّما خرَّ مِنَ السَّمَاء} منزلته التِي كَانَ عليها، {فتخطَّفُه الطيرُ أوتهوي بِهِ الريح فيِ مكَانٍ سحيق} (2).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أَنَّ في العبارة سقطا.
(2) - ... سورة الحج: 31. (2/284)
صفحة 682
وَمَا أرسلنا من رَسُولٍ إِلاَّ بلسانِ قَومِهِ} إِلاَّ متكلِّمًا بلُغتِهم ليفهموا عَنْهُ، {ليُبيِّنَ لَهُم} مَا هُوَ مبعوث بِهِ وَلَهُ، لئلاَّ يكون لَهُم حُجَّة عَلَى الله، وأن يقولوا: لم نفهم مَا خُوطِبنَا بِهِ، فإن قلت: إنَّ رسولنا - عليه السلام - بُعِثَ إِلىَ الناس جميعًا بقوله: {قل يَا أَيُّهَا الناس إِنِّي رسول الله إليكم جميعا} (1) بَل إِلىَ الثَّقلين، قلنا: نزوله بجميع الألسنة، أو بِوَاحِد مِنها، فلا حاجَة إِلىَ نُزولِه بِجميع الألسِنة، فإنَّ الترجمة تنوب عَن ذَلِكَ، وكَانَ لسان قومه أولى بالتعبير، لأنَّهم أقدر عَلَى التعبير؛ {فَيُضِلُّ الله من يَشَاء} من آثَرَ (لعلَّه) أسباب الضلال، {ويهدي من يَشَاء} من آثر أسباب الاهتداء، {وَهُوَ العزيزُ} فلا يُغلَبُ عَلَى مشَيئته {الحكيمُ (4)} لاَ يَخذُلُ إِلاَّ من خَذَلَ نفسه؛ وإذا لم تكن حُجَّة لجنِّيٍّ وَلاَ لعجميٍّ فيِ مخالفة الحقِّ بالعرب الذِينَ أُنزِلَ الكتاب بِلُغَتهِم، لأَنَّ إِنزَالهُ عَلَى كَافَّة الثقلين ــ مِنَ الجنِّ والإنس، والعرب والعجم، والحضر والبدو، وَالذِينَ شاهدوا الرسول، وَالذِينَ غابوا عَن الرسول فيِ حياته، أو حَدَثُوا بعد وفاته إِلىَ يوم القيامة ــ وَاحِدٌ، لأَنَّهُ مرسولٌ إِلَيْهِم كَافَّة بقوله: {قل يَا أَيُّهَا الناس إِنِّي رسول الله إليكم جميعا} (2) والجنُّ داخلون فيِ جميع مَا خاطب الله بِهِ الناس.
{وَلَقَد أرسلنا موسى بِآيَاتِنا، أن أَخرِجْ قومَكَ مِنَ الظلمات إِلىَ النور وذكِّرهم بأيَّام الله} وأنذرهم بوقائعه التِي وقعت عَلَى الأمم قبلهم، أو بأيَّام الإنعام، أو بأيَّام الحساب والجزاء. {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لِكُلِّ صبَّارٍ} (لعلَّه) عَلَى البلايا، {شَكُورٍ (5)} عَلَى العطايا.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 158.
(2) - ... سورة الأعراف: 158. (2/285)
صفحة 683
وإذ قَالَ موسى لقومه: اذكروا نعمة الله عليكم} لتشكروها، {إذ أنجاكم من آل فرعون يَسُومُونَكُم سُوءَ العذابِ ويُذَبِّحون أبناءكم ويَستحيُونَ نِسَاءَكُم} يتركونهنَّ أحياء للخدمة، {وفي ذلكم بلاءٌ من رَبِّكُم عظيمٌ (6)} الإشارة إِلىَ العذاب، والبلاء: المحنة؛ وإلى الإنجاء، والبلاء: النعمة، {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً} (1).
{وإذ تأذَّن ربُّكُم} أي: أذن رَبُّكُم إيذانا بليغا تنتفي عنده [282] الشكوك والشبهات. {لئن شَكَرتم لأزيدنَّكم} نعمةً إِلىَ نعمةٍ؛ فالشكر: “قيد الموجود، وصيد المفقود”، وإذا سمعت النعمة نعمة الشكر تأهَّبت للمزيد [كَذَا]. وقال ابن عبَّاس: «لئن شَكرتمُ بالجِدِّ فيِ الطاعة ليزيدنَّكم بالجِدِّ فيِ المثوبة»، {ولئن كَفرتُم إنَّ عذابي لشديدٌ (7)} لمن كفر نعمتي، أمَّا فيِ الدُّنْيَا فسَلْبُ النعم، وَأَمَّا فيِ العقبى فَتوَالِي النقَمِ.
{وقال موسى: إن تكفرُوا أَنتُم ومن فيِ الأَرْض جميعًا فإنَّ الله لغنيٌّ حميدٌ (8)} وإن لم يَحمَدهُ الحامدون.
{ألم يأتكم نبأُ الذِينَ من قبلكم قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وَالذِينَ من بعدهم لاَ يعلمُهم إِلاَّ (2) الله} والمعنى: أنَّهم مِنَ الكثرة لاَ يَعلَم عددهم إِلاَّ الله، ورُوِيَ أنَّه - عليه السلام - قَالَ عند نزول هَذِهِ الآية: «كذب النسَّابون» (3). {جاءتهم رسلهم بِالبَيِّنَاتِ} الواضحات، {فردُّوا أيدِيَهم فيِ أفواهِهِم}، أي: أخذوا أناملهم بأسنانهم، أو عضُّوا عليها تغيُّظا (4)، {وَقَالُوا: إِنَّا كفرنا بِمَا أُرسِلتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِي شكٍّ مِمَّا تدعونَنَا إِلَيْهِ} مِنَ الإيمان بالله والتوحيد لَهُ، {مُريبٍ (9)} مُوقِعٍ فيِ الريبة.
{__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 35.
(2) - ... في الأصل: - «إلاَّ» وهو سهو.
(3) - ... لم نقف عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة.
(4) - ... في الأصل: «تغيضا»، وهو خطأ. (2/286)
صفحة 684
قالت رسلهم: أَفِي اللهِ شكٌّ فاطرِ السَّمَاوَات والأَرْض، يَدعُوكُم ليَغْفِرَ لكم من ذنوبكم ويؤخِّركم إِلىَ أجلٍ مسمًّى؟ قَالُوا إن أَنتُم إِلاَّ بشرٌ مثلنا} لاَ فضل لكم علينا، فلِمَ تُخَصُّونَ بالنبوَّة دوننا، {تُريدُون أن تصدُّونا عَمَّا كَانَ يعبُدُ آباؤنَا}، أي: يتَّبعون أهواءهم بغير الحقِّ، وَلاَ يعتقدون فيمَا بَيْنَهُم دينا وَلاَ إسلامًا، {فأتونا بسلطانٍ مُبِين(10)} بحجَّة بيِّنة؛ وقد جاءتهم رسلهم بالبيِّنات، وإنَّما أرادوا بالسلطان المبين: آية قد اقترحوها تعنُّتا وتوارِيا عَن الحقِّ.
{قالت لَهُم رُسُلُهُم: إن نَّحْنُ إِلاَّ بشرٌ مِّثلُكُم} فيِ الخلق تسليم لقولهم: إنَّهم بشرٌ مثلُهُم، {ولكنَّ الله يَمُنُّ عَلَى من يَّشَاء من عباده} بالإيمان والنبوَّة والرسالة والعلم. {وَمَا كَانَ لَنَا أن نأتيكم بسلطان إِلاَّ بإذن الله} جواب لقولهم: «فأتونا بسلطان مبين»، والمعنى: أنَّ الإتيان بالآية التِي اقترحتموها ليس إلينا، وَلاَ فيِ استطاعتنا، وإنَّما هُوَ أمرٌ يتعلَّق بمشيئة الله، {وعلى الله فليتوكَّلِ المؤمنُونَ(11)} أمرٌ مِنْهُم للمؤمنين كَافَّة بالتوكُّل، وقصدوا بِهِ أنفسهم قصدًا أوَّليًّا، كأنَّهم قَالُوا: ومن حقِّنا أن نتوكَّل عَلَى الله فيِ الصبر عَلَى معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم. (2/287)
صفحة 685
ألا ترى إِلىَ قوله: {وَمَا لَنَا ألاَّ نتوكَّل عَلَى الله} أي: وأيُّ عذر لَنَا فيِ أن لاَ نتَّكِلَ عَلَى الله، {وقد هَدَانَا سُبُلَنَا}، وقد فعل بنا مَا يُوجِبُ توكُّلنا عليه، وَهُوَ التوفيق لهداية كلٍّ منَّا سبيله الذِي يجب عليه سُلُوكُه فيِ الدين. قَالَ أبو تراب: «التوكُّل: طرح البدن فيِ العبوديَّة، وتعلُّق القلب بالربوبيَّة، والشكر عند العطاء، والصبر عَلَى البلاء»؛ {ولنصبرَنَّ عَلَى مَا آذيتمونا}، أي: (لعلَّه) صمَّموا عَلَى الصبر عَلَى أذاهم، وأن لاَ يعرجوا عَن سلوك طريقتهم إِلىَ رضى مولاهم، {وعلى الله فليتوكَّل المتوكِّلُونَ (12)} أي: فليثبت المتوكِّلون عَلَى توكُّلهم.
{وقال الذِينَ كَفَرُوا لرُسُلهم: لَنخرجنَّكم من أرضنا} من ديارنا، {أو لتعُودُنَّ [283] فيِ مِلَّتِنَا} أي: ليَكونَنَّ أحد الأمرين: إخراجُكم، أو عودُكم؛ وهكذا عادةُ المُختلفين فيِ الدين. {فأوحى إِلَيْهِم رَبُّهم: لنُهلكَّن الظالمِينَ (13) ولنُسكِنَنَّكُم الأَرْضَ مِن بَعدِهم} أي: أرضَ الظالمين وديارَهم. فيِ الحديث: «من آذى جارَه ورَّثه الله داره» (1)؛ {ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ (14)} بالجزاء.
{واستفتَحُوا} واستَنصَروا الله عَلَى أعدائهم بالدعاء والمجاهدَة، {وخَابَ كُلُّ جَبَّار} وخسِر كلُّ مُتكبِّرٍ بَطِرٍ {عنيدٍ (15)} مُجانِبٍ للحقِّ، معناه فنُصِروا وظَفَروا وخابَ كلُّ جبَّار عنيدٍ، وَهُم قَومُهم.
{مِن وَرائِه جهنَّمُ} مِن بَين يدَيه وَهُوَ عَلَى شفيرها {ويُسقَى} تَقديرُه: مِن ورائه جهنَّم يُلقى فِيهَا مَا يُلقى ويُسقى {مِن ماءٍ صَديدٍ (16)} مَاء يَسيل مِن جُلود أهل النار.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة، ولا في الجامع الصغير وزياداته. (2/288)
صفحة 686
يتجرَّعُه} يشربه جُرعةً جُرعةً لِمَرارتِه وحَرارتِه {وَلاَ يكادُ يُسيغُه} ولا يُقارِب أَن يُسيغَه، فكيف تَكون الإساغَةُ؟! كقوله: {لم يكد يَراهَا} (1) أي: لم يقرُب مِن رُؤيَتِها، فكيف يَراهَا؟!؛ {ويأتيه الموتُ مِن كُلِّ مَكانٍ} أي: أسبابُ الموت من كلِّ جهة، أو من كُلِّ مكَانَ من جسده، حتَّى أُصول شعره وإبهام رِجليه؛ وقيل: يأتيه الموت من قُدَّامه وورائه ويمينه وشماله؛ وهذا تفظيع لِمَا يُصيبُه مِنَ الآلام، أي: لو كَانَ ثَمَّة مَوتٌ لكَانَ منها مُهلَكا؛ {وَمَا هُوَ بمَيِّت} فيَستريح، لأَنَّهُ لو كَانَ هُنالك مَوْت لكَانَ نعمةً لأهلِ النار، لأَنَّهُ أسرعُ انقضاءً مِنَ العذاب المُؤبَّد، {ومِن وَرائِه} ومِن بَين يَدَيهِ {عذابٌ غليظٌ (17)}، أي: فيِ كلِّ وقتٍ يستقبلُه يَتلقَّى عذابا أشدَّ مِمَّا قبلَه وأغلظَ؛ وقيل: هُوَ قطعُ الأنفاس وحبسُها فيِ الأجساد؛ وقيل «العذاب الغليظ»: الخلود فيِ النار.
{مَثلُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهم} والمثَل مُستَعار للصِّفة التِي فِيهَا غَرابَة؛ {أعمالُهم كَرمَادٍ اشتدَّت بِهِ الريح فيِ يوم عاصِف} أعمالُ الكفرة، المكارمُ التِي كَانَت لَهُم من صلة الأرحام، وعتقِ الرقاب، وفداءِ الأسارى، وعقرِ الإبل للأضياف، وأداءِ الفرائض، والتوسُّلِ بالوسَائِل وحُسنِ (لعلَّه) الأخلاق للناس، شبَّهها فيِ حُبوطِها لِبنائِها عَلَى غير أساسٍ، وَهُوَ استكمال الطاعة بِرمادٍ طيَّرَته الريح العاصف؛ {لاَ يَقدِرون} يَوم القيامة {مِمَّا كسبوا} من أعمالهم {عَلَى شَيء} أي: لاَ يَرون لَهُ أثرًا (2) مِن ثَواب، كَمَا لاَ يُقدَرُ مِنَ الرماد المُطيَّر فيِ الجوِّ بالرِّيح عَلَى شيءٍ؛ {ذَلِكَ هُوَ الضلالُ البعِيدُ (18)} إشارةٌ إِلىَ بُعدِ ضلالهم عَن طَريق الثوابِ.
{__________
(1) - ... سورة النور: 40.
(2) - ... في الأصل: «أثر»، وَهُوَ خطأ. (2/289)
صفحة 687
ألم تَرَ} ألم تَعلَم الخطاب لِكُلِّ أحدٍ، {أنَّ الله خَلقَ السَّمَاوَات والأَرْض بِالْحَقِّ} بالحكمةِ لأمرٍ عظيم لو علمتم، لاَ عبثا وَلاَ لعبا. {إن يَّشأ يُذهِبكُم} إن عصيتم، {ويأتِ بِخلقٍ جَديد (19)} أطوع، أي: هُوَ قادر عَلَى أن يُعدِم الناس ويخلق مكانهم خلقا آخر، اِعلَمْ بأنَّه قادرٌ عَلَى إعدام الموجود، وإيجاد المعدوم؛ {وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعزيز (20)}.
{وبَرزُوا لله جميعا} يَبرُزُون يَوم القيامَة مِن قُبورِهم، لأمر الله ومحاسبته؛ ومعنى بُروزهم لله ــ وَاللهُ تعالى (لعلَّه) لاَ يَتوارى عَنْهُ شيءٌ حتَّى يَبرُزَ لَهُ ــ ولكن (1) كَانُوا يَستَتِرون مِنَ العيون عند ارتكاب الفواحش (2) ويَظُنُّون أنَّ ذَلِكَ خافٍ عَلَى الله؛ [284] فإذا كَانَ يومُ القيامة انكَشَفوا لله عند أنفسهم، وعلموا أنَّ الله لاَ تَخفى عليه خافية، وأُخرِجوا مِن قُبُورهم لِحساب الله وحُكمِه وجَزائِه.
{فقال الضُّعفاء} فيِ الرأي، وَهُم السفلة والأتباع {للذين استَكبَروا} وَهُمُ السادة والرؤساء، الذِينَ استَغوَوْهُم، وصدُّوهم عَن الاستمَاع إِلىَ الأنبياء وأتباعهم، {إِنَّا كُنَّا لكم تَبَعًا} تابعين، {فَهَلْ أَنتُم مُّغنُونَ عَنَّا مِن عذاب الله مِن شيءٍ}؟ فَهَل تَقدِرون عَلَى دفع شيء مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؟ كأنَّه قيل: فَهَل أَنتُم مُّغنون عنَّا بعض الشيء، الذِي هُوَ عذاب الله، {قَالُوا} لهم {لَوْ هَدَانا الله} إِلىَ الإيمان فيِ الدُّنْيَا، {لَهَدَيناكم} إِلَيْهِ، {سواءٌ علَينَا أَجَزِعنَا أَمْ صَبَرنَا مَا لَنَا مِن مَّحيص (21)} مَهرَب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أنَّهم»، انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 427.
(2) - ... في الأصل: «الواحش»، وهو خطأ. (2/290)
صفحة 688
وقَال الشيطان لَمَّا قُضِي الأمر} حُكِمَ بالجنَّة والنار لأهلَيْهِما، وكَانَ قوله عَلَى سياق قَولِ الذين... (1) الخطاب مِنَ الشيطان جوابٌ لأهلِ النار إِذَا سألوه أنْ يُغنِيَ عَنْهُم من عذاب الله من شيءٍ، كما سأل الضعفاء الذِينَ استكبروا؛ {إِنَّ الله وعدَكم وَعْدَ الحَقِّ} وَهُوَ البعثُ والجزاءُ عَلَى الأعمال فَوفَّى بِمَا وعدَ؛ {وَوَعدتُكُم} بِأَن لاَ بَعثَ وَلاَ حِساب، {فأخلَفتُكم، وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم مِّن سُلطَان} مِن تَسلُّطٍ واقتِدارٍ {إلاَّ أنْ دَعَوتُكم} لكنِّي دعوتكم إِلىَ الضلالة بِوَسوَسَتِي فيِ تَزيِينِي، {فاستجبتُم لي} فأسرعتُم إِجابَتِي، {فلا تَلُومُونِي}، لأنَّ مَن تَجرَّد للعداوة لاَ يُلامُ إِذَا دَعَا إلي أمرٍ قبيحٍ، مَعَ أنَّ الله قَالَ لكم: {لاَ يَفتِنَنَّكُم الشيطانُ كَمَا أخرَج أبَوَيكُم مِّنَ الجنَّة} (2) ؛ {وَلُومُوا أنفُسَكم} حيث اتَّبعتموني بِلا حُجَّة وَلاَ بُرهَان، وَلاَ جَبرٍ وَلاَ سُلطانٍ؛ {مَا أنَا بِمُصرِخِكم} بِمُغِيثِكم، {وَمَا أَنتُم بِمُصرِخِيَّ} بِمُغِيثِي، أي: لاَ يُنجِي بَعضُنا بعضًا مِن عذاب الله وَلاَ يُغِيثُه؛ والإصْرَاخ: الإغاثَةُ. {إنِّي كفَرتُ بِمَا أشرَكتُمُونِي مِن قَبْلُ}، أي: كَفَرت اليوم بإشراككم إيَّايَ مَعَ الله مِن قَبْلِ هَذَا اليومِ، أي: فيِ الدُّنْيَا، لِقوله: {ويَومَ القيامة يَكفُرُون بِشِركِكُم} (3) ، ومعنى كُفره بإشراكهم إيَّاه: تَبرُّؤُه مِنْهُ، واستنكاره لَهُ، كقوله: {إِنَّا بُرآءُ مِنكُم وممَّا تَعبُدون مِن دُونِ الله كَفَرنَا بِكُم} (4) ،
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أَنَّ في العبارة سقطا، تقديره: «استكبروا».
(2) - ... سورة الأعراف: 27.
(3) - ... سورة فاطر: 14.
(4) - ... سورة الممتحنة: 4.. (2/291)
صفحة 689
ومعنى إشراكهم الشيطانَ بالله: طاعتُهم لَهُ فيما كَانَ يُزَيِّنُه لَهُم مِن عِبَادة غير الله، وهذا آخر قَولِ الشيطان، وقوله: {إِنَّ الظالمين لَهُم عذاب أليم(22)} قَوْلُ الله عزَّ وجلَّ، وقِيلَ: هُوَ مِن تَمَام قَول إبليسَ، وإنَّما حَكَى الله عزَّ وجلَّ مَا سَيقُولُه فيِ ذَلِكَ الوقت لِيَكون لُطفًا لِلسَّامِعِين.
{وأُدخِل الذِينَ آمنوا وعَمِلوا الصَّالحات جنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِها الأنهار خَالِدِين فِيهَا بِإذنِ رَبِّهِم تَحِيَّتُهم فِيهَا سَلامٌ(23)} مِن كُلِّ نُقْصٍ وآفة.
{ألم تَرَ كيفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً} أي: وصَفَهُ وبَيَّنَه، {كَلِمَةً طيِّبَة} لِقائِلِها: هِيَ كلمةُ الحقِّ وقول الصدق، {كشجَرَة طَيِّبَةٍ أصلُهَا ثَابِتٌ} أي: فيِ الأَرْض، ضَارِبٌ بِعُرُوقِه فِيهَا، {وفُرعُها} وأعلاها ورأسُها {فيِ السَّمَاء(24)}. والكلمة الطيِّبة: كَلِمَة التوحِيد، أصلُها تَصديقٌ بِالجَنَانِ، وفَرعُها إِقْرَارٌ بِاللِّسانِ، وأُكلُها عَمَلُ الأَركَانِ، والشجرةُ: هِيَ النخلَة فِيمَا قِيلَ.
{تُؤتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} تُعطِي ثَمَرها كلَّ وَقْتٍ لأنَّ [285] الموحِّد مُنعَمٌ عَلَى أيِّ حالٍ كَانَ، وفي أيِّ حِينٍ كَانَ، (لعلَّه) لَوْ اعتُبِرَت أحوَالُه؛ {بِإذْنِ رَبِّها، ويَضرِبُ الله الأمثالَ لِلنَّاس لَعَلَّهُم يَتَذكَّرُونَ(25)} لأنَّ فيِ ضربِ الأمثال زِيَادَةُ إِفهَامٍ وتَذكُّرٍ وتصويرٍ للمعاني.
{ (2/292)
صفحة 690
ومَثَلُ كلِمَة خَبِيثَةٍ} لقائلها، هِيَ كلمة الكفر، {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} قيل: إنَّها شجرةُ الحَنظَل، {اجتُثَّت مِن فَوقِ الأَرْض} استُؤصِلَت جُثَّتُها (1)، وحقيقة الاجتِثَاثِ: أخذُ الجُثَّةِ كُلِّها، وَهُوَ فيِ مقابلة: أصلُها، {مَا لها مِن قَرَارٍ (26)} استِقرَار، يُقالُ: قرَّ الشيءُ قَرارًا، كقولك ثَبَتَ ثَبَاتًا، شُبِّه بها القول (لعلَّه) الذِي لم يُعضَد بِحُجَّة، فهو داحضٌ غَيرُ ثَابتٍ.
{يُثبِّتُ الله الذِينَ آمنوا} بالجزاء [كَذَا]، أي: يُديمُهم عليه، {بالقول الثابت}، وَهُوَ قول الحقِّ {فيِ الحياة الدُّنْيَا} حتَّى إِذَا فُتِنُوا (لعلَّه) عَلَى دينهم لم يَزلُّوا، كما ثَبَّتَ الذين فتنهم أصحاب الأخدود، {وفي الآخِرَة} عند البعث، {ويُضلُّ الله الظالمين}، فلا يثبتهم عَلَى القول الثابت فيِ مواقف الفتن، وتَزِلُّ أقدامهم أوَّلَ شيء، وَهُم فيِ الآخِرَة أضلُّ وأزلُّ، {ويفعلُ الله مَا يَشَاء (27)}، فلا اعتراض عليه فيِ تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين.
{ألم ترَ إِلىَ الذِينَ بدَّلوا نعمةَ الله كفرًا} لأنَّهم وضعوا مكَانَ شُكرِها كفرًا، كأنَّهم غيَّروا الشكر (لعلَّه) بالكفر، حتَّى استحالت النعمة نِقمةً فيِ حقِّهم، وهذا عامٌّ لجميع الكَافِرِينَ، لأنَّ جميع الخلق إمَّا شاكر للنعمة، وَهُوَ الذِي يتوصَّل بها إِلىَ النعمة الأبديَّة، وإمَّا (2) كافر لها، فهو فيِ عذاب الله وغضبه فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، {وأَحلُّوا قَومَهم} الذِينَ تابعوهم عَلَى الكفر {دارَ البوار (28)} دار الهلاك. {جهنَّمَ يَصلونَهَا وبِئْسَ القرارُ (29)} وبِئْسَ المقرُّ جهنَّمُ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «جثته»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «وما»، وهو خطأ. (2/293)
صفحة 691
وجعلُوا لله أندادًا} أمثالا فيِ العبادة أو فيِ التسمية، {لِيُضِلُّوا عَن سبيله، قل: تمتَّعُوا} بعبادة آلهتكم متاعَ الحياة الدُّنْيَا. قَالَ ذو النون: «التمتُّع: أن يقضي (1) العبد مَا استطاع من شهوته». {فإنَّ مصيركم إِلىَ النار (30)} لأنَّ الكافر يتمتَّع بنعمة الله فيِ الدُّنْيَا وتنقطع عَنْهُ فيِ الآخِرَة، فلا تُوصِلُه إِلىَ النعيم الدائم، بَل تكونُ سبَبَ عذابِهِ فيِ الآخِرَة، فلذلك يعذِّبه الله بها فيِ الحياة الدُّنْيَا، كما قَالَ: {فلا تُعجبك أموالهم وَلاَ أولادهم ... } الآية (2).
{قل لِّعِبَادِيَ} وقيل: بسكون الياء، خصَّهم بالإضافة إِلَيْهِ تشريفا، {الذِينَ آمنوا: يُقيمُوا الصلاة ويُنفِقوا مِمَّا رزقناهم سرًّا وعلانِيَةً، من قبل أن يأتي يومٌ لاَ بيعٌ فِيهِ وَلاَ خلالٌ (31)}.
{الله الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْض، وأنزلَ مِنَ السَّمَاء ماءً فأخرج بِهِ مِنَ الثمرات رزقًا لكم} إن شكرتموه، {وسخَّر لكُمُ الفلك لتجريَ فيِ البحرِ بِأمرِهِ، وسخَّر لكُمُ الأنهار (32)، وسخَّر لكم الشمسَ والقمر دائِبين} دائمَين أصلا، (لعلَّه) للأرض والنبات والأبدان، {وسخَّر لكمُ الليل والنهار (33)} يتعاقبان خِلفَةً، لمعاشكم وسُبَاتِكُم ومعادكم.
{__________
(1) - ... يمكن أن نقرأ: «يعصي»؛ وَهُوَ عكس المُرَاد.
(2) - ... سورة التوبة: 55؛ وتمامها: {فلا تُعجِبْك أموالهم ولا أولادهم، إنَّما يُريد الله لِيُعذِّبَهم بها في الحياة الدنيا، وتَزهق أنفسُهم وهُم كافرون}. (2/294)
صفحة 692
وآتاكم من كلِّ مَا سألتموه} لعلَّ سؤالهم له بلسان الحال، وذلك أنَّهم لا يَصلُحُونَ إِلاَّ بِهِ، لأَنَّهُ هُوَ خالقهم وأعلم مِنْهُم بأنفسهم وإمدادهم، وَمَا لاَ بدَّ لَهُم مِنْهُ؛ ودليل ذَلِكَ قوله: {وإن تَعُدُّوا نعمةَ الله لاَ تُحصُوهَا}، فكيف سألوه مَا لاَ يعلمونه؟ ولكنَّ الله [286] خلقَ خلقَهُ، وخلق لهم جميع مَا لاَ بدَّ لَهُم مِنْهُ فيِ علمه تبارك وتعالى، علموه أو جهلوه، فكأنَّهم سَألُوهُ مَا لاَ بدَّ لَهُم مِنْهُ. {وإن تَعُدُّوا نعمة الله لاَ تُحصُوهَا} لا تُطِيقُوا عَدَّها وبلوغ آخرِهَا، إِذَا أرادوا أن يَعدُّوها عَلَى الإجمال، وَأَمَّا عَلَى التفصيل فلا يعلمه إِلاَّ الله، {إنَّ الإنسان لظَلُومٌ} يظلم النعمةَ بإغفَالِ شُكرِهَا، لأنَّ جميع طباع نفسه ظلم وكفر، {كَفَّارٌ (34)} لجميع نِعَمِ الله التِي ذكرت، والتي لم تذكر؛ لأنَّ جميع النعم خُلِقَت لأجله، وخُلِقَ هُوَ أن يُطِيعَ الله بشكرِهِ للنعم كلِّها، فإذا أطاع الله وشكرها استغفَرَتْ لَهُ موافقةً لخالقها، وإذا كَفَرَهَا لعنَتْهُ بأمرِ الله، لأنَّها مطيعة غير عاصية.
{وإذ قَالَ إبراهيمُ: ربِّ اجعل هَذَا البلد آمنا، واجنبني} وبعِّدني، أي: ثبِّتني وأَدِمنِي عَلَى اجتنابِ عِبادتها، {وبَنِيَّ أن نعبدَ الأصنامَ (35)} وهي: كلُّ مَا عُبِدَ من دون الله، من شيطان أو نفس أو هوى، أو صنمِ حجرٍ (1) أو خشبٍ أو غير ذَلِكَ، لكنَّه يَبعُد فيِ القلوب عَن إبراهيم وبنيه وأمثالهم عَلَيْهِمُ السلام أن يتَّخذوا أصنامًا آلهة من خشب أو حجر أو جماد من دون الله، ولكنَّ الخوف من أهوية النفوس، لأنَّها أضلَّت كثيرًا مِنَ الناس، ولم يكن ثَمَّ ضلالة إِلاَّ منها، كما قيل شعرًا:
لولا الهوى مَا هوى فيِ النار إنسان
{__________
(1) - ... في الأصل: «حجرا أو»، وهو خطأ. (2/295)
صفحة 693
ربِّ إنَّهنَّ أضلَلْنَ كثيرًا مِنَ الناس} جُعِلنَ مُضِلاَّت عَلَى طريق التسبُّب، لأنَّ الناس ضلُّوا بِسببهنَّ، وكأنَّهنَّ أضللنهُم؛ {فمن تَبِعنِي} عَلَى ما أنا عَلَيه {فإنَّه منِّي} أي: هُوَ بَعضِي، لفرط اختصاصه، {ومن عصاني فإنَّك غَفُورٌ رحيمٌ (36)} لمن تابَ من معصيته.
{رَّبَّنا إِنِّي أسكنتُ من ذُرِّيَّتي} بعض أولادي {بِوادٍ} هُوَ وادي مكَّة {غيرِ ذي زرع} لاَ يُصلِح الزرعَ، {عند بيتك المحرَّم، رَبَّنَا لِيُقيمُوا الصلاة}، أي: مَا أسكنتُهُم بهذا الوادي البلقعِ إِلاَّ لِيُقِيموا الصلاة عند بيتك المحرَّم، ويعمُرُوه بذكركَ وعبادتكَ، وكذلك قد أسكن الله خلقَه فيِ أرضه ليُوحِّدوه ويَعبُدُوه، وَلاَ يُشرِكُوا بِهِ شَيْئًا، {فاجعل أفئدةً مِنَ الناس تَهوِي إِلَيْهِم} تُسرِعُ إِلَيْهِم، وتَطير نحوهم شوقًا، [وتكون] سببا لأرزاقهم؛ قيل: ولو قَالَ: «أفئدة الناس»، لزاحمتكم فارس والروم والتُّرك [و] الهند، ولكنَّه قَالَ: {أفئدةً مِنَ الناس} وَهُم المُسْلِمُون، {وارزُقهُم مِّنَ الثمرات} مَعَ سكناهم وَاديًا مَا فِيهِ شيء منها، بِأَن يُجلَب إِلَيْهِم مِنَ البلاد الشاسعة، {لَعَلَّهُم يَشكرُونَ (37)} النعمة وَلاَ يكفرون.
{رَبَّنَا} النداء المكرَّر دليله: التضرُّع والإلجاء (1) إِلىَ الله، {إنَّك تعلَمُ مَا نُخفِي وَمَا نُعلِنُ}، لأَنَّهُ العالم عِلمًا ذاتيًّا، تستوي نسبته إِلىَ كلِّ معلوم؛ {وَمَا يَخفَى عَلَى الله من شيء فيِ الأَرْض وَلاَ فيِ السَّمَاء (38)}، المعنى: أنَّك أعلمُ بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم بنا مِنَّا بأنفسنا، فلا حاجة بنا إِلىَ الطلب لكنَّا ندعوك إظهارًا لعبوديَّتِك، وافتقار إِلىَ رحمتك.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الالتجاء». (2/296)
صفحة 694
الحمد لله} أي: المستحقُّ للحمد وإن لم يحمده حامد، {الذِي وَهَبَ لي عَلَى الكِبرِ إسماعيل [287] وإسحاق، إن رَبِّي لسميع الدعاء (39) ربِّ اجعلني مُقيمَ الصلاة ومن ذُرِّيَّتِي، رَبَّنَا وتقبَّل دعاءِ (40)} عبادتي. {رَبَّنَا اغفر لي ولوالدَيَّ وللمؤمنين يوم يقومُ الحساب (41)} للجزاء.
{وَلاَ تحسبَّنَّ الله غافلاً عمَّا يَعملُ الظالمون} تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم، {إِنَّمَا يُؤخِّرهم ليومٍ تَشخَصُ فِيهِ الأبصار (42)} أبصارهم لاَ تَقرُّ فيِ أماكِنها من هَولِ مَا ترى.
{مُهطِعين} مسرعين إِلىَ الداعي، {مُقنِعي رُءوسِهِم} رافعيها، {لاَ يرتدُّ إِلَيْهِم طرفهم}، أي: لا ترجع إِلَيْهِم أبصارهم من شدَّة النظر، فهي شاخصة، قد شغلهم مَا بين أيديهم. {وأفئدتُهم هواء (43)} صفر (1) مِنَ الخير، لاَ تَعِي شَيْئًا، مِنَ الخوف؛ وحقيقة المعنى: أنَّ العقول زائلة عَن أماكنها، والأبصار شاخصة من هول ذَلِكَ اليوم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «صفرًا»، وهو خطأ. (2/297)
صفحة 695
وأنذرِ الناس (1) يوم يأتيهم العذاب} عند قبض أرواحهم، أو يوم القيامة، {فيقول الذِينَ ظلموا: رَبَّنَا أخِّرنا إِلىَ أجلٍ قريب نُّجِب دعوتَك ونتَّبعِ (2) الرسلَ}، أي: أَمهِلنَا إِلىَ حدٍّ قريب نتدارك مَا فرَّطنا فِيهِ، من إجابة دعوتك واتِّباع رسلك، فيُقال لَهُم: {أولم تكونوا أقسمْتُم من قبلُ مَا لكم من زوال (44)} المعنى: أقسمتم أَنَّكُم باقون فيِ الدُّنْيَا لاَ تُزَالون بالموت؛ ولعلَّهم أقسموا بَطَرًا وغرورًا، إذ دَلَّ عليه حالهم حيث بنوا شديدا، وأملوا بعيدا، وقيل: أقسمتم أَنَّكُم إِذَا متُّم لاَ تُبعَثون، كقوله: {وأقسموا بالله جَهدَ أيمانهم لاَ يبعثُ الله من يموت} (3)، ويحتمل أنَّهم أقسموا فيِ الحياة الدُّنْيَا أنَّهم مالهم من زوال عَن الطاعة ثُمَّ عصوا، وَاللهُ أعلم بتأويل كتابه.
{وسَكَنتم فيِ مساكن الذِينَ ظلموا أنفسَهم} بالكفر أي: أقرُّوا فِيهَا واطمأنُّوا، طيِّبي النفوس، سائرين بسيرة مَن قبلهم مِنَ الظلم والفساد، لاَ يحدِّثونها بِمَا وقع عَلَى الأَوَّلين؛ فكيف كَانَ عاقبة ظلمهم فيعتبروا ويرتدعوا، {وتَبيَّنَ لكم} بالأخبار والمشاهدة، {كيف فعلنا بهم}، أي: أهلكناهم وانتقمنا مِنْهُم، {وضرَبنَا لكُمُ الأمثال (45)}، أي: صفات مَا فعلوا وَمَا فُعِلَ بهم، وهي فيِ الغرابة كالأمثال (4) المضروبة لِكُلِّ ظالم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وأنذرهم» وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «وانتبع»، وهو خطأ.
(3) - ... سورة النحل: 38.
(4) - ... في الأصل: «كأمثال»، وهو خطأ. (2/298)
صفحة 696
وقد مكَرُوا مكرَهُم} أي: مكرَهم العظيم الذِي استفرغوا فِيهِ جهدهم، وفنوا عليه أعمارهم، وأشغلوا بِهِ دهرهم، وَهُوَ مَا تهواه نفوسهم من تأييد الكفر وبطلان الإسلام، {وعند الله مكرُهُم}، أي: جزاء مكرهم، أو وعند الله مكرُهُم الذِي يمكُرُهم بِهِ، وَهُوَ عذابهم الذِي يأتيهم من حيث لاَ يشعرون؛ {وإن كَانَ مكرُهُم لِتزُول مِنْهُ الجبال (46)} وَهُوَ معنى قوله: {وتخرُّ الجبال هَدًّا، أنْ دعوا للرحمنِ ولداً} (1) لِتُحطِّم الماكر أن لو يأذنُ الله لها؛ وقيل: إنَّ الجبال مثلٌ لآيات الله وشرائعه، لأنَّها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكُّنا؛ وقيل: التقدير وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فعبَّر (لعلَّه) عَن أمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالجبال لعِظَم شأنِه، {فلا تحسبنَّ الله مُخلِف وَعدِهِ رُسُلَهُ}، معنى قوله: {إِنَّا لننصر رُسُلَنَا} (2)، {إنَّ الله عزيزٌ} غالبٌ لاَ يُمَاكَر، {ذو انتقامٍ (47)} لأوليائه من أعدائه.
{يوم تُبدَّل الأَرْض غيرَ الأَرْضِ والسماواتُ، وبرزوا لله [288] الوَاحِد القهَّار (48)، وترى المجرمين يومئذ مُقرَّنين} قُرِنَ بعضهم مَعَ بعض، أو مَعَ الشياطين، أو قُرِنت أيديهم إِلىَ أرجلهم مُغلَّلِين {فيِ الأصفاد (49)}، المعنى: مُقرَّنين مُصفَّدين، والأصفاد: القيود والأغلال.
{__________
(1) - ... سورة مريم: 90 - 91.
(2) - ... سورة غافر: 51. (2/299)
صفحة 697
سرابيلُهم} قُمُصُهم (1) {من قطران} هُوَ مَا يتحَلَّب من شجر يسمَّى: الأبهل، فيُطبَخ فتُهنأ به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرِّه وحِدَّته؛ ومن شأنه أن يسرع فِيهِ اشتعال النار، وَهُوَ أسود اللون مُنتِن الريحِ، فيُطلَى بِهِ جلود أهل النار، يعني يعود طلاؤه لَهُم كالسرابيل، فيجتمع عَلَيْهِم لذعُ (2) القطران، وإسراعُ (3) النار فيِ جلودهم، واللون الوحش (4) ونتن الريح، عَلَى أنَّ التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين؛ وكلُّ ما وعده الله أو أوعدَ بِهِ فيِ الآخِرَة فبينه وبين مَا يشاهَد من جنسه مَا لاَ يُقَادَر قدرُه، وكأنَّه مَا عنده إِلاَّ الأسامي [و] المسمَّيات ثمَّة (5)؛ نعوذ بالله من سخطه وعذابه (6). وقيل: القطران نحاس مُذاب بلغ حرُّه أناه (7)؛ {وتغشى وجوههم النار (50)} تعلوها باشتعالها، وخصَّ الوجه، لأَنَّهُ أعزُّ موضع فيِ ظاهر البدن، كالقلب فيِ باطنه، ولذا قَالَ: {تطَّلع عَلَى الأفئدة} (8).
{ليجزيَ الله كُلَّ نفس مَّا كسبت} من خير وشرٍّ، {إنَّ الله سريعُ الحساب (51)} يحاسب جميع العباد فيِ أسرعَ من لمح البصر.
{__________
(1) - ... في اللسان: «والجمع أقمصة، وقُمُص، وقُمصان». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 162.
(2) - ... «اللَّذع: حرقة كحرقة النار، وَقِيلَ: هو مسُّ النار وحدَّتها». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 361.
(3) - ... في الأصل: «سراع»، وهو خطأ. انظر: الزمخشري: الكشاف: 2/ 442.
(4) - ... هَذِهِ الكلمة أوردها صاحب الكشَّاف كذلك «الوحش»، (الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 442)، ولم نعثر عَلَى معنى لها في اللسان يليق بالسياق، وَفيِ تفسير أبي السعود: «الموحش»، ويبدو أَنَّهَا الصواب. أبو السعود: تفسير، 5/ 61.
(5) - ... في الأصل: «إلاَّ الأسامي المسمَّيات وثمة»، وهو خطأ.
(6) - ... في الحاشية تعليق للناسخ غير واضح: «هذه زيادة في الدعاء وغيري دقرتها [كذا]».
(7) - ... «الآني: المتناهي حرُّه». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 442.
(8) - ... سورة الهمزة: 7. (2/300)
صفحة 698
هَذَا} أي: هَذَا القرآن، مَا ذكره فيِ هَذِهِ السورة، {بلاغٌ} أي: تبليغ وعِظَة لَهُم، {للناس (1) وليُنذَروا بِهِ ولِيَعلَمُوا أنَّما هُوَ إلهٌ واحدٌ} لأنَّهم إِذَا خافوا مَا أُنذِروا بِهِ دَعتهُم المخافة إِلىَ النظر، حتَّى يتوصَّلوا إِلىَ التوحيد، لأنَّ الحسنة أمُّ الخيرِكلِّه، بَل أقول إِذَا (لعلَّه) وجدوا اخافوا. {وليَذَّكَّر أولو الألباب (52)} ذوو (2) العقول لاَ غيرهم.
سورة الحجر
بسم الله الرحمن الرحيم
{ألَرَ، تلك آيات الكتابِ وقرآنٍ مُبِينٍ (1)} «تلك»: إشارة إِلىَ مَا تضمَّنته السورة مِنَ الآيات، و «الكتاب»: القرآن؛ كأنَّه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة (3) فيِ البيان.
{رُبما يَودُّ الذِينَ كَفَرُوا لو كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)} عند النزع وَمَا بعده، {ذَرهُم} أمْرُ إهانةٍ، اِقطع طمعك من إرعوائهم، ودعهم عَن النهي عمَّا هم عليه، (لعلَّه) بالتذكرة والنصيحة، وخلِّهم {يأكلوا ويتمتَّعوا} بدنياهم، {ويُلهِهِمُ الأمل} (4) مِنَ الإيمان وشروطه، {فسوف يَعْلَمُونَ (3)} سوءَ صنيعهم؛ وفيه تنبيهٌ عَلَى أنَّ إيثار التلذُّذ والتنعُّم، وَمَا يؤدِّي إِلَيْهِ طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين.
{وَمَا أهلكنا من قرية إِلاَّ ولها كِتَاب معلومٌ (4)} أي: أجلٌ مضروبٌ لاَ يتقدَّم وَلاَ يتأخَّر. {مَا تسبقُ من أمَّة أَجَلَهَا وَمَا يستأخرُونَ (5)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «للناس»، وهو سهو.
(2) - ... في الأصل: «ذوا»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «ولغرابة»، وهو خطأ.
(4) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شيئًا، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا. (2/301)
صفحة 699
وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الذِي نُزِّل عليه الذكرُ} أي: القرآن، {إنَّك لَمجنُونٌ (6)} يعنون: محمَّدا - صلى الله عليه وسلم -؛ وكَانَ هَذَا النداء مِنْهُم عَلَى وجه الاستهزاء والأذى (1)، كما قَالَ فرعون: {إنَّ رسولَكم الذِي أُرسِلَ إليكم لَمَجنونٌ} (2)، وكيف يُقرُّون بنزول الذكر عليه وينسبونه إِلىَ الجنون، والتعكيسُ فيِ كلامهم للاستهزاء والتهكُّم [289] شائع، والمعنى: أنَّك تقول قول المجانين حيث تدَّعِي أن الله نزَّل عليك الذكر، {لو مَا تأتينا بالمَلاَئِكَة إن كنت مِنَ الصادقِينَ (7)}، المعنى: هلاَّ تأتينا بالمَلاَئِكَة يشهدون بصدقك، أو هلاَّ تأتينا بالمَلاَئِكَة للعقاب عَلَى تكذيبنا لك إن كنت صادقا.
{مَا نُنزِّل المَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ} لاَ لحكمة، {وَمَا كَانُوا إِذَا مُنظَرِينَ (8)}، معناه: ولو نزَّلنا المَلاَئِكَة مَا كَانُوا مُنظَرين، وَمَا أُخِّر عذابهم وكتابهم عَن أجله.
{إِنَّا نَحْنُ نزَّلنا الذِّكْرَ} القرآن، لأَنَّهُ يَذكُرُ العاقبة، {وَإِنَّا لَهُ لَحافظُونَ (9)} مِنَ الشياطين أن يزيدوا أو ينقصوا أو يبدلوا بغيره؛ قَالَ الله: {لاَ يأتيه الباطل من بين يديه وَلاَ من خلفه} (3) والباطل هُوَ إبليس وجنودُه.
{وَلَقَد أرسلنا من قبلك فيِ شِيَعِ الأوَّلِينَ (10)} أي: فيِ أُمَمِ الأوَّلين، والشيعة: القوم المتَّفقة كلمتهم، {وَمَا يأتيهم من رسول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ (11)}، كما فعلوا بك، تسليةً لَهُ - عليه السلام -.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الآذاء»، وهو خطأ، ولعلَّه يقصد: «الإيذاء».
(2) - ... سورة الشعراء: 27.
(3) - ... سورة فصِّلت: 42. (2/302)
صفحة 700
كذلك نَسلُكُه فيِ قلوب المجرمِينَ (12)}، قيل: الضمير للاستهزاء؛ وفيه دليل عَلَى أنَّه تعالى يُوجِد الباطل فيِ قلوبهم؛ وقيل: للذِّكرِ، فإنَّ الضمير الأَخِير فيِ قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالذكر، أو بالله، {وقد خَلَت سُنَّة الأوَّلِينَ (13)} مَضَت طريقَتُهم التِي سنَّها الله فيِ إهلاكهم حين كذَّبوا رسله.
{ولو فَتَحنَا عَلَيْهِم بابًا مِنَ السَّمَاء} ولو أظهرنا لَهُم أوضح آيَة يعني الذين يقولون: «لو مَا تأتينا بالمَلاَئِكَة». {فظلُّوا (1) فِيهِ يَعرجُونَ (14)} قيل: الضمير للمَلاَئِكَة، وقيل: لِلكُفَّارِ وَهُوَ الأظهر.
{لقالوا: إِنَّمَا سُكِّرت أبصارنا} سُحِرَت، وقيل: حُبِست (2)، المعنى أنَّهم بلغ من غُلوِّهم فيِ العناد لو فُتح لَهُم باب من أبواب السَّمَاء، ويُسِّر لَهُم معراج يصعدون فِيهِ إِلَيْهِا، ورأوا مِنَ العيان مَا رأوا؛ لقالوا: شيء نتَخايله لاَ حقيقة لَهُ، ولقالوا: {بَل نَحْنُ قومٌ مسحورُونَ (15)} قد سَحِرَنا محمَّد بذلك.
{وَلَقَد جعلنا فيِ السَّمَاء بروجًا وزيَّنَّاها للناظرِينَ (16)، وحَفِظناها من كلِّ شيطانٍ رجيمٍ (17)، إِلاَّ من استَرَقَ السمع} لكن من استَرَقَ السمع؛ وكَانَ الشياطين لَهُم شهوة فيِ استِرَاقِ السمع.
{فَأتبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18)} شُعلة مِنَ النار، ظاهِرٌ للمبصرين؛ قيل: كَانُوا لاَ يُحجبون عَن السماوات كلِّها، فَلَمَّا وُلِدَ عيسى مُنِعوا من ثلاث سماوات، فَلَمَّا وُلِد محمَّد مُنِعوا مِنَ السماوات كلِّها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فضلوا» وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «حسبت» وهو خطأ. (2/303)
صفحة 701
والأَرْض مددناها وألقينا فِيهَا رواسيَ، وأنبتنا فِيهَا من كلِّ شيء موزُونٍ (19)} وُزِنَ بميزان الحكمة، وقُدِّر بمقدار تقتضيه المصلحة، لاَ تصلح فِيهِ زيادة وَلاَ نقصان، إذ الحكيم لاَ يخلُق شَيْئًا لغير حكمة، أو لَهُ وزن وقدر فيِ أبواب المنفعة والنعمة، أو مستحسن مناسب، من قولهم: «كلام موزون».
{وجعلنا لكم فِيهَا مَعَايِشَ} مَا يُعَايشُ بِهِ؛ {ومن لستم لَهُ بِرَازقِينَ (20)}، كأنَّه قيل: وجعلنا لكم من لستم لَهُ برازقين، أو جعلنا لكم مَعايِش ولِمن لستم لَهُ برازقين، وأراد بهم: العيال والخدم الذِينَ يظنُّون أنَّهم يَرزُقُونهم ويخطئون، فإنَّ الله هُوَ الرزَّاقَ، يرزقهم وإيَّاهم؛ ويدخل فِيهِ الأنعام والدوابُّ، {وإن مِن شيءٍ إِلاَّ عندنا خزائنه وَمَا نُنزِّلُه إِلاَّ بِقدَرٍ معلومٍ (21)} [290]، ذِكرُ الخزائن تمثيلٌ، والمعنى: وما من شيء يَنتفع به العباد إِلاَّ ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، وما نعطيه إِلاَّ بمقدار معلوم؛ فضربَ “الخزائن” مثلا لاقتداره على كلِّ مقدور.
{وأرسلنا الرياح لواقحَ}، أي: حوامل بالسحاب، لأنَّها تحمل السحاب فيِ جوفها، كأنَّه لاقحة بها، مِن «لَقَحتِ الناقةُ»: إِذَا حملت. وضُّدها: الريح العقيم. {فأنزلنا مِنَ السَّمَاء ماءً فأسقَيْنَاكُمُوهُ} فجعلنا [هُ] لكم سقيا، {وَمَا أَنتُم لَهُ بخازنِينَ (22)}، بَل سلكه هُوَ ينابيع فيِ الأَرْض.
{وَإِنَّا لنحن نُحيِي ونميت ونحن الوارثُونَ (23)} الباقون بعد هلاك الخَلقِ كلِّه؛ وقيل: للباقي وارثٌ استعارةً مِن وارثِ المَيِّت لا (1) يبقى بعد فنائه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل والصواب: «لأنَّه يبقى بعد فنائه». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 448. (2/304)
صفحة 702
وَلَقَد علمنا المستقدِمين منكم، وَلَقَد علمنا المستأخِرِينَ (24)} من تقدَّم ولادة ومؤنةً ومن تأخَّر، أو من خرج من أصلاب الرجال، ومن لم يخرج بعدُ؛ وقيل: الأوَّلين والآخرين؛ وقيل: «المستقدِمين»: مَن خَلَقَه الله، و «المستأخرين»: من لم يُخلَق بعدُ، أو من تقدَّم فيِ الإسلام وفي الطاعات.
{وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يحشرهم} أي: هُوَ وحده يقدر عَلَى حشرهم، ويحيط بحصرهم، {إِنَّهُ حكيمٌ عليمٌ (25)} باهرُ الحكمة واسع العلم.
{وَلَقَد خلَقنَا الإنسانَ مِن صَلصَالٍ مِن حَمَإٍ}، (لعلَّه) طين يابس غير مطبُوخٍ، الذِي إِذَا ضَربتَه سَمِعت لَهُ صَلصَلَة، {مَسنُونٍ (26)} مُصوَّرٍ، وفي الأوَّل كَانَ تُرابا يُعجَن بالماء فصار طينًا، فَمَكَث فَصار حمأً، {والجانَّ} (لعلَّه) أبا الجنِّ، كآدم للإنسان، وَهُوَ إبليس؛ وقيل: الجانُّ أبُو الجنِّ، وإبليس أبُو الشياطين (1)، وفي الجنِّ مُسْلِمُونَ وكَافِرُونَ، ويَحيَون ويموتون؛ أمَّا الشياطين فليس مِنْهُم مُسْلِمُونَ، {خَلقنَاهُ من قبلُ} من قبلِ آدم {من نار السَّمُومِ (27)} من نار الحرِّ الشديد النافذ فيِ المسامِّ.
{وإذ قَالَ رَبُّكَ للمَلاَئِكَة: إِنِّي خَالقٌ بشرًا من صلصال من حمإٍ مسنُونٍ (28) فإذا سوَّيتُه} أتممتُ خِلقته وهيَّأتُها لنفخ الروح فِيها. {ونَفختُ فِيهِ من روحي} وجعلت فِيهِ الروح وأحييته، وليس ثمَّة نفخٌ وإنَّما هُوَ تمثيل، {فَقَعُوا لَهُ ساجدِينَ (29)} هُوَ أمرٌ مِن “وقع يقع”، أي: اخضعوا لَهُ وانقادوا؛ وفيه دليل عَلَى أنَّه يجوز تقديم الأمر عَن وقت الفعل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أب الجنِّ، وإبليس أب الشياطين». (2/305)
صفحة 703
فسجد المَلاَئِكَةُ كلُّهم أجمعُونَ (30)}، (لعلَّه) وكأنَّ فيِ الآية دليلاً عَلَى تفضيل آدم عَلَى المَلاَئِكَة، {إِلاَّ إبليس}، قَالَ فيِ الكشَّاف: «كَانَ بَيْنَهُم مأمورًا معهم بالسجود فغلب اسم المَلاَئِكَة ثُمَّ استُثنِيَ بعد التغليب» (1)، {أبى أن يكون مَعَ الساجدِينَ (31)} امتنع أن يكون معهم.
{قَالَ: يا إبليس مَا لك ألاَّ تكونَ مَعَ الساجدِينَ (32)؟ قَالَ: لم أكن لأسجدَ} أي: لاَ يصحُّ منِّي أن أسجدَ. {لِبَشرٍ خَلَقتَه من صلصال من حمإٍ مسنُونٍ (33)} (لعلَّه) لأنِّي أفضل مِنْهُ.
{قَالَ: فاخرُج مِنهَا}، قيل: مِنَ السَّمَاء، {فإنَّك رجيمٌ (34)} مطرودٌ من رحمة الله؛ ومعناه: ملعون، لأنَّ اللعن هُوَ الطرد مِنَ الرحمة، والإبعاد منها. {وإنَّ عليك اللعنةَ إِلىَ يوم الدِينَ (35)} ضَرَبَ “يوم الدين” حدًّا للَّعنة، لأَنَّهُ أبعد غاية [291] فيِ الدُّنْيَا، وكأنَّه عَلِمَ الله مِنْهُ الإيباء، فلا يتوب إِلىَ يوم الدين؛ وبعد يوم الدين فلا توبة، لأنَّ التعبُّد قد ارتفع وأقبل الجزاء.
{قَالَ: ربِّ فأنظِرْني} فأخِّرني، {إِلىَ يَومِ يُبعثُونَ (36). قَالَ: فإنَّك مِنَ المُنظَرِينَ (37) إِلىَ يومِ الوقتِ المعلومِ (38)} قيل: إِنَّمَا سأل الإنظار إِلىَ اليوم الذِي فِيهِ يُبعَثون لئلاَّ يموت، لأَنَّهُ لاَ يموت فيِ يوم البعث أحد؛ فلم يُجَب إِلىَ ذَلِكَ، وأُنظِرَ إِلىَ آخرِ أيَّامِ التكليف زيادةً في بلائه وشقائه، وامتحانا للثقلين، لاَ إكرامًا لَهُ.
{__________
(1) - ... الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 449. (2/306)
صفحة 704
قَالَ: ربِّ بِمَا أغويتَنِي} أضللتَنِي وأبعدتَنِي من رحمتِكَ، {لأُزَيِّنَنَّ لَهُم} المعاصي {فيِ الأَرْض}، فيِ الدُّنْيَا التِي هِيَ دار الغرور، {ولأُغوِينَّهم أجمعِينَ (39)، إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُم المُخلَصِينَ (40)}، وَهُم الذِينَ أخلصوا لك الطاعة والتوحيد وفتح من فتح اللام (1)، أي: من أَخلصتَهُ لتوحيدك، فاصطفيتَهُ وهَديتَهُ؛ استثناهم لأَنَّهُ عَلِمَ أنَّ كيدَهُ لاَ يعمل فِيهِم وَلاَ يقبلون مِنْهُ.
{قَالَ: هَذَا صِرَاط علَيَّ مُسْتَقِيم (41)} قيل استقامته بالبيان، والتوفيق والهداية لمن سلكه.
{إنَّ عبادي ليس لك عَلَيْهِم سلطان}، معناه: عَلَى قلوبهم، {إِلاَّ من اتَّبعك مِنَ الغاوِينَ (42)} أي: هَذَا طريق حقٍّ عَلَيَّ أن أُرَاعِيه، وَهُوَ أن لاَ يكون لك سلطان عَلَى عبادي، إِلاَّ من اختار اتِّباعك مِنْهُم لغوَايته؛ {وإنَّ جهنَّم لَمَوعِدُهُم أجمعِينَ (43)، لها سبعةُ أبوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُم جزءٌ مقسومٌ (44)}، نصيبٌ معلومٌ؛ قيل: أبوابُ النار أطباقها وأدراكها (2).
{إنَّ المتَّقين فيِ جنَّات وعيُونٍ (45)} المتَّقي عَلَى الإطلاق، من يتَّقِي مَا يجب اتِّقاؤه، {ادخُلُوهَا بِسلام} أي: سالمين، أو مُسلَّمًا عَلَيْكم، {آمنِينَ (46)} المخوفات كلَّها، لأنَّهم لم يكن عَلَيْهِم ذنبٌ فيستحقُّوا الخوف، والخوف عذابٌ وألَمٌ يتألم بِهِ القلب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «ومنهم مَن فَتَحَ اللامَ». قال الألوسي: « ... بفتح اللام، وَهُوَ قراءة الكوفيِّين ونافع والحسن والأعرج ... وقرأ باقي السبعة والجمهور بكسر اللام، أي الذين أخلصوا العمل». الألوسي: روح المعاني، 14/ 50.
(2) - ... في الأصل: «أدرالها»، وَهُوَ خطأ. في اللسان: «الدَّرْكُ، والدَّرَك: أقصى قعر الشيء ... والجمع: أدراك، ودركات النار: منازل أهلها». ابن منظور: لسان العرب، 2/ 972. مادَّة: «درك». (2/307)
صفحة 705
ونَزعنَا مَا فيِ صُدورِهم من غِلٍّ} الغِلَّ الفطريَّ، لأَنَّهُ لاَ يموت أحد عَلَى الإيمان وفي قلبه غِلٌّ عَلَى أحد من أهل الإيمان يخرجه مِنَ الإيمان، {إِخوانًا عَلَى سُرُرٍ مُتقَابلِينَ (47)}؛ لذلك قيل: تدور بهم الأسرَّة حيثمَا داروا، (لعلَّه) فيكونون فيِ جميع أحوالهم مُتقابلين بعضهم بعضًا، {لاَ يَمَسُّهم فِيهَا نَصبٌ، وَمَا هم منها بِمُخرَجِينَ (48)} لأنَّ تمامَ النعمة بالخلود.
{نبِّئ عِبادِي أَنِّي أنا الغَفُورُ الرحيمُ (49)} لمن تاب مِنْهُم، {وأنَّ عذابِي هُوَ العذاب الأليمُ (50)} لمن أصرَّ؛ {ونبِّئهم} واخبر أُمَّتك ليحذروا، وَمَا أُحِلَّ مِنَ العذاب بِقومِ لوطٍ عبرةً تعتبرون بها سخط الله وانتقامه مِنَ المجرمين، وإكرامه لإبراهيم (لعلَّه) ومن تبعه، من حيث استقامتهم عَلَى دعائم الدين، {عَن ضيفِ إبراهيمَ (51)} هُمُ المَلاَئِكَة الكرام.
{إذ دَخَلوا عليه فَقَالُوا: سلامًا} أي: نُسلِّم عليك سلاما، أو سَلِمتَ سلامًا، {قَالَ: إِنَّا منكم وَجِلُونَ (52)} خائفون لامتناعهم عَن الأكل.
{قَالُوا لاَ تَوجَل} لاَ تخف، {إِنَّا نُبَشِّرك} أي: إنَّك مُبشَّرٌ آمن {بغلام عليم (53). قَالَ: أبشَّرتُمُونِي عَلَى أن مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تبشرُونِ (54) قَالُوا: بشَّرنَاكَ بِالْحَقِّ} باليقين الذِي لاَ لُبسَ فِيهِ، {فلا تكن مِنَ القانطِينَ (55)} مِنَ الآيسين من ذَلِكَ.
{قَالَ: ومَن يَقنُطُ من رحمة ربِّه إِلاَّ الضالُونَ (56)}، (لعلَّه) المُخطِئُون طريق الصواب، أي: لم (لعلَّه) يستنكر (1) ذَلِكَ قنوطًا من رحمته، [292] ولكن استبعادا لَهُ في العادة التِي أجراها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لم (لعلَّه) استكبر استنكر». (2/308)
صفحة 706
قَالَ: فما خَطبُكُم} فما شأنكم {أيُّها المُرسلُونَ (57)، قَالُوا: إِنَّا أُرسِلنَا إِلىَ قَومٍ مُّجرِمِينَ (58) إِلاَّ آل لوطٍ إِنَّا لمُنجُّوهُم أجمعِينَ (59) إِلاَّ أمرأتَهُ قدَّرنا إنَّها لَمِنَ الغابرِينَ (60)} لمن الباقين فيِ العذاب.
{فَلَمَّا جاء آلَ لوطٍ المرسَلُونَ (61)، قَالَ: إِنَّكُم قومٌ مُّنكَرُونَ (62)} أي: لاَ أعرفكم؛ {قَالُوا بَل جئناك بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمتَرُونَ (63)}، أي: مَا جئناك بِمَا تُنكِرُنا من أجله بَل جئناك بِمَا فِيهِ سُرورُكَ وتَشَفِّيكَ من عدوِّكَ، وَهُوَ العذاب الذِي كُنتَ تَتَوعَّدُهُم بِنُزُوله فيَمتَرُونَ فِيهِ، أي: يشكُّون ويكذِّبونك، {وأتينَاكَ بِالْحَقِّ} باليقين من عذابهم، {وَإِنَّا لصادقُونَ (64)} فيِ الإخبار بنزولهم.
{فأَسرِ بِأهلك بِقِطعٍ مِنَ الليلِ واتَّبِع أدبارَهم} وسِر خلفهم لتكون متطلِّعا عَلَيْهِم وَعَلَى أحوالهم، {وَلاَ يَلتَفتْ منكم أحدٌ} لئلاَّ يروا مَا يَنزِل بِقومِهِم مِنَ العذاب، أو جعلَ النهيَ عَن الالتفات كنايةً عَن مواصلة السير، وترك التواني والتوقُّف، لأَنَّهُ من يلتفت لاَ بدَّ لَهُ فيِ ذَلِكَ من أدنى وقفة، {وامضوا حيث تُؤمَرُونَ (65)} حيث أمركُم الله.
{وقَضينَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمرَ أنَّ دَابِرَ هؤلاء مقطوع (1)} وفي إبهامه (2) وتفسيره تفخيم للأمر، ودابرهم: آخرهم، أي: يُستأصلون عَن آخرهم حتَّى لاَ يبقى مِنْهُم أحد، {مُصبِحِينَ (66)}.
{وجاء أهلُ المدينة يَستبشِرُونَ (67)} بالمَلاَئِكَة طمعا مِنْهُم فيِ ركوب الفاحشة، {قَالَ: إنَّ هؤلاء ضيفي فلا تفضحونِ (68)، واتَّقُوا (3) الله وَلاَ تُخزُونِ (69)} وَلاَ تُذِلُّونِي، مِنَ الخزي: وَهُوَ الهوان.
{__________
(1) - ... في الأصل: «مطوع» وَهُوَ سهو.
(2) - ... «{حيث} مبهمٌ في الأمكنة، وكذلك الضمير في {تؤمرون}». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 455.
(3) - ... في الأصل: «فاتَّقوا»، وهو خطأ. (2/309)
صفحة 707
قَالُوا: أَوَلَم نَنهَكَ عَن الْعَالَمِينَ (70)} عَن أن تجير مِنْهُم أحدا وتدفع عَنْهُم، فإنَّهم كَانُوا يَتعرَّضون لِكُلِّ أحدٍ؛ {قَالَ هؤلاء بَنَاتي} أُزوِّجُهنَّ إيَّاكم، {إن كُنتُم فاعلِينَ (71)} إن كُنتُم تُريدون قضاءَ الشهوة فيما أحلَّ الله.
{لَعمرُكَ إنَّهم لَفِي سَكرَتِهم}، أي: فيِ غِوَايَتهم التِي أَذهبَتْ عقولهم وتميِيزَهم بين الخطإ الذِي هم عليه، وبين الصواب الذِي تشير بِهِ عليهم من ترك البنين إِلىَ البنات، {يَعمهُونَ (72)} يتحيَّرون، فكيف يَقبَلون قولك، ويُصغون إِلىَ نصيحتك؛ والعمَهُ: التردُّد فيِ الضلال.
{فأخذتهم الصيحة} (لعلَّه) قيل: صاح بهم جبريل صيحة، {مشرقِينَ (73)} داخلين فيِ الشروق، وَهُوَ بزوغ الشمس.
{فجعلنا عَالِيَهَا سَافلَهَا، وأمطرْنَا عَلَيْهِم حجارةً من سجيلٍ (74)؛ إنَّ فيِ ذَلِكَ لآياتٍ للمُتوَسِّمِينَ (75)} للمتفرِّسين المتأمِّلين، كأنَّهم يَعرفون باطن الشيء، (لعلَّه) أي: ملكوته بِسِمةٍ ظاهرة، {وإنَّها} وإنَّ هَذِهِ القرى يعني آثارها {لَبِسبيلٍ مُقيمٍ (76)}، ثابت يسلكه الناس، لم يَندَرس بعدهم، يبصرون تلك الآثار، كقوله: {وَإِنَّكُم لتَمُرُّون عَلَيْهِم مُّصبِحين} (1)؛ {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيةً للمؤمنِينَ (77)} لأنَّهم المنتفعون بذلك.
{__________
(1) - ... سورة الصافات: 137. (2/310)
صفحة 708
وإن (1) كَانَ أصحابُ الأيكةِ}؛ قيل: هم قوم شعيب، كَانُوا يسكنون الغيضة (2)، فبعثه الله إِلَيْهِم، فكذَّبوه فَأُهلكوا بالظُّلَّة. والأيكة: الشجرة المتكاثفة، {لَظَالمِينَ (78)، فانتقمنا مِنْهُم} فأهلكناهم لمَّا كذَّبوا شعيبًا، {وَإنَّهُما} يعني مدينة قوم لوط وأصحاب الأيكة، {لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (79)} طريق واضح، والإمام: اسم مَا يُؤْتَمُّ بِهِ.
{وَلَقَد كَذَّب أصحابُ الحجرِ} هم ثمود؛ والحِجرُ: واديهم. {المرسَلِينَ (80) [293] وآتيناهم آياتنا} بإقامة الحجج، {فكَانُوا عنها مُعرضِينَ (81)} (لعلَّه) بِقلَّة التفاتهم إِلَيْهِا.
{وكَانُوا يَنحِتُونَ مِنَ الجبال بيوتًا} أي: ينقبُون فيِ الجبال، أو يبنون بالحجارة، {آمنِينَ (82)} لوَثاقَة البيوت واستحكامها من أن تنهدم، ومن نقبِ اللصوص والأعداء، {فأخذتهم الصيحة مُصبحِينَ (83)، فما أغنى عَنْهُم ما كَانُوا يكسبُونَ (84)} من بناء البيوت الوثيقة، واقتناء الأموال النفيسة.
{وَمَا خلقنا السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بينهما إِلاَّ بِالْحَقِّ} إِلاَّ خلقا مُلتبِسًا بِالْحَقِّ، لاَ باطلا وَلاَ عبثا، {وإنَّ الساعةَ} لتوقُّعِها كلَّ ساعة {لآتية}، وإنَّ الله ينتقم لك فيها من (لَعَلَّهُ) أعدائك، ومُجازيك وإيَّاهم عَلَى حسناتك وسيِّئاتهم، فإنَّه مَا خَلَقَ السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما إِلاَّ لذلك، {فاصفحِ الصفحَ الجميلَ (85)} فأعرض عَنْهُم إعراضًا جميلاً بِحِلمٍ وإغضاء.
{إنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاَّق} الذِي خلقك وخلقهم، {العليمُ (86)} بحالك وحالهم فلا يخفى عليه مَا يجري بينكم، وَهُوَ يحكم بينكم.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «كان»، وهو سهو.
(2) - ... في الأصل: «الغيظة»، وهو خطأ. والغيضة: البقعة الكثيفة الأشجار. انظر: الألوسي: روح المعاني، 14/ 75؛ أحمد مصطفى المراغي: تفسير المراغي، الطبعة الثالثة، 1394هـ/1974م، دار الفكر، بيروت، مج 5/ ج14 / ص30. (2/311)
صفحة 709
وَلَقَد آتيناك سَبعًا} أي: سَبعَ آياتٍ، وهي: الفاتحة؛ أو سبع سور، وهي الطوال (1)، {من المثاني} هِيَ مِنَ التثنِيَةِ، وهي: التكرير، لأنَّ الفاتحة مِمَّا تُكرَّر فيِ الصلاة؛ أو مِنَ الثناء لاشتمالها عَلَى مَا هُوَ ثناء عَلَى الله، وَأَمَّا السور والأسباع فما وقع فِيهَا من تكرير القصص والمواعظ، والوعد والوعيد، وَلِمَا فِيهَا مِنَ الثناء، كأنَّها تُثنِي عَلَى الله. {والقرآنَ العظيمَ (87)} هَذَا ليس بعطف الشيء عَلَى نفسه، لأَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بالسبعِ الفاتحةَ أو الطوالَ (2)، فما وراءهنَّ ينطلق عليه اسم القرآن، لأَنَّهُ اسم يقع عَلَى البعض كما يقع عَلَى (لعلَّه) الكلِّ؛ دليله: قوله: {بِمَا أوحينا إليك هَذَا القرآنَ} (3). وإذا أُرِيد بِهِ الإتباع فالمعنى: وَلَقَد آتيناك مَا يقال لَهُ السبع المثاني، والقرآنَ العظيمَ، أي: الجامع لهذين النعتين.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الطول»، وَهُوَ خطأ. انظر الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 456.
(2) - ... في الأصل: «الطول»، وهو خطأ.
(3) - ... سورة يوسف: 3. (2/312)
صفحة 710
لاَ تَمُدَّنَّ عَينيْكَ}، أي: لاَ تطمح بِبَصرِك طموح راغب فِيهِ، {إِلىَ مَا مَتَّعنا بِهِ أزواجًا مِنْهُم} أصنافا مِنَ العُصاةِ؛ يعني: قد اوتيتَ النعمة العظمى التِي كلُّ نعمة ــ وإن عَظُمت ــ فهي إِلَيْهِا حقيرة، وهي: القرآن العظيم؛ فعليك أن تستغني بِهِ وَلاَ تَمُدَّ عَينَيك إِلىَ متاع الدُّنْيَا. ومنه الحديث: «ليس مِنَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» (1)، وحديث أبي بكر: «من أُوتِيَ القرآن، فرأى أن أحدًا أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا أفضل مِمَّا أُوتِيَ فقد صغَّر عظيما وعظَّم صغيرا» (2)؛ {وَلاَ تحزن عليهم}، أي: لاَ تحزن عَلَى مَا فاتك من مشاركتهم فيِ الدُّنْيَا؛ أو لاَ تحزن عَلَيْهِم أنَّهم لم يؤمنوا فيَتقوَّى بمكانهم الإسلام والمسلمون. {واخفض جناحك للمؤمنِينَ (88)}، وتواضع لمن معك من المؤمنين، أي: ليِّن جَنابَك، والجناحان من ابن آدم: جانباه.
{وقل: إِنِّي أنا النذير الْمُبِين (89)} أُنذِرُكم بِبيَانٍ وبرهانٍ أنَّ عذاب الله نازل بمن عصى؛ {كما أنزلنا} متعلِّق بقوله: {وَلَقَد آتيناك} أي: أَنزَلنا عليك مثل مَا أَنزَلنا، {عَلَى المُقتَسمِينَ (90)} وَهُم أهل الكتاب، {الذِينَ جَعلُوا القرآنَ عِضِينَ (91)} جزَّؤوه، جعلوه أعضاءً، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.
{فورَبِّكَ لنسألنَّهم أجمعِينَ (92) عمَّا كَانُوا [294] يَعْمَلُونَ (93)} أقسمَ بذاته وربوبِيَّتِه ليَسأَلَنَّ يوم القيامة واحدا واحدا عَن عمله.
{__________
(1) - ... رواه البخاريُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، في كتاب التوحيد، رقم 6973. أبو داود: كتاب الصلاة، رقم 1257، 1258. ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنَّة فيها، رقم 1327. أحمد: مسند العشرة المبشَّرين بالجنَّة، رقم 1396، 1430، 1467. الدارمي: كتاب الصلاة، رقم: 1452، وكتاب فضائل القرآن، رقم 3352.
(2) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة. (2/313)
صفحة 711
فاصدع بِمَا تُؤمَر} فاجهر بِهِ وأمضه؛ يقال: صَدَعَ بالحجَّة: إِذَا تكلَّم بها جهارًا، مِنَ الصديع، وَهُوَ: الفجر، أو فَاصدَع: فَافرُق بين الحقِّ والباطل، مِنَ الصدع فيِ الزجاجة، وَهُوَ: الإبانة بِمَا يؤمر بِهِ مِنَ الشرائع. {وأعرض عَن المشركِينَ (94)} وعن أهوائهم وباطلهم أو عَن أذاهم.
{إِنَّا كَفيْنَاكَ المُستهزئِينَ (95)}، أي: يقول لَهُ: فاصدع بأمر الله، وَلاَ تَخف أحدًا غيره، فإنَّه كَافِيكَ مَن عاداك بالاستهزاء، {الذِينَ يَجعلون مَعَ الله إلهًا آخر فسوف يَعْلَمُونَ (96)} عاقبة أمرهم (لعلَّه)، مآل أمرهم فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة؛ {وَلَقَد نَعلمُ أنَّك يَضيقُ صدرُك بِمَا يقولُونَ (97)} يخوضون فيِ آياتنا بقولهم وفعلهم.
{فسبِّح بحمد ربِّك} فافزع فيما نابك إِلىَ الله، والفزع إِلىَ الله هُوَ: الذكر الدائم، يَكفِيكَ ويكشفُ عنك الغمَّ، وقابل إشراكهم وخوضهم (لعلَّه) بالتوحيد والتسبيح، ويدلُّ عَلَى ذَلِكَ قوله: {وكُن مِنَ الساجدِينَ (98)؛ واعبد ربَّك} أي: دُمْ عَلَى عبادته وإن خَالفوك؛ {حتَّى يأتِيَك اليقِينُ (99)}، والمعنى: فاعبده مَا دُمتَ حيًّا لاَ تَخلُ عَن العبادة لحظة (1)؛ واليقين هُوَ [أن] (2) يرى مَا وعده الله مِنَ الجزاء عيانًا.
سورة النحل
بسم الله الرحمن الرحيم
كَانُوا يستعجلون مَا وُعِدُوا مِن قيام الساعة، أو نزول العذاب بهم، استهزاءً وتكذيبًا بالوعد؛ فقيل لَهُم: {أَتَى أمرُ الله}، هُوَ بمنزلة الآتي الواقع وإن كَانَ مُنتظَرًا، لقُربِ وُقُوعِه، {فلا تستعجلوه} فلا تستعجلوا وقوع أمر الله؛ والاستعجال: طلب الشيء قبل حِينِه. {سُبحانه وتعالى عمَّا يُشرِكُونَ (1)} تَعاظَمَ بالأوصاف الحميدة عَن أن يكون لَهُ شريكٌ، أو عَن إشراكهم؛ واتِّصال هَذَا باستعجالهم من حيث أنَّ استعجالهم استهزاء وتكذيب، وذلك مِنَ الشرك.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لحضة»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «هو ما يرى». (2/314)
صفحة 712
يُنزِّلُ المَلاَئِكَة بِالروحِ} بالوحي؛ سمَّاه روحا، لأَنَّهُ تحيَى بِهِ القلوب من موت الجهل، {من أمرهِ عَلَى من يَشَاء من عِبادهِ} (لعلَّه) من رسولٍ، أو رسولِ الرسولِ؛ {أن أَنذِروا أنَّه لاَ إلهَ إِلاَّ أنَا فاتَّقُونِ(2)}، المعنى: أعلِمُوا الناس قول: «لاَ إله إِلاَّ أنا فاتَّقُون»، أي: إِنَّهُ فيِ الحقيقة لاَ شيطان وَلاَ نفس وَلاَ هوى وَلاَ دُنيا وَلاَ صنم، وَلاَ إله غيري؛ {فاتَّقُون}: فخافوني واعبدوني، وَلاَ تُشركوا بي شَيْئًا من هؤلاء؛ ثُمَّ دَلَّ عَلَى وحدانيَّته، وأنَّه لاَ إله إِلاَّ هُوَ بِمَا ذكر فيما لاَ يَقدِر عليه غيره، من خَلقِ السموات والأَرْض، وأنَّهما أصلُ نعمة أهل الدُّنْيَا.
{خَلَقَ السَّمَاوَات والأَرْض بِالْحَقِّ تَعالى عمَّا يُشرِكُون(3) خَلَقَ الإنسانَ مِن نُطفة فإذا هُوَ خصيمٌ مُبِين(4)} أي: فإذا هُوَ مِنطِيقٌ (1) مُجادل عَن نفسه، مُكافح لخصومه، مُبينٌ لحجَّته، بعد مَا كَانَ نطفة لاَ حِسَّ بِهِ وَلاَ حركة؛ أو فإذا هُوَ خصيم لربِّه، مُنكِر عَلَى خالقه، قائل: {مَن يُحيِ العظامَ وهي رميمٌ} (2) ، وَهُوَ وصف للإنسان بالوقاحة والتمادي فيِ كفران النعمة.
__________
(1) - ... «المنطيق: البليغ»، ابن منظور: لسان العرب، 6/226. مادَّة: «نطق».
(2) - ... سورة يس: 78. (2/315)
صفحة 713
وخَلَقَ لَهُ مَا لاَ بُدَّ لَهُ بِهِ مِن خَلقِ البهائم لأكله ورُكوبه، وجرِّ أثقاله، وسائر حاجاته؛ وَهُوَ قوله: {والأنعامَ خَلقَهَا} أي: خَلَقَ [295] الإنسان والأنعام؛ ثُمَّ قَالَ: {خَلَقَهَا لَكُم} أي: مَا خلقها إِلاَّ لكم؛ ثُمَّ بيَّن بعض منافعها بقوله: {لكم فِيهَا دفءٌ} عَن البرد، {ومنافعٌ}، وهي نسلها ودَرُّها (1) وظهورها وغير ذَلِكَ، {ومنها تأكلُونَ (5)} يعني: لحومها، {ولكم فِيهَا جَمالٌ حين تُرِيحُونَ} تردُّوها من مراعيها إِلىَ مراحها بالعشيِّ، {وحين تَسرَحُون (6)} تُرسِلونها بالغداة إِلىَ مسارحها.
مَنَّ الله تعالى بالتجمُّل بها، كما منَّ بالانتفاع بها، (لعلَّه) لأَنَّهُ من أغراض أصحاب المواشي، لأَنَّ الرعيانَ إِذَا روَّحوها بالعشيِّ، وسَرَحُوها بالغداة، زيَّنت بإراحتها وتسريحها الأفنية، وفَرَّحت أربابها وكسَّبتهم الجاه والحُرمَة عند الناس؛ وإنَّما قُدِّمت الإراحة عَلَى التسريح، لأَنَّ الجَمَال فيِ الإراحة أظهر إِذَا أقبلت مَلأَى البطون، حافلة الضروع.
{__________
(1) - ... «والدَّرُّ: اللبن ما كان ... وَفيِ الحديث أَنَّهُ نهى عن ذبح ذوات الدَّرِّ، أي ذوات اللبن، ويجوز أن يكون مصدر “دَرَّ اللبن” إذا جرى». ابن منظور: لسان العرب، 2/ 966. (2/316)
صفحة 714
وتحملُ أثقالكم إِلىَ بلد لم تكونوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفسِ} ويفتَحُ الشينَ أبو جعفر (1)، وهما لغتان فيِ معنى المشقَّة؛ وقيل: المفتوح مصدر: شقَّ الأمر عليه شقًّا، وحقيقته راجعة إِلىَ الشَّقِّ الذِي هُوَ الصَّدعُ؛ وَأَمَّا الشِّقُّ فالنصف، كأنَّه تذهب نصف قوَّته لِمَا يناله مِنَ الجهد. والمعنى: وتحملُ أثقالكم إِلىَ بلد لم تكونوا بَالِغِيهِ لو لم تُخلَق الإبل، إِلاَّ بجهد ومشقَّة، فضلا أن تحملوا عَلَى ظهوركم أثقالكم؛ أو معناه: لم تكونوا بالغيه إِلاَّ بشقِّ الأنفس (2)؛ وقيل: أثقالكم: أبدانكم، ومنه الثقَلاَن للجنِّ والإنس، {وأخرجت الأَرْض أثقالها} (3)، أي: بني آدم، {إنَّ رَبَّكُم لَرءوفٌ رحيمٌ (7)} حيث رحمكم بِخلقِ هَذِهِ الحوامل، وتيسير هَذِهِ المصالح.
{والخيلَ والبغالَ والحميرَ لتركبوها، وزِينةً}، عطف عَلَى الأنعام، أي: وخلقَ هؤلاء للرُّكوب والزينة؛ والآية سِيقت لبيان النعمة. وخلق مَا لاَ تَعْلَمُونَ من أصناف خلائقه، وَهُوَ قوله: {ويَخلقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (8)} ومَن هَذَا وصفُه يتعالى عَن أن يُشرَكَ بِهِ.
{وعلى الله قصدُ السبيل} معناه: أنَّ هداية الطريق الموصل إِلىَ الحقِّ عليه؛ {ومنها جائر} ومن السبيل مائل عَن الاستقامة، وهي البدع والضلالات، {ولو شاء لهداكُمُ أجمعِينَ (9)} أَرَادَ هداية اللطف بالتوفيق والإنعام بعد الهدى العام.
{__________
(1) - ... وهي كذلك قراءة مجاهد والأعرج وعمرو بن معين وابن أرقم. الألوسي: روح المعاني، 14/ 100.
(2) - ... كذا في الأصل، وَهُوَ تكرار للآية لا معنى له. وَفيِ الكشَّاف: «ويجوز أن يكون المَعنَى: لم تكونوا بالغيه بها إِلاَّ بشقِّ الأنفس». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 463.
(3) - ... سورة الزلزلة: 2. (2/317)
صفحة 715
هُوَ الذِي أنزل مِنَ السَّمَاء ماءً لكم}، أي: منافعَ لكم، لتبلغوا بها رضاه، {مِنْهُ شرابٌ ومنه شجرٌ} يعني: الشجر، {فِيهِ تسيمُون (10)}، من سامت الماشية: إِذَا رعت، فهي سائمة، وأَسامَهَا صاحبها، وَهُوَ مِنَ السَّوْمَة، وهي العلامة، لأَنَّهَا تؤثر بالرعي علامات فيِ الأَرْض.
{يُنبِتُ لكم بِهِ الزرعَ والزيتونَ والنخيلَ والأعنابَ، ومِن كُلِّ الثمرات} ولم يقل: «وكلِّ الثمرات»، لأَنَّ كلَّها لاَ يكون إِلاَّ فيِ الجنَّة، لأَنَّ النعمة لاَ تتمُّ إِلاَّ فيِ الجنَّة، كما أنَّ العذاب لاَ يجتمع عَلَى العصاة إِلاَّ فيِ النار؛ وإنَّما أُنزِل فيِ الأَرْض بعضٌ من هَذَا وهذا بشير ونذير (1) للعالمين. {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيةً لقومٍ يتفكَّرُون (11)} فيستدلُّون بها عليه وَعَلَى قدرته، وَعَلَى فواكه الجنَّة؛ والآيةُ: الدالَّةُ الواضحة.
{وسخَّر لكم الليلَ [296] والنهار، والشمسَ والقمرَ، والنجومُ مسخَّراتٌ بِأمره؛ إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقومٍ يعقلُونَ (12)} جمعَ الآية وذَكَر العقل، لأَنَّ الآثار العلويَّة أظهر دلالة عَلَى القدرة الباهرة، وأَبين شهادة للكبرياء والعظمة.
{وَمَا ذَرَأَ لكم فيِ الأَرْض} معطوف عَلَى الليل والنهار، أي: مَا خلق فِيهَا من حيوان وشجر وثمر وغير ذَلِكَ، {مُختَلِفًا ألوانه، إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيةً لِّقوم يذَّكَّرُونَ (13)} يتَّعظون.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وهذا بشيرا ونذيرا»، وهو خطأ. (2/318)
صفحة 716
وَهُوَ الذِي سخَّر البحرَ لتأكلوا مِنْهُ لحمًا طريًّا} لأَنَّهُ أرطب اللحوم، ولأنَّ الفساد يُسرِع إِلَيْهِ، فَيُؤكَل سريعا طريًا خيفةَ الفساد؛ ولإظهار قدرته فيِ خلقه عذبا طريًّا فيِ ماء زُعاق (1)؛ {وتَستخرِجُوا مِنْهُ حِليَةً} هِيَ اللؤلؤ والمرجان، وَهُوَ مِمَّا تتحلَّى بِهِ النساء، {تلبسونها} المراد بلبسهم: لبس نسائهم، ولكنهنَّ إِنَّمَا يَتَزَيَّنَّ بها من أجلهم، فكأنَّها زينتهم ولباسهم، {وترى الفلك مَوَاخِر} قيل: المَخْرُ: شقُّ الماء {فِيهِ} فيِ البحر؛ {ولتبتغوا من فضله}، فضلُه يعمُّ إرادة الدارين [كَذَا]، {ولعلَّكم تَشكُرُونَ (14)} اللهَ عَلَى مَا أنعم بِهِ عليكم.
{وألقىَ فيِ الأَرْض رَواسيَ أن تَمِيدَ بكم، وأنهارًا وسُبُلاً} طُرقًا، {لَعَلَّكُم تهتدُونَ (15)} إِلىَ مقاصدكم، أو إِلىَ توحيد ربِّكم؛ {وعلامات} هِيَ معالم طرق الدين والدُّنْيَا، {وبالنجم هم يَهتدُونَ (16)}.
{أفمن يَخلُقُ} أي: الله تعالى، {كمن لاَ يَخلُقُ}؟ أي: مَا يعبدون من دون الله، وسَمَّوها آلهة تشبيها بالله، لأَنَّهُم جعلوا غير الله مثل الله فيِ تسمِيَّته باسمه والعبادة لَهُ، فقد جعلوا الله (لعلَّه) من جنس المخلوقات، وشبيها بها؛ فأنكر عَلَيْهِم ذَلِكَ بقوله: {أفمن يخلق كمن لاَ يخلق}؟ {أفلا تذَّكَّرُونَ (17)}؟ فتعرفوا فساد مَا أَنتُم عليه.
{__________
(1) - ... في المنجد: الماء الزُّعاق: هو الماء المرٌّ لا يطاق شُربه؛ أو الماء المالح. مادَّة: «زعق». (2/319)
صفحة 717
وإن تعُدُّوا نعمة الله لاَ تُحصُوهَا} لاَ تَضبطوا عددها وَلاَ تَبلُغه طاقتكم، فضلاً أن تُطيقوا القيام بحقِّها من أداء الشكر، وإنَّما أتبَعَ ذَلِكَ مَا عدَّد من نعمه تنبيها عَلَى أنَّ وراءها مَا لاَ ينحصر وَلاَ يَنعَدُّ، {إنَّ الله لغَفُور رحيمٌ(18)} حيث رضيَ منكم بالإيمان بها جملة، (لعلَّه) وبالشكر فيما أحصيتم مِنَ النعمة، {والله يعلم مَا تُسرُّون وَمَا تُعلِنُونَ(19)} من أقوالكم وأفعالكم، وَهُوَ وعيد.
{وَالذِينَ يدعون} والآلهة التِي يَعبدونها، {من دون الله لاَ يَخلقون شَيْئًا وَهُم يُخلَقُونَ(20)} أي: هم {أمواتٌ غيرُ أحياءٍ، وَمَا يشعرون أيَّان يُبعَثُونَ(21)} نَفَى عَنْهُم خصائصَ الإلهيَّة بنفي كونهم خالقين، وأحياءَ لاَ يموتون، وعالمين بوقت البعث؛ وأثبت لَهُم صفات الخَلقِ، بأنَّهم مخلوقون أمواتٌ، جاهلون بالغيب. ومعنى «أموات غير أحياءٍ»: أنَّهم لو كَانُوا آلهة عَلَى الحقيقة، لكَانُوا أحياء غير أموات، أي: غير جار عليها (1) الموت، وأمرهم بالعكس من ذَلِكَ؛ والضمير فيِ «يُبعثون» للداعين، أي: لاَ يشعرون متى تُبعَث عَبَدَتُهم، وفيه تهكُّم للمشركين، وأنَّ آلهتهم لاَ يَعْلَمُونَ وقت بعثهم؛ فكيف يكون وقت جزائهم عَلَى عبادتهم؟، وفيه دلالة عَلَى أنَّه لاَ بُدَّ من البعث (2) .
{إلهكم إلهٌ واحدٌ} أي: ثبت بِمَا مَرَّ أنَّ الإِلَهِيَّة (3) لاَ تكون لغير الله، وأنَّ معبودكم وَاحِد.
[
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عليهم»، أو لَعَلَّ الضمير المؤنث يرجع إِلىَ الآلهة.
(2) - ... في الحاشية عبارة: «لعلَّه جزاؤهم». ولم نجد لها مكانا في المتن.
(3) - ... في الأصل: «آلهة»، وهو خطأ. انظر الزمخشري: الكشَّاف، 2/467. (2/320)
صفحة 718
297] {فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} للوحدانيَّة، {وَهُم مُستكبِرُونَ(22)} عنها وعن الإِقْرَار بها، والعمل بمُوجباتها، {لاَ جَرمَ} حقًّا {أنَّ الله يعلمُ مَا يُسرُّون وَمَا يُعلِنون} فيُجَازيهم؛ وَهُوَ وعيدٌ، {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُستكبِرِينَ(23)} عَن عبادته وتوحيده. {وإذا قيل لَهُم} لمن استكبر عَن عبادته: {ماذا أَنزَلَ ربُّكم؟ قَالُوا: أساطيرُ الأوَّلِينَ(24)} بِلسان الحال أو لسان المقال، وماذا ينفع المقالُ مَعَ المخالفة بالأعمال، أي: ليس (لعلَّه) لذلك وَقعٌ فيِ قلوبهم؛ وَهُوَ بمنزلة أباطيل الأوَّلين، كذبوا عَلَى الله، وسيحيق بهم كذبهم.
{ليَحمِلُوا أوزارهم كاملةً يوم القيامة} ذنوبهم وذنوبَ أنفسهم، وإنَّما ذكر الكمال، لأَنَّ البلايا التِي تَلحقهم فيِ الدُّنْيَا، وَمَا فعلوا مِنَ الحسنات لاَ تُكفِّر عَنْهُم شَيْئًا من صغائرهم، وَلاَ من كبائرهم، {ومِن أوزارِ الذِينَ يُضلُّونَهم} أي: قَالُوا ذَلِكَ إضلالاً للناس، فحملوا أوزار ضلالهم كاملة، وبعض أوزار من ضلَّ بضلالهم، وَهُوَ وزرُ الإضلال، لأَنَّ المُضِلَّ والضالَّ شريكان. وإن دعا أحدًا إِلىَ الضلالة ولم يستجب لَهُ، كَانَ الداعي ضالاَّ والمُدْعَى من (1) تلك الدعوة سالما. وإن [كان] أَثَرُ ضلالته كتبا وقراطيس، يدعو عامَّة الناس إِليها، وأحبَّ أن يُستَجَاب له في ضلالته، كان في المعنى كأَنْ دعَا الناسَ جميعا إلى تلك الضلالة، قَبِلَ من قبل ضلالته وردَّها من ردَّها.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إلى»، أو في العبارة تقديم وتأخير، وأصلها: «سالما من تلك الدعوة». (2/321)
صفحة 719
وانظر فيِ إبليس اللعين من حيث إنَّه دعا جميع الثقلين أن يعبدوه ويشركوا بالله، فاستجاب لَهُ من استجاب مِنْهُم، وَهُم الذِين حقَّ عَلَيْهِمُ القول أن تُملأَ بهم جهنَّم، وَهُم الأكثر من خلق الله، إِلاَّ من رحم؛ ومنهم من استجاب لَهُ وتاب، فسلم المستجيب التائب، وثبت عَلَى الداعي وزر دعوته إِلىَ الضلالة؛ ومنهم من عصمه الله من إضلاله فيِ أشياء، واستجاب لَهُ فيِ أشياء، فانظر مَا يتعاظم عليه مِنَ الوزر والعذاب إِلىَ يوم القيامة.
وانظر إِلىَ أنبياء الله ورسله، والعلماء بدينه، والأئمَّة فيِ الدين، والأئمَة المنصوبين (1)، حيث دعوا الناس كافَّة أن يُوحِّدوا الله ويعبدوه وَلاَ يشركوا بِهِ شَيْئًا، وأن يكفروا بالشيطان؛ فكَانَ لَهُم أجرهم وأجر من استجاب لَهُم، وأجرهم بدعوة من لم يستجب لَهُم إِلىَ يوم القيامة؛ فانظر مَا يتضاعف لَهُم مِنَ الأجر، وكذلك من أَثَرَ الحقَّ يدعوا الناس إِلَيْهِ، وقد قَالَ الله: {ونكتبُ مَا قدَّموا وآثارهم} (2)؛ {بغير علم} أي: يُضلُّون من لاَ يعلم أنَّهم ضُلاَّل {أَلاَ ساء مَا يزرُونَ (25)}.
{قد مَكَرَ الذِينَ مِن قبلهم، فأتى الله بُنيَانَهم مِنَ القواعد، فخرَّ عَلَيْهِمُ السقفُ مِن فوقهم} فقمع رؤسهم تعذيبا لَهُم، {وأتاهم العذاب من حيث لاَ يشعرُونَ (26)} (لعلَّه) أنَّهم معذَّبون، وذلك أنَّ الْكَافِرِينَ لاَ يحسُّون بعذابهم فيِ الدُّنْيَا، لأَنَّهُم يعدُّون العذاب نعمةً، والنعمةَ عذابا، وَهذا مثل قوله: {أم مَّن أَسَّسَ بنيانَه عَلَى شفا جرفٍ هارٍ فانهار بِهِ فيِ نار جهنَّم} (3) وهذا لِكُلِّ من أسَّس بنيان دينه عَلَى [298] شيء مِنَ الباطل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «المبصوبين»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة يس: 12.
(3) - ... سورة التوبة: 109. (2/322)
صفحة 720
ثُمَّ يوم القيامة يُخزِيهم} يُذلهُّم بعذاب الخزي، سوى مَا عُذِّبوا بِهِ فيِ الدُّنْيَا، {ويقول: أين شركائي؟} عَلَى الإضافة إِلىَ نفسه، حكاية لإضافتهم، ليُوبِّخهم بها عَلَى طريق الاستهزاء، {الذِينَ كُنتُم تُشاقُّون فِيهِم} تعادون وتخاصمون المؤمنين فيِ شأنهم، لأَنَّ مُشاقَّة المؤمنين كأنَّها مُشاقَّة الله، {قَالَ الذِينَ أوتوا العلم} أي: الأنبياء والعلماء من أممهم، الذِينَ كَانُوا يدعونهم إلى الإيمان، ويعظونهم (لعلَّه) فلا يلتفتون إِلَيْهِم ويُشاقُّونهم، يقولون ذَلِكَ شماتة؛ أو هُمُ المَلاَئِكَة. {إنَّ الخزي اليوم والسوء عَلَى الْكَافِرِينَ (27)}.
{الذِينَ تتوفَّاهم المَلاَئِكَة ظالمي أنفسهم، فألقوا السَّلَمَ} أي: الصلح والاستسلام، لأَنَّهُم في حال الحرب لله ولرسوله ودين المُسْلِمِينَ، كَانُوا مخالفين دينه بحرف وَاحِد، وَقَالُوا: {مَا كُنَّا نعمل من سوء}، وهذا كقوله: {يوم يبعثُهم الله جميعا فيحلِفُون لَهُ كما يَحلِفون لكم، ويحسبون أنَّهم عَلَى شيء ألاَ إنَّهم هم الكاذبون} (1)، وهذا فيِ المتديِّنين الذِينَ يحسبون أنَّهم يُحسِنون صنعا، وَأَمَّا المنتهكون فهم الذين وصفهم الله حيث قال: {حَتَّى إذا جاء أحدَهم الموتُ قل رَبِّ أرجعونِ، لعلِّي أعملُ صالحا في ما تركتُ} (2)؛ فردَّت عليهم الملائكة قالوا: {بلى إِنَّ اللهَ عليمٌ بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (28)، فادخلوا أبوابَ جَهَنَّم خالدين فِيهَا فلبِئْسَ مثوى المتكبِّرِينَ (29)} عَن توحيد الله وعبادته.
{__________
(1) - ... سورة المجادلة: 18.
(2) - ... سورة المؤمنون: 99 - 100. (2/323)
صفحة 721
وقيل للذين اتَّقَوا} الكفرَ: {ماذا أنزل رَبُّكُم؟ قَالُوا: خيرًا، للذين أحسَنوا فيِ هَذِهِ الدُّنْيَا} أي: وحَّدوا الله وعبدوه ولم يشركوا به شيئًا، {حسنةٌ}، لأَنَّهُم يتوصَّلون بحسنة الدنيا [إلى] حسنة الآخرة، فلذلك سُمِّيت حسنةً، (لعلَّه) وإن نالتهم منها مشقَّة، {وَلَدَارُ (1) الآخِرَة خيرٌ} أي: ولهم فيِ الآخِرَة مَا هُوَ خير منها كقوله: {فآتاهم الله ثواب الدُّنْيَا وحُسْنَ ثواب الآخِرَة} (2)، {ولَنِعم دار المتقِينَ (30)} دارُ الآخِرَة لاَ الدُّنْيَا.
{جَنَّات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لَهُم فِيهَا مَا يَشَاءون} من أنواع المشتهيات؛ {كذلك يَجزِي الله المُتَّقِينَ (31)} مثل هَذَا الجزاء.
{الذِينَ تَتوفَّاهم المَلاَئِكَة طيِّبين} طاهرين من ظُلمِ أنفسهم بالكفر، زاكية أفعالهم وأقوالهم ونيَّاتهم، لأَنَّهُ فيِ مقابلة «ظالمي أنفسهم»، {يقولون: سلام عليكم} قيل: إِذَا أشرف العبد المؤمن عَلَى الهلاك بالموت جاءه مَلَك فيقول: «السلام عليك يا وليَّ الله، الله يقرأ عليك السلام»، وبشَّره بالجنَّة؛ وبقوله: {ادخلوا الجَنَّة بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (32)} بعملكم.
{هل ينظرون} مَا ينتظرون (3) هؤلاء الكفَّار، {إِلاَّ أن تأتيهم المَلاَئِكَةُ؟} لقبض أرواحهم، {أو يأتي أمرُ ربِّك} أي: العذاب المستأصِل؛ {كذلك} مثل ذَلِكَ الفعل مِنَ الشرك والتكذيب {فَعَل الذِينَ من قبلهم، وَمَا ظلمهم الله} بتدميرهم، {ولكن كَانُوا أنفسهم يظلمُونَ (33)} حيث فعلوا مَا استحقُّوا بِهِ التدمير.
{فأصابهم سَيِّئَات مَا عَمِلوا} جزاء سيِّئات أعمالهم، {وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ (34)} وأحاط بهم جزاء استهزائهم، والحيق: لاَ يستعمل [299] إِلاَّ فيِ الشرِّ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والدار» وَهُوَ خطأ.
(2) - ... سورة آل عمران: 148.
(3) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «ما ينظر». (2/324)
صفحة 722
وقال الذِينَ أشركوا} الشرك الخفيَّ والجليَّ: {لو شاء الله مَا عبدنا من دونه من شيءٍ نَحْنُ وَلاَ آباؤنا، وَلاَ حرَّمنا من دونه من شيء}، هَذِهِ (لعلَّه) الآية حجَّة عَلَى الجبرية، فإنَّ الله ذمَّ الكفَّار حيث لعلَّ... (فيِ التفسير ذهاب من قبل ضياع القرطاسة) (1) ؛ {كذلك فَعَلَ الذِينَ من قبلهم} أي: كذَّبوا الرسل وحرَّموا الحلال، {فهل عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ الْمُبِين(35)}؟ إِلاَّ أن يبلِّغوا الحقَّ، ويُبطِلوا الشرك وقبائحه، ثُمَّ بيَّن أنَّ البعثة أمرٌ جرت بِهِ السنَّة الإِلَهِيَّة فيِ الأمم كلِّها سببا لهدى من أَرَادَ اهتداءَه، وزيادةً لضلال من أَرَادَ ضلاله؛ كالغذاء الصالح، فإنَّه ينفع المزاج السويَّ، ويقوِّيه، ويضرُّ المنحرف ويُفنِيه.
{وَلَقَد بعثنا فيِ كُلِّ أُمَّة رسولا: أن اعبدوا الله} بِأَنْ وحِّدُوه وَلاَ تشركوا بِهِ شَيْئًا، {واجتنبوا الطاغوت}: الشيطان وطاعته، أي: كونوا من حزب الله، وَلاَ تكونوا من حزب الشيطان، {فمنهم من هَدَى اللهُ} باختياره الهدَى، {ومنهم من حقَّت عليه الضلالة} أي: لزمت لاختياره إيَّاها، {فسيروا فيِ الأَرْض فانظروا كيف كَانَ عاقبة المكذِّبِينَ(36)} حيث أهلكهم الله وأخلى ديارهم.
__________
(1) - ... يبدو أنَّ ما بين قوسين إضافة من الناسخ في المتن، فهي عبارة مقحمة في النصِّ، أي أنَّ النسخة التي اعتمدها كانت مخرومة. (2/325)
صفحة 723
وحَرَصَ رسول الله عَلَى إيمانهم، وأعلمه أنَّه مِن قِسمِ مَن حقَّت عليه الضلالة [كَذَا]؛ فقال: {إن تحرصْ عَلَى هُداهم فإنَّ الله لاَ يهدِي من يُضلُّ وَمَا لَهُم من ناصرِينَ (37)} يمنعونهم من جريان حكم الله عَلَيْهِم، ويدفعون عنهم عذابه الذِي أعدَّ لَهُم، (لعلَّه) وَالآيَة كقوله: {وَمَا أكثرُ الناس ولو حَرصتَ بمؤمنين} (1) {وأقسموا (2) بالله جَهدَ أَيْمانهم لاَ يبعث الله من يموت، بلى} هُوَ إثبات لِمَا بعد النفي، أي: بَل يبعثهم، {وعدًا عليه حقًّا ولكنَّ أكثر الناس لاَ يَعْلَمُونَ (38)} أنَّ وعده حقٌّ، أو لأَنَّهُم يُبعثون.
{ليبيِّن لَهُم} متعلِّق بِمَا دَلَّ عليه «بلى»، أن (3) يبعثهم ليبيِّن لَهُم؛ والضمير لمن يموت، وَهُوَ يشتمل المؤمنين والكافرين، {الذِي يختلفون فِيهِ} هُوَ الحقُّ، {وليعلم الذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كاذبِينَ (39)} فيِ قولهم: «لاَ يبعث الله من يموت».
{__________
(1) - ... سورة يوسف: 103.
(2) - ... في الأصل «وقسموا» وَهُوَ خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أي:». انظر الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 472. (2/326)
صفحة 724
إِنَّمَا قولنا لشيء إِذَا أردناه أن نقول لَهُ: كن، فيكُونُ(40)}، أي: فهو يكون، أي: إِذَا أردنا وجود شيء فليس إِلاَّ أن نقول لَهُ: احدُثْ، فهو يحدث بلا توقُّف، وهذه عبارة عَن سرعة الإيجاد، [أي:] أن ليس مرادا يمتنع عليه، وأنَّ وجوده عند إرادته غير متوقِّف كوجود المأمور بِهِ عند أمر الآمر المطاع إذا ورد عَلَى المأمور المطيع الممتثل، ولا (1) قولَ ثمَّة. والمعنى: أنَّ إيجاد كُلِّ مقدور عَلَى الله تعالى بهذه السهولة؛ فكيف يمتنع عليه البعث الذِي هُوَ من بعض المقدورات، وكذلك لاَ يمتنع عليه كفر المطيع، وَلاَ طاعة من كفر، وهذه تخوِّف المؤمنين من تقلُّب الأحوال بهم، كما قَالَ: {وَما تدري نفس ماذا تكسب غدا ومَا تدري نفس بأيِّ أرض تموت} (2) .
{وَالذِينَ هاجروا فيِ الله} وفي حقِّه ولوجهه، {من بعدِ مَا ظُلموا} أي: أطاعوا الله فيمن عصى فِيهِم [300]، {لنبوِّئنَّهم فيِ الدُّنْيَا حسنةً} بكمال عقولهم ووضع الأمور مواضعها، {ولأجرُ الآخِرَة أكبرُ} من حسنة الدُّنْيَا، {لو كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)} لازدادوا فيِ اجتهادهم وصبرهم؛ وقيل: الضمير لِلكُفَّارِ، أي: لو علموا أنَّ الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين (3) لوافقوهم. و{الذِينَ صبروا} على مشاقِّ التكليف، {وعلى ربِّهم يتوكَّلُونَ(42)} أي: يفوِّضون الأمر إِلىَ ربِّهم، ويرضون بِمَا أصابهم فيِ دين الله.
__________
(1) - ... في الأصل: «والا»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة لقمان: 34. في الأصل: «وَلا تدري نفس ماذا تكسب غدا ولا تدري...»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «الدرين»، وهو سهو. (2/327)
صفحة 725
وَلَمَّا قيل: الله أعظم (لعلَّه) من أن يكون رسولُه بشرًا نَزَلَ: {وَمَا أرسلنا مِن قبلِك إِلاَّ رجالاً نوحي إِلَيْهِم، فاسألوا أهل الذكر} أهل العلم، والعلم هُوَ الذكر، لأَنَّهُ موعظة وتنبيه وحياة للجاهلين، {إن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ (43)} (لعلَّه)، لأَنَّهُم مُتعبَّدون بالسؤال عمَّا يلزمهم من جميع مَا أوجب الله عَلَيْهِم إِذَا جهلوه.
{بِالبَيِّنَاتِ والزُّبُرِ} أي: بالبيِّنات والكتب، {وأنزلنا إليك الذكر} أي: القرآن، {لتبيِّن للناس مَا نُزِّل إِلَيْهِم} فيِ الذكر، مِمَّا أُمروا بِهِ ونُهوا عَنْهُ، ووُعِدوا بِهِ، وأُوعِدوا؛ (لعلَّه) وبيانُ الكتاب يُطلَب مِنَ السنَّة، {ولعلَّهم يتفكَّرُونَ (1) (44)} فيِ تنبيهاته فينتبهوا.
{أفأمن الذِينَ مكروا السَّيِّئَات} أي: أخفوا المعاصي؛ وكأنَّ الآية نزلت فيِ المنافقين، (لعلَّه) ومن أين لَهُمُ الأمان مِنَ الله وَهُم قد بارزوه بالمعاصي؟!. {أن يخسف الله بهم الأَرْض} كما فعل بمن تقدَّمهم، {أو يأتيهم العذاب من حيث لاَ يشعرُونَ (45)}، أي: بغتة، {أو يأخذهم فيِ تقلُّبهم} أو يهلكهم متقلِّبين فيِ مسايرهم ومتاجرهم، {فما هم بِمُعجزِينَ (46)} سابقين الله.
{أو يأخذَهم عَلَى تخوُّف} متخوِّفين قد ظهرت لَهُم علامات الأخذ، {فإنَّ رَبَّكُم لرءوف (2) رحيم (47)} (لعلَّه) إذ لم يُعجِّل عَلَيْهِم بالعقوبة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يتكفرون»، وهو سهو.
(2) - ... في الأصل «لغفور» وَهُوَ خطأ. (2/328)
صفحة 726
أولم يروا إِلىَ مَا خلق الله من شيء} من [ ... ]ـم (1) قائم لَهُ ظل، {يتفيَّؤُا ظِلاله} أي: يرجع {عَن} موضع إِلىَ موضع، {اليمين} أي: الأيمان، {والشمائل} جمع شمال، {سُجَّدًا لله}، والمراد: مِنَ السجود الاستسلام، سواء كَانَ بالطبع أو الاختيار، (لعلَّه) بِمَيَلانها، [و] دورانُها سجودها لله، ويقال للظلِّ بالعشيِّ: فَاءَ، أي: رجع مِنَ المغرب إِلىَ المشرق؛ واليمين: أوَّل النهار، والشمال: آخر النهار، {وَهُم داخِرُونَ (48)} صاغرون. والمعنى: أو لم يروا إِلىَ مَا خَلَق الله مِنَ الأجرام التِي لها ظلال متفيِّئة عَن أيمانها وشمائلها، أي: ترجع الظلال من جانب إِلىَ جانب، منقادة لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما سخَّرها لَهُ مِنَ التفيُّئِ، والأجرام فيِ أنفسها داخرة أَيْضًا، صاغرة منقادة لأفعال الله فِيهَا غير ممتنعة عليه.
{__________
(1) - ... طمس في الأصل قدر حرف. (2/329)
صفحة 727
ولله يسجد مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض من دابَّة} بيان لِمَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض جميعًا، عَلَى أنَّ فيِ السَّمَاوَات خَلقًا يدبُّون فِيهَا كما تدبُّ الأناسي فيِ الأَرْض، أو بيان لِمَا في الأَرْض وحده، والمراد بِمَا فيِ السَّمَاوَات: ملائكتهنَّ؛ ويقال: السجود: الطاعة، والأشياء كلُّها مطيعة لله عزَّ وجلَّ، من حيوان وجماد، قَالَ الله: {قالتا: أتينا طائعين} (1) ؛ وقيل: سجود الأشياء: تذلُّلها وتسخيرها لِمَا أُرِيدت لَهُ؛ وقيل: [301] سجود الجمادات وَمَا لاَ عقل لَهُ: ظهور أثر الصنع فِيهِ عَلَى معنى أنَّه يدعو العاقلين إِلىَ السجود لله عند التَّأَمُّل والتدبُّر فِيهِ؛ قَالَ الله تعالى: {سَنُرِيهم آياتنا فيِ الآفاق وفي أنفسهم} (2) . {والمَلاَئِكَة} خصَّ المَلاَئِكَة بالذكر ــ مَعَ كونهم من جملة مَا فيِ السماوات والأَرْض ــ تشريفا لَهُم ورفعا لشأنهم؛ وقيل: لخروجهم مِنَ الموصوفين بالدبيب، إذ لَهُم أجنحة يطيرون بها؛ وقيل: المراد بسجود المكلَّفين: طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم: انقياده لإرادة الله، {وَهُم لاَ يستكبرُونَ(49)} (لعلَّه) يعني المَلاَئِكَة، {يخافون ربَّهم} أي: لاَ يستكبرون، خائفين {مِن فوقِهم} إن علَّقته بـ«يخافون» فمعناه: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علَّقته بربِّهم حال منهم، فمعناه: يخافون ربَّهم عاليا لَهُم، قاهرا، كقوله: {وَهُوَ القاهر فوق عباده} (3) ، {ويفعلون مَا يُؤمرُونَ(50)}، وكأنَّ هَذَا دليل عَلَى أنَّ المَلاَئِكَة مكلَّفون، مدارون عَلَى الأمر والنهي، وأنَّهُم بين الخوف والرجاء، (لعلَّه) وإذا كَانَ المَلاَئِكَة بين الخوف والرجاء مَعَ أنَّهم لاَ يعصونه طرفة عين وَلاَ يسأمون. (
__________
(1) - ... سورة فصِّلت: 11.
(2) - ... سورة فصِّلت: 53.
(3) - ... سورة الأنعام: 18. (2/330)
صفحة 728
لعلَّه) صبائغ فيِ القرطاسة عَن تمام الكلام والإنس [كَذَا]، ولكنَّ الخوف مِنْهُ عَلَى قدر المعرفة بِهِ تبارك وتعالى.
{وقال الله: لاَ تتَّخذوا إلهين اثنين} أي: لاَ يتَّفق أن يكون لكم أن تعبدوا الله والهوى في حال مِنَ الحال، {إِنَّمَا هُوَ إله واحد} معبودٌ وَاحِد، وَلاَ يستقيم إِلاَّ لمخالفة الهوى كما قَالَ: {ونهى النفس عَن الهوى} (1)، {فإيَّايَ فارهبونِ (51)} من أن تتَّخذوا إلها غيري.
{وَلَهُ مَا (2) في السَّمَاوَات والأَرْض وَلَهُ الدين واصبًا} واجبًا ثابتًا، لأَنَّ كُلَّ نعمة مِنْهُ، فالطاعة واجبة لَهُ عَلَى كلِّ مُنعَمٍ عليه، أو وله الجزاء دائما، يعني الثواب والعقاب؛ وقيل معناه: ليس من أحد يدان لَهُ ويطاع إِلاَّ انقطع ذَلِكَ عَنْهُ بزوال وهلاك غير الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ الطاعة تدوم لَهُ وَلاَ تنقطع، {أفغير الله تتقُونَ (52)؟} أي: تخافون؛ استفهام عَلَى معنى الإنكار.
{وَمَا بكم من نعمة} وأيُّ: شيء اتَّصل بكم من نعمة إيجاد وإمداد وعافية دينيَّة ودنياويَّة، {فمن الله}، فلأيِّ شيء تعبدون غير الله، {ثُمَّ إِذَا مسَّكم الضرُّ} المرض والفقر وغيرهما، {فإِلَيْهِ تُجْأَرُونَ (53)} تصيحون وتضجُّون بالدعاء، {ثُمَّ إِذَا كشف الضرَّ عنكم إِذَا فريق منكم بِربِّهم يُشركُونَ (54)} يرجعون إِلىَ طاعة إبليس، وينسون مَا مرَّ بهم.
{ليكفروا بِمَا آتيناهم} من نعمة الكشف عَنْهُم، كأنَّهم جعلوا غرضهم فيِ الشرك كفران النعمة، ثُمَّ أوعدهم فقال: {فتمتَّعوا} أي: عيشوا فيِ اللذَّة، فيِ المدَّة التِي صيَّرناها لكم، {فسوف تَعْلَمُونَ (55)} عاقبة أمركم.
{__________
(1) - ... سورة النازعات: 40.
(2) - ... في الأصل: «وله من»، وهو خطأ. (2/331)
صفحة 729
ويجعلون لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ} لَهُ حقًّا، أي: الأصنام {نصيبًا مِمَّا رزقناهم} مِنَ الأموال، وَهُوَ مَا جعلوا للأوثان من حروثهم وأنعامهم، {فَقَالُوا: هَذَا للهِ بزعمِهم وهذا لشُرَكائنا} (1)؛ أو «هَذَا» لِمَا ينفقونه، {تالله لتُسألنَّ} وعيد، {عَمَّا كُنتُم تفترُونَ (56)} أنَّها آلهة، وأنَّها أهل للبذل.
{ويجعلون للهِ البناتِ}، قيل: كَانَت خزاعة وكنانة تقول: «المَلاَئِكَة بنات الله»، {سبحانه} تنزيه لذاته، {ولهم مَا يشتهُونَ (57)} [302] أي: جعلوا لأنفسهم مَا يشتهون مِنَ الذكور.
{وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسودًّا} متغيِّرًا مِنَ الغمِّ والكراهيَّة، {وَهُوَ كظيم (58)} ممتلئ غيظا وحزنا، فهو يكظمه، أي: يمسكه وَلاَ يُظهره، {يتوارى} يختفي {من القوم من سوء مَا بُشِّر بِهِ} من أجل سوء المبشَّر بِهِ، ومن أجل تعييرهم، ويُحدِّث نفسه وينظر {أَيُمسِكه عَلَى هُونٍ} أيمسك مَا يُبشَّر بِهِ عَلَى هوان وذلٍّ، {أم يَدُسُّهُ فيِ التراب} أم يَئده، {ألاَ ساء مَا يحكمُونَ (59)} بِئْسَ ما يحكمون لله البنات، ولأنفسهم البنين؛ نظيره: {ألَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثى ... } (2) الآيَة.
{للذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة مثلُ السَّوءِ} جهنَّم، (لعلَّه) وَمَا جرَّ إليها، {ولله المثلُ الأعلى} وَهُوَ أنَّه لاَ إله إِلاَّ الله، {وَهُوَ العزيزُ الحكيمُ (60)}.
{ولو يُؤَاخِذُ الله الناسَ بظُلمِهم مَا تَرَكَ عليها}، عَلَى الدُّنْيَا، {من دابَّة} قطُّ، ولأَهلَكَها، ولَقامت الساعةُ، {ولكن يُؤخِّرهم إِلىَ أجل مسمًّى} أي: أجل كُلِّ أحد؛ أو وقت (3) تقتضيه الحكمة؛ أو القيامة، {فإذا جاء أجلهم لاَ يستأخرون ساعة وَلاَ يستقدمُونَ (61)}.
{__________
(1) - ... سورة الأنعام: 136.
(2) - ... سورة النجم: 21؛ وتمام الآيَة: {ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذًا قسمةٌ ضِيزَى}.
(3) - ... في الأصل: «أحدا وقت»، وهو خطأ. (2/332)
صفحة 730
ويجعلون لله مَا يكرهون} مَا يكرهونه لأنفسهم، {وتصِفُ ألسنتُهم الكذبَ} مَعَ ذَلِكَ، أي: يقولون الكذب، {أنَّ لَهُمُ الحسنى} (لعلَّه) فيِ الدارين، إن كَانَ البعث حقًّا، {لاَ جرم أنَّ لَهُمُ النارَ وَأَنَّهُمْ مُّفرَطُونَ (62)} مِنَ الحسنى، مقدَّمون إِلىَ النار معجَّلون إِلَيْهِا.
{تالله (1) لَقَد أرسلنا إِلىَ أممٍ مِن قبلِك} أي: أرسلنا رسلا إِلىَ من تقدَّمك مِنَ الأمم، {فزيَّن لَهُمُ الشيطان أعمالهم فهو وليُّهم اليومَ} ناصرُهم اليوم، وَهُوَ عَلَى التوبيخ، {ولهم عذاب أليم (63)}.
{وَمَا أنزلنا عليك الكتاب إِلاَّ لتبيِّن لَهُم (2)} إِلاَّ للتبيين، لا عبثا وَلاَ لعبا {الذِي (3) اختلفوا فِيهِ} مِنَ الدين والأحكام، {وهدًى ورحمةً لقوم يُؤْمِنُونَ (64)}.
{وَاللهُ أنزل مِنَ السَّمَاء ماءً فأحيا بِهِ الأَرْض بعدَ موتها، إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيةً لقوم يَسمعُونَ (65)} سماعَ تدبُّر وتفهُّم، لأَنَّ من لم يسمع بقلبه، فكأنَّه لاَ يسمع، {وإنَّ لكم فيِ الأنعامِ لَعِبرةً نُسقيكم مِّمَّا فيِ بطونه من بين فَرْثٍ ودَمٍ لَبنًا خالصا} (لعلَّه) شيئين مختلفين كل واحد [كَذَا]. سئل شقيق عَن الإخلاص فقال: «تمييز العمل مِنَ العيوب، كتمييز اللبن من بين الفرث والدم» (4). {سائغا للشاربِينَ (66)} سهل المرور فيِ الحلق.
{ومن ثمرات النخيل والأعناب تتَّخذون مِنْهُ سَكَرًا ورِزقا حَسنًا} هُوَ الخلُّ والرُّبُّ والتمر والزبيب، وغير ذَلِكَ، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيةً لقوم يعقلُونَ (67)}.
{__________
(1) - ... في الأصل «تابى الله» وَهُوَ خطأ.
(2) - ... في الأصل: - «لهم»، وهو سهو.
(3) - ... في الأصل: «الذين»، وهو خطأ.
(4) - ... الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 479. (2/333)
صفحة 731
وأوحَى ربُّك} أَلْهَمَ، كما يُلهِم سائر الحيوان لمصالحها، {إِلىَ النحل أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجبالِ بيوتا ومن الشجر وممَّا يَعرِشُونَ(68)} يرفعون من سقوف البيت، أو بِمَا يبنون للنحل، {ثُمَّ كُلِي من كُلِّ الثمرات، فاسلكي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً}، جمع ذُلُول، وهي حال مِنَ السبل، لأَنَّ الله ذلَّلها وسهَّلها؛ أو أتت ذُلُلاً منقادة لِمَا أُمِرَت بِهِ غير ممتنعة، {يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانُه} مِنْهُ أبيضُ وأصفر وأحمر، من اختلاف قبائله أو أغذيته، {فِيهِ شفاء للناس، إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية لقوم يتفكَّرُونَ(69)} [303] فيِ عجيب أمرها، فيعلمُ أنَّ الله أودعها عِلما بذلك وفَطنَها، كما أَوْلَى أُولِي العقول عُقولهم، وإنَّ مَن تَدَبَّر اختِصَاصَ النَّحلِ بِتِلك العلوم الدقيقة، والأفعال العجيبة حقَّ التَّدبُّر عَلِمَ قَطعًا أنَّه لاَ بُدَّ لها مِن قَادِر حَكِيم يُلهِمُها ذَلِكَ، ويَحمِلُها عليه.
{واللهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفَّاكُم، ومِنْكُم مَّن يُّرَدُّ إِلىَ أَرذَلِ العُمُر} إِلىَ أَخَسِّه وأحقَرِه، وَهُوَ الهرم الذِي يُشَابِه الطفوليَّة فيِ نُقصَان الجِسم والقُوَّة والعقل، {لِكَيْ لاَ يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيْئا} كيلا يعلم، زيادة علم عَلَى علمه؛ أو لكي لا يعلم شَيْئا بعد علم، أي: يَذهَب مَا عَلِمَ. {إِنَّ اللهَ عليم قدير(70)} عَلَى تَبدِيل مَا يَشَاء كَما يَشَاء.
{ (2/334)
صفحة 732
والله فَضَّل بَعضَكم عَلَى بعضٍ في الرزقِ} أي: جَعَلكُم مُتفَاوِتِين فيِ الرِّزقِ؛ فَرَزَقَكُم أفضَلَ مِمَّا رَزَقَ مَمَالِيككم وَهُم بَشَرٌ مِثلكُم؛ {فَمَا الذِينَ فُضِّلُوا} فيِ الرِّزق يَعنِي المُلاَّكَ، {بِرَادِّي} بِمُعطِي {رِزقِهم عَلَى مَا مَلَكَت أَيْمَانُهم} وكَانَ يَنْبَغِي أنْ تَرُدُّوا فَضلَ مَا رُزِقتُمُوه عَلَيْهِم حتَّى تَتَسَاووا فيِ الملبس والمطعم، {فَهُم فِيهِ سواءٌ} تَقدِيرُه: «فَمَا الذِينَ فُضِّلوا بِرَادِّي رِزقِهِم عَلَى مَا مَلَكت أيمانُهم فَيَستَوُوا مَعَ عَبِيدِهم فيِ الرِّزقِ»؛ وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَه للذين جَعَلُوا لَهُ شُرَكاء؛ فَقَال لَهُم: أَنتُم لاَ تُسَوُّون بَيْنَكم وبَينَ عَبِيدكم فيما أنعمت بِهِ عَلَيْكُم، وَلاَ تجعلونهم فِيهِ شركاء، وَلاَ تَرضَونَ ذَلِكَ لأنفسِكم؛ فكيف رَضَيتُم أن تَجعَلُوا عَبِيدِي لِي شُركَائي. قَالَ قَتَادة: «هَذَا مَثَلٌ ضَرَبه الله عزَّ وجلَّ، فهل مِنكُم أحدٌ يُشرِكُه مَملُوكُه فيِ زوجته وفِراشِه ومَالِه؟ أفَتَعدِلُون بالله خَلقَه وعِبَادَه؟! تعالى عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا». {أفَبِنِعمَة اللهِ يَجحَدُونَ(71)} بالإشراك بِهِ.
{ (2/335)
صفحة 733
والله جَعَل لَكُم مِن أنفُسِكم أزوَاجًا} مِن جِنسِكُم، {وجَعَل لَكُم مِّن أَزوَاجِكم بَنِينَ وحَفَدَة} جَمْعُ: حافِد، وَهُوَ الذِي يَحفَدُ، أي: يُسرِعُ فيِ الطاعَة والخِدمَة، واختُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هُمُ الأختان عَلَى البَنَات، وقيل: أولاد الأولادِ، وقيل: الخَدَمُ، وقيل: الأَصهَارُ، وقيل: الأعوان، وقِيلَ: كِبارُ الأولاد المُعينِين عَلَى الأعمال، وقيل: الرَّبَائِب. {وَرَزَقَكم مِّنَ الطيِّبَات} أي: بَعضها، لأَنَّ كُلَّها فيِ الجنَّة، وطَيِّبات الدُّنْيَا أنْمُوذَجٌ؛ {أفَبِالبَاطِل يُؤْمِنُونَ} هُوَ مَا يَعتَقِدون مِن (لَعَلَّهُ) مَنَفَعَة الأصنام، أو مُتَابَعتهم للوساوِسِ (1) الشَّيطَانِيَّة، {وبِنِعمَةِ الله هُمْ يَكفرُونَ (72)} أو الباطل: الشيطان وَمَا يُزَيِّنُه، والنعمة: رحمةُ الله.
{ويَعبُدُون مِن دُونِ الله مَا لاَ يَملِكُ لَهُم رِزقًا مِنَ السَّمَاوَات والأَرْضِ شَيْئًا، وَلاَ يَستَطِيعُونَ (73)} المعنى: لاَ يَملِكُون شَيْئًا مِنَ الرِّزق وَلاَ مِنَ النَّفع وَلاَ مِنَ الضُّرِّ، وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهِم، (لَعَلَّهُ) ويَدخُل فيِ ذَلِكَ المَال والأهْلُ الشَّاغِلاَن عَن ذِكرِ الله.
{فَلاَ تَضرِبُوا للهِ الأمثَالَ} فَلاَ تَجعَلُوا لله مثلاً، فإنَّه لاَ مثلَ لَهُ، أي: فَلا تَجعَلوا لَهُ شُرَكَاء، {إنَّ الله يَعلَم} أنَّه لاَ مِثلَ لَهُ مِنَ الخَلقِ، {وأنتُم لاَ تَعْلَمُونَ (74)} خَطَأَ مَا تَضرِبُون مِنَ الأمثَال.
{__________
(1) - ... في الأصل: «للوساس»، وهو خطأ. (2/336)
صفحة 734
ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَملُوكًا لاَ يَقدِرُ عَلَى شَيءٍ، ومَن رَّزَقنَاه مِنَّا رِزقًا حَسَنا، فَهُو يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وجَهرًا} أي: مَثَلُكُم فيِ إشرَاككُم بالله الأوثانَ، [كـ]ـمَثَل مَن سَوَّى بَينَ عَبدٍ مَملُوكٍ عَاجِزٍ عَنِ التَّصرُّفِ، [304] وبين حُرٍّ مَالكٍ قَد رَزَقَه الله مَالاً، فَهوَ يَتَصرَّف فِيهِ ويُنفِقُ مِنْهُ كيف يَشَاءُ؛ وقُيِّد بالمملُوك لِيُمَيَّزَ مِنَ الحُرِّ، لأَنَّ اسمَ العبدِ يَقَعُ عليهما جميعا، إِذ هُمَا مِن عِبَاد الله؛ وقيل: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله لِلمُؤمِن والكافر، {هل يَستَوُون؟ الحمدُ لله بَل أكثرُهم لاَ يَعْلَمُونَ(75)} إنَّ الحمدَ والعبادةَ لله. (2/337)
صفحة 735
ثُمَّ زاد فيِ البيان فَقَال: {وضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَين أحدُهما أَبكَمُ لاَ يَقدِر عَلَى شَيءٍ} الأبكَم: الذِي وُلِدَ أخرس، فَلا يَفهم وَلاَ يُفهم، {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَولاَهُ} أي: ثِقْلٌ وعِيَال عَلَى مَن يَلِي أمرَه ويَعُولُه؛ {أيْنَمَا يُوَجِّههُ لاَ يَأتِ بِخَيْرٍ} حيثُ مَا يُرسِلُه ويَصرِفُه فيِ مَطلَبِ حَاجَة، أو كِفَاية فَهمٍ (1)، لم يَنفَع ولم يَأتِ بنجح، وَهُوَ يُفسِدُ وَلاَ يُصلِح، {هَل يَستَوِي هُوَ ومَن يَأْمُرُ بالعدل}؟ أي: ومَن هُوَ سَلِيمُ الحواس نَفَّاع ذُو كفَايات مَعَ رُشدٍ ودِيَانَة؛ فَهُو يَأْمُرُ النَّاس بالعدل والخير {وَهُوَ} فيِ نَفسِه {عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (76)} عَلَى سِيرَة صالحة ودين قيِّم قويم؛ وهذا مَثَلٌ ثَانٍ ضَرَبَه لِنَفسِه وَلِمَا يفِيضُ عَلَى عباده مِن آثار رَحمَتِه ونِعمَه، وغِنَاه عَن خَلقِه، ولِلأصنَام التِي هِيَ مَوَاتٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنفَعُ؛ وقِيل: لِلمُؤمِنِ والكافرِ، وهو كقوله: {أفَمَن يَّمشي مكبًّا عَلَى وجهِهِ أهدَى، أمَّن يَّمشي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} (2) ويَدخُل فِيهِ تَدبِيرُ مَعَاشِه، وإِصلاح مُعَامَلتِه لِخَالِقِه، وللخلق فيما بينه وبينهم، وإصلاح نفسه، ومَركَز جميع اصطلاحات سَلامة القلب مِنَ الأهْوِيَةِ والأمراض.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مهمٍّ». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 485.
(2) - ... سورة الملك: 22. (2/338)
صفحة 736
ولله غَيبُ السَّمَاوَات والأَرْض} أي: يختصُّ بِهِ علم مَا غَابَ فيهما عَن العبادِ، وخَفِيَ عَلَيْهِم عِلمُه؛ أو أَرَادَ بغَيبِ السَّمَاوَات والأَرْض يَومَ القيامة، عَلَى أنَّ علمه غائب مِن أهلِ السَّمَاوَات والأَرْض لم يَطَّلِع عَلَيه أحد مِنْهُم؛ {وَمَا أمرُ السَّاعة} فيِ قُرب كونها، وسرعة قيامها، {إِلاَّ كلمحِ البصر} كَرَجْع طرفٍ مِن أعلى الحدَقَة إِلىَ أسفلها؛ وإنَّما ضرب بِهِ المثل، لأَنَّهُ لاَ يُعرف زمان أقلُّ مِنْهُ؛ {أو هُوَ} أي: الأمر {أقرب} وليس هَذَا للشَّك ولكنَّ المعنى كونوا فيِ كونها عَلَى هَذَا الاعتبار، وقيل: بَل هُوَ أقرب، ويقتضي ذَلِكَ انقضاء أجل كلِّ نفس، لأَنَّهَا إِذَا انقضى أجلها كأنَّ قيامتها قد قامت، {إنَّ الله عَلَى كُلِّ شيء قدير (77)} فهو يَقدِر عَلَى أن يقيم الساعة، ويبعث الخلق، لأَنَّهُ بعض المقدورات؛ ثُمَّ دلَّ عَلَى قدرته بِمَا بعد، فقال:
{واللهُ أخرجَكَم مِن بُطُون أمَّهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} مُستَصحبين جهل الجماديَّة [كَذَا]، لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا من حقِّ المنعِم الذِي خلقكم فيِ البطون، وَلاَ تَعْلَمُونَ قدرَ أنفسكم، {وجعل لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ لَعَلَّكُم تشكرُونَ (78)} أي: وَمَا ركَّب فيكم هَذِهِ الأشياء والاالآت (1).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ في العبارة خطأً ونقصًا تقديره: «وَمَا ركَّب فيكم هَذِهِ الأشياء والآلات إِلاَّ لتشكروا». وَفيِ تفسير الزمخشري: «معناه: وما ركَّب فيكم هَذِهِ إلاَّ آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عَلَيه، واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه ... » إلخ. الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 486. (2/339)
صفحة 737
ألم يَرَوا إِلىَ الطيرِ مسخَّرات} مُذلَّلات للطَّيران بِمَا خلق لها مِنَ الأجنحة والأسباب المواتيَّة لذلك، {فيِ جوِّ السَّمَاء مَا يُمسكهنَّ} فيِ قبضهنَّ وبسطهنَّ ووقوفهنَّ {إلاَّ الله} بقدرته؛ وفيه نفي لِمَا يُصوِّرُه الوهم من خاصيَّة [305] القوى الطبيعيَّة {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقوم يُؤْمِنُونَ (79)} بأنَّ الخلقَ لاَ غِنى بِهِ عَن الخالق.
{والله جعلَ لكم من بيوتكم سَكَنا} موضعا تسكنون فِيهِ وقت إقامتكم، كالبيوت المتَّخذة مِنَ الحجر والمدَر، {وجعل لكم مِن جلود الأنعام بيوتا} هِيَ قباب الأدم، {تستخفُّونها} لأَنَّهَا خفيفة المحمل فيِ الضرب والنقض والنقل، {يومَ ظَعَنِكم ويومَ إِقَامَتكم} قراركم من (1) منازلكم؛ والمعنى أنَّها خفيفة عَلَيكم فيِ أوقات السفر والحضر؛ عَلَى أنَّ «اليوم» بمعنى الوقت. {ومِن أصوافها} أصواف الضأن، {وأوبارها} أوبار الإبل، {وأشعارها} أشعار المعز، {أثاثا} أثاث البيت، {ومتاعا} وشَيْئًا ينتفع بِهِ {إِلىَ حِينَ (80)} مُدَّة مِنَ الزمان.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «في». (2/340)
صفحة 738
والله جعلَ لَكم مِمَّا خلقَ ظِلالا} كالأشجار والسقوف، تستظلُّون (لعلَّه) تحتها، {وجعلَ لَكم مِنَ الجبال أكنَانًا} جمع كِنٌّ، وَهُوَ مَا سترك من كهف وغار، {وجعل لكم سرابيلَ} هِيَ القمصان والثياب، من الصوف والكتَّان والقطن {تَقِيكُم الحَرَّ} وهي تَقِي البرد أَيْضًا، إِلاَّ أنَّه اكتفي بأحدِ الضدَّين، {وسرابيل تَقِيكم بأسكم} ودُرُوعا مِنَ الحديد تَردُّ عنكم سلاح عدوِّكم فيِ قتالكم؛ والبأس: شدَّة الحرِّ، والسِّربال: عامٌّ يقع عَلَى مَا كَانَ مِن حديد أو غيره، {كذلك يُتِمُّ نعمته عَلَيْكُم لَعَلَّكُم تُسلمُونَ (81)} أي: تنظرون فيِ نعمته الفائضة، فتؤمنون بِهِ وتنقادون لَهُ؛ وانظر مَا عدَّد هنا، وهي قليلة حقيرة مِمَّا أفاض عَلَى خلقه من نعمه الدينيَّة الدنيويَّة، وكلُّها تُسمَّى نعمة إِذَا أعانت وأوصلت إِلىَ النعمة الأبديَّة.
{فإن تولَّوا} أعرضوا عَن الإسلام {فَإِنَّمَا عليك البلاغُ الْمُبِين (82)} أي: عليك تبليغ الحجَّة، وَلاَ عليك تَبِعَة إن تولَّوا.
{يعرفون نعمةَ الله} التِي عدَّدناها بأقوالهم، فإنَّهم يقولون: إنَّها مِنَ الله تعالى، {ثمَّ يُنكِرونها} بأفعالهم، حيث عبدوا غير المنعم؛ وإنكارهم لها كُفرهم بها، والاستهانة بها، والاستخفاف بثوابها، والاستنقاص (لعلَّه) بفاعلها، وَلاَ يجوز أن ينتفع بشيء يُنكره؛ فمن ذَلِكَ (لعلَّه) استحالت النعمة فيِ حق (1). {وأكثرُهم الْكَافِرُونَ (83)} إمَّا بالقول أو بالنيَّة أو بالفعل، أو بأحدها، وحقُّ مَن عَرَفَ النعمةَ أن يَعتَرِفَ وَلاَ يُنكر.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ في العبارة سقطا. (2/341)
صفحة 739
ويوم نبعث مِن كُلِّ أُمَّةٍ شهيدا} مُحقًّا من نبيٍّ أو الإمام (1) أو عالم يشهد للمحقِّ بِالْحَقِّ، وَعَلَى المبطلِ بالباطل؛ {ثمَّ لاَ يُؤذَنُ للذين كَفَرُوا} فيِ الاعتذار، {وَلاَ هم يُستَعْتَبُونَ (84)} يُسترضون، أن لا يُقال لَهُم: ارضوا برَبّكُم، لأَنَّ الآخِرَة ليست بدار عمل.
{وإذا رأى الذِينَ ظَلَموا} أنفسَهم بالكفرِ {العذابَ، فلا يُخفَّف عَنْهُم وَلاَ هم يُنظَرُونَ (85)} وَلاَ هم يُمهلون.
{وإذا رأى الذِينَ أَشرَكوا شُركاءهم} أوثانهم التِي عبدوها، وَمَا أَحصى عَلَيْهِم فيِ الكتاب من أعمالهم القبيحة، لأَنَّهَا فيِ الحقيقة أوثان وشركاء لله، {قَالُوا: رَبَّنَا هَؤُلاَءِ شُرَكاؤُنا} أي: آلهتنا التِي جعلناها شُرَكَاء؛ وفي المعنى أنَّها تعمُّ جميع معاصي الله تعالى؛ {الذِينَ كُنَّا نَدعُو مِن دونك} أي: نعبدها ونعملُها، {فألقوا إِلَيْهِم القولَ إِنَّكُم لكاذبُونَ (86)} أي: أجابوهم [306] بالتكذيب فيِ تَسميَّتهم شركاء وآلهة، تنزيها لله مِنَ الشريك.
{وألقوا} يعني: الذِينَ أشركوا {إِلىَ الله يومئذٍ السلَمَ} إلقاء الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإيباء والاستكبار فيِ الدُّنْيَا، {وضلَّ عَنْهُم} وبَطلَ عَنْهُم {مَا كَانُوا يفترُونَ (87)} من أنَّ لله شُركاء بقولهم وفعلهم.
{الذِينَ كَفَرُوا وصدُّوا عَن سبيل الله} أي: حملوا غيرهم عَلَى الكفر {زدناهم عذابا فوق العذابِ} عذابا بالكفر، وعذابا بالصدِّ {بِمَا كَانُوا يُفسدُونَ (88)} مَا أصلحه الله وأنبياؤه وأهل دينه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «إمامٍ»، بالتنكير. (2/342)
صفحة 740
ويوم نَبعث فيِ كُلِّ أُمَّة شهيدا عَلَيْهِم مِن أنفسهم} هُوَ كلُّ إمام محقٍّ فيِ أمَّة {وجئنا بك شهيدا عَلَى هَؤُلاَءِ} عَلَى أُمَّتك {ونزَّلنا (1) عليك الكتاب تِبْيَانًا} بيانا بليغا {لِكُلِّ شَيْء} من أمور الدين والدُّنْيَا {وهدى ورحمة وبُشرى للمسلمِينَ (89)} ودلالةً إِلىَ الخلق، ورحمةً للمؤمنين، وبشارة بالجنَّة لَهُم.
{إنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل} وَهُوَ أن تُسوُّوا فيِ الحقوق فيما بينكم، وترك الظلم، وإيصال كلِّ ذي حقٍّ إِلىَ حقه، {والإحسان} بِأَن تُحسنوا إِلىَ أنفسكم بفعل الواجبات والمندوبات، (لعلَّه) وترك جميع المحرَّمات والمحجورات، واجتناب جميع السيِّئات، {وإيتاء ذي القربى} مَا يستحقُّ ويحسن، {ويَنهى عَن الفحشاء} عَن الذنوب المفرطة فيِ القبح، {والمنكر} مَا تُنكره العقول، {والبغي} طلب التطاول بالظلم والكبر؛ {يَعِظُكم لَعَلَّكُم تذكَّرُونَ (90)} تتَّعظون بمواعظ الله، وهذه عِظَة جامعة لِكُلِّ مأمور ومنهيٍّ.
{وأوفوا بعهد الله إِذَا عَاهدتُّم، وَلاَ تنقضوا الأَيمان بعد تَوكِيدِها} بعد توثيقها باسم الله، {وقد جعلتم الله عَلَيْكُم كفيلا} شاهدا ورقيبا، لأَنَّ الكفيل مُراعٍ لحال المكفول بِهِ، مهيمن عليه، {إنَّ الله يعلم مَا تفعلُونَ (91)}.
{__________
(1) - ... في الأصل «وأنزلنا» وَهُوَ خطأ. (2/343)
صفحة 741
وَلاَ تكونوا} فيِ نقضِ الأَيمان {كالتي نَقَضَت غَزلَها مِن بعدِ قوَّةٍ} كالمرأة الغازلة [ ... ] (1) بعد أن أحكمته وأبرمته {أنكاثا} جمع نكث، وَهُوَ ما ينكث فتله. قيل: هِيَ امرأة كَانَت حمقاء خرقاء، تغزل هِيَ وجواريها مِنَ الغداة إِلىَ الظهيرة، ثُمَّ تأمرهنَّ فينقضن مَا غزلن؛ والمعنى: أنَّها لم تكفَّ عَن الغزل، وَلاَ حين عَمِلَت كفَّت عَن النقض (لعلَّه) فتستريح؛ وهي كحمار الطاحونة الذِي يسير مِنْهُ [و] يجيء إِلَيْهِ؛ وذلك كلُّ عمل يعمله الإنسان مِنَ الطاعات، ثُمَّ يعقبها بالمعاصي فتُحبط بها، {تتَّخذون أيمانكم دَخَلا بينكم} أي: دخلا وخيانة وخديعة، والدخل: مَا يُدخل فيِ الشيء الفساد. وقيل: {أن تكون أُمَّة هِيَ أربى} أَزْيَد عددا، أو أوفر مالاً {من أُمَّة} من جماعة المؤمنين؛ {إِنَّمَا يبلوكم الله بِهِ} أي: إِنَّمَا يختبركم بكونكم أربى، لينظر أتتمسَّكون بحبل الوفاء بعهد الله، وَمَا وكَّدتم مِنَ أَيمانِ (2) البيعةِ لرسول الله والمؤمنين، أم تغترُّون بكثرة أهل الفسق وثروتهم، وقلَّة المؤمنين وفقرهم؛ {وليبيِّنَنَّ لكم يوم القيامة مَا كُنتُم فِيهِ تختلفُونَ (92)} فيِ الدُّنْيَا، وفيه تحذير عَن مخالفة ملَّة [307] الإسلام.
{ولو شاءَ الله لجعلكم أُمَّة وَاحِدَة} حنيفيَّة مسلمة، {ولكن يُضِلُّ من يَشَاء} مَن علِم مِنْهُ اختيار الضلال، {ويهدي مَن يَشَاء} مَن عَلِمَ مِنْهُ اختيار الهداية، {ولَتُسألنَّ عَمَّا كُنتُم تَعْمَلُونَ (93)} فيِ الدُّنْيَا، فتجازون عليه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا. وَفيِ تفسير الزمخشري: «كالمرأة التي أنحت عَلَى غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته {أنكاثا}». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 492.
(2) - ... في الأصل: «الأيمان»، بالتعريف، وهو خطأ. (2/344)
صفحة 742
وَلاَ تَتَّخِذُوا (1) أَيمانكم دخلاً بينكم} (لعلَّه) خديعة وفسادا، فتضرُّون بها الناس فيَشكُون، فسَيَكِنُّون (2) إِلىَ أيمانكم ويأمنونها ثُمَّ تنقضونها، {فتزِلَّ قَدَمٌ بعد ثُبُوتها} فتزلَّ أقدام عَن محجَّة الإسلام بعد ثُبوتها عليها، {وتذوقوا السوءَ} مَا يَسوؤكم فيِ الدُّنْيَا ولم توتحروا (3) عَلَيه، فيكون وبالا ومغرمًا وخسرانا عَلَيْكُم، خِلاف المؤمنين، لأَنَّهُم وَإِن نالَهُم مكروه، فذلك رفعٌ لدرجاتهم، فيصير نعمةً لَهُم خلاف الأَوَّلين. {بِمَا صَدَدتُّم} بصدودكم {عَن سبيل الله} وخروجِكم عَن الدين، {ولكم عذاب عظيم (94)} وَهُوَ العذاب الأكبر فيِ الآخِرَة.
{وَلاَ تَشتَروا} وَلاَ تستبدلوا {بعهد الله} بميثاقه {ثمنا قليلا} عَرَضا مِنَ الدنيا يسيرا، {إِنَّمَا عندَ الله} مِن رِزقه فيِ الدُّنْيَا، وثوابه فيِ العقبى {هُوَ خيرٌ لكم إن كُنتُم تَعْلَمُونَ (95)} أنَّ وعدَ الله آتٍ.
{مَا عندكم} من زُخرف الدُّنْيَا {يَنفدُ} وَلاَ تؤجرون عليه إِن توجَّه ذَلِكَ للمخالفين؛ وإن توجَّه للمؤمنين نقول: مَا فيِ أيديكم يجيء ويذهب، {وَمَا عند الله} مِن خزائن رحمته {باق} لاَ ينفد، {ولنجزِينَّ الذِينَ صبروا} عَلَى مَا أوجبه الله عَلَيْهِم مِن مشاقِّ التكليف، {أجرَهم بأحسنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96)}.
{__________
(1) - ... في الأصل «تتخذون» وَهُوَ خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، وَلَعَلَّهُ يقصد: فسيلتجئون.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تؤجروا». (2/345)
صفحة 743
مَن عَمِل صالحا مِن ذَكَرٍ أو أنثى وَهُوَ مُؤْمِن} شَرَطَ الإيمان لأَنَّ أعمالَ الفاسقين غير معتدٍّ بها، {فَلَنُحيِيَنَّه حياةً طيِّبة} بِمَدِّه بعقلٍ متبوع يميِّز به بين الحسن والقبيح من أمر الدُّنْيَا والآخِرَة. {ولنَجزينَّهم أجرهم بأحسنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} وعده الله ثواب الدُّنْيَا والآخِرَة، كقوله: {فآتاهم الله ثوابَ الدُّنْيَا وحسنَ ثواب الآخِرَة} (1) وذلك أنَّ المؤمن مَعَ العمل الصالح مُوسرا كَانَ أو مُعسرا يعيش عيشا طيِّبا، إن كَانَ موسرا فظاهر، وإن كَانَ مُعسرا فيُيَسّر لَهُ مَا يطيب عيشه، وَهُوَ القناعة والرضى بقسمة الله فِيهِ. {ومَن أعرض عَن ذكري فإنَّ لَهُ معيشة ضنكا} (2) أي: ضيِّقةً، كَانَ موسرا أو معسرا؛ وقيل: الحياة الطيِّبة: القناعة وحلاوة الطاعة، أو المعرفة بالله وصدق المقام مَعَ الله، وصدق الوقوف عَلَى أمر الله، والإعراض عمَّا سوى الله، وكلُّ ذَلِكَ من نتائج القلوب السليمة، وجميع الشرور من نتائج القلوب المريضة؛ فصحَّ مَعَ أهل العقول أنَّ خير الدُّنْيَا والآخِرَة: القلبُ السليم لصاحبه، وشرَّ الدُّنْيَا والآخِرَة: القلبُ المريض.
{__________
(1) - ... سورة آل عمران: 148؛ في الأصل: {فآتاهم الله ثوابَ الدُّنْيَا والآخِرَة}، وهو خطأ.
(2) - ... سورة طه: 124. (2/346)
صفحة 744
الكتاب: التفسير المُيسَّر
المؤلف: سعيد بن أحمد الكندي (1207هـ)
تحقيق: مصطفى بن محمد شريفي و محمد بن موسى باباعمي
بلد دار النشر: سلطنة عُمان
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
[مبوب]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) فإذا قرأتَ القرآنَ فاستعِذْ بالله مِنَ الشيطانِ الرجيم (98)} (لعلَّه) قيل: هَذَا فيِ الصلاة، أي: إِذَا قرأت القرآن وأنت فيِ الصلاة فأنصِت واستعذ بالله مِنَ الشيطان ومن وساوسه، لأَنَّهُ موضع المناجاة لله تعالى. (لعلَّه) أمر الله بالاستعاذة مِنْهُ باللسان، وصيانة القلب (لعلَّه) عَن وساوسه، (لعلَّه) وحفظ الجوارح عَن العيب، (لعلَّه) ويخرج معنى آخر: أي أنَّك إِذَا قرأت القرآن، المعنى: إِذَا عملت بِمَا فِيهِ فاستعذ بالله، لأَنَّهُ فيِ ذَلِكَ الحين تنفع الاستعاذة مِنْهُ، [308] لقوله تعالى: {إِنَّهُ ليس لَهُ سلطان عَلَى الذِينَ آمنوا وعلى ربِّهم يَتَوَكَّلُون، إِنَّمَا سلطانه عَلَى الذِينَ يَتَوَلَّونه} استعاذوا مِنَ الشيطان بلسانهم أم لاَ، فإنَّ ذَلِكَ هذيان، ودعاؤهم غير مستجاب، لقوله: {وَمَا دُعاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فيِ ضلال} (1) والاستعاذة دعاء، وفي الحقيقة من قرأه ولم يعمل بِمَا فِيهِ فكأنَّه لم يقرأه. {إِنَّهُ ليس لَهُ سلطان} تسلُّط وولاية {عَلَى الذِينَ ءامنوا} عَلَى المقبلين عَلَى صلاتهم، {وعلى ربِّهم يتوكَّلُونَ (99)} فالمؤمن المتوكِّل لاَ يقبل مِنْهُ وساوسَه بالمتابعة، وَأَمَّا زوالها من قلبه فلا يُقدَر عليه، وَلاَ تضرُّه، وتنفعه، إذ يصير مجاهدا بذلك.
{إِنَّمَا سلطانه عَلَى الذِينَ يتولَّونه} يتَّخذونه وليًّا، ويتَّبعون وساوسه، {وَالذِينَ هم بِهِ مشركُونَ (2) (100)} الضمير يعود إِلىَ ربِّهم، وإلى الشيطان أي: بسببه، وَالذِينَ هم بأجله مشركون بالله.
{__________
(1) - ... سورة الرعد: 14.
(2) - ... في الأصل: «يشركون»، وهو خطأ. (2/347)
صفحة 745
وإذا بدَّلنا آية مكَانَ آية} تبديل الآيَة مكَانَ الآيَة هُوَ النسخ، وَاللهُ تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لحكمة (لعلَّه) عَلِمَها، وَهُوَ معنى قوله: {والله أَعلم بِمَا ينزِّل، قَالُوا: إِنَّمَا أنت مُفتَر} فتختلق، وذلك أنَّ المشركين قَالُوا: إنَّ محمَّدا سحرنا بأصحابه (1)، يَأْمُرُهم بأمر، ثُمَّ ينهاهم عَنْهُ غدا، إن هُوَ إِلاَّ مُفتر مِن تلقاء نفسه. قَالَ الله: {بَل أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ (101)}.
{قل: نزَّله روح القدس} أي: جبريل - عليه السلام -، أضيف إِلىَ القدس وَهُوَ الطهر مِنَ المآثم، {من رَبِّكَ بِالْحَقِّ} مُلتبسا بالحكمة، {ليثبِّت الذِينَ آمنوا} ليبلوهم بالنسخ، حتَّى إِذَا قَالُوا فِيهِ هُوَ الحقُّ مِن رَبِّنَا، حكم لَهُم بثبات القَدَم، وصِحَّة اليقين، واطمئنانيَّة القلوب؛ {وهدى وبشرى} تقديره تثبيتا لَهُم، وإرشادا وبشارة {للمسلمِينَ (102)} وفيه تعريض بحصول أضداد هَذِهِ الخصال لغيرهم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «سخر بأصحابه». (2/348)
صفحة 746
وَلَقَد نعلمُ أَنَّهُمْ يقولون: إِنَّمَا يعلِّمه بَشَرٌ} قيل: أرداوا بِهِ غلاما كَانَ لِحُويطِب قد أسلم وحسن إسلامه اسمه “عائش”، وكَانَ صاحب كتب؛ أو هُوَ “جبر” غلامٌ روميٌّ؛ أو عبدان: جبر ويسار كانا يقرآن التَّوْرَاة والإِنجِيل، وكَانَ رسول الله يسمع مَا يقرآن، قَالَ الله تكذيبا لَهُم: {لسان الذِي يُلحِدُون إِلَيْهِ} (لعلَّه) بالدعوى، {أعجميٌّ}: الذِي لاَ يفصح، وإن كَانَ ينزل البادية، والعجميُّ: منسوب إِلىَ العجم وإن كَانَ فصيحا، والأعرابيُّ: البدويُّ، العربيُّ: منسوب إِلىَ العرب وإن لم يكن فصيحا. {وهذا لسان عربيٌّ مبِين (103)} أي: لسانُ الرجلِ الذِي يميلون قولهم عَلَى (1) الاستقامة إِلَيْهِ لسان (لعلَّه) عجميٌّ غير بَيِّن، وهذا القرآن لسان عربيٌّ مبين، ذو فصاحة وبيان، (لعلَّه) معناه: يفهمونه وَلاَ يذهب عَنْهُم مِنْهُ شيء، ردًّا لقولهم، وإبطالا لطعنهم.
{إنَّ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله لاَ يهديهم الله} مَا داموا مختارين الكفر، {ولهم عذاب أليم (104)} فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{إِنَّمَا يفتري الكذبَ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله} أي: إِنَّمَا يليق افتراء الكذب لمن لاَ يُؤْمِنُ، لأَنَّهُ لاَ يترقَّب عقابا عليه، وَهُوَ ردٌّ لقولهم: {إِنَّمَا أنت مفترٍ} (2). {وأولئك هُمُ الكاذبُونَ (105)} عَلَى الحقيقة.
{من كَفَرَ بالله مِن بعد إيمانه [309] إِلاَّ مَن أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} ساكن بِهِ؛ {ولكن مَن شَرَحَ بالكفر صَدرًا} أي: فتح صدره بالكفر، أي: بالقبول والاعتقاد واختاره، {فعليهم غضب مِنَ الله، ولهم عذاب عظيم (106)} فيِ الدارين.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عن». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 495.
(2) - ... سورة النحل: 101. (2/349)
صفحة 747
ذَلِكَ} إشارة إِلىَ الوعيد، وَهُو لحوق الغضب والعذاب العظيم. {بأنَّهم استحبُّوا} آثروا {الحياةَ الدنيا عَلَى الآخِرَة} أي: بسبب إيثارهم الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَة، ولو فيِ حرف وَاحِد مِنَ الباطل. {وأنَّ الله لاَ يهدي القومَ الْكَافِرِينَ (107)} مَا داموا مختارين الكفر.
{أُولَئِكَ الذِينَ طَبَع الله عَلَى قلوبهم وسمعِهم وأبصارِهم} فلا يتدبَّرون ويُصغون إِلىَ المواعظ، وَلاَ يُبصرون طريق الرشاد. {وأولئك هُمُ الغافلُونَ (108)} الكاملون فيِ الغفلة عَن تدبُّر العواقب، [و] هِيَ غاية الغفلة ومنتهيها (1).
{لاَ جرم أَنَّهُمْ فيِ الآخِرَة هُمُ الخاسرُونَ (109) ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ للذين هاجَروا مِن بعدِ مَا فُتِنُوا} بالعذاب، {ثمَّ جاهَدوا وصَبَروا، إنَّ رَبَّكَ من بعدِها لغَفُورٌ رحيم (110)}.
{يوم تأتي كُلُّ نفسٍ تُجادِلُ عَن نفسِها} وإنَّما أضيفت النفس إِلىَ النفس، لأَنَّهُ يقال لعين الشيء وذاته: نفسه، وفي نقيضه: غيره، و «النفس» الجملة كما هِيَ؛ فالنفس الأولى: هِيَ الجملة (2)، والثانية: عينها وذاتها؛ فكأنَّه قيل: «يومَ يأتي كلُّ إنسان يجادل عَن ذاته، لاَ يهمُّه شأن غيره، كلٌّ يقول: نفسي نفسي». ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها، كقوله: {هؤلاء أضلُّونا} (3)، {رَبَّنَا إِنَّا أطعنا سادتَنَا وكُبراءنا} (4)، {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مشركين} (5)، {يوم يبعثهم الله جميعا فيَحلِفون لَهُ كما يحلفون لكم} (6) الآيات ... {وتوفَّى كُلُّ نفس مَا عملت} يُعطى جزاء عملها وافيا، {وَهُم لاَ يُظلمُونَ (111)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «منتهاها». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 497.
(2) - ... كذا في الأصل، ونفس العبارة نجدها عند الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 497.
(3) - ... سورة الأعراف: 38.
(4) - ... سورة الأحزاب: 67.
(5) - ... سورة الأنعام: 23.
(6) - ... سورة المجادلة: 38. (2/350)
صفحة 748
وضرب الله مثلا قريةً} أي: جعل الله القرية التِي هَذِهِ حالها مَثَلا لِكُلِّ قوم أنعم الله عَلَيْهِم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولَّوا، فأنزل الله بهم نقمته؛ فيجوز أن يراد قرية مقدَّرة عَلَى هَذِهِ الصفة، أو أن تكون في قرى الأَوَّلين قريةٌ كَانَت هَذِهِ حالها، فضربها الله مثلا (لعلَّه) لِكُلِّ نفس عَلَى حدَة، إنذارًا لَهُ من مثل عاقبتها. {كَانَت آمنة} مِمَّا يُخاف مِنْهُ، {مطمئنَّة} لاَ يُزعجها خوف، لأَنَّ الاطمئنانيَّة مَعَ الأمن، والانزعاجَ والقلقَ مَعَ الخوف. {يأتيها رزقُها رَغَدا} واسعا {من كُلِّ مكان} من كلِّ حال من أسباب الرزق. {فكفَرَتْ} أهلها {بأنعم الله} (لعلَّه) فلم تستعمل بِمَا (1) أنعم الله عليها فيِ الحقِّ. {فأذاقها اللهُ لباسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُوا يصنعُونَ (112)} فأذاقهم مَا غشيهم مِنَ الجوع والخوف.
{وَلَقَد جاءهم رسول مِنْهُم} (لعلَّه) {فكذَّبوه فأخذهم العذاب وَهُم ظالِمُونَ (113)} أي: فيِ حال التباسِهِم بالظلم.
{فكلوا مِمَّا رزَقَكم الله حلالا طيِّبا واشكروا نعمةَ الله إن كُنتُم إِيَّاهُ تعبدُونَ (114)} (لعلَّه) تحذير عَن مَا أصاب أهل القرية.
{إِنَّمَا حرَّم عَلَيْكُم الميتَة والدمَ ولحمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لغير الله بِهِ} أي: وَمَا ذُكر بالمذبوح لغير الله؛ {فمن اضطُرَّ غير باغ وَلاَ عاد فإنَّ الله غَفُور رحيم (115)}.
{وَلاَ تقولوا لِمَا تصف ألسنتكم الكذبَ} أي: وَلاَ تقولوا الكذب [310] لمَا تصفه ألسنتكم مِنَ البهائم وغيرها بالحِلِّ والحِرمة، {هَذَا حلال وهذا حرام} بغير حُجَّة، {لتفتروا عَلَى الله الكذبَ، إنَّ الذِينَ يفترون عَلَى الله الكذب لاَ يفلحُونَ (116) متاعٌ قليل ولهم عذاب أليمٌ (117)} أي: منفعتهم فيما هم عليه مِنَ الجاهليَّة منفعة قليلة لأَنَّهَا زائلة، وعذابها عظيم؛ أو متاع قليل ممزوج بعذاب أليم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ما». (2/351)
صفحة 749
وعلى الذِينَ هادوا حرَّمنا مَا قصصنا عليك مِن قبلُ، وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُوا أنفسهم يظلمُونَ(118)، ثُمَّ إنَّ رَبّكَ للذين عملوا السوء بجهالة} أي: عملوا السوء جاهلين غير متدَبِّرين للعاقبة لغلبة الشهوة عَلَيْهِم، ومرادهم لذَّة الهوى؛ {ثمَّ تابوا من بعدِ ذَلِكَ وأصلحوا} مَا أفسدوه، {إنَّ رَبَّكَ من بعدِها} من بعد التوبة {لغَفُور رحيم(119)}.
{إنَّ إبراهيمَ كَانَ أُمَّة} إِنَّهُ كَانَ وحده أمَّة مِنَ الأمم، لكماله فيِ صفات الخير، وليس مِنَ الله بِمُستنكَر أن يجمع العالَمَ فيِ واحد. وعن مجاهد: «كَانَ مؤمنا وحده والناس كلُّهم كفَّار»، أو كَانَ أمَّة يعنى: مأموم، أي: يَؤمُّه الناس ليأخذوا مِنْهُ الخير، وكَانَ إماما للنَّاس كَافَّة لمن ائتمَّ بِهِ، {قانتا لله} هُوَ القائم بِمَا أمره الله، {حنيفا} مَائلا عن الأديان كلِّها إِلىَ ملَّة الإسلام، {ولم يَكُ مِنَ المشركِينَ(120)} نفَى عَنْهُ جميع الشرك.
{شاكرا لأنعُمِه} مطيعا بجميع مَا خُوِّل مِنَ النعم، {اجتباه} اختصَّه واصطفاه للنبوَّة، {وهداه إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم(121)} إِلىَ ملَّة الإسلام.
{وآتيناه فيِ الدُّنْيَا حسنة} توفيقا لصالح الأعمال. {وَإِنَّهُ فيِ الآخِرَة لَمِن الصالحِينَ(122)} لَمِن أهل الجنَّة.
{ثُمَّ أوحينا إليك أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيم حنيفا وَمَا كَانَ مِنَ المشركِينَ(123)}. فيِ «ثُمَّ» تعظيمُ منزلةِ نبيِّنا - عليه السلام - ، وإجلالُ محلَّه، والإئذانُ بِأَنَّ مَا أوتي خليلُ الله مِنَ الكرامةِ: اتِّباع رسولِنا ملَّتَه.
{إِنَّمَا جُعِلَ السبتُ عَلَى الذِينَ اختلفوا فِيهِ} أي: فُرِض عَلَيْهِم تعظيمه، وترك الاصطياد فِيهِ. {وإنَّ رَبَّكَ لَيحكم بَيْنَهُم يومَ القيامة فيما كَانُوا فِيهِ يختلفُونَ(124)}.
{ (2/352)
صفحة 750
ادعُ إِلىَ سبيل رَبِّكَ} إِلىَ الإسلام {بالحكمة} بالمقالة الصحيحة المحكمة، وهي الدليل الواضح للحقِّ المزيل للشُّبهة. {والموعظة الحسنة} وهي التِي لاَ يخفى عَلَيْهِم أنَّك تناصحهم بها، وتقصدهم مَا ينفعهم بها، أو بالقرآن، أي: ادعهم بالكتاب الذِي هُوَ حكمة وموعظة حسنة، أو الحكمة: المعرفة بمراتب الأفعال، والموعظة الحسنة: أن يخلط الرغبة بالرهبة، والإنذار بالبشارة. {وجادِلْهم بالتي هِيَ أحسنُ} بالطريقة التِي هِيَ أحسن طريقٍ المجادلة، مِنَ الرفق واللين من غير فظاظة؛ أو بِمَا يوقظ القلوب، ويعظ النفوس، ويجلو القلوب. {إنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلمُ بمن ضلَّ عَن سبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدِينَ (125)} أي: هُوَ أعلم بهم، فمن كَانَ فِيهِ خير كفاه الوعظ القليل، ومن لاَ خير فيه عجزت عَنْهُ الحيل.
{وإن عاقبتم فعاقِبوا بمثلِ مَا عُوقبتم بِهِ} سُمِّي الفعل الأوَّل عقوبة، والعقوبة هِيَ الثانيَّة لازدواج الكلام، كقوله: {وجزاء سيِّئةٍ سيِّئةٌ مثلُها} (1) وإن كَانَت الثانية ليست بسيِّئة، {ولئن صبرتم لَهوَ خيرٌ للصابرِينَ (126)} عَن المجازاة، فالصبر أفضل، والمجازاة بِالْحَقِّ جائزة.
{واصبر وَمَا صبرُك إِلاَّ بالله} أي: بتوفيقه وتثبيته، {وَلاَ تحزنْ عليهم} إن لم يؤمنوا، {وَلاَ تكُ فيِ ضيقٍ مِّمَّا يَمكُرُونَ (127)} (لعلَّه) فيِ ضيق صدرك مِمَّا يعصون، {إِنَّ اللهَ مَعَ الذِينَ اتَّقُوا} المعاصي، {وَالذِينَ هم محسنُونَ (128)} للعمل.
سورة الإسراء
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... سورة الشورى: 40. (2/353)
صفحة 751
سبحان} تنزيه لله عَن العدول بِهِ إِلىَ غيره، تقديره سبِّحوا الله، {سبحان الذِي أسرى بعبده ليلا مِنَ المسجد الحرام} قيل: أسرى بجسده، وقيل: بروحه، {إِلىَ المسجد الأقصى} قيل: هُوَ بيت المقدس، وسُمِّي أقصى لأَنَّهُ أبعد المساجد التي تُزار. {الذِي بارَكْنا حولَه} يريد بركات الدين والدُّنْيَا. {لِنُرِيَه من آياتنا} بعض آياتنا التِي بِهِ الدالَّة (1) عَلَى وحدانية الله. {إِنَّهُ هُوَ السميع البصير (1)}.
{وآتينا موسى الكتابَ وجعلناه هُدًى لبَنِي إِسْرَائِيلَ، ألاَّ تتَّخذوا مِن دوني وكيلا (2)} ربًّا يَكِلون إِلَيْهِ أمورهم، وقيل: الكفيل، وقيل: الكافي.
{ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلنا مَعَ نوح، إِنَّهُ كَانَ} موسى {عبدا شكورا (3)} فيِ مَا يسرُّه ويضرُّه، (لَعَلَّهُ) كَانَ إِذَا أناله الله نعمة حَمِدَه، وإذا صرف عَنْهُ سوءًا حَمِده.
{وقضينا إِلىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فيِ الكتاب} (لَعَلَّهُ) قضاء قَدَر ومشيئة، لاَ قضاء (لَعَلَّهُ) أمر، يدلُّ عَلَى أنَّهم لم يهتدوا بالكتاب الذِي أوتي موسى. {لَتُفسِدُنَّ فيِ الأَرْض مَرَّتين ولَتَعلُنَّ عُلوًّا كبيرا (4)} ولتستكبرنَّ عَن طاعة الله، من قوله: {إنَّ فرعونَ علا فيِ الأَرْض} (2) والمُرَاد بِهِ: البغي والظلم، وغلبة المفسدين فيِ الأَرْض.
{فإذا جاء وعدُ أُولاَهما} (لَعَلَّهُ) وعد الأولى مِنَ المرَّتين، {بعثنا عليكم} سلَّطنا عَلَيْكُم {عبادا لَنَا أُولي بأس شديد} قيل: بعث عليهم أهل الشرك مِنَ الروم، فأحرقوا وقَتَلوا، وأحرقوا التَّوْرَاة، (لَعَلَّهُ) عقوبة لفسادهم فيما قيل. {فجاسوا} (لَعَلَّهُ) أي دخلوا {خلال الديار} (لَعَلَّهُ) فُروجها. {وكَانَ وعدا مفعولا (5)} (لَعَلَّهُ) لأَنَّهُ لاَ يجوز عليه الخلف.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بها الدلالة».
(2) - ... سورة القصص: 4. (2/354)
صفحة 752
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكم الكَرَّةَ} أي الدولة والغلبة، (لَعَلَّهُ) كركره: أعاد مرَّة بعد أُخْرَى (1)، {عليهم} (لَعَلَّهُ) عَلَى الذين بعثهم عليهم، {وأمددناكم بأموالٍ وبنينَ} (لَعَلَّهُ) أخلف عَلَيْهِم بعدما ذهب عَلَى أيدي مَن بعثهم عليهم. {وجعلناكم أكثرَ نفيرا (6)} مِمَّا كُنتُم، وَهُوَ مَن ينفر مع الرجل مِن قومه.
{إن أحسنتم} بعدما يسَّر لكم أسبابه {أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها} يعني: أنَّ الإحسان أو الإساءة مختصٌّ بأنفسهم، لاَ يتعدَّى النفع والضرُّ إِلىَ غيركم؛ وقيل عَن عليٍّ: «مَا أحسنتُ إِلىَ أحد، وَلاَ أسأتُ إِلَيْهِ» وتلاها (2). {فإذا جاء وعدُ الآخِرَة} (لَعَلَّهُ) مِنَ المرَّتين بعثناهم ثانية، {لِيَسُوئُوا} أي: هؤلاء {وجوهَكم} بِمَا يُصيبهم، {ولِيَدخلُوا المسجد كما دخلوه أَوَّل مرَّة، وليُتبِّروا مَا عَلَوا تتبيرا (7)} أي: يهلكوا كلَّ شيء غلبوه واستولوا عليه.
{عسى رَبّكُم أن يَرحَمَكم} بعد المرَّة الثانية إن تبتم توبة أُخْرَى، وانزجرتم عَن المعاصي، {وإن عُدتم} مرَّة ثالثة {عُدنا} إِلىَ عقوبتكم، (لَعَلَّهُ) وكذلك فيِ الرابعة إِلىَ مَا بعدها. {وجعلنا جَهَنَّم للكَافِرِينَ حصيرا (8)} محبسا ومأوى.
{إنَّ هَذَا القرآن} (لَعَلَّهُ) يعني: الذِي أُنزل فيِ هَذِهِ السورة أو جملته. {يهدي للتي هِيَ أقومُ} للحالة التِي هِيَ أقوم الحالات عَن الاعوجاج، وأسدُّها وأسلمها للدين والدُّنْيَا، وهي توحيد الله، والعمل بمقتضاه [312] (لَعَلَّهُ) بعد تدبُّرهم للآيات، ويعملون بمقتضاها. {ويبشِّر المؤمنين الذِينَ يَعْمَلُونَ الصالحات أنَّ لَهُم أجرا كبيرا (9)}.
{__________
(1) - ... في اللسان: «كركره: أعاده مرَّة بعد أُخْرَى». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 240؛ مادَّة «كرر».
(2) - ... الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 507. (2/355)
صفحة 753
وأنَّ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة} (لَعَلَّهُ) ويحتمل: يريد بِهِ التذكُّر بِمَا وقع مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ وعليهم، {أعتدنا لَهُم عذابا أليما (10)} فيِ الدارين.
{ويَدْعُ الإنسانُ بالشرِّ دُعاءَه بالخير} أي: ويدعو الله عند غضبه بالشرِّ عَلَى نفسه وأهله وماله، كما يدعو لَهُم بالخير؛ أو يطلب النفع العاجل وإن قلَّ، بالضرر الآجل وإن جلَّ، {وكَانَ الإنسان عجولا (11)} يتسع (1) إِلىَ طلب كلِّ مَا يقع فيِ قلبه، وَلاَ يتأنَّى فِيهِ تأنِّي المتبصِّر؛ أو أُريدَ بالإنسان: الكافر، وأنَّه يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل بِهِ، كما يدعو بالخير إِذَا مسَّته الشدَّة، {وكَانَ الإنسان عَجولا} يعني أنَّ العذاب آتيه لاَ محالة.
{وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آيةَ الليل، وجعلنا آية النهار مُبصِرَة لتبتغوا فضلا من رَبِّكم} لتتوصَّلوا ببياض النهار إِلىَ التصرُّف فيِ قضاء حوائجكم؛ {ولتعلموا} باختلاف الجديدين، {عددَ السنين والحسابَ} حساب الآجال، ومواسم الأعمال؛ ولو كَانَ مِثلَين لَمَا عُرف الليل مِنَ النهار. {وكلَّ شيء} مِمَّا تفتقرون إِلَيْهِ مِن دينكم ودنياكم {فصَّلناه تفصيلا (12)} بيَّنَّاه بيانا غير ملتبس، فأزحنا عللكم.
{وكلَّ إنسان ألزمناه طائره فيِ عنقه} قَالَ أهل المعاني: أَرَادَ بالطائر الحظَّ، وَمَا قضى عليه أنَّه عامله، وَمَا هُوَ صائر إِلَيْهِ من سعادة أو شقاوة؛ وخصَّ العنق من سائر الأعضاء، لأَنَّهُ موضع القلائد والأطواق وغيرهما، مِمَّا يزيِّنه ويشينه. {ونُخرج لَهُ يوم القيامة كِتَابًا يَلقاه منشورا (13)} غير مَطويٍّ، لتتأتَّى لَهُ قراءته، ويقول لَهُ:
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب ما في تفسير الزمخشري: «يتسرَّع». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 508. (2/356)
صفحة 754
اقرأ كتابَك} يعني: كِتَاب أعمالك؛ {كفى بنفسك اليومَ عليك} أي: كفى نفسُك {حسيبا (14)} مُحاسبا. قَالَ الحسن: «لَقَد عدل عليك مَن جعلك حسيب نفسك» (1)، ليكون شاهدا لها وعليها، لرؤية الخلائق للحقائق عين اليقين، وإِقْرَار المنكرين لِمَا أنكروه.
{مَن اهتدى فَإِنَّمَا يهتدي لنفسه، ومن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عليها} أي: فلها ثواب الاهتداء، وعليها وَبالُ الضلال. {وَلاَ تزرُ وازِرة وِزرَ أُخْرَى} أي: كلُّ نفس حاملة وزرا، فإنَّما تحمل وزرها لاَ وزر نفس أُخْرَى. {وَمَا كُنَّا مُعذِّبين} فيِ الدُّنْيَا أو الآخِرَة، {حَتَّى نبعثَ رسولا (15)} وَمَا صحَّ مِنَّا أن نُعذِّب قوما إِلاَّ بعد قيام الحجَّة، (لَعَلَّهُ) وفيه دَلِيل عَلَى [أنَّ الـ]ـحُجَّة السمعيَّة لاَ تجب إِلاَّ بالسمع.
{وإذا أردنا أن نُهلِك قريةً} أي: أهلها، {أَمَرنا مُترفيها} مُتنعِّميها وجبابرتها بالطاعة، {ففَسَقوا فِيهَا} أي: خرجوا عَن الأمر، {فحقَّ عليها القول فدمَّرناها (2) تدميرا (16) وكم أهلكنا مِنَ القرون من بعدِ} قوم {نوح وكفى برَبِّكَ بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17)}.
{مَن كَانَ يُريد العاجلة عجَّلنا لَهُ فِيهَا مَا نشاء} لاَ مَا شاؤوه، {لمن نُريد} (لَعَلَّهُ) لأَنَّهُ لاَ تزيده إرداته هُوَ شَيْئًا مِنَ الرزق، وَلاَ تدفع عَنْهُ شَيْئًا مِنَ الضرِّ، بَل تُورثُه خذلانًا فيِ الدُّنْيَا وعَذابًا فيِ الآخِرَة؛ وترى كثيرًا من هؤلاء يتَمَنَّون مَا يَتَمنَّون، وَلاَ يُعطون إِلاَّ البعض؛ فاجتمع عَلَيْهِم [313] فقر الدُّنْيَا والآخِرَة، والمؤمن بالعكس. {ثمَّ جعلنا لَهُ جَهَنَّم يصلاها مَذْمُوما مَدْحُورا (18)} مطرودًا مبعودًا من رحمة الله.
{__________
(1) - ... «لَقَد أنصفك واللهِ مَن جعلك حسيب نفسك» هكذا أوردها الزمخشري في الكشَّاف، 2/ 509.
(2) - ... في الأصل: «فدمَّرناهم» وهو خطأ. (2/357)
صفحة 755
ومن أَرَادَ الآخِرَة وسَعَى لها سعيها} أي: مَا تستحقُّ مِنَ السعي، ويعمل لها لِمَا قُدِّر لَهُ منها، {وَهُوَ مُؤْمِن} مُصدِّق لله فيِ وعدِه ووعيدِه، {فأولئك كَانَ سعيهم مشكورًا (19)} مقبولاً عند الله، مُثابًا عليه. عَن بعض السلف: «من لم يكن معه ثلاث، لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونيَّة صادِقَة، وعمَل مُوافق»، وتَلا الآيَة.
{كُلاًّ نُّمِدُّ هؤلاء وهؤلاء} أي: من أَرَادَ العاجلة أو الآخِرَة، {مِن عطاء ربِّك} أي: مضَت سنَّته عَلَى أنَّ مَن أَرَادَ العاجلةَ يسَّر لَهُ أساها (1) ومَن أَرَادَ (لَعَلَّهُ) الآخِرَة (2). {وَمَا كَانَ عطاء رَبِّكَ محظورا (20)} (لَعَلَّهُ) أي: جعل أن يختاروا مَا يشاؤوا (3)، (لَعَلَّهُ) من الإرادتين، (لَعَلَّهُ) لقوله: {لمن (4) شاء منكم أن يستقيم} (5)، ثُمَّ قَالَ: {وَمَا تشاؤون إِلاَّ أن يَشَاء الله ربُّ الْعَالَمِينَ} (6).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أسبابها».
(2) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة نقصا، تقديره: «يسَّر لَهُ أسبابها كذلك».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يشاؤون»، والعبارة كلُّها غير مستقيمة التركيب.
(4) - ... في الأصل: «فمن»، وهو خطأ.
(5) - ... سورة التكوير: 28.
(6) - ... سورة التكوير: 29. (2/358)
صفحة 756
انظر كيف فضَّلنا بعضَهم عَلَى بعضٍ} (لَعَلَّهُ) أي: بين من يُسِّرت لَهُ أعمال الدُّنْيَا وأسبابها، وبين من يُسِّرت لَهُ أعمال الآخِرَة وأسبابها، عدلا مِنْهُ لهؤلاء، وفضلا لهؤلاء، {ولَلآخرة أكبرُ درجاتٍ وأكبرُ تفضيلا (21)} من تفضيل الدُّنْيَا. وتراهم فيِ الدُّنْيَا، فمنهم من يمشي عَلَى أمِّ رأسه مُكبًّا عَلَى وجهه، ومنهم من يطير فيِ ساعته (1) مُرتقيا إِلىَ أعالي الدرجات مسيرة آلاف؛ وكلُّ ذَلِكَ تَفَضُّل مِنَ الله تعالى عَلَى بعض خلقه، وعدل مِنْهُ لبعض؛ وتفضيلهم فيِ الآخِرَة أكبر من هَذَا كما قَالَ، لأَنَّ هَذَا تفضيل بالأعمال، وذاك بالجزاء، وقِس مَا بينهما إن [كان] لك قلب سليم.
ثُمَّ حضَّ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - عَلَى طلب الآخرة بقوله: {لاَ تجعل مَعَ الله إلها آخر} وذلك مَعَ أهل المعاني: اكتساب السيِّئة بعدَ قيام الحجَّة عليه بها، {فتقعد مذموما} مستحقَّ الذمِّ، غير محمود مَعَ الله ومع أهل دينه؛ والذمُّ: نقيض المدح، {مخذولا (22)} لاَ ترتقي إِلىَ الخير درجة، وَلاَ تَتَخطَّى نحو السلامة خُطوة، كبَّلتك خطيئتك.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «سَعَتِه». (2/359)
صفحة 757
وقضى رَبُّكَ} وحَكَمَ حُكما مقطوعا بِهِ، {ألاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ} أي: لاَ تعبدوا معه شيطانا وَلاَ نفسا وَلاَ هوى وَلاَ خلقا؛ {وبالوالدين إحسانا} وأحسنوا بهما إحسانا، {إِمَّا يبلُغَنَّ عندك الكِبَرَ} لأنَّهما فيِ حال الكبر يتسارع إِلَيْهِما الضعف، و [هما] إلى الإحسان أحوج. {أحدُهما أو كلاهما، فلا تقل لهما: أُفٍّ} عند التضجُّر منهما، فما دونه مِنَ العقوق (1)، {وَلاَ تنهرهما} وَلاَ تزجرهما عَمَّا يتعاطيانه مِنَ المباح؛ والنهر والنهي أخوان، {وقل لهما} بَدَلَ التأفيف والنهر، {قولاً كريمًا (23)} جميلا ليِّنا كما يقتضيه حُسن الأدب؛ وفائدة المعنى: أَنَّهُمَا إِذَا صارا كَلاًّ عَلَى ولدهما، وَلاَ كافل لهما غيره، فهما عنده فيِ بيته وعياله، وذلك أشقُّ عليه، فهو مأمور بأن يستعمل معهما حُسن الخلق، حتَّى لاَ يقول لهما إِذَا أضجره مَا يَستقذره منهما: أُفٍّ، فضلا عمَّا يزيد عليه؛ وَلَقَد بالغ سبحانه فيِ التوصِيَة بهما، حيث افتتحها بِأَن شفع الإحسان إِلَيْهِما بتوحيده؛ ثُمَّ ضيَّق الأمر فيِ مراعاتهما حتَّى لاَ يُرخَّص فيِ أدنى كلمة تنفلت مِنَ التضجُّر، ومع أحوال لاَ يكاد يصبر الإنسان معها.
{واخفض لهما جناحَ الذلِّ مِنَ الرحمة [314] وقل: ربِّ ارحمهما كما ربَّياني صغيرا (24)} وَلاَ تكتفِ برحمتك عليهما التِي لاَ بقاء لها، وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذَلِكَ جزاءً لرحمتهما عليك فيِ صِغَرِك، وتربيتهما لك إن كانا صالحين.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، و يبدو أنَّ في العبارة سقطا، تقديره: «فما دونه مِنَ العقوق أولى». (2/360)
صفحة 758
رَبُّكُم أعلم بِمَا فيِ نفوسكم} لِمَا فيِ ضمائركم مِنَ التوحيد والإحسان بالوالدين، وبعكس ذَلِكَ، {إن تكونوا صالحين} غير مفسدين، (لَعَلَّهُ) مُعتقدين فيِ أنفسكم أداء الواجبات، واجتناب المحرَّمات. {فَإِنَّهُ كَانَ للأوَّابين غَفُورا (25)} الأوَّاب: الذِي إِذَا أذنب بَادَر إِلىَ التوبة.
{وآتِ ذا القربَى حقَّه} كما يجب بالشرع والعقل، وكلُّ وَاحِد مِنْهُم لَهُ حقٌّ غير حقِّ الآخر، {والمسكينَ وابنَ السبيل} أي: وآت هؤلاء حقوقهم الواجبة عليك، {وَلاَ تبذِّر تبذيرا (26)}، التبذير: تفريط المال في غير الحلِّ والمحلِّ؛ وقد قيل: «كُلُّ نفقة في غير حقِّ الله فهي تبذير». وإن قلت: وليجتهد المريد حَتَّى (لَعَلَّهُ) لا يميل إلى طرف التقتير والتبذير، ويعلم الله مِنْهُ سلامته منهما (1).
{إنَّ المبذِّرين كَانُوا إخوانَ الشياطين} أمثالهم فيِ الشرارة والتجاوز فيِ الحدود، وَهُوَ غاية المذَمَّة، وأنَّه لاَ أَشرَّ مِنَ الشيطان؛ أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم، لأَنَّهُم يطيعونهم فيِ مَا يَأْمُرُونهم بِهِ مِنَ التبذير والإسراف، {وكَانَ الشيطان لربِّه كفورا (27)} فما ينبغي أن يُطاع، لأَنَّهُ لاَ يدعو إِلاَّ إِلىَ مثل فعله.
{وإمَّا تُعرِضَنَّ عَنْهُم} وإن أعرضت عَن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء مِنَ الردِّ إن سألوك رزقا وأنت مُعدَم، {ابتغاءَ رحمةٍ مِن رَبِّكَ تَرجُوها} انتظار رزق مِنَ الله ترجوه أن يأتيك، {فقل لَهُم قولا ميسورا (28)} فقل لَهُم: رَزَقَنا الله وإيَّاكم من فضله.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة نقصا، وَهُوَ جواب الشرط بعد قوله: «وإن قلتَ ... ». (2/361)
صفحة 759
وَلاَ تَجعل يَدَكَ مغلولةً إِلىَ عُنقِك} (لَعَلَّهُ) أي: لاَ تُمسك عَن النفقة فيِ الحقِّ كالمغلول يده، لاَ يَقدِر عَلَى مدِّها، {وَلاَ تَبسطها كلَّ البسط} هَذَا تمثيل لمنع الشحيح، وإعطاء المسرف؛ أو بالاقتصاد الذِي هُوَ بين الإسراف والتقتير، {فَتَقعُدَ مَلُومًا} فتصير ملوما عند الله، لأَنَّ المسرف غير مرضيٍّ عنده وعند نفسك إِذَا احتجت، فندمت عَلَى مَا فعلت، {محسورًا(29)} أَسِفاً منقطعا بك لاَ شيء عندك، مِن حَسَرَه السفرُ: إِذَا أثَّر فِيهِ أثرا بليغا؛ أو عاريا، مِن حَسَرَ رأسه. وقال قتاده: «محسورا: نادما عَلَى مَا فرط منك». {إنَّ رَبَّكَ يبسُطُ الرزقَ لمن يَشَاء ويَقدِرُ، إِنَّهُ كَانَ بعباده خبيرا بصيرا(30)} بمصالحهم.
{وَلاَ تقتلوا أولادكم خَشيةَ} قتلهم أولادهم، أودُهم [كَذَا] بناتهم، خشية {إملاق} خوف فقر، {نَحْنُ نرزقهم وَإِيَّاكُمْ، إنَّ قتلهم كَانَ خِطْأً كبيرا(31)} إثما عظيما.
{وَلاَ تقربوا الزنا} وَهُوَ نهي عَن الزنا ودواعيه، {إِنَّهُ كَانَ فاحشة} معصية مجاوزة حدَّ الشرع والعقل، {وساء سبيلا(32)} وبِئْسَ طريقا طريقه.
{وَلاَ تقتلوا النفسَ التِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ} وَحَقُّها ألاَّ تُقتل إِلاَّ بكفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس، {ومن قُتِل مظلوما فقد جعلنا لوليِّه سلطانا} (لَعَلَّهُ) حُجَّة واضحة عَلَى قاتل وليِّه، فإن شاء قتل وإن شاء عَفَا، {فلا يُسرف فيِ القتل} مَا حُدَّ لَهُ، {إِنَّهُ كَانَ منصورا(33)}.
[315] {وَلاَ تَقربوا مالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أحسن} بالطريقة التِي هِيَ أحسن، وهي حفظه وتثميره، {حتىَّ يبلغَ أَشُدَّه} حتَّى يستوي رجلا حافظا لماله عَن التضييع؛ {وأوفوا بالعهد} بأوامر الله ونواهيه، {إنَّ العهد كَانَ مسئولا(34)} مَعَ الله.
{ (2/362)
صفحة 760
وأوفوا الكيل إِذَا كِلتُم وزِنوا بالقسطاس المُسْتَقِيم} المعتدل، {ذَلِكَ خيرٌ} فيِ الدُّنْيَا، {وأحسنُ تأويلا (35)} عاقبةً، وَهُوَ تفعيل مِن آل: إِذَا رجع، وَهُوَ مَا يؤول إِلَيْهِ.
{وَلاَ تَقْفُ مَا ليس لك بِهِ عِلم} وَلاَ تتَّبع مَا لاَ تعلم، أي: لاَ تقل: رأيتُ وَمَا رأيتَ. {إنَّ السمع والبصرَ والفؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مسئولا (36)} قيل: يُسأل المرء عَن سمعه وبصره وفؤاده، وإذا سئل عَن هَذِهِ سئل عَن غيرها؛ وقيل: يَسأل السمع والبصر والفؤاد عمَّا دخل المرء.
{وَلاَ تمشِ فيِ الأَرْض مَرَحا} أي: بطرا وكبرا وخيلاء، {إِنَّكَ لن تَخرِقَ الأَرْضَ} بمرحك، {ولن تبلغَ الجبالَ طولا (37)} أي: لن تبلغها بِكِبرك حتَّى تَبلغ آخرها، معناه: أنَّ الإنسان لاَ ينال بِكِبرِه وبَطَرِه شَيْئًا، كمن يريد خرق الأَرْض، ومطاولة الجبال، لاَ يحصل عَلَى شيء؛ وقيل: ذكر ذَلِكَ، لأَنَّ مَن مَشَى مُختالا يمشي مرَّة عَلَى عَقِبِه ومرَّة عَلَى صدور قدميه؛ فقيل: إِنَّكَ لن تخرق الأَرْض بعقِبَيك، ولن تبلغَ الجبال إن مشيت عَلَى صدور قدميك. يروى عَن أبي هريرة أنَّه قَالَ: «مَا رَأيتُ أحدا أسرعَ مشيا مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كأنَّما تُطوَى لَهُ الأَرْض، وَإِنَّا لَنُجهِدَ أنفسنا، وَإِنَّهُ لَغير مُكترث» (1)، {كلُّ ذَلِكَ كَانَ سيِّئُهُ عند رَبِّكَ مكروها (38)}.
{__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ ... » الحديث، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. كتاب المناقب، رقم 3581. ورواه أحمد في مسند باقي المكثرين، رقم 8249، 8586. (2/363)
صفحة 761
ذَلِكَ} إشارة إِلىَ مَا تقدَّم من قوله: {لاَ تجعل مَعَ الله إلها آخرَ} إِلىَ هَذِهِ الغاية، {مِمَّا أَوحى إليك رَبُّكَ مِنَ الحكمةِ} مِمَّا يحكم العقل بصحَّته، وتصلح النفس بعمله، (لَعَلَّهُ) لأَنَّ كلَّ مَا أمر الله بِهِ ونهى عَنْهُ فهو حكمة. {وَلاَ تجعل مَعَ الله إلها آخر فَتُلْقَى فيِ جَهَنَّم ملوما مدحورا (39)} مطرودا مِنَ الرحمة. عَن ابن عبَّاس: «هَذِهِ الثماني عشرة آية كَانَت فيِ ألواح موسى أوَّلُها: {لاَ تجعل مَعَ الله إلها آخر}، وآخرها: {مدحورا}». وَلَقَد جُعِلَت فاتحتها وخاتمتها: النهي عَن الشرك، لأَنَّ التوحيدَ رأسُ كلِّ حكمة وملاكها، ومن عَدِمه لم تنفعه حِكَمُه، وإن بذَّ فيها الحكماء، وحكَّ بيافوخه السَّمَاء، وَمَا أغنت عَن الفلاسفة أسفار الحِكَم، وَهُم عَن دين الله أضلُّ مِنَ الغنم.
ثُمَّ خاطب الذِينَ قَالُوا: «المَلاَئِكَة بنات الله» بقوله: {أَفَأَصفَاكُم رَبُّكُم بالبنينَ} الهمزة للإنكار، يعنى: أَفَخَصَّكم رَبُّكُم عَلَى وجه الخلوص والصفاء، بأفضل الأولاد وَهُم البنون، {واتَّخَذَ مِنَ المَلاَئِكَة إناثا} واتَّخذ أدناهم منزلة، وَهُم الإناث؛ وهذا خلاف الحكمة، وَمَا عليه مقولكم؛ فالعبيد لاَ يؤثَرون بِأَجود الأشياء وأصفاها (1)، وتكون أردأها وأدونها للسادات. {إِنَّكُم لَتَقُولون قولاً عظيمًا (40)} حيث أضفتم عليه (2) الأولاد وهي من خواص الأجسام، ثُمَّ فضَّلتم عليه أنفسكم حيث تجعلون لَهُ مَا تكرهون.
{وَلَقَد صَرَّفنا فيِ هَذَا القرآن ليذَّكروا وَمَا يَزيدهم إِلاَّ نُفورا (41)} عَن الحقِّ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وأصفيها».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إليه». (2/364)
صفحة 762
قُل: لو كَانَ معه آلهة كما يقولون، إِذًا لابتغوا إِلىَ ذي العرش سبيلا(42)} لطلبوا إِلىَ من لَهُ الملك [316] والربوبيَّةُ سبيلا بالمغالبة كما يفعل المكوك (لَعَلَّهُ الملوك) مَعَ بعضهم بعض. وكلُّ من عصى الله بمثقال ذرَّة، فقد بارزه بالمحاربة.
{سبحانه وتعالى عَمَّا يقولون عُلوًّا} أي: تعاليا، والمُرَاد: البراءة من ذَلِكَ والنزاهة، {كبيرا(43)}، وصف العلوَّ بالكِبَرِ مبالغة فيِ معنى البراءة والبعد مِمَّا وصفوه بِهِ.
{تُسَبِّح لَهُ السَّمَاوَات السبعُ والأَرْض ومن فِيهِنَّ، وإن مِن شيء إِلاَّ يُسبِّح بحمده} قيل: إن مِن شيء جمادٍ وحيٍّ إِلاَّ يُسبِّح بحمده، حتَّى صرير النبات ونفيض السعف. وقال مجاهد: «كلُّ الأشياء تسبِّح لله صبيا أو جمادا، وتسبيحها: “سبحان الله وبحمده”». وقال أهل المعاني: تسبيحُ السماواتِ والأَرْض والجمادات، وسائر الحيوانات سِوى العقلاء: تَذَلُّلُها لخالقها؛ {ولكن لاَ تَفقَهُون تَسبيحَهم} (لَعَلَّهُ) لاختلاف اللغات، أو لتغيُّر الإدراك، {إِنَّهُ كَانَ حليما} عَن جهل العباد. {غَفُورا(44)} لمن تاب.
{وإذا قَرَأْتَ القرآنَ جعلنا بينك وبين الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة حجابا مستورا(45)} حَجَب قلوبهم عَن فهمه والانتفاع بِهِ. قَالَ قَتَادَة: «هُوَ الأكنَّة». والمستور بمعنى: الساتر؛ وقيل: مستورا عَن أعين الناس فيما يرونه بالبصر الظاهر.
{ (2/365)
صفحة 763
وجعلنا عَلَى قلوبهم أَكِنَّة} جمع كِنَان، وَهُوَ الذِي يستر الشيء، {أن يفقهوه} كراهة أن يفقهوه، {وفي آذانهم وقرا} ثِقلا يمنع عَن الاستماع؛ {وإذا ذكرتَ رَبَّكَ فيِ القرآن وحده} أي: وحَّدته، {ولَّوا عَلَى أدبارهم} رجعوا عَلَى أعقابهم {نفورًا (46)} أي: يحبُّون أن تذكر معهم آلهتهم، لأَنَّهُم يشركون بِهِ، فإذا سمعوا بالتوحيد نفروا؛ والمعنى فيِ ذَلِكَ: إِذَا أمرتهم باستقامة (1)، والإخلاص لله وحده، وأن لا يكون نصيبٌ لهوى أنفسِهم أبوا واستكبروا.
{نَحْنُ أعلم بِمَا يستمعون بِهِ} أي: يستمعون هازئين لاعبين، لاَ متبيِّنين للبيان، {إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوَى، إذ يقول الظالمون: إن تتَّبعون إِلاَّ رجلا مسحورا (47)} مطلوبا [كذا] مخدوعا؛ وقيل: مصروفا عَن الحقِّ، وقيل: رجل لَهُ سحر، والسحر: الزينة (2)، أي: أنَّه بشر مثلكم معلَّل بالطعام والشراب؛ وقيل: سُحِر فجنَّ.
{انظر كيف ضَربوا لك الأمثالَ} الأشباه، قَالُوا: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، {فضلُّوا فلا يستطيعون سبيلا (48)} وصولا إِلىَ طريق الجنَّة، وهي طريق الحقِّ، لأَنَّهُم ضلُّوا فيِ جميع ذَلِكَ من يطلب فيِ التيه يسلكه (3)، فلا يقدر عليه، فهو متحيِّرٌ فيِ أمره لاَ يدري مَا يصنع.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالاستقامة».
(2) - ... كذا في الأصل، وَفيِ الكشَّاف: «وقيل: هو من السحر، وَهُوَ الرئة، أي هو بشر مثلكم». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 523.
(3) - ... كذا في الأصل، وصواب العبارة نجده عند الزمخشري: «فيِ جميع ذَلِكَ ضلال من يطلب فيِ التيه طريقا يسلكه، فلا يقدر عليه». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 523. (2/366)
صفحة 764
وَقَالُوا: أئذا كُنَّا عظاما ورفاتا} ترابا وحطاما، {أئنَّا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل: كونوا حجارة أو حديدا (50)} استَشعِروا فيِ قلوبكم أَنَّكُم حجارة أو حديد فيِ الشدَّة والقوَّة؛ {أو خَلْقا مِمَّا يكبُر فيِ صدوركم} قيل: السماوات والأَرْض؛ وقيل: الموت، فإنَّه ليس فيِ نفس ابن آدم شيء أكبر مِنَ الموت؛ {فسيقولون: مَن يُعيدُنا؟ قل: الذِي فَطَركم أَوَّل مرَّة} والمعنى: أَنَّكُم تستبعدون أن يجدِّد الله خلقكم، {فسينغِضون إليك رءوسَهم} فسيحرِّكونها تعجُّبا واستهزاء، {ويقولون: متى هُوَ؟} أي: البعث، استبعادا لَهُ ونفيا، {قل: عسى أن يكونَ قريبا (51)} [317] أي: هُوَ قريب؛ و «عسى» للوجوب.
{يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} قيل عَن ابن عبَّاس: «بأمره»؛ وقيل: مقرِّين بأنَّه خالقهم، (لَعَلَّهُ) من حيث لاَ ينفعهم. {وتظنُّون إن لبثتم إِلاَّ قليلا (52)} فيِ الدُّنْيَا، أو فيِ القبر.
{وقل لعبادي: يقولوا التِي هِيَ أحسنُ} وَلاَ تخاشنوا فيِ القول {إنَّ} فيِ المخاشنة {الشيطان ينزغُ بَيْنَهُم} يلقي بينهم العدواة والبغضاء، {إنَّ الشيطان كَانَ (1) للإنسان عدوًّا مبينًا (53)} أي: يضرُّ فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{رَّبُّكُم أعلمُ بكم إن يشَأْ يرحَمْكم} بالهداية والتوفيق، {أو إن (2) يشأ يُعذِّبكم} بالخذلان، أي: يقولوا لَهُم هَذِهِ الكلمة ونحوها، وَلاَ يقولوا لَهُم: إِنَّكُم من أهل النار، وَإِنَّكُم معذَّبون، وَمَا أشبه ذَلِكَ مِمَّا يغيظهم ويهيجهم عَلَى الشرِّ، {وَمَا أرسلناك عَلَيْهِم وكيلا (54)} حافظا لأعمالهم، موكولا إليك أمرهم، وإنَّما أرسلناك بشيرا ونذيرا.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «كان» وهو سهو.
(2) - ... في الأصل: «وإن»، وهو سهو. (2/367)
صفحة 765
ورَبُّكَ أعلم بمن فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} وبأحوالهم، وبما يستأهل كلُّ وَاحِد مِنْهُم. {وَلَقَد فضَّلنا بعضَ النبيِّين} بالترقِّي إِلىَ درجات القرب مِنَّا، {عَلَى بعض، وآتينا داوودَ زَبورا (55)} دلالة عَلَى وجه تفضيله، وقد علم الله مِنْهُ أنَّه مستأهل إِلىَ ذَلِكَ الحال.
{قل: ادعوا الذِينَ زعمتم} أنَّهم آلهتكم {من دونه} من دون الله، وَهُوَ كلُّ مَا آثره العبد من شهوات نفسه المحجورة عليه عَلَى أمر الله (1) ونهيه، {فلا يملكون كشْفَ الضُرِّ عنكم وَلاَ تحويلاً (56)} أي: ادعوهم وَهُم لاَ يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضرَّ، من مرض أو فقر أو عذاب، وَلاَ أن يحوِّلوه من وَاحِد إِلىَ آخر.
{أُولَئِكَ الذِينَ يدعون} أي: يدَّعونهم آلهة، يبتغون إِلىَ ربِّهمُ الوسيلة، يعني الذين يدعوهم المشركون آلهة. قَالَ ابن عبَّاس: «عيسى وأمَّه، وعزيرًا والمَلاَئِكَة». {يبتغون}، أي: يطلبون {إلى ربِّهم الوسيلة} أي: القربة، {أيُّهم أقرب} قَالَ الزجاج: «أيُّهم أقرب يبتغي الوسيلة إِلىَ الله ويتقرَّب إِلَيْهِ بالعمل الصالح». {ويرجون رحمتَه ويخافون عذابه} كغيرهم من عباد الله؛ فكيف يزعمون أنَّهم عباد الله؟، {إنَّ عذاب رَبِّكَ كَانَ محذورا (57)} حقيقا بِأَن يحذره كلُّ وَاحِد، من مَلَك مقرَّب أو نبيٍّ مرسلٍ، فضلا عَن غيرهم.
{وإن من قرية إِلاَّ نَحْنُ مهلكوها قبل يومِ القيامة، أو معذِّبوها عذابا شديدا} بعذاب غير مستأصِل؛ {كَانَ ذَلِكَ (2) فيِ الكتاب مسطورًا (58)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «من أمر الله».
(2) - ... في الأصل: - «ذلك»، وهو سهو. (2/368)
صفحة 766
وَمَا مَنَعَنا أن نُّرسل بالآيات إِلاَّ أن كذَّب بها الأوَّلون} اُستعير المنع لترك إرسال الآيات، والمعنى: وَمَا منعنا إرسالَ الآيات إِلاَّ تكذيب الأَوَّلين؛ والمُرَاد «بالآيات»: التِي اقترحتها قريش، من قلب الصفا ذهبا، ومن إحياء الموتى، وغير ذَلِكَ؛ وسنَّة الله فيِ الأمم أنَّ من اقترح مِنْهُم آيَة فأجيب إِلَيْهِا، ثُمَّ لم يُؤْمِن، أن يعاجَل بعذاب الاستئصال؛ والمعنى: وَمَا منعنا أن (1) إرسال مَا يقترحونه مِنَ الآيات، إِلاَّ أنَّ كذَّب بها الذين هم أمثالهم فيِ (2) المطبوع عَلَى قلوبهم كعاد وثمود؛ وإنَّها لو أرسلت لكذَّبوا بها تكذيب أُولَئِكَ، وعذِّبوا العذاب المستأصِل؛ وقد حكمنا أن نؤخِّر أمر من يُبعث إِلَيْهِم إِلىَ يوم القيامة. ثُمَّ ذكر من [318] تلك الآيات ــ التِي اقترحها الأوَّلون، ثُمَّ كذَّبوا بها لمَّا أرسلت فأُهلكوا ــ وَاحِدَةً، وهي ناقة صالح، لأَنَّ آثار هلاكهم قريبة؛ وقال الله فِيهِم: {بَلِ الساعةُ موعدُهم، والساعة أدهى وأَمَرُّ} (3)، لأَنَّ هَذِهِ الأمَّة هِيَ آخر الأمم، وليس أمَّة بعد أن استؤصِلوا (4)، وَاللهُ أعلم بتأويل كتابه. {وآتينا ثمودَ الناقةَ} (لَعَلَّهُ) باقتراحهم، {مبصِرةً} أنَّه (5) بيِّنة. {فظلموا بها} فكفروا بها؛ {وَمَا نرسِلُ بالآيات} أي: العبر والدلالات، {إِلاَّ تخويفا (59)} للعباد (لَعَلَّهُ) ليؤمنوا.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «عن». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 526.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «من». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 526.
(3) - ... سورة القمر: 46.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ في العبارة سقطا.
(5) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أنَّها». (2/369)
صفحة 767
وإذ قلنا لك: إنَّ رَبَّكَ أحاط بالناس} فليس لَهُم مفرٌّ عَن تقديره، {وَمَا جعنا الرؤيا التِي أريناك إِلاَّ فتنةً للناس} بِمَا يَشَاء من آياته، أي: هم فيِ قبضته لاَ يقدرون عَلَى الخروج من مشيئته، فهو حافظك، ومانعك مِنْهُم، فلا تهمهم [كَذَا]، وامض فيما أمرتك بِهِ من تبليغ الرسالة. والرؤيا التِي أراه الله إِيَّاهَا: قيل مَا أراه فيِ ليلة المعراج مِنَ العجائب والآيات؛ قيل: هِيَ رؤيا عين، وقيل: رآه بروحه دون بدنه. {والشجرةَ الملعونةَ فيِ القرآن} أي: وَمَا جعلنا الشجرةَ الملعونة فيِ القرآن إِلاَّ فتنةً للناس، فإنَّهم حين سمعوا بقوله: {إنَّ شجرة الزقُّوم طعام الأثيم} (1) جعلوها سخرية، وَقَالُوا: إنَّ محمَّدا يزعم أنَّ الجحيم تحرق الحجارة، ثُمَّ يقول ينبتُ فِيهَا الشجر، وَمَا قدروا الله حقَّ قدره إذ قَالُوا ذَلِكَ، فإنَّه لاَ يمتنع أن يجعل الله الشجرة من جنسٍ لاَ تأكله النار، كيف و [قد] خلق الله مِنَ الشجر نارا فلا تحرقها، وترى النعامة تبتلع الجمر فلا يضرُّها، فجاز أن يخلق الله فيِ النار شجرة لاَ تحرقها. والمعنى: أنَّ الآيات إِنَّمَا ترسل تخويفا للعباد؛ {ونخوِّفهم} بمخاوف الدُّنْيَا والآخِرَة، {فما يزيدهم} التخويف {إِلاَّ طغيانا كبيرا (60)} فكيف يخاف قوم هَذِهِ حالهم بإرسال مَا يقترحون مِنَ الآيات؟ فإن قلت: ليس فيِ القرآن ذكر لعنِ شجرة الزقوم، قلت: معناه: الملعون آكلها، وَهُوَ من كفر بالله، لأَنَّهُ قَالَ: {فإنَّهم لآكلون منها فمالئون منها البطون} (2)، فوُصِفت بلعن أهلها عَلَى المجاز؛ ولأنَّ اللعن هُوَ الإبعاد مِنَ الرحمة، وهي فيِ أصل الجحيم فيِ أبعد مكَان مِنَ الرحمة.
{__________
(1) - ... سورة الدخان: 43 - 44.
(2) - ... سورة الصافات: 66. (2/370)
صفحة 768
وإذ قلنا للمَلاَئِكَة: اسجدوا لآدم، فسجدوا إِلاَّ إبليس قَالَ: أأسجُدُ لمن خَلقتَ طينا (61)؟ قَالَ: أرأيتك هَذَا الذِي كرَّمتَ عليَّ} أي: فضَّلته وكرَّمته عليَّ، (لَعَلَّهُ) لمَّا علم إبليس أنَّ الكرامة الحقيقيَّة هِيَ صِحَّة الاستقامة عَلَى التوحيد، توعَّد عَلَى ذرِّيَّته أن يُنزِلهم عَن رتبة مَا كُرِّموا بِهِ عليه إِلىَ أسفل سافلين، بقوله: {لئن أخَّرتني إِلىَ يوم القيامة لأحتنكنَّ ذرِّيَّته} لأستأصلنَّهم بإغوائهم، (لَعَلَّهُ) ولأستولينَّهم، بمعنى: أتولاَّهم، {إِلاَّ قليلا (62)} وَهُم المخلصون، وإنَّما علم الملعون ذَلِكَ، لأَنَّهُ رآه أنَّه خلقٌ شهوانيٌّ، فجميع أحواله الظاهرة والباطنة، وأفعاله وأقواله شهوانيَّة.
{قَالَ: اذهب} أي: امض لشأنك الذِي اخترته، خذلانا وتخلية، {فمن تبعك مِنْهُم فإنَّ جَهَنَّم جزاؤكم جزاءً موفورا (63)، واستفزز} استزلَّ واستخفَّ؛ استفزَّه: أي استخفَّه، [319] والفزُّ: الخفيف، {من استطعت مِنْهُم بصوتك} بالوسوسة والدعاء إِلىَ معصية الله؛ {وأجلِبْ عَلَيْهِم بخيلِك وَرَجْلِك} اجمع وضجَّ بهم، مِنَ الجلبة والحشر، أي: احشر عليهم. قَالَ مقاتل: «استعن عَلَيْهِم بركبان خيلك ومُشاتهم»، والخيل لَهُ خيل [كَذَا]، ورَجْل مِنَ الجنِّ والإنس، وذلك استعارة؛ أي: اقضي (1) مَا يُستطاع فيِ طلب الأمور الخيلَ والرجلَ، وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال، {وشاركهم فيِ الأموال والأولاد} قَالَ الزجَّاج: «كلُّ معصية فيِ مال وولد فإبليس شريكهم». {وعِدْهُم} المواعيدَ الكاذبة، الدينيَّة والدُّنْيَويَّة، ومن ذَلِكَ مَا يَعِدهم بالغفران مَعَ الإصرار، وبقبول الطاعة مَعَ المعاصي، {وَمَا يَعِدُهم الشيطان إِلاَّ غرورا (64)} وَهُوَ تَزيُّن (2) الخطإ بِمَا يوهم أنَّه صواب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اقضِ».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تزيين». (2/371)
صفحة 769
إنَّ عبادي} الصالحين {ليس لك عَلَيْهِم سلطان} لأَنَّهُ ليس سلطان إِلاَّ من يجعل لَهُ سبيلا (1) من ذات نفسه، وَهُوَ إعانة المخلوق نفسه إِلىَ مَا يدعوه من شهواتها، {وكفى برَبِّكَ وكيلا (65)} لَهُم، أي: حافظا لَهُم عنك.
{رَبُّكُم الذِي يُزْجِي} يُجري ويُسيِّر {لكم الفُلكَ فيِ البحر لتبتغوا من فضله إِنَّهُ كَانَ بكم رحيما (66). وإذا مسَّكم الضرُّ فيِ البحر} أي: خوف الغرق، {ضلَّ من تدعون إِلاَّ إِيَّاهُ} ذهب عَن أوهامكم كُلُّ من تدعونه في حوادثكم إِلاَّ إيَّاه وحده، فَإِنَّكُم لاَ تذكرون إِلاَّ سواه؛ أو ضلَّ من تدعون من آلهةٍ عَن إعانتكم، ولكنَّ الله وحده هُوَ الذِي ترجونه، {فَلَمَّا نجَّاكم إِلىَ البَرِّ أعرضتم} عَن الإخلاص بعد الخلاص؛ {وكَانَ الإنسان} أي: جنس الإنسانيَّة {كفورًا (67)} للنعم.
{أفأمنتم} الهمزة للإنكار، تقديره: «أنجوتم فأمنتم»، (لَعَلَّهُ) فحملكم ذَلِكَ عَلَى الإعراض، {أن يخسف بكم جانب البَرِّ} والمعنى: أن يخسف جانب البَرِّ، أي: يقلبه وأنتم عليه، والحاصل أن الجوانب كلَّها فيِ قدرته سواء، وَلَهُ فيِ كلِّ جانب بَرًّا وبحرًا سبب من أسباب الهلاك ليس ... (2). فعلى العاقل أن يستوي خوفُه مِنَ الله فيِ جميع الجوانب، والحالات كلِّها، {أو يُرسلَ عَلَيْكُم حاصِبا} هِيَ الريح التِي تحصب، أي: ترمي بالحصباء، يعني: أو إن لم يصبكم بالهلاك مِن تحتكم بالخسف أصابكم بِهِ مِن فوقكم بريح يرسلها عَلَيْكُم فِيهَا الحصباء، {ثُمَّ لاَ تجدوا لكم وكيلاً (68)} مانعا يصرف عنكم ذَلِكَ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لأَنَّهُ ليس له سلطان إِلاَّ عَلَى من يجعل لَهُ سبيلا».
(2) - ... أحال الناسخ إِلى الحاشية ولم يذكر فيها شيئًا؛ وفيه نقص بيِّن، وتمام العبارة نجده عند الزمخشريِّ: «ليس جانب البحر وحده مختصًّا بذلك». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 530. (2/372)
صفحة 770
أم أمنتم أن يعيدكم فِيهِ تارة أُخْرَى، فيُرسلَ عليكم} أي: أم أمنتم أن يقوِّي دواعيكم، ويوفِّر حوائجكم، ويهيِّئ أسبابكم، إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذِي نجَّاكم مِنْهُ، فأعرضتم، فينتقم منكم بِأَن يُرسل عليكم {قاصفا مِنَ الريح} وهي الريح التِي لها قصيف، وَهُوَ: الصوت الشديد، أو هُوَ الكاسر للفُلك، {فيغرقَكم بِمَا كفرتم} بكفرانكم النعمة، وَهُوَ إعراضكم حين نجَّاكم، {ثم لاَ تجدوا لكم علينا بِهِ تبيعا (69)} مطالبا، من قوله: {فاتِّباع بالمعروف} (1) أي مطالبة.
{وَلَقَد كرَّمنا بني آدم} بالعقل، والنطق، والحظِّ، والصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد، وتسخير المخلوقات. قَالَ الواسطيُّ: «معناه: بِأَن سخَّرنا لَهُمُ الكون وَمَا فِيهِ، لئلاَّ يكونوا فيِ تسخير شيء (2)، ويتفرَّغوا إِلىَ عبادة ربِّهم». {وحملناهم فيِ البَرِّ والبحر، ورزقناهم مِنَ الطَّيِّبَات} باللذيذات، {وفضَّلناهم عَلَى كثير مِمَّن (3) خلقنا تفضيلا (70)} [320]، لأَنَّهُ خلق الكلَّ لَهُم، وخلقهم لنفسه ولعبادته، وأن يوحِّدوه ويطيعوه، فيثيبهم الثواب الأبديَّ.
{يوم ندعو كُلَّ أناس بإمامهم} بمن ائتمُّوا بِهِ من نبيٍّ أو مقدَّم فيِ الدين، أو كِتَابٍ أو دين؛ وقيل: بأعمالهم؛ وقيل: بكتابهم الذِي فِيهِ أعمالهم بدليل سياق الآيَة؛ وقيل: بإمام زمانهم، (لَعَلَّهُ) الذِي دعاهم فيِ الدُّنْيَا إِلىَ ضلالة أو هدى. {فمن أوتي كتابه بيمينه، فأولئك يقرءون كتابهم وَلاَ يُظلمون فتيلاً (71)} وَلاَ ينقَصُون من ثوابهم أدنى شيء، ولم يذكر الكفَّار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله:
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 178.
(2) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا.
(3) - ... في الأصل: «مما» وهو خطأ. (2/373)
صفحة 771
ومن كَانَ فيِ هَذِهِ أعمى} عمَّا يرى من قدرتي فيِ مصنوعاتي؛ وَهُوَ يتناول عَمى البصيرة فيِ الدُّنْيَا، {فهو فيِ الآخِرَة} من عمى الآخِرَة وَهُوَ غيب عَنْهُ [كَذَا]، {أعمى وأضلُّ سبيلاً (72)} مِنَ الأعمى، أي: أضلُّ طريقا؛ وقيل: الإشارة فيِ هَذِهِ راجعة إِلىَ النعم التِي عدَّدها عزَّ وجلَّ فيِ هَذِهِ الآيات من قوله: {يُزجِي لكم الفلك ... } إِلىَ قوله: { ... تفضيلا}، يقول: من كَانَ فيِ هَذِهِ النعم قد عاينها أعمى، فهو فيِ الآخِرَة أعمى وأضلُّ سبيلا.
{وإن كادوا ليفتِنونك} المعنى: أنَّ الشان قاربوا أن يفتنوك، أي: يخدعوك فاتنين {عَن الذِي أوحينا إليك لتفتريَ علينا غيره} بالقول أو الفعل، {وإذًا لاتَّخذوك خليلا (73)} أي: وإن اتَّبعت مرادهم لاتَّخذوك خليلا، ولكنت لَهُم وليًّا وخرجت من ولايتي.
{ولولا أن ثبَّتناك} ولولا تثبيتنا لك وعصمتنا، {لَقَد كدت تركن إِلَيْهِم} لقاربت أن تميل إِلىَ مكرهم {شَيْئًا قليلا (74)} والشيء القليل مِمَّا يخاف مِنْهُ، لأَنَّهُ من خفيَّات المعاصي ودقائقها، ولا يميِّزه إِلاَّ الراسخون في العلم.
{إذًا} لو رَكنتَ إليهم في أَقَلِّ شيء من خفيات الكبائر، لأَنَّ الصغائر مغَفُورة للعبد إن كَانَ مجتنبا للكبائر، بقوله: {إن تجتنبوا كبائر مَا تُنهَون عَنْهُ نكفِّرْ عنكم سيِّئاتكم وندخلْكم مدخلا كريما} (1). {لأذقناك ضِعف الحياة وضِعف الممات}، أي: لو فعلت ذلك لأذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات؛ أي: أضعفنا لك العذاب فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة؛ وقيل: الضِّعف مِنَ العذاب سمِّي ضعفا لتضاعف الإثم فِيهِ. {ثُمَّ لاَ تجد لك علينا نصيرا (75)} مانعا لك يمنع من عذابنا عنك، وفي هَذِهِ الآيَة تحذير عظيم يحمل المؤمن عَلَى الرسوخ فيِ العلم، والحذر مِنَ الشيطان الرجيم، ومن شباكه ومكايده الدقيقة الملتبسة بِالْحَقِّ.
{__________
(1) - ... سورة النساء: 31. (2/374)
صفحة 772
وإن كادوا لَيستفزُّونك} ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم، {من الأَرْض ليُخرجوك منها، وإذًا لاَ يلبثون خِلافك} (1) بعدك، {إِلاَّ قليلا (76). سنَّة من قد أرسلنا قبلَك من رسلنا، وَلاَ تجد لسنتنا تحويلا (77)}.
{أقم الصلاة لدلوك الشمس} لزاولها؛ وأصل الدلوك: الميل. {إِلىَ غَسَق الليل، وقرآنَ الفجر} صلاة الفجر، سُمِّيت قرآنا، وَهُوَ القراءة فِيهَا لكونها رُكنا، كما سمَيِّت: ركوعا وسجودا، أو سمِّيت قرآنا لطول قراءتها. والغسق: ظلمة أوَّل الليل. {إنَّ قرآن الفجر كَانَ مشهودا (78)} قيل: تشهده مَلاَئِكَة الليل ومَلاَئِكَة النهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، وَهُوَ [321] فيِ آخر ديوان الليل، وَأَوَّلِ ديوان النهار.
{ومن الليل فتهجَّد} أي: قُم بعد نومك؛ والتهجُّد لاَ يكون إِلاَّ بعد النوم. {بِهِ نافلةً لك} عبادة زائدة لك عَلَى الصلوات، والتهجُّد والنافلة يجمعهما معنى واحد؛ والمعنى: أنَّ التهجُّد زِيدَ لك عَلَى الصلاة المفروضة غنيمة لك، {عسى أن يبعثك رَبّكَ مقاما محمودا (79)}.
{وقل: رَبِّ أدخلني مُدخل صدقٍ، وأخرجني مُخرج صدقٍ} قيل: أدخلني فيِ طاعتك (لَعَلَّهُ) صادقا، وأخرجني من معاصيك صادقا؛ ويحتمل فيه: أدخلني فيِ الأمور صادقا، وأخرجني مِنْها صادقا؛ أي: بنيَّةٍ وإخلاصٍ لمرضاتك، وأخرجني مُخرج صدق، {واجعل لي من لَدُنك سلطانا نصيرا (80)} حُجَّة تنصرني عَلَى من خالفني، وينصرني من اتَّبعني.
{وقل: جاء الحَقُّ} ظَهَرَ وثَبَت، {وزهَقَ} ذهب وهلك {الباطلُ} الشرك؛ لأَنَّ الشرك يَخنس عند ظهور الحقِّ عليه، وهو التوحيد. {إنَّ الباطل كَانَ زهوقا (81)} مُضمحلاًّ عند مَجيء الحقِّ؛ لأنَّهما ضدَّان لاَ يجتمعان فيِ حال، مثل النور والظلمة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «خلفك»، عَلَى قراءة ورش. (2/375)
صفحة 773
ونُنَزِّل مِنَ القرآن مَا هُوَ شفاء} لأمراض القلوب، وأهوية النفوس، لأنَّهما من دعوة إبليس، وَلاَ تأثير لها عند قبول الحقِّ. {ورحمةٌ} وتفريجٌ للكروب، وتطهير للعيوب، وتكفير للذنوب، {للمؤمنين} لاَ لغيرهم. فيِ الحديث: «من لم يَستَشْفِ بالقرآن فلا شَفَاه الله» (1). {وَلاَ يزيدُ الظالمين إِلاَّ خسارا (82)} ضلالا لتكذيبهم بِهِ؛ قيل: زيادة الخسار للظالم مِن حيث أنَّ كلَّ آيَة تنزل، يقع مِنْهُ لها تكذيب، فيزداد عليه بذلك خسران.
{وإذا أنعمنا عَلَى الإنسانِ} بالصِحَّة والسَّعَة، {أعرَضَ} عَن ذِكرِ الله، أو أنعمنا عليه بالقرآن وتأويله؛ {ونأى بجانبه} تأكيد للإعراض، لأَنَّ الإعراض عَن الشيء: أن يُولِيه عرضَ وجهه، والنائي بالجانب أن يَلْوِيَ عَنْهُ عُنُقَه، ويُولِّيه ظهره، أو أَرَادَ الاستكبارَ، لأَنَّ ذَلِكَ مِن عادةِ المستكبرين؛ وقيل: ناءَ (2) بجانبه، أي: تباعد عنَّا بنفسه؛ أي: ترك التقرُّب (لَعَلَّهُ) إِلىَ الله تعالى. {وإذا مسَّه الشرُّ} ضدُّ الخير والنعمة، {كَانَ يئوسا (83)} شديدَ اليأس مِن روح الله.
{قل: كُلٌّ يعمل عَلَى شاكلته} عَلَى مَذهبه وطريقته التِي تُشاكل حاله فيِ الهدى والضلالة؛ وقيل: عَلَى نيته؛ ومجاز الآيَة: كلٌّ يعمل عَلَى مَا يشتهيه، كما يقَالَ فيِ المثل: «كلُّ امرئ يشبهه فعلُه»؛ {فرَبُّكُم أعلم بمن هُوَ أهدى سبيلا (84)} أوضح طريقا.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في مسند الربيع، ولا في الكتب التسعة.
(2) - ... قد يستعمل ناء بمعنى نأى، قال في اللسان: «وقرأ ابن عامر: “ناءَ بجانبه”، عَلَى القلب». ابن منظور: لسان العرب، 6/ 561. مادَّة نأي. (2/376)
صفحة 774
ويسألونك عَن الروح، قل: الروح مِن أمر رَبِّي} أي: من الأمر الذِي يَعلَمُه ربِّي. الجمهور: عَلَى أنَّه الروح الذِي فيِ الحيوان، سألوه عَن حقيقته، فأخبر أنَّه من أمر الله، أي: مِمَّا استأثر بعلمه. وعن أبي يزيد: «لَقَد مضى النبيُّ وَمَا يُعلَم الروح، وقد عجزت الأقاويل عَن إدراك ذاتيَّته بعد إنفاق الأعمار الطويلة عَلَى الخوض فِيهِ». والحكمة فيِ ذَلِكَ تعجيز العقل عَن إدراك معرفة مخلوق مجاور لَهُ، لِيدلَّ عَلَى أنَّه عَن إدراك خَالقِه أعجز؛ وقوله: {مِن أمرِ ربِّي} دَلِيل عَلَى خلق الروح، فكَانَ هَذَا جوابا. {وَمَا أُوتِيتم مِنَ العلم إِلاَّ قليلا(85)} قَالَ أبو سعيد العماني: «قد قيل: فيما يُروى أنَّه لمَّا كَانَ مِن أمرِ مُوسى والخَضِر وإذا الافتراق، نَزَلَ عليهما طير مِن السَّمَاء إِلىَ البحر، أو إِلىَ الأَرْض فأخذ بمنقاره [322] مِنَ البحر أو الأَرْض، فقال الخضر لموسى: أتعرف يا موسى مَا هَذَا الطير؟ أو مَا يُراد بِهِ؟ قَالَ: مُوسى لاَ أعرف ذَلِكَ، قَالَ: هَذَا أُرسِل إلينا ليعرِّفنا، أو يُعلِّمنا أنَّ جميع عِلمِ مَا خَلَقَ الله مِن أهل الأَرْض وغيرهم، مَعَ عِلْمِ الله مثل مَا احتمل بِمنقاره من البحر، ولاَ نبلغ ذَلِكَ»؛ هكذا عندي عَلَى معنى الرواية، لاَ عَلَى اللفظ.
{ (2/377)
صفحة 775
ولَئِن شِئنا لنذهبنَّ بالذي أَوحينا إليك} المعنى: ولئن شئنا ذهبنا بالقرآن، ومَحَوَنَاه عَن الصدور والمصاحف، فلم نترك لَهُ أثرا. وقال بعض أهل المعاني: المعنى: أنَّه إِذَا خالف الذِي أوحي إِلَيْهِ بحرف وَاحِد مِنَ الدين، فقد أذهب عَنْهُ مَا أوحي إِلَيْهِ. ولو بَقيَ فيِ صَدرِه فلا ينفعه، إذ حقيقة العلم هُوَ العمل، وَمَا يدلُّ عَلَى هَذَا المعنى قوله: {ثُمَّ لاَ تجد لك بِهِ علينا وكيلا(86)} يُعينك وينصرك مِنَّا. {إلاَّ رحمةً من رَبِّكَ} قيل: هَذَا استثناء مُنقطعٌ، معناه: لكن لاَ يَشَاء ذَلِكَ، رحمةً من رَبِّكَ، {إنَّ فضلَه كَانَ عليك كبيرا(87)} لأَنَّ فضل القرآن كبير.
{قل: لئن اجتمعت الإنس والجنُّ عَلَى أن يأتوا بمثل هَذَا القرآن لاَ يأتون بمثله ولو كَانَ بعضهم لبعض ظهيرا(88)} مُعينا، أي: لو تظاهروا عَلَى أن يأتوا بمثل القرآن فيِ بلاغته، وحُسنِ نظمه وتأليفه، لَعَجَزوا عَن الإتيان بمثله. {وَلَقَد صَرَّفنا} رَدَّدنا وكرَّرنا {للناس (1) فيِ هَذَا القرآن مِن كُلِّ مَثَل} مِن كلِّ معنى، هُوَ كالْمَثَل فيِ غرابته وحسنه، {فأبى أكثر الناس إِلاَّ كُفورا(89)} جُحودا وتَوَاريا، كأنَّه قيل: فلم يرضوا إِلاَّ كفورا.
__________
(1) - ... كذا في الأصل: - «للناس». (2/378)
صفحة 776
وَلَمَّا تبيَّن إعجاز القرآن، وانضمَّت إِلَيْهِ المعجزات الأُخَر، ولزمتهم الحجَّة وغُلِبوا، اقترحوا الآيات، فِعْلَ المبهوت المحجوج المتحيِّر، {وَقَالُوا: لن نؤمن لك} لن نصدِّقك {حتىَّ تُفجِّر لَنَا مِنَ الأَرْض يَنبُوعا (90)} عَينا غزيرة، مِن شأنها أن تنبع بالماء لاَ تنقطع، نقول: (1) مِن نَبَعَ الماء. {أو تكون لك جنَّة من نخيل وعِنَب فتفجِّر الأنهار خلالها} وسطها {تفجيرا (91)، أو تُسقط السَّمَاء كما زعمت علينا كِسَفًا} أي: قِطَعا، {أو تأتيَ بالله والمَلاَئِكَة قبيلا (92)} كفيلا؛ أي: يَكفُلُون بِمَا تقول؛ وقيل: ضامنا؛ وقيل: هُوَ جميع (2) القبيلة؛ أي: بأصناف المَلاَئِكَة قبيلة قبيلة؛ وقيل: عَيَانا، أي: نراهم مقابلة.
{أو يَكون لكَ بيت مِن زُخرف} ذهب، وَهُوَ أصل الزينة وأغلاها، {أو ترقى فيِ السَّمَاء} تَصعد إِلَيْهِا، {ولن نُؤمنَ لرُقِيِّك حَتَّى تُنزِّل علينا كِتَابًا} مِنَ السَّمَاء فِيهِ تصديقك {نقرؤه؛ قل: سبحان رَبِّي} تعجُّب من اقتراحاتهم عليه، {هل كنتُ إِلاَّ بشرا رسولا (93)} أي: أنا رسول كسائر الرسل، بشر مثلهم؛ وكَانَ الرسل لاَ يأتون قومهم إِلاَّ بِمَا يُظهره الله عَلَيْهِم مِنَ الآيات، فليس أمر الآيات إليَّ إِنَّمَا هُوَ إِلىَ الله.
{وَمَا مَنَعَ الناسَ أن يُؤمِنُوا إذ جاءهم الهدى إِلاَّ أن قَالُوا} أي: وَمَا مَنَعَهم الإيمان بالقرآن ونُبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ قولهم: {أَبَعَثَ الله بشرا رسولا (94)}؟ أي: إِلاَّ شبهة تَمَكَّنت فيِ صدورهم، وهي إنكارهم أن يُرسل الله البشر؛ فاستوت حجابا عَلَى عين البصيرة، فلم تُبصر الحقَّ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب ما ذكره الزمخشري: «يَفْعُول: مِن نَبَعَ الماء، كيعبوب، منن عب الماء». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 541.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «جمع». (2/379)
صفحة 777
قل: لو كَانَ فيِ الأَرْض مَلاَئِكَةٌ يمشون} عَلَى أقدامهم كما يمشي [323] الإنس، وَلاَ يطيرون بأجنحتهم إِلىَ السَّمَاء، فيسمعوا من أهلها، ويعلم (1) مَا يجب عِلمُه، {مطمئنِّين} أي: ساكنين فيِ الأَرْض قارِّين، {لنزَّلنا عليهم} من جنسهم، لأَنَّ القلب إِلىَ الجنس أَميَل مِنْهُ إِلىَ غير الجنس، {مِن السَّمَاء مَلَكًا رسولا (95) (2)} يُعلِّمهم مِنَ الله الخير، ويهديهم المراشد؛ فأمَّا الإنس فإنَّما يُرسل الملَكُ إِلىَ مُختار مِنْهُم للنُّبوَّة، فيقوم ذَلِكَ المختار بدعوتهم وإرشادهم.
{قل: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} عَلَى أن بلَّغت مَا أُرسلت بِهِ إليكم، وَإِنَّكُم كذَّبتم وعاندتم، {إِنَّهُ كَانَ بعباده} المنذِرِين والمنذَرِين {خبيرا بصيرا (96)}.
{ومَن يَهدِ الله فهو المهتدي} أي: مَن وفَّقه الله لقبول مَا كَانَ مِنَ الهدى، فهو المهتدي عند الله، {ومن يُضلِلْ} أي: ومن يَخذُله ولم يعصمه، {فلن تَجدَ لَهُم أَولِيَاء مِن دونه} أي: أنصارا؛ {ونحشرهم يوم القيامة عَلَى وُجوههم} أي: يُسْحَبُون عليها {عُميا وبُكما وصمًّا} كَانُوا فيِ الدُّنْيَا لا يَستبصرون وَلاَ ينطقون بِالْحَقِّ، ويتصامَمُون عَن استماعه، فَهُم فيِ الآخِرَة كذلك لاَ يُبصِرون مَا تَقرُّ به أعينهم، وَلاَ يسمعون مَا يَلذُّ مسامعهم، وَلاَ ينطقون مَا يُقبل مِنْهُم؛ {مأواهم جَهَنَّم كُلَّما خَبَت} طفِئَ لَهَبها {زدناهم سعيرا (97)} تَوَقُّدا.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ويعلموا». انظر الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 542.
(2) - ... في الأصل: «ملكا رسولا من السماء»، وهو خطأ، وقع فيه تقديم وتأخير. (2/380)
صفحة 778
ذَلِكَ جزاؤهم بأنَّهم كَفَرُوا بِآيَاتِنا} بِحُجَجِنا {وَقَالُوا: أئذا كُنَّا عِظاما ورُفاتا، أئنَّا لمبعوثون خلقا جديدا (98)}؟ فأجابهم الله: {أولم يروا أنَّ الله الذِي خلق السَّمَاوَات والأَرْض قادرٌ عَلَى أن يَخلقَ مثلهم} مِنَ الإنس، {وجعل لَهُم أجلاً لاَ رَيب فِيهِ، فأبى الظالمون إِلاَّ كُفورا (99)}.
{قل: لو أَنتُم تملكون خزائنَ رحمةِ رَبِّي} رحمةَ رِزْقِه، وسائر نِعَمِه عَلَى خلقه، {إِذًا لأمسكتم خشيةَ الإنفاق} أي: لَبَخِلتم خشية أن يُفنيه (لَعَلَّهُ) الإنفاق، {وكَانَ الإنسان قَتورا (100)} بخيلا.
{وَلَقَد آتينا موسى تِسعَ آياتٍ بَيِّنَات، فاسأل بَنِي إِسْرَائِيلَ إذ جاءهم، فقال لَهُ فرعون: إِنِّي لأظنُّك يا موسى مسحورا (101)} سُحِرتَ فَخُولط عَقلك؛ وقيل: مخدوعا؛ وقيل: مصروفا عَن الحقِّ؛ وقيل: ساحر، فَوُضِع المفعول موضعَ الفاعل؛ وقيل: معطِيَ السحر بهذه العجائب التِي تَفعَلُها من سِحرِك.
{قَالَ: لَقَد علمتَ مَا أنزلَ هؤلاء} الآيات، {إلاَّ رَبُّ السَّمَاوَات والأَرْض بصائرَ} أي: بَيِّنَات مكشوفات، ولكنَّك معاند؛ ونحوه: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسُهم ظُلما وعلوًّا} (1) ثُمَّ قارع ظنَّه بظنِّه، بقوله: {وإنيِّ لأظنُّك يا فرعون مثبورا (102)} كأنَّه قيل: إن ظننتني مسحورا، فأنا أظنُّك مثبورا، و ظَنيِّ أصحُّ من ظنِّك، لأَنَّ لَهُ أمارة ظاهرة، وهي إنكارك (لَعَلَّهُ) مَا عَرفتَ صحَّته، ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها؛ وَأَمَّا ظنُّك فَكَذِب (لَعَلَّهُ) ومكابرة. وقال الفرَّاء: «مثبورا: مصروفا عَن الخير، من قولهم: مَا ثَبَرَك عَن هَذَا، أي: مَا مَنَعَك وصرفَك». وقيل: ملعونا.
{__________
(1) - ... سورة النمل: 14. (2/381)
صفحة 779
فأراد أن يستفزَّهم} يُخرجهم {مِنَ الأَرْض} أرضَ مِصرَ؛ أو ينفيهم عَن ظَهْر الأَرْض بالقتل، {فأغرقناه ومَن معه جميعا(103)} فحاق بهم مَكرهم. {وقلنا من بعده لبَنِي إِسْرَائِيلَ: اسكنوا الأَرْض، فإذا جاء وعدُ الآخِرَة جِئنا بكم لفيفا(104)} جميعا مُختلطين إيَّاكم وإياهم، ثُمَّ يحكم بينكم، ويُميِّز بين سُعدائكم وأشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتَّى.
{وبالحقِّ [324] أنزلناه وبالحقِّ نَزَل} وما أنزلنا القرآن إِلاَّ بالحكمة؛ {وَمَا أرسلناك إِلاَّ مُبَشِّرا ونذيرا(105) وقرآنا فَرَقنَاه} أي: فصَّلناه؛ أو فرَّقنا فِيهِ الحقَّ مِنَ الباطل؛ وقيل: نزَّلناه، نحو ما لم ينزل مرَّة وَاحِدَة[كَذَا]، بدليل قراءة ابن عبَّاس عَلَى مَا يوجد عَنْهُ: {فرَّقناه} بالتشديد. وقيل: بالتخفيف، أي: فصَّلناه. {لِتَقرَأَه عَلَى الناسِ عَلَى مُكْثٍ} عَلَى تُؤدَة وتَثَبُّت، ليخلُص لَهُم سرَّه. {ونزَّلناه تنزيلا(106)} عَلَى حَسَبِ الحوادث.
{قل: آمنوا بِهِ أَو لاَ تُؤمنوا} أي: اختاروا لأنفسكم النعيم المقيمَ، أو العذابَ الأليمَ، ثُمَّ علَّل بقوله: {إنَّ الذِينَ أُوتوا العلمَ مِن قبله} أي: التَّوْرَاة مِن قَبْلِ القرآن، {إِذَا يُتلَى عليهم} القرآن، أو العلمُ الذِي أُوتوه {يَخرُّون للأذقان سُجَّدا(107)} أي: يَسقطون عَلَى الأذقان. قَالَ ابن عبَّاس: «أراد بها الآخِرَة»[كَذَا].
{ (2/382)
صفحة 780
ويقولون: سبحان رَبِّنَا إن كَانَ وعدُ رَبِّنَا لمفعولا (108)} لقوله: {آمنوا بِهِ أو لاَ تؤمنوا} أي: أَعرض عَنْهُم، فإنَّهم إن لمَ يُؤمنوا ولم يُصدِّقوا فإنَّ [أُناسًا] خيرا مِنْهُم، وَهُم العلماء الذِينَ قرؤوا الكتب، قد آمنوا بِهِ وصدَّقوا. {ويخرُّون للأذقان يبكون} ومعنى الخرور للذِّقن: السقوط عَلَى الوجه، وإنَّما خُصَّ الذقن، لأَنَّهُ أقرب الأشياء مِن وجهه إِلىَ الأَرْض عند السجود، {ويَزِيدُهم} أي: القرآن {خُشوعا (109)} خُضوعا، ولين قلب، ورطوبة عين. ومعنى الخشوع: الانقياد لله (لَعَلَّهُ) عَن عادته التِي أَلِفَها طَبْعُه، كما يقال: خَشَعَ الغصنُ مِنَ الشجرة.
{قل: ادعوا اللهَ أو ادعُوا الرحمن} قيل: لَمَّا سَمِعه أبو جهل يقول: «يالله يا رحمن»، قال: «إِنَّهُ نهينَا (1) أن نَعبُدَ إلهين، وَهُوَ يدعو إلها آخر»، نزلت. وقيل: إنَّ أهل الكتاب قَالُوا: «إنَّك لَتُقِلُّ ذكر الرحمن، وقد أكثر الله فيِ التَّوْرَاة هَذَا الاسم»، فَنَزَلت. والدعاء: بمعنى التسميَّة، لاَ بمعنى النداء. «أو»: للتخيير، أي: سَمُّوا بهذا الاسم أو بهذا؛ أو اذكروا إمَّا هَذَا وَإمَّا هَذَا، {أيًّا مَّا تدعوا} أيَّ هذين الاسمين ذَكرتم وسَمَّيتم، {فله الأسماء الحسنى} الضمير فيِ «فَلَه» يَرجع إِلىَ ذات الله تعالى. قوله (2): {فَلَهُ الأسماء الحسنى}، لأَنَّهُ إِذَا حَسُنَت أسماؤه كلُّها حَسُنَ هذان الاسمان لأنَّهما منهما؛ ومعنى كونها أحسن الأسماء، أنَّها مستقلَّة بمعاني التحميد والتقديس والتعظيم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «نهانا»، أو «ينهانا».
(2) - ... يبدو أنَّ في العبارة سقطا، ونجد تمامها عند الزمخشري، قال: «والمعنى: أيًّا ما تدعو فهو حسن، فوضع موضعه قوله: {فَلَهُ الأسماء الحسنى} ... » إلخ. الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 546. (2/383)
صفحة 781
وَلاَ تجهر بصلاتك} كأنَّه يَخرج فيِ المعنى لاَ تُرَاءِ بصلاتك الناسَ، {وَلاَ تُخافت بها} أي: لاَ تَتركها (1) حياء مِنَ الناس، وَاللهُ أعلم بتأويل كِتَابه؛ وقيل: غير ذَلِكَ؛ {وابتغ بين ذَلِكَ سبيلا (110)} اقصد بها وجه الله، واجعل الناس كالعَدَمِ حضورا (لَعَلَّهُ حَضَروا) أو غابوا؛ أو معناه: وَلاَ تجهر بصلاتك كلِّها، وَلاَ تُخافت بها كلِّها، وابتغ بين ذَلِكَ سبيلا، بِأَن تَجهر بصلاة الليل، وتُخافت بصلاة النهار، قيل: لأَنَّهَا عَجمَى.
{وقل: الحمد لله الذِي لم يتَّخذ ولدا، ولم يكن لَهُ شريك فيِ الملك} كما زعم المشركون، {ولم يكن لَهُ وليٌّ مِنَ الذلِّ} أي: لم يَذلَّ فيحتاج إِلىَ ناصر، {وكبِّره تكبيرا (111)} وعَظِّمه، وَصِفْه بأنَّه أكبر بِأَن يكون لَهُ ولد أو شريك.
سورة الكهف
بسم الله الرحمن الرحيم
{الحمد لله الذِي أَنزل عَلَى عبدِه الكتابَ} القرآنَ؛ أَلقَنَ الله عباده وَوَفَّقَهم كيف يثنون عليه، ويحمدونه عَلَى أجزل نَعمائِه عَلَيْهِم، وهي نعمة الإسلام؛ [325] وَمَا أَنزل عَلَى مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الكتاب الذِي هُوَ سبب نجاتهم فيِ الآخِرَة، وغناهم فيِ الدُّنْيَا، {ولم يجعل لَهُ عِوَجًا (1)} أي: سببا مِنَ العوج، والعوج فيِ المعاني، كالعوج فيِ الأعيان؛ يقال: فيِ رأيه عِوَجٌ، وفي عصاه عِوَج؛ والمراد: نفي الاختلاف والتناقض فيِ معانيه، وخروج شيء مِنْهُ مِنَ الحكمة.
{__________
(1) - ... هَذَا القول عدول عن المعنى الظاهر من غير موجب. وَهُوَ ــ كما ذكر الألوسي ــ مرويٌّ عن الحسن، وابن عبَّاس، وَلَكِنَّهُ قال: «والأكثرون عَلَى التفسير المرويِّ عنه أَوَّلاً»، وَهُوَ غير ما ذكره المصنِّف. للتفصيل انظر: الألوسي: روح المعاني، 15/ 1994 - 195. الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 547. (2/384)
صفحة 782
قَيِّمًا} مستقيما، أي: جعله قَيِّما، لأَنَّهُ إِذَا نَفَى عَنْهُ العِوَجَ فقد أثبت لَهُ الاستقامة؛ وفائدة الجمع بين نفي العوج، وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غِنًى عَن الآخرِ: التأكيدُ، لأَنَّهُ رُبَّ مُسْتَقِيمٍ مشهود لَهُ بالاستقامة لاَ يخلو (1) من أدنى عِوَج عند التصفُّح؛ أو قَيِّمًا عَلَى سائر الكتب مُصدِّقا لها، شاهدا بصحَّتها. {لِيُنذِرَ بأسا} عذابا {شديدا مِن لَدُنهُ} صَادرًا (2) مِن عِندِه فيِ الدارين، {ويُبَشِّر المؤمنين الذِينَ يَعْمَلُونَ الصالحات أنَّ لَهُم أجرًا حسنا (2) مَاكِثين فِيهِ أبدا (3)} لاَ ينتقلون عَنْهُ إِلاَّ إِذَا انتقلوا بأنفسهم.
{ويُنذِرَ الذِينَ قَالُوا: اتَّخَذَ الله ولدا (4)، مَا لَهُم بِهِ مِن عِلم وَلاَ لآبائهم، كَبُرَت كلمةً تَخرج من أفواههم} صفةُ «كلمةً» تفيد استعظاما لاجترائهم عَلَى النطق [بها] (3)، وإخراجها من أفواههم؛ فإنَّ كثيرًا مِمَّا يُوسوسُه الشيطان فيِ قلوب الناس مِنَ المنكَرَات لاَ يتمالكون أن يتفوَّهوا بِهِ، بَل يَكظِمُون (4) عليه، فكيف بمثل هَذَا المنكر، {إن يقولون} (لَعَلَّهُ) أي: مَا يقولون {إلاَّ كَذِبا (5)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يخل»، وهو خطأ، لأَنَّ “لا” نافية، وليست ناهية. وانظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 548.
(2) - ... في الأصل: «صادر»، وهو خطأ. وانظر: المصدر نفسه.
(3) - ... إضافة من الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 549.
(4) - ... في الأصل: «يكضمون»، وهو خطأ. وانظر: المصدر نفسه. (2/385)
صفحة 783
فلعلَّك باخعٌ} قَاتِل {نفسَك عَلَى آثارهم} أي: آثار الكفَّار، شبَّهه وإيَّاهم ــ حين تولَّوا عَنْهُ، ولَم يُؤمنوا بِهِ، وَمَا بداخله مِنَ الأسف عَلَى تَولِّيهم ــ برجل فارقه أحبَّتُه، فهو يتساقط حَسَرات عَلَى آثارهم، ويَبخَعُ نفسه وجدا عَلَيْهِم، وتلهُّفا عَلَى فِرَاقِهم. وقال سهل بن عبد الله فيِ هَذِهِ الآية ــ عَلَى مَا يوجد عَنْهُ ــ: «لعلَّك مُهلِكٌ نفسَك باتِّباع المراد فيِ هدايتهم وإيمانهم، وقد سبق مِنَّا الحكم فيِ إيمان المؤمنين، وكُفر الْكَافِرِينَ، فلا تَغيِير وَلاَ تبديل». وقال سهل أَيْضًا: «لَعَلَّك شاغلٌ نفسك عنَّا باشتغال لهم (1) حرصا عَلَى إيمانهم، مَا عليك إِلاَّ البلاغ؛ فلا يشغلك عنَّا (لَعَلَّهُ) غيرنا، (لَعَلَّهُ) وَهُوَ كقوله: {وأَمَّا مَن جَاءك يسعى وَهُوَ يخشى فأنت عَنْهُ تلهَّى} (2)». فإذا كَانَ حِرْصُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى إيمان أمَّته، لم يرض الله مِنْهُ ذلك الحرص، لأَنَّ فِيهِ ترك الرضا بالقضاء، وردَّ المقدور؛ فكيف يرضى مِن غيره الحرص عَلَى الدُّنْيَا الدَّنِيَّة، التِي هِيَ متاعُ الغرور، ومعدن الشرور!. {إن لم يُؤمِنُوا بهذا الحديثِ أَسَفًا (6)} مفعول لَهُ؛ أي: لفَرطِ الحزن. والأسف: المبالغة فيِ الحزن والغضب.
{إِنَّا جعلنا مَا عَلَى الأَرْض} أي: مَا عَلَى الدُّنْيَا {زينةً لها} أي: مَا يَصلُح أن يكون زينةً لها ولأهلها مِن زخارفِ الدُّنْيَا، وَمَا يُستحسن منها {لنبلوَهُم} لِنختبرهم {أَيُّهُم أحسنُ عملا (7)} وحُسنُ العمل: الزهد فِيهَا، وترك الاغترارِ بها؛ ثُمَّ زَهَّدَ فيِ الميلِ عنها، بقوله:
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالاشتغال بهم».
(2) - ... سورة عبس: 8 - 10. (2/386)
صفحة 784
وَإِنَّا لجَاعلون مَا عليها} مِنَ الزينةِ {صعيدًا} أرضا ملساء {جُرُزا (8)} يابسا، لاَ نبات فِيهَا، بعد أن كَانَت خَضراء مُعشِبَة. والمعنى: نعيدها بعد عِمَارَتها خرابا، بإماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار وغير ذَلِكَ.
وَلَمَّا ذَكَر مِنَ الآيات [326] الكُلِّيَّة (لَعَلَّهُ) بتزيُّن الأَرْض بِمَا خلق فوقها مِنَ الأجناس التِي لاَ حَصرَ لها، وإزالة ذَلِكَ كُلِّه كَأن لم يكن، فقال: {أم حَسِبتَ أنَّ أصحابَ الكهفِ والرقيم} يعني: أنَّ ذَلِكَ أعظم مِن قصَّة أصحابِ الكهفِ، وبقاء حياتهم مدَّة طويلة. والكهف: الغار الواسعُ فيِ الجبل. والرقيم: اسم كلبهم أو قريتهم؛ أو اسم كِتَابٍ كُتِب فِيهِ شأنهم؛ أو اسم الجبل الذِي فِيهِ الكهف؛ أو غير ذَلِكَ، {كَانُوا مِن آياتنا عَجَبًا (9)} لأهل العقول، لأَنَّ غيرهم يَتَعجَّبون من غير عَجَب، ومِن العُجْبِ لاَ يتعجَّبون.
{إذ أَوَى الفتيةُ إِلىَ الكهف، فَقَالُوا: رَبّنَا آتنا مِن لَدُنك رحمةً} أي: رحمةً مِن خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق، والأمن مِنَ الأعداء. والرحمة: مَا يُتوصَّل بها (1) إِلىَ الرحمة الأبديَّة، {وَهَيِّئ لَنَا مِن أَمرِنا رَشَدا (10)} حتَّى نكونَ بسببه راشدين مهتدين. قَالَ ابن عبَّاس: «رشدا: أي مَخرجا مِنَ العذاب في سلامة، وَهُوَ ضدُّ من كَانَ أمره فُرُطا».
{فضرَبْنَا عَلَى آذانهم فيِ الكهف} أي: ضرَبْنَا عليها حِجَابا مِن أن تَسمَعَ، يعني: أنَمناهم إنامة ثقيلة (2)، لاَ تُنبِّههم فِيهَا الأصوات، {سِنِين عددا (11)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «به».
(2) - ... في الأصل: «تعليه»، ولا مَعنَى له. انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 550. (2/387)
صفحة 785
ثُمَّ بعثناهم} أي: أيقظناهم مِن نَومهم {لِنعلمَ أيُّ الحزبين} (لَعَلَّهُ) المختلِفَين فيِ مُدَّة لَبثهم، لأَنَّهُم لَمَّا انتبهوا اختلفوا فيِ مُدَّة لَبثهم، وذلك قوله {قَالَ قائل مِنْهُم: كم لبثتم؟ قَالُوا: لَبِثنا يوما أو بعضَ يوم؛ قَالُوا: رَبُّكُم أعلم بِمَا لبثتم}. وكأنَّ الذين قالوا: «رَبُّكُم أعلم بِمَا لبثتم» هُمُ الذِينَ عَلموا أنَّ لبثهم قد تطاول. أو أيُّ الحزبين المختلفين من غيرهم {أَحصَى لِمَا لَبِثوا أمدا (12)} والمعنى: أنَّهم أضبط أمدًا لأوقات لبثهم بالأمارات والدلائل، وكأنَّهم أخصُّ مَدحًا مِنَ الذين قَالُوا: «لبثنا يومًا أو بعضَ يوم»، وإن كَانُوا لم يكتسبوا بذلك مَعَ الله عيبا وَلاَ ذَمًّا، لأَنَّهُم كأنَّهم قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سبيل الاجتهاد والرأي، لاَ عَلَى القطعِ بالشهادة بالغيب.
{نَحْنُ نَقصُّ عليك نَبَأَهُم بِالْحَقِّ} بالصدق، {إِنَّهُمْ فتيةٌ} جمع: فَتًى، والفتوَّة: بذل النَّدَى (1)، وكفُّ الأذى، وتَرك الشكوى؛ أو اجتناب المحارم، واستعمال المكارم؛ وقيل الفتىَ: مَن لاَ يَدَّعي قبل الفعل، وَلاَ يُزكِّي نفسه بعده. وقيل: شبابا. {آمنوا بربِّهم وزدناهم هُدًى (13)} يقينا وعِلما، وكَانُوا مِن خواصِّ دقيانوس، قد قذفَ فيِ قلوبهم الإيمان، وخافوا مِنْهُ ومِن قومه؛ وقالوا: لِنَخْلُ اثنان اثنان مِنَّا، فَيُظهر كلٌّ منهما مَا يُضمر بِهِ لصاحبه، فَفَعلوا؛ فحصل اتِّفَاقُهم عَلَى الإيمان.
{__________
(1) - ... في الأصل: «النداء»، وهو خطأ. قال في اللسان: «والندى عَلَى وجوه: ندى الماء، وندى الخير، وندى الشرِّ، وندى الصوت، وندى الحُضْر، وندى الدُّخْنة ... وندى الخير: هو المعروف». والمقصود المعنى الأخير. ابن منظور: لسان العرب، 6/ 610. مادَّة «ندي». (2/388)
صفحة 786
ورَبَطنا عَلَى قلوبهم} وقوَّيناهم بالصبر عَلَى هَجْرِ الأوطان، والفرار بالدين إِلىَ بعض الغِيرَان، وجسَّرناهم عَلَى القيام بكلمة الحقِّ، {إذ قاموا فَقَالُوا} بأمر الله، مِن قولهم قامَ بالأمر: إِذَا أظهره وأعلنه: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَات والأَرْض، لن نَدعو مِن دونه إلها} ولئن سَمَّيناهم آلهة، {لَقَد قُلنا إِذًا شططا (14)} قولاً ذاَ شططٍ، وَهُوَ الإفراد بالظلم (1)، والإبعاد فِيهِ.
{هؤلاء قومُنا اتَّخَذُوا مِن دونه آلهة، لولا يأتون عليهم} هلاَّ يأتون [327] عَلَى عبادتهم {بسلطان بَيِّن} بحجَّة ظاهرة، {فمن أظلم مِمَّن افترى عَلَى الله كَذِبا (15)} بنسبة الشريك إِلَيْهِ، بالقول أو الفعل أو الاعتقاد!.
{وإذ اعتَزَلتُمُوهُم} خطابٌ مِن بعضهم لبعض، حين صمَّمت عزيمتهم عَلَى الفرار بدينهم، {وَمَا يعبدون إِلاَّ الله} أي: فارقوهم عَلَى عبادة غَيْرِ الله، (لَعَلَّهُ) ولأن يخطِّئوهم عَلَى ما فعلوا من الحَقِّ [كَذَا]؛ وَفيِ ذلك (لَعَلَّهُ) دلالة عَلَى أَنَّهُ قد بقيت بقيَّة متمسِّكة بِالْحَقِّ، وعبادةِ الله، لا (2) {فأووا إِلىَ الكهف يَنشر لكم رَبّكُم من رحمته} عَلِموا أنَّه لاَ يضيع مَنِ التجأ إِلَيْهِ، {ويُهَيِّئْ لكم مِن أمرِكم مرفقا (16)} وَهُوَ مَا يُرتَفَق بِهِ، أي: يُنتَفَع بِهِ، وإنَّما قَالُوا: ذلك ثقة بفضل الله، وقوَّة فيِ رجائهم، لتوكُّلِهم عليه؛ وانظر كيف كان عاقبة مَن تَوَكَّل عليه، واصغ إِلىَ قوله، وتفكَّر واعتبر، إذ قَالَ:
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «الإفراط في الظلم». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 552.
(2) - ... كتب الناسخ هنا إحالة إِلىَ الحاشية، ولم يذكر أيَّ شَيْء فيها؛ وفيها نقص بيِّن. (2/389)
صفحة 787
وَتَرَى الشمسَ إِذَا طَلَعَت تزَاوَرُ عَن كهفهم} أي: تميل عنه، وَلاَ يقع شُعاعها عَلَيْهِم، لئلا تضرَّهم، {ذات (1) اليمين} جِهَة اليمين، {وإذا غَربَت تَقرِضُهم} تَقطعهم، أو تتركهم وتَعدِلُ عَنْهُم {ذات الشمال، وَهُم فيِ فجوةٍ مِنْهُ} فيِ مُتَّسع مِنَ الكهف؛ والمعنى: أنَّهم فيِ ظلِّ نهارهم كُلِّه لاَ تُصيبُهم الشمس، فيِ طلوعها وَلاَ غُروبها، مَعَ أنَّهم فيِ مكَانٍ واسع مُنفتِح مُعرَّض لإصابة الشمس، لولا أنَّ الله يحجبها عَنْهُم بقوله (2): {ذَلِكَ مِن آيات الله}؛ وقيل: فيِ مُنفَسح من غارِ [هِم]، ينالهُم فِيهِ روح الهواء، وبردُ النسيم، وَلاَ يحسُّون كرب الغار. {ذَلِكَ من آيات الله} أي: ما صنعه الله من ازورار الشمس وقرضها، طالعة وغاربة، أَنَّهُ من آيات الله؛ يعني: أنَّ ما كان فيِ ذَلِكَ السمتِ تصيبه الشمس وَلاَ تُصيبهم اختصاصا بالكرامة؛ وقيل: باب الكهفِ شَماليٌّ مستقبل لبنات نَعِش؛ فَهُم فيِ مقنأة (3) أبدا؛ ومعنى {ذَلِكَ مِن آيات الله} أنَّ شَأنهم وحديثهم مِن آيات الله. {مَن يَهدِ الله فَهو المهتدي} هُوَ ثناء عَلَيْهِم، بأنَّهم جاهدوا فيِ الله، وأسلموا لَهُ وجوههم، فأرشدهم إِلىَ نيل تلك الكرامة السَّنِيَّة؛ {ومَن يُضلِل فلن تَجِدَ لَهُ وليًّا مُرشدا (17)} أي: مَن أضلَّه فلا هاديَ لَهُ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «اذات»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لقوله».
(3) - ... «والمَقنأة والمَقنُؤَة: الموضع الذي لا تصيبه الشمس، وَفيِ حديث شريك: أَنَّهُ جلس في مقنؤة له، أي موضع لا تطلع عَلَيه الشمس، وهي المَقنَأَة أَيْضًا، وَقِيلَ: هما غير مهموزين». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 167. مادَّة «قنأ». (2/390)
صفحة 788
وتَحسبهم أيقاظا وَهُم رُقود، ونقلِّبُهم ذات اليمين وذات الشمال} عَن أن تَضرَّهم الأَرْض، {وكلبُهم باسطٌ ذِراعَيه بالوصيد} بالفِناء والعتبة (لَعَلَّهُ) يحفظهم عمَّن يُريد الضرَرَ بهم؛ {لو اطَّلَعتَ عَلَيْهِم لولَّيت مِنْهُم فرارا ولَمُلِئت مِنْهُم رُعبا (18)}.
{وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بَيْنَهُم} لِيَسألوا بعضهم بعضا، ويتعرَّفوا حالهم (1)، وَمَا صنع الله بهم، فيعتبروا ويستدلُّوا عَلَى عِظَم قُدرة الله، ويزدادوا يقينا، ويشكُروا مَا أنعم بِهِ عَلَيْهِم؛ {قَالَ قائل مِنْهُم: كم لبثتم؟ قَالُوا: لبثنا يوما أو بعض يوم؛ قَالُوا: رَبّكُم أعلم بِمَا لبثتم، فابعثوا أحدَكَم بوَرِقِكم} وهي الفضَّة المضروبة، {هَذِهِ إِلىَ المدينة، فلينظر أَيُّهَا أزكى} أَحَلَّ وأطيب {طعاما، فليأتكم برزق مِنْهُ وليتلطَّف} عند دخول المدينة وشراء الطعام، بكلام ليِّن سليم عَن التقاطع والتطلُّع عَلَى مَا فيِ الضمائر، {وَلاَ يُشعِرَنَّ بكم أحدا (19)} (لَعَلَّهُ) فانظر لَمَّا انتبهوا كَأن لم يكن لَهُم بُدٌّ مِنَ الطعام، لتعرف فائدة الإنامة.
{إِنَّهُمْ إن يَظهَروا عليكم} أي: تطلَّعوا عَلَى أحوالكم ودينكم {يَرجُموكم} يقتلوكم {أو يُعِيدوكم فيِ ملَّتهم} [328] (لَعَلَّهُ) يَرُدُّوكم إِلىَ دينهم، {ولن تُفلِحوا إِذًا أبدا (20)} إذ الفلاح مُنافٍ (2) للرجوع فيِ دينهم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وصواب العبارة عند الزمخشري: «لِيَسألَ بعضهم بعضا، ويعرِفوا حالهم». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 554.
(2) - ... في الأصل: «منافي»، وهو خطأ. (2/391)
صفحة 789
وكذلك أعثرنا عَلَيْهِم ليعلموا أنَّ وعدَ الله حقٌّ} (لَعَلَّهُ) بإعادة (1) الخلق للجزاء؛ {وأنَّ الساعةَ لاَ ريب فِيهَا، إذ يتنازعون بَيْنَهُم أمرهم} (لَعَلَّهُ) فيما يجوز فِيهِ التنازع؛ {فَقَالُوا: ابنوا عَلَيْهِم بُنيانا} أي: عَلَى باب كهفهم، لئلاَّ يتطرَّق إِلَيْهِم الناس، {رَبُّهم أعلم بهم} رَدُّوا العلم إِلىَ الله عند اختلافهم؛ {قَالَ الذِينَ غَلَبوا عَلَى أمرهم: لنتَّخذنَّ عَلَيْهِم مسجدا (21)}.
{سيقولون: ثلاثةٌ رابعهم كلبهم، ويقولون: خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم؛ قل: رَبِّي أعلم بِعِدَّتهم مَا يعلمهم إِلاَّ قليل، فلا تُمارِ فِيهِم إِلاَّ مِرَاء ظاهرا} (لَعَلَّهُ) لاَ عَلَى القطع والتديُّن بِهِ، {وَلاَ تَستَفتِ فِيهِم مِنْهُم أحدا (22)} لأَنَّ [ـهُ] ليس مَعَ أحد مِنْهُم دلالة علم.
{وَلاَ تقولَنَّ لشيء: إِنِّي فاعل ذَلِكَ غدا (23) إِلاَّ أن يَّشَاء الله، واذكر رَبّكَ إِذَا نسيتَ} (لَعَلَّهُ) أي: إِذَا عصيته، {وقل: عسى أن يَهديني رَبِّي لأقربَ (2) من هَذَا رشدا (24) ولبثوا فيِ كهفهم ثلاث مائةٍ سنينَ وازدادوا تسعا (25)} قَالَ قائل: «أمَّا الثلاثمائة فقد عرفناها، وَأَمَّا التسعُ فلا علم لَنَا بها».
{قل: اللهُ أعلم بِمَا لَبثوا، لَهُ غيبُ السَّمَاوَات والأَرْض} فالغيب مَا يغيب عَن إدراكك، وَاللهُ لاَ يغيب عَن إدراكه شَيْء. {أبصرْ بِهِ وأسمع} أي: وأَسمِع بِهِ. والمعنى: مَا أبصره بِكُلِّ موجود، وَمَا أسمعه بِكُلِّ مسموع. {مَا لَهُم} لأهل السَّمَاوَات والأَرْض {مِن دونه مِن وليٍّ} من مُتَولٍّ لأمورهم، {وَلاَ يُشركُ فيِ حُكمه أحدا (26)} فيِ قضائه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فإعادة»، ولا مَعنَى له.
(2) - ... في الأصل: «لا أقرب»، وهو خطأ. (2/392)
صفحة 790
واتل مَا أُوحيَ إليك مِن كِتَاب رَبِّكَ لاَ مُبدِّل لكلماته} أي: لاَ يقدر أحد عَلَى تبديلها وتغييرها، {ولن تَجِدَ مِن دونه مُلتَحَدا(27)} مُلتجأً، (لَعَلَّهُ) إن لم يتَّبع القرآن.
وَلَمَّا قَالَ قوم من رؤساء الكفرة لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : نَحِّ هؤلاء الفقراء، وَهُم صهيب وخبَّاب وسلمان، وغيرهم من فقراء المُسْلِمِينَ حتَّى نُجالسك، نزل: {واصبر نَفسَك مَعَ الذِينَ يدعون ربَّهم} أي: احبسها وثبِّتها عَلَى سنَّتهم وطريقتهم، واهتَدِ بهداهم، كَانُوا فيِ الوجود أو العدم، {بالغداة والعشيِّ}، لأَنَّهُم عون عَلَى الدين، ورَفضٌ لزينة الحياة الدُّنْيَا؛ {يريدون وَجهَه} رضاه، {وَلاَ تَعْدُ عيناك عَنْهُم} وعن طريقتهم المثلى، {تريد زينةَ الحياة الدُّنْيَا} (لَعَلَّهُ) تريد اللهو مَعَ اللاَّهين، والخوض مَعَ الخائضين، واللعب مَعَ اللاعبين، {وَلاَ تُطِع مَن أغفلنا قَلبَه عَن ذِكرِنا واتَّبَعَ هواه} أنسيناه ذكرَنا من قلبه، باتِّباع هواه، لأَنَّ ذكر الله والهوى متنافيان، لاَ يجتمعان فيِ شيء واحد، لأَنَّ الهوى من نتائج إبليس. {وكَانَ أمره} من أمر دينه ودنياه {فُرُطا(28)} (لَعَلَّهُ) بمعزل عَن حصن التوحيد.
{ (2/393)
صفحة 791
وقل الحقُّ مِن رَبّكُم، فمن شاء فَليؤمن، ومَن شاء فليكفر} أي: جاء الحقُّ، وزاحتِ العِلَل، فلم يبق إِلاَّ اختياركم لأنفسكم مَا شئتم مِنَ الأخذ فيِ طريق النجاة أو طريق الهلاك؛ وجيء بلفظ الأمر والتخيير لِمَا (1) مَكَّن من اختيار أيِّهما شاء، فكأنَّه مخيَّر مأمور بأن يختار مَا شاء مِنَ النجدين. ثُمَّ [بَيَّن] جزاء من اختار الكفر فقال: {إِنَّا أعتدنا} هيَّأنا {للظالمين نارا أحاطَ بهم سُرَادقها} شبَّه مَا يحيط بهم مِنَ النار بالسُّرادق، وَهُوَ الحجرة [329] التِي تكون حول الفسطاط، {وإن يستغيثوا} مِنَ العطش، {يُغَاثوا بماء كالْمُهل} قيل: هُوَ دُردِيُّ (2) الزيت، أو مَا أُذيب من جواهر الأَرْض، {يَشوي الوجوه} إِذَا قُدِّم ليُشرب شَوَى الوجه من حرارته، {بِئْسَ الشراب وساءت مرتفقا (29)} (لَعَلَّهُ) حال (3) لأَنَّهُ ليس فيها شيء مِمَّا يُسِرُّ أهلها.
{إنَّ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيع أجر مَن أَحسن عملا (30)} (لَعَلَّهُ) ثُمَّ ذكر جزاءهم فقال: {أُولَئِكَ لَهُم جنَّاتُ عدنٍ تجري من تحتهم (4) الأنهار، يُحلَّون} (لَعَلَّهُ) يُزيَّنون، لتكون الزينة نعمة لَهُم ولأمثالهم، كما أنَّ منظر أهل النار عذابا لَهُم (5). {فِيهَا من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خُضرًا من سُندس} (لَعَلَّهُ) قيل: هو مَا رَقَّ مِنَ الديباج، {وإستبرقٍ} (لَعَلَّهُ) قيل: مَا غلظ؛ {متَّكئين فِيهَا عَلَى الأرائك نعم الثواب وحسُنت مرتَفَقا (31)}.
{__________
(1) - ... في الزمخشري: «لأنَّه لَمَّا مكَّن ... ». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 561.
(2) - ... دُردِيُّ الزيت وغيره: ما يبقى في أسفله؛ ودُريد: تصغير أدرد مرخَّما. الرازي: مختار الصحاح، ص 136؛ مادَّة: درد.
(3) - ... في الأصل: «حالا»، وَهُوَ خطأ.
(4) - ... في الأصل: «تحتها»، وهو خطأ.
(5) - ... كذا في الأصل، والصواب: «عذابٌ لهم»، وفيها إشارة إِلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئًا. (2/394)
صفحة 792
واضرب لَهُم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنَّتين مِن أعناب، وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنَّتين آتت أكلها ولم تظلم مِنْهُ شَيْئًا (1) وفجَّرنا خلالهما نهرا (33) وكَانَ لَهُ ثمر} أنواع مِنَ المالِ، مِن «ثَمَّرَ مالَه»: إِذَا كثَّره؛ أي: كَانَت لَهُ إِلىَ الجنَّتين الموصوفتين الأموالُ الكثيرة؛ {فقال لصاحبه وَهُوَ يحاوره} يُراجعه فيِ الكلام، مِن حَارَ يَحُور: إِذَا راجع، ويريه مَا فيهما، ويُفاخره بِمَا مَلَكَ مِنَ المال دُونه، {أنا أكثر منك مالاً وأعزُّ نفرا (34)} أنصارا وحشما، أو أولادا ذكورا؛ لأَنَّهُم يَنفرون معه دون الإناث.
{ودخل جنَّته وَهُوَ ظالم لنفسه} ضارٌّ لها بكفره، {قَالَ: مَا أظنُّ أن تَبِيد هَذِهِ أبدا (35)} أي: أن تهلك هَذِهِ الجنَّة؛ شكَّ فيِ بَيْدُودَة جنَّته لطول أمله، واستحسان رأيه، وتمادي غفلته، واغتراره بالمهلة، وكأنَّه اطمأنَّ إِلىَ مَا فيِ يده دون مَا عند الله، ولم يجعلها كأنَّها وديعة مُودَعَة فيِ يده، مُستردَّة مِنْهُ عَن قريب، إمَّا بموته هُوَ، أو بذهابها من يده ببعض الأسباب؛ ونرى أكثر الأغنياء تنطق ألسنة أحوالهم بذلك، إِلاَّ الذِينَ آمنوا، وقليل ماهم.
{__________
(1) - ... هنا إحالة إِلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئًا. (2/395)
صفحة 793
وَمَا أظنُّ الساعةَ قائمة} كائنة، {ولئن رُدِدت إِلىَ رَبِّي لأجدنَّ خيرا منها} إن رُدَّ إِلىَ ربِّه ــ كما يزعم صاحبه ــ ليجدنَّ فيِ الآخِرَة خيرا من جنَّته فيِ الدُّنْيَا، ادِّعاء لكرامته عليه ومكانه (1) عنده. وترى أكثر أهل الغرور قد غرَّتهم الحياة الدُّنْيَا، وغرَّهم بالله الغَرُورُ؛ فَهُم مُتَّصِفون بهذه الصفة، وإن لم تنطق بها ألسنتهم (لَعَلَّهُ) الصوريَّة؛ فقد اتنطق (2) ألسنتهم الحالية، {مُنقَلَبا (36)} مَرجِعا وعاقبة.
{قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يُحاوره: أكفرت بالذي خلقك من تراب}؟ أي: خلقَ أصلك من تُراب، {ثمَّ مِن نطفة ثُمَّ سوَّاك رجلا (37)} عدَّلك، وكمَّلك إنسانا ذكرا بالغا مَبلَغ الرجال؛ صار (لَعَلَّهُ صِرتَ) كافرا بالله، لشكِّه، لشكِّك (3) فيِ الغيب؛ {لكنَّا هُوَ الله رَبِّي} أي: لكنِّي مؤمن به موحِّد له، مطيع لأمره، {ولا أُشرك بربِّي أحدا (38)} أي: لاَ أعصيه فيِ أمرٍ وَلاَ نهي.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «مكانته». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 563.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تنطق»، أو «أنطق الله».
(3) - ... «لشكِّك» إضافة من الناسخ فيما يبدو. والعبارة عند الزمخشري: «جعله كافرا بالله، جاحدا لأنعمه لشكِّه فيِ البعث». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 564. (2/396)
صفحة 794
ولولا} وهلاَّ {إذ دخلت جنَّتك، قلت: مَا شاء الله} المعنى: هلاَّ قلت عند دخولها، والنظر إِلىَ مَا رزقك الله منها إِلاَّ: «مَا شاء الله» اعترافا بأنَّها وكُلَّ مَا فِيهَا، إِنَّمَا حصل بمشيئة الله، وأنَّ أمرها بيده، إن شاء تركها عامرة، وإن شاء خربها، وإن شاء نزعها من يدي، وملَّكها غيري بإحسار منِّي، أو اضطرار، وقلت: {لاَ قوَّة إِلاَّ بالله} [330] إِقْرَارًا بِأَنَّ مَا قُوِّيتَ بِهِ عَلَى عِمارتها، وتدبير أمرها [إِنَّمَا] (1) هُوَ بمعونته وتأييده. {إن تَرَنِ (2) أنا أقلَّ منك مالا وولدا (39) فعسى رَبِّي أن يُؤتيني خيرا مِن جنَّتك} فيِ الدارين، {ويُرسِل عليها حُسبانا} عذابا {من السَّمَاء فَتُصبِحَ صعيدا زَلَقًا (40)} أرضا بيضاء يُنزَلَق عليها لِمَلاستها.
{أو يصبح ماؤها غورا} غائرا، أي: ذاهبا فيِ الأَرْض، وفي المعنى: كلُّ (لَعَلَّهُ) مَن كفر بالله فماله بهذه الصفة، لأَنَّهُ لاَ ينتفع بِهِ فيِ دينه، بَل أشدُّ خسرانا مِنْهُ، لأَنَّهُ مُتَعذِّب بِهِ فيِ الدارين، وإن كَانَ موجودا فيِ يده مُتصرِّفا فِيهِ، {فلن تستطيع لَهُ طَلَبًا (41)} فلا يتأتَّى لك طلبه، فضلا عَن الوجود؛ والمعنى: إن تَرَنِي أفقر منك، فأنا أتوقَّع من صُنع الله أن يقلب مَا بي وَمَا بك مِنَ الفقر والغنى، فيرزقني فيِ الدُّنْيَا لإيماني جنَّة أتقوَّى بها عَلَى مرضاته، خيرا من جنَّتك، لأَنَّهَا لك استدراج وغرور، ويسلُبك إيَّاها لكفرك، فلا يبقى لك منها إِلاَّ الخسران، وذلك تفرُّس مِنْهُ فيِ عواقب الأمور، وقد كَانَ بهما مَا توقَّع، فقال:
{__________
(1) - ... إضافة من الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 564.
(2) - ... في الأصل: «إن تراني». وَهُوَ خطأ. (2/397)
صفحة 795
وأُحِيطَ بثَمَرِه} هُوَ عبارة عَن إهلاكه، وأصله: مِن «أحاط بِهِ العدوُّ»، لأَنَّهُ إِذَا أحاط بِهِ فقد ملكه واستولى عليه؛ ثُمَّ استُعمل فيِ كلِّ إهلاك، {فأصبح} أي: الكافر {يقلِّب كفَّيه} يضرب أحدهما (1) عَلَى الأخرى ندما وتَحسُّرا؛ وإنَّما صار تقليب الكفَّين كناية عَن الندم والتحسُّر، لأَنَّ النادم يُقلِّب كفَّيه ظهرا لبطن، كما كَنَّى عَن ذَلِكَ بِعَضِّ الكفِّ (2)، والسقوط فيِ اليد (3)، لأَنَّهُ فيِ معنى الندم، كأنَّه قيل: فَأَصبح يندم، وكذا أعمال الْكَافِرِينَ أجمع يكون عَلَيْهِم (لَعَلَّهُ) الخسران. {عَلَى مَا أنفق فِيهَا} أي: فيِ تَأصِيلها وعمارتها، {وهي خاويةٌ عَلَى عُرُوشِها} يعني: أنَّ كُرُومها المعروشة سَقَطت عروشها عَلَى الأَرْض، وسقطت فوقها الكروم؛ {ويقول: يا ليتني لم أُشرِكْ بربِّي أحدا (42)} تَذَكَّر موعظةَ أخيهِ، فعلم أنَّه أُوتي من جهة كفره وطغيانه.
{ولم تكن لَهُ فئةٌ يَنصرونه} يقدرون عَلَى نُصرته {مِن دون الله} أي: هُوَ وحده القادر عَلَى نُصرته، لاَ يقدر أحد غيره أن ينصره، إِلاَّ أنَّه لم ينصره لحكمة، {وَمَا كَانَ مُنتَصِرا (43)} وَمَا كَانَ مُمتنعا بقوَّته عَن انتقام الله.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إحداهما».
(2) - ... وذلك في قوله تعالى: {وإذا خلوا عضُّوا عليكم الأنامل من الغيظِ} سورة آل عمران: 119.
(3) - ... وذلك في قوله تعالى: {وَلَمَّا سُقط في أيديهم ورأوا أَنَّهُمْ قد ضلُّوا قالوا لئن لم يرحمنا ربُّنا ويغفرْ لنا لنَكونَنَّ من الخاسرين} سورة الأعراف: 149. (2/398)
صفحة 796
هُنَالِك الوَلايةُ لله الحقِّ} أي: النصرَةُ لله وحدَه لاَ يملكها غيره، وَلاَ يستطيعها أحد سواه. تقريرا لقوله: {ولم تكن لَهُ فئةٌ ينصرونه مِن دون الله}؛ أو هنالك السلطان والملك لله لاَ يُغلَب؛ أو مثل تلك الحال الشديدة، يتولَّى اللهَ ويُؤمنُ بِهِ كلُّ مضطرٍّ، يعني: أنَّ قوله: {يا ليتني لَم أُشرك بربِّي أحدا} كلمة أُلجئ إِلَيْهِا، فقالها جَزَعا مِمَّا دهاه مِن شُؤمِ كُفره، ولولا ذَلِكَ لم يقلها؛ أو هنالك الولايةُ لله ينصر فِيهَا أَولِياءه المؤمنين عَلَى الكفرة، وينتقم لَهُم؛ يعني: أنَّه نَصَرَ فيما فَعَلَ بالكافر أخاه المؤمنَ، وصدَّق قولَه: {فعسى رَبِّي أن يُؤتِيَني خيرا من جنَّتك ويرسل عليها حسبانا مِنَ السَّمَاء}، ويؤيِّده قوله: {هُوَ خيرٌ ثوابا وخيرٌ عُقُبا (44)} أي: لأوليائه. أو “هنالك” إشارة إِلىَ الآخِرَة، أي: فيِ تلك الدار الوَلاَيَة لله، كقوله: {لمن الملك اليوم}؟ (1).
{واضرب لَهُم مثَل الحياة الدُّنْيَا كماءٍ أنزلناه من [331] السَّمَاء} أي: هُوَ كما أنزلناه، وَهَذَا مَثَلٌ لجميع مَا فيِ الدُّنْيَا، {فاختلط بِهِ نبات الأَرْض} فالتَفَّ بسببِه وتكاثَف، حتَّى خالط بعضه بعضا؛ أو أثَّر فيِ النبات الماءُ فاختلط بِهِ حتَّى روى، {فأصبح هشيما} يابسًا مُتكسِّرًا {تذروه الرياح} تَنسِفُه وتُطيره، {وكَانَ الله عَلَى كُلِّ شيء} مِنَ الإنشاء والإفناء، {مقتدرا (45)} قادرًا (2). شبَّه حال الدنيا فيِ نضرتها وبهجتها وعاقبتها مِنَ الهلاك والفناء بحال النبات: يكون أخضر، ثُمَّ يهيج، فتنسفه الرياح، كأنَّ لم يكن؛ فيبقى الجزاء.
{__________
(1) - ... سورة غافر: 16.
(2) - ... في الأصل: «قادر»، وهو خطأ. (2/399)
صفحة 797
المالُ والبنونَ زينةُ الحياة الدُّنْيَا} لاَ عُدَّةٌ للعقبى إِلاَّ إِذَا أُرِيدَ بِهِ لها؛ {والباقياتُ الصالحات} أعمال الخير التِي تَبقَى ثمرتها للعامل {خير عند رَبّكَ ثوابا} جزاء {وخير أَمَلا (46)} لأَنَّهُ وعدٌ صادق، وأكثر الآمال كاذبة؛ يعني: أنَّ صاحبها يأمل فيِ الدُّنْيَا ثواب الله، ويصيبه فيِ الآخِرَة.
{ويوم نُسيِّر الجبال} نَجعلها هباء منثورا. {وترى الأَرْض بارزةً} ليس عليها مَا يَسترها مِمَّا كَانَ عليها مِنَ الجبال والأشجار. {وحشرناهم} أي: الموتى، {فلم نُغَادر مِنْهُم أحدا (47)} أي: فلم نترك غادرةً، ومنه الغَدْرُ: ترك الوفاء؛ الغدير: مَا غَادَرَه السيل.
{وعُرِضوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} مُصطَفِّين ظاهرين يرى جماعتَهم (1) كما يرى كلَّ واحد، لاَ يَحجب أحدٌ أحدًا. شُبِّهت حالهم بحال الجند المعرَضين عَلَى السلطان. {لَقَد جِئتمونا كما خلقناكم أوَّل مرَّة} أي: لَقَد بعثناكم كما أنشأكم أوَّل مرَّة؛ أو جئتمونا عُراةً لاَ شيء معكم كما خلقناكم أوَّلاً؛ (لَعَلَّهُ) أو جئتمونا بلا عمل ينفع، هُوَ بيِّنٌ أبيَنُ مِمَّا تقدَّم، لقوله: {بَل زَعَمتُم} بلسان المقال، أو بلسان الحال {ألَّن نجعَلَ لكم موعِدا (48)} وقتا لاَ يُجاوز مَا وُعدتم عَلَى أَلسِنة الأنبياء مِنَ البعث.
{__________
(1) - ... في الأصل: «جماعهم»، وهو خطأ. انظر الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 567. (2/400)
صفحة 798
وَوُضِع الكتاب} أي: صُحف الأعمال {فترى المجرمين مُشفِقين} خائفين {مِمَّا فِيهِ} مِمَّا قدَّموه مِنَ الذنوب، خلاف المؤمنين، فإنَّهم يبتهجون بِمَا فِيهِ، ويفرحون ويستبشرون، {ويقولون: يا ويلتنا} يا هَلاَكَنا؛ والويل والويلة: الهلكة؛ وكلُّ من وقع فيِ هلكة دعا بالويل، {مَا لهذا الكتاب لاَ يُغَادِر صغيرة وَلاَ كبيرة}، لأَنَّهُ مأخوذ بالصَّغائر والكبائر، {إلاَّ أحصاها، ووَجَدوا مَا عملوا حاضرا} جزاء مَا عَمِلوا مِنَ الصغيرة والكبيرة، {وَلاَ يظلِم رَبُّكَ أحدا (49)} فيكتب عليه مَا لاَ يعمل؛ أو يزيد فيِ عقابه المستحقِّ عقابه؛ أو يُعذِّبه بغير جُرم.
{وإذ قلنا للمَلاَئِكَة: اسجدوا لآدمَ} سجودَ تحيَّة وإجلال وتعظيم؛ أو سجودَ انقيادٍ، {فسجدوا، إِلاَّ إبليس كَانَ مِنَ الجنِّ} هُوَ مُستأنف، كَأنَّ قائلا قَالَ: مَا لَهُ لم يسجد؟ فقيل: «كَانَ مِنَ الجنِّ». {فَفَسَق عَن أمرِ ربِّه} خرج عمَّا أمره بِهِ ربُّه مِنَ السجود؛ وَهُوَ دليل عَلَى أنَّه كَانَ مأمورًا بالسجود مَعَ المَلاَئِكَة. {أَفتتَّخذونه وذرِّيَّته} «الهمزة»: للإنكار والتعجُّب، كأنَّه قيل: أَعُقَيْبَ مَا وُجِد مِنْهُ الإيباء تتَّخذونه وذرِّيته {أولياءَ مِن دوني} وتستبدلونهم بي. وكَأنَّ هَذِهِ الآية تدلُّ عَلَى أن ليس فيِ ذرِّيَّته مطيع تجوز وَلايته، وكَأنَّ الجنَّ من غَيْرِه، لأَنَّ فِيهِم المطيع والعاصي. {وَهُم لكم عدوٌّ} وفي الجنِّ أولياء وأعداء، بدليل قوله: {وَإِنَّا مِنَّا المُسْلِمُونَ ومِنَّا القاسطون} (1) {بِئْسَ للظالمين بَدَلا (50)} بئس البدل [332] مِنَ الله إبليسُ، لمن استذلَّه فأطاعه بَدَلَ طاعته، وعَبَدَه بَدَلَ عِبَادته.
{__________
(1) - ... سورة الجن: 14. (2/401)
صفحة 799
مَا أشهدتُهم} أي: إبليسَ وذرِّيته {خَلْقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْض} يعني: أَنَّكُم اتَّخَذتموهم شركاء لي فيِ العبادة، وإنَّما يكونون شُركاء فِيهَا لو كَانُوا شُركاء فيِ الإلهيَّة، فَنَفَى مُشَاركتهم فيِ الإلهيَّة بقوله: {مَا أشهدتُّهم خَلقَ السموات والأَرْض} لأعتضد بهم فيِ خلقها، وأشاورهم فِيهِ؛ أي: تفرَّدتُ بخلق الأشياء، فأَفرِدُوني فيِ العبادة، {وَلاَ خَلْقَ أنفسِهم} أي: وَلاَ أشهدت بعضهم خلق بعضٍ. {وَمَا كنتُ متَّخذَ المُضِلِّين} أي: وَمَا كنتُ متَّخذَهم {عَضُدا (51)} أعوانا؛ فَوَضَع المُضلِّين مَوضِعَ الضمير ذمًّا لَهُم بالإضلال؛ فإذا لم يكونوا عَضُدًا لي فيِ الحقِّ، فما لكم تتَّخذونهم شركاء لي فيِ العبادة؟!.
{ويوم يقول} الله لِلكُفَّارِ: {نادوا} ادعوا بصوتٍ عالٍ {شُرَكَائي الذِينَ زعمتم} أنَّهم شُرَكَاء لي لِيمنعُوكم من عذابي، وأراد الجنَّ؛ وأضاف الشركاء إِلَيْهِ ــ عَلَى زَعمِهم ــ توبيخا لَهُم. {فَدَعَوهم فلم يستجيبوا لَهُم، وجعلنا بَيْنَهُم مَّوبِقًا (52)} مَهلِكا، من وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا: إِذَا هلك؛ أو به (1) مصدر كالوعد؛ أي: وجعلنا بَيْنَهُم وادِيًا من أودية جهنَّم، هُوَ مكَان الهلاك والعذاب الشديد، مُشتَرَكا يُهلَكُونَ فِيهِ جميعا.
{ورأى المجرمون النارَ فظنُّوا} فأيقنوا {أنَّهم مُوَاقِعوها} بأعمالهم السيِّئة التِي عَمِلوها، وماتوا عليها مُصرِّين، {ولم يجدوا عنها مَصْرِفا (53)} مَعْدِلا، انصرافا، أو مكانا يَهربون إِلَيْهِ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أو هو مصدرٌ»، أو - «به». (2/402)
صفحة 800
وَلَقَد صرَّفنا فيِ هَذَا القرآن للنَّاس مِن كُلِّ مَثَلٍ} يحتاجون إِلَيْهِ، {وكَانَ الإنسان أكثرَ شيء جَدَلاً (54)} أي: أكثرَ الأشياءِ التِي يَتَأتَّى مِنْهُ (1) الجدل، إن فصَّلتها وَاحِدا بعد وَاحِد، خصومة ومماراة بالباطل؛ يعني: أنَّ جَدَلَ الإنسان أكثر مِن جَدَل كلِّ شيء، كقوله: {فإذا هُوَ خصيم مبينٌ} (2)؛ وقيل المراد: الكفَّار، لقوله: {ويُجادِل الذِينَ كَفَرُوا بالباطل} (3)، و (لَعَلَّهُ) قيل عَلَى العموم.
{وَمَا مَنَعَ الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدَى} أيُّ هُدًى كَانَ، {ويستغفروا ربَّهم، إِلاَّ أن تأتيهم سُنَّة الأوَّلين أو يأتيهم العذاب} تقديره: وَمَا مَنَعَ الناس الإيمانَ والاستغفارَ إِلاَّ انتظارُ أن تأتيهم سُنَّة الأَوَّلين، وهي الموت؛ أو الانتظار (4) أن يأتيهم العذاب، يعني: عذاب الآخِرَة {قُبُلاً (55)} جمع قبيل؛ وقيل: عَيَانا، بمعنى: المقابلة؛ وقيل: فجأة. وقرئ بضمِّ (لَعَلَّهُ) القاف والباء (5)، أي: أصناف عذابٍ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «منها».
(2) - ... سورة النحل: 4؛ وسورة يس: 77.
(3) - ... سورة الكهف: 56. في الأصل: «(لَعَلَّهُ) بالباطل».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «انتظار».
(5) - ... وهي قراءة حفص التي اعتمدناها في ضبط الآيات، ونلاحظ خلط المصنِّف بين القراءتين في كامل التفسير، فأحيانا يكتب الآيات بهذه القراءة وأحيانا بتلك. (2/403)
صفحة 801
وَمَا نُرسل المرسَلين إِلاَّ مبشِّرين} المؤمنين، {ومُنذِرِين} الْكَافِرِينَ. {ويُجَادِل الذِينَ كَفَرُوا بالباطل لِيُدحضوا بِهِ الحقَّ} ليُزِيلوا، أو يُبطِلوا بالجدال الحقَّ، وأصل الدَّحْضِ: الزلق. {واتَّخذوا آياتي} أي: مَا كَانَ مِنَ الآيات التِي فَرَعَت أفهامهم، {وَمَا أُنْذِروا هُزُوًا (56)} لأَنَّهُم إِذَا لَم يقبلوها للمعل [كَذَا] فقد اتَّخذوها هُزُؤًا، لقوله: {وإذا خَلَوا إِلىَ شياطينهم قَالُوا: إِنَّا معكم إِنَّمَا نَحْنُ مستهزِئون} (1).
{وَمَن أظلمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّه} مِن كِتَاب أو سنَّة أو إجماع، أو حجَّةِ عقلٍ، وغير ذَلِكَ. {فَأَعْرَضَ عنها} تولَّى عنها وتَرَكَها ولم يُؤْمِن بها؛ ولم يتذكَّر حين ذُكِّرَ، ولم يتدبَّر {وَنَسِيَ} عاقبةَ {مَا قدَّمَت يداه} مِنَ الكفر والمعاصي؛ وَلاَ نظر فيِ أنَّ المسيءَ والمحسنَ لاَبُدَّ لهما من جزاء، لقوله: {ولْتَنظُر نفسٌ مَا قَدَّمت لِغَدٍ} (2)؛ ثُمَّ عَلَّل [333] إعراضهم ونِسيَانَهم بأنَّهم مطبوعٌ عَلَى قلوبهم، بقوله: {إِنَّا جعلنا عَلَى قُلُوبهم أَكِنَّة} أغطية؛ جمع كِنَان: وَهُوَ الغطاء؛ {أن يَفقَهوه} يريد: أن لاَ يفهموه، {وفي آذانهم} العقليَّة {وقرا} ثِقْلاً وصَمَمًا عَن استماع الحقِّ. {وإن تدْعُهُم (3) إِلىَ الهدى فلن يهتدوا إِذًا أبدا (57)} مدَّةَ التكليف كلِّها؛ وَهَذَا فيِ أقوام عِلمِ الله مِنْهُم أنَّهم (لَعَلَّهُ) لا يُؤْمِنُونَ.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 14. في الأصل: - «إِنَّا معكم».
(2) - ... سورة الحشر: 18.
(3) - ... في الأصل: «تدعوهم»، وهو خطأ. (2/404)
صفحة 802
ورَبُّكَ الغَفُور} البليغ المغفرة، {ذو الرحمة} الموصوف بالرحمة، {لو يُؤَاخِذُهم بِمَا كَسَبوا لَعَجَّل لَهُمُ العذابَ} أي: ومِن رحمته ترك مؤاخذته لَهُم. {بَل لَهُم مَوعِدٌ لَن يَجِدوا مِن دُونِه مَوْئِلا (58)} مَنْجًا ومَلجَأً؛ يقال: «وَأَلَ» إِذَا نجا، و «وَأَلَ إِلَيْهِ» إِذَا لجأ (1).
{وتلك القُرَى أهلكناهم} المراد: مَن تَقَدَّم مِن قومِ نوح وعاد وثمود وغيرهم، {لمَّا ظَلَموا، وجعلنا لِمَهلَكِهم مَوعدا (59)} فضرَبْنَا لإهلاكهم وقتا مَعلُوما لاَ يَتَأَخَّرون عَنْهُ، كما ضرَبْنَا لهؤلاء؛ والمَهْلَكُ: الإهلاك.
{وإذ قَالَ موسى لفتاه} الذِي يَخدمه ويَتبَعُه: {لاَ أَبرَحُ} لاَ أزول طلبا للعلم (2) {حتَّى أبلغَ مَجْمَعَ البحرين} وَهُوَ المكَانَ الذِي وُعِدَ فِيهِ موسى لقاء الخَضِر، {أو أَمضِيَ حُقُبا (60)} أو أسير سنينَ طوالا؛ قيل: قَالَ موسى [لِرَبِّه]: «إن كَانَ فيِ عِبَادك مَن هُوَ أعلم منِّى فادللنِي عليه؟، قَالَ: أعلم منك الخَضِر؛ قَالَ: أين أطلبه؟ قَالَ: عَلَى الساحل عند الصخرة؛ قَالَ: يا ربِّ كيف لي بِهِ؟ قَالَ: تأخذ حوتا، فحيث فقدته فهو هناك». ويحتمل كَانَ هَذَا مِن موسى قبل استنبائه؛ وبعد استنبائه (لَعَلَّهُ) تفسير لقوله: {فخذها بقوَّة} (3) يعني: الألواح؛ فأعلمنا الله بحاله لنقتدي بِهِ؛ إن كَانَ قبل الاستنباء أو بعده، لقوله: {فبهداهم اقتده} (4).
{فَلَمَّا بَلَغَا مَجمعَ بينِهِما نَسِيَا حُوتَهما فاتَّخذَ سبيلَه فيِ البحر} أي: اتَّخَذَ طريقا لَهُ مِنَ البرِّ إِلىَ البحر {سَرَبًا (61)} أي: سَرَبَ فِيهِ سَرَبًا؛ يعنى: دَخَل فِيهِ واستتر بِهِ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وءل إِذَا نجا، ووءل إِلَيْهِ إِذَا لجئ».
(2) - ... انظر التحقيق في مَعنَى {لا أبرح} في الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 570.
(3) - ... سورة الأعراف: 145.
(4) - ... سورة الأنعام: 90. وفي الأصل: «فاقتده»، وهو خطأ. (2/405)
صفحة 803
فَلَمَّا جاوزا} مَجمَع البحرين، ثُمَّ نزلا وقد سارا ما يشاء الله {قَالَ} موسى {لفتاه: آتنا غَدَآءَنا، لَقَد لَقِينا من سَفَرِنا هَذَا نَصَبا (62)} تَعبا. {قَالَ: أرأيت إذ أَوَيْنَا إِلىَ الصخرة} هي موضع الموعد. {فإنِّي نَسِيتُ الحوتَ}، ثُمَّ اعتذر فقال: {وَمَا أنسانيه إِلاَّ الشيطانُ} بإلقاء الخواطر فيِ القلب {أن أَذكُرَه} أي: وَمَا أنساني ذِكره إِلاَّ الشيطان، {واتَّخذ سبيله فيِ البحرِ} اتِّخَاذا {عَجَبا (63)} وَهُوَ أنَّ أَثَرَه بقيَ إِلىَ حيث سار.
{قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبغِ} نطلب؛ لأَنَّ ذهاب الحوت كَانَ علما عَلَى لقاء الخضر. {فارتدَّا عَلَى آثارهما} فرجعا فيِ الطريق الذِي جاءا فِيهِ، {قَصَصًا (64)} يَقُصَّان قَصَصًا؛ أي: يَتْبَعان آثارهما اتِّبَاعا. قَالَ الزجَّاج: «القَصَصُ: اتِّباعُ الأثَر».
{فَوَجَدا عَبدا مِن عِبَادنا} أي: الخضِر، أو غيره {آتيناه رحمةً مِن عندِنا، وعلَّمناه مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65)} قيل: العلم اللَّدُنِّي: مَا حَصَل للعبد بطريق الإلهام؛ وقيل: عِلمُ الباطن.
{قَالَ لَهُ موسى: هل أتَّبعك عَلَى أن تُعلِّمني مِمَّا عُلِّمتَ رُشدًا (66)}؟ أي: عِلما ذا رشدٍ، أَرشُدُ بِهِ فيِ ديني؛ وفيه دليل عَلَى أنَّه لاَ ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كَانَ قد بلغ مَا بلغ مِنْهُ، وأن يتواضع لمن هُوَ أعلم مِنْهُ. {قَالَ إنَّك لن تستطيعَ [334] مَعي صبرا (67)} أي: عَن الإنكار والسؤال؛ وإنَّما قَالَ ذَلِكَ لأَنَّهُ عَلِمَ أنَّه يرى (لَعَلَّهُ) منكرة (1)، وَلاَ يجوز للأنبياء أن (لَعَلَّهُ) يصبروا (2) المنكرات؛ ثُمَّ بيَّن عُذرَه فيِ ترك الصبر:
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ما ينكره».
(2) - ... هنا أحال الناسخ إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئًا، وَفيِ العبارة نقصٌ تقديره: «عن النهي عن المنكرات»، أو نحو ذلك. (2/406)
صفحة 804
وكيف تصبر عَلَى مَا لم تُحِط بِهِ خُبرا (68)}؟! نفيُ استطاعةِ الصبر معه، عَلَى وجه التأكيد؛ وعلَّلَ ذَلِكَ بأنَّه يتولَّى أمورا هِيَ فيِ ظاهرها مَنَاكِر، والرجل الصالح لاَ يَتمَالك إِذَا رأى ذَلِكَ، فكيف إِذَا كَانَ نبيًّا.
{قَالَ: ستجدني إن شاء اللهُ صابرا} عَن الإنكار والاعتراض، {وَلاَ أعصي لك أمرا (69)} لأَنَّهُ مَعَ عِصيانه لَهُ لاَ يجب عليه تعليمه، ومع ذَلِكَ تَتَنَافَر القلوب بينهما، {قَالَ: فإن اتَّبعتني} (لَعَلَّهُ) أي: ائتممت [بي] {فلا تسألَنِّي عَن شيء حتَّى أُحدِث لك مِنْهُ ذِكرا (70)} أي: فمن شرط اتِّبَاعِك لي، أنَّك إِذَا رأيت منِّي شَيْئًا ــ وقد عَلِمت أنَّه صحيح، إِلاَّ أنَّه خَفِيَ عليك وجه صحَّته فأنكرت فيِ نفسك ــ أن لاَ تُفَاتِحني، وَلاَ تُرَاجعني فِيهِ، حتَّى أكون أنا الفاتح عليك، وَهَذَا لحكمةٍ عَلِمَها الله.
{فانطلقا} مُصطحبين {حتَّى إِذَا ركبا فيِ السفينة، خرقها؛ قَالَ: أخرقتها لِتُغرق أهلها؟ لَقَد جئت شَيْئًا إِمرًا (71)} أتيت شيئا عظيما، مِن أمر الأمر، إِذَا عظم. {قَالَ: ألم أقل إنَّك لن تستطيعَ معي صبرا (72) قَالَ: لاَ تؤاخذني بِمَا نَسِيتُ} قَالَ ابن عبَّاس: «إنَّه لم ينس، ولكنَّه مِن معاريض الكلام». {وَلاَ تُرهقني مِن أمري عُسرا (73)} أرهقه: إِذَا غشيه، وأرهقه إيَّاه: أي أغشاه، وَلاَ تُغشِنى عُسرا: وَهُوَ اتِّبَاعه إيَّاه عَلَى متابعتك، ويسرها عَلَى الاعضاء (1)، وترك المناقشة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَفيِ العبارة خلط كبير، وصوابها نجده عند الزمخشريِّ: «وَلاَ تُغشِنى {عُسرا} من أمري، وَهُوَ اتِّبَاعه إيَّاه، يعني: ولا تعسر عَلَيَّ متابعتك، ويسِّرها عَلَيَّ بالإغضاء، وترك المناقشة». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 574. (2/407)
صفحة 805
فانطلقا حتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَما فقتله، قَالَ: أقتلت نفسا زكيَّة} وهي الطاهرة مِنَ الذنوب؛ وقيل: كَانَ غلامًا (لَعَلَّهُ) لم يبلغ؛ وقيل: كان رجلاً بالغًا عاصيًا لله؛ فكَانَ فعله عقوبة لَهُ، ورحمة لأبويه. قَالَ ابن عبَّاس: «لم يكن نبيُّ الله يقول: {أَقتلت نفسا زكيَّة} (لَعَلَّهُ) إِلاَّ وَهُوَ صبيٌّ لم يبلغ»، {بغير نفس؟ لَقَد جئتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74)} ينكره الشرع.
{قَالَ: ألم أقل لك إنَّك لن تستطيع معي صبرا (75)؛ قَالَ إن سألتك عَن شيءٍ بعدَها فلا تُصَاحِبْني، قد بلغتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا (76)} أَعذَرت فيما بيني وبينك فيِ الفراق.
{فانطلقا حتَّى إِذَا أَتَيَا أهلَ قريةٍ استطعما أهلها} استضافا {فأبَوْا أن يُّضَيِّفوهما، فوجدا فِيهَا جدارا يريد أن ينقضَّ} أي: يسقط؛ وَهَذَا مِن مجاز الكلام، {فأقامه} أي: سوَّاه، {قَالَ: لو شئتَ لاتَّخذتَ عليه أجرا (77)} أي: لَطَلَبت عَلَى عملك جُعْلاً حتَّى تستدفع بِهِ الضرورة.
{قَالَ: هَذَا فراقُ بيني وبينك، سأنبِّئك بتأويل مَا لم تستطع عليه صبرا (78) أمَّا السفينة: فكانت لمساكين يَعْمَلُونَ فيِ البحر، فأردت أن أَعِيبها، وكَانَ وراءهم مَلِكٌ يأخذ كلَّ سفينة غَصْبًا (79)} أي: يأخذ كلَّ سفينة صالحة لاَ عيب فِيهَا، وإن كَانَت (1) مَعيبة تَرَكَها.
{وأمَّا الغلام: فكَانَ أبواه مؤمنين، فخشينا} أي: فَعَلِمنا {أن يُرهِقَهما} أن يفتنهما {طغيانا وكفرا (80)} (لَعَلَّهُ) بميلهما وحُبِّهما عَلَى طغواه وكفره؛ {فأردنا أن يُبدلَهما ربُّهما خيرا مِنْهُ زكاةً وأقربَ رُحمًا (81)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «كان»، وهو خطأ. (2/408)
صفحة 806
وَأَمَّا الجدار: فكَانَ لغلامين يتيمين فيِ المدينة، وكَانَ تحته كنز لهما} (لَعَلَّهُ) قيل: كَانَ مالا؛ وقيل: كَانَ صُحفًا فِيهَا عِلْمٌ؛ وقيل: لَوْحٌ مِن ذَهَب، مكتوب فِيه: «عَجَبا لمن أيقن بالموت كيف [335] يفرح؛ عجبا لمن أيقن بالقَدَرِ كيف يحزن؛ عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب؛ عجبا لمن أيقن بالحساب كيف (لَعَلَّهُ) يغفل؛ عجبا لمن أيقن (لَعَلَّهُ) بزوال الدُّنْيَا ... » (1)؛ {وكَانَ أبوهما صالحا، فأراد رَبُّكَ أن يبلغا أَشُدَّهما} يُدرِكا شِدَّتهما، {ويستخرجا كنزهما رحمةً مِن ربِّك} (لَعَلَّهُ) وفيه دليل عَلَى أنَّ المالَ الصالحَ للرَّجل الصالح؛ {وَمَا فعلتُه عَن أمري} أي: باختياري وأمري، وإنَّما فعلته بأمر الله، {ذَلِكَ تأويل مَا لم تسطِع عليه صبرا (82)} (لَعَلَّهُ) رُوي: «لمَّا همَّ موسى بفراقه، قَالَ لَهُ: أوصني، قَالَ: لاَ تطلب العلم لتحدِّث بِهِ، واطلبه لتعمل بِهِ».
{ويسألونك عَن ذي القرنين} قيل: سُمِّيَ ذا القرنين، لأَنَّهُ انقرض فيِ وقته قَرنَان مِنَ الناس؛ {قل: سأتلو عَلَيْكُم مِنْهُ ذكرا (83)}.
{__________
(1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلى الحاشية ولم يتمم فيها العبارة، وأوردها الزمخشريُّ، ولكن بلفظ: «عجبت» بدل: «عجبا» في كُلِّ مرَّة. وتمام العبارة: «وعجبتُ لمن يعرف الدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يطمئنُّ إِلَيْهَا». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 579. (2/409)
صفحة 807
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فيِ الأَرْض} التمكين: تمهيد الأسباب، {وآتيناه مِن كلِّ شيء} أراده من أغراضه، ومقاصده فيِ ملكه؛ أَرَادَ: مِن كلِّ مَا يستعين بِهِ الملوك عَلَى فَتحِ المدن، ومحاربة الأعداء، {سَبَبًا (84)} طريقا موصلاً إِلَيْهِ. {فأتبع سَبَبًا (85)} والسبب: مَا يُتَوصَّل بِهِ إِلىَ المقصود، مِن عِلمٍ، أو قُدرة؛ فأراد بلوغ المغرب، فأتبع سببا: يوصله إِلَيْهِ حتَّى بلغ؛ وكذلك أَرَادَ المشرق فأتبع سببا، وأراد بلوغ السدَّين فأتبع سببا؛ «ثُمَّ أتبع» كوفيٌّ وشاميٌّ، الباقون بِوَصل الألف وتشديد التاء. عَن الأصمعي: «أتبع: لَحِقَ، واتَّبع: اقتفى وإن لم يلحق».
{حتَّى إِذَا بَلَغَ مَغربَ الشمس} أي: مُنتَهى العمارة نحو المغرب، وكذا المطلع، {وجدها تَغرُبُ فيِ عين حَمِئَة} ذات حمأة، مِنَ حَمِئَت (1) البئر: إِذَا صارت فِيهَا الحَمْأة. «حَامِيَةٌ» شاميٌّ وكوفيٌّ غَيْر حفص، بمعنى حارَّة. {وَوَجَد عندها} عند تلك العين {قوما} عُراةً مِنَ الثياب؛ {قلنا: يا ذا القرنين} (لَعَلَّهُ) ألهمه ذَلِكَ {إمَّا أن تُعذِّب، وَإمَّا أن تَتَّخذ فِيهِم حُسنا (86)} (لَعَلَّهُ) أي: إليك الاختيار فيِ أن تعصي الله فِيهِم، أو تطيع.
{قَالَ: أمَّا مَن ظَلَمَ فسوف نعذِّبه، ثُمَّ يُردُّ إِلىَ ربِّه فيعذِّبه عذابا نُكْرًا (87)} أي: مُنكَرا بالنار فيِ القيامة؛ يعني: أمَّا مَن دَعَوته إِلىَ الإسلام فأبى إِلاَّ البقاء عَلَى الظلم، فذاك هُوَ المعذَّب فيِ الدارين.
{__________
(1) - ... في الأصل: «حمت»، والصواب ما أثبتناه من الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 581. «والحَمْأَة: الطين الأسود المنتن ... وحَمِئت البئر حَمَأً بالتحريك، فهي حَمِئةٌ إذا صارت فيها الحمْأة وكثرت». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 712. (2/410)
صفحة 808
وأمَّا مَن آمن وعملَ صالحا} أي: عَمِل مَا يقتضيه الإيمان {فله جزاءً الحسنى} أي: فله الفعلة الحسنى التِي هِيَ كلمة الشهادة؛ (لَعَلَّهُ) أي: التوفيق والثواب، {وسنقول لَهُ مِن أَمرِنا يُسرا (88)} أي: ذا يُسرٍ، أي: يأمره باليسر لاَ بالعسر.
{ثمَّ أَتبع سببا (89)} أي: (لَعَلَّهُ) سَلَكَ طريقا ومنازل {حتَّى إِذَا بلغ مَطلِع الشمس، وجدها تطلع عَلَى قوم لم نجعل لَهُم من دونها سترا (90)} أي: أَبنِيَةً؛ وقيل: الستر: اللباس. {كذلك} أي: أمر ذي القرنين كذلك؛ أي: كما وصفناه آمرا بالمعروف، ناهيًا عَن المنكر، مُجيبا لدين الله. وهكذا يَجب عَلَى كلِّ مسلم بِمَا بلغ إِلَيْهِ طَوْلُه وحَوْلُه وقوَّتُه وقدرته مِن إحياء دين الله وإماتة البدع؛ {وقد أَحطنا بِمَا لديه} مِن الجنود والآلات والأسباب {خُبْرًا (91)} أو بلغ مَطلِع الشمس مثل ذَلِكَ؛ أي: كَمَا بَلَغ مغربها؛ أو يطلع عَلَى قوم مثل ذَلِكَ القبيل الذِي تغرب عَلَيْهِم؛ يعني: أنَّهم كَفَرَة مِثلهم، وحكمهم [مثل حكمهم] (1) فيِ تعذيبه لمن بقيَ مِنْهُم عَلَى الكفر وإحسانه إِلىَ مَن آمن مِنْهُم.
{ثمَّ أتبع سببا (92)} سلك طريقا، {حتَّى إِذَا بلغ بين السدَّينِ} بين الجبلين: وهما جَبلاَن (2) {وَجَدَ [336] مِن دونهما} مِن ورائهما {قومًا لاَ يكادون يفقهون قولا (93)} فإن قيل: كيف قَالُوا وَهُم لاَ يفقهون قولا؟ قيل: كلَّم عَنْهُم مترجم، ويُحتمل لاَ يكادون يفقهون قولا حقًّا، ويعضد ذَلِكَ ما بعده.
{__________
(1) - ... إضافة من الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 582. ليستقيم التركيب.
(2) - ... كذا في الأصل، وَهُوَ تكرار لا مَعنَى له، وعند الزمخشريِّ: «وهما جبلان سَدَّ ذو القرنين ما بينهما». المصدر نفسه. (2/411)
صفحة 809
قَالُوا: يا ذا القرنين إنَّ يأجوج ومأجوج مُفسدون فيِ الأَرْض، فهل نجعل لك خَرْجًا} جُعلا نُخرجُه من أموالنا {عَلَى أن تَجعل بيننا وبينهم سَدًّا (94) قَالَ: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خير} أي: مَا جعلني فِيهِ مَكِينا (1) مِن كثرة المال واليسار (لَعَلَّهُ) والعلم، خير مِمَّا تَبذُلون لي مِنَ الخراج، فلا حاجة لي إِلَيْهِ؛ {فأعينوني بقوَّة} بعَمَلَة وصُنَّاع يُحسنون البناء والعمل بالآلات، {أَجْعَلْ بينكم وبينهم رَدْمًا (95)} حاجزا حصينا مُوَثَّقا؛ والردم: أكبر مِنَ السدِّ عَلَى مَا قيل.
{آتوني زُبَرَ الحديد} قِطَعَ الحديد؛ والزُّبرَة: القطعة الكبيرة؛ قيل: حَفَرَ للأساس حتَّى بَلَغَ الماء، وجعل الأساس مِنَ الصخرِ والنحاس المذاب، والبنيانَ مِن زُبَرِ الحديد، بينهما الحطب والفحم، حتَّى سَدَّ مَا بين الجبلين إِلىَ أعلاهما؛ ثُمَّ وضع المنافخ حتَّى إِذَا صارت كالنار صَبَّ النحاسَ المذابَ عَلَى الحديد المحميِّ، فاختلط والتصق بعضه ببعض، وصار جبلا صلدا. وبُعدَ ما بين السدَّين يعلمه الله، ومَن أَعلَمَه مِن خلقه. {حتَّى إِذَا ساوى بين الصَّدَفَينِ} جانبي الجبلين، لأَنَّهما يتصادفان، أي: يتقابلان، {قَالَ: انفخوا} أي: قَالَ ذو القرنين للعَمَلة: انفخوا فيِ الحديد، {حتَّى إِذَا جَعَلَه نارا} أي: صارَ الحديد المنفوخ كالنار، {قَالَ آتوني أُفرِغ} أصُبَّ {عليه قِطرًا (96)} نُحاسا مُذابا، لأَنَّهُ يقطر.
{فما اسطَاعُوا أن يظهروه} أن يعلوه {وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا (97)} أي: لاَ حيلةَ لَهُم فِيهِ من صعود لارتفاعه، وَلاَ نَقْبَ لصلابته.
{__________
(1) - ... في الأصل: «مكين»، وهو خطأ. (2/412)
صفحة 810
قَالَ: هَذَا رحمة مِن ربِّي} أي: هَذَا السدُّ نعمة مِنَ الله ورحمة عَلَى عباده؛ أو هَذَا الإقدار والتمكين مِن تسويته؛ {فإذا جاءَ وعدُ ربِّي} فإذا دَنَا مَجيء القيامة، وشارَفَ إتيانُها {جعله دَكَّاءَ} مبسوطا مسوَّى بالأَرْض، وكلُّ مَا انبسط بعد ارتفاع، فقد اندكَّ. «دَكَّاء» كوفيٌّ؛ أي: أرض مستوية؛ {وكَانَ وعدُ رَبِّي حقًّا (98)} آخر قول ذي القرنين.
{وتَرَكنا} وجعلنا {بعضَهم} بعضَ الخلقِ {يومئذ يَمُوجُ} يختلط {فيِ بعضٍ} أي: يضطربون ويختلطون، إنسهم وجِنُّهم، حَيَارى سُكارى لاَ يسلكون طريقا، وَلاَ يهتدون سبيلاً؛ وَهَذَا وصف للعاصين مِنَ الخليقة؛ ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج حين (1) يَخرجون مِنَ السدِّ مُزدحمين فيِ البلاد؛ {ونُفِخَ فيِ الصور} لقيام الساعة، {فجمعناهم} أي: جميع الخلائق للثواب والعقاب {جَمْعًا (99)} فيِ صعيد وَاحِد.
{وَعَرَضنا} وأبرزنا {جَهَنَّم يومئذ للكَافِرِينَ عرضا (100)} أظهرناها لَهُم، فرأوها وشاهدوها عَيَانًا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «حتى»، وهو خطأ. انظر الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 584. (2/413)
صفحة 811
الذِينَ كَانَت أَعينهم} أعينُ بصائرهم؛ وسُمِّيت أَعْيُنا عَلَى قدر أهويتهم، لأَنَّ الهوى ظُلمَة تَمنع نورَ البصيرة، فيكون كالغطاء المانع عَن التبصرة لحقائق الأشياء؛ فكانت (لَعَلَّهُ) البصيرة تُبصر الغطاءَ وَلاَ تُبصر الشيء الذِي غطَّاه؛ فإذا خالف العبد الهوى فيِ شيء [337] مِنَ الأشياء الدُّنْيَويَّة ارتفع الحجابُ عَن ذَلِكَ الشيء، وأبصر بنور بصيرته الحقَّ، وإن اتَّبع هواه فيِ ذَلِكَ الشيء، تراكمت الظُّلمة عَلَى عين البصيرة، فَلاَ تَقدِر أن تستبصر عاقبةَ الأمر. {فيِ غطاءٍ عَن ذِكري} الغطاء: هُوَ الحجاب الذِي ذَكرناه؛ والذكر: هُوَ حقيقةُ الأمر وسرُّه. {وكَانُوا لاَ يستطيعون سَمعا (101)} أي: وكَانُوا صُمًّا عَنْهُ، بَل أبلغ مِنَ الصُّمِّ؛ إذ الأصمُّ قد يستطيع السمع إِذَا صِيح بِهِ؛ وهؤلاء كأنَّهم أصميت (1)، فلا استطاعة بهم للسمع.
{أفحسب الذِينَ كَفَرُوا أن يتَّخذوا عبادي من دوني أولياء} كلاَّ إنَّهم لاَ يكونون لَهُم أولياء، وإن اتَّخذوهم هم أولياء، (لَعَلَّهُ) ويعني: بـ «أولياء»: الشياطين، أطاعوهم مِن دون الله؛ وقيل: الأصنام؛ وقيل: الأهوية، وَهُوَ أصحُّ مَا قيل. فإنَّهم لاَ يضرُّون إن تركوا عِبادتهم، وَلاَ ينفعون إن عبدوهم بظنِّهم. {إِنَّا أعتدنا جهنَّم للكَافِرِينَ نُزُلاً (102)} هُوَ مَا يُقام للنَّزيل، وَهُوَ الضيف ونحوه؛ {فبشِّرهم بعذاب أليم} (2).
{__________
(1) - ... في الأصل: «أصمت». وما أثبتناه فمن الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 585.
(2) - ... سورة آل عمران: 24؛ وسورة التوبة: 34؛ وسورة الانشقاق: 24. (2/414)
صفحة 812
قل: هل نُنبِّئُكم بالأخسرين} أخسر مِن كلِّ خاسر {أعمالا (103)؟ الذِينَ ضلَّ سَعيُهم} ضاعَ وبَطُلَ، يعني: الذِينَ أتعبوا أنفسهم فيِ عمل، (لَعَلَّهُ) يرجون (1) بِهِ فضلا ونَوالا، فنَالوا بِهِ هلاكا {فيِ الحياة الدُّنْيَا، وَهُم يَحسبون أنَّهم يُحسنون صُنعا (104)} (لَعَلَّهُ) لِعُجْبهم بأعمالهم، واعتمادهم الحقَّ بغير دليل مِنَ الدليل (2)؛ ويحتمل هَذَا المتديِّنين خاصَّة؛ ويحتمل فيِ جميع الْكَافِرِينَ لعموم الآية، وَهُوَ قوله:
{أُولَئِكَ الذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ ربِّهم ولِقَائِه فَحَبِطَت أعمالهم، فلا نُقِيم لَهُم يوم القيامة وزنا (105)} فلا يكون لَهُم وَزْنٌ ومقدارٌ، لأَنَّهُم عُصَاة؛ فلا تقوم مِنْهُم طاعة. {ذَلِكَ جزاؤهم جَهَنَّم بِمَا كَفَرُوا، واتَّخذوا آياتي ورُسُلي هُزُوا (106)} أي: جزاؤهم جَهَنَّم، بكفرهم واستهزائهم بِآيَاتِ الله ورسله.
{إنَّ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات كَانَت لَهُم جنَّاتُ الفردوس نُزُلاً (107) خالدين فِيهَا لاَ يبغون عنها حِوَلاً (108)} تَحَوُّلاً إِلىَ غيرها رِضًى بِمَا أُعطوا؛ أي: لاَ مَزِيد عليها حتَّى تُنازعهم أنفسهم إِلىَ أجمع إِلىَ أغراضهم (3) مِمَّا هم فِيهِ وعليه، وَهَذَا غاية الوصف؛ لأَنَّ الإنسان وإن كَانَ فيِ الدُّنْيَا فيِ أَعَمِّ نعيم، فهو طامِحُ الطَّرْفِ إِلىَ أرفع مِنْهُ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يرجوا»، وهو خطأ، لأَنَّهُ لا موجب لحذف النون.
(2) - ... هنا إحالة إِلى الحاشية ولم يكتب فيها شَيْء، والعبارة ناقصة كما هو واضح.
(3) - ... كذا في الأصل، وعند الزمخشريِّ: «إلى أجمعَ لأغراضهم». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 586. (2/415)
صفحة 813
قل: لو كَانَ البحرُ مِدَادًا لِكَلِمات ربِّي} قَالَ أبو عبيدة: «المراد: مَا يُكتب بِهِ»؛ أي: لو كُتبت (1) كلماتُ علم الله وحكمته، وكَانَ البحر مدادا لها {لَنَفِدَ البحرُ قبل أن تَنفَدَ كلماتُ رَبِّي، ولو جئنا بمثله} بمثل البحر {مددا(109)} لنَفِدَ أَيْضًا، والكلمات غير نافدة؛ وقيل: قَالَ حييُّ (2) ابن أَخطَب: «فيِ كتابكم {ومن يُؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرا كثيرا} (3) ، ثُمَّ تقرؤون: {وَمَا أُوتيتم مِنَ العلم إِلاَّ قليلا} (4) » فنزلت؛ يعنى: أنَّ ذَلِكَ خير كثير، ولكنَّه قطرة من بَحرِ كلماتِ الله.
{قل: إِنَّمَا أنا بشرٌ مثلكم يُوحَى إليَّ (5) أنَّما إلهكم إله واحد} أي: يُوحَى إِلَىَّ أَنَّهُ إله واحدٌ، {فمن كَانَ يرجو لقاءَ ربِّه} فمن كَانَ يأملُ حُسنَ لقاءِ ربِّه، وأن يَلقَاه لقاءَ رضىً وقبول؛ أو فمن كَانَ يخاف سوءَ لقاءِ ربِّه؛ والمُرَاد باللقاء: القدوم عَلَى جزاء الأعمال؛ {فليعمل عملا صالحا} خالصا، لاَ يريد بِهِ إِلاَّ وجه ربِّه، وَلاَ يَخلط بِهِ غيره، {وَلاَ يُشرِكْ بعبادة ربِّه أحدا(110)} نهى عَن الشرك جَلِيِّه وخفيِّه، وعن الرياء. قَالَ - عليه السلام - : «اتَّقُوا [338] الشركَ الأصغرَ» قَالُوا: «وَمَا الشركُ الأصغرُ؟» قَالَ: «الرياء» (6) .
__________
(1) - ... في الأصل: «كتب»، وهو خطأ. انظر: م.ن.
(2) - ... في الأصل: «حي».
(3) - ... سورة البقرة: 269.
(4) - ... سورة الإسراء: 85.
(5) - ... في الأصل: - «إليَّ»، وهو خطأ.
(6) - ... رواه الإمام أحمد بلفظ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً»، رقم 22523، 22528. (2/416)
صفحة 814
وأرجو أنَّه يوجد عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن رَوح بن عربي أنَّه قَالَ: «إنَّ الشركَ يتصرَّف عَلَى ثلاثة وجوه: فشرك جحود، وشرك طاعة، وشرك رياء. فأمَّا شرك الجحود: فهو الإشراك بالله، يعني: الذِي يعدل بِهِ غيره؛ فكلُّ من جَحَدَ الله، أو عَبَدَ معه إلها آخر، وشكَّ فيِه، أو شكَّ فيِ رسوله، أو جحد بِمَا جاء بِهِ، فهو مشرك يلحقه اسم الشرك. وَأَمَّا شرك الطاعة: فهو طاعة الشيطان، وَهُوَ قوله: {فَلَمَّا آتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُركاء فيما آتاهما} (1)، فدخل عليهما فيِ طاعة الشيطان الشرك، من غير عبادة، يُعبد الشيطان من دون الله؛ كذلك قوله: {إِنَّمَا سُلطانه عَلَى الذِينَ يتولَّونه، وَالذِينَ هم بِهِ مشركون} (2)، وقوله: {إنِّي كَفَرتُ بِمَا أشركتمونِ مِن قبل} (3)، وقوله: {ألم أَعهَد إليكم يا بني آدم ألاَّ تعبدوا الشيطان، إِنَّهُ لكم عدوٌّ مبين} (4)، فعبادته هاهنا طاعةُ الشيطان، فقد عَبَدَه مِن حيث لاَ يعلم، وَهَذَا الشرك شرك الرياء، ويلحقه اسم النفاق، وَلاَ يلحقه اسم الجحود. كذلك شرك الرياء إِنَّمَا هُوَ شرك يَلحقه اسم النفاق، وَلاَ يلحقه اسم الجحود، وَهُوَ قوله: {مَن كَانَ يرجو لقاءَ ربِّه فليعمل عملا صالحا، وَلاَ يُشرك بعبادة ربِّه أحدا}، فدخل عليه الشرك مِن حيث لاَ يعلم، إِذَا (5) أَشرَك فيِ عبادة ربِّه غيره» انتهى كلامه. أحببت أن أنقل مِنْهُ مَا سألتنيه (6)، وقد حذفت مِنْهُ طلبا للاختصارِ، وسأكتبه عَلَى المعنى: «قَالَ الغزالي: والإخلاص يضادُّه الإشراك، فمن ليس مُخلصا فهو مشرك، إِلاَّ أنَّ الشرك درجات؛ والإخلاص فيِ التوحيد يضادُّه التشريك فيِ الإلهيَّة».
[
__________
(1) - ... سورة الأعراف: 190.
(2) - ... سورة النحل: 100.
(3) - ... سورة إبراهيم: 22.
(4) - ... سورة يس: 60.
(5) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إِذْ».
(6) - ... يمكن أن نقرأ: «سأكتبه». (2/417)
صفحة 815
تَمَّ بحمد الله وحسن عونه الجزء الثاني من التفسير، ويليه الجزء الثالث بحول الله ويبدأ بتفسير سورة مريم]
فهرس الجزء الثاني
سورة الأعراف ... 3
سورة الأنفال ... 70
سورة التوبة ... 100
سورة يونس ... 155
سورة هود ... 191
سورة يوسف ... 231
سورة الرعد ... 265
سورة إبراهيم ... 283
سورة الحِجر ... 302
سورة النحل ... 315
سورة الإسراء ... 353
سورة الكهف ... 385 (2/418)
صفحة 816
سورة مريم
قيل: 8 أو 99 آية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{كهيعص (1) ذِكرُ} هَذَا ذِكر {رحمة رَبِّكَ} أي: هَذَا المَتلُوُّ ذِكر رَحمة ربِّك {عبدَه زكريَّا (2)} أي: ذِكرُ رَبِّكَ عبده زكريا برحمته، {إذ نادى رَبَّه نداء خَفِيًّا (3)} دعاء سرًّا من قومه، {قَالَ: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ} ضَعُف {العظمُ منِّي واشتعلَ} ابيضَّ {الرأسُ شيبًا} (لعلَّه) أي: قرب مِنَ الموت، {ولم أكن بدعائك رَبِّ شَقِيًّا (4)، وَإِنِّي خِفتُ المواليَ من ورائي} قيل: خاف مِنْهُم تبديل دين الله، وتغيير أحكامه، وأن لاَ يُحسنوا الخلافة عَلَى أمَّته؛ فسأل ربَّه ولدا صالحا يرثه النبوءة والعلم، ويكون خليفة عَلَى أمَّته، {وكانت أمرأتي عاقرا، فَهَب لي من لدنك وليًّا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب} المُرَاد: وراثة الشرع والعلم فإنَّ الأنبياء لاَ يُوَرِّثون المال، {واجعله رَبِّ رضيًّا (6)} مِمَّن ترضى عَنْهُ ويرضى عنك.
{يا زكريا، إِنَّا نبشِّرك بغلامٍ اسمه يحيى لم نجعل لَّهُ من قبلُ سميًّا (7)؛ قَالَ: رَبِّ أَنَّى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بَلَغْتُ مِنَ الكِبَر عِتِيًّا (8)} أي: سِنًّا، {قَالَ: كذلكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عليَّ هيِّنٌ، وقد خلقتُك من قبلُ ولم تَكُ شَيْئًا (9)}.
{قَالَ: رَبِّ اجعل لِّي آية} يطمئنُّ بها قلبي، ويصدِّقني الناس بها، {قَالَ: آيتك ألاَّ تُكلِّم الناسَ ثلاثَ ليالٍ سويًّا (10)} وأنت سويُّ الخلق، مَا بك من خرس وَلاَ بُكمٍ.
{فخرج عَلَى قومه مِنَ المحراب} قيل: مِنَ المصلَّى، {فأَوحَى إِلَيْهِم} [339] لقوله: {إلاَّ رمزا}؛ وقيل: كتب لَهُم عَلَى الأَرْض، {أن سَبِّحوا} صلُّوا؛ أو نزِّهوا رَبَّكُم {بُكرةً وعشيًّا (11)}، طرفي النهار أو جملته، فإنَّهم مَا داموا فيِ طاعته فَهُم مُسبِّحون لَهُ فيِ الحقيقة بلسان الحال، وإن لم ينطقوا بلسان المقال.
{ (3/1)
صفحة 817
يا يحيى خُذِ الكتابَ بقوَّة} بِجدٍّ وعزيمة، واستظهار بالتوفيق، فإنَّه لاَ يبلغه من لعب. وأَخْذُه بالجدِّ: بِأن يكون مُتجرِّدا له عند قراءته، منصرفَ الهمِّ، إِلَيْهِ عَن غيره. وفي معنى أَخذِه بقوَّة: التكرير لتلاوته، والمراجعة بالفكر، والتدبُّر فيِ استخراج سرِّ تأويله، والعمل بأحسنه، {وآتيناه الحكم صبيًّا (12)} يعني: الحكمة، أحكم الله عقله فيِ صباه، {وحنانا مِن لدُنَّا} رحمة مِنَّا عليه، {وزكاةً} وتطهيرا مِنَ الذنوب، {وكَانَ تقيًّا (13)} مطيعا، مُتجنِّبا عَن المعاصي، {وَبَرًّا بوالديه} بتأدية حقوقهما، وتركٍ لعقوقهما، {ولم يكن جبَّارًا عصيًّا (14)} مستعصيًا لأمر الله تعالى.
{وسلامٌ عليه} سلام لَهُ مِنَّا لَهُ (1)، أي: مدَّة حياته، {يوم وُلِد ويوم يَموت ويوم يُبعَث حيًّا (15)}.
{واذكر فيِ الكتاب مَرْيَم} يعني: قصَّتها، {إذِ انتَبَذَت من أهلها} اعتزلت {مكانا شرقيًّا (16)} شرقيَّ بيت المقدس، أوشرقي دارها؛ ولذلك اتَّخذ النصارى المشرق قِبلَة فيما قيل؛ {فاتَّخذَت من دونهم حجابا} سِتراً، {فأرسلنا إِلَيْهِا رُوحَنا فتمثَّل لها بَشرا سويًّا (17)، قالت: إِنِّي أعوذ بالرحمنِ منكَ} التجأَت إِلىَ خالقها لَمَّا دَهَمَها ما يسوؤها، لأَنَّهُ لاَ معين فيِ الحقيقة سواه؛ وكذلك ينبغي لِكُلِّ مُؤْمِن، {إن كنتَ تقيًّا (18)} تتَّقي الله؛ وقيل: اسم رجل فاجر اسمه تقيًّا.
{قَالَ: إِنَّمَا أنا رسول رَبِّك} الذِي استعذتِ أنت بِهِ، بُعِثتُ {لأهب لك غلاما} لأكون سببا فيِ هبته {زكيًّا (19)} طاهرًا مِنَ الذنوب، أو ناميا على الخير، أو مترقِّيا من سنِّ إِلىَ سنِّ عَلَى الخير والصلاح.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَلَعَلَّ الصواب: - «له». (3/2)
صفحة 818
قالت: أَنَّى يكون لي غلام ولم يَمسَسْني بَشَرٌ} بالحلال، {ولم أكُ بغيًّا (20)} وَهُوَ “فعول” مِنَ البغي، {قَالَ: كذلكِ قَالَ رَبُّكِ: هُوَ عليَّ هيِّنٌ، ولِنجعلَه آيةً للناس} علامة لهم، وبرهانا عَلَى كمال قدرتنا، {ورحمةً مِنَّا} عَلَى العباد، يهتدون بإرشاده، {وكَانَ أمرا مَّقضيًّا (21)} تعلَّق بِهِ قضاء الله فيِ الأزل، أو قُدِّر وسُطِّر فيِ اللوح، أو كَانَ أمرا حقيقيًّا بأن يُقضى ويُفعل، لكونه آيَة ورحمة.
{فحملته} أي: فحملت بِهِ فيِ بطنها، {فانتَبَذَت بِهِ} فاعتزلت {مكانا قَصيًّا (22)} بعيدا من أهلها. {فأجاءها المخاضُ} فألجأها المخاض {إِلىَ جذعِ النخلةِ} لتستقرَّ بِهِ وتعتمد عليه، لتستعين بِهِ عند الولادة؛ {قالت: يا ليتني مِتُّ قبل هَذَا وكنت نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)}.
{فناداها مِن تَحتِها} قيل: عيسى أو جبريل {ألاَّ (1) تحزني} أي: لاَ تحزني، أو بِأَن لاَ تحزني، {قد جَعل رَبُّكِ تحتكِ سَرِيًّا (24)} قيل: جدولا؛ أو سيِّدا من السرور (2) وَهُوَ عيسى.
{وهُزِّي إليكِ بجِذعِ النخلةِ تُسَاقِطْ عليك رُطَبًا جَنيًّا (25)} قيل: إِنَّها كَانَت نخلة يابسة لاَ رأس لها وَلاَ تمر، وكَانَ وقت شتاء، فهزَّتها، فجعل الله لها رأسا وخوصا، ورطبا يُسلِّيها بذلك، لِمَا فِيهِ مِنَ المعجزات الدالَّة عَلَى براءة ساحتها ــ فإنَّ مثلها لاَ يُتصوَّر لمن يرتكب الفواحش ــ والمنبِّهة لمن رآها عَلَى أنَّ من قدر أن [340] يُثمر النخلة اليابسة فيِ الشتاء، قَدرَ أن يُحبلها من غير فحل، وَأَنَّهُ ليس ببدع من شأنها، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الشراب والطعام، ولذلك رتَّب عليه الأمرين، فقال:
{__________
(1) - ... في الأصل: «لا تحزني» وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «السَّرْوِ». انظر الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 10. و «السَّرْوُ: المروءة والشرف». ابن منظور: لسان العرب، 3/ 139. مادَّة «سرا». (3/3)
صفحة 819
فكلي واشربي} أي: مِنَ الرطب، وماء السريِّ، {وقَرِّي عينا} وطيِّبي نفسك، وارفضي منها مَا أحزنك؛ يقال: أقرَّ الله عينكَ: إِذَا صادف فؤادك مَا يرضيك؛ وقيل: أقرَّ الله عينك، أي: أنامها؛ يقال: قرَّ يَقرُّ إِذَا سكن، وجديرة هِيَ بقرار العين، لأَنَّ قرار العين الحقيقيَّ فيِ الحياة الدُّنْيَا لاَ يكون إِلاَّ فيِ امتثال أمر الله تعالى. واشتقاقه مِنَ القَرَار، فإنَّ العين إِذَا رأت مَا يسرُّ النفس سكنت إِلَيْهِ مِنَ النظر إِلىَ غيره. وقد قالت العلماء: «وَلاَ نَعِمَت عين فيِ معصية الله، وَلاَ بالدُّنْيَا».
{فإمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أحدا} فإن تَرَيْ آدميًّا، فسألك عَن وَلَدَك، {فقولي: إِنِّي نذرتُ للرحمن صوما} صُمتا، أو صياما؛ وكَانُوا لاَ يتكلَّمون فيِ صيامهم فيما قيل؛ {فلن أُكلِّمَ اليومَ إنسيًّا (26)} بعد أن أخبرتكم بنذري، وقيل: أخبرتهم بنذرها بالإشارة؛ وأَمَرَهَا بذلك لكراهة المجادلة، والاكتفاء بكلام عيسى.
{فأتت بِهِ قومَها} راجعة إِلَيْهِم {تَحمله؛ قَالُوا: يا مَرْيَم لَقَد جئتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)} بديعا مُنكَرا، من فَرِيَ الجلدُ. قَالَ أبو عبيدة: «كلُّ أمر فائق من عجب، أو عمل فهو فَريٌّ». قَالَ النبيء - عليه السلام - فيِ عُمَر: «فلم أَرَ عبقريًّا يَفري فَريَه» (1)، أي: يعمل بعمله.
{يا أختَ هارونَ مَا كَانَ أبوكِ امرأَ سَوْء وَمَا كَانَت أمُّك بغيًّا (28)} كأنَّهم رجموها بالظنِّ، وذلك مِن طَبع النفوس، وَلاَ يسلم مِنْهُ إِلاَّ المخلصون (2).
{__________
(1) - ... رواه البخاري في كتاب المناقب، برقم 3361، 3400 ... ؛ كتاب التعبير؛ التوحيد. مسلم: فضائل الصحابة. الترمذي: الرؤيا. أحمد: مسند المكثرين من الصحابة.
(2) - ... في الأصل: «المخصلون»، وهو خطأ. (3/4)
صفحة 820
فأشارت إِلَيْهِ؛ قَالُوا: كيف نُكلِّم مَن كَانَ فيِ المهد صبيًّا (29)} يُروى عَن ابن مسعود أنَّه قَالَ: «لمَّا لم يكن حجَّة أشارت إِلَيْهِ، ليكون كلامه حجَّة لها، وحجَّة عليهم».
فَلَمَّا سمع كلامهم أقبل عليهم، {قَالَ: إِنِّي عبدُ اللهِ} أنطقه الله بالإِقْرَار لله تعالى بالربوبيَّة، وعلى نفسه بالعبوديَّة، لأَنَّهُ أوَّلُ المقامات، {آتانيَ الكتابَ وجعلني نَبِيًّا (30)} (لعلَّه) معناه: سيؤتيني الكتاب، ويجعلني نَبِيًّا؛ وَقِيلَ: هَذَا (لعلَّه) أخبر (1) عَمَّا كتب له في اللوح؛ وَقِيلَ: أوتي الإنجيل [وَهُوَ] طفلٌ، وكان يعقل؛ {وجَعَلَني مُبَارَكا} نافعا مُعلِّما للخير {أين مَا كنتُ} فيِ أيِّ مكَانٍ، وأيِّ حال كنت. {وأوصاني بالصلاة والزكاة} زكاة المال إن ملكته، أو تطهير النفس عَن الرذائل. {مَا دمت حيًّا (31)} متعبِّدا، {وبرًّا بوالدتي، ولم يجعلني جبَّارا شقيًّا (32)} قيل: الشقيُّ الذِي يُذنب وَلاَ يتوب. {والسلام عليَّ يوم وُلدتُ ويوم أموت ويوم أُبعث حيًّا (33)} فهذه ولايةُ حقيقةٍ، والتعريض باللعن عَلَى أعدائه، كقوله: {والسلامُ عَلَى من اتَّبع الهدى} (2)، فإنَّه تعريض بِأَنَّ العذاب عَلَى من كذَّب وتولَّى.
{ذَلِكَ عيسى ابن مَرْيَم} أي: الذِي تقدَّم نعته هُوَ عيسى بن مَرْيَم، مَا لاَ تصفه (3) النصارى، وَهُوَ تكذيب لَهُم فيما يصفونه عَلَى الوجه الأبلغ [341] والطريق البرهانيِّ، حيث جعله موصوفا بأضداد مَا يصفونه، ثُمَّ عَكَسَ الحكم. {قولُ الحَقِّ} أي: هُوَ قول الحَقِّ {الذِي} لاَ ريب {فِيهِ يمترُونَ (34)} فيِ أمره، يشكُّون أو يتنازعون.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إخبار».
(2) - ... سورة طه: 47.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لا ما تصفه». (3/5)
صفحة 821
مَا كَانَ لله أن يتَّخذَ مِن ولدٍ سبحانه} تكذيب للنصارى، وتنزيه لله عمَّا بهتوه؛ {إِذَا قضى أمرا} كائنا فيِ علمه وقضائه؛ {فَإِنَّمَا يقول لَهُ: كن، فيكُونَ(35) وإنَّ الله رَبِّي ورَبُّكُم فاعبدوه هَذَا} الذِي ذكرته ودعوتكم إِلَيْهِ {صِرَاط مُسْتَقِيم(36)}.
{فاختلف الأحزابُ من بَيْنِهِم} يعني: الذِينَ أُرسل إِلَيْهِم؛ {فويل للذين كَفَرُوا مِن مشهدِ يومٍ عظيم(37)} من شهود يوم عظيم، هوله وحسابه، وَهُوَ أن يشهد عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَة والأنبياء والعلماء وألسنتهم وآرابهم بِمَا فعلوا، أو مِن وقت الشهادة أو مِن مكانها.
{أسمِعْ بهم وأَبصِرْ} تعجُّب معناه: أنَّ استماعهم وإبصارهم {يوم يأتوننا} أي: يوم القيامة، جديرٌ بِأَن يُتعجَّب منهما، بعدما كَانُوا صمًّا وعميا فيِ الدُّنْيَا؛ أو تهديد سيسمعون ويبصرون يومئذ؛ وقيل: أمر بِأَن يُسمِعهم ويُبصِّرهم مواعيد ذَلِكَ اليوم، وَمَا يحيق بهم فِيهِ؛ وقيل: مَا أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لاَ ينفعهم السمع والبصر؛ أخبر أنَّهم يسمعون ويبصرون، مالم يسمعوا ومالم يبصروا فيِ الدُّنْيَا. {لَكنِ الظالمون اليوم} أي: فيِ الدُّنْيَا {فيِ ضلال مُبِين(38)} أوقع الظالمين موقِعَ الضمير، إشعارًا بأنَّهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم، وسجَّل عَلَى إغفالهم بأنَّه ضلال مبين.
{ (3/6)
صفحة 822
وأنذرهم يومَ الحسرة} يوم يتحسَّر المسيء عَلَى إساءته، {إذ قُضِيَ الأمرُ} فُرغ مِنَ الحساب، وتصادر الفريقان إِلىَ الجنَّة والنار، (لعلَّه) ثُمَّ يقال: «يا أهل الجنَّة خلود فلا مَوت، ويا أهل النار خلود فلا موت» (1). قيل: (لعلَّه) قَالَ أبو عيسى: «فلولا أنَّ الله تعالى قضى لأهل الجَنَّة بالحياة والبقاء، لماتوا فَرَقًا (2)؛ ولولا أنَّ الله تعالى قَضى لأهل النار بالبقاء، لماتوا فرحا»؛ {وَهُم فيِ غفلة وَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ (39)}.
{__________
(1) - ... رواه البخاريُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ؛ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ؛ ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ؛ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} وَهَؤُلاَءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} البخاري: كتاب تفسير القرآن، رقم 4361. ورواه مسلم: كتاب صفة الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها، رقم 5087. وأحمد: باقي مسند المكثرين، عن أبي هريرة، رقم 8179. العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «خلود فلا موت».
(2) - ... الفرق: الخوف. انظر: الرازي: مختار الصحاح، ص 320، مادَّة: فرق. (3/7)
صفحة 823
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْض ومَن عليها} لاَ نبقي لأحد غيرنا عليها (1)؛ أو نتوفَّى الأَرْضَ ومن عليها بالإفناء والإهلاك، توفي الوارث لإرثه، لأَنَّ كلَّ شيء راجع إِلىَ مالكه، وَاللهُ مالك الأشياء عَلَى الحقيقة، وَأَمَّا تمليك المخلوقين، فهو تمليك وهميٌّ، {وإلينا يُرجعُونَ (40)} للجزاء.
{واذكر فيِ الكتاب إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقا} ملازماً للصدق، كثير التصديق، لكثرة مَا صَدَّق بِهِ مِن حجج الله، وآياته وكتبه ورسله، {نَبِيًّا (41)} قد استحقَّ التعظيم بهذا الاسم الشريف بأحواله، لأَنَّهُ مستأهل للنبوَّة بخصائصه، وقد علم الله مِنْهُ ذَلِكَ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لاَ نبقي لأحد غيرنا ما عليها». وَفيِ تفسير أبي السعود: «لاَ يبقى لأحد غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج5/ ص 266. والملاحظ أنَّ المُؤَلِّف بقدر ما اعتمد كثيرا في تفسير الربع الثاني عَلَى الكشَّاف للزمخشريِّ، فهو في هَذَا الجزء (الثالث) اعتمد كثيرا عَلَى تفسير أبي السعود. (3/8)
صفحة 824
إذ قَالَ لأبيه: يا أبت لِمَ تعبد مَا لاَ يَسمع وَلاَ يُبصر} فيعرف حالك، ويسمع ذكرك، ويرى خضوعَك، {وَلاَ يُغني عنك شَيْئًا (42)} فيِ جلب نفع، ودفع ضرٍّ، دعاه إِلىَ الهدى، وبيَّن ضلالة، واحتجَّ عليه أبلغ احتجاج، وأرشقه (1) بِرِفق، وحسن أدب؛ حيث لم يصرِّح بضلاله؛ بَل طلب العلَّة التِي تدعوه إِلىَ عبادة مَا يستخِفُّ بِهِ العقل [342] الصحيح، ويأبى (2) الركون إِلَيْهِ، فضلا عَن عبادته التِي هِيَ غايَة التعظيم، وَلاَ يحقُّ إِلاَّ لمن لَهُ الاستغناء التام، والإنعام العامُّ، وَهُوَ الخالق الرازق، المُحيي المُميت، المُعاقب المُثيب. ونبَّه عَلَى أنَّ العاقل ينبَغي أن يفعل مَا يفعل لغرض صحيح؛ والشيء [و] لوكَانَ حيًّا مُميِّزا سميعًا بصيرًا لاستنكَف العقل القويم عَن عبادته، وإن كَانَ أشرف كالمَلاَئِكَة والنبيِّين، لَمَّا يراه [مثلَه] (3) فيِ الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة؛ فكيف إِذَا كَانَ جمادًا لاَ يسمع وَلاَ يبصر. ثُمَّ دعاه إِلىَ أن يتبعه ليهديه الحقَّ القويم، والصراط المُسْتَقِيم لَمَّا لم يكن محضوضًا للعلم الإلاهيِّ (4)، مستقلاًّ بالنظر السويِّ. فقال:
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «رشَقَه»، بغير همز. والرَّشْق: الرمي. وَأَمَّا أرشق إرشاقا فهو بمعنى: إحداد النظر. انظر: مجد الدين محمَّد بن يعقوب الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمَّد البقاعي، إشراف مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع1415هـ / 1995م. ص 798، مادَّة رشق. ابن منظور: لسان العرب، 2/ 1170، مادَّة رشق.
(2) - ... في الأصل: «ويائب»، وهو خطأ. انظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج5/ ص667.
(3) - ... إضافة من المصدر نفسه، ليستقيم المعنى.
(4) - ... كذا في الأصل، والصواب: «محظوظا من العلم الإلهيِّ». انظر المصدر نفسه. (3/9)
صفحة 825
يا أبت إِنِّي قد جاءني مِنَ العلم مَا لم يأتك فاتَّبعني أَهدِكَ صراطا سويًّا (43)} ولم ينسب أباه بالجهل (1) المُفرط، وَلاَ نفسه بالعلم الفائق، بَل جعل نفسه كرفيق له فيِ مسير يكون أعرَفَ بالطريق، ثُمَّ ثَبَّطَه عمَّا كَانَ بأنَّه مَعَ خُلُوِّه عَن النفع مستلزم للضرِّ، فإنَّه فيِ الحقيقة الشيطان (2) مَعَ أنَّه الآمر بِهِ، فقال:
{يَآ أبت لاَ تعبد الشيطان} واستهجن (3) ذَلِكَ، وبيَّن وجه الضرِّ فيه بِأَنَّ الشيطان مستعصٍ عَلَى رَبِّكَ المولى المنعم للنعم كلِّها، بقوله: {إنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عصيًّا (44)} ومعلوم أنَّ المطاوعَ للعاصي عاصٍ، وكلُّ عاص حقيق بِأَن تُستردَّ مِنْهُ النعم، وينتقم [منه]؛ ولذلك عقَّبه بتخويفه سوءَ عاقبته، وَمَا نجزه [كَذَا] الله، فقال:
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «إلى الجهل». وَفيِ تفسير أبي السعود: «ولم يسمِّ أباه بالجهل». المصدر نفسه.
(2) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة: وَفيِ تفسير أبي السعود: «ثُمَّ ثَبَّطَه عمَّا كَانَ عَلَيه بتصويره بصورة يستنكرها كُلُّ عاقل، ببيان أَنَّهُ مع عرائه عَن النفع بالمرَّة مستجلبٌ لضرر عظيم، فإنَّه فيِ الحقيقة عبادةُ الشيطان». المصدر نفسه.
(3) - ... في الأصل: «استجهن»، وهو خطأ. (3/10)
صفحة 826
يا أبت إِنِّي أخاف أن يَمسَّك عذاب مِنَ الرحمن} فيِ الدارين، {فتكون للشيطان وليًّا (45)} قرينا [له في] (1) اللعن؛ أو مِنَ العذاب تليه ويليك؛ أو ثابتا فيِ موالاته، فإنَّه أكبر مِنَ العذاب؛ كما أنَّ رضوان الله أكبر مِنَ الثواب. ومن كَانَ للشيطان وليًّا فهو فيِ [الـ]ـعذاب الأدنى لاَ مَحالة، ومن كَانَ فيِ [الـ]ـعذاب الأدنى، كان في [الـ]ـعذاب الأكبر لاَ مَحالة، إِلاَّ أن يتوب. وذكر الخوف والمسِّ، وتنكير العذاب إمَّا للمجاملة، أو لخفاء العاقبة. ولعلَّ اقتصاره عَلَى عصيان الشيطان من جناياته لارتقاء همَّته فيِ الربانيَّة، ولأنَّه ملاكها؛ أو لأَنَّهُ من حيث أنَّه نتيجة معاداته لآدم وذرِّيَّته، فتنبه (2) عليها.
{قَالَ: أراغب أنت عَن آلهتي يا إبراهيم}؟ قابل استعطافه بالإرشاد، بالفظاظة وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل «يا أبت» بـ «يا بنيَّ»، وقدَّم الخبر عَلَى المبتدأ، وصدَّره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة عَلَى ضربٍ مِنَ التعجُّب، كأنَّها مِمَّا لاَ يرغب عنها عاقل. ثُمَّ هدَّده فقال: {لئن لم تنتهِ} عَن مقالك {لأرجُمنَّك} بالحجارة حتَّى تموت، {واهجُرني مليًّا (46)} زمانا طويلاً (3) مِنَ الملاوة؛ أو مليًّا بالذهاب عنِّي، استبدلَ (4) بنوَّته بالهجران، لأَنَّ قلبه تعذَّب بقربه؛ وهكذا المضاددة بين الأشخاص المتقاربين بالأنساب، تولِّد التباعد بَيْنَهُم؛ كما أنَّ الإسلام يُقرِّب بين الأباعد.
{قَالَ سلام عليك} توديع ومتاركة، ومقابلة للسَّيِّئة بالحسنة، أي: سَلِمت منِّي لاَ أصيبنَّك بمكروه، ولكن {سأستغفر لك رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيًّا (47)} بليغا بالبرِّ والألطاف.
{__________
(1) - ... إضافة من المصدر نفسه.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فَنَبَّهَهُ».
(3) - ... في الأصل: + «يلا»، وهو تكرار.
(4) - ... في الأصل: «استبدال»، وهو خطأ. (3/11)
صفحة 827
وأعتزلكم وَمَا تدعون من [343] دون الله} بالمهاجرة بديني، {وأدعو رَبِّي} وأعبده وحده {عسى ألاَّ أكونَ بدعاء رَبِّي شقيًّا (48)} خائبا ضائع السعيِ مثلكم فيِ دعاء آلهتكم. وفي تصدير الكلام بـ «عَسَى» للتَّواضع، وهضم النفس، والتنبيه عَلَى أنَّ الإجابة والإنابة تَفضُّل غير واجب، وأنَّ مَلاَك الأمر خاتمته، وَهُوَ غيب.
{فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يعبدون من دون الله وهبنا لَهُ إسحاق ويعقوب} بَدَلَ مَن فارقهم مِنَ الكفرة، لأَنَّهُ كُلُّ من استغنى عَن شيء لله فقد أغناه بسواه أفضل مِنْهُ، {وكلاًّ جعلنا نبيًّا (49)} لأَنَّهُم أهل لها.
{ووهبنا لَهُم من رحمتنا} قيل: مَا بَسط له مِن سعة الرزق؛ وقيل: الكتاب والنبوَّة، {وجعلنا لَهُم لسانَ صِدْقٍ عَليًّا (50)} عَليًّا عَلَى لسان الكذب؛ وقيل: نبأً حسنا ورفيعا فيِ كُلِّ أهل الأديان.
{واذكر فيِ الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخلصا} مُوَحِّدا، أخلص عبادته عَن الشرك والرياء؛ أو أسلم وجهه لله، وأخلص نفسه عمَّا سواه. وقرأ الكوفيُّون بالفتح؛ عَلَى أنَّ الله أخلصه، {وكَانَ رسولا نبيًّا (51)} مدحه الله عَلَى الرسالة والنبوَّة، وإن كَانَ جَعْلُهما مِنَ الله لَهُ، لأَنَّهُ لاَ يصطفي لهما إِلاَّ المخلصين، وقد أرسله الله إِلىَ الخلق فأنبأهم عَنْهُ؛ ولذلك قدَّم رسولا، مَعَ أنَّه أخصُّ وأعلى.
{وناديناه من جانب الطور الأيمن} من ناحيته اليمنى مِنَ اليمين، وهي التِي تلي يمين موسى؛ أو مَن جانبه الميمون (1) مِنَ اليمن، {وقرَّبْنَاه} تقريب تشريف لا مكاني، بعدمَا تقرَّب مِنَّا بالطاعة؛ شبَّهه بمن قرَّبه الملك لمناجاته، {نجِيًّا (52)} مُناجيا؛ ومعنى التقريب: إسماعه كلامه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «اليمون» وَهُوَ خطأ. انظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج5/ ص270؛ الألوسي: روح المعاني، 16/ 103. (3/12)
صفحة 828
ووهبنا لَهُ مِن رحمتنا} من أجل رحمتنا؛ أو من بعض رحمتنا {أخاه} معاضدة أخيه ومؤازرته، إجابةً لدعوته، {هارون نبيًّا (53)}.
{واذكر فيِ الكتاب إسماعيل إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد} ذَكَره بذلك لأَنَّهُ المشهور بِهِ، والموصوف بأشياء فيِ هَذَا الباب لم تُعهد من غيره؛ وناهيك أنَّه وعد [الصبر] عَلَى الذبح (1)، فقال: {ستجدني إن شاء الله مِنَ الصابرين} (2)، {وكَانَ رسولا نبيًّا (54)} مخبرا عَن الله تعالى.
{وكَانَ يَأْمُرُ أهله بالصلاة والزكاة} اشتغالا بالأهمِّ، وَهُوَ أن يُقبِل الرجل عَلَى نفسه، فمن هُوَ أقرب الناس إِلَيْهِ بالتكميل. {وكَانَ عند ربِّه مَرضِيًّا (55)} لاستقامة أقواله وأفعاله؛ وقيل: ارتضاه الله لرسالته.
{واذكر فيِ الكتاب إدريسَ} قيل: اشتقاق إدريس مِنَ الدرس؛ نَعَمْ، لاَ يبعد أن يكون معناه فيِ تلك اللغة قريبا من ذَلِكَ، فَلُقِّب بِهِ لكثرة دَرسِه، إذ رُوي أنَّه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة. وقيل: هُوَ أَوَّل من خطَّ بالقلم، ونظر فيِ علم النجوم والحساب، {إِنَّهُ كَانَ صدِّيقا نبيًّا (56) ورفعناه مكانا عَلِيًّا (57)} يعني: شرف النبوَّة، والزلفى عند الله.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وعد عَلَى المديح»، ولا مَعنَى له. وأثبتنا الصواب من: أبو السعود: المصدر نفسه.
() - ... سورة الصافات: 102. (3/13)
صفحة 829
أُولَئِكَ} إشارة إِلىَ المذكورين فيِ السورة مِن زكريا إِلىَ إدريس. {الذِينَ أنعم الله عليهم} بأنواعِ النعم الدينيَّة والدُّنْيَاويَّة، لأَنَّ من لم يتوصَّل بالنعم الدُّنْيَاويَّه إِلىَ النعمة الأخرويَّة فليست بنعمة، لأَنَّهُ لَمَّا أن (1) كفرها كَانَت سببا لوقوعه فيِ العذاب، ومحال أن يكون مغضوبا عليه منعَما عليه، وَلاَ مُنعما عليه، مغضوبا عليه، هَذَا من تنافي المعاني؛ ولكنَّ النعم [244] تصير فيِ حقِّ الكافر نِقَما، والضرَّاء فيِ حقِّ المؤمن سرَّاء؛ فكَانَ الإنسان لاَ مَحالـ[ـة] إمَّا مُنعَم عليه وَهُوَ المؤْمِن، وَإِمَّا مغضوب عليه معذَّب، وَهُوَ مَن نَقَضَ جملته بمعصية، أو معاصي، وكلَّما كثرت النعم فيِ حقِّ المؤمن كَانَ زيادة فيِ ثوابه بشكره لها؛ وكلَّما كثرت النعم فيِ حقِّ الكافر كَانَ أشدَّ وبالا عليه بسبب كفرانه لها. {مِن النبيِّين من ذُرِّيَّة آدم وممَّن حملنا مَعَ نوح، ومن ذُرِّيَّة إبراهيم وإسرائيل وممَّن هدينا} إِلىَ الإسلام {واجتبينا} عَلَى الأنام؛ {إِذَا تُتلى عَلَيْهِم آيات الرحمنِ خرُّوا سُجَّدا} منقادين لله، {وبُكيًّا (58)} خائفين من عذابه لبيان خشيتهم مِنَ الله وإخباتهم لَهُ، مَعَ مالهم من عُلوِّ الطبقة فيِ كمال النفس، والزلفى مِنَ الله.
{فَخَلَفَ مِن بعدِهم خَلْفٌ} فعقبهم، وجاء بعدهم عَقب سوء؛ يقال: خَلَفُ صِدقٍ بالفتح، وخَلْف سوءٍ بالسكون، {أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشهواتِ، فسوف يَلْقَوْن غَيًّا (59)} شرًّا، قيل: وادٍ فيِ جهنَّم تستعيذ أودية جهنَّم من حَرِّه (2). {إلاَّ مَن تاب وآمن وعمل صالحا، فأولئك يدخلون الجَنَّة وَلاَ يُظلمون شَيْئًا (60)} لاَ يُنقصون من أجورهم شَيْئًا.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «أن».
(2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب بها شيئًا. (3/14)
صفحة 830
جنَّات عدن التِي وعدَ الرحمنُ عبادَه بالغيب} أي: وعدها إيَّاهم وهي غائبة عَنْهُم لم يروها؛ أو وعدهم بإيمان الغيب. {إِنَّهُ كَانَ وعده مأتيًّا (61) لاَ يسمعون فِيهَا لغوا} فضولَ كلام، {إلاَّ سلاما} ولكن يسمعون قولا يسلمون فِيهِ مِنَ العيب والنقيصة؛ أو لتسليم المَلاَئِكَة عَلَيْهِم السلام. {ولهم رزقهم فِيهَا بكرةً وعَشيًّا (62)} وقيل المُرَاد: دوام الرزق ودُرُورِه.
{تلك الجَنَّة التِي نورث من عبادنا من كَانَ تقيًّا (63)} نورثهم إيَّاها بسبب تقواهم، {وَمَا نتنزَّل إِلاَّ بأمر رَبِّكَ} حكاية قول جبريل حين استبطأه رسول الله لمَّا سُئل عَن قِصَّة أهل الكهف، وذي القرنين، والروح، ولم يدر مَا يجيب، ورَجَى أن يوحَى إِلَيْهِ فِيهِ، فأبطأ حتَّى قَالَ المشركون: «ودَّعَه ربُّه وقلاه»، ثُمَّ نزل ببيان ذَلِكَ. والتنزُّل: النزول عَلَى مَهْل؛ والمعنى: وَمَا نتنزَّل إِلاَّ بأمر الله عَلَى مَا تقتضيه حكمته.
{لَهُ مَا بين أيدينا وَمَا خَلفَنا وَمَا بين ذَلِكَ} وَهُوَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الأماكن والأحايين، لاَ ننتقل من مكَانَ إِلىَ مكان، ولاَ ننزل فيِ زمان إِلاَّ بأمره، ومشيئته. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسيًّا (64)} تاركا لك، أي: مَا كَانَ عدم النزول إِلاَّ لعدم الأمر بِهِ، ولم يكن ذَلِكَ عَن ترك لله لك، وتوديعه إيَّاك، كما زَعَمَت الكفرة، وإنَّما كَانَ لحكمة أخَّرها (1). وقيل: أوَّل الآيَة حكاية قول المتَّقين حين يدخلون الجنَّة، والمعنى: وَمَا تتنزَّل الجنَّة إِلاَّ بأمر الله.
{__________
(1) - ... يمكن أن نقرأ: «أخبرها». (3/15)
صفحة 831
ربُّ السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما} بيان لامتناع النسيان عليه. {فاعبده واصطبر لعبادته}، لأَنَّهَا لاَ تبلغ إِلاَّ بحبس النفس عَن الشهوات، {هل تعلم لَهُ سميًّا (65)}؟ مِثلا يستحقُّ أن يُسمَّى إلها، أو أحدا يُسمَّى الله، وإذا لم يصحَّ أنَّ أحدا مثله فلا يستحقُّ العبادة غيره؛ لم يكن بدٌّ مِنَ التسليم لأمره، والاشتغال بعبادته، والاصطبار عَلَى مشاقِّها.
{ويقول الإنسان} المُرَاد به الجنسُ بأسره [345] {أئذا مَا مِتُّ لسوف أُخرَج حيًّا (66)} وذلك ثمرة عَدَم الإيمان بالموعود والشكِّ فِيهِ، {أَوَلاَ يذكرُ الإنسانُ أنَّا خلقناه مِن قبلُ ولم يَكُ شَيْئًا (67)} لأَنَّ تذكُّره لذلك (1) يَنتج مِنْهُ الإيمان.
{فورَبِّكَ لنحشرنَّهم والشياطينَ} قيل: إنَّ الكفرة يُحشرون مَعَ قرنائهم مِنَ الشياطين الذِينَ أغوَوْهُم مَعَ كل (2) شيطانه فيِ سلسلة؛ {ثمَّ لنحضرنَّهم حولَ جَهَنَّم جثيًّا (68)} عَلَى رُكَبِهم لِمَا يدهمهم مِن هول المطلع. {ثمَّ لننزعنَّ من كُلِّ شيعة} مِن كُلِّ أمَّة شاعت دينا {أَيُّهُم أشدُّ عَلَى الرحمن عِتيًّا (69)} من كَانَ أعصى؛ أو القادة فيِ الضلالة. {ثمَّ لنحن أعلمُ بالذين هُم أولىَ بها صِليًّا (70)} أحقُّ بها إحراقا.
{وإن منكم إِلاَّ واردها} عَن أبي سعيد فيما أرجو، «وعن قول الله: {وإن منكم إِلاَّ واردها}، فقد قيل: إنَّه يوم القيامة؛ وقيل: الورود هاهنا المنظر»؛ وَاللهُ أعلم بتأويل كتابه. {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حتما مَّقضيًّا (71)} كَانَ ورودهم واجبا أوجبه الله عَلَى نفسه، فلا مُحال فيِ وقوعه. {ثمَّ ننجِّي الذِينَ اتَّقَوا} فَيُساقون إِلىَ الجنَّة، {ونذرُ الظالمين فِيهَا جِثيًّا (72)} مُنهارةً بهم.
{__________
(1) - ... يمكن أن نقرأ: «بذلك»، والأصوب ما أثبتناه.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «كلٌّ معَ شيطانه». (3/16)
صفحة 832
وإذا تتلى عَلَيْهِم آياتنا بَيِّنَات} مرتَّلاتِ الألفاظ، مبيَّنات المعاني بنفسها؛ أو ببيان الرسول؛ أو واضحات الإعجاز، {قَالَ الذِينَ كَفَرُوا للذين آمنوا: أيُّ الفريقين خيرٌ مَّقاما} موضع قيام، أو مكانا، {وأحسنُ نديًّا (73)} إمدادا بِمَا خُوِّلوا؛ والمعنى: أنَّهم لمَّا سمعوا الآيات الواضحات، وعجزوا عَن معارضتها والدخول عليها، أخذوا فيِ الافتخار بِمَا لَهُم من حظوظ الدُّنْيَا، والاستدلال بزيادة حظِّهم فيها، يدلُّ عَلَى فضلهِم، وحُسن حالهم عند الله، لقصور نظرهم عَلَى الحال، وعلمهم بظاهر مِنَ الحياة الدُّنْيَا؛ وقولهم هَذَا لَهُم إمَّا لَفظًا بلسان المقال، وَإِمَّا معنًى بلسان الحال؛ وذلك دأب الخليقة، لا يزال التفاخر بَيْنَهُم بالمال والأولاد والأزواج، وبقوة الأجسام، وثقابة الرأي، وغزارة العلوم، وكأنَّه يُخيَّل إِلَيْهِم أنَّهم أوتوا ما أوتوا من قِبَل الله بسبب استحقاقهم، أو بحيلتهم وقوَّتهم. ولذلك قَالَ مَن قَالَ: {إِنَّمَا أُوتيته عَلَى عِلم عندي} (1) وكلُّ ذَلِكَ جهل، وتخييل مِنَ الشيطان، ولم ينظروا إِلىَ قوله: {وكم أهلكنا قبلهم مِن قرن هم أحسنُ أثاثا ورِئيًّا (74)} سمَّى أهل (2) كُلِّ عصر قرنا، لأَنَّهُ يتقدَّم من بعدهم. والأثاث: متاع البيت. والرِّئيُ: المنظر، فِعل مِنَ الرؤية لِمَا يُرى؛ أو عَلَى أنَّه مِنَ الريِّ الذِي هُوَ مِنَ النعمة؛ ثُمَّ بيَّن أنَّ تمتيعهم استدراج ليس بإكرام بقوله:
{__________
(1) - ... سورة القصص: 78.
(2) - ... في الأصل: «هل»، وهو خطأ. (3/17)
صفحة 833
قل: من كَانَ فيِ الضلالة فلْيَمدُدْ لَهُ الرحمنُ مَدًّا} فيمدُّه، ويُمهله بطول العمر والتمتُّع، {حتىَّ إِذَا رأوا مَا يُوعدون إِمَّا العذاب} يُحتمل عذاب الموت بضرب المَلاَئِكَة وجوههم وأدبارهم، كما أخبر الله عَنْهُم (1). ولأنَّهم يَتعذَّبون بفوات العاجلة، ويَقْدُمون عَلَى الآخِرَة مفاليس بضدِّ المؤمنين، لأَنَّهُم يخرجون من سجنهم وخوفهم إِلىَ فضائهم وأمنهم {وإمَّا الساعة} بقيامها عليهم، {فسيعلمون} عند ذَلِكَ، {مَن هُوَ شرٌّ مَّكانا} منزلةً أو منزلاً مِنَ الفريقين، بأن عاينوا الأمر عَلَى عكس مَا قدَّروه، وعاد مَا مُتِّعوا بِهِ خذلانا ووبالا عَلَيْهِم {وأضعفُ جُندا (75)} أي: فئة وأنصارا، قابل بِهِ {أحسنُ [346] نَدِيًّا}، من حيث أنَّ حسن النادي باجتماع وجوه القوم وأعيانهم، وظهور شوكتهم واستظهارهم.
{ويزيد الله الذِينَ اهتدوا} اهتداء، بمعنى: “افتعل” مِنَ الهداية {هدى} عطف عَلَى الشرطيَّة المحكية (2) بعد القول؛ كأنَّه لمَّا بيَّن أنَّ إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدُّنْيَا ليس لفضله، أَرَادَ أن يبيِّن أنَّ قصور حظِّ المؤمن منها ليس لنقصه، بَل لأَنَّ الله أَرَادَ بِهِ مَا هُوَ خير، وعوَّضه مِنْهُ. {والباقيات الصالحاتُ} الطاعات التِي تبقى عائدتها أبدَ الآباد {خير عند رَبِّكَ ثوابا} عائدة مِمَّا متَّع الله بِهِ الكفرة مِنَ النعم المخدجة الفانية، التِي يفتخرون بها، سيما ومآلها النعيم المقيم، ومآلُ هَذِهِ: الحسرةُ والعذابُ الدائمُ، كما أشار إِلَيْهِ بقوله: {وخير مردًّا (76)}.
{__________
(1) - ... وذلك في قوله تعالى: {ولو تَرَى إذ يَتَوفَّى الذين كفروا الملائكةُ يضربون وجوهَهم وأدبارَهم وذوقوا عذاب الحريق}. سورة الأنفال: 50.
(2) - ... في الأصل: «المحكمية»، وهو خطأ. انظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج5/ ص278. (3/18)
صفحة 834
أفرأيت الذِي كفر بِآيَاتِنا وقال: لأُوتَيَّن مالا وولدا (77) أطَّلع الغيبَ أم اتَّخَذَ عند الرحمن عهدا (78) كلاَّ} ردع وتنبيه عَلَى أنَّه مُخطئ فيما صوَّرَه لنفسه، {سنكتبُ مَا يقول} سنُظهِر لَهُ أنَّا كتبنا قوله، {ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مدًّا (79)} يحتمل أنَّه يُؤتَى مالا وولدا يُعذَّب بهما مَا دام عاصيا إِلىَ أن يموت إِذَا لم يتب، كما قَالَ: {فلا تُعجبك أموالهم وَلاَ أولادهم ... } (1) الآية؛ ويدلُّ عَلَى ذَلِكَ قوله:
{ونرثه مَا يقول} يعني: المال والولد، لأَنَّهُ لم يُرِد بِهِ الله؛ ويحتمل {نَمدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدًّا} أي: نزيده عذابا فوق عذابه، {ويأتينا فردا (80)} لاَ يصحبه مال وَلاَ ولد، بإهلاكنا إيَّاه، وإبطال ملكه. وقوله: {مَا نقول} لأَنَّهُ زَعَم أنَّ لَهُ مالاً وولدًا، أي: لاَ يعطيه إيَّاه، ويعطيه غيره، فيكون الإرث (لعلَّه) راحل (2) إِلىَ مَا يجب القول، لاَ إِلىَ نفس القول؛ وقيل: معنى قوله: {ونرثُه مَا يقول} أي: نَحفظ مَا يقول، حتَّى نُجازيه بِهِ.
{واتَّخَذوا مِن دون الله آلهةً ليكونوا لَهُم عِزًّا (81)} ليتعزَّزوا بهم. {كلاَّ} ردع وإنكار لتعزُّزِهم بها، {سيكفرون بعبادتهم} ستَجحَد الآلهة عبادتَهم، {ويكونون عَلَيْهِم ضِدًّا (82)} لأَنَّ أعمالهم الدُّنْيَويَّة لمَّا كَانَت لغير الله تكون عَلَيْهِم حسرة.
{__________
(1) - ... سورة التوبة: 55؛ وتمامها: {فلا تُعجبك أموالهم وَلاَ أولادهم، إِنَّمَا يريد الله ليعذبهم بها فيِ الحياة الدُّنْيَا، وتَزهَقَ أنفسهم وَهُم كَافِرُونَ}
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «راجع»، ومع ذلك فالعبارة غير واضحة. (3/19)
صفحة 835
ألم ترَ أنَّا أرسلنا الشياطينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} بِأَنَّ سلطانهم [كَذَا] عليهم باتِّباعهم لهم، {وقيَّضنا لَهُم قُرناء} (1). {تَؤُزُّهم أزًّا (83)} تَهزُّهم، وتغريهم عَلَى المعاصي بالتسويلات، وتَحبيب الشهوات. والمراد: تعجيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أقاويل الكفرة، وتماديهم فيِ الغيِّ، وتصميمهم عَلَى الكفر بعد وضوح الحقِّ، عَلَى مَا نطقت بِهِ الآيات المتقدِّمة.
{فلا تعجلْ عَلَيْهِم إِنَّمَا نَعدُّ لَهُم} أَيَّام آجالهم {عدًّا (84)} والمعنى: لاَ تعجل بهلاكهم، فإنَّه لم يبق لَهُم إِلاَّ أيَّام محصورة، وأنفاس معدودة، ليتوصَّلوا بها إِلىَ دركتهم التي خُلِقت لَهُم وخُلِقوا لها، وَهُوَ يسعى إِلَيْهِا طائرا.
{يوم نَحشرُ المتَّقِينَ (2) إِلىَ الرحمن وفدا (85)} أي: جماعات وافدين عَلَيه، كما تفد الوفاد (3) عَلَى الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم. {ونسوق المجرمين} كَمَا تُساق البهائم {إِلىَ جَهَنَّم وِردًا (86)} عِطاشا، فإنَّ مَن يَرِد الماء لاَ يَرِدُه إِلاَّ لعطش. {لاَ يملكون الشفاعةَ} الضمير فِيهَا للعباد المدلول عليها (4) بذكر القسمين، {إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عند الرحمن عهدا (87)} إِلاَّ مَن تحلَّى بما يَستعدُّ بِهِ، وَهُوَ كلمة التوحيد بكمال شروطها.
{__________
(1) - ... سورة فصِّلت: 25.
(2) - ... في الأصل: «يوم نحشرهم إِلىَ الرحمن ... »، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ولم نجد هَذَا الجمع، ولعلَّ الصواب: «الأوفاد». قال في القاموس: «وهم وفود، ووفْد، وأوفاد، ووُفَّد». وفي اللسان: «قيل الوفد: الركبان المكرَّمون ... وهم الوفد والوفود، فأمَّا الوفد فاسم جمع، وَقِيلَ: جمع، وَأَمَّا الوفود فجمع وافد». الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 295. ابن منظور: لسان العرب، 6/ 957، مادَّة وفد.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عليهم». (3/20)
صفحة 836
وَقَالُوا: [347] اتَّخَذَ الرحمن ولدا (88) لَقَد جئتم شَيْئًا إِدًّا} عَلَى الالتفات للمبالغة فيِ الذمِّ، والتسجيل عَلَيْهِم بالجرأة عَلَى الله؛ والإدُّ: العظيم المنكَر؛ {تكاد السَّمَاوَات يتفطَّرن مِنْهُ} يتشقَّقن مرَّة بعد أخرى، {وتنشقُّ الأَرْض وتخرُّ الجبال هدًّا (90)} تهدُّ هدًّا؛ وَهُوَ تقرير لكونه إدًّا؛ والمعنى: أنَّ هول هَذِهِ الكلمة وعِظَمها بحيث لو يُتَصوَّر بصورة مَحسوسة، لَم تتحمَّلها هَذِهِ الأجرام العظام، وتفتَّتت (1) مِن شدَّتها؛ أو إنَّ فَضَاعتها مُحِلَّة لغضب الله، بحيث لولا حِلمُه لخَرَّب العالم، وبَدَّد قوائمَه غضبا عَلَى مَن تَفَوَّه بها. {أن دَعَوا للرَّحمن ولدا (91)} قَالَ ابن عبَّاس: «فزعت السَّمَاوَات والأَرْض والجبال وجميع الخلائق إِلاَّ الثقلين، فكادت أن تزول؛ وغضبت المَلاَئِكَة، واستعَرَت جهنَّم حين قَالُوا: “لله ولد”».
ثُمَّ نفى عَن نفسه الولد فقال: {وَمَا ينبغي للرحمن أن يتَّخذَ ولدا (92)} وَلاَ يليق بِهِ اتِّخَاذ الولد. ولعلَّ ترتيب الحكم بصفة الرحمانيَّة للإشعار بأنَّ كُلَّ مَا عداه نعمة، ومنعَم عليه؛ فلا يتجانس من هُوَ مبدأ النعم كلِّها، ومولى أصولها وفروعها؛ فكيف يمكن أن يتَّخذ ولدا، ثُمَّ صرَّح بِهِ فيِ قوله:
{إن كُلُّ مَن فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} أي: وَمَا مِنْهُم {إلاَّ آتي الرحمنِ عبدا (93)} إِلاَّ وَهُوَ مَملوك لَهُ، يأوي إِلَيْهِ بالعبوديَّة والانقياد. {لَقَد أحصاهم} حَصَرَهم، أو أحاط بهم بحيث لاَ يخرجون عَن حوزة عِلمه، وقبضة قدرته، {وعدَّهم عدًّا (94)} عدَّ أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم، فإنَّ كُلَّ شيء عنده بِمقدار. {وكلُّهم آتيه يوم القيامة فردا (95)} منفردًا عَن الأتباع والأنصار، وعن الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وتفتت»، وَهُوَ خطأ. (3/21)
صفحة 837
إنَّ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات سيجعلُ لَهُمُ الرحمن وُدًّا (96)} سَيُحدث لَهُم فيِ القلوب مودَّة، مِن غَيْرِ تعريض مِنْهُم لأسبابها؛ وقيل: مَا أقبل عبد بقلبه إِلىَ الله إلاَّ أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إِلَيْهِ، حتَّى يرزقه مودَّتهم.
{فإنَّما يسَّرناه بلسانك} بِأَن أنزلناه بِلُغَتك {لتُبشِّر بِهِ المُتَّقِينَ، وتُنذر بِهِ قوما لُدًّا (97)} أشدَّاء الخصومة.
{وكم أهلكنا قَبلهم مِن قرنٍ} تخويفٌ للكفرة، وتَجسير للرسول عَلَى إنذارهم، {هل تُحِسُّ مِنْهُم مِن أحد}؟ هل تَشعر بأحدٍ مِنْهُم أو تَراه؟ {أو تَسمع لَهُم رِكزًا} الركز: الصوت الخفِيُّ؛ هل ترى مِنْهُم مِن أحد، أو تسمع لَهُم (1) صوتا.
سورة طه
بسم الله الرحمن الرحيم
{طه (1)} قيل: معناه يا رجل؛ وقيل: أمرٌ للرَّسول بِأَن يطأ أرض مكَّة بقدميه. {مَا أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2)} قيل: مَا أنزلنا عليك القرآن (2) لتتعب بفرط تَأسُّفك عَلَى كُفر مَن كَفَر إذ مَا عليك إِلاَّ البلاغ. {إلاَّ تذكرةً لِمَن يَخشى (3)} لِمَن فيِ قلبه خشيةٌ ورقَّةٌ يتأثَّر بالإنذار؛ وقيل: لمَّا رأى المشركون اجتهاد رسولِ الله فيِ العبادة، قَالُوا: مَا أُنزِل عليكَ القرآن [إِلاَّ] لشقائِك، نزلت: {مَا أَنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي: لتشقى وتتعب؛ وأصل الشقاء فيِ اللغة: العناء. {إلاَّ تذكرةً لِمَن يَخشى} أي: لكن أنزلناه عِظةً لِمَن يخشى.
{تنزيلا مِمَّن خلقَ الأَرْضَ والسماواتِ العُلَى (4)} مَا بعده إِلىَ قوله: {لَهُ الأسماء الحسنى} تفخيم لشأن المنزَّل، بغرضِ تعظيم المنزِّل، بذكر [348] أفعاله وصفاته عَلَى الترتيب الذِي هُوَ عند العقل، فبدأ بِخلقِ الأَرْض والسماوات التِي هِيَ أصول العالم؛ وقدَّم الأَرْض، لأَنَّهَا أقرب إِلىَ الحسِّ، وأظهر عنده مِنَ السماوات العلى.
__________
(1) - ... في الأصل: + «لهم»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «القرن»، وهو خطأ. (3/22)
صفحة 838
ثُمَّ أشار إِلىَ وجه إحداث الكائنات، وتدبير أمرها بِأَن قصد العرش، فأجرى مِنْهُ الأحكام والمقادير، وأنزل مِنْهُ الأسباب عَلَى ترتيبٍ ومقادير حسب مَا اقتضته حكمته، وتعلَّقت بِهِ مشيئته، فقال: {الرحمنُ عَلَى العرش استوى(5) لَهُ مَا فيِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فيِ الأَرْض وَمَا بينهما وَمَا تَحت الثرى(6)} ليدلَّ بذلك عَلَى كمال قدرته وإرادته، وَلَمَّا كَانَت القدرةُ تابعة للإرداة، وهي لاَ تنفكُّ عَن العلم عَقَّب ذَلِكَ بإحاطة علمه تعالى، بِجَلِيَّات الأمور وخفيَّاتها (1) عَلَى سواء، فقال:
{وإن تَجهرْ بالقول فَإِنَّهُ يعلم السرَّ وأخفى(7)} السرُّ: مَا أكنَّته الصدور؛ وأخفى مِنَ السرِّ مَا سَتُكِنُّه بعد، ولم تكن أكنَّته؛ وفيه تنبيه عَلَى أنَّ شرع الذكر والدعاء، والجهر فيما (2) ليس لإعلام الله، بَل لتصوير (3) النفس بالذكر، ورسوخه فِيهَا، ومَنعها عَن اشتغال بغيره، [و]هضمها بالتضرُّع والجُؤَار (4) .
__________
(1) - ... هكذا كتب الناسخ، ثُمَّ شطَّب عليه وكتب: «وخفائها». ويبدو أنَّ الصواب ما أثبتناه.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فيهما».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لتضوير»، من التضوُّر، وَهُوَ «التلوِّي والصياح من وجع الضرب أو الجوع»، أي لَعَلَّهُ يقصد إذلال النفس وقهرها. راجع: ابن منظور: لسان العرب، 3/556.
(4) - ... «جأر يجأر جأْرًا وجُؤارا: رفع صوته مع تضرُّع واستغاثة». ابن منظور: لسان العرب، 1/390. (3/23)
صفحة 839
ثُمَّ لمَّا ظهر بذلك أنَّه المستجمع لصفات الألوهيَّة، بيَّن أنَّه المنفرد بها، والمتوحِّد بِمتقضاها، فقال: {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى (8)} تفخيم المنزِّل مِن وَجهين: إسناد إنزاله إِلىَ ضمير الوَاحِد العظيم الشأن، ونسبته إِلىَ المختصِّ بصفات الجلال والإكرام، والتنبيه عَلَى أنَّه واجب الإيمان بِهِ، والانقياد لَهُ مِن حيث أنَّه كلامٌ مَن هَذَا شأنُه. والثرى: الطبقة الترابيَّة، وهي آخر مَا تَحت طبقتها. والحسنى: تأنيث لأحسن، وفَضلُ أسماء الله تعالى عَلَى سائر الأسماء فيِ الحسن، لدلالتها عَلَى معان هِيَ أشرف المعاني وأفضلها.
{وهَل أتاك حديث موسى (9)}؟ قفا (1) تمهيد نبوَّته - عليه السلام - قصَّة موسى ليؤتمَّ بِهِ فيِ تحمُّل أعباء النبوَّة، وتبليغ الرسالة، والصبر عَلَى مقاساة الشدائد؛ فإنَّ هَذِهِ السورة مِن أوائل مَا نزل.
{إذ رأى نارا فقال لأهله: امكثوا إِنِّي آنست نارا لعلِّي آتيكم منها بقبس أو أَجِدُ عَلَى النار هُدى (10)} هاديا يَدلُّني عَلَى الطريقِ أو يَهديني أبواب الدين؛ فإنَّ أفكار الأبرار مائلة إِلَيْهِا فيِ كُلِّ مَا يَعِنُّ لَهُم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَفيِ الكشَّاف: «قفَّاه بقصَّة موسى عليه السلام ليتأسَّى به في تحمُّل أعباء النبوَّة» الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 40. (3/24)
صفحة 840
فَلَمَّا أتاها نُوديَ: يا موسى (11) إِنِّي أنا رَبُّكَ} قيل: إِنَّهُ لمَّا نُودي قَالَ مَنِ المتكلِّم؟ قَالَ: إِنِّي أنا الله، فوسوس إِلَيْهِ إبليس، لعلَّك تسمع كلام شيطان، فقال: عرفت أنَّه كلام (1)، وَهُوَ إشارة إِلىَ أنَّه - عليه السلام - تلقَّى ربّه كلامه (2) تلقيًّا روحيًّا، ثُمَّ تمثَّل ذَلِكَ الكلام لبدنه، وانتقل إِلىَ الحسِّ المشترك، فانتقش بِهِ مِن غير اختصاص بعُضوٍ وجهةٍ؛ وكلُّ إلهام أُلهم المخلوقُ أتاه مِن قِبَل الله تشهد لَهُ أنوار الحجج أنَّه مِن عند الله فاتَّبعه؛ والشيطان يُلقي إِلَيْهِ أنَّه مِن إبليس فلا تتَّبعه (3). {فاخلع نعليك} أمره بذلك، لأَنَّ الحَفوة تواضع وأدب، ولذلك طاف السلف حافين؛ وقيل: لنجاسة نعليه، وقيل: معناه فَرِّغ قلبك مِنَ الأهل والمال؛ أو للاستقرار والمكث بالبقعة المباركة، ليكون أحضر لقلبه لِتَلقِّي وحي ربِّه. {إنَّك بالوادي المقدَّس} المطهَّر من حضور الشياطين، {طُوًى (12)} [349] بالضمِّ، وبكسر وتنوين؛ واد بالشام عَلَى مَا يوجد طوى (4).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير كاملة، وَفيِ الكشاف: «لعلَّك تسمع كلام شيطان، فقال: أنا عرفت أنَّه كلام الله بأنِّي أسمعه من جميع جهاتي الستِّ، وأسمعه بجميع أعضائي». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 42؛ أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تلقَّى كلام ربِّه». وَفيِ تفسير أبي السعود: «وقيل: تلقَّى عليه الصلاة والسلام كلام رَبِّ العِزَّة تلقِّيا روحانيًّا ... »، أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص7.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ صواب العبارة: «وإن كان الشيطان يُلقي إِلَيْهِ أنَّه مِن إبليس فلا يتَّبعه» بضمير الغائب.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اسمه: طُوى». (3/25)
صفحة 841
وأنا اخترتك} اصطفيتك للنبوَّة عَلَى عِلم بأحوالك، عَلَى عالَمي أهل زمانك؛ وينبغي لكلِّ إمام (1) استولى عَلَى بلد، أن يَختار لها الأفضل مِنَ الناس يُولِّيه أَمر العبادِ والبلادِ، ليُنزِل كلاًّ مِنَ الناس منزلَتَه. {فاستمِعْ لِمَا يُوحَى (13)} لأَنَّهُ واجب استماع الوحي، مَا كَانَ مِنَ الوحي بإلهام أو غيره، لأَنَّ قُبولَه عَلَى كُلِّ متعبِّد.
{إِنَّنِي أنا الله لاَ إله إِلاَّ أنا، فاعبدني} دالٌّ عَلَى أنَّه مقصور عَلَى تقرير التوحيد الذِي هُوَ مُنتهى العلم، والأمر بالعبادة التِي هِيَ كمال العمل. {وأَقِم الصلاة لِذِكرِي (14)} خَصَّها بالذكر وأفردها بالأمر للعلَّة التِي أناطَ بها إقامتها، وهي تذكُّر المعبودِ، وشَغلُ القلب واللسان بذكره؛ وَقِيلَ: {لذكري} لأَنِّي ذكرتها في الكتب، وأمرت بها؛ أو لأَنْ أذكرك بالثناء؛ أو لذكري خاصَّة لاَ ترائي بها غيري، ولا تشوبها بذكر غيري؛ وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلاة؛ أو لذكر صلاتي. لمَّا روي أنَّه - عليه السلام - قَالَ: «من نام عَن صلاة أو نَسيها فليقضها إِذَا ذَكَرها» (2). إِنَّ اللهَ تعالى يقول: {وأقم الصلاة لذكري}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الإمام»، وهو خطأ.
(2) - ... رواه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». كتاب الصلاة ووجوبها، باب [28] في أوقات الصلاة، حديث رقم 184.
قال الربيع: وذلك في حين تجب عليه فيه الصلاة. (3/26)
صفحة 842
إنَّ الساعَةَ آتيةٌ} كائنة لاَ مَحالة، {أكادُ أُخفيها} أريدُ إخفاءَ وقتها، أو أُخفيها فيِ قلوب الأعداء، فلا يُؤمنوا بإتيانها؛ {لِتُجزى كُلُّ نفسٍ بِمَا تَسعى(15)} متعلِّق بـ: «آتيةٌ» أو «أُخفيها» عَلَى المعنى الأَخِير. {فلا يَصُدَّنَّك عنها} عَن تصديق الساعة، أو عَن الصلاة {مَن لاَ يُؤْمِنُ بها} المُرَاد: نهيه الانصداد عنها، تنبيها عَلَى أنَّ فطرته السليمة لو خُلِّيت بحالها لاختارها، ولم يعرض عنها؛ وأنَّه ينبغي أن يكون راسخا فيِ دينه؛ فإنَّ صَدَّ الكفَّار إِنَّمَا يكون بسبب ضعفه أو مرضٍ فِيهِ. {واتَّبعَ هواه} ميَّل نفسه إِلىَ اللذَّات المحسوسة المخدجة، فقصر نظره عَن غيرها، {فَتَرْدَى(16)} فتهلك بالانصداد بصدِّه؛ والهلك: الهويُّ مَا بين كلِّ شَيئين.
{وَمَا تِلك} استفهام يتضمَّن استيقاظا لِمَا يُريه فِيهَا مِنَ العجائب. {بيمينك يا موسى(17)}؟ تكرير لزيادة الاستئناس والتنبيه. {قَالَ: هِيَ عصايَ أتوكَّأ عليها} اعتمد عليها إِذَا عييت، {وأهشُّ بها عَلَى غنمي} وأخبط بها الورق عَلَى رُؤوس غنمي، {وَلِي فِيهَا مآرب أُخْرَى(18)} حاجات أخر؛ وكأنَّه - عليه السلام - فَهِم أنَّ المقصود مِنَ السؤال أن يتذكَّر حقيقتها، وَمَا يرى من منافعها. وفيه تنبيه عَلَى أنَّ المؤمن لاَ ينبغي لَهُ أن يستعمل شَيْئًا لاَ معنى لَهُ، وَلاَ يشتغل بِهِ، وأنَّه مسؤول عمَّا يتَّخذه، كما سئل موسى عَن عصاه، فكَانَ مِن جوابه مَا كَانَ.
{ (3/27)
صفحة 843
قَالَ: أَلقِها يا موسى (19) فألقاها فإذا هِيَ حيَّة تسعى (20)} تَمشي بسرعة عَلَى بطنها؛ قيل: لمَّا ألقاها انقلبت حيَّة صفراء بغلظ العصا؛ ثُمَّ تورَّمت وعظمت، فلذلك سَمَّاها جانًّا تارة نظرًا (1) إِلىَ المبدإ، وثعبانا مرَّة باعتبار المنتهَى، وحيَّة أُخْرَى بالاسم الذِي يَعمُّ الحالين. قيل: كَانَت فيِ ضخامة الثعبان، وجلادة الجانِّ، ولذلك قَالَ: {كأنَّها جانٌّ} (2). {قَالَ خُذها وَلاَ تَخَفْ} فإنَّه لمَّا رآها حيَّة تُسرع خاف وهرب. وقيل: كَانَ بين لِحييها أربعون ذِراعا، ففزعَ موسى منها. {سنعيدها سِيرتَها الأولى (21)} هيأتها (3) وحالتها المتقدِّمة.
{واضمم يدك إِلىَ جَناحِك} [350] أي: جَنبِك تَحت العضد، {تَخرجْ بيضاءَ مِن غير سوء} مِن غير عاهة، {آية أُخْرَى (22)} مُعجزة أُخْرَى. {لِنُريَك مِن آياتنا الكبرى (23)} ليزداد قلبك اطمئنانيَّة. {اذهب إِلىَ فرعون} بهاتين الآيتين، وادعُه إِلىَ توحيدي وعبادتي. {إِنَّهُ طَغى (24)} بشركي، وعبادة خلقي.
{قَالَ: رَبِّ اشرح لي صدري (25)} للإسلام، ووسِّعه للحقِّ، {ويسِّر لي أمري (26)} للطاعة، لَمَّا أمره الله بِخَطب عظيم، وأمرٍ جَسيم، سأله أن يشرح صدره، ويَفسح قلبه لتحمُّل أعبائه، والصبر عَلَى مشاقِّه؛ والتلقِّي لِمَا تنزَّل عليه، ويُسهِّل الأمر عليه بإحداث الأسباب، ورفع الموانع. {واحلُلْ عُقدَةً مِن لِساني (27) يَفقَهوا قولي (28)} فأحسنُ التبلِيغَ مِنَ البليغ؛ قيل: {واحلل عُقدةً مِن لساني} تَمنع الإفهام، ولذلك نَكَّرها؛ وقيل: غير ذَلِكَ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «نظر»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة النمل: 10؛ وسورة القصص: 31.
(3) - ... في الأصل: «هيتها»، وهو خطأ. (3/28)
صفحة 844
واجعل لي وزيرا مِن أهلي (29) هارونَ أخي (30)} يُعِينُني عَلَى مَا كلَّفتني بِهِ. {اشدُدْ بِهِ أَزرِي (31)} الأزرُ: القوَّة والضعف، ضدٌّ، والتقويةُ والظهرُ (1). {وأَشركه فيِ أمري (32)} لإصلاح الخلق، {كي نُسَبِّحَك كثيرا (33) ونَذكُرَك كثيرا (34)} فإن التعاون يُهيج الرغبات، ويُؤدِّي إِلىَ تكاثر الخير وتزايده، {إنَّك كنتَ بنا بصيرا (35)} عالما بأحوالنا؛ وأنَّ التعاون مِمَّا يُصلحنا، وأنَّ هارون نِعمَ المعين لي فيما أمرتني بِهِ؛ وإذا ارتفعت الأهوية مِنَ الشخصين، انضمَّ المطلوب منهما إِلىَ توحيد الله وعبادته؛ ولذلك قلَّت الموافقة بين الأشخاص لِمَا فيِ القلوب مِنَ المرض. وائتلافُ القلوب عَلَى قَدرِ الموافقة منها ومقاربتها فيِ الطباع.
{قَالَ قد (2) أوتيت سُؤلَك يا موسى (36)} أي: مَسؤولك، {وَلَقَد مَنَنَّا عليك مرَّة أُخْرَى (37)} يُذكِّرُه إن كَانَ ناسيا، وينبِّهه إن كَانَ غافلا، ويُعلِّمه إن كَانَ جاهلا، أنَّهُ أنعم عليه فيِ وقت آخر بقوله:
{__________
(1) - ... انظر: الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 309، مادَّة: «أزر».
(2) - ... في الأصل: «لقد» وهو خطأ. (3/29)
صفحة 845
إذ أوحينا إِلىَ أُمِّك} بإلهام، أو فيِ منام، أو عَلَى لسان نبيٍّ فيِ وقتها؛ أو مَلَك لاَ عَلَى وَجهِ النبوَّة، {مَا يُوحى (38)} مَا [لاَ] يُعلم إِلاَّ بالوحي؛ أو مِمَّا ينبغي أن يُوحى وَلاَ يُترك لِعِظَم شأنه لِمَا فِيهِ مِنَ الحكمة، وأنَّه كائن لاَ محالة. {أَن اقذِفيه فيِ التَّابوت فاقذِفِيه فيِ اليمِّ} القذف: يُقال (لَعَلَّهُ) للإلقاء. {فَليُلقِه اليمُّ بالساحل} لَمَّا كَانَ إلقاء البحر إيَّاه عَلَى الساحل أمرا واجبَ الحصول ــ لتعلُّقِ الإرداة بِهِ ــ جَعَل البحر كأنَّه ذو تَمييز مُطيع أمره بذلك، وأخرج الجواب مَخرج الأمر؛ والأَولىَ أن يَجعل الضمائر كلَّها لموسى مراعاة للنَّظم؛ والمقذوف فيِ البحر، والمُلقى إِلىَ الساحل، وإن كَانَ التابوت بالذات، فموسى بالعرض. {يَأخذه عدوٌّ ليِ وعدوٌّ لَهُ} قيل: إنَّها جَعَلَت فيِ التابوت قُطْنًا، ووضعته فِيهِ، ثُمَّ قَيَّرته (1)، وألقته فيِ اليمِّ خِفيَة مِن فرعون وآله؛ وكَانَ يشرع إِلىَ بستان فرعون نهر، فرفعه الماء إِلَيْهِ، فأدَّاه إلى بِركة فيِ البستان، وكَانَ فرعون جالسا عَلَى رأسها مَعَ امرأته آسية بنت مُزاحم؛ فأمر بِهِ، فأُخرِج، فَفُتِح، فإذا فيهِ صبيٌّ أَصبَحُ الناسِ وجها، فأحبَّه حُبًّا شديدا، كما قَالَ:
{__________
(1) - ... في المنجد: «قَيَّر الشيء: طلاه بالقارِ. القار والقير: مادَّة سوداء تطلى بها السفن والإبل وغيرها، وَقِيلَ: هو الزفت». ص: 665. مادَّة: قَيَرَ. (3/30)
صفحة 846
وَألقيتُ عليك مَحَبَّة مِنِّي} أي: مَحبَّة كافيَة منِّي، قد زرعتها فيِ القلوب، بِحيث لاَ يكاد يصبر عنك مَن رآك؛ فلذلك أحبَّك فرعون. ويجوز أن يتعلَّق «منِّي» بـ «ألقيت» أي: أَحببتُك، ومَن أحبَّه الله [351] أحبَّته القلوب؛ وظاهر اللفظ أنَّ اليمَّ ألقاه بساحله وَهُوَ شاطئه، لأَنَّ الماء يَسحله (1)، فالتقطه مِنْهُ. {ولِتُصنَعَ عَلَى عَينِيَ (39)} ولِتُربَّي بكلاءتي، أي: وليكون عملك عَلَى عَينٍ منِّي، لئلاَّ تُخالَف بِهِ عَن أمري.
{إذ تَمشي أُختك فتقول: هل أدلُّكم عَلَى مَن يكفُلُه} وذلك أنَّه لاَ يقبل ثديَ المراضع؛ فجاءت أخته متفحِصَّة خبره، فصادفتهم يَطلبون لَهُ مُرضعةً يَقبَل ثديَها؛ فقالت: هل أدلُّكم ... ؟ فجاءت بأمِّه فَقَبِل ثديَها؛ {فَرَجَعناك إِلىَ أمِّك} وفاءً بقولنا: {إِنَّا رادُّوه إليكِ} (2)، {كي تقرَّ عينها} بلقائك، {وَلاَ تَحزن} هِيَ بفراقك، أو أنت عَلَى فراقها. وفائدة هَذِهِ المنَّة العظيمة من قوله: {وَلَقَد مَنَنَّا عليك مرَّة أُخْرَى ... } إِلىَ { ... وَلاَ تَحزن} وذلك أنَّ فرعون حاذرَ زوالَ مُلكِه عَلَى يد رجل مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ، فكَانَ يقتل أبناءهم، ويستحيِي نساءهم؛ فأمر الله تعالى أمَّ موسى لمَّا خافت عليه القتل ــ كما يقتل غيره مِن أبناء بَنِي إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ مِنْهُم ــ أن تُلقيه فيِ التابوت ويُلقِيه فيِ البحر، وليُلقه البحر بالساحل، ويأخذه عدوُّ الله وعدوُّه، وليرجع بِهِ إِلىَ أمِّه لتربِّيه بأمان مِنَ القتل، لئلاَّ يعرفوه أنَّه مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ. فانظر إِلىَ هَذِهِ الحكمة الباهرة، لأَنَّ الله غالبٌ عَلَى أمره إِلىَ أن {قالت امرأة فرعون: قرَّتُ عينٍ لي ولَكَ لاَ تقتلوه عَسَى أن ينفَعَنا أو نتَّخذه ولدا وَهُم لاَ يشعرون} (3).
{__________
(1) - ... في الكشَّاف: «لأنَّ الماء يسحله، أي يقشره». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 49.
(2) - ... سورة القصص: 7.
(3) - ... سورة القصص: 9. (3/31)
صفحة 847
وقَتَلتَ نفسا} نفسَ القِبطِي الذِي استغاثه عليه الإسرائيليُّ. {فنجَّيناك مِنَ الغمِّ} غمِّ قتله خوفا مِن عقاب الله واقتصاصِ فرعون، بالمغفرة والأمن مِنْهُ بالهجرة إِلىَ مدين. {وفَتَنَّاك فُتُونا} وابتليناك ابتلاء، أو أنواعا مِنَ الابتلاء؛ عَلَى أنَّه جمع فَتْن؛ فخلَّصناك مرَّة بعد أُخْرَى؛ وَهُوَ إِجمال لِمَا ناله فيِ سفره مِنَ الهجرة عَن الوطن، ومفارقة الأُلاَّف (1)، والمشي راجلا علىحذرٍ وخوف، وفَقْدِ الزاد، وأجر نفسه إِلىَ غير ذَلِكَ؛ أو لَهُ وَلِمَا سبق ذكره. {فلبثتَ سنين فيِ أهلِ مدين} لبثتَ فِيهِم عشرسنين قضاءً لأَوْفَى الأجلين؛ {ثمَّ جئتَ عَلَى قَدَرٍ} قدرة (2) لأَن أكلِّمك وأُرسلك، غير متقدِّم وقتَه المعيَّن، وَلاَ مستأخر، {يا موسى (40)} كرَّره عُقَيبَ ما هُوَ غاية (3) الحكاية للتنبيه عَلَى ذَلِكَ.
{واصطنعتُك لنفسي (41)} واصطفيتك لمحبَّتي وعبادتي ورسالتي، وَإِلاَّ فكلُّ الخلق قد خلقهم لعبادته، لكن اصطنعهُ لنفسه عَلَى عِلم مِنْهُ أنَّه مُستَأهل لِمَا جعله لَهُ؛ {اذهب أنتَ وأخوك بِآيَاتِي} بِمعجزاتي، {وَلاَ تَنِيَا} بمعنى: التَّواني؛ أي: وَلاَ تُقصِّرا تعطلا وتبطلا [كَذَا]. {فيِ ذكري (42)}، ولاَ تنسياني حيث تقلَّبتما؛ وقيل: فيِ تبليغ ذكري، والدعاء لي.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الآلات»، ولا مَعنَى له. «والأُلاَّف: جمع آلف، مثل: كافر، وكُفَّار». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 83، مادَّة: «ألف».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب ما ذكره أبو السعود: «{على قدر} أي: تقديرٍ قدَّرتُه»، ويدلُّ عَلَيه السياق. انظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص16.
(3) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة، وَفيِ تفسير أبي السعود: «{يا موسى} تشريف له عليه الصلاة والسلام، وتنبيه عَلَى انتهاء الحكاية». المصدر نفسه. (3/32)
صفحة 848
اذهبا إِلىَ فرعون إِنَّهُ طغى (43) فقولا لَهُ قولا ليِّنًا} مثل: {هل لَّك إِلىَ أن تزكَّى، وأَهدِيَكَ إِلىَ رَبِّكَ فتخشى} (1)، فإنَّه دعوة فيِ صورة عَرْض ومشورة؛ احذَرَا أن تَحمله الحماقة عَلَى أن يَسطو عليكما. {لَعَلَّهُ يتذكَّر أو يَخشى (44)} أي: بَاشر (2) الأمر عَلَى رَجائكما وطَمعِكما أنَّه يُثمر، وَلاَ يَخيب سعيكما؛ فإنَّ الراجي مُجتهد، والآيس مُتكلِّف. والفائدة فيِ إرسالهما والمبالغة عليهما فيِ الاجتهاد، مَعَ علمه بأنَّه لاَ يُؤْمِنُ؛ [352] إلزاما للحجَّة، وقطعا للمعذرة، وإظهار ما حدث فيِ تضاعيف ذلك مِنَ الآيات، والتذكُّر للمتحقِّق، والخشية للمُتوهِّم.
{قالاَ: رَبَّنَا إِنَّنَا (3) نَخاف أن يَفرُط علينا} أن يَعجَل علينا بالعقوبة، وَلاَ يصبر إِلىَ تَمام الدعوة وإظهار المعجزة؛ أي: نَخاف أن يَحمله حامل مِن استكبار، أو خوفٍ عَلَى المُلكِ، أو شيطان إنسيٍّ أو جِنِّيٍّ عَلَى المعاجلة بالعقاب، {أو أَن يَطغى (45)} أي: يُجاوِزُ الحدَّ فيِ الإساءة إلينا.
{قَالَ: لاَ تَخافا إِنَّنِي معكما} بالحفظ والنصرة {أسمعُ وأَرَى (46)} مَا يَجري بينكما، وبينه مِن قول وفعل، فَأُحدِث فيِ كُلِّ حال مَا يصرف شرَّه عنكما، ويُوجِبُ نُصرَتي لكما.
{__________
(1) - ... سورة النازعات: 18 - 19.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «باشِرَا». بالتثنية خطابا لموسى وهارون عليهما السلام.
(3) - ... في الأصل: «إنا»، وهو خطأ. (3/33)
صفحة 849
فَأْتِيَاه فقولا: إِنَّا رسولا رَبِّكَ فأَرسِلْ معنا بَنِي إِسْرَائِيلَ} أَطلِقهم {وَلاَ تُعذِّبهم} بالتكاليف الصعبة (1)، وقتل الولدان؛ {قد جئناك بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ} لاَ يتأتَّي إتيانها بقوَى البشريَّة، {والسلام عَلَى مَن اتَّبع الهدَى (47)} السلامة فيِ الدارين لَهُم، كما أنَّ عذاب الدارين لِمَن تولىَّ وكفر. والعذاب ضدُّه السلام؛ فلا يَجتمعان فيِ حقِّ شخص وَاحِد فيِ مَحياه ومَماته، بدليل قوله: {إِنَّا قَد أُوحي إلينا أنَّ العذابَ عَلَى مَن كذَّب وتولىَّ (48)} أنَّ عذاب المَنزِلَيْنِ عَلَى مَن كَذَّب وتولىَّ.
{قَالَ: فمن رَبُّكما يا موسى (49)؟ قَالَ: رَبُّنَا الذِي أعطى كُلَّ شيء} مِنَ الأنواع {خَلقه} صورته وشكله الذِي يُطابق كَماله الممكن لَهُ، أو أَعطى خليقته كُلَّ شيء يَحتاجون إِلَيْهِ، ويرتفقون بِهِ؛ وقيل: أعطى كُلَّ حيوان نظيره فيِ الخلق والصورة زوجا؛ وقيل: أعطى كُلَّ مَخلوق مَا لاَ يستقيم إِلاَّ بِهِ؛ وقيل: أعطى [كلَّ] شيء صلاحه، وهداه لِمَا يصلُحه. {ثمَّ هَدى (50)} ثُمَّ عرَّفه كيف يترفَّق بمَا أُعطي، وكيف يتوصَّل بِهِ إِلىَ بَقائه وكماله اختيارًا أو طبعا، وَهُوَ جواب فيِ غاية البلاغة، لاختصاره وإعرابه عَن الموجودات بأسرها عَلَى مَراتبها، ودلالته عَلَى أنَّ الغنيَّ القادر بالذات، المنعِم عَلَى الإطلاق هُوَ الله تعالى، وأنَّ جميع مَا عداه مُفتقر إِلَيْهِ، مُنعَم عليه فيِ حدِّ ذاته وصفاته وأفعاله. ولذلك بُهَتَ الذِي كَفَر، وأُفحِم عَن الدَّخَل (2) عليه، فلم يَرَ إِلاَّ صرفَ الكلام عَنْهُ، فقال:
{__________
(1) - ... في الأصل: «العصبة»، وهو خطأ.
(2) - ... «الدَّخَل: ما داخل الإِنسَانَ من فساد في عقل أو جسم ... »، وفيه معانٍ أخرى يمكن أن تليق بهذا السياق. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 2/ 956. مادَّة «دخل». (3/34)
صفحة 850
قَالَ: فما بالُ القرونِ الأولى (51)}؟ فما حالهم بعد موتهم مِنَ السعادة والشقاوة؟ {قَالَ: عِلمُها عند رَبِّي} أي: أنَّه غيب لاَ يعلمه إِلاَّ الله، وإنَّما أنا عبدٌ مثلك لاَ أعلم منه إِلاَّ مَا أخبرني بِهِ {فيِ كِتَابٍ} مُثبَت فيِ اللوح المحفوظ. ويجوز أن يكون تَمثيلاً، لتمكُّنه فيِ علمه، بِمَا استحفظه العالِم، وقيَّده بالكَتَبَة (1)، ويُؤيِّده: {لاَ يَضِلُّ رَبِّي (2) وَلاَ يَنسى (52)} والضلال: أن يُخطئ الشيءَ فيِ مكانه، فلم يهتد إِلَيْهِ؛ والنسيان: أن يَذهب عَنْهُ (3) بحيث لاَ يَخطر ببالك، وهما مُحالان عَلَى العالِم بالذات. ويجوز أن يكون سؤاله دَخَلاً عَلَى إحاطةِ قدرةِ الله بالأشياء كُلِّها، وتخصيصه أبعاضها بالصورة، والخواصِّ المختلفة، لأنَّ ذَلِكَ يَستدعي عِلمه بتفاصيل الأشياء وجزئيَّاتها، والقرونِ الخالية، مَعَ كثرتهم، وتَمادي مُدَّتهم، وتباعدِ [353] أطرافهم، كيف عِلمه بهم وبأجزائهم وأحوالهم؟! فيكون مَعنى الجواب أنَّ عِلمَه تعالى مُحيط بذلك كُلِّه، وأنَّه مُثبَت عنده لاَ يَضِلُّ وَلاَ يَنسى.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «بالكتابة». ونفس الكلمة: «الكتبة» نجدها عند أبي السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص21.
(2) - ... في الأصل: - «رَبِّي»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عنك». (3/35)
صفحة 851
الذِي جعل لكم الأَرْض مَهْدًا} أي: كالمهد تتمهَّدونها؛ وقُرئ: {مِهادا} وَهُوَ اسم مَا يُمهد، كالفِرَاش، أو جمع مهد، {وسَلَكَ لكم فِيهَا سُبُلا} وجعل لكم فِيهَا سُبُلا بين الجبال والأودية والبراري، تسلكونها مِنَ الأَرْض إِلىَ الأَرْض لِتبلغوا منافعها. {وأنزل مِنَ السَّمَاء ماءً، فأخرجنا بِهِ} عدَلَ بِهِ مِن لَفظ الغَيبَة إِلىَ صيغة التكلُّم عَلَى الحكاية؛ لكلام الله عزَّ وجلَّ تنبيها لظهور مَا فِيهِ مِنَ الدلالة عَلَى كَمال القدرة والحكمة، وايذانا بأنَّه مُطاع تَنقاد الأشياء المختلفة لِمشِيئَتة، {أزواجا} أصنافا سُمِّيت بذلك لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، {مِن نباتٍ شتَّى (53)} أي: متصرِّفات (1) فيِ الصُّوَرِ والأغراض والمنافع، يصلح بعضها للناس، وبعضها للبهائم؛ فلذلك قَال:
{كُلوا وارعَوا أنعامَكم إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لأُولي النُّهَى (54)} لذوي العقول الناهية عَن اتِّبَاع الباطل، وارتكاب القبائح؛ جمع نُهْيَة (2)، سُمِّيت نُهْيَة لأَنَّهَا تنهى صاحبها عَن المعاصي.
{منها خلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نُخرجكم تارةً أُخْرَى (55)} بتأليف أجزائكم المتفتِّتة المختلطة بالتراب.
{وَلَقَد أريناه آياتِنا كُلَّها} بصَّرناه إِيَّاها، وعرَّفناه صحَّتها. (لَعَلَّهُ) مَن أُوتيَ تأويل القرآن العظيم، فقد أُوتي مِن آيات الله تعالى. {فكذَّب وأَبَى (56)} الإيمان والطاعة لِعُتوِّه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولم أجد فيما بين يديَّ من مصادر اللغة ما يفيد مَعنَى الاختلاف والتنوُّع. ولعلَّ الصواب: «مختلفات».
(2) - ... انظر: الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 1206، مادَّة: «نهي». (3/36)
صفحة 852
قَالَ: أجئتنا لتُخرجَنا مِن أرضنا بِسِحْرِك يا موسى(57)}؟ هَذَا تعلُّل وتحيُّر، ودليلٌ عَلَى أنَّه عَلِم كونه مُحقًّا، حتَّى خاف مِنْهُ عَلَى مُلكه، فإنَّ ساحرًا لاَ يقدِر أن يُخرج مَلِكا مثله من أرضه. {فَلَنَأتينَّك بسِحْرٍ مثلِه} مثل سِحرك، {فاجعل بيننا وبينك مَوعدا لاَ نُخلِفُه نَحْنُ وَلاَ أنت} فإنَّ الإخلافَ لاَ يُلائم الزمان والمكان، {مَكانا سُوًى(58)}.
{قَالَ: موعدكم يومُ الزينة} قيل: يوم عاشوراء؛ أو يوم النيروز؛ أو يوم عيد كَانَ لَهُم فيِ كُلِّ عام؛ وإنَّما عيَّنه ليَظهر الحقُّ، ويَزهقَ الباطل عَلَى رؤوس الأشهاد، ويشيع ذَلِكَ فيِ الأقطار، {وأن يُحشر الناس ضُحًى(59)}.
{فتولىَّ فرعونُ فجمع كيده} مَا كاد بِهِ، يعني: السحرة وآلاتهم. {ثمَّ أتى(60)} بالموعد. {قَالَ لَهُم موسى: ويلَكم لاَ تفتروا عَلَى الله كَذِبا} بِأَن تدعوا آياته سحرا. {فيسحتكم بعذابٍ} فيهلككم ويستأصلكم بِهِ؛ والسحت: هُوَ الهلاك. {وقد خاب مَن افترى(61)} كَما خابَ فرعون، فإنَّه افترى واحتال لِيبقى الملكُ عليه فلم ينفعه. وهذه الآية تعمُّ جميع العصاة.
{ (3/37)
صفحة 853
فتنازعوا أمرَهم بَيْنَهُم} أي: تشاورت السحرةُ فيِ أمر موسى حين سمعوا كلامَه، فقال بعضهم: «ليس هَذَا مِن كلامِ السحر». {وأسرُّوا النجوى (62) قَالُوا: إنْ هذان لَسَاحران} تفسير لـ: {أسرُّوا النجوى}. {يُريدان أن يُخرجاكم مِن أرضكم} بالاستيلاء عليها، لأَنَّهُ إِذَا استولى عَلَيْهِم فلم يبق لَهُم رأي وَلاَ تدبير؛ فكأنَّه فيِ المعنى أخرجكم مِن أرضكم، وكلُّ ذَلِكَ حُبٌّ للرئاسة، كما قَالَ: {وتكونَ لكما الكبرياء فيِ الأَرْض} (1). {بسِحْرِهما، ويَذهَبَا بطريقتِكم المُثلَى (63)} بِمذهبكم الذِي هُوَ أفضل المذاهب، بإظهار مذهبه وإعلاء [354] دينه، لقوله: {إنِّي أخاف أن يُبدِّل دينَكم} (2)؛ وقيل: أرادوا أهل طريقتكم، وَهُم بنو إسرائيل، فإنَّهم كَانُوا أرباب عِلمٍ فيما بَيْنَهُم، لقول موسى: {أرسل معنا بَنِي إِسْرَائِيلَ} (3)، وقيل الطريقة: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، من حيث أنَّهم قدوة لغيرهم.
{فأجْمِعوا كيدَكم} أي: اجعلوه مجمَعا عليه، لاَ يختلف عَنْهُ وَاحِد منكم؛ أي: اعزموا عَلَى الكيد مِن غير اختلاف بينكم فِيهِ؛ والكيد: يؤتى بِهِ عَلَى خِفيَة، {ثمَّ ائتوا صفًّا} مُصطفِّين، لأَنَّهُ أَهيَب فيِ صدور الرائين؛ قيل: كَانُوا سبعين ألفا، مَعَ كُلِّ وَاحِد مِنْهُم حبلٌ وعصا؛ وأقبلوا عليه إقبالةً وَاحِدَة. {وقد أفلحَ اليومَ من استعلَى (64)} فازَ بالمطلوب مَن غَلَب وترأَّس.
{__________
(1) - ... سورة يونس: 78.
(2) - ... سورة غافر: 26.
(3) - ... سورة الشعراء: 17. (3/38)
صفحة 854
قَالُوا: يا موسى إِمَّا أن تُلقِي، وَإمَّا أن نَّكون أَوَّل مَن ألقى (65)}؟ أي: بعدما أَتَوا مراعاة للأدب. {قَالَ: بَل ألقوا} مقابلةَ أدبٍ مِنَ الأوَّل بأدب، وعدم مبالاة بسحرهم، وإسعافا إِلىَ ما أَوهَموا من الميل إِلىَ البدء بذكر الأَوَّل فيِ شقِّهم، وتغيير النظم فيِ وَجه أبلغ [كَذَا]؛ ولأَنْ (1) يُبرزوا مَا معهم، ويَستنفدوا أقصى وُسعهم؛ ثُمَّ يظهر الله سلطانه، فيقذف بِالْحَقِّ عَلَى الباطل فيدمغه.
{فإذا حِبالهم وعِصيُّهم يُخيَّل إِلَيْهِ مِن سحرهم أَنَّهَا تسعى (66)} قيل: إنَّهم لطَّخوها بالزئبق، فَلَمَّا ضَربت عليها الشمس اضطربَت، فَخُيِّل إِلَيْهِ أنَّها تتحرَّك. {فأوجس فيِ نفسه خِيفَةً مُوسى (67)} فأضمر فِيهَا خوفا مِن مفاجأته عَلَى مَا هُوَ مقتضى الجبلَّة البشريَّة، أو أن (2) يُخالِجَ الناس شكٌّ فلا يتَّبعوه.
{قلنا: لاَ تَخف} مَا تَوهَّمت {إِنَّكَ أنت الأعلى (68)} الغالب، {وألقِ مَا فيِ يَمينك تلقَّفْ مَا صَنعوا} تبتلعه بقدرة الله، {إِنَّمَا صنعوا كيدُ ساحر} وقرئ: {كيدُ سِحْرٍ} بمعنى: ذي سحر؛ أو بتَسمية الساحر سِحرا للمبالغة، {وَلاَ يُفلح الساحرُ حيث أتى (69)} حيث كَانَ، وأين أقبل، لأَنَّهُ وهميٌّ لاَ حقيقة لَهُ.
{فأُلقِيَ السحرةُ سُجَّدا} أي: فَأُلقي، فَتَحقَّق عند السحرة أنَّه ليس بسحرٍ، وإنَّما هُوَ مِن آيات الله، ومعجزة مِن مُعجزاته، فألقاهم ذَلِكَ عَلَى وجوههم سُجَّدا لله، توبة عمَّا صَنَعوا وإعتابا، وتعظيما لِمَا رأوا؛ ويجوز أن يكون الإلقاء بمعنى: الاستسلام والانقياد. {قَالُوا: آمنا بِرَبِّ هارون وموسى (70)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والآن»، وهو خطأ. انظر فيما مَعنَى العبارة: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 57. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص26 - 27.
(2) - ... في الأصل: «من»، وهو خطأ. انظر: المصدرين السابقين. (3/39)
صفحة 855
قَالَ: آمنتم لَهُ قبلَ أن آذنَ لكم} فيِ الإيمان لَهُ؟ {إِنَّهُ لكبيركم} لَعظيمكم فيِ وقتكم وأَعلَمكم بِهِ، أو أستاذكم {الذِي علَّمكم السحرَ} وأنتم تواطأتم عَلَى مَا فعلتم. {فلأُقَطِّعنَّ أيديَكم وأرجلَكم (1) مِن خِلاف، ولأُصلِّبنَّكم فيِ جُذوع النخلِ، ولتعلمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذابا وأبقى (71)}.
{قَالُوا: لن نُؤثِرَك} لن نَختارك {عَلَى مَا جاءنا مِنَ البَيِّنَات} المعجزات الواضحات؛ {والذي فَطَرَنا} عطفٌ عَلَى: «مَا جاءنا». {فاقضِ مَا أنت قاضٍ} مَا أنت قاضيه؛ أي: صانعه. {إِنَّمَا تَقضي هَذِهِ الحياةَ الدُّنْيَا (72)} إِنَّمَا تَصنَع مَا تهواه، أو تَحكم بِمَا تراه فيِ هَذِهِ الدُّنْيَا؛ والآخِرَة خير وأبقى.
{إِنَّا آمنا برَبِّنَا ليَغْفِر لَنَا خطايانا} مِنَ الكفر والمعاصي، {وَمَا أكرهتنا عليه مِنَ السحر} فيِ معارضة المعجزة. رُوي: أنَّهم قَالُوا لفرعون: “أرنا موسى نائما”، فوجدوه تَحرسه العصا؛ فَقَالُوا: “مَا هَذَا بسحر! فإنَّ الساحر إِذَا نام بَطُل سِحره”؛ فأبى إِلاَّ أن يُعارضوه. {والله خيرٌ وأبقى (73)} جزاء، [355] أو خير مِنك ثوابا، وأبقى عقابا.
{إِنَّهُ مَن يأتِ ربَّه مُجرما} بِأَن يَموت عَلَى كفره وعصيانه. {فإنَّ لَهُ جَهَنَّم لاَ يَموت فِيهَا} فيستريح، {وَلاَ يَحيا (74)} حياةً مُهنَّأة. {ومَن يأتِه مؤمنا} بِأَن يموت عَلَى الإيمان، {قد عَمِل الصالحات، فأولئك لَهُمُ الدرجات العُلَى (75) جَنَّاتُ عدن تَجري مِن تَحتها الأنهار خالدين فِيهَا وذلك جزاءُ مَن تزكَّى (76)} تَطَهَّر مِن أدناس الكفر والمعاصي.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ورجلكم»، وهو خطأ. (3/40)
صفحة 856
وَلَقَد أَوحينا إِلىَ موسى أَن أسْرِ بعبادي} أي: من مصر، {فاضربْ لَهُم طريقا فيِ البحر يَبَسًا، لاَ تَخاف دَرَكا وَلاَ تَخشى (77)} (لَعَلَّهُ) قيل: لا تخاف فرعون، ولا تخشى البحر. {فأتبعهم فرعونُ بِجنوده فغشيهم مِنَ اليمِّ} أي: علاهم مِنَ البحر {مَا غشيهم (78) وأضلَّ فرعونُ قومَه وَمَا هَدَى (79)} أي: أضلَّهم فيِ الدين، وَمَا هَداهم.
ثُمَّ ذكَّر الله بَنِي إِسْرَائِيلَ نِعَمَه، فقال (لَعَلَّهُ) لإنزال الكتاب (1): {يا بَنِي إِسْرَائِيلَ قد أنجيناكم مِن عدوِّكم وواعدناكم جانبَ الطور الأيمنَ} (لَعَلَّهُ) للميقات، وهُوَ مِن أجلِّ النعم الدينيَّة والدنيويَّة. {وأنزلنا عَلَيْكُم المنَّ والسلوى (80)}.
{كُلوا من طَيِّبَات مَا رزقناكم وَلاَ تَطغوا فِيهِ} فيما رزقناكم بالإسراف، وبإخلالٍ عَن شكره، والتعدِّي لِمَا حدَّ الله لكم فِيهِ، كالبطر، والمنع عَن المستحقِّ؛ {فيحِلَّ عَلَيْكُم غَضَبي} فيلزمكم عذابي فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة. ويجب عَلَيْكُم مِن أجل الدين إذا وَجَب أداؤه. {ومَن يَحلِلْ عليه غضبي فقد هَوَى (81)} فقد تردَّى وهلك، ووقع فيِ الهاوية من حيث لاَ يشعر.
{وإنِّي لَغفَّار لِمَن تاب وآمنَ وعمل صالحا ثُمَّ اهتدَى (82)} ثُمَّ استقام عَلَى الهدى المذكور؛ وقيل: عَلم أنَّ ذَلِكَ بتوفيق الله لَهُ، لاَ بقوَّته وحَولِه؛ (لَعَلَّهُ) وقيل: لزم الإسلام حتَّى مات عليه؛ وقيل: عَلِم أنَّ لَهُ ثوابا؛ وقيل: تَعلَّم العلم ليهتدي كيف يعمل.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لأهل الكتاب». (3/41)
صفحة 857
وَمَا أعْجَلَكَ عَن قومك يا موسى (83)}؟ سؤال عَن سبب العجلة يتضمَّن إنكارها مِن حيث أنَّها مُقتضيَّة فيِ نفسها، انضمَّ إِلَيْهِا إغفال القوم، وإيهام التعظيم عليهم (1)؛ فلذلك أجاب موسى عَن الأمرين، وقدَّم جواب الإنكار لأَنَّهُ أهمُّ: {قَالَ هُمْ أُولاَء عَلَى أَثَري} مَا تقدَّمتُهم إِلاَّ بخطى يسيرة، لاَ يُعتدُّ بها عادة، وليس بيني وبَيْنَهُمُ إلاَّ مسافة قريبة، يتقدَّم بها الرفقة بعضهم بعضا. {وعَجِلتُ إليك رَبِّ لترضى (84)} فإنَّ المسارعةَ إِلىَ امتثال أمرك، والوفاء بعهدك، يُوجب مرضاتك؛ كأنَّه رأى الاستعجال أحسن، وإن كَانَ تركه حسنا.
{قَالَ: فَإِنَّا قد فَتَنَّا قومَك مِن بعدك} ابتليناهم بعبادة العجل، بعد خروجك من بينهم، وَهُم الذِينَ خلَّفهم مَعَ هارُونَ، {وأضلَّهم السامريُّ (85)} بِاتِّخَاذِ العجل، والدعاء عَلَى (2) عبادته.
{__________
(1) - ... هَذِهِ العبارة غير واضحة، ونجد توضيحها عند أبي السعود: «وهذا ــ كما ترى ــ سؤال عن سبب تقدُّمه عَلَى النقباء، مسوق لإنكار انفراده عنهم، لِمَا ذلك ــ بحسب الظاهر ــ من مخايل إغفالهم، وعدم الاعتداد بهم، مع كونه مأمورا باستصحابهم وإحضارهم معه؛ لا لإِنكار نفس العجلة الصادرة عنه عليه الصلاة والسلام، لكونها نقيصة منافية للحزم اللائق بأولي العزم». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص33.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إلى». (3/42)
صفحة 858
فرجعَ موسى إِلىَ قومه غضبان} عليهم {أَسِفا} حَزِينا بِمَا فعلوا. {قَالَ: يا قومِ ألم يَعِدْكُم رَبُّكُم وعدا حَسَنا}؟ بأن يعطيكم التَّوْرَاة فِيهَا هدى ونور. {أفطال عَلَيْكُمُ العهدُ}؟ أي: الزمان؛ يعني: زمان مفارقته لَهُم. {أم أَردتم أن يَحِلَّ عَلَيْكُم} يجب عليكم { غضبٌ من رَبِّكُم} بعبادة مَا هُوَ مَثلٌ فيِ الغباوة، وَلاَ يضرُّ تركه، وَلاَ تنفعُ عبادته، وأنَّه شغل وعناء وكَدحٌ جزاؤه جَهَنَّم؛ {فأخلفتم مَوعِدِي(86)} وَعدَكم إِيَّايَ بالثبات عَلَى الإيمان بالله، والقيام عَلَى مَا أمركم بِهِ.
{قَالُوا: مَا أخلفنا مَوعِدَك بِمَلكِنا} [356] بأن مَلَكنا أمرنا، إذ لو خُلِّينا وأمرَنا، ولم يُسوِّل لَنَا السامريُّ، لَمَا أخلفناه؛ {ولكنَّا حُمِّلنا أوزارا مِن زينةِ القوم} أحمالاً مِن حُليِّ القِبطِ عَلَى مَا قيل؛ {فَقَذَفنَاهَا} أي: فيِ النار؛ {فكذلك أَلقى السامريُّ(87)} أي: مَا كَانَ معه منها.
{فأخرج لَهُم عِجلا جسدا لَهُ خُوَار} مِن تلك الحليِّ المذابَة، لَهُ صوت؛ {فَقَالُوا} يعني: السامريُّ ومَن افتتن بِهِ أوَّل مَا رآه: {هَذَا إلهكم وإلهُ موسى فَنَسيَ(88)} أي: فنسيه موسى، وذهب يطلبه عند الطور؛ أو فنسيَ السامريُّ، أي: ترك مَا كَانَ عليه مِن إظهار الإيمان.
{أفلاَ يَرَونَ ألاَّ يَرجع إِلَيْهِم قولا} أنَّه لاَ يرجع إِلَيْهِم كلاما، وَلاَ يردُّ عَلَيْهِم جوابا {وَلاَ يَملك لَهُم ضَرًّا وَلاَ نفعا(89) وَلَقَد قَالَ لَهُم هارون من قبلُ} مِن قبل رجوعِ موسى: {يا قوم إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ} ابتُلِيتم بِهِ اختبارًا، {وإنَّ رَبَّكُم الرحمنُ} لاَ غير، {فاتَّبِعوني وأطيعوا أَمرِي(90)} فيِ الثبات عَلَى الدين.
{قَالُوا لَن نَبرحَ عليه عاكفين} عَلَى العجل وعبادتِه مُقيمين، {حتَّى يرجعَ إلينا موسى(91)}.
{ (3/43)
صفحة 859
قَالَ: يا هارون} أي: قَالَ لَهُ موسى لَمَّا رَجَع: {مَا مَنَعَك إذ رأيتهم ضلُّوا (92)} بعبادة العجل {ألاَّ تتَّبعني} أن تتَّبعني فيِ الغضب لله، والمقاتلة لِمَن كَفَر بِهِ، {أفعصيت أمري (93)}؟ بالصلابة فيِ الدين، والمحاماة عليه.
{قَالَ: يَبنَؤُمَّ} خَصَّ الأمَّ استعطافا وترفيقًا؛ وقيل: لأَنَّهُ أخوه (1) مِن أمِّه. {لاَ تأخذ بِلحيَتِي وَلاَ برأسي} أي: شَعْرِ رأسي؛ قَبَضَ عليهما يَجرُّه إِلَيْهِ من شدَّة غيظه، وقوَّةِ غضبِه لله. وكَانَ - عليه السلام - حديدًا خَشِنًا متصلِّبًا فيِ كُلِّ شيء، فلم يتمالك حينَ رآهم يَعبدون العجل. {إنِّي خَشيت أن تقولَ: فرَّقت بين بَنِي إِسْرَائِيلَ} لو قاتلتُ أو فارقتُ بعضهم ببعض، {ولم تَرقُب قولي (94)} حين قُلتَ: {اخلفني فيِ قومي وأصلح} (2)، وإنَّ الإصلاح كَانَ فيِ حِفظ الدهماء، والمدراة بهم إلى أن ترجع إِلَيْهِم، فتدارك الأمر برأيك.
{قَالَ: فما خَطبُك يا سامريُّ (95)}؟ ثُمَّ أقبل عليه، وقال لَهُ مُنكِرًا: ما خطبك؟ أي: مَا طَلبك لَهُ؟ وَمَا الذِي حَمَلك عليه؟ وَهُوَ مصدر خَطبَ الشيء: طلبه. {قَالَ بَصُرتُ بِمَا لم يَبصُرُوا بِهِ} أي: عَلِمت مَا لم يَعلموه، {فقبضتُ قبضةً مِن أثرِ الرسول} من تُربة موطئه، {فنبذتُها} فيِ الحليِّ المذابَة، {وكذلك سوَّلت لي نفسي (96)} زَيَّنته وحسَّنته إليَّ.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أخاه»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة الأعراف: 142. (3/44)
صفحة 860
قَالَ: فاذهب فإنَّ لك فيِ الحياة} عقوبةً عَلَى مَا فَعَلت {أن تقول: لاَ مِسَاسَ} خَوفا مِن أن يَمسَّك أحدٌ، فتأخذك الحُمَّى، وَمن مَسَّك فتحامي الناس وتَحاموك (1)، فتكون طريدًا وحيدًا كالوحشيِّ النافر، بحيث لو مسَّه أحدٌ، أو مسَّ هُوَ أحدا حمَّ كلاهما (لَعَلَّهُ الدهماء: الجماعة الكثيرة) (2). {وإنَّ لك مَوعِدا} فيِ الآخِرَة {لن تُخلَفَه} لن يُخلفك الله، ويُنجزه لك فيِ الآخِرَة بعد مَا عاقبك فيِ الدُّنْيَا. ويوجد عن أبي سعيد فيما أرجو أنَّه قَالَ: «وكذلك انصبا [كَذَا] فيِ السامريّ، وَهُوَ معنا فيِ ظاهر الآية لزوم الوعيد مِن لزوم العقوبة فيِ الدُّنْيَا، والوعيد فيِ الآخِرَة» (3). {وانظر إِلىَ إلَهِك الذِي ظَلْتَ عليهِ عاكفا} ظَلَلْتَ عَلَى عبادته مُقيمًا، {لَنُحرِّقنَّه} أي: بالنار، {ثمَّ لَننسِفَنَّه} لنذرينَّه رمادا {فيِ اليمِّ نَسفًا (97)} فلا تصادف منه شيئًا (4). والمقصود من ذَلِكَ: زيادةٌ عَلَى عقوبته، وإظهارُ غباوة المفتتنين بِهِ، لِمَن لَهُ أدنى [357] نَظَرٍ؛ وهكذا يَجب إلقاء كُلِّ مَا يُشغِلُ عَن الله.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ومثل تلك العبارة نجدها عند الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 67. ولعلَّ الصواب: «فتَتَحَامَى الناسَ ويَتَحَامَوْنَكَ». أي يجتنبونك. في اللسان: «وتحاماه الناس: أي توقَّوه واجتنبوه». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 731. مادَّة: «حما».
(2) - ... ما بين قوسين لا محلَّ له من السياق، ويبدو أنَّ العبارة مقحمة. وكلمة الدهماء ذكرت قبل تسعة أسطر، وَلَعَلَّ الناسخ نقل شرحها من الحاشية ولم يورده في محلِّه من المتن.
(3) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة.
(4) - ... في الأصل: «شيء»، وهو خطأ. (3/45)
صفحة 861
إِنَّمَا إلهُكم} المستحقُّ للعبادة {اللهُ الذِي لاَ إله إِلاَّ هُوَ} إذ لاَ أحدَ يُماثله أو يُدَاينه فيِ كمال العلم والقدرة، {وسعَ كُلَّ شيءٍ عِلْمًا (98)} وَسِع علمه كُلَّ مَا يصحُّ أن يُعلم، لاَ العجلُ الذِي يصاغ ويُحرق.
{كذلك} مَثَل ذَلِكَ الاقتصاص، يعني: اقتصاص قصَّة موسى {نَقُصُّ عليك مِن أنباءِ مَا قَد سَبَقَ} مِن أخبار الأمور الماضية، والأمم الدارجة (1)؛ تبصرةً لك، وزيادةً فيِ عِلمك، وتكثيرًا لمعجزاتك، وتنبيهًا وتذكيرًا للمستبصرين مِن أمَّتك؛ {وقد آتيناك مِن لدنَّا ذِكرا (99)} كِتَابًا مُشتَملا عَلَى هَذِهِ الأقاصيص والأخبار، حقيقًا بالتفكير والاعتبار.
{مَن أعرضَ عَنْهُ} عَن الذكر ــ الذِي هُوَ القرآن الجامعُ لوجوهِ السعادة والنجاة ــ فلم يُؤْمِنُ بِهِ، ولم يدَّبَّر آياته، ولم يَعمل بِمُقتَضَاه؛ أو عَن الله. {فإنَّه يَحمِلُ يومَ القيامة وِزرا (100)} عُقوبة ثقيلةً فادحةً عَلَى كُفره وذنوبه. سمَّاها وِزرا فيِ ثِقلها عَلَى المعاقَب، وصعوبة احتمالها بالحَمل الذِي يَفدَح (2) الحاملَ، وينقض ظَهره؛ أو إثما عظيمًا {خالدين فِيهِ} فيِ الوِزرِ، وفي حمله. {وساء لَهُم يوم القيامة حِملا (101)} أي: بِئْسَ لَهُم؛ أي: ساء حِملا وِزْرُهم.
{__________
(1) - ... أي المنقرضة. «ودرَِجَ القومُ: إذا انقرضوا». ابن منظور: لسان العرب، 2/ 963.
(2) - ... «الفَدْحُ: إثقال الأمرِ والحِملِ صاحبَهُ. فدحه الأمرُ والحِمل والدَّين، يفدحه فدْحا: أثقله، فهو فادح». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 1061. مادَّة «فدح». (3/46)
صفحة 862
يوم يُنفخ فيِ الصور ونَحشر المجرمين يومئذ زُرْقًا (102)} زُرقَ العيون؛ وُصفوا بذلك، لأَنَّ الزُّرقَة أسوأ ألوان العين وأبغضها؛ أو عميا، فإنَّ حَدَقة الأعمى تَزْرَقُّ؛ وقيل: عِطاشا، {يَتَخافَتون بَيْنَهُم} يَخفضون أصواتهم لِمَا يَملأ صدورهم مِنَ الرعب والهول. والخَفت: خَفضَ الصوت وإخفاؤه. {إن لبثتم إِلاَّ عَشرًا (103)} أي: فيِ الدُّنْيَا يَستقصرون مُدَّة لبثهم فِيهَا لِزوالها، ولاستطالتهم مُدَّة الآخِرَة؛ أو لِتأسُّفهم عليها لَمَّا عاينوا الشدائد، وعَلِموا أنَّهم استحقُّوها عَلَى إضاعتهما فيِ قضاء الأوطار، واتِّباع الشهوات؛ أو فيِ القبر لقوله: {ويوم تقومُ الساعةُ ... } (1) إِلىَ آخر الآيات.
{نَحْنُ أعلم بِمَا يقولون} وَهُوَ مدَّة لبثهم، {إذ يقول أمثَلُهُم طريقةً} أعدَلُهم رَأيا وعملا: {إن لبثتم إِلاَّ يوما (104)} استرجاع لقول من يكون أشدَّ أثقالا منهم.
{__________
(1) - ... سورة الروم: 54 - 56؛ وتمامها: {ويومَ تقومُ الساعةُ يُقسِم المجرمون ما لبثوا غيرَ ساعةٍ كذلك كانوا يؤفكون، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم في كتاب الله إلى يومِ البعثِ فهذا يومُ البعثِ ولكنَّكم كنتم لا تعلمون}. (3/47)
صفحة 863
ويسألونك عَن الجبال} عَن مآل أمرها، {فقل: يَنسِفها رَبِّي نَسْفًا (105)} يَجعلها كالرمل؛ ثُمَّ يُرسل عليها الرياح فتقرعها (1)، {فَيَذَرُها} فَيَذَر مَقارَّها، أو الأَرْض {قاعا} خاليا {صَفْصَفًا (106)} مُستويا؛ كَأنَّ أجزاءَها عَلَى وصفٍ وَاحِد. {لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجا وَلاَ أَمْتًا (107)} اعوجَاجًا وَلاَ نُتُوءًا، إن تأملَّت فِيهَا بالقياس الهندسيِّ. وثَلاَثَتُها أحوال مرتَّبة، فالأوَّلان: باعتبار الإحساس، والثالث: باعتبار القياس؛ ولذلك ذكر العِوَجَ بالكسر، وَهُوَ يَخُصُّ المعاني، والأَمْتَ، وَهُوَ النُّتُوء اليسير؛ وقيل: «لاَ تَرى» استئناف للحالين. وعن الحسن: «العِوَج: مَا انخفض مِنَ الأَرْض؛ والأَمْتُ: مَا ارتفع من الروابي».
{يومئذ يتَّبعون الداعيَ} دَاعي الله إِلىَ المحشر؛ قيل: هُوَ إسرافيل يدعو الناس إِلَيْهِ؛ {لاَ عِوَج لَهُ} لاَ يَعوَجُّ لَهُ مَدعُوٌّ، أو لاَ يعدل عَنْهُ. {وخَشَعَت الأصواتُ للرَّحمن} خَضَعت لمهابته، وسكنت وذلَّت؛ وَصَفَ الأصوات بالخشوع، والمراد: أهلها؛ {فَلا (2) تَسمع إِلاَّ هَمسا (108)} صوتًا خفيًّا؛ ومنه الهمس: لصوت أَخْفَافِ الإبل؛ وقد فُسِّر الهمس: بِخفقِ أقدامهم، ونقلها إِلىَ المحشر.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّه مِن قَرِعَ، أي ذهب شعر رأسه. (انظر: الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 675، مادَّة: “قرع”). فشبَّه الأَرْض حين تُنسف جبالها بالرأس حين يذهب شعرها. ولكن نجد نفس العبارة عند أبي السعود والزمخشريِّ: «يُرسل عليها الرياح فتفرِّقها». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 69. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص43.
(2) - ... في الأصل: «قد»، وهو خطأ. (3/48)
صفحة 864
يومئذ لاَ تَنفع الشفاعةُ إِلاَّ مَن أَذِنَ لَهُ الرحمن} [358] إِلاَّ شفاعة مَن أَذِن لَهُ {وَرَضِي لَهُ قولا (109)} أي: ورَضِي لِمكانه عند الله قولَه فيِ الشفاعة؛ أو رَضِي لأجله قولَ الشافع فيِ شَأنه؛ أو قوله لأجله، لأَنَّهُ قَالَ صِدقًا، وعَملَ حقًّا.
{يعلم مَا بين أيديهم} يعلم مَا تقدَّمهم مِنَ الأحوال، {وَمَا خَلفهم} وَمَا بعدهم فيما يستقبلونه، {وَلاَ يُحيطون بِهِ عِلْما (110)} وَلاَ يُحيط علمهم بِمعلوماته؛ وقيل: بذاته، كما قَالَ: {وَمَا قَدَروا اللهَ حقَّ قَدْرِه} (1) أي: مَا عَرَفوه حقَّ معرفته؛ وقيل: الضمير لأحد الموصولين، أو لمجموعهما؛ فإنَّهم لم يعلموا جميع ذَلِكَ، وَلاَ تفصيل مَا عَلِموا مِنْهُ.
{وعَنَتِ الوجوهُ للحيِّ القيُّوم} ذلَّت وخضعت لَهُ خضوع العُنَاة، وَهُم الأسارى فيِ يَد الملِك القهَّار. وظاهرها يقتضي العموم؛ ويجوز أن يُراد بها وجوه المجرمين، ويؤيِّده: {وقد خَابَ مَن حَمل ظُلما (111)} أي: مَن مات مُصرًّا؛ كذا قَالَ أبو عبد الله.
{ومَن يعملْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ} إِذِ الإيمان شرط فيِ صِحَّة الطاعات، وَإِلاَّ فهي حَسرة لعامِلِها. {فلا يَخاف ظُلما} مَنعَ ثوابِ مُستحقٍّ بالوعد (2)، {وَلاَ هَضمًا (112)} وَلاَ كَسرًا مِنْهُ بِنقصان.
{__________
(1) - ... سورة الأنعام: 91؛ وسورة الزمر: 67.
(2) - ... توضيح العبارة: «مَنعَ ثوابِ مُستحقٍّ بموجب الوعد». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص43. (3/49)
صفحة 865
وكذلك} عطفٌ عَلَى: {كذلك نَقصُّ}، أي: مِثل ذَلِكَ الإنزال؛ أو مثل إنزال هَذِهِ الآيات المتضمِّنة للوعيد؛ {أنزلناه قرآنا عربيًّا} كلُّه عَلَى هَذِهِ الوتيرة، {وصرَّفنا فِيهِ مِنَ الوعيد} مُكرِّرين فيـ[ـه] آيات الوعيد، {لَعَلَّهُم يتَّقون} المعاصي، فتصير التقوى لَهُم مَلَكة، {أو يُحدِث لَهُم ذِكرا (113)} عِظةً واعتبارًا، حين يسمعونها، فيثبِّطهم عنها. ولهذه النكتة أسند التقوى إِلَيْهِم، والإحداث إِلىَ القرآن.
{فَتَعَالى الله} فيِ ذاته وصفاته، عَن مُمَاثلة المخلوقين. لاَ يُماثل كلامه كلامَهم، كما لاَ يُماثِل ذاتَه ذاتهم، {الملكُ} النافذ أمره ونهيه، الحقيق بِأن يُرجى وعدُه، ويُخشى وعيدُه {الحقُّ} فيِ مَلَكوته، يستحقُّه لذاته؛ أو الثابت فيِ ذاته وصفاته.
{وَلاَ تَعجَلْ بالقرآن مِن قَبلِ أن يُقضَى إليكَ وحيُه} نَهى عَن الاستعجال ــ فيِ تلقِّي الوحيِ مِن جبريل، ومساوقَتِه (1) فيِ القراءة، حتَّى يتمَّ وحيه ــ بعد ذِكر الإنزال عَلَى سبيل الاستطراد؛ وقيل: نَهى عَن تبليغ مَا كَانَ مُجمَلاً قبل أن يأتي بيانه. {وقل: رَبِّ زدني عِلمًا (114)} أي: سَل الله زيادَة العلمِ بَدَل الاستعجال؛ ومعنى السؤال: يحتمل بمعنى (2) التعلُّم.
{__________
(1) - ... أي متابعته ومزاحمته. «وتساوقت الإبل: تتابعت، وتقاودت. وتساوقت الغنم: تزاحمت في السير». الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 806، مادَّة «سوق».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والسؤال يحتمل معنى التَّعَلُّم». (3/50)
صفحة 866
وَلَقَد عَهِدْنا إِلىَ آدم} أمرناه؛ يقال: عَهِدَ إِلَيْهِ إذا أمرَه. وإنَّما عَطَف قصَّة آدم عَلَى قوله: {وصرَّفنا فِيهِ مِنَ الوعيد} (1) للدلالة عَلَى أساسِ بني آدم عَلَى العصيان (2)، وعِرقُهم راسخ فيِ النسيان. {مِن قَبلُ فَنَسِي} العهدَ، ولم يُعنى بِهِ حتَّى غَفَل، أو ترك مَا وُصِّيَ بِهِ من احتراز عَن الشجرة. قَالَ أبو الحسن والعبَّاد: «على طبع أبيهم فيِ النسيان». {ولم نَجد لَهُ} في حال نسيانه {عَزمًا (115)} تصميم رأي، وثباتًا (3) عَلَى الأمر؛ إذ لو كَانَ ذا عزيمة وتصلُّب، لم يُزلَّه الشيطان. ولعلَّ ذَلِكَ فيِ بَدْءِ أمره، قبل أن يُجَرِّب الأمور. وعن النَّبِيِّ - عليه السلام -: «لو وُزِنَت أحلامُ بني آدم بِحلم آدم لَرَجَح حكمه» (4).
{__________
(1) - ... سورة طه: 113.
(2) - ... توضيح العبارة عند الزمخشري: «وكأنَّه يقول: إنَّ أساس أمر بني آدم عَلَى ذلك». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 71.
(3) - ... في الأصل: «وثبات»، وهو خطأ. وعند أبي السعود: «تصميم رأي، وثبات قدم في الأمور». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص45.
(4) - ... كذا في الأصل، والصواب: «حلمه». كما فيِ تفسير أبي السعود: م. ن. لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة. (3/51)
صفحة 867
وإذ قلنا للمَلاَئِكَة: اسجدوا لآدم فسجدوا إِلاَّ إبليس أبى (116) فقلنا: يا آدم إنَّ هَذَا عدوٌّ لك ولزوجك فلا يُخرجنَّكما} فلا يَكوننَّ سببًا لإخراجكما {مِن الجَنَّة فتشقى (117)} فتضلَّ تائها حيراناً، {إنَّ لك ألاَّ تَجوع فِيهَا وَلاَ تَعرى (118) وَأَنَّكَ لاَ تظمأ فِيهَا وَلاَ تَضحَى (119)} أي: لاَ تبرز للشمس فيؤذيك حرُّها؛ فإنَّه بيان وتذكير لما لَهُ فيِ الجنَّة من أسباب الكفاية، وقطب الكفاف التِي هِيَ (1) الشبع والريِّ والكسوة والكنُّ (2)، مُستغنيا عَن اكتسابها والسعي في تحصيل أغراضها، عسى ينقطع ويزول منها، بذكر نقائضها، ليطرق سمعه بأصناف الشقوة المُحذَّر منها. {فَوَسوس إِلَيْهِ الشيطان} فأنهى إِلَيْهِ وَسوَسَته، {قَالَ: يا آدم هل أَدُلُّك عَلَى شجرةِ الخلدِ} الشجرة التِي مَن أكل منها خَلَد ولم يَمُت أصلا، فأضافها إِلىَ الخلد وَهُوَ الخلود، لأَنَّهُ سببه بزعمه، {ومُلكٍ لاَ يَبلَى (120)} لاَ يَزول وَلاَ يَضعف.
{فأكلاَ منها فَبَدَت لَهما سوآتهما، وطفقا يَخصِفَان عليهما} عَلَى سوآتهما {مِن ورق الجَنَّة} أخذا يَلزِقان الورق عَلَى سوآتهما للتستُّر، {وعصى آدم رَبَّه فغوى (121)} فضلَّ عَن المطلوب، حيث طلب الخلد بأكل مَا نُهِي عَن أكله، فخاب ولم ينل مراده؛ لأَنَّهُ طلب مَا لاَ يُدرك مَا دام مُتعبِّدًا. {ثمَّ اجتباه رَبُّهُ} اصطفاه وقرَّبه لَمَّا تقرَّب، {فتاب عليه وَهَدى (122)} إِلىَ الثبات عَلَى التوبة، والتسبُّب بأسباب العصمة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الذي هو». أو: «وأقطاب الكفاف التي هي ... ». وَفيِ الكشَّاف: «الشبع والريُّ والكسوة والكنُّ: هي الأقطاب التي يدور عَلَيها كفاف الإِنسَان». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 72.
(2) - ... في الأصل: «ولكن»، وهو خطأ. (3/52)
صفحة 868
قَالَ: اهبطا مِنها جميعا بعضُكم لبعض عدوٌّ} لأمر المعاش، كما عليه الناس مِنَ التجاذب والتحارب. {فإمَّا يأتينكم مِنِّي هُدى فمن اتَّبع هدايَ} قيل: حججه مِن حيث أتته، {فلا يَضِلُّ} بالضلال، لأَنَّهُ عذاب فيِ الدارين (لَعَلَّهُ) عَن الجادَّة {وَلاَ يَشقَى (123)} قَالَ ابن عبَّاس: «أجار الله تابع القرآن مِن أن يَضلَّ فيِ الدُّنْيَا، ويشقى فيِ الآخِرَة»، وقرأ: الآيَة (1).
{__________
(1) - ... أوردها الزمخشريُّ بلفظ: «ضمن الله لمن اتَّبع القرآن ... ». الكشاف: 3/ 74. (3/53)
صفحة 869
ومَن أَعرض عَن ذِكري} عَن الهدى الذاكر لي، والداعي إِلىَ عبادتي مِن حيث جاءهم، {فإنَّ لَهُ معيشةً ضَنكا} ضيِّقا، وذلك لأَنَّ مَجامع همِّه، ومَطامِح نَظَره يكون إِلىَ أغراض الدُّنْيَا، متهالكًا عَلَى ازديادها، خائفا عَلَى انتقاصها؛ بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، مَعَ أنَّه تعالى قد يُضيِّق بشؤم الكفر، ويُوسِّع ببركة لأهل (1) الإيمان، كما قَالَ: {وضُربت عَلَيْهِمُ الذلَّة والمسكنة...} (2) {ولو أنَّهم أقاموا التَّوْرَاة والإِنجِيل...} (3) ، {ولو أنَّ أهل القرى آمنوا...} (4) الآيات. وقيل: هُوَ الضريع والزقُّوم فيِ النار، ويحتمل فِيهِ، لأَنَّ معيشة الحياة الدُّنْيَا قليلة فيِ جَنب الآخِرَة، كما قَالَ: {فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرًا} (5) وَعَلَى كُلِّ حال فإنَّ معيشتهم ضنكٌ، لأَنَّهُم ليس عليها يُؤجرون[كَذَا]. وروي عَن ابن عبَّاس أنَّه قَالَ: «كلُّ مَا أعطى العبد قلَّ أو كَثُر، فلم يتَّق فِيهِ، فلا خير فِيهِ، وَهُوَ الضنك فيِ المعيشة».
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «لأهل»، كما هو عند أبي السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص48.
(2) - ... سورة البقرة: 61؛ ومحلُّ الشاهد تمامها: {وباءوا بغضبٍ من الله، ذلك بأنَّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيِّين بغير الحَقِّ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}.
(3) - ... سورة المائدة: 66؛ وتمامها: {ولو أَنَّهُمْ أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربِّهم لأَكَلوا مِن فوقِهم ومِن تحتِ أرجلِهم}.
(4) - ... سورة الأعراف: 96؛ وتمامها: {ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتَّقَوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض، ولكن كذَّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}.
(5) - ... سورة التوبة: 82. (3/54)
صفحة 870
وإنَّ قوما أعرضوا عَن الحقِّ وكَانوا أولي سعة من الدُّنْيَا مكثرين، وكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أَنَّهُمْ كَانُوا يرون أنَّ الله ليس بمخلف عَلَيْهِم، فاشتدَّت عَلَيْهِم من سوء ظنِّهم (1). {ونَحشره يوم القيامة أعمى (124)} أعمى البصر، أو القلب؛ ويؤيِّد الأوَّلَ [قولُه]:
{قَالَ: رَبِّ لِمَ حَشرتني أعمى، وقد كُنتُ بصيرا (125)؟ قَالَ: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} فتعامَيت عنها، وتركتها غير منظور إِلَيها (2)، {وكذلك} ومِثل تَركِك إِيَّاهَا {اليوم تُنسى (126)} تترك فيِ العَمَى والعذاب.
{وكذلك نَجزي مَن أسرَفَ} بالانهماك فيِ الشهوات، والإعراض عَن الآيات، {ولم يُؤْمِنُ بِآيَاتِ رَبِّهُ} بـ[الـ]ـعذابِ الأدنى، لأَنَّهُ قَالَ: {ولَعذاب الآخِرَة أشدُّ وأبقى (127)} مِمَّا جُوزيَ بِهِ فيِ الدُّنْيَا.
{أفلم يَهدِ لَهُم} أي: أفلم يُبيِّن لَهُم {كَم أهلكنا قبلَهم (3) مِنَ القرون [360] يَمشون فيِ مساكنهم} ويُشاهدون آثار هلاكهم. {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لأولي النُّهَى (128)} لذوي العقول الناهية عَن التغافل والتعامِي.
{ولولا كلمةٌ سَبقت مِن رَبّكَ لكَانَ لِزاما} لكان مثل مَا نَزل بِعَادٍ وثمود، لاَزِما لهؤلاء الكَفَرة. {وأجلٌ مُسَمًّى (129)} عطف عَلَى «كَلِمةٌ»؛ أي: ولولا العِدَة بتأخير العذاب، وأجلٌ مُسمًّى لأعمارهم.
{__________
(1) - ... وضع الناسخ هنا إحالة إلى الحاشية وكتب فيها: «هَذَا الكلام لَعَلَّهُ لم يتمَّ».
(2) - ... كذا في الأصل، وَفيِ الكشَّاف: «وتركتها وعميت عنها». 3/ 75.
(3) - ... في الأصل: «مِن قبلِهِم»، وهو خطأ. (3/55)
صفحة 871
فاصبر عَلَى مَا يقولون} مِنَ الإفك، لأَنَّهُ يتأذَّى بِهِ، وَلاَ يُدفع إِلاَّ بالصبر، {وسبِّح بِحمد رَبِّكَ} وصَلِّ، وأثنِ حامدا لرَبّكَ عَلَى هدايته وتوفيقه؛ أو نزِّهه عَن الشرك، وسائر مَا يضيفون إِلَيْهِ مِنَ النقائص، حامدا لَهُ عَلَى مَا مَيَّزك بالهدى، مُعترفا بأنَّه المولي للنِّعم كلِّها. {قبل طلوع الشمس} قبل صلاة الغداة، {وقبل غُروبها. ومن آناء الليل} مِن ساعته؛ {فسبِّح} قبل المغرب والعشاء. وإنَّما قدَّم الزمان فِيهِ لاختصاصه بمزيد الفضل؛ فإن القلب فِيهِ أجمع، والنفس أميل إِلى الاستراحة، فكانت العبادة فِيهِ أحسن، ولذلك قَالَ: {إِنَّ ناشئة الليلِ هِيَ أشدُّ وَطْأً وأقومُ قِيلا} (1). {وأطرافَ النهار لَعَلَّكَ تَرضَى (130)} أي: تُسبِّح فيِ هَذِهِ الأوقات طمعا أن تنال عند الله مَا بِهِ تَرضى نفسُك.
{وَلاَ تَمُدَّنَّ عينيك إِلىَ مَا متَّعنا بِهِ} استحسانا له، وتمنِّيا أن يكون لَك مثله. {أزواجا مِنْهُم} أصنافا مِنَ الكفرة، (لَعَلَّهُ) لأَنَّ كلَّ صنف مُتِّع بِمَا لم يُمتَّع بِهِ الصنف الآخر، والكلُّ لاَ خير فِيهِ بَل هُوَ شرٌّ لَهُم؛ {زهرةَ الحياة الدُّنْيَا} أي: زينتها وبهجتها وغرورها، {لنفتنهم فِيهِ} لنعذِّبهم فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة بسببه. {ورزقُ رَبّكَ} وَمَا ادَّخر لك فيِ الآخِرَة؛ أو رزقك مِنَ الهدى والنبوَّة؛ أو مَا رزقك الله مِنَ الحلال، {خير} مِمَّا منحهم فيِ الدُّنْيَا {وأبقى (131)} فإنَّه لاَ ينقطع.
{__________
(1) - ... سورة المزمِّل: 6. (3/56)
صفحة 872
وأْمُر أهلكَ بالصلاة} أَمَرَه بِأَن يَأْمُر أهل بيته بالصلاة، بعد مَا أَمَره بها، ليتعاونوا عَلَى الاستعانة فيِ خصاصتهم، وَلاَ يهتمُّوا بأمر المعيشة، وَلاَ يلتفِتوا لَفْتَ أرباب الثروة، {واصطبر عليها} وداوم عليها بالتصبُّر. {لاَ نسألك رِزْقًا} لاَ نُكلِّفك أن ترزق نفسك، ولاَ (1) أهلك، إِنَّمَا نُكلِّفك عملا، {نَحْنُ نرزقك} وإيَّاهم، ففرِّغ بالك لأمر الآخِرَة. {والعاقبةُ} المحمودة {للتَّقوى(132)} لذي التقوى.
{وَقَالُوا: لولا يأتينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ} تدلُّ عَلَى صِدقه فيِ ادِّعاء (2) النبوَّة؛ أو بِآيَةٍ مُقترحة؛ إنكارا لِمَا جاء بِهِ مِنَ الآيات؛ أو للاعتداد بِهِ تعنُّتا وعنادا؛ فألزمهم بإتيانه بالقرآن الذي هُوَ أمُّ المعجزات وأعظمها وأبقاها، لأَنَّ حقيقة المعجزة: اختصاص مُدَّعي النبوَّة بنوع من العلم أو العمل عَلَى وجه خارق للعادة؛ وَلاَ شكَّ أنَّ العلم أصلُ العمل، وأعلى مِنْهُ قدرا، وأبقى أثرا؛ فكذا مَا كَانَ من هَذَا القبيل. وينبِّههم أَيْضًا عَلَى وجه أبين من وجوه إعجازه المختصَّة بهذا الباب، فقال: {أولم تأتهم بيِّنة مَا فيِ الصحف الأولى(133)} مِنَ التَّوْرَاة والإِنجِيل، وسائر الكتب السماويَّة، فإنَّ اشتمالها عَلَى مَا فِيهَا مِنَ العقائد والأحكام الكلِّيَّة ــ مَعَ أنَّ الآتي بها أمِّيٌّ لم يَرها، ولَم يتعلَّم مِمَّن عَلِمها ــ إعجاز بيِّن؛ وفيه إشعار بأنَّه كمال يدلُّ عَلَى نبوَّته، [و]بُرهان لِمَا تقدَّمه مِنَ الكتب، من حيث أنَّه مُعجِز، وتلك ليست كذلك، بَل هِيَ مُفتقرة إِلىَ مَا يَشهد عَلَى صِحَّتها.
[
__________
(1) - ... في الأصل: «والا»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «الدعاء»، وهو خطأ. (3/57)
صفحة 873
361] {ولو أنَّا أهلكناهم بعذاب مِن قبله} مِن قَبل القرآن؛ أو محمَّد؛ {لقالوا: رَبَّنَا (1) لولا أرسلت إلينا رسولا} يدعونا، {فنتَّبع آياتك مِن قبلِ أن نَّذِلَّ ونَخزى (134)} وهذا كقوله: {أن تقولوا: مَا جاءنا مِن بشير وَلاَ نذير} (2)، وقوله: {أن تقولوا: إِنَّمَا أُنزل الكتاب عَلَى طائفتين مِن قبلنا، وإن كُنَّا عَن دِرَاستهم لغافلين؛ أو تقولوا لو أنَّا أُنزل علينا الكتابُ لكنَّا أهدى مِنْهُم، فقد جاءكم بيِّنة من رَبِّكُم وهُدى ورحمة} (3). {قل: كُلٌّ} مِنَّا ومنكم {مُتَربِّص} مُنتظر لِمَا يؤول إِلَيْهِ أمرُنا وأمرُكم. {فتربَّصوا؛ فستعلمون} بعين اليقين عند الموت، أو الجزاء. {مَن أَصحابُ الصِّرَاط السَّوِيِّ} المُسْتَقِيم، {ومَن اهتدَى (135)} مِنَ الضلالة، نَحْنُ أم أَنتُم.
سورة الأنبياء
بسم الله الرحمن الرحيم
{اقتربَ للنَّاس حِسابُهم} أي: انقضاء آجالهم مِنَ الدُّنْيَا، أو وقوع القيامة، لأَنَّ كلَّ مَا هُوَ آت قريب، {وَهُم فيِ غفلة} أغفلهم الشيطان، {معرضُونَ (1)} أي: فيِ غفلة مِنَ الحساب مُعرضون عن التفكُّر فِيهِ، والعمل بِمقتضاه.
{مَا يأتيهم مِن ذِكرٍ} يُنبِّههم عَن سِنَة الغفلة والجهالة، {مِن ربِّهم مُحدَث} تنزيله، ليكرِّر عَلَى أسماعهم التنبيه كي يتَّعظوا، {إلاَّ استمعوه} استماع البهائم {وَهُم يلعبُونَ (2)} يستهزئون بِهِ، ويستسخرون مِنْهُ، لتناهي غفلتهم، وفرط إعراضهم عَن النظر فيِ الأمور، والتفكُّر فيِ العواقب.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «ربَّنا»، وهو سهو.
(2) - ... سورة المائدة: 19.
(3) - ... سورة الأنعام: 156 - 157. (3/58)
صفحة 874
لاَهيَةً قلوبُهم} أي: استمعوه جامعين بين الاستهزاء بِهِ، والتلهِّي عَنْهُ بغيره، والذهولِ عَن التفكُّر فِيهِ، {وأسرُّوا النجوَى} بالغوا فيِ خَفَائها (1) {الذِينَ ظَلموا، هل هَذَا إِلاَّ بشرٌ مثلكم}؟ تكذيبا لَهُ. {أفتأتون السحر وأنتم تُبصرُونَ (3)}؟ كأنَّهم استدلُّوا (لَعَلَّهُ) ببَشريَّته عَلَى كَذِبه فيِ ادِّعاء الرسالة، لاعتقادهم أنَّ الرسولَ لاَ يكون إلاَّ مَلَكا؛ واستلزموا مِنْهُ أنَّ [ما] جاء به مِنَ الخوارق كالقرآن سِحرٌ، فأنكروا حضوره. وإنَّما أسرُّوا بِهِ تَشاورًا فيِ استنباط مَا يَهدِم أمرَه، ويُظهِر فساده للناس عامَّة.
{قَالَ: رَبِّي يَعلم القولَ فيِ السَّمَاء والأَرْض} جهرا كَانَ أو سرًّا، فضلا عمَّا أسرُّوا بِهِ، {وَهُوَ السميع العليم (4)} فِيهِ وعدٌ ووعيد.
{بَل قَالُوا: أضغاثُ أحلامٍ، بَل افتراه، بَل هُوَ شاعر} إضراب لَهُم عَن قولهم هُوَ سِحر، إِلىَ أنَّه تخاليط الأحلام، ثُمَّ إِلىَ أنَّه كلام افتراه، ثُمَّ إِلىَ أنَّه قولُ شاعر، {فليأتنا بِآيَةٍ كما أُرسِل الأوَّلُونَ (5)} مثل اليد البيضاء والعصا.
{مَا آمنت قبلَهم مِن قريةٍ أهلكناها} باقتراح الآيات لَمَّا جاءتهم، {أفهم يُؤْمِنُونَ (6)} لو جِئتَهم بها وَهُم أعمى مِنْهُم؟. وفيه تنبيه عَلَى أنَّ عَدم الإتيان بالمُقتَرَح للإبقاء عليهم؛ إذ لو أتى به لم يؤمنوا، واستوجبوا عذابَ الاستئصال، كَمَن قبلَهم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إخفائها». كما عند أبي السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص54. (3/59)
صفحة 875
وَمَا أرسلنا قَبلَك إِلاَّ رجالاً نُوحي إِلَيْهِم، فاسألوا أهلَ الذكرِ إن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ (7)} جواب لقوهم: {هل هَذَا إِلاَّ بشرٌ مثلُكم} فأمرهم أن يسألوا مُؤمني أهل الكتاب عَن حال الرسلِ المتقدِّمة، لتزول عَنْهُم الشبهة؛ وقيل: أَرَادَ بالذكر: القرآن، أي: فاسألوا المؤمنين الْعَالِمِينَ بالتنزيل، (لَعَلَّهُ) الراسخِينَ (1) فيِ التأويل، وفيه إيجابٌ للسؤال للعبد إِذَا حلَّ فيما لاَ يسعه من أمر دينه.
{وَمَا جعلناهم جَسَدا لاَ يأكلون الطعامَ} قيل: جواب لقولهم: {مَا لِهذا الرسول يأكل الطعام} (2)، {وَمَا كَانُوا خالدِينَ (8)} توكيد وتقرير لَهُم، فإنَّ التعيُّش بالطعام مِن توابع التحلُّل المؤدِّي إِلىَ الفناء (3). {ثمَّ صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومَن نَّشاء} يعني: المؤمنين [362] بهم. {وأهلكنا المسرفِينَ (9)} وهكذا سنَّة الله فيِ خلقه.
{لَقَد أنزلنا إليكم كِتَابًا فِيهِ ذكركم} صيتكم، {وإنَّه لَذِكرٌ لك ولِقومك} (4)، أو موعظتكم، أو مَا تطلبون بِهِ حسنَ الذكر مِن مكارم الأخلاق، {أفلا تعقلُونَ (10)} فتؤمنون.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الرسخين»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة الفرقان: 7.
(3) - ... في الأصل: «التحليل المؤدِّي إِلىَ القياء»، ولا مَعنَى له. والصواب ما أثبتناه اعتمادا عَلَى أبي السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص57.
(4) - ... سورة الزخرف: 44. (3/60)
صفحة 876
وكم قَصَمنَا مِن قريةٍ} واردة عَن غضب عظيم، لأَنَّ القَصْمَ: كسرٌ يُبين تَلاؤمَ الأجزاء، بخلاف العَصْمَ، {كَانَت ظالمة} بسبب ظلمهم، {وأنشأنا بعدها قوما آخرِينَ (11)} مكانهم، {فَلَمَّا أحسُّوا بأسَنَا} فَلَمَّا أيقنوا مِن وقوع عذابِنا {إِذَا هُم منها يركُضُونَ (12)} يُهزَمون مسرعين، (لَعَلَّهُ) هاربين {لاَ تَركضوا} عَلَى إرادة القول، أي قيل لهم استهزاء: «لاَ تَركضوا» إمَّا بلسان الحال أو المقال؛ وهذا الوعيد يعمُّ كلَّ مَن مات عَلَى شيء مِن معاصي الله مُصرًّا، {وارجِعوا إِلىَ مَا أُترفتم فِيهِ} مِنَ التنعُّم والتلذُّذ؛ والإتراف: إبطارُ النعمة، {ومساكِنِكُم} التِي كَانَت لكم، {لَعَلَّكُم تُسألُونَ (13)} غدًا عَن أعمالكم؛ أو يسألكم أهلكم إِذَا رجعتم. وقال قتادة: «لَعَلَّكُم تُسألون شَيْئًا مِن دُنيَاكم فتعطون مَن شئتم، وتَمنعون مَن شئتم»؛ يقولون (1) ذَلِكَ استهزاء بهم.
{قَالُوا: يا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمِينَ (14)} لمَّا رأوا العذاب، ولم يروا وجه النجاة. {فما زالت تلكَ دعواهم} فما زالوا يُردِّدون ذَلِكَ، إِلىَ أن قُبِضت أرواحهم عَلَى ذَلِكَ العذاب، وكانت دعواهم عذابا لَهُم فوق عذاب البأس؛ وإنَّما سمَّاه دَعوى، لأَنَّ المُوَلْوِلَ كَانَ يدعو بالويل: تعالَ فَهَذَا أوانك (2). {حتَّى جعلناهم حصيدا} مثل الحصيد: وَهُوَ النَّبتُ المحصود، {خامدِينَ (15)} مَيِّتين، مِن “خَمَدَت النارُ”.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «يقال لهم».
(2) - ... يبدو أنَّ في العبارة خللا، وَفيِ الكشَّاف: «لأنَّ المولول كأنَّه يدعو الويلَ فيقول: تعالَ ياويلُ فَهَذَا أوانُكَ». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 83. وانظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص59. (3/61)
صفحة 877
وَمَا خلقنا السَّمَاء والأَرْض وَمَا بينهما لاعبِينَ (16)} وإنَّما خلقناهما مشحونة بِضُروب البدائع، تَبصِرةً للنُّظَّار، وتذكرةً لذوي الاعتبار، وتسبُّبا لِمَا تنتظم بِهِ أمور العباد فيِ المعاش والمعاد؛ فينبغي أن يتوسَّلوا بها إِلىَ تَحصيل الكمال، وَلاَ يَغترُّوا بزخارفها، فإنَّها سريعة الزوال.
{لَو أَردنا أن نتَّخذَ لهوا} مَا نَتَلهَّى بِهِ ونلعب، و {لاتَّخذناه مِن لَّدُنَّا} مِن جهة قدرتنا، أو مِن عندنا؛ فما يليق بِحضرتنا مِنَ المجرَّدات لاَ مِنَ الأجسام المرفوعة، والأجرام المبسوطة، كعادتهم فيِ رفع السقوف وتزويقها، وتسوية الفرش وتزيينها (1)؛ وقيل اللهو: الولد بِلُغَة اليمن؛ وقيل: الزوجة؛ والمُرَاد: الردُّ عَلَى النصارى، {إن كُنَّا فاعلِينَ (17)} ذَلِكَ، ويدلُّ عَلَى حَذف الجواب المتقدِّم.
{بَل نقذفُ بِالْحَقِّ عَلَى الباطل} إضراب من اتِّخَاذ اللهو، وتنزيه لذاته مِنَ اللعب؛ أي: بَل مِن شأننا أن نقلب الحقَّ الذِي من جملته الحد عَلَى الباطل، الذِي مِن عداده (2)، {فَيدمَغُه} فَيمحَقه. وإنَّما استعار لذلك “القذفَ” وَهُوَ الرمي المستلزم لصلابة الرمي، و“الدمغَ” الذِي هُوَ كَسر الدماغ، بحيث يشقُّ غشاءه المؤدِّي إِلىَ زُهوق الروح، تصويرا لإبطاله بِهِ ومبالغةً. {فإذا هُوَ زاهق} هالك؛ والزهوق: ذهاب الروح؛ والمعنى: أن يبطل كَذِبهم لِمَا تبيِّن مِنَ الحقِّ، حتَّى يَضمحلَّ الباطلُ فلا يبقى لَهُ أثرٌ، {ولكم الويلُ مِمَّا تَصفُونَ (18)} مِمَّا لاَ يَجوز عليه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وتزيُّنها».
(2) - ... كذا في الأصل، وَفيِ العبارة خلط كبير، وصوابها: «بَل مِن شأننا أن نغلِّب الحقَّ ــ الذِي من جملته الجِدُّ ـ عَلَى الباطل، الذِي مِن قبيله اللهوُ». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص60. (3/62)
صفحة 878
وَلَهُ مَن فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} خَلقا ومُلكا {ومَن عندَه} يعني: المَلاَئِكَة المنزَّلين مِنْهُ ـ لكرامتهم عليه ـ منزلةَ المقرَّبين عند الملوك، {لاَ يَستكبرون عَن عبادَته} لاَ يَتعظَّمون عنها، {وَلاَ يَستحسِرُونَ(19)} وَلاَ يَعيون منها؛ وإنَّما [363] جيء بالاستحسار الذِي هُوَ أبلغ مِنَ الحسور، تَنبيها عَلَى أنَّ عِبادَتهم بثقلها ودوامِها حقيقةٌ بِأَن يُستحسَرَ منها، وَلاَ يستحسرون. {يُسبِّحون الليلَ والنهار} وينزِّهونه ويعظِّمونه دائما، {لاَ يفتُرُونَ(20)} لأَنَّ الشيطان لاَ يأتيهم بالوسوسة فيشغل قلوبهم بالغفلة كما يأتي بني آدم. وَاللهُ تبارك تعالى مستحقٌّ للتسبيح والتقديس، والتنزيه عمَّا لاَ يليق بِهِ فيِ كُلِّ حال؛ فمن ذَلِكَ لاَ يفترون بغفلة، وَلاَ يستحسرون مِن عياء، وَلاَ يَسأمون من ساءمه ليلاً ونهارًا[كَذَا]. وكذلك تسبيح الجمادات ومن لاَ يعقل، وسجودها دائما فيِ كُلِّ وقت؛ وكذلك توحيد المؤمنين لله تعالى وطاعتهم له، وتسبيحهم لَهُ دائماً بلسان الحال، وإن غفلوا عَن النطق بِهِ بلسان المقال، وَلاَ يفتر عَن طاعة الله وتسبيحه وتنزيهه ـ فيِ الحقيقة ـ إِلاَّ من عصاه، وخرج من جملة التوحيد.
{أم اتَّخَذوا آلهةً} بَل اتَّخَذوا آلهة، يعني: الأصنام، ويعمُّ كُلَّ مَا خالف الحقَّ؛ والهمزة لإنكار اتِّخَاذهم، {مِنَ الأَرْض}، وفائدتها التحقير دون التخصيص، {هم ينشرُونَ(21)} الموتى؛ والمراد: تجهيلهم والتهكُّم بهم.
{لو كَانَ فيهما آلهة إِلاَّ الله} غير الله {لَفَسَدَتا} لَبَطُلَتا، لِمَا يكون بينهما مِنَ الاختلاف والتمانع، فإنَّها إن توافقت فيِ المراد تطاردت عليه القدر، وإن تَخالفت فِيهِ تعاوقت عَنْهُ؛ {فسبحانَ الله رَبِّ العرش} المحيط بجميع الأجسام، الذِي هُوَ محلُّ التدابير، ومنشأ المقادير، {عَمَّا يصفُونَ(22)} من اتِّخَاذ الشريك والصاحبة والولد.
{ (3/63)
صفحة 879
لاَ يُسأَل عَمَّا يَفعَل} عَن حكمه فيِ عباده، لعظمته وقوَّة سلطانه، وتفرُّده بالألوهيَّة الذاتيَّة، {وَهُم يُسأَلُونَ (23)} عمَّا عملوا، لأَنَّهُم لَهُ مَملوكون مُستَعبَدُون مُجَازَوْن.
{أم اتَّخَذوا من دونه آلهة} كرَّره استفظاعا لأمرهم وتبكيتًا، وإظهارًا لِجهلهم؛ {قل: هاتوا برهانكم} عَلَى ذَلِكَ، إمَّا مِنَ العقل أو مِنَ النقل؛ فإنَّه لاَ يصحُّ القول بِمَا لاَ دليل عليه، كيف وقد تطابقت الحجج عَلَى بُطلانه عقلاً ونقلاً، {هَذَا ذكر مَن مَعِي وذِكر مَن قَبلي} من الكتب السماويَّة، فانظروا هل تجدون فِيهَا إِلاَّ الأمر بالتوحيد، والنهي عَن الإشراك جليًّا وخفيًّا. و «من معي»: أمَّته، و «من قبلي»: الأمم المتقدِّمة. وإضافة (1) الذكر إِلَيْهِم لأَنَّهُ عظتهم. {بَل أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ} وَلاَ يُميِّزون بينه وبين الباطل، بقلَّة تدبُّرهم وتعلُّمهم، وإنَّما يأخذون ظواهر الأمور تساهلا للنُّفوس، {فَهُم مُعرضُونَ (24)} عَن التوحيد، واتِّباع الرسول، وعن التدبُّر فيِ حقائق الأمور.
{وَمَا أرسلنا مِن قبلِك مِن رسولٍ إِلاَّ نُوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أنا فاعبدونِ (25)؛ وَقَالُوا: اتَّخَذَ الرحمن ولدا} نزلت فيِ خُزَاعة حيث قَالُوا: «المَلاَئِكَة بناتُ الله». {سبحانه} تنزيه لَهُ عَن ذَلِكَ، {بَل عبادٌ} بل هم عباد مِن حيث أنَّهم مَخلوقون؛ وليسوا بأولاد {مُكرَمُونَ (26)} مُقرَّبون. شهد لنفسه بالتنزيه عَن قولهم وفعلهم بالباطل.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وأضَافَ». (3/64)
صفحة 880
لاَ يسبقونه بالقول} لاَ يقولون شيئا خلاف قوله حيث يقوله كما [هو] ديدن العبيد المؤدَّبين؛ وأصله لاَ يسبق قولُهم قولَه، فنسب الفعل: “السبق” إِلَيْهِ وإِلَيْهِم (1)، المعرِّض بِهِ للقائلين عَلَى الله مَا لم يَقله؛ وأُنيب اللام عَن الإضافة اختصارا، وتجافيًا عَن تكرير الضمير، {وَهُم بأمره يَعْمَلُونَ (27)} لاَ يَعملُونَ قطُّ مَا لم يَأْمُرُهم بِهِ.
{يعلم مَا بين أيديهم وَمَا خَلْفَهم} لاَ تَخفى عليه خافية مِمَّا قدَّموا وأخَّروا؛ فإنَّهم لإحاطتهم بذلك يَضبطون [364] أنفسهم، ويراقبون أحوالهم، {وَلاَ يَشفعون إِلاَّ لِمَن ارتَضَى} أن يُشفع لَهُ، مَهابة مِنْهُ تعالى، {وَهُم من خَشيتِه} عَظَمَتِه ومَهَابَتِه {مُشفِقُونَ (28)} مُرتَدعون؛ وأصل الخشية: خوفٌ مَعَ تعظيم؛ ولذلك خَصَّ بِهِ العلماء (2).
{ومن يَقُل مِنْهُم} مِنَ المَلاَئِكَة، أو مِنَ الثقلين المتعبِّدين: {إنِّي إلهٌ مِن دونه} وذلك يضُمُّ كُلَّ مَن دعا إِلىَ طاعة نفسه بغير حقٍّ، {فذلك نَجزيه جهنَّم} يريد بِهِ نفيَ النبوَّة، وادعاءِ ذَلِكَ عَن المَلاَئِكَة، وتهديد (3) للمشركين بتهديد مدَّعي الربوبيَّة. {كذلك نَجزي الظالمِينَ (29)} مَن ظَلَمَ بالإشراك، وادِّعاء الربوبيَّة.
{__________
(1) - ... انظر نحوَ هَذِهِ العبارة: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص63. الألوسي: روح المعاني، 17/ 32.
(2) - ... في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخشَى اللهَ من عبادِهِ العلماءُ} سورة فاطر: 28.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «وتهديدًا»، أي: ويريد به تهديدًا ... (3/65)
صفحة 881
أولم يَرَ الذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ كانتا رَتْقًا} ذات رَتْقٍ؛ أو مَرتُوقَتَين: وَهُوَ الضمُّ والالتحام، أي: كانتا شيئًا واحدًا، {ففتقناهما} بالتنويع والتمييز؛ وكانت السَّمَاوَات وَاحِدَة، فَفُتِقَت بالتحريكات المختلفة، حتَّى صارت أفلاكًا، وكانت الأَرْضون وَاحِدَة؛ فجُعلت باختلاف كيفياتها وأحوالِها طبقات أو أقاليم. وقيل: كانتا بِحيث لاَ فُرجة بينهما، فَفُرِج (1)؛ وقيل: {كانتا رَتقا}: لاَ تُمطر وَلاَ تُنبت، {ففتقناهما} بالمطر والنبات؛ فيكون المراد بالسماوات: سماء الدُّنْيَا، جَمَعَها باعتبار الآفاق؛ أو السَّمَاوَات بأسرها، عَلَى أنَّ لها مدخلا مَا فيِ الأمطار. والكفرة وإن لَم يعلموا ذَلِكَ فَهُم متمكِّنون من العلم بِهِ نظرًا؛ فإنَّ الفتقَ عارضٌ مفتقرٌ إِلىَ مُؤثِّر واجب ابتداء، أو استسفارا (2) مِنَ العلماء، أو مطالعة الكتب.
{وجعلنا مِنَ الماءِ كلَّ شيء حيٍّ} وخلقنا مِنَ الماءِ كُلَّ حيوان، كقوله: {والله خلق كُلَّ دَابَّة مِنَ ماء} (3)، وذلك لأنَّه أعظم موادِّه، ولفرط احتياجه لَهُ وانتفاعه بِهِ بعينه، أو صيَّرنا كلَّ شيء حيٍّ بسبب مِنَ الماء لاَ يَجيء (4) دونه، {أفلا يُؤْمِنُونَ (30)} عَلَى ظهور الآيات.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ففرجتا».
(2) - ... كذا في الأصل، وَفيِ تفسير أبي السعود: «وإمَّا بالاستفسارِ مِنَ العلماء، أو مطالعة الكتب». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص65.
(3) - ... سورة النور: 45. وفي الأصل: «من الماء» وهو خطأ.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لا يَحيَى». (3/66)
صفحة 882
وجعلنا فيِ الأَرْض رواسي} ثابتات {أن تَميد بهم} لأَن لا تميد، فحذف إِلاَّ عن الالتباس (1)، {وجعلنا فِيهَا} في الأرض أو الرواسي {فِجاجًا سُبُلا} مسالك واسعة، {لَعَلَّهُم يهتدُونَ (31)} إِلىَ مصالحهم. {وجعلنا السَّمَاءَ سقفا مَحفوظا} عَن الوقوع بقدرته؛ أو الفسادِ والانحلال إِلىَ الوقت المعلوم بمشِيئَته؛ أو استراقِ السمع بالشهب، {وَهُم عَن آياتها} وأحوالها الدالَّة عَلَى وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته، وتناهِي حكمته التِي يُحسُّ ببعضها (لَعَلَّهُ) شمسها وقمرها ونجومها وَمَا فِيهَا؛ ويبحث عَن بعضها فيِ علمي الطبيعة والهيئة، {مُعرضُونَ (32)} غير مُتفكِّرين فيِ آياتها وَلاَ مُعتبرين.
{وَهُوَ الذِي خَلَقَ الليل والنهارَ والشمسَ والقمرَ} بيانٌ لبعض تلك الآيات، {كلٌّ فيِ فَلَك} أي: كُلُّ وَاحِد مِن ذَلِكَ، {يسبحُونَ (33)} يُسرعون عَلَى سَطح الفلك، إسراعَ السابح عَلَى سَطح الماء.
{وَمَا جعلنا لِبَشر مِن قَبلك الخلدَ} دوام البقاء عَلَى الدُّنْيَا، لأَنَّهَا دار تعبُّد، وليس بعد التعبُّد إِلاَّ الجزاء، {أفإن مِتَّ فَهُم الخالدُونَ (34)} أي: فَهُم الخالدون إن مِتَّ. نزَلَت حين قَالُوا: {نتربَّص بِهِ رَيبَ المنون} (2).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب ما جاء في تفسير أبي السعود: «فحذف “اللام” و“لا” لعدم الإلباس». المصدر نفسه.
(2) - ... سورة الطور: 30. (3/67)
صفحة 883
كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت} ذائقةُ مرارة مفارقتها جسدها؛ لَم يَخلق الله الموتَ لعباده عبثا، بَل لِحكمة أو حِكَمٍ؛ ومِن ذَلِكَ رُبَّما يكون لزيادة ثواب للمؤمنين، وزيادة عذاب للكَافِرِينَ. {ونبلوكم} ونُعَامِلكم معاملةَ المختبر {بالشرِّ} (لَعَلَّهُ) مِن قليل ذَلِكَ وجليله؛ فالمؤمن [365] يَخرج مِنَ الابتلاء بالسرَّاء والضرَّاء بزيادة ثواب عمَّا كَانَ عِند دخوله فِيهِ، مِن قِبَلِ صبره للضرَّاء، ولو فيِ قرص نملة، أوالتصدُّق بحبَّة؛ أو شكره للسرَّاء، ولو ناله أدنى مَسرَّة، ولو تجشى جشوة (1) فحمد الله عَلَى ذَلِكَ؛ والكافر يَخرج مِنَ الابتلاء بزيادة عِقابٍ إِذَا خَرج غير شاكر للسرَّاء، وَلاَ صابر للضرَّاء، فعذابه (لَعَلَّهُ) بتضييعه للفرض، وإن أدَّى الفرض فيِ ذَلِكَ فغير مقبول مِنْهُ؛ وتَحسُّره عَلَى فوات الثواب هُوَ عين العذاب، لأَنَّهُ عاصٍ، وعمله مردود عليه، كما قَالَ: {إن هِيَ إِلاَّ فتنتُك...} (2)
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تجشَّأ جُشَأَةً». «والتجشُّؤ: تنفُّس المعدة عند الامتلاء». والمصدر: تجَشُّؤ، وجُشاء من باب عُطاس، والاسم: جُشَأَة كهُمَزَة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/460. الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 35. مادَّة: «جشأ».
(2) - ... سورة الأعراف: 155. وتمامها: {...قال: رَبِّ لو شئتَ أهلكتَهم مِن قبلُ وإيَّايَ أتُهلكنا بما فعل السفهاء منَّا، إن هي إِلاَّ فتنتك تُضِلُّ بها من تشاء وتهدي من تشاء، أنت وليُّنا، فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين}. ولم يتَّضح لنا محلُّ الشاهد في الآيَة بما يوافق السياق.. (3/68)
صفحة 884
الآية، فصحَّ أنَّ الضرَّاء صارت للمؤمن سرَّاء، إذ في العاقبة مأجور عَلَى فِعلها، والأمور للعواقب؛ والسرَّاء للكافر ضرَّاء، إذ [هو] معاقب عليها فيِ العاقبة؛ فصحَّ أنَّ الخير لاَ يكون إِلاَّ لأهل الخير، والشرَّ لاَ يكون إِلاَّ لأهل الشرِّ، {والخيرِ فتنةً وإلينا تُرجعُونَ (35)} فَنُجازيكم حسب مَا يوجد منكم مِنَ الصبر والشكر. وفيه تنبيه بأنَّ المقصود مِن هَذِهِ الحياة: الابتلاء. والتعريض للثَّواب والعقاب تقرير لِمَا سبق.
{وإذا رآك الذِينَ كَفَرُوا إن يتَّخذونك إِلاَّ هُزُوًا} مَا يتَّخذونك إِلاَّ هُزؤا، مهزوءًا بِهِ، ويقولون: {أهذا الذِي يَذكُر آلهتكم}؟ أي: بسوء؛ وإنَّما أطلقه لدلالة الحال، فإنَّ ذكر العدوِّ لاَ يكون إِلاَّ بسوء. {وَهُم بذكر الرحمن} بالتوحيد؛ أو بإرشاد الخلق ببعث الرسل، وإنزال الكتب، رحمة عَلَيْهِم؛ أو بالقرآن {هم كَافِرُونَ (36)} منكرون، فَهُم أحقُّ أن يُهزَأَ بهم.
{خُلِق الإنسانُ من عَجَل} كأنَّه خُلق مِنْهُ لفرط استعجاله، وقلَّة تأنِّيه؛ كقولك: خُلِقُ زيد مِنَ الكرم، جُعل مَا طُبع عليه بمنزلة المطبوع هُوَ مِنْهُ، مبالغة فيِ الدومة (1) لَهُ، ومن عجلته مبادرته إِلىَ الكفر، واستعجال الوعد. {سَأُرِيكم آياتي} نقماتي فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، {فلا تستعجلونِ (37)} فيِ الإتيان بها، والنهيِ عمَّا جُبِلَت عليه نفوسهم لِيُقعِدوها عَن مُرادها. {ويقولون مَتى هَذَا الوعد}؟ وقت وعدِ العذاب؛ أو يوم القيامة، {إن كُنتُم صادقِينَ (38)} يَعنُون النَّبِيَّ وأصحابه.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَلَعَلَّ الصواب ما ذكره أبو السعود: «لزومه لَهُ». مج3/ ج6/ ص67. (3/69)
صفحة 885
لو يعلم الذِينَ كَفَرُوا حين لاَ يَكُفُّون} لاَ يَمنعون {عَن وجوههم النارَ وَلاَ عَن ظهورهم وَلاَ هم يُنصَرُونَ(39)} أي: لو يَعْلَمُونَ الوقت الذِي يستعجلون مِنْهُ بقولهم: {مَتى هَذَا الوعد} وَهُوَ حين تُحيط بهم النار مِن كُلِّ جانب، بحيث لاَ يقدرون عَلَى دفعها، وَلاَ يَجدون ناصرا يَمنعها لَمَا استعجلوا؛ {بَل تأتيهم} العِدَة، أو الساعة {بغتةً} فجأة {فتبهَتُهم} فتحيِّرهم، {فلا يستطيعون ردَّها} ويحتمل في قوله: {بل تأتيهم بغتة فتبهتهم} أي: النار بِخروج أرواحهم بَهَتَتهم، أي: كذَّبت ظنونَهم الفاسدة، لأَنَّ الموت يأتيهم بغتة، من فرط آمالهم؛ ولأنَّهُم يأملونه بعيدًا، كَانُوا فيِ صِحَّة أو مرض؛ ومن ذَلِكَ أنَّهم لاَ يُؤْمِنُونَ وَلاَ يتوبون حتَّى تنزل بهم، فيتحقَّقون وقوعَ العذاب حينئذ. {وَلاَ هُم يُنظَرُونَ(40)} ولا يمهلون، وفيه تذكير بإمهالهم في الدنيا.
{وَلَقَد استُهزِئَ برسلٍ مِن قبلك} تسليةً لَهُ، {فحاق بالذين سَخِروا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ(41)} وعدٌ لَهُ بأنَّ مَا يفعلونه يَحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء مَا فعلوا، يعني: جزاؤه.
{قل} يا محمَّد: {مَن يَكلَؤُكم} يَحفظكم {بالليل والنهار مِنَ الرحمن} مِن بَأسِه، إن أَراد بكم؛ وفي لفظِ الرحمن: تنبيه [366] عَلَى أن لاَ كالئ غير رحمته العامَّة، وإنَّ اندفاعه بِمُهلته [كَذَا]، {بَل هم عَن ذكر ربِّهم مُعرضُونَ(42)} لاَ يتوقَّعونه ببالهم، فَضلا أن يَخافوا بَأسه، حَتَّى إِذَا أُكلئوا مِنْهُ عَرفوا الكالِئَ، وصلحوا للسؤال عَنْهُ.
{أم لَهُم آلهةٌ تَمنعهم مِن دُوننا} مِن عذابنا، {لاَ يستطيعون نصرَ أنفسهم وَلاَ هم مِنَّا يُصحَبُونَ(43)} استئناف بإبطال مَا اعتقدوه، فإنَّ مَن لاَ يقدرُ عَلَى نصرِ نفسه، وَلاَ يصحبه نصر مِنَ الله، كيف يَنصر غيره.
{ (3/70)
صفحة 886
بَل متَّعنا هؤلاء وآباءَهم حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ} إضراب عمَّا تَوهَّموا، ببيان مَا هُوَ الداعي إِلىَ حِفظهم، وَهُوَ الاستدراج والتمتيع بِمَا قدّر لَهُم مِنَ الأعمار والأرزاق؛ أو مهَّلهم حتَّى طالت أعمارهم، فَحَسبوا أن لاَ يزالوا كذلك، وأنَّهُم بسبب مَا هم عليه؛ ولذلك عَقَّبه بِمَا يدلُّ عَلَى أنَّه أمل كاذب، فقال: {أفلاَ يرون أنَّا نأتي الأَرْض}؟ أرضَ الكفرة {نَنقُصُها مِن أطرافها} بتسليط المُسْلِمِينَ عليها؛ أي: مَا نَنقص مِن أطراف المشركين، ونزيد فيِ أطراف المؤمنين؛ نريد بذلك فتح النَّبِيِّ ديارَ المشركين أرضا فأرضا، {أفهم الغالبُونَ (44)}؟ رسولَ الله والمؤمنين.
{قل: إِنَّمَا أُنذِرُكم بِالوحي، وَلاَ يَسمع الصمُّ الدعاءَ} إِنَّمَا سمَّاهم الصمَّ للدلالة عَلَى تصامُمهم، وعدم انتفاعهم بِمَا يسمعون، {إِذَا مَا يُنذَرُونَ (45). ولَئِن مَسَّتهم نفحة} أدنى شيء، فإنَّ أصلَ النفح: هبوب رائحة الشيء؛ وقيل: قِطعة، {مِن عذاب رَبِّكَ} مِنَ الذِي يُنذَرون بِهِ، {ليقولنَّ: يا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمِينَ (46)} لَدَعَوْا (1) عَلَى أنفسهم بالويل، واعترفوا عليها بالظلم.
{ونضعُ الموازينَ القسطَ} قيل: وضعُ الموازين تَمثيل لإرصاد الحساب السويِّ، والجزاءِ عَلَى حَسب الأعمال بالعدل، {لِيومِ القيامة} لجزاء يوم القيامة؛ أو لأهله؛ أو فِيهِ. {فلا تُظلم نفسٌ شَيْئًا} فلا تُنقص من حسناتها، وَلاَ تُزاد عَلَى سيِّئاتها، {وإن كَانَ مِثقالُ حَبَّة مِن خَردَل} أي: وإن كَانَ العمل مقدارَ ثقلِ حَبَّة {أتينا بها} أَحضَرنَاها، {وكفى بنا حاسبِينَ (47)} إذ لاَ مزيد عَلَى عِلمنا وعدلنا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لدعواه»، وهو خطأ. (3/71)
صفحة 887
وَلَقَد آتينا موسى وهارون الفرقانَ} الكتاب الفارِقَ بين الحقِّ والباطل، {وضياءً وذكرًا للمتَّقِينَ (48)} أي: الكتاب الجامع لكونه فارقًا بين الحقِّ والباطل، وضياءً يُستضاء بِهِ فيِ ظُلمات الحيرة والجهالة، وذِكرًا (1) يتَّعظ بِهِ المتَّقون؛ أو ذِكرَ مَا يَحتاجون إِلَيْهِ مِنَ الشرائع، {الذِينَ يَخشون ربَّهم} صلة لِلْمُتَّقِينَ {بالغيب} أي: يَخافونه ولم يَرَوه، {وَهُم مِنَ الساعة مُشفِقُونَ (49)} خائفون. {وهذا ذِكر مُبارك} كثير خيره {أنزلناه، أفأنتم لَهُ منكِرُونَ (50)}؟.
{وَلَقَد آتينا إبراهيم رُشدَه} الاهتداءَ لوجوهِ الصلاح؛ والرشد: عبارة عَن هدا (2) باعثة إِلىَ جهة (لَعَلَّهُ) السعادة، مُحرِّكة لها، {مِن قَبلُ} من قبل موسى، أو محمَّد؛ أو مِن قبل استنبائه أو بلوغه، {وكُنَّا بِهِ عالمِينَ (51)} عَلِمنا أنَّه أهل لِمَا آتيناه؛ أو جامع لِمحاسن الأوصاف، ومكارم الخصال؛ وفيه إشارة إِلىَ أنَّ فعله تعالى باختيارٍ وحكمةٍ، وأنَّه عالم بالجزئيَّات.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وذكر»، وهو خطأ. لأَنَّهُ معطوف عَلَى خبر كان وَهُوَ قوله: «فارقا».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «هداية». (3/72)
صفحة 888
إذ قَالَ لأبيه وقومه: مَا هَذِهِ التماثيل التِي أَنتُم لها عاكفُونَ (52)}؟ تحقير لشأنها، وتوبيخ عَلَى إجلالها، فإنَّ التمثالَ صورةٌ لاَ رُوح فِيهَا، ولاَ تَضرُّ وَلاَ تنفع. {قَالُوا: وَجَدنا آباءنا [367] لَها عابدِينَ (53)} فقلَّدناهم. {قَالَ: لَقَد كُنتُم أَنتُم وآباؤكم فيِ ضلال مُبِين (54)} منخطرون (1) فيِ سلك ضلال لاَ يَخفى عَلَى عاقل، لعدم استناد الفريقين إِلىَ دليل؛ والدليل إن جاز فإنَّما يَجوز لِمَن عَلِم فيِ الجملة أنَّه عَلَى حقٍّ. {قَالُوا أجئتنا بِالْحَقِّ، أم أنتَ مِنَ اللاَّعبِينَ (55)} كأنَّهم (2) استبعادهم تضليل آبائهم، ظنُّوا أنَّمَا قاله عَلَى وجهِ الملاعبة؛ فقالوا (3): أتَجِدُّ بقولك أم تلعب؟ {قَالَ: بَل (4) رَبُّكُم رَبُّ السَّمَاوَات والأَرْضِ الذِي فَطَرَهنَّ} إضراب عَن كَونه لاعِبا، بإقامة البرهان عَلَى مَا ادَّعاه، وَهُوَ السَّمَاوَات والأَرْض؛ أو للتَّماثيل. وَهُوَ أدخَل فيِ تضليلهم، وإلزامِ الحجَّةِ عليهم. {وأنا عَلَى ذلكم} المذكور مِنَ التوحيد، {مِن الشاهدِينَ (56)} مِنَ المتحقِّقين لَهُ، والمبرهِنِين عليه؛ فإنَّ الشاهد: من تَحَقَّق الشيءَ، وحقَّقَه.
{وتالله لأكيدنَّ أصنامَكم} لأجتهدنَّ فيِ كسرها؛ ولفظُ الكيد، وَمَا فيِ التاء مِنَ التعجُّب لصعوبة الأمر، وتوقُّعه عَلَى أنواع مِنَ الحِيَل، {بعد أن تُوَلُّوا} عنها؛ أو عَن النصحِ {مُدبِرِينَ (57)} ولعلَّه قَالَ: ذَلِكَ سِرًّا.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «منخرطون». وَفيِ اللسان: «انخرط الرجل في الأمر، وتخرَّط: ركب فيه من غير علم ولا معرفة». ابن منظور: لسان العرب، 2/ 814.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كأنَّهم استبعدوا».
(3) - ... في الأصل: «فقال» وَهُوَ خطأ.
(4) - ... في الأصل: - «بل»، وهو خطأ. (3/73)
صفحة 889
فجعلهم جُذاذا} قِطَعا؛ مِنَ الجذِّ: وَهُوَ القطع، {إلاَّ كبيرًا لَهُم} للأصنام، كَسَر غيره واستبقاه، {لَعَلَّهُم إِلَيْهِ يَرجعُونَ (58)} لأَنَّهُ غَلَب عَلَى ظنِّه (1) لاَ يَرجعون إِلاَّ إِلَيْهِ، لتَفَرُّدِه واشتهاره بعداوة آلهتهم، فيحَاجّهم بقوله: «بَل فعله كَبيرهم»؛ أو يرجعون إِلىَ كَبيرهم.
{قَالُوا: مَن فَعَل هَذَا بآلهتنا إِنَّهُ لَمِن الظالمِينَ (59)} بِجُرأَته عَلَى آلهة الحقيقة (2) بالإعظام؛ أو بإفراطه فيِ حطمها؛ أو بتوريط نَفسِه فيِ الهلاك. {قَالُوا: سَمعنا فَتًى يَذكرهم} يَعيبهم، {يقال لَهُ: إبراهيم (60) قَالُوا: فأتوا بِهِ عَلَى أَعيُنِ الناس} بِمَرأًى مِنْهُم؛ بِحيث تتمكَّن صورته فيِ أعينهم، {لَعَلَّهُم يَشهدُونَ (61)} بفعله، أو قوله، أو يَحضر عُقوبتنا لَهُ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: + «أنَّهم».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الآلهةِ الحقيقةِ». أو: «آلهةٍ حقيقةٍ». (3/74)
صفحة 890
قَالُوا: أأنت فعلت هَذَا بآلهتنا يا إبراهيم (62)؟ قَالَ: بَل فَعَله كبيرهم هَذَا} غضبا مِنْهُ عَن أَن تُعبَد معهُ الصغار، فكسَرهنَّ؛ وأراد إقامة الحجَّة عَلَيْهِم، {فاسألوهم إن كَانُوا ينطقُونَ (63)} قيل: إنَّه فيِ المعنى مُتعلِّق بقوله: {إن كَانُوا ينطقون} (1). {فَرَجعوا إِلىَ أنفسهم} وراجعوا عُقولهم {فَقَالُوا} فقال بعضهم لبعض: {إِنَّكُم أَنتُم الظالمُونَ (64)} بهذا السؤال؛ أو بعبادة مَا لاَ ينطق وَلاَ يضرُّ وَلاَ يَنفَع، لاَ مَن ظَلَمتُموه بقولكم: {إِنَّهُ لَمِنَ (2) الظالمين}، وذلك مِنْهُم كلام عَقليٌّ إن لو ثَبتوا عليه.
{ثمَّ نُكِسوا عَلَى رُءوسهم} ارتدُّوا إِلىَ المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة، شبَّه عودهم إِلىَ الباطل بصيرورة أسفل الشيء مُستعليا عَلَى أعلاه، {لَقَد عَلِمت مَا هؤلاء ينطقُونَ (65)} فكيف تأمرنا بسؤالها؟ أقرُّوا عَلَى أنفسهم بالضلال مِن حيث لاَ يَعْلَمُونَ، حتَّى وبَّخهم عَلَى لَعِبهم وتعبهم حيث {قَالَ: أفتعبدون مِن دون الله مَا لاَ ينفعكم شَيْئًا وَلاَ يضرُّكم (66)} إنكارًا لعبادتهم لها، بعد اعترافهم بأنَّها جمادات لاَ تنفع وَلاَ تضرُّ؛ فَإِنَّهُ يُنافي الألوهية، ويُطابق اللَّعِب.
{أُفٍّ لكم وَلِمَا تَعبدون مِن دون الله} تَضجُّرًا مِنْهُم عَلَى إصرارهم بالباطل البيِّن. أفٍّ: صوت المتضجِّر، ومعناه: قبحا واستقذارا، لأَنَّ عبادتها لاَ تضرُّه إن ترك عبادتها، وَلاَ تنفعه إن عَبدها؛ والعاقل يأنف ويضجر ويَمَلُّ (لَعَلَّهُ) ويُسائم مِن عَمَل لاَ ينفعه، {أفلا تعقلُونَ (67)} قُبْحَ صنيعِكم؟!.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «متعلِّق بقوله: {بَل فَعَله كبيرهم هَذَا}». وَفيِ تفسير الألوسي: «وقيل: إنَّ: {فَعَله كبيرهم هَذَا} جواب قوله: {إن كانوا ينطقون} معنًى. وقوله: {فاسألوا} جملة معترضة مقترنة بالفاء ... ». الألوسي: روح المعاني، 17/ 65.
(2) - ... في الأصل: «من»، وهو خطأ. (3/75)
صفحة 891
قَالُوا} أخذا فيِ المضارَّة لمَّا عجزوا عَن المحاجَّة: {حرِّقوه} فإنَّ النار أشدُّ مَا يُعاقب بِهِ، {وانصروا آلهتكم} بانتقام (1) [368] لَها، {إن كُنتُم فاعلِينَ (68)} إن كُنتُم ناصرين لها.
{قلنا: يا نارُ كوني بَرْدًا وسلاما} ذات بردٍ وسلام، أي: ابرُدي بردًا غير ضارِّ؛ وفيه مبالغات، جَعل النارَ المسخرَّة لقدرته مأمورة مطيعةً. روي أنَّهم بنوا حظيرة، وجمعوا فِيهَا نارا عظيمة، ثُمَّ وضعوه فيِ المنجنيق مغلولاً، فرموا بِهِ فِيهَا؛ فقال لَهُ جبريل: «هل لك مِن حاجة؟» كأنَّه يُوَدِّعه وَدَاع الخارج مِنَ الدُّنْيَا اختبارًا وابتلاءً فوق ابتلائه، ليتضَاعَف لَهُ الأجر؛ فقال: «أمَّا إِليك فلا» أي: إنَّك مخلوق مثلي لاَ تقدر عَلَى شيء من نجاتي. فقال لَهُ: «سل رَبَّكَ»، فقال: «حسبي مِن سؤالي علمه بحالي، إِنِّي وُضعت فيِ ذَلِكَ الحال اجتهادا فيِ دينه، ورِضًى لَهُ، وَهُوَ إن شاء يُميتني، وإن شاء يُحييني»؛ فأنجاه الله منها. وانقلاب النار هواء طيِّبة، ليس بِبِدعٍ فيِ قدرة الله، غير أنَّ ذَلِكَ عَلَى خلاف المعتاد، فهو إِذنْ مِن معجزاته. {عَلَى إبراهيم (69)}.
{وأرادوا بِهِ كيدا} مَكرًا فيِ إضراره، {فجعلناهم الأخسرِينَ (70)} أخسر مِن كُلِّ خاسر، لَمَّا عاد سعيهم برهانا قاطعًا عَلَى أنَّهم عَلَى الباطل، وإبراهيم عَلَى الحقِّ، وموجبا لمزيد درجته، واستحقاقهم أشدَّ العذاب.
{ونَجَّيناه ولوطا إِلىَ الأَرْض التِي باركنا فِيهَا للعالمِينَ (71)} قيل: مِنَ العراق إِلىَ الشام. وبركاته العامَّة: أنَّ أكثر الأنبياء بُعثوا فِيهِ، فانتشرت فيِ الْعَالَمِينَ شَرائعهم التِي هِيَ مَبادئ الكمالات، والخيرات الدينيَّة والدنيويَّة؛ وقيل: كثرة النعم والخصب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «بالانتقام». انظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص76. (3/76)
صفحة 892
ووهبنا لَهُ إسحاق ويعقوب نافلةً} عطيَّةً، ولدًا لولده، {وكلاًّ جعلنا صالحِينَ (72)} بِأَن وفَّقناهم للصَّلاح، وحملناهم عليه، فصاروا كاملين. {وجعلناهم أَئِمَّة} يُقتدى بهم {يَهدون} الناسَ إِلىَ الحَقِّ {بأمرنا} لَهُم بذلك، وإرسالنا إيَّاهم، حتَّى صاروا مكملين، {وأوحينا إِلَيْهِم فِعْل الخيراتِ} ليحثُّوهم عليه، فيتمَّ كمالهم بانضمام العمل إِلىَ العلم؛ وأصله: أن تفعل الخيرات، ثُمَّ فعلا الخيرات عليها (1)، وكذلك قوله: {وإقامَ الصلاة وإيتاء الزكاة، وكَانُوا لَنَا عابدِينَ (73)} مُوَحِّدين، مُخلصين فيِ العبادة.
{ولوطا آتيناه حُكما} حِكمة؛ أو نبوَّة؛ أو فصلاً بين الخصوم، {وعِلما} بِمَا ينبغي علمه للأنبياء، {ونَجَّيناه مِنَ القريةِ التِي كَانَت تعمل الخبائث} يأتون الذُّكرَان فيِ أدبارهم، وأشياء أُخَر مِنَ المنكرات، {إِنَّهُمْ كَانُوا قوم سَوءٍ فاسقِينَ (74) وأدخلناه فيِ رحمتنا إِنَّهُ مِنَ الصالحِينَ (75)}.
{__________
(1) - ... نقل المصنِّف هَذِهِ العبارة الغامضة من الزمخشريِّ ومن تابعه من المفسِّرين، ونجد توضيحها عند الألوسيِّ حيث يقول: «وأصله: عَلَى ما ذهب إِلَيهِ الزمخشريُّ ومن تابعه أن يُفعل الخيراتُ، ببناء الفعل لَمَّا لم يسمِّ فاعله، ورفع “الخيرات” عَلَى النيابة عن الفاعل، ثُمَّ “فعلاً الخيراتُ” بتنوين المصدر ورفع “الخيرات” أَيْضًا، عَلَى أَنَّهُ نائب الفاعل لمصدر المجهول، ثُمَّ “فعلَ الخيراتِ” بحذف التنوين، وإضافة المصدر لمعموله القائم مقام فاعله، والداعي لذلك كما قيل: إنَّ {فعل الخيرات} بالفعل المصدريِّ ليس موحًى، إِنَّمَا الموحى أن يُفعل ... ». الألوسي: روح المعاني، 17/ 71. وانظر: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 100. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص77. (3/77)
صفحة 893
ونوحا إذ نادى مِن قبلُ} مِن قبل المذكورين، {فاستجبنا لَهُ، فَنَجَّيناه وأهله مِنَ الكربِ العظيم (76)} مِنَ الطوفان؛ أو أَذى قومه؛ أو من غمِّ المعصية؛ والكرب: الغمُّ الشديد. {ونصرناه (1) مِنَ القومِ الذِينَ كذَّبوا بِآيَاتِنا إِنَّهُمْ كَانُوا قومَ سَوءٍ فأغرقناهم أجمعِينَ (77)} لاجتماع الأمرين: تكذيب الحقِّ، والانهماك فيِ الشرِّ؛ فإنَّهما لم يَجتمعا فيِ قوم إِلاَّ وأهلكهم الله.
{وداوودَ وسليمانَ إذ يَحكُمان فيِ الحرثِ إذ نَفَشَت فِيهِ غَنَمُ القومِ} رَعَته ليلا؛ والنَّفْشُ: الرَّعيُ بالليل، (لَعَلَّهُ) والهمْل بالنهار، همالة ترعى بلا راع (2). {وكنَّا لِحكمهم شاهدِينَ (78) ففهَّمناها سليمانَ، وكلاًّ آتينا حُكما وعِلما. وسخَّرنا مَعَ داوودَ الجبالَ يسبِّحن} يقدِّسن الله معه، إمَّا بلسان الحال، أو بصوت يتمثَّل لَهُ، أو بخلق الله [369] فِيهَا، {والطير} عطف عَلَى الجبال؛ وقيل: سخَّر الله الجبالَ والطيرَ يُسبِّحن مَعَ داوود إِذَا سبَّح. قَالَ ابن عبَّاس: «كَانَ يفهم تسبيح الحجَر والشجر». قَالَ وهب: «كانت الجبال تُجاوِبه بالتسبيح، وكذلك الطير»، {وكُنَّا فاعلِينَ (79)} لأمثاله، فليس بِبِدع مِنَّا، وإن كَانَ عجيبا عندكم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وانصرناه»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، وفي اللسان: «والاسم: النَّفَش، ولا يكون النفَش إِلاَّ بالليل، والهمَل يكون ليلا ونهارا». ابن منظور: لسان العرب، 6/ 691. مادَّة: «نفش». وانظر: مادَّة: «همل» 6/ 830. (3/78)
صفحة 894
وعلَّمناه صَنعَة لَبوس} عَمَل الدروع، وَهُوَ فيِ الأصل: اللباس. قَالَ: «اِلْبَس لِكُلِّ حالة لَبُوسها، إمَّا نَعيمها وإمَّا بُوسها»، {لَكُم لِتُحصِنَكم مِن بأسكم، فهل أَنتُم شاكرُونَ (80)؟. ولِسليمانَ الريحَ عاصفة} شديدة الهبوب، {تَجري بأمرِه إِلىَ الأَرْض التِي باركنا فِيهَا} بَرَكة الدين والدُّنْيَا عَلَى مَن فِيهَا، {وكنَّا بِكُلِّ شَيْء عالمِينَ (81)} فنجزيه عَلَى مَا تقتضيه الحكمة.
{ومن الشياطين مَن يغوصون لَهُ} فيِ البحار، ويُخرجون نَفَائِسها، {ويعملون عملاً دون ذَلِكَ} ويتجاوزون ذَلِكَ إِلىَ أعمال أُخرى، كبناء المدن والقصور، واختراع الصنائع الغريبة، لقوله: {يَعملُونَ لَهُ مَا يَشَاء} (1)، {وكنَّا لَهُم حافظِينَ (82)} أن يزيغوا عَن أمره؛ أو يفسدوا عَلَى مَا هُوَ مقتضى جبلَّتهم.
{وأيُّوب إذ نادى رَبَّهُ أَنِّي مسَّني الضرُّ} أصابني الجهد والمشقَّة، {وأنت أرحمُ الراحمِينَ (83)} وصفَ رَبَّهُ بغاية الرحمة، بعدما ذَكَر نفسه بِمَا يُوجبها، واكتفى بذلك عَن غَرضِ المطلوب لُطفا فيِ السؤال. {فاستجبنا لَهُ فَكَشَفنا مَا بِهِ مِن ضرٍّ وآتيناه أهله ومثلَهم معهم} قيل: وُلد لَهُ ضِعف مَا كَانَ {رحمةً مِن عندنا وذكرى للعابدِينَ (84)} رحمةً عليه، وتذكرة للعابدين، ليصبروا كما صَبَر، فيثابوا كَمَا أُثِيب (2)؛ أو لِرَحمتنا للعابدين، فإنَّا نَذكُرُهم بالإحسان وَلاَ ننساهم.
{وإسماعيل وإدريس وذا الكفل} يَعني إلياس؛ وقيل: يُوشع، أو غيرهما، {كلٌّ مِنَ الصابرِينَ (85)} عَلَى مشاقِّ التكاليف. {وأدخلناهم فيِ رحمتنا إِنَّهُمْ مِنَ الصالحِينَ (86)} الكاملين فيِ الصلاح، بِمَا تَعبَّدهم الله بِهِ.
{__________
(1) - ... سورة سبأ: 13.
(2) - ... في الأصل: «ثيب»، وهو خطأ. (3/79)
صفحة 895
وذا النونِ} يونس {إذ ذَهَب مُغَاضِبا} عَلَى قومه حين لم يؤمنوا بِهِ، عَلَى مَا قيل؛ {فظنَّ أن لَّن نَقدِر عليه} البلاءَ بسبب غضبِه، مِنَ القَدْرِ، وقُرِئ مثقَّلا؛ وَلَعَلَّهَا كَانَت خَطرة شيطانية، سيقت إِلىَ وَهمه، فسمِّي ظنًّا للمبالغة، {فنادى فيِ الظلمات} قيل: ظلماتِ بطنِ الحوت والبحر والليل؛ أو ظلمات المعاصي، وذلك عند خروجه منها إِلىَ النور، وَهُوَ التوبة؛ ودليله قوله: {أن لاَ إله إِلاَّ أنتَ سُبحانك إِنِّي كنتُ مِنَ الظالمِينَ(87)} لِنَفسي بالمبادرة إِلىَ مَا لم تأمرني بِهِ، وكَانَ ذَلِكَ توبة لَهُ.
{فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغمِّ} مِن غمِّ المعصية، وَمَا بِهِ مِنَ الكرب، {وكذلك نُنَجِّي المؤمنِينَ(88)} مِن غمومٍ دَعَوا الله فِيهَا بالإخلاص؛ أي: ننجِّي كُلَّ مَن نزل بِمنزلته فيِ الاضطرار والإخلاص.
{وزكريا إذ نادى رَبَّهُ: رَبِّ لاَ تذرني فردا} وحيدا فيِ الدين، بلا وارث يرثُني بَعدي فيِ الدين، {وأنت خير الوارثِينَ(89) فاستجبنا لَهُ ووهبنا لَهُ يَحيى، وأصلحنا لَهُ زوجَه} قيل: للولادة بعد عقرِها؛ أو له بتحسين خُلُقِها؛ {إِنَّهُمْ} يعني: المتوالدين؛ أو المذكورين مِنَ الأنبياء {كَانُوا يُسارِعون فيِ الخيرات} بالمسابقة إِلَيْهِا خوفَ الفوات، {ويدعوننا رَغَبا وَرَهَبا} راغبين فيِ الثواب، راجين الإجابة؛ أو فيِ الطاعة خائفين العذاب، أو المعصية؛ والرغبةُ والرهبة فيِ القلب؛ {وكَانُوا لَنَا خاشعِينَ(90)} مُخبتين؛ أو دَائِمين الوجل. قَالَ مُجاهد: «الخشوع: الخوف اللاَّزم فيِ القلب»؛ والمعنى: أنَّهم نالوا مِنَ الله مَا نالوا بهذه الخصال.
{والتي [370] أحصنَت فَرجها} مِنَ الحلال والحرام، {فنفخنا فِيهَا مِن رُوحِنا} مِنَ الروح الذِي هُوَ بأمرنا وحده، {وجعلناها وابنها} أي: قصَّتهما أو حَالهما، {آيةً للعالَمِينَ(91)} وهي مِن أعظم الآيات لِمَن تأمَّلها.
{ (3/80)
صفحة 896
إنَّ هَذِهِ أُمَّتكم أُمَّة وَاحِدَة} أمرا بالائتلاف، ونهيا عَن الاختلاف؛ أي: إنَّ مِلَّة التوحيد مِلَّتكم التِي يَجب عَلَيْكُم أن تكونوا عليها، غير مُختلفين فيما بين الأنبياء؛ أو لاَ مُشاركة لغيرها في صِحَّة الاتِّباع، {وأنا رَبُّكُم} لاَ إله غيري {فاعبدونِ (92)} لاَ غير.
{وتقطَّعوا أمرَهم بَيْنَهُم} صَرَفَه إِلىَ الغيبة التفاتا، لِينعى عَلَى الذِينَ تفرَّقوا فيِ الدين، وجَعلوا أمره قِطَعا موزَّعة، [و] يقبِّحَ فعلهم إِلىَ غيرهم؛ {كلٌّ} مِنَ الفرقِ المتحزِّبة {إلينا راجعُونَ (93)} فَنُجازيهم. {فمن يَعمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فلا كُفرانَ لسعيهِ} فلا تَضِييع لسعيه؛ استُعير لِمنع الثواب، كما استُعِير الشكرُ لإعطائه، {وَإِنَّا لَهُ} لسعيه {كاتبُونَ (94)} مُثبتون فيِ صحيفة عمله.
{وحرامٌ عَلَى قَريَةٍ} ومُمتنع عَلَى أهلها غير مُتصوَّر مِنْهُم، {أهلكناها} حَكَمنا بإهلاكها {أَنَّهُمْ لاَ يَرجعُونَ (95)} إِلىَ التوبة، أو الحياة؛ وهذا الوعيد يتناول كُلَّ نفسٍ عَلِم الله شقاءها، فلا ترجع إِلىَ السعادة أبدا.
{حتَّى إِذَا فُتِحَت يَأجوجُ ومَأجوجُ} مُتعلِّق بِـ «حرامٌ»، أو بمحذوف (1) دَلَّ عليه الكلام؛ أو بـ «لا يرجعون»، أي: يستمرُّ الامتناع إِلىَ قيام الساعة، وظهور أماراتها، وفتح سدِّ يأجوج ومأجوج، {وَهُم} يعني: يأجوج ومأجوج، أو الناس كلُّهم {مِن كُلِّ حَدَبٍ} نَشَز مِنَ الأَرْض {يَنسِلُونَ (96)} يُسرعون.
{واقتربَ الوعدُ الحَقُّ} هُوَ يوم القيامة؛ أو انقضاء كُلِّ نفس عَلَى حيالها، {فإذا هِيَ شاخصةٌ أبصارُ} فاتحةٌ أعينهم لاَ تكاد تطرف؛ وقيل: ذاهبة، {الذِينَ كَفَرُوا: يا ويلنا} أي: الويلُ لَنَا، {قَد كُنَّا فيِ غفلةٍ مِن هَذَا} فيِ غطاء مِن قِبَل هَوى أنفسنا، {بَل كُنَّا ظالمِينَ (97)} لأنفسنا بإخلالِ النظر، والاعتدادِ بالنُّذُر.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لمحذوف». (3/81)
صفحة 897
إِنَّكُم وَمَا تَعبدون مِن دُون الله} يَحتمل الأوثان، وإبليس وأعوانه، لأَنَّهُمْ بطاعتهم لَهُم فيِ حُكم عبدتهم، كما قَالَ: {والذِينَ يَكنزون الذهب والفضَّةَ ... } [إلى] تمام الآية (1). {حَصَبُ جَهَنَّم} مَا يُرمى بِهِ لها، وتَهيج بِهِ؛ مِن حَصَبَه يَحصَبه: إِذَا رماه بالحصباء. {أَنتُم لَها واردُونَ (98)} داخلون.
{لو كَانَ هؤلاء آلهةً مَا وَرَدوها} لأَنَّ الورود إِلَيْهِا إن كَانَ عذابا لَهُ أو لغيره لاَ يكون إلهًا [كَذَا]، {وكلٌّ فِيهَا خالدُونَ (99)} لا خَلاَصَ لَهُم عنها. {لَهُم فِيهَا زفيرٌ} أنينٌ وتَنَفُّس شديد، {وَهُم فِيهَا لاَ يسمعُونَ (100)} مِنَ الهول، وشدَّة العذاب؛ وقيل: لاَ يسمعون مَا يَسُرُّهم كما كَانُوا فيِ الدُّنْيَا؛ لأَنَّ العاصي لاَ يسمع وَلاَ يُبصر مَا يَسُرُّه السرور الحقيقيَّ، وكيف لا وَهُم أموات غير أحياء، ولكن لاَ يشعرون.
{إنَّ الذِينَ سبقت لَهُم مِّنَّا الحسنَى} الخصلة الحسنى، وهي الحقُّ والسعادة، والتوفيق للطاعة، {أُولَئِكَ عنها مُبعدُونَ (101)} لأَنَّهُم يُرفعون إِلىَ أعلى عِلِّيين. {لاَ يَسمعونَ حَسيسَها} يعني: صوتها، وحركة تلهُّبها؛ والحسيس: الصوت الخفيُّ، {وَهُم فيِ مَا اشتَهَت أنفسُهم خالدُونَ (102)} دائمون فيِ غاية التنعُّم.
{__________
(1) - ... سورة التوبة: 34 - 35. وتمامها: {والذين يكنزون الذهبَ والفضَّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشِّرهم بعذاب أليمٍ، يومَ يُحمَى عليها في نار جَهَنَّمَ فتُكوَى بها جِباهُهُم وجُنوبهم وظُهورُهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنِزون}. (3/82)
صفحة 898
لاَ يَحزُنُهُم الفزعُ الأكبرُ} لأَنَّهُ أكبر مِن كُلِّ فزع؛ وإذا لَم يُحزنهم ذاك، فقد سَلِموا [عند] النفخةِ الأَخِيرة، ــ لقوله: {ويوم يُنفخ فيِ الصور فَفَزِع [371] مَن فيِ السَّمَاوَات ومَن فيِ الأَرْض} (1) ــ أو الانصرافِ إِلىَ النار؛ أو حين يُطبَقُ عَلَى النار؛ أو يُذبَحُ الموت. {وتَتَلَقَّاهم المَلاَئِكَة} تستقبلهم بالتهنِئَة والبشرى بالسلامة: {هَذَا يومُكُم} هَذَا يوم ثوابكم {الذِي كُنتُم تُوعدُونَ (103)} فيِ الدُّنْيَا.
{يوم نَطوِي السَّمَاءَ} الطيُّ: ضدُّ النَّشْر؛ أو المحوُ، مِن قولك: اطوِ عنِّي هَذَا الحديث؛ وذلك أنَّها نُشِرت مِظلَّةً لبني آدم، فإذا انقفلوا انقضَت عَنْهُم، {كطيِّ السِّجِلِّ للكُتُب} طيًّا كطيِّ الطومار (2) لأجل الكتابة؛ أو لِمَا يُكتب، أو كُتب فِيهِ؛ وتدلُّ عليه قراءة حفص عَلَى الجمع؛ أي: للمعاني الكثيرة المكتوبة؛ وقيل: السِّجِلُّ: مَلَك يَطوي كُتُب الأعمال إِذَا رُفعت إِلَيْهِ؛ أو كاتب (3) كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - {كَمَا بَدأنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيده وَعداً علينا} أي: نُعيد مَا خلقناه للإعادة، {إِنَّا كُنَّا فاعلِينَ (104)} ذَلِكَ لاَ مَحالة.
{__________
(1) - ... سورة النمل: 87. ومحلُّ الشاهد في الآية عند إتمامها: {إلاَّ من شاء الله ... }.
(2) - ... في المنجد: «الطامور والطومار، جمع طوامير: الصحيفة، يقال: كتب في الطومار أو الطوامير». ص 471، مادَّة: طمر.
(3) - ... في الأصل: «كانت»، ولا مَعنَى له. (3/83)
صفحة 899
وَلَقَد كَتَبنَا فيِ الزبورِ} فيِ كِتَابِ داوود {مِن بعد الذكر} أي: التَّوْرَاة؛ وقيل المراد بالزبور: جِنس الكتب المنزَّلة؛ وبالذكر: اللَّوح المحفوظ؛ {أنَّ الأَرْضَ} أرضَ الجنَّة؛ أو أرضَ الدُّنْيَا {يَرِثُها عِبَاديَ الصالحُونَ (105)} للجزاءِ، إن كَانَت أرض الجنَّة؛ أو للخلافة، إن كان يعني به أرض الدُّنْيَا، كما قَالَ: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} (1) {إنَّ فيِ هَذَا} (2) أي: فيما ذكِر مِنَ الأخبار والمواعظ والمواعيد، {لَبَلاَغا} لَكِفاية؛ أو لَسبب بلوغٍ إِلىَ البُغيَة، {لِقومٍ عابدِينَ (106)} هِمَّتهم العبادة دون العادة، لأَنَّ فِيهِ ذِكر العابدين؛ وقيل: القرآن زادُ الجنَّة، كَبَلاغِ المسافر.
{وَمَا أرسلناك إِلاَّ رحمةً للعالَمِينَ (107)} لان (3) مَا بعثناك إِلاَّ سببا لإسعادهم، ومُوجبا لصلاح مَعاشهم ومعادهم. {قل: إِنَّمَا يُوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إلهٌ واحدٌ} أي: مَا يُوحي إليَّ إِلاَّ أنَّه لاَ إله لكم إِلاَّ إله واحد؛ وذلك لأَنَّ المقصود الأصليَّ من بِعثته مقصور عَلَى التوحيد، وذلك يقتضي الائتلاف فيِ الدين، إذ كَانَ المعبود واحدا دون الافتراق، {فهل أَنتُم مُسْلِمُونَ (108)}؟ مُخلصون العبادة لله عَلَى مُقتضى الوحي المصدَّق بالحجَّة.
{__________
(1) - ... سورة فاطر: 38. في الأصل: «وجعلناكم فيها خلائف»، ولا وجود لآية هكذا!.
(2) - ... في الأصل: «إنَّ هَذَا»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أي». (3/84)
صفحة 900
فإن تَوَلَّوا} عَن التوحيد، {فقل: آذَنتُكم} أَعلَمتُكُم مَا أُمرت بِهِ {عَلَى سَواء} مُستَوِين فيِ الإعلام بِهِ، ومُستَوين أنا وأنتم فيِ العلم بِمَا أعلمتكم بِهِ؛ أو فيِ المعاداة؛ أو إيذانا عَلَى سواء؛ وقيل: أَعلَمتكم أَنِّي عَلَى سواء، أي: عدلٍ واستقامة رأي بالبرهان النيِّر المبين، {وإن أدري} وما أدري {أَقَرِيب أم بَعيد مَا تُوعدُونَ (109)} بِهِ فيِ الدُّنْيَا أو الآخِرَة، فإنَّه كائن لاَ مَحالة. {إِنَّهُ يعلم الجهرَ مِنَ القول} ما يُجاهرون بِهِ مِنَ الطعن فيِ الإسلام، {ويعلم مَا تَكتمُونَ (110)} مِنَ الإحَنِ والأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه.
{وإن أدري لَعَلَّهُ فتنةٌ لكم} وَمَا أدري لَعَلَّ خير جزائكم استدراج لكم، وزيادة فيِ افتتانكم؛ أو امتحان لننظر مَا تَعملونَ، {ومتاع إِلىَ حِينَ (111)} وتَمتيع إِلىَ أجل مُقدَّر تَقتضيه مشيئته.
{قَالَ: رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ} طَلَبا للنُّصرة؛ {ورَبُّنَا الرحمن} كثير الرحمة عَلَى خَلْقِه، {المستعان} المطلوب مِنْهُ المعونة {عَلَى مَا تَصفُونَ (112)} مِنَ الحال.
سورة الحج
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (3/85)
صفحة 901
يَا أَيُّهَا الناس اتَّقُوا رَبَّكُم إنَّ زلزلة الساعة} [372] تَحريكها للأشياء؛ أو تحريك الأشياء فِيهَا؛ وقيل: هِيَ زَلزلة تكون قبل طلوع الشمس مِن مغربها؛ وأضافها إِلىَ الساعة، لأَنَّهَا مِن أشراطها، {شيءٌ عظيم (1)} هائل. علَّل أمرهم بالتقوى بِفَظاعة الساعة، ليتصوَّرُوها (لَعَلَّهُ) بعقولهم، ويعلموا أنَّه لا يُؤمِّنهم منها سِوى التدرُّع بلباس التقوى، فيتَّقوا عَلَى أنفسهم، ويتَّقوها بِملازمة التقوى؛ والزلزلة (1): شدَّة الحركَة عَلَى الحال الهائلة؛ واختلفوا فِيهَا، فقيل: إنَّها من أشراط الساعة قبل قيامها (2).
{يوم تَرَونها} يعنى: الزلزلة، (لَعَلَّهُ) الززلة [كَذَا]، {تَذهَلُ كُلُّ مُرضِعة عَمَّا أَرضَعت} تصويرٌ لِهولها؛ والذهول: الذهاب عَن الأمر بِدهشة؛ والمقصود الدلالة عَلَى أنَّ هَولَها بحيث إِذَا دَهشت التِي أَلقَمَت الرضيعَ ثَديها نَزَعته عَن فِيهِ، وذهلت عَنْهُ. {وتضع كُلُّ ذات حَمل حملها} تسقط ولدها من هول ذَلِكَ اليوم. قَالَ الحسن: «تذهل المرضعة عَن ولدها من غير فطام». {وترى الناس} كأنَّهم {سكارى وَمَا هم بسكارى} عَلَى الحقيقة، {ولكنَّ عذاب الله شديد (2)} فأرهقهم هوله بحيث طيَّر عقولهم وأذهب تمييزهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والزوالة»، وهو خطأ.
(2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئا. والعبارة تبدو ناقصة، إذ بقي للمصنِّف أن يسرد قولا أو أقوالا أخرى. وانظر الاختلاف حول مَعنَى الساعة: الألوسي: روح المعاني، 17/ 110 - 111. (3/86)
صفحة 902
ومن الناس من يجادلُ فيِ الله} فيِ توحيده وعبادته، {بغير علم ويَتَّبعُ} فيِ المجادلة؛ أو فيِ علامة أحواله، {كلَّ شيطان مَريد(3)} متجرِّد للفساد، عار مِنَ الخير، لأَنَّ أصل المَرد العري. {كُتب عليه} عَلَى الشيطان؛ أي: صحَّت عليه الأحوال {أنَّه من تولاَّه} تبعه، {فأَنَّه يُضلُّه} المعنى: كُتب عليه إضلال من تولاَّه، لأَنَّهُ جُبِل عليه. {ويهديه إِلىَ عذاب السعير(4)} بِمَا يزيِّن لَهُ مِنَ الباطل.
ثُمَّ ألزم الحجَّة عَلَى منكري البعث، فقال: {يَا أَيُّهَا الناس إن كُنتُم فيِ ريبٍ مِنَ البعث} من إمكانه، وكونه مقدَّرا، {فإنَّا خلقناكم} أي: فانظروا فيِ بدء خَلقِكم، فإنَّه يزيح ريبكم إذ خلق {مِن تراب، ثُمَّ من نطفة ثُمَّ مِن علقة} قطعة مِنَ الدم جامدة، {ثمَّ من مُضغة} قطعة من لحم، وهي فيِ الأصل قَدر مَا يُمضغ. {مُخلَّقة وغير مُخلَّقة} مُسوَّاة لاَ نقص فِيهَا وَلاَ عيب، وغير مسوَّاة؛ أو مصوَّرة وغير مصوَّرة. {لنبيِّنَ لكم} بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا، وأنَّ من قدر عَلَى تصويره، وتغييره، أَوَّلاً قَدر عَلَى ذَلِكَ ثانيا، إيماء عَلَى أنَّ أفعاله هَذِهِ يتبيَّن بِهَا مِن قدرته وحكمته مَا لاَ يحيط بِهِ الذكر.
{ (3/87)
صفحة 903
ونُقرُّ فيِ الأرحام مَا نشاء إِلىَ أجل مُسَمًّى، ثُمَّ نُخرجكم طفلا} عطف عَلَى «نبيِّن»، كأنَّهم خلقهم تدرُّجا (1) لغرضين: تبيين القدرة، وتقريرهم فيِ الأرحام، حتَّى يولدوا وينشؤوا ويبلغوا حدَّ التكليف؛ {ثُمَّ لِتبلغوا أشُدَّكم} كمالكم فيِ القوَّة والعقل، جمع شدَّة؛ {ومنكم من يُتوفَّى} عند بلوغ الأشُدِّ، أو قبله. {ومنكم من يُردُّ إِلىَ أرذل العمر} الهرم والخرف، حَتَّى لاَ يعقل؛ {لكيلا يعلم مِن بعد عِلمٍ شَيْئًا} ليعود كهيئته الأولى؛ أوان الطفوليَّة، من سخافة العقل، وقلَّة الفهم؛ فينسى مَا علمه، وينكر من عرفه؛ والاستدلال بِأَنَّ ــ عَلَى إمكَانَ [373] البعث بِمَا يعتري الإنسان فيِ أسنانه مِنَ الأمور المختلفة، والأحوال المتضادَّة ــ مَن قَدَر عَلَى ذَلِكَ قدر عَلَى نظائره، فقال: {وترى الأَرْض هامدة} مَيِّتة يابسة؛ مِن “هَمَدَت النارُ”: إِذَا صارت رمادا؛ {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزَّت} تحرَّكت بالنبات، {وَرَبَت} وانتفخت؛ وقيل: ارتفعت. {وأنبتت مِن كُلِّ زوج} من كلِّ صِنفٍ {بهيج (5)} حَسَن رائق؛ وهذه دلالة ثالثة كرَّرها الله فيِ كتابه لظهورها، وكونها مشاهدة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «مدرجا»، وهو خطأ. (3/88)
صفحة 904
ذَلِكَ} إشارة إِلىَ مَا ذكر من خلق الإنسان فيِ أطوار مختلفة، وتحويله عَلَى أحوال متضادَّة، وإحياء الأَرْض بعد موتها {بأنَّ الله هُوَ الحَقُّ}؛ أي: بسبب أنَّه الثابت فيِ نفسه، الذِي بِهِ تتحقَّق الأشياء، {وأنَّه يُحيي الموتَى} وَأَنَّهُ يَقْدِر عَلَى إحيائها، لمَّا أحيا النطفة، والأَرْض المَيِّتة، {وأنَّه عَلَى كُلِّ شيء قدير (6)} لأَنَّ قدرته لذاته الذِي نِسبته إِلىَ الكلِّ عَلَى سواء. فَلَمَّا دلَّت المشاهَدة عَلَى قدرته عَلَى إحياء بعض الأموات، لزم اقتداره عَلَى إحياء كلِّها، وعَلَى كلِّ شيء. {وأنَّ الساعة آتية لاَ ريب فِيهَا} فإنَّ التغيير مِنَ مقدِّمات الانصِرَام وطلائعه؛ {وأنَّ الله يبعث مَن فيِ القبور (7)} بمقتضى وَعدِه الذِي لاَ يقبل الخلف.
{ومن الناس مَن يُجادل فيِ الله بغير علم} تكرير للتأكيد، وَلِمَا ينطُّ (1) بِهِ مِنَ الدلالة بقوله: {وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنير (8)} عَلَى أنَّه لاَ سند لَهُ مِنَ استدلال، أو وحي؛ أو الأوَّل فيِ المقلِّدين، وَهَذَا مِنَ المقلّدين. والمُرَاد بالعلم: العلم الفطريُّ لاَ الفكريُّ، ليصحَّ عطف «الهدى» وَ «الكتاب» عليه. {ثَانيَ عِطفه} متكبِّر؛ أو ثَنْي العطف كناية عَن التكبُّر كَلَيِّ الجيد؛ أو مُعرِضا عَن الحقِّ، استخفافا بِهِ؛ والعِطف: الجانب. {ليُضلَّ عَن سبيل الله} علَّة للجدال؛ وقرئ بفتح الياء، عَلَى أن إعراضه عن الهدى المتمكِّن مِنْهُ بالإقبال عَلَى الجدالِ الباطل، خروج مِنَ الهدى إِلىَ الضلال. {لَهُ فيِ الدُّنْيَا خِزيٌ} كلُّ مَن كَانَ وصفه عَلَى هَذَا فله فيِ الدُّنْيَا خِزي يُعَذَّب بِهِ. {ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9)} المُحرق، وَهُوَ النار.
{__________
(1) - ... «النطُّ الشدُّ». لَعَلَّهُ يقصد: وما يَتَّصِل به من الدلالة ... إلخ. ابن منظور: لسان العرب، 6/ 661. مادَّة: «نطط». (3/89)
صفحة 905
ذَلِكَ بِمَا قدَّمَت يداك} عَلَى الالتفات، أو إرادة القول؛ أي: يقال لَهُ يوم القيامة: ذَلِكَ الخزي والتعذيب بسبب كفرك؛ {وأنَّ الله ليس بظلاَّم للعبيد(10)} وإنَّما هُوَ مُجاز لَهُم عَلَى أعمالهم.
وعن أبي سعيد فيما أرجو: «وعن قول الله تبارك وتعالى: {ومِن الناس مَن يعبدُ الله عَلَى حَرفٍ، فإن أصابَه خير اطمأنَّ بِهِ} (أي: طَرَف وجانب وَاحِد مِنَ الدين، لاَ يدخل فِيهِ عَلَى الثبات والتمكين. والحرف: ـ قيل ـ منتهى الجسم. وقال مُجاهد: “عَلَى شكٍّ”. وقيل: الحرفُ مِن كلِّ شيء: طَرفه، وشفيره، وحدُّه، ومِنَ الجبل: أعلاه المحدَّد) (1) . {وإن أصابته فتنة} أي: طَرَف وجانب وَاحِد مِنَ الدين، لاَ يدخل فِيهِ عَلَى الثبات والتمكين. والحرف: ـ قيل ـ منتهى الجسم. وقال مُجاهد: “عَلَى شكٍّ”. وقيل: الحرفُ مِن كلِّ شيء: طَرفه، وشفيره، وحدُّه، ومِنَ الجبل: أعلاه المحدَّد. {انقلب عَلَى وجهه، خَسِر الدُّنْيَا والآخِرَة، ذَلِكَ هُوَ الخسرانُ الْمُبِين(11)} مَا معنى ذَلِكَ؟ قَالَ: يوجد فيِ التفسير أنَّ أُولَئِكَ قوم دخلوا في الإسلام لطلب الغنائم، فإذا كَانَت الدائرة عَلَى أعداء الله اطمأنُّوا وفرحوا؛ وإذا كَانَت الدائرة عَلَى المُسْلِمِينَ سخطوا، وَقَالُوا: يا ليتنا لم نكن عندهم، أو نحو هَذَا مِنَ القول، وَهُوَ حسن [374] مِنَ التفسير». انتهى كلام الشيخ.
__________
(1) - ... ما بين قوسين كتبه الناسخ في الحاشية بعد الإحالة إليها في المتن عند تفسير قوله تعالى: {ومِن الناس مَن يعبد الله عَلَى حَرفٍ، فإن أصابه خير اطمأنَّ بِهِ} وهي المكان المناسب للعبارة. لكن أعاد كتابتها في المتن عند تفسير قوله تعالى: {وإن أصابته فتنة}. (3/90)
صفحة 906
وخسرانه للدنيا: لأَنَّهُ نسي نصيبه مِمَّا يتزوَّد منها للآخرة، وخسرانه للآخرة: لأَنَّهُ خسر نعيم الجنَّة الذِي أُعِدَّ للمطيعين، وَلاَ أعظم من هَذَا خسرانًا، لأَنَّهُ لم يثمر لَهُ إِلاَّ [الـ]ـعذاب الأدنى، والعذاب الأكبر. {يدعو من دون الله مَا لاَ يضرُّه} أي: يعبد مَا لاَ يضرُّه إن ترك عبادته، {وَمَا لاَ ينفعه} إن عبده، بَل يتضرَّر بتعبه وعبادته لَهُ، ويتعذَّب، {ذَلِكَ هُوَ الضلال البعيد (12)} عَن المقصد؛ مستعار مِن ضلال مَن أَبعدَ فيِ التَّيهِ ضلالاً (1).
{يدعو} أي: يعبُد {لَمَن ضَرُّه} بكونه معبودًا (2)، لأَنَّهُ يوجب الخزي فيِ الدُّنْيَا، والعذاب فيِ الآخِرَة، {أقربُ مِن نفعه} الذِي يتوقَّعه بعبادته. {لبِئْسَ المولىَ} المعبود، {ولبِئْسَ العشير (13)} العابد. وَهَذَا يتناول كلَّ مَا يشغل عَن فرائض الله مِنَ المعاصي.
ثُمَّ عقَّب ذكر صدِّهم؛ فقال: {إنَّ الله يُدخل الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات جَنَّاتٍ تَجري مِن تَحتها الأنهار إِنَّ اللهَ يفعل مَا يريد (14)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ضالاًّ». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 116. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص98.
(2) - ... في الأصل: «معبود»، وهو خطأ. (3/91)
صفحة 907
من كَانَ يَظنُّ أن لن يَّنصرَه الله فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة} كلام فِيهِ اختصار؛ والمعنى: أنَّ الله ناصر رسوله فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، فمن كَانَ يظنُّ خلاف ذَلِكَ، ويتوقَّعه مِن غيظه، {فليمدد بسبب إِلىَ السَّمَاء ثُمَّ ليقطع} فليستقصِ فيِ إزالة غيظه أو جزعه بِأَنْ يفعَل كلَّ مَا يفعَله المُمتَلئ غيظا، أو المبالغ جزعا. قيل: أَرَادَ بالسَّمَاء: سقف البيت، أي: ليشدد حبلا فيِ سقف بيته، فليختنق بِهِ حتَّى يموت، ثُمَّ ليقطع الحبل بعد الاختناق. وقيل: المراد بالسَّمَاء: السَّمَاء المعروفة؛ ومعناه: فليقطعه من أصله، فإنَّ أصله مِنَ السَّمَاء، {فليمدد بسبب إِلىَ السَّمَاء ثُمَّ ليقطع} عَن النَّبِيِّ الوحي، فلينظر هل يقدِر عَلَى ذهاب غيظه بهذا الفعل. {فلينظر} فليصوِّر فيِ نفسه {هل يُذهِبنَّ كيدُه} فعله ذَلِكَ؛ وسمَّاه عَلَى الأوَّل كيدا، لأَنَّهُ منتهى مَا يقدر عليه. {مَا يغيظ(15)} غيظَه، أو الذِي يغيظه من نصر الله.
{وكذلك} ومثل ذَلِكَ الإنزال {أنزلناه} أنزلنا القرآن كلَّه، {آيات بَيِّنَات} للمتدبِّرين لاَ غير، {وأنَّ الله يَهدي مَن يريد(16)} هدايته.
{إنَّ الذِينَ آمنوا وَالذِينَ هادوا والصابئين والنصارى والمجوس} قيل: إنَّ المجوس هُمُ البانيان[كَذَا]. {وَالذِينَ أشركوا، إِنَّ اللهَ يفصل بَيْنَهُم يوم القيامة} بالحكومة بَيْنَهُم، وإظهار المحقِّ مِنْهُم عَلَى المبطل؛ أو الجزاء فيجازي كلاًّ مَا يليق بِهِ، ويدخله المحلَّ المعدَّ لَهُ، {إنَّ الله عَلَى كُلِّ شيء شهيد(17)} عالم بِهِ مراقب لأحواله.
{ (3/92)
صفحة 908
ألم تر} بعقلك وقلبك {أنَّ الله يسجد لَهُ من فيِ السَّمَاوَات ومن فيِ الأَرْض} يتسخَّر بقدرته، وَلاَ يتأبَّي عَن تدبيره؛ أو يدلُّ بذلِّه عَلَى عظمة مدبِّره. و «مَن» يجوز أن يتمَّ (1) أولي العقل وغيرهم عَلَى التغليب، فيكون قوله: {والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوابُّ} إفرادا لها بالذكر لشهرتها، واستبعاد ذَلِكَ منها، {وكثيرٌ مِنَ الناس، وكثير حقَّ عليه العذاب} بكفره وإيبائه عَن الطاعة، {ومَن يُهِن الله} بالشقاوة، {فما لَهُ مِن مُكرِم} يكرمه، [375] {إنَّ الله يفعل مَا يَشَاء (18)} مِنَ الإكرام والإهانة، يهين من يَشَاء بالكفر (2)، ويكرم من يَشَاء بالإيمان (3)؛ وَلاَ يَشَاء من ذَلِكَ إِلاَّ مَا يقتضيه عمل العاملين، واعتقاد المعتقدين.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أن تعمَّ». وَفيِ الألوسي: «و“من” إِمَّا خاصَّة بالعقلاء، وَإِمَّا عامَّة لهم ولغيرهم بطريق التغليب، وَهُوَ الأولى، لأَنَّهُ الأنسب بالمقام». الألوسي: روح المعاني، 17/ 131.
(2) - ... في الأصل: «بالفكر»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: + «والإهانة»، ولا محلَّ لها من النصِّ. انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 117. (3/93)
صفحة 909
هذان خَصْمَان} يحتمل أنَّه يصف الناس الذِينَ سجدوا مَعَ الساجدين مِن خلق الله؛ والخصم الثاني: الذِينَ أَبَوا عَن السجود، الذِينَ حقَّ عَلَيْهِمُ العذاب. {اختصموا فيِ ربِّهم؛ فالذين كَفَرُوا} فصلٌ لخصومتهم، وَهُوَ المعنيُّ بقوله: {إنَّ الله يفصلُ بَيْنَهُم يوم القيامة} (1). {قُطِّعَت لَهُم} قُدِّرت عَلَى مقادير جثثهم {ثِيابٌ مِن نار} نيران تحيط بهم إحاطة الثياب. {يُصبُّ مِن فوق رءوسهم الحميم (19)} ماءٌ حارٌّ، ـ لو سقطت مِنْهُ قطرة عَلَى جبال الدُّنْيَا لأذابتها. {يُصهر بِهِ مَا فيِ بطونهم} مِنَ الأمعاء، {والجلودُ (20)} أي: يؤثِّر من فرط حرارته فيِ باطنهم تأثيره فيِ ظاهرهم؛ فتذاب بِهِ أحشاؤهم كما تُذاب بِهِ جلودهم. {ولهم مقامعُ مِن حديد (21)} سياط يُجلدون بها. وقيل: المِقْمَعة: شبه الجرز مِنَ الحديد (2)، من قولهم: قَمَعتُ رأسه، إِذَا ضربته ضربا عنيفا. {كلَّما أرادوا أن يَخرجوا منها مِن غمٍّ} أي: كلَّما حاولوا الخروج مِنَ النار بِمَا يلحقهم مِنَ الغمِّ والكرب الذِي أَخَذ بأنفاسهم، {أُعيدوا فِيهَا} ردُّوا إِلَيْهِا بالمقامع؛ وقيل لَهُم: {وذوقوا عَذاب الحريق (22)} النارَ البالغة فيِ الإحراق.
{__________
(1) - ... سورة الحجِّ: 17.
(2) - ... «والمِقمع والمِقمعة كلاهما: ما قُمع به. والمقامع: الجِرَزة وأعمدة الحديد منه، يضرب بها الرأس». ابن منظور: لسان العرب، 5/ 164. (3/94)
صفحة 910
إنَّ الله يُدخل الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات جَنَّات تَجري مِن تَحتها الأنهار، يُحلَّون فِيهَا مِن أساور مِن ذهبٍ ولؤلؤًا، ولباسهم فِيهَا حرير (23)} أي: أنَّهم يَلبسون فيِ الجنَّة ثياب الإِبرِيسَم (1)، وَهُوَ الذِي حُرِّم لبسه فيِ الدُّنْيَا عَلَى الرجال؛ وأنَّهُم يطيبون بالحليِّ وإن كَانُوا طيِّبين من غير تطيُّب. {وَهُدوا إِلىَ الطيِّب مِنَ القول} كلمة التوحيد، {وهُدُوا إِلىَ صِرَاط الحميد (24)} المحمود نفسه؛ أو عاقبته، وَهُوَ الجنَّة؛ أو الحقُّ؛ أو المستحقُّ لذاته. والحميد: وَهُوَ الله تعالى. وصراطه: الإسلامُ.
{إنَّ الذِينَ كَفَرُوا ويصدُّون عَن سبيل الله} عَن دِينه؛ أو شيء مِنْهُ؛ وَهُم الشيطان وحزبه، مِن جنٍّ وإنس؛ {والمسجد الحرام} عطف عَلَى «اللهِ»، لأَنَّ الصادَّ عَنْهُ كالصادِّ عَن سبيل الله؛ والصادُّ عَن عمارة بقيَّة المساجد كالصادِّ عَن المسجد الحرام، {الذِي جعلناه للناس سواءً العاكفُ} أي: المقيم {فِيهِ، والبادِ} والطارئ، {ومَن يُرِد فِيهِ} مِمَّا تُرك مفعوله ليتناول كلَّ متناول؛ وقرئ بالفتح، مِنَ الورود؛ {بإلحادٍ} عُدُول عَن القصد، {بظلم} بغير حقٍّ؛ أي: مُلحِدا بسبب الظلم كالإشراك، واقتراف الآثام؛ وكذلك مَن عَدَل عَن مساجد الله، عمَّا أمر الله مِن ذكره فِيهَا، فَقَد صَدَّ عَن سبيل الله؛ فقد أحاط بِهِ الوعيد، لقوله: {نُذِقْه مِن عذاب أليم (25)}.
{__________
(1) - ... الإبريسم هو الحرير، وفيه ثلاث لغات: بكسر السين وفتحها وضمِّها. انظر مادَّة «برسم». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 194. الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 974، مادَّة «برسم». (3/95)
صفحة 911
وإذ بوَّأنا لإبراهيم مَكَانَ البيت} أي: واذكر إذ عيَّنَّاه، وجعلنا [هُ] لَهُ مَبَاءةً؛ وقيل: وادٍ أنزلناه فِيهِ، {أن لاَ تُشركْ بي شَيْئًا} أي: أن لاَ تَعصني بشيء، وخاصَّة فيِ مكَانَ البيت، فإنَّ المعصية وإن كَانَت عظيمة فيِ كلِّ مكَانٍ، فإنَّ المعصية فِيهِ أعظم، {وطهِّرْ بيتيَ للطائفين والقائمِين (1) والركَّع السجود (26)} أي: مِن كلِّ مَا يُؤذي البيت، مِنَ القاذورات التِي يستقذرها الشرع والعقل، وتَمنع الطائفين بِهِ [376] والقائمين فِيهِ للذكر، والعابدين الله بالركوع والسجود، كما قَالَ: {فيِ بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكرَ فِيهَا اسمه، يُسبِّح لَهُ فِيهَا بالغدوِّ والآصال} (2). قَالَ أبو سعيد فيِ قوله: {وطهِّرْ بيتي للطائفين}: «إِنَّمَا أمَره أن يطهِّره مِنَ الأصنام والمشركين، {للطائفين والقائمين والركَّع السجود}».
{وأذِّن فيِ الناس} نادِ فِيهِم {بالحجِّ} بدعوة الحجِّ، والأمرِ بِهِ، {يأتوك رجالا} مُشاةً، {وعلى كُلِّ ضامرٍ} ورُكبانا عَلَى كلِّ بعير مهزول أتعبه بُعد السفر، {يأتين} صفة لضامر، {مِن كُلِّ فجٍّ} طريق {عميق (27)} بعيد. {ليشهدوا} ليحضروا {مَنافع لَهُم} دينيَّة ودنيويَّة؛ وتنكيرها (3) لأَنَّ المُرَاد بها: نوع مِنَ المنافعِ مَخصوص بهذه العبادة، {ويَذكروا اسم الله فيِ أَيَّام معلومات عَلَى مَا رزقهم مِن بهيمة الأنعام، فكلوا منها وأطعموا البائسَ} الذِي أصابه بؤس أو شدَّة، {الفقير (28)} المحتاج.
{__________
(1) - ... في الأصل: «والعاكفين» وهو خطأ.
(2) - ... سورة النور: 36.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ونكَّرها». (3/96)
صفحة 912
ثمَّ لِيَقضوا تَفَثَهم} ثُمَّ لِيُزيلوا وَسَخَهم، بقصِّ الشارب والأظفار، ونتف الإبط، وحَلقِ العانة، {ولْيُوفُوا نُذورهم} مَا يَنذرون مِنَ البرِّ فيِ حجِّهم، وقيل: مواجب الحجِّ، {وليطَّوَّفوا بالبيتِ العتيق (29)} القديم، لأَنَّهُ أوَّلُ بيت وُضع للناس؛ أو المعتقِ مِن تَسلُّط الجبابرة؛ فكم من جبَّار سَار إليه ليهدمه، فمنعه الله؛ وَأَمَّا الحَجَّاج، فإنَّما قَصَد إخراج ابن الزبير مِنْهُ دون التسلُّط عليه عَلَى مَا قيل.
{ذَلِكَ ومَن يُعظِّم حُرمات الله} أحكامه، وسائر مَا لاَ يَحلُّ هتكه؛ وتعظيمها: ترك ملابستها؛ وقيل: الحُرمة: مَا وجب القيام بِهِ، وحَرُم التفريط فِيهِ؛ {فهو خيرٌ لَهُ} فالتعظيم خير لَهُ {عند رَبِّه} ثوابا، {وأُحلَّت لكم (1) الأنعام} قيل: أُريد ببهيمة الأنعام: جنين الأنعام، {إلاَّ مَا يُتلَى عَلَيْكُم، فاجتنبوا الرجسَ مِنَ الأوثان} فاجتنبوا الرجس الذِي هُوَ الأوثان، كما تُجتنب الأ نجاس؛ وَهُوَ غاية المبالغة فيِ النهي عَن تعظيمها، والتنفير عَن عبادتها، وذلك يتناول جميع معاصي الله من أعمال القلوب والجوارح، لأَنَّهَا تُعبد من دون الله، {واجتنبوا قولَ الزور (30)} تعميم بعد تَخصيص؛ فإنَّ عبادة الأوثان رأس الزور؛ والزور: هِيَ الانحراف، كما أنَّ الإفك: هُوَ الصرف؛ وكلُّ ذَلِكَ عبادة غير الله؛ والمشرك زاعم أنَّ الوثنَ يَحقُّ لَهُ العبادة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وأُحلَّت لكم بهيمة الأنعام»، وهو خطأ. وفي سورة المائدة: {أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ إِلاَّ ما يُتلى عليكم} الآية: 1. (3/97)
صفحة 913
حُنَفاءَ لله} مُخلصين لَهُ {غيرَ مُشركين بِهِ} شَيْئًا من معاصيه، {ومَن يُشرك بالله} بشيء من الشرك، جليِّة وخفيِّه؛ {فَكَأَنَّما خرَّ مِنَ السَّمَاء} لأَنَّهُ سقط مِن أَوج الإيمان إِلىَ حَضيض الكفر، وخرج مِن جملته التِي دان بِها لخالقه إِلىَ حضرةِ (1) شياطين الجنِّ والإنس، {يُوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخرُف القولِ غرورا} (2)؛ ومعناه: أنَّ بُعدَ مَن أشركَ مِنَ الحقِّ، كبُعدِ مَن سقَطَ مِنَ السَّمَاء، فذهبت بِهِ الطير، أو هَوَت بِهِ الريح، {فتخطَّفُه الطيرُ} فإنَّ الأهواء المردية توزِّع أفكاره، {أو تَهوي بِهِ الريح في (3) مكَانٍ سحيق (31)} بعيد.
{ذَلِكَ ومن يُعظِّم شعائرَ الله} أعلامَ دين الله، {فإنَّها مِن تَقوى القلوب (32)} فإنَّ تعظيمها لله [377] مِن أفعال ذوي تَقوى القلوب؛ وذَكَر القلوب لأَنَّهَا مَنشَأ التقوى والفجور، والآمرة بهِما، {لكم فِيهَا منافع إِلىَ أجلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحلُّها إِلىَ البيت العتيق (33)} أي: لكم فِيهَا منافع: درُّها ونسلها وصوفها وظهورها إِلىَ أن تُنحر، وقتَ نَحرها منتهية إِلىَ البيت؛ أي: لكم فِيهَا منافع دنيويَّة إِلىَ وقتِ النحر، وبعده منافع دينيَّة أعظم منها.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «حضيرة». «والحضيرة: جماعة القوم، وَقِيلَ: الحضيرة من الرجال: السبعة أو الثمانية ... وَقِيلَ: الحضيرة: الأربعة والخمسة يَغزُون، وَقِيلَ: هم النفر يُغزَى بهم، وَقِيلَ: هم العشرة فمن دونهم». ابن منظور: لسان العرب، 1/ 559.
(2) - ... سورة الأنعام: 112.
(3) - ... في الأصل: «من»، وهو خطأ. (3/98)
صفحة 914
ولكلِّ أُمَّة} أهل شريعة، {جعلنا مَنسَكا} متعبَّدا، وقربَانًا يتقرَّبون بِهِ إِلىَ الله؛ وقرئ بالكسر؛ أي: موضع نسك، {ليذكروا اسم الله} دون غيره، ويَجعلوا نُسكَهم لوجهه؛ علَّل (1) الجعل به تنبيها عَلَى أنَّ المقصود مِنَ المناسك تَذكُّر المعبود. {عَلَى مَا رزقهم مِن بهيمة الأنعام} سمَّاها بهيمة الأنعام، لأَنَّهَا لا تتكلَّم، {فإلهكم إلهٌ وَاحِد، فله أسلِموا} أخلصوا للقرب، أو الذكر وَلاَ تشوبوه بالإشراك، {وبشِّر المخبتِين (34)} المتواضعين، أو المخلصين؛ فإنَّ الإخبات صفتهم، وَهُوَ الخشوع.
{الذِينَ إِذَا ذُكِر الله وَجِلَت قلوبهم} هيبةً مِنْهُ، لإشراق أشعَّة جلاله، وهيبته عليها، {والصابرين عَلَى مَا أصابهم} مِنَ المصايب والتكاليف، {والمقيمِي الصلاة} بشروطها فيِ أوقاتها، {ومِمَّا رزقناهم} مِن قوَّة أبدانهم، وثَقَابة آرائهم، وغزارة عقولهم، وأنوار علومهم، وفضل أموالهم {ينفقُونَ (35)} (2) فيِ وظائف الدين.
{__________
(1) - ... في الأصل: «على»، ولا مَعنَى له. انظر العبارة في: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص106.
(2) - ... في الأصل: «ينقون» وهو خطأ. (3/99)
صفحة 915
والبُدْنَ} جمع بدنَةٍ، الإبل، لِعظم بَدَنِها، مأخوذة من بَدَنَ، و {جعلناها لكم من شعائر الله} من أعلام دينه التِي شرعها الله، {لكم فِيهَا خير} دينيٌّ ودنيويٌّ، إن رُعيَ بها أمر الله، وَإِلاَّ فعلى العكس؛ وكذلك الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، {فاذكروا اسم الله عليها صَوافَّ} قائمات قد صُفِّفن أيديهنَّ وأرجلهنَّ؛ {فإذا وَجَبَت جُنوبها} سقطت عَلَى الأَرْض؛ وَهُوَ كناية عَن الموت، {فكلوا منها وأطعموا القانع} الراضي بِمَا عنده، وبما يُعطَى من غير مسألة، {والمعترَّ} المعترض بالسؤال وغيره، {كذلك سخَّرناها لكم} مَعَ عظمها وقوَّتها، حتَّى تأخذوها منقادة، فتعقلوها (1) وتَحبِسوها صافَّة قوائمها، ثُمَّ تطعنون فيِ لبَّاتها. {لَعَلَّكُم تَشكرُونَ (36)} إنعامَنا عَلَيْكُم بالقرب والإخلاص؛ ومَن لم يَشكر فقد كَفَر.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فتعلقوها»، وَهُوَ خطأ. وانظر أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص107. (3/100)
صفحة 916
لن يَنَالَ الله} لن يُصيب رِضاه، ولم يقع مِنْهُ موقع القبول، {لحومها} المتصدَّق بها، {وَلاَ دماؤها} المهراقة بالنحر، من حيث أنَّها لحوم دماء، (لَعَلَّهُ) وكذلك غنيٌّ عن بقيَّة الأغراض والأعمال، لأَنَّهُ غنيٌّ بذاته، {ولكن ينَاله التقوى مِنكم} ولكن يناله مَا يَصحبه مِن تقوى قلوبكم، الذِي يدعوكم إِلىَ تعظيم أمر الله، والتقرُّب إليه، والإخلاص لَهُ؛ وَهُوَ صفة للقلب. فمن هَذَا الوجه يَجب لاَ مَحالة أن تكون أعمال القلب ـ عَلَى الجملة ـ أفضل مِن حركات الجوارح، {كذلك سخَّرها لكم} كرَّره تذكيرا للنعمة، وتعليلا لَهُ بقوله: {لِتُكبِّروا الله} أي: لتعرفوا عَظَمته باقتداره عَلَى مَا لاَ يَقدِر عليه غيره؛ فَتُوَحِّدوه بالكبرياء {عَلَى مَا هداكم} أرشدكم إِلىَ طريق تسخيرها، وَكَيفِيَّة التقرُّب بها؛ أو لتكبِّروا الله، أي: لتعظِّموه عَلَى مَا هداكم لأمر دينه، {وبشِّر المحسنِين(37)} المخلصين فيما يأتونه [378] ويذرونه بالجنَّة.
{إنَّ اللهَ يُدافِع عَن الذِينَ آمنوا} يُدافع وساوس الشيطان بالإلهام، ويُدافع المضارَّ الدينيَّة والدُّنْيَاويَّة، بِمَا يضادُّها مِنَ الأدوية المريحة لِمَن استعملها؛ وهذه نعمةٌ عظيمة لِمَن شَكَرها؛ {إنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خوَّان} فيِ أمانة الله، {كَفُورٍ(38)} لنعمته.
{ (3/101)
صفحة 917
أُذِنَ} رُخِّص؛ وقُرئ عَلَى بناء الفاعل (1) وهو اللهُ (2) ؛ {للذين يُقَاتَلون} يُقاتِلون المشركين (3) {بأنَّهم ظُلموا} بسبب أنَّهم ظُلموا، {وإنَّ الله عَلَى نصرهم لَقديرٌ(39)} وعدٌ لهم بالنصر. {الذِينَ أُخرجوا مِن دِيارهم بغير حقٍّ} بغير مُوجب استحقُّوا بِهِ، {إلاَّ أن يقولوا: رَبُّنَا الله} ويستكن [كَذَا] فيِ قولهم عملهم وإخلاصهم لله؛ أي: مَا نَقَموا مِنْهُم إِلاَّ [لِـ]ـتوحيدهم وعبادتهم لله؛ {ولولاَ دَفْعُ الله الناسَ بعضَهم ببعض} بتسليط المؤمنين مِنْهُم عَلَى الكَافِرِينَ؛ {لَهُدِمَت} لَخُربت باستيلاء (4) المشركين عَلَى ملَّة الإسلام. {صوامع} الرهبانيَّة، {وبيع} النصارى، {وصلواتٌ} وكنائس اليهود، سُمِّيت بها، لأَنَّهُ يُصلَّى فِيهَا، {ومساجدُ} المُسْلِمِينَ {يُذكرُ فِيهَا اسم الله كثيرا} صفة للأربع؛ أو المساجد، خُصَّت بها تفضيلا. ويَدخل فيِ معنى هدمها: تعطيلها مِنَ العمارة بالصلاة والذكر؛ وَلِمَا أَذِنَ الله فِيهَا، واستعمالها باللهو (5) ، والخوض فيِ الباطل، لأَنَّهَا إِذَا عُطِّلت مِنَ الصلاة والذكر، واستُعملت بالخوض (6) ؛ فكأنَّها هُدِمت مِن حيث المعنى، بَل صارت هِيَ وبيت الماء بِمثابةٍ وَاحِدَةٍ، بَل هُوَ أنفع منها لقضاء الحاجةِ (7) ،
__________
(1) - ... في الأصل: «الفاعفل»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «للهِ»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب كما ذكر أبو السعود: «يقاتلهم المشركون»، ثُمَّ قال: «وقرئ عَلَى صيغة المبنيِّ للفاعل، أي يريدون أن يقاتلوا المشركين». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص108.
(4) - ... في الأصل: «باستلاء»، وهو خطأ.
(5) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «للَّهو».
(6) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «للخوض».
(7) - ... في العبارة مبالغة من المُؤَلِّف، إذ كيف يشبِّه المساجد ببيت الماء الذِي لا وجه لتشبيهه ومقارنته ببيت الله!..وينبغي أن نرفع من قدر المساجد، ونطهِّرها مِمَّا ذكره المصنِّف، ومن الذين يسعون في خرابها، وأن نجنِّبها السفهاء، ولكن لا أن نعتبرها أخسَّ من بيت الماء، مهما وقع فيها من تجاوزات: {في بيوت أذن الله أن تُرفع...}. سورة النور: 36. (3/102)
صفحة 918
ولأنَّه هُوَ لم يُستعمل لغير مَا جُعل لَهُ، وبقيت هِيَ مُتعبَّدًا للشيطان وحِزبه؛ والدليل عَلَى ذَلِكَ، قوله: {ومَن أظلمُ مِمَّن مَنَع مَساجد الله أن يُذكرَ فِيهَا اسمه، وسعى فيِ خرابها} (1) فكَانَ الهدم والخراب بمعنى واحد.
{ولَينصرنَّ الله من يَنصره} مَن يَنصُر دينه، {إنَّ الله لقويٌّ} علىنصرهم، {عزيز (40)} لاَ يُمانعه شيء. {الذِينَ إن مَّكَّنَّاهم فيِ الأَرْض أقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونَهوا عَن المنكر} بدلٌ مِن «مَن ينصره». {ولله عاقبة الأمور (41)} فإنَّ مَرجِعها (2) إِلىَ حكمه؛ وفيه تأكيد لِمَا وعده.
{وإن يُّكذِّبوك فَقَد كذَّبت قبلهم قومُ نوح وعادٌ وثمود (42) وقوم إبراهيم وقومُ لوط (43) وأصحابُ مدين} تسليةً لَهُ، بِأَنَّ قومه إن كذَّبوه، فهو ليس بأوحديٍّ فيِ التكذيب، فإنَّ هؤلاء قد كَذَّبوا رسلهم قبل قومه، {وكُذِّب مُوسى} غَيَّر فِيهِ النظمَ، وبَنَي الفعل للمفعول، لأَنَّ قَومه بنو إسرائيل، ولم يُكذِّبوه، وإنَّما كذَّبه القبط؛ {فأمليتُ للكَافِرِينَ} فأمهلتهم حتَّى انصرمَت آجالهم المقدَّرة؛ {ثمَّ أخذتُهم فكيف كَانَ نكيرِ (44)} إنكاري عَلَيْهِم بتغيير النعمة مِحنةً، والحياة هلاكا، والعمارة خرابًا. والأخذُ مِنَ الله لاَ يكون إِلاَّ عَلَى مَن غَضِب عليه؛ ويعمُّ كلَّ مَن مات عَلَى الكفر؛ وَأَمَّا المؤمنون ــ وإن قُتلوا أو ماتوا حَتْفَ أنوفهم، أو وقع عَلَيْهِم حرق أو غرق أو نحوه ــ فلا يُسمَّى أَخذًا، لأَنَّهُ قَالَ: {لَيرزقنَّهم الله رزقا حسنا} (3).
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 114.
(2) - ... في الأصل: «مرجها»، وهو خطأ.
(3) - ... سورة الحجّ: 58. (3/103)
صفحة 919
فكأيِّن مِن قرية [379] أهلكناها} بإهلاك أهلها، {وهي ظالمةٌ} أي: أهلها، {فهي خاويةٌ عَلَى عُروشها} ساقطة حيطانها عَلَى سُقوفها، بِأَن تعطَّل بنيانها، فَخربت سقوفها، ثُمَّ تهدَّمت حيطانها، فسقطت فوق السقوف؛ أو خالية مَعَ بقاء عُروشها وسَلامتها، {وبئرٍ معطلة} أي: وكم بئرٍ عامرة فيِ البوادي تُركت لاَ يُستقى منها لهلاك أهلها، {وقَصْرٍ مَشِيد (45)} مرفوع، أخليناه عَن ساكنيه.
{أفلم يسيروا فيِ الأَرْض} حثٌّ لَهُم عَلَى أن يُسافروا لِيَروا مَصَارع المهلَكين فيعتبروا، وَهُم وإن كَانُوا قد سافروا لم يُسافروا لذلك؛ ويَحتمل هاهنا السير بتفكُّر القلوب فيِ قصص الماضين، ليعتبروا بِمَا وقع مِنْهُم، وبهم وفيهم، ليحذروا مشاربهم، {فتكونَ لَهُم قلوب يعقلون بها} مَا يَجب أن يُعقل مِنَ التوحيد، بِمَا حَصل لَهُم مِنَ الاستبصار والاستدلال، {أو آذانٌ يَسمعون بها} مَا يجب أن يُسمع مِنَ الوحي، والتذكير بِحال مَن شاهدوا آثارهم؛ {فإنَّها لاَ تَعمَى الأبصار} أبصارُ العيون، فإنَّه لاَ يَضرُّ عَمَاها عند الاستبصار، {ولكن تَعمَى القلوبُ التِي فيِ الصدور (46)} عَن الاعتبار؛ أي: ليس الخلل فيِ مشاعرهم (1)، وإنَّما عَمِيَت بصائرهم باتِّباع الهوى، والانهماك فيِ التقليد؛ وفصَّل التنبيه عَلَى أنَّ العمى الحقيقيَّ، والسمع الحقيقيَّ، ليس المتعارف الذِي يَخصُّ البصر، والسمع الظاهر.
{ويستعجلونك بالعذاب} المتوعَّد بِهِ، {ولن يُخلِفَ الله وَعدَه} لامتناع الخلف عَنْهُ فيِ خبره، فيصيبهم بِمَا أوعدهم، ولو بعد حين. {وإنَّ يوما عند رَبّكَ كألفِ سنةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)} مِن أَيَّامكم؛ أي: مِن شدَّة مَا يَلقَى فِيهِ أعداؤه مِنَ الشدائد؛ لأَنَّ أيَّام الشدائد مُستطالة، وَأَن يكون للمؤمنين كما بين الصلاتين، لأَنَّهُم لاَ يحزنهم الفزع الأكبر.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّه يقصد: في حواسِّهم الظاهريَّة. (3/104)
صفحة 920
وكأيِّن مِن قريةٍ أَملَيْتُ لَها} كما أمهلتكم، {وهي ظالمة} مثلكم، {ثمَّ أخذتُها} بالعذاب، {وإليَّ المصير(48)} وَإِلىَ حكمي مرجع الجميع.
{قل: يَا أَيُّهَا الناس إِنَّمَا أنا لكم نذير مُبِين(49)} أُوضِّح لكم مَا أنذركم بِهِ، والاقتصار عَلَى الإنذار ــ مَعَ عموم الخطاب، وذِكر الفريقين ــ لأَنَّ مصدر الكلام مَسَاقه للمشركين؛ وإنَّما ذَكَر المؤمنين وثوابهم، زيادة فيِ غيظهم. {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لَهُم مغفرةٌ ورزقٌ كريم(50)} هِيَ الجنَّة؛ والكريم مِن كلِّ نوعٍ: مَا تُجمع فضائله.
{وَالذِينَ سَعَوا فيِ آياتنا} أي: عملوا فيِ إبطال آياتنا وإطفائها بالردِّ والإبطال، والخوض والفساد؛ ويعمُّ هَذَا جميع العاصين، {مُعَاجِزِين} مسابقين مشاقِّين للسَّارِعين فِيهَا بالقبول والتحقيق. عَاجَزَهُ، فأَعجَزَه، وعَجَزه: إِذَا سَابَقه فسبقه، لأَنَّ كُلاًّ مِنَ المتسابقين يطلب إعجاز الآخر عَن اللحاق بِهِ، ومن ذَلِكَ يكونون حربا لله ولرسوله، ولدينه وللمسلمين؛ وفي موضع: أي ظنُّوا أنَّهم يعجزون فلا يقدر عليهم، {أُولَئِكَ أصحابُ الجحيم(51)} النار الموقدة. (3/105)
صفحة 921
ومن كِتَاب الاستقامة فيِ تأويل الآيَة الآتية، فقال: «وَلاَ يجوز التقليد، وَلاَ يَحلُّ فيِ الدين إِلاَّ لأنبياء الله ورسله - صلى الله عليه وسلم -[كَذَا] فيما [380] يَجوز التقليد لَهُم مِنَ المحكم غير المتشابه، والناسخ غير المنسوخ، مِمَّا لاَ يَجري عَلَى وجه الغلط مِنْهُم، وَلاَ مِمَّا يُلقيه الشيطان عَلَى ألسنتهم، فإنَّه قد قَالَ الله تبارك وتعالى: {وَمَا أرسلنا مِن قبلك مِن رسول وَلاَ نَبِيٍّ، إِلاَّ إِذَا تَمنَّى أَلقى الشيطان فيِ أُمنِيَته، فينسخُ اللهُ مَا يُلقي الشيطان، ثُمَّ يُحكم الله آياتِه وَاللهُ عليم حكيم (52) ليجعلَ مَا يُلقي الشيطانُ فتنةً للذين فيِ قلوبهم مَرَض والقاسيةِ قلوبهم، وإنَّ الظالمين لفي شقاقٍ بعيد (53) ... } إِلىَ آخر القصَّة (1) فصدَق الله، ونَحن عَلَى تصديق قول الله مِنَ الشاهدين، ولو كره الْكَافِرُونَ والمنافقون، وتأوَّل فيِ ذَلِكَ المتأوِّلون؛ فنحن نُؤمن بهذا مِن قول الله تبارك وتعالى: إِنَّهُ كذلك، وإنَّ ذَلِكَ لاَ يَجوز أن يقتدى بِهِ مِنَ الأنبياء والرسل، وإنَّ ذَلِكَ فتنة لِمَن اقتدى (2) بِهِ وقبِله، وإنَّ الله ناسخٌ لذلك، كما وعد تبارك وتعالى.
{__________
(1) - ... لقد عقد الشيخ بيَّوض إبراهيم رحمه الله في تفسير الآيتين 52 - 53 من السورة، فصلا مطوَّلا قيِّما في الردِّ عَلَى قصَّة الغرانيق، وافتراءات الجاهلين والمغرضين. انظر: بيُّوض إبراهيم بن عمر: في رحاب القرآن، تفسير سورتي الأنبياء والحجِّ، تحرير: عيسى بن محمَّد الشيخ بالحاج، المطبعة العَرَبِيَّة، نشر جمعية التراث، القرارة، 1417هـ /1997م. 4/ 513 - 541.
(2) - ... في الأصل: «اقتداء»، وهو خطأ. (3/106)
صفحة 922
وليعلمَ الذِينَ أوتوا العلمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَبّكَ} أنَّ ذَلِكَ الحقَّ عَلَى مَا قد ابتلى الله بِهِ خلقه وعباده، {فيؤمنوا بِهِ} بذلك، {فَتُخْبِت لَهُ قلوبهم} أي: تَخشع، (لَعَلَّهُ) وتتواضع، وَلاَ يُنكرونه، وَلاَ يتأوَّلونه عَلَى غير تأويل الحقِّ، {وإنَّ الله لَهادي الذِينَ آمنوا إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم (54)} فيِ جميع مَا اختلف فِيهِ المختلفون، وفي جميع مَا فُتِنَ بِهِ المفتونون» انتهى كلام الشيخ.
{وَلاَ يَزال الذِينَ كَفَرُوا فيِ مِرية} فيِ شكٍّ {مِنْهُ، حَتَّى تأتيهم الساعةُ} القيامة؛ أو أشراطها؛ أو الموت {بغتةً} فجأة، {أو يأتيهم عذابُ يومٍ عقيم (55)} لاَ خيرَ لَهُم فِيهِ. {المُلْكُ يومئذ لله يَحكم بَيْنَهُم}. ثُمَّ بيَّن حكمه، فقال: {فالذِين (1) آمنوا وعَمِلوا الصالحات فيِ جَنَّات النعيم (56) وَالذِينَ كَفَرُوا وكذَّبوا بِآيَاتِنا فأولئك لَهُم عذاب مهِين (57)} فيِ الدارين.
{وَالذِينَ هاجروا فيِ سبيل الله} أي: فارقوا أوطانهم وعشائرهم فيِ طاعة الله وطلب رضاه، {ثمَّ قُتِلوا أو مَاتوا لَيرزقَنَّهم الله رزقا حَسَنا} الجنَّة ونعيمها؛ وإنَّما سوَّى بين مَن قُتل فيِ الجهاد، ومن ماتَ حتفَ أنفه فيِ الوعدِ، لاستوائهما فيِ القصد وأصل العمل، {وإنَّ الله لَهو خيرُ الرازقِين (58) لَيُدخلنَّهم مدخلا يَرضَونه} هُوَ الجنَّة فِيهَا مَا يُحِبُّونه، {وإنَّ الله لَعليم} بأحوالهم، وأحوال معادهم؛ {حليم (59)} لاَ يُعاجلُ بالعقوبة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الذين» وهو خطأ. (3/107)
صفحة 923
ذَلِكَ ومَن عَاقب بِمثل مَا عُوقب بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عليه} بالمعاودة إِلىَ العقوبة، {لَيَنصُرنَّه الله، إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُور (60) ذَلِكَ بِأَنَّ الله يُولج الليل فيِ النهار، ويولج النهارَ فيِ الليل، وأنَّ الله سميع بصير (61) ذَلِكَ} الوصف بكمال القدرة والعلم، {بأنَّ الله هُوَ الحَقُّ} الثابت فيِ نفسه، الواجب لذاته وحده، فإنَّ وجوب وجوده ووحدته، يقتضيان أنَّه مبتدأ لِكُلِّ مَا يوجد سواه، عالِمٌ (1) بذاته، ولِمَا عداه، والثابت الإلهيَّة، وَلاَ يصلح لها إِلاَّ مَن كَانَ قادرا عالما بذاته. وقد يَجوز أن يعني بقوله: {بأَنَّ (2) الله هُوَ الحقُّ} أنَّ الله هُوَ الباقي المُحيي المُمِيت، {وأنَّ مَا يَدعون مِن دُونه هُوَ الباطل} أَرَادَ بِهِ (3) يَبطل ويَذهب، وَأَنَّهُ لاَ يَملك لأحد ثوابا وَلاَ عقابا، {وأنَّ مَا يدعون من دونه هُوَ الباطل}: المعدوم فيِ حدِّ ذاته، {وأنَّ الله هُوَ العليُّ} عَلَى الأشياء، {الكبير (62)} عَن أن يكون لَهُ شريك، [381] لاَ شيء أعلى مِنْهُ شأنا، وأكبر سلطانا.
{ألم تَرَ أنَّ الله أنزلَ مِنَ السَّمَاء ماءً، فَتُصبح الأَرْض مُخضرَّة إِنَّ اللهَ لطيفٌ} يصلُ علمه أو لُطفه إِلىَ كلِّ مَا جلَّ ودقَّ، {خبير (63)} بالتدابير الظاهرة والباطنة، {لَهُ مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض وإنَّ الله لَهو الغنيُّ} بذاته (4) عَن كلِّ شيء، {الحميد (64)} المستوجب للحمد بصفاته وكبريائه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «عالما»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «ان»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أراد أَنَّهُ».
(4) - ... في الأصل: «في ندته»، ولا مَعنَى له. (3/108)
صفحة 924
ألم تَرَ أنَّ الله سخَّر لكم مَا فيِ الأَرْض} جعلها مذلَّلة لكم، معدَّة لمنافعكم، {والفلكَ تَجري فيِ البحر بأمره، ويُمسك السَّمَاء أن تَقَع عَلَى الأَرْض إِلاَّ بإذنه} إِلاَّ بمشيئته؛ وفيه ردٌّ لاستمساكها بذاتها، فإنَّها مساوية لسائر الأجسام فيِ الجسميَّة، فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها؛ {إنَّ الله بالناس لَرَءوف رحيم(65)} حيث هيَّأ لَهُم أسباب الاستدلال، وفتح عَلَيْهِم أبواب المنافع، ودَفَع عَنْهُم أنواع المضارِّ.
{وَهُوَ الذِي أحياكم} أوجدكم مِنَ العدم لعبادته؛ {ثمَّ يُميتُكم، ثُمَّ يُحييكم} للجزاء، {إنَّ الإنسان لَكفور(66)} جحود للنِّعم مَعَ ظهورها.
{لِكلِّ أُمَّة جعلنا مَنسكا} شريعة يعبدون الله بها، {هم ناسِكوه فلا يُنازِعُنَّك} سائرُ أرباب الملل الجاحدة {فيِ الأمر} فيِ أمر الدين، لأَنَّهُم بين جُهَّال وأهل عناد؛ أو لأَنَّ أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع، {وادع إِلىَ رَبِّكَ} إِلىَ توحيده وعبادته، {إِنَّكَ لعلى هُدًى مُسْتَقِيم(67)} طريق إِلىَ الحقِّ سويٍّ.
{وإن جادلوك} بعد ظهور الحقِّ، ولزوم الحجَّة، وإبلاغ الدعوة، {فقل: اللهُ أعلم بِمَا تَعْمَلُونَ(68)} فيجازيكم عَلَى عملكم، وَهُوَ وعيد فِيهِ رفق، {الله يحكم بينكم} يفصل بين المؤمنين والْكَافِرِينَ بالثواب والعقاب {يوم القيامة} كما فَصَلَ فيِ الدُّنْيَا بالحجج والآيات {فيما كُنتُم فِيهِ تَختلفُونَ(69)} فحينئذ يَبينُ المحقُّ مِنَ المبطل.
{ (3/109)
صفحة 925
ألم تعلم أنَّ الله يعلم مَا فيِ السَّمَاء والأَرْض إنَّ ذَلِكَ فيِ كِتَاب} قيل: اللوح المحفوظ، كتب فِيهِ قبل حدوثه، فلا يهمَّنَّك أمرهم مَعَ علمنا بِهِ وحفظنا لَهُ، {إنَّ ذَلِكَ} الإحاطة (1) بِهِ، وإثباته فيِ اللوح المحفوظ؛ أو الحكم بينكم، {عَلَى الله يَسيرٌ (70)} لأَنَّ علمه مقتضى ذاته المتعلِّق بِكُلِّ العلامات (2) عَلَى سواء. {ويعبدون من دون الله مَا لم يُنزِّل بِهِ سلطانا} حجَّة تدلُّ عَلَى جواز عبادته، {وَمَا ليس لَهُم بِهِ علم} عقليٌّ، يعني: أنَّهم فعلوا مَا فعلوا عَن جهل لاَ عَن علم، {وَمَا للظالمين} وَمَا للذين ارتكبوا هَذَا الظلم {من نصير (71)} يُقرِّر مذهبهم، أو يدفع العذاب عَنْهُم.
{وإذا تُتلى عَلَيْهِم آياتنا} حجج الحقِّ من حيث مَا كَانَت، {بَيِّنَات} واضحات تعرفونها، وتعرفون المراد بها، {تَعرفُ فيِ وجوه الذِينَ كَفَرُوا المُنكَرَ} الإنكار، لفرط نكرهم للحقِّ {يكادون يسطون} يبطشون {بالذين يتلون عَلَيْهِم آياتنا} يُقيمُون حجج الله عليهم؛ {قل: أفأنبِّئكم بِشرٍّ من ذلكم} من غيظكم عَلَى التالين، وسطوكم عليهم، {النارُ وعَدَها الله الذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المصير (72)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لإحاطة»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المعلومات». (3/110)
صفحة 926
يَا أَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ} بُيِّن لكم حالٌ مُستغربة، أو قصَّة رائقة (1)، ولذلك سمَّاها مثلاً، {فاستمِعوا لَهُ} للمثل، أو لشأنه استماع تدبُّر وتفكُّر (2)، {إنَّ الذِينَ تدعون من دون الله} يعني: الأصنام، [382] ومع أهل المعاني: «يتناول كلَّ معصية لله تبارك وتعالى». {لن يَخلقوا ذُبابا} لاَ يقدرون (3) عَلَى خلقه مَعَ صغره {ولو اجتمعوا لَهُ} مَعَ اجتماعهم، فكيف إِذَا تفرَّقوا؟. {وإن يَسلُبْهُمُ الذباب شَيْئًا لاَ يستنقذوه مِنْهُ} لاَ يستردُّونه مِنْهُ لعجزهم، فصاروا فيِ ذَلِكَ أعجز مِنْهُ. جَهَّلَهم غايةَ التجهيل، بأن أشركوا إلها ــ قَدر عَلَى المقدورات كُلِّها، وتفرَّد بإيجاد الموجودات بأسرها ــ تماثيلَ هِيَ أعجز الأشياء؛ وبيَّن ذَلِكَ بأنَّها لاَ تقدر عَلَى خلق أقلِّ الأحياء وأذلهِّا، ولو اجتمعوا لَهُ، بَل لاَ يقوون عَلَى مقاومة هَذَا الأقلِّ الأذلِّ، ويعجزون عَن دبِّه فيِ نفسها، واستنفاذ مَا تختطفه من عندها، {ضَعُفَ الطالب والمطلوب (73)} عابد الصنم ومعبوده؛ أو مِنَ (4) السالب والمسلوب.
{مَا قَدَرُوا الله حقَّ قَدرِه} مَا عرفوه حقَّ معرفته، ولا عظَّموه حقَّ تعظيمه، حيث أشركوا بِهِ، وسَمُّوا باسمه مَا هُوَ أبعد الأشياء مناسبة، {إنَّ الله لقويٌّ} عَلَى خلق الممكنات بأسرها، {عزيز (74)} لاَ يغلبه شيء؛ وآلهتهم التِي يدعونها عاجزة عَن أقلِّها، مقهورة من أذلِّها.
{__________
(1) - ... وَفيِ التفاسير الأخرى: «رائعة»، وهما بمعنى واحد. انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 134. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص120. ابن منظور: لسان العرب، 2/ 1258 - 1259. مادَّة «روق».
(2) - ... في الأصل: «تكفر»، وهو تحريف.
(3) - ... في الأصل: «يقدروا»، وهو خطأ، إذا لا موجب لحذف النون.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «من». (3/111)
صفحة 927
الله يصطفي مِنَ المَلاَئِكَة رُسُلاً} كما يصطفي مِنَ البشر؛ لعلمه بأحوالٍ لهم دون غيرهم، {ومن الناس} يدعون سائرهم إِلىَ الحقِّ، ويُبلِّغون إِلَيْهِم مَا أُنزِل عَلَيْهِم؛ كأنَّه لمَّا قرَّر وحدانيَّته فيِ الألوهيَّة، ونفى أن يشاركه غيره فيِ صفاتها، بيَّن أنَّ لَهُ عبادا مصطفين فيِ الرسالة، يُرسِلهم ليُقتَدَى بهم فيِ عبادة الله، وهي أعلى المراتب، ومنتهى الدرجات لِمَن عداه مِنَ الموجودات. {إنَّ الله سميع بصير(75) يعلم مَا بين أيديهم وَمَا خلفهم} عالم بِمَا كَانَ وَمَا يكون مِمَّا هم عملوا، وَمَا هم عاملون مِمَّا لم يعملوا، {وإلى الله تُرجَع الأمور(76)}، لأَنَّهُ مُنشِئها وخالقها، فمرجعها إليه.
{ (3/112)
صفحة 928
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اركعوا واسجدوا} فيِ صلاتكم، {واعبدوا رَبَّكُم} بسائر مَا تَعبَّدَكم بِهِ، {وافعلوا الخير} وتقرَّبوا إليه بنوافل الطاعات، {لَعَلَّكُم} لكي {تفلحُونَ(77) وجاهدوا فيِ الله} لله ولدينه أعداءَ دينه الظاهرة: كأهل الزيغ، والباطنة: كالهوى والنفس. وعنه - عليه السلام - أنَّه رجع من غزوة مِنَ المغازي فقال: «رجعنا مِنَ الجهاد الأصغر إِلىَ الجهاد الأكبر»، فَسئل عَن الجهاد الأكبر فقال: «جهاد النفس» (1) ، أو نحو هَذَا مِنَ الكلام. {حقَّ جِهادِه} أي: جهادا فِيهِ حقًّا خالصا لوجهه، ببذل الوسع، والأنفس، والأموال، والمهج، وأخذ الحذر عَن المخالفة والفتور، وَهُوَ استفراغ الطاقة؛ {هُوَ اجتباكم} اختاركم لدينه ولنصرته، {وَمَا جعل عَلَيْكُم فيِ الدين من حَرجٍ} أي: ضيق، بتكليف مَا لاَ يستطاع. {مِلَّة أبيكم إبراهيم} أي: وَسَّع دينَكم توسُّعَ ملَّة أبيكم؛ وإنَّما جعله أباهم، لأَنَّهُ أبو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ كالأب لأمَّته، من حيث أنَّه سبب لحياتهم الأبديَّة، ووجودهم عَلَى الوجه المعتدِّ بِهِ فيِ الآخِرَة. {هُوَ سمَّاكم المُسْلِمِينَ من قبلُ} من قبل القرآن فيِ الكتب المتقدِّمة، {وفي هَذَا} وفي القرآن، {ليكون الرسول} مُتعلِّقٌ (2) بـ«سمَّاكم»، {شهيدا عليكم} بطاعة من أطاع، وعصيان من عصى، {وتكونوا شهداء عَلَى الناس} من حيث تنزلون [383] مِنْهُم كلاًّ منزلته، وتُوفُّونه حقَّه وقسمه، {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} عَلَى الوجه المأمور بِهِ، لَمَّا خصَّكم بهذا الفضل والشرف، {واعتصموا بالله} واتَّقوا بِهِ في مجامع أموركم، {هُوَ مولاكم} ناصركم ومتولِّي أموركم، {فنعم المولى ونِعمَ النصير(78)} هُوَ، إِذ لاَ مثل لَهُ فيِ الولاية والنصرة، بَل لاَ مولى وَلاَ نصير سواه فيِ الحقيقة.
__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة.
(2) - ... في الأصل: «متعلقا»، وهو خطأ. (3/113)
صفحة 929
سورة المؤمنون
بسم الله الرحمن الرحيم
{قد أفلح المؤمنُونَ (1)} (1) تقرَّب الماضي من الحال أنَّ فَلاحَهم (2) قد (لَعَلَّهُ) حصل. {الذِينَ هم فيِ صلاتهم خاشعُونَ (2)} خائفون مِنَ الله وجلون مُتذلِّلون لَهُ، ملزمون أبصارهم مساجدهم. والخشوع: هُوَ الخضوع؛ أو قريب مِنْهُ؛ أو هو (3) الخشوع في الصوت والبصر والسلو [كَذَا] والتذلُّل.
{وَالذِينَ هم عَن اللغو} عمَّا لاَ يعنيهم من فعل وقول وحديث نفس، {معرضُونَ (3)} لِمَا بهم مِنَ الجلد، وَمَا شغلهم عَنْهُ (4)؛ وَهُوَ أبلغ مِنَ الذِينَ لا يلهون من وجوه ... (5) {وَالذِينَ هم للزكاة فاعلُونَ (4)} وصفهم بذلك بعدما وصفهم بالخشوع فيِ الصلاة، ليدلَّ عَلَى أنَّهم بلغوا الغاية فيِ القيام عَلَى الطاعات البدنيَّة والماليَّة، والتجنُّب عَن المحرَّمات، وسائر مَا توجب المروءة اجتنابَه. {وَالذِينَ هم لفروجهم حافظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أزواجهم أو مَا ملكت أيمانهم فَإِنَّهُمْ غير مَلومِين (6) فمن ابتغى وراءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العادُونَ (7)} المعتدون لحدوده.
{__________
(1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئًا، والعبارة غير مفهومة، ويبدو أنَّ فيها نقصا.
(2) - ... هنا إحالة أخرى إِلى الحاشية، ولم يكتب فيها شيئًا.
(3) - ... في الأصل: «اهوو»، ولا مَعنَى له.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لِما بهم من الجدِّ ما يشغلهم عنه»، كما في تفسير الزمخشريِّ، حيث قال: «يعني أنَّ بهم من الجدِّ ما يشغلهم عن الهزل». 3/ 138.
(5) - ... يبدو أنَّ في العبارة سقطا، وَفيِ تفسير أبي السعود: «وهو أبلغ من أن يقال: لا يلهون من وجوه جعلِ الجملة اسْمِيَّةً، وبناءِ الحكم عَلَى الضمير، والتعبير عنه بالاسم، وتقديمِ الصلة عَلَيه، وإقامةِ الإعراض مقام الترك، ليدلَّ عَلَى تباعدهم عنه رأسًا، مباشرة وتسبُّبا، وميلا وحضورا ... ». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص124. (3/114)
صفحة 930
وَالذِينَ هم لأماناتهم (1) وعهدهم} لما يُؤْمَنُونَ عليه، ويعاهدون من جهة الحقِّ والخلق، {راعُونَ (8)} قائمون بحفظها و إصلاحها. {وَالذِينَ هم عَلَى صلواتهم يُحافظُونَ (9)} يواظبون عليها ويؤدُّونها فيِ أوقاتها؛ وليس ذَلِكَ تكريرا لِمَا وصفهم بِهِ أوَّلاً، فإنَّ الخشوع فيِ الصلاة غير المحافظة عليها، وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيمٌ لشأنها. {أُولَئِكَ} الجامعون لهذه الصفات، {هم الوارثُونَ (10)} الأحقَّاء أن يُسمُّوا وارثين دون غيرهم فيِ القيامة. {الذِينَ يَرِثُون الفردوسَ} بيان لِمَا يرثونه؛ والفردوس: خير الجنان فِيمَا قيل، {هم فِيهَا خالدُونَ (11)}.
{وَلَقَد خلقنا الإنسانَ مِن سُلالة} من خلاصة سُلَّت من بين الكدَر {من طِينٍ (12) ثُمَّ جعلناه نطفةً فيِ قرارٍ مكِينٍ (13)} حريز، مكن (2) لاستقرارها فِيهِ إِلىَ بلوغ أمدها، وَهُوَ الرحم. {ثُمَّ خلقنا النطفةَ علقةً} بأن أَحَلنا النطفةَ البيضاءَ علقة حمراء، {فخلقنا العلقة مُضغة، فخلقنا المُضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثُمَّ أنشأناه خلقا آخر} آخر: قيل: الروح، أو نبات الشعر والأسنان؛ أو تصريف أحواله بعد الولادة مِنَ الدلالة عَلَى ثدي أمِّه إِلىَ كمال عقله، {فتبارك الله} فتعالى شأنه فيِ قدرته وحكمته، {أحسنُ الخالقِين (14)} المقدِّرين تقديرا. {ثُمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُم يوم القيامة تُبعثُونَ (16)} للحساب والجزاء.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لماناتهم»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مكين». (3/115)
صفحة 931
وَلَقَد خلقنا فوقكم سبعَ طرائق} سبع سماوات، لأَنَّهَا طُورِقَ (1) بعضُها فوق بعضٍ مُطَارقةَ النعل، وكلُّ ما فوقه مثله فهو طريقه، أو لأَنَّهَا طُرق المَلاَئِكَة، أو الكواكب فِيهَا مسيرها. {وَمَا كُنَّا عَن الخَلقِ غافلِين (17)} مهملين أمرها، بَل نحفظها عَن الزوال والاختلاف، وندبِّر [384] أمرها حتَّى تبلغ منتهى مَا قُدِّر لها من الكمال، حسب مَا اقتضته الحكمة وتعلَّقت بِهِ المشِيئَة.
{وأنزلنا مِنَ السَّمَاء ماءً بِقدَرٍ} بتقدير، يكثر نفعه ويَقلُّ ضرره؛ أو بمقدار مَا عَلِمنا من صلاحهم {فأسكنَّاه فيِ الأَرْض} فجعلناه ثابتا مستقرا، {وَإِنَّا عَلَى ذهابٍ بِهِ لقادرُونَ (18)} كما كُنَّا قادرين عَلَى إنزاله، {فأنشأنا لكم بِهِ جَنَّات من نَخيل وأعناب، لكم فِيهَا فواكه كثيرةٌ ومنها تأكلُونَ (19) وشجرةً تَخرج مِن طور سَيْناءَ، تَنبُت بالدهن، وصِبغٍ للآكلِين (20)} أي: مِمَّا يُتَأدَّم بِهِ. {وإنَّ لكم فيِ الأنعام لَعبرةً} تعتبرون بحالها، {نسقيكم مِمَّا فيِ بطونها، ولكم فِيهَا منافعُ كثيرةٌ ومنها تأكلُونَ (21) وعليها وعلى الفلك تُحملُونَ (22)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «طروق»، ولا مَعنَى له. والصواب ما أثبتناه، وَهُوَ ما ورد في الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 141. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص127. وَفيِ اللسان: «وكلُّ ما وضع بعضه فوق بعض فقد طورِقَ». ابن منظور: لسان العرب، 4/ 587. مادَّة: «طرق». (3/116)
صفحة 932
وَلَقَد أرسلنا نوحا إِلىَ قومه، فقال: يا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إله غيره أفلا تتَّقون(23)}؟ أفلا تخافون أن يُزِيل عنكم نعمه، فيهلككم ويعذِّبكم برفضكم عبادته إِلىَ عبادة غيره، وكفرانكم نِعَمه التِي لاَ تحصونها. {فقال الملأ الذِينَ كَفَرُوا من قومه: مَا هَذَا إِلاَّ بشرٌ مثلكم يريد أن يتفضَّل عليكم} أن يطلب الفضل عَلَيْكُم ويسودكم، {ولو شاء الله لأنزل مَلاَئِكَة} رسلا، {مَا سمعنا بهذا فيِ آبائنا الأَوَّلين(24)} يعنون نوحا، أي: مَا سمعنا بِهِ أنَّه نبيٌّ، أو مَا كلَّمهم بِهِ، من الحثِّ عَلَى عبادة الله، ونفي مَا تهواه أنفسنا، أو من دعوى النبوَّة؛ وذلك إمَّا من فرط عبادتهم، أو لأَنَّهُم كَانُوا فيِ فترة متطاولة. {إن هُوَ إلاَّ رجل بِهِ جِنَّة} أي: جنون، ولأجله يقول ذَلِكَ، {فتربَّصوا بِهِ} فاحتملوه وانتظروا {حَتَّى حِين(25)}.
{قَالَ} بعدما أيس من إيمانهم: {رَبِّ انصرني} بإهلاكهم؛ أو بإنجاز مَا وعدتهم مِنَ العذاب، {بِمَا كذَّبونِ(26)} بسبب تكذيبهم. {فأوحينا إليه أنِ اصنعِ الفلكَ بأعيننا} بحفظنا نحفظه أن يُخطئ فِيهِ، {وَوحيِنَا} وأمرنا وتعليمنا كيف يصنع. {فإذا جاء أمرنا} بنزول العذاب، {وفار التنُّور، فاسلك فِيهَا من كُلٍّ زوجين اثنين} لحكمة عَلمها الله ومنافع لخلقه، كما لم يخلق ذَلِكَ فيِ الابتداء عبثا وَلاَ لعبا، {وأهلكَ، إِلاَّ مَن سبق عليه القولُ مِنْهُم} أي: القول مِنَ الله بإهلاكه، {وَلاَ تُخاطبني فيِ الذِينَ ظلموا} بالدعاء لَهُم بالإنجاء {إِنَّهُمْ مُغرَقُونَ(27)} بمعاصيهم.
{ (3/117)
صفحة 933
فإذا استَويْتَ أنت ومن معك عَلَى الفلك، فقل: الحمد لله الذِي نجَّانا مِنَ القوم الظالمِين(28)} بمعاصيهم أو بطشهم. {وقل: رَبِّ أنزِلْني مُنزَلاً مباركا} فيِ المكَانَ أو الحال {وأنت خير المنزلِين(29)}، لأَنَّهُ لاَ منزل غيره فيِ الحقيقة. {إنَّ فيِ ذَلِكَ} فيما فعل بنوح وقومه، {لآيات} يعتبر بها أولو الاعتبار، {وإن كُنَّا لَمُبتَلِين(30)} لممتحنين نوحا وقومَه، ومن بلغه قصصهم.
{ثُمَّ أنشأنا من بعدهم قرنا آخرِين(31) فأرسلنا فِيهِم رسولا مِنْهُم، أن اعبدوا الله مَا لكم من إلهٍ غيره أفلا تتَّقون(32)} عذابه. {وقال الملأ من قومه الذِينَ كَفَرُوا وكذَّبوا بلقاء الآخِرَة} بلقاء مَا فِيهَا مِنَ الثواب والعقاب، أو بِمَعَادهم إِلىَ الحياة، {وأترفناهم} نعَّمناهم ووسَّعنا عَلَيْهِم {فيِ الحياة الدُّنْيَا} بكثرة النعم الدُّنْيَويَّة لا الدِّينِيَّة: [385] {مَا هَذَا إِلاَّ بشرٌ مثلكم} فيِ الصفة، ولأنَّهم لم يتوصَّلوا إِلىَ علم حاله، لتعاميهم لأمر قبل العدم[كَذَا]، {يأكل مِمَّا تأكلون مِنْهُ ويشرب مِمَّا تَشرَبُونَ(33)} تقرير للمماثلة الظاهرة، لا السرّ الذِي منحه الله إيَّاه كتمانا للشهادة بِمَا قامت لَهُ معهم من أنوار الحقِّ.
{ (3/118)
صفحة 934
ولئن أطعتم بشرا مثلَكم} فيما يَأْمُرُكم {إِنَّكُم إِذًا لَخَاسرُونَ(34)} من حيث مراده أن يصوِّمهم عَن شهوات أنفسهم الباطلة، ولم يؤمنوا بالإعادة، بدليل قوله: {أَيَعِدُكم أَنَّكُم إِذَا مِتُّم وكنتم تُرابا وعظاما أَنَّكُم مُخرجُونَ(35)؟ هيهات هيهات لِمَا توعدُونَ(36)} وهي كلمة «بَعُدَ»، معناه: بعيد مَا يوعد. {إن هِيَ إِلاَّ حياتنا الدُّنْيَا نَموت ونَحيا} يَموتُ بعضنا ويُولد بعض، {وَمَا نَحْنُ بِمبعوثِين(37)} وهذا الحال الذِي صدَّ الناس عَن الطاعة، وَهُوَ قِلَّة إيمانهم بالإعادة، ويشهد عَلَيهم إِمَّا لسان مقالهم أو لسان حالهم. وَمَا مُؤْمِن إيمانا حقيقيًّا بالبعث إِلاَّ وهِمَّته إِلىَ التزوُّد لَهُ. {إن هُوَ} ما هو {إِلاَّ رجلٌ افترى عَلَى الله كَذِبًا} فيما يدَّعيه مِنَ الرسالة {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمؤمنِين(38)} بِمصدِّقين.
{قَالَ: رَبِّ انصرني} عَلَيْهِم، وانتقم لي مِنْهُم {بِمَا كذَّبونِ(39)} بسبب تكذيبهم إِيَّايَ. {قَالَ: عَمَّا قليلٍ لَيُصبِحُنَّ نادمِين(40)} عَلَى التكذيب، إِذَا عاينوا عذاب الموت، لأَنَّ الندامة تقع بِكُلِّ كافر فيِ ذَلِكَ الحين.
{فأخذتهم الصيحة بِالْحَقِّ} بالوجه الثابت الذِي لاَ تبديل عَنْهُ، {فجعلناهم غُثَاءً} شبَّههم فيِ دمارهم بغثاء السيل، كقول العرب: «سَالَ بِهِ الوادي» لِمَن هَلَك؛ والغثُّ: الفساد فيِ اللُّغة؛ {فَبُعدًا للقوم الظالمِين(41)} «بُعْدًا»: مصدر بَعُدَ، إِذَا هلك. {ثُمَّ أنشأنا مِن بعدهم قرونا آخرِين(42). مَا تَسبقُ مِن أُمَّة أجَلَها} الوقت الذِي حُدَّ لها، {وَمَا يستأخرُونَ(43)}.
{ (3/119)
صفحة 935
ثُمَّ أرسلنا رُسلَنا تَتْرَى} مُتَواترين واحدا بعد وَاحِد؛ مِنَ الوتر: وَهُوَ الفرد؛ وقيل: معناه: مُنقطعة، بين كلِّ رسولين بُرهة مِنَ الزمان، {كلَّ مَا جاء أُمَّةً رسولُها كذَّبوه، فأتبعنا بعضَهم بعضا} فيِ الإهلاك، {وجعلناهم أَحاديثَ} لَم يبق مِنْهُم إِلاَّ نشر حديثهم عظةً للمتَّعظين، ولهوا لِمَن سِوَاهم، {فَبُعدا لقومٍ لاَ يُؤْمِنُونَ (44)}.
{ثُمَّ أرسلنا موسى وأخاه هارون بِآيَاتِنا وسُلطان مُبِينٍ (45) إِلىَ فرعونَ ومَلَئِه فاستكبروا} عَن القبول والإيمان، {وكَانُوا قوما عالِين (46)} مُتكبِّرين. {فَقَالُوا: أَنؤمنُ لبشرَيْنِ مِثلِنا}؟ فيِ الخِلْقَة، إذ نظرهم مقصور عَلَى الظاهر، {وقومُهُما لَنَا عابدُونَ (47)} يعني: بَنِي إِسْرَائِيلَ خادمون مُنقادون كالعبيد؛ وذلك يُنَبِّؤك أنَّ أصل العبادة هِيَ الطاعة، إذا أطاعه فقد عَبَده؛ ومعلوم أنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَم يعبدوا فرعونَ وقومه عبادةَ تديُّن، لقوله تبارك وتعالى يُخبر عَن قولهم لموسى: {قَالُوا: أُوذينا مِن قبلِ أن تأتينا ومن بعدِ مَا جئتنا} (1)، {فكذَّبوهما، فكَانُوا مِنَ المهلَكِين (48) وَلَقَد آتينا موسى الكتاب لَعَلَّهُم} لَعَلَّ (2) بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلاَ يَجوز عَوْدُ الضمير إِلىَ فرعون وملَئه، لأَنَّهُ قَالَ: {آتينا موسى الكتابَ} بعد قوله: {فكَانُوا مِنَ المُهلَكين}. {يهتدُونَ (49)} إِلىَ المعارف والأحكام.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 129.
(2) - ... في الأصل: «نعل»، وهو خطأ. (3/120)
صفحة 936
وجعلنا ابنَ مَرْيَم وأمَّه آيةً، وآويناهما إِلىَ رَبوَةٍ ذاتِ قَرَارٍ} مُستَقرٍّ [386] مِنَ أَرْض مُنبسطة؛ وقيل: ذات ثمار وزروع، فإنَّ ساكنيهما يَستقرُّون فِيهَا لأجلها. {ومَعِين (50)} وماء مَعين، ظاهر جارٍ عَلَى وجه الأَرْض، مِن مَعنَ الماءُ: إِذَا جَرى؛ أو مِنَ الماعون وَهُوَ المنفعة، لأَنَّهُ نفَّاع؛ أو مفعول مِن عانه: إِذَا أدركه بعينه، لأَنَّهُ لظهوره مُدرَك بالعيون. وَصَف ماءها بذلك، لأَنَّهُ الجامع لأسباب التنزُّه، و طِيب المكَانَ.
{يَا أَيُّهَا الرسُلُ كُلوا مِنَ الطَّيِّبَات} نداء وخطاب لِكُلِّ الرسل، لاَ عَلَى أنَّهم خُوطبوا بذلك دُفعة وَاحِدَة لتفاوت أزمنتهم، بَل عَلَى معنى أنَّ كُلاًّ مِنْهُم خوطب بِهِ فيِ زمانه؛ فيدخل عيسى تحته دخولاً أَوَّليًّا؛ ويكون ابتداء كلام ذكره تنبيها أنَّ تَهيئة أسباب التنعُّم لم تكن لَهُ خاصَّة؛ وأنَّ إباحة الطَّيِّبَات شَرعٌ قديم؛ واحتجاجا عَلَى الرهبانيَّة فيِ رفض الطَّيِّبَات. والطيِّب: مَا يُستلَّذ مِنَ المباحات؛ وقيل: الحلال الصافي القوام؛ فالحلال مَا لاَ يُعصى الله (1) فِيهِ، والصافي مَا لاَ يُنسى الله فِيهِ، والقوام: مَا يُمسِك النفس، ويَحفظ العقل. {واعملوا صالحا} فإنَّه المقصود منكم، والنافع الثابت لكم عند رَبِّكُم؛ والعمل الصالح: وضع الأمور مَواضعَها، وأن لاَ تَجعلوا لله شريكا فيِ العبادة، وَلاَ تستنكفوا عَن عبادته، {إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم (51)} فأُجازيكم عليه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «للله»، وهو خطأ. (3/121)
صفحة 937
وإنَّ هَذِهِ أمَّتُكم أُمَّة وَاحِدَة} مِلَّتُكم أيُّها الرسل، ملَّة وَاحِدَة، فيِ العقائد، وأصول الشرائع، {وأنا رَبّكُم فاتَّقُونِ (52)} فيِ شقِّ العصا، ومُخالفة الكلمة. {فتقطَّعوا أمرَهم بَيْنَهُم} تقطَّعوا أمر دينهم، وجعلوه أديانا مُختلفة، {زُبُرًا} قِطَعا، جمع زَبور، الذِي معناه: الفرقة، {كلُّ حِزبٍ} مِنَ المتحزِّبين {بِمَا لديهم} مِمَّا يَدينون {فَرحُونَ (53)} مُعجَبون، مسرورون مُعتقدون أنَّهم عَلَى الحقِّ. {فَذَرهُم فيِ غَمرتهم} فيِ جَهالتهم؛ شَبَّهها بالماء الذِي يَغمر القامة، لأَنَّهُم مَغمورون فِيهَا؛ أو لاعبون؛ وقرئ: «فيِ غمراتهم». {حَتَّى حِين (54)} إِلىَ أن يُقتَلوا أو يَموتوا.
{أيَحسبون أَنَّمَا نُمِدُّهم بِهِ} نُعطيهم، ونَجعله مَدًّا لَهُم، {مِن مال وبَنِين (55)} بيان لِـ «مَا»، وليس خبرًا لَهُ، فَإِنَّهُ غير مُعاب عليهم؛ وإنَّما المعابُ عَلَيْهِم اعتقادهم أنَّ ذَلِكَ خيرا لَهُم. {نُسارع لَهُم فيِ الخيرات} المعنى: أنَّ الذي نُمدُّهم بِهِ نسارع بِهِ لَهُم فيما فِيهِ خيرهم وإكرامهم، {بَل لاَ يَشعرُونَ (56)} بَل هم كالبهائم، لا فطنة لَهُم وَلاَ شعور، ليتأمَّلوا فيعلموا أنَّ ذَلِكَ الإمداد استدراج لاَ مسارعة فيِ الخير؛ فَيُفرَّق الإمداد بافتراق العاصي والمطيع، فيكون للمطيع مسارعة لَهُ فيِ الخير، ويكون للعاصي استدراجا لَهُ فيِ الشرِّ؛ فيظنُّ العاصي أنَّ إمداده وإمداد المطيع عَلَى وتيرة وَاحِدَة، ويعلم المطيع أنَّ إمداده له بمنزلة الترياق، لأَنَّهُ يبقون (1) به عَلَى الخير، وأنَّ إمدادَ ضدِّه فعلى العكس؛ فعلى المرءِ أن يُقبِل عَلَى شأنه، ويتفقَّد أحوال عَمَله، ويُقوِّمها عَلَى الصِّرَاط السويِّ، وإن خالف ذَلِكَ بِحرف وَاحِد، لَحقه وعيدُ الاستدراج والغرور، مِن حيث لاَ يشعر.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يبقى». (3/122)
صفحة 938
إنَّ الذِينَ هُم مِن خَشيةِ ربِّهم مُشفقُونَ (57)} مِن خوف عذابه واستدراجه لَهُم؛ [387] فالمؤمن قد جمع إحسانا وخشية، والمنافق قد جمع إساءة وأمنا. {وَالذِينَ هم بِآيَاتِ ربٍّهم} البالغة لَهُم {يُؤْمِنُونَ (58)} يُصدِّقون. {وَالذِينَ هم بِرَبِّهِم لاَ يُشركُونَ (59)} شركا جليًّا وَلاَ خفيًّا. {وَالذِينَ يُؤتون مَا آتَوا} يُعطون مَا أَعطَوه مِنَ الصدقات؛ وقُرئ مقصورا (1)، أي: يفعلون مَا فعلوه مِنَ الطاعات، {وقلوبُهم وَجِلَة} خائفة أن لاَ يُقبل مِنْهُم (لَعَلَّهُ) بشؤم ذنوبهم، وأن لاَ تقع عَلَى الوجه اللاَّئق فَتُردّ عَلَيْهِم، ويؤاخَذوا بها؛ أو مِن خوف سوء الخاتمة عند كلِّ خطرة وحركة، {أَنَّهُمْ إِلىَ ربِّهم راجعُونَ (60)} فَيُسألوا عَن جميع مَا أَتَوا. وفي هَذَا بيان الحكمة من أنَّه لم ينزل الكتاب بذكر مَا يُؤتى ويذر كلّ شيء بعينه مفسَّرا، ليكون المؤمن خائفا راجيا.
{أُولَئِكَ يُسارعون فيِ الخيرات} يَرغبون فيِ الطاعات أشدَّ الرغبة، فيبادرونها، أو يسارعون فيما آتاهم الله من ثواب الدُّنْيَا، المعاونة لَهُم عَلَى صالح الأعمال باستعمالها، كقوله: {فآتاهم الله ثوابَ الدُّنْيَا} (2) فيكون إثباتا لَهُم مَا نُفي عَن أضدادهم المتقدِّم ذكرهم، {وَهُم لَها سابقُونَ (61)} لأجلها، فاعلون المسابقة، فيسبقون الناس إِلىَ الطاعة أو الجنَّة؛ أو سابقونها، أي: ينالونها قبل الآخِرَة حيث عُجِّلت لَهُم فيِ الدُّنْيَا، كما عُجِّل الشرُّ لأضدادهم؛ فهؤلاء لَهُم خير الدُّنْيَا والآخِرَة، وهؤلاء لَهُم شرُّ الدُّنْيَا والآخِرَة، وليس لَهُم مِنَ الخير مثقال ذَرَّة.
{__________
(1) - ... أي: «يَأتُون ما أَتَوا»، كما في: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 151. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص140. وللتفصيل حول هَذِهِ القراءة والروايات الواردة في الموضوع انظر: الألوسي: روح المعاني، 17/ 44.
(2) - ... سورة آل عمران: 148. (3/123)
صفحة 939
وَلاَ نُكلِّف نفسا إِلاَّ وُسعَها} قَدْرَ طاقتها؛ يريد بِهِ التحريض عَلَى مَا وصف بِهِ الصالحين، وتسهيله عَلَى النفوس؛ {ولدينا كِتَابٌ} اللوح المحفوظ؛ أو صحيفة الأعمال؛ أو عِلم الله المكنون (1) {يَنطق بِالْحَقِّ} بالصدق، لاَ يوجد فِيهِ مَا يُخالِف الواقع، {وَهُم لاَ يُظلمُونَ (62)} بزيادة عقاب، أو نقصان ثواب. {بَل قُلوبُهم} قلوبُ الكفرة {فيِ غَمرَة} فيِ غفلة غامِرة لها، {مِن هَذَا} مِنَ الذِي وصف بِهِ هؤلاء؛ أو مِنَ القرآن، لاَ يدرون تأويله بسبب تعاميهم عَنْهُ، {ولهم أعمالٌ} خبيثة {مِن دُون ذَلِكَ} مُتَجاوزة مَا وُصفوا بِهِ، {هم لَها عاملُونَ (63)} مُعتادون فِعلها.
{حتَّى إِذَا أخذنا مُترفيهم} مُتنَعّميهم {بالعذاب} القتل، أو الموت، {إِذَا هُم يَجأَرُونَ (64)} فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة. {لاَ تَجأَروا اليوم} فإنَّه مُقدَّر بالقول، أي: قيل لَهُم: «لاَ تَجأروا اليوم». {إِنَّكُم مِنَّا لاَ تُنصرُونَ (65)} أي: لاَ تُمنعون مِنَّا؛ أو ليس لكم نصرٌ من عندنا. {قد كَانَت آياتي} حُجَجِي {تُتلَى عليكم} تُبَلَّغون إيَّاها، {فكنتم عَلَى أَعقَابكم تَنكصُونَ (66)} تُعرضون مُدبِرين عَن سَماعها وتصديقها والعمل بها؛ والنكوص: الرجوع، {مُستكبرين بِهِ} الضمير للقرآن فيما أرجو، فإنَّه بمعنى: مُكذِّبين بِهِ {سامِرًا} أي: تَسمرون بذكر القرآن، والطعن فِيهِ، {تَهجُرُونَ (67)} مِنَ الهَجْرِ بالفتح؛ أو بِمعنى القطيعة؛ أو بترك القرآن لقوله: {يا رَبِّ إنَّ قوميَ اتَّخَذوا هَذَا القرآن مَهجورا} (2).
{__________
(1) - ... في الأصل: «المنكون»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة الفرقان: 30. (3/124)
صفحة 940
أفلم يَدَّبَّروا القولَ}؟ أي: القرآن ليعلموا أنَّه الحقُّ من ربِّهم بإعجاز لفظه، ولفظ دلائله، {أم جاءهم مَا لم يأتي آباءَهم الأَوَّلِين (68)} يريد أنَّا بعثنا مِن قبلهم (لَعَلَّهُ) رُسلا إِلىَ قومهم، كذلك بعثنا محمَّدًا (1) - صلى الله عليه وسلم - رسولا إِلَيْهِم. {أم لَم يَعرفوا رسولهم} بقيام الدليل لَهُ بالأمانة والصدق وكمال العلم، وحسن الخلق، مِمَّا هُوَ صفة [388] للرسل، وذلك عَلَى معنى التوبيح عَنْهُ (2) عَلَى الإعراض عَنْهُ بعد مَا عَرفوه بالصدق والأمانة، {فَهُم لَهُ مُنكِرُونَ (69)} دعواه، لأحد هَذِهِ الوجوه.
{أم يقولون: بِهِ جِنَّة} خفَّة عقل، وصف (3) رأي، وكَانَ هُوَ أرجحهم عقلا، وأغزرهم علما، وأحدَّهم نظرا، {بَل جاءهم بِالْحَقِّ} أي: بالقول، بالصدق (4) الذِي لاَ تَخفى صحَّته وحسنه عَلَى عاقل، {و أكثرهم لِلْحَقِّ كارهُونَ (70)} لأَنَّهُ يخالف شهواتهم وأهواءهم، فلذلك أنكروه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «محمد»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «عنه».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وسفه رأي»، أو نحو ذلك.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالقول الصدق». (3/125)
صفحة 941
ولو اتَّبع الحَقُّ أهواءهم} بِأَن كَانَ فيِ الواقع آلهة شتَّى عَلَى قدر أهويتهم، حتَّى يكون لِكُلٍّ معبودُه هواه، لتطاردت الإرادات إِلىَ مَا يعقب فساد العالم، كما قَالَ: {لَفَسَدت السَّمَاوَات والأَرْض ومَن فيهنَّ} كما سبق تقريره فيِ قوله: {لو كَانَ فيهما آلهةٌ إِلاَّ الله لَفَسدتا} (1)؛ وقيل: لو اتَّبع الحقُّ أهواءهم وانقلب باطلا، لذهب مَا قام بِهِ العالم؛ أو ولو اتَّبع الحقُّ الذِي جاء بِهِ محمَّدٌ أهواءَهم وانقلب شركًا، لجاء الله بالقيامة وأهلك العالَمَ من غضب الله. {بَل أتيناهم بذكرهم} بالكتاب الذِي هُوَ ذِكرهم، أي: وعظهم؛ وقيل: بِمَا فِيهِ فَخرهم وشرفهم، كما قَالَ: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لك ولقومِك} (2)، {فَهُم عَن ذكرهم مُعرضُونَ (71)} لايلتفتون إليه.
{أم تسألهم خَرجًا} أجرا عَلَى أداء الرسالة، {فخراجُ رَبِّكَ} رزقه فيِ الدُّنْيَا، وثوابه فيِ العقبى {خير} لسعَتِه وداومه، فإنَّه لايتأتَّى انقطاعه كانقطاع مَا فيِ الأيدي، {وَهُوَ خير الرازقِين (72)} تقرير لخيريَّة خراجه. {وإنَّك لَتَدعوهم إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم (73)} تشهد العقول السليمة عَلَى استقامته لاَ عوج فِيهِ، ليوجب اتِّهامهم لَهُ، لأَنَّهُ لاَ مَجال للتُّهمة. واعلم أنَّه سبحانه ألزمهم الحجَّة وأزاح العلَّة، بِأَنَّ حصر أقسام ما يُؤدِّي إِلىَ الإنكار والاتِّهام، وبيَّن انتفاءها، مَا عدى كراهة الحقِّ، وقِلَّة الفطنة.
{وإن الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة عَن الصِّرَاط لناكبُونَ (74)} لعادلون عَنْهُ مائلون؛ فإنَّ خوف الآخِرَة أقوى البواعث عَلَى طلب الحقِّ، وسلوك طريقه. {ولو رحمناهم وكشفنا مَا بِهم مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا} اللَّجاج: التَّمادي فيِ الشيء، {فيِ طغيانهم} إفراطهم فيِ الكفر، والاستكبار عَن الحقِّ {يعمهُونَ (75)} عَن الهدى.
{__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 22.
(2) - ... سورة الزخرف: 44. (3/126)
صفحة 942
وَلَقَد أخذناهم بالعذاب} سواء وُسِّع لَهُم، أو ضُيِّق عَلَيْهِم، {فما استكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)} فهؤلاء أشدُّ مِنَ الذِينَ يدعون الله مخلصين لَهُ الدين فيِ حال الشدائد، ويشركون (1) بِهِ إِذَا نجَّاهم، بَل أقاموا عَلَى عُتوِّهم واستكبارهم. و «استكان» استفعل مِنَ الكون، لأَنَّ المفتقر انتقل مِن كون إِلىَ كون. {حتَّى إِذَا فتحنا عَلَيْهِم بابا ذا عذابٍ شديدٍ} قيل: هُوَ عذاب الموت {إِذَا هم فِيهِ مبلِسُونَ (77)} متحيِّرون، آيسون مِن كلِّ خير، مُبشَّرون بِكُلِّ شرٍّ.
{وَهُوَ الذِي أنشأ لكم السمع والأبصارَ} لتستدلُّوا بهما مَا نصب مِنَ الآيات، {والأفئدةَ} لتتفكَّروا وتستدلُّوا بها، إِلىَ غير ذَلِكَ مِنَ المنافع الدينيَّة والدنيويَّة، {قليلا مَا تَشكرُونَ (78)} تشكروا بها شكرا قليلا، لأَنَّ العمدة فيِ شكرها استعمالها فيما خُلقت لأجله، والإذعان لِمَانِحِها من غَيْرِ إشراك بِهِ شَيْئًا مِن مَخلوقاته.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ويشركوا»، وهو خطأ. (3/127)
صفحة 943
وَهُوَ الذِي ذَرَأكم فيِ الأَرْض وَإليه تُحشرُونَ (79) [389] وَهُوَ الذِي يُحيي ويُميت وَلَهُ اختلاف الليلِ والنهارِ} مُختصٌّ بِهِ تعاقبهما لاَ يقدِر عليه غَيْره، {أفلا تعقلُونَ (80)}؟ بالنظر والتأمُّل أنَّ الكلَّ (1) مِنَّا، وأنَّ قدرتنا تعمُّ الممكنات كلَّها، وأنَّ البعث من جملتها. {بَل قَالُوا مثل مَا قَالَ الأَوَّلُونَ (81)} آباؤهم ومَن دان بدينهم، {قَالُوا: أئذا مِتنا وَكُنَّا ترابا وعظاما أئنَّا لَمبعوثُونَ (82)}؟ استبعادا؛ ولم يتأمَّلوا أنَّهم كَانُوا قبل ذَلِكَ أَيْضًا تُرابا فَخُلقوا. {لَقَد وُعدنا نَحْنُ وآباؤنا هَذَا مِن قبل} أي: لَقَد وُعدنا وآباؤنا (لَعَلَّهُ) فلم نَرَ هَذَا الوعد، {إنْ هَذَا إِلاَّ أساطير الأَوَّلِين (83)} إِلاَّ أكاذيبهم التِي كَتَبوها، جمع أُسطورة، لأَنَّهَا تُستعمل فيما يُتلهَّى بِهِ، كالأعاجيب والأضاحيك؛ وقيل: جمع أَسطَار، جمع سَطر.
{قل} يا مُحَمَّد: {لِمَن الأَرْضُ ومَن فِيهَا إن كُنتُم تَعْلَمُونَ (84)}؟ إن كُنتُم مِنَ الْعَالِمِينَ بذلك، فيكون استهانة بهم، وتقريرا لفرط جهالتهم، حتَّى جَهلوا مثل هَذَا الجليِّ الواضح، وإلزاما لِمَا لا يمكن ــ لِمَن لَهُ مسكة مِنَ العلم ــ إنكارُه؛ ولذلك أخبر عَن جوابهم قبل أن يُجيبوا، فقال: {سيقولون: للهِ} لأَنَّ العقل الصريح قد اضطرَّهم بأدنى نظر إِلىَ الإِقْرَار بأنَّه خالقها، {قل} أي: بعد مَا قالوه: {أفلا تذَكَّرُونَ (85)}؟ فتعلموا أنَّ مَن فَطر الخلق ابتداء، قَدرَ عَلَى إيجادها ثانيا؛ فإنَّ الابتداء ليس بأهون مِنَ الإعادة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ان كل»، وهو خطأ، والصواب ما أثبت من: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص147. (3/128)
صفحة 944
قل: مَن ربُّ السَّمَاوَات السبعِ وربُّ العرش العظيم(86)} فإنَّها أعظم من ذَلِكَ. {سيقولون: للهِ} لأَنَّ العقول السليمة تُلجئهم إِلىَ الإِقْرَار بذلك، {قل: أفلا تتَّقُونَ(87)} عقابه، فلا تُشركوا بِهِ بعض مَخلوقاته، وَلاَ تنكروا قُدرته عَلَى بعض مقدوراته.
{قل: مَن بيده مَلكوتُ كُلِّ شيء} مُلكه؛ وقيل: خزائنه؛ وقيل حقائقه، {وَهُوَ يُجير} يُغيث مَن يَشَاء ويَحرسه، {وَلاَ يُجار عليه} وَلاَ يُغاث، وَلاَ يُمنع أحد مِنْهُ {إن كُنتُم تَعْلَمُونَ(88) سيقولون: لله، قل: فأنَّى تُسحَرُونَ(89)}؟ فمن أين تخدعون، فتصرفون عَن الرُّشد مَعَ ظهور الأمر، وتظاهر الأدلَّة. {بَل أتيناهم بِالْحَقِّ} مِنَ التوحيد والوعد بالنشور، {وَإنَّهُم لكاذبُونَ(90)} حيث أنكروا ذَلِكَ.
{مَا اتَّخَذَ الله مِن ولدٍ} لتقدُّسِه عَن ذَلِكَ، {وَمَا كَانَ مَعَه مِن إله} يُساهمه فيِ الألوهيَّة، {إِذًا لَذَهب كُلُّ إله بِمَا خَلَق ولَعَلاَ بعضُهم عَلَى بعضٍ} جواب مُحاجَّتهم، وجزاء شرط، حُذف لدلالة مَا قبله عليه، أي: لو كَانَت معه آلهة كما يقولون، لذهبَ [كلُّ] وَاحِدٍ مِنْهُم بِمَا خَلقه واستبدَّ بِهِ، وامتاز مُلكه عَن مُلك الآخرين، ووقع بينهن التحارب والتغالب، كما هُوَ حال ملوك الدُّنْيَا، فلم يكن بيده وحده مَلكوت كُلِّ شيء؛ {سبحانَ الله عَمَّا يصفُونَ(91)} مِنَ الولد والشريك، لِمَا سبق مِنَ الدليل عَلَى فَساده. {عالمِ الغيبِ والشهادةِ} هُوَ دليل آخر عَلَى نفي الشريك، بناء عَلَى توافقهم فيِ أنَّه المنفرد بذلك؛ ولهذا رتَّب عليه: {فتعالىَ عَمَّا يُشركُونَ(92)} عَن أن يَضرَّه شركهم.
{ (3/129)
صفحة 945
قل: رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي} إن كَانَ لاَ بُدَّ (لَعَلَّهُ) مِن أن تُريَني، لأَنَّ ما والنون للتَّأكيد، {مَا يُوعدُونَ(93)} مِنَ العذاب فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة. {ربِّ فلا تَجعلني فيِ القوم الظالمِين(94)} قرينا لَهُم فيِ العذاب. {وَإِنَّا عَلَى أن نُرِيك مَا نَعِدهم لَقادرُونَ(95)} لكنَّا نؤخِّره لحكمة ومشِيئَة مِنَّا فِيهِم.
[390] {ادفع بالتي هِيَ أحسنُ السَّيِّئَةَ} هُوَ الصفح عنها، والإحسان فيِ مقابلتها، لكن بحيث لم يؤدِّ إِلىَ وَهَن فيِ الدين. وقيل هِيَ: كلمة التوحيد. وَالسَّيِّئَة: الشرك؛ {نَحْنُ أعلم بِمَا يصفُونَ(96)} مِنَ الشرك مِمَّا ينطق به لسان مقالهم، أو لسان حالهم؛ وأَقْدَرُ عَلَى جزائهم، فكِل إلينا أمرهم.
{وقل: رَبِّ أعوذ بك} أي: مُستجير، ومُستَليذ، ومعتصم بك {مِن هَمزات} نَزَغات {الشياطِين(97)} وَسَاوسهم؛ وأصل الهمز: النخس؛ والهمز: شدَّة الدفع؛ والمعنى: دفعهم بالإغواء إِلىَ المعاصي. {وأعوذُ بك رَبِّ أن يَحضرونِ(98)} فيِ شيء من أحوالي؛ وحضورهم هنا الاستجابة لدعوتهم، وَإِلاَّ فَهُم حاضرون فيِ جميع الأحوال، وَلاَ يُطمع في أن يغيبوا عَن أحد من أهل التعبُّد من الثقلين؛ ولو لم يكن هكذا لَزَال التعبُّد، وانحطَّت المجاهدة عَن العبد.
{ (3/130)
صفحة 946
حتَّى إِذَا جاء أحدَهم الموتُ} مُتعلِّق بـ «يصفون»، {قَالَ} تَحسُّرا عَلَى مَا فَرَّط، لمَّا أن حقَّ يقينه: {ربِّ ارجعون (99)} رُدُّوني إِلىَ الدُّنْيَا. {لعلِّي أعملُ صالحا فيما تَركتُ} فيِ الدُّنْيَا مِنَ العمل الواجب عليَّ؛ {كَلاَّ} رَدع عَن طلب الرجعة، واستبعاد لَهُم، {إِنَّهَا كلمةٌ} يعني قوله: {رَبِّ ارجعون ... } إِلىَ آخره. {هُوَ قائلها} وَلاَ ينالها لاَ مَحالة، لتسلُّط الحسرة عَلَيه عذابا، وَهُوَ أهل لَهُ. روي عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا عَاين المؤمن المَلاَئِكَة قَالُوا: نُرجعك إِلىَ الدُّنْيَا؟ قَالَ: إِلىَ دار الهمومِ والأحزان، بَل قُدوما إِلىَ الله، وَأَمَّا الكافر فيقول: رَبِّ ارجعون» (1). قَالَ قتادة: «مَا تَمَنَّى أن يَرجع إِلىَ أهلٍ وعشيرة، وَلاَ ليجمع الدُّنْيَا، ويقضي الشهوات؛ ولكن تَمَنَّى أن يرجع، فيعمل لطاعة الله؛ فرحم الله امرء عمل فيما يتمنَّاه». {ومِن وَرائهم} أمامهم {بَرزَخ} حائل بَيْنَهُم وبين الرجعة {إِلىَ يوم يُبعثُونَ (100)} يوم القيامة، وَهُوَ قَطعٌ عَن طمع الرُّجوع إِلىَ الدُّنْيَا، لَمَّا عَلِم أنَّه لاَ رجعة يوم البعث إِلىَ الدُّنْيَا.
{فإذا نُفخ فيِ الصور} لقيام الساعة، {فلا أَنسَابَ بَيْنَهُم} ينفعهم لزوال التعاطف والتراحم مِن فرط الحيرة، واستيلاء الدَّهشة، بحيث {يَفرُّ المرء من أخيه، وأُمِّه وأبيه، وصاحبته وبنيه} (2)، {يومئذ} كما يفعلون اليوم، {وَلاَ يَتَساءلُونَ (101)} وَلاَ يَسأل بعضهم بعضا سؤالَ نفع، وكَأنَّ الآيَة مَخصوصة فيِ الْكَافِرِينَ، أو فيِ الجميع، لقوله:
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع، ولا في الكتب التسعة، ولا في الجامع الصغير وزياداته.
(2) - ... سورة عبس: 34 - 36. (3/131)
صفحة 947
فمن ثَقُلت مَوازينه} موزونات عقائده وأعماله، مَا سلم مِنَ الكبائر، {فأولئك هُمُ المفلحُونَ (102)} الفائزون بالدرجات. {ومن خفَّت موازينه} ولم يكن لَهُ مَا يكون لَهُ وزن، {فأولئك الذِينَ خَسِروا أنفسهم} غبنوها، حيثُ ضيَّعوا زمان استكمالها، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها، {فيِ جَهَنَّم خالدُونَ (103) تَلفَح (1) وجوهَهم النارُ} تَحرقها، {وَهُم فِيهَا كالِحُونَ (104)} من شدَّة الاحتراق؛ والكلوح: تقلُّص (2) الشفتين عَن الأسنان فيِ عُبوس. {ألم تكن آياتي تُتلى عَلَيْكُم فكنتم بها تُكذِّبُونَ (105)} تذكير لَهُم بِمَا استحقُّوا هَذَا العذاب لأجله.
{قَالُوا: رَبَّنَا غَلَبَت علينا شِقوَتُنا} مَلَكَتْنا بِحيث صارت مَجامع أحوالنا مؤدِّية إِلىَ سوء العاقبة، {وكنا قوما ضالِّين (106)} عَن الحقِّ. [391] {رَبَّنَا أَخرِجْنا منها، فإن عدنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (107) قَالَ: اخسَئوا فِيهَا} اسكتوا سكوتَ هَوانٍ؛ مِن خَسَأْت الكلب: إِذَا زَجَرته فَخسأ، {وَلاَ (3) تُكلِّمون (108)} فعند ذَلِكَ أَيِس المسرفون مِنَ الفرَج؛ وقيل: هُوَ آخر كلام أهل النار، وَلاَ يتكلَّمون بعدها، إِلاَّ الشهيق والزفير، والأنين والصراخ.
{إِنَّهُ كَانَ فريقٌ مِن عبادي يقولون: رَبَّنَا آمنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا وأنت خيرُ الراحمِين (109)، فاتَّخذتموهم سِخريًّا} هُزؤًا، {حتَّى أَنْسَوكم ذِكري} من فَرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم، فلم تَخافوني فيِ أوليائي (4). {وكنتم (5) مِنْهُم تَضحكُونَ (110)} مبالغة فيِ الاستهزاء بهم. {إِنِّي جَزَيتُهم اليومَ بِمَا صبروا} عَلَى استهزائكم {أَنَّهُمْ هُمُ الفائزُونَ (111)} فوزَهم لِمجامع مراداتهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «تفلح»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «تلقص»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: - «لا»، وهو خطأ.
(4) - ... في الأصل: «أولياء»، وهو خطأ.
(5) - ... في الأصل: «فكنتم»، وهو خطأ. (3/132)
صفحة 948
قَالَ: كم لبثتم فيِ الأَرْض}؟ أحياء وأمواتا فيِ القبور {عَدَد سنِينَ(112)؟ قَالُوا: لبثنا يوما أو بعضَ يوم} استقصارا لِمدَّة لبثهم فِيهَا، بالنسبة إِلىَ خلودهم فيِ النار؛ أو لأَنَّهَا كَانَت أيَّام سرورهم، وأيَّام السرور قِصار؛ أو لأَنَّهَا منقضية، والمنقضي فيِ حكم المعدوم؛ {فاسأل العادِّين(113)} الذِينَ يَتَمكَّنون فيِ عَدِّ أَيَّامها (لَعَلَّهُ) وَهُم المَلاَئِكَة، أو المؤمنون.
{قَالَ إن لبثتم إِلاَّ قليلا} سُمِّي قليلا، لأَنَّ الوَاحِد ولو طال مَكثه فيِ الدُّنْيَا فإنَّه يكون قليلا فيِ جَنب الآخِرَة، {لو أَنَّكُم كُنتُم تَعْلَمُونَ(114)} قَدرَ لبثكم فيِ النار، تصديق لَهُم فيِ مَقالهم. {أفحسبتم أَنَّمَا خلقناكم عَبَثا}؟ توبيخٌ عَلَى تَعاقبهم، {وَأَنَّكُم إلينا لاَ تُرجعُونَ(115)} للجزاء.
{فتعالى الله الملك الحَقُّ} الباقي الذِي يَحقُّ لَهُ الملك مُطلقا؛ فإنَّ مَن عداه مَملوك بالذَّات، مالك بالعرض، مِن وجه دون وجه، ومن حال دون حال؛ {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} فإنَّ مَن عداه عبيد، {ربُّ العرشِ الكريم(116)} الذِي يُحيط بالأجرام، وينزل مِنْهُ مُحكمات الأقضية والأحكام؛ ولذلك وصفه بالكرم (1) ؛ أو لنسبته إِلىَ أكرم الأكرمين؛ وقرئ بالرفع، عَلَى أنَّه صفة الربِّ.
{ومن يَدعُ مَعَ الله إلها آخر} يعبده إفرادا أو شركًا؛ وذلك يتناول جميع العصاة، {لاَ برهان لَهُ بِهِ} تنبيها عَلَى أنَّ التديُّن بِمَا لاَ دليل عليه مَمنوع، فضلا عمَّا دَلَّ الدليل عَلَى خِلافه، {فَإِنَّمَا حِسابه عند رَبِّه} فهو مُجازٍ لَهُ مقدار مَا يستحقُّه {إِنَّهُ لاَ يُفلح الْكَافِرُونَ(117)} أي: حسابهم عدم الفلاح.
بدأ السورة بتقرير فَلاحِ المؤمنين، وخَتَمَها بنفي الفلاح عَن الْكَافِرِينَ؛ ثُمَّ أمر رسوله بأن يَستغفره ويسترحمه، فقال: {وقل: رَبِّ اغفر وارحم وأنت خيرُ الراحمِين(118)}.
__________
(1) - ... في الأصل: «بالكرام»، ولا مَعنَى له. (3/133)
صفحة 949
سورة النور
بسم الله الرحمن الرحيم
{سورةٌ أنزلناها وفرضناها} قرئت بالتخفيف، ومعناه: أوحينا مَا فِيهَا مِنَ الأحكام، وألزمناكم العمل بها؛ وقيل: بالتثقيل، ومعناه: فصَّلناها وبيَّناها، {وأنزلنا فِيهَا آيات بَيِّنَات} واضحات الدلالة، {لَعَلَّكُم تذَكَّرُونَ (1)} فتتَّقون المحارم.
{الزانيةُ والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِد منهما مائةَ جلدةٍ، وَلاَ تأخذْكم بهما رأفةٌ فيِ دينِ الله} فيِ طاعته وإقامة حدِّه، فتعطِّلوه، أو تُسامحوا فِيهِ، {إن كُنتُم تُؤمنون بالله واليوم الآخر} فإنَّ الإيمان يقتضي [392] الجدَّ فيِ طاعة الله، والاجتهادَ فيِ إقامة أحكامه، وَهُوَ من باب التهييج. والرأفة والرحمة لاَ تنال العاصين، ألم تر أنَّ الله لم يُجِرْهم مِن عذابه إِذَا (1) لم يقيموا بدينه؟. {وليشهد عذابَهما طائفةٌ منَ المؤمنِين (2)} زيادة فيِ التنكيل؛ فإنَّ التفضيح قد ينكِّل أكثر مَا ينكِّل التعذيب؛ والمراد بالطائفة: جمع يَحصل بِهِ التشهير.
{الزاني لاَ يَنكح إِلاَّ زانيةً أو مشركةً، والزانيةُ لاَ يَنكِحها إِلاَّ زانٍ أو مشركٌ، وحُرِّم ذَلِكَ عَلَى المؤمنِين (3)} قَالَ أبو سعيد فيِ تأويل هَذِهِ الآيَة: «معي أنَّه فيِ التأويل مِمَّا تأوَّل أصحابنا أنَّ المحدود عَلَى الزنا مِن أهل القبلة لاَ ينكح إِلاَّ مَحدودة من أهل القبلة عَلَى الزِّنا، أو مشركة مِن أهل الكتاب مَحدودة، أو غير مَحدودة؛ والمحدودة من أهل الكتاب لاَ ينكحها إِلاَّ محدود من أهل القبلة عَلَى الزِّنا، أو مشرك من أهل دينها كَانَ مَحدودا أو غير مَحدود؛ وحُرِّم مَا سِوى هَذَا عَلَى المؤمنين؛ والمحدودة من أهل القبلة لاَ يَجوز لها المشرك عَلَى حال من أهل الكتاب، وَلاَ مِن غيرهم».
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «إذْ». (3/134)
صفحة 950
وَالذِينَ يَرمون المحصَناتِ} بالزِّنا {ثُمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدةً، وَلاَ تقبلوا لَهُم شهادة أبدا، وأولئك هُمُ الفاسقُونَ (4)، إِلاَّ الذِينَ تابوا من بعد ذَلِكَ وأصلحوا، فإنَّ الله غَفُور رحيم (5)، وَالذِينَ يرمون أزواجهم ولم يكن لَهُم شهداءُ إِلاَّ أنفسُهم، فشهادةُ أحدهم أربع شهاداتٍ بالله إِنَّهُ لمن الصادقِين (6)، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كَانَ مِنَ الكاذبِين (7)؛ ويدرَؤُا عنها العذابَ أنْ تشهد أربع شهادات بالله إِنَّهُ لمن الكاذبِين (8)، والخامسة أن غضب الله عليها إن كَانَ مِنَ الصادقِين (9)؛ ولولا فضل الله عَلَيْكُم ورحمته وأنَّ الله توَّاب حكيم (10)} متروك الجواب، أي: لفضحَكم وعاجَلكم بالعقوبة.
{إنَّ الذِينَ جاءوا بالإفك} بأبلغ (1) مَا يكون مِنَ الكذب مِنَ الأَفك، وَهُوَ الصرف (2)، لأَنَّهُ قول مَأفوك عَن وجهه، وَالمُرَاد مَا أُفك به عَن عائشة. {عُصبَة منكم} جماعةٌ منكم، {لاَ تحسبوه شرًّا لكم} مستأنَف، معناه: [يا] عائشة ويا صفوان (3)؛ (لَعَلَّهُ) وَقِيلَ: هُوَ خِطاب لعائشة؛ {بَل هُوَ خير لكم} لاكتسابكم بِهِ الثواب العظيم من أجل صبركم، {لكلِّ أمرئٍ مِنْهُم مَّا اكتسَبَ مِنَ الإثم} لكلٍّ جزاء مَا اكتسب بقدر مَا خاض فيه مختصًّا بِهِ، يعني: مِنَ العُصبة الكاذبة، {والذي تولىَّ كِبره} معظمه {مِنْهُم} مِنَ الخائضين، {لَهُ (4) عذاب عظيم (11)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «بالغ». والصواب ما أثبتناه من: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 171. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص160.
(2) - ... «وأَفَكَ عنه يأفِكُه أَفْكًا: صَرَفه وقلبه، أو قلب رأيَه». الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 838، مادَّة: «أفك».
(3) - ... وَهُوَ الصحابيُّ: صفوان بن المعطَّل السلميُّ. انظر: الزمخشري: المصدر نفسه. أبو السعود: المصدر نفسه.
(4) - ... في الأصل: «لهم»، وهو خطأ. (3/135)
صفحة 951
لولا} هلاَّ {إذ سمعتموه ظنَّ المؤمنون والمؤمناتُ بأنفسهم خيرا، وَقَالُوا: هَذَا إفك مُبِين (12)} قَالَ محبوب: «بلغنا أنَّها نزلت فيِ أبي أيُّوب الأنصاريِّ، إذ قالت لَهُ أمرأته: ألا تسمع [يا] أبا أيُّوب مَا يقول الناس (1) فيِ عائشة، فقال لها أبو أيُّوب: كنتِ فاعلة ذَلِكَ يا أمَّ أبي أيُّوب، فقالت: لاَ والله، فقال لها: فعائشة خير منك؛ فأنزل الله فِيهِ الآيَة».
{لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء، فإذْ (2) لم يأتوا بالشهداء، فأولئك عند الله هُمُ الكاذبُونَ (13)} فإن قيل كيف يصيرون عند الله كاذبين إِذ لم يأتوا بالشهداء، ومن كذب فهو عند الله كاذب، سواء أتى بالشهداء أو لم يأت؟ قيل: «عند الله» أي: فيِ حكم الله.
[393] {ولولا فضلُ الله عَلَيْكُم ورحمته فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة} المَعْنَى: لولا فضل الله عَلَيْكُم فيِ الدُّنْيَا بأنواع النعم التِي من جُملَتها الإمهال للتَّوبة، ورحمته فيِ الآخِرَة بقبولها، {لمسَّكم فيِ مَا أفضتم فِيهِ} خُضتُم فِيهِ {عذاب عظيم (14)، إذ تلقَّونه بألسنتكم} يأخذه بعضكم من بعض {وتقولون بأفواهكم مَا ليس لكم بِهِ علم وتحسبونه هيِّنا} سهلا لاَ عقوبة لَهُ، وَلاَ سؤال عَنْهُ، {وَهُوَ عند الله عظيم (15)} فيِ الوزر واستجلاب العذاب، وتفويت الرحمة، وهكذا جميع معاصي الله، ولو حسبها فاعلُها لظنِّهِ أَنَّهَا هيِّنة فلا عُذر لَهُ، وَلاَ يسعه جهله مَعَ قيام الحجَّة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «للناس»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «فإذا»، وهو خطأ. (3/136)
صفحة 952
ولولا إذ سمعتموه، قلتم: مَا يكون لَنَا أن نتكلَّم بهذا} مَا ينبغي وَمَا يصحُّ لَنَا، {سبحانك هَذَا} تعجُّب لِمَن يقول ذَلِكَ، وأصله أن يُذكَر عند كل مُتعجَّب (1) تنزيها لله تعالى مِن أن يصعب عليه مثله، ثُمَّ كثُر فاستعمل لِكُلِّ مُتعجَّب؛ {بهتانٌ عظيم (16)}.
{يعظكم الله أن تَعودوا لمثله أبدًا} مَا دمتم أحياء مكلَّفين، وذلك يتناول تحقيق كُلِّ ظنٍّ قَولا واعتقادا، {إن كُنتُم مؤمنِين (17)} فإنَّ الإيمان يمنع عَنْهُ. {ويُبيِّن الله لكم الآيات} الدالَّة عَلَى الشرائع، ومحاسن الآداب، كي تتَّعظوا، {والله عليم حكيم (18)}.
{إنَّ الذِينَ يُحبُّون أن تشيع} أن تنتشر {الفاحشة فيِ الذِينَ آمنوا، لَهُم عذاب أليم فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، وَاللهُ يعلم وأنتم لاَ تَعْلَمُونَ (19)، ولولا فضل الله عَلَيْكُم ورحمته (2) وأنَّ الله رءوف رحيم (20)} لعلَّه جواب “لو” محذوف، أي: لعاجلكم بالعقوبة. {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تتَّبعوا خطوات الشيطان} أي: وساوسه، {ومن يتَّبِع خطوات الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشاء والمنكر} فإنَّه يَأْمُرُ بضدِّ مَا أمر الله بِهِ، وينهى عَن جميع مَا أمر الله بِهِ، {ولولا فضل الله عَلَيْكُم ورحمته} بتوفيق التوبة، {مَا زكى} مَا طهر من دنسها {منكم مِن أحد أبدا} من أوَّلكم إِلىَ آخركم، {ولكنَّ الله يُزكِّي مَن يَشَاء} يحمله عَلَى التوبة، {والله سميع عليم (21)}.
{__________
(1) - ... في العبارة نقص، وتمامها عند أبي السعود: «وأصله أن يذكر عند معاينة العجيب من صنائعه تعالى تنزيها له عن أن يصعب عَلَيه أمثاله، ثُمَّ كثر حَتَّى استعمل في كُلِّ متعجَّب منه». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص163. وانظر نحو تلك العبارة: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 173.
(2) - ... في الأصل: - «ورحمته»، وهو سهو. (3/137)
صفحة 953
وَلاَ يأتل} وَلاَ يحلف، افتعال مِنَ الألية. قيل: نزل فيِ أبي بكر، وقد حلف أن لاَ يُنفق عَلَى مسطح بعدُ، وكَانَ ابن خالته، وكَانَ مِنَ الفقراء، {أولو الفضل منكم} فيِ الدين، {والسعة} فيِ المال، {أن يُؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين فيِ سبيل الله، وليعفوا} مَا فرط مِنْهُم، {وليصفحوا} بالإغماض عَنْهُ، {ألاَ تُحبُّون أن يَغْفِر الله لكم} عَلَى عفوكم وصفحكم وإحسانكم إِلىَ من أساء إليكم، {والله غَفُور رحيم(22)} مَعَ كمال قدرته، فتخلَّقوا بأخلاقه. روي أنَّه - عليه السلام - قرأها على أبي بكر، فقال: بلى أحبُّ، ورجع إِلىَ مسطح نفقته.
{إنَّ الذِينَ يرمون المحصنات} العفائف {الغافلات} عمَّا قُذفن بِهِ، الغافلات عَن الفاحشة أن لاَ تقع فيِ قلوبهنَّ فضلا عَن مُواقعتها، {المؤمنات} بالله ورسوله، استباحة لعِرضهن، {لُعنُوا} أُبْعِدوا مِنَ الرحمة {فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة} كما طعنوا فِيهِنَّ، {ولهم عذابٌ عظيمٌ(23)} فيِ الدَّارين. {يوم تشهد عَلَيْهِم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(24) يومئذ يُوفِّيهم الله دينَهم الحَقَّ} جزاءهم المستحقَّ، {ويعلمون} لمعاينتهم الأمر {أنَّ الله [394] هُوَ الحقُّ الْمُبِين(25)} الثابت بذاته، الظاهر الألوهية، لايشاركه فيِ ذَلِكَ غيره، وَلاَ يقدِر عَلَى الجزاء سواه.
{الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيِّبات للطيِّبين، والطيِّبون للطيِّبات} فقد قيل الطيِّب مِنَ القول للطيِّب مِنَ العباد، والخبيث مِنَ القول للخبيث مِنَ العباد، ويخرج فيِ النيات والأعمال، كما يخرج فيِ الأقوال؛ ويخرج فيِ الجِنان والنيران لأهلهما؛ ويخرج فيِ الأرواح، ولعلَّه قد قيل ذَلِكَ بدليل قوله: {أُولَئِكَ مُبرَّءون مِمَّا يَقولون، لَهُم مَغفرة ورزق كريم(26)} فيِ الدَّارين.
{ (3/138)
صفحة 954
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حَتَّى تستأنسوا} تستأذنوا، مِنَ الاستئناس بمَعْنَى: الاستعلام، من أنس الشيء إِذَا أبصره {وتُسلِّموا عَلَى أهلها، ذلكم خيرٌ لكم لَعَلَّكُم تذكَّرُونَ(27)، فإن لم تجدوا فِيهَا أحدا، فلا تدخلوها حَتَّى يُؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هُوَ أزكى لكم} أي: أطهر، {والله بِمَا تَعْمَلُونَ عليم(28)؛ ليس عَلَيْكُم جُناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} قيل: هِيَ الخانات عَلَى طُرق الناس، {فِيهَا متاع لكم} لعلَّه مِنَ الحرِّ والبرد، أو منفعة من قضاء حاجة، {والله يعلم مَا تُبدون وَمَا تكتمُونَ(29)}.
{قل للمؤمنين: يغضُّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذَلِكَ أزكى لَهُم، إِنَّ اللهَ خبير بِمَا يصنعُونَ(30)} لاَ يخفى عليه إجالة أبصارهم، واستعمال سائر حواسِّهم، وتحريك جوارحهم، وَمَا يقصدون بها فيكون عَلَى حذر مِنْهُ فيِ كُلِّ حركة وسكون.
{ (3/139)
صفحة 955
وقل للمؤمنات: يغضضن من أبصارهنَّ، ويحفظن فروجهنَّ، وَلاَ يُبدِين زينتهنَّ} قَالَ أبو الحسن العمانيُّ: «فمن أبدى مِنَ النساء زينتها فقد كفرت وارتكبت كبيرة، ويُبرَأ مِنها، من حينها، وهذا إِنَّمَا تَكفر إِذَا أصرَّت عَلَى ذَلِكَ ولم تتُب من حينها». انتهى كلامه. {إلاَّ مَا ظهر منها} هُوَ الوجه والكفَّان، {وليضربن بخمرهنَّ عَلَى جيوبهنَّ} سترا لأعناقهن؛ وقيل لصدورهن وقروطهن، {وَلاَ يُبدِين زينتهنَّ} الخفيَّة التِي أُمرت بتغطيتها، وهي مَا عدى الوجه والكفَّين، {إلاَّ لبعولتهنَّ أو آبائهنَّ أو آباء بعولتهنَّ أو أبنائهنَّ أو أبناء بُعولتهنَّ أو إخوانهنَّ أو بني إخوانهنَّ أو بني أخواتهنَّ أو نسائهنَّ أو مَا ملكت أيمانهنَّ أو التابعين غير أولي الإربة مِنَ الرجال} قيل: البُلَّه الذِينَ يتَّبعون الناس لفضلِ طعامهم، وَلاَ يعرفون شَيْئًا من أمور النساء، {أو الطفل الذِينَ لم يظهروا عَلَى عورات النساء} لعدم تمييزهم، مِنَ الظُّهور بمعنى الإطِّلاع، أو لعدم بلوغهم حدَّ الشهوة مِنَ الظهور بمعنى الغلبة؛ وقيل: أَرَادَ: لم ينكشفوا عَن عورات النساء للجماع فيطَّلعوا عليها؛ وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها مِنَ الصِّغَر؛ وقيل: لم يبلغوا حدَّ (لَعَلَّهُ) الشهوة؛ {وَلاَ يضربن بأرجلهنَّ ليُعلم مَا يُخفين مِن زينتهنَّ} ليتقعقع خلخالها، فيعلم أَنَّهَا ذات خلخال، فإنَّ ذَلِكَ يُورث ميلاً فيِ الرجال، {وتوبوا إِلىَ الله جميعا} مِنَ التقصير فيِ أمره ونهيه، {أيُّها المؤمنون، لَعَلَّكُم تفلحُونَ(31)}.
{ (3/140)
صفحة 956
وأنكحوا الأيامَى منكم} زوِّجُوا التِي لاَ أزواج لهنَّ مِنَ النساء إن طَلَبن، أو استأمروهن إن طُلِبن، {والصالحين من عبادكم وإمائكم} تخصيص الصالحين، قيل: المُرَاد الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه، {إن يَكونوا فقراء يُغنهم الله مِن فضله} المعنى [395] لم يمنعن فقرا الخاطب أو المخطوبة مِنَ المناكحة (1)، فإنَّ فيِ فضل الله غُنية عَن المال، فإنَّه غادٍ ورائح. (وقيل: الغنى هُوَ القناعة) (2)، {والله واسع} ذو سَعة لاَ تنفد نعمته، إذ لاَ تتناهى قدرته، {عليم (32)} يبسط الرزق ويقدِر عَلَى مَا تقتضيه حكمته.
{وليستعفف} وليجتهد فيِ العفَّة وقمع الشهوة، مِنَ الاستفعال لطلب العفَّة عَن الحرام والزِّنا، {الذِينَ لاَ يجدون نكاحا} أسبابه، ويجوز أن يراد بالنكاح مَا يُنكح، أو بالوجدان التَّمكُّن مِنْهُ، {حتَّى يُغنِيَهم الله من فضله} فيجدوا مَا يتزوَّجونه، أو يتزوَّجون بِهِ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب ما ذكره أبو السعود: «لا يَمنعنَّ فقرٌ الخاطبَ أو المخطوبةَ مِنَ المناكحة». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص171.
(2) - ... ما بين قوسين كتب في الحاشية ولا يُدرى محلُّه من النصِّ وأثبتناه في سياقه باجتهادنا، ويبدو أَنَّه من إضافة الناسخ. (3/141)
صفحة 957
وَالذِينَ يبتغون الكتاب} المكاتبة {مِمَّا مَلكت أيمانكم، فكاتبوهم إن علمتم فِيهِم خيرا} أمانة وقدرة عَلَى أداء المال بالاحتراز. وقد رُوي مثله مرفوعا؛ وقيل صلاحا فيِ الدين، {وآتوهم من مال الله الذِي آتاكم} لأَنَّ المال وجميعَ الخلق من [اللهِ] إِنَّمَا يؤتي مِنْهُ من يشاء مِنْهُم. {وَلاَ تُكرهوا فتياتكم} إماءكم {عَلَى البغاء} عَلَى الزِّنا. قيل: كَانَت لعبد الله بن أُبَيٍّ ستُّ جوار يُكْرَهْنَ عَلَى الزِّنا، وضرب عليهنَّ الضرائب، فشكا بعضهنَّ إِلىَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فنزلت. {إن أردن تحصُّنا} تعفُّفا {لتبتغوا عَرَض الحياة الدُّنْيَا ومن يُكرههُّنَّ} عَلَى الزِّنا {فإنَّ الله مِن بعدِ إكراهِهِنَّ غَفُور رحيم(33)}.
{وَلَقَد أنزلنا إليكم آيات مُبيِّنات} مِنَ الحلال والحرام، يَعني الآيَات التِي بُيِّنت فيِ هَذِهِ السورة، وأوضحت فِيهَا الأحكام والحدود، أو مَا تقدَّم مِنَ التنزيل. وقُرئ هنا وفي الطَّلاق بالكسر، لأَنَّهَا واضحات تُصدِّقها الكتب المتقدِّمة والعقول السليمة المستقيمة؛ أو لأَنَّهَا بَيَّنت الأحكام والحدود، {ومَثَلاً مِنَ الذِينَ خَلَوْا من قبلكم} أي: ومثلا من أمثال مَن قبلكم {وموعظة للمتَّقِين(34)} يعني: مَا وُعظ بِهِ فيِ تلك الآيات، وتخصيص المتَّقين لأَنَّهُم المنتفعون بها.
{ (3/142)
صفحة 958
الله نور السَّمَاوَات والأَرْض} (ومن كتب أصحابنا: «وعن قول الله: {الله نور السَّمَاوَات والأَرْض} المعنى: لَعَلَّهُ أَنَّهُ الهادي لِمَن في السموات والأرض) (1) . النور فيِ الأصل: كَيفِية تدركها الباصرة أَوَّلاً، وبواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية مِنَ النيِّرين عَلَى الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وَهُوَ بهذا المعنى لايصحُّ إطلاقه عَلَى الله تعالى إِلاَّ بتقدير مضاف، كقولك: زيدٌ كَرَمٌ، بمَعنَى: ذو كرم. أو عَلَى تَجوُّز، إمَّا بمعنى: مُنوِّر السَّمَاوَات والأَرْض، وقد قرئ به؛ وأنَّ الله تعالى نوَّرها بالكواكب، وَمَا يفيض عليها مِنَ الأنوار، أو بالمَلاَئِكَة والأنبياء. أو مدبِّرُها ــ من قولهم للرئيس الفائق فيِ التدبير: نور القوم، لأَنَّهُم يهتدون بِهِ فيِ الأمور ــ وموجدُها، فإنَّ النور ظاهر بذاته مُظهر لغيره؛ وأصل الظهور هُوَ الوجود، كما أنَّ أصل الخفاء هُوَ العدم، وَاللهُ سبحانه موجود بذاته موجِد لِمَا عداه. أو للذي بِهِ يُدرَك. أو يُدرك أهلها، من حيث أنَّه يُطلق عَلَى الباصرة لتعلُّقها بِهِ، أو لمشاركتها لَهُ فيِ توقُّف الإدراك عليه، ثُمَّ عَلَى البصيرة، لأَنَّهَا أقوى إدراكا، فإنَّها تُدرك نفسها وغيرها من الكلِّيَّات والجزئيَّات للموجودات والمعدومات، وتغوص فيِ بواطنها وتنصرف فِيهَا بالتراكيب والتحليل، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الإدراكات ليست لذاتها، وَإِلاَّ لَمَا فارقتها، فهي إذن مِن سببٍ يُفيضها عليها، وَهُوَ الله سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسُّطٍ مِنَ المَلاَئِكَة والأنبياء، ولذلك سمُّو أنوارًا. ويقرب مِنْهُ قول ابن عبَّاس: «معناه هادي من فِيهَما». فَهُم بنوره يهتدون، وإضافته إِلَيْهِما للدلالة عَلَى سعة إشراقه. [
__________
(1) - ... ما بين قوسين كتب في الحاشية ولم يُحِل إِلَيهِ في النصِّ، وأثبتناه في سياقه باجتهادنا، ويبدو أَنَّه من إضافة الناسخ. (3/143)
صفحة 959
396] أو لاشتمالهما عَلَى الأنوار الحسِّية والعقليَّة، قصور الإدراكات البشريَّة عَلَيهما وَعَلَى المتعلّق بهما، والمدلول لهما (1) .
{مَثَل نُوره} صفة نوره العجيبة الشأن؛ وإضافته إِلىَ ضميره سبحانه، دليل عَلَى أنَّ إطلاقه عليه لم يكن عَلَى ظاهره، {كَمِشكَاة} كصفة مِشكاة: وهي الكوَّة الغير النافذة، {فِيهَا مِصباح} سِراج ضَخم ثاقب؛ وقيل المشكاة: الأنبوب فيِ وسط القنديل؛ والمصباح: الفتيلة المشتعلة، {المصباحُ فيِ زُجاجة} فيِ قنديل مِنَ الزجاج، {الزجاجة كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ} مُضيء مُتلألئ كالزهرة فيِ صفائه وزهرتِه، منسوبٌ إِلىَ الدُّر، {يُوقَد مِن شجرةٍ مباركة زيتونةٍ} أي: ابتداء ثقوب المصباح مِن شجرة الزيتون المتكاثر نفعه، بِأَن رُوِّيت ذبالتها بزيتها؛ وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة، ثُمَّ إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها؛ {لاَ شَرقيَّة وَلاَ غربيَّة} تقع عليها الشمس حينا بعد حين، بَل بِحيث تقع عليها طوال النهار، كالتي تكون عَلَى قُلَّة (2) ، أو صحراء واسعة، فإنَّ ثمرتها تكون أنضج، وزيتها أصفى؛ أو لأَنَّهَا نابتة فيِ شرق المعمورة وغربها (3) ، بَل فيِ وسطها، وَهُوَ الشام، فإنَّ زيتونه أجود الزيتون؛ أو لأَنَّهَا [لاَ] فيِ مَضحى تُشرق الشمس عليها دائما فتحرقها، وَلاَ مَقنَأةٍ تغيب عنها دائما فتتركها نيًّا (4) .
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا.
(2) - ... «وقُلَّة كُلِّ شَيْء: رأسه. والقُلَّة: أعلى الجبل... وخصَّ بعضهم به أعلى الرأس والسنام والجبل». ابن منظور: لسان العرب، 5/154، مادَّة: «قلل».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أو لأَنَّهَا لاَ نابتة فيِ شرق المعمورة ولا في غربها». كما ذكر أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص176.
(4) - ... أي غير ناضجة. انظر الكلمة وتصاريفها ومعانيها في: ابن منظور: لسان العرب، 6/752، مادَّة: «نيأ». (3/144)
صفحة 960
وفي الحديث: «لاَ خير فيِ شجرة وَلاَ فيِ نبات في مقنأة، وَلاَ خير فيهما فيِ مضحى» (1) .
{يكادُ زيتها يُضيء ولو لم تَمسَسْه نارٌ} أي: يكاد يُضيء بنفسه من غير نار، لتلألُئِه، وفرط بيضه (2) ، {نورٌ عَلَى نور} نور مُتضاعف، فإنَّ نور المصباح زادَ فيِ إنارته صفاء الزَّيت، وزهرة القنديل، وضبط المشكاة لأشعَّته.
وقد ذُكر فيِ مَعنَى التمثيل وجوه:
- الأوَّل: أنَّه تمثيل للهدى الذِي دلَّ عليه الآيَات البَيِّنَات، فيِ جلاء مدلولها، وظهور ما تضمَّنته مِنَ الهدى بالمشكاة المنعوتة؛ أو تشبيه للهدى مِن حيث [أنَّه] مَحفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم، وإنَّما ولى بالمصباح الكاف المشكاة [كَذَا] لاشتمالها عليه؛ وتشبيهُه بِهِ أوفق من تشبيهه بالشمس.
- أو تَمثيل لِمَا نوَّر الله بِهِ قلب المؤمن مِنَ المعارف والعلوم، بنور المشكاة، والمثبت فِيهَا من مصباحها؛ ويؤيِّده قراءة أُبيٍّ: «مَثَل نور المؤمن».
__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيه في الربيع ولا في الكتب التسعة. وقد أورده الزمخشريُّ في الكشَّاف، 3/190، وقال مصحِّحه: «لم أجده». وأورده أبو السعود في تفسيره، مج3/ ج6/ ص176. ولم يعزه إِلى أحد.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وَبِيصِهِ». و«الوبيص: البريق». ابن منظور: لسان العرب، 6/869، مادَّة: «وبض». (3/145)
صفحة 961
- أو تمثيل لِمَا مَنح الله بِهِ عباده مِنَ القوى الدرَّاكة الخمس المُتَرَتِّبَة، التِي ينوط بها المعاش والمعاد، وهي الحسَّاسة التِي تُدرِك المحسوسات بالحواس الخمس؛ والخيالية التِي تَحفظ صُوَر تلك المحسوسات، لتعرضها عَلَى القوَّة العقليَّة متى شاءت؛ والعلميَّة تدرك الحقائق الكُلِّيَّة؛ والفكرة (1) : وهي التِي تُؤلِّف المعقولات لتستنتج منها عِلم مَا لم يُعلم؛ والقوَّة القدسية التِي تتجلَّى فِيهَا لوائح الغيب، وأسرار الملكوت المختصَّة بالأنبياء والأولياء، والمعنية بقوله تعالى: {ولكن جعلناه نورا نَهدِي بِهِ من نشاء من عبادنا} (2) بالأشياء الخمسة المذكورة فيِ الآيَة، وهي: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت، فإن الحسَّاسة كالمشكاة، لأَنَّ مَحلَّها كالكوى، ووجهها إِلىَ الظاهر لاَ يُدرك مَا وراءها، وإضاءتها بالمعقولات لاَ بالذات؛ والخياليَّة كالزجاجة فيِ قبول صور [397] المدركات مِنَ الجوانب، وضبطها للأنوار العقليَّة، وإنارتها بِمَا يشتمل عليها مِنَ المعقولات؛ والعاقلة: كالمصباح لإضاءتها بالإدراكات الكُلِّيَّة، والمعارف الإِلَهِيَّة؛ والفكرة كالشجرة المباركة لتؤدِّيها (3) إِلىَ ثَمرات لاَ نهاية لها.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والفكريَّة».
(2) - ... سورة الشورى : 52.
(3) - ... في الأصل: «لتأديها»، وَلَعَلَّهُ يقصد: «لتأديتها». (3/146)
صفحة 962
الزيتونة: المثمرة بالزيت الذِي هُوَ مادَّة المصباح، التِي لاَ تكون شرقيَّة وَلاَ غربيَّة، لتجرُّدها عنَ اللواحق الجسميَّة، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرّفة فيِ القبيلتين، منتفعة مِنَ الجانبين. والقوة القدسيَّة كالزيت، فإنَّها لصفائها وشدَّة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف، من غير تفكير وَلاَ تعليم، ولا تمثيل للقوَّة العقليَّة فيِ مراتبها بذلك؛ فإنَّها فيِ مبدإ أمرها خالية عَن العلوم، مستعدَّة لقبولها كالمشكاة، ثُمَّ ينتقش بالعلوم الضَّرورية بتوسُّط إحساس الجزئيَّات، بحيث يتمكَّن مِن تَحصيل النظريَّات، فتصير كالزجاجة متلألئة فيِ نفسها، قابلة للأنوار؛ وذلك التمكُّن إن كَانَ تفكُّرا واجتهادا، فكالشجرة الزيتونة؛ وإن كَانَ بالحدس فكالزيت؛ وإن كَانَ بقوَّة قدسيَّة، فكالذي يكاد زيتها يُضيء، لأَنَّهَا تكاد تعلم ولو لم تَتَّصِل بملك الوحي، والإلهام الذِي مثله النار، من حيث أنَّ العقول تشتعل منهما؛ ثُمَّ إِذَا حصلت لها العوم (1) بحيث يتمكَّن مِن استحضارها متى شاءت، كَانَ كالمصباح؛ فإذا استحضرها كَانَ نورا عَلَى نور.
{يهدي الله لنوره} لهذا النور الثاقب {مَن يَشَاء} فإنَّ الأسباب دون مشيئته لاغية، إذ بها تَمامها، {ويضربُ الله الأمثالَ للناس} إدناءً للعقول مِنَ المحسوس، توضيحا وبيانا، {والله بِكُلِّ شيء عليم (35)} معقولا كَانَ أو مَحسوسا؛ ظاهرا كَانَ أو خفيًّا؛ وفيه وعد ووعيد لِمَن تدبَّرها، ولم يكترث بها.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «العلوم». (3/147)
صفحة 963
فيِ بيوتٍ أَذِنَ الله أن تُرفع} عمَّا يُستقذر فِيهَا مِن أعمال الدُّنْيَا والأنجاس، بالثناء والتعظيم. قَالَ أبو سعيد: «فثبت فيِ هَذِهِ البيوت أنَّها المساجد، لاَ يُعلم فيِ ذَلِكَ اختلاف (1)، مِنَ المسجد الحرام وغيره مِنَ المساجد؛ فمعناها وَاحِد فيِ التعظيم؛ وإن اختلف تعظيمها بمنزلة كُلِّ وَاحِد منها بِمَا عظَّمه الله؛ فإنَّها كلَّها وَاحِدَة مرفوعة مطهَّرة، فيخرج فيِ معاني الاِتِّفَاق وَمَا تسنُّه السُّنَّة والكتاب أنَّ المشرك مَمنوع من دخول المساجد كلِّها، فلا يَجوز أن يَقرب أحد المشركين إِلىَ دخول المسجد الحرام، لثبوت قول الله تعالى: {فلا يَقربوا المسجد الحرامَ بعد عامِهم هَذَا} (2) فهو عَلَى الأبد».
{ويُذكرَ فِيهَا اسمه} عامٌّ فيما يتضمَّن ذكره، {يُسبِّح لَهُ فِيهَا بالغدوِّ والآصال (36)} ينزِّهونه، أو يُصلُّون لَهُ فيها بالغدوات والعشايا؛ والغدوُّ: مصدر إطلاق للوقت؛ ولذلك حَسن اقترانه بالآصال.
{رجال لاَ تُلهيهم تِجارة} لاَ تشغلهم تحامرة (لَعَلَّهُ تجارة) (3) معاملة دنياويَّة رابحة، وَهُوَ يتناول جميع أعمال الدُّنْيَا. وخصَّ الرجال بالذكر فيِ هَذِهِ المساجد، لأَنَّهُ ليس عَلَى النساء جُمعة وَلاَ جماعة، وخصَّ التجارة بالذكر، لأَنَّهَا أعظم مَا يشتغل بِهِ الإنسان عَن الصَّلاة والطَّاعات. {وَلاَ بيعٌ عَن ذكر الله} عَن طاعته وأداء فرائضه، لقوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ [398] آمنوا لاَ تُلهكم أموالكم وَلاَ أولادُكم عَن ذكر الله، ومن يفعل ذَلِكَ فأولئك هُمُ الخاسرون} (4) مبالغة فيِ باب التعميم (5) بعد التَّخصيص إن أريد بِهِ مطلق المعاوضة، {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} مَا يجب إخراجه من المال للمستحقِّين.
{__________
(1) - ... في الأصل: «اختلافا»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة التوبة: 28.
(3) - ... كذا في الأصل، وما بين قوسين كتب في الحاشية.
(4) - ... سورة المنافقون: 9.
(5) - ... في الأصل: «بات لتعميم»، ولا مَعنَى له. (3/148)
صفحة 964
يخافون يوما} أو لأَنَّهُم لاَ يملكون ثباتها عَلَى مَا هم عليه مِنَ الطاعة مَعَ مَا هم عليه مِنَ الذكر والطاعة (1)، {تتقلَّب فِيهِ القلوب والأبصار (37)} تتغيَّر مِنَ الهول من هوله [كَذَا] بين طمع فيِ النجاة، وحذر مِنَ الهلاك؛ وقيل تتقلَّب القلوب عمَّا كَانَت عليه فيِ الدُّنْيَا مِنَ الشكِّ والكفر، وتتفتَّح الأبصار مِنَ الأغطية، {ليَجزيَهم الله أحسنَ مَا عملوا} أحسن جزاء مَا عملوا الموعود لَهُم مِنَ الجنَّة. {ويزيدهم من فضله} أشياءَ لم يَعِدْهم عَلَى أعمالهم ولم تخطر ببالهم، {والله يرزق من يَشَاء بغير حسابٍ (38)} تقرير للزيادة، وتنبيه عَلَى كمال القدرة، وإنفاذ المشِيئَة، وسعة الإحسان.
{وَالذِينَ كَفَرُوا أعمالهم كَسَرَابٍ} كأنَّه فيِ النظر ماء، فإذا قرب مِنْهُ لم ير شَيْئًا، {بقيعةٍ يحسبه الظمآن (2) ماء} العطشان. الآيَةُ قَالَ أبو سعيد فِيهَا: «إنَّه قيل: الدائن بضلال يعمل بِدين، ويجتنب بدين، ومجتهد بذلك، وأمَّا قوله: {أو كظلماتٍ فيِ بحر لُجِّيٍّ ... } الآيَة، أحسب أنَّه قيل هَذَا [فيمن] يرتكب مَا يدين بتحريمه ويتجاهل، ويعمل المعاصي بغير دين، وَاللهُ أعلم بتأويل كتابه». {حتَّى إِذَا جاءه لم يجده شَيْئًا، ووجد اللهَ عنده} عقابه، أو محاسبا إيَّاه، {فوفَّاه حسابه، وَاللهُ سريع الحساب (39)} لاَ يشغله حساب عَن حساب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والعبارة غامضة، ولم نجد ما يوضِّحها فيما بين أيدينا من المصادر.
(2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلى الحاشية وكتب فيها: «العطشان»، ولا مَعنَى لِهَذِهِ الإضافة. (3/149)
صفحة 965
أو كظلماتٍ فيِ بحر لُّجِّيٍّ يغشاه موجٌ مِن فوقِه موجٌ} أمواج مترادفة متراكمة، {من فوقه} من فوق الموج الثاني {سحابٌ} غطَّى النجوم، وحجب أنوارها، {ظلماتٌ بعضُها فوق بعض؛ إِذَا أَخرج يده} وهي أقرب مَا يرى إليه، {لم يَكَد يراها} لم يقرب أن يراها، فضلا عَن أن يراها، أو يرى ما هُوَ أبعد منها. {ومن لم يجعل الله لَهُ نورا} ومن لم يُقدِّر لَهُ الهداية ولم يوفِّقه لأسبابها، {فما لَهُ من نور (40)} خلاف الموفَّق الذِي لَهُ نور عَلَى نور.
{ألم تر} ألم تعلم علما يشبه المشاهدة فيِ اليقين، والوثاقة بالوحي، أو الاستدلال، {أنَّ الله يُسبِّح لَهُ من فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} ينزِّهه (1) عَن كُلِّ نقصٍ وآفةٍ أهلُ السَّمَاوَات والأَرْض. و «من» لتغليب العقلاء، أو المَلاَئِكَة والثقلان، مَا يدلُّ عليه، أو دلالة حال، {والطير} عَلَى الأوَّل بتخصيص، لما فِيهَا مِنَ الصنيع الظاهر، والدليل الباهر، لذلك قيَّدها بقوله: {صافَّات} فإنَّ إعطاء الأجرام الثقيلة مَا بِهِ تقوى عَلَى الوقوف فيِ الجوِّ صافَّة باسطة أجنحتها بِمَا فِيهَا مِنَ القبض والبسط، حُجَّة قاطعة عَلَى كمال قدرة الصانع، ولطف تدبيره. {كُلٌّ} كلُّ وَاحِد مِمَّا ذُكر، أو مِنَ الطير {قد علم صلاته وتسبيحه} أي: قد علم الله دعاءه وتنزيهه، اختيارا أو طبعا، لقوله: {والله عليم بِمَا يفعلُونَ (41)} أو علم كُلٌّ عَلَى تشبيه حاله فيِ الدلالة عَلَى الحقِّ، والميل إِلىَ النفع، على وجه يخصُّه بحال من علم ذَلِكَ، مَعَ أنَّه لاَ يبعد أن يُلهم الله الطير دعاءً وتسبيحًا، كما ألهمها علوما دقيقة فيِ تعيُّشها وغيره، لاَ يكاد يهتدي إليه العقلاء.
{__________
(1) - ... في الأصل: «تنزه»، وهو خطأ. (3/150)
صفحة 966
ولله مُلكُ السَّمَاوَات والأَرْض} فإنَّه الخالق لهما، أو لما فيهما مِنَ الذوات والصفات [399] والأفعال، من حيث أنَّها مُمكِنة، واجبة الانتهاء إِلىَ الواجب، أي: تقديرها، وتدبير أمرها، وتصريف أحوالها كما يَشَاء، {وإلى الله المصير (42)} مرجع الجميع.
{ألم تر أنَّ الله يُزجِي سحابا} يسوق سحابا إِلىَ حيث يَشَاء من أرضه وخلقه، ومنه “البضاعة المزجاة”، فإنَّها يزجيها كلُّ أحد. {ثُمَّ يُؤلِّف بينه} بِأَن يكون قِزَعًا (1)، فيضمُّ بعضه إِلىَ بعض، {ثُمَّ يجعله رُكامًا} متراكما بعضه فوق بعض، {فترى الوَدقَ} المطر، {يخرج من خلاله} من فُتوقِه؛ جمع خَلَل، {ويُنزِّل مِنَ السَّمَاء} مِنَ الغمام؛ وكلُّ مَا علاك فهو سماء، {من جبال فِيهَا} من قطعٍ عظامٍ تشبه الجبال فيِ عظمها، أو جمودها، {من بَرَدٍ} بيان للجبال، {فيصيب بِهِ من يَشَاء} فيهلك زرعه وأمواله، {ويَصرِفه عَن من يَشَاء} فلا يضرُّه؛ والضمير للبَرَد، {يكاد سَنَا بَرْقِهِ} ضوء برقه {يَذهَب بالأبصار (43)} الناظرين إليه من فرط الإضاءة، وذلك أقوى دليل عَلَى كمال القدرة من حيث أَنَّهُ توليد الضدِّ مِنَ الضدِّ.
{يُقلِّب الله الليلَ والنهارَ} بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيُّر أحوالهما بالحرِّ والبرد، والظلمة والنُّور، أو بما يعمُّ ذَلِكَ، {إنَّ فيِ ذَلِكَ} فيما تقدَّم ذكره {لَعِبرةً لأُولي الأبصار (44)} لَدَلالة عَلَى وجود الصانع القديم، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، وإنفاذ مشيئته، وتنزيهه مِنَ الحاجة وَمَا يفضي إِلَيْهِا، لمن يرجع إِلىَ بصيرة (2).
{__________
(1) - ... في المنجد: «القزع، الواحدة: قزعة: أخذ بعض الشعر وترك بعضه. كُلُّ شيء يكون قطعا متفرِّقة. قطع من السحاب صغار متفرِّقة. ص 627، مادَّة: «قزع».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بصيرته». (3/151)
صفحة 967
وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّة مِّن مَّاء} هُوَ جزء مادَّته، أو ماء مخصوص هُوَ النطفة، فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكلِّ، إذ مِنَ الحيوان مَا يتولَّد لاَ من نطفة، {فمنهم من يمشي عَلَى بطنه، ومنهم من يمشي عَلَى رِجلين، ومنهم من يمشي عَلَى أربعٍ، يخلقُ الله مَا يَشَاء} مِمَّا ذُكِر، وممَّا لم يُذكر، بسيطا ومركَّبا عَلَى اختلاف الصُّور والأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال، مَعَ اتِّحَاذ العناصر بمقتضى مشيئته، {إنَّ الله عَلَى كُلِّ شيء قدير (45)}.
{لَقَد أنزلنا آيات مُّبيِّنات} للحقائق بأنواع الدلائل، {والله يهدي من يَشَاء} بالتوفيق للنظر فِيهَا، والتدبُّر لمعانيها، {إِلىَ صِرَاط مُسْتَقِيم (46)} هُوَ دين الإسلام الموصل إِلىَ درك الحقِّ، والفوز والجنَّة.
{ويقولون: آمنَّا بالله وبالرسول وأطعنا، ثُمَّ يتولَّى} بالامتناع عَن قبول حكمه {فريق مِنْهُم من بعد ذَلِكَ} بعد قولهم هَذَا، {وَمَا أُولَئِكَ بالمؤمنِين (47)} سَلَب الإيمانَ عَنْهُم تولِّيهم عَن قبول حكمه، وَهُم المنافقون. {وإذا دُعُوا إِلىَ الله ورسوله ليحكمَ بَيْنَهُم إِذَا فريقٌ مِنْهُم مُّعرضُونَ (48)} هُوَ شرح للتولِّي ومبالغة فِيهِ، {وإن يكن لَهُمُ الحَقُّ} أي: الحكم لاَ عَلَيْهِم {يأتوا إليه مذعنِين (49)} منقادين لعلمهم بأنَّ الحكم مُتوجِّه إِلَيْهِم لاَ عَلَيْهِم. {أفي قلوبهم مرضٌ}؟ كفر أو ميل إِلىَ الظلم، {أم ارتابوا}؟ بِأَن رأوا منك تهمةً، فزالت (1) ثقتهم ويقينهم بك، {أم يخافون أن يَحيف الله عَلَيْهِم ورسولُه} فيِ الحكومة، {بَل أُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ (50)} حكم الله عليهم بالظلم بعد [ما] بيَّن فعلهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فزال»، وهو خطأ. (3/152)
صفحة 968
إِنَّمَا كَانَ قول المؤمنين إِذَا دُعوا إِلىَ الله ورسوله ليحكمَ بَيْنَهُم أن يقولوا: سمعنا} قولك، {وأطعنا} أمرك، {وأولئك هُمُ المفلحُونَ(51)} الفلاح هُوَ: [400] الفوز والنجاة، والبقاء فيِ الخير. {ومن يُطع الله ورسوله} فيما حكما بِهِ عليه، {ويخش الله ويَتَّقه، فأولئك هُمُ الفائزُونَ(52)} الفوز: النجاة والظفر بالخير، ضدُّ الهلاك.
{وأقسموا بالله جهدَ أيمانهم} إنكارا للامتناع عَن حكمه وأمره، {لئن أمرتهم} بالخروج عَن ديارهم وأموالهم، {ليخرُجُنَّ، قل: لاَ تُقسموا طاعةٌ معروفةٌ} أي: المطلوب منكم طاعة معروفة لاَ اليمين، {إنَّ الله خبير بِمَا تَعْمَلُونَ(53)} فلا تخفى عليه سرائركم.
{قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولَّوا فَإِنَّمَا عليه مَا حُمِّل} مِنَ التبليغ، {وعليكم مَا حُمِّلتُم} مِنَ الامتثال؛ {وإن تطيعوه} فيما بلَّغكم {تهتدوا} إِلىَ الحقِّ، {وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ الْمُبِين(54)} التبليغ الموضِّح لما كُلِّفتم بِهِ، وقد أدَّى، وإنَّما بقى ما حُمِّلتم، فإن قبلتم فلكم، وإن توليتم فعليكم.
{وعد الله الذِينَ آمنوا منكم وعملوا الصالحات} ترغيبٌ لقبول مَا أمر بِهِ الرَّسول وبلَّغهم إيَّاه {ليَستخلِفَنَّهم فيِ الأَرْض} لَيَجعلنَّهم خلفاء متصرِّفين فيِ الأَرْض، تصرُّف الملوك فيِ ممالكهم، {كما استخلف الذِينَ من قبلهم} مِمَّن مَضى، {وليُمكِّننَّ لَهُم دينَهم الذِي ارتضَى لَهُم} ووهُوَ الإسلام، بالتقوية والعلم والتثبيت، {وليُبدِّلنَّهم من بعد خوفهم} مِنَ الأعداء {أمنًا، يعبدونني لاَ يُشركون بي شَيْئًا} يعبدونني غير مشركين؛ {ومن كفر} ومن ارتدَّ، أو كفر هَذِهِ النعمة {بعد ذَلِكَ} بعد حصول الخلافة، {فأولئك هُمُ الفاسقُونَ(55) وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطيعوا الرسول} فيِ سائر مَا أمركم بِهِ، {لَعَلَّكُم ترحمُونَ(56)}.
{ (3/153)
صفحة 969
لاَ تحسبنَّ الذِينَ كَفَرُوا معجزين فيِ الأَرْض} لاَ تحسبنَّ يا محمَّد، الكفَّار معجزين الله عَن إدراكهم وإهلاكهم، {ومأواهم النار ولبِئْسَ المصير(57)} المأوى الذِي يصيرون إليه.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لِيستأذِنكم الذِينَ مَلَكَت أيمانكم} رجوع إِلىَ تتمَّة الأحكام السالفة بعد الفراغ مِنَ الإلهيات الدالَّة عَلَى وجوب الطاعة فيما سلف مِنَ الأحكام وغيره، {وَالذِينَ لم يبلُغوا الحُلُمَ منكم} والصِّبيان الذِينَ لم يبلغوا، مِنَ الأحرار؛ فعبَّر عَن البلوغ بالاحتلام، لأَنَّهُ أقوى دلائله، {ثلاث مرَّات: من قبل صلاة الفجر} لأَنَّهُ وقت القيام مِنَ المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة، {وحين تَضَعون ثيابَكم} مِنَ اليقظة للقيلولة، {من الظهيرة، ومن بعدِ صلاة العشاء} لأَنَّهُ وقت التجرُّد عَن اللباس، {ثلاث عورات لكم} أي: هَذِهِ الثلاث الأوقات، {ليس عَلَيْكُم وَلاَ عَلَيْهِم جُناحٌ بعدَهنَّ طوَّافون عَلَيْكُم بعضُكم عَلَى بعض، كذلك} مثل ذَلِكَ التبيين، {يُبيِّن الله لكم الآيات، وَاللهُ عليم حكيم(58)}.
{وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم، فليستأذنوا كما استأذن الذِينَ من قبلهم} الذِينَ بلغوا من قبلهم فيِ كلِّ الأوقات، {كذلك يُبَيِّنُ الله لكم آياته وَاللهُ عليم حكيم(59)}.
{ (3/154)
صفحة 970
والقواعدُ مِنَ النساء اللاتي لاَ يرجون نكاحا} (لَعَلَّهُ) ومن كتب أهل عمان (لَعَلَّهُ): اللاتي قعدن عن الأزواج، وهي اللاتي ادبراهن (1) الرجال، [و] استقذروهنُّ، فأمَّا من كَانَت فِيهِنَّ بقيَّة من جَمال، وَهُوَ محلُّ الشهوة، فلا تدخل فيِ هَذِهِ الإباحة، لأَنَّ علَّة الحجر التِي [401] لزمها، لم تَزُل عنها من أجلها، وهي المرعي المرجال [كَذَا]، {فليس عليهنَّ جُناح أن يضعن ثيابهنَّ} (لَعَلَّهُ) عند الرجال؛ يعني: يضعن بعض ثيابهنَّ وهو الجلباب والرِّداء الذِي فوق الثياب، فوق الخمار، فأمَّا الخمار فلا يجوز. {غير مُتبرِّجات بِزينة} قيل: هُوَ الجلباب، وذلك فيِ المرأة الكبيرة، التِي لاَ تريد الرجال ولا تُراد، وقد انقضت شهوتها مِنْهُم؛ قلت: «فعندَ مَن يَسَعُها وضعُ الجلباب عند الكلام؟ [أم] ذَلِكَ خاصٌّ؟ قَالَ: لا أعلم فيِ ذَلِكَ فرقا، إِلاَّ أنَّه لاَ يعجبني أن تضعه عند المتَّهمين. وقوله: {وأن يَستعفِفنَ خيرٌ لهنَّ} فقيل: عَن وضع الجلباب». انتهى. وقوله: {غير مُتبرِّجات بِزينة} أي: من غير أن تريد (2) بوضع الجلباب إظهار زينتهنَّ والتبرُّج، وَهُوَ أن تظهر المرأة من محاسنها مَا يجب عليها أن تستره، {والله سميع عليم (60)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أدبر عنهنَّ».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يُرِدْنَ». (3/155)
صفحة 971
ليس عَلَى الأعمى حرجٌ، وَلاَ عَلَى الأعرج حرجٌ، وَلاَ عَلَى المريض حرجٌ} إِذَا علم رِضَى صاحب البيت بإذنٍ أو قرينة، {وَلاَ عَلَى أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} مِنَ البيوت التِي فِيهَا أزواجكم وعيالكم؛ ويدخل فِيهَا بيوت الأولاد، لأَنَّ بيت الولد كبيته عَلَى قوله - عليه السلام -: «أنت ومالك لأبيك» (1)، {أو بيوت آبائكم أو بيوت أمَّهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عمَّاتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو مَا مَلكتُم مفاتحه} وَهُوَ مَا يكون تحت أيديكم وتصرُّفِكم من صنعة (2) أو غيرها، وكالة أو حفظا، {أو صديقكم} فإنَّهم أرضى بالتبسُّط في أموالهم، وأسرُّ به؛ ولذلك خصَّص هؤلاء، فَإِنَّهُ يعتاد التبسُّط بَيْنَهُم، {ليس عَلَيْكُم جُناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا، فإذا دخلتم بيوتا فسلِّموا عَلَى أنفسكم} وذلك يعمُّ البيوت والمساجد عامَّة؛ وذلك أدب مِنَ الله وتعليم؛ فإذا دخل الرَّجل بيت نفسه، فليقل: «السَّلام علينا من رَبِّنَا، والحمد لله ربِّ الْعَالَمِينَ». حتَّى قيل: إن تَرَكَه تهاونا واستخفافا بأدب الله هَلَكَ. {تحيَّةً من عند الله مباركةً}، لأَنَّهَا ترجى بها زيادة الخير والثَّواب، {طيِّبةً} وقيل: ذكر البركة والطيب هاهنا لِمَا فِيهِ مِنَ الثَّواب والأجر، {كذلك يُبَيِّنُ الله لكم الآيات لَعَلَّكُم تعقلُونَ (61)} الخير فيِ الأمور.
{__________
(1) - ... رواه ابن ماجه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَالاً وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ». كتاب التجارات، رقم 2282، 2283. وروى نحوه أبو داود في كتاب البيوع، رقم 3063، مع زيادة. أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم 6391، 6608، 6706.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ضيعة». (3/156)
صفحة 972
إِنَّمَا المؤمنون الذِينَ آمنوا بالله ورسوله، وإذا كَانُوا معه عَلَى أمر جامع} كالجمعة والأعياد، والحروب، والمشاورة فيِ الأمور؛ ووصف الأمر بالجمع للمبالغة، {لم يذهبوا حَتَّى يستأذنوه} جعل الاستئذان علامة للإيمان. {إنَّ الذِينَ يستأذنونك أُولَئِكَ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بالله ورسوله} كَانَ المنافقون يتفرَّقون من غير إذن، {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} مَا يعرض لَهُم مِنَ المهامِّ، {فَأْذَن لِمَن شِئتَ مِنْهُم} تفويض للأمر إِلىَ رأي الرَّسول، وكَأنَّ المَعنَى: فَأذَن لمن عَلِمت أنَّ لَهُ عذرا، {واستغفر لَهُمُ اللهَ} لزلاَّتهم وصغائرهم، {إنَّ الله غَفُور رحيم (62)}.
{لاَ تجعلوا دعاءَ الرسول بينكم كدعاءِ بعضِكم بعضا} [402] لاتقيسوا دعاءه إيَّاكم عَلَى دعاء بعضكم بعضا فيِ جوار الإعراض، والمساهلة فيِ الإجابة، والرجوع بغير إذن، فإنَّ المبادرة إِلىَ إجابته واجبة، والرجعة بغير إذن مُحرَّمة؛ وقيل: لاَ تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه، ورفع الصوت بِهِ، والنداء وراء الحجرة، ولكن بلقبه المعظَّم مثل: يا نَبِيَّ الله، ويارسول الله؛ مَعَ التوقير والتواضع، وخفض الصوت، {قد يَعلم الله الذِينَ يتسلَّلون منكم لِواذا} يتسلَّلون قليلاً قليلاً مُلاَوذة، بأن يستتر بعضهم ببعض، حتَّى يخرج؛ أو لواذا ببعض المعاذير الكاذبة، كقوله: {إنَّ بيوتنا عورةٌ وَمَا هِيَ بعورة، إن يريدون إِلاَّ فرارا} (1)، {فليحذر الذِينَ يُخالفون عَن أمره أن تُصيبهم فتنةٌ} مِحنة فيِ الدُّنْيَا، {أو يصيبَهم عذاب أليم (63)} فيِ الآخِرَة؛ واستدِلَّ بِهِ عَلَى أنَّ الأمر للوجوب.
{__________
(1) - ... سورة الأحزاب: 13. (3/157)
صفحة 973
ألاَ إنَّ لله مَا فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} ملكا وعبيدا وخَلْقا، {قد يعلم مَا أَنتُم عليه} أيُّها المكلَّفون مِنَ المخالفة والموافقة، والنفاق والإخلاص {ويوم يُرجَعون إليه فَينبِّئهم بِمَا عَملوا} بالجزاء، {والله بِكُلِّ شيء عليم (64).} فِيهِ وعد ووعيد.
سورة الفرقان
بسم الله الرحمن الرحيم
{تبارك الذِي نَزَّل الفرقان عَلَى عَبده} تكاثر خيره، مِنَ البركة، وهي كثرة الخير؛ أو تزايد عَن كُلِّ شيء، وتعالى عَنْهُ فيِ صفاته وأفعاله، فإنَّ البركة تتضمَّن معنى الزيادة؛ وقيل: تبارك الله: تقدَّس وتنزَّه، صفة خاصَّة بالله تعالى وبرتبته [كَذَا] عَلَى إنزال الفرقان لِمَا فِيهِ من كثرة الخير، أو لدلالته عَلَى تعاليه. والفرقان: مصدر فَرَقَ بين الشَيْئَين: إِذَا فصل بينهما؛ سُمِّيَ بِهِ القرآن لفصله بين الحقِّ والباطل بتقريره، والمُحِقِّ والمُبطل بإعجازه؛ أو لكونه مفصولا بعضه عَن بعض فيِ الإنزال؛ وقيل: إنَّ الفرقان اسم جنسٍ للكتب السماويَّة. {ليكون} العبد، أو الفرقان {للعالمين} للجنِّ والإنس {نذيرا (1)}.
{الذِي لَهُ مُلك السَّمَاوَات والأَرْض، ولم يتَّخذ ولدا ولم يكن لَهُ شريك فيِ الملك} فلا يستحقُّ أن يكون لَهُ شريك فيِ العبادة، {وخلق كُلَّ شيءٍ} أحدثه إحداثًا مراعًا فِيهِ التقدير حسب إرادته، كخلقه الإنسان من موادَّ مخصوصةٍ، وصور وأشكال مُعيَّنة، {فقدَّره تقديرا (2)} فقدَّره وهيَّأه لِمَا أَرَادَ مِنْهُ مِنَ الخصائص والأفعال، كهيئة الإنسان للإدراك، والفهم والحفظ والنظر والتدبير، واستنباط الصنائع المتنوِّعة، ومزاولة الأعمال المختلفة، إِلىَ غير ذَلِكَ؛ أو فقدَّره للبقاء إِلىَ أجل مسمًّى؛ وقد يطلق الخلق لِمجرَّد الإيجاد من غير نظر إِلىَ وجه الاشتقاق، فيكون المَعنَى: وأوجد كُلَّ شيء فقدَّره فيِ إيجاده، حتَّى لاَ يكون متفاوتا.
{ (3/158)
صفحة 974
وَاتَّخَذوا من دونه آلهة} لَمَّا تضمَّن الكلام إثبات التوحيد والنبوَّة، أَخَذ فيِ الردِّ عَلَى المخالفين، [403] {لاَ يَخلقون شَيْئًا وَهُم (1) يُخلَقون} لأَنَّ عبدتهم يَخلقونهم ويُصوِّرونهم، {وَلاَ يملكون لأنفسهم ضَرًّا وَلاَ نفعا، وَلاَ يَملكون موتا وَلاَ حياةً وَلاَ نُشورا (3)} وَلاَ يَملكون إماتة أحد، وَلاَ إحياءه أوَّلاً، وبعثه ثانيا؛ ومن كَانَ كذلك فبمَعزل عَن الألوهية؛ وفيه تنبيه عَلَى أنَّ الإله يَجب أن يكون قادرا عَلَى الإيجاد والجزاء.
{وقال الذِينَ كَفَرُوا: إنْ هَذَا إِلاَّ إفكٌ} كذبٌ مصروف عَن وجهه، {افتراه} اختلقه، {وأعانه عليه قومٌ آخرون} أي: اليهود، فإنَّهم يلقون إِلَيْهِ أخبار الأمم، وَهُوَ يُعبِّر عنه بعبارتهم، {فقد جاءوا ظُلما} يَجعل الكلام المعجز إفكا مُختلَقًا مُتلَفَّقًا، {وزورا (4)} بنسبة مَا هُوَ بريء مِنْهُ إِلَيْهِ. و «أتى» و «جَاءَ» يُطلَقان بمعنى: فَعَل. {وَقَالُوا: أساطيرُ الأَوَّلين} مَا سطَّره المتقدِّمون {اكتتبها، فهي تُملى عليه بُكرةً وأصيلاً (5)} ليَحفظها، فإنَّه أمِّيٌّ لا يقدر أن يُكرِّر مِن الكتاب، أو ليكتب.
{قل: أنزَلَه الذِي يَعلَمُ السرَّ فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} لأَنَّهُ أعجزكم عَن آخِرِكم بفصاحته؛ وتضمَّن إخبارا عَن مغيبات مستقبلة، وأشياء مكنونة لاَ يعلمها إِلاَّ عالم الأسرار؛ فكيف يجعلونه أساطير الأولين؟. {إِنَّهُ كَانَ غَفُورا رحيما (6)} فلذلك لاَ يُعجِّل فيِ عقوبتكم عَلَى مَا تقولون، مَعَ كمال قدرته عليها، واستحقاقكم أن يَصبَّ عَلَيْكُم العذاب صبًّا.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «هم»، وهو خطأ. (3/159)
صفحة 975
وَقَالُوا: مَالِ هَذَا الرسول} مَا لهذا الذِي يزعم الرسالة؛ وفيه استهانة وتهكُّم، {يأكل الطعام} كما نأكل، {ويَمشي فيِ الأسواق} لطلب المعاش كما نَمشي؛ والمَعنَى: إن صحَّ دعواه فما باله لم تخالف حاله حالنا، وذلك لعماهم وقصور نظرهم عَلَى المحسوسات، فإنَّ تَمييز الرسل عمَّن عداهم ليس [بأمور] (1) جسمانيَّة، وإنَّما هُوَ بأحوال نفسانيَّة، كما أشار إِلَيْهِ بقوله تعالى: {إِنَّمَا أنا بشر مِثْلُكم يُوحى إليَّ أنَّمَا إلهُكم إله واحد} (2)، {لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فيكونَ معه نذيرا (7)} لنعلم صدقه بتصديق الملَك.
{أو يُلقَى إِلَيْهِ كنزٌ} فيستظهر بِهِ، ويستغني عَن تَحصيل المعاش، {أو تكون لَهُ جنَّة} اغتناء بها عَن العدم، {يأكل منها} لأَنَّ نظرهم قاصر عَلَى ظواهر الأمور؛ {وقال الظالمون}: وضع “الظالمون” موضع ضميرهم تسجيلا عَلَيْهِم بالظلم فيما قالوه، {إن تتَّبعون إِلاَّ رَجلا مسحورا (8)} سُحر فغُلب عَلَى عقله؛ وقيل: ذا سحر، أي: بشرا لاَ مَلَكا.
{انظر كيف ضربوا لك الأمثالَ} يعني: الأشباه، فَقَالُوا: مسحور، وَقَالُوا فيك الأقوال الشاذَّة، واخترعوا لك الأحوال النادرة، {فضلُّوا} عَن الطريق الموصل إِلىَ معرفة خواص النَّبِيِّ؛ والميزِ بينه وبين المتنبِّئِ، فخبطوا خَبْط عشواء، {فلا يستطيعون سبيلا (9)} إِلىَ القدح فيِ نبوَّتك، أو إلى الرشد والهدى.
{__________
(1) - ... زيادة من أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص205، ليستقيم المَعنَى.
(2) - ... سورة الكهف: 110؛ وسورة فصِّلت: 6. (3/160)
صفحة 976
تبارك الذِي إن شاءَ جَعَل لك خيرا مِن ذَلِكَ} الذِي اخترعوه، {جَنَّات تَجري مِن تَحتها الأنهار} خيرا مِنَ الجنَّة التِي [404] ذكروها، {ويَجعل لَّك قصورا (10)} خيرا مِنَ البيت المزخرف كما قَالُوا: {أو يكون لك بيت من زُخرف} (1) وسمَّاها (2) قصورا وجنَّات، وَهُوَ جمع مَا زاد عَلَى الاثنين إِلىَ مَا فوق ذَلِكَ.
{بَل كَذَّبوا بالساعة} فقَصُرت أنظارهم عَلَى الحطام الدنيويَّة، وظنُّوا أنَّ الكرامة إِنَّمَا هِيَ بالمال، وطعنوا فيك لفقرك؛ أو فلا تَعجَب بتكذيبهم إيَّاك، فإنَّه أعجب منه، {وأعتدنا لِمَن كذَّب بالساعة سعيرا (11)} نارا شديدة الاستعار؛ وقيل: هُوَ اسم لجهنَّم. {إِذَا رأَتهُم} إِذَا كَانَت بِمرأًى (3) مِنْهُم {مِّن مَّكَانٍ بعيد} هُوَ أقصى مَا يُمكن أن يُرى منه، {سَمِعوا لها تغيُّظا وزفيرًا (12)} صوت تغيُّظٍ؛ شبَّه صوت غَلَيانها بصوت المغتاظ وزفيره، وَهُوَ صوت يُسمع مِن جوفه. {وإذا أُلقوا منها مكانا ضيِّقا} لزيادة العذاب، فإنَّ الكرب مَعَ الضيق، والرَّوْحَ مَعَ السَّعة، {مُقرَّنين} قُرنت أيديهم إِلىَ أعناقهم بالسلاسل؛ أو مقرَّنين مَعَ الشياطين في السلاسل، {دَعَوا هنالك} فيِ ذَلِكَ المكَان {ثُبورًا (13)} إهلاكا؛ أي: يَتمنَّون الهلاك، وينادونه فيقولون: “يا ثبوراه تَعال، فَهَذَا حينك!! ”. {لاَ تَدعوا اليومَ ثُبورا واحدا} أي: يُقال لَهُم ذَلِكَ، {وادعوا ثُبورا كثيرا (14)} لأَنَّ عذابكم أنواع كثيرة، وكلُّ نوع منها ثبورٌ عَلَى حياله لشدَّته.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 93.
(2) - ... في الأصل: «وسما هو»، ويمكن أن نقرأ: «وبينما هو قصور أو جَنَّات».
(3) - ... في الأصل: «بمراء»، وهو خطأ. (3/161)
صفحة 977
قل: أذلك خيرٌ أم جنَّة الخلدِ التِي وُعِدَ المتَّقون}؟ الإشارة إِلىَ العذاب؛ والاستفهام للتقريع مَعَ التهكُّم، {كَانَت لَهُم} فيِ عِلم الله {جزاءً} عَلَى أعمالهم، {ومصيرا (15)} ينقلبون إِلَيْهِ. {لَهُم فِيهَا مَا يَشَاءون} مَا يَشَاؤونه مِنَ النعيم، و (لَعَلَّهُ) لِقِصَرِ هممهم (1)، كُلُّ طائفة عَلَى مَا لاَ يليق برتبته (2)؛ ولعلَّ الناقص لاَ يُلقَى إِلَيْهِ إن شاء كما يَشَاء الكامل، لكمال النعمة للجميع فِيهَا، وإن كَانَت أكبر درجات وأكبر تفضيلا، (لَعَلَّهُ) لزوال الحزن عَن الأقلِّ؛ وفيه تنبيه عَلَى أنَّ كُلَّ المرادات لاَ تَحصل إِلاَّ فيِ الجنَّة، {خالدين} فِيهَا {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وعدًا مَسئولا (16)} أي: كَانَ ذَلِكَ موعودا حقيقيًّا، بِأَن يُسأل ويُطلب؛ أو مسؤولا يَسأله الناس فيِ دعائهم: {رَبَّنَا وآتنا مَا وعدتَنا عَلَى رسلك} (3)، أو المَلاَئِكَة بقولهم: {رَبَّنَا وأدخِلْهم جنَّاتِ عدنٍ} (4).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «هِمَمِ كُلِّ».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «برتبتها».
(3) - ... سورة آل عمران: 194.
(4) - ... سورة غافر: 8. (3/162)
صفحة 978
ويوم يَحشرهم} للجزاء، {وَمَا يعبدون مِن دون الله} تعمُّ كُلَّ معبود سواه، {فيقول} أي: للمعبودين {أأنتم أضللتم عبادِي هؤلاء، أم هم ضلُّوا السبيل (17)}؟ لإخلافهم بالنظر الصحيح، وإعراضهم عَن المرشد النصيح؛ وهو استفهام تقريع وتبكيت؛ {قَالُوا: سُبحانك}!! تعجُّبا مِمَّا قيل لَهُم، لأَنَّهُم إمَّا مَلاَئِكَة أو أنبياء، أو جمادات لاَ تَقدِر عَلَى شيء؛ أو إشعار (1) بأنَّهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده، فكيف يليق بهم إضلال عبيده؟ أو تنزيها لله عَن الأنداد؛ وَمَعنَى {سبحانك}: وَهُوَ الله (2) من أن يكون معه إله، {مَا كَانَ ينبغي لَنَا} يَصحُّ لَنَا {أن نتَّخذ مِن [405] دونك مِن أولياء} للعصمة إن كَانُوا مَلاَئِكَة، أو عدم القدرة إن كَانُوا جمادا؛ فكيف يصحُّ لَنَا أن ندعو غيرنا أن يَتولَّى أحدا دونك، {ولكن متَّعتهم وآباءَهم} بأنواع النعم، فاستغرقوا فيِ الشهوات، {حَتَّى نَسوا الذكرَ} حتَّى غَفَلوا عَن ذكرك؛ أو التذكُّر لآلائك، والتدبُّر فيِ آياتك، {وكانوا} فيِ قَضائك {قوما بورا (18)} هالكين متروكين فيِ الهلاك؛ والبور واجب تركه.
{فقد كذَّبوكم} المعبودون {بِمَا تقولون، فما تستطيعون} فيِ قولكم إنَّهم آلهة، أو هؤلاء أضلُّونا. {صَرْفا} دَفعا للعذاب عنكم؛ وقيل: حيلة من قولهم: لَيَتَصَرَّفُ، أي: يَحتال، {وَلاَ نصرا} فيعينكم عليه، {ومَن يَظلم مِّنكم} أيُّها المكلَّفون، {نُذقه عذابا كبيرا (19)} فيِ الدَّارين.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «أو إشعارًا». لأَنَّهُ عطف عَلَى «تعجُّبًا مِمَّا قيل ... »، وَهُوَ ما ذكره أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص208.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وهو تنزيه لله». (3/163)
صفحة 979
وَمَا أرسلنا قبلَك مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأكلون الطعام ويَمشون فيِ الأسواق} لأَن ليس أكل الطعام والمشي فيِ الأسواق مِمَّا يبطل الرسالة، {وجعلنا بعضَكم لبعض فتنةً} ابتلاءً، {أتصبرون}؟ علَّة للجعل؛ والمَعنَى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيَّكُم يصبر، {وكَانَ رَبُّكَ بصيرا(20)} بالصَّابرين والجازعين، وَهُوَ فيِ صورة الوعد والوعيد.
{وقال الذِينَ لاَ يرجون لقاءنا} بالخير، لكفرهم بالبعث: {لولا} هلاَّ {أُنزل علينا المَلاَئِكَة} فَتخبرنا بصدق محمَّد؛ وقيل: فيكونون رسلا إلينا؛ {أو نَرَى رَبَّنَا} عَيانا، فيَأْمُرُنا بتصديقه واتِّباعه؛ {لَقَد استكبروا فيِ أنفسهم} أي: فيِ شأنها، {وعَتوا} وتَجاوزوا الحدَّ فيِ الظلم، {عُتُوًّا كبيرا(21)} بالغا أقصى مَراتبه، حيث عاينوا المعجزات القاهرة، فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة مَا سدَّت دونه مطامح النفوس القدسيَّة.
{يوم يَرَون المَلاَئِكَة} عند الموت، أو يوم القيامة {لاَ بُشرَى يومئذ للمجرمين} بمعنى: يمنعون البشرى، {ويقولون: حِجْرا مَحجورا(22)} أي: حراما مُحرَّما عَلَيْكُم الجنَّة والبشرى. {وقَدِمْنَا إِلىَ مَا عَمِلوا مِن عَمَل فجعلناه هَبَاء منثورا(23)} لأَنَّهُ لاَ يثبت عملُ طاعةٍ مِن عاص. {أصحابُ الجَنَّة يومئذ خيرٌ مستقرًّا وأحسنُ مَقِيلا(24)}.
{ويوم تَشَّقَّق السَّمَاءُ بالغمام ونُزِّل المَلاَئِكَة تنزيلا(25)} يَحتمل لقبض الأرواح؛ أو يوم القيامة. {المُلك يومئذ الحَقُّ للرحمنِ} الثابت له، لأَنَّ كُلَّ مُلكٍ يبطل يومئذ، وَلاَ يبقى إِلاَّ ملكه، {وكَانَ يوما عَلَى الْكَافِرِينَ عَسيرا(26)} (لَعَلَّهُ) لأَنَّهُ يُجازى بعمله.
{ (3/164)
صفحة 980
ويوم يَعَضُّ الظالم عَلَى يَدَيْه} مِن فرط الحسرة؛ وعضُّ اليدين، وأكل البَنَان، وحرق الأسنان ونحوها، كنايات عَن الغيظ والحسرة، لأَنَّهَا مِن روادفها؛ والمُرَاد بالظالم: الجنس؛ وقيل عقبة بن أبي مُعيط، {يقول: يا ليتني اتَّخَذتُ مَعَ الرسول سبيلا (27)} طريقا إِلىَ النجاة. {يا وَيلتى لَيتني لم أَتَّخذْ فُلانا خليلا (28)} يعني: مَن أضلَّه. {لَقَد أضلَّني عَن الذكر بعد إذ جاءني} والذكر: يعمُّ جميع حجج الله وآياته البالغة للعبد، من أيِّ حال قامت عليه، {وكَانَ الشيطانُ} يعني الخليلَ المضلَّ، أو إبليس الموَسْوِس، لأَنَّهُ حمله عَلَى مُخالته، [406] أو كُلَّ من تَشَيطن مِن جنٍّ وإنس، لأَنَّ كُلَّ مَن صدَّ عَن سبيل الله فهو شيطان {للإنسان خَذولا (29)} يُواليه حتَّى يؤدِّيهُ إِلىَ الهلاك، ثُمَّ يتركه وَلاَ ينفعه. وحُكم هَذِهِ الآيات عامٌّ فيِ كُلِّ مُتحابَّيْن اجتمعا فيِ معصية الله.
{وقال الرسول} مُحَمَّد - عليه السلام -: {يا رَبِّ إنَّ قوميَ اتَّخَذوا هَذَا القرآنَ مَهجورا (30)} بأن تركوه، وصدُّوا عَنْهُ. {وكذلك جعلنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدوًّا مِنَ المُجرمين} كَما جعلناه لك، فاصبر كما صبروا، {وكفى برَبّكَ هاديا ونَصيرا (31)}.
{وقال الذِينَ كَفَرُوا: لولا نُزِّل عليه القرآنُ جُملة وَاحِدَة، كذلك لِنثبِّت (1) بِهِ فُؤادَك} أي: كذلك أنزلناه مُفرَّقا، لِنُقَوِّيَ بتفريقه فؤادَك عَلَى حفظه وفهمه، ولأنَّه إِذَا نزل بِهِ جبريل حالاً بعد حال يثبت بِهِ فؤادك، {ورتَّلناه ترتيلا (32)} وقرأناه عليك شَيْئًا بعد شيء عَلَى تَوأَدة وتَمهُّل؛ وأصل الترتيل أن يكون فيِ الأسنان، وَهُوَ تَفليجُها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «نثبت»، وهو خطأ. (3/165)
صفحة 981
وَلاَ يَأتونك بِمَثَل} سؤالٍ عجيبٍ، كأنَّه مَثَل فيِ البطلان، يريدون بِهِ القدح فيِ نبوَّتك، {إلاَّ جِئناك بِالْحَقِّ} الدَّافع لَهُ فيِ جوابه؛ أي: يبطل ما جاءوا بِهِ مِنَ المثل؛ فسمَّى مَا يوردون مِنَ الشبه مَثَلا؛ وسمَّى مَا تُدفع بِهِ الشبه حقًّا. {وأحسنَ تَفسيرا (33)} أو إنَّما هُوَ أحسن بيانا وتفصيلا؛ والتفسير تفعيل مِنَ الفَسْرِ: وَهُوَ كَشف مَا غُطِّي. {الذِينَ يُحشرون عَلَى وُجوههم إِلىَ جَهَنَّم} أي: مقلوبين، أو مَسحوبين إِلَيْهِا، {أُولَئِكَ شرٌّ مَكانا وأضلُّ سبيلا (34)} عَن الرحمة؛ أي: أخطأ طريقا.
{وَلَقَد آتينا مُوسى الكتابَ وجعلنا مَعَه أخاهُ هارون وزيرا (35)} يُؤازره فيِ الدَّعوة وإعلاء الكلمة، وَلاَ يُنافي ذَلِكَ مشاركته فيِ النبوَّة، لأَنَّ المتشارِكَين فيِ الأمر مُتَوازران عليه. {فقلنا: اذهبا إِلىَ القوم الذِينَ كَذَّبوا بِآيَاتِنا فدمَّرناهم تَدميرا (36)} (لَعَلَّهُ) أي: إهلاكا.
{وقومَ نوحٍ لَمَّا كذَّبوا الرسلَ} كذَّبوا نوحا ومَن قبله؛ أو نوحا وحده؛ ولكنَّ تكذيب وَاحِد مِنَ الرُّسل كَتكذيب الكلِّ، {أغرقناهم وجعلناهم} أي: وجعلنا إغراقهم، أو قصَّتهم {للنَّاس آيةً} عبرةً، {وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37)} (لعلَّه بالحجارة والآجر، فهي رسٌّ؛ وقيل: فَلَج باليمامة؛ وقيل: الأخدود؛ وقيل: المعدن) (1).
{__________
(1) - ... ما بين قوسين يظهر أَنَّه ليس في محلِّه لأَنَّهُ تفسير معنى: «الرسِّ». (3/166)
صفحة 982
وعادًا وثَمودًا وأصحابَ الرَّسِّ} (لَعَلَّهُ) بئر؛ قيل: وكلُّ ركبة [كَذَا] لم تُطو، {وقُرونا بين ذَلِكَ كثيرا (38) وكلاًّ ضَرَبنَا لَهُ الأمثالَ} بيَّنَّا لَهُ (لَعَلَّهُ) له الأشباه فيِ إقامة الحُجَّة عَلَيْهِم، أو القصص العجيبة مِن قصص الأَوَّلين إنذارا، فَلَمَّا أصرُّوا أُهلكوا، كما قَالَ: {وكلاًّ تَبَّرنا تتبيرا (39)} فتنَّاه تفتينا؛ (لَعَلَّهُ) أي: أهلكناه إهلاكا. {وَلَقَد أَتَوا عَلَى القريةِ التِي أُمطِرَت مَطَرَ السَّوءِ} يعني: قُريشا، مِرارا فيِ مَتاجِرهم إِلىَ الشَّام عليها، [407] وهي قريةُ “سَدُوم” العظمى، قُرى قوم لوط، أُمطرت عليها الحجارة، {أفلم يكونوا يَرَونها} فيِ مرار مُرورهم، فيتَّعظون بِمَا يَرون فِيهَا مِن آثار عذابِ الله، {بَل كَانُوا لاَ يَرجُون نُشورا (40)} بَل كَانُوا كَفَرة لاَ يتوقَّعون نشورا وَلاَ عاقبة؛ فلذلك لم ينظروا ولم يتَّعظوا؛ فمرُّوا بها كما مرَّت ركابهم، وَلاَ يُؤمِّلون كما يُؤمِّله (1) المؤمنون طمعا فيِ الثواب.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ولا يتأمَّلون كما يتأمَّله المؤمنون ... »، لأَنَّ أمَل يَأْمَل، وأمَّل يؤمِّل بمعنى: رجا يرجو. بخلاف تأمَّل فهو بمعنى: تثبَّت في الأمر أو في النظر. راجع: ابن منظور: لسان العرب، 1/ 100، مادَّة: «أمل». (3/167)
صفحة 983
وإذَا رَأَوك إن يتَّخذونك إِلاَّ هُزُوًا} مَا يتَّخذونك إِلاَّ موضع هزؤ؛ أو مهزوء بِهِ؛ وهذا يعمُّ كُلَّ مُؤْمِن رآه كُلُّ كافر، مَا يلقاه إِلاَّ مُستهزئا بِهِ؛ لأَنَّهُ إِذَا خالفه صار مُستهزئا بِهِ مِن حيث المعنى؛ لأَنَّ الذِينَ اتَّخَذوا آيات الله هزؤًا هم الذِينَ لم يعملوا بها، {أهذا الذِي بَعَث الله رَسولا(41)}؟ استحقارا لَهُ، واستهزاءً بِهِ. {إن كادَ} أَنَّهُ كَانَ {لَيُضلُّنا عَن آلهتنا} لِيصرفنا عَن عبادتها، بفرط اجتهاد فيِ الدعاء إِلىَ التَّوحيد، وكثرة مَا يورد مِمَّا يسبق إِلىَ الذهن أنَّها حجج ومعجزات، {لَولا أن صَبَرنا عليها} ثَبَتنا عليها، واستمسكنا بعبادتها، {وسوف يَعْلَمُونَ حين يَرون العذاب} حين وُقوع الموت بهم، أو يوم القيامة، {مَن أضلُّ سبيلا(42)}.
{ (3/168)
صفحة 984
أرأيت من اتَّخَذَ إلهه هواه} بأن أطاعه وبَنى عليه دينه، لاَ يسمع حجَّة وَلاَ يَتَبصَّر دليلا، {أفأنت تكون عليه وكيلا (43)}؟ حفيظا لِمنعه عَن الشرك والمعاصي، وحالةُ هَذَا ليس عليك إِلاَّ البلاغ. {أم تَحسب أنَّ أكثرهم يسمعون} سماعَ تفهُّم، {أو يعقلون} بقلوبهم مَا تُبلِّغهم مِنَ الحجج، فتجدي لَهُمُ الآيات والحجج، فتهتمَّ بشأنهم، وتطمع فيِ إيمانهم؛ وَهُوَ أشدُّ مذمَّة مِمَّا قبله حتَّى حقَّ بالإضراب عنه إليه، {إن هُم الاَّ كالأنعام} فيِ عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم، وعدم تَدبُّرهم فيما شاهدوا مِنَ الدلائل والمعجزات، {بَل هم أضلُّ سبيلا (44)} مِنَ الأنعام، لأَنَّهَا تنقاد لِمَن يتعهَّدها، وتُميِّز مَن يُحسن إِلَيْهِا مِمَّن يُسيء إِلَيْهِا، و تطلب مَا ينفعها، وتَجتنب مَا يضرُّها؛ وهؤلاء لاَ ينقادون لِرَبِّهِمْ، وَلاَ يعرفون إحسانه مِن إساءة الشيطان، وَلاَ يطلبون الثواب الذِي هُوَ أعظم المنافع، وَلاَ يَتَّقون العقاب الذِي هُوَ أشدُّ المضارِّ، ولأنَّها إن لم تعتقد حقًّا، ولم تلتبس خيرًا، لم تنعقد (1) باطلا، ولم تكتسب شرًّا، بِخلاف هؤلاء؛ ولأنَّ جهالتها لاَ تضرُّ بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدِّي إِلىَ تهييج الفتن، وصدِّ النَّاس عَن الحقِّ، ولأنَّها غير مُمَكَّنة مِن طلب المنافع، فلا تقصير منها وَلاَ ذمَّ؛ وهؤلاء مقصِّرون مستحقُّون أعظم العقاب عَلَى تقصيرهم، لأَنَّ القادر عَلَى نيل الكمال أحرى بالذَّمِّ، وأجدر بالنسبة إِلىَ الضلال مهما تقاعد عَن طلب الكمال.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تعتقد». وانظر أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص221. (3/169)
صفحة 985
ألم تَرَ إِلىَ رَبِّكَ} ألَم تنظر كيف صُنعه، {كيف مَدَّ الظلَّ} كيف بَسَطه، ألم تنظر إِلىَ الظلِّ كيف مدَّه رَبُّكَ؟؛ فغيَّر النظمَ إشعارا بِأَنَّ المعقول مِن هَذَا الكلام لِوضع برهانه، هُوَ دلالة [408] حدوثه، ولصرفه عَلَى الوجه النافع، بأسباب مُمكنة عَلَى أنَّ ذَلِكَ فِعْل الصانع الحكيم، كالمشاهدة (1) المرئي، فكيف بالمحسوس مِنْهُ؛ أو ألَمْ ينته علمك إِلىَ أنَّ رَبّكَ كيف مدَّ الظلَّ فيما بين طلوعِ الفجر إِلىَ طلوع الشمس، وَهُوَ أطيب الأحوال؛ فإنَّ الظلمة الخالصة تُنفِّر الطَّبع وتشدُّ النظر، وشعاعُ الشمس يُسخِّن الجوَّ ويبهر البصر، ولذلك وَصف بِهِ الجنَّة، فقال: {وظلٍّ مَمدود} (2). {ولو شاء لَجعله ساكنا} ثابتا مِنَ السكنى؛ أو غير متقلِّص مِنَ السكون، بِأَن يَجعل الشمس مُقيمة عَلَى موضع وَاحِد، {ثمَّ جعلنا الشمسَ عليهِ دَليلا (45)} فإنَّه لاَ يظهر للحسِّ حتَّى تَطلع، فيقع ضوؤها عَلَى بعض الأجرام؛ أو لاَ يوجد وَلاَ يتفاوت إِلاَّ بسبب حَرَكتها؛ أي: الشمس جُعلت دليلا عَلَى الظلِّ، ولولا النور لَمَا عُرفت الظلمة؛ والأشياءُ تُعرف بأضدادها.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كالمشاهَدِ».
(2) - ... سورة الواقعة: 30. (3/170)
صفحة 986
ثُمَّ قَبَضنَاه إلينا} أي: أنزلنا بإيقاع الشعاع فيِ مَعنَى موقعه لمَّا عبَّر عَن إحداثه بالمدِّ، بمعنى: التسيير، عبَّر عَن إزالته بالقبض إِلىَ نفسه، الذِي هُوَ فيِ مَعنَى الكفِّ، {قَبضًا يَسيرا (46)} قليلا قليلا حسب مَا ترتفع الشمس، لتنتظم بذلك مَصالح الكون، ويتحصَّل بِهِ مَا لاَ يُحصى مِن منافع الخلق. و «ثمَّ» في الموضعين لتفاضل الأمور، أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها؛ وقيل: مدَّ الظلَّ لمَّا بنى السَّمَاء، ودَحَى الأَرْض تَحتها فالتفت عليها ظلّها (1)، ولو شاء لَجعله ثابتا عَلَى تلك الحال، ثُمَّ خَلَق الشمس عليه دليلا أي: مُسلَّطا عليه، مُستتبعا إيَّاه كما يستتبع الدليل المدلول؛ أو دليلُ الطَّريقِ (2) مَن يهديه، فإنَّه يَتَفاوت بِحركتها، ويتحوَّل بتحوُّلها، {ثُمَّ قبضناه إلينا قبضا يسيرا}: شَيْئًا فشَيْئًا، إِلىَ أن ينتهى إِلىَ غاية نقصانه؛ أو قَبْضا سهلا عند قيام الساعة، بقبض أسبابه مِنَ الأجرام المظلَّة، والمظَلِّ عليها. وقيل: مَعنَى {ثُمَّ قبضناه إلينا قبضا يسيرا} بالشمس التِي تأتي عليه. والقبض: جَمع المنبسط مِنَ الشيء؛ وَمَعنَاه: أنَّ الظلَّ يَعمُّ جميع قبل الشمس؛ فإذا طلعت الشمس فَيُقِلُّ الله الظلَّ جزءً جزءً. {قَبْضًا يسيرا} أي: خَفيًّا.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وصواب العبارة عند أبي السعود: «وقيل: إنَّ الله تعالى لَمَّا بنى السماء كالقبَّة المضروبة، ودحا الأرض تحتها، ألقت القبَّة ظلَّها عَلَى الأرض لعدم النيِّر». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص223. وانظر نحو هَذِهِ العبارة: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 223.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «دليلٌ لِطَريقِ». (3/171)
صفحة 987
وَهُوَ الذِي جَعل لكم الليلَ لِباسا} شبَّه ظلامه باللباس فيِ ستره، {والنومَ سُباتا} راحةً للأبدان بقطع المشاغل؛ وأصل السبت: القطع؛ أو موتا كقوله: {وَهُوَ الذِي يَتوفَّاكم بالليل} (1) لأَنَّهُ قطع الحياة، ومنه المسبوت: للمَيِّت، {وجعل النهار نشورا (47)} ذا نشور؛ أي: انتشار ينتشر فِيهِ النَّاس للمعاش؛ أو بعث مِنَ النوم بعث الأموات؛ أو يكون إشارة إِلىَ [أنَّ] (2) النوم واليقظة أنموذجٌ للموت والنشور.
{__________
(1) - ... سورة الأنعام: 60.
(2) - ... إضافة منَّا ليستقيم المَعنَى، وَفيِ تفسير أبي السعود: «وفيه إشارة إِلىَ أنَّ النوم واليقظة أنموذجٌ للموت والنشور». أبو السعود: المصدر نفسه. (3/172)
صفحة 988
وَهُوَ الذِي أَرسل الرياحَ بُشْرًا بَين يَدَي رحمته} يعني: قدَّام المطر، {وأنزلنا مِن [409] السَّمَاء ماءً طَهورا(48)} توصيف (1) الماء بِهِ إشعارا بالنعمة فِيهِ، وتتميما للمِنَّة فيما بعده، فإِنَّ الماء الطهور أهنأ وأنفع مِمَّا خالطه مِمَّا يُزيل طهوريَّته؛ وتنبيهٌ عَلَى أنَّ ظواهرهم لَمَّا كَانَت مِمَّا ينبغي أن يطهِّرها، فبواطنهم أولى. {لِنُحيِي بِهِ بلدةً مَّيْتا} بالنبات؛ وتذكير «مَيْتا» لأَنَّ البلدة فيِ معنى البَلَد، {وَنُسْقِيَه مِمَّا خَلَقنا أنعاما وأَنَاسيَّ كثيرا(49)} يعني: أهل البراري الذِينَ يعيشون بالحيا. ونكَّر الأنعام والأناسي وتخصيصهم، لأَنَّ أهل المدن والقرى يقيمون بالقرب مِنَ الأنهار والمنابع، فبهم (2) وبما خوَّلهم مِنَ الأنعام غُنية عَن سُقيا السَّمَاء، وسائر الحيوانات تبعد فيِ طلب الماء، فلا يعوزُها الشرب غالبا، مَعَ أنَّ (لَعَلَّهُ) مساقَ هَذِهِ الآيَات للدَّلالات (3) عَلَى عِظم القدرة، فهو لِتعداد أنواع النعمةِ؛ والأنواع قنية (4) النَّاس، وعامَّة منافعهم، وعْلْيهُ (5)
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وَصَفَ الماءَ...». وَفيِ تفسير أبي السعود: «ووصف الماء بِهِ إشعارٌ بالنعمة فِيهِ، وتتميمٌ للمِنَّة فيما بعده... يُزيل طهوريَّته». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص224.
(2) - ... كذا في الأصل، وفي تفسير أبي السعود، ولعلَّ الأصوب: «فبها»، أي بالأنهار والمنابع.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «للدلالة». كما عند أبي السعود: تفسير، المصدر نفسه.
(4) - ... «القِنوَة والقُنوة والقِنية، والقُنية: الكِسبة». ابن منظور: لسان العرب، 5/177، مادَّة: «قنا».
(5) - ... كذا في الأصل، مع الشكل، ولا مَعنَى له، وَفيِ تفسيرَيْ أبي السعود والألوسي: «وعامَّة منافعهم ومعايشهم منوطة بها». أبو السعود: المصدر نفسه. الألوسي: روح المعاني: 19/31.. (3/173)
صفحة 989
معايشهم منوطة، ولذلك قدَّم سَقيها عَلَى سقيهم، كما قدَّم عليها إحياء الأَرْض، فإنَّه سبب لِحياتها وتعيُّشها.
{وَلَقَد صَرَّفنَاه بَيْنَهُم} صرَّفنا هَذَا القول بين النَّاس فيِ القرآن، وسائر الكتب؛ أو المطر بَيْنَهُم فيِ البلدان المختلفة، والأوقات المتغايرة، والصِّفات المتفاوتة، مِن وابل وطلٍّ وغيرهما. وعن ابن عبَّاس: «مَا عام أمطر مِن عام، ولكنَّ الله قسَّم ذَلِكَ بين عباده عَلَى من يَشَاء»، وتلا هَذِهِ الآيَة. أو في الأنهار والمنافع. {ليذَّكَّروا} ليتفكَّروا ويعرفوا كمالَ القدرة، وحقَّ النعمة فيِ ذَلِكَ، ويقوموا بِشكره؛ أو ليعتبروا بالصرف عَنْهُم وإِلَيْهِم، ليتيقَّنوا عدم حيلتهم إِذَا صُرف (لَعَلَّهُ) عَنْهُم؛ وإذا صُرف إِلَيْهِم (لَعَلَّهُ) لَعَلَّهُم يشكرون؛ {فأبى أكثرُ الناسِ إِلاَّ كُفُورا (50)} لكفران النعمة، وقِلَّة الاكتراث لها؛ أو جحودها بأن يقولوا: مُطِرنا بنوء كذا (1)؛ أو مَن لاَ يرى الأمطار إِلاَّ مِنَ الأنواء كَانَ كافرا؛ بِخلاف مَن يرى أنَّها مِن خلق الله؛ والأنواء وسائطٌ وأَمَاراتٌ يَجعلها الله.
{__________
(1) - ... إشارة إِلى الحديث الذي رواه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه صلَّى بأصحابه صلاة الصبح بالحديبيَّة في أثر سماء كان من الليل فَلَمَّا انصرف من صلاته أقبل على الناس فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»؛ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، فأمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ؛ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ». باب [10] في ذكر الشرك والكفر، حديث رقم 62. (3/174)
صفحة 990
ولو شِئنا لبعثنا فيِ كُلِّ قريةٍ نَّذيرا (51)} نَبِيًّا يُنذر أهلها، فتخفُّ عليك أعباء النبوَّة؛ ولكن قَصرنا الأمر عليك إجلالا لك، وتعظيما لشأنك، وتفضيلا لك عَلَى سائر الرسل؛ فقابِلْ ذَلِكَ بالثبات والاجتهاد فيِ الدعوة وإظهار الحقِّ؛ أو لاجتهاد النَّاس الذِينَ لم يشاهدوا الرسول ليَتَعَاظم الأجر لَهُم، لأَنَّهُ ليس الخبر كالمشاهدة. {فلا تُطِع الْكَافِرِينَ} فيما يريدونك؛ وَهُوَ تهييج لَهُ وللمؤمنين، {وجَاهِدْهُم بِهِ} بالقرآن؛ وَالمَعنَى: أنَّهم مُجتهدون فيِ إبطال حقِّك، فقاتلهم بالاجتهاد فيِ مُخالفتهم، وإزاحة باطلهم اجتهادا، {جِهَادا كبيرا (52)} لأَنَّ مُجاهدة السفَهاء بالحجج، أكثر مِن مُجاهدة الأعداء بالسيف؛ أو ينضمُّ إِلَيْهِما جهادُ النفس، ليعمَّ كُلَّ جهاد.
{وَهُوَ الذِي مَرَجَ البَحرَيْن} خَلاَّهما مُتجاورين متلاصقين، بحيث لاَ يتمازجان؛ مِن مَرَجَ دابَّته: إِذَا خلاَّها، {هَذَا عَذبٌ فُراتٌ} قاطع [410] للعطش مِن فرط عذوبته، {وهذا مِلح أُجَاج} بليغ الملوحة، {وجعل بينهما بَرزَخا} حاجزا مِن قدرته، {وحِجْرا مَحجورا (53)} تنافرا بليغا، كأنَّ كلاًّ منهما يقول للآخر مَا يقوله المتعوَّذ مِنْهُ؛ وقيل: حدًّا مَحدودا، وذلك كدجلة تَدخل البحر فتشقُّه، فتجري فيِ خلاله فراسخ لاَ يتغيَّر طعمها؛ وقيل: المُرَاد بالبحر العذبِ: النهر العظيم، مثل: النيل، وبالبحر الملح: البحر الكبير؛ وبالبرزخ: مَا يحول بينهما مِنَ الأَرْض، فتكون القدرة فيِ الفصل، واختلاف الصِّفة، مَعَ أنَّ مُقتضى طبيعة إجراء كُلِّ عنصرات (1) تضامَّت وتلاصقت وتشابهت فيِ الكيفيَّة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب ما ذكره أبو السعود: «مَعَ أنَّ مُقتضى طبيعة كُلِّ عنصر التضامُّ والتلاصق والتشابه فيِ الكيفيَّة». (3/175)
صفحة 991
وَهُوَ الذِي خَلَق مِنَ الماء بَشرا، فجعله نَسَبا وصهرا} أي: قسَّمه قسمين، ذوي نسب، أي: ذكورا ينتسب إِلَيْهِم، وذوات صهر، أي: إناثا يصاهر بهنَّ، كقوله: {فجعل منه الزوجين الذكرَ والأنثى} (1)؛ وقيل: النسب مَن لاَ يَحلُّ نكاحه، والصهر ما يحلُّ نكاحه، {وكَانَ رَبُّكَ قديرا (54)} حيث خلق مِنَ مادَّة وَاحِدَة بشرا ذا أعضاء مختلفة، وطباع متباعدة، وجعله قسمين متماثلين؛ وربَّما يَخلق من نطفة وَاحِدَة توأمين ذكرا وأنثى.
{ويعبدون مِن دون الله مَا لاَ ينفعهم وَلاَ يضرُّهم} يعني: الأصنام؛ وَهُوَ يعمُّ كلَّ مَا عُبِد مِن دون الله، إذ مَا من مَخلوق يستقلُّ بالنفع والضرِّ، {وكَانَ الكافرُ عَلَى رَبِّه ظهيرا (55)} يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك؛ وَالمُرَاد بالكافر: الجنس، مُعِينا للشيطان عَلَى معصية الله.
{وَمَا أرسلناك إِلاَّ مبشِّرا ونذيرا (56)} للمؤمنين والْكَافِرِينَ. {قل: مَا أَسأَلكم عليه} عَلَى التبليغ الذِي يَدلُّ عليه: «إِلاَّ مُبشِّرا ونذيرا»، {مِن أجر إِلاَّ مَن شاء} إِلاَّ فِعل مَن يَشَاء {أن يتَّخذ إِلىَ رَبِّه سبيلا (57)} أن يتقرَّب إِلَيْهِ، ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطَّاعة؛ فصوَّر ذَلِكَ بصورة الأجر مِن حيث أنَّه مقصود فعله؛ وقيل: الاستثناء منقطع، معناه: لكن مَن شاء أن يتَّخذ إِلىَ رَبِّه سبيلا فليفعل.
{وتوكَّل عَلَى الحيِّ الذِي لاَ يَموت} فيِ استكفاء شرورهم، والإغناء عَن أجورهم، فإنَّه الحقيق بأن يُتَوَكَّل عليه، دون الأحياء الذِينَ يموتون، فَإنَّهُم إِذَا ماتوا ضاع مَن توكَّل عَلَيْهِم، {وسبِّح بِحمده} ونزِّهه عَن صفاتِ النقصان مُثنِيا عليه بأوصاف الكمال، طالبا لمزيد الإنعام بالشكر عَلَى سوابغه، {وكفى بِهِ بذنوب عِبادِه} ما ظَهَر منها وَمَا بطن، {خبيرا (58)} مطَّلعا؛ فما عليك إن آمنوا أو كَفَرُوا.
{__________
(1) - ... سورة القيامة: 39. في الأصل: «وجعل ... »، وهو خطأ. (3/176)
صفحة 992
الذِي خَلَق السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما فيِ ستَّة أَيَّام، ثُمَّ استوى عَلَى العرش} سَبَق الكلامُ فِيهِ؛ ولعلَّ ذكرَه زيادةُ تقرير لكونه حقيقًا بِأَن يُتَوَكَّلُ عليه مَن حيث أنَّه الخالق للكلِّ، والمتصرِّف فِيهِ؛ وتحريضٌ عَلَى الثبات والتأنِّي فيِ الأمر، فإنَّه تعالى مَعَ كمال قدرته، وسرعة نفاذ أمره في كلُّ مراد، خلق الأشياء عَلَى تُؤدَة وتدرُّج، {الرحمنُ، [411] فاسأل بِهِ خبيرا (59)} عمَّا ذكر مِنَ الخلق والاستواء عالما يخبرك بحقيقته، وَهُوَ الله تعالى، أو جبريل، أو من وجده فيِ الكتب المتقدِّمة، ليصدُقك فِيهِ؛ وقيل: الضمير للرحمن، والمَعنَى: إن أنكروا إطلاقه عَلَى الله فاسأل عَنْهُ مَن يُخبرك من أهل الكتاب، لتعرفوا مجيء مَا يُرادفه فيِ كتبهم.
{وإذا قيل لَهُم: اسجدوا للرحمن، قَالُوا: وَمَا الرحمن}؟ لأَنَّهُم مَا كَانُوا يطلقونه عَلَى الله؛ أو لأَنَّهُم ظنُّوا أنَّه غيره (1)، أو لأَنَّهُم نَفَوا الإلهية، كقوله: {وَهُم يكفرون بالرحمن} (2)، [ولذلك] قَالُوا: {أَنسجُدُ لِمَا تأمرنا}؟ أي: الذِي تأمرناه (3)، يعني: تأمرنا بسجوده؛ أو لأمرك النَّاس من غير عرفان؛ وقرئ: بالياء عَلَى أنَّه قول بعضهم لبعض، {وزادهم} أي: الأمر بالسجود {نفورا60)} عَن الإيمان؛ وفيه دليل عَلَى أنَّ السجود هُوَ الإذعان والانقياد، لقوله: {وزادهم نفورا} عَن (4) نفورهم المتقدِّم.
{__________
(1) - ... في الأصل: + «ولذلك»، وهو خطأ، فالصواب تأخيرها إِلى ما قبل قوله: «قالوا: {أنسجد لِمَا تأمرنا}»، كما في أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص227.
(2) - ... سورة الرعد: 30.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تأمرنا به».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «على». (3/177)
صفحة 993
تبارك الذِي جَعَل فيِ السَّمَاء بُروجا} يعني: البروج (لَعَلَّهُ) الإثنا عشر؛ سُمِّيت بِهِ، وهي القصور العالية، لأَنَّهَا للكواكب السائرة السيَّارة، كالمنازل لسكَّانها، واشتقاقها مِنَ البرج: وَهُوَ الظهور. {وجعل فِيهَا سِراجا وقمرا منيرا (61) وَهُوَ الذِي جعل الليل والنهار خِلْفَة} أي: ذوي خلفة يَخلف كلٌّ منهما الآخر، بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فِيهِ؛ أو بأن يعتقبا، لقوله: {واختلاف الليل والنهار} (1). {لِمَن أَرَادَ أن يذَّكر} أن يتذكَّر آلاء الله، ويتفكَّر فيِ صنعه، فيعلم أنَّه لاَ بُدَّ لَهُ من صانع حكيم، واجب الذَّات، رحيم عَلَى العباد، {أو أَرَادَ شُكُورا (62)} أن يشكر الله تعالى عَلَى مَا فِيهِ مِنَ النعم؛ أو ليكونا وقتين للذاكرين والشاكرين، من فاته وِردُه فيِ أحدهما تَدَاركه فيِ الآخر.
{وعِبَادُ الرحمن الذِينَ يَمشون عَلَى الأَرْض} وإضافتهم إِلىَ الرحمن للتخصيص والتفضيل؛ أو لأَنَّهُم الرَّاسخون فيِ عبادته، {هونا} هيِّنين؛ أو مشيًا هيِّنًا؛ والمَعنَى: أنَّهم يَمشون سكينة وتواضعا عَلَى هيأتهم لاَ يسرعون، وذلك مِنَ الأخلاق الحسنة، وَهُوَ من أخلاق الصَّالحين، {وإذا خاطبهم الجاهلون، قَالُوا: سلاما (63)} تسليما لكم ومباركة لَهُم؛ لاَ خير بيننا وبينكم وَلاَ شرَّ؛ أو سَدادا مِنَ القول تَسلَمون فِيهِ مِنَ الإيذاء والإثم، وَلاَ تنافية آية القتال لتنسخه؛ فإِنَّ المُرَاد بِهِ هُوَ: الإغضاء عَن السفهاء، وترك مقابلتهم فيِ الكلام بِمَا لاَ ينفع، اشتغالا عَمَّا ينفع.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 164؛ وسورة آل عمران: 160؛ وسورة الجاثية: 5. (3/178)
صفحة 994
وَالذِينَ يَبِيتون لِرَبِّهِمْ سُجَّدا وقياما (64)} فيِ الصلاة؛ وتخصيص البيتوتة لأَنَّ العبادة بالليل أضمن، وأبعد مِنَ الرياء؛ وقيل: مَن صلَّى ركعتين بالليل، عمَّه تأويل هَذِهِ الآيَة. قَالَ أبو سعيد: «التأويل فيما يقال فيِ هَذِهِ الآيَة: القيام آخر الليل؛ قَالَ: ويقال: إنَّ مَن صلَّى ركعتين لحقتة الآيَة». وَاللهُ أعلم بذلك.
{وَالذِينَ يقولون: رَبَّنَا اصرِف عَنَّا عذابَ جَهَنَّم إنَّ عَذابها كَانَ غَراما (65)} [412] مُلازما؛ ومنه الغريم، لملازمته؛ وَهُوَ إيذان بأنَّهم مَعَ حسن مُخالقتهم مَعَ الخلق واجتهادهم فيِ عبادة الحقِّ، وَجِلُون مِنَ العذاب، مبتهلون إِلىَ الله فيِ صرفه عَنْهُم، لعدم اعتدادهم بأعمالهم، ووثوقهم عَلَى استمرار أحوالهم؛ قيل: الغريم: الشرُّ الدائم، والعذاب والهلاك. {إِنَّهَا ساءت مُستقرًّا ومُقَاما (66)} أي: بئسَت مُستقرًّا ومقامَةً.
{وَالذِينَ إِذَا أَنفقوا لَم يُسرفوا} لم يجاوِزوا حدَّ الكرَمِ، {ولم يَقتُرُوا} ولم يُضيِّقوا تضييق الشَّحيح؛ وقيل: الإسراف: هو الإنفاق فيِ المحارم، والتَّقتِير: منع الواجب. (لَعَلَّهُ) ويروى عَن أُبيٍّ: «سبَّب فيِ هَذِهِ الآيَة أولئك أصحاب محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، كَانُوا لاَ يأكلون طعَامًا للتَّنعُّم واللذَّة، وَلاَ يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كَانُوا يريدون مِنَ الطعام مَا يَسُدُّ عَنْهُم الجوع، ويقوِّيهم عَلَى عبادة الله؛ ومن الثيَاب مَا يستر عوراتهم وَمَا يُكنُّهم مِنَ الحرِّ والبرد». {وكَانَ بين ذَلِكَ قَوَاما (67)} وسطا وعدلا سُمِّي به لاستقامة الطرفين، كما سُمِّي «سويٌّ» (1) لاستوائهما؛ وقرئ: بالكسر، وَهُوَ مَا تُقام بِهِ الحاجة، لاَ فضل يفضل عنها، وَلاَ ينقص.
{__________
(1) - ... ويمكن أن نقرأ: «سُوًى»، إشارة إِلى قوله تعالى: {فاجعلْ بينَنا وبينَك مَوعِدًا لا نُخلِفُه نحن ولا أنتَ مَكانا سُوًى}. سورة طه: 58. (3/179)
صفحة 995
وَالذِينَ لاَ يَدعون مَعَ الله إلها آخر} لاَ يعبدون هواهم من دون الله، {وَلاَ يَقتلون النفسَ التِي حرَّم الله إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزنُون} نفى عَنْهُم أمُّهات المعاصي بعد مَا أثبت لَهُم أصول الطَّاعات، إظهارا لكمال إيمانهم، وإشعارا بِأَنَّ الأجر المذكور موعود للجامع بين ذَلِكَ، وتعريضا للكفرة بأضداده، ولذلك عقبه الوعيد تهديدا لَهُم فَقَالَ: {ومَن يَفعل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاما(68)} جزاءَ إثم، أو آثما بإضمار الجزاء؛ وقيل: «أثاما» وادٍ فيِ جهنَّم، {يُضاعَف لَهُ العذاب يومَ القيامة ويَخلُد فِيهِ مُهَانا(69)} (لَعَلَّهُ) استحقُّوا تضعيف العذاب بتركهم المأمور بِهِ، وارتكابهم المنهي عَنْهُ.
{إِلاَّ مَن تابَ وآمن وعمل عملا صالحا، فأولئك يُبدِّل الله سَيِّئاتهم حسناتٍ} بأن يَمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت مكانها لَواحق الطَّاعات؛ أو يبدِّل ملكة المعصية فيِ النفس بملكة الطَّاعة؛ وقيل: بأن يُوفِّقه لأضداد مَا سلف مِنْهُ؛ أو بأن يثيب لَهُ بدل كُلِّ عقاب ثوابا؛ ويحتمل فيِ تأويل قوله تعالى: {فأولئك يُبدِّل الله سيِّئاتهم حسنات} أي: يُبدِّل الله سيِّئاتهم، أي: أعمالهم السيِّئة، {وكَانَ الله غَفُورا رَحيما(70)} فلذلك يَعفو عَن السيِّئات، ويثيب عَلَى الحسنات. {ومَن تَاب} عَن المعاصي بتركها، والنَّدم عليها، {وعمل صالحا} يتلافَى بِهِ مَا فرط؛ أو خرج عَن المعاصي، ودخل فيِ الطَّاعة، {فإنَّه يتوب إِلىَ الله} يرجع إِلىَ الله بذلك {متابا(71)} مرضيًّا عند الله مَاحيا للعقاب، مُحصِّلا للثواب.
{ (3/180)
صفحة 996
وَالذِينَ لاَ يَشهدون الزور} بلسان مقالهم، وَلاَ لسان حالهم؛ وأصل الزُّور: تَحسين الشيء ووضعه عَلَى [413] خِلاف صنعته، فهو تمويه الباطل (1)؛ {وإذا مَرُّوا باللغو} مَا يَجب أن يلقى ويطرح، ولو من لسان وساوسهم، وخيال أفكارهم، وكَذُوب أمانيهم، {مَرُّوا كِرَاما (72)} مُعرضين عَنْهُ، مكرِّمين أنفسهم عَن الوقوف عليه، والخوض فِيهِ، والاشتغال بِهِ؛ ومن ذَلِكَ الإغضاء عَن الفواحش، والصفح عَن الذنوب. والكناية عَمَّا يُستهجن التصريح بِهِ.
{وَالذِينَ إِذَا ذُكِّروا بِآيَاتِ ربِّهم} بالوعظ والقراءة، وقيام الحجَّة من حيثمَا كَانَت، {لم يَخِرُّوا عليها صُمًّا وعُميانا (73)} لم يقيموا عليها غير واعين لها، ولا متبصِّرين بِمَا فِيهَا، كمن لاَ يسمع وَلاَ يبصر؛ بَل أكبُّوا عَلَيها سامعين بآذان واعية، مبصرين بعيون (لَعَلَّهُ) راعية.
{__________
(1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئًا. وَلَعَلَّ في العبارة نقصا. (3/181)
صفحة 997
وَالذِينَ يقولون: رَبّنَا هَبْ لَنَا من أزواجنا وذرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أعين} بتوفيقهم للطَّاعَة، وحيازة الفضائل؛ فإِنَّ المؤمن إِذَا شاركه أهله فيِ طاعة الله سرَّ بِهِم قلبه، وقرَّت بِهِم عينه، لِمَا يرى من مساعدتهم لَهُ فيِ الدِّين؛ وَلاَ تقرُّ عين المؤمن إِلاَّ بالطَّاعَة، بَل يتأذَّى قلبه بالمعصية، وخاصَّة مِنَ الأقارب؛ لأَنَّهُم يكونون فيِ الدُّنْيَا مُشاققين معادين لَهُ، وفي الآخِرَة خائف عَلَيْهِمُ العذاب، كما قَالَ إبراهيم عليه السَّلام: {يا أبت إِنِّي أخاف أن يَمسَّك عذابٌ ... } (1) الآيَة، وقول نوح لابنه: {يا بُنَيَّ اركب معنا وَلاَ تكن معَ الْكَافِرِينَ} (2). {واجعلنا للمتَّقين إماما (74)} يَقتدون بنا فيِ أمر الدِّين، بإضافة العلم والتوفيق للعمل، كأنَّهم يريدون المسابقة والمسارعة إِلىَ الخير، لأَنَّ السابق جدير بأن يُقتدى بِهِ اقتداء بالرسول؛ فيكون لَهُم أجر المسابقة، وأجر من اقتدى بهم.
{أُولَئِكَ يُجزون الغرفةَ} أعلا موضع فيِ الجنَّة، {بِمَا صَبَروا} بصبرهم عَلَى المشاقِّ مِن مضض الطَّاعَات، ورفض الشهوات، وتَحمُّل المجاهدات، {ويُلَقَّون فِيهَا تَحيَّة وسلامًا (75)} دعاء بالتعمير والسلامة؛ أي: يُحيِّيهم المَلاَئِكَة ويُسلِّمون عليهم، أو يُحيِّي بعضهم بعضا، ويسلِّم عليه؛ أو ببقاء دائم وسلامة مِن كُلِّ آفة. {خالدين فِيهَا} لاَ يَموتون وَلاَ يحزنون، {حَسُنَت مُستقرًّا ومُقاما (76)} مقابل «ساءت مستقرًّا».
{__________
(1) - ... سورة مريم: 45؛ وتمامها: { ... أن يَمسَّك عذابٌ مِّنَ الرحمن فتكون للشيطان وليَّا}.
(2) - ... سورة هود: 42. (3/182)
صفحة 998
قل مَا يَعْبَؤُا بِكُم رَبِّي} مَا يصنع بكم ربِّي، مِن عَبَّأت الجيش: إِذَا هيَّأته، {لولا دُعاؤكم} لولا عبادتكم؛ فإِنَّ شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطَّاعة، وَإِلاَّ فهو وسائر الحيوانات سواء، {فقد كذَّبتم} بِمَا أُخبِركم بِهِ حيث خالفتموه، {فسوف يَكون لِزاما (77)} جزاء التكذيب لازما يَحيق بكم لاَ مَحالة، فإِنَّ أثره لازم بكم حتَّى يَكُبَّكِم بِهِ فيِ النار.
- - -
سورة الشعراء
بسم الله الرحمن الرحيم
{طسم (1) تلك آيات الكتاب الْمُبِين (2)} الظاهر إعجازه وصحَّته، والإشارة إِلىَ السُّورة، أو القرآن.
{ (3/183)
صفحة 999
لعلَّك باخعٌ نَّفسك} قاتل نفسك؛ وقرئ: «باخعُ نفسِك» بالإضافة، و «لعلَّ» للإشفاق، [414] أي: اشفق عَلَى نفسك أن تَقتلها، {ألاَّ يكونوا مؤمنِين (3)} لئلاَّ يُؤمنوا؛ أو خيفة أن لاَ يؤمنوا؛ وذلك أنَّه لمَّا كذَّبه أهل مكَّة شقَّ عليه، فأعلمه الله تعالى أنَّه لو شاء لاضطرَّهم. {إن نَّشأ نُنَزِّل عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاء آيَة} دلالة مُلجئه إِلىَ الإيمان، {فظلَّت أعناقهم لها خاضعِين (4)} منقادين يذلُّون لها، فلا يَلوِي أحد مِنْهُم عُنقه إِلىَ معصية الله. {وَمَا يَأتيهم مِن ذِكر} موعظة؛ أو طائفة مِنَ القرآن {مِن الرحمن} بوحيه إِلىَ نبيِّه، {مُحدث} مُجدَّد إنزاله، لتكرير التذكير وتنويع التقرير؛ ويدخل في ذَلِكَ الآيات الإهاميَّة (1) والسماويَّة والأَرْضية، إِذَا قامت عليه حجَّتها لمعرفتها، {إلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعرضِين (5)} إِلاَّ جدَّدوا إعراضا عَنْهُ، وإصرارا عَلَى مَا كَانُوا عليه. {فقد كذَّبوا} بالذكر بعد إعراضهم، فأمعنوا فيِ تكذيبه، بحيث أدَّى بهم إِلىَ الاستهزاء بِهِ، المخبر به عَنْهُم ضمنا فيِ قوله: {فسيأتيهم أَنباء} أخبار وعواقب {مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُون (6)} مِن أنَّه كَانَ حقًّا أم باطلا، وكَانَ حقيقا بأن يُصدَّق ويُعظَّم قدره، فصاروا بالإعراض والكذب مستهزئين.
{__________
(1) - ... لم أجد فيما بين يديَّ من مصادر اللغة والتفسير مَعنًى لِكلمة «إِهام». (3/184)
صفحة 1000
أولم يَرَوا إِلىَ الأَرْض} أولم ينظروا إِلىَ عجائبها، {كم أنبتنا فِيهَا مِن كُلِّ زوج} صنف {كريم (7)} مَحمود كثير المنفعة؛ وَهُوَ صفة لِكُلِّ مَا يُحمد ويُرضى؛ وههنا يحتمل أن تكون مفيدة لِمَا تتضمَّن الدلالة عَلَى القدرة؛ وأن تكون مبيِّنة منبِّهة عَلَى أنَّه مَا من نبت إِلاَّ وله فائدة، إمَّا وحده أو مَعَ غيره؛ و «كلِّ» لإحاطة الأزواج؛ و «كم» لكثرتها. {إن فيِ ذَلِكَ} إنَّ فيِ إثبات تلك الأصناف، أو فيِ كُلِّ وَاحِدَة {لآية} عَلَى أنَّ مُنبتَها تامُّ القدرة والحكمة، سابغ النِّعمة والرَّحمة، مستحقٌّ للحمد والشُّكر؛ وهذه الآيَة ِمن آيات القرآن ... (1)، {وَمَا كَانَ أكثرهم مؤمنِين (8)} فيِ علم الله وقضائه؛ فلذلك لاَ تنفعهم أمثال هَذِهِ الآيات العظام. {وإنَّ رَبَّكَ لَهو العزيز} الغالب القادر عَلَى الانتقام مِنَ الكفرة، {الرحيم (9)} حيث أمهلهم؛ أو العزيز فيِ انتقامه مِمَّن كفر؛ الرَّحيم لِمَن تاب وآمن.
{وإذ نَادى رَبُّكَ موسى: أن ائتِ القومَ الظالمِين (10) قَوم فرعونَ ألاَ يتَّقُون (11)} ألا يصرفون عَن أنفسهم عقوبة الله بطاعته.
{قَالَ: رَبِّ إِنِّي أخاف أن يُّكذِّبون (12) ويضيق صدري} بسبب تكذيبهم إيَّاي، {وَلاَ يَنطَلِق لِساني} فإِنَّ انطلاق اللِّسان عَلَى قَدْر وسع الصَّدر؛ {فأرسل إِلىَ هارُون (13)} (لَعَلَّهُ) كأنَّه رآه مُستأهلا للرِّسالة بوجود صفات [فيه]. {ولَهم عليَّ ذنب} إِنَّمَا سمَّاه ذنبا عَلَى زعمهم، {فأخاف أن يقتلونِ (14)} قوله ذَلِكَ ليس تَعلُّلا، إِنَّمَا هُوَ استدفاع للبليَّة المتوقَّعة.
{__________
(1) - ... يبدو أنَّ في العبارة نقصا، إذ أين هو خبرُ قوله: «وهذه الآيةُ»؟. (3/185)
صفحة 1001
قَالَ كلاَّ} (لَعَلَّهُ) بالذَّهاب كِلَيهما، ويكون المقدَّم فيِ الرسالة موسى، وهارون (لَعَلَّهُ) [415] وزيرا لَهُ، {فاذهبا بِآيَاتِنا إِنَّا (1) معكم مُّستمعُون (15) فَأتيا فرعون فقولا: إِنَّا رسولُ رَبِّ الْعَالَمِين (16) أَن أرسل معنا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17)}.
{قَالَ: أَلم نُرَبِّكَ فينا} فيِ منازلنا {وليدا} سُمِّيَ بِهِ لقربه مِنَ الولادة؛ أقبل بخطابه لموسى دون هارون، لأَنَّهُ هُوَ المقدَّم فيِ الرِّسالة؛ أو مِن قِبَل الغيظ الكامِن عليه، {ولبِثْتَ فينا مِن عُمرك سنِينَ (18) وفعلتَ فَعلَتك التِي فَعلتَ وأنت مِنَ الْكَافِرِين (19)} بنعمتي.
{قَالَ: فَعَلتُها إِذًا وأنا مِنَ الضالِّين (2) (20)} المَعنَى: مِنَ الفاعلين فعل أولي الجهل والسفَه. {ففررتُ منكم لَمَّا خِفتكم، فَوَهَب لي رَبِّي حُكمًا} حكمةً، {وجعلني مِنَ المرسلِين (21)} فيالها مِن هِبة مَا أعظمها!. {وتلك نعمةٌ تَمُنُّها عليَّ أن عبَّدت بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)} أي: وتلك التربية نعمة تَمنُّها عَلَيَّ ظاهرًا وهي فيِ الحقيقة تعبيدك بَنِي إِسْرَائِيلَ.
{قَالَ فرعون: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين (23)}؟ لمَّا سَمع جواب مَا طعن بِهِ فِيهِ، ورآى أنَّه لم يرعو بذلك شرع فيِ الاعتراض عَلَى دعواه؛ فبدأ بالاستفسار عَن حقيقة المرسِل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إنَّما»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «الظالمين»، وهو خطأ. (3/186)
صفحة 1002
قَالَ: رَبُّ السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما} عرَّفه بأَظهَر خواصِّه وآثاره، لمَّا امتنع تعريف الأفراد إِلاَّ بذكر الخواصِّ والأفعال، وَإِلَيْهِ أشار بقوله: {إن كُنتُم مُوقنِين (24)} أي: إن كنتم موقنين الأشياء، مُحقِّقين لها علمتم أنَّ هذه (1) الأجرام المحسوسةَ مُمكنةٌ لتركيبها وتعدُّدها، وتغيُّر أحوالها، فلها مبدأٌ واجبٌ لذاته. قَالَ أهل المَعاني: أي كَما تُوقنون هَذِهِ الأشياء التِي تُعاينوها، فأيقنوا أنَّ لَهُ الخلق، هُوَ الله عزَّ وجلَّ (2).
{قَالَ لِمَن حوله: ألاَ تستمعُون (25)} وذلك من قول فرعون لِمَن حوله يتكلَّم بكلام مَن لاَ عقل لَهُ؛ لاَ يعقله وَلاَ يَعرف صحَّته. {قَالَ} موسى مُفهما لَهُم، ومُلزما للحجَّة عَلَيْهِم، {رَبُّكُم وربُّ آبائكم الأَوَّلِين (26) قَالَ} فِرعون: {إنَّ رَسولكم الذِي أُرسل إليكم لَمجنُون (27)} إِلىَ (3) زعمه ودعواه.
{قَالَ: رَبُّ المشرق والمغربِ وَمَا بينهما} (لَعَلَّهُ) يُشاهدون كلَّ يوم أنَّه يأتي بالشمس مِنَ المشرق، ويحرِّكها عَلَى مَدَار غير مَدَار اليوم الذِي قَبلَه، حتَّى يبلغها إِلىَ المغرب عَلَى وجه نافع، تنتظم بِهِ أمور الكائنات، {إن كُنتُم تعقلُون (28) قَالَ} فرعون حين لزمته الحجَّة، (لَعَلَّهُ) وانقطع عَن الجواب تكبُّرًا عَن الحقِّ: {لَئِن اتَّخَذت إلها غيري لأَجعَلنَّك مِنَ المسجونِين (29)} عُدولا إِلىَ التهديد عَن المحاجَّة بعد الانقطاع، وهكذا ديدن المعاند المحجوج.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لهذه»، ولا مَعنَى له.
(2) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ الصواب: «فأيقنوا أنَّ لَها خالقًا، هُوَ الله عزَّ وجلَّ». أو: «فأيقنوا أنَّ مَنْ لَهُ الخلقُ هُوَ اللهُ عزَّ وجلَّ».
(3) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلى الحاشية وكتب فيها: «لَعَلَّهُ». والصواب: «في». (3/187)
صفحة 1003
قَالَ: أَوَلَو جئتُك بشيء مُبِين (30)} بِحجَّةٍ بيِّنة؛ وإنَّما قَالَ ذَلِكَ موسى، لأَنَّ مِن أخلاق النَّاس السكون إِلىَ الإنصاف، والإجابة إِلىَ الحقِّ بعد البيَان. {قَالَ: فَأْت بِهِ إن كنتَ مِنَ الصادقِين (31)}.
{فألقى عَصَاه، فإذا هِيَ ثعبان مُبِين (32) ونزعَ يَدَه، فإذا هِيَ بيضاء [416] للنَّاظرِين (33) قَالَ: للملإ حوله إنَّ هَذَا لَسَاحر عليم (34)} فائق فيِ علم السِّحر. {يُريد أن يُخرجكم مِن أرضكم بسحره، فماذا تأمرُون (35)}؟ بهره سلطان المعجزة، حتَّى حطَّه عَن دعوى الربوبيَّة، إِلىَ مؤامرة القوم وائتمارهم، وتنفيرهم عَن موسى، وإظهار الاستشعار عَن ظهوره، واستلائه عَلَى ملكه (1).
{قَالُوا: أَرجِه وأخاه} أخِّر أمرهما، {وابعث فيِ المدائن حاشرِين (36) يأتوك بِكُلِّ سحَّار (2) عليم (37) فَجُمِع السحرة لِميقات يوم معلوم (38) وقيل للناس: هل أَنتُم مجتمِعُون (39) لَعَلَّنا نتَّبع السحرةَ إن كَانُوا هُمُ الغالبِين (40)}؟ لأَنَّ اتِّباعهم أشهى مِن اتِّباع موسى وأخيه، ومقصودهم الأصليُّ ألاَّ يتَّبعوا موسى، وإن قامت لَهُ الحجَّة.
{فَلَمَّا جاء السحرةُ، قَالُوا لفرعون: أَئِنَّ لَنَا لأجرا إن كُنَّا نَحْنُ الغالبِين (41)} لأَنَّ ديدن أهل الدُّنْيَا لاَ يَعْمَلُونَ إِلاَّ بالجعالة لها، وأهل الآخِرَة يَعْمَلُونَ للآخرة، والذين هم فارطون منهما جميعا، لاَ يَعْمَلُونَ لشيء، وَلاَ فيِ شيء. {قَالَ: نعم وَإِنَّكُم إِذًا لَمن المقرَّبِين (42)} وَعَدهم بالجاه، لأَنَّهُ أملك بالأحوال معهم.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَفيِ العبارة خلل واضح، وَفيِ تفسير أبي السعود صوابها: «وأظهَرَ استشعارَ الخوفِ من استيلائه عَلَى ملكه، ونسبةُ الإخراجِ والأرضِ إِلَيهِم لتنفيرهم عن موسى عليه السلام». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص241. وانظر: الألوسي: روح المعاني: 19/ 76.
(2) - ... في الأصل: «ساحر»، وهو خطأ. (3/188)
صفحة 1004
قَالَ لَهُم موسى: ألقوا مَا أَنتُم مُلقُون (43)} لَم يُرِدْ به (1) أَمْرَهم بالسِّحر والتمويه، بَل الأدبَ فيِ تقديم مَا هُم فاعلوه لاَ مَحالة، توسُّلا بِهِ إِلىَ إظهار الحقِّ. {فأَلقَوْا حبالهم وعِصِيَّهُم، وَقَالُوا: بعزَّة فرعون إِنَّا لنحن الغالبُون (44) فألقى موسى عصاه، فإذا هِيَ تَلَقَّف مَا يأفكُون (45)} مَا يقلبونه بتمويههم وتزويرهم.
{فَأُلقِيَ السحرةُ ساجدِين (46)} لعلمهم بِأَنَّ مثله لاَ يأتي بالسِّحر؛ وفيه دليل عَلَى أنَّ منتهى السِّحر تَمويه وتزويق يخيِّل شَيْئًا لاَ حقيقة لَهُ. {قَالُوا: آمنا بِرَبِّ الْعَالَمِين (47) رَبِّ موسى وهارُون (48) قَالَ: آمنتم لَهُ قبل أن آذن لَكم إِنَّهُ لَكَبيركم الذِي علَّمكم السحرَ} أَرَادَ بِهِ التلبيس عَلَى قومه، كيلا يعتقدوا أنَّهم آمنوا عَن بصيرة، وظهور حقٍّ، {فلسوف تَعْلَمُونَ؛ لأُقَطِّعنَّ أيديَكم وأرجلَكم مِّن خِلاف، ولأصلِّبنَّكم أجمعِين (49)}.
{قَالُوا: لاَ ضَيْرَ} لاَ ضَرَر علينا؛ وذلك لأَنَّهُ لاَ يَضرُّهم مَا ينالهم مِنَ الضُّر فيِ دنياهم، لأَنَّهُم عَلَى حقيقة مِنَ الأمر، ولو أنَّهم عَلَى العكس لضرَّهم أقلُّ مِن ذَلِكَ، إذ يكون عَلَيْهِم عذابا، لأَنَّهُم لاَ يَبتغون بِهِ ثوابا، {إِنَّا إِلىَ رَبّنَا مُنقلبُون (50)} لأَنَّهُ لم يكن دائما، كما قَالُوا: {إِنَّمَا تقضِي هَذِهِ الحياةَ الدُّنْيَا} (2). {إِنَّا نطمع أن يَّغْفِر لَنَا رَبُّنَا خطايانا أن كُنَّا أَوَّلَ المؤمنِين (51)} أوَّلَ مَن آمن بموسى.
{__________
(1) - ... في الأصل: «بهم»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة طه: 72. (3/189)
صفحة 1005
وأوحينا إِلىَ موسى أَن أسرِ بعبادي إِنَّكُم مُتَّبَعُون (52)} يتبعكم فرعون وجنوده. (لَعَلَّهُ) قيل: خرج فرعون فيِ الكرسيِّ العظيم. {فأَرسَلَ فرعونُ فيِ المدائن حاشرِين (53)} يَحشرون النَّاس، يعني: الشرط ليجمعوا السحرة والجيشَ؛ وقيل: إنَّ المدائن ألف مدينة، واثنتي عشر ألف قرية. {إنَّ هؤلاء لَشِرذمةٌ قليلُون (54) وَإنَّهُم لَنَا لغائظُون (55)} [417] لفاعلون مَا يغيظنا. {وَإِنَّا لَجميعٌ حاذِرُون (56)} وَإِنَّا لَجميعٌ مِن عَادَتِنَا الحذرُ واستعمال الحزم فيِ الأمور، أشار أَوَّلاً إِلىَ (1) عدم مَا يَمنع اتِّبَاعهم من شوكتهم، ثُمَّ إِلىَ تَحقُّق مَا يدعو إِلَيْهِ مِن فرط عداوتهم، ووجوب التيقُّظ فيِ شأنهم، حثًّا عليه.
{فأخرجناهم} بأن خلقنا داعية الخروج بهذا السبب، فحَمَلتهم عليه؛ {مِن جَنَّات وعيُون (57) وكُنوز ومَقام كريم (58)} يعني: المنازل الحسنة، والمجالس البهيَّة. قيل: كَانَ لفرعون ثَماني مائة ألف غلام، كلُّ غلام عَلَى فرس، فيِ عنق كلِّ فرس طَوْقا مِن ذهب، والبساتين كَانَت عَلَى حافتي النيل. {كذلك وأورثناها (2) بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتبَعوهم مُشرقِين (60) فَلَمَّا تراءا الجمعان، قَالَ أصحاب موسى: إِنَّا لَمدرَكُون (61)} لمَّا رأو من هنا البحر، ومن هنا القتل. {قَالَ: كلاَّ} لن يُدركونا (3) {إنَّ مَعي رَبِّي سيهدينِ (62)} كما وَعَدَني.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لي»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: - «و»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «يدركون»، وهو خطأ. (3/190)
صفحة 1006
فأوحينا إِلىَ موسى: أن اضرب بِّعَصَاك البحرَ فانفَلَقَ، فكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّودِ العظيم (63)} كالجبل المنيف الثابت فيِ مقرِّه. {وأزلفنا} قَرَّبنَا {ثَمَّ الآخرِين (64)} فرعون وقومه حتَّى دخلوا عَلَى أثرهم مداخلهم؛ وهذه آيَة عظيمة لو اعتبروا بها؛ لكن الضَّال لاَ يَهتدي. {وأنجينا موسى ومن معه أجمعِين (65)} بحفظ البحر عَلَى تلك الهيئة إِلىَ أن عبروا. {ثُمَّ أغرقنا الآخرِين (66) إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية وَمَا كَانَ أكثرهم مؤمنِين (67)} وَمَا تَنبَّه عليها أكثرهم، إذ لم يُؤْمِنُ بها أحد، فَمَن بقيَ فيِ مصر مِنَ القبط وبني (1) إسرائيل بعد مَا نَجوا سألوا بقرة يَعبدونها، واتَّخذوا العجل، وَقَالُوا: {لن نؤمن لك حتَّى نَرى الله جهرة} (2). {وإنَّ رَبّكَ لَهو العزيز} المنتقم من أعدائه، {الرحيم (68)} بأوليائه.
{واتل عَلَيْهِم نَبَأ إبراهيم (69) إذ قَالَ} هُوَ {لأبيه وقومه: مَا تعبدُون (70)}؟ سألهم ليريهم أنَّ مَا يعبدونه لاَ يستحقُّ العبادة. {قَالُوا: نعبد أصناما فَنَظَلُّ لَها عاكفِين (71)} فأطالوا جوابهم لشرح حالهم، افتخارا بِهِ، و «نَظَلُّ» ههنا بمعنى: نَدوم. {قَالَ: هل يسمعونكم} دعاءكم {إذ تَدعُون (72) أو ينفعونكم} عَلَى عبادتكم لها {أو يَضُرُّون (73)}؟ مَن أَعرَض عنها. {قَالُوا: بَل وجدنا آباءنا كذلك يفعلُون (74)} أَضرَبوا عَن أن يكون لهم سمع، أو يتوقَّع مِنْهُم ضرٌّ أو نفع؛ [وإنَّما] التجأوا إِلىَ التقليد.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وبنوا اسرائيل»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة البقرة: 55. (3/191)
صفحة 1007
قَالَ: أفرأيتم مَا كُنتُم تعبدُون (75) أَنتُم وآباؤكم الأقدمُون (76)} فإِنَّ التقدُّم لاَ يدلُّ عَلَى الصِحَّة، وَلاَ ينقلب بِهِ الباطل حقًّا. {فَإنَّهُم عدوٌّ لي} وأنا بريء مِنْهُم؛ والمَعنَى: أنَّ كلَّ معبود لكم عدوٌّ لي. فإن قيل: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات؟ قيل: معناه فَإنَّهُم عدوٌّ لي لو عبدتهم يوم القيامة، كما قَالَ: {سيكفرون بعبادتهم ويكونون عَلَيْهِم ضِدًّا} (1). {إلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (77) الذِي خَلقني فهو يهدين (78)} لأَنَّهُ يهدي [418] كلَّ مخلوق لِمَا خلق لَهُ مِن أمور المعاش والمعاد، كما قَالَ: {والذي قدَّر فهدى} (2) هداية مقدَّرة مُدرَجة مِن مبدإ إيجاده إِلىَ منتهى أجَله، يتمكَّن بها مِن جلب المنافع، ودفع المضارِّ؛ مبدؤها بالنسبة إِلىَ الإنسان: هدايةُ الجنين إِلىَ امتصاص دم الطمث مِنَ الرحم؛ ومنتهاها: الهداية إِلىَ طريق الجنَّة والتنعُّم بلذائذها.
{__________
(1) - ... سورة مريم: 82.
(2) - ... سورة الأعلى: 3. (3/192)
صفحة 1008
والذي هُوَ يطعمني ويَسقينِ (79) وإذا مَرِضت فهو يشفينِ (80)} عطف عَلَى «يطعمني ويسقين» لأَنَّهُ من روادفهما من أنَّ الصِحَّة والمرض فيِ الأغلب يتبعان المأكول والمشروب؛ وإنَّما لم ينسب المرض إِلَيْهِ، لأَنَّ المقصود تعديد النعم، وَلاَ تنقص بإسناد الإماتة إِلَيْهِ، فإِنَّ الموت من حيث لاَ يحسُّ بِهِ لاَ ضرر فِيهِ، وإنَّما الضرر فيِ مقدِّماته وهي المرض؛ ثُمَّ إنَّه لأهل الكمال وصلة إِلىَ نيل المحابِّ التِي تُستحقر دونها الحياة الدنيويَّة، وخلاص من أنواع المحن والبليَّة؛ ولأَنَّ المرض فيِ غالب الأمر إِنَّمَا يَحدث بتفريط مِنَ الإنسان فيِ مطاعمه ومشاربه. {والذي يُميتُني ثُمَّ يُحيِينِ (81) والذي أطمع أن يَغْفِر لي خَطِيئتي يوم الدِين (82) رَبِّ هب لي حُكما} كمالا فيِ العلم والعمل، أستعدُّ بِهِ [لـ]ـخلافة الحقِّ، ورئاسة الخلق، {وألحقني بالصالحِين (83)} ووفَّقني فيِ العلم والعمل، لأنتظم بِهِ فيِ عداد الكاملين فيِ الصَّلاح، الذِي لاَ يشوب صلاحهم بفساد.
{واجعل لي لسانَ صِدقٍ فيِ الآخرِين (84)} لسان مقالي، ولسان حالي. {واجعلني مِن وَرَثَة جنَّة النعيم (85) واغفر لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالِّين (1) (86)} طريق الحقِّ. {وَلاَ تُخزني يومَ يُبعثُون (87) يومَ لاَ ينفع مال وَلاَ بنُون (88) إِلاَّ مَن أتى الله بقلب سليم (89)} أي: لاَ ينفعان أحدًا إِلاَّ مخلصا سليم القلب عَن الكفر وميل المعاصي (2) وسائر آفاته. ومن كِتَاب بيان الشرع: «وَقَالَ فيِ قول الله تعالى: {إِلاَّ مَن أتى الله بقلبٍ سليم} قَالَ: ليس فيِ قلبه إِلاَّ اللهُ وأمرُه، خالصًا لاَ غير ذَلِكَ، وَإِلاَّ فالهلاك، عَلَى مَعنَى قوله. وقيل: {إِلاَّ مَن أتى الله بقلب سليم} قيل: سليم مِنَ الذنوب؛ وأمرُهما وَاحِد».
{__________
(1) - ... في الأصل: «الظالمين»، وهو خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والميل إِلى المعاصي». (3/193)
صفحة 1009
وأُزلِفَت الجَنَّة} أي: طويت مسافتها {للمتَّقِين (90)} الطائرين (1) لها {وبُرِّزت الجحيم للغاوِين (91)} السالكين سبيلها. {وقيل: لَهُم أين مَا كُنتُم تعبدُون (92) مِن دون الله هل يَنصرونكم أو ينتصرُون (93)؟ فَكُبكِبوا فِيهَا هم والغاوُون (94)} أي: الآلهة وعبدتهم؛ والكبكبة: تكرير الكبِّ لتكرير مَعنَاه، كَأنَّ مَن أُلْقيَ فيِ النار ينكبُّ مرَّة بعد أُخْرَى؛ وقيل: طرح بعضهم عَلَى بعض. {وجنودُ إبليسَ أجمعُون (95)} متَّبعوه من عصاة الثقلين، أو شياطينه.
{قَالُوا وَهُم فِيهَا يَختصمُون (96)} وباختصامهم فِيهَا يُعذَّبون: {تالله إن كُنَّا لفي ضلال مُبِين (97) إذ نُسوِّيكم بِرَبِّ الْعَالَمِين (98)} أي: فيِ استحقاق العبادَة والألوهية؛ والمَعنَى: أنَّهم مَعَ تَخاصمهم فيِ مبدإ ضلالهم، معترفون بانهماكهم [419] فيِ الضلالة، متحسِّرون عليها. {وَمَا أضلَّنا} أي: وَمَا دعانا إِلىَ الضلالة الذِينَ اقتدينا بهم، {إلاَّ المجرمُون (99) فما لَنَا من شافعِين (100) وَلاَ صديق حميم (101) فلو أن لَنَا كرَّةً} رجعة إِلىَ الدُّنْيَا، {فنكون مِنَ المؤمنِين (102)}.
{إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية} لَحجَّة وعظةً لِمَن أَرَادَ أن يستبصر بها ويعتبر؛ فإنَّها جاءت عَلَى أنظم تَرتيب، وأحسن تقرير، يتفطَّن المتأمِّل فِيهَا لغزارة علمه، لِمَا فِيها مِنَ الإشارة إِلىَ أصول العلوم الدينيَّة عَلَى دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحسن مُخالفته معهم، وكمال إشفاقه عَلَيْهِم، وقصور الأمر فيِ نفسه. وإطلاق الوعد والوعيد عَلَى سبيل الحكاية تعريضا وإيقاظا، ليكون أدعى لَهُم إِلىَ الاستماع والقبول، {وَمَا كَانَ أكثرهم مؤمنِين (103) وإنَّ رَبَّكَ لَهو العزيز الرحيم (104)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الصائرين إِلَيْهَا». (3/194)
صفحة 1010
كذَّبت قومُ نوح المرسلِين(105) إذ قَالَ لَهُم أخوهم نوح: ألاَ تتَّقُون(106)} الله فتتركوا غَيْره. {إِنِّي لكم رسولٌ أمِين(107)} عَلَى الوحي والرسالة. {فاتَّقُوا الله وأطيعون(108)} فيما آمركم بِهِ مِنَ التوحيد والطَّاعة لله. {وَمَا أسألكم عليه مِن أجر إن أجري إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِين(109)} لأَنَّ الأمانة وترك السؤال للأجر، والعمل (لَعَلَّهُ) لأجر الله مِن دلائل الرسالة لو اعتبروا. {فاتَّقُوا الله وأطيعون(110)}.
{قَالُوا: أنؤمن لكَ واتَّبعك الأرذلُون(111)}؟ الأقلُّون جاها ومالا؛ وهذا مِن سخافة عقلهم وقصور رأيهم عَلَى الحطام الدنيويَّة، حتَّى جعلوا اتِّباع المقلِّين فِيهَا مانعا عَن اتِّبَاعهم وايمانهم بِمَا يدعوهم إِلَيْهِ، ودليلا عَلَى بُطلانه؛ وأشاروا بذلك عَلَى أنَّ اتِّبَاعهم ليس عَن نظر وبصيرة، وإنَّما هُوَ لتوقُّع مال ورفعة؛ فلذلك {قَالَ: وَمَا عِلمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون(112)} أنَّهُم عملوه إخلاصا، أو طمعا فيِ طعمةٍ، وَمَا عَلَيَّ [إلاَّ] اعتبار الظاهر. {إنْ حِسابهم إِلاَّ عَلَى رَبِّي} مَا حسابهم عَلَى بواطنهم إِلاَّ عَلَى الله {لو تشعرُون(113) وَمَا أنا بطارد المؤمنِين(114) إن أنا إِلاَّ نذير مُبِين(115)}.
{قَالُوا: لئن لم تَنته يا نوح لتكونَنَّ مِنَ المرجومِين(116) قَالَ: رَبِّ إنَّ قَومي كذَّبونِ(117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونَجِّني ومن معي مِنَ المؤمنِين(118) فَأنجيناه ومن معه فيِ الفلك المشحُون(119)} المملوء. {ثُمَّ أغرقنا بعدُ الباقِين(120) إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية} لِمَن آمن، {وَمَا كَانَ أكثرُهم مؤمنِين(121) وإنَّ رَبَّكَ لهو العزيز الرحيم(122)}.
{ (3/195)
صفحة 1011
كذَّبت عاد المرسلِين(123) إذ قَالَ لَهُم أخوهم هود: ألاَ تتَّقُون(124) إِنِّي لكم رسول أمِين(125) فاتَّقُوا الله وأطيعون(126) وَمَا أسألكم عليه مِن أجر إن أجري إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِين(127)} تصدير القصص بها دلالة عَلَى أنَّ البعثة مقصورة عَلَى الدعاء إِلىَ معرفة الحقِّ والطَّاعة فيما يُقرِّب المدعو إِلىَ ثوابه، ويبعده عَن عقابه؛ وكَانَ الأنبياء متَّفقين عَلَى ذَلِكَ، وإن اختلفوا [420] فيِ بعض التفاريع، مبَرَّؤون عَن المطامع الدنيَّة، والأغراض الدنيويَّة.
{ (3/196)
صفحة 1012
أَتَبنون بِكُلِّ رِيع} بِكُلِّ مكَان مرتفع، أو بِكُلِّ طريق؛ وقيل: هُوَ الفجُّ بين الجبلين {آية} أي: علامةً {تَعبثُون (128)}؟! لِمَن (1) مَرَّ بالطريق؛ وقيل: إنَّهم كَانُوا يبنون المواضع المرتفعة ليشرفوا عَلَى المارَّة والسَّابلة. {آية}: للمارَّة، {تعبثون} ببنائها؛ إذ كَانُوا يهتدون بالنجوم فيِ أسفارهم، فلا يحتاجون إِلَيْهِا؛ أو بنيانا يَجتمعون إِلَيْهِا للعبث (2) بمن يمرُّ عَلَيْهِم؛ أو قصورا يفتخرون بها؛ والعبث لاَ ينفع عمله إِذَا عُمل، وَلاَ يضرُّ تركه إن تُرك، وعمله والاشتغال بِهِ فيِ لاَ شيء، بَل يشغل عمَّا ينفع. {وتتَّخذون مصانع} مَآخذ الماء، وقيل: قصورا مشيَّدة وحصونا {لَعَلَّكُم تَخلدُون (129)} فتبنون بناء التخليد، {وإذا بطشتم} بسيف أو سوط أو لسان، {بطشتم جبَّارِين (130)} مُتسلِّطين غاشمين بلا رأفة، وَلاَ قصد تأديب، وَلاَ نظر فيِ العاقبة. {فاتَّقُوا الله} بترك هَذِهِ الأشياء، {وأطيعون (131)} فيما أدعوكم إِلَيْهِ. {واتَّقُوا الذِي أمدَّكم بِمَا تَعْلَمُون (132)} كرَّره مرتَّبا عَلَى إمداد الله إيَّاهم بِمَا يعرفونه من أنواع النعم، تعليلا وتنبيها عَلَى الوعد عليه بدوام الإمداد، والوعيد عَلَى تركه بالانقطاع. {أمدَّكم بأنعام وبنين (133) وجنَّات وعيُون (134)} ثُمَّ أوعدهم فقال: {إِنِّي أخاف عَلَيْكُم عذابَ يوم عظيم (135)} فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بمن».
(2) - ... في الأصل: «للبعث»، ولا مَعنَى له. (3/197)
صفحة 1013
قَالُوا: سواء علينا أَوَعظت أم لم تكن مِنَ الواعظِين(136) إن هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِين(137)} مَا هَذَا الذِي جئتنا بِهِ إِلاَّ كذب الأَوَّلين؛ أو مَا هَذَا خُلُقُنا إِلاَّ كخُلُقِهم نَحيَى ونموت، وهي إعادة مَن سبق نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا بلا بعث وَلاَ جزاء. {وَمَا نَحْنُ بِمعذَّبِين(138)} عَلَى مَا نَحْنُ عليه، لأَنَّ عذابهم ليس بحسيٍّ؛ وإنَّما هُوَ يُعرف بالتمييز بين الموافقة والمخالفة؛ فلذلك لم يُحسُّوا بِهِ؛ وَقَالُوا: وما نَحْنُ بمعذَّبين، وَهُم معذَّبون بِهِ فيِ الدارين، إِلاَّ مَن تاب. {فكذَّبوه فأهلكناهم إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية وَمَا كَانَ أكثرهم مؤمنِين(139) وإنَّ رَبّكَ لهو العزيز الرحيم(140)}.
{كذَّبت ثمود المرسلِين(141) إذ قَالَ لَهُم أخوهم صالح: ألاَ تتَّقُون(142)؟ إِنِّي لكم رسول أمِين(143) فاتَّقُوا الله وأطيعون(144) وَمَا أسألكم عليه مِن أجر إن أجري إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِين(145) أَتُتركون فيِ مَا ها هنا آمنِين(146)}؟ أي: فيِ الدُّنْيَا آمنين مِن مكر الله وعذابه؟ إنكار لأَن يُتركوا كذلك؛ أو تذكير بالنعمة فيِ تخلية الله إيَّاهم فيِ أسباب تَنعُّمهم آمنين؛ ثُمَّ فسَّره بقوله: {فيِ جَنَّات وعيُون(147) وزروع ونَخل طلعُها هَضِيم(148)} لطيف هيِّن؛ وإفراد النخل لفضله عَلَى سائر أشجار الجنَّات. {وتنحتون مِنَ الجبال بُيوتا فارهِين(149)} قيل: بَطِرين؛ [421] أو حاذقين، مِنَ الفراهة وهي النشاط، فإِنَّ الحاذق يعمل بنشاط وطيب قلب؛ وقرئ: {فَرِهين} وَهُوَ أبلغ. {فاتَّقُوا الله وأطيعون(150)} فيِ العمل. {وَلاَ تُطيعوا أمرَ المسرفِين(151) الذِينَ يُفسدون فيِ الأَرْض وَلاَ يُصلحُون(152)} لأَنَّ المسرف لن يقع مِنْهُ صلاح لنفسه أصلا، لأَنَّ أعماله غير مقبولة مِنْهُ، ومردودة عليه، وإن وقع مِنْهُ صلاح لغيره فذلك تسخير مِنْهُ، وَهُوَ بمعزل عَن نفعه.
{ (3/198)
صفحة 1014
قَالُوا: إِنَّمَا أنت مِنَ المسحَّرِين(153)} قيل: الذِينَ سُحِّروا كثيرا حتَّى غُلِب عَلَى عقلهم؛ أو مِن ذوي السِّحر. {مَا أنت إِلاَّ بشر مثلنا فَأْتِ بِآيَةٍ إن كنتَ مِنَ الصادقِين(154)}.
{قَالَ: هَذِهِ ناقةٌ لَها شِرْبٌ} نصيبٌ مِنَ الماء، {ولكم شِرْبُ يومٍ معلوم(155)} فاقتَصِروا عَلَى شُربكُم وَلاَ تزاحموها فيِ شُربها. {وَلاَ تَمسُّوها بسوء} بضرب أو عقر، {فيأخذَكم عذابُ يومٍ عظيم(156)} مَا يَحُلُّ فِيهِ، وَهُوَ أبلغ مِن تعظيم العذاب.
{فعقروها} أسند العقر إِلىَ كلِّهم، لأَنَّ عاقرها إِنَّمَا عَقَرها برضاهم، ولذلك أُخِذوا جميعا، {فأصبحوا نادمِين(157)} فيِ عَقْرِها، خوفا من حُلول العذاب لاَ توبة؛ أو عند معاينة العذاب، ولذلك لم ينفعهم. {فأخذهم العذاب} أي: العذاب الموعود، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية وَمَا كَانَ أكثرهم مؤمنِين(158)} فيحملهم إيمانهم عَلَى التدبُّر والاعتبار للآيات. {وإنَّ رَبَّكَ لَهو العزيز الرحيم(159)} فيِ نفي الإيمان عَن أكثرهم فيِ هَذَا المعرض، إيماء بأنَّه لَو آمن أكثرهم أو شطرهم لَمَا أُخذوا بالعذاب؛ وأَنَّ قريشا إِنَّمَا عُصِموا عَن مثله ببركة مَن آمن مِنْهُم، هكذا قيل.
{كذَّبت قوم لُوط المرسلِين(160) إذ قَالَ لَهُم أخوهم لوط: ألا تتَّقُون(161) إِنِّي لكم رسول أمِين(162) فاتَّقُوا الله وأطيعون(163) وَمَا أسألكم عليه من أجر إن أجري إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِين(164) أتأتون الذكران مِنَ الْعَالَمِين(165) وتذرون مَا خَلَق لكم رَبّكُم من أزواجكم بَل أَنتُم قوم عادُون(166)} متجاوزون عَن حدِّ الشهوة؛ حيث زادوا عَلَى سائر النَّاس بَل عَلَى الحيوانات. {قَالُوا: لئن لم تنته يا لوط لتكوننَّ مِنَ المخرجِين(167) قَالَ: إِنِّي لِعَمَلكم مِنَ القالِين(168)} مِنَ المبغضين. {ربِّ نَجِّني وأهلي مِمَّا يَعْمَلُون(169)} أي: من شؤمه وعذابه.
{ (3/199)
صفحة 1015
فنجَّيناه وأهله أجمعِين (170) إِلاَّ عجوزا فيِ الغابرِين (171)} مُقدَّرة فيِ الباقين فيِ العذاب. {ثُمَّ دمَّرنا الآخرِين (172) وأمطرنا عَلَيْهِم مطرا فساءَ مطرُ المنذَرِين (173) إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية وَمَا كَانَ أكثرهم مؤمنِين (174) وإنَّ رَبّكَ لهو العزيز الرحيم (175)}.
{كذَّب (1) أصحابُ الأيكَةِ المرسلِين (176)} قيل: الأيكة: غيضة (2) تنبت ناعم الشَّجر. {إذ قَالَ لَهُم} أخوهم (3) {شعيب: ألاَ تتَّقون (177)} وقيل: الأيكة: شجر ملتفٌّ؛ وكَانَ شجرهم الدوم، وَهُوَ المُقل. {إِنِّي لكم رسول أمِين (178) فاتَّقُوا الله وأطيعون (179) وَمَا أسألكم عليه من أجر إن أجريَ إِلاَّ عَلَى [422] رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)} لمَّا أبقوا معنى دعوتهم لقومهم أنبأ (4) عَلَى معنى خطابهم بلفظ وَاحِد، وهُوَ (5) قوله: {ألاَ تتَّقون إِنِّي لكم رسول أمين، فاتَّقُوا الله وأطيعونِ، وَمَا أسألكم عليه من أجر إن أجريَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} فصار كأنَّه لسان قائل وَاحِد مِنْهُم. {أوفوا الكيل وَلاَ تكونوا مِنَ المُخسِرِين (181)} حقوق النَّاس. {__________
(1) - ... في الأصل: «كذبت»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «عيطه»، وهو خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب أنَّ شعيبا لم يكن أخًا لأصحاب الأيكة، كما ذكر المفسِّرون، قال الزمخشريُّ: «فإن قلتَ: هلاَّ قيل: “ أخوهم شعيبٌ ” كما في سائر المواضع؟ قلت: قالوا: إنَّ شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة، وَفيِ الحديث: “إنَّ شعيبا أخا مدين، أرسل إِلَيهِم وَإِلىَ أصحاب الأيكة”». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 262. وانظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص261 - 262. الألوسي: روح المعاني: 19/ 117.
(4) - ... في الأصل: «ابناء»، وهو خطأ.
(5) - ... في الأصل: «أو هو»، ولا مَعنَى له. (3/200)
صفحة 1016
وَزِنوا بالقسطَاس المُسْتَقِيم(182) وَلاَ تبخسوا الناس أشياءهم} وَلاَ تُنقِصوهم شَيْئًا من حقوقهم، {وَلاَ تَعثَوا فيِ الأَرْض مُفسِدِين(183) واتَّقُوا الذِي خلقكم والجِبِلَّة الأَوَّلِين(184)} وذوي الجِبِلَّة الأَوَّلين، يعني: من تَقدَّمهم مِنَ الخلائق.
{قَالُوا: إِنَّمَا أنت مِنَ المُسحَّرِين(185) وَمَا أنت إِلاَّ بشر مثلنا وإن نظنُّك لِمَن الكاذبِين(186) فأسقط علينا كِسَفا مِنَ السَّمَاء} قطعة مِنْها {إن كنت مِنَ الصادقين (187) قَالَ رَبِّي أعلم بِمَا تَعْمَلُون(188)} ويَعِد أَنَّه ينزل عَلَيْكُم فيِ وقته المقدَّر لَهُ. {فكذَّبوه، فأخذهم عذاب يوم الظُلَّةِ} عَلَى نحو مَا اقترحوا، بِأن سلَّط الله عَلَيْهِمُ الحرَّ سبعة أيَّام، فأظلَّتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عَلَيْهِم نارا، فاحترقوا عَلَى مَا قيل، {إِنَّهُ كَانَ عذابَ يوم عظيم(189) إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية وَمَا كَانَ أكثرهم مؤمنِين(190) وإنَّ رَبَّكَ لهو العزيز الرحيم(191)} هَذَا آخر القصص السبع المذكورة عَلَى سبيل الاختصار، تسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وتهديد للمكذِّبين بِهِ، واطِّراد نزول العذاب عَلَى تكذيب الأمم بعد إنذار الرُّسل بِهِ؛ واقتراحهم لَهُ استهزاء، وعدم مبالاة بِهِ.
{ (3/201)
صفحة 1017
وَإِنَّهُ لتنزيل رَبِّ الْعَالَمِين(192) نَزَل بِهِ الروح الأمِين(193) عَلَى قلبك} تقرير لحقِّ القرآن، وتنبيه عَلَى إعجازه، ونبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، فإِنَّ الإخبار عنها مِمَّن لم يتعلَّمها لاَ يكون إِلاَّ وحيا مِنَ الله. و“القلب” إن أَرَادَ بِهِ الروح فذاك، وإن أَرَادَ بِهِ العضو فتخصيصه، لأَنَّ المعاني الروحانية تنزل أوَّلاً عَلَى الروح، ثُمَّ تنتقل مِنْهُ إِلىَ القلب لِمَا بينهما مِنَ التَّعَلُّق، ثُمَّ تتصعَّد مِنْهُ إِلىَ الدماغ، فينتقش بها لوح المتخيِّلة. والروح الأمين: جبريل، فإنَّه أمين الله عَلَى وحيه؛ أمين مِنَ الزيادة والنقصان عمَّا أُمر بِهِ وأُوحي إِلَيْهِ. وهكذا ينبغي لِكُلِّ عالم لأهل زمانه؛ وَإِلاَّ وقع فيِ الخيانة مِن حيث لاَ يشعر، {لِتكُون مِنَ المنذِرِين(194) بلسان عربيٍّ مُبِين(195)} واضح المعنى، لئلاَّ يقولوا لاَ نفهمه. {وَإِنَّهُ لفي زُبُر الأَوَّلِين(196)} وإنَّ ذكره، أو معناه لفي الكتب المتقدِّمة.
{أولم يكن لَهُم آيةً} عَلَى صِحَّة القرآن، أو نبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، {أن يَّعْلَمَه علماءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ(197)} أن يعرفوه. {ولو نزَّلناه عَلَى بعض الأعجمِين(198)} كما هُوَ زيادة فيِ إعجازه؛ أم بلغة العجم. {فقرأه عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مؤمنِين(199)} لفرط عنادهم واستكبارهم؛ أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتِّباع العجم.
{كذلك سلكناه} أدخلناه {فيِ قلوب [423] المجرمِين(200)} إلزاما للحجَّة إن كَانَ الضمير للقرآن؛ وَقِيلَ: الضمير للكفر. {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَروا العذاب الأليم(201)} هُوَ الموت الملجئ إِلىَ الإيمان. {فيأتيهم بغتةً وَهُم لاَ يشعرُون(202) فيقولوا: هل نَحْنُ منظَرُون(203)} فيِ الدُّنْيَا وأبقيناهم[كَذَا].
{ (3/202)
صفحة 1018
أفبعذابنا يستعجلُون (204)؟ أفرأيت إن متَّعناهم} وذلك أنَّ المشركين قَالُوا للنبيِّ - عليه السلام -: إِلىَ متى تُوعِدنا العذاب؟، فأنزل الله تعالى: {سنِين (205) ثُمَّ جاءهم مَا كَانُوا يوعدُون (206)} يعني: العذاب. {مَا أغنى عَنْهُم مَا كَانُوا يُمَتَّعُون (207)} لم يغن عَنْهُم تَمتُّعهم المتطاول فيِ دفع العذاب وتخفيفه، لأَنَّهُمْ لم يستعدُّوا به دفع العذاب. {وَمَا أهلكنا مِن قرية إِلاَّ لَها مُنذِرُون (208)} أَنذروا أهلها إلزاما للحجَّة. {ذكرى} بِمَا تذكِّرهم الحجَّة، {وَمَا كُنَّا ظالمِين (209)} فنُهلِك قبل الإنذار.
{وَمَا تنزَّلت بِهِ} أي: القرآن {الشياطِينُ (210)} كما زعم المشركون بأنَّه من قبيل مَا يُلقي الشيطان عَلَى الكهنة. {وَمَا ينبغي لَهُم} وَمَا يصحُّ لَهُم أن يتنزَّلوا بِهِ، {وَمَا يستطيعُون (211)} وَمَا يقدرون. {إِنَّهُمْ عَن السمع} عَن استراق السمع لكلام المَلاَئِكَة {لَمعزولُون (212)} لأَنَّهُ مشروط بمشاركة فيِ صفاء الذوات، وقبول فيضان الحقِّ، والانتقاش بالصور الملكوتيَّة؛ ونفوسهم خبيثة ظلمانيَّة شرِّيرة بالذَّات، لاَ تقبل ذَلِكَ؛ والقرآن مشتمل عَلَى حقائق ومغيبات، لاَ يُمكن تلقِّيها إِلاَّ مِنَ المَلاَئِكَة؛ لأَنَّ القرآن نور إلهيٌّ، والنفوس الشيطانيَّة مِنَ الجنِّ والإنس ظلمانيَّة، فلا يَجتمع النور والظلمة، كما قَالَ: {سأصرف عَن آياتي الذِينَ يتكبَّرون فيِ الأَرْض بغير الحقِّ} (1) وَلاَ يصحُّ أن يَحمله شياطين الإنس والجنِّ حمل انتفاع؛ ولكن يجوز أن يحمَّلوا إيَّاه، ويهدوا بِهِ هدي البيان، إبلاغا للحجَّة.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 146. (3/203)
صفحة 1019
فلا تَدْعُ مَعَ الله إلها آخر} وَهُوَ يقتضي نهيا عَن عمل جميع المعاصي، {فتكونَ مِنَ المعذَّبِين(213)} فيِ الدارين؛ تهييج لازدياد الإخلاص، ولطف لسائر المكلَّفين. {وأنذر عشيرتك الأقربِين(214)} الأقرب مِنْهُم فالأقرب، فإنَّ الاهتمام بشأنهم أهمُّ. {واخفض جناحك لِمَن اتَّبعك مِنَ المؤمنِين(215)} ليِّن جانِبَك لَهُم؛ مستعار عَلَى خفض الطائر جناحيه إِذَا أَرَادَ أن ينحطَّ. {فإن عَصَوك} ولم يتَّبعوك، {فقل: إِنِّي بريء مِمَّا تَعْمَلُون(216)} من عبادة غير الله. {وتوكَّل عَلَى العزيز الرحيم(217) الذِي يراك حين تقوم(218) وتَقلُّبك فيِ الساجدِين(219) إِنَّهُ هُوَ السميع العليم(220)}.
{هل أنبِّئكم عَلَى مَن تنزَّلُ الشياطِينُ(221)} (لَعَلَّهُ) مِنَ الخلق؛ ثُمَّ قَالَ: {تنزَّل عَلَى كُلِّ أفَّاك أثيم(222)} لَمَّا بيَّن أنَّ القرآن لاَ يصحُّ أن يكون مِمَّا تنزَّلت بِهِ الشياطين، أَكَّدَ ذَلِكَ بِأَن يُبَيِّنَ أنَّ محمَّدا - عليه السلام - لاَ يصحُّ أن يتنزَّلوا عليه من وجهين: أحدهما: أنَّه إِنَّمَا يكون عَلَى شرِّير كذَّاب كثير الإثم، فإِنَّ الطبائع بينهما متناسبة، وحال محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، عَلَى خلاف [424] ذَلِكَ؛ وثانيهما: قوله: {يُلقُون السمع وأكثرهم كاذبُون(223) والشعراء يتَّبعهم الغاوُون(224)} وأتباع محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ليسوا كذلك.
{ (3/204)
صفحة 1020
ألم تَرَ أَنَّهُمْ فيِ كُلِّ وادٍ يَهيمُون (225)} قيل: من أودية الكلام، فيِ كُلِّ أمر يخوضون؛ لأَنَّ أكثر مقدِّماتهم خيالات لاَ حقيقة لها. {وَأَنَّهُمْ يقولون مَا لاَ يفعلُون (226)} وكأنَّه لمَّا كَانَ إعجاز القرآن من جهة المَعنَى واللفظ، وقد قدحوا فيِ المَعنَى بأنَّه مِمَّا تنزَّلت بِهِ الشياطين، وفي اللفظ بأنَّه من حسن كلام الشعراء، تكلَّم فيِ القسمين، وبيَّن منافاة القرآن لهما، ومضادَّة حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لحال أربابهما. {إِلاَّ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات وذَكَروا الله كثيرا} بإخلاص، {وانتصروا من بعد مَا ظُلِموا، وسيعلم} لإقامة دين الله {الذِينَ ظلموا، أيَّ منقلَب ينقلبُون (227)} تهديد (1) شديد، لِمَا (2) فيِ «سيعلم» مِنَ الوعد البليغ، وفي «الذِينَ ظلموا» مِنَ الإطلاق والتعميم؛ وفي «أيَّ منقلب ينقلبون» أي: بعد الموت، (إِلى أيِّ مرجع يرجعون إِلَيهِ بعد مماتهم) (3).
- - - - -
سورة النمل
بسم الله الرحمن الرحيم
{طس تلك آياتُ القرآن} آيات السورة، و «القرآن»: الوارد فِيهَا؛ أو القرآن كُلُّه، {وكتاب مُبِينٍ (1) هُدى وبشرى للمؤمنِين (2) الذِينَ} من شأنهم {يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وَهُم بالآخِرَة هم يوقنُون (3)} كأنَّه قيل: وهؤلاء الذِينَ يُؤْمِنُونَ ويعملون الصالحات هُمُ الموقنون بالآخِرَة؛ فإنَّ تَحمُّل المشاقِّ إِنَّمَا يكون لخوف العاقبة، والوقوف عَلَى المحاسبة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «تهيد»، وهو خطأ.
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «كما».
(3) - ... ما بين قوسين كتب في الحاشية، ولم يحِل إِلَيهِ في المتن، وأثبتناه في سياقه باجتهادنا. (3/205)
صفحة 1021
إنَّ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة زيَّنَّا لَهُم أعمالهم فَهُم يعمهُون (4)} يتحيَّرون (إِلىَ أيِّ مرجع يرجعون إِلَيْهِ بعد مماتهم) (1). زيَّن الله لهم أعمالهم القبيحة (لَعَلَّهُ) التِي رأوها حسنة، بِأَن جعلها مشتهاة بالطبع، محبوبة للنفس؛ أو الأعمال الحسنة التِي وجب عَلَيْهِم أن يعملوها، بترتيب المثوبات عليها مَا يتبعها من ضرٍّ أو نفع. {أُولَئِكَ الذِينَ لَهُم سوء العذاب} أيُّ عذاب كَانَ من عذاب (2) الأدنى، كما قَالَ: {ولنذيقنَّهم مِنَ العذاب الأدنى} (3). {وَهُم فيِ الآخِرَة هُمُ الأخسرُون (5)} أشدَّ النَّاس خسرانا لفوات المثوبة، واستحقاق العقوبة.
{وإنَّك لَتُلَقَّى القرآن} لتؤتاه {من لَدُن حكيم عليم (6)} العلم: داخل فيِ الحكمة لعموم العلم، ودلالة الحكمة عَلَى إتقان الفعل.
{إذ قَالَ موسى لأهله: إِنِّي آنست نارا سآتيكم منها بِخبر أو آتيكم بشهاب قبس لَعَلَّكُم تصطلُون (7) فَلَمَّا جاءها نودي: أن بُورِك من فيِ النار ومَن حولَها وسبحان الله رَبِّ الْعَالَمِين (8) يا موسى إِنَّهُ أنا الله العزيز الحكيم (9) وأَلْقِ (4) عصاك، فَلَمَّا رآها تهتزُّ} تَتَحَرَّكُ باضطراب، {كأنَّها جانٌّ} حيَّة خفيفة سريعة، {وَلىَّ مدبرا ولم يُعقِّب} ولم يرجع؛ مِن عقب المقاتل: إِذَا كرَّ بعد الفرار، {يا موسى لاَ تَخف إِنِّي [425] لاَ يَخاف لديَّ المرسَلُون (10) إِلاَّ مَن ظَلَم ثُمَّ بدَّل حُسنا بعد سوء فَإِنِّي غَفُور رحيم (11) وأدخِلْ يدك فيِ جَيبك تَخرجْ بيضاءَ من غير سوء فيِ تِسعِ آياتٍ إِلىَ فرعون وقومه إِنَّهُمْ كَانُوا قوما فاسقِين (12)}.
{__________
(1) - ... ما بين قوسين إضافة من الحاشية ولم يُحِل إِلَيْهَا الناسخ فيِ المتن، وأثبتناها فيِ سياقها.
(2) - ... كذا فيِ الأصل، ويبدو أَنَّ الصواب: «العذاب»، أو لَعَلَّهُ بتقدير مضاف، أي: «من عذاب الحياة الأدنى».
(3) - ... سورة السجدة: 21.
(4) - ... فيِ الأَصْلِ: «وألقى». وَهُوَ خطأ. (3/206)
صفحة 1022
فَلَمَّا جاءتهم آياتنا مُبْصِرةً} بيِّنةً، اسم فاعل أُطلق للمفعول، إشعارا بأنَّها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها، {قَالُوا: هَذَا سحر مُبِين (13)} واضح سحريَّته. {وجحدوا بها} وكذَّبوها، {واستيقنتها أنفسهم} صارت بمعنى اليقين؛ ولكن عاندوها، {ظلما} لأنفسهم، {وعُلُوًّا} ترفُّعا مِنَ الإيمان، {فانظر كيف كَانَ عاقبة المفسدِين (14)}.
{وَلَقَد آتينا داوودَ وسليمان علما، وقالاَ: الحمد لله الذِي فضَّلنا عَلَى كثير من عباده المؤمنِين (15)} يعني: من لم يؤتَ علما؛ أو مثل علمهما؛ وفيه دليل عَلَى فضل العلم وشرف أهله، حيث شَكَرا الله عَلَى مَا آتاهما مِنَ العلم، وجعلاه أساس الفضل؛ ولم يذكرا دونه مَا أوتيا مِنَ المُلك مَا لم يؤتَ غيرهما؛ وتحريض للعالم أن يَحمد الله عَلَى مَا آتاه مِن فضله، وأن يتواضع ويعتقد أنَّه وإن فُضِّل عَلَى كثير فقد فُضِّل عليه كثير.
{وَوَرِث سليمانُ داوودَ} النبوَّة، أو العلم، أو الملك، بأن قام مقامه فيِ ذَلِكَ دون سائر بنيه، {وقال: يَا أَيُّهَا الناس عُلِّمنا مَنطقَ الطير، وأُوتينا من كُلِّ شيء} تشهيرا لنعمة الله، وتنزيها لها (1)، ودعاء للناس إِلىَ التصديق بذكر المعجزة التِي هِيَ علم منطق الطير، وغير ذَلِكَ من عظائم مَا أوتيه، {إنَّ هَذَا لَهو الفضل الْمُبِين (16)} الذِي لاَ يَخفى عَلَى أحد.
{__________
(1) - ... كذا فيِ الأَصْلِ، ولا مَعْنَى له، وَفيِ تفسيرَيْ الزمخشري وأبي السعود: «وتنويها بها». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 278. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص277. (3/207)
صفحة 1023
وحُشِر} وجُمِع {لسليمانَ جنودُه مِنَ الجنِّ والإنس والطير فَهُم يُوزعُون (17)} يُحبسون بحبس أَوَّلهم عَلَى آخرهم (لَعَلَّهُ) ليتلاحقوا. {حتَّى إِذَا أتوا عَلَى وادي النمل قالت نملةٌ: يَا أَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم لاَ يَحطمنَّكم سليمانُ وجنودُه وَهُم لاَ يشعرُون (18)} قيل: علم النمل أنَّ سليمان نَبِيٌّ ليس فِيهِ جبروتة (1) وظلم؛ وَمَعنَى الآيَة: أَنَّكُم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم، ولم يشعروا بكم. {فتبسَّم ضاحكا مِن قولها} تعجُّبا من حذرها وتحذيرها، واهتدائها إِلىَ مصالحها؛ أو سرورا بِما خصَّه الله بِهِ من إدراك همسها وفهم غرضها؛ ولذلك سأل توفيقَ شُكره {وقال: رَبِّ أوزعني} قيل: أَلْهِمني {أن أشكرَ (2) نعمتك التِي أنعمت عليَّ وعلى والِدَيَّ وأن أعمل صالحا تَرضاه} تَماما للشكر، واستدامة للنعمة، {وأدخلني برحمتك فيِ عبادك الصالحِين (19)}.
{وتفقَّد الطير} وتعرَّف الطير، {فقال: مَا لي لاَ أرى الهدهدَ أم كَانَ مِنَ الغائبِين (20)؟ لأعذبنَّه عذابا شديدا} لنجعلنَّه فيِ (لَعَلَّهُ) قفص مَعَ ضدِّه؛ وقيل: أضيق السجون، معاشرة الأضداد. {أو لأذبَحَنَّه} ليعتبر بِهِ أبناء جنسه، {أو لَيَأتينِّي بسلطان مُبِين (21)} بحجَّة تبيِّن عذره. ولو لم يُظهِر سليمانُ الهيبة لجنوده [426] لَمَا استقاموا لَهُ طوعا.
{__________
(1) - ... لم أجد فيما بين يديَّ من مصادر اللغة المصدر عَلَى هَذَا الوزن. قال ابن منظور: «يقال: جَبَّار بيِّن الجَبَريَّةِ والجِبِرِيَّة والجَبْرُوَّة والجَبَرُوَّة والجُبُروت والجَبَرُوتِ والجُبُّورة والجَبُّورة مثل الفرُّوجة. والجِبرياءُ والتَّجْبارُ هو بمعنى الكِبْر ... وَفيِ الحديث: “سبحان ذي الجَبَروت والملكوت”، هو فَعَلوت من الجبر والقهر». ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص395، مَادَّة «جبر».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «أن شكر»، وَهُوَ خطأ. (3/208)
صفحة 1024
فَمَكَث غيرَ بعيد} زمانا غير بعيد، يريد بِهِ الدلالة عَلَى سرعة رجوعه خوفا من عُقوبته، {فقال: أَحَطتُ بِمَا لم تُحِطْ بِهِ} يعني: حال سبأ؛ وفي مخاطبته إيَّاه بذلك تنبيه لَهُ عَلَى أنَّ فيِ أدنى خلق الله مَن أحاط علما بِمَا لاَ يحيط بِهِ لتتحاقر إِلَيْهِ نفسه، ويقلَّ إِلَيْهِ علمه؛ والإحاطة: العلم بالشيء مِن جميع جِهاته، {وجئتُك مِن سبإٍ بِنَبإٍ يقِينٍ (22) إِنِّي وجدت امرأةً تَملكهم، وأوتِيَتْ من كُلِّ شيء} يَحتاج إِلَيْهِ الملوك؛ وَأَمَّا فيِ التحقيق فلم تؤت سبأ كما أوتي سليمان، لأَنَّهَا من عبدة (1) الأصنام، {ولها عرش عظيم (23)} عظَّمَهُ بالنسبة إِلَيْهِا، أو إِلىَ عرشِ (2) أمثالِها. {وجدتُّها وقومَها يسجدون للشمس من دون الله} كأنَّهم كَانُوا يعبدونها، {وزيَّن لَهُمُ الشيطان أعمالهم} عبادة الشمس وغيرها من مقابح أعمالهم، وجميع أعمال المعاصي، من تزيينه للخلق المتعبِّدين لعنه الله؛ كما أنَّ أعمال البرِّ مِن تزيين الله لَهُم، {فصدَّهم عَن السبيل} سبيل السعادة، {فَهُم لاَ يهتدُون (24)} إِلَيْهِ مَا داموا عَلَى ذَلِكَ الحال.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «عباده» ولا مَعْنَى له.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «العرش»، وَهُوَ خطأ. (3/209)
صفحة 1025
ألاَّ يَسجدوا لله} قصدهم لأَن لاَ يسجدوا؛ أو زَيَّن لَهُم أن لاَ يسجدوا؛ {الذِي يُخرج الخبْءَ فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} قيل: مَعنَى الخبْء: الغيب؛ يريد: يعلم غيب السَّمَاوَات والأَرْض، {ويعلم مَا تُخفُون وَمَا تُعلنُون (25)} وصفٌ لَهُم بِمَا يوجب اختصاصه باستحقاق السجود، مِنَ التفرُّد لكمال القدرة والعلم، والحثِّ عَلَى السجود لَهُ، وَرَدًّا عَلَى من يسجد لغيره؛ والخبْء: مَا خفي مِن (1) غيره، وإخراجُه: إظهاره؛ وَهُو (2) يعمُّ إشراق الكواكب، وإنزال الأمطار، وإنبات النبات؛ بَل الإنشاء: فإنَّه إخراج مَا فيِ الشيء بالقوَّة (3) إِلىَ الفعل؛ والإبداع: فإنَّه إخراج مَا كَانَ الإمكان مِنَ العدم إِلىَ الوجوبِ والوجود (4)؛ ومعلوم أنَّه يَختصُّ بالواجب لذاته. وقرئ: {مَا يُخفون وَمَا يُعلنون} بالياء.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عن».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «وهم»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... كذا في الأصل، ونفس العبارة عند أبي السعود، (مج3/ ج6/ ص282). ولعلَّ الصواب: «من القُوَّة»، أي أَنَّ وجود الأشياء كان بِالقُوَّةِ ثُمَّ صار وجودا بالفعل، كما يقول علماء الكلام.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مَا كَانَ فيِ الإمكان مِنَ العدم إِلىَ الوجوبِ والوجود»، وَفيِ تفسير أبي السعود: «إخراج مَا فيِ الإمكان والعدم إِلىَ الوجود وغير ذَلِكَ». المصدر نفسه. (3/210)
صفحة 1026
الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم(26)} أي: هُوَ المستحقُّ للعبادة والسجود لاَ غيره. الآن وصف عرشها بالعظم، بالإضافة إِلىَ عرش أبناء جنسها مِنَ الملوك؛ ووصفُ عرشِ الله تعالى بالعظم تعظيمٌ لَهُ بالنسبة إِلىَ سائر مَا خلق الله مِنَ السَّمَاوَات والأَرْض؛ فبين العظمتين بَوْنٌ عظيم، لأَنَّ حملته عَلَى مَا جاء فيِ التأويل أَنَّهُمْ ثمانية أجزاء مِنَ المَلاَئِكَة، (لَعَلَّهُ) مَعَ مَا جعل الله لَهُم مِنَ القوَّةِ، كُلُّ جزء مثل الثقلين؛ والحافِّين من حوله هم غير الحملة؛ وَاللهُ العالم بهم وبعددهم.
{قَالَ: سننظر} سنعرف مِنَ النظر، بمعنى: الاعتبار، {أصَدَقْتَ أم كُنتَ مِنَ الكاذبِين(27) اذهب بكتابي هَذَا فألقه إِلَيْهِم، ثُمَّ تولَّ عَنْهُم} [427] ثُمَّ تنحَّ عَنْهُم إِلىَ مكَان قريب تتوارى فِيهِ، {فانظر ماذا يَرجعُون(28)} ماذا يرجع بعضهم إِلىَ بعض مِنَ القول.
{ (3/211)
صفحة 1027
قالت} أي: بعدما أُلقيَ إِلَيْهِا، {يَا أَيُّهَا الملأ إِنِّي أُلقي إليَّ كِتَاب كريم (29)} لكرم مضمونه؛ أو لغرابةِ شأنه؛ فقيل: إنَّها كَانَت مستلقية فيِ بيت مغلقة الأبواب، فدخل الهدهد مِن كوَّة، وألقاه عَلَى نَحرها، بحيث لم تشعر بِهِ. {إِنَّهُ مِن سليمان} استئناف، كأنَّه قيل لها: مِمَّن هُوَ؟ وَمَا هُوَ؟ فقالت: إِنَّهُ أي: إنَّ الكتاب، أو العنوان مِن سليمان، {وَإِنَّهُ} وَإِنَّ المكتوب، أو المضمون {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) ألاَّ تَعلُوا عليَّ} «أن» مفسِّرة لـ «كتابٌ»، أو مصدريَّة؛ فيكون بِصِلَتِه خبرَ محذوفٍ، أي: هُوَ؛ أو: المقصود أن لاَ تعلوا؛ أو بدل من «كِتَابٌ»، {وأتوني مُسْلِمِين (31)} مؤمنين، أو منقادين. وهذا كلام فِيهِ غاية الوجازة مَعَ كمال الدلالة عَلَى المقصود، لاشتماله عَلَى البسملة، الدلالة (1) عَلَى ذات الصانع، وصفاتها صريحا (2) والتزاما؛ والنهي عَن الترفُّع الذِي هُوَ أمُّ الرذائل؛ والأمر بالإسلام الجامع لأمَّهات الفضائل، والأمر فِيهِ بالانقياد بعد إقامة الحجَّة عَلَى رسالته؛ فإنَّ إلقاء الكتاب إِلَيْهِا عَلَى منقار الطائر، وهي عَلَى تلك الحالة مِن أعظم الدلالة.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «للدَّلالة»، أو «الدالَّة».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «تصريحا». (3/212)
صفحة 1028
قالت: يَا أَيُّهَا الملأ أفتوني فيِ أمري} أجيبوني فيِ أمري، واذكروا مَا تستصوبون فِيهِ، {مَا كنت قاطعةً أمرا} مَا أبتُّ أمرا {حتَّى تشهدُون (32)} إِلاَّ بمحضركم؛ استعطفتهم بذلك ليمالئوها عَلَى الإجابة، أي: يُجامعوها ويعاضدوها، وذلك بعد مَا أهالَها (1) أمر الكتاب والكاتب، ولم تستهن بِهِ، ولم تستخفَّ بِهِ، ولم تُهمِله، وعظُم شأن عاقبته فيِ قلبها؛ وهي ربَّما لم تشعر بأحوال سليمان وَلاَ جنوده، وكلُّ ذَلِكَ لأمر مُلكِها ودنياها، لاَ عَلَى دينها. وانظر مَا صنعه سليمان وَهُوَ بعدُ لم يصحَّ معه صِدق الطير مِن كَذِبِه، كيف لم يتوسَّع بالعذر، وَهُوَ عدم الصِحَّة مَا عَلَى مَا نَطَق بِهِ الطير (2)، وانتهز الفرصة للمسابقة عَلَى الأمر بالمعروف، والنهي عَن المنكر، وَعَلَى إظهار دين الله.
{قَالُوا: نَحْنُ أُولو قوَّة} بالأجساد والعدد، {وأُولو بأس شديد} نَجدة وشجاعة، {والأمرُ إليك} وتدبير الأمر إليك مَوكول؛ لأَنَّ القوَّة مَعَ عدم التدبير للأمور، تؤول إِلىَ الموهن (3)، {فانظري ماذا تَأمُرِين (33)} من المقاتلة، أو الصلح نُطِعْك، ونتبعْ رأيك.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «هَالَها»، لأَنَّ الفعل “هال” يتعدَّى بنفسه بلا همزة. «وهَالني الأمر يَهُولُني هَوْلاً: أفزعني». ابن منظور: لسان العرب، ج6/ ص845، مَادَّة «هول».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وَهُوَ عدم التبيُّن من صِحَّة مَا نَطَق بِهِ الطير».
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الوهن». (3/213)
صفحة 1029
قالت: إنَّ الملوك إِذَا دخلوا قرية أفسدوها} تزييف لِمَا أحسَّت مِنْهُم إِلىَ الميل إِلىَ المقاتلة، بادِّعائهم القوَى الذاتيَّة والعرضيَّة، وإشعار بأنَّها ترى الصلح، مَخافة أن يَتخطَّى سليمان خططهم، فيسرع إِلىَ فساد مَا يصادفه من أموالهم وعماراتهم؛ ثُمَّ إنَّ الحرب سِجَال لاَ يُدرى عاقبتها، {وجعلوا أَعِزَّة أهلها (1) أذلَّة} بجبرهم لَهُم عَلَى الانقياد والطَّاعة، [428] وأن يكونوا مَملوكين لاَ مالكين، {وكذلك يفعلُون (34)} تأكيد لِمَا وصفت مِن حالهم؛ وتقرير بِأَنَّ ذَلِكَ مِن عاداتهم الثابتة المستمرَّة. {وإنِّي مُرسلة إِلَيْهِم بهديَّة} بيان لِمَا ترى تقديمه مِنَ المصالحة؛ والمَعنَى: أَنِّي (لَعَلَّهُ) مُرسلة رسلا بهديَّة دَفعَة بها عَلَى مُلكي، {فناظرةٌ بِمَ يرجعُ المرسلُون (35)} من حاله، حتَّى أعمل بِحسب ذَلِكَ.
{فَلَمَّا جاءَ سليمانَ} أي: الرسولُ، {قَالَ: أَتُمِدُّونَنِ بمال} خطاب للرسول ومن معه، {فما آتاني الله} مِنَ النبوَّة والملك الذِي لاَ مَزيد عليه، {خيرٌ مِمَّا آتاكم} فلا حاجة لي إِلىَ هديَّتكم، وَلاَ وقع لها عندي، {بَل أَنتُم بِهديَّتكم تفرحُون (36)} لأنَّكم لاَ تَعْلَمُونَ إِلاَّ ظاهرا مِنَ الحياة الدُّنْيَا، فتفرحون بِمَا يُهدى إليكم، حبًّا لزيادة أموالكم؛ أو بِمَا تهدونه افتخارا عَلَى أمثالكم. {ارجع} أيُّها الرَّسول {إِلَيْهِم، فلنأتينَّهم بِجنود لاَ قِبَلَ لَهُم بها} لاَ طاقة لَهُم بمقاومتها، وَلاَ قدرة لَهُم عَلَى مقابلتها، {ولنخرجنَّهم منها} مِن سبأ، {أذلَّة} بذهاب مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ العزِّ، {وَهُم صاغرُون (2) (37)} أُسَرَاء مُهانون.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «أهلها»، وهو سهو.
(2) - ... في الأصل: «صارغرون»، وهو خطأ. (3/214)
صفحة 1030
قَالَ: يَا أَيُّهَا الملأ أيُّكم يأتيني بعرشها} أَرَادَ بذلك أن يريها بعض مَا خصَّه الله مِنَ العجائب الدالَّة عَلَى عظيم القدرة، وصدقه فيِ دعوى النبوَّة، ويختبر عقلها بِأَن يُنكِّر عرشها، فينظر أتعرفه أم تُنكِره، {قَبل أن يأتوني مُسْلِمِين (38)} فإنَّهم إِذَا أَتَوه مُسْلِمِينَ منقادين لأمره وطاعته، حُرِّمت عليه غنيمة أموالهم.
{قَالَ: عِفريت} خبيث ماردٌ {مِن الجنِّ: أنا آتيك بِهِ قبلَ أن تقوم من مَقَامك} ذَلِكَ، {وإنِّي عليه} عَلَى حَمله {لقويٌّ أمِين (39)} لاَ أختزل مِنْهُ شَيْئًا، وَلاَ أضيِّعه، وَلاَ أضعه فيِ غير مأمنه؛ ووصف نفسه مَا يكون بِهِ آلةً لحمله وحفظه، وَهُوَ القوَّة والأمانة، اللَّذان لاَ بُدَّ للأمين منهما، وإن أختلَّ (1) مِنْهُ واحدهما، فلا يكون آلة وَلاَ حجَّة لذلك.
{__________
(1) - ... في الأصل: «اختلاَّ»، وَهُوَ خطأ. (3/215)
صفحة 1031
قَالَ: الذِي عنده علمٌ مِنَ الكتاب} قيل: هُوَ آصف بن برخيا؛ أو جبريل، أو ملك غيره، أو سليمان نفسه، فيكون التعبير عَنْهُ بذلك للدَّلالة عَلَى شرف العلم؛ وَأَنَّ هَذِهِ الكرامة كَانَت نسبيَّة. والخطاب: {أنا آتيك بِهِ قبل أن يَرتَدَّ إليك طرفُك} للعفريت، أَرَادَ إظهار معجزة فيِ نقله، فتحدَّاهم أوَّلاً؛ ثُمَّ أراهم أنَّه يتأتَّى لَهُ مَا لاَ يتهيَّأ لعفاريت الجنِّ فضلا عَن غيره. والمراد بالكتاب: جنسُ الكتب المنزَّلة، وهذا غاية فيِ الإسراع ومَثَل فِيهِ، {فَلَمَّا رآه مستقرًّا عنده، قَالَ: هَذَا مِن فضل رَبِّي} ولم يقل: إِنَّمَا أوتيته عَلَى علم عندي (1) {لِيَبلُوني أأشكر أم أَكفر، وَمَن شَكر فَإِنَّمَا يشكر لنفسه، ومن كفر فإنَّ رَبِّي غنيٌّ كريم (40) قَالَ: نَكِّروا لَها عرشَها} بتغيير (2) هيأته وشكله، {ننظر أتهتدي، أم تكون مِنَ الذِينَ لاَ يهتدُون (41)} قيل: إِلىَ معرفته؛ أو إِلىَ الإيمان بالله ورسوله.
{فَلَمَّا جاءت [429] قيل: أهكذا عرشك}؟ تشبيها عليها، زيادة فيِ امتحان عقلها، {قالت: كأنَّه هُوَ} ولم تَقل هُوَ هُوَ، لاحتمال أن يكون مثله، وذلك من تتدقُّها فيِ النظريات؛ تعرَّف سليمان كمالَ عقلها، حيث لم تُقرَّ ولم تُنكر؛ وَقِيلَ: اشتبه عليها؛ {وأُوتينا العلم مِن قبلها وَكُنَّا مُسْلِمِين (42)} قيل: إنَّه كلام سليمان؛ أي: أوتينا العلم بالله وقدرته، وصِحَّة مَا جاء مِن عنده قبلها، وَكُنَّا منقادين لحكمه، لم نزل عَلَى دينه. {وصدَّها مَا كَانَت تعبد مِن دون الله} أي: وصدَّها عبادتها الشمس عَن التقدُّم إِلىَ الإسلام، {إِنَّهَا كَانَت مِن قوم كَافِرِين (43)} أي: صدَّها نشؤها بين أظهر الكفَّار، واختيارها للكفر.
{__________
(1) - ... كما قال قارون لَمَّا سأله قومه أن يحسن كما أحسن الله إليه. انظر: سورة القصص: 77 - 79.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «تتغير»، وَهُوَ خطأ. (3/216)
صفحة 1032
قيل لها: ادخلي الصرح، فَلَمَّا رأته حَسِبَته لُجَّة، وكشفت عَن ساقيها} روي: أنَّه أمرَ قبل قدومها ببناء قصر، صحنه من زجاج أبيض، وأجرى من تَحتِه الماء، وألقى حيوانات البحر، ووضع سريره فيِ صدره، فجلس عليه؛ فَلَمَّا أبصرته ظنَّته ماءً راكدا، فكشفت عَن ساقيها، {قَالَ: إِنَّهُ صرحٌ مُمرَّد} مُملَّس {مِن قوارير} من الزجاج. وتلك أسوة حسنة لملوك الدين، بإلقاء القوَّة والهيبة والحيلة عَلَى مَن عاداهم فيِ دين الله؛ فإنَّها مَا نزلت هَذِهِ الآيات بِخبر صنعهم عبثا وَلاَ لعبا، بَل لِحكمة قاهرة وحجَّة باهرة. فَلَمَّا رأت مَا رأت، {قالت: رَبِّ إِنِّي ظلمت نفسي} بعبادةِ غيرك، {وأسلمت مَعَ سليمانَ لله رَبِّ الْعَالَمِين(44)} فيما أمر بِهِ عباده.
{وَلَقَد أرسلنا إِلىَ ثَمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يَختصمُون(45)} تفاجأ التفرُّق والاختصام، فآمن فريق، وكفر فريق. {قَالَ: يا قوم لم تستعجلون بالسيِّئة} بالعقوبة، فتقولون ائتنا بِمَا تعدنا، {قَبل الحسنةِ} قبل التوبة، فتؤخِّرونها إِلىَ نُزول العذاب، {لولا تستغفرون الله} قبل نزوله، {لَعَلَّكُم تُرحمون(46)} بقبولها، فإنَّها لاَ تُقبل حين ذَلِكَ.
{قَالُوا اطَّيرنا} تشاءمنا {بك وبمن معك} إذ تَتَابَعَت علينا الشدائد؛ أو وقع بيننا الافتراق منذ اخترعتم دينكم، {قَالَ: طائركم} سببكم الذِي جاء مِنْهُ شركم، {عند الله} وَهُوَ قدَرُه؛ أو علمكم المكتوب عنده؛ أي: مَا يصيبكم مِنَ الخير والشرِّ مِن عند الله بأمره، وَهُوَ مكتوب عليكم؛ يُسمَّى طائرا لسرعة نزوله بالإنسان، فإنَّه لاَ شيء أسرعَ مِن قضاء مَحتوم. وَقِيلَ عَن ابن عبَّاس: «الشؤم أتَاكم من عند الله لكفركم». {بَل أَنتُم قوم تُفتنُون(47)} تُختبرون بتعاقب السَّرَّاء والضَّرَّاء.
{ (3/217)
صفحة 1033
وكَانَ فيِ المدينة تسعة رهطٍ، يُفسدون فيِ (1) الأَرْض وَلاَ يُصلحُون (48)} أي: شأنهم الفساد الخالص من شوب الصلاح. {قَالُوا} أي: قَالَ بعضهم لبعض [430] {تَقَاسموا بالله} أي: تَحالفوا بالله {لَنُبيِّتنَّه وأهله} لَنُباغتنَّ صالحا وأهله ليلاً، {ثمَّ لنقولنَّ لوليِّه} لوليِّ دمِه، {مَا شَهِدنا مَهلِك أهله} فضلا أن تولَّينا إهلاكهم، {وَإِنَّا لصادقُون (49) ومكروا مكرا} بهذه المواضعة، {ومكرنا مكرا} بَل جعلناها سببا لإهلاكهم، {وَهُم لاَ يشعرُون (50)} بذلك.
{فانظر كيف كَانَ عاقبةُ مكرهم أنَّا دمَّرناهم وقومهم أجمعِين (51) فتلكَ بيوتُهم خاويةً} خالية؛ مِن “خَوَى البطنُ”: إِذَا خَلا؛ أو ساقطة منهدمة؛ مِن “خَوى النجم”: إِذَا سَقط، {بِمَا ظَلَموا} بسبب ظُلمِهم، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية لقوم يَعْلَمُون (52)} فيتَّعظون. {وأنجينا الذِينَ آمنوا} صالحا ومن معه، {وكَانُوا يتَّقُون (53)} الكفر والمعاصي؛ فلذلك خصُّوا بالنجاة. ويوجد عَن أبي سعيد فيما أرجو (لَعَلَّهُ): «وَأَمَّا التسعة الرهط، فأولئك معنا ألزم أمرا فيِ البراءة، وأوضح كفرا، وَلاَ يسع جهلهم مَعَنا؛ لأَنَّ فيِ ظاهر الآيَة لزوم العقوبة لَهُم، والكفر لازم لَهُم، وَلاَ يسع جهلُهم مَن وقف عَلَى تغيير أمرهم؛ والبراءة مِنْهُم براءة الحقيقة بالشهادة عَلَى مَا صحَّ فيِ كِتَاب الله فِيهِم، وَاللهُ أعلم بالصَّواب».
{__________
(1) - ... في الأصل: + «و»، وهو خطأ. (3/218)
صفحة 1034
ولوطا إذ قَالَ لقومه: أتأتون الفاحشةَ وأنتم تُبصرُون(54)} فُحشَها؛ واقتراف القبائح مِنَ العالِم بقُبحِها أقبح؛ أو تبصرون آثار العصاة وَمَا نزل بهم. {أئنَّكم لتأتون الرجالَ شهوةً} بيان لإتيانهم الفاحشة اتِّبَاعا للشَّهوة، لاَ بحجَّة حقٍّ؛ للدَّلالة عَلَى قُبحه، والتنبيهِ عَلَى أنَّ الحكمةَ فيِ المواقعة طلب النسل، {مِن دُون النساء} اللآئي خُلِقنَ لذلك، {بَل أَنتُم قوم تَجهلُون(55)} تَفعلون فِعل من يَجهل قُبحها؛ أو يكون سفيها لاَ يُميِّز بين الحسنِ والقبيح؛ أو تَجهلون العاقبة.
{فما كَانَ جواب قومه إِلاَّ أن قَالُوا: أَخرِجوا آل لوط مِن قريتكم، إِنَّهُمْ أُناس يتطهَّرُون(56)} يتنزَّهون عَن أفعالنا، أو عَن الأقذار، ويعدُّون فعلنا قذرا.
{فأنجيناه وأهله، إِلاَّ أمرأته قدَّرناها مِنَ الغابرِين(57)} قدَّرنا كونها مِنَ الباقين فيِ العذاب. {وأمطرنا عَلَيْهِم مطرا فساء مطرُ المنذرِين(58)}.
{قل: الحمد لله وسلامٌ عَلَى عباده الذِينَ اصطفَى} أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعد مَا قصَّ عليه القصص الدالَّة عَلَى كمال قدرته، وعِظَم شأنه، وَمَا خصَّ بِهِ رسله مِنَ الآيات الكبرى، والانتصار مِنَ العِدا بتحميده، والسلام عَلَى المصطفين مِن عبيده، شكرا عَلَى مَا أنعمَ عليهم، وعلَّمَه مَا جهل مِن أحوالهم، وعرفانا لفضلهم وحقِّ تقدُّمهم، واجتهادهم فيِ الدين. أو لوطا بِأَن يَحمده عَلَى هلاك كفرةِ قومه، ويسلِّم عَلَى مَن اصطفاه بالعصمة مِنَ الفواحش، والنجاة مِنَ الهلاك. {آلله خيرٌ أَمَّا يشركُون(59)} إلزاما لَهُم، وتهكُّم بهم، وتسفيه لرأيهم؛ إذ معلوم أن لاَ خيرَ فيما أشركوه رأسا حتَّى [431] يُوازَن بينه وبين مَن هُوَ مبدأُ كُلِّ خير.
{ (3/219)
صفحة 1035
أمَّن خلق السَّمَاوَات والأَرْض} التِي هِيَ أصول الكائنات ومبادئ المنافع، {وأنزل لكم} لأجلكم {من السَّمَاء ماء، فأنبتنا بِهِ حدائقَ ذات بهجةٍ} تنبيه عَلَى أنَّ نبات الحدائق البهيَّة، المختلفة الأنواع، المتباعدة الطباع، مِنَ الموادِّ المتشابهة التِي لاَ يقدر عليها غيره، كما أشار إِلَيْهِ بقوله: {مَا كَانَ لكم أن تُنبِتوا شَجرَها} شجر الحدائق، وهي البساتين؛ مِنَ الإحداق: وَهُوَ الإحاطة، {أإله مَعَ الله} أغيره يُقرن بِهِ، ويُجعل لَهُ شريكا، وَهُوَ المنفرد بالخلق والتكوين، {بَل هم قوم يَعدِلُون(60)} عَن الحقِّ الذِي هُوَ التوحيد.
{أمَّن جعل الأَرْض قرارا} بدلٌ من «أمَّن خلق السَّمَاوَات» وجعلُها قرارًا: تسويتُها بحيث يتأتَّى استقرار الإنسان والدَّوابِّ عليها، {وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي} جبالا تتكوَّن فِيهَا المعادن، وتنبع من حضيضها المنافع، {وجعل بين البحرين} العذب والمالح {حاجزا} برزخا، {أإله مَعَ الله بَل أكثرهم لاَ يَعْلَمُون(61)} لأَنَّهُم لاَ يتعلَّمون فيعلمون؛ أو لاَ يقبلون العلم إن أتاهم.
{ (3/220)
صفحة 1036
أمَّن يُجيب المضطرَّ إِذَا دعاه} المضطرُّ: الذِي أحوجه شدَّة مَا بِهِ إِلىَ اللَّجَأ (1) إِلىَ الله، مِنَ الاضطرار، وَهُوَ افتعال مِنَ الضرورة، {ويكشف السوءَ} ويدفع عَنْهُ مَا يسوؤه، {ويجعلكم خُلَفاء الأَرْض} خلفاء فِيهَا، بأن ورَّثكم سكناها، والتَّصرف فِيهَا مِمَّن قبلكم؛ {أإله مَعَ الله} الذِي خصَّكم بهذه النِّعم العامَّة والخاصَّة، {قليلا مَا تذَّكَّرُون (62)} أي: تذكرون آلاءه تذكُّرا قليلا؛ والمُرَاد بالقلَّة: العدم، أو الحقارة المزيحة للفائدة.
{أمَّن يَهديكم فيِ ظُلمات البرِّ والبحر} بالنجوم وعلامات الأَرْض؛ والظلمات: ظلمات الليالي، أضافها إِلىَ البرِّ والبحر للملابسة؛ أو مشتبهات الطرق؛ يقال: طريقة ظلماء وعمياء: للتي لاَ مَنَار بها، {ومن يُرسل الرياح بُشْرًا بين يَدي رحمته} يعني: المطر؛ ولو صحَّ أنَّ السبب الأكثريَّ فيِ تكوُّن الريح معاودةُ الأدخنة الصاعدَّة مِنَ الطبقة الباردة، لانكسار حرِّها وتَمويجها الهويِّ؛ وَلاَ شكَّ أنَّ الأسباب الفاعليَّة والقابليَّة لذلك مِن خلق الله، والفاعل السبب للسَّبب فاعل المُسَبَّب؛ {أإله مَعَ الله} يَقدِر عَلَى مثل ذَلِكَ؟ {تعالى الله عَمَّا يُشركُون (63)} تعالى القادر الخالق عَن مشاركة العاجز المخلوق.
{__________
(1) - ... المصدر الأكثر استعمالا هو اللجوء، وَلَكِن قد تستعمل أوزان أخرى للفعل “لجأ” كما ورد هنا، قال فيِ اللسان: «لَجَأَ إِلىَ الشَّيْء والمكانِ يلجَأُ لَجْأً ولُجُوءاوملجَأً، ولَجِئَ لَجَأً والتجأ، وألجأت أمري إِلىَ الله: أسندتُ». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص343، مَادَّة «لجأ». (3/221)
صفحة 1037
أمَّن يبدأ الخلق ثُمَّ يعيده} والكفرة وإن أنكروا الإعادة، فَهُم محجوجون بِالحجج الدالَّة عليها، {ومن يرزقكم مِنَ السَّمَاء والأَرْض} أي: بأسباب سماويَّة وأرضيَّة، [432] {أإله مَعَ الله} يفعل ذَلِكَ؟ {قل: هاتوا بُرهانكم} عَلَى أنَّ غَيْره يقدر عَلَى شيء مِن ذَلِكَ {إن كُنتُم صادقِين(64)} فيِ إشراككم؛ فإنَّ القدرة من لوازم الألوهيَّة.
{قل: لاَ يعلم من فيِ السَّمَاوَات والأَرْض الغيبَ إِلاَّ الله} لمَّا بيَّن اختصاصه بالقدرة التامَّة الفائقة العامَّة، أتبعه بما هُوَ كاللاَّزم لَهُ، وَهُوَ التفرُّد بعلم الغيب، {وَمَا يشعرون أيَّان يُبعثُون(65)} متى يُنشرون؛ مركَّبة من: “أي” و“آن”.
{ (3/222)
صفحة 1038
بَل ادَّارك عِلمهم فيِ الآخِرَة} لمَّا نفى عَنْهُم علم الغيب، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بنفي شعورهم بِمَا هُوَ مآلهم لاَ محالة، بالغ فِيهِ بأن أضرب عَنْهُ؛ وبيَّن أنَّ مَا انتهى وتكامل فِيهِ أسباب علمهم مِنَ الحجج والآيات، وَهُوَ أنَّ القيامة كافية لاَ مَحالة، لاَ يعلمونه كما يحقُّ وينبغى؛ وقيل: أَرَادَ مَا جهلوا فيِ الدُّنْيَا، وسقط علمه عَنْهُم، علموه فيِ الآخِرَة. وقال مجاهد (1): «{بَل هم فيِ شكٍّ منها} كمن تَحيَّر فيِ أمر لاَ يَجد عليه دليلا». {بَل هم منها عَمُون (66)} لاَ يُدركون دلائلها لتعاميهم عنها. وقرئ: «بَل أدَّارك» (2) بمعنى: تبابع حتَّى استحكم، أو تبابع حتَّى انقطع.
{وقال الذِينَ كَفَرُوا: أئذا كُنَّا تُرابا وآباؤنا أئنَّا لَمُخرَجُون (67)}؟ بيان لِعَمَهِهم. {لَقَد وُعدنا هَذَا نَحْنُ وآباؤنا من قبل} من قبل وعد محمَّد؛ وتقديم «هَذَا» عَلَى «نَحْنُ» لأَنَّ المقصود بالذِّكر هُوَ البعث، وحيث أُخِّر فالمقصود (3) بِهِ المبعوث، {إن هَذَا إِلاَّ أساطير الأولِين (68)}.
{__________
(1) - ... وضع الناسخ هنا إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، وَلَعَلَّ فيِ العبارة نقصا، لأَنَّ السياق اللاحق يبدو أَنَّهُ مواصلة للتفسير وليس مقولة مجاهد، وَالله أعلم، ولم أجد فيما بين يديَّ من مصادر التفسير مقولة مجاهد غير قراءة نسبت إِلَيْهِ، قال الألوسي: «وقرأ مجاهد: “أم أدرك” جعل “أم” بدل {بل} وأدرك عَلَى وزن أفعل». الألوسي: روح المعاني، ج20/ ص14.
(2) - ... «بَل أدَّارك، بهمزة داخلة عَلَى ادَّارك، فتسقط همزة الوصل المجتلبة لأجل الإدغام والنطق بالساكن»، وهي قراءة ابن عَبَّاس فيِ رواية. وانظر مختلف القراءات فيِ قَوله تَعَالىَ: {بل ادَّاركَ}: المصدر نفسه.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «بالمقصود»، ولا مَعْنَى له. (3/223)
صفحة 1039
قل: سيروا فيِ الأَرْض فانظروا كيف كَانَ عاقبة المجرمِين (69)} تهديد لَهُم عَلَى التكذيب (1)، وتخويف بِأَن ينزل بهم مثل مَا نزل بالمكذِّبين قبلهم. {وَلاَ تَحزن عليهم} عَلَى تكذيبهم وإعراضهم، {وَلاَ تكن فيِ ضيق} فيِ حرج صدر {مِمَّا يَمكرُون (70)} مِن مكرهم.
{ويقولون: متى هَذَا الوعد} العذاب الموعود، {إن كُنتُم صادقِين (71) قل: عسى أن يكون رَدِف لكم} تَبِعكم ولحقكم؛ وقيل: دنا وقَرُب لكم {بعضَ الذِي تَستعجِلُون (72)} حلوله.
{وإنَّ رَبّكَ لذو فضل عَلَى الناس} بتأخير عقوبتهم عَلَى المعاصي، {ولكنَّ أكثرهم لاَ يشكرُون (73)} لاَ يعرفون حقَّ النِّعمة فِيهِ، بَل (2) فلا يشكرون، بَل يستعجلون بِجهلهم وقوعه. {وإنَّ رَبّكَ ليعلم مَا تُكِنُّ صدورُهم وَمَا يُعلنُون (74) وَمَا مِن غائبة فيِ السَّمَاء والأَرْض إِلاَّ فيِ كِتَاب مُبِين (75)} بيِّن، أو مبيَّن مَا فِيهِ لِمَن يطالعه؛ والمُرَاد: اللوح، أو القضاء عَلَى الاستعارة.
{إنَّ هَذَا القرآن يقصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أكثرَ الذِي هم فِيهِ يَختلفُون (76)} [433] أمر الدِّين؛ قيل: إنَّ أهلَ الكتاب اختلفوا فيما بَيْنَهُم، فصاروا أحزابا يطعن بعضهم عَلَى بعض؛ فنزل القرآن ببيان مَا اختلفوا فِيهِ. {وَإِنَّهُ لَهدى ورحمةٌ للمؤمنِين (77)} فإنَّهم المنتفعون بِهِ لاَ غير. {إنَّ رَبَّكَ يقضي بَيْنَهُم} (لَعَلَّهُ) بين المختلفين فيِ الدِّين يوم القيامة {بِحكمه، وَهُوَ العزيزُ العليم (78)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الكذيب»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: - «بل». (3/224)
صفحة 1040
فتوكَّل عَلَى الله} وَلاَ تُبال بمعاداتهم، {إنَّك عَلَى الحَقِّ الْمُبِين(79)} وصاحب الحقِّ حقيق بالوثوق بِحفظ الله ونصره. {إنَّك لاَ تُسمع الموتى} تعليل آخر للأمر بالتوكُّل، من حيث إنَّه يَقطع طمعه عَن متابعتهم ومشايعتهم ومعاضدتهم رأسا، وإنَّما شُبِّهوا بالموتى لعدم انتفاعهم باستماع مَا يُتلى عَلَيْهِم، كما شبِّهوا بالصمِّ فيِ قوله: {وَلاَ تُسمع الصمَّ الدعاءَ إِذَا ولَّوا مدبرِين(80)} فإن إسماعهم فيِ هَذِهِ الحالة أبعد، وإدبارهم هاهنا كناية لعدم قبولهم. {وَمَا أنت بِهادي العميِ عَن ضلالتهم} حيث الاهتداء لاَ يحصل إِلاَّ بالبصر، {إن تُسمِع} أي: مَا يُجدي إسماعك {إلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنا} مَن هُوَ فيِ علم الله كذلك، {فَهُم مُسْلِمُون(81)} منقادون مستسلمون لأمر الله.
{وإذا وقع القولُ عليهم} إِذَا دنا وقوع معناه، وَهُوَ مَا وُعدوا بِهِ مِنَ البعث أو العذاب؛ (لَعَلَّهُ) وقيل: وجوب العذاب عليهم؛ وقيل: إِذَا غضب الله عَلَيْهِم، {أَخرَجْنا لَهُم دَابَّة مِنَ الأَرْض} وهي التِي لاَ يفوتها هارب، وَلاَ يُدركها طالب، {تُكَلِّمهم} ببطلان الأديان، إِلاَّ دين الإسلام فيما قيل، {أنَّ الناسَ كَانُوا بِآيَاتِنا لاَ يُوقنُون(82)}.
{ويوم نَحشر مِن كُلِّ أُمَّة فوجا مِمَّن يُكذِّب بِآيَاتِنا فَهُم يُوزعُون(83)} يحبس أَوَّلهم عَلَى آخرهم ليتلاحقوا؛ وَهُوَ عبارة عَن كثرة عددهم، وتباعد أطرافهم. {حَتَّى إِذَا جاءوا قَالَ: أكذَّبتم بِآيَاتِي ولم تُحيطوا بها علما}؟ أي: أكَذَّبتم بها بادئ الرأي، غير ناظرين فِيهَا نظرا يُحيط علمكم بكنهها، وَأَنَّهَا حقيقة بالتصديق، {أمَّاذا كُنتُم تَعْمَلُون(84)}؟ حين لم تَتَفكَّروا فِيهَا؛ وَمَعنَى الآيَة أكذَّبتم بِآيَاتِي غير عالمين بها؟.
{ (3/225)
صفحة 1041
وَوَقَع القولُ عليهم} حلَّ بهم العذاب الموعود، وَهُوَ كَبُّهم فيِ النَّار بعد ذَلِكَ {بِمَا ظلموا} بسبب ظُلمهم؛ وَهُوَ التكذيب بِآيَاتِ الله، {فَهُم لاَ ينطقُون(85)} باعتذار لشغلهم بالعذاب.
{ألم يَرَوا} ليتحقَّق لَهُمُ التوحيد، ويرشدهم إِلىَ تجويز الحشر، وبعثة الرسل؛ لأَنَّ تعاقب النور والظلمة عَلَى وجه مخصوص، غير متعيِّن بذاته، لاَ يكون إِلاَّ بقدرة قاهرة، [434] وَأَنَّ من قدر عَلَى إبدال الظلمة بالنور فيِ مادَّة وَاحِدَة، قَدر عَلَى إبدال الموت بالحياة فيِ موادِّ الأبدان، {أنَّا جعلنا الليل ليسكنوا فِيهِ وَالنَّهَار مبصرا، إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقوم يُؤْمِنُون(86)}.
{ويوم يُنفخ فيِ الصور فَفَزع مَن فيِ السَّمَاوَات ومَن فيِ الأَرْض إِلاَّ من شاء الله وكلٌّ أَتَوه داخرِين(87)} صاغرين.
{وترى الجبالَ تَحسَبها جامدةً} ثابتة فيِ مكانها، {وهي تَمرُّ مرَّ السحاب} فيِ السرعة؛ وذلك لأَنَّ الأجرامَ الكبار إِذَا تَحرَّكت فيِ سمت وَاحِد، لاَ يكاد يتبيَّن حركتها، {صُنعَ الله الذِي أتقنَ كُلَّ شيء} أحكم كلَّ شيء، وسوَّاه عَلَى مَا ينبغي، {إِنَّهُ خبير بِمَا تفعلُون(88)} عالم بظواهر الأفعال وبواطنها، فيجازيهم عليها، كما قَالَ:
{مَن جاء بالحسنة} قيل: كلُّ طاعة وقعت مِن مُطيع، {فله خيرٌ منها} يُضاعف لَهُ بالوَاحِدَة سبعمائة، {وَهُم من فزعٍ يومئذ آمنُون(89)} يعني: بِهِ خوف عذاب يوم القيامة. {ومن جاء بالسيِّئة فكُبَّت وجوههم فيِ النار} (لَعَلَّهُ) كما كَانَت فيِ الدُّنْيَا، {هل تُجزون إِلاَّ مَا كُنتُم تَعْمَلُون(90)}.
{ (3/226)
صفحة 1042
إِنَّمَا أُمرتُ أن أعبدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة الذِي حَرَّمها} أَمَر الرَّسول بأن يقول لَهُم ذَلِكَ بعد مَا بيَّن المبدأَ والمعادَ، وشرح أحوال القيامة، إشعارا بأنَّه قد أتمَّ الدَّعوة، وَمَا عليه بعدُ إِلاَّ الاشتغال بشأنه والاستغراق فيِ عبادة ربِّه، {وَلَهُ كُلُّ شيء} خلقا وملكا، {وأُمِرتُ أن أكونَ مِنَ المُسْلِمِين (91)} المنقادين. {وأن أَتلُوَا القرآن} وأن أُواضِب عَلَى تلاوته، لتنكشف لي حقائقه فيِ تلاوته شَيْئًا فشَيْئًا؛ أو أن أَتلُوَ القرآن عَلَى الثقلين، ويُحقِّق ذَلِكَ قوله: {فمن اهتدى} باتِّباعه إيَّاي فيِ ذَلِكَ، {فَإِنَّمَا يهتدي لنفسه} فإنَّ منافعه عائدة إِلَيْهِ، {ومن ضلَّ} بمخالفتي، {فقل: إِنَّمَا أنا مِنَ المنذِرِين (92)} بِهِ، فليس عليَّ وبال ضلاله، إذ مَا عَلَى الرَّسول إِلاَّ البلاغ؛ وفيه إيذان أنَّ مَن قُرئ عليه القرآن فقد قامت عليه حجَّة الله، قَبِلَها أم ردَّها.
{وقل: الحمد لله} عَلَى مَا علَّمني ووفَّقني للعمل بِهِ، {سَيُريكم آياته} القاهرة فيِ الدُّنْيَا أو فيِ الآخِرَة؛ أو ضرب المَلاَئِكَة وجوههم وأدبارهم، وكلُّ مَا لم يؤمنوا بِهِ؛ نظيره {سأريكم آياتي} (1) {فتعرفونها} حيث لاَ ينفعكم، {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُون (93).} فلا تَحسبوا أنَّ تأخير عذابكم لغفلته عمَّا تَعْمَلُونَ.
سورة القصص
بسم الله الرحمن الرحيم
{طَسِم (1) تلك آيات الكتاب الْمُبِين (2)} آياتُ السورة [435] {نتلو عليك مِن نَبَإِ موسى وفرعون} بَعض نَبَئِهما {بِالْحَقِّ لقوم يُؤْمِنُونَ (3)} لأَنَّهُم المنتفعون بِهِ.
{__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 37. (3/227)
صفحة 1043
إنَّ فرعونَ علاَ فيِ الأَرْض وجعل أهلها شِيَعًا} فِرَقا {يستضعف طائفةً مِنْهُم، يُذَبِّحُ أبناءَهم ويستحيي نساءهم، إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدِينَ (4) ونريد أن نَّمُنَّ عَلَى الذِينَ استُضعِفُوا فيِ الأَرْض ونَجعلَهم أئمَّة} مُقَدَّمين فيِ أمر الدِّين، {ونجعلهم الوارثِينَ (5)} للأئمَّة المتقدِّمين، {ونُمكِّن لَهُم فيِ الأَرْض، ونُرِيَ فرعونَ وهامان وجنودَهما مِنْهُم} مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ {مَا كَانُوا يَحذرُونَ (6)} مِن ذهاب مُلكِهم، وذهابِهم عَلَى يد مولودٍ مِنْهُم فيما قيل.
{وأوحينا إِلىَ أمِّ موسى} بإلهام، أو رؤيا، {أن أرضِعِيه} مَا أمكنك إخفاؤه، {فإذا خِفتِ عليه} قامت عليكِ دلائل الخوف، {فألقيه فيِ اليمِّ وَلاَ تَخَافي} عليه ضياعا وَلاَ شدَّة، {وَلاَ تَحزَني} لفراقه، {إِنَّا رادُّوه إليكِ} عَن قريب، بحيث تأمَنين عليه، {وجاعلوه مِنَ المرسَلِينَ (7)}.
{فالتَقَطَه آلُ فرعونَ ليكونَ لَهُم عَدُوًّا وحَزَنا} تعليل لالتقاطهم إيَّاه بِمَا هُوَ عاقبته، {إنَّ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما كَانُوا خاطئِينَ (8)}.
{وقالت امرأة فرعونَ: قرَّتُ عينٍ} قرَّة العين: تَرَى مَا يسرُّها، وذلك لأَنَّهُ أتى بِهِ الماء مِن أرضٍ أُخْرَى، وليس مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ {لي ولكَ، لاَ تَقتلوه عسى أن ينفعنا، أو نتَّخذه ولدا، وَهُم لاَ يشعرُونَ (9)} أي: وَهُم لاَ يشعرون أنَّهم عَلَى الخطإ فيِ التقاطه، أو فيِ تربيته لِمَا يتوسَّمون مِنْهُ (من كلِّ شيء، إِلاَّ مِن ذِكر موسى) (1).
{__________
(1) - ... ما بين قوسين يبدو أَنَّهُ لا محلَّ له هنا، وَهُوَ تكرار لِمَا سيأتي بعد سطر. (3/228)
صفحة 1044
وأصبح فُؤاد أمِّ موسى فارغا} (لَعَلَّهُ) مِن كُلِّ شيء، إِلاَّ مِن ذِكر موسى، لِمَا دهمها مِنَ الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه فيِ يدِ فرعون؛ كقوله: {وأفئدتُهُم هَوَاء} (1) أي: خاليَة لاَ عقول فِيهَا، {إن كَادَت لَتُبدِي بِهِ} إنَّها كادت لتُظهِر بموسى، أي: بأمره وقصَّته، مِن فرط الضَّجَر؛ {لولا أن رَبطنا عَلَى قَلبِهَا} بالصبر والثبات، {لتكون مِنَ المؤمنِينَ (10)} لتكون مِنَ المصدِّقين بوعد الله، إذ أُوحِيَ إِلَيْهِا مِن قبلُ فيِ شأن موسى، وبأنَّه مِنَ المرسلين.
{وقالت لأخته: قُصِّيهِ} اتَّبِعي أثره، وتتبَّعي خبره؛ {فَبَصُرَت بِهِ عَن جُنُب} عَن بُعد {وَهُم لاَ يشعرُونَ (11)} أنَّها تَقصُّ، أو أنَّها أخته.
{وحرَّمنا عليه المراضعَ} وَمَعنَاه: أن يَرضِعَ مِنَ المرضعات {مِن قبل} من قبل قَصِّها أثره؛ {فقالت: هل أدلُّكم عَلَى أهل بيت يَكفُلُونه لكم} لأجلكم {وَهُم لَهُ ناصحُونَ (12)} لاَ يُقصِّرون [436] فيِ رضاعه وتربيته.
{فرددناه إِلىَ أمِّه كي تقرَّ عينُها وَلاَ تَحزن، ولتعلمَ أنَّ وعدَ الله حقٌّ} عِلْم مشاهدة، {ولكنَّ أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ (13)} أنَّ وعدَ الله حقٌّ فَيَرتابون فِيهِ.
{__________
(1) - ... سورة إبراهيم: 43. (3/229)
صفحة 1045
وَلَمَّا بَلَغَ أشُدَّه} مَبلَغَه الذِي لاَ يزيد عليه نشْؤُه، {واستوى} صارَ رجلا. [قال] ابن عبَّاس: «الأشدُّ مَا بين ثلاث عشرة سنة إِلىَ ثلاثين؛ ثُمَّ هُوَ مَا بين الثلاثين إِلىَ الأربعين شدَّته سواء؛ فإذا طفر (1) فيِ الأربعين أَخَذ فيِ النقصان». وقيل: استوى قدُّه، أو عقله، أو أنهت قوَّته، واستوى عقله، وحدُّه: بأن يكون عاقلا للتعبُّد، لأَنَّهُ قيل: «الصلاة عَلَى مَن عَقَل»، فيكون بحدِّ مَن يعقلها إِذَا تعلَّمها؛ أي: الفقه والعلم والعقل فيِ الدِّين، وهذا الحال يؤتى كلُّ متعبد إِلاَّ من بيده ... (2) {آتيناه حُكما وعِلما} بالدين، {وكذلك} ومثل ذَلِكَ الذِي فعلنا بموسى وأمِّه {نجزي المحسنِينَ (14)} عَلَى إحسانهم؛ والمعنى: أنَّه «مَن عَمِل بِمَا عَلِم ورَّثه الله علم مَا لم يعلم» (3).
{__________
(1) - ... «طَفَر يطفِر طَفْرا وطُفورا: وثب فيِ ارتفاع، وطفر الحائطَ: وثبه إِلىَ ما وراءه». ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص597، مَادَّة «طفر»، وهنا شبَّه الانتقال من العقد الرابع إِلىَ الخامس بالوثبة.
(2) - ... وضع الناسخ هنا إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، وَفيِ العبارة نقص واضح.
(3) - ... لم ينصَّ هنا عَلَى أَنَّهُ حديث، وفي تفسير آخر آيَة من سورة العنكبوت أورده عَلَى أَنَّهُ حديث. ولكن لم نعثر عَلَيْهِ عند الربيع ولا فيِ الكتب التسعة، ولا فيِ الجامع الصغير وزياداته. ونجد روايةً فيِ الموضوع عن أبي الشيخ عن ابن عَبَّاس جاء فيها: «العِلْمُ حَيَاةُ الإِسْلاَمِ، وَعِمَادُ الإِيمَانِ، وَمَنْ عَلِمَ عِلْمًا أَتَمَّ اللهُ أَجْرَهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ فَعَمِلَ عَلَّمَهُ اللهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ». السيوطي: الجامع الصغير، رقم 8308. برنامج سلسلة كنوز السنَّة. (3/230)
صفحة 1046
ودخلَ المدينة عَلَى حين غَفلة مِن أهلها} قيل: كَانَ لموسى نَفَرٌ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ يستمعون لَهُ ويقتدون (لَعَلَّهُ) بِهِ؛ فَلَمَّا عرف مَا هو عليه مِنَ الحقِّ، رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم فيِ دينه، حتَّى (لَعَلَّهُ) ذكر ذَلِكَ مِنْهُ وخافوه وخافهم، (لَعَلَّهُ) وكَانَ لاَ يدخل فريدا إِلاَّ خائفا (لَعَلَّهُ) مستخفيا؛ فدخلها يوما عَلَى حِينِ غفلة من أهلها {فوجد فِيهَا رجلين يقتتلان، هَذَا مِن شيعته وهذا من عدوِّه، فاستغاثه الذِي مِن شيعتِه عَلَى الذِي مِن عدوِّه، فوكزه موسى فقضى عليه} فقتله، وأصله أنهى حياته، مِن قوله: {وقضينا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمرَ} (1). {قَالَ: هَذَا مِن عملِ الشيطان} لأَنَّهُ لم يُؤمَر بقتله، وكلُّ شيء لم يَأْمُر الله بِهِ بَل نهى عَنْهُ وعَمِلَه العامل فلا شكَّ أنَّه مِن عمل الشيطان، {إِنَّهُ عدوٌّ مُضِلٌّ مُّبِينٌ (15)} ظاهر العداوة، ومِن شأنه يصدُّ النَّاس عَن الحقِّ إِلىَ الضلالة.
{قَالَ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمتُ نفسي} بقتله، {فاغفر لي؛ فغفر لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُور الرحيم (16) قَالَ: رَبِّ بِمَا أنعمتَ عليَّ، فلن أكون ظهيرا للمجرمِينَ (2) (17)} بالمغفرة؛ وقيل معناه: بِمَا أنعمت عليَّ مِنَ القوَّة أُعِين أولياءك، فلن أستعملها فيِ مظاهرة أعدائك.
{فأصبح فيِ المدينة خائفا يترقَّب} الاستقادة، {فإذا الذِي استنصره بالأمس يستصرخه} يستغيثه مشتقٌّ مِنَ الصُّراخ؛ [437] {قَالَ لَهُ موسى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)} بيِّنُ الغوايةِ، لأنَّك تسبَّبت لقتل رجل وتقاتل آخر.
{__________
(1) - ... سورة الحجر: 66.
(2) - ... في الأصل: «للمؤمنين»، وهو خطأ فاحش. (3/231)
صفحة 1047
فَلَمَّا أن أَرَادَ أن يبطشَ بالذي هُوَ عدوٌّ لهما} لموسى والإسرائيليِّ، لأَنَّهُ لم يكن عَلَى دينهما؛ أو لأَنَّ القِبطَ كَانُوا أعداء بَنِي إِسْرَائِيلَ، {قَالَ: ياموسى أتريد أن تقتلني كما قَتلتَ نفسا بالأمس}؟ قيل: قَالَ لَهُ الإسرائيليُّ لمَّا سمَّاه غويًّا ظنَّ أنَّه يبطش عليه؛ أو القبطي، وَكَأَنَّهُ توهَّم مِن قوله أنَّه الذِي قتله القبطي بالأمس لهذا الإسرائيلي (1)؛ {إن تُريد} مَا تريد {إلاَّ أن تكون جبَّارا فيِ الأَرْض} تَطاوِل عَلَى النَّاس، وَلاَ تنظر إِلىَ العواقب، {وَمَا تريدُ أن تكونَ مِنَ المصلحِينَ (19)} أمورك، أو بين النَّاس، بدفع التخاصم بالتي هِيَ أحسن؛ قيل: لمَّا قَالَ، انتشر الحديث وارتقى إِلىَ فرعون وملئه، وهمُّوا بقتله؛ فخرج مُؤْمِن مِن آل فرعون ليخبره بِمَا عَلِم فقال:
{وجاء رجلٌ مِن أقصى المدينة} مِن آخرها {يسعى} يُسرع، {قَالَ: يا موسى إنَّ الملأَ يَأتَمِرون بك ليقتلوك، فاخرج إِنِّي لك مِنَ الناصحِينَ (20) فخرج منها خائفا يترقَّب} الطلب، {قَالَ: رَبِّ نَجِّني مِنَ القوم الظالمِينَ (21)} خلِّصني مِنْهُم، واحفظني مِن لحوقهم، أو مِن عملهم.
{وَلَمَّا توجَّه تلقاءَ مدين} قُبَالة مَدين، قرية شعيب، ولم تكن فيِ سلطان فرعون؛ {قَالَ: عسى رَبِّي أن يَهدِيَني سواءَ السبيل (22)} توكُّلا عَلَى الله، وحسنَ ظنٍّ بِهِ، وكَانَ لاَ يعرف الطرق.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ مَعْنَى العبارة: وَكَأَنَّهُ توهَّم القبطيُّ بقول موسى للإسرائيليِّ: «إِنَّكَ لغويٌّ مبين» أَنَّ ذَلِكَ الإسرائيليَّ هو الذي قتل القبطيَّ بالأمس. وَالله أعلم. (3/232)
صفحة 1048
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مدين} وصل إِلَيْهِ، وَهُوَ بئر كَانُوا يسقون منها، {وجد عليه أُمَّة مِنَ الناس} جماعة {يسقون} قيل: مواشيهم، {ووجد مِن دونهم امرأتين تَذودَان} قيل: تَمنعان أغنامهما مِنَ الماء لئلاَّ تختلط بأغنامهم، {قَالَ: مَا خطبكما}؟ مَا شأنكما تذودان؟ {قالتا: لاَ نسقي حَتَّى يُصدرَ الرعاءُ وأبونا شيخٌ كبير(23)} كبيرُ السِّنِّ.
{فسقَى لهما} مواشيهما {ثمَّ تولىَّ إِلىَ الظلِّ، فقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أنزلتَ} أيِّ شيء أنزلت {إليَّ مِن خير} يدعو عَلَى معنى دعاء المضطرِّ، {فقير(24)} محتاج، يبلغ بِهِ إِلىَ درجات الخير الحقيقيِّ.
{فجاءته إحداهما تَمشي عَلَى استحياءٍ، قالت: إنَّ أَبي يدعوك لِيَجزيَك} ليكافئك {أجر مَا سَقَيت لَنَا} جزاءَ سقيِك لَنَا؛ {فَلَمَّا جاءه وقصَّ عليه القَصَصَ، قَالَ: لاَ تَخف نَجَوتَ مِنَ القوم الظالمِينَ(25) قالت إحداهما: يا أبتِ استأجِره} لِرعي الغنم {إنَّ خيرَ مَن استأجرتَ القويُّ الأمِينُ(26)} أي: خير من استعملت، مَن قَوِيَ عَلَى العمل، وأدَّى [438] الأمانة. ورويَ أنَّ شعيبا قَالَ لها: وَمَا عِلمك بقوَّتِه وأمانته؟ فذكرت إقلال الحجر، وأنَّه صوَّب رأسه حتَّى بلغته رسالته، وأمرها بالمشي خلفه.
{قَالَ إِنِّي أُريد أن أُنكِحَك إحدى ابنتيَّ هاتين عَلَى أن تَأجُرَني} تؤجر نفسك منِّي {ثمانيَ حِجَج، فإن أَتْممت عشرا فمن عندك، وَمَا أريد أن أشقَّ عليك} قيل: بإلزام إتمام العشر، أو المناقشة فيِ مراعاة الأوقات، واستيفاء الأعمال، {ستجدني إن شاءَ الله مِنَ الصالحِينَ(27)} فيِ حسن المعاملة، ولين الجانب، والوفاء بالعهد.
{قَالَ: ذَلِكَ بَيني وبينَك} أي: ذَلِكَ الذِي عاهدتني فِيهِ قائم بيننا، لاَ نَخرج عَنْهُ، {أيَّمَا الأجلين قضيتُ} وفَّيتُ {فلا عُدوَان عليَّ} تَتَعدَّى عليَّ بطلب الزيادة، {والله عَلَى مَا نقولُ} مِنَ المعاقدة {وكيلٌ(28)} شاهد حفيظ.
{ (3/233)
صفحة 1049
فَلَمَّا قَضَى موسى الأجل وسار بأهله، آنس مِن جانبِ الطورِ نارا} أبصر مِنَ الجهة التِي تَلي الطور؛ {قَالَ لأهله: امكثوا إِنِّي آنست نارا لعلِّي آتيكم منها بخبر، أو جذوة مِنَ النار لَعَلَّكُم تصطلُونَ(29)}.
{فَلَمَّا أتاها نودي مِن شاطئِ الوادي الأيمن} عَن يمين موسى، {فيِ البقعة المباركة} نُبَارِك الخير (لَعَلَّهُ) بها لموسى بنزول الوحي إِلَيْهِ فِيهَا، وصار مِنَ النبيئين المرسلين، {مِنَ الشجرةِ: أنْ يا موسى إِنِّي أنَا الله رَبُّ الْعَالَمِينَ(30) وأنْ ألقِ عصاك، فَلَمَّا رآها تهتزُّ كأنَّها جانٌّ} فيِ الهيئة أو فيِ السرعة، {ولىَّ مدبرا ولم يُعقِّب} ولم يرجع {يا موسى أقبل وَلاَ تخف إِنَّكَ مِنَ الآمنِينَ(31) اسلك يدك فيِ جيبك تَخرجْ بيضاء مِن غير سوء، واضمم إليك جناحَك} قيل: يَدَك {من الرَّهَبِ فذانِك برهانان مِن رَبِّكَ إِلىَ فرعون ومَلَئِه إِنَّهُمْ كَانُوا قوما فاسقِينَ(32)}.
{قَالَ: رَبِّ إِنِّي قتلت مِنْهُم نفسا فأخاف أن يَقتلوني(33) وأخي هارون هُوَ أفصحُ منيِّ لسانا} أحسن مِنِّي بيانا، {فأرسله معي رِدْءًا} مُعينا {يُصدِّقني، إِنِّي أخافُ أن يكذِّبون(34)} ولساني لاَ يطاوعني عند المجادلة؛ وقيل: المراد تصديق القوم لتقريره وتوضيحه، ولكنَّه أَسند إِلَيْهِ إسناد الفعل إِلىَ السبب.
{قَالَ: سنشُدُّ عَضُدَك بأخيك} سَنُقوِّيك، وإنَّ قوَّة الشخص بشدَّة اليد عَلَى مزاولة الأمور، {ونجعل لكما سلطانا} غلبةً وحجَّة، {فلا يصلون إليكما} باستيلاء أو حِجاج {بِآيَاتِنا، أنتما ومن اتَّبعكما الغالبُونَ(35)}.
{ (3/234)
صفحة 1050
فَلَمَّا جاءهم موسى بِآيَاتِنا بَيِّنَات، قَالُوا: مَا هَذَا إِلاَّ سِحرٌ مُفتَرًى وَمَا سمعنا بهذا فيِ آبائنا الأَوَّلِينَ(36) وقال موسى: رَبِّي أعلم بِمن جاء بالهُدَى مِن عندِه} يعلم أَنِّي مُحقٌّ، وأنتم مُبطلون، {ومَن تكون لَهُ عاقبةُ الدارِ} العاقبة المحمودة، فإنَّ [439] المراد بالدار الدُّنْيَا وعاقبتَها الأصليَّة، وهي الجنَّة، لأَنَّها خُلقت مجازا إِلىَ الآخِرَة؛ والمقصود منها بالذَّات هُوَ الثواب للموحِّدين، والعقاب للمشركين العابدين غير الله، {إِنَّهُ لاَ يُفلح الظَّالِمُونَ(37)} لاَ يفوزون بالهدى فيِ الدُّنْيَا، وحسن العاقبة فيِ العقبى.
{وقال فرعون: يَا أَيُّهَا الملأُ مَا عَلِمتُ لكم مِن إلهٍ غيري، فأوقد لي ياهامان عَلَى الطينِ، فاجعل لي صرحا لَعَلِّي أطَّلعُ إِلىَ إِلَهِ موسى وَإِنِّي لأظنُّه مِنَ الكاذبِينَ(38) واستكبر هُوَ وجنودُه فيِ الأَرْض بغير الحَقِّ} بغير استحقاق، {وظنُّوا أَنَّهُمْ إلينا لاَ يرجعُونَ(39)} بالنشور.
{فأخذناه وجنودَه فنبذناهم فيِ اليمِّ، فانظر} يا محمَّد {كيف كَانَ عاقبةُ الظالمِينَ(40) وجعلناهم أَئِمَّة} قُدوة للضُّلاَّل بالحمل عَلَى الإضلال. {يدعون إِلىَ النار} إِلىَ مُوجباتها مِنَ الكفر والمعاصي، {ويوم القيامة لاَ يُنصرُونَ(41)} بدفع العذاب. {وأتبعناهم فيِ هَذِهِ الدُّنْيَا لعنةً} طردا عَن الرحمة، {ويوم القيامة هم مِنَ المقبوحِينَ(42)} مِنَ المطرودين، أو مِمَّن قُبِّح وجوههم.
{وَلَقَد آتينا موسى الكتابَ مِن بعد مَا أهلكنا القرون الأولىَ بصائر للناس} أنوارا لقلوبهم يستبصرون بها الحقائق، ويميِّزون بينها وبين الظواهر، {وهدًى} للشرائع التِي هِيَ سبيل الجنَّة، {ورحمة} لأَنَّهُم لو عَمِلُوا بها نالوا رحمةَ الله {لعلَّهم يتذكَّرُونَ(43)} ليكونوا عَلَى حالٍ يُرجى مِنْهُم التذكُّر.
{ (3/235)
صفحة 1051
وَمَا كنتَ بِجانبِ الغربيِّ} قيل: الوادي، أو الطور؛ والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي: مَا كنت حاضرا {إذ قضينا إِلىَ موسىَ الأمرَ} إذ أوحينا إِلَيْهِ الأمر، {وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدِينَ (44)} والمراد: الدلالة عَلَى أنَّ إخباره عَن ذَلِكَ مِن قبيل الإخبار عَن المغيبات التِي لاَ تُعرف إِلاَّ بالوحي؛ ولذلك استدرك عَنْهُ بقوله:
{ولكنَّا أنشأنا قُرونا فتطاول عَلَيْهِمُ العُمُرُ} أي: ولكنَّا أوحينا إليك لأنَّا أنشأنا قرونا مختلفة بعد موسى، فتطاول عَلَيْهِمُ المدَد، فحُرِّفت الأخبار، وتغيَّرت الشرائع، واندرست العلوم، {وَمَا كنت ثاويا} مُقِيما {فيِ أهل مدينَ تتلو عليهم} تقرأ عَلَيْهِم تَعلُّما مِنْهُم {آياتنا} التِي فِيهَا قصَّتهم، {ولكنَّا كُنَّا مُرسِلِينَ (45)} إيَّاك، ومُخبرين لك بها.
{وَمَا كنت} فيِ القصَّة {بِجانب الطور إذ نادينا (1) ولكن رَّحمة مِن رَبِّكَ} ولكن علَّمناك رحمةً {لتنذر قوما مَا أتاهم مِن نذيرٍ مِن قَبْلِكَ} لوقوعهم فيِ فترة بينك وبين عيسى وبين إسماعيل، عَلَى أنَّ دعوة موسى وعيسى مُختصَّة بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَا حواليهم {لعلَّهم يتذكَّرُونَ (46)} يتَّعظون.
{ولولا أنْ تُصيبَهم مُّصيبةٌ} (لَعَلَّهُ) عقوبة ونقمة، {بِمَا قدَّمت أيديهم} مِنَ الكفر والمعاصي، {فيقولوا: رَبَّنَا لولا} هلاَّ {أرسلتَ إلينا رسولا} لعلَّ المعنى: لولا قولهم إِذَا مَا أصابتهم عقوبة ومصيبة بسبب كفرهم ومعاصيهم: «رَبَّنَا لولا أرسلت» [440] هلاَّ أرسلت إلينا رسولاً يُبلِّغنا آياتك فنتَّبعها، ونكون مِنَ المصدِّقين، {فَنتَّبع آياتك} يعني: الرَّسول المصدَّق بنوع مِنَ المعجزات، {ونكون مِنَ المؤمنِينَ (47)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «بِجانب الطور إذ نادينا»، وهو سهو. (3/236)
صفحة 1052
فَلَمَّا جاءهم الحَقُّ مِن عندنا، قَالُوا: لولا أُوتِي مثل مَا أوتي موسى، أولم يكفروا بِمَا أُوتي موسى مِن قبلُ} يعني: أبناء جنسهم فيِ الرأي والمذهب، وَهُم كفرة زمانِ موسى، {قَالُوا: سِحرَانِ} يعني: موسى وهارون؛ أو موسى ومحمَّد {تَظَاهَرا} تعاونا بإظهار تلك الخوارق؛ أو بتوافق الكتابين، {وَقَالُوا: إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ(48)} أي: بِكُلٍّ منهما.
{قل فأتوا بكتابٍ مِن عندِ الله هُوَ أهدى منهما} مِمَّا نزل عَلَى موسى وعلى محمَّد، وإظهارهما لدلالة المعنى، {أتَّبعْه إن كُنتُم صادقِينَ(49)} أنَّا ساحران مُختلفان، لأَنَّهُ واجب عَلَى كُلِّ مُؤْمِن اتِّبَاع مَا هُوَ أهدى سبيلا.
{فإن لم يستجيبوا لك، فاعلم أَنَّمَا يتَّبعون أهواءهم} إذ المقصود مِنْهُم أن يعبدوها، {ومَن أضلُّ مِمَّن اتَّبع هواه بغير هدى مِنَ الله} فيِ موضع الحال للتقييد، فإنَّ هوى النفس قد يُوافق الحقَّ في حال، {إنَّ الله لاَ يهدي القوم الظالمِينَ(50)} الذِينَ ظلموا أنفسهم بالانهماك فيِ اتِّباع الهوى.
{وَلَقَد وصَّلنا لَهُمُ القول} أتبعنا بعضه بعضا فيِ الإنزال، ليتَّصل التذكير؛ وقيل: وصَّلنا لَهُم خبر الدُّنْيَا بِخبر الآخِرَة، حتَّى كأنَّهم عاينوا الآخِرَة فيِ الدُّنْيَا؛ أو فيِ النظم، لتتقرَّر الدعوة بالحجَّة، والمواعظ بالمواعيد، والنصائح بالعبر؛ {لعلَّهم يتذكَّرُونَ(51)} فيؤمنون ويطيعون.
{الذِينَ آتيناهم الكتاب مِن قبله هم بِهِ يُؤْمِنُونَ(52)} قيل: نزلت فيِ مؤمني أهل الكتاب. {وإذا يُتلى عَلَيْهِم، قَالُوا: آمنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ من رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قبله مُسْلِمِينَ(53)} دلالة عَلَى أنَّ إيمانهم بِهِ ليس مِمَّا أحدثوه حينئذ، وإنَّما هُوَ أمر تَقَادَم عهدُه، لمَّا رأو ذكره فيِ الكتب المتقدِّمة، وكونهم عَلَى دين الإسلام قبل نزول القرآن، أو تلاوته عَلَيْهِم، باعتقادهم صحَّته فيِ الجملة.
{ (3/237)
صفحة 1053
أُولَئِكَ يُؤتَوْنَ أجرَهم مَرَّتين} مرَّة عَلَى إيمانهم بكتابهم، ومرَّة عَلَى إيمانهم بالقرآن، {بِمَا صبروا} بصبرهم وثباتهم عَلَى الإيمانين، {ويَدرَءون بالحسنةِ السيِّئةَ} ويدفعون بالطَّاعة المعصيةَ؛ أو يدفعون بالتي هِيَ أحسن مَن أساء إِلَيْهِم، {ومِمَّا رزقناهم ينفِقُونَ(54)} فيِ سبيل الخير. {وإذا سمعوا اللغوَ أعرضوا عَنْهُ} تكرُّما، {وَقَالُوا} للاَّغين: {لَنَا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلامٌ عليكم} متاركة لَهُم وتوديعا، معناه: أسلمتم مِنَّا لاَ نعارضكم بالشتم، {لاَ نبتغي الجاهلِينَ(55)} لاَ نريد صحبتهم عَلَى دينهم، أو لاَ نريد أذاهم ومقاومتهم بالباطل.
{إنَّك لاَ تهدي مَن أحببتَ} أي: مَن أحببت هِدايته؛ وقيل: أحببتَه لقرابته، فإنَّك لاَ تقدر أن تهديه، {ولكنَّ الله يهدي مَن يَشَاء [441] وَهُوَ أعلم بالمهتدِينَ(56)} بالمستعدِّين لذلك، وَهُم من قدَّر لَهُم (لَعَلَّهُ) الهدى.
{ (3/238)
صفحة 1054
وَقَالُوا إن نتَّبعِ الهدى معك نُتَخطَّفْ مِن أرضنا} نُخرج منها، تعلُّلا مِنْهُم لاغترارهم بالباطل، بِمَا خَيَّل لَهُمُ الشيطان أنَّه لاَ يقوم لَهُم عزُّهم دونه، وَهُوَ كقوله: {فترى الذِينَ فيِ قلوبهم مرض يسارعون فِيهِم ... } (1) [إِلىَ] تمام الآية، وكقوله: {يقولون: إنَّ بيوتنا عورة وَمَا هِيَ بعورةٍ ... } (2) الآيَة. {أولَم نُمكِّن لَهُم حَرَمًا آمنا} أولَم نجعل مكانهم حَرَما ذا أمنٍ، {يُجبى إِلَيْهِ} يُحمل إِلَيْهِ {ثَمرات كُلِّ شيء رزقا مِن لدنَّا ولكنَّ أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ (57)} جهلة لاَ يتفطَّنون وَلاَ يتفكَّرون ليعلموا؛ وقيل: إنَّه متعلِّق بقوله: {مِن لدنَّا} أي: قليل منهم ليتدبَّروا فيعلمون أنَّ ذَلِكَ رزق مِنَ الله، إذ لو علموا لَمَا خافوا غَيْره؛ ثُمَّ بيَّن أنَّ الأمر بالعكس، بأنَّهم أحقَّاء بأن يخافوا من بأس الله، عَلَى مَا هم عليه بقوله:
{وكم أهلكنا مِن قرية بَطِرَت مَعيشتها} أي: وكم من أهل قرية كَانَت حالهم كحالهم فيِ الأمن وخفض العيش، حتَّى أشِرُوا فدمَّر الله عَلَيْهِم، فخرَّب ديارهم، {فتلك مساكنهم} خاوية، {لم تُسكن مِن بعدهم إِلاَّ قليلا، وَكُنَّا نَحْنُ الوارثِينَ (58)} مِنْهُم.
{__________
(1) - ... سورة المائدة: 52؛ وتمامها: {يقولون: نَخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين}.
(2) - ... سورة الأحزاب: 13؛ وتمامها: {ويستأذن فريق منهم النبيَّ يقولون: إنَّ بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يُريدون إلاَّ فرارا}. (3/239)
صفحة 1055
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهلِك القرى حَتَّى يَبعث فيِ أمِّها} فيِ أصلها التِي عليها مدار أمرهم، لأَنَّ أهلها أفطنُ وأنبل؛ ولأنَّ القرى تابعة لأمِّها فيِ الأعمال عَلَى الأغلب مِنَ الأمور، فيستحقُّون مَا يستحقُّون، {رسولا يتلو عَلَيْهِم آياتنا} لإلزام (1) الحجَّة، وقطع المعذرة؛ {وَمَا كُنَّا مُهلكي القرى إِلاَّ وأهلها ظَالِمُونَ (59)} بتكذيب الرسل، والعتوِّ فيِ الكفر.
{وَمَا أوتيتم من شيء} من أسباب الدُّنْيَا، {فمتاعُ الحياة الدُّنْيَا وزينَتُها} تتمتَّعون وتتزيَّنون بِهِ مدَّة حَياتكم المنقضية، {وَمَا عند الله} وَهُوَ ثوابه {خير} خير فيِ نفسه مِن ذَلِكَ، لأَنَّهُ لذَّة خالصة، وبهجة كاملة، {وأبقى} لأَنَّهُ أبديٌّ، {أفلا تعقلُونَ (60)} فتستبدلون الذِي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خير؟.
{أفمن وعدناه وعدا حسنا} وعدا بالجنَّة، فإنَّ حُسن الموعد بِحُسن الموعود، {فهو لاَقِيه} مُدرك لاَ مَحالة، لامتناع الخُلف فيِ وعده، {كمن متَّعناه متاعَ الحياةِ الدُّنْيَا} الذِي هُوَ مَشُوب بالآلام، مكدَّر بالمتاعب، مستعقب للتحسُّر عَلَى الانقطاع، {ثمَّ هُوَ يوم القيامة مِنَ المحضرِينَ (61)} للعذاب.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «لا رام»، وَهُوَ خطأ. (3/240)
صفحة 1056
ويوم يناديهم فيقول: أين شركائي} أي: مَا عبدتم فيِ الدُّنْيَا من دوني {الذِينَ كُنتُم تزعمُونَ (62)}؟ تدَّعون، {قَالَ الذِينَ حقَّ عَلَيْهِمُ القول} بثبوت مُقتضاه، وحصول مؤدَّاه، وَهُوَ قوله: {لأملأنَّ جهنَّم مِنَ الجِنَّة والناس أجمعين} (1). {رَبَّنَا هؤلاء الذِينَ أغوينا أغويناهم كما غوينا} دلالة عَلَى أنَّهم غَوَوا [442] باختيارهم، وَأَنَّهُمْ لم يفعلوا بهم إِلاَّ وسوسة وتسويلا، {تبرَّأنا إليك} مِنْهُم، وممَّا اختاروه مِنَ الكفر، {مَا كَانُوا إيَّانا يعبدُونَ (63)} أي: مَا كَانُوا يعبدوننا، وإنَّما كَانُوا يعبدون أهواءهم؛ وقيل: “مَا” مصدريَّة؛ أي: تبرَّأنا من عبادتهم.
{وقيل: ادعوا شركاءَكم فدعوهم} من فرط الحيرة، {فلم يستجيبوا لَهُم} لعجزهم عَن الإجابة والنصرة، {ورأوا العذاب} لازما بهم، {لو أَنَّهُمْ كَانُوا يهتدُونَ (64)} لوجهٍ مِنَ الحيل يدفعون بِهِ العذاب، وإلى الحقِّ لمَّا رأو العذاب؛ وقيل: “لَوْ” للتمنِّي، أي: تمنَّوا أنَّهم كَانُوا مهتدين.
{ويوم يناديهم، فيقول: ماذا أَجبتم المرسلِينَ (65)} عطف عَلَى الأوَّل، فإنَّه تعالى يسأل أوَّلا عَن إشراكهم بِهِ، ثُمَّ عَن تكذيبهم الأنبياء. {فَعَمِيَت عَلَيْهِمُ الأنباءُ يومئذ} فصارت الأنباء كالعمى عَلَيْهِم، {فَهُم لاَ يتساءلُونَ (66)} لاَ يسأل بعضهم بعضا. {فأمَّا مَن تاب} مِن معاصيه {وآمن وعمل صالحا} جَمع بين الإيمان والعمل الصالح، {فَعَسى أن يكون مِنَ المفلحِينَ (67)} عند الله؛ و“عَسَى” مِنَ الله واجب.
{__________
(1) - ... سورة هود: 119؛ وسورة السجدة: 13. (3/241)
صفحة 1057
ورَبُّكَ يَخلق مَا يَشَاء ويَختار} لاَ موجب عليه، وَلاَ مانع لَهُ، {مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة} أي: التخيُّر؛ وظاهره نفيُ الاختيار عَنْهُم رأسا؛ والأمر كذلك عند أهل التحقيق؛ فإنَّ اختيار العباد مخلوق باختيار الله، منوط بدواعٍ لاَ اختيار لَهُم فيها؛ وقيل: المَعنَى ويَختار الذِي كَانَ لَهُم فِيهِ الخيرة؛ أي: الخير والصلاح لِمَن اختاره مِنْهُم، {سبحان الله} تنزيها لَهُ أن يُنَازعه أحد، ويُزاحِمَ اختيارَه اختيارٌ، {وتعالى عَمَّا يُشركُونَ (68)} عَن إشراكهم، أو مشاركة مَا يُشركون بِهِ.
{ورَبُّكَ يعلم مَا تُكِنُّ صدورهم} مِنَ العقائد الفاسدة، ليس بغافل عنها، بَل مُجازٍ عليها أشدَّ الجزاء، {وَمَا يُعلنُونَ (69)} يُظهرون. {وَهُوَ الله} المستحقُّ للعبادة، {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} لاَ أحدَ يستحقُّها إِلاَّ هُوَ، {لَهُ الحمد فيِ الأولى والآخِرَة} لأَنَّهُ المولي للنعم كلِّها، عاجلها وآجلها؛ يحمده المؤمنون فيِ الآخِرَة، كما حمدوه فيِ الدنيا بقولهم: {الحمد لله الذِي أذهَبَ عنَّا الحَزَنَ} (1) {الحمد لله الذِي صَدَقَنا وعدَهُ} (2) ابتهاجا بفضله، والتذاذا بحمده، {وَلَهُ الحكم} القضاءُ النافذُ فيِ كُلِّ شيء، {وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ (70)} بالنشور.
{__________
(1) - ... سورة فاطر: 34.
(2) - ... سورة الزمر: 74. (3/242)
صفحة 1058
قل أرأيتم إنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُم اللَّيْلَ سَرمدا} دائما؛ مِنَ السرمد، {إِلىَ يوم القيامة} بإسكَانَ الشمس تحت الأَرْض؛ أو حيث علم الله، {مَن إلهٌ غير الله يأتيكم بضياءٍ، أفلا تسمعُونَ(71)}؟! سماعَ تدبُّر واستبصار. {قل أرأيتم إن جعل الله عَلَيْكُم النَّهَارَ سرمدا إِلىَ يوم القيامة مَن إلهٌ [443] غيرُ الله يأتيكم بليل تَسكنون فِيهِ}؟ استراحة عَن متاعب الأشغال، وذلك مِمَّا يُذكِّرنا الله مِن نِعَمه، {أفلا تُبصِرُونَ(72)} استبصارَ انتفاعٍ. {ومن رحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ، ولتبتغوا من فضله ولَعَلَّكُمْ تشكرُونَ(73)} ولكي تعرفوا نعمة الله فيِ ذَلِكَ فتشكروه عليها.
{ويوم يُناديهم فيقول: أين شركائي الذِينَ كُنتُم تزعمُونَ(74)}؟ تقريع بعد تقريع، إشعار بأنَّه لاَ شيء أجلب لغضب الله مِنَ الإشراك بِهِ؛ أو الأوَّل لتقرير فسادِ رأيهم؛ والثاني لبيان أنَّه لم يكن عَن سند، وإنَّما كَانَ مَحض تشهٍّ وهوى.
{ونزعنا} وأخرجنا {مِن كُلِّ أُمَّةٍ شهيدا} وَهُوَ كلُّ من نُبِّئ، أو عالم يشهد عَلَيْهِم بِمَا كَانُوا عليه فيِ الدُّنْيَا؛ {فقلنا} للأمم الضالَّة: {هاتوا برهانكم} عَلَى صِحَّة مَا كُنتُم تَدينون بِهِ، أو عَلَى بُطلان شهادة الشاهد عَلَيْكُم؛ {فعلموا} حينئذ {أنَّ الحَقَّ لله} فيِ الأُلُوهِيَّة، لاَ يشاركه فِيهَا أحد، {وضلَّ عَنْهُم} وغاب عَنْهُم غيبة الضائع، {مَا كَانُوا يفترُونَ(75)} مِنَ الباطل.
{ (3/243)
صفحة 1059
إنَّ قارون كَانَ مِن قوم موسى فبغى عَلَيْهِم، وآتيناه مِنَ الكنوز مَا إنَّ مفاتِحه لَتَنُوءُ بالعُصْبَة أولِي القُوَّةِ} قيل: نَاءَ بِهِ الحمل: إِذَا أثقله (1) حتَّى أماله؛ والعصبة: الجماعة الكبيرة؛ {إذ قَالَ لَهُ قومُه لاَ تفرح} لاَ تبطر؛ والفرح بالدُّنْيَا مذموم مُطلقا، لأَنَّهُ نتيجة حُبِّها والرضا بها، والذهول عَن ذهابها، فإنَّ للعلم بأنَّ مَا فِيهَا مِنَ اللذَّة مفارقه لاَ مَحالة، توجب التَّرَح كما قَالَ:
أشدُّ الغمِّ عندي ... فيِ سرور ... تيقَّن عَنْهُ ... صاحبه انتقالا
ولذلك قَالَ تعالى: {وَلاَ تَفرحوا بِمَا أتاكم} (2) وعلَّل النهي هاهنا بكونِه مانعا مِن مَحَبَّة الله تعالى، {إنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ (76)} (لَعَلَّهُ) الملتهين بزخرف الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «ثقله». انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج6/ ص735، مَادَّة «نوأ».
(2) - ... سورة الحديد: 23. (3/244)
صفحة 1060
وابتغِ فيما آتاك الله} مِنَ الأموال والأولاد والأزواج، وقوَّة الأجسام وصحَّتها، والعلم وغير ذَلِكَ، {الدارَ الآخِرَةَ} بِصرفِه فيما يُوجبها لك؛ فإنَّ المقصودَ مِنْهُ أن يكونَ وصلةً إِلَيْهِا، {وَلاَ تَنسَ} وَلاَ تَترك تَرك المنسيِّ {نَصيبَك مِنَ الدُّنْيَا} مِمَّا خوَّلك الله منها، وَهُوَ أن تُحصِّل بها آخرتك؛ لأَنَّ حقيقةَ نصيبِ الإنسان مِنَ الدُّنْيَا (لَعَلَّهُ) لِعمل الآخرة؛ وقيل: لاَ تنس صحَّتك وقوَّتك (لَعَلَّهُ) وشبابك وغِنَاك أن تطلب بها الآخِرَة، {وأَحسِنْ} مَا يَجب عليك أن تُحسنَه مَا بينك وبينَ الحقِّ والخلق، {كما أحسن الله إليكَ} أنعم عليك؛ وقيل: أَحسِن بالشكر والطَّاعة كما أَحسَنَ إليك بالإنعام، {وَلاَ تَبغِ الفسادَ فيِ الأَرْض} وَهُوَ العبادة لغير الله، واستعمال مَا خوَّلك إيَّاه لغيره؛ وهذه معنى تعزية أهل العلم للجاهلين إِذَا أوتو شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا، [444] {إنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدِينَ(77)} بَل يُبغضهم ويُعَادِيهم.
{قَالَ: إِنَّمَا أُوتيته عَلَى علمٍ عِندي} وذلك من نَتائج العُجْبِ، وَهُوَ طبع النفوس، وَلاَ يزول عنها إِلاَّ بالدفع والتزكية لها مِنْهُ؛ وَهُوَ من شِبَاكِ الشيطان يَصيد بِهِ الجهَلَة، {أولم يعلم أنَّ الله قد أهلك مِن قبله مِنَ القرون مَن هُوَ أشدُّ مِنْهُ قوَّة وأكثرُ جَمعا} تعجُّبٌ وتوبيخٌ عَلَى اغتراره بقوَّته، وكثرة ماله مَعَ علمه بذلك، ولَعَلَّهُ قرأه فيِ التَّوْرَاة، أو سَمعه من حفَّاظها، {وَلاَ يُسألُ عَن ذُنُوبهم المجرمُونَ(78)} (لَعَلَّهُ) سُؤال استعلام؛ فإنَّه تعالى مطَّلع عليها؛ أو معاتبة، فإنَّهم يُعذَّبون بها بغتة؛ كأنَّه لَمَّا هَدَّد قارونَ بذكر إهلاك مَن قَبله مِمَّن كَانُوا أقوى مِنْهُ وأغنى، أكَّد ذَلِكَ بأن بيَّن أنَّه لم يكن مَا يَخصُّهم، بَل الله مُطَّلِع عَلَى ذنوب المجرمين كلِّهم، ومعاقبهم عليها لاَ مَحالة.
{ (3/245)
صفحة 1061
فَخَرج عَلَى قومه فيِ زِينته} كما قيل إنَّه خرج عَلَى بغلَة شَهبَاء، عليه الأرجوان، وعليها سَرج مِن ذهب، ومعه أربعة آلاف عَلَى زَيِّه، أو أقلَّ مِنْهُ، ليتمَّ لَهُ التفضُّل عَلَيْهِم، {قَالَ الذِينَ يُريدون الحياةَ الدُّنْيَا} عَلَى مَا هُوَ عادة النَّاس مِنَ الرغبة: {يا ليتَ لَنَا مِثلَ مَا أُوتي قارونُ إِنَّهُ لَذو حظٍّ عظيمٍ(79)} مِنَ الدُّنْيَا.
{وقال الذِينَ أُوتوا العلمَ} بأحوال مآل الدُّنْيَا، وإقبال عاقبتها؛ قيل: أُوتوا العلمَ بِمَا وعدَ الله فيِ الآخِرَة، {وَيلَكم} دُعاءٌ بالهلاك، استُعْمِل للزَّجر عمَّا لاَ يُرتضى، {ثوابُ الله خيرٌ لِمَن آمَنَ وعملَ صالحا} مِمَّا أوتي قارون، بَل مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، {وَلاَ يُلقَّاها} قيل: الضمير فِيهِ للكلمة التِي تكلَّم بها العلماء؛ أو للثواب، فإنَّه بمعنى المثوبة؛ أو للجنَّة؛ أو للإيمان والعمل الصالح، فإنَّهما فيِ معنى السيرة والطريقة، {إلاَّ الصابرُونَ(80)} عَلَى الطَّاعَات، وعن المعاصي.
{فخسفنا بِهِ وبداره الأَرْض} قيل: انطبقت عَلَيْهِمُ الأَرْض هُوَ وأصحابه وداره وأمواله، وأنَّه يُخسف بِهِ كلَّ يوم قامةً، وأنَّه يتجلجل فِيهَا وَلاَ يبلغ قعرها إِلىَ يوم القيامة، {فما كَانَ لَهُ مِن فئة يَنصرونه مِن دُون الله وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرِينَ(81)}.
{وأصبحَ الذِينَ تَمنَّوا مَكانه بالأمس} لمَّا أن صار عبرة لَهُم لاَ لنفسه، بعدما انكشف الغطاءُ عَن المتعامين للتَّبصُّر بالبصائر (لَعَلَّهُ) فيما كَانَ منكشفا قبل وقوعه لأهل البصائر، {يقولون: وَيكَأنَّ الله يبسط الرزق لمن يَشَاء مِن عِباده ويَقدِر} يَبسط ويقدر بمقتضى مشيئته، لاَ كرامة تقتضي البسط، وَلاَ لهوان يقتضى القبض؛ {لولاَ أن مَنَّ الله علينا لَخَسَف بِنا ويكأنَّه لاَ يُفلح الْكَافِرُونَ(82)} لِنعمة الله، أو المكذِّبون برسله، وبما وُعدوا من ثوابِ الآخِرَة.
{ (3/246)
صفحة 1062
تلك الدارُ الآخِرَة} إشارة تعظيم، كأنَّه قَالَ: تلك التِي سَمعتَ خبرها، وبلغَكَ وصفها، (لَعَلَّهُ) لأَنَّهَا ليست فيِ الحقيقة [445] بدار غيرها، {نَجعلها للذين لاَ يُريدون علوًّا فيِ الأَرْض} غَلَبَة وقهرا ورئاسة بغير الحقِّ، {وَلاَ فسادا} ظُلما عَلَى النَّاس، كما أراده فرعون وقارون، {والعاقبةُ} المحمودة {للمتَّقِينَ (83)} مِمَّا لاَ يرضاه الله (1).
{مَن جاءَ بالحسنةِ فله خيرٌ منها} ذاتا وقَدرًا، أو وصفا ودواما، {ومن جاء بالسيِّئةِ فلا يُجزى الذِينَ عملوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)} إِلاَّ مِثل عملهم.
{إنَّ الذِي فَرَض عليك القرآنَ} أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بِمَا فِيهِ {لرادُّك إِلىَ مَعَادٍ} وَهُوَ المقام المحمود، وَعَدَك أن يَبعثك فِيهِ. {قل: رَبِّي أَعلمُ مَن جاءَ بالهدى} وَمَا يستحقُّه مِنَ الجزاء، {ومن هُوَ فيِ ضلالٍ مُبِين (85)} وَمَا يستحقُّه مِنَ العذابِ والإذلال.
{وَمَا كنتَ تَرجو أن يلقى إليك الكتابُ} وَمَا كنتَ ترجوهُ {إلاَّ رحمةً مِن رَبِّكَ} ولكن ألقاه رحمًا (2) مِنْهُ؛ ويجوز أن يكون استثناء مَحمولا عَلَى المعنى، كأنَّه قَالَ: وَمَا أُلقي إليك إِلاَّ رحمة، أي: لأجل التَّرحُّم، {فلا تكوننَّ ظهيرا للكَافِرِينَ (86)} مُظاهرا لَهُم علينا بمداراتهم، والتحمُّل عَنْهُم، والإجابة إِلىَ طلبهم.
{وَلاَ يصدُّنَّك عَن آيات الله} عَن قراءتها والعمل بها وتبليغها، {بعد إذ أُنزِلت إليك، وادعُ إِلىَ رَبِّكَ} إِلىَ عبادته وتوحيده، {وَلاَ تكوننَّ مِنَ المشركِينَ (87)} بِهِ سِواه.
{__________
(1) - ... «للمتَّقين: أي الذِينَ يتَّقون ما لا يرضاه الله تَعَالىَ من الأفعال والأقوال». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص27.
(2) - ... لَعَلَّ الصواب: «رحمةً»، ر: المصدر السابق: ص28. (3/247)
صفحة 1063
وَلاَ تدعُ مَعَ الله إلها آخر} مِن نفسٍ أو هواها، أو أحدٍ مِنَ الخلق؛ قيل: الخطابُ فيِ الظاهر للنَّبيِّ؛ وَالمُرَاد بِهِ: أهل دينه، {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} لاَ يَستحقُّ العبادةَ سواهُ، {كلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وجهَه} إِلاَّ ذاتَه، {لَهُ الحُكم} القضاءُ النافذُ فيِ الخلائق، {وَإِلَيْهِ ترجعُونَ (88)} للجزاءِ بِالْحَقِّ.
- - -
سورة العنكبوت
بسم الله الرحمن الرحيم
{الم (1) أَحَسِبَ الناسُ أن يُتركوا أن يقولوا: آمنَّا وَهُم لاَ يُفتَنُونَ (2)} فإنَّ معناه: أحسبوا أن نتركهم غير مفتونين لقولهم: «آمنَّا»، بَل يَمتحنهم الله بمشاقِّ التكاليف، كالمهاجرة والمجاهدة، ورفض الشهوات، ووظائف الطَّاعَات، وأنواع المصايب فيِ الأنفس والأموال، ليتميَّز المخلص مِنَ المنافق، والثابت فيِ الدين من الذِي يعبد الله عَلَى حرف؛ ولينالوا بالصبر عليها عَوالي الدرجات؛ ولأنَّ القول مصداقه العمل؛ والإيمان: قول وعمل ونيَّة.
{وَلَقَد فَتَنَّا الذِينَ مِن قبلهم} المَعنَى: أنَّ ذَلِكَ سُنَّة قديمة، جارية فيِ الأمم كلِّها، فلا ينبغي أن يتوقَّع خلافه، فإنَّ ذَلِكَ مِمَّا تقتضيه الحكمة؛ {فَلَيَعلَمَنَّ اللهُ الذِينَ صَدَقوا} فيِ قولهم: آمنَّا، {ولَيَعلَمَنَّ الكاذبِينَ (3)}.
{أم حَسِبَ الذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات} الكفر والمعاصي، فإنَّ العمل يعمُّ أفعال القلوب والجوارح، {أن يَسبِقونا} أن يَفُوتونا، {ساء مَا يحكُمُونَ (4)} بِئْسَ مَا يَحكمون لأنفسهم بهذا الظنِّ.
{ (3/248)
صفحة 1064
مَن كَانَ يَرجو لقاء الله} أي: تلقِّي جزائه {فإنَّ أجلَ الله لآتٍ} كائن لاَ محالة؛ فليبادر مَا يُحقِّق أمله، ويصدِّق رجاءه، [446] أو مَا يستوجب القربة والرضا. (لَعَلَّهُ) وَمَعنَى الآيَة: أنَّ مَن يخشى الله وتأمَّله فليستعدَّ لَهُ وليعمل، {وَهُوَ السميع العليم(5) ومن جَاهَد} نَفسه الجسمانيَّة، بالصبر عَلَى مضض الطَّاعَة، والكفِّ عَن الشهوات، {فَإِنَّمَا يُجاهد لنفسه} الروحانيَّة، لأَنَّ منفعته لها، ولأنَّها خُلقت خادمة لها، {إنَّ الله لَغنيٌّ عَن الْعَالَمِينَ(6)} فلا حاجة بِهِ إِلىَ طاعتهم، وإنَّما كلَّف عباده رحمة عَلَيْهِم، ليعود النفع لَهُم. {وَالذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات لنُكفِّرنَّ عَنْهُم سَيِّئَاتهم} صغائر ذنوبهم لنبطلنَّها؛ والتكفير: إذهاب السيِّئة بالحسنة، {ولنجزينَّهم أحسن الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ(7)} أي: أحسن جزاء أعمالهم.
{ووصَّينا الإنسانَ بوالديه حُسنا} بإتيانه فعلا ذا حُسن، {وإن جاهداك لِتُشرك بي مَا ليس لك بِهِ علم} إشعارا بأنَّ مَا لم يُعلم صحَّته لاَ يجوز اتِّبَاعه، وإن لم يعلم بطلانه فضلا عمَّا علم بطلانه؛ والشرك بِهِ يقتضي جميع المعاصي؛ {فلا تُطعهما إليَّ مرجعُكم} مرجع من آمن، ومن أشرك، ومن برَّ بوالديه، ومن عقَّ، {فأنبِّئكم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ(8)} بالجزاء عليه.
{وَالذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنَّهم فيِ الصالحِينَ(9)} بالتوفيق فيِ جملتهم؛ والكمالُ فيِ الصلاح منتهى درجات المؤمنين، ومنتهى أنبياء الله المرسلين؛ أو فيِ مُدخلهم وهي الجنَّة.
{ (3/249)
صفحة 1065
ومن الناسِ مَن يقول: آمنَّا بالله؛ فإذا أُوذي فيِ الله جعل فتنةَ الناسِ كعذابِ الله} (1) عدل بها عذاب الله، {ولئن جاء نصر مِن رَبِّكَ} فتح وغنيمة، {ليقولنَّ: إِنَّا كُنَّا معكم} فيِ الدين، فأَشرِكُونا فِيهِ؛ والمراد بِهِ المنافقون، {أوليس الله بأعلم بِمَا فيِ صدور الْعَالَمِينَ (10)}؟ مِنَ الإخلاص والنفاق. {ولَيَعْلَمَنَّ الله الذِينَ آمنوا ولَيَعْلَمَنَّ المنافقِينَ (11)}.
{وقال الذِينَ كَفَرُوا للذين آمنوا: اتَّبِعوا سبيلنا} الذِي نسلكه فيِ ديننا، {ولْنَحمِل خطاياكم} إن كَانَ ذَلِكَ خطيئة، {وَمَا هم بِحاملين من خطاياهم من شيء، إِنَّهُمْ لكاذبُونَ (12) ولَيَحمِلُنَّ أثقالهم} أثقال مَا اقترفته أنفسهم، {وأثقالا مَعَ أثقالهم} وأثقالا أُخَر معها لِمَا تسبَّبُوا لَهُ بالإضلال، والحمل عَلَى المعاصي مِن غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شيء، {وليُسألُنَّ يوم القيامة عَمَّا كَانُوا يفترُونَ (13)} كَانَ الإفتراء قولا أو عملا أو اعتقادا، خلاف الصدق.
{وَلَقَد أرسلنا نوحا إِلىَ قومه، فلبث فِيهِم ألفَ سنةٍ إِلاَّ خمسين عاما} والمقصود مِنَ القصَّة تسليةٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتثبيته عَلَى مَا يُكابد مِنَ الكفرة، {فأخذهم الطوفانُ} طوفان الماء، وَهُوَ مَا طاف بكثرة، من سيل أو ظلام أو نحوهما، {وَهُم ظَالِمُونَ (14)} بالكفر. {فأنجيناه وأصحابَ السفينة وجعلناها آيةً للعالمِينَ (15)} يَتَّعظون ويَستدلُّون بها.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «جعل فتنةَ الناس كعذاب الله»، وهو سهو. (3/250)
صفحة 1066
وإبراهيم إذ قَالَ لقومه: اعبدوا الله واتَّقُوه ذلكم خيرٌ لكم} مِمَّا أَنتُم عليه، {إن كُنتُم تَعْلَمُونَ (16)} تُميِّزون مَا هُوَ خير مِمَّا هُوَ شرٌّ؛ أو كُنتُم تنظرون فيِ الأمور بنظر العلم دون عمَى الجهل. {إنَّما تَعبدون من دون الله أوثانا [447] وتَخلقون إفكا} وتكذبون كذبا فيِ تسمِيَتِها آلهة، وَهُوَ استدلال عَلَى شرارة مَا هم عليه من حيث أنَّه زور وباطل، {إنَّ الذِينَ تَعبُدون من دون الله لاَ يَملكون لكم رزقا} دليل بان (1) عَلَى شرارة ذَلِكَ، من حيث أنَّه لاَ يُجدي بطائل، {فابتغوا عند الله الرزقَ} كلَّه، فإنَّه المالك لَهُ، {واعبدوه واشكروا لَهُ} مُتوسِّلين إِلىَ مطالبكم بعبادته، مُقيِّدين لما خصَّكم مِنَ النعم بشكره؛ أو مُستعدِّين لِلِقائه بهما، فإنَّه {إِلَيْهِ تُرجعُونَ (17) وإن تكذِّبُوا فقد كَذَّبَ أُمَمٌ من قَبلكم} من قَبلِي مِنَ الرُّسل، فلم يَضرُّهم تكذيبهم، وإنَّما ضرُّوا أنفسهم حيث تسبَّب لِمَا حلَّ بهم مِنَ العذاب، فكذا تكذيبكم، {وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ الْمُبِين (18)} الذِي يزول معه الشكُّ؛ وَمَا عليه [إلاَّ] أن يَصدُق وَلاَ يَكذِب.
{__________
(1) - ... لعلَّ الصواب: «بائن»، أي بيِّن وواضح. (3/251)
صفحة 1067
أولم يروا كيف يُبدئ الله الخلقَ ثُمَّ يعيده} إخبار بالإعادة بعد الموت، {إنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يسير(19)} إذ لاَ يفتقر فيِ فعله إِلىَ شيء. {قل: سيروا فيِ الأَرْض فانظروا كيف بدأَ الخلقَ} عَلَى اختلاف الأجناس والأحوال، {ثمَّ الله يُنشئُ النشأةَ الآخِرَة} لأَنَّ مَن عُرف بالقدرة عَلَى الإبداء ينبغي أن يُحكم لَهُ بالقدرة عَلَى الإعادة، {إنَّ الله عَلَى كُلِّ شيء قدير(20)} لأَنَّ قدرته لذاته، ونسبة ذاته إِلىَ كُلِّ الممكنات عَلَى سواء. {يُعذِّب مَن يَشَاء} فيِ الدُّنْيَا، {ويرحم من يَشَاء} فيِ الدُّنْيَا، {وَإِلَيْهِ تُقلَبُونَ(21)} تُردُّون. {وَمَا أَنتُم بِمعجزين} رَبَّكُم عَن إدراككم {فيِ الأَرْض وَلاَ فيِ السَّمَاء} إن فررتم مِن فضائه بالتواري فيِ الأَرْض، والهبوط فيِ مهاويها، والتحصُّن فيِ السَّمَاء، أو القلاع الذاهبة فِيهَا، {وَمَا لكم من دون الله من وَلِيٍّ وَلاَ نصير(22)} يَحرسكم عَن بلاء يظهر مِنَ الأَرْض، أو ينزل مِنَ السَّمَاء، ويدفعه عنكم.
{وَالذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ الله} بدلائل وحدانيَّته، أو بكتبه {ولقائه} بالبعث والجزاء، {أُولَئِكَ يَئِسوا مِن رحمتي} يوم القيامة، أو فيِ الدُّنْيَا لإنكار البعث والجزاء، {وأولئك لَهُم عذابٌ أليم(23)} فيِ الدارين.
{ (3/252)
صفحة 1068
فما كَانَ جوابَ قومه} قوم إبراهيم، {إلاَّ أن قَالُوا: اقتلوه أو حرِّقوه، فأنجاه الله مِنَ النار إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقوم يُؤْمِنُونَ (24)} لأَنَّهُم المنتفعون بالتأمُّل فِيهَا. {وقال: إِنَّمَا اتَّخَذتم مِن دون الله أوثانا مودَّةَ بَينِكُم فيِ الحياة الدُّنْيَا} (لَعَلَّهُ) معناه: إنَّ الذِينَ اتَّخَذتم من دون [الله] من أوثان، وهي مودَّةُ بَينِكُم فيِ الحياة الدُّنْيَا ثُمَّ تنقطع فيِ الآخِرَة، وَلاَ تنفعكم بَل تضرُّكم كما قَالَ: {ثُمَّ يوم القيامة يكفُرُ بعضُكم ببعض، ويلعنُ بعضُكم بعضا، ومأواكم النار وَمَا لكم من ناصرِينَ (25)}.
{فآمن لَهُ لُوط} أي: صدَّقه، {وقال، إِنِّي مُهاجر} من حضوضي (1) {إِلىَ رَبِّي} إِلىَ عبادته، {إِنَّهُ هُوَ العزيز الحكيم (26)} الذِي لاَ يَأْمُرُ إِلاَّ بِمَا فِيهِ صلاحي. {ووهبنا لَهُ إسحاق ويعقوبَ وجعلنا فيِ ذرِّيَّته النبوَّة والكتاب [448] وآتيناه أجرَه فيِ الدُّنْيَا} التوفيق عَلَى الطَّاعة، والتنعُّم بِهِ، والبشارة بالنعمة الأبديَّة؛ أو صحب معه سعادته فيِ الآخِرَة، {وَإِنَّهُ فيِ الآخِرَة لَمِن الصالحِينَ (27)} لَفي عدد الكاملين فيِ الصلاح.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: «من قومي»، كما ورد عند أبي السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص37. والألوسي: روح المعاني، ج20/ ص152. ولم أجد فيما بين يديَّ من مصادر اللغة مَعْنًى لكلمة «حضوض». أو لَعلَّهُ يقصد «حُضُضِي» جمع كلمة «حضيض»، وَهُوَ قرار الأرض عند سفح الجبل. (ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص660، مَادَّة «حضض»)، أي أَنَّ لوطا - عليه السلام - مهاجر للدنايا ليسمو بروحه إِلىَ المعالي الروحانية، وَلِذَلِكَ فسَّر قوله تَعَالىَ: {إلى رَبِّي} بـ «إِلىَ عبادته»، ليتناسب مع السياق. وَالله أعلم. (3/253)
صفحة 1069
ولوطا إذ قَالَ لقومه: إِنَّكُم لتأتون الفاحشة مَا سبقكم بها مِن أحدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28)} استئناف مقرِّر لفاحشتها، من حيث إنَّها مِمَّا اشمأزَّت مِنْهُ الطباع، وتحاشت عَنْهُ النفوس، حتَّى أقدموا عليها لِخبث طينتهم. {أئنَّكم لَتأتون الرجال، وتقطعون السبيلَ} وتعترضون للسابلة بالقتل، وأخذ المال؛ أو بالفاحشة حتَّى انقطعت الطرق؛ أو تقطعون سبيل النسل بالاعتراض عَن الحرث، وإتيان مَا ليس بحرث، {وتأتون فيِ ناديكم} فيِ مجالسكم الغاصَّة؛ وَلاَ يقال: النادي، إِلاَّ لِمَا فِيهِ أهله، {المنكر} الجماع والضراط، وحلُّ الإزار، وغير ذلك من القبائح عدمَ مبالاةٍ بها؛ وقيل: الحذف (1) بالحصا، والرمي بالبنادق (2)؛ والمنكر: اسم جامع لجميع المعاصي، {فما كَانَ جواب قومه إِلاَّ أن قَالُوا ائتنا بعذاب الله إن كنت مِنَ الصادقِينَ (29)} فيِ استقباح ذَلِكَ؛ أو فيِ دعوى النبوَّة المفهومة مِنَ التوبيخ. {قَالَ: رَبِّ انصرني} بإنزال العذاب {عَلَى القوم المفسدِينَ (30)} بابتداع الفاحشة، وسنِّها فيمن بعدهم.
{__________
(1) - ... «والحذف: الرمي عن جانب، والضرب عن جانب ... قال [الأزهريُّ]: وَأَمَّا الخذف بالخاء: فَإِنَّهُ الرمي بالحصى الصغار بأطراف الأصابع»، ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص591، مَادَّة «حذف».
(2) - ... «والبُندُق: الذي يرمى به، والواحدة بُندُقة والجمع: البنادق». ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص267، مَادَّة «بندق». (3/254)
صفحة 1070
وَلَمَّا جاءت رُسلُنا إبراهيمَ بالبشرى، قَالُوا: إِنَّا مُهلكو أهلِ هَذِهِ القرية إنَّ أهلها كَانُوا ظالمِينَ (31)} تعليل لإهلاكهم، بإصرارهم وتماديهم فيِ ظلمهم، الذِي هُوَ الكفر، وأنواع المعاصي. {قَالَ: إنَّ فِيهَا لوطا} وذلك فيِ اقتضاء الحكمة أن لاَ يؤخذ المطيع بالعاصين، {قَالُوا: نَحْنُ أعلم بمن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّه وأهلَه} تسليم لقوله، مَعَ ادِّعاء مزيد العلم بِهِ؛ وَأَنَّهُم مَا كَانُوا غافلين عَنْهُ، {إلاَّ امرأته كَانَت مِنَ الغابرِينَ (32)} الباقين فيِ العذاب.
{وَلَمَّا أن جاءت رُسُلنا لوطا سِيء بهم وضاق بهم ذَرْعًا} وضاق بشأنهم وتدمير أمرهم ذَرعه، أي: طاقته، كقولهم: “ضاقت يده” وبإزائه “رَحُب ذَرعه بكذا”، إِذَا كَانَ مطيقا لَهُ، وذلك لأَنَّ طويل الذراع، ينال ما لا ينال قصير الذراع، {وَقَالُوا: لاَ تَخف وَلاَ تَحزن (1) إِنَّا مُنجُّوك وأهلك إِلاَّ امرأتَك كَانَت مِنَ الغابرِينَ (33) إِنَّا مُنزلون عَلَى أهلِ هَذِهِ القرية رِجزا مِنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يفسقُونَ (34) وَلَقَد تركنا منها آيةً بيِّنةً} هِيَ حكايتها الشائعة، أو آثار الديار الخربة؛ وقيل: الحجارة الممطورة، فإنَّها كَانَت باقية بعد {لقوم يعقلُونَ (35)} يستعملون عقولهم فيِ الاستبصار، ويتدبَّرون الآيات، تدبُّر ذوي العقول؛ قيل: الآيَة البيِّنة: آثار منازلهم الخربة.
{وإلى مدين أخاهم شعيبا، فقال: يا قوم اعبدوا الله، وارجوا اليومَ الآخر} وافعلوا مَا ترجون بِهِ ثوابه، {وَلاَ تعثوا فيِ الأَرْض مفسدِينَ (36) فكذَّبوه فأخذتهم [449] الرجفةُ} الزلزلة الشديدة؛ وقيل: صيحة جبريل، لأَنَّ القلوب ترجف لها، {فأصبحوا فيِ دارهم جاثمِينَ (37)} مَيِّتين.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «ولا تحزن»، وهو سهو. (3/255)
صفحة 1071
وعادا وثمود وقد تَبَيَّنَ لكم مِّن مَّسَاكِنِهِم} أي: تبيَّن لكم بعض مساكنهم، أو إهلاكهم من جهة مساكنهم إِذَا نظرتم إِلَيْهِا، عند مروركم بها، {وزيَّن لَهُمُ الشيطانُ أعمالهم} فزيَّن قبحها بالحسن، {فصدَّهم عَن السبيل} السبيل الموصل (1) إِلىَ الجنَّة، {وكَانُوا مستبصرِينَ (38)} أي: مُمكَّنين مِنَ الاستبصار والبصيرة وكشف القناع، ولكنَّهم غطَّت بصائرَهم أهويتُهم التِي عبدوها.
{وقارون وفرعون وهامان} (لَعَلَّهُ) أي: أهلكنا هؤلاء، {وَلَقَد جاءهم موسى بِالبَيِّنَاتِ، فاستكبروا فيِ الأَرْض، وَمَا كَانُوا سابقِينَ (39)} فائتين، بَل أدركهم أمر الله، مِن “سبق طالِبَه” إذا فاته.
{فكلاًّ أخذنا بذنبه، فمنهم مَن أرسلنا عليه حاصبا} كقوم لوط، {ومنهم مَن أخذته الصيحة، ومنهم مَن خسفنا بِهِ الأَرْض (2) ومنهم مَن أغرقنا} كقوم نوح وفرعون وقومه، {وَمَا كَانَ الله ليظلمهم} ليعاملهم معاملة الظالم، فيعاقبهم بغير جُرم، {ولكن كَانُوا أنفسهم يظلمُونَ (40)} بتركهم لها عَن التزكية.
{__________
(1) - ... السبيل: «يذكَّر ويؤنَّث». ر: ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص91، مَادَّة «سبل».
(2) - ... في الأصل: - {ومنهم مَن أخذته الصيحة، ومنهم مَن خسفنا بِهِ الأَرْض}، وهو سهو. (3/256)
صفحة 1072
مثل الذِينَ اتَّخَذوا من دون الله أولياءَ} مِمَّا اتَّخَذوه مُعتَمَدا، ومُتَّكلا، {كمثل العنكبوتِ اتَّخَذَت بيتا} فيما نسجته فيِ الوهن والخور، بَل ذَلِكَ أوهن، فإنَّ لهذا حقيقة وانتفاعا، (لَعَلَّهُ) وليس لآلهتهم حقيقة، وَلاَ جلب نفع وَلاَ دفع ضرٍّ، بَل يتضرَّرون بذلك، {وإنَّ أوهنَ البيوتِ لَبَيتُ العنكبوتِ} لاَ بيت أوهى وأقلَّ وقاية للحرِّ والبرد مِنْهُ؛ وكذلك آلهتهم لاَ تَجلب نفعا وَلاَ تدفع ضرًّا، {لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)} لو يرجعوا إِلىَ عِلم، لعلموا أنَّ هَذَا مثلهم، وأنَّ دينهم أوهى مِن ذَلِكَ؛ ويجوز أن يكون المراد بيت العنكبوتِ دينهم، سمَّاهم بِهِ تحقيقا للتمثيل، فيكون المَعنَى: وإنَّ أوهن مَا يعتمد بِهِ فيِ الدين دينهم.
{إِنَّ اللهَ يَعلم مَا يَدعون مِن دونه من شيء} أي: ليس بشيء، لأَنَّهَا أهوِية سيَّارة طيَّارة، مَا كَانَ منها كأنَّه لم يكن، كما قَالَ: {كأن لم تَغنَ بالأمسِ} (1)، {وَهُوَ العزيز الحكيم (42)} تعليل عَلَى المعنيين، فإنَّ مِن فرط الغباوة إشراك مَا لاَ يُعدُّ شَيْئًا بِمن هَذَا شأنه، وإنَّ الجماد بالإضافة إِلىَ القادر القاهر عَلَى كُلِّ شيء، البالغ فيِ العلم وإتقان الفعل الغاية كالمعدوم، وأنَّ مَن هَذَا صفته قَدر (2) عَلَى مُجازاتهم.
{__________
(1) - ... سورة يونس: 24.
(2) - ... لَعَلَّ الصواب: «وأنَّ مَن هَذِهِ صفته قادر عَلَى مجازاتهم». كما فيِ أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص41. (3/257)
صفحة 1073
وتلك الأمثالُ} يعني: هَذَا المثل أو نظائره، {نضربُها للنَّاس} تقريبا لِمَا بَعُدَ مِن أَفهامهم، {وَمَا يَعقلها} وَلاَ يَعقل حُسنها وفائدتها، {إلاَّ العالمُونَ (43)} الذِينَ يتدبَّرون الأشياء عَلَى مَا ينبغي، وعنه - عليه السلام -: أنَّه تلا هَذِهِ (1) الآيَة فقال: «العالم: مَن عقل عَن الله، فعمل [450] بطاعته، واجتنب سخطه» (2).
{خلقَ الله السَّمَاوَات والأَرْض بِالْحَقِّ} مُحقًّا غير رائد بِهِ عبثا وَلاَ لعبا؛ فإنَّ المقصود بالذَّات مَن خلقهما إضافة الخير، والدلالة عَلَى ذاته وصفاته، كما أشار إِلَيْهِ بقوله: {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية للمؤمنِينَ (44)} لأَنَّهُم المنتفعون بها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «هذا»، وهو خطأ.
(2) - ... لم نجده فيِ الربيع ولا فيِ الكتب التسعة ولا فيِ الجامع الصغير وزياداته. وَفيِ معناه ما أورده الدارميُّ فيِ سننه: كتاب المقدمة، حديث رقم 384: عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ اعْمَلُوا بِهِ فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ، وَتُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلاَنِيَتَهُمْ ... » الحديث. (3/258)
صفحة 1074
اتل مَا أُوحي إليكَ مِنَ الكتاب} تقرُّبا إِلىَ الله بقراءته، وتَحفُّظا لألفاظه، واستكشافا لمعانيه، وتبليغا لأحكامه؛ فإنَّ القارئ المتأمِّل قد ينكشف لَهُ بالتكرار مَا لم ينكشف لَهُ أوَّل مَا قَرَع سَمعه، {وأقمِ الصلاة إنَّ الصلاةَ} إن أقيمت عَلَى الوجه، فإنَّها {تنهى عَن الفحشاء والمنكر} بأن تكون سببا للانتهاء عَن المعاصي، من حيث أنَّها تُذكِّر الله، وتُورث للنفس خَشية، وَمَا لم تنهه صلاته عَن الفحشاء فليست بمقبولة؛ {ولَذِكْرُ اللهِ أكبرُ} مِن أمر دنياكم؛ أو الصلاة أكبر من سائر الطَّاعات، لأَنَّهَا عمادُ الدين؛ أو مشاهدة المذكور فيِ الصلاة، فهو أكبر مِنَ الصلاة؛ أو ولذكر الله إيَّاكم برحمته أكبر من ذكركم إيَّاه بطاعته؛ أو مشاهدة المذكور فيِ الصلاة أكبر مِنَ الصلاة، {والله يعلم مَا تَصنعُونَ(45)} منها، ومن سائر الطاعة فيجازيكُم بها أحسن المجازاة.
{ (3/259)
صفحة 1075
وَلاَ تُجادلوا أهلَ الكتابِ إِلاَّ بالتي هِيَ أحسن} إِلاَّ بالخصلة التِي هِيَ أحسن، كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم؛ وقيل: هُوَ منسوخ بِآيَةِ السيف، إذ لاَ مُجادلة أشدَّ مِنْهُ؛ وقيل: المُرَاد بِهِ ذَوُوا العهد مِنْهُم، {إلاَّ الذِينَ ظَلَموا مِنْهُم} بإفراطٍ فيِ الاعتداء والعناد؛ أو بنبذ العهد، ومنع الحرِّيَّة، {وقولوا: آمنَّا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم} هُوَ مِنَ المجادلة بالتِي هي أحسن، وعن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ تُصدِّقوا أهل الكتاب وَلاَ تكذِّبوهم، وقولوا آمنَّا بالله وبكتبه ورسله، فإن قَالُوا: باطلا لم تصدِّقوهم، وإن قَالُوا [حَقًّا] لم تكذِّبوهم» (1)، {__________
(1) - ... رواه أبو داود فيِ كتاب العلم، حديث رقم: 3159 عن ابْنِ أَبِي نَمْلَةَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَتَكَلَّمُ هَذِهِ الْجَنَازَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللهُ أَعْلَمُ» فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّهَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلاَ تُصَدِّقُوهُمْ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَرُسُلِهِ فَإِنْ كَانَ بَاطِلاً لَمْ تُصَدِّقُوهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ». ورواه البخاري، فيِ كتاب تفسير القرآن. 4125، وَفيِ كتاب الاعتصام بالكتاب وَالسُّنَّة رقم 6814: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - بلفظ: «لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا: {آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ... } الآيَةَ». العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «لا تكذِّبوهم».
... ... وعزاه السيوطيُّ إِلىَ أبي داود فيِ سننه، وأحمد فيِ مسنده، وابن حبَّان فيِ صحيحه، والبيهقي فيِ سننه، عن أبي نملة الأنصاريِّ. برنامج سلسلة كنوز السنَّة، السلسلة الأولى، الجامع الصغير وزياداته، الإصدار الأَوَّل، 1410هـ. (3/260)
صفحة 1076
وإلهنا وإلهكم وَاحِد ونَحن لَهُ مُسْلِمُونَ(46)} مطيعون لَهُ خاصَّة.
{وكذلك} ومثل ذَلِكَ الإنزال، {أنزلنا إليك الكتاب} وحيا وصدقا كسائر الكتب الإلهيَّة، وَهُوَ تحقيق لقوله: {فالذين آتيناهم الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ} قيل: هم عَبد الله بن سلاَّم وأضرابه؛ أو من تقدَّم عهد الرَّسول من أهل الكتابين، {ومن هؤلاء} من أهل العرب، {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} بالقرآن، {وَمَا يَجحد بِآيَاتِنا} مَعَ ظهورها، وقيام الحجَّة بها، {إلاَّ الْكَافِرُونَ(47)} إِلاَّ المتوغِّلون فيِ الكفر؛ فإنَّ أهويتهم وتقليدهم يمنعهم عَن التَّأَمُّل بتصديقها، لكونها معجزة.
{وَمَا كنتَ تتلو من قبله مِن كِتَاب وَلاَ تَخطُّه بيمينك} فإنَّ ظهور هَذَا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة، عَلَى أُمِّيٍّ لم يُعرَف بالقراءة والتعلُّم خارق للعادة؛ لأَنَّ تلاوته لا تتأتَّى إِلاَّ بالتعلُّم والتكرار لأحد مِنَ الخيلقة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - كغيره مِنَ الناس فيِ هَذَا المعنى، {إِذًا لاَرْتَابَ المبطِلُونَ(48)} أي: لوكنت مِمَّن يَخطُّ [451] ويقرأ لقالوا: لَعَلَّهُ يعلَمه أو التقطه مِن كتب الأقدمين. وإنَّما سمَّاهم مُبطلين لكفرهم، أو لارتيابهم بانتفاء وجه وَاحِد من وجوه الإعجاز المتكاثرة؛ وَقِيلَ: لارتاب أهل الكتاب لوجدانهم نعتك عَلَى خلاف مَا فيِ كتبهم.
{بَل هُوَ آيات بَيِّنَات فيِ صدور الذِينَ أُوتوا العلمَ} يَحفظونه، ويحفظون تأويله لاَ يقدر أحد عَلَى جحدانه وتحريفه، {وَمَا يَجحَد بِآيَاتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ(49)} إِلاَّ المتوغِّلون فيِ الظلم بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها.
{ (3/261)
صفحة 1077
وَقَالُوا: لولا أُنزل عليه آياتٌ من رَبِّه} مقترحة، {قل: إِنَّمَا الآيات عند الله} ينزلها كما يَشَاء، لستُ أملكها فآتيكم بما تقترحونه، {وإنَّما أنا نذير مُبِينٌ (50) أولم يَكفِهِم} آية مُعيَّنة عمَّا اقترحوه، {أنَّا أنزلنا عليك الكتابَ يُتلى عليهم} تدوم تلاوته عَلَيْهِم متَحَدَّيْنَ بِهِ، فلا تزال معهم آية ثابتة لاَ تضمحلُّ، بخلاف سائر الآيات؛ أو تُتلى عَلَيْهِم، يعني: اليهود، بتحقيق مَا فيِ أيديهم من نعتك ونعت دينك، {إنَّ فيِ ذَلِكَ} الكتاب الذِي هُوَ آية مستمرَّة، وحجَّة بيِّنة، {لَرَحمة} لَنعمة عظيمة، {وذكرى لقوم يُؤْمِنُونَ (51)} وتذكرة لِمَن همُّه الإيمان دون التعنُّت.
{قل: كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} يصدِّقني، وقد صدَّقني بالمعجزات، {يعلم مَا فيِ السَّمَاوَات والأَرْض، وَالذِينَ آمنوا بالباطل} وَهُوَ مَا يُعبد من دون الله، {وكفروا بالله أُولَئِكَ هُمُ الخاسرُونَ (52)} (لَعَلَّهُ) للدارين.
{ويستعجلونك بالعذاب، ولولا أجلٌ مُّسَمًّى لَّجاءهم العذاب} أي: أنَّهم فيِ حالهم ذَلِكَ مستحِقُّوا العذاب لولا الأجل المسمَّى، كمثل مَن وجب عليه دَين ... (1) وَأَنَّهُ حالٌّ بهم، لقوله: {وليأتينَّهم بغتة} عند نزول الموت، {وَهُم لاَ يَشعرُونَ (53)} بإتيانه، ولو شعروا بِهِ لتابوا قبل مَجيئه.
{__________
(1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، ويبدو أَنَّ العبارة ناقصة. (3/262)
صفحة 1078
يستعجلونك بالعذاب وإنَّ جَهَنَّم لَمحيطة بالْكَافِرِينَ (54)} ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب؛ أو هِيَ كالمحيطة بهم الآن، لإحاطة الكفر والمعاصي التِي توجبها بهم، كمن أحاط بِهِ عدوُّه، فلا يجد مخلصا مِنْهُ، وَلاَ يجدون مُخَلِّصًا جميعَ العصاةِ من جهنَّم إِلاَّ من تاب. {يوم يغشاهم العذابُ مِن فوقهم ومن تحتِ أرجلهم} إِذَا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنَّم من جميع جوانبها، {ويقول} الله، أو بعض الملائكة بأمره: {ذوقوا مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (55)} أي: جزاءه.
{يا عبادي الذِينَ آمنوا إنَّ أرضي واسعة فإيَّاي فاعبدون (56)} أي: إِذَا لم تتسهَّل لكم العبادة فيِ بلدة، ولم يتيسَّر لكم إظهار دينكم، فهاجروا إِلىَ حيث يتمشَّى لكم ذَلِكَ. وعنه - عليه السلام -: «مَن فرَّ بدينه من أرض إِلىَ أرض ولو كَانَ شبرا استوجب الجنَّة» (1). {كلُّ نفس ذائقةُ الموت، ثُمَّ إلينا تُرجعُونَ (57)} للجزاء، ومن هَذَا عاقبته [فليس له بدٌّ من التزوُّد والاستعداد لها. وقرئ: «يرجعون». {وَالذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات لنبوِّئنَّهم} لننزلنَّهم، {مِنَ الجَنَّة غُرفا} أي:] (2) علالي {تَجري من تحتها الأنهار خالدين فِيهَا نِعْمَ أجرُ العامِلِينَ (58) الذِينَ صبروا وعلى ربِّهم يتوكَّلُونَ (59)} يعتمدون.
{__________
(1) - ... لم أعثر عَلَيْهِ فيِ الربيع ولا فيِ الكتب التسعة ولا فيِ الجامع الصغير وزياداته.
(2) - ... ما بين معقوفين إضافة من تفسير أبي السعود (مج4/ ج7/ ص45) ليتمَّ المَعْنَى، فقد وقع للناسخ فيِ هَذِهِ الفقرة انتقال نظر من قوله: «ومن هَذَا عاقبته»، إِلىَ قوله: «علالي». (3/263)
صفحة 1079
وكأيِّن [452] مِّن دَابَّة لاَ تَحمل رزقها} لاَ تطيق من ضعفها، أو لاَ تدَّخره، وإنَّما تصبح وَلاَ غذاء معها، وتُمسي وَلاَ معيشة معها؛ وذلك من دلائل وحدانيَّته وتكفُّله بإرزاق خلقه، وأنَّ الادِّخار لاَ يزيد شَيْئًا مِنَ الرزق وَلاَ ينقصه، لأَنَّهَا تغدوا خِماصا وتروح بطانا، {الله يرزقها وَإِيَّاكُم} ثُمَّ إنَّها مَعَ ضعفها، وإيَّاكم مَعَ قوتكم واجتهادكم، وادِّخاركم وتهافتكم عَلَى جمع المال سواء فيِ أنَّه لاَ يرزقها وإيَّاكم إِلاَّ الله؛ لأَنَّ رزق الكلِّ بأسباب هُوَ المُسَبِّب لها وحده، فلا تخافوا عَلَى معاشكم إِذَا انقطعتم فيِ الطاعة، {وَهُوَ السميع العليم(60)}.
{ولئن سألتهم مَن خلقَ السَّمَاوَات والأَرْض وسخَّر الشمسَ والقمر ليقولُنَّ الله، فأنَّى يؤفكُونَ(61)}؟! يصرفون عَن توحيده بعد إِقْرَارهم بذلك. {الله يبسط الرزق لِمَن يَشَاء مِن عباده ويقدِر لَهُ} يحتمل أن يكون الموسَّع لَهُ والمضيَّق عليه واحدا، عَلَى أن البسط والقبض عَلَى التعاقب، {إنَّ الله بِكُلِّ شيء عليم(62)} يعلم مَا تصلحون بِهِ وَمَا تفسدون.
{ولئن سألتهم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء ماءً فأحيا بِهِ الأَرْض مِن بعدِ موتها ليقولُنَّ: الله} معترفين بأنَّه الموجد للممكنات بأسرها: أصولها وفروعها؛ ثُمَّ إنَّهم يشركون بِهِ بعض مَخلوقاته، الذِي لاَ يقدر عَلَى شيء من ذَلِكَ، {قل: الحمد لله} عَلَى مَا عصمك مِن مثل هَذِهِ الضلالة، أو عَلَى تصديقك وإظهار حجَّتك، {بَل أكثرهم لاَ يعقلُونَ(63)} فيناقضون، حيث يقرُّون بأنَّه المبدأ لِكُلِّ مَا عداه، ثُمَّ إنَّهم يشركون بِهِ الصنم.
{ (3/264)
صفحة 1080
وَمَا هَذِهِ الحياة الدُّنْيَا} إشارة تحقير؛ وكيف لاَ وهي لاَ تزن عند الله جناحَ بعوضة، {إلاَّ لهوٌ ولعبٌ} إِلاَّ كما يلهى ويلعب بِهِ الصبيان، يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة، ثُمَّ يتفرَّقون مُتعبين بلا نفع، إِلاَّ الذين آمنوا؛ واللهو: هو استمتاع بلذَّات الدنيا، واللعب: هو العبث، سمِّيت بها لأَنَّهَا فانية، {وإنَّ الدارَ الآخِرَة لَهيَ الحيوانُ} دار الحياة الحقيقيَّة لامتناع زوالها، {لو كَانُوا يَعْلَمُونَ(64)} فناء الدُّنْيَا ودوام الأخرى، لم يؤثروا عليها الدُّنْيَا التِي أصلها عدم الحياة فِيهَا، عارضة سريعة الزوال.
{فإذا رَكِبوا فيِ الفلك} وخافوا الغرق، {دَعَوُا اللهَ مُخلِصين لَهُ الدِّين} كائنين فيِ صورة مَن أخلص دينه مِنَ المؤمنين، حيث لاَ يذكرون إِلاَّ الله، وَلاَ يدعون سواه، لعلمهم بأنَّه لاَ يكشف الشدائد إِلاَّ هُوَ، {فَلَمَّا نَجَّاهم إِلىَ البرِّ إِذَا هم يُشركُونَ(65) ليكفروا بِمَا آتيناهم وليتمتَّعوا} بالإشراك، {فسوف يَعْلَمُونَ(66)} عاقبة ذَلِكَ.
{أوَلَمْ يَرَوا أنَّا جَعلنا حَرَما آمِنًا} أي: جعلنا بلدهم مصونا عَن النهب [453] والتعدِّي؛ آمنا أهله عَن القتل والسبي، (لَعَلَّهُ) وذلك مِمَّا يُنبِّههم ويذكِّرهم عَلَى جزيل نعمه، {ويُتخطَّف الناسُ مِن حولهم} يُختلسون قتلا ونهبا وسبيا. {أفبالباطل} أَبَعد هَذِهِ النعمة المكشوفة وغيرها مِمَّا لاَ يقدر عليه إِلاَّ الله؛ بالأوثان أو الشيطان {يُؤْمِنُونَ، وبنعمة الله يكفرُونَ(67)}! حيث أشركوا بِهِ غيره.
{ومن أظلم مِمَّن افترى عَلَى الله كَذِبا} بأن زعم لَهُ شريكا، بلسان مقاله، أو لسان حاله، {أو كَذَّب بِالْحَقِّ لَمَّا جاءه} ردَّ حجَّة الله حين بلغته، من أيِّ حال كَانَت، {أليس فيِ جَهَنَّم مثوى للكَافِرِينَ(68)} تقرير لثوائهم؛ أي: ألم يعلموا أنَّ فيِ جهنَّم مثوى للكَافِرِينَ حتَّى اجترأوا هَذِهِ الجرأة!.
{ (3/265)
صفحة 1081
وَالذِينَ جاهدوا فينا} فيِ حقِّنا، بأنفسهم وأموالهم ومُهجِهم فيِ إطلاق المجاهدة، ليعمَّ جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعه، {لنَهدينَّهم سُبُلنا} سبل السير إلينا؛ أو لنزيدنَّهم هداية إِلىَ سبيل الخير، وتوفيقا لسلوكها، كقوله: {وَالذِينَ اهتدوا زادهم هُدًى} (1)، وفي الحديث: «من عمل بِمَا علم ورَّثه الله علم مَا لم يعلم» (2)؛ وقيل: «إنَّ الذِي يرى من جهلنا بِمَا لاَ نعلم إِنَّمَا هُوَ من تقصيرنا فيما نعلم». {وإنَّ الله لَمع المحسنِينَ (69).} بالنصرة والإعانة.
- - -
سورة الروم
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... سورة مُحَمَّد: 17.
(2) - ... لم نعثر عَلَيْهِ فيما بين أيدينا من المصادر، وقد تَقَدَّمَ نحوه فيِ تفسير الآيَة 14 من سورة القصص. (3/266)
صفحة 1082
الم (1)، غُلِبتِ الروم (2) فيِ أدنى الأَرْض، وَهُم مِن بعدِ غَلَبهم سَيغلِبُونَ (3) فيِ بِضع سنين، لله الأمر مِن قبلُ ومِن بعدُ، ويَومئذ يَفرح المؤمنُونَ (4) بنصر الله} بإظهار دينه عَلَى سائر الأديان، {ينصرُ مَن يَشَاء وَهُوَ العزيز الرحيم (5) وَعْدَ الله لاَ يُخلف الله وعدَه} أي: من وعده، بنصر أوليائه، وبخذل أعدائه، {ولكنَّ أكثر الناس لاَ يَعْلَمُونَ (6)} وعده، لجهلهم، وعدم تفكيرهم. {يَعْلَمُونَ ظاهرا مِنَ الحياة الدُّنْيَا} يعني: أمر معايشهم، كيف يتَّجرون ويكتسبون، ومتى يَعرِشون ويحصدون، وكيف يبنون، وكيف سبقوا علماء الآخِرَة بهذه الأحوال، ولم يفهموا ما يُخلِّصهم من عذاب الله، لأَنَّهُ لم يهمَّهم؛ وكذلك لاَ يَعْلَمُونَ حقائق الدُّنْيَا، وَلاَ لِمَا خُلقت لَهُ، {وَهُم عَن الآخِرَة} التِي هِيَ غايتها، والمقصود منها، {هم غافلُونَ (7)} تقريرًا لجهالتهم، وتشبيهًا لَهُم بالحيوانات المقصور إدراكها مِنَ الدُّنْيَا ببعض ظاهرها؛ فإنَّ مِنَ العلم بظاهرها معرفةُ حقائقها، وصفاتها، وخصائصها، وأفعالها، وأسبابها، وكيفيَّة صدورها منها، وكيفيَّة التصرُّف فِيهَا، ولذلك نَكَّرَ «ظَاهِرًا»؛ وأمَّا باطنها، فإنَّها مجَاز إلى الآخِرَة، ووصلة إِلىَ نَيلِها، وأنموذج لأحوالها؛ وإشعارًا (1) بأنَّه لاَ فرق بين العدم والعلم الذِي يختصُّ بظاهر الدُّنْيَا؛ وكان فيِ المعنى: بقدر إقبالهم عَلَى علم ظاهر الحياة الدُّنْيَا، إدبار مِنْهُم عَن علم الآخِرَة.
{__________
(1) - ... منصوب عَلَى أَنَّهُ معطوف عَلَى قوله من قبلُ: «تقريرًا لجهالتهم، وتشبيهًا ... ». (3/267)
صفحة 1083
أولم يَتفكَّرُوا فيِ أنفسهم} أولم يُحدِثُوا التفكُّر فِيهَا؛ أو لم يتفكَّروا فيِ أمر أنفسهم، فإنَّها أقرب إِلَيْهِم [454] من غيرها، ومرآة يتجلَّى فِيهَا للمستبصر، مَا يتجلَّى لَهُ مِنَ الممكنات بأسرها، ليتحقَّق لَهُم قدرة مُبدِعها عَلَى إعادتها، لقُدرته عَلَى إبدائها، {مَا خلق الله السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بينهما إِلاَّ بِالْحَقِّ وأجلٍ مُسمًّى، وإنَّ كثيرًا مِنَ الناس بلقاء ربِّهم لَكَافِرُونَ (8)}.
{أولم يسيروا فيِ الأَرْض فينظروا كيف كَانَ عاقبة الذِينَ من قبلهم} تقرير لسيرهم بأجسادهم؛ أو بالتفكير بقلوبهم فيِ أقطار الأَرْض، ونظرهم إِلىَ آثار المدمَّرين؛ أو إِلىَ أخبارهم قبلهم، {كَانُوا أشدَّ مِنْهُم قُوَّة، وأثاروا الأَرْضَ} (لَعَلَّهُ) حرثوها، وقلبوا (1) وجهها لاستنباط المياه، واستخراج المعادن، وزرع البذور وغيرها، {وعَمَرُوها أكثر مِمَّا عَمَرُوها} وفيه تهكُّم بهم، من حيث إنَّهم مُغترُّون بالدُّنْيَا، مُفتخِرون بها؛ وَهُم أضعف حالا، وأقلُّ مالا وحيلة مِنَ الذِينَ سبقوا؛ ومدارُ أمرهم عَلَى التبسُّط فيِ البلاد والتسلُّط عَلَى العباد، والتصرُّف فيِ أقطار الأَرْض بأنواع العمارة؛ وهؤلاء ضعفاء مُلجؤون إِلىَ واد لاَ نفع لها، {وجاءتهم رُسُلهم بِالبَيِّنَاتِ فما كَانَ الله لِيظلِمَهم} لِيعاملهم معاملة مَن يريد ظلمهم، {ولكن كَانُوا أنفسَهم يَظلِمُونَ (9)} حيث عملوا مَا أدَّى إِلىَ تدميرهم.
{ثُمَّ كَانَ عاقبة الذِينَ أساءوا السُّوأَى أن كَذَّبوا بِآيَاتِ الله وكَانُوا بها يستهزءُونَ (10)} معناه: ثُمَّ كَانَ عاقبة الذِينَ اقترفوا الخطيئة أن طبع الله عَلَى قلوبهم، حتَّى كَذَّبوا الآيات واستهزؤوا بها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وقبلوا»، وهو خطأ. (3/268)
صفحة 1084
الله يَبدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيده ثُمَّ إِلَيْهِ تُرجعُونَ (11) ويوم تقوم الساعةُ يُبلِس المجرمُونَ (12)} يسكتون متحيِّرين آيسين؛ يقال: ناظرته، فأبلس: إِذَا سكت، وأيس من أن يَحتجَّ؛ وقيل: ييأس المجرم من كُلِّ خير. {ولم يكن لَهُم من شركائهم} مِمَّن أشركوه بالله، {شفعاء} يُجيرونهم من عذاب الله، {وكَانُوا بشركائهم كَافِرِينَ (13)} يكفرون بآلهتهم.
{ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرَّقُونَ (14) فأمَّا الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات فَهُم فيِ روضةٍ} أرض ذات أزهار وأنهار، {يُحبَرُونَ (15)} يُسرُّون سرورا تهلَّلت لَهُ وجوههم. {وَأَمَّا الذِينَ كَفَرُوا وكذَّبوا بِآيَاتِنا} بِحُجَجنا {ولقاء الآخِرَة فأولئك فيِ العذاب مُحضَرُونَ (16)}.
{فسبحانَ الله} (لَعَلَّهُ) فصلُّوا لله {حين تُمسون وحين تُصبحُونَ (17) وَلَهُ الحمد فيِ السَّمَاوَات والأَرْض، وعَشِيًّا وحين تُظهِرُونَ (18) يُخرِج الحيَّ مِنَ المَيِّت ويُخرِج المَيِّت مِنَ الحيِّ ويُحيي الأَرْضَ بعدَ موتها وكذلك تُخرجُونَ (19) ومن آياته أن خَلَقَكم من ترابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بشرٌ تنتشِرُونَ (20) ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إِلَيْهِا} لتميلوا إِلَيْهِا، وتألفوا بها؛ فإنَّ الجنسيَّة علَّة للضمِّ (1)، {وجعل بينكم مودَّة ورحمة} بواسطة الزواج، حال الشبق وغيرها، بخلاف سائر الحيوانات، نظما لأمر المعاش [455] {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقوم يتفكَّرُونَ (21)} فيعلمون مَا فيِ ذَلِكَ مِنَ الحكم.
{__________
(1) - ... توضيح العبارة عند أبي السعود: « ... من جنسكم لا من جنس آخر ... فَإِنَّ المجانسة من دواعي التضامِّ والتعارف، كما أَنَّ المخالفة من أسباب التفرُّق والتنافر». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص56. (3/269)
صفحة 1085
ومن آياته خَلقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، واختلافُ ألسنتِكم وألوانِكم} وأنتم بنو رجل وَاحِد، وامرأة وَاحِدَة، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات للعالَمِينَ (22)} لاَ تكاد تَخفى عَلَى عاقل.
{ومن آياته منامُكم بالليلِ وَالنَّهَار وابتغاؤكم مِن فضله} منامكم فيِ الزمانين، لاستراحة القوى النفسانيَّة، وقوَّة القوى الطبيعيَّة، وطلب معاشكم فيهما؛ أو منامكُم بالليل وابتغاءكم بالنهار؛ وضمَّ بين الزمانين والفعلين بعاطفين، إشعارا بأنَّ كلاًّ مِنَ الزمانين وإن اختُصَّ بأحدهما، فهو صالح للآخر عند الحاجة؛ وتؤيِّده سائر الآيات الواردة فِيهِ، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقومٍ يسمعُونَ (23)} سماعَ تفهُّم واستبصار.
{ومن آياته يُريكم البرقَ خوفا وطمعا، ويُنزِّل مِنَ السَّمَاء ماءً فيُحيِي بِهِ الأَرْضَ بعد موتها، إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقوم يعقلُونَ (24)} يستعملون عقولهم فيِ استنباط أسبابها، وكيفيَّة تكوينها، ليظهر لَهُم كمال (1) قدرة الصانع وحكمته.
{ومن آياته أن تقوم السَّمَاء والأَرْض بأمره} قيامهما بإقامته لهما، وإرادته لقيامهما، {ثُمَّ إِذَا دعاكم دعوةً مِنَ الأَرْض إِذَا أَنتُم تَخرجُونَ (25)} والمراد: تشبيه سرعة ترتُّب حصول ذَلِكَ عَلَى تعلُّق إرادته بلا توقُّف واحتياج إِلىَ تجشُّم عمل، بسرعة ترتُّب إجابة الداعي المطاع عَلَى دعائه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «كما»، وهو خطأ. (3/270)
صفحة 1086
وَلَهُ من فيِ السَّمَاوَات والأَرْض كُلٌّ لَهُ قانتُونَ (26)} منقادون لأمره ومشيئته، فَهُم لاَ يمتنعون عليه. {وَهُوَ الذِي يَبدأ الخلقَ ثُمَّ يعيده وَهُوَ أَهونُ عليه} بمعنى: هيِّنٌ عليه، وَمَا من شيء عليه بعزيز، {وَلَهُ المثلُ} الوصف العجيب الشأن، كالقدرة العامَّة، والحكومة التامَّة؛ ومَن فسَّره بقول «لاَ إله إِلاَّ الله» أَرَادَ بِهِ الوصف بالوحدانيَّة، دلالة ونطقا، {الأعلَى} الذِي ليس لغيره أن يساويه أو يُدانيه {فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} يصفه بِهِ مَا فيهما، {وَهُوَ العزيز} القادر الذِي لاَ يَعجز عَن إبداء ممكن وإعادته، {الحكيم (27)} الذِي يُجري الأفعال عَلَى مُقتضى حكمته.
{ضربَ لكم مَّثَلا من أنفسكم} مستخرجا من أحوالها التِي [هي] أقرب الأمور إليكم؛ معناه: بيَّن لكم شبها بحالكم ذَلِكَ المثل من أنفسكم، ثُمَّ بيَّن المثل فقال: {هل لكم من مَا مَلَكَت أيمانكم} من مَمَاليككم، {من شركاءَ فيِ مَا رزقناكم}؟ مِنَ الأموال وغيرها، {فأنتم فِيهِ سواءٌ} فتكونون أَنتُم وَهُم فِيهِ شرع (1) سواء، تتصرَّفون فِيهِ كتصرُّفكم مَعَ أنَّهم بشر مثلكم، وأنَّها معارة لكم، {تَخافونهم} أن يستبدُّوا بتصرُّف فِيهِ، {كخيفتكم أنفسَكم} كما يَخاف (لَعَلَّهُ) الحُرُّ شريكه الحُرَّ فيِ المال يكون بينهما أن ينفرد بأمر دونه، وإذا لم ترضوا ذَلِكَ لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شُركائي فيِ عبادتكم، وَهُم عبيدي؟!. {كذلك} مثل ذَلِكَ التفصيل {نُفصِّل الآيات} نبيِّنُها، فإنَّ التمثيل مِمَّا يكشف المعاني ويوضِّحها، {لقوم [456] يعقلُونَ (28)} يستعملون عقولهم فيِ تدبُّر الأمثال.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: - «شرع»، إذ يستقيم المَعْنَى بحذفه. (3/271)
صفحة 1087
بَل اتَّبع الذِينَ ظلموا} بالإشراك {أهواءهم بغير عِلْم} جاهلين لاَ يكفُّهم شيء، فإنَّ العالم إِذَا طمحت نفسه إِلىَ هواها، رُبَّما ردعه عِلمُه، {فمن يَهدي مَن أضلَّ الله}؟ فمن يقدر عَلَى هدايته؟، {وَمَا لَهُم من نَّاصِرِينَ (29)} يُخلِّصونهم مِنَ الضلالة، ويحفظونهم من آفاتها.
{فَأقِم وجهَك للدين حَنِيفا} فقوِّمه لَهُ غير ملتفت؛ أو متلفِّت يمينا وشمالا؛ وَهُوَ تَمثيل الإقبال والاستقامة والاهتمام بِهِ، {فطرةَ الله} خلقته {التِي فَطَرَ الناس عليها} خلقهم عليها، وهي قبولهم للحقِّ، وتمكُّنهم من إدراكه؛ أو ملَّة الإسلام، كأنَّهم لو خلُّوا و مَا خلقوا عليه أدَّى بهم إِلَيْهِا؛ وقيل: العهد المأخوذ من آدم وذرِّيَّته؛ وقيل: فطرهم عَلَى معرفته، {لاَ تبديلَ لخَلقِ الله} لاَ ينبغي أن يُبدَّل. {ذَلِكَ} إشارة إِلىَ الدين المأمور بإقامة الوجه لَهُ، {الدين القيِّم} المستوي الذِي لاَ عِوَج فِيهِ، {ولكنَّ أكثر الناس لاَ يَعْلَمُونَ (30)} استقامته لعدم تدبُّرهم. {مُنيبين إِلَيْهِ} راجعين إِلَيْهِ؛ مِن أناب: إِذَا رجع مرَّة بعد أُخْرَى؛ وقيل: منقطعين إِلَيْهِ مِنَ النَّار، {واتَّقُوه وأقيموا الصلاة وَلاَ تكونوا مِنَ المشركِينَ (31) مِنَ الذِينَ فرَّقوا دينَهم} بدل مِنَ المشركين، وتفريقهم: اختلافهم فيما يعبدونه عَلَى اختلاف أهوائهم؛ وقرئ: «فارقوا»، بمعنى: تركوا دينهم الذِي أُمروا بِهِ {وكَانُوا شِيَعا} فرقا يُشايع كلٌّ إمامه، {كلُّ حزب بِمَا لديهم فرِحُونَ (32)} مسرورين (1)، ظنًّا بأنَّه الحقُّ.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الأصوب: «مسرورون». (3/272)
صفحة 1088
وإذا مسَّ الناس ضرٌّ دَعَوا ربَّهم مُنيبِين إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا أذاقهم مِّنْهُ رحمةً} خلاصا من تلك الشدَّة، {إِذَا فريق مِنْهُم بِرَبِّهِم يُشرِكُونَ (33)} فاجأ فريق مِنْهُم بالإشراك بِرَبِّهِم الذِي عافاهم. {ليَكفُروا بِمَا آتيناهم فتمتَّعوا فسوف تَعْلَمُونَ (34)} عاقبة تَمتُّعكم. {أم أنزلنا عَلَيْهِم سُلطانا} حجَّة {فهو يتكلَّم} دلالة، كقوله: {هَذَا كتابنا ينطق عَلَيْكُم بِالْحَقِّ} (1)، {بِمَا كَانُوا بِهِ يشركُونَ (35)} بإشراكهم، وهذا قطع لعذر كُلِّ من دخل فيما لاَ يعلم.
{وإذا أذقنا الناس رحمةً} نعمة {فرحوا بها} بَطِروا بسببها، واغترُّوا بها، {وإن تُصبهم سيِّئةٌ} شدَّةٌ، {بِمَا قدَّمت أيديهم} بشؤم معاصيهم، {إِذَا هم يَقنطُونَ (36)} والقنوط من أمَّهات المعاصي، وَهُوَ ضدُّ الرجاء.
{أولم يَروا أنَّ الله يَبسطُ الرزق لِمَن يَشَاء ويَقدِر} فما لَهُم لم يشكروا، ولم يحسنوا فيِ السرَّاء والضرَّاء كالمؤمنين؟! {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقوم يُؤْمِنُونَ (37)} فيستدلُّون بها عَلَى كمال القدرة والحكمة؛ أو يتفكَّرون في حال مَن سبق وصفه.
{فآتِ ذا القربى حقَّه والمسكينَ وابنَ السبيلِ، ذَلِكَ خيرٌ للذين يريدون وجهَ الله} أي: يقصدون بمعرفتهم [457] إيَّاه خالصا، {وأولئك هُمُ المفلحُونَ (38)} حيث حصلوا بِمَا بسط إِلَيْهِم النعيم المقيم.
{__________
(1) - ... سورة الجاثية: 29. (3/273)
صفحة 1089
وَمَا آتيتم من رِبًا} زيادة مُحرَّمة فيِ المعاملة؛ أو عطيَّة يُتوقَّع بها مزيد مكافأة، {لِيَربُوَا فيِ أموالِ الناس} ليزيد ويزكُوَ فيِ أموال لَهُم، {فلا يَربُوا عند الله} فلا يزكُوا عنده، وَلاَ يُبارك فِيهِ، {وَمَا آتيتم من زكاة تريدون وجهَ الله} تبتغون بِهِ وجهه خالصا، {فأولئك هُمُ المُضعِفُونَ (39)} ذوو الأضعاف مِنَ الثواب؛ أو الذِينَ ضعّفوا ثوابهم وأموالهم؛ والالتفات فِيهِ للتعظيم، كأنَّه خاطب بِهِ المَلاَئِكَة وخواصَّ الخلق، تعريفا لحالهم.
{الله الذِي خلقكم ثُمَّ رزقكم، ثُمَّ يُميتكم، ثُمَّ يُحيِيكم} تَماما لحكمة خلقهم، {هل من شُركائكم مَن يفعل مِن ذَلكم مِن شَيْء}؟ أثبت لَهُ لوازم الألوهيَّة ونفاها رأسا عمَّا اتَّخَذوه شركاء لَهُ مِنَ الأصنام وغيرها، مؤكَّدا بالإنكار عَلَى مَا دلَّ عليه البرهان والعيان، ووقع عليه الوفاق؛ ثُمَّ استنتج من ذَلِكَ تقدُّسه أن يكونوا لَهُ شركاء، فقال: {سبحانه وتعالى عَمَّا يُشركُونَ (40)}.
{ظَهَر الفسادُ فيِ البرِّ والبحر} كالجذب والنقص فيِ الأموال، وكثرة الغرق، ومحق البركات، وكثرة المضارِّ؛ أو الضلالة والظلم، {بِمَا كسبت أيدي الناس} بشؤم معاصيهم، {لِيُذِيقهم بعضَ الذِي عملوا} بعض أجزائه، كما قَالَ: {ويعفو عَن كثير} (1). {(لعلَّهم يرجعُونَ (41)} عمَّا هم عليه.
{قل: سيروا فيِ الأَرْض فانظروا كيف كَانَ عاقبة الذِينَ من قبلُ} ليشاهدوا مِصداق ذَلِكَ، ويتحقَّقوا صدقه، {كَانَ أكثرهم مشركِينَ (42)} أيَّ شرك كَانَ. {فأقم وجهك للدين القيِّم} البليغ الاستقامة الذِي ليس بِهِ عوج، {من قبلِ أن يأتي يوم لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يومئذ يصَّدَّعُونَ (43)} أي: يتفرَّقون، فريق فيِ الجنَّة، وفريق فيِ السعير، كما قَالَ:
{__________
(1) - ... سورة المائدة: 15. سورة الشورى: 30، 34. (3/274)
صفحة 1090
مَن كفر فعليه كُفرُهُ} جزاء كُفرِه، {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يَمهَدُونَ(44)} يبنون منزلا فيِ الجنَّة، يمهَد أيَّ فراش أَرَادَ لنفسه قبل الوصول إِلىَ التنعُّم بِهِ. {ليجزيَ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} الاقتصار عَلَى جزاء المؤمنين، للإشعار بأنَّه المقصود بالذَّات، والاكتفاء، عَلَى فحوى قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(45)} فإنَّ فِيهِ آيات البغض لَهُم، والمحبَّة للمؤمنين.
{ومن آياته أن يُرسِل الرياح مبشِّرات} بالمطر، {ولِيُذِيقَكم من رحمته} بمعنى: المنافع التابعة للمطر وغيره، {ولِتجريَ الفلكُ بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلَّكم تشكرُونَ(46)} ولتشكروا نعمة الله فِيهَا.
{وَلَقَد أرسلنا من قبلك رسلا إِلىَ قومهم فجاءوهم بِالبَيِّنَاتِ فانتقمنا مِنَ الذِينَ أجرموا} بالهلاك، {وكَانَ حقًّا علينا نصرُ المؤمنِينَ(47)} إشعارا بأنَّ الانتقام لَهُم، وإظهارا لكرامتهم، حيث جعلهم مُستحقِّين عَلَى الله أن ينصرهم، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : «مَا من امرئ مسلم يردُّ عَن عِرض أخيه، إِلاَّ كَانَ حقّا عَلَى الله أن يردَّ عَنْهُ نار جهنَّم» (1)
__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ فيِ كتاب البرِّ والصلة، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بلفظ: 1854 «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قَالَ: وَفِي الْبَاب عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورواه الإمام أحمد في مسند القبائل: رقم: 26260 و26264 بلفظ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «عرض أخيه».
... ... وأورده السيوطي فيِ الجامع الصغير بلفظ: «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالغَيْبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ». وعزاه إِلىَ أحمد والطبرانيِّ فيِ الكبير، عن أسماء بنت يزيد. وقال الألبانيُّ: صحيح. انظر: حديث رقم 6240 فيِ صحيح الجامع. وورد نحوه عند البيهقيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. برنامج سلسلة كنوز السنَّة. (3/275)
صفحة 1091
ثُمَّ تلا [458] ذَلِكَ.
{الله الذِي يُرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه فيِ السَّمَاء كيف يَشَاء} سائرا وواقفا، {ويَجعله كِسَفا} قطعا تارة أُخْرَى، {فترى الودق} المطر {يَخرج من خلاله، فإذا أصاب بِهِ من يَشَاء من عباده} يعني: بلادهم وأراضيهم، {إِذَا هم يستبشرُونَ(48)} بِمجيء الخصب. {وإن كَانُوا من قبل أن ينزَّل عليهم} المطر، {من قبله لَمُبلِسِينَ(49)} لآيِسين.
{فانظر إِلىَ آثار رحمة الله} أثر الغيث مِنَ النبات والأشجار، وأنواع الثمار والمنافع؛ ولذلك جُمع، {كيف يُحيي الأَرْض بعد موتها إنَّ ذَلِكَ} يعني: الذِي قدر عَلَى إحياء الأَرْض بعد موتها، {لَمُحيي الموتى} لقادر عَلَى إحياء أحيائهم، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قدير(50)} لأَنَّ نسبة قدرته إِلىَ الممكنات عَلَى سواء.
{ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مُصفرًّا} فرأوا الأثر والزرع؛ فإنَّه مَدلول عليه بِمَا تقدَّم؛ وقيل: السحاب، لأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُصفرًّا لم يُمطر، {لظلُّوا من بعده يكفرُونَ(51)} جواب سدَّ مسدَّ الجزاء، ولذلك فسر بالاستقبال. وهذه الآيات ناعية عَلَى الكفَّار بِقِلَّة تثبُّتهم وعدم تدبُّرهم، وسرعة تزلزلهم لعدم تفكُّرهم وسوء رأيهم؛ فإنَّ النظر السويَّ يقتضي أن يَتَوَكَّلُوا عَلَى الله ويلتجئوا إِلَيْهِ بالاستغفار إِذَا احتبس القطر عَنْهُم، وَلاَ ييأسوا من رحمته، وَلاَ يفرطوا فيِ الاستبشار؛ وأن يصبروا عَلَى بلائه إِذَا ضرب زروعهم بالاصفرار، وَلاَ يكفروا نعمه.
{ (3/276)
صفحة 1092
فإنَّك لاَ تُسمع الموتى} وَهُم مثلهم لمَّا سدُّوا عَن الحقِّ مشاعرَهم، {وَلاَ تُسمع الصمَّ الدعاء إِذَا ولَّوا مدبرِينَ (52)} قيَّد الحكم بِهِ ليكون أشدَّ استحالة؛ فإنَّ الأصمَّ المقبل، وإن لم يسمع الكلام، يتفطَّن مِنْهُ بواسطة الحركات شيئًا. {وَمَا أنتَ بهادي العميِ عَن ضلالتهم} سمَّاهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقيَّ من الإبصار، أو لِعمى قلوبهم، {إن تُسمع إِلاَّ من يُؤْمِنُ بِآيَاتِنا} فإنَّ إيمانهم يدعوهم إِلىَ تلقِّي اللفظ، وتدبُّر المعنى، {فَهُم مُسْلِمُونَ (53)} منقادون لِمَا تأمرهم بِهِ.
{الله الذِي خلقكم مِن ضَعف} أي: ابتدأكم ضعفاء، وجعل الضعف سائر أمركم، لقوله: {وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفا} (1). {ثُمَّ جعل من بعدِ ضَعف قُوَّة} وذلك إِذَا بلغتم الحلم، {ثُمَّ جعل من بعد قوَّة ضَعفًا وشَيْبَةً، يخلُقُ مَا يَشَاء} من ضعف وقوَّة وشيبة، {وَهُوَ العليم القدير (54)} فإنَّ الترديد فيِ الأحوال المختلفة مَعَ إمكَان غيره دَلِيل العلم.
{ويوم تقومُ الساعةُ} القيامة، سُمِّيت بها لأَنَّهَا تقوم فيِ آخر ساعة من ساعات الدُّنْيَا، ولأنَّها تقع بَغتة، وصارت عَلَما لها بالغلبة، كالكوكب للزَّهرة، {يُقسم المجرمون مَا لَبثوا} فيِ الدُّنْيَا، أو فيِ القبور، {غيرَ ساعة} استقلُّوا مدَّة لبثهم إضافة إِلىَ مدَّة عذابهم فيِ الآخِرَة؛ أو كما قَالَ: {كأنَّ لم تَغنَ بالأمس} (2)، لأَنَّ الماضي لاَ شيء، {كذلك} مِثل ذَلِكَ الصرف عَن الصدق والتحقيق، {كَانُوا يُؤفكُونَ (55)} يُصرفون فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{__________
(1) - ... سورة النساء: 28.
(2) - ... سورة يونس: 24. (3/277)
صفحة 1093
وقال الذِينَ [459] أُوتوا العلم والإيمانَ} مِنَ المَلاَئِكَة والإنس: {لَقَد لبثتم فيِ كِتَاب الله} فيِ علمه واقتضائه؛ أو مَا كتبه لكم؛ أي: أوجبه، أو في اللَّوح أو القرآن، وَهُوَ قوله: {ومِن ورائهم برزخ} (1) {إِلىَ يومِ البعث} ردُّوا بذلك مَا قالوه وحلفوا عليه، {فهذا يومُ البعثِ} الذِي أنكرتموه {ولكنَّكم كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ (56)} أنَّه حقٌّ لتفريطكم فيِ النظر.
{فيومئذ لاَ ينفع الذِينَ ظلموا معذرتُهم وَلاَ هم يُستَعتَبُونَ (57)} لاَ يدعون إِلىَ مَا يقتضي إعتابهم (2)، أي: إزالة عتبهم مِنَ التوبة والطَّاعة، كما دعوا إِلَيْهِ فيِ الدُّنْيَا؛ مِن قولهم: استعتبني فلان فأعتبته، أي: استرضاني فأرضيته، وَمَا دام يُمكن الإيمان بالغيب، يمكن الاستعتاب ويقبل، لأَنَّهُ بمعنى التوبة؛ والتوبة لاَ تنفع إِذَا أتى اليقين.
{وَلَقَد ضرَبنَا للناس فيِ هَذَا القرآنِ من كُلِّ مَثَل} وَلَقَد وصفناهم فِيهِ بأنواع الصفات التِي هِيَ فيِ الغرابة كالأمثال؛ مثل: صفة المنعوتين فيما يقولون وَمَا يُقال لَهُم، وَمَا لاَ يكون لَهُم مِنَ الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب؛ فَمن آمن بِهِ آمن بالغيب؛ أو بَيَّنَّا لَهُم من كُلِّ مثل يُنبِّئهم عَلَى التوحيد والبعث وصدق الرَّسول، {ولئن جئتَهم بِآيَةٍ} من آيات القرآن {لَيقولَنَّ الذِينَ كَفَرُوا} من فرط عنادهم، وقساوة قلوبهم: {إن أَنتُم} يعني: الرسول والمؤمنين، {إلاَّ مُبطِلُونَ (58)} مزوِّرون.
{__________
(1) - ... سورة المؤمنون: 100.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «عتابهم»، ولا مَعْنَى له. (3/278)
صفحة 1094
كذلك} مثل ذَلِكَ الطبع، {يطبعُ الله عَلَى قلوب الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (59)} لاَ يطلبون العلم، ويصرُّون عَلَى خرافات اعتقدوها؛ فإنَّ الجهل المركَّب يمنع إدراك الحقِّ، ويوجب تكذيب المحقِّ. {فاصبر} عَلَى أذاهم، {إنَّ وعدَ الله} بنصرتهم، وإظهار دينك عَلَى الدين كُلِّه {حقٌّ} لاَ بُدَّ من إنجازه {وَلاَ يستخفنَّك} ولا يحملنَّك عَلَى الخفَّة والقلق، فإنَّه لاَ يستخفُّ إِلاَّ الخفيف الذِي ليس لَهُ في الدين إثبات. {الذِينَ لاَ يوقنُونَ (60)} بتكذيبهم وإيذائهم، شاكُّون ضالُّون لاَ يستبدع مِنْهُم ذَلِكَ.
سورة لقمان
بسم الله الرحمن الرحيم
{الم (1) تلك آياتُ الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمةً للمحسنِينَ (3)} لأَنَّهُمْ هم المنتفعون به لا غير، {الذِينَ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وَهُم بالآخِرَة هم يوقنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هدى من ربِّهم وأولئك هُمُ المفلحُونَ (5)، ومن الناس من يشتري لهو الحديث} مَا يُلهي عمَّا يَعني، كالأحاديث التِي لاَ أصل لها، والأساطير التِي لا اعتبار فِيهَا، والمضاحيك، وفضول الكلام، وكلِّ مَا خرج إِلىَ مَعنَى التلهِّي (لَعَلَّهُ) معناه: استبدال الخوض والباطل بالقرآن وتأويله، {ليُضلَّ عَن سبيل الله} دينه {بغير عِلم} بحال مَا يشتريه؛ أو بالتجارة، حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن، {ويتَّخذها هُزُوًا} يتَّخذ السبيل سُخريَّة، {أُولَئِكَ لَهُم عذاب مُهِينٌ (6)} فيِ الدارين، لإهانتهم الحَقَّ، باستئثار الباطل عليه.
{وإذا تُتلى عليه آياتنا ولىَّ مُستكبرا} متكبِّرا عَن قبولها، لاَ يعبأ بها، {كأن لم يَسمعها} [460] مشابها حاله حال من لم يسمعها، {كأنَّ فيِ أذنيه وقرًا} مشابها من فيِ أذنه ثقل لاَ يقدر أن يسمع؛ والوقر: ذهاب السمع كلِّه، {فبشِّره بعذاب أليم (7)} أعلمه أنَّ العذاب يحتفه لاَ محالة.
{ (3/279)
صفحة 1095
إنَّ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات لَهُم جَنَّات النعيم(8)} أي: لَهُم نعيم جنَّات، فعُكس للمبالغة. {خالدين فِيهَا وعدَ الله حقًّا} كائن فعله لاَ محالة، {وَهُوَ العزيز} الذِي لاَ يغلبه شيء يمنعه عَن إنجاز وعده ووعيده، {الحكيم(9)} الذِي لاَ يفعل إِلاَّ مَا تستدعيه حكمته.
{خلق السَّمَاوَات بغير عَمَد تَرونها، وألقى فيِ الأَرْض رواسي أن تَميد بكم، وبثَّ فِيهَا من كُلِّ دَابَّة، وأنزلنا مِنَ السَّمَاء ماء فأنبتنا فِيهَا من كُلِّ زوج كريم(10)} من كُلِّ صنف كثير المنفعة؛ وكأنَّه استدلَّ بذلك عَلَى عزَّته التِي هِيَ كمال القدرة، وحكمته التِي هِيَ كمال العلم، ومهَّد بِهِ قاعدَة التوحيد، [و]قرَّرها بقوله:
{هَذَا خَلْق الله فَأَروني ماذا خَلَقَ الذِينَ مِن دونه}؟ هَذَا الذِي ذكر مخلوقه، فماذا خلق آلهتكم، حتَّى استحقُّوا مشاركته، {بَل الظَّالِمُونَ فيِ ضلال مُبِين(11)} إضراب عَن تبكيتهم، إِلىَ التسجيل عَلَيْهِم بالضلال الذِي لاَ يخفى عَلَى ناظر.
{ (3/280)
صفحة 1096
وَلَقَد آتينا لقمانَ الحكمةَ} الحكمة فيِ عُرْف العلماء: استكمال النفس الإِنسَانِيَّة باقتباس العلوم النظريَّة، واستكمال الملكة التامَّة عَلَى الأفعال الفاضلة، عَلَى قدر طاقتها؛ وكلُّ من استكمل طاعة الله تعالى، واجتنب كبائر مَا نهي عَنْهُ، فقد أوتي الحكمة؛ وضدُّه [مَن] لم يبلغها ولم يؤتها، وتعبَّر الحكمة بالعقل والعلم (لَعَلَّهُ) والعمل والإصابة فيِ الأمور. ومن حكمته أنَّه صحب داوود شهورا وكَانَ يسرد الدرع فلم يسأله عنها، فَلَمَّا أتَمَّها لبسها، وقال نِعم لَبوس الحرب أنت، فقال: «الصمت حكم، وقليلٌ فاعله»، وأنَّ داوود قَالَ لَهُ يوما: كيف أصبحت؟ فقال: «أصبحت فيِ يد غيري»، فتفكَّر داوود في نفسه فصعق. وأنَّه أُمر أن يذبح شاة، ويأتي بأطيب مُضغتين منهَا؛ فأتى باللسان والقلب؛ ثُمَّ بعد أيَّام أمر [بأن] يأتي بأخبث مضغتين منها، فأتى بهما أَيْضًا؛ فسأله عَن ذَلِكَ فقال: «هما أطيب شيء إِذَا طابا، وأخبث شيء إِذَا خبثا». {أن اشكر لله} فإنَّ إيتاء الحكمة فيِ مَعنَى القول، {ومن يشكر فَإِنَّمَا يشكرُ لنفسه} لأَنَّ نفعه عائد إِلَيْهِا وَهُوَ دوام النِّعمة، واستحقاق مزيدها، {ومن كَفَر فإنَّ الله غنيٌّ} لاَ يحتاج إِلىَ الشكر، {حميد(12)} حقيق بالحمد وإن لم يُحمد، ومحمود نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال.
{وإذ قَالَ لقمان لابنه وَهُوَ يعظه: يا بُنَيَّ لاَ تشرك بالله إنَّ الشرك لَظُلمٌ عظيم(13)} لأَنَّ تسويته بين من لاَ نعمة إِلاَّ مِنْهُ، ومن لاَ [461] نعمة منه ظلمٌ بيِّن منافٍ للحكمة.
{ (3/281)
صفحة 1097
ووصَّينا الإنسانَ بوالديه حملته أمُّه وهنا} ذات وهن، {عَلَى وهن} أي: تضعف ضعفا فوق ضعف، فإنَّها لاَ يزال يتضاعف ضعفها، {وفصاله} وفطامه {فيِ عامين} فيِ انقضائهما، {أن اشكر لي ولوالديك} كأنَّه أمره بالشكر لَهُ عَلَى إيجاده، وبالشكر لوالديه عَلَى سبب إيجاده، وَإِنَّهُ من أخصِّ النعم وأمَّهاتِها، إِذ لم يتوصَّل إِلىَ النعم الدينيَّة والدُّنْيوية إِلاَّ به إِذَا شكر نعمة الإيجاد، وإن كفرها استحالت النِّعمةُ نقمةً، {إليَّ المصير(14)} فأجازيك عَلَى شكرك أو كفرك.
{وإن جاهداك عَلَى أن تُشركَ بي} أيَّ شرك كَانَ، شرك جحود، أو نفاق؛ وذلك يقتضي جميع مخالفة الله، فالتجاهد: بذل الوسع؛ {مَا ليس لك بِهِ علم} باستحقاقه الإشراك، تقليدا لهما؛ وقيل: أَرَادَ بنفي العلم بِهِ نفيه، {فلا تُطعهما} فيِ ذَلِكَ، {وصاحبهما فيِ الدُّنْيَا معروفا} صحابا معروفا يرتضيه الشرع، ويقتضيه الكرم، {واتَّبع} فيِ الدين، {سبيل مَن أنابَ إِلَيَّ} بالتوحيد والإخلاص؛ ومعناه: دين من أقبل عَلَى طاعتي، {ثُمَّ إِلَيَّ مرجعكم، فأنبِّئكم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ(15)} بأن أجازيك عَلَى إيمانك وتوحيدك، ومخالفتك لهما، وصحبتك إيَّاهما؛ وأجازيهما عَلَى شركهما ودعوتهما لك بالمعصية.
{يا بُنَيَّ إِنَّهَا إن تكُ مثقالَ حَبَّة من خردل} أي: أنَّ الخصلة مِنَ الإساءة أو الإحسان إن تكن مثلا فيِ الصغر كحبَّة الخردل، {فتكن فيِ صخرة أو فيِ السَّمَاوَات أو فيِ الأَرْض} فيِ أخفى مكان وأحرزه، كجوف صخرة أو أعلاه، كمُحَدَّب السَّمَاوَات، أو أسفله كمُقَعَّر الأَرْض، {يأت بها الله} يُحضرها، فيحاسب ويجازى عليها، {إنَّ الله لطيف} يصل علمه إِلىَ كُلِّ خفيٍّ؛ {خبير(16)} عالم بكنهه.
{ (3/282)
صفحة 1098
يا بُنَيَّ أقم الصلاة} تكميلا لنفسك، {وأمر بالمعروف وانه عَن المنكر} تكميلا لغيرك، {واصبر عَلَى مَا أصابك} مِنَ الشدائد، سيما فيِ ذَلِكَ، {إنَّ ذَلِكَ} إشارة إِلىَ الضمير، أو إِلىَ كُلِّ مَا أمره، {مِن عَزم الأمور (17)} يجوز أن يكون بمعنى: الفاعل، من قوله: {فإذا عَزَم الأمر} (1) أي: جدَّ، (لَعَلَّهُ) وفي موضعٍ: أي الأمور الواجبة التِي أمر الله بها.
{وَلاَ تُصعِّر خدَّك للنَّاس} قيل: لاَ تُمِله وَلاَ تولِّهم صفحة وجهك كما يفعله المتكبِّرون؛ من الصَّعَر ... (2) فيلوي عنقه؛ وهذا من حيث الصِّفة، وَأَمَّا من حيث المَعنَى: فالتوليِّ عَن أداء حقوقهم، والقطع عَن إيصالهم، والاستخفاف بهم، {وَلاَ تَمش فيِ الأَرْض مَرَحا} أي: فرحا، مصدر وقع موقع الحال؛ أو تمرح مرحا؛ أو لأجل المرح: وَهُوَ البطر، {إنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُختال فخور (18)} المختال للماشي مرحا.
{__________
(1) - ... سورة مُحَمَّد: 21.
(2) - ... فيِ العبارة نقص واضح، وتمامها عند أبي السعود: «من الصعر وَهُوَ الصيد، وَهُوَ داء يصيب البعير فيلوي به عنقه». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص73. (3/283)
صفحة 1099
واقصد فيِ مَشيك} توسَّط فِيهِ بين الدبيب والإسراع. [462] وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» (1)، {واغضض من صوتك} وأنقص مِنْهُ وأقصره، {إنَّ أنكرَ الأصوات} أوحشها، {لَصَوت الحمير (19)} والحمار فيِ الذمِّ سيما نهاقه، وكذلك يُكنَّى عَنْهُ ... (2)
{ألَم تروا أنَّ الله سخَّر لكم مَّا فيِ السَّمَاوَات} بأن جعله أسبابا محصِّلة لمنافعكم {وَمَا فيِ الأَرْض} بأن مكَّنكم مِنَ الانتفاع بِهِ بوسط وغير وسط، {وأسبغَ عَلَيْكُم نِعَمَه} الإسباغ: بمعنى العموم، كما قَالَ: {وما بكم مِّن نِّعمةٍ فَمِنَ الله} (3) وذلك يَعُمُّ الإيجاد والإمداد وجلبَ المنافع، {ظاهرةً وباطنةً} محسوسة ومعقولة، مَا تعرفونه وَمَا لاَ تعرفونه، {ومن الناس من يُجادل فيِ الله} فيِ صفاته وتوحيده {بغير علم} مستفاد من دليلٍ، {وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ منيرٍ (20)} أنزله الله، بَل بالتقليد كما قَالَ:
{__________
(1) - ... رواه أبو نعيم فيِ الحلية عن أبي هريرة، والخطيب البغدادي فيِ الجامع والديلمي فيِ مسند الفردوس عن ابن عمر، وابن النجَّار عن ابن عَبَّاس. برنامج سلسلة كنوز السنَّة.
(2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، والعبارة غير واضحة، ونجد توضيحها عند الزمخشريِّ حيث يقول: «والحمار مَثَل فيِ الذمِّ البليغ والشتيمة، وَكَذَلِكَ نهاقه، ومن استفحاشهم لذكره مُجَرَّدا وتفاديهم من اسمه: أَنَّهُم يكنُّون به، ويرغبون عن التصريح به فيقولون: الطويل الأذنين ... ». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 393.
(3) - ... سورة النحل: 53. (3/284)
صفحة 1100
وإذا قيل لَهُم: اتَّبعوا مَا أَنزل الله، قَالُوا: بَل نتَّبع مَا وجدنا عليه آباءنا} وَهُوَ منع صريح مِنَ التقليد فيِ الأصول، واتِّباع الآباء محبوب فيِ القلوب بالطباع، مهما توافقت الطباع، إِلاَّ مَا نهت عَنْهُ خشية الله، {أَوَلو كَانَ الشيطانُ يدعوهم إِلىَ عذابِ السعير (21)} إِلىَ مَا يؤول إِلَيْهِ الإشراك.
{ومن يُسلم وجهه إِلىَ الله} وذلك يتضمَّن مَعنَى الإذعان والانقياد والإخلاص لله، دون التعالي عليه، والمخالفة لأمره؛ ومعناه: يخلصْ دينه لله، (لَعَلَّهُ) ويفوِّض أمره لَهُ (1)، {وَهُوَ مُحسن} فيِ عمله، {فقد استمسك بالعروة الوُثقَى} تعلَّق بأوثق مَا يُتعلَّق بِهِ، وَهُوَ تَمثيل للمتوكِّل المشتغل بالطاعة بمن أَرَادَ أن يترقَّى شاهق جبل، فتمسَّك بأوثق عُرى الحبل المتدليِّ مِنْهُ، ويُحتمل لَهُ فِيهِ مَثل آخر، وَهُوَ قد تَحصَّن بعروة التوحيد عَن الإشراك بالله، {وإلى الله عَاقبةُ الأمور (22)} أمور الفريقين إِذ الكلُّ صائر إِلَيْهِ.
{وَمَن كَفَر فلا يَحزُنك كُفرُه} إذ ليس موكول إليك كُفره، وَلاَ يضرُّك فيِ الدارين، {إلينا مرجعهم فننبِّئهم بِمَا عملوا} بالإهلاك والتعذيب، {إنَّ الله عليم بذات الصدور (23)} بعقائدها.
{نُمتِّعهم قليلا} تَمتيعا أو زمانا قليلا، فإنَّ مَا يزول بالنسبة إِلىَ مَا يدوم قليل؛ أي: نُمهِّلهم ليتمتَّعوا بِنَعِيم العاجلة، {ثُمَّ نضطرُّهم إِلىَ عذاب غليظ (24)} بِثقل الأجرام الغلاظ؛ أو يضمُّ إِلىَ الإحراق الضغط.
{ولئن سألتهم مَن خَلَق السَّمَاوَات والأَرْض ليقولنَّ الله} لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إِلىَ غيره، بحيث اضطرُّوا إِلىَ إذعانه، {قل: الحمد لله} عَلَى إلزامهم، وإلجائهم إِلىَ الاعتراف بِمَا يوجب بطلان معتقدهم، {بَل أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ (25)}
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «أمره إِلَيْهِ له». (3/285)
صفحة 1101
لله مَا فيِ السَّمَاوَات والأَرْض} لا يستحقُّ العبادة فيهما غيره، {إنَّ الله هُوَ الغنيُّ} عَن حمد الحامدين، {الحميد (26)} المستحقُّ للحمد، وإن لم يُحمد.
{ولو أَنَّمَا فيِ الأَرْض من شجرةٍ أقلامٌ} ولو ثبت كون الأشجار أقلاما، {والبحرُ يَمُدُّه من بعده سبعةُ أبحُرٍ مَا نَفِدت كلماتُ الله} [463] تكتبها تلك الأقلام وبذلك المداد؛ وإيثار جمع القِلَّة، للإشعار بأنَّ ذَلِكَ لاَ يَفِي بالقليل فكيف بالكثير؟، {إنَّ الله عزيز} لاَ يُعجزه شيء، {حكيم (27)} لا يخرج عَن علمه وحكمه أمر. والآية ــ قيل ــ جواب لليهود، سألوا رسول الله عَن قوله: {وَمَا أوتيتم مِّنَ العلم إِلاَّ قليلا} (1)، وَلَقَد أنزل التَّوْرَاة وفيها علم كلِّ شيء.
{مَا خَلْقُكم وَلاَ بَعْثُكم إِلاَّ كنفْسٍ وَاحِدَةٍ} إِلاَّ كخلقها وبعثها، إذ لا يشغله شأن عَن شأن، لأَنَّهُ يكفي لوجود الكلِّ تَعلُّق إرادته الواجبة مَعَ قدرته الذاتيَّة، كما قَالَ: {إِنَّمَا قولُنا لشيءٍ إِذَا أردناه أن نَّقول لَهُ كُن فيكون} (2)، {إنَّ الله سَميع} يسمع كلَّ مسموع، {بصير (28)} يبصر كلَّ مبصَر، لا يشغله إدراك بعضها عَن بعض، فكذلك الخلق والبعث.
{ألم تَرَ أنَّ الله يولِجُ اللَّيْل فيِ النَّهَار، ويولج النَّهَار فيِ اللَّيْل وسخَّر الشمس والقمرَ كُلٌّ} مِنَ النيِّرين {يَجري} فيِ فَلَكه {إِلىَ أجل مُسَمًّى} إِلىَ منتهى معلوم، الشمس إِلىَ آخر السنَّة، والقمر إِلىَ آخر الشهر؛ وقيل: إِلىَ يوم القيامة، {وأنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خبير (29)}.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 85.
(2) - ... سورة النحل: 40. (3/286)
صفحة 1102
ذَلِكَ} إشارة إِلىَ الذى ذكر من سعة العلم، وشمول القدرة، وعجائب الصنع، واختصاص الباري بها، {بإنَّ الله هُوَ الحقُّ} بسبب هُوَ الثابت فيِ ذاته (1)، الثابتة إلهيَّته؛ معناه أي: ذَلِكَ الذِي ذكرت، ليعلموا أنَّ الله هُوَ الحقُّ، {وأنَّ مَا تدعون من دونه} هُوَ {الباطل} المعدوم فيِ حدِّ ذاته، لا يوجَد وَلاَ يتَّصف إِلاَّ بجعله (2)؛ أو الباطل إلهيَّته، {وأنَّ الله هُوَ العليُّ الكبير (30)} متعالٍ عَن كلِّ شيء، وقادرٌ عَلَى كُلِّ شيء.
{الم تر أنَّ الفلكَ تَجري فيِ البحر (3) بنعمة الله} بفضله وتفضُّله عَلَى خلقه، فيِ تهيئة أسبابه؛ وَهُوَ استشهادٌ آخر عَلَى باهر قدرته، وكمال حكمته، وشمول إنعامه، {ليريَكم مِن آياته} ودلائله، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لِكُلِّ صبَّار} عَلَى المشاقِّ؛ فينصب نفسه بالتفكُّر فيِ الآفاق والأنفس، {شكور (31)} يعرف النعم، ويتعرَّف مانِحها؛ أو الْمُؤْمِنِينَ، فإنَّ الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر.
{وإذا غشيَهم} علاهم وغطَّاهم {موجٌ كالظُّلل} كما يظلُّ من جبل، أو من سحاب، أو غيرها، {دَعَوُا الله مُخلصين لَهُ الدين} لزوال الهوى والتقليد عَن الفطرة بِمَا دهاهم، إِلىَ الخوف الظاهر الشديد، {فَلَمَّا نجَّاهم إِلىَ البَرِّ فمنهم مُّقتصد} مقيم عَلَى طريق القصد الذِي هُوَ التوحيد، {وَمَا يَجحد بِآيَاتِنا إِلاَّ كُلُّ ختَّار} غدَّار؛ فإنَّه نقضٌ للعهد الفطريِّ؛ وقيل: الخَتر: أشدُّ الغدر، {كفور (32)} للنعم.
{__________
(1) - ... توضيح العبارة عند الزمخشريِّ: «بسبب أَنَّهُ هو الحقُّ الثابت إلهيَّته»، وعند أبي السعود: «أي بسبب بيان أَنَّهُ تَعَالىَ هو الحقُّ إلهيَّته». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 296. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص76.
(2) - ... أي أَنَّ ما سوى الله تَعَالىَ ليس موجودا بذاته وَإِنَّمَا بخلق الله وإيجاده، وجعله كيفما شاء.
(3) - ... في الأصل: - «في البحر»، وهو سهو. (3/287)
صفحة 1103
يَا أَيُّهَا الناس اتَّقُوا رَبَّكُم واخشَوْا يوما لاَ يَجزي والِدٌ عَن وَلَدِه} لاَ يقضي عَنْهُ، أو لا يغني عَنْهُ؛ ومعناه: كلُّ امرئ تهمُّه نفسه، {وَلاَ مولود هُوَ جازٍ عَن والده شَيْئًا، إنَّ وعدَ الله} بالثواب والعقاب، {حقٌّ} لاَ يُمكن خلفه، {فلا تَغُرَّنَّكم الحياةُ الدُّنْيَا، وَلاَ يَغرَّنَّكم بالله الغَرورُ (33)} الشيطان، بأن يرجيكم الرحمة والمغفرة والجنَّة مَعَ الإصرار [464] فيجرَّكم عَلَى المعاصي، والغرور بالله [هو] الذِي أهلك عامَّة الهالكين.
{إِنَّ اللهَ عنده علم الساعة} عِلْم وقت قيامها، {وينزِّل الغيثَ} فيِ إبَّانه المقدَّر لَهُ، والمحلِّ المعيَّن، {ويعلم مَا فيِ الأرحام، وَمَا تدري نفْسٌ ماذا تكسِبُ غَدًا} من خير أو شرٍّ، وربَّما يعزم عَلَى الشيء ويفعل خلافه، {وَمَا تدري نفس بأيِّ أرض تَموتُ} كما لا تدري فيِ أيِّ أرض تموت. روي أنَّ ملك الموت مرَّ عَلَى سليمان، فجعل ينظر إِلىَ رجل من جلسائه؛ فقال الرجل: مَن هَذَا؟ قَالَ: مَلَك الموت، فقال: كأنَّه يُريدني، فمُر الريح أن تَحملني وتلقيني بالهند، ففعل؛ فقال الملَك: كَانَ دوام نظري إِلَيْهِ تعجُّبا، إذ أُمرت أن أقبض روحه بالهند وَهُوَ عندك.
وإنَّما جَعل العلمَ لله والدرايةَ للعبد، لأَنَّ فِيهَا معنى الحيلة، فيشعر بالفرق (1) بين العِلْمين؛ ويدلُّ عَلَى أنَّه إِذَا عمل حيلة، وأنفد فِيهَا وسعه، لم يعرف ما هو الحَقُّ بِهِ من كسبه وعاقبته، فكيف بغيره مِمَّا لم ينصب لَهُ دليلا عليه؛ وَأَمَّا مَا نصب عليه الدليل، وقصَّر هُوَ فيِ الحيلة (2) فيِ استخراجه مِن مظانِّه، فذاك الذِي عليه اللَّوم واقع.
{إنَّ الله عليم} بالأشياء كلِّها بلا واسطة، {خبير (34} يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها.
سورة السجدة
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «يشعر فيِ العرق»، ولا مَعْنَى له.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «في الحلية ... من مضانه»؛ وفيها خطآن. (3/288)
صفحة 1104
الم (1) تنزيل الكتاب لاَ ريب فِيهِ} فيكون {مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أم يقولون: افتراه} معناه: بَل يقولون، فإنَّه إنكار لكونه من رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ وقوله: {بَل هُوَ الحَقُّ مِن ربِّك} فإنَّه تقريرٌ لَهُ، ونظم الكلام عَلَى هَذَا أنَّه أشار أوَّلاً إِلىَ الإعجاز، ثُمَّ رتَّب عليه أنَّ تنزيله من ربِّ الْعَالَمِينَ، وقرَّر ذَلِكَ بِنفيِ الريب عَنْهُ، ثُمَّ أضرب عَن ذَلِكَ إِلىَ مَا يقولون فِيهِ عَلَى خلاف ذَلِكَ، إنكارا لَهُ وتعجُّبا مِنْهُ، فإنَّ «أم» مُنقطعة، ثُمَّ أضرب عَنْهُ إِلىَ إثبات أنَّه الحقُّ المنزَّل مِنَ الله وَهُوَ المقصود من تنزيله فقال: {لتُنذِر قَوما مَا أتاهم مِّن نذيرٍ من قبلِكَ} أي: لم يأتهم نذير من قبلك؛ قيل: قَالَ قتادة: «كَانَت أُمَّة أمِّيَّة لم يأتهم نَذير قبل محمَّد - صلى الله عليه وسلم -»؛ وقيل: ذَلِكَ فيِ الفترة التِي كَانَت بين عيسى ومحمَّد - صلى الله عليه وسلم -، إذ كَانُوا أهل فترة، {لَعَلَّهُم يَهتدُونَ (3)} بإنذارك إيَّاهم. ثُمَّ أثبث معنى (1) الربوبيَّة فقال:
{الله الذِي خلق السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما فيِ ستَّة أيَّام، ثُمَّ استوى عَلَى العرش، مَا لكم مِّن دونِه مِن وليٍّ وَلاَ شفيعٍ} مالكم إِذَا جاوزتم رِضَى اللهِ أحدٌ يَنصركم ويشفع لكم؛ أو مَا لكم سواه وليٌّ وَلاَ شفيعٌ، بَل هُوَ الذِي يَتَوَلىَّ مصالحكم وينصركم فيِ مواطن نصركم مَا كُنتُم عَلَى طاعته، وإن خالفتموه لم يتولَّكم وليٌّ وَلاَ ناصر، {أفلا تتذكَّرُونَ (4)} بمواعظ الله!.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «منى»، وَهُوَ خطأ. (3/289)
صفحة 1105
يُدبِّر الأمر مِنَ السَّمَاء إِلىَ الأَرْض} يُدبِّر أمر الدُّنْيَا بأسباب سَماويَّة كالمَلاَئِكَة وغيرها، نازلة آثارها إِلىَ الأَرْض، {ثمَّ يَعرُجُ إِلَيْهِ} يصعد إِلَيْهِ، ويثبت فيِ علمه موجودا، {فيِ يومٍ كَانَ [465] مِقدارُه ألف سنةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)} قيل: فيِ برهة مِنَ الزمان مُتطاولة، يعني بذلك استطالة مَا بين التدبير والوقوع؛ وقيل: يدبِّر الأمر بإظهاره فيِ اللَّوح، فينزل بِهِ الملَك، ثُمَّ يعرج إِلَيْهِ فيِ زمان هُوَ كألف سنة، لأَنَّ مسافة نزوله وعروجه مسيرة ألف سنة، لأَنَّهُ قيل: مَا بين السَّمَاء والأَرْض مسيرة خمسمائة سنة؛ وقيل: يقضي قضاء ألف سنة فينزل بِهِ الملك، ثُمَّ يعرج بعد الألف لألف آخر؛ وَقِيلَ: يُدبِّر الأمر إِلىَ قيام الساعة، ثُمَّ يرجع إِلَيْهِ الأمر كلُّه يوم القيامة؛ وَقِيلَ: يُدبِّر المأمور به مِنَ الطاعات منزَّلا مِنَ السَّمَاء إِلىَ الأرض بالوحي، ثُمَّ لاَ يعرج إِلَيْهِ خالصًا كما يرتضيه إِلاَّ فيِ مدَّة مُتطاولة لقلَّة المخلصين والأعمال الخلَّص؛ ولم يَبِن لَنَا معنى هَذَا القول، وإنَّما رسمناه كما وجدناه (1).
{__________
(1) - ... والعبارة بحرفيَّتها نجدها عند أبي السعود، إِلاَّ أَنَّهُ يعلِّق عَلَيْهَا بقوله: «وأنت خبير بِأَنَّ قِلَّة الأعمال الخالصة لا تقتضي بطء عروجها إِلىَ السماء بل قلَّته»، وَهُوَ تعليق وجيه. انظر: أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص80. (3/290)
صفحة 1106
ذَلِكَ عالِمُ الغيب والشهادة} فيُدبِّر أمرها عَلَى وِفق الحكمة، {العزيزُ الرحيمُ (6)} عَلَى العباد فيِ تدبيره؛ وفيه إيمَاء بأنَّه يُراعي المصالح تفضُّلا وإحسانا. {الذِي أحسنَ كُلَّ شيءٍ خَلَقَهُ} خَلَقَه وَمَا يستعدُّ بِهِ ويليق بِهِ، ويمدُّه عَلَى وِفق الحكمة والمصلحة. قَالَ قتادة: «خلق السَّمَاء فزيَّنها بالكواكب، وخلق الأَرْض فزيَّنها بالنبات، وخلق ابن آدم فزيَّنه بالأدب». {وبدأ خَلقَ الإنسان مِن طِينَ (7)} (لَعَلَّهُ) أي: ضعيفًا (1). {ثمَّ جعل نَسلَه من سلالةٍ من ماء مَهِينَ (8)} (لَعَلَّهُ) من طين (2). {ثمَّ سوَّاه} قوَّمه بتصوير أعضائه عَلَى مَا ينبغي، {ونفخ فِيهِ من رُوحه} إضافته إِلىَ نفسه تشريفا وإشعارا بأنَّه خلقٌ عجيب، وأنَّ لَهُ شأنا، لَهُ مناسبةٌ ما إلى حضرة (3) الربوبيَّة، ولأجله [قيل:] «من عرف نفسه فقد عرف ربَّه». {وجعل لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ} خصوصا لتسمعوا وتُبصروا وتَعقلوا، لتقتحموا العقبة، {قليلاً مَا تَشكرُونَ (9)} شكرا قليلا.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «ضعيف»، والصواب نصبه عَلَى أَنَّهُ حال، أي: «خلق الإِنسَان ضعيفا».
(2) - ... تفسير الماء المهينِ بالطين عدولٌ عن المَعْنَى الظاهر بغير قرينة، وَلَعلَّهُ خطأ من الناسخ. وَفيِ تفسير أبي السعود ــ وَهُوَ المعتمد الأساسيُّ للمصنِّف ــ: «{من ماء مهين} هو المنيُّ الممتهن». أبو السعود: المرجع السابق، ص81.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «الحضرة»، والصواب ما أثبتناه، كما فيِ تفسير أبي السعود. المصدر نفسه. (3/291)
صفحة 1107
وَقَالُوا} بلسان مقالهم؛ أو لسان حالهم: {أئذا ضللنا فيِ الأَرْض} أي: صِرنا تُرابًا مخلوطا بتراب الأَرْض لاَ يتميَّز مِنْهُ، أو غبنا فِيهَا، {أئنَّا لفِي خلقٍ جديد}؟ وَهُوَ نُبعث ونجدَّد خلقا (1)، {بَل هم بلقاء ربِّهم} للجزاء {كَافِرُونَ (10)} جاحدون أو شاكُّون؛ وهذه حالة قد كَانَت سبب هلاك أكثر الخلق مِنَ المتعبّدين واستخفُّوا بعاقبة أمرهم، ولو أنَّهم عَلَى يقين من ذَلِكَ، لمَا بنوا دينهم عَلَى اللَّهو واللَّعب؛ وقد قَالَ الله: {إِلاَّ لنعلم مَن يُؤْمِنُ بالآخِرَة مِمَّن هُوَ منها فيِ شكٍّ} (2) فكيف جعلهم فيِ الدُّنْيَا والعمل صنفين، كمَا فرَّقهم فيِ الآخِرَة والجزاء فريقين (3). {قُل: يتوفَّاكم} ستُوفَّى نُفوسكم لاَ يترك منها شَيْئًا، أو لاَ يبقي منكم أحدا، {مَلَكُ الموت الذِي وُكِّل بِكم} لقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم، {ثمَّ إِلىَ رَبِّكُم تُرجعُونَ (11)} للجزاء.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَفيِ تفسيرَي الزمخشريِّ وأبي السعود: «وهو نبعث أو يجدَّد خلقنا» ولعلَّ الأصوب إضافة “أن” المصدريَّة: «وهو أن نبعث ويجدَّد خلقنا». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 402. أبو السعود: المرجع السابق، ص82.
(2) - ... سورة سبأ: 21. وبتمام الآيَة يتَّضح معناها: {ولقد صدق عليهم إبليسُ ظنَّه فاتَّبعوه إِلاَّ فريقا من المؤمنين، وما كان له عليهم مِّن سلطانٍ إِلاَّ لنعلمَ من يؤمن بالآخرة مِمَّن هو منها في شكٍّ}.
(3) - ... يبدو أَنَّ فيِ العبارة خللا إذ لم يَتَّضِح معناها فيِ هَذَا السياق، وَلَعَلَّ بها سقطا. (3/292)
صفحة 1108
ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رُءوسِهم عند ربِّهم} حياءً وخوفا قائلين: {رَبَّنَا أبصَرنا} وعدك ووعيدك، {وسمِعْنا} منك ما كُنَّا به مكذِّبين، وسمعنا ما آتانا به، رسلنا ... تصديق رُسُلك (1)، {فارجعنا} إِلىَ الدُّنْيَا التِي هِيَ دار العمل، {نعمل صالحا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)} إذ لم يَبق لَنَا شكٌّ بِمَا شاهدنا، فلم يَنفعهم إيقانهم ذاك بعد مَا رأوه عين اليقين، إذ لم يعلموا [466] علم اليقين فيِ الدُّنْيَا، لأَنَّ إيمَانهم ذاك لم يكن إيمانا بالغيب، وقد قَالَ الله: {الذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغيب} (2).
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَفيِ الكشَّاف: «أبصرنا صدق وعدك ووعيدك، وسمعنا منك تصديق رسلك». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 403.
(2) - ... سورة البقرة: 3. (3/293)
صفحة 1109
ولو شئنا لآتينا كُلَّ نفسٍ هُداهَا} هدى السعادة، لأَنَّ هدى البيان قد أُوتيَ كلَّ نفس، {ولكن حقَّ القول مِنِّي} ثبت قضائي، وسبق وعيدي، وَهُوَ: {لأملأنَّ جهنَّم مِنَ الجِنَّة والناس أجمعِينَ (13)} وذلك تصريح بعدم (1) إيمانِهم لعدم المشِيئَة [و] الحكم بأنَّهم من أهل النَّار، وَلاَ يدفعه جعل ذوق العذاب مسبَّبًا عَن نسيانهم العاقبة، وعدم تفكُّرهم فيها لقوله: {فذوقوا بِمَا نَسيتُم لقاء يومكم هَذَا} فإنَّه من الوسائط والأسباب المقتضية لَهُ؛ ومعناه: تركتم الإيمان فيِ الدُّنْيَا، {إِنَّا نَسَيناكم} تركناكم مِنَ الرحمة في العذاب ترك المنسيِّ، {وذوقوا عذاب الخلد بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (14)} كرَّر الأمر للتأكيد، وَلِمَا ينُطُّ (2) بِهِ مِنَ التصريح بمفعوله، وتعليله بأفعالهم السيِّئة، مِنَ التكذيب والمعاصي؛ كمَا علَّله بتركهم تدبُّر أمر العاقبة، والتفكُّر فِيهَا دلالةً أنَّ كُلاًّ منهما يقتضي ذَلِكَ.
{إنَّما يُؤْمِنُ بِآيَاتِنا الذِينَ إِذَا ذُكِّروا بِها} وُعِظوا بها، {خَرُّوا سُجَّدا} مُذعنين مُنقادين، مُسلِّمِينَ أمرهم لله ــ خَوفا من عذابه ــ لاَ يريدون بدلا سواه، {وسبَّحوا} نزَّهوه عمَّا لاَ يليق بِهِ، {بحمد ربِّهم} حامدين لَهُ، شكرا عَلَى ما وفَّقهم للإسلام وآتاهم الهدى، {وَهُم لاَ يستكبِرُونَ (15)} مِنَ الإيمان والطَّاعة، كما يفعل من يصرُّ مُستكبرا. {تَتجافى جُنُوبهم} ترتفع وتَتنَحَّى {عَن المضاجع} الفرش ومواضع النوم، {يَدْعُون ربَّهم} يعبدونه {خوفًا} من سَخطِه {وطمعا} فيِ رحمته، {ومِمَّا رزقناهم يُنفقُونَ (16)} فيِ وجوه الخير.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «بعد».
(2) - ... «النطُّ: الشدُّ، يقال: نطَّه، وناطه ونطَّ الشَّيْءَ ينطُّه نطًّا: مدَّه». ولم يَتَّضِح معناه فيِ هَذَا السياق. ر: ابن منظور: لسان العرب، ج6/ ص661، مَادَّة «نطط». (3/294)
صفحة 1110
فلا تعلم نفس مَا أُخفيَ لَهُم} لاَ ملك مقرَّب، وَلاَ نبيٌّ مُرسل، {من قُرَّةِ أَعيُنٍ} مِمَّا تَقرُّ بِهِ عيونهم، {جزاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} «أُخفِيَ» للجزاء، فإنَّ إخفاءه لِعلوِّ شأنه؛ وقيل هَذَا [لأنَّ] (1) القوم أخفوا أعمالهم، فأخفى الله ثوابهم. {أفمن كَانَ مُؤمِنا كَمَن كَانَ فاسقًا لاَ يَستوُونَ (18)} فيِ الجزاء كما لم يستووا فيِ العمل. {أمَّا الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنَّات المأوى} فإنَّها المأوى الحقيقيُّ، والدُّنْيَا منزل (لَعَلَّهُ) مُرتَحل عَنْهُ لاَ محالة؛ وقيل المأوى جنَّة مِنَ الجنان، {نُزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19)} بسبب أعمالهم.
{وأمَّا الذِينَ فَسقُوا فَمأواهم النارُ} مكَانَ جنَّة المأوى للمؤمنين، {كُلَّما أرادوا أن يَخرجوا منها أُعِيدوا فِيهَا} عبارة عَن خلودهم فِيهَا؛ {وقيل لَهُم: ذوقوا عذاب النار الذِي كُنتُم بِهِ تكذبُونَ (20)} إهانة لَهُم. {ولَنُذيقنَّهم مِنَ العذاب الأدنى دون العذابِ الأكبر (2)} مِن ضيق العذاب وشدَّته عذاب الدُّنْيَا؛ وَهُوَ وعيد لِكُلِّ من فسق عَن أمر الله، فهو مُعذَّب العذاب الأدنى دون المؤمنين، بجميع مَا يناله من مقاساتها وجمعها، والادِّخار لها، وفوات مَحبُوباتها، وَلاَ يُثابون عليه كالمؤمنين، فتستحيل البليَّة عَلَيْهِم نعمة لَهُم، والفاسقون [467] تستحيل النِّعمة لَهُم بليَّة عَلَيْهِم، جزاءً عَلَى تركهم أمر الله، {لَعَلَّهُم يرجعُونَ (21)} يَتوبون.
{__________
(1) - ... من إضافتنا ليستقيم المعنى، أو لعلَّ الصواب: «وَقِيلَ: هؤلاء القوم» كما فيِ تفسير أبي السعود: المرجع السابق، ص85.
(2) - ... في الأصل: «الأنى». - {دون العذاب الأكبر}، وهو سهو. (3/295)
صفحة 1111
ومن أظلم مِمَّن ذُكِّر بِآيَاتِ ربِّه} وَهُوَ قيام الحجَّة بالعلم من أيِّ حال كَانَ، وأثبته وأقواه قيام الدَّلِيل من عقله، {ثمَّ أعرض عنها} فلم يَتفكَّر فِيهَا، ولم يعمل بها، و «ثمَّ» لاستبعاد الإعراض عنها، مَعَ فرط وضوحها، وإرشادها إِلىَ أسباب السعادة بعد التذكير بها عقلا، كما قيل:
ولاَ يكشف الغمَّاء إِلاَّ ابن ... حُرَّة ... يرى غمرات الموت ثُمَّ ... يزورها
{إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتقمُونَ (22)} النقمة: المكافأة بالعقوبة.
{وَلَقَد آتينا موسى الكتاب فلا تكنْ فيِ مِريَة} شكٍّ {من لقائه} من لقائك الكتاب كقوله (1): {وإنَّك لَتُلقَّى القرآن} (2) فإنَّا آتيناك مِنَ الكتاب مثل مَا آتيناه مِنْهُ، فليس ذَلِكَ بِبدع حتَّى ترتاب فِيهِ، أو من لقاء موسى الكتاب، أو من لقائك موسى. {وجعلناه} أي: المنزَّل عَلَى موسى، {هدًى لبَنِي إِسْرَائِيلَ (23)، وجعلنا مِنْهُم أئمَّة يَهدُون بأمرنا} إيَّاهم به، أو بتوفيقنا لَهُ، {لمَّا صبروا} عَلَى التعلُّم للعلم، والعمل بِمَا فِيهِ، {وكَانُوا بِآيَاتِنا} بِحُجَجِنا البالغة لَهُم {يوقِنُونَ (24)} لإمعانهم فيها النظر، واليقين: إزاحة الشكِّ.
{إنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفصل بَيْنَهُم يوم القيامة} يقضي، فيمِيِّز الحقَّ مِنَ الباطل بتمييز المُحقِّ مِنَ المبطل، {فيما كَانُوا فِيهِ يختلفُونَ (25)} من أمر الدِّين. {أولم يَهْدِ لَهُم كم أهلكْنا مِن قبلِهم مِنَ القرون يَمشون فيِ مساكنهم} لأَنَّ الماضي عبرة للآتي، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآياتٍ، أفلا يسمعُونَ (26)}؟!.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «بقوله». وصحَّحناه من تفسير أبي السعود: المرجع السابق، ص86.
(2) - ... سورة النحل: 6. (3/296)
صفحة 1112
أولم يروا أنَّا نسوق الماء إِلىَ الأَرْض الجُرُز} التِي لاَ تنبت لعدم الماء، أو أُكِل نباتها، الذِي (1) جُرِزَ نباتها، أي: قُطِع وأزيل، {فنُخرِج بِهِ زرعا تأكل مِنْهُ أنعامهم وأنفسهم، أفلا يُبصِرُونَ (27)}؟! فيستدلُّون بِهِ عَلَى كمال قدرته وفضله!.
{ويقولون: متى هَذَا الفتح} النصر أو الفصل بالحكومة من قوله: {رَبَّنَا افتح بيننا} (2)، {إنْ كُنتُم صادقِينَ (28)} فيِ الوعد بِهِ. {قُلْ: يوم الفتح لاَ ينفع الذِينَ كَفَرُوا إيمانهم وَلاَ هم يُنظرُونَ (29)} قيل: هُوَ يوم القيامة، أو يوم بدر، أو يوم فتح مكَّة؛ والمراد بالذين كَفَرُوا: المقتولون مِنْهُم فِيهِ، فإنَّه لاَ ينفعهم إيمانهم حين القتل، وَلاَ يُمهلون.
{فأعرض عَنْهُم} وَلاَ تُبالي بتكذيبهم، {وانتظر} النصرة عَلَيْهِم {إنَّهم مُنتظرُونَ (30)} الغلبة عليك؛ وقرئ بالفتح، عَلَى معنى أنَّهم أحقَّاء بأن يُنتظَر هلاكُهم، وأنَّ مَلاَئِكَة الموت ينتظرونهم.
- - - -
سورة الأحزاب
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا النبيُّ اتَّق الله} ناداه بالنبيِّ، وأمره بالتقوى، تعظيما لَهُ، وتفخيما لشأن التقوى؛ والمراد بِهِ: الأمر بالثبات عليه، ليكون مانعا لَهُ عمَّا نهى عَنْهُ بقوله: {وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ والمنافقينَ، إِنَّ اللهَ كَانَ عليما حكيما (1)، واتَّبع مَا يوحَى إليك مِن ربَّك} كالنهي عَن طاعتهم. {إنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خبيرا (2)} فَمُوحٍ إليك مَا يصلح، ومُغنٍ (لَعَلَّهُ) عَن الاستماع إِلىَ الكفرة. {وتوكَّل عَلَى الله} وَكِل أمرك إلى تدبيره، {وكفى بالله وكيلا (3)} موكولا إِلَيْهِ الأمور كلُّها.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: «أو التي».
(2) - ... سورة الأعراف: 89. وقد جاءت عَلَى لسان شعيب وقومه المؤمنين، وتمامها: {على الله توكلنا، ربَّنا افتح بيننا وبين قومنا بِالحَقِّ وأنت خير الفاتحين}. (3/297)
صفحة 1113
مَا جعل الله لرجل مِن قلبين [468] فيِ جوفه} أي: مَا جمع قلبين فيِ جوف، لأَنَّ القلب معدن الروح الحيوانيِّ المتعلِّق للنفس الإنسانيِّ أوَّلاً، ومنبع القوى بأسرِها، وذلك بمنع (1) التعدُّد.
{وَمَا جعل أزواجكم اللائي تُظَاهِرون منهنَّ أُمَّهاتكم، وَمَا جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولُكم بأفواهكم} لاَ حقيقة لَهُ، كقول الهاذي، {والله يقول الحَقَّ} ماله حقيقة عينيَّة مُطابقة، {وَهُوَ يهدي السبيل (4)} سبيل الحقِّ. {ادعوهم لآبائهم هُوَ أقسطُ عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانُكم فيِ الدين ومَواليكم} وأولياؤكم فِيهِ، لأَنَّهُم خلقوا عَلَى الفطرة والدين القيِّم مَا لم تعلموا مِنْهُم خلافا، {وليس عَلَيْكُم جناح فيما أخطأتم بِهِ، ولكن مَا تعمَّدت قلوبكم، وكَانَ الله غَفُورا رحيما (5)}.
& {النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفُسِهم} فيِ الأمور كُلِّها، فإنَّه لاَ يَأْمُرُهم وَلاَ يرضى مِنْهُم إِلاَّ بِمَا فِيهِ خلاصهم ونجاتهم بخلاف النفس، {وأزواجُه أُمَّهاتُهم} مُنزَلاتٌ مَنزلتهنَّ فيِ التحريم واستحقاق التعظيم، باختيارهنَّ الإيمان بعد التخيير، ولذلك صرن أُمَّهات المؤمنين، {وأولو الأرحام} وذوو القربات {بعضُهم أولىَ ببعض} فيِ التوارث، وَهُوَ نسخ لمَا كَانَ فيِ صدر الإسلام مِنَ التوارث [بالهجرة والموالاة فيِ الدين] (2)، {فيِ كِتَاب الله} فيِ اللَّوح، أو فيما أنزل، {من المؤمنين والمهاجرين} أي: أولوا الأرحام بحقِّ القرابة أولى بالميراث مِنَ المؤمنين بحقِّ الدين، {إلاَّ أن تَفعلوا إِلىَ أوليائكم} (لَعَلَّهُ) فيِ الدين {معروفا} لكن إن وصلتموهم بشيء مِنَ الثلث والإحسان إِلَيْهِم بالمال والنفس فيِ الحياة {كَانَ ذَلِكَ فيِ الكتاب مَسطُورا (6)}.
{__________
(1) - ... يمكن أن نقرأ: «يمنع»، أو «لِمنع».
(2) - ... إضافة من تفسير أبي السعود ليستقيم المعنى. مج4/ ج7/ ص91. (3/298)
صفحة 1114
وإذ أخذنا مِنَ النبيِّين ميثاقَهم} عهودهم بتبليغ مَا أرسلوا بِهِ، {ومنك ومن نوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى ابن مَرْيَم} خصَّهم بالذكر لأَنَّهُم مَشاهير أرباب الشرائع، {وأخذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا (7)} عظيم الشأن. {ليسألَ الصادقين عَن صدقهم} سؤال رحمة لاَ سؤال عذاب، {وأعدَّ للكَافِرِينَ عذابًا أليمًا (8)}.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اذكروا نعمة الله عَلَيْكُم إذ جاءتكم جنود} يعني الأحزاب، {فأرسلنا عَلَيْهِم ريحا وجنودا لم تروها} قيل: بعث الله عَلَيْهِم صبًا باردة فيِ ليلة شاتية فأخصرتهم (1)، وسفَّت التراب فيِ وجوههم وأُطفئت نيرانهم، وقلعت خيامهم، وماجت الخيل فيِ بعضها البعض، وكبَّرت المَلاَئِكَة فيِ جوانب العسكر، وقال قائلهم: «أما محمَّد فقد بدأكم بالسِّحر فالنجا النجا» فانهزموا من غير قتال، {وكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بصيرا (9)}.
{__________
(1) - ... كذا فيِ تفسيرَي الزمخشريِّ وأبي السعود، وفيِ اللسان: «الخَصَر بالتحريك البرد يجده الإِنسَان فيِ أطرافه ... وخصر الرجل: إذا آلمه البرد فيِ أطرافه». فأخصرتهم: أوقعتهم فيِ الخصر، أي البرد وآلمت أطرافهم. ويمكن أن تكون الكلمة بالحاء المهملة: «فأحصرتهم»، قال فيِ اللسان: «والحَصَر: ضيق الصدر ... وأحصره المرض: منعه من السفر أو من حاجة يريدها»، لهذا فيمكن أن يكون المُرَاد بقوله: «فأحصرتهم» فمنعتهم وحبستهم عن مرادهم من أذى المسلمين وقتالهم. وَالله أعلم. ر: الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 417. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص93. ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص650، مَادَّة «حصر»؛ ج2/ ص839 - 841، مَادَّة: «خصر». الفيروزآبادي: القاموس، ص339، مَادَّة: «حصر». (3/299)
صفحة 1115
إذ جاءوكم مِن فوقكم} من أعلا الوادي، {ومن أسفل منكم} من أسفله {وإذ زاغت الأبصار} مالت عَن مستوى نَظرها حَيرة وشخوصا، {وبلغت القلوب الحناجر} رُعبا، لأَنَّ الرئة تنتفخ من شدَّة الروع، فترتفع بارتفاعها إِلىَ رأس الحنجرة، وهي مُنتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب، {وتظنُّون بالله الظنونا (10)} الأنواع مِنَ الظنِّ، فظنَّ المخلصون [569] ثَبْتُ القلوبِ أنَّ الله مُنجز وعده فيِ إعلاء دينه، أو مُمتَحنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال؛ والضعافُ القلوبِ والمنافقون مَا حَكَى عَنْهُم. {هنالك ابتُلي المؤمنون} اختبروا فظهر المخلص مِنَ المنافق، {وزُلزلوا زلزالا شديدا (11)} وحُرِّكُوا حركة شديدة بشدائد وأهوال.
{وإذ يقول} بلسان مقالهم أو لسان حالهم {المنافقون وَالذِينَ فيِ قلوبهم مرض} ضعف اعتقاد، {مَا وعدنا الله ورسوله إِلاَّ غرورا (12)} (لَعَلَّهُ) وذلك مِمَّا خَيَّل لَهُم الشيطان، ولم يعلموا أنَّهم هم فيِ الغرور، لقوله تعالى: {إن الكَافِرونَ إِلاَّ فيِ غرور} (1)، وقوله: {فدلاَّهما بغرور} (2)، فقد حكم الله وأخبر أنَّ كلَّ مَا يدعو إِلَيْهِ الشيطان فهو غرور، وكلَّ مَا وعد بِهِ الله وملائكته ورُسله، وَمَا جاء فيِ كُتُبه، وَمَا ألهمه خلقه مِنَ الحقِّ، يدعو النَّاسَ إبليسُ عَلَى أنَّ ذَلِكَ غرور وباطل، قولا باطلا.
{__________
(1) - ... سورة الملك: 20.
(2) - ... سورة الأعراف: 22. (3/300)
صفحة 1116
وإذ قالت طائفة مِنْهُم: يا أهل يثرب، لاَ مقامَ لكم} هاهنا فارجعوا} إلى منازلكم هاربين، {ويستأذن فريق مِنْهُم النبيَّ} للرجوع، {يقولون: إنَّ بُيُوتنا عورة} غير حصينة، وأصله: الخلل، {وَمَا هِيَ بعورة} بَل هِيَ حصينة، {إن يُريدُون إِلاَّ فرارا(13)} وَمَا يُريدون بذلك إِلاَّ الفرار مِنَ القتال. {ولو دُخلت عَلَيْهِم من أقطارها} من جوانبها، {ثمَّ سُئلوا الفتنة} الردَّة، ومقابِلُهُ: {لآتوها} لأعطوها، وقُرئ بالقصر، أي: لفعلوها {وَمَا تلبَّثوا بها} بالفتنة أو بالمدينة بعد الرجوع {إلاَّ يسيرا(14)، وَلَقَد كَانُوا عاهدوا الله من قبل لاَ يولُّون الأدبار، وكَانَ عهد الله مسئولا(15)} مسؤولا عَن الوفاء بِهِ مُجازٍ.
{قل: لن يَنفعكم الفرار إن فررتم مِنَ الموت أو القتل} فإنَّه لا بُدَّ لِكُلِّ شخص من حتف أنف، أو قتل فيِ وقت مُعيَّن، سبق بِهِ القضاء وجرى عليه القلم، {وإذًا لاَ تُمَتَّعون إِلاَّ قليلا(16)، قل: من ذا الذِي يَعصمكم مِنَ الله إن أَرَادَ بكم سوءا أو أَرَادَ بكم رحمة، وَلاَ يجدون لَهُم من دون الله وليًّا} ينفعهم، {وَلاَ نصيرا(17)} يدفع الضُّر عَنْهُم.
{قد يعلمُ الله المعوِّقين منكم} المثبِّطين عَن رسول الله، {والقائلين لإخوانهم} من ساكني المدينة: {هلُمَّ إلينا} قَرِّبُوا أنفسكم إلينا، {وَلاَ يأتون البأس إِلاَّ قليلا(18)} فإنَّهم يعتذرون ويُثبِّطون مَا أمكن لَهُم.
{ (3/301)
صفحة 1117
أشحَّةً عليكم} بُخلاء عَلَيْكُم بالمعاونة، {فإذا جاء الخوف رأيتهم يَنظرون إليك تَدورُ أعينُهم} فيِ أحداقهم {كالذي يُغشَى عليه مِنَ الموت} من مُعالجة سكرات الموت، {فإذا ذهب الخوفُ} وحيزت الغنائم {سَلَقوكم بألسنةٍ حِدَادٍ} يطلبون الغنيمة؛ والسلق: البسط بقهر اليد أو باللسان، {أشحَّةً عَلَى الخير، أُولَئِكَ لم يُؤمنوا} إخلاصا، {فأحبط الله أعمالهم} فأظهر بطلانهم، أو أبطل تصنُّعهم ونفاقهم، أو أبطل مَا فعلوه مِنَ المَبَارِّ، {وكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يسيرا(19)}.
{يحسَبون الأحزابَ لم يذهبوا} أي: هؤلاء [470] لجبنِهم يظنُّون أنَّ الأحزاب لم ينهزموا، {وإن يأتِ الأحزاب} كرَّة ثانية {يودُّوا لو أَنَّهُمْ بادون فيِ الأعراب} تمنَّوا أنَّهم خارجون فيِ البدو، {يسألون} كلَّ قادم من جانب المدينة {عَن أنبائكم} عمَّا جرى عَلَيْكُم، {ولو كَانُوا فيكم} هَذِهِ الكرَّة، ولم يرجعوا إِلىَ المدينة، وكَانَ قتال، {مَا قاتلوا إِلاَّ قليلا(20)} رياء وخوفا من التعيير.
{لَقَد كَانَ لكم فيِ رسول الله أسوة حسنة} خصلة حسنة من حقِّها أن يتأسَّى بها كلُّ مُؤْمِن، كالثبات فيِ الحرب ومقاساة الشدائد، {لمن كَانَ يرجو الله واليومَ الآخر} أي: ثواب الله، {وذَكَرَ اللهَ كثيرا(21)} وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدِّية إِلىَ مُلازمة الطاعة، فإنَّ المتأسِّيَ بالرسول من كَانَ كذلك.
{ (3/302)
صفحة 1118
وَلَمَّا رأى المؤمنون الأحزاب، قَالُوا: هَذَا مَا وَعَدَنا اللهُ ورسولُه} بقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة وَلَمَّا يأتكم مَثَلُ الذِينَ خلوا من قبلكم} (1)، وقوله - عليه السلام -: «يشتدُّ الأمر باجتماع الأحزاب عَلَيْكُم والعاقبة لكم عليهم» (2)، {وصدق اللهُ ورسولُه} وظهر خبر الله ورسوله، أو صدقه فيِ النصرة والثواب كما صدقا فيِ الإظهار، {وَمَا زادهم} لمَّا رأو البلاء {إلاَّ إيمَانا} بالله ومواعيده، {وتسليما (22)} لأوامره ومقاديره.
{مِنَ المؤمنين رجالٌ صَدَقوا مَا عاهدوا الله عليه} مِنَ الثبات مَعَ الرَّسول والمقاتلة لأعداء الدِّين، {فمنهم مَن قَضَى نَحبَه} نذره، بِأَن قاتل حتَّى استشهد، والنحب: النذر، استعير للموت لأَنَّهُ كنذر لازم فيِ رقبة كُلِّ حيوان، {ومنهم مَن يَنتظر} الشهادة، {وَمَا بدَّلوا} شَيْئًا مِنَ الدِّين، وَمَا غيَّروه، {تبديلا (23)} فِيهِ تعريض لأهل النفاق ومِرَاضِ (3) القلوب بالتبديل، {ليجزيَ الله الصادقين بصدقهم؛ ويعذِّب المنافقين إن شاء، أو يَتُوب عليهم} تعليل للمنطوق والمعرَّض بِهِ، فكأنَّ المنافقين صدَّقوا بالتبديل عاقبة السوء، كما قصد الخُلَّص بالثبات والوفاء، {إنَّ الله كَانَ غَفُورا رحيما (24)} للتائب.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 214.
(2) - ... لم نعثر عَلَيْهِ فيِ الربيع، ولا فيِ الكتب التسعة، ولا فيِ الجامع الصغير وزياداته.
(3) - ... يجمع مريض عَلَى مرضى، وَعَلَى مِراض كما أورده المُصَنِّف هنا، قال فيِ القاموس: «مرِض كفرح، مرَضا، ومرْضا، فهو مرِض ومريض ومارض، ج: مِراضٌ ومرضَى ومَرَاضَى». الفيروزآبادي: القاموس، ص587، مَادَّة: «مرض». (3/303)
صفحة 1119
وردَّ الله الذِينَ كَفَرُوا} يعني: الأحزاب {بغيظهم} مُتغيِّظين {لم يَنالوا خيرا} غير ظافرين، {وكفى الله المؤمنين القتالَ} بهزيمتهم بالريح والمَلاَئِكَة، {وكَانَ الله قويًّا} عَلَى إيجاد مَا يريده، {عزيزا(25)} غالبا عَلَى كُلِّ شيء. {وأنزل الذِينَ ظاهروهم} ظاهروا الأحزاب، أي: عاونوا الأحزاب {من أهل الكتاب من صياصيهم} من حصونهم، {وقَذَفَ فيِ قلوبهم الرعبَ} الخوفَ، {فريقًا تَقتُلون، وتأسِرون فريقا(26) وأورثكم أرضَهم} مزارعهم، {وديارهم} حصونهم، {وأموالَهم} نُقودهم ومواشيهم وأثاثهم، {وأرضا لم تطئوها} قيل: كلَّ أرض تفتح، {وكَانَ الله عَلَى كُلِّ شيء قديرا(27)}.
{يَا أَيُّهَا النبيُّ، قل لأزواجك: إن كُنتُنَّ تُردْنَ الحياةَ الدُّنْيَا} السعة والتنعُّم فِيهَا، لا التزوُّد منها، [471] {وزينتَها} زخارفها الظاهرة، كما الذِينَ لا يعلمون إِلاَّ ظاهرا مِنَ الحياة الدُّنْيَا وَهُم عَن الآخِرَة هم غافلون، {فتعالَيْنَ أمتِّعْكُنَّ} أعطكنَّ المتعة، {وأسرِّحْكنَّ سَراحا جميلا(28} طلاقا من غير ضرار وبدعة، كَأنَّ هَذِهِ الآية تدلُّ عَلَى أنَّه نَهَى عَن مُعاشرة الأزواج المنافقات، وَكَأَنَّهُ خُصَّ بهذا دون أمَّته. {وإن كنتُنَّ تُردْنَ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخِرَةَ، فإنَّ الله أعدَّ للمحسِنات مِنكُنَّ أجرا عظيما(29)} تستحقر دونه الدُّنْيَا وزينتها.
{يا نساء النبيِّ مَن يأت مِنكنَّ بفاحشةٍ مُبيَّنة} ظاهرٍ قُبحُها، {يضاعفْ لها العذاب ضِعفَيْن، وكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يسيرا(30) ومن يَقنتْ مِنكنَّ} ومن تُدم عَلَى الطاعة {لله ورسولِه وتعملْ صالحا، نؤتِها أجرها مرَّتين} قيل: مرَّة عَلَى الطاعة، ومرَّة عَلَى طلبهنَّ رضَى النبيِّ بالقناعة وحُسن المعاشرة، {وأعتدنا لها رزقا كريما(31)} فيِ الجنَّة عَلَى أجرها.
{ (3/304)
صفحة 1120
يا نساء النبيِّ، لستُنَّ كأحدٍ مِنَ النساء إن اتَّقيتُنَّ} مخالفة حكم الله ورضَى رسولِه، {فلا تخضعْنَ بالقول} مثل قول المُريبات، {فيطمعَ الذِي فيِ قلبه مرضٌ، وقُلن قولا معروفا (32)} حسنا بعيدا عَن الريبة، {وَقَرْنَ فيِ بيوتكنَّ} أمرهنَّ الله بالوقار والقرار جميعا، وقُرئ: وقَرن، بفتح القاف (1)، أي: اِلزمن فيِ بيوتكنَّ (2)، ومن كسره: فهو أمر بالوقار، {وَلاَ تبرَّجْن تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّة الأولى} تبرُّجًا مثل تبرُّج النساء فيِ أيَّام الجاهليَّة القديمة، والجَاهِلِيَّة الأولى: هِيَ التي قبل ظهور الإسلام، وهي جاهليَّة الكفر. والتبرُّج: هُوَ إظهار مَا وجب (لَعَلَّهُ) إخفاؤه، {وأقِمْنَ الصلاةَ وآتينَ الزكاةَ وأطِعْنَ اللهَ ورسوله} فيِ سائر مَا أمركُنَّ بِهِ، ونهاكُنَّ عَنْهُ، {إنَّما يُريد الله ليُذهبَ عنكم الرجسَ} الذنب المدنِّس لعِرضكم، {أهلَ البيتِ ويُطهِّرَكم} عَن المعاصي {تطهيرا (33} استعار الرجس للمعصية، والترشيح (3) بالتطهير للتنفير عنها.
{__________
(1) - ... اعتمدنا قراءة حفص فيِ ضبط الآيات، وهي تَتَّفِقُ مع قراءة ورش عَلَى فتح القاف. قال الألوسي: «{وَقَرْنَ} مِن قرَّ يقرُّ من باب علم، أصله: «اقررن» ... وقرأ الأكثر: «وقِرن» بكسر القاف، من وقر يقر وقارا إذا سكن وثبت، أصله: أوقرن». الألوسي: روح المعاني، ج22/ ص6.
(2) - ... لَعَلَّ الأصوب: «اِلزَمْنَ بيوتَكنَّ»، فالفعل يتعدَّى بنفسه، بلا حرف الجرِّ.
(3) - ... فيِ القاموس: «الترشيح: التربية، وحسن القيام عَلَى المال». الفيروزآبادي: القاموس، ص199، مَادَّة: «رشح». (3/305)
صفحة 1121
واذكرْنَ مَا يُتلَى فيِ بُيُوتكُنَّ من آيات الله والحكمة} مِنَ الكتاب الجامع بين الأمرين؛ وَهُوَ تذكيرٌ بِمَا أنعم عليهنَّ من حيث جعلهنَّ أهل بيت النبوَّة ومهبط الوحي، وَمَا شاهدن من بركات الوحي مِمَّا يُوجب قوَّة الإيمان، والحرص عَلَى الطاعة، حثًّا عَلَى الانتهاء والائتمار في مَا كلِّفن بِهِ، {إنَّ الله كَانَ لطيفا خبيرا (34)} يعلم ويُدبِّر مَا يصلح للدارين.
{إنَّ المُسْلِمِينَ والمسلمات} الداخلين فيِ السلم لحكم الله، {والمؤمنين والمؤمنات} المصدِّقين بِمَا يَجِبُ أن يُصدَّقَ، {والقانتين والقانتات} المداومين عَلَى الطاعة، {والصادقين والصادقات} فيِ القول والعمل والنية، {والصابرين والصابرات} عَلَى الطاعات وعن المعاصي، {والخاشعين والخاشعات} المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم، {والمتصدِّقين والمتصدِّقات} بالواجب وغيره من أموالهم، {والصائمين والصائمات} المفروضَ وغيرَه، {والحافظين فروجهم والحافظات} عن الحرام، {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} بقلوبهم وألسنتهم ذكر إخلاص بما يردعهم عن المعاصي، وينهضهم إلى الطاعات، ولا يكون من الذاكرين الله كثيرا حتَّى يذكره فيِ جميع أحواله، {أعدَّ الله لَهُم مغفرة} بِمَا اقترفوا مِنَ الصغائر لأنَّهنَّ مُكفَّرات مَعَ الانتهاء عَن الكبائر، {وأجرا عظيما (35)} عَلَى طاعتهم.
{وَمَا كَانَ لمؤمن وَلاَ مُؤمِنة} مَا صحَّ له {إِذَا قضى اللهُ ورسولُه أمرًا أن يَكون لَهُمُ الخيرة من أمرهم} يقول: مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة فيما (1) اختاره الله وقضاه لَهُم وعليهم؛ بَل ليس لَهُم أن يختاروا من أمرهم شَيْئًا، بل يجب عَلَيْهِم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله، {ومن يَّعْصِ اللهَ ورسوله} فيما أمر بِهِ من قضائهما، {فقد ضلَّ ضلالا مبينا (36)} بَيِّنَ الانحرافِ عَن طريقة الصواب.
{__________
(1) - ... في الأصل: + «فيما»، وَهُوَ تكرار. (3/306)
صفحة 1122
وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} بتوفيقه للإسلام، وتوفيقك لعتقه، {وأنعمتَ عليه} بِمَا وفَّقك الله فِيهِ، قيل هُوَ زيد بن حارثة، {أَمسِكْ عليك زوجَك} زينبَ، {واتَّقِ اللهَ} فيِ أمرها، {وتخفي فيِ نفسك مَا الله مُبدِيه} هُوَ نكاحها إن طلَّقها، أو إرَادَة طلاقها، {وتخشى الناس} تعيِيرهم إيَّاك بِهِ، {والله أحقُّ أن تخشاه} أوجب أن يخشى، وليست المعتابة عَلَى الإخفاء وحده فإنَّه حسن، بَل عَلَى الإخفاء مخافة قالة الناس، وإظهار مَا يُنافي إضماره، فإنَّ الأَولى بِهِ في أمثال ذَلِكَ [أن] يَصمت ويفوِّض الأمر إِلى ربِّه وَهَذَا من أعمال الباطن.
{فَلَمَّا قضى زيد منها وطرا} حاجة (لَعَلَّهُ) طلَّقها كرامة للنبيِّ، فزوَّجها الله بنبيِّه، كما قَالَ: {زوَّجناكها، لكي لاَ يكون عَلَى المؤمنين حرج فيِ أزواج أدعيائهم إِذَا قَضَوْا مِنهنَّ وطرا} بالنكاح وطلَّقوهنَّ، أو ماتوا عنهنَّ، {وكَانَ أمر الله مفعولا (37)} أمره الذِي يريده مكُونا لاَ محالة.
{مَا كَانَ عَلَى النبيِّ من حرج فيما فَرَضَ اللهُ لَهُ} قسم لَهُ وقدَّر، {سُنَّةَ الله} من ذَلِكَ سُنَّته {فيِ الذِينَ خَلَوْا من قبلُ، وكَانَ أمرُ الله قَدَرا مقدورا (38)} قضاء مَقضيًّا، وحكما مَثبوتا. {الذِينَ يُبلِّغون رسالات الله ويَخشونه، وَلاَ يخشَوْنَ أحدا إِلاَّ اللهَ} لاَ يخشون مقالة النَّاس وَلاَئمتهم فيما أحلَّ الله لَهُم، وفرض عليهم، {وكفى بالله حسيبا (39)} كَافيا (1) للمخاوف، أو محاسبا، فينبغي أن لاَ يُخشى إِلاَّ مِنْهُ.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «كان»، ولا مَعْنَى له، والصواب ما أثبتناه من تفسير أبي السعود مج4/ ج7/ ص106. (3/307)
صفحة 1123
مَا كَانَ محمَّدٌ أبَا أحدٍ من رجالكم، ولكن رسولَ اللهِ وخاتَمَ النبيِّين وكَانَ الله بِكُلِّ شيء عليما (40) يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41)} قيل: خالصا، (لَعَلَّهُ) أو بغالب (1) الأوقات، ويَعمُّ أنواع مَا [هو] أهله مِنَ التقديس والتحميد والتهليل والتمجيد؛ وَقِيلَ: فيِ جميع أحوالكم التِي يجب عَلَيْكُم فِيهَا ذكر الله تعالى، [473] لأَنَّهُم إِذَا ذكروا الله فيِ شيء دون شيء صار ذكرا قليلا، ولم ينفع، كمن يُؤْمِنُ ببعض الكتاب ويكفر ببعض، {وسبِّحوه بُكرةً وأصيلا (42)} أوَّل النَّهَار وآخرَه خُصُوصًا، أو تخصيصهما بالذكر للدلالة عَلَى فضلهما عَلَى سائر الأوقات، وَقِيلَ: المراد بالتسبيح: الصلاةُ أو الطاعة عُمُومًا، وهذا يستوعب كلَّ النَّهَار، وذلك مَا دام المتعبّد مُعتصما بالجملة غير خارج منها بشيء من معاصي الله تعالى، فهو في الحقيقة مُوَحِّد لله، وذاكرٌ لَهُ، ومُسبِّح لَهُ، وإن لم يُسَبِّح بلسانه.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «بغلب»، وَهُوَ خطأ. (3/308)
صفحة 1124
هُوَ الذِي يُصلِّي عَلَيْكُم وملائكتُه} فقيل: صلاة الله عَلَيْهِم: رحمته لَهُم، وغفرانه لذنوبهم، وصلاة المَلاَئِكَة لَهُم: استغفارهم لَهُم ليس بالركوع والسجود [وَإِنَّمَا] بالاستغفار لكم والقيام بِمَا يصلحكم، والمُرَاد بالصلاة المشترك وَهُوَ العناية بصلاح أمركم وظهور شرفكم، (لَعَلَّهُ) مستعار مِنَ الصلْوِ، وقيل: الترحُّم والانعطاف المعنويُّ مأخوذ مِنَ الصلاة المشتَملة عَلَى الانعطاف الصوريِّ الذِي هُوَ الركوع والسجود؛ واستغفارُ المَلاَئِكَة ودعاؤهم للمؤمنين ترحم عَلَيْهِم سِيَما وَهُوَ سبب للرحمة من حيث إنَّهم مجابو الدعوة، {ليُخرِجَكم مِّنَ الظلمات إِلىَ النور} ليحفظكم بتوفيقه من ظلمات الكفر والمعصية إِلىَ نور الإيمان والطَّاعة، {وكَانَ بالمؤمنين رحيما (43)} حيث تفَضَّل عَلَيْهِم بصلاح أمرهم واستعمل فيِ ذَلِكَ ملائكته المقرَّبين.
{تحيَّتُهم يومَ يَلقَونَه} عند الموت أو القيامة؛ أو دخول الجنَّة {سلامٌ} إخبار بالسلامة عَن كلِّ مكروه وآفَةٍ، {وأعدَّ لَهُم أجرا كريما (44)} هِيَ الجنَّة.
{يَا أَيُّهَا النبيُّ إِنَّا أرسلناك شاهدا} عَلَى مَا بعتث إِلَيْهِم، بتصديقهم وتكذيبهم، {ومبشِّرا ونذيرا (45) وداعيًا إِلىَ الله} إِلىَ الإِقْرَار بِهِ وبتوحيده، وبما يجب الإيمان بِهِ من صفاته. {بإذنه} بتيسيره، أطلق لَهُ من حيث إنَّه من أسبابه، وقيَّد به الدعوة إيذانا بأنَّه أمرٌ صعب لا يتأتَّى إِلاَّ بمعونة مِنْهُ، {وسِراجا منيرا (46)} يُستضَاء بِهِ عَن (1) ظلمات الجهالة، وتقتبس من نوره أنوارُ البصائر.
{__________
(1) - ... الأصوب: «في». (3/309)
صفحة 1125
وبَشِّر المؤمنين بأنَّ لَهُم مِّنَ الله فضلا كبيرا (47)} عَلَى أجر أعمالهم. {وَلاَ تُطِع الْكَافِرِينَ والمنافقين} تهييج لَهُ على مَا هُوَ عليه من مخالفتهم، {ودَع أذاهم} إيذاءَهم إيَّاك، وَلاَ تحفل بِهِ، أو إيذاك إيَّاهم مجاراةً (1)، {وتوكَّل عَلَى الله وكفى بالله وكيلا (48)} موكولا إِلَيْهِ الأمر فيِ الأحوال كلِّها.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا إِذَا نَكحتُم المؤمناتِ ثُمَّ طلَّقتموهنَّ من قبلِ أن تَمَسُّوهنَّ فما لكم عَلَيهِنَّ من عدَّة تعتدُّونها} تُحصونها عليهنَّ بالأَقراء والأشهر، {فمتِّعوهنَّ وسرِّحوهنَّ} خلُّوا سبيلهنَّ، {سراحا جميلا (49)} كما أمر الله. (سراحا جميلا) (2).
{يَا أَيُّهَا النبيُّ إِنَّا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيتَ أجورَهنَّ وَمَا ملكت يمينُك مِمَّا أفاء الله عليك، وبناتِ عمِّك وبناتِ عمَّاتك وبناتِ خالِك وبناتِ خالاتك اللاتي هاجرن معك، وامرأةً مؤمنةً إن [374] وهبت نفسها للنبيِّ إن أَرَادَ النبيُّ أن يستنكحها خالصةً لك من دون المؤمنين} ليس لأحد مِنَ المؤمنين دونك؛ {قد عَلِمْنَا مَا فَرضْنَا عَلَيْهِم فيِ أزواجهم وَمَا ملكت أيمانُهم لكيلا يكونَ عليك حرجٌ، وكَانَ الله غَفُورا رحيما (50)}.
{__________
(1) - ... يمكن أن نقرأ: «مجازاةً»، وكِلا المعنيين جائزان.
(2) - ... ما بين قوسين تكرار لا مَعْنَى له. (3/310)
صفحة 1126
تُرجِي من تشاء مِنهُنَّ} تترك مضاجعتها، {وتُؤِوي إليك من تشاء}، وتضمُّ إليك وتضاجعها، {ومن ابتَغَيْتَ} طلبت، {مِمَّن عَزلتَ فلا جُناح عليك؛ ذَلِكَ أدنى} أقرب {أن تَقَرَّ أعيُنهنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ ويَرضَيْنَ بِمَا آتيتَهنَّ كلُّهنَّ} ذَلِكَ التفويض إِلىَ مشيئتك أقرب إِلىَ قرَّة أعينهنَّ، وقِلَّة حُزنهنَّ، ورضائهنَّ جميعا، لأَنَّهُ حكم لهنَّ كلهنَّ فِيهِ سواء، ثُمَّ إن سوَّيت بينهنَّ وجدن ذَلِكَ تفضُّلا منك، وإن رجَّحت بعضهنَّ عَلمنَ أنَّه بحكم الله فتطمئنَّ نفوسهنَّ، {والله يعلم مَا فيِ قلوبكم} من أمر النساء والميل إِلىَ بعض دون بعض. {وكَانَ الله عليما حليما(51)}.
{لاَ يَحلُّ لك النساء من بعدُ وَلاَ أن تَبدَّلَ بهنَّ من أزواج ولو أعجبك حُسنُهنَّ} حسن الجمال والدِّين، {إِلاَّ مَا ملكت يمينُك، وكَانَ الله عَلَى كُلِّ شيء رقيبا(52)} فتحفظوا أمركم وَلاَ تتخطَّوا مَا حدَّ لكم.
{ (3/311)
صفحة 1127
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تدخلوا بيوت النبيِّ إِلاَّ أن يُؤذَن لكم} إِلاَّ مَأذونا لكم {إِلىَ طعام} مُتَعَلِّق بـ«يؤذن»، لأَنَّهُ متضمِّن معنى يُدعى، للإشعار بأنَّهُ لا يحسنُ الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أذن، كما أشعر بِهِ قوله: {غير ناظرين إِناه} غير منتظرين وقته، أو إدراكه، {ولكن إِذَا دُعِيتم فادخلوا، فإذا طَعِمتم فانتشِروا} تفرَّقوا وَلاَ تمكثوا؛ والآية خطاب لقوم كَانُوا يتحيَّنون طعام رسول الله، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، مخصوصة وبأمثالهم، وَإِلاَّ لَمَا جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام وَلاَ اللبث بعد الطعام لمهمٍّ؛ والآية كأنَّها مخصوصة فيِ الظاهر بالنهي عَن الدخول لبيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن يقتضي معناها المنع عَن الدخول إِلىَ الأكل لجميع البيوت، إِلاَّ بدعوة أو دلالة سبقت لها الأمارات عَلَى إباحتها. {وَلاَ مُستأنِسين لحديثٍ} لحديث بعضكم بعض، أو لحديث أهل البيت بالتسمُّع لَهُ، عطف عَلَى «ناظرين»، أو مقدَّر بفعلٍ، أي: وَلاَ تدخلوا وَلاَ تمكثوا مستأنسين، {إنَّ ذلكم} اللبث {كَانَ يؤذي النبيَّ} لتضييق المنزلة عليه، وعلى أهله، وإشغاله بِمَا لاَ يعنيه عمَّا يعنيه. {فيستحيي منكم} من إخراجكم، لقوله: {والله لاَ يستحيي مِنَ الحَقِّ} يعني أنَّ إخراجكم حقٌّ فينبغي أن لا يترك حياء كما لاَ يتركه الله ترك الحييِّ، فأمركم بالخروج.
{ (3/312)
صفحة 1128
وإذا سألتموهنَّ متاعا} مَا ينتفع بِهِ، {فاسألوهنَّ من وراء حجاب} أي: سترٍ. روي أنَّ عمر قَالَ: «يا رسول الله يدخل عليك البَرُّ والفاجر، فلو أمرت أمَّهات المؤمنين بالحجاب»، فنزلت (1). {ذلكم أطهرُ لقلوبكم وقلوبهنَّ} مِنَ الخواطر الشيطانيَّة.
{وَمَا كَانَ لكم} وَمَا صحَّ لكم {أن تؤذوا رسول الله} أن تفعلوا مَا يكرهه، {وَلاَ أن تَنكِحوا أزواجه [475] من بعده أبدا، إنَّ ذلكم كَانَ عند الله عظيما (53) إن تبدوا شَيْئًا أو تخفوه فإنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شيء عليما (54)}.
{__________
(1) - ... روى أحمد في مسند المكثرين من الصحابة، رقم 4132، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَضَلَ النَّاسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بِأَرْبَعٍ: بِذِكْرِ الأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، وَبِذِكْرِهِ الْحِجَابَ أَمَرَ نِسَاءَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَقَالَتْ لَهُ زَيْنَبُ: وَإِنَّكَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}. وَبِدَعْوَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَهُ: اللهُمَّ أَيِّدِ الإِسْلاَمَ بِعُمَرَ. وَبِرَأْيِهِ فِي أَبِي بَكْرٍ كَانَ أَوَّلَ النَّاسِ بَايَعَهُ. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «حجاب». (3/313)
صفحة 1129
لاَ جناح عليهنَّ فيِ آبائهنَّ وَلاَ أبنائهنَّ وَلاَ إخوانهنَّ وَلاَ أبناءِ إخوانهنَّ وَلاَ أبناءِ أخواتهنَّ} استثناء لمن لا يجب الاحتجاب عَنْهُم، {وَلاَ نسائهنَّ وَلاَ مَا ملكت أيمانهنَّ} مِنَ الإماء عَلَى نسق نسائهنَّ؛ وَقِيلَ: مِنَ الذكران أَيْضًا {واتَّقين الله} فيما أُمِرتُنَّ بِهِ، وأن يراكنَّ غير هؤلاء، {إنَّ الله كَانَ عَلَى كُلِّ شيء شهيدا (55)} فيجازيكم عَلَى حسب أعمالكم.
{إنَّ الله وملائكتَه يصلُّون عَلَى النبيِّ، يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليما (56)} أي انقادوا لأوامره، ولاتتعالوا عليه. {إنَّ الذِينَ يُؤذُون اللهَ ورسولَه} يرتكبون مَا يكرهانه مِنَ الكفر والمعاصي {لعنهم الله} أبعدهم من رحمته {فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة وأعدَّ لَهُم عذابا مهينا (57) وَالذِينَ يُؤذُون المؤمنين والمؤمنات بغير مَا اكتسبوا} بغير جناية استحقُّوا بها، {فقد احتملوا بُهتانا وإثما مبينا (58)} ظاهرا.
{يَا أَيُّهَا النبيُّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنِين عليهنَّ من جلابيبهنَّ} يُرخين أرديتهنَّ وملاحفهنَّ فيتقنَّعن بها، {ذَلِكَ أدنى أن يُعرَفن} يُميَّزن عَن الإماء والفتيات، {فلا يُؤذَيْنَ} فلا يُؤذِيهنَّ أهل الريبة بالعرض (1) لهنَّ، {وكَانَ الله غَفُورا رحيما (59)}.
{__________
(1) - ... لعلَّ الأصوب: «بالتعرُّض». (3/314)
صفحة 1130
لئن لم ينته المنافقون} عَن نفاقهم، {وَالذِينَ فيِ قلوبهم مَّرضٌ} ضعف إيمان وقلَّة ثبات، {والمرجِفون فيِ المدينة} يُرجِفون أخبار السوء، سرايا المُسْلِمِينَ ونحوها من إرجافهم (1)؛ وأصله: التحريك، مِنَ الرجفة، وهي: الزلزلة سَمَّى بِهِ الأخبار الكاذبة لكونه متزلزلا غير ثابت (2)، {لنُغرِينَّك بهم} لنأمرنَّك بقتالهم وإجلائهم، أو مَا يضطرُّهم إِلىَ طلب الجلاء. {ثُمَّ لاَ يُجاورونك فِيهَا إِلاَّ قليلا (60) مَلعونين أينما ثُقِفوا أُخِذوا وقُتِّلوا تقتيلا (61) سنَّة الله} أي: كسنَّة الله {فيِ الذِينَ خلوا من قبلُ} أي سنَّ الله ذَلِكَ فيِ الأمم الماضية، وَهُوَ أن يقتل الذِينَ نافقوا الأنبياء، وسعوا فيِ وهنهم أينما ثقفوا، {ولن تجد لسُنَّة الله تبديلا (62)}، لأَنَّهُ لاَ يُبدِّلها هُوَ، لأَنَّهَا حكمة وحقٌّ وَلاَ يقدر غيره عَلَى تبديلها.
{يسألك الناس عَن الساعة قل: إِنَّمَا عِلمُها عند الله} لم يُطلع عليها مَلَكا وَلاَ نبيًّا، حكمةً مِنَ الله بالغة، {وَمَا يدريك لَعَلَّ الساعة تكون قريبا (63)} فِيهِ تهديد للمستعجلين، وإسكات للمتعنِّتين. {إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وأعدَّ لَهُم سعيرا (64) خالدين فِيهَا أبدا لاَ يجدون وليًّا وَلاَ نصيرا (65) يوم تُقلَّب وجوهُهم فيِ النار} تصرف من جهة إِلىَ جهة كاللحم يُشوَى فيِ النَّار، {يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولاَ (66)} فلن نبتلى بهذا العذاب. {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أطعنا سادتنا وكُبرَاءنا فَأَضلُّونا السبيلاَ (67) رَبَّنَا آتهم ضعفين مِنَ العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68)}.
{__________
(1) - ... يبدو أَنَّ صواب العبارة: «يُرجِفون أخبار السوء عن سرايا المُسْلِمِينَ ونحوها من أراجيفهم».
(2) - ... لَعَلَّ الصواب: «لكونها متزلزلة غير ثابتة»، أي الأخبار، وَأَمَّا بالتذكير فيكون الضمير للإرجاف. (3/315)
صفحة 1131
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا لاَ تكونوا كالذين آذوا موسى} أي لاَ تُؤذُوا من لايستحقُّ الأذى، {فبرَّأه الله مِمَّا قَالُوا} فأظهر براءته من مقولهم، {وكَانَ عند الله وَجيها (69)} ذا قربة ووجاهة (1) مِنْهُ.
[476] {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا اتَّقُوا الله} فيِ ارتكاب مَا يكرهه، {وقولوا قولا سديدا (70)} قَالَ أبو سعيد: «القول السديد: هُوَ العدل، وَهُوَ الجملة، وهي شهادة أن لاَ إله إِلاَّ الله وحده لاشريك لَهُ، وأنَّ محمَّدًا عَبدُه ورسوله، وأنَّ جميع مَا جاء بِهِ محمَّد عَن الله فهو الحقُّ، فهذا هُوَ القول السديد فيِ أصل الدِّين، وَهُوَ الجملة والتمسُّك بها» انتهى كلامه. قَالَ الغزالي: «التسديد: فهو توحيد حركاته إِلىَ صوب المطلوب، وتيسيرها عليه ليستدَّ فيِ صوب الصواب فيِ أسرع وقت». {يُصلِحْ لكم أعمالكم} يوفِّقكم للأعمال الصالحة، ويُصلحها بالقبول والإثابة عليها، {ويَغْفِر لكم ذنوبكم} ويجعلها مُكفَّرة باستقامتكم فيِ القول والعمل؛ {ومن يطعِ الله ورسوله} فيِ الأوامر والنواهي {فقد فاز فوزا عظيما (71)} يعيش فيِ الدُّنْيَا حميدا، وفي الآخِرَة شهيدا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ووجاحة»، وهو خطأ. (3/316)
صفحة 1132
إِنَّا عرضنا الأمانة عَلَى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ والجبالِ فَأَبيْنَ أن يَحمِلْنَها وأشفقْنَ منها، وحَمَلَها الإنسانُ} تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة؛ وسمَّاها أمانة من حيث إنَّها واجبة الأداء، والمعنى: أنَّها ــ لعظمة شأنها ــ بحيث لو عُرِضت عَلَى هَذِهِ الأجرام العظام، وكانت ذا شعور وإدراك لأَبين أن يَحمِلنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان مَعَ ضعف نيَّته ورخاوة قوَّته، لاَ جرم فالمؤدِّي (1) لها والقائم بحقوقها يفوز بخير الدارين، {إِنَّهُ كَانَ ظلوما} حيث لم يف بها ولم يراع حقَّها، {جهولا (72)} بِكُنهِ عاقبتها؛ وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب. وقيل: المُرَاد بالأمانة الطاعة التِي تعمُّ الطبيعة والاختياريَّة؛ ولعلَّ المُرَاد بالأمانة: العقلُ والتكليف، وبعرضِها عليهنَّ: اعتبارُها بالإضافة إِلىَ استعدادهنَّ، وبإيبائهنَّ الإيباءُ (2) الطبيعيُّ الذِي هُوَ عدم اللياقة والاستعداد، وتحمُّل الإنسان: قابليَّتُه واستعداده لها؛ وكونه ظلوما (3) جهولا لِمَا غلب عليه مِنَ القوَّة الغضبية والشهوية، وعلى هَذَا يَحسن أن يكون علَّة للحمل عليه، فإنَّ من فوائد العقل أن يكون مهيمنا عَلَى القوَّتين، (لَعَلَّهُ) الديني والدُّنْيَاوي، حافظا لهما عَن التعدِّي ومجاوزة الحدِّ، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما.
{ليُعذِّب الله المنافقين والمنافقاتِ والمشركينَ والمشركاتِ} (لَعَلَّهُ) وَهُوَ وصف للخائنين للأمانة، {ويتوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات} الذِينَ قاموا بها عَلَى الوجه المأمور بِهِ، {وكَانَ الله غَفُورا رحيما (73)}.
- - - -
سورة سبأ
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «فالما فالما أدى».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «الآبهاء»، ولا مَعْنَى له.
(3) - ... في الأصل: «ظلموما». (3/317)
صفحة 1133
الحمد لله الذِي لَهُ مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} خلقا ونعمة، فله الحمد فيِ الدُّنْيَا لكمال قدرته، {وَلَهُ الحمد فيِ الآخِرَة} لأَنَّ فيِ الآخِرَة أَيْضًا كذلك، لأَنَّ أهل الجنَّة يتلذَّذون بتحميده، وَهُوَ محمود (لَعَلَّهُ) بذاته، وإن لم يحمده أحد، {وَهُوَ الحكيم} الذِي أحكم أمور الدارين، {الخبير (1)} ببواطن الأشياء وحقائقها [477] وظواهرها. {يعلم مَا يَلِجُ فيِ الأَرْض وَمَا يَخرُج منها، وَمَا يَنزِل مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعرُجُ فِيهَا، وَهُوَ الرحيم الغَفُور (2)}.
{وقال الذِينَ كَفَرُوا: لاَ تأتينا الساعة} إنكارًا لمجيئها، {قل: بلى وربِّي، لتأتينَّكم، عالِمِ الغيبِ لاَ يَعزُبُ عَنْهُ مثقالُ ذرَّةٍ} أي وزن ذرَّة، {فيِ السَّمَاوَات وَلاَ فيِ الأَرْض، وَلاَ أصغر من ذَلِكَ (1) وَلاَ أكبر إِلاَّ فيِ كِتَاب مُبِين (3)} قيل: لاَ ينفصل عَن الغيب شيء إِلاَّ مسطورًا فيِ اللوح، {ليَجزيَ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات أُولَئِكَ لَهُم مَّغفِرة ورزق كريم (4)} لاَ تعب فِيهِ وَلاَ مَنَّ عليه.
{وَالذِينَ سعوا فيِ آياتنا} بالخوض فِيهَا، وترك العمل بِمَا فِيهَا، {مُعاجزين} مسابقين كي يفوتونا، وقرئ: «معجزين» أي: مثبِّطين عَن الإيمان من أراده، {أُولَئِكَ لَهُم عذاب من رِّجْزٍ} من سيِّء العذاب، {أليم (5)} فيِ الدارين.
{ويرى الذِينَ أوتوا العلم} ويعلم أولوا العلم {الذِي أُنِزل إليك من رَبِّكَ هُوَ الحَقَّ} أي ليعلم أولوا العلم عند مجيء الساعة أنَّه الحقُّ عيانا كما علموه الآن برهانا، {ويهدي إِلىَ صِرَاط العزيز الحميد (6)} الذِي هُوَ التوحيد والتدرُّع بلباس التَّقوى.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «من ذَلِكَ»، وهو سهو. (3/318)
صفحة 1134
وقال الذِينَ كَفَرُوا: هل ندلُّكم عَلَى رجلٍ} يعنون محمَّدًا ({ينبِّئكم} يحدِّثكم أَنَّكُم {إِذَا مُزِّقتم كُلَّ مُمزَّقٍ إِنَّكُم لفي خلق جديد (7)}؟ إنَّكُم تنشأون خلقا جديدا بعد أن تُمزَّق أجسادكم كلَّ التمزُّق. {أفترى عَلَى الله كذبا أم بِهِ جنَّة}؟ جنون يُوهمه ويُلقِّنه عَلَى لسانه، {بَل الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة فيِ العذاب} الأدنى، {والضلال البعيد (8)} عَن الصواب، بحيث لاَ يُرجى الخلاص مِنْهُ مَا داموا عَلَى ذَلِكَ الحال.
{أفلم يروا إِلىَ مَا بين أيديهم وَمَا خلفهم مِنَ السَّمَاء والأَرْض؟ إن نَّشَأْ نخسفْ بِهِمُ الأَرْض أو نُسقِطْ عَلَيْهِم كِسَفًا مِنَ السَّمَاء} المعنى: أُعموا فلم ينظروا إِلىَ مَا أحاط بجوانبهم مِنَ السَّمَاء والأَرْض، ولم يتفكَّروا أهم أشدُّ خلقا أم هِيَ، وأنَّا إن نشأ نخسف بهم الأَرْض، أو نسقط عَلَيْهِم كِسَفا لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البَيِّنَات!، {إنَّ فيِ ذَلِكَ} النظر والفكر فيهما وَمَا يدُلاَّن عليه، {لآية} لدلالة {لِكُلِّ عبدٍ منيب (9)} تائب راجع بِقلبه إِلىَ ربِّه، فإنَّه يكون كثير التَّأَمُّل فيِ أمره.
{وَلَقَد آتينا داوودَ مِنَّا فضلا} النبوَّة وفصل الخطاب، وَمَا فُضِّل به عَلَى سائره؛ {يا جبالُ أَوِّبي معه} قيل: سبِّحي معه إِذَا سبَّح بفعل ... (1) {والطيرَ، وأَلَنَّا لَهُ الحديد (10)} قيل: جُعل فيِ يده كالشمع من غير نار وَلاَ ضرب يصرفه حيث يَشَاء. {أنِ اعملْ سابِغات} دروعا واسعات. {وقدِّر فيِ السرد} وقدِّر فيِ نسجها، بحيث تتناسب حِلقها، أو قدِّر مساميرها فلا تجعلها دِقاقا فتفلق، وَلاَ غلاظا فتخرق، {واعملوا صالحا} الضمير فِيهِ لداوود وأهله، {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بصير (11)} فأجازيكم عليه.
{__________
(1) - ... فيِ العبارة سقط واضح، ولم نستطع إكماله مِمَّا بين أيدينا من المصادر، وقد وضع الناسخ فيها إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا. (3/319)
صفحة 1135
ولسليمانَ الريحَ} أي سخَّرنا لَهُ الريحَ، {غدوُّها شهرٌ ورواحها شهرٌ، وأسلنا لَهُ عينَ القِطْرِ} النحاس المذاب أسيل لَهُ من معدنه؛ قيل: كَانَ يسيل فيِ الشهر ثلاثة أيَّام بإذن الله تعالى. {ومن الجنِّ من يعملُ بين [478] يديه بإذن ربِّه ومن يَزِغ مِنْهُم عَن أمرنا} ومن يَعدل مِنْهُم عَن مَا أمرناه من طاعة سليمان، {نُذقه من عذاب السعير (12)} عذاب الآخِرَة؛ ويحتمل فيِ الدُّنْيَا، وذلك قيل: إنَّ الله عزَّ وجلَّ وكَّل بهم مَلَكًا بِيده سوطا من نار، فمن زاغ مِنْهُم عَن أمره ضربه ضربة أحرقته.
{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب} قيل: قصورا حصينة، ومساكن شريفة؛ سُمِّيت بِهِ، لأَنَّهَا تذبُّ عَنْهُ، ويحارب عليها (1). {وتماثيل} (لَعَلَّهُ) قوالب لآلات الصنائع، يكون كالمثل لها فيِ الصغر والكبر والهيئة؛ وقيل غير ذَلِكَ، {وجفانٍ} وصحاف {كالجوابِ} كالحياض الكبار، جمع جابية. {وقدور راسيات} ثابتات عَلَى الأثافي لاَ تنزل عنها (لَعَلَّهُ) لعظمها، أو خُلقت لها أثافي منها، {اعملوا آلَ داوود شُكرًا} اعملوا واعبدوه شكرا، أو لأَنَّ العمل لَهُ شكرٌ (2)، {وقليل من عبادي الشكور (13)} المتوفِّر عَلَى أداء الشكر بِقلبه ولسانه وجوارحه أكبر أوقاته، ومع ذَلِكَ لاَ يوفَّى حقُّه، لأَنَّ توفيقه للشكر نعمة تستدعى شكرا آخر إلى مَا لا نهاية لذلك، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عَن الشكر.
{فَلَمَّا قضينا عليه الموتَ مَا دلَّهم عَلَى موته} مَا دلَّ الجنَّ، وقيل: آله، {إِلاَّ دابةُ الأَرْضِ تأكل منسأته} قيل: عصاه، {فَلَمَّا خرَّ تَبَيَّنَت الجنُّ أن لو كَانُوا يَعْلَمُونَ الغيبَ مَا لَبِثوا فيِ العذاب المهِينِ (14)} فانظر سمَّاه الله عذابا مهينا.
{__________
(1) - ... وَفيِ تفسير أبي السعود: «لأَنَّهَا يُذَبُّ عَنْهَا، ويُحارَب عليها»، ويبدو أَنَّهُ أصوب. ر: مج4/ ج7/ ص125.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «شكرًا». (3/320)
صفحة 1136
لَقَد كَانَ لسبإٍ فيِ مسكنِهم آيةٌ} علامة ودلالة على وجود الصانع، وأنَّه القادر عَلَى مَا يَشَاء مِنَ الأمور العجيبة؛ وقيل: سبأ هُوَ اسم رجل، {جنَّتان عَن يمينٍ وشمالٍ، كلوا من رزقِ رَبِّكُم واشكروا لَهُ} عَلَى مَا رزقكم مِنَ النِّعمة، والمعنى: بطاعته. {بلدةٌ طيِّبة وربٌّ غَفُور (15)} أي هَذِهِ البلدة التِي فِيهَا رزقكم بلدة طيِّبة، ورَبُّكُم الذِي رزقكم، وطلب شكركم ربٌّ غَفُور فرطاتِ (1) من يشكره.
{فأعرَضوا} عَن الشكر، {فأرسلنا عَلَيْهِم سيلَ العَرِمِ} قيل: السيل الشديد الذِي لاَ يُطاق، والعرِم: الوادي، {وبدَّلناهم بِجنَّتَيْهم جنَّتين ذواتي أُكُلٍ خَمْطٍ} ثمر بشع؛ فإنَّ الخمط: كلُّ نبت أَخَذ طعما من مرارة؛ وقيل: الأراك، وكلُّ شجر لاَ شوك (2) لَهُ، والتقدير أكل أكل الخمط، {وأثْلٍ وشيءٍ من سِدْرٍ قليلٍ (16) ذَلِكَ جزيناهم بِمَا كَفَرُوا} بكفرانهم النِّعمة. {وهل نُجازي} مثل هَذَا الجزاء {إِلاَّ الكَفور (17)} أي لاَ نُجازى بالعقوبة إِلاَّ من كفر.
{وجعلنا بَيْنَهُم وبين القرى التِي باركنا فِيهَا} بالتوسعة عَلَى أهلها، {قرًى ظاهرة} قيل: متواصلة بعضها لبعض، {وقدَّرنا فِيهَا السير} قيل: بحيث يقيل الغادي فيِ قرية، و يبيت الرائح فيِ قرية، {سيروا فِيهَا} عَلَى إرادة القول بلسان الحال أو المقال {لياليَ وأيَّامًا} متى شِئتم من ليل أو نهار، {آمنِينَ (18)} لاَ يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات؛ أو سيروا آمنين وإن طالت مدَّة سفركم فِيهَا.
{__________
(1) - ... فيِ اللسان: «فَرَطَ فالأمر يَفرُط فَرْطا: أي قصَّر فيه»، ثُمَّ قال: «والفُرطة: اسم للخروج والتقدُّم». ويقصد بالفرطات هنا: الصغائر من الذنوب. ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص1080، مَادَّة «فرط».
(2) - ... في الأصل: «شكوك»، وهو خطأ. (3/321)
صفحة 1137
فَقَالُوا رَبَّنَا باعِدْ بين أسفارنا} أَشروا النعمة، وملُّوا العافية كبَنِي إِسْرَائِيلَ؛ وليس سؤال هؤلاء وأمثالهم بأعجب من اختيار (1) الفقر عَلَى الغنى، ومعيشة الضنك عَلَى الحياة الطيِّبة، والجهد فيِ طلب المعيشة عَلَى العبادة، وَهُم الذِينَ رزقهم الله مَا يكفيهم، ويطلبون المزيد لغيرهم لا لَهُم، {وظلموا أنفسهم} بالبطر والطغيان حيث بطروا النِّعمة، ولم يعتدُّوا بها عُدَّة الآخِرَة، [479] {فجعلناهم أحاديثَ} يتحدَّث النَّاس بهم تعجُّبا، ومِنْهُم تفكُّها، ومنهم من يعتبر بهم ويتَّعظ، {ومزَّقناهم كُلَّ مُمزَّق} قيل: فرَّقناهم، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات} لعبر ودلالات، {لِكُلِّ صبَّار} عَن المعاصي، {شكور (19)} عَلَى النعم.
{وَلَقَد صَدَّقَ عَلَيْهِم إبليسُ ظنَّه} أي ظنَّ فِيهِم ظنًّا وصدق فيِ ظنِّه، أو صدق بظنٍّ ظنَّه؛ وقرئ بالتشديد بمعنى: حقَّق ظنَّه أو وجده صادقا، (لَعَلَّهُ) وَهُوَ قوله: {وَلاَ تجدُ أكثرَهم شاكرين} (2)، {فاتَّبعوه إِلاَّ فريقا مِنَ المؤمنِينَ (20)} (لَعَلَّهُ) قيل: إنَّ إبليس لعنه الله لمَّا سأل النظرة فأنظره، قَالَ: لأُضلنَّهم ولأُغوينَّهم، لم يكن مستيقنا وقت هَذِهِ المقالة أنَّ مَا قاله فِيهِم يتمُّ أم لاَ، وإنَّما قاله ظنًّا، فَلَمَّا اتَّبعوه وأطاعوه صدق عَلَيْهِم مَا ظنَّه فيهم. قَالَ الحسن: «إِنَّهُ لم يسلَّ عَلَيْهِم سيفا، وَلاَ ضربهم بسوط، إِنَّمَا وعدهم ومنَّاهم فاغترُّوا». {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سلطان} تسلُّط بالاستغواء، {إِلاَّ لِنعلم من يُؤْمِنُ بالآخِرَة مِمَّن هُوَ منها فيِ شكٍّ} ليتميَّز المؤمن مِنَ الشاكِّ. {ورَبُّكَ عَلَى كُلِّ شيء حفيظ (21)}.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «من اختار»، ويمكن أن يريد المُصَنِّف: «ممَّن اختار».
(2) - ... سورة الأعراف: 17. (3/322)
صفحة 1138
قل: ادعوا الذِينَ زَعمتم} أي زعمتموهم آلهةً {من دون الله} المَعْنَى: ادعوهم فيما يهمُّكم من جلب نفع أو دفع ضرر، لَعَلَّهُم يستجيبون إن صحَّت (1) دعواكم، ثُمَّ أجاب عنهم إشعارا بتعيُّن الجواب، وأنَّه لاَ يقبل المكابرة فقال: {لاَ يملكون مثقالَ ذرَّةٍ} من خير أو شرٍّ، {فيِ السَّمَاوَات وَلاَ فيِ الأَرْض}، لأَنَّ الأسباب القريبة للشرِّ والخير سماويَّة وأرضيَّة، {وَمَا لَهُم فيهما من شِركٍ (2) وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظهير (22)} يعينه عَلَى تدبير أمرها.
{وَلاَ تنفع الشفاعة عنده} فلا تنفعهم شفاعة أَيْضًا كما يزعمون، {إِلاَّ لمن أذن لَهُ} أن يَشفع أو يُشفع لَهُ. {حَتَّى إِذَا فُزِّع عَن قلوبهم} وَهُوَ عند الموت أو يوم القيامة؛ وَقِيلَ: كشف الفزع عَن قلوب المشركين بعد الموت، وَاللهُ أعلم، {قَالُوا: ماذا قَالَ ربُّكم}؟ فيِ الشفاعة، {قَالُوا: الحَقَّ} وَهُوَ الإذن بالشفاعة لمن ارتضى وهم المؤمنون، {وَهُوَ العليُّ الكبير (23)} ذو العلوِّ والكبرياء، ليس لمَلَك وَلاَ نبيٍّ أن يتكلَّم ذَلِكَ اليوم إِلاَّ بإذنه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «صحَّ».
(2) - ... في الأصل: - {وَمَا لَهُم فيهما من شِركٍ}، وهو سهو. (3/323)
صفحة 1139
قل: من يرزقكم مِنَ السَّمَاوَات والأَرْض}؟ يريد تقرير قوله: {لاَ يملكون}، {قل: الله} إذ لاَ جواب سواه، {وَإِنَّا أو إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أو فيِ ضلال مُبِينٍ (24)} أي: وإنَّ أحد الفريقين مِنَ الموحِّدين المتوحِّدَ بالرزق والقدرة الذاتيَّة بالعبادة، والمشركين بِهِ الجمادَ، النازلين بِهِ فيِ أدنى المراتب الإمكانيَّة، لَعَلَى أحدٍ مِنَ الأمرين مِنَ الهدى والضلال المبينين؛ وَهُوَ ــ بعدما تقدَّم مِنَ التقرير البليغ الدالِّ عَلَى من هُوَ عَلَى الهدى، ومن هُوَ فيِ الضلال ــ أبلغُ مِنَ التصريح، لأَنَّهُ فيِ صورة الإنصاف المُسكت للخصم المشاغب، لأَنَّ الهادي كمن صعد منارا ينظر الأشياء ويتطلَّع عليها؛ أو ركب جوادا يركُضُه حيث يَشَاء، والضالُّ كأنَّه منغمس فيِ ظلام التردُّد لاَ يرى شَيْئًا، أو محبوس فيِ مطمورة لاَ يستطيع الخروج منها.
{قل: لاَّ تُسأَلون عَمَّا أجرمنا، وَلاَ نُسألُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)} هَذَا أدخل فيِ الإنصاف، وأبلغ [480] فيِ الإخبات، حيث أسند الإجرام إِلىَ أنفسهم، والعملَ إِلىَ المخاطَبين. {قل: يجمع بيننا رَبُّنَا ثُمَّ يفتح بيننا بِالْحَقِّ} يحكم ويفصل بأن يدخل المحقِّين الجنَّة، والمُبطلين النَّار، {وَهُوَ الفتَّاح} الحاكم للفصل (1) فيِ القضايا المنغلقة، {العليم (26)} بِمَا ينبغي أن يقضيَ بِهِ.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَفيِ تفسير أبي السعود: «الفيصل». أبو السعود: تفسير، ص133. (3/324)
صفحة 1140
قل: أَرُوني الذِينَ أَلحقتُم بِهِ} (لَعَلَّهُ) بالله فيِ العبادة، يعني الأصنام، {شركاء} هل خلقوا مِنَ الأَرْض شَيْئًا؟ أم لَهُم شرك فيِ السَّمَاوَات؟ لأرى بأيِّ صفة ألحقتموهم بالله فيِ استحقاق العبادة، وَهُوَ استسفار عَن شبهتهم، فعدَّ (1) إلزام الحجَّة عليهم (لَعَلَّهُ) زيادة فيِ تبكيتهم {كلاَّ} ردع لَهُم عَن المشاركة بعد إبطال المقايسة، {بَل هُوَ الله العزيز الحكيم (27)} الموصوف بالغلبة وكمال القدرة والحكمة، وهؤلاء الملحَقون يتَّسمون بالذِّلَّة مُتأبِّيَة عَن قبول العلم والقدرة رأسا.
{وَمَا أرسلناك إِلاَّ كافَّة للناس} إِلاَّ رسالة عامَّة لَهُم، مِنَ الكفِّ، فإنَّها إِذَا عمَّتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد مِنْهُم، أو جامعا لَهُم فيِ الإبلاغ، {بشيرا ونذيرا، وَلَكِنَّ أكثر الناس لاَ يَعْلَمُونَ (28)} فيحملهم جهلهم عَلَى مخالفتك.
{ويقولون} من فَرطِ جَهلهم: {متى هَذَا الوعد}؟ يعنون بِهِ المبشَّر بِهِ والمنذَر عَنْهُ أو الموعود بقوله: {يجمع بينَنَا رَبُّنَا} (2). {إن كُنتُم صادقِينَ (29)} يخاطبون بِهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين. {قُل: لكم مِيعاد يوم لاَ تستأخرون عَنْهُ ساعة وَلاَ تستقدِمُونَ (30)} حين يأتيكم، وَهُوَ جواب تهديد جاء مُطابقا لِمَا قصدوه بسؤالهم مِنَ التعنُّت والإنكار.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: «بعد».
(2) - ... سورة سبأ: 26. (3/325)
صفحة 1141
وقال الذِينَ كَفَرُوا: لن نُؤمن بهذا القرآن وَلاَ بالذي بينَ يديه} وَلاَ بِمَا تقدَّمه مِنَ الكتب الدالَّة عَلَى البعث أو الرسول، وهذا القول منهم يقتضي بلسان المقال مِنْهُم وَهُم الكفَّار الجاحدون، ويقتضي بلسان الحال مِنَ المنافقين، {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربِّهم} أي: فيِ موضع المحاسبة، {يرجعُ بعضُهم إِلىَ بعض القولَ} يتحاورون ويتراجعون القول فيِ التلاوم، وَهُوَ حسرة وعذاب عليهم؛ {يقول الذِينَ استُضعِفوا}: يقول الأتباع: {للذين استكبروا} للرؤساء {لولا أَنتُم} لولا ضلالكم وصدُّكم إيَّانا عَن الإيمان {لكنَّا مؤمنِينَ(31)} بخلق الله إيَّانا عَلَى الفطرة، والدين القيِّم؛ ويحتمل هَذَا القول مِنْهُم للمستكبرين مِنَ الجنِّ والإنس.
{قَالَ الذِينَ استَكبروا للذين استُضعِفوا: أَنحنُ صَدَدناكم عَن الهدَى بعد إذ جاءكم؟ بَل كُنتُم مجرمِينَ(32)} أنكروا أنَّهم كَانُوا صادِّين لَهُم عَن الإيمان، وثبَّتوا أنَّهم هُمُ الذِينَ صدُّوا أنفسهم حيث أعرضوا عَن الهدى، وآثروا التقليد عليه، ولذلك بنوا الإنكار عَلَى الاسم. {وقال الذِينَ استُضعِفوا للذين استكبروا: بَل مَكرُ اللَّيْل وَالنَّهَار} إضراب عن إضرابهم، أي: لم يكن إجرامنا الصادُّ، بَل مكركم لَنَا دائبا ليلا ونهارا، حتَّى أغرتم علينا رأينا، {إذ تأمروننا أن نكفرَ بالله ونجعلَ لَهُ أندادا} يقتضي جميع معاصي الله؛ {وأسرُّوا الندامة لَمَّا رأوا العذابَ} وأضمر الفريقان الندامة عَلَى [481] الضلال والإضلال، إذ لاَ ينفع إظهارها، {وجعلنا الأغلال فيِ أعناق الذِينَ كَفَرُوا} (لَعَلَّهُ) يحتمل هَذَا فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، {هل يُجزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(33)}؟ أي لاَ نفعل بهم مَا نفعل إلاَّ جزاء عَلَى أعمالهم.
{ (3/326)
صفحة 1142
وَمَا أرسلنا فيِ قرية من نَّذير إِلاَّ قَالَ مُترَفوها} تسلية لرسول الله مِمَّا تمنَّى من قومه؛ وتخصيص المتنعِّمين بالتكذيب، لأَنَّهُم أقرب إِلىَ الكبر والمفاخرة بزخارف الدُّنْيَا، والانهماك فيِ الشهوات والاستهانة بمن لم يحظ منها؛ ولذلك ضمُّوا التهكُّم والمفاخرة إِلىَ التكذيب، فَقَالُوا: {إِنَّا بِمَا أُرسِلتم بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا: نَحْنُ أكثرُ أموالاً وأولادًا} فنحن أَولَى بِمَا تدَّعون. {وَمَا نَحْنُ بمُعذَّبِينَ (35)} يحتمل هَذَا العذاب الذِي نَفوه عَن أنفسهم فيِ الدُّنْيَا، ويحتمل فيِ الآخِرَة من قِبَل غرورهم وأمانيهم الكاذبة.
{قل} ردًّا لحسبانهم {إنَّ رَبِّي يبسُطُ الرزقَ لمن يَشَاء ويَقْدِرُ} ولذلك يختلف فِيهِ الأشخاص المتماثلة (1) فيِ الخصائص والصفات، {ولكنَّ أكثر الناس لاَ يَعْلَمُونَ (36)} فيظنُّون أنَّ كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة، وكثيرا مَا يكون للاستدراج، كما قَالَ:
{وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتي تُقرِّبكُم عندنا زُلفى} قربة، {إِلاَّ من آمن وعَمِلَ صالحا} أي: الأموال والأولاد لاَ تقرِّب إِلاَّ المؤمن الصالح، وَمَا عداه استدراج لَهُم ومكر. وقال ابن عبَّاس: «يزيد إيمانُه وعملُه تقرُّبَه منِّي»، {فأولئك لَهُم جزاء الضِّعفِ بِمَا عملوا، وَهُم فيِ الغُرُفَات آمِنُونَ (37)} مِنَ المكاره. {وَالذِينَ يَسعون فيِ آياتنا} بالردِّ والطعن فِيهَا {مُعَاجزين} مسابقين لأنبيائنا، أو ظانِّين أنَّهم يفوتوننا، {أُولَئِكَ فيِ العذاب مُحضَرُونَ (38)} فيِ الدارين.
{قل: إنَّ رَبِّي يبسُطُ الرزقَ لمن يَشَاء من عباده ويَقدِر لَهُ} يُوسِّع عليه تارةً ويضيِّق أخرى، {وَمَا أنفقتم من شيء فهو يُخلِفه} إمَّا عاجلا وإمَّا آجلا، {وَهُوَ خير الرازقِينَ (39)} فإنَّ غيره وسائط فيِ إيصال رزقه، وَلاَ حقيقة لرازقيَّته.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الأصوب: «المتماثلون». (3/327)
صفحة 1143
ويوم يحشُرُهم جميعا} المستكبرين والمستضعَفين، أو العابدين والمعبودين، {ثُمَّ يقول للمَلاَئِكَة: أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعبدُونَ (40)}؟ تقريعا للمشركين، وتبكيتا لَهُم، وإقناطا لَهُم عمَّا يتوقَّعون من شفاعتهم؛ وتخصيص الملاَئِكَة، لأَنَّهُم أشرف شركائهم. {قَالُوا: سبحانك أنت وليُّنا من دونهم} كأنَّهم بيَّنوا بذلك برآءتهم عَن الرضا بعبادتهم، ثُمَّ أضربوا عَن ذَلِكَ ونفوا أَنَّهُم مَا عبدوهم عَلَى الحقيقة بقولهم: {بَل كَانُوا يَعبُدون الجنَّ} أي الشياطين حيث أطاعوهم فيِ عبادة غير الله، {أكثرهم بهم مُّؤمنُونَ (41)} مصدِّقون لوساوسهم، تابعون لها؛ فإن قيل: إنَّهم كَانُوا يعبدون المَلاَئِكَة، فكيف وجه قوله: {يعبدون الجنَّ}؛ قيل: أراد أنَّ الشياطين زيَّنوا لهم عبادة الملائكة؛ يقول: {يعبدون} أي: يطيعون الجنَّ، فبطاعتهم لَهُم صاروا لَهُم عابدين. {فاليوم لاَ يملك بعضكم (1) لبعض نفعا وَلاَ ضَرًّا} إذ الأمر فِيهِ كلُّه [للهِ]، لأَنَّ الدار [482] دار جزاء، وَهُوَ المجازي وحده؛ {ونقول للذين ظَلموا: ذوقوا عذابَ النار التِي كُنتُم بها تُكذِّبُونَ (42)}.
{وإذا تُتلى عَلَيْهِم آياتنا بَيِّنَاتٍ} واضحات مِنَ اللبس، {قَالُوا: مَا هَذَا} يعنون محمَّدا - صلى الله عليه وسلم -، {إِلاَّ رجل يريد أن يَصدَّكم عَمَّا كَانَ يعبد آباؤكم} فيستتعِبَكم بِمَا يستبْدِعُه (2)، {وَقَالُوا: مَا هَذَا} يعني القرآن، {إِلاَّ إفْكٌ} لعدم مطابقة مَا فِيهِ الواقع، {مُفترًى} بإضافته إِلىَ الله سبحانه، {وقال الذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءهم} من أيِّ حال كَانَ: {إن هَذَا إِلاَّ سحرٌ مُبِينٌ (43)} ظاهر سحريته.
{__________
(1) - ... في الأصل: «بعضهم»، وهو خطأ.
(2) - ... وَفيِ تفسير أبي السعود: «فيستتبعكم بما يستدعيه». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص138. (3/328)
صفحة 1144
وَمَا آتيناهم من كُتُب يدرسونها} وفيها (1) دليل عَلَى صِحَّة الإشراك، {وَمَا أرسلنا إِلَيْهِم قبلَك من نَّذير (44)} يدعوهم إِلَيْهِ، ويُنذرهم عَلَى تركه، وقد أبان من قبل أن لاَ وجه لَهُ، فمن أين وقعت لَهُم هَذِهِ الشبهة، وهذا غاية التجهيل لَهُم، والتسفيه لرأيهم، ثُمَّ هدَّدهم فقال:
{وكذَّب الذِينَ من قبلهم} كما كذَّبوا، {وَمَا بلغوا معشار مَا آتيناهم} وَمَا بلغ هؤلاء عُشُر مَا آتينا أُولَئِكَ مِنَ القوَّة وطول العمر، وكثرة المال، أو مَا بلغ أُولَئِكَ عُشُر مَا آتينا هؤلاء مِنَ البَيِّنَات والهدى، {فكذَّبوا رُسُلِي فكيف كَانَ نكيرِ (45)} فحين كذَّبوا رسولي جاءهم إنكاري بالتدمير، فكيف كَانَ نكيري لَهُم، فليحذر هؤلاء من مثله.
{قل: إِنَّمَا أَعِظُكُم بوَاحِدَةٍ} أرشدكم وأنصح لكم بخصلة وَاحِدَة، وهي مَا دَلَّ عليه {أن تقوموا لله} وَهُوَ الانتصاب فيِ الأمر خالصا لوجه الله، ومُعرضا عن مَا سواه، {مَثنَى وفُرَادَى} كُنتُم جماعة أو متفرِّقين، {ثُمَّ تتفكَّروا} فيِ أمر محمَّد وَمَا جاء بِهِ لتعلموا حقيقته، {مَا بصاحبكم من جِنَّة} فتعلموا مَا بِهِ جنون يحمله عَلَى ذَلِكَ، {إن هُوَ إِلاَّ نذير لكم بين يديْ عذابٍ شديد (46)} قُدَّامه.
{قل: مَا سألتكم من أجر} أيّ شيء سألتكم من أجر عَلَى الرسالة، {فهو لكم} وَالمُرَاد نفيُ السؤال؛ {إن أجري إِلاَّ عَلَى الله، وَهُوَ عَلَى كلِّ شيءٍ شهيدٌ (47)} مُطَّلع يعلم صدقي وخلوص نيتي. {قل: إنَّ رَبِّي يقذِفُ بِالْحَقِّ} يُلقِيه ويُنزله عَلَى من يَشَاء من عباده، أو يرمي بِهِ إِلىَ أقطار الآفاق فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإفشائه، {علاَّم الغيوب (48)}.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «وفيه»، والصواب ما أثبتناه من أبي السعود، فالضمير يرجع عَلَى الكتب. (3/329)
صفحة 1145
قل: جاء الحقُّ وَمَا يُبدِئ الباطلُ وَمَا يُعيد (49)} وزهق الباطل بحيث لم يبق لَهُ أثر مأخوذ من هلاك الحيِّ، فإنَّه إِذَا هلك لم يبق لَهُ إبداء وَلاَ إعادة، لأَنَّ الحقَّ يُزيح الشبهات مِنَ القلوب، ويُطهِّرها من رجس الباطل إِذَا حلَّ فِيهَا وقبلته. {قل: إن ضَلَلْتُ} عَن الحقِّ، {فإنَّما أَضِلُّ عَلَى نفسي} فإنَّ وبال ضلالي عليها، فإنَّه يُسِيئُها إذ هِيَ الجاهلة بالذَّات والأمَّارة بالسوء، {وإن اهتديتُ فبما يُوحي إليَّ رَبِّي} أيَّ وحيٍ كَانَ، إلهاميًّا أو غيره، والمعنى: بلوغ العلم إِلَيْهِ من أيِّ حال بلغه، وإنَّ الاهتداء بهدايته وتوفيقه، {إِنَّهُ سميع قريب (50}.
{ولو ترى إذ فَزِعُوا} [عند] (1) الموتِ {فلا فَوْتَ} فلا يفوتونه بهرب وَلاَ حصن، {وأُخِذوا من مكَانٍ قريب (51)، وَقَالُوا آمنَّا بِهِ} بالإسلام، {وأنَّى لَهُمُ التناوُشُ} ومن أين لَهُم أن يتناولوا الإيمان [483] وقد ارتفع عَنْهُم حين عاينوا الحقائق عين اليقين من حيث إنَّهم نبذوا علم اليقين حين أتاهم، {من مكَانٍ بعيدٍ (52)} (لَعَلَّهُ) فإنَّهم لاَ يُطيقون تناوله فيِ ذَلِكَ الحين، وقد بَعُد عَنهُم، وَهُوَ تمثيل حالهم فيِ الاستخلاص بالإيمان بعد مَا فات عَنْهُم، وبَعُد عَنْهُم، بحال من يريد أن يتناول الشيء من غَلوة (2) بذراعه وقد طار عَنْهُ وارتفع فلا يَجِد إِلَيْهِ سبيلا، وكيف ينالون التوبة وهي فيِ أيَّام التعبُّد وهي الدُّنْيَا وقد ارتحلوا عنها!.
{__________
(1) - ... إضافة من أبي السعود ليستقيم المَعْنَى. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص140.
(2) - ... «وغلا السهمُ نفسُه: ارتفع فيِ ذهابه وجاوز المدى، وَكَذَلِكَ الحَجَر، وكلُّ مَرماة من ذَلِكَ غَلوَةٌ ... والجمع: غَلَواتٌ وغِلاءٌ». ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص1012، مَادَّة «غلا». (3/330)
صفحة 1146
وقد كَفَرُوا بِهِ (1) من قبل} ذَلِكَ أوان التكلف (2)، {ويَقذِفون بالغيب} قيل: ويرجمون بالظنِّ، سُمِّي ظنًّا (3) لأَنَّهُ غاب علمهم عَنْهُ، والمكَانُ البعيد: بُعدُهم عَن علم مَا يقولون، ويتكلَّمون (4) بِمَا لم يصحَّ معهم بالكفر، {من مكَانٍ بعيد (53)} من جانب بعيد من أمره، ولعلَّ تمثيل حالهم فيِ ذَلِكَ من يرمِي شَيْئًا لاَ يراه من مكَان بعيد، وقرئ: «يُقذَفُون» عَلَى أنَّ الشيطان يلقي إِلَيْهِم ويلقِّنهم ذَلِكَ. {وحيلَ بَيْنَهُم وبينَ مَا يَشتهون} من نفع الإيمان والنجاة بِهِ مِنَ النَّار، {كما فُعل بأشياعهم من قبلُ} بأشباههم من كفرة الأمم الدارجة، {إنَّهم كَانُوا فيِ شكٍّ مُريبٍ (54)} موقع فيِ الريبة.
- - - -
سورة فاطر
بسم الله الرحمن الرحيم
{الحمد للهِ فاطرِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} مُبدعها، مِنَ الفَطرة بمعنى: الشِّقِّ، كأنَّه شقَّ العدم بإخراجها مِنْهُ، {جاعِلِ المَلاَئِكَةِ رُسلا} بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يُبلِّغون إِلَيْهِ رسالاته بالوحي والإلهام، {أُولِي أجنحةٍ، مَثنَى وثُلاثَ ورُباعَ} ذوي أجنحة مُتعدِّدة، مُتفاوتة بتفاوت مَا لَهُم مِنَ المراتب، ينزلون بها ويعرجون، أو يسرعون نحو مَا وكَّلهم الله عليه، فيتصرَّفون فِيهِ عَلَى مَا أمرهم بِهِ.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «به»، وَهُوَ سهو.
(2) - ... الصواب: «أي: من قبلِ ذَلِكَ في أوانِ التكليف»، انظر: أبو السعود، تفسير، مج4/ ج7/ ص141.
(3) - ... لعلَّ الصواب: «سُمِّيَ غيبا».
(4) - ... في الأصل: شطَّب الناسخ عَلَى الصواب: «يَتَكَلَّمُون»، وأثبت الخطأ: «يتكلَّموا». (3/331)
صفحة 1147
يزيد فيِ الخلْقِ مَا يَشَاء} استئناف للدلالة عَلَى أنَّ تفاوتهم فيِ ذَلِكَ مُقتضى مشيئته ومُؤدَّى حِكمته، لاَ أمرٌ تستدعيه ذواتهم؛ قيل سأل النبيُّ - عليه السلام - جبريل أن يتراءى لَهُ فيِ صورته، فَلَمَّا رآه غشي عليه، فَلَمَّا أفاق قَالَ: «سبحان [الله]، مَا كنت أرى أنَّ شَيْئًا مِنَ الخلق هكذا»!، فقال جبريل: كيف لو رأيت إسرافيل؟ إنَّ لَهُ اثنا عشر جناحا، منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب» (1)، {إنَّ الله عَلَى كلِّ شيء قديرٌ (1)} وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض إِنَّمَا من جهة الإرادة.
{__________
(1) - ... رواية مسلم فيِ كتاب الإيمان: رقم 255، وأحمد فيِ مسند بني هاشم: رقم 2812، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لجبريل - عليه السلام - ستَّ مائة جناح، ولم يُذكَر فيها إسرافيل، إذ جاء فيها (واللفظ لأحمد): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَأَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - جِبْرِيلَ أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: ادْعُ رَبَّكَ، قَالَ: فَدَعَا رَبَّهُ، قَالَ: فَطَلَعَ عَلَيْهِ سَوَادٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَرْتَفِعُ وَيَنْتَشِرُ، قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - صَعِقَ فَأَتَاهُ فَنَعَشَهُ وَمَسَحَ الْبُزَاقَ عَنْ شِدْقَيْهِ. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «في صورته». ولفظ الحديث كما ذكره المُصَنِّف أورده الزمخشريُّ فيِ تفسيره بزيادات، قال مصحِّحه: «أخرجه ابن المبارك فيِ الزهد، والثعلبيُّ من طريقه». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 470. (3/332)
صفحة 1148
مَا يفتحِ اللهُ للناس} مَا يطلق لَهُم ويرسلْ {من رحمةٍ} كنعمة وأمن وصِحَّة وعلم ونُبوَّة، {فلا مُمسِكَ لها} يحبسها، {وَمَا يُمسكْ فلا مُرسِلَ لَهُ من بَعدِه} يُطلقه من بعد إمساكه، {وَهُوَ العزيز} الغالب عَلَى مَا يَشَاء، ليس لأحد أن يُنازعه فِيهِ، {الحكيم(2)} لاَ يفعل إِلاَّ بعلم وإتقان، ثُمَّ لَمَّا بيَّن أنَّه الموجد للملك والملكوت، والمتصرِّف فيهما عَلَى الإطلاق، أمر النَّاس بشكر إنعامه، فقال:
{يَا أَيُّهَا الناس اذكروا نعمة الله عليكم} احفظوها بمعرفة حَقِّها، والاعتراف بها، وطاعة مولاها؛ ثُمَّ أنكر أن يكون لغيره فيِ ذَلِكَ مدخل فيستحوا [484] أن يُشرك بِهِ بقوله: {هل مِن خالقٍ غيرُ الله} فيكون شيءٌ قد خوَّلكم شَيْئًا مِمَّا مَرَّ، ومن أجلِّ النعم عَلَيْهِم إيجادهم وخلقه إيَّاهم، ثُمَّ رِزقه إيَّاهم، كما قَالَ: {يرزقكم مِنَ السَّمَاء والأَرْض لاَ إله إِلاَّ هُوَ فأنَّى تُؤفكُونَ(3)} فمن أيِّ وجه تُصرَفون عَن التوحيد إِلىَ الإشراك.
{وإن يكذِّبوك فقد كُذِّبت رُسُلٌ من قبلك} فتأسَّ بهم فيِ الصبر عَلَى تكذيبهم إيَّاهم، {وإلى الله تُرجع الأمور(4)} فيجازيك عَلَى الصبر ويجازيهم عَلَى التكذيب.
{ (3/333)
صفحة 1149
يَا أَيُّهَا الناس إنَّ وعدَ الله حقٌّ} لاَ خلف فِيهِ، {فلا تغرَّنَّكم الحياةُ الدُّنْيَا} فيذهلكم التَّمَتُّع بها عَن الجواز إِلىَ الآخِرَة، كما قيل: إنَّها قنطرة فاعبروها ولا تعمُروها، {وَلاَ يغرَّنَّكم بالله الغَرُورُ (5)} الشيطانُ، بأن يُمنِّيَكم المغفرةَ مَعَ الإصرار عَلَى المعصية. {إنَّ الشيطان لكم عدوٌّ} عداوةً عامَّة قديمة، {فاتَّخِذوه عدوًّا} فيِ عقائدكم وأعمالكم وأقوالكم، وكونوا عَلَى حذر مِنْهُ فيِ مجامع أحوالكم، {إنَّما يدعو حِزبَه ليكونوا من أصحاب السعير (6)} تقرير لعداوته وبيانٌ لغرضه فيِ دعوة شيعته إِلىَ اتِّباع الهوى، والركون إِلىَ الدُّنْيَا، (لَعَلَّهُ) فيكبَّهم معه فيِ نار السعير.
{الذِينَ كَفَرُوا لَهُم عذابٌ شديد} فيِ الدارين، {وَالذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات لَهُم مَّغفرةٌ وأجرٌ كبيرٌ (7)} وعدٌ لمن أجاب دعاءه ووعيد لمن خالفه. {أفمن زُيِّن لَهُ سوء عمله فرآه حسنا} بأن غلب همُّه وهواه عَلَى عقلِه حَتَّى انتكس رأيه فصار يقعش (1) عَلَى أمِّ رأسه، فظنَّ الباطل حَقًّا والقبيح حسنًا، والعذابَ الشديدَ فيِ الدُّنْيَا عذابا حسنا، كمن لم يُزيَّن لَهُ، بَل توقَّف، وتأبَّى حتَّى عرف الحقَّ، واستحسن الحسن، واستقبح القبيح؟ {فإنَّ الله يضلُّ من يَشَاء، ويهدي من يَشَاء؛ فلا تذهبْ نفسُك عَلَيْهِم حَسَراتٍ} معناه لاَ تُهلك نفسك عَلَيْهِم للحسرات عَلَى غيِّهم وإصرارهم عَلَى المخالفة، {إنَّ الله عليمٌ بِمَا يصنعُونَ (8)} وعيد وتهديد.
{__________
(1) - ... في اللسان: «قعش الشَّيْء قعْشا: عطفه ... وانقعش الحائط إذا انقلع». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص130، مَادَّة «قعش». (3/334)
صفحة 1150
واللهُ الذِي أَرسَلَ الرياح فتُثِيرُ سحابا} عَلَى حكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالَّة عَلَى كمال الحكمة، {فسقناه إِلىَ بلد مَيِّتٍ، فأحيينا بِهِ الأَرْض بعدَ موتها كذلك النشور(9)} أي مثل: إحياء الأموات نشورُ الأموات فيِ صِحَّة المقدور بِهِ.
{من كَانَ يريد العزَّة} الشرفَ والمنعة، {فللَّهِ العزَّة جميعا} فيطلبها من عنده بطاعته وترك معصيته، فإنَّ فِيهِ الجاه الحقيقيَّ والمنعة التِي لاَ تُرام، {إِلَيْهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطيِّبُ، والعملُ الصالح يَرفعه} بيان لِمَا يطلب بِهِ العزَّة وَهُوَ التوحيد والعمل الصالح، وصعودهما إِلَيْهِ مجاز عن قبوله إِيَّاهُما؛ والكلام الطيِّب يتناول الذكر، {وَالذِينَ يمكُرون السَّيِّئَات} أي: يخفونها وَهُوَ الرياء، {لَهُم عذابٌ شديدٌ} (لَعَلَّهُ) وَهُوَ مكرهم السيِّئات فيِ الدُّنْيَا، والجزاء عليه فيِ [485] العقبى، {ومكر أُولَئِكَ هُوَ يَبُور(10)} يفسد وَلاَ ينفذ، وَلاَ يصعد كالعمل الصالح.
{وَاللهُ خلقكم مِّن ترابٍ، ثُمَّ من نُّطفةٍ، ثُمَّ جعلكم أزواجا، وَمَا تحمِلُ من أنثى وَلاَ تضع إِلاَّ بعلمه، وَمَا يُعمَّر من مُعمَّر وَلاَ يُنقص من عُمُرِه} من عمر المعمَّر {إلاَّ فيِ كِتَاب} هُوَ علم الله أو اللوح، {إنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يسيرٌ(11)}.
{ (3/335)
صفحة 1151
وَمَا يستوي البحرانِ هَذَا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابُه، وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ} ضُرِبَ مَثَلٌ للمؤمن والكافر؛ والفرات: الذِي يكسر العطش، والسائغ: الذِي يسهل انحداره، والأجاج الذِي يحرق بملوحته، {ومن كلٍّ تأكلون لحما طريًّا، وتستخرجون حِليَة تَلبَسونها} استطراد فيِ صفة البحرين، وَمَا فيهما مِنَ النعم، أو تمام التمثيل؛ والمعنى: كما أنَّهما وإن اشتركا فيِ بعض الفوائد لاَ يتساويان من حيث إنَّهما لاَ يتساويان فيما هُوَ المقصود بالذَّات مِنَ الماء، فإنَّه إن خالطه أحدهما ماء أفسده وغيره عَن كمال فطرته، فكذا لاَ يساوي المؤمن والكافر ــ وإن اتَّفق اشتراكهما فيِ بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة ــ لاختلافهما فيما هُوَ الخاصَّة العظمَى، وبقاء أحدهما عَلَى الفطرة الأصلية دون الآخر؛ {وترى الفُلْك فِيهِ مَوَاخِرَ} تشقِّقُّ الماء بجريِها، {لتبتغوا من فضله، ولعلَّكم تشكرُونَ(12)} عَلَى ذَلِكَ.
{ (3/336)
صفحة 1152
يُولج اللَّيْل فيِ النَّهَارِ، ويُولِجُ النَّهَار فيِ اللَّيْل، وسخَّر الشمسَ والقمرَ كُلٌّ يجري لأجلٍ مُسمًّى} هِيَ مُدَّة دورة، أو مُنتهاه، أو إِلىَ (1) يوم القيامة، {ذلكم الله رَبُّكُم لَهُ الملك} الإشارة إِلىَ [أَنَّ] الفاعل لهذه الأشياء مُستحقٌّ للإلهية دون غيره، بدليل قوله: {وَالذِينَ تَدعون من دونه مَا يملكون من قطمير (13)} للدلالة عَلَى تفرُّده بالألوهيَّة والربوبيَّة، والقطمير: لُفافة النوَاة. {إن تدعوهم لاَ يسمعوا دعاءَكم، ولو سمِعوا مَا استجابوا لكم} لعدم قُدرتهم عَلَى الإنفاع، {ويوم القيامة يكفرون بِشركِكم} لَهُم ويقرُّون (2) ببطلانه، أو يقولون: «ما كنتم إيَّانا تعبدون»، {وَلاَ ينبِّئك مِثلُ خبيرٍ (14)} وَلاَ يخبرك بأمر مُخبَرٍ مثلٌ خبير بِهِ أخبرك، وَهُوَ الله تعالى، فإنَّه الخبير به عَلَى الحقيقة دون سائر المخبرين، وَالمُرَاد تحقيق مَا أخبره من حال آلهتهم، ونفي مَا يَدعون لَهُم.
{يَا أَيُّهَا الناس أَنتُم الفقراء إِلىَ الله} فيِ أنفسكم وَمَا يعنُّ لكم؛ وتعريف الفقراء للمبالغة فيِ فقرهم، فإنَّهم لشدَّة افتقارهم وكثرة احتياجهم هُمُ الفقراء، أو أنَّ افتقار سائر الخلائق بالإضافة إِلىَ فقرهم غير مُعتدٍّ بِهِ، ولذلك قَالَ: {وخُلق الإنسان ضعيفا} (3)، {والله هُوَ الغنيُّ الحميد (15) (4)} الغنيُّ عَلَى الإطلاق، المنعم عَلَى سائر الموجودات حتَّى استحقَّ عَلَيْهِمُ الحمد.
{إن يشأْ يُذهِبْكم ويأتِ بخلقٍ جديد (16)} بقوم آخرين أطوع منكم، أو بعالم آخر غير مَا تعرفونه. {وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بعزيزٍ (17)} بمتعذِّرٍ وَلاَ متعسِّر.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إلى أو».
(2) - ... في الأصل: «لهم يتقرون».
(3) - ... سورة النساء: 28.
(4) - ... في الأصل: - «الحميد»، وهو سهو. (3/337)
صفحة 1153
وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وَلاَ تحمل نفس آثِمةٌ إثم نفس أُخْرَى؛ وَأَمَّا قوله: {وليحملُنَّ أثقالَهم وأثقالاً مَعَ أثقالهم} (1) ففي الضالِّين المضِلِّين، فإنَّهم يحملون أثقال [486] إضلالهم، وكلُّ ذَلِكَ أوزارهم ليس فِيهَا من أوزار غيرهم، {وإن تدع مُثقلة} نفس أثقلَها مَا حملته مِنَ الأوزار {إِلىَ حملِها} إِلىَ حمل بعض أوزارها، {لاَ يُحملْ مِنْهُ شيءٌ} لم تُجَب لحمل شيء مِنْهُ، نفى أن يُحمل عنها ذنبها، كما نفى أن يُحمل عليها ذنب غيرها، وثقل هَذَا الحمل لاَ تحسُّ بِهِ النفوس الغافلة فيِ الحياة الدُّنْيَا، بَل يَتميَّز بمعرفته ذوو الألباب فيِ الدُّنْيَا، وفي الآخِرَة تنكشف حقيقته للجميع، {ولو كَانَ ذا قُربَى} ولو كَانَ المدعو ذَا قرابتِها.
{إنَّما تُنذر الذِينَ يَخْشَوْنَ ربَّهم بالغيبِ} لاَ يرون حقائق الغيب بعين اليقين، بَل يرونَه بعلمِ اليقين، وحين مَا يُرى بعين اليقين لاَ ينفع الإيمان فيِ ذَلِكَ الحين، لأَنَّ التعبُّد قد ارتفع ووجب جزاؤه. {وأقاموا الصلاة} فإنَّهم المنتفعون بالإنذار لاَ غير، {ومن تزكَّى} تطهَّر من طباع نفسه الأمَّارة بالسوء، {فإنَّما يتزكَّى لنفسه} إذ نفعه لها، {وإلى الله المصير (18)} فيجازي الجميع.
{__________
(1) - ... سورة العنكبوت: 13. (3/338)
صفحة 1154
وَمَا يستوي الأعمى والبصيرُ(19)} الكافر والمؤمن، وقيل الشيطان وَاللهُ أعلم. {وَلاَ الظلماتُ وَلاَ النورُ(20)} ولا الباطل و[لا] الحَقُّ {وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الحَرور(21)} وَلاَ الثواب وَلاَ العقاب. {وَمَا يستوي الأحياء وَلاَ الأمواتُ} لاَ يستوي العلماء وَلاَ الجهلاء، {إنَّ الله يُسمِعُ من يَشَاء} هدايته، فَنُوفِّقه لفهم آياته والاتِّعاظ بعظاته، {وَمَا أنت بِمُسمعٍ من فيِ القبور(22)} ترشيح لتمثيل المصرِّين عَلَى الكفر بالأموات. {إن أنت إِلاَّ نذير(23)} فما عليك إِلاَّ الإنذار، وَأَمَّا القبول فليس إليك ولاحيلة لك إِلَيْهِ فيِ المطبوع عَلَى قلوبهم.
{إِنَّا أرسلناك بِالْحَقِّ بشيرا ونذيرا} محقِّين، أو مُحقًّا، أو إرسالا مصحوبا بِالْحَقِّ، أو نذيرا بالوعيد الحقِّ، {وإن من أُمَّة} أهل عصر، {إلاَّ خَلاَ فِيهَا نذيرٌ(24)} من نبيٍّ أو عالم يُنذر عَنْهُ. {وإن يكذِّبوك فقد كَذَّب الذِينَ من قبلهم جاءتهم رسلُهم بِالبَيِّنَاتِ} بالمعجزات الشاهدة عَلَى نُبوَّتهم، {وبالزبر وبالكتاب المنير(25) ثُمَّ أخذتُ الذِينَ كَفَرُوا فكيف كَانَ نكيرِ(26)}؟ أي: إنكاري بالعقوبة.
{ (3/339)
صفحة 1155
ألم تر أنَّ الله أَنزَل مِنَ السَّمَاء ماءً، فأخرجنا بِهِ ثمرات مختلِفا ألوانُها} أجناسها وأصنافها، {ومن الجبال جُدَدٌ بيضٌ} أي: ذو جُدد، أي: خططٍ وطرائق، {وحُمْرٌ مختلِفٌ ألوانها} بالشدَّة والضعف، {وغرابيبُ سودٌ (27)} عطف عَلَى «بيض»، أو عَلَى «جدد». {ومن الناس والدوابِّ والأنعامِ مختلفٌ ألوانُه كَذَلِكَ} كاختلاف الثمار، والجبال، {إنَّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ} إذ شَرطُ الخشية: معرفة المخشيِّ، والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كَانَ أعلم بِهِ كَانَ أخشى مِنْهُ؛ وكذلك قيل: «كفى بالمرء عالما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يُعجب بعمله»، ولذلك قَالَ - عليه السلام -: «إنِّي أخشاكم الله وأتقاكم لَهُ» (1)، ولذلك أتبعه ذكر أفعاله الدالَّ عَلَى كمال قُدرته فقال: {إنَّ الله عزيز غَفُور (28)} تعليل لجواب الخشية الدالَّة عَلَى أنَّه [487] مُعاقب للمصرِّ عَلَى طغيانه، غَفُور للتائب عَن عصيانه.
{__________
(1) - ... لم نعثر عليه بهذا اللفظ. وفي صحيح مسلم، كتاب الصيام: 1868 عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا: « ... وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي». ونحوه في أحمد: باقي مسند الأنصار، رقم 23249، 24069، 24889. مالك: الموطَّأ، كتاب الصيام، رقم 564. وبلفظ: «وَأَحْفَظَكُمْ لِحُدُودِهِ»، عند أحمد، في باقي مسند الأنصار، رقم 24706. وعند أبي داود: كتاب الصوم رقم 2041، بلفظ: «وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّبِعُ». العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «أخشاكم لله». (3/340)
صفحة 1156
إنَّ الذِينَ يتلون كِتَاب الله} يداومون قراءته بمتابعة مَا فِيهِ، حتَّى صارت سِمَة لَهُم وغفرانا (1) ، {وأقاموا الصلاة وأنفَقوا مِمَّا رزقناهم سرًّا وعلانيَّة} كيفـ[ـما] اتَّفق، {يرجون تجارة} تحصيل أبواب الطاعة، {لن تَبور(29)} لن تكسد، ولن تهلك بالخسران، صفة للتجارة، وقوله: {ليُوفِّيهم أجورَهم} أي: ينتفي عنها الكساد، وتنفق عند الله ليوفيهم (2) أجورَ أعمالهم، {ويزيدَهم من فضله} عَلَى مَا يقابل أعمالهم، {إِنَّهُ غَفُور} لصغائرهم، {شكور(30)} لطاعتهم.
{والذي أوحينا إليك مِنَ الكتاب} يعني القرآن، {هُوَ الحقُّ مُصدِّقا لِمَا بين يديه} أَحقَّه مصدِّقا لِمَا تقدَّمه مِنَ الكتب السماويَّة، حال مؤكِّدة، لأَنَّ حقيقته تستلزم موافقته إيَّاها فيِ العقائد وأصول الأحكام، {إنَّ الله بعباده لَخَبيرٌ بصيرٌ(31)} عالم بالبواطن والظواهر، فلو كَانَ فيِ أحوالك مَا ينافي النبوَّة لم يوح إليك مثل هَذَا الكتاب المعجز الذِي هُوَ عيار عَلَى سائر الكتب؛ وتقديم الخبرة للدلالة عَلَى أنَّ العمدةَ فيِ ذَلِكَ الأمورُ الروحانيَّة.
__________
(1) - ... الأصوب: «عنوانا»، كما فيِ تفسير أبي السعود، مج4/ ج7/ ص152.
(2) - ... في الأصل: + «نفاقها»، ولم يَتَّضِح لنا معناها فيِ هَذَا السياق، لأَنَّ الفاعل إِنَّمَا هو الله، فلا يقال: «ليوفِّيَهم نَفاقُها أجورَ أعمالهم»، وَالله أعلم. (3/341)
صفحة 1157
وروى لَنَا أبو سعيد أنَّه يوجد فيِ تفيسر قول الله عزَّ وجلَّ: {ثُمَّ أورثنا الكتابَ الذِينَ اصطفينا من عبادنا} قَالَ أبو سعيد: «فماكَانَ ميراثهم لَهُ بملك وَلاَ باستزادته دون غيرهم، ولكن إِنَّمَا ورَّثهم الله تبارك وتعالى مِنَ الكتاب أو مِنَ أحكام الكتب أن جعلهم حُجَّة لَهُ، وأعيانا فيِ الأَرْض، شهودا وقواما، وأدلَّة، وحجَّة لمن تبعهم، وعلى من اتَّبعهم، ولمن طاعهم وعلى من أطاعهم، كما جعل النبيِّين والرسل حجَّة وشهودا وأدلَّة، وَإِلاَّ فما ورثوا مِنْهُ وَمَا جعلوا ورثَة فيِ شيءٍ مِنْهُ مُلكا؛ ومن شواهد ذَلِكَ قوله: {وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه} (1)، {فمنهم ظالِمٌ لنفسه، ومنهم مُقتصدٌ، ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذنِ الله} فأحسب أنَّ فيِ بعض مَا قيل فيِ التأويل أنَّ الظالم لنفسه مِنْهُم: الذِي يرتكب الذنوب والمعاصي ويتوب، ويطلب المعاش من أمور الدُّنْيَا من وجوه الحلال، والمقتصد الذِي لاَ يأتي شَيْئًا مِنَ المعاصي إِلاَّ أنَّه يتعرَّض بالشيء فيِ الدُّنْيَا للمعاش، والسابقون بالخيرات: الزهَّاد والعبَّاد المنقطعون إِلىَ الله، الذِينَ لا يتعرَّضون لشيء مِنَ المعاش من أمور الدُّنْيَا، والأحبار معهم أنَّهم العلماء؛ وَأَمَّا الربَّانيُّون فعندي أنَّهم فوق الأحبار معي فيِ العلم، وَهُوَ اسم العلماء» انتهى. {ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير (32)} الإشارة إِلىَ التوريث أو الاصطفاء أو السبق.
{__________
(1) - ... سورة التوبة: 105. (3/342)
صفحة 1158
جنَّاتُ عدن يدخلونها يُحَلَّون فِيهَا من أساوِرَ من ذهبٍ ولؤلؤا ولباسُهم فِيهَا حريرٌ(33) وَقَالُوا: الحمد لله الذِي أذهبَ عنَّا الحَزَنَ} هَمَّهم من خوف العاقبة، أو من أجل المعاش وآفاته، أو من وسوسة إبليس، {إنَّ رَبَّنَا لغَفُورٌ شَكور(34) الذِي أَحلَّنا دار المُقامةِ من فضله، لاَ يَمَسُّنا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنا فِيهَا لُغُوب(35)} كلال إذ لاَ تكليف [488] فِيهَا وَلاَ كدَّ.
{ (3/343)
صفحة 1159
وَالذِينَ كَفَرُوا لَهُم نارُ جَهَنَّم لاَ يُقضَى عليهم} لاَ يُحكم عَلَيْهِم بموت {فيموتوا} فيستريحوا، {وَلاَ يُخفَّف عَنْهُم مِّنْ عذابها} وَلاَ يأتي عَلَيْهِم حال فيُخفَّف عَنْهُم، بَل خالدين فِيهَا أبدا، {كذلك نجزي كُلَّ كَفور (36) وَهُم يَصطَرِخون فِيهَا} يستغيثون، يفتعلون، مِنَ الصراخ: وَهُوَ الصياح، استعمل فيِ الاستغاثة لجهد المستغيث صوته. {رَبَّنَا أخرجنا نعمل صالحا غير الذِي كُنَّا نعملُ} بإضمار القول؛ وتقييدُ العمل الصالح بالوصف المذكور، للتحسُّر عَلَى مَا عملوه من غير الصالح، والاعتراف بِهِ، والإشعار بأنَّ استخراجهم لتلافيه، ولعلَّهم كَانُوا يحسبون أنَّه صالح، والآن حقَّق لهم خلافه؛ {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكم مَّا يتذَكَّر فِيهِ من تذكَّر، وجاءكم النذير} جواب مِنَ الله وتوبيخ لَهُم، {وَمَا يتذكَّر فِيهِ من تذكَّر} متناول كلَّ عمر يمكن المكلَّف فِيهِ مِنَ التفكُّر والتذكُّر، كأنَّه قيل: عمَّرناكم وجاءكم النذير، وَهُوَ النبيُّ، أو الكتاب، أو العقل، أو الشيب، أو موت الأقارب؛ وقيل: عشر سنين؛ وقيل اثنتي عشرة سنة؛ وقيل ثماني عشرة؛ وقيل عشرين سنة، والمعنى هنا: قيام الحجَّة عَلَى المرء بكمال عقله وبلوغ سنِّه، فإذا بلغ سنًّا، وكمل عقلا فذلك العمر الذِي تقوم عليه فِيهِ الحجَّة، ولو عصى الله بعد ذَلِكَ طرفة عين ولم يعمَّر غيرها ثُمَّ مات عَلَى ذَلِكَ كَانَ مقطوع العذر، هالكًا (1) بمعصيته بعد بلوغ سنِّه، وكمال عقله، شاب أو لم يشب؛ فصحَّ معنا هَذَا القول هُوَ أصحُّ الأقوال مِنَ التأويل، {فذوقوا فما للظالمين من نَّصيرٍ (37)} يدفع العذاب عَنْهُم.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «هالك»، وَهُوَ خطأ من الناسخ. (3/344)
صفحة 1160
إنَّ الله عالِمُ غيبِ السَّمَاوَاتِ والأَرْض} لاَ تخفى عليه خافية، فلا تخفى عليه أحوالهم. {إِنَّهُ عليمٌ بِذَاتِ الصدورِ (38)} تعليل لَهُ، لأَنَّهُ إِذَا علم مضمرات الصدور ــ وهي أخفى مَا يكون ــ كَانَ عالما لغيره. و {هُوَ الذِي جعلكم خلائف (1) فيِ الأَرْض} ملقي إليكم مقاليد التصرُّف فِيهَا، فينظر كيف تَعْلَمُونَ، وذلك يتناول كلَّ متعبّد فيما هُوَ مُستخلَف فِيهِ، كما قَالَ - عليه السلام -: «ألا وكلُّكم راع وكلُّكم مسؤول عَن رعيَّته» (2)، {فمن كفر} فيما هُوَ مستخلف فِيهِ {فعليه كفرُه} جزاء كفره؛ {وَلاَ يزيد الْكَافِرِينَ كُفرُهم عند ربِّهم إِلاَّ مقتًا} بغضا، {وَلاَ يزيد الْكَافِرِينَ كُفرُهم إِلاَّ خَسَارا (39)} بيانٌ لَهُ، والتكرير للدلالة عَلَى أنَّ اقتضاء الكفر لِكُلِّ وَاحِد مِنَ الأمرين مستقلٌّ باقتضاء قبحه ووجوب التجنُّب عَنْهُ.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «خلائف»، وَهُوَ سهو.
(2) - ... البخاري: فيِ كتاب الجمعة، رقم 844، كتاب الاستقراض وأداء الديون، رقم 2232. كتاب العتق، رقم 2368، 2371. كتاب الوصايا، رقم 2546. وكذا في كتاب النكاح والأحكام. ورواه مسلم في كتاب الإمارة. والترمذيُّ في كتاب الجهاد، وأبو داود في كتاب الخراج والإمارة. وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «كلكم راع». (3/345)
صفحة 1161
قل أرأيتم شركاءكم الذِينَ تدعون من دون الله} يعني آلهتهم؛ والإضافة إِلَيْهِم إنَّهم جعلوهم شركاء لله، أو لأنفسهم فيما يملكونه، {أروني ماذا خَلَقوا مِنَ الأَرْض}؟ أي: أخبروني عَن هؤلاء الشركاء، أروني أيَّ جزء مِنَ الأَرْض استبدُّوا بخلقه؛ {أم لَهُم شِرْكٌ فيِ السَّمَاوَات}؟ أم لَهُم شركة مع الله فيِ خلق السماوات فاستحقُّوا بذلك شركه فيِ الألوهيَّة ذاتيَّة؟. {أم آتيناهم كِتَابًا} ينطق عَلَى أنَّا [489] اتَّخَذناهم شركاء، {فَهُم عَلَى بيِّنة مِنْهُ} على حجَّة من ذَلِكَ الكتاب بأنَّ لَهُم شركة جَعليَّة، {بَل إِنْ يَعِدُ} أي ما يَعِدُ {الظالمون بعضُهم بعضا إِلاَّ غُرورا (40)} لمَّا نفى أنواع الحجج فيِ ذَلِكَ أضرب عَنْهُ بذكر مَا حملهم عليه، وَهُوَ تقرير الأسلاف للأخلاف، والرؤساء للأتباع بأنَّهم شفعاء عند الله يشفعون بالتقرُّب إِلَيْهِم.
{إنَّ الله يمسك السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ أن تَزُولا، ولَئِن زَالَتَا إن أَمْسَكَهما} مَا أمسكهما {مِن أَحَدٍ من بعدِه إِنَّهُ (1) كَانَ حليما غَفُورا (41) وأقسَموا بالله جَهْدَ أَيْمانِهم لَئِن جاءَهم نذيرٌ لَيَكُونُنَّ أهدَى من إِحدَى الأمم؛ فَلَمَّا جاءهم نذيرٌ مَا زادَهم} أي النذير {إِلاَّ نُفورا (42)} تباعدا عَن الحقِّ. {استكبارًا فيِ الأَرْض، ومَكرَ السيِّئِ، وَلاَ يَحِيقُ} أو لا يحيط {المكرُ السيِّئُ إِلاَّ بأهله. فهل يَنظُرون} ينتظرون {إِلاَّ سُنَّة الأَوَّلين}؟ سنَّة الله فِيهِم وَهُوَ هلاكهم، {فلن تجد لسُنَّة الله تبديلا، ولن تجد لسُنَّة الله تحويلا (43)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إنَّ الله»، وهو خطأ. (3/346)
صفحة 1162
أولم يسيروا فيِ الأَرْض فينظروا كيف كَانَ عاقبة الذِينَ من قبلهم}؟ استشهاد عليه بِمَا يشاهدونه فيِ مسائرهم فيِ الأَرْض من آثار الماضين، {وكَانُوا أشدَّ مِنْهُم قوَّة، وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعجِزَه من شيءٍ} ليفوته ويسبقه، {فيِ السَّمَاوَات وَلاَ فيِ الأَرْض، إِنَّهُ كَانَ عليما} بالأشياء كلِّها، {قديرا (44)} عليها.
{ولو يُؤاخِذ اللهُ الناسَ بِمَا كَسَبوا} مِنَ المعاصي، {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِها من دَابَّة} من نَسَمة تدبُّ عليها بشؤم معاصيهم؛ وفيه دليل أنَّ جميع مَا خلق فيِ الأَرْض منافع لَهُم؛ وقيل المراد بالدابَّة: الإنس وحده، لقوله: {ولكن يؤخِّرهم إِلىَ أجلٍ مسمًّى} هُوَ انقضاء آجالهم، {فإذا جاء أجلهم فإنَّ الله كَانَ بعباده بصيرا (45)} فيجازيهم عَلَى أعمالهم.
[تَمَّ بحمد الله وحسن عونه الجزء الثالث من التفسير، ويليه الجزء الرابع بحول الله ويبدأ بتفسير سورة يس]
فهرس الجزء الثالث
سورة مريم ... 3
سورة طه ... 25
سورة الأنبياء ... 59
سورة الحج ... 87
سورة المؤمنون ... 113
سورة النور ... 133
سورة الفرقان ... 157
سورة الشعراء ... 181
سورة النمل ... 203
سورة القصص ... 224
سورة العنكبوت ... 244
سورة الروم ... 261
سورة لقمان ... 274
سورة السجدة ... 284
سورة الأحزاب ... 293
سورة سبأ ... 314
سورة فاطر ... 330 (3/347)
صفحة 1163
سورة يس
بسم الله الرحمن الرحيم
{يس (1) والقرآنِ الحكيمِ (2) إنَّكَ لَمِن المرسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)} لَمِن الذِينَ أُرسِلوا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم، وَهُوَ: التوحيد والاستقامَة فيِ الأمور؛ وفائدته: وصفُ الشرعِ بالاستقامة صريحًا. {تَنزِيلَ العزيز الرحيمِ (5) لِتُنذِر قَومًا مَّا أُنذِر آباؤُهم} أي: مثل مَا أُنذِر آباؤهم، {فَهُم غافِلُونَ (6)} عَن الإنذار والإيمان بالرُّسُل. {لَقَد حقَّ القولُ عَلَى أكثرِهم فَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ (7)} لأَنَّهُم مِمَّن علم أنَّهم لاَ يُؤْمِنُونَ.
{إِنَّا جَعلنا في (1) أعناقِهم أغلالا} تقرير لتصميمهم عَلَى الكفر، والطبع عَلَى قلوبهم بحيث لاَ تُغني الآيات والنُّذُر، [بـ]ـتَمثِيلهم بالذين غُلَّت أعناقهم. {فهي إِلىَ الأذقانِ} أي: فالأغلالُ (2)، وأصله: إلى أذقانهم، فلا تخلِّيهم يطأطئون رؤوسهم غاضُّون أبصارهم، في أَنَّهُمْ لا يلتفتون لفت الحَقِّ، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، {فَهُم مُقمحُونَ (8) وجَعَلنا مِن بَين أيديهم سَدًّا ومِن خَلفِهم سَدًّا، فأغشَينَاهم فَهُم لاَ يُبصِرُونَ (9)} بِمَن (3) أحاط بِهِم سَدَّانِ، فَغطَّى أبصارهم بحيث لاَ يُبصِرون قُدَّامهم وَوَرَاءهم فيِ أنَّهم مَحبُوسُون [490] فيِ مطمورة الجهالة، مَمنُوعون عَن النظر فيِ الآيات والدلائِل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «على» وهو خطأ من الناسخ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «{فهي إِلىَ الأذقانِ} فأغلال»، وصحَّحناه من تفسير أبي السعود، مج4/ ج7/ ص160.
(3) - ... لَعَلَّ الصواب: «كمن». (4/1)
صفحة 1164
وسواءٌ عَلَيْهِم أَأَنذَرتَهُم أم لم تُنذِرهُم لاَ يُؤْمِنُونَ (10) إنَّما تُنذِرُ} إنذارا تَتَرتَّب عليه البغيَة المَرُومَة، {مَن اتَّبع الذكرَ} أي: القرآن بالتأمُّل فِيهِ، والعمل بِهِ، {وخَشِيَ الرَّحمَنَ بالغيبِ} وخافَ عِقابَه قَبل حُلولِه ومُعايَنَة أهواله، أو في سُنَّتِه، وَلاَ يَغترُّ برحمَته، فإنَّه كما هُوَ رحمن بِالمُؤمِنين، مُنتَقمٌ قاهرٌ للعاصين، {فبَشِّرهُ بمَغفِرةٍ وأجرٍ كريمٍ (11)}.
{إِنَّا نَحْنُ نُحيِي المَوتَى} الأموات بالبعث، أو الجُهَّال بالهداية. {ونَكتُب مَا قدَّموا} مَا أسلفوا مِنَ الأعمال الصالحة والطالحة، {وآثارَهم} مَا أثَرُوه مِنَ الحقِّ والباطل، {وكلَّ شَيءٍ أَحصينَاه فيِ إمَامٍ مُّبِينٍ (12)} يَعنِي اللَّوح المَحفُوظ.
{واضربْ لَهُم} ومَثِّل لَهُم {مَثَلاً أصحابَ القريَة} أي: واجعل لَهُم مثلاً أصحاب القرية مثلاً (1)، {إذْ جَاءَها المُرسَلُونَ (13) إذْ أرسلنَا إِلَيْهِم اثنَينِ فكذَّبُوهُما، فَعزَّزنَا} فَقوَّينَا {بِثالِثٍ، فَقَالُوا: إِنَّا إلَيكُم مُّرسَلُونَ (14) قَالُوا: مَا أَنتُم إِلاَّ بَشَرٌ مِّثلُنا} لاَ مَزِيَّة لكم علَينا تَقتَضِي اختصاصكم بِمَا تَدَّعُون، {وَمَا أنزَلَ الرَّحمنُ مِن شَيءٍ، إن أَنتُم إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15)؛ قَالُوا: رَبُّنَا يَعلَم إِنَّا إليكم لَمُرسَلُونَ (16) وَمَا عَلينَا إِلاَّ البلاغُ الْمُبِينُ (17)} الظاهر البيِّن بالآيات الشاهدة.
{قَالُوا: إِنَّا تَطيَّرنَا بِكُم} تَشَاءَمْنا بِكُم، {لَئِن لَّم تَنتَهُوا لَنَرجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِّنَّا عذابٌ ألِيمٌ (18) قَالُوا: طَائِرُكم مَّعَكُم} سبَبَ شُؤمِكُم مَعَكم، وَهُوَ سُوء عَقِيدَتِكم وأعمَالكم. {أئِن ذُكِّرتُم، بَل أَنتُم قَومٌ مُّسرِفُونَ (19)} عادتكم الإسراف فيِ أموركم.
{__________
(1) - ... تكرار كلمة «مثلا»، والصواب: حذف إحداهما. (4/2)
صفحة 1165
وجاء مِن أقصَى المَدينَة رَجُلٌ يَّسعَى، قَالَ: يَا قَومِ اتَّبِعُوا المُرسَلِينَ (20) اتَّبِعوا مَن لاَ يَسألُكم أجرًا} عَلَى النُّصح وتَبلِيغ الرسالة {وَهُم مُّهتدُونَ (21)} إِلىَ خير الدارين، (لَعَلَّهُ) وَهَذَا سنَّ سنَّة حسنة لجميع من دعا إلى طاعة، أو نهى عن معصية.
{وَمَا لي لاَ أعبُدُ الذِي فَطَرَني، وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ (22)}؟ تلطُّف فيِ الإرشادِ، بإيرَادِه فيِ معرض المُناصَحَة لِنفسِه، وإمحَاضِ النُّصح، حيثُ أَرَادَ لَهُم مَا أَرَادَ لها، والمُراد: تَقرِيعُهم عَلَى تَركِ عِبادة خَالِقِهم إِلىَ عِبادَة غيره، ولذلك قَالَ: {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِه آلهة؟! إنْ يُّرِدنِي الرحمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغنِي عنِّي شفاعتُهم شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ (23)} بِالنَّصر والمظاهرة. {إنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (24)}، فإنَّ إيثَار مَا لاَ يَنفَعُ وَلاَ يَدفَع ضُرًّا بوجهٍ عَلَى الخالق المقتدر عَلَى النفعِ، ودفعِ الضُّرِّ وإنزاله (1) ضلالٌ بَيِّن لاَ يخفى عَلَى عاقل.
{إنِّي آمنتُ بِرَبِّكُم فاسمَعُونِ (25)} فاسمعوا إيمَانِي. {قِيلَ: ادخُل الجنَّةَ} قيل لَهُ (لَعَلَّهُ) بعد الموت، إذنًا فيِ دُخُولِها كسائِر الشُّهداء؛ {قَالَ: يَا لَيتَ قَومِي يَعْلَمُونَ (26)} وقتَ التعبُّد، فإنَّ العلم بعد ارتفاعه لاَ يَنفَعُ، {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكرَمِينَ (27)} وإنَّما تمنَّى عِلمَ قَومِه بحالِهِ لِيَحمِلَهم عَلَى اكتساب مِثلِها بالتوبَة عَن الكفرِ، والدخول فيِ الإيمان والطَّاعة عَلَى آدَاب الأولياء فيِ كظمِ الغَيظِ؛ أو لِيَعلَموا [491] أنَّهم كَانُوا عَلَى خَطَإٍ عظيم فيِ أمره، وأنَّهُ كَانَ عَلَى حقٍّ.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «واسراله»، ولا مَعْنَى له. (4/3)
صفحة 1166
وَمَا أنزَلنَا عَلَى قَومِه مِن بَعدِه} من بعد إهلاكه {مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاء} لإهلاكهم، {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) إن كَانَت} الأخذة والعقوبة {إلاَّ صَيحَةً وَاحِدَةً} صاح بها جبريل عَلَى مَا قيل، {فَإذا هُم خَامدُونَ (29)} مَيِّتُون، شُبِّهوا بِالنَّار رَمزًا إِلىَ أنَّ الحيَّ كالنار الساطع، والمَيِّتَ كَرَمادها.
{يَا حَسرَةً عَلَى العبَاد} تَعَالَيْ، فهذه مِنَ الأحوال التِي مِن حقِّها (1) أن تَحضُرِي، وهي مَا دلَّ عَليها: {مَا يَأتِيهم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَستهزِءُونَ (30)} فإنَّ المستهزئين بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحِقَّاء بأن يُتحسَّر عليهم، وقد تلهَّف عَلَى حالهم المَلاَئِكَة والمؤمِنُون (2) مِنَ الثقلَينِ؛ ومَن أحاطت بِهِ الحسرة فَهوَ عَن النِّعمة بِمعزِل.
{ألم يَرَوا} ألم يَعلَموا {كَم أهلَكنَا قَبلَهم مِّنَ القرون} فَيتَّعظُون بهم. {أنَّهُم إِلَيْهِم لاَ يَرجعُونَ (31)} أي: ألم يَرَوا كَثرَة إهلاكِنا (3) مَن قَبلَهم كَونهم غَير راجعين إِلَيْهِم. {وإن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَدَينَا مُحضَرُونَ (32)} يوم القيامة للجزاء.
{وآيةٌ لَّهُمُ الأَرْض المَيِّتَة أَحيَيْنَاها، وأَخرَجْنَا مِنها حبًّا فَمِنهُ يَأكلُونَ (33) وجَعلنَا فِيهَا جنَّاتٍ مِن نَّخيلٍ وأعنَابٍ، وفجَّرنا فِيهَا مِنَ العيُونِ (34) لِيَأكُلُوا مِن ثَمَرِه، وَمَا عَمِلَتهُ أيدِيهم} (لَعَلَّهُ) ما يُتَّخَذُ مِنْهُ كالعصير والدِّبْسِ (4) ونحوهما، {أفَلا يَشكُرُونَ (35)} أمرٌ بالشُّكرِ مِن حيث إِنَّه إنكارٌ لِتركِه.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الأصوب، «من حقِّك»، انظر: الزمخشري، الكشَّاف، 4/ 13.
(2) - ... في الأصل: «والمنون»، وهو خطأ.
(3) - ... في الأصل: «أهلكنا»، والصواب ما أوردناه. انظر: المصدر نفسه.
(4) - ... «الدِّبْسُ بالكسر، وبكسرتين: عسل التمر وعسل النحل». الفيروزآبادي: القاموس، ص489، مَادَّة: «دبس». (4/4)
صفحة 1167
سُبحَان الذِي خَلَقَ الأزوَاجَ كُلَّها} الأنواع والأصناف، {مِمَّا تُنبِت الأَرْضُ} مِنَ الشجر والنبات، {ومِن أَنفُسِهم} الذكر والأنثى، {ومِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ (36)} وأزواجًا مِمَّا لاَ يُطلِعُهم الله عليه، ولم يَجعَل لَهُم طَريقا إِلىَ معرفته.
{وآيةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} نُزيلُه ونَكشِف عَن مَكانِه؛ مُستَعَار مِن سَلخِ الجِلد. {فإذا هُم مُّظلِمُونَ (37)} داخِلُون فيِ الظلام. {والشمس تَجرِي لِمُستَقرٍّ لَها} لِحَدٍّ مُعيَّن يَنتَهي إليه دَورُها، فشبِّهَ بمُستَقرِّ (1) المُسافر إِذَا قَطَع مَسِيرَة؛ أو لاَ استقرار لها عَلَى نهج مخصوص، أو مُنتَهى مُقدَّر لِكُلِّ يَوم مِنَ المشارق والمغارب، فإنَّ لها فيِ دورها ثلاثمائة وستِّين مَشرِقا ومَغربا، تَطلُع كلَّ يَوم مِن مَطلِع، وتَغرُب مِن مَغرِب، ثُمَّ لاَ تَعودُ إِلَيْهِما إِلىَ العام القابل، أو لِمُنقَطع جَريها عند خراب العالم؛ وقُرئ: «لاَ مستقرَّ لها» أي: لاَ سُكون، فإنَّها مُتحرِّكة سائرة سَائِحة فيِ فلكها دائما إِلىَ يوم القيامة؛ {ذَلِكَ تَقدِيرُ العزِيز} الغالبة قدرتُه عَلَى [كُلِّ] مَقدُور، {العليم (38)} المحيط عِلمُه بِكُلِّ مَعلُوم.
{والقمرَ قدَّرنَاه} قَدَّرنا مَسِيرهُ، {مَنازِلَ} أو مَسيرَه فيِ مَنَازل، يَنزِل كلَّ لَيلَة فيِ وَاحِدٍ مِنهَا لاَ يَتخَطَّاه، وَلاَ يَتقَاصَر عَنْهُ، فإذا كَانَ فيِ آخر منازله، وَهُوَ الذِي يكون قُبَيلَ الاجتماع، دقَّ واستقوَسَ {حتَّى عاد كالعُرجُون} كالشمرَاخ المعوجِّ {القديم (39)} العتيق؛ وقيل: مَا مَرَّ عليه حولٌ فصاعدًا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «مُستقرِّ»، وصحَّحناه من: الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 16؛ وأبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص167. (4/5)
صفحة 1168
لاَ الشمسُ يَنبَغِي لَها} يَصحُّ لَها {أن تُدرِكَ القمَرَ} فيِ سُرعةِ مَسيرهِ، فإنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِتكوُّن [492] النبات وتعيُّش الحيوان أ [و] فيِ آثاره ومنافعه، أو مكانِه بالنزول إِلىَ محلِّه، أو سلطانه فيطمس نوره، {وَلاَ اللَّيْلُ سابقُ النَّهَارِ} يَسبِقُه فَيَفُوتُه ولكن يُعاقِبُه، {وكلٌّ فيِ فلكٍ يَسبَحُونَ (40)} يَسِيرون فِيهِ بانبساط، فانظر هل ترى في خلق الرحمن من [تفاوت] (1).
{وآيةٌ لَهُم أنَّا حَملنا ذُرِّيَّتَهم فيِ الفُلْكِ المشحُونِ (41) وخَلَقنا لَهُم مِن مِثلِه مَا يَركَبُونَ (42) وإن نَّشَأْ نُغرِقْهُم فَلا صَريخَ لَهُم} فلا مُغِيث لَهُم يحرسهم عن الغرق، {وَلاَ هُم يُنقَذُونَ (43)} يُنجَوْن مِنَ الموت به. {إلاَّ رَحمَةً مِنَّا ومَتَاعا} إِلاَّ الرحمة وَالتَّمَتُّع بالحياة {إِلىَ حِينٍ (44)} زَمَانٍ قُدِّر لآجَالِهم.
{وإذا قيل لَهُم: اتَّقُوا مَا بَين أيدِيكم وَمَا خَلفَكم} الوقائع التِي قد خلت، والعذاب المُعَدِّ فيِ الآخِرَة، أو نَوازِل السَّمَاء وكَواكبَ الأَرْض، لقوله: {أفلم يَرَوْا إِلىَ مَا بَين أيديهم وَمَا خَلفَهم مِنَ السَّمَاء والأَرْض} (2) أو مَا تَقدَّم مِنَ الذنوب وَمَا تأخَّر. ويُروى عَن ابن عبَّاس: «{مَا بين} (لَعَلَّهُ) {أيديكم} الآخِرَة، فاعملوا لها، {وَمَا خلفكم} الدُّنْيَا فاحذروها». {لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ (45) وَمَا تأتيهم مِن آيةٍ مِن آيات رَبِّهم إِلاَّ كَانُوا عنها مُعرِضِينَ (46)} كأنَّه قَالَ: وإذا قيل لَهُم: اتَّقوا العذاب أعرضوا، لأَنَّهُم اعتَادوه وتمرَّنوا عليه.
{__________
(1) - ... من إضافتنا ليستقيم المَعْنَى، وقد وضع فيه الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا.
(2) - ... سورة سبأ: 09. (4/6)
صفحة 1169
وإذا قِيل لَهُم: أنفِقُوا مِمَّا رَزقَكم الله} عَلَى مَحاوِيجِكم. {قَالَ الذِينَ كَفَرُوا للذين آمنوا} تَهكُّمًا مِن إِقْرَارهم بِهِ، وتعليقهم الأمور بمشيئَته {أنُطعِمُ مَن لَو يَشَاءُ اللهُ أطعَمَه}؟ قيل عَن ابن عبَّاس: «كَانَ بمكَّة زنادِقة إِذَا أُمِروا بالصدَقَة على المساكين قَالُوا: لاَ وَاللهُ أَيُفقِرُه الله ونُطعِمُه نَحْنُ»؟!؛ {إن أَنتُم إِلاَّ فيِ ضلالٍ مُبِين(47)} حيث أمَرتُمُونا بِمَا يُخالف مَشِيئَة الله.
{ويَقولُون: مَتَى هَذَا الوعدُ إِن كُنتُم صَادقِينَ(48)؟ مَا يَنظُرُونَ} ما يتنظرون {إِلاَّ صيحةً وَاحِدَة} النفخة الأولى، أو نُزول المَوتِ على كلِّ شَخص؛ والدليل على ذَلِكَ تَمَام الآية: {تَأخُذُهم وَهُم يَخِصِّمُونَ(49)} يَتَخَاصَمُون فيِ مَتَاجِرهِم ومُعامَلاتِهم، لاَ يَخطُر بِبَالهم أمرُها، كقوله: {فأخذناهم بَغتَةً (1)
__________
(1) - ... في الأصل: «فأخذتهم الساعة»، وهو خطأ إذ لا توجد آيَة هكذا، وقد وقع فيِ نفس الخطإ الألوسيُّ فيِ روح المعاني، ج23/ ص31 . وَفيِ تفسير أبي السعود: «كقوله تَعَالىَ: فأخذتهم الصاعقة بغتة وهم لا يشعرون» وَهُوَ خطأ أفحش. انظر أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص171.
... ... والآيات المشابهة هي كما يأتي:
... ... {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون} (يوسف: 107).
... ... {لا يؤمنون به حَتَّى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون} (الشعراء: 201-202).
... ... {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمًّى لجاءهم العذاب وليأتينَّهم بغتة وهم لا يشعرون} (العنكبوت: 53).
... ... {هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون} (الزخرف: 66). (4/7)
صفحة 1170
وَهُم لاَ يَشعُرُون} (1) ومَن قَرَأَهَا: «يُخَصِّمون» (بضم الياء وفتح الخاء وكسر الصاد) فَهُم يُخَصِّمُونَ (لَعَلَّهُ) ربَّهم وأولياءَه، كقوله: {أولم ير الإنسان أنَّا خلقناه من نُّطفةٍ فإذا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} (2). {فلا يَستطِيعُون تَوْصِيَةً} فيِ شيء مِن أُمورِهم، {وَلاَ إِلىَ أَهلِهم يَرجِعُونَ (50)} فَيَرَوا حَالَهُم.
{ونُفِخَ فيِ الصورِ فَإذا هُم مِنَ الأجداثِ إِلىَ ربِّهم يَنسِلُونَ (51)} يُسرِعُون. {قَالُوا: يا وَيلَنَا! مَن بَعَثَنا مِن مَرقَدِنا؟ هَذَا مَا وعدَ الرحمنُ وصَدقَ المرسَلُونَ (52)} أي: مَا وعد الرحمن حقٌّ. {إن كَانَت} مَا كَانَت الغفلة {إلاَّ صَيحَةً وَاحِدَة} هِيَ النفخة الأَخِيرة، {فإذا هُم جَمِيع لَدينَا مُحضَرُونَ (53)} لِمُجرَّد تِلكَ الصيحة؛ وفي ذَلِكَ تَهوِين أمرِ البعث [والحشر] (3) فيِ قُدرَة الله، واستغناؤهما عَن الأسباب التِي ينوطان فيما يُشاهِدونَه.
{فاليوم لاَ تُظلَم نَفسٌ شَيْئًا، وَلاَ تُجزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (54)} حكايةً لِمَا يُقال لَهُم حينئذ، [و] تَصوِيرًا للمَوعُود، وتمكِينًا لَهُ فيِ النفوس؛ وكذا قوله: {إنَّ أصحابَ الجنَّة [493] اليوم فيِ شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55)} مُتَلَذِّذُون فيِ النِّعمة من الفاكهة؛ وفي تنكير "شغلٍ" وإِبهَامِه تَعظِيم لِمَا هُم فِيهِ مِن البهجة والتلذُّذِ، وتَنبِيه عَلَى أنَّه أعلى عَن أن تُحِيط بِهِ الأفهام، ويعرف عَن كُنهِه الكلام، (لَعَلَّهُ) وإعلامٌ عَلَى أنَّه لاَ يأتي عَلَيْهِم حالٌ وَهُم فيِ غير فَاكهَة.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 95.
(2) - ... سورة يس: 77.
(3) - ... إضافة لا بُدَّ منها (من أبي السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص172. الألوسي: روح المعاني، ج23/ ص32). حَتَّى يسوغ إرجاع الضمير بصيغة المثنَّى فيِ قوله: «واستغناؤهما». (4/8)
صفحة 1171
هُم وأَزوَاجُهم فيِ ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ} عَلَى السرُرِ المزيَّنة {مُتَّكِئُونَ (56) لَهُم فِيهَا فاكهةٌ، ولهم مَا يَدَّعُونَ (57)} مَا يَدَّعون بِهِ لأنفسهم. {سلامٌ قولاً مِن رَبٍّ رَحِيم (58)} أي أنَّ الله يُسَلِّم عَلَيْهِم بواسطة المَلاَئِكَة تعظيما لَهُم، وذلك مَطلُوبُهم ومُتَمَنَّاهم. {وامتَازوا اليوم أيُّها المُجرمُونَ (59)} وانفَرِدوا عَن المؤمنين، وذلك حينَ يُسارُ بِهم إِلىَ الجنَّة.
{أَلَمْ أعهَدْ إلَيكم يَا بَنِي آدم أنْ لاَ تَعبُدوا الشيطانَ} مِن جملَة مَا يُقَال لَهُم تَقرِيعا وإلزامًا للحجَّة، وعهدُه إِلَيْهِم مَا نَصَب لَهُم مِنَ الحجج العَقلِيَّة والسمعِيَّة الآمِرَة بعبادته، الزاجرة عَن عبادة غيره، وجعلها عبادةً للشيطان (1)، لأَنَّهُ الآمِر بِها والمُزيِّن لها، وفيه دَلِيل عَلَى أنَّ جميع الخلق المُتَعبّدِين إمَّا عابد لله، وإمَّا عابد للشيطان؛ وسمَّى طاعتَه عبادةً بِدليل هَذِهِ الآية والتي تليها، {إِنَّهُ لَكُم عَدوٌّ مُبِين (60)} تعليلٌ للمنعِ عَن عبادته بالطاعة فيما يحمِلُهم عليه. {وأن اعبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} إشارةٌ إِلىَ مَا عَهَد إِلَيْهِم، أو إلى عبادته.
{وَلَقَد أضلَّ مِنكُم جِبِلاًّ كَثيرًا أفَلَم تَكُونُوا تَعقِلُونَ (62)} زِيادَة إيضاح مُعَادَاةِ الشيطان، مَعَ ظُهُورِ عَداوَتِه، وَوُضُوحِ إضلالِه لِمَن لَهُ أدنى عَقلٍ ورَأيٍ؛ والجبِلُّ: الخلق. {هَذِهِ جَهنَّمُ التِي كُنتُم توعَدُونَ (63) اصلَوهَا اليومَ بِمَا كُنتُم تَكفُرُونَ (64)} ذُوقُوا حَرَّها اليومَ بِكُفرِكُم فيِ الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «عبادة الشيطان». (4/9)
صفحة 1172
اليوم نَختِم عَلَى أفوَاهِهِم} نَمنعُها مِنَ الكلام، {وتكلِّمُنا أيدِيهِم، وتَشهَدُ أَرجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ (65)} بظهور آثام المعاصي عليها، ودلالتِها عَلَى أفعالها، أو بإنطاق الله إيَّاها؛ وفي الحديث: إنَّهم يَجحَدون ويُخَاصِمون فيُختَم عَلَى أفواههم وتكلِّم أيديهم وأرجلهم (1). {ولَو نَشَاء لطمَسنا عَلَى أعينهم فاستبَقُوا الصِّرَاط فأنَّى يُبصِرُونَ (66)} الطريق، وجهة السلوك فَضلاً عَن غيره.
{ولو نَشاء لَمَسخنَاهم} بِتصغِير صُوَرِهِم وإبطالِ قُوَاهُم، {عَلَى مَكانَتِهم} مَكانِهم، بِحيثُ يجمدون فِيهِ، {فما استَطَاعُوا مُضيًّا} ذهابا {وَلاَ يَرجِعُونَ (67)} وَلاَ رجوعا؛ والمعنى: أنَّهم بِكفرِهم ونَقضِهم مَا عُهِد إِلَيْهِم أحِقَّاءَ بأن يُفعَلُ بهم ذَلِكَ، لكنَّا لم نَفعَل، لِشمُول الرحمة، واقتضاء الحكمة إمهالهم إِلىَ انقضاء آجَالهم، كقوله: {ولو يؤاخذ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسبوا مَا ترك عَلَى ظهرها مِن دَابَّة ... } (2) الآيَة.
{__________
(1) - ... روى البخاريُّ عن طَاوُس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في كتاب تفسير القرآن: وَأَمَّا قَوْلُهُ {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا} فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلاَصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنطِقُ أَيْدِيهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللهَ لاَ يُكْتَمُ حَدِيثًا ... ». العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «أفواههم».
(2) - ... سورة فاطر: 45؛ وتمامها: {ولكن يؤخِّرهم إلى أجل مُسمًّى، فإذا جاء أجلهم فإنَّ الله كان بعباده بصيرا}. (4/10)
صفحة 1173
ومَن نُعمِّرهُ} ومَن نُطِل عُمرَه {نُنكِّسهُ فيِ الخلق} نُعلِّيه فِيهِ، فَلا يَزال يَتَزَايَد ضُعفُه، وانتِقَاص بُنيَتِه وقُوَاه، عَكسَ مَا كَانَ عليه بدء أَمرِه، (لَعَلَّهُ) فإنَّه [494] ولو تنقص مِنْهُ ضَرسٌ فذلك انتكاس فيِ خلقه، {أفلا يَعقلُونَ (68)} أنَّ مَن قَدرَ عَلَى ذَلِكَ، قَدرَ عَلَى الطمس والمسخ، فإنَّه مُشتَمِل عليها وزيادة، غير أنَّه يدرج.
{وَمَا علَّمنَاه الشعرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} وَمَا يَصِحُّ لَهُ الشعر، وَلاَ يتأتَّى لَهُ إن أَرَادَ قَرضَه؛ {إن هُوَ إِلاَّ ذِكرٌ} عِظة وإرشادٌ مِنَ الله، {وقرآن مُبِين (69)} كِتَابٌ سماويٌّ يُتلَى فيِ المَعابِد، ظاهرًا أنَّه ليس كلام البشر لِمَا فِيهِ مِنَ الإعجاز. {لِيُنذِر مَن كَانَ حيًّا} عاقلاً فَهِمًا، فإنَّ الغافلَ كالمَيِّت، أو مُؤمِنًا فيِ علم الله، فإنَّ الحياة الأبديَّة بِالإيمان؛ وتَخصيصه بالإنذار لأَنَّهُ المُنتَفِع بِهِ لاَ غير. {ويَحِقَّ القولُ} وتَجِبَ كلمة العذاب {عَلَى الْكَافِرِينَ (70)} المُصرِّين على الكفر، وجعلهم فيِ مُقابَلة مَن كَانَ حيًّا إشعارٌ بأنَّهم لكفرهم وسُقوط حُجَّتهم وعدمِ تَأمُّلِهم أمواتٌ فيِ الحقيقة.
{أوَلمَ يَرَوا أنَّا خَلَقنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَت أيدِينَا} مَا تَوَلَّينا إيجَادَه، ولم يَقدِر عَلَى إيجادِه غَيرُنا، {أنعَامًا} خَصَّصَها بالذكر لِمَا فِيهَا من بَدَائِع الفطرَةِ وكَثرَة المَنافِع، {فَهُم لَها مَالكُونَ (71)} مُمتَلِكُون بِتَمَلُّكِنا إيَّاهم، {وذلَّلنَاها لَهُم} صيَّرنَاها مُنقَادَة لَهُم، {فَمِنهَا رَكُوبِهم، ومِنهَا يَأكُلُونَ (72) ولهم فِيهَا مَنافِع} أُخْرَى {ومَشارِب أفَلا يَشكُرُونَ (73)} أنعُمَ الله فيِ ذَلِكَ، إذ لولا خَلقُه لَها وتَذلِيلُه إيَّاها، كَيفَ أمكنَ التوصُّل (1) إِلىَ تحصِيل هَذِهِ المنافع المُهِمَّة؟.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «التوسل»، ولا مَعْنَى له. (4/11)
صفحة 1174
واتَّخذُوا مِن دُونِ الله آلِهَة} أَشرَكُوها بِهِ فيِ العبادة بعدما رَأَوا مِنْهُ تِلكَ القُدرَة البَاهِرَة، والنِّعَمِ المُتَظاهِرَة، وعَلموا أنَّه المُنفَرِد بها، {لَعَلَّهُم يُنصَرُونَ (74)} رجاءَ نَصرِهِم لَهُم، والأمرُ بالعكسِ، لأَنَّهُ {لاَ يَستَطِيعون نَصرَهم، وَهُم لَهُم} لآلِهَتِهم {جَندٌ مُحضَرُونَ (75)} مُعدُّون لِحفظِهم والذبِّ (1) عَنْهُم، أو مُحضَرون إثرهم فيِ النَّار، أو مُحضَرُون لَهُم فيِ دار الدُّنْيَا، يعذِّبهم الله بهم فِيهَا كما يُعذَّبُون بالأموال والأولاد.
{فَلا يَحزُنك} فَلا يَهُمَّنَّك {قَولهُم} فيِ الله بالإلحاد والشرك، {إِنَّا نَعلَمُ مَا يُسرُّون وَمَا يُعلنُونَ (76)} فَنُجازِيهم عليه، وكفى ذَلِكَ أن تَتسَلَّى بِهِ.
{أولم يَرَ الإنسانُ أنَّا خَلقنَاه مِن نُّطفَةٍ، فإذا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77)} تَسلِيَة ثَانِية بِتهوِين مَا يقولونه بالنسبة إِلىَ إنكارهم الحشر؛ وفيه تَقبِيح بَلِيغ لإنكاره، حيث ذمَّه، وجعله إفراطا فيِ الخصومة بَيِّنًا، ومُناَفاة لجحود القدرة عَلَى مَا هُوَ أهون مِمَّا عمله فيِ بداية خَلقه، ومُقابَلة النِّعمة ـ التِي لاَ مَزيد عليها، وهي خَلقُه مِن أخسِّ شَيء وأمهنه شريفًا مُكرَّمًا ــ بالتكذيب؛ وقيل: مَعنَى {فإذا هُوخَصِيم مُبِين} فإذا هُوَ بَعدَمَا كَانَ ماءً مَهِينًا ممَيِّزٌ منطيقٌ قادرٌ عَلَى الخصام، مُعرِبٌ عمَّا فيِ نفسه.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «والدأب»، والصواب ما أثبتناه من تفسير أبي السعود: مج4/ ج7/ ص171. (4/12)
صفحة 1175
وضربَ لَنَا مَثَلا} أمرًا عجيبًا، وَهُوَ نَفيُ القدرة عَلَى إحياء الموتى، وتشبيهه بِخلقِه بِوَصفِه بالعجز عمَّا [495] عجزوا عَنْهُ. {ونَسيَ خَلقَه} خَلقَنا إيَّاه. {قَالَ: مَن يُحيِ العظامَ وهيَ رَمِيم(78)} مُنكِرًا إيَّاه؛ والرميم: مَا بَلِي مِنَ العظام؛ {قُل: يُحيِيهَا الذِي أنشأها أوَّل مرَّة} فإنَّ قُدرَتَه كما كَانَت لامتِنَاعِ التغيِير فِيهِ. {وَهُوَ بكلِّ خَلقٍ عَليم(79)} يعلم تفاصيل المخلوقات وكيفيَّة خلقها.
{الذِي جَعلَ لَكُم مِّنَ الشجرِ الأخضر نارا، فإذا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ(80)} فمن قدر عَلَى إحداث النَّار مِنَ الشجر الأخضر مَعَ مَا فِيهِ مِنَ المائيَّة المضادَّة لها، كَانَ قادرًا عَلَى إحياء الموتى، إن لَوْ تَدبَّروا وأنصفُوا فيما حَكَموا. {أَوَلَيْسَ الذِي خَلَقَ السماوت والأَرْض} مَعَ كِبَرِ جُرمِهِما وعِظَمِ شَأنِهمَا، {بقادرٍ عَلَى أن يَخلُق مِثلَهم}؟ فيِ الصغر والحقارة بالإضافة إِلَيْهِما. {بَلَى} جوابٌ مِنَ الله لِتقرِيرِ مَا بعد النفي، مُشعِرٌ بأنَّه لاَ جواب سواهُ، {وَهُوَ الخلاَّق العليم(81)}.
{إنَّما أمرُه إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أن يَقولَ لَهُ: كُن، فَيَكُونَ(82)} يَحدث، وَهُوَ تَمثِيل لِتأثِير قُدرَتِه فيِ مُراده، بِأمرِ المُطاعِ للمُطِيع فيِ حُصُول المأمور مِن غير امتِناع وتوقُّف، وافتقار إِلىَ مُزاوَلَة عَمَل، واستعمال آلة، قَطعًا لِمَادَّة الشبهة، وعَن أنْ يَكُون قادِرًا بِقُدرَة (لَعَلَّهُ) هِيَ غيره؛ وعن أن يَكُون مُفتَقِرًا إِلىَ شَيء مِن مَخلُوقَاتِه عزَّ وجلَّ وتعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.
{ (4/13)
صفحة 1176
فَسُبحَان الذِي بِيَدِه مَلكُوتُ كلِّ شَيءٍ} أي: حَقيقَة كلِّ شيء مِن تَنزِيهٍ لَهُ عمَّا ضَربُوا لَهُ، وتعجيب عمَّا قالوه فِيهِ، مُعلّلاً مَالكا للمُلك كُلِّه، قادرا عَلَى كلِّ شيء، {وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ (83)} وعدٌ وَوَعِيدٌ للمُقِرِّين والمنكرين. عَن ابن عبَّاس: «كُنت لاَ أعلم مَا رُوِي فيِ فضل «يس» كيف خُصَّت بِهِ، فَإِذَا أنَّه لِهذه الآيَة»، وعنه - عليه السلام - فيِمَا يروى: «أنَّ لِكُلِّ شيء قلبا، وقلبُ القرآن يَس» (1).
سورة الصافات
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ فيِ كتاب فضائل القرآن: 2812 عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس وَمَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ». قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَبِالْبَصْرَةِ لاَ يَعْرِفُونَ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهَارُونُ أَبُو مُحَمَّدٍ شَيْخٌ مَجْهُولٌ. حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهَذَا وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَلاَ يَصِحُّ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ورواه الدارميُّ في سننه، كتاب فضائل القرآن، رقم 3282. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «قلب القرآن». (4/14)
صفحة 1177
والصافَّات صفًّا (1)} قِيلَ: صُفوفُ المَلاَئِكَة فيِ السَّمَاء، لصفوف المصلِّين فيِ الأَرْض، {وَإِنَّا لَنحنُ الصَّافُّون} (1). {فالزاجِرَات زَجرًا (2) فالتالِيَاتِ ذِكرًا (3)} قيل: أقسَم بالمَلاَئِكَة الصافِّين فيِ مَقامِ العبوديَّة عَلَى مَراتِب، باعتبارها تفيض عَلَيْهِم الأنوار الإلَهِيَّة، مُنتَظِرِين لأمرِ الله، الزاجرين الأجرام العُلوِيَّة والسُّفليَّة بالتدبير المأمور فِيهَا؛ أو الناس عَن المعاصي بإلهام الخيرات؛ أو الشياطين عَن التعرُّض لها، التالين آيات الله، وجلايا قدسِه عَلَى أنبيائه وأوليائه؛ أو بطوائف الأجرام المتزيِّنة كالصفوف المرصوصة، والأرواح المدبِّرة لها، والجواهر القدسيَّة المستغرقة فيِ بحار القدس، {يسبِّحُون اللَّيل وَالنَّهَارَ لاَ يَفتُرون} (2)؛ أو بِنفُوس العلماء الصافِّين فيِ العبادات، الزاجرين عن الكفر، والسَّوق بالحجَجِ والنصائحِ، التالين آياتِ الله وشرائِعِه.
{إنَّ إلهَكم لَواحِدٌ (4) ربُّ السَّمَاوَات والأَرْض، وَمَا بَينَهُما، وربُّ المشارقِ (5)} فإنَّ وجودها وانتِظَامَها عَلَى الوجه الأكمَل مَعَ إمكَانِ غيره، دَلِيل وجود الصانع الحكيم، ووَحدتِهِ عَلَى مَا مَرَّ غير مَرَّة؛ والمشارق: مشارق الكواكب؛ أومشارق الشمس فيِ السنة، وهي ثلاثمائة وستُّون مَشرِقًا، تشرق فيِ كُلِّ يَوم فيِ وَاحِد، وبحسبها [496] تختلف المغارب؛ ولذلك اكتفى بذكرها، مَعَ أنَّ الشروق أدلُّ عَلَى القدرة، وأبلغ فيِ النِّعمة.
{__________
(1) - ... سورة الصافات: 168.
(2) - ... سورة الأنبياء: 20. (4/15)
صفحة 1178
إِنَّا زيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزينَةِ الكَوَاكِبِ(6) وحِفظًا مِن كلِّ شَيطانٍ مَّارِدٍ(7) لاَ يسمعون إِلىَ الملإ الأعلَى} وَهُم المَلاَئِكَة، {ويُقذَفُون} ويُرمَونَ {مِن كلِّ جَانِب(8)} من جوانب السَّمَاء. {دُحُورا} وَهُوَ الطرد، {ولهم عذاب} أي: عذاب آخَر {واصِب(9)} دائم، (لَعَلَّهُ) وكذلك إخوانُهم مِنَ الإنس، العذاب مَآلهم. {إلاَّ مَن خَطِف الخَطفَةَ فَأتبَعَه شِهابٌ} والخطف: الاختلاس؛ والمُرَاد اختلاس كلامِ المَلاَئِكَة مُسارَقة؛ والشهاب: مَا يُرَى كَأنَّ كَوكَبًا انقَضَّ، {ثاقب(10)} مَضَى كأنَّه يَثقُب الجوَّ بِضَوئِه.
{فاستَفتِهِم} فاستخبرهم {أهُم أشدُّ خَلقًا أَمْ مَّن خَلقنَا} يَعني مَا ذكر مِنَ المَلاَئِكَة والسَّمَاء والأَرْض وَمَا بينهما، والمشارق والكواكب والشهب الثواقب، {إِنَّا خلقناهم مِن طِين لازِبٍ(11) بَل عجبتَ} مِن إنكارهم البعثَ. يُروى عَن قتادة أنَّه قَالَ: «عجِبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن هَذَا القرآن حين نزل، وضلال بني آدم، وذلك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يظنُّ أنَّ كلَّ مَن يَسمعـ[ـه] يُؤْمِنُ بِهِ، فَلَمَّا سمعَـ[ـه] المشركون سَخِروا مِنه، ولم يُؤمِنوا بِهِ عجب من ذَلِكَ - صلى الله عليه وسلم - ». {ويسخرُونَ(12)} مِن تَعجُّبِك وتَقرِيرِك للبعث. {وإذا ذُكِّرُوا لاَ يَذكُرُونَ(13)} وإذا وُعِظوا بشيءٍ لاَ يَتَّعظُون بِهِ، وإذا ذكرَ لَهُم مَا يدلُّ عَلَى صِحَّة الحشر، لاَ يَنتَفِعُون بِهِ لبلادتهم وقِلَّة فِكرِهم.
{ (4/16)
صفحة 1179
وإذا رَأَوا آيَةً} مُعجِزة تدلُّ عَلَى صِدقِ القائل بِهِ، {يَستَسخِرُونَ (14)} يُبالِغُون فيِ السخرِيَة. {وَقَالُوا إنْ هَذَا} يَعنُون مَا يَرَونَه {إلاَّ سِحرٌ مُّبِينٌ (15)} ظاهر سِحرِيَّته، وذلك لضُعفِ إيمَانهم، (لَعَلَّهُ) أو عَدمِه للبعث (1)، بدليل قوله: {أئذا مِتنا وكنَّا تُرابا وعظاما، أئنَّا لَمبعوثُونَ (16) أوآباؤنا الأوَّلُونَ (17) قُل: نعم وأنتم دَاخرُونَ (18)} صاغرون. {فإنَّما هِيَ زجرةٌ وَاحِدَةٌ، فإذا هم يَنظرُونَ (19)} أي: إِذَا كَانَ ذَلِكَ، فإنَّما البعثة زجرة وَاحِدَة، [وَ] هِيَ النفخة الثانية؛ مِن زَجَرَ الراعي غَنَمَه: إذا صاح عليها، وأمَرَها بالإعَادة (2).
{__________
(1) - ... الصواب: «بالبعث».
(2) - ... كذا في الأصل، والعبارة نجدها عند البيضاويِّ هكذا: « ... إذا صاح عليها. وأمْرُها فيِ الإعَادة كَأَمْرِ “كُنْ” فيِ الإبداء، وَلِذَلِكَ رتَّب عَلَيْهَا: {فإذا هم ينظرون}». البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محَمَّد الشيرازي: تفسير البيضاوي، المسمَّى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مطبعة مصطفى محَمَّد، مصر، د. ت. ج4/ ص74. (4/17)
صفحة 1180
وَقَالُوا: يَا وَيلَنا هَذَا يَومُ الدِّينَ (20)} اليَوم الذِي نُجازَى فيه بأعمالنا (1) وَهُوَ ثَمرَة الدِّين، وقد تَمَّ بِهِ كلامُهم. وقوله: {هَذَا يَوم الفصل الذِي كُنتُم بِهِ تُكذِّبُونَ (21)}، قيل: جواب المَلاَئِكَة؛ والفصل: القضاء، والفرق بين المحسن والمسيء. {احشروا الذِينَ ظَلمُوا} بأمر الله المَلاَئِكَةَ، {وأزواجَهم} وأشباههم، عابدُ الصنَمِ مَعَ عبدةِ الصنم، أو نساؤُهم اللاتِي عَلَى دينكم، أو قرنَاؤهم مِنَ الشياطين، {وَمَا كَانُوا يَعبدُونَ (22) مِن دُونِ الله، فاهدوهم إِلىَ صِرَاط الجحيم (23)} فَعرِّفُوهم طريقها ليسلكوا. {وقِفُوهُم} واحبسوهم فيِ الموقف (2)، {إنَّهم مَسئُولُونَ (24)} عَن عقائدهم وأعمالهم. {مَا لَكُم لاَ تَنَاصرُونَ (25)} لاَ يَنصُر بَعضُكم بعضا بالتخلُّص، وَهُوَ توبيخ وتقريع، {بَل هُمُ اليومَ مُستَسلِمُونَ (26)} مُنقادون لعجزهم وانسداد الحيل عَنْهُم، وأصل الاستسلام: طلبُ السلامة.
{وأقبل بَعضُهم عَلَى بَعض} يعني: [497] الرؤساء والأتباع {يَتساءلُونَ (27)} يَسأَل بعضهم بعضا للتوبِيخ، ولذلك فسِّر: يَتَخَاصَمُون، وذلك زيادة عذاب فوق عذابهم. {قَالُوا إِنَّكُم كُنتُم تَأتُونَنَا عَن اليمِينَ (28)} عَن أقوى الوجوه وأيمَنِهـ[ـا]، أو عَن الدين؛ {قَالُوا: بَل لَم تَكونُوا مُؤمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلطانٍ، بَل كُنتُم قَومًا طاغِينَ (30)} أجابهم الرؤساء بِمنع إضلالهم، فإنَّهم كَانُوا ضَالِّين فيِ أنفسهم؛ وثانيا: بأنَّهم ما أَجبروهم عَلَى الكفر، إذْ لم يكن لَهُم عَلَيْهِم تسلُّط، وإنَّما جنحوا إِلَيْهِ، لأَنَّهُم كَانُوا قوما مُختَارِين الضلال.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «يوم الذي نجازى بأعمالنا». وقد صحَّحنا العبارة من أبي السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص187.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «المواقف». (4/18)
صفحة 1181
فحقَّ علينا قَولُ رَبِّنَا إِنَّا لَذائقُونَ(31) فأغْوَيْنَاكم إِنَّا كُنَّا غاوِينَ(32) فإنَّهم يَومَئِذ فيِ العذاب مُشترِكُونَ(33)} كما كَانُوا مُشتركِين فيِ الأفعال، {إِنَّا كذلك} مِثل ذَلِكَ الفعل {نَفعَل بالمُجرمِينَ(34) إنَّهم كَانُوا إِذَا قيل لَهُم لاَ إله إِلاَّ الله يستكبرُونَ(35)} أي: عَن كلمة التوحيد والعمل بِمُقتَضاه.
{ويَقولُون: أئِنَّا لَتارِكُوا آلهتِنا لِشاعر مَجنُونٍ(36)} للرُّسُل ورسُلِهم، ولو مِن حُجَّةِ عقلٍ قامَت عَلَيْهِم حجَّة الله لقالوا: هَذَا مِن وسواس الشيطان، وإنَّ الحقَّ خِلافَه؛ فَردَّ الله عَلَيْهِم دَحضًا لحجَّتهم، وإزهاقا لباطلهم فقال: {بَل جاءَ بِالْحَقِّ، وصدَّق المرسَلِينَ(37) إِنَّكُم لذائقوا العذابِ الأليمِ(38)} بِرَدِّكم حجَّة الله. {وَمَا تُجزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ(39)} إِلاَّ جزاء مَا عملتم.
{إلاَّ عبادَ الله المخلَصِينَ(40) أُولَئِكَ لَهُم رِزقٌ مَعلُومٌ(41)} خصائصُه، مِنَ الدوام وتمحُّض اللذَّة، ولذلك فسَّره بقوله: {فَوَاكِهُ} فإنَّ الفاكهة مَا يُقصَد بها [إِلاَّ] التلذُّذ دُونَ التغذِّي والقوت؛ فإنَّ أهلَ الجنَّة لمَّا أعيدوا عَلَى خلقة محكمة محفوظة عَن التحلُّل كَانَ أرزاقهم فواكه خالصة. {وَهُم مُكرمُونَ(42)} فيِ نَيلِه، يَصل إِلَيْهِم مِن غير تَعب، لاَ كَمَا عليه غذاء أهل الدُّنْيَا، لأَنَّ فيِ الحقيقة ليس فيِ الدُّنْيَا فاكهة مَحضة عَن الشوائب؛ بَل فِيهَا قُوتٌ وقَوَام، لأَنَّهَا دار عبادة. {فيِ جنَّات النعيم(43)} فيِ جنَّات ليس فِيهَا إِلاَّ النعيم. {عَلَى سُرُرٍ مُتقَابِلِينَ(44)}.
{ (4/19)
صفحة 1182
يُطافُ عَلَيْهِم بكأسٍ مِن مَّعِينٍ(45)} مِن شراب مَعِين؛ إشعارا بأنَّ مَا يَكُون لَهُم بمنزلة الشَرَاب الجامع لِمَا يُطلَب من أنواع الأشربة لِكمَال اللَّذة؛ ولذلك قوله: {بَيضَاءَ لَذَّة لِلشاربِينَ(46)} (لَعَلَّهُ) والناظرين، وصفها بـ«لذَّةٍ» لِلمبَالَغة؛ {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} غائِلة، كما فيِ خَمر الدُّنْيَا كالخمار؛ من غاله يغوله: إِذَا أفسده، ومنه الغول، {وَلاَ هُم عَنهَا يُنزَفُونَ(47)} (لَعَلَّهُ) قِيل مَعناه: لاَ يَنفُد شَرابهم.
{وعِندَهم قَاصِرات الطرْفِ} قَصرن أبصارهنَّ، وذلك مِن تَمام الحسن، {عِينٌ(48)} قيل: نَجْلُ العيون، جمع: عيناء. {كَأنَّهُن بيضٌ مَكنُونَ(49)} شبَّهَهُنَّ بِبَيْض النعام المصون مِنَ الغبار ونحوه في الصفاء والبياض.
{فأقبَل بَعضُهم عَلَى بَعضٍ يَتساءلُونَ(50)} فإنَّه ألذُّ تِلك اللَّذَّات إِلىَ العقل تَساؤُلُهم عن مَا جرى عَلَيْهِم ولَهُم فيِ الدُّنْيَا. {قَالَ قائِل مِنْهُم} فيِ مُكالَمَتِهم: {إنِّي كَانَ لِي قرِينٌ(51)} جَليس فيِ الدُّنْيَا {يَقُول: أئنَّك لَمِن المصدِّقِينَ(52)} يُوَبِّخنِي عَلَى التصدِيق [498] بالبعث، وقُرِئ بالتشدِيد مِنَ التصدُّق. {أئِذا مِتنَا وكُنَّا تُرابًا وعظامًا أئنَّا لَمَدينُونَ(53)} لَمَجزِيُّون مِنَ الدَّين، بمعنى: الجزاء.
{ (4/20)
صفحة 1183
قَالَ} أي: ذَلِكَ القائل: {هَل أَنتُم مُطَّلِعُونَ(54)} إِلىَ أهل النَّار لأُرِيكم ذَلِكَ القرين؛ وقيل: القائل هُوَ الله، أو بعض المَلاَئِكَة، يقول لَهُم: تُحبُّون أن تَطَّلِعوا عَلَى أهل النَّار لأُرِيكم ذَلِكَ القرين، فَتَعلَموا أيْن مَنزِلَتكم مِن مَنزِلَتِهم؟، وذلك نِعمَة جَلِيلَة تَصغُر فيِ حقِّها النعم. {فاطَّلع فَرآه فيِ سَوَاء الجحِيم(55)} وسطه، {قَالَ تَالله إنْ كِدتَ لَتُردِينِ(56)} لَتُهلِكني بالإغواء، {ولَولاَ نِعمَةُ رَبِّي} بالهداية والعصمة، {لَكُنتُ مِنَ المُحضَرِينَ(57)} معك فِيهَا. {أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ(58)} أي: مُخلَّدُون مُنعَّمون، {إلاَّ مَوتَتنا الأولى} التِي كَانَت فيِ الدُّنْيَا، {وَمَا نَحْنُ بِمُعذَّبِينَ(59)} كالكفَّار، {إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَوْز العظيم(60)} وذلك تمام كلامه لقرينه تَقرِيعا لَهُ، أو مُعاوَدَة مُكالَمَة جُلسائِه تَحدُّثا بِنعمة الله، وتلذُّذا بها، وتعجُّبا مِنهَا؛ أو أنْ يكون مِن كلام الله لتقرير قوله، والإخبار بِمَا عليه مِنَ النِّعمة والخلود والأمن مِنَ العذاب.
{لِمِثل هَذَا فَليَعمَلِ العامِلُونَ(61)} أي: لِنَيل مِثلِ هَذَا يَجِب أن يَعمل العاملون، لاَ للحظوظ الدُّنيَوِيَّة المَشوبَة بالآلام السريعة الانصرام.
{ (4/21)
صفحة 1184
أذَلِك خَيرٌ نُزُلا (1)، أمْ شَجَرةُ الزَّقُّوم (62) إِنَّا جعلناها فِتنَةً للظالِمِينَ (63)} مِحنَةً وعذابا فيِ الآخِرَة. {إنَّها شجرةٌ تَخرُجُ فيِ أصل الجحيم (64)} مَنبَتُها فيِ قعر الجحيم، وأغصانها ترتفع إِلىَ دركاتها. {طَلْعُها} حملُها، مُستَعار من طَلع التمر لمُشاركته إيَّاه فيِ الشكل، {كأنَّه رُءُوس الشياطِينَ (65)} فيِ تناهي القبح والهول، (لَعَلَّهُ) لأَنَّ منظرها ومنظر ما فيها عذاب خلاف الجَنَّة؛ وَهُوَ تشبيه بالمتخيَّل، كتشبيه الفائق فيِ الحسن بالمَلَك؛ وقيل: الشياطِينُ (لَعَلَّهُ) حيَّات هائلة قبيحة المنظر لها أعراف، ولعلَّها سُمِّيت بها لذلك.
{فإنَّهم لآكلون مِنها، فمالئون مِنها البطُونَ (66)} لِغلبَة الجوع، والجبر عَلَى أكلها، أو لضيق النفس عليه، لأَنَّهَا لا تُغنِي مِن جوع، فَهُم جياع عِطاش أبدا؛ والمِلءُ: حَشوُ الوعاء بِمَا لاَ يَحتمل الزيادة عليه. {ثمَّ إنَّ لَهُم عليها} أي: بعدما ملؤوا (2) بطونهم منها وغلبهم العطش، شربوا مِنَ الحميم فوق ملء البطون، فصار ذَلِكَ عذابا؛ والأكل عذاب، والجوع والعطش عذاب، زيادةً عَلَيْهِم من عذاب النار، لأَنَّ «ثُمَّ» يكون لِمَا [في] شربهم من مزيد الكراهة والبشاعة، لأَنَّ النعيم محرَّم عَلَيْهِم، فلا تَلذُّذ بأكل وَلاَ شرب، وَلاَ شبع وَلاَ تحقُّق (3) من ذَلِكَ، ويدلُّك عَلَى ذَلِكَ قوله: {لشَوبًا مِن حَمِيم (67)} لَشرابا من غساق، أو صديد مشوبا بِماء حميم يقطِّع أمعاءهم. {ثمَّ إنَّ مَرجِعهم لإلى الجحيم (68)} إِلىَ دركاتها أو إِلىَ نفسها.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «نزلا»، وهو سهو.
(2) - ... في الأصل: «ميلوا» وهو خطأ.
(3) - ... يمكن أن نقرأ: «ولا تخفُّف من ذَلِكَ». (4/22)
صفحة 1185
إنَّهم أَلْفَوا آباءهم ضَالِّينَ(69) فَهُم عَلَى آثارهم يُهرَعُونَ(70)} تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد بِتقليد الآباء فيِ الضلال؛ والإهراعُ: الإسراع الشديد، كأنَّهم يزعجون عَلَى الإسراع عَلَى آثارهم؛ وفيه إشعار بأنَّهم بادروا إِلىَ ذَلِكَ من غير توقُّف عَلَى نظر وبحثٍ.
[499] {وَلَقَد ضلَّ قَبلهم} قبل قومك {أكثرُ الأوَّلِينَ(71) وَلَقَد أرسلنا فِيهِم مُّنذِرِينَ(72)} أرسل (لَعَلَّهُ) رسلا أنذروهم مِنَ العواقب، وحَذَّروهم غُرور الظواهر. {فانظر كيف كَانَ عاقبةُ المنذَرِينَ(73)} مَا حلَّ بهم مِنَ البلوى. {إلاَّ عبادَ الله المخلَصِينَ(74)} إِلاَّ الذِينَ تنبَّهوا بإنذارهم، فأخلصوا دينهم لله، أو أخلصهم الله لدينه؛ وقد قُرئ بِهِ، والخطاب للرسول وقومه فإنَّهم سمعوا أخبارهم أو آثارهم.
{وَلَقَد نَادَانَا نُوحٌ} شُروع فيِ تفصيل القَصص بعد إجمالها؛ أي: وَلَقَد دعانا حين أيس من قومه، {فلَنِعْمَ المجيبُونَ(75)} أي: أجبناه أحسن الإجابة. {ونجَّينَاه وأهلَه مِنَ الكربِ العظيمِ(76)} مِنَ الغرقِ، أو أذى قَومِه، أو من زلَّته التِي زلَّها. {وجَعلنَا ذُرِّيَّتَه هُمُ الباقِينَ(77)} إذ هلك مَن عداهم، وبَقَوا مُتناسِلين إِلىَ يوم القيامة، إذ رُوِي أنَّه مات كلُّ مَن كَانَ معه فيِ السفينة غير بَنِيه وأزواجهم. {وتركنا عليه فيِ الآخرِينَ(78)} قيل: أبقينا لَهُ ثناءً حسنًا، وذكرا جميلا فيمن بعده مِنَ الأنبياء والأمم إِلىَ يوم القيامة؛ وقيل: يُصلَّى عليه إِلىَ يوم القيامة.
{ (4/23)
صفحة 1186
سلامٌ عَلَى نُوحٍ} قيل: هُوَ سلامٌ مِنَ الله عليه {فيِ الْعَالَمِينَ (79)} قيل: معناه الدعاء بِثُبُوت هَذِهِ التحيَّة فيِ المَلاَئِكَة والثقلَين جميعا. {إِنَّا كذلك نَجزي المحسنِينَ (80)} تعليل لِمَا فعل بنوح مِنَ التكرِمة، بِأَنَّ ذَلِكَ مُجازاةٌ لَهُ عَلَى إحسانه. {إِنَّهُ مِن عبادنا المؤمنِينَ (81)} تعليل لإحسانه بالإيمان، [و] إظهار لجلالة قدره، وتأصيل لعزِّه. {ثمَّ أغرقنا الآخَرِينَ (82)} يعني: كُفَّار قومه.
{وإنَّ مِن شيعته} مِمَّن شَايَعه فيِ الإيمان وأصول الشريعة، {لإَبراهيم (83)} وَلاَ يبعد اتِّفاق شَرعِهما فيِ الفروع أو غالبا؛ وقيل: كَانَ بينهما هود وصالح. {إذ جَاء ربَّه بقلب سليم (84)} من آفات القلوب، خالص لله وحده. {إذ قَالَ لأبيه وقومه: ماذا تَعبدُونَ (85) أئفكا آلهةً دونَ اللهِ تُريدُونَ (86)} أي: تُريدون آلهة ذَاتَ (1) إفك دون الله، لأَنَّ الأهمَّ أن يقرِّر أَنَّهُمْ عَلَى الباطل، ومَبنَى أمرهم عَلَى الإفك. {فما ظنُّكم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87)}؟ مِمَّن هُوَ حقيق بالعبادة، لكونه ربًّا للعالمين، حتَّى تركتم عبادتَه، وأشركتم بِهِ غيرَه!.
{فنَظَرَ نَظرةً فيِ النجوم (88)} فرأى مواقعها، مَعَ أنَّ قصده إيهامهم. {فقال: إِنِّي سقيمٌ (89)} قيل أَرَادَ: إنِّي سقيم القلب لكفركم؛ أو خارج المِزاج عَن الاعتدال خروجا قلَّ مَا يخلو مِنْهُ [أحدٌ] (2)، أو بِصدد الموت، ومنه الميل، كفى بالسلامة داء، {فتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدبِرِينَ (90) فراغ إِلىَ آلهتِهم} فذهب إِلَيْهِا فيِ خفية، من روغَة الثعلب، وأصلُه الميل بحيلة، {فقال} أي: للأصنام استهزاءً: {ألا تأكلُونَ (91) مَا لكم لاَ تَنطِقُونَ (92)} بجَوَابِي. {فراغ عليهم} فمال عَلَيْهِم مُستَخفِيا، {ضربا باليمِينَ (93)} للدلالة عَلَى قوَّته، فإنَّ قُوَّة الآلة تَستَدعِي قُوَّة الفعل.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «ذا».
(2) - ... من إضافتنا ليتمَّ المَعْنَى. (4/24)
صفحة 1187
فأقبلوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94)} يُسرِعون من زَفِيفِ النعام، على [500] مَا قيل. {قَالَ: أتعبدون مَا تَنحِتُونَ (95)} مَا تعملونه مِنَ الأصنام. {والله خلقكم وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} أي: وَمَا تعملونه، فإنَّ جوهرَها بخلقِه؛ وشكْلُها وإن كَانَ بفعلهم ــ ولذلك جعل من أعمالهم ــ فبإقداره إيَّاهم عليه، وخَلْقِه مَا يتوقَّف عليه فعلُهم مِنَ الدواعي والعدد. {قَالُوا: ابنوا لَهُ بُنيَانًا فأَلقُوه فيِ الجحيم (97)} فيِ النار الشديدة، من الجحمة: وهي شدَّة التأجُّج.
{فأرادوا بِهِ كيدا} فإنَّهم لمَّا قهرهم بِالحُجَّةِ، قصدوا تَعذِيبَه بذلك، {فجعلناهم الأسفلِينَ (98)} المقهورين الأذلِّين بإبطال كيدهم، وجعله بُرهانا نيِّرا عَلَى عُلوِّ شأنه، حيث جعل النار عليه بردا وسلاما. {وقال إِنِّي ذاهبٌ إِلىَ ربِّي} تَجرُّدًا لعبادة رَبِّه مِنَ الشواغل الدنيويَّة إِلىَ الأعمال الدينيَّة، {سيهدينِ (99)} إِلىَ مَا فِيهِ صلاح ديني؛ وإنَّما بتَّ القول بالهداية لسبق وعدِه، وحقيقة توكُّله عليه، وانقطاعه إِلَيْهِ. {ربِّ هَبْ لي مِنَ الصالحِينَ (100)} يُعينُنِي عَلَى الطاعة، لأَنَّهُ كأنَّه (1) فريدا.
{فبشَّرناه بغلامٍ حليمٍ (101) فَلَمَّا بلغ معه السَّعي} أي: بلغ معه العمل بطاعة الله {قَالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أرى فيِ المنام أَنِّي أذبحُك، فانظر ماذا تَرَى} مِنَ الرأي، إِنَّمَا شاوره فِيهِ وَهُوَ حتم ليعلم مَا عنده فيما نزل من بلاء الله، فَتثبُت قدمه، أو تزلَّ إن جزع، ويأمن عليه إن سلم، ليُوَطِّنَ نفسه عليه، فيهون ويكتسب المثوبة بالانقياد لَهُ قبل نزوله.
{__________
(1) - ... لعلَّ الصواب: «كان». (4/25)
صفحة 1188
قَالَ: يا أبتِ افعل مَا تُؤمَر} ولعلَّ الأمر بِهِ فيِ اليقظة دون المنام، لتكون مُبادرتهما إِلىَ الامتثال أدلَّ عَلَى كمال الانقياد والإخلاص، {ستجِدُني إن شاء الله مِنَ الصابرِينَ(102)} عَلَى قضاء الله، {فَلَمَّا أسلَمَا} استسلما لأمر الله، {وتلَّه للجبِينَ(103)} صرعه عَلَى شقِّه، فوقع جبينه عَلَى الأَرْض، فهو أحد جانبي الجبهة، وقيل: كبَّه عَلَى وجهه بإشارته، لئلاَّ يرى فِيهِ تعبيرا يرقُّ لَهُ فلا يذبحه.
{وناديناه أن يا إبراهيمُ(104) قد صدَّقتَ الرؤيا} بالعزم والإتيان بالمقدِّمات؛ تقديره كَانَ مَا كَانَ مِمَّا ينطبق بِهِ الحال، وَلاَ يحيط بِهِ المقال من استبشارهما، وشُكرهما لله عَلَى مَا أنعم عليهما، من دفع البلاء بعد حلوله، والتوفيق لِمَا لم يوفَّق غيرهما لمثله، وإظهار فضلهما بِهِ عَلَى الْعَالَمِينَ؛ مَعَ مَا نالا بِهِ [من] الثواب العظيم، إِلىَ غير ذَلِكَ، {إِنَّا كذلك نجزي المحسنِينَ(105)} تعليل لإفراج تلك الشدَّة عنهما بإحسانهما؛ والمَعنَى: أنَّا عفونا إبراهيم عَن ذبح ولده، نَجزي من أحسن فيِ طاعتنا بإفراج الشدائد. {إنَّ هَذَا لهو البلاءُ الْمُبِينُ(106)} الابتلاء البيِّن، الذِي يتميَّز فِيهِ المخلص من غيره؛ أو المحنة البيِّنة الصعوبة، فإنَّها من مشاقِّ البلوى.
{ (4/26)
صفحة 1189
وفديناه بِذِبْحٍ} مِمَّا يُذبح بدله، فيتمَّ بِهِ الفعل، {عظيمٍ(107)} عظيم الجثَّة سمين، أو عظيم القدِّ؛ {وتركنا عليه فيِ الآخرِينَ(108) سلام عَلَى إبراهيم(109) كذلك نجزي المحسنِينَ(110)} أي: نجزي بالسلامة كلَّ من أحسن. {إِنَّهُ من عبادنا المؤمنِينَ(111) وبشَّرناه بإسحاقَ نبيًّا مِّنَ الصالحِينَ(112) وباركنا عليه} أي: عَلَى [501] إبراهيم فيِ أولاده، {وعلى إسحاقَ، ومن ذُرِّيَّتِهما مُحسِنٌ} فيِ عمله، أو عَلَى نفسه بالإيمان والطاعة، {وظالِمٌ لنفسه} بالكفر والمعاصي، {مُبِينٌ(113)} ظَاهر ظُلمه؛ وفيه تنبيه عَلَى أنَّ النسب لاَ أثر لَهُ فيِ الهدى والضلال، وأنَّ الظلم مِنَ الذُرِّيَّة لاَ يعود عَلَى الأبوين بِنقيصة وَلاَ عيب.
{وَلَقَد مَنَنَّا عَلَى موسى وهارُونَ(114)} أنعمنا عليهما بالنبوَّة، وغيرها مِنَ المنافع الدينيَّة والدنيويَّة. {ونَجَّيناهما وقَومَهما مِنَ الكرب العظيم(115)} من تغَلُّب فرعون وآله. {ونصرناهم فكَانُوا هُمُ الغالبِينَ(116) وآتيناهما الكتابَ المستبِينَ(117)} الواضح فيِ بيانه. {وهديناهما الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ(118)} الطريق الموصل إِلىَ الحقِّ والصواب. {وتركنا عليهما فيِ الآخرِينَ(119) سلامٌ عَلَى موسى وهارُونَ(120) إِنَّا كذلك نجزي المحسنِينَ(121) إنَّهما من عبادنا المؤمنِينَ(122)}.
{وإنَّ إلياسَ لَمِنَ المرسَلِينَ(123) إذ قَالَ لقومه: ألا تَتَّقُونَ(124) أتدعون بَعْلاً} أتعبدون أو تطلبون الخير مِنْهُ، وَهُوَ اسم صَنَم فيِمَا قِيل، {وتَذَرُون أحسَنَ الخالقِينَ(125) اللهَ رَبَّكُم وربَّ آبائكم الأَوَّلِينَ(126) فكذَّبوه فإنَّهم لَمُحْضَرُونَ(127)} فيِ العذاب. {إلاَّ عبادَ الله المخلَصِينَ(128) وتركنا عليه فيِ الآخرِينَ(129) سلام عَلَى إلْ ياسِينَ(130) إِنَّا كذلك نجزي المحسنِينَ(131) إِنَّهُ من عبادنا المؤمنِينَ(132)}.
{ (4/27)
صفحة 1190
وإنَّ لوطا لَمِنَ المرسَلِينَ (133) إذ نجَّيناه وأهله أجمعِينَ (134) إِلاَّ عجوزا فيِ الغابرِينَ (135) ثُمَّ دمَّرنا الآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُم لَتَمُرُّون عَلَيْهِم مُّصبِحِينَ (137) وبالليل أفلا تعقِلُونَ (138)} أفليس فيكم عقل تعتبِرون بِهِ.
{وإنَّ يونسَ لَمِن المرسَلِينَ (139) إذ أَبَقَ} هرب، وأصله: الهرب مِنَ السيِّد، ولكن لمَّا كَانَ هربه من قومه بغير إذن ربِّه، حسن إطلاقَه عليه، {إِلىَ الفُلْكِ المشحُونِ (140)} المملوء. {فَسَاهَمَ} فقارع أهله {فكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ (141)} فصار مِنَ المغلوبين بالقرعة؛ وأصله: المزلق عَن مقام الظفر. روي: «أنَّه لَمَّا وعد قومَه بالعذاب خرج من بَيْنِهم قبل أن يَأْمُرَه الله بِهِ، فركب السفينة فوقفت، فَقَالُوا: هنا عبد آبق، واقترعوا فخرجت القرعة عليه، فقال: أنا الآبق، ورمى بنفسه فيِ الماء». {فالْتَقَمَهُ الحوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142)} داخل فيِ الملامة، أو أتى بِمَا يُلامُ عليه، أو مُليمٌ نفسَه.
{فلولا أنَّه كَانَ مِنَ المسبِّحِينَ (143)} فيِ بطن الحوت، وَهُوَ قوله: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (1) فيما قيل، {لَلَبِثَ فيِ بطنه إِلىَ يومِ يُبعَثُونَ (144)} قيل: حيًّا، وقيل: مَيِّتا. {فنبذناه بالعَراء} بالمكَانَ الخالي عمَّا يُغطِّيه من شجر أو بيت، {وَهُوَ سَقيم (145)} مِمَّا ناله؛ قيل: صار بدنه كبدن الطفل حين يُولد. {وأنبتنا عليه} فوقه مظلَّة عليه {شجرةً مِن يَقطِينٍ (146)} مِن شجر ينبسط عَلَى وجه الأَرْض وَلاَ يقوم عَلَى ساقه؛ “يفعيل” مِن “قَطَن بالمكَانِ”: إذا قام بِهِ؛ والأكثَر عَلَى أنَّها كَانَت الدبَّاء، وغطَّته بأوراقها عمَّا يُؤذِيه.
{__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 87. (4/28)
صفحة 1191
وأرسلناه إِلىَ مائةِ ألفٍ} هم قَومه الذِينَ هرب عَنْهُم؛ والمُرَاد: مَا سبق من إرساله، أو إرسال ثانٍ إِلَيْهِم، أو إلى غيرهم [502] {أو يزيدُونَ(147) فآمنوا} فصدَّقوه، {فمتَّعناهم إِلىَ حِينٍ(148)} إِلىَ أجلهم المسمَّى.
{فاستَفتِهم أَلِرَبِّكَ البناتُ، ولهم البنُونَ(149)} معطوف عَلَى مثله فيِ أوَّل السورة، وَهُوَ قوله: {فاستفتهم أهم أشدُّ خَلْقًا أم مَّنْ خَلَقْنَا} أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أوَّلاً باستفتائهم عَن وجه إنكارهم البعث، فساق الكلام فيِ تقريره جارًّا لِمَا يُلائمه مِنَ القصص، موصولا بعضها ببعض، ثُمَّ أمر باستفتائهم عن وجه القسمة، حيث جعلوا لله البنات، ولأنفسهم البنين، فيِ قولهم: «المَلاَئِكَة بنات الله». {أَمْ خَلَقْنَا المَلاَئِكَةَ إناثًا وَهُم شاهِدُونَ(150)}؟ وإنَّما خصَّ علم المشاهدة، لأَنَّ أمثال ذَلِكَ لاَ يعلم إِلاَّ بِهِ.
{أَلاَ إنَّهم مِن إفكِهم لَيَقولُونَ(151): وَلَدَ اللهُ} لعدم مَا يقتضيه، وقيام مَا ينفيه، {وَإنَّهُم لَكاذِبُونَ(152)} فيِ مَا يتديَّنون بِهِ، {أَصْطَفَى البناتِ عَلَى البنِينَ(153)}؟! استفهام إنكار، واستبعاد، {مَا لكم كيف تحكُمُونَ(154)}؟! بِمَا لاَ يرتضيه عقل، {أفلا تذَكَّرُونَ(155)}؟! إِنَّهُ مُنزَّه عَن ذَلِكَ، {أم لكم سلطانٌ مُّبِينٌ(156)}؟ حجَّة واضحة، {فأتوا بكتابكم} الذِي أنزل عليكم {إن كُنتُم صادِقِينَ(157)}.
{وجعلوا بينه وبين الجِنَّة نَسَبًا} قَالَ الحسن: «معنى النسب: أنَّهم أشركوا السلطان فيِ عبادة الله»؛ وقيل: أَرَادَ بـ«الجِنَّة» المَلاَئِكَة، سمُّوا جِنَّة لاجتنانهم عَن الأبصار؛ كقولهم: «المَلاَئِكَةُ بناتُ اللهِ»؛ {وَلَقَد عَلِمَتِ الجِنَّة إنَّهم} إنَّ الكفرة أو الإنس {لَمُحضَرُونَ(158)} فيِ العذاب. {سبحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ(159)} مِنَ الباطل؛ {إلاَّ عبادَ الله الْمُخلَصِينَ(160)}.
{ (4/29)
صفحة 1192
فَإِنَّكُم وَمَا تعبُدُونَ (161)} عود إِلىَ خطابهم، {مَا أَنتُم عليه} (لَعَلَّهُ) معناه: مَا أَنتُم بمُضلِّين إلاَّ من سبقت لَهُ الشقاوة، ومن هُوَ صالِ الجحيمِ، {بفاتنِينَ (162)} مفسدين الناس بالإغواء. {إلاَّ من هُوَ صالِ الجحيمِ (163)} إِلاَّ من سَبَقَ فيِ علمه أنَّه من أهل النار، ويَصِلُها (1) لاَ محالة.
{وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مقام معلومٌ (164)} حكاية اعتراف المَلاَئِكَة بالعبوديَّة، للردِّ عَلَى عبدتهم عَلَى مَا قيل، والمَعنَى: مَا مِنَّا أحد إِلاَّ لَهُ مقام معلوم فيِ المعرفة والعبادة، والانتهاء إِلىَ أمر الله فيِ تدبير العالَم. يحتمل أن يكون هَذَا وَمَا قبله من قوله: {سبحان الله} من كلامهم، ليتَّصل بقوله: {وَلَقَد عَلِمت الجِنَّة} كأنَّه قَالَ: وَلَقَد علم المَلاَئِكَة أنَّ المشركين مُعذَّبون بذلك، وَقَالُوا: «سبحان الله» تنزيها لَهُ عَنْهُ، ثُمَّ استثنوا المخلصين تنزيهًا (2) لَهُم مِنْهُ، ثُمَّ خاطبوا الكفرة بِأَنَّ الافتتان بذلك للشقاوة المقدَّرة، ثُمَّ اعترفوا بالعبوديَّة، وتفاوت مراتبهم فِيهِ، لاَ يتجاوزونها. {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافُّونَ (165)} فيِ أداء الطاعة، ومنازل الخدمة، وقيل: صفوف المَلاَئِكَة فيِ السَّمَاء للعبادة (لَعَلَّهُ) كصفوف الناس فيِ الأَرْض، {وَإِنَّا لَنحنُ المسبِّحُونَ (166)} المنزِّهون لله عمَّا لاَ يليق بِهِ، ولعلَّ الأوَّل إشارة إِلىَ درجاتهم فيِ الطاعات، وَهَذَا فيِ المعارف.
{وإن كَانُوا لَيَقولُونَ (167): لو أنَّ عندنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ (168)} كِتَابًا مِنَ الكتب السماويَّة {لكُنَّا عبادَ الله المخلَصِينَ (169)} لأخلصنا العبادة لَهُ، {فكفروا بِهِ} أي: لَمَّا جاءهم الذكر الذِي هو أشرف الأذكار [503] المهيمن عليها، {فسوف يَعْلَمُونَ (170)} عاقبة كفرهم.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الأصوب: «ويصلاها».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «تنزيه». (4/30)
صفحة 1193
وَلَقَد سَبَقَتْ كَلمتُنَا لعبادِنا المرسَلِينَ (171) إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ (172) وإنَّ جُندَنا لَهُمُ الغالبُونَ (173)} أي: حزب الله لَهُمُ الغلبة بِالحُجَّةِ والنصرة فيِ العاقبة. {فَتَوَلَّ عَنْهُم} فأعرِض عَنْهُم {حتَّى حِينٍ (174) وأَبْصِرْهُم} عَلَى مَا ينالهم حينئذ؛ والمراد بالأمر: الدلالة عَلَى أنَّ ذَلِكَ كائن قريب كأنَّه قدَّامه، {فسوف يُبصِرُونَ (175)} مَا قضينا لك وعليهم؛ {أفبعذابنا يَسْتَعجِلُونَ (176)}؟! قيل: إِنَّهُ لَمَّا نزل: {فسوف يُبصِرون} قَالُوا: متى هَذَا؟ فنزل: {فإذا نزل بِسَاحتهم} بفنائهم بغتة، {فَسَاءَ صَبَاحُ المنذَرِينَ (177)} فبِئْسَ صباح المنذَرين صباحهم.
{وَتَوَلَّ عَنْهُم حتىَّ حِينٍ (178) وأبصرْ فسوف يُبصِرُونَ (179)} وعدٌ لَهُ بالنصر، ووعيد عَلَيْهِم بالهلاك، والتكرير فِيهِ عَلَى المبالغة.
{سبحان رَبِّكَ ربِّ العزَّة} الغلبة والقوَّة {عمَّا يَصِفُونَ (180)} عمَّا قاله المشركون فِيهِ، عَلَى مَا حكى فيِ السورة؛ وإضافة الربِّ إِلىَ العِزَّة لاختصاصها بِهِ، إذ لا عِزَّة إِلاَّ لَهُ، أو لمن أعزَّه، وقد أدرج فِيهِ جُملة السلبيَّة والثبوتيَّة، مَعَ الإشعار بالتوحيد، {وسلامٌ عَلَى المرسَلِينَ (181)} تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم، {والحمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)} عَلَى مَا أفاض عَلَيْهِم، وعلى من اتَّبعهم مِنَ النعم وحُسنِ العاقبة، ولذلك أخَّره عَن التسليم، والمراد: تعليم المؤمنين كيف يَحمدونه ويُسلِّمون عَلَى رسله.
- - - -
سورة ص
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (4/31)
صفحة 1194
ص، والقرآنِ ذي الذِّكْرِ (1) بَل الذِينَ كَفَرُوا فيِ عِزَّةٍ وشِقاقٍ (2)} أي: مَا كَفَر بِهِ مَن كَفَرَ لِخَلَلٍ وَجَدَهُ فِيهِ ... (1) وَهُوَ الاستكبار عَن الحقِّ، والشقاق خلافٌ (2) للهِ ولرسوله، والمراد بالذكر: العظة، وَمَا يُحتاج إِلَيْهِ فيِ الدين مِنَ العقائد والشرائع والمواعيد، (لَعَلَّهُ) واسم الكفر داخل عَلَى المشركين.
{كم أهلكنا مِن قبلِهم من قَرنٍ} وعيدٌ لَهُم عَلَى كفرهم بِهِ استكبارا وشقاقا، {فَنَادَوْا} للإيمان استغاثة وتوبة واستغفارًا عند نزول العذاب، {وَلاَتَ حينَ مناصٍ (3)} أي: ليس الحين حين مناص، والمناص هُوَ المنجَا.
{وعَجِبوا أن جاءهم مُّنذِرٌ مِّنْهُم} بشرٌ مثلهم. {وقال الْكَافِرُونَ} وضع الظاهر موضع الضمير غضبا عَلَيْهِم وذمًّا لَهُم، وإشعارا بِأَنَّ كفرهم جسَّرهم عَلَى هَذَا القول، {هَذَا ساحرٌ} فيِ مَا يُظهره مِنَ الإعجاز {كذَّابٌ (4)} فيما يَقول عَلَى الله، وَهَذَا القول مِنَ المشركين بلسان المقال، ومن الْكَافِرِينَ كفر النفاق بلسان الحال، {أَجَعَلَ الآلهةَ إلهًا واحدا}؟ بِأَن جعل الألوهيَّة التِي كَانَت لَهُم لواحد، {إنَّ هَذَا لَشيءٌ عُجَابٌ (5)} بليغ فيِ العجب، فإنَّه خلاف مَا أطبق عليه آباؤنا.
{وانطلَقَ الملأُ مِنْهُم} وانطلق أشراف قريش من مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما بكَتهم، {أَنِ امْشُوا} قائلين بعضهم لبعض، {واصبروا} واثبتوا {عَلَى آلهتكم} عَلَى عبادتها {إنَّ هَذَا لشيء يُراد (6)} إنَّ هَذَا الأمر لشيء من ريب الزمان [504] يُراد بنا فلا مَرَّد لَهُ، وإنَّ هَذَا الذِي يدَّعيه مِنَ التوحيد ويقصده، مِنَ الرئاسة والترفُّع لَشيءٌ يُتمنَّى، أو يريده كلُّ أحد، وإنَّ دينكم يُطلب ليُؤخذ منكم.
{__________
(1) - ... يبدو أَنَّ فيِ العبارة سقطا، تقديره: «وَإِنَّمَا لعزَّةٍ وشقاقٍ، وَهُوَ الاستكبار عن الحقِّ ... » إلخ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «خلافًا». (4/32)
صفحة 1195
مَا سمعنا بهذا} بالذي يقوله {فيِ الملَّة الآخِرَة} فيِ الملَّة التِي أدركنا عليها آباءنا، {إنْ هَذَا إِلاَّ اختلاقٌ (7)} كذبٌ اختلقه، {أَأُنزِلَ عليه الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} إنكارا لاختصاصه بالوحيِ، وجعلوه كأنَّه مثلهم، أو دون مِنْهُم فيِ الشرف والرئاسة، كقولهم: {لولا نُزِّل هَذَا القرآنُ عَلَى رجلٍ مِّنَ القريَتَيْنِ عظيمٍ} (1) وأمثال ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أنَّ مبدأ تكذيبهم [ليس] إِلاَّ الحسد، وقصور النظر عَلَى الحطام الدنيويِّ؛ {بَل هم فيِ شكٍّ مِن ذِكْرِي} مِنَ القرآن لِمَيلهم إِلىَ التقليد، وإعراضهم عَن الدَّلِيل؛ وليس فيِ عقيدتهم مَا ينبئون (2) من قولهم: «هَذَا ساحر»، «إنْ هَذَا إِلاَّ اختلاقٌ»، {بَل لَّمَّا يذوقوا عذابِ (8)} بَل لم يذوقوا عذابي بعدُ، فإذا ذاقوه زال شكُّهم، وثبت يقينهم حين لاَ ينفعهم؛ والمعنى: أنَّهم لاَ يُصدِّقون بِهِ حتَّى يذوقوا عذاب الموت، فيُلجِئهم إِلىَ تصديقه اضطرارًا (3).
{__________
(1) - ... سورة الزخرف: 31.
(2) - ... كذا في الأصل، وفي تفسير أبي السعود: «ما يبتُّون به، فهم مذبذبون بين الأوهام، ينسبونه تارة إِلىَ السحر، وأخرى إِلىَ الاختلاق». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص216.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «اضطرارٌ» عَلَى أَنَّهُ فاعل «يلجئهم»، والأوفق ما أثبتناه. (4/33)
صفحة 1196
أم عندهم خزائنٌ رحمةِ رَبِّكَ العزيزِ الوهَّابِ(9)}؟ بَل أعندهم خزائن رحمته، وفي تصرُّفهم حتَّى يصيبوا بها مَا شاؤوا، ويصرفوها عمَّن شاؤوا فيتخيَّروا للنبوَّة بعض صناديدهم؟؛ والمَعنَى: إنَّ النبوَّة عطيَّة مِنَ الله يَتفضَّل بها عَلَى من يَشَاء من عباده، فلا مانع لَهُ، فإنَّه العزيز الغالب الذِي لاَ يُغلَب، الوهَّاب الذِي له أن يهب كلَّ مَا يَشَاء لمن يَشَاء، ثُمَّ رشَّح ذَلِكَ فقال: {أم لَهُم مُّلكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَا بَينهما} كأنَّه لمَّا أنكر عَلَيْهِم التصرُّف فيِ نبوَّته، بِأَن ليس عندهم خزائن رحمته التِي لاَ نهاية لها، أردف ذَلِكَ بأنَّه ليس لَهُم مدخل فيِ هَذَا العالم الجسمانيِّ، الذِي هُوَ جزء يسير من خزائنه. {فليرتقوا فيِ الأسباب(10)} أي: إن كَانَ لَهُم ذَلِكَ، فليصعدوا فيِ المعارج التِي يُتَوصَّل بها إِلىَ العرش، حتَّى يستَوُوا عليه، ويدبِّروا أمر العالَم، فيُنزيلون الوحي إِلىَ من يستصْوِبون، وَهُوَ غاية التهكُّم بهم؛ وقيل: المراد بالأسباب: السَّمَاوَات، لأَنَّهَا أسباب الحوادث السفليَّة.
{جُندٌ مَا هنالك مَهزومٌ مِّنَ الأحزابِ} أي: جُندٌ مِنَ الكفَّار والمتحزِّبين عَلَى الرسل، مهزوم: مكسور عمَّا قريب، فمِن أين لَهُم التدابير الآلهيَّة والتصرُّف فيِ الأمور الربَّانيَّة؟ فلا تَكترث بِمَا يقولون وَ«مَا» مزيدة للتعليل؛ و«هنالك» إشارة إِلىَ حيث وضعوا فِيهِ أنفسهم مِنَ الانتداب لمثل هَذَا القول.
{كذَّبت قبلهم قَومُ نُوحٍ، وعادٌ، وفرعونُ ذو الأوتادِ(12)} ذو الملك الثابت بالأوتاد، كقوله:
ولقد غَنَوا فِيهَا بأنعم ... عيشة ... غنوا يعني: أقاموا
... ... فيِ ظلِّ ملك ثابت الأوتاد (1)
__________
(1) - ... البيت للأسود بن يعفر. انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 58. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص217. (4/34)
صفحة 1197
مأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاد، أو الجموع الكثيرة، سُمُّو بذلك لأَنَّ بعضهم يشدُّ بعضا كالوتد يشدُّ البناء؛ وقيل: نصب أربع سَوَارٍ، وكَانَ يمدُّ يدي المعذَّب ورجليه إِلَيْهِا (1)، ويضرب عليها [505] أوتادًا، و يتركه حتَّى يموت.
{وثمودُ، وقومُ لوطٍ، وأصحابُ الأيكةِ} أصحاب الغيضة، وَهُم قوم شعيب، {أُولَئِكَ الأحزابُ (13)} المتحزِّبون (2) عَلَى الرسل؛ {إن كلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسُلَ فَحَقَّ عقابِ (14)} عَلَيْهِم فيِ الدارين. {وَمَا ينظر هؤلاء} وَمَا ينتظر قومك {إلاَّ صيحةً وَاحِدَةً} وَهُوَ انتظار كلِّ عاصٍ عَلَى الانفراد عذابَ الموت كَانَ بسببٍ كالقتل ونحوه، أو غير سبب وَهُوَ حتف أنفه، {مَا لها من فَوَاقٍ (15)} من تَوقُّف مقدار «فواق» وَهُوَ مَا بين الحلبتين.
{وَقَالُوا: رَبَّنَا عجِّلْ لَّنَا قِطَّنا} قيل: إِنَّهُ الموت أو العذاب، {قبل يومِ الحسابِ (16)} استهزاء؛ وقيل: القِطُّ: هُوَ الحظُّ، فسألوا حظَّهم مِنَ العقاب قبل يوم الحساب استهزاءً مِنْهُم بالنبيِّ وبالقرآن، وَاللهُ يستهزئ بهم وَهُوَ كقوله: {ويستعجلونك بالعذاب} (3).
{اصبر عَلَى مَا يقولون واذكُرْ عبدَنا داوودَ} واذكر قصَّته تعظيما للمعصية فيِ أعينهم، فإنَّه مَعَ علوِّ شأنه واختصاصه بعظائم النعم، لَمَّا آتى سَيِّئة نزل عَن منزلته، ودخل عليه المَلاَئِكَة بالتمثيل والتعريض، حتَّى تفطَّن واستغفر؛ أو تذكَّرْ قصَّته؛ وصُنْ نفسك أن تَزلَّ فيلقاك مَا لقيه مِنَ المعاتبة عَلَى إهمال عِنان نفسه أدنى إهمال، {ذا الأيدِ} ذا القوَّة، {إِنَّهُ أوَّابٌ (17)} رجَّاع إِلىَ مرضاة الله، وَهُوَ تعليل للأيدي، دَلِيل عَلَى أنَّ المُرَاد بِهِ: القوَّة فيِ الدين، كان يصوم يوما ويفطر يوما.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إليهما».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «المتحزِّبين»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... سورة الحج: 47. وسورة العنكبوت: 53. (4/35)
صفحة 1198
إِنَّا سخَّرنا الجبال مَعه يُسبِّحنَ} للدلالة عَلَى تَجدُّد التسبيح حالا بعد حال، {بالعشيِّ والإشراقِ(18) والطيرَ مَحشورةً} أي: مجموعة إِلَيْهِ من كلِّ جانب، {كلٌّ لَهُ أوَّاب(19)} كلُّ وَاحِد مِنَ الجبال والطير لأجل تسبيحه رجَّاع إِلىَ التسبيح؛ والفرق بينه وبين مَا قبله أنَّه يدلُّ عَلَى الموافقة فيِ التسبيح، وَهَذَا عَلَى المداومة عليها؛ أو كلٌّ منها ومن داوود مُرجِع إِلىَ الله التسبيح؛ {وشَدَدْنا مُلكَه} وقوَّيناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود، {وآتيناه الحكمةَ} النبوَّة، أو كمال العلم، وإتقان العمل، {وفصلَ الخِطَابِ(20)} فصل الخصام، بتميُّز الحقِّ عَن الباطل، والكلام الملخَّص، الذِي ينبِّهُ المخاطَب من غير التباس، يراعَى بِهِ مظانُّ الفصل والوصل.
{وهل أتاك نبأُ الخَصْمِ}؟ استفهام معناه التعجُّب والتشويق إِلىَ استماعه، {إذ تسوَّروا المحرابَ(21)} إذ تصعَّدوا سور الغرفة، {إذ دخلوا عَلَى داوودَ فَفَزِعَ مِنْهُم} قيل: لأَنَّهُم نزلوا عليه من فوق فيِ يوم الاحتجاب، والحرس عَلَى الباب لاَ يتركون من يدخل عليه، فإنَّه قيل: جزَّأ زمانه: يوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما للوعظ، ويوما للاشتغال بخاصَّته، فتسوَّر عليه مَلاَئِكَةٌ عَلَى صورة إنسان فيِ يوم خلوة.
{ (4/36)
صفحة 1199
قَالُوا: لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ} نَحْنُ فوجان متخاصمان، عَلَى تسمية مُصاحب الخصم خصما، {بَغَى بعضُنا عَلَى بعضٍ، فاحكُمْ بينَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشطِط} وَلاَ تجر فيِ الحكومة، {واهدِنا إِلىَ سواءِ الصِّرَاط (22)} إِلىَ وسطه، وَهُوَ العدل. {إنَّ هَذَا أخي} بالدين أو الصحبة {لَهُ تسعٌ وتسعون نعجةً ولي نعجةٌ وَاحِدَةٌ} [506] هي الأنثى مِنَ الضأن، وقد يُكنَّى بها عَلَى المرأة، والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ فيِ المقصود؛ {فقال: أكفِلنيها} ملِّكنيها، وحقيقته اجعلني أكفلُها كما أكفل مَا تحت يدي؛ وقيل: اجعلها كفلي [أي] نصيبي، {وعزَّني فيِ الخطاب (23)} وغلبني فيِ مخاطبته إيَّايَ.
{قَالَ: لَقَد ظَلَمَكَ بسؤالِ نعجتِك إِلىَ نعاجه، وإنَّ كثيرا مِنَ الخُلَطَاءِ} الشركاء الذِينَ خلطوا أموالهم {لَيَبْغِي} ليتعدَّى {بعضُهم عَلَى بعضٍ، إِلاَّ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات} الذِينَ عادتهم دون الأَوَّلين، {وقليلٌ مَا هم، وظنَّ داوودُ أنَّما فتنَّاهُ} ابتليناه بالذنب وامتحنَّاه بتلك الحكومة، {فاستغفَرَ ربَّه} لذنبه، {وخرَّ راكعًا} ساجدا على تسمية السجود [ركوعا] (1)، {وأناب (24)} ورجع إِلىَ الله بالتوبة.
{__________
(1) - ... إضافة من تفسير أبي السعود، مج4/ ج7/ ص222. ليستقيم المعنى. (4/37)
صفحة 1200
فغفرنا لَهُ ذَلِكَ} أي: مَا استغفر عَنْهُ، {وإنَّ لَهُ عندنا لَزُلْفَى} لقربة بعد المغفرة {وحسنَ مآبٍ (25)} مَرجع فيِ الجنَّة. {يا داوودُ، إِنَّا جعلناك خليفةً فيِ الأَرْضِ} استخلفناك عَلَى الملك فِيهَا، أو جعلناك خليفة مَن قبلَك مِنَ الأنبياء والقائمين بِالْحَقِّ، {فاحكم بين الناس بِالْحَقِّ} بحكم الله، {وَلاَ تَتَّبعِ الهوَى} ما تهوى النفس، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قيل: إنَّ ذنبه المبادرة إِلىَ تصديق المدَّعي، وتظليم الآخر قبل مسألته، {فيُضِلَّك عَن سبيل الله} دلائله التِي نصبها عَلَى الحقِّ، {إنَّ الذِينَ يَضلُّون عَن سبيل الله لَهُم عذابٌ شديدٌ} عاجلا وآجلا {بِمَا نَسُوا يومَ الحسابِ (26)} بسبب نسيانهم، وَهُوَ ضلالهم عَن السبيل، فإنَّه بذكره تقتضي مُلازمة الحقِّ ومُخالفة الهوى.
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ والأَرْضَ وَمَا بينهما باطلا} خلقا باطلا لاَ حكمة فِيهِ، أو مُبطلين عابثين؛ {ذَلِكَ ظنُّ الذِينَ كَفَرُوا} الإشارة إِلىَ خلقها باطلا، {فويلٌ للذين كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)} بسبب هَذَا الظنِّ. {أم نجعلُ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسِدين فيِ الأَرْضِ؟ أم نَجعل المُتَّقِينَ كالفجَّارِ (28)}؟ لم نساوِ (1) بَيْنَهُم فيِ الجزاء، كما لم يستووا فيِ العمل.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «نساوي»، وَهُوَ خطأ من الناسخ. (4/38)
صفحة 1201
كِتَابٌ أنزلناه إليك مباركٌ} نفَّاع، {ليدَّبَّروا آياتِه} ليتفكَّروا فِيهَا، فيعرفوا تدبُّر (1) ظاهرها مِنَ التأويلات الصحيحة، والمعاني المستنبطة، {وليتذكَّر أولو الألبابِ (29)} وليتَّعظ بِهِ ذو العقول السليمة، وليستحضروا مَا هُوَ كالمركوز فيِ عقولهم، مِن فرط تَمكُّنهم من معرفته بِمَا نصب عليه مِنَ الدلائل؛ فإنَّ الكتب الإِلهِيَّة بيان لِمَا لاَ يُعرف إِلاَّ مِنَ الشرع، وإرشاد إِلىَ مَا لاَ (لَعَلَّهُ) يَستقبحه العقل، ولعلَّ التدبُّر للعلوم الأوَّل، والتذكُّر للثاني.
{وَوَهَبْنا لِداوودَ سليمانَ، نِعمَ العبدُ إِنَّهُ أوَّابٌ (30)} رجَّاع (2) إِلىَ الله بالتوبة. {إذ عُرضَ عليه بالعشِيِّ} بعد الظهر {الصافِنَاتُ} الصوافن مِنَ الخيل: الذِي يقوم عَلَى طرف سنبك (3) يد أو رجل، وَهُوَ مِنَ الصفاتِ المحمودة فيِ الخيل، لاَ تكاد تكون إِلاَّ فيِ العراب الخُلَّص {الجياد (31)} [507] جمع جواد. {فقال: إِنِّي أَحببتُ حُبَّ الخيرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى توارَتْ بالحجابِ (32) رُدُّوها عليَّ، فطَفِق مَسحًا بالسُّوقِ والأعناقِ (33)} لأَنَّ كلَّ مَا يشغل عَن الله فلا خير فيِ الاشتغال بِهِ.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «فيعرفوافوايدلرطاهرها»، ويمكن أن نقرأها هكذا: «فيعرفوا فوائد تدبُّر ظاهرها».
(2) - ... في الأصل: «رجارع»، وهو خطأ.
(3) - ... «السُّنبُك كقُنفُذ: ضربٌ من العَدْوِ، وطَرَفُ الحافِرِ». الفيروزآبادي: القاموس، ص849، مَادَّة: «سنبك». (4/39)
صفحة 1202
وَلَقَد فَتَنَّا سليمانَ وألقينا عَلَى كرسِيِّه جَسَدًا ثُمَّ أنابَ (34) قَالَ: ربِّ اغفرْ لي وَهَبْ لي مُلكا لاَ يَنبغي لأحدٍ مِن بعدي} قيل: لاَ يصحُّ لأحد مِن بعدي لعظمته، {إنَّك أنتَ الوهَّاب (35) فسخَّرنا لَهُ الريحَ تَجري بأمره رُخاءً} لَيِّنة، مِنَ الرخاوة لاَ تُزعزع، وَلاَ تُخالف إرادته، كما المأمور (1) المنقاد، {حيثُ أصابَ (36) والشياطينَ كلَّ بنَّاءٍ وغوَّاصٍ (37) وآخرينَ مُقرَّنينَ فيِ الأصفادِ (38) هَذَا عَطاؤُنا فامنُنْ أو أَمسِكْ} فأعط مَن شئت، وامنع مَن شئت {بغير حساب (39) وإنَّ لَهُ عِندنا لَزُلفَى} فيِ الآخِرَة، مع مَا لَهُ مِنَ الملك العظيم فيِ الدُّنْيَا، {وحُسنَ مَآبٍ (40)}.
{واذكر عَبدنا أيُّوب إذ نادى ربَّه أَنِّي مسَّنيَ الشيطانُ بِنُصب} بتعب {وعذابٍ (41)} أَلَمٍ؛ أضاف ذَلِكَ إِلىَ الشيطان لأنَّه (لَعَلَّهُ) بسبب طاعته له، كما قَالَ: {وَمَا أصابَكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم} (2) {اركضْ برِجْلِكَ هَذَا مُغتَسَلٌ باردٌ وشراب (42) ووهبنا لَهُ أهلَه ومثلَهم مَّعَهم رحمةً مِّنَّا، وذكرَى لأُولِي الألبابِ (43)} وتذكيرًا (3) لَهُم، لينتظروا الفرج بالصبر، والالتجاء (4) إِلىَ الله فيما يَحيق بهم. {وخُذ بيدِك ضِغْثًا} الضغث: الحزمة الصغيرة مِنَ الحشيش ونحوه؛ {فاضربْ بِّهِ وَلاَ تَحنثْ، إِنَّا وجدناه صابرا} فيما أصابه، وفيما تعبّد بِهِ، {نِعْمَ العبدُ إِنَّهُ أوَّاب (44)}.
{__________
(1) - ... الصواب: «كالمأمور».
(2) - ... سورة الشورى: 30.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «تذكيرٌ».
(4) - ... فيِ الأَصْلِ: «الآلجاء». (4/40)
صفحة 1203
واذكر عِبادنا إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ أُولي الأيدي والأبصار(45)} أُولي القوَّة في الطاعة والبصيرة فيِ الدين؛ أو إِلىَ الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة؛ فعبَّر بالأيدي عَن الأعمال، لأَنَّ كثرتها بمباشرتها، وبالأبصار عَن المعارف، لأَنَّهَا أقوى مبادئها؛ وفيه تعريض للبطلة والجهَّال أنَّهم كالزَّمنى والعُماة. {إِنَّا أَخلصناهم بِخالِصةٍ} جعلناهم خالصين لَنَا بخصلة خالصة لاَ شَوبَ فِيهَا هِيَ: {ذكرَى الدارِ(46)} تذكُّرُهم للآخرة دائما، فإنَّ خلوصهم فيِ الطاعة بسببها، وذلك لأَنَّ مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون رضاه ولقاء ثوابه، والخوف من عقابه؛ وإطلاق الدار للإشعار بأنَّها الدار الحقيقيَّة، والدُّنْيَا معبرها. {وَإنَّهُم عندنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخيارِ(47)} لَمِنَ المختارين مِن أمثالهم، المصطفين عَلَيْهِم فيِ الخير.
{واذكر إسماعيلَ واليسعَ وذَا الكِفْلِ وكلٌّ مِنَ الأخيار(48)}.
{هَذَا} إشارة إِلىَ مَا تَقدَّم مِن أمورهم، {ذِكْرٌ} شرفٌ لَهُم، أو نوع مِنَ الذكر، وَهُوَ القرآن؛ ثُمَّ شرع فيِ بيان مَا أعدَّ لهم ولأمثالهم، فقال: {وإنَّ للمتَّقين لَحُسْنَ مَآبٍ(49)} مَرجع، {جنَّات عَدنٍ} عطف بيان لـ«حسن مآب»، {مفتَّحةً لَهُمُ الأبوابُ(50) مُتَّكئين فِيهَا، يَدْعُونَ فِيهَا بفاكهةٍ كثيرةٍ وشرابٍ(51)} الاقتصار عَلَى الفاكهة للإشعار بِأَنَّ جزاءهم مَحضُ التلذُّذ؛ فإنَّ التغذِّي للتحلُّل وَلاَ تَحلُّل هناك، ثُمَّ {وعندهم قاصراتُ الطرفِ أترابٌ(52)} لِدَاتٌ لَهُم؛ فإنَّ التحابَّ بين [508] الأقران أثبت، أو بعضهنَّ لبعض لاَ عجوز فِيهِنَّ وَلاَ صبيَّة.
{هَذَا مَا توعَدونَ لِيومِ الحسابِ(53)} لأجله، فإنَّ الحساب علَّة الوصول إِلىَ الجزاء. {إنَّ هَذَا لَرِزْقُنا مَا لَهُ من نَّفادٍ(54)} انقطاع.
{ (4/41)
صفحة 1204
هَذَا، وإنَّ للطَّاغين لَشَرَّ مآبٍ (55)} مرجع، ضدّ مآب المتَّقين. {جهنَّم يَصلونها، فبِئْسَ المهادُ (56)} المفتَرَش؛ مستعار مِن فراش النائم. {هَذَا فَليذوقوه حميمٌ وغَسَّاق (57)} الغسَّاق: قيل مَا يغسق من صديد أهل النَّار؛ مِن غَسَقَت العين: إِذَا سال دمعها. {وآخَرُ} أي: مَذوق، أو عذابٌ آخر، وقرئ: «أُخر»، أي: مَذوقات، أو أنواع عذاب أُخر {مِن شَكْلِهِ} مِن مِثل هَذَا المذوق، أو العذاب فيِ الشدَّة {أزواجٌ (58)} أجناسٌ لاَ يعلمها إِلاَّ الله، ومَن أعلمه بذلك.
{هَذَا فوجٌ مُقتَحِمٌ مَعكُم} حكاية مَا يقال للرؤساء الطاغين إِذَا دخلوا النَّار، واقتحمها معهم فوجٌ تَبعهم فيِ (لَعَلَّهُ) الضلال؛ والاقتحام: ركوب الشدَّة، والدخول فِيهَا؛ وذلك [أَنَّ] القادة إِذَا دخلوا النَّار ثُمَّ دخل بعدهم الأتباع؛ قالت الخزنة للقادة: هَذَا ــ يعني: الأتباع ــ فوج جماعة مُقتحم معكم، قالت (1): {لاَ مرحبا بهم} دعاء مِنَ المتبوعين عَلَى أتباعهم، والمرحب، أي: مَا أوتوا بهم رحبا وسعة، {إنَّهم صالوا النارِ (59)} داخلين النَّار بأعمالهم مثلنا.
{قَالُوا} أي: الأتباع للرؤساء: {بَل أَنتُم لاَ مرحبا بكم} بَل أَنتُم أحقُّ بِمَا قُلتم، {أَنتُم قدَّمتموه لَنَا} قدَّمتم العذاب لَنَا بإغوائنا عَلَى مَا قدَّمتم مِنَ العقائد الزائغة، والأعمال القبيحة، {فبِئْسَ القرار (60)} فبِئْسَ المقرُّ جهنَّم. {قَالُوا} أي: الأتباع أَيْضًا: {رَبَّنَا مَن قَدَّم لَنَا هَذَا} أي: شرعه وسنَّه، {فَزِدْهُ عذابا ضِعفا فيِ النار (61)} مضاعفا، أي: ذا ضِعف، وذلك أن تزيد عَلَى عذابه مثله فيصير ضعفين، كقوله: {رَبَّنَا آتهم ضعفين مِنَ العذاب} (2).
{__________
(1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، وَلَعَلَّ فيِ العبارة سقطا.
(2) - ... سورة الأحزاب: 68. (4/42)
صفحة 1205
وَقَالُوا}، أي: الطاغون: {مَا لَنَا لاَ نرى رجالا كُنَّا نعدُّهم مِنَ الأشرارِ(62)}؟ يعنون فقراء المُسْلِمِينَ الذِينَ يسترذلونهم ويسخرون مِنْهُم. {أتَّخذناهم سِخريًّا أم زاغَتْ} مالت {عَنْهُم الأبصارُ(63)} فلا نراهم، أو المُرَاد: الدلالة عَلَى أنَّ استرذالهم والاستسخار مِنْهُم كَانَ لزيغ أبصارهم، وقصور نظرهم عَلَى رثاثة حالهم. {إنَّ ذَلِكَ} الذِي حكينا عَنْهُم {لَحَقٌّ تخاصُمُ أهلِ النارِ(64)} لاَ بدَّ من وقوعه.
{قل} يا محمَّد للعاصين: {إنَّما أنا مُنذِرٌ} أنذركم عذابَ الله، {وَمَا من إلهٍ إِلاَّ اللهُ الواحدُ} الذِي لاَ يقبل الشركة والكثرة فيِ ذاته، {القهَّارُ(65)} لِكُلِّ شيء. {ربُّ السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما} مِنْهُ إبداؤها وَإِلَيْهِ إيعادها، {العزيز} لاَ يُغلب، {الغفَّار(66)} الذِي يَغْفِر لمن تاب، وفي هَذِهِ الأوصاف تقرير للتوحيد ووعدٌ للموحِّدين، ووعيد لمن عداهم.
{ (4/43)
صفحة 1206
قل: هُوَ} أي: مَا أنبأتكم بِهِ مِنَ أنِّي نذيرٌ من عقوبَةِ مَن هَذَا صفته، وَأنَّهُ وَاحِد فيِ الألوهيَّة، {نبأٌ عظيمٌ (67) أَنتُم عَنْهُ معرضُونَ (68)} لتمادي [509] غفلتكم، فإنَّ العاقل لاَ يعرض عَن مثله، كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة، إمَّا عَلَى التوحيد فيما (1) مَرَّ، وَإمَّا عَلَى النبوَّة فيِ قوله (2): {مَا كَانَ لي من عِلْمٍ بالمَلإِ الأعلَى إذ يَخْتَصِمُونَ (69)} فإنَّ إخباره عن تقاول المَلاَئِكَة، وَمَا جرى بَيْنَهُم عَلَى مَا وردت فيِ الكتب المتقدِّمة، من غير سماع أو مطالعة كِتَاب، لاَ يُتصوَّر إِلاَّ بالوحي. و «إذ» متعلِّق بـ «عِلْمٍ»، أو محذوفٍ، إذ التقدير: «من علمٍ بكلام الملإ الأعلى». {إنْ يوحَى إِليَّ إِلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مُّبِينٌ (70)} أي: لأنَّما، كأنَّه لَمَّا جوَّز أنَّ الوحي ثابت (3)، بيَّن بذلك مَا هُوَ المقصود بِهِ، تحقيقا لقوله: {إنَّما أنا نذير}.
{إذ قَالَ رَبُّكَ للمَلاَئِكَة: إِنِّي خالقٌ بَشَرًا من طِينٍ (71)} بدلٌ من «إذ يختصمون» مُبَيِّن لَهُ، فإنَّ القصَّة التِي دخلت «إذ» عليها مُشتَمِلة عَلَى تقاوُل المَلاَئِكَة وإبليس فيِ خلق آدم، واستحقاقِه للخلافة والسجود عَلَى مَا مَرَّ فيِ البقرة، غير أنَّها اختصرت اكتفاءً بذلك، واقتصارًا عَلَى مَا هُوَ المقصود منها، وَهُوَ إنذار المشركين عَلَى استكبارهم عَلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمثل مَا بإبليس عَلَى استكباره عَلَى آدم، هَذَا ولعلَّه يجوز أن يكون مقاولة الله إيَّاهم بواسطة ملك، وأن يفسَّر الملأ الأعلى بِمَا يعمُّ الله تعالى والمَلاَئِكَة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «فما»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «فقوله»، ولا يستقيم مع السياق.
(3) - ... في الأصل: «ثابته». (4/44)
صفحة 1207
فإذا سوَّيتُه} عدَّلت خلقته {ونَفَخْتُ فِيهِ من رُّوحِي} وأحييته بنفخ الروح فِيهِ؛ وإضافته إِلىَ نفسه لشرفه وطهارته، {فَقَعُوا لَهُ} فخرُّوا له {ساجدِينَ(72)} خاضعين، أو منقادين لَهُ، أو مؤتمِّين بِهِ؛ ولعلَّ هَذِهِ الآيَة تشهد لمن قَالَ: «إنَّ المؤمنين من بني آدم أفضل مِنَ المَلاَئِكَة»، وممَّا يقوِّي معنى هَذَا القول قول إبليس لعنه الله: {أنا خيرٌ مِنْهُ}، والأفضل لاَ يسجد لِمَن دونه، وَلاَ ينقاد لَهُ. {فسَجَدَ المَلاَئِكَةُ كلُّهم أجمعُونَ(73) إِلاَّ إبليسَ استكبرَ} تعظَّم، {وكان} وصار {من الْكَافِرِينَ(74)} باستكباره عَن أمر الله، وكَانَ مِنْهُم فيِ علمه.
{قَالَ: يا إبليس مَا مَنَعَكَ أن تَسجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، أستكبرتَ أم كنتَ مِنَ العالِينَ(75)} تكبَّرت من غير استحقاق. {قَالَ: أنا خيرٌ مِنْهُ، خلقتَني من نَّار، وخلقتَه من طِينٍ(76) قَالَ: فاخرُجْ منها} مِنَ السَّمَاء، أو مِنَ الصورة الملَكيَّة، {فإنَّك رَجِيمٌ(77)} مطرود مِنَ الرحمة ومَحلِّ الكرامة. {وإنَّ عليكَ لَعنَتي إِلىَ يومِ الدِينِ(78)} علم الله مِنْهُ الإصرار، وأنَّه لاَ يتوب إِلىَ يوم النفخة الأولى، لقوله: {قَالَ: ربِّ فأنظرني إِلىَ يومِ يُبعثُونَ(79) قَالَ: فإنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ(80) إِلىَ يومِ الوقتِ المعلومِ(81) قَالَ: فبِعزَّتك} فبسلطانك وقهرك {لأُغوينَّهم أجمَعِينَ(82) إِلاَّ عبادك مِنْهُمُ المخلَصِينَ(83)} الذِينَ أخلصهم الله لطاعته، وعصمهم مِنَ الضلالة، أو أخلصوا قلوبهم لله، عَلَى اختلاف القرائن، {قَالَ: فالحقَّ والحقَّ أقولُ(84)} أي: أُحقُّ الحقَّ وأقوله، {لأَملأَنَّ جهنَّمَ مِنك ومِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُم أجمعِينَ(85)}.
{ (4/45)
صفحة 1208
قل: مَا أسألكم عليه من أجرٍ} بتبليغ الوحي، {وَمَا أنا مِنَ المتَكلِّفِينَ (86)} المتصنِّعين بِمَا لست من أهله مَا عرفتم من حالي، فأَنتَحل النبوَّة، وأتقوَّل القرآن، وكلُّ من قَالَ شَيْئًا من تلقاء نفسه فهو مُتكلِّف. {إن هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ} عِظةٌ {للعالَمِينَ (87)} للثقلين، {ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ} بِمَا أخبرتكم مِنَ التوحيد والجزاء عليه [510]، وَهُوَ مَا فِيهِ مِنَ الوعد والوعيد، {بعد حِينٍ (88)} عند الموت.
سورة الزمر
بسم الله الرحمن الرحيم
{تنزيلُ الكتابِ مِنَ اللهِ العزيزِ الحكيمِ (1) إِنَّا أنزلنا إليكَ الكتابَ بِالْحَقِّ} ملتبسا بِالْحَقِّ، {فاعبد اللهَ مُخلِصا لَهُ الدِينَ (2)} ممحضا لَهُ الدِّين مِنَ الشرك والرياء. {أَلاَ للهِ الدينُ الخالصُ} أي: ألاَ هُوَ الذِي وجب اختصاصه بأن تُخلص لَهُ الطاعة، فإنَّه المنفرد بصفات الألوهيَّة، والاطِّلاع عَلَى السرائر والضمائر، {وَالذِينَ اتَّخذوا من دونِه أولياءَ مَا نعبدُهم إِلاَّ ليقرِّبونا إِلىَ الله زُلفَى، إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُم فيِ مَا هم فِيهِ يَخْتَلِفون} (لَعَلَّهُ) فيِ الدِّين، بإدخال المحقِّ الجنَّة، والمبطل النَّار، والضمير للكفرة ومقابليهم؛ وَقِيلَ: لَهُم ولمعبودهم، فإنَّهم يرجون شفاعتهم وَهُم يلعنونهم، {إنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي} لاَ يُوفِّق للاهتداء إِلىَ الحقِّ {من هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (3)} والاسمانِ مُتلزمان لاَ ينفكَّان عَن بعضهما بعض.
{لو أَرَادَ اللهُ أن يتَّخذ وَلَدًا} كما زعموا، {لاصطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} إذ لاَ وجود سواه إِلاَّ وَهُوَ مخلوق، {سُبحانه هُوَ الله الوَاحِدُ القهَّارُ (4)} فإنَّ الألوهيَّة الحَقِيقِيَّة تتبع الوجوب المستلزم للوَاحِد الذاتيِّ، وهي تُنافي المُمَاثَلَة فضلا عَن التوالد، لأَنَّ كلَّ وَاحِد مِنَ المثلين مركَّب مِنَ الحقيقة المشتركة.
{ (4/46)
صفحة 1209
خَلَق السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ (1) يُكوِّر اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ، ويُكوِّر النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} يُغشي كلُّ وَاحِد مِنْهُما الآخَر، كأنَّه يَلُفُّ عليه لفَّ اللباس باللاَّبِس، أو يُغَيِّبه بِهِ، كما يُغيَّب الملفوف باللُّفافة؛ {وسخَّر الشمسَ والقمرَ، كلٌّ يَجري لأِجَلٍ مُّسمًّى} هُوَ مُنتهى دورة، أو منقطع حركته، {ألا هُوَ العزيز} القادر عَلَى كُلِّ ممكن، الغالب عَلَى كُلِّ شيء، {الغفَّارُ (5)} حيث لم يُعاجل بالعقوبة، وسلب ما في هَذِهِ الصنائع مِنَ الرحمة وعموم المنفعة.
{خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ جَعَلَ منها زوجَها} استدلال آخر بِمَا أوجده فيِ العالم السفليِّ، مبتدَؤُه من خلقِ الإنسان، لأَنَّهُ أقربُ وأكبرُ دلالة، وأعجب، {وأنزلَ لكم} وقضى، أو قسم لكم، فإنَّ قضاياه وقسمه تُوصف بالنزول مِنَ السماء، حيث كتب فيِ اللَّوح؛ أو أحدث لكم بأسبابٍ نازلة، كأشعَّة الكواكب والأمطار، {من الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ} ذكرًا وأنثى، مِنَ الأبل والبقر والضأن والمعز، {يَخْلُقُكم فيِ بُطونِ أُمَّهاتكم} بيان لكَيفيَّة خلق آدم، [وَ] مَا ذكر مِنَ الأناسي والأنعام، إظهارًا لِمَا فِيهَا من عجائب القدرة، غير أنَّه غلَّب أولي العقل وخصَّهم بالخطاب، لأَنَّهُم المقصودون، {خَلْقًا من بعدِ خَلْقٍ فيِ ظُلُماتٍ ثلاثٍ} حيوانا سويًّا، {ذلكم} الذِي هَذِهِ أفعاله، {اللهُ ربُّكم} هُوَ المستحقُّ لعبادتكم والمالك {لَهُ الملك، لاَ إله إِلاَّ هُوَ} إذ لاَ يُشاركه فيِ الخلق غيره، {فأنَّى تُصرَفُونَ (6)} فكيف تَعدلون عَن عبادته بالإشراك بعد هَذَا البيان!.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «بالحق» وهو سهو. (4/47)
صفحة 1210
إن تَكفُرُوا، فإنَّ الله غنيٌّ عنكم} عَن عبادتكم، {وَلاَ يَرضَى لعباده الكفرَ} لاستضرارهم بِهِ، رحمةً عَلَيْهِم [511]، {وإن تُشكرُوا يرضَهُ لكم} وَهُوَ سبب فَلاَحِكم، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، ثُمَّ إِلىَ رَبِّكُم مَّرجِعُكم فيُنبِّئُكم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ} بالمحاسبة والمجازاة، {إِنَّهُ عليم بذات الصدور (7)}.
{وإذا مَسَّ الإنسانَ ضُرٌّ، دعا ربَّه مُنيبا إِلَيْهِ} لزوال مَا يُنَازع العقل من الأهوية فيِ القلوب وأمراضها فيِ الدلالة عَلَى أنَّ مبدأ الكلِّ مِنْهُ، {ثمَّ إِذَا خَوَّلَه} أعطاه، مِنَ الخول وَهُوَ التعهُّد، {نعمةً مِّنْهُ نسِيَ مَا كَانَ يَدعُو إِلَيْهِ} أي: الضُّر الذِي كَانَ يدعو اللهَ إِلىَ كشفه، أو ربَّه الذِي كَانَ يتضرَّع إِلَيْهِ، {من قبلُ} من قبل النِّعمة؛ {وجعلَ للهِ أندادا ليُضِلَّ عَن سبيلِه، قل: تمتَّعْ بِكفرِكَ} الذِي تهواه {قليلا} لأَنَّهُ سريع الزوال، وفيه تهديد وإشعار بأنَّ الكفر نوع تشبيه وإقناط للكافر مِنَ المتمتع (1) فيِ الآخِرَة، ولذلك علَّلَه بقوله: {إنَّك من أصحاب النار (8)}.
{__________
(1) - ... صواب العبارة نجده عند البيضاويِّ: «فيه إشعار بِأَنَّ الكفر نوعُ تَشَهٍّ لا سَنَدَ له، وإقناط للكافرين من التمتُّع فيِ الآخرة». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص95. (4/48)
صفحة 1211
أمَّن هُوَ قانتٌ} قائم بوظائف الطاعات؛ والقانت: المقيم عَلَى الطاعة فيِ كُلِّ الأوقات، راجيا خائفا عالمًا أنَّ وعد الله حقٌّ، {آناء اللَّيْلِ} ساعاته؛ والمعنى: أمَّن هُوَ قانت لله كمن جعل لَهُ أندادا، {ساجِدا وقائما يحذَرُ الآخِرَة، ويرجو رحمةَ ربِّه. قُل: هل يَستوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}؟ نَفيٌ لاستواء الفريقين باعتبار القوَّة العلميَّة بعد نفيها باعتبار القوَّة العلميَّة (1) عَلَى وجه أبلغ لمزيد فضل العلم، {إِنَّمَا يتذكَّر} يتَّعظ بوعظ الله {أولو الألبابِ (9)} بأمثال هَذِهِ البَيِّنَات.
{قل: يا عبادِ الذِينَ آمنوا، اتَّقُوا ربَّكم} بلزوم طاعته، {للذين أحسَنوا فيِ هَذِهِ الدُّنْيَا حسنةٌ} أي: للذين أحسنوا بالطاعات فيِ الدُّنْيَا، مثوبَةٌ حسنةٌ فيِ الآخِرَة؛ وقيل: للذين أحسنوا حسنة فيِ الدُّنْيَا، هِيَ الصِحَّة والعافية، لأَنَّهَا توصل المحسن إِلىَ الحسنة الحقيقيَّة، وهي الجنَّة، وفي هَذِهِ بيان لمكَان حسنه، {وأرضُ اللهِ واسعةٌ} فمن تعسَّر عليه التوفُّر عَلَى الإحسان فيِ وطنه، فليهاجر من حيث يتمكَّن مِنْهُ، {إنَّما يُوَفَّى الصابرون} عَلَى مشاقِّ الطاعة، من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها، {أجرَهم بغير حسابٍ (10)} أجر لاَ يهتدي إِلَيْهِ حساب الحساب.
{قُل: إِنِّي أُمِرتُ أن أعبدَ اللهَ مُخلِصا لَهُ الدِّينَ (11)} مُوَحِّدا لَهُ، {وأُمِرتُ لأَن أكون أوَّلَ المُسْلِمِينَ (12)} وأُمرت بذلك لأجل أن أكون مُقدَّمهم فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.
{__________
(1) - ... نفس العبارة نجدها عند البيضاوي: (المصدر نفسه). لَعَلَّ الصواب: «باعتبار القُوَّة العَمَلِيَّة»، أي أَنَّ المعتبر فيِ نفي استواء القانت والعاصي هو القُوَّة العَمَلِيَّة. والمعتبر فيِ نفي استواء العالم والجاهل هو القوَّة العِلمِيَّة. وَالله أعلم. (4/49)
صفحة 1212
قُل: إِنِّي أخافُ إن عَصَيْتُ ربِّي} بترك الإخلاص، والميل إِلىَ مَا أَنتُم عليه مِنَ الشرك والرياء {عذابَ يَومٍ عظيم (13)} لعظمة مَا فِيهِ، {قُل: اللهَ أعبدُ مُخلِصا لَهُ ديني (14)} أمر بالإخبار عَن إخلاصه، وأن يَكون مُخلِصا لَهُ دينه، بعد الأمر بالإخبار عَن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص، خائفا عَلَى المخالفة مِنَ العقاب، قطعا لأطماعهم، ولذلك رتَّب علَيه قوله: {فاعبُدُوا مَا شئتم مِّن دونِه} تهديدا وخذلانا لَهُم.
{قُل: إنَّ الخاسرين} الكاملين فيِ الخسران {الذِينَ خسِروا أنفسَهم} بالضلال، {وأهليهم} لأَنَّهُم أرادوا بهم التمتِيع دون العبادة والطَّاعة، وَهُوَ كقوله: {واتَّبَعوا مَن لم يَزِده مالُه [512] وولدُه إِلاَّ خَسارا} (1) {يومَ القيامةِ، أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسرانُ الْمُبِينُ (15)} مُبالغة فيِ خُسرانهم، {لَهُم مِّن فَوقِهم ظُلَلٌ} أطباق وسُرَادقات {مِن النار، ومِن تَحتِهم ظُلَلٌ} أطباق مِنَ النَّار هِيَ ظُلَلٌ لمَن تحتهم، {ذَلِكَ يُخوِّف اللهُ بِهِ عبادَه} ذَلِكَ العذاب هُوَ الذِي يُخوِّفهم بِهِ ليَجتَنِبُوا مَا يُوقعهم فِيهِ، وفي موضع الفرش والمهاد مِنَ النار سمَّى الأسفلَ ظللا، لأَنَّهَا ظُلَلٌ لمَن تحتهم، {يا عبادِ فاتَّقُونِ (16)} وَلاَ تتَعرَّضوا لمَا يُوجِب سخطي.
{__________
(1) - ... نوح: 22. (4/50)
صفحة 1213
وَالذِينَ اجتَنَبوا الطاغوتَ} البالغ غاية الطغيان، {أن يَعبُدُوها، وأنابوا إِلىَ الله} وأقبلوا إِلَيْهِ بصفاء لُبِّهم، {لَهُمُ البشرَى} بالثواب عَلَى ألسنة الرسل والمَلاَئِكَة عند حضور الموت مُعاينة ومُشاهدة؛ وقيل: الموت بشارة باليقين، {فبشِّر عبادِ(17) الذِينَ يَستمِعون القَولَ، فيتَّبِعُون أحسنَه} لأَنَّهُم نُقَّاد فيِ الدين، يُمَيِّزون بين الحقِّ والباطل، ويُؤثِرون الأفضل فالأفضل، {أُولَئِكَ الذِينَ هداهم الله} لخالص دينه، {وأولئك هُم أولو الألبابِ(18)} العقول السليمة، عند مُنازَعة الوهم والعادة، وفي ذَلِكَ دلالة عَلَى أنَّ الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس بها.
{أفَمَن حقَّ عليه كَلِمةُ العذابِ} فيِ علم الله، أنَّهُ من أهل (لَعَلَّهُ) النَّار، {أفأنت تُنقِذ مَن فيِ النار(19)}؟ دلالة عَلَى أنَّ مَن حُكِم عليه بالعذاب كالواقع فِيهِ لامتناع الخُلفِ، وأنَّ اجتهاد الرَّسول فيِ دعائهم إِلىَ الإيمان سعيٌ فيِ إنقاذهم مِنَ النَّار. {لكنِ الذِينَ اتَّقَوْا ربَّهم} لكن ذكِّر من تَنفعه الذكرَى، وَهُم المُتَّقون لاَ غير، وتَذكيرُ من سِواهم إلزاما للحجَّة، {لَهُم غُرَفٌ مِن فوقِها غُرَفٌ} أي: لَهُم مَنازل فيِ الجنَّة رفيعة فوقها مَنازِل أرفع منها، {مَبنِيَّة، تَجرِي من تحتها الأنهار، وعدَ الله لاَ يُخلِفُ الله الميعادَ(20)} لأَنَّ الخُلفَ نقصٌ، وَهُوَ عَلَى الله مُحال.
{ألم تَرَ أنَّ الله أنزَلَ مِنَ السَّمَاء ماءً فسلكه} فأدخله {ينابيعَ فيِ الأَرْض} هِيَ عُيُون ومَجارِي كائنة فِيهَا، {ثُمَّ يُخرِج بِهِ زرعا مُختَلِفا ألوانُه ثُمَّ يهيجُ} يتمُّ جفافه، {فتراه مُصفرًّا، ثُمَّ يَجعله حُطاما} فُتاتا، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لَذِكرَى} تُذكِّر بأنَّه لاَ بُدَّ لَهُ من صانع حكيم دبَّره وسوَّاه، [وَ]بأنَّه مثل الحياة الدُّنْيَا فلا يغترَّ بها، {لأولي الألباب(21)} إذ لاَ يَتذكَّر بِهِ غيرهم.
{ (4/51)
صفحة 1214
أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صدرَه للإسلام} وسَّعه لقبول الحقِّ، حتَّى يمكَّن فِيهِ بيُسرٍ، عبَّر عَنْهُ عَمَّن (1) خُلُقُ نفسِه شديدةُ الاستعداد لقبوله غير مُتأبِّيَة عَنْهُ، من حيث إنَّ الصدر مَحلُّ القلب المتَّبع للروح، المُتعلِّق بالنفس، القابل للإسلام، {فهو عَلَى نورٍ من ربِّه} يعني: المعرفة والاهتداء إِلىَ الحقِّ؛ وعنه - عليه السلام -: «إِذَا دخل النور القلب انشرح وانفسح»، فقِيل: وَمَا علامة ذَلِكَ؟ قَالَ: «الإنابة إِلىَ دار الخلود، [والتجافي عن دار الغرور]، والتأهُّب للموت قبل نزوله» (2). {فويل للقاسيةِ قلوبُهم مِّن ذكر الله} من أجل ذكرهم، وَهُوَ أبلغ من أن تكون «عَن» مكَانَ «من»، لأَنَّ القاسية [513] من أجل الشيء، أشدُّ تأبِّيًا من قبوله مِنَ القاسي عليه لسبب آخر، للمبالغة فيِ وصف أُولَئِكَ بالقبول، وهؤلاء بالامتناع. ذَكَر شرح الصدر وأسنده إِلىَ الله، وقابله بقساوة القلب وأسندها إِلَيْهِ، {أُولَئِكَ فيِ ضلال مُّبِينٍ (22)} يظهر للناظر بأدنى نظر؛ قيل: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من (لَعَلَّهُ): القسوة.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «عن»، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص96.
(2) - ... لم نعثر عَلَيْهِ فيما بين أيدينا من المصادر. وقد أورده الزمخشريُّ، وقال مصحِّحه: «أخرجه الثعلبيُّ والحاكم والبيهقيُّ فيِ الشعب من حديث ابن مسعود، وفيه أبو فروة الرهاوي فيه كلام، ورواه الترمذيُّ الحكيم فيِ النوادر فيِ الأصل السادس والثمانين، وَفيِ إسناده إبراهيم بن [بياض فيِ الأَصْلِ] وَهُوَ ضعيف». الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 95. (4/52)
صفحة 1215
اللهُ نزَّل أحسنَ الحديث كِتَابًا مُتشَابِها} تشابهُه تشابُهُ أبعاضِه فيِ الإعجاز، وتجاوب النظم، وصِحَّة المعنى والدلالة عَلَى المنافع العامَّة، {مَثَانِيَ تَقشَعِرُّ} تضطرب مِنَ الحزن؛ واقشعرَّ جلده: أخذته رَعدَة، {مِنْهُ جلودُ الذِينَ يَخشَوْنَ ربَّهم} (لَعَلَّهُ) عند ذكر العقاب تشمئزُّ خوفا مِمَّا فِيهِ مِنَ الوعيد، وَهُوَ مثل فيِ شدَّة الخوف، {ثُمَّ تَلينُ} ثُمَّ تُذعن وتنقاد، {جلودهم وقلوبُهم إِلىَ ذكر الله} إِلىَ طاعته، ليس فِيهَا صلابة فتعتو، {ذَلِكَ} الوصف الحسن، وَهُوَ الخشية مِنَ العذاب، والانقياد إِلىَ طاعة الرحمن؛ {هُدَى اللهِ يهدي بِهِ من يَشَاء، ومن يُضلِل اللهُ فما لَهُ من هادٍ (23)}.
{أفمن يتَّقي بوجهه سوءَ العذابِ يومَ القيامة} قيل: لأَنَّهُ تكون مغلولة يداه إِلىَ عنقه، فلا يقدر أن يتَّقي إِلاَّ بوجهه؛ ويحتمل أنَّه يدفعه بلسانه بكذبه، كما قَالَ: {يوم يبعثهم الله جميعا، فيحلفون لَهُ كمَا يحلفون لكم} (1)؛ {وقيل للظالمين ذوقوا مَا كُنتُم تكسِبُونَ (24)} أي: وباله.
{__________
(1) - ... سورة المجادلة: 18. (4/53)
صفحة 1216
كذَّب الذِينَ من قبلهم فأتاهم العذابُ من حيث لاَ يشعرُونَ (25)} مِنَ الحال الذِي لاَ يخطر ببالهم أنَّ الشرَّ يأتيهم مِنْهُ، وَهُوَ عذاب الموت أو النَّار، أو عذاب الأدنى (1)، أو عذاب الإبعاد والغضب، فإنَّ ذَلِكَ لاَ يحسُّون بِهِ فيِ دار الدُّنْيَا إِلاَّ عند الموت؛ ودليله قوله: {فأذاقهم الله الخزيَ فيِ الحياة الدُّنْيَا ولَعذابُ الآخِرَة} المُعدُّ لَهُم {أكبرُ} لشدَّته ودوامه، {لو كَانُوا يَعْلَمُونَ (26)} لوكَانُوا من أهل العلم والنظر لعلموا ذَلِكَ، واعتبروا بِهِ.
{وَلَقَد ضربْنَا للناس فيِ هَذَا القرآن من كُلِّ مَثلٍ} يحتاج إِلَيْهِ الناظر فيِ أمر دينه ودنياه، {لَعَلَّهُم يتذكَّرُونَ (27)} يتَّعظون بِهِ، {قرآنا عربيًّا غيرَ ذي عِوَجٍ} أي: لا اختلاف فِيهِ بوجه مَا؛ وهُوَ أبلغ مِنَ المُسْتَقِيم، وأخصُّ بالمعاني، {لَعَلَّهُم يتَّقُونَ (28)}.
{__________
(1) - ... الصواب: «العذاب الأدنى»، كما فيِ قَوله تَعَالىَ: {ولنذيقنَّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لَعَلَّهُمْ يرجعون} (السجدة: 21). ونلاحظ أَنَّ هَذَا الخطأ تكرَّر مرارا فيِ هَذَا التفسير، وَلَعَلَّ له وجها آخر، وَهُوَ تقدير محذوف، أي: «عذاب الحياة الأدنى». وَالله أعلم. (4/54)
صفحة 1217
ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجلاً} (لَعَلَّهُ) للمشرك والموحِّد، {فِيهِ شركاء مُتشاكِسون} (لَعَلَّهُ) مختلفون، أي: أهوية مختلفة مُتضادَّة، {ورجلا سَلَمًا لِرجلٍ} مثل المشرك عَلَى مَا يقتضيه مذهبه، من أن يدَّعي كلٌّ من معبوديه عبوديَّته، ويتنازعون فِيهِ، مثل عبد يتشارك فِيهِ جماعة يتجاذبونه، ويتعاوزونه (1) فيِ مهامهم المختلفة، وَهُوَ مُتحيِّر بَيْنَهُم، لاَ يدري أن يُقبِل عَلَى مَن مِنْهُم، ويُدبِر عمَّن، لأَنَّ نفسه وَاحِدَة وأنفسهم كثيرة، ويكون قلبه مُتوزِّعا بَيْنَهُم؛ والموحِّد كمن أخلص لوَاحِد ليس لغيره عليه سبيل. وأصل التشاكش والتشاخص: الاختلاف، {هل يستويان مثلاً؟ الحمد لله} كلُّ الحمد لله لاَ يشاركه فِيهِ عَلَى الحقيقة سواه، لأَنَّهُ المنعم بالذات والمالك عَلَى الإطلاق، {بَل أكثرهم لاَ [514] يَعْلَمُونَ (29)} أنَّ فِيهِم شركاء.
{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَيِّتُونَ (30)} فإنَّ الكلَّ بصدده الموت، وفي عداد الموتى، {ثمَّ إِنَّكُم يومَ القيامة عند رَبِّكُم تختصمُونَ (31)} فتحتجَّ عَلَيْهِم بأنَّك كنت عَلَى الحقِّ فيِ التوحيد، وكَانُوا عَلَى الباطل فيِ الشرك، واجتهدت فيِ الإرشاد والتبليغ ولجُّوا فيِ التكذيب (2) والعناد، ويعتذرون بالأباطيل مثل: {أطعنا سادتنا} (3)؛ {وجدنا آباءنا} (4)؛ وَقِيلَ: المراد بِهِ: الاختصام العامُّ، يُخاصم النَّاس بعضهم بعضا فيِ مَا دار بَيْنَهُم فيِ الدُّنْيَا. {فمَن أظلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى الله وكذَّب بالصدق إذ جاءه} حين قامت عليه حجَّته، من أيِّ علم كَانَ؛ {أليس فيِ جَهَنَّم مَثوًى} منزلا ومقاما {للكَافِرِينَ (32)}؟ وذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم.
{__________
(1) - ... وَفيِ تفسير البيضاوي: «يتعارونه»، من الإعارة. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص97.
(2) - ... في الأصل: «التك بب»، وهو خطأ.
(3) - ... سورة الأحزاب: 67.
(4) - ... سورة الشعراء: 74 ... (4/55)
صفحة 1218
والذي جاء بالصدق وصدَّق بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المتَّقون (33) لَهُم مَا يَشَاءون عند ربِّهم} لِكُلٍّ مِنْهُم مَا يَشَاء مِنَ الجنَّة، وَلاَ يَشَاء أكبر من جزاء عمله، لارتفاع عذاب التغابن عَن الأدنى منزلة مِنَ الأعلى مِنْهُ درجة لتمادم (1) النِّعمة للجميع، {ذَلِكَ جزاء المحسنِينَ (34) ليكفِّر الله عَنْهُم أسوَأَ الذِي عَمِلوا} (لَعَلَّهُ) يسترها عَلَيْهِم بالمغفرة، {ويجزيهم أجرهم بأحسنِ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35)} قيل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم، وَلاَ يجزيهم بالمساوئ، وضدُّهم يجزيهم بالمساوئ، وَلاَ يجزيهم بالمحاسن.
{أليسَ اللهُ بِكافٍ عبدَه. ويخوِّفونك بالذين مِن دونِه، ومن يُضلِل اللهُ} حتَّى غفل عَن كفاية الله، وخوفه مِمَّا لاَ ينفع وَلاَ يضرُّ، {فما لَهُ من هادٍ (36)} يهديهم إِلىَ الرشاد. {ومن يهدِ الله فما لَهُ من مُّضلٍّ أليسَ الله بعزيزٍ ذي انتقامٍ (37) ولئن سألتَهم مَّن خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْض ليقُولُنَّ: الله. قل أفرأيتم (2) مَّا تَدْعُون من دونِ الله إن أرادني الله بِضُرٍّ هل هُنَّ كاشفاتُ ضُرِّهِ}؟ أي: أرأيتم ــ بعدما تحقَّقتم أنَّ خالق العالم هُوَ الله ـ أنَّ آلهتكم إن أراد الله أن يصيبني بضرٍّ هل تكشفه؟ {أو أرادني برحمة} تنفع {هل هنَّ مُمسِكات رحمتِه}؟ فيمسكها عليَّ؛ {قل: حسبيَ اللهُ} كافينا فيِ إصابة الخير ودفع الضُّر، إذ تقرَّر بهذا التقرير أنَّهُ القادر الذِي لاَ مانع لِمَا يريده من خير أو شرٍّ، {عليه يتوكَّل المتوكِّلُونَ (38)} لعلمهم بأنَّ الكلَّ مِنْهُ.
{__________
(1) - ... لَعَلَّهُ من الدوام، أي لدوام النعمة للجميع، أو صوابها حذف الدال، أي: «لتمام النعمة».
(2) - ... في الأصل: «قل أرأيتم» وهو خطأ. (4/56)
صفحة 1219
قل: يا قومِ اعملوا عَلَى مكانَتِكم} عَلَى حالكم، {إنِّي عامل} أي: عَلَى مكانتي، {فسوف تَعْلَمُونَ(39) من يأتيه عذابٌ يُخزيه ويَحلُّ عليه عذابٌ مُّقيمٌ(40) إِنَّا أنزلنا عليك الكتاب للناس} لأجلهم، فإنَّه عماد مصالحهم فيِ معاشهم ومعادهم، {بِالْحَقِّ، فمن اهتدى فلنفسه} أي: نفع بِهِ نفسه، {ومن ضلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عليها} فإنَّ وباله لاَ يتخطَّاها، {وَمَا أنتَ عَلَيْهِم بوكيل(41)} لتُجبِرهم عَلَى الهدى، وإنَّما أُمرت بالبلاغ.
{ (4/57)
صفحة 1220
الله يَتَوَفَّى الأنفُسَ حينَ موتِها والتي لم تَمُت فيِ منامها} أي: يقبضها عَن الأبدان، بأن يقطع تعلُّقها عنها، وتصرُّفها فيها، إمَّا ظاهرا وباطنا، وذلك عند الموت، أو ظاهرا لاَ باطنا وَهُوَ فيِ النوم، {فيُمسِكُ التِي قَضَى عليها الموتَ} وَلاَ يردُّها إِلىَ البدن؛ وقيل: لِكُلِّ إنسان نفسان [515] أحدهما نفس الحياة، وهي التِي تفارقه عند الموت، فتزول بزوالها النفس، والأخرى نفس التمييز، وهي التِي تفارقه إذا نام، {ويُرسل الأخرَى} أي: النائمة إِلىَ بدنها عند اليقظة، {إِلىَ أجلٍ مُّسَمًّى} وَهُوَ الوقت المضروب لموته؛ (ولعلَّه) وَلَعَلَّ هَذِهِ تقوِّي حجَّة من قَالَ: إنَّ موت المؤمن لاَ ألم فِيهِ، وإنَّما الألم فيِ مقدِّماته، وَهُوَ غاية جنس الإرسال؛ وَمَا روي عَن ابن عبَّاس: «إنَّ فيِ بني آدم نفسا وروحا، بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التِي بها العقل والتمييز، والروح التِي بها النفس والحياة، فيتوفَّيان عند الموت، وتتوفَّى النفس وحدها عند النوم»، {إنَّ فيِ ذَلِكَ} مِنَ التوفِّي والإمساك والإرسال، {لآياتٍ} عَلَى كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته، {لقومٍ يتفكَّرُونَ(42)} في تعلُّقها بالأبدان، وتوفِّيها عنها بِالكُلِّيَّةِ عند الموت، وإمساكها باقية لاَ تفنى بفنائها، وَمَا يعتريها مِنَ السعادة والشقاوة، (لَعَلَّهُ) والحكمة في توفِّيها عَن ظواهرها، وإرسالها حينا بعد حين؛ أي: تُوفَّى آجالها.
{ (4/58)
صفحة 1221
أم اتَّخذوا} بَل اتَّخذوا {من دون الله شفعاء} تشفع لَهُم، بجلب المنافع، ودفع المضارِّ الدُّنْيَاويَّة، {قل: أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَملِكون شَيْئًا وَلاَ يعقلُونَ (43)}؟ أَوَيَشفعون ولوكَانُوا عَلَى هَذِهِ الصِّفة، كما يُشاهدونهم جمادات لاَ تقدر وَلاَ تعلم؟، {قل: للهِ الشفاعةُ جميعا} المعنى: أنَّه مالك الشفاعة كلِّها لاَ يستطيع أحد شفاعة إِلاَّ بإذنه وَلاَ يستقلُّ بها، ثُمَّ قرَّر ذَلِكَ، فقال: {لَهُ ملكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} فإنَّه مالك الملك كلِّه، {ثمَّ إِلَيْهِ تُرجَعُونَ (44)} للجزاء.
{وإذا ذُكِر الله وحدَه} دون آلهتهم، {اشمأزَّت قلوبُ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة} وانقبضت ونفرت عَن التوحيد؛ وأصل الاشمئزاز: النفور والاستكبار، {وإذا ذُكِر الذِينَ مِن دونِه} يعني الأوثان، وحقيقة مَا تهواه أنفسهم دون الأوَّل، {إِذَا هم يستبشِرُونَ (45)} لفرط افتتانهم بها ونسيانهم حقَّ الله؛ ولقد بالغ فيِ الأمرين حتَّى بلغ الغاية فيهما، فإنَّ الاستبشار: بأن يمتلئ قلبه سرورا، حتَّى تنبسط لَهُ بشرة وجهه، والاشمئزاز: أن يمتلئ غمًّا حتَّى ينقبض أديم وجهه.
{قل: اللهمَّ فاطرَ السَّمَاوَات والأَرْض عَالِمَ الغيبِ والشهادةِ} التجِئْ إِلىَ الله بالدعاء لمَّا اشمأزَّت قلوبهم من ذكر الله، واستبشرت بالخوض والباطل (1) أن يحكم بينه وبينهم؛ وَهُوَ العدل الذِي لاَ يجور، {أنت تحكمُ بين عبادِك فيِ مَا كَانُوا فِيهِ يختلفُونَ (46)}.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: «فيِ الباطل». (4/59)
صفحة 1222
ولو أنَّ للذين ظَلَموا مَا فيِ الأَرْض جميعًا ومِثلَه معه لاَفتَدَوْا بِهِ من سوءِ العذابِ يومَ القيامةِ} وعيد شديد، وإقناط كلِّيٌّ لَهُم مِنَ الخلاص فِيهِ، {وبدا لَهُم مِّنَ الله مَا لم يكونوا يحتسِبُونَ(47)} فيِ الدُّنْيَا أنَّه نازل بهم فيِ الآخِرَة زيادة، (لَعَلَّهُ) مبالغة فِيهِ، {وبدا لَهُم سَيِّئَات مَا كَسبُوا} سيِّئات أعمالهم حين تُعرض صحائفهم، {وحاقَ بهم} أي: أحاط بهم وألزمهم الأمر، وبهم نزل، {مَا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ(48)} وأحاط بهم جزاؤه.
{فإذا مسَّ الإنسانَ ضرٌّ دعانا، ثُمَّ إِذَا خوَّلناه نعمةً مِّنَّا، قَالَ: إِنَّمَا أُوتِيتُه عَلَى عِلمٍ} منِّي بحيلةِ كَسْبِه؛ وفي [516] المعنى: كأنَّه أنكر أن يكون ذَلِكَ من عند الله، {بَل هِيَ فتنةٌ} إن جعلها من قِبَل تدبيره، فعليه وزرها، وإن جعلها من الله كَانَ لَهُ أجرها، {ولكنَّ أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ(49)} أنَّها مِنَ الله وأنَّها فتنة. {قد قالَها الذِينَ مِن قبلهم فما أغنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يكسِبُونَ(50) فأصابهم سَيِّئَاتُ مَا كسبوا، وَالذِينَ ظَلَموا من هؤلاء سيُصِيبهم سَيِّئَاتُ مَا كسبوا وَمَا هم بمعجزِينَ(51)} أي: بفاتنين.
{أوَلَم يعلموا أنَّ الله يبسُطُ الرزقَ لِمَن يَشَاءُ ويَقْدِرُ} أنَّ القبضَ والبسطَ بتقديره لاَ من فعالهم، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لآياتٍ لقوم يُؤْمِنُونَ(52)} لأَنَّ إيمانهم يقتضي التدبُّر فيِ الآيات.
{ (4/60)
صفحة 1223
قل يا عباديَ الذِينَ أسرَفوا عَلَى أنفسهم} (لَعَلَّهُ) بارتكاب الكبائر، قَالُوا: كيف نتوب فلا يغفر لَنَا؟، فأرشدهم الله، وَهُوَ كقوله: {وَلاَ تُلقوا بأيديكم إِلىَ التَّهلُكَة ... } (1) الآية، {لاَ تَقنَطوا من رحمةِ الله} لاَ تيأسوا من مغفرته إن تبتم من إسرافكم؛ أو لاَ تُصرُّوا عَلَى الإسراف بَل توبوا {إنَّ الله يَغْفِر الذنوبَ جميعا} إِذَا آتيتم شروطَها، لأَنَّ لِكُلِّ ذنب حكما، {إِنَّهُ هُوَ الغَفُور الرحيم (53)}.
{وأَنيبوا إِلىَ ربِّكم} (لَعَلَّهُ) ارجعوا {وأسلِموا لَهُ من قبلِ أن يأتيَكم العذابُ} هُوَ الموت، {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (54) واتَّبِعوا أحسنَ مَا أُنزِل إليكم مِّن ربِّكم} (لَعَلَّهُ) أي: أقبلوا، وارجعوا إِلىَ حكمه {من قبلِ أن يأتيكم العذابُ} الموت، {بغتةً (2) وأنتم لاَ تشعرُونَ (55)} بمجيئه، (لَعَلَّهُ) أمَرَ اللهُ المسرفين أوَّلاً بترك القنوط من رحمة الله؛ ثُمَّ أمرهم بالإنابة إِلَيْهِ قبل إتيانهم العذاب، وَهُوَ الموت، ثُمَّ أمرهم ثالثا باتِّبَاع أحسنِ مَا أُنزِل إِلَيْهِم؛ ثُمَّ حذَّرهم التحسُّر عند الفوات، حيث لاَ ينفع زائغا إن لم يمتثلوا أمره، وذلك قوله:
{أَن تَقولَ نفسٌ: يا حسرتَى عَلَى مَا فرطتُّ فيِ جَنبِ اللهِ} أي: فيِ حقِّه، {وإن كنتُ لَمِنَ الساخرِينَ (56)} المستهزئين بحقوقه وأوليائه. {أو تقولَ: لَو أنَّ الله هداني لكنتُ مِنَ المُتَّقِينَ (57) أو تقولَ حين ترى العذابَ: لو أنَّ لي كَرَّةً فأكونَ مِنَ المحسنِينَ (58)}.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 195؛ وتمامها: {وأحسِنُوا إنَّ اللهَ يحِبُّ المحسنين}.
(2) - ... في الأصل: - «بغتةً». (4/61)
صفحة 1224
بلى قد جاءتك آياتي فكذَّبت بها واستكبرتَ وكنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ(59) ويومَ القيامة تَرَى الذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله وجوهُهُم مُّسوَدَّة} بِمَا ينالهم مِنَ الشدَّة أو يُتخيَّل عليها من ظلمة الجهل، {أَلَيْسَ فيِ جَهَنَّم مَثْوًى للمتكبِّرِينَ(60)؟ ويُنجِّي اللهُ الذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهم} بفلاحهم؛ “مَفْعَلَة” مِنَ الفوز، وتفسيرها: بالنجاة، {لاَ يمَسُّهم السوء وَلاَ هم يَحْزَنُونَ(61)}.
{اللهُ خالِقُ كُلِّ شيءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ وكيلٌ(62)} يَتَوَلىَّ التصرُّف فِيهِ. {لَهُ مقاليدُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} لاَ يملك أمرها، وَلاَ يتمكَّن مِنَ التصرُّف غيره؛ وَهُوَ كناية عَن قدرته وحفظه، وفيه مزيدُ دلالةٍ عَلَى الاختصاص، لأَنَّ الخزائن لاَ يدخلها وَلاَ يتصرَّف فِيهَا إِلاَّ من بيده مفاتيحها؛ وَهُوَ جمع مقليد أو مِقلاد، من “قلَّدته”: إِذَا ألزمته، وقيل: جمع إقليد. {وَالذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ الله أُولَئِكَ هُمُ الخاسرُونَ(63)}.
{قلْ: أفَغَيْرَ اللهِ تأمرونِّي أعبدُ أيُّها الجاهِلُونَ(64)} وذلك يقتضي فعل جميع الباطل. {وَلَقَد أوحي إليكَ وإلى الذِينَ مِن قبلِك لَئن [517] أَشرَكْتَ} بأيِّ شرك كَانَ، {لَيَحبَطَنَّ عملُك ولتكونَنَّ مِنَ الخاسرِينَ(65)} مِنَ الذِينَ خسروا الدُّنْيَا والآخِرَة. {بَل اللهَ فاعبُدْ وكن مِّنَ الشاكرِينَ(66)}.
{ (4/62)
صفحة 1225
وَمَا قَدَروا اللهَ حَقَّ قَدْرِه} مَا قدَّروا عظمته فيِ أنفسهم حقَّ تعظيمه، (لَعَلَّهُ) حين عصوه وخالفوا أمره؛ ثُمَّ أخبر عَن عظمته، فقال: {والأَرْضُ جميعا قَبْضَتُه يومَ القيامةِ} أي: أنَّها فيِ قدرته وملكه وسلطانه؛ ويقال: الأشياء فيِ قبضة الله، أي: ملكه، {والسماواتُ مَطوِيَّات بِيَمِينِه} تنبيهٌ عَلَى عظمته وحقارة الأفعال العظام التي تتحيَّر فيها الأوهام بالإضافة إِلىَ قدرته، ودلالةٌ عَلَى أَنَّ تَخريب العالم أهون شيء عليه، {سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ عَمَّا يُشرِكُونَ(67)}.
{ونُفِخ فيِ الصُّور} يعني: المرَّة الأولى، {فَصَعِقَ} أي: مات {مَن فيِ السَّمَاوَاتِ ومَن فيِ الأَرْض} خرَّ مَيِّتًا (1) ، {إلاَّ من شاء اللهُ} (لَعَلَّهُ) فانظر إِلىَ قدرته الباهرة، وأنَّهُ لاَ يشغله شأن عَن شأن، قد يُوفِّى (2) الله من فيِ السماوات ومن فيِ الأَرْض إِلاَّ من شاء الله بنفخةٍ وَاحِدَة أُخْرَى، كما قَالَ: {ثمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فإذا هم قيامٌ ينظرُونَ(68)} مَا يُفعل بهم.
{وأشرَقَتِ الأَرْضُ بنورِ ربِّها} بِمَا أقام فِيهَا مِنَ العدل، سمَّاه نورا، لأَنَّهُ يزيِّن البقاع ويُظهر الحقوق، كما سمَّى الظلم ظُلمة؛ أو بنور خُلق فِيهَا بلا توسُّط أجسام مضيئة، ولذلك أضافها إِلىَ نفسه، {ووُضع الكتاب} الحساب والجزاء، {وَجِيءَ بالنبيِّينَ والشهداءِ} للأمم وعليهم، مِنَ المَلاَئِكَة والمؤمنين، {وقُضِيَ بَيْنَهُم} بين الشاهد والمشهود عليه {بِالْحَقِّ وَهُم لاَ يُظلمُونَ(69)} بنقص ثواب، أو زيادة عقاب، عَلَى مَا جرى بِهِ الوعد. {ووُفِّيَتْ كُلُّ نفسٍ مَا عَمِلت} جزاءه، {وَهُوَ أعلمُ بِمَا يفعلُونَ(70)} فلا يفوته شيء من أفعالهم.
__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «خرُّوا مَيِّتًا»، وَلَعلَّهُ يقصد: «خرُّوا أمواتا».
(2) - ... لَعَلَّ الصواب العكس: «قد يُحيِي»، لأَنَّهُ يتحدَّث عن النفخة الثانية، كما يَدُلُّ عَلَيْهِ السياق الآتي. (4/63)
صفحة 1226
ثُمَّ فصَّل التوفية فقال: {وسيقَ الذِينَ كَفَرُوا} سَوقا عنيفا، يُسحبون عَلَى وجوههم {إِلىَ جهنَّم زُمَرًا} أفواجا متفرِّقة بعضها فيِ إثر بعض، عَلَى تفاوت أقدامهم فيِ الضلالة والشرارة، {حتَّى إِذَا جاءوها فُتِحَتْ أبوابها، وقال لَهُم خزنتُها} توبيخا وإلزاما للحجج: {ألم يأتكم رسلٌ منكم يَتلون عَلَيْكُم آياتِ رَبِّكُم ويُنذِرونكم لقاءَ يومِكم هَذَا} فِيهِ دَلِيل لأَنَّهُ لاَ تكليف قبل الشرع، من حيث إنَّهم علَّلوا توبيخهم بإتيان الرسل، وتبليغ الكتب، {قَالُوا: بلى ولكن حقَّتْ كلمةُ العذابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)} كلمة الله بالعذاب علينا، وَهُوَ الحكم عَلَيْهِم بالشقاوة، وأنَّهم من أهل النَّار، {قيل ادخلوا أبوابَ جَهَنَّم خالدين فِيهَا} (لَعَلَّهُ) بعدما أقرُّوا عَلَى أنفسهم، {فبِئْسَ مثوَى المتكبِّرِينَ (72)}.
{وسيق الذِينَ اتَّقَوْا ربَّهم إِلىَ الجَنَّة زُمَرا} رُكبانا فيما قيل، عَلَى تفاوت مراتبهم فيِ الشرف، {حتَّى إِذَا جاءوها وفُتِّحت أبوابُها وقال لَهُم خزنَتُها: سلامٌ عليكم} لاَ يعتريكم بعدُ مكروهٌ، {طِبتُم} (لَعَلَّهُ) وذلك مِمَّا يُقوِّي حجَّة من قَالَ: إنَّ أهل الأعراف هم أصحاب اليمين، {فادخلوها خالدِينَ (73) وَقَالُوا: الحمد لله الذِي صَدَقَنَا وعدَه وأورَثَنا الأَرْضَ نَتَبَوَّأ مِنَ الجَنَّة حيث نشاء، فَنِعمَ أجرُ العامِلِينَ (74).
[518] {وترى المَلاَئِكَة حافِّين مِن حولِ العرشِ} تعبَّدهم الله بذلك، كما تعبَّد بني آدم يَحفُّون بالبيت، {يُسبِّحون بِحمدِ ربِّهم وقُضِيَ بَيْنَهُم} (لَعَلَّهُ) بين أهل الجنَّة والنار {بِالْحَقِّ، وقيل: الحمدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)}.
- - -
سورة غافر
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (4/64)
صفحة 1227
حم (1) تنزيلُ الكتابِ مِنَ اللهِ العزيزِ العليمِ (2)} الحكيم الدالِّ عَلَى القدرة الكاملة والحكمة البالغة. {غافرِ الذنبِ} فضلا، {وقابِلِ التَّوبِ} لمن تاب وعاد (1) {شديدُ العقابِ} لمن عصى عدلاً، {ذي الطَّوْلِ} صفات أخر لتحقيق مَا فِيهِ مِنَ الترغيب والترهيب، والحثِّ عَلَى مَا هُوَ المقصود مِنْهُ، {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} فيجب الإقبال الكلِّيُّ عَلَى عبادته، {إِلَيْهِ المصيرُ (3)} فيجازي المطيع والعاصي.
{مَا يُجادل فيِ آيات الله} بالإنكار والإبطال، {إلاَّ الذِينَ كَفَرُوا} لَمَّا حقَّق أمر التنزيل سجَّل بالكفر عَلَى المجادلين مِنْهُ بالطعن وإدحاض الحقِّ، لقوله: {وجادَلوا بالباطلِ ليُدحِضوا بِهِ الحقَّ} فأمَّا الجدال فِيهِ لِحلِّ عقده، واستنباط حقائقه، وقطع تشبُّثِ أهل الزيغ بِهِ، وقطع مطاعنهم فِيهِ، فمن أعظم الطاعات، {فلا يَغرُرْك تقلُّبهم فيِ البلاد (4)} فإنَّ تَحته حقائقَ وأسرارا، فلا يغررك إمهالهم وإقبالهم فيِ دنياهم، وتقلُّبهم فيِ مكاسبهم، فَإِنَّهُمْ مأخوذون عمَّا قريب لكفرهم، أخذ مَن قبلهم، فقال (2):
{كذَّبت قبلَهم قومُ نوحٍ والأحزابُ مِن بعدِهم} وَالذِينَ تَحزَّبوا عَلَى الرسل وناصبوهم، {وهمَّت كُلُّ أُمَّة} من هؤلاء {بِرسولهم ليأخذوه} إمَّا ظاهرا وإمَّا باطنا، {وجادَلوا بالباطلِ} بِما لا حقيقة لَهُ {ليُدحِضوا بِهِ الحَقَّ} ليزيلوه بِهِ، {فَأخَذتُهُم} بالهلاك جزاءً لَهُم، {فكيف كَانَ عقابِ (5)} فَإِنَّكُم تَمرُّون عَلَى ديارهم وترون آثارهم. {وكذلك حقَّت كلمةُ ربِّك} وعيده، أو قضاؤه بالعذاب {عَلَى الذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أصحاب النار (6)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «وعدا»، وهو خطأ.
(2) - ... الأصوب: «كما قال»، كما أثبته البيضاوي: تفسير، ج4/ ص104. (4/65)
صفحة 1228
الذِينَ يَحمِلون العرشَ ومَن حولَه يُسبِّحون بحمدِ ربِّهم} يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال والإكرام، {ويُؤمِنون بِهِ} إيمانا بالغيب كإيمان (1) المؤمنين، بأنَّه وحده لاشريك لَهُ، وَهُوَ مدح لَهُم، {ويستغفِرون للذين آمنوا} إشعارا بأنَّ حملة العرش ومن حوله من المَلاَئِكَة والمؤمنين مِنَ الثقلين فيِ معرفته سواء، واستغفارهم: شفاعتهم وحَملهم عَلَى التوبة، وإلهامهم مَا يوجب المغفرة؛ وفيه تنبيه عَلَى أنَّ المشاركة فيِ الإيمان توجب النُّصح والشفقة، وإن تَخالفت الأجناس؛ {رَبَّنَا وَسِعتَ كُلَّ شيءٍ رحمةً وعِلمًا} أي: وَسِعت رحمتك كُلَّ شيء، وعلمك وسع كُلَّ شيء؛ أي: وسعت رحمته وعلمه كُلَّ شيء، {فاغفرْ للذين تابوا واتَّبعوا سبيلك وَقِهم عذابَ الجحيم (7) رَبَّنَا وأدخِلهم جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدْتَهم ومن صَلَحَ من آبائهم وأزواجهم وذُرِّيَّاتهم إِنَّكَ أنتَ العزيزُ الحكيم (8) وَقِهم السَّيِّئَاتِ} أي: جزاءها، {ومن تَقِ السَّيِّئَات يومئذٍ فقد رحمته} أي: ومن تَقِها فيِ الدُّنْيَا فقد [519] رَحِمته فيِ الآخِرَة، {وذلك هُوَ الفوز العظيم (9)} يعني: الرحمة، أو الوقاية أو مجموعهما.
{__________
(1) - ... في الأصل: «كالإيمان»، وهو خطأ. (4/66)
صفحة 1229
إنَّ الذِينَ كَفَرُوا يُنادَون} يوم القيامة، فيقال لَهُم: {لَمَقتُ الله أكبر من مَقتِكم أنفسكم} أي: لَمَقتُ الله إيَّاكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمَّارة بالسوء، {إذ تُدعَون إِلىَ الإيمان فتكفرُونَ (10) قَالُوا: رَبَّنَا أَمَتَّنا اثنتين} بأن خلقتنا أمواتا أوَّلاً، ثُمَّ صيَّرتنا أمواتا (1) عند انقضاء آجلنا. فانظر إِلىَ مدَّة لبثهم فيِ الموتة الأولى، وهي العدم، وفي الموتة الثانية، وهي بعد الموت إِلىَ يوم قيامة البعث؛ ثُمَّ قَالَ: {وأحييتنا اثنتين} الدُّنْيَويَّة والأخرويَّة؛ ثُمَّ انظر أَيْضًا بين مدَّة أعمارهم فيِ الدُّنْيَا، وبين تَخليدهم فيِ الآخِرَة، {فاعترفنا بذنوبنا} فإنَّ اقترافهم لها من اغترارهم بالدُّنْيَا، وإنكارهم للبعث، {فهل إِلىَ خروج مِن سبيل (11)}؟ طريق فنسلكه، وذلك إِنَّمَا يقولونه من فرط قنوطهم تعلُّلا وتحيُّرا، ولذلك أجيبوا بقوله:
{ذلكم} الذِي أَنتُم فِيهِ، {بأنَّه} بسبب أنَّه {إِذَا دُعِيَ الله وحده} أي: عُبد الله وحده {كفرتم} بالتوحيد، {وإن يُشرَكْ بِهِ تؤمنوا} بالإشراك؛ {فالحكم لله} المستحقِّ للعبادة، {العليِّ الكبير (12)} من أن يُشرك بِهِ ويُسوَّى بغيره.
{__________
(1) - ... في الأصل: «أمواتنا». (4/67)
صفحة 1230
هُوَ الذِي يريكم آياتِه} الدالَّة عَلَى التوحيد، وسائر مَا يجب أن يُعلم تكميلا لنفوسكم، {ويُنزِّل لكم مِنَ السَّمَاء رزقا} أسباب رزقٍ، كالمطر (لَعَلَّهُ) سببا لمعاشكم؛ {وَمَا يتذكَّر} بالآيات التِي هِيَ كالمركوزة فيِ العقول لظهورها، المغفول عنها للانهماك فيِ التقليد واتِّباع الهوى، {إِلاَّ مَن يُنِيبُ (13)} يرجع عَن الإنكار بالإقبال عليها والتفكُّر فِيهَا؛ فإنَّ الجازم بشيء لاَ يَنظر فيما يُنافيه، لأَنَّهُ يصير كالأعمى عَنْهُ، لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -: «حبُّك للشيء يُعمِي ويُصمُّ» (1).
{__________
(1) - ... رواه أبو داود في كتاب الأدب، رقم 4465 عن أبي الدرداء، ورواه أحمد في مسند الأنصار، رقم 20705؛ وَفيِ مسند القبائل، رقم 26268. وكلُّهم بلفظ: «حبُّكَ الشيءَ». بلا لام الجرِّ. انظر: العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة البحث: «حبُّك». (4/68)
صفحة 1231
فادعوا الله مُخلِصين لَهُ الدينَ ولو كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)} أي: لاَ يصدَّنَّكم عَن الإخلاص لله كراهيَّة مَن كفر. {رفيعُ الدرجاتِ} رفيع القدر، ليس هناك مسافات، {ذو العرشِ} خَبَران آخران للدلالة عَلَى عُلوِّ صمديَّته من حيث المعقول والمحسوس، الدالّ عَلَى تفرُّده فيِ الألوهيَّة؛ فإنَّ مَن ارتفعت درجات كماله بحيث لاَ يظهر دونها كمال، وكَانَ العرش الذِي هُوَ أصل العالم الجسمانيِّ فيِ قبضة قدرته، لاَ يصحُّ أن يُشرَك بِهِ؛ وقيل: «الدرجات»: مراتب المخلوقات، أو مصاعد المَلاَئِكَة عَلَى العرش، أو درجات الثواب، {يُلقِي الروحَ مِن أَمْرِه عَلَى من يَشَاء من عبادِه} خبر رابع للدلالة عَلَى أنَّ الروحانيَّات أَيْضًا مُسخَّرات لأمره بإظهار (1) آثارها، وَهُوَ الوحي، وتمهيد للنبوَّة بعد تقرير التوحيد. و «الروح»: الوحي، {ليُنذِرَ يومَ التلاقِ (15) يومَ هم بارِزون لاَ يَخفَى عَلَى اللهِ مِنْهُم شيءٌ} من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم، {لِمَنِ المُلكُ اليومَ؟ للهِ الوَاحِدِ القهَّارِ (16)} لِمَا دلَّ عليه ظاهر الحال فِيهِ، من زوال الأسباب، وارتفاع الوسائط؛ وَأَمَّا حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما.
{اليوم تُجزَى كُلُّ نفسٍ بِمَا كَسَبَتْ} كأنَّه نتيجة لِمَا سبق، [520] وتحقيقه أنَّ النفوس تكتَسب بالعقائد والأعمال هبات توجب لذَّتها وألمها لكنَّها لاَ تَشعر بها فيِ الدُّنْيَا لعوائق تشغلها؛ فإذا قامت قيامتها زالت العوائق، وأدركت لذَّتها أو ألمها، {لاَ ظُلمَ اليومَ إِنَّ اللهَ سريعُ الحسابِ (17)} إذ لاَ يشغله شأنٌ عَن شأنٍ، فيصل إِلَيْهِم مَا يَستحقُّونه سريعا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ناطها»، ولا مَعْنَى له. (4/69)
صفحة 1232
وأَنذِرْهم يومَ الآزفة} أي: القيامة، سُمِّيت بها لأزوفها، أي: قُربها، أو انقضاء أجل كلِّ نفس عَلَى حيالها، {إذ القلوبُ لَدى الحناجر} فإنَّها ترتفع عَن مكانها، وتلتصق بِحلوقهم (1) فلا تعود فيروَّحوا، وَلاَ تَخرج فيستريحوا، {كاظمين} عَلَى الغمِّ، ممتلئين غمًّا وخوفا؛ والكظم: تردُّد الغيظ والحزن فيِ القلب حتَّى يضيق بِهِ، {مَا للظالمين مِن حميمٍ وَلاَ شفيعٍ يُطَاعُ (18) يعلمُ خائنة الأعين} قيل: هُوَ إتباع النظر عَلَى التعمُّد، {وَمَا تُخفِي الصدورُ (19)}.
{وَاللهُ يقضِي بِالْحَقِّ} لأَنَّهُ المالك الحاكم عَلَى الإطلاق، فلا يقضي بشيء إِلاَّ وَهُوَ حقُّه، {وَالذِينَ يَدعون مِن دونِه لاَ يَقضُونَ بِشَيْءٍ} لأَنَّ الذِي يقضي بالباطل لاَ يقضي بشيء، لأَنَّهُ ليس عَلَى شيء، وَلاَ فيِ شيء من أمر الدين، لأَنَّهُ زاهق ذاهب، إِلاَّ مَا بقي عليه من جزاء عمله، {إنَّ الله هُوَ السميع البصير (20)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «بلحلوقهم»، وهو خطأ. (4/70)
صفحة 1233
أَوَلَمْ يسيروا فيِ الأَرْض فينظروا كيف كَانَ عاقبة الذِينَ كَانُوا من قبلهم كَانُوا هم أشدَّ مِنْهُم قوَّة} قدرة وتمكُّنا، {وآثارا فيِ الأَرْض} مثل القلاع الحصينة، {فأخذهم الله بذنوبهم وَمَا كَانَ لَهُم مِنَ الله من وَاقٍ (21)} يمنع العذاب عَنْهُم. {ذَلِكَ} الأخذ {بأنَّهم كَانَت تأتيهم رسلُهم بِالبَيِّنَاتِ فكفروا، فأخَذَهُمُ اللهُ، إِنَّهُ قويٌّ شديدُ العقابِ (22)} وفيه دليل عَلَى أنَّ الأخذ لاَ يكون إِلاَّ لمن مات [كافرا، لأَنَّهُ مات مغضوبًا عليه؛ وَأَمَّا المؤمن فلا يسمَّى موته وَلاَ قتله أخذا وَلاَ هلاكا فيِ الحقيقة، كما قَالَ: {إنِّي متوفِّيك ورافعك إليَّ} (1) لأَنَّهُ ينقلب من رحمة الله إِلىَ رحمة الله ورضوانه] (2).
{وَلَقَد أرسلنا موسى بِآيَاتِنا وسلطانٍ مُبِينٍ (23) إِلىَ فرعونَ وهامان وقارونَ فَقَالُوا: ساحرٌ كذَّاب (24) فَلَمَّا جاءهم بِالْحَقِّ من عِندِنا قَالُوا: اقتلوا أبناءَ الذِينَ آمنوا معه، واستحيوا نساءهم، وَمَا كيدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فيِ ضلال (25)} أي: يذهب كيدهم (3) فيِ ضياع.
{__________
(1) - ... سورة آل عمران: 55.
(2) - ... ما بين معقوفين كلُّه كان بعد قوله: «{وَمَا كيدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فيِ ضلال (25)} أي: يذهب كيدهم»، ووضعناها فيِ ما يوافق سياقها، وَلَعَلَّ الناسخ نقلها من الحاشية ولم يثبتها فيِ محلِّها من المتن.
(3) - ... هنا كانت العبارة التي سبق أن وضعناها بين معقوفين. (4/71)
صفحة 1234
وقال فرعونُ: ذروني أقتلْ موسى} كأنَّ فيِ المعنى: كَانُوا يكفُّونهم بِهِ (1) عَن قتله؛ ويخرج [فيِ] معنى القتلِ: المشاققةُ لَهُ والمعاداة، ووضع أمره عَن أمرهم، وترفُّع أمرهم عَن أمره، {وليَدْعُ ربَّه إِنِّي أخافُ} إن لم أقتله {أن يبدِّلَ دينكم} بأن يغيِّر مَا أَنتُم عليه مِنَ العبادة، وَاتِّبَاع الهوى، {أو أن يُظهِرَ فيِ الأَرْضِ الفسادَ (26)} مَا يفسد دينكم وملككم مِنَ التحارب والتهارج.
{وقال موسى: إِنِّي عُذتُ بِربِّي ورَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتكبِّر لاَ يُؤْمِنُ بِيوم الحسابِ (27)} (لَعَلَّهُ) التجاء إِلَيْهِ فيِ عظيم مهمَّاته، {وقال رجل مُؤْمِنٌ من آلِ فرعونَ يكتُم إيمانَه: أتقتُلون رجلاً [521] أن يقولَ: رَبِّيَ الله، وقد جاءكم بِالبَيِّنَاتِ من رَبِّكُم؟ وإن يَكُ كاذبا فعليه كَذِبُه، وإن يَكُ صادقا يُصِبْكم بعضُ الذِي يَعِدُكم إِنَّ اللهَ لاَ يهدي من هُوَ مسرفٌ كذَّاب (28) يا قومِ، لكمُ المُلكُ اليومَ ظاهرين فيِ الأَرْض، فمن ينصُرُنا من بأسِ الله إن جاءَنا}؟ وإنَّما أدرج نفسه فيِ الضميرين، لأَنَّهُ كَانَ مِنْهُم فيِ القرابة، ولِيُريهم أنَّه معهم، ومساهمهم فيما ينصح لَهُم، فكَانَ معهم وحدانيًّا فيِ السرِّ، خانعيًّا فيِ الظاهر.
{__________
(1) - ... الصواب: «يكفُّونه عن قتله». (4/72)
صفحة 1235
قَالَ فرعون: مَا أُرِيكم} مَا أشير إليكم {إلاَّ مَا أرى، وَمَا أهديكم إِلاَّ سبيلَ الرشاد (29)} طريق الصواب؛ {وقال الذِي آمن: يا قوم إِنِّيَ أخاف عَلَيْكُم مثلَ يومِ الأحزابِ (30)} مثل أيَّام الأمم الماضيَّة، يعني: وقائعهم. {مثلَ دأبِ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وَالذِينَ مِن بعدهم، وَمَا الله يريدُ ظُلما للعبادِ (31)} كأنَّ أخبار الذِينَ ذكرهم مُتحقِّقة معهم، فلم يعتبروا بهم. {ويا قوم إِنِّي أخاف عَلَيْكُم يوم التنادِ (32)} يوم القيامة يُنادي فِيهِ بعضهم بعضا للاستغاثة؛ أو يتصايحون بالويل والثبور؛ وقيل: ينادي المنادي بالشقاء والسعادة، ألاَ إنَّ فلانا سَعِد سعادة لاَ يشقى بعدها أبدا، وينادي بضدِّه. {يوم تُولُّون} (لَعَلَّهُ) عَن الموقف، {مُدبرين} منصرفين عَنْهُ إِلىَ النَّار، أو فارِّين عنها، (لَعَلَّهُ) من حيث ينفعهم؛ أو ينادي أهلُ الجنَّة أهلَ النَّار، وأهلُ النَّار أهلَ الجنَّة، أو يناديهم الله، فيقول: أين شركائي؟ أو ينادون (1) العباد مَن عبدوهم من دون الله {مَا لكم مِنَ الله مِن (2) عاصِمٍ، ومن يُضْلِلِ اللهُ فما لَهُ من هَادٍ (33)}.
{وَلَقَد جاءكم يوسفُ من قبلَ بِالبَيِّنَاتِ فما زِلتم فيِ شكٍّ مِمَّا جاءكم بِهِ، حَتَّى إِذَا هلك قلتم: لن يبعثَ الله مِن بعدِه رسولا، كذلك يُضِلُّ الله من هُوَ مُسرفٌ مُرتابٌ (34)} شاكٌّ فيما تشهد بِهِ البَيِّنَات، فغلبه الوهم والانهماك فيِ التقليد. {الذِينَ يُجادلون فيِ آيات الله} فيِ إبطالها ودفعها {بغير سلطان} بغير حجَّة، بَل إمَّا بتقليد أو شبهة داحضة، {أتاهم} (لَعَلَّهُ) ذَلِكَ الجدال، {كَبُرَ مَقتًا عند الله وعند الذِينَ آمنوا} أي: حاق بهم أعظم البغض عند الله وعند المؤمنين حين جادلوا فيِ إدحاض آيات الله بغير حقٍّ، {كذلك يَطبَعُ الله عَلَى كُلِّ قلبِ مُتكبِّرٍ جبَّارٍ (35)}.
{__________
(1) - ... الأصوب: «ينادي».
(2) - ... في الأصل: - «من»، وهو سهو. (4/73)
صفحة 1236
وقال فرعون: يا هامانُ ابْنِ لي صَرْحا لَعلِّي أبلُغُ الأسبابَ (36)} الطرق، {أسبابَ السَّمَاوَات فأطَّلعَ إِلىَ إلهِ موسى وَإِنِّي لأظنُّه كاذبا؛ وكذلك زُيِّن لفرعونَ سوءُ عَمَلِه وصُدَّ عَن السبيل، وَمَا كيدُ فرعونَ إِلاَّ فيِ تَبَابٍ (37)} خسار.
{وقال الذِي آمن: يا قومِ اتَّبعونِ أهدِكم سبيلَ الرشاد (38)} سبيلا لاَ يضلُّ سالكه إِلىَ (1) المقصود. {يا قومِ، إِنَّمَا هَذِهِ الحياةُ الدُّنْيَا متاعٌ} تمتُّع يسير، لسرعة زواله؛ معناه: لن تصل إِلىَ سبيل الرشاد وفي قلبك محَبَّة الدنيا، {وإنَّ الآخِرَة هِيَ دار القرار (39)} لدوامها.
{مَن عملَ سيِّئة فلا يُجزَى إِلاَّ مثلها} عدلا مِنَ الله، {ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى [522] وَهُوَ مُؤْمِن فأولئك يدخلون الجَنَّة يُرزقون فِيهَا بغير حساب (40)} قيل: بغير تقدير وموازنة بالعمل، بَل أضعافا مضاعفة، فضلا مِنْهُ ورحمة.
{__________
(1) - ... لعلَّ الصواب: «عن» بدل «إلى». وَفيِ تفسير البيضاوي: «سبيلا يصلُ سالكُه إِلىَ المقصود». ج4/ ص109. (4/74)
صفحة 1237
ويا قومِ مَا لي أدعوكم إِلىَ النجاةِ وتدعونني إِلىَ النارِ(41)} كرَّر نداءهم إيقاظا لَهُم عن سِنة الغفلة، واهتماما بالمنادى لَهُ، ومبالغةً فيِ توبيخهم عَلَى مَا يقابلون بِهِ نصحَه. {تدعونني لأكفرَ بالله وأُشرِكَ بِهِ مَا ليس لي بِهِ علمٌ} والمُرَاد: نفي المعلوم، والإشعار بأنَّ الألوهيَّة لاَ بدَّ لها من برهان، واعتقادها لاَ يصحُّ إِلاَّ عَن إيقان، {وأنا أدعوكم إِلىَ العزيز الغفَّار(42)} المستجمع لصفات الألوهيَّة من كمال العلم والقدرة ونحوهما. {لاَ جرم} لاَ رَدٌّ لِمَا دعوه إِلَيْهِ؛ و«جَرَمَ» فعل بِمعنى: حقَّ، وفاعله {أنَّما تَدعونني إِلَيْهِ ليس لَهُ دعوة فيِ الدُّنْيَا وَلاَ فيِ الآخِرَة} أي: حقَّ عدم دعوة آلهتكم إِلىَ عبادتها أصلا، لأَنَّهَا جماد ليس لها مَا يقتضي ألوهيتها، {وأنَّ مردَّنا إِلىَ اللهِ، وأنَّ المسرفين هم أصحاب النار(43) فستذكرون} عند معاينة الموت أو العذاب حين لاَ ينفعكم الذكر {مَا أقولُ لكم وأفوِّض أمري إِلىَ الله} (لَعَلَّهُ) وذلك بأنَّهم توعَّدوه لمخالفته دينَهم، {إنَّ الله بصير بالعباد(44)}.
{فوقاه اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَروا} مَا أرادوا بِهِ مِنَ المكر، أو مِمَّا عصوا الله بِهِ، لأَنَّ وباله عَلَيْهِم دونه، {وحاقَ بآلِ فرعونَ سوءُ العذابِ(45) النَّارُ يُعرَضون عليها غُدُوًّا وعَشِيًّا، ويومَ تقومُ الساعةُ أَدخِلوا آلَ فرعونَ أشدَّ العذابِ(46)}.
{ (4/75)
صفحة 1238
وإذ يَتَحَاجُّون فيِ النَّار، فيقول الضعفاءُ للذين استكبروا: إِنَّا كُنَّا لكم تَبَعا فهل أَنتُم مُغنُون عَنَّا نصيبًا مِنَ النَّارِ؟ (47) قَالَ الذِينَ استَكبَروا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قد حَكَمَ بين العباد (48) وقال الذِينَ فيِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّم: ادعوا رَبَّكُم يُخفِّفْ (1) عنَّا يومًا} قدر يوم {من العذاب (49)} شَيْئًا مِنَ العذاب. {قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تأتيكم رسُلُكم بِالبَيِّنَاتِ؟ قَالُوا: بلى؛ قَالُوا فادعوا وَمَا دعاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فيِ ضلالٍ (50)} ضياع لاَ يُجاب.
{إِنَّا لنَنصُرُ رُسُلَنا وَالذِينَ آمنوا} بالحجَّة والظفر، والدعاء الصالح، {فيِ الحياةِ الدُّنْيَا، ويومَ يقومُ الأشهادُ (51)} أي: فيِ الدارين، وَلاَ ينتقض ذَلِكَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِم مِنَ الغلبة امتحانا، إذ العبرة بالعواقب، وغالب الأمر؛ والأشهاد: المَلاَئِكَة والأنبياء والمؤمنون. {يومَ لاَ ينفعُ الظالمين مَعذِرتُهم ولهم اللعنةُ ولهم سوءُ الدارِ (52)}.
{وَلَقَد آتينا موسى الهدَى وأورثنا بَنِي إِسْرَائِيلَ الكتابَ (53) هدًى وذكرَى لأُولي الألباب (54) فاصبر إنَّ وعد الله حقٌّ واستغفر لذنبك وسبِّحْ بِحمدِ رَبِّكَ بالعشيِّ والإبكارِ (55)}.
{إنَّ الذِينَ يُجادِلون فيِ آيات الله بِغير سُلطان أتاهم إنْ فيِ صدورهم إِلاَّ كِبرٌ} أي: مَا فِيهَا إِلاَّ تكبُّر عَن الحقِّ وتعظُّم عَن التفكُّر والتعليم؛ أو إرداة الرئاسة، (لَعَلَّهُ) وخالية مِنَ الإيمان، والتواضع لأهله، {مَا هم ببالغيه} ببالغي دفع الآيات. [523] وقيل عَن ابن عبَّاس قَالَ: «عظمة لم يبلغوها»؛ {فاستعذْ بالله} فالتجئْ إِلَيْهِ، {إِنَّهُ هُوَ السميع البصير (56)}.
{__________
(1) - ... في الأصل - «يخفِّف» وهو سهو. (4/76)
صفحة 1239
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ أكبرُ مِن خَلقِ الناسِ} فمن قَدَر عَلَى خَلْقِها خَلَقَها (1) مَعَ عِظمها أَوَّلاً من غير أصل، قَدَر عَلَى خلق الإنسان ثانيا من أصل، وَهُوَ لأَشْكَلُ (2) مَا يجادلون فِيهِ من أمر التوحيد والوعيد، {ولكنَّ أكثرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ (57)} لأَنَّهُم لاَ ينظرون وَلاَ يتأمَّلون لفرط غفلتهم، وَاتِّبَاعهم أهواءهم.
{وَمَا يستوي الأعمَى والبصيرُ} الغافل والمستبصر، {وَالذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات وَلاَ المُسيءُ} والمحسن والمسيء؛ فينبغي أن يكون لَهُم حال يظهر فِيهَا التفاوت فيِ محْيَاهم ومماتهم وبعثهم عند ذوي العقول السليمة، {قليلا مَا تتذكَّرُونَ (58)} أنَّهم ليسوا عَلَى منزلة.
{إنَّ الساعة لآتيةٌ لاَ ريبَ فِيهَا} فيِ مَجيئها، لوضوح الدلالة عَلَى جوازها، وإجماع الرسل عَلَى الوعد بوقوعها، {ولكنَّ أكثرَ الناسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (59)} (3).
{وقال رَبُّكُم: ادْعُوني} اعبدوني {أستجبْ لكم} أثبْكم (4)، لقوله: {إنَّ الذِينَ يستكبِرون عَن عبادتي سيَدخُلون جَهَنَّم داخِرِينَ (60)} صاغرين.
{الله الذِي جَعَلَ لكم اللَّيْلَ لتسكنوا فِيهِ} لتستريحوا فِيهِ، بأن خلقه باردا مُظلما ليؤدِّي إِلىَ ضعف الحركات، وهدوء الحواس؛ {وَالنَّهَارَ مُبصِرا} لتدبُّر المعاش، {إنَّ الله لذو فضلٍ عَلَى الناس} لاَ يوزايه فضل، {ولكنَّ أكثر الناس لاَ يشكرُونَ (61)} لِجهلهم بالمنعِم والنعم، وإغفالهم مواقع النقم.
{__________
(1) - ... لعلَّ الصواب: - «خلقها».
(2) - ... الصواب ما فيِ تفسير البيضاوي: «وهو بيانٌ ِلأشكَلِ ما يجادلون»، ج4/ 111.
(3) - ... في الأصل الآية غير مكتوبة، وهو سهو.
(4) - ... فيِ الأَصْلِ: «أثيبُكم». (4/77)
صفحة 1240
ذلكم} المخصوص بالأفعال الدالَّة للألوهيَّة (1) والربوبيَّة، {الله رَبُّكُم خالقُ كُلِّ شيء لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أخبار مترادفة، {فأنَّى تؤفَكُونَ (62)}؟ فكيف ومن أيِّ وجه تصرفون عَن عبادته إِلىَ عبادة غيره؟ {كذلك يُؤفَكُ الذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ الله يَجحدُونَ (63)} أي: كما أفكوا أفكَ عَن الحقِّ كلُّ من جَحد بِآيَاتِ الله ولم يتأمَّلها.
{اللهُ الذِي جَعَل لكم الأَرْضَ قرارا والسَّمَاءَ بِنَاءً} استدلال ثان بأفعال أُخر مَخصوصة، {وصوَّركم فأحسنَ صُوَرَكم} بأن خلقكم منتصب القامة، بادي البشرة، متناسب الأعضاء والتخطيطات، متهيِّئا لمزاولة الصناعات، واكتساب الكمالات، كما قَالَ: {وفضَّلناهم عَلَى كثير مِمَّن خلقنا تفضيلا} (2). {ورزقكم مِنَ الطَّيِّبَات؛ ذلكم اللهُ رَبُّكُم فتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)} فإنَّ كلَّ مَا سواه مَربوب، مُفتقر بالذات، مُعرَّض للزوال. {هُوَ الحيُّ} المتفرِّد بالحياة الذاتيَّة، {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} إذ لاَ موجود يُساويه، أو يُدانيه فيِ ذاته وصفاته، {فادعوه} فاعبدوه {مُخلِصين لَهُ الدين} أي: الطاعة مِنَ الشرك والرياء، {الحمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)} قائلين لَهُ.
{قل: إِنِّي نُهِيت أن أعبدَ الذِينَ تدعون مِن دونِ الله لَمَّا جاءني البَيِّنَاتُ من ربِّي} مِنَ الحجج والآيات، فإنَّها مُقوِّية لأدلَّة العقل، منبِّهة عليها، {وأُمرت أن أُسلم لرَبِّ الْعَالَمِينَ (66)} أن أنقاد لَهُ وأخلص لَهُ ديني.
{__________
(1) - ... الصواب: «عَلَى الأُلُوهِيَّة»، وَفيِ تفسير البيضاوي: «المقتضية للألوهيَّة». ج4/ ص112.
(2) - ... سورة الإسراء: 70. (4/78)
صفحة 1241
هُوَ الذِي خَلَقَكم مِّن ترابٍ، ثُمَّ مِن نُّطفة، ثُمَّ من علقةٍ، ثُمَّ يُخرِجكم طِفلا، ثُمَّ لتبلغوا أشُدَّكم، ثُمَّ لتكونوا شيوخا، ومنكم من يُتوفَّى من قبلُ [524] ولتبلغوا أجلا مُّسمًّى، ولعلَّكم تعقلُونَ(67)} مَا فيِ ذَلِكَ مِنَ الحجج والعبر. {هُوَ الذِي يُحيِي ويُميِّت، فإذا قضى أمرا} فإذا أراده، {فَإِنَّمَا يقول لَهُ: كُن، فيكُونَ(68)} فلا يحتاج فيِ تكوينه إِلىَ عُدَّة وتَجشُّمِ كُلفة، من حيث أنَّه تقتضي قدرةً ذاتيَّة غير متوقِّفة إِلىَ العُدَدِ والموادِّ.
{ألم تَرَ إِلىَ الذِينَ يُجادلون فيِ آيات اللهِ أَنَّى يُصرفُونَ(69)} عند التصديق بِهِ، {الذِينَ كذَّبوا بالكتاب} وذلك يقتضي التنزيل والتأويل، {وبما أرسلنا بِهِ رُسلنا} مِنَ السنن والشرائع (لَعَلَّهُ) وسائر الحجج، {فسوف يَعْلَمُونَ(70)} عند الموت وَمَا بعده. {إذ الأغلالُ فيِ أعناقهم والسلاسل يُسحبُونَ(71) فيِ الحميم} أي: بالسلاسل يُسحبون، مُطوَّقة فيِ الأعناق، {ثُمَّ فيِ النَّار يُسجرُونَ(72)} من سَجَرَ التنُّورَ: إِذَا ملأه بالوقود، أو يُربَطون؛ والمراد: تعذيبهم بأنواع مِنَ العذاب، ويُنقلون من بعضها إِلىَ بعض.
{ثُمَّ قيل لَهُم: أين مَا كُنتُم تشرِكُونَ(73) مِن دونِ الله؟ قَالُوا: ضَلُّوا عَنَّا} غابوا عنَّا، أو ضاعوا عنَّا، فلم نجد مِنْهُم مَا كُنَّا نتوقَّع مِنْهُم، {بَل لم نكن نَّدعُو مِن قبلُ شَيْئًا} أي: بَل تَبَيَّنَ لَنَا أنَّا لم نكن نعبد شَيْئًا يعتدُّ بِهِ، فإنَّهم ليسوا شَيْئًا يُعتدُّ بِهِ، كقولك: حسبته شَيْئًا فلم يكن، {كذلك} مثل هَذَا الضلال، {يُضِلُّ الله الْكَافِرِينَ(74)} حتَّى لاَ يهتدوا إِلىَ شيء ينفعهم فيِ الآخِرَة.
{ (4/79)
صفحة 1242
ذلكم} الإضلال {بِمَا كُنتُم تفرَحون فيِ الأَرْض} تَبطرون وتتكبَّرون {بغير الحقِّ} وَهُوَ الشرك والطغيان، {وبما كُنتُم تَمرحُونَ (75)} تتوسَّعون فيِ الفرح؛ والعدولُ إِلىَ الخطاب للمبالغة فيِ التوبيخ. {ادخُلُوا أبوابَ جَهَنَّم خالدين فِيهَا فبِئْسَ مَثوَى المُتكَبِّرين (76)} عَن الحقِّ جهنَّم. {فاصبر إنَّ وعدَ الله} بهلاك الكفَّار، {حقٌّ} كائن لاَ مَحالة.
{فإمَّا نُرينَّك بعضَ الذِي نَعِدُهم} وَهُوَ القتل والأسر ونحوهما، {أو نتوفينَّك} قبل أن (لَعَلَّهُ) تراه، {فإلينا يُرجَعُونَ (77)} يرجعون يوم القيامة، فنجازيهم بأعمالهم.
{وَلَقَد أرسلنا رسلا مِن قبلِك، مِنْهُم مَن قَصصنا عليك} لِحكمة علمناها؛ وكذلك قوله: {ومِنهم من لم نقصُصْ عليك، وَمَا كَانَ لرسول أن يأتي بِآيَةٍ إِلاَّ بإذن الله} فإنَّ المعجزات عطايا قسمها بَيْنَهُم عَلَى مَا اقتضته حكمته كسائر القسم، ليس لَهُم اختيار فيِ إتيان بعضها، والاستبداد بإتيان المقترح منها، {فإذا جاء أمر الله} بالعذاب فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، {قُضِيَ بِالْحَقِّ} بإنجاء المُحِقِّ، وتعذيب المُبطِل، {وخَسِرَ هنالك المبطلُونَ (78)} المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور مَا يُغنِيهم عنها.
{الله الذِي جَعَل لكم الأنعامَ لتركبوا (1) منها، ومنها تأكلُونَ (79) ولكم فِيهَا منافعُ ولتبلغوا عليها حاجةً فيِ صدوركم} بالمسافرة عليها، {وعليها وعلى الفلك تُحمَلُونَ (80) ويُريكم آياته} دلائله الدالَّة عَلَى كمال قدرته ووسع رحمته، {فأيَّ آيات الله} أيَّ آية من تِلك الآيات {تُنكِرُونَ (81)}؟ فإنَّها لظهورها لاَ تقبل الإنكار.
{__________
(1) - ... في الأصل: «لتركبوها»، وهو خطأ. (4/80)
صفحة 1243
أفلم يسيروا فيِ الأَرْض فينظروا كيف كَانَ عاقبة الذِينَ [525] من قبلهم كَانُوا أكثرَ مِنْهُم وأشدَّ قوَّة وآثارًا فيِ الأَرْض} مَا بقي مِنْهُم وَلاَ (1) مِنَ القصور والمصانع ونحوهما، {فما أغنى عَنْهُم مَّا كَانُوا يكسبُونَ (82)} لمعاشهم ومعادهم. {فَلَمَّا جاءتهم رُسُلُهم بِالبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عندهم مِّنَ العلم} واستحقروا علم الرسل؛ والمُرَاد بالعلم: عقائدهم الزائغة، وشُبَههم الداحضة، لقوله: {بَل ادَّارك علمهم فيِ الآخِرَة} (2) وَهُوَ قولهم: لاَ نبعث وَلاَ نعذَّب، {وَمَا أظنُّ الساعةَ قائمةً} (3) ونحوها، [وسمَّاها] (4) علما على زعمهم، تهكُّما بهم. وفرحُهم بِهِ (لَعَلَّهُ) الإصرارُ عليه، والاستخفافُ بِمَا أتى بِهِ، وترك العمل بمقتضاه، وضحكهم مِنْهُ، واستهزاؤهم بِهِ، ويؤيده ... (5) وَهُوَ جهل فيِ الحقيقة؛ ويدلُّ عَلَى ذَلِكَ قوله: {وحَاقَ بهم مَّا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ (83)}.
{__________
(1) - ... الصواب: - «لاَ»، كما هو عند البيضاوي: تفسير، ج4/ ص113.
(2) - ... سورة النمل: 66.
(3) - ... سورة الكهف: 36.
(4) - ... إضافة من المصدر نفسه.
(5) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «ويؤيِّده»، وليس فيِ العبارة سقطٌ، لأَنَّهُ سيقول بعدُ: «ويدلُّ عَلَى ذَلِكَ قوله: {وحاق بهم ... }»، ويبدو أَنَّ المؤلف تردَّد بين أن ينقل عبارة البيضاوي كما هي وبين أن يضيف إِلَيْهَا شَيْئًا من عنده، والعبارة عند البيضاوي: «وفَرَحُهم به: ضحكهم منه واستهزاؤهم، ويؤيِّده: {وحاق بهم ... }». المصدر نفسه. (4/81)
صفحة 1244
فَلَمَّا رأوا بأسنا} أحوالَ الموت، {قَالُوا: آمنَّا بالله وحده وكَفرنا بِمَا كُنَّا بِهِ مشركِينَ (84)} وَهُوَ أهوية أنفسهم. {فلم يك ينفعهم إيمانُهم لَمَّا رأوا بأسَنا} لأَنَّ ذَلِكَ ليس يإيمان بعدما أتاهم اليقين، {سُنَّة الله التِي قد خَلَت فيِ عباده} أي: سنَّ الله ذَلِكَ سنَّة ماضية فيِ العباد فاحذروها، وذلك إِذَا عاينوا عذابَ الله آمنوا، وَلاَ ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب، {وخسر هنالك الْكَافِرُونَ (85)} أي: وقت رؤيتهم البأس.
سورة فصلت
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم (1) تنزيلٌ مِنَ الرَّحمن الرَّحيم (2) كِتَاب} لعلَّ افتتاح هَذِهِ السُّوَر السَّبع بـ «حم» وتسميتها بِهِ، لكونها مصدَّرة ببيان الكتاب، متشاكلة فيِ النظم والمعنى؛ وإضافةُ "التنزيل" إِلىَ "الرحمن" للدلالة عَلَى أَنَّهُ مناطُ المصالح الدينيَّة والدنيويَّة، {فُصِّلت آياتُه} مُيِّزت باعتبار اللفظ والمعنى، أو فصلت بين الحَقِّ والباطل، {قرآنا عربيًّا} فِيهِ امتنان بسهولة قراءته وفهمه، {لقومٍ يَعْلَمُونَ (3)} لأهل العلم والنظر. {بشيرا ونذيرا} للعالمين (1) بِهِ، والمخالفين لَهُ؛ {فأعرَضَ أكثرُهم} عَن تدبُّره وقبوله، {فَهُم لاَ يسمعُونَ (4)} سماعَ تأمُّل وطاعة.
{وَقَالُوا: قُلُوبُنا فيِ أكنَّةٍ مِمَّا تدعُونا إِلَيْهِ} أغطية؛ جمع كِنَان، {وفي آذاننا وَقرٌ} صَمَم، وأصله الثِّقل؛ {ومن بَينِنا وبَينِك حجابٌ} خلاف الدين، وحاجز فيِ النِّحلة يمنعنا عَن التواصل؛ وهذا تمثيل لِنبو قلوبهم عَن إدراك مَا يدعوهم إِلَيْهِ واعتقادهم ومَجِّ أسماعهم له، وامتناع مواصلتهم، وموافقتهم للرسول، {فاعمل} عَلَى دينك، أو فيِ إبطال أمرنا، {إنَّنا عاملُونَ (5)} عَلَى ديننا أو فيِ إبطال أمرك.
{__________
(1) - ... الصواب: «للعاملين به» كما فيِ تفسير البيضاوي: ج4/ ص114. (4/82)
صفحة 1245
قل: إِنَّمَا أنا بشَرٌ مثلُكم يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهكم إلَهٌ واحدٌ} لست مَلَكا وَلاَ جنِّيًّا لاَ يمكنكم التَّلقي مِنْهُ، ولا أدعوكم إِلىَ مَا تَنبُو عَنْهُ العقول والأسماع، وَإِنَّمَا أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة فيِ العمل؛ وقد دلَّ عليهما دلائل العقل، وشواهد النقل، {فاستقيموا} فيِ أفعالكم، متوجِّهين {إِلَيْهِ} أو فاستووا إِلَيْهِ بالتوحيد والإخلاص فيِ العمل، {واستغفِروه} مِمَّا أَنتُم عليه، من سوء العقيدة والعمل؛ ثُمَّ [526] هدَّدَهم عَلَى ذَلِكَ فقال:
{وويلٌ للمشركِينَ (6)} من فرط جهالتهم واستخفافهم بالله. {الذِينَ لاَ يُؤتُون الزكاةَ} لفرط حبِّهم للمال، وقلَّة إيقانهم بثوابها، وعدم خوفهم من تركها؛ وَقِيلَ: معناه: لاَ يفعلون مَا يُزكِّي أنفسهم، وَهُوَ: الإيمان والطَّاعة، {وَهُم بالآخِرَة هم كَافِرُونَ (7)} إشعار حالهم بامتناعهم (1) عَن الزكاة، لاستغراقهم فيِ حبِّ الدُّنْيَا، وإنكارهم للآخرة. {إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وعَمِلوا الصَّالِحَات لَهُم أجرٌ غيرُ ممنُونٍ (8)} لاَ يُمَنُّ بِهِ عليهم.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: «إشعارٌ بِأَنَّ امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم ... ». (4/83)
صفحة 1246
قل: أئنَّكم لَتكفُرون بالذي خلقَ الأَرْضَ فيِ يَومَين، وتجعلون لَهُ أندادا؛ ذَلِكَ ربُّ الْعَالَمِينَ (9)} خالق جميع مَا وُجد مِنَ الممكنَات. {وجعل فِيهَا رواسِيَ مِن فوقِها} مرتفعة عليها، ليظهر للنظَّار مَا فِيهَا من وجوه الاستبصار، وتكون منافعها مُعرَّضة للطلاَّب، {وبارَكَ فِيهَا} وأكثر خيرَها، بأن خلق فِيهَا أنواع النبات والحيوان، {وقدَّر فِيهَا أقواتها} أقوات أهلها، بأن عيَّنَ لِكُلِّ نوع مَا يصلحه ويعيش بِهِ، لجميع مَا يحتاج إِلىَ الغذاء؛ قيل: قسَّم فيِ الأَرْض أرزاق العباد والبهائم، {فيِ أربعةِ أيَّامٍ سواءً} و أي: استوت سواء، بمعنى: استواء {للسائلِينَ (10)} (لَعَلَّهُ) من سأل عَنْهُ، عَن مدَّة خلق الأَرْض وَمَا فِيهَا، أو قدَّر فِيهَا الأقوات للطالبين.
{ثُمَّ استوَى إِلىَ السَّمَاء وهي دُخانٌ؛ فقال لها وللأرضِ: ائتِيَا} بِمَا خَلقتُ فيكما مِنَ التأثير والتأثُّر، وإبراز مَا أودعتُكُما مِنَ الأوضاع المختلفة، والكائنات المتنوِّعة؛ أو ائتيَا فيِ الوجود؛ عَلَى أَنَّ الخلق السابق بمعنى: التقدير؛ وقيل: «ائتيا» يعنى: أَخرِجا مَا خلقتُ فيكما مِنَ المنافع لمصالح العباد، {طَوْعًا أو كَرْهًا} شئتما ذَلِكَ أو أبيتما؛ والمُرَاد: إظهار كمال قدرته، ووجوب وقوع مراده، لاَ إثبات الطوع والكره لهما؛ {قالتا: أَتَيْنَا طائعِينَ (11)} منقادين بالذَّات؛ والأظهر أَنَّ المراد: تصوير تأثير قدرته فيهما، وتأثُّرهما بالذَّات عنها، وتمثيلهما بأمر المطاع، وإجابة الطائعِ المطيعِ، كقوله: {كن فيكون} (1)، وَمَا قيل: إِنَّهُ تعالى خاطبهما وأقدرهما عَلَى الجواب، إِنَّمَا يتصوَّر عَلَى الوجه الأَوَّل والأَخِير؛ وَإِنَّمَا قَالَ: «طائعين» عَلَى المعنى باعتبار كونهما مُخاطبَين، كقوله: {ساجدين}.
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 117، سورة آل عمران: 47 ... (4/84)
صفحة 1247
فقَضاهُنَّ سبعَ سماوات فيِ يومينِ، وأوحَى فيِ كُلِّ سماءٍ أَمرَهَا} شأنها، وَمَا يتأتَّى مِنهَا، بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا؛ وقيل: أوحى إِلَيْهِا بأوامره؛ {وزينَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بمصابيحَ} فَإِنَّ الكواكب تُرى كَأَنَّهَا تتلألأ، {وحفظا} أي: حفظناها مِنَ الآفات، أو مِنَ المُسترقة؛ {ذَلِكَ تقديرُ العزيز العليم (12)} البالغ فيِ القدرة والعلم.
{فإن أعرَضُوا} عَن الإيمان بعد هَذَا البيان، {فَقُل: أنذرْتُكم صاعقةً مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ (13)} وَهُوَ أَخذ كلِّ نفس واستئصالها عَلَى حدة بِمَا كسبت. {إذ جاءتهم الرُّسُل من بينِ أيديهم ومِن خلفِهم} من جميع جوانبهم، واجتهدوا بهم من كُلِّ جهة، أو من جهة الزمن الماضي [527] بإنذار عَمَّا جرى فِيهِ عَلَى الكفَّار؛ ومن جهة المستقبل بالتحذير عَمَّا أُعدَّ لَهُم فيِ الآخِرَة، {ألاَّ تعبدوا إِلاَّ الله} وترفضوا عبادة الشيطان والهوى والنفس. {قَالُوا: لو شاء رَبُّنَا لأنزَلَ مَلاَئِكَةً} برسالته، {فإنَّا بِمَا أُرسِلتم بِهِ} عَلَى زعمكم، {كَافِرُونَ (14)} إذ أَنتُم بشر مثلنا لاَ فضل لكم علينا.
{فَأَمَّا عادٌ فاستكبروا فيِ الأَرْض بغير الحَقِّ} فتعظَّموا فِيهَا عَلَى أهلها بغير استحقاق، {وَقَالُوا: مَن أشدُّ مِنَّا قوَّةً}؟ اعتزاز بقوَّتهم وشوكتهم؛ {أولم يَرَوا أَنَّ الله الذِي خَلَقهُم هُوَ أشدُّ مِنْهُم قوَّةً}؟ قدرة؛ فَإِنَّهُ قادر بالذَّات، مقتدر عَلَى مَا لاَ يتناهى، قويٌّ عَلَى مَا [لا] (1) يقدر عليه غيره؛ {وكَانُوا بِآيَاتِنا يجحَدُونَ (15)} يعرفون أَنَّهَا حقٌّ وينكرونها.
{__________
(1) - ... من إضافتنا ليستقيم المعنى، وَإِلاَّ عُكِسَ المُرَاد، وقد نقلها المُصَنِّف بخطئها من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص116. وقد وردت العبارة نفسها صحيحة عند أبي السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص8. وكذا عند الألوسي: روح المعاني، ج24/ ص112. (4/85)
صفحة 1248
فأرسلنا عَلَيْهِم ريحا صَرْصَرًا} باردة تُهلك بشدَّة بردها، مِنَ الصرِّ: وَهُوَ البرد الذِي يصرُّ، أي: يجمِّع؛ أو شديدة الصوت فيِ هبوبها، مِنَ الصَّرير، {فيِ أيَّام نحساتٍ} مشؤومات ليس فِيهَا من ... (1)؛ {لِنُذِيقهم عذابَ الخِزيِ فيِ الحياةِ الدُّنْيَا} أضعاف العذاب إِلىَ الخزي، وَهُوَ الدال (2) (لَعَلَّهُ) عَلَى قصد وصفه بِهِ لقوله: {ولعذابُ الآخِرَةِ أخزَى وَهُم لاَ يُنصَرُونَ (16)}.
{وَأَمَّا ثمودُ فهديناهم} أي: يسَّرنا لَهُم أسباب الهدَى، وهي: الكتب والرُّسُل، وبصائر العقول، وهي مبذولة، وَلاَ يمنع عنها إِلاَّ الأسباب التِي تعمي (لَعَلَّهُ) القلوب، {فاستحبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى} فاختاروا الضلالة عَلَى الهدى، {فأخذتهم صاعقةُ العذاب الهونِ} صاعقة مِنَ السَّمَاء، فأهلكتهم؛ وإضافتها إِلىَ العذاب، ووصفه بالهون للمبالغة، {بِمَا كَانُوا يكسبُونَ (17)} من اختيار الضلالة، {ونجَّينا الذِينَ آمَنُوا وكَانُوا يتَّقُونَ (18)}.
{ويوم يُحشَر أعداءُ الله إِلىَ النَّار فَهُم يُوزَعُونَ (19)} يُحبَس أَوَّلهم عَلَى آخرهم، لئلاَّ يتفرَّقوا، وهي عبارة عَن كثرة أهل النَّار؛ والوازع: من يدبِّر أمور الجيش، ويردُّ من شذَّ مِنْهُم.
{__________
(1) - ... وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية، ولكن لم يكتب فيها شيئًا، والعبارة ناقصة كما نرى، ولم نتمكَّن من إكمالها مِمَّا بين أيدينا من المصادر.
(2) - ... الصواب كما فيِ تفسير البيضاوي: «أَضَاف “العذاب” إِلىَ “الخزي” ــ وَهُوَ الذلُّ ــ عَلَى قصد وصفه بِهِ ... » تفسير، ج4/ ص116. (4/86)
صفحة 1249
حَتَّى إِذَا مَا جاءوها} إِذَا حضروها، {شَهِدَ عَلَيْهِم سمعُهم وأبصارُهم وجلودُهم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)} بأن أنطقها الله، أو يظهر عليها آثارا تَدُلُّ عَلَى مَا اقترفت بها، فتنطق بلسان الحال. {وَقَالُوا لجلودِهم: لِمَ شَهِدتم علينا}؟ سؤال توبيخ، أو تعجُّب؛ {قَالُوا: أنطَقَنَا الله الذِي أنطقَ كُلَّ شيء} أي: مَا نطقنا باختيارنا، بَل أنطقنا الله الذِي أنطق كلَّ شيء، {وَهُوَ خلقكم أَوَّل مرَّة، وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ (21)}.
{وَمَا كُنتُم تَستتِرون أن يَشهَدَ عَلَيْكُم سمعُكم وَلاَ (1) أبصارُكم وَلاَ (2) جلودكم (22)} أي: كُنتُم تَستترون [عن] (3) النَّاس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة، وَمَا ظننتم أَنَّ أعضاءكم تشهد عليكم، فما استترتم عنها؛ وفيه تنبيه عَلَى أَنَّ المؤمن ينبغي أن يتحقَّق أَنَّهُ لاَ يمرُّ عليه حال إِلاَّ وعليه رقيب، إذ كَانَت أعضاؤه رقباء عليه؛ {ولكن ظننتم أَنَّ الله لاَ يعلم كثيرا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)} فلذَلِك اجترأتم عَلَى مَا فعلتم.
{وذَلِكم ظَنُّكم الذِي ظننتُم بِرَبِّكُمْ} ظنُّوا بربِّهم بالإشراك [528] والشكِّ، أو ظنُّوا بِهِ المغفرة مَعَ الإصرار؛ {أرداكم} أهلككم، كالذي أردى غيره مِن علاَ جبلٍ، {فأصبحتم مِّنَ الخاسرِينَ (23)} إذ صاروا ما منحوا للاستعداد الدارين (4) سببا لشقاء المنزلين.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «لا»، وهو سهو.
(2) - ... في الأصل: - «لا»، وهو سهو.
(3) - ... إضافة من البيضاوي ليستقيم التركيب. ج4/ ص117.
(4) - ... الصواب ما نجده عند البيضاوي: «إذ صارَ ما مُنحوا للاستعداد بِهِ فيِ الدارين سببا لشقاء المنزلين»، المصدر نفسه. (4/87)
صفحة 1250
فإن يَصبِروا فالنارُ مَثوًى لَهُم} لاَ خلاص لَهُم مِنْهَا، {وإن يَستعتِبوا} يسألوا العتبى، وهي: الرجوع إِلىَ مَا يحبُّون، {فما هم مِنَ المعتَبِينَ (24)} المُجَابين إِلَيْهِا؛ وقرئ: «وإن يستعتبوا فما هم مِنَ المعتبين»، أي: إن سئلوا أن يُرضوا ربَّهم، فما هم فاعلون لفوات المكنة (1).
{وقيَّضنا} وقدَّرنا {لَهُم قُرناء} أخدَانا مِنَ الشياطين، {فزيَّنوا لَهُم مَا بين أيديهم} من أمر الدُّنْيَا، وَاتِّبَاع الشهوات (لَعَلَّهُ) حَتَّى آثروه عَلَى الآخِرَة، {وَمَا خلفهم} من أمر الآخِرَة (لَعَلَّهُ) للأماني الكاذبة، والغرور بالله تعالى.
{وحقَّ عَلَيْهِمُ القولُ} أي: كلمة العذاب، {فيِ أممٍ} فيِ جملة أمم، {قد خَلَت من قبلِهم مِنَ الجنِّ والإنس} وقد عملوا مثل أعمالهم؛ وفيه دليل عَلَى أَنَّ عمل الجنِّ كعمل الإنس فيِ أحوال، وإن باينوهم فيِ أحوال، وَإنَّهُم ليسوا بمُعمَّرين {إِنَّهُم كَانُوا خاسرِينَ (25)}.
{وقال الذِينَ كَفَرُوا: لاَ تَسمَعوا لهذا القرآن والغَوْا فِيهِ} وعارضوه بالخرافات {لَعَلَّكُم (2) تَغلبُونَ (26)} أي: تغلبون فيِ المجادلة؛ قَالَ الغزالي: «فكلُّ من تناظر للغلبة والإقحام، لاَ ليغتنم الحَقَّ إِذَا ظفر بِهِ، فقد شاركهم فيِ هَذَا الخلق».
{فَلَنذِيقنَّ الذِينَ كَفَرُوا عذابا شديدا، ولنجزينَّهم أسوأ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جزاءُ أعداء الله النارُ لَهُم فِيهَا دارُ الخُلْدِ جزاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنا يجحدُونَ (28)}.
{وقال الذِينَ كَفَرُوا: رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أضلاَّنا مِنَ الجنِّ والإنس} يعني: شيطاني النوعين الحاملين عَلَى الضلال، {نجعَلْهما تحتَ أقدامنا} ندوسهما انتقاما مِنهما؛ وقيل: نجعلهما فيِ الدرك الأسفل، {ليكونا مِنَ الأسفلِينَ (29)} مكانا أو ذلاًّ.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «الممكنة»، ولا مَعْنَى له.
(2) - ... في الأصل: «لعلَّهم»، وهو خطأ. (4/88)
صفحة 1251
إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ} اعترافا بربوبيَّته، وإِقْرَارا بوحدانيَّته، {ثُمَّ استقاموا} عَلَى أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيَّته، {تَتَنَزَّل عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَة} فيما يعنُّ لَهُم بِمَا يشرح صدورهم، ويدفع عَنْهُم الخوف والحزن؛ أو عند الموت؛ أو القيامة؛ أو فيِ تلك المواطن كلِّها؛ {ألاَّ تخافوا} مَا تُقدِمون عليه، {وَلاَ تحزنوا} مِمَّا يحزن مِنْهُ... (1) ؛ {وأبشِروا بالجنَّة التِي كُنتُم تُوعَدُونَ(30)} فيِ الدُّنْيَا.
{نَحْنُ أولياؤُكم} أنصاركم وأولياؤكم {فيِ الحياة الدُّنْيَا} نلهمكم الحَقَّ، ونَحملكم عَلَى الخير، بدل مَا كَانَت الشياطين تفعل بالكفرة، {وفي الآخِرَة} بالشفاعة والكرامة حيثما يتعادى الكفرة وقرناؤهم، {ولكم فِيهَا} فيِ الآخِرَة {مَا تشتهي أنفسكم} مِنَ اللذائذ، {ولكم فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)} مَا تتمنَّون، مِنَ الدعاء بمعنى: الطلب، {نُزُلا من غَفُور رحيم(32)}.
(
__________
(1) - ... بياض في الأصل قدر كلمتين. (4/89)
صفحة 1252
لَعَلَّهُ) وعن أبي سعيد: «فيِ تأويل قوله: {ومن أحسن قولا مِمَّن دعا إِلىَ الله} قيل: هُوَ المؤذِّن [بـ]ـالدعاء إِلىَ الفرائض، {وعَمِل صالحا} قيل: صلَّى [529] ركعتين قبل الصلاة، {وقال: إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ(33)} فذَلِك واجب عَلَى كُلِّ أحد أن يَدين لله بالإسلام، وأن يُقرَّ بِهِ، ويعتقده دينا لَهُ، ويبرأ من كُلِّ دين مِمَّا سواه؛ ومثل ذَلِكَ ونظيره قوله: {ومن أحسن دينا مِمَّن أَسلَمَ وجهَه لله وَهُوَ محسِنٌ} (1) ؛ والوجه هاهنا قَالُوا: الديِّن، {وهو محسن}: فيِ عمله اللازم له فيِ الدين؛ {واتَّبَع مِلَّة إبراهيم حنيفا} (2) وَهُوَ الإسلام، ونظائر هَذَا كثير فيِ كِتَاب الله، مِنْهُ مَا قاله الله تبارك وتعالى: {ومن يبتغِ غيرَ الإسلامِ دينًا فلن يُقبَل مِنْهُ وَهُوَ فيِ الآخِرَة مِنَ الخاسرين} (3) .
__________
(1) - ... سورة النساء: 125.
(2) - ... سورة النساء 125.
(3) - ... سورة آل عمران: 85. (4/90)
صفحة 1253
والإجماع فيِ معنى “الإسلام” أَنَّهُ: الإِقْرَار بالله والإيمان بِهِ، والتصديق برسوله المُرسَل إِلىَ أهل زمانه، وبما جاء بِهِ رسوله عَنْهُ إِلىَ كُلِّ أُمَّة مِنَ الأمم، فهذا هُوَ الدين والإسلام المفروض الذِي لم تختلف فِيهِ الشرائع، وكان أصلا للشرائع كلِّها؛ وكذَلِك هُوَ الدين الإسلام [المفروض] عَلَى أُمَّة محَمَّد - صلى الله عليه وسلم - [هو] الإيمان بالله تعالى ربًّا إلها واحدا، وبمحمَّد نبيًّا ورسولا، وبما جاء بِهِ أَنَّهُ حقٌّ وصدق وعدل؛ وقيل: {ومن أحسن قولا مِمَّن دعا إِلىَ الله} فهو الدعاء إلى الله وإلى دينه، وعَمِل بِمَا يدعو من طاعة الله التِي دعا إِلَيْهِا، وعمل بها من رسول أو نبيٍّ أو صالح، {وقال: إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ} أي: كَانَ مسلما؛ وليس قوله: إِنَّهُ مسلم، إِذَا خالف شَيْئًا مِنَ الإسلام بنافع لَهُ، وَلاَ يجوز له أن يكون عند نفسه فيِ قوله وعمله ونيَّته إِلاَّ مسلمـ[ـًا] لله تعالى، ويتوب إِلىَ الله فيِ اعتقاده من جميع مَا خالف الإسلام الذِي دان لله بِهِ، واعتقده من قول وعمل ونيَّة، فيِ جملة قوله وعمله ونيَّته، وينبغى أن يُجدِّد ذَلِكَ كُلَّمَا خطر بباله هَذَا، أَنَّهُ قد عصى الله بِمَا جهله بقول وعمل ونية، ولا يُعذر بجهله، وبموت بمعصيته، فيكون هالكا، وإذا جدَّد التوبة، ولم يقف عَلَى الذنب، وتذكَّره أجزأه ذَلِكَ فيِ الجملة مَا لم يكن مُتمسِّكا بالذنب، إن لو ذكره لم يكن تائبا مِنْهُ، وكَانَ عَلَى اعتقاد دينونة فِيهِ؛ ومن ها هنا أعجبني أن لاَ يعتقد مِنَ الأمور دينا عَلَى كُلِّ حال إِلاَّ ما لا يشكُّ فِيهِ، وَمَا لم يأت فِيهِ اختلاف يكون فِيهِ ريب، لأَنَّهُ إِذَا اعتقد فيِ الجملة لله الدينونة بدينه، كَانَ قد دان بدينه كلِّه، واعتقاده دينا مِمَّا ليس بدين هلكة لاَ يُرجى له مِنْهَا توبة، وَكُلَّمَا تقرَّب إِلىَ الله بها ازداد بُعدا مِنْهُ، وَكُلَّمَا خاف لقاءه (4/91)
صفحة 1254
بالموت كَانَ أشدَّ تمسُّكا بها، حَتَّى يلقاه عَلَى التقرُّب إِلىَ الله بمعصيته، وَلاَ يعذره الله فيِ ذَلِكَ بجهالته، لأَنَّهُ قد كَانَ يمكنه ويسعه أن لاَ يعتقده دينا بعينه، إِذَا اعتقد الدين فيِ الجملة؛ وعليه كُلَّمَا خطر بباله، أن يعتقد أَنَّهُ ليس مِنَ المشركين فيِ الدين، وَأَنَّهُ بريء مِنَ المشركين، ومن دينهم، وكلِّ شرك فيِ الدين بجحود أو [530] نفاق» انتهى كلامه.
{وَلاَ تستوي الحسنةُ وَلاَ السيِّئةُ} فيِ الجزاء، وحسن العاقبة؛ {ادفع بالتي هِيَ أحسنُ} ادفع السَّيِّئَة حيث اعترضتك بالتي هِيَ أحسن مِنْهَا، وهي الحسنة. أمر بالصبر عند الغضب، و بالحلم عند الجهل، و بالعفو عند الإساءة؛ {فإذا الذِي بينَكَ وبينَه عداوةٌ كَأَنَّهُ وليٌّ حميمٌ (34)} أي: إِذَا فعلت ذَلِكَ صار عدوُّك المشاقُّ، مثل الوليِّ الشقيق. {وَمَا يُلقَّاها} وَمَا يلقَّى هَذِهِ السَّجية، وهي: مقابلة الإساءة بالإحسان، {إِلاَّ الذِينَ صبروا} فَإِنَّهَا تحبس النفس عَن الانتقام؛ {وَمَا يُلقَّاها} أي: وَمَا يلقَّى هَذِهِ الخصلة الجميلة، {إِلاَّ ذو حظٍّ عظيم (35)} مِنَ الخير، وكمال النفس.
{وَإِمَّا يَنزَغنَّك مِنَ الشيطان نَزغٌ} نخس تشبه وسوسته (1)، {فاستعذْ بالله} من شرِّه وَلاَ تتَّبعه، {إِنَّهُ هُوَ السميع} لاستعاذتك، {العليم (36)} بنيتك، أو بصلاحك.
{ومن آياته اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمسُ والقمرُ، لاَ تسجدوا للشَّمسِ وَلاَ للقمرِ، واسجُدوا لله الذِي خَلَقَهُنَّ إن كُنتُم إيَّاه تعبُدُونَ (37)} فَإِنَّ السجود أخصُّ العبادات؛ {فإن استكبروا} عَن الامتثال، {فالذين عندَ ربِّك} مِنَ المَلاَئِكَة {يُسبِّحُون لَهُ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُم لاَ يسأمُونَ (38)} أي: لاَ يَملُّون.
{__________
(1) - ... الصواب ما ذكره البيضاويُّ: «نخسٌ شبَّه به وسوسته، لأَنَّهَا تدفع الإِنسَان إِلىَ ما لا ينبغي». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص118. (4/92)
صفحة 1255
ومن آياته أنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خاشِعةً} يابسةً متطامنه (1)؛ مستعارٌ مِنَ الخشوع؛ {فإذا أنزلنا عليها الماءَ اهتزَّت ورَبَت} تزخرفت، وانتفخت بالنبات؛ {إِنَّ الذِي أحياها} بعد موتها {لَمُحيِي الموتَى} فَإِنَّهُ لاَ فرق بين إحيائها بعد موتها، وبين إحياء الموتى، {إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شيء قدير (39)}.
{إِنَّ الذِينَ يُلحِدون} يميلون عَن الاستقامة {فيِ آياتنا} بالطعن، والتحريف، والتأويل الباطل، والإلغاء فِيهَا، {لاَ يَخفَوْنَ علينا} فنجازيهم عَلَى إلحادهم؛ {أفمن يُلقَى فيِ النار خيرٌ أم مَّن يأتي آمنا يومَ القيامة}؟ من جميع مَا يُخاف من أمر القيامة، لأَنَّ خوفهم قد انقضى فيِ الدُّنْيَا، {اعملوا مَا شِئتم} تهديد شديد، {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بصير (40)} وعيد بالمجازاة.
{إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بالذِّكرِ لَمَّا جاءهم} قيل: بدل من قوله: {إِنَّ الذِينَ يُلحِدون فيِ آياتنا}؛ والذكر: التنزيل وتأويله، {وَإِنَّهُ لكتابٌ عزيزٌ (41)} عَلَى الله، كثير النفع عديم النظير، لاَ يتأتَّى إبطاله وتحريفه، {لاَ يأتيه الباطلُ مِن بين يدَيه وَلاَ مِن خَلْفه} لاَ يتطرَّق إِلَيْهِ الباطل من جهة مِنَ الجهات، أو مِمَّا فِيهِ مِنَ الأخبار والأمور الآتية، {تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ (42)} يحمده كُلُّ خلق بِمَا أظهر عليه من نعم.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «متظامئنه»، وَلَعلَّهُ يقصد: «متظامئة»، من الظمأ، وَهُوَ العطش. وما أثبتناه فمن البيضاوي. و «الطَّمْنُ بالفتح: الساكن، كالمطمئنِّ، ج: طُمون». الفيروزآبادي: القاموس، ص1093، مَادَّة: «طمن». ويؤيِّده قَوله تَعَالىَ ــ وما فسَّر القرآن مثل القرآن ــ: {وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزَّت ورَبَت وأنبتت من كُلِّ زوج بهيج} (الحج: 5). (4/93)
صفحة 1256
مَا يُقالُ لك} أي: مَا يقول لك كُفَّار قومك، {إِلاَّ مَا قد قيل للرسل من قبلك} مثل مَا قَالَ لَهُم كُفَّار قومهم، أو يقول الله لك إِلاَّ مثل مَا قَالَ لَهُم، {إِنَّ رَبَّكَ لذو مغفرةٍ} لأنبيائه، {وذو عقاب أليم (43)} لأعدائهم.
{ولو جعلناه قرآنا أعجميًّا} قيل: جوابٌ لقولهم: هلاَّ نزل القرآن بِلغة العجم، والضمير للذِّكر، {لقالوا: لولا فُصِّلت آياتُه} [531] بُيِّنت بلسان نفقهه؛ {أأعجميٌّ وعربيٌّ}؟ [أَ] كلامٌ أعجميٌّ ومُخاطَب عربيٌّ، إنكار مقرِّر للتخصيص؛ والأعجميُّ يقال للذي لاَ يُفهم كلامه؛ وقيل: يجوز أن يكون المراد: هلاَّ فُصِّلت آياته، فجعل بعضها أعجميًّا لإفهام العجم، وبعضها عربيًّا لإفهام العرب، والمقصود إبطال مقترحهم باستلزامه (1) المحذور، أو الدلالة على أَنَّهُم لا ينفكُّون (2) عن التعنُّت فيِ الآيات كيف جاءت، {قل: هُوَ للذين آمَنُوا هدى} إِلىَ الحَقِّ، {وشفاء} مِنَ الشكِّ والشبهة؛ {وَالذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فيِ آذانهم وقرٌ وَهُوَ عَلَيْهِم عَمًى} عَموا عَن القرآن، وصمُّوا عَنْهُ، فلا ينتفعون بِهِ، و ذَلِكَ لتصاممهم عَن سماعه عَمَّا يريهم مِنَ الآيات، {أُولَئِكَ يُنادَون من مكانٍ بعيدٍ (44)} أي: مِنْهُم، هُوَ تمثيل لَهُم فيِ عدم قبولهم واستماعهم لَهُ، بمن يُصيَّحُ بِهِ من مسافة بعيدة.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «بالزاتة»، ولا معنى له، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص119.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «أَنَّهُ لا يتفكرن»، ولا مَعْنَى له. ونجد أَنَّ العبارة عند البيضاوي ــ وَهُوَ المعتمد الأساسيُّ للمصنِّف فيِ هَذَا الجزء ــ وردت هكذا: «أو الدلالة على أَنَّهُم لا يتفكَّرون عن التعنُّت فيِ الآيات كيف جاءت»، وَفيِ العبارة خلل كَذَلِكَ. وَأَمَّا الصواب الذي أثبتناه فمن الألوسي: روح المعاني، ج24/ ص130. انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص119. (4/94)
صفحة 1257
وَلَقَد آتينا موسى الكتابَ فاختُلف فِيهِ} بالتصديق والتكذيب، كما اختُلف فيِ القرآن، {ولولا كلمةٌ سَبَقَتْ من ربِّك} تقريرُ الآجال، {لَقُضِي بَيْنَهُم} باستئصال المُكذِّبين، {وَإنَّهُم} وإنَّ اليهود وَالذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ {لفي شكٍّ مِنْهُ} مِنَ التَّوْرَاة، أو القرآن {مريبٍ (45)} مُوجبِ للاضطراب (1).
{من عمل صالحا فلنفسه} نَفعُه، {ومن أساء فعليها} ضَرُّه، {وَمَا رَبُّكَ بِظلاَّمٍ للعبيد (46) إِلَيْهِ يُردُّ عِلمُ الساعة} لأَنَّهُ لاَ يعلمه غيره؛ {وَمَا تخرج من ثمرات من أكمامها} من أوعيتها؛ {وَمَا تحمِل من أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعلمه}.
{ويوم يناديهم: أين شركائي}؟ الذِينَ تزعمون فيِ الدُّنْيَا أَنَّهَا آلهة؛ {قَالُوا: آذنَّاك} أعْلَمناك {مَا مِنَّا من شهيد (47)} من أحد يشهد لَهُم بالشركة، أو تبرَّأنا مِنْهُم لَمَّا تحققَّت الحقيقة. فيكون السؤال عَنْهُم للتوبيخ. {وضلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُون} يعبدون {من قَبلُ} لاَ ينفعهم، أو لاَ يرَونه، {وظنُّوا} وأيقنوا {مَا لَهُم من مَّحيصٍ (48)} مَهرب.
{__________
(1) - ... في الأصل، «موجب الاضطرار»، ولا مَعْنَى له، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي. (4/95)
صفحة 1258
لاَ يسأم الإنسان} لاَ يَملُّ {من دعاء الخير} من طلب السَّعة والنعمة، {وإن مسَّه الشرُّ} الضيق، {فَيَئُوسٌ قَنوطٌ (49)} من فضل الله ورحمته؛ وهذا صفة الكافر، لقوله: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَس من رَّوْحِ الله إِلاَّ القومُ الْكَافِرُونَ} (1). {ولئن أذقناه رحمةً مِّنَّا من بعدِ ضَرَّاء مَسَّته} بتفريجها عَنْهُ، {ليقولَنَّ: هَذَا لي} حَتَّى أستحِقَّه لِمَا لي مِنَ الفضل والعمل، {وَمَا أظُنُّ الساعةَ قائمةً؛ ولئن رُّجعتُ إِلىَ رَبِّي إِنَّ لي عنده لَلْحسنَى} تفسير آخر بقول هَذَا الكافر: لستُ عَلَى يقين مِنَ البعث، فإن كَانَ الأمر عَلَى ذَلِكَ، ورُددت إِلىَ رَبِّي إِنَّ لي عنده للحسنى، أي: الجَنَّة، كما أعطاني فيِ الدُّنْيَا يعطيني فيِ الآخِرَة؛ أي: ولئن قامت عَلَى التوهُّم، كَانَ لي عند الله الحالة الحسنى من الكرامة؛ وذَلِك لاعتقاده أَنَّ مَا أصابه من نعم الدُّنْيَا، فَلاِستحقاقٍ لاَ ينفكُّ عَنْهُ؛ {فَلَنُنَبِّئَنَّ الذِينَ كَفَرُوا} فلنُخبِرنَّهم {بِمَا عملوا} بحقيقة أعمالهم، ولنبصِّرنَّهم عكس مَا اعتقدوا فِيهَا؛ {ولنذيقنَّهم من عذابٍ غليظٍ (50)} لاَ يمكنهم الفرار مِنْهُ.
[532] {وإذا أنعمنا عَلَى الإنسانِ أعرَضَ} عَن الشكر، {ونَأَى بجانِبِه} وانحرف عَنْهُ، أو ذهب بنفسه، وتباعد عَنْهُ بكلِّيَّته تكبُّرا؛ والجانب: مجازٌ عَن النفس؛ {وإذا مسَّه الشرُّ فذو دعاءٍ عريضٍ (51)} كبير، مستعار مِمَّا لَهُ عرْض مُتَّسع، للإشعار بكثرته واستمراره، وَهُوَ أبلغ مِنَ الطول.
{قُل: أرأيتم} أخبروني {إن كَانَ} القرآن {مِن عندِ اللهِ ثُمَّ كفرتم بِهِ} من غير نظر وَاتِّبَاع دليل، {مَن أَضَلُّ مِمَّن هُوَ فيِ شقاق بعيد (52)}؟ أي: من أضلَّ منكم.
{__________
(1) - ... سورة يوسف: 87. (4/96)
صفحة 1259
سنُرِيهم آياتنا فيِ الآفاق} (لَعَلَّهُ) يعني مَا أخبرهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - بِهِ مِنَ الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وَمَا يسَّر الله لَهُ، ولخلفائه مِنَ الفتوح، والظهور عَلَى ممالك الشرق والغرب، عَلَى وجه خارق للعادة؛ {وفي أنفسِهم} مَا ظهر فيما بين أهل مكَّة، وَمَا حلَّ بهم، أو مَا فيِ الأبدان من عجائب الصنع، الدالَّة عَلَى كمال القدرة، {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ} الضمير للقرآن، أو الرسول أو التوحيد أو الله؛ {أَوَلَمْ يَكْفِ بربِّك} أي: أولم يكف ربَّك؟ كَأَنَّهُ قيل: أو لم يحصل الكفاية من غير زيادة؟ {أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شيء شهيد (53)} المعنى: أولم يكفك أَنَّهُ تعالى عَلَى كُلِّ شيء شهيد مُحقِّق لَهُ؟ فيحقِّق أمرك بإظهار الآيات الموعودة، كما حقَّق سائر الأشياء؛ أو مُطَّلِع فيعلم حالك وحالهم؛ أو أوَلَم يكف الإنسان رادعا عَن المعاصي أَنَّهُ تعالى مُطَّلع عَلَى كُلِّ شيء، لاَ تخفى عليه خافية.
{ألا إِنَّهُم فيِ مريةٍ} شكٍّ {من لقاء ربِّهم} بالبعث والجزاء، {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شيءٍ مُحيطٌ (54)} عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها، مقتدر عليها، لا يفوته شيء مِنْهَا.
سورة الشورى
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم (1) عسق (2) كذَلِك يُوحي إليك وإلى الذِينَ من قبلك اللهُ العزيزُ الحكيمُ (3)} أي: مثل مَا فيِ هَذِهِ السورة مِنَ المعاني، أو إيحائها، أوحى الله إليك، وإلى الرُّسُل من قبلك؛ {لَهُ مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض وَهُوَ العليُّ العظيم (4)}.
{ (4/97)
صفحة 1260
تكاد السَّمَاوَات يتفَطَّرْنَ} يتشقَّقن من عظمة الله؛ وقيل: من ادِّعاء الولد، وفي موضع: تكاد كُلُّ وَاحِدَة أن تتفطَّر من فوق التِي تليها، من قول المشركين: «اتَّخَذَ الله ولدا»، غضبا عَلَى قائلها ومعتقِدِها، {من فوقِهِنَّ، والمَلاَئِكَة يُسَبِّحون بِحمد ربِّهم ويستغفرون لمن فيِ الأَرْض} قيل: بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم مِنَ الشفاعة والإلهام، وإعداد الأسباب المقرِّبة إِلىَ الطاعة، {أَلاَ إِنَّ اللهَ هُوَ الغَفُورُ الرحيمُ(5)} إذ مَا من مخلوق إِلاَّ وَهُوَ ذو حظٍّ من رحمته.
{وَالذِينَ اتَّخذُوا مِن دونِه أولياءَ} شركاء وأندادا، {اللهُ حفيظٌ عليهم} رقيب عَلَى أحوالهم وأعمالهم، فيجازيهم بها، {وَمَا أنت} يا محَمَّد {عليهم بوكيل(6)} بِموكَّل بهم، أو بموكول إليك أمرهم. {وكذَلِك أوحينا إليك قُرآنًا عربيًّا لتُنذِرَ أمَّ القُرَى} أهلَ أمِّ القرى، وهي مكَّة {ومَن حولَها، وتُنذر يومَ الجمعِ} يوم القيامة بجمع الخلائق فيه، {لاَ ريبَ فِيهِ، فريقٌ فيِ الجَنَّة وفريقٌ فيِ السَّعير(7) ولو شاء الله لجعلهم [533] أُمَّةً وَاحِدَة} كلَّهم عَلَى مِلَّة وَاحِدَة، {ولكن يُدخِل من يَشَاء فيِ رحمته} بالهداية، والحمل عَلَى الطاعة، {والظالمون مَا لَهُم مِّن وليٍّ وَلاَ نصيرٍ(8)} ينصرهم للدخول فيِ طاعته ورحمته، لأَنَّهُم في حالِ (لَعَلَّهُ) الخذلانِ.
{ (4/98)
صفحة 1261
أم اتَّخذوا من دونه أولياء فالله هُوَ الوليُّ} أي: إن أرادوا أولياء بحقٍّ، فالله الوليُّ بِالْحَقِّ، لاَ مَا اتَّخَذوه من دونه، {وَهُوَ يُحيِي الموتَى، وَهُوَ عَلَى كلِّ شيءٍ قديرٌ (9)} لكونه حقيقا بالوَلاية. {وَمَا اختلفتم فِيهِ من شيءٍ} من أمر من أمور الدين والدُّنْيَا، {فَحُكْمُهُ إِلىَ الله} مُفوَّض إِلَيْهِ، يميِّز المحِقَّ عَن المبطل، أو مَا اختلفتم فِيهِ من تأوُّل متشابهٍ، فارجعوا إِلىَ المحكم من كِتَاب الله، {ذَلِكم الله ربِّي (1) عليه توكَّلت} فيِ مجامع الأمور، {وَإِلَيْهِ أُنيبُ (10)} أرجع فيِ المعضلات.
{فاطرُ السَّمَاوَات والأَرْض، جَعَل لكم مِّن أنفسِكم أزواجا، ومن الأنعام أزواجا} أي: وخلق للأنعام من جنسها أزواجا؛ أو خلق لكم مِنَ الأنعام أصنافا؛ أو ذكورًا وإناثا، {يَذرَؤُكم} يُكثِّركم، مِنَ الذَّر وَهُوَ: البثُّ، وفي معناه: الذَّر والذَّرء، {فِيهِ} فيِ هَذَا التدبير، وَهُوَ جَعْل الناس والأنعام أزواجا يكون بَيْنَهُم توالد، فَإِنَّهُ كالمنبع للبثِّ والتكثير، {ليس كَمِثْلِه شيءٌ} إذ ليس مثله شيء يزاوجه ويناسبه، {وَهُوَ السميع البصير (11)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «ربِّي»، وهو سهو. (4/99)
صفحة 1262
لَهُ مقاليدُ السَّمَاوَاتِ والأَرْض} خزائنها، {يَبسُطُ الرزقَ لمن يَشَاء ويَقْدِرُ} يُوسِّع ويُضيِّق عَلَى وِفق مشيئته، {إِنَّهُ بِكُلِّ شيء عليمٌ(12)} فيفعله عَلَى مَا ينبغي. {شَرَعَ لكم مِّنَ الدِّين مَا وَصَّى بِهِ نوحًا، والذي أوحينا إليك، وَمَا وصَّينا بِهِ إبراهيمَ وموسى وعيسى} أي: شرع لكم مِنَ الدِّين، دين نوح ومحمَّد، ومن بينهما وقبلهما وبعدهما من أرباب الشرائع، وَهُوَ دين الإسلام، وَهُوَ الأصل المشترك فيما بينهم المفسَّر بقوله: {أَنْ أقيموا الدِّينَ} وَهُوَ الإيمان بِمَا يجب تصديقه، والطاعة فيِ أحكام الله، {وَلاَ تتفرَّقوا فِيهِ} وَلاَ تختلفوا فيِ هَذَا الأصل؛ أَمَّا فروع الشرائع فمختلفة، كما قَالَ: {لِكُلٍّ جعلنا منكم شرعةً ومِنْهَاجا} (1) .
{كَبُر عَلَى المشركين} عَظُم عَلَيْهِم {مَا تدعوهم إِلَيْهِ} مِنَ التوحيد، {الله يَجتبي إِلَيْهِ من يَشَاء ويهدي إِلَيْهِ} بالإرشاد والتوفيق {من يُنيب(13)} يُقبل إِلَيْهِ.
{وَمَا تفرَّقوا} يعني [الأمم] (2) السالفة، {إِلاَّ من بعد مَا جاءهم العلم} أسباب العلم مِنَ الرُّسُل والكتب وغيرهما، فلم يلتفتوا إِلَيْهِا {بَغْيًا بَيْنَهُم} عداوة أو طلبا للدنيا؛ {ولولا كلمةٌ سبقَت من رَّبِّكَ إِلىَ أجلٍ مُّسمًّى} هُوَ القيامة، أو آخر أعمارهم المقدَّرة، {لقُضِيَ بَيْنَهُم} باستئصال المبطلين.
{وإنَّ الذِينَ أورِثوا الكتابَ من بعدهم} يعني أهل الكتاب الذِينَ كَانُوا فيِ عهد الرسول، أو المشركين الذِينَ أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب، {لَفي شكٍّ منْهُ} من كتابهم لاَ يعلمونه كما هُوَ، وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حقَّ الإيمان، أو مِنَ القرآن {مريبٍ(14)} مُقلِق، أو يدخل فيِ الريبة.
[
__________
(1) - ... سورة المائدة: 48.
(2) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص122. (4/100)
صفحة 1263
534] {فلذَلِك} فلأجل ذَلِكَ التفرُّق، أو الكتاب أو العلم الذِي أوتيته {فَادْعُ} عَلَى الاتِّفَاق عَلَى الملَّة الحنيفيَّة، أو الاتِّباع لِمَا أوتيت، {واستَقِمْ كما أُمِرتَ وَلاَ تتَّبع أهواءهم} الباطلة، {وقُل: آمنتُ بِمَا أنزل الله من كِتَابٍ} يعني جميع الكتب المنزَّلة، لاَ كالكفرة الذِينَ آمَنُوا ببعض وكفروا ببعض، {وأُمرتُ لأَعدِلَ بينكم} فيِ تبليغ الشرائع والحكومة، وَالأَوَّل إشارة إِلىَ كمال القوَّة النظريَّة، وهذا إشارة إِلىَ كمال القوَّة العمليَّة، {الله رَبُّنَا وربُّكم} خالقُ الكُلِّ، أو متولِّي أمره، {لَنَا أعمالُنا ولكم أعمالُكم} فكلٌّ مِنَّا مُجازًى بعمله، {لاَ حجَّة بينَنا وبينَكم} لاَ حِجاج، بمعنى: لاَ خُصومة إذ الحَقُّ قد ظهر، ولم يبق للمحاجَّة (1) مجال، {الله يجمَع بينَنا} يوم القيامة، فيميِّز بين المحقِّ والمبطل، {وَإِلَيْهِ المصير (15)} مرجع الكُلِّ.
{وَالذِينَ يُحاجُّون فيِ الله} فيِ دينه، {مِن بعدِ مَا استُجِيب لَهُ} من بعد مَا استجاب لَهُ الناسُ ودخلوا فِيهِ، {حجَّتُهم داحضةٌ عند ربِّهم} زائلة باطلة، {وعليهم غضبٌ} بمعاندتهم، {ولهم عذابٌ شديد (16)} عَلَى كفرهم.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «للحاجة»، وَلَعلَّهُ يقصد: «للُّجاجة». «واللَّجاج واللَّجاجة: الخصومة». ر: الفيروزآبادي: القاموس، ص186، مَادَّة: «لجج»، وَأَمَّا ما أثبتناه فمن البيضاوي: المصدر نفسه. (4/101)
صفحة 1264
الله الذِي أنزل الكتابَ بِالْحَقِّ} مُلتبسا بِهِ بعيدا عِنَ الباطل، أو بِمَا يحقُّ إنزاله مِنَ العقائد والأحكام، {والميزانَ} والشرع الذِي يوازن بِهِ الحقوق، ويحكم بين الناس، {وَمَا يُدرِيك لَعَلَّ الساعةَ قريبٌ (17)} إتيانها، فاتَّبع الكتاب، واعمل بالشرع، وواظب عَلَى العدل، {يستعجلُ بها الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بها، وَالذِينَ آمَنُوا مُشفِقُون مِنْهَا (1)، ويعلمون أَنَّهَا الحَقُّ} أي: الكائن لاَ محالة.
{أَلاَ إِنَّ الذِينَ يُمارُون فيِ الساعة} يجادلُون فِيهَا، مِنَ المِرية، {لَفي ضلالٍ بعيد (18)} عَن الحَقِّ، فَإِنَّ البعث أشبه الغائبات إِلىَ المحسوسات، فمن لم يهتد لتجوُّزها، فهو أبعد مِنَ الاهتداء إِلىَ مَا وراءه. {اللهُ لطيفٌ بعباده} يُسدي إِلَيْهِم بِصنوف مِنَ البرِّ لاَ تَبلغها الأفهام، {يَرزُقُ من يَشَاء} أي: يرزقه كما (2) يَشَاء، فيخصُّ كُلاً من عباده بنوع مِنَ البرِّ، عَلَى مَا اقتضته حكمته، {وَهُوَ القويُّ العزيز (19)} الباهر القدرةِ، الممتنع عَن الغلبة عَمَّا يريده.
{من كَانَ يريد حرث الآخِرَة} ثوابها؛ شبِّه بالزرع من حيث إنَّهُ فائدة تحصل بعمل الدُّنْيَا، ولذَلِك قيل: «الدُّنْيَا مزرعة الآخِرَة»؛ الحرث في الأصل (3): إلقاء البذر فيِ الأَرْض، ويُقال للزرع الحاصل مِنْهُ، {نَزِدْ لَهُ فيِ حرثه} نعطيه بالوَاحِد عشرًا إِلىَ سبعمائة فما فوقها؛ {ومن كَانَ يُريد حرثَ الدُّنْيَا نُؤتِه مِنْهَا} شَيْئًا مِنهَا عَلَى مَا قسمنا لَهُ، {وَمَا لَهُ فيِ الآخِرَة من نَّصِيبٍ (20)} لأَنَّ تحصيل المرادين لاَ يجتمعان.
{__________
(1) - ... في الأصل: - {يستعجلُ بها الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بها، وَالذِينَ آمَنُوا مُشفقُون مِنْهَا}، وهو سهو.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «لما»، ولا معنى له، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص123.
(3) - ... في الأصل: «والأصل»، وهو خطأ. (4/102)
صفحة 1265
أم لَهُم شركاءُ} بَل لَهُم شركاء، والهمزة للتقرير والتقريع؛ وشركاؤهم: شياطينهم، {شَرَعُوا} بالتزيين {لَهُم مِّنَ الدين مَا لم يأذَنْ بِهِ الله}؟ كالشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا؛ وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإضافتها إِلَيْهِم، لأَنَّهُم مُتَّخذوها شُركاء، وإسناد الشرع إِلَيْهِا، لأَنَّهَا سبب ضلالتهم، وافتتانهم بِمَا تديَّنوا بِهِ؛ {ولولا كلمةُ الفَصْل} [535] أي: القضاء السابق بتأجيل الجزاء، ولِوعدٍ بِأَنَّ الفصل يكون يوم القيامة، {لقُضي} الأمر {بَيْنَهُم} بين الْكَافِرِينَ والمؤمنين، أو المشركين وشركائهم، {وإنَّ الظالمين لَهُم عذابٌ أليم (21)}.
{تَرى الظالمين} فيِ القيامة {مُشفِقِين} خائفين {مِمَّا كسبوا} مِنَ السَّيِّئَات، {وَهُوَ واقعٌ بهم} أي: وباله لاحقٌ بهم أشفقوا أو لم يُشفقوا؛ {وَالذِينَ آمَنُوا وعملوا الصَّالِحَات فيِ روضاتِ الجنَّات} فيِ أطيب بِقاعها، {لَهُم مَّا يَشَاءون عند ربِّهم} أي: مَا يشتهونه ثابت لَهُم عند ربِّهم، {ذَلِكَ هُوَ (1) الفضل الكبير (22)} الذِي يصغر دونه مَا لغيرهم فيِ الدُّنْيَا؛ {ذَلِكَ الذِي} أي: الذِي ذكره من نعيم الجَنَّة، {يُبَشِّرُ الله عباده الذِينَ آمَنُوا وعملوا الصَّالِحَات} ذَلِكَ الثواب الذِي يبشِّرهم الله بِهِ فيِ محيَاهم، وعند مماتهم وبعثهم.
{قل لاَّ أسألكم عليه} على ما أتعاطاه من التبليغ {أجرًا} نفعا دُنيَوِيًّا {إِلاَّ المودَّةَ فيِ القربَى} أي: التقرُّب إِلىَ الله؛ وقيل: {فيِ القربى}: أن يتقرَّبوا إِلىَ الله عَلَى العمل بطاعته، {ومن يقترفْ حسنةً} ومن يكتسب طاعة، {نَزِدْ لَهُ فِيهَا} فيِ الحسنة {حُسنًا} بمضاعفة الثواب، {إِنَّ الله غَفُورٌ} لمن تاب، {شكورٌ (23)} لمن أطاع بتوفية الثواب، والتفضُّل عليه بالزيادة.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «هو»، وهو سهو. (4/103)
صفحة 1266
أم يَقولون} بَل يقولون: {افترَى عَلَى الله كَذِبا} افترى محَمَّد بدعوى النبوَّة، أو القرآن؛ {فإن يَشَإِ اللهُ يَختِمْ عَلَى قلبِك} استبعاد للافتراء عَن مثله، بالإشعار عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يجترئ عليه من كَانَ مختوما عَلَى قلبه، جاهلا بِرَبِّهِ، فَأَمَّا من كَانَ ذا بصيرة ومعرفة فلا؛ وَكَأَنَّهُ قَالَ: إن يَشَأ الله خذلانك لتجترئ بالافتراء عليه؛ وقيل: {يختمْ عَلَى قلبك} يمسك القرآن والوحي عَنْهُ (1)، أو يربط (لَعَلَّهُ) عليك بالصبر فلا يشُقَّ عليك أذاهم، {ويَمحُ اللهُ الباطلَ ويُحقُّ الحَقَّ بكلماته، إِنَّهُ عليمٌ بذاتِ الصدورِ (24)} استئناف لنفي الافتراء عَمَّا يقوله، بِأَنَّهُ لو كَانَ مفترًى لَمَحقَهُ، إذ من صفته تعالى يمحو الباطل ويثبِّت الحَقَّ؛ أو لوعيده بمحق باطلهم وتثبيت حقِّه بالقرآن.
{وَهُوَ الذِي يَقبَل التوبةَ عَن عباده} بالتجاوز عَمَّا تابوا عَنْهُ والقبول، قيل: التوبةُ الانتقالُ عَن الأحوال المذمومة إِلىَ الأحوال المحمودة، {ويعفو عَن السَّيِّئَات} لمن تاب مِنهَا، أو عَن الصغائر لمن اجتنب الكبائر، {ويعلم مَا تفعلُونَ (25)} فيُجازي ويتجاوز عَن اتقانٍ وحكمةٍ.
{ويستجيبُ الذِينَ آمَنُوا وعملوا الصَّالِحَات} أي: يستجيب الله لَهُم؛ والمراد: إجابة الدعاء، والإثابة عَلَى الطاعة، فَإِنَّهَا دعاء، {ويزيدهم مِّن فضله} عَلَى مَا سألوا واستحقُّوا؛ {والْكَافِرُونَ لَهُم عذاب شديدٌ (26)} فيِ الدارين، بدلَ مَا للمؤمنين مِنَ الثواب والتفضُّل (لَعَلَّهُ) فيهما.
{__________
(1) - ... الصواب: «عنك»، لأَنَّ السياق كلَّه جاء بصيغة المخاطَب. (4/104)
صفحة 1267
ولو بَسَطَ اللهُ الرزقَ لعباده} يحتمل هَذَا لعباده المؤمنين، كما روي: «إِنَّ الله يَزْوِي (1) عَن عبده المؤمنِ [536] الدُّنْيَا، كما يَزْوِي الوالد الشفيق عَن ابنه المساوئ» (2)، {لَبَغوا فيِ الأَرْض} بالتكبُّر، أو أفسدوا فِيهَا بطرا، أو لبغى بعضهم عَلَى بعض استيلاء واستعلاء؛ قيل: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة، (لَعَلَّهُ) ومركبا بعد مركب؛ {ولكن يُنزِّل بِقَدَرٍ} بتقدير {مَا يَشَاء} (لَعَلَّهُ) نظرا مِنْهُ لعباده كما اقتضت مشيئته، {إِنَّهُ بعباده خبير بصير (27)} يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم، فيُقدِّر لَهُم مَا يناسب شأنهم.
{وَهُوَ الذِي يُنزِّل الغيث من بعد مَا قَنطوا وينشُر رحمتَه} فيِ كُلِّ شيء مِنَ السهل والجبل والنبات والحيوان، {وَهُوَ الوليُّ} الذِي يَتَوَلىَّ أمر خلقه، من إيجاد وإمداد، {الحميد (28)} المُستحقِّ للحمد عَلَى ذَلِكَ.
{ومن آياته خَلْق السَّمَاوَات والأَرْض} فَإِنَّهَا بذاتها وصفاتها، تَدُلُّ عَلَى وجود صانع قادر حكيم، {وَمَا بثَّ (3) فيهما من دَابَّة} من حيٍّ، {وَهُوَ عَلَى جَمعِهم إِذَا يَشَاء قديرٌ (29)}.
{__________
(1) - ... فيِ اللسان: «زَوَى الشَّيْءَ يَزْوِيه زَيًّا وزُوِيًّا فانزوى: نحَّاه فتنحَّى» ثُمَّ قال: «وزَوَى اللهُ عَنِّي الشرَّ: أي صرفه، وزَوَيْتُ الشَّيْءَ عن فلان: أي نحَّيته». ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص66 - 67، مَادَّة «زوي».
(2) - ... لم نعثر عَلَيْهِ فيِ الربيع ولا فيِ الكتب التسعة ولا فيِ الجامع الصغير وزياداته.
(3) - ... في الأصل: «يبثُّ»، وهو خطأ. (4/105)
صفحة 1268
وَمَا أصابكم من مُّصيبةٍ} كَانَت دنيويَّة أو دينيَّة، لأَنَّهَا كَأَنَّهَا مخصوصة بالعاصين، {فَبِما كسبت أيديكم} بسبب معاصيكم {ويعفُو عَن كثيرٍ(30)} مِنَ الذنوب وَلاَ يعاقب عليها؛ وقيل: الآية مخصوصة بالمجرمين، فَإِنَّ مَا أصاب غيرهم فلأسباب أخر، مِنهَا: تعريضه للأجر العظيم، والصبر عليه، ويدلُّك عَلَى ذَلِكَ قوله: {وَمَا أَنتُم بِمعجزين فيِ الأَرْض} فائتين مَا قضى عَلَيْكُم مِنَ المصائب، {وَمَا لكم مِّن دونِ الله من وليٍّ} يحرسكم عَنْهُ، {وَلاَ نصير(31)} يدفعه عنكم.
{ومن آياته الجوارِ} السفن الجارية {فيِ البحر كالأعلام(32)} كالجبال؛ {إن يَّشَأْ يُسْكِنِ الريحَ فيَظللْن رواكدَ عَلَى ظهره} فيبقين ثوابت عَلَى ظهر البحر، {إِنَّ فيِ ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صبَّار شكور(33)} لِكُلِّ من كَانَ هِمَّته النظر فيِ آيات الله. {أو يُوبِقهنَّ} أو يهلكهنَّ {بِمَا كسبوا ويعفو عَن كثير(34)}.
{ويعلمُ الذِينَ يجادلون فيِ آياتنا مَا لَهُم من مَّحيصٍ(35)} مَحِيد مِنَ العذاب. {فما أُوتِيتم مِّن شيءٍ فمتَاعُ الحياة الدُّنْيَا} تُمتَّعون بِهِ مدَّة حياتكم، {وَمَا عند الله} من ثواب الآخِرَة {خيرٌ وأبقى للذين آمَنُوا وعَلَى ربِّهم يتوكَّلُونَ(36)} بخلوص نفعه ودوامه.
{الذِينَ يجتنِبون كبائر الإثمِ والفواحشَ، وإذا مَا غضبوا هم يَغْفِرونَ(37)} فلا ينتصرون لأنفسهم، بَل يُحمِّلون أنفسهم الصبر عَن ذَلِكَ لله تعالى. {وَالذِينَ استجابوا لِربِّهم} أجابوا إِلىَ مَا دعاهم إِلَيْهِ للقيام بأمر دينه، {وأقاموا الصلاةَ وأمرُهُم شورَى بَيْنَهُم} لاَ يتفرَّدون برأيهم حَتَّى يشاوروا ويجتمعوا عليه، وذَلِك من فرط تدبُّرهم، وطلبهم للسلامة، والخوف مِنَ العطب، وتيقُّظهم لعواقب الأمور، {وممَّا رزقناهم ينفِقُونَ(38)} فيِ سبيل الخير، وذَلِك يقتضي فيِ بذل المال والنفس.
{ (4/106)
صفحة 1269
وَالذِينَ إِذَا أصابهم البغي هم يَنتصرُونَ(39)} عَلَى مَا أباحه الله لَهُم [537] كراهة التذلُّل مَعَ القدرة عَلَى إعزاز الدين لله وأهله. {وجزاءُ سيِّئةٍ سيِّئةٌ مِّثلُها، فمن عفا وأصلح فأجرُه عَلَى الله} عِدَةٌ مبهمة تَدُلُّ عَلَى عظم الموعود، {إِنَّهُ لاَ يحِبُّ الظالمِينَ(40)} المبتدئين بالسيِّئة، والمتجاوزين فيِ الانتقام. {ولَمَن انتصرَ بعد ظلمِه} بعدما ظُلِم {فأولئك مَا عَلَيْهِم من سبيلٍ(41)} بالمعاتبة والمعاقبة. {إِنَّمَا السبيلُ عَلَى الذِينَ يظلمون الناسَ} يبتدئونهم بالإضرار، ويطلبون مَا لاَ يستحقُّون تجبُّرا عليهم، {ويَبغُون فيِ الأَرْض بغير الحَقِّ أُولَئِكَ لَهُم عذابٌ أليم(42)} عَلَى ظلمهم وبغيهم. {ولَمَن صبَر} عَلَى الأذى، {وغَفَر} وعفى عَن الانتصار، {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمورِ(43)} إِنَّ ذَلِكَ من ثمرة العزم ونتائجه، والرغبةُ فيِ الثواب هُوَ من عزم الأمور.
{ومن يُضلِل الله فما لَهُ من وليٍّ من بعدِه} من ناصر يتولاَّه من بعد خذلان الله إِيَّاهُ؛ {وترى الظالمين لَمَّا رأوا العذابَ} حين يرونه فتراهم عَلَى حال ضرير، وذَلِك عند الموت، أو يوم القيامة، أو فيِ الحالين، {يقولون: هل إِلىَ مَردٍّ من سبيل(44)}؟ إِلىَ الدُّنْيَا. {وتَرَاهُم يُعرَضون عليها} عَلَى النار {خاشعين} متذلِّلين، متقاصرِينَ (لَعَلَّهُ) بِمَا يلحقهم {من الذُّل ينظرون من طَرْف خَفِيٍّ} أي: يبتدئ نظرهم إِلىَ النار من تحريكٍ لأجفانهم، ضعيف كالمصبور ينظر إِلىَ السيف.
{ (4/107)
صفحة 1270
وقال الذِينَ آمَنُوا: إِنَّ الخاسرين الذِينَ خَسِروا أنفسَهم وأهليهم} لأَنَّ أنفسهم وأهليهم لم يريدوا بها وجه الله فيؤجرون {يومَ القيامة أَلاَ إِنَّ الظالمين فيِ عذابٍ مُقيمٍ(45)} فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة، كما أَنَّ المؤمنين فيِ نعيم مُقيمٍ فيهما، {وَمَا كَانَ لَهُم مِّن أولياء يَنصُرُونهم مِّن دونِ الله؛ ومن يضْلِلِ اللهُ فما لَهُ من سبيل(46)} إِلىَ الهدى والنجاة.
{استجيبوا لربِّكم} إذ دعاكم لحياتكم الأبديَّة، {من قبلِ أن يأتي يومٌ لاَ مردَّ لَهُ مِنَ الله} وَهُوَ عند انقضاء آجالكم لاَ يمكن ردُّه، {مَا لكم مِّن مَّلجأ يومئذٍ وَمَا لكم من نَّكِيرٍ(47)} إنكار لِمَا اقترفتموه، لأَنَّهُ مُدوَّن فيِ صحائف أعمالكم، تشهد عَلَيْكُم بِهِ ألسنتكم وجوارحكم. {فإن أعرَضوا فما أرسلناك عَلَيْهِم حفيظا} رقيبا، {إنْ عليك إِلاَّ البلاغُ}.
{وَإِنَّا إِذَا أذقنا الإنسانَ مِنَّا رحمةً فَرِحَ بها، وإن تصبْهم سَيِّئَةٌ بِمَا قدَّمت أيديهم فَإِنَّ الإنسانَ كَفورٌ(48)} بليغ الكفران، ينسى النعمة رأسا، ويذكر البلية ويُعظِّمها ولم يتأمَّل سببها.
{لله ملك السَّمَاوَات والأَرْضِ} فله أن يقسم النعمة والبليَّة كيف شاء، {يخلق مَا يَشَاء} من غير لزوم، {يهَبُ لمن يَشَاء إناثا ويهَبُ لمن يَشَاء الذكورَ(49) أو يزوِّجهم ذكرانا وإناثا} يجمع لَهُ بينهما، فيولد لَهُ الذكور والإناث، {ويجعل من يَشَاء عقيما، إِنَّهُ عليم قدير(50)} فيفعل مَا يفعل بحكمة واختيار.
{ (4/108)
صفحة 1271
وَمَا كَانَ لبشرٍ} وَمَا صحَّ لَهُ {أن يكلِّمه الله إِلاَّ وحيًا} كلاما خفيًّا يُدرَك بسرعة، لأَنَّهُ تمثيل ليس فيِ ذاته مُركَّبا من حروف مُقطَّعة، {أو من وراء حجاب} قيل: المراد بِهِ: الإلهام، والوحي المُنزَّل بِهِ الملَك إِلىَ الرُّسُل، {أو يرسلَ رسولا فَيُوحيَ بإذنه مَا يَشَاء} قيل: الرسول [538] هُوَ الملَك المُوحِي إِلىَ الرسول، {إِنَّهُ عليٌّ} عَن صفات المخلوقين، {حكيم (51)} يفعل مَا تقتضيه حكمته.
{وكذَلِك أوحينا إليك روحا من أمرنا} يعني: مَا أوحي إِلَيْهِ، وسمَّاه روحا لأَنَّ القلوب تحيى بِهِ، {مَا كُنتَ تدري مَا الكتابُ وَلاَ الإيمان} قبل الوحي؛ وفيه دليل عَلَى أَنَّ حجَّة المسموعات لاَ تقوم إِلاَّ بعد البيان بالسمع، {ولكن جعلناه نورا} الكتاب الموحَى إليك {نَهدي بِهِ مَن نَّشَاءُ من عبادنا} بالتأمُّل والنظر فِيهِ، والإيمان بِهِ، {وإنَّك لَتهدي إِلىَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيم (52)} هُوَ الحَقُّ. {صِرَاطِ الله الذِي لَهُ مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} خلقا وملكا؛ {أَلاَ إِلىَ الله تَصِير الأمورُ (53)} بارتفاع الوسائط؛ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد لمن عداهم.
- - -
سورة الزخرف
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم (1) والكتاب الْمُبِين (2) إِنَّا جعلناه قرآنا عربيًّا} أقسم بالقرآن عَلَى أَنَّهُ جُعِل قرآنا عربيًّا، وَهُوَ مِنَ البدائع لتناسب القسم والمُقسَم عليه؛ وَلَعَلَّ الإقسام بالأشياء استشهاد بِمَا فِيهَا مِنَ الدلالة عَلَى المُقسَم عليه، والقرآن من حيث إنَّهُ مُعجِز، مبيِّن طُرُق الهدى وَمَا يُحتاج إِلَيْهِ فيِ الديانة، {لَعَلَّكُم تعقلُونَ (3)} لكي تفهموا معانيه.
{ (4/109)
صفحة 1272
وَإِنَّهُ فيِ أُمِّ الكتاب} قيل: هُوَ اللوح المحفوظ، فَإِنَّهُ أصل الكتب السَّمَاوِيَّة، {لدَيْنا} محفوظا عندنا، {لَعَلِيٌّ} رفيع الشأن فيِ الكتب، لكونه معجزا، {حكيمٌ (4)} ذو حكمة بالغة، يخبر عَن منزلته وشرفه؛ إن كذَّبتم بِهِ أَيُّهَا الناس فَإِنَّهُ عندنا لَعليٌّ رفيع شريف. {أفَنَضْرِب عنكم الذكرَ صفحا}؟ أفنَذُودُه ونبعده عنكم؟ مجاز من قولهم (1) ضرب الغرائب عَن الخوض، أي: نهملكم فنضرب عنكم الذكر؛ وصفحا: مصدر، فَإِنَّ تنحية الذكر عَنْهُم إعراض؛ والمراد: إنكار أن يكون عَلَى خلاف مَا ذكر من إنزال الكتب عَلَى لغتهم ليفهموه، {أن كُنتُم قوما مسرفِينَ (5)} أي: لأَن كُنتُم، وهي فيِ الحقيقة علَّة مقتضية لترك الإعراض؛ وقد كَانُوا مسرفين عَلَى القطع، متجاوزين حدود الله، أن لو أُهمِلوا ولم يُنزَّل عَلَيْهِمُ الذكر؛ ويحتمل ذَلِكَ فيِ المسرفين، أي: من أسرف فنضرب عَنْهُ الذكر، أي: عَن فهمه، كما قَالَ: {وجعلنا عَلَى قلوبهم أكِنَّة أن يفقهوه وفي آذانهم وَقْرًا} (2).
{وكم أرسلنا من نبيٍّ فيِ الأَوَّلِينَ (6) وَمَا يأتيهم من نبيٍّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يستهزِءُونَ (7)} تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن استهزاء قومه، لأَنَّهُ مَا [مِن] رسول وَلاَ نبيٍّ يَسْلَم من استهزاء قومه. {فأهلكنا أشدَّ مِنْهُم بطشا} أي: أقوى من قومك، يعني: الأَوَّلين الذِينَ أُهلِكوا، {ومضى مَثلُ الأَوَّلِينَ (8)} وسلَف فيِ القرآن قِصَّتهم العجيبة؛ وفيه وعدٌ للرسول، ووعيد لَهُم بمثل مَا جرى عَلَى الأَوَّلين.
{__________
(1) - ... في الأصل: «قلولهم»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة الأنعام: 25. وسورة الإسراء: 46. (4/110)
صفحة 1273
ولئن سألتهم: مَّنْ خَلَق السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ؟ لَيقُولُنَّ: خَلقهنَّ العزيزُ العليمُ(9)} إِقْرَارا مِنْهُم بذَلِك. {الذِي جعل لكم الأَرْض مَهْدا} فتستقرُّون فِيهَا، {وجعل لكم فِيهَا سُبُلاً} تسلكونها، {لَعَلَّكُم [539] تهتدُونَ(10)} أي: لكي تهتدوا إِلىَ مقاصدكم، أو إِلىَ حكمة الصانع بالنظر فيِ ذَلِكَ. {والذي نزَّل مِنَ السَّمَاء ماءً بِقَدَر} بمقدارٍ، عَلَى مَا تقتضيه حكمته، {فأنشرنا بِهِ بلدة مَّيْتًا كذَلِك} مثل ذَلِكَ الإنشار {تُخرجُونَ(11)} تُنشَرون من قبوركم.
{ (4/111)
صفحة 1274
والذي خَلَق الأزواجَ كلَّها} أصناف المخلوقات، {وجَعَل لكم} (لَعَلَّهُ) من أصنافها، {من الفُلْك والأنعامِ مَا تَركَبُونَ (12) لِتَستَوُوا عَلَى ظهوره، ثُمَّ تَذْكُروا نعمةَ رَبِّكُم إِذَا استويتم عليه} تذكرونها بقلوبكم، معترفين بها، حامدين عليها، {وتقولوا: سبحانَ الذِي سَخَّر لَنَا هَذَا} وينبغي أن يذكر نعمة الله فيِ كُلِّ شيء أنعم بِهِ عليه، ويقول هكذا، {وَمَا كُنَّا لَهُ مقْرِنِينَ (13)} مطيقين؛ من أقرن الشَّيْء: إِذَا أطاقه، وحقيقةُ “أقرنه”: وجده قرينه وَمَا يقرن بِهِ، لأَنَّ القويَّ لاَ يُقرن بالضعيف (1)، {وَإِنَّا إِلىَ رَبِّنَا لَمُنقلبُونَ (14)} أي: راجعون؛ واتِّصاله بذَلِك، لأَنَّ الركوب للنقل، والنقلة العظمى هُوَ الانقلاب إِلىَ الله تعالى، أو لأَنَّهُ مخطر، فينبغي للراكب أن لاَ يغفل عَنْهُ، ويستعدَّ للقاء الله.
{__________
(1) - ... فيِ اللسان: «وأقرَنَ له وَعَلَيْهِ: أطاق وقَوِيَ عَلَيْهِ واعتلى ... قال: واشتقاقه من قولك: أنا لفلان مُقرِن، أي مطيق، وأقرنتُ فلانًا أي صرتُ له قِرنا ... قال ابن هانئ: المُقرِن: المطيق، والمُقرِن: الضعيف». وَفيِ الكشَّاف: «وحقيقةُ “أقرنه”: وجده قرينتَه وَمَا يقرن بِهِ، لأَنَّ الصعب لاَ يكون قرينة للضعيف». ولم تَتَّضِح لنا هَذِهِ العبارة لتفسير الآيَة، وقد تناقلها بَعض المُفَسِّرِين بحرفيَّتها، مثل البيضاوي، أبي السعود، الألوسي. انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 189. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص127. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص41. الألوسي: روح المعاني، ج24/ ص69. وانظر: ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص76، مَادَّة «قرن». (4/112)
صفحة 1275
وجعلوا لَهُ من عباده} أي: من خلقه {جزءا} أي: شركاء، أي: جعلوا لَهُ بعد الاعتراف؛ {إِنَّ الإنسان لكفور مُبِينٌ(15)} ظاهر الكفران، ومن ذَلِكَ نسبة الولد إِلىَ الله، لأَنَّهَا من فرط الجهل بِهِ، والتحقير لشأنه. {أم اتَّخَذَ مِمَّا يَخلُق بناتٍ وأصفاكم} أخلصكم {بالبنِينَ(16)} معنى الهمزة: للإنكار والتعجُّب من شأنهم.
{وإذا بُشِّر أحدهم بِمَا ضَرَبَ للرحمنِ مَثَلاً} بالجنس الذِي جعله مثلا، إذ الولد لاَ [بُدَّ] أن يُماثل الوالد، {ظلَّ وَجهُهُ مُسوَدًّا} لِمَا يعتريه مِنَ الكآبة، {وَهُوَ كظيم(17)} مملوء قلبه مِنَ الكدر؛ وفي ذَلِكَ دلالات عَلَى فساد مَا قالوه. {أَومَن ينشأ فيِ الحِليَة} أي: أو جعلوا لَهُ، أي: اتَّخَذوا من يتربَّى فيِ الحِليَة، أي: الزينة، يعني: البنات، {وَهُوَ فيِ الخِصام} فيِ المجادلة {غيرُ مُبِينٍ(18)} أي: إِذَا احتاج إِلىَ مخاصمة الرجال كَانَ غير مُبين، ليس عنده بيان، وَلاَ يأتي ببرهان يحجُّ بِهِ من خاصمه، وذَلِك لضعف عقول النساء؛ قيل: قَلَّ مَا تتكلَّم المرأة بِالحُجَّةِ لها إِلاَّ تكلَّمت بِالحُجَّةِ عليها.
{وجعلوا المَلاَئِكَة الذِينَ هم عبادُ الرحمن إناثا} كفر آخر تضمَّنته مقالتهم، وَهُوَ جعلُهم أكملَ العباد وأكرمَهم عَلَى الله، أنقصَهم رأيا، وأخسَّهم صنفا، {أَشَهِدوا خَلْقَهم} أَحَضَروا خلق إناثهم فشاهدوهم إناثا، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعلم بالمشاهدة، وَهُوَ تجهيل وتهكُّم بهم، {ستُكتَب شهادتهم} التِي شهدوا بها عَلَى المَلاَئِكَة، {ويُسألُونَ(19)} عنها يوم القيامة، وَهُوَ وعيد.
{ (4/113)
صفحة 1276
وَقَالُوا: لو شاء الرحمنُ مَا عبدناهم} زعموا أَنَّ عبادتهم بمشِيئَة الله كما قَالُوا (1) إخوانهم المجبرة؛ ثُمَّ كذَّبهم الله تعالى بقوله: {مَا لَهُم بذَلِك من عِلمٍ إن هُم إِلاَّ يَخرصُونَ (20)} يَكذبون. {أم آتيناهم كِتَابًا من قَبْلِه} من قبلِ القرآن، أو ادِّعائِهم ينطق عَلَى صِحَّة مَا قَالُوا، {فَهُم بِهِ مُستمسِكُونَ (21) بَل قَالُوا} بَل لا حجَّة لَهُم إِلاَّ قولهم: {إِنَّا وجدنا آباءنا عَلَى أُمَّة [540] وَإِنَّا عَلَى آثارِهِم مُّهتَدُونَ (22)} أي: لاَ حجَّة لَهُم عَقلِيَّة وَلاَ نَقلِيَّة، وَإِنَّمَا جنحوا فِيهِ إِلىَ تقليد آبائهم الجهلة؛ والأُمَّة: الطائفة التِي تؤمُّ، وذَلِك لِحُبِّهم الإلف والعادة، وحبِّ استصحابهما وكراهية فراقهما.
{وكذَلِك مَا أرسلنا مِن قَبلِك فيِ قريةٍ من نَّذيرٍ إِلاَّ قَالَ مُترفُوها} الذِينَ أترفتهم النعمة، أي: بطرتهم فآثروا الترفُّهَ عَلَى طلبِ الحُجَّة، وعافوا مشاقَّ التكليف، وكلُّ فريق يُقلِّد أسلافه فيما تهوى نفسه، إِلاَّ الذِينَ آمَنُوا. {إِنَّا وجدنا آباءنا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثارِهِم مُّقتَدُونَ (23)} تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودلالة عَلَى أَنَّ التقليد فيِ نحو ذَلِكَ ضلال قديم.
{قَالَ: أوَلَو جِئتُكم بأَهدَى مِمَّا وجَدتم عليه آباءَكم}؟ أي: أتتَّبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ {قَالُوا: إِنَّا بِمَا أُرسِلتم بِهِ كَافِرُونَ (24)} أي: وإن كَانَ أهدَى، إقناطا للتدبُّر [وَ] مِنْ أن ينظروا ويتفكَّروا فِيهِ. {فانتقَمْنا مِنْهُم} بالاستئصال، {فانظر كيف كَانَ عاقبة المكذِّبِينَ (25)}.
{__________
(1) - ... عَلَى لغة “أكلوني البراغيث” وهي ضعيفة، والأصوب: «كما قال». (4/114)
صفحة 1277
وإذ قَالَ إبراهيمُ} واذكر وقت قوله هَذَا، ليَرَوا كيف تبرَّأ عَن التقليد، وتمسَّك بالدليل؛ أو لِيقلِّدوه إن لم يكن لَهُم بدٌّ مِنَ التقليد، لأَنَّهُ مشروع تقليده وأمثالِه، {لأبيه وقومه: إِنَّنِي بَراءٌ} أي: بريء {مِمَّا تعبدُونَ(26)} بريء من عبادتكم ومعبودكم. {إِلاَّ الذِي فطَرَني} أي: إِنَّنِي بَرَاء من آلهة تعبدونها غير الذِي فطرني، {فَإِنَّهُ سَيهدِينِ(27)} سيثبِّتني عَلَى الهداية، أو سيهديني إِلىَ مَا وراء مَا هداني. {وجعلها} وجعل إبراهيمُ أو اللهُ كَلمةَ التوحيد {كلمةً باقيةً فيِ عَقِبهِ} فيِ ذُرِّيَّته، فيكون فِيهِم أبدا من يوحِّد الله، ويدعو إِلىَ توحيده، {لَعَلَّهُم يرجعُونَ(28)} يرجع من أشرك بدعاء من وحَّد.
{بَل متَّعتُ هؤلاءِ وآباءهم} بالمَدِّ فيِ العمر والنعمة، فاغتَرُّوا بذَلِك وانهمَكوا فيِ الشهوات {حَتَّى جاءهُم الحَقُّ} دعوة التوحيد أو القرآن، {ورسولٌ مُبِينٌ(29)} ظاهر الرسالة بِمَا لَهُ مِنَ المعجزات، أو مبيِّن للتوحيد بالحُجج والآيات. {وَلَمَّا جاءهم الحَقُّ قَالُوا: هَذَا سحرٌ} كذب مختلق، {وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ(30)} مكذِّبون.
{وَقَالُوا لولا نُزِّل هَذَا القرآنُ عَلَى رجلٍ مِنَ القريتينِ} من إحدى القريتين {عظيم(31)} بالجاه والمال أو الجسم، فَإِنَّ الرسالة مَنصب عظيم لاَ يليق إِلاَّ لعظيم، ولم يعلموا أَنَّهَا رتبة روحانيَّة تستدعي عظم النفس بالتحلِّي بالفضائل، والتخلِّي عَن الرذائل، لاَ بالزخارف الدنيويَّة، وذَلِك من عِظم مَا بهم مِنَ الكبر والحسد.
{ (4/115)
صفحة 1278
أَهُم يقْسِمون رحْمَةَ ربِّك}؟ إنكارٌ فِيهِ تجهيل وتعجُّب من حكمهم ومقالهم، والمراد بالرحمة: النبوَّة، {نَحْنُ قسَمنَا بَيْنَهُم مَّعِيشتهم فيِ الحياةِ الدُّنْيَا} وَهُم عاجزون عَن تدبيرها وَهُوَ أمر دنيا، فمن أين لَهُم أن يُدَبِّروا أمر النبوَّة التِي هِيَ أعلَى المراتب؟ {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} [541] ورفعنا (1) بَيْنَهُم التفاوت فيِ الرزق وغيره، {ليتَّخذ بعضُهم بعضا سُخْرِيًّا} يستعمل بعضهم بعضا فيِ حوائجهم، فيحصل بَيْنَهُم تآلف وتضامٌّ، ينتظم بذَلِك نظام العالم لاَ لِكمالٍ فيِ الموسَّع عليه، وَلاَ لنقص فيِ الْمُقتَر عليه، ثُمَّ لاَ اعتراض لَهُم علينا، فكيف يكون فيما هُوَ أعلى مِنْهُ؟! {ورحمةُ ربك} يعني: النبوَّةَ والعلمَ وجزاءَهما {خيرٌ مِمَّا يَجمَعُونَ (32)} من حطام الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... الصواب ما ذكره البيضاوي: «وأوقعنا». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص130. (4/116)
صفحة 1279
ولولا أن يكونَ النَّاسُ أُمَّة وَاحِدَةً} لولا أن يرغبوا فيِ الكفر إِذَا رأو الكفَّار فيِ سعة وتنعُّم لحبِّهم الدُّنْيَا، فيجتمعوا عليه، {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيُوتِهم سُقُفًا من فضَّة ومعَارِجَ} (لَعَلَّهُ) مَراقي ومصاعد {عليها يَظهَرُونَ (33) ولبيوتهم أبوابا وسُرُرًا عليها يتَّكئُونَ (34) وزخرفا} وزينة، {وإن كُلُّ ذَلِكَ} ويقتضي ذَلِكَ مَا يعمل ويؤجر بالفضَّة أو الذهب وغيرهما، من جميع الزيون (1)، مَا خرج عَن حدِّ الحاجة، {لَمَّا متاعُ الحياة الدُّنْيَا، والآخِرَةُ عند رَبِّكَ للمتَّقِينَ (35)} مِنَ الكفر والمعاصي، وفيه دلالة عَلَى أَنَّ العظيم هُوَ العظيم فيِ الآخِرَة لاَ فيِ الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... يبدو لي ـ وَالله أعلم ـ أَنَّهُ عَلَى وزن «الدُّيُون»، ومفرده «الدَّيْن». فيكون «الزيون» جمع «الزَّيْن» وَهُوَ خلاف الشَّين، إِلاَّ أَنَّ مصادر اللغة لم تذكر لنا هَذَا الجمع، إذ قال فيِ القاموس: «والزَّين ضِدُّ الشَّين، ج: أَزْيَان». أو لَعَلَّ المُصَنِّف يقصد «الزُّونَة»، قال فيِ اللسان: «والزينة والزُّونة: اسم جامع لِمَا تزيِّن به». ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص73، مَادَّة «زين». الفيروزآبادي: القاموس، ص1085، مَادَّة: «زين». (4/117)
صفحة 1280
ومن يَعشُ عَن ذِكر الرحمن} يتعامى ويعرضْ عَنْهُ، لفرط اشتغاله بالمحسوسات، وانهماكه فيِ الشهوات، {نُقَيِّضْ لَهُ} نضمَّ إليه {شيطانا} يوسوسه ويغويه دائما، {فهو لَهُ قرِين (36)} لاَ يُفارقه، ومن تفسير آخر: {ومن يَعشُ}: يتعامَ (1) (لَعَلَّهُ) بالهوى {عَن ذكر الرحمن} عَمَّا أمر بِهِ ونهى عَنْهُ، ولو فيِ حرف واحد، {نُقيِّضْ} نجعل (لَعَلَّهُ) له شيطانا يُزيِّن لَهُ مَا تعامى عَنْهُ، لأَنَّ الحبَّ للشيء (لَعَلَّهُ) يُعمي ويُصمُّ؛ {وَإنَّهُم ليَصُدُّونهم عَن السَّبيل} عَن الطريق الذِي من حقِّه أن يُسبَل {ويحسبون أَنَّهُم مُّهتدُونَ (37)}.
{حَتَّى إِذَا جاءَنَا} هُوَ وقرينه، {قَالَ: يا ليت بيني وبينَك بُعدَ المشرقين} بُعد المشرق مِنَ المغرب فيما قيل، {فبِئْسَ القرِينُ (38) ولن ينفعكم اليومَ} أي: مَا أَنتُم عليه مِنَ التمنِّي، {إذ ظلمتُم} أنفسكم فيِ الدُّنْيَا، {أَنَّكُم فيِ العذاب مُشترِكُونَ (39)} لأَنَّ حقَّكم أن تشتركوا وشياطينكم فيِ العذاب كما كُنتُم مشتركين فيِ سببه.
{أفأنت تُسمِعُ الصمَّ أو تَهدي العُميَ} إنكارُ تعجُّب من أن يكون هُوَ الذِي يقدر عَلَى هدايتهم بعد انهماكهم فيِ الكفر، واستغراقهم فيِ الضلال، صار عَشَاهم عمًى ومقرونا بالصمم. كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُتعِب نفسه فيِ دعاء قومه، وَهُم لاَ يزدادون إِلاَّ بُعدا، {ومن كَانَ فيِ ضلالٍ مُبِينٍ (40)}.
{فَإِمَّا نَذهبنَّ بِكَ} أي: فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم، {فإنَّا مِنْهُم مُّنتقِمُونَ (41)} لَهُم عذاب (2) فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة. {أو نُرينَّك الذِي وعدناهم} أو إن أردنا أن نُرِيك مَا وعدناهم مِنَ العذاب، {فَإِنَّا عَلَيْهِم مُقتدرُونَ (42)} لاَ يفوتونا.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «يتعامى»، وَهُوَ خطأ من الناسخ.
(2) - ... الأصوب: «{منقمون} بعذابٍ ... » كما عند البيضاوي: تفسير، ج4/ ص131. (4/118)
صفحة 1281
فاستمسك بالذي أُوحِيَ إليك} مِنَ الآيات والشرائع، {إِنَّكَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (43)} وطوبى لمن شهد لَهُ ربُّه بذَلِك، ومن أَرَادَ أن يشهد لَهُ كما شَهد لَهُ [542] فيسلك طريقته ويمتثل (1) أمره. {وَإِنَّهُ} أي: القرآن {لَذِكرٌ لك} لَشرف لك {ولقومِك} أي: هُوَ ذكر لأمر دينكم ودنياكم، فلا تميلوا إِلىَ غيره، واثبتوا عليه، {وسوف تُسألُونَ (44)} فيِ القيامة عَن القيام بحقِّه، وأداء شكره.
{واسألْ مَن أرسلنا مِن (2) قبلِك مِن رُّسُلنا} أي: تَفحَّص عَن نبئهم مِنَ الكتاب، {أَجعَلْنَا من دونِ الرحمنِ آلهةً يُعبَدُونَ (45)}؟ هل حكمنا بعبادة الأوثان؟ وهل جاءت فيِ مِلَّة من مِلَلهم، أو فيِ خبر من أخبارهم الصحيحة الصادقة؟؛ والمراد بِهِ: الاستشهاد بإجماع الأنبياء وتابعيهم عَلَى التوحيد، دون عبادة الأوثان والأهوية والأنفس والشياطين.
{وَلَقَد أرسلنا موسى بِآيَاتِنا إِلىَ فرعون ومَلَئِه فقال: إِنِّي رسولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46)} يريد باقتصاصه تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومناقضة قولهم: {لولا نُزِّل هَذَا القرآن عَلَى رجلٍ مِنَ القريتين عظيمٍ} والاستشهاد بدعوة موسى إِلىَ التوحيد؛ {فَلَمَّا جاءهم بِآيَاتِنا إِذَا هم مِّنهَا يضحَكُونَ (47)} استهزاء من حيث إِنَّهُم أعرضوا ولم يتأمَّلوا فِيهَا. {وَمَا نُريهم مِّن آية إِلاَّ هِيَ أكبرُ مِن أُختها} أي: وهي بالغة أقصى درجات الإعجاز، يحسب الناظر فِيهَا أَنَّهَا أكبر مِمَّا يقاس إِلَيْهِا مِنَ الآيات، وقيل: إِلاَّ وهي مختصَّة بنوع مِنَ الإعجاز، مفضَّلة عَلَى غيرها بذَلِك الاعتبار، {وأخذناهم بالعذاب لَعَلَّهُم يَرجعُونَ (48)}.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: «فليسلكْ طريقته، وليمتثلْ أمره».
(2) - ... في الأصل: - «من»، وهو سهو. (4/119)
صفحة 1282
وَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الساحر} نادَوه بذَلِك فيِ تلك الحال، لشدَّة شكيمتهم وفرط حماقتهم؛ وقيل: الساحر معهم: العالِمُ الكامل الحاذق، {ادعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عندك} بعهده عندك النبوَّة، أو من أن يستجيب دعوتك، {إِنَّنَا لَمُهتدُونَ (49) فَلَمَّا كشفنا عَنْهُم العذاب إِذَا هم يَنكثُونَ (50)} ينقضون عهدهم.
{ونادى فرعونُ فيِ قومه} فيِ مجمعهم {قَالَ: يا قومِ أليسَ لي مُلكُ مصرَ وهذه الأنهارُ تجري مِن تَحتِي} من تحت قصري، أو أمري، أو بين يديَّ فيِ جنَّاتي، {أفلا تبصرُونَ (51)} ذَلِكَ؟ {أم أنا خيرٌ} مَعَ هَذِهِ المملكة والسلطنة، {مِن هَذَا الذِي هُوَ مَهينٌ} ضعيف حقير لاَ يستعدُّ للرئاسة؛ مِنَ المهانة: وهي القِلَّة، {وَلاَ يكاد يُبِينُ (52)} الكلامَ لِمَا بِهِ مِنَ اللكنة، فكيف يصلح للرسالة؟ {فلولا أُلقِيَ عليه أَسوِرة مِن ذَهَبٍ} أي: فهلاَّ أُلقِي عليه مقاليد الملك إن كَانَ صادقا؛ إذ كَانُوا إِذَا قدَّموا رجلا سَوَّرُوه وطوَّقوه بِطَوق من ذهب، {أو جاء معه المَلاَئِكَة مُقتَرنِينَ (53)} مقرونين متتابعين، يتابع بعضهم بعضا يشهدون لَهُ بصدقه، ويعينونه عَلَى أمره. {فاستخفَّ قومَه} فطلب مِنْهُم الخِفَّة فيِ مطاوعته، {فأطاعوه} فيما أمرهم بِهِ، {إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقِينَ (54)} فلذَلِك أطاعوه.
{فَلَمَّا آسفونا} أغضبونا بالإفراط فيِ العناد والعصيان، منقول من أَسِف: إِذَا اشتدَّ غضبه، {انتقمنا مِنْهُم فأغرقناهم أجمعِينَ (55) فجعلناهم سَلَفا} قدوةً لمن بعدهم مِنَ الكُفَّار، يقتدون بهم فيِ الاستحقاق مثل أعقابهم (1)؛ وقيل: فجعلناهم مُتقدِّمين يتَّعظ بهم الآخِرون، {ومَثلا [543] للآخِرِينَ (56)} عبرة وعِظَةً، {ومثلا للآخرين} أي: عِظَة لَهُم، أو قِصَّة عجيبة تسير مسير الأمثال لَهُم، فيقال: مثلكم مثل قوم فرعون.
{__________
(1) - ... الصواب ما ذكره البيضاوي: «في استحقاقِ مثلِ عِقابهم». تفسير، ج4/ ص132. (4/120)
صفحة 1283
وَلَمَّا ضُرِب ابنُ مَرْيَم مَثَلا إِذَا قومُك مِنْهُ يصُدُّونَ(57) وَقَالُوا أآلهتُنا خيرٌ أم هُوَ مَا ضَربُوه لك إِلاَّ جدلاً} مَا ضربوا هَذَا المثل إِلاَّ لأجل الجدل، أو الخصومة بالباطل، لاَ لتمييز الحَقِّ مِنَ الباطل، {بَل هم قوم خَصِمُونَ(58)} شِدادُ الخصومة، حِراصٌ عَلَى اللجاج والمحاجَّة. {إن هُوَ إِلاَّ عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه} آية وعبرة لبَنِي إِسْرَائِيلَ، أمرا عجيبا (لَعَلَّهُ) يعرفون بِهِ قدره كالمثل السائر {لبَنِي إِسْرَائِيلَ(59)} وَهُوَ الجواب المزيح لتلك الشبهة.
{ولو نشاء لَجعلنا منكم} لولَّدنا منكم يا رجال، كما ولَّدنا عيسى من غير أب، أو لجعلنا بَدَلكم {مَلاَئِكَةً فيِ الأَرْض يَخلفُونَ(60)} يخلفونكم فيِ الأَرْض؛ والمعنى: أَنَّ حال عيسى ــ وإن كَانَت عجيبة ــ فَإِنَّهُ تعالى قادر عَلَى مَا هُوَ أعجب من ذَلِكَ.
{وَإِنَّهُ لَعِلمٌ للساعة} قيل: الضمير للقرآن فَإِنَّ فِيهِ الإعلام بإتيان الساعة، والدلالة عليها، {فلا تَمترُنَّ بها} فلا تشُكُّوا فِيهَا، {واتَّبعون} واتَّبعوا هُدايَ وشرعي؛ وقيل: [هو] قول الرسولِ أُمِرَ أن يقوله، {هَذَا} الذِي أدعوا إِلَيْهِ، {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(61)} لاَ يَضلُّ سالكه، لاستقامته عَلَى المقصود، {وَلاَ يَصدَّنَّكم} لاَ يَصرِفنَّكم {الشيطان} عَن سلوك دين الله، {إِنَّهُ لكم عدوٌّ مُبِينٌ(62)} بَيِّن العداوة لكم.
{وَلَمَّا جاء عيسى بِالبَيِّنَاتِ} بالمعجزات الدَّالَّة الواضحة، {قَالَ: قد جئتُكم بالحكمة} بالشرائع، {ولأُبيِّن لكم بعضَ الذِي تختلفون فِيهِ} وَهُوَ مَا يكون من أمر الدين، {فاتَّقُوا الله وأطيعونِ(63) إِنَّ الله هُوَ رَبِّي ورَبُّكُم فاعبدوه} بيانٌ لِمَا أمرهم بالطاعة فِيهِ، وَهُوَ اعتقاد التوحيد، والتعبُّد بالشرائع، {هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(64)}.
{ (4/121)
صفحة 1284
فاختَلَفَ الأحزابُ} الفرق المتحزِّبة {من بَيْنِهُم، فويلٌ للذين ظَلموا من عذابِ يومٍ أليم (65) هل ينظرون إِلاَّ الساعةَ} الموت، أو القيامة؛ والمعنى: هل ينظرون إِلاَّ قيام الساعة الصغرى، أو الكبرى {أن تأتيهم بغتةً} فجأة، {وَهُم لاَ يشعرُونَ (66)} لاَ يَعْلَمُونَ بإتيانها حينما تأتيهم، ولو حلَّ بهم مرض فَإِنَّهُمْ يحسبونه كالمرض السابق لَهُم، وذَلِك لطول أملهم، وفرط غفلتهم وحبِّهم للدنيا.
{الأخلاَّءُ} الأصدقاء {يومئذ بعضهم لبعض عدوٌّ} أي: يتعَادَون يومئذ لانقطاع العلائق بَيْنَهُم، {إِلاَّ المُتَّقِينَ (67)} فَإِنَّ خُلَّتهم لَمَّا كَانَت فيِ الله تبقى نافعة أبد الآباد.
{يا عبادِ لاَ خوفٌ عَلَيْكُم اليومَ وَلاَ أَنتُم تَحزنُونَ (68)} حكاية لِمَا ينادى بِهِ المتَّقون المتحابُّون فيِ الله. {الذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنا} بِحُجَجِنا من حيث جاءتهم، {وكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادخُلوا الجَنَّة أَنتُم وأزواجكم} نساؤكم المؤمنات، {تُحْبَرُونَ (70)} تُسرُّون سرورا يظهر حباره ــ أي: أثره ــ عَلَى وجوهكم. {يُطاف عَلَيْهِم بصِحافٍ مِّن ذَهَبٍ وأكوابٍ، وفيها مَا تشتهيهِ الأنفسُ وتَلَذُّ الأعينُ} بمشاهدته، {وأنتم فِيهَا خالدُونَ (71)} فَإِنَّ النعم وإن حلت موجبة للتحسُّر [544] إِذَا زالت، وَلاَ تتمُّ نعمة إِلاَّ بدوامها. {وتلك الجَنَّة التِي أُورِثتُمُوهَا} شبَّه جزاء العمل بالميراث، لأَنَّهُ يخلفه عليه المعمول لَه (1)، {بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (72) لكم فِيهَا فاكهة كثيرة} من حيث لاَ تُحصَى، {مِنهَا تأكلُونَ (73)}.
{__________
(1) - ... العبارة غير واضحة، وَفيِ تفسير البيضاويِّ: «لأَنَّهُ يخلفه عَلَيْهِ العامل». وتوضيحها عند الألوسيِّ: «وقد شبَّه ما استحقُّوه بأعمالهم الحسنة من الجَنَّة ونعيمها الباقي لهم بما يخلِّفه المرء لوارثه من الأملاك والأرزاق». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص132. الألوسي: روح المعاني، ج25/ ص101. (4/122)
صفحة 1285
إِنَّ المجرمين} الكاملين فيِ الإجرام {فيِ عذابِ جَهَنَّمَ خالدُونَ (74)} {لاَ يُفتَّر عَنْهُم} لاَ يُخفَّف عَنْهُم؛ مِن فتَرَت الحُمَّى عَنْهُ: إِذَا سكنت قليلا، {وَهُم فِيهِ مُبلِسُونَ (75)} آيسون مِنَ النجاة. {وَمَا ظلمناهم} وما عاملناهم معاملة ظلم، {ولكن كَانُوا هُمُ الظالمِينَ (76)}.
{ونادَوْا: يا مالكُ، ليقضِ علينا ربُّك}! والمعنى: سلْ رَبَّكَ أن يقضي علينا؛ من قَضى عليه: إِذَا أماته، وَهُوَ لاَ ينافي إبلاسهم، فَإِنَّهُ تَمَنٍّ (1) للموت من فرط الشِّدَّة، {قَالَ إِنَّكُم مَّاكثُونَ (77)} لاَ خلاص لكم بموت وَلاَ غيره، {لَقَد جئناكم بِالْحَقِّ} بالإرسال والإنذار، {ولكنَّ أكثرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ (78)} لِمَا فيِ اتِّبَاعه من إتعاب النفس، وآداب الجوارح.
{أم أبرَموا أمرًا} فيِ الحَقِّ وردِّه ولم يقتصر عَلَى كراهته، {فَإِنَّا مُبرِمُونَ (79)} أمرا فيِ مجازاتهم، إن كادوا شرًّا كِدنَاهم شرًّا. {أم يَحسَبُون أنَّا لاَ نسمعُ سِرَّهم ونجواهم، بَلَى، وَرُسُلُنا لديهم يَكتبُونَ (80)}.
{قل: إن كَانَ للرحمن ولدٌ فأنا أَوَّل العابدِينَ (81)} معناه: إن كَانَ لَهُ ولد فيِ زعمكم، فأنا أَوَّل العابدين لله، الموحِّدين لَهُ. {سبحانَ رَبِّ السَّمَاوَات والأَرْض رَبِّ العرش عَمَّا يَصفُونَ (82)} عَن كونه ذا ولد.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «تمنِّي»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص134. (4/123)
صفحة 1286
فذرهم يخوضوا} فيِ باطلهم، {ويلعبوا} فيِ دنياهم، {حَتَّى يُلاقوا يومَهم الذِي يُوعدُونَ (83)} وَهُوَ يوم تُقبض فِيهِ أرواحهم. {وَهُوَ الذِي فيِ السَّمَاء إلهٌ وفي الأَرْض إلهٌ} مُستحقٌّ بأن يُعبد فيهما؛ والدليل عَلَى أَنَّ كونه فيِ السَّمَاء بمعنى الألوهيَّة دون الاستقرار ... (1) وفيه نفي الآلهة السَّمَاوِيَّة والأَرْضية، واختصاصه باستحقاق الإِلَهِيَّة، {وَهُوَ الحكيم العليم (84)}.
{وتبارك الذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما، وعنده علم الساعة، وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ (85)} للجزاء. {وَلاَ يَملِك الذِينَ يَدعون من دونه الشفاعةَ} كما زعموا أَنَّهُم شفعاؤهم عند الله، {إِلاَّ من شهد بِالْحَقِّ وَهُم يَعْلَمُونَ (86)} مَا شهدوا بِهِ يقينا، كما شهدوا أَنَّهُ لاَ يعترِيهم شكٌّ فيما شهدوا بِهِ، وهؤلاء خلاف المُقلِّدين.
{ولئن سألتهم: مَّنْ خَلَقَهم}؟ سألت العابدين أو المعبودين، {لَيقُولُنَّ: الله} لِتعذُّر المكابرة من بيان ظهوره، {فأنَّى يُؤفَكُونَ (87)} يُصرفون عَن عبادته إِلىَ عبادة غيره؛ وهذه غلطة عظيمة من حيث إِنَّهُم عبدوا غير خالقهم، وَهُم مُقرُّون بِهِ أَنَّهُ (2) خالقهم.
{__________
(1) - ... فيِ العبارة سقط واضح. إذ أين هو خبر المبتدإ فيِ قوله: «والدليل عَلَى أَنَّ كونه فيِ السماء ... » إلخ. ولتوضيح مقصِد المُصَنِّف نورد عبارة الزمخشريِّ: «{في السماء} صلة “الذي”. و“إِلَهٌ” خبر مبتدإ محذوف، عَلَى أَنَّ الجملة بيان للصلة، وَأَنَّ كونه فيِ السماء عَلَى سبيل الإِلهِيَّة وَالرُّبُوبِيَّة لا عَلَى مَعْنَى الاستقرار». الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 211.
(2) - ... في الأصل: «أَنَّهُم»، وهو خطأ. (4/124)
صفحة 1287
وقيله} وقول الرسول شاكيا لِربِّه: {يا رَبِّ إِنَّ هؤلاء قوم لاَ يُؤْمِنُونَ (88)}. فأجابه الله وقال لَهُ: {فاصفحْ عَنْهُم} وَلاَ تُمارِهم، وَلاَ تُجادلهم، وصاحبهم فيِ الدُّنْيَا معروفا، بدليل قوله: {وقلْ: سلامٌ} تَسلم مِنْهُم، مَعَ سلامة دينك، {فسوفَ يَعْلَمُونَ (89)} تسلية للرسول، وتهديد لَهُم.
- - - -
سورة الدخان
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم (1) والكتاب [545] الْمُبِينِ (2) إِنَّا أنزلناه فيِ ليلة مُباركةٍ} قيل: في ليلة القدر؛ وبركتُها لذَلِك، فَإِنَّ نزول القرآن سبب المنافع الدِّينِيَّة والدُّنْيَوِيَّة، أو لِمَا فِيهَا من نزول المَلاَئِكَة والرحمة وإجابة الدعوة، وقسم النعمة، وفصل الأقضية، ولتضاعف فضلها عَلَى سائر الليالي، لقوله: {خير من ألف شهرٍ} (1) {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفرَق كُلُّ أمرٍ حكيم (4)} فَإِنَّ كونها مفرق الأمور المحكمة، أو الملبَّسة بالحكمة، تستدعي أن ينزَّل فِيهَا القرآن الذِي هُوَ من عظائمها. {أمرًا من عندنا} أي: أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا عَلَى مقتضى حكمتنا، وَهُوَ مزيد تفخيم الأمر، {إِنَّا كُنَّا مُرسِلِينَ (5)}.
{رحمةً من ربِّك} أي: أنزلنا القرآن ــ لأَنَّ إنزاله من حكمتنا ــ رحمةً للعباد، {إِنَّهُ هُوَ السميع العليم (6)} يسمع أقوال العباد ويعلم أحوالهم. {رَبِّ السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما إن كُنتُم مُّوقِنِينَ (7)} أي: إن كُنتُم من أهل الإيقان فيِ العلوم. {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} إذ لاَ خالق سواه، وَلاَ يستحقُّ العبادة سواه، {يُحيي ويُميت} كما تشاهدون {رَبُّكُم وربُّ آبائكم الأَوَّلِينَ (8)}.
{__________
(1) - ... سورة القدر: 3. (4/125)
صفحة 1288
بَل هم فيِ شكٍّ يلعبُونَ (9)} لأَنَّ الشكَّ فيِ الأُلُوهِيَّة يقتضي اللعب، ومع التصديق فليس لَهُ مجال. {فارتَقِبْ} فانتظر لَهُم {يوم تأتي السَّمَاء بِدخانٍ مُّبِينٍ (10)} فِيهِ كرب عظيم، فإنَّ المكروب يرى عَلَى بصره كالدخان من ضعف بصره. {يَغْشَى الناسَ هَذَا} يحيط بهم، ويُغطِّيهم {عذاب أليم (11)} (1) يحتمل فيِ أحوال الموت، يحيط بِهِ هَذَا العذاب.
{رَبَّنَا اكشفْ عَنَّا العذاب إِنَّا مؤمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذكرَى} من أينَ لَهُمُ التذكرة، وكيف يتذكَّرون وَهُم بهذه الحال، كقوله: {حَتَّى إِذَا جاءهم الموتُ، قَالَ: رَبِّ ارجعون} (2) {وقد جاءهم رسول مُّبِينٌ (13) ثُمَّ تولَّوا عَنْهُ وَقَالُوا مُعلَّم مَجنُونَ (14)}.
{إِنَّا كاشِفوا (3) العذابِ قليلا} أي: زمانا قليلا، {إِنَّكُم عائدُونَ (15)} وذَلِك بالتقدير أن لو كشف عَنْهُم العذاب قليلا لعادوا لِمَا نُهوا عَنْهُ. {يوم نبطش البطشة الكبرى} يوم القيامة، {إِنَّا مُنتقِمُونَ (16)} من كُلِّ ظالم.
{__________
(1) - ... من الأحسن أن يؤخِّر اسم الإشارة إِلىَ هَذَا المقطع الأخير من الآيَة ولا يفصل بين اسم الإشارة والمشار إِلَيْهِ.
(2) - ... سورة المؤمنون: 99.
(3) - ... في الأصل: «كاشف»، وهو خطأ. (4/126)
صفحة 1289
وَلَقَد فتنَّا قبلَهم قومَ فرعونَ} امتحنَّاهم بإرسال موسى - عليه السلام -، أو متَّعناهم فيِ الفتنة، بإمهال وتوسيع الرزق، {وجاءهم رسولٌ كريم (17)} لفضله، وفضل مَا أتاهم بِهِ. {أن أَدُّوا إليَّ عِبادَ الله} بأن أدُّوهم إِلَيَّ وأرسلوهم معي، أو بأن أدُّوا إليَّ حقَّ الله مِنَ الإيمان وقبول الدعوة، {إِنِّي لكم رسولٌ أمِينٌ (18)} غير متَّهم، لدلالة المعجزات عَلَى صدقه، أو لائتمان الله إِيَّاهُ عَلَى وحيه. {وأن لاَ تعلوا عَلَى الله} وَلاَ تتكبَّروا عليه بالاستهانة بوحيه ورسوله، {إِنِّي آتيكم بسلطانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذتُ بربِّي وربِّكم} التجأت إِلَيْهِ وتوكَّلت عليه، {أن ترجُمُونِ (20)} أن تؤذوني ضربا أو شتما، أو أن تقتلوني. {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزِلون (21)} فكونوا بمعزل منِّي، لاَ عليَّ وَلاَ لي، وَلاَ تتعرَّضوا عَليَّ بِشَرٍّ، فَإِنَّهُ ليس جزاء من دعاكم لِمَا فِيهِ فلاحكم.
{فدعا ربَّه} بعدما [546] كذَّبوه، {أَنَّ هؤلاء قومٌ مجرِمُونَ (22)} وَهُوَ تعريض بالدعاء عليهم بذكر مَا استوجبوه بِهِ. {فَأَسرِ بعبادي ليلاً إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ (23)} يتبعكم فرعون وجنوده إِذَا علموا بخروجكم. {واترك البحرَ رَهوًا} مفتوحا، ذا فجوة، أو ساكنا، {إِنَّهُم جُندٌ مُغرقُونَ (24)}.
{كم تَرَكوا} كثيرا تركوا {من جَنَّات وعيُونَ (25) وزُرُوعٍ ومقامٍ كريمٍ (26)} محافل حسنة، ومنازل مزيَّنة {ونَعمَةٍ كَانُوا فِيهَا فاكهِينَ (27) كذَلِك (1) وأورثناها قوما آخرِينَ (28)} ليسوا مِنْهُم فيِ شيء.
{__________
(1) - ... في الأصل: - {ونَعمَةٍ كَانُوا فِيهَا فاكهِينَ (27) كذَلِك}، وهو سهو. (4/127)
صفحة 1290
فما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْض} مجاز عَن عدم الاكتراث بهلاكهم، والاعتداد بوجودهم؛ كقولهم: بكت عَلَيْهِمُ السَّمَاء، وكسفت بمهلكه الشمس فيِ نقيض ذَلِكَ؛ ومِنْهُ مَا روي فيِ الأخبار: «إنَّ المؤمن ليبكي عليه مُصلاَّه، وموضع عبادته، ومَصعدَ عمله، ومهبط رزقه» (1)؛ وقيل تقديره: فما بكت عَلَيْهِم أهل السَّمَاء والأَرْض، {وَمَا كَانُوا منظَرِينَ (29)} مُمهلين إِلىَ وقت آخر لتوبة ولا غيرها.
{وَلَقَد نجَّينا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ العذاب المُهِينِ (30)} من استعباد قومه، وقتله أبناءهم. {مِن فرعونَ إِنَّهُ كَانَ عاليا مِنَ المسرِفِينَ (31)} فيِ العُتوِّ والشرارة. {وَلَقَد اخترناهم} أي: بَنِي إِسْرَائِيلَ {عَلَى عِلمٍ} عالمين بِأَنَّهُم أَحقَّاء بذَلِك، {عَلَى الْعَالَمِينَ (32)} عَلَى عالمي زمانهم. {وآتيناهم مِّنَ الآياتِ} كفَلْق البحر ونحوه، {مَا فِيهِ بلاءٌ مُبِينٌ (33)} نعمة جليلة، أو اختبار ظاهر.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيْهِ فيما بين أيدينا من مصادر التخريج، وقد أشار إِلَيْهِ الزمخشريُّ وأسنده إِلىَ ابن عَبَّاس. وعزاه الألوسيُّ إِلىَ ابن المنذر عن عليٍّ كرَّم الله وجهه. وأخرج البغويُّ فيِ تفسيره بسنده عن أنس بن مالك رواية عن بكاء مَصعَدِ عَمَلِ المؤمن ومَهبِطِ رزقه. البغوي، أبو محَمَّد الحسين بن مسعود الفرَّاء البغوي الشافعي: تفسير البغوي، المسمَّى: معالم التنزيل، إعداد وتحقيق: خالد عبد الرحمن العك، مروان سوار، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1406هـ/1986م. ج4/ ص152. الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 219. الألوسي: روح المعاني، ج25/ ص125. (4/128)
صفحة 1291
إِنَّ هؤلاء} كُفَّار قوم محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -، لأَنَّ الكلام فِيهِم، وقصَّة فرعون وقومه (1) مسوقة للدلالة عَلَى أَنَّهُم مِثلهم فيِ الإصرار عَلَى الضلالة، والإنذار عَن مثل مَا حلَّ بهم، {لَيقولُونَ (34) إن هِيَ إِلاَّ موتتُنا الأولى} مَا العاقبة ونهاية الأمر إِلاَّ الموتة الأولى، المزيلة للحياة الدُّنْيَوِيَّة، {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ (35) فأتوا بآبائنا} خطاب لمن وعدهم بالنشور مِنَ الرسول والمؤمنين، {إن كُنتُم صادقِينَ (36) أهُم خيْرٌ} فيِ القوة والمنَعَة {أم قوم تُبَّع}؟ أي: ليسوا خيرا مِنْهُم، {وَالذِينَ مِن قبلهم أهلكناهم إِنَّهُم كَانُوا مُجرمِينَ (37)}.
{وَمَا خَلَقْنا السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بينهما لاعبِينَ (38) مَا خلقناهما إِلاَّ بِالْحَقِّ} إِلاَّ بسبب الحَقِّ الذِي اقتضاه الدليل مِنَ الإيمان، والطاعة والبعث والجزاء، {ولكنَّ أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ (39)} لقلَّة نظرهم.
{إِنَّ يوم الفصل} فصل الحَقِّ مِنَ الباطل، {ميقاتُهم} وقت موعدهم {أجمعِينَ (40) يوم لاَ يُغني مولىً} (لَعَلَّهُ) أي: قريب عَن قريب، من قرابة وَلاَ غيرها، {عَن مولىً شَيْئًا} مِنَ الإغناء، {وَلاَ هم يُنصَرُونَ (41)} الضمير لـ «مَولى» الأَوَّل باعتبار المعنى. {إِلاَّ من رحم الله} بالعفو عَنْهُ، وقبول الشفاعة فِيهِ، {إِنَّهُ هُوَ العزيز الرحيم (42)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ومومه»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص137. (4/129)
صفحة 1292
إِنَّ شجرةَ الزقُّوم (43) طعام الأثيم (44)} كثيرِ الآثام. (لَعَلَّهُ) يُروي عَن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا الله حقَّ تُقاتِه، فلو أَنَّ قطرة مِنَ الزقُّوم عَلَى الأَرْض لأمرت (لَعَلَّهُ) عدَّ معيشتهم» [كذا] (1). {كالمُهلِ} وَهُوَ مَا يمهل فيِ النار حَتَّى يذوب؛ وقيل: دُردِيُّ (2) الزيت؛ (لَعَلَّهُ) وذَلِكَ زيادة عذاب فوق عذابه، {يَغلِي فيِ البطُونَ (45) كَغليِ [547] الحميم (46)}.
{__________
(1) - ... أخرجه البغويُّ بسنده عن ابن عَبَّاس، بلفظ: «لأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَكُونُ طَعَامَهُ وَلَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ غَيْرُهُ». ورواه الترمذيُّ في كتاب صفة جهنَّم: 2510 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: {اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ونحوه في سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، رقم 4316. أحمد: مسند بني هاشم، رقم 2599، 2970، كلُّهم عن ابن عبَّاس. البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص154. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «الزقوم».
(2) - ... «درديُّ الزيت: مَا يبقى أسفلَه». الفيروزآبادي: القاموس، ص254، مَادَّة: «درد». (4/130)
صفحة 1293
خُذُوهُ} عَلَى إرادة القول للزبانيَّة، {فاعتلوه} فجرُّوه؛ العَتْلُ: أخذٌ بمجامع الشَّيْء، وجرُّه بقهر، {إِلىَ سواء الجحيم (47)} وسطه. {ثُمَّ صُبُّوا فوقَ رأسِه من عذابِ الحميم (48)} كَانَ فيِ وسط الجحيم، ثُمَّ يقال لَهُ زيادة عذاب عَن الجوانب (1). {ذُقْ إِنَّكَ أنتَ العزيزُ الكريم (49)} أي: قولوا لَهُ ذَلِكَ تقريعا عَلَى مَا كَانَ يزعمه، (لَعَلَّهُ) وفيه بيان أَنَّهُ مِنَ الرؤساء، {إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمتَرُونَ (50)} تشكُّون وتمتارون فِيهِ.
{إِنَّ المُتَّقِينَ فيِ مُقامٍ} فيِ موضع إقامة {أمِينٍ (51)} يأمن صاحبه مِنَ الانتقال والآفة. {فيِ جَنَّات وعيُونٍ (52)، يلبسون مِن سُندسٍ وإستبرقٍ} قيل: السندس مَا رقَّ مِنَ الحرير؛ والإستبرقُ: مَا غَلُظ مِنْهُ؛ أو مشتقٌّ مِنَ البراقة؛ {متقابلِينَ (53)} فيِ مجالسهم. {كذَلِك وزوَّجناهم بِحُورٍ عِينٍ (54)} الحوراء: البيضاء، والعيناء: عظيمة العينين. {يَدْعُون فِيهَا بِكُلِّ فاكهةٍ} يطلبون ويَأْمُرُون بإحضار مَا يشتهون مِنَ الفواكه، وَلاَ يتخصَّص شيء مِنهَا بمكَانٍ وَلاَ زمان، {آمنِينَ (55)} مِنَ الضرر. {لاَ يذوقون فِيهَا الموتَ} لأَنَّ الموت ينقلهم عَن حالهم، {إِلاَّ الموتَةَ الأولى؛ ووقاهم عذابَ الجحيم (56)}.
{فضلا من رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم (57)} لأَنَّهُ فوز بالمطالب، وخلاص عَن المكاره. {فَإِنَّمَا يسَّرناه بِلسَانك} حيث أنزلناه بلغتك، {لَعَلَّهُم يتذكَّرُونَ (58)} لَعَلَّهُم يعلمونه فيتذكَّرون به. {فارتقبْ} مَا يحلُّ بهم {إِنَّهُم مُّرتقِبُونَ (59)} منتظرون.
سورة الجاثية
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «ثُمَّ يقال لَهُ: كَانَ فيِ وسط الجحيم زيادة عذاب عَن الجوانب». وفيها خلط واضح. (4/131)
صفحة 1294
حم(1) تنزيل الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم(2) إنَّ فيِ السَّمَاوَات والأَرْضِ لآياتٍ للمؤمنِينَ(3) وفي خَلقِكم وَمَا يَبثُّ من دَابَّة آياتٌ لقوم يُوقِنُونَ(4) واختلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمَا أنزل الله مِنَ السَّمَاء من رزقٍ} من مطر، وسمَّاه رزقا لأَنَّهُ سببه؛ كما تُسمَّى الطاعة نعمة، لأَنَّهَا تُؤدِّي فاعلها إِلىَ النعمة الأبديَّة، وكما سَمَّى مَا يُؤكَل من أموال اليتامى ظلما نارا، لأَنَّهُ يُؤدِّي إِلَيْهِا؛ {فأحيا بِهِ الأَرْض بعدَ موتها، وتصريفِ الرياحِ} باختلاف جهاتها وأحوالها {آياتٌ لقوم يعقلُونَ(5)}.
{تلك آياتُ الله} تلك الآيات: دلائله، {نتلوها عليك بِالْحَقِّ، فبأيِّ حديثٍ بعدَ اللهِ} بعد حديث الله وكلامِه، {وآياتِه يُؤْمِنُونَ(6)}؟ بعد آيات الله.
{ويلٌ لِكُلِّ أفَّاكٍ} كذَّاب {أثيمٍ(7)} كثير الآثام، {يَسمَعُ آياتِ الله تُتلَى عليه} بإلهام أو سماع، {ثُمَّ يُصِرُّ} يُقيم عَلَى كفره {مستكبرا} عَن الإيمان بالآيات، {كأن لم يسمعها} أي: كأنَّه لم يسمعها، أي: يصير مثل غير السامع؛ {فبشِّره بعذاب أليمٍ(8)} فيِ الدارين.
{ (4/132)
صفحة 1295
وإذا علم من آياتنا شَيْئًا} وإذا بلغه شيء وعلمه أَنَّهُ من آياتنا {اتَّخَذَها هُزوًا} أي: إِذَا عَلِم حجَّة مِنَ الحَقِّ بادر إِلىَ الاستهزاء بها، لأَنَّهُ لم يقبلها ولم يعمل بها، وردَّها بالتكذيب، {أُولَئِكَ لَهُم عذابٌ مُّهِينٌ (9)} يُهينهم فيِ الدُّنْيَا [والآخرة] (1). {من ورائهم جَهَنَّمُ} من قدَّامهم، لأَنَّهُم متوجِّهون إِلَيْهِا؛ أو من خلفهم، لأَنَّهُ بعد آجالهم؛ {وَلاَ يُغنِي عَنْهُم [548] مَا كسبوا شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُوا من دون الله أولياءَ} أي: الأصنام، {ولهم عذاب عظيم (10) هَذَا هُدًى وَالذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ ربِّهم لَهُم عذابٌ من رجز أليمٌ (11)} الرِّجْزُ: أشدُّ العذاب.
{__________
(1) - ... من إضافتنا، إذ لا مَعْنَى لتخصيص العذاب بالحياة الدنيا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ السياق. (4/133)
صفحة 1296
الله الذِي سَخَّر لكم البحرَ لتجريَ الفُلْك فِيهِ بأمره} بتسخيره، {ولتبتغوا من فضله وَلَعَلَّكم تشكرُونَ (12) وسخَّر لكم مَّا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض جميعا} بأن خلقها نافعة لكم إِذَا أطعتموه بها وشكرتموها، وإن كفرتموها فعليكم وبالها. قَالَ أبو العَبَّاس المرسي: «يقول: الأكوان كلُّها عبيد مسخَّرة، وأنت عند الحضرة» [كذا]. وفي بعض الآثار المرويَّة عَن الله: «ابن آدم خلقتُ الأشياء كلَّها من أجلك، وخَلقتُك من أجلي، فلا تشتغل بِمَا هُوَ لك عمَّن أنت لَهُ» (1)؛ فالخلق كلُّهم مسخَّرون فيِ حقِّ المطيع، لأَنَّهُ ينتفع بجميع مَا خلق الله فيِ السَّمَاء والأَرْض؛ والمؤمن لم يُسخَّر لشيء مِنَ المخلوقات وإن صدر مِنْهُ نفع لبعض المخلوقات، لأنَّ أجره عَلَى الله؛ ومعنى التسخير: يُكلِّف عملاً بلا جزاء (2) {مِنْهُ إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات لقوم يَتفكَّرون (13)} فيمَا تفكَّروا فِيهِ مِنَ المخلوقات، فيعلمون أَنَّهُ مُسخَّر للمتعبِّدين، وَأَنَّهُ ليس خلقا عبثا.
{قل للذين آمَنُوا: يَغْفِروا للذين لاَ يَرجُون أَيَّام الله} لاَ يتوقَّعون الحقائق، {لِيجزيَ قوما بِمَا كَانُوا يَكسبُونَ (14) من عملَ صالحا فلِنفسه، ومَن أساءَ فعليها} إذ لها ثواب العمل، وعليها عقابه، {ثُمَّ إِلىَ رَبِّكُم تُرجعُونَ (15)} للجزاء.
{__________
(1) - ... لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من مصادر التفسير والحديث.
(2) - ... فيِ العبارة خلل، وَلَعَلَّ صوابها: «تكليف عملٍ بلا جزاء». وقال فيِ القاموس: «وسخَّره تسخيرا: ذلَّله، وكلَّفه عملا بلا أجرة». الفيروزآبادي: القاموس، ص366، مَادَّة: «سخر». (4/134)
صفحة 1297
وَلَقَد آتينا بَنِي إِسْرَائِيلَ الكتابَ والحكمَ} العمل بمقتضاه، {والنبوَّةَ} إذ كثر فِيهِم الأنبياء يُعلِّمونهم أمر دينهم، {ورزقناهم مِنَ الطَّيِّبَات، وفضَّلناهم عَلَى الْعَالَمِينَ (16)} وذَلِك بسبب اجتهادهم. {وآتيناهم بَيِّنَاتٍ مِنَ الأمر} أَدِلَّة فيِ أمر الدين والدُّنْيَا، وذَلِك بسبب تلخيصهم (1) للأمور الحَقِّيَّة مِنَ الأمور الوهميَّة. {فما اختلفوا إِلاَّ مِن بعدِ مَا جاءهم العلمُ} بحقيقة الحال {بغيا بَيْنَهُم} حسدا، وطلبا للتريُّس {إنَّ رَبَّكَ يقضي بَيْنَهُم يومَ القيامة فيما كَانُوا فِيهِ يختلفُونَ (17)}.
{ثُمَّ جعلناكَ عَلَى شريعةٍ} طريقة، {مِنَ الأمر} أمر الدين، {فاتَّبعها} فاتَّبع شريعتك الثابتة الحجج، {وَلاَ تتَّبع أهواءَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (18)} أَرَادَ الجُهَّال التَّابعين شهواتهم. {إِنَّهُمْ لن يُغنوا عنك مِنَ الله شَيْئًا} إن اتَّبعتهم، ووجب عليك الخسران، فلا يدفعوا عنك شَيْئًا، {وإنَّ الظالمين بَعضهم أولياءُ بعضٍ} إذ الجنسية علَّة الانضمام (2) والائتلاف بَيْنَهُم، فلا توالوهم باتِّباع أهوائهم، {والله وليُّ المُتَّقِينَ (19)} فَوالِه بالتُّقى وَاتِّبَاع الشريعة.
{هَذَا} أي: القرآن وَاتِّبَاع الشريعة، {بصائرُ للناس} تِبيانٌ يبصِّرُهم وجهَ الصلاح، ويوصلهم نيل الفلاح، {وهدًى} مِنَ الضلال، {ورحمةٌ} من حيث توصلهم إِلىَ دار النعمة، {لقومٍ يوقِنُونَ (20)} يطلبون اليقِينَ (لَعَلَّهُ) بالدليل.
{__________
(1) - ... ويعني به أَيضًا: «تخليصهم»، قال فيِ القاموس: «التَّلخيص: التبيين والشرح والتخليص». الفيروزآبادي: القاموس، ص566، مَادَّة: «لخص».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «الانضام»، وَهُوَ خطأ. (4/135)
صفحة 1298
أم حسبَ الذِينَ اجترحُوا السَّيِّئَاتِ} أي: اكتسبوها، {أن نجعلهم} أي: نُصَيِّرهم {كالذين آمَنُوا وعملوا الصَّالِحَات، سواء مَحيَاهم [549] ومَماتُهم} المعنى: إنكار أن تكون حياتهم ومماتهم سواء، {ساء مَا يَحكمُونَ (21)} ساء حكمهم هَذَا، أو بِئْسَ شَيْئًا حكموا بِهِ ذَلِكَ.
{وخلقَ الله السَّمَاوَات والأَرْض بِالْحَقِّ} كأنَّه دليل عَلَى الحكم السابق من حيث أنَّ خلق ذَلِك مُقتضًى للعدل، يَستدعي انتصارَ المظلومِ مِنَ الظالمِ، والتفاوت بين المسيء والمحسن فيِ الدارين، {ولتُجزَى كُلُّ نفس بِمَا كسبت وَهُم لاَ يُظلمُونَ (22)} بنقص ثوابٍ، وتضعيف عذاب.
{أفرَأيتَ من اتَّخَذَ إلهه هواهُ} ترك متابعة الهدى إِلىَ متابعة الهوى، فكَانَ يعبده لأَنَّهُ أطاعه؛ لأَنَّ الكافر إِذَا اتَّخَذَ دينه مَا يهواه، فلا يهوى شَيْئًا إِلاَّ رَكِبه، لأَنَّهُ لاَ يؤمن بالله وَلاَ يخافه، وَلاَ يُحرِّم مَا حرَّم الله؛ وقيل: اتَّخَذَ مَعبودَه هواهُ، فيعبد مَا تهواه نفسه؛ وقيل: سُمِّي الهوى، لأَنَّهُ يُهوي بصاحبه إِلىَ النار، {وأضلَّه الله} وخذله {عَلَى عِلمٍ} عالما بضلاله وفساد جوهر نفسه الروحانيَّة؛ ومعنى الضلال هاهنا: من طريق الهلاك (1)، {وختمَ عَلَى سمعه وقلبه} فلا يُبالي بالمواعظ، وَلاَ يتفكَّر فيِ الآيات، {وجعل عَلَى بصره غِشاوة} فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار، {فمن يَهديه مِن بَعدِ الله} من بعد إضلاله، وهو سبب تركه اختيار الهدى، {أفلا تذَكَّرُونَ (23)}؟ فتتَّعظون.
{__________
(1) - ... فيِ العبارة خلل، وَلَعَلَّ بها سقطا، أو صوابها: «سلوك طريق الهلاك»، أو نحو ذَلِكَ. (4/136)
صفحة 1299
وَقَالُوا: مَا هِيَ} مَا الحياة أو الحال، {إِلاَّ حياتنا الدُّنْيَا} [التي] (1) نَحْنُ فِيهَا {نموت} أي: نكون أمواتا نُطَفا وَمَا قبلها، {ونحيَا} بعد ذَلِكَ بمواقعة الآباء لاَ غير، {وَمَا يُهلكنا إِلاَّ الدهرُ} إِلاَّ الزمان، وَهُوَ فيِ الأصل مدَّة بقاء العالم؛ مِن دَهَرَه: إِذَا غلبه؛ {وَمَا لَهُم بذَلِك من علم} يعني: نسبة الحوادث إِلىَ حركات الأفلاك، {إن هُم إلاَّ يظُنُّونَ (24)} إذ لاَ دليل لَهُم عليه، وَإِنَّمَا قالوه بناء عَلَى التعليل والإنكار لِمَا يحسبونه.
{وإذا تُتلى عَلَيْهِم آياتُنا بَيِّنَاتٍ} واضحات الدلالة، عَلَى مَا يخالف معتقدهم، أو مبيِّنات لَهُ، {مَا كَانَ حُجَّتَهم} مَا كَانَ لهم متشبَّث (2) يُعارضونها بِهِ، {إِلاَّ أن قَالُوا: ائتوا بآبائنا إن كُنتُم صادقِينَ (25)} وَإِنَّمَا سمَّاه حجَّة عَلَى حسبانهم، ومَساق أمرهم.
{قل: الله يُحيِيكم ثُمَّ يُمِيتكم} عَلَى مَا دلَّت عليه الحُجج؛ {ثُمَّ يَجمعكم إِلىَ يومِ القيامة لاَ ريبَ فِيهِ} فإنَّ مَن قدر عَلَى الابتداء قدر عَلَى الإعادة؛ والحكمة اقتضت الإعادة للجزاء، لاَ عَلَى مَا تهواه أنفسهم، {ولكنَّ أكثرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ (26)} لقلَّة تفكُّرهم، وقصور نظرهم عَلَى الأمور الظاهرة دون الحقائق.
{__________
(1) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص140.
(2) - ... فيِ الإصل: «ما كان متسنت يعارضونها»، ولا مَعْنَى له، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص141. (4/137)
صفحة 1300
ولله مُلكُ السَّمَاوَات والأَرْض} تعميم القدرة بعد تخصيصها، {ويوم تقوم الساعة يومئذ يَخسَر المُبطِلُونَ (27) وترى كُلَّ أُمَّةٍ جاثيةٍ} قيل: مجتمعة مِنَ الجُثْوَة: وهي الجماعة (1)، {كُلُّ أُمَّةٍ تُدعى إِلىَ كتابها} صحيفة أعمالهم، {اليومَ تُجزَون مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (28)}. {هَذَا كتابُنا ينطقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ} يشهد عَلَيْكُم بِمَا عملتم بلا زيادة وَلاَ نقصان؛ {إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخ} نستكتب المَلاَئِكَة {مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (29)} أعمالكم.
{فأمَّا الذِينَ [550] آمَنُوا وعملوا الصَّالِحَات فيُدخِلُهم ربُّهم فيِ رحمته} التِي من جملتها الجَنَّة، {ذَلِكَ هُوَ الفوزُ الْمُبِينُ (30)} الظاهرُ لخلوصه عن الشوائب.
{وَأَمَّا الذِينَ كَفَرُوا أفلم تكُن آياتي تُتْلَى عَلَيْكُم فاستَكبرتم} عَن الإيمان، {وكنتم قوما مُجرِمِينَ (31)} قوما عادتهم الإجرام. {وإذا قيلَ: إنَّ وعدَ الله حقٌّ} كائن، {والساعةُ لاَ ريبَ فِيهَا، قلتم: مَا ندري مَا الساعة} أيُّ شيءٍ الساعة؟ استغرابا لها، وذَلِك بلسان المقال، أو لسان الحال، {إن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُستَيقنِينَ (32)} لإمكانه. {وبدا لَهُم} ظهر لَهُم {سَيِّئَاتُ مَا عَمِلوا} عَلَى مَا كَانَت عليه، بأن عرفوا قبحها وعاينوا عاقبتها، {وحاق بهم مَّا كَانُوا بِهِ يَستهزِءُونَ (33)} وَهُوَ الجزاء، أحاط بهم.
{__________
(1) - ... انظر: الفيروزآبادي: القاموس، ص1142، مَادَّة: «جثو». (4/138)
صفحة 1301
وقيل: اليومَ ننسَاكم} فنترككم فيِ العذاب ترك المنسيِّ، {كما نسيتم لقاءَ يومكم هَذَا} كما تركتم العمل لَهُ، {ومأواكم النارُ وَمَا لكم مِّن نَّاصرِينَ (34)} يُخلِّصونكم مِنْهَا. {ذَلِكم بأنَّكم اتَّخَذتُم آياتِ اللهِ هُزُوًا} استهزأتم بها ولم تبالوا بها، {وغرَّتكم الحياةُ الدُّنْيَا} بظاهرها المزخرف، فظننتم أن لاَ حياة سواها، {فاليومَ لاَ يُخرجون مِنْهَا، وَلاَ هم يُستعتَبُونَ (35)} يُسترضون.
{فلِلَّهِ الحمدُ ربِّ السَّمَاوَات وربِّ الأَرْضِ ربِّ الْعَالَمِينَ (36)} إذ الكلُّ نعمةٌ مِنْهُ، الدالُّ (1) عَلَى كمال قدرته. {وَلَهُ الكبرياءُ} العظمة (2) {فيِ السَّمَاوَات والأَرْضِ} إذ ظهرَ فِيهَا آثارها، {وَهُوَ العزيزُ} الذِي لاَ يُغلب، {الحكيمُ (37)} فيما قَدَّر وقضى، فاحمدوه وكبِّروه وأطيعوه.
سورة الأحقاف
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم (1) تنزيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم (2) مَا خلقنا السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما إِلاَّ بِالْحَقِّ} إِلاَّ خلقا مُلتَبسا بِالْحَقِّ، وَهُوَ مَا تقتضيه الحكمة، وَهُوَ دلالة عَلَى وجود الصانع الحكيم، والبعث للجزاء، {وأجلٍ مُسمًّى} وبتقدير أجل مُسمًّى ينتهي إِلَيْهِ الكلُّ، وَهُوَ يوم القيامة؛ أو كُلَّ واحد وآخرَ مدَّة بقائه المقدور لَهُ؛ {وَالذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِروا مُعرضُونَ (3)} لاَ يتفكَّرون فِيهِ وَلاَ يستعدُّون لحلوله.
{__________
(1) - ... الصواب ما فيِ البيضاويِّ: «دالٌّ»، خبر ثانٍ لـ «الكلُّ». المصدر نفسه.
(2) - ... في الأصل: «العظمعة»، وهو خطأ. (4/139)
صفحة 1302
قل: أرأيتُم مَّا تَدْعُون من دون الله، أروني ماذا خَلَقوا مِنَ الأَرْض، أم لَهُم شرك فيِ السَّمَاوَات} أي: أخبروني عَن حال آلهتكم بعد التَّأَمُّل فِيهَا، هل يحتمل أن يكون لها فيِ نفسها مدخل فيِ خلق شيء من أجزاء العالم فتستحقُّ بِهِ العبادة؟ وتخصيص الشرك بالسماوات احتراز عَمَّا يُتوهَّم أنَّ للوسائط شِركة فيِ إيجاد الحوادث السفليَّة، {ائتوني بكتابٍ مِن قَبلِ هَذَا} مِن قَبل القرآن، فَإِنَّهُ ناطق بالتوحيد، {أو أَثَارةٍ من عِلم} أو بقيَّة من علم، (لَعَلَّهُ) بقيت عَلَيْكُم من علوم الأَوَّلين، هل فِيهَا مَا يدلُّ عَلَى جواز عبادة الأصنام، أو الأمر (1) بها؟ {إن كُنتُم صادقِينَ (4)} فيِ دعواكم، وقرئ: «إِثارة» بالكسر، أي: مناظرة، فإنَّ المناظرة تثير المعاني.
{ومَن أَضَلُّ مِمَّن يدعو مِن دُونِ اللهِ من لاَ يَستجيبُ لَهُ} إنكار أن يكون أحدٌ أضلَّ مِنَ المشركين حيث تركوا عبادة السميع [551] المجيب، القادر الخبير، إِلىَ عبادة من لاَ يستجيب لَهُم، ولم يسمع دعاءهم، فضلا أن يعلم سرائرهم، ويراعي مصالحهم، {إِلىَ يوم القيامة} مَا دامت الدُّنْيَا (لَعَلَّهُ) وبعد فنائها (2) أحرى أن لاَ يستجيب لَهُ، بَل يكونون لَهُم أعداء، كما قَالَ فيِ الآية الآتية؛ وذَلِك يقتضي كُلَّ مَا أشغله وأغفله وأنساه وتعامى بِهِ، من مال وأهل وصنم وهوى ونفس وشيطان، {وَهُم} (لَعَلَّهُ) يعني الأوثان {عَن دعائهم غافلُونَ (5)} لأَنَّهُم إِمَّا جمادات، وَإمَّا عباد مُسخَّرون مُشتغلون بأحوالهم، لاَ يسمعون وَلاَ يفهمون. {وإذا حُشِرَ الناسُ كَانُوا لَهُم أعداءً} يضرُّونهم وَلاَ يَنفعونهم، {وكَانُوا بعبادتهم كَافِرِينَ (6)} مُكذِّبين بلسان الحال أو المقال.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «أو للأمر»، ولا مَعْنَى للام الجرِّ. والصواب من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص142.
(2) - ... في الأصل: «فاءيها ... بَل يكونوا»، وفي العبارة خطآنِ. (4/140)
صفحة 1303
وإذا تُتلى عَلَيْهِم آياتنا بيِّنات} واضحات للمستبصرين، {قَالَ الذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءهم: هَذَا سِحرٌ مُبِينٌ (7)} وَهُوَ بمعنى التكذيب لَهُ. {أم يقولون: افتراه، قل: إن افتريته فلا تملكون لي مِنَ الله شَيْئًا} أي: إن عاجلني بالعقوبة، فلا تقدرون عَلَى دفع شيء مِنْهَا، فكيف أجترئ عليه، وأُعرِّض نفسي للعقاب من غير توقُّع نفع، وَلاَ دفع ضرٍّ من قِبلكم؟!، {هُوَ أعلمُ بِمَا تُفيضون} تخوضون {فِيهِ} تندفعون فِيهِ مِنَ القدح فيِ آياته، {كفى بِهِ شهيدا بيني وبينكم} يشهدُ ِلي بالبلاغِ، وعليكم بالكذب والإنكار، {وَهُوَ الغَفُور الرحيم (8)}.
{قُل: مَا كنت بِدعًا مِّنَ الرُّسُلِ} بديعا مِنْهُم، أدعوكم إِلىَ مَا لاَ يَدعون إِلَيْه؛ أو لست أَوَّل مُرسل فتنكروا نُبُوَّتي، {وَمَا أدري مَا يُفعل بي وَلاَ بكم} فيِ الدارين عَلَى التفصيل، إذ لاَ علم لي بالغيب، {إن أتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إليَّ} لاَ أتجاوزه، وَهُوَ جواب عَن اقتراحهم، [و] الإخبار عمَّا لم يوحَ إِلَيْهِ مِنَ الغيوب، {وَمَا أنا إِلاَّ نذيرٌ} عَن (1) عقابِ الله {مُبِينٌ (9)}.
{قل: أرأيتم إن كَانَ مِنْ عندِ الله} أي: القرآن، {وكفرتم بِهِ، وشهدَ شاهدٌ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ} قيل: الشاهدُ هُوَ عبد الله بن سلاَّم، أو موسى - صلى الله عليه وسلم - وشهادته مَا فيِ التَّوْرَاة من بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - {عَلَى مِثلِه} مثل: القرآن، وَهُوَ مَا فيِ التَّوْرَاة مِنَ المعاني المصدِّقة للقرآن المطابقة لَهُ؛ أو مثل ذَلِكَ لكونه من عند الله؛ {فآمنَ} أي: الشاهد، {واستكبرتُم} عَن الإيمان، {إنَّ اللهَ لاَ يَهدي القومَ الظالمِينَ (10)}.
{__________
(1) - ... الصواب: «من». كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص143. (4/141)
صفحة 1304
وقال الذِينَ كَفَرُوا للذين آمَنُوا: لو كَانَ خيرًا} أي: الإيمان وَمَا أتى بِهِ، {مَا سبقونا إِلَيْهِ} أي: كذبٌ سابق (لَعَلَّهُ) يلقيه الآخرُ عَن الأَوَّل (1)، {وإذْ لم يهتدوا بِهِ} أي: إِلىَ العمل بمقتضاه، كما اهتدى بِهِ أهل الإيمان، {فسيقولون: هَذَا إفكٌ قديم (11) ومِن قبله} ومن قبل القرآن {كِتَاب موسى إماما ورحمةً} (لَعَلَّهُ) واجب أن يُؤتمَّ بِهِ، لأَنَّهُ يهدي إِلىَ خير الدارين، {وهذا كِتَابٌ مُصدِّق لسانا (2)} لكتاب موسى، أو لِمَا بين يديه، {عربيًّا} إشعار بالدلالة عَلَى أن يكون مُصدِّقا للتوراة، كما دلَّ عَلَى أَنَّهُ حقٌّ دلَّ عَلَى أَنَّهُ وحيٌ وتوفيق مِنَ الله، {ليُنذرَ الذِينَ ظلموا وبُشرى [552] للمحسنِينَ (12)}.
{__________
(1) - ... لم يَتَّضِح لنا مَعْنَى هَذِهِ العبارة، ولم نجد فيما بين أيدينا من المصادر تفسيرا للآية يشبه هَذَا، وَإِنَّمَا مدار تفسيرها ما أوضحه الألوسي حين قال: «أي: قالوا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقنا إِلَيْهِ أولئك الذين بلغنا إيمانهم ... وقالوا ذَلِكَ لَمَّا رأوا أَنَّ أكثر المؤمنين كانوا فقراء ضعفاء كعمَّار وصهيب وبلال، وكانوا يزعمون أَنَّ الخير الدينيَّ يتبع الخير الدنيويَّ، وَأَنَّهُ لا يتأهَّل لِلأَوَّلِ إِلاَّ من كان له القدح المعلَّى من الثاني». الألوسي: روح المعاني، ج26/ ص14. وانظر نحو ذَلِكَ فيِ: الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 238. البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص166. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص 143. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص81.
(2) - ... الصواب أن تتأخَّر لفظة «لسانا»، إِلىَ المقطع اللاحق، لِئَلاَّ يفصل بين الصفة والموصوف، وليكون التفسير أوفق كما يلي: «{وهذا كِتَابٌ مُصدِّق} لكتاب موسى ... »، كما فيِ البيضاوي: المصدر نفسه. (4/142)
صفحة 1305
إنَّ الذِينَ قَالُوا: رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا} جمعوا بين التوحيد الذِي هُوَ خلاصة العلم، والاستقامة فيِ الأمور التِي هِيَ مُنتهى العمل، و «ثُمَّ» للدلالة عَلَى تأخُّر رُتبة العمل، وتوقُّف اعتباره عَلَى التوحيد، {فلا خوفٌ عليهم} عَن (1) لحوق مكروه، {وَلاَ هم يحزنُونَ (13)} عَن فوات محبوب. {أُولَئِكَ أصحابُ الجنَّةِ خالدين فِيهَا جزاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)} مِن اكتساب الفضائل العلميَّة والعمليَّة.
{ووصَّينا الإنسانَ بوالديه إحسانًا، حملته أمُّه كَرها ووضعَتْهُ كرهًا} أي: بمشقَّة، {وحَملُه وفِصالُه ثلاثون شهرا} كُلُّ ذَلِكَ بيان لِمكابدة الأُمِّ فيِ تربية الولد، مُبالغة فيِ التوصِيَة بها، {حَتَّى إِذَا بلغَ أشُدَّه} اكتهل واستكمل قوَّتَه وعقله، {وبلغ أربعين سنةً قَالَ: ربِّ أوزعني} ألهمني {أن أشكرَ نعمتَك التِي أنعمتَ عليَّ وعَلَى والدَيَّ} نعمة الإيجاد والإسلام، وإمدادهما، {وأن أعملَ صالحا تَرضاه، وأصلحْ لي فيِ ذرِّيتي} واجعل لي الصلاح ساريًا فيِ ذرِّيتي، راسخا فِيهِم، (لَعَلَّهُ) بأن تجعلَهم مؤمنين صالحين، {إنِّي تُبتُ إليك} مِمَّا لاَ ترضاه أو يشغلُ عنك، {وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ (15)} المنقادين لأمرك، المذعنين لطاعتك، المخلصين لدينك.
{أُولَئِكَ الذِينَ نتقَبَّل عَنْهُم أحسنَ مَا عملوا} مِنَ الفرائض والوسائل، {ونتجاوز عَن سيِّئاتهم} عَن صغائر، ذنوبهم مَا اجتنبوا الكبائر، {فيِ أصحاب الجنَّة} كائنين فيِ عددِهم، {وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يوعَدُونَ (16)} أي: فيِ الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... الصواب: «من»، كما فيِ البيضاوي: المصدر نفسه. (4/143)
صفحة 1306
والذي قَالَ لوالديه: أُفٍّ لكما أتَعِدَانِنيَّ أن أُخْرَجَ} أن أُبعث، {وقد خَلَتِ القرونُ مِن قبلِي} فلم يرجع مِنْهُم أحد، {وهما يستغيثَانِ اللهَ} يقولان: الغياث بالله منك؛ أو يسأَلانِه أن يُغيثه بالتوفيق للإيمان: {ويلَكَ آمِنْ} أي: يقولان لَهُ: «ويلك»، وَهُوَ الدعاء بالثبور بالحثِّ عَلَى مَا يخاف عَلَى تركه، {إنَّ وعدَ الله حقٌّ، فيقول: مَا هَذَا إِلاَّ أساطيرُ الأوَّلِينَ(17)} أباطيل الأوَّلين التِي كتبوها.
{أُولَئِكَ الذِينَ حقَّ عَلَيْهِمُ القولُ} بأنَّهم أهل النار {فيِ أُممٍ قد خلَت مِن قبلهم} كقوله فيِ أصحاب الجنَّة، {من الجنِّ والإنس} بيان للأمم، وأَنَّ الجنَّ يموتون مثلنا ويحيون، بدليل قوله: {قد خلت}، {إنَّهم كَانُوا خاسرِينَ(18) ولكلٍّ} مِنَ الفريقين {درجاتٌ مِمَّا عملوا} مراتبٌ من جزاء مَا عملوا مِنَ الخير والشرِّ، {وليُوفِّيهم أعمالهم} جزاءها، {وَهُم لاَ يُظلمُونَ(19)} بنقصِ ثواب، وزيادة عقاب.
{ويوم يُعرَض الذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّار} يُعذَّبون بها، ويُقال لَهُم عَلَى معنى التوبيخ: {أَذْهَبْتم طيِّباتكم} لذَّاتكم، بالشهوات المحظورة {فيِ حياتكم الدُّنْيَا، واستمتَعْتُم بها} مِمَّا هُيِّئ لكم منهَا، بقول: {أذهبتم طَيِّبَاتكم} يعني: اللذَّات، وتمتَّعتم بها فيِ غير أوانها، يقول: استعجلتم ذَلِكَ؛ {فاليوم تُجزَون عذاب الهُونِ} الهَوَان، {بِمَا كُنتُم تستكبرون فيِ الأَرْض بغير الحَقِّ، وبما كُنتُم تَفسُقُونَ(20)} بسبب الاستكبار بالباطل، والفسوق عَن طاعة الله.
{ (4/144)
صفحة 1307
واذْكُرْ أخا عادٍ} [553] يعني: هودا، {إذْ أَنذَرَ قومه بالأحقاف} (لَعَلَّهُ) منازلهم بالأحقاف إذ [هي] بين عُمان ومهرة؛ والأحقاف: الرمال العظام؛ {وقد خَلَت النُّذُرُ من بين يديه ومن خلفه: ألاَّ تعبدوا إِلاَّ الله، إِنِّي أخاف عَلَيْكُم عذاب يوم عظيم(21)} هائل. {قَالُوا: أَجِئتنا لتأفِكَنا} لتصرفنا بإفكك {عَن آلهتنا}؟ عَن اتِّبَاع مَا نهواه بغير الحَقِّ، لتَعُمَّ كُلَّ معبود من دون الله؛ {فأتنا بِمَا تَعدُنا} مِنَ العذاب عَلَى المعاصي، {إن كنتَ مِنَ الصادقِينَ(22)} فيِ (لَعَلَّهُ) وعدك.
{قَالَ: إِنَّمَا العلم عند الله} لاَ علم لي بوقت عذابكم، وَإِنَّمَا علمه عند الله، فيأتيكم بِهِ فيِ وقته المقدَّر لَهُ، {وأُبَلِّغكُم مَّا أُرسِلتُ بِهِ} وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ، {ولكنِّي أراكم قوما تَجهلُونَ(23)} لاَ تَعْلَمُونَ أنَّ الرُّسُل بُعثوا مبلِّغين منذرين، لاَ معذِّبين مقترحين.
{فَلَمَّا رَأوه عَارِضا} سحابا عرض فيِ أفق السَّمَاء، {مُستقبلَ أَوديتِهم} متوجِّهَ أوديتهم؛ {قَالُوا: هَذَا عارضٌ مُّمطِرنا} قيل: {بَل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ} مِنَ العذاب، {ريح فِيهَا عذابٌ أليم(24) تُدمِّر} (لَعَلَّهُ) تُهلك {كلَّ شيء} (لَعَلَّهُ) أتَت عليه {بأمر ربِّها} لاَ تتجاوز غير أمره، أي: لاَ تهلك شَيْئًا لم تُؤمَر بإهلاكه، وَلاَ تُبقي شَيْئًا أُمِرت بإهلاكه، {فأصبحُوا لاَ يُرى إِلاَّ مساكنهم كذَلِك نجزِي القومَ المجرمِينَ(25)}.
{ (4/145)
صفحة 1308
وَلَقَد مكَّنَّاهم فيما إن مكَّنَّاكم فِيهِ} (لَعَلَّهُ) جعلنا لَهُم عقولا لاَ يُميِّزون (1) بها بين الحَقِّ والباطل، كما قَالَ: {وجعلنا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة} ليعرفوا تلك النعمة، وليستدلُّوا بها عَلَى مانِحها، ويُواضبوا عَلَى شكرها؛ {فما أغنى عَنْهُم سَمعُهم وَلاَ أبصارُهم وَلاَ أفئدتهم مِّنْ شيءٍ} مِنَ الإغناء فيِ الدارين، لأَنَّهُم لم يريدوا بذَلِك وجه الله، بَل كَانَت سبب عذابهم، كما قَالَ: {لم يَزده ماله وولده إِلاَّ خسارا} (2). {إذ كَانُوا يَجحدون بِآيَاتِ الله وحاق بهم مَّا كَانُوا بِهِ يستهزءُونَ (26)} إذ كلُّ جاحد لشيء تارك لَهُ، غير عامل بِهِ، فهو مستهزئ بِهِ فيِ المعنى، وإن لم ينطق بلسانه.
{وَلَقَد أهلكنا مَا حَولكُم مِّنَ القُرَى} (لَعَلَّهُ) عبرة لمن رآهم أو سمع بهم، {وصرَّفنا الآيات} بتكريرها، {لَعَلَّهُم يرجعُونَ (27)} عَن كفرهم. {فلولا نصرَهم الذِينَ اتَّخَذُوا مِن دون اللهِ قُربَانا آلهةً} فهلاَّ مَنعَهم مِنَ الهلاك آلهتهم الذِينَ يتقرَّبون بهم إِلىَ الله، حيث قَالُوا: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله بَل ضلُّوا عَنْهُم} غابوا عَن بصرهم وبصيرتهم، {وذَلِك إفكهم} وذَلِك الاتِّخاذ الذِي صرفهم عَن الحَقِّ، {وَمَا كَانُوا يفترُونَ (28)} (لَعَلَّهُ) مِنَ القول والعمل.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يميمزوا»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة نوح: 21. (4/146)
صفحة 1309
وإذ صَرَفنا إليك نفرا مِّنَ الجنِّ} نُقباء مِنْهُم، {يستمعون القرآنَ؛ فَلَمَّا حضروه، قَالُوا: أنصتوا} قَالَ بعضهم لبعض: اسكتوا (1) لنسمعه؛ ومعنى الإنصات: الإقبال إِلَيْهِ بالقلوب الفارغة مِنَ العلل، لتنكشف لها حقيقته؛ {فَلَمَّا قُضِيَ} أي: كَمُل، و (لَعَلَّهُ) استمعوه من أَوَّلهُ إِلىَ آخره، لتقوم الحُجَّة عَلَيْهِم وعَلَى قومهم، لأَنَّهُم متعبّدون بما فِيهِ؛ وَلَعَلَّ الجنَّ يتلقَّفون العلم مِنَ الإنس بهذا الدليل؛ وجاز مِنْهُم أن يستمعوا التأويل [554] والسنَّة، كما استمعوا مِنْهُ التنزيل، لأَنَّ التنزيل لاَ يُغنيهم عَن السنَّة، وإذا جاز أن يسمعوا التأويل مِنَ الرسول، جاز أن يستمعوه مِنَ العلماء المحقِّين، {وَلَّوا إِلىَ قومهم منذِرِينَ (29)}.
{قَالُوا: يا قومنا إِنَّا سمعنا كِتَابًا أُنزِل من بعد موسى، مصدِّقا لِمَا بين يَديه، يهدي إِلىَ الحَقِّ وإلى طريقٍ مُسْتَقِيم (30)} (لَعَلَّهُ) قيل: كَانَ دينهم اليهوديَّة، لأَنَّهُم ذكروا موسى ولم يذكروا عيسى. {يا قومَنا، أَجيبوا دَاعيَ الله، وآمَنُوا بِهِ يَغْفِرْ لكم من ذنوبكم ويُجِرْكم من عذاب أليم (31) ومن لاَ يُجِبْ داعيَ الله فليس بِمعجِزٍ فيِ الأَرْض} إذ لاَ يُنْجي مِنْهُ مَهْرَب، {وليس لَهُ من دونه أولياءَ، أُولَئِكَ فيِ ضلال مُبِينٍ (32)} حيث أَعرضُوا عَن إجابة مَن هَذَا شأنه.
{أولَم يروا أنَّ الله الذِي خلقَ السَّمَاوَات والأَرْض ولم يَعيَ بِخلقهنَّ} ولم يتعب ولم يعجز؛ والمعنى: أنَّ قدرتَه واجبة، لاَ تنقص وَلاَ تنقطع بالإيجاد، {بقَادرٍ عَلَى أن يُحيِيَ الموتى؟ بلى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شيء قدير (33)}.
{ويوم يُعرَض الذِينَ كَفَرُوا عَلَى النار، أليس هَذَا بِالْحَقِّ}؟ والإشارة إِلىَ العذاب، {قَالُوا: بلى ورَبِّنَا؛ قَالَ: فذوقوا العذاب بِمَا كُنتُم تكفرُونَ (34)} بكفركم فيِ الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «استكوا»، وهو خطأ. (4/147)
صفحة 1310
فاصبر كما صبرَ أولو العزمِ مِنَ الرُّسُل} أولوا الثَّبات والجدِّ مِنْهُم، وأولوا العزم: أصحاب الشرائع، اجتهدوا فيِ تأسيسها وتقريرها، وصبروا عَلَى تحمُّل مشاقِّها ومعاداة الطاعنين فِيهَا؛ ومشاهرُهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، {وَلاَ تستعجلْ لَّهُم} لكفَّار قريش، وغيرهم من أهل عصره، فَإِنَّهُ نازل بهم فيِ وقته لاَ محالة، {كأنَّهم يومَ يرون مَا يُوعدون} مِنَ العذاب، {لم يلبثوا} فيِ الدُّنْيَا، {إِلاَّ ساعةً مِن نهارٍ} استقصَروا مدَّة لَبثِهم فيِ الدُّنْيَا حَتَّى يحسبونها ساعة، {بلاغٌ} هَذَا الذِي وُعظتم بِهِ، أو هَذِهِ السورة بلاغ، أي: كفاية أو تبليغ مِنَ الرسول، {فهل يُهلَك إِلاَّ القوم الفاسقُونَ (35)}؟ الخارجون عَن الطاعة.
- - - -
سورة محمد
بسم الله الرحمن الرحيم
{الذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَن سبيل الله أضلَّ أعمالهم (1) وَالذِينَ آمَنُوا وعملوا الصَّالِحَات وآمَنُوا بِمَا نُزِّل عَلَى محَمَّدٍ} يعني: لم يخالفوه فيِ شيء {وَهُوَ الحَقُّ من ربِّهم؛ كفَّر عَنْهُم سَيِّئَاتهم وأصلحَ بالَهم (2)} حالهم فيِ الدين والدُّنْيَا، بالتوفيق والتأييد. {ذَلِكَ بأنَّ الذِينَ كَفَرُوا اتَّبعوا الباطلَ وأنَّ الذِينَ آمَنُوا اتَّبعوا الحَقَّ من ربِّهم} بسبب اتِّبَاع هؤلاء الباطل، وَاتِّبَاع هؤلاء الحَقَّ، {كذَلِك يضربُ اللهُ للناس} يُبَيِّنُ لَهُم {أمثالهم (3)} أحوال الفريقين، أو جعل اتِّبَاع الباطل مثلا لعمل الكُفَّار، وَاتِّبَاع الحَقِّ مثلا للمؤمنين.
{ (4/148)
صفحة 1311
فإذا لقِيتمُ الذِينَ كَفَرُوا} فيِ المحاربة {فَضَرْبَ الرِّقَاب حَتَّى إِذَا أَثخنتُمُوهُم} أكثرتم قتلهم، وأغلظتموه؛ مِنَ الثخين: وَهُوَ الغليظ (1)، {فشُدُّوا الوثاقَ} فَأْسِروهم واحفظوهم، {فإمَّا مَنَّا بَعْدُ [555] وَإمَّا فِداء} أي: فإمَّا تمنُّون مَنًّا، أو تفدون فداء، {حَتَّى تَضَعَ الحربُ أوزارَها} آلاتها وأثقالها التِي لاَ تقوم إِلاَّ بها، كالسلاح والكراع، أي: تنقضيَ (2) الحرب، ولم يبق إِلاَّ مسلم أو مسالم؛ والمعنى: حَتَّى (لَعَلَّهُ) يترك أهل الحرب شركهم ومعاصيهم، كقوله: {وقاتلوهم حَتَّى لاَ تكون فتنةٌ} (3) ظاهرةٌ بين ظُهراني أهل الإسلام، فإنَّ الباطن لم يضرَّ، إذ لم يُتعبَّدوا بِهِ، {ذَلِكَ ولو يَشَاء اللهُ لانتصَر مِنْهُم} لانتقمَ مِنْهُم بالاستئصال، {ولكن لِيبلُوَ بعضَكم ببعض} ولكن أمركم بالقتال لِيُبلِي المؤمنين بالْكَافِرِينَ، بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم؛ والْكَافِرِينَ بالمؤمنين، بأن يعاجلهم عَلَى أيديهم ببعض عذابهم، كي يرتدع بعضهم عَن الكفر.
{وَالذِينَ قُتلوا فيِ سبيل الله} أي: جاهدوا، {فلن يضلَّ أعمالهم (4)} فلن يُضيِّعها. {سيهديهم} إِلىَ الثواب؛ أو سيثبِّت مداومتهم، {ويُصلح بالَهم (5)} حالَهم فيِ الدارين. {ويُدخلهم الجَنَّة عرَّفها لَهُم (6)} قيل: عرَّفها لَهُم فيِ الدُّنْيَا حَتَّى اشتاقوا إِلَيْهِا، فعملوا بِمَا استحقُّوها بِهِ؛ وقيل: بيَّن لَهُم مساكنهم حَتَّى يهتدوا لها، حَتَّى أَنَّهُ اهتدى (4) إِلىَ منزله ودرجته وزوجته وخدمه.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْل: «الغلظ».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «تنقض»، ولا مَعْنَى له.
(3) - ... سورة البقرة: 193. الأنفال: 39.
(4) - ... فيِ العبارة خلل، وفيِ تفسير البيضاوي: «أو بيَّنها لهم بحيث يعلم كلُّ واحد منزله ويهتدي إِلَيْهِ». ج4/ ص147. (4/149)
صفحة 1312
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إن تَنصُروا اللهَ} أي: دينه، {ينصُرْكم} بالتوفيق، {ويثبِّت أقدامَكم (7)} بالقيام بحقوق الإسلام. {وَالذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُم} دعاءٌ عَلَيْهِم بالهلاك، {وأضلَّ أعمالهم (8)} الضَّال: مَا لاَ يُنتَفع بِهِ؛ {ذَلِكَ بأنَّهم كَرِهوا مَا أنزل الله} القرآن، لِمَا فِيهِ مِنَ التوحيد والتكاليف المخالفة لِمَا ألفوه واشتهته أنفسهم، ومن لم يعمل بمقتضاه كَانَ فيِ المعنى كارها لَهُ مستهزئًا بِهِ، {فأحبط أعمالهم (9)}.
{أفلم يسيروا فيِ الأَرْض (1) فينظروا كيف كَانَ عاقبةُ الذِينَ مِن قبلهم} من آبائهم وإخوانهم وأزواجهم وجيرانهم، وَالذِينَ يسمعون بهم من كُلِّ من عصى الله وأهلكهم، {دمَّرَ اللهُ عليهم} استأصل عَلَيْهِم مَا خُصُّوا بِهِ من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، {وللكَافِرِينَ أمثالها (10)} أمثالُ تلك العاقبة. {ذَلِكَ بأنَّ الله مولى الذِينَ آمَنُوا} ناصرهم عَلَى أعدائهم، {وأنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مولىَ لَهُم (11)} فيدفع العذابَ عَنْهُم.
{إنَّ اللهَ يدخلُ الذِينَ آمَنُوا وعملوا الصَّالِحَات جَنَّات تجري من تحتها الأنهارُ، وَالذِينَ كَفَرُوا يتمتَّعون} بمتاع الحياة الدُّنْيَا، {ويأكلون كما تأكلُ الأنعامُ} حَرصين غافلين عَن العاقبة، (لَعَلَّهُ) هِمَّة ليس لَهُم (2) إِلاَّ بطونهم وفروجهم وشهواتهم وأهويتهم {والنارُ مثوى لَهُم (12)} منزل ومقام.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «الأرض»، وهو سهو.
(2) - ... الصواب: «ليست لهم هِمَّةٌ إِلاَّ بطونهم ... ». (4/150)
صفحة 1313
وكأيِّن من قرية هِيَ أشدُّ قُوَّةً مِن قريتك التِي أَخرجَتك، أهلكناهم فلا ناصر لَهُم(13) أفمن كَانَ عَلَى بيِّنة من ربِّه} حجَّة من عنده وَهُوَ القرآن، أو مَا يعمُّ مِنَ الحجج العقليَّة، {كمن زُيِّن لَهُ سوءُ عمله} كالمعاصي الجليَّة والخفيَّة، (لَعَلَّهُ) وليس لها برهان من ربِّه إِلاَّ اتِّبَاع الهوى، {واتَّبعوا أهواءهم(14)} لاَ تردعُهم حجَّة حقٍّ عَن اتِّبَاع الهوى.
[ (4/151)
صفحة 1314
556] {مثلُ الجَنَّة التِي وُعدَ المتَّقون} أي: فيما قصصنا عليك من صفتها العجيبة، {فِيهَا أنهارٌ من ماء غير آسن} غير متغيِّر طعمه وريحه، {وأنهار من لبن لم يتغيَّر طعمُه، وأنهار من خمرٍ لذةٍ للشاربين} لذيذة لاَ تكون فِيهَا كراهة، {وأنهار من عسلٍ مصفًّى} لم يخالطه شمع وقاذورات النحل؛ وفي ذَلِكَ مثلٌ لِمَا يقوم مقام الأشربة (1) فيِ الجَنَّة بأنواع مَا يستلذُّ بها فيِ الدُّنْيَا، بالتجريد عَمَّا ينقصها وينغِّصها، والوصف بِمَا يوجب عذوبتها واستمرارها، {ولهم فِيهَا من كلِّ الثمرات} (لَعَلَّهُ) مِمَّا تشتهيه أنفُسهم، {ومغفرةٌ من ربِّهم} (لَعَلَّهُ) والستر لذنوبهم، من أجلِّ النِّعم، حيث لم يُؤاخذوا بها كمثل الكُفَّار، كما أنَّ إحباط أعمال الكُفَّار من أشدِّ التحسُّر حيث [لم] يثابوا بها كما أثيب المؤمنُونَ (لَعَلَّهُ) بأعمالهم، فصارت ثوب (2) المؤمنين نعمة لَهُم بها فيِ الجَنَّة، وصارت (لَعَلَّهُ) أعمالُ الخير للكَافِرِينَ عذابا لَهُم فيِ النار، كما قَالَ: { ... أعمالهم حسرات عليهم} (3). {كمَن هُوَ خالدٌ فيِ النار} يعني: المُتَّقِينَ أهل الجَنَّة كمن خالد فيِ النار، {وسُقوا ماءً حميمًا} مكَانَ الأشربة المستلذَّة، {فقَطَّع أمعاءَهم (15)} من فرط الحرارة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «للأشربة»، وهو خطأ.
(2) - ... وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، وَفيِ العبارة خلل واضح، صوابها: «فصارت ثوابا للمؤمنين، ونعمة لهم بها فيِ الجَنَّة ... ».
(3) - ... سورة البقرة: 167؛ وتمامها: {كَذَلِكَ يريهم اللهُ أعمالَهم حسراتٍ عَلَيْهِم، وما هم بخارجين من النار». (4/152)
صفحة 1315
ومِنْهُم من يستمعُ إليك، حَتَّى إِذَا خرجوا من عندك} يعني: المنافقين كَانُوا يحضرون مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويسمعون كلامه، فإذا خرجوا {قَالُوا للذين أُوتوا العلمَ} أي: لعلماء الصحابة: {ماذا قَالَ آنفا}؟ ماالذي قَالَ الساعة؟ استهزاءً، {أُولَئِكَ الذِينَ (1) طَبع الله عَلَى قلوبهم واتَّبعوا أهواءَهم (16)} فلذَلِك استهزؤوا وتهاونوا بكلامه. {وَالذِينَ اهتَدوا زادهُم هدًى} أي: زادهم الله بالتوفيق والإلهام، {وآتاهم تقواهم (17)} بيَّن لَهُم مَا يتَّقون، أو أعانهم عَلَى تقواهم، وأعطاهم جزاءهم.
{فهل ينظرون إِلاَّ الساعةَ} وهي الساعة التِي تفنى فِيهَا آجالهم، {أن تأتيهم بغتة} لأَنَّهُم يظُنُّون أَنَّهُمْ بعدُ يعيشون، وأنَّ الموت بعيد، فأناختهم رواحله، {فقد جاء أشراطها، فأنَّى} فكيف {لَهُم إِذَا جاءتهم ذِكراهم (18)} أي: فلا ينفع التذكُّر حين يُعاين مَلاَئِكَة الموت لقبض روحه، أو عاقبة ذكراهم، حيث لم ينتفعوا بها.
{فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ الله واستغفر لذنبك} أي: إِذَا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الْكَافِرِينَ، فاثبت عَلَى مَا [أنتَ] عليه مِنَ العلم بالوحدانيَّة، وتكميل النفس بإصلاح أحوالها وأفعالها وهضمها، بالاستغفار لدينك {وللمؤمنين والمؤمنات} بذنوبهم بالدعاء لَهُم، وَهُوَ معنى شفاعته لَهُم؛ {والله يعلمُ مُتقَلَّبكم} فيِ الدُّنْيَا، فإنَّها مراحل لا بدَّ من قطعها، {ومثواكم (19)} فيِ العقبى، فإنَّها دار إقامتكم فاتَّقُوه، وأعدُّوا لمعادكم.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «الذين»، وهو سهو. (4/153)
صفحة 1316
ويقولُ الذِينَ آمَنُوا} حِرصا مِنْهُم عَلَى العلم: {لولا نُزِّلت سورةٌ} أي: هلاَّ أنزلت سورة [557] فيِ أمر القتال، أو غيره من علوم الديانات؛ {فإذا أُنزِلت سورةٌ مُحكَمةٌ} مُثبَتة لاَ تشابه فِيهَا، {وذُكر فِيهَا القتالُ، رأيت الذِينَ فيِ قلوبهم مرضٌ} نفاق، {ينظرون إليك نظرَ المغشيِّ عليه مِنَ الموت} كما ينظر الشاخص بصره عند (لَعَلَّهُ) الموت جبنا ومخافة، {فأولى} فويل {لَهُم (20) طاعةٌ وقولٌ معروفٌ} أي: طاعة وقول معروف خير لَهُم، {فإذا عزمَ الأمر} أي: جدَّ، {فلو صَدَقوا الله} أي: قولهم فيما زعموا مِنَ الحرص عَلَى الجهاد، أو الإيمان بالعمل، {لكَانَ خيرا لَهُم (21)}.
{فهل عسيتُم إن تولَّيتم} أمور الناس وتأمَّرتم عليهم، أو تولَّيتم عَن الإسلام، {أن تُفسدوا فيِ الأَرْض وتُقطِّعوا أرحامَكم (22)} المعنى: أَنَّهُمْ ــ لضعفهم فيِ الدين وحرصهم عَلَى الدُّنْيَا ــ أحِقَّاء بأن يَتوقَّع ذَلِكَ مِنْهُم مَن عَرَفَ حالهم، ويقول لَهُم: «عسيتم». {أُولَئِكَ الذِينَ لعنهم الله} لإفسادهم وقطعهم الرحم، {فأَصمَّهم} عَن استماع الحَقِّ {وأعمى أبصارَهم (23)} فلا يهتدون سبيله.
{أفلا يتدبَّرون القرآنَ}؟ يستصفحونه (1) وَمَا فِيهِ مِنَ المواعظ والزواجر، حَتَّى لاَ يجسروا عَلَى المعاصي، {أم عَلَى قلوبٍ أقفالها (24)}؟ لاَ يصل إِلَيْهِا ذكر، وَلاَ ينكشف لها أمر، وأقفالها هاهنا: أهويتها، وهي كالمقفولة عليها، لاَ تعي خيرا، وَلاَ يخرج مِنْهَا خبث.
{__________
(1) - ... الأصوب: «يتصفَّحونه»، كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص149. (4/154)
صفحة 1317
إنَّ الذِينَ ارتدُّوا عَلَى أدبارِهم من بعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى} الدلائل الواضحة، (لَعَلَّهُ) شبَّههم كمثل الذِي صعد عَقبة، حَتَّى كاد أن يقتحمها (لَعَلَّهُ) ثُمَّ ولَّى عَلَى دبره هاويا؛ {الشيطانُ سوَّل لَهُم} سهَّل لَهُم اقتراف الكبائر؛ وقيل: حملهم عَلَى الشهوات؛ مِنَ السُّؤل: وَهُوَ التمنِّي، {وأملَى لَهُم(25)} ومدَّ لَهُم فيِ الآمال. {ذَلِكَ بأنَّهم قَالُوا للذين كَرِهوا مَا نزَّل الله: سَنُطيعكم فيِ بعض الأمر} فيِ بعض أموركم، {والله يعلم إِسرارَهم(26)} ومِنْهَا قولهم هَذَا الذِي أفشاه عليهم.
{فكيف إِذَا توفَّتهم المَلاَئِكَة}؟ فكيف يكون حالهم وألَمُهم إذ لاَ يجدون عَنْهُ مصرفا، {يضربون وجوهَهَم وأدبارَهَم(27) ذَلِكَ بأنَّهم اتَّبعوا مَا أسخطَ اللهَ} مِنَ الشهوات والمعاصي، {وكَرِهُوا رضوانَه} مَا يرضاه مِنَ الإيمان، واستحبُّوا غضبه عَلَى رضاه، {فأحبط أعمالَهم(28)} لذَلِك. {أم حسبَ الذِينَ فيِ قلوبهم مَّرَضٌ} وَهُوَ الأضغان الكامنة فِيهَا عَلَى أهل الإسلام، لقوله: {أن لن يُخرجَ الله أَضغانَهم(29)} أن لاَ يُبرز الله لرسوله والمؤمنين أحقادهم.
{ولو نشاءُ لأريناكهم} لعرَّفناك بهم بالدلائل، فتعرفهم بأعيانهم، {فلعرفتهُم بِسِيماهم} بعلاماتهم التِي نَسمُهم بها، من أقوالهم وأعمالهم، أو تعرفهم بأسمائهم كما قَالَ: {ولتعرفنَّهم فيِ لَحنِ القول} لحن القول: أسلوبه وإمالته، من جهة التعريض، ومِنْهُ قيل للمخطئ: لاحنٌ، لأَنَّهُ يعدل بالكلام عَن الصواب، {والله يعلم أعمالكم(30)} فيجازيكم عَلَى حسب قصدكم إذ الأعمال بالنيات.
{ولنبلونَّكم} بالتكاليف الشاقَّة [558] {حَتَّى نعلمَ المجاهدين منكم والصابرين} عَلَى مشاقِّها، {ونبلوَ أخباركم(31)} مَا نخبر بِهِ عن أعمالكم، فنُظهر حسنها وقبحها، أو إخبارهم عَن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين فيِ صدقها وكذبها.
{ (4/155)
صفحة 1318
إنَّ الذِينَ كَفَرُوا وصدُّوا عَن سبيلِ اللهِ وشاقُّوا الرسولَ} فيما أمر بِهِ أو نهى عَنْهُ، فكرهوا أمره ونهيه ولم يعملوا بمقتضاه، {من بعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدَى، لن يضرُّوا اللهَ شَيْئًا} بكفرهم وصدِّهم، {وسيُحبِط أعمالهم (32)} ثواب حسنات أعمالهم.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أطِيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وَلاَ تُبطِلوا أعمالكم (33)} بِمَا أبطل بِهِ هؤلاء؛ وفيه أَبينُ الدليل عَلَى إحباط الأعمال بالكبيرة الوَاحِدَة. {إنَّ الذِينَ كَفَرُوا وصدُّوا عَن سبيلِ اللهِ، ثُمَّ ماتوا وَهُم كُفَّار فلن يَغْفِر الله لَهُم (34)} عامٌّ فيِ كُلِّ من مات مُرتكِبا لكبيرة، أو مُصرًّا عَلَى صغيرة.
{فلا تَهِنُوا} فلا تَضعُفُوا {وتدعوا إِلىَ السَّلم} وَلاَ تدعوا إِلىَ الصلح خوفا وتذلُّلا، {وأنتم الأَعلَوْنَ} الأغلبون، {واللهُ معكم} ناصرُكم، {ولن يَتِرَكم أعمالكم (35)} ولن يضيِّعكم أعمالكم.
{إِنَّمَا الحياةُ الدُّنْيَا لعبٌ ولهوٌ} لاَ ثبات لها إِلاَّ الجزاء للأعمال؛ {وإن تؤمنوا وتتَّقوا يُؤتِكم أجوركم} ثواب إيمانكم، {وَلاَ يسألكُم أموالكم (36) إن يسألكموها فيُحفِكم} فيجهدكم {تبخلوا} فلا تعطوا، {ويخرج أضغانكم (37)} الأضغان الكامنة فيِ القلوب.
{ها أَنتُم هؤلاء} أي: أَنتُم يا مخاطبون، {تُدعَوْنَ لتُنفِقُوا فيِ سبيلِ الله} وَهُو (1) يَعُمُّ بذل المال والمُهج فيِ سبيل الله، {فمنكم مَن يَبخَلُ} ناسٌ يبخلون، {ومن يبخلْ فَإِنَّمَا يبخلُ عَن نفسه} فإنَّ ضُرَّ الإنفاق وضُرَّ البخل عائدان إِلَيْهِ، {واللهُ الغنيُّ وأنتم الفقراء} فيما يَأْمُرُكم بِهِ هو لافتقاركم، فإن امتثلتم فلكم، وإن امتنعتم فعليكم، {وإن تتولَّوا يستبدلْ قوما غيرَكم ثُمَّ لاَ يكونوا أمثالكم (38)} فيِ الصفة، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا أمثالكم (لَعَلَّهُ) لكَانَ ذَلِكَ منافيًا للحكمة.
سورة الفتح
__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «وهم»، وَهُوَ خطأ. (4/156)
صفحة 1319
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا فتحنا لك فتحًا مُبينًا(1) ليَغْفِرَ لك الله} علَّه للفتح مِن حيث إِنَّهُ سبب عَن جهاد الكُفَّار، والسعي فيِ إعلاء الدين، وإزاحة الشرك، وتكميل النفوس الناقصة، {مَا تَقَدَّم من ذنبك وَمَا تأخَّر، ويُتمَّ نعمتَه عليك} لأَنَّ النعمةَ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بغفران الذنوب، {ويهديَك صراطا مستقيما(2)} ليبلِّغك إِلىَ محلِّ إتمام النعمة. {ويَنصرَك اللهُ نصرا عزيزا(3)} نصرا معضودا بِالعِزِّ والنفع.
{هُوَ الذِي أنزل السكينةَ} الثبات والاطمئنانيَّة {فيِ قلوبِ المؤمنين} حَتَّى يثبتوا، حيث تَقلق نفوس من عداهم، {ليزدادُوا إيمانًا} بالثبات عند القتال، والمجاهدة للأعداء الظاهرة والباطنة، {مَعَ إيمانهم} الدَّاعي لَهُم بالثبات عَن مزلَّة الأقدام.
{ولله جنودُ السَّمَاوَات [559] والأَرْض} يُدَبِّر أمرها، فيسلِّط بعضها عَلَى بعض عَلَى حسب القوَّة والضعف، فيضعف هَذَا ويقوى هَذَا، وعَلَى العكس، يكون عَلَى مَا تقتضيه حكمته، {وكَانَ الله عليما} بالمصالح، {حكيما(4)} فيما يُقدِّر ويُدَبِّر.
{لِيُدخلَ المؤمنين والمؤمنات جَنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فِيهَا} علَّة بِمَا بعده دَلَّ عليه قوله: {ولله جنودُ السَّمَوَاتِ والأَرْض} من معنى التدبير، ليثبِّت المؤمنين ويعذِّب الْكَافِرِينَ، {ويكفِّر عَنْهُم سَيِّئَاتهم} أي: الصغائر باجتنابهم الكبائر، {وكَانَ ذَلِكَ عند الله فوزا عظيما(5)} لأَنَّهُ أنفع من كُلِّ شيء.
{ (4/157)
صفحة 1320
ويعذِّبَ المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الظانِّين بالله ظنَّ السَّوْء} وَهُوَ وصفهم لَهُ بِمَا لاَ تليق بِهِ حكمته، {عليهم دائرةُ السَّوْءِ} دائرة مَا يصفونه بِهِ مِمَّا لاَ يجوز عليه، {وغَضِبَ الله عَلَيْهِم ولَعَنَهم وأعدَّ لَهُم جهنَّم} عطف لِمَا استحقُّوه فيِ الآخِرَة، عَلَى مَا استوجبوه فيِ الدُّنْيَا، {وساءت} جَهَنَّم {مصيرا (6) ولله جنودُ السَّمَاوَات والأَرْض وكَانَ الله عزيزا حكيما (7)}.
{إِنَّا أرسلنَاك شاهدا} عَلَى أمَّتك، {ومُبشِّرا} لمن أطاع مِنْهُم، {ونذيرا (8)} لمن تولىَّ واستكبر، وكذَلِك أرسل كُلَّ محقٍّ شاهدا عَلَى أهل زمانه. {لتؤمنوا بالله ورسوله} قيل: للأمَّة، {وتعزِّروه} وتُقوُّوا (1) دينه وتنصروهُ، والتوقير: التبجيل (2) {وتُوقروه} وتعظِّموه، {وتُسبِّحوه} وتنزِّهوه، أو تصلُّوا لَهُ {بكرةً وأصيلاً (9)} بكرة وعشيًّا؛ أو دائما.
{إنَّ الذِينَ يُبايعونك إِنَّمَا يُبايعون الله} لأَنَّهُ المقصود بالبيعة، {يدُ الله فوق أيديهم} أي: قدرته فوق قدرتهم، {فمن نَّكَثَ} نقض البيعة، وهذا يقتضي فعل جميع المعاصي بعد التوبة، {فَإِنَّمَا ينكُث عَلَى نفسه} فلا يعود ضُرُّ نكثه إِلاَّ عليه، {ومن أوفَى بِمَا عاهدَ عليه اللهَ فسيؤتيه أجرا عظيما (10)} فيِ الجَنَّة.
{__________
(1) - ... فيِ الأصل: «وتقووه ا»، وعند البيضاوي: «وتقوُّوه بتقوية دينه». تفسير، ج4/ ص152.
(2) - ... ورد تفسير الآية قبل سردها، وَهَذَا خلل. (4/158)
صفحة 1321
سيقولُ لك المخلَّفون مِنَ الأعراب} الذِينَ تخلَّفوا واعتلُّوا بالشغل بأموالهم وأهليهم، وَإِنَّمَا خلَّفهم الخذلان وضعف العقيدة، وكأنَّهم اختاروا اللذَّة الحَقِيرة الفانية عَلَى مَا وعدهم بِهِ الله، واستعظموا فيِ أنفسهم تعبُّده، {شغلتنا أموالُنا وأهلُونا} إذ لم يكن لنا مَن يقوم بأشغالها (1)، {فَاستَغفِر لَنَا} مِنَ الله عَلَى التخلُّف؛ {يقولون بألسنتهم مَّا ليس فيِ قلُوبهم} تكذيب لَهُم فيِ الاعتذار والاستغفار؛ {قل: فمن يملك لكم مِّنَ الله شَيْئًا} فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه، {إن أَرَادَ بِكم ضرًّا}؟ مَا يضرُّكم فيِ الدين والدُّنْيَا، {أو أَرَادَ بكم نفعا} مَا يضادُّ ذَلِكَ، {بَل كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خبيرا (11)} فيعلمُ تخلُّفكم وصدقكم واعتذاركم.
{بَل ظننتُم أن لن ينقلِب الرسولُ والمؤمنونَ إِلىَ أهليهم أبدا، وزُيِّن ذَلِكَ فيِ قلوبكم} فتمكَّن فِيهَا، {وظننتم ظنَّ السَّوْءِ} الظنَّ المذكور، {وكنتم قوما بُورًا (12)} هالكين عند الله، لفساد عقيدتكم، وسوء نيَّتكم؛ والمراد: التسجيل عليه (2) بالسوء [560]، وَهُوَ سائر مَا يظنُّون بالله ورسوله مِنَ الأمور الزائغة (3) (لَعَلَّهُ) وذَلِك نتيجة ضعف الإيمان، وأنَّ إيمانهم ليس بإيمان نافع عَلَى الحَقيقة، لقوله: {ومن لم يُؤْمِنُ بالله ورسوله فَإِنَّا أعتدنا للكَافِرِينَ سعيرا (13)}.
{ولله ملكُ السَّمَاوَات والأَرْض} يُدَبِّر كيف يَشَاء، {يَغْفِر لمن يَشَاء ويعذِّبُ من يَشَاء} إذ لاَ وجوب عليه، {وكَانَ الله غَفُورا رحيما (14)}.
{__________
(1) - ... يمكن أن نقرأ: «بأشغالهم»، فَفيِ الأصل: «بأشغالهام».
(2) - ... الصواب: «عَلَيْهِم»، وقد يكون الضمير راجعا عَلَى الظنِّ.
(3) - ... في الأصل تكرار هَذِهِ العبارة: «{وكنتم قوما بورا (12)} هالكين عند الله لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم»، وقد سبق ذكرها. (4/159)
صفحة 1322
سيقولُ المخلَّفون} يعني المذكورين: {إِذَا انطلقتم إِلىَ مغانِمَ لتأخذوها: ذَرُونا نتَّبعكم} قيل: يذرون أن يغيِّروا مواعيد الله (1)، {يريدون أن يُبدِّلوا كلامَ الله} يريدون مشاركتهم فيِ الحطام الدنيويِّ دون المجاهدة، فأبى الله عَلَيْهِم ذَلِكَ بقوله: {قل لَّن تتَّبعونا، كذَلِكم (2) قَالَ الله من قبلُ فسيقولون: بَل تَحسُدُونَنَا} أن نشارككم فيِ الغنائم، {بَل كَانُوا لاَ يفقهون إِلاَّ قليلا (15)} إِلاَّ فَهمًا قليلا، وَهُوَ فطنتهم لأمور الدُّنْيَا، وَلاَ يفقهون من أمور دينهم شَيْئًا، كقوله: {لاَ يذكرون الله إِلاَّ قليلا} (3).
{قل لِّلمُخَلَّفين مِنَ الأعراب: ستُدعَوْن إِلىَ قوم أُولي بأس شديد تُقاتلونهم، أو يُسلمون} أي: يكون أحد الأمرين، إِمَّا المقاتلة، أو الإسلام لاَ غير؛ ومعنى يُسلمون: ينقادون، {فإن تُطيعوا يُؤتِكم اللهُ أجرا حسنًا} هُوَ الغنيمة فيِ الدُّنْيَا، والجنَّة فيِ الآخِرَة، {وإن تتولَّوا كما تولَّيتم من قبلُ يُعذِّبْكم عذابا أليما (16)} فيِ الدُّنْيَا بالخزي وفوات الغنائم، وفي الآخِرَة بعذاب النار.
{ليس عَلَى الأعمى حرجٌ، وَلاَ عَلَى الأعرج حرجٌ، وَلاَ عَلَى المريض حرجٌ، ومن يُّطِع الله ورسوله يدخلْه جَنَّات تجري مِن تحتها الأنهار، ومن يتولَّ يعذِّبه عذابا أليما (17)}.
{__________
(1) - ... فيِ العبارة خلل، صوابها: «قيل: يريدون أن يغيِّروا مواعيد الله»، لهذا فالواجب أن تتأخَّر العبارة هكذا: «ذَرُونا نتَّبعكم يريدون أن يُبدِّلوا كلامَ الله} قيل: يريدون أن يغيِّروا مواعيد الله، ويريدون مشاركتهم فيِ الحطام ... » إلخ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «كَذَلِكَ».
(3) - ... سورة النساء: 142. (4/160)
صفحة 1323
لَقَد رضيَ اللهُ عَن المؤمِنين إذ يُبايعونك تحت الشجرةِ فعلمَ مَا فيِ قلوبهم} (لَعَلَّهُ) مِنَ الصدق والوفاءِ {فأنزلَ السكينةَ عليهم} الاطمئنانيَّة وسكون النفس، {وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانمَ كثيرةً يأخذونها، وكَانَ الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانمَ كثيرة تأخذونها (1) فعجَّل لكم هَذِهِ} (لَعَلَّهُ) أي: النصرة فيِ هَذِهِ الوقعة، لقوله: {وكفَّ أيديَ الناسِ عنكم، ولتكونَ آيةً للمؤمِنين} أمارة يعرفون بها أَنَّهَا مِنَ الله بمكان، {ويهديَكُم صراطا مستقيما (20) وأُخْرَى} أي: وقعة أُخْرَى {لم تقدروا عليها قد أحاطَ الله بها، وكَانَ الله عَلَى كُلِّ شيء قديرا (21)} لأَنَّ قدرته ذاتية، لا تختصُّ بشيء دون شيء، {ولو قاتلكم الذِينَ كَفَرُوا لولَّوا الأدبار ثُمَّ لاَ يجدون وليًّا وَلاَ نصيرا (22)؛ سنَّة الله التِي قد خلت مِن قبل ولن تجدَ لسُنَّة الله تبديلا (23)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: - {وكَانَ الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها}، وهو سهو. (4/161)
صفحة 1324
وَهُوَ الذِي كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عَنْهُم بِبطنِ مكَّة مِن بعد أن أظفركم عَلَيْهِم وكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بصيرا (24) هُمُ الذِينَ كَفَرُوا وصدُّوكم عَن المسجد الحرام والهَدْيَ معكوفا} أي: [561] وصدُّوا الهدْيَ، وهي البُدن، «معكوفا» أي: محبوسا {أن يبلُغ محِلَّه، ولولا رجال مؤمِنون ونساء مؤمِنات} (لَعَلَّهُ) فِيهِم {لم تعلموهم} بأعيانهم لاختلاطهم بغيرهم، {أن تطئوهم} أن تُوقِعوا بهم وتبتدئوهم، {فتصيبَكم مِّنْهُم} مِن جهتهم {مَعرَّة} مكروه، كوجوب الديَّة والكفَّارة، والتأسُّف عَلَيْهِم {بغير عِلمٍ} غير عالمين بهم؛ والمعنى: لولا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمِنين بين أظهر الْكَافِرِينَ جاهلين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه، إِنَّمَا كفَّ أيديكم عَنْهُم {ليُدخِل الله فيِ رحمته} علَّه لِمَا دَلَّ عَليه كفُّ الأيدي مِن أهل مكَّة، {مَن يَشَاء، لو تزيَّلوا} لتفرَّقوا (1)، وتميَّز بعضهم مِن بعض، {لعذَّبنا الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُم عذابا أليما (25)} أي: لولا مَا ذكرنا مِنَ المؤمِنين والمؤمِنات فِيهِم، لَمَا كفَّ أيديكم عَنْهُم، ولعذَّبهم بمثلكم إيَّاهم.
{إذ جَعَلَ الذِينَ كَفَرُوا فيِ قلُوبهم الحَمِيَّةَ حَميَّةَ الجَاهِلِيَّةِ} التِي تمنع إذعان الحَقِّ، {فأنزل الله سكينتَه عَلَى رسوله وعَلَى المؤمِنين} أنزل عَلَيْهِمُ الوقارَ والثبات (لَعَلَّهُ) عَن الحميَّة الجَاهِلِيَّة، {وألزمَهم كلمةَ التقوى} كلمة الشهادة، قولا وعملا ونيَّة، {وكَانُوا أَحقَّ بها} مِن غيرهم، {وأهلها} والمستأهل لها، {وكَانَ الله بِكُلِّ شيء عليما (26)} فيعلم كلاًّ مِنَ الخلق لِمَا هُوَ أهله وييسِّره لَهُ.
{__________
(1) - ... الصواب: «لو تفرَّقوا»، كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص154. (4/162)
صفحة 1325
لَقَد صدقَ اللهُ رسولَه الرؤيا بِالْحَقِّ} مُلتبسا بِهِ، فإنَّ مَا رآه كائن لاَ محالة فيِ وقته المقدَّر لَهُ، {لتدخلُنَّ المسجدَ الحرام إن شاءَ اللهُ آمِنين، مُحلِّقين رءوسكم ومقصِّرين} أي: محلِّقا بعضُكم، ومقصِّرا آخرون، {لاَ تخافون} بعد ذَلِكَ، {فَعلِم مَا لم تعلموا} مِنَ الحكمة فيِ تأخير ذَلِكَ، {فجعل مِن دون ذَلِكَ} مِن دخولكم المسجد، أو فتح مكَّة {فتحا قريبا(27)}.
{هُوَ الذِي أرسلَ رسولَه بالهُدَى ودينِ الحَقِّ ليُظهِرَه عَلَى الدِّينِ كلِّه} فلم يبق مِن أديان الضلال شيء بين ظهراني المُسْلِمِينَ ظاهرا، {وكفى بالله شهيدا(28) مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ، وَالذِينَ معه أَشِدَّاء عَلَى الكُفَّار رحماءُ بَيْنَهُم} المعنى: أَنَّهُمْ يغلظون عَلَى مَن خالف دينهم، ويتراحمون فيما بَيْنَهُم، {تراهُم رُكَّعا سُجَّدا} ترى أحوالهم الركوع والسجود والانقياد، إشارة إِلىَ الوصف المذكور، {يبتغون فضلا مِنَ الله ورضوانا} الثواب والرضَى، {سيمَاهم فيِ وجوههم مِن أثرِ السجود} أي: علامتهم ظاهرة مِن آثار السجود والإذعان، دون الاستكبار.
{ذَلِكَ} إشارة إِلىَ الوصف المذكور، {مَثَلُهم فيِ التَّوْرَاة} صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فِيهَا، {ومَثَلُهم فيِ الإِنجِيل} ذَلِكَ مثلهم فيِ الكتابين {كزَرْعٍ أَخرج شَطأه} فِراخه، {فآزَرَه} فقوَّاه؛ المؤازرة بمعنى: المعاونة، {فاستغلَظَ فاستَوَى عَلَى سُوقِه} فاستقام عَلَى قصبه، {يُعجِبُ الزُّرَّاعَ} بكثافته وقوَّته وغلظه وحسن منظره؛ وَهُوَ مثلٌ ضربه الله لأصحابه، قَلُّوا فيِ بدء الإسلام، ثُمَّ كثروا واستحكموا، فترقَّى أمرهم بحيث أعجب الناس؛ {ليَغيظَ بهم [562] الكُفَّار} فلم يستطيعوا عَلَى كسر شوكتهم، فبقي الغيظُ مكمنا فيِ القلوب. {وعدَ الله الذِينَ آمَنُوا وعَمِلوا الصَّالِحَات مِنْهُم مَّغفِرَةً وأجرًا عظيما(29)} فإنَّ الكُفَّار لَمَّا سمعوه غاظهم ذَلِكَ. (4/163)
صفحة 1326
سورة الحجرات
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تُقدِّموا} أي: لاَ تقدِّموا أمرا؛ والمقصود نفي التقديم رأسا، {بين يَدَيِ اللهِ ورسولهِ} أي: لاَ تقطعوا أمرا قبل أن يحكما بِهِ، {واتَّقُوا الله} فيِ التقديم، أو مخالفة الحكم، {إنَّ الله سميعٌ} لأقوالكم، {عليمٌ (1)} بأفعالكم.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَرفعوا أصواتكم فوقَ صوتِ النبيِّ} إِذَا كلَّمتموه فلا تُجاوزوا أصواتكم عَن صوته، {وَلاَ تجهرُوا لَهُ بالقول كَجَهْرِ بعضِكم لبعض} وَلاَ تبلغوا بِهِ الجهر الدائر بينكم، بَل اجعلوا أصواتكم أخفض مِن صوته؛ وقيل معناه: وَلاَ تخاطبوه باسمه وكُنيَته كما يُخاطِب بعضكم، وخاطبوه بالنبيِّ والرسول، {أن تَحبَطَ أعمالكم، وأنتم لاَ تَشعرُونَ (2)} أَنَّهَا مُحبطة.
{إنَّ الذِينَ يَغُضُّون أصواتَهم} يُخضعونها {عندَ رسولِ الله} مراعاة للأدب، أو مخافة عَن مخالفة النهي؛ قيل: كَانَ أبو بكر وعمر بعد ذَلِكَ يُسرَّانه، حَتَّى يَستفهِمَهما (1)، {أُولَئِكَ الذِينَ امتحنَ اللهُ قلوبَهم للتقوى} والأصل: ضرب الله قلوبهم بأنواع المِحن، والتكاليف الشاقَّة لأجل التقوى، فإنَّها لاَ تظهر إِلاَّ بالاصطبار عليها؛ أو: أخلَصَها للتقوى، مِن "امتحنَ الذهبَ": إِذَا أذابه وميَّز إبريزه من خبثه؛ وقيل: امتحانه لها: نزع الله مِنْهَا حُبَّ الشهوات، {لَهُم مغفرة} لذنوبهم، {وأجر عظيم (3)}.
{إنَّ الذِينَ يُنادُونك من وراءِ الحُجُرات أكثرهم لاَ يعقلُونَ (4)} إذ العقل يقتضي حسن الأدب، ومراعاة الخشية، {ولو أنَّهم صبروا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِم لكانَ خيرًا لَهُم، وَاللهُ غَفُور رحيمٌ (5)}.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «يستفهمها». (4/164)
صفحة 1327
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إن جاءَكُم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا} فتعرَّفوا وتفحَّصوا، {أن تصيبوا} كراهةَ إصابتكم، {قومًا بِجَهالة} جاهلين حالهم، {فتصبِحوا عَلَى مَا فعلتم نادمِينَ (6) واعلموا أنَّ فيكُم رسولَ الله} فاتَّقُوا الله أن تقولوا باطلا وتكذِّبوه فتفتضحوا، {لو يُطيعُكم فيِ كثيرٍ مِنَ الأمر لَعَنِتُّم} والمعنى: إنَّ فيكم رسول الله عَلَى حال يجب تغييرها، وهي أَنَّكُم تريدون أن يتَّبع رأيكم فيِ الحوادث، ولو فعل ذَلِكَ لَعنتُّم، أي: لوقَعتُم فيِ الجهد (1)، مِنَ العَنَت، {ولكنَّ الله} بكرمه وفضله {حبَّبَ إليكم الإيمانَ وزيَّنه فيِ قلُوبِكم وكرَّه إليكم الكفرَ والفسوقَ والعِصيان} (لَعَلَّهُ) عَن أن تعنتوا، لا بقوَّتكم وحيلتكم واختياركم؛ المعنى: ولو خُلِّيتم (لَعَلَّهُ) واختياركم لأثمتم، {أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشدُونَ (7)} أي: هُمُ الذِينَ أصابوا الطريقَ السَّويَّ، والكفر: تغطية النعم بالمعاصي؛ والفسوق: الخروج عَن القصد؛ والعصيان: الامتناع عَن الانقياد؛ {فضلا مِنَ اللهِ ونعمةً} والرشد: فضل الله وإنعامه (2)، {والله عليمٌ} [563] بأحوالِ المؤمنين، وَمَا بَيْنَهُم مِنَ التفاضل، {حكيم (8)} حين تَفضَّل عَلَيْهِم بالتوفيق.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْل: «الجهل»، ولا مَعْنَى له فيِ هَذَا السياق. والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص157.
(2) - ... في الأصل: «وانعمامه»، وهو خطأ. (4/165)
صفحة 1328
وإن طائفتان مِنَ المؤمنين اقتَتَلوا فأصلِحُوا بينهُما} مِنْهُما أو مِن أحدهما مَا وقع مِنَ الفساد بالنصح والدعاء إِلىَ حكم الله، {فإن بَغَت إحداهما} تعدَّت {عَلَى الأخرى، فقاتِلوا التِي تَبغِي حَتَّى تَفيءَ إِلىَ أمر الله} ترجع إِلىَ مَا حكم عليها، وَإِنَّمَا أُطلِق الفيء عَلَى الظلِّ لرجوعه بعد نسخ الشمس، والغنيمة لرجوعها مِنَ الكُفَّار إِلىَ المُسْلِمِينَ؛ {فإن فاءَت، فأصلِحوا بينهُما بالعدل} بفصل مَا بينهما عَلَى مَا حكم الله؛ وتقييد الإصلاح بالعدل هاهنا، لأَنَّهُ مظنَّة الحيف، مِن حيث أَنَّهُ بعد التقاتل، {وأقسِطوا} واعدلوا فيِ كُلِّ الأمور، {إنَّ الله يُحبُّ المُقسِطِينَ(9)} يَحمَدُ فِعلَهم بحسن الجزاء.
{إِنَّمَا المؤمنون} حقًّا {إخوةٌ} من حيث أَنَّهُمْ منتسبون إِلىَ أصل واحد، وَهُوَ الإيمان الموجب للحياة الأبديَّة، {فأَصلِحوا بين أخوَيْكم} لتكونوا عَلَى حقيقة الإيمان، غير فارقين عَنْهُ، {واتَّقُوا اللهَ} فيِ مخالفة حكمه، والإهمال فِيهِ، {لَعَلَّكُم تُرحمُونَ(10)} عَلَى تقواكم.
{ (4/166)
صفحة 1329
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ يَسخرْ قومٌ من قومٍ عَسَى أن يكونوا خيرا مِنْهُم، وَلاَ نساءٌ من نِّسَاءٍ عَسَى أن يكنَّ خيرًا مِنهُنَّ} أي: لاَ يسخرْ بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، إذ قد يكون المَسخُورُ مِنْهُ خيرا عند الله مِنَ الساخر، أي: لاَ يستهزِئْ، فينبغي أن لاَ يستهزِئَ أحدٌ بِمَا يراه رثَّ الحال أو ذا عاهة، أو بِمَا يراه يعمل من طاعة الله فيسخر مِنْهُ، فلعلَّه أنقى عند الله وأخلص ضميرا مِمَّن هُوَ عَلَى صفته، فيكون قد حقَر من وقَّره الله (1) ، {وَلاَ تلمِزوا أنفسَكم} أي: لاَ يَعب بعضكم بعضا، فإنَّ المؤمنين كنفس وَاحِدَة، أي: حصَّنوا أنفسهم بالانتهاء عَن غيِّها؛ وقيل: اللمز: الطعن والعيب فيِ المشهد، والهمز: فيِ المغيب؛ وقيل: إنَّ اللمز مَا يكون باللسان والعين والإشارة، والهمز: لاَ يكون إِلاَّ باللسان، {وَلاَ تنابزوا بالألقاب} وَلاَ يدْعُ (2)
__________
(1) - ... وردت العبارة فيِ الأصل هكذا: «{عَسَى أن يكنَّ خيرًا مِنهُنَّ} أي: لاَ يسخر، فينبغي أن لاَ يستهزئ أحد بِمَا يراه رثَّ الحال أو ذا عاهة؛ أو بِمَا يراه يعمل من طاعة الله فيسخر مِنْهُ، فلعلَّه أنقى عند الله وأخلص ضميرا مِمَّن هُوَ عَلَى صفته، فيكون قد حقَر من وقَّره الله، بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، إذ قد يكون المَسخُورُ مِنْهُ خيرا عند الله مِنَ الساخر، أي: لاَ يستهزئ»، وصحَّحناها حسب المعنى، وَهَذَا من أعجب ما وقع فيه الناسخ من أخطاء، إذ يقدِّم عبارة كاملة عَلَى أخرى، فلعلَّه قد نقلها من الحاشية ولم يثبتها فيِ محلِّها.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «يدعوا»، وَهُوَ خطأ.. (4/167)
صفحة 1330
بعضكم بعضا بلقب السوء؛ {بِئْسَ الاسمُ الفسوقُ بعد الإيمان} أي: بِئسَ الذِّكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروهم بالفسق، بعد دخولهم الإيمان واستهزائهم بِهِ؛ {ومن لم يَتُب} عَمَّا نُهي عَنْهُ {فأولئك هُمُ الظالِمُونَ(11)} بوضع العصيان موضع الطاعة، وتعريض النفس للعذاب وتنقيلها مِنَ الرحمة إِلَيْهِ.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اجتَنِبُوا كثيرًا مِنَ الظَّنِّ} كونوا مِنْهُ عَلَى جانب، وإبهامُ “الكثير” ليُحتاط فيِ كلِّ ظنٍّ ويتأمَّل، حَتَّى يعلم أَنَّهُ مِن أيِّ القبيل، فإنَّ مِنَ الظنِّ مَا يجب اتِّبَاعه: كالظنِّ حيث لاَ قاطع فِيهِ مِنَ العيان (1) ، وحسن الظنِّ بالله؛ وَمَا يَحْرُمُ: كالظنِّ فيِ الإلهيَّات والنبوَّات؛ وحيث يخالفه قاطع، وظنُّ السوء بالمؤمنين. وفي ذَلِكَ قيل عَن النبيء - عليه السلام - : «إنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث» (2) ؛
__________
(1) - ... فيِ تفسير البيضاويِّ: «كالظنِّ حيث لاَ قاطع فِيهِ مِنَ العَمَلِيَّات»، وَهُوَ أوفق للسياق، لأَنَّهُ يقابل ما بعده: الظن فيِ الإلهيَّات والنبوَّات. انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص159.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «كذب الحديث»، وَهُوَ خطأ.
... ... والحديث رواه البخاري: كتاب النكاح، 4747، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَأْثُرُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا، وَلاَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ». وفي كتاب الأدب، 5604، 5606، وكتاب الفرائض، البر والصلة والآداب. ورواه الترمذي: كتاب البر والصلة، رقم 1911. أبو داود: كتاب الأدب، 4271. أحمد: باقي مسند المكثرين، بعدة طرق. مالك: الموطَّأ، كتاب الجامع. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «أكذب الحديث». (4/168)
صفحة 1331
وَمَا يباح [564] كالظنِّ فيِ الأمور المعاشيَّة، {إنَّ بعض الظنِّ إثمٌ} الإثم: الذنب يستحقُّ العقوبة عليه، ويَكسر الأعمال.
{وَلاَ تَجَسَّسوا} وَلاَ تبحثوا عَن عورات المُسْلِمِينَ؛ وفي الحديث: «لا تتَّبعوا عن عورات المسلمين، فإنَّ من يتَّبع عوراتهم يتَّبع الله عورته حَتَّى يفضحه ولو فيِ جوف بيته» (1)، {وَلاَ يغتَب بَّعضُكم بعضا} وَلاَ يذكر بعضكم بعضا بسوء، وإن كَانَ فِيهِ فقد اغتبته، وإن لم يكن فِيهِ فقد بَهتَّه (2)، {__________
(1) - ... رواه الترمذي: كتاب البر والصلة. 1955، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمِنْبَرَ، فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ! لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فيِ جَوْفِ رَحْلِهِ» ... قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ. وَرَوَى إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ نَحْوَهُ وَرُوِي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْوُ هَذَا. ورواه أبو داود في كتاب الأدب، رقم 4236، ونحوه عند ابن ماجه: كتاب الحدود، رقم 2536. وأحمد: مسند البصريِّين، 18940، 18963؛ باقي مسند الأنصار، 21368.
(2) - ... روى مسلم وأبو داود والترمذيُّ وأحمد عن أبي هريرة أَنَّ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْغَيْبَةُ؟ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» .. برنامج سلسلة كنوز السنَّة: الجامع الصغير وزياداته. (4/169)
صفحة 1332
أَيحبُّ أحدُكم أن يأكلَ لحمَ أخيه مَيِّتًا}؟ تمثيلٌ لِمَا ينالُه المُغتاب من عِرض المغتاب عَلَى أفظع وجه. وعن قتادة: «كما تكره إن وجدتَ جيفةً مُدوَّدَة أن تأكل مِنْهَا، كذَلِك فاكرهْ لحم أخيك وَهُوَ حيٌّ». وَلَمَّا قرَّرهم سبحانه بأنَّ أحدا مِنْهُم لاَ يحِبُّ أكل جيفة أخيه، عَقَّب ذَلِكَ بقوله: {فكرهتموه} أي: فتحقَّقت بوجوب الإِقْرَار عَلَيْكُم كراهتكم لَهُ ونفور طباعكم مِنْهُ، فاكرهوا (1) مَا هُوَ نظيره مِنَ الغيبة، {واتَّقُوا الله إِنَّ اللهَ توَّاب رحيم (12)} لمن ألقَى مَا نهى الله عَنْهُ، وتاب مِمَّا فرط مِنْهُ، والمبالغة فيِ “التَّوَّاب” لأَنَّهُ يبلغ (2) فيِ قبول التوبة، إذ يجعل صاحبها كمن لاَ ذنب لَهُ، أو لكثرة المتُوب عَلَيْهِم؛ أو لكثرة ذنوبهم.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «ناكرهوا»، وَهُوَ تحريف من الناسخ.
(2) - ... الصواب ما ذكره البيضاويُّ: «لأَنَّهُ بليغ فيِ قبول التوبة»، تفسير، ج4/ ص159. (4/170)
صفحة 1333
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خلقناكم مِّن ذَكَر وأنثى} من آدم وحوَّاء، أو خلقنا كُلَّ وَاحِدٍ منكم من أبٍ وأمٍّ، فالكلُّ سواء فيِ ذَلِكَ، فلا وجه للتفاخر فيِ النسب؛ ويجوز أن يكون تقريرا للأخوَّة المانعة عَن الاغتياب. قَالَ الغزاليُّ فيِ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خلقناكم مِّن ذكر وأنثى}: «أي: تفاوتٌ فيِ أنسابكم، لاجتماعكم عَلَى أصل واحد، ثُمَّ ذكر فائدة النسب فقال: {وجعلناكم شعوبا وقبائل لِتَعَارفوا}، ثُمَّ بيَّن أنَّ الشرف بالتقوى لاَ بالنسب فقال: {إنَّ أَكرمَكُم عند الله أَتقَاكم} وَلَمَّا قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مَن أكرم الناس؟ مَن أكيس الناس؟ لم يقل: من ينتمي إِلىَ نسبي، ولكن قَالَ: “أكثرُهم للموت ذكرا، أو أشدُّهم لَهُ استعدادا” (1)».
{__________
(1) - ... رواه ابن ماجه: كتاب الزهد، 4249، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا»، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ». العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «أكيس». (4/171)
صفحة 1334
وجعلناكم شعوبا وقبائلَ} الشعب: الجمع العظيم، المنسوبون إِلىَ أصل واحد، وَهُوَ يَجمع القبائل، والقبيلة تَجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبَطن يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقُصي بطن، وهاشم فخذ، وعبَّاس فصيلة؛ وقيل: الشعوب بطون (1) العجم، والقبائل بطون العرب، {لِتَعارَفُوا} ليعرف بعضكم بعضا، لاَ للتفاخر بالآباء والقبائل، وتدَّعوا التفاوت والتفاضل؛ ثُمَّ بيَّن سبحانه الخصلة التِي بها يَكتسب الإنسانُ الكرم والشرف عند الله فقال: {إنَّ أكرمَكم عند الله أَتقَاكم} فإنَّ التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل الأشخاص، فمن أَرَادَ شرفا فليلتمس مِنْهَا كما قَالَ - عليه السلام - [565] فيما يُروى عَنْهُ: «من سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتَّق الله» (2) . «
__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «بطن»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص159.
(2) - ... لم نعثر عَلَيْهِ بهذا اللفظ. وقد ورد عند البخاري حديث فيِ معناه: كتاب أحاديث الأنبياء، 3104، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ»...الحديث. وفي الكتاب نحوه، برقم 3123، 3131؛ كتاب المناقب، 3231؛ كتاب تفسير القرآن، 4321. مسلم: كتاب الفضائل، 4383. أحمد: باقي مسند المكثرين، 9201. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «أكرم الناس». (4/172)
صفحة 1335
يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الناس رجلان: مُؤْمِن تقيٌّ كريم عَلَى الله، وفاجر شقيٌّ هيِّنٌ عَلَى الله» (1) ؛
__________
(1) - ... روى الترمذيُّ في كتاب تفسير القرآن، رقم 3193 عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلاَنِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللهُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ يُضَعَّفُ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ. قَالَ: وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وروي نحوه في كتاب المناقب، رقم 3890، 3891. وأخرجه كَذَلِكَ أبو داود فيِ كتاب الأدب، رقم 4452. أحمد في باقي مسند المكثرين، 8381، 10363. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «هين عَلَى الله».. (4/173)
صفحة 1336
قيل فيِ هَذِهِ الآية: «أَكرم الكرم التقوى»؛ وقيل: قَالَ رسول الله: «الحسب: المال، والكرم: التقوى» (1). {إنَّ الله عليم} بِكُم {خبيرٌ (13)}.
{قالتِ الأعرابُ: آمَنَّا قل: لم تُؤمنوا} إذ الإيمان: تصديق مَعَ ثقة واطمئنانيَّة قلب، ولم يحصل لكم؛ وقيل عَن الزهريِّ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الإسلام كلمة، والإيمان عمل»، {ولكن قولوا: أَسلَمنَا} فإنَّ الإسلام الدخولُ فيِ السلم، والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إِلىَ قوله: {وَلَمَّا يَدخُلِ الإيمانُ فيِ قلوبكم، وإن تطيعوا اللهَ ورسوله} وضَع قوله: {لم تُؤمنوا} موضع كذبتهم، بدلالة قوله فيِ صفة المخلصين: {أولئك هُمُ الصادقون} تعريضا بأنَّ هؤلاء هُمُ الكاذبون؛ {ولكن قولوا: أسلمنا} ولم يقل: أسلمتم ليكون خارجا مخرج الزعم والدعوى، كما كَانَ قولهم: «آمنَّا» تفسيرًا (2)؛ {لاَ يَلِتْكم من أعمالكم} لاَ يُنقِصكم من أجورها {شَيْئًا} مِن لاَت ليْتًا: إِذَا نقص، كقوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّن عَمَلِهم من شيءٍ} (3) ومعناهما واحد، {إنَّ الله غَفُور} لمن فرط مِنْهُ ما نهى عَنْهُ وتاب، {رحيمٌ (14)} بالتفضُّل عَلَيْهِم. ثُمَّ بيَّن حقيقةَ الإيمان، فقال:
{__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ: كتاب تفسير القرآن، رقم 3194، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ سَلاَّمِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ. ورواه ابن ماجه في كتاب الزهد، رقم 4209. أحمد: مسند البصريِّين، رقم 19243. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «الكرم التقوى».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «تفسير»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... سورة الطور: 21. (4/174)
صفحة 1337
إِنَّمَا المؤمنون الذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله، ثُمَّ لم يرتابوا} لم يشكُّوا فيِ وحدانيَّة الله والإرسال، وَلاَ فيما جاءوا بعد ثلج صدورهم بالإيمان، بأن يعترضهم الشيطان، أو بعض المضلِّين فيُشكِّكهم، ويقذف فيِ قلوبهم مَا يثلم اليقين، {وجاهَدُوا} العدوُّ المحارب، والشيطان، والنفس الأمَّارة بالسوء، {بأموالهم وأنفسهم فيِ سبيل الله} والمجاهدة: بهما تصلح للعبادات الماليَّة والبدنيَّة بأسرها، {أُولَئِكَ هُمُ الصادقُونَ (15)} الذِينَ صدقوا فيِ ادِّعاء الإيمان.
{قل: أتُعلِّمون اللهَ بِدينِكم}؟ أتخبرونه بِهِ، بقولكم (1): «آمنَّا» {والله يعلم مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض، وَاللهُ بِكُلِّ شيء عليم (16)} لاَ تخفى عليه خافية، وَهُوَ تجهيل لَهُم وتوبيخ؛ والمعنى: أَنَّهُ عالم بذَلِك ومحيط بضمائركم، فلا يحتاج إِلىَ إخباركم بِهِ، لأَنَّهُ يعلم جميع المعلومات لِذاتِه، فلا يحتاج إِلىَ علم يعلم بِهِ وَلاَ إِلىَ من يعلِّمه.
{يمنُّون عليك أَن أَسلموا} يعدُّون إسلامهم عليك مِنَّة، وهي: النعمة، {قل: لاَّ تَمُنُّوا عليَّ إسلامَكم} أي: بإسلامكم، {بَل اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُم أن هَداكم للإيمان} عَلَى مَا زعمتم أنَّ الهداية لاَ تستلزم الاهتداء، {إن كُنتُم صادقِينَ (17)} فيِ ادِّعاء الإيمان، أي: فلِلَّهِ المِنَّة عليكم؛ وفي سياق الآية لطف، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمَّا سَمُّوا مَا صدر عَنْهُم إيمانا ومثوبة، فنفى أَنَّهُ إيمان وسمَّاه إسلاما؛ قَالَ: {يمنُّون عليك} بِمَا هو فيِ [566] الحقيقة إسلام، وليس بجدير أن يمنُّوا [به] عليك، بَل لو صحَّ ادِّعاؤهم للإيمان، فلِلَّهِ المنَّة عَلَيْهِم بالهداية لَهُ (2) لاَ لَهُم.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «بقوله»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص160.
(2) - ... الصواب: - «له»، لأَنَّهُ تكرار. (4/175)
صفحة 1338
إنَّ الله يعلمُ غيبَ السَّمَاوَات والأَرْض} مَا غاب فيهما، {والله بصيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} فيِ سِرِّكم وعلانيَّتكم، فكيف يَخفى عليه مَا فيِ ضمائركم!.
- - -
سورة ق
بسم الله الرحمن الرحيم
{قَ والقرآنِ المجيدِ (1)} الكلام فِيهِ كما مَرَّ فيِ {صَ والقرآن ذي الذكر} (1). والمجيد: ذو المجد والشرف عَلَى سائر الكتب، أو لأَنَّهُ كلام المجيد، أو لأَنَّ من عَلم معانيه، وامتثل أحكامه مُجِّد، {بَل عجبُوا أن جاءهم مُّنذِرٌ مِنْهُم} إنكار لتعجُّبهم مِمَّا ليس بعَجَب، وَهُوَ أن ينذرهم أحد مِن أحسنهم، {فقال الْكَافِرُونَ: هَذَا شيءٌ عجيبٌ (2)} حكاية لتعجُّبهم؛ و «هذا» إشارة إِلىَ اختيار الله محمَّدًا للرسالة، وإضمار ذكرهم، ثُمَّ إظهاره للإشعار بتعنُّتهم لهذا (2) المقال، ثُمَّ التسجيل عَلَى كفرهم بذَلِك، {أَئِذَا مِتْنا وكُنا تُرابا ذَلِكَ رَجعٌ بعيد (3)} عَن الوهم أو العادة أو الإمكان؛ {قد عَلِمنا مَا تَنقُصُ الأَرْض مِنْهُم} مَا يؤكل من أجساد موتاهم؛ وَهُوَ ردٌّ لاستبعادهم بإزاحة مَا هُوَ الأصل فِيهِ، {وعندنا كِتَاب حفيظ (4)} حافظ لتفاصيل الأنبياء كلِّها، أو محفوظ عَن التغيير.
{__________
(1) - ... سورة ص: 1. انظر: ص 35 من هَذَا الجزء.
(2) - ... الصواب: «بهذا»، كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص161. (4/176)
صفحة 1339
بَل كذَّبوا بِالْحَقِّ} بِحُجَجه لَمَّا قامت عَلَيْهِم {لَمَّا جاءهم فَهُم فيِ أمرٍ مَرِيجٍ (5)} مضطرب، كالحمار فيِ الطاحونة، وذَلِك قولهم تارة: إنَّهُ شاعر، وتارة: إنَّهُ كاهن، وتارة: إِنَّهُ ساحر. {أفلم ينظروا} حين كَفَرُوا بالبعث، {إِلىَ السَّمَاء فوقهم} إِلىَ آثار قدرة الله فيِ خلق العالم، {كيف بنَينَاها وزيَّنَّاها} بالكواكب، {وَمَا لها من فُروج (6)} نتوق (1) بأنَّ حُلَّتها ملساء متلاصقة.
{والأَرْضَ مددناها} بسطناها، {وألقينا فِيهَا رواسيَ وأنبتنا فِيهَا من كُلِّ زوجٍ} من كُلِّ صنف، {بهيج (7)} حسن. {تبصرةً وذكرى لِكُلِّ عبدٍ مُنِيبٍ (8)} راجع إِلىَ ربِّه، متفكِّر فيِ بدائع صنعه.
{ونزَّلنا مِنَ السَّمَاء ماءً مباركا} كثير المنافع (لَعَلَّهُ) لأَنَّ بِهِ حياة كُلِّ شيء، {فأنبَتْنا بِهِ جَنَّات} أشجارا وأثمارا، {وحبَّ الحصيد (9)} وحبَّ الزرع الذِي من شأنه أن يُحصَد ويُدَّخر. {والنخلَ باسقات لها طَلعٌ نضِيدٌ (10)} طِوالا، أو حوامل؛ من أبسقت الشاة: إِذَا حملت، وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها. {رزقًا للعبَاد} علَّه لـ «أنبتنا» {وأحيَينَا بِهِ} بذَلِك الماء {بلدةً مَيْتا} أرضا جدبة لاَ نماء فِيهَا، {كذَلِك الخروج (11)} كما حَييت هَذِهِ البلدة، يكون خروجكم أحياء بعد موتكم.
{__________
(1) - ... قال فيِ القاموس: «نَتَقَه: زعزعه ونقضه» (الفيروزآبادي: القاموس، ص832، مَادَّة: «نتق»). ويصحُّ أن يكون هَذَا تفسيرًا للآية. إِلاَّ أَنَّنَا نجد فيِ الأصل الذي نقل منه المُصَنِّف هَذِهِ العبارة: «{وَمَا لها من فُروج} فُتوقٍ، بأن خلقها ملساء متلاصقة الطباق»، والتصحيف واضح بين العبارتين، وقد يكون من ناسخنا، أو من نسخة البيضاوي التي اعتمد عَلَيْها المُصَنِّف. انظر: البيضاوي: المصدر نفسه. (4/177)
صفحة 1340
كذَّبت قبلهم قَومُ نوح، وأصحاب الرَّسِّ، وثمودُ (12) وعادٌ، وفرعونُ، وإخوانُ لوط (13) وأصحابُ الأيكة، وقومُ تُبَّع، كلٌّ كذَّب الرُّسُل فحقَّ وعيدِ (14)} فوجب وحلَّ عليه، وَهُوَ تسلية لرسول الله وتهديد لَهُم.
{أفعَيِينا بالخلقِ الأَوَّل} أفعجزنا بالإبداء حَتَّى نعجزَ عَن الإعادة؛ [567] مِن “عَيِيَ بالأمر”: إِذَا لم يهتد لوجه عمله، {بَل هُم فيِ لَبْسٍ مِنْ خلقٍ جديدٍ (15)} أي: هم لاَ ينكرون قدرتنا عَلَى الخَلق الأَوَّل، بَل هم فيِ خلط وشبهة من خلق مستأنف لِمَا فِيهِ من مخالفة العادة؛ وتنكيرُ الخلق الجديد (1) لتعظيم شأنه، والإشعار بأنَّه عَلَى وجه غير متعارف وَلاَ معتاد.
{وَلَقَد خلَقنا الإنسانَ ونعلمُ مَا تُوسوِس بِهِ نفسُه} مَا تُحدِّث بِهِ نفسه، وَهُوَ مَا يخطر بالبال؛ والوسوسة: الصوت الخفيُّ، ومِنْهُ وسواسُ الحليُّ، {ونحنُ أقربُ إِلَيْهِ مِن حَبلِ الوريد (16)} أي: ونحن أعلم بحاله مِمَّن كَانَ أقرب إِلَيْهِ من حبل الوريد، تجوُّز بقرب الذات لقرب العلم، لأَنَّهُ موجبه؛ وحبل الوريد مثلٌ فيِ القرب، قَالَ: والموت أدنى مِنَ الوريد، والحبل: العِرق، وإضافته للبيان، والوريدان: العرقان المكتنفان بصفحتي العنق، فيِ مقدَّمها مُتَّصلان بالوتين، يردان مِنَ الرأس إِلَيْهِ؛ وقيل: سُمِّي وريدا، لأَنَّ الرُّوح ترده.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «الجديه»، ولا مَعْنَى له. (4/178)
صفحة 1341
إذ يَتلقَّى المُتلقِّيان} مقدَّر بـ«اذْكُرْ»، أو متعلِّق بـ«أَقْرَبُ»، أي: هُوَ أعلم بِحاله من كُلِّ قريب حَتَّى يتلقَّى، أي: يتلقَّن الحفيظان مَا يتلفَّظ بِهِ؛ وفيه إيذان بأنَّه غنيٌّ عَن استحفاظ الملَكين، فَإِنَّهُ أعلم مِنْهُما؛ أو مُطَّلع عَلَى مَا يخفى عليهما، لكنَّه لحكمة اقتضته، وهي مَا فِيهِ من تشديد يثبِّط العبد عَن المعصية، وتأكيد فيِ اعتبار الأعمال وضبطها للجزاء، وإلزام الحُجَّة يوم يقوم الأشهاد، {عَن اليمين وعن الشمال قَعيد(17)} أي: عَن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد؛ أي: مقاعد. {مَا يَلفِظ مِن قولٍ} مَا يرمي بِهِ مِن فِيهِ {إِلاَّ لديه رقيبٌ} مَلَك يَرقُب عمله. قَالَ أبو سعيد: «معي أَنَّهُ فيِ قوله: {رقيبٌ عتيدٌ} شهيدٌ حفيظٌ»، {عتيدٌ(18)} حاضر، و(لَعَلَّهُ) يكتب عليه مَا فِيهِ ثواب أو عقاب.
{وجاءت سَكرةُ الموتِ بِالْحَقِّ} لَمَّا ذكر استبعادهم البعث للجزاء، وأزاح ذَلِكَ بتحقيق قدرته وعِلمه، أعلمهم بأنَّهم يلاقون ذَلِكَ عَن قريب عند الموت وقيام الساعة، ونبَّه عَلَى اقترابه بأن عبَّر عَنْهُ بلفظ الماضي؛ وسكرة الموت: شدَّته الذاهبة بالعقل؛ والمعنى: وأحْضَرَتْ سكرةُ الموتِ حقيقةَ الأمر الموعود، أو الحَقَّ الذِي ينبغي أن يكون مِنَ الموت أو الجزاء، فإنَّ الإنسان خلق لَهُ؛ {ذَلِكَ} أي: الموت، {مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيد(19)} تميل وتفرُّ عَنْهُ، والخطاب للإنسان.
{ (4/179)
صفحة 1342
ونُفخَ فيِ الصُّور} يعني: نفخة البعث {ذَلِكَ يومُ الوعيد (20)} أي: وقت ذَلِكَ يوم تحقُّق الوعيد؛ {وجاءت كلُّ نفسٍ معهَا سائقٌ وشهيدٌ (21)} قيل: مَلَكَانَ أحدهما يسوقه والآخر يشهد بعمله؛ أو مَلك جامع للوصفين؛ وقيل: السائق: كاتب السَّيِّئَات، والشيهد: كاتب الحسنات؛ وقيل: السائق: قرينه، والشهيد: جوارحه وأعماله، {لَقَد كُنتَ فيِ غفلةٍ مِن هَذَا} عَلَى إضمار [568] القولِ؛ والخطاب لِكُلِّ نفس، إذ مَا من أحد إِلاَّ وَلَهُ أشغال مَا تُبعِده عَن الآخِرَة؛ أو للكافر، أي: لَقَد كنت فيِ غفلة من هَذَا اليوم فيِ الدُّنْيَا، وجعلتَ الغفلة كأنَّها غطاءٌ لك، وغشاوةٌ لعينيك، فكشفنا عنك الغطاء، وزالت عنك الغفلة.
{فكشَفنَا عَنك غِطَاءَك} الغطاء: الحاجب عَن التبصرة لأمور المعاد، وَهُوَ الغفلة والانهماك فيِ المحسوسات والإلف بها، وقصور النظرعليها؛ {فبصَرُك اليومَ حديدٌ (22)} نافذ لزوال المانع للإبصار؛ وقيل: البصر هاهنا العلم؛ يقول: كنت تكذِّب، فأنت اليوم عالم بالأمر نافذ البصر فِيهِ، وَهُوَ مثل قوله: {أَسمِعْ بِهم وأَبصِرْ يومَ يأتُوننا} (1) أي: مَا أسمعهم وأبصرهم يومئذ؛ يقول: هم سمعاء وبصراء، لأَنَّ الشكَّ قد زال عَنْهُم، ومثله {ثُمَّ لتَرَوُنَّها عينَ اليقين} (2)؛ وقيل: الخطاب للنبيِّ؛ والمعنى: كنت فيِ غفلة من أمر الديانة، فكشفنا عنك غطاء الغفلة بالوحي وتعليم القرآن، فبصرُك اليومَ حديد، ترى مَا لاَ يرون، وتعلم مالا يَعْلَمُونَ، وذَلِك أنَّ الله يذكِّره نعمته.
{وقالَ قرِينُه:} قَالَ: الملَك الموكل عليه، {هَذَا مَا لدَيَّ عتيدٌ (23)} هَذَا مَا هُوَ مكتوب عندي حاضرا لديَّ؛ أو الشيطان الذِي قُيِّض لَهُ: هَذَا مَا عندي وفي مَلكَتي عتيد لجهنَّم، هيَّأته لها بإغوائي وإضلالي.
{__________
(1) - ... سورة مريم: 38.
(2) - ... سورة التكاثر: 7. (4/180)
صفحة 1343
أَلقِيا فيِ جَهَنَّمَ كلَّ كفَّار} خطابٌ مِنَ اللهِ للسائق والشهيد أو للملكين من خَزَنة النار، {عنيدٍ (24)} معاند لِلْحَقِّ. {منَّاع للخير} كثير المنع للمال عَن حقوقه المفروضة؛ وقيل: المراد بالخير: الإسلام، {معتدٍ مريبٍ (25)} شاكٍّ فيِ الله وَفيِ دينه. {الذِي جعل مَعَ اللهِ إلها آخرَ} وَهُوَ يتناول جميع معاصي الله تعالى، وكلُّ من شكَّ فيِ الله وارتاب فيِ ربوبيَّته يجعل معه إلها آخر، لأَنَّهُ يجعل إلهه هواه، وَلاَ بدَّ للإنسان أن يعبد الله، أو يعبد هوى نفسه، {فألقِياهُ فيِ العذابِ الشَّديدِ (26)} أي: الشيطان المقيَّض لَهُ.
{قَالَ قرينُه: رَبَّنَا مَا أطغيتُه} كأنَّ الكافر قَالَ: هُوَ أطغاني، فقَالَ قرينه: رَبَّنَا مَا أطغيته، {ولكن كَانَ فيِ ضلالٍ بعيد (27)} فأعنته عليه، فإنَّ إغواء الشيطان إِنَّمَا يؤثِّر فيمن كَانَ مختلَّ الرأي، مائلا إِلىَ الفجور، كما قَالَ: {وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم مِّن سلطانٍ إِلاَّ أن دَعَوْتُكم فاستجبتم لي} (1). {قَالَ:} أي: الله {لاَ تختَصِموا لَدَيَّ} أي: فيِ موقف الحساب، فَإِنَّهُ لاَ فائدة فِيهِ، {وقد قدَّمتُ إليكم بالوعيد (28)} عَلَى الطغيان فيِ كتُبي، وعَلَى ألسنة رُسُلي، فلم تبق لكم حجَّة.
{مَا يُبدَّل القولُ لديَّ} أي: بوقوع الخُلف فِيهِ، فلا تطمعوا أن أُبدِّل وعيدي، {وَمَا أنا بظَلاَّمٍ للعَبيد (29)} بِأَن أُعذِّبَ من ليس لي تعذيبه. {يومَ نقولُ لجهنَّمَ: هل امتلأتِ؟ وتقولُ: هل مِن مَزيد (30)}؟ وسؤال جَهَنَّم وجوابها من باب التخييل الذِي يُقصد به تصوير المعنى فيِ القلب.
{__________
(1) - ... سورة إبراهيم: 22. (4/181)
صفحة 1344
وأُزلِفَت الجنَّةُ للمتَّقين} قُرِّبت لَهُم حَتَّى يَروْها قبل الدخول، {غيرَ بعيد(31)} مكانا غير بعيد، {هَذَا مَا تُوعَدُون لِكُلِّ أوَّابٍ} رَجَّاع إِلىَ [569] الله، {حفيظ(32)} حافظ لحدوده. {مَن خَشِيَ الرَّحمنَ بالغيبِ} أي: خشية ملتبسة بالغيب، حيث خشي عقابه وَهُوَ غائب، لأَنَّهُ توقَّع وقوعه بتصديقه لخالقه، {وجاء بِقلبٍ منيبٍ(33) ادخُلُوها بسلام} سالمين من كُلِّ آفة وفناء، {ذَلِكَ يومُ الخلود(34) لَهُم مَّا يَشَاءون فِيهَا، ولدينا مَزيدٌ(35)} وَهُوَ مَا لاَ يخطر ببالهم، مِمَّا لاَ عَين رأت، وَلاَ أذن سمعت، وَلاَ خطر عَلَى قلب بشر.
{وكمَ أهلَكنا قَبلهم} قبل قومك، {مِن قَرنٍ هم أشدُّ مِنْهُم بطشًا} قُوَّةً {فنقَّبوا فيِ البلادِ} فخرقوا فيِ البلاد، وتصرَّفوا فِيهَا، أو جالوا فيِ الأَرْض كُلَّ مجال حذر الموت؛ وأصل التنقيب: البحث عَن الشيء، {هل مِن مَّحِيصٍ(36)}؟ أي: لَهُم مِنَ الله، أو مِنَ الموت.
{إنَّ فيِ ذَلِكَ} فيما ذُكر فيِ هَذِهِ السورة {لَذِكْرَى} لتَذكرةٌ، {لمن كَانَ لَهُ قلبٌ} أي: قلب وَاعٍ يتفكَّر فيِ حقائقه؛ والمعنى: جعل من لم يتذكَّر بالقرآن، مفلسا مِنَ القلب معدما مِنْهُ، {أو ألقَى السَّمعَ} وأصغى لاستماعه {وَهُوَ شهيد(37)} حاضر بذهنه غير ساهٍ وَلاَ غافل لتفهُّم معانيه، أو شاهد بصدقه، فيتَّعظ بظواهره، وينزجر بزواجره.
{وَلَقَد خلقنَا السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بينهما فيِ ستَّة أَيَّام وَمَا مسَّنا مِن لُغُوب(38)} مِن تعب وإعياء. {فاصبر عَلَى مَا يقولون} مِنَ الباطل، {وسَبِّحْ بحمدِ ربِّك} ونزِّهه عَن العجز عَمَّا يمكن، والوصف بِمَا يوجب التشبيه، حامدا لَهُ عَلَى مَا أنعم عليك من إصابة الحَقِّ وغيرها، {قَبلَ طلوعِ الشَّمس وقَبل الغُروب(39) ومِنَ اللَّيْلِ فسَبِّحْه وأدبار السُّجودِ(40)} أعقاب الصلوات.
{ (4/182)
صفحة 1345
واستَمِعْ} لِمَا أخبرك بِهِ من أحوال القيامة، {يومَ يُنادي المنادِي} قيل: إسرافيل - عليه السلام - يقول: «يا أَيَّتُهَا العظام البالية، والأوصال المتقطِّعة، واللحوم المتمزِّقة، والشعور المتفرِّقة، إِنَّ اللهَ تعالى يَأْمُرُكُنَّ أن تجتمعن لفصل القضاء»، {مِن مكانٍ قريبٍ (41)} بحيث يصل نداؤه إِلىَ الكلِّ عَلَى سواء، {يومَ يَسمعُون الصيحةَ بِالْحَقِّ} وهي النفخة الأَخِيرة، نفخة البعث، {ذَلِكَ يوم الخروج (42)} مِنَ القبور.
{إِنَّا نَحْنُ نُحيي ونُمَيت} فيِ الدُّنْيَا، {وإلينا المصير (43)} للجزاء فيِ الآخِرَة. {يومَ تشقَّقُ الأَرْض عَنْهُم سِراعا} مسرعين، أو مأمورة بسرعة، {ذَلِكَ حَشرٌ} بعث وجمع {علينا يسير (44)} هيِّن.
{نَحْنُ أعلمُ بِمَا يقولون} تسلية لرسول الله، وتهديد لَهُم، {وَمَا أنت عَلَيْهِم بِجبَّار} بمتسلِّط تقسرهم عَلَى الإيمان، أو تفعل لَهُم مَا تريد، وَإِنَّمَا أنت داع ومذكِّر ومحذِّر (1)، {فذكِّر بالقرآن من يَخافُ وعِيدِ (45)} فَإِنَّهُ لا ينتفع بِهِ غيره.
سورة الذاريات
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «ومذكِّرًا ومحذِّرا»، وَهُوَ خطأ إذ لا موجب لنصبهما. (4/183)
صفحة 1346
والذاريات ذَروا (1)} قيل: الرياح تذرُّ (1) التراب وغيره؛ أو النساء الولَّد، فإنَّهنَّ يذرِين الأولاد؛ أو الأسباب التِي تذري الخلائق مِنَ المَلاَئِكَة وغيرهم. {فالحاملاتِ وِقرًا (2)} فالسحب الحاملة للأمطار، أو الرياح الحاملة للسحاب، أو النساء الحوامل، أو أسباب الأشياء، فإنَّها حوامل للأشياء. {فالجاريات يُسرًا (3)} فالسفن الجارية فيِ البحر سَهلا؛ أو الرياح الجارية [570] فيِ مَهابِّها؛ أو الكواكب التِي تجري فيِ منازلها؛ أو الأسباب تجري إِلىَ مُسبَّباتها. {فالمقسِّمات أمرا (4)} المَلاَئِكَة التِي تقسِّم الأمور مِنَ الأمطار والأرزاق وغيرها؛ أو مَا يعمُّهم وغيرها من أسباب القسمة؛ أو الرياح يقسِّمن الأمطار بتصريف السحاب؛ فإن حملت عَلَى ذوات مختلفة، فالفاء لترتيب الأقسام بها (2)، باعتبار مَا بينهما مِنَ التفاوت فيِ الدلالة عَلَى كمال القدرة؛ وَإِلاَّ فالفاء لترتُّب الأفعال، إِذ الريح (لَعَلَّهُ) مثلا تَذرو الأبخرة إِلىَ الجوِّ (3) حتَّى تنعقد سحابا، فيحمله فتجريه باسطة لَهُ إِلىَ حيث أُمرت بِهِ فتقسِّم المطر.
{__________
(1) - ... في البيضاوي: «تذرو»، و «ذرَّ»، و «ذَرَا» معناهما متقارب. قال فيِ القاموس فيِ مَادَّة “ذرر”: «الذَّرُّ: ... تفريق الحبِّ والملح ونحوه»، وَفيِ مَادَّة: “ذرو”: «ذَرَت الريح الشَّيْءَ ذَرْوًا وأذرته وذرَّته: أطارته وأذهبته». ر: الفيروزآبادي: القاموس، ص356، 1156. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص165.
(2) - ... في الأصل: «فالفاء الترتب لإقسام»، وفيها خطآن، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص165.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «إلى الحق»، ولا مَعْنَى له. (4/184)
صفحة 1347
إِنَّمَا تُوعَدون لَصادقٌ(5) وإنَّ الدِّينَ لَوَاقعٌ(6)} كما أنَّه اسْتَدَلَّ باقتداره عَلَى هَذِهِ الأشياء العجيبة، المخالفة لمقتضى الطبيعة، دَلَّ عَلَى اقتداره عَلَى البعث الموعود؛ والدينُ: الجزاء؛ والواقعُ: الحاصل بالحقيقة. {والسَّمَاءِ ذاتِ الحُبُك(7)} قيل: ذات الطرائق؛ والمراد: إمَّا الطريق المحسوسة التِي هِيَ مسير الكواكب، أو المعقولة التِي يسلكها النظَّار، ويُتوصَّل بها إِلىَ المعارف؛ أو النجوم فإنَّها لها طرائق؛ أو بيان لقبول الأعمال الصالحة، فإنَّها يفتح لها أبواب السَّمَاء.
{إِنَّكُم لَفِي قول مختَلِف(8)} فيِ الرسول؛ وَهُوَ قولهم تارة: «إِنَّهُ شاعر»، وتارة: «إِنَّهُ ساحر»؛ أو فيِ الدين، فإنَّه أَعَمُّ مِنَ الأوَّل، والاختلاف فِيهِ أعظم الاختلاف. {يُؤفَك عَنْهُ مَن أُفِكَ(9)} يُصرف عَنْهُ من صُرف فيِ علم الله وقضائه حتَّى يُكذِّبه. {قُتِل الخرَّاصُونَ(10)} الكذَّابون من أصحاب القول المختلف؛ وأصله الدعاء بالقتل، أُجرِيَ مَجرى الهلاك. {الذِينَ هم فيِ غمرة} فيِ جهل يَغمرهم، {ساهُونَ(11)} غافلون عمَّا أمروا بِهِ. {يَسأَلون أيَّان يوم الدِّينِ(12)}؟ أي: يقولون: متى يوم الجزاء؟ أي: وقوعه. {يومَ هم عَلَى النار يُفتَنُونَ(13)} يحرقون {ذوقوا فتنتَكم} أي: مَقولاً لَهُم هَذَا القول، {هَذَا الذِي كُنتُم بِهِ تَستعجلُونَ(14)} هَذَا العذاب الذِي كنتم به تستعجلون.
{ (4/185)
صفحة 1348
إنَّ المُتَّقِينَ} الخرس (1) الذِينَ لاَ ينطقون، وَلاَ يَعْمَلُونَ إِلاَّ بِعلمٍ، {فيِ جَنَّات وعيُونَ (15) آخذين مَا آتاهم ربُّهم} قابلين بِمَا أعطاهم، راضين به؛ ومعناه: أَنَّ كلَّ مَا أتاهم عَلَى اختلاف درجاتهم، وعلوِّ مراتبهم، كلٌّ مِنْهُم راض عَن ربِّه لتمام النعمة للجميع؛ {إِنَّهُمْ كَانُوا قبل ذَلِكَ مُحسنِينَ (16)} فيِ العمل. {كَانُوا قليلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهجعُونَ (17)} تفسير لإحسانهم؛ وَ «مَا» مزيدة؛ أي: يَهجعون فيِ طائفة مِنَ اللَّيْل، أو يهجعون هجوعاً قليلاً؛ أو مصدريَّة، أو موصولة، أي: فيِ قليل مِنَ اللَّيْل هجوعهم، أو مَا يهجعون فِيهِ؛ وَلاَ يجوز أن تكون نافِية، لأَنَّ مَا بعدها لاَ يعمل فيما قبلها. وفيه مبالغات لتقليل نومهم واستراحتهم: ذِكْرُ القليلِ، واللَّيْلِ (الذِي هُوَ وقت البيات)، والهجوعِ [571] (الذِي هُوَ الفرار مِنَ النوم)، وزيادةُ «مَا».
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «الخرص»، بالصاد، وَهُوَ خطأ. وهَذَا التفسير لا يحتمله المَعْنَى اللغويُّ للتقوى، وَإِنَّمَا استنتجه المُصَنِّف بمقابلته مع: «الخرَّاصين» المذكورين آنفا. ويحتمل أَنَّهُ ــ باعتبار السياق اللاحق ــ يقصد المعنى اللغويَّ لخرس، قال فيِ القاموس: «ورجل خَرِسٌ، ككَتِف: لا ينام بالليل»، وَلَكِن يعكِّر عَلَيْهِ قوله بعده: «لا ينطقون». انظر: الفيروزآبادي: القاموس، ص486، مَادَّة: «خرس». (4/186)
صفحة 1349
وبالأسحارِ هم يستغفرُونَ(18)} أي: أنَّهم مَعَ قلَّة هجوعهم، وكثرة تهجُّدهم، إذا أسحروا أخذوا فيِ الاستغفار، كأنَّهم أسلفوا فيِ ليلهم الجرائم؛ وفي بناء الفعل عَلَى الضمير، إشعار بأنَّهم أحِقَّاء بذلك، لِوُفُور عِلمِهم بالله وخشيتهم، فيخافون ردًّا لأعمالهم؛ أو يصلُّون. {وفي أموالهم حقٌّ} نصيب يستوجبونه عَلَى أنفسهم تقرُّبا إِلىَ الله، وإشفاقا عَلَى الناس، {للسَّائل والمحروم(19)} وَهُوَ الذِي يُظنُّ غنيًّا فيحرم الصدقة؛ وقيل: السائل الذِي يسأل، والمحروم: المتعفِّف عَن السؤال؛ أو الذِي لاَ يكسب.
{وفي الأَرْض آيات} أي: دلالات دالَّة عَلَى الصانع، وكمال قدرته، وبدائع حكمته، بِمَا فيهما مِنَ السهل والجبل، والبَرِّ والبحر، وأنواع النبات والأشجار بالثمار المختلفة ألوانها، وطعومها وروائحها، الموافقة لحوائج ساكنيها، ومنافعهم ومصالحهم، وَمَا أنبت فيِ أقطارها من أنواع الحيوان المختلفة الصور والأشكال وغير ذَلِكَ، {للمُوقنِينَ(20)} الموحِّدين الناظرين المتأمِّلين ببصائرهم، حتَّى أيقنوا حقَّ اليقين.
{وفي أنفسكم أفلا تُبصِرُونَ(21)} في مبتدإ أحوالها، وبنقلها من حال إِلىَ حال، وَمَا ركّب فيِ ظواهرها وبواطنها من عجائب الفطر، وبدائع الحكم، مَا تَحار فِيهِ العقول، وحسبك بالقلوب وَمَا ركّز فِيهَا من لطائف المعاني، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف، وبالصور والطبائع والألوان، واختلافها فيِ كلِّ إنسان، وبالأسماع والأبصار وسائر الجوارح، وَمَا رتّب فِيهَا من فنون الحكمة:
[و]فيِ كلِّ ... شيء لَهُ آية ... تدلُّ عَلَى ... أنَّه واحد
{ (4/187)
صفحة 1350
وفي السَّمَاء رِزقكم} وَهُوَ المطر، لأَنَّهُ سبب الأقوات، {وَمَا تُوعَدُونَ (22)} الجنَّة؛ أو أَرَادَ: إِنَّ ما ترزَقونه فيِ الدُّنْيَا، وَمَا تُوعدونه فيِ العقبى، كلَّه مقدَّر مكتوب فيِ السَّمَاء. {فَوَربِّ السَّمَاء والأَرْض إِنَّهُ لَحقٌّ مثلَ مَا أَنَّكُم تَنطِقُونَ (23)} أي: حقٌّ مثل نطقكم؛ والمعنى: أنَّه فيِ صدقه وتَحقُّقه كالذي تعرفه ضرورة.
{هل أتاك حديثُ ضيفِ إبراهيم المكرَمِينَ (24)}؟ قيل: سمَّاهم «مُكرَمين» لأَنَّهُم كَانُوا مَلاَئِكَة كِرَاما عند الله؛ وقد قَالَ الله فيِ صفتهم: {بَل عباد مكرمون} (1) وفيه (2) تفخيمٌ لشأن الحديث، وتنبيهٌ عَلَى أنَّه أوحي إِلَيْه، {إذ دخلوا عليه، فَقَالُوا: سلاما} أي: نُسلِّم عَلَيْكُم سلاما، {قَالَ: سلام} أي: عَلَيْكُم سلام، {قومٌ منكَرُونَ (25)} أي: أَنتُم قوم غُرباء لاَ نعرفكم، وإنَّما أنكرهم لأَنَّهُ ظنَّ أنَّهم بنو آدم ولم يعرفهم.
{__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 26.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «وفي تفخيم لسان»، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص166. (4/188)
صفحة 1351
فَرَاغَ إِلىَ أهله} فذهب إِلَيْهِم فيِ خفية من ضيفه؛ فإنَّ من أدب المضيِّف أن يُبادره بالقِرَى حَذرًا من أن يكفَّه الضيف، {فجاء بِعِجْلٍ سمِينٍ (26)} قيل: لأَنَّهُ كَانَ عامَّة ماله البقر. {فقرَّبَهُ إِلَيْهِم} بِأَن وضعه بين أيديهم، {قَالَ: أَلاَ تأكلُونَ (27)}؟ أي: مِنْهُ؛ والحثُّ عَلَى الأكل عَلَى طريقة [الأدب]؛ أو قاله أوَّل مَا وضعه؛ وللإنكار إن قاله حيث مَا رأى إعراضهم (1). {فأوجَسَ مِنْهُم خيفةً} فأضمر مِنْهُم [خوفا] (2) لَمَّا رأى إعراضهم عَن طعامه، لظنِّه أنَّهم [572] جاؤوه بشرٍّ؛ وقيل: وقع فيِ نفسه أنَّهم مَلاَئِكَة أُرسِلوا للعذابِ (3)، {قَالُوا: لاَ تخفْ} إِنَّا رُسُل الله، {وبشَّروه بِغلام} وَهُوَ إسحاق؛ {عليمٍ (28)}.
{فأقبلتِ امرأَتُه فيِ صَرَّةٍ} فيِ صيحة، {فصكَّت وَجهَهَا} فَلَطمت بأطراف الأصابع جَبهَتَها، فعل المتعجِّب؛ وقيل: وجدت حرارة (4) دم الحيض، فلَطمت وجهها مِنَ الحياء، {وقالت: عجوزٌ عقيمٌ (29)} أي: أنا عجوز عاقر، فكيف ألِد؟!. {قَالُوا: كذلكِ} مثل ذلك الذِي بشَّرناه، {قَالَ: ربُّكِ} وإنَّما نخبرك بِهِ عَنْهُ، {إِنَّهُ هُوَ الحكيم العليمُ (30)} فيكون قوله حقًّا، وفعله مُحكمًا.
{__________
(1) - ... العبارة غامضة ولتوضيحها نورد نصَّ البيضاويِّ: «والهمزة فيه للعرضِ والحثِّ عَلَى الأكل عَلَى طريقة الأدب إن قاله أوَّل مَا وضعه؛ وللإنكار إن قاله حينمَا رأى إعراضهم». انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص167.
(2) - ... إضافة من البيضاويِّ ليستقيم المَعْنَى. المصدر نفسه.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «أرسلوا العذاب»، وَهُوَ خطأ.
(4) - ... فيِ الأَصْل: «جواره»، ولا مَعْنَى له، وصحَّحناه من المصدر نفسه. (4/189)
صفحة 1352
قَالَ: فما خَطْبُكم أَيُّهَا المرسَلُونَ (31)}؟ فَلَمَّا علم أنَّهم مَلاَئِكَة، وأنَّهُم لاَ ينزلون مجتمعين إِلاَّ لأمر عظيم، سأل عَنْهُ. {قَالُوا: إِنَّا أُرسِلنا إِلىَ قومٍ مُجرِمِينَ (32)} يعنون: قوم لوط. {لِنُرسِلَ عَلَيْهِم حجارةً من طِينٍ (33)} يريد السِّجِّيل، فإنَّه طين متحجِّر. {مُسوَّمةً} مرسلة، مِن “أسمت الماشية”؛ أو مَعَلَّمة، مِنَ السومة: وهي العلامة، أي: معلَّمة عَلَى كلِّ حجر منها اسم من يهلك بِهِ؛ ولعلَّها أن يكون كُلُّ حجر عَلَى قدر ذنب من يهلك بها ويعذَّب، وَاللهُ أعلم بتأويل كتابه؛ {عند رَبِّكَ للمسرفِينَ (34)} المجاوزين الحدَّ فيِ الفجور. {فأخرَجْنا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنِينَ (35) فما وَجَدْنا فِيهَا غيرَ بيتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ (36) وتركنا فِيهَا آيةً للذين يَخَافون العذابَ الأليمَ (37)} فإنَّهم المعتبرون بها.
{وفي موسى إذ أرسلناه إِلىَ فرعونَ بِسُلطانٍ مُبِينٍ (38) فتولَّى بِركنِه} فأعرض عَن الإيمان بِهِ، كقوله: {ونأى بِجانبه} (1)؛ أو فتولَّى بِمَا كَانَ يتقوَّى بِهِ من جنوده، {وقال: ساحرٌ أو مجنُونٌ (39)} كأنَّه جعل مَا ظهر عليه مِنَ الخوارق، منسوبا إِلىَ الجنِّ. {فأخذناه وجنودَه فنبذناهم فيِ اليمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)} آتٍ بِمَا يُلاَم عليه مِنَ الكفر والعناد.
{وفي عادٍ إذ أرسلنا عَلَيْهِمُ الريحَ العقيمَ (41)} سمَّاها عقيما، لأَنَّهَا أهلكتهم وقطعت دابرهم؛ أو لأَنَّهَا لم تتضمَّن منفعة. {مَا تَذرُ من شيء أَتَت عليه} مرَّت عليه، {إِلاَّ جعلته كالرميمِ (42)} كالرماد، مِنَ الرمِّ.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 83؛ وسورة فصلت: 51. (4/190)
صفحة 1353
وفي ثمودَ إِذْ قيل لَهُم: تَمتَّعوا حَتَّى حِينٍ (43)} يفسِّره قوله: {تَمتَّعوا فيِ داركم ثلاثة أيَّامٍ} (1). {فَعَتَوْا عَن أمر ربِّهم} فاستكبروا عن امتثاله، {فأخذتهم الصاعقةُ} أي: العذاب، {وَهُم ينظُرُونَ (44)} إِلَيْهِا. {فما استطاعوا من قِيامٍ} كقوله: {فأصبحوا فيِ دارهم جاثمين} (2)؛ وقيل: هُوَ من قولهم: “ما يقوم بِهِ” إِذَا عجز عَن دفعه، {وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ (45)} مُمتنعين مِنْهُ.
{وقومَ نوحٍ} أي: وأهلكنا قوم نوح {مِن قبلُ} هؤلاء، {إِنَّهُمْ كَانُوا قوما فاسقِينَ (46)} خارجين عَن الاستقامة بالكفر.
{والسَّمَاءَ بنيناها بأيدٍ} بقوَّة، {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)} لقادرون، مِنَ الوسع بمعنى: الطاقة. {والأَرْضَ فَرَشناها} مددناها ليستقرُّوا عليها، {فَنِعْمَ الماهِدُونَ (48) ومن كُلِّ شيء} مِنَ الأجناس {خلقْنا زوجينِ} نوعين، {لَعَلَّكُم تذَكَّرُونَ (49)} فتعلموا أنَّ التعدُّد من خواصِّ الممكنات؛ فإنَّ الواجب بالذات لاَ يقبل التعدُّد والانقسام.
{فَفِرُّوا إِلىَ الله} من عقابِهِ بالإيمان والتوحيد، وملازمة الطاعة، {إِنِّي لكم مِّنْهُ} أي: من عذابه المُعَدِّ لِمَن أشرك وعصى، {نذيرٌ مُّبِينٌ (50) وَلاَ تجعلوا مَعَ الله إلهًا آخر إِنِّي لكم مِّنْهُ نذير مُّبِينٌ (51)} (3).
{__________
(1) - ... سورة هود: 65.
(2) - ... سورة الأعراف: 78، 91. سورة العنكبوت: 37.
(3) - ... في الأصل: - {وَلاَ تجعلوا مَعَ الله إلها آخر إِنِّي لكم مِّنْهُ نذيرٌ مُّبِينٌ}، وهو سهو، وقد أوردها الناسخ بعد سِتَّة أسطر، بعد قوله: «وتشابه قلوبهم». ولم نجد لها محلاًّ هناك فحذفناها، ونقلناها إِلىَ موضعها هنا. (4/191)
صفحة 1354
كذلك} أي: الأمر مثل ذَلِكَ؛ والإشارة إِلىَ تكذيبهم الرسول، وتسميتهم إيَّاه ساحرًا أو مَجنونًا، وقولِه: {مَا أتى الذِينَ مِن قبلِهم من رسولٍ [573] إِلاَّ قَالُوا: ساحرٌ أو مجنُونٌ (52) أَتَواصَوْا بِهِ} أي: كأنَّ الأَوَّلين والآخرين أوصى بعضهم بعضا بهذا (1) القول، حتَّى قالوه جميعًا، {بَل هم قوم طاغُونَ (53)} إضراب عَن أنَّ التواصي جامعهم لتباعد أَيَّامهم إِلىَ أنَّ الجامع بَيْنَهُم لهذا القولِ مشاركتُهم فيِ الطغيان الحاصل (2) عليه، وتشابه قلوبهم.
{فتولَّ عَنْهُم} فأعرض عَن مجادلتهم بعدما كرَّرت عَلَيْهِمُ الآيات فأبوا إِلاَّ الإصرار والإعراض، {فما أنت بِمَلُومٍ (54)} عَلَى الإعراض بعدما بذلت جهدك فيِ البلاغ. {وذَكِّر} من ترجو مِنْهُ القبول، {فإنَّ الذِّكرَى تنفع المؤمنِينَ (55)} لاَ غيرهم.
{وَمَا خَلقتُ الجنَّ والإنسَ إِلاَّ لِيعبدُونِ (56)} إِلاَّ لأجل العبادة، والمعنى فيِ ذَلِكَ أنَّه ليَأْمُرَهم بعبادته وطاعته، ولم يخلقهم ليعصوه، وَلاَ ليعبدوا غيره، جلَّ الله وعزَّ عَن ذَلِكَ، وخلق لَهُمُ القوَّة للطاعة لاَ للمعصية، كما خلقهم للطاعة لا للمعصية، عَلَى معنى الأمر والنهي. {مَا أريد مِنْهُم مِّن رِزقٍ} أي: لاَ أستعين بهم فيِ تحصيل أرزاقهم ومعايشهم، بل أتفضَّل عَلَيْهِم برزقهم وبما يصلحهم.
{__________
(1) - ... في الأصل: «بهذه»، وهو خطأ.
(2) - ... فيِ البيضاوي: «الحامل عَلَيْهِ». انظر: ج4/ ص168. (4/192)
صفحة 1355
وَمَا أريد أن يُطعِمونِ (57)} أي: وَمَا أريد أن يُطعموا أحدا من خلقي وَلاَ أنفسهم؛ وإِنَّمَا أُسند إِلىَ نفسه، لأَنَّ الخلق كلَّه عياله (1)؛ ومن أطعم عيال أحدٍ فكأنَّما أطعمه (2)؛ وفيه تنبيه عَلَى أنَّهم لم يخلقوا لكسب الأرزاق، وإنَّما خُلِقوا للعبادة؛ والأرزاق متكفِّل بها وحده، بدليل قوله: {إنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ} لعباده وللخلائق كلِّهم، فلا يحتاج إِلىَ مُعين، {ذو القوَّة المتِينُ (58)} الشديد القوَّة البليغ الاقتدار عَلَى كلِّ شيء.
{__________
(1) - ... روى أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه والبزَّار عن أنس، والطبرانيُّ فيِ الكبير عن ابن مسعود قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ، فَأَحَبُّهُمْ إِلىَ اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ». انظر: برنامج سلسلة كنوز السنَّة: الجامع الصغير وزياداته.
(2) - ... وروى مسلم عن أبي هريرة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللهَ تَعَالىَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ... يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ ... » الحديث. انظر: برنامج سلسلة كنوز السنَّة: الجامع الصغير وزياداته. (4/193)
صفحة 1356
فإنَّ للذين ظَلَموا} (لَعَلَّهُ) اتَّخَذوا أنفسهم للأرزاق دون العبادة {ذَنوبا} أي: للذين ظلموا أنفسهم نصيبًا مِنَ العذاب، {مثل ذَنوب أصحابهم} مثل نصيب نظرائهم مِنَ الأمم السالفة؛ وَهُوَ مأخوذ من مُقاسمة السَّقَّاء الماء بالدلاء، فإنَّ الذَّنوب: هُوَ الدلو العظيم المملوء، {فلا يَستعجلونِ (59)} جواب لقولهم: {متى هَذَا الوعد إن كُنتُم صادقين} (1) {فويلٌ للذين كَفَرُوا من يومهم الذِي يُوعَدُونَ (60)} من يوم القيامة.
سورة الطور
بسم الله الرحمن الرحيم
{والطورِ (1) وكتابٍ مسطورٍ (2) فيِ رَقٍّ منشورٍ (3)} الرَقُّ مَا يكتب فِيهِ، المنشور: المبسوط؛ وقيل: هُوَ ديوان الحفظة (2) لقوله: {ونُخْرِجُ لَهُ يومَ القيامةِ كِتَابًا يَلقاه (3) منشورًا} (4). {والبيتِ المعمورِ (4)} قيل: هُوَ الكعبة، وعِمَارتها بالحُجَّاج والمجاورين؛ أو الضُّرَاح (5)، قيل: هُوَ فيِ السَّمَاء، وعمرانه كثرة غاشيته من المَلاَئِكَة؛ أو قلب المؤمن، وعمارته بالمعرفة والإخلاص. {والسقفِ المرفوعِ (5)} قيل: هُوَ السَّمَاء، {والبحرِ المسجورِ (6)}.
{إنَّ عذاب رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ من دافِعٍ (8)} يدفعه؛ ووجه دلالة هَذِهِ الأمور المقسَم بها عَلَى ذَلِكَ، أنَّها أمور تدلُّ عَلَى كمال قدرة الله وحكمته، [574] وصدق أخباره، وضبط أعمال العباد للمجازاة. {يوم تمورُ السَّمَاء مَوْرا (9)} قيل: تضطرب، والمور: تردُّد فيِ المجيء والذهاب؛ وقيل: تُحَرَّك. {وتسير الجبال سيرا (10)} أي: تسير عَن وجه الأَرْض، فتصير هباءً.
{__________
(1) - ... سورة يونس: 48؛ الأنبياء: 38 ...
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «الحِفظِ»، وصحَّحناه من البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص 236.
(3) - ... في الأصل: - «يلقاه»، وهو سهو.
(4) - ... سورة الإسراء: 13.
(5) - ... فيِ القاموس: «الضُّراح، كَغُراب: البيت المعمور فيِ السماء الرابعة». الفيروزآبادي: القاموس، ص210، مَادَّة: «ضرح». (4/194)
صفحة 1357
فويل يومئذٍ للمكذِّبِينَ (11)} أي: إِذَا وقع ذَلِكَ فويلٌ لَهُم، {الذِينَ هم فيِ خَوضٍ يَلعبُونَ (12)} أي: فيِ الخوض فيِ الباطل. {يوم يُدَعُّون إِلىَ نار جَهَنَّم دَعًّا (13)} يدفعون إِلَيْهِا بعنف؛ قيل: تُغلُّ أيديهم إِلىَ أعناقهم، وتجمع نواصيهم إِلىَ أقدامهم، فيُدفعون إِلىَ النار. {هَذِهِ النار التِي كُنتُم بها تكذِّبُونَ (14)} أي: يقال لَهُم ذَلِكَ.
{أَفَسِحرٌ هَذَا}؟ أي: كُنتُم تقولون للوحي: هَذَا سحر؛ {أم أَنتُم لاَ تُبصرُونَ (15)}؟ هَذَا أَيْضًا كما كنتم لا تبصرون فيِ الدُّنْيَا مَا يدلُّ عليه، وَهُوَ تقريع وتهكُّم، أم سُدَّت (1) أبصاركم كما سُدَّت فيِ الدُّنْيَا عَلَى زعمكم حين قلتم: {إِنَّمَا سُكِّرت أبصارنا} (2). {اِصْلَوْهَا} قاسوا شدَّتها، {إِنَّمَا تُجزَوْنَ مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ} وَلاَ راحة، صبرتم أم جزعتم، {فاصبروا أو لاَ تصبروا} أي: ادخلوها فيِ أيٍّ شئتم مِنَ الصبر وعدمه، فإنَّه لاَ محيص لكم عنها، (لَعَلَّهُ) وَلاَ راحة، صبرتم أم جزعتم، {سواء عليكم} أي: الأمر مِنَ الصبر وعدمه، لاَ نفع فيِ أحدهما، {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (16)}.
{إنَّ المُتَّقِينَ فيِ جَنَّات ونعيم (17) فاكهين} ناعمين متلذِّذين، {بِمَا آتاهم ربُّهم ووقاهم ربُّهم عذابَ الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا} وَهُوَ الذِي لاَ تنغيص فِيهِ، مأمون العاقبة مِنَ التخمة والسقم والمنَّة، {بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (19)} بسببه أو بدله.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصلِ: «سد».
(2) - ... سورة الحجر: 15. (4/195)
صفحة 1358
مُتَّكئين عَلَى سُرُرٍ مصفوفةٍ، وزَوَّجناهم بِحُورٍ عِينٍ (20) وَالذِينَ آمنوا واتَّبعتْهم ذرِّيَّتَهم (1) بإيمان أَلحقنا بهم ذرِّيَّتَهم وَمَا أَلَتْنَاهم} وَمَا نقَّصناهم {من عملهم مِّن شيء، كُلُّ أمرئٍ بِمَا كَسَبَ رهِينٌ (21)} بعمله السيِّء، مرهون عند الله بِهِ، فإن خلَّص نفسه مِنْهُ بالتوبة، وإصلاح مَا أفسد، وأدَّى مَا تعلَّق عليه بِهِ من حقوق الله، وحقوق خلقه نجا، وَإِلاَّ أغلق [كَذَا] الرهن بِمَا فِيهِ، وهلكَتْ مَعَ الهالكين.
{وأمددناهم بفاكهةٍ ولحمٍ مِّمَّا يشتهُونَ (22)} من أجناس اللحوم {يتنازعون فِيهَا} يتعاطون هم وجلساؤهم، {كأسا} خمرًا سمَّاها باسم محلِّها. {لاَ لغوٌ فِيهَا وَلاَ تأثيمٌ (23)} أي: لاَ يتكلَّمون بلغو الحديث فيِ أثناء شربها، وَلاَ يفعلون مَا يؤثم بِهِ فاعله، كما هُوَ عادة الشاربين فيِ الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: {وأتبعناهم ذرِّيَّاتهم بإيمان أَلحقنا بهم ذرِّيَّاتهم}، وهي قراءة أبي عمرو. انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص169. الألوسي: روح المعاني، ج27/ ص23. (4/196)
صفحة 1359
ويطوف عليهم} بالكأس {غلمان لَهُم} أي: مماليك مخصوصون بهم، {كَأَنَّهُم لؤلؤ مكنُونٌ (24)} مصون في الصدف من بياضهم وصفائهم. وعنه - عليه السلام -: «والذي نفسي بيده إنَّ فضل المخدوم عَلَى الخادم كفضل القمر ليلة البدر عَلَى سائر الكواكب» (1). قيل: مَا من أحد من أهل الجنَّة إِلاَّ يسعى عليه ألف غلام، وكلُّ غلام عَلَى عمل غير مَا عليه صاحبه.
{وأقبَلَ بعضهم عَلَى بعض [575] يتساءلُونَ (25)} يسأل بعضهم بعضا عَن أحواله وأعماله عَلَى معنى التفكُّه، يتذاكرون مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ التعب والخوف فيِ الدُّنْيَا. {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قبلُ فيِ أهلنا مشفِقِينَ (26)} خائفين من عصيان الله وجلين مِنَ العاقبة. {فمنَّ اللهُ علينا} بالرحمة والتوفيق، {ووقانا عذابَ السَّموم (27)} عذاب النار النافذة فيِ المسامِّ (لَعَلَّهُ) وَهُوَ اسم من أسماء جهنَّم. {إِنَّا كُنَّا من قبلُ ندعوه} نعبده، أو نسأله الوقاية، {إِنَّهُ هُوَ البَرُّ} (لَعَلَّهُ) المحسن، {الرحيم (28)} الكثير الرحمة.
{__________
(1) - ... أورده البغويُّ فيِ تفسيره، قال: «وعن قتادة قال: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الْخَادِمُ كَاللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ فَكَيْفَ الْمَخْدُومُ؟ قَالَ: فَضْلُ الْمَخْدُومِ عَلَى الْخَادِمِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ» ولم يعزه إِلىَ أحد. وأورده الزمخشريُّ كما أورده المُصَنِّف هنا، أي بزيادة: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»، وقال مصحِّحه: «أخرجه عبد الرزَّاق ... وأخرجه الثعلبيُّ من رواية الحسن مرسلاً». انظر: البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص240. الزمخشري: الكشَّاف، ج4/ ص327. (4/197)
صفحة 1360
فَذَكِّرْ} فاثبت عَلَى التذكير، وَلاَ تكترث بقولهم، {فما أنت بنعمة ربِّك} بحمد الله وإنعامه، {بكاهنٍ وَلاَ مجنُونٍ (29)} كما يقولون. {أم يقولون شاعر نتربَّص بِهِ ريبَ الْمَنُونِ (30)} مَا تقلق النفوس بِهِ من حوادث الدهر؛ وقيل: المنون الموت. {قل تربَّصوا فَإِنِّي معكم مِّنَ المتربِّصِينَ (31)} أتربَّص هلاككم كما تتربَّصون هلاكي.
{أم تأمرهم أحلامهم} عقولهم {بهذا}؟ بهذا (1) التناقض فيِ القول؛ فإنَّ الكاهن يكون ذا فطنة ودقَّة نظر، والمجنون مغطًّى عقله، والشاعر يكون ذا كلام موزون متَّسق (2) مُخيَّل، وَلاَ يتأتَّى ذَلِكَ مِنَ المجنون؛ وأمر الأحلام مجاز أدائها الوهم (3)، {أم هم قوم طاغُونَ (32)}؟ مُجاوزون الحدَّ فيِ العناد؛ وقرئ: «بَل هم». {أم يقولون: تَقوَّله}؟ اختلقه من تلقاء نفسه، {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ (33)} فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم. {فليأتوا بحديثٍ مِّثْلِه إن كَانُوا صادقِينَ (34)} كما يقولون: إنَّه تقوَّله، لأَنَّهُ إِذَا قدر هُوَ أن يتقوَّله قدروا هم عَلَى مثله، لأَنَّهُم مثله فيِ الخلقة أو الفصاحة.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «لهذا».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «مستق»، وَهُوَ تصحيف.
(3) - ... الصواب: «إِلَيْهِ»، كما فيِ سائر التفاسير، ولتوضيح العبارة نورد ما قاله الألوسيُّ: «وأمرُ الأحلام بِذَلِكَ مجازٌ عن التأدية إِلَيْهِ بعلاقة السببيَّة كما قيل، وَقِيلَ: جُعلت الأحلام آمرةً عَلَى الاستعارة المكنيَّة، فتُشبَّهُ الأحلام بسلطان مطاع تشبيها مضمرا فيِ النفس، وتُثبت له الأمر عَلَى طريق التخييل». الألوسي: روح المعاني، ج27/ ص37. وانظر نحو ذَلِكَ فيِ: الزمخشري: الكشَّاف، ج4/ ص329. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص170. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص150. (4/198)
صفحة 1361
أم خُلِقُوا من غير شيء}؟ أم أُحدِثوا أو قدِّروا من غير مُحدِث، أو مُقدِّر، فلذلك لاَ يعبدونه؛ أو من أجل لاَ شيء من عبادة وجزاء عليها، {أم هُمُ الخالقُونَ (35)}؟ يُؤَيِّد الأوَّل، فإنَّ معناه: أم خَلَقوا أنفسهم؛ ولذلك عقَّبه بقوله: {أم خلقوا السَّمَاوَات والأَرْضَ؟ بَل لاَّ يوقنُونَ (36)} إِذَا سئلوا: من خلقكم؟ ومن خلق السَّمَاوَات والأَرْض؟ قَالُوا: الله؛ إذ لو أيقنوا ذَلِكَ لَمَا أعرضوا عَن عبادته.
{أم عندهم خزائن رَبِّك} خزائن رزقه حتَّى يرزقوا النبوَّة من شاءوا؛ أو خزائن علمه حتَّى يختاروا لها، {أم هُمُ المُسيطرُونَ (37)} الغالبون عَلَى الإنشاء يدبِّرونها (1) كيف شاؤوا. قَالَ عطاء: «أرباب قاهرون، فلا يكونوا تحت أمر ونهي، يفعلون مَا شاؤوا» (2). {أم لَهُم سُلَّمٌ} مرتقى إِلىَ السَّمَاء، {يستمعون فِيهِ} صاعدين فِيهِ إِلىَ المَلاَئِكَة، وَمَا يُوحَى إِلَيْهِم من علم الغيب، حتَّى يعلموا مَا هُوَ كائن. {فليأتِ مُستَمِعُهم بسلطانٍ مُبِينٍ (38)} بحجَّة واضحة تُصدِّق استماعه.
{أم لَهُ البناتُ ولكمُ البنُونَ (39)}؟ فِيهِ تسفيه لهم، وإشعار بِأَنَّ من هَذَا رأيه لاَ يعدُّ مِنَ العقلاء، فضلا أن يترقَّى بروحه إِلىَ عالم الملكوت؛ فيطَّلع عَلَى الغيوب. {أم تسألهم أجرا} عَلَى تبليغ الرسالة، {فَهُم من مَّغرم} مِنَ التزام غرم {مُثقَلُونَ (40)} يحملون الثقل؛ فلذلك زهدوا (3) فيِ [576] اتِّبَاعك. {أم عندهم الغيبُ} اللوح المحفوظ المثبت فِيهِ المغيبات، {فَهُم يَكتُبُونَ (41)} مِنْهُ.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «يدبروا لها»، وصحَّحناها من البيضاوي: المصدر نفسه.
(2) - ... البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص239.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «اهدوا»، ولا مَعْنَى له، وصحَّحناه من البيضاوي: المصدر نفسه. (4/199)
صفحة 1362
أم يريدون كيدا} فيِ هدم الدين، {فالذين كَفَرُوا هُمُ الْمَكيدُونَ (42)} هُمُ الذِينَ يحيق بهم الكيد، ويعود عَلَيْهِم وبال كيدهم؛ والمغلوب فيِ الكيد: من كايدته فكدته. {أم لَهُم إلهٌ غيرُ اللهِ} يُغِيثهم، ويَحرسهم من عذابه، {سبحان الله عَمَّا يُشركُونَ (43)} تنزيه لَهُ عَن إشراكهم، أو شركه مَا يشركونه بِهِ.
{وإن يَّرَوْا كِسْفًا} قطعة {مِنَ السَّمَاء ساقطا، يقولوا} مِن فرط طغيانهم وعنادهم: {سحابٌ مَركُومٌ (44)} تراكم بعضه عَلَى بعض، وَهُوَ قولهم: {فأسقِطْ علينا كسفا مِنَ السَّمَاء} (1). {فذرهم حَتَّى يلاقوا يومَهم الذِي فِيهِ يَصعقُونَ (45)} وَهُوَ عند خروج أرواحهم مِنَ الدُّنْيَا. {يوم لاَ يُغنِي عَنْهُم كيدُهم شَيْئًا} أيَّ شيء مِنَ الإغناء فيِ ردِّ العذاب، {وَلاَ هم يُنصَرُونَ (46)} يُمنَعون من عذاب الله.
{__________
(1) - ... سورة الشعراء: 187. (4/200)
صفحة 1363
وإنَّ للذين ظلموا عذابا دون ذَلِكَ} أي: دون عذاب الموت وَمَا بعده؛ وَهُوَ تعذيبهم فيِ الدُّنْيَا بكدِّهم لها، وجمعهم لحطامهم (1)، وَمَا يعصون الله بِهِ، (لَعَلَّهُ) لأَنَّهُم عبَّاد إبليس من غير جلب نفع وَلاَ دفع ضرٍّ، ينالون مِنْهُ بعكوفهم عَلَى عبادته جميعَ مَا يصيبهم مِنَ المصايب فيِ الأنفس والمال والأقارب، وكلَّ شيء يتألَّمون بِهِ وَلاَ يُؤجَرون عليه؛ فهو عذاب مُعجَّل لَهُم كما قَالَ: {ولنذيقنَّهم مِّنَ العذابِ الأدنَى دونَ العذابِ الأكبر} (2)، وقال: {فلاَ تُعجِبْك أموالهم وَلاَ أولادهم ... } (3) الآية، وَأَمَّا المؤمن ـ وإن أصابه مكروه فيِ الدُّنْيَا ـ فذلك لاَ يُسمَّى عذابا، لأَنَّهُ مُثاب عليه، ولأنَّه لم يرتكب ذنبا فَيستحقَّ بِهِ العقوبة، ولأنَّه عابد لله ينال بذلك خير الدارين، ويُكفي شرَّهما. {ولكنَّ أكثرهم لاَ يَعْلَمُونَ (47)} أنَّهم معذَّبون، ويحسبون أنَّهم والمؤمنون فيِ الآلام بمثابة وَاحِدَة؛ كَلاَّ بل لاَ يكونون سواء، كما قَالَ: {أم حسب الذِينَ اجترحوا السَّيِّئَات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواء مَحيَاهم ومماتُهم؟! ساء مَا يحكمون} (4).
{__________
(1) - ... الصواب: «لحطامها»، وَلَكِنَّ الناسخ شطَّب عَلَى الصحيح وأثبت الخطأ: «لحطامهام».
(2) - ... سورة السجدة: 21.
(3) - ... سورة التوبة: 85؛ ومحلُّ الشاهد فيِ تمامها: {إِنَّمَا يريد الله ليعذِّبهم بها في الحياة الدنيا وتَزهَقَ أنفسُهم وهم كافرون}.
(4) - ... سورة الجاثية: 21. (4/201)
صفحة 1364
واصبر لِحُكمِ ربِّك} بإمهالهم، وإتعابك فيِ عنائهم، {فإنَّك بأعيننا} فيِ حفظنا بحيث نراك. {وسبِّح بِحمد رَبِّكَ حين تَقُوم (48)} [مِن] أيِّ مكَانٍ قمتَ، أو من منامك؛ [أو] مَا دُمت يقظانا إِلىَ أن يغلبك النوم، وهكذا (لَعَلَّهُ) المؤمن؛ أو إِلىَ الصلاة (1). {ومن اللَّيْلِ فسبِّحْه} فإنَّ العبادة فيه أشقُّ عَلَى النفس، وأبعد عَن الرياء، ولذلك أفرده بالذكر، {وإِدبار النجوم (49)} وإذا أدبرت النجوم من آخر اللَّيْل، وبالفتح قرئ، أي: فيِ أعقابها إِذَا غربت أو خفيت.
سورة النجم
بسم الله الرحمن الرحيم
{والنجمِ إِذَا هوى (1)} أقسم بجنس النجم أو الثريَّا؛ فإنَّه أغلب فِيهِ إِذَا غرب، أو انتثر يوم القيامة؛ أو أنقص، أو طلع، (لَعَلَّهُ) أو النجم من نجوم القرآن، وقد نزل مُنجَّما، {إِذَا هوى} إِذَا نزل. {مَا ضَلَّ صاحبُكم} مَا عدل محمَّد - صلى الله عليه وسلم - عَن الطريق المُسْتَقِيم، {وَمَا غَوَى (2)} وَمَا اعتقد [577] باطلاً؛ والمراد: نفي مَا ينسبون إِلَيْهِ. {وَمَا ينطِقُ عَن الهوى (3)} وَمَا يصدر نطقه بالقرآن عَن الهوى.
{إن هُوَ} ما القرآن، أو الذِي ينطق بِهِ، {إِلاَّ وحيٌ يُوحَى (4)} يوحيه الله إِلَيْهِ. {علَّمه شديدُ القوى (5)} مَلَك شديد قواه، وَهُوَ جبريل. {ذو مِرَّة} قويٌّ، {فاستوى (6)} استولى بقوَّته عَلَى مَا جعل لَهُ مِنَ الأمر. {وَهُوَ بالأُفُقِ الأعلى (7)} أفق السَّمَاء؛ والضمير لجبريل.
{__________
(1) - ... كتبت فيِ الحاشية هَذِهِ العبارة وَلَكِن بدون إحالة إليها من المتن: «كما رفعه أبو سعيد: أنَّ هَذِهِ الآية بيان لغرض التوجيه». (4/202)
صفحة 1365
ثُمَّ دنا} مِنَ النبيِّ {فتدلَّى (8)} قيل: تدلَّى مِنَ الأفق الأعلى، فَدَنا من الرسول. {فكان} جبريل، كقولك: [هو] منِّي مَعقد الإزار؛ أو المسافة بينهما، {قاب قوسين} مِقدارهما، والقاب والقيب، والقاد والقيد، والقاس والقيس: المقدار، وأصله: فكَان مقدارُ مسافةِ قُربِه مثلَ قابَ قوسين، {أو أدنى (9)} أو أقرب؛ وذلك تحقيق استماعه لِمَا يوحى إِلَيْهِ بنفي البعد الملبس.
{فأوحَى} جبريل، {إِلىَ عبده} عبد الله {مَا أوحَى (10)} جبريل؛ وفيه تفخيم الموحَى بِهِ، أو اللهُ إِلَيْهِ؛ وقيل: الضمائر كلُّها لله تعالى، وَهُوَ شديد القوى، كما فيِ قوله: {هُوَ الرزَّاق ذو القوَّة المتينُ} (1)؛ ودُنوُّه مِنْهُ: ترفُّع مكانته، وتدلِّيه: جذبه بشراشره إِلىَ جنَّات القدس. {مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى (11)} مَا رأى ببصره من أحوال جبريل، وَمَا أوحي إِلَيْهِ بِهِ، أو مَا رآه بقلبه مِنَ الوحي والإلهام. {أفتمارونه عَلَى مَا يَرَى (12)}؟ أفتجادلونه عليه، مِنَ المراء: وَهُوَ المجادلة؛ واشتقاقه مِن “مَرَى الناقةَ” (2)، كَأَنَّ كلاًّ (3) مِنَ المتجادلين يَمْرِي مَا عند صاحبه.
{__________
(1) - ... سورة الذاريات: 58.
(2) - ... «مَرَى الناقةَ يَمْرِيها مسَحَ ضرعَها، فأمْرَت هي: درَّ لبنُها، وهي المُِرية بالضمِّ والكسر». الفيروزآبادي: القاموس، ص1200، مَادَّة: «مري».
(3) - ... فيِ الأَصل: «من كل»، ولا مَعْنَى له، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص172. (4/203)
صفحة 1366
وَلَقَد رآه نَزلَةً أُخْرَى (13)} مرَّة أُخْرَى “فَعْلَة” مِنَ النزول، أقيمت مقام المرَّة، ونُصِبَتْ نصبَها إشعارًا بِأَنَّ الرؤية فيِ هَذِهِ المرَّة كَانَت أَيْضًا بنزول ودنوٍّ، {عند سِدرةِ المنتهَى (14)} التِي ينتهى إِلَيْهِا علم الخلائق وأعمالهم، أو ما ينزل من فوقها، وَمَا يصعد من تَحتها، ولعلَّها شُبِّهت بالسدرة ــ وهي شجرة النبق ــ لأَنَّهُمْ يجتمعون فيِ ظلِّها؛ والمنتهى: موضع الانتهاء، لم يجاوزها أحد، وإِلَيْهِا ينتهي علم المَلاَئِكَة وغيرهم، وَلاَ يعلم أحد مَا وراءها؛ وقيل: تنتهي إِلَيْهِا أرواح الشهداء؛ ويحتمل مَا رآه فيِ هَذِهِ النزلة بأحوال (1) القيامة. {عندها جنَّة المأوى (15)} الجنَّة التِي يأوي إِلَيْهِا المتَّقون، أو أرواح الشهداء. {إذ يَغشَى السدرةَ مَا يَغشَى (16)} تعظيم وتنكير لِمَا يغشاها، بحيث لاَ يكتنهها (2) نعت، وَلاَ يحصيها عدد؛ وقيل: يغشاها الجمُّ الغفير مِنَ المَلاَئِكَة، يعبدون الله عندها.
{مَا زاغَ البصر} مَا مال بصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَمَّا رآه، {وَمَا طَغَى (17)} وَمَا تجاوزه، بل أثبته إثباتا صحيحًا متيقِّنا؛ أو مَا عدل عَن رؤية العجائب التِي أُمر برؤيتها وَمَا جاوزها. {لَقَد رأى} وَاللهِ لَقَد رأى {من آيات ربِّه الكبرى (18)} أي: والله لقد رأى الكبرى من آياته وعجائبه الملكيَّة والملكوتيَّة ليلة المعراج.
{__________
(1) - ... الصواب: «من أحوال».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «يكتنها» وَهُوَ خطأ. (4/204)
صفحة 1367
أفرأيتم اللاَّتَ والعُزَّى (19) ومَناةَ الثالثة [578] الأخرى (20)} هِيَ أصنام كَانَت لَهُم. {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثى (21)} إنكار لقولهم: المَلاَئِكَة بنات الله. {تلك إِذًا قسمةٌ ضِيزَى (22)} جائرة، حيث جعلتم لَهُ مَا تستنكفون [منه]، وهي “فعلى” مِنَ الضيز: وهو الجور. {إن هِيَ إِلاَّ أسماء} الضمير للأصنام، أي: مَا هِيَ باعتبار الألوهيَّة إِلاَّ أسماء (لَعَلَّهُ) وأمثال وصور تطلقونها عليها، لأنَّكم تقولون: إنَّها آلهة، وليس فِيهَا شيء من معنى الألوهيَّة؛ أو للصفة التِي تصفونها بها من كونها آلهة وبناتا وشفعاء؛ أو للأسماء المذكورة، فإنَّها كَانُوا يطلقون اللاَّت عليها، باعتبار استحقاقها للعكوف عَلَى عبادتها؛ والعزَّى لعزَّتها؛ ومناة: لاعتقادهم أنَّها تستحقُّ أن يتقرَّب إِلَيْهِا بالقرابين، {سمَّيِّتموها أَنتُم وآباؤكم} بهواكم، {مَا أنزل اللهُ بها من سلطان} برهان تتعلَّقون بِهِ. {إن يتَّبعون إِلاَّ الظنَّ} إِلاَّ التوهُّم أنَّ ما هم عليه حقٌّ، تقليدًا وتوهُّمًا باطلاً، {وَمَا تَهوَى الأنفسُ} وَمَا تشتهيه الأنفس؛ {وَلَقَد جاءهم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى (23)} حُجَجُه وبراهينه.
{أم للإنسان مَا تمنَّى (24)} أي: ليس [له] مَا يتمنَّاه؛ والمراد: نفي طمعهم فيِ شفاعة الآلهة؛ وقولهم: {ولئن رُّجِعتُ إِلىَ رَبِّي إنَّ لي عنده لَلحُسنَى} (1). {فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأولى (25)} يعطي منهما مَا يَشَاء لمن يريد، وليس لأحد أن يتحكَّم فيِ شيء منهما. {وكم مِّن مَّلَكٍ فيِ السَّمَاوَات لاَ تُغنِي شفاعتُهم شَيْئًا} وكثير مِنَ المَلاَئِكَة لاَ تغني شفاعتهم شَيْئًا ولا تنفع، {إِلاَّ من بَعدِ أن يأذنَ الله} فيِ الشفاعة، {لمن يَشَاء} مِنَ الناس أن يشفع لَهُ {ويرضَى (26)} ويراه أهلا لذلك؛ فكيف تشفع الأصنام لعبدتهم؟!.
{__________
(1) - ... سورة فصِّلت: 50. (4/205)
صفحة 1368
إنَّ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَة لَيُسَمُّونَ المَلاَئِكَة} أي: كلَّ وَاحِد مِنْهُم، {تسمية الأنثى (27)} بِأَن سمَّوْه بنتًا (1). {وَمَا لَهُم بِهِ من علم} أي: مِمَّا يقولون، {إن يتَّبعون إِلاَّ الظنَّ وإنَّ الظنَّ لاَ يغني مِنَ الحَقِّ شَيْئًا (28)} فإنَّ الحقَّ الذِي هُوَ حقيقة الشيء لاَ يدرك إِلاَّ بالعلم؛ والظنُّ لاَ اعتبار لَهُ فيِ المعارف الحقيقيَّة؛ وإنَّما العبرة فيِ العِلمِيَّات (2) وَمَا يكون وصله إِلَيْهِا.
{فأعرضْ عَمَّن تولَّى عَن ذِكْرِنا ولم يُرِدْ إِلاَّ الحياةَ الدُّنْيَا (29)} فأعرضْ عَن دعوته والاهتمام بشأنه، فإنَّ من غفل عَن أمر الله، وأعرض عَن ذكره، وانهمك فيِ الدُّنْيَا، بحيث كَانَـ[ـت] منتهى هِمَّته، ومبلغَ علمه، لاَ تزيده الدعوة إِلاَّ عِنادًا، وإصرارًا عَلَى الباطل؛ أو أعرِضْ (3) عمَّن تولَّى ودعاك إِلىَ باطل، أو دعوته إِلىَ حقٍّ فلم يقبل. {ذَلِكَ مَبلَغُهم مِّنَ العلم} لاَ يتجاوزُ [هُ] عِلمُهم إِلىَ الأمرِ الأخرويِّ، لأَنَّهُم لم يؤمنوا بِهِ إيمانا حقيقيًّا، وذلك نهاية عِلمِهم أن آثروا الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَة؛ وقيل: لم يبلغوا مِنَ العلم إِلاَّ علما ظنِّيًّا لأمر (لَعَلَّهُ) الآخِرَة، {إنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلم بمن ضلَّ عَن سبيله وَهُوَ أعلم بمن اهتدى (30)} تعليل للأمر بالإعراض؛ أي: إِنَّمَا يعلم الله من يجيب مِمَّن لاَ يجيب؛ فلا تُتعِب نفسك فيِ دعوتهم، إذ مَا عليك [579] إِلاَّ البلاغ.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «نبيًّا»، وَهُوَ تصحيف.
(2) - ... فيِ البيضاوي: «العمليَّات»، ويبدو أَنَّهُ الأصوب. تفسير، ج4/ ص173.
(3) - ... فيِ الأَصْل: «أو إعراض»، ولا مَعْنَى له. (4/206)
صفحة 1369
ولله مَا فيِ السَّمَاوَات وَمَا فيِ الأَرْض} خلقا وملكا، {لِيجزيَ الذِينَ أساءوا بِمَا عَمِلوا} بعقاب مَا عملوا مِنَ السوء، أو بمثله؛ أو بسبب مَا عملوا مِنَ السوء، وَهُوَ علَّة لما دَلَّ عليه مَا قبله؛ أي: خلق العالم وسوَّاه للجزاء؛ أو ميَّز الضالَّ مِنَ المهتدي، وحفظ أحوالهم، كذلك. {ويَجْزِيَ الذِينَ أحسنوا بالحسنَى(31)} بالمثوبة الحسنى. {الذِينَ يجتنِبون كبائرَ الإثمِ} مَا يكبر عقابه مِنَ الذنوب، وَهُوَ مَا رتَّب الوعيد عليه بخصوصه، {والفواحشَ} وَمَا فحش مِنَ الذنوب، {إِلاَّ اللَّمَمَ} وَهُوَ مَا صغر، فإنَّه مغَفُور عَن مجتنبي الكبائر؛ وقيل: مَا لَمَّ عَلَى القلب، أي: خطر، {إنَّ رَبَّكَ واسعُ المغفرةِ} حيث يَغْفِر الصغائر باجتناب الكبائر، و{هُوَ أعلم بكم} أعلم بأحوالكم منكم، {إذ أنشأكم مِنَ الأَرْضِ وإذ أَنتُم أَجِنَّةٌ فيِ بطون أمَّهاتكم} علم أحوالكم ومصارف أموركم، حين ابتدأ خلقكم مِنَ التراب بخلق آدم، وحينما صوَّركم فيِ الأرحام، {فلا تُزكُّوا أنفسكم} فلا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، أو بالطهارة عَن المعاصي والرذائل؛ والمعنى: لاَ تشهدوا لها بجنَّة عَلَى القطع، فإنَّ ذَلِكَ من علم الغيب، ولم يأذن الله بِهِ، {هُوَ أعلم بِمن اتَّقَى(32)} فإنَّه يعلم التقيَّ وغيره منكم، قبل أن يُخرجكم من صلب آدم - عليه السلام - .
{أفرأيتَ الذِي تولَّى(33)} عَن اتِّباع الحقِّ والثبات عليه، {وأعطى قليلا وأَكْدَى(34)} وقطع العطاء وأمسك، {أعِندَهُ علمُ الغيبِ فهو يَرَى(35)} مَا غاب عَنْهُ؟. {أم لم يُنبَّأ بِمَا فيِ صُحُف موسَى(36) وإبراهيمَ الذِي وَفَّى(37)} وفَّر وأتمَّ ما لزِمه وأُمر بِهِ، أو بالغ فيِ الوفاء بِمَا عاهد الله؛ وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم يحتمله غيره.
{ (4/207)
صفحة 1370
ألاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(38) وَأَن لَيسَ للإنسانِ إِلاَّ مَا سَعَى(39)} فليس لأحد مِنَ الآخِرَة إِلاَّ مَا تزوَّد مِنَ الدُّنْيَا. {وأنَّ سَعْيَهُ سوف يُرَى(40) ثُمَّ يُجزَاه الجزاءَ الأوفَى(41)} أي: يُجزَى العبد سعيه بالجزاء الأوفر. {وأنَّ إِلىَ رَبِّكَ المنتَهَى(42)} انتهاء الخلائق.
{وَأَنَّهُ هُوَ أضحَكَ} من شَاء من خلقه بالرحمة، {وأبكى(43)} من شاء من خلقه بالعذاب. {وَأَنَّهُ هُوَ أمات وأحيا(44)} لا يقدر عَلَى الإماتة والإحياء غيره؛ فإنَّ القاتل ينقض البنية، والموت يحصل عنده بفعل الله عَلَى سبيل العادة؛ وقيل: أماته بالكفر، وأحياه بالإسلام. {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذَّكَرَ والأنثى(45) مِن نُّطفةٍ إِذَا تُمنَى(46)} تُدفَّق فيِ الرحم. {وأنَّ عليه النشأة الأُخرَى(47)} الإحياء بعد الموت، وفاءً بعهده. {وَأَنَّهُ هُوَ أَغنَى وأقنى(48)} أعطى القنية، وهي المؤثَّل المدَّخر؛ وقيل: «أقنى» أي: أرضى بِمَا أعطى. {وأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى(49)} يعني: العبور، وهي أشدُّ ضياء مِنَ الغميصاء.
{وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الأولى(50)} القدماء، لأَنَّهُم أوَّل الأمم هلاكا بعد نوح؛ وقيل: عاد الأولى: قوم هود، وعاد الأخرى: إرم. {وثمودًا [580] فما أبقى(51)} الفريقين. {وقومَ نوحٍ من قبلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هم أظلَمَ وأطغَى(52)} مِنَ الفريقين. {والمؤتفِكَةَ} والقرى التِي ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت، وهي قوم لوط، {أهْوَى(53)} بعد أن رفعها فقلبها. {فغشَّاها مَا غشَّى(54)} فِيهِ تهويل وتعميم لِمَا أصابهم.
{ (4/208)
صفحة 1371
فبأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتمَارَى (55)} تتشكَّك؛ والخطاب للرسول، أو لِكُلِّ أحد. والمعدودات وإن كَانَت نعما ونقما، سمَّاها: آلاء، من قِبَل مَا فيِ نقمة مِنَ العبر والمواعظ للمُعتَبرين، فهي نِعمٌ لمن اعتبر بها؛ والنعم إِذَا كفرها العصاة صارت نقما وبلايا. {هَذَا نذيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولى (56)} أي: هَذَا القران نذير من جنس الإنذارات المتقدِّمة؛ أو هَذَا الرسول نذير من جنس المنذِرين الأَوَّلين.
{أَزِفَتِ الآزفةُ (57)} دَنت الساعة الموصوفة بالدنوِّ فيِ نحو {اقتربت الساعة} (1) {ليس لها مِن دونِ الله كاشِفَةٌ (58)} ليس لها نفس قادرة عَلَى كشفها إِذَا وقعت إِلاَّ الله، [أو ليس لها كاشفة لوقتها إِلاَّ الله، إذْ] (2) لاَ يطَّلع عليه سواه. {أفَمِنْ هَذَا الحديثِ} يعني: القرآن، {تعجَبُونَ (59)}؟ إنكارا. {وتضحكون} استهزاءًا، {وَلاَ تبكُونَ (60)} تحزُّنا عَلَى مَا فرَّطتم؛ وقيل: تضحكون آمنين من عذابه، وَلاَ تبكون خائفين من عذابه (3). {وأنتُم سامِدُونَ (61)} أي: غافلون عَن أمر الله ونهيه، {وأنتم سامدون} لاهون لاعِبون. {فاسجُدوا لله واعبدوا (62)} أي: انقادوا لَهُ، واعبدوه دون الآلهة.
- - -
سورة القمر
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... سورة القمر: 01.
(2) - ... زيادة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص175.
(3) - ... الأوفق بالسياق: «من عقابه». (4/209)
صفحة 1372
اقتربت الساعة وانشقَّ القمرُ (1)} قيل معناه: سينشقُّ يوم القيامة، {وإنْ يَّرَوْا آيةً يُعرِضوا} عَن تأمُّلها والإيمان بها، {ويقولوا: سحر مستمِرٌّ (2)} مُطَّرد؛ (لَعَلَّهُ) وقيل: سوف يذهب ويبطل (1)؛ وقيل: مستمرٌّ، أي: قويٌّ شديد. {وكذَّبوا} (لَعَلَّهُ) النبيَّ، وَمَا عاينوا من قدرة الله، {واتَّبعوا أهواءهم} وَهُوَ ما زيَّنَ لَهُمُ الشيطان مِن ردِّ الحقِّ بعد ظهوره، {وكلُّ أمر مستقِرٌّ (3)} مُنتَهٍ إِلىَ غاية من خذلان أو نصر فيِ الدُّنْيَا، وشقاوة أو سعادة فيِ الآخِرَة؛ فإنَّ الشيء إِذَا انتهى إِلىَ غايته ثبت واستقرَّ؛ وقرئ بالفتح، أي: ذو مستقَرٍّ، بمعنى: استقرار، وبالكسر والجرِّ، عَلَى أنَّه صفة أمر، و «كلُّ» معطوف عَلَى الساعة.
{وَلَقَد جاءهم} (لَعَلَّهُ) فيِ القرآن، {من الأنباء} أنباء القرون الخالية، أو أنباء الآخِرَة {مَا فِيهِ مُزدَجَرٌ (4)} ازدجار من حديث، أو وعيد. {حكمةٌ بالغةٌ} غايتَها، يعني: القرآن حكمته نامية فقد بلغت الغاية، {فما تُغنِ النُّذُرُ (5)} نفي؛ أو استفهام إنكار، أي: وأيُّ غناء تغني النذر؟. {فَتولَّ عَنْهُم} لعلمك أنَّ الإنذار لاَ يُغنِي عَنْهُم.
{__________
(1) - ... يوضِّح لنا البيضاويُّ هَذَا التفسير بقوله: «أو مارٌّ ذاهب لا يبقى». المصدر نفسه. (4/210)
صفحة 1373
يوم يدعُ الداعِ} إسرافيل، ويجوز أن يكون الدعاء فِيهِ كالأمر فيِ قوله: {كن فيكون}، {إِلىَ شيءٍ نُّكُرٍ (6)} فظيع تنكره النفوس، لأَنَّهَا لم تعهد مثله، وَهُوَ هول القيامة؛ وذلك لمَّا أتتهم آيات الله أنكروها [581] بعدما عرفوها قوبلوا ــ عَلَى سبيل الجزاء ــ بعذاب تنكره عقولهم، لأَنَّهُم لم يؤمنوا بِهِ فيِ الدُّنْيَا، كما لأهل الجنَّة مَا لاَ عين رأت، {خُشَّعا أبصارُهم يَخرُجون مِنَ الأجداثِ} أي: يخرجون من قبورهم خاشعة أبصارهم من عظم الأهوال، {كأنَّهم جراد مُّنتَشر (7)} فيِ الكثرة والتموُّج والانتشار فيِ الأمكنة؛ {مُهطِعين إِلىَ الداعي} مسرعين مادِّي أعناقهم إِلَيْهِ، {يقول الْكَافِرُونَ: هَذَا يوم عَسِرٌ (8)} صعب.
{كذَّبت قبلهم قومُ نوح} قبل قومك، {فكذَّبوا عبدنا، وَقَالُوا: مجنونٌ وازدُجِرَ (9)} وازدُجِر عَن التبليغ بأنواع الأذيَّة؛ وقيل: إنَّه من جملة قولهم، أي: هُوَ مجنونٌ وقد ازدجرته الجنُّ وتخبَّطته. {فدعا ربَّه أَنِّي مَغلُوبٌ فانتصِرْ (10)} فانتقِمْ لي مِنْهُم، وذلك بعد إيَّاسه مِنْهُم. {فَفَتَحْنا أبوابَ السَّمَاء بماءٍ مُّنهَمِرٍ (11)} منصبٍّ؛ وَهُوَ مبالغة وتمثيل لكثرة الأمطار وشدَّة انصبابها. {وفجَّرنا الأَرْضَ عيونا} أصله: فجَّرنا عيون الأَرْض، {فالتقى الماءُ} ماء السَّمَاء وماء الأَرْض، {عَلَى أمرٍ قد قُدِرَ (12)} عَلَى حال قدَّرها الله فيِ الأزل من غير تفاوت. {وحَمَلْناه عَلَى ذاتِ ألواحٍ} ذات أخشاب عريضة، {ودُسُرٍ (13)} ومسامير. {تجري بأعيُننا} أي: بحفظنا، {جزاءً لمن كَانَ كُفِر (14)} أي: فعلنا ذَلِكَ جزاءً لنوح، لأَنَّهُ (1) نعمة كفروها، فإنَّ كُلَّ نبيٍّ نعمة مِنَ الله ورحمة عَلَى أمَّته؛ وقرئ: «لمن كَفَرَ»، أي: الْكَافِرينَ.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «لا نعمة كفروها»، وَهُوَ خطأ. (4/211)
صفحة 1374
وَلَقَد تركناها} أي: السفينة، أو الفعلة {آيةً} يُعتبر بها إذ شاع خبرها واشتهر، {فهل من مُّدَّكِرٍ (15)} معتبر متذكِّر متَّعظ. {فكيف كَانَ عذابي ونذرِ (16)}؟ استفهام وتعظيم ووعيد. {وَلَقَد يسَّرنا القرآنَ} سهَّلناه أو هيَّنَّاه؛ مِن “يسَّر ناقته للسفر” إذا رحلها. {للذِّكْرِ} للادِّكار والاتِّعاظ، بِأَن صرَّفنا فِيهِ أنواع المواعظ والعبر، وللحفظ بالاختصار وعذوبة اللفظ؛ أو لفهم معانيه بالاستنباط مِنْهُ؛ وقيل: يسَّرناه للحفظ والقراءة؛ وقيل: ليس شيء مِنَ الكتب يقرأ كلُّه ظاهرًا إِلاَّ القرآن، {فهل مِن مُّدَّكر (17)} يقول: «هل من طالب علم فيعان عليه»؟ (1).
{كذَّبت عادٌ فكيفَ كَانَ عذابِي ونُذُرِ (18)} وإنذارًا بي لَهُم بالعذاب قبل نزوله، أو لمن بعدهم فيِ تعذيبهم. {إِنَّا أرسلنا عَلَيْهِم ريحا صَرْصَرًا} باردًا، أو شديد الصوت. {فيِ يومِ نَحسٍ} شؤم {مُستمرٍّ (19)} استمرَّ شؤمه، أو استمرَّ عَلَيْهِم حتَّى أهلكهم، أو عَلَى جميعهم. {تَنزِعُ الناسَ} تقلعهم؛ روي: أنَّهم دخلوا فيِ الشعاب والحفر، وتَمسَّك بعضهم ببعض؛ فنزعتهم الريح منها، وصرعتهم موتى، {كأنَّهم أعجازُ نخلٍ مُنقَعِرٍ (20)} أصول نخل منقعر عَن مغارسه، ساقط عَلَى الأَرْض؛ قيل: شُبِّهوا بالأعجاز، لأَنَّ الريح طَيَّرت رؤوسهم وطرحت أجسادهم {فكيف كَانَ عذابي ونُذُرِ (21} كرَّره للتهويل. {وَلَقَد يسَّرنا القرآنَ للذِّكر فهل من مُّدَّكِرٍ (22)} كرَّره لسهولة فهمه وحفظه لمن اجتهد وجدَّ فيِ الطلب ولم يلعب.
{__________
(1) - ... ينسب هَذَا التفسير إِلىَ ابن عَبَّاس. انظر: أبو سهل يحيى بن إبراهيم الوارجلاني: عقيدة فيِ معرفة التوحيد والفرائض، (مخ)، نسخة عشيرة آل يدَّر، ببني يسجن، ص35. (4/212)
صفحة 1375
كذَّبت ثمود بالنُّذُر(23) فَقَالُوا: أبشرًا مِنَّا} من جنسنا أو جملتنا [582] لاَ فضل لَهُ علينا، {واحدا} منفردا لاَ تُبَّع لَهُ، {نتَّبعه إِنَّا إِذًا لفي ضلالٍ وسُعُرٍ(24)} كأنَّه قَالَ لَهُم: إن لم تتَّبعوني كُنتُم فيِ ضلال عَن الحقِّ؛ وسُعُر: أي نيران، جمع سعير، فعكسوا عليه، فَقَالُوا: إن اتَّبعناك كُنَّا إِذًا كما تقول؛ وقيل: (لَعَلَّهُ) الضلال: الخطأُ والبعدُ عَن الصواب، والسعُر: الجنون، ومنه: “ناقة مسعورة”؛ وقيل: عناء وعذاب فيما يلزمنا من طاعته. {أَأُلقِيَ الذِّكْرُ} الكتاب والوحي {عليه مِن بينِنا} وفينا مَن هُوَ أحقُّ مِنْهُ بالاختيار للنبوَّة، {بَل هُوَ كذَّاب أَشِرٌ(25)} حمله بطره عَلَى الترفُّع علينا بادِّعائه. {سيعلمون غدًا} عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، {مَنِ الكذَّابُ الأَشِرُ(26)} الذِي حمله أشره عَلَى الاستكبار عَن الحقِّ، وطلب الباطل أصالح [ - عليه السلام - ] أم مَن كذَّبه؛ والأشِر: الأبلغ فيِ الشرارة.
{إِنَّا مُرِسلوا الناقةِ} مخرجوها وباعثوها؛ وذلك فيما قيل: إنَّهم تعنَّتوا عَلَى صالح، فسألوه أن يُخرج لَهُـ[ـم] من صخرة ناقة عشراء حمراء، فقال الله: «إِنَّا مرسلوا الناقةِ»، {فتنةً لَهُم} امتحانا لَهُم، {فارتَقِبْهم} فانتظرهم مَا يصنعون، {واصطبرْ(27)} عَلَى أذاهم. {ونبِّئْهم أنَّ الماء قسمةٌ بَيْنَهُم} مقسوم بَيْنَهُم؛ وقيل: [لها] يوم، ولهم يوم، {كُلُّ شِربٍ مُحتَضَرٌ(28)} محضور يحضره أهله لا يحضره الآخر؛ وقيل: يحضرون الماء فيِ نوبتهم، والماء فيِ نوبتها.
{ (4/213)
صفحة 1376
فنادَوْا صاحبَهم فَتعاطَى فَعَقَرَ (29)} فاجترأ عَلَى تعاطي قتلها فقتلها؛ أو فتعاطى السيف فقتلها؛ والتعاطي: تناول الشيء بتكلُّف. {فكيف كَانَ عذابي ونذرِ (30) إِنَّا أرسلنا عَلَيْهِم صيحةً وَاحِدَةً} لاَ ثاني لها، وهي صيحة جبريل فيما قيل، {فكَانُوا كَهَشِيمِ المُحتظِر (31)} كالشجر اليابس المنكسر الذِي يتَّخذه من يعمل الحظيرة لأجلها؛ أو كالحشيش اليابس الذِي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته فيِ الشتاء؛ وقرئ بفتح الظاء، أي: كهشيم الحظيرة، أو الشجر المتَّخذ لها. {وَلَقَد يسَّرنا القرآن للذِّكرِ فهل من مُّدَّكر (32)} كرَّره، لأَنَّهُ ييسَّر لمن طلبه مِنَ القرون والأمم كلِّها.
{كذَّبت قومُ لوطٍ بالنُّذُرِ (33) إِنَّا أرسلنا عَلَيْهِم حاصبًا} ريحا تحصبهم بالحجارة، أي: ترميهم، {إلاَّ آلَ لوطٍ نَجَّيناهم بِسَحَرٍ (34)} فيِ سَحَرٍ وَهُوَ آخر اللَّيل. {نعمةً مِّنْ عِندِنا} إِنعامًا مِنَّا، وَهُوَ علَّة (1) لـ «نَجَّينا»، {كذلك نجزي مَن شَكَرَ (35)} نِعمتَنا بالإيمان (2) والطاعة. {وَلَقَد أنذَرَهم} لوطٌ {بطشَتَنا} أَخْذَنا إِيَّاهُمْ بالعقوبة والعذاب، {فتمارَوا بالنُّذُر (36)} فكذَّبوه بالنُّذُر، وشَكُّوا فيِ ذَلِكَ.
{وَلَقَد راودوه عَن ضيفه} قصدوا الفجور بهم، {فطَمَسْنا أعينَهم} فمسخناها، {فذوقوا عذابي ونُذُرِ (37)} فقلنا لَهُم عَلَى أَلْسُنِ المَلاَئِكَة، أو ظاهر الحال. {وَلَقَد صبَّحَهُم بُكرَةً عذابٌ مُّستَقِرٌّ (38)} ثابت قد استقرَّ عَلَيْهِم، حتَّى يسلمهم [إلى] النار. {فذوقوا عذابِي ونُذُرِ (39)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «عليه»، وهو خطأ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «بالإنعام»، ولا مَعْنَى له، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص177. (4/214)
صفحة 1377
وَلَقَد يسَّرنَا القرآنَ للذِّكر فهلْ مِن مُّدَّكِرٍ (40)} كرَّر ذَلِكَ فيِ كُلِّ قِصَّة إشعارا بِأَنَّ تكذيب كُلِّ رسول مُقتَضٍ لنزول العذاب، واستماع كُلِّ قصَّة مُستدع للادِّكار والاتِّعاظ، واستِئنَافًا للتَّنبِيه والإيقاظ [583] لئلاَّ يَغلِبَهم السهوُ والغفلةُ، وهكذا تكرير قوله: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} (1)، و {ويل يومئذ للمكذِّبين} (2) ونحوها فإنَّه ما كرَّر شَيْئًا فيِ كتابه العزيز عَبَثا إِلاَّ (3) لحكمة أو حكم، جلَّ رَبُّنَا عَن ذَلِكَ. {وَلَقَد جاء آلَ فرعونَ النذرُ (41)} اكتفى بذكرهم عَن ذكره للعلم بأنَّه أولى بذلك. {كذَّبُوا بِآيَاتِنا كُلِّها فأخذناهم أَخْذَ عزيزٍ مُّقتَدِرٍ (42)}.
{أكُفَّارُكم} يا معشر العرب {خَيرٌ مِن أولئكم}؟ الكفَّار المعدودين قوَّة وعدَّة، أو مكانَة ودينا عند الله، ويوجد عَن أبي المؤثر: «{أكفَّاركم خيرٌ من أولئكم} أي: خيرٌ من ولاَّة أموركم»، {أمْ لكم بَرَاءةٌ فيِ الزُّبُرِ (43)}؟ أم نزل لكم فيِ الكتب السماويَّة أنَّ من كفر مِنكم فهو فيِ أمانٍ من عذاب الله؟. {أمْ يَقولُون: نَحْنُ جميعٌ} جماعة، أَمرُنا مُجتمع {مُنتَصِر (44)} مُمتنع لاَ يُرَام؛ أو مُنتَصر مِنَ الأعداء لاَ يُغلَب، أو متناصر ينصر بعضنا بعضا.
{__________
(1) - ... سورة الرحمن: 13، 16 ...
(2) - ... سورة المرسلات: 15، 19 ...
(3) - ... في الأصل: «لا»، وهو خطأ. (4/215)
صفحة 1378
سَيُهزَمُ الجمعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُر (45)} أي: الأدبار. {بَلِ الساعةُ مَوعِدُهم} موعد عذابهم الأصليِّ، وَمَا يَحِيق بهم فيِ الدُّنْيَا فمِن طَلائِعِه، {والساعةُ أَدهَى} أشدُّ، والداهية: أمرٌ فظيعٌ لاَ يهتدى لدوائه، وفي القاموس: «الداهية: الأمر الضرير» (1)، {وأَمَرُّ (46)} مَذاقًا من عذاب النارِ؛ أو أمرُّ مِمَّا ينالونه (2) من مرارة الدُّنْيَا.
{إنَّ المجرمين فيِ ضلالٍ} (لَعَلَّهُ) عَن الحقِّ فيِ الدُّنْيَا، {وسُعُرٍ (47)} [584] ونيران فيِ الآخِرَة. {يوم يُسحَبُون فيِ النار عَلَى وُجُوهِهم} يُجرُّون عليها، {ذُوقُوا مسَّ سَقَرَ (48)} أي: يُقاَل لَهُم: ذُوقوا حرَّ النار، وأَلَمها، فإنَّ مَسَّها سبب للتألُّم بها.
{إِنَّا كُلَّ شيءٍ خلقناه بقَدَرٍ (49)} أي: إِنَّا خلقنا كلَّ شيءٍ مُقدَّراً مُرتَّبًا عَلَى مُقتضَى الحكمة، أي: مُقدَّرًا مَكتُوبًا فيِ اللَّوح قبل وقوعه؛ وقيل: قدَّر الله لِكُلِّ شيءٍ مِنْ خَلْقِهِ قَدَرَهُ الذِي يَنبَغِي لَهُ. {وَمَا أَمْرُنا إِلاَّ وَاحِدَةٌ} إِلاَّ فِعلة وَاحِدَة {كَلمحٍ بالبصر (50)} فيِ اليسر والسُّرعَة؛ وقيل: مَعناه مَعنى قوله: {وَمَا أمر الساعة إِلاَّ كلمح البصر} (3).
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَى هَذَا التعريف فيِ القاموس، وَإِنَّمَا قال فيِ مَادَّة “دهي”: «ودَهَّاهُ: نسبه إِلىَ الدهاء، أو عابه وتنقَّصه، أو أصابه بداهية: وهي الأمر العظيم». ثُمَّ قال فيِ مَادَّة “دهو”: «داهية دَهواء ودُهويَّة، بالضمِّ: شديدة جِدًّا». الفيروزآبادي: القاموس، ص1156.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «ينالوه»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... سورة النحل: 77. (4/216)
صفحة 1379
وَلَقَد أهلكْنا أَشيَاعَكم} أشباهكم فيِ الكفر ممَّن قبلكم، {فهل من مُدَّكِرٍ (51)} مُتَّعظ. {وكلُّ شيءٍ فَعَلُوه فيِ الزُّبُر (52)} مَكتوب فيِ كتب الحَفَظَة. {وكلُّ صغيرٍ وكبيرٍ} مِنَ الأعمال (لَعَلَّهُ) والخلق {مُستَطَرٌ (53)} مَسطُور فيِ اللَّوح (لَعَلَّهُ) وحصوله بقَدرٍ مَعلُوم مُنتَظر.
{إنَّ المُتَّقين فيِ جَنَّات ونَهَرٍ (54)} أنهار، {فيِ مَقعَدِ صِدقٍ} فيِ مكَان مَرضِيٍّ، {عندَ مَليكٍ مُقتَدِرٍ (55)} مُقرَّبين عند مَن تَعالى أَمرُه فيِ المُلكِ والاقتدارِ، لاَ شيء إِلاَّ وَهُوَ تحتَ مُلكِه وقُدرَتِه.
سورة الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم
[ (4/217)
صفحة 1380
585] {الرحمنُ (1) علَّم القرآنَ (2)} لَمَّا كَانَت السورة مَقصُورة عَلَى تعدَاد النعم الدنيويَّة والأخرويَّة صدَّرها بالرحمن، فقدَّم مَا هُوَ أصل [النعم] (1) الدينيَّة وأجلِّها، وَهُوَ إنعَامُه بِالقرآن، وتنزيله وتعليمه، فإنَّه أساس الدين، ومنشأ الشرع، وأعظمُ الوحيِ، وأعزُّ الكُتُبِ، إذ هُوَ بإعجازه واشتماله عَلَى خَلاصها (2) مُصدِّق لنفسهِ ومِصدَاقٌ لها، ثُمَّ أتبعه قوله: {خَلَقَ الإنسانَ (3)} إيماء بِأَنَّ خلق البشر وَمَا يُميَّز بِهِ عَن سائر الحيوان ... (3) {علَّمَه البيان (4)} مِنَ البيان، وَهُوَ التعبير عمَّا فيِ الضمير، وإفهام الغير لِمَا أدركه لِتَلَقِّي الوحيِ، وتَعَرُّف الحقِّ، وتَعلُّم الشرع.
{__________
(1) - ... إضافة من البيضاويِّ ليتمَّ المعنى، ج4/ ص178.
(2) - ... الصواب: «خلاصتها»، والضمير يعود عَلَى الكتب. انظر: المصدر نفسه.
(3) - ... العبارة بِهَذِهِ الصيغة تبدو ناقصة، وقد وقع فيها تقديم وتأخير، فَفيِ تفسير البيضاويِّ: «{خَلَقَ الإنسانَ علَّمَه البيان} إيماء بِأَنَّ خلْقَ البشر وَمَا يُميَّز بِهِ عَن سائر الحيوان مِنَ البيانِ، وَهُوَ التعبير عمَّا فيِ الضمير»، وأرى أَنَّهُ لو استبدل قوله: «هو البيان»، بقوله: «من البيان» لاتَّضح المعنى أكثر. أي إِنَّمَا تميَّز خلق الإِنسَان عن خلق الحيوان بالبيان. وَالله أعلم. انظر: البيضاوي: المصدر نفسه. (4/218)
صفحة 1381
الشمسُ والقمرُ بِحسبَانٍ (5)} يَجرِيَان بحساب مَعلوم، مقدَّر فيِ بُرُوجهما ومَنَازِلهما، وتتَّسق بِذَلِكَ أمور الكائنات السُّفلِيََّة، وتختلف الفصول والأوقات، وتُعلم السنون والحساب. {والنجم} النبات الذِي ينجم مِنَ الأَرْض، لاَ ساق لَهُ كالبقول، {والشجرُ} الذِي لَهُ ساق، {يَسجُدَان (6)} ينقادان لله فيما يُريد بهما طيِّعًا، انقياد الساجدِ مِنَ المكلَّفين، {والسَّمَاء رفعها} خلقها مَرفُوعة مَحلاًّ [و] مرتبة، فإنَّها مَنشَأ أقضيته، ومُتنَزَّل أحكامه، ومحلُّ ملائكته.
{وَوَضَعَ الميزانَ (7)} العدل بِأَنْ وفَّرَ عَلَى كُلِّ مستعدٍّ مستحقَّه، ووفَّى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه، حتَّى انتظم أمرُ العالم واستقام، كما قَالَ - عليه السلام -: «بالعدل قامت السَّمَاوَات، والأَرْض» (1)، أو مَا يعرف بِهِ مقادير الأشياء من ميزان ومِكيَال ونحوهما، كأنَّه وصف السَّمَاء بالرفعَةِ من حيث أنَّها مَصدَر القضايا والأقدار، وصف الأَرْض بِمَا فِيهَا مِمَّا يظهر بِهِ التفاوت ويعرف المقدار، وتستوي بِهِ الحقوق والمَواجب؛ {ألاَّ تَطغَوْا فيِ الميزان (8)} لأَنْ لاَ تطغوا فِيهِ، أي: لاَ تعتدوا، وَلاَ تجاوزوا الإنصاف. {وأقيموا الوزنَ بالقسط وَلاَ تُخسِروا الميزان (9)} وَلاَ تنقصوه، فإنَّ من حقِّه أن يستَوِي، لأَنَّ المقصود مِن وَضعِه وتكريره مَباَلغَة فيِ التوَصِيَة بِهِ، وزيادة حثٍّ عَلَى استعماله.
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيْهِ فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. وقد أورده المُفَسِّرُون ولم يخرِّجوه. انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص178 - 179. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص177. الألوسي: روح المعاني، ج28/ ص101. (4/219)
صفحة 1382
والأَرْضَ وضعها للأنامِ (10)} للخلق؛ وقيل الأنام: كُلُّ ذي روح. {فِيهَا فاكهةٌ والنخلُ ذاتُ الأكمامِ (11)} أوعية التمر، أو كُلُّ مَا يَكمُّ، أي: يُغطِّي من ليف وسعف. {والحبُّ} والثمرة {ذو العصف} كالحنطة والشعير، وسائِر مَا يُتَغذَّى بِهِ، والعصف: وَرَق النبات اليابس كالتِّبن، {والريحان (12)} بمعنى المَشمُوم؛ أو الرزق، من قولهم: “خرجتُ أطلب ريحان الله”. {فبأيِّ آلاء} والآلاء: النعم، {ربِّكُما تُكذِّبَان (13)} الخطاب للثَّقَلَيْن المدلول عليهما بقوله: {للأنام}؛ وقوله: {أيُّها الثقلان}، وكأنَّ الآلاء المذكورة فيِ الآية عامَّة للمخاطبَيْنِ: الجنِّ والإنس إن كَانَت الآية عامَّة لهما جميعاً، وكذلك مَا بعدها مِنَ الآيات فيِ هَذِهِ السورة.
{خَلَقَ الإنسانَ مِن صَلصَال كالفَخَّارِ (14)} قيل: الصلصال: الطين اليابس الذِي لَهُ صلصلة، والفخَّار: الخزف؛ وقَد خلق الله آدم من تُرابٍ، جعله طينا، ثُمَّ حمأً مسنونًا، ثُمَّ صلصالا، فلا يخالف ذَلِكَ قوله: {خلقه من تراب} (1) ونحوه. {وَخَلَقَ الجانَّ} قيل: الجنَّ، أو أبَا الجنِّ، {مِن مَّارِجٍ} من صاف من (لَعَلَّهُ) لهب النار الدخان (2)، {من نَّارٍ (15)} بيان لـ «مَارِجٍ»، فإنَّه فيِ الأصل للمضطرب، مِن مَرَجَ: إذا اضطرب. {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16)} مِمَّا أفاض عليكما من أطوار [586] خلقكما، حتَّى صيَّركما أفضل المركَّبَات، وخلاصة الكائنات، فبأيِّ نِعَم من هَذِهِ الأشياء التِي ذكرنا تَجحدان.
{ربُّ المشرقَيْنِ وربُّ المغربَيْنِ (17)} قيل: مَشرقَي الشتاء والصيف، ومغربيهما؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18)} مِمَّا فيِ ذَلِكَ مِنَ الفوائد التِي لاَ تُحصى، كاعتدال الهوى، واختلاف الفصول، وحدوث مَا يناسب كُلَّ فصل فِيهِ، إِلىَ غير ذَلِكَ.
{__________
(1) - ... سورة آل عمران: 59.
(2) - ... صواب العبارة فيما يبدو: «مِن لَهَبِ النارِ، صافٍ مِنَ الدخان». (4/220)
صفحة 1383
مَرَج البحرين} أرسلهما؛ من: مَرَجْتُ الدابَّة: إِذَا أرسلتُها، والمعنى: أرسل البحر المَلِح، والبحر العذب، {يَلتَقِيَانِ (19)} يَتجَاوَرَان وتتمَاسُّ سُطُوحُهما. {بَينَهُما بَرزَخ} حاجزٌ مِن قُدرَة الله، أو مِنَ الأَرْض، {لاَ يَبغِيَان (20)} لاَ يَبغِي أحدهما عَلى الآخر بالمُمَازَجة، وإبطال الخاصِّيَّة. {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخرُجُ مِنهُما اللؤلُؤُ والمَرجَان (22)} كبار الدُّرِّ وصغاره؛ وقيل: المرجان: الخرز الأحمر؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الجوارِي} السفن، جمع: جارية، {المنشآتُ} المَرفُوعات الشرع، أو المصنوعات، {فيِ البحر كالأعلام (24)} كالجبال، جمع عَلَم: وَهُوَ الجبل الطويل؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25)} مِن خَلق موادِّ السفنِ، والإرشاد إِلىَ أخذها، وكيفيَّة تركيبها وإجرائها فيِ البحر، بأسباب لاَ يَقدر عَلَى خلقها وجمعها غيره.
{كلُّ مَن عليها} من عَلَى الأَرْض مِنَ الحيوان أو المركَّبات {فَانٍ (26) ويَبقَى وجهُ ربِّك} ذاتُه، ولو استقريتَ جهات الموجودات، وتفحَّصْتَ وجوهها وجدتها بأسرها فانيَةً فيِ حدِّ ذاتها، إِلاَّ وجه الله، أي: الوجه الذِي عَلَى جِهته، {ذو الجلال} ذو العظمة {والإكرام (27)} ذو الاستغناء المطلقِ، والفضل العامِّ؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28)} (لَعَلَّهُ) كأنَّه بيَّن فناء العالم وعبادة المتعبِّدين للجزاء مِن آلائه (1) تعالى عَلَيْهِم، لأَنَّهُ يخرجهم من دار ابتلائه إِلىَ دار نعمته الباقية؛ وهي نعمةٌ لمن شكرها، ونقمةٌ عَلَى من كفرها.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «الآية»، وَهُوَ تصحيف. (4/221)
صفحة 1384
يسأله مَن فيِ السمواتِ والأَرْض} أي: بلسان حالهم مَا [هم] مفتقرون إِلَيْهِ، مِمَّا لاَ يقومون إِلاَّ بِهِ، كما قَالَ: {وآتاكم مِّن كُلِّ مَا سألتموه} (1)؛ وقيل: إنَّ أهل السَّمَاء يسألونه المغفرة، وأهل الأَرْض يسألونه الرزق والمغفرة، وَهُم المؤمنون؛ وَأَمَّا الْكَافِرُونَ فيسألونه (لَعَلَّهُ) الرزق لاَ غير، لقوله: {فَمِنَ الناسِ مَن يَّقُولُ: رَبَّنَا آتنا فيِ الدُّنْيَا ومَا لَهُ فيِ الآخِرَةِ من خَلاَقٍ} (2)، {كُلَّ يومٍ هُوَ فيِ شأنٍ (29)} كُلَّ وقت يحدث أشخاصا، ويجدِّد أحوالاً عَلَى مَا سبق لَهُ قضاؤه؛ (لَعَلَّهُ) وقيل: يرفع قوما ويخفض آخرين؛ وقيل: يسوق المقادير إِلىَ المواقيت. {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30)} (لَعَلَّهُ) مِمَّا خوَّلكم وتفضَّل بِهِ عَلَيْكُم؛ وَلَمَّا أتمَّ من ذكر مَا خوَّلهم إيَّاه من إيجادهما وإمدادهما أخذ فيِ الإعادة للجزاء، فقال:
{__________
(1) - ... سورة إبراهيم: 34.
(2) - ... سورة البقرة: 200. (4/222)
صفحة 1385
سَنفرُغُ لكم أيُّها الثَّقلان(31)} فِيهِ تهديد، والثقلان: الإنس والجنُّ؛ قيل: سُمِّيا بذلك لثقلهما عَلَى الأَرْض [587] ولرزانة رأيهم وقدرهم، أو لأنَّهما مُثقلان بالتكليف. {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(32) يا معشر الجنِّ والإنسِ إن استطعتم أن تَنفُذُوا من أقطار السَّمَاوَات والأَرْض} إن قدرتم أن تخرجوا مِنَ السَّمَاوَات والأَرْض هاربين إِلىَ الله، فارِّين من قضائه، (لَعَلَّهُ) والآية خاصَّة للعصاة منهما؛ وقيل: هَذَا فيِ القيامة، {فانفُذُوا} فاخرجوا، {لاَ تَنفُذُون} لاَ تقدرون عَلَى النفوذ، {إِلاَّ بسلطان(33)} إِلاَّ بقوَّة وقهر، وأنَّى لكم ذَلِكَ؛ أو إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا مَا فيِ السموات وَمَا فيِ الأَرْض فانفذوا لتعلموا، لكن لاَ تنفذون وَلاَ تَعْلَمُونَ إِلاَّ ببيِّنة يضعها الله تعالى فتعرجون عليها بأفكاركم؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(34)} أي مِمَّا نصب مِنَ المصاعد العقليَّة والمعارج النقليَّة، فتنفُذون بها إِلىَ مَا وفوق السَّمَاوَات العُلَى.
{يُرسَل عليكما شُواظٌ} لهيب {من نَّارٍ ونحاسٌ} نحاس مذاب يُصبُّ عَلَى رؤوسهم {فلا تَنتَصِران(35)} فلا تمتنِعان، {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(36)} فإنَّ التهديد لطف، والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام مِنَ الكفارمن عداد الآلاء.
{فإذا انشقَّت السَّمَاء} (لَعَلَّهُ) انفرجت أبوابا لنزول المَلاَئِكَة، {فكانت وردةً} أي: حمراء كالوردة، {كالدِّهان(37)} مذابة كالدهن، وَهُوَ اسم لِمَا يُدهن بِهِ؛ وقيل: هُوَ الأديم الأحمر؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(38)} أي: مِمَّا أنعم الله بِهِ عَلَى عباده المؤمنين فيِ هَذَا اليوم، {فيومئذٍ لاَّ يُسأَلُ عَن ذنبه إنسٌ وَلاَ جانٌّ(39)} أي: [لاَ] سؤالَ استفهام، ولكن سؤالَ توبيخٍ وتقريع؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(40)}.
{ (4/223)
صفحة 1386
يُعرَفُ المجرمون بسيماهم} بعلامتهم، {فيُؤخَذ بالنواصي والأقدام (41)} مجموعا بينهما؛ وقيل: يؤخذون بالنواصي تارة وبالأقدام أُخْرَى؛ وقيل: تضمُّ نواصيهم إِلىَ أقدامهم، فيسحبون إِلىَ النار؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42)} (لَعَلَّهُ) لأَنَّ عذاب العاصين نعمة للمطيعين، كما أنَّ نعمة المطيعين عذاب للعاصين. {هَذِهِ جَهَنَّمُ التِي يُكذِّب بها المجرمُونَ (43) يطوفون بينَها} بين النار يحرقون بها، {وبين حميمٍ} ماء حارٍّ، {آنٍ (44)} بلغ النهاية فيِ الحرارة، يصبُّ عَلَيْهِم، أو يسقون مِنْهُ؛ وقيل: إِذَا استغاثوا مِنَ النار؛ أغيثوا بالحميم؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45)} فهذه نعمة عظيمة لمن زُحْزِح عنها.
ثُمَّ أَخَذ فيِ وصف المطيعين منهما، فقال: {ولمن خاف مَقَامَ رَبِّهِ} موقفه الذِي يقف فِيهِ العباد للحساب، {جنَّتان (46)} قيل: جنَّة للخائف الإنسيِّ، والأخرى للخائف الجنِّيِّ، فإنَّ الخطاب للفريقين؛ والمعنى: لِكُلِّ الخائفين منكما، أو لِكُلِّ وَاحِد جنَّة لعقيدته وأُخْرَى لعمله، أو جنَّة لفعل الطاعات، وأُخْرَى لترك المعاصي، لأَنَّ التكليف يدور عَلَى الأمرين، أو جنَّة يُثَاب عليها، وأُخْرَى يتفضَّل بها عليه، كقوله: {للذين أحسَنُوا الحُسنَى وزيادةٌ} (1) [588] أو روحانيَّة وجسمانيَّة، وكذا مَا جاء مثنًّى بعدُ؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أفنان (48} أنواع مِنَ الأشجار والثمار؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49)}.
{__________
(1) - ... سورة يونس: 26. (4/224)
صفحة 1387
فيهما عَينان تجريان (50)} حيث شاء فيِ الأعالي والأسافل؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فيهما من كُلِّ فاكهةٍ زَوجَانِ (52)} صنفان؛ قيل: غريب ومعروف؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) متَّكئين عَلَى فُرُشٍ بطائنُها من إستبرق} قيل: من ديباج ثخين، وإذا كَانَت البطائن كذلك فما ظنُّك بالظهائر، {وجَنَى الجنَّتين دانٍ (54)} قريب يناله القاعد والمضطجع {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55)}.
{فيهنَّ قاصِرات الطَّرْفِ} نساء قصَّرن أبصارهنَّ عَلَى أزواجهنَّ، {لم يطمثهنَّ إنس قبلهم وَلاَ جانٌّ (56)} دليل عَلَى أنَّ الجنَّ مثل الإنس فيِ الطمث، وحبِّ الشهوات، لأَنَّ هَذِهِ الآيات تشوِّق الجميع عَلَى التشمُّر لأداء الواجبات، ولا تشوِّق أحدًا بِشَيْءٍ إِلاَّ يستلذُّ طعمه ويشتهيه (1)، {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كأنَّهنَّ الياقوتُ والمَرجانُ (58)} أي: فيِ حمرة الوجه وبياض البشرة وصفائهما؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هل جزاءُ الإحسانِ} فيِ العمل {إِلاَّ الإحسانُ (60)} فيِ الثواب؛ ومنتهى الإحسان: رضى الله عَن عبده، وَهُوَ ثواب رضى العبد عَنْهُ، {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)}.
{__________
(1) - ... في الأصل: «ولا تشوِّق أحد بِشَيْءٍ ... ولايشتهيه»، وَفيِ العبارة خَطَآنِ. (4/225)
صفحة 1388
ومِن دونِهما جنَّتانِ (62)} ومن دون تلك الجنَّتين الموعودتين للمقرَّبين جنَّتان (لَعَلَّهُ) لَهُم، (لَعَلَّهُ) أو لمن دونهم من أصحاب اليمين. {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مدهامَّتانِ (64)} خضراوان تضربان (1) إِلىَ السواد من شدَّة الخضرة؛ وفيه إشعار بِأَنَّ الغالب عَلَى ملك (2) هاتين الجنَّتين: النباتُ والرياحين المبسطة عَلَى وجه الأَرْض؛ وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، دلالة عَلَى مَا بينهما مِنَ التفاوت، {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فيهما عينانِ نضَّاختان (66)} فوَّارتان (3) بالماء، وَهُوَ أَيْضًا أقلُّ مِمَّا وصف بهما الأوليين، وكذا ما بعده. {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ (68)} عطفهما عَلَى الفاكهة بيانا لفضلهما، فإنَّ ثمرة النخل فاكهة وغذاء، وثمرة الرمَّان فاكهة ودواء، {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69)}.
{فيهنَّ خيراتٌ حِسانٌ (70)} خَلقا وخُلُقا، {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حورٌ مقصوراتٌ فيِ الخيام (72)} قصرن فيِ خدورهنَّ؛ يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي: مخدورة، أو مقصورات الطرف على أزواجهنَّ. {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لم يطمثهنَّ إنس قبلهم وَلاَ جانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75)}.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «بضاهره»، ولا مَعْنَى له. وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ص181. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص186.
(2) - ... الصواب - «ملك» كما فيِ المصدرين السابقين.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «فرارتان»، وَهُوَ خطأ. (4/226)
صفحة 1389
مُتَّكئين عَلَى رَفْرَفٍ} وسائد، أو نمارق؛ وقيل: الرفرف ضرب مِنَ البسط، {خُضْرٍ وعبقريٍّ حِسَانٍ (76)} قيل: العبقريُّ منسوب إِلىَ عبقر، تزعم العرب أنَّه اسم بلد الجنِّ، فينسبون إِلَيْهِ كُلَّ شيء عجب؛ {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77)}.
{تبارَكَ اسمُ رَبِّك} تعالى اسمه من حيث أنَّه مطلق عَلَى ذاته، فما ظنُّك بذاته؛ وقيل: الاسم بمعنى الصفة، {ذي الجلال والإكرام (78)} ذي العظمة والتفضُّل.
سورة الواقعة
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا وَقَعَتِ الواقعةُ (1)} إِذَا حدثت القيامة؛ سمَّاها الواقعة لتحقُّق وقوعها، {ليس لوَقْعَتِها كاذبةٌ (2)} أي: لاَ يكون حين تقع نفس تكذب عَلَى الله، أو تكذب فيِ نفيها كما تكذب الآن؛ أو ليس لأجلِ وقعتها كاذبة، فإنَّ مَن أخبر عنها صادقٌ، {خافضةٌ رافعةٌ (3)} تخفض (1) قوما وترفع آخرين؛ وَهُوَ تقرير لعظمتها، فإنَّ الوقائع العظام كذلك. {إِذَا رُجَّت الأَرْض رَجًّا (4)} حُرِّكت تحريكا شديدًا بحيث ينهدم مَا فوقها من بناء وجبل. {وبُسَّت الجبالُ بَسًّا (5)} فتِّتت حتَّى صارت كالسويق، أو سيقت وسيِّرت، مِن "بسَّ الغنم" إِذَا ساقها. {فكانت هَباءً} غبارا، {مُنبثًّا (6)} منتشرا.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «تحفط»، ولا مَعْنَى له. (4/227)
صفحة 1390
وكنتم أزواجا} أصنافا {ثلاثة (7) فأصحابُ الميمنة مَا أصحابُ الميمنة (8) وأصحاب المشأمة مَا أصحابُ المشأمةِ (9) والسابقونَ السابقُونَ (10)} وَالذِينَ سبقوا إِلىَ الإيمان والطاعة بعد ظهور الحقِّ من غير تلعثم (1) وتوان؛ أو سبقوا فيِ حيازة الفضائل والكمالات، كقوله: {واجْعَلْنَا للمتَّقين إمامًا} (2). {أُولَئِكَ المقرَّبُونَ (11)} مِنَ الله {فيِ جَنَّات النعيم (12)} أي: قرِّبت درجاتهم فيِ الجنَّة، وأعليت مراتبهم، {ثُلَّة من الأَوَّلِينَ (13)} قيل: كثير من الأَوَّلين يعني: السالفة من لدن آدم إلى محمَّد - عليه السلام -؛ وَقِيلَ: {من الأَوَّلين}: من متقدِّمي هَذِهِ الأمَّة، و {من الآخرين}: من متأخِّريها، {وقليل مِنَ الآخرِينَ (14)} (لَعَلَّهُ) لأَنَّ السابقين أقلُّ من أصحاب اليمين إِلاَّ أنَّهم فيِ الأَوَّلين أوجد؛ وكذلك قَالَ فيِ هَذَا {ثُلَّة مِنَ الأَوَّلين وقليلٌ مِنَ الآخرين} أي: السابقين، وقال فيِ أصحاب اليمين: {ثُلَّة مِنَ الأَوَّلين وثُلَّة مِنَ الآخرين} كأنَّهم أكثر وجودا مِنَ السابقين، ومن الآخرين أعدم، وَاللهُ أعلم بتأويل كتابه، فينظر فيِ هَذَا.
{__________
(1) - ... في الأصل: «تعلثم»، وهو خطأ.
(2) - ... سورة الفرقان: 74. (4/228)
صفحة 1391
عَلَى سُرُرٍ مَوضونةٍ (15)} قيل: الموضونة: المنسوجة مِنَ الذهب والجواهر، {متَّكئين عليها متقابِلِينَ (16) يطوف عَلَيْهِم وِلدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17)} مُبقَوْنَ أبدا عَلَى هيئة الولدان وطراوتهم. {بأكوابٍ وأباريقَ وكأسٍ من مَّعِينٍ (18)} من خمر {لاَ يُصَدَّعون عنها} قيل: لاَ تصدع رؤوسهم منها، {وَلاَ يُنزَفُونَ (19)} وَلاَ تنزف عقولهم، أو لا ينفد شرابهم. {وفاكهةٍ مِّمَّا يَتَخيَّرُونَ (20)} أي: يختارون؛ {ولحمِ طَيْرٍ مِّمَّا يشتَهُونَ (21)} من أيِّ جنس مِنْهُ، أو صفة فيِ العمل، ينوَّع لَهُم عَلَى مَا يلقى إِلَيْهِم مِنَ الإرادة عَلَى قدر درجاتهم، لأَنَّهُم متبايِنو (1) الدرجات، والغبن عَلَيْهِم ليس لَهُ مجال لتمام النعمة للجميع.
{وحورٌ عينٌ (22) كأمثال اللؤلؤِ المكنُونِ (23)} المصون عمَّا يَضُرُّ به فيِ الصفاء والنقاء، {جزاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)} أي: يُفعَل ذَلِكَ (لَعَلَّهُ) كلُّه بهم جزاءً بأعمالهم. {لاَ يسمعون فِيهَا لغوًا} باطلا، {وَلاَ تأثيما (25)} [590] وَلاَ نسبة إلى الإثم، أي: لاَ يقال لَهُم: أَثِمتُم {إِلاَّ قيلاً} أي: قولا: {سلاما سلاما (26)} لأَنَّهُم وَمَا استحقُّوه سالم مِنَ النقص والعيوب والآفات.
{وأصحابُ اليمينِ مَا أصحابُ اليمِينِ (27) فيِ سِدرٍ مَّخْضُودٍ (28)} لاَ شوك لَهُ، {وطَلْحٍ} وشجر موز، أو أم غيلان، وَلَهُ أنوار كثيرة طيِّبة الرائحة، {منضودٍ (29)} نضد حمله من أسفله إِلىَ أعلاه. {وظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30)} منبسط، لاَ يتقلَّص وَلاَ يتفاوت، {وماءٍ مَّسكوبٍ (31)} يسكب لَهُم أين شاؤوا، كيف شاؤوا بلا تعب، أو مصبوب سائل. {وفاكهةٍ كثيرةٍ (32)} كثيرة الأجناس، {لاَ مقطوعةٍ} لاَ تنقطع فيِ وقت، {وَلاَ ممنوعةٍ (33)} لاَ يمنع من متناولها بوجه.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «منباني»، وَهُوَ خطأ. (4/229)
صفحة 1392
وفُرُشٍ مَّرفوعةٍ(34)} رفيعة القدر، أو منضدَّة مرتفعة؛ وَقِيلَ الفرش: الحور، وارتفاعها على الأرائك، ويدلُّ عليه قوله: {إِنَّا أنشأناهنَّ إنشاءً(35)} أي: ابتدأناهنَّ ابتداء جديدًا من غير ولادة إبداءً أو إعادة، {فجعلناهنَّ أبكارا(36) عُرُبًا} متحبِّبات إِلىَ أزواجهنَّ، ويحتمل فيِ قدرة الله أن ينشئهنَّ أبكارًا بعد أن صِرنَ ثيِّبات، {أترابا(37)} عَلَى سنٍّ وَاحِدٍ، وكذا أزواجهنَّ، {لأصحاب اليمِينِ(38) ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ(39) وثُلَّةٌ مِنَ الآخرِينَ(40)} (لَعَلَّهُ) أي: كثيرون من هَؤُلاَءِ وهؤلاء، لأَنَّهُم أوجد مِنَ السابقين.
{وأصحاب الشِّمال مَا أصحاب الشِّمال(41) فيِ سَمُومٍ} فيِ حرِّ نار ينفذ فيِ المسامِّ؛ وقيل: ريح حارَّة، {وحَمِيمٍ(42)} وماء متناه فيِ الحرارة، {وظِلٍّ من يَحْمُومٍ(43)} من دخان أسود، {لاَ باردٍ} كسائر الظلِّ، {وَلاَ كريمٍ(44)} وَلاَ نافع؛ نفى بذلك مَا أوهم الظلَّ مِنَ الاسترواح.
{إِنَّهُمْ كَانُوا قبلَ ذَلِكَ مُترَفِينَ(45)} منهمكين فيِ الشهوات، {وكَانُوا يُصِرُّون عَلَى الحِنثِ العظيمِ(46)} الذنب العظيم، {وكَانُوا يقولون: أئِذَا مِتنا وَكُنَّا ترابًا وعظاما أئنَّا لَمَبعوثُونَ(47)؟ أَوَ آباؤنا الأوَّلُونَ(48)؟ قلْ: إنَّ الأَوَّلينَ والآخرِينَ(49) لَمَجْمُوعون إِلىَ ميقاتِ يومٍ مَّعلومٍ(50)} إِلىَ مَا وقّت بِهِ الدُّنْيَا.
{ (4/230)
صفحة 1393
ثُمَّ إِنَّكُم أيُّها الضالُّون المكذِّبُونَ (51)} بِمَا جاء بِهِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عَن رَبِّه تعالى؛ يقال لَهُم عَلَى معنى التوبيخ. {لآكِلُونَ من شجرٍ مِّن زَقُّومٍ (52) فمالئون منها البُطُونَ (53)} من شدَّة الجوع، وَلاَ يشبعون، لأَنَّهُ لاَ يأتي عَلَيْهِم حال وَهُم ليس بهم نعمة (1)، كما أنَّ أهل النار لا يأتي عَلَيْهِم وقت وَهُم سالمون مِنَ العذاب، {فشارِبُون عليه مِنَ الحميم (54)} لغلبة العطش، {فشاربون شُرْبَ الهِيمِ (55)} الإبل التِي بها الهيام؛ {هَذَا نُزُلُهم يومَ الدِّينِ (56)} يومَ الجزاء، فما ظنُّك بِمَا يكون لَهُم بعدما استقرُّوا فيِ الجحيم.
{__________
(1) - ... هَذِهِ العبارة فيِ غير سياقها، لأَنَّ السياق فيِ أهل النار، والأصوب التقديم والتأخير: «لأَنَّهُ لا يأتي عَلَيْهِم وقت وَهُم سالمون مِنَ العذاب، كما أنَّ أهل الجَنَّة لاَ يأتي عَلَيْهِم حال وَهُم ليس بهم نعمة». (4/231)
صفحة 1394
نَحْنُ خلقناكم فلولا تُصدِّقُونَ(57)} بالخلق، متيقِّنين محقِّقين، للتصديق بالأعمال الدالَّة عَلَيه، أو بالبعث فإنَّ من قدر عَلَى الإبداء قدر عَلَى الإعادة. {أفرأيتم مَّا تُمْنُونَ(58) أأنتم تَخْلُقُونه}؟ تجعلونه بشرا سويًّا، {أم نَحْنُ الخالقُونَ(59)؟ نَحْنُ قدَّرنا بينَكُمُ الموتَ} قسَّمناه عَلَيْكُم، ووقَّتنا موتَ كُلِّ (لَعَلَّهُ) وَاحِد بوقت معيَّن، {وَمَا نَحْنُ بِمسبُوقِينَ(60)} لاَ يسبقنا أحد فيهرب مِنَ الموت، أو يغيِّر وقته {عَلَى أن نُّبَدِّل أمثالَكم} المعنى: عَلَى أن نبدِّل [591] منكم أشباهكم، فنخلق بَدَلكم {ونُنشِئَكم فيِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(61)} فيِ خلق أو صفات لا تعلمونها، أو فيِ جزاء لا تعلمون كُنهَه. {وَلَقَد عَلِمتمُ النشأةَ الأولى} (لَعَلَّهُ) تيقَّنتم بالخِلقة الأولى {فلولا تذَكَّرُونَ(62)} أنَّ من قدر عليها قدر عَلَى النشأة الأخرى، فإنَّها أقلُّ صنعا لحصول الموادِّ، وتخصيص الأجزاء، وسبق المثال؛ وفيه دليل عَلَى صِحَّة القياس.
{أفرأيتم مَّا تَحرُثُونَ(63} تبذرون حبَّه {أأنتم تَزْرَعونه}؟ تُنبِتونه {أم نَحْنُ الزَّارِعُونَ(64)}؟ المُنبتون. {لو نشاء لَجَعلناه حُطَاما} هشيما، {فَظَلتم تفكَّهُونَ(65)} تتعجَّبون مِمَّا أصابكم، وتندمون عَلَى اجتهادكم فِيهِ، أو عَلَى مَا أصبتم لأجله مِنَ المعاصي فتتحدَّثون فِيهِ؛ والتفكُّه: التَّنَقُّل بصنوف الفاكهة، وقد استعير للتنقُّل بالحديث، {إِنَّا لَمُغرَمُونَ(66)} لمُلزَمون غرامة مَا أنفقنا، أو مهلَكون لهلاك رزقِنا؛ مِنَ الغرام؛ والمغرَم: الذِي ذهب ماله بغير (لَعَلَّهُ) عوضٍ؛ {بَل نَحْنُ مَحرومُونَ(67)} حرمنا رزقنا، (لَعَلَّهُ) أو صار مَا أنفقنا عَلَى الحرث غُرمًا علينا.
{ (4/232)
صفحة 1395
أفرأيتم الماءَ الذِي تشرَبُونَ (68)}؟ أي: العذب الصالح للشرب، {أأنتم أنزلتموه مِنَ الْمُزْنِ}؟ مِنَ السحاب، {أم نَحْنُ المنزِلُونَ (69)}؟ بقدرتنا. {لو نشاء جعلناه أُجَاجًا} ملحًا، أو مِنَ الأجيج، فإنَّه يحرق الفم؛ {فلولا} فهلاَّ {تَشكرُونَ (70)} أمثال هَذِهِ النعم الضروريَّة.
{أفرأيتم النار التِي تورُونَ (71)} تقدحون، {أأنتم أنشأتم شجرتها أم نَحْنُ المنشِئُونَ (72)}؟ يعني الشجرة التِي منها الزناد؛ {نَحْنُ جعلناها} جعلنا نار الزناد {تذكِرَةً} تبصرة فيِ أمر البعث، أو عَلَى قدرة القادر الحكيم، أو فيِ الظلام، أو تذكيرا وأنموذجًا لنار جهنَّم، {ومتاعا} ومنفعة، {للمُقوِينَ (73)} الذِينَ يَنزِلون القواء (1): وهي القفر، أو للذين خلت بطونهم ومزاودهم مِنَ الطعام، مِن “أَقْوَت (2) الدَّارُ”: إذا خلت من ساكنيها؛ {فسبِّح بِاسمِ رَبِّكَ العظيمِ (74)} فأَحدِثِ التسبيح بذكر اسمه، أو بذكره، وتعقيب الأمر بالتسبيح لَمَّا عدَّد من بدائع صنعه وإنعامه، إمَّا لتنزيهه تعالى عمَّا يقول الجاحدون لوحدانيَّته، الْكَافِرُونَ لنعمته؛ أو للتعجُّب من أمرهم فيِ كفران نعمه؛ أو للشكر عَلَى مَا عدَّها مِنَ النعم.
{__________
(1) - ... قال فيِ القاموس: «وأقوَى: استغنى، وافتقر، ضدٌّ ... والقِيُّ بالكسر: قَفْر الأَرضِ، كالقِواءِ ... وأقوى: نزل فيها ... وقَوِيَ كرَضِيَ: جاع شديدا». الفيروزآبادي: القاموس، ص1194، مَادَّة: «قوو».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «قَوَت الدار ادخلت ... »، وفيها خطآن، وصوابه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص185. وَفيِ اللسان: «وأرضٌ قَوَاء: لا أهل فيها، والفِعلُ: أَقْوَتِ الأَرض وأَقْوَتِ الدَّارُ: إذا خلت من أهلها، واشتقاقه من القواء، وأَقْوَى القومُ: نزلوا فيِ القواء». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص198، مَادَّة «قوا». (4/233)
صفحة 1396
فلا أُقسِمُ} إذ الأمر أوضح أن يحتاج إِلىَ قسمٍ؛ أو فأُقسِمُ، و «لا» مزيدة للتأكيد، {بِمَوَاقِعِ النجومِ (75)} بتساقطها، أو بتخصيص المعارف لِمَا فيِ غروبها من زوال أثرها، والدلالة عَلَى وجود مؤثِّر لاَ يزول تأثيره؛ أو بمنازلها ومجاريها؛ وقيل النجومُ: نجومُ القرآن، ومواقعُها: أوقاتُ نزولها، {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لو تَعْلَمُونَ عظيمٌ (76)} لِمَا فيِ المقسم بِهِ مِنَ الدلالة عَلَى عظم القدرة، وكمال الحكمة، وفرط الرحمة؛ ومن مقتضيات رحمته لاَ يترك عباده سدًى.
{إِنَّهُ لَقرآنٌ كريمٌ (77)} كثير النفع لاَ سيما عَلَى أصول العلوم المهمَّة فيِ إصلاح المعاش والمعاد، أو حسنٌ مرضِيٌّ فيِ جنسه، {فيِ كِتَابٍ مَّكنُونٍ (78)} مَصُون (لَعَلَّهُ) عَن الذين لم يتطهَّروا عَن الكفر والجنابات، {لاَ يَمَسُّه إِلاَّ المطهَّرُونَ (79)} لاَ يطَّلع عَلَى [592] اللوح إِلاَّ المطهَّرون مِنَ الكدورات الجسمانيَّة، وَهُم المَلاَئِكَة؛ أو لاَ يمسُّ القرآن إِلاَّ المطهَّرون مِنَ الأحداث، فيكون نفيا بمعنى نهي؛ أو لاَ يطلبه إِلاَّ المطهَّرون مِنَ الكفر، لقوله تعالى: {سأصرِفُ عَن آياتي الذِينَ يتكبَّرون فيِ الأَرْض بغير الحقِّ} (1)؛ وقرئ: المتطهِّرون والمطهِّرون (2)، أي: أنفسهم وغيرهم بالاستغفار لَهُم والتزكية؛ وقيل: باطن معناه محجوب عَن باطن القلب، إِلاَّ إِذَا كَانَ متطهِّرًا من كُلِّ رجس، مستنير بنور التعظيم والتوقير، كما قَالَ: {سأصرف عَن آياتي ... } الآية. {تنزيلٌ من رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80)} صفة ثالثة أو رابعة للقرآن.
{__________
(1) - ... سورة الأعراف: 146.
(2) - ... اكتفى المُصَنِّف بذكر قراءتين فقط، وفيها عِدَّة قراءات أخر. ر: الألوسي: روح المعاني، ج28/ ص155. (4/234)
صفحة 1397
أفبهذا الحديث} يعني القرآن، (لَعَلَّهُ) أو مَا فيِ هَذِهِ السورة، {أَنتُم مُّدهِنُونَ (81)}؟ متهاونون بِهِ كمن يُدهن فيِ الأمر، أي: يُلِين جانبه، و [لا] (1) يتصلَّب فِيهِ تهاونًا بِهِ، {وتجعلون رزقكم} أي: شكر رزقكم، {أَنَّكُم تكذِّبُونَ (82)} أي: لِمَانِحِه، حيث ينسبونه إِلىَ الأنواء. قَالَ ابن عَبَّاس فيما يروى عَنْهُ: «{وتجعلون رزقكم} أي: شكركم بِمَا أَنزلتُ عَلَيْكُم أَنَّكُم تكذِّبون بِهِ».
{فلولا إِذَا بَلَغتِ الحلقومَ (83)} أي: النفس، {وأنتم حينئذٍ تنظُرُونَ (84)} (لَعَلَّهُ) إِلَيْهِ وَهُوَ فيِ النزع؛ والخطاب لمن حول المحتضر، {ونحنُ أقرَبُ} ونحن أعلم {إِلَيْهِ} مِنَ المحتضر {منكم} عبَّر عَن العلم بالقرب الذِي هُوَ سبب الاطِّلاع، {ولكن لاَ تُبصِرُونَ (85)} لاَ تُدرِكون كُنهَ مَا يجرى عليه. {فلولا إن كُنتُم غيرَ مَدينِينَ (86)} أي: مَملوكين مَقهورين من دانه: إِذَا أذلَّه واستعبده، {تَرجِعُونها} ترجعون النفس إِلىَ مقرِّها، {إن كُنتُم صادقِينَ (87)} (لَعَلَّهُ) أَنَّكُم غير مملوكين فِيهَا فيِ تعطيلكم، فلولا ترجعون الأرواح إِلىَ الأبدان بعد بلوغها الحلقوم.
ثُمَّ ذكر صفات الخلق عند الموت وبيَّن ... (2) فقال: {فأمَّا إن كَانَ مِنَ المقرَّبِينَ (88)} أي: إن كَانَ المتوفَّى مِنَ السابقين، {فَرَوْحٌ} فله استراحة؛ وقُرِئ: «فَرُوح» بالضمِّ، وفسِّر بالرحمة، لأَنَّهَا كالسبب لحياة المرحوم، وبالحياة الدائمة، {وَرَيْحَانٌ} ورزق، {وجنَّةُ نَعِيمٍ (89)} ذات تنعُّم، {وَأَمَّا إن كَانَ من أصحاب اليمِينِ (90) فسلامٌ لك} يا صاحب اليمين، {مِن أصحابِ اليمِينِ (91)} أي: من أخوانك يسلِّمون (3) عليك.
{__________
(1) - ... إضافة من البيضاوي، وَإِلاَّ كان تناقضا. المصدر نفسه.
(2) - ... أحال الناسخ إلى الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، وَفيِ العبارة سقط واضح.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «يسلموا»، وَهُوَ خطأ، إذ لا موجب لحذف النون. (4/235)
صفحة 1398
وَأَمَّا إن كَانَ مِنَ المكذِّبين الضالِّينَ (92)} يعني: أصحاب الشمال، وإنَّما وصفهم بأفعالهم زجرا عنها، وإشعارا بما أوجب لَهُم مَا أوعدهم بِهِ، {فَنُزُلٌ مِّن حَمِيمٍ (93) وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)} وذلك مَا يجد (لَعَلَّهُ) عند النزع (1)؛ {إنَّ هَذَا} إنَّ الذِي ذكر فيِ السورة، {لهو حقُّ اليقِينِ (95)} أي: حقُّ الخبرِ اليقين، {فسبِّح باسمِ رَبِّكَ العظيمِ (96)} فنزِّهه بذكر اسمه عن ما لاَ يليق بعظمة شأنه.
- - -
سورة الحديد
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... تخصيص قَوله تَعَالىَ: {فنزُل من حميم، وتصلية جحيم} بما يجد عند النزع، لا يتيحه السياق. وفيِ تفسير أبي السعود: «{وتصلية جحيم} أي إدخال فيِ النار، وَقِيلَ: إقامة فيها ومقاساة لألوان عذابها». ويبدو أَنَّهُ الصواب إن شاء الله، لأَنَّ الإِنسَان عُمُومًا ــ مؤمنا كان أو كافرا ــ ليجد فيِ النزع سكرات، بدليل ما رواه البخاريُّ وأحمد عن عائشة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قوله: «لا إله إِلاَّ الله، إِنَّ للموت سكرات». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص202. برنامج سلسلة كنوز السنَّة: الجامع الصغير وزياداته. (4/236)
صفحة 1399
سبَّحَ لله مَا فيِ السَّمَاوَاتِ والأَرْض} ذكرهَا هنا وفي “الحشر” و“الصف” بلفظ الماضي، وفي “الجمعة” و“التغابن” [593] بلفظ المضارع إشعارا بأنَّ من شأن من أسند إِلَيْهِ أن يسبِّحه فيِ جميع أوقاته، لأَنَّهُ دلالة (1) جليَّة لاَ تختلف باختلاف الحالات؛ ومجيء المصدر مطلقا فيِ “بَنِي إِسْرَائِيلَ” (2) أبلغ، من حيث أنَّه يشعر بإطلاقه عَلَى استحقاق التسبيح من كُلِّ شيء، وفي كُلِّ حال. وَإِنَّمَا عُدِّيَ باللام [إشعارًا] (3) بِأَنَّ إيقاع الفعل لأجل الله وخالصا لوجهه، {وَهُوَ العزيز الحكيم (1)} حال (4) يُشعِر بِمَا هُوَ المبدأ للتسبيح، {لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْض} مَا يصحُّ مِنْهُ أن يسبِّح، {يحيي ويُميتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء} وَهُوَ اسم جامع لِكُلِّ مَا يقع عليه اسم شيء، {قدير (2)} تام القدرة.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: «لأَنَّ دلائله جليَّة». أي دلائل وجوده وكمالاته وموجبات تسبيحه.
(2) - ... المقصود: «فيِ سورة بني إسرائيل»، وهي سورة الإسراء، ويعني قَولَه تَعَالىَ: {سُبحانَ الذي أَسرَى بعبدِه ليلاً مِّنَ المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصَى}. الآيَة: 1.
(3) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص186.
(4) - ... فيِ الأَصْلِ: + «بما». (4/237)
صفحة 1400
هُوَ الأَوَّلُ} (لَعَلَّهُ) بلا ابتداء، السابق عَلَى سائر الموجودات من حيث أنَّه موجِدها ومحدثها مَا لاَ يتناهى مِنَ الأوقات، {والآخِرُ} (لَعَلَّهُ) لأَنَّهُ ليس لَهُ غاية وَلاَ نهاية، {والظاهرُ والباطنُ} الظاهر وجوده لكثرة دلائله، والباطن خفية (1) ذاته فلا تكتنهها العقول؛ والغالب عَلَى كُلِّ شيء، والعالم بباطنه؛ وقيل: اسمه الظاهر يقتضي بطون كُلِّ شيء حتَّى لاَ ظاهر [سواه]، فينطوي حينئذ وجودِ كُلِّ شيء؛ واسمه الباطن يقتضي ظهور كُلِّ شيء، حتَّى لاَ باطن معه، فَيُظَنُّ (2) إذ ذاك (لَعَلَّهُ) وجود كُلِّ شيء، فالحقُّ هُوَ الموجود بِكُلِّ اعتبار. {وهو بِكُلِّ شيء عليم (3)} يستوي عنده الظاهر والخفيُّ، والأوَّل والآخر (3).
{__________
(1) - ... فيِ تفسير البيضاوي: «حقيقة». المصدر نفسه. وكذا عند أبي السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص204.
(2) - ... يمكن أن نقرأ: «فَبَطُنَ»، وَلَكِن يتناقض مع قوله: «حَتَّى لا باطن معه»، والعبارة غامضة كما نرى؛ ولم نجد فيما بين أيدينا من مصادر التفسير ما يوضِّحها.
(3) - ... قوله: «والأوَّل والآخر»، إضافة من المُصَنِّف غير موجودة عند البيضاويِّ ولا عند أبي السعود. ونرى أَنَّ حذفها أحسن، إذ الأَوَّل والآخر ــ هكذا بالتعريف ــ لا يطلقان إِلاَّ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأَنَّ كلَّ ما سواه أَوَّلٌ وآخِرٌ بالنسبة إِلىَ شَيْء آخر، لا بإطلاقٍ. وَالله أعلم. (4/238)
صفحة 1401
هُوَ الذِي خَلَق السَّمَاوَات والأَرْض فيِ ستَّة أَيَّام ثُمَّ استَوَى عَلَى العرش، يَعلَمُ مَا يَلِجُ فيِ الأَرْض وَمَا يَخرُجُ منها وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} (لَعَلَّهُ) لاَ يعزب عَنْهُ مثقال ذرَّة فِيهَا، {وَهُوَ معكم} بالعلم والقدرة، {أين مَا كُنتُم} لاَ ينفكُّ علمه وقدرته [عنكم] بحال، {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بصير(4)} فيجازيكم عليه. {لَهُ ملك السَّمَاوَات والأَرْض، وإلى الله تُرجَعُ الأمور(5) يُولِجُ اللَّيْلَ فيِ النَّهَارِ ويولِجُ النَّهَار فيِ اللَّيْل وَهُوَ عليمٌ بذاتِ الصدورِ(6)} بمكنوناتها.
{آمِنُوا باللهِ ورسولِه، وأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكم مُّستَخلَفينَ فِيهِ} مِنَ الأموال التِي جعلكم الله خلفا فيِ التصرُّف فِيهَا، فهي فيِ الحقيقة لَهُ لاَ لكم، {فالذين آمَنُوا منكم وأَنفَقُوا لَهُم أجرٌ كبيرٌ(7) وَمَا لكم لاَ تُؤمِنُونَ بالله والرَّسُولُ يدعوكم لِتؤمنوا بربِّكم} والمعنى: أيُّ عذر لكم فيِ ترك الإيمان والرسولُ يدعوكم إِلَيْهِ بالحجج والآيات؟ {وقد أَخَذ ميثاقَكم} أي: وقد أَخَذ الله ميثاقكم بالإيمان قبل ذَلِكَ، بنصب الأدلَّة، والتمكين مِنَ النظر؛ أو أَخَذ ميثاقكم فيِ ظهر آدم بأنَّ الله رَبُّكُم، وَلاَ إله لكم سواه؛ وقيل: {أَخَذ ميثاقكم}: ركَّب فيكم العقول، وأقام لكم الحجج (لَعَلَّهُ) والدلائل إِلىَ متابعة الرسل، {إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(8)} بذلك.
{هُوَ الذِي يُنزِّل عَلَى عبده آياتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخرِجَكم مِّنَ الظُّلُمات إِلىَ [594] النورِ} من ظلمات الكفر إِلىَ نور الإيمان، {وإنَّ الله بكم لَرَءوفٌ رحيمٌ(9)} حيث دعاكم لما يُحييكم، ولم يقتصر عَلَى ما نصب مِنَ الأدلَّة والحجج العقليَّة.
{ (4/239)
صفحة 1402
وَمَا لكم أَلاَّ تُنفِقُوا فيِ سبيلِ اللهِ} فيما يكون قربة إِلَيْهِ، وذخرا لكم؛ قَبْلَ فيِ لاَ شيء (1)؛ أو قبل أن يستردَّ منكم مَا خوَّلكم إِيَّاهُ (لَعَلَّهُ) بدليل: {ولله ميراث السَّمَاوَات والأَرْض} يرث كُلَّ شيء فيهما، وَلاَ يبقى لأحد شيء، وإذا كَانَ كذلك فإنفاقه بحيث يستخلف عوضا يبقى ــ وَهُوَ الثواب ــ كَانَ أولى. {لاَ يَستوِي منكم من أَنفَقَ مِن قبلِ الفتحِ} فتح مكَّة، {وقَاتَلَ أُولَئِكَ أعظمُ درجةً} بيانٌ لتفاوت المنفقين باختلاف أحوالهم، مِنَ السبق وقوَّة اليقين، وحاجة من أُنفِق عليه، {من الذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ} الفتح، {وقاتَلوا، وكلاًّ وَعَدَ الله الحسنَى} أي: وعد الله كُلاًّ من المنفِقِين الحسنَى وهي الجَنَّة، {والله بِمَا تَعْمَلُونَ خبيرٌ (10)} عالم بظاهره وباطنه، ويجازيكم عَلَى حسبه.
{مَن ذَا الذِي يُقرِض اللهَ قَرضا حَسَنًا} من إنفاق مال، أو بذل بدن، أو استعمال غريزةٍ ابتغاءَ مرضاته، {فيُضاعِفَه لَهُ} أي: يعطي أجره أضعافا، {وَلَهُ أجرٌ كريم (11)} أي: وذلك الأجر المضموم إِلَيْهِ الأضعاف كريمٌ فيِ نفسه، ينبغي أن يُتوخَّى وإن لم يضاعف، فكيف وقد يضاعف أضعافا، المعنى: وكأنَّه قَالَ: أيقرض اللهَ أحدٌ فيضاعفَه لَهُ؟.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولم يَتَّضِح لنا مَعْنَى هَذِهِ العبارة، وَلَعلَّهُ يقصد: أنفِقوا فيما يكون قربة إِلَيْهِ، وذخرا لكم؛ قبل أن تنفقوا فيِ لاَ شيء، أي إسرافا وتبذيرا. وَالله أعلم. (4/240)
صفحة 1403
يومَ تَرَى المؤمنين والمؤمناتِ} (لَعَلَّهُ) يوم القيامة، {يَسعَى نُورُهم} مَا يوجب نجاتهم وهدايتهم إِلىَ الجنَّة، {بينَ أيديهم وبِأَيمَانِهم} نورهم عَلَى قدر أعمالهم، ويقول لَهُمُ المَلاَئِكَة: {بُشرَاكم اليومَ} أي: يقول لَهُم من يتلقَّاهم مِنَ المَلاَئِكَة: بشراكم، أي: المبشَّر بِهِ {جَنَّات تجري مِن تحتِها الأنهارُ خالدين فِيهَا، ذَلِكَ هُوَ الفوزُ العظيم (12)} الإشارة إِلىَ مَا تقدَّم مِنَ النور والبشرى مِنَ الجنان (1) المخلَّدة.
{يومَ يقولُ المنافقون والمنافقاتُ للذين آمنوا: انظُرُونَا} انتظِرونا، فإنَّهم يُسرَع بهم إِلىَ الجنَّة، {نَقْتَبِسْ من نُّورِكم}، لأَنَّهُم ليس لهم نور، {قيل: ارجِعُوا وَرَاءَكم} إِلىَ الدُّنْيَا {فالتَمِسُوا نورًا} بتحصيل المعارف الإلهيَّة والأخلاق الفاضلة، وَهُوَ تهكُّم، {فَضُرِب بَيْنَهُم} بين المؤمنين والمنافقين {بِسُورٍ} بحائط (لَعَلَّهُ) وَهُوَ حاجز بين الجنَّة والنار، وَهُوَ جبل الأعراف فيما قيل، {لَهُ بابٌ} يدخل فِيهِ المؤمنون، {باطِنُهُ} باطن السور {فِيهِ الرحمة} لأَنَّهُ يلي الجنَّة، {وظاهِرُه مِنْ قِبَلِهِ العذابُ (13)} من جهته، لأَنَّهُ يلي النار؛ (لَعَلَّهُ) قيل: هُوَ الأعراف المذكور.
{__________
(1) - ... الصواب: «بالجنان» كما فيِ البيضاوي، و“بشَّر” يتعدَّى بالباء، ولا يقال: “بشَّره من كذا”. انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص187. ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص216 - 217، مَادَّة «بشر». (4/241)
صفحة 1404
ينادونهم: ألم نكن معكم}؟ يريدون موقفه الظاهر، {قَالُوا: بلى، ولكنَّكم فَتَنتُم أنفسَكم} بالنفاق، [أهلكتموها (لَعَلَّهُ) بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات، وكلُّها فتنة] (1) {وتربَّصتم}، بالمؤمنين الدوائر، {وارتبتم} وشككتم فيِ البعث، {وغرَّتكم الأَمَانيُّ} (لَعَلَّهُ) حتَّى بَعَّدتم عنكم الموت، فدهمَكم بغتةً؛ وقيل: الأباطيل، {حَتَّى جاء [595] أمر الله} وَهُوَ الموت، {وغرَّكم بالله الغَرُورُ (14)} الشيطان منَّاكم المغفرة عَلَى الإصرار، {فاليوم لاَ يُؤخذ منكم فدية وَلاَ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا (2)} ظاهرا وباطنا، و {مأواكم النار} لأَنَّهَا خُلقت لكم وخُلقتم لها، {هِيَ مولاكم} هِيَ أولى بكم؛ وقيل: متولاَّكم، كما تولَّيتم موجبا [تِها]، {وبِئْسَ المصير (15)} النار.
{__________
(1) - ... ما بين معقوفين كتب فيِ الحاشية ولم يُحِل إِلَيْهِ الناسخ فيِ المتن، وأثبتناه فيِ محلِّه باجتهادنا.
(2) - ... في الأصل: «كفرا» وَهُوَ خطأ. (4/242)
صفحة 1405
ألم يَأْنِ} يَحِن، مِنَ الحين، {للذين آمنوا أن تَخْشَعَ قلوبُهم لِذِكْرِ اللهِ} ألم يأت وقته، يقال (لَعَلَّهُ) أَنَى الأمرُ يأني أَنْيًا (1)، إِذَا جاء إناه، {وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ} أي: القرآن، فيقصِّروا الأمل بها ويجتهدوا، {وَلاَ يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قبلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم} أي: فطال عَلَيْهِمُ الزمان بطول أعمارهم وآمالهم؛ والمعنى أنَّ الله عزَّ وجلَّ ينهى المؤمنين أن يكونوا فيِ صحبة ... (2) اليهود الذِينَ قست قلوبهم لمَّا طال عَلَيْهِمُ الدهر، {وكثير مِنْهُم فاسقُونَ (16)} خارجون عَن دينهم رافضون لِمَا فيِ كتابهم من فرط القسوة.
{اعلَمُوا أنَّ اللهَ يُحيي الأَرْضَ بعدَ موتها} تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة، أو إحياء الأموات، ترغيبا فيِ الخشوع، وزجرا عَن القساوة، {قد بيَّنَّا لكم الآياتِ لَعَلَّكُم تعقلُونَ (17)} كي يكمل عقلكم (لَعَلَّهُ) بالذكر والكفر.
{__________
(1) - ... «أَنَى الشَّيْءُ يَأْنِي أَنْيًا وإنًى وَأَنًى وَهُوَ أَنِيٌّ: حان وأدرك». ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص122، مَادَّة «أني».
(2) - ... فراغ قدر كلمة، وقد وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا. وَفيِ تفسير البغويِّ: «والمعنى أنَّ الله عزَّ وجلَّ ينهى المؤمنين أن يكونوا فيِ صحَّة القرآن كاليهود الذِينَ قست قلوبهم لمَّا طال عَلَيْهِمُ الدهر». البغوي: معالم التنزيل، 4/ 297. (4/243)
صفحة 1406
إنَّ المصَّدِّقين والمصَّدِّقات وأقرَضوا اللهَ قرضا حسنا} (لَعَلَّهُ) تركوا الدُّنْيَا وطرحوها لأهلها، وأقرَضوا أنفسَهم وأموالهم ومهجهم وأعمارهم لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، {يُضَاعَفُ لَهُم ولهم أجرٌ كريم(18) وَالذِينَ آمنوا بالله ورُسُلِه أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقون والشهداءُ عند ربِّهم} أي: أُولَئِكَ عند الله بمنزلة الصدِّيقين والشهداء، أو هم المبالغون فيِ الصدق، فإنَّهم آمنوا وصدَّقوا جميع أخبار الله ورسله، والقائمون بالشهادة لله ولهم، أو عَلَى الأمم يوم القيامة، {لَهُم أجرُهم ونورُهم} مثل أجر الصدِّيقين والشهداء، {وَالذِينَ كَفَرُوا وكذَّبوا بِآيَاتِنا أُولَئِكَ أصحاب الجحيم(19)}.
{ (4/244)
صفحة 1407
اعلموا أَنَّمَا الحياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ولَهْوٌ} فيِ انقضائها، وَقِلَّة حاصلها، وتعب طالبها، {وزينةٌ وتفاخرٌ بينَكم وتكاثُرٌ فيِ الأموالِ والأولادِ} لَمَّا ذكر حال الفريقين فيِ الآخِرَة، حقَّر أمور الدُّنْيَا ــ أعني مَا لاَ يُتوصَّل بِهِ إِلىَ الفوز الآجل ــ بِأَن بيَّن أَنَّهَا أمور خالية قليلة النفع، سريعة الزوال، لأَنَّهُ {لعبٌ} يُتعِب الناس فِيهِ أنفسهم حَدَّ أتعابِ (1) الصبيان فيِ الملاعب من غير فائدة، {ولهوٌ} يلهون بِهِ أنفسهم عمَّا يهمُّهم، {وزينةٌ} كالملابس الحسنة، والمراكب البهيَّة، والمنازل الرفيعة، {وتفاخرٌ} بالأنساب، {وتكَاثرٌ} بالعَدَدِ والعُدَدِ، ثُمَّ قرَّر ذَلِكَ بقوله: {كَمَثَلِ غَيثٍ أعجَبَ الكُفَّارَ نباتُه، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراه مُصفَرًّا ثُمَّ يكون حُطامًا} وَهُوَ تمثيل لها فيِ سرعة تقضيها (2)، وَقِلَّة جدواها، بحال نبات أنبته الغيث فاستوى، أُعجب بِهِ الحرَّاث أو الْكَافِرُونَ [596] بالله، لأَنَّهُم أشدُّ إعجابا بزينة الدُّنْيَا، ولأنَّ المؤمن إِذَا رأى معجبا انتقل فكره إِلىَ قدرة صانعه، فأُعجِب بها؛ والكافر لاَ يتخطَّى فكره عمَّا أحسَّ بِهِ، فيستغرق فِيهِ إعجابا، ثُمَّ هاج، أي: يبس بعاهة فاصفرَّ، ثُمَّ صار حطاما؛ كذلك الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وعليها؛ ثُمَّ عظَّم أمور الآخِرَة بقوله: {وفي الآخِرَة عذاب شديد} تنفيرًا عَن الانهماك فيِ الدُّنْيَا. وحثًّا عَلَى مَا يوجب كرامة العقبى؛ ثُمَّ أكَّد ذَلِكَ بقوله: {ومغفرةٌ مِنَ الله ورضوانٌ، وَمَا الحياة الدُّنْيَا إِلاَّ متاعُ الغرورِ (20)} أي: لمن أقبل عليها، ولم يطلب بها الآخِرَة.
{__________
(1) - ... فيِ تفسير البيضاوي: «يُتعِب الناس فِيهِ أنفسهم جِدًّا إتعابَ الصبيانِ». ج4/ ص189.
(2) - ... كذا أَيضًا فيِ تفسير البيضاوي، ويبدو أَنَّ الصواب: «انقضائها». المصدر نفسه. (4/245)
صفحة 1408
سابقوا} سارعوا مسارعة السابقين. (لَعَلَّهُ) يُروى عَن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنَّه [قال]: «من خاف أدلَجَ، ومن أدلَجَ بلغ المنزل» (1)، {إِلىَ مغفرةٍ من رَّبِّكُم} إِلىَ موجباتها، {وجنَّة عَرضُها كَعَرْضِ السَّمَاءِ والأَرْضِ} أي: عرضها كعرضهما؛ وإذا كَانَ العرض كذلك، فما ظنُّك بالطول؛ وقيل: المراد بِهِ: البسطة، كقوله: {فذو دعاء عريض} (2). ويؤخذ عَن أبي سعيد فيما أرجو: «فالجنَّة كما وصفها الله يمكن أن تكون مكَانَ السَّمَاوَات والأَرْض، ويمكن أن تكون فيِ غير السَّمَاوَات والأَرْض، وتكون السَّمَاوَات والأَرْض بحالهنَّ، وَلاَ يعجز الله فيِ قدرته شيء مِنَ الأمور؛ ويمكن أن تكون هَذِهِ الجنَّة مثل السَّمَاوَات والأَرْض، وتكون السَّمَاوَات والأَرْض بحالهنَّ مكانهنَّ؛ تعالى الله العزيز فيِ قدرته علوًّا كبيرًا». {أُعِدَّت للذين آمنوا بالله ورُسُلِه، ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤتِيهِ من يَّشَاءُ} ذَلِكَ الموعود يتفضَّل بِهِ عَلَى من يَشَاء من غير إيجاب، {والله ذو الفضلِ العظيمِ (21)} فلا يَبعُد مِنهُ التفضُّل بذلك، وإن عظم قدره.
{__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع. رقم 2374. عَنْ بُكَيْرُ بْنِ فَيْرُوزَ قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ الْجَنَّةُ». قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «أدلج».
(2) - ... سورة فصِّلت: 51. (4/246)
صفحة 1409
مَا أصاب من مُّصيبةٍ فيِ الأَرْض} بالقحط والآفات للثمار، {وَلاَ فيِ أنفسكم} بالمرض والخسران فيِ الدين، {إِلاَّ فيِ كِتَاب} إِلاَّ مكتوبة فيِ اللوح مُثبتة فيِ علم الله، {من قبلِ أن نَّبْرَأَها} نخلقها، {إنَّ ذَلِكَ} إنَّ إثباتها [الذي] ثبَّته فيِ كِتَاب، {عَلَى الله يسير (22)} لاستغنائِهِ فِيهِ عَن العدَّة والمدَّة.
{لِكَيْلاَ تَأْسَوْا} أي: أثبت وكتب لئلاَّ تحزنوا {عَلَى مَا فاتكم} من نعم الدُّنْيَا، {وَلاَ تفرحوا بِمَا آتاكم} بِمَا أعطاكم الله منها، فإنَّ مَن علم أنَّ الكلَّ مقدَّر، هان عليه الأمر؛ وقرأ أبو عمرو: «وبما أتاكم» مِنَ الإتيان لِتُعادِلَ «مَا فاتكم»، وَعَلَى الأوَّل فِيهِ إشعار بأنَّ فواتها يلحقها إِذَا خلِّيت وطباعها؛ وَأَمَّا حصولها وبقاؤها، فلا بدَّ لهما من سبب يوجدها ويبقيها؛ والمراد بِهِ: نفي الأسى المانعِ عَن التسليم لأمر الله، والفرحِ الموجبِ للبطر والاختيال، ولذلك عقَّبه بقوله: {والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مختالٍ} متكبِّر عَلَى الله وَعَلَى خلقه بِمَا أوتي مِنَ الدُّنْيَا مستغنٍ بِهِ عَن الله، {فخور (23)} (لَعَلَّهُ) بِهِ عَلَى الناس، إذ قلَّ من تثبت نفسه عند وقوع الضرَّاء [597] والسرَّاء.
{الذِينَ يَبخَلون ويَأْمُرُون الناسَ بالبخلِ} بدل مِن «كُلَّ مختال» فإنَّ المختال بالمال يضنُّ بِهِ غالبًا؛ أو مبتدأ. {ومن يتولَّ فإنَّ الله هُوَ الغنيُّ الحميد (24)} لأَنَّ معناه: ومن يعرض عَن الإنفاق، فإنَّ الله غنيٌّ عَنْهُ وعن إنفاقه، محمود فيِ ذاته، لاَ يضرُّه الإعراض عَن شكره بالتقرُّب إِلَيْهِ بشيء من نعمه (1)؛ وفيه تهديد وإشعار بأنَّ الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفِق.
{__________
(1) - ... فيِ العبارة خلل، صوابها ما ذكره البيضاويُّ: «لاَ يضرُّه الإعراض عَن شكره، ولا ينفعه التقرُّب إِلَيْهِ بشكر مَن نعَّمه». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص189. (4/247)
صفحة 1410
لَقَد أرسلنا رُسُلَنا بِالبَيِّنَاتِ، وأنزلنا معهم الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقسط} (1) ليتعاملوا بَيْنَهُم بالعدل، وإنزالُه إنزالُ أسبابه، والأمر بإعداده؛ ويجوز أن يُراد بِهِ: العدل لتقامَ بِهِ السياسة، ويُدفع بِهِ الأعداء، كما قَالَ: {وأنزلنا الحديدَ فِيهِ بأسٌ شديدٌ} فإنَّ آلات الحروب مُتَّخَذة مِنْهُ، {ومنافعُ للناس، ولِيَعْلَمَ اللهُ من يَنصُرُهُ وَرُسُلَه} باستعمال الأسلحة والعُدَدِ والمُهجِ {بالغيب، إِنَّ اللهَ قويٌّ} عَلَى إهلاك من أَرَادَ إهلاكه {عزيز (25)} لاَ يفتقر إِلىَ نصرة؛ وإنَّما أمرهم بالجهاد لينتفعوا بِهِ، ويستوجبوا ثواب الامتثال.
{وَلَقَد أرسلنا نوحًا وإبراهيمَ وجعلنا فيِ ذرِّيَّتِهما النبوَّةَ والكتاب} بِأَن استَنبَأنَاهُم، وأوحينا إِلَيْهِم الكتاب؛ وقيل: المراد بالكتاب: الخطُّ، {فمنهم} فمن الذُرِّيَّة، أو مِنَ المُرسَل إِلَيْهِم؛ {مُهتَدٍ، وكثيرٌ مِنْهُم فاسقُونَ (26)} خارجون عَن الطريق المُسْتَقِيم، والعدول عَن سنن الإسلام، مبالغة فيِ الذمِّ، والدلالة عَلَى [أَنَّ] الغلبة للضلال.
{ثُمَّ قَفَّينا عَلَى آثارهم بِرُسُلنا وقفَّينا بعيسى ابنِ مَرْيَمَ} أي: أرسلنا رسولا بعد رسول، حتَّى انتهى إِلىَ عيسى، {وآتيناه الإِنجِيلَ، وجعلنا فيِ قلوبِ الذِينَ اتَّبعوه رأفةً ورحمة} (لَعَلَّهُ) لأهل الإيمان، {ورهبانيَّة} أي: وابتدعوا رهبانيَّة جاؤوا بها من قِبَل أنفسهم {ابتدعوها} أو رهبانيَّة مُبتدَعة عَلَى أنَّها مِنَ المجعولات، وهي المبالغة فيِ العبادة والرياضة والانقطاع عَن الناس، منسوبة إِلىَ الرَّهبان (2)، وَهُوَ المبالِغ فيِ الخوف، من رَهَبَ.
{__________
(1) - ... في الأصل: - {والميزان ليقوم الناس بالقسط}.
(2) - ... «فَعلان، مِن رهب، كخشيان من خشيَ». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص213. (4/248)
صفحة 1411
مَا كتبناها عليهم} مَا فرضناها عَلَيْهِم {إِلاَّ ابتغاءَ رضوانِ الله} قيل: استثناء منقطع؛ أي: ولكنَّهم ابتدعوها ابتغاء رضوان، أي: ولكنَّهم ابتغوا رضوان الله بتلك الرهبانيَّة، وتلك الرهبانيَّة: مَا حَمَّلوا أنفسهم مِنَ الميثاق فيِ الامتناع مِنَ المطعم والمشرب والملبس والمنكح؛ وقيل: متَّصل، فإنَّ {مَا كتبناها عَلَيْهِم} بمعنى: مَا تعبَّدناهم بها، وَهُوَ كما ينفي الإيجاب المقصود مِنْهُ دفع العقاب ينفي الندب المقصود مِنْهُ مجرَّد حصول مرضاة الله، وَهُوَ يخالف قوله: {ابتدعوها}، إِلاَّ أن [يقال:] ابتدعوها ثُمَّ ندبوا إِلَيْهِا؛ أو ابتدعوها بمعنى: استحدثوها وأتوا بها؛ أو لأَنَّهُم اخترعوها من تلقاء أنفسهم، {فما رَعَوْها} أي: فما رعو [هـ]ـا جميعًا، [598] {حقَّ رِعايتها} لم يُوفُوهَا جميع حقوقها.
{فآتينا الذِينَ آمنوا} أَتَوا (1) بالإيمان الصحيح، وحافظوا حقوقها، ومن ذَلِكَ الإيمان بمحمَّد - عليه السلام -، {مِنْهُم} مِنَ المتَّسمين باتِّبَاعه، {أَجرَهم، وكثيرٌ مِّنْهُمْ فاسقُونَ (27)} خارجون عَن حال الاتِّباع.
{يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنوا} بالله والرسل المتقدِّمة، وَمَا أتوهم بِهِ، {اتَّقُوا الله} فيما نهاكم عَنْهُ، {وآمنوا برسوله} محمَّد - عليه السلام -، {يُؤتِكم كِفلَيْنِ} نصيبين {من رحمته} لإيمانكم بمن تقدَّمه، {ويَجْعَل لَّكُم نورا تمشون بِهِ} علما تستضيئون بِهِ فيما تعبّدتم، تسلكون بِهِ إِلىَ جنَّات القدُس، {ويَغْفِرْ لكم وَاللهُ غَفُور رحيم (28)}.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «أوتوا»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص190. (4/249)
صفحة 1412
لئلاَّ يعلمَ} أي: ليعلموا وَ «لاَ» مزيدة، {أهلُ الكتاب ألاَّ يَقْدِرون عَلَى شيء من فضل الله} أي: أنَّهم لاَ ينالون شَيْئًا مِمَّا ذكر من فضله، ويتمكَّنون من نيله، لأَنَّهُم لم يؤمنوا برسوله، وَهُوَ مشروط بالإيمان بِهِ؛ أو لاَ يقدرون عَلَى شيء من فضله، فضلا أن يتصرَّفوا فيِ أعظمه، وَهُوَ النبوَّة فيخصُّونها بمن أرادوا، ويؤيِّده قوله: {وأنَّ الفضلَ بِيَدِ اللهِ يؤتيه من يَشَاءُ وَاللهُ ذو الفضلِ العظيمِ (29)}.
سورة المجادلة
بسم الله الرحمن الرحيم
{قد سمع الله قولَ التي تُجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يَسمَعُ تَحَاوُرَكُما} تراجعكما الكلام؛ وهو على تغليب الخطاب، {إنَّ اللهَ سميعٌ بصيرٌ (1)} للأقوال والأحوال. {الذين يُظَاهرون منكم مِّن نِّسائهم ما هنَّ أُمَّهاتِهم} على الحقيقة، {إِن أُمَّهاتُهُم إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهم} فلا تشبّه بهنَّ في الحرمة، {وَإِنَّهُمْ لَيَقولون مُنكَرًا من القولِ} [إذ الشرع] (1) أنكره، {وزورًا} مُحرّفا عن الحقِّ، {وإنَّ الله لَعَفُوٌّ غفورٌ (2)} لِمَا سلف منه مطلقا، [أو] إذا تيب عنه (لَعَلَّهُ) مع إيجاب الكفَّارة لمن أراد إدراك زوجته.
{__________
(1) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص191. (4/250)
صفحة 1413
والذين يُظَاهِرون من نِّسائهم ثُمَّ يعودون لِمَا قالوا} أي: إلى قولهم بالتدارك، {فتحريرُ رقبةٍ} أي: فعليهم {من قبل أن يَّتَمَاسَّا} أن يستمتع كُلٌّ من المظاهِر والمظاهَر عنها بالآخر، لعموم اللفظ، {ذلكم} أي: ذلكم الحكم بالكفَّارة {تُوعَظون به} لأنَّه يدلُّ على ارتكاب الجناية الموجبة للغرامة، ويردع عنه {والله بما تعملون خبير (3) فمن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شهريْنِ متتابعين من قبلِ أن يَّتَماسَّا؛ فمن لَّمْ يستطع فَإِطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله} أي: فرض ذلك لتصدِّقوا بالله ورسوله، في قبول شرائعه ورفض ما كنتم عليه في جاهليَّتكم، {وتلك حُدودُ اللهِ} لا يجوز تَعدِّيها {وللكافرين} أي: الذين لا يقبلونه {عذابٌ أليم (4)}.
{إنَّ الذين يُحادُّون اللهَ} يُخالفون الله {ورسولَه} يُعادونهما، فإنَّ كلاًّ من المتعاديَيْنِ في حدٍّ غير حدِّ الآخر؛ أو يضعون ويختارون حدودا غير حدودهما، {كُبِتُوا كما كُبِتَ} أُخزُوا وأُهلكُوا؛ وأصل الكبت: الكبُّ {الذين [599] من قبلهم} يعني: كفَّار الأمم الماضية؛ {وقد أنزلنا آيات بَيِّنَاتٍ وللكافرين عذابٌ مهينٌ (5)} يذهب عزُّهم وتكبُّرهم. {يوم يبعثهم الله جميعا فينبِّئهم بما عَمِلوا} أي: على رؤوس الأشهاد، تشهيرا بحالهم، وتقريرا لعدائهم، {أحصاه اللهُ} أحاط به عددا، لم يغب عنه منه شيء، {ونَسُوهُ} لكثرته، أو تهاونهم به، وتَماديهم عن التوبة عنه، {واللهُ (1) على كُلِّ شيء شهيد (6)} لا يغيب عنه شيء.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «{واللهُ} وتَماديهم عن التوبة عنه، {على كُلِّ شيء شهيد}»، وَهُوَ خطأ، فَفيِ العبارة تقديم وتأخير. (4/251)
صفحة 1414
ألم تَرَ أنَّ الله يعلمُ ما في السماوات وما في الأرض} كُلِّيًّا وجزئيًّا، {ما يكونُ من نَّجوَى ثلاثةٍ} ما يقع من تناجي ثلاثةٍ، واشتقاقه من النجوة: وهو ما ارتفع من الأرض، فإنَّ السرائر مرفوع إلى الذهن (1)، لا يتيسَّر لِكُلِّ أحد أن يطَّلع عليه، {إِلاَّ هو رابعهم} بالعلم والجزاء لهم وعليهم؛ إن كان خيرا فالتوفيق لهم، وإن كان شرًّا فالخذلان، {ولا خمسةٍ إِلاَّ هو سادسُهم، ولا أدنَى من ذلك ولا أكثرَ إِلاَّ هو معهم} يعلم ما يجري بينهم، وما يَجري منهم، {أين ما كانوا} فإنَّ علمه بالأشياء ليس لقرب مكانيٍّ حتَّى يتفاوت باختلاف الأمكنة، {ثُمَّ يُنبِّئهم بما عَمِلوا يومَ القيامة} تفضيحا لهم، وتقريرا لما يستحقُّونه من الجزاء، {إنَّ الله بِكُلِّ شيء عليم (7)} لأنَّ نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكلِّ على سواء.
{ألم تر إلى الذين نُهُوا عن النجوَى} نزلت في المنافقين، وذلك أنَّهم يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، يوهمون المؤمنين أنَّهم يناجون فيما يسوءهم، {ثُمَّ يعودون لِمَا نُهوا عنه ويَتَنَاجَوْنَ بالإثمِ والعدوان ومَعصِيَةِ الرسول} أي: بما هو إثم وعدوان للمؤمنين، وتَوَاصَوْا (2) بمعصيةِ الرسول؛ {وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بما لم يُحيِّكَ به الله، ويقولون في أنفسهم} فيما بينهم: {لولا يُعذِّبنا الله بما نقول} هلاَّ يعذِّبنا الله بذلك لو كان نَبِيًّا، {حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فبئس المصيرُ (8)}.
{__________
(1) - ... فيِ تفسير البيضاوي: «فَإِنَّ السِّرَّ أمرٌ مرفوع إِلىَ الذهن ... ». ويبدو أَنَّهُ الصواب. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص192.
(2) - ... فيِ تفسير البيضاوي: «وتواصٍ». ويبدو أَنَّهُ الأصوب. المصدر نفسه. (4/252)
صفحة 1415
يا أَيُّهَا الذين آمنوا إذا تَنَاجَيْتُم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسولِ} كما يفعل المنافقون، {وتَنَاجَوْا بالبرِّ والتقوى، واتَّقوا الله الذي إليه تُحشَرون (9)} فيما تأتون وتذرون، فيجازيكم عليه. {إِنَّمَا النجوَى} أي: النجوى بالإثم والعدوان {من الشيطان} فإنَّه المزيِّن لها، والحامل عليها، والداعي لها، {لِيُحزِنَ الذين آمنوا، وليس بضارِّهم شيئًا إِلاَّ بإذن الله؛ وعلى الله فليتوكَّل المؤمنون (10)}.
{يا أَيُّهَا الذين آمنوا، إذا قيل لكم: تَفَسَّحوا في المجالس} توسَّعوا فيها، وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: افسح عنِّي، أي: تَنَحَّ، فإنَّهم كانوا يتضامُّون به تنافسا على القرب منه، وحرصا على استماع كلامه، {فافسَحوا يَفسَحِ الله لكم} فيما تريدون الفسح فيه من المكان والرزق والصدر وغيرها. {وإذا قيل: انشزوا} ارتفعوا عن المجلس [600] (لَعَلَّهُ) قال أبو سعيد: «إنَّ النشوز هو: فرض الإقامة» (1). {فانشزوا} (لَعَلَّهُ) من غير توقُّف؛ وقال: {يَرفَعِ الله الذين آمنوا منكم} عن المعاصي (2) بالطاعة، {والذين أوتوا العلم درجات} ويرفع العلماء منهم خاصَّة درجات، بما جمعوا من العلم والعمل، فإنَّ العلم مع علوِّ درجته يقتضي للعمل المقرون به مزيدَ رفعةٍ؛ ولذلك يُقتَدَى بالعالم في أفعاله، ولا يُقتَدَى بغيره، {والله بما تعملون خبير (11)} تهديد لمن لم يمتثل الأمر، أو استكرهه.
{__________
(1) - ... «(لعلَّه) ... فرض الإقامة» كتبت فيِ الحاشية ولم يُحِل إِلَيْهَا الناسخ فيِ المتن وأثبتناها باجتهادنا.
(2) - ... في الأصل: «المصاصي»، وهو خطأ. (4/253)
صفحة 1416
يا أَيُّهَا الذين آمنوا، إذا ناجيتم الرسول فقَدِّموا بين يَدَيْ نَجوَاكم صدقةً} فتصدَّقوا قدَّامها؛ وفي هذا الأمر تعظيم الرسول، وإنفاع الفقراء، والنهي عن الإفراط في السؤال، والمَيْز بين المُخلصِ والمنافق، ومحبِّ الدنيا [ومحبِّ الآخرة] (1)؛ واختلف [في] أنَّه للندب، أو للوجوب؛ وقيل: إنَّه منسوخ بقوله: {أأشفقتم ... }. {ذلك} أي: ذلك التصدُّق {خير لكم وأطهر} أي: لأنفسكم من الزينة وحبِّ المال، {فإن لم تجدوا فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ (12) أأشفقتم أن تُقدِّموا بين يَدَيْ نجواكم صَدَقَاتٍ}؟ أخِفتُم الفقر من تقديمِ الصدقة؟ والمعنى: أخفتم العَيْلة والفاقة إنْ قدَّمتم؟ {فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم} بِأَن رخَّص لكم أن لا تفعلوه، {فأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاة} فلا تفرِّطوا في أدائهما، {وأطيعوا الله ورسوله} في سائر الأوامر، {والله خبيرٌ بما تعملون (13)}.
{__________
(1) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص193. ليتمَّ المعنى. (4/254)
صفحة 1417
ألم تر إلى الذين تَوَلَّوا} وَالَوْا، {قوما غَضِبَ اللهُ عليهم ما هم مِّنكم ولا منهم} لا من المؤمنين ولا من المنافقين، ولكنَّهم من الجاحدين؛ ويحتمل: ما هم منكم ولا أنتم منهم، ولكنَّهم خارجون بنفاقهم وفسقهم عن اسم الإيمان الحقيقيِّ، {ويَحلِفون على الكذب وهم يعلمون (14)} أنَّ المحلوف عليه كذب، {أَعَدَّ الله لهم عذابا شديدا، إِنَّهُمْ ساء ما كانوا يعملون (15)} فتمرَّنوا عَلَى سوء العمل، وأصَرُّوا عليه، {اتَّخَذوا أَيْمانهم} الذي أظهروه (1)، {جُنَّةً} وقاية دون دمائهم وأموالهم، {فَصَدُّوا عن سبيل الله، فلهم عذاب مُّهينٌ (16) لن تُغنِيَ عنهم أموالهم ولا أولادهم مِّنَ الله} لأنَّهم لم يريدوا به وجهه، وإن أرادوا به وجهه مع المخالفة بغيره فلا ينفعهم، لأنَّه لا تقوم طاعة من عاصٍ، {شيئا، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له} أي: للهِ (2) عَلَى أنَّهم مسلمون، {كما يَحلِفون لكم} في الدنيا أنَّهم منكم، {ويحسَبون أَنَّهُمْ على شيء} وهم خالون من كُلِّ شيء، لأنَّ النفاق قد تمكَّن في نفوسهم، {أَلاَ إِنَّهُمْ هم الكاذبون (18)} البالغون الغاية في الكذب، حيث يكذِبون مع عالم الغيب والشهادة، ويحلفون عليه. {استحوذ عليهم الشيطان} استولى عليهم وغلب، {فأنساهم ذكرَ اللهِ} لا يذكرون الله بقلوبهم، {أولئك حزبُ الشيطان} جنوده وأتباعه [601] (لَعَلَّهُ) وأنصاره عَلَى الضلال، {أَلاَ إنَّ حِزْبَ الشيطان هم الخاسرون (19)} لأنَّهم فوَّتُوا أنفسهم النعيم المؤبَّد، وعرَّضوها للعذاب المخلَّد.
{__________
(1) - ... نلاحظ أَنَّ المُصَنِّف اختار قراءة «إِيمَانَهُمْ» بالكسر، وهي قراءة الحسن. وَفيِ تفسير البيضاوي: «{اتَّخَذوا أَيْمانهم} أي التي حلفوا بها، وقرئ بالكسر، أي إيمانهم الذي أظهروه». انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص193 - 194. الألوسي: روح المعاني، ج28/ ص33.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «الله». (4/255)
صفحة 1418
إنَّ الذين يُحادُّون الله ورسوله} بالمخالفة لهما، {أولئك في الأَذَلِّينَ (20)} في جملة من هو أذلُّ خلق الله، {كَتَبَ اللهُ لأَغلِبنَّ أنا ورُسُلِي} بالحجَّة والغلبة والنصر، لأنَّ من كان عونه الله تعالى فجدير أن لا يُغلب، {إنَّ الله قويٌّ عزيز (21)}.
{لا تَجِدُ قوما} (لَعَلَّهُ) في الكون {يؤمنون بالله واليومِ الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله} لا ينبغي أن يوادُّوهم، {ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كَتَبَ في قلوبهم الإيمان} أثبته فيها، فلم يزايلها (1) (لَعَلَّهُ) ما لم يغيِّروه، كما ثبت المرض في قلوب الكافرين فلم يزايلهم ما لم يزيلوه، {وأيَّدهم بروحٍ منه} أي: من عند الله، وَهُوَ نور القلب، أو القرآن، أو النصر؛ وقيل: الضمير للإيمان، فإنَّه سبب لحياة القلب، أو للحياة الحقيقيَّة، {ويدخلهم جَنَّات تجري من تحتِها الأنهارُ خالدين فيها رضي الله عنهم} بما عملوه مِمَّا فرضه عليهم، ونهاهم عنه، وما توسَّلوا به إليه، {ورَضُوا عنه} بقضائه، أو بما أَوْعَدَهُم به (2) من الثواب، {أولئك حِزْبُ الله} جنده وأنصار دينه عَلَى الشيطان، (لَعَلَّهُ) وحزبه، {ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون (22)} الفائزون بخير الدارين، السالمون من عذابهما.
سورة الحشر
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... «زايله مُزايلة وزِيالاً: فَارَقَه». الفيروزآبادي: القاموس، ص910، مَادَّة: «زيل».
(2) - ... قال فيِ القاموس: «وَعَدَهُ الأمرَ، وبه، يَعِدُ عِدَةً، وَوَعْدًا وَمَوْعِدًا، وَمَوْعِدَةً ومَوْعُودًا وَمَوْعُودَةً، وَخَيْرًا وَشَرًّا، فإذا أُسْقِطَا قيل فيِ الخير: وَعَدَ، وَفيِ الشرِّ: أَوْعَدَ. وَقالوا: أَوْعَدَ الخيرَ، وبالشرِّ». فمن هنا يَتَّضِحُ أَنَّ الصواب: إِمَّا أن يقول: «بما أَوْعَدَهم من الثواب»، أو يقول: «وعَدهُمْ بِهِ من الثوابِ» الفيروزآبادي: القاموس، ص295، مَادَّة: «وعد». (4/256)
صفحة 1419
سبَّحَ لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أَخْرَجَ الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوَّل الحشْرِ} الحشر: جمع من مكان إِلىَ آخر، {ما ظَنَنتُم أن يَخرجوا} لشِدَّةِ بأسهم ومَنعَتِهم، {وظنُّوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهم حُصونُهم مِّنَ الله} أي: أنَّ حصونهم تمنعهم من بأس من يتوقَّونه (1)، {فأتاهم الله} أي: عذابه، وَهُوَ الرعب والاضطرار إِلىَ الجلاء، {من حيث لم يَحتسبوا} لقوَّة وثوقهم، {وقَذَفَ في قلوبهم الرُّعبَ} وأثبت فيها الخوف الذي يُرعبها، أي: يملأها، {يُخرِبون بيوتهم بأيديهم} ضنًّا بها عَلَى المسلمين، وإخراجا لِمَا استحسنوا من آلاتها، أو يخربون أحوال ما بنوه من الأمور في حرب المسلمين بالانتكاص عنه، لقوله: {وَأْتُوا البيوتَ من أبوابها} (2) أي: الأمور، {وأيدي المؤمنين} فإنَّهم كانوا أيضًا يخربون ظواهرها، نكاية وتوسيعًا لمجال القتال؛ {فاعتبروا يا أولي الأبصار (2)} فاتَّعظوا بحالهم، فلا تعتمدوا عَلَى غير الله.
{ولولا أن كَتَبَ اللهُ عليهم الجلاَءَ} الخروج من أوطانهم، {لعذَّبهم في الدنيا} بالقتل والسبي وغير ذلك؛ {ولهم في الآخرة عذاب النار (3) ذلك بأنَّهم شاقُّوا الله ورسوله ومن يشاقِّ الله فإنَّ الله شديد العقاب (4)} الإشارة إِلىَ ما ذكر مِمَّا حاق بهم، (لَعَلَّهُ) أي: [سواءٌ أَ] خَرجوا من أوطانهم أو قعدوا فالعذاب محيط بهم، بسبب مشاققتهم لله ورسوله.
{ما قطعتم مِّن لِّينةٍ} أيَّ شيءٍ قطعتم من نخلة؛ فِعْلَة، من اللون، ويجمع عَلَى [602] ألوان؛ وقيل: من اللين، ومعناها: النخلة الكريمة، وجمعها: «أَليَان»، {أو تركتموها قائمةً على أصولها، فَبإِذن الله وليُخزِيَ الفاسقين (5)}.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: + «(لَعَلَّهُ) الله»، ولم يَتَّضِح لنا موقعها من النص.
(2) - ... سورة البقرة: 189. (4/257)
صفحة 1420
وما أفاءَ اللهُ على رسوله} وما أعاده عليه؛ أو ردَّه عليه، فإنَّه كان حقيقًا، بِأَنْ يكون له، لأنَّه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق لهم ليتوسَّلوا به إِلىَ طاعته، فهو جدير بِأَنْ يكون للمطيعين، {منهم} من الكفرة، {فما أَوجَفتُم عليه} فما أجريتم عَلَى تحصيله، من الوجيف: وَهُوَ سرعة السير، {من خيلٍ ولا رِكَاب، ولكنَّ الله يُسلِّط رُسُلَه على من يشاء} يقذف الرعب في قلوبهم، {والله على كُلِّ شيء قدير(6)} فيفعل ما يريد، تارة بالوسائط الظاهرة، وتارة (لَعَلَّهُ) بدقائق باطنة لا تُعرف إِلاَّ بالتفرُّس.
{ما أفاء الله على رسوله من أهلِ القرى فلِلَّهِ وللرسول ولِذِي القربَى واليتامَى والمساكين وابن السبيل، كي لا يكون دُولَةٌ} (لَعَلَّهُ) مداولاً {بين الأغنياء} الرؤساء {منكم} الدُّولَة: ما يتداولُه الأغنياء ويدور بينهم، كما كان في الجاهليَّة؛ {وما آتاكم الرسول} من الأمر {فَخُذُوه} أي: تمسَّكوا به لأنَّه واجب الطاعة، {وما نهاكم عنه} عن فعله، {فانتهوا} عنه، {واتَّقوا الله} في مخالفة رسوله، {إنَّ الله شديد العقاب(7)} في الدارين لمن خالف.
{ (4/258)
صفحة 1421
للفقراء المهاجرين الذين أُخرِجوا من ديارهم وأموالهم يبتَغُون فضلا مِّنَ الله ورِضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8)} الذي ظهر صدقهم في إيمانهم. {والذين تبوَّءوا} توطَّنوا {الدار والإيمانَ} عطف عَلَى «المهاجرين»؛ والمراد بهم: الأنصار، الذين ظهر صدقهم، فإنَّهم لزموا المدينة والإيمان، وتمكَّنوا فيهما؛ وقيل المعنى: تبوَّؤوا دار الهجرة ودار الإيمان، أو تبوَّؤوا الدار، وأخلصوا الإيمان؛ وقيل: سمَّى المدينة بالإيمان، لأنَّها مظهره، {من قبلهم} من قبل هجرة المهاجرين، {يُحبُّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجَةً} ما تحمل عليه الحاجة، كالطلب والحسد والغيظ، {مِمَّا أوتوا} ما آتاهم الله من فضله. قال الغزالي: «أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمُّون، فأثنى عليهم بعدَم الحسد»؛ {ويؤثرون على أنفسهم} ويُقدِّمون المهاجرين عَلَى أنفسهم، وهذا من علامات الإيمان، {ولو كان بهم خَصَاصَةٌ} حاجةٌ؛ من خَصَاصِ البِنَاء (1)، وهي فروجه، {ومن يُوقَ شُحَّ نفسه} حتَّى يخالفها مِمَّا [يغلب] (2) عليها من حبِّ المال وبغض الإنفاق، {فأولئك هم المفلحون (9)} الفائزون.
{__________
(1) - ... فيِ اللسان: «وَخَصاصُ المُنخُل والبابِ والبُرقُع وغيره: خَلَلُه، واحدته: خَصَاصَة ... وَفيِ التنزيل العزيز: {ويؤثرون عَلَى أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} وأصل ذَلِكَ فيِ الفُرجة أو الخُلَّة، لأَنَّ الشَّيْء إذا انفرج وَهَى واختلَّ». ابن منظور: لسان العرب، ج2/ ص841، مَادَّة «خصص».
(2) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص196. (4/259)
صفحة 1422
والذين جاءوا مِن بعدِهم} هم الذين هاجروا حين قَويَ الاسلام، أو التابعون بإحسان، وهم المؤمنون بعد الفريقين إِلىَ يوم القيامة؛ ولذلك قيل: إنَّ الآية قد استوعبت جميع المؤمنين، {يقولون: ربَّنا اغفرْ لنا ولإخوانِنا الذين سَبَقُونا بالإيمان ولا تَجْعَلْ} أي: لإخواننا في الدين، [603] {في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا} حقدا لهم، لأنَّه ما دام في القلب حقد لأحد من أهل الإيمان بلا حجَّة فذاك مرض فيه، {ربَّنا إِنَّكَ رءوف رحيم (10)} فأنت أهل بأن تجيب دعاء من دعاك.
{ألم تَرَ إلى الذين نافَقُوا} أظهروا خلاف ما أضمروا، فلذلك ... (1) {يقولون: لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} فانظر سمَّاهم الله إخوانهم، لأنَّهم متشابهون في الأعمال، إلاَّ (لَعَلَّهُ) ما أقرُّوا به من الإقرار بالألسنة في الظاهر، {لئن أُخرِجتُم} من دياركم، {لنَخرُجَنَّ معكم ولا نُطيعُ فيكم أحدا أبدا؛ وإن قُوتِلتم لنَنصُرنَّكم والله يشهد إِنَّهُمْ لَكاذبون (11)} لِعلمِه بأنَّهم لا يفعلون ذلك، كما قال: {لئن أُخرِجُوا لا يَخْرُجون معهم، ولئن قوتلوا لا يَنصرونهم، ولئن نَّصَروهم} عَلَى عَرَضٍ عاجل، {لَيُوَلُّنَّ الأدبار} انهزامًا، {ثُمَّ لا يُنصَرون (12)} بعدُ، بل يخذلهم الله، ولا تنفعهم نصرة المنافقين، لأنَّهم لا ينصرونهم إِلاَّ لغرض عاجل، وليس له ثبات.
{__________
(1) - ... وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، وَفيِ العبارة سقط واضح. (4/260)
صفحة 1423
لأَنتم} أيُّها المؤمنون؛ {أشدُّ رهبةً} مرهوبا، {في صدورهم} فإنَّهم كانوا يظهرون مخافتهم من المؤمنين، {من الله} عَلَى ما يظهرونه نفاقاً، فإنَّ استبطان رهبتهم سبب لإظهار رهبة الله؛ أو لا يرهبون الله ... (1) يرهبون القتل عَلَى أيد المؤمنين، {ذلك بأنَّهم قومٌ لا يَفقهون (13)} لا يعلمون عظمة الله حتَّى يخشوه (2) حقَّ خشيته، ويعلمون بأنَّه الحقيق بِأن يُخشى. {لا يقاتلونكم جميعا إِلاَّ في قرًى مُّحَصَّنةٍ} بالخنادق، {أو من وراء جُدُرٍ} لفرط رهبتهم، {بأسُهم بينَهم شديدٌ} أي: وليس ذلك لضعفهم وجبنهم، فإنَّه يشدُّ بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولأنَّ الشجاع يجبن، والعزيز يذلُّ إذا حارب اللهَ ورسولَه؛ {تحسَبهم جميعا} مجتمعين متَّفقين، {وقلوبُهم شتَّى} متفرِّقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم. قال قتادة: «أهل الباطل مختلفة أهواؤهم ومختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحَقِّ»؛ {ذلك بأنَّهم قوم لا يعقلون (14)} ما فيه صلاحهم، وأنَّ تشتُّتَ القلوبِ يوهن قواهم.
{__________
(1) - ... وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، وَفيِ العبارة سقط تقديره: «بل»، أو «وَإِنَّمَا».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «يخشونه»، وَهُوَ خطأ من الناسخ. (4/261)
صفحة 1424
كَمَثَلِ الذين مِن قَبلِهم قريبا} في زمان قريب، {ذاقوا وَبَالَ أمرِهم} سوء عاقبة كفرهم في الدنيا، {ولهم عذاب أليم (15)} في العقبى؛ {كَمَثَلِ الشيطانِ} أي: مَثل المنافقين في إغراء اليهود عَلَى القتال كمثل الشيطان، {إذ قال للإنسان: اكْفُرْ} أغراه عَلَى الكفر إغراء الآمرِ المأمورَ؛ {فَلَمَّا كَفَرَ قال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ} تبرَّأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب، ولم ينفعه كما قال: {إِنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالمين (16)} فيقول الله تعالى: {فكان عاقبتهما أَنَّهُمَا في النار خالِدَيْنِ فيها وذلك جزاءُ الظالمين (17)} (1) استحقَّا الاشتراكَ في العذاب، هذا بالإضلال، وذلك بالاتِّباع والتقليد.
{يا أيُّهَا الذين آمنوا، اتَّقوا الله} بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، {ولتَنظُرْ نفسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ} ليوم القيامة، سمَّاه به لدنوِّه، أو لأنَّ [604] الدنيا كيوم، والآخرة غده؛ أمر الله تعالى كُلَّ نفس أن تنظر ما قدَّمته، فإن كان خيرا حمدَتِ اللهَ وزادت، وإن كان شرًّا استغفرَتْ منه وتابت؛ وهذا إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال. {واتَّقوا اللهَ إنَّ الله خبيرٌ بما تعملون (18)}.
{__________
(1) - ... فيِ العبارة خلل، وَفيِ تفسير البيضاوي: «{فَلَمَّا كَفَرَ قال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالمين} تبرَّأ عنه مخافة أن يشاركه في العذاب، ولم ينفعه كما قال: {فكان عاقبتهما أَنَّهُمَا في النار خالِدَين فيها ... ». ج4/ ص197. (4/262)
صفحة 1425
ولا تكونوا كالذين نَسُوا اللهَ} أي: تركوا ما تعبَّدهم الله به، {فأنساهم أنفسَهم} الروحانيَّة فهمُّوا بالنفس الجسمانيَّة، فجعلهم ناسين لها، حتَّى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلِّصها ولم يجنِّبوها ما يضرُّها ويهلكها، ولا يخالف هذا قوله: {قد أهمَّتهم أنفسهم} (1)، لأنَّه أراد بهذه النفسِ في هذا الموضع: النفسَ الجسمانيَّة، {أولئك هم الفاسقون (19)} الخارجون من تزكية الأنفس عن الرذائل.
{لا يستوي أصحابُ النارِ وأصحابُ الجَنَّة} الذين استكملوا أنفسهم، فاستأهلوا الجنَّة، والذين استمهنوها فاستحقُّوا النار {أصحابُ الجَنَّة هم الفائزون (20)} بالنعيم المقيم.
{لو أنزلنا هذا القرآنَ على جبل} وكان مركَّبا فيه عقل، {لَرَأيتَه} تمثيل وتخييُّل كما مَرَّ في قوله: {إنَّا عرضنا الأمانة} (2) ولذلك عقَّبه بقوله: {خاشعا} (لَعَلَّهُ) متواضعا قد وضعَتْه عن التكبُّر آياتُ القرآن {مُتصدِّعًا مِّنْ خشيةِ الله} (لَعَلَّهُ) من عذابه وعقوبته إن لم يمتثل لِمَا في القرآن، فإنَّ الإشارة إليه وإلى أمثاله؛ والمراد: توبيخ الإنسان على عدم تخشُّعه عند تلاوة القرآن، لقساوة قلبه، وَقِلَّة تدبُّره، والتصدُّع: التشقُّق. {وتلك الأمثالُ نضربها للنَّاس لَعَلَّهُمْ يتفكَّرون (21)} أنَّه:
{هو اللهُ الذي لا إله إِلاَّ هوعالِمُ الغيبِ} ما غاب عن العباد علمه؛ {والشهادةِ}: ما شاهدوه وعاينوه، {هو الرحمنُ الرحيم (22)} ما غاب عن الحسِّ من الجواهر القدسيَّة وأحوالها، وما حضر له من الأجرام وأعراضها، وتقدُّم الغيب لتقدُّمه في الوجود، وتعلُّقِ العلم القديم به؛ أو المعدوم والموجود؛ أو السرُّ والعلانيَّة؛ أو الآخرة والدنيا، كقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} (3).
{__________
(1) - ... سورة آل عمران: 154.
(2) - ... سورة الأحزاب: 72. انظر: ج3/ ص 312.
(3) - ... سورة البقرة: 3. (4/263)
صفحة 1426
هو الله الذي لا إلهَ إِلاَّ هو الملِكُ} ذو المُلك، لأنَّه المالك للأشياء، {القدُّوس} البليغ في النزاهة عمَّا يوجب نقصانا؛ والقدس: هو الطهارة، {السلامُ} ذو السلامة من كُلِّ نقص وآفة، {المؤمنُ} واهب الأمن؛ وقيل: المصدِّق لِمَن آمن به من عباده المؤمنين {المهَيْمِنُ} الرقيب الحافظ لِكُلِّ شيء، {العزيزُ الجبَّارُ} الذي جَبَر خلقه على ما أراد؛ أو جبر حالهم: بمعنى أصلحه. {المتكبِّرُ} الذي يَكبُر عن كُلِّ ما يوجب حاجة أو نقصانا، {سبحانَ اللهِ عَمَّا يُشركون (23)} إذ لا يشاركه شيء في ذلك ولا يضرُّه شركهم.
{هو اللهُ الخالقُ} المقدِّر للأشياء على مقتضى حكمته {البارِئُ} الموجد لها؛ بريئا من التفاوت، {المصوِّر} الموحِّد لصورها [605] وكيفيَّاتها كما أراد، {له الأسماءُ الحُسنَى} لأنَّها دالَّة على محاسن المعاني، فليتأمَّل معاني هذه الأسماء والصفات لتنكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إِلاَّ للموقنين، {يسبِّح له ما في السماوات والأرض} لتَنَزُّهِهِ عن النقائص كُلِّها. {وهو العزيز الحكيم (24)} الجامع للكمالات كُلِّها بأسرها فإنَّها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم.
- - - -
سورة الممتحنة
بسم الله الرحمن الرحيم
{يا أيُّهَا الذين آمنوا لا تتَّخذوا عَدُوِّي وعدوَّكم أولياء تُلقون إليهم بالمودَّة} (لَعَلَّهُ) لِمحض الصفاوة؛ وقيل: تلقون إليهم أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، كقوله: {تسرُّون إليهم بالمودَّة}. {وقد كفروا بما جاءكم مِّنَ الحَقِّ يُخرجون الرسولَ وَإِيَّاكُمْ، أن تُؤمنوا} (لَعَلَّهُ) أي: لأن آمنتم أيُّها المؤمنون {بالله رَبِّكُم إن كنتم خرجتم} عن أوطانكم {جهادا في سبيلي، وابتغاءَ مرضاتي تُسِرُّون إليهم بالمودَّة وأنا أعلمُ بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يَّفعلْه منكم فقد ضلَّ سواءَ السبيل (1)} أخطأَه.
{ (4/264)
صفحة 1427
إن يَّثقَفُوكم} يَظفروا بكم، {يكونوا لكم أعداء} ولا ينفعكم إلقاء المودَّة إليهم، {ويَبسُطوا إليكم أيديهم وأَلْسِنَتَهم بالسُّوءِ} ما يَسوؤكم كالقتل والشتم، {وَوَدُّوا لو تكفرون (2)} وتَمنَّوا ارتدادكم. {لن تَنفعَكم أرحامكم} قرباتكم {ولا أولادكم} الذين تُوالون المشركين لأجلهم، {يومَ القيامة يَفصِلُ بينكم} يُفرَّق بينكم بما عراكم من الهول، فيفرُّ بعضكم من بعض، فما لكم ترفضون حقَّ الله لمن يفرُّ عنكم غدا؟! {والله بما تعملون بصيرٌ (3)} فيجازيكم عليه.
{قد كانت لكم أُسوةٌ حسنةٌ} قدوةٌ، اسمٌ لِمَا يُؤتسى (1) به، {في إبراهيم والذين معه} من المؤمنين، {إذ قالوا لقومِهِم: إِنَّا بُرَآءُ منكم وممَّا تَعبدون من دون الله، كَفَرْنَا بكم} أي: بدينكم، أو بمعبودكم، أو بكم وبه، فلا نعتدُّ بشأنكم وآلهتكم، {وبدا بينَنَا وبينَكم العداوةَ والبغضاءَ} لا تزولُ {أبدا، حَتَّى تؤمنوا بالله وحدَه} فتنقلب العداوة والبغضاء أُلفة ومحبَّة؛ {إلاَّ قولَ إبراهيمَ لأبيه: لأستغفرنَّ لك} استثناء من قوله: {أسوة حسنة} فإنَّ استغفاره لأبيه الكافر ليس مِمَّا ينبغي أن يَتَأسَّوا به، فَإِنَّهُ كان قبل النهي، أو لموعدة وعدها إيَّاه (2)، {وما أملك لك من الله من شيءٍ} من شيء إن لم تؤمن به.
{ربَّنا عليك توكَّلنا وإليك أَنبنَا وإليك المصيرُ (4)} متَّصِل بما قبل الاستثناء؛ أو أمر من الله للمؤمنين بِأَن يقولوه، تتميما لِمَا وصَّاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفَّار. {ربَّنا لا تَجعلْنا فتنةً للذين كفروا} بِأَن تسلِّطهم علينا فيفتنوننا بعذاب لا نَحتمله، {واغفر لنا} ما فَرط [مِنَّا]، {ربَّنا إِنَّكَ أنت العزيز الحكيم (5)} ومن كان كذلك كان حقيقا بِأَن يُجير المتوكِّل، ويُجيب الداعي.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يؤتاسى»، وهو خطأ.
(2) - ... انظر سورة التوبة، الآية: 114. (4/265)
صفحة 1428
لقد كان لكم فيهم أُسوة حسنةٌ} تكرير لمزيد الحثِّ على [606] التأسِّي بإبراهيم والمؤمنين، {لِمن كان يرجو الله واليومَ الآخِرَ} على أنَّه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسِّي بهم، وَأَنَّ تركه مؤذن بسوء العقيدة، ولذلك عقَّبه بقوله: {ومن يتولَّ فإنَّ الله هو الغنيُّ الحميدُ(6) عَسى الله أن يَجعَلَ بينَكم وبينَ الذين عادَيْتُم مِّنهم مَّوَدَّةً والله قديرٌ والله غفور رحيم(7)}.
{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتِلوكم في الدِّينِ ولم يُخرجوكم مِّن دِيَارِكم أن تَبرُّوهم وتُقسِطوا إليهم إنَّ الله يُحِبُّ المقسطين(8)} العادلين. {إِنَّمَا ينهاكم الله عن الذين قاتَلوكم في الدِّينِ وأخْرَجوكم مِّن دياركم وظاهَرُوا على إخراجِكُم} كمشرِكي مكَّة، فإنَّ بعضهم سَعوا في إخراج المؤمنين، وبعضهم أعانوا المخرِجين، {أَن تَوَلَّوْهُم، ومن يَتَوَلَّهم فأولئك هم الظالمون(9)} لوضعهم الولاية في غير موضعها.
{ (4/266)
صفحة 1429
يا أَيُّهَا الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجِراتٍ فامتحِنوهنَّ} فاختبروهنَّ بما يغلب على ظنِّكم موافقة قلوبهنَّ لسانهنَّ في الإيمان، {الله أعلم بإيمانهنَّ} فإنَّه المطَّلِع عَلَى ما [في] قلوبهنَّ، لستم أنتم مخاطبين به، {فإن عَلِمْتُمُوهنَّ مؤمناتٍ} العلم الذي يُمكنكم تَحصيله، وَهُوَ أمارات الإيمان مع ارتفاع التهمة؛ وإنَّما سمَّاه علما إيذانا أنَّه كالعلم في وجوب العمل به، {فلا تَرْجِعُوهنَّ إلى الكفَّارِ} أي: إِلىَ أزواجهنَّ الكفرة، لقوله: {لا هُنَّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحِلُّون لَهُنَّ وآتوهم مَّا أنفَقُوا} أي: وآتوا أزواجهنَّ ما أنفقوا عليهنَّ، {ولا جناح عليكم أن تَنكِحُوهنَّ} فإنَّ الاسلام حال بينهنَّ وبين أزواجهنَّ الكفَّار، {إذا آتيتموهنَّ أجورَهنَّ ولا تُمسكوا بِعِصَم الكوافِرِ} بما تعتصم بِهِ الكافرات مِن عقد وسبب؛ جمع عصمة، والمراد: نهي المؤمنين عن المقام عَلَى نكاح المشركات، {واسألوا ما أنفَقتم} من مُهور نسائكم اللاَّحقات بالكفَّار، {وليسألوا ما أنفَقوا} من مهور أزواجهنَّ المهاجرات، {ذلكم حُكم الله} يعني: جميع ما ذكر في الآية، {يَحكم بينكم والله عليم حكيم(10)} بشرع ما تقتضيه حكمته.
{وإن فاتكم شيءٌ} وإن سبقكم، وانفلت منكم شيء {من أزواجِكم إلى الكفَّار فعاقَبتم، فآتوا الذين ذَهَبت أزواجهم مثلَ ما أَنفَقوا، واتَّقوا الله الذي أنتم به مؤمنون(11)} فإنَّ الإيمان به مِمَّا يقتضي التقوى منه.
{ (4/267)
صفحة 1430
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذا جاءك المؤمناتُ يبايِعْنَكَ على أن لا يُشْرِكْنَّ بالله شَيْئًا} قيل: لَمَّا فرغ - عليه السلام - من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، {ولا يَسرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أولادَهنَّ ولا يأتينَ بِبُهْتانٍ يفترينَهُ بينَ أيديهنَّ وأرجُلِهنَّ} قيل: هي أن تقذف ولدًا عَلَى زوجها ليس منه، {ولا يَعصينك في معروفٍ} في طاعة تأمرهنَّ بها، {فبايِعْهُنَّ} إذا بَايعنَكَ [607] بضمان حقوق (لَعَلَّهُ) الإسلام، أو الثواب عَلَى الوفاء بهذه الأشياء، {واستغفِرْ لهنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ (12)}.
{يا أَيُّهَا الذين آمنوا لا تتولَّوْا قوما غَضِبَ الله عليهم قَد يَئِسُوا من الآخرةِ} لكفرهِم بها، أو لعلمهم بأنَّه لا حظَّ لهم فيها؛ لاستكبارهم عن الحقِّ. {كما يَئِس الكفَّار من أصحاب القبور (13)} أن يبعثوا.
سورة الصف
بسم الله الرحمن الرحيم
{سبَّح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) يا أَيُّهَا الذين آمنوا، لِمَ تقولون ما لا تفعلون (2)} لأنَّ القول إذا لم يصدَّق بالعمل فهو كذب؛ ولذلك توعَّد الله عليه، فقال: {كَبُر مَقْتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3)} المقت: أشدُّ البغض.
قيل: كان المؤمنون يقولون: لو علمنا (لَعَلَّهُ) أحبَّ الأعمال إِلىَ الله لَبذلنَا فيه أموالنا وأنفسَنا؛ فدلَّهم الله تعالى عَلَى أحبِّ الأعمال إليه، فقال: {إنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتِلون في سبيله صَفًّا} مصطفِّين {كأنَّهم بُنيانٌ مَّرصُوصٌ (4)} في تراصِّهم من غير فرجة؛ والرصُّ: اتِّصَال بعض البناء بالبعض واستحكامه.
{ (4/268)
صفحة 1431
وإذ قال موسى لقومه: يا قوم لِم تُؤذونني وقد تعلمون أَنِّي رسول الله إليكم} بما جئتكم من المعجزات؛ فإنَّ العلم بنبوَّته يوجب تعظيمه، ويَمنع إيذاءه، {فلمَّا زاغوا} عن الحَقِّ؛ {أزاغ الله قلوبَهم} صرفها عن قبول الحقِّ والميل إِلىَ الصواب، {والله لا يهدي القومَ الفاسقين (5)} هداية موصلة إِلىَ معرفة الحقِّ والعمل بمقتضاه.
{وإذ قال عيسى ابنُ مريمَ: يا بني إسرائيل إِنِّي رسول الله إليكم مُّصَدِّقا لِّمَا بينَ يَدَيَّ من التوراة ومبشِّرا برسول يأتي (1) مِن بعديَ اسمه أحمدُ} والمعنى: دِيني التصديق بكتب الله وأنبيائه، {فلمَّا جاءهم بِالبَيِّنَاتِ قالوا: هذا سحرٌ مُّبينٌ (6)} أي: كذب بيِّنٌ.
{ومَن أظلم مِمَّن افتَرَى على الله الكذبَ وهو يُدعَى إلى الإسلام} أي: أيُّ أحدٍ أظلم مِمَّن يُدعى إِلىَ الإسلام الظاهر حقيقته، المقتضي له خيرَ الدارين، فيضع موضِعَ إجابته الافتراءَ عَلَى الله بتكذيب رسوله، وتسمية (2) آياته سحرًا، {والله لا يَهدِي القوم الظالمين (7)} لا يرشدهم إِلىَ ما فيه صلاحهم.
{يريدون ليطفئوا نورَ الله} يعني: دينه أو كتابه أو حجَّته {بأفواههم} بطعنهم فيه، {والله مُتِمُّ نُورِه} مبلِّغ غايته بنشره وإعلائه عَلَى كُلِّ دين إِلىَ يوم القيامة، {ولو كَرِهَ الكافرون (8)} إرغاما لهم. {هو الذي أرسلَ رسولَه بالهدَى} بالقرآن، {ودينِ الحَقِّ} والملَّة الحنيفيَّة، {ليُظهِرَه على الدِّينِ كُلِّه} ليُعلِيه عَلَى جميع الأديان، {ولو كَرِهَ المشركون (9)} بما فيه من محض التوحيد، وإبطال الشرك.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «يأتي»، وهو سهو.
(2) - ... في الأصل: «والتسمية»، وَهُوَ خطأ. (4/269)
صفحة 1432
يا أَيُّهَا الذين آمنوا هل أدلُّكم على تجارة تُنجِيكم مِّنْ عذابٍ أليمٍ (10) تُؤمنون بالله ورسوله وتُجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن [608] كنتم تعلمون (11)} إن كنتم من أهل العلم؛ إذ الجاهل لا يُعتدُّ بفعله السيِّء، ولا قوله الباطل. {يغفرْ لكم ذنوبَكم ويدخلْكم جَنَّاتٍ تجري من تحتِها الأنهارُ ومساكنَ طيِّبة في جَنَّاتِ عدنٍ ذلك الفوزُ العظيم (12)}.
{وأخرى تُحبُّونها} ولكم إِلىَ هذه النعمة المذكورة، نعمة أخرى عاجلة محبوبة. وفي «تُحبُّونها» تعريض بأنَّه مركَّز في طباعهم حبُّ الحلال، ليقوِّيهم عَلَى الانتقال به إِلىَ الآجل، إذ قال: {تحبُّونها} وَهُوَ قوله: {نصرٌ مِّنَ الله وفتحٌ قريب} عاجل {وبشِّر المؤمنين (13)}.
{يا أَيُّهَا الذين آمنوا، كونوا أنصارَ اللهِ} لإظهار دينه، واقتدوا بأهل دينه، لقوله: {كما قال عيسى ابنُ مريم للحواريِّين: مَن أنصارِي إلى الله} أي: مَن جُندي متوجِّها إِلىَ نصرة الله، ليطابقوا قوله: {قال الحواريون: نَحن أنصارُ الله} والحواريون: هم أصفياء قومه؛ {فآمنت طَّائفة من بني إسرائيل} الذين تشمَّروا لنصرة نَبِيِّه، {وكَفَرَت طَّائفة} التي خذلته، {فأيَّدْنا الذين آمنوا على عدوِّهم} بالحجَّة أو بالنصر، {فأصبحوا ظاهرين (14)} فصاروا غالبين بالحجَّة لا بالدولة فيما قيل.
سورة الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (4/270)
صفحة 1433
يُسبِّح لله ما في السماوات وما في الأرض الْمَلِكِ القُدُّوسِ العزيزِ الحكيمِ (1)} (لَعَلَّهُ) قيل: هَذِهِ آية بسبعمائةِ (لَعَلَّهُ) آيَةٍ في ... (1). {هو الذي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ} أي: في العرب، لأنَّ منهم [مَن] لا يقرأ ولا يكتب، {رسولا مِّنهم يتلو عليهم آياته} مع كونه أُمِّيًّا، ومثله لم يُعهد منه قراءة ولا تعلُّم، {ويزكِّيهم} من خبائث العقائد والأعمال، {ويعلِّمُهُمُ الكتاب والحكمةَ} القرآن والشريعة، أو معالم الدين من المنقول، ولو لم يكن سواه معجزةً لَكفاه. {وإن كانوا من قبلُ لَفِي ضلالٍ مُّبينٍ (2)} من الشرك وخبث الجاهليَّة؛ وَهُوَ بيان لشدَّة احتياجهم إِلىَ نَبِيٍّ يرشدهم.
{وآخَرين منهم} عطف عَلَى «الأُمِّيِّينَ»، أو المنصوب في «يعلِّمهم»، وهم الذين جاؤوا بعد الصحابة إِلىَ يوم الدين فَإِنَّ دعوته وتعليمه يعمُّ الجميع؛ {لَمَّا يَلحقوا بهم} لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون، {وهو العزيز} في تمكينه من هذا الأمر الخارق للعادة، {الحكيم (3)} في اختياره وتعليمه. {ذلك فضل الله} ذلك الفضل الذي امتاز به عن أقرانه، {يُؤتيه من يشاء} تفضُّلا وعطيَّة، {والله ذو الفضل العظيم (4)} الذي تُستحقر دونه نِعَم الدنيا ونعيم (2) الآخرة.
{__________
(1) - ... إحالة إلى الحاشية من غير وجود أيِّ نص فيها، وَفيِ العبارة سقط واضح لم نتمكَّن من إكماله مِمَّا بين أيدينا من المصادر.
(2) - ... كتب الناسخ فوق كلمة «نعيم»: «نِعَم». (4/271)
صفحة 1434
مَثَلُ الذين حُمِّلوا التوراةَ} عَلِموها وكُلِّفوا العملَ بها، {ثمَّ لم يَحملوها} لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بما فيها، {كَمَثَل الحمار يَحمل أسفارًا} كُتبا من العلم يتعب في حملها، (لَعَلَّهُ) وهذا المثل يعمُّ كُلَّ عامل لا ينتفع بِعمَله، فهو معذَّب بعمله، كان أمرا دينيًّا أو دنياويًّا، وذلك قوله: ولا ينتفع بها ويتعذَّب، {بئسَ مَثَلُ القومِ الذين [609] كَذَّبوا بآيات الله} أي: كُلُّ من كذَّب بآيات الله (لَعَلَّهُ) فهو داخل في هذا المثل، {والله لا يهدي القومَ الظالمين (5)} (لَعَلَّهُ) لشيء ينفعهم؛ لأنَّ رحمة الله لا ... (1) لهم في الدارين.
{قل: يا أيُّهَا الذين هادوا إن زعمتم أَنَّكُمْ أولياء لله من دون الناس} إذ كانوا يقولون: نحن أولياء الله وأحبَّاؤه، {فتمنَّوا الموت} فتمنَّوا من الله أن يُميتكم، ويَنقلكم من دار البليَّة إِلىَ مَحلِّ الكرامة، ومِن دار التعبُّد إِلىَ دار الجزاء {إن كنتم صادقين (6)} لأَنَّ مَن كان عَلَى حقيقةٍ مِن أمره، يتمنَّى الانتقال من دار المكابدة والخوف إِلىَ دار الجزاء والأمن؛ لأنَّ المؤمن لا يأمن تقلُّب الأحوال به، لأنَّه لا تدري نفس ماذا تكسب غدا، {فلا يأمن مَكر الله إِلاَّ القوم الخاسرون} (2)، {ولا يَتَمنَّوْنَه أبدا بما قدَّمت أيديهم} بسبب ما قدَّموا من الكفر والمعاصي، {والله عليم بالظالمين (7)} فيجازيهم عَلَى أعمالهم.
{قل: إنَّ الموت الذي تفرُّون منه} وتخافون أن تتمنَّوه بلسانكم مخافة أن يصيبكم فتؤخذوا بعملكم، {فَإِنَّهُ مُلاقيكم} لا تفوتونه، [وهو] لاحق بكم، {ثمُّ تُردُّون إلى عالِمِ الغيب والشهادة فينبِّئُكم بما كنتم تعملون (8)} بأن يجازيكم عليه.
{__________
(1) - ... بياض قدر كلمة. وَلَعَلَّ صواب العبارة: «لأَنَّ رحمة الله لا تنالهم فيِ الدارين».
(2) - ... سورة الأعراف: 99. (4/272)
صفحة 1435
يا أيُّهَا الذين آمنوا إذا نُودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكرِ الله} فامضوا إليه مسرعين قصدًا؛ لأنَّ الصلاة مجموع ذكره لِمَن حضرها بقلب فارغ، أو ألقى السمع وَهُوَ شهيد، {وذَرُوا البيعَ ذلكم خيرٌ لكم} أي: السعي إِلىَ ذكر الله خير لكم من المعاملة، فإنَّ نفع الآخرة خير وأبقى {إن كنتم تعلمون (9)} الخير والشرَّ الحقيقين. {فإذا قُضيت الصلاة فانتشِروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} إطلاق لِمَا حظر عليهم في طلب الرزق، أو طلب العلم، {واذكروا الله كثيرا} واذكروه في مجامع أحوالكم، ولا تخصُّوا ذكره بالصلاة وحدها؛ ومن ملازمتهم لذكره: القيام بما تعبَّدهم به؛ لأنَّهم يصيرون (1) بذلك حامدين الله، ومسبِّحين له في الدارين، {لعلَّكم تُفلحون (10)} بخير الدارين.
{وإذا رَأَوْا تجارة أو لَهْوًا انفضُّوا إليها وتَرَكُوكَ قائما} عَلَى المنبر تَخطب، {قل: ما عند الله} من خزائن رزقه ورحمته {خير من اللهو ومن التجارة} فإنَّ ذلكم مُحقَّق مخلَّد بخلاف الأمور الدنياويَّة، {والله خير الرازقين (11)} فتوكَّلوا عليه، واطلبوا الرزق منه؛ فإنَّ رِزق مَن توكَّل عليه خير مِن رِزق من يَكِله إِلىَ نفسه.
سورة المنافقون
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «يصيروا»، وَهُوَ خطأ، إذ لا موجب لحذف النون. (4/273)
صفحة 1436
إذا جاءك المنافقون قالوا: نَشهَدُ إِنَّكَ لَرسول الله} الشهادة إخبار عن عِلم؛ مِن الشهود، وَهُوَ: الحضور والاطِّلاع؛ ولذلك صدَّق المشهود به، وكذَّبهم في الشهادة بقوله: {والله يعلم إِنَّكَ لَرسوله والله يَشهد إنَّ المنافقين لَكاذبون(1)} لأنَّهم لم يعتقدوا ذلك، لإضمارهم [610] خلاف ما أظهروا. قال الغزالي: «وهذا صدق، وَلَكِنَّ كذبهم لا من حيث النطق باللسان، بل من حيث ضمير القلب». {اتَّخَذوا أَيْمَانهم} حلفهم الكاذب، أو شهادتهم هذه، فإنَّها تَجري مَجرى الحلف في التوكيد، {جُنَّةً} وقاية عن القتل والسبي، {فصَدُّوا عن سبيل الله إِنَّهُمْ ساء ما كانوا يعملون(2)} من نفاقهم وصدِّهم.
{ذلك} إشارة إِلىَ الكلام المتقدِّم؛ أي: ذلك القول الشاهد عَلَى سوء أعمالهم، أو إِلىَ الحال المذكور من النفاق والكذب، {بأنَّهم آمنوا ثُمَّ كفروا} ارتدُّوا، أو آمنوا إذا رأوا آية، ثمَّ كفروا حيث سمعوا من شياطينهم شبهة، {فَطُبع على قلوبهم} حتَّى تَمرَّنوا عَلَى الكفر، واستحكم فيهم، {فهم لا يفقهون(3)} حقيقة الإيمان ولا يعرفون صحَّته. {وإذا رأيتَهم تُعجبُك أجسامُهم} بصباحتهم ومعروفهم الظاهر.
{ (4/274)
صفحة 1437
وإن يقولوا تَسْمَعْ لقولهم} لِذَلاَقَتهم وحلاوة كلامهم، {كأنَّهم خُشبٌ مُّسَنَّدَةٌ} مشبَّهين بأخشاب منصوبة، مسندة إِلىَ الحائط، في كونهم أشباح خالية (لَعَلَّهُ) عن الأرواح، [وَ] عن العلم والنظر، {يَحسَبون} (لَعَلَّهُ) مِن خُبثهم وسوء ظنِّهم، {كلَّ صيحة عليهم} أي: واقعة عليهم لجبنهم واتِّهامهم فعليهم ... (1) {هُمُ العَدُوُّ فاحذَرْهم} (لَعَلَّهُ) ولا تأمنهم، {قاتَلَهم اللهُ} دعاء عليهم، وشهادة منه عليهم بالهلاك؛ وهو طلب من ذاته أن يلعنهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك، {أَنَّى يُؤفكون (4)} كيف يُصرفون عن الحقِّ.
{وإذا قيل لهم: تَعَالَوْا يستغفِرْ لكم رسولُ الله} بِأَن تدخلوا في طا [عته] (2) مُحقِّقين فتستحقُّوا الاستغفار منه، ثقل ذلك عليهم، لقوله: {لَوَوْا رُءُوسَهم} عَطفوها إعراضا واستكبارا عن ذلك، {ورأيتَهم يصُدُّون} عن طاعته {وهم مُّستكبِرون (5)} عُتُوًّا وعنادا. {سواء عليهم أَستغفرتَ لهم} ما داموا على حالهم، {أم لم تستغفِرْ لهم، لن يغفرَ الله لهم} لرسوخهم في الكفر، {إنَّ الله لا يَهدي القوم الفاسقين (6)} عن مظنَّة الإصلاح، لانهماكهم في الكفر والنفاق.
{__________
(1) - ... فيِ العبارة سقط نجده عند البيضاوي: «فعليهم ثاني مفعولَيْ “يحسبون”. ويجوز أن يكون صلته، والمفعول: {هم العدوُّ} ... ». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص204.
(2) - ... في الأصل بياض قدر كلمة. (4/275)
صفحة 1438
هم الذين يقولون} أي: للأنصار: {لا تُنفِقوا على مَن عندَ رسولِ الله} يَعنون فقراء المهاجرين {حَتَّى ينفضُّوا} (لَعَلَّهُ) يتفرَّقوا عنه، {ولله خزائنُ السماوات والأرض} بيده الأرزاق والقسم، {ولكنَّ المنافقين لا يَفقَهُون (7)} ذلك، لِجهلهم بالله، إذ يرون الأسباب دون مسبِّبها. {يقولون: لئن رَّجَعنا إلى المدينة لَيُخرِجَنَّ الأعزُّ} (لَعَلَّهُ) لفقرهم، ولم يعلموا أنَّ العزَّة كلَّها في الطاعة (1)، {منها الأذلَّ؛ ولله العزَّةُ ولرسوله وللمؤمنين} لله الغلبة والقوَّة، ولمن أعزَّه من رسوله والمؤمنين، {ولكنَّ المنافقين لا يعلمون (8)} من فرط جهلهم وغرورهم.
{يا أيُّهَا الذين [611] آمنوا لا تُلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها عن أداء فرائضه تلهِّيا وتفرُّحا، ولا تكتسبوها بغير طاعته، فتشغلكم عن أداء فرائضه، ولا تعصوا الله بسببها فتخسروا الدارين، {ومَن يفعلْ ذلك فأولئك هم الخاسرون (9} لأنَّهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني.
{وأنفِقُوا مِن مَّا رَزَقناكم} بعض أموالكم ادِّخارا للآخرة، {مِن قبلِ أن يأتيَ أحدَكم الموتُ} أي: يرى دلائله، {فيقولَ: رَبِّ لولا أخَّرْتَني} هلاَّ أمهلتني {إلى أجل قريب} يسأل الرجعة إلى الدنيا، وما قصَّر أحد في الواجب إِلاَّ يسأل الرجعة إِلىَ الدنيا، {فأصَّدَّقَ} (لَعَلَّهُ) لأنَّه ضيَّع فرائض الصدقة، {وأكُنْ مِّنَ الصالحين (10)} بالتدارك، {ولن يؤخِّر الله نفسا} ولن يُمهلها {إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11)} فيجازيكم عليه.
سورة التغابن
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... صواب العبارة هكذا: «لَيُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ} لفقرهم، ولم يعلموا أنَّ العزَّة كلَّها في الطاعة {ولله العزَّةُ ولرسوله وللمؤمنين}». (4/276)
صفحة 1439
يسبِّح لله ما في السماوات وما في الأرض} بدلالتها على كمال قدرته واستغنائه، {له الْمُلْكُ وله الحمدُ وهو على كُلِّ شيء قدير (1)} لأنَّ نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكلِّ على سواء؛ ثمَّ شرع فيما ادَّعاه فقال: {هو الذي خَلَقكم فمنكم كافرٌ} مقدَّر كفره، ناهٍ عمَّا يحمله عليه، {ومنكم مؤمن} مقدَّر إيمانه، آمر بما يدعوه اليه، {والله بما تعملون بصير (2)} فيعاملكم حسب أعمالكم.
{خَلَقَ السماواتِ والأرضَ بِالْحَقِّ} بالحكمة البالغة، {وصوَّركم فَأَحسَنَ صُوَرَكم} فصوَّركم من جملة ما خلق فيهما بأحسن صورة؛ ثمَّ زيَّنكم بصفوة أوصاف الكائنات، وخصَّكم بخلاصة خصائص المبدَعات، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات، لتكونوا من خير البريَّات، {وإليه المصير (3)} فأحسنوا سرائركم حتَّى لا يَمسخ بالعذاب ظواهركم.
{يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرُّون وما تُعلنون والله عليم بذات الصدور (4)} فلا يخفى عليه ما يصحُّ أن يُعلم، كلِّيًّا كان أو جزئيًّا، لأنَّ نسبة المقتضي لِعلمه إِلىَ الكلِّ واحدة؛ وتقديم تقدير (1) القدرة عَلَى العلم، لأنَّ دلالة المخلوقات عَلَى قدرته أوَّلاً بالذات، وَعَلَى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص.
{ألم يأتكم نَبَأُ الذين كفروا من قبلُ فذاقوا وبالَ أمرِهِم} ضرر كفرهم في الدنيا؛ وأصله: الثقل، ومنه الوبيل لطعام يثقل عَلَى المعدة، والوابل: للمطر الثقيل القطار، {ولهم عذاب أليم (5)} في الآخرة. {ذلك} أي: المذكور من العذاب والوبال، {بأنَّه كانت تَّأتيهم رسُلُهم بالبيِّنات فقالوا: أبشرٌ يهدوننا} أنكروا وتعجَّبوا أن يكون الرسول بشرًا، {فكفروا وتَوَلَّوا} عن النذير بالبيِّنات، {واستغنَى اللهُ} عن كُلِّ شيء، فضلاً عن طاعتهم، {والله غنيٌّ} عن عبادتهم وغيرها، {حميد (6)} يدلُّ عَلَى حمده كُلُّ مخلوق.
{__________
(1) - ... فيِ تفسير البيضاوي: «تقرير»، وَهُوَ أصوب. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص205. (4/277)
صفحة 1440
زَعَمَ الذين كفروا أن لن يُبعَثوا} الزعم: ادِّعاء العلم {قل: بلى وربِّي لَتُبعثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بما عملتم} بالمحاسبة والمجازاة، {وذلك [612] على الله يسير (7)} لحصول القدرة التامَّة. {فآمنوا بالله ورسوله والنورِ الذي أنزلنا} يعني: القرآن، فإنَّه بإعجازه ظاهر بنفسه، مُظهر لغيره، مِمَّا فيه شرحه وبيانه، {والله بما تعملون خبير (8)} فمُجازٍ عليه.
{يوم يَجمعكم ليومِ الجمع} لأجل ما فيه من الحساب والجزاء، والجمع: جمع الملائكة والثقلين، {ذلك يومُ التغابن} الحقيقيِّ، لأنَّه يَغبن فيه بعضهم بعضاً، لفوات الأشقياء منازل السعداء (1)؛ مستعار من تغابن التجَّار؛ واللام فيه (2) للدلالة عَلَى أنَّ التغابن الحقيقيَّ هو التغابن في أمور الآخرة لعظمها ودوامها.
{ومن يؤمِن بالله ويعملْ صالحا يكفِّر عنه سَيِّئَاته ويدخله جَنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا. ذلك} الإشارة إلى مجموع الأمرين، ولذلك جعله {الفوز العظيم (9)} لأنَّه جامع للمصالح، من دفع المضارِّ وجلب المنافع. {والذين كفروا وكذَّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير (10)} كأنَّها والآية المتقدِّمة بيان للتَّغابن وتفصيل له.
{__________
(1) - ... توضيح العبارة عند البيضاويِّ: «لنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء، وبالعكس». المصدر السابق.
(2) - ... العبارة بحرفيَّتها من البيضاويِّ (المصدر نفسه) وصوابها: «والألف واللام ... »، لأَنَّ “الـ” التعريف هي التي تَدُلُّ عَلَى التخصيص لا اللام وحدها. انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 439. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص257. (4/278)
صفحة 1441
ما أصاب من مُّصيبةٍ إِلاَّ بإذن الله} إِلاَّ بتقديره وإرادته، {ومن يؤمن بالله يَهْدِ قلبَه} للثبات والاسترجاع عند مواقعة الذنوب. والإيمانُ شرط لوجود الهداية بدليل هذه الآية؛ ويحتمل في التأويل: ومن يؤمن بالله يهد قلبه لطلب العلم، والعمل بما علم؛ والمعنى: أنَّه يجعل لقلبه باعثا على مظانِّ الهداية، لأنَّ الاجتهاد على قدر الإيمان؛ وذلك هو معنى هداية الله له ومثله: {والذين اهتدَوا زادهم هُدًى وآتاهم تَقوَاهم} (1) وكذلك خذلان الله لأهل الكفر تقصيرهم عن المواجب، وانهماكهم للشهوات (2)، {والله بِكُلِّ شيء عليم (11)} حتَّى القلوب وأحوالها؛ وعالم منها ما يصلح للإيمان وضدِّها. {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولَّيتم فَإِنَّمَا على رسولنا البلاغُ المبينُ (12) الله لا إله إِلاَّ هو وعلى الله فليتوكَّل المؤمنون (13)} لأنَّ إيمانهم بِأَنَّ الكلَّ منه يقتضي ذلك.
{__________
(1) - ... سورة مُحَمَّد: 17.
(2) - ... الصواب: «في الشهوات». (4/279)
صفحة 1442
يا أيُّها الذين آمنوا إنَّ من أزواجِكم وأولادكم عَدُوًّا لكم} لمن عصى الله فيهما، أو عصى الله لأجلهما، ومن ذلك قال: {إنَّ من أزواجكم وأولادكم}، و «مِن» هاهنا للتبعيض، لأنَّ من يطيع الله بهم وفيهم لأجلهم يكونون رحمة له، لأَنَّهُمْ أقرب الأشياء من غيرهم له لهذا وهذا (1)، ويكونون سببا للحالين، وقال: {إنَّ من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لَّكم فاحذروهم}، لأَنَّ منهم العقلاء المخاطبين، فيكون بعضهم سببا للطاعة، وبعضهم سببا للمعصية، ومن ذلك لم يشرك المال فيهما في العداوة، وجعله فتنة، لأنَّه جماد يُيَمَّمُ ولا يتيمَّم بنفسه، وإِنَّمَا هو له (2) لاستعمال الحالين. {فاحذروهم} عن أن تعصو الله فيهما؛ {وإن تعفوا} عن ذنوبهم بترك المعاقبة [613] {وتصفحوا} بالإعراض، وترك التثريب عليها، {وتغفروا} بإخفائها، وتمهيد معذرتهم فيها، {فإنَّ الله غفور رحيم (14)} يعاملكم بمثل ما عَملتم، ويتفضَّل عليكم.
{إنَّما أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ} فجميع الأموال والأولاد اختبار، وابتلاء للإنسان؛ فإن أطاع الله بهما فله الثواب، وإن عصى الله بهما فعليه العذاب في الدارين، ولذلك قال: {إنَّما أموالكم وأولادكم ... } ولم يقل: منها، {والله عنده أجرٌ عظيمٌ (15)} لمن آثر محبَّة الله وطاعته على محبَّة الأموال والأولاد والسعي لهم. {فاتَّقوا الله ما استطعتم} أي: ابذلوا في تقواه جُهدكم وطاقتكم، {واسمعوا} له أوامره، {وأطيعوا} وامتثلوا، {وأنفِقُوا} في وجوه الخير خالصا لوجهه {خيرا لأنفسكم} افعلوا ما هو خير لها، {ومن يُوقَ شُحَّ نفسِه} باستعماله للوقاية، {فأولئك هم المفلحون (16)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّه يقصد: للخير وللشرِّ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «هواله»، ولم يَتَّضِح لنا معناه وصحَّحناه حسب السياق. (4/280)
صفحة 1443
إنْ تُقرضوا الله قرضا حسنا} مقرونا بالإخلاص، وطيب القلب، {يُضاعِفْه لكم ويغفرْ لكم والله شكور حليم (17) عالِمُ الغيبِ والشهادة العزيزُ الحكيم (18)}.
- - -
سورة الطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم
{يا أيُّهَا النبيُّ إذا طلَّقتمُ النساءَ} خصَّ النداء وعمَّ الخطاب بالحكم، لأنَّه إمام أمَّته، فنداؤه كندائهم، لأنَّ الكلام معه والحكم يَعُمُّهم، والمعنى: إذا أردتم تطليقهنَّ، على تنزيل المُشارِف له منزلة الشارع فيه، {فطلِّقوهنَّ لِعِدَّتِهنَّ} أي: وقتها، وهو الطهر، {وأَحصُوا العِدَّة} واضبطوها، {واتَّقوا الله ربَّكم لا تُخرجوهنَّ من بُيُوتهنَّ} من مساكنهنَّ وقت الفراق، حَتَّى تنقضي العدَّة، {ولا يَخْرُجْنَ} باستبدادهنَّ [أَ] مَّا لو اتَّفقا على الانتقال جاز، إذ الحقُّ لا يعدوهما، وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقها السكنى ولزومها، {إلاَّ أن يأتين بفاحشة مُبيِّنة} والمعنى: إِلاَّ أن تبذو (1) عَلَى الزوج، فإنَّه كالنشوز في إسقاط حقِّها؛ أو إِلاَّ أن تزني فتخرج لإقامة الحدِّ عليها؛ «وقيل: إذا شتمته وآذته وساء خُلُقها»، هكذا يُوجد في الجامع. «وقيل: إنَّه الزنا؛ وقيل: إذا فحشت له بالقول، وقع ذلك موقع الفاحشة»، هكذا في جامع أبي سعيد.
{وتلك حدودُ الله} الإشارة إِلىَ الأحكام المذكورة، {ومن يَّتَعَدَّ حُدودَ الله فقد ظلم نفسَه} بِأَنْ عرَّضها للعقاب، {لا تدري لَعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بعد ذلك أمرا (1)} وَهُوَ الرغبة في المطلَّقة برجعة أو استئناف.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «تبدوا»، وَهُوَ خطأ. قال فيِ القاموس: «وقد بَذُوَ بَذَاءً وَبَذَاءَةً، وبَذَوْتُ عَلَيْهِم وأبْذَيْتُهُمْ: مِنَ البَذَاء، وَهُوَ الكلامُ القبيحُ». الفيروزآبادي: القاموس، ص1136، مَادَّة: «بذو». (4/281)
صفحة 1444
فإذا بَلَغْنَ أجَلَهنَّ} شارفن آخر عِدَّتهنَّ، {فأمسكوهنَّ} فراجعوهنَّ {بمعروف} بِحُسن عِشرَة، وإنفاق مناسب، {أو فارقوهنَّ بمعروف} بإيفاء الحقِّ واتِّقاء الضرر، {وأشْهِدوا ذَوَيْ عدلٍ مِّنكم} عَلَى الرجعة أو الفرقة، تبرُّؤًا عن الريبة، وقطعا للتنازع؛ قيل: هو ندب عَلَى الفراق، وفرض عَلَى الردِّ [614]، {وأقيموا الشهادة لله} أيُّها الشهود عند الحاجة، خالصا لوجهه، {ذلكم} يريد: الحثَّ عَلَى الإشهاد والإقامة، أو عَلَى جميع ما في الآية {يوعَظُ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} فإنَّه المنتفع به والمقصود تذكيره، (لَعَلَّهُ) ووعظه بما بيَّن من الإمساك بالمعروف، أو المفارقة بالمعروف، والإشهاد وأدائها لله، وغير ذلك، {ومن يتَّقِ الله} بأداء الفرائض والطاعات، {يجعل لَّه مخرجا (2)} من مضائق الأمور، وذُلِّ المعاصي. {ويرزُقْه من حيث لا يَحتَسِب} بالوعد لعامَّة المتَّقين، بالخلاص عن مضارِّ الدارين، والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون. وعنه - عليه السلام -: «إنِّي لأعلم آية، لو أخذ الناس بها لكفتهم: {ومن يتَّق الله} فما زال يقرأها ويعيدها» (1)، {__________
(1) - ... رواه ابن ماجه: فيِ كتاب الزهد، حديث رقم 4210، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لأَعْرِفُ كَلِمَةً ــ وَقَالَ عُثْمَانُ: آيَةً ــ لَوْ أَخَذَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِهَا لَكَفَتْهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَّةُ آيَةٍ؟ قَالَ: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}. ورواه عنه الدارميُّ: فيِ كتاب الرقاق: حديث رقم 2609، بلفظ: «لأَعْلَمُ آيَةً». ورواه أحمد: فيِ مسند الأنصار: حديث رقم 20571 بنحوه، وَلَكِن بزيادة: «قَالَ فَجَعَلَ يَتْلُو بِهَا وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ حَتَّى نَعَسْتُ ... » الحديث .. (4/282)
صفحة 1445
ومَن يَتَوكَّلْ على الله فهو حَسْبُه} كافيه، {إنَّ الله بالغُ أمرِه} يبلغ ما يريده، ولا يفوته مراده؛ أو يبلغه ما يصلح به وعليه {قد جَعَلَ الله لِكُلِّ شيءٍ قَدْرًا (3)} تقديرا أو مقداراً، أو أجلاً لا يتأتَّى تغييره، وَهُوَ بيان لوجوب التَّوَكُّل.
{واللائي يَئِسْنَ من المحيض من نِّسائكم} لكبرهنَّ {إن ارتبتم} شَكَكتم في عِدَّتهنَّ، أي: جهلتم، {فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهُرٍ، واللائي لم يَحِضْنَ} ... (1) أو علَّة فحكمها كما بيّن، {وأولاتُ الأحمالِ أجلُهنَّ أن يَضَعْنَ حَمْلَهنَّ ومن يتَّقِ اللهَ} في أحكامه فيراعي حقوقها، {يَجْعَل لَّهُ من أمره يُسْرًا (4)} يسهِّل عليه أمره، ويوفِّقه لخير الدارين. {ذلك} إشارة إِلىَ ما ذكر من الأحكام، {أمرُ الله أنزله إليكم، ومن يتَّق الله} في أحكامه فيراعي حقوقها، {يُكفِّرْ عنه سَيِّئَاته} فإنَّ الحسنات يُذهبن السيِّئات، {ويُعظِمْ لَه أَجْرًا (5)}.
{__________
(1) - ... وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا، وَفيِ العبارة سقط واضح لم نتمكَّن من إكماله مِمَّا بين أيدينا من المصادر. (4/283)
صفحة 1446
أسكِنوهُنَّ من حيث سَكَنتم من وُجدِكم} من وُسعكم، أي: ما تُطيقُونه، {ولا تُضارُّوهنَّ لتُضَيِّقوا عَلَيهِنَّ} فتلجئوهنَّ إِلىَ الخروج، أو إِلىَ المساكن الضيِّقة، {وإن كُنَّ أولاتِ حَمْلٍ فأَنفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حملَهنَّ، فإن أرضَعْنَ لكم فآتوهنَّ أُجورَهنَّ وَأْتَمِروا بينَكم بمعروفٍ} وليأمر بعضكم بجميلٍ، في الرضاع وغيره، {وإن تعاسَرْتُم} تضايقتم، {فسَتُرْضِعُ له أخرَى(6) لينفقْ ذو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} (لَعَلَّهُ) عَلَى قدرها، {ومَن قُدِرَ عليه رزقُه فلْيُنفِقْ مِمَّا آتاه اللهُ} أي: فلينفق كلٌّ من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه؛ وفيه دليل عَلَى أنَّ القبض والبسط بيد الله ليس بِسعيٍ، {لا يُكلِّفُ اللهُ نفسا إِلاَّ ما آتاها} فَإِنَّهُ تعالى لا يُكلِّف نفسا إِلاَّ وُسعها، وفيه تطيُّب لقلب المعسر، ولذلك وعد باليسر فقال: {سيَجْعَلُ الله بعد عسرٍ يسرا(7)} أي: عاجلاً أو آجلاً.
{وكأيِّن مِّن قريةٍ عَتَتْ عن أمرِ ربِّها ورُسُلِهِ} أعرضت عنه إعراض العاتي؛ وهذا وعظ وتخويف لِكُلِّ نفس متعبِّدة عن [أن] تقع فيما وقع عَلَى [615] أهل القرية، {فحاسَبْناها حسابا شديدا} بالاستقصاء والمناقشة، {وعذَّبناها عذابا نُكرا(8)} منكرًا غريبًا. {فذاقت وَبَالَ أمرِها} عقوبة كفرها ومعاصيها، {وكان عاقبةُ أمرها خُسرًا(9)} لا ربح فيه أصلاً. {أعدَّ الله لهم عذابا شديدا} تكرير للوعيد، وبيانٌ لِمَا يوجب التقوى المأمور به في قوله:
{ (4/284)
صفحة 1447
فاتَّقوا الله يا أولي الألبابِ الذين آمنوا قد أَنزَلَ الله إليكم ذِكرًا (10) رسولا} يعني: بالذكر جبريل لكثرة ذكره، أو لنزوله بالذكر وَهُوَ القرآن؛ أو لأنَّه مذكور في السماوات، أو ذا ذكر، أي: شرفٍ؛ أو محمَّدا - عليه السلام - لمواظبته عَلَى تلاوة القرآن، {يتلو عليكم آيات الله مُبيِّنات ليُخرِجَ الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، {من الظُّلُمات إلى النور} من الضلالة إِلىَ الهدى، {ومن يؤمن بالله ويعملْ صالحا يُدخِلْه جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11)} فيه تعجيب وتعظيم لِمَا رُزقوا من الثواب.
{الله الذي (1) خَلَقَ سبعَ سماوات ومن الأرضِ مثلهنَّ} أي: وخلق مثلهنَّ من الأرض، {يَتَنَزَّل الأمر بَيْنَهُنَّ} يعني: أنَّ في كُلِّ سماء وفي كُلِّ أرض خلقا من خلقه، وأمرا نافذًا من أمره، {لتَعلَموا أنَّ الله على كُلِّ شيء قديرٌ وأنَّ الله قد أحاط بِكُلِّ شيء عِلْمًا (12)} عِلَّةً لخلق، أو يتنزَّل، أو مضمر يَعمُّهما؛ فإنَّ كلاًّ منهما يدلُّ عَلَى كمال قدرته وعلمه.
- - -
سورة التحريم
بسم الله الرحمن الرحيم
{يا أيُّها النبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ الله لك تَبْتَغي مرضاةَ أزواجِك} قيل: حرَّم عَلَى نفسه جاريته "مارية" ابتغاء مرضاة أزواجه ليس لله، ولذلك عاتبه، {والله غفورٌ رحيم (1)} غفر لك ما تقدَّم من التحريم؛ ثمَّ فسَّر الحكم بقوله: {قد فَرَضَ اللهُ لكم تَحِلَّةَ أَيْمَانكم} قد شرع لكم تحليلها، وَهُوَ حلُّ ما عقدتَه بالكفَّارة، {والله مَوْلاَكم} متولٍّ أموركم، {وهو العليم} بما يُصلحكم، {الحكيم (2)} المتقن في أحكامه وأفعاله.
{__________
(1) - ... في الأصل: - «الذي»، وهو سهو. (4/285)
صفحة 1448
وإذْ أَسَرَّ النبيُّ إلى بعضِ أزواجه} قيل: حفصة، {حديثا فَلَمَّا نبَّأت به وأَظْهَرَهُ الله عليه} وأطلَع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الحديث، أي: عَلَى إفشائه، {عَرَّفَ بعضَه} قيل: عرَّف الرسول - صلى الله عليه وسلم - حفصة بعض ما فعلت، {وأَعْرَضَ عن بعضٍ} عن إعلام بعضٍ تكرُّمًا، {فلمَّا نبَّأها به، قالت: مَنْ أَنبَأَكَ هذا؟ قال: نَبَّأَني العليمُ الخبيرُ(3)} فإنَّه أصدق الصادقين.
{إن تَتُوبَا إلى الله} قيل: خطابٌ لحفصة وعائشة، عَلَى الالتفات للمبالغة في المعاتبة، {فقد صَغَتْ} مالت عن الاستقامة، {قلوبُكما} فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب، من مخالصة الرسول، بحبِّ ما يحِبُّه مِمَّا أحلَّه الله له، وكراهة ما يكرهه، {وإن تَظَاهَرَا عليه} وإن تتظاهرا عليه بما يسوءه (لَعَلَّهُ) لا بذنبٍ سبق منه، بل بما أباحه الله له، بدلِيل قوله: {لمَ تُحرِّم ما أحلَّ اللهُ لَكَ} [616] {فإنَّ الله هو مَوْلاَهُ وجبريلُ وصالِحُ المؤمنين} فلن يعدم من يظاهره من الله والملائكةِ وصلحاء المؤمنين، فإنَّ الله ناصره وجبريل، ومن صلح من المؤمنين: أتباعه وأعوانه، {والملائكةُ بعدَ ذلك ظَهيرٌ(4)} متظاهرون، وتخصيص جبريل لتعظيمه؛ وهذه الآية ناعية عَلَى كُلِّ من ظاهر عَلَى عداوة أحدٍ من أهل الإيمان بغير حقٍّ، وبشارة لِكُلِّ من فُعل به ذلك.
{عَسَى ربُّه إن طلَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُ أزواجا خيرا منكنَّ} إن لم تَتُبن، {مسلماتٍ مؤمنات} مُقرَّات مخلصات؛ أو منقادات مصدِّقات، {قانِتَاتٍ} مُصلِّيات؛ أو مواظبات عَلَى الطاعة، {تائباتٍ} عن الذنوب، {عابِداتٍ} متعبِّدات؛ أو متذلِّلات لأمر الرسول، {سائحات} السياحة: الذهاب في الأرض للعبادة والتفكُّر والتذكُّر، والاعتبار بما فيها من الآيات، ويكون ذلك بالقلوب، ويكون بالأبدان، {ثيِّبات وأبكارا(5)}.
{ (4/286)
صفحة 1449
يا أيُّهَا الذين آمنوا قوا أنفسَكم} بترك المعاصي وفعل الطاعات، {وأهليكم} بالنصح والتأديب، من كان منهم مُوَافقا لكم، وترجون منه القبول، لقوله تعالى لنوح - عليه السلام -: {إنَّه ليس من أهلك} (1). {نارًا وَقُودُها الناسُ والحجارةُ} نارا تتَّقدُ بهما اتِّقاد غيرها بالحطب، {عليها ملائكةٌ} تلي أمرها، وهم الزبانيَّة {غِلاَظٌ شِدادٌ} غلاظ الأقوال شداد الأفعال؛ أو غلاظ الخلق، شداد الأفعال، {لا يَعصُونَ اللهَ ما أَمَرَهم، ويَفعلون ما يؤمرون (6)}.
{يا أيُّها الذين كفروا، لا تَعتَذِروا اليومَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ ما كنتم تعملون (7)} أي: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار؛ والنهي عن الاعتذار لأنَّه لا عذر لهم، أو العذر لا ينفعهم.
{يا أيُّهَا الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نَّصُوحًا} بالغة في النصح، وَهُوَ صفة التائب بأنَّه ينصح نفسه بالتوبة؛ وقيل: التوبة النصوح: أن يَكون له خوف أن لا يُقبلَ، ورجاء أن يُقبل؛ وقيل: هي ردُّ المظالم وإدمان الطاعة؛ وقيل: يُبغِضُها فاعلها كما أحبَّها؛ {عسى ربُّكم أن يُكَفِّرَ عنكم سيِّئاتِكم ويدخلكم جنَّات تجري من تحتِها الأنهارُ، يومَ لا يُخْزِي اللهُ النبيَّ والذين آمنوا معه نورُهم يَسْعَى بينَ أيديهم وبأَيْمَانِهِم، يقولون: ربَّنا أتمِمْ لنا نورَنا واغفرْ لنا إنَّك على كُلِّ شيء قديرٌ (8)}.
{يا أيُّهَا النبيُّ جاهِدِ الكفَّارَ والمنافقينَ} بالحجَّة، فإن رَدَعَت وإلاَّ فالسيف، {واغْلُظْ عليهم} واستعمل الخشونة فيما تجاهدهم إذا بلغ الرفق مداه، {ومأواهم جهنَّم وبئسَ المصيرُ (9)} جهنَّم.
{ضَرَبَ الله مَثَلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانَتَا تحت عبدَيْنِ من عبادنا صالِحَيْن فَخَانَتَاهما [617] فلم يُغنِيَا عنهما من الله شيئا} يعني نوحاً ولوطاً، {وقيل: ادخُلاَ النارَ مع الداخلين (10)}.
{__________
(1) - ... سورة هود: 46. (4/287)
صفحة 1450
وضَرَبَ الله مَثَلاً للذين آمنوا امرأة فرعونَ إذ قالت: رَبِّ ابنِ لي عندك بيتا في الجنَّة ونجِّني من فرعونَ وعمله} من نفسه وعمله الخبيثين، {ونجِّني من القومِ الظالمين (11)}.
{ومريمَ ابنتَ عمرانَ التي أَحْصَنَتْ فرجَها} من الرجال، من الحلال والحرام، {فنَفَخْنَا فيه من رُّوحِنَا، وصَدَّقَتْ بكلماتِ ربِّها} أي: صدَّقت بما أقام عليها من الحجج والآيات، ولم تردَّ حجَّة أقامها عليها؛ {وكُتُبِه وكانت من القانِتِين (12)} من عداد المواظبين عَلَى الطاعة؛ والتذكرة (1) للتغليب والإشعار بِأَنَّ طاعتها لم تقصُر عَلَى طاعة الرجال الكاملين، حتَّى عُدَّت من جُملَتِهم.
سورة الملك
بسم الله الرحمن الرحيم
{تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} بقبضة قدرته التصرُّف في الأمور كلِّها {وهو على كُلِّ شيء قديرٌ (1) الذي خَلَقَ الموتَ والحياة} قدَّرهما. {ليبْلُوَكم} ليعاملكم معاملة المختبر بالتكليف، {أيُّكم أحسنُ عَمَلاً} قيل: أحسن عقلاً، وقيل: أصوبه وأخلصه، {وهو العزيز الغفور (2)} لمن تاب منهم.
{__________
(1) - ... الصواب: «التذكير» كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص210. (4/288)
صفحة 1451
الذي خَلَقَ سَبْعَ سماوات طِبَاقًا} قيل: بعضها فوق بعض، {ما تَرَى في خَلْقِ الرحمنِ مِن تَفَاوُتٍ} هو الاختلاف وعدم التناسب من الفوت؛ لأنَّ كُلاًّ من المتفاوتَيْنِ فات عن بعض ما في الآخر؛ والإشعار بأنَّه تعالى يخلق مثل ذلك بقدرته الباهرة رحمة وتفضُّلاً؛ وأنَّ في إبداعها نعمًا جليلةً لا تُحصى، والخطاب فيها للرَّسول، أو لِكُلِّ مخاطب، وظاهر الآية كَأَنَّ الخطاب في خلق السماوات، وفي المعنى يعمُّ في جميع ما خلق، لقوله: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوتٍ}. وقولُه: {فارجِعِ البَصَرَ هل تَرَى من فُطُورٍ(3)} متعلِّق به عَلَى معنى السبب، أي: قد نظرت إليها مِرارًا، فانظر إليها مرَّة أخرى، مُتأمِّلاً فيها، لتعاين ما أُخبِرت به من تناسبها واستقامتها واستجماعها، وعدم تفاوتها، وما ينبغي لها. والفطور: الشقوق، والمراد الخلل، مِن فَطَرَه: إذا شَقَّه. {ثمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي: رجعتين أُخريين {يَنقَلِبْ إليكَ البصر خاسئا} بعيدًا من إصابة المطلوب، كأنَّه طُرد عنه طردًا بالصغار، {وهو حسير(4)} كليل من طول المعاودة، وكثرة المراجعة.
{ولقد زيَّنَّا السماءَ الدنيا} أقرب السماوات إِلىَ الأرض، {بمصابيحَ} بالكواكب المضيئة باللَّيل إضاءة السرُجِ فيها، {وجعلناها رُجوما للشياطين} وجعلنا لها فائدة أخرى، وهي رجم أعدائكم؛ وقيل: معناها رجومًا وظنونًا لشياطين الإنس وهم المنجِّمون، {وأعتدنا لهم عذابَ السعير(5)} في الآخرة.
{ (4/289)
صفحة 1452
وللذين كفروا بربِّهم عذابُ [618] جهنَّمَ وبئسَ المصيرُ (6) إذا أُلقُوا فيها سمعوا لها شَهيقًا} صوتا كصوت الحمير، لأنَّه أقبح الأصوات، {وهي تَفُورُ (7)} تغلي غليان المرجل بما فيه. {تكادُ تَمَيَّز من الغيظِ} تتفَرَّق غيظا عليهم، وَهُوَ تَمثيل إشعالها بهم، {كلَّما أُلقيَ فيها فوجٌ} جماعة من الكفرة مُتنَاسبون في العمل وسوء النية، {سألهم خَزَنَتُها: ألم يَأْتِكم نذيرٌ (8)} يُخوِّفكم هذا العذاب، وَهُوَ توبيخ وتبكيت. {قالوا: بلى قد جاءنا نذيرٌ، فكذَّبنا وقُلنا: ما نزَّل الله من شيء إن أنتم إِلاَّ في ضلالٍ كبير (9)} أي: فكذَّبنا الرسل والإرسال رأسا، وبالغنا في نسبتهم (1) إِلىَ الضلال.
{وقالوا: لو كُنَّا نسمعُ} كلام الرسل فنقبله من غير بحث وتفتيش؛ اعتمادًا عَلَى ما لاح من صدقهم بالمعجزات، {أو نَعْقِلُ} فنتَفَكَّر في حكمه ومعانيه بفكر المستبصرين، {ما كُنَّا في أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسُحقا لأصحاب السعير (11)} فأسحقهم الله سحقا أي: أبعدوا من رحمة الله.
{إنَّ الذين يَخْشَوْنَ ربَّهم بالغيبِ} يخافون مكره واستدراجه وعذابه غائبًا عنهم، لم يعاينوا (2) بعدُ؛ أو غائبين عنه؛ والإيمان بالمعايَن لا جدوى له كالإيمان بالغائب؛ فإنَّه بمنزلة قبول الشهادة والتحقيق لها في هذا المعنى، لأنَّه لا يجوز خلاف ما أخبر به، كما قال: {ومَن أَصْدَقُ من الله قيلاً} (3)، {لهم مَّغفِرَةٌ} لذنوبهم، {وأجرٌ كبير (12)} تصغر معه لذائذ الدنيا.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «لبسهم»، ولا مَعْنَى له، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص211.
(2) - ... الأصوب: «يعاينوه»، كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص212.
(3) - ... سورة النساء: 122. (4/290)
صفحة 1453
وأَسِرُّوا قولَكم أَوِ اجْهَرُوا به إِنَّهُ عليم بذات الصدور (13) أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} ألا يعلم من خلق وأوجد الأشياء السرَّ والجهرَ، {وهو اللَّطيفُ الخبير (14)} المتوصِّل علمه إِلىَ ما ظهر من خلقه وما بَطَن؛ أَوَلاَ يعلم الله مَن خَلَقَه وَهُوَ بهذه المثابة. {هو الذي جعل لكم الأرض ذَلُولا} ليِّنة يسهل لكم السلوك [فيها] (1)، {فامشوا في مناكِبِها} جوانبها أو جبَالها؛ متفكِّرين ومُعتبرين، {وكلوا من رِّزْقِهِ} مِمَّا خلقه رزقا لكم في الأرض، {وإليه النشور (15)} المرجع.
{أَأَمِنتم مَّن في السماء} يعني: الملائكة الموكلين عَلَى تدبير هذا العالَم؛ أو الله تعالى عَلَى تأويل «من في السماء» أمره أو قضاؤه، {أن يَخْسِفَ بكمُ الأرضَ} فيغيبكم فيها كما فعل بقارون، {فإذا هي تَمُورُ (16)} تَضطرب، والمَوْرُ: التردُّد في المجيء والذهاب. {أم أمنتُم مَّن في السماء أن يُرسِلَ عليكم حاصِبا} أو ريحا ذات أحجارٍ؛ أي: يُمطر عليكم حصبا، {فَسَتَعْلَمون كيف نَذِيرِ (17)} كيف إنذاري إذا شاهدتموه من حيث لا ينفع العلم. {ولقد كَذَّب الذين مِن قبلِهم فكيف كان نَكِيرِ (18)} إنكاري عليهم بإنزال العذاب، وَهُوَ تسليةٌ للرسول.
{__________
(1) - ... إضافة من المصدر نفسه ليتمَّ المَعْنَى. (4/291)
صفحة 1454
أَوَلَمْ يَرَوْا إلى الطيرِ فوقَهم صافَّاتٍ} باسطات أجنحتهنَّ في الجوِّ عند طيرانها، فإنَّهنَّ إذا بسطنها صففن قوائمها، {ويَقْبِضْنَ} [619] أي: يضممنَها إذا ضربن بها جنوبهنَّ وقتا بعد وقت، للاستظهار به على التحوُّل، {ما يُمسِكُهُنَّ} في الجوِّ خلاف الطبع، {إِلاَّ الرحمنُ} الشاملة رحمته كُلَّ شيء، فإنَّه خَلَقَهُنَّ على أشكال وخصائص، هيَّأهنَّ للجري في الهواء (1)، ونفى سبحانه إمساك غيره لهنَّ، لَمَّا كان هو المقدر لهنَّ على الإمساك، لا نفسهنَّ، {إنَّه بِكُلِّ شيء بصير (19)} يعلم كيف يخلق الغرائب، ويدبِّر العجائب، وذلك من آيات الله العظام لمن اعتبر بها.
{أمَّن هذا الذي هو جُندٌ لكم ينصرُكُم مِّن دونِ الرحمنِ} عديل قوله: {أو لم يروا}، على معنى: أولم تنظروا في أمثال هذه الصنائع فلم تعلموا قدرتنا على تعذيبكم بنحو خسف وإرسال حاصب (2)؛ أم لكم جند ينصركم من دون الله إن أرسل عليكم عذابه، فهو كقوله: {أم لهم آلهة تمنعهم مِّن دُونِنَا} (3) إِلاَّ أنَّه أُخرج مخرج الاستفهام، عن تعيين من ينصرهم، إشعارا بأنَّهم اعتقدوا هذا القسم، {إِنِ الكافرونَ} بأيِّ كفر كان، {إلاَّ في غُرُورٍ (20)} لظواهر الأمور، ليسوا على شيء من حقائق أمر الدنيا والعقبى؛ وأصل الغرور: هو الخدعة.
{أمَّن هذا الذي يرزُقكم} أي: من يرزقكم، {إن أَمْسَكَ رِزْقَهُ} بإمساك المطر، وسائر الأسباب المحصِّلة له إليكم، {بل لَّجُّوا} تمادَوا {في عُتُوٍّ} عناد، {ونُفُورٍ (21)} شراد عن الحقِّ لتنفُّر طباعهم عنه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «للجوى في الهوى»، ولا مَعْنَى له. وصحَّحناه من المصدر نفسه.
(2) - ... في الأصل: «صاحب»، وَهُوَ خطأ. وصحَّحناه من المصدر نفسه.
(3) - ... سورة الأنبياء: 43. (4/292)
صفحة 1455
أفمن يمشي مُكِبًّا على وجهه أهْدَى} أي: يعثر (لَعَلَّهُ) في قدم بِكُلِّ ساعة، ويُجَرُّ على وجهه لوعورة طريقه واختلاف إراداته، ولذلك قابله بقوله: {أمَّن يمشي سَوِيًّا} قائما، سالما من العثار، {على صراطٍ مستقيم (22)} مستوي الأجزاء والجهة، والمراد تمثيل عابد الشيطان وعابد الله بالسالكين؛ ولعلَّ الاكتفاء بما في الكتب من الدلالة على المسلك للإشعار بِأَنَّ ما عليه عابد الشيطان لا يستأهل أن يُسمَّى طريقا، كمشي المتعسِّف في مكان متعادٍ (1) غير مستوٍ؛ وقيل: المراد بالمكبِّ: الأعمى، فإنَّه متعسِّف فينكبُّ، وبالسويِّ: البصير.
{قل هو الذي أنشَأَكم وجَعَلَ لكم السمع} لتسمعوا، {والأبصارَ} لتنظروا عجائبه، {والأفئدةَ} لتتفكَّروا وتعتبروا، {قليلا ما تشكرون (23)} شكرا قليلا غير خالص لا جدوى له، لأنَّه مادام ناقصا لم ينتفع به، وهوكقوله: {قليلا ماتذكَّرون} والشكر الكثير: هو أن يشكر في جميع الأحوال كُلِّها، ليس في شيء دون شيء، كما قال: {واذكروا الله كثيرا} (2) أي: في جميع الأحوال بإشغالها فيما خُلقت لأجله. {قل هو الذي ذَرَأَكم في الأرض} للابتلاء، {وإليه تُحْشَرُونَ (24)} للجزاء.
{ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25)} يعنون النبيَّ والمؤمنين. [620] {قل: إنَّما العلم} أي: علم وقته {عند الله} لايطَّلع عليه غيره، {وإنَّما أنا نذيرٌ مُّبينٌ (26} بيِّن الإنذار. {فلمَّا رَأَوْهُ} أي: الوعد {زُلْفَةً} ذا زلفة وقربٍ منهم بوصول دلائله، {سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كفروا} بِأَن عَلَتِ الكآبة على ظاهر الوجوه، {وقيل: هذا الذي كنتم به تدَّعون (27)} تطلبون وتستعجلون، “تفتعلون” من الدعاء.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «فيعاد»، ولا مَعْنَى له. وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص213.
(2) - ... سورة الأنفال: 45. (4/293)
صفحة 1456
قل أرأيتم إن أهلكني اللهُ ومَن معي} من المؤمنين {أو رَحِمَنَا، فَمَن يُجيرُ الكافرين من عذاب أليمٍ (28)؟ قل: هو الرحمن} الذي أدعوكم إليه مولي النعم كلِّها، {آمنَّا به} للعلم بذلك، {وعليه تَوَكَّلنا} للوثوق عليه والعلم بِأَنَّ غيره بالذات لا يضرُّ ولا ينفع، {فستعلمون من هو في ضلالٍ مبينٍ (29)} منَّا ومنكم. {قل أرأيتم إن أصبَحَ ماؤُكم غَوْرًا} غائرا في الأرض حيث لا تناله جِبَايَتكم، {فمن يأتيكم بماءٍ مَّعِينٍ (30)}؟ جارٍ أو ظاهر تناله الدلاء.
سورة القلم
بسم الله الرحمن الرحيم
{ن} قيل: هو الدواة، {والقلم} هو الذي خطَّ اللوح، أو الذي يخطُّ؛ أقسم به لكثرة فوائده، {وما يَسطُرُون (1)} وما يكتبون ... (1) الملائكة من أعمال بني آدم. {ما أنت بنعمةِ ربِّك بمجنونٍ (2) وإنَّ لك لأَجْرًا} على الامتثال والإبلاغ، {غير مَمْنُونٍ (3)} مقطوع؛ أو ممنون به عليك من الناس. {وإنَّك لَعَلَى خُلُقٍ عظيم (4)} محتمِل من قومك، ما لم يحتمله أمثالك؛ أو خُلُق عظيم بينك وبين الله. وسئلت عائشة عن خُلُقه فقالت: «كان خلقه القرآن» (2). قال أبوسعيد: «خلق الدِّينِ وغيره من الكرم».
{فستُبْصِرُ} فترى يا محمَّد، {ويبصِرون (5} يعني المشركين. {بأيِّكم المفتُونُ (6)} أيُّكم الذي فتن بالجنون، أي: لتعلم وليعلموا أيَّ الفريقين منكم المجنون، الفريق المؤمنون (3)، أو فريق الكافرين؛ أي: في أيِّهما يوجد من يستحقُّ بهذا (4) الاسم.
{__________
(1) - ... يبدو أَنَّ فيِ العبارة سقطا. وقد كتب الناسخ حرف "ع" فوق كلمة "يكتبون"، ولم يَتَبَيَّن لنا مراده.
(2) - ... رواه مسلم وأبو داود وأحمد عن عائشة. برنامج سلسلة كنوز السنَّة: الجامع الصغير وزياداته.
(3) - ... ورد بصيغة الجمع باعتبار مَعْنَى الفريق لا باعتبار اللفظ.
(4) - ... الصواب: «من يستَحقُّ هَذَا الاسم». (4/294)
صفحة 1457
إنَّ ربَّك هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيله} وهم المجانين على الحقيقة، {وهو أعلم بالمهتدين (7)} الفائزين بكمال العقل. {فلا تُطِعِ المكذِّبين (8)} تهييج للتصميم على مخالفتهم فيما دعوه إليه من دينهم. {وَدُّوا لو تُدهِنُ} بأن تدع نهيهم عن الشرك، أو توافقهم فيه أحيانا، {فيُدْهِنون (9)} أي: إن داهنتَهم فيداهنوك؛ ومعناه: لو تكفر فيكفرون.
{ولا تُطِعْ كلَّ حَلاَّف} كثير الحلف في الحقِّ و الباطل، {مَهينٍ (10} حقير الرأي، من المهانة: وهي الحقارة. {همَّازٍ} عيَّاب، {مشَّاء بنميمٍ (11)} نقَّال للحديث على وجه السعاية. {منَّاع للخير} يمنع الناس حقوقهم من ماله؛ أو يمنعهم الإيمان والاتِّصال (1) والعمل الصالح، {مُعتَدٍ} متجاوز في الظلم، {أثيم (12)} كثير الآثام. {عُتُلٍّ} جاف غليظ (لَعَلَّهُ) منوع للخير، مِن [621] عَتَلَه: إذا قاده بعنف وغلظة؛ وقيل: هو الفاحش الخلق، السيِّء الخلق، {بعد ذلك} بعدما عدده من المثالب، {زَنِيمٍ (13} قيل: اللئيم، المعروف بلؤمه، أو بشرِّه؛ قيل عن ابن عبَّاس أنَّه قال: «يعرف بالشرِّ كما تُعرف الشاة بزنمتها» حتَّى قيل: زنيم معرَّف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها، لأنَّ من جفا وقسى قلبه اجترأ على كُلِّ معصية، ولأنَّ النطفة إذا خبثت خبث التأسِّي منها. {أن كان ذا مال وبنينَ (14) إذا تُتلَى عليه آياتُنا قال: أساطير الأَوَّلين (15)} قال ذلك حينئذ.
{سَنَسِمُهُ على الخُرطُوم (16)} عبَّر سبحانه بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأنَّ الوسم على الوجه إهانة وذِلَّة؛ وذلك استعارة عن ظهور المعاصي على فاعلها (لَعَلَّهُ) في وجهه مع أهل الدين، (لَعَلَّهُ) كما قال في ضدِّهم: {سيماهم في وجوههم ... } (2).
{__________
(1) - ... يبدو أَنَّ الصواب: «والإيقان»، كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص214.
(2) - ... سورة الفتح: 29. (4/295)
صفحة 1458
إنَّا بلوناهم} قيل: ابتلى أهل مكَّة بالقحط، {كما بلونا أصحاب الجَنَّة} وهم قوم كان لأبيهم هذه الجنَّة، وكان رجلا صالحا فيما قيل، وكان ينادي الفقراء وقت الانصرام (1)، وينثر لهم ما أخطأه الوعاء أو الريح، فيجمع لهم شيء كثير؛ فلمَّا مات قال بنوه: إن فعلنا ذلك، ما كان يفعل أبونا، ضاق علينا، فحلفوا ليصرمنَّها وقت الصباح خفية عن المساكين، كما قال: {إذْ أَقْسَموا لَيَصرِمُنَّها مصبِحين (17)} ليقطعنَّها داخلين الصباح. {ولا يستثنون (18)} ولا يقولون: «إن شاء الله»؛ أو لا يستثنون منها حقًّا للمساكين.
{فطاف عليها طائفٌ} بلاء طائف، {من رَّبَّكَ وهم نائمون (19) فأصبحَتْ كالصَّريم (20)} كالبستان الذي صُرِم ثماره بحيث لم يبقَ فيه شيء. {فتنَادوا} نادى بعضهم بعضًا، {مصبحين (21): أنِ اغْدُوا على حرثكم} أن اخرجوا إليه غدوةً، {إن كنتم صارمين (22)} قاطعين لثمره. {فانطَلَقوا وهم يتخافَتون (23)} الخفت: إسرار الشيء عن أن يُطَّلع عليه، يتشاورون فيما بينهم. {أن لا يَدخلنَّها اليوم عليكم مِّسكينٌ (24) وغَدَوْا على حَرْدٍ} عَلَى قصد وجِدٍّ {قادرين (25)} وغدوا (2) قادرين عَلَى نكدٍ لا غير؛ من حَارَدَت السنَة: إذا لم يكن فيها مطر؛ وحاردت الإبل: إذا منعت دَرَّها؛ والمعنى: أنَّهم عزموا أن يُنَكِّدوا عَلَى المساكين؛ فنكِّد عليهم بحيث لا يقدرون فيها إِلاَّ عَلَى نكدٍ؛ أو: وَغَدَوْا حاصلين عَلَى النكد والحرمان، مكان كونهم قادرين عَلَى الانتفاع؛ وقيل غير ذلك.
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: «وقت الصِّرام»، كما هو عند البيضاوي: المصدر نفسه. «وَاَصْرَمَ النخلُ: حان أن يُصرَمَ، وَصَرَامُه ـ ويُكْسَرُ ـ: أوانُ إدراكِهِ». الفيروزآبادي: القاموس، ص1018، مَادَّة: «صرم».
(2) - ... في الأصل: + «على». (4/296)
صفحة 1459
فلمَّا رَأَوْها قالوا: إِنَّا لَضَالُّون(26)} طريق جنَّتنا، وليس هذا بستاننا؛ ثمَّ علموا أنَّها عقوبة، وقالوا: {بل نحن} أي: بعدما تأمَّلوا وعرفوا أنَّها هي، {مَحرومون(27)} حُرمنا خيرها لجنايتنا عَلَى أنفسنا. {قال أوسطهم} رأيًا أو سنًّا: {ألم أقل لكم لولا تسبِّحون(28)} لولا تذكرونه وتتوبون إليه من خبث نيَّتكم، وقد قاله حيثما عزموا عَلَى ذلك، ويدلُّ عَلَى هذا المعنى. {قالوا: سبحان ربِّنا} نزَّهوه [622] عن أن يكون ظالمًا، وأقرُّوا عَلَى أنفسهم بالظلم، {إنَّا كُنَّا ظالمين(29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون(30)} يلوم بعضهم بعضًا. {قالوا: يا ويلنا إِنَّا كُنَّا طاغين(31)} متجاوزين حدود الله (لَعَلَّهُ) نحو منع الفقراء. {عسى ربُّنا أن يُبْدِلَنا خيرا منها} ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة، {إنَّا إلى ربِّنا راغبون(32)} راجون العفو طالبون الخير.
{كذلك العذاب} مثل ذلك الذي بلونا به مَن جَرَت فيه القصَّة، نُعذِّب من عصانا في الدنيا، {ولَعَذَابُ الآخرةِ أكبرُ} أعظم منه، {لو كانوا يعلمون(33)} لا حترزوا عَمَّا يُؤَدِّيهم إِلىَ عذاب الدارين؛ ولقد عقَّب ذكر ضدِّهم أنَّهم منعَّمون في الدارين، بدليل قوله:
{إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عند ربِّهم} أي: في الآخرة، أو في جوار القدس، {جنَّاتُ النعيمِ(34)} جنَّات ليس فيها إِلاَّ النعيم.
{أفنجعلُ المسلمين كالمجرمين(35)} إنكارًا لِمَا يتوهَّمه المجرمون، لأنَّ الشيطان غرَّهم بالله، ومنَّاهم بالمغفرة عَلَى الإصرار لِمَا نهى الله عنه. {ما لكم كيف تحكمون(36)} التفات فيه تعجُّب مِن حكمهم، وإشعار بأنَّه صادر من اختلال فكرٍ، واعوجاج رأيٍ. {أم لكم كتابٌ} من الكتب السماويَّة {فيه تدرسون(37)} تقرؤون، فتجدون به ما تَمنَّيتم. {إنَّ لكم فيه لَمَا تَخَيَّرون(38)} إنَّ لكم ما تختارونه، وتشتهونه.
{ (4/297)
صفحة 1460
أم لكم أَيْمَانٌ علينا} عهود (1) مؤكَّدة بالأيمان، {بالغةٌ إلى يوم القيامة} أي ثابتة لكم علينا إِلىَ يوم القيامة، لا نخرج عن عهدتهـ[ـا] حتَّى نحكمكم في ذلك اليوم؛ أو [مُتَعَلِّقٌ] (2) ببالغة: أي أيمان تبلغ ذلك اليوم، {إنَّ لكم لَمَا تحكمون (39)}.
{سَلْهُم أيُّهم بذلك زَعيمٌ (40)} بذلك الحكم قائم يدَّعيه ويصحِّحه. {أم لهم شركاء} يشركونهم في هذه الحكومة، فيحكمون لهم بذلك، {فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41)} في دعواهم. وقد نبَّه سبحانه في هذه الآيات عَلَى نفي جميع ما يمكن أن يتشبَّثوا به (3) من عقل أو نقل، أو وعد، أو محض تقليدٍ عَلَى الترتيب، تنبيها عَلَى دحض حجَّتِهم.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «عهد عهود»، وَهُوَ تكرار.
(2) - ... أضفناها ليتمَّ المَعْنَى، وتوضيح العبارة عند الألوسي: «{إلى يوم القيامة} مُتَعَلِّق بالمقدَّر فيِ “لكم” أي ثابتة لكم إِلىَ يوم القيامة، لا نخرج عن عهدتها ... أو مُتَعَلِّق بـ“بالغة”، أي أيمان تبلغ ذلك اليوم». الألوسي: روح المعاني، ج29/ ص34.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «أن يستثبتوا انه»، وَهُوَ تحريف من الناسخ. (4/298)
صفحة 1461
يومَ يُكشَف عن ساقٍ} يوم يشتدُّ الأمر، ويصعب الخطب؛ وكشف الساق مَثَلٌ لذلك، وأصله تشمير المخدورات عن سوقهنَّ في الحرب (1)؛ أو يوم يكشف عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانا؛ مستعار من ساق الشجر وساق الإنسان؛ وتنكيره للتهويل، أو التعظيم، {ويُدْعَوْنَ إلى السجود} توبيخًا عَلَى ترك السجود إن كان اليوم يوم القيامة، أو يدعون إِلىَ الصلاة لأوقاتها، إن كان وقت النزع؛ وقيل: يدعون إِلىَ الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة. وقال كعب الأحبار: «والله ما نزلت هذه الآية إِلاَّ في الذين يتخلَّفون عن الجماعات». {فلا يستطيعون (42)} [623] لذهاب وقته وزوال القدرة؛ {خاشعةً أبصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّة} يلحقهم ذلٌّ، {وقد كانوا يُدعَون إلى السجود} في الدنيا قبل النزع، {وهم سالمون (43)} متمكِّنون منه، مزاحوا العلل فيه.
{فَذَرْنِي ومَن يُكذِّب بهذا الحديث} كِلْه إليَّ فإنِّي أكفيكه، {سَنَسْتَدْرِجُهُم} سنستدنيهم من العذاب درجة درجة بالإمهال، أو إدامة الصحَّة وازدياد النعمة، {من حيث لا يعلمون (44)} أنَّهم مستدرَجون، وَهُوَ الإمهال، والإنعام عليهم، لأنَّهم حسبوه تفضيلاً لهم، مثلما للمؤمنين؛ وقال الحسن: «كم من مستدرَج بالاحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه». {وأُمْلِي لهم} وأمهلهم {إنَّ كيدي متينٌ (45)} لا يدفع بشيء؛ وإنَّما سُمِّي إنعامه استدراجا بالكيد، لأنَّه في صورته.
{__________
(1) - ... فيِ البيضاوي: «في الهرب». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص216. (4/299)
صفحة 1462
أم تسألهم أجرا} عَلَى الإرشاد، {فهم مِّن مَّغْرَمٍ مُثقَلُون (46) أم عندهم الغيبُ} اللوح، أو المغيبات، {فهم يَكتُبون (47)} منه ما يحكمون به، ويستغنون به عن علمك. {فاصبرْ لحُكْمِ رَبِّكَ} وَهُوَ إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم، {ولا تكن كصاحِبِ الحوت} يونس، {إذ نَادَى} في بطن الحوت {وهو مكظومٌ (48)} مملوء غيظًا من الضجرة، فتبتلى ببلائه. {لولا أن تَدَارَكَه نعمةٌ من رَّبِّه} يعني: التوفيق بالتوبة، {لَنُبِذَ بالعراء} بالأرض الخالية (1) عن الأشجار، {وهو مذموم (49)} مليم، مطرود عن الرحمة والكرامة. {فاجتباه ربُّه} ردَّه عَلَى ما كان عليه من الاجتباء، {فجعله من الصالحين (50)} من الكاملين في الصلاح.
{وإن يكادُ الذين كفروا ليَزلِقُونك بأبصارهم} والمعنى: أنَّهم لشدَّة عداوتهم ينظرون إليك شزرًا، بحيث يكادون يُزلُّون قدمك، أو يهلكونك، أو أنَّهم يكادون يصيبونك بالعين، {لَمَّا سمعوا الذكْرَ} أي: القرآن (2)؛ أي: ينبعث عند سماعه بغضهم وحسدهم، {ويقولون: إِنَّهُ لَمجنُونٌ (51)} حيرة في أمره، وتنفيرًا عنه، {وما هو إِلاَّ ذكرٌ للعالَمِينَ (52)} لَمَّا جنَّنوه لأجل القرآن بيَّن أنَّه ذِكْرٌ عامٌّ لا يدركه ولا يتعاطاه إِلاَّ من [كان] أكمل الناس عقلاً، وأصوبهم رأيًا.
سورة الحاقة
بسم الله الرحمن الرحيم
{الحاقَّة (1) مَا الحاقَّة (2)}؟ أي الساعة؛ أو الحالة التِي يحقُّ وقوعها؛ أو التِي تحقُّ فِيهَا الأمور، أي: تُعرَف حقيقتها؛ أو تقع فِيهَا حواقُّ الأمور مِنَ الحساب والجزاء، عَلَى الإسناد المجازيِّ، {وَمَا أدرَاكَ مَا الحاقَّة (3)}؟ وأصله مَا هِيَ؟ أي: أيُّ شيء هِيَ؟ عَلَى التعظيم لشأنها والتهويل لها.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الخيالية»، وهو خطأ.
(2) - ... في الأصل: «القرن»، وهو خطأ. (4/300)
صفحة 1463
كذَّبت ثمودُ وعادٌ بالقارعة (4)} بالواقعة المجاوزة للحدِّ فيِ الشدَّة، {فأمَّا ثمود فأُهلِكوا بالطاغية (5)} وهي الصيحة؛ أو الرجفة لتكذيبهم بالقارعة؛ أو بسبب طغيانهم بالتكذيب وغيره. {وَأَمَّا عادٌ فأُهلِكوا بِريحٍ صَرْصَرٍ} أي شديدة الصوت، أو البرد [624] {عاتيَةٍ (6)} شديدة العصف، والعتوُّ: ضدُّ التيسير؛ وقيل: عتت عَلَى من أُرسلت عليهم، ولم يكن لَهُم عليها سبيل. {سخَّرَها عليهم} سلَّطها عَلَيْهِم بقدرته، {سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} متتابعات؛ أو نحسات، حَسمَت كُلَّ خير واستأصلته؛ أو قاطعات قطعت دابرهم، {فَتَرَى القومَ} لو كنتَ حاضرهم؛ أو تصديقك للوحي، {فِيهَا صَرْعَى} موتى، {كأنَّهم أعجازُ نخلٍ} أصول نخل {خاويةٍ (7)} متآكلة الأجواف؛ من خَوِيَ البطن: إِذَا خلاَ؛ وقيل: ساقطة. {فهل تَرَى لَهُم مِّن باقيةٍ (8)}؟ من بقيَّة؛ أو نفس باقية؛ أو بقاء.
{وجاء فرعونُ ومَنْ قَبْلَهُ} أي: ومن عنده من أتباعه (1)، {والمؤْتَفِكَاتُ} قُرَى قومِ لوط، والمُرَاد: أهلها، {بالخاطئة (9)} بالخطأ. {فَعَصَوْا رسولَ ربِّهم} أي: فعصى (2) كُلُّ أمَّة رسولَها، {فأخَذَهُم أخْذَةً رابِيَةً (10)} زائدة فيِ الشدَّة بزيادة أعمالهم فيِ القبح.
{__________
(1) - ... قال الألوسيُّ: «وقرأ أبو رجاء وطلحة والجحدريُّ والحسن بخلاف عنه وعاصم فيِ رواية أبان والنحويان وأبان: “ومَنْ قِبَلَهُ” بكسر القاف وفتح الباء»، وهي القراءة التي اعتمدها المُصَنِّف هنا لتفسير الآيَة. انظر: الألوسي: روح المعاني، ج29/ ص42. وَفيِ ضبطنا اعتمدنا قراءة حفص عن عاصم.
(2) - ... الأصوب: «فعصت». كما هو عِندَ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص217. (4/301)
صفحة 1464
إِنَّا لَمَّا طغى الماء} جاوز حدَّه المعتاد، أو طغى عَلَى خزانه، وذلك فيِ الطوفان، {حَمَلْنَاكم} أي: آباءَكم وأنتم فيِ أصلابهم، {فيِ الجاريَةِ(11)} فيِ سفينة نوح. {لنَجْعَلَهَا لكم} لنجعل الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين، وإغراق الْكَافِرِينَ، {تَذْكِرَةً} عبرة ودلالة عَلَى قدرة الصانع وحكمته، وكمال قهره ورحمته، {وتَعِيَها} وتحفظها؛ وقيل: الوعي: أن تحفظ الشيء فيِ نفسك؛ والإيعاء: أن تحفظه فيِ غيرك، {أُذُنٌ واعِيَةٌ(12)} من شأنها أن تحفظ مَا يجب حفظه، بتذكُّره وإشاعته والتفكُّر فِيهِ، والعمل بموجبه، كأنَّها وعاء لِمَا يُترَك فِيهَا.
{فإذا نُفِخ فيِ الصور نفخةٌ وَاحِدَةٌ(13)} لَمَّا بالغ فيِ تهويل يوم القيامة، وذكر مَا للمكذِّبين بها، تفخيما لشأنها، وتنبيهًا عَلَى إمكانها، عاد إِلىَ شرحها؛ والمُرَاد بها: النفخة الأولى التِي عندها خراب العالم. {وحُمِلَتِ الأَرْضُ والجبالُ} دُفِعت من أماكنها لمجرَّد القدرة الكاملة، أو بتوسُّط زلزلة، أو ريح عاصفة، {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً(14)} فَضُرِبت الجملتان بعضها ببعض ضربة، فيَصير الكلُّ هباءً، {فيومئذ} فحينئذ، {وَقَعَتِ الواقعةُ(15)} قامت القيامة، لأَنَّ وقوع مَا عداها مجاز لاَ حقيقة، فصارت هِيَ عَلَى (لَعَلَّهُ) الحقيقة الواقعة.
{ (4/302)
صفحة 1465
وانشقَّتِ السَّمَاءُ} لنزول المَلاَئِكَة، {فهي يومئذٍ وَاهِيَةٌ (16)} ضعيفة مسترخية عمَّا خلقت لأجله. {والمَلَكُ} والجنس المتعارف بالمَلَك {عَلَى أرجائها} عَلَى جوانبها، {ويَحْمِلُ عرْشَ رَبِّكَ فوقَهم}. ومن كُتب أصحابنا: «وَأَمَّا العرش فالقول فِيهِ كثيرٌ، وتسمية العرش: هُوَ السرير، وليس [المُرَاد] (1) أنَّ الله يوصف أنَّه كائن عَلَى العرش، وأنَّ هَذِهِ المَلاَئِكَة يحملونه، وإنَّما هَذِهِ المَلاَئِكَة قد (لَعَلَّهُ) تعبَّدت الله بحمل ذَلِكَ العرش؛ وَاللهُ قبل العرش وقبل المَلاَئِكَة، فكما كَانَ فيِ الأوَّل كذلك [625] (لَعَلَّهُ) فيِ آخر الأبد». {يومئذ ثمانيةٌ (17)} قيل: ثمانية أجزاء مِنَ المَلاَئِكَة كُلُّ جزء مثل الثقلين فوق المَلاَئِكَة الذين هم عَلَى الأرجاء، أو فوق الثمانية.
{يومئذ تُعرَضون} بسببها للمحاسبة، {لاَ تَخْفَى منكم خَافِيَةٌ (18)} سريرة عَلَى الله حتَّى يكون الغرض الاطِّلاع عليها، وإنَّما المُرَاد مِنْهُ إفشاء الحال والمبالغة فيِ العدل.
{__________
(1) - ... من إضافتنا ليتمَّ المعنى وقد وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا. (4/303)
صفحة 1466
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابَه بِيَمِينِهِ} تفصيلٌ للعرض، {فيقولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)} استبشارًا بِمَا فِيهِ، وشوقًا إِلَيْهِ. {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ (20)} أي علمت؛ عبَّر عَنْهُ بالظنِّ إشعارًا بأنَّه لاَ يقدح فيِ الاعتقاد مَا يهجس فيِ النفس مِنَ الخطرات لاَ تنفكُّ عنها العلوم النظريَّة غالبًا. {فهو فيِ عِيشَةٍ راضِيَةٍ (21)} ذات رِضَاءٍ (1)، وذلك لكونها صافية عَن الشوائب، دائمة، مقرونة بالتعظيم، {فيِ جنة عالية (22)} مرتفعة المكان؛ أو الدرجات؛ أو الأبنية والأشجار؛ أو علوَّ شرف. {قُطُوفُها} هُوَ مَا يُجتنَى، {دَانِيَةٌ (23)} يتناولها القاعد. {كُلُوا واشرَبُوا هنيئًا} صاف بلا كدر، {بِمَا أسلفتم} بِمَا قدَّمتم مِنَ الأعمال الصالحة، {فيِ الأَيَّامِ الخالِيَةِ (24)} الماضية من أيَّام الدُّنْيَا.
{وَأَمَّا مَن أوتِيَ كتابَهُ بشِمَالِهِ فيقولُ} لِمَا يرى من قبح العمل، وسوء العاقبة: {يا ليْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25)} لأَنَّهُ وجد بِهِ مَا يسوءُه. {ولم أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يا لَيْتَهَا} يا ليت الموتة التِي متُّها. {كَانَت القاضِيَةَ (27)} القاطعة لأمري، فلم أبعث بعدها. {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28)} مالي، لأَنَّهُ لم يستعمله فيما يغنيه الغنى الحقيقيَّ. {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)} ملكي وتسلُّطي عَلَى الناس؛ أو حجَّتي التِي أحتجُّ بها فيِ الدُّنْيَا.
{__________
(1) - ... «ورَضِيتُ عنك وعليك رِضًى، مقصورٌ: مصدرٌ محضٌ، والاسمُ: الرِّضاءُ، ممدود عن الأخفش». انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج2/ ص1178، مَادَّة «رضي». (4/304)
صفحة 1467
خُذُوهُ} يقول الله تعالى لخزنة النار {فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الجحيمَ صَلُّوهُ (31)} ثمَّ لاَ تصلوه إِلاَّ الجحيم، وهي النار العظمى، لأَنَّهُ [كان] يتعظَّم عَلَى الناس. {ثُمَّ فيِ سلسلةٍ ذَرْعُها سبعون ذراعًا} (لَعَلَّهُ) ولعلَّ ذكر الطول عَلَى قدر عظم جثَّته، لتعاظم العذاب عليه، {فاسلُكُوهُ (32)} فأدخِلوه فِيهَا، بِأَنْ يلقوها عَلَى جسده، وَهُوَ فيما بَيْنَهُم لاَ يقدر عَلَى الفرار؛ قيل: تدخل من دبره وتخرج من فِيهِ.
{إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيمِ (33)} إيمانا يدفع عَنْهُ ذَلِكَ العذاب. {وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طعامِ المِسكِينِ (34)} وَلاَ يَحثُّ عَلَى بذل طعامه، أو عَلَى إطعامه فضلا أن يبذل من ماله. {فليس لَهُ اليومَ هاهُنَا حَمِيمٌ (35)} قريب يحميه. {وَلاَ طعامٌ إِلاَّ مِن غِسْلِينٍ (36)} قيل: غسالة أهل النار وصديدهم. {لاَ يأكُلُهُ إِلاَّ الخاطِئُونَ (37)} أصحاب الخطايا، من خطئ الرجل: إِذَا تعمَّد الذنب.
{فلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ (39)} بالمشاهدات والمغيبات؛ وذلك يتناول الخالق والمخلوقات بأسرها. {إِنَّهُ} إنَّ القرآن، {لَقَوْلُ رسولٍ} ينقله عَن الله، [626] {كريمٍ (40)} عَلَى الله وَهُوَ محمَّد، أو جبريل عليهما السلام. {وَمَا هُوَ بقولِ شاعِرٍ قليلا مَّا تؤمنُونَ (41)} تصدِّقون. {وَلاَ بِقَوْلِ كاهِنٍ} كما تدَّعون، {قليلا مَّا تَذَكَّرُونَ (42)} من عدم (1) الإيمان، أو ضعفه. {تنزيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43)}.
{__________
(1) - ... الصواب: «لعدم». (4/305)
صفحة 1468
ولو تقوَّل علينا} تخرَّص، واختلق محمَّد {بعضَ الأقاويلِ (44)} سمَّى الافتراء تقوُّلاً، لأَنَّهُ قول متكلَّف، والأقوال المفتراة: أقاويل، تحقيرًا لها. {لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمِينِ (45)} أي لأخذناه بالقوَّة. {ثم لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ (46)} أي نياط قلبه بضرب عنقه؛ وَهُوَ تصوير لإهلاكه بأفظع مَا يفعله المكوك (لَعَلَّهُ الملوك) (1) بمن يغضبون عليه؛ وقيل: اليمين بمعنى القوَّة. {فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ} عَن القتل {حاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ للمتَّقِينَ (48)} لأَنَّهُم هُمُ المنتفعون بِهِ لاَ غير.
{وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ منكم مُّكَذِّبِينَ (49)} فنجازيهم عَلَى تكذيبهم. {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50)} إِذَا رأوا ثواب المؤمنين. {وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ (51)} لَلْيَقِينُ الذِي لاَ ريب فِيهِ. {فَسَبِّحْ باسمِ رَبِّكَ العظيمِ (52)}.
سورة المعارج
بسم الله الرحمن الرحيم
{سَأَلَ سائل بعذابٍ واقِعٍ (1)} أي: دعا داعٍ (لَعَلَّهُ) بعذاب واقع. {للكَافِرِينَ} كقوله: {فأسْقِطْ علينا كسفا مِنَ السَّمَاء} (2) استهزاءً، أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - إمَّا فيِ الدُّنْيَا، أو الآخِرَة، وَهُوَ عذاب النار للكَافِرِينَ، {ليس لَهُ دافِعٌ (2)} يردُّه، أي: لذلك العذاب الذِي يقع بهم. {منَ اللهِ ذي الْمَعَارِجِ (3)} ذي المصاعد، وهي الدرجات؛ أو مراتب المَلاَئِكَة؛ أو السَّمَاوَات، فإنَّ المَلاَئِكَة يعرجون فِيهَا؛ وقيل: ذي الفواضل والنعم؛ وقيل: المعارج: الأماكن المرتفعة، لقوله: {وَمَعَارِجَ عليها يَظْهَرُونَ} (3).
{__________
(1) - ... ما بين قوسين من إضافة الناسخ، وَهُوَ الصواب.
(2) - ... سورة الشعراء: 187.
(3) - ... سورة الزخرف: 33. (4/306)
صفحة 1469
تعرُجُ المَلاَئِكَةُ والروحُ إِلَيْهِ فيِ يومٍ كَانَ مقدارُه خمسين أَلْفَ سنةٍ (4)} استئناف لبيان ارتفاع تلك المعارج، وبُعد مداها عَلَى التمثيل والتخييل؛ والمعنى: أنَّها بحيث لو قدِّر قطعها فيِ زمان لكَانَ فيِ زمان يُقدَّر بِخمسين ألف سنة من سِنِي الدُّنْيَا؛ وقيل: معناه: تعرج المَلاَئِكَة إِلىَ عرشه فيِ يوم كَانَ مقداره كمقدار خمسين ألف سنة؛ وقيل: المراد بِهِ [يوم] القيامة واستطالته، لشدَّته عَلَى الكفَّار؛ والروح: جبريل، وإفراده لفضله.
{فاصْبِرْ صبرا جميلاً (5)} لاَ يشوبه استعجال واضطراب قلب. {إِنَّهُمْ (1) يرونه} الضمير للعذاب، أو يوم القيامة، {بعيدًا (6)} مِنَ الإمكان. {ونراه قريبًا (7)} مِنْهُ، أو مِنَ الوقوع.
{يومَ تكونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ (8)} المهل: المذاب فيِ مهل كالفلزَّات، أو درديِّ الزيت. {وتكون الجبال كالْعِهْنِ (9)} كالصوف المصبوغ ألوانًا، لأَنَّ الجبال مختلفات الألوان، فإذا بُسَّت وطُيِّرت فيِ الجوِّ شبهت العهن المنفوش إِذَا طيَّرته الريح.
{__________
(1) - ... في الأصل: «إنه»، وهو خطأ. (4/307)
صفحة 1470
وَلاَ يَسْأَلُ حميمٌ حميما (10)} وَلاَ يسأل قريب (1) قريبًا عَن حاله؛ وقرئ: وَلاَ يُسأل، ومعناه: لاَ يقال لَهُ: أين حميمك؟. {يُبَصَّرُونَهُمْ} يدلُّ عَلَى أن المانع مِنَ السؤال هُوَ الشاغل [627] دون الخفاء؛ أو مَا يغني عَنْهُ من مشاهدة الحال كبياض الوجه وسواده (2). {يَوَدُّ المجرم لو يَفْتَدِي من عذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وصاحِبَتِهِ وأخيه (12)} دلالة عَلَى اشتغال كُلِّ مجرم بنفسه، بحيث يتمنَّى أن يفتدي بأقرب الناس وأعلقهم بقلبه، فضلا أن يهتمَّ بحاله ويسأل عنها، ولو افتدى بهم فيِ الدُّنْيَا لقبل مِنْهُ؛ ومعنى ذَلِكَ: جعلهم لله، وأقرضه إيَّاهم لوقت حاجته. {وَفَصِيلَتِهِ} وعشيرته الذين فصل منها، {التِي تُؤْوِيهِ (13)} تضمُّه فيِ النسب، أو عند الشدائد والنوائب. {ومَن فيِ الأَرْضِ جميعا} مِنَ الثقلين مِنَ الخلائق لو يفتدي بهم جميعًا، {ثُمَّ يُنجِيهِ (14)} ذَلِكَ (لَعَلَّهُ) الفداء من عذاب الله.
{كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى (16)} وَهُوَ اللهب الخالص؛ وقيل: عَلَم للنار منقول عَن اللظى بمعنى اللهب. {تدعو} تجذب {مَنْ أدبر} عَن الحقِّ {وَتَوَلىَّ (17)} عَن الطاعة. {وجَمَعَ فَأَوْعَى (18)} وجمع المال فأوعاه، فجعله فيِ وعاء، وأمسكه عَن أداء الواجبات.
{إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19)} شديد الحرص، قليل الصبر. {إِذَا مسَّه الشرُّ} الضرُّ {جَزُوعًا (20)} يكثر الجزع. {وإذا مسَّه الخيرُ مَنوعا (21)} يبالغ فيِ الإمساك؛ والأوصاف الثلاثة أحوال مقرَّرة (3)، أو محقَّقة، لأَنَّهَا طبائع جبل الإنسان عليها.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «قريبا قريبا»؛ وَهُوَ خطأ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «واسواده»، وقد يراد به: «واسوداده».
(3) - ... الأصوب: «مقدَّرة»، كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص221. (4/308)
صفحة 1471
إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22)} استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة بعدُ مِنَ المطبوعين عَلَى الأحوال المذكورة قبلُ، لمضادَّة تلك الصفات لها من حيث إنَّها دالَّة عَلَى الاستغراق فيِ طاعة الحقِّ، والإشفاق عَلَى الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف مِنَ العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار الآجِل عَلَى العاجل؛ وَهُم المنعمون فيِ الدُّنْيَا بجنَّتي الشكر والصبر؛ أعني الذِينَ استثناهم الله من جملة الخلق، إن ابتلاهم الله بفتنة السرَّاء تنعَّموا بشكرها؛ وإن ابتلاهم بفتنة الضرَّاء تنعَّموا بالنظر فيِ العاقبة، وتلذَّذوا بالصبر عَلَى ذَلِكَ؛ وَأَمَّا ضدُّهم فمعذَّبُونَ (لَعَلَّهُ) بالحالين، لأَنَّهُم إمَّا [في] سرَّاء يتوقَّعون زوالها، وَإمَّا فيِ ضرَّاء لا يرجُونَ (لَعَلَّهُ) ثوابها؛ وتلك ناشئة مِنَ الانهماك فيِ حبِّ العاجل، وقصور النظر عليها.
{الذِينَ هم عَلَى صلاتهم دائمُونَ (23)} لا يشغلهم عنها شاغل. {وَالذِينَ فيِ أموالهم حقٌّ مَّعْلُومٌ (24) للسَّائِلِ} الذِي يسأل، {والمحرومِ (25)} الذى لاَ يسأل، فيحسب غنيًّا فيُحْرَم. {وَالذِينَ يُصَدِّقون بيومِ الدِّينِ (26)} تصديقا بأعمالهم، وَهُوَ أن يتعب نفسه، ويصرف ماله طمعا فيِ المثوبة الأخرويَّة؛ ولذلك ذكر الدِّينَ. {وَالذِينَ هم مِّن عذابِ ربِّهم مُّشفِقُونَ (27)} خائفون عَلَى أنفسهم مَعَ اجتهادهم من قبل. {إنَّ عذابَ ربِّهم غيرُ مأمُونٍ (28)} اعتراض يَدُلُّ [عَلَى أَنَّهُ] (1) لاَ ينبغى لأحد [628] أن يأمن من عذاب الله، وإن بالغ فيِ طاعته.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «اعراض يدل لا ننبغي». وصحَّحناه من البيضاويِّ: المصدر نفسه. (4/309)
صفحة 1472
وَالذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلَى أزواجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العَادُونَ (31) وَالذِينَ هم لأَمَاناتِهِم وعَهْدِهم رَاعُونَ (32) وَالذِينَ هم بشَهَادَاتهم قائِمُونَ (33)} حافظون. {وَالذِينَ هم عَلَى صلاتهم يحافِظُونَ (34)} فيراعون شرائطها، ويكملون فرائضها وسننها. {أُولَئِكَ فيِ جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ (35)} بثواب الله.
{فَمَالِ الذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ} حولك، {مُهْطِعِينَ (36)} مسرعين. {عَن اليمِينِ وعن الشِّمَالِ عِزِينَ (37)} فرقا شتىَّ، جمع عِزَةٍ، وأصلها عِزْوَةٌ مِنَ العَزْوِ (1)، وَكَأَنَّ كُلَّ فرقة تعتزي إِلىَ غير من تعتزي إِلَيْهِ الأخرى. كَانَ المشركون يحلقون حول رسول الله حلقًا حلقًا، ويستهزئون بكلامه.
{أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُم أن يُدْخَلَ جنَّةَ نَعِيمٍ (38)} بلا إيمان وَلاَ عمل؛ وَهُوَ إنكار لقولهم: لو صحَّ مَا يقوله لنكوننَّ فِيهَا أفضل حظًّا مِنْهُم كما فيِ الدُّنْيَا. {كلاَّ} ردع عَمَّا طمعوه، {إِنَّا خلقناهم مِمَّا يَعْلَمُونَ (39)} تعليل لَهُ، والمعنى: إِنَّكُم مخلوقون من نطفة قذرة، لاَ تناسب عالم القدس؛ فمن لم يستكمل بالإيمان والطاعة، ولم يتخلَّق بالأخلاق الملكيَّة، لم يستعدَّ [لـ]ـدخولها؛ أو إِنَّكُم مخلوقون من أجل مَا تَعْلَمُونَ، وَهُوَ تكميل النفس بالعلم والعمل؛ فمن لم يستكملها لم يبوَّأ المنازل الكاملة لكمال (2) نسبه، لأنَّكم تَعْلَمُونَ [أَنَّكُم] (3) خلقتم من أصل واحد؛ فلا يدخل أحدكم الجَنَّة بنسبه، بَل بالطاعة.
{__________
(1) - ... انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص770، مَادَّة «عزا».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «للكمال»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... من إضافتنا. وَفيِ الأصل إحالة إِلى الحاشية ولم يُكتب فيها أيُّ شَيْء. (4/310)
صفحة 1473
فلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغاربِ} مشارق الشمس ومغاربها فيِ بروجها؛ أو مشارق الشمس والقمر والنجوم ومغاربهنَّ، {إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أن نُّبَدِّلَ خيرا مِّنْهُم} أي نهلكهم ونأتي بخلق مثلهم. {وَمَا نَحْنُ بمسبوقِينَ (41)} بمغلوبين [فيِ] مَا نريده. {فَذَرْهُم يخوضوا} فيِ باطلهم، {ويلعبوا} في دنياهم {حتَّى يُلاقوا يومَهُمُ الذِي يوعَدُونَ (42)} فَإِنَّهُ ليس لَهُم هَمٌّ وَلاَ عمل، إِلاَّ الخوض واللعب حَتَّى الممات.
{يومَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداثِ سِراعًا كأنَّهم إِلىَ نُصُبٍ يوفِضُونَ، خاشِعَةً} ذليلة خاضعة {أبصارُهم تَرْهَقُهُمِ ذِلَّةٌ} يغشاهم هوان، {ذَلِكَ اليومُ الذِي كَانُوا يوعدون} في الدُّنْيَا.
سورة نوح
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا أَرْسَلْنَا نوحًا إِلىَ قومه أَنْ أَنذِرْ قومَكَ مِن قبلِ أن يأتيَهم عذابٌ أليمٌ (1) قَالَ: يا قومِ إِنِّي لكم نذيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوه وأطيعونِ (3) يَغْفِرْ لكم مِّن ذُنوبِكم ويؤخِّرْكُمْ إِلىَ أجل مُّسَمًّى إنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جاءَ لاَ يُؤَخَّرُ} فبادروا فيِ أوقات الإمهال؛ {لو كُنتُم تَعْلَمُونَ (4)} لو كُنتُم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذَلِكَ.
{ (4/311)
صفحة 1474
قَالَ: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهارًا (5)} أي: دائمًا. {فلم يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا (6)} [629] عن الإيمان والطاعة. {وإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} إِلىَ الطاعة {لِتَغْفِرَ لَهُم} بسببها، {جَعَلوا أصابعَهم فيِ آذانِهم} سدُّوا مسامعهم عَن استماع الدعوة {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} تغطَّوا بها لئلاَّ يروا آيات الله، فيعتبروا بها. {وأصرُّوا} أكَبُّوا عَلَى الكفر والمعاصي؛ مستعار من أصرَّ الحمار عَلَى العانة (1): إذا صرَّ أذنيه (2)، وأقبل عليها. {واستكبروا} عَن اتِّبَاعي {استكبارًا (7)} عظيمًا. {ثم إِنِّي دعوتهم جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُم وأَسْرَرْتُ لَهُم إِسْرَارًا (9)} أي: دعوتهم مرَّة بعد أُخْرَى، وكرَّة بعد أولى، عَلَى أيِّ وجه أمكنني.
{__________
(1) - ... «العانة: الأتانُ، والقطيع من حُمُر الوحش. ج: عُون، بالضمِّ». الفيروزآبادي: القاموس، ص1097، مَادَّة: «عون».
(2) - ... «صرَّ الفرسُ والحمار بأذُنه يَصُرُّ صَرًّا وصَرَّها وأصَرَّ بها: سوَّاها للاستماع ... ». ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص429، مَادَّة «صرر». (4/312)
صفحة 1475
فقلتُ: اسْتَغْفِرُوا ربَّكم} بالتوبة عَن الكفر، {إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)} للتائبين. {يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا(11) وَيُمْدِدْكُمْ بأموالٍ وبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أنهارًا(12)} وعد لمن استقام عَلَى الطاعة بإمداد الرزق. {مَا لكم لاَ تَرجُونَ للهِ وَقَارًا(13)} لاَ تأملون لَهُ توقيرًا، أي: تعظيمًا لمن عبده وأطاعه، فتكونوا عَلَى حال تأملون فِيهِ تعظيمه إِيَّاكُمْ. {وقد خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14)} أي: تاراتٍ، إذ خلقكم أَوَّلاً عناصر، ثُمَّ مركَّبات تغذِّي الإنسان، ثُمَّ أخلاطا، ثُمَّ نطفا ثُمَّ علقا ثُمَّ مضغًا ثُمَّ عظاما ولحومًا، ثُمَّ أنشأهم خلقا آخر، فَإِنَّهُ يدلُّ عَلَى أَنَّهُ يمكن أن يعيدهم تارة أُخْرَى، فيعظمهم بالثواب؛ وعلى أَنَّهُ تعالى عظيم القدرة تامُّ الحكمة، ثُمَّ أتبع ذَلِكَ مَا يُؤَيِّدُه من آيات الآفاق، فقال:
{أَلَمْ تَرَوْا كيفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سماوات طِباقًا(15) وَجعَلَ القمرَ فِيهِنَّ نورًا وجَعَلَ الشمسَ سِرَاجًا(16) وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا(17)} إنشاء منها، فاستعير الإنبات للإنشاء. {ثُمَّ يُعِيدُكُم فِيهَا ويُخْرِجُكُمْ إخراجًا(18) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا(19) لِّتَسْلُكُوا منها سُبُلاً فِجَاجًا(20)}.
{ (4/313)
صفحة 1476
قَالَ نوحٌ: رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إِلاَّ خَسارًا (21)} واتَّبعوا رؤساءهم البطرين بأموالهم، المغترِّين بأولادهم، بحيث صار ذَلِكَ سببا لزيادة خسارهم فيِ الآخِرَة؛ وفيه أَنَّهُمْ إِنَّمَا اتَّبعوهم لوجاهة حصلت لهم بأموال وأولاد أدَّت بهم إِلىَ الخسار. {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)} كبيرا فيِ الغاية؛ فإنَّه أبلغ من كُبَار (1)، وَهُوَ [أبلغ] من كبير، وذلك احتيالهم فيِ الدين.
{وَقَالُوا: لاَ تَذَرُنَّ آلهتَكم وَلاَ تَذَرُنَّ وُدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)} وَلاَ تذرُنَّ (2) هؤلاء خصوصا، قيل: هِيَ أسماء رجال صالحين كَانُوا بين آدم ونوح؛ فَلَمَّا ماتوا صُوِّروا تبرُّكا بهم؛ فَلَمَّا طال الزمان عُبدوا، وقد انتقلت إِلىَ العرب، فكَانَ ودًّا لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسرا لحِمير. {وقد أضلُّوا كثيرا} الضمير للرؤساء، أو للأصنام. {وَلاَ تَزِدِ الظالمين [630] إلاَّضلالا (24)}.
{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} (3) من أجل خطاياهم. {أُغرِقوا فَأُدْخِلُوا نارا فلم يجدوا لَهُم مِّن دونِ اللهِ أنصارا (25) وقال نوحٌ: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْض مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)} أحدًا مِنْهُم (لَعَلَّهُ) يدور فيِ الأَرْض. {إنَّك إن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عبادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فاجِرًا كَفَّارًا (27)} قَالَ ذَلِكَ لَمَّا جرَّبهم واستقرأ أحوالهم ألف سنة إِلاَّ خمسين عاما، فعرف طباعهم.
{__________
(1) - ... بِضَمِّ الكاف وتخفيف الباء، مثل: عُجاب، وقرأ بها: عيسى وابن محيصن وأبو السمال. انظر: الألوسي: روح المعاني، ج29/ ص76 - 77.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «ولا تذورن»، وَهُوَ خطأ، وَرُبَّمَا يقصد: «ولا تذروا».
(3) - ... في الأصل: «خطاياهم» وهو خطأ من الناسخ. (4/314)
صفحة 1477
رَبِّ اغْفِرْ ليِ وَلِوَالِدَيَّ} المؤمنين، ولو إِلىَ آدم. {وَلِمَن دَخَل بَيْتِي} مِنَ المؤمنين، منزلي أو مسجدي أو سفينتي. {مؤمنا وللمؤمنين والمؤمناتِ وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَارًا (28)} هلاكا.
سورة الجن
بسم الله الرحمن الرحيم
{قل: أُوحِيَ إِلَيَّ أنَّه استَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الجِنِّ} قيل: الجنُّ أجسام عاقلة خفيَّة تغلب عَلَيْهِمُ الناريَّة والهوائيَّة؛ وقيل: نوع مِنَ الأرواح المجرَّدة؛ وقيل: نفوس بشريَّة مفارقة عَن أبدانها؛ وفيه دلالة عَلَى أنَّه - عليه السلام - مَا رآهم، ولم يقرأ عَلَيْهِم، وإنَّما ارتفق حضورهم فيِ بعض الأوقات قراءته فسمعوها، وأخبر الله رسوله؛ {فَقَالُوا: إِنَّا (1) سَمِعْنا قرآنا عَجَبًا (1)} بديعا مباينا لكلام الناس فيِ حسن نظمه، ودقَّة معناه. {يَهْدِي إِلىَ الرُّشْدِ} إِلىَ الحَقِّ. {فآمنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ برَبِّنَا أَحَدًا (2)} عَلَى مَا نطق بِهِ الدلائل القاطعة عَلَى التوحيد.
{وأنَّه تَعَالىَ جَدُّ رَبِّنَا} كأنَّه قيل: صدَّقنا أَنَّهُ تعالى جدُّ رَبِّنَا، أي: ارتفعت عظمته، من جَدَّ فلان فيِ عيني: إِذَا عظم؛ أو سلطانه؛ أو غناه؛ والمعنى: وصفه بالاستغناء عَن الصاحبة والولد لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقوله: {مَا اتَّخَذَ صاحبةً وَلاَ ولدا (3)} بيان لذلك، أي: صِدْقُ ربوبيَّته (2)، كأنَّهم سمعوا مِنَ القرآن مَا نبَّههم عَلَى خطإ مَا اعتقدوه مِنَ الشرك، واتِّخاذ الصاحبة والولد.
{__________
(1) - ... في الأصل - «إنَّا» وهو سهو.
(2) - ... فيِ العبارة سقط. فَفيِ تفسير البيضاويِّ: «وقرئ: "جدًّا" عَلَى التمييز. و"جِدُّ رَبِّنَا" أي: صِدْقُ ربوبيَّته»، البيضاوي: تفسير، ج4/ ص224. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص43. (4/315)
صفحة 1478
وأنَّه كَانَ يقول: سَفِيهُنا} (1) جاهلنا، وَهُوَ إبليس ومردة الجنِّ، {عَلَى الله شَطَطًا (4)} قولا ذا شطط، وَهُوَ البعد، ومجاوزة الحدِّ. {وأنَّا ظَنَنَّا} حسبنا {أن لن تَقُولَ الإنسُ والجنُّ عَلَى الله كذبا (5)} اعتذارا عَن اتِّبَاعهم للسفيه فيِ ذَلِكَ لظنِّهم أنَّ أحدا لاَ يكذب عَلَى الله؛ وعلى معنى مَا أوَّله فيِ هَذِهِ الآية كأنَّهم يلتمسون العلم مِنَ الإنس والجنِّ عَلَى مَا مضى فيِ سورة الأحقاف (2).
{وأنَّه كَانَ رجالٌ مِنَ الإنسِ يعوذون برجالٍ مِّنَ الجنِّ} قيل: كَانَ الرجل يقول: أعوذ بسيِّد هَذَا الوادي من شرِّ سفهاء قومه، {فزادوهم} فزاد الإنس (لَعَلَّهُ) والجنَّ باستعاذتهم بهم {رَهَقًا (6)} كِبرا وعتوًّا؛ أو فزاد الجنُّ الإنسَ غيًّا بأن أضلُّوهم، حَتَّى استعاذوا بهم؛ والرهق فيِ الشيء: غشيان الشيء. {وأنَّهم} وأنَّ الإنس {ظنُّوا كما ظَنَنْتُمْ} أَيُّهَا الجنُّ، أو بالعكس {أن لَّن يَبْعَثَ اللهُ أحدا (7)} [631] كأنَّهم فيِ الظنِّ غير الجائز مشتركون بدليل الآية.
{وأنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} طلبنا بلوغ السَّمَاء، أو خبرها، {فوجدناها مُلِئَتْ حَرَسا شديدا} قويًّا، وَهُم المَلاَئِكَة الذِينَ يمنعونهم عنها، {وشُهُبا (8)} جمع شهاب: وَهُوَ المضيء المتولِّد مِنَ النار. {وأنَّا كُنَّا نقعُدُ منها مقاعد للسمع} مقاعد خالية عن الحرس والشهب؛ أو صالحة للترصُّد والاستماع، {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شهابا رَّصَدًا (9)} أي: شهابا راصدا لَهُ. {وأنَّا لاَ ندري أشرٌّ أُرِيدَ بِمن فيِ الأَرْض أم أَرَادَ بهم ربُّهم رَشَدًا (10)} لأَنَّهُم لاَ يَعْلَمُونَ من أحكام المغيبات شَيْئًا.
{__________
(1) - ... كتب الناسخ فيِ الحاشية عبارة: «عدونا حين وصفوه بالصاحبة والولد» ولم يُحِلْ إليها، ولم يَتَّضِح لنا معناها ولا مكانها فيِ المتن.
(2) - ... انظر تفسير الآيَة 29 من سورة الأحقاف، ج4/ ص 147. (4/316)
صفحة 1479
وأنَّا مِنَّا الصالحون ومنَّا دونَ ذَلِكَ كُنَّا طرائقَ قِدَدا (11)} متفرِّقة مختلفة جمع قِدَّة (1)، من قَدَّ إذا قطع.
{وأنَّا ظَنَنَّا} علمنا {أن لَّن نُّعْجِزَ الله فيِ الأَرْض} أينما كُنَّا فِيهَا، {ولن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا (12)} إن أَرَادَ بنا أمرا، ولن نعجزه هربا إن طلبنا.
{وأنَّا لَمَّا سمعنا الهُدَى} أي: القرآن، {آمنَّا بِهِ} فهذا يدلُّ عَلَى إيمانهم بِهِ، وَهُم المستمعون لَهُ. {فمن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فلا يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا (13)} نقصا فيِ الجزاء وَلاَ أن ترهقه ذلَّة.
{وأنَّا مِنَّا المُسْلِمُونَ ومنَّا القاسطون} الجائرون عَن طريق الحَقِّ، وَهُوَ الإيمان والطاعة، {فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْا رَشَدًا (14)} توخَّوا رشدا عظيما يبلغهم إِلىَ دار الثواب. {وأما القاسطون فكَانُوا لِجهنَّم حَطَبا (15)} توقد بهم، كما توقد بكفَّار الإنس.
{وَأَلَّوِ اسْتَقَاموا} أي: وأنَّ الشأن لو استقام الإنس، أو الجنُّ، أو كلاهما {عَلَى الطريقة} المثلى، {لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16)} لوسَّعنا عَلَيْهِمُ الرزق، وتخصيص الماء الغدق ـ وَهُوَ الكثير ـ بالذكر لأَنَّهُ أصل المعاش والسعة؛ وكأنَّ الآية تدلُّ عَلَى أنَّ الجنَّ أهل حرث إن كَانَت الآية فيِ سياق ذكرهم. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} لنختبرهم كيف يشكرونه، {وَمَنْ يُعْرِضْ عَن ذكر رَبِّهِ} عَن عبادته، أو موعظته، أو وحيه، {يَسْلُكْهُ} يُدخله {عذابا صَعَدًا (17)} شاقًّا يعلو المعذَّب ويغلبه، وَلَعلَّهُ أردا بِهِ عذاب الدُّنْيَا والآخِرَة.
{__________
(1) - ... «والقِدَّةُ: القطعة من الشَّيْء. والقِدَّة: الفرقة والطريقة من النَّاس مشتقٌّ من ذَلِكَ إذا كان هوَى كُلِّ واحدٍ عَلَى حدة». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص28، مَادَّة «قدد». (4/317)
صفحة 1480
وأنَّ المساجدَ لله} مُختصَّة به، {فلا تدعو مَعَ الله أحدا(18)} قيل: هِيَ مواضع السجود؛ والمراد بِهِ: النهي عَن السجود لغير الله. {وأنَّه لَمَّا قام عبدُ اللهِ} قيل: هُوَ النبيُّ، وَإِنَّمَا ذَكَر لفظ العبد لإخلاصه لله، {يدعوه} يعبده، {كادوا} كادَ الجنُّ {يكونون عليه لِبَدا(19)} متراكمين من ازدحامهم عليه، ليكسروا عليه سَورَة عبادته، ويَجرُّوه إِلَيْهِم، وليشوِّشوا عليه عبادته بالوساوس الرديئة؛ أو كاد الإنس والجنُّ يكونون عليه مُجتمعين لإبطال أمره، وَهُوَ جمع لبدة، وَهُوَ مَا يلبد بعضه عَلَى بعض.
{قل: إنَّما أدعو رَبِّي وَلاَ أشرك بِهِ أحدا(20)} أمره بالإقبال عَلَى شأنه، [632] والإعراض عَن متابعة وساوسهم. {قل: إِنِّي لاَ أملِكُ لكم ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا(21)} وَلاَ نفعا. {قُلْ: إِنِّي لَنْ يُجيرَنِي مِنَ اللهِ أحدٌ} إن اتَّبعتكم وخالفت أمره، {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلتَحَدًا(22)} مُلتجأً أميل إِلَيْهِ، ومعنى اِلْتَحَدَ: أي مال، {إلاَّ بلاغا مِنَ الله ورسالاته} أي: لاَ أملك إِلاَّ تبليغكم، {ومَن يَعْصِ الله ورسوله} فيِ الأمر بالتوحيد، {فإنَّ لَهُ نار جَهَنَّم خالدين فِيهَا أبدا(23) حتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ} وَهُوَ الموت {فسيعلمون مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عددا(24)}.
{ (4/318)
صفحة 1481
قل: إِنْ أَدْرِي} أي: مَا أدري {أَقَرِيبٌ مَّا توعَدون أم يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الغيبِ فلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحدا (26)} مِنَ العاصين (1)، {إلاَّ مَنِ ارْتَضَى من رَّسُولٍ} والمعنى أنَّ الله لاَ يُطلع عَلَى أسرار المكوَّنات إِلاَّ من أطاعه، {فإنَّه يَسْلُكُ مِن بينِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)} حفظة مِنَ المَلاَئِكَة يحفظونه مِنَ الشياطين، يطردونهم عَنْهُ، ويعصمونه من وساوسهم، حتَّى يبلِّغ مَا أوحي به إِلَيْهِ.
{ليعلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا} أي: ليعلم النبيُّ الموحى إِلَيْهِ أن قد أبلغ جبريلُ والمَلاَئِكَة النازلون بالوحي؛ أو ليعلم الله أن أَبلَغ الأنبياءُ، {رسالاتِ ربِّهم} كما هِيَ محروسة مِنَ التغيير، {وأحاط بِمَا لديهم وأحصَى كُلَّ شيء عددا (28)} حتَّى القطر والرمل وورق الشجر.
سورة المزمل
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... تخصيص بغير دَلِيل، ويبدو أَنَّ الصواب ــ وَالله أعلم ــ ما ذهب إِلَيْهِ أبو السعود والألوسيُّ من تفسير لفظ "أَحَدًا" عَلَى عمومه. قال أبو السعود: «أي: فلا يطلع عَلَى غيبه إطلاعا كاملا ينكشف به جليَّة الحال انكشافا تَامًّا موجبا لعين اليقين أحدًا من خلقه». انظر: أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص47. الألوسي: روح المعاني، ج29/ ص96. (4/319)
صفحة 1482
الكتاب: التفسير المُيسَّر
المؤلف: سعيد بن أحمد الكندي (1207هـ)
تحقيق: مصطفى بن محمد شريفي و محمد بن موسى باباعمي
بلد دار النشر: سلطنة عُمان
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
[مبوب]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)} أصله المتزمِّل، من تزمَّل بثيابه: إِذَا تلفَّف بها، {قُمِ اللَّيْلَ} أي: قم إِلىَ الصلاة، أو داوم عليها، {إلاَّ قليلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قليلا (3) أو زِدْ عليه} ... (1) {ورتِّل القرآن ترتيلا (4)} قَالَ بيِّنه تبيينا؛ وفي الرواية عَن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَانَ لاَ يجاوز الآيَة فيِ القرآن، [إِلاَّ] ويقف عليها» (2). قَالَ أبو سعيد: إِنَّهُ رأى فيما يرى النائم أنَّ قائلا يقول لَهُ: إِذَا قرأت فلا تجاوز الآية؛ وقال: «مرَّت عائشة أمُّ المؤمنين عَلَى قارئ يقرأ، وَهُوَ يسرع فيِ قراءته، فقالت: لاَ قرأ وَلاَ ترك» انتهى. والمقصود مِنَ القراءة: التدبُّر.
{__________
(1) - ... كلمة غير مفهومة رسمها «وسئل الو». وكتب الناسخ فوق كلمة "عَلَيْهِ" حرف "ع". ولم نتمكَّن من إتمام العبارة مِمَّا بين أيدينا من المصادر.
(2) - ... روى الترمذيُّ فيِ كتاب القراءات، حديث رقم 2851 عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ، يَقُولُ: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثُمَّ يَقِفُ، {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثُمَّ يَقِفُ، وَكَانَ يَقْرَؤُهَا: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ... وَهَكَذَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ وَغَيْرُهُ ... عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ لأَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ... عَنْ أُمِّ سَلمَةَ أَنَّهَا وَصَفَتْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَرْفًا حَرْفًا، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: «وَكَانَ يَقْرَأُ: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}». العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «يقف». (4/320)
صفحة 1483
إِنَّا سَنُلقِي عليك قولا ثقيلا (5)} يعنى القرآن، فَإِنَّهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التكاليف الشاقَّة ثقيل عَلَى المكلَّفين، سيما عَلَى الرسول، إذ كَانَ - عليه السلام - أُمر أن يتحمَّلها ويحمِّلها أمَّته؛ أو أَرَادَ بهذا الاعتِراض مَا كلَّفه مِنَ القيام بالليل من جملة التكاليف الثقيلة، من حيث إنَّ اللَّيْل وقت الراحة والهدوء، فلا بدَّ لمن اختاره من مُجاهدة لنفسه؛ وقيل: قولا ثقيلاً فيِ الميزان، أو رصين لرزانة لفظه، وكثرة معانيه، أو ثقيل عَلَى المتأمِّل فِيهِ، لافتقاره إِلىَ مزيد تصفية للسرِّ، وتجريد للنظر، أو ثقيل عَلَى الكفار والفجَّار.
{إنَّ ناشئةَ اللَّيْلِ} إنَّ النفس التِي تنشأ من مضجعها إِلىَ العبادة، من نشأ من مكانه: إِذَا نهض؛ أو قيام اللَّيْل عَلَى أنَّ الناشئة لَهُ؛ أو العبادة التِي تنشأ [633] بالليل، أي: تحدث؛ قَالَ أبو سعيد: «إنَّ الناشئة: كلُّ صلاة بعد النوم بعد العشاء الآخِرَة». {هِيَ أشدُّ وَطْأً} أي: كلفة؛ أو ثبات قدم؛ وقرئ: وِطَاءً، من مواطأة القلب اللسان لها، أو فِيهَا، أو مواقعة لِمَا يراد مِنَ الخضوع والإخلاص، {وأقومُ قِيلاً (6)} وأشدُّ مقالا، أو أثبت قراءة بحضور القلب.
{ (4/321)
صفحة 1484
إِنَّ لك فيِ النَّهَارِ سَبْحًا طويلا (7)} تقلُّبا فيِ مهامِّكَ بها (1)، فعليك بالتهجُّد، فإنَّ مناجاة الحقِّ تستدعي فراغا؛ وقرئ: «سبخا» (2) أي: تفرُّقَ قلبٍ بالشواغل. {واذكر اسمَ رَبِّكَ} وَدُم عَلَى ذكره ليلاً ونهارًا؛ وذكر الله يتناول كُلَّ مَا يذكره، من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم، وَهُوَ يعمُّ جميع الطاعة. {وتَبتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8)} وانقطع إِلَيْهِ بالعبادة وجرِّد نفسك عَمَّا سواه.
{رَبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتَّخِذْهُ وكيلا (9)} مسبّب عَن التهليل، فإن توحُّده بالألوهيَّة يقتضي أن توكل إِلَيْهِ الأمور. {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يقولون} مِنَ الهذيان. {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جميلاً (10)} بأن تجانبهم وتُدارِيهم وَلاَ تكافئهم، وَكِلْ أمرهم إِلىَ الله، كما قَالَ: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ} (لَعَلَّهُ) دعني وإيَّاهم وكل [إِليَّ] (3) أمرهم. {أولي النَّعْمَةِ} أرباب التنعُّم. {وَمَهِّلْهُمْ قليلا (11)} زمانًا، أو إمهالاً.
{__________
(1) - ... فيِ تفسير البيضاويِّ: «في مهمَّاتك واشتغالك بها»، ويبدو أَنَّهُ الصواب. ج4/ ص227.
(2) - ... قال الزمخشريُّ: «وَأَمَّا القراءة بالخاء فاستعارة من سبخ الصوف، وَهُوَ نفشه ونشر أجزائه». الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 511.
(3) - ... إضافة من البيضاويِّ: المصدر نفسه. (4/322)
صفحة 1485
إنَّ لدينا أَنكَالاً} تعليل للأمر؛ والنكل: القيد الثقيل. {وجحيما (12)} قيل: إنَّ الجحيم النار الشديدة التَّأجُّحِ. {وطعاما ذا غُصَّة} طعامًا ينشب فيِ الحلق كالضريع، والزقُّوم، غير سائغة تأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج، وهو الغسلين والزقُّوم والضريع (1). {وعذابا أليما (13)} ونوعًا آخر مِنَ العذاب مؤلِمًا، لاَ يعرف كنهه إِلاَّ الله؛ وَلَمَّا كَانَت العقوبات الأربع مِمَّا تشترك فِيهَا الأشباح والأرواح، فإنَّ النفوس العامية (2) المنهمكة فيِ الشهوات تبقى مقيَّدة بحبِّها والتعلُّق بها عَن التخلُّص إِلىَ عالم المجرَّدات، متجرِّعة غصَّة الهجران، معذَّبة بالحرمان عَن تجلِّي أنوار القدس. {يومَ تَرْجُفُ الأَرْض والجبال} تضطرب وتتزلزل. {وكانت الجبال كثيبا} رملاً مجتمعًا. {مَّهِيلاً (14)} منثورًا؛ من هيل هيلاً: إذا نثر.
{إِنَّا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم} يشهد لكم وعليكم يوم القيامة بالإجابة والامتناع. {كما أرسلنا إِلىَ فرعونَ رسولا (15) فَعَصَى فرعونُ الرَّسُولَ فأخذناه أَخْذًا وَبِيلاً (16)} ثقيلاً، من قولهم: طعام وبيل لاَ يستمرأ لثقله، ومنه الوابل للمطر العظيم. {فكيف تتَّقون} أي: فكيف تتَّقون العذاب فيِ الآخِرَة إن كفرتم بِهِ فيِ الدُّنْيَا أنفسكم، {إِن كَفَرْتُمْ} بقيتم على الكفر، {يوما} عذاب يوم، {يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17)} من شدَّة هوله؛ وهذا عَلَى التمثيل، وأصله أنَّ الهموم تُضعف القوى [634] وتسرع بالشيب والهرم. {السَّمَاء مُنفَطِرٌ} منشقٌّ {بِهِ} بشدَّة ذَلِكَ اليوم عَلَى عظمها وأحكامها، فضلاً عَن أَيَّام العذاب، {كَانَ وَعْدُهُ مفعولا (18)}.
{__________
(1) - ... كذا في الأصل، وَهُوَ تكرار.
(2) - ... عند البيضاويِّ: «العاصية». المصدر نفسه. (4/323)
صفحة 1486
إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} عظة، {فمن شاء} أن يتَّعِظ، {اتَّخَذَ إِلىَ ربِّه سبيلا (19) إنَّ رَبَّكَ يعلم أَنَّكَ تقوم أدنى من ثُلثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ، وطائفةٌ مِّنَ الذِينَ معك} ويقوم ذَلِكَ جماعة من أصحابك. {والله يُقدِّر اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} لاَ يعلم مقادير ساعاتهما كما هِيَ إِلاَّ الله؛ ومعناه: لاَ يفوته علم ما تفعلون، {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} أي: لن تحصوا تقدير الأوقات، ولن تستطيعوا ضبط الساعات، {فتاب عليكم} بالترخيص فيِ ترك القيام المقدَّر؛ {فاقرءوا مَا تيسَّر مِنَ القرآن} قيل: فصلُّوا مَا تيسَّر عَلَيْكُم من صلاة اللَّيْل؛ عبَّر عَن الصلاة بالقراءة كما عبَّر عنها بسائر أركانها. قيل: كَانَ التهجُّد واجبًا عَلَى التخيير المذكور، فَعَسُرَ عليهم القيام بِهِ، فنسخ بِهِ، ثُمَّ نسخ هَذَا بالصلوات الخمس. وعن أبي سعيد: «وعن قوله: {فاقرءوا مَا تيسَّر مِنَ القرآن} فقد قيل: ذَلِكَ قراءة القرآن عند فاتحة الكتاب فيِ الصلوات المفروضة؛ وقيل: ذَلِكَ فيِ النوافل، وَالأَوَّل أحبُّ إِليَّ، وَاللهُ أعلم بتأويل كتابه».
{ (4/324)
صفحة 1487
عَلِمَ أن سَيَكُونُ منكم مَّرْضَى وآخرون يضربون فيِ الأَرْض يَبْتَغُونَ من فضل الله} من تحصيل علم أو تجارة، {وآخرون يقاتلون فيِ سبيل الله فاقرءوا مَا تيسَّر مِنْهُ} قيل: مَا تيسَّر لكم عند قراءته، [مع] خشوع القلب وصفاء السرِّ، {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاةَ وأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا} من بذل مال، أو جسم، أو غريزة عقل؛ ويعمُّ ذَلِكَ جميع مَا يكون طاعة لله، ولو فيِ دفع الوساوس الشيطانيَّة والاشتغال عنها بذكر الله، {وَمَا تُقَدِّمُوا لأنفسكم مِّنْ خيرِ تجدوه عند الله هُوَ خيرًا} من ذَلِكَ الذِي قدَّمتموه {وَأَعْظَمَ أَجْرًا} مِمَّا تتَّبِعُون بِهِ شهوات الأنفس، فإنَّ ذَلِكَ قليل لاَ جدوى لَهُ؛ {واستغفروا الله} فيِ مجامع أحوالكم، فإنَّ الإنسان لاَ يخلو من تفريط، {إنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)} لمن تاب.
سورة المدثر
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} أي: المتدثِّر، وَهُوَ لابس الدثار. [قال أبو سعيد: «سمعت أَنَّهُ (لَعَلَّهُ) مِمَّا قيل: إنَّه أوَّل مَا أرسل الله بِهِ (لَعَلَّهُ) نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم -، وأمره بالرسالة قوله: {يا أيُّها المدَّثِّر قم فأنذر}. قلتُ له: فالمدَّثِّر ما هو؟ قَالَ: معنى أَنَّهُ النائم، قلت له: فقوله تعالى: {وثيابك فطهِّر} أكَانَت (1) ثيابه نجسة؟ قال: معي أَنَّهُ قد (لَعَلَّهُ) قيل: قلبَكَ فطهِّرْ، والثياب هاهنا القلب. وقيل: فالرجز مَا هُوَ؟ (لَعَلَّهُ) قَالَ: مضى معي أنَّه الشرك، أي: اهجر الشرك. والله أعلم بتأويل كتابه] (2).
{__________
(1) - ... في الأصل: «كان».
(2) - ... العبارة التي بين معقوفين كتبت فيِ الحاشية، ولم يُحل إِلَيْهَا فيِ المتن وأثبتناها فيِ سياقها. (4/325)
صفحة 1488
قُمْ} من مضجعك، أو قم قيام عزم وجدٍّ، {فَأَنذِرْ (2)} مطلق للتعميم، {ورَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)} واخصص رَبَّكَ بالتكبير؛ وَهُوَ وصفه بالكبرياء عقدًا وقولاً؛ والمقصود من الأمر بالقيام أن يُكبِّر ربَّه عَن الشرك والتشبيه؛ فإنَّ أوَّلَ مَا يجبُ: معرفةُ الصانع، وَأَوَّل مَا يجب بعد العلم بوجودِه: تنزيهُه.
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} مِنَ النجاسات، فإنَّ التطهير واجب فيِ الصلاة، محبوب فيِ غيرها، وذلك بغسلها أو بحفظها عَن النجاسة، وَهُوَ أوَّل مَا أمر بِهِ من رفض العادات المذمومة؛ أو طهِّر نفسك مِنَ الأخلاق الذميمة، والأفعال الدنيئة، فيكون أمرا باستكمال القوَّة العمليَّة، بعد أمره باستكمال القوَّة النظريَّة والدعاء إِلَيْهِ؛ أو فطهِّر ديار النبوَّة عمَّا يدنِّسه مِنَ الحقد والضجر وقلَّة الصبر، {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} واهجر العذاب بالثبات عَلَى هجر مَا يُؤدِّي إِلَيْهِ مِنَ الشرك وغيره مِنَ القبائح.
{وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6)} لاَ تعط متكثرًا، نهي عَن الاستغزار، وَهُوَ أن يهب شيئًا طامعًا فيِ عِوَض أكثر؛ أو لاَ تمنن بعبادتك عَلَى الله مستكثرًا إيَّاهَا، أو عَلَى الناس بالتبليغ متكثِّرًا بِهِ الأجر مِنْهُم، {ولربِّك} ولوجهه أو أمره {فاصبر (7)} فاستعمل الصبر؛ أو فاصبر عَلَى مشاقِّ التكاليف، وأذى المشركين.
{فإذا نُقِرَ} نُفخ {فيِ الناقور (8)} وَهُوَ القرن عَلَى مَا قيل؛ كأنَّه قَالَ: اصبر عَلَى زمان صعب تلقى فِيهِ عاقبة صبرك، وأعداؤك عاقبة ضرِّهم، {فذلك يومئذ يوم عسير (9) عَلَى الْكَافِرِينَ} فإنَّ معناه: عسر الأمر عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وذلك إشارة إِلىَ وقت النَّقر {غير يسير (10)}.
{ (4/326)
صفحة 1489
ذَرني ومَن خَلَقْتُ وحيدا (11)} فريدًا لاَ مال لَهُ وَلاَ ولد، {وجعلت لَهُ مالا مَّمْدُودًا (12)} مبسوطًا كثيرًا، أو مُمدًّا بالنماء، {وبنين شهودا (13)} حضورًا معه يتمتَّع بلقائهم فيِ المحافل لوَجَاهتهم واعتبارهم، {ومهَّدت لَهُ تَمهيدا (14)} أو بسطت لَهُ الرئاسة والجاه العريض؛ وقيل: الوحيد باستحقاق الرئاسة والتقدُّم، {ثُمَّ يطمع أن أَزيد (15)} عَلَى مَا أوتيته، وَهُوَ استبعاد لطمعه، كما قَالَ: {كَلاَّ} (لَعَلَّهُ) قطع الرجاء عمَّا كَانَ يطمع فِيهِ، {إِنَّهُ كَانَ لآياتنا عنيدا (16)} فإنَّه ردع لَهُ عَن الطمع وتعليل للردع عَلَى سبيل الاستئناف بمعاندة آيات الله المنعم، المناسبة لإزالة النعمة، المانعة عَن الزيادة، {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)} سأغشيه عقبة شاقَّة المصعد، وَهُوَ مثلٌ لِمَا يلقى مِنَ الشَّدائِد. وفي موضع: سأكلِّفه مشقَّة مِنَ العذاب لاَ راحة لَهُ فِيهَا، وقيل: الصَّعُودُ: جبلٌ من نار يتصعَّده حريقًا، ثُمَّ يهوي فِيهِ كذلك أبدًا، يكلَّف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت.
{ (4/327)
صفحة 1490
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)} تعليل للوعيد، أو بيان للعناد؛ والمعنى: فكَّر فيما يُخيَّل طعنا فيِ القرآن، وقدَّر فيِ نفسه مَا يقول فِيهِ، {فقُتِل كيف قَدَّرَ (19)} تعجُّب من تقديره استهزاء بِهِ، {ثم قُتل كيف قدَّر (20)} تكرير للمبالغة {ثُمَّ نَظَر (21)} قيل: فيِ أمر القرآن مرَّة بعد أُخْرَى، {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)} قطَّب وجهه لَمَّا لم يجد فِيهِ طعنًا، ولم يدر مَا يقول، {ثُمَّ أَدْبَرَ} عَن الحَقِّ، {واستكبر (23)} عَن اتِّبَاعه، {فقال: إِنْ هَذَا إِلاَّ سحرٌ يُؤْثَرُ (24)} يُروَى ويُتعلَّم، {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ (28)} لاَ تُبقى عَلَى شيء يلقى فِيهَا وَلاَ تدعه حتَّى يهلك، لأَنَّ طبعها الإذهاب لِمَا يلقى فِيهَا، إِلاَّ من أدخل للتعذيب، فإنَّه مخلَّد فِيهَا، {لوَّاحة للبشر (29) عليها تسعَةَ [636] عَشَرَ (30)} ملكا، أو صنفًا مِنَ المَلاَئِكَة يَلُون أمرها.
{وَمَا جعلنا أصحاب النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً} ليخالفوا جنس المعذَّبين، فلا يرقُّوا لَهُم، وَلاَ يستروحون إِلَيْهِم؛ ولأنَّهم أقوى الخلق بأسًا وأشدُّهم غضبًا لله، {وَمَا جعلنا عِدَّتَهم إِلاَّ فتنةً للذين كَفَرُوا} وَمَا جعلنا عددهم إِلاَّ العدد الذِي اقتضى فتنتهم، وَهُوَ التسعة عشر، فعبَّر بالأثر (1) عَن المؤثِّر تنبيها عَلَى أنَّه لاَ ينفكُّ مِنْهُ؛ وافتتانهم بِهِ: استقلالهم لَهُ، واستهزاؤهم بِهِ، واستبعادهم أن يتولَّى هَذَا العدد القليل تعذيبَ أكثر الثَّقلين.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «الأمر»، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص230. (4/328)
صفحة 1491
لِيَسْتَيْقِنَ الذِينَ أوتوا الكتابَ} أي: ليكتسبوا اليقين بنبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وصدق القرآن لَمَّا رأوا ذَلِكَ موافقًا لِمَا فيِ كتابهم، {وَيَزْدَادَ الذِينَ آمنوا إيمانا} بالإيمان بِهِ، {وَلاَ يرتابَ الذِينَ أوتوا الكتاب والمؤمنون} أي: فيِ ذَلِكَ؛ وَهُوَ تأكيد للاستيقان وزيادة الإيمان، ونفي لِمَا يعرض لِلْمُتيقِّن حيثما عراه شبهة؛ {وَلِيَقُولَ الذِينَ فيِ قلوبهم مَّرَضٌ} شكٌّ أو نفاق، {والْكَافِرُونَ: ماذا أَرَادَ اللهُ بهذا مَثَلاً} أيّ شيء أَرَادَ بهذا العدد المستغرب استغراب المثل، {كذلك يُضلُّ الله من يَشَاء ويهدي من يَشَاء} مثل ذَلِكَ المذكور مِنَ الإضلال والهدى يضلُّ الْكَافِرِينَ، ويهدي المؤمنين، {وَمَا يعلم جنودَ رَبِّك} جموع خلقه عَلَى مَا هم عليه؛ (لَعَلَّهُ) فَلِلَّهِ تعالى فيِ القلوب والأرواح وغيرها مِنَ العوالم جنودًا مجنَّدة، لاَ يعرف (لَعَلَّهُ) حقيقتَها وتفصيلَ عددها {إلا هُوَ} إذ لاَ سبيل لأحَدٍ إِلىَ حصر المُمْكنَات، والاطِّلاع عَلَى حقائقِهَا وصفاتها، وَمَا يوجب اختصاص كلٍّ منها بِمَا يخصُّه مِن كمٍّ وكيفٍ، واعتبار ونسبة، {وَمَا هِيَ} وَمَا سَقَر، أو عدَّة الخزنة، أو السورة {إلاَّ ذِكْرَى للبشرِ (31)} إِلاَّ تذكرة لِمَن يذَّكَّر مِنْهُم.
{ (4/329)
صفحة 1492
كَلاَّ} ردعٌ لمن أنكرها أو إنكارٌ [لأن يتذكَّروا بها] (1)، {والقمرِ (32) والليلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) والصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لإِحْدَى الكُبَرِ (35)} لإحدى البلايا الكبرى، أي: البلايا الكُبر كثيرة (2) وسَقَر وَاحِدَة منها، {نذيرا للبشر (36) لِمَن شاء منكم أن يَتَقَدَّمَ أو يَتَأَخَّرَ (37)} أي: نذير للمُمَكَّنين مِنَ السبق إِلىَ الخير والتخلُّف عَنْهُ.
{كلُّ نفس بِمَا كسبت رهينةٌ (38)} مرهونة عند الله بعملها الخبيث، بدليل قوله: {إلاَّ أصحاب اليمِينِ (39)} فإنَّهم فكُّوا رقابهم بتوبتهم مِنَ الذنوب، (لَعَلَّهُ) وصالح الأعمال، {فيِ جَنَّات يتساءلُونَ (40) عَن المجرمِينَ (41)} (لَعَلَّهُ) متنعِّمين بالسؤال، {مَا سَلَكَكُمْ فيِ سَقَرَ (42)}؟ بجوابه حكايةٌ لِمَا جرى بين المسؤولين (3) والمجرمين أجابوا بها: {قَالُوا: لم نك مِنَ المصلِّينَ (43)} الصلاة الواجبة، {ولم نكُ نُطعم المسكِينَ (44)} [637] مَا يجب إعطاؤه، {وكنَّا نخوض مَعَ الخائِضِينَ (45)} نشرعُ فيِ الباطل مَعَ الشارعين فِيهِ، {وكنَّا نكذِّب بِيَوْمِ الدِينِ (46)} يوم الجزاء، {حَتَّى أتانا اليقِينُ (47)} الموت وَمَا بعده.
{__________
(1) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص231. وقد وضع الناسخ إحالة إِلىَ الحاشية ولم يكتب فيها شَيْئًا.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «البلايا الكبر الكبيرة»، وصحَّحناها من المصدر نفسه.
(3) - ... لَعَلَّ الصواب: «السائلين»، وقد نقلها المُصَنِّف من البيضاوي: المصدر نفسه. (4/330)
صفحة 1493
فما تَنفَعُهُمْ شفاعةُ الشافعِينَ (48)} لو شفعوا لَهُم جميعا، {فما لَهُم عَن التَّذْكِرَةِ معرِضِينَ (49)}؟ أي: معرضين عَن التذكير، يعني القرآن، أو ما يعمُّه {كأنَّهم حُمُر مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51)} شبَّبهم فيِ إعراضهم ونفارهِم عَن استماع الذكر بحمر نافرة، فرَّت مسرعة؛ والقسورة: هُوَ الأسدُ عَلَى مَا قيل، {من قسورة} أي: أسد (1)، فعولة مِنَ القسر، وَهُوَ القهر، {بَل يريد كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُم أن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً (52)} قراطيس تنشَرُ للقراءة، وذلك كأنَّهم أرادوا أن يُؤتَى كلُّ وَاحِد مِنْهُم كلامًا لَهُ بكتاب مِنَ السَّمَاء فِيهِ: مِنَ الله إِلىَ فلان اتَّبع محمَّدًا.
{كَلاَّ! بَل لاَّ يخافون الآخِرَةَ (53) كلاَّ} ردع عَن اقتراحهم الآيات، {إِنَّهُ تذكرةٌ (54)} يعني: القرآن مذكِّر لِمَن آمن، {فمن شاء ذَكَرَهُ (55)} فمن شاء أن يذكره، {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أن يَشَاءَ اللهُ} ذكرَهم، أو مشيئتَهم، كقوله: {وَمَا تشاؤون إِلاَّ أن يَشَاء الله} (2) وَهُوَ تصريح بأنَّ فعل العبد بمشِيئَة الله، {هُوَ أهل التقوى} حقيقٌ بأنْ يُتَّقَى عقابه؛ أو لاَ تكون التقوى إِلاَّ مِنْهُ، {وأهل المغفرة (56)} حقيق بأنْ يَغْفِر لعباده المتَّقين.
سورة القيامة
بسم الله الرحمن الرحيم
{لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامةِ (1)} إدخال «لاَ» النافية عَلَى فعل القسم للتأكيد شائع فيِ كلامهم، قَالَ امرؤ القيس:
لا وأبيك ابنة ... العامريِّ ... لاَ يدَّعي القوم ... أَنِّي أفرُّ
__________
(1) - ... فيِ العبارة تكرار واضح.
(2) - ... سورة الإنسان: 30؛ سورة التكوير: 29. (4/331)
صفحة 1494
وقد مَرَّ الكلام فِيهِ فيِ قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} (1) والمعنى أنَّه لاَ يقسم بالشيء (لَعَلَّهُ) [إِ] لاَّ إعظاما له، كقوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم، وَإِنَّهُ لقسمٌ لو تَعْلَمُونَ عظِيمٌ} (2)، وقال ابن عبَّاس: «{لاَ أقسم} معناه: بلى أقسم» عَلَى مَا يوجد عَنْهُ. {وَلاَ أقسم بالنفس اللوَّامة (2)} قيل: النفس (لَعَلَّهُ) الروحانيَّة المُطمَئِنَّة اللائمة للنفس الجسداويَّة (3) الأمَّارة بالسوء الخبيثة، {أَيَحْسَبُ الإنسانُ} يعني: الجنس {أَلَّن نَّجْمَعَ عظامَه (3)} بعد تفرُّقها؟ {بَلَى قادرين عَلَى أن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)} عَلَى مَا كَانَت، وإن دقَّت عظامها وصغرت.
{__________
(1) - ... سورة الواقعة: 75. انظر: ج4 / ص 233.
(2) - ... سورة الواقعة: 75 - 76.
(3) - ... لَعَلَّ القياس يقتضي أن يقول: «الجسدانيَّة»، مثل الروحانيَّة، الجسمانيَّة، الشهوانيَّة ... (4/332)
صفحة 1495
بَل يريد الإنسان لِيَفْجُرَ أمَامَهُ (5)} ليدوم عَلَى فجوره فيما بين يديه مِنَ الآفات، وفيما يستقبله مِنَ الزمان، لاَ ينزع عَنْهُ، {يَسْأَلُ أَيَّانَ} متى {يومُ القيامة (6)} يسأل سؤال متعنِّت مستعدٍّ لقيام الساعة، فبيَّن الله، فقال: {فإذا بَرَقَ الْبَصَرُ (7)} أي: شَخصَ البصر، وتحيَّر من شدَّة الفزع، وأصله من بَرَقَ الرجلُ (1): إِذَا نظر إِلىَ البرق فدهش بصره، {وَخَسَفَ القمرُ (8)} وذهب ضوؤه، {وجُمِعَ الشمسُ والقمرُ (9)} قيل: حيث يطلعهما الله مِنَ المغرب، أو فيِ ذهاب ضوئهما؛ وَلاَ ينافيه [تفسير] الخسوف: بذهاب ضوء البصر، والجمعِ: باستتباع الروحِ الحاسَّةَ فيِ الذهاب، أو بوصوله (2) [638] إِلىَ من كَانَ يقتبس مِنْهُ نور العقل من سكَّان القدس.
{__________
(1) - ... فيِ اللسان: «وبَرَقَ الرجل وأبرَقَ: تهدَّد وأوعد ... وأرعدنا وأبرقنا بمكان كذا وكذا: أي رأينا البرقَ والرعد». ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص197، مَادَّة «برق».
(2) - ... كذا ــ بصيغة التذكير ــ فيِ تفسير البيضاويِّ أَيضًا، «يقال: خرجَ روحُه، والروح مذكَّر». ابن منظور: لسان العرب، ج2/ ص1249، مَادَّة «روح». (4/333)
صفحة 1496
يقول الإنسان يومئذ: أين الْمَفَرُّ (10)}؟ أي: الفرار، يقوله قولَ الآيس من وجدانه المتمنَّى، وقرئ بالكسر، وَهُوَ المكان، {كَلاَّ} ردع عَن طلب المفرِّ، {لاَ وَزَرَ (11)} لاَ ملجأ وَلاَ مهرب، والوَزَرُ: مَا يتحصَّن بِهِ من جبل وغيره، {إِلىَ رَبِّكَ يومئذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)} إليه وحده استقرار العباد، أو إِلىَ حكمه استقرار أمرهم، أو إِلىَ مشيئته موضع قرارهم، يُدخل من يَشَاء الجنَّة، ومن يَشَاء النار؛ {يُنَبَّأُ الإنسانُ يومئذ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)} بِمَا قدَّم من عمل عمله، وبما أخَّر مِنْهُ لم يعمله؛ أو بِمَا قدَّم من عمل عمله، وبما أخَّر من سنَّة حسنة، أو سيِّئة عُمل بها بعده؛ أو قدَّم من مال تصدَّق بِهِ، وبما أخَّر فخلَّفه؛ أو بأوَّل عمله وآخره.
{بَل الإنسانُ عَلَى نفسه بصيرةٌ (14)} أي: حجَّة بيِّنة عَلَى أعمالها، لأَنَّهُ شاهد بها؛ وصَفَها بالبصارة عَلَى المجاز؛ أو عين بصيرة بها، فلا يحتاج إِلىَ الإنباء؛ والمعنى أنَّه ينبَّأ بأعماله وإن لم ينبَّأ، ففيه مَا يجزي عَن التنبيه، لأَنَّهُ شاهد عليها بِمَا عملت، {ولو أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)} ولو جاء بِكُلِّ معذرة يعتذر بها عَن نفسه، ويجادل عنها. وعن السُّدِّيِّ: «ولو أرخى ستوره»؛ والمعاذير: الستور، واحدها معذَار، ولأنَّ الستر يمنع رؤية المحتجب، كما أنَّ المعذرة تمنع عقوبة الذنب.
{ (4/334)
صفحة 1497
لاَ تُحَرِّكْ} يا محمَّد {بِهِ} بالقرآن {لِسَانَكَ} قبل أن يتمَّ وحيه؛ {لِتَعْجَلَ بِهِ (16)} قيل: كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا لقِّن الوحي نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إِلىَ أن يتمَّها مسارعة إِلىَ الحفظ، وخوفا مِنَ النسيان؛ فأمر بالإنصات إِلَيْهِ ملتفتًا إِلَيْهِ بسمعه وقلبه، حتَّى يقضى إِلَيْهِ وحيه؛ والمعنى: لاَ تحرك بقراءة الوحي لسانك مَا دام جبريل يقرأ، {لتعجل بِهِ} لتأخذه عَلَى عجلة، لئلاَّ ينفلت منك؛ ثُمَّ علَّل النهي عَن العجلة بقوله: {إنَّ علينا جَمْعَهُ} فيِ صدرك، {وقرآنه (17)} وإثبات قراءته فيِ لسانك، {فإذا قرأناه} جعل قراءة جبريل قراءته؛ والقرآن: القراءة، {فاتَّبع قرآنه (18)} قراءته، وتكرَّر فِيهِ حتَّى يتكرَّر (1) فيِ ذهنك، {ثُمَّ إنَّ علينا بَيَانَهُ (19)} بيان مَا أشكل عليك من معانيه؛ وفيه دليل عَلَى أنَّ الله وعد البيان لِمَن اتَّبع القرآن لاَ غير؛ وفيه دليل عَلَى جواز تأخير البيان عَن وقت الخطاب، وَهُوَ اعتراض بِمَا يؤكِّد التوبيخ عَلَى حبِّ العجلة، لأَنَّ العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو (لَعَلَّهُ) أتمُّ الأمور وأصل الدين، فكيف بها في غيره؟.
{__________
(1) - ... الصواب: «حَتَّى يرسخ» كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص232. (4/335)
صفحة 1498
كَلاَّ} ردع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن عادة العجلة، وحثٌّ عَلَى تكرير القراءة عَلَى قومه بالتُّؤدَة، ليتقرَّر ذَلِكَ فيِ قلُوبِهِم، لأنَّهم غافلون عَن الأدلَّة، لاَ يتدبَّرون القرآن وَمَا فِيهِ مِنَ البيان، {بَل [639] تحبُّون العاجلةَ (20)} أي: تختارون التكاسل والدعَّة عَن الرغبة فيِ طلب العلم، وتتركون الاهتمام بأمور العلم، فلا غنى لك معهم من إعادة القول وتكريره، وزيادة التنبيه وتقريره؛ وتعميم الخطاب، إشعارًا بأنَّ بني آدم مطبوعون عَلَى الاستعجال للعاجل، والتجافي عَن الآجل، بدليل قوله: {وتذرون الآخِرَة (21)} لأَنَّ من أحبَّ شيئًا غفل عَن ضدِّه.
{وُجُوهٌ يومئذ نَّاضِرَةٌ (22)} بهيَّة متهلِّلة، وذلك ينبِئ عَمَّا فيِ القلب مِنَ السرور، {إِلىَ ربِّها ناظرةٌ (23)} منتظرة ثوابه، {وَوُجُوهٌ يومئذ بَاسِرَةٌ (24)} شديدة العبوس، عابسة متغيِّرة مسودَّة، {تَظُنُّ} تتوقَّع {أن يُفْعَلَ بها فَاقِرَةٌ (25)} داهية تكسر الفقار، {كَلاَّ} ردع عَن إيثار الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَة، {إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26)} إِذَا بلغت النفس أعالي الصدر، {وقيل: مَن رَاقٍ (27)} أي: وقال من حضره من أهل وصديق بعضهم لبعض: أيُّكُم يرقِيه مِمَّا به؟ وقيل: هُوَ كلام مَلاَئِكَة الموت: أيُّكم يَرقى بروحه، مَلاَئِكَة الرحمة أم مَلاَئِكَة العذاب؟ مِنَ الرقيِّ، {وَظَنَّ} المحتضر {أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)} أنَّ هَذَا الذِي نزل بِهِ هُوَ فراق الدُّنْيَا المحبوبة.
{ (4/336)
صفحة 1499
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)} والتوت ساقه بساقه؛ وقيل التفَّ شدَّة أمر الآخِرَة بأمر الدُّنْيَا، {إِلىَ رَبِّكَ يومئذٍ الْمَسَاقُ (30)} سَوْقه إِلىَ الله وحكمه، {فلا صَدَّقَ} ما يجب تصديقه، أو فلا صدَّق ماله، أي: فلا زكَّاه، {وَلاَ صلَّى (31)} مَا فُرض عليه، {ولكن كذَّب} الحجَّة البالغة لَهُ، {وَتَوَلىَّ (32)} عَن الطاعة، {ثُمَّ ذهب إِلىَ أهله يَتَمَطَّى (33)} يتبختر افتخارًا بذلك، مِنَ المطِّ، فإنَّ المتبختر يَمدُّ خُطاه، فيكون أصله يتمطَّط؛ أو مِنَ المطا وهُوَ الظهر، فإنَّه يلويه.
{أَوْلىَ لَكَ فَأَوْلىَ (34)} ويل لك مِنَ الولي، وأصله أولاك الله مَا تكرهُه، وَهُوَ دعاء عليه، بِأَنْ يليه مَا يكرره؛ أو أولى لك الهلاك، وقيل: وليك الشرُّ فيِ الدُّنْيَا فوليك، ثُمَّ وليك الشرُّ فيِ الآخِرَة فوليك، {ثُمَّ أولى لك فأولى (35)} أي: بتكرير ذَلِكَ عليه مدَّة بعد أُخْرَى.
{ (4/337)
صفحة 1500
أَيَحْسَبُ الإنسانُ أن يُتْرَكَ سُدًى (36)}؟ مهملاً لاَ يكلَّف وَلاَ يجازى، تكرير إنكاره للحشر والدلالة عليه من حيث أنَّ الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسِن، والنهي عَن القبائح، والتكليف لاَ يتحقَّق إِلاَّ بمجازاةٍ، وهي قد لاَ تكون فيِ الدُّنْيَا فتكون فيِ الآخِرَة، {أَلَمْ يَكُ نطفةً من مَنيٍّ يُمْنَى (37)} أي: كيف يَحسب أن يهمل، وَهُوَ يرى فيِ نفسه مِن تنقُّل الأحوال مَا يستدلُّ بِهِ عَلَى أنَّ لَهُ صانِعًا حكيمًا، أكمل عقله وأقدره، وخلق فِيهِ الشهوة، فيعلم أنَّه لاَ يجوز أن يكون مخلًّى مِنَ التكليف، {ثُمَّ كَانَ علقة فَخَلَقَ فَسَوَّى (38)} فقدَّره فعدَّله، وعدَّل أعضاءه الظاهرة والباطنة فيِ بطن أمِّه، {فجعل مِنْهُ الزوجينِ} الصنفين {الذَّكَرَ والأُنثَى (39)} وَهُوَ استدلال [640] آخر بالإبداء عَلَى الإعادة عَلَى مَا مرَّ تقريره مرارًا؛ ولذلك رتَّب عليه قوله: {أليس ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أن يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)} أليس ذَلِكَ الذِي أنشأ هَذِهِ الأشياء بقادر عَلَى الإعادة؟!.
سورة الإنسان
بسم الله الرحمن الرحيم
{هَلْ أَتَى عَلَى الإنسانِ} استفهام تقرير وتقريب، {حينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} طائفة محدودة مِنَ الزمان، وَهُوَ مَا تقدَّم مِنَ الدهر قبل إيجاده، {لم يكن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1)} بَل كَانَ شَيْئًا منسيًّا غير مذكور بالإنسانيَّة.
{ (4/338)
صفحة 1501
إِنَّا خَلَقْنَا الإنسانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} أخلاط، لأَنَّ المراد بها مجموع مَنيِّ الرجل والمرأة، وكلٌّ منهما مُختلفة الأجزاء فيِ الرقَّة والقوام والخواصِّ؛ ولذلك يصير كلُّ جزء منهما مادَّة عضو، {نَّبْتَلِيهِ} أي: مبتلين لَهُ، مريدين اختباره، {فجعلناه سميعا بصيرا (2)} ليتمكَّن من مشاهدة الدلائل، واستماع الآيات، {إِنَّا هديناه} بنصب (لَعَلَّهُ) الدلائِل، وإنزال الآيات، وإزاحة العلل، (لأَنَّهُ لا يترك متعبداً من خلقه لطاعته وعبادته سدى، وَإِنَّهُ لاَ بُدَّ أن يهديه هداية، إن شاء يهديه بها، أو هداية يشقيه ويقيم عليه بها الحُجَّة، ولن تكون إِلاَّ كذلك) (1)، {السبيلَ} الذِي لأجله خُلق، {إِمَّا شَاكِرا} سالكا السبيل الذِي هداه إيَّاه، {وإمَّا كَفورا (3)} صادًّا عَنْهُ إِلىَ الضلال، بعدما مُكِّن من ذا وذا؛ ثُمَّ توعَّد عَلَى من اختار الضلال على الهدى، فقال:
{إِنَّا أعتدنا للكَافِرِينَ سَلاَسِلاً} بها يسحبون، {وأغلالاً} بها يقيَّدون {وسعيرا (4)} بها يُحرقون، {إنَّ الأبرارَ يَشربون من كأسٍ} من خمر، وهي فيِ الأصل القدح، تكون فِيهِ، وتخلق فِيهِ، {كَانَ مزاجها} ما يمزج بها {كافورا (5)} لبرده وعذوبته وطيب عرفه؛ وقيل: اسم ماء فيِ الجنَّة، يشبه الكافور فيِ رائحته وبياضه، ويخلق فِيهَا كيفيات الكافور، فيكون كالممزوجة بها، {عينا} بدل من «كافورًا» إن جعل اسم ماء، ومن محلِّ «مِن كأسٍ» عَلَى تقدير مضاف، أي: ماء عين، {يَشرب بها عبادُ اللهِ} أي: ملتذًّا، أو ممزوجا بها؛ وعباد الله: الذِينَ عبدوه بالإخلاص لا غير، {يفجِّرونها تَفْجِيرًا (6)} يجرونها بها (2) حيث شاءوا إجراء سهلاً.
{__________
(1) - ... كتبت العبارة التي بين قوسين في الحاشية، دون الإحالة إليها فيِ المتن، وقد وضعناها في هَذَا المكان لتناسب السياق.
(2) - ... الصواب - «بها». كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص234. (4/339)
صفحة 1502
يوفون بالنَّذْرِ} استئناف ببيان ما رزقوه لأجله، كأنَّه سئل عَنْهُ، فأجيب بذلك، وَهُوَ أبلغ فيِ وصفهم بالتوفُّر عَلَى أداء الوجبات؛ لأَنَّ من وفَّى بِمَا أوجبه عَلَى نفسه لله، كَانَ أوفى بِمَا أوجبه الله عليه، {ويخافون يوما كَانَ شرُّه} شدائده {مستطيرا (7)} فاشياً منتشرًا غاية الانتشار، من استطار الحريق والفجر، وَهُوَ أبلغ من طار؛ وفيه إشعار بحسن عقيدتهم، واجتنابهم عَن المعاصي، {وَيُطْعِمُونَ الطعامَ عَلَى حبِّه} حبِّ الله، أو الطعام أو الإطعام، {مسكينا ويتيما وأسيرا (8)} يعني: أسارى الكفَّار؛ أو الأسير المؤمن، ويدخل فِيهِ المسجون والغريم، لِمَا جاء فيِ الحديث: «غريمك [641] أسيرك، فأحسن إِلىَ أسيرك» (1).
{__________
(1) - ... لم نعثر عليه في مصادر الحديث التي بين أيدينا. وقد أوردته كتب التفسير. وقال الألوسيُّ: «إلاَّ أَنَّهُ قيل فيِ هَذَا الخبر ما قيل فيِ الخبر الأَوَّل» (عن حديثٍ ذكره قبل ذَلِكَ)، ونورد هنا ما قيل فيه: «قال ابن حجر: لم يذكره من يُعتمد عَلَيْهِ من أهل الحديث، وقال ابن العراقيِّ: لم أقف عَلَيْهِ». الألوسي: روح المعاني، ج29/ ص155 - 156. وانظر: الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 534. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص72.
... ... أقول: وفي سنن ابن ماجه (كتاب الأحكام، حديث رقم 2419) ما يَدُلُّ عَلَى تسمية الغريم بالأسير: فَعَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بِغَرِيمٍ لِي، فَقَالَ لِيَ: «الْزَمْهُ»، ثُمَّ مَرَّ بِي آخِرَ النَّهَارِ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ»؟. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «أسيرك». (4/340)
صفحة 1503
إنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ} عَلَى إرادة القول، بلسان الحال أو المقال، إزاحة لتوهُّم المنِّ، وتوقُّع المكافأة المنقصة للأجر، إذ هُوَ مفعول لوجه الله، فلا معنى لمكافأة الخلق، {لاَ نريد منكم جزاءً} مكافأة، {وَلاَ شُكُورًا (9)} أي: شكراً، {إِنَّا نخاف من رَّبِّنَا} فلذلك نحسن إليكم؛ أو لاَ نطلب المكافأة منكم، {يوما} عذاب يوم {عَبُوسًا} تعبس فيِه الوجوه، أو يشبه الأسد العبوس فيِ ضراوته، {قَمْطَرِيرًا (10)} شديد العبوس.
{فَوَقَاهُمُ اللهُ شرَّ ذَلِكَ اليومِ} بسبب خوفهم وتحفُّظهم عَنْهُ، {ولَقَّاهم نَضْرَةً} فيِ وجوههم {وسرورا (11)} فيِ قلوبهم بدلَ عُبوس الفجَّار وحزنهم، {وجزاهم بِمَا صَبَرُوا} بصبرهم عَلَى أداء الواجبات واجتناب المحرَّمات، وإيثار الأموال، {جنَّة وحريرا (12) متَّكئين فِيهَا عَلَى الأرائك لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شمسا وَلاَ زمهريرا (13)} والمعنى: أنَّه يمُرُّ عَلَيْهِم فيها هواء معتدل، لا حارٌّ مُحم، وَلاَ بارد مؤذ؛ والمعنى: أنَّ هواءها مضيء بذاته، لا يحتاج إِلىَ شمس وقمر، {ودانيةً عَلَيْهِم ظِلاَلُهَا} أي: تقرب مِنْهُم ظلالها حيث كَانُوا، كأنَّها مسخَّرة لَهُم فيِ جميع الأماكن والأوقات، {وذُلِّلت قطوفُها تذليلا (14)} تذليل القطوف: أن يجعل سهل التناول، لاَ يمتنع عَن قطافها كيف شاءوا.
{ (4/341)
صفحة 1504
ويُطاف عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وأكواب} أباريق بلا عُرى، {كَانَت قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ من فضَّة} أي: تكوَّنت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها، وبياض الفضَّة ولينها، ومعنى {كَانَت} أنَّها تكوَّنت قوارير بتكوين الله إيَّاهَا؛ وَهُوَ تفخيم لتلك الخلقة العجيبة الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين؛ ومثله كَانَ فيِ قوله: {كَانَ مزاجها كافورا (5} نحو يكون فيِ قوله: {كن فيكون}، {قدَّروها تقديرا (16)} أي: قدَّروها فيِ أنفسهم فجاءت مقاديرها وأشكالها كما تمنَّوه، أو قدَّروها بأعمالهم الصالحة، فجاءت عَلَى حسبها؛ أو قدَّر الطائفون بها، المدلول عَلَيْهِم بقوله: {ويطاف [عَلَيْهِم ... }، فالمعنى: قدَّروا] (1) شرابَها عَلَى قدر اشتهائهم، وقرئ: قُدِروها، أي: جُعلوا قادرين لها كما شاءوا، مِن قَدرَ، منقولا من: قُدِرتُ الشيءَ، وقدَّرنيه فلانٌ: إذا جعلك قادرا له؛ ومعناه: جعلوا قادرين لها كيف شاءوا عَلَى حسب مَا اشتهوا، وشهوتهم عَلَى حسب العمل.
{__________
(1) - ... ما بين معقوفين إضافة من تفسير أبي السعود: مج5/ ج9/ ص74. (4/342)
صفحة 1505
ويُسْقَوْنَ فِيهَا كأسا كَانَ مِزاجها زَنجَبِيلاً (17)} يشبه الزنجبيل فيِ الطعم، وقيل: كَانَت العرب يستلذُّون الشراب الممزوج بِهِ، وقيل عَن ابن عبَّاس: «كُلُّ مَا ذكره الله فيِ القرآن مِمَّا فيِ الجنَّة، ليس لَهُ مثل فيِ الدُّنْيَا»، ولكن سمَّاه بِمَا يعرف؛ وسمِّيت العين زنجبيلاً لطعم الزنجبيل فِيهَا، يعني: أنَّها فيِ طعمه، وليس فِيهَا لذعة وَلاَ غول، خلاف شراب الدُّنْيَا، فإنَّه ممزوج بالكدر والآفات، ولكن نقيض اللذع، وَهُوَ السلاسة، [642] كما قَالَ: {عَيْنًا فِيهَا تُسمَّى سَلْسَبِيلاً (18)} لسلالة انحدارها فيِ الحلق، وسهولة مساغها؛ وقيل: أصله سل سبيلاً، فسمِّيت بِهِ كتأبَّط شرًّا، لأَنَّهُ لاَ يشرب منها إِلاَّ من سأل إِلَيْهِا سبيلا بالعمل الصالح. {ويطوف عَلَيْهِم وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} دائمون، {إِذَا رأيتَهم حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (19)} من صفاء ألوانهم وانبثاثهم فيِ مجالسهم، وانعكاس شعاع بعضهم عَلَى بعض.
{ (4/343)
صفحة 1506
إِذَا رأيت ثَمَّ} ليس [له] مفعول ملفوظ وَلاَ مقدَّر، لأَنَّهُ عامٌّ، معناه: أَنَّ بصرك أينما وقع {رأيتَ نعيما ومُلْكًا كبيرا (20)} والمعنى: أنَّ بصر الرائي أينما وقع لم يقع إِلاَّ عَلَى نعيم عامٍّ، وملك كبير؛ وقيل: إِذَا أرادوا شَيْئًا كَانَ، وفي الحديث: «أدنى أهل الجنَّة منزلة، ينظر فيِ ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه» (1). هَذَا وللعارف الكثير من ذَلِكَ، وَهُوَ أن تنتقش نفسه بجلايا الملك، وخفايا الملكوت، فيستضيئ بأنوار قدس الجبروت (2).
{__________
(1) - ... رواه أحمد فيِ مسند المكثرين من الصحابة، رقم 4395، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ يَنْظُرُ فِي أَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ ... » الحديث ونحوَه برقم 5065. ورواه الترمذيُّ فيِ كتاب صفة الجَنَّة، رقم 2476 بلفظ: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ ... » ورواه أَيضًا في كتاب تفسير القرآن، 3253. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «أدنى أهل الجَنَّة».
(2) - ... عبارة صوفية غامضة منقولة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص235. وفيه: «بخلايا الملك» بدل «بجلايا الملك»، والصواب ما أثبتناه، ليقابل قوله: «خفايا الملكوت». «والملكوت أبلغ مِنَ الملك، و"التاء" فِيهِ للمبالغة، وقيل: مُلكُها خَلقُها الظاهر، ومَلَكُوتها سرُّها الذِي خُلقت لأجله؛ فالْمُلك يُرى بالبصر، والملكوتُ يُرى بالبصيرة». انظر تفسير الآية 75 من سورة الأنعام فيِ هَذَا التفسير، ج1/ ص413. (4/344)
صفحة 1507
عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} تعلوهم ثياب الحرير الخضر، ما رقَّ منها وَمَا غلظ؛ كأنَّهم يجدونهم عَلَى أجسادهم من غير تحمُّل (لَعَلَّهُ) لبس؛ أو يلقونها إِلىَ أجسادهم الغلمان كما أرادوا، {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقَاهُمْ رَبُّهم شَرَابًا طَهُورًا (21)} يريد بِهِ نوعاً آخر يفوق عَلَى النوعين المتقدِّمين، ولذلك أسند سقيه إِلىَ الله تعالى، ووصفه بالطهوريَّةِ، فإنَّه يطهر شاربه عَن الميل إِلىَ اللذات الحسيَّة، والركون إِلىَ مَا سوى الحقِّ، فيتجرَّد لمطالعة جلاله، ملتذاًّ ببقاء ثوابه، باقيًا ببقائه؛ وقيل: يطهِّرهم من كُلِّ شَيء سواه؛ وقيل: طهوراً مِمَّا يشوبه مِنَ النقص، {إنَّ هَذَا كَانَ لكم جزاءً} لِكُلِّ وَاحِد جزاؤه عَلَى قَدر عمله، {وكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكورًا (22)} مجازًى عليه غير مضيَّع.
{إِنَّا نَحْنُ نزَّلنا عليك القرآن تنزيلا (23)} مفرَّقاً، منجَّماً مفصَّلاً لحكمة اقتضته، {فاصبرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} الصادر عَن الحكمة والصواب عَلَى مكافحتهم، واحتمال أذاهم، {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُم آثِمًا} فيِ إثمه، {أو كَفُورًا (24)} فيِ كفره، {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25)} أي: وداوم عَلَى ذكره لاَ تنساه فيِ [أيِّ] وقت، لأَنَّ البكرة والأصيل يعمُّ الوقت كلَّه؛ وقيل: دم عَلَى صلاة الفجر والظهر والعصر، {ومن اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ} ومن بعض اللَّيْل فصلِّ لَهُ، لِمَا فيِ صلاة اللَّيْل من مزيد الكلفة والخلوص؛ وقيل: صلاة المغرب والعشاء، {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طويلاً (26)} وتهجَّد لَهُ طائفة طويلة مِنَ اللَّيْل.
{ (4/345)
صفحة 1508
إنَّ هؤلاءِ يُحبُّونَ العاجِلةَ} لاَ يتعدَّى (1) نظرهم وفكرهم وسعيهم عنها، ويؤثرونها عَلَى الآخرة، فلا تكن مثلهم، {وَيَذَرُونَ وراءَهم} أمامهم؛ أو خلف ظهورهم {يوما ثَقِيلاً (27)} شديدًا. {نَحْنُ خلقناهم وشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} وأحكمنا ربط [643] مفاصلهم، وقيل: معناه كلَّفناهم، فشدَدْنَاهم بالأمر والنَّهي، {وإذا شِئْنَا} أهلكناهم و {بدَّلنا أمثالَهُمْ تبديلا (28)} فيِ الخلقةِ.
{إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} الإشارة إِلىَ السورة، {فمن شاء اتَّخَذَ إِلىَ ربِّه سبيلا (29)} يوصل إِلىَ رضاه، {وَمَا تشاءون إِلاَّ أن يَشَاءَ الله} وَمَا تشاؤون ذَلِكَ إِلاَّ وقت أنْ يَشَاء الله مشيئتهم، {إنَّ الله كَانَ عليما} بِمَا يستأهل كلُّ أحد مَن علم مِنْهُ أنَّه أهلٌ لذلك مِن فعلِ الخيرِ والشرِّ، {حكيما (30)} لاَ يَشَاء إِلاَّ مَا تقتضيه حكمته، {يُدْخِلُ من يَشَاء فيِ رحمتِهِ} بالهداية والتوفيق للطاعة، {والظالمين أعدَّ لَهُم عذابا أليما (31)،} عَاجِلاً وآجِلاً.
سورة المرسلات
بسم الله الرحمن الرحيم
{والمرسلاتِ عُرفا (1) فالعاصفاتِ عصفا (2) والناشراتِ نشرا (3) فالفارقاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5)} أقسم بطوائف مِنَ الملائكة، أرسلهنَّ الله بأوامره متتابعة فعصفن عصف الرياح فيِ امتثال أمره، ونشرت الشرائع فيِ الأَرْض؛ أو نشرن النفوس الموتى بالجهل بِمَا أوحين من العلم، ففرَّقن بين الحقِّ والباطل، فألقين إِلىَ الأنبياء ذكراً، {عُذْرًا} للمحقِّقين (2) {أو نُذْرًا (6)} للمبطلين.
أو بآيات القرآن المرسلة بِكُلِّ حرف إِلىَ محمَّد - عليه السلام -، فعصفن سائر الكتب والأديان بالنسخ، ونشرن آثار الهدى والحكم فيِ الشرق والغرب، وفرَّقْن بين الحقِّ والباطل، فألقين ذكر الحقِّ فيما بين الْعَالَمِينَ.
__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «يتعد»، وَهُوَ خطأ من الناسخ.
(2) - ... لَعَلَّ الصواب: «للمحقِّين». (4/346)
صفحة 1509
أو بالنفُوس الكاملة المرسلة إِلىَ الأبدان لاستكمالها، فعصفن مَا سوى الحقِّ، ونشرن أثر ذَلِكَ فيِ جميع الأعضاء، ففرَّقن بين الحقِّ والباطل فيِ نفسه، فيرون كلّ شَيء هالكاً إِلاَّ وجهه، فألقين ذكراً بحيث لاَ يكون فيِ القلوب والألسنة إِلاَّ ذكر الله.
أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب فيِ الجوِّ ففرَّقن، فألقين ذكراً أي السببين (1) لَهُ، فإنَّ العاقل إِذَا شاهد هبوبها وآثارها ذكر الله تعالى، وتذكَّر كمال قدرته. و {عُرْفًا} إمَّا نقيض النكر وانتصابه (لَعَلَّهُ) عَلَى العِلَّة؛ أي: أرسلن للإحسان والمعروف؛ أو بمعنى المتتابعة، من عرف الفرس (2). {عذراً أو نذراً} أي: عذرا للمحقِّقِين، ونذراً للمبطِلين (3)؛ أو ما يعمُّ التوحيد والشرك، والإيمان والكفر، {إنَّما توعدون لَوَاقِعٌ (7)} معناه: إنَّ الذِي توعدونه من مجيء القيامة كائن لاَ محالة.
{فإذا النجوم طُمِسَتْ (8)} محقت، أو ذهب نورها، {وإذا السَّمَاء فُرجت (9)} أي: شقَّت وصدعت وفتِّحت فكانت أبواباً، {وإذا الجبال نُسفت (10)} كالحبِّ إِذَا نسف بالمنسف، {وإذا الرسل أُقِّتت (11)} وقِّتت وهو الأصل؛ ومعنى توقَّتت الرسل: تبيَّن وقتها الذِي يحضرون فِيهِ للشهادة عَلَى أمرهم (4)؛ أو بلغت ميقاتها الذِي كَانَت تنتظره.
{__________
(1) - ... الصواب كما فيِ تفسير البيضاوي: «أي تسبَّبْنَ له».
(2) - ... «وعُرفُ الديك والفَرس والدابَّة وغيرها: منبت الشعر والريش من العنق». ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص747، مَادَّة «عرف».
(3) - ... العبارة ــ كما نلاحظ ــ مكرَّرة.
(4) - ... الصواب: «أممهم». (4/347)
صفحة 1510
لأيِّ يومٍ أُجِّلَتْ (12)}؟ أي يقال: لأيِّ يومٍ أخِّرتْ؟ وضرب الأجل [644] للجمع، وَهُوَ تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله، {لِيَوْمِ الفَصْلِ (13) وَمَا أدراك مَا يومُ الفَصْلِ (14)} ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله؟! {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15)} أي: بذلك. وَ «وَيْلٌ» ــ فيِ الأصل ــ مصدرٌ منصوب بإضمار فعْلِه، عدل بِهِ إِلىَ الرفع للدلالة عَلَى ثبات الهلاك للمدعوِّ عليه؛ و «يومئذ» ظرفه أو صفته.
{ألم نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ (16)} كقوم عاد ونوح وثمود ومَن قبلهم من خلقه مِمَّن تعبَّدهم بالأمر والنهي وعَصَوْا، {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ (17)} وَهُم نظراؤهم وأمثالهم مثلمَا فعلنا بهم، لأَنَّهُم كذَّبوا كتكذيبهم، {كذلك} مثل ذَلِكَ الفعل {نَفْعَلُ بالمجرمِينَ (18)} بِكُلِّ من أجرم كائنا مَا كَانَ، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19)} بِآيَاتِ الله وأنبيائه وحججه البالغة؛ وليس تكريرًا؛ وكذا إن أطلق التكذيب، أو علَّق فيِ الموضعين بواحد لأَنَّ الويل الأوَّل لعذاب الآخِرَة، وَهَذَا للإهلاك فيِ الدُّنْيَا، مَعَ أنَّ التكرير للتأكيد حسن شائع فيِ كلام العرب.
{أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20)} نطفة قذرة ذليلة، {فجعلناه فيِ قرارٍ مَّكِينٍ (21)} يعني: الرحم، {إِلىَ قَدَرٍ} مقدور مِنَ الوقت {مَّعْلُومٍ (22)} قد علمه الله، {فَقَدَرْنَا} فقدرنا عَلَى ذَلِكَ؛ أو فقدَّرناه، وتدلُّ عليه قراءة نافع بالتشديد، {فنعم القادرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24)} بقدرتنا عَلَى ذَلِكَ.
{ (4/348)
صفحة 1511
ألم نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا (25)} كافتة، اسم لِمَا يكفت، أي: يضمُّ ويجمع؛ أو كِفْتٌ (1): وَهُوَ الوعاء، أجري عَلَى الأَرْض باعتبار أقطارها، {أحياءً وأمواتا (26)} قيل: يكفت أحياء عَلَى ظهرها، وأمواتا فيِ باطنها، {وجعلنا فِيهَا رَوَاسِيَ شامِخَاتٍ} جبالا ثوابت طوالا، {وأسقيناكم مَّاءً فُرَاتًا (27)} بخلق الأنهار والمنابع، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (28)} بأمثال هَذِهِ النعم.
{__________
(1) - ... «والكِفْتُ بالكسر: القِدْرُ الصغيرة ... وقال الفرَّاء: كَفْتٌ بفتح الكاف للقِدر، قال أبو منصور: وهما لغتان: كَفتٌ وكِفتٌ». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص272، مَادَّة «كفت». وفيه تحقيقٌ فيِ مَعْنَى «كِفَاتًا» فيِ الآيَة المفسَّرة. (4/349)
صفحة 1512
انطَلِقُوا} أي: يقال لَهُم {إِلىَ مَا كُنتُم بِهِ تكذِّبون} مِنَ العذاب، {انطَلِقُوا} عَلَى الإخبار من امتثالهم للأمر اضطرارا {إِلىَ ظِلٍّ} يعني ظلَّ دخان جهنَّم، كقوله: {وظلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} (1). {ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} يتشعَّب لعظمه، كما يرى الدخَّان العظيم تتفرَّق ذوائبه؛ قيل: وخصوَصِيَّة الثلاث إمَّا لأَنَّ حجاب النفس من أنوار القدس: الحسُّ والخيال والوهمُ؛ أو لأَنَّ المؤدِّي إِلىَ هَذَا العذاب هُوَ القوَّة الواهمة الحالَّة فيِ الدماغ، والغضبيَّة التِي فيِ يمين القلب، والشهويَّة التِي فيِ يساره، ولذلك قيل: شعبة تقف فوق الكافر وشعبة عَن يمينه، وشعبة عن يساره، {لاَ ظَلِيلٍ} تهكُّم بهم وردٌّ لِمَا أوهم لفظ الظلِّ {ولاَ يغني مِنَ اللَّهَبِ} وغير مغنٍ عَنْهُم من حرِّ اللهب شَيْئًا، {إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} أي: كلُّ شرارة كالقصر مِنَ القصور فيِ عظمها، ويؤيِّده أنَّهُ قرئ «بشرار»، وَقيل: هُوَ الغليظ مِنَ الشجرة، {كأنَّه جِمَالَتٌ} [645] جمع جمال، {صُفْرٌ} فإنَّ الشرار لِمَا فِيهِ مِنَ الناريَّة يكون أصفر؛ وقيل: سود، فإنَّ سواد الإبل يضرب إِلىَ الصفر، والأوَّل تشبيه فيِ العِظمِ، وَهَذَا فيِ اللون والكثرة، والتتابع والاختلاط، وسرعة الحركة، وقرئ: «جُمالات» بالضمِّ جمع «جُمالة»، وقد قرئ بها؛ وهي الحبل الغليظ من حِبال السفينة، شبَّهَه بها فيِ امتداده والتفافِه، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15)}.
{هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} أي: لاَ ينطق بِمَا يَسْتَحِقُّ؛ فإنَّ النطق بِمَا لاَ ينفع كلاَ نطق؛ أو لاَ ينطقون بشيء من فرطِ الدهشَة والحيرة، وَهَذَا فيِ بعض المواقف، {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُم فَيَعْتَذِرُونَ (35)} عطف «فيعتذرون» عَلَى «يؤذن» ليدلَّ عَلَى نفي الإذن والاعتذار عقبيه مطلقًا، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (36)}.
{__________
(1) - ... سورة الواقعة: 43. (4/350)
صفحة 1513
هَذَا يوم الفصل} بين المحقِّ والمبطل {جمعناكم وَالأَوَّلِينَ (37)} تقرير وبيان للفصل، {فإن كَانَ لكم كيدٌ فكِيدُونِ (38)} تقريع عَلَى كيْدِهِم للمُؤمِنِين فيِ الدُّنْيَا، وإظهار لعجزهم؛ أي: إن كَانَ لكم حيلَةُ مهْرَبٍ فاحتَالُوا لأنفُسِكُم، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (39)} إذ لاَ حيلة لَهُم فيِ التخلُّص مِنَ العذاب.
{إنَّ الْمُتَّقِينَ} مِنَ الشرك، لأَنَّهُم [فيِ] مقابلة المكذِّبين، {فيِ ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42)} مستقرُّون فيِ أنواع الترفُّه، {كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (43)} أي: مقولا لَهُم ذَلِكَ زيادة فيِ نعيمهم، كما كَانَ القول للكَافِرِينَ زيادة فيِ عذابهم، {إِنَّا كذلك نجزي المحسنِينَ (44)} فيِ العقيدة والعلم والعمل، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (45)} يمحض لَهُمُ العذاب المخلَّد، ولخصومهم الثواب المؤبَّد.
{كُلُوا وَتَمَتَّعُوا} حال من المكذِّبين، أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذَلِكَ، تذكيرا لهم في الدنيا، وبما جنوا عَلَى أنفسهم من إيثار المتاع القليل عَلَى النعيم المقيم، {قليلا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (47)} حيث إنَّهم عرَّضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتُّع القليل.
{وإذا قيل لَهُمُ ارْكَعُوا} أطيعوا واخضعوا؛ أو صلُّوا؛ أو اركعوا فيِ الصلاة؛ وقيل: هُوَ [يومَ] القيامة حين يُدعون إِلىَ السجود فلا يستطيعون، {لاَ يركعُونَ (48)} لاَ يمتثلون، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (49)}.
{فبأيِّ حديث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)} إذا لم يؤمنوا بِهِ، وَهُوَ معجز فيِ ذاته، مشتمل عَلَى الحجج الواضحة والمعاني الشريفة.
سورة النبأ
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (4/351)
صفحة 1514
عمَّ يتساءلُونَ (1)} أصله عَن مَا، ومعنى هَذَا الاستفهام: تفخيم شأن مَا يتساءلون عَنْهُ؛ كأنَّه لفخامته خفي جنسه، فيسأل عَنْهُ، {عَن النبإ العظيم (2)} بيان لشأن المفخَّم؛ قيل: هُوَ البعث؛ وقيل: هُوَ القرآن، لقوله: {قل هُوَ نبأٌ عظيم} (1)، {الذِي هم [646] فِيهِ مختلفُونَ (3)} بجزم النفي والشكِّ فِيهِ، أو بالإِقْرَار والإنكار، {كَلاَّ سيعلمُونَ (4)} ردع عَن التساؤل ووعيد عليه، {ثُمَّ كلاَّ سيعلمُونَ (5)} تكرير للمبالغة و «ثُمَّ» للإشعار بِأَنَّ الوعيد الثَّاني أشدُّ؛ وقيل: الأوَّل عند النزع، والثاني فيِ القيامة.
{ألم نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا (6) والجبالَ أوتادًا (7)} تذكير ببعض مَا عاينوا من عجائب صنعه، الدالَّة عَلَى كمال قدرته، ليستدلُّوا بذلك عَلَى صِحَّة البعث، كما مرَّ تقريره مرَارًا، {وخلقناكم أزواجا (8)} ذكرا وأنثى، {وجعلنا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9)} قَطعا عَن الإحساس والحركة؛ استراحة للقوى الحيوانيَّة، وإزاحة لكَلالها؛ أو موتا، لأَنَّهُ أحد التوفِّيَيْن، ومنه المسبوت: للمَيِّت، وأصله القطع أَيْضًا.
{وجعلنا اللَّيْلَ لِباسا (10)} غطاء يستر بظلمته مَن أَرَادَ الاختفاء، {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)} وقت معاش يتقلَّبون فِيهِ لتحصيل مَا يعيشون بِهِ؛ أو حياةً تبعثون فِيهَا من نومكم، {وَبَنَيْنَا فوقكم سَبْعًا شِدَادًا (12)} سبع سماوات أقوياء محكمات، لاَ يؤثِّر فِيهَا مرور الدهور، {وجعلنا سِرَاجًا وَهَّاجا (13)} متلألئًا وقَّادًا من وهجت النار: إِذَا أضاءت؛ أو بالغا فيِ الحرارة، مِنَ الوهج، وَهُوَ الحرُّ، والمراد الشمس.
{__________
(1) - ... سورة ص: 67. (4/352)
صفحة 1515
وأنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} السحاب إِذَا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر؛ أو الرياح ذوات الأعاصير، لأَنَّهَا تنشئ السحاب، {ماء ثَجَّاجًا (14)} منصبًّا بكثرة؛ يقال: ثجَّه وثجَّ بنفسه، {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونباتا (15)} مَا يقتات بِهِ، وَمَا يعتلف مِنَ التبن والحشيش، {وجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)} ملتفَّة بعضها ببعض، {إنَّ يومَ الْفَصْلِ كَانَ} كَانَ فيِ علم الله، أو فيِ حكمه {ميقاتا (17)} حدًّا تؤقَّت بِهِ الدُّنْيَا.
{يَوْمَ يُنفَخُ فيِ الصُّورِ فتأتون أفواجا (18)} جماعات مِنَ القبور إِلىَ المحشر؛ أو كلُّ أمَّة مَعَ إمامهم؛ أو كلُّ أهل فوج يضمُّهم عملهم؛ والمعنى: أن يحشر كلُّ وَاحِد مَعَ من يناسبه فيِ العمل، لأَنَّ المتناسبين فيِ العمل متناسبون فيِ الجزاء، {وَفُتِحَتِ السَّمَاء} وشقَّت، {فكانت أبوابا (19)} فصارت من كثرة الشقوق كأنَّ الكلَّ أبواب.
{وَسُيِّرَتِ الجبالُ} فيِ الهواء كالهباء، {فكانت سَرَابًا (20)} مثل سراب، إذ ترى عَلَى صورة الجبال، ولم تبق عَلَى حقيقتها لتفتُّت أجزائها وانبثاثها، {إنَّ جَهَنَّم كَانَت مِرصادا (21)} موضع رصد، يرصد فِيهِ خزنة النار الكفَّار؛ أو مجدَّة فيِ ترصُّد الكفرة لئلاَّ يشذَّ منها واحد، {للطاغين مَآبا (22)} مرجعا ومأوى، {لاَبِثِينَ فِيهَا أحقابا (23)} دهورًا متتابعة لاَ تنقضي أبدًا، {لاَ يذوقون فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرابا (24) إِلاَّ حميما وَغَسَّاقًا (25)} والمراد بالبرد مَا يروِّحهم وينفِّس عَنْهُم حرَّ النار، وبالشراب مَا يرويهم مِنَ (لَعَلَّهُ) العطش؛ وبالغسَّاق: مَا يَغْسِقُ (1)، أي: يسيل من صديدهم، [647] {جزاء وِفَاقًا (26)} ذا وفاق لأعمالهم؛ أو موافقا لها عَلَى قدرها؛ لأَنَّ الله لاَ يظلم مثقال ذرَّة.
{__________
(1) - ... انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص987، مَادَّة «غسق». (4/353)
صفحة 1516
إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حسابا (27)} بيان لِمَا وافقه هَذَا الجزاء، {وكذَّبوا بِآيَاتِنا كِذَّابًا (28) وكلَّ شيءٍ أحصيناه كِتَابًا (29)} للجزاء، {فذوقوا فلن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عذابا (30)} ففي الحديث، «هَذِهِ الآية أشدُّ مَا فيِ القرآن عَلَى أهل النار» (1).
__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيْهِ فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. ولم يورده الألوسيُّ عَلَى أَنَّهُ حديث لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنَّمَا قال: «وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبرانيُّ وابن مردويه عن الحسن، قال: سألت أبا برزة الأسلميَّ عن أشدِّ آيَة فيِ كتاب الله تَعَالىَ عَلَى أهل النار، فقال: قول الله تَعَالىَ: {فذوقوا فلن نزيدكم إِلاَّ عذابا} ... وأورده الزمخشريُّ فيِ تفسيره وعزاه إِلىَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقال مصحِّحه: «أخرجه ابن أبي حاتم والثعلبيُّ من رواية جسر بن فرقد السبخي عن الحسن ... فذكره وجسر ضعيف. ورواه الطبرانيُّ والبيهقيُّ فيِ الشعب موقوفا». الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 551. الألوسي: روح المعاني، ج30/ ص17.
الزمخشريُّ، وقال مصحِّحه: «أخرجه ابن أبي حاتم (4/354)
صفحة 1517
وإذا كَانَ أهل النار فيِ زيادة عذاب، كَانَ أهل الجنَّة أولى أن يكونوا فيِ زيادة الثواب، وقد قيل بذلك. {إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازا (31)} فوزًا أو موضع فوز، {حدائقَ وأعنابا (32)} بساتين فِيهَا أنواع الشجرة المثمرة، {وكواعبَ} نساء تكعَّب ثديهنَّ، {أترابا (33)} لِلَّذَّات (1)، (لَعَلَّهُ) مستويات فيِ السنِّ، {وكأسا دِهَاقًا (34)} ملآنا، وأدهق الحوض: إذا ملأه، {لاَ يسمعون فِيهَا لَغْوًا وَلاَ كِذَّابا (35)} إذ لاَ يكذب بعضهم بعضا وَلاَ يلغون، واللغو: الباطل، {جزاءً مِّن رَّبِّكَ} بمقتضى وعده، {عطاءً} تفضُّلاً مِنْهُ، إذ لاَ يجب عليه شيء، {حسابا (36)} كافيا من أحسبه: إِذَا كافأه حتَّى قَالَ: حسبي؛ أو عَلَى حسب أعمالهم.
{رَّبِّ السَّمَاوَات والأَرْض وَمَا بينهما الرحمنِ لاَ يملكون مِنْهُ خِطابا (37)} أي: لاَ يملكون خطابه، ولا اعتراض عليه فيِ (لَعَلَّهُ) ثواب أو عقاب، لأَنَّهُم مملُوكون لَهُ عَلَى الإطلاق، فلا يستحقُّون عليه اعتراضًا، وذلك لاَ ينافي الشفاعة بإذنه.
{يومَ يقومُ الروحُ والمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُون إِلاَّ مَن أَذِنَ لَهُ الرحمنُ وقال صَوابا (38)} يصيب بِهِ حقائق الأمور، {ذَلِكَ اليومُ الْحَقُّ} الكائن لاَ محالة، {فمن شاء اتَّخَذَ إِلىَ ربِّه} ثوابه {مآبا (39)} بالإيمان والطاعة.
{إِنَّا أنذرناكم عذابا قريبا} قيل: هُوَ فيِ الدُّنْيَا، وذلك إن خالفتم، لأَنَّ لِكُلِّ مخالف عذابًا معجَّلاً؛ وقيل: عند خروج الروح؛ وقيل: يوم القيامة، فإنَّ كلَّ مَا هُوَ آتٍ قريب؛ {يومَ يَنظُرُ المرءُ مَا قدَّمت يداه} يرى مَا قدَّمه، {ويقول الكافرُ: يا ليتني كنتُ ترابا (40)} فيِ الدُّنْيَا فلم أخلق، ولم أكلَّف؛ أو فيِ هَذَا اليوم فلم أبعث.
سورة النازعات
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... يبدو أَنَّ الأصوب: «لِدَات»، كما فيِ تفسير البيضاويِّ: ج4/ ص240. ويفسِّره السياق بعده. (4/355)
صفحة 1518
والنَّازعات غَرقا (1) والنَّاشطَات نَشطا (2) والسَّابحات سَبحا (3) فالسَّابقات سَبقا (4) فَالْمُدَبِّراتِ أمرا (5)} قيل: هَذِهِ صفات مَلاَئِكَة الحرب، فإنَّهم ينزعون أرواح الكفَّار من أبدانهم غرقًا، أي: إغراقا فيِ النزع، فإنَّهم ينزعونها من أقاصي الأبدان، أو نفوسًا غرقة فيِ الأجساد؛ وينشطون أي: يُخرجون أرواح المؤمنين برفق، من نشط الدلو (1) مِنَ البئر إِذَا أخرجها، ويسبحون فيِ إخراجها سبح الغوَّاص الذِي يُخرج الشيء من أعماق البحر، فيسبقون بأرواح الكفار إِلىَ النار، وبأرواح المؤمنين إِلىَ الجَنَّة، فيدبِّرون أمر عقابها بِأَن (2) تهيِّئها لإدراك مَا أُعدَّ لها مِنَ الآلام واللذَّات، أو الأوليان [648] لَهُم، والباقيات لطوائفٍ مِنَ المَلاَئِكَة يسبحون فيِ مضيِّها، أي: يُسرعون فِيهِ، فيسبقون إِلىَ مَا أمروا بِهِ، فيُدبِّرون أمره، أو صفات أمره، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة، فإنَّها تُنزع مِنَ الأبدان غرقا، أي: نزعا شديدا من إغراق النازع فيِ القوس، فتنشط إِلىَ عالم الملكوت وتسبح فِيهِ، فتسبق إِلىَ حضائر القدس، فتصير لشرفها وقوَّتها مِنَ المدبِّرات؛ أو حال سلوكها فإنَّها تنزع عَن الشهوات، وتنشط إِلىَ عالم القُدس، فتسبح فيِ مراتب الارتفاع فتسبق إِلىَ الكمالات، حتى تصير مِنَ المكملات؛ وقيل: غير ذَلِكَ، تركناه اختصارا. أقسم الله بها عَلَى قيام الساعة.
{يومَ تَرجُفُ الرَّاجِفَةُ (6)} المراد بالرجفة: الأجرام عِندَها وهي (لَعَلَّهُ) تضطرب وتتحرَّك لِمَا بها [من] حركة شديدة، وهي عِندَ النفخة الأولى؛ {تَتبَعُها الرَّادفة (7)} (لَعَلَّهُ) وهي النفخة الثانية.
{__________
(1) - ... في الأصل: «الدو»، وهو خطأ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «فان»، وَهُوَ خطأ. (4/356)
صفحة 1519
قلوبٌ يَوْمَئِذٍ واجفةٌ (8)} شديدةُ الاضطرابِ مِنَ الخوف، وهي قلوب العاصين؛ مأخوذ من وجيف الخيل والرِّكَاب؛ {أبصارُها خاشعةٌ (9)} حيرةً؛ وأضاف الأبصار إِلىَ القلوب والمراد: أبصار أصحابها، {يقولون: أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فيِ الْحَافِرَةِ (10)} فيِ الحالة الأولى، يَعنون الحياة بعد الموت، من قولهم: رجعَ فُلان فيِ حافرته، أي: طريقه التِي جاء فِيهَا فحفرها، أي: أثَّر فِيهَا بِمشيه، على النسبة، كقوله (1): {عيشة راضية} (2).
{أَئِذَا كُنَّا عظامًا نَّخِرَةً (11)} باليةً {قَالُوا: تلك إذًا كرَّة خاسرة (12)} ذات خسران، أو خاسرا أصحابها؛ والمعنى: أَنَّهَا إن صحَّت فنحن إِذًا لخاسرون لتكذيبنا بها، وَهُوَ استهزاء مِنْهُم، {فإنَّما هِيَ زجرةٌ وَاحِدَةٌ (13)} أي: لاَ يستصعبونها فما هِيَ إِلاَّ صيحة وَاحِدَة، يعني: النفخة الثانية؛ {فإذَا هُم بالسَّاهرة (14)} فإذا [هم] أحياء عَلَى وجه الأَرْض، بعدما كَانُوا أمواتا فيِ بطنها، والساهرة: الأَرْض البيضاء المستوية؛ وسُمَيِّت ساهرة، لأَنَّ السراب يجري فِيهَا، من قولهم: عين ساهرة: جارية الماء، ونائمة ضدُّها، قَالَ:
وساهرةٌ يَضحى السَّرَابُ ... مجلّلا ... لأقطارها قد ... جبتُها متلثِّما
أو لأَنَّ سالكها لاَ ينام خوف الهلاك؛ وقيل: اسم جَهَنَّم.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «كقولهم».
(2) - ... سورة الحاقَّة: 21. القارعة: 7. (4/357)
صفحة 1520
هلْ أتاك حديثُ مُوسى (15)}؟ أليس قد أتاك حديثه، فيسلِّيك عَلَى تكذيب قومك، {إذْ نَاداهُ ربُّه بالوادي المقدَّسِ طُوى (16)، اذهب إِلىَ فرعونَ إِنَّهُ طغَى (17)، فقل: هل لَّكَ إِلىَ أن تَزَكَّى (18)}؟ هل لك ميلٌ إِلىَ أن تتطهَّر مِنَ الكفر والطغيان، (لَعَلَّهُ) وَمَا عداه وَبالٌ عليك، كما قَالَ: {لاَ خيرَ فيِ كثير من نَّجْوَاهم ... } (1) الآيَة؛ {وأهدِيَكَ إِلىَ ربِّك} وأُرشدك إِلىَ معرفته {فَتَخْشَى (19)} بأداء الواجبات وترك المحرَّمات، إذ الخشية إِنَّمَا تكون بعد المعرفة؛ {فأراهُ الآيةَ الكُبرى (20)} أي: فذهب وبلغ، فأراه المعجزة الكبرى، {فَكَذَّبَ وعَصَى (21)} بعد ظهور الآية وتحقُّق الأمر، {ثُمَّ أدبر} عَن الطاعة {يسعى (22)} سعيا فيِ إبطال أمره، {فحَشَر} فجمع السحرة، أو جنوده، {فنَادَى (23)} فيِ المجمع بنفسه، أو مناد؛ {فقال: أنا رَبُّكُم الأَعلى (24)} كُلُّ من يلي أمركم، {فأخذه الله نَكَالَ الآخِرَة والأولى (25)} أخذا منكّلاً لِمَن حلَّ بِهِ فيِ الآخِرَة بالإحراق، وفي الدُّنْيَا بالإغراق، {إنَّ فيِ ذَلِكَ لَعِبرةً لِمن يَخشى (26)} لِمن كَانَ من شأنه الخشية.
{أَأَنتم أشدُّ خلقا}؟ أصعب خلقا أَيُّهَا المنكرون للبعث، {أم السَّمَاء}؟ ثُمَّ بيَّن كيف خلقها، فقال: {بناها (27)} (لَعَلَّهُ) أي: من قَدر عَلَى خلق السَّمَاء يقدر عَلَى حياتكم بعد الموت؛ ثُمَّ بيَّن البناء، فقال: {رفعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاها (28)} فعدَّلها، أو فجعلها مستوية، أو فتمَّمها بِمَا يتمُّ بِهِ كَمالهَا؛ {وأغطشَ ليلَها} أظلمه؛ منقولٌ من غَطش الليل: إِذَا أظلم؛ {وأخرجَ ضُحاها (29)} وأبرزَ ضوءَ شمسها، كقوله: {والشمس وضحاها} (2) يريد النَّهَار.
{__________
(1) - ... سورة النساء: 114؛ وتمامها: {إِلاَّ من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس؛ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نُؤتِيه أجرا عظيما}.
(2) - ... سورة الشمس: 1. (4/358)
صفحة 1521
والأَرْضَ بعدَ ذَلِكَ دحَاها (30)} بسطها ومهَّدها، {أخرجَ منها ماءَها} بتفجير العيون، {ومَرعاها (31)} لِرَعيِها، {والجبالَ أرسَاها (32)} أثبتها، {متاعًا لَّكُم ولأنعامِكم (33)} تمتيعا لكم، وتمتيع المواشي راجع إِلىَ تمتيعهم أَيْضًا.
{فإذا جاءَت الطَّامة} الدَّاهية التِي تطمُّ، أي: تعلو عَلَى سائر الدواهي مِنَ الأمور الدنيويَّة، {الكبرى (34)} التِي هِيَ أكثر الطامَّات، وهي القيامة، أو طامَّة الموت، لأَنَّهَا أكبر الدواهي فيِ الدُّنْيَا؛ {يومَ يتَذَكَّر الإِنْسَانُ مَا سَعَى (35)} بأنْ يراهُ مدوَّنا فيِ صحيفته، وكَانَ قد نسيَها من فرط الغفلة؛ {وبُرِّزت الجحيم} وأُظهرت {لِمن يَرَى (36)} لِكُلِّ راءٍ، أو كافر؛ {فأمَّا مَن طَغَى (37) وآثرَ الحياةَ الدُّنْيَا (38)} فانهمك فِيهَا، ولم يستعدَّ للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس، {فإنَّ الجحيمَ هِيَ المأوَى (39)} هِيَ مأواه؛ {وأمَّا مَن خافَ مقامَ ربِّه} مقامه بين يديه، لعلمه بالمبدإ والمعاد، {ونَهَى النفسَ عَن الْهَوى (40)} لَعلمه بأنَّه عدوٌّ مهلكٌ، {فإنَّ الجنَّةَ هِيَ المأوَى (41)} ليس لها سواها مأوى.
{ (4/359)
صفحة 1522
يسأَلُونكَ عَن السَّاعة أيَّانَ مُرساها (42)}؟ متى إرساؤها، أي: إقامتها وإثباتها ومنتهاها ومستقرها، مِن مرسى السفينة: وَهُوَ حيث تنتهي إِلَيْهِ وتستقرُّ، {فِيمَ أنت مِن ذِكراها (43)} فيِ أيِّ شيء من أن تذكر وقتا لَهُم؛ أي: مَا أنت مِن ذكراها لَهُم، وتبيين وقتها فيِ شيء، فإنَّ ذِكرها لاَ يزيدهم إِلاَّ غيًّا، ووقتُها مِمَّا استأثره (1) الله بعلمه؛ وقيل: «فيم» إنكار لسؤالهم و «أنت مِن ذِكراها» مستأنف، معناه: أنت ذِكرٌ مِن ذكراها، أي: علامة من أشراطها، فإنَّ إرساله خاتما للأنبياء أمارة من أماراتها؛ وقيل: إِنَّهُ مُتَّصل، والجواب: {إِلىَ رَبِّكَ مُنتَهَاها (44)} [650] أي: منتهى علمها؛ {إِنَّمَا أنتَ مُنذرُ مَن يخشاها (45)} إِنَّمَا بُعِثت لإنذار من يخاف هولها.
{كأنَّهم يومَ يرونَهَا لم يلبَثُوا} أي: فيِ الدُّنْيَا أو فيِ القبور {إِلاَّ عشيَّةً أو ضُحاها (46)} إِلاَّ عشيَّةَ يوم أو ضُحاه، كقوله: {إِلاَّ ساعةً مِن نَّهار} (2).
سورة عبس
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... كذا في تفسير البيضاوي أَيضًا وَلَعَلَّ الصواب: «استأثر». انظر: ج4/ ص243.
(2) - ... الأحقاف: 35. (4/360)
صفحة 1523
عَبَسَ} بوَجهِه، {وتَوَلَّى (1)} أعرض بحاله، أو بشخصه، {أَن جَاءَهُ الأَعمَى (2)} رُوي أنَّ ابن أمِّ مكتوم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعِندَه أحدٌ مِنَ الأغنياء يتصدَّى لَهُ ليعلِّمه، فكأنَّه عاتبه الله عَلَى ذَلِكَ، وكَانَ بعد ذَلِكَ يُكرمه، ويقول إِذَا رآه: «مرحبا بِمَن عاتبنِي فِيهِ رَبِّي» (1)، {وَمَا يُدرِيك لعَلَّه يَزَّكَّى (3)}؟ (لَعَلَّهُ) أي: قامت عليك الدلائل فِيهِ، لأَنَّ مراده التطهُّر من آثامه وسوء أخلاقه، لأَنَّهُ قيل: كلَّما جاء فيِ القرآن: {وَمَا يُدريك} فهو يَدريه، {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (4)}؟ أي: يتَّعظُ فتنفعه موعظتُك. {أمَّا مَن استغنى (5) فأنت لَهُ تَصدَّى (6)} أي: تتعرض بالإقبال عليه، {وَمَا عليك ألاَّ يَزَّكَّى (7)} أي: لاَ وجوب عليك تزكيته بالإسلام إن أبى، {إن عليك إِلاَّ البلاغ} (2).
{__________
(1) - ... لم نعثر عَلَيْهِ فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. وقد عزاه الألوسيُّ إِلىَ «ابن عبد البرِّ فيِ الاستيعاب عن أهل العلم بالسير». الألوسي: روح المعاني، ج30/ ص39. كما أوردته كتب التفسير. انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 560. البغوي: معالم التنزيل، 4/ 446. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص107.
(2) - ... سورة الشورى: 48. (4/361)
صفحة 1524
وأمَّا مَن جاءَك يَسعى (8)} يسرِع طالبا للخير {وَهُوَ يخشى (9)} الله، {فأنت عَنْهُ تَلَهَّى (10)} تتشاغل (لَعَلَّهُ) بِمَا لاَ معنى لَهُ، عَن معنى مهمٍّ، وَلَعَلَّ ذِكره بالتصدِّي والتلهِّي، للإشعار بأنَّ العتاب عَلَى اهتمام قلبه بالغنيِّ، وتلهِّيه عَن الفقير؛ وسمَّاه الله تعالى تلهِّيا (1) من حيث (لَعَلَّهُ) إِنَّهُ شَغله عمَّا هُوَ أنفع مِنْهُ: تذكُّر مَن تنفعه الذكرى، (لَعَلَّهُ) والاشتغال بِمَا لاَ معنى لَهُ. (اشتغال عَن معنى) (2). و (لَعَلَّهُ) قد قامت عليه الأمارات بذلك: أنَّ هَذَا تنفعه، وذاك لاَ تنفعه، فلذلك عاتبه، لأَنَّهُ لو كَانَا عِندَه بمثابة واحدة، لم يستحقَّ عتابا بعد، وَاللهُ أعلم.
{كَلاَّ} ردع عَن معاودة مثله، {إنَّها تذكرة (11)، فمن شاء ذكرَه (12)} حفِظه أو اتَّعظ بِهِ، والضميران للقرآن، أو العتابِ المذكور {فيِ صُحفٍ} مثبتة، فِيهَا صفة التذكرة، {مُكَرَّمةٍ (13)} عِندَ الله وعِندَ أوليائه؛ {مرفوعةٍ} [مرفوعةِ] القدرِ عَن حزب الشيطان، كقوله: {سَأَصْرِفُ عَن آياتي الذِينَ يتَكبَّرون فيِ الأَرْض بغير الحَقِّ} (3)، {مُطهَّرةٍ (14)} منزَّهةٍ عَنْهُم (4)، {بأيدي سفَرَةٍ (15)} كتبة مِنَ المَلاَئِكَة، أو الأنبياء ينسخون الكتب مِنَ اللوح، أو الوحي، أو سفراء يسفرون بالوحي بين الله ورسوله أو الأُمَّة، جمعُ سافر، مِنَ السفر، أو السفارة والتركيب للكشف، يقال: سفرت المرأة: إِذَا كشفت وجهها، {كرامٍ} أعزَّاء عَلَى الله، أو متعطِّفين عَلَى المؤمنين، {بَرَرَةٍ (16)} أتقياء.
{__________
(1) - ... في الأصل: «تهليا»، وهو خطأ.
(2) - ... لم يَتَّضِح ما موقع هَذِهِ العبارة فيِ هَذَا السياق.
(3) - ... سورة الأعراف: 146.
(4) - ... الضمير فيِ «عنهم» يعود عَلَى حزب الشيطان المذكور. وَفيِ تفسير البيضاويِّ: «منزَّهة عن أيدي الشياطين». ج4/ ص244. (4/362)
صفحة 1525
قُتِل} أي: نابذناه القتال بعدما نابَذَنا؛ وَهُوَ كقوله: {قاتَلَهم الله} (1)، {الإِنْسَانُ مَا أكفَرَهُ (17)}! (لَعَلَّهُ) مَا أشدَّ كفره؛ وذلك بمعنى الدعاء عليه، دعا عليه بأشنع الدعوات، وتعجَّب من إفراطه فيِ الكفران، وَهُوَ مع قصره [651] يدلُّ عَلَى سخط عظيم وذمٍّ بليغ، (لَعَلَّهُ) والتعريف للجنس، وكَأَنَّ جنسه أسرع إِلىَ الكفر من غيره؛ {من أيِّ شيءٍ خَلَقَهُ (18)}؟ بيان لِمَا أنعم عليه، خصوصا من مبدإ حدوثه؛ والاستفهام للتحقير، ولذلك أجاب عَنْهُ بقوله: {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)} فهيَّأ لَهُ مَا يصلحه مِنَ الأعضاء والأشكال، أو فقدَّره أطوارا إِلىَ أن أتَمَّ خِلقته؛ {ثُمَّ السَّبيلَ يَسَّرهُ (20)} سبيل الخير والشرِّ؛ وفيه إيماء بأنَّ الدُّنْيَا طريق، والمقصد غيرها، ولذلك عقَّبه بقوله: {ثُمَّ أماته فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شاء أَنشرَهُ (22)} جعل الإماتة والإقبار مِنَ النِّعم، لأَنَّ الإماتة وصلَةٌ فيِ الجملة إِلىَ الحياة الأبديَّة، واللذَّات الخالصة؛ والأمر بالقبر تكرمة وصيانة؛ وفي «إِذَا شاء» إشعار بأنَّ وقت النشور غير متعيِّن فيِ نفسه، وَإِنَّمَا هُوَ مَوكُول إِلىَ مشيئته. {كَلاَّ} ردع للإنسان عَمَّا هُوَ عليه، {لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)} لم يقض مَا أمره الله مِنَ الأمر والنهي.
__________
(1) - ... سورة التوبة: 30. المنافقون: 4. فيِ الأَصْلِ: «قاتله» وَهُوَ خطأ. (4/363)
صفحة 1526
وَلَمَّا ذَكر خَلق ابن آدم، ذَكر رزقَه ليعتبر فقال: {فلينظرِ الإِنْسَانُ إِلىَ طعامه (24)} إتبَاع للنعم الذَّاتِيَّة بالنعم الخَارِجِيَّة، {إنَّا صَبَبْنا الماءَ صبًّا (25)، ثُمَّ شَقَقنا الأَرْض شقًّا (26)، فأنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وعِنَبًا، وَقَضْبًا (28)} قيل: القَتُّ {وزيتونا، ونخلا (29)، وحدائقَ غُلبًا (30)} عِظاما؛ وصفَ بِهِ الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، أو لأَنَّهَا ذات أشجار غلاظ، {وفاكهةً وأبًّا (31)} ومرعًى، من أبَّ: إِذَا أمَّ، لأَنَّهُ يؤمُّ وينتجع؛ أو مِن أبَّ لكذا: إِذَا تهيَّأ لَهُ، لأَنَّهُ متهيِّء (1) للرعي؛ أو فاكهة يابسة تؤبُّ للشتاء؛ {متاعا لكم ولأنعامكم (32)} فإنَّ الأنواع المذكورة بعضها طعام، وبعضها علف.
{فإذا جاءَت الصَّاخَّةُ (33)} حالة الهلاك، أي: يصخُّ المرء لها؛ (لَعَلَّهُ) أو يصخُّ منها، {يومَ يَفِرُّ المرءُ} مِنَ المحبَّة الدُّنْيَوِيَّة عند انكشاف الحقائق، فيفرُّ {من أخيه (34) وأمِّه وأبيه (35) وصاحبتِه وبنيه (36)} (لَعَلَّهُ) لاَ يلتفت إِلىَ [أيِّ] وَاحِد مِنْهُم لاشتغاله بشأنه، وعلمه بأنَّهم لاَ ينفعونه؛ {لِكُلِّ أمرِئٍ مِّنْهُم} مِن صالح وطالح {يَوْمَئِذٍ شأنٌ يُغنِيهِ (37)} يكفيه فيِ الاهتمام، (لَعَلَّهُ) ويشغله عَن شغل غيره، وهكذا العاقل فيِ الدُّنْيَا لَهُ شغل من نفسه يغنيه عَن الاشتغال بغيره، فينبغي لَهُ الفرارُ والهجرةُ إِلىَ الله (لَعَلَّهُ) من كُلِّ شيء عَلَى سبيل الاختيار، قبل الحيلُولة عَن ذَلِكَ.
{وُجوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسفِرةٌ (38)} (لَعَلَّهُ) مضيئةٌ مشرقةٌ، من إسفارِ الصبح، {ضاحكةٌ} بالسرور، {مُسْتَبْشِرَةٌ (39)} بِمَا تَرى مِنَ البشارة.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «منتهى»، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص244. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص112. (4/364)
صفحة 1527
ووُجوهٌ يَوْمَئِذٍ عليهَا غَبَرَةٌ (40)} كُسوف وكُدورة، {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41)} يغشاها سواد وظُلمة وكسوف؛ قيل: الفرق بين الغَبَرة والقَتَرة: مَا ارتفع مِنَ الغبار فحلَّق [فيِ] السَّمَاء، والغبرة: مَا كَانَ أسفل، {أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرةُ الفَجَرةُ (42)} الذِينَ جمعوا إِلىَ الكفرِ الفجورَ.
- - -
سورة التكوير
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا الشمسُ كُوِّرت (1)} لُفَّت، مِن كوَّرت [652] العمامة: إِذَا لففتها، أي: لُفَّ ضوءها، فذهب انبساطه فيِ الآفاق وزال أثره، أو ألقيت عَن فلكها؛ {وَإِذَا النُّجومُ انكَدَرت (2)} انقضت أو أظلمت؛ {وَإِذَا الجبال سُيِّرت (3)} عَن وجه الأَرْض أو فيِ الجوِّ؛ {وَإِذَا العِشَارُ} قيل: النُّوق التِي أتى عَلَى حملهنَّ عشرة أشهر، {عُطِّلت (4)} تُركت مهملة؛ {وَإِذَا الوُحوش حُشِرت (5)} جُمعت من كُلِّ جانب، (لَعَلَّهُ) أو فُنِيت.
{وَإِذَا البحارُ سُجِّرت (6)} أملئت (1) بتفجير بعضها إِلىَ بعض؛ {وَإِذَا النُّفوس زُوِّجت (7)} قُرِنت بالأبدان أو بِعملها؛ {وَإِذَا الموءُودَة} (لَعَلَّهُ) وهي الجارية المدفونة حيَّة؛ وكانت العرب تَئِد البنات مخافة الإملاق أو لحوق العار بهم من أسباب فعلهنَّ؛ وقيل: النطفة المستخرجة بالعبث، حَتَّى قيل: إنَّ يد العابث بها، تُبعث يوم القيامة حُبلى، {سُئلت (8) بأيِّ ذنب قُتِلت (9)} تبكيت للفاعل بها، كتبكيت (2) النصارى بقوله تعالى لعيسى: {أأنتَ قلتَ للناسِ ... } (3) وقرئ: «سألَت» أي: خاصمت عَن نفسها، وسؤالها توبيخ لوائدها، لأَنَّهَا تقول: قُتلت بغير ذنب أَذنبت.
{__________
(1) - ... وَفيِ تفسير البيضاويِّ: «أحميت أو ملئت». ج4/ ص245.
(2) - ... في الأصل: «كتكبت»، وهو خطأ.
(3) - ... سورة المائدة: 116. (4/365)
صفحة 1528
وَإِذَا الصُّحفُ نُشرت (10)} صحف الأعمال ليقال للعامل: {اقرأ كتابَك ... } الآية (1)؛ {وَإِذَا السَّمَاء كُشِطت (11)} قُلعت وأُزيلت كما يُكشط الغطاء عَن الشيء؛ {وَإِذَا الجحيم سُعِّرت (12)} أُوقِدت؛ {وَإِذَا الجَنَّة أُزلِفت (13)} قُرِّبت مِنَ المؤمنين؛ {عَلمت نفسٌ مَّا أحضَرت (14)} (لَعَلَّهُ) من عملها.
{فلا أُقسمُ بِالْخُنَّسِ (15)} بالكواكب الرواجع، مِن خَنَس: إِذَا تأخَّر، {الجوارِ الكُنَّس (16)} السيارات التِي تختفي تحت ضوء الشمس، من كَنس الوحش: إِذَا دخل كناسه؛ {واللَّيْل إِذَا عَسعَسَ (17)} أقبل ظلامه وأدبر، وَهُوَ مِنَ الأضداد؛ {والصُّبح إِذَا تنفَّس (18)} أي: أضاء.
{إِنَّهُ لقولُ رسولٍ كريمٍ (19)} يعني: جبريل، فَإِنَّهُ قاله عَن الله تعالى، {ذِي قوَّة} كقوله: {شديدُ القوى} (2)، {عِندَ ذِي العرشِ مَكِينٍ (20)} عِندَ الله ذي مكانة، {مُطَاع} (لَعَلَّهُ) فيِ السَّمَاء أو فيِ الأَرْض، لأَنَّهُ إمام، {ثَمَّ أَمِينٍ (21)} عَلَى الوحي.
{وَمَا صاحِبُكم بمجنُونٍ (22) وَلَقَد رآه} وَلَقَد رأى رسولُ الله جبريل {بالأُفُقِ الْمُبِين (23)} بمطلع الشمس الأعلى، {وَمَا هُوَ} وَمَا محمَّد {عَلَى الغيب} عَلَى مَا يخبره مِنَ الوحي إليه وغيره مِنَ الغيوب {بِظنِينٍ (24)} متَّهم؛ مِنَ الظنَّة: وهي التهمة، وقرئ: «بِضَنين» مِنَ الضِّن: وَهُوَ البخل، أي: لاَ يبخل بالتبليغ. والضاد مِنَ أصل حافة اللسان وَمَا يليها مِنَ الأضراس، مِن يمين اللسان أو يساره، والظاء مِن طرفي اللسان وأصول الثنايا العليا؛ {وَمَا هُوَ بِقَولِ شيطانٍ رَّجِيمٍ (25)} بقول بعض المسترقة للسمع؛ وهي نفي قولهم: إِنَّهَا لكهانة وسحر؛ أو مَا يلقيه الشيطان مِنَ الوسوسة.
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 14؛ وتمامها: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}.
(2) - ... سورة النجم: 5. (4/366)
صفحة 1529
فأين تَذهبُونَ (26)}؟ [653] استضلال لَهُم فيما يسلكونه مِن أمر الرسول والقرآن، كقولك لتارك الجادَّة: أين تذهب؟ وأين تَسلك؟ أيُّ طريق أَبْين لك من طريق الحَقِّ؟ {إِنَّ هُوَ إِلاَّ ذِكر للعالمِينَ (27)، لمن شاء مِنْكُم أن يستقيم (28)} بتحرِّي الحَقِّ وملازمة الصواب؛ {وَمَا تشاءون إِلاَّ أن يَشَاءَ اللهُ ربُّ الْعَالَمِينَ (29)}.
- - -
سورة الانفطار
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (1)} انشقَّت؛ {وَإِذَا الكواكبُ انتثرت (2)} تساقطت؛ {وَإِذَا البحارُ فُجِّرت (3)} فُتِح بعضها إِلىَ بعض؛ {وَإِذَا القبور بُعثِرت (4)} قُلِب ترابها، وأُخرج موتاها؛ {عَلِمَت نفسٌ مَّا قَدَّمت} مِن عمل أو صدقة، {وأَخَّرت (5)}.
{يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّك برَبِّكَ الكريمِ (6)} أيُّ شيء خدعك وجرَّك عَلَى عِصيانه؛ وذكر الكريم للمبالغة فيِ المنع عَن الاغترار، فإنَّ محض الكرم لاَ يقتضي إهمال الظالم، وتسوية المُوالي والْمُعادي، والمطيع والعاصي، فكيف إِذَا انضمَّ إِلَيْهِ صفة القهر والانتقام، والإشعار بِمَا بِهِ يغرُّه الشيطان، فَإِنَّهُ يقول لَهُ: افعل مَا شئت فرَبُّكَ كريمٌ لاَ يعذِّب أحدا، وَلاَ يعاجل بالعقوبة؛ والدلالة عَلَى كثرة كرمه تستدعي الجِدَّ فيِ طاعته، لاَ الانهماك فيِ عصيانه، اغترارا بكرمه.
{الذِي خلَقَك فَسوَّاك فعَدَلَك (7)} صفة ثانية مقرِّرة للربوبيَّة، مُبيِّنة للكرم، منبِّهة عَلَى [أَنَّ] مَن قدر عَلَى ذَلِكَ أوَّلاً قَدرَ عليه ثانيا؛ والتسوية: جعْل الأعضاء سليمة مُسوَّاة، مُعدَّة لمنافعها؛ والتعديل: جعلُ البنية معتدلة متناسبة الأعضاء، أو معدَّلة مِمَّا تستعدُّها مِنَ القوى، وقرئ: «فعدَّلَك» أي: عدَّل بعض أعضائك ببعض حَتَّى اعتدلت؛ أو فصرفك عَن خلقة غيرك، ومغيِّرك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوانات، {فيِ أيِّ صورةٍ مَّا شاءَ ركَّبك (8)} أي: ركَّبك فيِ أيِّ صورة شاءَها.
{ (4/367)
صفحة 1530
كَلاَّ} ردع للاغترار بكرم الله، وقوله: {بَل تُكذِّبون بالدِّينِ (9)} إضراب إِلىَ بيان مَا هُوَ السبب الأصليُّ فيِ اغترارهم؛ والمراد بالدِّين: الجزاء، أو الإسلام، {وإنَّ عَلَيْكُم لَحَافِظِينَ (10) كراما كاتبِينَ (11)، يَعْلَمُونَ مَا تفعلُونَ (12)} تحقيق لِمَا يكذِّبون بِهِ، وردٌّ لِمَا يتوقَّعون مِنَ التسامح والإهمال؛ وتعظيم الكَتبة بكونهم كراما عِندَ الله لتعظيم الجزاء.
{إنَّ الأبرارَ لَفِي نعيم (13)، وإنَّ الفجَّار لَفِي جحيم (14)} بيان لِمَا يكتبون لأجله، {يَصْلَونَها} يُقاسون حرَّها {يومَ الدِِّينَ (15)، وَمَا هم عنها بغائبِينَ (16)} لخلودهم فِيهَا.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يومُ الدِّينِ (17)}؟ تفخيم لشأنه، {ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يومُ الدِّينِ (18)} تعجيب وتفخيم ثان لشأن اليوم أَيْضًا، أي: كُنهَ أمره، بحيث لاَ تُدركه دراية دارٍ، {يوم لاَ تملك نفسٌ لنفسٍ شَيْئًا، والأمر يَوْمَئِذٍ لله (19)} تقريرٌ لشدَّة هوله، ومخافة أمره إجمالا.
سورة المطففين
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (4/368)
صفحة 1531
وَيْلٌ لِّلمطَفِّفِينَ (1) [654] الذِينَ إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَستَوفُونَ (2)} أي: إِذَا اكتالوا مِنَ الناس حقوقهم يأخذونها وافية، (لَعَلَّهُ) وتعُمُّ فِيهِ الحقوق الماليَّة والبدنيَّة والحاليَّة، {وَإِذَا كالُوهم أو وَّزَنوهم يُخسِرُونَ (3)} بيان لاختلاف حالهم فيِ الأخذ والدفع؛ {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبعوثُونَ (4)}؟ فإنَّ مَن ظنَّ ذَلِكَ، لم يتجاسر عَلَى أمثال هَذِهِ القبائح، فكيف بمن يتيقَّنه؛ وفيه إنكار وتعجُّب من حالهم، {ليوم عظيم (5)} عظَّمه لعِظم مَا يكون فِيهِ، {يوم يقومُ الناسُ لربِّ الْعَالَمِينَ (6)} إِلىَ حكمه وقضائه وجزائه، وفي هَذَا الإنكارِ، والتعجُّبِ، وذِكرِ الظنِّ، ووصفِ اليوم بالعظم، وقيامِ الناس فِيهِ لله، والتعبيرِ عَنْهُ بـ «ربِّ الْعَالَمِينَ» مبالغاتٌ فيِ المنع عَن التطفيف وتعظيم إثمه.
{كَلاَّ} ردع عَن التطفيف، والغفلة عَن البعث والحساب، {إنَّ كِتَاب الفُجَّارِ} مَا يُكتب مِن أعمالهم، أو كتابة أعمالهم، {لفي سِجِّينٍ (7)} كِتَاب جامع لأعمال الفجرة مِنَ الثقلين، كما قَالَ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8)؟ كِتَابٌ مَّرقُومٌ (9)} أي: مسطور بيِّن الكتابة، ومعلمٌ يُعلَم من ورائه (1) أَنَّهُ لاَ خير فِيهِ، فعيل: مِنَ السِّجن، لُقِّب بِهِ الكتاب، لأَنَّهُ سبب الحبس.
{__________
(1) - ... وَفيِ تفسير البيضاويِّ: «يَعلم مَن رآه». ج4/ ص247. (4/369)
صفحة 1532
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (10)} بِالْحَقِّ، {الذِينَ يُكذِّبون بيوم الدِّينِ (11)} صفة مخصِّصَة أو موضِّحة أو ذامَّة، {وَمَا يُكذِّب بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعتدٍ} متجاوز عَن النظر، غال فيِ التقليد، حَتَّى استقصر قدرة الله وعلمه، فاستحال مِنْهُ الإعادة، {أثيمٍ (12)} منهمك فيِ الشهوات المخدجة، بحيث أشغلته عَمَّا وراءها، وحملته عَلَى الإنكار لِمَا عداها، {إِذَا تُتلى عليه آياتُنا قَالَ: أساطيرُ الأَوَّلِينَ (13)} من فرط جهله وإعراضه عَن الحَقِّ، فلا تنفعه شواهد النقل، كما لم تنفعه دلائل العقل.
{ (4/370)
صفحة 1533
كَلاَّ} ردع عَن هَذَا القول. {بَلْ رَانَ عَلَى قلوبهم مَّا كَانُوا يَكسِبُونَ (14)} ردٌّ لِمَا قالوه، وبيان لِمَا أدَّى بهم هَذَا القول، بأن غلب عَلَيْهِم حبُّ المعاصي، بالانهماك فِيهَا، حَتَّى صار ذَلِكَ صدأً عَلَى قلوبهم، فعمي عَلَيْهِم معرفة الحقِّ والباطل، (لَعَلَّهُ) لأَنَّ الحبَّ للشيء يُعمي ويُصمُّ صاحبه عَن ضدِّه، وكثرة الأفعال السَّيِّئَة سبب لحصول (لَعَلَّهُ) الظلمات عَلَى القلب، كما قَالَ - عليه السلام -: «إنَّ العبد كلَّما أذنب ذنبا، حصل فيِ قلبه نكتة سوداء حَتَّى يسودَّ قلبُه» (1)، والرين: الصدأ.
{كَلاَّ} ردع عَن الكسب الرائن؛ {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهم يَوْمَئِذٍ لَّمَحجُوبُونَ (15)} (لَعَلَّهُ) بالظلمات عَن توفيقه وثوابه؛ {ثُمَّ إِنَّهُمْ لصَالُو الجحيمِ (16)} لَيَدخلون النار، ويصلون بها، {ثُمَّ يُقال: هَذَا} (لَعَلَّهُ) العذاب {الذِي كُنتُم بِهِ تكذِّبُونَ (17)} يقوله لَهُم الزبانية توبيخا لَهُم، وإهانة لَهُم.
{__________
(1) - ... رواه الترمذيُّ: كتاب تفسير القرآن: رقم 3257. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا، حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}». قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورواه ابن ماجه: كتاب الزهد، رقم 4234 بلفظ: «صُقِلَ قَلْبُهُ». ورواه أحمد في باقي مسند المكثرين، رقم 7611. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «نكتة سوداء». (4/371)
صفحة 1534
كَلاَّ، إنَّ كِتَاب الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ (18)} علوٍّ بعد عُلوٍّ، وشرف بعد شرف؛ [655] {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19)؟ كِتَابٌ مَّرقومٌ (20) يَشهَدُهُ المقرَّبُونَ (21)} يَحضرونه فيحفظونه، أو يشهدون عَلَى مَا فِيهِ يوم القيامة؛ {إنَّ الأبرارَ لَفِي نعيمٍ (22) عَلَى الأرائك يَنظرُونَ (23)} إِلىَ مَا يَسُرُّهم مِنَ النِّعم والمنفرجات، {تَعرِف فيِ وجوههم نَضرةَ النعيم (24)} بهجةَ التنعُّم، {يُسقَون مِن رَّحيقٍ} (لَعَلَّهُ) شراب خالص، {مختومٍ (25) خِتامُه مِسكٌ} أي: مختوم أوانيه بالمسك، مكَانَ الطين، وَلَعَلَّهُ تمثيل لنفَاسته (1)، {وفي ذَلِكَ} يعني: الرحيق أو النعيم {فليتنافسِ المتنافسُونَ (26)} فليرتغب المرتغبون؛ وقيل: فليرغب الراغبون بالمبادرة إِلىَ طاعة الله.
{ومزاجُه مِن تَسنِيم (27)} عَلمٌ لعَيْن بِعينها، سُمَيِّت تسنيما لرفعة شرابها، {عَينا يشربُ بها المقرَّبُونَ (28)} فَإِنَّهُمْ يشربونـ[ـها] صرفا، لأَنَّهُم لم يشتغلوا بغير الله، وتمزج لسائر أهل الجَنَّة (لَعَلَّهُ) مِن أدناهم، وَإِنَّمَا زاد طيب شراب الأبرار بِمَا مزج من شراب المقرَّبين. قَالَ الغزالي: «وَإِنَّمَا طاب شراب الأبرار بشرب شراب الصِّرف الذِي هُوَ للمقرَّبين». والشراب عبارة عَن جملة نعيم الجنان، كما أنَّ الكتاب عبارة عَن جميع الأعمال، فقال: {إنَّ كِتَاب الأبرار لَفِي عِلِّيِّين}، ثُمَّ {يشهده المقرَّبون}.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «لنفاسِهِ»، ولم يذكره صاحب اللسان أو القاموس بهذا الوزن. انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج6/ ص688 - 691، مَادَّة «نفس». الفيروزآبادي: القاموس، ص520، مَادَّة: «نفس». (4/372)
صفحة 1535
إنَّ الذِينَ أَجرَموا كَانُوا مِنَ الذِينَ آمنوا يَضحكُونَ (29)} استهزاء بهم؛ {وَإِذَا مَرُّوا بهم يتغامزُونَ (30)} يغمز بعضُهم بعضًا (1)، ويشيرون بأعينهم؛ {وَإِذَا انقلبوا إِلىَ أهلهم انقَلبوا فكهِينَ (31)} مُتلذِّذين بالسخريَّة مِنْهُم، {وَإِذَا رأوهم قَالُوا: إنَّ هَؤُلاَءِ لضالُّونَ (32)} نسبونهم إِلىَ الضلال، {وَمَا أُرسِلوا عليهم} عَلَى المؤمنين {حافظِينَ (33)}، يحفظون عَلَيْهِم أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم.
{فاليومَ الذِينَ آمنوا مِنَ الكُفَّار يضحكُونَ (34)} حين يَرونهم أذلاَّء مغلولين فيِ النار، (لَعَلَّهُ) يتنعَّمون بذلك، {عَلَى الأرائك ينظُرُونَ (35) هل ثُوِّب الكفار}؟ هل جُوزي الكُفَّار {مَا كَانُوا يفعلُونَ (36)} (لَعَلَّهُ) فلم يُثابوا عَلَى عملهم كما ثيب المؤمنون.
سورة الانشقاق
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا السَّمَاء انشقَّت (1)} بالغمام لقوله: {يوم تَشَقَّق السَّمَاء بالغمام} (2)، {وأَذِنت لربِّها} واستمعت لَهُ وانقادت، لتأثير قدرته حين أَرَادَ انشقاقها، انقيادَ المطواع الذِي يأذن للأمر ويُذعن لَهُ، {وحُقَّت (2)} وجُعلت حقيقة بالاستماع والانقياد، يقال: حُقَّ بكذا، فهو محقوق وحقيق. {وَإِذَا الأَرْض مُدَّت (3)} بُسطت بأن تزال جبالها، {وأَلْقت مَا فِيهَا} مِنَ الأموات {وتَخلَّت (4)} وتكلَّفت فيِ الخلوِّ أقصى جهدها، حَتَّى لم يبق شيء فيِ باطنها، {وأَذِنت لربِّها} فيِ الإلقاء والتخلية، {وحُقَّت (5)} للإذن.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يغمز من بعضهم بَعض»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... سورة الفرقان: 25. (4/373)
صفحة 1536
يَا أَيُّهَا الإِنْسَان إِنَّكَ كادحٌ إِلىَ رَبِّكَ كدحا فمُلاقيه (6)} الكدح: السعي إِلىَ لقاء جزائه؛ {فأمَّا مَن أُوتيَ كتابَه بيَمينِه (7) فسوف يُحاسب حسابا يسيرا (8)} وذلك نعمة لَهُم [656] لاَ عليهم، إذ لم يبق عَلَيْهِم ذنب فيجزيهم، وَإِنَّمَا يجدون فِيهِ الأعمال الصالحة وتلك تسرُّهم، {وينقلبُ إِلىَ أهله} (لَعَلَّهُ) للتمتُّعِ والتنعُّم {مسرورا (9)}.
{وَأَمَّا مَن أوتي كتابه وراء ظهره (10)} قيل: يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره؛ قيل: تغلُّ يمناه إِلىَ عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره، {فسوف يَدعُو ثُبورا (11)} يقول: يا ثبوراه تعال فهذا أوانك، وَهُوَ الهلاك؛ {ويُصلَّى سعيرا (12)؛ إِنَّهُ كَانَ فيِ أهلِه} فيِ الدُّنْيَا {مسرورا (13)} بطرا بالمال والجاه، فارغا عَن الآخرة، {إِنَّهُ ظنَّ أن لَّن يَحورَ (14)} لن يرجع إِلىَ الله، {بلى} إيجاب بما بعد «لن» {إنَّ ربَّه كَانَ بِهِ بصيرا (15)} عالما بأعماله فلا يهمله، بَل يُرجعه ويجازيه.
{ (4/374)
صفحة 1537
فلا أُقسمُ بالشَّفقِ (16)} الحُمرة التِي فيِ أفق المغرب بعد الغروب، وعن أبي حنيفة: البياض الذي (1) يليها، سُمِّي بِهِ لرقَّته، مِنَ الشَّفقة؛ {واللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17)} وَمَا جمعه وستره مِنَ الذوات وغيرها؛ يقال: وسقَه فاتَّسق؛ {والقمرِ إِذَا اتَّسق (18)} اجتمع وتمَّ بَدرا؛ {لتَركَبُنَّ طبقا عَن طبق (19)} هِيَ طبقاتٌ بعضها أرفع من بعض؛ وقيل: لتركبنَّ سَنَنَ مَن كان قبلكم مِنَ الأَوَّلين وأحوالهم، حالا بعد حال؛ (لَعَلَّهُ) والطبق: مَا طابق غيره، يقال: مَا هَذَا بطبقٍ لذا، أي: لاَ يطابقه، ثُمَّ قيل للحال المطابقة لغيرها: طبق، ومنه قوله: {طبقًا عَن طبق}، أي: مطابقة لأختها فيِ الشِّدَّة، وَهُوَ لِمَا طابق غيره؛ فقيل: للحال المطابقة، أو مراتب مِنَ الشِّدَّة بعد المراتب، وهي الموت ومواطن القيامة وأهوالها، أو هِيَ وَمَا قبلها مِنَ الدواهي، عَلَى أَنَّهُ جمعُ طبقة، وهي المرتبة، عَلَى معنى: لتركبنَّ أحوالا بعد أحوال. وقُرئ بالفتح: لَتركَبَنَّ، عَلَى خطاب الإِنْسَان باعتبار اللفظ، أو الرسول عَلَى معنى: لتركبنَّ حالا شريفة، ومرتبة عالية بعد حال ومرتبة، وبالكسر عَلَى خطاب النفس، وبالياء عَلَى الغيبة، و «عن طبق» صفة لـ «طبقًا» (2)، أو حال بمعنى: الضمير، بمعنى مجاوز الطبق، أو مجاوزين لَهُ.
{فما لَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ (20)؟ وَإِذَا قُرئ عَلَيْهِمُ القرآن لاَ يسجدُونَ (21)} لاَ يخضعون، والسجود عبارة عَن الإذعان، ودليله مَا بعده: {بَل الذِينَ كَفَرُوا يُكذِّبُونَ (22) وَاللهُ أعلَم بِمَا يُوعُونَ (23)} بِمَا يُضمِرون فيِ صدورهم مِنَ الكفر، {فبشِّرهم بعذاب أليمٍ (24) إِلاَّ الذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات لَهُم أجر غير ممنُونٍ (25)} بِهِ عليهم.
- - -
سورة البروج
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... في الأصل: «التي»، وهو خطأ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «لبظق»، وَهُوَ خطأ. (4/375)
صفحة 1538
والسَّمَاءِ ذات البُرُوج (1)} قيل: البروج الاثني عشر، شُبِّهت بالقصور، لأنَّها تنزل بها السيارات، وتكون فِيهَا الثوابت؛ أو منازل القمر؛ أو عظام الكواكب، سُمِّيت بروجا لظهورها؛ أو أبواب السَّمَاء، فإنَّ النوازل تخرج منها، {واليومِ الموعودِ (2)} يوم القيامة [657] {وشاهدٍ ومشهُودٍ (3)} قيل: كُلُّ نَبِيٍّ وأمَّته؛ وقيل الشاهد: العبد، والمشهود: المعبود؛ وعن ابن عطاء: «الشاهد: المكوِّن، والمشهود: الكون»؛ وقيل غير ذَلِكَ.
{قُتِل أصحابُ الأخدُود (4)} كأنَّهم (1) قيل: إنَّهُمْ ملعونون، فإنَّ السورة وردت لتثبيت المؤمنين عَلَى أَذاهم، وتذكيرهم بِمَا جرى عَلَى من كَانَ قبلهم؛ الأخدود: الخَدُّ، وَهُوَ الشّقُّ فيِ الأَرْض ونحوهما (2). {النارِ ذات الوَقود (5) إذ هُم عليها} عَلَى حافَّةِ النَّار {قُعُود (6)} قاعدون، {وَهُم عَلَى مَا يفعلون بالمؤمنين شُهود (7)} يشهد بعضهم لبعض، أو بعضهم عَلَى بعض.
{وَمَا نَقَمُوا} (لَعَلَّهُ) أي: وَمَا علموا مِنْهُم عيبا، وَلاَ وجَدُوا لَهُم جُرما، وَلاَ رأوا عَلَيْهِم سوءًا وَمَا أنكروا {مِنْهُم إِلاَّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذِي لَهُ مُلك السَّمَاوَات وَالأَرْض وَاللهُ عَلَى كُلِّ شيء شهيد (9)} للإشعار بِمَا يَستحقُّ أن يُؤمَن بِهِ ويُعبد. {إنَّ الذِينَ فَتنوا المؤمنين والمؤمنات} بلَوهُم بالأذى، {ثُمَّ لم يَتُوبوا فلهم عذاب جَهَنَّم، ولهم عذابُ الحريق (10)} العذاب الزائد فيِ الإحراق بفتنتهم.
{إنَّ الذِينَ آمنوا وعملوا الصَّالحات لَهُم جنَّاتٌ تجري مِن تحتها الأنهار، ذَلِكَ الفوزُ الكبير (11)} إِذ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يَصغر دونه.
{__________
(1) - ... الصواب: «كأنَّه».
(2) - ... كذا في تفسير البيضاوي أَيضًا، والصواب: «ونحوها». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص250. (4/376)
صفحة 1539
إنَّ بطشَ رَبِّكَ لَشديد (12)} مُضاعَف شدائده؛ فإنَّ البطش أَخذ بقوَّة. {إِنَّهُ هُوَ يُبدئ ويُعيد (13) وَهُوَ الغَفُور الودودُ (14)} مُحبٌّ لِمَن أطاع. {ذو العرش المجيدُ (15)} العظيم فيِ ذاته وصفاته، فَإِنَّهُ واجب الوجود تامُّ القدرة والحكمة؛ وجُرَّ صفةً لرَبِّكَ (1)، أو للعرش؛ ومَجدُه: علوُّه وعظمة شأنه. {فَعَّال لِما يُريد (16)} لاَ يمتنع عليه مراد من أفعاله وأفعال غيره.
{هل أَتَاك حديثُ الجنود (17) فرعونَ وثمودَ (18)} والمعنى: قد عرَّفك تكذيبهم للرُّسل وَمَا حاق بهم، فتَسلَّ واصبر عَلَى تكذيب قومك، وحذِّرهم مثل مَا أصابهم. {بَل الذِينَ كَفَرُوا فيِ تكذيبٍ (19)} لاَ يَرعوون عَنْهُ، ومعنى الإضراب: أنَّ حالهم أعجب من حال هَؤُلاَءِ، فَإِنَّهُمْ سمعوا قصَّتهم، ورأوا آثار هلاكهم، وكذَّبوا أشدَّ من تكذيبهم، فكلُّ من كفر بالله كُفر جحود أونفاق فالتكذيب ملازم لَهُ، بدليل هَذِهِ الآية، كما قَالَ: {إنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فيِ غُرورٍ} (2) فكلُّ كافر مُغترٌّ مستدرج مَمكور بِهِ.
{والله من وَّرائهم مُّحيطٌ (20)} لاَ يفوتونه كما لاَ يفوت الْمُحاط المحيط. {بَل هُوَ قرآنٌ مَّجيد (21)} بَل هُوَ الذِي كذَّبوا بِهِ كِتَاب شريفٌ وحيدٌ فيِ النظم والمعنى. {فيِ لوحٍ مَّحفوظٍ (22)} مِنَ التحريف.
- - - -
سورة الطارق
بسم الله الرحمن الرحيم
{والسَّمَاء والطَّارقِ (1)} الكواكب البادية بالليل، وَهُوَ فيِ الأصل: لسالك الطريق. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارق (2) النَّجمُ الثَّاقب (3)} قيل: المضيء، كأنَّه يَثقب الظلام بضوئه فيَنفُذ فِيهِ.
[
__________
(1) - ... وَفيِ تفسير البيضاوي: «وجرَّه حمزة والكسائيُّ صفة لربِّك» ج4/ ص251.
(2) - ... سورة الملك: 20. (4/377)
صفحة 1540
658] {إنْ كلُّ نفسٍ لَمَّا عليها حافظ (4)} أي: إنَّ الشأن كُلُّ نفس لعليها حافظ رقيب. {فلينظر الإِنْسَانُ مِمَّ خُلق (5)} لَمَّا ذَكر أنَّ كُلَّ نفس عليها حافظ أتبعه بوَصِيَّة الإِنْسَان بالنظر فيِ مبدئه (1) ليعلم صِحَّة إعادته، فلا يُملي عَلَى حافظه إِلاَّ مَا يسرُّه فيِ عاقبته. {خُلق مِن مَّاء دافِقٍ (6) يَخرج مِن بينِ الصُّلب والتَّرائب (7)} قَالَ أبو سعيد: «فقيل: إِنَّهُ مِمَّا يخرج مِنَ الصلب هُوَ ماء الرجل، وَمَا يخرج مِنَ الترائب هُوَ ماء المرأة؛ وقيل الترائب: عظام الصدر، أو ما بين الثديين والتُّرقوين؛ وقيل: غير ذَلِكَ».
{إِنَّهُ عَلَى رَجعِه لقادرٌ (8) يومَ تُبلى السرائر (9)} تتعرَّف؛ أو يميَّز بين مَا طاب مِنَ الضمائر، وَمَا خفي مِنَ الأعمال وَمَا خبث منها. {فما لَهُ من قوَّةٍ} مِن مَنعة فيِ نفسه يمتنع بها، {وَلاَ ناصر (10)} يمنعه.
{والسَّمَاء ذاتِ الرَّجع (11)} قيل: الرجع: المطر، ترجع بمطر بعد مطر. {والأَرْض ذاتِ الصَّدع (12)} مَا تتصدَّع عَنْهُ الأَرْض مِنَ النبات. {إِنَّهُ} إنَّ القرآن {لقولٌ فَصْلٌ (13)} فاصل بين الحَقِّ والباطل. {وَمَا هُوَ بالهزل (14)} باللعب والباطل فَأْخُذ كلَّه (2)؛ {إنَّهم يَكيدون كيدا (15)} فيِ إبطاله وإطفاء نوره. {وأكيدُ كيدا (16)} وأقابلهم بكيدي، فيِ استدراجي لَهُم وانتقامي مِنْهُم، بحيث لاَ يحتسبون. {فمهِّل الْكَافِرِينَ} فلا تستعجل بإهلاكهم، {أمهِلهم رُوَيْدًا (17)} إمهالا يسيرا.
سورة الأعلى
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «مدته»، وَهُوَ تصحيف.
(2) - ... فيِ تفسير البيضاوي: «فإنَّه جِدٌّ كلُّه». ج4/ ص252. (4/378)
صفحة 1541
سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الأعلى (1)} نَزِّه اسمه عَن الإلحادِ فيه بالتأويلات الزائغة، وإطلاقِه عَلَى غيره، زاعما أَنَّهُمَا فِيهِ سواء، وذِكْرِه لا على وجه التعظيم. {الذِي خَلَق فَسَوَّى (2)} خلق كلَّ شيء فسوَّى خلقه، بأن جعل لَهُ مَا بِهِ يتأتَّى كماله، وتتمُّ معانيه. {والذِي قَدَّرَ} أي: قدَّر أجناس الأشياء، وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها، {فَهَدَى (3)} فوجَّهه إِلىَ أفعاله طبعا أو اختيارا بخلق الإلهامات، ونصب الدلائل والعلامات. {والذِي أخرجَ المرعى (4)} أنبت مَا ترعاه الدَّوابُّ، {فجعله} بعد خُضرته {غثاءً أَحوَى (5)} يابسا أسود؛ وقيل: أخرجه أحوى من شدَّة خضرته.
{سنُقرِئك} عَلَى لسان جبريل؛ أو سنجعلك قارئا بإلهام القراءة، {فلا تنسى (6)} أصلا، مَعَ أَنَّكَ أُمِّيٌّ، لتكون ذَلِكَ آية أُخْرَى لك، مَعَ أنَّ الإخبار بِهِ عَمَّا يستقبل وقوعه كذلك أَيْضًا مِنَ الآيات؛ وقيل: نُهي عَن ترك الدراسة لئلاَّ ينسى؛ وقيل: مدحٌ، أي: فلا تهمل تكراره فتنسى، {إِلاَّ ما شاء الله} نسيانه، {إِنَّهُ يعلم الجهرَ وَمَا يخفى (7) ونُيسِّرك لليسرى (8)} ونعدُّك للطريقة المثلى.
{ (4/379)
صفحة 1542
فذَكِّر إن نَّفَعَتِ الذكرى (9)} لَعَلَّ هَذِهِ [659] الشرطيَّة إِنَّمَا جاءت بعد تكرير التذكرة، وحصول اليأس عَن البعض، لئلاَّ يُتعب نفسه، ويتلهَّف عليهم، كقوله: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بجبَّار ... } (1) الآيَة؛ أو لذمِّ المذكورين واستبعاد تأثير الذكرى (2) فِيهِم، وللإشعار بِأَنَّ التذكير إِنَّمَا يجب إِذَا ظُنَّ نفعه، ولذلك أمر بالإعراض عمَّن تولىَّ. {سيَذَّكَّر مَن يَخْشَى (10)} سيتَّعظ وينتفع بها من يخشى الله، بِأَن يتفكَّر فِيهَا، فيعلم حقيقتها؛ وَهُوَ يتناول العارف والمتردِّد، {ويتجَنَّبها} ويتجنَّب الذكرى، ويتباعد عنها {الأشقى (11)} الكافر، فَإِنَّهُ أشقى الخلق عاجلا وآجلا إن توسَّمت فيِ أحواله ... (3) {الذي يَصلَى النارَ الكُبرى (12)} نار جَهَنَّم فَإِنَّهُ قيل: إِنَّهُ (4) - عليه السلام - قَالَ: «ناركم هَذِهِ جزء من سبعين جزء من نار جهنم» (5).
__________
(1) - ... سورة ق: 45؛ وتمامها: {فذكِّرْ بالقرآن من يخاف وعيدِ}.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «واستعاب د نائير الذي»، وَهُوَ تصحيف عجيب. وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص252.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإن توسَّمت الخير فيِ أحواله». أو نحو ذَلِكَ. ولم نجد فيما بين أيدينا من المصادر عبارة تشبهها.
(4) - ... فيِ الأَصْلِ: «إِنَّهُ قال - عليه السلام - قَالَ»، وَهُوَ تكرار.
(5) - ... رواه مسلم: كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم 5077، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ». قَالُوا: وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا». وَفيِ رواية: «كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا». ورواه الترمذيُّ في كتاب صفة جَهَنَّم، رقم 2514، 2515 .. ابن ماجه: كتاب الزهد، رقم 4309. أحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 7025، 7778، 9811. الدارميُّ: كتاب الرقاق، رقم 2723. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «ناركم هَذِهِ». (4/380)
صفحة 1543
وذلك لشدَّة عذابها، {ثُمَّ لاَ يموت فِيهَا} فيستريح، {وَلاَ يَحيا (13)} حياة تنفعه، بخلاف نار الدُّنْيَا؛ لأَنَّ نار الدُّنْيَا تقتل مَن يُلقى فِيهَا فيستريح منها، وتلك لاَ يموت فِيهَا.
{قَد أَفلحَ مَن تَزكَّى (14)} تطهَّر مِنَ المعاصي، ودخل فيِ نزهة الطاعة، {وذكرَ اسمَ ربِّه} بقلبه ولسانه، {فصلَّى (15)} لقوله: {أقم الصلاةَ لِذِكْرِي} (1) وفيه إشعار بِأَنَّ الصَّلاَة يراد بها الذكر.
{بَل تُؤثِرون الحياةَ الدُّنْيَا (16)} فلا تفعلون مَا يُسعدكم فيِ الآخِرَة، (لَعَلَّهُ) لأَنَّ الإِنسَان خُلق عَجولا، والدُّنْيَا أُحضرت وعجِّل طعامها وشرابها ونساؤها ولذَّتها وبهجتها، {والآخِرَة خيرٌ وأبقى (17)} فإنَّ نعيمها ملذ بالذات، خالص عَن الغوائل لاَ انقطاع لَهُ.
{إنَّ هَذَا لفي الصُّحف الأولى (18)} الإشارة إِلىَ مَا سبق، من {قد أفلح ... } فَإِنَّهُ جامع أمر الديانة، وخلاصة الكتب المنزَّلة، {صُحفِ إبراهيم وموسى (19)} قيل: إنَّ هَذِهِ السورة، أو حكمها فيِ صحف إبراهيم وموسى.
سورة الغاشية
بسم الله الرحمن الرحيم
{هل أتاك حديثُ الغاشية (1)}؟ الداهية التِي تغشي النَّاس بشدائدها، يَعنِي: يوم القيامة، أو النار؛ {وجوهٌ يَومَئِذٍ خاشعةٌ (2)} ذليلة، {عاملةٌ نَّاصبةٌ (3)} تَعمل مَا تتعب فِيهِ، كجرِّ السلاسل، وخوضها فيِ النار خوض الإبل فيِ الوحل، والصعود والهبوط فيِ تلالها؛ أو عملت ونَصبت فيِ أعمال لاَ تنفعها يَومَئِذٍ، {تَصْلَى} (لَعَلَّهُ) تُقاسي {نارا حَامِيَةً (4) تُسقى مِن عينٍ آنيةٍ (5)} متناهية فيِ الحرِّ.
{__________
(1) - ... سورة طه: 14. (4/381)
صفحة 1544
ليس لَهُم طعامٌ إِلاَّ مِن ضَريعٍ (6)} قيل: يبيس الشبرق، وَهُوَ شوك ترعاه الإبل مَا دام رطبا؛ وقيل: شجرة نارٍ تشبه الضريع؛ وقيل: طعامهم الضريع: شيء فيِ النار شبه الشوك، أَمرُّ مِنَ الصبر، وأَنتَن مِنَ الجيفة، وأشدُّ حَرًّا مِنَ النار؛ والمراد: طعامهم مِمَّا تتحاماه الإبل، وتتعافاه لضرِّه وعدم نفعه، كما قَالَ: {لاَ يُسمِنُ وَلاَ يُغنِي مِن جُوعٍ (7)} والمقصود مِنَ الطعام أحد الأمرين، (لَعَلَّهُ) وَهَذَا مقصود بِهِ تعذيب كلُّه.
{وُجوهٌ يَومَئِذٍ نَّاعِمة (8) لِسَعْيِها راضيةٌ (9)} رضيت بعملها لَمَّا رأت ثوابه، {فيِ جَنَّة [660] عاليةٍ (10)} عليَّة المحلِّ والقدر، {لاَّ تَسمَعَ فِيهَا لاغيةً (11)} لغوا، أو كلمة ذات لغو، أو نفسا تلغو، لأَنَّ ذَلِكَ يتأذَّى بِهِ المؤمن لكراهته عَلَى الله، وأنَّ كلام أهل الجَنَّة الذكر والحِكم، فإنَّ ذَلِكَ بِهِ يتنعَّمون.
{فِيهَا عَينٌ جَاريةٌ (12)} يجري ماؤها وَلاَ ينقطع، {فِيهَا سُررٌ مَّرفوعةٌ (13)} رفيعة السُّمك، أو القدر، {وأكوابٌ} جمع كُوب: وَهُوَ إناء لاَ عُروة لَهُ فيما قيل، {مَّوضوعةٌ (14)} بين أيديهم {ونَمارِقُ} وسائد (1) جمع: نُمرقة، {مصفوفة (15)} مبسوطة، {وزرابِيُّ} بُسط فاخرة، جمع: زربيَّة {مبثُوثة (16)} مبسوطة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «مسائد»، ولا مَعْنَى له. (4/382)
صفحة 1545
أفلا ينظُرُون} نظر اعتبار {إِلىَ الإبل كَيفَ خُلقت (17)}؟ خلقا دالاًّ عَلَى كمال قدرته وحسن تدبيره، حيث خلقها لِجرِّ الأثقال إِلىَ البلاد النائية، باركة للحمل، منقادة لمن اقتادها، طول الأعناق لتنوء بالأوقار، وترعى كُلَّ نابت، وتحتمل العطش إِلىَ عشر فصاعدا، ليَتأتَّى لها قطع البراري والمفاوز، مَعَ مَا لها من منافع أخر؛ ولذلك خُصَّت بالذكر، لبيان الآيات المثبتة فيِ الحيوانات التِي هِيَ أشرف المركبات وأكبرها صنعا، وَلأَنَّهُ أعجب مَا عند العرب من هَذَا النوع. يروى عَن المفضل أَنَّهُ قَالَ: «عجَّبهم تعالى مِنَ الإبل تحمل وقرها باركة، فيعلمون أنَّ لها صانعا أفردها بذلك، ليعلم من لَهُ لبٌّ أنَّ للأشياء صانعا يخالف بين خلقها، ولو لم يكن لذلك لكانت الدوابُّ وغيرها مِنَ الأجناس عَلَى خلق واحد».
{وإلى السَّمَاء كَيفَ رُفِعت (18) وإلى الجبالِ كَيفَ نُصبت (19)} فهي راسخة لاَ تميل؛ {وإلى الأَرْض كَيفَ سُطحت (20)} بُسطت حَتَّى صارت مهادا؛ قيل: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل؟ أو يرفع مثل السَّمَاء؟ أو ينصب مثل الجبال؟ أو يسطح مثل الأَرْض غيري؟ وَالمَعْنَى: أفلا ينظرون إِلىَ أنواع المخلوقات والمركَّبات ليتحقَّقوا كمال قدرة الخالق، فلا يُنكر اقتداره عَلَى البعث؟. ولذلك عقَّب بِهِ أمر المعاد، ورتَّب عليه الأمر بالتذكير، فقال: {فذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذكِّر (21)} إن عليك إِلاَّ البلاغ، {لستَ عَلَيْهِم بِمُسيطِرٍ (22)} بمسلّط، وقد قُرِئَ بالصاد.
{إِلاَّ مَن تَولَّى وكَفَر (23)} لأَنَّ من تولىَّ وكفر {فيُعذِّبه الله العذاب الأكبرَ (24)} وَهُوَ عذاب الآخِرَة، يُنبئ عَلَى أَنَّهُ أعظم وأكبر من كُلِّ عذاب فيِ الدُّنْيَا، وإن عَظُم أمره فعذابه فيِ الآخِرَة لاَ يشبهه عذاب فيِ الدُّنْيَا، وثوابه فيِ الآخِرَة لاَ يشبهه ثواب فيِ الدُّنْيَا؛ {إنَّ إلينا إيَّابَهم (25)} رجوعهم؛ {ثُمَّ إنَّ علينا حسابهم (26)}.
{{{{ (4/383)
صفحة 1546
سورة الفجر
بسم الله الرحمن الرحيم
{والفجرِ (1) وليالٍ عَشرِ (2)} ذي الحجَّة فيما قيل، {والشفعِ والوَتر (3)} والأشياء كلِّها شفعها ووترها؛ أو وبالخلق ــ كقوله: {ومِن [661] كلِّ شيء خلقنا زوجين} (1) ــ والخالقِ لأَنَّهُ فرد. {واللَّيْل إِذَا يَسرِ (4)} إِذَا سار وذهب، {هل فيِ ذَلِكَ} القَسم أو المُقسم بِهِ، {قَسَمٌ} حَلف، أو محلوف، {لِذي حِجْرٍ (5)}؟ يعتبره ويؤكِّد بِهِ مَا يريد تحقيقه؛ والحِجر: العقل، سُمِّي، لأَنَّهُ يَحجر عَمَّا لاَ ينبغي، كما سُمِّي عقلا.
{ألم تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إرَمَ ذاتِ العِمادِ (7)} ذات البناء الرفيع؛ قيل: كَانَ لعادٍ ابنان: شداد وشديد، فمَلَكا وقَهَرا، ثُمَّ مات شديد، فخلص الأمر لشداد، وملك المعمورة، ودانت لَهُ ملوكها؛ فسمع بذكر الجَنَّة فبنى عَلَى مثلها فيِ بعض صحاري عدن جنَّة، وسمَّاها "إرم"، ثُمَّ سار إِلَيْهِا بأهله؛ فَلَمَّا كَانَ منها عَلَى مسيرة يوم وليلة بعث الله عَلَيْهِم صيحة مِنَ السَّمَاء فهلكوا؛ وقيل: إِنَّهُ خرج فيِ طلب إبِلِه فوقع عَليها.
{التِي لم يُخلقْ مثلُها فيِ البلاد (8) وثمودَ الذِينَ جابُوا الصَّخرَ} قطعوه واتَّخذوه منازل، كقوله: {وتنحتون مِنَ الجبال بيوتا} (2) {بالوادي (9)}.
{وفرعونَ ذِي الأوتَادِ (10)} لكثرة جنوده، ومضاربهم التِي كَانُوا يضربونها إِذَا نزلوا، أو لنعذِّبنَّه بالأوتاد، {الذِينَ طَغَوْا فيِ البلاد (11)} صفة للمذكورين عاد وثمود وفرعون، {فَأَكْثَروا فِيهَا الفَسَاد (12)} بالكفر والظلم {فصبَّ عَلَيْهِم رَبُّكَ سوطَ عذابٍ (13)} ما خلط لَهُم من أنواع العذاب، وأصله الخلط؛ {إنَّ رَبَّكَ لَبِالمرصاد (14)} المكَانَ الذى يترقَّب فِيهِ الرصد، وَهُوَ تمثيل لإرصاده العصاة بالعذاب الأدنى والآخِرَة.
{__________
(1) - ... سورة الذاريات: 49.
(2) - ... سورة الشعراء: 149. (4/384)
صفحة 1547
فَأَمَّا الإِنسَان} مُتَّصِل بقوله: {إنَّ رَبَّك لَبالمرصاد} كأنَّه قيل: إِنَّهُ لبالمرصاد مِنَ الآخِرَة، فلا يريد مِنْهُ إِلاَّ السعي لها، فَأَمَّا الإِنسَان فلا يهمُّه إِلاَّ الدُّنْيَا ولذَّتها، {إِذَا مَا ابتلاَه ربُّه} اختبره بالغِنى واليُسر، {فَأكرَمَه ونَعَّمَه} بالجاه والمال، {فيَقُول رَبِّي أكرمَنِ (15)} فضَّلني بِمَا أعطاني باستحقاقي، لاَ يرى الكرامة مِنَ الله إِلاَّ بكثرة الحظِّ مِنَ الدُّنْيَا.
{وأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه فقَدَرَ عليه رِزقه} إِذ (1) التقدير: وَأَمَّا الإِنسَان إِذَا مَا ابتلاه، أي: بالفقر والتقدير ليوازن قسمه، {فَيَقُول: رَبِّي أهاننِ (16)} لقصور نظره، وسوء فكره، فإنَّ التقدير يؤدِّي إِلىَ كرامة الدارين؛ إِذ التوسعة قد تفضي إِلىَ قصد الأعداء (2)، والانهماك فيِ حبِّ الدُّنْيَا؛ ولذلك ذمَّه عَلَى قوليه، وردعه عَنْهُ بقوله: {كلاَّ} (لَعَلَّهُ) كذَّبهما بقوله: {كَلاَّ}، يقول: ليس هَذَا بكرامتي، وَلاَ هَذَا بهواني؛ وَلَكِنَّ التكريم من أكرمته بطاعتي، غنيًّا كَانَ أو فقيرا؛ {بَل لاَّ تُكرِمون اليتيم (17) وَلاَ تَحَاضُّون عَلَى طعامِ المسكِينِ (18)} بَل فِعلُهم أسوء من قولهم (3)، وأدلُّ عَلَى تهالكهم بالمال، وَهُوَ أَنَّهُمْ لاَ يكرمون اليتيم بالنفقة والمبرَّة، وَلاَ يَحثُّون أهلهم عَلَى طعام المسكين فضلا عَن غيرهم.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «إذا»، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص255.
(2) - ... كذا في تفسير البيضاوي أَيضًا، وَلَعَلَّ الصواب: «الاعتداء به». انظر: المصدر نفسه.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «بل فعلهم أسوأ من فعلهم»، ولا مَعْنَى لهذا التكرار، وصحَّحناه من المصدر نفسه. (4/385)
صفحة 1548
وتأكلُون التُّراثَ} [662] الميراث، وأصله وراث (1)، {أكْلاً لَّمًّا (19)} (2) ذا لَمٍّ: أي جمَعَ بين الحلال والحرام، فَإِنَّهُمْ لاَ يُطهِّرونه مِنَ الحقوق والوصايا؛ أو يأكلون أنصباءهم وأنصباء شركائهم (لَعَلَّهُ) الضعفاء؛ أو يأكلون مَا جمعه الموروث من حلال وحرام مَعَ علمهم بذلك؛ وقيل: الأكل اللَّمُّ: الذِي يأكل كُلَّ شيء يَجده، لاَ يسأل عَنْهُ أحلال أم حرام؛ ويأكل الذِي لَهُ ولغيره؛ يقال: (لَعَلَّهُ) لَمَمت مَا عَلَى الجواب [كذا]: إذا أتيت مَا عليه حَتَّى أكلته.
{وتُحبُّون المال حُبًّا جَمًّا (20)} كثيرا مَعَ حرص وشَره، وَهُوَ من صفاتهم المذمومة، لأَنَّهُم أُمروا بحبِّ الله وطاعته، وَلاَ يتَّفق حُبُّهم لهذا وَهَذَا، لأَنَّهَا أضداد لاَ تكاد تتَّفق.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «وارث»، وَهُوَ خطأ، وقد نقل هَذَا الخطأ من تفسير أبي السعود. وصحَّحناه من البيضاويِّ والألوسيِّ الذي يقول: «{وتأكلون التراث}: أي الميراث، وأصله: وراث، فأبدلت الواو تاء». الألوسي: روح المعاني، ج30/ ص127. وانظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص255. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص157.
(2) - ... فيِ الحاشية: «وأظنُّ أَنَّهُ قد صحَّ تقديم وتأخير في تفسير {أكلا لَمًّا}»، وقد صحَّحناه حسب السياق، فقدَّمنا قوله: «ذا لَمٍّ ... مع علمهم بِذَلِكَ» عَلَى عبارة «وقيل: الأكل اللمُّ ... حَتَّى أكلته». (4/386)
صفحة 1549
كلاَّ} ردع لَهُم عَن ذَلِكَ وإنكار، وَمَا بعدَه وعيدٌ عَليه، {إِذَا دُكَّت الأَرْض دكًّا دكًّا (21)} دكَّا بعد دكٍّ، حَتَّى صارت هباء منبثًّا، {وجاء رَبُّكَ} أي: ظهرت آيات قدرته، وآثار قهره؛ مثل ذَلِكَ بِمَا يظهر عند حضور السلطان من آثار هيبته وسياسته، {والمَلَك صَفًّا صَفًّا (22)} بحسب منازلهم ومراتبهم، (لَعَلَّهُ) هكذا أخبر الله عَن يوم القيامة أنَّ المَلاَئِكَة تكون يوم العروض صفوفا، ويأتي أمر الله بِمَا قد حكم وقضى وقسم من أهوال يوم القيامة، {وجيء يَومَئِذ بجهنَّمَ} لقوله: {وبُرِّزت الجحيم لِمَن يرى} (1).
{يَومَئِذٍ يتَذكَّر الإِنسَان} أي: يتذكَّر معاصيه؛ أو يتَّعظ، لأَنَّهُ يعلم قُبحها فيندم عليها، {وأنَّى لَهُ الذِّكرى (23)} (لَعَلَّهُ) ومن أين لَهُ التوبة؟ أي: منفعة الذكرى.
{يقولُ: يا لَيتني قَدَّمتُ لِحَيَاتِي (24)} أي: لحياتي الأبديَّة، فإنَّ غيرها ليست بحياة فيِ الحقيقة {فيَومَئِذٍ لاَّ يُعذِّب عذابَه أحدٌ (25) وَلاَ يُوثِق وَثاقَه أحدٌ (26)} «الهاء» لله، أي: لاَ يَتَوَلىَّ عذابَ الله ووثاقَه يوم القيامة سواه، إذ الأمركلُّه لَهُ.
{يا أيَّتُها النفسُ المطمئنَّة (27)} عَلَى إرادة القول، وهي التِي اطمأنَّت بذكر الله، فإنَّ النفس تترقَّى في سلسلة الأسباب إِلىَ الواجب لذاته، {ارجِعي إِلىَ رَبِّكَ} إِلىَ أمره، أو موعده بالموت؛ (لَعَلَّهُ) وقيل: يقال لها عند الموت وخروجها مِنَ الدُّنْيَا: رضي عنها ربُّها؛ فإِذَا كَانَ يوم القيامة قيل لها: ادخلي فيِ عبادي، {راضيةً} بِمَا أوتيت، {مَرضيَّةً (28)} عند الله، {فادخلي فيِ عِبَادي (29)} الصالحين، {وادخلي جَنَّتي (30)} معهم.
سورة البلد
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... سورة النازعات: 36. (4/387)
صفحة 1550
لاَ أُقسِمُ بِهَذَا البَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا البلدِ (2)} أقسم سبحانه بالبلد الحرام، وقيَّده بحلول الرسول فِيهِ إظهارا لمزيد فضله، {وَوَالدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَد خلقنا الإِنسَان فيِ كَبَدٍ (4)} فيِ تعب ومشقَّة، مِن كَبَد الرجل كبدا، إِذَا وجعته كبده ومنه المكابدة، وذلك يعمُّ المؤمن والكافر، وإِذَا كَانَت المكابدة لا بدَّ منها، كَانَ بذلها فيِ الطاعة أولى، وَإِلاَّ كَانَت [663] مَغرما عَلَى صاحبها.
{أَيَحسَبُ} لبعضهم الذِي كَانَ يكابد مِنْهُ أكثر؛ أو لِكُلِّ أحد مِنْهُم؛ أو الإِنسَان، {أن لَّن يَقدِرَ عليه أحدٌ (5) يقول: أهلَكت مالاً لبَدَا (6)} عَلَى عداوة محمَّد؛ {أَيَحسِب أن لَّم (1) يَرَه أحد (7)} أيظنُّ أنَّ الله لم يرَ ذَلِكَ مِنْهُ، ولم يسأله عَن ماله من أين كسبه وأين أنفقه؟. يَعنِي: إنَّ الله يراه فيجازيه، ثُمَّ قرَّر ذَلِكَ بقوله: {ألم نجعَل لَّهُ عَينَيْنِ (8)} يبصر بهما، {ولسانا} يُترجم بِهِ عَن ضمائره، {وَشَفَتَيْنِ (9)} يَستَعين بهما عَلَى النطق والأكل والشرب وغير ذَلِكَ، {وهديناه النَّجدَيْنِ (10)} طريقي الخير والشرِّ.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «أن لن يراه»، وفيِ تفسير البيضاويِّ: «لن يره»، ومن العجيب أن ينقل الآيَة من البيضاويِّ مع خطئها. انظر: البيضاوي: ج4/ ص 256. (4/388)
صفحة 1551
فلا اقتَحَمَ العَقبةَ (11)} أي: فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة، وَهُوَ الارتقاء فيِ مصاعب الأمور عَلَى النفس، إِلاَّ أنَّ فِيهِ السلامة؛ والعقبة: الطريق فيِ الجبل، استعارها لِمَا فسَّرها بِهِ مِنَ الفكِّ والإطعام فيِ قوله: {وَمَا أَدرَاكَ مَا العَقَبَةُ (12) فكُّ رَقَبَةٍ (13) أو إطعامٌ فيِ يومٍ ذي مَسغَبةٍ (14)} مجاعة، {يتيمًا ذا مَقْرَبةٍ (15)} (لَعَلَّهُ) ذا قرابة {أو مِسكِينا ذا مَتْرَبةٍ (16)} (لَعَلَّهُ) شدَّة حال لِمَا فيهما من مجاهدة النفس؛ وقوله: {وَمَا أَدرَاكَ مَا العقبةُ} اعتراضٌ، معناه: إِنَّكَ لم تَدرِ كُنْه صعوبتها وثوابها.
{ثُمَّ كَانَ مِنَ الذِينَ آمَنُوا} لأَنَّ الكافر لاَ ينتفع بعمل، {وَتَوَاصَوْا بالصبرِ} وأوصى بعضهم بعضا بالصبر عَلَى طاعة الله، {وتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)} بالرحمة عَلَى عباده، أو بموجبات رحمة الله، {أُولَئِكَ أصحابُ الميمنةِ (18)} اليمين، أو اليُمن.
{وَالذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنا} بِمَا نصبنَاه دليلا عَلَى حقٍّ، من كِتَاب وحجَّة، أو إلهام، {هم أصحابُ الْمَشأَمَة (19)} الشمال، أو الشُّؤم؛ قيل: ولتكرير ذكر المؤمنين باسم الإشارة، وَالكُفَّار بالضمير شأنٌ لاَ يخفى، {عَلَيْهِم نارٌ مُّؤصَدَةٌ (20)} مُطبقة، من أَوصَدت الباب إِذَا أطبقته وأغلقته.
سورة الشمس
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (4/389)
صفحة 1552
والشمسِ وضُحَاهَا (1)} وضوئها إِذَا أشرقت؛ وقيل: هُوَ النَّهَار كلُّه، وقيل: حرُّها؛ {والقمر إِذَا تَلاهَا (2)} تلاَ طلوعُه طلوعَ الشمس أَوَّل الشهر، أو غروبها ليلة البدر، أو فيِ الاستدارة وكمال النور، {والنَّهَار إِذَا جَلاَّها (3)} جلاَّ الظلمة إِذَا كشفها، فإنَّها تنجلي إِذَا انبسط النَّهَار، أو الظلمة أو الدُّنْيَا، {واللَّيْلِ إِذَا يَغشَاهَا (4)} يَسْتُرُ [هَا]، {والسَّمَاء وَمَا بَنَاها (5)} ومَن بناها؛ كأنَّه قيل: والشيء القادر الذِي بناها، وَدَلَّ عَلَى وجوده وكمال قدرته بناؤها، ولذلك أفرد ذكره؛ وكذا الكلام فيِ قوله: {وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاها (6)} بَسَطَها، {ونفسٍ وَمَا سَوَّاها (7)} (لَعَلَّهُ) تسوية خلقها للإلهام.
{فألهَمَهَا فُجُورها وتَقوَاها (8)} إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وتعريف حاليهما، والتمكين مِنَ الإتيان بهما، وبمعنى: أَنَّهُ تعالى أَلهَم العبد وبيَّن لَهُ مَا هُوَ فِيهِ تقواه فيتبعه، وَمَا فِيهِ هلاكه فيجتنبه؛ وقيل: جعل فِيهَا ذَلِكَ، يَعنِي: بتوفيقه إِيَّاهَا للتقوى، وخذلانه إِيَّاهَا للفجور، وذلك أنَّ الله تعالى خلق فيِ المؤمن [664] التقوى، وفي الكافر الفجور.
{قد أفلَح مَن زكَّاها (9)} أَنماها وطهَّرها من خبائث الشيطان بالعلم والعمل، كأنَّه لَمَّا أَرَادَ بِهِ الحثَّ عَلَى تكميل النفس والمبالغة فِيهِ، أقسم عَليه بِمَا يدلُّهم عَلَى العلم بوجود الصانع، ووجوب ذاته وكمال صفاته، الذِي هُوَ أقصى درجات القوَّة العلميَّة، {وقَد خَاب مَن دسَّاها (10)} أهملها وأنقصها حقَّها، وأخفاها بالجهالة والفسوق.
{ (4/390)
صفحة 1553
كذَّبَت ثَمود بِطَغوَاها (11)} بسبب طغيانها، {إذِ انبَعَثَ} قام {أَشقَاها (12)} (لَعَلَّهُ) عاقر الناقة أشقى ثمود؛ قيل: هُوَ قدار بن سالف، أو هو ومَن والاه عَلَى قتل الناقة، وذلك لتَولِّيهم العقر، {فقال لَهُم رسولُ الله: ناقةَ الله} أي: ذروا ناقة الله، واحذروا عقرها، {وَسُقياها (13)} وسَقيها فلا تذودوها عنها، {فَكَذَّبوه} فيما حذَّرهم مِنْهُ من حلول العذاب إن فعلوا، {فَعَقَرُوها، فَدَمْدَمَ عَلَيْهِم ربُّهم} فأطبق عَلَيْهِمُ العذاب، وَهُوَ من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: إِذَا لبسها الشحم، {بِذَنبِهم} بسببه، {فَسَوَّاها (14)} فسَوَّى الدمدمة بذنبهم؛ أو عَلَيْهِم {وَلاَ يَخَاف عُقبَاها (15)} عاقبة الدمدمة؛ أو عاقبة هلاكهم.
سورة الليل
بسم الله الرحمن الرحيم
{واللَّيْلِ إِذَا يَغشى (1)} أي: يغشى الشمس، أو النَّهَار، أو كلاهما؛ أ [ي] يواريه بستره، {والنَّهَارِ إِذَا تجلَّى (2)} ظهر بزوال ظلمة اللَّيْل، أو تبيَّن بطلوع الشمس، {وَمَا خَلَقَ الذَّكَر والأنثى (3)} والقادر الذِي صنع الذكر والأنثى من كُلِّ نوع؛ وقيل: "مَا" مصدرية، {إنَّ سعيكم لشَتَّى (4)} إنَّ مساعيكم لأسباب مختلفة، (لَعَلَّهُ) فساعٍ فيِ فِكاك نفسه، وساعٍ فيِ عَطبها وهلاكها.
{فَأَمَّا مَن أَعطى} (لَعَلَّهُ) ماله فيِ سبيل الله، {واتَّقى (5)} (لَعَلَّهُ) ربَّه بطاعته، {وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)} المعنى: من أعطى الطاعة وَاتَّقَى المعصية، وصدَّق بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد، {فَسَنُيَسِّرُهُ لليُسرى (7)} من أمر الدارين.
{ (4/391)
صفحة 1554
وأَمَّا مَن بَخِلَ} بِمَا أُمر بِهِ، {وَاسْتَغْنَى (8)} واستغنى بشهوات الدُّنْيَا عَن نعيم العقبى، أو استغنى بتدبيره عَن توفيق الله، {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)} بإنكار مدلولها، {فَسَنُيَسِّرُهُ للعُسْرَى (10)} مِن أمر الدارين، {وَمَا يُغني عَنْهُ مالُه} إنكار، {إِذَا تَرَدَّى (11)} هلكَ، "تفَعَّل" مِنَ الرَّدى، أو تردَّى فيِ مخنق الموت، أو قَعر جَهَنَّم، {إنَّ علينَا لَلْهُدَى (12)} للإرشاد إِلىَ الحَقِّ بموجب قضائنا، أو بمقتضى حكمنا، فإنَّ علينا طريقة الهدى لقوله: {وعلى اللهِ قَصْدُ السبيلِ} (1).
{وإنَّ لَنَا لَلآخرةُ والأولى (13)} فنعطي فيِ الدارين ما نَشَاء (2) لِمَن نشاء؛ أو ثواب الهداية للمهتدين؛ أو فلا يضرُّنا ترككم الاهتداء، [665] أو فمَن طلبهما مِن غير مالكهما فقد طمَعَ فيِ غير مطمع.
{فَأَنذَرْتُكُم نَارًا تَلظَّى (14)} تتلهَّب، {لاَ يَصلاَهَا} لاَ يلزمها مُقاسيا شدَّتها (3) {إِلاَّ الأشقى (15)} إِلاَّ الكافر {الذِي كَذَّبَ وَتَوَلىَّ (16)} أي: كذَّب الحقَّ، وأعرض عَن الطاعة، {وَسَيُجَنَّبُها الأتقى (17)} الذِي اتَّقى المعصيةَ، {الذِي يُؤتي مالَه} يصرفه فيِ مصارف الخير، فَإِنَّهُ {يَتَزكَّى (18)} يطلب أن يكون عند الله زاكيا لاَ رياء وَلاَ سمعة.
{وَمَا لأحَدٍ عنده مِن نِّعمةٍ تُجزى (19)} فيَقصِد بإتيانه مُجازاتها، {إِلاَّ ابتغاءَ وجهِ ربِّه الأعلى (20) ولَسَوفَ يَرضى (21)} بثواب الله فيِ العُقبى عوضا عَلَى عمله؛ وعدٌ بالثواب الذِي يرضاه.
سورة الضحى
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... سورة النحل: 9.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «من تشاء»، وَهُوَ خطأ.
(3) - ... في الأصل: «شتدتها»، وهو خطأ. (4/392)
صفحة 1555
والضُّحى (1) واللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)} سكن أهله؛ أو ركد ظلامه؛ مِن سجى البحر سُجُوًّا (1): إِذَا سكنت أمواجه، {مَا وَدَعَك رَبُّكَ} وَمَا قطعك قطع الودع (2)، بمعنى: مَا تركك، {وَمَا قَلَى (3)} وَمَا أبغضك، {وَلَلآخرةُ خيرٌ لَّكَ مِنَ الأولى (4)} فإنَّها باقية خالصة عَن الشوائب، وهذه فانية مَشوبة بالمضارِّ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا بيَّن أَنَّهُ تعالى لاَ يزال يواصله بالوحي، أخبره أنَّ حاله فيِ الآخِرَة أعظم من ذَلِكَ وأجلُّ، ولَنهاية أمره خير من بدايته، فَإِنَّهُ لاَ يزال يتصاعد فيِ الرِّفعة والكمال.
{وَلَسَوْفَ يُعطيك رَبُّكَ فترضى (5)} وعد شامل لِمَا أعطاه من كمال النفس، وظهور الأمر وإعلاء الدين، ولِمَا أَخَّر لَهُ مَا لاَ يعرف كُنهَه سواه، والدلالةِ عَلَى أنَّ العطاء ــ وإن تأخَّر ــ كائنٌ لاَ محالة لحكمة.
{__________
(1) - ... في الأصل: «سجودا»، وهو خطأ. وانظر: الفيروزآبادي: القاموس، ص1164، مَادَّة: «سجي».
(2) - ... فيِ تفسير البيضاويِّ: «قطع المودِّع». ج4 / ص 258. (4/393)
صفحة 1556
أَلَم يَجِدْكَ يَتيمًا فآوى (6)} تعديد لِمَا أنعم عَلَى نبيِّه، عَلَى أَنَّهُ (1) كما أحسن إِلَيْهِ فيما مضى يُحسن إِلَيْهِ فيما يستقبل وإن تأخَّر، {وَوَجَدك ضَالاًّ} عَن علم الحكمة والأحكام، أو عَن النبوَّة، {فَهَدَى (7)} فعَلَّمَك بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر، {وَوَجَدك عائلا} فقيرا ذا عِيال {فأغنى (8)} لِما حصَّل لك من رزقه، {فَأَمَّا اليتيمَ فلا تَقْهَرْ (9)} فلا تغلبه عَلَى ماله وحقِّه لضعفه، وقرئ: «فلا تَكهر» (2) أي: لاَ تعبس فيِ وجهه، {وَأَمَّا السائلَ فلا تَنهرْ (10)} فلا تزجره، {وأَمَّا بنعمة رَبِّكَ فحدِّثْ (11)} فإنَّ التحدُّث بها شكرها؛ وقيل: المراد بالنعمة: النبوَّة، والتحدُّث بها: تبليغها.
سورة الشرح
بسم الله الرحمن الرحيم
{ألم نَشْرَحْ لَك صَدْرَكَ (1)} ألم نُفسحه لك حَتَّى ينشرح لمناجاة الحقِّ ودعوة الخلق، فكَانَ غائبا حاضرا؛ أو [أَ] لَمْ نفسحه بِمَا أودعنا فِيهِ مِنَ الحكم، وأنزلنا عَنْهُ ضيق الجهل؛ أو بِمَا يَسَّرنا لك [من] تلقِّي الوحي بعدما كَانَ يشقُّ عليك؛ ومعنى الاستفهام: إنكار نفي الانشراح، مبالغة فيِ إثباته، ولذلك عطف عليه:
{__________
(1) - ... في الأصل: «أن»، وهو خطأ.
(2) - ... قال فيِ القاموس: «الكَهْرُ: القَهر، والانتهار، والضحك، واستقبالك إنسانا بوجه عابس تهاونا به، واللهو». الفيروزآبادي: القاموس، ص 426، مَادَّة: «كهر». (4/394)
صفحة 1557
وَوَضَعنا عَنك وِزرَك (2)} عِبْأَك الثقيل، {الذِي أَنقَضَ ظَهرَك (3)} الذِي حَمَلَكَ حَمْلُه عَلَى النقيض، وَهُوَ [666] صوت الرجل عند الانقباض (1) من ثقل الحمل، وَهُوَ مَا ثَقل عليه من فرطاته، {وَرَفَعنا لك ذِكرَك (4)} وجعل طاعتَه طاعته، وصلَّى عليه ملائكته والمؤمنون.
{فإنَّ مَعَ العُسر} كضيق الصدر والوزر، والنقض للظهر، والضلال عَن علم الحكمة، والعجز عَن القيام بالعيال، {يُسرا (5)} كالشرح والوضع والإغناء، والتوفيق للاهتداء والطاعة، فلا تيأس مِن رَوح الله إِذَا اعترتك شدَّة، {إنَّ مَعَ العُسر يُسرا (6)} التكرير للتأكيد، {فإِذَا فَرغتَ} مِن (لَعَلَّهُ) حال مِن أحوال العبادة {فانصب (7)} فاتعب شكرا لِمَا عَدَّدنا عليك مِنَ النعم السالفة، ووعَدنا بالنعمة الآتية؛ وقيل: إِذَا فرغت مِنَ الصَّلاَة فانصب فيِ الدعاء، {وإلى رَبِّكَ فارغب (8)} (لَعَلَّهُ) فيِ جميع أحوالك للعبادة والانقطاع والسؤال.
سورة التين
بسم الله الرحمن الرحيم
{والتِّينِ والزَّيتُونِ (1) وطورِ سِينِينَ (2)} يَعنِي: الجبل الذِي نَاجَى موسى - عليه السلام - ربَّه، وسينين وسيناء: اسمان للموضع الذِي هُوَ فِيهِ، {وَهَذَا البلدِ الأمِينِ (3)} يأمن فِيهِ مَن دخله.
{__________
(1) - ... الصواب «عند الانتقاض» كما فيِ سائر التفاسير. الزمخشري: الكشَّاف، 4/ ص614. البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص502. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص259. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص172. الألوسي: روح المعاني، ج30/ ص168. وانظر مَعْنَى الانتقاض فيِ: الفيروزآبادي: القاموس، ص589، مَادَّة: «نقض». ابن منظور: لسان العرب، ج6/ ص705 - 706، مَادَّة «نقض». وفيه تحقيق مهم فيِ مَعْنَى الآيَة المفسَّرة. (4/395)
صفحة 1558
لَقَد خَلقنا الإِنسَان} يريد الجنس، {فيِ أحسن تَقويمٍ (4)} فيِ أحسن تعديل لشكله وصورته، وتسوية الأعضاء، وإبانته لَهُ عَن غيره، بنطقه وتمييزه وعقله وتدبيره، وقبوله للميثاق، واستجماع خواصِّ الكائنات، ونظائر سائر الممكنات، (لَعَلَّهُ) إذ جعله جوهرا انطوى عليه أصداف مكنوناته.
{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ} ثُمَّ كَانَ عاقبة أمره حين لم يشكر النعمة فيِ الخلقة القويمة أن رددناه {أسفلَ سافلِينَ (5)} مِن أسفلَ خلقًا، يَعنِي: أقبح مِن قبح (1) صورة (لَعَلَّهُ) خلقها، وَهُم أصحاب النار، كقوله: {أُولَئِكَ هم شرُّ البريَّة} (2).
{إِلاَّالذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} إِلاَّ الذِينَ ثبتوا عَلَى الطاعة، أو تابوا بعد المعصية فَهُم فيِ أحسن تقويم كما وصفهم، {فلهم أجرٌ غير مَمنُونٍ (6)} لاَ ينقطع، أو لاَ يُمَنُّ بِهِ عَلَيْهِم.
{فما يُكذِّبُك بعدُ بالدِّينِ (7)} الخطاب للإنسان عَلَى طريقة الالتفات، أي: فما جعلك كاذبا بسبب الدِّين؛ وإنكاره بعد هَذَا الدليل، يَعنِي: إِنَّكَ تكذِب إِذَا كذَّبت بالجزاء، فإنَّ كلَّ مكذِّب بِالْحَقِّ كاذب لاَ محالة، {ألَيسَ الله بأحكمِ الحاكمِينَ (8)}؟ تحقيق لِمَا سبق، أليس الذِي فَعل (3) ذَلِكَ مِنَ الخلق والردِّ بأحكم الحاكمِينَ، صنعا وتدبيرا؛ ومن كان كذلك كان قادرا عَلَى الإعادة والجزاء.
سورة العلق
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... لعلَّ الصواب: «أقبح».
(2) - ... سورة البيِّنة: 6.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: «فعل فعل». (4/396)
صفحة 1559
اقرأْ باسم رَبِّكَ} أي: القرآن، مفتتحا باسمه أو مستعينا باسمه، {الذِي خَلَقَ (1)} الذِي خلق كُلَّ شيء، فيتناول كُلَّ مخلوق مِنَ الأفراد (1)، مَا هُوَ أشرف وأظهر صنعا [667] وتدبيرا، وأدلّ عَلَى وجوب العبادة المقصود مِنَ القراءة فقال: {خَلَقَ الإِنسَان} خصَّص الإِنسَان بالذكر مِن بين الخلق لأَنَّهُ أشرف مَا عَلَى الأَرْض، {مِن عَلَقٍ (2)} وَلَمَّا كَانَ أَوَّل الواجبات معرفته تعالى نزل أوَّلا مَا يدلُّ عَلَى وجوده وكمال قدرته، وثبوت حكمته.
{اِقْرَأْ} تكرير للمبالغة، {ورَبُّكَ الأكرمُ (3) الذِي} لَهُ الكمال (لَعَلَّهُ) فيِ زيادة كرمه عَلَى كُلِّ كريم، أنعم عَلَى عباده بأن أخرجهم إِلىَ الوجود مِنَ العدم، وأفاض عَلَيْهِم مَا لاَ يدخل تحت الحصر مِنَ النعم، ويَحلم عَنْهُم فيِ ركوبهم المناهي واطِّراحهم الأوامر، وَلاَ يُعاجلهم بالنقم، مِمَّا (لَعَلَّهُ) ليس لكرمه نهاية، {عَلَّم بالقلم (4)} أي: الخطَّ بالقلم، وقُرِئَ بِهِ، لتقيَّد بِهِ العلوم، ويُعْلم بِهِ البعيد.
{عَلَّم الإِنسَانَ مَا لم يَعلَم (5)} فخلق القوى، ونصَب الدلائل، وأنزل الآيات فيعلِّمك القراءة وإن لم تكن قارئا، [وقد عدَّد] (2) سبحانه مبتدأ أمر الإِنسَان ومنتهاه إظهارًا لِمَا أنعم عليه، مِن أن نقَله مِن أخسِّ المراتب إِلىَ أعلاها، تقريرا لربوبيَّته وتحقيقا لإكرامه، وأشار أَوَّلاً إِلىَ مَا يدلُّ عَلَى معرفته عقلا، ثُمَّ نبَّه عَلَى ما يدلُّ سمعا.
{__________
(1) - ... فيِ العبارة خلل، وَفيِ تفسير البيضاويِّ: «الذِي خَلَقَ كُلَّ شيء ثُمَّ أفرد مَا هُوَ أشرف وأظهر صنعا ... فقال». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص260.
(2) - ... في الأصل بياض قدر كلمة، وأضفناها من البيضاويِّ: المصدر نفسه. (4/397)
صفحة 1560
كلاَّ} ردع لِمَن كفر بنعمة الله بطغيانه، فقال: {إنَّ الإِنسَان لَيَطغَى (6)} (لَعَلَّهُ) لَيجاوز حدَّه بالاستكبار عَلَى ربِّه، {أنْ رَآه استغنى (7)} أي: لأن رأى نفسه مستغنية عَن ربِّه بأمواله وعشيرته وقوَّته وَقُوَّة غريزته. وعن (لَعَلَّهُ) بعض: «إِذَا أصاب مالا زاد فيِ مراكبه وثيابه، وطعامه وشرابه وهمِّه، وأشغاله وجمعه، واشتغاله بِسُمِّ المال عَن ترياقه، فذلك طغيانه». {إنَّ إِلىَ رَبِّكَ الرُّجعى (8)} إِلَيْهِ مرجع الأمور كلِّها، واقع عَلَى طريقة الالتفات إِلىَ الإِنسَان تحذيرا لَهُ مِن عاقبة الطغيان.
{أَرَأَيْتَ الذِي يَنهى (9) عبدا إِذَا صَلَّى (10)}؟ قيل: نزلت فيِ أبي جهل، قَالَ: لو رأيت محمَّدًا ساجدا لوطئت عنقه، فجاءه، ثُمَّ نكص عَلَى عقبيه، فقيل لَهُ: ما لك؟ فقال: «إنَّ بيني وبينه لَخندقا مِن نار، وهولا وأجنحة»؛ فنزلت.
{ (4/398)
صفحة 1561
أَرَأَيْتَ إن كَانَ عَلَى الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أَرَأَيْتَ إنْ كذَّب وتَولَّى (13)}؟ عَن الإيمان، {ألم يَعلَم} أي: الناهي {بأنَّ اللهَ يَرى (14)}؟ فيجازيه عَلَى ذَلِكَ؛ وَالمَعْنَى: أخبرني [عمَّن] ينهى بعض عباد الله عَن صلاته إن كَانَ ذَلِكَ الناهي عَلَى هدى فبما ينهى عَنْهُ، أو أمر بتقوى فيما يَأْمُرُ بِهِ، مِن عبادة الأوثان كما يعتقده، أو إن كَانَ عَلَى التكذيب لِلْحَقِّ، والتولِّي عَن الصواب، كما يقول: {ألم يعلم بأنَّ الله يرَى} ويطَّلع عَلَى أحواله، مِن هُداه وضلاله؛ وقيل: المعنى: أرأيت الذِي ينهى عبدا يصلِّي؟ والمنهيُّ عَن الهدى آمر بالتقوى، والناهي مُكذِّب مُتولٍّ [668] فما أعجب مِن ذا؛ وقيل: الخطاب فيِ الثانية مَعَ الكافر، فَإِنَّهُ تعالى كالحاكم الذِي حضره الخصمان، فخاطب هَذَا مرَّة، والآخر أُخْرَى، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يا كافر، أخبرني إن كَانَ صلاته هدى، ودعاؤه إِلىَ الله أمرًا بالتقوى أتنهاه؟؛ ولعلَّة ذَكر الأمر بالتقوى فيِ التعجُّب والتوبيخ، ولم يتعرَّض لَهُ فيِ النهي، لأَنَّ النهي كَانَ عَن الصلاة والأمر بالتقوى، فاختصر عَلَى ذكر الصلاة لأَنَّهُ دعوى دعوة (1) بالفعل؛ أو لأَنَّ نهي العبد إِذَا صلَّى يحتمل أن يكون لها ولغيرها، وعامَّةُ أحوالها محصورة فيِ تكميل نفسه بالعبادة.
{كَلاَّ} ردع للناهي، {لئن لَّمْ يَنتَهِ} عَمَّا هُوَ فِيهِ {لَنَسْفَعًا بالناصيةِ (15)} لنأخذنَّه بناصيته، ولنسحبنَّه بها إِلىَ النار؛ والسفع: القبض عَلَى الشيء وجذبه بشدَّة، {ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئةٍ (16)}.
{__________
(1) - ... الصواب: - «دعوى»، كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص261. (4/399)
صفحة 1562
فليدعُ نادِيَهُ (17)} أي: أهلَ ناديه ليعِينوه، وَهُوَ المجلس الذِي ينتدي فِيهِ القوم. يُروى أنَّ أبا جهل مرَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أَتهدِّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا»؟ فنزلت (1). {سندعُ الزبانيةَ (18)} زبانية نار جَهَنَّم ليجرُّوه إِلىَ النار.
{كَلاَّ} ردع أَيْضًا للناهي، {لاَ تُطِعْهُ} أي: اثبت أَنتَ عَلَى طاعتك، {واسجدْ} ودُم عَلَى سجودك، {واقتربْ (19)} وتقرَّب إِلىَ رَبِّكَ.
سورة القدر
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا أنزلناه فيِ ليلةِ القَدْرِ (1)} الضمير للقرآن؛ قيل: أنزل الله القرآن جملة وَاحِدَة فيِ ليلة القدر مِنَ اللوح المحفوظ إِلىَ السَّمَاء، ثُمَّ كَانَ يُنزله جبرائيل عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجوما فيِ ثلاث وعشرين سنة عَلَى مَا قيل، وَاللهُ أعلم.
{وَمَا أَدرَاكَ مَا ليلةُ القدرِ (2)}؟ يَعنِي: ولم تبلغ درايتك عَلَى قدرها؛ ثُمَّ بيَّن ذَلِكَ فقال:
{__________
(1) - ... روى الترمذيُّ: فيِ كتاب تفسير القرآن: حديث رقم 3272، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي، فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَزَبَرَهُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرُ مِنِّي فَأَنْزَلَ اللهُ: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ}، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَاللهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللهِ. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - 0 ورواه أحمد: مسند بني هاشم: 2207، 2887. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «فليدع ناديه». (4/400)
صفحة 1563
ليلةُ القدرِ خيرٌ مِّن ألفِ شهر (3)} أي: قيامها والعمل فِيهَا خير مِن قيام ألف شهر ليس فِيهِ ليلة القدر؛ كذا يوجد فيِ جوامع الجامع (1). وتسميَّتها بذلك لشرفها، أو لتقدير الأمور فِيهَا، لقوله: {فِيهَا يُفرَق كُلُّ أمر حكيم} (2). والفائدة فيِ إخفاء هَذِهِ الليلة أن يجتهد النَّاس فيِ العبادة، ويحيوا الليالي الكثيرة طمعا فيِ إدرَاك فضلها، كما أخفى الصَّلاَة الوسطى فيِ الصلوات الخمس.
{تَنَزَّلُ المَلاَئِكَة والروحُ فِيهَا بإذن رَبِّهِم} بيان لِمَا لَهُ فُضِّلت عَلَى ألف شهر، {مِن كُلِّ أمر (4)} مِن أجل كُلِّ أمر قُدِّر فيِ تلك السنة.
{سلام هِيَ} أي: مَا هِيَ إِلاَّ سلامة لأولياء الله؛ وَالمَعْنَى: لاَ يُقدِّر الله فِيهَا إِلاَّ السلامة والخير، ويقضي فيِ غيرها البلاء والسلامة عَلَى مَا قيل؛ أو ماهي إِلاَّ سلامٌ لكثرة سلامهم عَلَى أولياء الله وأهل طاعته، {حتَّى مطلع الفجر (5)} أي: وقت طلوعه.
سورة البينة
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... تأليف أمين الدين أبي عليٍّ الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسيِّ، المُتَوَفَّى سنة 548هـ / 1153م. الدكتور علي شواخ إسحاق: معجم مصنَّفات القرآن الكريم، منشورات دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع، الطبعة الأولى، 1404هـ / 1984م، ج3/ ص55 - 56، رقم 1447.
(2) - ... سورة الدخان: 4. (4/401)
صفحة 1564
لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا مِن أهلِ الكتاب والمشركين مُنفكِّينَ} (1) عَمَّا كَانُوا عليه [669] مِن دينهم.
{حَتَّى تأتيَهم الْبَيِّنَةُ (1)} الرسول، أو القرآن فَإِنَّهُ مبيِّن لِلْحَقِّ، أو معجزة الرسول بأحلامه (2)، والقرآن بإفحامه، {رسولٌ مِّنَ الله} بدل مِنَ «البَيِّنَة» بنفسه (3)، {يتلُو صُحفا مُّطَهَّرةً (2)} والرسول وإن كَانَ أمِّيًّا لكنَّه لَمَّا تَلى مثل مَا فيِ الصحف كَانَ كالتالي لها؛ وكَون الصحف مطهَّرة: أنَّ الباطل لاَ يأتي فِيهَا، وَأَنَّهَا لاَ يمسُّها إِلاَّ المطهَّرون، {فِيهَا كتبٌ قيِّمة (3)} مكتوبات مستقيمةً ناطقة بِالْحَقِّ.
{وَمَا تفرَّق الذِينَ أُوتُوا الكتاب} عَمَّا كَانُوا عليه، {إِلاَّ مِن بعد مَا جاءتهم الْبَيِّنَة (4)} إِلاَّ من بعدما قامت عَلَيْهِمُ الحُجَّة، {وَمَا أُمِروا} أي: فيِ كتبهم بِمَا فِيهَا، {إِلاَّ ليعبدوا اللهَ مُخلصين لَهُ الدِّينَ} لاَ يشركون بِهِ شَيْئًا، {حُنَفَاء} مائلين عَن العقائد الزائغة، {ويقيموا الصَّلاَة ويؤتوا الزَّكَاةَ} وَلَكِنَّهُمْ حرَّفوا وعصوا، {وذلك دينُ القيِّمة (5)} دين الملَّة القيِّمة.
{__________
(1) - ... فيِ الحاشية عبارة لم يحِلْ إِلَيْهَا الناسخ من المتن، جاء فيها: «وسألته عَن قوله: {لم يكن الذِينَ كَفَرُوا} أهو نفي؟ قَالَ: نعم، هكذا عندي؛ قَالَ لَهُ: {منفكِّين} مَا عنى بذلك؟ قَالَ: الذِي يقع لي أنَّ الانفكاك مِنَ الشيء: خروجه؛ قلت: فيخرج أَنَّهُ لم يكن الذِينَ كَفَرُوا مِن أهل الكتاب والمشركين خارجين مِنَ الإسلام، وَلاَ يلحقهم معنى اسم الشرك والضلال إِلاَّ بحجَّة تنزل عَلَيْهِم (لعلَّه) فيردُّونها، قَالَ: هكذا يقع لي. قيَّدته على المعنى».
(2) - ... فيِ تفسير البيضاويِّ: «بأخلاقه»، ويبدو أَنَّهُ الصواب. ج4/ ص262.
(3) - ... فيِ تفسير البيضاويِّ: «بنفسه أو بتقدير مضاف». المصدر نفسه. (4/402)
صفحة 1565
إنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِن أهلِ الكتاب والمشركين فيِ نار جَهَنَّم خالدين فِيهَا} أي: يوم القيامة؛ أو فيِ الحال لِملابستهم مَا يوجب ذَلِكَ؛ واشتراك الفريقين فيِ جنس العذاب لاَ يوجب اشتراكهمَا فيِ نوعه، فلعلَّه يختلف لتفاوت كفرهما، {أُولَئِكَ هم شَرُّ البريَّة (6)} أي: الخليقة، وقرئ بالهمز عَلَى الأصل.
{إنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خيرُ البريَّة (7)} (لَعَلَّهُ) حَتَّى قيل: إِنَّهُمْ أفضل مِنَ المَلاَئِكَة لعموم اللفظ؛ وقيل: إنَّ المَلاَئِكَة أفضل (لَعَلَّهُ) مِنَ المؤمنين، {جزاؤهم عند رَبِّهِم جَنَّات عدنٍ تجري مِن تحتها الأنهار خالدين فِيهَا أبَدا رضيَ الله عَنْهُم ورضوا عَنْهُ} (لَعَلَّهُ) وثواب رضاك عَنْهُ رضاه عنك؛ {ذَلِكَ} المذكور مِنَ الجزاء والرضوان. (لَعَلَّهُ) قَالَ السريُّ: «إِذَا كنت لاَ ترضى عَن الله، فكيف تسأله الرضى عنك؟». {لِمن خَشِيَ ربَّه (8)} (لَعَلَّهُ) عَن أن يعصيه، فإنَّ الخشية ملاك الأمر والباعث عَلَى كُلِّ خير.
سورة الزلزلة
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا زُلزلت الأَرْض زِلزالها (1)} اضطرابها المقدَّر لها عند النفخة الأولى أو الثانية، أو الممكن لها واللائق لها فيِ الحكمة، {وأَخرَجَت الأَرْض أثقالها (2)} مَا فِيهَا مِنَ الأموات، {وقال الإِنسَان: مَا لها (3)}؟ لِما بهره مِنَ الأمر الفظيع؛ وقيل المراد بالإِنسَان: الكافر؛ فإنَّ المؤمن يعلم مَا لَها.
{يَومَئِذٍ تُحدِّث} الخلق بلسان الحال {أخبارَها (4)} مَا لأجله زلزالها وإخراجها، {بأنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لها (5)} أي: تُحدِّث بسبب إيحاء رَبِّكَ لها، بأن أحدث فِيهَا مَا دلَّت عليه عَلَى الإخبار.
{ (4/403)
صفحة 1566
يَومَئِذٍ يَصدُر الناس} مِن مخارجهم، مِنَ القبور إِلىَ الموقف {أشتاتا} متفرِّقين بحسب مراتبهم، {لِيُرَوا أعمالهم (6)} جزاء أعمالهم، {فَمَن يعمل مِثقال ذرَّة خيرا يَرهُ (7) وَمَنْ يعمل مثقالَ ذَرَّةٍ شرًّا يَره (8)} وذَلِكَ أنَّ سَيِّئَات المؤمن [670] مغَفُورة، فلم يبق له إِلاَّ جزاء الخير، وأعمال الكافر محبوطة فلم يبق له إِلاَّ جزاء معاصيه.
سورة العاديات
بسم الله الرحمن الرحيم
{والعَادِيَات ضَبحا (1)} قيل: أقسم الله بخيل الغزاة تعدو فتضبح ضبحا، وَهُوَ صوت أنفاسها عند العَدْو، {فالْمُوريات قَدحا (2)} التِي توري النار، {فالمغيرات} تغير بأهلها عَلَى العدوِّ، {صبحا (3)} أي: فيِ وقته، {فأَثَرن} هيَّجن بذَلِكَ الوقت {بِهِ نقعا (4)} غبارا أو صياحا، {فوَسَطْنَ بِهِ} فتوسَّطن بذَلِكَ العَدْو، [أو] الوقت، أو بالعدو، أو بالنقع، أو ملتبسات بِهِ، {جمعا (5)} مِن جموع الأعداء.
روي أَنَّهُ - عليه السلام -: بعث خيلا فمضت شهرا لم يأته مِنْهُم خبر، فنزلت؛ وتحتمل أن يكون القَسَم بالنفوس العادية إثر كمالهنَّ، الموريات بأفكارهنَّ أنوار المعارف، والمغيرات عَلَى الهوى، والعاديات إِذَا ظهر لهنَّ مثل أنوار القدس؛ فأثرن بِهِ شوقا، فوسطن بِهِ جَمعًا مِن جموع العلِّيِّين.
{إنَّ الإِنسَان لِربِّه لَكنُودٌ (6)} لكفور؛ مِن كَنَد النعمة كنودا، {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ} وإنَّ الإِنسَان عَلَى كُنوده {لشهيد (7)} يشهد عَلَى (لَعَلَّهُ) نفسه لظهور أثره عليه؛ أو أنَّ الله عَلَى كنوده لشهيد، فيكون وعيدا.
{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير} المال {لشديد (8)} لبخيل، أو لقويٌّ مبالغ فِيهِ، (لَعَلَّهُ) وَهُوَ مِن أذمِّ صفاته، لأَنَّهُ يبعد عَن حبِّ الله وطاعته، بدليل قوله:
{ (4/404)
صفحة 1567
أفلاَ يعلم إِذَا بُعثر} بعث {مَا فيِ القبور (9)} مِنَ الموتى، {وحُصِّل مَا فيِ الصدور (10)} مِن خير وشرٍّ، وتخصيصه، لأَنَّهُ الأصل، {إنَّ رَبَّهَم بهم يَومَئِذٍ} وَهُوَ يوم القيامة {لَخَبيرٌ (11)} عالم بِمَا أعلنوا وَمَا أسرُّوا فيجازيهم.
سورة القارعة
بسم الله الرحمن الرحيم
{القَارعة (1)} (لَعَلَّهُ) اسم مِن أسماء القيامة، لأَنَّهَا تَقرع القلوب بالفزع، {مَا القَارعة (2)} تهويل عظيم لها، {وَمَا أَدرَاكَ مَا القارعة (3)}؟ سبق بيانه فيِ الحاقَّة (1)، {يومَ يكونُ النَّاس كالفراشِ الْمَبثُوث (4)} فيِ كثرتهم وانتشارهم واضطرابهم، {وتكون الجبالُ كالعِهن المنفُوش (5)} كالصوف ذي الألوان، المندوف لتفرُّق أجزائها.
{فَأَمَّا مَن ثَقُلت موازينه (6)} أي: صارت حسناته مثبتة، وسيِّئاته مُمحاة، {فهو فيِ عيشة راضية (7)} ذات رضى أو مرضية.
{وأَمَّا مَن خفَّت مَوازينه (8)} صارت حسناته محبوطة، وسيِّئاته مثبتة، {فأُمُّه هاوية (9)} فمأواه النار، والهاوية مِن أسمائها، والساعي لها هاوٍ، كما أنَّ الساعي للخير مرتقٍ (2)، {وَمَا أَدرَاكَ مَا هيه (10) نارٌ حامية (11)} ذات حمى.
سورة التكاثر
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... انظر: ج4/ ص 304. من هَذَا التفسير.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «والساعي لها هاوي، كما أنَّ الساعي للخير مرتقِي». (4/405)
صفحة 1568
أَلْهَاكُمُ التَّكاثر (1)} شغلكم (لَعَلَّهُ) عَن عبادة الله، وأصله الصرف إِلىَ اللهو (1)، منقول مِن لَها إِذَا غفل، لقوله: {لاَ تُلهيهم تجارةٌ ... } الآية (2)، والتكاثر: التباهي بالكثرة مَعَ الأقران، {حَتَّى زُرْتُمُ المقابر (2)} معناه: ألهاكم التكاثر بالأموال [671] والأولاد، إِلىَ أن مِتُّم وصرتم مضيِّعين أعماركم فيِ طلب الدُّنْيَا عَمَّا هُوَ أهمُّ لكم، وَهُوَ السعي لأخراكم، فيكون زيارة القبور عبارة عَن الموت.
{كَلاَّ} ردع وتنبيه عَلَى أنَّ العاقل ينبغي أن لاَ يكون جميع همِّه ومعظم سعيه للدنيا، فإنَّ عاقبة ذَلِكَ وبالٌ وحسرة، {سوف تَعْلَمُونَ (3)} خطأ رأيكم إِذَا عاينتم مَا وراءكم؛ وَهُوَ إنذار ليخافوا وينتبهوا مِن غفلتهم، {ثُمَّ كَلاَّ سوف تَعْلَمُونَ (4)} تكرير للتأكيد، وفي «ثُمَّ» دلالة عَلَى أنَّ الثاني أبلغ مِنَ الأَوَّل عند الموت؛ أو الثاني عند النشور.
{كَلاَّ لو تَعْلَمُونَ عِلم اليقِينِ (5)} أي: لو تَعْلَمُونَ مَا بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعِلمكم مَا تستيقنونه لشغلكم ذَلِكَ عَن غيره، أو لفعلتم مَا لاَ يوصف وَلاَ يكتنه، (لَعَلَّهُ) ولكنَّكم ضُلاَّل، فحذف الجواب للتفخيم، وَلاَ يجوز أن يكون قوله: {لَتَرَوُنَّ الجحيمَ (6)} جوابا، لأَنَّهُ محقَّق الوقوع، بَل هُوَ جواب قَسمٍ محذوف، أكَّد بِهِ الوعيد، وأوضح بِهِ مَا أنذرهم مِنْهُ بعد إبهامه تفخيما.
{ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَين اليقِينِ (7)} أي: الرؤية التِي [هي] نفس اليقين، فإنَّ عِلم المشاهدة أعلى مراتب اليقين؛ (لَعَلَّهُ) والجحيم: النار الشديدة التأجُّج (3)، وكلُّ بعضها فوق بعض.
{__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «اللهوى»، ولا مَعْنَى له.
(2) - ... سورة النور: 37؛ وتمامها: {رجال لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاةِ، يخافون يوما تتقلَّب فيه القلوب والأبصار ... }.
(3) - ... في الأصل: «التايح»، وهو خطأ. (4/406)
صفحة 1569
ثُمَّ لَتُسألُنَّ يَومَئِذٍ عَن النعيم (8)} عَن التنعُّم الذِي شغلكم الالتذاذ بِهِ عَن أمر دينكم؛ أو تسألون عَن النعيم الذِي خُلق لأجلكم، لتستعينوا (لَعَلَّهُ) بِهِ عَلَى أمر مَعادكم، ففيما استعملتموه؟.
سورة العصر
بسم الله الرحمن الرحيم
{والعَصرِ (1)} قيل: أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها؛ أو بعصر النبوَّة؛ أو بالدهر لاشتماله عَلَى الأعاجيب، لأَنَّ فِيهِ عبرة لأولي الأبصار؛ وقيل: وربِّ العصر، وكذَلِكَ فيِ أمثاله.
{إنَّ الإِنسَان لفي خُسر (2)} إنَّ النَّاس لفي خسران فيِ مساعيهم وصرف أعمارهم [في مطالبهم] (1)؛ والتعريفُ: للجنس؛ والتنكيرُ: للتعظيم.
{إِلاَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} فَإِنَّهُمْ اشتروا الآخِرَة بالدُّنْيَا، ففازوا بالحياة الأبديَّة، والسعادة السرمديَّة.
{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} بالثبات الذِي لاَ يصحُّ إنكاره مِن اعتقاد أو عمل، {وَتَوَاصَوْا بالصبر (3)} عَن المعاصي، أو عَلَى الحَقِّ، أو مَا يبلوا الله بِهِ عباده.
سورة الهمزة
بسم الله الرحمن الرحيم
{ويلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزة (1)} (لَعَلَّهُ) قيل: هُمُ المشَّاؤون بالنميمة؛ وقيل: الهمز فيِ الغيب، (لَعَلَّهُ) واللمز فيِ الوجه؛ وقيل: الهمَّاز: النمَّا [مُ]؛ واللاَّمز: المغتاب، {الذِي جَمَعَ مالاً وعدَّده (2)} وجعله عدَّة للنوازل؛ أو عدَّه مرَّة بعد أُخْرَى تلهِّيا بِهِ، {يحسَب أنَّ مَالَهُ أخلدَه (3)} تركه خالدا فيِ الدُّنْيَا، فأحبَّه كما يحِبُّ الخلود؛ أو حبُّ المال أغفله عَن الموت؛ أو طول أمله، حَتَّى حسب أَنَّهُ مخلَّد فعمل عمل مَن لاَ يظنُّ الموت؛ وفيه تعريض بأنَّ المخلِّد هُوَ [672] السعي للآخرة.
{__________
(1) - ... إضافة من البيضاويِّ: ج4/ ص264. ليتمَّ المَعْنَى. (4/407)
صفحة 1570
كَلاَّ} ردع لَهُ عَن حسبانه، أي: لاَ يخلده ماله، {لَيُنبَذنَّ} ليُطرحنَّ {فيِ الْحُطَمة (4)} فيِ النار التِي مِن شأنها أن تحطم كُلَّ مَا يطرح فِيهَا. {وَمَا أَدرَاكَ مَا الْحُطَمة (5)}؟ مَا النار التِي لها هَذِهِ الخاصِّيَّة، {نارُ الله} تفسير لها، {الْمُوقدة (6)} التِي أوقدها الله، وَمَا أوقده لم يقدِر أن يُطفئه غيره، {التِي تطَّلِع عَلَى الأفئدة (7)} تعلو أوساط القلوب وتشتمل عليها؛ وتخصيصها بالذكر، لأَنَّ الفؤاد ألطف مَا فيِ البدن وأشدُّه تألُّما، أو لأَنَّهُ محلُّ العقائد، ومنشأ الأعمال، بِهِ يثبت الثواب والعقاب.
{إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤصَدةٌ (8)} مطبقة؛ مِن أوصدتُ الباب إِذَا أطبقته، {فيِ عَمَدٍ مُّمَدَّدةٍ (9)} أي: مُوثَّقين فيِ عمد، مثل المقاطر التِي تقطر فِيهَا اللصوص.
سورة الفيل
بسم الله الرحمن الرحيم
{ألم تَر كَيفَ فَعل رَبُّكَ بأصحابِ الفيل (1)}؟ الخطاب للرسول، وَهُوَ وإن لم يشهد تلك الواقعة لكن شاهد آثارها، وسمِعَ بالتواتر أخبارها، فكأنَّه رآها؛ وَإِنَّمَا قَالَ: «كَيْفَ»، ولم يقل: «مَا»، لأَنَّ المراد: تذكير مَا فِيهَا مِن وجوه الدلالة عَلَى كمال علم الله وقدرته.
{ألَم يَجعل كَيدَهم فيِ تَضلِيل (2)} فيِ تضييع وإبطال؛ وقيل: فيِ تضليل عَن مَا أرادوا.
{وأرسلَ عَلَيْهِم طَيرا أبَابيلَ (3)} قيل: كثيرا متفرِّقة يتبع بعضها بعضا، {تَرمِيهِم بِحِجارة مِّن سِجِّيل (4) فجعلهم كعصفٍ مأكول (5)} قيل: كورق الزرع، وقع فِيهِ الأكال، وَهُوَ أن يأكله الدود؛ أو أُكل حَبُّه، فبقي صِفرا [منه]؛ أو كَتِبن أكلته الدوابُّ وَرَاثته؛ فصاروا أشباحا بلا أرواح، وَهُم فيِ الحياة كذَلِكَ فيِ الحقيقة.
سورة قريش
بسم الله الرحمن الرحيم
{ (4/408)
صفحة 1571
لإيلاَف قُريشٍ (1) إيلاَفِهِم رحلةَ الشتاء والصيف (2) فليعبدوا ربَّ هَذَا البيت (3) الذِي أطعمهم مِّن جوعٍ، وآمنهم مِّن خوفٍ (4)} قيل: كَانَت لقريش رحلتان للميرة، (لَعَلَّهُ) مِنَ الشام رحلة فيِ الشتاء، ورحلة فيِ الصيف (1)، وكانوا يتآلفون ويدفنون (2) مَا بَيْنَهُم مِنَ الأحقاد والضغائن، لأجل حاجتهم للميرة؛ فأمرهم تعالى أن يتآلفوا عَلَى عبادته ولزوم طاعته، كما يأتلفون للرحلة.
سورة الماعون
بسم الله الرحمن الرحيم
{أَرَأَيت الذِي يُكذِّب بالدِّينِ (1)}؟ بالجزاء، {فذَلِكَ الذِي يدُعُّ اليتيمَ (2)} يدفعه عن حقِّه وصلته دفعًا عنيفا، {وَلاَ يَحُضُّ} غيره {عَلَى طعام المسكِينِ (3)} لعدم اعتقاده بالجزاء.
{فَوَيلٌ لِّلمُصلِّينَ (4) الذِينَ هم عَن صلاتهم ساهُونَ (5)} غافلون غير مُبالين بها، {الذِينَ هُم يُراءُونَ (6)} يراءون النَّاس بأعمالهم ليُروهُم الثناء عَلَيْهِم، {ويَمنعُون الماعُونَ (7)} اللازم مِن أموالهم؛ وَالمَعْنَى: إِذَا كَانَ عدم المبالاة باليتيم مِن ضعف الدين والموجب للذمِّ والتوبيخ، فالسهو عَن الصَّلاَة التِي [673] هِيَ عماد الدين، والرياء الذِي هُوَ شعبة مِنَ الكفر، ومنع الزَّكَاة التِي هِيَ قنطرة الإسلام أحقُّ بذَلِكَ، ولذَلِكَ رَتَّب عليها الويل؛ أو للتَّنبيه (3) عَلَى معنى: فويلٌ لَهُم؛ وَإِنَّمَا وضع المصلِّين مَعَ الضمير للدلالة عَلَى معاملتهم مَعَ الخالق والخلق، لأَنَّهُ إِذَا استقامت أحوالهم مَعَ الخالق، استقامت مَعَ الخلق، فإن فسدت مَعَ الخالق كَانَت مَعَ الخلق أفسد.
__________
(1) - ... الصواب: «رحلة فيِ الشتاء إِلىَ اليمن، ورحلة فيِ الصيف إِلىَ الشام».
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «يتآلفوا ويدفنوا»، وَهُوَ خطأ إذ لا موجب لحذف النون، ونلاحظ تكرار مثل هَذَا الخطإ.
(3) - ... فيِ تفسير البيضاويِّ: «للسببيَّة»، وَهُوَ أصوب. ج4/ ص266. (4/409)
صفحة 1572
وَمِن تفسير جامع الجوامع: «أي: هل عرفتَ الذِي يكذِّب بالجزاء والحساب، وينكر البعث مَن هُوَ؟ إن لم تعرفه {فذَلِكَ الذِي} يُكذِّب بالجزاء وَهُوَ {يدعُّ اليتيم}، أي: يدفعه دفعا عنيفا، بجفوة وغلظة، ويردُّه ردًّا قبيحا بزجر وخشونة، {وَلاَ يَحضُّ} وَلاَ يبعث أهله {عَلَى} بذل {طعام المسكين}، فلا يُطعمه وَلاَ يأمر بإطعامه. جعل الله سبحانه عَلَم التكذيب بالجزاء منع المعروف، والإقدام عَلَى إيذاء الضعيف؛ يَعنِي: أَنَّهُ لو آمن بالجزاء وأيقن بالحسنات ورجا الثواب، وخاف العقاب، لَمَا قَدِم عَلَى ذَلِكَ، علم أَنَّهُ مكذِّب. فما أشدَّ هَذَا مِن كلام، وَمَا أخوفه مِن مقام، وَمَا أبلغه فيِ التحذير مِن ارتكاب المعاصي والآثام؛ وإنَّها جديرة بأن يستدلَّ بها عَلَى ضُعف الإيمان؛ ثُمَّ وصل بِهِ قوله: {فويلٌ لِّلمصلِّين} كأنَّه قَالَ: فإِذَا كَانَ الأمر كذَلِكَ، فويل للمصلِّين الذِينَ يسهون عَن الصلاة قِلَّةَ مبالاة بها حَتَّى تفوتهم أو يخرج وقتها؛ أو يستخفُّون بأفعالها، فلا يُصلُّونها كما أمروا فيِ تأدية أركانها، والقيام بحقوقها وحدودها؛ لكن ينقرونها نَقر الغراب مِن غير خشوع وإخبات، واجتناب المكروهات مِنَ العبث بالشعر والتثاؤب والتمطِّي والالتفات، الذِينَ عادتهم الرياء والسمعة بأعمالهم، وَلاَ يقصدون بها الإخلاص والتقرُّب إِلىَ الله تعالى عَلَى وجه الاختصاص، ويمنعون حقوق الله تعالى فيِ أموالهم؛ وَالمَعْنَى: إِنَّ هؤلاء هُمُ الأحِقَّاء بأن يكونوا ساهين عَن الصلاة التِي هِيَ عماد الدين، والفرق بين الإيمان والكفر؛ وملتبسين بالرياء الذِي هُوَ شعبة مِنَ الشرك، ومانعين للزكاة التِي هِيَ قنطرة الإِسلاَم، وتكون صفاتهم هَذِهِ عَلَمًا عَلَى أَنَّهُمْ مكذِّبون بالدين، مفارقون لليقين. (4/410)
صفحة 1573
وعن أنس: «الحمد لله عَلَى أن لم يقل: فيِ صلاتهم». والمراءاة: مفاعلة مِنَ الإراءة، لأَنَّ المرائي يُري النَّاس عَملَه، وَهُم يُرُونَه الثناء عليه والإعجاب بِهِ، وَلاَ يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كَانَ فريضة، فمن حقِّ الفرائض الإعلانُ بها وتشهيرُها، لقوله - عليه السلام -: «وَلاَ غمة فيِ فرائض الله» (1) لأَنَّهَا [674] شعائر الدين وأعلام الإِسلاَم؛ وقوله - عليه السلام -: «مَن صلَّى الصلوات الخمس جماعة، فظُنُّوا بِهِ كُلَّ خير» (2)؛ وقوله - عليه السلام - لأقوام لم يحضروا الجماعة: «لَتحضرنَّ المسجد أو لأحرقنَّ عَلَيْكُم منازلكم» (3)؛
__________
(1) - ... قال مصحِّح الكشَّاف: «هو طرف من حديث وائل بن حجر فيِ كتاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - إِلىَ الأقيال، وفيه: "ولا يوصم فيِ الدين، ولا غمة فيِ فرائض الله" وقال: الغمَّة: السترة، أي لا تستر فيِ فرائض الله بل ظاهر بها». الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 282.
(2) - ... لم نعثر عَلَيْهِ فيما بين أيدينا من مصادر الحديث.
(3) - ... لم نعثر عليه بهذا اللفظ فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. وقد روى الربيع حديثا بمعناه عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ بِهَا، ثمَّ آمُرَ رَجُلاً يَؤُمُّ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلىَ رِجَالٍ فَأُحرقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ. وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ». باب [28] فيِ أوقات الصلاة، حديث 182. وروى ابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات: 787، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ عَنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَوْ لأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ» .. وروى نحوه أحمد: باقي مسند المكثرين، رقم 7575، 7908. العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «لأحرقن». (4/411)
صفحة 1574
ولأنَّ تاركها يستحقُّ الذمَّ والتوبيخ، فوجبت إماطة التهمة بالإظهار. وإن كَانَ تطوُّعا فالأولى فِيهِ الإخفاء، لأَنَّهُ مِمَّا لاَ يُلام بتركه، وَلاَ تهمة فِيهِ، فيكون أبعد مِنَ الرياء؛ فإن أظهره قاصدا للاقتداء بِهِ كَانَ حسنا؛ فَإِنَّمَا الرياء أن يقصد بإظهاره أن يراه النَّاس فيثنوا عليه بالصلاح؛ عَلَى أنَّ اجتناب الرياء أمر صعب إِلاَّ عَلَى المخلصين، ولذَلِكَ قَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرياء أخفى مِن دبيب النملة السوداء فيِ الليلة المظلمة عَلَى المسح الأسود» (1).
واختُلف فيِ «الماعون»، فقيل: الزَّكَاة؛ وقيل: هُوَ مَا يتعاون النَّاس بَيْنَهُم، مِنَ الدلو والفأس والقِدر، وَمَا لاَ يُمنع كالماء والملح». انتهى الذِي مِن كِتَاب "جامع الجوامع".
سورة الكوثر
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... لم نعثر عليه بهذا اللفظ فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. وورد عند أحمد، في مسند الكوفيِّين، رقم 18781: عن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ: وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولُوا اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَن نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ نَعْلَمُ». العالميَّة: موسوعة الحديث، مَادَّة البحث: «دبيب النمل». (4/412)
صفحة 1575
إِنَّا أعطيناك الكَوْثَرَ (1)} الكوثر، "فَوعَل"، مِنَ الكثرة، وَهُوَ الخير المفرط فيِ الكثرة، مِنَ العلم والعمل، وشرف الدارين. وقيل: عَن ابن عَبَّاس أَنَّهُ فسَّر «الكوثر»: بالخير الكثير، وقد أعطاه الله سبحانه ما لا غاية لكثرته مِن خير الدارين، {فصَلِّ لِرَبِّكَ} فَدُمْ عَلَى الصَّلاَة خالصا لوجه الله، خلاف الساهي عنها المرائي فِيهَا، شكرا لإنعامه؛ فإنَّ الصلاة جامعة لأقسام الشكر، {وَانْحَرْ (2)} البُدن التِي [هي] خيار أموال العرب، وتصدَّق عَلَى المحاويج، خلافا لِمَن يدُعُّهم ويمنع عَنْهُم الماعون؛ فالسورة كالمقابَلة للسورة المتقدِّمة، وقد فُسِّرت الصلاة: بصلاة العيد، والنحر بالضحيَّة.
{إنَّ شَانِئك} إنَّ مَن أبغضك لبُغضه لك (1)، {هُوَ الأبتر (3)} لاَ أَنتَ، والأبتر مِن خير الدارين؛ كما أنَّ الكوثر هُوَ خير الدارين. والوعد بخير الدارين يعمُّ كُلَّ مَن كَانَ عَلَى طريقته، والوعيد بانقطاع خيرهما يعمُّ كُلَّ مَن عاداه، فلا يُرجى مِنهُ وَلاَ فِيهِ وَلاَ لَهُ خير، بَل كلُّ شرٍّ محيط بِهِ.
فانظر فيِ نظم هَذِهِ السورة الأنيق، وترتيبه الرشيق، مَعَ قِصرها ووجازتها تبصرة، كَيفَ ضمَّنها الله النكت البديعة، حيث بنى الفعل فيِ أَوَّلها عَلَى المبتدإ، ليدلَّ عَلَى الخصوَصِيَّة؛ وجمَعَ ضمير المتكلِّم ليُؤذِن بكبريائه وعظمته؛ وصدَّر الجملة بحرف التأكيد الجاري مَجرى القَسم؛ وأتى بالكوثر محذوف الموصوف، ليكون أدلَّ عَلَى الشباع، والتناول عَلَى طريق الاتِّساع؛ وعقَّب ذَلِكَ بفاء التعقيب، ليكون القيام بالشكر الأوفر مسبّبا عَن الإنعام بالعطاء الأكبر.
__________
(1) - ... وَفيِ تفسير البيضاويِّ: «إنَّ مَن أبغضك لبُغضه الله»، ويبدو أَنَّهُ الصواب. انظر: ج4/ ص267. (4/413)
صفحة 1576
وقوله: {لرَبِّكَ} تعريض بدين مَن يعرض لَهُ بالقول المؤذي، مِن ابن وائل وأشباهه مِمَّا (1) كَانَت [675] عبادته ونحره لغير الله. واشاربها [كذا] بين العبادتين إِلىَ نوعي العبادات: البدنيَّة التِي الصَّلاَةُ إمامها، والماليَّة التِي نحرُ البدن سنامها؛ وحَذف اللام الأخرى إِذ دلَّت عليهما الأولى، ولمراعاة حقِّ التشييع الذِي هُوَ مِن جملة نظمه البديع؛ وإلى [الرسول - صلى الله عليه وسلم -] بكاف الخطاب عَلَى طريقة الالتفات، إظهارا لعلوِّ شأنه، وليعلم بذَلِكَ أنَّ مِن حقِّ العبادة أن يقصد بها وجه الله خالصا.
ثُمَّ قَالَ: {إنَّ شَانِئك} فَعلَّلَه (2) مَا أمره بِهِ مِنَ الإقبال عَلَى شأنه فيِ العبادة بذَلِكَ، عَلَى الاستئناف الذِي هُوَ جنس مِنَ التعليل رائع. وَإِنَّمَا ذكره بصفته لاَ باسمه، ليتناول كُلَّ من أتى بمثل حاله، وعَرَف الخير ليتمَّ بِهِ البَتر، وأفخم الفضل لبيان أَنَّهُ المعين لهذا النقص والعيب. وذَلِكَ كلُّه مَعَ علوِّ مطلعها وتمام مقطعها، وكونها مشحونة بالنكت (3) الجليلة، متكثِّرة بالمحاسن غير القليلة، مِمَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُ كلام رَبِّ الْعَالَمِينَ، الباهر لكلام المخلوقين؛ فسبحانه لو لم يُنزِّل إِلاَّ هَذِهِ السورة الوَاحِدَة الموجزة، لكفى بِهِ آية معجزة، لو همَّ الثقلان أن يأتوا بمثلها، لَشَابَ الغراب، وساب كالماء السراب قبل أن يأتوا بها.
سورة الكافرون
بسم الله الرحمن الرحيم
{قُل: يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لاَ أعبدُ مَا تَعبُدُونَ (2)} أي: فيما يستقبل، لأَنَّهُم يُشركون بالله، وَهُوَ مُوحِّدٌ لله تعالى.
{وَلاَ أَنتُم عابدون مَا أعبدُ (3) وَلاَ أنا عابدٌ مَا عبدتُّم (4)} أي: فيِ الحال؛ أو فيما سلف.
{__________
(1) - ... الصواب: «مِمَّن».
(2) - ... لَعَلَّ الصواب: «فعلَّل»، أو «فعلَّل له».
(3) - ... في الأصل: «بالنكتت». (4/414)
صفحة 1577
وَلاَ أَنتُم عابدون مَا أعبُد (5)} أي: وَمَا عبدتم فيِ وقت مَا أنا عابده؛ كأنَّه قَالَ: لاَ أعبد الباطل، وَلاَ تعتقدون الحقَّ.
{لكم دينُكم} لكم جزاء عملكم الذِي عملتموه، {وَلِيَ دِِينِ (6)} الذِي أنا عليه لاَ أرفضه وَلاَ أنثني عَنْهُ، ولي جزاء عملي.
سورة النصر
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا جَاءَ نصرُ الله} إظهاره إِيَّاكَ عَلَى أعدائك، {والفَتحُ (1)} وفتح مكَّة؛ وقيل: المراد: جنس نصر الله المؤمنين، وفتح مكَّة وسائر البلاد عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا عبَّر عَن الحصول بالمجيء تجوُّزا، للإشعار بِأَنَّ المقدورات متوجِّهة مِنَ الأزل إِلىَ أوقاتها المعيَّنة لها، فيقرب منها شَيْئًا فشَيْئًا، وقد قرب النصر مِن وقته لوروده مستعدًّا لشكره، {ورَأَيت النَّاس يدخلون فيِ دين الله أفواجا (2)} جماعات كثيفة.
{فسبِّح بحمد رَبِّكَ} فتعجَّب لتيسير الله مَا لم يخطر ببال أحد، حامدا لَهُ عليه؛ أو فَصلِّ لَهُ حامدا عَلَى نعمه؛ أو فنزِّهه عَمَّا كَانَت الظَّلَمة يقولون بِمَا لاَ يجوز عليه؛ حامدا لَهُ عَلَى أن صدَق وعده؛ أو فأثنِ عَلَى الله بصفات الجلال، حامدا لَهُ عَلَى صفات الإكرام، {واستغفره} هضما لنفسك، واستقصارا لعملك، [676] واستدراكا لِمَا فرط منك بالالتفات إِلىَ غيره، {إِنَّهُ كَانَ توَّابا (3)} لِمَن استغفر، (لَعَلَّهُ) لأنَّك قريب (1) لاحق بِهِ.
سورة المسد
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... لَعَلَّ الصواب: «قريبا». (4/415)
صفحة 1578
تَبَّت} هلكت، أو خسرت؛ والتَّباب: الخسران، {يدَا أبي لَهب} نفسه، كقوله: {وَلاَ تُلقوا بأيديكم ... } (1)؛ وقيل: إِنَّمَا خُصَّتا لأَنَّهُ - عليه السلام - لَمَّا نزل عليه: {وأنذر عشيرتَك الأقربين} (2) جمَعَ أقاربه فأنذرهم؛ فقال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا دعوتنا؟ وأخذ حجرا ليرميه بِهِ، فنزلت. وقيل: المراد بِهِ دنياه وأخراه، {وَتَبَّ (1)} إخبار بعد إخبار.
{مَا أغنى عَنْهُ مالُه} نفى إغناء المال عَنْهُ حين نزل بِهِ التباب، {وَمَا كَسَب (2)} وكسبه؛ أو مكسوبه مِمَّا لَهُ مِنَ النتائج والأرباح، والوجاهة والأتباع؛ أو عمله الذِي ظنَّ أَنَّهُ ينفعه، {سَيصلَى نارا ذاتَ لَهَبٍ (3)} اشتعالٍ، يريد نار جَهَنَّم (لَعَلَّهُ) تتلهَّب عَليه وتسعر بِهِ.
{وامرأته حمَّالة الحطب (4)} قيل المعنى: حطب جَهَنَّم، فإنَّها كَانَت تحمل الأوزار بمعاداة الرسول؛ أو النميمة، فإنَّها توقد نار الخصومة (3)؛ أو حزمة الشوك كَانَت تحملها، فتنثرها باللَّيل فيِ طريق رسول الله، (لَعَلَّهُ) قيل: إنَّهَا كَانَت كافرة.
{فيِ جيدها} (لَعَلَّهُ) عنقها {حبلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)} أي: مِمَّا مُسِد، أي: فتل؛ ومنه رجل ممسود الخلق، أي: مجدوله؛ وَهُوَ ترشيح للمجاز؛ أو تصوير لها بصورة الحطَّابة التِي تحمل الحزمة وتربطها فيِ جيدها، تحقيرًا لشأنها؛ أو بيانا لحالها فيِ نار جَهَنَّم، حيث يكون عَلَى ظهرها حزمة مِن حطب جهنَّم كالزقُّوم والضريع، وفي جيدها سلسلة مِنَ النار.
سورة الإخلاص
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... سورة البقرة: 195.
(2) - ... سورة الشعراء: 214.
(3) - ... أحال الناسخ إِلىَ الحاشية وكتب هَذِهِ العبارة الآتية، ولم يَتَبَيَّن لنا موقعها من المتن: «الارتقاء والنزول المؤدِّي إِلىَ الهلاك، وَهُوَ ضدٌّ؛ فتحمل النميمة لزوجها فيقبلها، فتكون حطبا لها وله فيِ نار جَهَنَّم». (4/416)
صفحة 1579
قُل: هُوَ الله أَحَدٌ (1)} الضمير للشَّأن، كقولك: هو زيد منطلق؛ إذ روي أنَّ قريشا قَالُوا: «يا محمَّد صف لَنَا رَبَّكَ الذِي تدعونا إِلَيْهِ» فنزلت. و «أحدٌ» بدل، أو خبرٌ ثان، يدلُّ عَلَى مجامع صفات الجلال، كما دَلَّ الله عَلَى جميع صفات الكمال، إذ الوَاحِد الحقيقيُّ مَا يكون منزَّه الذات عَن أنحاء التركيب والتعدُّد، وَمَا يستلزم أحدهما كالجسميَّة، والمشاركة فيِ الحقيقة وخواصِّها، كوجوب الوجود، والقدرة الذاتيَّة، والحكمة التامَّة المقتضية للألوهيَّة.
{اللهُ الصَّمد (2)} السيِّد المقصود إِلَيْهِ فيِ الحوائج؛ مِن صَمَد: إِذَا قصد، وَهُوَ الموصوف بِهِ عَلَى الإطلاق، فَإِنَّهُ يستغني عَن غيره مطلقا، وكلُّ مَا عداه محتاج إِلَيْهِ فيِ جميع جهاته؛ وتعريفه لعلمهم بصمديَّته (1) بخلاف أحدِيَّته؛ وتكرير لفظه للإشعار بِأَنَّ من لم يتَّصف بِهِ لم يستحقَّ الألوهيَّة؛ وقيل: هُوَ السيِّد الذِي قد انتهى [677] سؤدده؛ وقيل: هُوَ الكامل فيِ جميع صفاته وأفعاله.
{لَم يَلِد} لأَنَّهُ لم يجانس، ولم يفتقر إِلىَ مَا يعينه، أو يخلف عَنْهُ لامتناع الحاجة والفناء (2) عَليه. وَلَعَلَّ الاقتصار عَلَى لفظ الماضي لوروده ردًّا عَلَى مَن قَالَ: المَلاَئِكَة بنات الله، أو المسيح ابن الله، {ولَم يُولَد (3)} وذَلِكَ أَنَّهُ لم يفتقر إِلىَ شيء، وَلاَ يسبقه عدم.
{ولَم يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} أي: ولم يكن أحد يكافئه، أي: يماثله مِن صاحبة وغيرها، وقرئ: «كُفوًا» بالتخفيف، و «كُفُوًا» بالتحريك وقلب الهمزة واوا (3).
__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «بصدمديته»، وَهُوَ خطأ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «والغنى» وَهُوَ عكس المُرَاد!!. وصحَّحناه من البيضاويِّ: ج4/ ص270.
(3) - ... انظر مختلف القراءات الواردة فيِ {كفوًا}: الألوسي: روح المعاني، ج30/ ص277. (4/417)
صفحة 1580
لاشتمال هَذِهِ السورة مع قصرها جميعَ المعارف الإِلَهِيَّة، والردَّ عَلَى مَن ألحد فِيهَا قيل: جاء فيِ الحديث أَنَّهَا تعدل ثلث القرآن (1)، فإنَّ مقاصده محصورة فيِ بيان العقائد والأحكام والقصص، ومن عدلها بكلِّه يعتبر المقصود بالذات مِن ذَلِكَ.
سورة الفلق
بسم الله الرحمن الرحيم
{قُل: أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ (1)} المعنى: قل اعتصم وامتنع مِن رَبِّ الصبح، ومدبِّره ومطلعه؛ وقيل: هُوَ كُلُّ مَا يفلقه الله كالأَرْض عَن النبات، والجبال عَن العيون، والسحاب عَن المطر، والأرحام عَن الأولاد، وَهُوَ يعمُّ جميع الممكنات، فَإِنَّهُ تعالى فَلَق ظلمة العدم بِنور الإيجاد عنها. وتخصيص الصبح بِهِ، لأَنَّ فِيهِ مِن تغيُّر الحال، وتبدُّل وحشة اللَّيْل لسرور (2) النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بِأَنَّ مَن قدر أن يزيل بِهِ ظلمة اللَّيْل عَن هَذَا العالم، قدر أن يزيل عَن هَذَا العابد مَا يخافه. ولفظ الرَّبِّ أوقع مِن سائر أسمائه.
{__________
(1) - ... جاء فيِ صحيح الإمام الربيع بن حبيب: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدريِّ أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وَيُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَلَّلُها، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لإِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ». الربيع: الجامع الصحيح، باب [3] فيِ ذكر القُرْآن، حديث 8.
(2) - ... الصواب: «بسرور»، كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص270. (4/418)
صفحة 1581
مِن شَرِّ مَا خَلَق (2)} خصَّ عالم الخلق بالاستعاذة عَنْهُ لانحصار الشرِّ فِيهِ، فإنَّ عالم الأمر خير كلُّه، وشرُّه اختياريٌّ، لازم ومتعدٍّ، كالكفر والظلم، وطبيعيٌّ كإحراق النار وإحراق السَّموم.
{وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ} ليل عظم ظلامه، مِن قوله: {إِلىَ غسق اللَّيْل} (1)، وأصله الامتلاء؛ يقال: غَسَقَت العين إِذَا امتلأت دمعا؛ وفي القاموس: «{وَمِن شر غاسق إِذَا وقب} أي: اللَّيل إِذَا دخل» (2)؛ أو جهلٌ تراكمت آثامه، {إِذَا وقب (3)} دخل ظلامه فيِ كُلِّ شيء؛ وتخصيصه، لأَنَّ المضارَّ فِيهِ تكثر، ويعسر الدفع، ولذَلِكَ قيل: «اللَّيل أخفى للويل»، لكن إن تفكَّرت فمضمرة الظلام تحصن فيِ الأمور الدُّنيَاوية (3)، وَأَمَّا مضرَّة الجهل إِذَا وقَبَت ودخلت عمَّت الحالين.
{وَمِنْ شرِّ النَّفَّاثَات فيِ العُقَد (4)} وَمِن شرِّ النفوس، أو النساء السواحر اللواتي يعقدن عقدا فيِ خيوط وينفثن عليها؛ والنفث: هُوَ النفخ؛ وقيل: المراد بالنفث فيِ العقد: إبطال عزائم الرجال بالحيل، مستعار مِن تليِين العقد بنفث الريق ليسهل حلُّها.
{وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد (5)} إِذَا أظهر حسده وعمل بمقتضاه، فَإِنَّهُ [678] لاَ يعود ضرره مِنْهُ قبل ذَلِكَ إِلىَ المحسود، بَل يخصُّ بِهِ لاغتمامه بسروره، وتخصيصه لأَنَّ العمدة في إضرار الإِنسَان بَل الحيوان.
سورة الناس
بسم الله الرحمن الرحيم
{__________
(1) - ... سورة الإسراء: 78.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «(لَعَلَّهُ) أي اللَّيْل ... »، ولا شَكَّ أَنَّ «لَعَلَّهُ» من إضافة الناسخ كما أوضحناه فيِ بداية هَذَا التفسير. ويضيف صاحب القاموس: «أو الثريَّا إذا سقطت لكثرة الطواعين والأسقام عند سقوطها». الفيروزآبادي: القاموس، ص823، مَادَّة: «غسق».
(3) - ... يبدو أَنَّ الصواب: «فمضرَّةُ الظلام تختصُّ بالأمور الدُّنيَاويَّة» بدليل ما يأتي. (4/419)
صفحة 1582
قُل: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (1)} لَمَّا كَانَت الاستعاذة فيِ السورة المتقدِّمة مِنَ المضارِّ البدنيَّة، وهي تعمُّ الإِنسَان وغيره، والاستعاذة فيِ هَذِهِ السورة مِنَ الأضرار التِي تضرُّ النفوس البَشَرِيَّة وتخصيصها، عمَّم الإضافة وخصَّصه بالنَّاس هاهنا، وَكَأَنَّهُ قيل: أعوذ مِن شرِّ الموسوس إِلىَ النَّاس، بربِّهم الذِي يَملك أمورهم، ويستحقُّ عبادتهم.
{مَلِكِ النَّاس (2) إِلَه النَّاس (3)} عطف بيان لَهُ، فإنَّ الربَّ قد لاَ يكون ملكا، والمَلِك قد لاَ يكون إلهًا؛ وفي هَذَا النظم دلالة عَلَى أَنَّهُ حقيق بالإعادة، قادر عليها غير ممنوع عنها، وإشعار عَلَى مراتب الناظر فيِ المعارف، فَإِنَّهُ يعلم أَوَّلاً بِمَا يرى عليه مِنَ النعم الظاهرة والباطنة أنَّ لَهُ ربًّا، ثُمَّ يتغلغل (1) فيِ النظر حَتَّى يتحقَّق أَنَّهُ غنيٌّ عَن الكلِّ، وذات كُلِّ شيء لَهُ، فهو الملك الحَقُّ، ثُمَّ يستدلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ المستحقُّ للعبادة لاَ غير؛ وتدرّج فيِ وجوه الاستعاذة [كما يتدرَّج فيِ الاستعاذة] (2) المعتادة تنزيلا لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات، إشعارا بعظم الآفة المستعاذ منها. وتكرير «النَّاس» لِمَا في الإظهار مِن مزيد البيان، والإشعار بشرف الإِنسَان.
{مِن شَرِّ الوَسوَاسِ} والمراد بِهِ: الموسوس، يسمَّى بِهِ مبالغة، والوسواس: الشيطان، والوسوسة: حديث النفس والشيطان بِمَا لاَ نفع فِيهِ وَلاَ خير، كالوِسواس بالكسر، والاسم بالفتح، وقد وسوس لَهُ وَإِلَيْهِ؛ {الْخَنَّاس (4)} الذِي عادته أن يخنس، أي: يتأخَّر إِذَا ذكر الإِنسَان ربَّه.
{__________
(1) - ... في الأصل: «يتغلل»، وهو خطأ.
(2) - ... فيِ الأَصْلِ: «واندرج فيِ وجوه استعاذة المعتادة تنزيلا»، وَفيِ العبارة خلط واضح، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص271. (4/420)
صفحة 1583
الذِي يُوَسوِسُ فيِ صُدور النَّاس (5)} إِذَا غفلوا عَن ذكر رَبِّهِم، وذَلِكَ كالقوَّة الوهميَّة، فإنَّها تساعد العقل فيِ المقدِّمات، فإِذَا آل الأمر إِلىَ النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشكِّكه.
{مِنَ الجِنَّة والنَّاس (6)} بيان للوسواس.
- - -
تَمَّ مَا أردت نسخه مِن [كثير] (1) التفاسير، وقد زدت فِيهِ وحذفت أشياء وجدتها فيِ تفاسيرهم، وشيء منها [نقلت] (2) معناه لا اللفظ، وشيء منها كتبته ولم يَبِن لي معناه، فَمَنَ قرأه أو قُرِئَ عليه فليتدبَّر مَا قرأه أو قُرِئَ عليه مِنْهُ، وَلاَ يعمل بشيء مِنْهُ إِلاَّ أن يتَبَيَّنَ لَهُ صوابه، ويتَّضح لَهُ حقَّه مِن خطئه، لأَنَّ الحَقَّ واجب اتِّبَاعه، والخطأ لازم اجتنابه.
__________
(1) - ... هَذِهِ الكلمة غير واضحة في الأصل، وقد أضفناها باجتهادنا.
(2) - ... هَذِهِ الكلمة غير واضحة في الأصل، وقد أضفناها باجتهادنا. (4/421)
صفحة 1584
وقد نسخته مِن كِتَاب يسمَّى «مدارك التنزيل» (1)، وكتاب «معالم التنزيل» (2)، وَمن كِتَاب «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» المعروف بـ «البيضاويِّ» (3)، ومِن كِتَاب «جوامع الجامع» (4)، وكلُّها مِن تفاسير القوم، وزدت فِيهِ أشياء مِن (لَعَلَّهُ) كتب أصحابنا، وشَيْئًا مِن عندي، مَا أرجوه أَنَّهُ خارج عَلَى معاني الصواب، [679] وحذفت منها مَا حذفت طلبا للإيجاز.
والحمد لله حقَّ حمده والصلاة والسلام عَلَى نبيِّنا محمَّد وعلى جميع الأنبياء صلَّى الله عليه وعَلَيْهِم أجمعين.
(
__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: «مدرك»، والصواب: مدارك التنزيل، أو تفسير النسفي، أو تفسير القرآن الجليل، تأليف أبي بركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي، أحد الزهَّاد المُتَأَخِّرين المُتَوَفَّى سنة 701هـ. انظر مصادر ترجمته فيِ: الدرر الكامنة، 2/ 247؛ الفوائد البهيَّة فيِ تراجم الحنفيَّة، 102. ر: شواخ: معجم مصنَّفات القرآن الكريم، ج3/ ص146، وقم 1784.
(2) - ... تأليف البغويِّ، حسين بن مسعود بن مُحَمَّد الفرَّاء، أو ابن الفرَّاء، أبو مُحَمَّد، الملقَّب بمحيي السنَّة، المُتَوَفَّى سنة 510هـ، وَقِيلَ: 616هـ / 1122م. انظر مصادر ترجمته: الأزهريَّة، 1/ 297؛ الأعلام، 2/ 284؛ كشف الظنون، 2/ 1726 ... ر: شواخ: معجم، ج3/ ص154، رقم 1803.
(3) - ... تأليف ناصر الدين أبي الخير، عبد الله بن عمر بن مُحَمَّد بن عليٍّ البيضاويِّ الشافعيِّ، المُتَوَفَّى سنة 685هـ. انظر مصادر ترجمته: طبقات المُفَسِّرِين للداودي، ص102 - 103؛ طبقات الشافعيَّة، 5/ 59؛ كشف الظنون، 2/ 162 ... ر: شواخ: معجم، ج2/ 126، رقم 891.
(4) - ... تأليف الطبرسيِّ، الفضل بن الحسن بن الفضل، أمين الدين، أبي عليٍّ، المُتَوَفَّى سنة 548هـ / 1153م. انظر مصادر ترجمته فيِ: الأعلام، 5/ 352 - 353؛ الذريعة، 2/ 240؛ الخزانة التيموريَّة، 3/ 180؛ روضات الجَنَّات، 512، ر: شواخ: معجم، ج3/ ص55 - 56، رقم 1447. (4/422)
صفحة 1585
هَذَا مَا أردت نسخه ووجدته مكتوبا بخطِّ الشيخ سعيد بن أحمد الكندي، ونسخته بنفسي بخطِّ يدي وبخطِّ غيري، طالبا رضى الله تعالى، وَإِنِّي أستغفر الله تعالى الذِي لاَ إله إِلاَّ هُوَ، مِن جميع مَا خالفت فِيهِ الحقَّ والصواب، ودائن إِلىَ الله التوبة مِن جميع مَا يلزمني فِيهِ التوبة، وَمَا التوفق إِلاَّ الله (1) . وأنا الفقير سيف بن مالك بن سيف اليعربي بيده، وصلَّى الله (2) عَلَى سيِّدنا رسولك محمَّد النبيِّ الأمِّيِّ، وعلى آله وسلِّم، وَلاَ حول وَلاَ قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم، آمين. آمين) (3) .
[تَمَّ بحمد الله وحسن عونه الجزء الرابع من التفسير،
والحمد لله أَوَّلاً وآخرًا]
المصادر المعتمدة في التحقيق
- ... القرآن الكريم، برنامج العَالَمِيَّة.
- ... الربيع بن حبيب:
... الجامع الصحيح، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1984م.
- ... العَالَمِيَّة:
... برنامج موسوعة الحديث الشريف: الكتب التسعة.
- ... برنامج سلسلة كنوز السنَّة، السلسلة الأولى، الجامع الصغير وزياداته، الإصدار الأَوَّل، 1410هـ.
- ... الزمخشري جار الله محمود بن عمر:
__________
(1) - ... الصواب: «وما التوفيق إِلاَّ بالله».
(2) - ... الصواب: «وصلِّ اللَّهُمَّ».
(3) - ... ما بين قوسين من قول الناسخ.
... وكتب فيِ الحاشية: «قَالَ: أبو سعيد: كما مضى الخطيب عَلَى شيء مِنَ التوحيد والصلوات عَلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أو شيء مِن ذكر الله أن يذكر ذَلِكَ (لَعَلَّهُ) فيِ نفسه ويلزمه ذَلِكَ فيِ الاعتقاد فيِ معنى ذكر القلب فيِ معنى المعرفة بذَلِكَ. قَالَ غيره: ويجب عليه عند قراءة القرآن كما يجب عليه عند قراءة الخطبته [كذا، والصواب: الخطبة]. والصلاَة عَلَى معنى قول الشيخ...».
... وَفيِ الصفحة الأخيرة: «هَذَا الكتاب صار ملكا لي بالشراء مِن ترايك الشيخ الثقة الوالد قيس بن سليمان بن سعيد الكندي، وأنا الفقير: سيف بن أحمد بن سليمان بيده». (4/423)
صفحة 1586
... الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل، في وجوه التأويل، رتَّبه وضبطه وصحَّحه: مصطفى حسين أحمد، الطبعة الثانية، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1373هـ / 1953م.
- ... البغوي، أبو محَمَّد الحسين بن مسعود الفرَّاء البغوي الشافعي:
... تفسير البغوي، المسمَّى: معالم التنزيل، إعداد وتحقيق: خالد عبد الرحمن العك، مروان سوار، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1406هـ/1986م.
- ... البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محَمَّد الشيرازي:
... تفسير البيضاوي، المسمَّى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مطبعة مصطفى محَمَّد، مصر، د.ت.
- ... أبو السعود محمَّد بن محمَّد العمادي:
... تفسير أبي السعود المسمَّى: إرشاد العقل السليم إِلىَ مزايا القرآن الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ودار المصحف، القاهرة، د.ت.
- ... الألوسي أبو الفضل شهاب الدين السيِّد محمود البغدادي:
... روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، نشر وتصحيح وتعليق إدارة الطباعة المنيريَّة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، د.ت.
- ... المراغي أحمد مصطفى:
... تفسير المراغي، الطبعة الثالثة، دار الفكر، بيروت، 1394هـ/1974م.
- ... ابن منظور:
... لسان العرب المحيط، قدَّم له العلاَّمة الشيخ عبد الله العلايلي، أعاد بناء عَلَى الحرف الأَوَّل من الكلمة: يوسف خيَّاط، نشر دار الجيل، ودار لسان العرب، بيروت، 1408هـ/1988م.
- ... الفيروزآبادي، مجد الدين محمَّد بن يعقوب:
... القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمَّد البقاعي، إشراف مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع1415هـ / 1995م.
- ... الرازي، محَمَّد بن أبي بكر بن عبد القادر:
... مختار الصحاح، منشورات دار ومكتبة الهلال، بيروت، لبنان، 1988م.
- ... علي شواخ إسحاق، الدكتور:
... معجم مصنَّفات القرآن الكريم، منشورات دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع، الطبعة الأولى، 1404هـ / 1984م. (4/424)
صفحة 1587
- ... المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، بيروت، الطبعة الثامنة والعشرون، 1986م.
فهرس الجزء الرابع
سورة يس ... 3
سورة الصافَّات ... 17
سورة ص ... 34
سورة الزمر ... 48
سورة غافر ... 66
سورة فصلت ... 83
سورة الشورى ... 98
سورة الزخرف ... 110
سورة الدخان ... 125
سورة الجاثية ... 132
سورة الأحقاف ... 139
سورة مُحَمَّد ... 149
سورة الفتح ... 158
سورة الحجرات ... 165
سورة ق ... 176
سورة الذاريات ... 184
سورة الطور ... 194
سورة النجم ... 202
سورة القمر ... 210
سورة الرحمن ... 218
سورة الواقعة ... 227
سورة الحديد ... 237
سورة المجادلة ... 249
سورة الحشر ... 256
سورة الممتحنة ... 264
سورة الصف ... 268
سورة الجمعة ... 271
سورة المنافقون ... 274
سورة التغابن ... 277
سورة الطلاق ... 282
سورة التحريم ... 287
سورة الملك ... 291
سورة القلم ... 297
سورة الحاقة ... 304
سورة المعارج ... 310
سورة نوح ... 316
سورة الجن ... 319
سورة المزمل ... 324
سورة المدثر ... 329
سورة القيامة ... 335
سورة الإنسان ... 341
سورة المرسلات ... 348
سورة النبأ ... 354
سورة النازعات ... 359
سورة عبس ... 364
سورة التكوير ... 369
سورة الانفطار ... 372
سورة المطففين ... 374
سورة الانشقاق ... 378
سورة البروج ... 381
سورة الطارق ... 384
سورة الأعلى ... 386
سورة الغاشية ... 389
سورة الفجر ... 392
سورة البلد ... 397
سورة الشمس ... 399
سورة الليل ... 401
سورة الضحى ... 403
سورة الشرح ... 405
سورة التين ... 407
سورة العلق ... 409
سورة القدر ... 413
سورة البينة ... 415
سورة الزلزلة ... 417
سورة العاديات ... 418
سورة القارعة ... 420
سورة التكاثر ... 421
سورة العصر ... 423
سورة الهمزة ... 424
سورة الفيل ... 425
سورة قريش ... 426
سورة الماعون ... 427
سورة الكوثر ... 431
سورة الكافرون ... 434
سورة النصر ... 435
سورة المسد ... 436
سورة الإخلاص ... 438
سورة الفلق ... 440
سورة الناس ... 442
المصادر المعتمدة في التحقيق ... 447
فهرس الجزء الرابع ... 449
تم بحمد الله (4/425)
صفحة 1588
انتهى تفسير الشيخ سعيد بن أحمد الكندي 1207هـ (4/426)