صفحة 1
الكتاب: الدراية وكنز الغناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية
المؤلف: أبو الحواري محمد بن الحواري العُماني
قام بتحقيقه: د. محمد محمد زناتي عبد الرحمن (الأستاذ المساعد للتفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر بالقاهرة)
كتب مقدمة الطبعة: أحمد بن حمد الخليلي، بمسقط في 12 رمضان 1411هـ.
(يقع الكتاب المطبوع في جزئين)
مصدر الكتاب: موقع القبس
alkabs.net
(الكتاب يُطبع ويظهر على الشبكة لأوّل مرة بواسطة موقع القبس، طبعة منقحة ومدققة مع ضبط الآيات وتخريجها)
تنسيق وفهرسة للشاملة: عبد الله بن محمد الحبسي
alhabsi2006@gmail.com كتاب : الدراية وكنز الغناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية.
تأليف : الإمام أبي الحواري محمد بن الحواري العُماني.
( الكتاب يطبع ويظهر على الشبكة لأول مرة بواسطة موقع القبس، طبعة منقحة ومدققة مع ضبط الآيات وتخريجها ) (1/1)
صفحة 2
* تعريف بالكتاب
كتاب الدراية وكنز الغناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية
تأليف الإمام أبي الحواري محمد بن الحواري العماني
كتاب في تفسير آيات الأحكام مرتبة على الأبواب الفقيهة بأسلوب سهل ميسر، وتفسير مختصر مبسط لمجموع آياتها، واستنباط أحكامها وأدلتها الشرعية.
يعد كتابه على نسق كتاب الكيا الهراسي الطبري وابن العربي وابن خويز منداد والجصاص , فألفوا كتباً خاصة لتفسير آيات الأحكام وذلك من عنايتهم بالفقه في الشريعة الإسلامية.
وهذا الكتاب يتناول تفسير خمسمائة آية من آيات الأحكام في القرآن الكريم , أخذاً بأثر ابن عباس رضي الله عنهما الذي يقول فيه: " خمسمائة آية من كتاب الله في الحلال والحرام , لا يسع المسلمين إلاّ أن يعلموا تفسيرهن , ويعملوا بهن " .
ويقع الكتاب المطبوع في جزئين، قام بتحقيقه د/ محمد محمد زناتي عبد الرحمن أستاذ مساعد في التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر- بالقاهرة.
هذا ومن نافلة القول أن أصل تفسير العلامة أبي الحواري في معاني الايات مأخوذ باختصار من تفسير مقاتل بن سليمان الأزدي الخراساني، أبي الحسن توفي سنة خمسين ومائة.
وقد قام العلامة أبو الحواري بالتعليق عليه واستخراج المسائل الشرعية وأدلتها وإضافتها إلى التفسير، فحمل تفسيره جانبين: بساطة تفسير الآيات وشرح الأحكام الشرعية، وهذا عمل جليل قام به الإمام أبو الحواري العماني، فظهر كتاباً بديعاً في فنه وتصنيفه. (1/2)
صفحة 3
* تعريف بالمؤلف
نسبه وموطنه :
هو العلامة الإمام أبو الحواري محمد بن الحواري القري . وينتمي إلى قبيلة قرة بن مالك بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نذار بن معدن بن عدنان , قال العلامة النسابة العوتبي : " وهم يسكنون السّر ونواحي توام , ولهم وجوه مذكورة , وهم أهل بأس ونجدة " .
وبنو قرة من قبائل عبد القيس , ولعلهم الأتلاد , الذين يقول عنهم ابن دريد :" إن الأتلاد بطون من عبد القيس , أتلاد عمان لأنهم سكنوها قديماً " .
وأبو الحواري من قرية تنوف الواقعة على السفح الجنوبي للجبل الأخضر , وهي قريبة من مدينة نزوى المشهورة . بيد أنه عاش حياته في نزوى , ولعله استقر بها منذ أيام دراسته , كما سنعرف من ثنايا هذه الترجمة .
وقد كان أعمى , ولا ندري أكان عماه منذ صغره , أم أمر حدث له بعد ذلك في حياته , ويأتي بعد ذكر اسمه , أنه المعروف بالأعمى , والظاهر أن العمى قد طرأ له تدريجياً , فقد روى أبو سعيد : " أن أبا الحواري رفعت إليه امرأة إلى أبي جابر محمد بن جعفر , وكان_ على ما قيل _ قاضياً, فألزم أبو جابر أبا الحواري اليمين , وأراد أن يحلفه , فوصل أبو الحواري إلى نبهان فقال له : إن جابر يريد أن يحلفني , فقال له نبهان : لا يحلفك أره عينيك . فلما حضره أبو الحواري , أراد أبو جابر أن يحلفه , فقال له : يا أبا جابر تحلفني وأنا أعمى ؟ أنظر إلى عيني . فنظر أبو جابر إلى عينيه , فقال : نعم , هذه ذاهبة , وهذه غائبة فلم يحلفه" .
ففي قول القاضي أبي جابر " نعم هذه ذاهبة, وهذه غائبة" دليل ما استظهرناه , وليس بعيداً أن تكون أسرة الفضل والعلم والصلاح , هي أسرة محمد بن صالح , وذراريه هم من ذراري أبي الحواري , فهم أيضاً من قبيلة القرّي , والجدير بالذكر أنه يوجد في نزوى يعرف " بجيل قرّي " . (1/4)
صفحة 4
أشياخه :
انتقل الإمام أبو الحواري إلى نزوى , حاضرة العلم , ومقر الدولة الإسلامية الميمونة , فأخذ العلم عن الأئمة الأعلام وهم : محمد بن محبوب , وسعيد بن محرز , ,أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي , وأبو جابر محمد بن جعفر , ونبهان بن عثمان , رضي الله عنهم .
بيد أن أكثر ما حمل العلم عن أبي المؤثر , يدل على ذلك قوله : " وأما أبو المؤثر رحمه الله , فقد كنا ممن يباطنه , ومن خاصته " إلى قوله :"فهذا الذي عرفنا من أبي المؤثر , وسمعنا منه في آخر عمره " .
مكانته العلمية :
تبوأ أبو الحواري رحمه الله , مكانة علمية بين معاصريه وأقرانه فأصبح مدار الفتيا والحل والعقد في عمان , يقول الإمام أبو سعيد الكدمي : " ثم كان من بعد هؤلاء الثلاثة (نبهان بن عثمان , ومحمد بن جعفر , وأبي المؤثر ) مدار أمر نحلة من أهل عمان على أبي المنذر , وأبي محمد بشير , وعبد الله بن محمد بن محبوب رحمه الله , وأبي عليّ الأزهر بن محمد بن جعفر , وأبي الحواري المعروف بالأعمى , ولعله كان أحملهم فقهاً وعلماً على ما يظهر من أموره , وخاصة في أحكام الحلال والحرام , وإن كان أبو المنذر يعلوهم في النظر والأديان , وكان هؤلاء في ذلك العصر مفزع أهل عمان" .
وناهيك برجل يشهد له إمام المذهب , أبو سعيد الكدمي , بأنه أحملهم فقهاً وعلماً , إنها ولعمري منزلة علمية لا يبلغها إلا أقلة الرجال , على أن في قول أبي سعيد " وخاصة في أحكام الحلال والحرام " دليل على رسوخ قدمه في هذا التخصص العلمي. وما كان " الدراية في تفسير خمسمائة آية " إلا دليلاً مادياً , وشاهداً على وصف أبي سعيد رحمه الله.
مؤلفاته العلمية :
أسهم أبو الحواري- رحمه الله- بالمؤلفات التالية :
1- كتابه الذي لم أعثر عليها أنا شخصياً , وإنما يشير إليه الجامع للفقه حيث يقول في أول باب منه " ومن الكتاب المنسوب إلى أبي الحواري " . (1/5)
صفحة 5
2- كتاب جامع أبي الحواري : وقد قام بعض العلماء بجمع فقه وأجوبة أبي الحواري , وقد نشرته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان , في خمسة أجزاء تحت عنوان " جامع أبي الحواري " , وحقه أن يطلق عليه " فقه الإمام أبي الحواري " أو جوابات أبي الحواري .
3- الدراية وكنز الغناية في تفسير خمسمائة آية : وهو الكتاب الذي أقوم على تحقيقه وتصحيحه .
4- سيرة أبي الحواري إلى أهل حضرموت : كتبها جواباً لأسئلة من إباضية حضرموت , بيّن فيها مبادئ المذهب , وقد نشرته وزارة التراث القومي والثقافة ضمن مجلدين كبيرين بعنوان " السير والجوابات لأئمة وعلماء عمان " . وقامت بتحقيقه د/ سيدة إسماعيل كاشف. (1/6)
صفحة 6
زهده :
يقول الشيخ السالمي في تحفته : " ونحو هذا يحكى عن أبي الحواري أنه كان فقيراً يأكل ثمر الأثب زهداً وتعففاً (والأثب شجر ينبت على الأودية وعلى جوانب الجبال , وهو غير مملوك) , وربما قبل صدقة من بعض إخوانه فيبيعها ويشتري بها حلاً للسراج ونحوه " .
هذا والله الزهد لمن عرفه , والورع لمن اتبعه , فبخٍ بخٍ لمن قنعه الله بهذا الرزق من العيش في الحياة , إنه لتقويم دقيق لما ينبغي أن تقّوم عليه هذه الحياة الفانية .
ونتيجة لما اجتمع فيه من الفضل والعلم والزهد , اشتهرت ولايته بين الناس , قال أبو سعيد : " وأما ولايته , فأخذها عن غير واحد ممن تجب علينا الولاية بولايته , وكان ممن تجوز معنا ولايته بالشهرة , فنحن نتولاه على ذلك كله , وهو لنا ولي" .
وحسبك بمن يمنحه الكدمي هذه الدرجة من الولاية في الدين , ألا وهي ولاية الشهرة , وما إلى ذلك إلاّ لاشتهار فضله بين الخاص والعام .
الأحداث التي شهدها :
عاش أبو الحواري في آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع الهجريتين ولكننا لم نعثر على تاريخ مولده , ولا تاريخ وفاته , وفي هذه الفترة شهدت عمان أحداثاً جساماً , وهي عزل الإمام الصلت بن مالك , وأحداث موسى بن موسى , وراشد بن النضر , وعزان بن تميم , وما نتج عن ذلك من تدخل العباسيين في حكم عمان , بقيادة محمد بن بور , بعد أن استنجدت القبائل النزوانية , وافتراق علماء عمان إلى فرقتين, أحدهما عرفت بالنزوانية , والثانية عرفت بالرستاقية. وقد برهنت تلك الأحداث على حسن إدراك أبي الحواري للأمور , وسعة أفقه لاحتواء تلك الأحداث , حيث كان رأيه الوقوف عن تلك الأحداث وأصحابها , فقد روي عن أبي سعيد قائلاً : " وأما أبو الحواري محمد بن الحواري المعروف بالأعمى , فالذي بلغنا عنه أنه كان يقف عن موسى بن موسى , وراشد في تلك الإمامة , ولا يبرأ منهما " . (1/7)
صفحة 7
ومن ابتلاء الله تعالى للمؤمنين , أن ابتلاه باستهداف القتل من قبل عامل العباسيين على نزوى , فقد جاء في التاريخ أن " بيحرة " وهو عامل العباسيين على نزوى , ويكنى أبا أحمد قد أمر بقتل هذا الإمام !!
فقد قيل له : إن أبا الحواري ومن معه من الأصحاب يبرأون من موسى بن موسى , فأرسل إلى أبي الحواري جندياً , فوجده الجندي قاعداً في محراب مسجد بن سعيد , المعروف بأبي القسام , وهو مسجد الشجبي بعد صلاة الفجر يقرأ القرآن .
فقال : إن أبا أحمد يقول لك سر إليه , فقال أبو الحواري : ليس لي به حاجة , وأخذ في القراءة , فبقي الجندي متحيراً لا يدري كيف يفعل به حتى جاء رسول "بيحرة " , فقال له : لا تحدث في أبي الحواري حدثاً , فرجع عنه ولم يفعل شيئاً , وذلك ببركة القرآن العظيم .
وقيل إن الجندي قال : إنما دعوته ليقوم لئلا يطش دمه في المحراب " . ولا نريد أن نناقش هذه القضية التي تدل على جور وظلم ذلك الحكم الجائر , الذي ابتليت به عمان .
تلاميذه :
لقد اعتاد العلماء الأجلاء أن يقدموا للأمة عصارة أفكارهم , وتفاعل معلوماتهم , في صور من التأليف والدروس الملقاة , وحول تلك الدروس يجتمع العديد من طلبة العلم الشريف, ليأخذوا عن شيخهم ما كان عنده طلبة علم يأخذون عنه أمور دينهم ومعارفهم , وإن كنا لم نعثر على اسمائهم , ومنهم " أبو الحسن محمد بن الحسن النزوي , وأبو ابراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر , وأبوالحواري محمد بن عثمان , وأبو عبد الله محمد بن روح بن عربي .
هذا ومن مظاهر شيوع آثاره العلمية على من جاء بعده من أهل العلم أنك قد لا تجد كتاباً في الأحكام إلا وقد نقل آراء وأقوال أبي الحواري , وهي أكثر من أن تحصى .
فجزاه الله خيراً وأسكنه فسيح جناته على ما قدمه لنا من العلوم. (1/8)
صفحة 8
* تقديم سماحة الشيخ الخليلي للكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبيه الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد :
فإن العناية بالقرآن الكريم وعلومه أولى اهتمامات هذه الأمة منذ نشأتها , لأنه مصدر هدايتها ونور حياتها , وروح وجودها , أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور , ومن الشتات إلى الوحدة, ومن الضعف إلى القوة , ومن الجهل إلى العلم , فكانوا خير أمة أخرجت للناس , ولم يعرف التاريخ كتاباً سماويا أو غير سماوي لقي من العناية في حفظه ونقله وتدوينه وتفسيره, ما لقيه القرآن الكريم.
هذا وقد تنوعت اتجاهات المعنيين بتفسيره بحسب تنوع علومه ومنهم من قصر اهتمامه على آيات خاصة في التفسير كآيات الأحكام , وقد سلك هذا المسلك جماعة من العلماء منهم الكيا الهراسي الطبري وابن العربي وابن خويز منداد , وذلك من عنايتهم بالفقه في الشريعة الإسلامية , وممن نحا هذا النحو العلاّمة المجتهد ( أبو الحواري محمد بن الحواري العماني الإباضي) , قفد اهتم بتفسير آيات الأحكام وهي خمسمائة آية تفسيراً مبسطاً في متناول طلاب المعرفة .
وقد قيض الله لهذا الكتاب من خدمه خدمة علمية فخرّج أحاديثه وبيّن غوامضه وحقّقه تحقيقاً علمياً وافياً , وهو الأخ الفاضل فضيلة الأستاذ الدكتور " محمد محمد زناتي عبد الرحمن" الأستاذ المساعد للتفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية "جامعة الأزهر الشريف" بالقاهرة , فخرج الكتاب لأول مرة إلى عالم المطبوعات بهذه الحلة القشيبة والوجه الوضاء والجلال المهيب .
فإلى طلاب العلم نبعاً فياضاً من علوم القرآن يروي ظمأهم ويشبع سغبهم , والله يجزل للمؤلف المثوبة في دار الرحمة , ويبارك في حياة المحقق الكريم , ويمن عليه بالتوفيق لكل ما فيه الخير .
أحمد بن حمد الخليلي
(المفتي العام لسلطنة عمان)
مسقط في 12 رمضان 1411هـ/ (1/9)
صفحة 9
1- مقدمة في التعريف بالإيمان وأركانه
هذا كتاب فيه تفسير خمسمائة آية من كتاب الله تبارك وتعالى في الحلال والحرام , وهو كتاب " الدراية وكنز الغناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية " .
وفيها رد الفقيه العالم العلامة أبي الحواري رحمه الله ورضي عنه .
-------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
عن ابن عباس أنه قال : " خمسمائة آية في كتاب الله في الحلال والحرام لا يسع المسلمين إلا أن يعلموا تفسيرهن ويعملوا بهن" يقال : تفسير الإيمان، من آمن بما في القرآن , فقد آمن بجميع ما أمر الله , فذكر الإيمان الإيمان بالقرآن في السورة التي يذكر فيها البقرة .
قوله : { ألم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ }(البقرة:1 ،2) يقول : لا شك فيه , أنه من الله جاء , ثم قال : القرآن { هُدىً } يعني : بياناً من الضلالة , { لِلْمُتَّقِينَ } أنه من الله الذين يتقون الكفر, ثم قال: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ }(البقرة: الآية3) يعني : بغيب القرآن , أنه من الله نزل على محمد صلى الله عليه وسلم . فيحلون حرامه , ويحرمون حرامه , ويعملون بما فيه .
وفي أصل الإيمان الذي في القرآن قوله { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } (البقرة:الآية177) يعني: من صدّق بتوحيد الله { وَالْيَوْمِ الآخِرِ } يعني : وصدّق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال , أنه كائن { وَالْمَلائِكَةِ } يعني : وصدق بالملائكة أنهم حق . { وَالْكِتَابِ } حق , يعني : وصدق بكل كتاب أنزله الله , أنه حق . { وَالنَّبِيِّينَ } يعني : وصدّق بالنبيين كلهم أنهم حق . فهذا من أصل الإيمان . (1/10)
صفحة 10
وسألته : فما الإسلام ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً عبده ورسوله , والإقرار بما جاء به الله بالطاعة , قلت : فما الإحسان؟ قال : أن تعمل لله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (الأنعام:103) , وقال: { ِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }(فاطر:الآية10) .
وذكر ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الصلاة عماد الدين , فمن ترك الصلاة فقد هدم الدين ", فذلك قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ }(البقرة:238) المكتوبة في مواقيتها بوضوء تام , ثم قال: { وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } يعني: مطيعين.
وقوله { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ }(البقرة: 45) يعني: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض , والصلوات الخمس حافظوا عليها في مواقيتها , نظير فيها { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }(البقرة:الآية153).
وذكر عن ابن عباس : أن أول صلاة فرضت من الصلوات الخمس , صلاة الأولى , فلذلك سميت الأولى لأنها أول صلاة فرضت .
قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة حين زالت الشمس فصلى بالنبي صلاة الأولى , والمسلمون خلف النبي يقتدون به والنبي يقتدي بجبريل . ثم جاء وقت العصر فصلى به العصر, ثم جاء حين غابت الشمس فصلى به المغرب ثلاث ركعات , ثم جاء جبريل حين ذهب بياض النهار وجاء ظلام الليل فصلى به العتمة, وهي العشاء .
ثم جاء حين أنفجر الصبح , فصلى به الصبح ركعتين , وهي صلاة الفجر ./ (1/11)
صفحة 11
2- تفسير آيات الصلوات الخمس المكتوبة بمواقيتها
تفسير الصلوات الخمس المكتوبة بمواقيتها والتطوع مع الفريضة :
قوله في سورة بني إسرائيل { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ }(الإسراء:78) , يعني : لزوال الشمس , وعن النبي صلى الله عليه وسلم : هي صلاة الأولى والعصر { إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } يعني : ظلمة الليل , صلاة المغرب والعشاء . { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } يعني : صلاة الغداة . { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } .
وقوله في السورة التي يذكر فيها هود : { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ }(هود:الآية114) يعني : صلاة الفجر , وصلاة الأولى وصلاة العصر , { وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ } يعني : صلاة المغرب , وصلاة العشاء.
وفي السورة التي يذكر فيها الروم : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ }(الروم:17) يعني : فصلوا لله, { حِينَ تُمْسُونَ } يعني : صلاة المغرب , وصلاة العشاء , { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } يعني: صلاة الغداة , { وَعَشِيّاً }(الروم:الآية18) يعني : صلاة العصر , { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } يعني : صلاة الأولى , فهؤلاء الصلوات الخمس المكتوبة خاصة .
تفسير صلاة التطوع مع المكتوبة :
قوله [ في سورة ] { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ }: { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ } (الإنسان:25) يعني : إخلاص الصلاة , { بُكْرَةً } يعني : صلاة الغداة , { وَأَصِيلاً } يعني بالعشي : صلاة الأولى , وصلاة العصر . { وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ} (الانسان:26) يعني : فصلِّ له : يعني : صلاة المغرب والعشاء , ثم ذكر التطوع قال : { وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } يعني : سبح الله بليل طويل .
قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ثلاث عليّ فريضة , وهنّ عليكم تطوع , قيام الليل , والوتر , والسواك ". والوتر سنة متبعة يكفر من تركها . (1/12)
صفحة 12
وقوله في السورة التي يذكر فيها " ق والقرآن المجيد " { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } (ق: الآية39) يعني : فصل بأمر ربك { قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } صلاة الفجر { وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } يعني : صلاة العصر ، ومثلها { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } (ق:40) يعني : فصل له صلاة المغرب وصلاة العشاء، ثم ذكر التطوع قال : { وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } يعني : ركعتي صلاة المغرب , ووقتها ما لم يغب الشفق .
وقوله في السورة التي يذكر فيها الطور : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } (الطور: الآية48) يعني : فصل بأمر ربك , { حِينَ تَقُومُ } يعني : الصلاة المكتوبة . { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } يعني : يعني : فصل له صلاة المغرب والعشاء , ثم ركعتي التطوع فقال : { َإِدْبَارَ النُّجُومِ } (الطور: الآية49) يعني : ركعتين قبل صلاة الفجر , ووقتهما قبل طلوع الفجر , ثم يكره الكلام والصلاة حتى يصلى المكتوبة .
قال : وأفضل الصلاة , التطوع بالليل , في نصف الليل إلى آخره حتى يطلع الفجر . قال : وأفضل الصلاة بالنهار بين صلاة الأولى والعصر . فذلك قوله في سورة الفرقان: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } (الفرقان:62) يقول: جعل الليل خلفاً من النهار من كانت له حاجة أو اشتغل بالنهار فليتعبد بالليل , وجعل النهار خلفاً من الليل لمن نام الليل فليتعبد بالنهار . يعني : الذكر لله وصلاة التطوع , ومن صلى التطوع وبجنبه من يصلي فلا يجهر بالقراءة ليغلط على الذي بجنبه , ومن صلى تطوعاً قاعداً فلا بأس , أو على دابة وهو يسير حيث ما كان وجهه , وإن كان قبل المشرق والمغرب فلا بأس .
غير أنه إذا أراد أن يحرم صرف وجهه نحو القبلة ثم صلى حيث كان مسيره , هذا للمتطوع والخائف ./ (1/13)
صفحة 13
3- تفسير آيات الوضوء والاستنجاء والاغتسال والتيمم
تفسير الوضوء :
في سورة المائدة قوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } (المائدة: الآية6) يعني: إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة . وأنتم على وضوء , فعلمهم كيف يصنعون قال : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ } يعني : امسحوا من الماء برءوسكم , قال ابن مسعود : " يكفي مسح الرأس مرة واحدة " .
{ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } فيها تقديم , يعني : واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين , فهذه الفريضة في الوضوء بالماء , فمن ترك شيئاً من هذا الذي ذكره في كتابه فليغسل ذلك الموضع , ولا يعيد الوضوء, ومنهم من يرى أن يعيد إذا يبس كله، فإن ذكر بعدما صلى فليعد ذلك الموضع , ثم يصلي الثانية .
عن جابر بن عبد الله , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ويل للعراقيب من النار " . يعني : من لم يغسل عرقوبيه في الوضوء , وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أخبرني جبريل أن ربي أمرني أن أغسل الفنيكة " يغني : طرف اللحى .
تفسير الاستنجاء بالماء :
قوله في سورة براءة: { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }(التوبة: الآية108) وذلك أن الأنصار كانوا يستنجون بالماء من غير أن يؤمروا , فأثنى الله عليهم في هذه الآية , فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم , وطائفة منهم في مسجد قباء بالمدينة فقال : يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في أمر الطهور . فما الذي تصنعون ؟ , قالوا : نمر الماء على أثر البول والغائط . قال : فقرأ عليهم النبي هذه الآية { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } يعني: في مسجد قباء رجال يحبون أن يتطهروا , يعني الاستنجاء بالماء . { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } , ففعله النبي بعد ذلك والمسلمون . (1/14)
صفحة 14
تفسير الاغتسال من الجنابة :
قوله في السورة التي يذكر فيها المائدة: { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } (المائدة:الآية6) يعني : إن أصابتكم جنابة فاطهروا , يعني : فاغتسلوا بالماء .
قوله في السورة التي يذكر فيها النساء: { لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } (النساء:الآية43) إلى قوله { وَلا جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ } يقول : لا تأتوا الصلاة جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا , يقول : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فهذا لمن لم يجد الماء وهو صحيح . قوله { إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ } يعني : على سفر لا يجد الماء فيجزئه التيمم .
عن النبي صلى الله عليه وسلم :" أنه كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه النساء" وكانت عائشة تصلي في الثوب الذي تحيض فيه من غير أن تغسل الثوب , فإن رأت في الثوب دماً أو بولاً غسلت ذلك الموضع .
تفسير التيمم بالتراب للغسل والوضوء :
قوله في سورة (المائدة: الآية6، والنساء: الآية43): { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى } يعني : جرحاً . يقول : من كان مجروحاً , والجدري والقروح بمنزلة الجروح , فأصابته جنابة فخشي من شر الماء , وهو يجد الماء فليتيمم بالتراب , ليدع الماء . ثم قال{ أَوْ عَلَى سَفَرٍ } يعني : أو كنتم على سفر وأنتم أصحاء { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ }(المائدة:الآية6) يعني : أو جامعتم النساء { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } فتعمدوا { صَعِيداً } يعني الأرض { طَيِّباً } يعني : حلالاً { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } وذلك أن يضع أن يضع كفيه على الأرض مرة ثم ينفضهما فيمسح بها وجهه من تلك الضربة الواحدة , ثم يضعهما على الأرض مرة أخرى , ثم ينفضهما فيمسح بهما يديه إلى الكوع , فهذا للوضوء والغسل جميعاً . (1/15)
صفحة 15
قال { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ }(المائدة:الآية6) يعني : من ضيق في الدين حين رخص في التيمم فجعله واسعاً. { وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } يعني : من الأحداث والجنابة والحيض . { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } وكانت هذه الرخصة في النعم { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } يعني: لكي تشكروا ربكم في هذه النعمة .
وعن أبي ذر الغفاري، واسمه : جندب بن جنادة , أنه قال : جاء رجل من ربيعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا نبي الله , إنا لا نصيب الماء إلا في شهر , ومعنا الأهلون . قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الصعيد الطيب ولو إلى سنين " ولا بأس أن يجامع الرجل إمرأته ثم يتيمم ويصلي ./ (1/16)
صفحة 16
4- تفسير آيات الصلاة بأركانها وسننها وآدابها وأحكامها
تفسير ما أمر الله أن يفعلوا إذا قاموا إلى الصلاة المكتوبة :
قوله في سورة البقرة:
{ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }(البقرة:الآية238) يعني: وقوموا في الصلاة مطيعين .
وقوله في السورة التي يذكر فيها العنكبوت: { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ }(العنكبوت:45) يعني : أتم الصلاة. { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ } يعني: المعاصي { وَالْمُنْكَرِ } يقول: الإنسان ما دام يصلي فهو منتهي عن الفحشاء والمنكر لا يعمل بهما حتى ينصرف { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } يقول : إذا صليت لله فقد ذكرته فيذكرك الله بخير , ولذكر الله إياك بالخير أفضل من ذكرك إياه بالصلاة . قال { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } .
وقال في السورة التي يذكر فيها المؤمنون: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } (المؤمنون:2) يعني: الذين هم في صلاتهم متواضعون ولا يلتفت من الخشوع لله إلى شيء ، وكذلك قوله في سورة الأحزاب: { وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ } (الأحزاب:الآية35) .
تفسير مبتدأ الصلاة والاستعاذة فيها:
قوله في سورة النحل: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ }(النحل:98) يعني : قي الصلاة { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } قال : مفتاح الصلاة الوضوء والتكبير , وتحريمها التكبير الأول , وتحليلها التسليم , فمن ترك التكبيرة الأولى فليس في الصلاة .
فمن أراد أن يكبر التكبيرة الأولى في الصلاة , فليقل في نفسه : سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك , وتعالى جدك , ولا إله غيرك . ثم يكبر , فإذا كبر فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم , إن الله هو السميع العليم , بسم الله الرحمن الرحيم , وليجهر بفاتحة الكتاب إن كان في صلاة فيها قراءة .
تفسير القراءة في الصلاة : (1/17)
صفحة 17
قوله في سورة الأعراف : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ }(الأعراف:205) يعني : بذكر القراءة في الصلاة { تَضَرُّعاً } يعني : مستكيناً في رحمته { وَخِيفَةً } يعني: وخوفاً من عذابه { وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ } يقول : واقرأ دون الجهر من القراءة { بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } يعني : بالغداة والعشي, { وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ } عن القراءة في الصلاة .
وقوله في السورة التي يذكر فيها المزمل { فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ }(المزمل:الآية20) يعني : فاقرءوا في الصلاة ما تيسر منه ولم يوقت , فمن صلى وحده , أو كان إماماً فليبدأ بفاتحة الكتاب , ثم يقرأ ما يشاء من القرآن معها في الركعتين الأوليتين , ويقرأ في الركعتين الأخيرتين فاتحة الكتاب وحدها بلا جهر .
تفسير الركوع والسجود في الصلوات :
قوله في سورة الحج { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا }(الحج:الآية77) يعني: في الصلاة, { وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ } يعني: يأمرهم في الصلاة وفي كل شيء .
وقوله في السورة التي يذكر فيها الأعراف: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا }(الأعراف:204) يعني: في الصلاة فاستمعوا له وأنصتوا { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } يعني: لكي ترحموا .
قال : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة { إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ } فقرأها رجل من خلفه , وجهر بها كما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم , فلما قضى النبي صلاته قال : " أيكم الذي نازعني في السورة" , ونزلت { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }.
وذكر عن عمر بن الخطاب رحمه الله , أنه كان يستحب القراءة خلف الإمام في كل صلاة بفاتحة القرآن في كل ركعة ، يسبق الإمام في كل ركعة أن استطاع . (1/18)
صفحة 18
فإذا كان في صلاة الأولى , وفي صلاة العصر فليقرأ فاتحة القرآن كما يقرأ إذا كان وحده. ومن نسى القراءة خلف الإمام , أو فاته فقد أجزأه قراءة الإمام .
{ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ }(الحج:الآية77) الذي أمرتم به { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لكي تفلحوا, فمن فعل بما أمره الله فقد أفلح .
فإذا رفعت رأسك من السجود أقمت صلاتك، وإذا قلت : سمع الله لمن حمده، واستوى الورك مع الرأس في الركوع، ثم تكبر وتخر ساجداً .
تفسير الدعاء والمسألة في آخر الصلاة :
قوله في السورة التي يذكر فيها ألم نشرح: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ }(الشرح:7) يقول : إذا فرغت من القراءة والركوع والسجود وأنت جالس وأنت جالس في آخر الصلاة قبل أن تسلم { فَانْصَبْ }في الدعاء إلى الله وارغب إليه في المسألة./ (1/19)
صفحة 19
5- تفسير آيات صلوات السفر والخوف والجمعة والجماعة والضحى
تفسير صلاة المسافر وتقصيره :
قوله في السورة التي يذكر فيها النساء: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ }(النساء:101) يعني: إذا سرتم في الأرض , { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } يعني حرجاً , { أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ } . ما خلا صلاة المغرب فليس فيها تقصير . { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ } يعني: أن يقاتلكم { الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً }.
عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بمكة ثلاث عشرة ليلة يقصر الصلاة , ويقول لأهل مكة : أتموا صلاتكم .
قالوا : وفعل ذلك أيضاً عمر بن الخطاب بعد النبي صلى الله عليه وسلم , ثم قال : يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم مسافرون .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة الأولى وصلاة العصر . وجمع بين المغرب والعشاء في السفر , كان يؤخر صلاة المغرب ويقدم صلاة العشاء فيصليهما جميعاً.
قال : ومن كان إماماً فليتخفف في تمام الركوع والسجود , فإذا سلم فليدع لأمر الدنيا والآخرة .وأما في التطوع فليدع بما شاء على أي حال كان . وإن كان إماماً , إذا سلم فليتحول عن مجلسه من ساعته ويقوم .
تفسير صلاة الخوف :
{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ }(النساء:103) يعني: صلاة الخوف ,{ فَاذْكُرُوا اللَّهَ } باللسان ,{ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ }يعني : إذا أقمتم في بلادكم , { فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } يعني: فأقيموا الصلاة الكاملة { إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً } يعني : فريضة مفروضة معلومة , هكذا ينبغي للأئمة أن يفعلوا . (1/20)
صفحة 20
وقال: فإن كان الخوف أشد , فذلك في السورة التي يذكر فيها البقرة : يقول { فَإِنْ خِفْتُمْ }(البقرة:239) يعني العدو { فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً } يعني: فصلوا على أرجلكم أو على دوابكم ركعتين حيث كان وجهه , فمن لم يستطع السجود على الأرض فليؤم برأسه أين ما كان على دابة , أو على غير ذلك , يجعل السجود أخفض من الركوع , ولا يضع جبهته على شيء . وقال: { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } يعني: من العدو { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } يعني: إذا قمتم في بلادكم فصلوا لله الصلوات الخمس { كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ }.
تفسير صلاة الجمعة:
قوله في سورة صلاة الجمعة :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ }(الجمعة:9) يعني: صلاة الجمعة , { مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } يعني : فامضوا إلى الصلاة المكتوبة الركعتين مع الإمام , وهي فريضة واجبة من الله إذا كان الإمام مسلماً.
{ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ } يعني : الصلاة, { خَيْرٌ لَكُمْ } من البيع والشراء, { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ }(الجمعة:10) يعني : الجمعة, { فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ }فهذه رخصة بعد النهي, { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } يعني : من رزق الله , فأحل لهم ابتغاء الرزق وتعلم الحلال والحرام , وأداء الحقوق بعد الصلاة .فمن شاء خرج إلى تجارة أو إلى حاجته التي افترض الله عليه { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً } يعني باللسان { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا الصبي , أو مريضاً أو مملوكاً , أو مسافراً, أو امرأة , فمن استغنى بلهو أو بتجارة أو لغو استغنى الله عنه والله غني حميد". (1/21)
صفحة 21
وعن ابن عباس قال:" ومن لم يدرك ركعة مع الإمام حتى جلس الإمام في آخر صلاته , فكبرت فأدركت التشهد قبل أن يسلم الإمام, فصل ركعتين فقد أدركت الجمعة إن شاء الله".
تفسير الصلوات الخمس مع الجماعة :
قوله في السورة التي يذكر فيها الشعراء:
{ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ }(الشعراء:218) يقول الله لنبي:ه يراك حين تقوم إلى الصلاة وحدك , ثم ذكر صلاته في الجماعة فقال :{ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ }(الشعراء:219) يعني: يرى ركوعك وسجودك وقيامك في الصلاة مع المصلين في الجماعة , فهذا الذي قال{ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } .
وذكروا عن ابن عباس أنه قال : من كان من جيران المسجد فسمع الآذان والإقامة , ولم يأتِ المسجد للصلاة في الجماعة من غير عذر فقد أحدث .
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" صلاة أحدكم في الجماعة تزيد على صلاته وحده بضعاً وعشرين درجة" .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من صلى الفجر في جماعة , ثم جلس في مصلاة لذكر الله , وقراءة القرآن من ذكر الله , والحلال والحرام من ذكر الله , والدعاء من ذكر الله , يفعل ذلك حتى يصلي صلاة الضحى ركعتين أو أربع ركعات , فهو عظيم الأجر , وكان ذلك أسرع إجابة , وأفضل غنماً ".
تفسير صلاة الضحى تطوع وليست بفريضة :
قوله في السورة التي يذكر فيها ص:{ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ }(ص:18) يعني: يذكرون الله مع داود بالعشي والإشراق , حين تشرق الشمس في أول النهار.
قال ابن عباس : ما فطنت لصلاة الضحى فضيلة حتى أتيت على هذه الآية .
وذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من صلى الضحى حتى تكون الشمس من قبل المشرق , بقدر ما تكون من قبل المغرب وقت صلاة العصر , ركعتين أو أربع ركعات كتبت له الحفظة حسنة", وقال : لن يحافظ على صلاة الضحى إلا من يطلب الخير وهي صلاة الأوابين./ (1/22)
صفحة 22
6- تفسير آيات تغيير القبلة واستقبالها في الصلاة وبناء المساجد والذكر فيها
تفسير القبلة وما نسخ من قبلة بيت المقدس :
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة :
{ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ }(البقرة:115) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم , لما هاجر إلى المدينة, أمره الله أن يصلي نحو بيت المقدس , لئلا يكذب به اليهود إذا صلى إلى قبلتهم , مع ما يجدون من نعته في التوراة , فصلى النبي واصحابه أول ما قدموا المدينة تسعة عشر شهراً نحو بيت المقدس , فخرج أناس من المسلمين قبل المشرق , ومنهم من صلى المغرب , ثم استبان لهم القبلة, فلما قدموا المدينة سألوا النبي عنذلك فنزلت فيهم { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } يعني: أينما تحولوا وجوهكم في الصلاة فثم وجه الله , { إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " وددت إن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها " يعني : قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل , فقال جبريل : إنما أنا عبد مثلك مأمور , فسل ربك ذلك , وصعد جبريل إلى السماء وجعل النبي يديم النظر إلى السماء , رجاء أن يأتيه جبريل بما سأل الله , فأتاه جبريل بما سأل , فصارت قبلة بيت المقدس منسوخة , نسختها هذه الآية { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)(البقرة:الآية144) } يديم نظرك إلى السماء , يعني :{ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } يعني: فلنحولنك قبلة ترضاها , يعني: الكعبة , لأنها أحب إليك من البيت المقدس , قال{ فَوَلِّ وَجْهَكَ } يعني: فحول وجهك في الصلاة { شَطْرَ } يعني: تلقاء{ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } يعني: تلقاءه. (1/23)
صفحة 23
فلما صرفت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة اختصم اليهود والمسلمون في أمر القبلة , وفضلوا بيت المقدس على الكعبة , فأكذبهم الله , ونزَّل في السورة التي يذكر فيها آل عمران قال:{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً }(آل عمران:96) يعني: إن أول مسجد وضع للناس المسلمين للذي ببكة مباركاً. وغنما سمي ببكة لأن الناس يبك بعضهم بعضاً في الطواف , ووضع بيت المقدس بعده بأربعين سنة أو ما شاء الله.
وبكة بين الجبلين , ومكة الحرم كله { مُبَارَكاً } يعني : فيه البركة ومغفرة للذنوب لمن تاب، ولمن حجه أو اعتمره , وصلى فيه { وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ } يعني: هدى من الضلالة لمن صلى قبل الكعبة , للعالمين, يعني: المؤمنين .
قال: فمن صلى قبل بيت المقدس بعدما صرفت القبلة عنه فهو في ضلالة. ثم قال{ فِيهِ }(آل عمران:الآية97) يعني: المسجد الحرام { آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ } يعني: علامة واضحة{ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ } يعني: أثر مقام إبراهيم خليل الرحمن .
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً }(البقرة:الآية125) يقول : صلوا عنده , والإمام يقوم خلفه , خلف المقام مستقبلاً الكعبة والناس حوله .
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :"صلاة في مسجدي هذا -يعني بالمدينة-أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا ما فضل الله به المسجد الحرام".
قوله في السورة التي يذكر فيها الأعراف :{ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ }(الأعراف:الآية29) يعني: بالعدل:{ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ } يعني: في الصلاة نحو الكعبة { عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } يعني: في بيعة أو كنيسة أو غيرها, فصلوا قبل في الكعبة{ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } فأمرهم بالصلاة والسبيل والسنة.
وقال: الكعبة قبلة لأهل المسجد الحرام , والمسجد الحرام قبلة لأهل الحرم , والحرم كله قبلة لأهل الأرض جميعاً. (1/24)
صفحة 24
وقال: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك , فما بينهما قبلة لأهل المشرق.
وقال: لا يقطع الصلاة شيء يمر بين يديك ، ولكن أردد ما استطعت.
وقال: إذا صليتم فاستروا ما بين أيديكم ما استطعتم , وإذا لم يجد أحدكم ستراً فليخط خطاًً بين يديه , ثم لا يضره ما مر أمامه إن شاء الله.
تفسير بناء المساجد والذكر فيها :
قوله في السورة التي يذكر فيها النور: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ }(النور:36) يقول : أمر الله بالمساجد أن تبنى, ويذكر فيها اسمه , يعني: يذكر فيها السبيل والسنة.
{ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } يعني : يصلى لله فيها بالغدو والآصال، فأمر برفعها, وعمارتها.
ثم نعت من يفعل ذلك فقال: { رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (النور:37) يعني : شراءً ولا بيعاً عن ذكر الله , يعني: عن الصلاة المفروضة. { وَإِقَامِ الصَّلاةِ } يعني: الصلاة, يعني: لا تلهيهم عن إتيان الصلاة لوقتها. { وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ } يعني: وإعطاء الزكاة.{ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } فخوفهم ذلك اليوم. (1/25)
صفحة 25
قال : المساجد في الأرض , والصلاة فيها , والذكر وقراءة القرآن فيها ضوءها في السماء بمنزلة الكواكب لأهل الأرض , فطوبى للمؤمنين ، قال: [الله تعالى]: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }(غافر:7-9)
وعن عائشة : سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت:" كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً , وليلاً طويلاً قاعداً" ./ (1/26)
صفحة 26
7- تفسير آيات الأذان وأحكامه واتخاذ الزينة عند المساجد وصلاة المنافقين
تفسير الآذان :
قوله في السورة التي يذكر فيها الجمعة : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ }(الجمعة:الآية9) يعني: إذا أذن المؤذن.
قال: كان المسلمون في أول الإسلام لا يدرون كيف يؤذنون للصلاة.
قال: ثم إن عبد الله بن زيد الأنصاري رأى في المنام, كأن رجلاً عليه ثوبان أخضران على حائط المسجد بالمدينة , قام فقال: الله أكبر الله أكبر مرتين , أشهد أن لا إله إلا الله مرتين, أشهد أن محمداً رسول الله مرتين, حي على الصلاة مرتين, حي على الفلاح مرتين , ثم قال: قد قامت الصلاة مرتين , الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله مرة بعد ذلك واحدة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عَلِّمْهُ بلالاً, فعَلَّمَهُ بلالاً فأذن بعد ذلك .
قال: لا ينبغي أن يقيم الصلاة غير الذي أذن إلا بعذر ولا يتكلم في الأذان والإقامة , وليس على النساء أذان ولا إقامة .
قال ابن مسعود : تجزي الإقامة للرجال في السفر إذا لم يؤذن.
تفسير لبس الثياب عند المساجد :
قوله في السورة التي يذكر فيها الأعراف :{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ }(الأعراف:الآية31) وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت الحرام عراة , يطوف الرجال بالنهار, والنساء بالليل, يقولون : لا طواف بالبيت الحرام في الثياب التي قارفوا فيها الذنوب , فأنزل الله{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } يعني: البسوا ثيابكم عند كل مسجد, يعني: عند المسجد الحرام وغيره وبيعة النصارى وكنيسة اليهود لا تعروا .
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم" يجزي الثوب الواحد إن لم يكن غيره" .
قال : وصلى جابر في ثوب واحد , قد خالف بين طرفيه بغير إزار .
والثياب على المستحب، قال : يكره للإمام أن يصلي بغير رداء . (1/27)
صفحة 27
في الذين لا تلهيهم أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله:
قوله في السورة التي يذكر فيها المنافقون :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}(المنافقون:9) يعني: الصلاة المكتوبة{ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } يعني: ترك الصلاة وبما أمر الله { فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .
تفسير المنافقين :
ثم أخبر عن صلاة المنافقين في السورة التي يذكر فيها النساء قال: { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى }(النساء:الآية142) يعني: متثاقلين عنها حتى يذهب عنها وقتها, يصرون على الذنب , وعلى النكث ,{ يُرَاؤُونَ النَّاسَ } بصلاتهم وغيرها{ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً } يعني: إلا رياءً وسمعة.
وقال في سورة أخرى { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}(المطففين:1) يعني: المنافقين, ثم نعتهم فقال :{ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ }(المطففين:2) يعني: إذا اشتروا من الناس يستوفون الكيل لأنفسهم,{ وَإِذَا كَالُوهُمْ }(المطففين:3) يعني: باعوا هم لغيرهم { أَوْ وَزَنُوهُمْ } لغيرهم, { يُخْسِرُونَ } يعني: ينقصون الكيل والميزان .
ثم خوفهم فقال: { أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ }(المطففين:4) يعني: ألا يستيقن المطفف في الكيل والميزان .{ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ } بعد الموت , وأن الله سيعاقبهم.
ثم أخبرعن يوم البعث فقال: { لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ } يعني: من قبورهم{ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ }(المطففين: 5،6)، فسمى الله الويل للمنافقين والمشركين .
وذكر المؤمنين فقال: { طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ }(الرعد:الآية29) . (1/28)
صفحة 28
ثم نعت المنافقين أيضاً في أمر الصلاة فقال: { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } (الماعون:5) يعني: يلهون عنها حتى يذهب وقتها , لا يبالون كيف يصلون , يصرون على الذنب, والله يقول: { وَلَمْ يُصِرُّوا }(آل عمران:الآية135) للمؤمنين على الذنب{ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ولكن{ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }(النساء:الآية17) .
وذكر المنافقين{ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ }(الماعون:6) الناس بالصلاة وغيرها في الأعمال , { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ }(الماعون:7) يعني: الزكاة وغيرها من الحقوق التي أوجب الله عليهم، يقول الله: { فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ }(محمد:الآية38), { وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ }(يوسف:الآية52)، { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(الحديد:الآية23)./ (1/29)
صفحة 29
8- تفسير آيات الزكاة ومشروعيتها وزكاة الذهب والفضة وزكاة الثمار
تفسير الزكاة :
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن أول ما يحاسب به العبد في الآخرة , الإيمان , ثم بعد الإيمان الصلاة , ثم الزكاة , ثم سائر الأعمال كذلك يحاسب "
يقول الله لنبيه :{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (الحجر:92 ، 93)، وقال:{ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } (الإسراء:الآية36)، وكذلك يسأل عن حق القرابة والجيران والمملوكين وغيرهم .فأمر بالإحسان وأداء الحقوق إلى جميع هؤلاء .
وقال : الراعي يسأل عن رعيته يوم القيامة .
تفسير الزكاة المفروضة :
قوله في السورة التي يذكر فيها المزمل : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَعْظَمَ أَجْراً } (المزمل:الآية20) يعني: وأعطوا زكاة الأموال { وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } يعني: طيبة بها نفوسكم تحتسبها , { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ } يعني: الصدقة فريضة كانت أو تطوعاً{ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً }يعني: جزاءً وافراً, { وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ } لذنوبكم{ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فكان هذا بمكة يوم فرضت الصلوات الخمس المفروضة , والزكاة غير موقته , فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فرضت الزكاة , وبين وقتها، فنزلت بالمدينة في السورة التي يذكر فيها البقرة :{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ }(البقرة:110) يعني: أعطوا الزكاة المفروضة ,{ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ } يعني: من مال في الصدقة{ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ } يعني: تجدوا ثوابه عند الله { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }. (1/30)
صفحة 30
قوله في السورة التي يذكر فيها المجادلة :{ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } (المجادلة:الآية13) يعني: الزكاة المفروضة أعطوها ,{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.
وقوله في السورة التي يذكر فيها التغابن :{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } (التغابن:16) يعني: ما أطقتم{ وَاسْمَعُوا } يعني: مواعظه { وَأَطِيعُوا } يعني: أمره{ وَأَنْفِقُوا } الأموال يعني: في حق الله { خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } يعني : من يعط حق الله في ماله , ونفسه , وثبت على السبيل والسنة ومات عليها فقد أفلح , ومن أعطى الحقوق في جميع ماله , وفي نفسه ,فقد وقى شح نفسه .
تفسير زكاة الذهب والفضة :
قال : إذا بلغت الدراهم والفضة مائتي درهم , وبقيت , وتمت عند صاحبها سنة , ففيها خمس دراهم , فإن هي نقصت عن المائتين درهم واحد فليس فيها شيء , إلا أن يعطى من قبل نفسه شيئاً , وإن زادت على المائتين درهم , ففي كل أربعين درهماً درهم , وليس فيما دون الأربعين , في الكسور شيء إلا أن يعطي صاحبه ما شاء , والدنانير إذا بلغت عشرين مثقالاً وبقيت عند صاحبها سنة ففيها نصف مثقال , وإن نقصت عن عشرين فليس فيها شيء , وإن زادت على عشرين ففي كل أربعة دنانير عشر دينار , وليس فيما دون الأربعة دنانير شيء , إلا أن يعطى صاحبها ما شاء.
تفسير زكاة الطعام والنخل والعنب :
قوله في السورة التي يذكر فيها الأنعام (1/31)
صفحة 31
{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ }(الأنعام:141) يعني: أنشأ منها المعروش , والكروم , وما يعرش من نحوه, وغير معروش .{ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ } إلى قوله { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } يقول: أعطوا الزكاة والحب والثمار يوم كيله , والزبيب والعصير , قال : نزلت هذه الآية بمكة , فكان المسلون يعطون زكاة الحب , والثمار شيئاً غير مؤقت , فنزلت آية الزكاة بالمدينة , فصار ما كان يعطون غير مؤقت منسوخاً, فبين أمر الزكاة فيما كان في حرث بعلاً أو سيحاً فبلغ الطعام ثلاثمائة صاع يوم كيله في نوع واحد , خمسة أحمال ففيها العشر , فإن نقص من ثلاثمائة صاع فليس فيه شيء إلا أن يشاء صاحبه أن يعطى شيئاً .
وإن زاد ففي كل عشرة واحد , فهذا مما تسقيه الأنهار وتسقيه السماء , وإن كان مما يسقى بالسواني والرشاء والنواضح ,ففيه نصف العشر من كل عشرين, واحد. وليس في الصدقات خرص .
وذكروا عن عمر بن الخطاب , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"والتمر إذا بلغ خمسة أو ساق عند صرامه, ففيه العشر , وإن نقص فليس فيه شيء , وإن زاد على خمسة أو ساق ,ففي كل عشرة واحد ,وكذلك في العنب , ويخرص العنب كما يخرص التمر".
قال أبو الحواري : لا يوجد في هذا الموضع من يخرص العنب ./ (1/32)
صفحة 32
9- تفسير آيات زكاة الأنعام ( الغنم ، البقر ، الإبل ) وأسنانها ونصابها
تفسير صدقة الغنم :
قال : في الأربعين من الغنم شاه , حتى تبلغ مائة وعشرين , فإن زادت على ذلك واحدة ففيها شاتان , حتى تبلغ مائتين , فإن زادت على ذلك واحدة أو اثنتان , ففيها ثلاث شياه , حتى تبلغ ثلاثمائة , فإن زادت على ذلك في كل مائة شاة, شاة .
وليس فيما بعد الثلاثمائة في الفصول في الخمسين والستين والسبعين شيء حتى يكون مائة تامة إلا أن يعطى صاحبها ما شاء .
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله لسفيان بن عبد الله حين بعثه على صدقة الغنم , قال : دع لهم الربى , والماخض , والأكولة , والفحل والعوراء".
قال: ويجعل الغنم ثلاث فرق , فيختار رب الغنم الثلث الأول , ثم يأخذ المصدق صدقته من الثلث الأوسط , ولا يأخذ تيساً ولا هرماً ولا عوراً .
قال أبو الحواري :
تجعل الغنم فرقتين , فيختار رب المال فرقة , ثم يختار من الفرقة الثانية واحدة , ثم يأخذ المصدق واحدة , ثم يأخذ صاحب المال واحدة , فلا يزالان على ذلك حتى يستوفي المصدق .
تفسير صدقة البقر :
قال : ليس فيما دون خمس شيء , فإذا بلغت خمساً ففيهن شاة , وفي العشر شاتان , وفي خمس عشر ثلاث شياة , وفي الستين حوليتان , وفي الثمانين بقرتان مسنتان , وفي التسعين ثلاث حوليات ,وفي المائة بقرة مسنة وحوليان , وفي المائة وعشرة بقرتان مسنتان وحولي , وفي العشرين والمائة ثلاث بقرات مسنات .
فإذا زادت على ذلك فبحساب ذلك، وليس في البقر العوامل صدقة , القول المأخوذ به عند المسلمين : أن صدقة البقر غيرها , وقولهم : وفي بعض صدقة عين ما في هذا .
قال أبو الحواري :" لا تأخذ البقر في هذا الموضع ولا يخرص العنب , وبعضهم مواو...."(هنا سقط كلام).
تفسير صدقة الإبل : (1/33)
صفحة 33
قال : ليس فيما دون خمس من الإبل زكاة , فإذا بلغت خمساً ففيهن شاة , فإذا بلغت عشراً ففيهن شاتان , وفي خمس عشر ثلاث شياه , وفي العشرين أربع شياه , وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين , فإذا زادت على ذلك واحدة ففيها بنت لبون ,إلى أن تبلغ خمساً وأربعين , فإذا زادت على ذلك واحدة ففيها حقة طروقة الفحل إلى أن تبلغ ستين.
فإذا زادت على ذلك واحدة ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمساً وسبعين , فإذا زادت على ذلك واحدة ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين فإذا زادت على ذلك واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى أن تبلغ عشرين ومائة ، فإذا زادت على ذلك واحدة ففيها ثلاث بنات لبون طروقة الفحل إلى أن تبلغ مائة وثلاثين .
فإذا زادت على ذلك واحدة , ففيها حقة وابنة لبون إلى أن تبلغ أربعين ومائة , فإذا زادت على ذلك واحدة ففيها حقتان وبنت لبون إلى أن تبلغ مائة وخمسين , فإذا زادت على ذلك واحدة ففيها ثلاث حقاق إلى أن تبلغ مائة وستين .
فإذا زادت على ذلك واحدة ,ففيها أربعة بنات لبون إلى ان تبلغ مائة وسبعين . فإذا زادت على ذلك واحدة , ففيها حقة وثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ مائة وثمانين . فإذا زادت على ذلك واحدة , ففيها حقتان وابنتا لبون إلى أن تبلغ مائة وتسعين . فإن زادت على ذلك واحدة ففيها ثلاث حقاق وابنة لبون إلى أن تبلغ مائتين , فإذا بلغت مائتين ففيها أربع حقات .
قال أبو الحواري : وفي أربعين ومائة حقتان وابنة لبون , زادت على أربعين أو لم تزد . وفي خمسين ومائة ثلاث حقات , ولو لم تزد . وفي ستين ومائة أربع بنات لبون , ولو لم يزد . وفي سبعين ومائة ثلاث بنات لبون وحقة, ولو لم تزد . وفي ثمانين ومائة حقتان وابنتا لبون , ولو لم تزد . وفي مائتين أربع حقات , أو خمس بنات لبون. (1/34)
صفحة 34
وعلى هذه زكاة البقر , يكون الجذعة من البقر في زكاة البقر حيث تجب ابنة مخاض في زكاة الإبل . والثنية من البقرحيث تجب لله ابنة لبون من االإبل والرباع من البقر حيث تجب الحقة من زكاة الإبل , والحساب كله واحد .
تفسير الصدقة المفروضة :
قال أبو عبدالله محمد بن محبوب رحمه الله :
في صدقة الإبل : من خمسة وعشرين بعيراً "بني مخاض, وابن لبون ذكر , ومن ستة وثلاثين "بنت لبون ", ومنست وأربعين "حقة " , ومن إحدى وستين "جذعة" , ومن ستة وسبعين "ابنتا لبون" ,ومن أحد وتسعين "حقتان " , ومن أحد وعشرين ومائة "ثلاث بنات لبون " .
ثم في كل أربعين " بنت لبون " , وفي كل خمسين "حقة" , وغلى هذا النحو إلى أن ينتهي إلى أكثر ما يكون عليه الإبل , والوجه في ذلك :
أنها إذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها "إبنة لبون وحقة " ,وفي أربعين ومائة "حقتان وبنتا لبون " , وفي خمسين ومائة "ثلاث حقائق ". وفي ستين ومائة "أربع بنات لبون" , وفي سبعين ومائة " حقة وثلاث بنات لبون ", وفي ثمانين ومائة " حقتان وابنتا لبون " , وفي تسعين ومائة "ثلاث حقات وبنت لبون " , وفي مائتين " أربع حقات أو خمس بنات لبون ".. على هذا الحساب .
تفسير صدقة الإبل وصدقة البقر :
عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله :
ومن البقر , في خمس وعشرين بقرة "جذعة من البقر ". وفي ست وثلاثين بقرة " بنت لبون من البقر" . وفي ست وأربعين بقرة " رباعية من البقر" .وفي إحدى وستين بقرة "سدسمن البقر ", وفي ست وسبعين بقرة "ثنيتان من البقر ", وفي إحدى وتسعين بقرة " رباعيتان من البقر" ,وفي إحدى وعشرين ومائة " ثلاث ثنيات من البقر" .
وفي ثلاثين ومائة "ثنيتان ورباعية من البقر" . وفي أربعين ومائة " رباعيتان وثنية من البقر " , وفي خمسين ومائة "ثلاث رباعيات وثنية من البقر ", وفي مائتين "أربع رباعيات أو خمس ثنيات ".. وعلى هذا آخر حساب صدقات البقر. (1/35)
صفحة 35
بعد العشرين ومائة : ففي كل خمسين "رباعية" , وفي كل أربعين "ثنية" , تقوم الثنية من البقر مقام بنت لبون من ألإبل , وتقوم الرباعية مقام الحقة من الإبل .
كتبت هذا عن أبي عبد الله محمد بن محبوب في صدقة الإبل والبقر لئلا يشك فيه حتى يوافق الحساب , والعمل به./ (1/36)
صفحة 36
10- تفسير آيات مصارف الزكاة وثواب المزكي عند الله وعقوبة مانعها
تفسير الصدقة لمن تدفع ؟
قوله في السورة التي يذكر فيها براءة :{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ }(التوبة:60) يعني: صدقات الأموال { لِلْفُقَرَاءِ } فقراء المسلمين الذين لا يسألون الناس { وَالْمَسَاكِينِ } يعني: الذين يسألون الناس { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } يعني: الذين يحبون الصدقات فيعطون على قدر ما شغلوا به عن حاجتهم.
{ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ }قال : كان هؤلاء {اثنى} عشر رجلاً من قادة العرب دخلوا الإسلام كرهاً منهم أبو سفيان بن حرب , وسهيل بن عمرو , وعيينة ابن حصين , في أصحابهم , فكانوا يعطون من الصدقة ليتألفهم به على الإسلام . فقد انقطع حق المؤلفة اليوم , إلا أن ينزل قوم منزلة أولئك , فإذا اسلموا أعطوا من الصدقة بتألفهم بذلك ليكونوا دعاة إلى الإسلام.
ثم قال { وَفِي الرِّقَابِ } يعني: ويعطى في فكاك الرقاب : هم المكاتبون . { وَالْغَارِمِينَ } وهو الرجل يصيبه غرم في ماله من غير فساد , { وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعني : ويعطى من يخرج في الجهاد في سبيل الله قدر ما يبلغه غزاته , { وَابْنِ السَّبِيلِ } يعني: المسافر المحتار إذا كانت به حاجة شديدة فيعطى , { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ } يعني : الصدقات لأهل هذه القسمة , هم أهلها { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } بأهل الصدقات , يعني : {حَكِيمٌ }في قسمتها .
قال : ولا يعطى في بناء المسجد , ولا في حج ولا في ولد ولا في والد من الصدقات , فإن كان تطوعاً فلا بأس أن يعطيهما .
وقال : لا يعطى من الصدقات صاحب خمسين درهماً , إذا لم يكن عليه دين , أو له عيال , وله كسوة وهو صحيح يستطيع العمل .
سئل : عن الولد والوالد , وعن صاحب الخمسين .
قال أبو الحواري : هو كما قلت , لا يعطى منهما والد ولا ولد , إلا أن يكون الولد بالغاً بايناً عن والديه . (1/37)
صفحة 37
تفسير ما أعد الله للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة محتسبين :
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ }(البقرة:3) يعني: يتمون ركوعها وسجودها بوضوء تام في مواقيتها { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } يعني: الزكاة المفروضة{ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(البقرة:4-5)، مثلها في أول السورة التي يذكر فيها لقمان .
وقال في السورة التي يذكر فيها الأنفال: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } يعني: خافت قلوبهم { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولَئِكَ }يعني الذين ذكرهم الله في هذه الآيات { هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } (الأنفال:2-4) يعني : رزقاً حسناً في الجنة .
تفسير الذي يبخل بالزكاة , وما أعد الله له :
قوله في السورة التي يذكر فيها المنافقون(الآيات:9-11) :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } يعني: الذين أقروا باللسان , فهم المنافقون الذين بخلوا بما أنزل الله من الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم , والذين آمنوا .
قال الله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } يعني: من يبخل بحق الله الذي افترض الله عليه فإنما يبخل عن نفسه , ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون . (1/38)
صفحة 38
ثم قال: { وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ }يعني: زكاة الأموال { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } فيسأل الرجعة إلى الدنيا ليزكي ماله ويعمل فيه بأمر الله وسنة نبيه , { فَيَقُولَ } حينئذ { رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } لأن الخروج من الدنيا قريب { فَأَصَّدَّقَ } يعني: فأزكي مالي { وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ } يعني: من المؤمنين فأفعل في مالي ما يفعل المؤمنون.
قال الله :{ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.
وقوله في السورة التي يذكر فيها محمد صلى الله عليه وسلم( الآية: 38):
{ هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ } يعني: بالنفقة التي أوجب الله عليه{ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ } يعني: يبخل بالخير والفضل والجنة عن نفسه{ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ } يعني: عما عندكم من الأموال{ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ } يعني: إلى ما عنده من الخير والرحمة { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا } يعني: عن طاعة الله التي أوجب عليكم وعما يرشدكم إليه, وعليه { يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } يعني: يكونون أطوع لله منكم مخلصين في العبادة ثم لا يكونوا أمثالكم.
وقوله في السورة التي يذكر فيها آل عمران (الآية: 180):
{ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } يعني : بما أعطاهم الله من فضله من الأموال , فيبخلون بالزكاة , ولا تحسبن البخل { هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }. (1/39)
صفحة 39
قال : وذلك أن كنز أحدهم يتحول يوم القيامة ذكراً شجاعاً أقرعاً له زبيبتان فيطوق بهما في عنقه فينهشه فيتقيه بذراعيه فيلقمهما حتى يقضي ما بين الناس, فلا يزال معه حتى يساق إلى النار، ألا ساء ما يرزقون .
{ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }.
يقول: إن يبخلوا بالزكاة وغيرها من الحقوق , فإنه يرثهم ويرث أهل الأرض والسموات , ويبقى الرب { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }.
وقوله في السورة التي يذكر فيها براءة ( الآيتان: 34-35 ):
{ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } يعني بالكنز: منع الزكاة , فمن كان له فوق الأرض أو في بطنها فلم يعط زكاته وحق الله فيه فهو الكنز, قال: { وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعني: في طاعة وفي حق الله الذي أوجب عليهم { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } يعني : وجيعاً في الآخرة.
{ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا} يعني: على الكنوز { فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ }./ (1/40)
صفحة 40
11- تفسير آيات صدقة التطوع وعظيم فضل ثوابها والذي يمنُّ بصدقته
تفسير صدقة التطوع مع الفريضة:
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة(الآية::195): { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم , لما سار مع المسلمين إلى مكة , وهم محرمون بعمرة في العام الذي أدخله الله مكة بعد عام الحديبية قبل أن تفتح مكة , قال ناس من الأعراب منازلهم حول المدينة: والله يا رسول الله ما لنا من زاد وما يطعمنا من أحد فأمر الله بالصدقة , قال { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ }.
يقول: وأنفقوا من الأموال في طاعة الله , ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة , يقول : لا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا , فإن أمسكوا عنها فهي الهلكة { وَأَحْسِنُوا } يقول: وأحسنوا الصدقة في سبيل الله { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } يعني : من أحسن في أمر النفقة في سبيل الله , فقال رجل : يا نبي الله بماذا نتصدق ؟ والله ما نجد ما نأكل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ما كان ولو بشق تمرة تكفون بها وجوهكم عن النار ".
تفسير الصدقة تضاعف للمؤمنين إذا احتسبوا :
عن ابن عباس في قوله في سورة البقرة( الآية245):{ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } يعني: الصدقة, يعني: محتسباً طيبة بها نفسه { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً } قال ابن عباس : ألفي ألف حسنة وزيادة .
قوله في سورة التغابن(الآية:17): { إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } يعني : طيبة بها نفسه , يحتسبها { يُضَاعِفْهُ لَكُمْ } يعني: بواحدة عشرة إلى سبعمائة ضعف فصاعداً { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } يعني: بالصدقة { وَاللَّهُ شَكُورٌ } يعني: لصدقاتكم حين يضاعفها لمن احتسبها [ حَلِيمٌ ] . قابل . (1/41)
صفحة 41
{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ }(التغابن:18) يعني: عالم غيب ما في قلوب الناس وغيره , وشاهد لكل حال { الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }.
وقوله في سورة البقرة (الآية:261):{ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعني: في طاعة الله , { كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ } يعني: أخرجت { سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ } وذلك الذي ينفق ماله في سبيل الله { وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ } يعني : فوق سبع مائة إلى ألفي ألف ضعف { وَاللَّهُ وَاسِعٌ } لذلك الأضعاف { عَلِيمٌ } بما ينفقون .
وقوله :{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ }(البقرة:262) يعني : في طاعة الله { ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً } يقول: لا يمنون بما يعطون من النفقة { لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } يعني : [ يجازيهم] ربهم { وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }.
نزلت هذه الآية في المؤمنين في نفقاتهم في غزوة تبوك , حين جهز عثمان المسلمين بألف بعير, وشراؤه ركية بالمدينة تسمى رومة , فتصدق بها على المسلمين ,وفي عبد الرحمن بن عوف حين تصدق بأربعة آلاف درهم , أو ما شاء الله.
{ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ }(البقرة:263) يعني : قولاً حسناً , دعاء الرجل لأخيه المسلم بالخير { وَمَغْفِرَةٌ } يعني : وتجاوزاً عنه لا يعطيه شيئاً { خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ } يعطيها إياه , ثم { يَتْبَعُهَا أَذىً } يعني: المن { وَاللَّهُ غَنِيٌّ } عما عندكم من الصدقة { حَلِيمٌ } لا يعجل بالعقوبة على من يمن بالصدقة ويؤذي فيها .
فبين الله أحكامه , وشرائعه , وحدوده في كتاب عزيز { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }(فصلت:42) . (1/42)
صفحة 42
{ مَا يُقَالُ لَكَ } يا محمد { إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ }(فصلت: من الآية43) .
وقال : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ } (الشعراء:193-196)
وقد بين الله إن الدين واحد من وقت أن خاق الله الدنيا إلى أن تقوم الساعة , وكذلك قال في كتابه : { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ }(المؤمنون:52)، وقال :{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }(الأنبياء:25) يقول: فأطيعون .
تفسير من يمن بصدقته: فكيف يبطلها المن ؟
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة(الآية:264): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى } يقول: إذا من بها كان أذى لصاحبها وكذلك صدقة من يمن بها على المعطا فإنه يبطله المن , فضرب الله لهم مثلا كمثل { كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ } يعني: ولا يصدق بتوحيد الله ,وقوله { وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } يعني: ولا يصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال بأنه كائن , فهذا فاسق أنفق ماله في غير إيمان فأبطل الله صدقته في نفسه , وكذلك يبطل المن صدقته , الذي يزعم نفسه أنه مؤمن. (1/43)
صفحة 43
ثم ضرب الله مثلاً قال: { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ } يعني :صفا عليه تراب { فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } يعني المطر الشديد { فَتَرَكَهُ صَلْداً } يعني :فترك المطر الصفا بقى أجرداً ليس عليه تراب , فكذلك كل من ينفق ماله في غير خالص رياء الناس , وكذلك صدقة الذي يزعم من نفسه وهو مؤمن مستكمل الإيمان [نسخته] صدقة الذي من بنفقته . يزعم أنه مؤمن مستكمل الإيمان إذا من بها على المعطا { لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا } يقول : لا يقدرون على ثواب شيء مما أنفقوا يوم القيامة , كما لم يبق على الصفا شيء من التراب حين أصابه المطر الشديد , { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } فسماهم الله في أول الآية مؤمنين قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى } , ثم سماهم في آخر الآية كافرين , فأبطل أعمالهم حيث منّوا بها على المعطا .
كذلك قال الله تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ }(محمد:33) فبين الله دينه , وأمره ,ونهيه , ورضيه الله , وأمر به , ودعا إليه , وأحل حلاله , وحرم حرامه , وبين أحكامه وشرائعه وحدوده , فتعلموا دينكم وانصروه فإنه قال: { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } (الأنفال:الآية42)، وقال: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }(النساء:الآية165). (1/44)
صفحة 44
والله لو لم ينزل الله كتاباً , ولم يبعث رسولاً لكانت له الحجة البالغة على جميع خلقه , غير أنه تبارك وتعالى عاد على جميع خلقه بمنه وفضله ولطفه , أن بعث إليهم الرسل مبشرين ومنذرين , وأنزل عليهم الكتاب فيه جميع ما أمر به , وجميع ما نهى عنه, وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين عنه , ويبلغ ما أمر به فقال : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ }(المائدة:الآية67).
وقال: { وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً }(الإسراء:74-75) .
وقال أيضاً: { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ }(الحاقة: 44-46) يعني: حبل القلب تقدماً منه إليه , وتحذيراً من المعصية، فبلغ محمد صلى الله عليه وسلم رسالته , ونصح الأمة, وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين صلوات الله عليه .
وقد أتم الله دينه , وقامت حجته , وظهرت دعوته، فدين الله واضح , ودين نبيه عليه السلام دين واضح لا دنس فيه ولا كدر وقال:{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }(المائدة:الآية27).
فإن الله لا يتقبل العمل إلا من المتقين, وكيف يكون من المتقين من أقام على الزنا , وأكل مال اليتيم ظلماً, ودان بالقتل , ونقض العهد والميثاق , والفساد , وأفسد في الأرض , والإقامة على المعاصي ومات غير تائب , ولم يتب إلى الله.
كيف يكون من المتقين هذا الذي مات على هذا الفساد , وإنما التقوى : الإيمان والعمل الصالح حقيقة الإيمان . (1/45)
صفحة 45
وقال الله تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }(آل عمران:102)، وقال: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا } (التغابن:16).
وقد سماهم الله مؤمنين حين استجابهم فأجابوه , وصدقوا بما جاء به نبيهم عليه السلام , وأمرهم بالتقوى والعمل .
فمن أخرج من ماله حق الله , والذي أوجب من الحقوق فقد وقى شح نفسه، قال الله : { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(التغابن:16) فسماهم في أول الآية مؤمنين ، وقال في آخر الآية حين أطاعوه: مفلحون , وكذلك المؤمن, فقال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}(محمد:33)، وقال :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ }(البقرة: 278-279) فصارت حرباً حين أقاموا على الربا من غير شرك بالله ولا شك فيما جاء به محمد عليه السلام ./ (1/46)
صفحة 46
12- تفسير آيات إخراج الصدقة من طيب المال وبركتها وعد خلطها بالمن ّ
تفسير نفقة المؤمن الذي يريد بها وجه الله وألا يمنّ بها:
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة (الآية:265): { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ } يقول : ابتغاء رضوان الله { وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ } يعني: تصديقاً من أنفسهم , وتصديقاً من قلوبهم , فهذا مثل نفقة المؤمن الذي يحتسب نفقته ولا يمنّ بها على المعطا { كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } يعني: كمثل بستان في مكان مرتفع مستوٍ تجري فيه الأنهار { أَصَابَهَا } يعني : الجنة{ وَابِلٌ } يعني: المطر الشديد الكثير { فَآتَتْ أُكُلَهَا }يعني: ضعف ثمرتها في الحمل { ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } يقول : إن لم يصبها المطر الشديد أصابها الطش وهو الرذاذ مثل الندا , فكذلك الذي ينفق ماله في غير منّ ولا أذى , ولم يصر على الذنب يضاعف نفقته إن كثرت أو قلت , كما أن شديد المطر وقليله ضاعف ثمرة الجنة حين أصابها وابل أو أصابها الطل { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } يعني: بما تنفقون { بَصِيرٌ } .
وقوله(البقرة:267): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ } يعني: الأموال والذهب والفضة ونحوها , وأنفقوا من الطيبات { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ } يعني: التمر والعنب والحبوب, قال : { وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ }. (1/47)
صفحة 47
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم , [أمر] في الناس بالصدقة فجاء رجل بعذق من تمر عامته حشف , فوضعه في المسجد مع التمر , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من جاء بهذا ؟ قالوا : لا ندري . فأمر به فعلق , فكل من نظر إليه قال : بئس ما صنع الذي جاء بهذا , فذلك قوله{ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } يعني: لا تعمدوا إلى الرديء "منه" يعني: من التمر ونحوه { تنفقون} يعني: في الصدقات , { وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ } يعني: الخبيث { إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ } يعني : لو كان لبعضكم على بعض حق لم يأخذ دون حقه , ثم استثنى فقال: { إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ } يقول : إلا أن يهضم أحدكم عن بعض حقه فيأخذ دون حقه على علم فيصفح { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ } عما عندكم من الأموال , { حَمِيدٌ } يعني: عند خلقه في سلطانه .
تفسير ما وعدهم الله من الخلف والمغفرة عند الصدقة :
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة (الآية:268):{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ } يعني عند الصدقة , يقول : إذا تصدقتم من أموالكم افتقرتم { وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ } يعني: بالمعاصي { وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ } لذنوبكم عند الصدقة , مثلها في التغابن { وَفَضْلاً } يعني: ويعدكم الخلف في صدقاتكم { وَاللَّهُ وَاسِعٌ } لذلك الفضل{ عَلِيمٌ } بما تنفقون.
وقوله(البقرة:271) :{ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ } يقول : إن تعلنوا الصدقات{ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا } يعني: تستروها { وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ } في السر{ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } يعني: من العلانية , وكل مقبول السر والعلانية إذا كان لله , { وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ } يعني: يكفر عنكم من سيئاتكم , يغني: يكفر صدقات السر والعلانية من ذنوبكم { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }. (1/48)
صفحة 48
وقوله في السورة التي يذكر فيها { والليل إذا يغشى} :
{ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى }(الليل:5) يعني : من أعطى ماله في حق الله , واتقى الله قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رحمه الله .
اشترى سبعة نفر من المسلمين كان كفار مكة يعذبونهم ليردوهم إلى الشرك , فاشتراهم أبو بكر رحمه الله واعتقهم . منهم بلال بن رباح المؤذن { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى }(الليل:6) يعني: بعدة الله , أن الله يخلف خيراً منه في الآخرة , وهي الجنة { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى }(الليل:7) يعني: فسنيسره أن يعود الثانية فيعطى من ماله في حق الله .
{ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى}(الليل:8) قال : نزلت في أبي سفيان بن حرب , بخل بالمال فلم يعط في حق الله واستغنى عن الله في نفسه{ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (الليل:9) يعني: وكذب بعدة الله إن الله لا يخلفه منه خيراً , لأنه لم يكن يصدق بالجنة يومئذٍ { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى }(الليل:10) يعني : يعسر عليه أن يفعل خيراً ,فلا يقدر على أن يفعله . [في نسخة: على أن يبلغه].
{ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ }(الليل:11) يعني: عنه ماله الذي بخل به في الدنيا { إِذَا تَرَدَّى }يعني: إذا مات .
وقوله في السورة التي يذكر فيها البقرة (الآية219):
{ وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ } يعني: الفضل من أموالهم, فإن هذا كان قبل الزكاة , ثم نسختها آية الزكاة .
قال: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ }يعني: لكي تتفكروا في الدنيا والآخرة .
يقول : تتفكرون في أمر الدنيا فهي دار بلاء , ثم هي دار فناء , ويتفكرون في أمر الآخرة فيقولون : هي دار خير , ثم هي دار بقاء فيعرفون فضلها , ويعملون للباقي منها . (1/49)
صفحة 49
وقوله { يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ }(البقرة:215) يعني: من مال { فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } ثم نسختها آية الصدقات في السورة التي يذكر فيها براءة.
النفقة للوالدين من الزكاة , وثبتت للأقربين إذا كانوا فقراء{ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ }.
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوي". يعني : القوي الصحيح الذي يقدر أن يعيش , ولا يصلح للغني والقوي أن يسألوا الناس , فأما من أعطاهم فهو مأجور ,من غير زكاة , فقال: أعط السائل ولو جاءك على فرس "./ (1/50)
صفحة 50
13- تفسير آيات صلة الرحم وبر الوالدين وفضل الإنفاق عليهم
تفسير صلة الرحم :
قوله في السورة التي يذكر فيها النساء (الآية:1):
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } يعني: من نفس آدم وحدها { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } يعني: من نفس آدم زوجها , يعني: حواء من ضلعه { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً } يعني: وخلق من آدم وحواء رجالاً كَثِيراً وَنِسَاءً } يعني: ألف أمة أو ما شاء الله .
ثم قال : { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ } يقول : واتقوا الله بحقه والأرحام بحقها , فلا تقطعوها , وصلوها { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } يعني: حفيظاً لأعمالكم .
عن ابن عباس أنه قال : وجد في مقام إبراهيم كتاب مكتوب بالعبرانية, قال :" إني أنا الله ربكم خلقت الرحم بيدي وشققت لها اسماً من أسمائي فمن وصلها وصلته , ومن قطعها قطعته ". أي بتته , وقال : أعظم حقاً في ذوي الأرحام حق الوالدين .
تفسير ما أمرالله من بر الوالدين :
قوله في السورة التي يذكر فيها بنو إسرائيل(الآية:23-24) :
{ وَقَضَى رَبُّكَ } قال: كان ابن مسعود يقرؤها {وقضاء ربك}، { أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ } يعني :ألا تعبدوا إلا الله , ثم قال : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } يعني: براً بهما . قوله : { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا } يعني: أرذل العمر , أحدهما : يعني : أحد الوالدين { أَوْ كِلاهُمَا } يقول : فبرهما { فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } يعني : الكلام الردىء , أن تقول : اللهم أرحني منهما , عند معالجتك إياهما عند الكبر , ومَيْطُك عنهما القذر، { وَلا تَنْهَرْهُمَا } يعني : لاتغلظ لهما في القول. { وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } يعني : حسناً ليناً . (1/52)
صفحة 51
{ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } يقول : لين جناحك لهما رحمة بهما. { وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا } عندما تعالج { كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }يعني: عالجا ذلك مني صغيراً.
قال: فإن كانا مشركين فلا تقل رب ارحمهما, ولكن برهما وافعل كما قال الله في سورة لقمان( الآية:14-15) :{ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } يقول : ليس لك علم بأن لي شريكاً { فَلا تُطِعْهُمَا } في الشرك , وفي المعصية غير الشرك في جميع ما نهاك الله عنه { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً } يعني : البر والصلة .
وقوله :{ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ) (الاسراء:25) } يعني: بما في قلوبكم من البر بالوالدين على كبرهما { إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ } يعني : محسنين , أو لا تحسنون { فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ } يعني: من الراجعين من الذنوب إلى طاعة الله فيما أمر { غَفُوراً }.
وذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أسخط والديه فقد أسخط الله, ومن أغضبهما فقد أغضب الله .
قال : وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك بحق الله وطاعته فاخرج . ومن أعتقهما من الرق فهو عظيم الأجر إن شاء الله.
وفي النفقة قال:
إن كان ديناراً أو شيء تريد أن تنفقه لله فأعطه أمك , وإن كان لك آخر فأعط أباك , إذا كانوا فقراء , فإن كان الثالث فأنفقه على عيالك , والرابع فأعطه قرابتك , والخامس في سبيل الله , يعني: في طاعة الله .
قال : قال معاذ يا رسول الله : (1/53)
صفحة 52
إن كان لأمي فيما أعطت نصيب أعطيتني نصيباً تصدق به وتقدمه لنفسهما , وأنها ماتت ولم توصِ , وقد كنت أعرف البركة فيما يعطى , فبكى معاذ , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا يبك الله عينيك يا معاذ , أتحب أن تؤجر أمك في قبرها؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله ليس لي أب . قال "فانظر إلى الذي كانت تعطيها في حياتها فأمضه لها على الذي كانت تمضيه إن كان بحق الله . وقل : اللهم تقبله من أم معاذ ".
قال : فقال من حوله يا رسول الله ألمعاذ خاصة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لمعاذ ولجميع المسلمين كافة".
قال: فقالوا : يا رسول الله , فمن لم يكن له منا ورق يتصدق به على والديه أيحج عنهما؟
قال :" نعم إذا كان مؤمناً فيه خير . وإذا كنت عند الإحرام فقل : لبيك عن فلان . وقل في سائر المواقف : اللهم تقبل من فلان إذا علمت أن فلاناً من المتقين . وأوفوا عنهم بالنذور , والصدقة , والصيام , والدين والهدى . وأحق من قضى عن المرء والمرأة ذو رحم إن كان مؤمناً فهو أولى به وأحق به ".
/ (1/54)
صفحة 53
14- تفسير آيات حق القرابة والجيران والمملوكين
تفسير حق القرابة إذا كانوا أحراراً والجيران والمملوكين :
قوله في السورة التي يذكر فيها النساء(الآية:36) :
{ وَاعْبُدُوا اللَّهَ } يعني : وحده { وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً } من خلقه { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } يعني: براً بهما , ثم قال { وَبِذِي الْقُرْبَى } يعني : الإحسان إلى ذي القربى , وأمر بصلتهم والإحسان إليهم .{ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ } يعني : أن تتصدقوا عليهم , والإحسان إليهم .{ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى } يعني: جارك الذي بينك وبينه قرابة فله ثلاثة حقوق: حق القرابة , وحق الجوار , وحق الإسلام .
{ وَالْجَارِ الْجُنُبِ } يعني : جارك من قوم آخرين فله حقان , حق الجوار, وحق الإسلام . وجارك الذي له حق واحد ,جارك من غير أهل دينك فله حق الجوار { وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } يعني : الرفيق في السفر والحضر { وَابْنِ السَّبِيلِ } يعني :الضيف ينزل عليك أن تحسن إليه وتعرف حقه { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } يعني : الخادم الذي ملكن يمينه , فأمر الله بالإحسان إلى جميع هؤلاء واداء الحق إليهم.
وقال :الراعي يسأل عن رعيته يوم القيامة.
عن جابر : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه كالولد من والده".
قال : من حق الجار أن تفرشه ,وتكف عنه أذاك.
ووجدت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة قال :"الصلاة , والزكاة , وما ملكت اليمين , الصلاة , والزكاة , وما ملكت اليمين, ثم قال : رفيع ذو العرش : هل قد بلغت ؟ فلم يتكلم بعدها حتى خرج من الدنيا صلوات الله عليه".
قال : أيما مملوك أطاع الله , وأطاع سيده فله أجران.
وقال : من حق القرابة : أن تصله إذا قطعك , وتعطيه إذا حرمك , وتعفو عنه إذا ظلمك . (1/56)
صفحة 54
وقوله في سورة بني إسرائيل(الآية: 26-28) { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } يعني : صلته { وَالْمِسْكِينَ } يعني : السائل , أمر أن يتصدق عليه { وَابْنَ السَّبِيلِ }يعني : الضيف إذا نزل عليك أن تحسن إليه { وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً } يعني : ولا تنفق في غير حق الله { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً }.
وكل نفقة في غير الله فهي تبذير , وقال في آية أخرى :{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ } وذلك أنه قيل : إن فقراء أصحاب صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم , كانوا يسألون النبي فلا يجد ما يعطيهم فيعرض عنهم فيسكت . فعلمه الله كيف يصنع قال{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ } يعني : تعرض بوجهك عن من يسألك حياءً ورحمة لهم إذا لم تجد ما تطعمهم { ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا } يعني: انتظار رزق من ربك ترجوها أن تأتيك { فَقُلْ لَهُمْ } يعني : لمن يسألك { قَوْلاً مَيْسُوراً } يعني: أردد عليهم معروفاً العدة الحسنة , إن سيكون فأعطيكم.
وقوله في سورة "والضحى" (الآية:9-11) حين قال :{ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ } يقول : لا تجهم في وجهه.
{ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }.
/ (1/57)
صفحة 55
15- تفسير آيات الاقتصاد في النفقة وثواب العطية والقرض الحسن
تفسير ما أمر الله في اقتصاد النفقة في حق الله :
قوله في السورة التي يذكر فيها بنو إسرائيل(الإسراء:29) حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم { وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ }فهذا مثل ضربه الله , يقول : لا تمسك من البخل عن النفقة في حق الله , فلا تنفق شيئاً , بمنزلة المغلولة يده إلى عنقه لا يستطيع بسطها , ثم قال : { وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } يعني: لا تبسطها في العطية , فلا يبقى عندك شيء , فإذا سئلت لم تجد ما تعطي { فَتَقْعُدَ مَلُوماً } يعني: يلومك الناس وتلوم نفسك{ مَحْسُوراً } يعني: منقطعاً به قد حسرت من المال ليس عندك منه شيء.
قال: وأثنى على من يقتصد في النفقة في الفرقان (الآية:67) قوله { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا } يعني : النفقة في طاعة الله { لَمْ يُسْرِفُوا } في النفقة بغير الحق { وَلَمْ يَقْتُرُوا } يعني: ولم يمسكوا عن النفقة , ولا ينفقون , ولكن اقتصاد { وَكَانَ } يعني : الاقتصاد في النفقة { بَيْنَ ذَلِكَ } بين الإسراف والإقتار { قَوَاماً } .
تفسير من يعطى عطية ليعطى أكثر منها:
قوله في سورة المدثر (الآية:6): { وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } يقول: لا تعطي عطية لتعطى أكثر من عطيتك.
وقوله في سورة الروم (الآية:39):{ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } يقول: ما أعطيتم من عطية لتزدادوا بذلك في أموال الناس, يعني : لتلتمسوا بها الزيادة من أموال الناس "فلا يربوا عند الله" يعني : فلا تضاعف تلك العطية عند الله ولا تزكوا , وليس فيها [ثواب]. (1/58)
صفحة 56
ثم قال { وَمَا آتَيْتُمْ } يعني: ما أعطيتم { مِنْ زَكَاةٍ } وغيره يعني:صدقة{ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ } ورضاه { فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } يعني : فتلك العطية التي تضاعف بواحدة عشرة إلى سبع مائة ضعف فصاعداً.
ووجدت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لئن أطعم أخاً لي في الله لقمة أحب إليّ أن أتصدق بدرهم , ودرهماً أعطيه إياه أحب إليّ أن أتصدق بعشرين درهماً".
وقال : من أهدى إلى صاحبه هدية , فوصل إليه بها فهو مأجور إذا لم يرد بثوابه منه .
وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : "تهادوا عباد الله , فإن الهدية تثبت المودة وتذهب [السخيمة]".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لو أهدى إليّ كراع , لقبلت , ولو دعيت إلى كراع لأجبت".
تفسير موضع القرض مع الصدقة :
قوله في سورة النساء (الآية:114): { لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } يعني : إلا من تصدق { أَوْ مَعْرُوفٍ } يعني : أو من أمر بالقرض { أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } يعني : الصدقة والقرض والصلح { ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ } يعني: رضوان الله { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } يعني جزاءً وافراً في الجنة .
عن ابن مسعود أنه قال:" لئن أقرض ألف درهم مرتين ثم قبضها وأنتفع بها أحب إليّ من أن أتصدق منها بدراهم" .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" انطلق برجل إلى الجنة فإذا باب مغلق فنادى الذي معه رضوان خازن الجنة , فأجابه آخر : ليس ها هنا خلفه زفير , فنظر الرجل إلى باب الجنة مكتوب " القرض بسبعة عشر , والصدقة بعشرة أمثالها" فقال الرجل لم هذا هكذا؟ قيل : الصدقة ربما وقعت في غني , وإن صاحب القرض لا يأتيك إلا وهو محتاج أو محوج" .
/ (1/59)
صفحة 57
16- تفسير آيات مشروعية الصوم وفضله وأحكامه والسحور
تفسير ما نسخ في الصوم الأول :
قوله في سورة البقرة(الآية:183-187): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } وذلك أنهم كانوا يصومون قبل شهر رمضان عاشوراء, فنزلت { كُتِبَ عَلَيْكُمُ } يعني: فرض عليكم الصيام { كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } يعني: على أهل الإنجيل أمة عيسى عليه السلام { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } يعني: لكي تتقوا الطعام والشراب والجماع بعد صلاة العشاء , وبعد النوم.
ثم قال: { أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ } يعني : أيام شهر رمضان { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فكان كتب الله تبارك وتعالى علينا في أول الإسلام إذا غابت الشمس في شهر رمضان حل للصائم ما يحل للمفطر, فمن صلى العشاء الآخرة ونام قبل أن [أن يفطر] حرم عليه ما يحرم على الصائم بالنهار إلى القابلة , وهكذا كان كتب على الذين كانوا من قبلنا على أمة عيسى عليه السلام , فاشتد ذلك الصوم على المسلمين.
ثم إن عمر بن الخطاب صلى ذات ليلة صلاة العشاء الآخرة ثم واقع إمرأته ليجعل الله في ذلك رخصة للمسلمين , فلما فرغ ندم فبكى بكاءً شديداً , وتضرع إلى الله , ورغب إليه بالدعاء .
فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أعتذر إليك من نفسي هذه الخطيئة واقعت أهلي بعد العشاء الآخرة فهل تجد لي من رخصة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم تك جديراً بذلك يا عمر , فرجع عمر حزيناً.
قال: ورأى النبي صلى الله عليه وسلم صرمة بن أنس من بني عدي الأنصاري عند المساء , وقد أجهده الصوم، فقال له : مالك يا أبا قيس أمسيت طليحاً؟ (1/60)
صفحة 58
فقال : يا رسول الله , ظللت أمسي نهاري كله في حديقتي أعالج فيها فلما أمسيت أتيت أهلي . فأرادت امرأتي أن تطعمني شيئاً سخناً , فأبطأت عليّ بالطعام فرقدت فأيقظتني وقد حرم عليّ الطعام وقد أجهدني الصوم .
قال: واعترف رجال من المسلمين بذلك , بما كانوا يصنعون بعد صلاة العشاء عند النوم , فقالوا : يا رسول الله ما توبتنا وما مخرجنا مما عملنا ؟ فنزلت فيهم { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب } أجيبهم { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } يعني: لكي يهتدوا .
ثم صار ما كان تحرم على المسلمين من بعد الصلاة , ومن بعد النوم بالليل في شهر رمضان [ حلالاً حتى طلوع الفجر] { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } منسوخة نسختها هذه الآية { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ } رخصة للمسلمين بعد صنيع عمر بن الخطاب رحمه الله { الرَّفَثُ } يعني: الجماع { إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ } يعني : هن سكن لكم{ الصِّيَامِ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } يعني: وأنتم سكن لهن { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ } يعني: عمر بن الخطاب في جماعه امرأته بعد صلاة العشاء الآخرة { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } يعني : فتجاوز عنكم { وَعَفَا عَنْكُمْ } يعني : فيترككم فلم يعاقبكم { فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ } يعني: فالآن حين أحللت لكم الجماع فجامعوهن بالليل { وَابْتَغُوا } يعني: فاطلبوا في الجماع {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } يعني : ما فرض الله لكم من الولد .
ونزلت في صرمة بن أنس { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا } يعني الليل كله رخصة للمسلمين { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } يعني: الضوء المعترض من قبل المشرق {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }. (1/61)
صفحة 59
وأما قوله { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } قال: كانوا في الصوم الأول بالخيار من شاء صام , ومن شاء أفطر, وهو صحيح يطيق الصوم وليس بمسافر , يفدي صومه بالطعام يطعم لكل مسكين نصف صاع حنطة { فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً } يعني : فمن زاد على مسكين فأطعم مسكينين أو ثلاثة مساكين لكل يوم { فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ } من أن تطعم مسكيناً واحداً { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } من الإطعام { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }. (1/62)
صفحة 60
فكان هذا في أول الإسلام , الصوم الأول , ثم حولهم عن الخيار فصارت { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } منسوخة نسختها هذه الآية(البقرة:185) { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } يعني: أنزل من السماء السابعة إلى السماء الدنيا , ثم قال : { هُدىً لِلنَّاسِ } يعني : من الضلالة { وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى } يعني : وبيان الحلال والحرام , ثم قال : { وَالْفُرْقَانِ } يعني : المخرج في الدين من الشبهة والضلالة{ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } يعني : فمن شهد منكم شهر رمضان في أهله فليصمه , فأوجب الصوم على من يطيق , وشهد شهر رمضان في أهله , ثم قال :{ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ } فلم يصم , فإذا برىء المريض , وقدم المسافر من سفره فليصم { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فيصوم متتابعاً { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ } يعني : الرفق في أمر دينكم { وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } في أمر دينكم حين رخص للمريض والمسافر في الإفطار ولا يريد بكم العسر , يعني تمام عدة الأيام , ولو لم يرخص للمريض وللمسافر لكان عسراً ضيقاً, ثم قال : { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } يعني : تمام عدة الأيام المعدودات , يعني: أيام شهر رمضان { وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ } ولتعظموا الله { عَلَى مَا هَدَاكُمْ } لأمر دينكم { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشهر ثلاثون يوماً, ومنها تسع وعشرون يوماً, فصوموا لرؤية الهلال وافطروا لرؤيته فإن أغمى عليكم فأتموا ثلاثين يوماً".
وقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في السفر صائماً ومفطرأً.
وعن أبي الدرداء أنه قال : إن صمت في السفر فمأجور وإن أفطرت فمعذور . (1/63)
صفحة 61
وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أفطر يوماً واحداً من شهر رمضان وهو في الحضر متعمداً من غير عذر فعليه صيام شهرين , ويخاف على نفسه , وإن قدر أن يعتق رقبة فليعتق , فإن لم يجد فليفعل خيراً ويخاف على نفسه ويتوب إلى الله ويرغب".
عن النبي صلى الله عليه وسلم : في رجل جامع امرأته في شهر رمضان متعمداً , قال: فليصم شهرين متتابعين , فإن لم يستطع الصوم فإطعام ستين مسكيناً ويقضي ذلك الشهر كله كاملاً، ويفعل ما استطاع من العتق والصيام ويرغب إلى الله خوفاً وطمعاً { إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }(الأعراف:56) .
قال: والمرضع التي خافت على ولدها الفساد , تفطر وتطعم كل يوم مسكيناً , لكل يوم نصف صاع من حنطة , وتقضي بعد ذلك .
تفسير السحور :
قال : ثلاثة من أمر النبوة :" تعجيل الفطور , وتأخير السحور , والصمت في غير ذكر الله".
قال : رجلان أكلا في شهر رمضان نهاراً ظن أحدهما أن الشمس قد غابت ثم استبان أنها لم تغب , وأنه في النهار .
قال : أما هذا فعليه القضاء , لأن الله تعالى يقول ( البقرة:آية187): { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } فلم يتم هذا صومه إلى الليل .
وأما الآخر فإنه أكل بعدما أصبح وظن أنه لم يصبح , ثم استبان له أنه أكل بعد الصبح.
قال: عليه القضاء لأن الله يقول (البقرة:187): { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ } فعليه أن ينظر حتى يستبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
تفسير صوم التطوع :
قوله في سورة الأحزاب (الآية:35) : { وَالصَّائِمِينَ } الرجال { وَالصَّائِمَاتِ } قال : من صام شهر رمضان , والذي أوجب الله عليه من الصيام , والحقوق التي افترض الله عليه , فمن أوفى بما عاهد الله فهو من الصائمين والصائمات فسيؤتيه أجراً عظيماً. (1/64)
صفحة 62
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من صام ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر أيام البيض فهو مأجور".
وقال :" إنه من صام شهر رمضان وستة أيام من شوال فهو عظيم الأجر إن شاء الله".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" من صام يوم عاشوراء- وهو اليوم العاشر من محرم - فهو عظيم الأجر إن شاء الله". ومن صام يوماً في الشهر الحرام مثل صوم شهر , وأفضل الصوم أشهر الحرم .
قال: وعليك بالصيام , فإن الصيام لو لم يكن فيه شيء إلا أنه مقطعة لكثير من الشهوات , شهوات الخطايا لكنت حقيقاً أن تسارع فيه بل إنك لا تزال في عبادة حسنة ما دمت صائماً , وإن كنت راقداً أو في بعض ضيعتك . ويقال إن الرب تبارك وتعالى يقول " إن الصيام لي وأنا أجزي به".
ويقال : إنه للصائم جِنة من النار يوم القيامة .
فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك , وجوارحك كلها من الخطايا , فإن ذلك من أفضل الصيام , وكذلك وصف الله في كتابه الصائمين والصائمات .
سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل صلاة التطوع فقال :" الصلاة طول القيام, و يخفف الله على العبد يوم القيامة".
قال : فاستكثر من الصلاة ما استطعت , فإن الصلاة لو لم يكن فيها شيء إلا أنك تسلم من الخطايا ما دمت في الصلاة كان ذلك حسناً حقيقاً أن يرغب فيه , بل إن فيها قراءة القرآن , وتحميد الرب والرغبة إليه وذكر الله فيها , فأنت تطلب أعظم الحاجة , وهي أعمال الملائكة , فإنما المصلي كالقائم على باب الجنة يستفتح ويسأل الدخول , فكل الأعمال لها تبع , فاخشع فيها ولا تلفت واقبل عليها حتى تقضيها , فإذا فرغت من صلاتك فانصب إلى الله وارغب إليه واذكر الله كثيراً.
قال : وضع مالك عند من لا يضيعه ويضاعفه لك , ولا تدفنه فتأكله الأرض , ويذهب به من لا يحمدك عليه. (1/65)
صفحة 63
سارع في الصدقة ما استطعت مما قل أو كثر , فإن الصدقة لو لم يكن فيها شيء إلا أنها توفيك بمواعيد الله لكنت حقيقاً أن تسارع فيها , بل إنها فكاك من النار , وغسول من الخطايا .
وكان يضرب مثلها كمثل رجل طلب بدم فأخذه أولياء المقتول , فلما أخذوه افتدى منهم بماله , فلم يزل يعطى من قليل أو كثير حتى عتق .
وهي مخشعة للقلب , فأسرَّها ما استطعت , وضعها بالذي فرض الله عليك في الحق , واعلم أن كل نفقة في غير الحق فهي تبذير وإن قلَّت.
وقد قال الله في المبذرين ما قد علمت, قال: { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً }(الإسراء:27) ، { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }(سبأ:39).
/ (1/66)
صفحة 64
17- تفسير آيات ليلة القدر وفضلها والاعتكاف وشروطه
تفسير ليلة القدر وفضلها :
قوله:{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } يعني : هذا القرآن من اللوح المحفوظ من السماء السابعة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر .
وإنما سميت ليلة القدر , لأن الله يقدّر في تلك الليلة ما يكون في تلك السنة إلى قابل , فذلك قوله فيها { القدر} , تعظيم لها.
ثم أخبر عنها فقال:{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } يعني : العمل في تلك الليلة , فيها ليلة القدر { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } ليس فيها ليلة القدر.
{ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ } يعني: تنزل الملائكة مع جبريل , وهو قوله { وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ } يعني: يتنزلون بكل أمر حكمه الله وقضاه أن يكون في تلك السنة , يتنزلون به من السماء السابعة إلى السماء الدنيا في تلك الليلة .
ثم قال{ سَلامٌ هِيَ } يعني: هي سلام وبركة , وخير الليلة كله من غروب الشمس { حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } ينزل جبريل في تلك الليلة إلى الأرض , ومعه الملائكة فيسلمون على المؤمنين والمؤمنات { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }(غافر:7-9) } (1/67)
صفحة 65
قال : وليلة القدر في كل شهر رمضان في كل سنة إذا كان الشهر ثلاثين يوماً, وإذا كان تسعاً وعشرين يوماً , فاطلبوها أول ليلة إلى آخر ليلة , وكل ليلة فيها الرجاء , كما قال الله: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ }(البقرة:185) قال: والفرقان يعني:المخرج في الدين من الشبهة والضلالة { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }.
تفسير الاعتكاف :
قوله في سورة البقرة (الآية:187): { وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } وذلك أن أحدهم كان يعتكف في المسجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم , فكان إذا أراد الغائط بالليل , خرج من المسجد فيأتي أهله فيجامع امرأته ثم يغتسل ويرجع إلى المسجد , فنزلت { وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ } يعني : ولا تجامعوهن , يعني :النساء { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } ليلاً ولا نهاراً ما دمتم معتكفين . قال { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } يعني : تلك المباشرة معصية لله { فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ } يعني : هكذا { يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ } يعني : أمره ما ذكر من الاعتكاف { لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يعني : لكي يتقوا المعاصي في الاعتكاف . فلا تجامعوا النساء ليلاً ولا نهاراً ما دمتم معتكفين .
عن ابن عباس قال : لا اعتكاف إلا بالصوم , وعن عائشة مثله : لا اعتكاف إلا بالصوم .
ويكون ذلك في مسجد جامع يصلى فيه الصلوات الخمس .
وعن سعيد بن جبير قال : المعتكف يشهد الجنازة والجمعة ويعود المرضى , ولا يجلس , ولا يدخل في بيت مسقف , ولا يستأنس لحديث , ويرجع إلى أهله في البول والغائط , ويأمر بحاجته من غير أن يجلس ولا يبيع ولا يشتري ولا يعمل للدنيا, ويكون عمله وهمه الآخرة .
قال أبو الحواري : (1/68)
صفحة 66
إن المعتكف يأتي لصلاة الجمعة , ولا يأتي جنازة , إلا جنازة يلي الصلاة عليها , فإذا وصل رجع إلى اعتكافه , ولا يقعد ولا يعود مريضاً ويقضي حاجته من البول والغائط , ولا يأتي أهله إلا لحاجة لا بد منها منقطع للعبادة.
قال : وإن طول الصلاة , وكثرة القيام والصدقة مخشعة للقلب ما لم ترَ في أنك خير من أخ لك , إن كان لا يجتهد في بعض ذلك كما تجتهد , وإن الاقتصاد في اللباس والمطعم والمشرب والمركب والهيئة كلها , والتواضع لله في ذلك لحسن ربيح في عمل الآخرة , ما لم تر في نفسك أنك خير وأفضل من أخ لك , إن كان يلبس بعض اللباس , وتصيب من بعض ذلك ما لا يصيب , أصدق منك في حب الله فإنك لن تجد أحداً إلا وهو يزعم أنه يحب الله , وليس شيء أحب إليه من الله , وذلك مما يخيل إليه , وإنما يحب الله من أحب طاعته , ثم عمل بها , وأبغض سخطه ثم اجتنبه , فذلك الذي أصدق في حب الله .
ولن تجد أحداً إلا وأنه يزعم أنه يحب الجنة , وذلك مما يخيل إليه , وإنما يحب الجنة من أحب سبيلها ثم سلكها , وسبيلها التقوى والأعمال الصالحة. وكيف يحب الجنة من ترك سبيلها الذي يهدي إليها قبلاً .
ولن تجد أحداً إلا وأنه يزعم أنه يبغض النار ويكرهها , وذلك مما يخيل إليه , وإنما يبغض النار ويكرهها من أبغض سبيلها ثم تركه , وسبيلها الخطايا والمعاصي والسيئات .
/ (1/69)
صفحة 67
18- تفسير آيات الأهلة ومناسك الحج والعمرة ومشاعرها العظام
تفسير الأهلة :
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة( الآية:189):
{ يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ } قال: نزلت في معاذ بن جبل, وثعلبة بن عنمة, وهما من الأنصار , سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن الأهلة , فقال معاذ : يا نبي الله ما بال الهلال يبدو مثل الخيط ثم يزيد ويمتلئ حتى يستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؟ فنزلت { يسألونك عن الأهلة} { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } يعني : في حل دينهم , وعدة نسائهم , وصومهم , والشروط التي بينهم إلى أجل مسمى , ثم قال { وَالْحَجِّ } يعني : وقت حجهم , فالأهلة مواقيت في ذلك .
مناسك الحج والعمرة : تفسير البيت الحرام
قوله في سورة البقرة(الآية:127): { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } وذلك أن الله عز وجل لما أغرق قوم نوح رفع البيت الحرام الذي كان على عهد آدم إلى السماء , فهو البيت المعمور اسمه الصراح , وعمّاره الملائكة , يدخله في كل ليلة سبعون ألف ملك يصلون فيه , أو ما شاء الله , وهو حيال البيت , لو رمى منه لوقع على البيت المعمور .
قال: بنيت الكعبة من خمسة أجيال , على حجر من جبل طور سيناء , وحجر من جبل طور زيتون , وحجر من الجودي , وحجر من جبل لبنان , وقواعده من جبل حراء .
وكان بين خلق البيت , وخلق آدم ألف سنة أو ما شاء الله , وكان يحج البيت قبل آدم , والبيت نزل من السماء , وكان موضع البيت زبدة على ظهر الماء قبل أن يخلق الخلق , فلما كان زمان الطوفان رفع الله البيت إلى السماء , وأوحى إلى إبراهيم أن يبنى على أساس ذلك البيت بناءً فجاءت سحابة فقامت حياله فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام على ذلك الأصل . (1/70)
صفحة 68
بناؤه من خمسة جبال , فلما فرغا من بناء البيت قالا : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } فجاءه جبريل حتى دله على الحجر الأسود فاستخرجه من جبل أبي قبيس , وهو الجبل الذي الصفا في أصله , فوضعه .
قال : ثم صعد إبراهيم على [ جبل] أبي قبيس , فنادى في الناس فقال : يا أيها الناس أجبيوا ربكم , إن الله يأمركم أن تحجوا بيته فحجوه , فسمع نداء إبراهيم كل مؤمن بالتلبية , فالتلبية جواب [ الله ] عن نداء إبراهيم خليل الرحمن .
والحجر الأسود كان أبيض , ويعود كما كان أبيض , ولولا ما مسه من أنجاس أيدي المشركين ، ما مسّه ذو عاهة إلا شفاه الله , يجيء وله يوم القيامة عينان , وشفتان يشهد بالوفاء لأهله لمن استلمه مخلصاً .
فأوحى الله تبارك وتعالى إليه { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ }(الحج:28) يعني: مغفرة لذنوبهم يوم عرفة .
عن ابن عباس أنه قال: الجنة لكل تائب وآمن، لكل من تاب وآمن وعمل صالحاً والمغفرة لكل واقف بعرفة من المسلمين .
عن ابن عباس , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" مكة حرام حرمها الله إلى يوم القيامة , لا تحل لأحد من قبلي ولا تحل لأحد من بعدي , وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلي خلاؤها ولا يعضد عصاؤها، ولا يحصد شوكها , ولا ينفر صيدها , ولا تحل لقطتها إلا لمن ينشدها ".
قال : وأرض الحرم حرام جبالها إلى السماء العليا إلى منتهى العرش وجبالها إلى الأرض السفلى إلى الهوى .
قوله: { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا }(البقرة:128) يعني: علمنا مناسكنا, وذلك أن جبريل انطلق بإبراهيم إلى عرفات يوم عرفة , فعرفه بها ثم رده إلى منى , فقصد له إبليس عند موضع الجمار , فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات , يكبر مع كل حصاة تكبيرة , فجاء به ورمى الجمار في ذلك , والله أعلم . (1/71)
صفحة 69
والتلبية جواب الله في نداء إبراهيم قال: { َأْتُوكَ رِجَالاً } يعني : مشاة على أرجلهم إلى البيت { وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } يعني الإبل { يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } (الحج:27) يعني: يجيئون من كل مكان بعيد .
تفسير ما يوجب الحج :
قوله في السورة التي يذكر فيها آل عمران(الآية:97):
{ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } يعني: المؤمنين" حج البيت" { مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } يعني: من وجده استطاع إليه بلاغاً .
قالوا: يا نبي الله وما الاستطاعة ؟ قال: زاد وراحلة .
{ وَمَنْ كَفَرَ } يعني : ومن لم يحج { فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } قال : ومن وجد سعة في المال ويستطيع أن يحج من غير عذر حتى ذهب ماله , فقد وجب عليه الحج , وهو دين عليه في حياته وموته .
ومن لم يجد مالاً ويستطيع أن يحج به فليوصِ به من يحج عنه , وليس على العبيد , والصبيان حج , ولكن إن كان للعبد مال يستطيع فليجتهد جهده , ويرغب إلى مولاه حتى يأذن له في الحج .
قال أبو الحواري : لا مال للعبد , ولا حج على العبد ومال العبد لسيده , ولا يجوز إلا بإذن سيده .
وقال : ومن حج عن ميت بعدما حج لنفسه فقد أجزى عن الميت حجة , وهو مأجور إن شاء الله .
وقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم , سمع رجلاً يلبي عن آخر , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " إن كنت حججت لنفسك وإلا فحج [ لنفسك] ثم حج لغيرك".
وقال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الله يدخل بالحجة الواحدة ثلاثة نفر الجنة , الحاج عن الميت , والميت الذي أوصى بالحج , والمنفذ ذلك عن الميت إذا كانوا مسلمين ".
تفسير ما أمر الله من تمام الحج والعمرة في المواقيت والتلبية : (1/72)
صفحة 70
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة (الآية:196): { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وذلك أن مشركي العرب كانوا يشركون في إحرامهم فقال: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }(آل عمران:97) فقال الله للمسلمين: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } يعني: خالصاً لا تخلوطها بشيء , فتستحلوا فيها ما لا ينبغي, وهما فريضتان واجبتان .
ثم قال في التقديم: { وَاتَّقُوا اللَّهَ } يخوفهم الله ألا يستحلوا فيهما ما لا ينبغي { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }(البقرة:196) إذا خالفتم .
قوله في السورة التي يذكر فيها الحج (الآية30-31):{ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ } يعني : فاجتنبوا من الأوثان الإثم , يعني: عبادة الأصنام { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } يعني الكذب , وذلك أن الحمس : قريشاً , وكنانة وخزاعة , وعامر بن صعصعة كانوا يشركون في إحرامهم في الجاهلية , كانوا يقولون :" لبيك اللهم لبيك , لا شريك لك , إلا شريكاً تملكه وما ملك ".
قال الله تعالى :{ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } { حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } يعني: مخلصين لله بالتوحيد والعبادة في الحج والعمرة , وغير ذلك { غير مشركين به}. ثم عظم الشرك فقال : { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ } يعني : فكأنما وقع من السماء { فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } يعني: بعيداً , فهذا مثل الشرك في البعد من الله ، ومن أصر على ذنب ومات عليه فهو بعيد من الله.
عن ابن عباس أنه قال: " كانت تلبية النبي عليه السلام في الحج " لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك لبيك , إن الحمد والنعمة لك والملك , لا شريك لك ". (1/73)
صفحة 71
وهكذا التلبية في العمرة , فهذه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم .
قال: وتمام الحج والعمرة الإحرام من المواقيت .
قال : وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة , ولأهل الشام الجحفة , ولأهل الطائف ونجد ذات قرن , ولأهل اليمن يلمم، ووقت عمر بن الخطاب لأهل العراق ذات عرق .
وقال عطاء: فليس لأحد من الناس يريد مكة فريضة أو تطوعاً يجاوز هذه المواقيت إلا محرماً بحج أو عمرة .
وقال: إن تبدءوا بالعمرة إذا كان في أشهر الحج لمن أراد الحج في عامة , ذلك لحديث بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم , عن جابر أنه قال: "قد قرن النبي صلى الله عليه وسلم للحج والعمرة جميعاً , فطاف بالبيت سبعاً، واحداً للحج والعمرة جميعاً, وسعى بين الصفا والعمرة سبعاً للحج والعمرة جميعاً , ولم يحلق رأسه , ولم يقصر وقام على إحرامه حتى أحل يوم النحر , ونحر الهدي " وهكذا يفعل القارن .
وقال : ليست المتعة إلا في شوال , وذي القعدة , وعشر من ذي الحجة .
قال : ومن كان معه هدي بدنة يسوقها فليركبها إن شاء ويحمل عليها, فإذا قلدها أو شعرها فليمسك عن ذلك .
قوله في السورة التي يذكر فيها الحج(الآية:33): { لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً } يعني: لكم في البدن منافع في ظهورها وألبانها إلى أجل مسمى, يعني: إلى أن يقلد أو يشعر, وتسمى هدياً فهذا الأجل المسمى, فإذا فعل ذلك فلا يحمل عليها إلا مضطراً ويركبها بالمعروف, ويشرب فضل ولدها من اللبن , ولا يجتهد الحلب فإن ذلك ينهك أجسامهن { ثُمَّ مَحِلُّهَا } يعني: من حيث يقلد { إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } يعني : منحرها أرض الحرم .
تفسير الإحرام بالحج قبل العمرة :
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة(الآية:197): { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } فهن شوال , وذو القعدة , وعشر من ذي الحجة . (1/74)
صفحة 72
عن ابن عباس أنه قال: من أحرم بالحج فليحرم في الأشهر المعلومات , فمن أحرم في سواهن بالحج فقد أخطأ السنة , فليجعلها عمرة, ثم يحرم بالحج في أيام الحج .
قوله{ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } يعني : فمن أحرم في الأشهر المعلومات بالحج والعمرة , فإذا بلغ الوقت , فليغسل ثيابه التي يحرم فيها ثم يلبي في دبر كل صلاة مكتوبة أو تطوع , أو حين تستوي به راحلته قائمة نحو القبلة , فإذا لبى فقد أحرم { فَلا رَفَثَ } يعني: فلا جماع , فمن جامع امرأته في إحرام فقد أبطل حجه , فعليه الهدي , والحج من قابل , وكذلك العمرة , ثم قال { وَلا فُسُوقَ } يعني : لا سباب { وَلا جِدَالَ } يعني: ولا مراء { فِي الْحَجِّ } حتى يغضب وهو محرم أو يغضب صاحبه وهو محرم , ومن فعل ذلك فليطعم مسكيناً .
ثم قال { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } يعني : من ترك من نهى الله عنه من الرفث والفسوق والجدال , ومن الصيد وغيره ويعلمه الله , فأجزاكم به { وَتَزَوَّدُوا } يعني : من الطعام ما تكفون به وجوهكم عن الناس . ثم قال : { فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } يعني : التقوى خير الزاد { وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } يعني : فاتقون ولا تعصون يا أهل اللب والعقل .
وقوله في السورة التي يذكر فيها المائدة( الآية:1):
{ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ } يعني: الإبل والبقر والغنم حلال للمحل وللمحرم { إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } يعني: ما حرم عليكم { الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } إلى آخر الآية(المائدة:3) , فإنه حرام على المحل والمحرم .
ثم قال : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } يعني : من غير أن يستحلوا قتل الصيد في البر في الإحرام { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً } فعليه { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ }(المائدة:95). (1/75)
صفحة 73
قال: ولا يحل للمحرم أن يقطع شجرة رطبة من شجر الحرم, أو يتطيب بورس أو زعفران , أو يلبس ثوباً له ريح طيب , ولا ينتف , ولا يمس طيباً .
فمن نتف ثلاث شعرات فصاعداً , أو حلق رأسه , أو فعل شيئاً مما ذكر فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك , شاة يذبحها للفقراء أو المساكين , وليتصدق بلحمها , وجلدها .
تفسير البيت العتيق والطواف به :
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة (الآية:125):
{ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ } يعني: البيت الحرام { مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً } يعني: البيت الحرام يثوبون إليه كل عام لا يقضون منه وطراً, ثم قال { وَأَمْناً } يعني: لمن دخله في الجاهلية في وهادته , ومن دخله وقد أصاب اليوم ذنباً يجب فيه الحد , ثم لجأ إلى أرض الحرم أمن فيه, ولكن على أمير مكة أن يخطب الناس فيقول :
إن فلان ابن فلان قد أحدث حدثاً فلا تأووه , ولا تطعموه , ولا تقوه , ولا تبايعوه , ولا تخالطوه , ويجعل عليه رقباءً.
فإذا خرج من أرض الحرم , يقام عليه ما أحل بنفسه .
قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " مكة حرام بحرام الله , لم تحل لأحد قبلي , ولا تحل لأحد من بعدي , إنما أحلت لي ساعة من نهار ". يعني: يوم فتح مكة ثم حرمت .
قوله { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } يعني : يقول , صلوا عند مقام إبراهيم , ولم يأمر بمسحه , ولا تقبيله ولا بغسله, وقال: { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ } يعني : من الأوثان , يقول: لا تذر صنماً ولا وثناً حول البيت { لِلطَّائِفِينَ } يعني: الطائفين بالبيت من حجاج أو عُمَّار المسلمين من غير أهل مكة{ وَالْعَاكِفِينَ } يعني: المقيمين فيها أهل مكة { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } يعني : في الصلوات، نظيرها في سورة الحج . (1/76)
صفحة 74
ووجدت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد الحرام ونظر إلى البيت يقول :" اللهم زد بيتك هذا تشريفاً وتعظيماً , وعظم من عظمه , وكرم من حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً وإيماناً من عبادك الصالحين , ثم يمشي رويداً حتى يستلم الحجر الأسود ".
قال : فإذا قدم الحاج البيت بدأ بالحجر الأسود فاستلمه بيده اليمنى وكبر الله , ثم يطوف عن يمينه سبعاً، وإن استطاع أن يمس الحجر الأسود في كل تطويفه فعل , وإلا فيكبر حياله ويختم به طوافه السابع .
قال: ويستحب أن يكثر من هذا الدعاء ما بين الركن اليماني إلى الحجر الأسود: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار.
وفي المواقيت كلها تكثر من ذكر الله في الطواف والتسبيح , والتهليل والثناء على الله , والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
قال : إنما جعل الطواف بالبيت لإقامة ذكر الله , فمن طاف بالبيت فقد اقتدى بالملائكة الذين هم حافين من حول العرش .
قال : فإذا فرغ من الطواف بالبيت سبعاً فليصل ركعتين عند مقام إبراهيم مستقبلاً البيت , وليسأل الله حاجته , فإذا سلم فليستقبل الحجر الأسود فيكبر الله , ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم , ثم يخرج من باب الصفا إلى الصفا.
تفسير الصفا والمروة :
قوله في سورة البقرة(الآية:158):
{ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ } وذلك أن الحمس: قريش , وكنانة, وخزاعة, وعامر بن صعصعة, قالوا: ليس الصفا والمروة من شعائر الله .
قال : وكان على الصفا صنم في الجاهلية, فقالوا: علينا حرج في الطواف بينهما, ولا يطوفون بهما, فنزلت فيهم { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } يعني: هما من أمر المناسك التي أمر الله بالطواف بهما .
وقوله في سورة المائدة : (1/77)
صفحة 75
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ }(المائدة:الآية2) يعني: لا تستحلوا ترك شيء من المناسك، { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ } يعني فلا حرج عليه أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } .
ثم قال :{ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً } يعني : ومن زاد في الطواف بعد الفريضة { فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ }يعني: لأعمالكم { عَلِيمٌ } يعني: عالماً بها، قال : وقد طاف بهما إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، [ عَلِيمٌ ] يعني: وعالم بما قد طاف بهما إبراهيم خليل الرحمن , صلوات الله عليه .
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من طاف سبعاً, وصلى ركعتين فله من الأجر كثير".
وقال: فالحاج إذا خرج إلى الصفا فليصعد عليه حيث يرى البيت ثم يكبر سبع تكبيرات فيذكر الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم, ويستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات ويسأل الله حاجته من أمر دنياه وآخرته .
ثم ينحدر نحو المروة فإذا بلغ بطن المسيل سعى فيه, يقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم , إنك أنت الأعز الأكرم, واهدني للتي هي أقوم, فإذا بلغ العلم الآخر مشى رويداً , فإذا بلغ المروة وصعد عليها حتى يرى البيت فيستقبله فيكبر سبع تكبيرات , ثم يذكر الله ويثني عليه , ويصلي على النبي , ويستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات , ويسأل الله حاجته .
ثم ينحدر فيطوف بهما سبعاً يبدأ بالصفا ويختم بالمروة , ثم يحل من إحرامه فيحلق أو يقصر .
فإذا كان يوم التروية راح إلى منى عند صلاة الأولى فيبيت بها, فإذا أصبح سار إلى عرفات . (1/78)
صفحة 76
فإذا أتى عرفات يوم عرفة يغتسل بالماء, ويصلي صلاة الأولى وصلاة العصر في وقت واحد , وفي ووقت الأولى , أو بين الأولى والعصر إن شاء مع الإمام , وإن شاء وحده , وفي جماعة مع أصحابه , ثم يقف مع الناس, فيكثر من ذكر الله والثناء عليه, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات, ويجتهد في الدعاء في طلب حاجته, وإن كان معه هدي فليهده .
قوله في سورة البقرة(الآية:199) :
{ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } من عرفات , يعني بالناس في هذه الآية اليمن, وربيعة, وذلك أن الحُمْس قريش, وكنانة وخزاعة وعامر بن صعصعة, كانوا من أهل الحرم, وكانوا يقفون بالمشعر الحرام ولا يخرجون من الحرم, ولا يقفون بعرفات في الجاهلية, فأمرهم الله بالوقوف بعرفات والإفاضة منها فذلك قوله { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } يعني عرفات { وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ }يعني لذنوبكم { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } يعني لذنوب المؤمنين { رَحِيمٌ } بهم .
قال أبو الحواري :
إن الناس هاهنا هو النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إن أكثر قولي وقول الأنبياء من قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير" .
عن ابن عباس قال: الجنة لكل تائب , والمغفرة لكل لازم لطاعة الله وواقف بعرفات .
قال: وكان أهل الجاهلية يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس, فخالف عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في الإفاضة, فأفاض منها بعد غروب الشمس .
فينبغي للإمام إذا غابت الشمس أن يفيض من عرفات, والناس معه يسيرون سيراً حميداً , لا يؤذون أحداً , وهم يلبون حتى ينزلوا بجمع وهو المشعر الحرام .
تفسير المشعر الحرام والذكر لله في تلك الليلة : (1/79)
صفحة 77
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة(الآية:198): { َإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } يعني بالمشعر الحرام جمعا اجتمع بها آدم وحواء حين هبطا من الجنة , وهي المزدلفة يزدلف إليها إذا أفاضوا من عرفات .
قال: فإذا نزل الناس بجمع , يصلون فيها صلاة المغرب والعشاء جمعاً في موقف واحد بأذان وإقامتين .
قال :{ فَاذْكُرُوا اللَّهَ } يعني: ذكر الله { عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ }{ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } لأمر دينه { وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ } يعني: من قبل أن يهديكم لمن الضالين .
قال : ومن لم يجتمع مع الناس بعدما وقف بعرفات فعليه ذبح شاة لفقراء المسلمين , ولا يأكل منها شيئاً , وقد تم حجه , ومن أدرك بجمع فوق ساعة معهم فلا كفارة عليه .
فإذا أصبح الإمام بجمع والناس معه فصلى صلاة الفجر , ثم وقفوا ساعة يذكرون الله ,ويسألون حاجتهم , ثم يفيض الإمام والناس معه من جَمْع قبل طلوع الشمس فيسيرون رويداً , ويلبون ويذكرون الله حتى يأتوا منى بجمرة العقبة .
تفسير منى وأيام النحر والطواف الواجب ورمي الجمار :
قوله في السورة التي يذكر فيها الحج(الآيات:27-29) :
{ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ }إلى قوله { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } يعني: الأجر في الآخرة في مناسكهم { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } يعني: ثلاث أيام , يوم النحر ويومين بعده الذي يصلح فيهن الذبح { عَلَى مَا رَزَقَهُمْ } يعني: على الذبائح { مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ }يعني: الإبل والبقر والغنم، { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ } يعني: الضرير الزَّمِن { الْفَقِيرَ } يعني: من ليس له شيء. (1/80)
صفحة 78
ثم قال { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ } يعني: حلق الرأس والذبح ورمي الجمار { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } يعني: في الحج والعمرة مما أوجبوا على أنفسهم من هدي وغيره , فإذا نحروا يوم النحر وفوا نذورهم { وَلْيَطَّوَّفُوا } يعني: الطواف بعد النحر { بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } يعني: عتق في الجاهلية من أن يحرب أو يقتل أهله , أو يسبى .
قال : إذا قدم الحاج يوم النحر فإذا أتى جمرة العقبة فليمسك عن التلبية , ويرمي سبع حصيات يكبر مع كل حصاة تكبيرة من بطن الوادي , فإذا فرغ من رميها فلا يقف عندها ,ولينصرف وليقل : اللهم اجعله حجاً مبروراً , وذنباً مغفوراً , وسعياً مشكوراً وأرزقنا نضرة وسروراً , ثم يرجع إلى منزله فيذبح ويحلق , فإذا ذبح وحلق يوم النحر حل له كل شيء غير النساء والصيد حتى يطوف بالبيت الطواف الواجب بعد النحر .
ثم يحل له النساء والطيب والصيد وما يحل للمسلم من حلاله كله, قال: فلا يبيت بمكة حتى يرجع إلى منى فيرمي الجمر ثلاثة أيام بعد يوم النحر مع كل حصاة تكبيرة , ويبيع ويشتري إن شاء ثلاثة أيام بعد يوم النحر مع كل حصاة تكبيرة , ويبيع ويشتري إن شاء فذلك قوله { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ } (البقرة:198) يعني: الرزق في التجارة في مواسم الحج كلها.
عن جابر: عن النبي صلى الله عليه وسلم:" أنه أمر أن يشترك سبعة نفر حجاجاً أو معتمرين في بعير مسن أو بقرة مسنة , والرجال والنساء في ذلك سواء " وإن كانوا من قبل شتى فلا بأس , وإن دخل فيهم رجل بغير ثمن فلا بأس , وكذلك في أضحية في غير مكة برضا أصحابهم , وكذلك إن لم يسم بأسمائهم عند الذبح فلا بأس .
تفسير تعظيم شعائر الله والذبائح :
قوله في سورة الحج (الآية:32): (1/81)
صفحة 79
{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ } يعني: البدن أعظمها وأسمنها { فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } يعني: من إخلاص القلوب, ومن نحر بعيراً, فهو أفضل من بقرة , ومن ذبح بقرة فهي أفضل من شاة, والشاة تجزي.
قوله { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ }(الحج:36) يعني: من أمر المناسك, قال: والبقر أيضاً من البدن { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } يعني: لكم في نحرها أجر في الآخرة ,ومنفعة في الدنيا , فإنها سميت البدن لأنها تقلد وتشعر , وتحمل وتساق إلى مكة .
والهدي : الذي ينحر ولم يقلد ولم يشعر .
قال { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } يعني: إذا نحرتم { صَوَافَّ } يعني: معقولة يدها اليسرى , قائمات على ثلاث قوائم مستقبلات القبلة هذا تعليم من الله فمن شاء نحرها على جنبها .
قوله { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } يقول : فإذا خرت لجنبها على الأرض بعد النحر { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ } يعني: الراضي الذي يقنع بما يعطى , وهو السائل { وَالْمُعْتَرَّ } الذي يعترض للمسألة , فمن شاء أكل , ومن شاء لم يأكل, ومن شاء أمسك إلى أن يرجع إلى أهله , ومن شاء أطعم، { كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ } يعني: هكذا ذللناها لكم , يعني البدن لتنحروها { لَعَلَّكُمْ } يعني لكي { تَشْكُرُونَ } ربكم في نعمته .
وقوله { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا }(الحج:37)، وذلك أن كفار العرب في الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن عند زمزم أخذوا دماءها فنضحوها نحو الكعبة , وقالوا: اللهم تقبل منا, فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك, فأنزل الله هذه الآية{ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا }. (1/82)
صفحة 80
{ وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } يقول : إذا نحرتم لي فهو التقوى منكم لي, فالتقوى هو الذي يناله الله ويرفعه إليه, فأما اللحوم والدماء فلا يناله ولا يرفعه {كذلك كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ } يعني: البدن { لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ } يعني: لكي تعظموا الله { عَلَى مَا هَدَاكُمْ } لأمر دينه { وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } يعني: من فعل ما ذكر في هذه الآيات فبشره بالجنة .
وقوله { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ }(الحج:34) يعني: ولكل قوم من المؤمنين فيما خلا { جَعَلْنَا مَنْسَكاً } يعني: ذبحاً وإهراق الدماء { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } يعني على الذبائح { فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } يعني: ربكم رب واحد ليس له شريك { فَلَهُ أَسْلِمُوا } يعني: فله أخلصوا بالتوحيد { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } يعني: المخلصين بالجنة .
ثم نعتهم فقال: { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ }(الحج:35) يعني: خافت قلوبهم { وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ } يعني: ما أمر الله { وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } يعني: من الأموال ينفقون في طاعة الله .
قوله { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ }(الحج:30) يعني: من أمر المناسك مما نهى عنه { فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } يعني: في الآخرة .
تفسير من تعجل في يومين فنفر من منى بعد النحر :
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة(الآية:203):
{ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } يعني ثلاثة أيام بعد يوم النحر بمنى ، أيام التشريق ، إذا رميتم الجمار ، وفي دبر الصلوات الخمس وغيرها .
قال : وكان عمر بن الخطاب رحمه الله يكبر في قبته بمنى فيرفع صوته فيسمع أهل منى ، فيكبر أهل مسجد منى فيسمع أهل منى فيكبرون كلهم حتى ترتج منى تكبيراً . (1/83)
صفحة 81
قال : { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ } يقول : من نفر من منى بعد يوم النحر بيومين بعدما رمى الجمار الثلاث قبل غروب الشمس { فَلا إِثْمَ }يعني : لا ذنب عليه ، يقول : ذنوبه مغفورة إذا كان مؤمناُ { وَمَنْ تَأَخَّرَ } يعني : إلى اليوم الثالث من أيام التشريق ، حتى يرمي الجمار ثم ينفر مع الناس { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } يعني: فلا ذنب عليه، يعني: ذنوبه مغفورة { لِمَنِ اتَّقَى } يعني : قتل الصيد وغيره مما نهى عنه في اٌٌلإحرام ، ثم قال وَاتَّقُوا اللَّهَ }يخوفهم ألا يستحلوا قتل الصيد ومعصية الله في الإحرام { عَلَيْهِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم .
قال: فمن أراد أن يتعجل النفر في اليومين فليرم الجمار الثلاث بعد يوم النحر ، ثم ينفر قبل غروب الشمس، فإذا أقام بمنى حتى تغرب الشمس فليس له أن ينفر حتى يرمي الجمار الثلاث ثم ينفر مع الناس .
/ (1/84)
صفحة 82
19- تفسير آيات جزاء قتل الصيد في الحرم والمحصر والفراغ من المناسك
تفسير جزاء قتل الصيد في الإحرام :
قوله في سورة المائدة(الآية:95) :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ } يعني: صيد البر { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } يعني : وأنتم محرمون بحج أو عمرة { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً } لقتله { فَجَزَاءٌ } يعني : جزاء الصيد { مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ }يعني : من الإبل والبقر والغنم ، إن كان قتله متعمداً أو خطاُ، أو أشار إلى الصيد فأصيب من ذلك فعليه { يَحْكُمُ بِهِ } يعني : نحر الصيد { ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } يعني: رجلين عدلين فقيهين مسلمين { هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ }يعني: مكة ، والحرم كله مكة { أَوْ كَفَّارَةٌ } يعني: أو كفارة صيد { طَعَامُ مَسَاكِينَ } يعني: مساكين أرض الحرم ، يشتري بقيمة الصيد حنطة ، قال: { أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ } يعني : الطعام { صِيَاماً } يقول : أو يصوم لكل نصف صاع يوماً على عدة المساكين ولا يطعم، إن شاء صام بمكة أو بغيرها { لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ }يعني : جزاء ذنبه، يقول : الكفارة عقوبة لمن قتل الصيد { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } يقول : لا كفارة على من قتل الصيد فيما مضى قبل التحريم .
قال : { وَمَنْ عَادَ } بعد النهي إلى قتل الصيد { فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } يعني: بالعقوبة مع الكفارة { وَاللَّهُ عَزِيزٌ } يعني : منيع في ملكه { ذُو انْتِقَامٍ }يعني: من أهل معصيته . (1/85)
صفحة 83
قوله(المائدة:94): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ } يعني: ليبتلينكم الله { بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ }يعني : ببعض الصيد ، صيد البر خاصة لأن للبحر صيداً . ثم قال { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ }يعني : صغار الصيد والفراخ تأخذونها بأيديكم أخذاً بغير سلاح ، ورماحكم يعني : سلاحكم، يقول: يصيبون كبار الصيد بالنبل والرماح { لِيَعْلَمَ اللَّهُ }يعني : ليرى الله { مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ }يعني: من يخاف الله ولم يره فلا ينال الصيد وهو محرم { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ }يقول: فمن أخذ الصيد عمداً بعد النهي { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني: ضرباً وجيعاً وتسلب ثيابه مع الكفارة .
ثم يبين ما يحل للمحرم من الصيد فقال(المائدة:96، 97): { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ } يعني: السمك، وكل طير في الماء لا يعيش في غيره ، فهو حلال محرم .{ وَطَعَامُهُ } يعني: السمك المالح { مَتَاعاً لَكُمْ } يعني: منافع للمقيم { وَلِلسَّيَّارَةِ }يعني: وللمسافر { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } ما دمتم محرمين { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } فخوفهم ، فلا تستحلوا الصيد في الإحرام ، ثم حذرهم قتل الصيد فقال { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم .
قوله(المائدة:2): { وَإِذَا حَلَلْتُمْ } من إحرامكم { فَاصْطَادُوا } من صيد البر فهذه رخصة بعد النهي، فمن شاء اصطاد ومن شاء لم يفعل .
عن ابن عباس أنه قال في رجل محرم قتل حمار وحش أو نعامة ففيها بعير ينحر بمكة للمساكين.
وقال: من قتل من ذوات القرن: الإبل والوعل والأروى ونحوه فعليه بقرة ، وفي الظبي شاة مسنة . (1/86)
صفحة 84
عن ابن عباس أنه قال: في الحمامة ونحوها شاة , وفي ولد حمار وحش , أو فرخ نعامة ولد بعير مثله , وفي ولد الإبل والوعل وغيره ونحوه ، ولد بقرة مثله , وفي الضب أو فرخ حمامة ونحوها ولد شاة مثله .
عن جابر: أن عمر بن الخطاب حكم في الضبع شاة مسنة .
عن جابر، يرفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم " الضبع من الصيد" .
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في بيض النعامة صيام يوم أو إطعام مسكين ".
عن ابن عباس أنه قال: في بيض الحمامة ونحوها إذا كان فيها فرخ درهم ، وإذا لم يكن فيها فرخ فنصف درهم يتصدق به على فقراء المسلمين .
قال: ما كان من هدي كفارة ، أو جزاء صيد ، أو قربة أو نذور أو صدقة فهو لفقراء المسلمين ، فما مات منها أو ضل فعلى صاحبها بدله للفقراء ، فإن عطب في الطريق فنحره قبل أن يدخل الحرم فليأكل منه ، وليطعم لأن عليه بدله في الحرم فإن بلغ البيت فقد أجزى عنه، وليطعمه الفقراء ، فإن الحرم كله مكة.
وإن قدم مكة في شوال أو ذي القعدة فلينحره بمكة قبل يوم النحر إن شاء ثم يتصدق به على المساكين ولا يأكل منه ، ومن قدم بالهدي في عشر من ذي الحجة فلا ينحره حتى يكون يوم النحر فينحره بمنى ، ثم يتصدق على الفقراء والمساكين .
قال: وما كان من هدي نحر لله ، ولم يسم للمساكين وهو التطوع ، وهدي المحصر بالحج والعمرة فلينحره بمكة يوم النحر ، وليأكل منه وليطعم أكثره الفقراء .
وقال: كل هدي تطوع ضل أو عطب في الطريق قبل أن يدخل الحرم فلينحره ، ثم يغمس دمه في نعله ثم يضرب بها صفحته اليمنى ليعرف أنه هدي ولا يأكل منه هو ولا رفيقه ، ولا يأمر بأكله ، ولكن يأكله من بعدهم ، وليس عليه بدله ، فإن أكل منه فعليه بدله .
تفسير المحصر في إحرامه بحج أو عمرة : (1/87)
صفحة 85
قوله في سورة البقرة(الآية:196): { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } يقول: فإن حبستم في إحرامكم بحج أو عمرة ، يعني : حبسكم كبير أو مرض أو عدو عن المسجد الحرام فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } بلغنا ذلك عن ابن عباس قال: إذا أحصر المحرم فليقم محرماً مكانه ، وليبعث إلى مكة ما استيسر من الهدي بعيراً أو بقرة أو شاة ، ويأمر بالهدي ليذبح بمكة ، وليقم على إحرامه .
قال: { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } فإن المحصر لا يحلق رأسه , يتقي كل شيء يتقيه المحرم { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } يعني: منحرة مكة ، وعلى المحصر [ التحلل] مكانه من إحرامه ، وعليه الحج من قابل، وهو بمنزلة أهل منى لا يقرب النساء ولا الصيد، وإن كان محرماً بعمرة جعل بينه وبين الذي يبعث معه الهدي أجلاً مسمى، فإذا بلغ الهدي مكة نحره المبعوث معه في الحرم يوم يقدم مكة ويحل المحصر من إحرامه مكانه .
وقال غيره: هو بمنزلة قوله { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً } في إحصاره { أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ } فحلق رأسه { فَفِدْيَةٌ }يعني : فعليه فدية { مِنْ صِيَامٍ } يعني: ستة أيام متتابعات { أَوْ صَدَقَةٍ }على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع حنطة { أَوْ نُسُكٍ }يعني : ذبح شاة لمساكين مكة، ولا يأكل منها شيئاً، وإن نحر بعيراً أو بقرة فهو بالخيار .
وقال: في المحصر بالحج ولا يجد الهدي ولا ثمنه ، قال: يصوم ثلاثة أيام متتابعات في عشر ذي الحجة، وإن شاء قبل العشر مكانه، ثم يحل من إحرامه ، وسبعة أيام من بعد أيام التشريق، وهو بمنزلة أهل منى، وعليه الهدي والحج من قابل ، وعليه قيمة الهدي , أو صيام مع حجة .
تفسير الفراغ من المناسك :
قوله في سورة البقرة(الآية:200) : (1/88)
صفحة 86
{ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ }يقول: إذا فرغتم من المناسك { فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً } وذلك أن مشركي العرب في الجاهلية كانوا إذا قضوا مناسكهم بعد أيام التشريق وقفوا بين مسجد منى وبين الجبل فذكر كل واحد منهم - قبل أن ينفر- أباه بخير وذكر محاسنه وصنائعه في الجاهلية, ودعا له بالخير, يقول الله { فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } يعني: ذكر الأبناء للآباء , فإني أنا فعلت ذلك الخير إلى آباءكم الذين تثنون عليهم { أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً }, وأكثر ذكراً من الأبناء والآباء .
ثم قال: { فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } وذلك أنهم كانوا يقولون إذا قضوا مناسكهم: اللهم أكثر أموالنا, وأبناءنا, ومواشينا, وأطل بقاءنا, وأنزل علينا الغيث, وأنبت المرعى, واصحبنا في سفرنا, وأعطنا الظفر على عدونا, ولا يسألون ربهم لآخرتهم شيئاً, فنزلت فيهم هذه الآية { فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا } يعني: أعطنا { فِي الدُّنْيَا } يعني : هذه الأشياء التي ذكروا .
قال الله { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ } يعني: في الجنة من خلاق, يعني: من نصيب, فهؤلاء مشركو العرب, فلما أسلموا حجوا سألوا ربهم للدنيا والآخرة .
قال الله تعالى وقوله الحق(البقرة:201): { وَمِنْهُمْ }يعني: من المسلمين { مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } يعني: أعطنا في الدنيا حسنة, يعني: التقوى والعمل الصالح والرزق الواسع { وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً } يعني: أن يجعل ثوابهم في الجنة { وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } .
قال الله جل ذكره(البقرة:202): { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ } يعني: حظاً في الآخرة { مِمَّا كَسَبُوا }في أعمالهم الحسنة التي عملوا في الدنيا { وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }. (1/89)
صفحة 87
عن ابن عباس قال: إذا حج الأجير والكريّ فقد تم حجهما, ثم تلا هذه الآية { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }.
فمن حج أو اعتمر فيكون آخر عهده الطواف بالبيت, فإذا انصرف من مكة فليقل: آيبون إن شاء الله, تائبون عابدون لربنا حامدون .
وقال آخرون: إلى ربنا راغبون، قال: فمن حج مخلصاً من مال حلال , وسلم المسلمون من لسانه ويده وكان من المتقين , رجع مغفوراً له , وذلك قوله(البقرة:203): { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } يعني: لا ذنب عليه, يعني: ذنوبه مغفورة.
/ (1/90)
صفحة 88
20- تفسير آيات حرمة قتل النفس بغير حق وحد الحرابة وقتل المؤمن والدية
تفسير ما حرم الله من قتل النفس بغير حق :
قوله في السورة التي يذكر فيها الأنعام(الآية:151):
{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً } إلى قوله { وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ } يعني: خشية الفقر.
وقوله في السورة التي يذكر فيها بنو إسرائيل( الآية31): { إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً }.
قال: { وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ } يعني : الزنا { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } يعني: العلانية , وما بطن, يعني: السريرة .
ثم قال { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ } يعني : نفس المؤمن التي حرم الله قتلها إلا بالحق , يعني : إلا بالقصاص , وما يوجب عليه القتل { ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }(الأنعام:151).
وبيان جزاء من يفعل هذه الخصال في السورة التي يذكر فيها الفرقان(الآية68- 70):
قوله { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ }يعني : لا يعبدون مع الله إلهاً غيره { وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ } يعني: نفس المؤمن { الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ } قتلها { إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } يعني: هذه الخصال الثلاث جميعاً أو أشتاتاً { يَلْقَ } يعني: جزاؤه { أَثَاماً } يعني: وادياً في النار { يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ } يعني: في العذاب { مُهَاناً } يعني: يهان فيه . (1/91)
صفحة 89
قال: ثم نزلت هذه الآية في كفار مكة، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كتب وحشي غلام جبير بن مطعم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة إني قد أشركت, وزنيت, وقتلت, وكان قتل حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، قال: فهل لي من توبة ؟ فنزلت فيه فاستثنى { إِلاَّ مَنْ تَابَ } يعني: من الشرك { وَآمَنَ } يعني: وصدق بتوحيد الله والإقرار بما جاء من الله بالطاعة { وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ }يعني: يحوِّل الله { سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } يعني: يبدلهم مكان الشرك الإسلام, ومكان القتل الكف, ومكان الزنا العفاف والتوبة { وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً } يعني: ما كان في الشرك { رَحِيماً } بهم في الإسلام .
قال: فأسلم وحشي, وهاجر إلى المدينة, فقال للنبي من كان بمكة من الكفار: كلنا قد عملنا عمل وحشي, وقد قبل الله توبته ولم ينزل فينا شيئاً فنزل في كفار مكة { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } (الزمر:53) يعني: بالإسراف [في] الذنوب العظام, الشرك بالله والقتل والزنا وغير ذلك جميعاً { لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً } يعني: هذه الخصال الثلاث وغيرها من الذنوب لمن تاب منها { إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ } للذنوب العظام ,وغيرها من جميع الذنوب { الرَّحِيمُ } بهم في الإسلام إذا تابوا منها وندموا وأطاعوا فيما أمروا به, وما نهوا عنه .
فهذا أمر مشرك قتل, وفعل هذه الأشياء في شركه فإن مات في شركه دخل النار, وإن تاب وأسلم فلا يؤاخذه الله بما عمل في الشرك , ولا يؤاخذه في الدنيا ولا في الآخرة, إذا خرج من الدنيا مخلصاً مؤمناً .
وأما الذي يسلم ثم يشرك فله أمر آخر .
تفسير من يسلم ثم يشرك ثم يقتل ويأخذ الأموال :
قوله في السورة التي يذكر فيها المائدة (الآية:33، 34): (1/92)
صفحة 90
{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ }يعني: بالمحاربة: الكفر بعد الإسلام .
قال: وذلك أن أناساً من عرينة أسلموا، فلما هاجر النبي إلى المدينة فأصابهم مرض فاستأذنوا النبي أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها, فأذن لهن النبي صلى الله عليه وسلم فلما صحوا ارتدوا عن الإسلام , وقتلوا الراعي, واستاقوا الإبل معهم, فنزلت فيهم { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يعني : بالكفر بعد الإيمان { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً } يعني: يعملون فيها بالمعاصي والقتل , وأخذ الأموال بغير حق جزاؤهم { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ } يعني: اليد اليمنى والرجل اليسرى, فللإمام في ذلك كله خيار.
ثم قال : { أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ } يعني: أو يطلبوا حتى يهربوا من أرض المسلمين فينفوا بالطرد { ذَلِكَ } يعني: هذا الجزاء { لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم, فأخذ منهم أناساً فأقام فيهم الحد .
ثم استثنى فقال: { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا } يعني: من الكفر { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ }فتقيموا فيهم الحد { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، { غَفُورٌ } لما كان منهم إلى الشرك { رَحِيمٌ } بهم بعد التوبة في الإسلام .
يقول: من جاء منهم مسلماً تائباً من قبل أن يؤخذ فلا سبيل عليه {حيث} هدم الإسلام ما فعل في الشرك كان أعظم منه, فيحكم الحاكم اليوم على من يرتد عن الإسلام ثم قتل وأخذ الأموال , وقدر عليه قبل أن يسلم ويتوب إلى الله , أن يقتل ويصلب , فإن قتل ولم يأخذ الأموال قتل.
فإن أخذ الأموال ولم يقتل أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف . (1/93)
صفحة 91
فإن لم يقدروا عليهم طلبوهم حتى ينفوهم من أرض المسلمين، فهذا تفسير من يسلم ثم يشرك ثم يقتل في الشرك, وأما من قتل وهو مقر ثم ارتد ولحق بالمشركين, ثم تاب ورجع إلى المسلمين فعليه القصاص ويقبل توبته إذا كان مخلصاً , وإن أقام مع المشركين مشركاً في دارهم حتى يدركه المسلمون فعليه القتل في الدنيا والنار في الآخرة .
تفسير من أسلم فقتل مؤمناً متعمداً في إقراره ثم أشرك ولحق بالمشركين فأقام معهم :
قوله في السورة التي يذكر فيها النساء(الآية:93): { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ }:
قال : نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني، وذلك أن مقيساً كان أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة , فوجد مقيس ذات يوم أخاه قتيلاً في الأنصار في بني عدي , فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل تعلم له قاتلاً ؟ قال: لا فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من قريش من بني فهر مع مقيس إلى بني عدي , ومنازلهم يومئذٍ بقباء أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك , وإلا فادفعوا إليه ديته, فلما جاءهم الرسول قالوا: السمع والطاعة لله ولرسوله, والله ما نعلم له قاتلاً, ولكن نؤدي ديته, فدفعوا إلى مقيس دية أخيه مائة من الإبل, فلما انصرف مقيس والفهري من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة عمد مقيس إلى الفهري رسولِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله [وارتد] عن الإسلام بعد قتله.
وركب جملاً منها وساق ولحق بمكة كافراً، وهو يقول في ذلك شعراً :
قتلت به فهراً وحملت عقله ** سراة بني عدي أرباب قارعِ
فأدركت ثأري واضطجعت موسداً ** وكنت إلى الأوثان أول راجعِ (1/94)
صفحة 92
فنزلت فيه بالمدينة الآية بعدما قتل النفس وأخذ الدية وارتد عن الإسلام ولحق بمكة كافراً { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً وَلَعَنَهُ } لقتله { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } يعني: وافراً لا انقطاع له , فجعل له الخلود في النار بكفره، كما جعل لمن كفر بقسمة المواريث في سورة النساء(الآية:14) حيث يقول: { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } يعني: فيما ذكر من قسمة المواريث { يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا } يعني: يخلد فيها بكفره بقسمة المواريث { وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ }.
قال أيضاً: للذي أسلم , وهو مقر بالإسلام بزعمه , ثم قتل بزعمه ثم أشرك فلحق بالكفار .
في سورة الحج(الآية:25) قوله { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }
قال : نزلت في عبدالله بن أنيس بن حنظل القرشي, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر, والآخر من الأنصار فافتخروا في الأنساب فغضب عبدالله بن أنيس, فقتل الأنصاري, ثم ارتد عن الإسلام , وهرب إلى مكة كافراً فنزلت { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ } يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد يعني : يميل عن الإسلام { بِظُلْمٍ } حتى يدخل الحرم بالشرك بعد الإسلام { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } يعني: وجيعاً وهو القتل بالسيف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بقتل عبدالله بن أنيس القرشي ومقيس بن ضبابة الكناني, فقتلا جميعاً على الشرك .
فهذا أمر من يسلم, ثم يقتل, ثم يشرك بعد قتله فيقيم مع المشركين حتى يدركه الموت، فإنه يقتل في الدنيا وله في الآخرة النار.
فأما من أسلم ثم قتل مؤمناً متعمدً ثم أقام على إقراره مع المسلمين في دارهم ولم يرجع إلى الشرك ففيه أمر آخر . (1/95)
صفحة 93
تفسير من قتل مؤمناً متعمداً وهو مقيم مع المسلمين في دارهم, والقصاص , والعفو, والقود في ذلك :
قوله في سورة بني إسرائيل(الآية:33): { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ } يعني: إلا بالقصاص , قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً : " إني أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله, محمداً رسول الله , فإذا قالوها حرم الله عليَّ دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله, قالوا: نبي الله فما حقها ؟ قال: النفس بالنفس والزاني المحصن والمرتد عن الإسلام , التارك لدينه بعد إيمانه, المفارق لجماعة المسلمين" .
ثم قال: { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً } يعني من المسلمين { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً }يعني: لولي المقتول سلطاناً .
يقول: هو مسلط على القاتل, إن شاء قتل, وإن شاء عفا عنه, وإن شاء أخذ الدية, وليس ذلك إلى الإمام, ثم قال لولي المقتول: { فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } يقول: لا يقتل غير قاتل حميمه { إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً } يعني: منصوراً من الله في كتابه حين جعل الأمر إليه القود , ومن قتل غير القاتل فقد أسرف.
قال: وبيان القصاص والعفو في السورة التي يذكر فيها البقرة(الآية:178): (1/96)
صفحة 94
قوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } يعني: إذا كان عمداً الحر بالحر , وذلك أن حيين اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل , فكان بينهم قتلى وجراحات حتى قتلوا النساء والعبيد, فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا, فكان أحد الحيين لهم طول على الآخر في العدد والقدر والأموال فحلفوا إلا يرضوا حتى [يقتل] بالعبد منا الحر منهم, وبالمرأة منا الرجل منهم, فنزل فيهم { الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } فسوَّى بينهم في الدنيا, وأمرهم بالعدل فرضوا بذلك, ثم صارت { الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } منسوخة, نسختها(المائدة:الآية45) { أَنَّ النَّفْسَ } نفس المؤمن الحر بنفس المسلم الحر وبالمسلمة الحرة إذا كان عمداً { بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }.
وسئل ابن مسعود عن السحت, فقال: هي الرشوة. قالوا: الحكم؟ قال: ذلك كفر بعينه. (1/97)
صفحة 95
وقال الله لنبيه: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } (المائدة: 68) فلستم تعلمون أنكم أنتم وأهل الكتاب فيها سواء , فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحكم على من يحاكم إليه من اليهود, فكيف يجعل الحاكم أهل التوراة والإنجيل كافراً ببدله فيزداد به كفراً إلى الذي هو عليه من الشرك, ولا يكون الحاكم بتلك المنزلة وقد جمعهم الله , وأهل الكتاب من قبل في الوصية, قوله : { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً } (النساء:الآية131) وذكر قوماً يقولون: { آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } (النور:47).
ولو كان التولي إلى القول لكانت الرجعة إلى الشرك الذي منه خرجوا, ولكن الله ذكر التولي وهم على منازلهم من الإقرار وكان تولياً على الظلمة, وقال: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً* لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } (الأحزاب: 72، 73) فسماهم أهل الخيانة والنكث والبخل والظلم من أهل الخيانة ومن أهل الإقرار والنفاق. (1/98)
صفحة 96
فإن قلت: إن المنافقين أظهروا الشرك, فلعمري لقد اختلفت منازلهم, ولقد عاب الله طوائف منهم بغير شرك مما عاهدوا الله عليه, وإنهم ليعرفون الرحمن .
قال :{ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ }(التوبة: 64) وقد تخلف متخلفون حساً فنسبوا إلى النفاق , ألا ترى أن بعضهم ندم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت , ثم تاب الله على الثلاث الذين خلفوا .
وإنما النفاق اسم اتخذ نفقاً يخرج به من الوفاء والإيمان إلى الخيانة والكذب بعد الإقرار بالكتاب .
وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً أنه قال: " لا يقتل مؤمن بكافر ", عن أبي بكر الصديق , وعمر بن الخطاب رحمهما الله أنهما قالا :" لا يقتل الحر بالعبد " .
وذكروا أن عمر بن الخطاب قتل ثلاثة بامرأة كانوا قد اشتركوا في قتلها ثم قال: لو اشترك في قتلها أهل صنعاء لقتلتهم بها, ثم رجع إلى قوله (البقرة:178، 179) { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} إذا كان عمداً { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } فجعل ولي المقتول والقاتل أخوين في الدين إذا تاب وندم ورجع إلى الحق وأدى الدية ولم يسم كافراً.
يقول: عفى ولي المقتول عن أخيه القاتل فلم يقتله ورضا بالدية, رضي منه بالتوبة بعد ظلمه { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } يعني: ليطلب ولي المقتول الدية برفق . ثم قال للمطلوب { وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } يقول: يؤدي القاتل الدية من ماله إلى أولياء المقتول في غير مشقة ولا أذى { ذَلِكَ } يعني: العفو والدية { تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ } قال: فإن حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد ولا يعفى عنه, ولا يؤخذ منه الدية. (1/99)
صفحة 97
ويقتل قاتل الخطأ إلا أن يشاء ولي المقتول بالخطأ أن يعفو عنه فله ذلك , وحكم أهل الإنجيل العفو ولا يقتل بالقصاص ولا يؤخذ منه الدية.
ورخص الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إن شاء ولي المقتول العمد قتل القاتل وإن شاء عفا عنه وإن شاء أخذ منه الدية.
قال الله: { تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } يعني: إذ جعل في قتل العمد العفو والدية { وَرَحْمَةٌ } يعني: ولترحموا .
ثم قال: { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ } يعني: من قتل القاتل بعد أخذ الدية { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني: وجيعاً .
يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم " فلا عفو لمن قتل القاتل بعد أخذ الدية , وقد جعل الله له عذاباً أليماً إذا مات بغير توبة ".
قال: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } يعني: يحجز بعضكم عن قتل بعض { يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } يعني: من كان له لب وعقل يذكر القصاص فيحجر خوف القصاص عن القتل { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } لكي تتقوا الدماء مخافة القصاص.
وقد قال بعض المسلمين: لا قصاص بين الزوجين في الجروح, وأما في القتل فينهما القصاص في النفوس.
وقال أبو عبدالله محمد بن محبوب: وبهذا أخذوا الدية بينهم في الجروح .
/ (1/100)
صفحة 98
21- تفسير آيات قصاص الجراحات وأكل الأموال بالباطل وأماني الغفران
تفسير بيان قصاص الجراحات والعفو عنه:
قوله في السورة التي يذكر فيها حم عسق (الشورى:40 ،41 ،43) قال: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } يعني: جزاء جراحة مثلها، يقول: جزاء الجارح أن أساء إليه فيقتص منه إذا كان عمداً كما أساء إلى المجروح, ولا يقتص للعبد ولا للمعاهد من المسلم الحر, ويقتص له منهما، ولا يقتص للمرأة من زوجها في الجراحة ولكن في القتل , ولا يقتص لها في غير ذلك.
قال { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ } يعني: فمن ترك الجارح فلم يقتص منه { وَأَصْلَحَ } العمل, والعفو من الأعمال الصالحة { فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } يعني: من بدأ بظلم { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } يعني : المجروح، يقول: إن اقتص من الجارح من بعد ظلمه { فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } يعني: ما على المجروح من عدوان .
ثم ميَّز أن الصبر والتجاوز أحب إلى الله فقال { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ } يعني : المجروح فلم يقتص من الجارح { وَغَفَرَ }, يعني : وتجاوز عنه { إِنَّ ذَلِكَ } يعني : الصبر والتجاوز { لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } من حق الأمور التي أمر الله بها .
قال : وإذا كان يوم القيامة نادى المنادي: ألا ليقوم من كان له على الله أجر , فليقم . فيقال: من هذا الذي له على الله أجر؟ فيقول: من عفا وأصلح وصبر على طاعة الله , وأصلح العمل الذي أوجب الله عليه, فأجره على الله .فيقومون إلى أجورهم فيأخذونها بالكرامة والبشارة والنور الذي يسعى بين أيديهم .
تفسير من يقتل مؤمناً, ويأكل الأموال عدواناً وظلماً : (1/101)
صفحة 99
قوله في السورة التي يذكر فيها النساء(الآية:29): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } يعني: بالظلم, يقول: لا تأكلوا إلا بحقه, وهو الرجل يجحد حقاً هو عليه, أو يقتطع مالاً بيمين كاذبة, أو بغضب, أو بأكل الربا, ثم قال: { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } يعني: ما استفضل الرجل من مال أخيه في التجارة فلا بأس .
قال: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } يقول : لا يقتل بعضكم بعضاً { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } يعني: [ أكل الأموال وسفك الدماء] جميعاً متعمداً { عُدْوَاناً } يعني: اعتداءً بغير حق { وَظُلْماً } فيموت على ذلك { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً } يقول : كان ذلك على الله هيناً .
عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قال: الموجبات التي أوجب الله عليها النار لمن عمل بها في هذه الآية والآية الأخرى قوله { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } (النساء:93)، وقوله { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } (النساء:10) ونحوها. (1/102)
صفحة 100
حين أصلاه الله النار أخرجه من رحمته إلى غضبه, وإلى عداوته , وهو في عداوة الله , وبريء من ولاية الله , ودخل في ولاية إبليس , إن إبليس قال لربه: { فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ }(ص:79-83) فهذا الذي أكل مال اليتيم , وسفك الدم الحرام , وركب الموجبات وأصر عليها حتى مات فهو ممن أغراه إبليس , وبرئ من عباد الله المخلصين { وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ }(لقمان: 32) والختَّار: هو الغدار .
فمن كفر بعد ميثاقه خاب وخسر, وقال الله: { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ }(الرعد:25) ، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }(الأنفال:27) .
فمن خان أمانته, خان الله ورسوله, وتصديق ذلك أن الله يقول: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }(آل عمران:161) يعني: فيأتي بالغل يوم القيامة. (1/103)
صفحة 101
وقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً }(النساء:107) وإنما نزلت في أهل القبلة الذين خاصموا عن الرجل الذي خان الدرع من اليهودي، وهو الذي أنزلت فيه: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } (النساء:116) ولمن مات خائناً قبل أن يشرك بالله شيئاً أدخله الله النار , إنه لا يدخل الجنة إلا من يحب الله , فإن الله لا يقبل العمل إلا من المتقين , وكيف يكون من المتقين من أقام على الزنا والقتل , وأكل مال اليتيم , ونقض العهد والميثاق , والفساد في الأرض والإقامة على المعاصي حتى مات عليها . قال : وإن التقوى { ليست قولاً } بغير عمل , ونما التقوى الإيمان , والعمل حقيقة الإيمان .
وقد سماهم مؤمنين حيث استجابهم فأجابوه وصدقوا بما جاء به نبيهم , أمرهم بالتقوى من جميع المعصية , والعمل يعني جميع مما أمر الله , قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ }(محمد:33).
وقال للمؤمنين: { لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ }(الأنبياء:103) .
وقال: الفقيه كل الفقية من لا يُؤَيِّس الناس من رحمة الله, لأن الله يقول: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى }(طه:82)، وقال: الفقيه كل الفقيه من لا يرخص لهم في معصية الله .
تفسير ما حرم الله من أكل أموال ظلماً وعدواناً : (1/104)
صفحة 102
قوله في سورة البقرة(الآية:188): { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } يعني: بالظلم, ولا تأكلوا إلا بالحق, وذلك أن امرئ القيس بن عابس الكندي وعبدان بن أسوع الحضرمي اختصما في أرض وكان عبدان هو الطالب, ولم يكن له بينة , وكان امرئ القيس هو المطلوب .
فأراد امرئ القيس أن يحلف فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ } إلى آخر الآية(آل عمران:77) .
فلما سمع امرئ القيس كره أن يحلف, فلم يخاصم عبدان وحكَّمه في أرضه, ففيه نزلت { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ } يقول: لا يدلي أحدكم بخصومه إلى حاكم في استحلال مال أخيه, ويعلم أنه مبطل { لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يعني: تعلمون بأنكم تدعون الباطل.
قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إنما أنا كأحدكم , فلعل بعضكم أعلم بحجته من صاحبه, فأقضي له, وهو مبطل-ثم قال- أيما رجل قضيت له بمال امرئ مسلم فإنما أقطع له قطعة من نار جهنم فلا يأكلها" .
وقوله في السورة التي يذكر فيها النحل(الآية:95-96): { وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } يعني: عرضاً من الدنيا يسيراً { إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ } يعني: الثواب الذي عند الله { هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } يعني: أفضل من العاجل { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ } يعني: ما عندكم من الأموال يفني { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ } يعني: ما عند الله في الآخرة من الثواب دائم لا يزول عن أهله.
قال { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ } صبروا على أمروا الله { بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } في الدنيا, ويعفو عن سيئاتهم . (1/105)
صفحة 103
عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " من حلف عن يمين فاجرة, ليقطع بها مال امرئ مسلم, أو قال : من غير حل لقى الله وهو عليه غضبان". { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ }(الأنعام:31) .
قال : فأبى الله أن يقبل العمل الصالح إلا بالإيمان, ولا يقبل إلا بالعمل الصالح, وكذلك قال الله: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً }(النساء:125).
فأبى الله أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان, ولا يقبل الإحسان إلا بالإسلام, والإيمان والعمل الصالح كالروح والجسد, إذا فارق بينهما هلكا وإذا اجتمعا عاشا.
وقول الله: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }(النساء:48) وسئل عمر عن هذه الآية كيف تفسيرها؟ قال: قول الله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ الذين ينالهم ] المغفرة والتوبة الذين نزل فيهم { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً }(النساء:31) .
فمن وعد الله من أهل القبلة النار بذنب يأتيها إذ قال: { وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } (الزمر:20)، وقال: { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً }(مريم:61)، وقال: { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }(ق:29). (1/106)
صفحة 104
فمن تاب توبة نصوحاً تاب الله عليه, وقال الله ( النساء:122-124): { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً * لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً }.
وقال المنافقون للمؤمنين في الآخرة: { أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ } نصلي كصلواتكم ونجلس في مجالسكم ونحج معكم ؟!
قال المسلمون: { بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ } بالتوبة, قلتم: اليوم وغداً وهذا الشهر وهذه السنة .
{ وَارْتَبْتُمْ } يقول: شككتم في وعيد الله، قلتم: ليس هذا هو الوعيد علينا { وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } الشيطان.
فقال الله { فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ }يا معشر المنافقين { وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }(الحديد:14-15).
وقد قيل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما النفاق؟ قالوا: متكلم بالإسلام ثم لا يعمل به فاحذروا منزلة النفاق .
/ (1/107)
صفحة 105
22- تفسير آيات حفظ أموال اليتامى والوصية بهم وأحكام ذلك كله
تفسير ما أمر الله به الأوصياء أن يفعلوا في أموال اليتامى :
قوله في السورة التي يذكر فيها النساء(الآية:2): { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } وذلك أن رجلاً من غطفان بفتح الغين والطاء, كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم , فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه العم, فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فنزلت فيه { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } فتخلطوها { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } .
فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد عليه ماله وقرأ عليه هذه الآية { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } يعني: ولا تتبدلوا الحرام من أموال اليتامى بالحلال من أموالكم .
يقول: لا تذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام. ثم قال { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } يعني : مع أموالكم فتخلطوها { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } يعني: إثماً كبيراً .
فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية عليه, قال الرجل: أطعنا الله والرسول, ونعوذ بالله من الحوب الكبير, فرد على اليتيم ماله .
قال: فعمد اليتيم فأنفق ماله في سبيل الله، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: " ثبت الأجر, وبقى الوز " فقالوا: يا رسول الله, قد عرفنا ثبات الأجر, فكيف بقى الوزر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" ثبت الأجر للغلام وبقى الوزر على والده ". يقول الله { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } يعني للأوصياء. (1/108)
صفحة 106
{ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ }(النساء:6) يعني: واختبروا عقول اليتامى حتى إذا بلغوا الحلم { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } يعني: فإذا رأيتم منهم صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم { فادفعوا إليهم أموالهم } يقول: ادفعوا إلى اليتامى أموالهم إذا كبروا { وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً }يعني: في غير حق { وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا } يقول: لا تبادروا أموال اليتامى بالأكل خشية أن يبلغ الحلم فيأخذ ماله.
{ وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ } يعني: للأوصياء, يقول: إذا دفعتم { إِلَيْهِمْ } إلى اليتامى { أَمْوَالَهُمْ } إذا بلغوا الحلم { فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ } بالدفع إليهم أموالهم { وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً } يعني: شهيداً، قال: ويسألكم وغيره يقول فلا شاهد أفضل من الله فيما بينكم وبينهم, ولا يدفع لليتيم ماله حتى يبلغ الحلم { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ }.
وقوله في سورة الأنعام(الآية:152): { وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } يعني: إلا لينمو ماله بالأرباح { حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } ثمان عشرة سنة أو ما شاء الله . (1/109)
صفحة 107
مثلها في سورة النساء(الآية:10) { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} يعني: استحلالاً بغير حق { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } قال: لما نزلت هذه الآية على المسلمين, اعتزل المسلمون بيوت اليتامى وما كان لهم , فشق عليهم وعلى اليتامى, فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اعتزلنا اليتامى والذي لهم, وليس كلنا نجد سعة أن نعزل لليتيم بيتاً وما يصلحه, فهل يصلح لنا الخلطة في المسكن والطعام وخدمة الخادم, وركوب الدابة, وشرب الألبان ونحو ذلك, ولا نَرْزَؤهم شيئاً من الذي لهم, إلا أن يعود عليهم أفضل منه ؟
فرخص لهم في أموال اليتامى في الخلطة ما استثنى من أموالهم في سورة البقرة ( الآية:220) قال: { وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ } يعني: في المسكن والطعام وخدمة الخادم وركوب الدابة وشرب الألبان ونحو هذا { فَإِخْوَانُكُمْ } إلى آخر الآية, فرخص لهم في غير فساد ولم يرخص لهم في أكل أموالهم ظلماً.
وقال أيضاً لمن عنده مال ليتيم يقوم عليه, قال(النساء:6): { وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً } يعني: غنى الوصي { فَلْيَسْتَعْفِفْ } يعني: عن أموال اليتامى فلا يأخذوا { وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } قدر ما يبلغ قوتاً.
/ (1/110)
صفحة 108
23- تفسير آيات رخصة الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض
تفسير ما رخص الله للمؤمنين الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض في بيوت أقربائهم :
قوله في السورة التي يذكر فيها النور(الآية:61): { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } وذلك أنه لما نزلت هذه الآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ }(النساء:29) قالت الأنصار بالمدينة: ما أعز من الطعام؟ وكانوا يتحرجون أن يأكلوا مع الأعمى ويتحرجون أن يأكلوا مع المريض, يقولون الأعمى لا يبصر موضع الطعام, ويتحرجون الأكل مع الأعرج ويقولون: الصحيح يسبقه إلى المكان, ولا يستطيع أن يزاحم, ويتحرجون الأكل مع المريض ويقولون: إنه لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح , وكانوا يتحرجون من بيوت أقربائهم وأصدقائهم .
فنزلت { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ } يعني: ليس على من أكل مع الأعمى حرج , { وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ } يعني: وليس على من أكل مع الأعرج { حَرَجٌ }, { وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } يعني: وليس على من أكل مع المريض حرج { وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } يقول : ولا حرج عليكم { أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ } يعني: خزائنه , وهو عند الرجل .
{ أَوْ صَدِيقِكُمْ } يعني: في بيوت أصدقائكم, قال: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } يعني: { أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } وذلك أنهم كانوا إذا سافروا جعلوا طعامهم في مكان واحد, فإن غاب أحد منهم انتظروه فلا يأكلون وحدهم حتى يرجع مخافة الإثم . (1/111)
صفحة 109
وكان أناس منهم لا يأكلون وحدهم حتى يأتيهم من يأكل معهم, قال الله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } يعني: إذا كنتم جماعة أو أشتاتاً, يعني: إذا كنتم متفرقين فإن أحدكم أكل إذا جاء فلا بأس عليه.
/ (1/112)
صفحة 110
24- تفسير آيات الوفاء بالكيل والميزان وإثم من يطفف الكيل
تفسير ما أمر الله من وفاء الكيل والميزان وما أعد الله لمن يطفف :
قوله في سورة الأنعام( الآية:152): { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } يعني: بالعدل { لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا } يعني: إلا ما طاقت.
وقوله في سورة بني إسرائيل(الآية:35): { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ } يعني: لغيركم { وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ } يعني: الميزان بلغة الروم { ذَلِكَ خَيْرٌ } يعني: وفاء الكيل والميزان خير من النقصان { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }يعني: وأحسن عاقبة.
وقوله في سورة الرحمن(الآية:9) { وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ } ولا تنقصوا الميزان.
وقوله في سورة المطففين(الآيات:1-6): { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ }يعني: لمن يطفف في الكيل والميزان, ثم نعتهم فقال: { الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } يعني: إذا اشتروا من الناس يستوفون الكيل والميزان لأنفسهم { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ } يعني: إذا باعوا هم لغيرهم أو وزنوا هم { يُخْسِرُونَ } يعني: ينقصون الكيل والميزان, ثم خوَّفهم فقال: { أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ } أنهم يعني: ألا يستيقن المطفف في الكيل والميزان [ بالبعث] من بعد الموت وأن الله سيعاقبهم, ثم أخبر عن يوم البعث فقال: { يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ } من قبورهم { لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } قال: يقومون مقدار ثلاثمائة أو ما شاء الله، ويُهوَّن على المؤمنين [ كأداء صلاتهم] .
فبدأ بذكر عقوبة المطفف قبل ذنبه فقال { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } ثم ذكر ذنوبهم فقال: { الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ }. (1/113)
صفحة 111
قال الله: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ }(مريم:37).
/ (1/114)
صفحة 112
25- تفسير آيات الوصية من ثلث المال لمن لا يرث وأحكامها
تفسير وصية الميت من ثلث ماله لمن لا يرث:
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة(الآيات:180-182): { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } يعني: فرض عليكم { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ } يعني: مالاً من بعد الوصية { لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ } يعني: بفضل الوالدين على الأقربين في الوصية, وليوص للأقربين الذين لا يرثون { بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ } يقول: تلك الوصية حقاً على المتقين .
فكانت هذه قبل أن تنزل قسمة المواريث, فلما نزلت قسمة المواريث صارت قسمة الوصية للوالدين منسوخة نسختها الآية التي في سورة النساء، فجعل نصيباً معلوماً, وثبتت لوصية للأقربين الذين لا يرثون من ثلث ماله, قال: { فَمَنْ بَدَّلَهُ } يقول للأوصياء: من بدل وصية الميت { بَعْدَ مَا سَمِعَهُ } فلم يُمضِ وصيته إذا كان عدلاً { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ } يعني: إثم ذلك { عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } يعني: على الوصي, ويرى منه { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعني: لوصية الميت {عَلِيمٌ } بها .
ثم قال للأوصياء: { فَمَنْ خَافَ }يعني: فمن علم { مِنْ مُوصٍ جَنَفاً } يعني: من الميت جنفاً, فأما الجنف: فهو الخطأ والظلم في الوصية، غير الإثم الذي يتعمد لذلك { أَوْ إِثْماً } وأما الإثم: فهو[ التعمد ] للجور في الوصية, { فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } فقد أحل الله لوليه, أو لمن أمرهم أن يصلح بينهم بأمر الله الذي أمر به بالعدل فيقسم الميراث على كتاب الله ويترك جور الميت { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } يعني: للوصي حين أصلح بين الورثة { رَحِيمٌ } به حين رخص له في خلاف جور وصية الميت. (1/115)
صفحة 113
ثم قال لمن يحضر وصية الميت حين يوصيه في سورة النساء(الآية:9): { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً } كان الرجل يدخل على رجل قد حضره الموت فيقول له: أوصِ لفلان وفلان وقدِّم لنفسك, وتصدق, ولا يزال به حتى يوصي بماله لغير ورثته، وعسى أن يكون للميت ورثة ضعفاء [ فنهى الله ] من يحضر وصية الميت عن ذلك فقال: { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ } يأمرون الميت بالوصية غير ولده . يقول: ليخش على ذرية الميت الضعف والفاقة من بعد موته . وكذلك لا يأمر الميت أن يوصي بماله على غير ورثته { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً } يعني: من بعد موتهم ذرية ضعافاً, يعني: من بعد موتهم ذرية ضعافا, يعني: عجزة لا حيلة لهم { خَافُوا عَلَيْهِمْ } يعني: على ولد الميت الضعف كما يخافون على ولد أنفسهم .
ثم قال: { فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا } يعني: للميت إذا جلسوا إليه { قَوْلاً سَدِيداً } يعني: عدلاً على أن يعدل في وصيته ولا يجور .
قال: ومن عدل في وصيته عند الموت فكأنما وجه ماله في سبيل الله فهو عظيم الأجر.
قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص بكم يوصي من ماله؟ قال: بالثلث, والثلث كثير؛ لأن تدع عيالك في غنى خير من أن تدعهم يتكفَّفون الناس.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند الموت وزيادة في أعمالكم وزاداً لكم".
عن ابن عباس أنه قال: من كان له مال فلم يوصِ به لأقربيه الذين لا يرثون عند موته إذا كانوا فقراء فقد ختم عمله بالمعصية, وضيَّع من فرائض الله التي حق عليه, إن كان من المتقين, لأن الله يقول: { حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ } (البقرة:180) إلا أن يكون معذوراً, ولا يطيق, فإن الله يقول: { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا }(البقرة:286) يعني: إلا ما طاقت. (1/116)
صفحة 114
وقال المؤمنون: { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } (البقرة:286) فرفع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان إذا تاب منها.
قال: يوصي الميت من ثلث ماله بما شاء , وليس شيء مؤقت . وقال : لا بأس إن كان المال كثيراً والورثة قليلين أن يوصي بثلث ماله, فإن كان المال قليلاً والورثة كثيرين أن يوصي بخمس ماله.
قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: من الغنائم الخمس, وأنا أوصي بخمس مالي, ولا تجوز وصية لوارث.
/ (1/117)
صفحة 115
26- تفسير آيات المواريث وقسمته ونصيب كل وارث والكلالة
تفسير الورثة وما أمر الله به :
قوله في سورة النساء(الآية:8): { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى }فيها تقديم, يقول الله :" وإذا حضر أولوا القربى" يعني: قرابة الميت الذين لا يرثون { وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ } قسمة المواريث { فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ } يقول للورثة: أعطوهم من الميراث وليس شيء مؤقتاً, فيعطون قبل القسمة.
ثم يقسم الميراث { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً } يعني: عدة حسنة يقول: إن كان الورثة صغاراً فليقل أولياء الورثة للذين لا يرثون من قرابة الميت واليتامى والمساكين إن هؤلاء الورثة صغار, فإذا بلغوا العقل أمرناهم أن يعرفوا حقهم. ويتبعوا فيكم وصية ربهم, وإن ماتوا قبل ذلك أعطيناكم حقكم, فهذا القول المعروف ونسختها آية المواريث، وثبتت الوصية للأقربين الذين لا يرثون من ثلث ماله.
تفسير قسمة المواريث :
قوله في سورة النساء(الآية:7): { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يرثون النساء والوالدان الصغار شيئاً, ويجعلون الميراث لذوي الأنساب من الرجال فنزلت { للرجال نصيب } يعني : حظاً { مما ترك الوالدان والأقربون } { وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } يعني: حظاً { مِمَّا } ترك { قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } يعني: من الميراث أو كثر { نَصِيباً مَفْرُوضاً } يعني: حظاً معلوماً. (1/118)
صفحة 116
ثم بين قسمة المواريث في هذه الآية التي بعدها: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ }(النساء:11) يعني: الصغير { مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } يعني: للصغير والكبير مثل حظ الأنثيين { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً } يعني: بنات { فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } يعني: أكثر من اثنتين, إذ كن اثنتين ليس معهن ذكر { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } الميت والبقية للعصبة { وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } والبقية للعصبة.
تفسير ميراث الأبوين من ولدهما:
قوله في سورة النساء(الآية:11): { وَلِأَبَوَيْهِ } يعني: أبوي الميت { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ } الميت { إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } يعني: ولداً ذكراً أو كان له ابنتان, أو فوق ذلك ولم يكن معهن ذكر، فإن كان للولد ابنة واحدة فلها نصف المال ثلاثة أسداس، وللأم السدس, وللأب السدس, وبقى السدس الواحد فهو للأب لأنه هو العصبة.
{ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ } ذكر ولا أنثى { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } وبقية المال للأب { فَإِنْ كَانَ لَهُ } للميت { إِخْوَةٌ } للميت إخوة أو إخوان فصاعداً أو أختان أو أخ وأخت { فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } وما بقى فللأب وليس للأخوة شيء مع الأب , ولكنهم حجبوا الأم عن الثلث .
ثم قال: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } يوصى به الميت, يعني: يقسم الميراث على الورثة من بعد الدين الذي على الميت, أو { وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا } فيما بينه وبين الثلث, ولا تجوز وصية لوارث أبداً { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ } يعني: فيما قسم من الميراث { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }يعني: حَكم قسمته.
تفسير ما يرث الرجل من امرأته: (1/119)
صفحة 117
قوله في سورة النساء(الآية:12): { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } يقول: للرجل نصف ما تركت امرأته إذا ماتت { إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ } من زوجها الذي ماتت عنده أو من غيره { فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ }ذكر أو أنثى { فَلَكُمُ الرُّبُعُ } يعني: فللزوج الربع { مِمَّا تَرَكْنَ } من المال { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا } النساء { أَوْ دَيْنٍ } عليهن، والدين قبل الوصية, فالآية فيها تقديم.
تفسير ما ترث المرأة من زوجها:
قوله في سورة النساء: { وَلَهُنَّ)(النساء: من الآية12) }يعني : النساء { الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ }يعني: للمرأة الربع مما [ ترك] زوجها من الميراث { إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ } يعني: إن لم يكن لزوجها الذي مات عنها ولد منها أو من غيرها { فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ } يعني للرجل ولد ذكر كان أو أنثى { فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ } يعني: مما ترك الزوج من المال { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } والدين قبل الوصية, ثم يقسم الميراث.
تفسير ما يرث الأخوة من الأم وليس معهم من الأب: (1/120)
صفحة 118
قوله في سورة النساء(الآية:12): { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ } فيها تقديم يقول: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة. والكلالة: الميت الذي ليس له ولد ولا والد { وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } من أمه ليس معها جدات { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } الذكور والإناث في الثلث سواء، وإن كانوا اثنين أو عشرة فصاعدا؛ لأنهم إخوة لأم { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا } الميت { أَوْ دَيْنٍ } عليه, من غير ضرار على الورثة، ولا يقر بحق ليس عليه, ولا يوصي بأكثر من [ الثلث ] مضارة لهم، وذلك قوله { غَيْرَ مُضَارٍّ } يعني: غير مضار للورثة، تلك القسمة { وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ }.
ثم قال(النساء:13-14): { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } يعني: سنة الله وأمره, يعني: في قسمة المواريث { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فيقسم المواريث كما أمر الله { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } لا يموتون { وَذَلِكَ } الثواب { الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }.
قال: { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يعني: في قسمة المواريث، فلم يعدل في قسمتها { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } يعني: يخالف أمره في قسمة المواريث { يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ }.
تفسير ما يرث الأخوة من الأخوات من الأب والأم: (1/121)
صفحة 119
قوله في سورة النساء(الآية:176): { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } والكلالة: هو الميت الذي ليس له ولد ولا والد { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } يعني: مات ليس له ولد { وَلَهُ أُخْتٌ }من أبيه وأمه أو من أبيه { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } من الميراث, والبقية للعصبة { وَهُوَ يَرِثُهَا } يقول: إن ماتت هي فبله فهو يرثها المال كله { إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } فإن مات الأخ وكانت أختان فصاعداً من أبيه وأمه, أو من أبيه { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } الأخ { وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً } يعني: إخوة الميت { رِجَالاً وَنِسَاءً } من أبيه وأمه أو من أبيه { فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } يقول: لا تخطئوا قسمة المواريث { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } يعني: في قسمة المواريث وغيرها عليم.
/ (1/122)
صفحة 120
27- تفسير آيات ميراث الأرحام قبل النسخ وميراث أهل العقد
تفسير أهل الأرحام وما نسخ من نصيب أهل العقد:
قوله في سورة النساء(الآية:33): { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ } يعني: من بني العم والعصبة { مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ }من الميراث، ثم قال: { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } وذلك أن الرجل في الجاهلية, وفي أول الإسلام كان يرغب في خلة الرجل فيعاقده فيقول: ترثني وأرثك، فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من الميت.
فلما نزلت قسمة المواريث, ولم يذكر أهل العقد جاء رجل إلى البني صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله؛ نزلت قسمة المواريث, ولم يذكر أهل العقد, وقد كنت عاقدت رجلاً فمات، فنزلت { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } من الميراث { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً } فلم يأخذ الرجل نصيبه حتى نزلت في سورة الأنفال(الآية:75): { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } يعني: في الميراث { فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فنسخت هذه الآية ما كان قبلها [ مواريث ] أهل العقد والحلف , والمواريث بالهجرة فصارت لذوي الأرحام.
والأب والولد، أولى من الأخ والأخت، والأخ والأخت أولى من ابن الأخ، وابن الأخ أولى من العم، والعم أولى من بني العم، وابن العم أولى من العمة والخال، وليس للعمة والخالة من الميراث نصيب في قول زيد بن ثابت وكان عمر بن الخطاب يعطي العمة الثلثين, والخالة الثلث إذا لم يكن وارث.
/ (1/123)
صفحة 121
28- تفسير آيات تحريم الربا وأكل السحت وتحريم الخمر وترك الشبهات
تفسير ما حرم الله من الربا :
قوله في سورة آل عمران(الآية:130-132): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً } وذلك أن الرجل يكون له على رجل مال, فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه, فيقول المطلوب: أخر عني وأزيدك على مالك, فيفعلان ذلك، فذلك الربا أضعافاً مضاعفة, فوعظهم الله فقال: { وَاتَّقُوا اللَّهَ } في أمر الربا فلا تأكلوه { لَعَلَّكُمْ }يعني: لكي { تُفْلِحُونَ }.
ثم خوفهم فقال: { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } فخوف أكل الربا من المؤمنين بالنار التي أعدت للكافرين { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ } في عزائم الربا { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فلا تعمدوا, وإنما وعد النار للكافرين فحذرهم عن أكل الربا.
وقال في سورة البقرة(الآية:275): { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا } استحلالاً لأكله { لا يَقُومُونَ }يوم القيامة { إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } يعني: الخبل في الدنيا.
قال أبو الحواري :
قالوا: المجنون هو الذي يصرع من الجنون في الدنيا, فتلك علامة أكل الربا يوم القيامة { ذَلِكَ } يعني الذين نزل فيهم { بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا } فهذا الرجل الذي أحل ماله على صاحبه, فيقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل أزيدك على مالك, فإذا فعلوا ذلك قيل لهم: إن هذا ربا، قالوا: سواء علينا أن زدنا في أول البيع, أو عند محل المال فهما سواء. وذلك قوله { بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا } لقولهم: إنا إن زدنا في أول البيع أو عند محل المال فهما سواء. (1/124)
صفحة 122
فأكذبهم الله فقال: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ } يعني : البيان الذي في القرآن في تحريم الربا { فَانْتَهَى } عنه { فَلَهُ مَا سَلَفَ } يعني : فله ما أكل من الربا قبل التحريم { وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } يعني: بعد التحريم, وبعد تركه إن شاء عصمه وإن شاء لم يفعل, ومن مات على التوبة فإن الله غفور رحيم.
قال { وَمَنْ عَادَ } يعني: ومن عاد إلى الربا بعد التحريم لقولهم { إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا } { فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } يعني: لا يموتون.
قال: فإن زعموا أن هذا شرك فقد كذبوا؛ إن الله يقول(البقرة:278-279): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } فصارت حرباً لله ولرسوله حين أقام على الربا في غير شرك بالله, ولا في شك مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا من أهل الإقرار، وإنما جعل الله في النار من أكل الربا, وقد أعد الله النار للكافرين ولم يعدها للمؤمنين.
قوله(البقرة:276) { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا } يعني: يضمحل { وَيُرْبِي } يضاعف { الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لعن الله آكل الربا, وموكله, وشاهديه, وكاتبه إذا علموا بذلك"، وكذلك المعصية كلها, يقول الله: { وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (المائدة:2)، وقال(النساء:85): { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً } أي مقتدراً.
تفسير السحت : (1/125)
صفحة 123
قوله في سورة المائدة( الآية42) حيث يقول: { أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } يعني: الرشوة في الحكم, ولا يحل ذلك للمسلمين.
وقوله في سورة الحج(الآية25): { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } يعني: مكة { الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } يعني: شرعاً واحداً للمتقين من أهل مكة في مكة أيام الحج, ومن كان من غير أهلها, فهم في مكة شرع واحد سواء.
قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر وما يشبه الخمر, وعن الميتة وما يشبهها, وعن ثمن جلود الميتة, ونهى عن ثمن الكلب, وأجر الأذان والإمامة وأجر القفيز, وأجر الميزان إذا لم تعمل فيه بنفسك, وقال: لا بأس بثمن الكلب الكلب".
تفسير ما حرم الله من الخمر, وما نسخ من تحليلها:
قوله في سورة النحل( الآية67): { وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ } يعني: من الثمرات { سَكَراً } يعني: ما أسكر من الخمر والنبيذ, مما يخرج من النخل والعنب { وَرِزْقاً حَسَناً } يعني: من ثمراتها, وما لا يسكر مما تتخذون من عصيرها. قال: نزلت هذه الآية والخمر يومئذ حلال.
قال أبو الحواري: يقال, الرزق الحسن هو الخل. (1/126)
صفحة 124
ثم نزلت في سورة البقرة(الآية 219): { يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } يعني: الميسر القمار كله, وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يقول: أين أصحاب الجزور؟ فيقوم نفر فينشرون جزوراً بينهم, فيجعلون لكل رجل منهم سهماً ثم يقترعون, فمن أصابته القرعة برئ من الثمن, حتى يبقى آخرهم رجلاً, فيكون ثمن الجزور عليه كله وحده, وليس له في اللحم نصيب, يقسمون بقية الجزور بينهم بالسوية, وإنما سمي الميسر لأنهم كانوا يقولون: تيسروا بثمن الجزور وبثمن اللحم, قال الله تعالى: { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } لأن في شرب الخمر, والقمار ترك الصلاة وترك ذكر الله, قال الله { وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } يعني بالمنافع: اللذة والتجارة في الخمر, والفضل الذي يصيبه من القمار في الميسر { وَإِثْمُهُمَا } بعد التحريم { أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } قبل التحريم, فذمهما ولم يحرمهما, فكان المسلمون يشربونها على المنافع وهي يومئذ لهم حلال .
فصنع رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم صنيعاً, ودعا إليه أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, فسقاهم من الشراب حتى أخذ فيهم, فلما حضرت الصلاة, تقدم رجل من أخيارهم وذلك في صلاة المغرب فقرأ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } فأخطأ في أولها وآخرها.
فصار شرابها في أوقات الصلاة منسوخة نسختها هذه الآية(النساء:3): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } تشاءون في الشراب { حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } يعني: ما تقرءون في صلواتكم, وهذه الآية [ أشد من الأولى ].
وقال عمر بن الخطاب: إن الله ليقرب في تحريم الخمر, وما أراه إلا سيحرمها, فكانوا يشربونها بعد صلاة الغداة, ثم ينامون فإذا حضرت صلاة الأولى وقد [ذهب] عنهم السكر. (1/127)
صفحة 125
قال: فصنع رجل من الأنصار صنيعاً ودعا سعد بن أبي وقاص إلى صنيعه, وكان شوى رأس بعير, فأكلوا وشربوا, وكان ذلك قبل تحريم الخمر فأخذ فيهم فافتخروا, وانتسبوا [ وقالوا] الشعر فقام الأنصاري فأخذ إحدى لحى البعير, فضرب بها رأس سعد, فإذا الدماء على وجهه فانطلق سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستعدياً يشكو الأنصاري, فنزل تحريم الخمر, وذلك بعد غزوة الأحزاب.
كل آية في تحليل الخمر في القرآن منسوخة نسختها هذه الآية في سورة المائدة(الآية:90-93) قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } يعني: القمار كله { وَالْأَنْصَابُ } يعني: حجارة كان ينصبها مشركوا العرب فيعبدونها ويذبحون لها, { وَالْأَزْلامُ } يعني: القدحين اللذين كان يستقسم بهما أهل الجاهلية في أمورهم, أحدهما عليه مكتوب "أمرني ربي" وعلى الثاني "نهاني ربي" ثم يأخذون القداح ويضربون بها على رأس صنمهم , فإن خرج القدح الذي مكتوب عليه "أمرني ربي" ركبوا الأمر الذي هموا به، وإذا خرج الذي عليه مكتوب " نهاني ربي " تركوا الأمر الذي أرادوا أن يركبوه فهذه { الأزلام } قال الله: { رِجْسٌ } يعني: إنما ذكر الخمر والميسر والأنصاب والأزلام { مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } يعني: من تزيين الشيطان { فَاجْتَنِبُوهُ }فهذا تحريمهن، كما قال الله: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ }(الحج:30) يعني: عبادة الأصنام, فحرم الخمر وما يشبهه من كل مسكر, كما حرم عبادة الأنصاب, { لَعَلَّكُمْ } يعني لكي { تُفْلِحُونَ }.
قال: { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ } يعني: يلقي { بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } يعني: حين شج الأنصاري رأس سعد بن أبي وقاص { وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } فهذا وعيد من بعد التحريم, قالوا: قد انتهينا يا ربنا. (1/128)
صفحة 126
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " من كان عنده شيء منها, فلا يبيعها ولا يشربها " .
{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا } يعني في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وغيره { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا } يعني: فإن أعرضتم عن طاعتهما { أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا } يعني: محمد صلى الله عليه وسلم { الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أن يبين تحريم ذلك.
عن أبي عبيدة قال: لقد نزل تحريم الخمر بالمدينة, وما بالمدينة يومئذ خمراً إنما كانوا يشربون الفضيح.
وذكر عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: أخرجنا الخمر إلى الرفاق فأهرقناها, ومنهم من كسرها.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله حرم الخمر بعينها, والمسكر من كل شراب".
قال: قام عمر بن الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أيها الناس إن الخمر نزل تحريمها يوم نزل, وهي من خمسة أشياء: من العنب, والتمر, والعسل, والحنطة, والشعير.
والخمر: ما خامر العقل, يعني: إذا خالط العقل وهو خمر.
قال أبو الحواري: ليس من التمر خمر, ومنه المسكر وهو حرام, والخمر من البسر. (1/129)
صفحة 127
قوله في سورة المائدة : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } وذلك لما نزل تحريم الخمر قال: حيي بن أحطب اليهودي لأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما حال من مات منكم وهو يشرب الخمر؟ فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: يا رسول الله إخوتنا ماتوا وقتلوا وهم يشربون الخمر, فنزلت { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } يعني: حرجاً على الحي منهم والميت { فيما طعموا } يعني: فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها { إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا } المعاصي ولم يشربوا الخمر بعد تحريمها { وَآمَنُوا } يعني: وصدقوا { ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا } العمل بعد تحريمها فلم يشربوا الخمر، فمن فعل ذلك فهو من المحسنين { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }.
قال جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ما يسكر كثيره وقليله حرام ".
عن الربيع قال: كان عمر بن عبد العزيز ينهى عن نبيذ الجر ويخبر في كتابه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه.
عن الربيع قال: أتيت الكوفة وبها يومئذ شريح وعبيدة فسألت عن حرة بن مسلم فلم أجد نبيذ الجر حلالاً.
قالوا: لا يزال الرجل, فيقول: شربت منها نبيذاً طيباً فأخذ في رأسه, فقال أبو سفيان: حججت مائة حجة, واعتمرت أربعين عمرة, فكان السقاية يتولاها ولد العباس لأنفسهم قبل أن يتولوا الخلافة, فكانوا يسقون الناس نبيذاً حلواً، فلما صارت الخلافة لهم شغلوا عن ذلك، ووكلوا السقاية إلى مواليهم وعبيدهم, فيهم الحبش وغير ذلك, فيؤخرون النبيذ حتى يتصلب فيصير مسكراً, وليس نبيذ أحب إلى الحبش والزنج من الصلب, فجاء الفساد من ذلك.
عن الربيع - يروى عن الثقات من العلماء - أنه قال: أنهاكم عن المسكر قليله وكثيره, وعن نبيذ الجر. (1/130)
صفحة 128
وعن الربيع يرفع الحديث إلى عائشة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أسكر الفرق منه إذا شربته فملء الكف منه الحرام، والقطرة حرام والجرعة حرام.
قال: بعث عمر بن الخطاب عمران بن الحصين الخزاعي إلى الكوفة أن يصلح لهم عصير العنب، يعلمهم حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث, وقال: إنه كان نبيذ له غدوة في السقاء من الزبيب, فيشربها من الليل, ومن التمر نبيذ له عشية فيشربه غدوة ولا يجعل فيه داذياً .
وكان الصحابة المهاجرين منهم والأنصار من يفعل ذلك وكان ينهون عن نبيذ الجر الذي يغلي فيه فلا يشربونها, وليس كما قال أهل العمى, وأهل الجهل بالله وكتابه.
قال الله :{ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } (الأنعام:125).
فالإسلام في صدور المسلمين له ضوء أكثر من ضوء الشمس وأضوى من ضوء القمر لما يربي في قلوبهم .
ويقال: صدر المنافق حرج بالنفاق, والمنزلة الأخرى: { صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ }.
وفي موضع آخر لا يعرف لله حراماً ولا حلالاً, ولا ولياً ولا عدواً، وإذا قيل لهم: هذه طاعة الله؟ قالوا: لا ندري. وإذا قيل لهم: هذه معصية الله؟ قالوا : لا ندري. وهذا حلال الله, وهذا حرام الله؟ قالوا: لا ندري.
فقد أعمى الله قلبه, وضيق صدره, وليس عليه نور الإسلام, فلا نعرفه ولا نقول به { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ }.
قال الله: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ }(آل عمران:7). (1/131)
صفحة 129
فأعاذنا الله من العمى والشك والضلالة والبدعة والحيرة . ورزقنا وإياكم التعليم لحقه ولدينه ولأوليائه, والقيام بأمره والدعاء إلى الله والتزين به، وجعلنا وإياكم فيها نصحاء لبعضنا بعضاً لدينه.
فتدبروا عباد الله القرآن, وافهموا, واتبعوا ما فيه, فإن فيه نور وشفاء وضياء. يقول الله: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }(محمد:24)، وقال: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } (الإسراء:82).
فجعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظ القرآن، يقول الله:{ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً }(الحشر:21) بما فيه من الوعيد { مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ }.
فاتبعوا القرآن, وكونوا من أهله وتعلموا ما فيه من الحلال والحرام, فإن الله تبارك وتعالى قد بين لكم في القرآن أن تضلوا { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا }(النساء:176) يقول: لكي لا تضلوا.
وقال الله: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } (التوبة:115)، وكيف يكون من المتقين من أقام على الربا, ويشرب شراباً ما نهى الله ورسوله عنه, وحرمه عليه؟!!
وإن الله تبارك وتعالى أمر الناس بالتقوى, فمن اتقى الله في جميع ما نهى الله عنه, ولزم طاعة الله وجميع ما أمر الله به فمات على ذلك, فهو مسلم متقي، يقول الله :{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }(المائدة:27) وكيف يكون من المتقين من ركب الشبهات وركن إليها؟!! كيف يكون من المتقين؟!!
وبلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الصبر صبران أحدهما أفضل من الآخر، " فالصبر في المصيبات حسن [ والشدائد والمآذي] حسن، وأفضل منه الصبر [ عن ] ما حرم الله عليك ". (1/132)
صفحة 130
وقال ابن مسعود رحمه الله, يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ألا إن الحلال بين والحرام بين, وبين ذلك شبهات, كالراعي إلى جانب الحمى يوشك أن يقع فيه, ولكل ملك حمى, وحمى الله في الأرض محارمه, فمن رعى في محارم الله غضب الله عليه, ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه, ومن المعاصي حَماه, فمن رتع حول حماه وقع فيه".
قال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب فقال: يا أيها الناس لا تنظروا في صلاة امرئ, ولا في صيامه, ولا في صدقته, ولكن انظروا في صدق حديثه إذا حدث, وفي أمانته إذا اؤتمن.
وقال: دع ما يريبك إلى [ ما لا يربيك ]، فإنك لن تجد شيئاً تركته ابتغاء وجه الله, وكل مسكر حرام.
/ (1/133)
صفحة 131
29- تفسير آيات اللعان بين الرجل وامرأته وأحكام ذلك
تفسير اللعان بين الرجل وامرأته:
قوله في سورة النور(الايات:6-10): { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ } المحصنات { أَزْوَاجَهُمْ } وهو الرجل يقذف امرأته بالزنا { وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ } يقول: وليس للزوج شاهد غيره أن امرأته قد زنت, فيرفع ذلك إلى الحاكم { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ } يعني: الزوج { أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ }.
يقول: يقوم الزوج بعد صلاة العصر إلى المسجد فيشهد أربع شهادات بالله، يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانة -يعني امرأته- زانية, وإنه لمن الصادقين في قوله.
ثم يقول: { وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ } يعني: على نفسه { إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } في قوله.
[ يقول الله ]: { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ } يعني: ويرفع الحاكم عن المرأة الحد بعد { أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ } يعني: المرأة [ تحلف ] أربع أيمان بالله { إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } يعني: زوجها من الكاذبين في قوله.
ثم تقوم المرأة مقام زوجها فتقول أربع مرات: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أني لست بزانية, وأن زوجي لمن الكاذبين في قوله { وَالْخَامِسَةَ } أي: وتقول في الخامسة: { أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا } يعني: على نفسها { إِنْ كَانَ } زوجها { مِنَ الصَّادِقِينَ } في قوله.
{ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } يعني: ونعمته لأظهر على المذنب يعني على الكاذب منهما { وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ } على من تاب { حَكِيمٌ } حيث حكم اللعان بين الرجل وامرأته. (1/134)
صفحة 132
قال: إذا لاعن الرجل امرأته [ فالولد ] يلزم الوالد إذا كان دخل بأمه, وإن لم يكن دخل بها فإن الولد يلزم الأم دون الزوج إلا أن تكون المرأة جاءتها الحجة أن الزوج دخل بها في بيتها, فإذا جاءت الحجة يلزم الولد الوالد, فإن لم تجيء البينة يلزم الولد الأم دون الزوج, وترثه أمه, ولا يرثه أبوه الذي [ تبرأ منه] ولاعن أمه.
ولا يجلد أحد منهما, ولكن يفرق بينهما, ولا يجتمعان أبداً في مكان واحد, وتأخذ المرأة المهر من زوجها.
والولد الذي يبرأ منه الزوج ترثه أمه ولا يرثه أبوه الذي لاعن أمه.
قال: فإن أكذب الرجل نفسه بعدما فرغا من الملاعنة, جلد الحد والولد له, والميراث بينه وبين ولده.
ولا يجتمع مع امرأته أبداً, فإن أكذب نفسه قبل أن يفرغا من الملاعنة يجلد ثمانين جلدة, والمرأة امرأته, والولد ولده.
قال: وإن صدقته امرأته قبل الملاعنة, أو بعد ذلك ترجم امرأته، ولزوجها ما ساق إليها من المهر, وليس له منها الميراث, وليس بين الزوج وذلك الولد ميراث.
وقال: أربعة ليس بينهم لعان: الحر المسلم تكون تحته يهودية أو نصرانية أو أمة, فليس بينهما لعان, والمرأة الحرة المسلمة تكون تحت مملوك فليس بينهم لعان.
قال: وإذا علم الرجل من امرأته الزنا, أو قذفها بالزنا من غير أن يراها إن لم يرفعا إلى السلطان وسترا على نفسيهما كان أفضل, ولكن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً إن علم الزوج من امرأته الزنا.
وقال: في الحر والمملوك, والأمة والحرة لا يجتمعان أبداً في الزنا ولا بعده.
قال أبو الحواري: الذي عرفنا من قول الفقهاء, إذا رمى الرجل امرأته بالزنا من بعد أن دخل بها, ثم تلاعنا, فرق بينهما والولد ولد الزوج، وإن رماها بالزنا من قبل أن يدخل بها ثم تلاعنا فرق بينهما والولد لأمه. (1/135)
صفحة 133
وإذا أكذب الزوج نفسه من قبل الملاعنة أو من بعد الملاعنة جلد ثمانين جلدة, وفرق بينهما, وهذا إذا وصل أمرهما إلى الحاكم، وإن صدقته امرأته من قبل الملاعنة رجمت المرأة ولا ميراث للزوج منها ولا صداق عليه لها، والولد ولده إن كان قد دخل بها.
وإن كان لم يصل أمرهما إلى الحاكم وأكذب نفسه فالمرأة امرأته إذا لم يعلم أنها زانية.
قال أبو الحواري: ولا تقوم الحرة مع العبد الزاني, ولا يقيم الحر مع الأمة الزانية، لا يقيم الحر ولا العبد مع الأمة الزانية, وكذلك الأمة لا تقيم مع الحر والعبد الزاني.
/ (1/136)
صفحة 134
30- تفسير آيات حد الزنا وما كان قبل من حبسهن في البيوت
تفسير ما حرم الله من الزنا والجلد على من زنا من الحرائر:
قوله في سورة بني إسرائيل(الآية:32): { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } يعني: معصية لله { وَسَاءَ سَبِيلاً } يعني: وبئس المسلك.
قوله في سورة الأعراف(الآية33): { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ } يعني: الزنا { مَا ظَهَرَ مِنْهَا } في العلانية { وَمَا بَطَنَ } في [ السر] وذلك أن مشركي العرب كانوا يكرهون الزنا في العلانية, ولا يرون به بأساً في السر، نظيرها في سورة الأنعام .
وقوله في سورة النساء(الآية:15-16): { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ } يعني: المعصية, وهو الزنا { من نسائكم } يعني : المرأة الثيب من أهل التوحيد قال: { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا } عليهن بالزنا { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ } يعني: احبسوهن في السجون.
قال: كان هذا في أول الإسلام, وكانت المرأة الثيب إذا شهد عليها أربعة من المسلمين عدول بالزنا تحبس في السجن، فإن كان لها زوج أخذ المهر ولكنه ينفق عليها ولا يجامعها أبداً ونكاحها حرام بعد, ولكن يحبسها في السجن { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ } يعني: حتى تموت المرأة وهي على ذلك الحال { أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } يعني: مخرجاً من الحبس، والمخرج الحد على الزنا. (1/137)
صفحة 135
ثم ذكر البكرين اللذين لم يحصنا فقال: { واللذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } يعني: البكرين { يتيانها } بمعنى: الفاحشة, وهو الزنا { منكم } يعني: أهل التوحيد { فَآذُوهُمَا } يعني: باللسان, بالتعزير والكلام القبيح لهما بما عملا, وليس عليهما حبس؛ لأنهما بكران, ولكن يعزَّران ليتوبا ويندما { فَإِنْ تَابَا } يعني: من الفاحشة { وَأَصْلَحَا } يعني: العمل { فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } يعني: لا تسوبهما بعد التوبة { إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً } فكان هذا ما يفعل في البكر والثيب في أول الإسلام.
ثم أنزل الله حد الزاني فصار الحبس والأذى كله للزاني منسوخاً نسخته هذه الآية في سورة النور(الآية:2) قوله { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } يعني: إذا كانا بكرين لم يحصنا, يجلدهما الحاكم إذا رفع إليه, وشهد أربعة من المسلمين أحراراً عدولاً أنهم نظروا العورتين, ثم قال: { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } يعني: في ضربهما { رَأْفَةٌ } يعني: في تعطيل الحدود { فِي دِينِ اللَّهِ } يعني: في حكم الله , الذي جعل على الزاني { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } يقول: يعني للحاكم إن كنتم تصدقون بتوحيد الله { وَالْيَوْمِ الْآخِرِ }يعني : تصدقون بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال, فأقيموا الحدود التي حكم الله, كما أمركم الله.
ثم قال: { وَلْيَشْهَدْ } يعني: وليحضر { عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } يعني: يشهد حدَّهما رجلان فصاعداً. (1/138)
صفحة 136
قال: لما نزلت آية الحدود في الزنا, قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر الله أكبر جاء الله بالسبيل، الله أكبر جاء الله بالسبيل، الله أكبر جاء الله بالسبيل", والسبيل البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة, والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة, فإن كان الزنا البكر بالثيب فعلى البكر جلد مائة ونفي سنة, وعلى الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة.
وقال علي بن أبي طالب- جلد امرأة من همدان يقال لها سراحة جلدها يوم الخميس في الزنا مائة, ورجمها يوم الجمعة [ لأنها } كانت محصنة- فقال: الجلد بكتاب, والرجم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال في ثلاثة نفر شهدوا على رجل الزنا [ والرابع ] غائب قال: يجلد الثلاثة إذا لم يشهدوا أربعتهم جميعاً.
فإن جلد الثلاثة [ كل واحد ] ثمانين, وجاء الرابع فشهد أيضاً مع الثلاثة يجلد ثمانين.
فإن حدَّ [ الثلاثة ] جلد ثمانين غير سوط أو سوطين, ثم جاء الرابع فشهد أجزيت شهادتهم.
فإن جلد اثنان من الثلاثة ثم جاء من شهد مع الذين لم يجلدوا فصاروا أربعة شهود قبلت شهادته.
قال: وأما الحد, قال: فإنه يبدأ بالشاهد الأول فيرمى الزاني إذا كان محصناً فيقول: أشهد بالله إنك لزاني.
قال: ويبدأ الشهود فيرمون الزاني إذا كان محصناً فيقول: أشهد بالله إنك لزاني, ثم يرميه الثالث ثم الرابع, ثم الإمام, ثم الناس.
قال: وإن جاء الزاني معترفاً, فاعترف عند الحاكم أربع مرات أنه قد زنا, أو امرأة حرة تحبل من الزنا فعليهما الرجم إذا كانا محصنين, ويبدأ برجمهما الإمام ثم الناس.
وأما الحبلى: فإذا وضعت ولدها ثم أرضعته حولين رجمت بعد ذلك، فإن كان لها زوج مفقود أو غائب فقالت: إني حبلى من زوجي فإنها لا ترجم. (1/139)
صفحة 137
قال: ورفع إلى عمر بن الخطاب رحمه الله امرأة حبلى لم يقربها زوجها قبل سنتين, فأراد عمر رضي الله عنه أن يرجمها فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين؛ إن كان لك على المرأة سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل, فتركها عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى ولدت، فإذا ولدها قد نبتت أسنانه في بطنها, وهو ابن سنتين من زوج لها, فلما استبان ذلك للناس قال عمر بن الخطاب: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ بن جبل، ولولا معاذ بن جبل لهلك عمر, فلم ترجم.
وكانت النجاة من الله لعمر بن الخطاب رحمه الله على لسان معاذ بن جبل رحمه الله.
[ وكان عمر رحمه الله يكثر أن يشكر الله على النجاة الذي نجاه الله على لسان معاذ بن جبل ].
وقال: في غلام لم يحتلم وتزوج حرة ودخل بها, أو جارية لم تبلغ المحيض فتزوجت حراً ودخل بها زوجها فزنيا ليس عليهما رجم لأنهما لم يبلغا وعليهما جلد مائة.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه رفع إليه رجل قد بلغ الحلم, وتزوج امرأة لم يدخل بها فزنا فجلده ولم يرجمه.
وقالوا: في الحر المسلم يتزوج يهودية أو نصرانية أو مملوكة فيجامعهن فليس بمحصن، والحرة يتزوجها المملوك فيجامعها ليست بمحصنة.
وقال: المحصن الرجل المسلم الذي قد احتلم وتزوج حرة مسلمة فدخل بها ثم زنا وكذلك المحصنة.
فإذا أحصن الحر المسلم, فإن زنا بوليدة بعد ذلك أو مشركة فعليه الرجم ولا يصلى عليه لأنه خلع منه الإيمان وزال عنه اسم الإيمان والإسلام، وصار اسمه حين زنا فاسقاً ومنافقاً, كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني وهو مؤمن, ولا يسرق السارق وهو مؤمن" ولا تقر المشركة على دينها [ قسراً ] إذا كانت من أهل الكتاب تحت مسلم، ولا ترجم الوليدة وابن المشركة على دينها.
ومن تزوج امرأة في عدتها, أو تزوج ما لا يحل له من النساء والصهر فدخل بهن فلا يحصنه ذلك بعد التزويج؛ لأن الله قد حرمها عليه, ويفترقان ولا يجتمعان أبداً. (1/140)
صفحة 138
عن ابن مسعود أنه قال: ألا فادرؤوا الحدود ما استطعتم, فإذا وجدتم منها مخرجاً فخلوا عنها فإنه إن يخطأ الإمام في العفو عن الحد في الشبهة خير من أن يخطأ في العقوبة, ألا فادرؤوا الحدود ما استطعتم على البصيرة.
قال: وإن المسلمين كانوا يتعافون الحدود فيما بينهم ما لم يرفعوها إلى الحكام, فإذا رفع عليهم إلى الحاكم [ فلا تعطل الحدود على أهلها ].
وقال: يجلد الرجل في الزنا على بشرته, وعليه إزاره وهو قائم.
وتجلد المرأة جالسة وعليها درع خمار ضربا شديداً, فإن آنس منهما رشداً بعد ذلك قبلت توبتهما وشهادتهما.
قال أبو الحواري: ليس النفي من قول المسلمين, ولا يجلد المحصن إنما عليه الرجم، والمشركة عليها مثل ما على الحرة المسلمة, وكذلك المشركة.
وقد قال بعض الفقهاء: إن نساء أهل الكتاب يحصن المسلمين ويحصنوهن.
/ (1/141)
صفحة 139
31- تفسير آيات زنا المملوكين والمكرهة عليه وشيء ومن أحكام التقيَّة
تفسير المملوكين في الزنا والمكرهة:
قوله في سورة النساء(الآية25) قال: { فَإِذَا أُحْصِنَّ) } يعني: الولائد المسلمات { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ } يعني: فإن جئن بالزنا { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } يعني: فعلى الولائد نصف ما على الحرة, وهو خمسون جلدة.
وكذلك يجلد العبد إذا زنا وتحته حرة، وليس عليهما الرجم إذا كانا متزوجين أو غير ذلك, يجلدهما السيد.
قال: لا يحل لمسلم أن يكره وليدته على الزنا من أجل كسبها, فإن فعل ذلك فإثم ذلك على السيد أيضاً إذا كان ذلك عمله ويكره وليدته على الزنا، فذلك قوله في سورة النور(الآية33): { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ } يعني: على الزنا من أجل كسبهن { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } والله يقول: { لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يعني: كسبهن وأولادهن من الزنا { وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ } يعني: من يكره وليدته على البغاء يعني: على الزنا فقد هلك لأن الله يقول(ص:الآية24): { وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } ثم استثنى فقال { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ }وهذا من حكم داود عليه السلام، فأخبر الله تبارك وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عن قول داود عليه السلام.
وعن قوله في سورة الفرقان(الآيتان:68-69) { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً }.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزني الزاني وهو مؤمن...".
فمن تاب توبة نصوحاً تاب الله عليه. (1/142)
صفحة 140
قوله { فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، وفي قراءة ابن مسعود: إن الله من التوبة غفور رحيم.
قال: ورجل يأخذه العدو فيكرهه على ذنب, أو يمين أو يأخذه السلطان فيقهره على يمين أو ذنب فيما بينه وبين الله ليس فيه ظلم على أحد من الناس فإن له فيه رخصة، أما التقية بالكلام وليس التقية بالعمل غير الشرك.
قال: نزلت هذه في سورة النحل(الآية106) { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ }.
قال: نزلت هذه الآية في أناس من المسلمين, كان كفار مكة يعذبونهم حتى رجعوا عن الإسلام وقلوبهم مطمئنة بالإيمان, فكانت الرخصة لهم فيما نزلت فيهم.
فمن أخذه المشركون اليوم, أو السلطان فيخيرونه بين القتل والشرك أو ذنب من معصية الله فاختار القتل ولم يختر الشرك والمعصية ومات على طاعة الله, وهو في الجنة مع النبيين والشهداء فمات شهيداً فإن لم يصبر في العذاب وركن إليهم في المعصية, فمات غير تائب فهو في النار, لأن الله قد نهاه, لأنه قال: { وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } (هود:113) وليست التقية بالعمل.
قال: قال عمار بن ياسر: بئس القوم قوماً الذين يعيش المؤمن فيهم بالتقية والكتمان.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العلم علمان, والخشوع خشوعان, والسنة سنتان, والكفر كفران".
فالعلم علمان: علم على اللسان ليس له تحقيق بالفعال, فذلك العلم الضار.
وعلم على اللسان له تحقيق بالفعال, فذلك العلم النافع يزاحم [ صاحبه ] الأنبياء يوم القيامة.
وأما الخشوع خشوعان:
خشوع يخشع له الجسد ولا يخشع له القلب, وذلك خشوع النفاق، وخشوع يخشع له القلب فذلك خشوع الإيمان.
والنفاق نفاقان: (1/143)
صفحة 141
نفاق بالعمل ونفاق بالتكذيب, وقد اختلفت منازلهم وليست سواء.{ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ }(المنافقون:1-3) .
وكان كفرهم حين ركنوا إلى المعصية ثم أصروا عليها, وليستا سواءً.
وأما الذكر ذكران:
ذكر باللسان, بالتسبيح والتهليل, وقراءة القرآن فحسن، وأفضل الذكر ذكر الله عندما حرم الله عليك, فتصبر نفسك عنه، وتذكر مقامك بين يدي ربك فذلك أفضل الذكر.
وأما الحق: فحق في الدين, وحق على الإخوان في الله.
وأما الكفر كفران:
فكفر بالله وبالتنزيل, وكفر بالنعم وبالتأويل، قال تعالى :{ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِه } يعني: بالتأويل { فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }(البقرة:121).
وأما السنة سنتان :
فسنة فريضة, والأخذ بها هدي وتركها ضلالة، وسنة ليست بفريضة, والأخذ بها فضيلة , وتركها إلى غيرها خطيئة.
قال: لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية التي في البقرة: { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } إلى آخر الآية(البقرة:286) قال جبريل عليه السلام: "قد فعل الله فرفع النسيان والخطأ, وما لم تعلموا به فالله يحب التوابين ويحب المتطهرين، فمن تاب من كل ذنب وندم تاب الله عليه".
قال أبو الحواري: ليس على العبيد ولا على الإماء حدود في الزنا حتى يحصنوا بالأحرار, فإذا زنوا بعد إحصانهم فعليهم نصف الجلد, خمسون جلدة.
/ (1/144)
صفحة 142
32- تفسير آيات قذف المحصنات وحد القاذف وأحكام ذلك
تفسير من قذف المحصنات, وحد القاذف:
قوله في سورة النور(الآية4-5): { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } يعني: الذين يقذفون الحرائر من نساء المسلمين بالزنا { ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } يعني: مسلمين أحرار أنهم عاينوا العورتين تختلفان { فَاجْلِدُوهُمْ }.
يقول: الحاكم إذا رفع إليه { فاجلدوهما } يعني : القاذفين { ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } يعني: بعد الجلد ما دام حياً{ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } يقول: فأولئك هم العاصون فيما قالوا من الكذب فصاروا بعد الإيمان فاسقين, ما داموا على الفرية والكذب, ثم استثنى فقال: { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } يعني: من بد القذف { وَأَصْلَحُوا } يعني: وأصلحوا العمل { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } لقذفهم رحيم بهم بعد التوبة.
قال: من قذف وجلد أو لم يجلد ثم تاب قبلت شهادته.
قال: ويجلد الرجل والمرأة من الأحرار في القذف ثمانين جلدة فوق ثيابهما, لا ينزع عنهما غير الرداء, ضرباً بين الضربتين على كل عضو غير الرأس والمذاكير, وكذلك يجلد في الخمر.
قال: فمن يجلد في القذف ثم تاب تقبل شهادته.
فأما الذي يجلد في الزنا, وشرب الخمر, فإن آنس منه رشداً بعد ذلك تقبل شهادته كما تقبل شهادة الذي يجلد في القذف, كما قال الله :{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } يعني : من بعد القذف { وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } يعني: لقذفهم رحيم بهم بعد التوبة.
عن ابن عباس أنه قال: لا تجوز شهادة الغلام الحر ما لم يحتلم, وتجوز عليه الأحكام.
قال أبو الحواري: ليس على الصبيان حدود, يعني: حتى يبلغوا الحلم.
عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قال: لا تجوز شهادة العبد لمحتلم الفقيه المسلم. (1/145)
صفحة 143
وقال: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين, وتجوز للمسلمين عليهم.
قال: يجلد المملوك في القذف أربعين, وليس على من قذف المملوك وأم الولد حد في الدنيا, ولكن عليه في الآخرة, إن كان كاذباً, أو مات غير تائب فقد هلك, وهو من أهل النار مع الفاسقين.
قال أبو الحواري: ليس على المماليك حد في القذف, وليس على من قذف أهل الذمة حد, ولكن عليه في الآخرة إن كان كاذباً فمات غير تائب, فصار من الفاسقين .. وقد برئ الله ما دام على العزيمة من اسم الإيمان.
قال: { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ }(السجدة:18) فصار منافقاً.
قال: إن الله قال: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (التوبة:67) فصار من أولياء إبليس، قال الله: { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ }(الكهف:50).
/ (1/146)
صفحة 144
33- تفسير آيات حادثة الإفك وقذف السيدة عائشة وما أدب الله به المؤمنين
تفسير ما على من قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وما أدب الله المؤمنين ووعظهم:
قوله في سورة النور(الآيات:11-24) { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق غازياً, وانطلق معه بعائشة بنت أبي بكر الصديق رحمه الله, ومع النبي يومئذ رفيق له يسمى صفوان بن المعطل من بني سليم, فكان إذا سار النبي صلى الله عليه وسلم فيمكث صفوان في مكانه حتى يصبح.
فإن سقط من المسلمين شيء من متاعهم حمله إلى العسكر, فعرفه فإذا جاء صاحبه دفعه إليه.
وإن عائشة, لما نودي بالرحيل ذات ليلة ركبت الرحال, فدخلت هودجها ثم تذكرت حلياً لها كانت نسيته في المنزل, فنزلت لتأخذه ولا يشعر بها صاحب البعير, فانبعث البعير فسار مع العسكر, فلما وجدت عائشة حليها, وأرادت الرجوع, فإذا البعير قد ذهبت, فأخذت تمشي على أثر العسكر بالليل وهي تبكي.
فأصبح صفوان بن المعطل في المنزل, ثم سار في أثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فإذا هو بعائشة قد غطت وجهها وهي تبكي.
فقال صفوان: من هذه؟!
فقالت: أنا عائشة, فاسترجع صفوان, ونزل عن بعيره, فقال: يا أم المؤمنين مالكِ؟ فحدثته بأمر الحلي, فحملها على بعيره.
ونزل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه [ وقد فقدوا ] عائشة, فلم يجدوها, فلبث النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله, إذ جاء صفوان وقد حملها على بعيره, فقذفها عبدالله بن أبي سلول, رأس المنافقين وحسان بن ثابت, ومِسطح بن أثاثة, وحمنة ابنة جحش الأسدية, فقال عبدالله بن أبي سلول المنافق: ما برئت عائشة من صفوان, وما برئ صفوان منها.
وخاض الناس في ذلك, فقال بعضهم: قد كان كذا وكذا. وقال بعضهم سمعت كذا وكذا، فبعضهم عرَّض بالقول وبعضهم أعجبه ذلك. (1/147)
صفحة 145
فنزلت ثمان عشرة آية متوالية تُكذِّب من قذف عائشة [ وتبرئها وتؤدب] فيها المؤمنين، فنزلت { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } يعني: عبدالله بن أبي سلول, وحسان بن ثابت, ومسطح بن أثاثة, وحمنة ابن جحش الأسدية.
{ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ } لعائشة وصفوان { لاَ تَحْسَبُوهُ } الذي قيل فيكم من القذف { شراً لكم } لأنكم تؤجرون على ذلك { بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ }.
ثم قال: { لِكُلِّ امْرِئٍ } ما نوى { مِنْهُمْ } يعني: فيمن خاض في أمر عائشة { مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ } يعني: عليه من الإثم على قدر ما خاض فيه من أمرها.
ثم قال: { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ } يعني: عِظَمه { مِنْهُمْ } يعني: من العصبة وهو عبدالله بن أبي سلول رأس المنافقين, هو الذي قال: "ما برئت عائشة من صفوان وما برئ منها" { لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يعني: في هذه الآية عبرة لجميع المسلمين إذا كانت بينهم خطيئة, من أعان عليها بفعل أو كلام, أو عرَّض بها, أو أعجبه ذلك, أو رضى به فهم شركاء في تلك الخطيئة على قدر ما كان منهم { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ } يعني: تولى تلك الخطيئة بنفسه وأعظم إثماً عبدالله بن أبي سلول، وهو المأخوذ بها.
قال: إذا كانت الخطيئة بين المسلمين فمن شهد وكره فهو مثل الغائب, ومن غاب ورضى فهو مثل الشاهد.
ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة فقال { لَوْلا } يعني: هلا { إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } يعني: يقذف عائشة بصفوان, هلا كذبتم به { ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً } حمنة ابنة جحش, يقول: ألا يظن بعضهم ببعض خيراً بأنهم لا يزنون والمؤمنون لا يزنون { وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ } يقول: هلا قالوا: هذا القذف كذب بيِّن . (1/148)
صفحة 146
{ لَوْلا } يعني: هلا { جَاءُوا عَلَيْهِ } يعني: على القذف { بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } في قولهم . يعني: الذين قذفوا عائشة وصفوان.
قال أبو الحواري: الذي سمعنا أنه صفوان بن المعطل وحمنة ابنة جحش .
ثم قال: { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ } يعني: لأصابكم { فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ } يعني: فيما قلتم فيه من القذف { عَذَابٌ عَظِيمٌ } يعني: العقوبة في الدنيا والآخرة { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } إذ تروونه بعضكم عن بعض, سمعت من فلان, وسمعت من فلان { وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ } يعني: بألسنتكم في قذفها { مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } يقول: من غير أن تعلموا أن الذي قلتم من القذف حق { وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً } يقول: وتحسبون القذف ذنباً هيناً { وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } وقول عظيم في الزور.
ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة فقال: { وَلَوْلا } يعني: هلا { إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } يعني: القذف, ولم تراه أعينكم { قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } يعني: هلا قلتم { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } يعني: هلا قلتم وهذا بهتان عظيم, مثل ما قال سعد بن معاذ الأنصاري لما سمع قول من خاض في أمر عائشة, قال: سبحانك هذا بهتان عظيم.
والبهتان: هو الذي يبهت فيقول ما لم يكن، والكذب بهتان عظيم, والشرك ظلم عظيم, وهذا ذنب عظيم بالكذب . (1/149)
صفحة 147
ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة فقال: { يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ } يعني: القذف { أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ } يعني: ما ذكره من المواعظ { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ } في قذف عائشة يحبون { أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } يعني: يحبون أن تفشوا ويظهر الزنا { فِي الَّذِينَ آمَنُوا } يعني: عائشة وصفوان بن المعطل { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني: وجيعاً { فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } فكان عذاب عبدالله بن أبي سلول في الدنيا الجلد, وفي الآخرة عذاب النار { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } يعني: لعاقبكم فيما قلتم لعائشة, ثم قال: { وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } يعني: يرأف بكم, رحيم حين عفا عنكم ولم يعاقبكم فيما قلتم من القذف.
ثم قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } يعني: تزيين الشيطان في قذف عائشة { وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } يعني: تزيين الشيطان { فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } يعني: بالمعاصي { وَالْمُنْكَرِ } يعني: ما لا يعرف مثل ما قيل لعائشة { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } يعني: ونعمته { مَا زَكَى } يعني: ما صلح { مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.
فلما أنزل الله عذر عائشة وأبرأها, والكذب للذين قذفوها حلف أبو بكر أنه لا يصل مسطح بن أثاثة بشيء أبداً لأنه كان فيمن ادعى على عائشة القذف.
كان مسطح بن أثاثة من المهاجرين والأنصار الأولين, وكان ابن خالة أبي بكر الصديق, وكان يتيماً في حجره فقيراً. (1/150)
صفحة 148
فلما حلف أبو بكر لا يصله أنزلت في أبي بكر { وَلا يَأْتَلِ } لا يحلف { أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } يعني: في الغنى والسعة في الرزق, يعني: أبا بكر رحمه الله { أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى } يعني: مسطح بن أثاثة قرابة أبي بكر الصديق, ابن خالته { وَالْمَسَاكِينَ } لأن مسطحاً كان فقيراً { وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } لأنه كان من المهاجرين { وَلْيَعْفُوا } يعني: وليتركوا { وَلْيَصْفَحُوا } يعني: وليتجاوزا عن مسطح { أَلا تُحِبُّونَ } يعني: أبا بكر { أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } بالمؤمنين, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: " أما تحب أن يغفر الله لك؟" قال: بلى يانبي الله. قال: فاعفُ واصفح. فقال: عفوت وصفحت لا أمنعه معروفاً بعد اليوم إن شاء الله .
ثم ذكر الذين قذفوا عائشة فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } يعني: يقذفون بالزنا { الْمُحْصَنَاتِ } يعني: لفروجهن عفائف { الْغَافِلاتِ } يعني: عن الفواحش, يعني: عائشة { الْمُؤْمِنَاتِ } يعني المصدقات { لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } يعني: عذبوا في جلد ثمانين { وَالْآخِرَةِ } يعني: عبدالله بن أبي سلول يعذب بالنار لأنه منافق غير تائب { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.
أنزل الله هذه الآيات { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.
كيف حال رجل قد لعنه الله في الدنيا, ويلقى الله وهو ملعون في الآخرة ومات غير تائب؟ وكيف ترجون أن يكون له عند الله نصيب, أو سيكون فيه؟ [ أليس ] من أهل النار, [ ومن ] حقت عليه كلمة العذاب؟ (1/151)
صفحة 149
قال: "جلد النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي سلول, وحسان بن ثابت, ومسطح بن أثاثة, وحمنة ابنة جحش كل واحد منهم ثمانين جلدة في قذف عائشة".
ثم تابوا من بعد ذلك, غير عبدالله بن أبي سلول رأس المنافقين مات على النفاق, ولم تقبل توبته { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }(المائدة:27) فلم يتب توبة نصوحاً, ومات على نفاقه, وفيه نزلت هذه الآية { وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } (التوبة:84).
ثم ذكروا أمر من قذف عائشة, ويقذف غيرها, لما أنزل الله القرآن عامة للناس فيه الأمر والنهي, فنهى الله من قذف، ثم قال: { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ } إلى قوله { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } { يَوْمَئِذٍ } يعني: في الآخرة { يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ } يعني حسابهم البين, ولا يشهد اللسان واليد والرجل على مؤمن، إنما يشهدون على من حقت عليه كلمة العذاب, وأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه { فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً }(الإسراء:71)، قال: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً }(الانشقاق:7-9). (1/152)
صفحة 150
قال: ويقال: سورة النور أنزلت من بعد سورة النساء وتصديق ذلك أن في سورة النساء(الآية:15) { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } والسبيل الذي قال الله (النور:1-2) : { سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }.
فهؤلاء الآيات الثلاث البينات في الأمر والنهي موعظة للمتقين, ثم قال(النور:26): { الْخَبِيثَاتُ } يعني: السيئ من الكلام, يعني: قذف عائشة ونحوه { لِلْخَبِيثِينَ } من الرجال والنساء، ومن يقذف عائشة من المؤمنين { وَالْخَبِيثُونَ } من الرجال والنساء { لِلْخَبِيثَاتِ } يعني: السيئ من الكلام؛ لأنه يليق بهم الكلام السيئ.
ثم قال: { وَالطَّيِّبَاتُ } يعني: الحسن من الكلام { لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ } من الرجال والنساء, يعني: الذين ظنوا بالمؤمنين والمؤمنات خيراً { الطَّيِّبُونَ } من الرجال والنساء { لِلطَّيِّبَاتِ } } يعني: الحسن من الكلام لأنه يليق بهم الكلام الحسن, ثم قال: { أُولَئِكَ } يعني: الطيبين من الرجال والنساء { مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } يعني: مما يقول هؤلاء القاذفون, الذين قذفوا عائشة وغيرها من المؤمنين والمؤمنات برآء من الكلام السيء، ثم قال { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } يعني: لذنوبهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } يعني: حسناً في الجنة. (1/153)
صفحة 151
فلما أنزل الله عذر عائشة قربها النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفسه وازداد لها حباً من نسائه، يقول: هي من أزواجه في الجنة.
وذكروا: أنه من قذف نبياً أو امرأة نبي فإن عليه ضعفين من العذاب.
قال: لما نزلت هذه الآية التي في سورة الأحزاب(الآية:30-31) { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } فجعل أجرهن مرتين, وعذابهن ضعفين, وجعل [ على من ] قذفهن ضعفين من العذاب.
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحسبكن يا نساء العالمين مريم ابنة عمران, وآسية امرأة فرعون, وخديجة بنت خويلد, وذكروا فيه فاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وسلم"، قال: فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله فما بال عائشة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فضل عائشة على سائر نساء الجنة بعد هؤلاء الأربع كفضل الخبز في الطعام على سائر الطعام". وهكذا ذكروا في عائشة والله أعلم.
قال أبو الحواري: سمعنا "كفضل الخبز البر واللحم على سائر الطعام".
/ (1/154)
صفحة 152
34- تفسير آيات حد السرقة، وأحكام دية المقتول خطا ً
تفسير الحدود في السرقة, وما على السارق من الإثم:
قوله في سورة المائدة(الآية:38-39): { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ } يعني: الرجل والمرأة إذا ما سرقا ربع دينار فصاعداً, فرفع ذلك إلى الحكام { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } يقول: للحاكم أقطعوا أيمانهما { جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } يعني: القطع نكالاً, جزاءً بما عملا من المعصية { نَكَالاً مِنَ اللَّهِ } يعني: عقوبة من الله, قطع أيديهما { وَاللَّهُ عَزِيزٌ } في انتقامه { حَكِيمٌ } يعني: حكم على السارق والسارقة القطع.
ثم قال: { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ } يعني: من بعد سرقته { وَأَصْلَحَ } يعني: في العمل { فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } يعني: يتجاوز عنه { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } لما كان من قبل التوبة { رَحِيمٌ } لمن تاب إليه وندم.
قال: في الذي يسرق مرة فقدر عليه تقطع يده اليمنى, فإن سرق الثانية تقطع رجله اليسرى, فإن سرق الثالثة, لم تقطع ولكن يحبس في السجن، فإن آنس منه رشداً أخرج, فإن عاد إلى السرقة حبس في السجن حتى الموت، ولا يقطع السارق إلا في شيء قد حازه أهله.
قال: جاء رجل بوليدة إلى أبي الدرداء - وهو على القضاء- قد سرقت دينارين, قطع يدها أبو الدرداء, ثم قال الذي جاء بها: لا أكثر الله مثل هذا السارق.
قال: من قطعت يده في السرقة فأقيم عليه الحد في الدنيا فذلك عذابه في الدنيا, وإن لم يتب، قال الله { دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ }(السجدة:21).
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يسرق السارق وهو مؤمن .."، ومن تاب فإن الله يتوب عليه, فإن لم يرد السرقة التي سرقها, وجهل حقها كان منافقاً, وكان كافراً؛ لأن الله لا يحب كل خوان كفور, ولا يهدي كيد الخائنين، ولا يتوب الله إلا على من تاب إليه, ولا يرضى الله على من اتبع غير رضوانه, إنما يرضى عن من اتبع رضوانه. (1/155)
صفحة 153
فمن استغنَ عن الله ولم يتب إليه توبة نصوحاً صادقاً استغنَ عنه ولو قاله بلسانه: تبت إلى الله, وخان أمانته, وأكل مال اليتيم, والذي سرق ولم يرده إلى أهله كان من الخائنين, كان منافقاً يخدع نفسه.
ولم يسم الله السارق والسارق مؤمناً, ولم يسم الزاني والزانية مؤمناً، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزني الزاني وهو مؤمن .." ، في قول الله { وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ }(الفرقان:68).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يسرق السارق وهو مؤمن .." ولكنه ظالم, وذلك قول الله { أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } (هود:18) ولم يلعن مؤمناً، { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } بعد التوبة، والشرك: الظلم، سماه الله ظلماً قال الله: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }(لقمان:13).
قال أبو الحواري: قول المسلمين , يقطع السارق في أربعة دراهم أو في ثمنها تقطع يده اليمنى , فإذا سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى, فإذا سرق بعد ذلك فالسجن والغرم ولا قطع عليه.
تفسير دية المقتول خطأً:
قوله في سورة النساء(الآية:92): { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } ولا مؤمنة يعني: ما كان ينبغي لمؤمن { أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً } ولا يحل قتله في دية { إِلَّا خَطَأً }.
قال : وذلك أن العياش بن أبي ربيعة كان حلف على الحارث ابن أبي يزيد من بني عامر ليقتله، وكان الحارث يومئذ مشركاً فأسلم الحارث, ولم يعلم به العياش, فقتله بالمدينة.
فقتله وكان ذلك القتل خطأ ولم يعلم بإسلامه، ثم بين الله ما على من قتل خطأ قال: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } يعني: مصدقة بتوحيد الله قد وصلت الخمس. (1/156)
صفحة 154
{ وَدِيَةٌ } أيضاً { مُسَلَّمَةٌ } يعني: تسلمه عاقلة القاتل { إِلَى أَهْلِهِ } أولياء المقتول, ثم استثنى { إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } يعني إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل, وهو أعظم لأجرهم وهو خير لهم, فأما عتق رقبة فهو واجب على القاتل في ماله, ثم قال: { فَإِنْ كَانَ } يعني: المقتول { مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ } يعني: من أهل الحرب { وَهُوَ } يعني: المقتول { مُؤْمِنٌ }.
قال: نزلت في مرداس بن عمرو وكان أسلم, وقومه كفار من أهل الحرب فقتله أسامة بن زيد خطأ.
قال: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } ولا دية لهم لأنهم من أهل الحرب، ثم قال: { وَإِنْ كَانَ } يعني : المقتول { مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم , كان يعاهد أحياء من أحياء العرب , فلما قتل المسلمون نفراً من أهل العهد في ذلك الأجل يؤدون ديته إلى أهل العهد . فذلك قوله { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } يعني: عهداً أو مواعدة { فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } أي المقتول لأهل العهد من مشركي العرب { وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ } يعني: تجاوزاً من الله لهذه الأمة حين جعل في قتل الخطأ الدية والكفارة { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } يعني: حكم الكفارة لمن قتل خطأ.
ثم صارت دية العهد والموادعة من مشركي العرب منسوخة نسختها هذه الآية في براءة( الآية:5) { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتوارث أهل ملتين". (1/157)
صفحة 155
عن عمر بن الخطاب رحمه الله: أنه جعل دية الرجل المسلم الحر على أهل الإبل مائة من الإبل, وعلى أهل البقر مائتي بقرة, وعلى أهل الغنم ألفي شاة, وعلى أهل الدنانير ألف دينار, وعلى أهل الدراهم اثني عشر ألف درهم، ودية نسائهم على النصف.
ودية المجوسي ثمان مائة درهذ, ودية نسائهم على النصف على عاقلة القاتل.
قال أبو الحواري: المعمول به اليوم من قول المسلمين دية الرجل من أهل القبيلة مائة من الإبل, والمرأة نصف ذلك, ودية الذمي ثلث دية المسلم, ودية الذمية نصف دية الذمي.
قوله: في مسلم قتل من أهل الكتاب, أو من المجوس, أو من أهل الذمة عمداً, قال: لا يقتل به ولكن عليه الدية في ماله وينهى عن ذلك.
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل مؤمن بكافر".
وعن أبي بكر وعمر رحمهما الله, أنهما قالا: في العبد إذا قتله الحر عمداً بعتق القاتل رقبة, ويجلد مائة, وينفى سنة, ويحرم سهمه في المسلمين, ولا يقتل به, فإن كان العبد لغيره يغرم مع هذا كله ثمنه، وإن كان قتل العبد خطأ يعتق رقبة ويغرم ثمن العبد.
قال أبو الحواري: لا يعرف النفي من قول المسلمين .
عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً قتل عبده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمداً لقتله فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة جلدة, ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين, ولم يقد به.
قال أبو الحواري: ما فعل النبي فهو الحق, إلا أن المسلمين لا يبلغون بالتعزير أربعين جلدة ويجلدون إلى ما دون الأربعين.
/ (1/158)
صفحة 156
35- تفسير آيات الكبائر وثواب من اجتنبها وطلب الخير وترك الشر
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير الكبائر وما أعد الله لمن اجتنبها .
قوله في سورة النجم(الآية32): { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ } يعني: كل ذنب أوجب الله عليه النار في الآخرة لمن عمل به, والحد في الدنيا, نظيرها في { حم عسق }، ثم قال: { إِلَّا اللَّمَمَ } يعني: الذنب الذي بين الذنبين, ما لم يوجب عليه في الآخرة النار, ولا حد في الدنيا.
قال: { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } يعني: لهذه الذنوب التي بين الحدين, إن عملها بغير علم ثم تاب منها كما قال الله: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ }(النساء:17) يعني: من قبل الموت { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (آل عمران:135) فكل ذنب يعمله المؤمن وهو جاهل به فهو جهل منه { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ } يعني: من قبل الموت { فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } يعني: يتجاوز الله عنهم { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } قال: نزلت هذه الآية في المؤمنين.
وقوله في سورة النساء(الآية:31): { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } يعني: ما نهى الله عنه من أول هذه السورة إلى هذه الآية { نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } يعني: نحمل عنكم ذنوبكم التي دون الكبائر ما لم يوجب عليه الحد في الدنيا ولا نار في الآخرة { وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً } يعني: حسناً وهي الجنة إذا تبتم من جميع الذنوب.
قال الله: { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ }(آل عمران:135)
وقال: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً..} (طه:82) . (1/159)
صفحة 157
عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر ما نهى الله عنه في أول سورة النساء إلى هذه الآية { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً }.
عن ابن عباس أنه قال: الكبائر ما نهى الله عنه في سورة النور إلى هذه الآية { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً } (النور:31) يعني: من جميع الذنوب من الكبائر ومن السيئات { أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يعني: لكي تفلحوا.
ومن تاب من الكبائر, ومن السيئات قبل الموت, ولم يصر على ذنب واحد, ولم يستحقره وتاب من جميع الذنوب, وعمل ما أمر الله به, ومات دخل الجنة.
وإن لم يتب من قبل أن ينزل به الموت دخل النار, فنعوذ بالله من النار.
قال أبو الحواري: يقال إن اللمم ما لمَّ بالقلب مما يهم بالمعصية, ولم يفعلها وبهذا نأخذ.
تفسير ما رغب الله للمؤمنين في القليل من الخير, وخوفهم من اليسير من الشر:
قوله في سورة { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا }:
{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ }(الزلزلة:7) وذلك لما نزلت هذه الآية { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً }(الإنسان:8) قال المسلمون: إنهم يرون أنهم لا يؤجرون على ذلك الشيء إذا أعطوه لله فيجيء المسلمون إلى ثوابهم فيستقلوه, أن يعطوه تمرة أو كسرة أو الجوزة أو نحو ذلك.
ويقولون: ما هي بشيء, إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يأثمون على الذنب الصغير, والكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، ويقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر.
فرغبهم الله في القليل من الخير أن يعملوه, فإنه يوشك أن يكبر, وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكبر.
{ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } (الزلزلة:8) من الشر يعني: وزن أصغر من النمل { شَرّاً يَرَهُ } في كتابه فيسؤه ذلك. (1/160)
صفحة 158
قال: يكتب لكل بار وفاجر بكل سيئة سيئة, وبكل حسنة عشر حسنات للمؤمن إذا خرج من الدنيا تائباً, فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمن, فذلك قوله: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }(النساء:40).
وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تصدقوا ولو بشق تمرة".
وقال: تصدقت عائشة بثلاث تمرات, فقيل: يا أم المؤمنين إنكم لتصدقون بمثل هذا؟ قالت عائشة رضي الله عنها: إن في هذه التمرة ذرات كثيرة.
وقال: إنما نزلت هذه الآيات بعدما أنزل الله { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } (النساء:48) وهي الذنوب دون الشرك السيئات, يعني: مثقال ذرة خيراً يره ومثقال ذرة شراً يره, قال: { وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ }(الأنبياء:47).
فهؤلاء الآيات أشد من الأولى ويصدق كتاب الله بعضه بعضاً ولا يكذب, وقال الله: { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } (المائدة:7) فنحن وأنتم ممن أقر الله بالسمع والطاعة ولزمته الحجة, فالله يسألكم عن هذه النعمة, وطالب إليكم شكرها، إذ يقول: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }(الحجر:92-93) . (1/161)
صفحة 159
وقال تبارك وتعالى: { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ }(الأعراف:6-7)، وقال: { إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ }(آل عمران: 5-6)، وقال: { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ }(البقرة:40).
وقال: إنه لم يتقرب إلى الله بشيء أفضل من البصر في الدين, والورع وهما سهما الإسلام الذي يغفر الله بهما الذنوب, وينجي بهما من النار, فأبصروا السبيل الذي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فإنه قال في كتابه: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }(يوسف:108) فإنه سبيل واضح, وقد أثنى الله على أهله, وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم في شأنهم, وقص عليه خبرهم، ثم قال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } (الأنعام:90).
وقال: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }(الأحزاب:35). (1/162)
صفحة 160
ثم ميز بينهم وبين المنافقين فقال: { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ }(فاطر: 19-22).
وقال(الرعد:19-22): { أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ } إلى قوله { سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ } يعني: على ما أمر الله وطاعته{ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ }.
وقال ابن مسعود: لا صغيرة مع إصرار, ولا كبيرة مع التوبة.
وقال الله: { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ }(آل عمران:135).
/ (1/163)
صفحة 161
36- تفسير آيات التوبة من الذنوب وشروطها
تفسير التوبة من الذنوب:
قوله في سورة النساء(الآية: 17-18): { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ } يعني: إنما التجاوز على الله { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ } وكل ذنب يعمله المؤمن وهو جاهل به { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }.
قال: نزلت هذه الآية في المؤمنين, ثم ذكر الكفار فقال: { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ } يعني: التجاوز من الله { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } يعني: المعصية بجميع ما نهى الله عنه, فاستحقر من الذنوب وأصر عليها { حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ } عند معاينة ملك الموت من قبل أن يخرج من الدنيا { قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ } فلن تقبل توبته تلك عند ذلك, حين يرغب إلى ملك الموت وإلى الملائكة وإلى الله فيقول: { رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ } (المنافقون:10) يعني: وأكن من المؤمنين, فلن تقبل توبته عند ذلك، كما لم تقبل من فرعون حين أدركه الغرق { قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ } (يونس:90) فلم يقبل منه عند ذلك { وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } يعني: الذين يتوبون عند حضور الموت من الشرك والنفاق ومن يمت كافراً { أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يعني: وجيعاً في الآخرة. (1/164)
صفحة 162
وأمر المؤمنين بالتوبة فقال(التحريم:8): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً } يعني: من جميع الذنوب, توبة صادقة, لا يحدث نفسه أن يعود إلى الذنب, وهو نادم عليه { عَسَى رَبُّكُمْ } وعسى من الله واجب { أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } يعني: ذنوبكم كلها إذا تبتم { وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
واحتجوا بقوله { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } (النساء:116) فثبت كل آية فيما أنزلت أنها من وعيد الله إن الله لا يخلف الميعاد وهي شديدة وليست لهم بحجة, وهي بينة لمن شفاه الله بالقرآن ثم أنزل من بعدها { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً }(النساء:122)، وقال: { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }(النساء:123) إذا أصر عليه ومات غير تائب { وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً }، ثم أنزل الله من بعدها { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً }(النساء:124).
فأبى أن يقبل العمل الصالح إلا بالإيمان, ولا يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح, وقال: توبة من أخذ المال أن يرده إلى أهله ثم الندامة مع التوبة والاستغفار. (1/165)
صفحة 163
قوله في سورة النور( الآية31): { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ } يعني: من الذنوب التي أصابوها مما نهى الله عنه { جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ } من جميع الذنوب مما نهى الله عنه { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
وقوله في سورة آل عمران(135-136): { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } يعني: الزنا { أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } يعني: مما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة مما لا يحل ثم { ذَكَرُوا اللَّهَ } المقام بين يديه { فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } يقول الله: { وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ } يعني: أنه ليس يقدر أحد أن يغفر الذنوب غيره.
ثم قال: { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } يعني: ولم يقيموا على ما فعلوا من المعصية { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنها معصية فلا يقيمون عليها, ولكن يتوبون منها.
فمن تاب من ذنبه وندم { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) } لذنوبهم { وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } يعني: مقيمين في الجنان لا يموتون { وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } يعني: ونعم أجر التائبين من الذنوب والعاملين بما أمر الله, في الجنة.
وقال سورة النساء(الآية:110): { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً } يعني: إثماً { أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً }. (1/166)
صفحة 164
قال: قال ابن مسعود: فيا بشرى بهذه الآية { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً } يعني: إثماً { أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً } والآية التي في السورة التي يذكر فيها آل عمران: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) } يقول الله { وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ } ثم قال : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } من المعصية { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنها معصية فلا يقيمون عليها ولكن يتوبون من قريب.
فمن تاب من ذنبه توبة نصوحاً يعني: صادقاً { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ } لذنوبهم { وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } يعني: ونعم أجر التائبين من الذنوب والعاملين بما أمر الله في الجنة.
قال ابن مسعود: ما شرى بهذا جم النعم.
قوله في سورة البقرة(الآية:222): { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } يعني: من الأحداث, ومن الاستنجاء ومن البول والغائط والجنابة.
قال: فمن أحبه الله لا يعذبه.
قال ابن عباس: التوبة مقبولة من كل أحد إلى يوم القيامة إذا تاب إلى الله وعمل بما أمره الله إلا من ثلاثة: إبليس رأس الكفر، وقابيل بن آدم قتل أخاه هابيل, وهو رأس الخطيئة، ومن قتل نبياً فلا توبة لهؤلاء الثلاثة.
قال: باب التوبة مفتوح لا يغلق عنهم حتى يموت ابن آدم، وهو مفتوح لابن آدم ما دام الروح في جسده وهو يتكلم مع الناس.
يقول الشقي المنافق: { رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ } (المؤمنون:99-100 ).
يقول الشقي: { رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ }(المنافقون:10) يعني: عند معاينة ملك الموت, قبل أن يخرج من الدنيا, والخروج من الدنيا قريب. (1/167)
صفحة 165
ومن تاب من قبل الموت وندم تاب الله عليه, فإن الله { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ }(غافر:3) لمن عصاه، { يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ }( الشورى:25) ويحب الله التوابين, ومن أحبه الله لا يعذبه.
/ (1/168)
صفحة 166
37- تفسير آيات من ترك الشهوة الحرام مخافة الله
تفسير ما أعد الله لمن قدر على شهوة من الحرام فتركها مخافة الله:
قوله في سورة الرحمن(الآية:46): { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } يعني: لمن خاف في الدنيا { مَقَامَ رَبِّهِ } بين يديه في الآخرة, فترك شهوة أصابها من الحرام من مخافة الله فله جنتان.
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هل تدرون ما الجنتان ؟" قال: "بستانان من بساتين رياض الجنة, كل بستان مسيرة مائة عام في وسط كل بستان دار في دار من نور على نور، ليس منها بستان لا يهتز نعمة وخضرة، قرارها لابث, وفرعها ثابت, وشجرها نابت".
وقوله في سورة النازعات(الآيتان:40-41) { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ } يعني: المقام بين يدي ربه { وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } يعني: ونهى نفسه عما هوت من الحرام إذا قدر عليه في خلال الدنيا فتركه من مخافة الله في الآخرة { فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } يعني: مأواه الجنة.
فهاتان الآيتان جميعاً فيمن يهم بمعصية أو شهوة من حرام فيقدر عليها فيتركها من مخافة الله، والذي لا يهم بمعصية الله فهو أفضل الثواب في الجنة.
واعلم أن الذنوب أربعة: فذنب يصيبه العبد, وهو يعلم أنه ذنب, ثم يتوب منه وينزع عنه من قريب, ويبعث بأحسن منه, فذلك ذنب المؤمن، وذلك الذنب الذي يغفره الله.
وذنب يصيبه العبد ثم يصر عليه, والإصرار الإقامة على الذنب ولا يتوب منه, ولا ينزع عنه فذلك ليس بمبرأ من أن يكون صاحبه فاسقاً وأن يمنع العمل أن يتقبل منه حتى يتوب.
وذنب يصيبه العبد ثم يشهد أنه لله طاعة, وأن الله أذن له به, فذلك يصير أمره إلى الضلالة والعمى، وهي الزينة التي قال الله: { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ }(فاطر:8). (1/169)
صفحة 167
وذنب يصيبه العبد المؤمن ولا يفطن إليه, ولا ينتبه له, فأرجو أن يتجاوز الله عن ذلك, والإصابة بخطأ ولا يعلم أنه ذنب، قال: { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }(البقرة:286)، وقال: { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ }(البقرة:225).
ومن الذنوب أعمال لا يقبل الله معها عملاً ، ما دام العبد مقيماً عليها لا يتوب منها: كالزنا والسرقة والخيانة وشرب الخمر وأكل الربا، فما فوق ذلك من الذنوب.
كذلك لا يتقبل معه عمل ما دام يعمله حتى ينزع منه, ويتطهر منه, فإذا تطهر منه وتاب توبة نصوحاً زكى وتقبل منه، وذلك قوله { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى }(الأعلى:14-15) فزكى من السيئات ثم صلى فأصاب الصلاة وطاب له العمل .
/ (1/170)
صفحة 168
38- تفسير آيات من يحرم على الرجل من النساء أن يتزوج بهن وأحكامها
تفسير ما حرم الله من التزويج من النساء والصهر:
قوله في سورة النساء (الآية23 )(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) يعني: حرم الله عليكم تزوج الأمهات: الأم وأم الأم فصاعداً.
(وَبَنَاتُكُمْ )، وما ولدن وإن سفلن.
(وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ ) ، فأما ابنة العمة فحلال.
(وَخَالَاتُكُمْ ) ، فأما ابنة الخالة فحلال.
(وَبَنَاتُ الْأَخِ ) وما ولدن، ( وَبَنَاتُ الْأُخْتِ ) وما ولدن وإن سفلن، فحرم الله تزوج هؤلاء.
ثم ذكر تحريم الأمهات من الرضاعة فقال: ( وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ) قال: إن أرضعت امرأة غلاماً في الحولين مصة واحدة فقد حرمت على الغلام.
قال: ( وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ) يعني: ما ولدت الظئر، وما أرضعت من غير ولدها، وكذلك يحرم من رضاع الولائد.
قال: لا بأس بأن يتزوج بنو الظئر بأخوات الغلام الذي أرضعته أمهم؛ لأنه ليس بينهم نسب، فغن كانت التي أرضعت أمهم جارية فلا تحل لبني الظئر تزويجها بعينها؛ لأنها أختهم من أمهم.
ولو أن رجلاً- زوج الظئر الذي كان من قِبَلِهِ اللبن- تزوج أربع نسوة وتسرى مائة جارية، فولدت له جوارٍ لم يحللن للغلام الذي أرضعته امرأته، لأن اللبن الذي رضع منه كان من قِبَلِه.
عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، وعن جابر مثله.
وقال: يُحرِّم في الحولين مصة واحدة، ولا رضاع بعد فصال.
قوله: ( وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ) يعني: وحرم تزوج أمهات نسائكم سواء دخلت بامرأتك أو لم تدخل، فقد حرم عليك أمها.
ثم قال: ( وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ ) يعني: وحرم عليكم بنات نسائكم من غيركم الزواج من نسائكم.
( اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) يعني: اللاتي جامعتموهن. (1/171)
صفحة 169
( فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) جامعتموهن ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) يعني: فلا حرج في تزوج ربائبكم إذا لم تدخلوا بالأمهات، فمن دخل بامرأة فقد حرمت عليه ابنة امرأته من غيره من الأزواج.
تفسير ما يحرم من نساء الأبناء على الآباء ونساء الآباء على الأبناء
قوله في سورة النساء (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ ) يعني: وحرم تزوج نساء الأبناء على الآباء، إذا كان دخل بها الابن أو لم يدخل بها فهي حرام.
( الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ) يعني: امرأة ابن الرجل الذي على فراشه، وليس الذي تبناه.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تبنا زيد بن حارثة، ولم يكن ابنه من صلبه، ثم تزوج النبي امرأته بعدما طلقها زيد، فعاتب عليه اليهود والمنافقون، فلذلك قال: ( أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ) .
وحرم نساء الآباء على الأبناء قال:
( وَلا تَنْكِحُوا ) يعني:ولا تزوجوا بعد (مَا نَكَحَ ) تزوج ( آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) من الحرائر والولائد ( إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ) يعني: إلا ما قد مضى قبل التحريم ( إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ) يعني: معصية ( وَمَقْتًا ) يعني: وبغضاً من الله ( وَسَاءَ سَبِيلاً) يعني: وبئس المسلك.
فامرأة الرجل على ابنه حرام إن دخل بها الأب أو لم يدخل بها.
ويحرم ( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ) يعني: أن تزوجوا أختين جميعا يكونان عند الرجل ( إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ) إلا ما قد مضى قبل التحريم ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) يعني: لما كان قبل التحريم.
فكل شيء بقوله ( إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ) لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلونه، ولا يحل لرجل أن يجامع أختين من الولائد جميعاً في ملكه حتى يملك فرج أحداهما غيره.
تفسير ما حرم من يرثوا النساء كرهاً
قوله في سورة النساء ( الآية 19):
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ). (1/172)
صفحة 170
وذلك أن أهل الجاهلية وفي أول الإسلام كانوا إذا مات الرجل وترك امرأة له، وله ولد من غيرها، أو ترك ورثة من غير الذي يرث مال الميت، فيلقى على امرأة الميت ثوباً فيرث تزويجها.
وإن كرهت فعليها مثل مهر الميت، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها من قبل أن يلقى عليها ثوباً فهي أحق بنفسها، فنزل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا )، وهن كارهات، قبل تحريم ذلك.
تفسير ما حرم الله من تزويج الحرائر فوق الأربع
قوله في سورة النساء( الآية24 ):
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ).
وذلك أنه لما حرم الله تزويج الأمهات والبنات والأخوات إلى آخر الآية، ثم حرم المحصنات من النساء: الحرائر المتزوجات.
يقول: وكل امراة حرة متزوجة فهي ايضاً حرام، مع ما حرم من النسب والصهر والرضاع، ثم استثنى فقال: ( إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) يعني: الحرائر الأربع التي ذكرها في أول سورة النساء (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) .
ثم رجع إلى المحصنات فقال: ( كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) فريضة من الله لكم في تحليل الأربع من الحرائر، ويحرم ما فوق ذلك، ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ) أي لكم ما وراء الحرائر الأربع ( أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ) يعني: أن تشتروا بأموالكم من الإماء ما قدرتم عليه ( مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) يعني: غير معلنين بالزنا.
/ (1/173)
صفحة 171
39- تفسير آيات نسخ زواج المتعة وحرمة النكاح من المشركين
تفسير ما حرَّم الله من زواج المتعة
قوله في سورة النساء: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ).
قال: كان هذا في أول الإسلام، وهو نكاح المتعة، كان قد أحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه في أول الإسلام ينطلق الرجل إلى المراة فيقول: أستمتع بك كذا وكذا يوماً، بكذا وكذا من الأجر أياماً مسماة وأجلاً مسمى، فإذا جاء ذلك الأجل الذي كان بينهما أعطاها أجرها، فذلك قوله ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ) يعني: من الحرائر إلى أجل مسمى (فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) يعني: الذي سميتم لهن ( فَرِيضَةً )، فإذا أعطاها أجرها الذي شرط لها، ثم قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في الأجر، فإن شاءت المرأة قطعت، فذلك قوله ( وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) فإذا تم الأجل فارقها، ولم يكن للمستمتعة طلاق ولا عدة ولا ميراث.
ثم صار نكاح المتعة منسوخة، نسختها آية الطلاق والعدة وآية المواريث، فجعل للنساء طلاقاً وعدة والميراث بينهما إن مات أحدهما، فمن فعله اليوم فلا يحل له.
وقال آخرون: بل يحل له وهو حلال، وليس نكاح المتعة منسوخاً ولكنه حلال وهو مكروه اليوم.
ومن الناس من يكرهون نكاح المتعة، وهذا اختلاف.
تفسير ما حرم الله من تزوج الزانية
من أهل الكتاب، ومن ولائد مشركي العرب
قوله في سورة النور( الآية 3 ) ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ).
وذلك أن المهاجرين لما قدموا المدينة كان عامتهم يجتهد، وليس لهم أموال ولا عشائر بالمدينة يومئذٍ، وإن من نساء أهل الكتاب ومن ولائد الأنصار مشركات فاجرات، قدر رفعت كل امرأة منهن على بابها علامة كعلامة البيطار، ليعلم أنها زانية، وكن أخصب نساء أهل المدينة. (1/174)
صفحة 172
فسأل أناس من فقراء المهاجرين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل يصلح لنا أن نتزوج منهن؟ فنصيب من فضل ما يكسبن، فإذا وجدنا عنهن غنى خلينا سبيلهن، فنزل تحريم ذلك، فقال: ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) يعني: من نساء أهل الكتاب أو من ولائد مشركي العرب، ( وَالزَّانِيَةُ ) يعني: من نساء أهل الكتاب أو من ولائد مشركي العرب وغيره من أهل الإقرار، ( لا يَنْكِحُهَا ) يعني: لا يتزوجها ( إِلا زَانٍ ) يعني: من أهل الكتاب وغيرهم من اهل التوحيد ( أَوْ مُشْرِكٌ ) يعني: من مشركي العرب.
( وَحُرِّمَ ذَلِكَ ) يعني: تزويج المشركات والمعلنات بالزنا ( عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) وحرم ذلك أيضاً من أهل التوحيد المعلنات بالزنا على المؤمنين، فحرم الله تزويج أهل التوحيد من أهل الكتاب، ومن المشركات، تزويجهن بالزنا، والرجال والنساء سواء في تحريم الزنا، فهو حرام على المؤمنين.
تفسير ما حرم الله من تزويج المشركات من غير أهل الكتاب
قوله في سورة البقرة( الآية 221):
( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ) يعني: ولا تزوجوا المشركات، يعني: من غير أهل الكتاب ( حَتَّى يُؤْمِنَّ ) يعني: حتى يصدقن بتوحيد الله، ( وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ ) يعني: مصدقة بإقرارها بتوحيد الله يتزوجها المسلم ( خَيْرٌ مِنْ ) أن يتزوج ( مُشْرِكَةٍ ) من غير أهل الكتاب ( وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ).
ثم قال: ( وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ ) يعني: ولا تزوجوا النساء المسلمات من مشركي أهل الكتاب وغيرهم ( حَتَّى يُؤْمِنُوا ) يعني: حتى يصدقوا بتوحيد الله ( وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ ) تزويجه المسلمة ( خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ). (1/175)
صفحة 173
قال: لا يحل لمسلمة أن يتزوجها مشرك من أهل الكتاب أو غيرهم، ولا يحل لمسلم أن يتزوج مشركة من غير أهل الكتاب، ولا بأس أن يتزوج من نساء أهل الكتاب بحرة عفيفة في سلطان المسلمين.
ولا يحل للرجل أن يتزوج من نساء أهل الكتاب بحرة عفيفة في سلطان المشركين، قال: ولا يحل للمرأة أن يتزوجها عبدها، ولا بأس للمرأة أن يتزوجها عبد غيرها.
/ (1/176)
صفحة 174
40- تفسير آيات الحض على التزويج و حكم التزويج بأربع
تفسير ما أمر الله من تزويج من لا زوج له من الرجال والنساء:
قوله في سورة النور( الآية 32 ):
( وَأَنْكِحُوا ) يعني: وزوجوا ( الْأَيَامَى مِنْكُمْ ) يعني بالأيامى من لا زوج له من الرجال والنساء (مِنْكُمْ ) يعني: من الحرائر ( وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ) وهي في قراءة أبي بن كعب ( من عبيدكم ) يعني: وزوجوا المؤمنين من عبيدكم ( وَإِمَائِكُمْ ) يعني: الولائد.
ثم رجع إلى الأحرار في التقديم فقال:
( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ) يعني: الأحرار ( يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ ) لخلقه ( عَلِيمٌ ).
قال : قال عمر بن الخطاب: ما رأيت مثل من لم يلتمس الغنى في غير الباءة بعد قول الله ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ).
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما أحل الله حلالاً أحب إليه من النكاح-يعني التزويج-ولا كره للمؤمنين من الطلاق-يعني من غير عذر ).
قال: ولا يحل للعبد أن يتخذ سُرّية لقول الله ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) .
فليس للعبد ملك يمين، إنما هو وماله لسيده، فلا يحل له أن يتزوج فوق اثنتين، ولا يتخذ سُرّية، ولا يحل له أن يتزوج أربعاً، ولكن يتزوج اثنتين أمتين أو حرتين أو أمة حرة.
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا نكاح حتى يشهد أربعة: الناكح والمنكح والشاهدان، ورضاً من المرأة ).
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا نكاح إلا بولي ) يعني: القرابة من قبل الأب، وإن لم يكن للمرأة ولي، فالسلطان ولي من لا ولي له.
قال: إن رجلاً زوج ابنة له وهي كارهة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأقامت البينة أن أباها زوجها وهي كارهة، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينها وبين زوجها. (1/177)
صفحة 175
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في النساء من ذوات الآباء وغير ذوات الآباء: ( لا تُنكح الثيب حتى تُستأمر، ولا البكر حتى تُستأذن ) قال: ( وأذنها سكوتها ).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ولا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها ) إذا كان فيه قرابة من الأب.
تفسير ما أحل الله للأحرار من تزويج أربع من الحرائر
قوله في سورة النساء( الآية 3 ):
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ).
وذلك لما نزلت (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) اعتزل المسلمون بيوت اليتامى وما كان لهم مخافة الإثم، ولم يجد كل أحد منهم سعة أن يعزل لليتيم بيتاً وما يصلحه فشق ذلك عليهم وعلى اليتامى، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن مخالطتهم في المسكن والطعام ونحو ذلك، فنزلت (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) يعني: عن مخالطتهم (قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ) فرخص لهم في الخلطة، فسألوا عن ما لم يكن به بأساً فعلوه من مخالطة اليتامى، ولم يسألوا عن أعظم منه إثماً.
قال: كان تحت أحدهم ثمان نسوة أو عشر حرائر لايعدل بينهن، فنزلن هذه الآية ( وَإِنْ خِفْتُمْ ) يعني الإثم، ( أَلَّا تُقْسِطُوا ) يعني أن لا تعدلوا في أمر ( الْيَتَامَى ) فاعدلوا في أمر النكاح، واعدلوا بين النساء ( فَانْكِحُوا ) يعني: فتزوجوا ( مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) يعني: ما أحل لكم من النساء ( مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) ولم يحل فوق الأربع. (1/178)
صفحة 176
ثم قال: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ) في القسمة والنفقة بين الاثنتين والثلاث والأربع ( فَوَاحِدَةً ) يعني: فتزوج امرأة واحدة ولا تأثم ، ثم قال: ( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) يعني: فإن لم تحسنوا إلى تلك الواحدة فاتخذوا من الإماء ومن الولائد ( ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) يعني: احذروا ألا تميلوا عن الحجة.
قال: من كانت له أربع نسوة أو دون ذلك فلم يعدل بينهن جاء يوم القيامة مائلاً شقه، كما أمال بعضهن على بعض.
وقال في الرجل تكون تحته يهودية أو نصرانية ومسلمة، قال: يسوِّي يسنهن في القسمة، فإن مات الرجل فالميراث للمسلمة، وليس بين الرجل وبين امرأته من أهل الكتاب ميراث، ولا بينه وبين المملوكة ميراث مال.
ولا يحل للمسلم أن يتزوج الأمة على الحرة، ولا بأس أن يتزوج الحرة على الأمة، ويقسم للحرة يومين وللأمة يوماً وكذلك في النفقة.
عن النبي صلى الله عليه وسلم : في رجل مشرك له نسوة فوق أربعة فأسلم وأسلمن معه، قال: "يختار منهن أربعاً، والخامسة حرام".
/ (1/179)
صفحة 177
41- تفسير آيات الزواج بحرائر أهل الكتاب وملك اليمين
تفسير ما أحل الله من تزويج حرائر أهل الكتاب
قوله في سورة المائدة( الآية 5):
( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) يعني: الذبائح ( وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) يعني: وأحل لكم تزوج العفائف من حرائر نساء اليهود ( إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) يقول: إذا أعطيتموهن مهورهن ( مُحْصِنِينَ ) يعني: من الفواحش ( غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) يقول: يعني غير معلنين بالزنا ( وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) يقول: ولا يتخذوا أخلاء في السر فيزنون بها في السر ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ) يعني: نساء أهل الكتاب اللاتي يتزوجهن المسلمون، العفائف عن الزنا وغيره، ( فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وذلك إذا تزوج اليهودية أو النصرانية مع المسلمة فلا بأس، ولا بأس أن يتزوج أربع حرائر من نساء أهل الكتاب، ولا بأس أن يتسرى منهن، ويكره للعبد أن يتزوج وليدة من أهل الكتاب؛ لأن ولده يصير مملوكاً لهم، فإن تزوج بغير علم فولدت له فإنه يشترى من سيده رضي أو كره، ويستسعى في قيمته من سيده ثم يعتق.
تفسير ما أحل الله للأحرار من تزوج الولائد لمن لم يجد سعة أن يتزوج
قوله في سورة النساء( الآية25-28):
( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ) يقول: من لم يجد من الأحرار سعة من المال ( أَنْ يَنْكِحَ ) يعني: أن يتزوج ( الْمُحْصَنَاتِ ) يعني: الحرائر ( الْمُؤْمِنَاتِ ) يعني: المصدقات، ولا يقدر على الحرة، قال: ( فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) يعني: فليتزوج من الإماء ( مِنْ فَتَيَاتِكُمُ ) يعني: الولائد ( الْمُؤْمِنَاتِ ) يعني: المصدقات العفائف. (1/180)
صفحة 178
ولا يحل أن يتزوج أمة من أهل الكتاب، يقول الله: (مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ )، ثم قال في التقديم: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) يعني: يتزوج هذا وليده هذا، ويتزوج هذا وليدة هذا.
( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ) يعني: تزوجهن أي الولائد بإذن آبائهن ( وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) يقول: وأعطوهن مهورهن ( بِالْمَعْرُوفِ ) يعني: على ما تراضوا من المهر ( مُحْصَنَاتٍ ) يعني: عفائف لفروجهن ( غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ) يعني: غير معلنات بالزنا ( وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) يعني: ولا متخذات أخلاء في السر فيزني بها، فإن علم منها الزنا بعصهم من بعض فلا يحل نكاحها أبداً.
ثم قال: ( ذَلِكَ ) يعني الزواج حلالاً ( لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ) قال: لمن خشي الإثم في دينه وهو الإثم، ثم قال: ( وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) يعني: عن تزوج الإماء، ( وَاللَّهُ غَفُورٌ ) يعني: لتزوج الإماء ( رَحِيمٌ ) حين رخص في تزوج الإماء لمن لم يجد طولاً أن يتزوج حرة، ومن وجد معه ما يتزوج حرة، ويقدر عليه فلا يحل له تزوج الإماء.
( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) يعني: حلاله وحرامه ( وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) يعني: ويعلمكم شرائع من كان قبلكم من المؤمنين ( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) يعني: ويتجاوز عنكم في نكاحكم إياهن قبل التحريم ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).
ثم قال: ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ ) يعني: اليهود وغيرهم، وذلك انهم زعموا أن نكاح بنت الأخت من الأب حلال لهم، يقولون: فذلك قوله ( أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ) يعني: تخطئوا خطأ عظيماً في استحلال بنت الأخت من الأب، وغيره من الاستحلال، فلا تستحلوا الحرام أن تميلوا ميلاً عظيماً . (1/181)
صفحة 179
( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) يعني: إذ رخص لكم في تزوج الإماء لمن لم يجد سعة أن يتزوج حرة ( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) يعني: لا يصبر على النكاح، يعني: يضعف عن تركه، فلذلك أحل الله لهم تزوج الولائد لئلا يزنوا.
فمن لا يقدر على تزوج وليدة أو غيرها فليصبر، كما قال الله في سورة النور ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا ) لا يقدرون على الزواج ( حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ) بالحلال ( مِنْ فَضْلِهِ ).
عن ابن عباس في رجل زنا بامرأة ثم تزوجها قال: التزويج حرام كما قال الله ( لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )، توبتهما أن يفرقوا، ويكونون متفرقين أبداً.
عن أبي بكر الصديق: أنه أوتي برجل من قريش يقال له مطر بن الأسود، قد زنا بامرا' من ريش يقال لها زينب بنت الأرقم، ولم يكونا محصنين، فجلدهما الحد ثم فرّق بينهما.
/ (1/182)
صفحة 180
42- تفسير آيات من حرم على نفسه الطيبات من المنكح والمأكل والملبس
تفسير ما أمر الله المؤمنين أن لا يحرموا على أنفسهم الجماع واللباس والطيبات
قوله في سورة المائدة( الآية87-88):
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) .
وذلك أنه اجتمع عشرة نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في دار عثمان بن مظعون الجمحي، منهم أبو بكر وعمر وعبدالله بن مسعود، فذكروا القيامة، فرقُّوا وبكوا وذكروا حساب يوم القيامة، وما فيه من الأمر العظيم، فاتفق رأيهم على أن يزهدوا ويكونوا من الزاهدين، وحرموا على أنفسهم الطعام واللباس والجماع، وهموا أن يقطعوا مذاكيرهم ويلبسوا المسوح، ويزهدوا ويسيحوا في الأرض، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى منزل عثمان بن مظعون، وكانوا قد تفرقوا عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة عثمان: ( حقٌّ ما بلغني عن عثمان وأصحابه؟ ) فكرهت أن تكذب على النبي، وتبدي عن زوجها، فقالت: إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( قولي لزوجك إذا جاء: إني آكل وأشرب وأصلي وأصوم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ).
فلما رجع عثمان إلى منزله أخبرته زوجته بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قولنا فما أعجبه؟ فردوا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت فيهم هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) يعني : لكم من الطعام والشراب والجماع. (1/183)
صفحة 181
( وَلَا تَعْتَدُوا ) يعني: ولا تحرموا حلالاً، ولا تقطعوا المذاكير ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ ) يعني: ولا تحرموا ما أحل الله لكم ( الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) فاخبرهم بأنهم مؤمنون، فتركوا ما هموا به، وأخذوا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فمن استحل حراماً فهو كما قال الله: ( أن تميلوا ميلاً عظيماً ) فذنبه عظيم، ومن يشرك بالله فذنبه عظيم كما قال الله: ( فقد افترى إثماً عظيماً )، ومن حرم حلالاً مما أحل الله فهو من المعتدين ( إن الله لا يحب المعتدين ) ومن لم يحبه الله فليس له في الجنة نصيب.
/ (1/184)
صفحة 182
43- تفسير آيات اعتزال النساء في المحيض وأحكام ذلك
تفسير ما أمر الله به من اعتزال فروج النساء في المحيض، وكيف يؤتين إذا طهرن:
قوله في سورة البقرة( الآية222-223):
( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) يعني: الحيض كدراً، ( فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ) يعنيك مجامعة النساء، ( فِي الْمَحِيضِ ) فإنه حرام ( وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ ) يعني: ولا تجامعوهن ( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) يعني: حتى يغتسلن ( فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ) يعني: فإذا اغتسلن من المحيض ( فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ) يعني: في الفروج الذي نهيتم عنه في المحيض، طهراً غير الحيض ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) يعني: المتطهرين من الأحداث والحيض.
قال: فلما نزلت هذه الآية اعتزل المسلمون النساء في الحيض في بيوت غير بيوتهن، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إنما أُمِرتُم أن تعتزلوا الفروج ).
ثم قال: ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) يعني: فروج النساء ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) وذلك أن اليهود قالوا للمسلمين: إنه لا يحل جماع النساء إلا مستقبلات، وإنا لنجده في كتاب الله، يعنون التوراة.
فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بما قالت اليهود، فنزلت ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) يعني: النساء مزرع للولد ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) يقول: كيف شئتم، قائماً أو قاعداً، أو باركاً، بعد أن يكون الجماع في الفرج، ( وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ) يعني: الولد ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) عظة من الله يعظهم، يقول: لا تأتوهن حيضاً، ثم خوفهم فقال: ( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ) يعني: في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم ( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) بأمر الله ونهيه بالجنة. (1/185)
صفحة 183
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قدَّم ثلاثة من صلبه لم يبلغن الحنث كان والداهما عظيمي الأجر ).
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إتيان النساء في الدبر هي الموطئة ) ذكر الله قوم لوط أنهم كانوا قوماً عادين، والله لا يحب المعتدين، وكيف يدخل الجنة من لا يحبه الله ( إن الله يحب التوابين ).
قال: حد الزنى وحد اللوطي واحد، واللوطي أعظم جرماً عند الله وأشد عذاباً من المجرمين ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) وأعظم جرماً عند الله اللوطي.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من جامع امرأته وهي حائض فقد ركب ذنباً عظيماً، وعليه أن يتوب، ويخاف على نفسه، ويرغب إلى الله ويعمل خيراً ).
ومن جامع المستحاضة قبل أن تنقضي عدتها فقد ركب ذنباً عظيماً.
/ (1/186)
صفحة 184
44- تفسير آيات حسن صحبة النساء وأحكام النشوز وعلاجه
تفسير ما أمر الله به الرجال من حسن صحبة النساء
قوله في سورة النساء( الآية 19):
(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) يعني: فصاحبوا النساء بإحسان ( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) يعني: في الكره ( خيراً كثيراً، وذلك أن الرجل عسى أن يكره امرأته فيمسكها وهو كاره لها، ثم يرزقه الله منها ولداً يعطّفه عليها بعد كرهها، أو يطلقها فيتزوجها غيره فيجعلها الله له، ذلك الذي يتزوجها خيراً كثيراً.
وقوله (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ) يعني: الجهال، النساء وابنك تعلم أنه سفيه، وأخوك، فنهى الله أن تُملِّكه مالك فيفسده أو ينفقه فيما لا يحل له، ولكن أحسن خزانتهم وأنفق عليهم منه، وقال: ما لكم الذي لكم احفظوه.
عن ابن عباس أنه قال: النساء أكثرهن أسفه السفهاء.
وقوله في سورة البقرة( الآية 228) (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ )، يقول: وللنساء على أزواجهن من الحق ما لأزواجهن عليهن، ( وَلِلرِّجَالِ عليهنَّ دَرَجَة ) يعني: فضيلة.
فمن حق المرأة على زوجها أن يطعمها مما يأكل، ويكسوها مما يكتسي، ويوفيها كل حق هو لها ولا يضربها، ومن حق الرجل على زوجته ألا تخونه في نفسه وماله، وتسعى عليه بالطشت والمنديل والسراج، ولا تعصيه في معروف، يعني: في شيء من الأشياء في الخدمة وغيرها ولو على ظهر بعير، ولا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك لعنتها الملائكة حتى ترجع عن تلك المعصية وتتوب إلى الله .
تفسير ما أمر الله الزوج أن يفعل بامرأته إذا نشزت عليه
قوله في سورة النساء( الآية 34): (1/187)
صفحة 185
( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) وذلك أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لطم امرأته فأتت أهلها، فانطلق أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبوها: أنكحته وفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تقتص من زوجها ) ، فانصرفت لتقتص من زوجها، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللطمة ليس فيها قصاص بين الزوجين وغيرها، وإنما فيها الدية ) فانصرفت لتقتص منه، ثم قال النبي: ( ارجعوا، هذا جبريل قد أتاني ) فنزلت هذه الآية ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) يعني: مسلطين على النساء ( بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) وذلك أن الرجل له فل على امرأته في الحق، وفضلوا ( وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) يعني: بما ساقوا من المهر، فهم مسلطون على نسائهم في الأدب، والأخذ على أيديهن، وليس بين الرجل وبين امرأته قصاص إلا في النفس والجراحة.
ثم نعتهن فقال: ( فَالصَّالِحَاتُ ) يعني: في الدين ( قَانِتَاتٌ ) يعني: مطيعات لله ولأزواجهن ( حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ) لغيبة أزواجهن في فروجهن وأموالهم ( بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) يعني: حفظ الله لهن.
ثم قال: ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ) يعني: تعلمون عصيانهن لأزواجهن ( فَعِظُوهُنَّ ) بالله، فإن لم يقبلن العظة ( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ) يعني: فلا تقربها للجماع، فإن رجعت إلى طاعة الله وطاعة زوجها بالعظة والهجران ( وَاضْرِبُوهُنَّ ) يعني: ضرباً غير مبرح ولا شائن ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ) يعني: عِللاً، يعني: لا تكلفوهن من الحب ما لم يطقن ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا )، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أردنا أمراً وأراد الله أمراً، فالذي أراد الله خير ). (1/188)
صفحة 186
قال: قال الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ).
وقال لنبيه: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ).
وقال: ( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ )، فاتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعَمِلَ بما أمر به، وقال: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ).
فمضى موقناً بعهد ربه- صلوات الله عليه ورحمته- فالحلال اليوم هو الحلال يومئذٍ، والحرام هو الحرام يومئذٍ، والسنة اليوم سنته التي توفي عليها النبي صلى الله عليه وسلم (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ).
( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ )، قال الله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ).
قال أبو الحواري: الذي عرفنا من فقهاء المسلمين، لا قصاص بين الزوجين، وإنما القصاص بينهما في النفس إذا قتلها أو قتلته.
تفسير الحكم بين الرجل وامرأته:
قوله في سورة النساء(الآية 35):
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) يعني: وإن علمتم اختلافاً بين الرجل وامرأته ، فلم يتفقا، ولم يدر من قبل الرجل النشوز أو من قبل المرأة (فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ ) يعني: رجلاَ عدلاَ من أهل الزوج ( وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا) يعني: رجلاَ عدلاَ من أهل المرأة ينظران في النصيحة لهما، فيعلمان الظالم ، ويأمران بالمعروف. وذلك أن يخلوا [ حَكَمُ ]الزوج بالزوج، فيقول: (1/189)
صفحة 187
أخبرني بما في نفسك فإني لا أستطيع أن أفرق ولا أجمع إلا بأمرك ، فإن كان الزوج هو الناشز الظالم قال : فرّق بيني وبينها فلا حاجة فيها، ولولا المهر لطلقتها ، فارضها من مالي بشيء .
وإن لم يكن هي الناشز يقول: أرضيها من مالي بما أحببت ولا تفرق بيني وبينها.
ويخلوا حكم المرأة بالمرأة فيقول :
أخبريني بما في نفسك ، فإن كانت هي الناشزة العاصية لزوجها تقول : أعطه من مالي ما يشاء ، ويفرق بيني وبينه ، وإن لم تكن هي الناشزة قالت : لا تفرق بيني وبينه ، ولكن استزد لي في النفقة ، وأمره أن يحسن إلي .
ثم يلتقي الحكمان ، وقد علم كل واحد منهما ما قد قيل لهما ، فإن أرادا إصلاحاَ بين الرجل والمرأة أخذ كل واحد منهما ميثاقا على صاحبه لتصدقني وأصدقك .
فإذا صدق كلُ منهما صاحبة عرفا من أين النشوز :
فإن كان من قبل الرجل , قالا له : اتق الله فإنك الناشز فارجع إلى امرأتك ، ويأمرانه بالعدل .
وإن كانت المرأة هي الناشز [ قالا لها: أنت ] الناشزة الظالمة لزوجك ، فليس لك عليه نفقة حتى ترجعي إلى طاعة زوجك ويأمرانها بالعدل ، ولعل الله أن يصلح أمرهما على أيديهما .
فذلك قوله ( إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً ) يعني الحكمين ( إصلاحا) نقول بين الرجل وامرأته ( يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) يعني : للصلح إذا صدق كل واحد منهما صاحبه ، وإن لم يتفق الرجل وامرأته وظنا أن الفرقة خير لها في دينهما فرق بينهما برضا منهما .
. ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) يعني : لنصحتهما ......
تفسير نشوز الزوج على المرأة ، وما أمرهما الله من الصلح :
قوله في سورة النساء(الآية128-130 ) :
( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ ) يعني: علمت ( مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً ) يعني: إثارة أن يؤثر عليها غيرها ( أَوْ إِعْرَاضاً) . وذلك أن الرجل تكون عنده امرأة فتكبر عنده ، فيتزوج عليها غيرها أشب منها ، فيؤثر الشابة عليها في القسمة فلا ترضى الكبيرة بذلك . (1/190)
صفحة 188
فعلمهم الله كيف يصنعون ، قال : ( فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا ) يعني : فلا جناح على الزوج والمرأة الكبيرة ( أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا ) يعني : بالمال ( صلحاً ) فتطيب نفس الكبيرة أن يكون الزوج عند الشابة أكثر مما يكون عندها .
ثم قال ( وَالصُّلْحُ خير ) من غير أن لا تكون الفرقة والإثم .
( وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ) يعني : الحرص على المال .
يعني : الكبيرة تحرص على المال فترضى أن تعطى نصيبها من زوجها ( وَإِنْ تُحْسِنُوا ) يعني : العقل ( وَتَتَّقُوا) الميل والجور .
( فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا ً) يعني : في أمر النساء من الجور ، ثم قال : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ) يعني : في الحب ، أن يستوي حبهن في قلوبكم ( وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) لا تقدروا عليه . ( فَلا تَمِيلُوا ) يعني : [ إلى ] التي تحب ( كُلَّ الْمَيْلِ ) في القسمة والنفقة ، فتأتي الشابة التي تعجبك ( فَتَذَرُوهَا ) أي الأخرى ( كَالْمُعَلَّقَةِ ) لا أيم ولا ذات بعل ولكن اعدلوا .
ثم قال : ( وَإِنْ تُصْلِحُوا ) يعني : العمل ( وَتَتَّقُوا ) يعني : الجور والميل ( فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ) يعني : لمّا ملت إلى التي تحب ( رحيماً ) بعد التوبة حين رخص في الصلح .
فإن أبت الكبيرة إلا أن يسوى بينها وبين الشابة يفرق بينهما ، وذلك قوله ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا ) يعني : فيطلقها الزوج ( يُغْنِ اللَّه ) الزوج والمرأة التي طلقت ( كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ ) يعني : من فضله ، ( وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً ) لهما، يعني: في الرزق ( حَكِيماً) يعني: حكم فرقتهما.
قال : نزلت في رافع بن صبيح وفي امرأته خويلة بنت محمد ابن مسلمة وهما من الأنصار، ثم هي للعامة .
/ (1/191)
صفحة 189
45- تفسير آيات الطلاق وأنواعه وأحكامه والمراجعة في العدة
تفسير الطلاق ، العدة، والمراجعة في العدة:
قوله في سورة الطلاق:
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ) يعني : النبي وأمته ( إذا طلقتم النساء ) ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) يعني : لطهورهن من الحيض ، يعني : تطليقة واحدة قبل الجماع ، ثم قال تعالى ( وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ) يعني : فلا تعصوه فيما أمركم . ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ) يعني : من قبل أنفسهن مادمن في العدة وعليهن رجعة .
)َ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) يعني : العصيان البين وهو النشوز ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) يعني : سنة الله وأمره ، أن يطلق المرأة للعدة طاهراً في غير حيض قبل الجماع . ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ) يعني : سنة وأمره ، فيطلق المرأة لغير عدة ( فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ) يعني : بعد التطليقة أو التطليقتين ( أمراً ) يعني : الرجعة . ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) يعني : الرجعة . (1/192)
صفحة 190
( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) يعني : عند انقضاء عدتهن قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة ( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) . وإن تراجعتم [ فبالمهر ] الأول فأمسكوهن بطاعة الله وهو الإحسان ( أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) يقول : أو ردوهن إذا انقضت عدتهن من غير ضرار ( بِمَعْرُوفٍ ) يعني : بطاعة وهو الإحسان ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) يقول : فأشهدوا على الطلاق والمراجعة مرضيين عدليين من المسلمين ، ثم قال للشهود ( وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ) يعني : أقيموها على وجهها كما كانت ( ذَلِكُمْ ) يعني : الذي ذكر من الطلاق والمراجعة ( يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ) يعني : يصدق بتوحيد الله ( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) يعني : ويصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال ، فليفعل كما أمره الله .
تفسير طلاق السنة ، وما نهى عن الضرار في الطلاق :
قوله عزوجل في سورة البقرة :
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) يعني : تطليقة واحدة .
( فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) يعني : عند انقضاء العدة ، قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة .
( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) يعني : إن راجعتم في العدة فأمسكوهن بإحسان كما أمر الله ( أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) أو ذروهن حتى تنقضي عدتهن بإحسان في وفاء المهر والمتعة .
ثم قال الله تعالى ( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا ) .وذلك أن الرجل يطلق امرأته واحدة ، فإذا أرادت أن تبين منه عند انقضاء العدة راجعها ثم طلقها أخرى .
فإذا أرادت أن تبين منه عند انقضاء العدة راجعها وليست له فيها حاجة إلا أن يضارها بذلك ليمنعها من الزواج ، أو تفتدي منه ، فنهى الله عن ذلك فقال ( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا ) . فإن ذلك عدوان ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) يعني : الضرار في الطلاق ( فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه ) يعني : في الإثم . (1/193)
صفحة 191
( وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً ) يعني : ولا تتخذوا ما أمر الله في كتابة من إمساك النساء بمعروف ، أو تسريح بإحسان استهزاء ، يعني لعباً ( وَاذْكُرُوا ) يعني : واحفظوا ( نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) يعني : في الإحسان بالإسلام ، واحفظوا ( وَمَا أَنْزَلَ ) الله ( عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ) يعني : القرآن والحكمة ، يعني : المواعظ التي في القرآن في أمره ونهيه ( يَعِظُكُمْ بِهِ ) يعني : بالقرآن .
( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) يعني : فلا تعصوه فيما أمركم فيهن ، ثم حذرهم فقال ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ).
يعني : من أعمالكم (عَلِيمٌ ) فيجزيكم به .
قال : أفضل الطلاق ، أن يطلق الرجل امرأته إذا اغتسلت من الحيض من قبل أن يجامعها تطليقة واحدة .
فإن شاء راجعها بالمهر الأول ، ويشهد رجلين من المسلمين على أنه قد راجعها . وإن جامعها من قبل أن يشهد ، بانت منه ولا يتزوجها ابداً . وإن لم يرد مجامعتها يكف عنها الجماع ، وتبقى في بيته ونفقته ، فإذا انقضت عدتها بانت منه بتطليقة واحدة ، وحلت للأزواج وهو خاطب من الخطاب ، إن شاءت كانت امرأته بمهر ونكاح جديد على تطليقتين والأمر إليها إن شاءت .
قال : ويطبق الرجل امرأته التي لم يمسها إن شاءت بتطليقة واحدة وليس عليها
عدة . .
قال : ويطلق الحبلى إذا شاء تطليقة واحدة ، فإذا وضعت ما في بطنها انقضت
عدتها .
قال : والمرأة التي أيست من المحيض ، وقد دخل بها زوجها يمسك عنها الجماع شهراً ثم يطلقها واحدة إذا شاء .
قال : وكذلك التي لم تبلغ المحيض ، وقد دخل بها زوجها .
ولا تخرج [ التي ] قد يئست من المحيض ، والتي لم تبلغ المحيض من بيوتهن ثلاثة أشهر .
والمراجعة في العدة في تطليقة واحدة أو اثنتين بمنزلة التي تحيض ، فإن مات أحدهما فالميراث بينهما العدة . (1/194)
صفحة 192
عن ابن مسعود : أنه ورث علقمة بن قيس من امرأته بعد ثمانية عشر شهراً كان دخل بها زوجها فطلقها واحدة فماتت قبل أن تحيض ثلاث حيضات . فقال ابن مسعود لعلقمة بن قيس :
خذ ميراثك منها ، فإن الله حبسه لك .
قال : وليس بين المسلم الحر وبين اليهودية والنصرانية والأمة ميراث ، وليس بين المرأة الحرة وبين زوجها العبد ميراث .
تفسير ما نهى الله ولي المرأة أن يمنعها أن ترجع إلى زوجها الذي طلقها واحدة أو اثنتين بعد انقضاء العدة :
قوله : في سورة البقرة :
( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ )يقول : فانقضت عدتهن ( فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ) .قيلت في معقل بن يسارالمزني . وأبي البداح الأنصاري وذلك أن أبا البداح بن عاصم الأنصاري كان تزوج أخت معقل فطلقها واحدة ، فبانت منه ، وأراد المراجعة بنكاح جديد ومهر جديد ، فمنع المرأة أخوها معقل بن يسار أن ترجع إلى زوجها ، قال : لئن فعلتِ لا أكلمك أبداً وقال لزوجها :
أنكحتك وألزمتك وآثرتك على قومي ، فطلقتها وأجحفت بها والله لا أزوجكها
أبداً . قال الله ( فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ) يعني : معقلاً ، لا تمنعوهن ( أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ) يعني : أن يرجعن إلى أزواجهن .
) إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) يعني : بمهر جديد ونكاح جديد ( ذَلِكَ ) الذي ذكر الله من النهي ألا يمنعها من الزوج ( يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) يعني : يصدق بالله أنه واحد ويصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال ، فليفعل ما أمرالله ، يعني : ماذكر الله في هذه الآية ( ذَلِكُمْ أَزْكَى ) يعني : المراجعة خير لكم من الفرقة (وَأَطْهَر) لقلوبكم من الريبة ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ ) يعني : حقا لقلوبكم كل واحد منهما للآخر ( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ). (1/195)
صفحة 193
يعني : ذلك منهما ، فلما نزلت هذه الآية ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعقل بن يسار (( إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تمنع أختك من زوجها )) . فقال معقل : (( إني أؤمن بالله واليوم الآخر ، وأشهد أني قد أنكحته ، ولا أمنع منه معرفا )) .
تفسير الطلاق الثلاث :
قوله تبارك وتعالى في سورة البقرة :
( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ) يعني : الولد .
( إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) يعني : أزواجهن ( أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ) يعني : برجعتهن ( فِي ذَلِكَ ) يعني : في الحبل .
قال : كان هذا أول الإسلام ، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاث تطليقات وهي حبلى فهو أحق برجعتها مادامت في العدة . ثم صارت ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ) الحبل بعدما طلقت ثلاث ، منسوخة نسختها هذه الآية التي تليها :
( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) بعد التطليقتين في العدة ( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) يعني : أو يطلقها الثالثة بإحسان في غير ضرار كما أمر الله في وفاء المهر والمتعة .
ثم قال في التقديم ( فَإِنْ طَلَّقَهَا ) يعني : الثالثة بعد التطليقتين ( فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْد ُ) يعني : هذه التطليقة الثالثة .
( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) يعني : حنى تزوج زوجا غيره بعد انقضاء العدة ، من غير خداع فيجامعها .
فإن نكحت غيره ودخل بها ( فَإِنْ طَلَّقَهَا ) يعني : الزوج الأخير ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) فلا حرج على الزوج الأول والمرأة المطلقة .
قال أبو الحواري : قال بعض الفقهاء : إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها بانت بتطليقة واحدة ، وليس له عليها رجعة إلا بنكاح جديد وبهذا نأخذ . (1/196)
صفحة 194
( أَنْ يَتَرَاجَعَا ) بعدما انقضت عدتها من الزوج الأخير . بمهر جديد ونكاح جديد ( إِنْ ظَنَّا ) يعني : إن يتفقا ( أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ) يعني : أمر الله فيما أمرهما ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) يعني : من أمر الزوج والمرأة في الطلاق والمراجعة ( يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ ) فمن طلق امرأته ثلاث تطليقات وهي حبلى ، أو غير ذلك فقد بانت منه ، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .
قال فيمن يريد الطلاق لامرأته للسنة : إذا اغتسلت المرأة من الحيض فلا يجامعها حتى يطلقها واحدة ، ثم يكف عنها الجماع .
فإذا حاضت بعد ذلك الحيضة الثالثة ، واغتسلت فكيف عنها أيظا حتى تحيض الثالثة ، وهي في بيته ونفقته فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة حرمت عليه وهي أملك بنفسها.
قال ابن عباس :
من طلق امرأته ثلاثاً في مر واحدة ، إن كان دخل بها أو لم يدخل بها أو كانت [ حبلى ] فقد بانت منه امرأته وعصى ربه ، ويغرم المهر ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وهو ظالم لنفسه .
كما قال الله : ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) .
وقال من طلق امرأته ثلاثاً في مرضه في مرة واحدة ، قال : إن مات الزوج وهي في العدة فإنها ترثه .
وإن ماتت المرأة قبل زوجها فلا يرثها زوجها .
عن أبن عباس :
أنه جاء رجل فقال له : كان بيني وبين عمتي كلام ، فقلت : يوم أتزوج إبنتك فهي طالق ثلاثاً .
قال : فقال له : تزوجها وهي لك حلال ، أما تقرأ هذه الآية حيث بقول الله :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ) فجعل النكاح ثم الطلاق . (1/197)
صفحة 195
قال : لا طلاق إلا بعد نكاح ، لا عتق إلا بعد ملك
ويقول فيه قول آخر : إن يصدق الرجل قوله فهو أقرب للتقوى .
قال أبو الحواري : قال بعض الفقهاء : إذا طلقها ثلاثاً من قبل أن يدخل بها بانت منه بتطليقة واحدة ، وليس عليها رجعة إلا بنكاح جديد ، وبهذا نأخذ .
عن عائشة رحمها الله : في رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها زوج غيره ، فطلقها قبل أن يجامعها ، فسألت المرأة النبي {صلى الله عليه وسلم} هل لها أن ترجع إلى زوجها الأول ؟ .
قال النبي {صلى الله عليه وسلم} : (( لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ))
تفسير ما حرم الله من تحليل المطلقة ثلاثاً أن ترجع إلى زوجها الأول :
قال : لعن رسول الله {صلى الله عليه وسلم } المحلل ، والمحلّل له.
وقال : إذا علم أحد الثلاثة بالتحليل فقد فسدت على الأول ، فمن تزوج المطلقة ثلاثاً ليحلها لزوجها الأول ، فدخل بها أو لم يدخل فقد أفسدها على الأول ، فإن علم زوجها الأول أنه دخل بها فهي حرام على زوجها الأول إذا علم بالتحليل ، مع ما جاء في الحديث من اللعنة لهم عن الني { صلى الله عليه وسلم } أنه جاء رجل فقال : يا نبي الله إني طلقت امرأتي ألفاً . قال : بانت منك امرأتك بثلاث وتسع مائة وسبعين ، عليك معصية وأنت ظالم لها وظلمت نفسك .
كما قال الله ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
أَمْراً ) يعني : الرجعة .
/ (1/198)
صفحة 196
46- تفسير آيات عدة النساء وأنواعها والسكنى في العدة
تفسير عدة النساء والسكنى في العدة :
قوله في سورة البقرة :0
( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) يعني : ثلاث حيض ، فهذه كانت عدة المطلقات ، فاستثنى من ثلاثة قروء المطلقة التي لم يدخل بها زوجها في سورة الأحزاب :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ) يعني : من قبل أن تجامعوهن ( فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) . فليس على هذه عدة إن شاء تزوجت من يومها .
واستثنى أيظا من ثلاثة قروء التي قعدت من الحيض ، فدخل بها زوجها ثم طلقها فقال ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ ) يعني : المرأة التي لا تحيض من الكبر ( إِنِ ارْتَبْتُمْ ) يعني : إن شككتم ( فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ ) ( وَاللَّائِي لَمْ
يَحِضْنَ ) وهي الجارية التي لم تبلغ المحيض إذا طلقها زوجها بعدما دخل بها فعدتها أيظا ثلاثة أشهر ، فإن حاضت من قبل أن تمضي ثلاثة أشهر فلتعتد بالحيض وتدع ما مضى من الشهور .
واستثنى من ثلاثة قروء عدة الحبلى ، فقال : ( وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ) يعني : الحبلى ( أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) يعني : الحبلى أجلها أن تضع حملها ، إن ولدت من يومها فقد حلت للأزواج .
وثبتت القروء الثلاثة على التي تحيض فطلقها زوجها بعدما دخل بها وليست بحبلى .
تفسير سكنى المطلقة والمطلقات من الحرائر:
قوله عزوجل في سورة الطلاق :
( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ).
يقول : اسكنوا المطلقة إذا طلقت واحدة أو اثنتين ( مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) يعني : من سعتكم في النفقة والمسكن ما دمن في العدة ، قال ( وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) يعني : في النفقة والمسكن . (1/199)
صفحة 197
قال : وليس للمطلقة ثلاثاً . سكنى ولا نفقة في عدتها إلا أن تكون حبلى ، فذلك قوله ( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ ) يعني : المطلقة الحبلى إن طلقت ثلاثاً أو أقل منها ( فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) . يعني : المطلقة الحبلى إن طلقت ثلاثاً أو أقل منها . وقال في المتوفي عنها زوجها : ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ) يعني : من الرجال ( وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ) يعني : لنسائهم (مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ) فكان هذا في أول الإسلام ، في المرأة التي يتوفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة من بيت زوجها سنة ولا يخرجها الورثة ( فَإِنْ خَرَجْنَ ) إلى أهلهن من قبل أنفسهن قبل الحول ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ) يعني : [ أن يتزّينّ أو يشوقن ] أو يلتمسن الأزواج .
ثم صار ما كان لهن من النفقة إلى الحول منسوخة ، نسختها آية تبين نصيبها من الميراث ، وهو الربع إن لم يكن للزوج ولد فإن كان للزوج ولد فلهن الثمن . وصار ما كان لها من السكنى من العدة سنة منسوخه نسختها هذه ألآية قوله ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ) يعني : من الرجال ( وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) .
يقول : كل امرأة مات عنها زوجها إن كان دخل بها أو لم يدخل بها فعدتها أربعة أشهر وعشرا ، من يوم يموت زوجها إن كان غائباً أو شاهداً فنفقتها من نصيبها في الميراث . (1/200)
صفحة 198
قوله ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) يعني : انقضت عدتهن أربعة أشهر وعشرا ( فَلا جُنَاحَ ) يعني : فلا حرج ( عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) يعني : أن تزيّن ، وتشوّق ، وتلتمس الأزواج ، واستثنى من أربعة أشهر وعشرٍ عدة التي يموت عنها زوجها وهي حبلى قوله ( وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) فإذا وضعت قبل أربعة أشهر ، يتربصن أربعة أشهر وعشرا ، من يموت عنها زوجها ، فإذا مضت أربعة أشهر وعشرا ، وهي حبلى فأجلهن أن يضعن حملهن ، كما قال الله تعالى ، هذا آخر الأجلين .
عن فاطمة بنت قيس :
أن زوجها طلقها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إن زوجي طلقني ، ولم يجعل لي سكناً ولا نفقة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنما السكنى على من كانت له امرأته رجعة ، فأما من لم يكن له رجعة لا سكنى ولا نفقة ))
/ (1/201)
صفحة 199
47- تفسير آيات التعريض بالزواج في العدة والمتعة والمهر الذي لم يسم َّ
تفسير ما رخص الله للرجل من التعريض للمرأة في العدة من غير تزويج :
قوله في سورة البقرة :
( وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ) يقول : لا حرج على الرجل أن يقول للمرأة من قبل أن تنقضي عدتها :
إنك لتعجبيني ، وما أجازوك إلى غيرك إن شاء الله ، وهذا التعريض . ثم قال ( أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ) يقول : ولا جناح عليكم أن تسروا تزويجهن في قلوبكم وهن في العدة (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ) في العدة فنهي عن ذلك . ثم قال ( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) يعني : عدة حسنة .
فتقول المرأة : فذلك إلى الله ، أو ما شاء الله يكون .
ثم قال ( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ) يقول : لا تحققوا تزويج في العدة .( حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ) يعني : حتى تنقضي عدتهن .
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ) يعني : ما في قلوبكم من أمرهنّ . ( فَاحْذَرُوهُ ) يعني : فلا ترتكبوا في العدة ما لا يحل .
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) يعني : إذا تجاوز ( حَلِيمٌ ) يعني : لا يعجل بالعقوبة .
تفسير مهور النساء ومتعة التي لم يسم لها مهر والتي يسمى لها مهرها :
قوله في سورة النساء :
( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) يقول للأزواج أعطوا النساء مهورهن فريضة ( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ ) فإن حللن النساء للأزواج ( عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ) يعني : من المهر ( فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئا ً) يعني : حلالاً طيباً . (1/202)
صفحة 200
وقال في آية أخرى : ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ) يقول : فإن أراد الزوج طلاق امرأته ، ويتزوج امرأة أخرى ( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ ) يقول : أعطيتم التي يريد طلاقها من المهر ( قِنْطَاراً) يعني : من الذهب ، والقنطاّر ألف ومائتان دينار ( فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) يقول : من المهر .
يقول : يعني إذا أراد طلاقها ، فلا يضرها لتفتدي منه .
( أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً ) يعني : ظلماً بغير حق ( وَإِثْماً مُبِيناً ) يعني : بيناً ، ثم قال : (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ) تعظيماً لأخذه ( وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ) يعني : في الجماع ( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظا ً) يعني : شديداً ، يعني : بالميثاق الغليظ ما أقر به الرجل على نفسه من قوله الله : ( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ )
( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ )
قال : قال عمر بن الخطاب رحمة الله :
من الكبائر من نقص مهر امرأته ، وأجير أجرّه ، ومن أصر على ذنبه من السيئات واستحقره ، فهو من الكبائر التي أوجب الله له النار ، فإن تاب وأدى الأمانة إلى أهلها فقد نجى من النار .
قال الله ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ ) قال : ومن مات غير تائب ثم لم يرد الحق إلى أهله فقد خسر خسرناً مبيناً .
قال : وبيان مهر المرأة التي طلقها زوجها قبل أن يمسها ، في سور البقرة قوله ( لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) يعني : لا حرج على الرجال . (1/203)
صفحة 201
( إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ) يعني : ما لم تجامعوهن ، يعني : من سمىّ لها المهر . ثم قال في التي لم يسم لها المهر ( أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) ، فطلقها زوجها من قبل الجماع فلا بأس ، وهو الرجل يتزوج الحرة ، ويذهب له شهادة الشهود من الأولياء برضى المرأة ، ولم يسم لها مهراً فيطلقها من قبل أن يجامعها ، فلا مهر لها ولا عدة عليها ، ولها المتعة بالمعروف .
قال نزلت في رجل من الأنصار تزوج من امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهراً ، ثم طلقها من قبل أن يمسها .
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( أطلقتها )) ؟
قال نعم إني لم أجد نفقة .
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( فهل متعتها بشيء )) ؟ فقال : لا ن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( متعها بقلنسوتك التي عليك أما أنها لا تساوي شيئاً إلا أني أحببت أن أحيي السنة )). ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كساه ثوبين بعد ذلك ، فتزوج امرأة فأمهرها أحد ثوبيه .
قال : فإن دخل الرجل بالمرأة التي لم يسم لها مهراً فلها مهر مثلها من النساء ، وإن مات عنها زوجها من قبل أن يدخل بها فعليها عدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً ، ولها مثل مهرها مثلها من نسائها ونصيبها من الميراث .
وإن ماتت قبله ولم يدخل بها فله منها الميراث ، ولها المهر كله . سل عن هذه المسألة فإن فيها قولا آخر . (1/204)
صفحة 202
ثم ذكر المرأة التي طلقها زوجها قبل أن يمسها وقد سمىّ لها مهراً فقال ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ) يعني : من قبل أن تجامعوهن ( وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) يعني : المهر فريضة ( فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ِ) يعني : فعليكم نصف المهر ، ثم استثنى فقال ( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) يقول : إلا أن يترك النساء نصف المهر للزوج فتقول المرأة : إنه لم يدخل بي ولم ينظر إلى عورتي ولم يجد مني شيئاً ، فتعفو عن نصف المهر ، فتتركه لزوجها .
ثم قال : (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) يعني : الزوج فيوفيها المهر كله ، ، فيقول : كانت في ملكي ، ومنعتها من الأزواج فيعطيها المهر كله .
ثم قال : (ِ وَأَنْ تَعْفُوا) يعني : فإن تتركوا ( أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) يعني : إن تركت المرأة نصفها من حقها ، أو أعطاها الرجل المهر كله فهو أعظم لأجرهم ، ثم قال : ( وَلا تَنْسَوُا ) يعني : ولا تتركوا ( الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) يعني : من المرأة والرجل في الترك . يقول : إن تركت المرأة نصف حقها للرجل فهو أفضل وأعظم لأجرها ، وإن وفاها الرجل المهر كله فهو أفضل وأعظم لأجره .
وإن أبوا فهو النصف الذي ذكره الله ( إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ ) يعني : بما ذكر في هذه الآية ( بَصِيرٌ) .
قوله ( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ ) يعني : اللاتي دخل بهن الأزواج ( مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ) أن يفعلوا ذلك ، يعني : على قدر أموالهم . ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ) يعني : أمره ، ما بيّن في أمر المتعة . ( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) يعني : تعفوا .
قال : فمن طلق امرأته قبل أن يمسها ، وقد سمى لها مهراً فلها نصف المهر ، وليس لها متاع بعد النصف ، ومن طلق امرأته قبل أن يمسها ولم يسم لها مهراً فلها المتاع على قدر ماله كما قال الله ، ولا مهر لها . (1/205)
صفحة 203
عن عمر بن الخطاب أنه قال :
(( من أغلق الباب وأرخى الستر فقد وجب عليه المهر كله )) .
/ (1/206)
صفحة 204
48- تفسير آيات المختلعة وأحكام الخلع وأحكام الإيلاء
تفسير المختلعه :
قوله في سورة البقرة:
( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ) يقول : لا يحل لرجل إذا أراد طلاق امرأته أن يأخذ مما أعطاها من المهر شيئاً ، ثم استثنى المختلعة التي اختلعت من زوجها والزوج كاره لذلك ولا ذنب عليه فقال :
( إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ) يعني : أمر الله فيما أمرهما ، وذلك أنه يخاف على المرأة الفتنة على نفسها إذا كانت عاصية لزوجها فتعصي الله فيه ، وتخاف من الزوج إن لم تعطه أن يعتدي عليها ( فَإِنْ خِفْتُمْ ) يقول : فإن علمتم يعني : الحكام ( أَلَّا يُقِيمَا ) أي الرجل والمرأة ( حُدُودَ اللَّهِ ) يعني : أمر الله في أنفسهما ، أو نشزت على الزوج ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) يعني : فلا حرج على الزوج والمرأة ( فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) يعني : فيما فدت المرأة نفسها من زوجها بمهرها من ذلك فيقبل منها الفدية ثم يفترقان .
قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وفي امرأته [ حبيبة بنت سهل بن ثعلبة بن الحارث ] وكان مهرها حديقة فردتها علية ، واختلعت منه ، وهي أول خلعة كانت في الإسلام .
( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) يعني : أمر الله فيها .( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّه ) يعني : من يخالف أمر الله إلى غيره . ( فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) لأنفسهم .
قال الله : ( أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ).
قال : ( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ).
فاستثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، قال : ( أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ). (1/207)
صفحة 205
فذلك قوله ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) وقد لعن الله الظالمين ، ولم يلعن المؤمنين .
قال ( طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ).
قوله ( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ) وهو الرجل يضرب امرأته ، ولا حاجة له فيها ، لتفتدي منه . ونهى الله عن ذلك فقال ( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ) يعني : ولا تحبسوهن في المضارة ( لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ) يعني : ببعض ما أعطيتموهن من المهر .
ثم استثنى إذا كانت المرأة هي المبغضة لزوجها الناشز عليه فقال الله ( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) في العصيان البينّ ، وهو النشوز ، يعني العصيان .
فإذا فعلت ذلك فقد حلت الفدية للزوج إن لم يكن من قبل الزوج ذنب في السر والعلانية ويخلعها فقد حلت الفدية للزوج .
قال : لا بأس أن يأخذ الرجل من امرأته إذا اختلعت منه ما أعطاها من المهر ، أو أقل من ذلك ، إنما هو ما تراضيا عليه . يقول : ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) وقال : الخلعة لا تكون أبداً إلا برضى الزوج ، فإذا رضي الزوج أن يخلع امرأته ، وكرهت المرأة صحبته ، أشهدت المرأة عند ذلك رجلين أو أكثر ، أني كرهت صحبة زوجي هذا ، وأني أعطيته كذا وكذا ، وتسمي المهر ما كان ، وأني قد خلعت نفسي منه بعدما خفت ألاّ أقيم حدود الله فيما أمرني .
فيقول الزوج : قد رضيت ، وقد قبلت ، وقد خلعت .
فإذا قال ذلك بانت منه امرأته .
وفيها اختلاف :
واحد يقول : بانت امرأته بتطليقة واحدة . (1/208)
صفحة 206
وفي قول آخر : يعني لجابر بن زيد بانت منه امرأته غير تطليقة وللزوج ما اشترط ، وعليها العدة كاملة إن كان دخل بها ، وإن لم يكن دخل بها فلا عدة عليها .وإن كانت حبلى أو ترضع ولداً منه ، فاشترط عند الخلعة [ أن تقول ] إني قد أبرأت الزوج من النفقة ، فهو بريء . وكل شيء يشترط عند الخلعة فهو جائز إن كان موافقاً للسنة ، إلا أن تقيم المرأة البينّة بعد ذلك أنه كان يضربها أو يلطمها ، فإنه يقضى لها بالمهر وقد جازت الخلعة .
قال : ومن أضر بامرأته حتى تختلع منه فكل شيء يأخذ منها فهو حرام .
قال والخلعة تطليقة بائنة في قول واحد .
والزوج من الخطاب إن شاءت رجعت إليه المرأة في العدة ، ورد إليها الرجل ما أخذ منها ، وهي عند على تطليقتين ، وإن هو لم يرجع إليها في العدة فليس له أن يرجع إلا بنكاح جديد ، ومهر جديد ، وهي أملك بنفسها في العدة وبعدما تنقضي العدة ، ولا ميراث بينهما إن مات أحدهما قبل الآخر في العدة ، أو بعدما تنقضي العدة . ولا يحل له أن تتزوج بغير زوجها حتى تنقضي عدتها ، ثم تتزوج بمن شاءت ، وكذلك عدة التي تبارئ زوجها .
تفسير الإيلاء :
قوله تبارك وتعالى في سورة البقرة :
( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ) يعني : الذين يحلفون من نسائهم ( تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) . وهو الرجل يحلف أنه لا يقرب امرأته للجماع ( فَإِنْ فَاءُوا ) يقول : فغن رجع عن يمينه وجامعها من قبل أن تمضي أربعة أشهر وهي امرأته ، ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لهذا اليمين ، لأنها لم تكن نزلت كفارة اليمين يومئذ ، ثم نزلت بعد ذلك في سورة المائدة فمن آلى من امرأته ثم جامعها من قبل أن تمضي أربعة أشهر فليكفر عن يمينه ، وهي امرأته .
قال ( وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ) يقول : فإن حققوا فلم يجامعها أربعة أشهر منذ يوم حلف بانت منه امرأته بتطليقة . (1/209)
صفحة 207
( فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) يعني : ليمينه التي حلف عليها ، عالماً بها . قال : قال ابن عباس : ألقي الجماع عزائمه الطلاق وانقضاء الأشهر الأربعة .
قال : إذا حلف الرجل بالله أن لا يقرب امرأته فلم يجامعها حتى مضت أربعة أشهر مذ يوم حلف فهي تطليقة بائنة وليس عليها العدة بعد الأشهر الأربعة .
قال : فإن دخل بها [ قبل أن تنقضي الأشهر الأربعة فهي امرأته وعليها كفارة اليمين ] وإلا فالزوج من الخطاّب إن شاءت المرأة تزويجه بمهر جديد ، ونكاح جديد .
/ (1/210)
صفحة 208
49- تفسير آيات من حرم جاريته أوامرأته في الظهار أوخيرها في المفارقة
تفسير ما يحرم الرجل من امرأته وجاريته على نفسه :
قوله في سورة التحريم :
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ) وذلك أن حفصة بنت عمر زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ، زارت أباها عمر بن الخطاب ذات يوم تبتغي للنبي أن يكون عندها .
فلما رجعت من عند أبيها أبصرت النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها مع جارية قبطية ، تسمى مارية وهي أم إبراهيم أبن النبي صلى الله عليه وسلم فلم تدخل البيت إذ رأت ذلك حياءً منها ، حتى خرجت مارية ، قال : ثم دخلت حفصة فقالت للنبي إني رأيت من كان معك ، فغارت غيرة شديدة ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في وجه حفصة الغيرة والكآبة .
قال لها : أكتمي عليّ ولا تخبري عائشة ولك عليّ ألا أقربها فأخبرت حفصة عائشة ، وكانتا متصافيتين ، فلم تزل بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى حلف ألا يقرب مارية فحرمها على نفسه .
فأنزل الله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) .
يعني : مارية.
( تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ) يعني عائشة .
( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يعني : لليمين التي حلف عليها النبي فجعل فيها الكفارة . قال ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ ) يعني : قد بينّ الله لكم ( تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) يعني : كفارة أيمانكم . في سورة المائدة : ( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ )
قال : فأعتق النبي صلى الله عليه وسلم رقبة في تحريم مارية وجامعها بعد ذلك فولدة له إبراهيم .
قال : فمن قال لامرأته أو لجاريته أنت علي حرام فليكفر بيمينه ، وإن كان نوى طلاقاً فله ما نوى .
تفسير الظهار: (1/211)
صفحة 209
قوله تبارك وتعالى في سورة المجادلة :
( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ) وذلك أن الطهارة والإيلاء من طلاق الجاهلية ، فوقت الله في الإيلاء أربعة أشهر ، وجعل في الظهار الكفارة .
قال : ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ) وهو يقول لامرأته : أنت عليّ حرام كظهر أمي ، أو مثل امي .
( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ) يعني : يريدون أن يعودوا إلى الجماع الذي حرموه على أنفسهم قال ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) يعني : يعتق نسمة إن كانت مسلمة أو أهل الكتاب ، إن كان صغيراً أو كبيراً فهي تجزي في الظهار .
( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) يعني : من قبل أن يتماسا ، يعني : يعتق من قبل أن يجامع امرأته .
( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) عتق رقبة ( فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) لا يفطرفيهما إلا بالليل ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) يعني : من قبل أن يجامع امرأته ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ) يعني : فمن لم يستطع الصوم ( فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) لكل مسكين نصف صاع من حنطة أو صاعاً من شعير أو تمر أو زبيب .
( ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) يعني : سنة الله وأمره ، وما ذكر في كفارة الظهار من العتق والصيام .
( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
قال : فمن قال لامرأته : أنت عليّ حرام مثل أبتي أو أختي أو عمتي أو خالتي ، كل شيء يحرم عليه نكاحه أبداً من النسب أو الصهر فإنه ظهار .
وإن قال لامرأته : أنت مثل أمي ، ولم يقل : أنت عليّ مثل أمي أو أختي أو عمتي أو خالتي فإنه ليس بظهار .
قال أبو الحواري :
قد قال بعض الفقهاء : الشعير مثل الحنطة نصف صاع لكل مسكين . قال : ومن بدأ في صوم كفارة الظهار ، ثم نزلت به بلية أو عذر فافطر ، فإذا برئ من مرضه فليصم بقية ما عليه من الصوم .
وإن أفطر من غير عذر فعليه أن يستأنف الصوم ، وليس له أن يجامع امرأته حتى يتم شهرين . (1/212)
صفحة 210
فإن صام شهراً أو أكثر من ذلك فوجد سعة أن يشتري رقبة من قبل أن يتم الشهرين فليعتق رقبة وليدع الصوم ، وإن وجد بعدما تم الصوم فليس عليه عتق رقبة لأن الكفارة قد مضت .
عن عمر بن الخطاب رحمه الله :
في رجل ظاهر من أربع نسوة بمرة واحدة فعليه كفارة واحدة وإن فرقّ بينهن فلكل واحدة منهن كفارة ، وإن حلف مراراً على شيء واحد قبل أن يكفر ، فإنما هي كفارة واحدة . وليس الظهار بالطلاق .
تفسير الخيار ، الرجل يخيّر امرأته أو يجعل أمرها بيدها :
قوله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب :
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً )
قال : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن يخير نساءه في هذه الآية ، فلم تختر واحدة منهن نفسها غير الحميراء .
قال : لما خيرهن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة : بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة ، ثم تابعها سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم .
قالت عائشة : خيرنا النبي فاخترناه ، فلم نر ذلك طلاقاً .
عن ابن مسعود ، وعن عمر بن الخطاب رحمهما الله وعائشة أنهم قالوا : من خيّر امرأته ، فاختارت نفسها فهي تطليقة ، وله عليها رجعة في العدة بالمهر الأول ، فإن اختارت زوجها فليس بطلاق وكذلك إذا جعل أمر امرأته بيدها فإن قامت المرأة من مقعدها الذي خيرها فيه زوجها وجعل الأمر إليها ، وافترقا من قبل أن تختار نفسها رجع الأمر إلى الزوج ، وليس لها بعد ذلك أمر.
قال : في الأمة إذا أعتقت ولها زوج حر أو مملوك فلها الخيار إن شاءت أقامت معه ، وإن شاءت خرجت منه .
فإن رضيته بعد ذلك مرة واحدة فليس لها بعد ذلك خيار .
/ (1/213)
صفحة 211
50- تفسير آيات نفقة المرضع والأم أحق بولدها ولها نفقتها
تفسير نفقة المراضع ، والأم أحق بولدها من المراضع :
قوله تبارك وتعالى :
( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ) وهو الرجل يطلق امرأته وله منها ولد ، فهي أحق بولدها من غيرها ، فهن ( يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ) ، ( حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) يعني : أن يكمل رضاعه ، وليس الحولان بفريضة فمن شاء أرضع حولين ، ومن شاء دون ذلك ، ثم قال :
( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ) يعني : الأب الذي له الولد ( رِزْقُهُنَّ ) يعني : رزق الأم ( وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ) يقول : لا يكلف الله نفساً في نفقة المراضع إلا ما طاقت .
( لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ) يقول : لا يحل لرجل إذا طلق امرأته أن يضارها ، فينزع منها ولدها وهي لا تريد ذلك .
ثم قال : ( وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) يعني : لا تختار المرأة إذا طلقها الرجل أن تضاره ، فتلقي إليه ولده مضارة له .
قال أبو الحواري :
على الفقير درهمان ونصف ، ولا تزد على أحد أكثر من ذلك . ثم قال : ( وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ) يعني : على من يرث اليتيم إذا مات الأب مثل ما على الأب من النفقة والكسوة لو كان حياً .
ولا يُضار الوارث الأم بولدها وهو بمنزلة الأب إذا لم يكن لليتيم مال . ثم رجع إلى الأبوين قال :
( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً ) يعني : الأبوين ( فِصَالاً ) يعني : أن يفصلا الولد من اللبن دون الحولين ( عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ) .
يقول : واتفقا على ذلك (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) يعني : فلا حرج عليهما ما لم يضار أحدهما صاحبة . (1/214)
صفحة 212
أن يفصلا الولد قبل الحولين ، والأم أحق بولدها إذا رضيت من النفقة والكسوة ما يرضي به غيرها من المراضع ، فإن لم ترض الأم بما ترضى به غيرها من النفقة ( وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ ) يعني : ولا حرج على الأب أن يسترضع لولده ظئراً ويسلم لها أجرها ، ولا كسوة ولا رزق.
فذلك قوله ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ ) يعني : لأمر الله في المراضع ( مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) يعني : ما أعطيتم الظئر على أجرها من الفضل ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) ولا تعصوه ، ثم حذرهم فقال :
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
نظيرها في سورة الطلاق قوله :
( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ ) يعني : الأمهات .
يقول : للزوج الذي طلقها [ إن أرضعن ] ولده ( فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) يعني : الرزق والكسوة على قدر ميسرة الرجل .
( وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ ) يعني : الرجل والمرأة حتى تتفقوا في النفقة على أمر ( بِمَعْرُوفٍ ) ثم قال :
(وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ) يعني : الزوج وامرأته المطلقة ، فلم يتفقا ، وأرادت المرأة المطلقة أكثر مما تطلب المرأة الأخرى ، فرضيت المرأة المطلقة بأن تسترضع ولدها غيرها ( فَسَتُرْضِعُ لَهُ ) يعني : الزوج ولده امرأة ( أُخْرَى ).
( لِيُنْفِقْ ) يعني : في المراضع ( ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ) إن كان موسعاً عليه أن يوسع في النفقة ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ) يعني : ومن قتر عليه رزقه ( فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ) يعني : مما أعطاه الله ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً ) يعني : في نفقة المراضع ( إِلَّا مَا آتَاهَا ) يعني : إلا ما أعطاها ( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ) .
عن ابن عباس أنه قال : (1/215)
صفحة 213
إن لم يقبل الولد ثدياً غير ثدي أمه فإن الأم تجبر على رضاع ولدها وإن كرهت فإن لم يكن للزوج مال فليس عليه نفقة فلتنفق الأم من الذي لها .
قال: وإذا رضيت الأم برضاع ولدها فهي أحق بولدها حتى يدرك . قال : إن عمر بن الحطاب رحمه الله طلق امرأته أم عاصم وله منها أبن صغير ، فأراد عمر أن يأخذ الابن منها فاختصما إلى أبي بكر رحمة الله ، وهو يومئذ أمير المؤمنين .
فقالت أم عاصم : يا خليفة رسول الله ولدي خرج من بطني .
فقال عمر : ولدي خرج من صلبي .
قال أبو بكر رحمة الله : ريحها وفراشها خير منك يا عمر حتى يدرك الغلام ، فقضى بالولد لأمه .
قال : فلما توفي أبو بكر رضي الله عنه ، واستخلف عمر رضي الله عنه ، أنطلق رجل وامرأته المطلقة فاختصما إلى عمر رضي الله عنه في ولدها ، فقالت المرأة : كان بطني له وعاء ، وكان حجري له حواء ، وكان ثدي له سقاء ، وحمله على شهوة ، وحملته على كره .
قال عمر : صدقت ، كذلك كان فقضى بالولد لأمه . فقال : الأم والجدة والعمة والخالة أحق بالولد في صغره من الأب لأنهن كلهن له أم .
قال أبو الحواري : الجدة أم الأم أولى من أم الأب وأرحام الأم أولى من أرحام الأب من النساء .
/ (1/216)
صفحة 214
51- تفسير آيات الأيمان وأنواعها وكفارتها
تفسير كفارة الأيمان العمد :
قوله تبارك وتعالى في سورة البقرة :
( وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا ) وذلك أن الرجل كان إذا حلف على أمر في قطيعة رحم أو معصية ، يقول : لا يحل لي أن أبر القسم ، فنزلت ( وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ )
يقول : لاتحلفوا على [ أمر] هو لي معصية .
( أَنْ تَبَرُّوا ) يعني : أن تصلوا القرابة
( وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ) فكان الرجل يريد الصلح بين اثنين ، فيعصيه أحدهما ، أو يتهم ، فيحلف أن لا يتكلم بينهما في الصلح ، قال : أن تصلوا القرابة ، وتتقوا وتصلحوا بين الناس فهو خير من وفاء اليمين في معصية .
( وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) يعني : لليمين التي حلف عليها ( عليم ) يعني : عالماً . قال : هذا قبل أن تنزل كفارة الأيمان .
( لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ) . فهو الرجل يحلف على أمر يرى في نفسه أنه صادق ، وهو مخطئ فلا يؤاخذه بها ن ولكن عليه كفارة إذا استبان له أنه أخطأ فيها ، ويكره العلماء كثرة الأيمان .
( وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) يعني : بما تعمدت للمآثم ، يعني : اليمين الكاذبة التي يحلف عليها متعمداً .
( وَاللَّهُ غَفُورٌ ) يعني : إذا تجاوز عن اليمين الت يحلف عليها ( حَلِيمٌ ) بعد التوبة ، وجعل الله فيها الكفارة .
ثم نزلت الكفارة في سورة المائدة :
( لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ) يعني : اليمين التي حلف عليها يرى أنه صادق وهو مخطئ ، فإذا استبان له أنه خطأ فعلية كفارة ولا أثم عليه . (1/217)
صفحة 215
قال : ( وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ) يعني : اليمين الكاذبة التي عقد عليها يمينه وهو يعلم أنه كاذب ، ففيها الكفارة وتوبة لأنه تعمد الكذب .( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ) من أعدل ( مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) إن كان حنطة فنصف صاع من حنطة ، وإن كان شعيراً ، أو كان تمراً ، فصاع من شعير أو صاع من تمر . قال ( أَوْ كِسْوَتُهُمْ ) والكسوة لعشرة مساكين لكل مسكين عباءة أو ثوب جامع
( أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) يعني : ما كان من صغير أو كبير ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ) . وفي قراءة ابن مسعود : ( متتابعات ).
( ذَلِكَ) يعني : هذا الذي من الكفارة الإطعام والكسوة والرقبة والصيام ( كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ ) يعني : اليمين الكاذبة ، ثم قال :
( إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ) يعني : فلا تعمدوا للأيمان الكاذبة ( كَذَلِكَ ) يعني : فهكذا ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ) يعني : ما ذكر من الكفارة ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .
قال : فمن صام من كفارة اليمين يوماً أو يومين ، ثم وجد ما يطعم فليطعم وليجعل صومه تطوعاً . ومن كانت له عشرون أو ثلاثون درهماً فعليه أن يطعم إن لم يكن عليه دين ، أو عيال كثيرة .
قال أبو الحواري : قال بعض الفقهاء : الشعير مثل الحنطة نصف صاع لكل مسكين ، واليمين الكاذبة مع الحكام بالتغليظ .
قال : إذا قال الرجل : كل امرأة أتزوجها بعد اليوم فهي طالق ، وكل مملوك أملكه بعد اليوم فهو حر ثم حنث فليس بشيء في قول واحد .
وفي قول آخر : عليه أن يصدق لسانه والذي أوجب على نفسه .
قال أبو الحواري : (1/218)
صفحة 216
المعمول به من قول المسلمين أنه لا طلاق ، ولا عتاق إلاّ من بعد الملك والذي حلف فقال : ماله في المساكين صدقة ، فعليه العشر من جميع ماله لفقراء المسلمين ، وعليه الكفارة ، وكفارة أخذ المال الرد إلى أهله مع الندامة .
قال : ولا يمين في معصية ، وفي في قطيعة الرّحم ، ولا فيما يطيق ، إلا كفارة اليمين .
قال أبو الحواري : المعمول به من قول المسلمين أنه لا عتاق ولا طلاق إلاّ بعد الملك وإذا حلف بصدقة ماله على الفقراء ، ثم حنث فعليه عشر ماله كان قليلاً أو كثيراً ولا كفارة عليه .
تفسير من حلف على فعل شيء واستثناه :
قوله تبارك وتعالى في سورة الكهف :
( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) يعني : إذا قلت لشيء إن فاعلٌ ذلك غداً فاستثن فقل إن شاء الله ، قال : ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) [ يقول : إذا نسيت أن تستثني في ساعتك ولم تقطعه بكلام ، فذكرته من قبل أن تحنث فقل : أن شاء الله ] .
قال فيمن حلف على شيء ، فقال : إني فاعل ذلك ، فاستثنى ثم حنث بغير علم فليس عليه كفارة إذا قال ثم نسي وذهب عليه علمه من ذلك ولم يفعل فلا كفارة عليه .
قال أبو الحواري :
الاستثناء جائز في كل يمين إلا أن يحلف بالطلاق والعتاق والظهار ، ثم قال : إن شاء الله فحنث فقد وجب عليه الطلاق والعتاق والظهار إذا حنث . قال : ولا تَعِد' أحداً موعداً وأنت لا تستطيع ، ولكن قل أسمع ما تقول ، فإن يُقَدّر علّي شيء يكون . فإن وعدته فلا تخلفه فإنه من أبواب النفاق . وكان يقول : (( ثلاث لا يجتمعن إلاّ في منافق ، إذا حدث كذب ، وإذا أؤتمن خان ، وإذا وعد أخلف )) قال أبو الحواري : إذا قطع الاستثناء بالسكوت ، لم ينفعه الاستثناء بعد ذلك ، وإن لم يستثنِ ثم حنث علم أو لم يعلم فعليه الكفارة إذا علم أنه قد حلف .
/ (1/219)
صفحة 217
52- تفسير آيات النذور وأحكامها
تفسير النذر ووجوب الوفاء به :
قوله تبارك وتعالى في سورة ( هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ )
يقول ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) فهو النذر الواجب ، أن يقول الرجل أو المرأة : لئن رزقني الله مالاً علّي أن أحج العام . ولئن ولد لي غلام لأصلين ولأصومّن كذا وكذا .
أو لئن قدم فرن من سفره ، أو بريء فلان من مرضه لأطعمن كذا وكذا من الفقراء ، ولأفعلن كذا وكذا في شيء يطيقه ، وهو لله طاعة ، ثم رزقه الله ما سأل فذلك النذر الواجب . وكذلك إذا قال الله عليّ لئن كان كذا وكذا ، لأفعلن كذا وكذا في شيء يطيقه . فأما الذي يقول : عليّ نذر أن حج أو أصوم أو أفعل نحو هذا ، ولم يقل : لئن كان كذا وكذا لأفعلن كذا وكذا ، فليس بنذر إنما هو يمين يكفر بها .
قال أبو الحواري : إذا قال عليّ نذر أن أحج فعليه الحج ، ولو لم يقل لله عليّ ، إذا نذر أن يصلي في مائة مسجد وفىّ
قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا نذر في معصية الله ، ولا قطيعة رحم ، ولا فيما يملك ابن آدم ، ولا فيما لا يطيق ))
عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : في امرأة نذرت أن تصلي في مائة مسجد ، قال : (( يجزيها أن تصلي في مسجد واحد مائة ركعة ))
قال : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يقال له إسرائيل وهو قائم في الشمس . فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، فقالوا : إنه نذر أن يصوم ولا يجلس ، ويقوم في الشمس ولا يستظل ، ولا يتكلم .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ليجلس ، ويستظل ، وليتكلم ))
قال أبو الحواري :
إذا قال : عليه النذر أن يحج فعليه الحج ، ولو لم يقل : لله عليّ . وإذا نذر أن بصلي في مائة مسجد . وما قال النبي فهو الحق .
قال : نذرت امرأة أن تمشي في البيت ، فسأل أخوها عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : تمشي ما أطاقت .
ثم نزلت ، قال : ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) . (1/220)
صفحة 218
وعليها أن تكفر يمينها .
قال أبو الحواراي : أن لم تقدر على المشي ركبت وأركبت غيرها إلى البيت .
عن عقبة بن عامر:
أن أختا له نذرت أن تمشي إلى البيت حافية حاسرة .
فسأل عقبة بن عامر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( مر أختك أن تركب ، وتختمر، وتصوم ثلاثة أيام ، وتمشي ما أطاقت ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ))
/ (1/221)
صفحة 219
53- تفسير آيات الدين وكتابته وأحكام مكاتبة ملك اليمين
تفسير في الدّين والكتابة فيه :
قوله : في سورة البقرة :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ ) يعني : بين البائع والمشتري ( كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ) . يقول : يعدل بينهما في كتابة ، ولا يزيد على المطلوب ، ولا ينقص من حق الطالب .
ثم قال : ( وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه ُ) به الكتابة ويترك غيره . ( فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ) يعني : المطلوب .
يقول : يملل [ ما عليه ] من الحق على الكاتب .
ثم خوّف الله المطلوب فقال :
(وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) يقول: ولا ينقص من حق الطالب شيئاً، ثم قال :
( فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ) يعني : المطلوب ( سَفِيها ) جاهلاً بالإملاء (أَوْ ضَعِيفاً) يعني : عاجزا أو خرسا ، أو رجلاً فيه حمق (أَوْ لا يَسْتَطِيعُ ) يعني : لا يحسن (أَنْ يُمِلَّ هُوَ) ما عليه لعيّه فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) يعني : فليملل ولي حقه بالعدل ، يعني : الطالب ولا يزيد شيئا .
ثم قال : (وَاسْتَشْهِدُوا) يعني : على حقكم .
(شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) يعني : مسلمين أحرار.
( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ) يقول : لا تشهدوا على حقكم إلا مرضيّاً يحفظ الشهادة ، ثم قال :
( أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا) يقول : أن تنسى أحدى المرأتين للشهادة (فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) يعني : يذكرها التي حفظت شهادتها . (1/222)
صفحة 220
قال : ( وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا) يعني : فلا تملوا ( أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ) يعني : أن تكتبوا قليل الحق أو كثيره (إِلَى أَجَلِهِ) لأن الكتابة إحصاء للأجل والمال .
( ذَلِكُمْ) يعني : الكتابة (أَقْسَطُ) يعني : أعدل (عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ) يعني : وأصوب (لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) .
يقول : وأجدر ألا تشكوا في الحق والأجل والشهادة إذا كان مكتوبا ، ثم استثنى ورخص فقال :
( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ) ليس فيها أجل .
(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) يعني : في التجارة الحاضرة .
(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم) يقول : فأشهدوا على حقكم على كل حال .
ويقال : من لم يشهد على حقه ن فذهب حقه لم يؤجر على ذلك الحق .
ثم قال : ( وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) يقول : ولا يعمد أحدكم إلى الكاتب والشاهد فيدعوهما إلى الكتابة والشهادة عند البيع ولهما حاجة مهمة ، فيشغلهما عن حاجتهما ، يضارهما بذلك وهو يجد غيرها ، فيقول لهما : قد أمركما الله بالكتابة لي ، وبالشهادة لي ، فليتركهما لحاجتهما ، وليلتمس غيرهما .
ثم قال : ( وَإِنْ تَفْعَلُوا) يعني : تضاروا الكاتب والشاهد وما نهيتم عنه (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي إثم لكم ، ثم خوفهم فقال : (وَاتَّقُوا اللَّه) يعني : ولا تعصوه فيهما ([ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ] وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) يعني : من أعمالكم (عَلِيمٌ) .
قال أبو الحواري : إن التجارة الحاضرة مثل ما يتبايعه الناس في الأسواق من البقول وأشباه ذلك من المتاع .
ثم ذكر المسافر الذي لا يقدر على كتابة الدّين فقال :
(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً ) يعني : بم تقدروا على كتابة الدين في السفر (1/223)
صفحة 221
( فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) يعني : فليرتهن الذي له الحق من المطلوب ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) يقول : إن كان أمن الذي عليه الحق فلم يرتهن منه في السفر للثقة وحسن ظنه به ( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ )
يقول : يؤدي الحق الذي عليه إلى صاحبه .
ثم رجع إلى الشهداء فقال (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ) عند الحكام .
يقول : من شهد على حق فليقمها على وجهها عند الحكام كما كانت ( وَمَنْ يَكْتُمْهَا ) يعني : الشهادة فلا يشهد بها إذا دعى لها ( فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ) يعني : من كتمان الشهادة وإقامتها ( عَلِيمٌ) .
وقال في سورة النساء :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) يعني : قوامين بالعدل ( شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) يقول : ولو كان عليك حق فأقر به على نفسك ( أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) يعني : أو على الوالدين أو على الأقربين فاشهدوا عليهم بالحق وقل الحق وإن كان مراً (إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) يعني : فالله أولى بالغني والفقير من غيره (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى) يعني : في الشهادات ( أَنْ تَعْدِلُوا) يعني : أن تعدلوا عن الحق (وَإِنْ تَلْوُوا) يعني : التحريف باللسان في الشهادة ، يلجلج بها لسانه فلا يقيمها ، ليبطل شهادة (أَوْ تُعْرِضُوا ) يعني : تعرضوا فلا تشهدوا بها ( فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ) يعني : من كتمان الشهادة وإقامتها (خَبِيراً) .
وقال في سورة الأنعام :
( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) يقول : ولو كان على قرابتك فقل عليه الحق .
عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : (1/224)
صفحة 222
(( إن عامة ما يكب الناس على وجوههم في جنهم ألسنتهم ، وإياك والكذب فإنه مفسد للقلب محبط للعمل ، وإذا ذكرت الحق والصدق نجوت )) .
وقال : من انتظر معسرا بدين يكتب له بكل يوم نفقه .
وقوله في سورة البقرة :
(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) يقول : فأجله إلى أن يوسر عليه ( وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) فمن تصدق بدين له على معسر فهو أعظم لأجره (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) .
ومن لم يتصدق عليه لم يأثم ، ومن حبس معسرا في السجن فهو آثم ، يقول الله
( فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) .
ومن كان عنده ما يستطيع أن يؤدي عن دينه فلم يفعل كتب ظالما .
وقال : لا تجوز شهادة العبد المسلم ولا المملوك في القربى ولا شهادة المشرك على المسلم . وتجوز شهادة المسلم الحر على هؤلاء .
قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( البينة على المدعي واليمين على من أنكره)).
تفسير ما أمر الله من المكاتبة :
قوله في سورة النور :
( وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ) يعني : يطلبون المكاتبة .
( مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) يعني : من المملوكين .
( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ) يعني : مالاً ووفاءً للمال وصلاحاً في دينهم .
( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) .
قال : أمر الله المؤمنين [ أن يعينوا في مكاتبة الرقاب ] . وقال : أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه إن استطاع فهذا خيراً له . فهو تعليم من الله ، وليس بفريضة ، ولكن له أجر عظيم .
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( المكاتب ما دام عليه من الثمن مكاتبه ، فإنه عجز فليس عليه الرد إلى الرق )).
قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( الولاء لمن أعتق )) . وهو حر يوم كتابته .
/ (1/225)
صفحة 223
54- تفسير آيات أحكام الاستئذان وإلقاء السلام في البيوت واستعمال الآداب
تفسير ما أمر الله من الاستئذان في بيوت المسلمين :
قوله تبارك وتعالى في سورة النور :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) يعني : بيوتاً ليست لكم
(حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) يعني : حتى تستأذنوا .
( وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ْ) [فيها تقديم يقول : حتى تسلموا ثم تستأذنوا] لأن التسليم قبل الاستئذان (ذَلِكُم) يعني : التسليم والاستئذان (خَيْرٌ لَكُمْ) أفضل من تدخلوا بغير إذن لئلا تأثموا . ويأخذ أهل البيت حذرهم .
(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) لكي تذكروا ، أن التسليم والاستئذان خير لكم فتنفعلوا كما أمر الله .
ثم قال : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) يعني : في الدخول (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) يعني : لا تقعدوا ولا تقوموا على أبواب الناس .
( هُوَ أَزْكَى) يعني : الرجوع خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ ٌ) يعني : بما ذكرتم (عَلِيم) .
ثم رخص في البيوت التي على الطريق فليس فيها سكان أن تدخلوها بغير إذن ، قال (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) يعني : لا حرج عليكم .
( أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ) يعني : ليس فيها ساكنوهي الحانات التي على الطرق للمسافرين ، ليس فيها سكان .
قال : لا جناح عليكم ولا حرج عليكم أن تدخلوها بغير استئذان ولا تسليم ( فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) يعني : في البيوت التي على الطريق (مَتَاعٌ لَكُمْ) يعني : متاعاً لكم من البرد والحر.
( وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ). (1/226)
صفحة 224
قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا أراد أن يدخل دار لبعض المسلمين يسلم ثلاثاً من خارج الدار ، فإذا رُدّ السلام استأذن ، فإن أُذن له دخل ، فإن لم يُردُّ السلام رجع إلى مكانه ولم يزد على ثلاثة تسليمات .
عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( يسلم القليل على الكثير، والصغير على الكبير ، والراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والماشيان أيها بدا بالسلام خير )).
قال : وإذا سلم الرجل على الجماعة ، فرد أحدهم فقد أجزى عنهم ، وإذا كانوا جماعة فيسلم أحدهم ، فقد أجزى عنهم .
قال : قال ابن عباس :
انتهوا في التسليم إلى حديث انتهت الملائكة إلى رحمة الله وبركاته .
قال : وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم ، ولا تسلم على قوم وهم يصلون ، ولا على المشركين ، فإن سلّموا [ فرد عليك ] .
وعن جابر : في الرجل يسلم على أهله فيقول : السلام عليكم إذا دخل فليس بطلاق إن فعل ذلك .
قال : سلموا على صالحكم وطالحكم ، وصلوا على صالحكم وأكثروا له الاستغفار : اللهم اغفر له .
وصلوا على طالحيكم الفساق ، وامنعوا عنهم الاستغفار لأن الله ذكر في كتابه (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ) إلى قوله : ( وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) فنهى الله النبي وأصحابه المسلمين عن الاستغفار لهم ، من مات منهم من غير توبة .
قال : وعزوا مع صالحكم وطالحكم إذا كان موافقا للسنة .
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(( من لم يسلم فلا تأذنوا له ، ومن دخل فلم يسلم فقد عصى ربه ، ويخاف على نفسه ويتوب )) .
قال : من سلم [وقال : السلام] عليكم ، فهو مأجور ، فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله فقد إزداد خيراً ، فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهو عظيم الأجر ، فطوبى للمؤمنين .
وكذلك لمن أراد السلام من المؤمنين على من يسلم عليه .
تفسير ما أمر الله به المسلمين أن يُستأذن عليهم في بيوتهم :
قوله في سورة النور : (1/227)
صفحة 225
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) يعني : العبيد والإماء (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا[ الْحُلُمَ] مِنْكُمْ) يعني : الصبيان الذين لم يحتلموا من الأحرار ( ثَلاثَ مَرَّاتٍ)
يقول : ( مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ) يعني : نصف النهار (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ) .
فلا ينبغي أن يدخل عليهم في هذه الساعات الثلاث أحد من ألادهم وأقربائهم الصغار ومماليكهم الكبار إلا بإذن .
قال : ( ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ) يعني : ثلاث ساعات غفلة وعرىّ وما يخلوا الرجل إلى أهله .
ثم رخص لهم بعد هذه الساعات الثلاث فقال :
( لَيْسَ عَلَيْكُمْ) جناح ، يعني : على أرباب البيوت .
(وَلا عَلَيْهِمْ) يعني : على الصبيان الصغار والمملوكين الكبار .
( جُنَاحٌ ) يعني : حرجاً (بَعْدَهُنَّ) يعني : بعد العورات الثلاث .
( طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ) يعني بالطّوافين : الدخول والخروج غدوة وعشية بغير إذن
( بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ) في غير العورات الثلاث ( كَذَلِكَ) يعني : هكذا (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) يعني : ما ذكر من الاستئذان من الصبيان والمملوكين في العورات الثلاث (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) يعني : ما ذكر في هذه الآية .
ثم ذكر الصبيان والأحرار ، وترك المملوكين على حالهم فقال :
(وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ) يعني : الصغار من أولاد الرجل وأقربائه (منكم) : من الأحرار (الحلم) يعني : إذا احتلموا .
( فَلْيَسْتَأْذِنُوا ) في الساعات الثلاث وغيرها في الليل والنهار وكلما دخلوا على آبائهم وأمهاتهم (كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقربائه .
(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ) يعني : ما بين في هذه الآية . (1/228)
صفحة 226
( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) يعني : حكم الاستئذان .
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
قال : لا ينبغي أن يدخل على الرجل أحد من ولده إذا احتلموا ، والجواري إذا حضن ليلاً أو نهاراً إلا بأذنه .
ولا ينبغي للصغار من ولهد وأقربائه ، الكبار والمملوكين أن يدخلوا عليه في العورات الثلاث إلا بأذنه .
قال : قال ابن عباس :
ترك الناس آيات من كتاب الله ، لا يعلمون بهذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ) إل آخر الآية .
والآية في الحجرات :
( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )
قال : نزلت في بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويقال أيضاً في سلمان الفارسي .
( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ، قال : إياكم والفخر والخيلاء فإن الله لا يحب كل مختالٍ فخور ، ولا يحب كل شيء فيه فخر ولا خيلاء ولا كبرياء ، وكن متواضعاً لله ، عليك وقار الأيمان وسكينته وهديه ، وكن ليّناً لأهلك رحيماً بهم لطفياً بمحسنهم ، شديداً على مسيئهم ، فإنك متى تفعل ذلك يكثر البر والخير في أهلك ، فإن الله ذكر عبداً رضى الله عنه فقال : (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً) فإن استطعت ألا يكون في بيتك شيء من سخط الله فافعل فإن كنت ترى أنك ولى الله ، وقد كان يقال : إنه من تشبه بقوم فهو منهم ، فلا يكون شكلك شكل الجاهل السفيه ولا تواليه في سيء من أمرك ، ولا قوة إلا بالله .
فاقصد في مشيك ، وأمرك ، ومنطقك ، ومطعمك ، وهيئتك كلها . وإذا كان عندك متاع الدنيا ، واتخذته للفخر والخيلاء ، فإياك وإياه فإن الله لا يحب كل مختال فخور ، ولا يحب شيئاً فيه فخر وكبرياء وخيلاء .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (1/229)
صفحة 227
(( إن التواضع لا يزيد العبد إلاّ رفعة ، فتواضعوا يرفعكم الله ، وإن العفو لا يزيد العبد إلاّ عزاً ، فأعفوا يعزكم الله ، وإن الصدقة لا تزيد المال إلاّ كثرة ، فتصدقوا يرحكم الله )) .
قال : من التواضع أن يبدأ بالسلام على كل مسلم ، والرضى بالمجلس عن شرف المجالس ، ولا يحب الرياء ولا السمعة ، والمدحة في شيء من عمل الله . فإذا كنت كذلك لزمت التواضع .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( لا تمادحوا ، واحثوا على وجوه المداحين التراب ))
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( الكيس من أدب نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع هوى نفسه وتمنى على الله ........)) .
قال : قال النبي صلى الله [عليه وسلم].
(( كان من حكمة داود عليه السلام أنه قال : لا ينبغي للمرء العاقل أن يشغله عن أربع ساعات من النهار شيء : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بأمر دينه ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها مما يجمل ، فإن هذه الساعة عون على تلك الساعات الثلاث وجمام للقلب .
وقال أيضاً :
وعلى العاقل أن يكون عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه ، حفاظاً للسانه مقبلاً على شأنه ، وعلى العاقل ألا يظعن إلاّ في ثلاث : تزود لمعاده ، وحرفة لمعاشه ، ولذة في غير محرّم .
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله :
إن المؤمن قوام على نفسه ، يحاسب نفسه لله ، وإنما خفّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وإنما سوء الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة ، إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن فحال بينهم وبين هلكتهم بشهواتهم ، وإن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله ، لأنه يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ، وفي لسانه ، وفي جوارحه . يعلم أنه مأخوذ عليه في ذلك كله . (1/230)
صفحة 228
قال : قال الربيع إذا فارق ذكر الموت قلبي ساعة أفسد علّي قلبي .
قال : أفضل الذكر ، ذكر الموت ، فأكثر ذكر الموت ساعة بساعة أو لساعة ساعة .
عن أبي العالية أنه قال :
ما تركت قلبي ثلاثة أيام إلاّ أنكرته .
قال : عن من فضل العمل الورع والتفكر إذا كان موافقاً للسنة .
وكان ابن عباس [ يقول ] :
(( ركعتان مقتصدتان في تفكير خير من قيام ليلة والقلب ساه )) .
وقال : ما عبدا لله بمثل طول الحزن والتفكر ، وإنما الحزن والتفكر على قدر النظر .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( إن أصحاب الكهف كانوا يظهرون الكفر لقومهم ، فيؤجرون على ذلك ، ويسترون الإيمان فيما بينهم فيؤجرون على ذلك ، فيؤتون أجرهم مرتين )) .
قال : والتقية جنة المؤمن ، ولا دين لمن لا تقية له .
تفسير ما أمر الله به من التحية بين المسلمين بعضهم على بعض :
قال الله تبارك وتعالى في سورة النور :
(فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاًًْ) يعني : بيوت المسلمين .
(فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم) يعني : فيسلم بعضكم على بعض على أهل دينكم .
(تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَة) هي البركة (طَيِّبَة) يعني : حسنة (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) يعني : ما ذكر من أمر التحية .
( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) .
وأمر برد السلام في سورة النساء قال :
(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ) يعني : إذا قال لك أخوك المسلم : السلام عليكم
فرد : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، فإن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فردوا : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
ثم قال : (أَوْ رُدُّوهَا) عليهم كما قالوا لكم .
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) مقيتاً ، يعني : من أمر التحية ، وغيرها .
(حَسِيباً) يعني : شهيداً .
قال : من التواضع أن تبدأ بالسلام على أخيك .
/ (1/231)
صفحة 229
55- تفسير آيات غض البصر وتحصين الفرج والحجاب وأحكام القواعد
تفسير ما أمر الله المؤمنين والمؤمنات من غض البصر وحفظ الفرج :
قله تبارك وتعالى في سورة النور :
(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) .
ومن هاهنا صلة في الكلام ، يعني : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم كلها عما لا يحل لهم النظر إليه .
(وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) من الفواحش ، يعني : غض البصر وحفظ الفروج .
( ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) يعني : خيراً لهم (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) عما لا يحل لهن .
(وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) عن الفواحش ، فنهى الله المؤمنات عن ذلك .
وانظر في هذه النظرة عند الله فيها عجب وعبر لمن اعتبر.
إن الله لم يخلق خلقاً أكرم عليه من آدم ، فلما وقع في المعصية عرف ذنبه ، وندم مما كان منه ، فقال :
يا رب خلقتني ، وسجد لي الملائكة كلهم أجمعون ، وعلمتني الأسماء كلها ، وأدخلتني الجنة ، فأغفر لنا يا رب وتب علينا .
( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فانظر أي موضع وضع آدم نفسه قال : ( لنكونن من الخاسرين ) ، فانظروا لو لم يغفر الله لآدم ذنبه ، ولم يعترف ، ولم يتب إلى الله لكان بمنزلة إبليس عدو الله . ولكن رجع وتاب واعترف ولم يصر على ذنبه ، فقبل الله توبته فذلك قوله :
(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
وقال الله : (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ)
فكأن ذلك الأجل قد جاء وحل ، ونحن وأنتم ممن يقف بين يدي الله في ذبك الموقف العظيم ، قال الله : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) . (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) . وذكر الله المؤمنين فقال : (1/232)
صفحة 230
( يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) وهم من الساعة مشفقون .
ثم يجمع الله فيها الأولين والآخرين في صعيد واحد ، فيسألهم عن أعمالهم (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) .
فنهى الله المؤمنين عن السرقة والزنا والبهتان فقال :
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ ) .
قال : فالبهتان : أن تأتي المرأة ولداً من غير زوجها ، فتقول: هذا منك . (ولا يعصينك في معروف) يعني : في طاعة جميع ما نهى الله ، نهاهن عن النوح ، وتحريق الثياب ، ولا يخلون مع غريب إلا مع ذي محرم منها ، فنهاهن عن جميع معصية الله ، فذلك قوله ( ولا يعصينك في معروف فبايعهن ) .
(وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) بعد التوبة بإقرارهن .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نغمة ، وصوت رنة عند مصيبة )) .
لم يلعن الله مؤمنة ، وقد لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً .
قال ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) .
فمن حدثكم بحديث يخالف القرآن فلا تصدقوه ، واتهموه ن لأن قول الله أشفى لقلوبكم وقلوبهن .
إن أصحاب الموجبات ، في المشقة قال الله :
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) . (1/233)
صفحة 231
فمن يشاء الله يغفر له من هؤلاء يترك اليهودية والنصرانية ، كذلك من يشاء الله يغفر له من أهل القبلة يترك الموجبات لا يعمل بها ، فإن عمل شيئاً منها تاب إلى الله ، ولم يصر عليه .
كما قال الله : ( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) .
ولكن يتوبون من قريب قبل الموت .
( فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) . بهم بعد التوبة ، فغن الله قال :
(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ). فذلك الإيمان بالله ورسوله والعمل بطاعته ، واجتناب معصيته ، ومعرفة ما أمر الله به ونهى عنه ، فمن ذلك يهديهم الله في الحياة الدنيا والآخرة ، يموتون على ذلك ، ويبعثون عليه .
( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) . فمن مات مؤمناً ، أدخله الله قبره مؤمناً ، فيبعثه يوم القيامة مؤمناً ، أدخله الله الجنة .
ويقال : إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة ، فسلموا عليه وبشروه ، ومشوا مع جنازته ، وصلوا عليه مع الناس ، والله أعلم .
فإذا دخل قبره فسئل : من ربك ؟ فيقول : الله .
ويقولون : من رسولك ؟ فيقول : محمد .
ويقولون : ما شهادتك ودينك ؟ فيقول : شهادتي أن لا إله إلاّ الله ، وأن محمداً رسول الله ، والعبودية ، والإسلام ، والاستسلام لأمره ، يكون ذلك لله خالصاً ، فيوسع له في قبره مدّ بصره . وأما الكافر فإنه يبسط عليه عند موته بالعذاب ، فيضرب وجه ودبره ، وذلك أنه يجحدهم عند الموت حين يناطقونه ، فإذا دخل في قبره قالوا : من ربك ؟ فلم يرجع إليهم شيئاً ، وأنساه الله ذكره . فإذا قيل : من الرسول الذي بعث له ؟ لم يهتد له ولم يرجع شيئاً ، فإذا قيل : ما دينك وما شهادتك ؟ عميت عليهم الأنباء ، فضيق عليه قبره ، مع أنه ينطق بالعمل ، وهنالك امتلأت عليه الأرض ضيقاً . (1/234)
صفحة 232
وكذلك المنافق إذا مات على نفاقه غير تائب ، فذلك قوله تعالى :
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) . ثم قال : (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) في الدنيا (وَأَصْلَحُوا) العمل (وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ) لجميع طاعته (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) بجميع ما أمر الله ( فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً
عَظِيماً) فالمؤمنون عند الله بهذه المنزلة ، عليهم صلوات الله وحق عليهم رحمته ، فطوبى للمؤمنين .
تفسير ما أمر الله الحرائر من إدناء الجلباب فوق الخمار :
قوله في سورة الأحزاب :
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ) يعني : يشددن عليهن من جلابيبهن ، وهو القناع فوق الخمار ، فلا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلاّ أن يكون عليها القناع قد شدت رأسها ونحرها ، وقال :
( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) يعني : الوجه والكفين .
فزينة الوجه الكحل ، وزينة الكفين الخضاب والخاتم ، لا يحل أن يرى منها غريب غير ذلك .
( وَلْيَضْرِبْنَ ) يعني : وليشددن ( بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) يعني : الخمار (على جيوبهن) يعني : على النحر والصدر فلا يرى منها شيئاً .
ثم قال : (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) يعني : ولا يظهرهن زينتهن ومفاتنهن ثم استثنى الزوج وذا المحرم فقال :
(إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ) يعني : الزوج ( أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ] أَوْ أَبْنَائِهِنَّ) يعني : من الزوج ومن غير ذلك الزوج (أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ ) ابن الزوج من غيرها ( أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) فهؤلاء ذو محرم ، وكذلك العم والخال . (1/235)
صفحة 233
ثم قال : (أَوْ نِسَائِهِنَّ) يعني : نساء المؤمنات .
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) يعني : المرأة ، فلا يحل لها أن تضع الجلباب عند عبد زوجها ، ثم قال :
( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) ولا بأس أن تضع الجلباب عند تبع زوجها من غير عبده فيكون له تابعاً .
(غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ ) يعني : من لا حاجة له في النساء ، الشيخ الهرم ، والغلمان الذين لا حاجة لهم في النساء ، والخصي والمعتوه ونحوه .
ثم قال : ( أَوِ الطِّفْلِ) يعني : الغلمان الصغار ( الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا ) يعني : لا يدرون من أمر النساء .
فلا بأس للمرأة أن تضع الجلباب عند هؤلاء .
قال (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ) وذلك أن المرأة يكون في رجلها الخلخال فيه الخلاخل ، فإذا عليها غريب تحرك رجلها عمداً ليسمع صوت الخلخال فقال : (ولا يضربن بأرجلهن) يعني : ولا يحركن أرجلهن ( لِيُعْلَمَ ) يعني : ليعلم الغريب إذا دخل عليهن .
(مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) يعني / (1/236)
صفحة 234
الخلخال فيه الخلاخل .
( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
تفسير ما أمر الله وما رخص للقواعد من النساء في وضع الجلباب :
قوله في سورة النور :
(وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) يعني : المرأة الكبيرة التي لا تحيض من الكبر.
( اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً ) يعني : لا يرجون تزويجاً .
( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ) يعني : حرجاً )َأَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) وجدت في نسخة : وقراءة ابن مسعود ( أن يضعن من ثيابهن ) الجلباب وحده والقناع الذي يكون فوق الخمار فلا بأس أن يضعن عند غريب وغيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق .
ثم قال : (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) يقول : لا تريد بوضع الجلباب أن يرى ما عليها من الزينة .
ثم قال : (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) من أن يضعن ، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .
/ (1/237)
صفحة 235
56- تفسير آيات تحريم السخرية والظن والغيبة في حق المسلمين
تفسير ما أمر الله المؤمنين والمؤمنات بأن لا يسخر بعضهم من بعض :
قوله في سورة الحجرات :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) يقول : لا يسخر الرجل من أخيه المسلم ، فيقول له : إنك رديء المعيشة لئيم الحسب ، من نحو هذا من الكلام فيما ينقصه من أمر دنياه .
(عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) يعني : خيراً عند الله .
( وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ) عند الله .
(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) يقول : لا يطعن بعضكم على بعض فإن ذلك معصية .
( وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) يقول : لا يدع الرجل المسلم أخاه المسلم باسمه الذي كان عليه قبل الإسلام ، فيقول : يا يهودي ، أو يا نصراني ، أو يا مجوسي ، أو نحو هذا من الكلام .
ثم قال : ( بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ) يعني : بئس الإسم هذا أن تسميه باسم الكفر بعدما آمن .
(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ) من قوله (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) لأنفسهم .
وقال الله (أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) .
(الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) .
قال (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) . فلم يلعن الله مؤمناً ، وقد لعن الكافرين وأعدّ لهم سعيراً .
تفسير ما أمر الله المؤمنين من اجتناب الظن والغيبة :
قوله في سورة الحجرات :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) وهو الرجل يسمع من أخيه كلاماً يريد به سوءاً ، فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءاً ، فإن لم يتكلم ، أو يعلمه بفعل فلا بأس به ولكن هو ذنب ، وإن تكلم به كتب إثماً. (1/238)
صفحة 236
قال : ( وَلا تَجَسَّسُوا) يقول : ولا يبحث الرجل عن عيب أخيه المسلم ، فإن ذلك معصية ، ولكن يستر عليه ويأمره بالتوبة في السر ( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) . والغيبة : أن تقول عن أخيك المسلم ما فيه من العيب ، فإن قلت ما ليس فيه فهو البهتان العظيم . فوعظ الله المؤمنين قال : (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
والبهتان يعني : الكذب ، وقد وعد الله الويل للمكذبين ، فقال : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) . وقال :
( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) . ثم ضرب للغيبة مثلاً فقال :
(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ) . يعني : إذا اغتبت أخاك وهو غائب فهو كأكل لحمه ميتا ( فَكَرِهْتُمُوهُ) يعني : كرهتم أكل لحم الميت ( وَاتَّقُوا اللَّهَ) في الغيبة فلا تغتابوا أحداً ، ولكن أؤمروا بالمعروف إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ ٌ) يعني : على من تاب (رَحِيم) بعد التوبة .
/ (1/239)
صفحة 237
57- تفسير آيات الوفاء بالعهد مع المسلمين وغيرهم وحرمة نقضه
تفسير ما أمر الله به المسلمين من وفاء العهد فيما بينهم وبين المشركين وغيرهم :
قوله في سورة المائدة :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .
يعني : أوفوا بالعهود التي بينكم وبين الناس .
وقوله في سورة بني إسرائيل :
( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) يعني : العهد الذي بينكم وبين الناس .
( إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) يعني ك يسأل الله عن نقضها .
وقوله في سورة الأنعام :
( وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) يعني : العهود التي بينكم وبين الناس .
تفسير ناقض العهد :
قوله في سورة النحل :
(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) يعني : فيما بينكم وبين الناس أهل الشرك في أهل الحرب وغيره ، قال :
( وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ) يعني : العهد ( بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) يعني : بعد تعظيمها وتشديدها .
( وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً) يعني : شهيداً في أمر العهد . (وَلا تَكُونُوا) في نقض العهد
(كَالَّتِي) بمنزلة التي (نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً) يعني : نقضت غزلها من بعد ما أبرمته ، وكذلك أبرم العهد ثم ينقضه .
(تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ) يعني : العهد (دَخَلاً بَيْنَكُمْ) يعني : منكراً أو خديعة ليدخل العلة فيستحل به نقض العهد .
(أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ) يعني : أن يكون قوم أكثر من قوم فينقضون العهد من أجل كثرتهم .
(إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) .
ثم قال : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ َ) يعني : للمسلمين والمشركين .
(أُمَّةً وَاحِدَةً ) يعني : ملة الإسلام وحدها .
(وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ) عن دينه ، وهم مشركون .
(وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) يعني : المسلمين . (1/240)
صفحة 238
(وَلَتُسْأَلُنّ) يوم القيامة (عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
ثم ضرب مثلاً آخر لناقض العهد ففال :
(وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ) يعني : منكراً وخديعة ليدخل العلة فيستحل به نقض العهد .
(فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) يقول : إن ناقض العهد يزل في دينه كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة .
(وَتَذُوقُوا السُّوءَ) يعني : العقوبة .
(بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) يعني : عن طاعة الله وميثاقه للمشركين من أهل الحرب وغيرهم ، ثم حّرفها فينقض العهد فإنه ينصب له يوم القيامة لواء يعرف به عند ظهره فيقال : هذه غدرة فلان .
قال : (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) .
فمن أعطي من المؤمنين العهد فهو جائز إذا كان العهد عدلاً ، لأن المؤمنين الأحرار دماؤهم كلهم سواء .
(( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، يسعى بذمتهم أدناهم يعقد عليه أولهم ويرد عليهم أفضلهم )) . فيسأل عن ذلك ، والمؤمنون الأحرار دماؤهم كلهم سواء في القصاص ، وهم يد قوية على غيرهم يسعى بذمتهم أدناهم [ويرد على أقصاهم ] أن يعطى العهد أدنا رجل من المسلمين فهو جائز إذا كان العهد عدلاً ، يعقد عليهم ، ولهم ، ويرد عليهم أفضلهم .
إذا لم يكن عدلاً فلا يجبره ، ولا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده ، وهما سواء في القصاص والدّية .
وقال : الإيمان ، إيمان تصديق ، وإيمان عمل .
والتقوى : حقيقة الإيمان ، وحقيقة : العمل .
قال الله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) صلى الله عليه وسلم .
(وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) فكان إيمانهم بما أنزل على محمد العمل بطاعة الله ، وطاعة رسوله . (1/241)
صفحة 239
وقال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ )
وقال : (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ) .
وإنما الإيمان اسم أُلحِقَ بأسماء الله ، والإسلام كذلك ، الله المؤمن المهيمن وهو السلام .
ولا يجزي بالنار من لقي الله واسم الإيمان له ثابت .
وقال : (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) .
وقال : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) .
وقال : ( يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ) .
وقال : (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) .
فبرأ الله المؤمنين يوم القيامة من الخزي والذل والخوف والسوء .
وقال : ( إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) .
وقال : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) .
وقال : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) . (1/242)
صفحة 240
فمن زعم أن الله يسوّد وجه المؤمن يوم القيامة ، أو ترهقهم ذلة فلم يشفه الله بالقرآن .
قال : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .
وقال : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) .
فسل من خاصمك من أهل البدع والباطل ، أرأيتم هذا المؤمن الذي تزعمون أن الله يدخله النار ، ما لونه في النار ؟ وما طعامه في النار ؟ وما شرابه ؟ وما لباسه ؟ وما فراشه ؟ وما حيلته ؟ وما منزلته في النار ؟ فإن الله قد بنى منازل لأهل النار فقال الله : ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ) .
فسلهم عن هذا الذي يدخل في النار من أهل القبلة ، هل تقطع لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد ؟
أم أدخلوا النار وأطعموا من الطعام الذي يطعمه الله أهل الجنة والشراب الذي سقاه الله أهل الجنة ، والمنازل والمسكن والفرش والأزواج واللباس والثمار ، والسُرر المصفوفة ، والآنية من ذهب وفضة ، والكرامة التي أنزل الله بها أهل الجنة ؟ فذلك قوله :
( تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) .
( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) . وإنها لا تحيط بمؤمن .
( لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) . (1/243)
صفحة 241
وقول الله : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [سَوَاءً] مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) . وذلك قول الله : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي [تَبْغِي] حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) .
وسألهم عن الفئة التي بغت ، وأبت أن تفيء إلى أمر الله ، فأمر الله بقتالها من حيث خرجت عن أمر الله ، فإن قالوا : في أمر الشيطان صدقوا ، وإن قالوا : في أمر الله كذبوا ، إنما في أمر الله الذين يقاتلون في طاعة الله ، وهم أولياء الله وإنما في أمر الشيطان من يقاتل في طاعة الشيطان .
فإن الله قال لقوم :
(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) .
وكيف يرجون الجنة ؟
وقال : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .
فالفئة الباغية من حزب الشيطان ، والفئة التي قاتلت ابتغاء مرضاة الله هي حزب الله ، وقال الله : (1/244)
صفحة 242
(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) .
والفئة الباغية هي حزب من حزب الشيطان ، قال الله :
(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) . ومن لا يحبه الله فليس في ولايته ، إنما دخل في ولاية إبليس .
قال الله : ( فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) .
وقد برئ الله من ولاية الله (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) .
قال الله : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
فخلصت لهم الطيبات من الرزق ( قل هي للذين آمنوا ) . من لقي الله مؤمناً يوم القيامة .
تفسير ما أمر الله المؤمنين أن يفعلوا مع نقض العهد من المشركين :
قوله في سورة البقرة :
(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) .
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقبلوا إلى مكة محرمين بعمرة ، وذلك قبل أن يفتح مكة بعد غزوة الحديبية بسنة .
وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وبين المشركين شرط ، فخاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يفي لهم المشركون بشرطهم وكره المسلمون القتال في البلد الحرام ، فنزلت : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) 0
يعني : فمن قاتلكم من المشركين في الحرم ( فاعتدوا عليه في الحرم ، ( بمثل ما اعتدى عليكم ) .
( وَاتَّقُوا اللَّهَ) يعني : المؤمنين يحذرهم .
يقول : فلا تبدؤهم بالقتال (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) . في النصر لهم يخبرهم أنه ناصرهم .
/ (1/245)
صفحة 243
58- تفسير آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجملة من وصايا لقمان
تفسير ما أمر الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
قوله في سورة لقمان :
([وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ] لاِبْنِهِ[ وَهُوَ يَعِظُهُ] يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) يعني : أتم الصلاة .
(وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ثم قال :
(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) يعني : في أمرهما .
يقول : إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر فأصابك في ذلك أذى أو شدة فاصبر عليه (إِنَّ ذَلِكَ) يعني : هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر.
(مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) يعني : من حق الأمور التي أمر الله بها .
ثم قال : (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ) .
يقول : لا تعرض بوجهك عن فقراء المسلمين تكبراً ( ولا تمش في الأرض مرحاً ) يعني : بالخيلاء والعظمة .
(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) يعني : كل بطر مرح فخور في نعمة الله ولا يشكر .
وقوله في سورة بين إسرائيل : (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) يعني : بالخيلاء والعظمة .
(إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) قال لقمان لأبنه :
(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) يعني : لا تخيل ولا تنظر حيث لا ينبغي .
(وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) يعني : واخفض من صوتك عند الملا .
(إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) يعني : إن أقبح الأصوات لصوت الحمير .
يا بني : أحب من أحبّ الله ، وابغض من أبغض الله ، وحبب نفسك إلى الناس ، ولا تبغض نفسك على أحد من الناس واعط الحق من نفسك ، وإن سمعت ما تكره وأتي إليك بعض ما لا تحب فأصبر نفسك على ذلك وأكرهها فأنك على الهوان قادر ، يا بني : اطف الشر وافش الخير . (1/246)
صفحة 244
( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ولا تحلف بالكذب ولا تشهد بالزور . [ ولا تكن ] ذا لسانين وذا وجهين ، ولا تجر بكل ريح مثل السفينة التي تجري في البحر بكل ريح ، إنه من علامات النفاق ولكن استقم على سبيل واحد .
يا بني : لا تمار السفهاء ، ولا تجالس المستهزئين ولا تهم في هم الخاطئين . يا بني : جالس أهل الذكر والفقه والعلم بأمر الله ، وليكونوا هو إخوانك وخلطاؤك .
يا بني الضحك طرف من الجهل ، وبعض الحياء طرف من الدين والسكوت بين الخزانة .
يا بني : عليك بالصمت إلاّ في ذكر الله ، فإن في اللسان عاقبة الخطايا .
وقد كان يقال : إنما الكلام في ثلاث :
إما تذكر ربك ، أو تأمر بضيعتك ، أو تسأل عن شيء فتخبر به ، واعلم ما صمت سلمت ، فعوّد لسانك الصمت عن كثير الكلام ، فإن فيه مع ذلك حلماً ووقاراً ، فإذا أكثرت الصمت قل الكذب ، وأعلم يا بني أن المصيبة باب الإثم ، والسكينة واللسان باب القلب ، فإذا ضعيت الباب دخل من لا تريد أن يدخل ، وخرج من لا تريد أن يخرج
فإذا حفظت الباب حفظت الخزانة كلها ، واستوثق لسانك بتلاوة القرآن ، واشغله بالحكمة عن قول الزور والرفث والبهتان .
يا بني : إنه من حفظ لسانه فقد أكرم نفسه ، فإن اللسان يكرم به المرء ويهان ، ومن حفظ لسانه فقد أكرم نفسه ومن سلط لسانه فقد أضاع نفسه ، ومن كف لسانه ويده ونفسه عن الناس ، فقد أصاب حظ نفسه ، فإن باللسان ترفع وتضع ، وتكرم وتهين ، فإذا حفظت لسانك أكرمت نفسك ، وإنك إن أهنتها لم تكرم على أحد بعدك ، وكنت على الهواء قادراً .
يا بني : لا تأمر الناس بالبر وتنسى نفسك ، فإن مثل ذلك المصباح الذي يضئ للناس ويحرق نفسه .
يا بني : إن دعاء الجار ، وبكاء اليتم ، وصوت المسكين المستضعف المظلوم يصعد إلى السماء .
يا بني : إن الله يطلب الظالم أينما كان ، ويأخذ للضعيف المظلوم من شدة الظالم فلا تكونن ظلماً ، فإنه قال الله : (1/247)
صفحة 245
(أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). ولم يلعن الله مؤمناً .
يا بني : لا تجازي المسيء بسوء عمله ، ولكن كِلُه إلى الله فهو يجازيه .
يا بني : إذا صمت فاغسل وجهك ، وادهن رأسك ، وارفع صوتك عند الملأ حتى لا يعلمون أنك صائم ، فإن إلهك الذي تعمل له في السر هو يجزيك في العلانية . فإن الصيام لو لم يكن منه شيء إلا أنه مقطعة لكثيرمن الشهوات والخطايا لحقيق أن يسارع فيه ، واستكثر منه . فإنك لا تزال في عبادة حسنة ما دمت صائماً ، وإن كنت راقداً ، أو ضيعتك .
وقد ذكر أن الله تبارك وتعالى يقول (( الصيام لي وأنا أجزي به )) .
وكان يقال : (( إن الصيام جُنة من النار يوم القيامة )) .
فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك وجوارحك كلها من الخطايا ، فإن ذلك من أفضل الصيام .
يا بني : ضع مالك عند من لا يضيعه لك ويضعفّه لك ، ولا تدفنه فتأكله الأرض ويذهب به من لا يحمدك عليه .
يا بني : سارع في الصدقة ما استطعت مما قل أو كثر ، فإن الصدقة لو لم يكن فيها شيء إلا أنها تعين بمواعد الله فيها لكنت حقيقاً أن تسارع فيها ، بل أنها فكاك رقبتك من النار ، وغسول الخطايا ، فإن ذلك من أفضل العمل .
وكان يضرب مثلها كمثل رجل طلب بدم ، فأخذه أهل المقتول ، فلما أخذوه افتدى منهم بماله فلم يزل يعطي قليلاً ة كثيراً حتى عتق وهي مخشعة للقلب فأسرها ما استطعت .
وضعها بالذي افترض عليك من الحق ، واعلم أن كل نفقة من غير الحق فهي تبذير وإن قلّت ، وقد قال الله :
(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ) .
( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) .
يا بني : استيقن بالموت فإنك ميت ، ولا تشمت أحداً بالموت فإنك ميت لا محالة ، وحاسب نفسك قبل أن تدعا إلى الحساب ، يقول الله :
(فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . (1/248)
صفحة 246
يا بني : لا تنظر إلى من هو فوقك ، ولا نحقر من هو دونك ، ولا تكن فظاً غليظاً فيزدريك الناس ويزهدوا فيك ، ولا تكن حلواً فتبتلع ، ولا مُراً فتلفظ ، ولا تكن جباراً فتهان وتقمأ ، ولا تكن عزيزاً فتهان وتشقى .
(وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)
يا بني : لا تكتم الشهادة ، ولا تحابي بها ذوي قرابة ولا إلى أحد من الناس فتأثم وتندم وتحشر يوم القيامة ، إنك قد علمت أن الويل للمكذبين .
يا بني : لا تفرح بالغنى ، ولا تقنط بالفقر ، ولا تحزن في البلاء ، ولا تفرح في الرجاء ، فإن الذهب ينقى بالنار ، والعبد الصالح ينقى بالبلاء والأذى .
يا بني : لكل زمان رجال ، ولكل مقام مقال ، ولكل امرئ هوى ، ولا تكن حزيناً خاذلاً بلسانك ، ضعيفاً عاجزاً بعملك .
يا بني : أخفض جناحك للمؤمنين ، وكن لليتيم كالأب الرحيم ، وكن للأرملة كالزوج العطوف ، ولا تحسد المؤمنين ، ولا تغبط الظالم .
يا بني : احتفظ من الصديق ، ولا تأمن من العدو ، واستبشر بالفقير إذا جاءك ، وارفده من نوافلك ، وارزقه مما رزقك فإن كفيله العلي الوفي الذي لا يجحدك حقك ولا يظلمك به ، فأربح الربح ، وأفضل التجارة الذي يربح من كل [حسنة] عشرة أمثالها .
يا بني : لا تكن كالسارق دينه بزكاة ماله ، وأعط زكاة مالك فإنها فريضة عليك ، كما لا تصلح اليمين إلا بالشمال ، كذلك لا تصلح الصلاة إلا بالزكاة ، فإذا أزاد الله مالك ، فاحتسب فيه الأجر فاعمل للآخرة .
يا بني : اجتنب هؤلاء الكلمات التي نفخ بها إبليس في آدم ، فإنك إذا اجتنبتهن فإن باب الجنة لك مفتوح .
أولهن : البغي والاعتداء ، والله لا يحب المعتدين ولا أصحاب الهوى . (1/249)
صفحة 247
قال : (فَأَمَّا مَنْ طَغَى . وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى . وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)
واللفظ السوء يا بني ، والحقد والنميمة والحسد ، الذي حسد إبليس آدم فهلك ، وقابيل لهابيل فحسد فقتل قابيل هابيل من شدة الحسد .
يا بني : والبغي ، والشح ، والفخر ، والكبرياء ، والجفاء ، والفتور ، والغفلة ، والسآمة ، والكسل ، والآثام كلها فيه .
يا بني : ما أحسن الإيمان ، واليقين ، والحكمة ، والبيان ، وما أسوأ الشك ، والريبة ، والبهتان .
يا بني : ما أحسن السمع والطاعة ، والجمال بالطاعة ، وما أسوأ الفرقة والفتنة والمعصية ، وما أحسن العلم ، والحلم ، والعقل ، والرأي واللب ، وما أسوأ الجهل ، والفجور ، واللؤم ، وما أحسن الغنى ، واليقين ، والصحة ، والسكينة ، والوقار ، وما أسوأ الكفر ، والفجور ، والنسيان .
يا بني : إن الله اصطفى الخلفاء واختارهم على أن يعملوا بالحق ويأخذوا بكتاب الله ، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يسخط على من اختار الله على البشر ، ومن يعص الله يخذله ، ومن يصارع نفسه يصارعه الله ، ومن يتمنى الفتنة فهو منافق فلا تصاحبه ولا تجالسه .
يا بني : إني أبغضت أربعة ، وكرهت لنفسي ثلاثة ، وعجبت من شيخ زان ، ومسكين فخور ، وغني ظلوم ، وأعمى كذوب ، فهؤلاء الأربعة .
والثلاثة : في رجل إذا وعد أخلف ، وإذا حدث كذب ، وإذا أؤتمن خان فهو منافق ، ومن رجل غير محتاج يسأل الناس إلحافا ، ولا يعلم أن الأرواح تقبض ، والأجساد تدفن ، والأموال تفنى . (1/250)
صفحة 248
يا بني : عجبت من رجل يريد أن يبلغ من الشرف ما قد أدرك أمثاله من قبله ، ويريد أن يتزين بما قد أقبح أمثاله من قبله ، ويريد أن يتحمل بالأمر الذي قد افتضح من عمل به ، ويريد أن يُذكر بالخير ، والشر من خليقته ، ويريد أن يُذكر بالمعروف ، والفحش من أمره ، ويريد أن يعد من أهل الصلاح ، وهو مفسد ، ويريد أن يتفقه وهو أعمى من قبله ، ويريد أن أن يعيب الرجال ، والعيب متلطخ به ، ويريد أن يذكر مع أهل الحق ، وهو مقيم في باطله ، وهو يظن أنه يقتدي بالهدى ، وهو جائر عن سبيله ، ويريد أن يحمد ، والذم محفوف به ، ويريد أن يعد من الأبرار، والفجور محيط به .
يا بني : إن من علامات المراء ، إذا تغّيب فجر ، وإذا حضر تبزر ، وإذا أراد باطلاً استتر ، وإذا فعل خيراً فجر ، وتكسّل إذا كان وحده ، وينشط إذا كان عنده أحد ، ويحرص أن يحمد على كل أمره .
يا بني : إن من علامات النفاق ، بهن يبين نفاقه :
توافق الدين علانيته ، وتخالف سريرته ، حسن قوله ، سيء فعله .
ومن علامات المذنب ، بهن تبين ذنوبه :
حسن وعده ، سيء تحوله ، مختلف أمره ، مختلط عقله .
ومن علامات الأحمق ، بهن يبين حمقه :
إن علم لم يتعلم ، وإن ترك غشم ، وإن قيل له لم يفقه ، وإن أساء لم يندم .
ومن علامات الفاسق ، بهن يبين فسقه :
إن قدر طغى ، وإن ذل بغى ، وإن ذل سعى إلى الفجور سعياً .
ومن علامات القنوط ، بهن يبين قنوطه :
سيء ظنه ، دائم ندمه ، كثير سخطه ، شديد حرصه .
ومن علامات الظالم ، بهن يبين ظلمه :
إن كان هو المظلوم سأل أن يعدل عليه ، وإن كان هو الظالم إذا دعى إلى العدل كره ذلك ، وإن كان له الحق استوفى ، وإن كان عليه الحق أنقصه .
وقوله في سورة المائدة :
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) يعني : البر على الطاعة ( والتقوى ) يعني : على ترك المعصية .
( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) يعني : على الظلم . (1/251)
صفحة 249
(وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
قال : أنكر المنكر ثلاث :
إما أن تفعل إن قدرت عليه ، أو تقول ، فإن لم تقدر عليه فأنكره بقلبك وذلك أضعف الإنكار .
وذلك عن عبدالله بن مسعود قال :
هلك أيضاً من لم يعرف المعروف معروفاً ، والمنكر منكراً .
يعني : من لم يعرف المنكر ، وينكر المنكر بقلبه .
/ (1/252)
صفحة 250
59- تفسير آيات ما حرم الله من المطعومات وذكر الله على الذبائح
تفسير ما حرم الله من الميتة والدم ولحم الخنزير :
قوله في سورة المائدة :
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ َ) يعني : على المسلمين الْمَيْتَةُ) يعني : لحم كل شيء ميت (وَالدَّم) يعني : الدم المسفوح
(وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلّ) يعني : ذبح (لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) يعني : ما ذبح للأهلة ، وإن ذبحه المسلم فلا يحل أكله .
قال ( وَالْمُنْخَنِقَةُ ُ ُ) يعني : من الأنعام كلها وغير ذلك إذا أوثقت فقتلها خانقها ، أو خنقت بغير ذلك فهو حرام .
(وَالْمَوْقُوذَة) التي تضرب بالخشب أو الحجارة أو بغير ذلك حتى تموت .
(وَالْمُتَرَدِّيَة) يعني : التي تُرد في بئر ، أو تقع من جبل فتموت .
(وَالنَّطِيحَةُ) يعني : الشاه من المعز أو غير ذلك تنطح إحداها الأخرى .فتموت .
(وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) يعني : من الأنعام وغيرها .
ثم استثنى [من] المنخقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما اكل السبع فقال :
(إلا ما ذكيتم) يعني : ما ذبحتم وذكر اسم الله عليه فهو حلال .
ثم قال : ( وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) وهي حجارة كانوا ينصبونها فيعبدونها من دون الله ويذبحونها لها .
(وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ) يعني : وحرم عليكم أن تستقسموا بالأزلام ، وهي القداح التي كانوا يستقسمون بها في أمرهم إذا أرادوا غزواً ووجهاً ، أخذ قدحين في أمرهما : أمرني ربي ، وفي الآخر نهاني ربي .
ثم يضربون بهما ، فأيهم خرج عملوا به على ما خرج .
قال ك (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) يعني : ركوب ذلك مما نهى الله عنه في هذه الآية ، معصية ، ثم قال في التقديم :
(فَمَنِ اضْطُرَّ) يعني : فمن اضطر إلى أكل لحم شيء مما حرم الله في هذه الآية فأكله (فِي مَخْمَصَةٍ) يعني : في مجاعة (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ) يعني : غير متعمد لمعصية .
وقال في سورة البقرة : (1/253)
صفحة 251
(غَيْرَ بَاغٍ) يقول : من غير أن يستحله (وَلا عَادٍ) لمن اضطر إليه (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) في أكله حين أضطر إليه (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) لما أكل من الحرام (رَحِيمٌ) به ، إذ أحل له الحرام للاضطرار ، نظيرها في الأنعام والنحل .
قال : من اضطر إلى حرام فليأكل منه قدر ما ينجيه من الهلاك ، ولا يشبع منه .
تفسير ما أحل الله للمسلمين من الذبائح :
قوله غي سورة الأنعام :
(فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ) وذلك أن مشركي العرب قالوا للمسلمين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : تزعمون أنكم تعبدون الله ، وأنكم على دينه ، فما قتل لكم فلا تأكلوه ، يعنون : الميتة ، وتزعمون أنه حرام ، وما قتلتم بأيديكم تأكلونه ، يعنون الذبائح ، وتزعمون أنه حلال ، فالله أفضل صنعاً أم أنتم ؟ فجادلوهم في أكل الميتة فنزلت في سورة الحج :
(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً) يعني : ذبائحهم (هُمْ نَاسِكُوهُ) يعني : هم ذابحوه (فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) يعني : في أمر الذبائح .
ونزلت في سورة الأنعام :
(فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) يعني : الذبائح .
يقول : إذا ذبحتم ذبيحة ، فأذكروا اسم الله عليها ، فكلوه فإنه حلال .
(إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ) يعني : بآيات القرآن (مُؤْمِنِينَ) يعني : مصدقين .
ثم قال : (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) يعني : الذبائح (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ) يعني : قد بين لكم (مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) يعني : ما بيّن في سورة المائدة من (الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) إلى آخر الآية .
ثم قال : ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً ) يعني : من مشركي العرب .
( لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) يعني : في أمر الذبائح وغيره . (1/254)
صفحة 252
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) .
قال : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) يعني : الميتة .
( وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) يعني : المعصية وأكل الميتة .
قال : (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) يعني : إلى المشركين .
(لِيُجَادِلُوكُمْ) يعني : في أمر الميتة حين قالوا للمسلمين : ما قتلتم بأيديكم أنه حلال ، وما قتل الله لكم تزعمون أنه حرام .
فهذا جدالهم ، لقول الله (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ) في الشرك يعني : في استحلال أكل الميتة (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) مثل كفرهم بالتنزيل فيكون كفرهم بالتنزيل مثلهم .
عن ابن عباس أنه قال :
من نسى أن يذكر اسم الله على ذبيحته فهي حرام ، إن علمتم نسيان اسم الله .
وقال أيضاً : من تعمد فلم يذكر اسم الله فهو حرام ، وهو آثم .
وقال : لا بأس بذبيحة الغلام الذي لم يحتلم ، إذا علم كيف يصلي ، وكيف يذبح ، ولا بأس بذبيحة المرأة والوليدة والأخرس . لعلة الأخرس الذي يعلم ذبيحته ، وكيف يصلون ، وإذا أحسنوا الذبيحة .
قال : ولا يحل أن يذبح بالعظم ، والسن ، والقرن ، والظفر .
/ (1/255)
صفحة 253
60- تفسير آيات ما أحل الله من طعام أهل الكتاب وصيد الكلب المُعلَّم
تفسير ما أحل الله من ذبائح أهل الكتاب :
قوله في سورة المائدة :
(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) يعني : الحلال من الذبائح ، ثم قال : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) يعني : ذبائح اليهود والنصارى ( حل لكم ) يعني : للمسلمين .
( وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) يعني : وذبائح المسلمين حلال لهم .
وذلك أن المسلمين كانوا يتقون ذبائح أهل الكتاب ونساءهم ، إذا أحسنوا الذبائح ، وذبائح من دخل في دينهم من غير حلال للمسلمين .
قال : [قال الله] : ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ومن يتول الفاسق فإنه منه ، ومن يتول المنافقين فهو منهم .
قال الله ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
وقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً) يعني : إذا توليتم المنافق فلله عليكم الحجة البالغة (سلطانا مبينا) .
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا . إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)
فنهى الله عن ولاية المنافقين ، وولاية أهل الكتاب ، وولاية الكافرين ، قال الله :
( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
تفسير ما احل الله للمسلمين من صيد الكلاب المعُلَمة :
قوله في سورة المائدة :
(يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) . (1/256)
صفحة 254
وذلك أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل سألا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله إن كلاب آل بريك ، وآل ذريح ، وآل أبي حدانة تأخذ الظباء والبقر ، فمنها ما يدرك زكاته ، ومنها ما يقتل فلا يدرك زكاته وقد حرم الله الميتة ، فماذا يحل لنا منها ؟ فنزلت : (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) ؟
(قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) يعني : الذبائح كلها الحلال طيبة لهم ، ثم قال : ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ) يعني : الكلاب ( مُكَلِّبِينَ) يعني : معلمين للصيد (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ) يعني : تؤدبوهن لطلب الصيد ( مما علمكم الله ) يقول : مما أدبكم الله ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) يعني : مما حبس عليكم ، يعني : وإن قتلهن فهو حلال ما لم يأكلن منه ، فإذا أكلن فلا يصلح ، إنما أخذه لنفسه ، ولا يحل أكله ، ثم قال :
( وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) يعني : حين يرسلهن على الصيد ، ثم خوفهم فقال : (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فلا تستحلوا ما لم يذكر اسم الله عليه ، ثم قال يخوفهم : (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) فيسألكم عن أمر ذبائحكم . قال : إن كان في الكلاب المعلمة كالكب ليس معلم ، فقتل الصيد فلا تأكله .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( في الكلب المعلم إذا أكل من الصيد فلا يؤكل إلا أن يدرك زكاته ))
وقال في مسلم رمى صيداً ونسى أن يذكر اسم الله عليه : فلا يحل له أن يأكل منه .
وعن ابن مسعود : في البهيمة الأهلية تتوحش ، قال هي بمنزلة الصيد .
/ (1/257)
صفحة 255
61- تفسير آيات الصلاة والسلام على نبينا الكريم وأحكام ذلك
تفسير ما أمر الله به المؤمنين من الصلاة على النبي صلى الله عليه :
قوله في سورة الأحزاب :
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) يعني : إن الله يغفر للنبي وتستغفر له الملائكة ، فأمر الله المؤمنين فقال :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) .
قال : لما نزلت هذه الآية ، قال المسلمون : يا نبي الله كيف نصلي عليك ؟
قال : (( قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد )) .
عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
جاء جبريل فقال : يا محمد من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له دخل النار فأبعده الله .
قال النبي : آمين .
ومن أدرك أبويه أو أحدهما فدخل النار ، فأبعده الله .
قال النبي : آمين .
ومن ذكر عنده اسمك فلم يصل عليك ، ودخل النار ، فأبعده الله .
قال النبي : آمين .
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(( حسب العبد بالبخل إذا ذكرت عنده فلم يصل علّي )) صلى الله عليه وسلم ، وكذلك الوالدين ورمضان إذا لم يعرف فضلهما ، أو لم يؤد حقهما الذي افترض الله عليه . ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) .
عن ابن مسعود قال :
إذا صليتم فأحسنوا الصلاة عليه ، فإنه فريضة أمركم الله بها ، قال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) .
/ (1/258)
صفحة 256
62- تفسير آيات الأمر بذكر الله ذكراً كثيراً ونصائح في تجليل الله جل جلاله
تفسير ما أمر الله به من الذكر لله كثيراً .
يعني : التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد :
قوله في سورة الأحزاب :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ) يعني : باللسان على كل حال .
(ذِكْراً كَثِيراً . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) يعني : وصلوا لله بالغداة والعشي ، ثم أخبرهم بفعله بهم ، قال :
(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ) قال : لما نزلت إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ....) إلى آخر الآية ، قال المسلمون : فما لنا يا رسول الله ...؟
فنزلت : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ) .
يقول : الله يغفر لكم ، وتستغفر لكم ملائكته .
( لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) يعني : من الكفر إلى الإيمان .
( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) .
وقوله في سورة الكهف :
(وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) يعني : التسبيح والتهليل والتحميد والكتبير .
(خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً) يعني : جزاءً (وَخَيْرٌ أَمَلاً) يعني : خير ورجاءً .
يقول : إذا قلت سبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، فهذا من ذكر الله ، وقراءة القرآن من ذكر الله ، والأمر بالمعروف من ذكر الله ، والنهي عن المنكر من ذكر الله ، وتعليم الحلال والحرام من ذكر الله ، والصبر من ذكر الله . يقول :
(فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) يعني : الصلاة .
وأفضل الذكر [إجتناب] ما نهى الله عنه والصبر عنه ، فتصّبر نفسك عن المعصية ، فتذكر مقامك بين يدي ربك ، فذلك أفضل الذكر ، فإذا فعلت ذلك فقد أثنيت على الله .
فأنت خير ثواباً في الآخرة ، من ثواب المشركين إذا أثنوا على آلتهم حين يذكرونها لأن ثوابهم النار ، وأن خير رجاء من رجائهم .
وقوله في سورة مريم : (1/259)
صفحة 257
( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً) .
يعني : التسبيح والتهليل ، والتحميد والتكبير ( خير عند ربك ثواباً ) يعني : خير جزاءً من جزاء المشركين إذا أثنوا على آلتهم .
( وخير مردا ) يعني : وخير مرجعاً من مرجعهم ، لأن مرجعهم إلى الجحيم .
قال : قال معاذ بن جبل :
(( لأن أسبح ، وأكبر ، وأهلل ، وأحمد الله ، وأقرأ القرآن ، وأعلّم الحلال والحرام ، وآمر بالمعروف ، وأنهي عن المنكر من عدوة إلى الليل ، أحب إلى من أحمل بعددهن على فراس في سبيل الله ، بغير علم ، وبغير ذكر )) .
قال : فضل القرآن على سائلا الكلام ، كفضل الخالق على المخلوق .
قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( تعلموا سورة البقرة ، فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة )) .
قال : أخذها بركة لمن عمل بها ، وتركها حسرة لمن لم يعمل بها .
وسورة آل عمران ، فإنهما يجيئان يوم القيامة ، كأنهما غمامتان ، أو كأنهما غيابتان من طير صواف يحاجان عن صحابهما يوم القيامة عند كل موقف .
قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( أعظم آية في القرآن ( قل هو الله أحد ) ، وآية الكرسي )) .
قال : ( اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً) . ( رَغَباً وَرَهَباً) مخشعة للقلب .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( حسن الرجاء إلى الله ، مؤمن يبكي من خشية الله ، ويدعو الله كثيراً ويذكر الله كثيراً ، لم يطلع عليه أحد إلا الله ) .
قال : إن الخضر لما فارق موسى قال :
أوصيك بخمس : إياك واللجاجة ، والمشي في حاجة ، والضحك من غير عجب ، وإياك أن تعين الخطّائين بخطاياهم ، وأنت على خطيئتك ، واذكر الله كثيراً ما كنت يا ابن عمران .
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
سبعة في ظل العرش يوم القيامة ضاحكة مستبشرة : (1/260)
صفحة 258
(( مؤمن ذو سلطان مقسط . مؤمن إذا تصدق بيمينه أخفاها عن شماله . ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال ، فذكر مقامه بين يدي ربه ونهى النفس عن الهوى ، وقال : إني أخاف الله رب العالمين . ورجل نشأ في عبادة الله [ولم يكفر ساعة] ولم يصر على ذنب في معصية الله . ورجل مؤمن كان قلبه في المسجد لحب الله ، وفي جماعة ذكر الله مع المؤمنين . ورجل مؤمن ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله بعد التوبة ، فكثرت منه الدموع في سواد الليل وغيره وهو في ذكر الله ، ويذكر الله كثيراً . ورجل مؤمن لقى رجلاً مؤمناً ، وهما يذكران الله ، ويحب الآخر صاحبه ويحبون بعضهم بعضاً في الله ، وكذلك في بنيه فتصادرا عن ذلك ، وهما صادقان في حب الله ، وهما في ذكر الله )) .
وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلى هذه الآية :
(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً . يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) .
قال : (( لما نزلت هذه الآية بكى رسول الله صلى الله عليه سلم حتى ابتلت لحيته من دموع عينيه ، فذكر الله كثيراً )) .
قال : قالي عيسى عليه السلام :
طوبى لمن [حفظ] لسانه ، ووسعه بيته ، وبكى على خطيئته بعد التوبة ، وذكر الله كثيراً ويدعوه خوفاً وطمعاً .
قال : (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً) . ويبكون ويذكرون الله كثيراً .
وقد وصف الله المؤمنين ، قال الله :
(أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ)
ثم قال : والله كان الكيس في القوم في هذا الأمر لما بكى ، وأبكوا هذه القلوب ، أبكوا هذه الأعمال ، وكثير من الناس لتبكي عيناه ، وإنه لقاسي القلب مصرٌ على الذنب ، ولا يقبل الله منه بكاءً حتى يتوب . (1/261)
صفحة 259
قال : قال أبو بكر الصديق : إن أفضل الذكر التوبة والندامة ، غمن استطاع منكم أن يبكي بعد التوبة ، فليبك على نفسه ، فإن أهل النار يبكون كثيراً ، ولا ينفع لهم ذلك ، جزاءً بما كانوا يكسبون .
قال : ما رفع رأسه إلى السماء حتى مات حياءً من ربه بعد التوبة والندامة .
قال : وذلك أن داود النبي صلى الله عليه وسلم ، عن ابن مسعود قال : (( ما حدث الرجل نفسه بساعة من الليل يقومها إلا أتته بمغفرة )) .
قال : فقم فاذكر ربك ، وصل ما قدّر لك ، فيقول الشيطان : نم فغن عليك ليلاً ، هل تسمع صوتاً ؟ هل ترى أحداً ؟
فيقول الملك : فاتح خيراً ، ويقول الشيطان : فاتح شراً ، ونم . فإن قام وصلى وذكر الله أصاب خيراً ، وإن نام فرح الشيطان ، فإذا أصبح الشيطان بالفرح والفخر )) .
سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل صلاة التطوع ؟
فقال : (( أفضل الصلاة طول القيام )) ويخفف الله على العبد يوم القيامة ، فاستكثر من الصلاة ما استطعت ، فإن الصلاة لو لم يكن فيها شيء إلا أنك تسلم من الخطايا مادمت الصلاة ، كان ذلك حسن ، حقيق أن يرغب فيه ، بل إن فيها قراءة القرآن ، وتحميد الرب ، والرغبة إليه ، وذكر الله فيها ، فأنت تطلب فيها أعظم الحاجة وهي أعمال الملائكة ، فإنما المصلي كالقائم على باب الجنة ،يستفتح ، ويسأل الدخول ، وكل الأعمال لها تبع ، فأخشع فيها ولا تلتفت ، وأقبل عليها بقلبك حتى تقضيها ، فإذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء وارغب الله ، واذكر الله كثيراً .
/ (1/262)
صفحة 260
63- تفسير آيات الدعاء تضرعاً وخيفة وآدابه والتعدي في الدعاء
تفسير ما أمر الله المؤمنين من الدعاء في الخير ، والنهي عن الشر :
قوله في سورة الأعراف :
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) يعني : مستكيناً (وخيفة) يعني : في خفض وسكون عن حاجاتكم في أمر الدنيا والآخرة .
ويقول : ولا تعتدوا على مؤمن ومؤمنة بالشر ، كأن يقول : اللهم اخزه واللعنة ، ونحو ذلك ، فإن ذلك عدوان .
(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) .
قال : من دعا على مؤمن باللعنة ، يرتفع دعاؤه ، فإن كان الذي دعا عليه لذلك آهلاً ، وقعت به ، وإن لم يكن لذلك بأهل رجعت إلى الذي دعاء ، فتقع به إن كان لذلك آهلاً .
وكذلك المحصن والمحصنة إذا لاعن بعضهم بعضاً .
ولم يلعن مؤمناً ، وقد (لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرا) .
وقال : ( أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) .
وقال : ما من مؤمن دعا الله بخير إلا استجاب الله له .
ومن مفاتح الدعاء ، قول الله :
( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) .
قال : (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) .
واعلم أن أفضل ذكر الله ، عند عزائم الأمور ، عندما أمر به ، وعند ما نهى عنه ، فاتبع ما أمر به رجاء رحمته ، واجتنب ما نهى عنه خشية عذابه فذلك الذكر النافع .
وإن التسبيح والتهليل ، وقراءة القرآن لحسن ، ولكن قد نجد الرجل يكثر من ذلك ، وهو غير ذاكر الله عند كثير من تلك المواطن إذا ابتلي بها . اشكر نعمة الله عليك فإنه يثيبك على الشكر أحسن الثواب ، ويزيد من شكر ، قال الله :
( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) . (1/263)
صفحة 261
وقد علمت أن أناسا من الناس يرون أن الشكر أن يقال : الحمد لله على ما رزقنا ، وأنعم علينا ، ويعلم أنه من الله ، وإن ذلك لحسن ، ولكنا نجد اليهود والنصارى يقولون : الحمد لله على ما رزقنا ، ويعلمون أنه من الله ، وهم في ذلك كفار لأنعم الله
وذلك إنكار النعمة بعد معرفتها ، وقد علم أنه من الله ، ثم كان إنكاره في نعمة الله اجتراء على معصيته ، وإصراره عليها ، ولكن حقيقة الشكر أن تجتنب سخط من أنعم عليك ، وتتبع مرضاته ، شكراً لما أنعم الله عليك ، فذلك الشكر الذي يجزي الله به ثواب الشاكرين . فاجتنب الخطايا ، واعلم أن الصالحين فيها رجلان :
رجل : لم يعمل المعصية تحرجاً ، وفي نسخة : رجل يتقيها حرجاً ، فيتركها من خشية الله ، ونهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي المأوى ، والآخر : أبغض المعصية لله بغضاً ويتركها .
وأحدهما أفضل من الآخر ، فالذي امتحن الله قلبه حتى أبغض ما نهى الله عنه ثم اجتنبه ، أفضل ممن يحبه ثم يتركه .
ذلك أن حب الخطيئة خالط قلبه ، وحب الخطيئة مرض يكون في القلب ، وأن الآخر لم يخالط له قلباً ، ولا عملاً من جميع الذنوب ، وكلاهما مُحسن ، ولكن يتفاضل من امتحن الله قلبه ، من حب طاعته وذكر الله كثيراً ، واستكثر من الدعاء ، ثم عمل بها ، فهو أفضل من الآخر ، والآخر إنما يكره نفسه عليها إكراها .
ولو كان لك خادمان هما كذلك ، كان أحبهما إليك الذي يحب طاعتك وعملك بقلبه .
ورأيت الذي يحب غير عملك هو أشهى إليه من عملك ، وأحب إليه منه إنما ذلك من سره في صدره .
والمؤمنون كذلك وصفهم الله فقال :
( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) يعني : الخشوع .
( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ ) .
/ (1/264)
صفحة 262
64- تفسير آيات المسارعة إلى المغفرة والجنة بالعمل الصالح
تفسير ما أمر الله المؤمنين من الأدب الصالح
والمسارعة إلى المغفرة والجنة بالعمل الصالح :
قوله في سورة التحريم :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ) يعني : بالأدب الصالح .
وقوله في سورة آل عمران :
(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) بالأعمال الصالحة ( إلى مغفرة من ربكم ) لذبوبكم (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) يعني : كعرض سبع سموات ، وسبع أرضين ، لو الزق بعضهن إلى بعض ، فالجنة في عرضهن .
(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) الذين يتقون الكفر والمعصية ، ثم نعتهم فقال : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) يعني : الذين ينفقون الأموال في طاعة الله في السر (فِي السَّرَّاءِ) في الرخاء (وَالضَّرَّاءِ) يعني : في الشدة ، (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) هو الرجل يغضب فيهم بأمر لو فعله لوقع في معصية ، فيعفو ويكظم الغيظ ، (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) يعني : يعفو عمن ظلمة ، فمن فعل ذلك فهو محسن (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) .
( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .
(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ، )إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) . .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( هؤلاء في أمتي قليل ، وكانوا كثيراً في الأمم الخالية )) .
قال : قال عمر بن الخطاب : (1/265)
صفحة 263
(( عليك باليأس عما في أيدي الناس ، فإنه غنى حاضر ، وإياك والطلب مما في أيدي الناس فإنه فقر فاقر ، وإياك وكل كلام تعتذر منه ، وإذا صليت فصل صلاة مودع ، وكن في اليوم خيراً من الأمس ، وكن غداً خيراً من اليوم )) .
قال : قال عيسى بن مريم عليه السلام لأصحابه :
(( لا يطيق عبد أن يكون له ربّان ، كذلك عبد لا يطيق أن يكون له خادم للدنيا ويعمل عملاً للآخرة ، فاعتبروا بطير السماء لا يجمع ، ولا يزرع ، ولا يحصد ، وغن ربكم الذي في السماء يجري عليها قوتها يوماً بيوم ، واعتبروا أن الله قدّر الخلق والرزق ، فلا يستطيع الرجل أن يزيد في رزقه درهماً حتى يزيد في أركانه ، لا تهتموا لما تأكلوه ، ولا ما تلبسوه عليكم بما وكلتم به من العمل الصالح ، ودعوا ما كفيتم من الرزق )) .
قال : إن أبا الدرداء ، كتب إلى سلمان الفارسي كتاباً حسناً بليغاً فقال : أما بعد : سلام الله عليك ، فإن الله قد رزقني بعدك مالاً وولداً ، وأسكنني ارض المقدسة .
فكتب سلمان الفارسي إليه كتاباً بليغاً حسناً : [قال فيه ] : أما بعد : سلام الله عليك ، فإنك كتبت إلي تزعم أن الله قد رزقك مالاً وولداً ، فإن الخير ليس في كثرة المال والولد ، إنما الخير أن يعظم حلمك وينفعك علمك . وكتبت تزعم أن الله أسكنك الأرض المقدسة ، فإن الأرض لا تعمل لأحد ، فإذا أتاك كتابي هذا فاعمل لله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، فالحفظة الكرام الكاتبون عندك . (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وعد نفسك في الموتى
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) . (1/266)
صفحة 264
(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) .
(يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ . بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) .
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) .
( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) .
( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ) .
(وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) .
(وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى .
ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( إن أغبط الناس عند الله يوم القيامة الخفيف الحال ، أُعطي حظاً من اليقين والشكر ، مع الصلاة لله ، وذكر الله كثيراً في السر والعلانية ، وكان في الناس غامضاً لا يشار إليه بالأصابع ، لا في الدين ولا في الدنيا ، وكان عيشه كفافاً )) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( ومن سره أن يكون معي في الجنة فليكثر الذكر ، مع قراءة القرآن ، ويعمل بما في القرآن ، وسنة نبيه صلوات الله عليه )) .
وقال أيضاً :
(( أيسّوا أنفسكم عن طلب ما في أيدي الناس ، وكونوا أغنياء ، من يستغن أغناه الله ، ومن استعفف أعفه الله )) .
وقال أيضاً :
(( قد أفلح من هُدِيَ للإسلام وكان رزقه كفافاً وقنع برزقه )) .
وقال : إنما نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة :
(وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ . وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) . (1/267)
صفحة 265
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( غنما أتخوف على أمتي ضعف اليقين ....)) .
عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً ...)) .
قال : قلت للربيع : يا أبا عمر ، رجلان أحدهما طلب الدنيا بحلالها فأصابها ، فوصل منا رحمه ، وقدم منها لنفسه ، وجانب الآخرة الدنيا .
فقال : أحبهما إلي الذي جانب الدنيا ، فأعاد عليه مثلها .
قال : إن رجلاً قال : يا رسول الله ، كيف لي أن أعلم كيف أنا ؟ قال : إذا رأيت كلما طلبت شيئاً من أمر الآخرة ، وابتغيته يُسر لك ، وإذا أردت شيئاً من أمر الدنيا هسّر عليك ، فأنت هلى حالة حسنة . وإذا رأيت كلما طلبت شيئاً من أمر الآخرة
وابتغيته عسّر عليك ، وإذا أردت شيئاً من أمور الدنيا وابتغيته يسر لك ، فأنت على حالة قبيحة ، وخف على نفسك وادع الله وارغب إليه (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) .
قال : كان أبو طلحة يصلي في حائط له ، فطار شيء ، فطفق يتردد يلتمس مخرجاً فلم يجده من التفاف النخل ، فأعجبه ذلك فأتبعه بصره ساعة . فرجع فإذا لا يدري كم صلى ، قال : لقد أصابني من مالي هذا فتنة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( هو صدقة فضعه حيث أراك الله ..)) .
وقال : ففعل ذلك أبو طلحة .
قال : وكان جابر يقول : أدركنا قوماً كانت الدنيا تعرض لأحدهم حلالاً فيدعها ، فيقول : والله ما أدري على ما أنا في هذه إذا صارت في يدي ، ما بسطها لأحد إلا إغتراراً ، يعني : الدنيا .
وكان يقال : خير الدنيا لكم ما تبتلون به منها ، وخير ما ابتليتم به منها ن ما خرج من أيديكم ، وصبرتم ، فإن الله وعد الصابرين أجراً عظيماً .
عن أبي دجانة قال : صاحب الدرهمين أشد حساباً من ذي الدرهم . (1/268)
صفحة 266
وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قام على المنبر وخطب الناس فقال : (( إني لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكن أخشى عليكم الدنيا تنافسوها )) .( فقال عقبة : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والدنيا خلفنا ، فلما فقدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلنا هكذا يميناً وشمالاً ، والدنيا بين أيدينا ، والله المستعان .
/ (1/269)
صفحة 267
65- تفسير آيات صفات المؤمنين وثناء الله عليهم وما أعد لهم من جزاء
تفسير صفات المؤمنين :
قوله في سورة المؤمنون :
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) يعني : قد سعد المصدقون ، ثم نعتهم ووصف أعمالهم فقال :
(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) يعني : متواضعين ، من لا يعرف من عن يمينه ، ولا عن شماله ، ولا يلتفت من الخشوع لله .
(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) يعني : الباطل والكذب معرضون .
(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ ) يعني : زكاة الأموال (فَاعِلُون) .
كقوله : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) يعني : يزكي ماله من جميع ما افترض الله عليه .
(وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) . ثم قال :
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) يعني : عن الفواحش ، ثم قال :
(إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) يعني : ولائدهم .
(فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) يعني : لا يلامون على جماع أزواجهم وولائدهم .
ثم قال :
(فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) يعني : طلب الفواحش بعد الأزواج والولائد ، وما لا يحل له
(فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) يعني : المعتدين في دينهم ، والله لا يحب المعتدين .
وذكر قوم لوط فقال : (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) .
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ) يعني : ما ائتمنوا عليه فيما بينهم وبين الناس .
(وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) يعني : حافظين يؤدون الأمانة ، وجميع الحقوق التي أوجب الله عليهم ، ويوفون العهد (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ....) . (وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) يعني : يقومون بها بالحق ، ولا يكتمون الشهادة إذا ما دعوا لها .
(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) يعني : يحافظون عليها في مواقيتها . ثم أخبر فقال :
(أُولَئِكَهُمُ الْوَارِثُونَ ) ثم بين ما يرثون فقال : (1/270)
صفحة 268
(الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) يعني : الجنة ، والجنة بلسان الرمية الفردوس . (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) يعني : لا يموتون .
نضيرها في ( سأل سائل ) قوله :
(إِلَّا الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) يعني : دائمون على الصلاة بالليل والنهار ، بوضوء تام في مواقيتها ، لا يدعونها .
(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) يعني ك مفروضاً (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) .
قال : كان فقراء أصحاب الصفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مائة رجل أو ما شاء الله ، لم يكن لهم سهم في الخُمس ، ولا في الفيئ ، فسموا : المحروم ، فأمر الله المسلمين أن يتصدقوا عليهم ، ثم نسخت آية الصدقات المحروم .
ويوفون بالعهد (وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) يعني : يقومون بها في الحق ، فلا يكتمون الشهادة إذا دعوا لها .
(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) يعني : في مواقيتها ثم ذكر ثوابهم فقال :
(أُولَئِكَ) الذين ذكروا في هؤلاء الآيات (فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) .
وقوله في سورة الذاريات :
(إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) في أعمالهم ، ثم نعتهم فقال :
(كَانُوا قَلِيلاً) ثم وصف أعمالهم فقال :
(مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) يعني : ما ينامون .
(وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) يعني : يصلون .
قال : ينامون أول الليل ، ويصلون آخر الليل ، يعني : التطوع .
وكقوله في سورة آل عمران :
(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) يعني : المصلين بالأسحار .
(يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) ويتضرعون مع التوبة .
(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) .
وفي سورة الفرقان قوله : (1/271)
صفحة 269
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً) ( الجاهلون ) يعني : السفهاء من الكفار ( قالوا سلاما ) يعني : ردوا معروفاً ، يعني : الحق من أنفسهم (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً) يعني : يصلون الليل وهم في ذلك ( سجداً وقياماً ) .
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) يعني : من يعمل بطاعته ن فيقر بذلك .
(وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) يقول : إجعلنا أئمة في الخير يقتدى بنا مما يوافق السنة ، فأخبر الله بثوابهم فقال :
(أُولَئِكَ) يعني : ذكروا في هؤلاء الآيات . (يُجْزَوْنَ) في الآخرة (الْغُرْفَةَ) يعني : الجنة (بِمَا صَبَرُوا) على أمر الله .
(وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً) يعني : تتلقاهم الملائكة بتحية وسلام .
(خَالِدِينَ فِيهَا) يعني : لا يموتون . (حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً) يعني : مستقرهم في الجنة (وَمُقَاماً) يعني : مقام أهل الجنة .
قوله في سورة الأحزاب :
(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ) يعني : المخلصين من
[الرجال] والمخلصات من النساء .
(وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) يعني : والمصدقين ، والمصدقات .
(وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ) يعني : المطيعين لله ، والمطيعات .
(وَالصَّادِقِينَ) يعني : في إيمانهم (وَالصَّادِقَاتِ) .
(وَالصَّابِرِينَ) يعني : على أمر الله تبارك وتعالى (وَالصَّابِرَاتِ) نضيرها في آل عمران :
(الصَّابِرِينََ) يعني : على أمر الله (وَالصَّادِقِين) في إيمانهم .
(وَالْقَانِتِين) يعني : المطيعين فيما أمرهم من أمره .
(وَالْمُنْفِقِينَ) يعني : الأموال .
ثم رجع إلى سورة الأحزاب فقال : (1/272)
صفحة 270
(وَالْخَاشِعِينَ) يعني : المتواضعين لله في الصلاة وغيره ، من لا يعرف من عن يمينه ، ومن عن شماله ، ولا يلتفت من الخشوع لله .
(وَالْخَاشِعَاتِ . [وَالْمُتَصَدِّقِين] ) يعني : من أموالهم حق لله
(وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ) من الرجال والنساء ، يعني : من صام شهر رمضان الذي أوجب الله عليه فهو من أهل هذه الآية .
(وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ) يعني] عن الفواحش (وَالْحَافِظَاتِ) يعني : من جميع الزنا يحفظون فروجهم . [ (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ) ] ثم أخبر بثوابهم فقال :
(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ) يعني : ما ذكر في هذه الآية (مَغْفِرَةً) يعني : لذنوبهم (وَأَجْراً عَظِيماً) يعني : جزاءً وافراً في الجنة .
وقال في براءة :
(التَّائِبُونَ) يعني : من جميع الذنوب .
( الْعَابِدُونَ) يعني : يلزمون جميع طاعات الله .
(الْحَامِدُونَ ) يعني : لله (السَّائِحُونَ) يعني : الصائمين .
( الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) يعني : بتوحيد الله ، وجميع طاعته .
(وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) يعني : عن الكفر ، وجميع المعصية
( وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ_ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) يعني : وبشر الصادقين بما وعد الله في هؤلاء الآيات التي في سورة براءة قوله :
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) وقوله في سورة ( هل أتى على الإنسان ) :
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً ً) يعني : حب الطعام يطعمون مسكيناً ، يعني : من المسلمين . (وَيَتِيما وَأَسِيراً) يعني : من المشركين ، ثم نسخت آية
السيف الأسير من المشركين .
(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) يعني : نطعمكم لله .
(لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً) يعني : لا نريد أن تجازونا به في الدنيا .
(وَلا شُكُوراً) يعني : ولا تحمدونا عليه . (1/273)
صفحة 271
(إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا) يقول : إنما نطعمكم مخافة من ربنا .
(يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) يعني : كلوحاً ، يوم القيامة تعبس فيه الوجوه من الهول (قمطريراً) يعني : يتقبض فيه الجبين وما بين الأعين من الهول .
فأخبر الله بثوابهم وأمنهم في ذلك اليوم الذي يخافونه قال : (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ[ نَضْرَةً] وَسُرُوراً) يعني : الحسن والبهاء في الوجه ، وسروراً يعني : فرحاً في قلوبهم . ثم ذكر ثوابهم فقال :
(وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا) على أمر الله (جَنَّةً وَحَرِيراً) إلى قوله (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً) .
ووصفهم في سورة البقرة قوله :
(وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ) أنهم حق ، ثم ذكر الأعمال قال :
(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ) يعني : وأعطي المال على حبه ، وأعطي (ذَوِي الْقُرْبَى) يعني : قرابته .
( وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) يعني : الضيف إذا نزل عليك .
(وَالسَّائِلِينَ) وأعطى السائلين ، وأعطى (وَفِي الرِّقَابِ) يعني : فكاك الرقاب ، ثم ذكر الفرائض فقال :
( وَأَقَامَ الصَّلاةَ) يعني : أتم المكتوبة بوضوء تام في مواقيتها .
(وَآتَى الزَّكَاةَ ) يعني : وأعطى الزكاة المفروضة طيبة بها نفسه .
(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ) فيما بينهم وبين الناس .
(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ) يعني : في البؤس والفقر .
(وَالضَّرَّاءِ ) يعني : في البلاء والشدة .
(وَحِينَ الْبَأْسِ ) يعني : عند القتال ، هم الصابرون على أمر الله وطاعته ، ثم نعتهم فقال :
(أُولَئِكَ) يعني : الذين فعلوا ما ذكر في هذه الآيات .
(الَّذِينَ صَدَقُوا) يعني : في إيمانهم (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) يعني : في يتقون الله في جميع المعصية . (1/274)
صفحة 272
وقوله في سورة الرعد :
(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) من جميع إيمانهم بالنبيين ، وبالكتب كلها يلزمون طاعة الله (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) في قطيعة ما أمر الله به أن يوصل .
(وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ . وَالَّذِينَ صَبَرُوا) يعني : على أمر الله .
(ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ ) يعني : أتموها .
(وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) يعني : من الأموال (سِرّاً وَعَلانِيَةً) يعني : من حق الله وطاعته .
(وَيَدْرَأُونَ) يعني : ويدفعون (بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) يعني : يردون معرفاً خيراً على من يسئ إليهم ، ثم ذكر ما أعد لهم فقال :
(أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) يعني : دار الجنة ، ثم نعت فقال :
(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) يدخلون معهم ، ثم قال :
(وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) مقدار كل يوم ثلاث مرات أو ما شاء الله ، من أيام الدنيا ، معهم التحية من الله .
لهم من جنة عدن ، ليس في جناتهم ، فذلك قوله :
(فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) .
ويخبرون أن الله عنهم راض ، فذلك قوله في سورة براءة :
( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) يعني : إذا أخبروا أن الله عنهم راض ، فهذا أكبر عندهم من التحية والسلام ، ويقولون لهم : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) يعني : على أمر الله (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) يعني : الجنة .
عن جابر أنه كان يقول في بعض مواعظه : (1/275)
صفحة 273
(( أعف عن محارم الله تكن عابداً ، وارض بما قسم الله لك تكن غنياً ، وأحسن مجارة من جاورك من الناس ، وأد الحق من نفسك للناس تكن مسلماً ، وصاحب الناس بالذي أن يصاحبك به تكن عدلاً ، وإياك وكثرة الضحك ، فإن كثرة الضحك تميت القلب .
وإنه قد كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيراً ، ويأملون بعيداً ويبنون مشيداً ، فأين هم قد أصبحوا ؟
أصبح جمعهم بواراً ، وأصبحت مساكنهم قبوراً ، وأصبح أملهم غروراً )) ، وقد وصف المؤمنين فقال :
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً) .
وقال : (سَابِقُوا) إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ [ اللَّهِ ] ( يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) .
وقال : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . (1/276)
صفحة 274
وقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً . هُوَ الَّذِي [يُصَلِّي] عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً . تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً) .
فالمؤمنين عند الله بهذه المنزلة عليهم الصلوات من الله وحق عليهم رحمته ، ومن زعم أن الله يعذب المؤمنين ، فإن الله جعل النار للكافرين فقال :
( النَّارَ [الَّتِي] وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) . وقال : (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) . ولم يقل : وإن جهنم لمحيطة بالمؤمنين ، ولم يقل : النار وعدها الله الذين آمنوا ، ولكن قال وقوله الحق : ( النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .
وقال : (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) . وأعلموا أن ليس بينهما منزلة ، لأن الله قال :
( تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) . (1/277)
صفحة 275
( لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) . ثم ذكر منزلة الناس في الآخرة حين ضرب الله بالسور فيمز بين أهل الأقرار حيث قال : (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ . يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا ؟ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ).
وذلك لمن ضيّع النور في الدنيا ( ينادون ألم نكن معكم ) ؟ أفلا نرى أن ظاهر السور فيه المنافقون ، وباطنه فيه المؤمنون ، ولو كان مع المنافقين أحد من المؤمنين كان أقرب من المؤمنين وأحد أن ينادى : ألم نكن معكم ؟ ليس فيه من المؤمنين أحد ينادي ويتكلم ، إنما ينادي المنافقون المؤمنين ، ولو عذب الله أحداً من المؤمنين لوصفهم عند تمييزه إياهم عند السور ، ولكن الله ميزّ بينهم وبين المنافقين .
فذكرك الله تثبت لعدو الله الاسم الذي حكم الله عليه اسم النفاق ، ولا يتولى المنافقين أحد . فإن الله قال : ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) .
وقال : (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) .
وقال : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) . (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) . وليس بين الوفاء بعهد الله ، وبين النقض منزلة ، ولا بين الكفر والإيمان منزلة ، ولا بين الثواب والعقاب ، وبين الجنة والنار منزلة ينزلها أحد من الخلائق .
فاخبر الله بولاية المؤمنين ، ومن يتولهم فقال : (1/278)
صفحة 276
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) .
ثم أخبر أن كل ولاية وإخاء منقطع إلاّ ولاية المؤمنين وإخاءهم حيث يقول : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) .
(يَا عِبَادِيَ) يعني : الذين آمنوا .
( لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) . (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) .
( إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ . لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) .
فقد حذر الله المؤمنين ولاية الكافرين حيث يقول :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) .
( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) .
وقال : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) .
/ (1/279)
صفحة 277
66- تفسير آيات النهي عن الرياء، وذكر الله على المركوب وشكر نعم الله
تفسير ما نهى الله عنه المؤمنين من الرياء في العمل :
قوله في سورة الكهف :
(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ) فمن كان يخشى البعث في الآخرة .
(فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً) يعني : فما كان لله طاعة .
(وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) يقول ك فلا يشرك في عبادة ربه في العمل الصالح الذي يعمل له أحداً من خلقه .
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( إن ربكم يقول : أنا خير شريك ، فمن أشرك بي في عمل يعمله لي أحداً من خلقي تركت العمل كله له ، ولم أقبل منه شيئاً )) .
قال الله :
( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) ولا يتقبل إلا من المخلصين .
ثم قرأ هذه الآية :
(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) .
وقال : استكثر من الخيرات ما استطعت ، ثم إياك وما يفسد عليك عملك ، فإن مما يفسد العمل الرياء .
فإن لم يكن رياءً فإعجاب بنفسك وعملك حتى يفضل من أخ لك ، عسى أن يصيب من العمل الذي أصبت .
ولعله هو أن يكون أورع منك عن ما حرم الله عليك ، وأزكى عملاً منك ، وإن لم يكن إعجاب فحب مدح الناس ومحمدتهم ، وإياك أن يكرموك بعملك ويروا لك شرفاً ومنزلة في صدورهم ، أو في حاجة الدنيا التي طلبتها إليهم .
ولم نجد أحداً قد اعتقد الأمر كما ينبغي إلا وهو مشفق من عمله كله حسناته وسيئاته ، فإما سيئاته فيخشى العقوبة بها في الآخرة ، وأما حسناته فيخشى ألاّ تقبل منه ، وأن يكون في قلبه شيء قد أفسد عمله عليه . (1/280)
صفحة 278
وإذا كان العبد كذلك مخلصاً مخشعاً للقلب ، ولم يعجب بشيء من عمله عليه ، فاعلم أنك لو قلت لقوم إني أحب أن تكرموني بعملي وتروا لي به شرفاً عندكم ، وتحدثون به بينكم ، إذا ً لمقتك القوم على ذلك ، وشفهوا عليك ولكان ذلك سفهاً شديداً . إذا كان ذلك في صدرك ، أم كيف لو علم القوم الذي في نفسك من ذلك ، ويعلم الله منك ذلك ، وكيف تعجب بنفسك وقد سلف منك ما قد عملت من الذنوب ، ولعل الله يغفر لك منها ذنباً واحداً ، أفيكون ذلك منك؟ !
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
تفسير ما على المؤمنين أن يقولوا إذا ركبوا الدواب والسفن :
قوله في سورة الزخرف :
(وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا ) يعني : الأصناف كلها .
( وَجَعَلَ لَكُمْ) يعني : لبني آدم (مِنَ الْفُلْكِ) يعني : السفن .
(وَالْأَنْعَامِ) يعني : الإبل والبقر ([مَا تَرْكَبُونَ]) .
وقال في آية أخرى :
(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ...) .
فيذكرهم نعمة ، ثم قال :
(لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) . يعني : إذا ركبتم عليها ، فقولوا : الحمد لله ، فينبغي للمسلم إذا ركب أن يقول : بسم الله ن ويذكر نعمة ربه ن ويحمد ربه على الإسلام وعلى ما حمله في البر والبحر ، إذا سار في البر والبحر .
([وَتَقُولُوا] سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا) يعني : سبحان الذي ذلل لنا هذا . (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) يعني مطيقين .
(وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) يعني : إلى ربنا في الآخرة لراجعون .
وإذا ركبت السفينة تذكر نعمة الله ، وإن شاء قال كما قال نوح عليه السلام (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) . (1/281)
صفحة 279
فمن ركب دابة أو سفينة ، فلم يذكر اسم الله جاءه الشيطان فبقول له : تغن فإن لم يتغن ، قال له : تمن ، ويوسوس إليه الحاجات الكثيرة ، فينسى ما فرض الله عليه من الذكر، والنسيان مرض .
(وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) .(
(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ..) . فمن تاب ، تاب الله عليه .
ذكروا عن عيسى بن مريم عليه السلام في بعض مواعظه :
بحق أقول لكم : يا عبيد الدنيا تحملون السراج بالنهار في نور الشمس العظيم ، ونورها يكفيكم ، وتتركون السراج في الليل المظلم ، وفيه ينبغي حمل السراج لكم .
تعملون للدنيا وأنتم مُعطوها بغير عمل ، ولا تعملون للآخرة وإنما تعطونها بالعمل والأجر ، إنما أعطاكم الله الدنيا لتبتغوا بها الآخرة ولم يعطيكموها لتشغلكم عن الآخرة ، إنما بسطها لكم لتعملوا بها .
ولم يبسطها لكم لتغفلوا عنها .
إنما أعانكم على العبادة ، ولم يعنكم على الخطايا .
إنما أمركم بطاعته ، ولم يأمركم فيها بمعصيته .
إنما نهاكم عن الحرام ، ولم يحل لكم فيها الحرام .
وإنما وسّعها لكم لتواصلوا بها ، ولم يوسّعها لكم لتقاطعوا .
بحق أقول لكم : من لا يستعين على حمل شيء كيف يحمله ؟
ومن لا يتوب إلى الله ، كيف يغفر له ؟
ومن لا يغسل قلبه ، كيف ينقيه ؟
ومن لا يتوب من الخطايا ، كيف يقبل منه عمله ؟
ومن يركب البحر بغير سفينة ، كيف ينجو من الغرق ؟
ومن لا يترك المعاصي ، كيف يخلص من الذنوب ؟
ومن لا يتناول طعامه بيده ، كيف يأكله ؟
ومن لا يتواضع لربه ، كيف يعبده ؟
ومن لا يتقي السهم بالترس ، كيف يرده عنه ؟
ومن لا يتقي الذنوب ، كيف يخلص من العقوبة ؟
ومن لا يضرب بسيفه ، كيف يقطع ؟
ومن لا يعمل عملاً صالحاً ، كيف ينفع نفسه ؟
ومن لا ينظر في المرآة ، كيف ينظر عيب وجهه ؟
ومن لا يخشى العقوبات ، كيف يترك المحارم ؟ (1/282)
صفحة 280
ومن لا يهم له عيب وجهه ، كيف ينظر في المرآة ؟
ومن لا تهمه الخطايا ؟ كيف يترك حب الدنيا ؟
ومن لا يبذل ماله للحلية ، كيف تحبه ؟
ومن لا يطيع ربه ، كيف يرضى عنه ؟
وقد قال إبليس :
(وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) .
قال تعالى :
(وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
فعلم إبليس أن أولياء الله ، عباد الله المخلصين .
قال :(....وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)
/ (1/283)
صفحة 281
67- تفسير آيات الجهاد والمجاهد في سبيل الله وفضله ومنزلته والمرابط
تفسير الجهاد في سبيل الله :
قوله في سورة البقرة :
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ....) وذلك أن الله أمر النبي والمؤمنين بمكة بتوحيد الله وأن يبرؤوا من جميع الأصنام والأنداد ، وأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن يكفوا عن القتال ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، نزل سائل الفرائض وأذن لهم بالقتال ، فقال في سورة الحج :
(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ) يعني : النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
(بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) يعني : ظلمهم أهل مكة حين أخرجوهم من ديارهم .
(وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ) فلما كتب عليهم القتال شق على أناس من المسلمين ، فنزلت ( كتب عليكم القتال ) فأذن لهم بعدما كان نهاهم عنه .
(وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) يعني : القتال مشقة عليكم .
( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً) يعني : الجهاد وقتال المشركين .
(وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) فجعل الله عاقبته فتحاً وغنيمة وشهادة .
(وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً) يعني : القعود عن الجهاد .
(وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ) فتكون عاقبته شراً لكم ، فلا يصيبون فتحاً ولا غنيمة .
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ورغّب المسلمين في الجهاد فقال في
سورة الصف .
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً) يعني : المشركين من أهل الحرب ، في طاعة الله ، صفاً .
(كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ملتزق بعضهم ببعض في الصف في القتال ،
هذا تعليم من الله للمؤمنين .
وقال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم : لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم .
وقال في آية أخرى :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) . (1/284)
صفحة 282
قال ك لما نزلت هذه الآية ن قال المسلمون : لوعلمنا هذه التجارة لأعطينا فيها الأموال ، والأعلين ، والأنفس . فبين لهم التجارة قال :
(تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) يعني : بتوحيد الله ن وجميع ما أمر الله ورسوله وتصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي رسول . (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) يعني : تجاهدون العدو من المشركين في طاعة الله .
(بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) يعني : الإيمان والجهاد .
(ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) من غيره (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) .
(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) يقول : إذا فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم .
(وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) يعني : الأنهار تحت الشجر في البساتين .
(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً ) يعني : منازل الجنة .
(فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) قال : جنة عدن ن وهي اشرف المنازل .
([ذَلِكَ]) يعني : هذا الثواب الذي ذكر (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
(وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ) يعني : ونصراً عاجلاً في الدنيا (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) بالنصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة .
عن عمر بن الخطاب رحمة الله أنه قال :
(( حجة قبل غزوة ــ يعني حجة الإسلام ــ أفضل من عشر غزوات ، وغزوة بعد حجة الإسلام أفضل من عشر حجات ، لأن الله قد أوجب الفرائض على المسلمين ، فمن ضيّع الفريضة فلا يقبل منه التطوع )) .
تفسير فضل المجاهدين على القاعدين :
قوله في سورة النساء :
(لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَر) يعني : أهل الزمانة .
(وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يقول : لا يستوي في الفضل القاعد عن الغزو ( من المؤمنين ) والمجاهدون .
( [ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ] فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) يعني : فضيلة . (1/285)
صفحة 283
(وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) يعني : المجاهد والقاعد والمعذور ، ( وعد الله الحسنى ) يعني الجنة .
(وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ) الذين لا عذر لهم .
(أَجْراً عَظِيماً . دَرَجَاتٍ مِنْهُ) يعني : فضائل منه .
(وَمَغْفِرَةً ) يعني : ومغفرة لذنوبهم (وَرَحْمَةً ) لهم .
(وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) يفضل بسبعين درجة أو ما شاء الله .
تفسير القاتل والمقتول من المجاهدين في الآخرة :
قوله في سورة البقرة :
(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) يعني : الذين يُقتلون في طاعة الله في قتال المشركين والكافرين .
(أَمْوَاتٌ ) يقول : لا تحسبهم أمواتا .
(بَلْ أَحْيَاءٌ ) يعني : أرواح الشهداء أحياء (وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) .
وقوله في سورة آل عمران :
(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) يعني : في طاعة الله في جهاد المشركين والكافرين .
(أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ) يعني : الشهداء أحياء .
(عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) قال : جعل الله أرواح الشهداء يوم بدر في حواصل طيور خضر يرعون في الجنة حيث شاءوا ويأكلون من ثمارها وتأوى إلى قناديل تحت العرش ، وهم في كرامة الله والخير .
فذلك قوله ( أحياء عند ربهم يرزقون ) .
(فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) . وأما قوله :
(وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ) قال : لما دخلوا الجنة ورأوا فيها من الكرامة للشهداء قالوا :
يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما نحن فيه من الكرامة . فإذا شهدوا القتال بشروهم بأنفسهم حتى يستشهدوا ويصيبوا ما أصبنا .
فأخبر الله النبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم ، وما هم فيه من الكرامة وأخبرهم أني قد أنزلت على نبيكم ، وأخبرته بأمركم وما انتم فيه . (1/286)
صفحة 284
فاستبشروا بذلك ن وذلك قوله : (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) يعني : إخوانهم من أهل الدنيا ، أنهم سَيُحرّضُون على الجهاد
(أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) الموت .
( طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) .
تفسير الرباط في سبيل الله :
قوله في سورة آل عمران :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ) يعني : على الفرائض .
(وَصَابِرُوا) مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع إمام عدل في المواطن .
(وَرَابِطُوا) يعني : [ ضد ] العدو من المشركين وغيرهم ، حتى يتركوا دينهم الشرك وغيره من الباطل ، لدين الإسلام .
(وَاتَّقُوا اللَّهَ ) يعني : فيما أمركم ونهاكم .
(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) يعني : لكي تفلحوا .
قال : من رابط المشركين في نفر من المسلمين ن حيث يخاف العدو ويخافونه أربعين يوماً ، فهو عظيم الأجر ، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أجرى الله له أجر رباطه إلى يوم يلقى الله .
قال : لأن أقوم مقاماً حيث أخاف العدو ، ويخافوني ، لا أضرب فيه بالسيف ، ولا أطعن فيه بالرمح ، ولا أرمي فيه بالسهم ن وأرجع سالماً أحب إلي من عبادة ستين سنه غير الفرائض إذا كان موافقاً للسنة .
/ (1/287)
صفحة 285
68- تفسير آيات قتال المشركين وتقسيم الغنيمة والغلول في غنيمة الحرب
تفسير ما كان الله شدد على المسلمين في قتال المشركين ثم رخص لهم :
قوله في سورة الأنفال :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً) يعني : يوم بدر .
(فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) كناية عن الفرار .
(وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) يعني : يوم بدر خاصة .
(إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ ) يعني : مستطرداً ، يريد الكرة على المشركين .
(أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ ) يعني : أو متجاوزاً إلى أصحابه من غير هزيمة ، فمن انهزم يومئذ حتى يجاوز صف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هارباً (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) يعني : فقد استوجب غضب الله .
(وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) فكان هذا يوم بدر خاصة ن كأن الله شدد على المسلمين يومئذ ليقطع دابر الكافرين ، وهو قتال قاتل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المشركين من أهل مكة .
قال أبو الحواري :
من قتل مدبراً مولياً عن القتال ، فليس يقول : إنه شهيد ، ولقد يقال : إن الآية التي في سورة الأنفال محكمة ليست بمنسوخة ( ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) . وقال في آية أخرى :
(إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) يعني : يقاتلوا مائتين من المشركين .
(وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا ) يعني : يقاتلوا .
(أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . فكان جعل الله على المسلمين يوم بدر أن يقاتل الرجلُ منهم عشرةً من المشركين ليقطع دابراهم ، فلما هزم الله المشركين يوم بدر وقطع دابرهم ، خفف على المسلمين بعد ذلك فنزلت : (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) يعني : يعد قتال بدر . (1/288)
صفحة 286
(وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا) يعني : يقاتلون (مِائَتَيْنِ) من المشركين .
([وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا] أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ) تعالى .
(وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) يعني: من المسلمين ، في النصر لهم . فجعل يوم بدر على الرجل الواحد من المسلمين أن يقاتل رجلين من المشركين ، ونزلت بعد قتال بدر بسنة في أمر قتال أحد ، في سورة آل عمران حين انهزم المسلمون يوم أحد حين التقى الجمعان جمع المسلمين وجمع المشركين ، فانهزم المسلمون عن النبي صلى الله عليه وسلم وثمانية عشر رجلاً فقال :
( إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) حين تركوا المراكز وعصوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للرماة يوم أحد لا تبرحوا مكانكم ، فترك بعضهم المركز . (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) حين لم يعاقبهم فيستأصلهم جميعاً .
(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ [ حَلِيمٌ]) . فلم يجعل لمن انهزم يوم أحد بعد قتال بدر النار كما جعل يوم بدر ، وهذه ، رخصة بعد التشريد .
قال : وانهزم المسلمون يوم حنين فذلك قوله :
( إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) . منهزمين عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ، فلم يجعل الله لهم النار ، فهذا بعد قتال أحد .
قال : ومن قتل اليوم في الجهاد مقبلاً أو مدبراً فله الجنة وهو شهيد إذا كان موافقاً للسنة ، ولكن سبق المقُبل المدبر إلى الجنة .
قال : وانهزم على عهد عمر بن الخطاب رحمه الله ، جيش من المسلمين بالشام ، فقتل عامتهم وعمر يومئذٍ بالمدينة ، فقال : رحمهم الله ليتني كنت معهم . (1/289)
صفحة 287
قال : فينبغي للمسلمين اليوم أن يقاتلوا الضّعف من المشركين إلى يوم القيامة ، فمن أعطى بيده من غير عذر حتى أسره المشركون إذا كانوا مثل المؤمنين ، فإنه لا يفادى من بيت المال ، إلاّ أن يفدي الأسير بنفسه من ماله . وإن كانوا أكثر من الضعّف فإنه يفادى من بيت المال .
عن أبي قتادة : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه سلم فقال : يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله محتسباً مقبلاً غير مدبر أيكفر الله خطاياي ؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن قتلت صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر كفر الله خطاياك إلا الدّين ، كذلك قال لي جبريل عليه السلام ..)) .
قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقى الزحفان صار النبي صلى الله عليه وسلم على فرسه بين الصفيّن ، المسلمين والمشركين ، يحض الناس على القتال ، حتى إذا بالغ في الأمرين في الاجتهاد والجهاد فاشتاق الناس إلى الحمل على العدو ناشدهم الله : لا تحملوا حتى يحمل هو ، فيدعو الله بيديه كلتيهما ن قد رفعهما إلى الله ، فإذا فرغ من الدعاء قال :
اللهم أنت مولانا ولا مولى لهم ، اللهم إياك نعبد ، ولا يعبدونك ، ونشكرك ويكفرونك . اللهم أيدنا بنصرك ، وأمددنا بملائكتك يضربون وجوههم وأدبارهم وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين . أهيا شرا هياً ، يا حي يا قيوم ن دعوتك باسمك الحي القيوم ، فيحمل الناس على أثره ، فهو أول من يخالطهم صلى الله عليه وسلم .
تفسير قسمة الغنيمة من فيء المشركين من أهل الحرب :
قوله في السورة التي يذكر فيها الأنفال :
(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) يعني: الضيف النازل عليكم . (1/290)
صفحة 288
(إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ) وكان المسلمون إذا غنموا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا خمسه ، فجعلوا ذلك الخمس الواحد أربعة أرباع ، فربع لله وللرسول ولقرابة النبي صلى الله عليه وسلم .
وكان للنبي صلى الله عليه وسلم مثل نصيب رجل من القرابة ن والربع الثاني لليتامى ، والربع الثالث للمساكين ، والربع الرابع لابن السبيل ويعمدون إلى التي بقيت فيقسموها على المسلمين ، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ردّ أبو بكر رضي الله عنه نصيب القرابة فجعل يعمل به في سبيل الله ، فانطلق علي بن أبي طالب إليه يطلب نصيب القرابة .
فقال له أبو بكر رحمه الله ن سمعت عائشة تقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( عن النبي صلى الله عليه سلم لا يورث )) .
فانطلق إلى عائشة قال : أأنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث )) ؟ قالت : نعم .
فرضي بذلك علي بن أبي طالب ، فجعل أبو بكر وعمر يحملون به في سبيل الله ، وبقي نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل .
تفسير من يغل في الغنيمة :
قوله في السورة التي يذكر فيها آل عمران :
(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يعني : يغل ما أفاء الله على المسلمين من فيء المشركين قليلاً أو كثيراً ( يأت بما غل يوم القيامة ) قد حمله في عنقه .
(ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) يعني : كل بارٍ وفاجر ( بما كسبت ) يعني : بما عملت من خير أو شر .
(وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) يعني : في أعمالهم ، ثم قال :
(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ) فلم يغلل الغنيمة .
(كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) كمن استوجب سخطاً من الله في الغلول ، فقال : ليسوا سواء ، ثم بيّن مستقرها فقال للذي يغل .
(وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) يعني : مصير أهل الغلول . (1/291)
صفحة 289
ثم ذكر مستقر من لا يغل فقال :
( [هُمْ ] دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) بصير بمن يغل منكم ومن لم يغلل .
عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً قال :
أيما عبد يأتي يوم القيامة وعلى عنقه جمل له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة لها أعار ، أو بغل أو فرس له حمحمة .. اللهم هل بلغت ، اللهم هل بلغت ؟
[ فقالوا : هل لرجل أن يحمل على عنقه جملاً ؟ !
فقال : أرأيتم من كان طوله مسيرة شهر ، ورأسه مثل الأقرع ، وهو جبل بالشام ، وحدقته مثل حراء ، وفخذه مثل ورمان ، هل يستطيع في حمل ذلك ؟
قالوا : نعم ومائة معه ..] .
/ (1/292)
صفحة 290
69- تفسير آيات قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية وقتال أهل البغي
تفسير ما أمر الله من قتال أهل الكتاب حتى يقروا بالجزية :
قوله في السورة التي يذكر فيها براءة :
(قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) يعني : الذين لا يصدقون بتوحيد الله .
(وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) الذي فيه جزاء الأعمال .
(وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) صلى الله عليه وسلم الخمر والخنزير .
(وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) من الدين ، يعني : دين الإسلام ، وإن كل دين غير دين الإسلام فهو باطل .
(مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) يعني: من اليهود والنصارى الذين أوتوا الكتاب قبل مسلمي أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
(حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) يقول : مذلّون .
قال : على المسلمين من الحق أن يقاتلوا المشركين من أهل الكتاب وغيرهم حتى يقولوا : لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه [ وسلم ]
أو يعطوا الخراج عن يدٍ وهم صاغرون .
قال : إن عمر بن الخطاب ( رحمه الله ) قسّم على الفقير من أهل الذمة إثنتي عشر درهماً ، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهماً ، وعلى الغني ثمانية وأربعين درهماً ، ولم يجاوز به خمسين درهماً ، ليس بشيء مؤقت ولكن على قدر الغنى والفقر .
تفسير ما أمر الله من قتال أهل البغي من المؤمنين :
في السورة التي يذكر فيها الحجرات قال :
(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) وذلك أن الأوس والخزرج من الأنصار كان بينهم قتال على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف والقتال ونحوه ، قال الله ( فأصلحوا بينهما ) .
(فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ) يعني : فلم ترجع إلى الصلح .
( [فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي] ) بالسيف وغيره . (1/293)
صفحة 291
(حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) يعني : حتى ترجع إلى أمر الله تعالى إلى الصلح الذي أمر به .
(فَإِنْ فَاءَتْ) يعني : رجعت إلى الصلح .
(فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) يعني : أعدلوا .
( [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ] الْمُقْسِطِينَ) الذين يعدلون بين الناس .
ثم قال : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ) فلا تعصوه . (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) لكي ترحموا .
/ (1/294)
صفحة 292
70- تفسير آيات الاسترجاع عند المصيبة وثواب ذلك عند الله
تفسير الاسترجاع عند المصيبة :
قوله في السورة التي يذكر فيها البقرة :
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) يعني : لنبتليكم ، يعني : المؤمنين .
(بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) والقتل .
(وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) على أمر الله ، والمصائب ن يعني ك وبشرهم بالجنة ، ثم نعتهم فقال :
(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) .
وكذلك التي نزلت في السورة التي يذكر فيها التغابن :
(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ) يقول : من بلاء في نفس ، أو جهد ن في مال أو غير ذلك .
(إِلَّا بِإِذْنِ) يقول : فبإذن (اللَّهِ) أصابته تلك المصيبة .
(وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) يعني : بالاسترجاع [ أن يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ] . يقول الله .
(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) يعني : ورحمة لهم من العذاب .
(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) بالاسترجاع عند المصيبة .
/ (1/295)
صفحة 293
71- تفسير آيات آخر ما نزل من القرآن والمحكم منه
تفسير الآيات المحكمات ، وما أنزل الله في آخر القرآن :
قوله في السورة التي يذكر فيها آل عمران :
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) .
منها ثلاث آيات في آخر الأنعام ، أولهن :
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) إلى قوله (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) .
فهذه الآيات المحكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتاب ، وإنما سمّاهن أم الكتاب ، لأنهن أم الكتاب في جميع الكتب .
وقال في السورة التي يذكر فيها المائدة :
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) . وذلك أن الله فرض على المسلمين بمكة شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بالبعث ، والجنة والنار ، والصلاة ركعتين غدوة ، وركعتين عند العشاء ما كان في الليل ، ثم فرض عليه الصلوات الخمس قبل هجرته ، والزكاة شيئاً غير مؤقت ، والكف عن القتال .
فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فرض عليه جميع الفرائض ، وكان المسلمون يحجون من المدينة قبل فتح مكة فيحج معهم مشركوا ( ) العرب .
فلما فتحت مكة حج أبو بكر رحمه الله بالناس ، وحج معه كثير من مشركي العرب ، فبعث صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى أبي بكر رحمه الله بصدر براءة ، فقرأها على الناس يوم عرفة فقرأ علٌّي من أول براءه سبع آيات على الناس ، وقرأ :
(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)
فلما كان عامهم المقبل حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وليس معه أحد من المشركين ، فنزلت يوم عرفة ، يوم الجمعة : (1/296)
صفحة 294
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) يعني : أمره ونهيه ، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ، ولا حكم ولا حدود ، ولا فريضة إلاّ آية من آخر سورة النساء :
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) .
(وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) يعني : الإسلام ، إذا حججتم فليس عندكم مشرك .
( وَرَضِيتُ لَكُمُ) يعني : واخترت لكم (الْأِسْلامَ دِيناً) فليس أرضى عندالله من الإسلام . فنزلت هذه الآية والناس بعرفات رافعين أيديهم بالدعاء فبركت ناقته صلى الله عليه وسلم من ثقل القرآن .
وعاش النبي صلى الله عليه وسلم من بعد ذلك إحدى وثمانين ليلة .
وآخر ما نزل من القرآن كله هذه الآية في السورة التي يذكر فيها القرآن
(وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ) يعني : كل بار وفاجر (مَا كَسَبَتْ) يعني : ما عملت من خير أو شر (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) في أعمال ، يعني : ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم .
وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلت من شهر ربيع الأول صلى الله عليه وسلم كثيراً .
/ (1/297)
صفحة 295
72- تفسير آيات الإيمان بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى
تفسير القدر خيره وشره ، مفروغ ، مكتوب :
قوله في السورة التي يذكر فيها الحديد :
(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ) يعني : من قحط المطر وقلة النبات والثمار (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) يعني : من البلاء ، وإقامة الحدود عليها أو غير ذلك (إِلَّا فِي كِتَابٍ) يعني : في اللوح المحفوظ مكتوب .
(مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) يعني ك من قبل أن يخلق النفس والأرض .
( إن ذلك في كتاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ) يعني : لا تحزنوا على ما فاتكم من العافية والخصب .
([وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ] وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) .
قال ابن عباس :
خلق الله اللوح المحفوظ مسير خمسمائة عام ، وهو دٍّر أبيض صفحتها من ياقوت أحمر ، كلامه البر ، وكتابه النور .
وخلق القلم من نور طوله خمسمائة عام ، فقال للقلم من قبل أن يخلق الخلق : أكتب ، قال القلم : وما أكتب ؟ قال الرب تبارك وتعالى : علمي في خلقي إلى أن تقوم الساعة .
فجرى القلم بما هو كائن في علم الله ، في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلق السموات السبع والأراضين السبع ( إن ذلك ) يعني : ذلك العلم ( في كتاب ) في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض إن ذلك على يسير هين .
وقد قالت العلماء عن النبي صلى الله عليه وسلم :
أنه أتاه سراقة بن مالك الكناني فقال : إن نبي الله ، بين لنا ديننا حتى كأنا خلقنا الآن العمل بما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ومضت به .
فقال سراقة : ففيمَ العمل إذن ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اعملوا فكل ميّسر لما خُلق له .
فقال عمر : إذاً نجتهد .
فقال علي بن أبي طالب : ما منكم إلا وقد كُتب مقعده من النار أو الجنة ، وذلك قوله في القرآن . (1/298)
صفحة 296
( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) يعني : كما بدأكم أشقياء أو سعداء تعودون في الآخرة .
وقالت الفقهاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(( إذا ذكر القدر فامسكوا )) .
يعني : لا تخاصموا (( وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا )) .
نعم أخزى الله الرافضة الذين لا يمسكون عن انتقاص أبي بكر وعمر رحمهما الله .
(( وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا )) . فعلى المسلمين في الحق أن لا يتخاصموا في القدر ، وأن تجتهدوا في العمل ، فإن علم الله قد نفذ في خلقه ، قبل أن يخلقهم ، كيف يعملون وإلى ما يصيرون ولا ينبغي للمخلوقين أن يتكلفوا أن يعلموا صنع الله ، فإنهم لا يعلمون أبداً ، أن يعلموا كيف صنع الله ، فإنهم لا يعلمون أبداً .
إنما أمرنا بالعمل ، فينبغي أن نعمل كما أمرنا ونستعين بالله (......)
(( بني لإسلام على ثلاثة : الإيمان بالمقادير من خيرها وشرها كلها من الله .
وعلى أن لا يكفّر أحداً من أهل القبلة .
وعلى الجهاد في سبيل الله ، ماضياً إلى آخر عصابة تبقى من أمتي تقابل بالرجال ، لا يبطله جور من جار ، وعدل من عدل )) .
وقال ابن مسعود :
الشقي من شقى في بطن أمه ، والسعيد من وعظ بغير ..
/ (1/299)
صفحة 297
73- تفسير آيات نهي النبي الكريم عن الصلاة على المنافقين إذا ماتوا
تفسير ما نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يصلي على المنافقين إذا ماتوا :
قوله في السورة التي يذكر فيها براءة :
(وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) .
ثم أخبر عنهم فقال :
(إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) يعني : كفروا بتوحيد الله ، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلم يقروا أنه رسول .
(وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) يقول : عاصون لله ولرسوله بكفرهم .
وإنما نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي على المنافقين إذا ماتوا على الكفر ، فأما من مات من أهل الكبائر ، من أهل التوحيد ، فإنه ينبغي للمسلمين أن يصلي عليهم .
وقال قائل من الفقهاء : إن لم تصلوا على أهل قبلتكم فدعوهم لغيركم .
وقيل : ثلاث خصال من أصل السنة :
الجهاد مع كل خليفة عدل ، والصلاة مع كل أمير ، والصلاة على من مات من أهل القبلة .
وقال : لا تشهدوا على أهل القبلة بشرك ، وجاهدوا مع كل بار من الأمراء ، وصلوا على من مات من أهل القبلة فإن صلاتكم عليهم سنة .
/ (1/300)
صفحة 298
74- مسائل في تكفين الميت ودفنه والدعاء له والتكبير على الجنائز
الحديث في أمر الكفن والدفن ، والتكبير على الجنائز:
قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر على شهداء بدر ما بين سبع إلى خمس وكان كبّر على من لم يشهد بدراً أربعاً .
وقالوا كبّر على ابنه إبراهيم أربعا ، وعلى النجاشي ملك الحبشة حين مات أربعاً ..
عن عمر بن الخطاب رحمه الله ، أنه صلى على رجل مات فكبر خمساً ، ثم أقبل على القوم بوجهه فقال : لله شهداء بدر كأنه يعتذر إليهم ، وصلى على رجل لم يشهد بدراً فكّبر أربعاً .
الدعاء في الصلاة للميت :
بلغنا عن الفقهاء يرفعونه عن النبي صلى الله عليه وسلم :
أنه كان يدعوا في الصلاة للميت ، يعني : من المؤمنين : (( اللهم اغفر لحّينا وميتنا ، وشاهدنا وغائبنا ، وصغيرنا وكبيرنا ، وذكرنا وأنثنا . اللهم من أحييته منا فأحييه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفاه على الإيمان ، ثم يسلم في التكبيرة الرابعة ، وكان يعلم الصلاة على الجنائز كما يعلم السورة من القرآن )) .
قال : وكان عمر بن الخطاب رحمه الله يقول :
هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك ، إن تغفر تغفر لفقير ، وإن تؤاخذ تؤاخذ بكبير ، أصبح وقد افتقر إليك ، وأنت أرحم الراحمين .
وقال ابن مسعود :
فيما ترك الناس بعد نبيهم عليه الصلاة والسلام ، السلام على الجنائز ، تسلم عن يمينك ، وعن يسارك .
/ (1/301)
صفحة 299
75- مسائل في أحكام الصلاة على الميت ووقتها والاستدراك فيها
تفسير الصلاة على الميت :
الصلاة على المولود ، قال الفقهاء : إذا خرج المولود من بطن أمه ميتاً لتسعة أشهر ، ودون ذلك لا يصلى عليه ، ولا يورث ، ولكن يغسل ويكفن ويدفن .
وإن خرج من بطن أمه حياً ثم مات ، [ولو أنه ولد زنا فإنه يصلى عليه ويورث] ، وقال هو خير الثلاثة .
وقال علي بن أبي طالب في المولود من الزنا : أصنعوا به كما تصنعون بموتاكم .
وقال أبو قتادة : فينا ابن زانية ، وكان فينا حميداً وقتل شهيداً .
وقت الصلاة على الميت :
قال : إذا حضرت الصلاة المكتوبة ، والجنائز ، فابدؤا بالمكتوبة .
وقال علي : لا بأس بالصلاة على الجنازة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها .
وقيل : دفن أبو بكر بالليل .
ويقال : إن ابن مسعود [توفي] بالمدينة على عهد عثمان فدفن بالليل .
وعن شريح : أنه كان يدفن ولده بالليل إذا مات .
وقيل : من أحق بالصلاة على الميت ؟
فقال : إن شهد الإمام الجنازة ، فهو أحق من صلى على الجنازة ، وإن لم يشهد [فإمام الحي] أن يصلي عليه ثم أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض من أهل ذلك . وقالوا : الأب أولى بالصلاة .
وقال بعضهم : الابن أولى بالصلاة ، ثم الأب أحق من الزوج .
وقالوا : (( لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاة جعلوا الناس يدخلون عليه زمراً فيدعون له ويصلون عليه لم يجمعهم إمام )) .
ما جاء فيمن تفوته الصلاة على الميت :
وقالوا : من تفوته تكبيرة إذا كبّر ، يقضي ما فاته قبل أن ترفع الجنازة .
قال أبو الحواري :
ليس لمن يفوته شيء من الجنازة بدل ، وأولى بالصلاة على الميت الأب ، ثم الابن ، ثم الزوج ، ثم الأخ ، والتكبير أربع .
وقالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على مولاة أبي بكر بعدما دفنت
بيوم وصلى على امرأة بعدما دفنت بشهر . (1/302)
صفحة 300
وصلى على النجاشي ملك الحبشة ، كان اسلم فمات بالحبشة ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة فقام في المصلى وأقام أصحابه خلفه ، واستقبل القبله ، وصلى وكبّر أربعاً .
ومن كان على غير وضوء ولم يجد الماء ، وخشي فوت الصلاة على الجنازة فليتيمم بالصعيد ، وليصلي ، ولا يكون إماماً .
/ (1/303)
صفحة 301
76- مسائل في الصلاة على الجنائز إذا تعددت وحملها وآداب ذلك كله
ما قيل في الجنائز إذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء :
عن علي بن أبي طالب قال :
إذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء والصبيان ، يجعل الرجال مما يلي الإمام والصبيان الذكور من ورائهم ، والنساء من وراء ذلك إلى القبلة فليصلي عليهم جميعاً
وإذا كان رجل وامرأة ، كان الرجل مما يلي الإمام والمرأة مما يلي القبلة .
قال أبو الحواري : يكون الرجال مما يلي القبلة ، وإذا صليت على المرأة قمت قريباً من رأسها ((.........)) .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم لُحد له ، ولأبي بكر [وعمر] .
وقد يقال : إن لم يستطع اللحد فالشق جائز
عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه لُحد له في قبره ، ونصب له اللبن نصباً ، وأدخل القبر ، لا ينظرون في ذلك .
وقيل : شفعاً ولا وتراً ، وأدخل السرير من عرضه ، ورفع قبره من الأرض نحو شبراً .
وقالوا : لا بأس أن يسجى على قبر الرجل إذا دفن ، ويسجى على قبر المرأة إذا دفنت .
ولا بأس أن يدفنوا اثنين في قبر ، يقدم الرجل في القبلة وتؤخر المرأة ، ويقدم الكبير إلى القبلة ، ويؤخر الصغير .
وإذا وضع الميت في القبر أضجع على يمينه ووجهه إلى القبلة ، ويقول الذي يضعه ويضجعه : بسم الله وعلى ملة رسول الله ، وإذا كان من أهل الولاية قال : اللهم افتح له في قبره ونوره له ، وألحقه بنبيه صلى الله عليه وسلم ، وثبته بالقول الثابت في قبره كما ثبته في الدنيا (............) .
عن علي بن أبي طالب : أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما كان قدم المدينة ، كان لا يجلس حتى توضع الجنازة ، يعني : حتى يوضع الميت في القبر ، ثم يجلس بعده . ثم إنه جلس بعد ذلك قبل أن يوضع ، وجلسنا ، وكان يؤخذ بالآخر من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويقال : إذا وضعت الجنازة عن أعناق الرجال فاجلس إن شئت . (1/304)
صفحة 302
عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنه حثى في القبر ثلاث حثيات )) .
وكان بعضهم يكره أن يزيد في القبر أكثر مما أخرج من حفرته .
وقالوا : من مشى على جنازة ن وصلى عليها فله قيراط من الأجر ،فإن قام جتى تدفن فله قيراطان ، والقيراط مثل أحد .
عن علي بن أبي طالب :
أنه رأى ناساً يمشون أمامها ، فقال : إنها لا تشيعكم ، إنما تشيعونها ، فامشوا عن يمينها أو عن يسارها .
وعن حذيفة : رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمام الجنازة رحمهما الله .
قال : إنما فعل ذلك لضيق سكك المدينة ، ولقد علمنا لمن يمشي أمامها كفضل الكتوبة على النافلة .
قال أبو الحواري :
إنما قالوا ذلك في الراكب ، ولا يمشي أمام الجنازة ، ويكون خلفها ، وهذا في الراكب خاصة فيما سمعنا .
وقالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم شيّع جنازة ماشياً ، ورجع راكباً ، فسئل عن ذلك فقال : (( رأيت الملائكة تمشي ، فمشيت معهم ، فلما ذهبت الملائكة
ركبت ))
وقالوا : أوصى أبو هريرة عند موته : لا تشيعوني بمرنة ، ولا مجمر واغتنموا الخلوة ، وأسرعوا في المشي ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أسرعوا في المشي بالجنائز ، فإنما هو خير تقدمونه ، أو شر تلقونه عن
رقابكم )).
قالوا : السنة بالجنازة أن يسرع بها دون الحث ، والسنة في حمل جوانب السرير .
قال أبو الحواري :
ما قال النبي فهو الحق ، والذي سمعنا من قول الفقهاء ، أن الجنازة تحمل بالسكينة والوقار .
عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا شهد الجنازة كان بمقدم السرير الأيمن ، فيضعه على عاتقه الأيسر ثم الذي يليه من مؤخرة ، وهنه ، دار موضع مقدم السرير ، الأيسر ، فوضعه على منكبه الأيمن يليه من مؤخر(( .......... ) .
قال أبو بكر : ليس للمرأة أن تتبع الجنازة .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه رأى امرأة تتبع الجنازة فقال : (( لو تعلم ما عليها في ممشاها ما راحت خطوة ، فأمر بردها )) . (1/305)
صفحة 303
عن عبدالله بن عمر أنه رأى نسوة عند جنازة فقال :
إرجعن مأزورات غير مأجورات ، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت ((........................)) . أن يقول : استغفروا له غفر لكم ، وقد بلغنا عن بعض أهل العلم .
ويقال : إن سعيد بن جبير كان في جنازة رجل ، فقال رجل استغفروا له غفر له الله لكم مرتين ، فلم ينته . فقال : لا غفر الله ذلك .
ومما يكره أن يأخذ الرجل أحد السرير فيضع جانبي السرير على عنقه ، ومما اتبع الناس مصافحة ولي الميت عند المقابر ، وعند التعزية وأن يأخذوا بيده إذا عزوا في المقابر .
قالوا : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( من صلى على جنازة فلينصرف بإذن وليها )) .
قال أبو الحواري :
ما قال النبي فهو الحق ، والذي سمعنا من قول الفقهاء :
من صلى على جنازة فله أن ينصرف بلا إذن أوليائها ، وإذا مضى معهم إلى القبر وقعد ، لم ينصرف إلا بإذن أوليائها .
وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي قال :
(( أحسنوا الكفن ، ولا تؤذوا أمواتكم بالعويل ، وإذا حفرتم قبره فاعمقوه ووسعوه ،واعزلوه عن جيران السوء ، ولا تجصصوا القبور ، ولا تخطوها بالمشي ، ولا تمشوا عليها ، ولا تتخذوا عليها المساجد ، ولا يصلي أحدكم والقبر أمامه ، وأمر بتسوية القبور )) .
وكانوا يكرهون على الجنازة ثوباً أو مرقعة فيها تصاوير ، وكان بعضهم يكره أن يوضع على غشية السرير ذريرة ، أو من غسل .
/ (1/306)
صفحة 304
77- مسائل متعددة في كيفية غسل الميت وتغسيل الرجل للمرأة والعكس
قال : إذا أردت أن تغسل الميت ، فضعه على السرير مستلقياً واجعل على فرجه خرقة نظيفة ، ويستحب أن يكون بينه وبين السماء سقف أو شيء ، ثم وضئه وضوء الصلاة غير المضمضة والاستنشاق .
وقال : تؤخذ خرقة نقية تبل بالماء فيمسح بها وينقى بها أنفه ، ثم يغسل ثلاث غسلات .
الأولى : بماء قراح ، والثانية : بماء وسدر ، والثالثة : [بماء وكافور] .
وقال آخر : إن لم يجد سدراً فلا بأس أن يغسل بالأشنان والريحان ، والأراك أحب إلي ، وإن لم تجد من هذا شيئاً فإنه يجزيه الماء القراح إن شاء الله .
وقال آخر : إذا أدرت غسله فاعمد إلى شيء من سدر فدقه ثم ابدأ بشق جنبه الأيمن فاغسله ، ثم بشق جنبه الأيسر ، ثم شق جسده الأيمن ، ثم الأيسر حتى تغسله ثلاثاً ، كذلك تبدئ بالأيمن ، واغمز بطنه مرتين عند غسله الأولى والثانية غمزاً رافقاً
عن النبي عليه السلام أنه قال :
إذا كانت المرأة حاملاً فلا تغمز بطنها ، وإذا غمزت بطنها فارفع من ظهرها شيئاً ، ومن رجليها ، وليكن على يداك اليسرى خرقة نظيفة فأدخلها تحتها فأغسل عنها ما يخرج من القذر ، وآخر يصب الماء حتى تنقيه ن واغسل الخرقة عند كل عركة غسلة ، ولا تكفأها على وجهها ، وليكن خرقة على عورتها كلها ، تغسل ظهرها حتى تغسله ثلاث ، وإن ظهر منه شيء من بعد ذلك من فرجها ، أو دم سائل فاغسله غسلاً مثل الأولى والثانية والثالثة ، ثم ذره ولا تزده على سبع غسلات ) .
عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إغسلوها ثلاثاً ، فإن حدث بعد ذلك شيء فاغسلوها خمساً ، فإن حدث بعد ذلك شيء فاغسلوها سبعاً .
وكل ذلك وترا بماء وسدر ، وليكن آخر غسله بماء فيه كافور .
قال بعضهم : إذا خرج من الميت شيء من بعد ما فرغ من غسله يغسل ذلك الموضع ولا يعاد غسله .
ويكره أن يغسل الميت جالساً ، ويكره أن يمشط رأسه .
وبلغنا أنه يقال : (1/307)
صفحة 305
إن كان أظفاره طويله ، أو شاربه طويلاً آخذ منه ، ويستحب أن يتعاهد منه ذلك قبل الموت .
ويقال إن الميت إذا كان به جدري أو حصبة يغسل بخرقة نظيفة تبل بالماء ، ثم يتبع بها جسده .
قيل : من أحق بغسل الميت ؟
قال : المرأة يغسلها زوجها في السفر والحضر إن شاء
وتغسل الرجل امرأته في السفر إذا لم تجد رجلاً يغسله ، ولا يجوز للمرأة أن يغسلها غير زوجها من الرجال ، ولا المملوكة يغسلها غير سيدها. (1/308)
صفحة 306
* خاتمة الكتاب: بيان ناسخ الكتاب وتأريخ نسخه
تم بعون الملك الوهاب ، وحسن توفيقه
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم
وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب نهار الخميس لثمانية وعشرين ليلة
خلت من شهر شوال سنة 1337 من الهجرة النبوية
ألف ألف تحية والصلاة والسلام خير ختام على يد
العبد الفقير ، أسير الذنوب ، وقرين العيوب
محسن بن زاهر بن سالم بن سيف الشريقي
نسخه لشيخه التقي الرضي الورع النزيه
قاضي المسلمين وعماد الدين
وقدوة المهتدين وخليفة رب العالمين
ناصر بن راشد بن سليمان الخروصي
رزقه الله حفظ معانيه
والتدبر لما فيه
آمين (1/309)