صفحة 1
الكتاب: تأملات في القرآن الكريم
المؤلف: محمد صالح ناصر
سنة النشر: 1426هـ/ 2005 م
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) تأملات في القرآن الكريم
:
9
د. محمد صالح ناصر
1426هـ/ 2005 م (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة (1/2)
صفحة 3
H بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1/3)
صفحة 4
مقدمة
هذه التأملات في كتاب الله العزيز في الأصل دروسٌ كنتُ ألقيتُها في إذاعة سلطنة عُمان في رمضان من سنة 1416هـ؛ أي قبل عشر سنوات، فظلَّت حبيسة أحداقي طيلة هذه المدَّة، وتحت إلحاح بعض من استمعوا إلى تلك الأحاديث بطلبهم على إخراجها للناس كتابًا يُقرأ، لأنَّ الحديث قد يستفيد منه من استمع إليه إبَّان إذاعته فقط؛ فتحمَّستُ للاستجابة بطبعها، ولكني رأيت قبل إبرازها للطبع أن أوسِّع في بعض عناصرها بما رأيته ضروريا من الشرح والتفصيل، والتقديم والتأخير، والتعليق والتوثيق؛ فليس ما يناسب الأذُن في التلقِّي يناسب العين حتمًا.
ولا أنكر أنَّني تهيبت أول الأمر الاستجابة لهذا الطلب لأنَّ الكلام كلامُ الله، وكلام الله له قدسيته وخلوده، فهو لا يحتاج منَّا نحن الضعفاء شرحًا أو تفصيلاً؛ غير أنَّ الرغبة الشخصية في معايشة هذا الكلام والتدبر فيه من خلال تلاوته سنوات طويلة، ومن خلال قراءة ما كتبه العلماء المتخصِّصون حوله، جعلتني أميل إلى جمع هذه الأحاديث وطبعها كتابًا، راجيًا أن يجد القارئ الكريم فيها ما يملأ قلبه هدى ونورًا، ومن يدري لعلِّي أكون سببًا في إضاءة بعض الزوايا في هذا الموضوع أو ذاك، أو أكون عونًا على تذوُّق ما في هذه الآية أو تلك من معاني ودلالات، فيكون الفضل في الحالين للقارئ الكريم الذي أرجو أن لا يحرمني من أجر الدعاء لهذا العبد الضعيف، بالتوفيق والمغفرة. (1/5)
صفحة 5
والفضل في هذا وذاك لا يعود إلاَّ لأولئك العلماء الذين أناروا لنا الطريق بتفاسيرهم، وشروحهم، وتحليلاتهم كلٌّ حسب اختصاصه .. فجزاهم الله عنَّا وعن الإسلام خيرًا، وأبقى أعمالهم لنا ذخرًا، سائلين لهم ولنا القبول والرضوان، والصفح والغفران.
وأقول عن هذا العمل في النهاية إن أحسنتُ فمن الله، وإن أسأتُ فمن نفسي والشيطان.
محمد صالح ناصر
الحميز ــــ الجزائر
08 ربيع الأول 1426هـ
11 أبريل 2005م (1/6)
صفحة 6
أثر العقيدة في بناء المجتمع المسلم
يجاء في تفسير كلمة ”عقد“ في لسان العرب معاني متعدِّدة، والذي يعنينا أنَّها تأتي بمعنى: العهد المؤكَّد؛ فتقول العرب: عهدتُ إلى فلان في كذا وكذا، ومعناه: ألزمتُه كذا وكذا، فإذا قلتَ عاقدتُه أو عقدتُ عليه، فمعناه أنَّك ألزمته ذلك باشتياق، فالعقيدة على هذا المعنى: عهدٌ مؤكَّد بين العبد وربِّه، هذا العقد جوهرُه التصميمُ والعزم، وقوةُ التنفيد. ونحن نستخدم هذه الكلمة في حياتنا الاجتماعية في الزواج عادةً فنقول: ”عقد فلانٌ على فلانة“، ومعناه حينئذ؛ ميثاقٌ غليظٌ، وعهدٌ مقدَّس بين الزوجين.
يتبيَّن لنا إذا من المعنى اللغوي أنَّ مدلول العقيدة هو: العهد المؤكَّد، والالتزامُ الجازم، والتفاني في التنفيذ، وكأنما نريد أن نقول، إنَّ العقيدة هي الرباطُ المقدَّس الذي لا يمكن أن يُبنَى المجتمع إلاَّ على أساسه، ولا تدوم حضارةٌ وتخلُد إلاَّ على منهاجه. ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، وقد فهمنا الكلمة لغويًا: ما مدلولها الدينيُّ؟ وما أبعادُها في بناء الفرد والمجتمع المسلم؟
ما من شكٍّ أنَّ أوَّل واجب على الإنسان أن يعرف خالقه، ويعرف الحكمة من خلقه، وقد بيَّن الله هذه اللبنة الأولى في تكوين معرفة الإنسان في آيات كثيرة من القرآن الكريم، فقال تعالى: {((((((((((أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ ((((((((((} (محمد:19)، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى يريد أن ينبِّهنا إلى (1/7)
صفحة 7
أنَّ المطلوب منَّا هو: المعرفة أولاًّ، ثمَّ العبادة بعدَها، ”فاعلم أنَّه لا إله إلى الله“ ثمَّ بعد ذلك: ”استغفر لذنبك“، دلالةً على العبادة، ومن البديهي أنَّه لا تقومُ عبادة على جهل، ولأنَّ معرفة الله سبحانه وتعالى تدفع إلى عبادته على الوجه الأكمل: {(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو ((((((((((} (الرعد:19). على أنَّ معرفة الله تعالى خطوةٌ أولى في طريق العقيدة الصحيحة لأنَّها تؤدِّي حتمًا إلى معرفة عناصر العقيدة الأخرى مثل: الإيمان بالملائكة، والكتب المنزَّلة، والرسل، واليوم الآخر، والبعث والحساب، والجنة والنار، لأنَّ هذه العناصر الإيمانية متكاملة لا يمكن الأخذُ ببعضها دون البعض، فلو اعترف شخصٌ مثلاً بوجود الله وأنكر اليوم الآخر عُدَّ كافرًا جاحدًا، كما أنَّه لو اعترف برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنكر البعث بعد الموت عُدَّ أيضًا جاحدًا وهكذا. ومن رحمة الله بعباده أن كوَّن في فطرهم ما يهديهم إلى العقيدة الصحيحة، فلو فرضنا أنَّ إنسانا مَّا نشأ في بيئة لا تؤمن بالله فلم يهتد هذا الإنسان بالتالي إلى معرفة الله، أيكونُ مسئولاً على شركه وجُحُوده؟ والجواب على ذلك هو أنَّ الله - سبحانه وتعالى - الذي خلقنا وصوَّرنا ـ وهو العليم بسرائرنا وعلانيَّتنا ـ قد ركَّب في طبائعنا وفي تكويننا الفطرة التي تدعونا إلى الاهتداء إلى الله خالقِ الوجود، فهل الفطرة الموجودة مع تكويننا الأوَّل هي الأصل؟ وإنكار الإنسان للخالق مخالفة لطبيعته التي ركَّبه الله عليها؟ وقد نتساءل كيف ذلك؟ إنَّ كلَّ ما خلقه الله من حولنا من أصغر مخلوقٍ كذرِّ النمل، إلى أعظم جَرمٍ سماويٍّ كلُّ هذه المخلوقات تنادي بلسان فصيح وتوضِّح بالآيات الواضحات أنَّ هناك خالقا (1/8)
صفحة 8
لهذا الكون العظيم. ثمَّ إنَّ الله قد أخذ على بني آدم عهدًا على أن لا يُشركوا به شيئًا يوم خلقهم، كما تصرِّح بذلك الآية الكريمة: {((((((أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا ((((((((((} (الأعراف: 172). إنَّ الله سبحانه وتعالى ركّب في هذا الإنسان مهما يكن مستواه العقلي هاجسًا أبديًّا يدفعه دوما إلى السؤال بناءً على ما يراه من حوله من آيات: من أنا؟ ما الكون؟ لِمَ جئتُ؟ إلى أين سأنتهي؟ ما مركزي في الوجود؟ ما قيمتي في الحياة؟ وغيرها من التساؤلات التي لا تنتهي، ولقد ضرب الله لنا مثلا لذلك من أبينا إبراهيم - عليه السلام - حين راح يبحث عن جوابٍ لهذا السؤال الذي حيَّره، ولم يكن ذلك شكًّا من إبراهيم في وجود الخالق ـ حاشاه ـ وإنمَّا فعل ذلك ليكون من الموقنين كما صرَّحت به الآية الكريمة: {(((((((((((نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ((((((((((((((} (الأنعام: 75)، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يقدِّم بين أيدينا المثال الواضح على أنَّ باستطاعة الإنسان أن يهتدي إلى خالقه دون مُعلِّم، وأن يعرف الطريق إليه دون دليل، وذلك حيث يقول: {(((((((((((نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ (1/9)
صفحة 9
فَلَمَّاأَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ (((((((((((((((} (الأنعام). إنَّ البحث عن الإله فطرة، إنَّه عنصر إلهيٌّ مُركَّب في طبيعة الإنسان ليشدَّه دائما إلى التطلُّع إلى السماء ويحركه دائمًا إلى مصدره الأوَّل وهو الله، ولهذا نجد بعض الفلاسفة يقولون: إنَّ الميل إلى الله شهوةٌ حقيقية في طبيعتنا الإنسانية لا تقلُّ عن شهوتنا إلى الطعام. إنَّ المتَّجه إلى الله كالعطشان في الأرض الوَعِرة الخالية من الماء (1)، والإنسانُ مهما كان جنسُه ومهما كان لونُه وأيًّا كانت ثقافته يبحث عن الله على مدى العصور في قرارة نفسه وإن استبدَّ به الانحراف أو سيطر عليه الإلحاد، لأنَّ انحرافه أو إلحاده ما هو إلاَّ ثورة مَرَضية على الأوضاع الكنسيَّة والتقاليد الدينيَّة التي لم تجلِب لنفسه غير القلق والشَّك؛ إنها جراثيم مرَضيَّة سرعان ما تزول حينما تستيقظ الفطرة في نفسه وينبعث نورها في قلبه، إنَّها فطرة الله التي فطر الناس عليها، تصوّر هذه الحالة وهي البحث عن الله بفطرة فيلسوف ألحد في نظر الكنيسة لأنَّها لم تساعده على بناء نفسه على أسُس من السعادة والاستقرار النفسي والاتِّزان الاجتماعي، يقول الفيلسوف الحائر، أو هذا الإنسان الحائر: «إنَّني أدعو كل يوم وأقضي اليوم كلَّه داعيًا أن تنكشف الحقيقة، لقد أصبح الدعاءُ هوايتي منذُ وَجَدت الشكوكُ طريقها إلى قلبي، إنِّي لا أستطيع أن أقبل عقائدكم الكنسية، إنَّ قلبي يفيض بالدموع الغزار وأنا أكتب هذه السطور، قلبي يبكي
__________
(1) - د. عبد العال سالم مكرم، أثر العقيدة .. بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1405هـ/1982م، ص: 11 (1/10)
صفحة 10
وعيني تبكي ولكنَّني أشعر أنِّي لست طريدًا من رحمة الله، بل آمل أن أصل إلى الله الذي أتمنىَّ رؤيته بكلِّ قلبي وروحي، وأُقسِم بحياتي أنَّ عشقي وبحثي هذا لمحة من روح القدس، ولن أقلع عن تفكيري هذا لو كذَّبه الانجيل المقدس عشرة آلاف مرَّة» (1).
هكذا تستيقظ الفطرة النقيَّة المتوجِّهة إلى خالقها، لا يلويها عن ذلك طغيان الشرك وعبادة الأوثان، كما نادى إبراهيم - عليه السلام - وتحدَّى، ولا تقف دونها طقوس كنيسيَّة محرَّفة، كما هو الحال مع هذا القسِّيس الحائر، ودين الله واحد، {((((الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران:19)، {((((يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ (((((((((((((} (آل عمران:85) وهكذا يتَّضح لنا أنَّ الفطرة طريقُ الوصول إلى الله، وهي كذلك في ضوء القرآن الكريم حيث يقول تعالى: {((((((((اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} (الروم: 30)، وقد فسَّر الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - الفطرة بقوله: «ما من مولود يولد إلاَّ على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه» لماذا؟ إنَّ هذا المولود لو لم يقلِّد آباءَه في طقوسهم وعبادتهم، لو لم يقلِّدهم ما عليه آباءه من تحريف أو تقليد لاستطاع بفطرته وحدَه أن يصل إلى الله، وأن يرتبط به بحبلٍ متين، ذلك هو الدينُ الخالص الذي حدَّده القرآن الكريم بقوله: {((((((((وَجْهَكَ لِلدِّينِ ((((((((} (الروم:30)، وقد وضَّحه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث ”قتادة“ حيث يقول:
__________
(1) - وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى، دار البحوث العلمية، الكويت، ص 266. (1/11)
صفحة 11
حدثني أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فطرةُ الله التي فطر الناس عليها، أي دين الله تعالى» ويوضِّح المفسِّر الإسلامي ”الألوسي“ هذا الحديث بقوله: «والمراد بفطرهم على دين الاسلام خلقهم قابلين له غير نابين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوبًا للعقل مساوِقًا للنظر الصحيح حتىَّ لو تُركوا لما اختاروا عليه دينًا آخر» (1).
- - -
__________
(1) - الألوسي، مجلد 20/ص 40. وانظر أثر العقيدة، (المصدر السابق) ص، 15. (1/12)
صفحة 12
الإسلام دين الفطرة والعقل
وبعد هذا العرض عن الفطرة يتبادر إلى أذهاننا هذا السؤال: لكن ما الفرقُ بين الفطرة والعقل في الاهتداء إلى الله؟ لا بدَّ قبل أن نفرِّق بين الفطرة والعقل، أن نفهم ما هي الفطرة المؤدِّية إلى معرفة الله؟ ولنبدأ من البداية. لا يختلف اثنان في أنَّ الإنسان يُولد جاهلاً لا يعلم شيئًا، وقد وضَّح القرآن الكريم ذلك حيث يقول: {((((((أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ (((((((((((} (النحل: 78)، إنَّ الإنسان أخرجه الله من بطن أمِّه أمِّيا لا يعلم شيئًا ممَّا حوله، ولكن برحمته وعدله رزقه الأدوات التي تهديه إلى العلم وتُمكِّنه منه، وأعطاه الوسائل الضرورية الكافية ليسير على الطريق الصحيح حتى يصل إلى معرفة خالقه، ومن هذه الأدوات: السمعُ يلتقط به الصوت، البصر يُدرك من خلاله المرئيات، القلب يُدرك به معاني ما يسمع من أصوات وما يرى من مرئيات. وقد يعترض معترضٌ: وما الشأن فيمن يولد بلا سمع وبلا نظر، إنَّ أمره محلولٌ في الآية نفسها، وهو أنَّ الله سبحانه وتعالى، حتىَّ ولو حرمه نعمة الحاسَّتَين فإنَّه لم يحرمه أبدًا نعمة العقل والقلب ”والفؤاد“، كما جاء في الآية؛ يعني الاثنين، كما يذهب إلى ذلك أغلب المفسرين، ولا يمكن أن نتصوَّر إنسانًا يصل إلى إدراك حقيقة الأشياء عن طريق الحواس وحدها دون قلبٍ أو عقل، ولذلك نلحظ أنَّ الشريعة الإسلامية ربطت التكليف بالعقل وبالأفئدة، وهنا إشارة خفيَّة، إلى أنَّ طريق الإيمان الصحيح لو انطلق من الفطرة فإنَّه لا يكتمل (1/13)
صفحة 13
ولا يتمُّ إلاَّ بالعلم الصحيح؛ أي باستخدام هذه الوسائل التي وهبها الله لنا نحن بني الإنسان، وأوَّلها وأعظمها نعمة: العقل، لأنَّ العلمَ أداتُه العقل، والإنسان حين يستخدم عقله ليصل بالأدلة العلمية اليقينيَّة إلى معرفة المولى - عز وجل - يتَّبع قواعد وضعها العلماء، وهي كالتالي:
القاعدة الأولى التي يؤمن بها العقل هي أنَّ: ”العدم لا يخلُقُ شيئًا“:
إذا تأمَّلنا في المخلوقات التي تولد كلَّ يومٍ من إنسانٍ وحيوانٍ ونباتٍ، وتفكَّرنا في كلِّ ما يحدث في الوجود من حولنا من رياحٍ وأمطار وليل ونهار، وإذا نظرنا إلى ما يجري في كلِّ حين من حركات منتظمة كالشمس والقمر والنجوم والكواكب، وإذا تأمَّلنا في هذا الكون العظيم فإنَّ العقل يجزم بأنَّ هذا كلَّه، ليس من صنع العدم، لأنَّ العقل يقول: العدمُ لا يَخْلُق، وإنَّما هو من صُنع الخالق المُوجِد، كما قرَّر هذه القاعدة القرآن الكريم، حيث يقول: {((((خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا ((((((((((} (الطور). فالقضيَّة ذات طرفين لا ثالث لها، فهؤلاء الذين يُنكرون الخالق هم مخلوقون بطبيعة الحال لكن، أخُلقوا من عدم؟ أم هم الذين خَلَقُوا أنفسهم؟ والعقلُ بفطرته يُجيب ولا شكَّ: كلاَّ إنَّهم لم يُخلقوا من عدم لأنَّ العدم لا يخلُق، وإنَّهم لم يَخلقوا أنفسهم بأنفسهم لأنَّهم لو فعلوا ذلك ما احتاجوا إلى طرح هذه القضية البتَّة. (1/14)
صفحة 14
القاعدة الثانية: ”التفكُّر في المخلوق يدلُّ على صِفاتِ الخالِق“:
يقول العلماء توضيحا لهذه القاعدة، إذا شئت أن تدرك الخالق، فكِّر في المخلوق، ولكي نوضِّح هذه القاعدة نقدِّم المثال التالي: ـ وتعالى الله عن المثل والشبيه، وإنَّما نقصد بذلك إلى التقريب فقط ـ أحيانًا تقع أعينُنا على قطعة من أثاث مصنوعةٍ باليد، وقد رُصِّعت بالصدف وحُلِّيت بأنواع الزينة، ينطق كلُّ ما فيها عن براعة صانعها ودقَّة عمله ومهارة يده، فلا نملك إلاَّ أن نعبِّر عن إعجابنا الشديد بها والتنويه بصانعها. ترى كم في الكون من حولنا من مخلوقات تجلَّت فيها براعة الصانع وعظمتُه، من أصغر مخلوقٍ إلى أكبر جرم سماويٍّ؟ لو تأمَّل الإنسانُ في لحظة انسجام مع نفسه في ليلة هادئة صيفية ساكنة، لو تأمَّل في السماء وهي تتلألأ بنجومها، أو تأمَّل الأفق ساعة الغروب بألوانه الخلابة التي لا تنتهي روعة وجمالاً، لو تأمَّل الإنسانُ كلَّ ذلك وغير ذلك من آيات الكون العظيم، ألا تدلَّه هذه المخلوقات المتقنة الصنع على صفة الصانع العظيم، لأنَّ البديهة تقول لا يمكن أن يوجد شيء في المصنوع إلاَّ إذا كان الصانع يملك القدرة على صنع ذلك الشيء، وهكذا سنجد أنَّ التفكُّر في المصنوع يدلُّنا على بعض صفات صانعه، ومن هنا نعرف أنَّ التفكير في المخلوقات يدلُّ على بعض صفات الخالق (1)، فقد أوضح الله سبحانه وتعالى هذه القاعدة من خلال الآيات البيِّنات التي لا تنتهي روعتها عند حدٍّ، حيث يقول: {((((فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ
__________
(1) - عبد المجيد الزنداني وآخرون، الإيمان، ص 28. (1/15)
صفحة 15
دَابَّةٍآَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ (((((((((((} (الجاثية)، ولو قلَّبنا المصحف الكريم لوجدناه مكتظًّا بالآيات الكريمة الداعية إلى استخدام هذه القاعدة، وقد جاء في بعض الآيات دعوةٌ مباشرة من الله ـ جلّ وعلا ـ لخلقِه، كما جاء ذلك في قوله تعالى: {((((((((يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ (((((((((((} (الأعراف: 185)، وحقيق بالإنسان أن يستعرض هذه الآيات البيِّنات في كلِّ ما يراه من حوله، وكما قلت سابقا إنَّ القرآن الكريم يكتظُّ بمثل هذه العِبَر الدالَّة على براعة الصانع في الكون وما حولنا.
لو رجعنا إلى سورة ”النور“ مثلاً، لوجدنا فيها استعراضًا لبعض المشاهد الكونية الدالة على عظمة الخالق، هذه الآيات المعجزة كما جاء ذلك في هذه الآيات الكريمة: {((((((تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ (1/16)
صفحة 16
وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ ((((((((((} (النور).
- - -
هذه الآيات الكريمة تدلُّ على هذه الأدلَّة الكونية على وجود الخالق وتوحيده، إنَّها تقدِّم بين أيدينا مشاهد من عظمة الله وجلاله متجسِّدة في مخلوقات الله، نراها تتوالى في مشاهد من الكون الواسع في السماء وفي الأرض وفي السَّحاب وفي الليل وفي النهار، كما تتجلَّى في مخلوقات الله الدابَّة على الأرض ما بين إنسان وحيوان وزواحف وغيرها، لا بدَّ أن نتذكر أنَّ الله - عز وجل - قرَّر في بداية الآية أنَّه الهادي للسماوات والأرض، وضرب مثلا لهدايته الخاصَّة لأهل الإيمان، هداية الفطرة وهداية الشريعة، ولكي نعرف الهداية لابدَّ من معرفة الضلال، ومن ثمَّ ضرب مثلين لنوعين من الضلال.
النوع الأول: مثَّل لناس يعملون ولكن عملهم لا يوصل إلى غاية، فلا هو يصلُ بنوره إلى القلب ولا هو يصل إلى الرضوان، سرابٌ بِقِيعة: {(((((((((((كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ (1/17)
صفحة 17
لُجِّيٍّيَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ (((((} (النور)، فقد أوضح الله سبحانه وتعالى هنا، مثَلَين اثنين على ضلال الإنسان من خلال المشهد الذي يشهد به الإنسان الذي يجري في الصحراء وراءَ سرابٍ، ثمَّ هو لا يصل إلى الماء الذي يبحثُ عنه أو يشبهه بهذا المخلوق الذي يكون في البحر اللُّجِّيِّ الذي يغشاه الموج، من فوقه طبقات فوق طبقات، ومن فوق هذه الأمواج المتلاطمة السحاب المتراكم فهي ظلمات بعضها فوق بعض، حتىَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى لكي يبيِّن ظلمة هذا القلب وسواده يقول: {((((((أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ (((((} (النور:40) ولذلك يُقابل الله سبحانه وتعالى هذا الضالَّ الذي لم يهده الله لنوره بذلك الذي اهتدى بنور الله حيث يقول: {(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ ((((((((} (النور: 35).
والنوع الثاني: الذي كنَّا نتحدَّث عنه بطبيعة الحال هذا الإنسان المظلم القلب لا يعرف هداية الله أصلاً، وليس هو الهادي في شيء، وهو مثال للمشركين والملاحدة الذين لم يؤمنوا بالله أصلاً، فعملهم كلُّه ظلام في ظلام في ظلام، ومع ذلك فإنَّه من خلال معرفتنا للهدي والضلال في الحياة البشرية، نتعرَّف كيف أنَّ الله هادي السماوات والأرض، فهما لا يضلان ولا يخرجان (1/18)
صفحة 18
عن المسار الذي حدَّده الله لهما، فكيف يصل الغرورُ بهذا الإنسان فيدَّعي الخروجَ عن المسار الذي حدده الله له كفرانًا وجحودًا. ثم يضرب الله الأمثلة على أنَّ كلَّ ما في هذا الكون خاضعٌ لإرادة الله وهداه، وكلُّ ما تقع عليه العين مسيَّر بنور الله الذي يشمل كلَّ أجزاء الكون على سعته لذا صدَّر الآيات الكريمة بكلمة: {((((((((((} لفتًا للنظر، وتحفيزًا للفكر، وإيقاظًا للمشاعر، وأنَّى للإنسان هذا الضعيف أن يُنكر هذه الأدلَّة القوية الناطقة بعظمة الله وجلاله، فهي مشاهد تبيِّن مجالات أربعة، وهي كالتالي: المخلوقات التي تُسَبِّح الله، المشهد الثاني: قدرتُه العظيمة في إنزال المطر، الذي هو سبب الحياة في الأرض، المشهد الثالث: اختلافُ الليل والنهار، ولا حياة بدونهما، المشهد الرابع: أنواعُ الدواب التي خلقها الله، وكلُّها من خلقه وحده. هذه الدلائل كافية كما يقول سبحانه وتعالى لمن وفَّقه الله لتبيُّن الطريق المستقيم المستنير بنور الله وهداه.
وفي استخدام كلمة: ألم تر، في حدِّ ذاتها تنبيهٌ وتوجيه يراد به التفكير والتأمُّل ومعاودة النظر من حين لآخر، ومن هنا نؤكد مرَّة أخرى بأنَّ الفطرة مخلوقةٌ في ذات الإنسان ليستطيع بها الاهتداء إلى ذات الله سبحانه وتعالى خالق الكون، ولكنَّ هذا لا ينفي أن يكون ذلك عن طريق استخدام العقل والتفكير والتأمُّل لكي يزداد إيمانًا ويتيقَّن أكثر كما وقع ذلك لسيدنا إبراهيم - عليه السلام - كما مرَّ معنا. (1/19)
صفحة 19
آيات الله العظيمة في الكون
إنَّ الله سبحانه وتعالى العليم بخلقه يعرف عنَّا الغفلة وبلادة الفكر والنسيان، بحكم الإلف والعادة، أو بحكم الانشغال والانصراف إلى أمور الدنيا، فلو كانت هذه المشاهدُ قليلةَ الوقوع لا تحدُثُ إلاَّ مرَّة في عدَّة سنوات مثلاً، لاحتفل الناس بها وخرجوا من أمورهم يترقَّبون مرورَها، فهم يترقَّبون الكسوف والخسوف ويسافرون من أجل التطلُّع إليهما ودراستهما، وقد يقطعون المسافات الطويلة من أجل تأمُّل ظاهرة كونيَّة، كهذه الظاهرة الكونية التي تستثير إعجابهم، وتستوقف تساؤلهم، وتوقظ في أعماقهم الإيمان، ولعلَّنا نذكر أنَّ مرور نجم ”هالي المذنَّب“ الذي يظهر في كلِّ سبعين سنة فيما نظنُّ، كان قد أثار فضول العلماء والباحثين فراحوا يقصدون أقاصي الدنيا بمعداتهم العلمية يتأمَّلون؛ وهذا مثالٌ تقريبي مع وجود الفارق، وهو أن يكون التأمُّل بدافع علميٍّ أو علميٍّ وإيمانيٍّ أيضًا، وحبَّذا لو اقترن العلم بالإيمان ليكون ذلك مصداقًا للآية الداعية للتأمُّل والنظر والتفكير في مشاهد هذا الكون الفسيح، وقد ذكرت الآية الكريمة أربعة مشاهد، نبدأُ استعراضَها مشهدًا مشهدًا.
المشهد الأول: تسبيحُ المخلوقات، كما ورَد ذلك في الآية الكريمة: {((((((تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} (النور: 41)، أي ألم تعلم أيُّها الإنسان بالدليل، أو أيُّها النبي بالدليل، والخطاب يشمل المؤمنين كلَّهم بطبيعة الحال، أنَّ الله سبحانه وتعالى ينزِّهه ويقدِّسه كلُّ من في السماوات والأرض من العقلاء، (1/20)
صفحة 20
وغيرهم من الملائكة، من الإنس والجنِّ والجمادات، ومنها الطير الباسطات القابضات أجنحتها حاَلَ طيرانها في جوِّ السماء كي لا تسقط، تنزيهًا يدركه المتأمِّل بعقله السليم، إذ أنَّ تكوينها بخصائصها المتفاوتة يدلُّ في حدِّ ذاته على وجود الخالق لها، أو إيجاد الخالق لها، وقد خصَّ الله سبحانه وتعالى، الطير بالذكر في القرآن عدَّة مرَّات لما لها من دلالة خاصة على بديع صنع الله وكمال قدرته التي تحار فيها عقول بني آدم، لأنَّ وقوف الأشياء الثقيلة في الجوِّ أثناء الطيران حجَّة واضحة على كمال قدرة الخالق المبدع. ولو تأمَّل الإنسان حقَّ التأمُّل في هذه الآية لوجد فيها ما يدلُّ على رحمة الله بعباده وتسخير كلِّ شيءٍ لهم كما قال: {(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا (((((((((} (الإسراء: 70)؛ فقد حملهم في الجوِّ بفضل هذه الطيور التي خلقها وأبدع خلقها، فلولاها لما عرف الإنسان كيف تطير هذه الطائرة الثقيلة التي تحمل مئات الناس، وتقطع بهم آلاف الكيلومترات، فقد دلَّت التجارب العلميَّة على أنَّ المخطِّطين للطائرات، منذ أوَّل تجربة للطيران علِمَتهُ البشرية مع ”عبَّاس بن فرناس الأندلسي“، إلى المكُّوكات الفضائية التي نشاهدها اليوم، هذه الظواهر العلمية كلُّها تستقي وتستفيد من خِلقة الله للطيور، وفي إبداعه في تكوين أجنحتها قبضًا وبسطًا، وهذه الآيات تدخل في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. وفي هذا إشارة أيضا إلى أنَّ المرءَ مهما يتقدَّم علميًّا ويتجبَّر فكريًّا، لن يستطيع مهما يحاول أن يخرج عن قدرة الله ونفوذه شاء أم أبى، في حال الطاعة وفي حال المعصية. ويؤكِّد هذا الملمح اللطيف ما انتهت (1/21)
صفحة 21
به الآية: {((((مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ (((((((((((} (النور: 42)، وفي قوله هذا إعجاز بيانيٌّ ودلاليٌّ رائع، إذ جمع في كلمات قليلة تكوين الحضارة الإنسانية من الأزل إلى الأبد، ومصير هذه الحضارة، فهو وحده المالك، وهو وحده الخالق، وإليه وحده المرجع والمآل، بداية ونهاية وسيلة وغاية.
المشهد الثاني: إنزال المطر، كما جاء ذلك في قوله: {((((((تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ... } (النور)، أي يقول الله سبحانه وتعالى: ألم تروا أيُّها الناس العقلاء رؤية تدبُّر وتفكُّر واعتبار، كيف يسوق الله سبحانه وتعالى السحب الثقال، فبينما تكون السماء صافية زرقاء صاحية إذا بقطعة من السحاب تتكوَّن، ثمَّ تتسع شيئا فشيئا حتى تغطي الأفق كلَّه فتغيِّر لون السماء من أزرق إلى رمادي إلى أسود، وإذا السحاب كلُّه أشبه ما يكون بالركام المتداخل الذي يلتحم بعضه ببعض كأنَّها جبال، تُسيِّرها القدرة الإلهية بين السماء والأرض تحمل آلاف الأطنان من الماء تسوقها الرياح المسخَّرة إلى حيث يريد الله، ووصف الله - سبحانه وتعالى - السحاب بالجبال، أمر عجيب!! فيه معجزة لا تقلُّ عن المعجزة التي مرَّت بنا في وصف البحر اللجيِّ، ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا الكلام من عند الله خالق كلِّ شيء وليس هو من عند محمد - صلى الله عليه وسلم -، كما ادَّعى المشركون ذلك، هو من عند الله خالق السحاب، كما كان البشر يطيرون في الفضاء ليشاهدوا قِمَمَ السُّحب من (1/22)
صفحة 22
فوق، وقد تجلَّت لهم اليوم هذه الحقائق فشاهدوها ورأوها رأي العين، وما أعظم قدرة الله ونحن نستحضر هذه المشاهد التي نراها للسحب المتراكمة عند ما نسافر بالطائرة مثلاً، ولا سيما إذا كان الوقتُ شتاءً، بل قد نتذكَّر هذا الوصف الرائع البليغ من خلال تلك الألوان التي تمتزج بهذه السحب عندما تنعكس عليها أشعة الشمس وقت الغروب، فتتجلَّى فيها قدرة الله - جل جلاله - جمالا وجلالا لا ينتهيان.
ولنستمر في بقيَّة الآية بقوله تعالى: {(((((((الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ (((((((((((((} (النور: 43)، أي ترون المطر يتكوَّن قطرة قطرة من خلال السحب، وينزل وابلاً أو طلاًّ أو رذاذًا، هذه القطرات التي تحيي فيتكوَّن منها النماء والخير والخصب، فهي بمجرَّد أن تلامس سطح الأرض حتىَّ تدبّ فيها الحياة وتتحرك بِرَحِمِها البذور لتؤتي أكلها بعد ذلك للناس، والعجيب في الأمر كيف تتحوَّل هذه القطرات المتناثرة الضعيفة المتفرقة هنا وهناك لتصبح بعد ذلك سيولا قويَّة تتدافع بها الوديان في الصحاري والجبال، ولا تستطيع أيَّة قوة مهما تكن الوقوف في سبيلها، إنَّها قوة الله - سبحانه وتعالى -. إنَّ هذا السحاب الذي يُخرج المطر، أو يَخرج المطر من خلاله، فيكون سببًا للخير والنماء والخصب، قد يتحوَّل حسب إرادة الله ليكون عذابًا أليمًا يسلِّطه بَرَدًا على من يشاء من عباده، أو برْدًا شديدا يهلك به العباد والبلاد، وهي مناظر تتكرَّر في كلِّ أنحاء المعمورة كما نشاهد في هذه الأيام. (1/23)
صفحة 23
يحدِّثنا العلم عن هذه الظواهر الطبيعية ويصف تحوُّلاتها وتقلُّباتها على أنَّها ظواهر طبيعية تبدأ بتبخُّر مياه البحر، وأقصد بهذه الظواهر الطبيعية، إنزال المطر كما بيَّنتُ ذلك في الحديث السابق، يقول العلماء إنَّ هذه الظواهر الطبيعية تبدأ بتبخُّر مياه البحار التي هي أربعة أخماس (4/ 5) المعمورة، وفي هذه النسبة العظيمة تتجلَّى حكمة الله ورحمته بعباده الذي جعل من الماء كلَّ شيء حيٍّ، فمن ماء البحار والبرك والأنهار تتكوَّن السحب، ثمَّ تهب الرياح الباردة فتُحِيلُها مطرًا وبردًا أو ثلجًا، ويُفصِّل العلماء الحديث في أسباب هذه الظواهر تفصيلاً دقيقا ولكنَّهم قلَّما يربطون بين هذه الظواهر وبين قدرة المولى - جل جلاله -، وربَّما لا يتعرَّض إلى هذا الربط بين الأسباب والمسبِّبات إلاَّ المتخصصون من العلماء الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان، وهذه في الحقيقة ظاهرة سلبية للأسف الشديد تتنافى مع الإيمان الصحيح، فإنَّ الله يدعونا إلى أن نربط بين الإيمان والعلم، ونؤيِّد العقل بالعاطفة، وندرك الأسباب والمسبِّبات، إنَّ تفاسيرهم للظواهر الطبيعية صحيحة لا نجادل فيها، ولكن الصحيح أيضا أنَّ وراء هذه الظواهر خالقُ الظواهر، فمَن الذي خلق البحار وأحال الماء بخار، وأنشأ الرياح اللَّواقح، وجعل من البحار مطرًا وبردًا، وأنزل الماء بقدرٍ معلوم، وعزل عنصر الماء عن عنصر الهواء فسبحان من صنع وأتقن كلَّ شيءٍ صُنعًا، وسبحان من يصيب من يشاء برحمته أو نعمته ويصرفها عمَّن يشاء، لا يملك البشر ذلك بقوَّتهم، ولا بعلومهم، لا دفعًا ولا نفعًا، فتراهم ينظرون ولا يملكون من الأمر شيئًا، والأمر كلُّه لله، وفي هذا ما يكفي للاعتبار ويدعونا إلى توحيد الواحد (1/24)
صفحة 24
القهار. ألاَّ يوحي قوله - سبحانه وتعالى - وقد ذيَّل هذه الآية الكريمة بقوله: {(((((((سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ (((((((((((((} (النور: 43)، إلى تحذير الله من أن تصبح هذه الظواهر الطبيعية النافعة للعباد نقمةً ومصائب إن هم تنكَّبوا طريق الهدى، وجحدوا نِعم الله إلحادًا وشركًا، ففي قدرة الله - سبحانه وتعالى - أن يحوِّل النعمة نقمة والرخاء شدَّة، فإن أضواء البروق اللامعة من خلال السحب تقوى أحيانا حتى لتكاد تخطف أبصار الناس {(((((((الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} (البقرة: 20)، وقد وقعت فعلا أن عَمِيَت أبصار أُناس بِسَنا برقٍ خاطف، كما وقع أن صُرع أُناس برعود قاصفة، وما ذلك إلاَّ لقوَّة ما هنالك من شحنات كهربائية عظيمة، هي من صنع الله الذي أتقن كلَّ شيء، وهنا يتجلَّى الفرقُ بين المؤمنين والكافرين؛ إنَّ المؤمنين يردُّون الأسباب إلى مسبِّب الأسباب ولا يزيدهم اطلاعهم عليها إلاَّ إيمانًا بربِّهم، أمَّا الكافرون فيقفون عند الأسباب ويغفلون عن مسبِّبها بل هم يكفرون به، وفي هذا السياق نسوق لك ـ أيها القارئ الكريم ـ حادثة وقعت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فقد مُطِر الناس، فلمَّا أصبح الصباح، قال لهم: أتدرون ماذا قال ربُّكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ وكافرٌ، فمن قال مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكواكب، ومن قال: مُطِرنا بَنَوْءِ كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكواكب»، إنَّ العلم ينفي الخرافات من عقولنا ومداركنا، ولكن ينبغي أن لا يسيطر علينا، بحيث يكون المفسِّر لكلِّ شيء، بل إنَّ العلم حين ينفي الخرافات يدعونا إلى التأمُّل فيما وراء الأسباب، فالعلم الصحيح من شأنه أن يدعوَ إلى الإيمان ويزيد المؤمنين إيمانًا وخشية، وصدق الله العظيم، حيث يقول: {(((((((يَخْشَى (1/25)
صفحة 25
اللَّهَمِنْ عِبَادِهِ ((((((((((((((((} (فاطر:28)، ولكي يقدِّم الله سبحانه وتعالى الدليل على وحدانيته وملكوته، يعرض أمامنا صُورًا ومشاهدَ كونية أخرى لا تقلُّ روعة وجلالا وعظمة عمَّا سبق.
المشهد الثالث: اختلاف الليل والنهار، ومن هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: {(((((((((اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي (((((((((((} (النور:44)، هذه الآية مليئة بالاعتبار والتذكُّر إنَّها تضع بين أعيننا طريقة سهلة بسيطة لإدراك عظمة الله وقدرته، وهذه الطريقة لا تحتاج لا علما ولا تفكيرًا، لأنَّها واضحة بيِّنة، لذلك ذيَّلها الله بقوله: {((((فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي (((((((((((} (النور:44)، أي يكفي لإدراكها استخدامُ حاسة البصر لأنَّ هذا المشهد من المشاهد الكونية العجيبة، لا يفوت أي مخلوق ولا يمكنه التفلُّت من إساره مهما أوتي من القوَّة الماديَّة أو المعنوية، يقول بعض العلماء: هذا مشهد من المشاهد الكونية العجيبة والعميقة، يتكرَّر على جميع سكان المعمورة دائما، يشملهم كلُّهم فلا يخرج أحدهم من الليل أو النهار، فهما يتعاقبان بطلب أحدهما الآخر طلبًا حثيثًا، وفي تقلُّبهما عبرة عظيمة لأولي الأبصار، الذين ينظرون ببصائرهم إلى آيات الله في أرضه وسمائه، ولا يمرُّون عليها صمًّا وعميانًا، فسبحان من جعل الله والنهار خِلفة لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكورًا.
قد نقف في هذه الآية القليلة الكلمات التي تقول: {(((((((((اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ .. } (النور: 44)، فلها مدلول عظيم، يقول بعض العلماء ومن ذلك (1/26)
صفحة 26
نقتبس ما قاله: ”الشيخ بيُّوض“ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية الكريمة من خلال كتابه: «في رحاب القرآن» يقول: «يقلِّب الله الليل والنهار تقليبًا رفيقاً بالتدريج وهذه نعمة أخرى، لا بالطفرة رفقًا بعباده فينقص ضوء النهار شيئا فشيئا، وينزِّل ظلمة الليل شيئًا فشيئًا، وهو معنى الإيلاج، الذي ورد في غير موضع من القرآن: {(((((((اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي (((((((( .. } (فاطر:13)، وفي ذلك التدرج رفق بمخلوقاته، إذ لو نزل أحدهما نزولا مفاجئًا لعشيت الأبصار وربَّما عَمِيت، فسبحانه الذي وسعت رحمته مخلوقاته»، والذي يقلِّب الليل والنهار هو الذي يقلِّب قلوب عباده فبعضها كالليل وبعضها كالنهار وبعضها متقلِّب، وكان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - «اللهم مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على طاعتك»، وفي تقليب الليل والنهار عبرة أخرى، ألا وهي مرور أعمارنا سريعة، أليس الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد، يبليان كلَّ جديد، ويقرِّبان كلَّ بعيد، ويأتيان بكلِّ موعود هذه عبرة وذكرى لنا حتى نبادر آجالنا قبل حضورها، باغتنام أيامنا وليالينا المقبلة، بفعل الطاعة وترك المحرمات والتوبة من الخطايا قبل الفوات، فكلُّ ما هو آت آت، فأيَّامنا مطايانا، فهي تجري بنا جري الخيول الراكضات فمن لم يغتنمها كانت عاقبته الحسرات، وفي تقليب الليل والنهار نعمةٌ من الله على عباده لينتفعوا بهما جميعهما، فأحدُهما بالسكون والراحة، والآخرُ للكسب والحركة والانتشار في الأرض، والابتغاء من فضل الله، ولولا هذا التناوبُ العجيب بين الليل والنهار لضاعت هذه المصالح الضرورية، ولهلك كثيرٌ من مخلوقات الله حيواناتها ونباتها وغير ذلك ممَّا نعلم وممَّا لا نعلم، (1/27)
صفحة 27
وصدق الله القائل في كتابه: {((((أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ (((((((((((} (القصص)، فلولا تعاقب الليل والنهار لما صلحت الحياة على الأرض، فظلام الليل وبرده له دَخْل كبير في تكوين المخلوقات وعيشها وتطوُّرها على ظهر الأرض وباطنها، وفي وسط البحر وقيعانها، وكذلك ضوءُ النهار وحرارته، وللشمس وأشعتها، وللقمر وضيائه، وللنجوم تأثيرٌ كبير في الحيوان والنبات والجماد على الأرض، وعلى سائر الكواكب التي هي من جنس الأرض، وفي الأجواء التي بينهما، ففي تقلُّب الليل والنهار منافع وحكم وأسرار ومن تقلُّبِهما من قصر إلى طول واعتدال واختلاف، منافع للناس والحيوان، وأسرار لا يعلم كُنهها إلاَّ خالقها، وقد نبَّهنا الله إلى تدبُّر ذلك، في قوله تعالى: {((((فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي ((((((((((} (آل عمران: 190)، وفي تقلُّب الليل والنهار عبرة ومنفعة للعمَّال وللعبَّاد، فالعامل يستنفذ طاقته في ضوء النهار في جلب ما ينفعه وينفع الناس من فضل الله ويسعى في مناكب الأرض، وبطون البحار وفي طبقات الجوِّ، فإذا جاء الليل أخذ قسطه من النوم فاسترجع طاقته، والعابد كذلك، يغتنم تقلُّب الليل والنهار فيقوم الليل (1/28)
صفحة 28
لمناجاة ربِّه في سكون الليل، ويصوم نهاره فيأخذ حظَّه منها جميعًا، فسبحان من يقلِّب الليل والنهار، وما أعظم آلاء الله في تقلُّبهما، ولله في خلقه عِبَر وأسرار، وصدق الشاعر القائل:
فَيَا عَجَبًا كَيفَ يُعصَى الإله ... أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجاحِدُ
ولله في كُلِّ تَحرِيكَةٍ ... وَتَسكِينَةٍ أَبَدًا شَاهِدُ
وَفي كُلِّ شَيءٍ لِهَديِه آيةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وما أروع وما أجمل هذه العبر حقًّا، إنَّ هذا الإنسان خُلق غافلا ضعيفًا جهولاً، هذه الآيات البيِّنات أمام أعيننا نراها كلَّ يوم بأبصارنا ونتقلَّب في نعيمها آناء الليل وأطراف النهار، ولكنَّنا لا نتفطَّن إلى أسرارها ومعانيها الجليلة، وهذا كلُّه يؤكِّد قوله تعالى: {(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ ((((((((((} (النور:35)، هو موجودٌ بنوره وهداه في كلِّ مخلوقاته الساكنة والمتحرِّكة، والحيوان، والجماد، والنبات، إنَّه تأكيد بالمشاهَد، وتذكير بالمحسوس، وإيقاظٌ للمشاعر بأسلوب بسيط سهل يدركه كلُّ عاقل، فقد أدرك جلال الله وعظمته كلُّ مخلوق، فسبَّحوا بحمده، وسجدوا لعظمته: {((((((تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ (((((((((((} (النور)، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى حين يعرضُ علينا تلك المشاهِد العظيمة الجليلة في الكون، يقول لعباده: أيُّها الناس إنَّكم لن تدركوا عظمة الله في ذاته، فادركوها في مخلوقاته. تلك المشاهد الأربعة التي هي استعراض لأعظم مشاهد الكون. (1/29)
صفحة 29
المشهد الأول: ينبِّئنا أنَّ كل شيء في الكون يسبِّح ويُصلِّي له، ويُلفتنا إلى هذه الطيور التي تسبح في الفضاء لا يقبضها إلاَّ الله، وهي الأخرى تسبِّح وتصلِّي لجلال وجهه.
المشهد الثاني: يدعونا إلى التأمُّل في السحب وتكوُّنها، والأمطار ونزولها، وفي ذلك آيات للعالمين، المشهد الثالث: يحدثنا عن تقلُّب الليل والنهار، وما في ذلك من المنافع والعبر، كلُّ هذه المشاهد الأربعة تتكرَّر في جميع جهات المعمورة، لا يختصُّ منها جهة دون جهة، فهي على سمع جميع الناس وبصرهم وجميع مداركهم.
} - - { (1/30)
صفحة 30
آيات الله في مخلوقاته
ننتقل مع الآيات التي كنَّا نتحدَّث عنها في سورة ”النور“ إلى أنواع المخلوقات وتكوينها: {((((((خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (((((((} (النور: 45)، هذا مشهد آخر ينقلنا الله تعالى فيه إلى نوع آخر من مخلوقاته، فبعد أن عرض علينا صورًا من الكون الفسيح العظيم، وتحدَّث عن اختلاف الليل والنهار، وعن تكوين السحب والأمطار التي منها الماء، سبب الحياة، في الربط بين هذه النعمة العظيمة، نعمة الماء، وبين المخلوقات الدابَّة على الأرض وفي البحار وفي الأجواء، ومنها نحن بني آدم المعنيِّين بالخطاب المخصَّصين بالتكليف، فقال: {((((((كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ((((((} (النور:45)، أي أنَّ أصل المخلوقات كلِّها ”الماء“ هذه النعمة العظيمة التي لا يقدِّر قدرها إلاَّ من افتقدها، فهي: أرخصُ موجودٍ وأعزُّ مفقود، ـ كما يقال ـ فبالماء جعل الله كلَّ شيءٍ حيًّا، وقد أمَّنه على خلقه وبيَّن لهم نعمته العظيمة حين وضعها بين أيديهم، وما كانوا يستطيعون الوصول إليها أو اختراعَها فقال: {((((((((((((((الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا (((((((((((} (الواقعة)، فالله سبحانه تعالى يذكِّرنا إذا: بأنَّه خلق كلَّ أنواع الحيوانات التي تدبُّ، ومنها الإنسان ـ طبعا ـ من ماء واحد هو جزء مادتها وأساس تكوينها. وقد (1/31)
صفحة 31
نتساءل عن المقصود بهذا الماء، أهو الماء العادي الطبيعي، أم الماء الذي هو النطفة التي يحملها المنيُّ الحيواني الذي تُلقَّح به بويضة الأنثى؟ إنَّ المقصود هو الماء العادي أو ماء النطفة، الله أعلم بمرادِه، ولكن المتأمِّل قد يُرجِّح الماء العادي لأنَّه هو أصلُ كلِّ شيء، ولأنَّ النطفة جزء من الكلِّ الذي هو الماء العادي.
وما يزال العلماء حيارى أمام معجزة الخلق، معترفين بعجزهم جميعًا عن خلق خليَّة الحياة الأولى، ووقوفهم على العناصر الأولى التي تتكوَّن منها؛ ما هي الحياة؟ وما هي الروح؟ لن يدركوا حقيقتها حتى قيام الساعة: {(((((((((((((((عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا (((((((} (الإسراء:85)، وقد نتساءل أيضًا، ما المقصود بالدابة؟ هل تعني الدابة الحيوانات، أم تعني شيئًا آخر؟ إنَّ الدابَّة في اللغة العربية: كلُّ ما يدبُّ على الأرض، أي يتحرَّك، ويدخل تحت هذه اللفظة الحيوان والإنسان والحشرات والطيور والأسماك وكلُّ ما نعلم وما لا نعلم، وبطبيعة الحال فإنَّ أوَّل ما يدخل ضمن هذه الدواب ـ نحن بني آدم ـ ويؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى: {(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ (((((((} (هود: 06)، وفي هذا التنوُّع الذي لا يحيط به عقل، ولا يدركه فهمٌ مهما يجتهد، ومهما يستقصي البحث دليلٌ من أدلَّة القدرة العظيمة، فنحن عاجزون عن الإحاطة بمعرفة أسمائها وأنواعها وخصائصها، فكيف بخلقها?، وهذا لونٌ من ألوان الإعجاز القرآني، الذي تحدى به المشركين والجاحدين والملاحدة. وأنواع الحيوانات كثيرة فمنها من يمشي على بطنه زحفًا، بانقباض عضلات البطن وانبساطها، كالحيَّات والأسماك وما أشبه، (1/32)
صفحة 32
ومنها من يمشي على رجلين كالإنسان والطير، ومنها من يمشي على أربع كالأنعام وسائر الوحوش البرِّية الأخرى، وقدرة الله لا تتجلَّى في التنوُّع والاختلاف فحسب، بل تتجلَّى في موافقة الصورة للدَّابة ومحيطها وبيئتها، فكلُّ حيوان بل كلُّ دابَّة مخلوقة على الصورة التي تليق بها، وعلى الشكل الذي يساعدها على القيام بمهمتها في الحياة أحسن قيام: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ ((((((((} (الغاشية:17)، أفلا يتأمَّلون في شكلها الذي خُلق خصيصًا ليتماشى مع بيئة الصحراء؛ سنامٌ يختزن الطعام، ومعدة تختزن الماء، ومِشفَر يلاءم النباتات الصحراوية ليِّنِها وحادِّها، الممتدِّ على الأرض كالأعشاب، والنابت على الأرض كالأشجار، ثمَّ هذا الخفُّ الملائم للرمال والأحجار والطلوع والنزول، والصفات المدهشة التي لا تنتهي، ومجال الاعتبار لا ينفَذ. وهنالك مجال للاعتبار والإدِّكار يكمن في الفارق العظيم بين الحيوان والإنسان، لا من حيث الجوهر والمخبر، فذلك أمرٌ آخر، وإنَّما من حيث الشكل والمظهر أيضًا، أليس في قوله تعالى: {(((((((((مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى (((((((( .. } (النور:45)، تمييزًا للإنسان الذي خصَّه الله بالمشي على اثنين على هذا النحو، مرفوع الرأس، يستخدم يديه في التناول، فيتصرَّف بهما كيف يشاء بدقَّة متناهية، إنَّ الله سبحانه وتعالى لفت نظرنا إلى هذا الجانب الهام، إنَّه يذكِّرنا بذلك بما امتنَّ الله به علينا من هذه الصورة الجميلة: {((((((خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ (((((((((} (التين:04)، نمشي على رِجلين، ونبطش بيدين، ونتصرف بأصابع مختلفة، ونتجوَّل برأسٍ مرفوعة .. كلُّها صفاتٌ تليق بالكرامة الإنسانية التي فضَّلنا الله (1/33)
صفحة 33
بها على سائر المخلوقات الأخرى، حتى تكون في خدمتنا وطوع إرادتنا ورهن إشارتنا، وهو الذي سخَّرها لنا وذلَّلها لحاجتنا، خاضعةً راكعة حانية ظهرها لنركبها، ممدَّة أعناقها لنقودها، وما كانت لتكون كذلك لولا تسخير الله لها لنا. ثمَّ إنَّ فيما ذكر ما تقدم من أنواع الحيوانات كالطير والزواحف، تمثيلٌ لا حصر، فما خلق الله أجل من ذلك وأعظم، وإنَّما يذكِّرنا به للاعتبار، ويلفت أنظارنا إليها حتىَّ نعرف قيمتها الحقيقية فلا نطغى ولا نتجبَّر، بل حتىَّ نُقدِّر نعمته بالرأفة عليها والرحمة بها، ونقول خاشعين: {((((((((الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا ((((((((((((((} (الزخرف).
كلَّما تقدَّم العلمُ تقدَّم الاكتشافُ وتطوَّر الإبداع والاختراع، ودلَّ على الطاقة العظيمة التي أودعها الله في عقل الإنسان، هذا الكائن الضعيف، كما دلَّ على فضل الله على هذا الإنسان الذي سخَّر له ما في السماوات وما في الأرض، وكرَّمه بأن جعله خليفة في الأرض، ولكن هذا العقل قد ينحرف أحيانا ويطغى ويُخيَّل إليه في لحظة من لحظات الضلال وغلبة الشيطان، أنَّه هو الأقدر والأعلم، وأنَّه بعلمه ذاك في غنًى عن أن يعترف بفضل الله عليه، وبأنَّه مخلوقٌ ضعيف، فوقه من هو أقدر منه، وقدرته لا تحدُّ، ومن هو أعلم منه، وعلمه لا ينتهي، وحتى لا يضل هذا العقل وينحرف عن فطرته، هيَّأ الله له سبحانه وتعالى من حَوَاليْه هذا الكون العظيم، الذي يذكره كلُّ ما فيه بضعفه وعجزه من جهة، وينبِّهه إلى عظمة الخالق وقَيُّومِيَّته من جهة ثانية. ولم يأت على الإنسان عصرٌ مثل عصرنا هذا الذي بلغ فيه العلم الناظر في الطبيعة من حولنا مبلغًا عظيمًا، بحيث نستطيع أن نقول بكلِّ جُرأة وثقة: إنَّ جميع كتب (1/34)
صفحة 34
العلوم الطبيعية هي كتب في التوحيد ومعرفة الله، وإنَّها تُلقي علينا دروسًا في عظمة الله الخالق؛ لأنَّ هذه الكتب تُزيح الستار عن نظام الخلق المدهش وتَدلُّنا على مدى عظمة خالق الكون وقدرته (1). وقد احتجَّ الله سبحانه وتعالى وتحدَّى الذين يجعلون له شريكا بأن ضرب لهم مثلاً، بأصغر وأتفه مخلوق من مخلوقاته، ليستخرج منه العبرة عن أعظم صفةٍ من صفاته، وهي الخلق: {(((((((((((النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِن الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ((((} (الحج).
فلو اجتمع علماءُ الأرض جميعهم، منذ الأزل إلى الأبد، على أن يخلقوا ذبابةً واحدة ما استطاعوا، هذه الذبابة التي يراها الإنسان بعين الاستقذار والاشمئزاز والاحتقار، هذه التي تتحدَّاه مذكِّرة إياه بضعفه اللامتناهي، ولو جمع كلَّ ما يملك من قوَّة العلم، وبراعة الاختراع، ودقَّة الإبداع. ثمَّ يتحدَّانا الله تعالى بصورة أخرى مستخرجةً من المثل نفسِه، هذه الذبابة الضعيفة الحقيرة تُعجز البشر جميعا أوَّلهم وآخرهم إنسَهُم وجِنَّهم، عن استرداد أي شيءٍ تأخذه من طعامهم أو شرابهم لأنَّها بمجرَّد أخذها ذلك، تصبُّ عليه من لعابها ما يحوِّله فورًا إلى مادة أخرى أو شيء آخر لا نعلمه، هذا الشيء الذي لا يستطيع العالم أجمع أن يستعيده، فأيُّ ضعفٍ أشدُّ من هذا الضعف، وأيُّ عجز أحطُّ من هذا العجز، ذلك لأنَّ الله الخالق الرازق هو المتَّصف وحده
__________
(1) - ناصر الدين مكارم الشيرازي، سلسلة دروس في العقيدة الإسلامية، ص: 39. (1/35)
صفحة 35
بالقوَّة والعزَّة، فلا يجوز لأي إنسان مهما بلغ درجة من العلم والقدرة والاستطاعة أن يدَّعيَ ذلك، لأنَّه سيقف عند هذا إلى الفاصل المحيِّر بين الحياة والموت، بين الفناء والوجود، ويصل بذلك إلى حدِّ العجز، ويصل إلى الفارق بين العجز والاستطاعة. إنَّ الحياة التي نفخت في هذه الذبابة الحقيرة، وتنفخ في الكائنات الأخرى المتنوِّعة حجمًا، المختلفة شكلاً، لا تكون إلاَّ من الحيِّ القيوم الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ، {(((((مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (((((((} (الحديد: 2). هذا مثل من الحيوان، ولنأخذ مثلا آخر من عالم النبات.
ما من شكٍّ في أنَّنا جميعًا نبهج بمنظر الحشرات الصغيرة، مثل الفراشات والنحل والذباب الذهبي، حين نلحظها وهي تتطاير في اتجاهات مختلفة تنتقل من زهرة إلى أخرى، ومن غصن إلى آخر، والقليل منَّا من يفكِّر في سرِّ هذا الطيران النشط في كلِّ الاتجاهات، وقد يخيَّل إلينا أنَّها تطير فرحا واستبشارًا بالربيع، وهي بهذه الحركات تعلن عن فرحتها تلك، والواقع أنَّها تقوم بأعمال مهمَّة للغاية، يقيِّمها أحد العلماء قائلا: «قلَّما يعرف الإنسان أنَّه لولا الحشرات لبقِيَت سِلالُنا خاليةً من الفاكهة» (1)، إنَّ تلك الحشرات تقدِّم للإنسان وللطبيعة أعظمَ عمل توازني؛ إنَّها تقوم بعملية اللَّقاح؛ إذ من المعروف أنَّ الأزهار كالحيوانات تنقسم إلى ذكر وأنثى، وما لم يتمَّ الاتصال والتلقيح فلن تكون هناك ثمرة، وبالتالي لن تكون هناك بذرة، هذه العمليَّة التي تدلُّ
__________
(1) - ناصر الدين الشيرازي (مرجع سابق) ص، 51. (1/36)
صفحة 36
على صُنع قديرٍ عليم، وهي التي تشير إليها الآية الكريمة المتحدِّثة عن النحل {((((((((((رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ((((} (النحل)؛ في ذلك آية لمن؟ لقوم يتفكَّرون ..
إنَّ النحلة حين تقوم بأكل الثمرات من الزهور تمتصُّ الرحيق ولكنَّها تحمل في أرجلها في الوقت ذاته ـ وهذا سرُّ عظمة الله ـ اللِّقاح من الزهرة الذكر إلى الزهرة الأنثى، وقد دلَّت عمليَّة التعاون التي أوحى بها الله إلى تلك الحشرات ـ التعاون بين الحشرات والزهور ـ على عظمة الخالق - جل جلاله - هذه العظمة التي تُأكِّدها البحوث العلمية كلَّ يوم؛ فبعد كثير من البحوث والدراسات توصَّل علماءُ الطبيعة إلى أنَّ النباتات والأزهار ظهرت في النصف الثاني من العصر الجيولوجي الثاني، والعجيب أنَّ تلك المرحلة شهدت ظهور الحشرات أيضًا، ومنذ ذلك اليوم وعلى امتداد تاريخ الخليقة الطويل، استمرَّت النبتة والحشرة صديقتين حميمتين وفيَّتين تُكمِّل إحداهما الأخرى (1)، {((((فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ (((((((((((((} (النحل: 69).
U U U
__________
(1) - الشيرازي (السابق نفسه). (1/37)
صفحة 37
لقد ضربنا المثل بالحشرات، وسنواصل الحديث عن عظمة الخالق مع النبات، وقد رأينا ذلك التعاون العجيب بين النحلة والزهرة الذي يقوم من خلاله التوازن في الطبيعة، فيضمن بذلك الحياة الرغدة للإنسان، إنَّ الحشرة تنجذب طواعية إلى الزهرة لأنَّ الله ركَّب في داخلها رحيقًا عذبًا طيِّبا، طيِّب الطعم لا تستطيع الحشرة مقاومته، فهي بذلك تنجذب إليه طواعية، وهكذا تقوم بعمليَّة اللقاح بما تحمله في رجليها من الزهرة الذكر إلى الزهرة الأنثى، وهكذا تستفيد الحشرة والزهرة معًا؛ تستفيد الحشرة بأخذ الرحيق من النبتة، وتستفيد النبتة من الحشرة بما تحمله في أرجلها من لقاح من الذكر، فتستفيد بذلك الأنثى، ولنا أن نتساءل أمام هذه الآيات الخالدات، من الذي أعطى الحشرات أرجُلَها اللطيفة التي تُبيحُ لها التنقُّل، أو تبيح لها حمل لقاح أزهار من مكان إلى آخر؟ ولماذا يتَّجه النحلُ في فترة معيَّنة إلى نوع معيَّن من الأزهار؟ ولماذا بدأ تاريخ حياة الحشرات والأزهار في وقت واحد في عالم الخلق؟ أهناك من يمكن أن يصدِّق مهما يكن معاندًا لجوجًا أنَّ كلَّ هذه الأمور قد جرت على غير خطَّة موضوعةٍ من قبل? أيعقل أن يحدث كلُّ هذا الذي يحيِّر العقول بقوانين عشوائية تضعها طبيعة عمياء لا تدرك شيئًا!! كما يدَّعي بذلك الملاحدة والمشركون ومن لفَّ لفَّهم، كلاَّ بالطبع.
ننتقل بعد هذه الآية الكبرى إلى مثال آخر من عالم الجماد هذه المرَّة. لا يختلف اثنان في أنَّ أصغر شيء في هذا العالم هو ”الذرة“، كما أنَّهما لا يختلفان أنَّهما أعظمُ شيءٍ تدميرًا وفتكًا، فكيف جمع الله سبحانه وتعالى في شيءٍ واحدٍ بين متناقضين، الصِّغَر المتناهي إلى القوة المتناهية؟ إنَّ هذا المخلوق (1/38)
صفحة 38
الصغير قد شهد القرآن بصغره حين ضرب به المثال في الصغر لقوله: {((((يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (((} (الزلزلة).
هذا المخلوق الصغير يقدِّم للإنسان أعظمَ درس في توحيد الخالق - جل جلاله - يقول العلماء: «إنَّ أصغر ما اكتُشف في العالم حتىَّ الآن هو الذرَّة وأجزاؤها، إنَّها من الصغر بحيث أنَّ أعظم المكبِّرات تعجز عن رؤيتها» (1)، ولكي نتصوَّر مقدار هذا الصغر يكفي أن نعرف أنَّ قطرة واحدة من الماء تحتوي على عدد من الذرَّات أكثر من جميع سكان الأرض قاطبةً، وإذا أردنا أن نحسب عدد البروتونات في سنتمتر واحد من سلكٍ دقيق، واستعنَّا على ذلك بألف شخص يحسبون، واستطاعوا أن يفصلُوا بروتونًا واحدًا في كلِّ ثانية، فإنَّ ذلك يستغرق منهم ما بين: 30سنة و300 سنة، بحَسَب اختلاف كلِّ مادَّة، على أن يستمرَّ حسابُهم ليلاً نهارًا دون انقطاع .. ! ما أعظم قدرة الخالق - سبحانه وتعالى -.
والآن وقد عرفنا أنَّ في سنتمتر واحد من سلك دقيق هذا العدد من البروتونات، فكم نظنُّ عدد الذرَّات في السماء والأرض والماء والهواء والمجرَّات والمنظومة الشمسية؟ إلاَّ يَكَلُّ فكرُ الإنسان بمجرَّد تصوُّر ذلك، أيستطيع أحد أن يعرفها غير الذي خلقها؟ وليس الذي يحيِّر في عالم الذرَّة هذه الكثرة المذهلة وحسب، بل إنَّ الذي يقف أمامه العقل منذهلاً، هو هذه الطاقة الهائلة الكامنة فيها، إذ يكفي أن نتصوَّر عظمة هذه الطاقة بأن نعرف أنَّ قنبلتين صغيرتين ذريتين ألقيتا سنة 1945م على”ناكازاكي“ و”هيروشيما“ اليابانيتين
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 53، (بتصرف). (1/39)
صفحة 39
أبادتا ما يقرُب من مائة ألف إنسان في ثوانٍ معدودات، وشوَّهت منهم إلى الأبد عددًا مماثلا؛ أفلا تكفي دراسة أسرار ذرَّة واحدة من الذرَّات، لكي يتعرَّف الإنسان على خالقها فيؤمن به؟ ولكن أنَّى للإنسان الجحود أن يحصيَها عددًا، بله أن يدرك أسرارها علمًا وإحاطة، أو لم يقل الله - سبحانه وتعالى -: {((((((أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ((((} (لقمان)، ما أعظم قوَّة الخالق سبحانه وتعالى!! عندما يقدِّم لنا هذه الأمثلة المتماثلة والمتكررة المختلفة لهذه المشاهد العجيبة من عالم الإنسان، وعالم النبات، وعالم الجماد. ومن هذه الآيات العظيمة في الكون من حولنا، وكلها تدعو الإنسان إلى توحيد الخالق والإيمان به، ولكنَّ الإنسان خُلق كفورًا، فإنَّه بذلك لا يعود إلى فطرته الطبيعية التي تؤمن بها، ما إن يُعطيه الله - سبحانه وتعالى - القوَّة، قوَّة العلم، أو قوَّة الجاه، أو قوَّة المال، أو قوَّة السلطة، حتَّى يتجبَّر وينكر خالقه، وهو أضعف مخلوقات الأرض، بل هو أحقر من أحقرها كما بيَّنا ذلك من قدرة الله - سبحانه وتعالى - من خلال الذبابة التي لا يستطيع العالم أجمع أن يستنقذ شيئًا حقيرًا أخذته منهم، هذه عظمة الله - سبحانه وتعالى - في خلقه.
jk (1/40)
صفحة 40
مكانة العقل في القرآن الكريم
لم يمجِّد القرآنُ الكريم في الإنسان شيئًا كما مجَّد عقله، فهو أساس التكريم الذي خصَّه به دون سائر الكائنات الأخرى، أَوَلم يقل: {(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا (((((((((} (الإسراء: 70)، لذا كان هذا العقل بالذات مناط التكليف، فحين حمَّل اللهُ الإنسانَ الأمانةَ وجعله خليفة في الأرض، إنَّما حمَّله إيَّاها من أجل مميِّزاته وخصائصه، ولذا نجد الشريعة الإسلامية تبني التكليف على أساس العقل؛ فهي تسقط المسؤولية عن المجنون الطفل والعبد والغائب عن الوعي والنائم، لا لشيءٍ إلاَّ لأنَّ العقل في هذه الحالات مفقودٌ، وهو مناط التكليف، ومن أجل ذلك يلحظ المتأمِّل في القرآن الكريم تلك المكانة السامية التي أحَلََّ فيها العقل، فقد تكرَّرت مادة العقل في القرآن مثل قوله: عقلوه ـ تعقلون ـ يعقلون ـ يعقلها ـ نعقل، 49 مرَّة، وقد ذيَّل الله - سبحانه وتعالى - أغلب الآيات الداعية إلى التأمُّل في الكون، وعظمة خالق الكون، بدعوته إلى أصحاب العقول، وأولى النهى، وأولي الألباب، وأولي الفكر، وكلِّ ما تفرع عن هذه الكلمة من معان ومترادفات. وقد وُصف المؤمنون بالعقل لأنَّهم يتدبَّرون آيات القرآن، ووصف المنحرفون بالضلالة والجهل لأنَّهم لا يستخدمون عقولهم فهم كالأنعام أو أضلُّ سبيلا. وقد عيَّر الكافرين والمشركين في كلِّ عصر بأنَّهم معاندون مقلِّدون يتشبَّثون بما وجدوا عليه آباءهم، لا يكلِّفون أنفُسَهم عناء التفكير والوصول إلى (1/41)
صفحة 41
الحقيقة بأنفسهم باستخدام عقولهم: {((((قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ (((((((((((} (الزخرف: 22)، وفي آية أخرى: {(((((وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ (((((((((((} (الزخرف: 23)، كما نجد السنَّة الشريفة وهي الأصل الثاني من أصول التشريع، تُشيد بالعقل في كثير من الأحاديث، فمن الأحاديث التي توضِّح منزلة العقل على أنَّه دعامة الإيمان والعبادة، قول الرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لكلِّ شيءٍ دعامة، ودعامة المؤمن عقلُه»، فبقدر عقله تكون عبادته. وجاء في الأثر أنَّ جبريل أتى آدم - عليه السلام - فقال له: «إنِّي آتيك بثلاث فاختر واحدة منها، وقال: وما هي ياجبريل؟ قال: العقلُ والدينُ والحياءُ، قال: قد اخترت العقل، فخرج جبريلُ إلى الحياء والدين فقال: ارجعا فقد اختار عليكما العقل، فقالا أُمِرنَا أن نكون مع العقل حيث كان»، وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضًا مشيداً بالعقل: «ما أكتسب رجلٌ مثل عقلٍ يهدي صاحبَه إلى هُدى ويردُّه عن ردى، وما تمَّ إيمان عبدٍ ولا استقام دينٌ حتى يكمل عقله» (1)، إنَّ العقل قد كرَّمه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، حيث نلحظ أنَّ الله - سبحانه وتعالى - وضعه في هذه المرتبة العظيمة، إذ جعله من وسائل إدراك الألوهية، ومعرفة قدرة الله وآياته في الكون العظيم من حولنا، كما تصرح بذلك الآيات الكريمة الكثيرة المذيَّلة بقوله تعالى: {((((فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ ((((((((((}، {((((((((((((((((((}، {(((((((((((((((((}، وغيرها من الآيات الدالَّة على هذه المعاني، وما ربطه بين العلم والتقدير الإلهيِّ لهذه المرتبة إلاَّ لأنَّ العلماء هم الفئة التي تستخدم العقل أكثر من غيرها من بين المخلوقات:
__________
(1) - أثر العقيدة، (مرجع سابق) ص، 23. (1/42)
صفحة 42
{(((((((يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ((((((((((((((((} (فاطر: 28)، {((((هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر: 09).
وقد قلنا إنَّ الفطرة طريقٌ إلى معرفة الله - سبحانه وتعالى -، فهل يمكن أن يكون العقل طريقاً أخرى لمعرفته تعالى؟، كلُّ امرئٍ لا بدَّ أن يعترف في نفسه بأنَّ النظام، نظام هذا الكون العظيم، حينما ظهر كان دليلاً على أنَّ وراءه عقلا مفكِّرا وتخطيطًا وهدفًا، فحيثما يشاهد الإنسان نظامًا ثابتًا وقوانين معينة أدرك أنَّ وراءه مصدرا للعلم والقدرة، وهو لكي يدرك هذا لا يحتاج إلى قدرة عظيمة للاستدلال، فنحن مثلاً، ندرك حينما نرى طائرة ذات حجم ضخم تحمل المئات من البشر ثمَّ تطير بهم في الجوِّ قاطعة آلاف الكيلومترات يطير بها مخلوقٌ صغير، يحطُّ بها حيثما شاء، وكيفما شاء، وأينما شاء، ندرك حين نرى هذه الصناعة العجيبة أنَّ وراءها مهندسين سهروا وتعبوا وبذلوا الوقت والجهد والمال حتى بلغوا بها المرتبة العظيمة، ونحن لو لم نر هؤلاء المهندسين فإنَّنا ندرك من تلقاء أنفسنا ذلك، ونتوصَّل إلى هذه النتيجة القطعيَّة دون إرشاد أحد، إنَّ إدراكنا هذا في عصر التكنولوجيا لا يختلف عن ذلك الأعرابي الذي عرف الله بفطرته وبعقله معاً، حين قال: «البعرةُ تدلُّ على البعير، والقدم تدلُّ على المسير، والصنعةُ تدلُّ على القدير».
وبناء على ذلك فحيثما رأينا جهازًا منظَّمًا علمنا أنَّ معه عقل وذكاء، وكلَّما كان ذلك الجهاز أكبر وأدق وأروع، كان العقل والعلم اللذان أوجداه أكبر وأعظم كذلك. (1/43)
صفحة 43
تهافت الملاحدة
إنَّ النظرية المادية الملحدة التي تقول بالصدفة والطبيعة وما أشبه في استخدام المنهج العقلي هذا، أبعد ما تكون عن العقل، لأنَّ التجربة والواقع كلاهما يُكذِّبان هذه النظريات الباطلة، ولإثبات أنَّ كلَّ جهاز منظَّم يحتاج في وجوده إلى مبدأ عاقل عليم، يستفاد أحيانا من قانون حساب الاحتمالات المعروف في الرياضيات العالية، فيبرهَنُ به مثلا: على أنَّ الشخص الأميَّ إذا أراد أن يكتب مقالة أوشعرًا بمجرَّد الضغط عشوائيًّا على مفاتيح الآلة الكاتبة بصورة عفويَّة، إنَّ ذلك بحساب الاحتمالات يستغرق بلايين السنين، بحيث لا يكفي حتىَّ عمر الكرة الأرضية لإنجاز ذلك (1)، وإلى هذا يشير القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى: {(((((((((((آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (((((((} (فصلت: 53).
لو انطلقنا من البداية لقلنا، إنَّ هذا الإنسان الذي يتطلَّع أحيانًا مكابرًا وأحيانا متسائلاً عن بداية الوجود، قد يتطاول فيقول: ومن الذي خلق الخالق؟ هذا الإنسان عينُه، لِم لا يوجِّه السؤال إلى نفسه التي يجهل عنها كلَّ شيء قائلا: ولكن ما العقل؟!
إنَّ العلماء والفلاسفة قديما وحديثا لم يجدوا للسؤال القائل: ما العقل؟ جواباً!، ولا أخالهم سيجدون له جوابًا، وهذا دلالة قويَّة على ضعف هذا
__________
(1) - الشيرازي، (مرجع سابق) ص، 38. (1/44)
صفحة 44
المخلوق، وذلك سرُّ قوله تعالى: {(((((((((((آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي (((((((((((} (فصلت: 53)، كيف يتطاول الإنسان إلى السؤال عن الخالق وهو لا يدرك ذاته المخلوقة، إنَّ قصارى ما توصَّل إليه الفلاسفة والعلماء أن عرفوا وظيفة العقل، وتبعوا حركته، ورصدوا طريقة عمله، ولم يذهبوا إلى أبعد من ذلك.
أطلق الكاتب المعاصر، الدكتور: ”زكي نجيب محمود“ على العقل كلمة: حركة، في ضوء ما ينصُّ عليه الجاحظ حيث يقول: «فأمَّا التحديد الذي أريد به أن أحدِّد معنى العقل: فهو الحركة التي أنتقل بها من شاهد إلى مشهود عليه، ومن دليل إلى مدلول عليه، ومن مقدمةٍ إلى نتيجة تترتَّب عليها، ومن وسيلة إلى غاية تؤدي إليها تلك الوسيلة، فإذا لم يكن انتقال من خَطوة إلى خَطوة تتبعُها، فالعقلُ إذا أدركت شيئًا دون أن تنتقل من هذه الحالة الإدراكية، أو حالة إلى حالة تليها، وتتوقف عليها فلا عقل .. » إلى أن يقول: « .. واختصارًا فإنَّ حدَّ العقل هو أن ينتقل الإنسان من معلوم إلى مجهول، ومن شاهد إلى غائب ومن ظاهر إلى خفيِّ، ومن حاضر إلى مستقبل .. » ويختم الكاتب تعريفاته بقوله: «العقل لا يلد العلم من جوفه كما يلد العنكبوت خيوطه من معدته وأمعائه، بل إنَّه يتقبَّل حصيلته من الخارج، بكائناتها الحية والجامدة من معطيات الحواس سمعاً وبصراً ولمساً، والعقل مقيَّد بالمشاهد والتجارب، مقيَّد بالواقع والمحسوس، مقيَّد بالظواهر، وإنَّه ليكفر برسالته وبوظيفته إذا هو مزَّق هذه القيود، ليشطح بلا قيود ولا حدود» (1).
__________
(1) - د. زكي نجيب محمود، تجديد الفكر العربي، ص، 310، 311، 335 (بتصرف). (1/45)
صفحة 45
إنَّ الله سبحانه وتعالى حين ركَّب العقل في الإنسان وميَّزه به، أقام عليه الدليل من نفسه بأنَّه عاجزٌ ضعيفٌ، له حدود يقف عندها لا يستطيع تجاوُزَها وإن حاول، قاصرٌ في قيوده لا يقوى الانفكاك منها ولو ادَّعى غير ذلك، فالعقل وسيلة للمعرفة لا للكبرياء، وطريقة إلى الرشاد لا للادعاء. إنَّ الإنسان حين يلتفت حوله يجد أنَّه مُحاط بكونٍ عظيم، فإذا صعَّد النظر في السماء، ارتدَّ طرفه خاسئًا وهو حسير؛ لأنَّ عقله لا يستطيع مهما اجتهد وحاول أن يكتشف الأجزاء، لا يكتشف إلاَّ جزْءًا ضئيلاً جداً من هذا الكون العظيم، إذ يقول العلماء: «إنَّنا لم نستطع إلى حدِّ الآن مع تقدُّم العلم والتكنولوجيا الفضائية أن ينكشف لنا سوى 3 % من كوننا المنظور»، فكيف بما لم يستطع العلماء الوصول إليه أو إدراكه وهذا العجز المتناهي هو الذي يوضِّحه الإعجاز القرآني حين يربط بين أنفسنا والآفاق، حيث يقول: {(((((((((((آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53)، وبدأ بالآفاق لعظمة هذا الكون، ولذلك أيضًا عدَّ القَسَم لمواقع النجوم قَسَمًا عظيمًا، حيث يقول: {(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ((((} (الواقعة).
إنَّ نشأة هذا الكون المادِّي شغلت هذا العقل الإنساني، منذ أن وجد الإنسان في رحلته الطويلة نحو الحقيقة في غيبة الرسل، كان يكبو مرَّة فيصوِّر الإله حجرًا أو وثنًا أو شمسًا أو قمرًا، ويعتدل مرَّة فيُسلِّم بأنَّ لهذا الكون إلها واحدًا، لأنَّ الحجر يتفتَّت، والوثن يتحطَّم، والشمس تَأفُل، والقمر يغيب، (1/46)
صفحة 46
والإله القادر القويُّ قوَّته لا تقهر، ودائمٌ لا يخفى، وحيٌّ لا يموت (1).
في ضوء تاريخ الحضارات البشرية نجد أنَّ العقل الإنساني يضلُّ عن هداه في حالتين: حينما يشتطُّ في الاعتداد بقوَّته فيتوهَّم أنَّ له طاقة غير طاقته المحدودة، وحينما يعطِّل قوَّة التفكير فيه تقليدًا لغيره أو جمودًا على رأيه. وفي القرون الوسطى عطلت الكنيسة العقل وحاربت العلم، ممَّا تسبَّب معه ظهور أمواج إلحاديَّة تتنكَّر للدين ولا تؤمن إلاَّ بالعقل، وهذا شططٌ من الملحدين بقدر ما هو تعصُّبٌ وتخلُّف من المتديِّنين، وكانت ردَّة الفعل هذه دافعا لظهور فلسفات إلحاديَّة تعتقد أنَّ هذا الكون وهمٌ وخيال، أو أنَّه إنَّما نشأ من تلقاء نفسه وغير ذلك من الترَّهات التي كشف زيفها العقل نفسه ودمغها العلم والفكر، وقد عمد كثير من العلماء في أوربا باستخدام سلاح العقل نفسه ليثبتوا للملحدين ضلالهم، وبنو نظرياتهم على المنطق القائم على المقدمات وصولا إلى النتائج، ومن خير العلماء المعاصرين الذين ناقشوا هذه القضية، ”فرانك آلين“ أستاذ الطبيعة الحيوية بجامعة كندا، حيث يقول: «كثيرًا ما يقال إنَّ هذا الكون لا يحتاج إلى خالق ولكنَّنا إذا سلَّمنا بأنَّ هذا الكون موجوٌد، فكيف نفسِّر وجوده ونشأته؟، هنالك أربعة احتمالات للإجابة على هذا السؤال: فإمَّا أن يكون هذا الكون مجرَّد وهمٍِ وخيال، وهو ما يتعارض مع القضية التي سلَّمنا بها حول وجوده، وإمَّا أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاءِ نفسه من العدم، وإمَّا أن يكون أبدياً
__________
(1) - أثر العقيدة (المرجع السابق)، ص، 24. (1/47)
صفحة 47
ليس لنشأته بداية، وإمَّا أن يكون له خالقٌ؛ أمَّا الاحتمال الأوَّل: فلا يقيم أمامنا مشكلة سوى مشكلة الشعور والإحساس، إذ يعني أنَّ إحساسنا بهذا الكون وإدراكنا لما يحدث فيه، لا يعدو أن يكون وهماً من الأوهام ليس له ظلٌّ من الحقيقة، وتبعًا لهذا الرأي نستطيع القول، إنَّنا نعيش في عالم من الأوهام وهو رأيٌ لا يحتاج إلى جدال أو نقاش، أما الرأي الثاني: القائل بأنَّ هذا العالم بما فيه من مادَّة وطاقة قد نشأ هكذا وحده من العدم فهو لا يَقِلُّ عن سابقه سخفًا وحماقة، والرأي الثالث: الذي يذهب إلى أنَّ هذا الكون أزليٌّ ليس لنشأته بداية، إنَّما يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون، وذلك في عنصر واحد هو الأزليَّة، وإذاً فنحن إمَّا أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميِّت، وإمَّا أن ننسبها إلى إلهٍِ حيٍّ خلاقٍ، ولكنَّ قوانين الديناميك الحرارية تدلُّ على أنَّ مكوِّنات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيا وأنَّها سائرةٌ حتمًا إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض، أمَّا الشمسُ المستعرةُ والنجوم المتوهِّجة والأرض الغنيَّة بأنواع الحياة فكلُّها دليلٌ واضح على أنَّ أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معيَّنة، فهو إذا حدثٌ من الأحداث، ومعنى ذلك أنَّه لا بدَّ لأصل الكون من خالق أزليٍّ ليس له بداية، عليمٍ محيطٍ بكلِّ شيء، وقويٍّ ليس لقدرته حدود، ولا بدَّ أن يكون هذا الكون من صنع يديه» (1)، هكذا استطاع العالم ”فرانك آلين“ أن يثبت وجود الله بمنطق عقلي ومنهج
__________
(1) - الله يتجلى في عصر العلم، (مجموعة من الأساتذة المختصين)، ص: 7 - 8، وانظر، أثر العقيدة (مرجع سابق)،ص: 26. (1/48)
صفحة 48
فكري لا يبعد كثيرًا عن مناهج مفكِّري الإسلام في إثبات وجود الله.
هذا المنهج الذي سبق إليه بعض المفكرين المسلمين من أمثال ”الجاحظ“ وغيره، حيث يقول على طريقة الحِجَاج المعتزليِّ: «فإن قلتَ إنَّ هذا شيءٌ اتَّفق أن يكون هكذا [يتكلَّم عن الصدفة على أنَّها يستحيل أن تكون مقبولةً في إيجاد هذا الكون العظيم] فما يمنعُك أن تقول في دولابٍ يدورُ لسقيِ حديقةٍ فيها شجر ونبات؟ فترى كلَّ شيءٍ من آلاته مقدَّرًا بعضها تلقاء بعض مع ما فيه من صلاح تلك الحديقة، وبما كنتَ تثبت هذا القول لو قلته؟ وماذا ترى الناس كانوا قائلين لك لو سمعوه منك سوى تسفيه رأيك، وتضليل عقلك؟ أفتُنكر أن تقول هذا دولابٌ خسيسٌ مصنوعٌ بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة أرض، بأنَّه كان بلا صانع مُقتدر؟ وتُقدِم على أن تقول في الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة تقصُر عنها أذهان البشر لصلاح الأرض وما عليها، أنَّه شيءٌ اتَّفق أن يكون بلا صنعة ولا تقدير؟» (1).
إنَّ الجاحظ يقول: كيف تنكر إذا ما رأيت دولابًا يكون سببًا لنزح الماء من الآبار، كيف تُنكر أن يكون هذا الدولاب لم يصنعه صانع؟ إذا لا بدَّ أن يكون له صانع! بينما هذا الكون العظيم الذي صنعه الله - سبحانه وتعالى - تنكر أن يكون من ورائه صانع، ولو اعتلَّ هذا الفلك كما تعتلُّ الآلات التي تُتَّخذ لرفع المياه وغيرها ما كان عند الناس من حيلة في إصلاحه، وكيف لو تخلَّف عنهم بمقدار عام أو بعض عام؟ كيف تكون حالتُهم؟ كيف يكون له بقاء؟ أفلا ترى كيف كُفيَ الناس هذه الأمور الجليلة التي لم يكن لهم عندها حيلة ? فصارت
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 28. (1/49)
صفحة 49
تجري على مجاريها ولا تعتلُّ ولا تختلُّ منافعُها ومصالحها، ولا تختلف عن مواقيتها بصلاح العالم وما فيه.
ونحن عندما نقرأ القرآن الكريم نجده يسير على هذا المنهج العقلي الذي يأخذ بيد الفكر الإنساني من مقدِّمةٍ إلى نتيجة، ويوضِّح له أن يسير على هذا الطريق مؤدِّ به لا محالة إلى الاعتراف في النهاية، وفي ذلك توجيه ربَّاني للإنسان ليتلمَّس العبرةَ بنفسه ويصلَ إلى الجواب طواعية باختياره مستخدما فكره ذاته، من ذلك قوله تعالى: {((((((الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ (((((((((((((} (الرعد:3)، وقوله سبحانه وتعالى: {(((((الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ ((((((((((} (الرعد: 4)، هذه الآيات تلفت نظر الإنسان إلى أبسط الأشياء من حوله، أشياء يعيش فيها وبها، ويلتقي بها ناظراه آلاف المرَّات ولكنَّه لكثرة تعوُّده عليها يغفل عمَّا فيها من دلائل جليلة وآيات واضحة عن قدرة الخالق وعظمته، والأرض والجبال والأنهار والثمرات مخلوقات لا يمكن أن يقول الإنسان إنَّه لا يعرفها، أو لم يشاهدها.
وبهذا المنهج الربَّاني، فإنَّ القرآن الكريم سبق الفلاسفة بقرون إلى استخدام المنهج، لإدراك عظمة الخالق، بخطوات بسيطة تتماشى وعقل الإنسان الذي نزل القرآن في بيئته ومحيطه، ومن ثمَّ كان لا بدَّ أن يأتي الإعجاز (1/50)
صفحة 50
من أمور يشاهدها الإنسان العربي، لأنَّ القرآن نزل بالجزيرة العربية، وخاطب أوَّل من خاطب الأقوام الذين حُملت إليهم الرسالة المحمَّدية، إقامةً للحجَّة، وتحميلا للمسؤولية فنبَّه التفكير والنظر إلى ضروب من النباتات تعيش في الجزيرة العربية، موجِّها نظرهم إلى دقَّة صنع الله وإعجازه العظيم فيها، كما تدلُّ عليه الآيات السابقة، فالأراضي المختلفة تنبت جنَّات الزروع والأعناب، وهذا الاختلاف الذي لا يؤثر في الإنتاج، ثم هذا النخلُ الذي ينبتُ أحيانًا منفردًا، صنوان وغير صنوان، أحيانًا منفردًا وأحيانا يكون في الجذع الواحد صنوان، على الرغم من أنّه يُسقى بماء واحد فإنَّه يُثمر أنواعًا من التمور لا يحصيها العدُّ، ألوانا ومذاقات، وهنا التوحُّد الذي ينتج الأنواع الكثيرة، إلاَّ يدلُّ كلُّ ذلك دلالة واضحة على عظمة الخالق وإحاطته وعلمه بكلِّ شيء وقدرته على كلِّ شيء؟
ولمَّا كان التوحيد جوهرَ العقيدة وأساسَها، فإنَّه ركَّب في الإنسان كلَّ الوسائل التي يستطيع عن طريقها التوصُّل إلى توحيد الخالق - جل جلاله - لأنَّه إنَّما خُلق لهذا الغرض، فقد تناول الإمام الرازي في تفسيره الكبير، ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده - سبحانه وتعالى - وعلى توحيد براءته من الأنداد والأضداد. وقد استخرج العالم الكبير الرازي من قوله تعالى: {(((((((((((((إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ (1/51)
صفحة 51
وَتَصْرِيفِالرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (((((} (البقرة)، الأدلة الثمانية الواردة في الآية الكريمة، وهي:
1 ـ الاستدلال بأحوال السماوات.
2 ـ الاستدلال بأحوال الأرض.
3 ـ الاستدلال باختلاف الليل والنهار.
4 ـ الاستدلال بالفلك التي تجري في البحر.
5 ـ الاستدلال بإنزال الماء من السماء.
6 ـ الاستدلال بخلق الدواب وبثّها في الأرض.
7 ـ الاستدلال بالسحاب المسخّر بين السماء والأرض.
8 ـ الاستدلال بتصريف الرياح.
وهي كلُّها آيات مستخرجة من الكون الذي يحيط بنا، فلا عذر لإنسان عندئذ أن يدَّعي عدم رؤيتها أو تفطُّنه إليها، ومن طبع الإنسان أن يفكِّر في كلِّ ما تقع عليه عينه، ولو يأتي إليه عن طريق الوسائل الحسيَّة والمدركات.
rrr (1/52)
صفحة 52
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومكانتهما في المجتمع
إنَّ المتأمِّل في حال المسلمين اليوم يُصاب بالإحباط وخيبة الأمل، هذا الواقع المؤلم يدفع المسلم الغيور على دينه إلى التأمُّل في هذه الحال، والبحث عن أسبابها قد يرجعها بعض إلى التخلف الاقتصادي، ويرجعها بعض إلى الجهل، وهذه كما لا يخفى أسبابٌ ماديةٌ، أو بالأحرى أسباب ظاهرةٌ، هي نتيجة حتمية لأسباب أعمق وأشمل، قد يكون من أبرزها التخليِّ عن الرسالة التي أنيطت بعهدة هذه الأمَّة التي اختارها الله، كما يصرِّح بذلك في كتابه الكريم: {(((((((خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110).
إنَّ المتأمِّل في هذه الآية الكريمة يدرك ولا شكَّ، أنَّ السبب الحقيقي الذي اختار الله من أجله الأمَّة الإسلامية، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وعندما تخلَّى المسلمون عن الأسباب التي من أجلها كان الاختيار، كان طبيعيًّا وبديهيًّا أن يتخلَّى الله عن نصرتهم، وينزع عنهم الخيرية.
والربط القرآني بين هذه الأمور، ربط عقلانيٌّ منطقيٌّ لا يختلف فيه اثنان، لأنَّه ربط حضاري تقوم على أساسه الأمم وتنهض، وتملك زمام أمورها وتقوى، فالإشارة إلى الأمر بالمعروف هو المبدأ العام الذي يقوم عليه البناء الحضاري، لأنَّه يجمع بصفة مركَّزة موجزة لكلِّ معاني التضامن والتماسك (1/53)
صفحة 53
والانقياد والانضباط والعمل الخيِّر، الذي ينظر إلى مصلحة الأمَّة باعتبارها جماعة، لا باعتبارها أفرادًا.
إنَّ المرء عندما يقوم بدوره المنوط به، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، يتوجَّه بدوره هذا لبناء صالح المجتمع دفعا لكلِّ أنواع الفساد التي تتهدَّده، أكانت ماديَّة أم معنويَّة، وجلبا لكلِّ مظاهر الإصلاح التي تظلُّ كل المجتمعات في حاجة إليها باستمرار، لأنَّنا لا نتصوَّر مجتمعا ملائكياً أو مدينة فاضلة. ثمَّ إنَّ المرء باعتباره فرداً عندما يتمكَّن هذا الإحساس بالواجب في قلبه، يكون له بمثابة الحاجز له عن الشرِّ، والدافع إلى الخير، ولو ضمن كلُّ فرد في كلِّ المجتمعات الإسلامية هذا الإحساس من منطلقٍ دينيٍّ، لتكوَّن من مجموع هؤلاء الأفراد المجتمع الصالح، وبالتالي الأمَّة الخيِّرة، التي أشار إليها الله تعالى، في كتابه الكريم.
يقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - شارحًا هذا المبدأ الحضاري العظيم: «لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن لمنكر أو لَيُسلِّطَنَّ الله عليكُم شِرَارَكُم فيدعو خيارُكُم فلا يُستَجَاب لهم» ـ أو ما في معنى الحديث ـ، وقد يتساءل المتعجِّل، ولِمَ الحيفُ؟ لماذا يتحمَّل الخيِّرون مسؤولية الأشرار؟ ولماذا يعاقب الله الأخيار بما فعله الأشرار؟ والواقع لو تأمَّلنا بعمقٍٍ في هذا الجزاء لرأيناه جزاءً طبيعيًّا، لأنَّ هذا الخيِّر في المجتمع، لو لم يتخلَّ عن مسؤوليته ما استطاع الشرير أن يعيث في الأرض فسادًا، لأنَّه لا يمكنه رفع المسؤولية أن يقول: عليَّ بخُوَيْصَة نفسي، كما قال الشاعر الجاهلي:
وَمَا أَنَا إلاَّ مِنْ ”غُزِيَّة“ إِنْ غَوَتْ
غوَيتُ، وَإِنْ تَرْشُدْ ”غُزيَّةُ“ أَرْشُد (1/54)
صفحة 54
هذا المبدأ الجاهلي الذي يجعل من الفرد تابعًا للعشيرة ظلَّت أو اهتدت رشدَت أو غوَت، هو الذي حاربه الإسلام ووقف دونه التشريع القرآني، لأنَّه جاء ليبني أمَّة الخير لا أمَّة الشر. فالمقياس هو الخير حيث يكون، وليست الأغلبيَّة حيث تكون. ولأجل ذلك كان القرآن صريحًا في معالجة هذه النظرة الجاهليَّة حيث يقول: {(((لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} (المائدة: 100)، فليست العبرة إذا بما يفعله الناس، أو بما يقولونه باعتبارهم أغلبيَّة، بل العبرة بصواب ما يقولون، ونزاهة ما يعتقدون، وعدالة ما يفعلون، وتطابق كلِّ ذلك مع ما جاء به التشريع الربَّاني؛ ذلك هو المقياس الوحيد، ومن أجل ذلك ربط الله - سبحانه وتعالى - في الآية الكريمة حيث ذكر خيريَّة الأمَّة الإسلامية بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله؛ فالإيمان بالله وحده لا شريك له، أي إخلاص العبادة له دون سواه عقيدة وقولا وعملا، هو قمَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محدودٌ بمفهوم الأمر؛ أي أن نأمر وننهى بصيغة مباشرة كلاَّ، قد يكون الأمر بالمعروف سلوكًا حسنًا، ومعاملةً طيِّبة، قدوةً راشدةً، أسلوبُ الأمر يختلف من مجتمع إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، تخضع لمؤثرات وموازين تختلف حسب المستويات الفكرية؛ فقد يكون الأمر بأسلوب الإيحاء مع بعض الناس أجدى من أسلوب النَّهر والقهر، وقد يكون العمل الصَّامت أبلغ تأثيرًا في نفوسهم من الكلام الكثير والموعظة الطنَّانة، وكذلك نستطيع القول في النهي عن المنكر الذي يحتاج إلى شعور بالمسؤولية، لا إلى تظاهر بالفوقيَّة أو الدونيَّة، ولعلَّ الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - (1/55)
صفحة 55
كان يقصد ذلك حيث يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» وفي رواية «ليس وراء ذلك حبَّة خردل من إيمان».
ويعجبني تفسيرُ بعض العلماء من أنَّ المقصود من هذا التقسيم هو تقسيم الأمانة والمسؤولية، فتغيير المنكر باليد، مقصودٌ به الحُكام، وتغييرُ المنكر باللِّسان مقصودٌ به العلماء، وتغييرُ المنكر بالقلب مقصودٌ به العامة، هو تقسيم نابعٌ من إحساس بأنَّ الشرائح الاجتماعية كلَّها مسؤولة، إذ المهمُّ في هذه القضيَّة هو أن لا يتخلَّى الإنسان المؤمن الصالح عن دوره بأعذار يغالط بها نفسه، وعليه قبل كلَّ شيء أن يؤمن بأنَّ إيمانه لا يكتمل دون القيام بهذا الواجب.
فالدافع الأول إلى القيام بهذه الرسالة العظيمة، رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الشعور بالمسؤولية التي أكَّدها القرآن الكريم، في قوله تعالى بإشعار الذين آمنوا، بأنَّ واجبهم في هذا المجال يبدأ من أنفسهم ثمَّ أهليهم، وهكذا تتَّسع الدوائر الاجتماعية حتى تشمل الأمَّة الإسلامية قاطبة: {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا (((((((((((} (التحريم: 06).
هذا عن المجتمع الأُسري، فكيف ربط بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمع الأمَّة الإسلامية؟ قال مُقسِمًا: {(((((((((((((1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا (1/56)
صفحة 56
بِالصَّبْرِ (((} (العصر)، إلاَّ توحي هذه الآية الكريمة، بأنَّ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو أساسُ بناءِ الحضارة الإنسانيَّة قاطبة، حيث قال: {(((((((((((((1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي (((((( .. } (العصر)، هكذا استخدم كلمة {(((((((((} بمفهومه المطلق العام الشامل، ولا يستثني منه إلاَّ المؤمن الذي عمل الصالحات، وأدَّى دوره المنوط به أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وقد عبَّرت عنه الآية { .. (((((((((((((بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا (((((((((((}، والتواصي بالصبر، والتواصي بالحق، هما قمَّة الأمر بالمعروف، لأنَّ الاتصاف بهاتين الصفتين تضمنان للمجتمع التماسك والتضامن والتكافل، فعندما يصبر كلُّّ فرد في المجتمع على ما يحبُّ ويكره، ينأى عن التعدي على غيره، وعندما يجعل كلُّ فرد في المجتمع الحقَّ، والحقَّ وحده، مبتغاه ورضاه، تظلِّل المجتمع كلَّه العدالة والأمن والطمأنينة، ولا نتصوَّر أمَّة تستطيع أن تبني حضارة إنسانية خالدة بغير هذين المقوِّمين.
فعندما يجعل المرء نشداه الحقِّ، له أو عليه هدفا، يؤدي ذلك إلى تعميم العدالة الاجتماعية، والتآخي، والمساواة، والحرية بين جميع أفراد المجتمع. وهكذا سبق القرآن الكريم إلى تلخيص مبدأ الحرية والإخاء والمساواة، الذي رفعته الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر شعارًا، وعدَّه كثير من الناس من اختراعاتها وإبداعاتها، هذه المبادئ الاجتماعية المهمَّة، لخصها القرآن الكريم في كلمةٍ موجزة: {الحق}، وماذا بعد الحق إلاَّ الضلال فأنَّى تصرفون.
أمَّا القيمة الثانية، فهي {الصَّبْر}، إنَّ الصبر هو المقوِّم الأخلاقي المهمُّ، الذي لا يمكن لأيِّ إنسان مهما يكن مستواه العقلي والنفسي والروحي أن (1/57)
صفحة 57
يعيش بدونه، لأنَّ الحياة من طبيعتها عدمُ الصفو، كما يقول الشاعر:
وَكُلُّ مَنْ عَاشَ لاَ بُدَّ أَنْ يَرَى
مِنَ العَيْشِ مَا يَصْفُو وَمَا يَتَكَدَّرُ
وقول آخر:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَشْرَبْ مِرَاراً عَلَى القَذَى
ظَمِئْتَ، وَأَيُّ النَّاسِ تَصْفُو مَشَارِبُه
فإذا وطَّن الإنسان نفسه على الصبر، صبراً على ما يحبُّ، وصبرا على ما يكره، استطاع أن يحدث التوازن النفسي في حياته، وواجه به كلَّ مشاكله ومعضلاته، والصبر وحده، هو الذي يجعل الإنسان يقول بحقٍّ وصدق:
لاَ أَشْرَئِبُّ إِلَى مَا لَمْ يَفُتْ طَمَعًا
وَلاَ أَبِيتُ عَلَى مَا فَاتَ حَسْرَانا
وفي هذا قمَّة التعبير عن التوازن النفسي والرضى بالنصيب، وقلَّما يستطيع الإنسان أن يحقِّق لِذَاته هذه المشاعر، أي يقاوم الطمع الذي يشرئبُّ به إلى الوصول إلى ما لم يتحقَّق، والتحسُّر على ما فات ندمًا وحسرة. هل يستطيع أحد مهما أوتي من قوَّة العقل والنفس والروح أن يتغلَّب على الطمع والتحسُّر دون الصبر سلاحًا في الحياة؟ (1/58)
صفحة 58
القرآن الكريم دعوة للنظر العقلي
لا أعتقد أنَّ أحدًا ينكر أنَّ أجلَّ نعمةٍ رزقها الإنسان، هي نعمة العقل، فالعقل هو المنحة الإلهية الكريمة العظيمة، التي بها ميَّز الله الإنسان عن غيره من سائر المخلوقات، ومن أجل هذا التمييز حمَّله الأمانة؛ أمانة الاستخلاف في الأرض وما أعظم الأمانة، وما أجلَّ المنحة. وقد امتنَّ الله على عباده، حيث يقول: {((((((أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ (((((((((((} (النحل:78).
ونحبُّ قبل الدخول في عالم القرآن الرحيب ونظرته إلى العقل، أن نقف عند مدلولات هذه الكلمة.
العقل لغة: هو مصدر عقل يعقل عقلاً، ويقال رجل عاقل، ويقصد به: الجامع أمرَهُ ورَأيَه. وهي كلمةٌ مأخوذة من: عقلتُ البعير، إذا جمعتُ قوائمه.
وقيل العاقل: الذي يحبِسُ نفسه ويردُّها عن هواها، أخذًا من قولهم: قد اعتقل لسانه، إذا حبس ومنع الكلام. وفي القاموس المحيط: العقلُ هو العلم بصفات الأشياء من حُسنِها وقُبحِها، أو العلم بخير الخيرين وشرِّ الشرَّين.
وقد يستخدم العقل ويُراد به القلب، كما قد يُستخدم القلب ويراد به العقل؛ فتقول العرب لفلان: قلبٌ عقولٌ. وجاء في التنزيل الحكيم: {((((((((يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ ((((((} (الحج:46). (1/59)
صفحة 59
ومن هذه المعاني السابقة، نرى أنَّ علماء اللغة قد ساروا مع التطوُّر اللفظي لمعنى العقل، حيث أشاروا إلى الدلالة اللغويَّة بجانب الدلالة المعنويَّة والوظيفيَّة والأخلاقيَّة للعقل، فشملت هذه المعاني جانبين: جانبا نظريا، وهو الفهم والإدراك والعلم، وجانبا عمليًّا في مجال الأخلاق وهو التمييزُ بين الخير والشرِّ وحبس النفس عن الهوى (1)، ولا نرغب في الدخول هنا في عرض أقوال الفلاسفة في تحديد ماهية العقل، فذلك لا يعنينا، وإنَّما الذي يعنينا هو تحديد لفظ ”عقل“ في القرآن، وكيف استُخدم؟
لم يرد لفظ ”عقل“ في القرآن على الإطلاق، وإنَّما جاء النظرُ العقلي بمعنى استخدام العقل في التعقُّل، لأنَّ العقل ليس له ماهية قائمة بذاته، إنَّما هو عمليات عقليَّة، صرَّحت بها الآيات الكريمة في مواضع كثيرة.
فجاءت مشتقَّات العقل في تسع وأربعين آية، كلُّها بالصيغة الفعلية:
- صيغة عقلوه: مرَّة واحدة.
- صيغة نعقل: مرَّة واحدة.
- صيغة يعقلها: مرَّة واحدة.
- صيغة يعقلون: اثنان وعشرون مرَّة.
- صيغة تعقلون: أربع وعشرون مرَّة.
__________
(1) 1 – فاطمة اسماعيل، القرآن والنظر العقلي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هيرندن، أميركا، 1413/ 1993، ص: 49. (1/60)
صفحة 60
وبما أنَّ كلمة عقل لم ترد بالصيغة الاسمية في القرآن، فقد وردت مرادفات أخرى بالصيغة الاسميَّة، مثل اللُّب: وجمعت ألباب، والحلم: وجمعت أحلام، والحجر، والنهي، والقلب، والفؤاد وكلُّها جاءت بمعنى: العقل (1).
وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين تحديد ماهية العقل من خلال معطياته، فدهب إلى أنَّنا حين نقول العقل نقصد به: ذلك الأمر الذي يهدينا إلى طريق الحقِّ والخير والجمال ويأمرنا به، ويكشف لنا عن امتناع التناقض وإمكان التسامي وغير ذلك ...
ويخلص نظرة الإسلام إلى العقل في النقاط التالية:
1. إنَّ معرفة كلِّ شيء تتمُّ بالعقل، ومعرفة العقل بذاته.
2. العقلُ نورٌ أو طاقة موهوبة للنفس، فلا هو من ذات النفس ولا هو مكتسب من الخارج.
3. تعتمد صحَّة العلوم البشريَّة على التسليم للعقل، ولذلك فإنَّ معرفة العقل بداية التقييم الصحيح للعلوم.
4. معرفة الخير والشرِّ تعتمد على العقل، والدعوةُ إلى الخير آتيةٌ من العقل، ولا عقل لمن لا يعمل به.
5. المعرفةُ تربيةٌ أولاً، وتعليمٌ ثانيًا (2).
__________
(1) 1 – المصدر السابق، ص: 64.
(2) 2 – محمد تقي المدرّسي، بحوث في القرآن الكريم، دار البيان العربي، بيروت، ط 3، 1412/ 1992، ص: 101. (1/61)
صفحة 61
فالاهتداء إلى معرفة العقل وماهيته، تتمُّ كما نبَّهنا القرآن الكريم إلى ذلك، عن طريق إثارته حتىَّ ينتبه إلى نفسه، ويعي مكنونات ذاته بذاته. كأنَّما الله - سبحانه وتعالى - عندما أورد الصيغ الدَّالة على العقل أفعالا، يخبرنا، بأنَّ العقل لا يحقق ذاته إلاَّ فاعلا، فقد منحه الله لنا لنستخدمه في مجالات الحياة المختلفة، وقد حدَّد القرآن المنهج السليم، والصراط المستقيم الذي يسلكه العبد المؤمن بربِّه ليكون في مستوى الأمانة التي حمَّلها الله له شاكرا لله هذه النعمة العظيمة.
إنَّ دعوة القرآن الكريم الصريحة للنظر العقلي، لم تعادلها دعوة أخرى في أي كتاب، فالقرآنُ لا يذكر العقل ذكرًا مقتضبًا، بل يذكره مقصودًا مفصَّلاً على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان ولا الفلسفات، فهو الكتاب الذي يتميز بخطاب العقل، لكلِّ ملكة من ملكاته، وكلِّ وظيفة عرفها له العقلاء والمتعقِّلون، وهنا نفهم لماذا وردت مشتقات العقل بالصيغة الفعليَّة وليست بالصيغة الاسمية، وذلك لدلالة مقصودة، وهي أنَّ صيغة العقل لابدَّ أن ترتبط بحدث وذات وزمن، وهذا ينبِّه إلى أنَّ النظر العقلي عمليَّة جادة حقيقية لها أبعادها ومدلولاتها التي لابدَّ أن ترتبط بواقع وبأشخاص محدَّدين، وهذا له أثر في الناحية العملية التي تؤثر على الإنسان ذاته في بناء حركة الحياة (1).
لقد جاء خطاب القرآن موجَّها للعقل، ونهج في ذلك منهجا أساسه وقوامه النظر العقلي والتدبُّر والتبصُّر وإعمال الفكر، ومن مستلزماته تركُ
__________
(1) 1 – فاطمة إسماعيل، القرآن والنظر العقلي، ص: 87. (1/62)
صفحة 62
الجمود والتقليد، وذمُّ الهوى واجتناب الظنِّ، وهي كلاًّ مناهج تناقض العقل السويِّ وتتباين مع المنهج الفكري السليم.
وليس في القرآن آية من آياته تخلو من إشارة دالة أو لمحة موحية للعقل الإنساني تدلُّه وترشده إلى العلم والمعرفة، والعلم والمعرفة نتيجة منطقيَّة لاستخدام العقل بل إنَّ العلم والمعرفة منعدمان حيث ينعدم النظر العقلي، ممَّا جعل كثيرًا من العلماء يعتبر النظر العقلي وأدلَّته التي أشار إليها القرآن الكريم؛ وجهًا من وجوه إعجازه.
والحق إنَّ القرآن الكريم نقطة تحوُّل حاسم، لا في تاريخ الدين والحضارة الدينيَّة فحسب، بل أيضا في تاريخ الفكر والعلم بالمعنى الديني والعلمي والفلسفي، وذلك لاحتواء القرآن على المبادئ والسَّنَن التي تمثِّل الضوابط والمنطلقات الإلهيَّة للعلوم والمعارف الإنسانيَّة، على النحو الذي يجعل الوحي مع الوجود مصدرًا ومنطلقًا للعقل الإنساني في هذه المعارف والعلوم.
وبما أنَّ الله - سبحانه وتعالى - لم يخلق الجنَّ والإنس إلاَّ للعبادة، فإنَّ العبادة الحقيقيَّة مبنيَّة على الإدراك العقلي أولاًً وقبل كلِّ شيء، ومن ثمَّ فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - وضع في القرآن منهجا عقلياً لتحقيق الإيمان الكامل، والإنسان مسؤول عندئذ عن استخدام وسائل الإدراك العقليَّة والحسيَّة، كما يقول تعالى: {((((السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ (((((((((} (الإسراء:36). (1/63)
صفحة 63
فجاء النظر العقليُّ في القرآن لغاية هي:
- بناءُ العقل البشري بناءً سليمًا عن طريق التفكير الصحيح، طبقًا للمنهج القويم الذي جاء به القرآن الكريم.
- إدراكُ أسرار الموجودات عن طريق دراسةِ حقائق الأشياء دراسة علميَّة دقيقةً شاملةً لكلِّ جوانب الحياة.
- الإيمانُ بوجود خالقٍ مدبِّر حكيمٍ، وإخلاص العبوديَّة له في كلِّ حركة من حركات الحياة.
- إقامةُ الحياة في الأرض على أسُسٍ من الحقِّ والعدل الأزليَّين الكامنين في بنية الكون وبنية الحياة (1).
وقد جعل الإسلام العقلَ حَكَمًا في كلِّ شيء، في الدين وفي الإيمان نفسه. بقوله تعالى: {((((((((الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا ((((((((((} (البقرة:171)، ويفسِّر الشيخ ”محمد عبده“ هذه الآية بقوله: «الآيةُ صريحةٌ في أنَّ التقليد بغير نظر ولا هداية هو شأن الكافرين، وأنَّ المرءَ لا يكون مؤمنًا إلاَّ إذا عقل دينه وعرفه بنفسه متى اقتنع به، فمن رُبِّي على التسليم بغير عقل والعمل ـ ولو صالحا ـ بغير فقه فهو غير مؤمن، إذ ليس القصدُ من الإيمان أن يُذلَّل الإنسانُ للخير كما يُذلَّل الحيوان، بل القصدُ منه أن يرتقي عقلُه وترتقي
__________
(1) 1 – م. س. ص: 26. (1/64)
صفحة 64
نفسُه بالعلم، فيعمل الخير لأنَّه يفقه أنَّه الخير النافع المرضي لله، ويترك الشرَّ لأنَّه يعلم سوء عاقبته ودرجة مضرَّته» (1).
« ... والدعوةُ إلى النظر في الكون لاستنباط سَنَنِه وللاهتداء إلى الإيمان ببارئه، يكرِّرها القرآن الكريم مئات المرَّات في سُور مختلفة، وكلُّها موجَّهة إلى قوى الإنسان العاقلة ويدعوه إلى التدبُّر والتأمُّل ليكون إيمانه عن عقل وبيِّنة» (2).
والمتدبِّر للقرآن يدرك المكانة الكبرى التي جعلها للعقل في بناء العقيدة الإسلامية، وتثبيت دعائمها، وترسيخ قواعدها، لكي تقع موقع اليقين من صاحبها. وقد اقترنت الدعوة إلى النظر العقلي في مجال العقيدة بالتطبيق العمليِّ، حين قام القرآن بالمناظرة والحوار العقلي مع المنكرين المشركين وأهل الكتاب، والمتعنتين المعاندين، لإثبات قضايا العقيدة وترسيخها في عقولهم، ففتح القرآن بذلك مجالا واسعا للنظر العقليِّ، خاصة وأنَّ قضايا العقيدة شغلت القرآن كلَّه ماعدا (600) آية في الأحكام الشرعيَّة الفرعيَّة (3).
ومن هذه الآيات نستدلُّ ببعض الآيات في هذا الصدد، وهو استدلال نموذجيُّ، لا أكثر ولا أقل، لأنَّ الموضوع واسع الأطراف.
يقول الله - عز وجل -: {((((((الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا
__________
(1) 2 – د. توفيق الطويل، الحضارة الإسلامية والحضارة الأوربية، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة
(د. ت)، ص: 89.
(2) 2 – م. س. ص: 90.
(3) 3 – فاطمة إسماعيل، القرآن والنظر العقلي، ص: 290. (1/65)
صفحة 65
مَاتَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا ((((((((((} (المؤمنون). فقد اشتملت هذه الآية العظيمة على مقوِّمات وعناصر تدلُّ كلُّها على عظمة الخالق - سبحانه وتعالى -، فقدَّم الدليل أوَّلا من خلقه العقل نفسه، وهو المشار إليه بالأفئدة ـ جمع فؤاد ـ ثمَّ انتقل إلى دليل من وجود الإنسان في الأرض واستخلافه فيها. ثمَّ إلى دليل الحياة والموت، والليل والنهار، وهي آيات كونيَّة يقف العقل أمامها حائرًا عاجزًا مسلِّما بعظمة الخالق - عز وجل -، ثمَّ ذيَّل كلَّ هذه الآيات بقوله: {((((((((((((((((}؛ وكأنَّه يخاطبنا بقوله: الله الذي من أفضاله عليكم وتكريمه لكم أن وهب لكم الأفئدة، يدعوكم إلى استخدام هذه الأفئدة نفسها، لتدركوا الخالق الأوحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد.
ويجدِّد الله - سبحانه وتعالى - أفضاله ونعمه على عباده التي لا تعدُّ ولا تحصى، مستعرضًا ذلك من خلال بعض الآيات المتعلِّقة بالإنسان نفسه في علاقته مع الآخر، وفي علاقته بالكون المحيط به، إشعاراً منه بأنَّ هذا الإنسان هو مركز مدار الكون جميعًا. {(((((آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا (1/66)
صفحة 66
وَطَمَعًاوَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ((((} (الروم).
نلحظ جليًّا كيف ذيَّل الله هذه الآيات العظيمة الدالة على خالق الكون وعظمته بما يدعو إلى استخدام العقل {(((((((((((((((((((}؛ {((((((((((((((((((((((} والعلم لا يكون إلاَّ بالعقل {(((((((لِقَوْمٍ (((((((((((}، والمراد به التدبُّر والتفكُّر، بدليل قوله تعالى: {((((((قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} (الأعراف:179)، إذ ليس المرادُ نفيُ السمع والبصر عنهم، وإنَّما نفيُها من جهة عدم استخدامها في التدبُّر والفهم والتبصُّر والتفقُّه، ثمَّ يختم هذه الآيات كلها بقوله: {(((((((لِقَوْمٍ ((((((((((}.
إنَّ الله - سبحانه وتعالى - قد أقام الحجَّة على واضحة بيِّنة على الإنسان، ممَّا أحاط به من آيات كونيَّة تدعوه كلُّها إلى إدراك وحدانية الله والإيمان به، ولا يدعوه ذلك إلى البحث عن شيء غير موجود، بل إنَّه ليفتح حواسه عليها دائما أبدًا، ولكنَّه ينحرف عن فطرته ويطغى عليه كبرياؤه وجحوده، يقول - سبحانه وتعالى -: {((((فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ ((((((((((} (البقرة:164)، هل نتصوَّر إنسانًا، مهما يكن مستواهُ العقلي، يغفَل عن هذه الآيات الواضحات (1/67)
صفحة 67
البيِّنات: السماوات والأرض، اختلاف الليل والنهار، البواخر التي تجري في البحر، المطر النازل من السماء، حياة الأرض بالنبات بعد موتها، الرياحُ الآتية من جميع الجهات ... ويغدو الفرق الدقيق بين الوضوح والغموض بالنسبة للإنسان صاحبِ العقل نفسه؛ إن هو تعنَّت؛ والتعنُّت في حدِّ ذاته لا يدلُّ على عقلٍ سليم، أو منهج مستقيم.
وقد يستنبط المثال القرآني في مخاطبته العقول، فينزل إلى المستوى الأدنى من عقول البشر قصد الإفهام والتوضيح، فيدخل في التفاصيل والجزئيات، وليس أدلّ على ذلك من قوله تبارك وتعالى: {((((الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ((((} (النحل).
إنَّ الآيات التي اختارها الله هنا في سورة النحل غير تلك الآيات المذكورة في سورة البقرة، هنالك الإجمال وهنا التفصيل، هنالك التعميم وهنا التقسيم؛ فإنَّ الله يخاطب كلَّ مستويات العقول، وأقرب ما يعيه العقل ما يراه صاحب العقل عيانًا في كلِّ وقت وحين، فأيُّ عربيٍّ تتخطَّى عينه الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، وهي مواردُ رزقِه؟ وأيُّ إنسانٍ لم يشاهد عظمة الليل وجلاله إذا يغشى، والنهار وجماله إذا يضحى؟ وكذا القول بالنسبة (1/68)
صفحة 68
لضياء الشمس، ونور القمر، والنجوم المتناثرة المتلألئة في السماء، ولا سيَمَا إذا كان الإنسان في الصحراء الممتدَّة في ليلة صيفيَّة ساكنة وادعة! وهل تتخطَّى العين الألوان والأشكال والأحجام والطعوم؟ وإنَّها دعوةٌ كريمة من إله كريم إلى استخدام الآلة العاقلة لا الأدوات الحاسة، يقول - عز وجل -: {(((((الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ ((((((((((} (الرعد:4)، ويقول - سبحانه وتعالى - كذلك: {((((ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ ((((((((((} (النحل:67)، {(((((آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ ((((((((((} (الروم:24)، ولا يخفى أنَّ الفعل في الآيات السابقة كلِّها جاء على صيغة واحدة، وهو بصيغة الجمع والمضارعة وعلى سبيل التقرير، والتقرير هو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرَّ عنده.
ولم يكتف الله تبارك وتعالى في دعوته المستمرَّة إلى إعمال العقل باستخدام هذه الصيغة التقريرية المباشرة، فقد استخدم صِيَغًا أخرى، فنجد آيات تدعو إلى النظر، وآيات تدعو إلى التبصُّر، وآيات تدعو إلى التفكُّر، وآيات تدعو إلى الاعتبار، وآيات تدعو إلى التفقُّه، وآيات تدعو إلى التذكُّر. ومحصِّلتها جميعًا استخدامُ العقل فيما يقوِّي الإيمان بوحدة الخالق الفرد الصمد.
فيقول داعيا إلى ”النظر“ في مائة وتسع وعشرون آية، وقد جاءت في (1/69)
صفحة 69
معانٍ مختلفة، منها النظرُ بالعين أي بالرؤية، وجاءت بمعنى الانتظار. والذي يهمُّنا هنا وله صلة بموضوعنا، هو النظر القائم على الفحص والتأمُّل والرؤية والتبصُّر بحقائق الوجود والخلق، كأن يقول - سبحانه وتعالى -: {(((((((((((الْإِنْسَانُ إِلَى (((((((((((} (عبس:24)، {(((((((((((الْإِنْسَانُ مِمَّ ((((((} (الطارق:5)، ودعا إلى التبصُّر في مائة وثمان وأربعين آية، مثل قوله: {((((((أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا (((((((((((} (الذاريات:21).
ودعوة القرآن الكريم إلى النظر والتبصُّر في مظاهر الحياة والكون والناس ليست بمعنى المشاهدة البصريَّة، كما لا يخفى، فقيمةُ البصر في القرآن بقدر ما يؤدِّي إلى البصيرة العقليَّة، لذلك ينفي الله - سبحانه وتعالى - النظر الصحيح عن الذي لا ينتفعون بحواسِّهم انتفاع تدبُّر، كما جاء ذلك في قوله تعالى: {((((((قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ ((((((} (الأعراف:179).
وكأنَّهم حين عطَّلوا وظيفة التفكير التي هي غاية الحواس المدركة عطَّلوا بذلك الحواس نفسها لأنَّها لم تعد تؤدِّي وظيفتها الحقيقية. والتفكير صفة مُدح بها المؤمنون الذين تغلغل الإيمان في قلوبهم وعقولهم، فلم يكتفوا بما يتلقَّونه من تعاليم أو بما يمارسونه من عبادة، وإنَّما غدا الإيمان والعبادة عندهم إلى جانب ذلك، رفرفاتٍ روحانيَّةً في عالم الملكوت، يعرفون بها عظمة الخالق وجلالَهُ، وقد شهد الله لهؤلاء بأنَّهم وُهبوا ألبابًا مفكِّرة فيما يعود عليهم بالفوز بالجنَّة، حيث يقول - سبحانه وتعالى -: {((((فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ (1/70)
صفحة 70
وَالْأَرْضِوَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (((((} (آل عمران). رُوي عن عائشة - رضي الله عنه - ا أنَّها قالت: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكى وقال: ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها»، ورُوي «ويلٌ لمن لاكها بين فكَّيه ولم يتأمَّل فيها» (1).
و «أولوا الألباب»، كما وصفهم الله - سبحانه وتعالى - في أعلى مراتب العقل وأسمى منازل التدبُّر والتفكُّر. فيقول تبارك وتعالى: {(((((((الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو ((((((((((} (البقرة:269).
ولقمان - عليه السلام - الذي أتاه الله الحكمة يوصي ابنه قائلا: «تواضع تكن أعقَلَ الناس، يا بنيَّ إنَّ الدين بحرٌ عميق قد غرق فيه عالم كثير، فلتكن فيه سفينتك تقوى الله، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكُّل على الله، وقيِّمها العقل، ودليلها العلم، وسكانها الصبر» (2).
وقال أحد الأئمَّة يوصي مُريده: «إنَّ لكلِّ شيءٍ دليلاً، ودليلُ العقل التفكُّر، ودليل التفكُّر الصبر، ولكلِّ شيء مطيَّة، ومطيَّة العقل التواضُع، كفى
__________
(1) 1 – فاطمة إسماعيل، القرآن والنظر العقلي، ص: 69.
(2) 1 – محمد تقي المدرّسي، بحوث في القرآن الكريم، ص: 119. (1/71)
صفحة 71
بك جهلاً أن تركب ما نهيت عنه ... ما بعث الله أنبياءه إلاَّ ليبلغوا عن الله، فأحسنهم استجابةً أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنُهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أعلاهم درجة في الدنيا والآخرة» (1).
وبقدر ما أشاد القرآن الكريم باستخدام العقل، أداة للإيمان والعلم والمعرفة والتمييز بين الخير والشرِّ، فإنَّه ذمَّ أولئك الذين يعطلون عقولهم عن عملها، وعبَّر عن ذلك بكلِّ المترادفات التي تعني الانصراف عن استغلال هذه النعمة العظيمة في الأماكن التي هيَّأها الله لها، ولقد جاء ذلك بصبغة الفعل المضارع المسبوق باستفهام إنكاري، يحمل معنى التعجُّب والتنديد والإنكار في آيات كثيرة، وقد ذيَّل بها الله - سبحانه وتعالى - تلك الآيات إمعانا في الإنكار والتنديد، فذمَّ الذين يعطلون عقولهم في إدراك حقيقة الإيمان بالله، لأنَّهم يفضِّلون التقليد الأعمى ويصرُّون عليه، وبات اقتداؤهم بآبائهم دون فهم منهج التفكير عندهم، فهم لذلك في ضلال مبين، {(((((((قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا (((((((((((} (البقرة:170).
وفي آية أخرى شبَّه الذين يعطِّلون عقولهم بشرِّ الدواب، لأنَّهم عطَّلوا العقل الذي هو سبب تميُّزهم عن الدواب، فهم والحالة هذه كالدواب سواء بسواء، {(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا ((((((((((} (الأنفال:22).
__________
(1) 2 – المصدر السابق نفسه. (1/72)
صفحة 72
ووصف الله الذين يتَّخذون هواهم إلها يتَّبعونه ويعطِّلون عقولهم بأنَّهم كالأنعام ضلالاً بل هم أضلُّ، لأنَّهم عطَّلوا أهمَّ ما يميِّزهم عن الأنعام فأصبحوا أضلَّ لأنَّهم افتعلوا الضلال، فيقول تعالى: {((((((((((مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ((((} (الفرقان).
فدعوة القرآن للنظر العقلي تقتضي ذمَّ التقليد الأعمى لأنَّه يؤدِّي إلى الكفر، ويسير بصاحبه في طريق الغواية والضلال؛ ذلك لأنَّ التقليد يلغي العقل، والمقلِّد حين يقبل قول الغير دون حجَّة أو دليل يصبح إمَّعة، وهذا ما يتعارض مع ما نادى به القرآن، ويتعارض مع ما ورد في القرآن من حُجَج وبراهين تستدعي الفهم والوعي، {(((((((قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا (((((((((((} (المائدة:104). فهؤلاء المقلِّدون قد قطعوا على أنفسهم طريق العلم، وسجَّلوا على عقولهم الحرمان من الفهم لأنَّهم عارضوا الدلالة بالتقليد، علاوة على تقليد آبائهم الذين اتصفوا بعدم التعقُّل وعدم الفهم (1).
وقد يؤدِّي عدمُ استخدام العقل إلى جهنَّم والعياذ بالله، وقد يؤدِّي أيضا إلى غضب الله وعقابه في الدنيا، كما جاء ذلك في وصفه لمن لا يعتبر ولا يذَّكر من مصير القوم الظالمين، ولا يتَّعظ بآثارهم ومصائرهم، لا لشيء إلاَّ لأنَّه عطَّل
__________
(1) 1 – فاطمة إسماعيل، القرآن والنظر العقلي، ص: 105. (1/73)
صفحة 73
العقل الذي يوصله إلى التبصُّر والتدبُّر والاتعاظ، {((((دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (((((} (الصافات).
ومن مظاهر اهتمام القرآن الكريم بالنظر العقلي، اهتمامُه الشديد بثمرة هذا النظر، وهو العلمُ والمعرفة. وقد تجلَّت هذه الدعوة في مادة العلم ومشتقاته التي ذكرت في القرآن الكريم أكثرَ من تسعمائة مرَّة، يكفي دلالة على جلال العلم، أنَّ أوَّل آية نزل بها جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - هي قوله تبارك تعالى: {((((((((بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (((} (العلق)، فكان هذا إيذانا بإعلاء شأن العلم، وارتباط ذلك بالدين والإيمان.
ثمَّ إنَّ الله - سبحانه وتعالى - في محكم آياته حين أظهر للملائكة أنَّ آدم قد سبقهم علما ومعرفة، أمرهم الله تعالى أن يسجدوا لآدم سجود تكريم وولاء، وسجود من لا يعلم لمن يعلم. فهذا السجود وإن كان لآدم فهو في الوقت نفسه للعلم وفضله (1). وليس أدلَّ على ذلك من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الملائكة لتضَعُ أجنحتَهَا لطالب العلم رضًا بما يَصنَع، وإنَّ العالِمَ ليستَغفِرُ له مَن في السماوات ومَن في الأرض، حتىَّ الحيتانُ في الماء، وفضلُ العالم على العابِد كفضل القمر على سائر الكواكب» (2).
__________
(1) 1 – فاطمة إسماعيل، القرآن والنظر العقلي، ص: 70.
(2) 2 – رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجة، وغيرهم .. (1/74)
صفحة 74
ومن هنا كانت عنايةُ القرآن الكريم بالعلم والمعرفة عنايةً لم تعرفها الإنسانية لغيره من الكتب، وكذلك إظهارُ فضل العلماء على غيرهم، فقال تعالى: {((((((((الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا ((((((((((((((} (العنكبوت:43)، ونستنتج من هذه الآية الكريمة أمورًا منها:
1. إنَّ الله - سبحانه وتعالى - يخاطب في الناس عقولَهم لأنَّها هي مناط التكليف.
2. الربطُ بين العلم والعقل رفعة لشأن العلم من جهة، ورفعة لشأن العقل من جهة ثانية.
3. حصرُ الإدراك والتبصُّر والفهم وكلِّ ما توحي به كلمة {(((((((((((} في العالمين باستخدام ”ما“ و”إلاَّ“ أداتي الحصر، فقال: {(((((يَعْقِلُهَا إِلَّا ((((((((((((((}.
4. استخدامُ الفعل ”يعقلها“ يوحي بأنَّ الفعل المستمر والبحث الدائم هو الوسيلة الوحيدة للعلم وغايته، فلا علمَ بدون توظيف مستمر للعقل، ولا عقلَ بدون علم.
يقول العلماء لولا المقاييس العلمية لانهار بناءُ العلم مرَّة واحدة، إذ يعتمد العلم على تفسير الظاهرة بقاعدة عامَّة ... ولولا هذه المقاييس العقليَّة لم نستطع الإيمان بصدق الإحساس (1).
__________
(1) 1 – محمد تقي المدرسي، بحوث في القرآن الكريم، ص: 125 - 126 (بتصرف). (1/75)
صفحة 75
وقد جاء التصريح بامتياز العلماء الذين يوظِّفون عقولهم في إدراك الكون ومن حولهم، وصولاً إلى عظمة خالق الكون، في قوله تعالى: {((((((تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ((((} (فاطر).
والآية الكريمة دعوة واضحة للتبحُّر في العلوم بكلِّ فنونها وأنواعها بما يفيد عباد الله، وليس العلم محصورًا على التفقُّه في الدين، كما يريده بعض المتزمِّتين، فقد امتدَّت الدعوة هنا إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء.
ومن هنا نستطيع أن نُدرك سبب اهتمام الدين الإسلامي قرآنًا وسنَّة بالدعوة إلى العلم وذكر فضل العلماء، وربط ذلك باستخدام العقل تدبُّرا وتفكُّرا وتبصُّرا، وعدم الوقوف عند ظواهر الأشياء.
ولذلك لم يرد في القرآن إطلاقا عبارة ”لقوم يعرفون“ لأنَّ المعرفة تُقال لما تُدرك آثاره وإن لم تُدرك ذاته؛ أمَّا العلم لا يكاد يقال إلاَّ فيما يُدرك ذاته. ولذلك يقال فلان يعرف الله ولا يقال يعلم الله؛ فالمعرفة تُقال فيما لا يُعرف إلاَّ كونه موجودًا فقط، والعلم أصله أن يقال فيما يعلم وجوده وجنسه (1/76)
صفحة 76
وكيفيته وعلَّته (1)، وذلك ما يستحيل مع الذات العليَّة الذي {((((((كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ (((((((((((} (الشورى:11).
وهنا نفهم كيف جاءت الآيات الحاثَّة على العلم، تنتهي بعبارات لقوم يعقلون، أو لقوم يتفكَّرون، أو يفقهون، أو يوقنون، أو لأولي الألباب، أو لأولي النهى، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدلُّ دلالة قاطعة على الرابطة القوية بين العقل الفاعل والعلم الحاصل.
n
__________
(1) 1– فاطمة إسماعيل، القرآن والنظر العقلي، ص: 82 - 83 (بتصرف). (1/77)
صفحة 77
الإعجاز البياني في القرآن الكريم
لقد كرَّم الله الدينَ الإسلاميَّ الخاتم السماوي لكلِّ الديانات بالقرآن الكريم، هذه المعجزة الخالدة، هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من رحمة الله بعباده المسلمين أن يختار لهم هذه المعجزة لدينهم الذي يحمل في ذاته المعجزة الخالدة فيكون خالدًا بخلودها، لتكون شاهدًا على قدسيته يتلمَّسها ويتقرَّاها ويتعرَّف عليها كلُّ مسلم في كلِّ زمان ومكان، منذ نزول الوحي على الرسول الكريم في غار حراء، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبهذا التكريم تميَّزت رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن المعجزات التي صاحبت النبوات السابقة، بديمومتها واستمراريتها، فإنَّ معجزة موسى - عليه السلام -، وهي العصا التي أبطلت سحر السحرة وشقَّت له طريق البحر يَبَسًا، هذه المعجزة لا يؤمن بها إلاَّ من رآها. وكذلك معجزة عيسى - عليه السلام -، الذي أحيا الأموات وأشفى الأكمه والأبرص، هي أخرى معجزات آنية، لم يرها سوى من كتب له معايشتها، فهي معجزات آنيةٌ تعتمد على المشاهدة والحضور، وتأثيرُها فيمن لم يُكتب له حضورها أقلُّ ولا شك، ولله في ذلك حكمةٌ بالغةٌ، هذه الحكمة لم تتجلَّ إلاَّ فيما خصَّ بها الرسالة الخاتمة لكلِّ الديانات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّ معجزة الرسول الكريم التي هي القرآن الكريم، حيَّة خالدة متجدِّدة، عجائِبُها لا تنقضي، وإعجازُها لا ينمحي، كلُّ من قرأ القرآن وآمن به يتملاَّه، وكلُّ من دارسه وتمعَّن فيه، فكلُّ نبيٍّ سبق كان يأتي برسالة لقوم بأعيانهم، وتنتهي بما يأتي بعدها من الرسالات، ولم يكن من الممكن أن تكون (1/78)
صفحة 78
معجزةُ خاتم الأنبياء أمرًا حسِّيًّا يراه جماعة حين تقع، فإذا لحق الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى انتهى ذلك الأثرُ المحسوسُ ولا يراه أحد من بعده، لأنَّ الأمور المحسوسة لا تتَّفق مع نوع هذه الرسالة ولا مع خلودها (1).
وبما أنَّ الرسالة المحمديَّة أبديَّة خاتمة لكلِّ الرسالات السابقة كان لا بدَّ أن تكون معجزتها هي الأخرى خالدة، حتىَّ يؤمن بها كل من يؤمن بهذا الدين ولو انتقل صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - إلى ربِّه، ولا يتأتَّى أن تكون المعجزة التي يتَّسع تأثيرها في مجال الزمان والمكان معجزة مادية، تقرع الحسَّ وتستولي على النفوس، فلم تكن عصاه تنقلب حيَّة كعصا موسى، أو نارًا تصير بردًا وسلاما كالنار التي أُلقيَ فيها إبراهيم الخليل، أو ناقة تخرج من صخر أصمّ لها رغاء كناقة صالح، أو مريضًا يُشفى، أو ميتًا يحيى، أو أعمى يبصر، كما فعل عيسى - عليه السلام -، إنَّما كانت معجزةُ خاتم الأنبياء والمرسلين، تتعلَّق بالإنسان نفسه، هذا الإنسان المقصود بالذات بهذه الرسالة تخاطب عقله وقلبه، وتؤثر في نفسه وروحه ووجدانه، وتربط بينه بقدراته المحدودة وبين خالقه. ومن هنا كان القرآن معجزةً للناس جميعًا، ولذلك اختلف عن المعجزات المادية السابقة.
وقد جاء للدنيا بعدما اكتملت المدارك البشرية وارتقى الفكر الإنساني وتكامل النمو العقليُّ في مجموعها فكانت معجزة محمد - صلى الله عليه وسلم - معجزةً تُدرك بالعقل لا بالحسِّ، وتؤثِّر في القلب والوجدان قبل أن تبهر المشاهد والأعيان، وتتعلَّق بكلِّ الأزمان وليست خاصَّة بمكان، واقتضت حكمة الله - سبحانه وتعالى - أن
__________
(1) 1 - الصابوني، التبيان في علوم القرآن، ص: 90. (1/79)
صفحة 79
تكون معجزة محمد - صلى الله عليه وسلم - من جنس ما اشتهر فيه العرب من النبوغ وهي الفصاحة والبيان، كما اقتضت أن تكون معجزة كلُّ رسول نابعة بما نبغ فيه القوم المرسَلَة إليهم الرسالة، تأثيرًا وتبليغًا وإعجازًا، فما هو الإعجاز البياني للقرآن الكريم؟
جاء في لسان العرب، العجزُ نقيضُ الحزم، ويقال أعجزني فلان: إذا عجزتُ عن طلبه أو إدراكه، وهي أيضًا: أن يتسبَّب العجز إلى غيره، قال تعالى: {((((((((((أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي .. } (المائدة: 31)، وصار العجز في العرف، اسمًا للقصور عن فعل الشيء، وهو ضدُّ القدرة، وتَسْمية المعجزةِ معجزةً: لأنَّ البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها، لأنَّها أمرٌ خارق للعادة، خارجٌ عن حدود الأسباب المعروفة.
وإعجاز القرآن هنا معناه: إثبات عجز البشر.
ومعجزة القرآن الكريم تختلف عن سائر ما يسمِّيه اللغويون بالمعجزات، إنَّما ثبت كونه معجزًا عن طريق المدارك والاعتبار، وما تحلَّت عباراته من جمال أسلوب، وعميق معنى، وإذ أنَّه حين يستمع إليه إنسان تتحرَّك مشاعره شوقا ويهتزُّ قلبه خشيةً، وتمتلئ نفسه خشوعًا، ويعتصر فؤاده رجاءً، وقد قال الله في هذا الشأن: {((((نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ (((((} (الزمر: 23).
- - - (1/80)
صفحة 80
إنَّ من أبرز خصائص الإعجاز القرآني أنَّه أحسنُ الحديثِ، كما قرَّر الله - سبحانه وتعالى - ذلك، وإعجازُ الحديث الحسَنِ لا بدَّ أن يتَّصف بصفات تتعلَّق بالحديث نفسِه، أسلوبًا وصيغة، تعبيرًا، وتصويرًا وعبارات مختصرة، إعجاز يتمثَّل في شكله ومضمونه، وكلُّ من يحاول أن يفهم الإعجاز القرآني على أنَّه مضامين ومعاني منفصلة عن لغته العربية المعجزة، يعطِّل أهمَّ صفة من صفات الإعجاز القرآني. إنَّ أولئك الذين يدعون إلى ترجمة القرآن من اللغة العربية إلى لغات أخرى، تسهيلاً للذين لا يحسنون اللغة العربية ـ ويدَّعون أنَّ ذلك لا يُنقص من خصائص القرآن شيئًا ـ يتجنَّون على القرآن، وينحرفون عن مقصده الأسمى، ويتجاهلون نصوصا قطعيَّة في القرآن نفسه، لا بأس أن نترجم معانيه لكي نيسِّر به الفهم لهؤلاء الذين لا يفهمون اللغة العربية، ولكن جمال القرآن لا يكمُل، ومعجزته لا تكمُن، إلاَّ في لغته التي نزل بها، مصداقا لما وصفه الله - سبحانه وتعالى - في آيات عديدة، وذكر من أهمِّ خصائصه اللغة العربية المبيِّنة، كأن يقول: {(((
حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (((} (فصلت).
إنَّ كلَّ تلك الآيات تدلُّ دلالة قاطعة على أنَّ أسلوب القرآن من أهمِّ خصائص الإعجاز فيه، وكلُّ الأحداث التاريخية التي صاحبت نزوله تدلُّ (1/81)
صفحة 81
على ذلك بأقوى حجَّة، وأصدق دليل، رُوي أنَّه لمَّا نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - سورة غافر قرأها النبي في المسجد فسمعها الوليد بن المغيرة، ثمَّ أتى إلى مجلس بني مخزوم فقال: «والله لقد سمعت من محمدٍ كلاماً آنفًا، ما هو من كلام إنسٍ ولا من كلام الجنِّ، إنَّ أسفَلَهُ لمُغدِق وإنَّ أعلاه لمثمر وإنَّ له لحلاوة وإنَّ عليه لطلاوة وإنَّه يعلُو ولا يُعلى عليه .. » ثم انصرف.
يقول ذلك، وهو من صناديد قريش وكبرائهم، وأعتى من كره الإسلام وكادَ له، فقالت قريش: «لقد صَبِئَ الوليدُ، والله لئن صبئ الوليد لتصبَأَنَّ قريش كلُّها».
وفي صحيح مسلم: «إنَّ أنيسا الغفاري [أخا أبي ذرِّ] قال لأبي ذرٍّ: لقيتُ رجلاً بمكَّة على دينك يزعم أنَّ الله أرسله، قلتُ: فما يقول الناس، قال: يقولون إنَّه شاعرٌ وساحرٌ وكاهن، [وكان أنيس أحد الشعراء] قال أنيس: لقد سمعتُ قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قوله على أقراء الشعر [أي على أنواع الشعر] فلم يلتئم على لسان أحد، فهو ليس بشعرٍ والله إنَّهم لكاذبون وإنَّه لصادق».
ورُوي أنَّ أبا جهل قال في ملأٍ من قريش: «لقد التبس علينا أمرُ محمَّد فلو التمستُم لنا رجلاً عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلَّمَه، ثمَّ أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعتُ الشعر والكهانة والسحر، وعلمتُ من ذلك علمًا وما يخفى عليَّ، فأتاه وقال: أنت يا محمَّد خيرٌ أم هاشم؟ أنت خيرٌ أم عبد المطلب؟ أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فلم تَشتُم آلهتنا وتُضلِّلنا؟ فإن كنتَ تريد الرياسة عقدنا لك اللواءَ فكنت رئيسنَا، وإن تكُ بك الباءة زوَّجناك عشر نسوة من أيِّ بنات قريش شئتَ، وإن كان بك المالُ جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به .. ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ساكتٌ، فلمَّا فرغ قال: (1/82)
صفحة 82
{(((حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (((} (فصلت)، فأمسَك عتبةُ على فيه وناشده بالرَّحِمِ، ورجع إلى أهله، ولم يخرُج إلى قريش. فلمَّا احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلاَّ قد صَبِئَ، فانطلقوا إليه، وقالوا: يا عتبة ما حَبَسَكَ عنَّا؟ ألأنَّك قد صَبِئْتَ؟ فغضب، وأقسم أن لا يكلِّم محمدًا أبدًا، ثمَّ قال: والله لقد كلَّمته فأجابني بشيءٍ، والله ما هو بشعرٍ ولا كهانة ولا سحر ... الخ.»
الذي يهمُّنا من هذه الروايات، هو اتفاقُ كبار قريش: الوليد بن المغيرة، وأنيس الغفاري، وأبو جهل، وعتبة، على انبهارهم بالقرآن وفصاحته وبلاغته، وقوة تأثيره فيهم (1)، إنَّ تصريحهم يدلُّ على أنَّهم انبهروا وأخُذوا بأسلوب القرآن قبل أن يتعمَّقوا معانيه، لأنَّ المعاني التي يدعو إليها ينكرونها إنكارًا منذ البداية، ومن أجل ذلك وصفوه بأنَّه شعر أو سحر أو سجع كهَّان، وكلُّها صفات تعبِّر عن انبهارهم بنسقه وأسلوبه وتعبيره.
ولنا أن نتساءل كيف استحوذ القرآن على العرب هذا الاستحواذ؟ كيف اجتمع على الإقرار بسحره وتأثيره الكافرون والمؤمنون سواء.
على الرغم من اختلاف الباحثين في هذا المجال، فبعضهم يردُّ ذلك إلى تشريعه الدقيق الصالح لكلِّ زمان ومكان، وبعضهم يردُّه إلى إخبار الغيب، وبعضهم إلى ما فيه من إعجاز علميٍّ وآيات كونية باهرة، ونحن نذهب في
__________
(1) - وهم من هم في مكانتهم من الفصاحة والبلاغة والقدرة على التحكم بجميع أجناس القول التي يعرفها العرب آنذاك. (1/83)
صفحة 83
ذلك إلى ما ذهب إليه الشهيد ”سيد قطب“: في أنَّ هذه التعليلات تثبت المزيَّة للقرآن مكتملاً، فما القول في السُّور القلائل التي لا تشريع فيها ولا غيب ولا علوم ولا تجمع بطبيعة الأحوال كل المزايا المتفرِّقة في القرآن؟
إنَّ هذه السُّور القلائل هي التي سُحر بها العرب منذ اللحظة الأولى، في وقت لم يكن للتشريع المحكم ولا الأغراض الكبرى هي التي تسترعي إحساسهم وتستحقُّ منهم الإعجاب. إنَّ من المعلوم أنَّ السُّوَر المشتملة على ذلك، هي السُّور المدنيَّة، وهي التي نزلت بالمدينة المنوَّرة بعد هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليها، وقد سُبقت السُّور المدنيَّة بسُور مكيَّة أغلبها من القِصار المفصَّل.
لذا يجب أن نبحث عن منبع السحر في القرآن قبل التشريع المحكم، وقبل النبوَّة الغيبيَّة، وقبل العلوم الكونيَّة وقبل أن يصبح القرآن وحدة مكتملة تشمل هذا كلَّه، فقليل القرآن الذي نزل في أيَّام الدعوة الأولى كان مجرَّدًا من هذه العناصر التي جاءت فيما بعد، ولكنَّه كان مع ذلك محتوياً على هذا النبع الأصيل الذي تذوَّقه العرب، قالوا: {(((((((إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ ((((((((} (المدثر: 24).
والدليل على ذلك أنَّ قصة الوليد بن المغيرة إنَّما ذكرت في سورة ”المدَّثر“ وهي السورة الثالثة غالبًا في ترتيب النزول، ولم تسبق إلاَّ بسورة العلق والمزمِّل، إنَّ السحر الذي يتحدَّث عنه الوليد بن المغيرة كامنٌ في صميم النسق القرآني ذاته، لا في الموضوع الذي يتحدَّث عنه وحده، وإن لم نغفل ما في روحانية العقيدة الإسلامية وبساطتها من جاذبيَّة، وإذا كان أسلوب القرآن هو العنصر الأول لإعجازه البياني فإنَّنا نتساءل عن الخصائص المميِّزة لهذا الأسلوب. (1/84)
صفحة 84
إنَّ دراسات مستفيضة عُنيت بأسلوب القرآن قديمًا وحديثًا ومازال البحثُ غيضا من فيض، ولا نحسبه ينتهي إلى كلمة نهائية لأنَّنا أمام كلام الله - جل جلاله - وهو قمَّة السموِّ البياني، ولكن لا بأس من أن نستأنس برأي أحد الكتَّاب المعاصرين الذين عايشوا القرآن بوجدانهم وفكرهم، حاولوا الغوص إلى دراسة خصائصه الأسلوبية، ذلكم هو الشهيد ”سيد قطب“ الذي يردُّ هذا السبب إلى التصوير الفنيِّ الذي انفرد به القرآن وتميَّز (1).
«التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسَّة المتخيَّلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنسانيِّ والطبيعة البشريَّة؛ ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة والحركة المتجدِّدة، فإذا المعنى الذهني هيئةً أو حركةً، وإذا الحالةُ النفسيَّة لوحةً أو مشهدًا، وإذا النموذجُ الإنسانيُّ شاخصًا حيًّا، وإذا الطبيعة البشرية مجسَّمةً مرئيَّة، فأمَّا الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر فيردُّها شاخصةً حاضرة فيها الحياة؛ وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استولت عليها كلُّ عناصر التخيُّل».
لقد كان عتاة قريش يتسلَّلون لِوَاذًا في جُنْحِ الظلام إلى دار الأرقم، يتنصَّتون خفية لهذه الآيات الباهرات التي سحرت ألبابهم وملكت عقولهم، ولم يمنع الكفار أن يؤمنوا به حقَّ الإيمان سوى الاستكبار والضلال، كانوا يَلتقُون ويتَلاومُون، ولا يملكون صبرًا على سماعه، فالقرآن سحر العرب
__________
(1) 1 - سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، ص: 17. (1/85)
صفحة 85
فجذب إليه المؤمنين والكافرين على السواء. وقصة إيمان عمر بن الخطاب، وقصة تولِّي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة للإيمان والتولِّي، وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ الوهلة الأولى، وقادهم في اتجاهين مختلفين، وهذا يدلُّ على مدى هذا السحر القاهر الذي يستوي في الإقرار به المؤمنون والكافرون.
ولم يكن للجانب البياني إعجازه الأخَّاذ في القرآن الكريم ما لجأ محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى قراءته عليهم وإسماعه إيَّاهم، فقد يكتفي بأن يعطيهم ما كُتب ليقرؤوه بأنفسهم، علمًا منه أنَّ قراءته وإسماع ألفاظه وتراكيبه الرائعة جزء من الإعجاز الذي أراده الله له.
فالقرآن الكريم مخالفٌ في أسلوبه الفريد لكلِّ الأساليب البشرية، وله في ذلك خصائصُ تُفرِدُه وتجعله قمَّة السموِّ البياني، نجملها فيما يلي:
1 - مسحة القرآن اللفظيَّة التي تتجلَّى في نظامه الصوتي، وجماله اللغوي.
2 - إرضاؤُه العامَّة والخاصَّة، بمعنى أنَّ كلَّ من يقرأه مهما يكن مستواه من الفهم يحسُّ بجلاله، ويشعر بروعته.
3 - إرضاؤُه العقلَ والعاطفةَ، فهو يخاطب العقل والقلب ويجمع الجلال والجمال معًا.
4 - جودةُ سَبكِه، وإحكامُ سَردِه؛ فكان سبيكةً ذهبيَّة واحدة، ليس فيها بترٌ أو انقطاع، أو اختلاف في روعة بيانه، فهو كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: « .. قدحُ عسل أوَّلُه كآخره، ومبدؤُه كمُنتَهَاه».
5 - براعتُه في تصريف القول، وتفنُّنُه في ضروب الكلام، تصويرًا وتعبيرًا، (1/86)
صفحة 86
يجيد المعنى، ويجرِّد المحسوس، ويبرز الأمثال، ويكنِّي في موضع الكناية، ويوضِّح في أماكن التوضيح .. وهكذا.
خلاصة القول: إنَّ القرآن الكريم بلغ السموَّ البياني الذي لا يرقى إليه عقلُ الإنسان مهما اجتهد وأبدع، فكان معجزًا في أسلوبه وبلاغته، ومضامينه ومعانيه، وجوامع كلمه، بيَّن فبلغ الغاية في البيان، وأوجز فبهر بالإيجاز، وأطنب فجاء بالإعجاز، تحدى أئمَّة البلاغة وفصحاء العرب، بأن يأتوا بآية أو بسورة من مثله، فأعلنوا عن عجزهم، وهم ألدُّ أعدائه، وطأطئوا رؤوسهم، وهم الشامخون بأنوفهم استعلاء واستكبارًا.
التصويرُ هو الأداة المفضَّلة في أسلوب القرآن، فهو يعبِّر بالصورة المحسَّة المتخيَّلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثمَّ يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجدِّدة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة البشرية مجسَّمة مرئية، فإذا الحوادث والمشاهد والقصص والمناظر فيردَّها شاخصة حاضرة فيها الحياة، وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استولت عليها كل عناصر التخيُّل (1).
- - -
__________
(1) 1 - التصوير الفني، (المرجع السابق)، ص: 36. (1/87)
صفحة 87
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
إنَّ الله سبحانه وتعالى تحدى المشركين والملاحدة ومن لفَّ لفَّهم بأن أقام الحجَّة شاهدةً عليهم من ذوات هُم، صارخةً في دواخلهم، حيث يقول: {(((((((((((آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (((((((} (فصلت:53).
إنَّ المفسرين والعلماء القدامى كانوا يفسِّرون هذه الآية على أنَّها تحدٍّ مُطلق لكلِّ من سوَّلت له نفسه الشَّك في الخالق، وما كانوا يتعمَّقون معناها العلميَّ الدقيق، حيث جاء العلم الحديث فأخذ يكشف، ومازال، عن الأسرار الحقيقية لتفسير هذه الآية الكريمة، وهكذا تحقَّق الوعدُ من ربِّنا في هذا الزمان، فرأى الكافرون الذين لم يتبيَّنوا الحقَّ، آياتِ الله في آفاق المخلوقات، وما رأوا تلك الآيات والأسرار إلاَّ بأدقِّ الأجهزة والوسائل، كالطائرات والغواصات التي لم يملكها الإنسان إلاَّ في هذا الزمان، فكان هذا لونًا جديدًا من إعجاز القرآن، يبيِّن للكافر اليوم صِدقَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصدق هذا الدين. ومن أمثلة ذلك:
1) ما كان أحدٌ يظنُّ أنَّ أصلَ السماء ونجومها وكواكبها هو الدخان، حتَّى تقدَّمت أجهزة البحث العلمي، وشاهد الباحثون بقايا الدخان، لا تزال تتكوَّن منه النجوم إلى يومنا هذا، والله يقول في كتابه: {((((اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا (((((((((((} (فصلت: 11). (1/88)
صفحة 88
2) كشف الباحثون الآن، أنَّ نجوم السماء لا تزال تُخلق، وأنَّ مُدن النجوم تتباعد، أو يتباعد بعضُها عن بعض، وبهذا عرف أنَّ السماء لا تزال تتَّسع وقد قال تعالى: {(((((((((((((بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا ((((((((((((} (الذاريات:47).
3) كشف الباحثون أخيرًا، أنَّ القمر كان مشتعلا ثمَّ انطفأ، ومُحيَ ضوءُه، وأنَّ النور الذي يخرج منه في الليل ليس إلاَّ انعكاسًا من سراج آخر، هو الشمس، والله يقول: {((((((((((((آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ ((((((((((} (الإسراء: 12)، قال المفسرون، آية الليل: القمر، وآية النهار: الشمس، وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنه - «كان القمر يُضيء كالشمس».
4) كان الناس يظنُّون أنَّ من صعد في السماء، تنفَّس الهواء العليل، فلمَّا صنع الإنسان الطائرات الحديثة، وصعد إلى السماء وجد أنَّ من صعد في السماء يضيق صدرُه ويبلغ أشدَّ درجات الضَّيق، بسبب أنَّ الهواء ينقص كلَّما صعد الإنسان في السماء، والله يقول: {((((يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} (الأنعام: 125).
5) اكتشف الدارسُون، أنَّ الماء إذا نزل أخرج النبات، وأنَّ النبات يخرج مادَّة خضراء اللون، هي تلك التي تُصنع منها الحبوب والثمار، ومنها تأتي المادة الخضراء تخرج الحبوب والثمار، والله يقول: {((((((الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا ((((((((((((} (الأنعام: 99). (1/89)
صفحة 89
6) واكتشف الأطباء أنَّ الأعصاب التي تتألم بحريق النار وشدَّة البرودة تُوجد في الجلد فقط، كما تتركَّز في أعصاب الإحساس في الجلد، ممَّا يجعل الإنسان يتألمَّ عند دخول إبرة الطبيب في منطقة الجلد، فإذا غارت في اللحم تلاشى الألم، وقد بيَّن القرآن أنَّ الألم بالحرق يكون في الجلد، في قوله تعالى: {((((الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِن اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا ((((((((} (النساء: 56).
7) اكتشف الخبراء أنَّ اللَّبن في الأنعام يُستخلص من الفرث في الأمعاء الدقيقة، فتبقى الفضلاتُ التي تخرج على صورة بعرٍ وغيره، بعد أن كانت كلَّها فرثا سائلاً، ثمَّ تدخل المواد الغذائية في الدَّم، ثمَّ يستخلص اللَّبن من الدم في الضروع، والله يقول: {((((((لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا (((((((((((((((((((((((} (النحل: 66)، وهنا إشارة واضحة إلى أنَّ اللَّبن قد تصفَّى مرَّتين؛ مرَّة من الفرث ثمَّ صار دماً، ومرَّة من الدَّم ثمَّ صار لبناً خالصًا.
8) ما كانت البشريَّة تعرف أنَّ في البحر موجًا داخلياًَ، غير الموج السَّطحيِّ المرئيِّ، وما كان الناس يعلمون أنَّ في أعماق البحار ظُلمات؛ فجعل الله للأسماك سُرُجا تنير في تلك الظلمات. وما كان أحد يعلم أنَّ الموج بسطحه المائل يشتِّت الضوء الذي يسقط عليه من أعلى فيكوِّن بذلك ظلمة، كما تفعل السحب في منع بعض الأشعة من النفاذ إلى أسفل، (1/90)
صفحة 90
لكن هذه الأسرار قد ذكرها الله في آية واحدة، قال تعالى: {((((كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ (((((} (النور: 40).
هذه الأسرارُ وغيرُها في أعماق السماء، وأعماق الماء، وباطن الأرض، وبطون الأنعام، وجوف النبات، وفي تركيب الإنسان، ما عرفها الإنسان إلاَّ في هذا الزمان، بعد أن صنع أدقَّ الآلات التي تمكَّن بها معرفة هذه الأسرار (1).
9) إنَّ العلم المختبريَّ ومعادلاته الرياضيَّة تؤكد على الوجود الروحيِّ في قلب الكون، وفي صميم الذرة، كما يقول العلم اليوم، إنَّ مادَّة العلم مادَّة عقلية، ألا يؤدي بنا هذا إلى فهم أعمق للآيات الكريمة الكثيرة التي تحدِّثنا بأنَّ كلَّ مخلوقات الله تسبِّح بحمده؛ {(((((مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (الإسراء:44)، فقد تكون هذه المخلوقات تمارس تسبيحها بالروح، ولكن عقولنا المحدودة لا تفقه ذلك ولا تُحدِّده.
كلُّ ذلك يدلُّ دلالة قاطعة على الإعجاز العلمي في القرآن، فسبحان الله الذي أعطانا هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
__________
(1) 1 - عبد المجيد الزنداني وآخرون، الإيمان، ص: 72 - 76 (بتصرف). (1/91)
صفحة 91
مفهوم العبادة في القرآن الكريم
إنَّ الأغلبية الساحقة من المسلمين اليوم، ابتعدوا عن المفهوم الإسلامي الحقيقي للعبادة، فالعامَّة من المسلمين تفهم العبادة على أنَّها: صلاةٌ وزكاةٌ وصيامٌ وحجٌّ؛ أي قد لا تتعدى العبادات العمليَّة المعروفة، حتَّى أنَّ هذا المفهوم جَرَّد العبادة العمليَّة ذاتَها من جوهرها الحقيقيِّ الذي أراده الله لها، لأنَّها باتت تقليدًا مُتَّبعًا، ومظاهِرَ شكليَّةً في الأغلب الأعمِّ، وقد لا تتجاوز الحركات والسكنات إلى لبِّ الحقيقة في تلك الحركات والسكنات، مع أنَّ الله سبحانه وتعالى، حين ذكَّر عباده بالغاية التي من أجلها خلقهم، ذكر العبادة وربطها بمفهوم أعمق وأشمل، حيث يقول: {(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ((((} (الذاريات).
ونحبُّ قبل الدخول في أسرار العبادة في الإسلام، أن نوضِّح معناها اللغويَّ والاصطلاحيَّ؛ جاء في القاموس: «العبوديَّة والعبادة: الطاعة»، وفي الصِّحاح: «أصل العبوديَّة: الخضوعُ والذلُّ، والتعبيد: التذليل»، وفي اللسان: «أصل العبوديَّة: الخضوعُ والتذلُّل، تقول العرب: تعبَّد فلان لِفلان، أي تذلَّل له، وكلُّ خضوعٍ ليس فوقه خضوع هو: عبادة، طاعة للمعبود أو غير طاعة، وكلُّ طاعة لله على جهة الخضوع والتذلُّل فهي عبادة، والعبادة نوعٌ من الخضوع لا يستحِقُّه إلاَّ المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع (1/92)
صفحة 92
والبصر» (1)، وفي حديث أبي هريرة: «لا يقُل أحدُكم لمملوكِه عبدِي وأمَتي، وليقُل: فَتَايَ وفتَاتِي».
ويرى الأستاذ ”أبو الأعلى المودودي“، استنادًا إلى الاستعمال اللغوي لمادة: ”عبد“، أنَّ مفهوم العبادة الأساسي: «أن يذعن المرء لعُلوِّ أحدٍ وغلبته، ثمَّ ينزل له عن حريَّته واستقلاله، ويترك إزاءه كلَّ مقاومة وعصيان، وينقاد له انقيادًا؛ هذه حقيقة العَبْدِيَّة والعُبُودِيَّة، ومن ذلك أنَّ أوَّل ما يمثُل في ذهن العربي بمجرَّد سماعه كلمة: العبد والعبادة، هو تصوُّر العَبْدِيَّة والعبُوديَّة، وبما أنَّ وظيفة العبد الحقيقة هي: طاعةُ سيِّده وامتثال أوامره، فحتمًا يتبعه تصوُّر الطاعة»، فكأنَّ الأستاذ يرى: أنَّ معنى أصل العبادة: هو الإذعان الكلِّي والخضوع الكامل والطاعة المطلقة، ثمَّ قد يضاف إلى هذا المعنى عنصر عاطفيٌ جديدٌ تستعمل فيه عبودية القلب بعد عبودية الرأس أو الرقبة، ومظهر هذا العنصر هو: التألُّه والتنسُّك وأداء الشعائر (2).
أمَّا المعنى الشرعي للعبادة: فيختلف باختلاف النظرة إلى عمومها وخصوصها، والذي حقَّقه بعض العلماء القدامى، أنَّ العبادة: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالصلاةُ والزكاةُ والصيامُ والحجُّ وصدقُ الحديث وأداءُ الأمانة وبرُّ الوالدين ... إلى آخر ذلك من كلِّ أمْرٍ أمَر الله به عباده من الأسباب يسمَّى: عبادة.
__________
(1) - د. يوسف القرضاوي، مفهوم العبادة في الإسلام، ص، 27.
(2) - المصدر السابق، ص، 28. (1/93)
صفحة 93
وقد عبَّر الأستاذ ”أبو الأعلى المودودي“ عن مفهوم العبادة في بحث مُطوَّل نختصر منه ما يلي: «إنَّ العبادة هي العبوديَّة معنىً وحقيقةً، أنت عبدُ لله والله معبودُك، فكلُّ ما يأتي به العبد في طاعة معبُودِه هو العبادة، وجملة القول: إنَّ خوفك من الله تعالى، في كلِّ شأن من شؤون حياتك، وفي كلِّ حين من أحيانك، وجعلك مرضاة الله نَصبَ عينيك، وأتباعك لقانونه، ورفضك لكلِّ منفعة تنالها أو يمكن أن تنالها بمعصيته وصبرك على كلِّ مضرَّة تصيبك أو يمكن أن تصيبك بطاعته، ذلك كلُّه من عبادتك لله تعالى، وحياتُك بهذه الطريقة من أوَّلها إلى آخرها عبادة، وليس الأكلُ والشربُ والنومُ واليقظةُ، والقعودُ والقيامُ، والسكوتُ والمشيُ والكلامُ، إلاَّ من العبادةِ في حياةٍ كهذه. هذه هي العبادة، وهذا هو معناه الحقيقيُّ، وما غرض الإسلام إلاَّ أن يجعل الإنسان يعبد الله مثل هذه العبادة في كلِّ حين من أحيانه، وقد افترض عليه لهذا الغرض مجموعةً من العبادات تُهيِّؤه لهذه العبادة الكبيرة، فإنَّه ليست هذه العبادات المفروضة إلاَّ بمثابة التربية للعبادة الكبيرة المنشودة، فكلُّ من يتلقَّى هذه التربية على أحسن وجه، تُؤدَّى العبادة الحقيقيَّة على الوجه المراد، ومن أجل ذلك جعلت هذه العبادات عين الفريضة في الإسلام، وقيل إنَّها أركان الدين» (1).
والحق إنَّنا حين ننظر في هذا التحليل العميق، نجده مجتمِعًا في الحديث القدسي حين سأل جبريل الرسول الكريم عن الإحسان فقال: «أنْ تَعبُد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك»، هذه الجملة من جوامع الكلم المحمَّدِيِّ، فلو حاولنا فهم هذه الجملة فهماً عميقًا، لبلغنا بفهوم العبادة معناه
__________
(1) - أبو الأعلى المودودي، مبادئ الإسلام، ص: 101 - 102، (بتصرف). (1/94)
صفحة 94
العميق الشامل، الذي يريده الله منَّا، إذ لا تُتصوَّر استقامةُ للإنسان أفضل من هذه الاستقامة؛ أن يعبد الله كأنَّه يراه، وكأنَّه يراه بعينيه يراقبُه دومًا، فلو استشعر كلُّ إنسانٍ هذا الحضور الدائم أمام عينيه لاستقام ظاهرًا وباطنًا، ولحَاسَب نفسه قبل أن يُحاسبه غيرُه، ولجعل من نفسه رقيبًا على كلِّ صغيرة وكبيرة، لا يحتاج في ذلك إلى سلطة أبويَّة، أو قانونية، أو تشريعية، ولو كان الله حاضرًا في حنايا أنفسنا دومًا لما داخلتنا هواجس الشيطان، ولما استجبنا لهوى أنفسنا وإغراءاتها، وذلك هو المفهوم العميق للعبادة في تصوُّر الإسلام.
ولو رُحنا نتتبع العبادات العملية المفروضة علينا لوجدناها وسائل تربويَّة، ترقى بالروح وتسمو بالنفس، وتتَّجه بالعقل والقلب إلى عبادة الواحد الأحد، عبادة عمليَّة دائمة تتجاوز المعنى الآني الذي نعرفه والذي تعوَّدنا عليه، فالصلاةُ تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصومُ يسمو بالإنسان من نوازعه الماديَّة إلى الآفاق الروحيَّة، والزكاةُ صلة اجتماعية قويَّة تربط بين أفراد المجتمع المسلم بالرحمة والتوادد، والحجُّ جمعٌ للمسلمين أجسادًا وأفئدةً في أقدس مكان على الأرض ليتَّحدوا ويتضامنوا.
والعبادة تأتي على معنيين عام وخاص، فالعبادةُ لمعناها العام: أن يعمل الإنسان (المشروعات) يبتغي بذلك وجهَ الله، فمن اشتغل بالطبِّ أو الصيدلة أو الكيمياء أو علوم الحياة أو غيرها، كما يظنُّ بأنَّه من العلوم الدنيويَّة، وهو يريد من عمله وجه الله ونفع عباده المؤمنين فهو في عبادة، وقد نقل عن أكثر من واحد من علماء المسلمين أنَّ الاشتغال بالعلم أفضلُ من صلاة النافلة. (1/95)
صفحة 95
أمَّا المعنى الخاص للعبادة: فيشمل الصلاةَ والصيامَ والحجَّ والزكاةَ، والأصلُ في هذه النص الصحيح، فليس من حقِّ أحد أن يزيد أو ينقص منها.
والمعاني المستخرجة والعبر المستنبطة لا تقف عند حد، إذ تعوَّد الفقهاء المسلمون تقسيم العبادة إلى: عبادات ومعاملات، فإنما هو تقسيمٌ الهدفُ منه التبويبُ والتقسيمُ لتيسير الدراسة والفهم، لا أكثر ولا أقل، وإلاَّ فإنَّ معنى العبادة بهذا المفهوم الضيِّق يتنافى والمعنى الصحيح للعبادة ومقاصد الشريعة الإسلامية، والناظرُ في القرآن الكريم والسنَّة المطهَّرة، يجد أنَّ مدلول العبادة فيهما شامل، كما لا يقتصر على الفرائض المعروفة، ولا يقف عند حدود الشعائر المشهورة، بل يشمل الحياة كلَّها ويضمُّ كلَّ حركات الإنسان وسكناته، فالحياة في منهج الله - عز وجل - وحْدَه كلُّ ما فيها لله، والإسلام لا يفصل بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، ولا يفرق بين الفرائض والسلوك، ولا بين إقامة الشعائر التعبُّدية والمعاملات المشروعة، ويجعل كلَّ حركة في حياة المسلم وثيقة الصلة بعقيدته، كي يتوجَّه بها إلى ربِّه المعبود الأوحد منفذًا أمرَهُ، محقِّقًا رسالته، مصداقا لقوله تعالى الذي علَّمنا أن نقول كما قال إبراهيم - عليه السلام -: {((((إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (((((} (الأنعام) (1).
قد بحث المفسرون والعلماء قديماً وحديثًا في معنى العبادة والغاية منها، وشروطها وخصائصها وغير ذلك، ممَّا يدور حول مفهوم هذه
__________
(1) - د. محمد نبيل غنايم، العبادة في الإسلام، مكتبة المنار، الزرقاء، الأردن، 1982 ص 36. (1/96)
صفحة 96
الكلمة، ومنها ندرك أنَّ العبادة المشروعة لا بدَّ لها من أمرين:
أوَّلا: الالتزامُ بما شرعه الله، ودعا إليه رسله أمرًا ونهيًا، تحليلاً وتحريما؛ وهذا هو الذي يمثِّل عنصر الطاعة والخضوع لله.
ثانيا: أن يصدر هذا الالتزام من قلب يُحبُّ الله تعالى، فليس في الوجود من هو أجدر من الله تعالى بأن يُحَب، فهو صاحب الفضل والإحسان، الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئًا مذكورًا، وخلق له ما في السماوات والأرض جميعا، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنه، وخلقه في أحسن تقويم، وصوَّره فأحسن صورته، وكرَّمه وفضَّله على كثير من خَلقِه، ورزقه من الطيِّبات، وعلَّمه البيان، واستخلفه في الأرض، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكتَه، فَمَن أَولَى من الله أن يُحَب (1).
ومن ثمَّ تغدو العبادة هي الغاية التي من أجلها خَلَقَ الله لها الخلْق، وأرسل لها الرُّسل، وكذلك كان مفهومها في حسِّ جيل الصحابة - رضي الله عنه - إنَّ عبادة الله هي غاية الوجود الإنساني كلَّه، كما تدلُّ عليه الآية الكريمة البليغة: {(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا (((((((((((((} (الذاريات: 56).
إنَّ هذه الآية الكريمة كانت تمثِّل في حسِّ الصحابة الكرام معنىً هائلا جداً، وعميقًا جدًّا، شاملاً لكلِّ حياة الإنسان، فالقرآنُ نازل بلغتهم، وهم يفهمون إيحاءات اللغة، ويدركون أسرار بلاغتها، فيدركون من معنى الآية أنَّ غاية الوجود الإنساني كلَّه محصورةٌ في العبادة، لا تتعداها إلى شيءٍ غيرها على
__________
(1) - المصدر السابق، ص، 34. (1/97)
صفحة 97
الإطلاق، فالنفيُ والاستثناءُ هما أقوى صُور الحصر والقصر في اللسان العربي، ومعناهما: النفي البات من جهة، والحصر الكامل من جهة أخرى: {(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ (((( .. } (الذاريات:56)، ”ما“ و”إلاَّ“، فليس تَمَّتَ غاية للوجود البشري غير عبادة الله، وحصر غاية هذا الوجود كلِّه في عبادة الله. إنَّ هذا الحصر والقصر يدلُّ دلالة قاطعة على أنَّ المسلمين اليوم أخطؤوا فهم معنى العبادة التي يريدها الله منهم؛ إذ لو كانت العبادة هي الصلاة والزكاة وغيرها من العبادات المعروفة أو الشعائر المعروفة، إذا لتساءلنا: كم من الوقت تستغرق هذه العبادات؟ وهل يعني ذلك أن يضَلَّ الإنسان أسيرَ صلاة وزكاة وصوم وحجٍّ .. وغيرها؟ من العبادات لأنَّ الله - سبحانه وتعالى - ما خلقه إلاَّ لهذا الغرض؟ ثمَّ بعد ذلك، إن طبَّق ذلك، فمعناه: أنَّه لا يهتمُّ بأمور دنياه ومتطلَّبات معاشه، وذلك ما لا يقبله عقل على الإطلاق.
إنَّ الإنسان لا يستطيع مهما حاول أن يقضي واجب العبادة المفروض عليه نحو الله من خلال الشعائر التعبُّدية وحدَهَا، ليس الإنسان مَلَكاً، ولن يكون كذلك، الإنسانُ ذلك المخلوق من قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله، المشتمل إلى جانب روحه الشفيفة على جسد يكدح وينزع ويأكل ويشرب ويتعب وينام، فإنَّه لا يستطيع أن يعبد الله على طريقة الملائكة التي تُسبِّح الليل والنهار لا تفتر ولا تنشغل عن التسبيح (1)، إنَّ الله فرض على الإنسان عبادة تناسب تكوينه، وتناسب مهمَّته؛ تناسب طاقاته المتنوِّعة،
__________
(1) - محمد قطب، مفاهيم ينبغي أن تصحح، ص، 174 - 176، (بتصرف). (1/98)
صفحة 98
والكَبَد الذي يعانيه والكَدَح الذي يلازمه، وتناسب في الوقت ذاته مواهبه التي اختصَّ بها بين الكائنات ومجالات نشاطه الواسعة، والأمانةُ التي تحمَّلها عبادة لم تُعنته في شيء، ولا تكلِّفه ما لا يطيق، وتتَّسع في الوقت ذاته حتى تشمل وجوده كلَّه وعُمرَه كلَّه، من لحظة التكليف إلى لحظة الموت.
وكذلك فهم الجيل الأوَّل - رضي الله عنه - معنى العبادة، لم يحصروها قطُّ داخل الشعائر التعبُّديَّة، بحيث تصبح اللحظات التي يقومون فيها بأداء الشعائر التعبُّديَّة هي وحدها لحظات العبادة، وتكون بقيَّة حياتهم خارج العبادة، إنَّما في حسِّهم أنَّ حياتهم كلها عبادة، وأنَّ الشعائر إنِّما هي لحظات مركَّزة يتزوَّد الإنسان فيها بالطاقة الروحية التي تُعينُه على أداء بقيَّة العبادات المطلوبة منه، ولذلك كانوا يحتفلون بها احتفالاً خاصًّا، كما يحتفل المسافر بالزاد الذي يُعينُه على الطريق، وباللحظة التي يحصل فيها على الزاد.
والقرآن الكريم حافلٌ بمثل هذا التوجيه الربَّاني للعبادة، وسيرة الرسول الكريم مضيئةٌ بمثل هذه المواقف، لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوضِّح ذلك لأمَّته، حتىَّ لا تفرط في العبادة إلى رهبانية مبتدعة، وحتَّى لا تفرِّط في فهم عبوديَّتها لله إلى مادية منحرفة، ومن ذلك ما رواه الشيخان: «ذهب ثلاثة رهطٍ إلى بيتٍ من بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوا عن عبادته - صلى الله عليه وسلم - فلمَّا أُخبروا كأنَّهم تقالُّوها، فقالوا أين نحنُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، قال أحدُهم أمَّا أنا فأصومُ الدهرَ ولا أُفطر، وقال الآخر فأقُوم الليل ولا أنام، وقال الثالث أمَّا أنا فلا أتزوَّج النساء، فلمَّا سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنتم الذين قُلتُم كذا وكذا، أمَا والله إنِّي لأخشاكُم لله وأعبَدكُم له، (1/99)
صفحة 99
ولكنِّي أصومُ وأُفطِر، وأقومُ وأنام، وأتزوَّج النساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس منِّي» (1).
لقد انحرف المسلمون المعاصرون عن المفهوم الحقيقي للعبادة فهماً، فَهُما قسمان بين طرفي نقيض:
1) مسلمٌ يؤدِّي شعائِرَه الدينيَّة في إبَّانها وفي وقتها دون أن تؤثر هذه الشعائر في حياته فتوجِّهُهُ الوجهةَ التي يريدها منه الإسلام، فهي تكاد تكون في تقديره أعمالاً طقوسيَّة لا أكثر ولا أقلَّ.
2) ومسلمٌ منصرفٌ إلى العبادة الانصرافَ كلَّه، مُنزوٍِ عن أداء واجباته الدنيويَّة، مهمِل لكلِّ ما حوله من مسؤوليات الحياة وضروراته، سواء في محيط أسرته أو مجتمعه، فهو لا يفهم العبادة سوى زاوية أو تكيَّة أو سجَّادة أو مسبحة.
وكلا القسمين متجنِّيان على الإسلام، مُخطِئان في فهم حقيقته التي تدعو إلى الوسطيَّة في كلِّ شيءٍ، والعجيب في الأمر أن يُصرَّ بعض المسلمين على هذين الفهمين وكلُّ النصوص الدينيَّة قرآنا كريمًا وسنَّة مطهَّرة تدعو إلى غير ذلك.
M M M
لماذا لا نفهم الدين كما فهِمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام؟ حين كانت
__________
(1) - عز الدين بليق، منهاج الصالحين، دار الفتح، بيروت، ص: 193. (1/100)
صفحة 100
العبادةُ تشمل بمفهومها الواسع كلَّ جوانب الحياة الروحيَّة والنفسيَّة والعقليَّة، أوَلم يربط الإسلام العبادةَ بالعمل اليومي؛ فالعاملُ الذي يخلص نيَّته لله هو في جهاد حتَّى يرجع، أوَلم يربط العبادة بطلب العلم، حتَّى غدا المِدَادُ في ثوب طالبِ العلم كالدَّم في ثوب المجاهد في سبيل الله، أوَلم يربط العبادة بالسعي في قضاء حوائج الناس، فأعلن أنَّ أحبَّ الخلق إلى الله أنفَعَهم لعيال الله، لماذا انحرف المسلمون عن هذا الفهم السامي؟ في حين نجدهم يردِّدون صباح مساء: {(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا (((((((((((((} (الذاريات: 56).
قد يحتجُّ بعض المتزمِّتين من ذوي الفهم السطحيِّ بهذه الآية على أنَّها دعوةٌ أو أمرٌ من الله - سبحانه وتعالى - إلى نبذِ الأمور الدنيويَّة جانبًا، والانصرافِ كلِّية وبصفةٍ مطلقة إلى العبادة، كما يرى بعض المتصوِّفة، وهي في حقيقة الأمر رهبنة حاربها الإسلام وأنكرها في نصوص كثيرة، فإنَّ الآية السابقة نفسَها تعارض هذا المفهوم السطحي الساذج، فإنَّ قوله تعالى: {(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا (((((((((((((} (الذاريات:56)، دلالة قاطعة على أنَّ العبادة المقصودة هنا ليست الشعائر المتعلِّقة بالصلاة والزكاة والصوم والحجِّ وما إلى ذلك، لأنَّ الله - سبحانه وتعالى - عن طريق رسوله حدَّد لها زماناً ومكاناً، وخصَّها بحالات معيَّنة يكون فيها المسلم حتىَّ يؤدِّيها على حقيقتها، إذ لو كان المقصود من الآية الشعائر الدينيَّة وحدها، لما تساءلنا، كيف تتماشى مع ما فيها من حصر واستثناء ? ومعناه استغراق الوجود الإنساني في العبادة كما بيَّنا فيما سبق، أين نُمضي الأوقات التي لم تكتب لنا فيها صلاة؟ ولم يُفرض علينا فيها صيام ولا حجٌّ، ولم يُطلب فيها منَّا ذكرٌ أو تسبيح؟ أليس تحديدُ الصلاة بوقت معيَّن، والصوم (1/101)
صفحة 101
بوقت معيَّن، والحجِّ بوقت معيَّن، والزكاة بوقت معيَّن، دلالة قاطعة على أنَّ مفهوم العبادة أشمل وأعمق من الشعائر الدينيَّة، إنَّ شعائر التعبُّد لا يمكن بداهة أن تكون هي كل العبادة المطلوبة من الإنسان، فما دامت غاية الوجود الإنساني كما تنصُّ الآية الكريمة محصورةً في عبادة الله، فأنَّى يستطيع الإنسان أن يؤدِّي العبادة المطلوبة بالشعائر التعبُّديَّة فحسب (1).
إنَّ العبادة الصحيحة إذا طُبِّقت على الوجه الحقيقي الذي أراده الله لها، تؤدِّي حتمًا إلى بناء الحضارة الخالدة، حضارة التمكين في الأرض والسيادة في العالم لرخاء الإنسانية وسعادتها، وهذا حكم الله وسنة الله التي لا تتبدَّل ولا تتغيَّر: {((((تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ (((((((((} (فاطر:43)، أوَلم يصرِّح القرآن الكريم ومخاطب المسلمين المعنيين بالرسالة الخالدة: {((((((اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (النور:55).
إنَّ الله سبحانه ربط بين التمكين في الأرض وبين الإيمان الصحيح والعمل الصالح، وهل تكون عبادةٌ صحيحةٌ دون عملٍ صالحٍ واستقامةٍ دائمة؟ ثمَّ إنَّه ربط بين الأسُس التي تُبنى عليها الحضارة، وهي الأمن والرخاء ونفي
__________
(1) - محمد قطب، مصدر سابق، ص: 175. (1/102)
صفحة 102
الخوف وعدم الاستقرار، ربطها بعبادة الله وحدَه، وعدم الإشراكِ به مهما يكن هذا الشيء، صَنماً يُعبد، أو جاهاً يُطلب، أو مالاً يُبتغى، أو سلطة يُسعى إليها، أو شخصًا يُؤَلَّه من دون الله، هذه كلُّها مظاهر تنفي إخلاص العبوديَّة لله وحده، فالإشراكُ له كلُّ هذه المعاني التي ذكرناها.
وقال في آية أخرى: {(((((((((إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} (الحج:41)، فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - يربط مرَّة أخرى بين أسُس العبادة من إقامة الصلاة وإتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يربط بينها وبين الاستخلاف في الأرض والتمكين، لأنَّ هذه العبادات في مفهوم الإسلام، ليست عبادات شعائرية تعود بأجرها على القائم بها، كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنَّما هي أجرٌ لصاحبه، ومنفعةٌ عاجلةٌ أو آجلةٌ لخلق الله كلِّهم، لأنَّنا حين نتعمَّق معنى الصلاة مثلا: نجد لها أبعادًا حضارية واسعةً، تعودُ بالخير على الأمَّة كلِّها، وعندما نحلِّل منافع الزكاة نجدها عبادة يعود خيرها على المجتمع المسلم كلِّه، وعندما نتعمَّق الأبعاد الحضارية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نجدها أساسًا قويًّا لبناء المجتمع الصالح القائم على الخير والفضيلة.
إنَّ حرص الإسلام على بناء الأمَّة الخيِّرة هو الذي حدا به أبدا إلى أن يدخل في مفهوم العبادة السلوك السويَّ، والتعاملَ المستقيمَ بين أفراد مجتمعاته، إنَّ من المزايا الكبرى لهذا الدين قاعدتُه الأخلاقية العريضة الشاملة التي تشمل كلَّ أعمال الإنسان. لا شيء في حياة الإنسان يخرج من دائرة الأخلاق، لا سلوكُه، ولا فكرُه، ولا مشاعرُه، ولا أي لونٍ من ألوان نشاطه، سياسيًا كان (1/103)
صفحة 103
أم اجتماعياً أم اقتصاديًا أم فنِّيًا، بل كلُّ نشاطه مرتبطٌ بالأخلاق، وقائم على قاعدة أخلاقيَّة نابعة من الميثاق الذي يُقِرُّ فيه الإنسان بعبوديَّته لله (1).
{(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ((((} (الرعد).
إنَّ المتأمِّل في القرآن الكريم، يَلْحظ جلياً، كيف تأتي آيات الحثِّ على الأخلاق الفاضلة مرتبطة بالصلاة والذِّكر لأنَّها جزءٌ لا يتجزَّأ عن العبادة الحقيقية، وهي قبل هذا وذاك ميثاقٌ مع الله، وطريقٌ إلى جنَّته، كما نلحظ في هذه الآيات البيِّنات من سورة الفرقان، {(((((((((الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِن عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ
__________
(1) - محمد قطب، مرجع سابق، ص: 215. (1/104)
صفحة 104
يَفْعَلْذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ((((} (الفرقان).
ففي هذه الآيات البيِّنات أثني عشرة صفةً خلقيَّة من محاسن الأخلاق وأعلاها، تؤدي كلُّها حقَّ العبادة لله، إنَّها: التواضُعُ، والحِلْمُ، والوَرَعُ، والخشية، الاقتصادُ، والكرمُ، وإخلاصُ العبادة لله، والوقوفُ عند محارمه، وعدم شهادة الزور، والتعالي على اللغو والمنكر، والاعترافُ بالخطايا عند وقوعها، والإحساسُ بدفء الزوجيَّة والأسرة الصالحة ...
إنَّ المتَّصفين بهذه الصفات هُم الذين يحقُّ لهم أن يتَشرَّفُوا بأنَّهم عباد الرحمان، وليس أجل وأشرف من أن يتَّصف المخلوقُ بالعبودية للخالق الأكرم، ومن كانت هذه صفتُه كان جزاؤُه حتمًا جنات الخلد حيث السلام والاستقرار الأبدي.
إنَّ الأفرادَ المتَّصفين من عباد الله بهذه الصفات العالية، يتكوَّن منهم ولا (1/105)
صفحة 105
ريب المجتمعُ المتماسكُ القائم على الرحمة، والعدالة، والألفة، والمحبة، ويُبنى على الاستقرار والطمأنينة. ولا قيام لحضارة راقيةٍ دون مجتمعٍ تسود فيه هذه الأخلاق العالية، كما أنَّ خلوَّ أيِّ مجتمع منها يؤدِّي حتما إلى الانهيار والفناء.
إنَّ هذه الآيات تدلُّ دلالةً واضحةً على العبادة الصحيحة، إذا طُبِّقت على الوجه الأكمل فإنَّ الإنسان يرقى في مستواه وفي تعامله مع الناس إلى أن يكون المؤمنَ الحقيقيَّ الذي يطلبه منه القرآن. لا شيء في حياة الإنسان يُخرجه من دائرة الأخلاق، لا سلوكُه ولا فكرُه ولا مشاعرُه ولا أي لونٍ من ألوان النشاط الآخر، سياسيًّا كان أو اجتماعيا أم اقتصاديًّا أم فنيًّا. فعندما نتأمَّل في الشعائر الدينية التي تعبَّدنا الله بها وأمرنا بالامتثال لها وتطبيقها، مثل الصلاة والصوم والزكاة والحجِّ، وهي أركانُ الإسلام كما لا يخفى، نلحظ كيف ترتبط بعامل الزمن أي أنَّها ترتبط كلُّها بأوقات محدودة وساعات معيَّنة، فالصلاة كانت على المومنين كتابًا موقوتا، فهي مطلوبةٌ من المسلم خمس مرَّات في اليوم والليلة، والصوم مرَّة كلَّ سنة، والزكاةُ كذلك إذا بلغت النصاب، والحجُّ مرَّة في العُمر لمن استطاع إليه سبيلاً، ونتساءل ما الحكمة في ذلك؟ أي ما الحكمة في ربط الشعائر الدينية بأوقات زمنيَّة معيَّنة محدودة؟.
إنَّ الله يُقيم العبادة على هذا الأساس المتراوح ما بين الفينة والأخرى، تذكيرًا بِصِلَة العبد بربِّه، وتقويةً لروح الاستقامة والطهارة في نفسه، وعودةً به إلى الطريق المستقيم، طريقِ الحقِّ والخير كلَّما تشابكت السُّبل أمامه، والله الذي خلق العباد أدرى بطبيعتهم الضعيفة، التي سرعان ما تنهار أمام إغواء الشيطان، ومغريات النفس البشرية، {((((((((الْإِنْسَانُ ((((((((} (النساء: 28)، (1/106)
صفحة 106
ضعيفًا جسدًا، ضعيفًا روحًا، ضعيفًا عقلاً، ضعيفًا نفسًا.
إنَّ العبادة تُربِّي النفس الإنسانية على مقاومة ما فيها من ضَعف، والتغلُّب على ما فيها من شهوات، وتقويتها لا لتكون قوَّة بطش وطغيان، ولكن لتكون قوَّة ضبط واعتدال، وهذا هو السرُّ في قيام العبادات كلِّها على تنمية هذه الروح في نفوس المؤمنين من الضبط والاعتدال لخلق الله كلِّهم، لأنَّنا حين نتعمَّق معنى الصلاة نجد لها أبعادًا حضاريَّة واسعة تعودُ بالخير على الأمَّة، وعندما نحلِّل منافع الزكاة نجدها عبادةً يعودُ خيرها على المجتمع المسلم كلِّه، وعندما نغوصُ في الأبعاد الحضاريَّة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجدها أساسا قويًّا لبناء المجتمع الصالح القائم على الخير والفضيلة ..
إنَّ حرص الإسلام على بناء الأمَّة الخيِّرة هو الذي حدا به أبدًا إلى أن يدخل في مفهوم العبادة السلوك السويَّ، والتعامل المستقيم بين أفراد مجتمعاته.
ولم يُصَب المسلمون بالانحسار والتدهوُّر والهزيمة إلاَّ حين فصلوا بين العبادة معتبرين إياها شعائر تَعبُّديَّة وبين أخلاقهم وسلوكهم اليومي، والعجيبُ في الأمر أن تقوم لذلك مدارسُ وفلسفات تَسنِد هذا المفهوم الخاطئ، وهي مثابرةٌ في ذلك ولا شكّ، بأفكار دخيلة، إنَّ من المزايا الكبرى لهذا الدين قاعدتُه الأخلاقية العريضة الشاملة التي تشمل كلَّ أعمال الإنسان.
لننظر إلى الصلاة، أليست مرتبطةً بوقت محدَّد خمس مرَّات بين اليوم والليلة، بحيث يغدو أداؤها قبل دخول وقتها أو بعد خروج وقتها سيَّان، فالسابق مُفرِط، واللاَّحق مفرِّط، وفي هذا تربيةٌ للنفس على الانضباط بالمواعيد في أوقاتها المحدَّدة، أداؤُها في جماعة المسلمين في صفوفٍ متراصَّة متلاحمة (1/107)
صفحة 107
استواءً لا يقبل الاعوجاج، وتلاحُمًا لا يقبل الخلل، وإكمالاً للصفِّ الأوَّل لا يكونُ مقبولاً معه الصفُّ الثاني إلاَّ بعد أن يكون مكتملاً الكمال النهائي؛ ألا يدلُّ كلُّ ذلك على تربية الإسلام للنفوس وتعويذها على النظام والاعتدال، لتغدو هذه الأخلاقُ العالية طبيعةً في حياتها اليومية؟ واشتراطُ القراءة وراء الإمام، والائتمام به فعلاً وتركًا، بحيثُ يُعتبر سَبْقُه بالقراءة أو الركوع أو السجود مُبطلاً للصلاة؛ ألا يدلُّ ذلك على روح التقيُّد بروح الجماعة والانضباط وراء الإمام حرصًا على التماسُك والتضامن والانقياد في سبيل الخير. ولحكمة جليلة أرادها الله ربط الصلاة ـ وهي عمودُ الدين ـ فهيَّأ لها بتشريعه الحكيم جوًّا من الإجلال والتعظيم، ومن الخشوع والرقَّة، ومن الجدِّ والرزانة، ومن الوقار والسكينة، ومن التعاون والاجتماع، ما لا يوجد له نظير لعبادةٍ أو نُسُك في دين آخر، ومن ذلك الآذان، والإقامة، والطهارة، والقِبلة، والوقت، والجماعة، ومتابعة الإمام في كل صغيرة وكبيرة (1).
هذه التشريعات كلُّها ترمي إلى أن تربِّي النفس المؤمنة لتكون في حياتها متصفة بكلِّ هذه المعاني التي تُعدُّ الصلاة تدريبًا لها وتثبيتًا، يقول الشيخ القرضاوي: «والمسجدُ يضمُّ أهل الحيِّ كلَّ يومٍ خمس مرَّات تتلاصق فيها الأبدان، وتتعارف فيها الوجوه، وتتصافح فيها الأيدي، وتتناجى فيها الألسن، وتتآلف فيها القلوب، ويلتقون على وحدة الغاية والوسيلة، وأي وحدة أبلغ وأعمق من وحدة المصلِّين جماعةً، يصلُّون خلف رجل واحدٍ هو الإمام،
__________
(1) - محمد نبيل غنايم، (مرجع سابق)، ص: 85. (1/108)
صفحة 108
ويناجون ربًّا واحدًا هو الله، ويتلون كتابًا واحدًا هو القرآن، ويتَّجهون إلى قِبلَة واحدة هي الكعبة، ويؤدُّون أعمالاً واحدة من قيام وقعود، وركوع وسجود، وهذه كلُّها أعمالٌ تنفذ إلى اللُّب ولا تكتفي بالقشور، وحدةٌ في النظرة والفكرة، وحدةٌ في الغاية والجهة، وحدةٌ في القول والعمل، وحدةٌ في المخبر والمظهر، وحدةٌ يشعرون فيها بروح الآية الكريمة {(((((((الْمُؤْمِنُونَ • (((((((} (الحجرات: 10) (1)».
وهكذا نرى أنَّ مزايا صلاة الجماعة في تنمية روح التضامن، لا تنفَذ، وفيها حِكَم دقيقة ومصالح عظيمة لا تعدُّ ولا تُحصى؛ منها ما هي اجتماعية وخلقية، كالوحدة والاجتماع والتعاون والتعارف، وما هي فردية تنمِّي في الفرد روحَ الفضيلة والخشوع والنظام والانقياد والتعلُّق بالجماعة والقضاء على الفردية والأنانية.
والله - سبحانه وتعالى - يدرك تكويننا الضعيف المائل إلى الكسل والعجز، وقد يوجد الكثير من المسلمين الذين لا يلتزمون بالصلاة جماعةً، ولا يحرصون على أدائها في المساجد تقصيرًا وتهاونًا، ومن أجل ذلك فُرضت صلاةُ الجمعة، التي فرض إقامتها في يوم يُعدُّ عيدًا في الأرض وعيدًا في السماء، وسيَّج إقامتها على الوجه الأكمل بالغسل والنظافة والتطيُّب، واشترط أن تؤدَّى في مسجد جامعٍ ليكون ذلكً سببًا لجمع المسلمين في صعيدٍ واحدٍ، مرَّة واحدة كلَّ أسبوع فيكون ذلك أدعى إلى ائتلاف القلوب واتِّحاد المشاعر، وهم لا يكتفون بالصلاة كما
__________
(1) - د. يوسف القرضاوي، (مرجع سابق)، ص: 230. (1/109)
صفحة 109
يفعلون في سائر الأيام الأخرى، بل لا تكتمل صلاتُهم إلاَّ بالخطبة يلقيها عليهم إمامُهم، يخاطب قلوبهم وعقولهم ويذكرهم بأمور دينهم ودنياهم.
وكذلك الشأنُ في صلاة العيدين، فالأصلُ فيها أن تكون في بَراحٍ واسعٍ في البريَّة ليجتمع المسلمون مرَّتين في السنة، وقد طَفِحَت قلوبُهم بالمسرَّة وعَلَت وجوهُهُم المرحمة، ولذلك تظهر شَوكَتُهم، ويَعلَمُ كَثرتَهُم عدوُّهم، ويستأنس بعضُهم ببعض. ولذلك استُحبَّ خروج الجميع حتىَّ الصبية والنساء وربَّات الخدور حتىَّ الحُيَّض ـ على أن يعتزلن المصلىَّ ـ وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حرصًا منه على تجسيد هذه المعاني، يُخالف في الطريق ذهابًا وإيابًا ليطَّلع أهلُ الطريقين على شوكة المسلمين.
إنَّ الصلاةَ جماعةً في مواسمها المختلفة تنشئُ الاتحاد والمحبَّة والإخاء بين المسلمين، وتجعل منهم كتلةً متراصَّة يحمل كلُّ فردٍ منها هذه المعاني والقيم الجليلة، وإنَّها المجالُ الذي يقف فيها الغنيُّ والفقيرُ والصغيرُ والكبيرُ في صفٍّ واحدٍ أمام ربٍّ واحد، يؤدُّون شعيرة واحدة، فلا شريف فيهم ولا دنيء، ولا رفيع ولا وضيع إلاَّ بالتقوى، فأيُّ تضامنٍ في أيِّ مجتمع أفضلُ من هذا التضامن الإسلاميِّ الذي يقومُ على أسُس من عبادة الله - عز وجل -، وينبعُ من صميم هذه الديانة وشعائِرِها، ويظهر بهذه الصورة المشرقة التي تربيِّ النفس وتُعدُّها لمهام الحياة على المستوى الفردي أو الجمعي. (1/110)
صفحة 110
الإنسان بين المادية والروحية
في القرآن الكريم
من رحمة الله بنا أن رَضِيَ لنا الإسلام دينًا، وجعلنَا مسلمين، فإنَّ في الإسلام خصائصَ ومميِّزاتٍ لا تُوجد في الديانات السابقة مثل اليهوديَّة والنصرانيَّة، فإنَّنا حين ننظر في تلك الديانات اليوم نجدها إمَّا مُغرِقَةً في المادية كاليهودية، إمَّا مُوغلَةً في الروحانية كالنصرانية، وجاء الإسلامُ صالحا لكلِّ زمانٍ ومكان، ليوازن بين المادية والروحية، ويُعادل بين الدين والدنيا، ليصلح بذلك ما أفسده مُحرِّفو الديانات السابقة، لأنَّ الله لم يدْعُ قطُّ، لا إلى المادية اليهودية، ولا إلى الروحانية النصرانية. وحتىَّ نفهم رحمة الإسلام وعدلَهُ، وحتىَّ نقف عند خصائص هذا التوازن، نشيرُ إشارةً سريعةً إلى المادية والروحية.
عندما يقرأ المرء أسفارَ التوراة الخمسة الحاليَّة، لا يكادُ يجد للروحانية أثرًا، ولا يكاد يجد للآخرة مكانًا، حتىَّ الوعدُ والوعيد في هذه التوراة للمطيعين والعصاة، إنَّما يتعلَّقان بأمور دنيويَّة، وتكاد تستأثر بها النزعة المادية الخالصة، فالخصبُ والصحَّة والثراء وطولُ العمر والنصر على الأعداء ونحوها من المكاسب الدنيويَّة الخالصة، هي المثوباتُ العاجلةُ التي تبشِّر بها التوراة لمن نفَّذ تلك النواميسَ، وأضدادُ هذه الأمور من الجذبِ والمرضِ والموتِ والوباءِ والفقرِ والهزيمةِ ونحوها، هي عقابُ مَن يُعرضون عن شريعة التوراة (1) ...
__________
(1) 1 - د. يوسف القرضاوي، العبادة في الإسلام، ص: 181. (1/111)
صفحة 111
وإذا انتقلنا إلى الإنجيل، كتاب النصرانية المحرَّف، وجدناه دعوةً قويَّة إلى إلغاء قيمة هذه الدنيا، واعتبارِ هذه الأرض بمثابة المنفى للإنسان، وطلبِ النجاة والسعادة هناك في العالم الآخر، فمن أراد ملكوتَ السماءِ فليُعرض عن الأرض، ومن أراد الجزاءَ الأخرويَّ فعليه أن ينصرف كلِّية عن متاع الحياة الدنيا، فلا يطلب منها شيئًا، لا مالاً، ولا حياةً، ولا سعادةً، ولا رخاءً، بل عليه أن لا يملك من هذه الدنيا شيئًا، ولا يستمتع بطيِّباتها مهما تكن هذه الطيِّبات، فإن هو فعل شيئًا من ذلك حُرم من الجزاء الأخروي. وهذا موقفٌ يناقض موقف الماديَّة اليهوديَّة، كما أوضحنا، يقول الإنجيل: «لا يدخل غنيٌّ ملكوتَ السماواتِ حتىَّ يدخلَ الجملُ في سمِّ الخياط»، ويَرِدُ على لسان المسيح مخاطباً شابًا أراد الدخول في دينه: «إذا أردتَ أن تكون كاملاً، فاذهب ومعكَ ما تملِك، وأعطِه للفقراء ثمَّ تعال واتَّبعني». ولم تقف الدعوة إلى التقشُّف والتزهُّد وإهمال الحياة الأرضيَّة عند الحدِّ الذي جاء به الإنجيل، بل ابتدع أتباع النصرانية نظامَ الرهبانية، بما فيه من قسوة على النفس، وتحريم الزواج، وكبت الغرائز، ومصادرةِ كلِّ نزوع إلى الزينة وطيِّبات الرزق. وانتشر هذا النظام العاتي، وكَثُر اتباعه، فأصبح ممَّا يتعبَّدون به الله ويتقرَّبون به إليه، البُعدُ عن النظافة والتجمُّل، واعتبارُ العناية بالجسم ونظافتِهِ ونوازِعِه، رجسًا من عمل الشيطان (1)، وتحكي المصادرُ في هذا السبيل عَجَباً، من تعذيب الجسمِ وقهرِهِ، حتىَّ تطرَّف من تطرَّف منهم من قساوسة ورهابنة، فراحوا يعدُّون طهارة الجسم منافيةً لنقاء الروح، ويتأثَّمون من غسل الأعضاء، وبات
__________
(1) 2 - المصدر السابق، ص: 180. (1/112)
صفحة 112
أزهدَ الناس عندهم وأتقاهم أبعدُهم عن النظافة والطهارة وأوغلهم في النجاسات والدَّنس، وكانوا يفرُّون من ظلِّ النساء، ويتأثَّمون من قُربهنَّ، والاجتماع بهنَّ، وكانوا يعتقدون أنَّ مصادفَتَهُنَّ في الطريق والتحدُّث إليهنَّ ولو كنَّ أمهات أو أزواج أو شقيقات تُحبط أعمالهم وجهودهم الروحيَّة، لأنَّ الشيطان في اعتقادهم يتَّخذ المرآة سكنًا.
هكذا كانت اليهودية متطرِّفة في المادية، التي تُغفل أشواقَ الروح والنظر إلى الجزاء الأخروي، وهكذا كانت النصرانية في تحقيرها للدنيا وتعذيبها للجسد وكلِّ متطلباته الطبيعيَّة.
جاء الإسلام رحمة للعالمين، دينًا لليُسر والتسامح، واستجابةً للطبيعة البشريَّة، ملبِّيا لنوازع الجسد وأشواقِ الروح في آن واحد، دون أن يشتطَّ في جانب من الجوانب، فكان من سمته التوازنُ في كلِّ الآفاق والنواحي، والاعتدال الذي يليق برسالة جاءت لكلِّ البشر، خاتمة لكلِّ الديانات، لتسع أقطار الأرض مكانًا، وتسع كلَّ الأعصر زمنًا، وتُشرِّع لجميع الناس مهما اختلفت طبائعهم وبيئاتهم وميولهم. فلم يطلب الإسلام من المسلم أن يكون راهبًا في دير، أو عابدًا في خلوة، ليله قائم ونهاره صائم، كلُّ صمته فكر، وكلُّ كلامِه ذِكر، لا حظَّ له في الحياة ولا حظَّ للحياة فيه (1) ... لا لم يأمر الإسلام بذلك، وإنَّما خصائص الإسلام الوسطيَّةُ والاعتدالُ، كما جاء في القرآن الكريم: {(((((((((((جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى
__________
(1) 1 - د. القرضاوي، المرجع السابق، ص: 185. (1/113)
صفحة 113
النَّاسِوَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143)، وقد صرَّح القرآن الكريم بهذه المثالية الإنسانية قائلا: {((((((((((فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ (((((((((((((((} (القصص: 77)، وكأنَّ الإحسان والأخذَ من الدنيا بنصيب، مقياسُه الوحيد والأساسيُّ هو أن لا ينحرف الإنسان عن هذا الإحسان إلى أن يصبح فسادًا وغُلوًّا وعُلوًّا في الأرض، كما يفعل الجبابرة: {((كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ (((((((} (الشورى: 20)، ولعلّ بعض المتعجِّلين يقولون: الملاحظ هنا أنَّ الله ذكر حرث الآخرة ولم يذكر حرث الدنيا، وإنَّما الإجابة في الآية نفسها، حيث عبَّر عن المطلوب من المسلم بالحرث، والحرثُ لا يكون إلاَّ عملاً، والعملُ لا يكون بطبيعة الحال إلاَّ في الدنيا، فالعملُ إذا مطلوبٌ، ولكن ليكن في سبيل الخير، حتَّى يؤتي ثماره فيكون جديرًا بأن يطلق عليه صفة الحرث، أمَّا من اقتصر على العمل الدنيوي ناسيًا آخرته فذلك المغالي المشتطُّ الذي نزع نزوعًا ماديًّا، وفضَّل العاجلة ونسي الآجلة، وفضَّل متاع الحياة الدنيا على نعيم الآخرة، وبذلك حكم بنفسه على نفسه حين فضَّل أن يأخذ نصيبه في الدنيا قبل الآخرة، إذًا فالجزاء المنطقيُّ ألاَّ يكون له في الآخرة نصيب.
} {} {} { (1/114)
صفحة 114
أودع الله في الإنسان نزعتين مختلفتين؛ نزعةٌ مادية تنزع به نحو الشهوات والاستجابة للغرائز واللذائذ، ونزعةٌ روحيَّة تتيقَّظ في أنحائِه من حين لآخر، ترتفعُ به لتسموَ إلى الاستجابة لأشواق روحه ومتطلبات معنوياته، وبين النزعتين ما يزال الإنسان في صراعٍ مستمر، يحاولُ التوازن بين أشواق الروح ورغبات الجسد، غير أنَّ الله - سبحانه وتعالى -، أوضح لهذا الإنسان النجدين، وبيَّن له الطريقين: طريقَ الخير الذي تدعو إليه الروح، وطريقَ الشرِّ الذي ينجذب إليه الجسد، ووضع بشريعة الإسلام، الطريقةَ المثلى التي يكون بها الإنسان المثاليُّ الذي يأخذ من الحياة الماديَّة ما يلزمه دون إفراط، ويأخذ من الحياة الروحيَّة ما يُنير بصيرته ونفسَه دون تفريط، ولكنَّ الشيطان الذي يتربص بالإنسان ليُضلَّه عن طريق الهدى والرشاد، يجلُبُ بخيلِه ورَجْلِه، ويأتيه عن يمينه وعن شماله، ومن خلفه ومن قُدَّامه، ليدفع به في طريق الشهوة ليكون عبدًا لهوى نفسه، لا يرى في وجوده سوى إشباع ما يتطلَّبه جسده من مادَّة، فلا يرى في الدنيا سوى السعي من أجل الجاه والمال والولد، وهو يقيم علاقاته مع الآخرين على هذا الأساس، فلا يرى بالأخوَّة أو القرابة أو النسب والصالح العامِّ اعتبارًا، ما لم يرجع كلُّ ذلك عليه بالفائدة الشخصية، وهو إن لم يحصل على مبتغاة المادي، اتَّبع في سبيل الحصول عليه كلَّ الطرق ولو كانت أشواكًا، واستخدم كلَّ الوسائل ولو كانت كريهةً، فيثقل في ذلك كرامته الإنسانيَّة، ويضحِّي بكلِّ علاقاته العائليَّة، وقد يطرح في سبيل رغبته الشهوانية الدنيوية، القيم والمثل الوطنيَّة والدينيَّة. (1/115)
صفحة 115
أمَّا الإنسانُ السويُّ الملتزم بقيم الإسلام، فيدرك أنَّ الحياة الإنسانية الفاضلة، ليست في بهرج الدنيا وزخرفها، وإنَّما تقومُ أبدًا على الإيثار والتضحية بمطالب النفس ورغباتها، لتحقيق مصلحة الآخرين، ولا يعطي للدنيا أكثر مما أعطاه الله لها، من أنَّها زينةٌ وتفاخرٌ وتكاثرٌ في الأموال والأولاد.
ومن ثمَّ، فإنَّ على المسلم أن يتَّخذ الدنيا مطيَّةً للآخرة، ويعتبرها وسيلةً لغاية أشرف منها وأجلُّ، فلا يكون عملُه من أجل الدنيا حُبًا فيها ورغبةً في لذائذها، وإنمَّا يتَّخذُها فرصةً للامتحان والابتلاء والعمل الصالح، فيجعل القيم والمثل العليا نَصب عينيه حيثما توجَّه، فعملُه في الدنيا من أجل عمارتها لصالح الإنسانية جمعاء، وسعيُه للرزق فيها ليكسب قوته وقوت عياله، وإنَّ اجتهادَه فيها اجتهادُ مجدٍّ في طريق لا يسعى فيها إلاَّ لأنَّها وسيلة تُوصله إلى هدف معيَّن، هو الدار الآخرة حيث الجزاءُ الأوفى. إنَّ المسلم المثاليَّ هو الذي يوازن بين حقِّ الله وحقِّ الحياة، وهو ذلك المؤمن الكادح الذي يستحضر الآية الكريمة أبدًا: {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ((((} (الحشر)، أو كما قال الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ: «اعمل لدنياك كأنَّك تعيشُ أبدًا، واعمل لآخرتك كأنَّك تموتُ غدًا»، إنَّ الآفة الكبرى والضلال البعيد، هو أن ينذهل الإنسان وهو يسعى محمومًا من أجل الدنيا، حتىَّ ينسى نفسه التي بين جنبيه، فلا يفرِّق بين ما يَصلُحُها وما يُفسِدُها، ما يضرُّها وما ينفعُهَا. قال ابن القيِّم وهو يشرح هذه الآية: «تأمَّل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، هو أن من نسيَ ربَّه أنساه ذاتَه (1/116)
صفحة 116
ونفسَه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشِه ومعادِه، وصار معطلا مهملا بمنزلة الأنعام السائبة، بل ربَّما كانت الأنعامُ أخبر بمصالحها منه، لأنَّها على هُداها تمشي، هذا الهدى الذي أعطاها الله إياها، وأمَّا هذا فقد خرج من فطرته التي خُلق عليها، فنسي ربَّه فأنساه نفسَه وصفاتها وما تكمل به، وتزكو به وتسعد» (1).
حثَّ الإسلامُ على التوازن النفسي لدى المسلم، أن جعل عبادته لربِّه على هذا الأساس عملاً للدنيا وعملاً للآخرة، منسجمين متكاملين لا انفصام بينهما ولا تناقض فيهما، وحسبنا أن نقرأ هاتين الآيتين من سورة الجمعة اللَّتين تعدَّان مثالين واضحين للمنهج الذي ينبغي أن يسير المسلم على هداه، ولحكمة بالغة، وهدف ربَّانيٌّ عظيمٌ ربط هذه الوصية وهذا الهدى، بظرف زماني يحتفل فيه كلٌّ مسلم بنفسه، ويعود فيه ـ ولو أغرته الدنيا ـ إلى ربِّه، وفي سياق عجيبٍ يوازن بين الدنيا والدين، ويحثُّ على العمل لهما معا في وقت واحد، يقول الله تعالى: {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (((} (الجمعة)، إنَّها دعوةٌ إلى التوجُّه إلى الله وابتغاء وجه الآخرة، في ذروة العمل الدنيويِّ وأَتُونِه، البيع والشراء، عندما يكون الشيطان متحفزًا للإغراء بالشهوة والجاه والمال وكلِّ ما هو مادي
__________
(1) 1 - المصدر السابق، ص: 180. (1/117)
صفحة 117
بحت، يُوقظُنا الله بآذان الجمعة الداعي إلى ذكر الله، وتذكر المثال الحقيقي، والتجارة الرابحة الدائمة، ويستخدم صيغةً لغويَّة تدلُّ على الفورية والاستعجال والامتثال السريع حيث يقول: {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ (((( .. } (الجمعة: 09)، وكلُّ الذين يفقهون أسرار اللغة العربية، يعرفون أنَّ العطف ”بالفاء“ في هذا المقام، لا يمكن أن يدلَّ إلاَّ على الاستجابة الفورية السريعة، ثم هو يستخدم الصيغةَ اللغويةَ نفسَها، ولغرض مغاير هذه المرَّة تمامًا، وهو الانصرافُ عن الصلاة بعد انقضائِها إلى الانتشار في الأرض وطلبِ الرزق، بتحريضٍ على الكسب الحلال، لا يقلُّ حماسةً ودفعًا عن ذلك التحريضِ الذي استخدمه وهو يدعونا لإقامة الصلاة: {(((((((قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ (((((((((((} (الجمعة: 10)، والله أدرى بطبيعتنا المائلة إلى الدنيا المحمومة، وراء الكسب، فذكَّرنا ونبَّهنا إلى أن يكون الانتشار في الأرض للابتغاء من فضل الله مقرونًا دومًا بذكر الله حتىَّ لا ننسى الله فيُنسِينا أنفُسَنا، وهذا هو الشأن الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، عملٌ وبيعٌ قبل الصلاة، ثمَّ صلاةٌ وسعيٌ إلى ذكر الله، ثمَّ بعد انقضاءِ الصلاة انتشارٌ في الأرض، وابتغاءٌ من فضل الله (1)، إلاَّ تدلُّ هذه الآيات الكريمات على سماحة الإسلام ويُسره، وتُبيِّن منهَجَهُ الحضاريَّ الذي يقيم العلاقة التوازنيَّة بين أشواق الروح ومطالب الجسد؟!.
__________
(1) 1 - د. القرضاوي، المصدر السابق، ص: 186. (1/118)
صفحة 118
فضائل الصوم في القرآن الكريم
من أجلِّ الفضائل التي كرَّم الله بها شهر رمضان أن ربطه بذكرى عزيزة على قلب كلِّ مسلمٍ؛ بذكرى يعترف بفضلها على الوجود كلُّ إنسانٍ، ذكرى نزول القرآن الكريم على قلب محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور. وقال تعالى في وصفِ تلك اللحظات الخالدة: {((((((رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة: 185)، فإنَّ الله حين اختار شهرَ رمضان ظرفًا زمنيًا لنزول أعظمِ معجزةٍ على الأرض، اختارها من أجل أهدافٍ ساميةٍ عاليةٍ، نُحاول تبيِينها فيما يلي:
القرآنُ الكريم نزل إلى الأرض دعوةَ هدايةٍ إلى كلِّ الخلقِ أجمعين، أوحى الله به إلى محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، ليكون حجَّته الخالدة، ومعجزتَه الدائمة، وليكون الدعوة التي ترمي إلى أن ترفع الإنسانَ من حَضِيضِ شهواتِه ليسموَ على نفسِه وليتغلَّبَ على نوازعه الشيطانيَّة، ليكونَ قريبًا من الله، وليتذكَّر فطرته التي فطره الله عليها صلاحًا وتقوىً، حتَّى لا تؤثِّر فيه إغراءاتُ الشيطان التي تحاول دومًا أن تشدَّه إلى نوازعه الطِّينيَّة.
إنَّ هذه الدعوة السامية التي هي لبُّ القرآن ورُوحُه، كما تُلخِّصها الآية الكريمة: {(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا (((((((((((((} (الذاريات:56)، أليست هي الدعوةُ نفسُها التي فرض الله من أجلها الصومَ في رمضان؟ (1/119)
صفحة 119
إنَّ من الأهداف الكبرى للصوم، السُّمُو بالإنسان المؤمن إلى فطرته الأولى، ليتغلَّب طوالَ شهرٍ كاملٍ على نفسه التي تدعُوه دومًا إلى إشباع شهواتها الماديَّة والبهيميَّة، أَوَليس تركُ الطعام والشراب واللَّذات الأخرى، محاولةً لكسر شَرَهِ هذه النفس التي تطغى وتتجبَّر كُلَّما قَوِيَت في حناياها هذه الشهوات؟ أَوَليس ما يدعونا إليه رمضانُ من تركِ الأخلاق الدنيئة من غيبةٍ ونميمةٍ وظلمٍ وتعدٍّ وسبابٍ وفُحشٍ محاولةً لتنقية القلب من أدران الشيطان ووسَاوِسِه؟
رمضانُ مدرسةٌ لا تعود على الفرد بالنقاء والطهارة الروحيتَيْن فحسب، وإنَّما تعودُ على كلِّ المجتمع بالطمأنينة والصفاء والتوافق والانسجام، لأنَّه لو اتَّصف كلُّ فردٍ في المجتمع بتلك الصفات لبات المجتمع وقد ظلَّلَت أفرادُه كلُّهم سَحائِبُ الرحمة، ولسادت طبقاتُه وفئاتُه نسائِمُ الحبِّ والتعاوُن والرِّضا واليقين، إنَّ رمضان لا يدعو المسلمَ إلى ترك الطعام والشراب والشهوات الماديَّة المعروفة فحسب، إنَّ رمضان دعوةٌ إلى تنقية كلِّ الحواس من آثار الشيطان؛ نُمسِك فيه الفمَ عن الأكل والشرب ولَغوِ الحديث، ونُمسك فيه اللِّسانَ عن الوِشايةِ والكذبِ والأراجيفِ، ونُمسِك فيه اليدَ عن العبث والإيذاء والفساد، ونُمسك القدمين على أن لا تسعى إلاَّ إلى خيرٍ، ونُمسك القلبَ عن الحقد والحسدِ وسوء النيَّة، ومجموعُ هذه التربية السامية للحواس نتيجة حتمية تُطهِّر النفس من الشيطان لتعلُوَ به إلى ذُرى الإيمان.
إنَّ المسلم الذي ينتصر على نفسه بمثل هذا السلوك الربَّاني، يُحرز على (1/120)
صفحة 120
رضَا الله، وهو أعظمُ الجزاء، إنَّه الجزاءُ الأوفى الذي يعلُو على الجنَّة نفسِها، وتقديرًا لهذا الإخلاص من المسلم وَعَده الله تلك المنزلة، التي لا يصلها إلاَّ النبيُّون والصديقون والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، وذلك حيث يقول على لسان رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ عملِ ابنِ آدَم لَه إلاَّ الصومَ فإنَّه لِي وَأنَا أَجزِي بِه».
لماذا كرَّم الله - سبحانه وتعالى - عبدَه المؤمن بهذه المرتبة العظيمة؟ إنَّ الله نظر في ذلك إلى العمل نفسِه ـ والجزاءُ من جنس العمل ـ فنحنُ حين ننظر في العبادات التي فرضها الله علينا مثل: الصلاة والزكاة والحجِّ، نجدُها كلُّها مظنَّةً لأن تتحوَّل في حالةِ عدم الإخلاص القلبيِّ إلى أعمالٍ وشعائرَ لا معنى لها، فقد يصلِّي المصلِّي ويواظبُ على الجماعة مُراءاةً للناس وتطلُّعا إلى أجرٍ دُنيوي، وقد يزكِّي ويتصدَّق طلبًا للسُّمعة والرياء، وقد يحجُّ طلبًا للترفيه أو التجارة أو تقليدًا لشيء تعوَّد أفرادُ المجتمع أن يقوموا به، كلُّ هذا محتملٌ! ولكنَّ الصومَ وحده هو العبادة التي لا يمكن أن تشوبها هذه الشوائب، ولا يمكن أن تفسده هذه الوسائل، ذلك أنَّ فريضة الصوم قائمةٌ على ترك الطعام والشراب والجماع، وهذه عندما تُترك فإنَّما تُترك خوفًا من الله وحدَه، لأنَّ الله هو الرقيبُ الوحيد الذي يراقب الصائم في هذه الحالة؛ فالصائمُ إذًا لو لم يكن مُخلصًا في إيمانه وفي عبادته لما جاء بهذه العبادة على الوجه الأكمل الذي طلبه الله منه، وما دام الصائمُ لا يطلب من وراء هذا العَنَتِ الشاقِّ إلاَّ رضا الله، فإنَّ الله وحدَه هو الذي سَيُقدِّر مكافأته له: « .. الصوم لي وأنا أجزي به». (1/121)
صفحة 121
إنَّ الله هو الذي خلقَنا، وهو أدرى بأدْوَائنا وأدْوِيَتِنا، وهو أعرف بما يصلحنا وبما يُفسِدُنا، فلم يَرَ أصلحَ لأنفُسِنَا من الصوم: {(((((تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (البقرة:184)، وكلمة الخير هنا تجمع كلَّ ما ينفع الإنسان من مصلحةٍ أدركها أم لم يُدركها، تصوَّرَها أم لم يتصوَّرها، والله الذي خلقنا عليمٌ بضعفنا وما يعتري نفوسَنا من ميلٍ إلى الشهوات وانحرافٍ عن سبيل الهدى والرشاد، ففرض علينا شهر رمضان محطَّة نلتقط فيها أنفاسَنا اللاهثة وراء زخارف الدنيا وبهرجها، وجعله دورةَ امتحانٍ نراجع فيها دروسَنَا، ونسترجع فيها معلوماتنِاَ حتىَّ لا ننسى قرارَ الشيطان، وننسى فطرتنا التي فطرنا الله عليها، وكما أنَّ التاجرَ لا يعرفُ ربحه من خسارته إلاَّ بتقويم تجارته مرَّة كلَّ سنة، فكذلك المؤمنُ لا يمكنه أن يضع نفسه في علاقتها مع ربِّها مَوضِعَهَا الصحيحَ إلاَّ بلحظات تأمُّليَّة، يراجع فيها ما قدَّم وما أخَّر، وقد فرض الله له شهر رمضان فرصةً سانحةً لذلك، مع ما فيها من الأجر والثواب.
إنَّ رمضان دورة تدريبيَّة سامية الأهداف، وفوائدُها على النفس المؤمنة لا تعدُّ ولا تحصى، يكفي أن نقف عند بعض ملامح هذه الفوائد متأمِّلين فيها وفي محاورها، مثل: فوائِد الإنسان من أجل نفسِه التي بين جنبيه، فوائد في محيط أسرته ومجتمعه، وفوائد في محيط أمَّته الإسلامية.
الله (1/122)
صفحة 122
الصوم مدرسة للصبر
يروي أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «كلُّ عملِ ابن آدم تُضاعَفُ فيه الحسنةُ بعَشر أمثالها إلى سبعمائِة ضِعف، قال الله - عز وجل -: إلاَّ الصوم فإنَّه لي وأنا أجزي به، يَدَعُ شهوَتَهُ وطعامَه من أجلي». إنَّ الله خلق الإنسان من عنصرين اثنين، خلقه من طين، ونفخ فيه من روحه وفي ذلك حكمة ربَّانيَّة هائلة هي سرُّ هذا التجاذب بين النوازع المادية في نفسه والسموِّ الروحي، وكلَّما تغلَّبت عليه طبيعته الطينيَّة استجاب لنزعة المادة والشهوة فيه، وكلَّما استطاع أن يتغلَّب على تلك النزعة فسما بروحه واستعلى على شهواته، وكان ذلك انتصارًا للجانب الروحاني فيه، وتلك حقيقةُ الإنسان التي أراده الله أن يكون عليه.
ليس الإنسانُ هو ذلك الإنسانُ المحسوس، إنَّما هو روحٌ سماويٌّ يسكن هذا الجسم الأرضيَّ، وسرٌّ من الملإ الأعلى في غلافٍ من الطين (1)، وقد ارتبط أمرُ الله تعالى الملائكةَ ليسجدوا لآدم أبا البشر بعد أن نفخ فيه من روحه، وفي ذلك إشارة لطيفة إلى هذه الخصيصة التي ميَّزه الله بها، حمَّله الأمانة من أجلها: {((((قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ((((} (ص)، ذلكم هو الإنسان، روح علويٌّ، وجسد سفليٌّ، فالجسدُ بيتٌ الروحُ صاحبُه وساكنُه، والجسدُ مطيَّةٌ والروحُ
__________
(1) 1 - د. يوسف القرضاوي، (المرجع السابق)، ص: 288. (1/123)
صفحة 123
راكبٌ مسافرٌ، ولم يُخلَق البيت لنفسه ولا المطيَّة لذاتها، ولكنَّ البيت لمصلحة الساكن، والمطيَّة لمنفعة الراكب، فللجسد مطالب من جنس عالمه السفليِّ، وللروح مطالب من جنس عالمه العُلويِّ، فإذا أخضع الإنسان أشواقَ روحِه لمطالب جسده وحكَّم غريزته في عقله استحال من ملاكٍ رحيمٍ إلى حيوان ذميمٍ وربَّما إلى شيطانٍ رجيم، أمَّا إذا عرف قيمة نفسه، وأدرك سِرَّ الله فيه صار ملاكًا أو خيرًا من ملاك: {((((الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ ((((((((((((} (البيّنة: 07). ومن هنا سرُّ فريضة الصوم التي فرضها الله على الإنسان المسلم مرَّة كلَّ سنة ليتحرَّر فيها من سلطان غرائزه وينطلق من سجن جسده ويتغلَّب على نزعات شهوته، ويتحكَّم في مظاهر حيوانيَّته، ويتشبَّه بالملائكة، فليس عجبًا إذاً أن يرتقي الإنسان الصائم، ويقترب بروحه من الملإ، ويقرع أبواب السماء بالدعاء فتُفتح له، ويدعو ربَّه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبَّيك عبدي، وفي هذا المعنى يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم، الصائمُ حتَّى يُفطر، والإمامُ العادل، ودعوةُ المظلوم» (1)، ولكي يستطيع الإنسان الانتصار على غرائزه، لا بدَّ له من إرادة قويَّة، وعزيمة حديديَّة، وصبرٍ ودأبٍ، وهي معركةٌ صعبةٌ لا ينتصر فيها إلاَّ من هداه الله إلى طريقه السَّويِّ، وأيَّده بروحٍ منه، ومن أجل صعوبة المعركة كان الجزاءُ عظيمًا.
إنَّ وضع الصائم وضعٌ شاق، تدعوه شهوته ويدعوه الله - عز وجل -، تدعوه لأن يلبِّي ندائها، ويدعوه الله إلى أن يَصُمَّ أذنيه عن ندائها، ليحقِّق لنفسه
__________
(1) 1 - المصدر السابق، ص: 290. (1/124)
صفحة 124
المكانة التي أرادها الله له، فإن هو فعل ذلك وتغلَّب على وساوس الشيطان، كان عندئذٍ خليقًا باحتضان الله له في مثوبته وجزائه، وفي عدم تحديد جزاء الصائم، ووعد الله له بأنَّه هو الذي يختصُّ بجزائه وحده تكريم عظيم، والحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصومُ لله وحدَه، وهو الذي يجزي به، ولم يعظم جزاءَ عبادة من العبادات التي فرضها الله علينا مثل هذه العظمة، ولم تَنَل شعيرةٌ من التكريم والتبجيل من عند الله ما ناله الصومُ من تكريمٍ وتبجيلٍ، ذلك لأنَّ الصوم يكاد يكون العبادة الوحيدة التي يبرز فيها الصراعُ والكفاحُ من الإنسان لشيءٍ يتعلَّق بالإنسان ذاته.
إنَّ الصومَ كفاحٌ موجَّه إلى الذات الإنسانية نفسِها، فالإنسان يصارع رغباته وشهواته وغرائزه وميولَه، وكلُّها تحتاج إلى أخلاق عالية يمكن أن نطلق عليها: ”أصول الأخلاق وأعمدتها“، مثل: الصبر الذي هو وليدُ الإرادة والانضباط والإيثار، وقد رفع الله من شأن هذا الخلق العظيم في القرآن حيث يقول: {(((((((يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ (((((((} (الزمر: 10). والصوم مجالٌ ينمو فيه هذا الخلق ويزكو، ففي الصوم تقويةٌ للإرادة، وتربيةٌ على الصبر، فالصائمُ يجوع وأمامه شهيُّ الطعام، ويعطشُ وبين يديه باردُ الماء، ويعفُّ وبجانبه زوجه، لا رقيب عليه في ذلك إلاَّ ربَّه، ولا سلطانَ إلاَّ ضميره، ولا يسنده إلاَّ إرادته القويَّة الواعية، يتكرَّر ذلك منه نحو خمس عشرة ساعة أو أكثر في كلِّ يوم، وتسعة وعشرين أو ثلاثين يومًا في كلِّ عام، فأيُّ مدرسة تقوم بتربية الإرادة الإنسانية، وتعليم الصبر الجميل كمدرسة الصيام التي (1/125)
صفحة 125
يفتحها الإسلام إجبارياً للمسلمين في رمضان، وتطوُّعا في غير رمضان (1). ومن هنا ارتبط رمضان بهذا الخلق العظيم الذي هو سيِّد الأخلاق كما أسلفنا، أولم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صومُ شهر الصبر وثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ، يُذهب وَجَرَ الصَّدر»، ورُوي عنه في حديث آخر «لكلِّ شيءٍ زكاته، وزكاةُ الجسد الصومُ، والصومُ نصف الصبر».
إنَّ الصومَ يؤهل الإنسان ليتَّصف بمقوِّمٍ من أهمِّ مقومات الحياة، هذا المقوِّم الذي هو الصبر. يستحيل على الإنسان أن يعيش دون الصبر لأنَّه لا يعيش وحده فيها ـ يعني في هذه الدنيا ـ وهو في حاجة إلى الآخرين شاء أم أبى، وما دام في حاجة إليهم فإنَّه لا بدَّ موَطِّنٌ نفسه على تقبُّل ما يصدر منهم، إنَّ عليه واجب ردِّ الاعتداء عليه من غيره، وإنَّ عليه أن يكظم غيظه في وقت لا حيلة له إلاَّ ذلك، وإنَّ عليه أن يسعى في سبيل عيشه وعيش أهله، وقد يخفق في هذا مرَّات ومرَّات، هذا هو طابع الحياة، وكذلك خُلقت امتحانًا لنا وابتلاءً، ولا نستطيع أن نعيشها إلاَّ بالصبر، وليس هناك وسيلةٌ مجديةٌ لتعلُّم الصبر إلاَّ امتحان الإنسان لنفسه، رقابته على ما يمتحن فيه، والصوم هو مجال هذا الامتحان، وهذه الرقابة الذاتيَّة، غير أنَّ المهمَّ، في هذه المدرسة التي نتخرَّج منها كلَّ سنة، أن نُحافظ على ما تعلَّمناه فيها من دروس وعبر، لأنَّه لا معنى للصبر إن تعلَّمناه وطبَّقناه شهراً في السنة، ثمَّ تخلَّينا عنه في باقي الشهور من حياتنا، بل فائدته أن يستمرَّ معنا طوال حياتنا وسِنيِّ عمُرنا.
__________
(1) 1 - المصدر السابق، ص: 291. (1/126)
صفحة 126
الصوم وحدة للقلوب والمشاعر (1)
إنَّ من أبرز الخصال التي ينمِّيها الصومُ في النفس ”خلق الإيثار“، بحيث يغدو وقد تحرَّر من شوائب الأنانيَّة والفرديَّة، لتجعل منه إنسانًا فاضلاً، يفكِّر في غيره قبل أن يفكِّر في مصلحة نفسه، ولا يستطيعُ ذلك إن هو انقاد لشهوات نفسه وميولها ومتطلباتها التي لا تنتهي عند حدٍّ، وقد قلنا إنَّ الصوم تغلُّبٌ لِلذَّات على الذات، وانتصارٌ للروح على المادَّة، وهذه كلُّها مقدِّمات تؤدِّي حتمًا إلى خلق الإيثار، فإذا تغلَّب الإنسانُ على الأنا المتسلِّطة، استطاع أن يُهيِّأ نفسه لخدمة الآخر ومساعدته، ومدِّ يد العون له، ولن يكون هنالك مجتمعٌ متناسق متعاون تسودُه العافية والوئام إلاَّ إذا تخلَّق كلُّ فرد بخلق الإيثار.
وقد تتَّسع الدوائر التي يتجلَّى فيها خلقُ الإيثار الاجتماعي لدى المسلم بداية من أسرته وانتهاء بأمَّته، فكيف يهيِّء الصومُ النفسَ الإنسانية لذلك؟
إنَّ الإنسان قد لا يحسُّ مرارة الجوع ولهيب العطش إلاَّ إذا صام عن الأكل الهنيءِ والشرابِ المريءِ، ومن لُطف الله وحكمته أن جعل الجوع والعطش ضريبةً إجباريَّةً على كلِّ مسلم، حتىَّ يشعر بمشاعر الفقراء المحرومين الذين قد يعيشون صومًا دائمًا، أو هم إذا شبِعوا يومًا جاعوا أيامًا، وفي هذا توجيهٌ تربويٌّ سامٍ من عند الله للأغنياء الموسرين ليعلموا أنَّ هناك بطونًا
__________
(1) 1 - يراجع: د. محمد البهي، الإسلام في حياة المسلم، دار الفكر، مصر، 1970، ص: 13. (1/127)
صفحة 127
جائعة، وأحشاءً ملتهبة، لا تجد ما تسدُّ به الرمق، فيكونُ لهم ذلك درسًا بليغًا، وإلفاتَ نظرٍ بطريقة ناجعة إلى إخوانهم الفقراء.
إنَّ الصوم إمساكٌ عن الشهوات وتغلُّب عليها، وإنَّ من أخطر هذه الشهوات، حبُّ المال والسعيُ المحموم وراء تكديسه واكتنازه، وتلك طبيعة بشريَّة تحدَّث عنها القرآن، حيث يقول: {((((((لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ((((((((((} (آل عمران: 14)، فالصومُ حين يدفع بالمسلم إلى تناسي هذه الرغبة المحمومة، ولو إلى حين، ينمِّي بين حناياه حبَّ النفقة والتغلُّب على الشحِّ، وبذلك يبذل هذا المال في سبيل مصالح المسلمين، دون اقتصار على الفقراء والمساكين.
ولقد كان الرسولُ الكريم أجودَ من الريح المرسلة في رمضان، حتَّى يعلِّمنا أنَّ الإنفاق في رمضان له من الأجر العظيم ما ليس له في غير رمضان، وحتىَّ يعرِّفنا أنَّ السخاءَ والبذلَ والعطاءَ هي قوام التضامُن في المجتمع الإسلامي، وحتَّى يعرِّفنا أنَّ الإنفاق درجةٌ عاليةٌ فوق بذلٍ أو إعطاء الصدقات الواجبة كالزكاة مثلاً، وقد ربط الله - سبحانه وتعالى - المتقين بخِصلة الإنفاق ولم يربطها بدفع الزكاة، وإنَّما ربطها بصفة الإيمان والتقوى، وهي درجةٌ عالية فوق درجة الإيمان، وتثبيتا لخُلُق التضامن الاجتماعي في النفوس.
فرض الله الصوم شهرًا واحدًا، هذا الشهر يعيِّنه ليصومه المسلمون مجتمعين لا متفرِّقين، وهذا لِحِكَم بالغة، منها: تنميةُ الروح الجماعية في (1/128)
صفحة 128
النفوس، والشعور بالانتماء إلى أمَّة واحدة، شريعتُها واحدة، دستورُهَا واحد، إضافةً إلى أنَّ حالة المسلمين تكون فيها متماثلة، حُباً للخير والنافع العام، وإيقاظ المشاعر الجماعية التي تدفع كل فرد مسلم إلى التفكير في غيره لا في نفسه، وهذه المشاعر من شأنها أن تجعل المجتمع المسلم جماعةً واحدة، وتلك وسيلة ناجعة تقوِّي بينهم عواطف التعاون والمحبَّة والإخاء والوَحْدة، فإذا استطاع المسلم أن يرتقيَ بسلوكه فأحسن إلى أخيه المسلم، فلم يظلمه بأيَّة جارحة من جوارحه ولم يمسَّ له مالاً أو عرضاًَ أو دماً، ثمَّ استطاع أن يمدَّ له يدَ المعونة المادية إن كان في حاجة إلى ذلك، وتحمَّل معه نفقات أسرته إن كان ذا عيالٍ وتكاليف، فإنَّه يكون بعمله هذا مسلمًا ملتزمًا بأخلاق الإسلام وتعاليمه، لأنَّ المجتمع الصالح لا يُبنى إلاَّ بالتضامن الحقيقي المادي والمعنوي بين أفراده، والأمَّة باعتبارها أمَّةً في حاجة إلى أن يلتقي أفرادها بعضهم ببعض في النفوس والقلوب وأداء الواجبات، إنَّ هذا ما يجب أن تحدثَهُ فريضةُ الصوم إذا أُدِّيت على الوجه الأكمل، فإنَّ لها أكثرَ من معنىً وأكثر من هدف، ولذا ينبغي أن لا تخرج عن وظيفتها، ينبغي أن لا تكون ولائمُ رمضان مظهرًا من مظاهر التباهي والتفاخر والتكاثر، وينبغي أن لا يكون أداؤُها سبباً في نُفرة الأفراد بعضهم من بعض، سرعة في الغضب، أو إهمالا للواجب، أو ضيقَ عَطن من تعامل، وينبغي أن لا يكون أداؤُها مدعاةً للكسل والتراخي والنوم الطويل.
يجب أن يحتفظ الصائم بأهداف فريضة الصوم، ومن بين هذه الأهداف: وحدةٌ للقلوب والمشاعر، ووسيلةٌ للتراحم والتزاور، ومظهرٌ من مظاهر الألفة والاحترام المتبادل، وفرصةٌ لمساعدة المحتاجين والبائسين، من الواجب أن يتذكَّر (1/129)
صفحة 129
كلّ واحد من أفراد هذه الأمَّة المسلمة، أنَّه عضو فيها وليتذكَّر أنَّ شعائر الإسلام هو أن يكون مؤدِّيا لفريضة الصوم لا أداء مظهريًّا شعائريًّا كما يفعل الكثير من الناس، بل أن يتعمَّق إلى أهداف الصوم مطبِّقا هذه الأهداف في حياته الروحيَّة والماديَّة.
إنَّ المسلمين المعاصرين ابتعدوا كثيرا عن القيم العظيمة لشهر رمضان، وأتَوا بعكس ما يتطلَّب منهم، فقد جعل الله رمضان تطهيرًا للقلب ورُقِياً للنفس، فجعلوه ولائم لإشباع البطن وجلسات للسَّهر وأكل الحلويات، جعله الله تدريبًا على الحِلْم والصَّبر، فجعلوه مثاراً للسِّباب والشِّجار، جعله الله محراباً للسكِينة والعبادة والوقار، فجعلوه منتدىً للهرج والمرج والتسلية والفراغ.
ليت المسلمين يعودون إلى سيرة السلف الصالح، إذ كان الصوم مظهراً يعمِّق الإيمان، ويرقِّق القلب، ويثبِّتُ على التَّقوى والورع، لعلَّهم يتفادَون أو يَنقادُون إلى جعل رمضان فرصة للرجوع إلى كتابهم، حين يذكِّرهم رمضان بعيد نزول هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبذلك يكون رمضانُ فرصةً لمراجعة النفس، وموسماً لجَنيِْ الحسنات التي تتضاعف إلى سبعمائة ضعف، فتكون حالهُم وهم خارجون فيه أو منه، أحسن من حالهِم يوم دخلوا فيه.
- - - (1/130)
صفحة 130
الصبر في القرآن الكريم
الصبر لغةً واصطلاحًا: تُطلق لفظة الصبر في اللغة العربية أساسًا على الحبس أو السجن، فإنَّ الكافر أو المجرم الذي يقبض عليه ويزج في السجن، ثم يرى الحاكم أو أولي الأمر؛ أنَّه يستحق شرعًا أن يُعدم وينفذ فيه الحكم. يقال لمثل هذا: أنَّه قُتل صبرًا.
من هذا المعنى المادي للصبر أي السجن أو الحبس اشتُقَّت المدلولات المعنوية المتعددة لكلمة الصبر.
وجاء في تعريفات الشريف الجرجاني، «الصبرُ: هو تركُ الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلى الله».
ولإيضاح ذلك نقول:
إنَّ الصبر هو حبسُ النفس عن الإقدام على عمل معيَّن، أو حبسها عن الاستمرار في عملٍ، أو تحمُّل أمر معيَّن، ومن ثمَّ لا يصبح الصبر فضيلة من الفضائل الإسلامية إلاَّ إذا كان حبساً للنفس عن أمر من الأمور التي يقتضيها الشرع (1).
وصبر المؤمن صبران: صبرٌ على ما يحبُّ، وصبرٌ على ما يكره، رجاء ما عند الله، والصبرُ ألوان (2)، وللصبر مُقتضيات: صبرٌ على تكاليف الميثاق من
__________
(1) 1 – عمر كامل حسن المحامي، القوى في القرآن الكريم، منشورات المكتب العالمي للطباعة والنشر.
(2) 2 – ينظر أحمد فائز، طريق الدعوة في ظلال القرآن الكريم، بيروت، لبنان 1988 ص: 122. (1/131)
صفحة 131
عملٍ وجهادٍ ودعوةٍ واجتهادٍ، وصبرٌ على النعماء والبأساء، وصبرٌ على حماقات الناس وجهالاتهم .. ، وأعسَرُ الصبر ما كان على الهوى والشهوة، والاستقامة على الدين، وهو ما عبَّر عنه الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بـ”الجهاد الأكبر“.
جاء في الحديث النبويِّ، عن أبي سعيد الخذري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من يستعفِف يُعِفُّه الله، ومن يستغن يُغنِه الله، ومن يَصبر يُصبِّره الله، وما أُعطي أحدٌ من عطاءٍ خيرٌ وأوسع من الصبر» (1)
وعن صهيب قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمرَه كلَّه خير، وليس ذلك لأحدٍ إلاَّ المؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر وكان له خيرٌ، وإن أصابته ضرَّاء صبر وكان له خيرٌ» (2).
وعن أم سلمة - رضي الله عنه - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من مسلمٍ تصيبه مصيبةٌ فيقول ما أمره الله: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهمَّ أَجِرْني في مصيبتي واخْلِفْ لي خيرًا منها، إلاَّ أخلف الله له خيرًا منها». قالت فلمَّا مات أبو سلمة، قلت أي المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟ أوَّل بيت هاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم إنِّي قلتُها فأخلف الله لي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -» (3).
إنَّ المتأمِّل في القرآن الكريم يدرك أنَّ الله - سبحانه وتعالى - أعلى من قيمة الصبر وأحلَّه منزلة عظيمة من بين الأخلاق التي ينبغي للمسلم الاتِّصافُ بها. فالصبرُ
__________
(1) 3 – رواه البخاري ومسلم.
(2) 4 – رواه أحمد ومسلم.
(3) 5 – رواه مسلم. (1/132)
صفحة 132
هو عدَّة المؤمن في الدنيا لينال رضا الله في الآخرة. ويكفي الصبرَ شرفًا أنه يجيء في القرآن مقرونًا بالصلاة، والتقوى، والإحسان، والعمل الصالح، والإيمان الثابت، وأن يغدو خُلقًا يتحلَّى به الأنبياء والمرسَلون، والصدِّيقون والشهداء، ويصبح سمةً لأهل الجنة جزاءً ما قدَّموا في دنياهم. فهو إذا قمَّة الإيمان، ورأسُ الفضائل، وحِليَة أولياء الله المتقين.
وردت كلمةُ الصبر ومشتقاتها حوالي: ثلاثين مرَّة في القرآن الكريم، وجاءت بصيغ مختلفة اسمًا وفعلاً ومصدرًا، وارتبطت بجميع ضمائر الخطاب المفردة والجمع، وبصيغ الفعل العادية والمبالغة. وخاطب بها الله سبحانه وتعالى رسولنا الكريم محمَّد - صلى الله عليه وسلم - تسع عشرة مرَّة بصيغة الأمر المفرد: {((((((((((مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} (يونس:109)، {(((((((((وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا ((((((} (النحل:127)، {(((((((((إِن وَعْدَ اللَّهِ ((((} (غافر:55).
والذي لفت نظرنا في وُرُود هذه الكلمة ذات القيمة العظيمة أنَّها جاءت على صيغ الفعل المختلفة: الماضي والمضارع والأمر، ليدلُّ على أن الصبر لا يرتقي مكانته العظيمة إلاَّ مستندًا إلى صاحبه، أي إلاَّ عندما يغدو خُلقًا تتَّصف به نفسُ المؤمن ابتغاء وجه ربِّه، وفيها وفي سلوكه يتجسَّد هذا الخلق العظيم.
ويخبرنا القرآن عن أنواع من الصبر، يتحلَّى بها من كرَّسهم واختارهم وفضَّلهم من خلقه، ابتداءً بمحمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلى أولي العزم من الرسل، إلى سائر الأنبياء والمرسلين، إلى المؤمنين القانتين العابدين، إلى المجاهدين المتَّقين الذين شَرَوا أنفُسَهم بالجنَّة. (1/133)
صفحة 133
وسنقف وقفةً، عند أنواع الصابرين، كما وصفهم القرآن الكريم مبتدئين برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
إنَّ الله - سبحانه وتعالى - خاطب رسوله الكريم بصيغة الأمر المفرد، وقد جاءت هذه الآيات في مجالات يدعو الله فيها الرسول إلى الثبات، وتحمُّل الأذى، وعدم اليأس، والاستعجال بالعذاب، والحزن على الكفَّار إن هم لم يتَّبعوا دين الله، والصبر على ما يقولون. يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {((((((((((مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} (يونس:109).
- {(((((((((فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ (((((((((((((((} (هود:115).
- {(((((((((وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ (((((((((( .. } (النحل:127).
- {(((((((((عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} (طه:130).
- {(((((((((إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا ((((((((((} (الروم:60).
- {(((((((((لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} (الطور: 48).
- {(((((((((عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا (((((((} (المزمل:10).
- {((((تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (((} (المدثر).
وغيرها من الآيات الكريمة، والذي نلفت النظر إليه هو أنَّ أغلب هذه الآيات وردت في سُوَر مكيَّة، إذ هي الفترة التي تعرَّض فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى استكبار قريش وأذاهم وظُلمهم؛ فكان الرسول الكريم والحال هذه أحوجُ ما يكون إلى مَدَد ربِّه الذي يثبِّته، ويخفِّف عنه ويواسيه، ويملأ قلبه بالطمأنينة والرضا واليقين. (1/134)
صفحة 134
صبر الأنبياء والرسل
إنَّ كلمة: اصبر، هي إشارة إلى الطريق المطروق في حياة الرسل - عليه السلام -، الطريق الذي يضمُّهم أجمعين، فكلُّهم ساروا في هذا الطريق، كلُّهم عانى، كلُّهم ابتُلي، وكلُّهم صبر، وكان الصبرُ هو زادهم جميعًا وطابعهم جميعًا، كلٌّ حسب درجته في سُلَّم الأنبياء؛ ولقد كانت حياتُهم كلَّها مفعمة بالابتلاءات مُفعمة بالآلام، إنَّ حياتهم صفحات من الابتلاء والصبر معروضة للبشرية لتتعلم الإنسانية كيف تصبر على الآلام والضرورات، وكيف تستعلي على كلِّ المآسي الموجودة في الأرض. بهذا تتجرَّد من الشهوات والمغريات وتخلص لله، وتنجح في امتحان الصبر والابتلاء وتختاره على كلِّ شيءٍ سواه. (1)
- - -
__________
(1) 1 – أحمد فائز، طريق الدعوة في ظلال القرآن، ج1، ص 204، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 1405هـ، 1984م. (1/135)
صفحة 135
صبر محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعظمته
ولنقف أمام لفتة تستحقُّ التدبُّر العميق؛ إنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يلاقي ما يلاقي من الأذى والتكذيب والكِبْر والكنود، يُقال له: {(((((((((إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا (((((((((((} (غافر:77).
أَدِّ واجبكَ وقِف عنده؛ فأمَّا النتائجُ فليست من أمرك، حتىَّ شفاءَ صدره بأن يشهد تحقُّق وعيد الله للمنكرين والمكذبين ليس له أن يعلِّق به قلبه، إنَّه يعمل وكفى، ويؤدِّي واجبه ويمضي، فالأمرُ ليس أمرُه، والقضيَّة ليست قضيَّته، إنَّ الأمر كلَّه لله، والله يفعل به ما يريد، ولمثل هذه اللفتة ينبغي أن تتوجَّه قلوب الدعاء إلى الله في كلِّ حين. (1)
يكفي الصبر فضيلة؛ أنَّه تأشيرة دخول، دخول المؤمنين إلى الجنَّة، في غزوة أحد، {((((حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ ((((((((((((} (آل عمران:142).
إنَّ المتأمِّل في الآيات (133 - 142) من سورة آل عمران، يكتشف عجبًا من أسرار القرآن الكريم، فقد حرَّض الله المؤمنين على أن يُسارعوا إلى جنَّة عرضها السماوات والأرض، أعدَّها الله للمتقين؛ وهم الذين عناهم بقوله: {(((((((((يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
__________
(1) 2 – م. س. ص: 205. (1/136)
صفحة 136
وَاللَّهُيُحِبُّ (((((((((((((((} (آل عمران:134)، فرُبَّ متعجِّل بقوله، ولكنَّ الله لم يذكر في هذه الأوصاف الصابرين. وتقول: حقًّا إنَّ الله لم يذكرهم باسمهم صراحة؛ ولكنَّه ذكرهم ضمنًا ورمز إليهم بصفات أخرى؛ فعند النظر والتأمل في المتقين الذين ينفقون في السرَّاء والضرَّاء والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، نجد أنَّ الصفة التي تجمعهم جميعًا ولا بدَّ أن تتوفَّر فيهم؛ هي صفة الصبر.
على أنَّنا عندما نتأمَّل في الآيات التالية؛ وبعد سبع آيات بالضبط، نجد التصريح والاسم وضمانة الدخول إلى الجنَّة لهذه الصفة بالذات، حيث يقول تعالى مخاطبا خيرة المؤمنين من صحابة رسول الله، ويشمل الخطاب كلَّ المؤمنين بطبيعة الحال: {((((حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ ((((((((((((} (آل عمران:142). فدخول الجنَّة مشروطٌ بالجهاد والمجاهدة والمصابرة والمرابطة، كما صرَّح بذلك في آيات لاحقة من السور نفسها: {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ (((((((((((} (آل عمران:200).
إنَّ الصبر هو المدرسة التي كان يُخرِّج فيها الرسولُ صحابَتَه، وهي الشهادةُ التي كان يمنحها لهم بعد تجربة مريرة قاسية. وتكفينا هذه الصورة التي يذكرها أحد صحابته، حتىَّ نعلم سُموَّ هذه النفوس المجاهدة في سبيل إعلاء كلمة الله وما كان عدَّتها في ذلك إلاَّ الإيمان والصبر.
عن خباب بن الأرث - رضي الله عنه - قال: شكوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسِّد بُردَةً في ظلِّ الكعبة، فقُلنا إلاَّ تستنصر لنا؟ إلاَّ تدعو لنا؟ فقال: «قد (1/137)
صفحة 137
كان مَن قبلكم، يُؤخذ الرَّجُل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثمَّ يُؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصدُّه ذلك عن دينه. والله لَيُتِمَّنَّ الله تعالى هذا الأمرَ حتَّى يسير الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت لا يخاف إلاَّ الله، والذئبُ على غنمه، ولكنَّكم تستعجلون». (رواه البخاري).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «كأنِّي انظرُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيًا من الأنبياء - عليه السلام -، ضربَه قومُه فأدمَوه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللَّهُمَّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون». (أخرجه الشيخان)
هذا المستوى الأوَّل الذي جاءت فيه كلمة الصبر في القرآن.
المستوى الثاني: وهو المستوى الذي يصف إيمان أُولي العزم من الرسل، وثباتَهم وجهادهم في سبيل دين الله، وما لاقَوْه من قومهم من عَنَت وظلم واستكبار. وأُولُوا العزم من الرسل هم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم -.
إنَّ الصبر هو الخلق العظيم، والصفة المثلى التي تحلَّى بها حاملوا الرسالات السماوية رسلاً وأنبياء. فالدعوة إلى الصبر والتوجيه إليه؛ صاحبت كلَّ دعوة تكرَّرت لكلِّ رسول ولكلِّ مؤمن يتَّبع الرسول.
يقول الله مخاطبا نبيَّه، يوصيه بالاقتداء بمن سبقه من إخوانه المرسلين من أولي العزم، قائلاً: {(((((((((كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} (الأحقاف:35)، وفي آية أخرى تُعمَّم الصفة على الرسل الذين كذَّبهم (1/138)
صفحة 138
قومهم، ولم يكن ذلك ليفتَّ في عَضُدهم؛ ولا ليُوهن من عزيمتهم؛ حينما قابلوهم بالصبر سلاحًا. ومن أجل ما للصبر من قيمة ونفاذ؛ أوصى الله نبيَّه محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ليكون مع قومه مثلما كان هؤلاء الرسل، قائلا: {((((((((كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ (((((((((((((((} (الأنعام:34).
وكان الصبر هو الخلق العظيم الذي امتدحهم الله به، وكأنَّ الاتصاف بالصبر، هو الدرجة العظمى التي تؤهل أولئك المرسلين ليمنحهم نصر الله؛ بعد أن يصل بهم إيذاء أقوامهم حدًّا بعيداً، وكأنَّ ذلك امتحان من الله لا بدَّ أن يجتازه الأنبياء والمرسلون كما يوحي بذلك تذييل الآية السابقة: {((((((((((حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} (الأنعام:34)، وإلى هذا المعنى تشير آية أخرى حيث يقول - سبحانه وتعالى -: {(((((((((((مِنْهُمْ ((((((((يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا ((((((((((} (السجدة:24)، وهذه حكاية بني إسرائيل.
سيدنا موسى - عليه السلام - ضرب أروع الأمثلة في شعبه بني إسرائيل، الشعب الغليظ الرقبة، الذي كفر بأنعم الله، وهي نِعَمٌ لا نعرف في تاريخ البشرية شعبًا أوتيها، حتى قيل عنه الشعبُ المدلَّل.
أوصى الله رسوله موسى - عليه السلام -، الذي عانى ما عانى مع بني إسرائيل بأن وضع له هذا المنهج الدعويَّ الذي أوصاه الله بأن يسير فيه مع قومه، وهو بأن يذكِّرهم بسيرة الأُمَم السالفة، وكيف كان جزاءُ الصابرين الشاكرين، وإلى (1/139)
صفحة 139
أيِّ مصيرٍ آل إليه المكذِّبون الكافرون. فيقول تعالى: {((((((((أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ (((((((} (إبراهيم: 05). وفي استخدام صيغة فعَّال، وهي من صيغ المبالغة، ما يوضِّح قيمة الصبر في بناء الأمم والرجال.
كما أوحى الله إلى موسى، بأن يضرب لهم الأمثال من القوم السابقين، قومِ نوحٍ وعادٍ وثمود والذين من بعدِهِم لا يعلَمُهُم إلاَّ الله، ويوضِّح لقومه ما جرى بينهم وبين قومهم من أحداث عظيمة انتصر فيها الرسل آخر الأمر لأنَّهم تحلَّوا بفضيلة الصبر والثبات والرضى بالمقدور. ولنتابع هذا كلَّه من خلال هذا الحوار الرائع الذي أمتعتنا به سورة إبراهيم، وكلُّها عِبرٌ مقدَّمة إلى الرسول محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وقومه. حيث يقول - سبحانه وتعالى -: {((((((يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ((((} (إبراهيم). (1/140)
صفحة 140
هذا الحوار بين الكفر والإيمان، بين الرسل والمكذبين، بين الهادين والمضلِّلين صورة، كما يشهد على ذلك القرآن الكريم، تتكرَّر في كلِّ عصر وآن، ليست خاصَّة بقوم دون آخرين، ولا بعصر دون آخر، ولكنَّ الغلبة في النهاية لذوي الإيمان الثابت المتحلِّين بالصبر خلقًا فاضلاً، وسلاحًا نافذًا، ودواءً ناجعًا. وقمَّة كلِّ ذلك؛ توكُّلٌ على الله وصبرٌ على الأذى مهما يظلُّ ويستمر ويشتدُّ.
والتوكُّل نتيجة قطعية لنِحْلَة الصبر. تقول الآية الكريمة على لسان أولئك الرسل: {(((((لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ((((((((((((((((((} (إبراهيم:12)،
ويعلم الله كم كان صبرهم راسخًا عظيمًا متفردًا متميِّزًا، كما دلَّ على ذلك الحوارُ السابق، وكما تدلُّ الصيغة التي استخدمها القرآن حين أكَّد فعل الصبر بتوكيدين هما اللام ونون التوكيد {(((((((((((((عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا}، وإذا بلغ الحال هذا المبلغ من كفر الكافرين وعناد الظالمين من جهةٍ، وتسامي صبر الصابرين من جهةٍ أخرى، يأتي الهلاكُ المبين على القوم الظالمين، ويأتي النصرُ للرسل من ربِّ العالمين، {(((((((الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ((((} (إبراهيم).
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أنَّ القرآن استخدم الصيغة التوكيديَّة نفسَها باللام والنون، فقد قال الكافرون لرسلهم: { .. (((((((((((((((مِنْ (1/141)
صفحة 141
أَرْضِنَاأَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}، فكان جواب الله: {(((((((((((الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ}، وكان الجزاءُ من جنس العمل، وهذا تفريقٌ دقيقٌ، لا يسمو إليه إلاَّ القرآن الكريم، قمَّة الإعجاز البياني.
ولما للصبر من أثرٍ عظيمٍ، كان الخُلُق الفاضل الذي يعلِّمه الله عبادَه الذين يختارهم لتحمُّل مسؤولية الرسالة والتبليغ. ففي قصة سيدنا موسى - عليه السلام - مع سيدنا الخضِر، الذي أتاه الله علمًا وحكمًا، أوحى الله لسيدنا موسى بأن يلتحق بمدرسة هذا الوليِّ الصالح حتىَّ يتعلَّم على يديه خلَّة الصبر، وهو ما تدلُّ عليه قصَّة سيدنا موسى مع الخضِر في سورة الكهف: {((((((((عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا (((((((} (الكهف:65)، هذا العلم الذي تُشير إليه الآية نتيجته ونهايته الصبر، وأيُّ تشريف للصبر أعلى من أن يكون علمًا بشهادة ربِّ العالمين، وأن يكون مدرسةً للأنبياء والصالحين، وشهادةً للمحسنين والموقنين. {(((((لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ (((((((} (الكهف)؛ فأوَّلُ شرطٍ للالتحاق بمدرسة سيدنا الخضِر هو الاتِّصاف بالصبر الذي ورد في الحوار؛ الذي جرى بين الخضر وموسى سبع مرَّات، وقد ورد بجميع الصيغ: صَبْراً، تَصْبِر، صَابِرًا. (1/142)
صفحة 142
وكان ذلك من موسى قبل أن يحمل أمانة الرسالة إلى بني إسرائيل، وكأنَّ الله - سبحانه وتعالى - يؤهِّلُه بهذه التربية لهذا الشأن العظيم. ولعلَّ اختيار مهنة رعي الأغنام التي امتهنها أغلب رُسُل الله تدريبٌ عمليٌّ على الصبر. لأنَّ هذه المهنة تحتاج إلى عُدَّة الصبر من بين العُدد التي تحتاجها، ومن أجل ذلك كان سيدنا موسى حريصًا على أن يلقِّن الصبرَ لقومه بني إسرائيل حينما كُلِّف بالتبليغ، كما تُخبرنا بذلك الآية الكريمة: {(((((مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِن الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ ((((((((((((} (الأعراف:128).
وقد يتغلَّب الضعفُ البشري على بعض المرسلين، فيستعجلون الهداية لقومهم، أو هم لا يستطيعون تحمُّل الأذى منهم طويلا، كما حدث لسيدنا يونس - عليه السلام - مع قومه، فكان أن عاقبه الله بأن يلتقمه الحوت مدَّة طويلة، يتعلَّم فيها خُلُق الصبر، كما يبيِّن القرآنُ ذلك مخاطبًا الرسول محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، حيث يقول تعالى: {(((((((((لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ (((((((((((((} (القلم).
إنَّ معيَّة الله للصابرين هي معيَّة تقويةٍ وإرشادٍ ومؤازرةٍ وأُنسٍ، فهو لا يَدَعهم يقطعون طريق الدعوة إلى الله وحدهم لأنَّه أدرى بمكر الشيطان؛ وأدرى بضعف الإنسان، ولكنَّ عقابه أيضًا سيكون شديدًا، وحسابُه سريعًا لمن لم يقدِّر هذه المعيَّة فاستعجل النصر؛ أو نكص في منتصف الطريق وتوقَّف دون النهاية وبلوغ الغاية. (1/143)
صفحة 143
ولنا في سيِّدنا يونس - عليه السلام - وهو نبئ عبرة، حيث يقول تعالى: {(((((النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ((((} (الأنبياء)، إنَّ يونس لم يصبر على تكاليف الرسالة فضاق صدرًا بالقوم، وألقى عِبْءَ الدعوة، وذهب مُغاضبًا ضيِّق الصدر حرج النفس، فأوقعه الله في الضيق الذي فرَّ منه وهو بطن الحوت، ولولا أن تاب إلى ربِّه واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه، لما فرَّج الله عنه ذلك الضيق، ولكنَّها القدرةُ حفظته ونجَّته من الغمِّ الذي يعانيه.
وإنَّ في قصَّة ذي النون لدرسًا لأصحاب الدعوات، وإنَّ القرآن لا يقصُّ قصَّة إلاَّ ليواجه بها حالة، ولا يقرِّرُ حقيقة إلاَّ ليغيِّر باطلاً، إنَّه يتحرَّك حركة واقعية في وسط واقعي حيٍّ. (1)
وسيدُنا شُعيب أيضًا خاطب المؤمنين برسالته طالبًا منهم التحلِّي بالصبر والثبات في وجه القوم الكافرين الذين تكرَّر منهم الأذى والاضطهاد والتهديد بالنفي، قائلا: {(((((كَانَ • (((((((((مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ • (((((((((((لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ((((((((((((((} (الأعراف:87).
وسيدنا يوسف - عليه السلام - عندما اتصف بخلَّة الصبر تجاه ما فعله إخوته، وما أصابه في مصر عند عزيزها؛ مِن سجنِه وظُلمِ زوجِهِ له التي اتَّهمته باطلا، ثمَّ
__________
(1) 1 – أحمد فائز، طريق الدعوة .. ، ص: 206. (1/144)
صفحة 144
صَبرِه عند اتِّهام إخوته أخاه ”بنيامين“ بالسرقة يمرُّ ذلك ممَّا مرَّ عليه من محن مريرة، هذه المواقف المثالية والاختبارات المتلاحقة، نجح فيها سيِّدنا يوسف - عليه السلام - لاتِّصافه بخلَّتي التقوى والصبر، فكان جزاء الله له مقابل كلِّ ذلك، أن يصبح نبيًّا بعد أن كان عبداً، ويقول الله - سبحانه وتعالى - في هذا الشأن على لسان يوسف - عليه السلام -: {(((((هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَن اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِن اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ((((} (يوسف).
فإيثار الله له واختيارُه من بين إخوته ليصبح نبيًا، وقد أتاه الله الملك وعلَّمه من تأويل الأحاديث كان جزاء تقواه وصبره، ومن اتَّصف بهاتين الخلَّتين؛ وهما مرتبطتان ارتباطًا شديدًا، يرتقي إلى درجة عُليا هي درجة المحسنين.
وسيدنا يعقوب - عليه السلام - كان السلاحُ الذي واجه به المحنة التي مرَّت به بفقدان ابنه يوسف، وغيابِه عنه تلك السنون الطويلة، دون أن يعلم له مصيرًا، كان الصبر، ويقول تعالى: {((((((((عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا (((((((((} (يوسف:18). والصبرُ الجميلُ هو الصبر المطمِئِن الذي لا يُصاحِبُه السخط ولا القلق ولا الشَّكُّ في صدق الوعد، وصبرُ الواثق من العاقبة، الراضي بقدر الله، الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء، الموصول (1/145)
صفحة 145
بالله المحتسبِ كلَّ شيء عنده ممَّا يقع به (1).
وإنَّ مجرَّد تلقِّي هذا الأمر العظيم بمثيل هذا الإيمان الثابت، واليقين الراسخ؛ هو بذاته انفراجُ الأزمة وزوال المحنة، وكذلك كان الأنبياء نفوسًا عظيمة لا تهتزُّ، وقلوبًا مطمَئِنَّة لا تختلج، وعقولاً نيِّرة لا تظلُّ ولا تتهاوى، غير أنَّ مثالين اثنين شهدا لهما القرآن الكريم بالمثالية المتناهية في الصبر والثبات، وهما سيدنا إسماعيل وسيدنا أيوب - عليه السلام -.
وقد تجلَّى صبرُ إسماعيل في مشهد إنسانيٍّ مؤثِّر وهو مستسلم النفس لقضاء ربِّه، وسكِّين أبيه إبراهيم على صفحة عُنُقه لإنفاذ ما أمر الله فيه .. وذلك ما يجلِّيه هذا المشهد القرآني البليغ الذي لا يُدانيه وصف أو بيان؛ يقول الله - سبحانه وتعالى -: {(((((((بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِن هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ((((} (الصافات).
أيُّ نفسٍ لا تهتزُّ تأثُّرا بهذا المشهد المروِّع، مشهدِ أبٍ حنون أوَّاه حليم مثل إبراهيم يوسِّد فلذة كبده وقرَّة عينه ليذبحه بيده؛ إنَّه امتحان عسير وبلاء عظيم، لا يستطيعه ولا يتجاوزه إلاَّ من كانت طاقةُ الصبر في نفسه غزيرة لا
__________
(1) 1 – أحمد فائز، طريق الدعوة في ظلال القرآن، ص: 203. (1/146)
صفحة 146
تنفد، قويَّة لا تضعُف، راسخة لا تتذبذب، وتكفي شهادة الله فيه بالعظمة، وأنَّها آيةٌ من آيات الله المحسنين.
ولقمان المتَّصف بالحكمة بشهادة القرآن، كان من بين الوصايا التي أوصى بها ابنه، الصبر، قائلا: {(((((((((أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ (((((((((} (لقمان: 17).
لا شكَّ وأنَّ الذي يشير إليه القرآن على لسان لقمان - عليه السلام - اتصافُ الأمور بالعزم هو الصبر عند المصيبة، بدليل قوله، إنَّ ذلك، أي: اصبر على ما أصابك. وبما أنَّ القرآن يفسِّر بعضه بعضًا، فقد أشارت إلى هذه الخاصيَّة في الصابرين آية أخرى في سورة الشورى، {((((((صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ (((((((((} (الشورى:43)، {(((((تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ (((((((((} (آل عمران:186).
والتوقُّف عند هذه اللطيفة ذات الدلالات البعيدة، تدفعنا إلى التأمُّل في هذا الاقتران الذي تكرَّر في آياتٍ كثيرةٍ بين الصلاة والصبر.
• {((((((((((((((((بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (البقرة:45)،
• {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ ((((((((((((} (البقرة:153).
• {((((((((أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه:132). (1/147)
صفحة 147
• {(((((((((((صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا (((((((((((} (الرعد:22).
• {((((((((((((((عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي (((((((((((} (الحج:35).
يمكننا القول، إنَّ العلاقة بين الصلاة عبادةً، والصبر خلَّةً وفضيلةً وطيدةٌ حميمةٌ، فكلاهما تدلُّ على روحانية المؤمن وعلاقته الدائمة بالله وتولِّي وجهه شطر الآخرة. ثمَّ لأنَّ الصلاة نفسها مدرسة للصبر والمصابرة، بدليل قوله تعالى مخاطبا الرسول - صلى الله عليه وسلم - {((((((((أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه:132)، {(((((((((((((وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} (مريم:65). ثمَّ إنَّ الصبر ابتغاء وجه الله، هو قمَّة الإيمان، كذلك إقامة الصلاة على النحو الذي يأمر به الشرع الإسلامي: أركان، واجبات، طهارة، خشوعا، مواظبة ومحافظة، لن يقوم بها على هذا النحو إلاَّ من رزقه الله صبرًا ثابتًا وإيمانًا راسخًا؛ فالصلاة إذا تُعِدُّ نفس المؤمن ليتحلَّى بالصبر، كما أنَّ الصبر يقوِّيها على أداء هذه العبادة التي هي عمود الدين، على خير وجه.
والصلاةُ والصبرُ حصنان ثابتان يحميان نفس المؤمن فلا يكون للشيطان إليه سبيلاً، ومن هنا نفهم كيف قرن لقمان الحكيم في وصيَّته بين إقامة الصلاة والصبر عند المصيبة، ونفهم أيضًا كيف وصف الله كلَّ ذلك بأنَّه من عزم الأمور.
- - - (1/148)
صفحة 148
صبر أيوب - عليه السلام -
ويغدو النبيُّ الكريم أيوب - عليه السلام - مثالاً للصبر للعالمين بشهادة القرآن، وكلَّما ذُكر اقترن ذكره بالصبر، لأنَّه كان أشدَّ الأنبياء بلاءً، وكان ابتلاءه بالنعمة والغنى لا يقلُّ عن ابتلائه بالمصائب والكوارث والفقر والجوع، ولقد صبر أيُّوب على النعمة، كما صبر على النقمة.
ويتحدَّث ابن كثير (1) عمَّا كان يملكه أيوب من المزارع والحدائق، كما يذكر أنَّه كانت له أموالٌ من المواشي والأنعام، يضيقُ بها الحصرُ والتَّعدَاد، كما منحه الله نعمة القوَّة والصحَّة، ووهبه زوجةً صالحة حسَنَة الخِِلْقَة والخُلُق، وكلُّ هذه النعم لم تُبطره بل أدَّى لها ما تستحق، من شكر المنعم والتقدير والعرفان لفضله.
ثمَّ شاء الله أن تتبدَّل الأوضاعُ وتتغيَّر الأحوال، فصوَّح الزهرُ، وجفَّ الضرع، وذهب المال، ومات الأولادُ، فهاجمه المرضُ الشديد واقعده طريح الفراش، فتحاشاه الناس وازوَرُّوا عنه، فما ضعف وما استكان، بل قابل ذلك كلَّه بالصبر الجميل والإيمان الكامل، حتَّى ضَرَب في هذا المجال أروع الأمثال، وغدا صبرُه وإيمانُه حديثَ القرون والأجيال.
__________
(1) 1 – ينظر، محمد الطيب النجار، تاريخ الأنبياء في ضوء القرآن الكريم والسنة النبويّة، مكتبة المعارف، الرياض، ط 2، 1402هـ، 1983، ص: 252. (1/149)
صفحة 149
ويصف القرآنُ كيف قابل المحنة الأليمة بالالتجاء إلى الله ضارعًا داعيًا المنعم أن يرفع عنه البلاء ويزيل عنه المصائب، فيقول سبحانه: {(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ (((((((((((((} (الأنبياء:83)، وكان الله منه قريبا يُجيب دعوة عبده المؤمن حيث يقول: {(((((((((((((((لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى ((((((((((((((} (الأنبياء: 84)، وما لبثت رحمة الله أن غشيته، فردَّ عليه صحَّته ومالَه وزوجَه وأولادَه، حتىَّ أنَّ زوجته ”رحمة“ حسبته شخصًا آخر لما أفاض الله عليه نعمه الصحَّة وموفور الثراء.
وهكذا تغدو قصَّة أيوب، قصَّة الإيمان الكامل والصبر الجميل، وهي ترينا أنَّ الصبر على الشدائد يصفِّي النفوس، ويرفع الله الدرجات، ويعلي قدر الإنسان بين الناس، فيصبح إمامهم قائدًا وقدوة، ثمَّ يكون له من الله خير العوض في الدنيا، وله في الآخرة بعد ذلك الجزاء الأوفى حيث يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، مصداقًا لقوله تعالى: {(((((((((((((((((بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (((((} (البقرة). (1/150)
صفحة 150
فئة المجاهدين في سبيل الله
المستوى الثالث: لا يرقي إليه من المؤمنين إلاَّ فئة معيَّنة ثبَّتها الله على الإيمان وزرع في أحنائها اليقين، وابتلاها الله بأنواع متنوِّعة من الابتلاء في الدنيا لتنال الجزاء الأوفى في الأخرى، فمن هم هؤلاء المؤمنون:
إنَّهم المجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم من المهاجرين والنصار، وهم الذين قال الله عنهم: {((((((((((((((((((حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ ((((((((((((((} (محمد:31)، وكانت عدَّة المقاتلين الواهبين نفوسهم لله دومًا، الصبر، بشهادة القرآن، وبه انتصروا رغم قلَّة العدد، لأنَّ القضيَّة هنا لا تتعلَّق بحسِّيات بشريَّة واعتبارات مادية، لقد سمت إلى أعلى من ذلك لتصبح روحانية مطلقة، بعد أن سما أصحابُها بنفوسهم الصابرة الموقنة المجاهدة من الأرض إلى أعلى علِّيين، {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ (((((((((((} (آل عمران:200).
إنَّ الأمر عظيم والامتحان عسير، لن يستطيع مواجهته إلاَّ من صبر وصابر ورابط، صفاتٌ تلاثٌ، وكلُّ صفة تحمل من المعاني العظيمة ما لا تحمله الأخرى؛ فالصبرُ غير المصابرة، والمصابرة غير المرابطة، على الرغم من العلاقة الوطيدة بينهما والتدرُّج المعنوي بين مستوياتها، فقد يبدأ المجاهد في الميدان صابرًا ثم مُصابرًا ثمَّ مُرابطًا، وتلك صفاتُ الفاتحين الأوائل الذين جاء نصر الله على أيديهم فكرَّمهم الله بنصرة دينه وكرَّم دينه وانتسابه إليه. (1/151)
صفحة 151
ومن أجل ما تحمله خلَّة الصبر من طاقة روحانية لا توصف ولا تنفد، علَّم الله عباده المجاهدين أن يقولوا وهم أمام العدوِّ، {((((((((أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ ((((((((((((((} (البقرة:250)، وكان ذلك دعاء المؤمنين في غزوة بدر بنصِّ القرآن، ليبقى دعاءً يتلوه المجاهدون المؤمنون بكلِّ زمان ومكان.
وجاء في آية أخرى، {((((((((أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا (((((((((((} (الأعراف: 126)، إنَّ المجاهد عندما يتحلَّى بصفة الصبر يؤيِّده الله بالنصر حتىَّ ولو كانت إمكاناته المادية ضعيفة، وعدَّته وعدده غير متوازن ولا متكافئ مع عدَّة وعدد عدوِّه، كذلك أرانا الله مشاهد من جهاد المؤمنين ضدَّ الكفر فانتصروا وقلبوا الموازين البشرية رأسًا على عقب، وما من سرٍّ في ذلك ـ إلى جانب تأييد الله طبعًا ـ غير الصبر، بشهادة القرآن الكريم، حيث يعرض علينا مشاهد إيمانية مثيرة رائعة من سورة الأنفال.
وتتوالى وصايا الله وأوامره لعباده المجاهدين إذا لقوا الكافرين على النحو التالي:
أولا: الثباتُ أمام العدوِّ وذكر الله، وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع والصبر، لأنَّ الله مع الصابرين، لقوله تعالى: {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ((((} (الأنفال). (1/152)
صفحة 152
ثانيا: إنَّ النصر من عند الله لا شكَّ في ذلك ولا ريب، ولكنَّ نصره لمن يكون أعدَّ نفسه لتحمُّل متطلَّبات النصر، بالصبر والمجاهدة والمرابطة والثبات أمام العدوِّ مهما تكن قوَّته وعدَّته، لأنَّ موازين الله غير موازين البشر. وكانت آيات عظيمة في غزوة حنين عندما دخل بعضُ الوَهَن في صفوف المسلمين، فظنُّوا أنَّ السرَّ في القوَّة المادية المتمثِّلة في كثرة العدد، فعاقبهم الله جزاء هذا التصوُّر الذي هو من وسواس الشيطان. ولنتابع ذلك من خلال هذا المشهد العظيم، بناء على المبدأ القرآني وسنَّة الله التي لا تبدَّل {(((مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ ((((((((((((} (البقرة:249)، ويقول تعالى: {(((((((((((النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا (((((((((((} (الأنفال:65).
فَعِلَّة النصر هنا إذا هي: الصبرُ، الذي هو قوَّة روحيَّة كامنة في نفوس المجاهدين، ولا علاقة لها بالقوَّة المادية المتمثِّلة في السلاح والعتاد، والعلَّة الثانية: هي قوَّة مؤمنة، تواجه قوَّة كافرة لا تفقه أسرار دين الله ونفحاته، وإلاَّ فهل يُقبل المنطق البشري أن يغلب عشرون مائتين أو ينتصر مائة على ألف؟ ولكن إذا شحن الله قلب المؤمن بطاقة الإيمان والصبر قلب موازين الحسابات البشريَّة ولم يعد لها في المنطق الآلي مكانًا ولا اعتبارًا، ودليل ذلك، أنَّ المؤمنين عندما تخلَّوا هذه الاعتبارات طرفة عين، وفي لحظة من لحظات الضعف البشري، خضع كلُّ شيءٍ لمنطق البشر، فكانت الغَلَبةُ حسب درجة الصبر والإيمان، (1/153)
صفحة 153
فانخفضت درجةُ النصر بانخفاض مستوى الصبر في القلب، كما يقول تعالى: {((((((((خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَن فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ ((((((((((((} (الأنفال:66)، الصبرُ موجودٌ ولكن مستواه ضعيف، فلم تعد النسبة هنا كما كانت في السابق، نسبة عشرين إلى مائة، أو مائتين إلى ألف، أي غَلَبَة الواحد بعشرة، بل أصبحت نسبة مائة إلى مائتين، وألف إلى ألفين، أي غلبة واحد لاثنين، وشتَّان ما بين العددين، ويا بُعدَ ما بين الاعتبارين.
وقد يكون الجزاءُ استشهادٌ في سبيل الله رغم الصبر، لأنَّ الآجال بيد الله وهو الفوز بإحدى الحسنيين، وفي هذه الحالة يرقى المجاهد الصابر إلى درجة عظيمة يتمنَّاها كلُّ مؤمن صادق الإيمان، إلاَّ وهي: محبَّة الله ورضاؤُه عنه، أولم يقل سبحانه عن المستشهدين في سبيله {(((((((((مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (((((} (آل عمران)، ما أعظم هذا الجزاء، حبُّ الله لهم في الدنيا صابرين، وحبُّه لهم في الآخرة مُحسنين. (1/154)
صفحة 154
فئة المتقين
المستوى الرابع: والمقصود بهم هنا من ذكرهم القرآن من المسلمين بعامَّة، كلُّ الذين آمنوا بالإسلام دينًا بمفهومه القرآني، أي الذين آمنوا بدين التوحيد منذ أبينا آدم إلى يوم الناس هذا. فقد خصَّ القرآنُ المسلمين بالذكر ووصفهم بالصبر والتقوى والإحسان في سور عديدة من القرآن الكريم، ولعلَّ أشمل آية تحدَّثت عن المؤمنين الصابرين قوله - سبحانه وتعالى -: {(((((((((((((1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (((} (العصر).
فقد حصر اللهُ النجاة من الخسران ـ والعياذ بالله ـ في فئة واحدة، هي الكلِّ الذي ينطوي تحته كلُّ الأجزاء، وهم: الذين آمنوا وأثبتوا إيمانهم، أوَّلا: بالعمل الصالح، لأنَّه لا إيمانَ بدون عملٍ صالحٍ دائمٍ، وهم ثانيًا: ممَّن يتحلَّون باتباع الحق والصبر، وهذه قاعدة ثابتة لبناء الحضارة الإنسانية. أربعة أركان: الإيمانُ بالله وحدَه لا شريك له، العملُ الصالح تأكيدًا وتقريرًا لذلك الإيمان، التحلِّي بالحقِّ الذي يشمل كلمة العدل والصدق والتوازن وغير ذلك، والصبر الذي يعتبر عدَّة ضروريَّة لمواجهة صِعَاب الحياة الدنيا ابتغاءَ ما عند الله في الآخرة. وأحسبُ لو استعرضنا الحضارات الإنسانية كلَّها منذ آدم إلى يومنا هذا، على ضوء هذه العناصر لوجدنا، أنَّ هلاكها وديمومتها إنَّما يكون تبعًا لكمال أو نقص أحد العناصر، التي ذَكَرَتها الآية السابقة.
وجاء استثناءُ الصابرين المؤمنين وتكريمهم بمغفرة الله وإعداد الأجر الكبير جزاء صبرهم، في قوله تعالى في سورة هود وهو يعرض علينا حالة من حالات (1/155)
صفحة 155
الإنسان التي تظهر طبيعته المتقلِّبة التي لا تزال متذبذبة بين الشكر والكفر، حسب الحالات التي تعتوره بين الطمأنينة والقلق النفسيين، فإذا مسَّته ضرَّاء كفر، وإذا حفَّت به سرَّاء شكر، ولم يستثن الله من كلِّ الخلق صنفًا من هذا التذبذب سوى صنف واحد هم المتَّصفُون بالتقوى والصبر، يقول الله - سبحانه وتعالى -: {((((((((أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ((((} (هود).
إنَّ من علامات التقوى والورع، أن يبتغي المؤمن من وجوده في الدنيا الدارَ الآخرة، ويتنزَّه عن إغراءات الدنيا، ويدير ظهره لمفاتنها، ويتعالى عن زخارفها، ولا يأخذ من ذلك إلاَّ ما يكونُ وسيلةً لتحقيق هذه الغاية؛ رجاء ما عند الله، وما عند الله خيرٌ وأبقى.
يصوِّر لنا القرآن الكريم في قصَّة قارون الذي أغرته الحياة الدنيا، فظلم نفسه ونَسِيَ ربَّه، وانقاد للهوى والشيطان، من خلال ذلك الحوار الرائع؛ بين المنبهرين بالمال من عبيد الدنيا وبين المؤثرين ما عند الله من عباد الرحمان، ويشهد القرآن أنَّ العاقبة أبدًا للصابرين؛ الذين استطاعوا أن يتَعَالَوا في كبرياء واعتزاز المتَّقين على قارون وحاشيته والسائرين في ركابه. يقول الله تعالى: {((((((((عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (((} (1/156)
صفحة 156
(القصص)، فثوابُ الله وجزاؤُه الذي لا يضاهي ولا يماثل، يشترط فيه إلى جانب الإيمان والعمل الصالح؛ الصبر، ذلك ما جاء على لسان أولو العلم؛ الذين يفهمون ظواهر الأشياء وبواطنها فيلهمهم الله رشدَهُم، وفي هذه الآية الكريمة إعلاءٌ لمكانة الصبر، وتشريفٌ للعلم، وتلميحٌ لطيف إلى أنَّ الصبر تعلُّمٌ وتدريبٌ وتجريبٌ ومجاهدةٌ ومصابرة، وهي الصفات التي ينبغي للمؤمن أن يتَّصف بها حتَّى يتغلَّب على نزوات نفسه وشهواتها.
إضافة لما وصف به الله المؤمن المتحلِّي بالصبر من عزيمة، وسداد في الرأي وعلمٍ وحكمةٍ في الدنيا، على النحو الذي أوضحناه آنفا، فإنَّ الجزاء الأخرويَّ الذي يجازي به الله الصابرين، جزاء يتمنَّاه كلُّ مؤمن؛ لأنَّه الجزاء بالجنَّة؛ بل هو الجزاء بغير حساب، كما نتابع ذلك من خلال الآيات الآتية: {((((((((((بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً ((((((((((} (الإنسان:12)، {(((((((((((آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ((((((((((((((} (العنكبوت:58)، منهم العاملون الذين أتمَّ الله لهم هذا المقام العظيم، إنَّهم أولئك الذين يصفُهم الله بقوله: {((((((((صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ (((((((((((((} (العنكبوت:59).
لقد وصف الله أصحاب الجنَّة فقال في صفات أهل الميمنة أهل الجنَّة: {((((كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ((((} (البلد). الإيمانُ بالله، والتواصي بالصبر، والتواصي بالتراحُم بين عباده؛ صفاتٌ ثلاث تؤكِّد العلاقة بين الله وعباده من جهة، (1/157)
صفحة 157
والعلاقة بين المؤمن وباقي عباد الله من جهة، والرابط بين الحالتين الصبر، لأنَّ الطاعة والمداومة عليها والالتزام الدقيق لا يكون على النفس الإنسانية الضعيفة سهلاً ميسورًا، فكيف به من المجاهدة الدائمة.
يقول الله - سبحانه وتعالى -: {(((((((((الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (((((} (البقرة)، {(((((((((((صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ((((((((} (الرعد:22)، فالصابرون ابتغاء وجه الله عقباهم الجنة، بل إنَّهم سيلقون بها تحيَّة وسلامًا، كما جاء ذلك في قوله تعالى: {((((((جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ (((((((((((((((} (المؤمنون:111)، وليس من الصدفة والاعتباط أن يعبِّر القرآن ـ وحاشاه ـ بنون التوكيد وحصر الفوز في الصابرين بقوله: هم، فقد كان من الممكن أن يقال: إنَّهم من الفائزين. وسِرُّ ذلك تلميح واضح إلى أنَّ الصبر هو سيِّد أخلاق المؤمنين، لعلاقته الوطيدة بصفات عديدة دأب القرآن على ربطها به مثل: العمل الصالح، وإقامة الصلاة، والإنفاق في السراء والضرَّاء، وكظم الغيط، والعفو عن الناس، والمغفرة عن المسيء، والتجاوز عن الظالم، والإحسان إلى خلق الله، والصبر في الجهاد والثبات فيه، والتوكُّل على الله في كلِّ شيءٍ، ورأسُ هذه الصفات وعمودُها الصبرُ، ومن هنا كان جزاءُ الله لهم بأحسن ممَّا عملوا أجرًا مضاعفًا، كما قال مؤكدًا وعده باللام ونون التوكيد: {((((((((((((((الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا (((((((((((} (النحل:96). (1/158)
صفحة 158
بل إنَّ الله أعدَّ لهم من الأجر والجزاء والثواب مالا يُحدَّد بوصفٍ ولا يُقدَّر بقيمة، إنَّه الجزاء بغير حساب، كما جاء ذلك في قوله تعالى: {((((يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ (((((((} (الزمر:10)، كأنَّ الله - سبحانه وتعالى - يريد أن يخبرنا بأنَّ الصابرين ابتغاء وجه الله لم يكن في حسبانهم زخرف الدنيا ونعيمها، وما كان في طباعهم انتظار الجزاء من أحد لأنَّهم مُحسنون بالسليقة، فهم يُسقطون من اعتبارهم المنفعة المادية أو حتَّى الإحسان مقابل الإحسان إيثارًا منهم لما عند الله في الجزاء الأوفى، من أجل ذلك كلِّه، فإنَّ الله أيضًا أسقط في جزائهم الحساب والقيمة المحدَّدة، فقال: {(((((((يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ (((((((} (الزمر:10)، ويفعل الله في مُلكه ما يشاء، ويجازي خلقه كما يشاء، وكيفما يشاء، لا مُعقِّب لحكمه، ولا رادَّ لما أراد.
وقد أجل الله هذا الخلق الكريم، أي مقابلة الإساءة بالإحسان فنزله منزلة عظمى دُنيًا وأخرى، فسمَّى المتَّصفين به: مُحسنين، وإلى ذلك وجَّه رسوله الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمَّة القرآن: {((((((عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (((((} (النحل)، ومَن كان الله معه كان في درجة المحسنين دنيًا وأخرى.
وقد أكَّد القرآن هذا التشريف حيث يصف من مقابلة الإساءة (1/159)
صفحة 159
بالإحسان: {((((تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ((((} (فصلت).
فإذا تصرَّف المسلم هذا التصرُّف السامي، الذي يدلُّ على سموِّ نفسٍ، وإيمانٍ لا يُوصف ولا يحدَّد، فتسامى على الانتصار لنفسه، وتجاوز عن الإساءة ابتغاء ما عند الله؛ كان الله عند حسن ظنِّ عبده به، فسما به في منزلته في الجنة، فأعدَّ له من الجزاء والثواب ما لا يوصف أيضا ولا يحدَّد.
وقد يقول قائل: إنَّ الصفة التي أشار إليها القرآن وهي: الصبر؛ واحدة، فلماذا يجازي الله الصابرين في الجنَّة بشيء محدَّد، كأن يقول: {((((((((((بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً ((((((((((} (الإنسان:12)، أو يقول: {((((((((((((يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً ((((((((((} (الفرقان:75)، أو يقول: {((((((((((((يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا (((((((((} (القصص:54)، وأحيانًا أخرى لا يحدَّد على النحو الذي أشرنا إليه سابقا. والجواب عن هذا يعرفه كلُّ من تذوَّق الإعجاز البياني للقرآن، فما يذكره القرآن من جزاء مثل: جنَّةً وحريرًا، أو يُجزون الغرفة، أو يُؤتون أجرهم مرَّتين، إنَّما هو تحديدٌ تقريبيٌّ، يُماشي طبيعة العقل البشري الذي يرتاح للتحديد أكثر مما يرتاح للتمديد. على أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخبرنا بأنَّ في الجنة، « .. ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، فأبعد بهذا النص كلَّ تحديدٍ أو توصيفٍ دنيويٍّ، وإنَّما أحكام تلك الدار ليست كهاته ـ كما يقول العلماء ـ، وهذا القول يفسِّر قوله تعالى الذي ورد كثيرًا في (1/160)
صفحة 160
القرآن من أنَّ الجزاء بغير حساب.
الخاتمة: هكذا نرى وبعد هذه الجولة الروحانية في عالم القرآن الرحيب، نستطيع القول: إنَّ الصبر هو الخلق العظيم الذي يؤهِّل المؤمن ليسمو إلى عالم الروح، ويتسامى عن عالم المادة والشهوات، ويتغلَّب على الرغبات النفسيَّة والشيطانيَّة، ويكفي الصابر جزاءً أن يبشِّره الله بالجنَّة ورضوان من الله أكبر؛ فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «قيل يا رسول الله، هل من رجلٍ يدخل الجنَّة بغير حساب، قال: نعم؛ كلُّ رحيمٍ صَبُور» (1).
وأكَّد ذلك القرآنُ الكريم في عدَّة آيات، كما أوضحنا، ولا بأس أن نستشهد هنا بهذه الآية الجامعة المانعة، قال تعالى: {(((((((((((آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ((((} (العنكبوت)، وحقَّ للصابرين أن يكونوا كذلك، لأنَّ الصبر هو الخلُق الذي يتمحَّض به مقدار إيمان الإنسان ومدى استطاعته على قهر شهوات نفسه وهواه، وهل يلجُ الشيطانُ إلى نفس الإنسان إلاَّ من الشهوة والهوى، فإذا استطاع الإنسان أن يقهر شره النفس الأمَّارة بالسوء، مَلَكَ زِمامَها، وإذا مَلَكَ زَمامَها انقادت وذلَّت، وإذا انقادت وذلَّت أصبح الإنسان سيِّد نفسه لا عبد شهواته.
__________
(1) 1 – أسامة بن منقد، لباب الآداب، ص: 293. (1/161)
صفحة 161
وما أحوج المؤمن اليوم إلى هذه العدَّة التي هي سلاحُ الجهاد الأكبر الذي يخوضه في كلِّ آن، فبالصبر تربَّى النفوس حتىَّ لا تطير شَعَاعًا مع كلِّ نازلة، ولا تذهب هباءً مع كلِّ فاجعة، ولا تنهار جزعًا أمام الشِّدة.
إنَّ الصبر دليلُ الإيمانِ الصادق، لأنَّ معناه: الرجاءُ في الله، والثقة في الله، والاعتماد على الله، في حالات البؤس والفقر، ووجع المرض والضعف وأمام القلَّة والنقص ... الصبرُ في الجهاد والحصار، والصبرُ في البأساء والضرَّاء، ولو تحلَّى المؤمنون بهذه الخلَّة لحقَّقوا عمليًّا رسالة القوامة على البشريَّة، وأمانة الاستخلاف في الأرض، ولأصبحوا خير أمَّة أُخرِجَت للناس، كما أمر الله أن يكونوا.
U u u (1/162)
صفحة 162
التوبة في القرآن الكريم
أصلُ التوبة في اللغة العربية الرجوعُ، ويُقال تَابَ كما يقال ثَابَ بالتاء والثاء، ومنه تعبير: تاب إلى رشده؛ أي رجع إلى صوابه. ويُقال تاب توبًا، وتوبةً ومَتابًا.
كما يُقال تاب الله على فلان، أي عاد عليه بالمغفرة، فالله سبحانه وتعالى توَّاب. والتوبةُ تحمل معنى رجوع العبد عن معصيته، وتحمل كذلك معنى رجوع الله - عز وجل - على عبده برحمته وغفرانه (1).
وقد وردت لفظة التوبة ومشتقاتها سبعًا وثمانين مرَّة في القرآن الكريم. كما أنَّنا نجد أحاديث كثيرة في موضوع التوبة والتائبين، وبعض هذه الأحاديث ورد على هيئة قصص مشوِّقة هادفة تعتبر في القمَّة بلاغةً، وتشويقًا، ودلالةً.
إنَّ التوبة والإقلاع والإنابة تعتبر في اللغة العربية نظائر. وضدُّ التوبة الإصرارُ؛ أي الإصرار على ارتكاب الذنب واستمرار الخطيئة، دون مبالاة بعقوبة الله تعالى.
كلُّ مؤمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر ثوابًا وعقابًا معنيُّ بمعرفة أحكام التوبة وطلب المغفرة، لأنَّنا لا نتصوَّر إنسانًا في غنىً عن التوبة،
__________
(1) 1 – ابن منظور، لسان العرب، مادة تاب. (1/163)
صفحة 163
فكلُّ ابنُ آدم خطَّاء وخيرُ الخطائين التوَّابون؛ كما قال محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
وتظلُّ قصة أبينا آدم وأمِّنا حوَّاء في ذاكرة كلِّ مسلم مثالاً لكرم الله وعفوه ورحمته الواسعة، فإنَّ أبانا آدم وأمَّنا حواء هما أوَّل البشر ممَّن يتوب عليهما الله - سبحانه وتعالى - بعد أن أكلا من الشجرة التي حرَّمها الله عليهما. وقد تكرَّرت قصتهما في القرآن الكريم مرَّات عديدة، ومن ذلك قوله تعالى: {(((((((((يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ((((} (البقرة).
والذي يعنينا بالنسبة لموضوعنا هو توبة أبينا آدم وأمِّنا حوَّاء عليهما السلام، هذه التوبة التي وصفها الله بأنَّها اجتباء من عنده، وهديٌ إلى الصراط المستقيم {((((((((آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (((((} (طه).
وقد اهتمَّ العلماء بمعرفة العبارات التي علَّمها الله آدم ليتوب وتُقبل توبتُه، وما كان آدم يعرفها من قبل، بل ولا كان يعرف أنَّ الله سوف يغفر له خطيئته.
يقول المفسران ”حسن“ و”قتادة“ إن عبارات التوبة لم يقلها آدم وحده بل قالتها معه حواء، وهي العبارات التي ذكرها الله - عز وجل - في سورة (1/164)
صفحة 164
الأعراف على لسان آدم وحواء، بقوله تعالى: {(((((رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ (((((((((((((} (الأعراف:23).
والحق أنَّنا عندما نتصفَّح القرآن الكريم، نجد في سورٍ عديدة منه آيات يعلِّمنا الله من خلالها، كيف نتوب ونستغفر؟ ويعلِّمنا آداب ذلك، حتى تكون توبتنا نصوحًا.
وقد تكرَّرت هذه العبارات في قصص وأحداث مختلفة نشير إلى بعضها، وبعد استعراضها نشير إلى النتائج القيِّمة التي نصل إليها.
قالت بلقيس تائبةً من ذنبها: {(((((((رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ((((((((((((((} (النمل:44). وقال موسى لبني إسرائيل: {((((((((إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى (((((((((((} (البقرة:54)، {(((((((((((إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا (((((((((((((} (آل عمران:135)، {((((((أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا ((((((((} (النساء:64).
أوَّل ما نلحظه على هذه الآيات أنها متَّفقة كلُّها على وصف المذنبين على أنَّهم ظلموا أنفسهم، وهي إشارة واضحة، وحجَّة قاطعة على أنَّ الإنسان هو الذي يتحمَّل مسؤولية عصيانه وخطيئته، لأنَّ الله أعطاه العقل الذي به يميِّز بين الطاعة والمعصية ويفرِّق بين الغواية والرشد، ولنا أن نتساءل على ضوء الهدي القرآني عن شروط التوبة وأركانها؟ (1/165)
صفحة 165
تعمَّق فقهاء الشريعة الإسلامية في بحث شروط التوبة الصحيحة وأركانها الأساسية التي لا تتمُّ بدونها، وغنيٌّ عن القول أنَّ التائب المعنيَّ هو المؤمن العاصي؛ إذ لا يعقل بداهة أن يتوب إنسانٌ ما وهو في قرارة نفسه لا يؤمن بوحدانية الله - عز وجل -، وبأنَّه جلَّت قدرته يبعث الناس من القبور ليحاسبهم يوم القيامة على ما قدَّموا من أعمال في الدنيا، فإمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النار والعياذ بالله.
والأركانُ الصحيحة الثلاثة يمكننا تلخيصها في:
الندم ـ والتعجيل بالتوبة ـ والإقلاع
الندم
الركن الأول: ويسمِّيه بعض الفقهاء الركن الأعظم للتوبة؛ وهو ضرورةُ شعورِ التائب بالندم الصادق المرير، على الذنب الذي ارتكبه وإرادة التوبة عنه. وهذا الركن الهامُّ هو الذي تشير إليه كلُّ آيات التوبة في القرآن الكريم. فعندما يعترف التائب لله بأنَّه ظالم لنفسه، وهو وصفٌ ثابت كرَّرته آيات كثيرة، دلَّ ذلك على الندم والشعور الحادِّ بتوبيخ الضمير. فالإقرارُ بالمعصية أوَّل مراتب التوبة والاعتراف بالذنب طريق إلى التطهُّر وانتقال من الغواية إلى الرشد، والاستغفار من الذنب أساس التوبة، كما يقول الله - سبحانه وتعالى - وهو يصف ذاته العلية في سورة غافر: {((((1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (((} (غافر)، ففي هذه الآيات أربعُ صفاتٍ وهي، الأولى: غافرُ (1/166)
صفحة 166
الذنب، الثانية: قابلُ التوب، الثالثة: شديدُ العقاب، الرابعة: ذِي الطَّول، والصفات الإلهية متكاملة للذات الكاملة - عز وجل -.
لكن ينبغي أن نتدبَّر في سبب تقديم غفران الذنب على قبول التوبة؛ ففي هذا لفتة ربانيَّة إلى أنَّ الغفران لا يكون إلاَّ لمن طلب الاستغفار، وهو الاعترافُ بالذنب والإقرارُ بالخطيئة، ثم يأتي بعده قبول التوبة، ثم يذكر الله - سبحانه وتعالى - بأنَّه شديد العقاب، حتىَّ لا يسيء الإنسانُ استغلال رحمة الله وغفرانه فيتمادى في اقتراف الذنوب.
وقد حثَّ الله سبحانه وتعالى عباده على الإسراع بالتوبة عن الذنوب التي اقترفوها، مهما تكن عظيمة كثيرة؛ فإنَّ رحمة الله وَسِعَت كلَّ شيء، وأحاطت بكلِّ شيءٍ علماً، يعلم السرَّ وأخفى؛ فإذا علم الله من عبده خُلُوصَ النيَّة، والتوبة النصوح، تاب عليه وعفا. ومن الآيات العظيمة التي تهزُّ الوجدان وتملأ النفس المؤمنة بالرضى واليقين، قوله تعالى: {(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ((((} (الزمر).
قال ”توبان“ مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنَّ جبريل بعد أن أوحى بهذه الآية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فرِحَ النبيُّ بها أشدَّ الفرح لما فيها من رحمة واسعةٍ للمسلمين، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحبُّ أنَّ لي في الدنيا وما فيها بهذه الآية». وقال الامام علي (1/167)
صفحة 167
(كرَّم الله وجهه) «ما في القرآن آيةٌ أوسَعُ من هذه الآية» (1).وخاطب الله نبيَّه الكريم، والخطاب يشمل جميع المؤمنين، قائلا: {(((((((((بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ ((((((((} (النصر:3).
إنَّ الله خالق العباد هو أدرى بضعف عباده، فهم في حاجة دومًا إلى الاستغفار من ذنوبهم، والله دائمُ التوبة لذنوبهم، ومن ثمَّ استعمل صيغة مبالغة للفعل تاب تدلُّ على الاستمرار والديمومة فقال إنَّه كان توَّابًا.
وقد جاءت هذه التربية الربَّانية على لسان أنبياء الله وهم يتوجَّهون بالنصح والإرشاد إلى أقوامهم، فقال سيدنا هود - عليه السلام - لقومه: {(((((((((((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا (((((((((((} (هود: 52). وقال سيدنا صالح - عليه السلام -: {((((((((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ (((((((} (هود:61). وقال سيدنا شعيب - عليه السلام -: {(((((((((((((((((رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ • ((((((} (هود:90).
وهكذا نلحظ من خلال النسق القرآنيِّ العظيم تقديمَ الاستغفار على التوبة، لأنَّ الأمرَ ينبغي أن يصدُر من المستغفر المقرِّ بالذنب، ثم يتوب الله عليه بعد ذلك.
__________
(1) 1 – يراجع، محمد كامل حسين، التقوى في القرآن، ص، 104. (1/168)
صفحة 168
تعجيل التوبة
اتَّفق العلماء على أنَّ التوبة من جميع المعاصي واجبةٌ على المسلم والمسلمة، ولا يجوز تأخير التوبة سواء كانت المعاصي كبيرة أم صغيرة؛ لأنَّ الإنسان الذي يُرجئ التوبة لا يَدري متى يُوافيه الأجل المحتوم، فقد يموتُ فجأةً وهو غير تائب عن ذنوبه، فيلقى ربَّه مجرمًا مُستحقًّا للعقاب والعذاب الأليم، كما تُقرِّر ذلك الآية الكريمة: {(((((((التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا ((((((((} (النساء). ورأى أغلب الفقهاء أنَّ التوبة تكون مقبولة قبل اليقين بالموت.
وقد روى الصحابيُّ الجليل عبادة بن الصامت وعددٌ آخر من رواة الأحاديث الموثوق بهم، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في آخر خطبة له خطبها في المسلمين «من تاب قبل موته بِسَنَة تاب الله عليه، ثم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنَّ السنة لكثيرة، ومن تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه، ولكنَّ رسول الله عاد فقال: وإنَّ الشهر لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، وإنَّ الساعة لكثيرة، من تاب قبل أن يُغَرْغِرَ بِها تاب الله عليه»، أي قبل (1/169)
صفحة 169
حشرجة الروح في الثواني الأخيرة من عمر الإنسان (1).
فالذي نستفيدُه من هذا العرض قاعدة جوهرية نفيسة، وهي أنَّ باب التوبة مفتوحٌ لعباد الله ما لم تصعد أرواحهم إلى بارئها، وهذا ما يليقُ برحمة الله وسعة عفوه وكريم عطائه.
وما تعبير الرسول الكريم بالسنة ثم بالشهر ثم بالساعة ثم باللحظة الأخيرة، إلاَّ تعبيرٌ تجسيديٌّ قويٌّ على أنَّ رحمة الله وَسِعَت كلَّ شيء، وإنَّ مغفرته لعباده دائمة مستمرَّة إلاَّ أن يكون شركًا بالله، والعياذ بالله، {((((اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا ((((((((} (النساء:48).
بل إنَّ الله الذي من صفاته المقدسة: الرحمة، ومن أسمائه الحسنى: الرحمان الرحيم، يهيب بعباده إلاَّ يقنطوا من رحمة الله أبدا، وألاَّ ييأسوا من عفوه الواسع لأنَّ اليأس من شأن الكافرين، {(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ ((((((((((} (الزمر:53)
وممَّا قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تكرار الذنوب من العباد وتكرار الغفران من الله تعالى: «إنَّ الله يَبسِطُ يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ، النهار ويبسِطُ يده بالنهار ليتوبَ مُسِيءُ الليل، حتى تَطلع الشمس من مغربها». فالآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة تؤكِّد على ضرورة عدم اليأس من رحمة الله مهما
__________
(1) 1 – روى الحديث أحمد بن حنبل، انظر، محمد كامل حسين، (مرجع سابق) ص، 126. (1/170)
صفحة 170
كان الذنب، في تصوُّر المؤمن عظيمًا. لكن لا يعني ذلك أن يتجرَّأ العبدُ على ربِّه بالمعصية، والاستمرار فيها اعتمادًا على رحمة الله وعفوه الواسع، فإنَّه لا ذنبَ مع استغفار، وفي الوقت نفسه لا توبةَ مع إصرار، وقد دلَّ القرآن الكريم على هذا المعنى من قرنه الدائم بين صفتين من صفات الرحمان، التواب الرحيم، وشديد العقاب.
الإقلاع
وهذا يقودُنا إلى الوقوف عند الركن الثالث من أركان التوبة وهو العزمُ على عدم العودة إلى المعاصي، والقطيعةُ التامَّة بين العبد والخطايا، فإنَّه لا إقلاعٌ عن الذنوب دون عزمٍ قويٍّ ونيَّة صادقة من التائب على ترك الذنوب تركًا أبديًّا. وقد ربط الله توبته على عبده بهذه النيَّة، كما جاء ذلك في آيات كثيرة، {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (((((((} (التحريم: 8)، وقوله تعالى: {((((الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ ((((((((((} (البقرة:160).
فالتوبة في كتاب الله مبنِيَّة أبدًا على العزم على عدم العودة إلى الذنب، وقرن التوبة بالإصلاح والعمل الصالح دليل على أنَّ التوبة صادقة، وأنَّ العبد (1/171)
صفحة 171
في حياته قد تحوَّل من مقام الإساءة إلى مقام الإحسان، ومن مرتبة الذنب إلى مرتبة الشكران، وشتَّان ما بين الحالتين.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى عباد الرحمان الذين شرَّفهم بنسبتهم إليه، ونذكر من صفاتهم التوبة والإنابة والعزم الصادق على الانصراف عن حمئة السيئات إلى روض الحسنات، حيث يقول: {(((((((((((لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ((((((((} (الفرقان). فالله يشهد لعباده الذين قرنوا التوبة بالعمل الصالح، بأنَّهم تابوا توبةً نصوحًا حقًّا، وبذلك استحقُّوا أن يكرِّمهم بالدخول في عباده المؤمنين، والذين وعدهم بالجزاء الأوفى يوم القيامة حيث قال عنهم تذييلا للآيات السابقة: {((((((((((((يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً ((((((((((} (الفرقان:75).
إنَّ المتأمل في القرآن الكريم والسنَّة الشريفة يدرك رحمة الله بعباده، هذه الرحمة التي لا توصف ولا تحد، وهي لا تتمثَّل في تكرار عفو الله على عباده، ولو تكرَّر منهم الذنب ما داموا يخلصون الودَّ والحبَّ والإيمان بالله تعالى، فيبادلهم الله حبًّا بحبٍّ، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: {((((اللَّهَ يُحِبُّ (1/172)
صفحة 172
التَّوَّابِينَوَيُحِبُّ ((((((((((((((((((} (البقرة:222). واستخدام صيغة المبالغة ”فعَّال“ هنا لها دلالات معنوية واسعة، إحداها سعةُ عفو الله وشمولُ رحمته لخلقه، ومن ثم ورد من أسماء الله الحسنى: التوابُ الرحيمُ، هكذا بهذه الصيغة الدَّالة على المبالغة والاستمرارية والديمومة الأزليَّة الأبديَّة، من ذلك قوله تعالى: {((((((يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَن اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ ((((((((((} (التوبة:104).
ذكر الإمام مسلم في صحيحه قصَّة هادفة رواها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرحة الله تبارك وتعالى، بتوبة عبده المؤمن، وقد أسند الإمام مسلم هذه القصة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى البراء بن عازب، كما أسندها إلى أنس بن مالك وكلاهما من الصحابة الكرام الموثوق في أقوالهم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَلهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعيرٍ ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض (صحراء)، فادركته القائلة، فنزل فنام تحت شجرة فغلبته عينه، فانسلَّ بعيرُه، فاستيقظ وسعى شرفًا فلم ير شيئًا، [أي صعد على مكانٍ عال ليُشرف منه على الواحة]، ثم سعى شرفًا ثانيًا فلم ير شيئًًا، ثم سعى شرفًا ثالثًا فلم ير شيئًا، فاقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه [أي نام فيه]، فبينما هو قاعد إذ جاءه بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لَلهُ أشدُّ فرحًا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره» (1).
إنَّ هذا التشبيه الرائع الذي ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يرسم صورة مُفرحة
__________
(1) 1 – رواه مسلم، والدارمي، وابن حنبل، والترمذي. (1/173)
صفحة 173
مشرقة للإله الأوحد لهذا الكون الذي يعبده المؤمنون من أعماق قلوبهم، ومن الآيات الكريمة التي تضاعف من حبِّ المؤمنين لربِّهم الرحيم، وتدفعهم دومًا إلى الالتجاء إليه خوفًا منه، وما وصف به نفسه في سورة الانفطار، حيث يقول مخاطبا عباده: {(((((((((((الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ((((((((((} (الإنفطار:6)
يقول أبوبكر الورَّاق إنَّ الله تبارك وتعالى اختار صفة الكريم دون سائر صفاته وأسمائه في الآية السابقة، وكأنَّه يريد أن يلقِّن عبده المؤمن الإجابة على السؤال يوم المحاسبة والسؤال، فيقول غرَّني كَرَمُ الكريم، ورجوتُ رحمته التي تسبق غضبه، والتي وَسِعَت كلَّ شيء.
وقال يحيى بن معاذ: «لو أقامني الله - سبحانه وتعالى - بين يديه يوم القيامة ثم سألني ما غرَّك بي؟ فإنِّي أقول له: غرَّني بكَ، برُِّك بي، سالفًا وآنفًا، وحِلمُك ورَحمَتُك». ويقول الإمام عليٌّ كرَّم الله وجهه، وهو العالم بأبعاد هذه الآية الكريمة: «كم مغرور بالستر عليه ومستدرج بالإحسان إليه» (1). أي إنَّ الإنسان المؤمن إذا ارتكب ذنبًا وستر الله عليه ولم يفضحه، عليه أن يحمد الله تبارك وتعالى على الستر بالتوبة عن الذنب، ولا يغترر بعفو الله ورحمته بأنَّ يستر عليه، وهو مصرٌّ على ارتكاب الذنوب، لأنَّ هذا السلوك من العبد مُنافٍ لمقام المُحسن الرحمان.
وكذلك الحالُ إذا أحسن الله إلى الإنسان فإنَّه يجب عليه أن يحمد الله على نعمائه بالابتعاد عن عصيانه، فرُبَّ نعماءَ استدرجت إلى الاغترار، والاغترارُ شَرَكُ الشيطان.
__________
(1) 1 - محمد كامل حسن المحامي، مرجع سابق، ص، 116. (1/174)
صفحة 174
مكانة العلم في القرآن الكريم
المتأمِّلُ في القرآن الكريم يلحظ بوضوح الاهتمام العظيم الذي يوليه للعلم والعلماء والتعلُّم، والمتدبِّر في تلك الآيات الكريمة يصل إلى قناعة تامَّة بأنَّ الإسلام هو الدينُ السماويُّ الذي رفع من مكانة العلم والمعرفة دون سائر الشرائع السابقة، فيكفي أنَّه ربطه بالإنسان باعتباره مظهرًا من مظاهر عقله الذي ميَّزه الله به، فجعل العلم ثمرةً للنظر العقلي، وربط بينه وبين الإيمان ربطًا لا ينفصم.
ولقد تجلَّت هذه الدعوة في مادَّة العلم ومشتقاته التي ذُكرت في القرآن الكريم أكثر من ستِّمائة مرَّة، وكانت أوَّل آياته نزولاً قوله تعالى: {((((((((بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (((} (العلق).
فكان ذلك إيذانًا بإعلاء شأن العلم وارتباط ذلك بالدين الإسلامي، ثم إنَّ الله - سبحانه وتعالى - شرَّف بالعلم أوَّل خلقه وأب الآدميين وأسجد له - من أجل هذه المزيَّة فيه - ملائكته الذين خصَّهم لعبادته وحده، فأمرهم أن يسجدوا له سجود تكريمٍ وولاء، وسجودَ من لا يعلم لمن يعلم، فهذا السجود وإن كان لآدم فهو في الوقت نفسه للعلم وفضله (1)، حيث يقول
__________
(1) 1 – ينظر، فاطمة اسماعيل، القرآن والنظرالعقلي، المعهد العالي للفكر الإسلامي، ص: 80. (1/175)
صفحة 175
- سبحانه وتعالى -: {((((((((آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ ((((((((((((((((فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ ((((((((((((((((قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ (((((((² (((((وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ((((}. (البقرة).
ولكن الذي نرغب في الحديث عنه في هذا المجال ليس هو مكانة العلم بصفة عامَّة لأنَّ المجال لا يتَّسع لذلك، بل نرغب في تخصيص هذا الحديث عن العلم بمفهومه المحض ( Science)؛ فإنَّ الإنسان المعاصر في أمسِّ الحاجة إلى يقين دينيٍّ يُعيد إليه وحدته الضائعة، وسعادته المفقودة، وأمنه المهدور، وما دامت القناعة المبنيَّة على الحقائق العلميَّة هي اليوم من أكثر القناعات فاعليَّة للتحقق بهذا اليقين، وما دام كتاب الله يمنحنا هذا القدر الكبير المعجز من هذه الحقائق التي راحت تنكشف عقدًا بعد عقدٍ، وقرنًا بعد قرن، فلماذا لا نتحرَّك على ضوء هذه المعادلة العظيمة لإنقاذ الإنسان المعاصر من ورطته بفقدان اليقين؟ (1).
ولابدَّ أن نلحظ منذ البداية أن القرآن الكريم لم يحصر العلم في أمور التفقُّه في الدين كما يذهب إلى ذلك بعض المتزمِّتين، بل امتدَّت دعوته لتشمل
__________
(1) 1 – د. عماد الدين اسماعيل، مدخل إلى موقف القرآن الكريم من العلم، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1983، ص: 11. (1/176)
صفحة 176
المعارف التي يستطيع أن يدركها الإنسان في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء.
وقبل أن نتدبَّر بعض ما ورد في القرآن الكريم من الآيات العلميَّة، نحبُّ أن نشير إلى قضية طالما أثارها المفسرون قديماً وحديثًا، وهي التفسير العلمي الذي اختلف حوله المفسرون إلى فئات ثلاث:
ـ الفئة الأولى: تتكئُ كليَّة على معطيات العلم لتفسير آيات القرآن الكريم، فتحاول تفسير كلِّ ما فيه إشارة أو دلالة تفسيرًا علميًّا، وتتحمَّس للإشادة بأسبقيَّة كتاب الله إلى الإخبار عن هذه الظاهرة العلميَّة أو تلك، أو وجود هذا الاختراع أو ذاك؛ وهذا موقفٌ متطرِّف مبالغ كما لا يخفى، لأنَّ النظريات العلميَّة قد تخطئ، وقد يتطوَّر العلم فينسخ اللاحق ما قاله السابق، والنظريَّات العلميَّة جزئيَّة والقرآن كليٌّ، والآراء متغيرات وكلام الله ثابت، والقواعد العلميَّة نسبيَّة وقول الله مطلقٌ. ومن هنا يقع المتحمِّسون من هذه الفئة في خطأٍ منهجيٍّ يؤدِّي إلى إحداث شرخٍ أو قلق ذهنيٍّ إزاء تلك الآيات التي فُسِّرت وفق مقولاتٍ لم يُتَح لها الدوام.
ـ الفئة الثانية: ترفضُ هذا النوع من التفسير رفضًا باتًّا، وتحسبه تعسُّفًا وتحميلاً لآيات الله ما لا تحمل، ومن ثمَّ ترفض الاعتماد على معطيات العلم الحديث تحسُّبًا من مصيرٍ قد لا يتماشى مع جلال كلام الله، وإشفاقًا من أن يؤدِّي هذا إلى جرأة على كلام الله، وتجاوزٌ على صفته القدسية. وهذا الموقف لا يختلف عن الموقف الأوَّل تطرُّفًا وخطأً.
ـ الفئة الثالثة: وهي الأقربُ إلى الصواب، تتَّخذ موقفًا وسطًا، كما (1/177)
صفحة 177
علَّمنا القرآن الكريم نفسُه سلوكَ هذا المنهج المعتدل المتوازن في كافة شؤون الحياة، فلا يكون الموقفُ التصاقًا كاملا بمعطيات العلم المتغيِّرة دون تدقيق أو اختيارٍ أو حذر، ولا يكون رفضًا كاملاً وانصرافًا أعمى وجمودًا وتقليدًا. وعن هذا المنهج يقول أحد المفكرين المسلمين المعاصرين (1): «إنَّ المفسِّر المعاصر يتوجَّب عليه أن يُعمِل عقله وقدراته في مجال تخصُّصِه إذا توفَّرت لديه، لإدراك طبيعة العلاقة بين طرفي المعادلة، الآية القرآنية والمقولة العلميَّة، وما يؤهِّلُه لذلك علمًا وفقهًا وإدراكًا». إنَّ تطرُّف الطرفين: الرافضين لهذا النوع من التفسير والمبالغين في تحميل الآيات ما لا تحتمل، لا يمنعنا من الرؤية الواضحة، وهي أنَّ القرآن الكريم يظلُّ في حالة حضورٍ دائم في قلب العالم والحياة والكون يعايش سَنَنَها ونواميسها (2).
ونخلُص من خلال هذه المناقشات والرؤى بين علماء التفسير ما يلي:
1. القرآن الكريم هو في الاعتبار الأوَّل، كتابُ تشريعٍ، وهداية، ودستورٌ جامعٌ للحياة الإنسانيَّة، لا يطلب العاقل منه إلاَّ أمرًا واحدًا هو ألاَّ يصدَّه عن النظر في الكون واكتشاف قوانين الطبيعة.
2. إنَّ القرآن الكريم رسم للإنسان هذا المنهج وحثَّه عليه، وطلبَ منه تطبيقَه وتنفيذَه، ولهذا لم يكن بدعًا أن يُؤتِي هذا المنهج ثمراته في العالم الإسلامي.
3. الإشاراتُ التي وردت في القرآن الكريم حول بعض القضايا الكونيَّة
__________
(1) 1 – د. عماد الدين خليل، (مرجع سابق) ص: 120.
(2) 2 – المصدر السابق، ص: 19، (بتصرف) (1/178)
صفحة 178
والنظريات الطبيعية، قد جاءت كإطارٍ أو حوافز للعقل الإنساني، وعلى نحوٍ يتمُّ إدراكُه تمامًا خلال العصور اللاحقة.
4. إنَّ بعض المفسرين القدامى، أدركهم جهلُ عصرهم بالمدلول العلميِّ لتلك الإشارات، وبخاصَّة في عصور التقليد والانحطاط ففشلوا في تفسيرها أو فزعوا إلى الروايات الإسرائيلية فدوَّنوها في كُتُب التفسير على أنَّها شرحٌ وبيانٌ لبعض الآيات القرآنية، فأساؤوا عن غير قصد ـ بطبيعة الحال ـ إلى الدين الإسلامي.
5. إنَّ محاولاتِ بعض الكتَّاب اليوم، تحميل نصوص القرآن الكريم مالا تحمل، والزعم بأنَّ كلَّ اكتشافٍ أو قانونٍ له شاهدٌ أو أصلٌ في القرآن، ينظر إليها على أنَّها تبرير لواقع الكسل والجمود وعجزٌ عن الامتثال لأوامر القرآن الكريم نفسِهِ بالنظر والعمل والعلم، متعلِّلين بأنَّ القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع في المقام الأوَّل، إضافةً إلى أنَّ هذا الزعم قد يوصل في يوم من الأيام إلى النتيجة نفسِها التي وصل إليها بعضُ المفسِّرين القدامى في شرحهم لبعض الآيات الكونية والعلوم التجريبيَّة؛ بعد أن تقدم العلم والاكتشاف.
6. لا يوجد في القرآن الكريم، ولن يوجد ما يُعارض حقيقة علميَّة ثابتة؛ ارتقت من درجة الفروض إلى مقام الحقائق التي لا يتطرَّق إليها الشكُّ، فإنَّ المجتمع الإسلامي في حاجة شديدة إلى إيجاد المناخ الفكريِّ والمنهج العلمي الذي دعا إليه القرآن الكريم؛ حتىَّ لا نوظِّف عقولنا وخبراتنا على شكل أدوات في جسم الآلة الأوروبية أو الغربية، نحن في حاجة إلى (1/179)
صفحة 179
توظيف هذه الخبرات في جهازنا الإسلامي الخاصِّ.
إنَّ مبرراتنا وحوافزنا لتقدُّم علميٍّ جديد؛ يجب أن تنبع من مجتمعنا الإسلامي، ومن قِيَمِنا الحضاريَّة والعقدية والثقافية؛ حتىَّ لا نقع ونحن في طريقنا، لمزج الأصالة بالمعاصرة، في خطأ الاقتباس الفكريِّ والتقليد الحضاريِّ أو الثقافي ظنًّا منَّا أنَّنا نندفع إلى التقدُّم، وهو التأخُّر والانحلال بعينه (1).
إنَّ القارئ للقرآن الكريم بتدبُّر وإمعان نظر؛ يجد نفسه أمام حشدٍ هائلٍ من الآيات الكريمة ذات الصبغة العلميَّة، وهي ممتدَّة وفق أبعاد أربعة:
(1) مسائل تتعلَّق بحقيقة العلم وآفاقه وأهدافه، فيما يعرف بفلسفة العلم أو نظريَّة المعرفة.
(2) يوضِّح المنهج العلمي الذي نسلكه للكشف عن الحقائق العلميَّة المختلفة.
(3) يعرض لمجموعة من السَّنَن والقوانين في مجالات العلم المختلفة، وبخاصَّة العلوم الطبيعية والجغرافية، أو ما يطلق عليه اليوم بالعلوم المحضة.
(4) يدعو إلى استخدام هذه القوانين والسَّنَن التي كشف عنها المنهج التجريبي في البحث من أجل ترقية الحياة، وإعمار الأرض، والإيمان بالواحد الأحد (2).
إنَّ المنهج العلميَّ في القرآن الكريم لكسب العلم؛ يبدأ بالنظر الحسي، فإنَّ حواسَّنا من سمع وبصر أدوات لكسب العلم والنفاذ إلى جواهر الأشياء، فدعا
__________
(1) 1 – د. عدنان محمد زرزور، علوم القرآن، المكتب الإسلامي، بيروت، 1412هـ، 1991، ص: 35 - 39 (بتصرف)
(2) 2 – د. عماد الدين خليل (مصدر سابق) ص: 171 (بتصرف). (1/180)
صفحة 180
الناس إلى التبصُّر بحقيقة وجودهم وارتباطاتهم الكونية عن طريق النظر الحسِّي إلى ما حولهم، ابتداءً من مواضع أقدامهم وانتهاء بآفاق النفس والكون، وأعطى للحواس مسؤوليتها الكبرى عن كلِّ خطوةٍ يخطوها في مجال البحث والتأمُّل والتجريب، فقال تبارك وتعالى: {((((تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ (((((((((} (الإسراء: 36)، وناداه بأن يُمعِن النظر من حوله إلى طعامه: {(((((((((((الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) ((((((((((((غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ((((} (عبس)، ولو توقَّفنا عند قوله - سبحانه وتعالى -: {(((((((((((((((((((} فقط، وأطلقنا العنان للنظر العقلي؛ مقارنين بين هذه الآية وما توصَّل إليه العلم الحديث من تأثير الأشجار والغابات على البيئة في كُرتنا الأرضية، بل وعلى توازن الطبيعة من حولنا لرأينا عجبًا. ويدعو إلى أن ينظر الإنسان إلى خَلْقِه: {(((((((((((الْإِنْسَانُ مِمَّ ((((((} (الطارق:5)، وإلى ملكوت السماوات والأرض: {((((((((يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ ((((((((((} (الأعراف:185)، {((((انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (يونس:101)، {((((((((يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ (((((((} (ق:06)، وحيثما أجال الإنسان بصره متجاوزًا ذلك إلى الرؤية القلبيَّة والعقليَّة، رأى عجبًا وتضاءل صغرًا أمام ملكوت الخالق العظيم.
والقرآن الكريم يدعو في منهجه إلى تحريك البصائر وإمعان الفكر (1/181)
صفحة 181
واستبطان الأشياء وعدم الوقوف عند الظاهر الحسيِّ، بل إنَّ الحواس نفسها لن تؤدِّي مهامَّها التي من أجلها خُلِقت إلاَّ إذا استخدُمت في هذا المنهج الرباني {(((((أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} (الأنعام:104)، {(((((((((((يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا (((((((((((} (الأعراف:198)، {((((هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا (((((((((((((} (الأنعام:50)، {((((فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي (((((((((((} (آل عمران:13)، {((((جَاءَكُمْ ((((((((((مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} (الأنعام:104).
إنَّ العقل والحواسَّ جميعاً مسؤولة، لا تنفرد إحداها عن الأخريات في تحمُّل تبعة البحث والتمحيص والاستقراء والاختيار. . والإنسان مبتلى بهذه المسؤولية؛ لأنَّه من طينة أخرى غير طينة الأنعام، {(((((خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا ((((((((} (الإنسان:2)، فهذه الآية الواردة في سورة الإنسان دلالة قاطعة إلى أنَّ المسؤوليَّة التي أنيطت بالإنسان تتماشى مع تفضيل الله له على سائر المخلوقات بالسمع والبصر، ومن الواضح أنَّ السمع والبصر هنا ليس المقصود منهما الحاستين في حدِّ ذاتهما وإنَّما ما تؤدِّيانه من اهتداءٍ إلى طريق الله المستقيم أو ضلاله عن نهجه المبين،. . والإنسان بتحريكه هذه الطاقات والقوى سيصل إلى قمَّة انتصاره العلميِّ والديني على السواء، لأنَّ هذه الانتصارات ستبوِّئُه مركز المسؤول سيدًا على العالمين (1/182)
صفحة 182
وخليفة لله في الأرض (1).
ومن ثمَّ فإنَّ الإنسان اللبيب الذي يستخدم عقله متدبِّرا واعيًا، فوصل به إلى النتائج العلميَّة والإيمانية الباهرة يُحِلُّه الله محلاً أسمى، ويبوِّئُه مركزًا أعلى، ذلك لأنَّ هذه الصفة، هي الحصيلة الناتجة عن التفكير الواعي المدرك الساعي على منهج القرآن الكريم، وهذا المنهج هو وحده الذي سيجعل الإنسان على وعيٍّ بما يدور حوله، وعلى إدراكٍ عميق لأبعاد وجوده وعلاقته بالله والكون والناس. {(((((((((عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (((()} (الزمر)، والقرآنُ نفسُه، لا يستفيد منه الفائدة المرجوة الكاملة إنسانٌ لا يتدبَّر ولا يعي معانيه، {((((فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ (((((((} (ق:37)، والقلب هنا يعني العقل.
وحِرصُ القرآن الكريم على هذا المنهج السليم الذي فيه صلاح الدين والآخرة، جعله يوضِّح للمؤمنين عِبَرًا ونماذجَ من القوم الضالين الذين استسلموا لمعوِّقات النظر السليم، والتفكير المستقيم، مثل التقليد الأعمى، والظنِّ المذموم واتباع الهوى.
ما من شكٍّ في أنَّ هذه الحواجز تعيق العقل عن عمله الذي خُلِقَ له؛ فالتقليدُ يلغي العقل، والمقلِّد حين ينساق وراء الغير دون حجَّة أو دليل واضح يصبح إمَّعة، لا مكانة لشخصيته، ولا وجود لعقله، لأنَّه عطَّله، بل
__________
(1) 1 – د. عماد الدين خليل، (مرجع سابق) ص: 90. (1/183)
صفحة 183
يصبح أداة طيِّعة في يد غيره يسيِّره أنَّى يشاء. وإذا هان إنسانٌ أمام إنسانٍ غيرِه، فهو أمام الشيطان أهون، ولا يختلف الاحتكامُ إلى الهوى، أو الحكم استنادًا إلى الظنِّ؛ عن التقليد خطرًا وعاقبة.
وهكذا يغدو الاهتداءُ إلى الهدف الذي يهدف إليه العلم عن طريق العلم لمن استغل نعمة العقل فوظَّفها في نهجها الصحيح الذي وضَّحه الله في القرآن الكريم، وليس ثمَّة تناقضٌ أو تضادٌ بين العلم والإيمان، أو بين العلم والدين، كما يزعم العلمانيُّون والملاحدة. وقد أكَّد العلم الحديث نفسه الحقيقة الدينية ولم يعد يرفضها كما حدث ذلك في القرون الوسطى، حينما فصل بين العلم والدين، وبخاصَّة في الغرب المسيحي.
ذلك هو الانقلابُ الكبير الذي شهدته فلسفة العلم المتمخِّضة عن الكشوف الأخيرة في مجال البحث العلمي، وبخاصة الطبيعيَّة، والذرة، وعمل الدماغ البشري، بل إنَّ العلماء الراسخون في العلم طالما أكَّدوا بأنَّ الكلمة النهائيَّة لم تعد للبحوث العلميَّة ولا للحياة الماديَّة باعتبارها الفيصل في قضايا الكون وما وراء الطبيعة، فهم يعترفون بأنَّها موضوعاتٌ أكبر من العلم البشري بكثير، وأنَّ الحياة البشريَّة لا تستحق أن تُعاش إذا ما نحن جرَّدناها من بُعدها الكبير؛ الذي يتجاوز حدود المادَّة والحركة (1).
__________
(1) 1 – ينظر، نخبة من الأساتذة في جامعات أمريكا، الله يتجلى في عصر العلم، ـ كريسي مورسيون، العلم يدعو إلى الإيمان، ـ د. عبد الرزاق نوفل، القرآن والعلم الحديث، ـ وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى، ـ د. نديم الجسر، الإيمان بين الفلسفة والعلم. (1/184)
صفحة 184
ثمَّة حقيقة قرآنية على درجة كبيرةٍ من الأهميَّة؛ يقول د.”عماد الدين خليل“: «تلك أنَّ كلمة العلم وردت في القرآن الكريم مرارًا كمصطلحٍ على الدين نفسِه الذي علَّمه الله أنبياءه عليهم السلام؛ على النواميس التي يسير الله بها ملكوته العظيم؛ على الحقائق الكبرى الموجودة عند الله - سبحانه وتعالى - في أمِّ الكتاب، وكإشارة إلى القيم الدينيَّة التي تنزَّلت من السماء، ومن ثمَّ يغدو العلم والدين سواءٌ في لغة القرآن، وهاهي كلماتُ الله تبارك وتعالى تعلِّمنا هذه الحقيقة، وتبصِّرنا بمواقع العلم والدين الفسيحة الممتدة» (1).
إنَّ نظرة القرآن إلى العلم نظرة شموليَّة تشمل الدنيا والآخرة، وتهتم بعالمَي المادة والروح، وتستجيب لحاجات الجسد ولأشواق النفس، هي نظرة تتميَّز بالتوازن والوسطيَّة، وتهدف إلى النعيم الأبدي لا إلى اللذَّة الفانية. إنَّ كلَّ آية تتناول مسألة طبيعيَّة أو حيوية أو مادية، تنتهي بأفعال التقوى والإيمان، وبالدعوة إلى ربط أيَّة فاعليَّة بالله، وهذا التأكيد المتكرِّر له مغزاه الواضح.
إنَّ منطق التوازن الحركيِّ الذي يرفض الانحراف والسكون هو القاعدة التي نتلمسها في القرآن الكريم بوضوح، من خلال عددٍ كبير من آياته، والتي تكفل نموًا سليمًا لأيَّة حضارة تستطيع أن تحافظ على نقطة التوازن بين تجربتي الروح والمادة، ولا تنحرف باتجاه إحداها مهملة الأخرى؛ {((((((((((فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ
__________
(1) 2 – د. عماد الدين خليل (مرجع سابق) ص: 98. (1/185)
صفحة 185
إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ (((((((((((((((} (القصص)، إنَّ هذه الآية الكريمة ردٌّ صريحٌ على ”قارون“ الذي أتاه الله مالاً وجاهًا ونفوذًا، فقال مدَّعيًا مغرورًا: {(((((إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} (القصص: 78).
إنَّ قارون استعمل المال لغير الوجهة التي أرادها الله لهذه المنحة العظيمة. إنَّ العلم إصلاحٌ لا إفساد، وتواضعٌ لا جبروت، ومنفعةٌ للخلق أجمعين، لا إشباعًا لنزوات المُترَفين. ومن خلال الردِّ على قارون يضع الله - سبحانه وتعالى - هذا المنهج الرباني المتوازن الذي يحضُّ المؤمنين على أنَّ الاستخلاف في الأرض وعمارتها مبنيَّة دومًا على أنَّ حياة الإنسان في الأرض فردًا أو جماعة ليست أبديَّة؛ وإنما هي عابرة موقوتة.
ومن ثمَّ فإنَّ كلَّ ما نقدِّمه في هذه الحياة الفانية من أعمال ومنجزات يجب إلاَّ تكون هدفًا بحدِّ ذاته، كما هو الحال في جلِّ التجارب الوضعيَّة، إنَّما وسيلة فحسب، لتهيئة الحياة الدنيا لعبادة الله وحده، وإيجاد المناخ المناسب لممارسة مهمَّة الاستخلاف في الأرض التي جاء الإنسان إلى العالم لأدائها، وهكذا يغدو الإنجازُ الحضاريُّ في الإسلام وسيلةً إلى غايةٍ أكبر، ويكتسب في الوقت ذاته أخلاقيَّة كبرى لا نجدها في سائر الحضارات.
يقول الله - سبحانه وتعالى - محدِّدًا رسالة العلم من خلال ثنائه على عبْديه داود وسليمان عليهما السلام، وهو يضع لهما الطريق الذي ينبغي للعالم أن ينتهجه ليحقِّق الشكر على نعم الله: {(وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي (1/186)
صفحة 186
بِمَاتَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ((((} (سبأ).
إنَّ هبة تسخير كلِّ هذه القوى لعباده من طيرٍ وجنٍّ ومعادنٍ، وكلُّها وسائل ضرورية للإنسان لا يستطيع أن يفعل شيئًا بدونها، يقابلها شرطُ توظيفِها في العمل الصالح، وعمارة الأرض بما ينفع الخلق ويؤدي حقَّ المنعم الأوحد.
إنَّ القرآن الكريم يقف بنا دوما في نقطة التوازن الخلاقة، إنَّه في هذه الصورة يبدأ بإيصال الإنسان إلى قلب الطبيعة ويحشرها في خدمته من أجل الإعمار والبناء، فيسكت القائلين بالتعارض بين العلم والدين، ولكنَّه يؤكِّد في نهاية العرض أن يقف الإنسان عند حدود الحكمة التي يعترضها الإيمان بوجود الأقدر والأعلم. {(((((((قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ (((((((((((} (سبأ:14).
إنَّ هؤلاء الجن الذين سخَّرهم الله لسليمان - عليه السلام -، فأبدعوا له كلِّ هذه الأعمال الباهرة، طاقتُهم محدودة وعلمُهم محدودٌ، وليس أدل على ذلك من الموت الذي أوقف الحياة في نفس سيِّدهم وآمِرِهِم نفسُه ”سليمان“ - عليه السلام -، ثم هم لم يعرفوا ولم يتبيَّنوا حتىَّ الفرق بين الحياة والموت، فراحوا يعملون دون توقُّف ظنًّا منهم أنَّ ”سليمان“ حيٌّ، وشاء الله أن تُنبِّههم على موته حشرةٌ (1/187)
صفحة 187
من أضعف خلق الله؛ الأرضة، تأكُل عصاهُ فيخرُّ، وهنا يتَّضح الحدُّ الذي يصل إليه العلم البشريُّ، والعلمُ الجنيِّ، وأنَّ فوق كلِّ ذي علم عليم سبحانه.
إنَّ هذا المشهد القرآني العظم مجال للاعتبار والتذكُّر والتدبُّر، يدفع الإنسان الضعيف حتىَّ يعرف قدر نفسه ويزنها بقيمتها الحقيقيَّة، فلا يكون العلمُ سببًا لجبروته وطغيانه في الأرض، ثمَّ هي تبيِّن لنا؛ أنَّ العلم مهما اعتلى وارتقى وغاص وتعمق؛ لا يملك الحقيقة الأبديَّة التي يدَّعيها البعض، وأنَّ الكلمة النهائيَّة للإيمان بالواحد الأحد، وأنَّ العلم وسيلةٌ لا غاية.
وقد أكَّد العلمُ الحديث نفسُه، في كشوفاته الأخيرة على الحقائق الأساسية التالية:
1. إنَّه ليس بمقدور العلم التوصُّلُ إلى حقائقَ نهائيَّة؛ فالحقائقُ دائمًا نسبيَّة وليست مطلقة، وقد يصبح ما هو يقينيٌّ اليوم ظنِّيًا غدًا.
2. ليس بمقدور العلم أن ينفي الدين أو أيًّا من الخبرات الإنسانية اللاماديَّة الأكبر حجمًا منه، إنَّ ما يجهله العلم عن عالم الغيب مثلاً؛ ليس أقل حقيقةً من معطيات العلم نفسِه.
3. إنَّ العلمَ يؤكِّد بالمقابل أهمية التجربة الدينيَّة، وضرورَتَها للحياة البشرية؛ فلا أمنَ ولا استقرارَ للنفس البشرية إلاَّ في ظلِّ العقيدة الثابتة والإيمان الصحيح.
4. إنَّ العلم الحديث يكشف من حين إلى آخر عن البطانة الروحية للعالم؛ فيلتقي بالدين الذي هو استجابة للأشواق الروحية.
5. إنَّ الكشوفَ العلميَّةَ الحديثَة جاءت كما يقول العالم ”سوليفان“ لكي (1/188)
صفحة 188
تقطع الطريق أمام تلك المناقشات التي قامت لتثبت أنَّ أيًّا من التفسيرات الدينيَّة ما هي إلاَّ مجرَّد وهمٍ، وقد فعلت هذا عندما أظهرت أنَّ العلم لا يعالج إلاَّ ناحية جزئيَّة من الحقيقة، وأنَّه لا يوجد أدنى سبب يبرِّر الافتراض بأنَّ كلَّ ما يجهله العلم أو يتجاهله هو أقلُّ حقيقةً مما يعرفه.
6. إنَّ أكثر النظريات الفيزيائية حداثةً؛ تُقدِّم تأكيدًا أشد على تهافت المادية وتشير بلسان العلم المختبريِّ ومعادلاته الرياضية المركَّبة إلى الوجود الروحي في قلب الكون وفي صميم الذرَّة، وإنَّا لنقف هنا خاشعين أمام جانب من جوانب الإعجاز القرآني المتمثِّلة في تلك الآيات الكريمة التي تٌحدِّثُنا عن تسبيح الكون والذرَّات للخالق العظيم، حيث يقول - سبحانه وتعالى - مثلا: {((((((لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ (((((((((((} (الحديد، الحشر، الصف).
وخلاصة القول: إنَّ نظرة القرآن الكريم إلى العلم طرف ثابت لكمال الإيمان .. وإنَّ الإيمان الذي يقوم عليه بنيان الدين يجيءُ دائمًا بمثابة ”مُعَاملٍ حضاريٍّ“ يمتدُّ أفقيًّا لكي يصبَّ إرادة الجماعة المؤمنة على معطيات الزمن والتراب، ويوجِّهها في مسائلها الصحيحة، ويجعلها تنسجم في علاقاتها وارتباطاتها مع حركة الكون والطبيعة ونواميسها، فيزيدها عطاءً وقوَّة وإيجابية وتناسقا ... كما يمتدُّ عموديا في أعماق الإنسان لكي يبعث فيه الإحساس الدائم بالمسئولية، ويقظة الضمير، ويدفعه إلى سباق زمني لا مثيل له لاستغلال الفرصة التي أتيحت له، كي يفجِّر طاقاته ويعبِّر عن قدراته التي منحه الله إياها على طريق القيم التي يؤمن بها، والأهداف التي يسعى لبلوغها، فيما يعتبر جميعا ـ في نظر الإسلام طبعا ـ عبادةً شاملة، يتقرَّب بها الإنسان إلى الله. (1/189)
صفحة 189
مكانة الأسرة في القرآن الكريم
إنَّ الله - سبحانه وتعالى - يضع القواعد الراسخة لبناء المجتمع المتكامل، وهذه القاعدة هي الأسرة، نجدها في قوله - سبحانه وتعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا ((((((((( .. } (النساء: 01)، إشعارٌ بقيمة الرجوع إلى أصل واحدٍ، وهي الخليَّة الأولى، التي تفرَّعت عنها الخلايا الأخرى، بدأً بالزوجة التي يكمُل بها نصف الدين مع أنَّها خُلقت من هذه النفس الواحدة: { .. ((((((((مِنْهَا (((((((((} (النساء:01)، وفي هذا إشارة إلى أُمِّنا حوَّاء التي خُلقت من ضلع أبينا آدم.
ولأمرٍ عظيمٍ توجَّه الخطاب إلى الناس جميعًا، فلم يقل: {يأيها الذين آمنوا} إشعارًا منه بهذه الرابطة الإنسانية، التي ينبغي أن تربط بين أفراد المجتمع الواحد مهما يكن جنسهم ودينهم ومستواهم، ومما يدلُّ على تعظيم الله لشأن الأسرة، تلك القيمة العظيمة التي أعطاها للوالدين تقديرًا لدورهما وتحميلا للمسؤولية لهما، فربط بين طاعته وطاعة الوالدين؛ {(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الإسراء: 23)، فأيَّة مكانةٍ أعظم من هذه المكانة التي ربط فيها الله - سبحانه وتعالى - طاعتَهُ بطاعة الوالدين، إنَّ المقياس الوحيد الذي يضمن البرور بين الأبناء لوالديهم، هو أن تكون طاعتُهم لوالديهم في مكانة طاعة الله - سبحانه وتعالى -، حتىَّ أنَّه فَرَضَ مصاحبَتَهُما بالمعروف حتىَّ في حالة إشراكهما بالله، نظرًا لما لهم من حقِّ الإحسان والبرور، وفرقٌ كبير في هذه الحالة بين الطاعة وبين الإحسان، بطبيعة الحال، لأنَّه لا يُعقل أن نطيعهما إذا دعوانا إلى الشرك (1/190)
صفحة 190
بالله، هذه المعصية التي لا تعادلها معصية، وهي المعصية الوحيدة التي لا غفران لها، كما قال سبحانه وتعالى: {((((اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: 48).
والأسرةُ أخذٌ وعطاءٌ، والبرورُ دَيْنٌ في عُنق الأبناء، طالت حياة الوالدين أم قصُرت، في حالة الرخاء والشدَّة، وفي حديث رسول - صلى الله عليه وسلم - نجده يفضِّل الإحسان للوالدين وخدمتهما في حالة الحاجة على التوجُّه إلى الجهاد في سبيل الله، ولكن هذا التكريم من الله للوالدين، يُعدُّ في حدِّ ذاته مسؤولية عظيمة، فإنَّ الله فَرَضَ احترام الوالد رأس الأسرة وزعيمها نظرًا لدوره العظيم في توجيه وتربية كلِّ أفراد أسرته، وإشعاره لهذه المكانة إشعارٌ له ما يجب أن يكون عليه من الاستقامة والامتثال لأوامر الله، ليكون قدوة لكلِّ أفراد أسرته.
ومكانة الأمِّ عند الله هي الأخرى مكانةٌ قد تفوق في بعض جوانبها مكانة الأب نفسِه، نظرًا لما لها من الدور العظيم في مباشرة تربية الأبناء، والأخذ بيدهم في طريق الحياة تربيةً وتوجيهًا، ومن أجل ذلك خصَّها الله بصفات لم يخصَّ بها أبَ الأسرة في تكوينه الفزيولوجي والنفسي، من ذلك العطف والحنان والإشفاق والرعاية المستمرة فهي بخصائصها تلك، أصلح لبناء الأسرة من الداخل، وهي بحكم مكانتها في الأسرة أشدُّ ما تكون علاقة بأبنائها، ومن ثمَّ تكون مهمَّتها أشقُّ وأعظم.
ونظرًا لمكانة الوالدين في تكوين الأسرة الصالحة، ربط الله تكوين العقيدة السليمة التي هي الأساس بتربِيَتِهما وتَنشِئَتِهما، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «يُولَد الولد (1/191)
صفحة 191
على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه»، ومن هنا المبدأ؛ يبدأ حرص الإسلام على تكوين الأسرة الصالحة من حثِّه على الزواج أيضًا، وهذه الخطوة الأساسية في الحياة، لأنَّ السلوك سيُبنى أساسًا على العقيدة، سليمة كانت أم زائغة، فطريَّة أم محرَّفة، لأنَّ الله إنَّما خلق الإنسان على فطرة التوحيد، فالمولود لو لم يقلِّد آباءَه في طقُوسِهم وعباداتهم، ولم يلقِّنه آباؤه ما هم عليه من تحريفٍ أو تقليد، لا استطاع أن يصلِّي لله، ويرتبط بحبله المتين، وهو الدين الخالص الذي حدَّده القرآن الكريم: {((((((((وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} (الروم: 30)، ومن هذا المنظور ننظر إلى دور الوالدين في تكوين المجتمع الأُسَري الصالح.
إنَّ الأسرة هي الخليَّة الأولى للمجتمع الكبير، وليست صحيحةً تلك النظرية التي تقول إنََّ الفرد هو أساس المجتمع، لأنَّ الفرد وحده لا يمكنه أن يعيش وحده بعيدًا عن الأسرة والمحيط، والفردُ لا يكتمل إلاَّ بالنصف الآخر الذي هو الزوجة، كما عبَّر عن ذلك الحديث الشريف: «من تزوَّج فقد كمُل نصفُ دينه، فليتَّق الله في النصف الآخر»، إشعارًا للأهمية التي تكتسيها الأسرة في بناء المجتمع الصالح، لأنَّه لا أسرةَ دون زواج، ولا أمَّة دون مجتمع أسري متماسك، ومن ثم فإنَّ الأسرة في الإسلام هي أصل الفضائل الخُلقيَّة، كما كانت أصل الفضائل العَقدية، ولا نتصوَّر أفرادًا أسوياء إلاَّ في محيط أسري سويٍّ، يتعامل أفراده فيما بينهم بالرحمة والعطف والتضامن والتسامح والتعاون والتآزر. يقول الكاتب الكبير ”العقاد“: «وإذا تتبَّعنا سائر الفضائل والمناقب المحمودة، بلغنا بها في أصلٍ من أصولها على الأقل مصدرًا من مصادر (1/192)
صفحة 192
الحياة، في الأسرة، فالغيرة والعزَّة والوفاء ورعاية الحرمات، كلُّها قريبةُ النسب من فضائل الأسرة الأولى، ولا بقاء لما كسبه الإنسان من أخلاق المروءة والإيثار إذا هجر الأسرة وفكَّ روابِطَها ووشائِجَها، فمن عادى الأسرةَ فهو عدوٌّ للنوع الإنساني في ماضيه ومستقبله، ولولا الأسرةُ ما اجتمعت الثرواتُ التي تفرَّقت شيئًا فشيئًا بين الوارثين وغير الوارثين من الأعقاب، ولولا الأسرة لاستجاب لدعوة التخريب والهدم كلُّ من لا خَلاقَ له، من حثالات الخَلْقِ في كلِّ جماعة بشريَّة، فالأسرةُ هي التي تمسك هذا النوع الإنساني في ماضيه، وهي التي تؤول به غدًا إلى أعقابه ودَراريه، حِقبةً بعد حِقبةٍ، وجيلاً بعد جيل» (1).
- - -
__________
(1) 1 - عباس محمود العقاد، حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ص: 138. (1/193)
صفحة 193
آداب الأسرة المسلمة
يبدأ حرصُ الإسلامِ على تكوين الأسرة المسلمة الصالحة من حثِّه على الزواج، المبنيِّ على المودَّة والرحمة والأُلفة والسكينة، وهذه العناصر النفيسة هي التي تساعد على إنشاء جوٍّ أسري تسوده المحبة والألفة بين أعضائه، إذ لا يمكن أن نتصوَّر أسرةً متضامنة في غياب المحبَّة بين الزوجين، ولا يمكن أن ننتظر الاستقرار العائلي في محيط زوجيٍّ يسودُهُ الشقاق والفراق، ومن ثمَّ فإنَّ الله امتدح الزواج القائم على العناصر السابق ذكرها، حيث يقول تعالى: {(((((آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً .. } (الروم: 21)، وعلَّمنا أن ندعوه دوما ليرزقنا الزوجة الصالحة، والذريَّة البررة الذين تقرُّ بهم عيونُنا، لأنَّهم من أسباب سعادة الإنسان دنيًا وأخرى، علَّمنا أن نقول: {((((((((آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ (((((((( .. } (البقرة:201)، ويتَّفق المفسِّرون على أنَّ حسنة الدنيا: هي المرأة الصالحة، ويقول على لسان عباد الرحمان: {(((((((هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ ((((((((} (الفرقان: 74).
إنَّ الإسلام أعلى من العاطفة الزوجيَّة إلى عواطف إنسانيَّة تعود على المجتمع بالخير والبركة، فذكر الودَّ والرحمةَ والسكينةَ، ولم يَذكُر الحبَّ المبنيَّ على الغريزة الجنسيَّة، ذلك الحبُّ الذي هو سمة الفرد الأناني. ففي ظلِّ المودَّة والرحمة والسكون يوجد الحبُّ الحقيقيُّ وينمو وليس العكس، وفي هذا (1/194)
صفحة 194
توجيهٌ ربَّاني سامٍ إلى أولئك الذين يبنون اختيار الزوجات أو الأزواج على أساس الغريزة الجنسيَّة، أي اختيار يقف وراءه الإعجاب بالجمال أو الميل إلى الفتنة الجسدية ليس إلاَّ. يُذكر أنَّ رجلاً جاء لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: «إنَّ حُبَّه لزوجته قد خبا [أي زال] وأنَّه يريد أن يستبدل بها، فقال له عمر: وَيحَك، أَوَكُلُّ بيتٍ يُبنى على الحبِّ، أين تقوى الله وعَهدَهُ؟ وأين حياؤُك منه؟ وقد أفضى بعضُكم إلى بعضٍ، وأخذ الله تعالى مِنكُم ميثاقًا غليظًا؟». وسأل رجل الحسن البصري: «في خاطبين تقدَّما لابنته، أيُّهما يُزوِّج، فقال: أرضاهما دِينًا، فإن أحبَّها أكرمها، وإن كَرِهَهَا لم يَظلِمْها».
ولكي يحفظ الإسلام لهذا المحيط قدسيَّته، وضع له حقوقًا وواجبات؛ بعضها على الزوج لزوجته، وبعضها الآخر على الزوجة لزوجها. ونحن لا نريد الدخول في تفاصيل هذه الحقوق، وإنَّما نستطيع القول: إنَّ مردَّها جميعا إلى تلك الأسس العظيمة التي وضعها الله - سبحانه وتعالى -، والآية الكريمة التي جعلها هدفًا للزواج، المودَّة والرحمة والسكون. ولذا نجد القرآن الكريم يحتفل بالأسرة المسلمة احتفالاً عظيمًا، ويخصِّص للأسرة المسلمة سورةً كاملة من سور القرآن الكريم، وهي سورة ”النور“، التي ينبغي أن يحفظها كلُّ مسلمٍ عن ظهر قلب، ولعلَّ في اختيار القرآن لها عنوان ”النور“، ما يدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّ الله اختارها لتكون نورًا لكلِّ مسلمٍ يهتدي به في طريق الحياة، كما حثَّنا على ذلك الفاروق فقال - رضي الله عنه - عن النساء: «علِّموهن المغزل وسورة النور»، إدراكًا منه لما في هذه السورة من تشريعات مهمَّة تُسيِّج الأسرة المسلمة بسياج الدين، وتحصَنُها بحصن العفاف، وتدفع بها في (1/195)
صفحة 195
طريق النور الذي أراده الله لعباده المسلمين. وقد سُمِّيت بالنور: لتنويرها طريق الحياة الاجتماعية للناس، ببيان الآداب والفضائل وتشريع الأحكام والقواعد، ولتضمُّنها الآية المشرقة وهي قوله تعالى: {(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (النور: 35)، أي ينوِّرُها بنوره، ليهتدي الحيارى والضالُّون إلى طريقه. يقول الشهيد ”سيد قطب“: سورة النور، يذكر فيها النور بلفظه متصلاً بالله {(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (النور:35)، ويذكر فيه النور بآثاره ومظاهره في القلوب والأرواح، ممثلةً هذه الآثار في الآداب والأخلاق التي يقوم عليها بناء هذه السورة، وهي آدابٌ وأخلاق نفسية وعائلية وجماعية، تنير القلب وتنير الحياة، ويربطها بذلك النور الكوني الشامل، إنَّها نورٌ في الأرواح وإشراقٌ في القلوب، وشفافيةٌ في الضمير، مستمَدَّة كلُّها من ذلك النور الكبير، وهي تبدأ بإعلان قويٍّ حاسمٍ عن تقرير هذه السورة وفرضها بكل ما فيها من حدود وتكاليف ومن آداب وأخلاق {(((((((أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ (((((((((((} (النور:01)، فيدلُّ هذا البدءُ الفريد على مدى اهتمام القرآن بالعنصر الأخلاقي في الحياة، ومدى عمق هذا العنصر وأصالته في العقيد الإسلامية، وفي فكرة الإسلام على الحياة الإنسانية، والمحور الذي تدور عليه السورة كلُّها، هو محور التربية، التي تشتدُّ وسائلها إلى درجة الحدود، وترقى إلى درجة اللمسات الوجدانية الرقيقة التي تَصِلُ القلبَ بنور الله، وبآياته المبثوثة في تضاعيف الكون وثنايا الحياة، والهدف واحدٌ في الشدَّة واللَّين، هو تربية الضمائر واستجاشة المشاعر ورفع المقاييس (1/196)
صفحة 196
الأخلاقية للحياة، حتى تشفَّ وترفَّ وتتَّصل بنور الله، وتتداخل الآداب النفسية والفردية، وآداب البيت والأسرة، وآداب الجماعة والقيادة بوصفها نابعة كلها من معينٍ واحدٍ هو العقيدة في الله، متَّصلة كلها بنور واحد، وفي صميمها نور وشفافية وإشراق وطهارة وتربية، عناصرُها من مصدر النور الأوَّل في السماوات والأرض، نور الله الذي أشرقت به الظلمات في السماوات والأرض، والقلوب والضمائر، والنفوس والأرواح.
هذه السورة الكريمة تبدأ بسرٍّ عظيم، يبدأ الله - سبحانه وتعالى - من الأسس التي ينبغي أن يبنى عليها كلُّ بيت مسلم، وهو العفَّة والشرف وزكاء النسب، فيبدأ بالسياج الأول هو تحريم الزنا عن المسلم والمسلمة، {(((((((أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ ((((((((((( .. } (النور)، هكذا يبدأ السياج الأوَّل: بتحريم الزنا، ثمَّ السياج الثاني: بحفظ عرض المسلم بعدم الخوض في شرف المحصنات الغافلات المومنات، ثمَّ يأتي السياج الثالث: بآداب البيت والأسرة المسلمة بالاستئذان وما حوله أيضًا من آداب وأخلاق عالية، راجيًا من الله - سبحانه وتعالى - أن يوفِّقنا إلى تتبُّعها واستلهام ما فيها من موعظة وخير، في حفظ هذه السورة الكريمة التي ينبغي أن يحفظها كلُّ بيتٍ مسلم، ويحفِّظها لأبنائه. (1/197)
صفحة 197
فضائل سورة النور
لقد سبق أن تحدَّثنا أنَّه من واجب الأسرة المسلمة أن تعتني بهذه السورة تحفيظاً وتأملاً ومدارسة، وهذه السورة، وهي سورة مدنيَّة، نزلت بعد سورة الحشر، وآياتها أربعة وستون (64) آية، ذكر العلماء في فضلها الكثير، وكتب المفسرون في تحليلها المجلدات.
إنَّها سورة تشمل على الأحكام والقواعد التي ينبغي أن يبنى على أساسها كلُّ بيت مسلم، فكأنَّها النور الذي ينبغي أن يدخل إلى كلِّ مكتب وإلى كل بيتٍ، فبدونه يعيش المجتمع أفرادًا وجماعاتٍ في ظلمة وضلال، اشتملت على ثلاثة عشر حكمًا، تتعلَّق كلُّها ببناء الأسرة المسلمة الفاضلة، على قاعدة مثبتة من الصون والعفاف والتماسُك والتضامن، ولعلَّك تدرك أخي المؤمن بأنَّ الخليَّة الأولى في بناء الحضارات الإنسانية هي الأسرة، فإذا سلمت هذه سَلِمَ المجتمع كلُّه، وإذا انهارت الأسرة إنهار المجتمع كلُّه بالتالي، وبالتالي يتوقَّف البناء الحضاري.
تبدأ هذه السورة الكريمة ببيان حدِّ الزاني، وحدِّ قاذف المحصنات، وحكم اللعان عند الاتهام بالفاحشة، أو لنفي سبب الولد، تطهيرًا للمجتمع من الانحلال والفساد، واختلاط الأنساب، وبعدًا عن هتك حرمة الأعراض، وصون الأمَّة الإسلامية من التردِّي في حمأة الإباحيَّة والفوضى. ولسرٍّ عظيم يبدأ الله - سبحانه وتعالى - من الأصول التي ينبغي أن تبنى عليها كلُّ بيت مسلم، وهي العفة والشرف وزكاء النسب، فيبدأ بالسياج الأوَّل وهو تحريم الزنا على المسلم (1/198)
صفحة 198
والمسلمة، ثم ذكر هذه السورة الكريمة، قصَّة الإفك، التي اتهمت فيها أمُّ المومنين عائشة - رضي الله عنه - تبرئةً لساحتها، وتطهيرًا للمجتمع الإسلامي من سوء الظنِّ، والتسرُّع إلى هتك أعراض الناس، ومقاومة لشيوع الفاحشة، وترديد الإشاعات المغرضة، والابتعاد عن وساوس الشيطان ببثِّ الشكوك والأوهام بين أفراد المجتمع المسلم، فإنَّ هذه الوساوس والإشاعات تعتبر مقدِّمات لنشر فاحشة الزنا والتجرُّؤ على هتك أعراض المسلمين، وهذا سياج ثانٍ.
ثمَّ حدَّدت السورةُ الكريمةُ الآدابَ الاجتماعيةَ في الحياة الخاصَّة والعامَّة بذكر السلوك الذي ينبغي للمسلم أن يتحصَّن به، والخلق الذي يتحلى به وهي الاستئذانُ عند دخول البيت، غضُّ الأبصار، وحفظُ الفروج، وتحريم الاختلاط بين الرجال والنساء وغير المحارم، وتزويجُ الأيامى أي غير المتزوِّجين من الرجال والنساء، والاستعفافُ لمن لم يجد مؤونة الزواج، وهذا سياج ثالثٌ.
ثمَّ أبانت مزيَّة التشريع الإسلامي، وأنَّه نور وهدى، وأنَّه لا نور إلاَّ نور الهداية الربانية الذي يشعُّ من بيوت الله، التي ينبغي أن تكون بيوتًا يعمرها أحبابُ الله، وفي المقابل بيَّن عدم جدوى أعمال الكفَّار ولو حسبوا أنَّها مُجدية، لأنَّها أشبه بالسراب الخادع، الذي يحسبه الظمآن ماءً، أو هي ـ والعياذ بالله ـ كالظلمات المتلاطمة في البحر اللُّجيِّ. ولأنَّ الكفَّار حين فقدوا الإيمان بالله فقدوا كلَّ شيء، فلم يعد يُجدي عملهم ولو خُيِّل إليهم أنَّه كبير، لأنَّهم أنكروا الأساس وهو وجود الله، ومن ثمَّ تعرض علينا السورة الكريمة بعض البيِّنات الدَّالة على وجود الله، ووحدانيَّته في صفحة الكون الأعلى والأسفل. (1/199)
صفحة 199
وعادت الآيات مرَّة أخرى إلى موضوع بناء المجتمع والأسرة المسلمة، ببيان أحكام الاستئذان للموالي والأطفال في البيوت في أوقات محدَّدة، ورفع الحرج عن ذوي الأعذار في الجهاد، وعن الأقارب والأصدقاء في الأكل من بيوت أقاربهم بلا إذن، واستئذان المؤمنين للرسول - صلى الله عليه وسلم - عند الانصراف، وتفويضِه بالإذن لمن شاء وتعليمِهِم كيف يُعظِّمون مجلسه والتأدُّب معه مناداةً ومجالسةً، باحترام جَمٍّ وأدبٍ عظيمٍ يكون في مستوى شخصِهِ الكريم، ورسالته العظيمة.
وتستمرُّ الآيات التي بدأت بقوله تعالى: {((((((ٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ (((((((((((} (النور:01)، يصف الله - سبحانه وتعالى - أسرار هذه السورة العظيمة التي عبَّر الله سبحانه عن عِظَمِها باستخدام هذا الأسلوب المعجز، بقوله: {((((((ٌ} هكذا بالتنكير ليدلَّ من خلال ذلك على التفخيم، أي أنَّ هذه السورة عظيمةُ الشأن، أنزلها الله لينبِّهنا، إلى أنَّه لا يمكن الاستغناءُ عنها، ثم أضاف: { .. (((((((((((((وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ ((((((((( .. }، فكلمة: {(((((((((((((} دلالة واضحة إلى أنَّ الكلام كلام الله، وأكَّد على أنَّ ما فيها من آيات بيِّنات مفروضات على المسلمين، فكأنَّ إيمانهم لا يكتمل إلاَّ بالعمل بها، ومن أجل ذلك استخدام كلمة النزول مرتين كما نلاحظ: {((((((((((((( ... ((((((((((((فِيهَا آَيَاتٍ (((((((((}، وكأنَّ الله يذكِّرنا ويلفت نظرنا إلى هذه الحقيقة المهمَّة كلَّما أصدر حكمًا. (1/200)
صفحة 200
واقرأ معي أخي المؤمن ما يقوله الإمام الشيخ بيُّوض في فضل هذه السورة التي أفرد لها كتابًا كاملاً في تفسيره، يقول عن افتتاحيتها: «بدأها تبارك وتعالى بمقدِّمة فريدة في القرآن، فلا تجد سورة طويلة مثلها، ولا قصيرة بُدأت بما بُدأت به هذه السورة، أنزل في أوَّلها، ما هو كمقدمة للأحكام والآداب والأخلاق المفصلة في سائرها، وهذا النمط من التقديم تمتاز به هذه السورة من بين سائر سُور القرآن ولهذا بُدأت هكذا»، ألاَّ ترى بعد هذا أخي المؤمن إلى هذا التعظيم الذي أحلَّ الله به هذه السورة، أليس هذا دعوة منه - جل جلاله - إلى أن نفتح لها قلوبنا وعقولنا ونتعهَّد دراستها، ونتأمَّلها من حين لآخر، ونعود إلى أحكامها مستلهمين الهداية والرشد والنور منها؟
وبعد أن هيَّأنا الله لاستيعاب فضل هذه السورة وأهميِّتها عقلاً ونقلاً، بدأ بعرض ما فيها من أحكام وآداب وتشريع، فقال: {((((((((((((وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا • (((((((((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (((} (النور). إنَّ الآية الثانية بدأت بذكر الزانية أوَّلا، أمَّا الآية الثالثة، فبدأت بذكر الزاني، فهل لهذا حكمة؟
نعم، في هذا التدقيق الربَّاني حكمةٌ جليلةٌ، ينبغي علينا أن نتفطَّن إليها، ونتذوَّق بيانها، وقد وقف عندها أغلبُ المفسرين محلِّلين شارحين، غير أنيِّ أودُّ قبل أن أقف معك أخي المؤمن عند هذا الإعجاز القرآني، أن أذكر لك سبب (1/201)
صفحة 201
نزولها حسبما ورد في كتب التفسير المتخصِّصة.
كان رجلٌ يقال له: مَرثد يحمل من الأنبار إلى مكَّة حتى يأتيهم، وكانت له امرأةٌ بمكة صديقة له يقال لها: عِنَاق، فاستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينكِحَها فلم يردَّ عليه حتى نزلت: { .. (((((((((لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ (((((((((( .. } (النور:03)، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يامَرثد الزاني لا ينكح إلاَّ زانية أو مشركة، والزانيةُ لا ينكِحُها إلاَّ زانٍ أو مشرك، وحُرِّم ذلك على المومنين، فلا تنكِحها»، وقال المفسرون: الآية إمَّا نزلت في مرثد بن أبي مرثد المذكور، وإمَّا في جماعة من فقراء المهاجرين استأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في التزوُّج ببغايا من الكتابيات والإماء اللائي كنَّ بالمدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية.
ولِنَعُد الآن إلى تفسير وبيان هذه الآيات؛ {((((((((((((وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ .. } (النور:02)، هذه الآية شروعٌ في بيان الأحكام التي أشير إليها في الآية السابقة: {(((((((أَنْزَلْنَاهَا ((((((((((((((} (النور:01)، وهي تبيِّنُ حدَّ الزنا، والمعنى: أنَّ عقوبة الزانية والزاني الحُرَّين البالغين العاقلين البِكرَيْن غير المُحصَنَين بالزواج، هي جلدٌ لكلٍّ منهما مائةَ جلدة، والحكمة في البدء بذكر الزانية أولاًّ، تعود ـ والله أعلم ـ إلى أنَّ الزنا في الأغلب يكون بتعرُّض المرأة للرجل، وعرضِ نفسِها عليه بأساليب متنوِّعة، ولأنَّ مفسدة الزنا وعارِهِ يُصيبُها أكثر من الرجل، كأن تحمل منه مثلاً، فهي كما ترى المادَّة الأصليَّة في الزنا، ولا يجد الشابُّ المسلم بطبيعة الحال وسيلةً للاحتماء من هذه الفتن إلاَّ دينه يلوذ به، وصبره يحتمي به، وهو في كلِّ ذلك يعاني المعاناة الكبيرة. (1/202)
صفحة 202
ولا بدَّ من وقفة بهذه المناسبة إلى حقيقة شرعيَّة أخرى تؤكِّد لنا بالمقارنة دقَّة القرآن الكريم في تشريعه ووضع أحكامه، فهي مبنيَّة على العقل والمنطق دومًا، انظر قوله تعالى: {((((((((((((وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا (((((((((((((} (المائدة:38)، ماذا نلاحظ هنا؟ الآية بدأت بذكر السارق الذكر ثمَّ ثنَّت بالسارقة الأنثى، على عكس ما رأيناه في الآية السابقة، إذ بدأت بالزانية ثم الزاني، ذلك لأنَّ السرقة في الغالب تكون من الرجال، وهم عليها أجْرَأ بحكم تكوينهم الطبيعي وأعمالهم ووظائفهم عليها من النساء وأخطر، فقُدِّمُوا عليهنَّ من أجل ذلك.
- - - (1/203)
صفحة 203
قائمة المراجع
1 - ابن منظور، «لسان العرب».
2 - أبو الأعلى المودودي، «مبادئ الإسلام»،
3 - أحمد فائز، «طريق الدعوة في ظلال القرآن»، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة، بيروت، لبنان، 1988.
4 - أسامة بن منقذ، «لباب الأداب».
5 - الألوسي مجلد 20.
6 - د. توفيق الطويل، «الحضارة الإسلامية والحضارة الأوربية»، مكتبة التراث الأسلامي، القاهرة د. ت.
7 - د. زكي نجيب محمود، «تجديد الفكر العربي».
8 - د. عبد العال سالم مكرم، «أثر العقيدة»، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1405 هـ/ 1982م.
9 - د. عدنان محمَّد زرزور، «علوم القرآن»، المكتب الإسلامي، بيروت، 1412/ 1991م.
10 - د. محمَّد البهي، «الإسلام في حياة المسلم»، دار الفكر، مصر، 1970.
11 - د. محمَّد نبيل عنايم، «العبادة في الإسلام»، مكتبة المنار، الزرقاء، الأردن، 1982.
12 - د. يوسف القرضاوي، «مفهوم العبادة في الإسلام».
13 - سيد قطب، «التصوير الفني في القرآن». (1/204)
صفحة 204
14 - الصابوني، «التبيان في علوم القرآن».
15 - عباس محمود العقاد، «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه».
16 - عبد المجيد الزنداني وآخرون، «الإيمان».
17 - عزّ الدين بليق، «منهاج الصالحين»، دار الفتح، بيروت.
18 - عماد الدين خليل، «مدخل إلى موقف القرآن الكريم من العلم»، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1983.
19 - عمر كامل حسن المحامي، «التقوى في القرآن الكريم»، منشورات المكتب العالمي للطباعة والنشر.
20 - فاطمة إسماعيل، «القرآن والنظر العقلي»، المعهد العالي للفكر الإسلامي، هيرندن، أميركا، 1413/ 1993م.
21 - محمد تقي المدرِّسي، «بحوث في القرآن الكريم»، دار البيان العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1412/ 1992م.
22 - محمد طيب النجار، «تاريخ الأنبياء في ضوء القرآن الكريم والسنَّة النبوية»، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثانية، 1402/ 1982م.
23 - محمد قطب، «مفاهيم ينبغي أن تصحَّح».
24 - مسند البخاري.
25 - مسند ابن ماجة.
26 - مسند أبوداوود.
27 - مسند أحمد.
28 - مسند الترميذي.
29 - مسند الدارمي. (1/205)
صفحة 205
30 - مسند مسلم.
31 - ناصر الدين مكارم الشيرازي، «سلسلة دروس في العقيدة الإسلامية».
32 - نخبة من أساتذة في جامعات أميركا، «الله يتجلى في عصر العلم»، كريسي مورسيون.
33 - وحيد الدين خان، «الإسلام يتحدى»، دار البحوث العلمية، الكويت.
Fb (1/206)
صفحة 206
المراجع
مقدمة 05
أثر العقيدة في بناء المجتمع المسلم 07
الإسلام دين الفطرة والعقل 13
آيات الله العظيمة في الكون 20
آيات الله في مخلوقاته 31
مكانة العقل في القرآن الكريم 41
تهافت الملاحدة 44
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 53
القرآن الكريم دعوة للنظر العقلي 59
الإعجاز البياني في القرآن الكريم 78
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم 88
مفهوم العبادة في القرآن الكريم 92
الإنسان بين المادية والروحية في القرآن الكريم 111
فضائل الصوم في القرآن الكريم 119
الصوم مدرسة للصبر 123
الصوم وحدة للقلوب والمشاعر 127 (1/207)
صفحة 207
الصبر في القرآن الكريم 131
صبر الأنبياء والرسل 135
صبر محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعظمته 136
صبر أيوب - عليه السلام - 149
فئة المجاهدين في سبيل الله 151
فئة المتقين 155
التوبة في القرآن الكريم 163
الندم 166
تعجيل التوبة 169
الإقلاع 171
مكانة العلم في القرآن 175
مكانة الأسرة في القرآن 190
آداب الأسرة المسلمة 194
فضائل سورة النور 198
قائمة المراجع 204
محتويات الكتاب 206
تم بحمد الله (1/208)