صفحة 1
تأملات في سورة يوسف عليه السلام
تأليف: حمد بن محمد العثماني
الطبعة: الأولى 1422هـ / 2001م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) تأملات في سورة يوسف عليه السلام
تأليف/ حمد بن محمد العثماني
جميع حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1422هـ 2001م
مقدمة
الحمد الله الذي شمل كتابه عظيم أسراره، ودلائل برهانه، وقصص أنبيائه، وتربية أوليائه، { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، وخير الداعين والمربين، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره وسار على نهجه إلى يوم الدين.
وبعد:
فلئن كان لِقَصَص القرآن الكريم غايتها في تربية النفوس، فهي إذاً تذكر المؤمن بأهدافه، وتجعله يعتبر بدلائله ومراميه، ففيه الكثير من نهج التاريخ الحافل بآثار الأنبياء المكرمين، فإن النظر في واقع الغابرين لهو عبرة لمن أراد الاعتبار، ولئن كان القصص القرآني يتفاوت في تكامله في بناء واحد، فإن الوضوح والتكامل جليٌّ في سورة يوسف؛ ففيها الربط والتكامل لشخصية القصة من بدايتها إلى نهايتها وصدق الله: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } فإن هذه السورة الكريمة تشتمل على نواحٍ متعددة من أوجه الاستفادة، هذا إلى جانب ظهور الناحية القصصية فيها؛ حيث إنها تسلية لقلب الرسول صلَّى الله عليه وسلم وأصحابه، إلا أنها تشتمل على مبادئ عظيمة في تربية النفوس، وهذا الذي جعلني أعالج السورة الكريمة من الجانب التربوي، وذلك من خلال تلاوتي المتعددة للسورة ورؤيتي فيها أوجهًا تربوية، تستحق الوقوف عندها والبحث عنها، ففكرت مليًّا في وضع هذه الوريقات، لتعالج بعض الجوانب التربوية للسورة الكريمة؛ راجياً من الله أن تكون نبراساً للدارسين وطريقاً للمعلِّمين وتذكرة للغافلين.
وسوف أقوم بدراسة الموضوع في أربعة فصول، وقبل البداية في دراسة الفصول أضع تمهيدًا يشمل التعريف بالتربية وأهدافها وهذا لابد منه؛ لكي أدخل بالقارئ إلى الفصول الأربعة.
? الفصل الأول : ... التربية الاجتماعية والدينية. (1/1)
صفحة 2
? الفصل الثاني: ... التربية العلمية والعقلية.
? الفصل الثالث: ... التربية البدنية والخلقية.
? الفصل الرابع: ... التربية الانفعالية.
ومما أحب التنبيه عليه أنني أثناء معالجتي للموضوع، سأذكر الآيات الدالة على الجانب التربوي المراد دراسته من سورة يوسف -عليه السلام- وهكذا في بقية الفصول ثم أتناول الناحية التربوية بعد عرض الآيات، على أن الآيات التي اقتبستها من سورة يوسف لم أذكر ترقيمها؛ لأن السورة وموضعها معروفة لدى القارئ، أما الآيات الأخرى فقد استخرجت الآية والسورة التي توجد فيها، وما أعالجه في هذا الموضوع بعض الجوانب التربوية وليست جميعها، ولذلك سَمَّيتُ الموضوع: "جوانب تربوية من سورة يوسف-عليه السلام-"، وكذلك لن أتعمق في كل جانب، وإنما أترك المجال للقارئ لأنْ يبلور فكره حول هذا الموضوع، أما أنا فبقدر باعي فقط، ولن أستطيع أن أرقى ما ترقَّى إليه غيري من المطَّلعين والمربِّين، فإن لأهل التربية اختصاصاتهم ودراساتهم حول هذه الموضوعات المتعلقة بالجانب التربوي، وتعتبر هذه مساهمة مني فقط، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، وللمطَّلع النظر في الموضوع؛ ليقبل صحيحه ويرفض باطله، والله ولِيُّ التوفيق.
تمهيد
إن التصوُّر الإسلامي لحياة الأنبياء هو البناء المتكامل لتوحيد الله- عز وجل- والقضاء على الوثنية، وتربية الأمة على الأسس السليمة الحقة، لتعبد الله- عز وجل- على بصيرة من أمرها طالما أدركت عقيدتها وعملت بشريعة الله المنزلة عليها، وهؤلاء الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- في سلك واحد من الابتلاء وإن اختلف قدره، وسلك واحد من العقيدة، وفي طريق واحد من العبادة وإن اختلفت أشكالها وهيئاتها وأزمنتها. (1/2)
صفحة 3
إن سيرة يوسف- عليه السلام- وسيرة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- نجدها متشابهة في مضمونها الاجتماعي الصعب، وفي ابتلاءاتها ويؤكد هذا القول: "سيد قطب"، في تفسيره أثناء تقديمه لسورة يوسف- عليه السلام-: "ففي الوقت الذي كان- صلى الله عليه وسلم- يعاني من الوحشة والغربة والانقطاع في جاهلية قريش منذ عام الحزن- وتعاني الجماعة المسلمة هذه الشدة- كان الله- سبحانه وتعالى- يقص على نبيه الكريم قصة أخ كريم- يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين– وهو يعاني صنوفًا من المحن والابتلاءات: محنة كيد الإخوة، ومحنة الجب، ومحنة الخوف والترويع فيه، ومحنة الرق، وهو ينتقل كالسلعة من يد إلى يد من غير إرادة منه ولا حماية، ولا رعاية من أبويه ولا من أهله، ومحنة كيد امرأة العزيز والنسوة.
وقبلها ابتلاء الإغراء والشهوة والفتنة، ومحنة السجن بعد رغد العيش وطراوته في قصر العزيز، ومحنة الرفاه والسلطان المطلق في يديه وهو متحكم في أقوات الناس، وفي رقابهم...) (1) .
فإذا كان هذا التشابه الدقيق بين سيرة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- فجدير بنا أن نتناول دراسة سيرة هذا النبي الكريم كناحية تربوية في الجوانب المختلفة.
وقبل الدخول في الجوانب التربوية للسورة الكريمة أعطي ملخصًا لمفهوم التربية ومدلولها وأغراضها.
- - -
التعريف بالتربية
__________
(1) سيد قطب: في ظلال القرآن. ج4 – ص1950. (1/3)
صفحة 4
إن كثيرًا من العلماء اعتنوا بالمجال التربوي، وألفوا كثيرًا من المؤلفات في التربية الإسلامية ووجدت تعريفات مختلفة لمدلول التربية ولا يمكن في هذا الموضوع أن نطرح جميع هذه التعريفات ولكن نستند إلى بعض الكتب في هذا المقام فقد جاء تعريف التربية في كتاب منهج القرآن في تربية الرجال (أصل الرب بمعنى التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، ثم وُصِف به تعالى للمبالغة، وتربية الناشئ عن هذا الأصل هي العمل على إيصال الناشئ إلى كماله شيئًا فشيئًا) (1) .
وفي كتاب التراث التربوي (تَفْعِلة من مصدر من ربَّى يرجع إلى: ربا بمعنى زاد ونما، والرب في الأصل: بمعنى التربية وهي إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام) (2) .
والحقيقة أن التعريف الأول على أن الرب في حق الله حقيقة وليست فقط المقصود بها المبالغة، فإن المعلم أو المربي يرعى الإنسان في بعض الجوانب أما الرب- سبحانه وتعالى- فهو يرعى الإنسان في جميع الجوانب { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } (3) كما أن المربي من البشر يتكفل بتوجيه أفراد معينين بينما تربية الله تتكفل بتوجيه جميع المخلوقات مع شمولها لجميع الجوانب { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (4) وما يقوم به المربي من تربية للإفراد هو تسخير من الله من غير حول منه ولا قوة.
أما إطلاق التربية أو الرب على الأفراد فيوضحه هنا سياق العبارة ومن ثَمَّ يطلق عليه مجازًا لا حقيقة.
__________
(1) د. عبد الرحمن عميرة: منهج القرآن في تربية الرجال ص6.
(2) نذير حمدان: دراسات نفسية تعليمية تراثية ص 55.
(3) الآية (7 – 8) من سورة الشمس.
(4) الآية (1) من سورة الفاتحة. (1/4)
صفحة 5
أما التعريف الآخر بمعنى: أن التربية هي الزيادة والنمو، فهو تعريف مقبول، وفيه مراعاة مراحل عمر الإنسان والفروق الفردية؛ لأن الإنسان خُلِقَ غيرَ مزود بالمعارف والعلوم { وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
ومن خلال تصفحي لتعريفات التربية في الكتب المتعلقة بهذا المجال، ولاحظت أن الدكتور عبد الرحمن ذكر عدة تعريفات في كتابه "منهج القرآن في تربية الرجال" وأخذت تعريفًا من تلك التعريفات الموجودة بين دفتي الكتاب نظرته أدق التعريفات الموجودة فيه وذلك أن التربية: (عملية تحقيق النمو المتزن لجميع استعدادات الفرد الجسمية والنفسية والعقلية والخلقية حتى يصل إلى كماله) (1) .
حيث شمل التعريف لفظة النمو؛ والتربية لابد لها من زيادة في الجسد والعقل وفي اتساع المعارف، ثم إن لفظة الاتزان لابد لها من استعدادات، وتهيئة للنواحي الجسمية والعقلية والخلقية حتى تبلغ التربية الصحيحة.
وهذا ما سيكون موضوع حديثي في معالجة السورة الكريمة في الجوانب المختلفة من الناحية التربوية، ولكن أُبَيِّن مدلول التعريف في جملة: "حتى يصل إلى كماله"، وهذا لا يمكن أن يصل إلى الكمال في جميع الجوانب، ولا في جانب، فالإنسان إذا عرف أمرًا غاب عنه أمر آخر، ولكن يمكن أن يعبَّر لها بمدلول آخر هو: الوصول إلى النضج العقلي، وإلى السيرة السليمة في حياة كريمة يرضاها الله لعباده.
__________
(1) د. عبد الرحمن عميرة: مرجع سابق ص 6. (1/5)
صفحة 6
ومن خلال التعريفات السابقة يتبين- لك أخي القارئ- أن التربية هدف وغاية عقلية أو جسمية أو عاطفية أو خلقية، ولكن لا بد من مراعاة تلك الجوانب والنظر إليها نظرة متوازنة بين مطالب الروح والجسد، حتى يكون هذا الإنسان الذي اكتسب التربية رجلاً صالِحًا لخدمة المجتمع، ولوقاية نفسه من الانزلاق في المعاصي (ويجعل الغاية من التربية هو إيجاد الإنسان الصالح الذي يلتزم نهج القرآن، ويتأدب بأدب الإسلام العالمي الذي يعتقد أن الناس كلهم خلق الله فهم إخوة في الخليقة... لَم يفرِّقهم الجنس أو اللون، ولن يتفاضلوا بالعصبية أو القبلية...) (1) .
وحتى يصل الإنسان إلى الصلاح من ناحية تربوية، أقتبس لك ما ينبغي أن يراعى في الأهداف على ضوء ما ورد في كتاب "نحو منهج إسلامي في التربية والتعليم" حيث يراعى في تلك الأهداف:
1) الشمول والوضوح بحيث يشمل أهداف التربية وجوانبها المختلفة.
2) الاهتمام بتكامل الشخصية المسلمة للطلاب في جوانب التربية المختلفة مع مناسبة ذلك لمستوى الفرد حسب المراحل العُمُريَّة.
3) الارتكاز على نظرة الإسلام للحياة وعلاقات الأفراد بربهم وأنفسهم ومجتمعهم، وعلى نظرة الإسلام للفرد والمجتمع والمصالح المتبادلة بينهما (2) .
وفي ضوء الأهداف السابقة التي يتربَّى عليها الفرد والغاية من تربيتهم يتضح- لك أخي القارئ- أن التربية تتكون من عناصر ألَخِّصها لك على حسب ما ورد في كتاب: "دراسات نفسية تعليمية تراثية":
1- المحافظة على فطرة الناشئة ورعايتها.
2- تنمية مواهبه واستعداداته كلها.
3- توجيه الفطرة والمواهب نحو صلاحها، وكمالها اللائق بها.
4- التدرج في العملية التربوية.
5- تكوين وتأسيس النفس الإنسانية (3) .
__________
(1) د. عبد الرحمن عميرة: مرجع سابق ص 11.
(2) د. عباس محجوب: نحو منهج إسلامي في التربية والتعليم – ص 12 بتصرف.
(3) نذير حمدان: مرجع سابق ص 28 بتصرف. (1/6)
صفحة 7
هذه هي التربية ومفهومها وأهدافها وعناصرها، ولا يمكن التفصيل لتلك الأهداف في مثل هذا الموضوع المختصر، ولكن ما يأتي من حديث يكون متعرضًا للأهداف التربوية وتعريفها.
فسورة يوسف- عليه السلام- لها الأفق الواسع في جوانب التربية المختلفة فإلى مدخل الحديث حول هذه السورة الكريمة المتكاملة البنيان { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } (1) .
- - -
الفصل الأول
التربية الاجتماعية والدينية
أولاً: التربية الاجتماعية:
? قال تعالى: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } .
? قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا } .
وقبل أن نلِج باب التربية الاجتماعية يَحسُن بنا أن نعرّف المجتمع؛ فالمجتمع: مجموعة من الأفراد يسكنون موقعًا جغرافيًا معيَّنًا لهم عاداتهم وتقاليدهم ومنهجهم في الحياة سواءً كان سلبيًّا أم إيجابيًّا،كما أنه يتكون من عدد من الأسر، فالأسرة هي النواة أو اللبنة الأولى للمجتمع وبغير الأسرة لا يكون هناك مجتمع، وقد يكون هذا المجتمع إما صغيرًا؛ حيث يحتوي على عدد من الأُسَر ويسمى في هذه الحالة قرية، كما في الآية الأولى، وإما كبيرًا؛ بحيث يتكون من عدد من القرى كما في الآية الثانية.
ولو تصفَّحنا الأسر الموجودة في سورة يوسف- عليه السلام- لوجدنا: أسرة يعقوب- عليه السلام-، وأسرة العزيز، وأسرة صاحبي السجن، وأسرة الملك، وأسر الذين عجزوا عن تعبير الرؤيا.
فمثلاً: أسرة يعقوب- عليه السلام- من حيث موقعها الجغرافي كانت جزءًا من مجتمع أرض كنعان، بينما أسرة العزيز والملك وحاشيته تمثل جزءًا من أرض مصر.
__________
(1) جزء من الآية (82) من سورة النساء. (1/7)
صفحة 8
والذي يتأمل في المجتمعات التي تعرضت لها السورة الكريمة يجد أن لكل مجتمع له نطاقه الخاص في الحياة؛ فبيئة يعقوب- عليه السلام- وأسرته بالذات أسرة توالت فيها النبوات فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم السلام- وبالتالي فإن يوسف نبِي الله ابن نبِي الله ابن نبِي الله ابن نبِي الله، هذه الأسرة لها منهج في حياتها سواءً كان في سلوكها أو عبادتها أو تعاملها ويتضح ذلك من قوله تعالى على لسان يوسف- عليه السلام-: { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ } ، ثم لْنَأتِ إلى أسرة العزيز؛ حيث لها منهجها الخاص في الحياة، وهي أسرة تربت على الترف وكذلك النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن وأسرة الملك وصاحبي السجن ويفهم ذلك من خلال قوله تعالى: { أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ... } ، وهذا تنبيه ودعوة من يوسف- عليه السلام- للفتيان في السجن.
ومن خلال تلك الأسر يتبين لنا أن المجتمع له دور في تربية الأفراد، وهذا الدور إما أن يكون حقًا أم باطلا بحسب وجود الموجه المرشد في المجتمع. (1/8)
صفحة 9
وفي الوقت نفسه نلاحظ أن سورة يوسف جزء من التاريخ، فالسورة تتناول الزمان والمكان وقد بينت لك في التمهيد وجه الشبه بين سيرة يوسف- عليه السلام- وبين سيرة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- فما أحوج المسلم لدراسة تاريخ المجتمعات السالفة لأخذ العبرة (إن التأمل في التاريخ لمعرفة ما حدث وكيف حدث يفتح للمتأمل آفاقًا لكشف السنة ومعرفة قواعد التسخير فيتحول الإنسان إلى أحسن تقويم، ويمشي سويًّا على صراط مستقيم، ولكن النظرة العاجلة لأحداث التاريخ تُرِي عدم التوازن بين الآلام والمكاسب، كما ترى أن الآلام التي عانتها البشرية أكثر من المكاسب التي حصلت عليها، إلا أن هذه النظرة الخاطفة تجهل أن طريق السمو والكمال يتطلب الكدح والعناء، ودفع الضرائب من الدموع والدماء) (1) ، كما إن التاريخ الذي تسوده الحياة الكريمة ينهض بدارسيه عن وعي وحب في التأسي إلى مستوى العزة والكرامة، في حين أن التاريخ السيئ يكشف خبايا المجتمعات الخبيثة وخبث القائمين عليها.
__________
(1) جودت سعيد: اقرأ وربك الأكرم – ص 177. (1/9)
صفحة 10
إن سورة يوسف- عليه السلام- تكشف لنا عن نماذج عديدة من خلال المجتمعات التي تناولتها السورة الكريمة (وتتعامل القصة مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة متمثلة في نماذج متنوعة: نموذج يعقوب الوالد المحب الملهوف، والنبِي المطمئن الموصول...، ونموذج إخوة يوسف وهواتف الغِيرَة والحسد والحقد والمؤامرة...، ونموذج امرأة العزيز بكل غرائزها ورغباتها واندفعاتها الأنثوية،كما تضعها وتوجهها البيئة المصرية الجاهلية في بلاط الملوك إلى جانب طابعها الشخصي الخاص الواضح في تصرفها ووضوح انطباعات البيئة، ونموذج النسوة من الطبقة العليَّة في مصر الجاهلية! ونموذج العزيز وعِليَة طبقته وبيئته في مواجهة جرائم الشرف من خلال مجتمعه! ونموذج الملك في خطفة يتوارى بعدها كما توارى العزيز في منطقة الظلال بعيدًا عن منطقة الأضواء...، وتبرز الملامح البشرية واضحة صادقه بواقعية كاملة في هذا الحشد من الشخصيات والبيئات) (1) .
وفي كثير من المجتمعات أوجه تشابه، بين مجتمع يوسف- عليه السلام- وبين أحداثها ونماذج شخصياتها على مر التاريخ والأزمنة والأمكنة، وما على الإنسان إلا أن يتبصر حوادث مجتمعه ويعتبر بما جرى للأمم السالفة بعقل واع وبصيرة نافذة.
وبعد هذا التمهيد المبسط عن المجتمع أدخل بك- أخي القارئ- في غمار السورة الكريمة من الناحية الاجتماعية، حيث تشتمل عدة مباحث تربوية وهي كالآتي:
المبحث الأول: يوسف في كنف أبيه يعقوب- عليهما السلام-:
كما تذكر كتب التفسير أن يعقوب- عليه السلام- تزوج من امرأتين: إحداها أم يوسف وأخيه "بنيامين"، والأخرى أم إخوة يوسف العشرة، وكان تعامل يعقوب- عليه السلام- مع يوسف وأخيه بنيامين قائما على الحب والعطف، الذي لَم ينتهجه مع أحدٍ من أبنائه الآخرين، وما تلك المعاملة إلا لعدة أسباب:
__________
(1) سيد قطب: مرجع سابق – ص 1992. (1/10)
صفحة 11
أولاً: توسُّم الصلاح في يوسف- عليه السلام-، وهذا ما نستنبطه من مدلول قوله تعالى: { وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
ثانيًا: تذكر بعض الكتب أنَّ يوسف- عليه السلام- كان يتيمًا، فقد توفيت أمه، ليعيش فترة من الزمن مع خالته.
ثالثًا: إن يوسف- عليه السلام- وأخاه بنيامين أكثرُ بِرًّا بوالديهما من سائر إخوتهما.
هذه الأسباب كلها جعلت يعقوب- عليه السلام- يحتفظ بابنيه، ولا يود مفارقتهما بل نجد في سورة يوسف ما يدل على أن يعقوب كان يحب ابنه حبًّا جَمًّا، وذلك حين عرض يوسف على أبيه رؤياه، فما كان من الأب الحاني إلا أن أمره بكتم ذلك عن إخوته؛ حتى لا يكيدوا له كيدا: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .
إذن من خلال ذلك يتبين لنا أن الأسرة لها دور في التربية، وفي تنشئة الطفل على مراقبة الله وغرس القيم الصالحة فيه، وتزويده بالعلم والإيمان، ومما جاء في كتاب تربية الأولاد في الإسلام: "ومن المعلوم بداهة أن الطفل منذ نشأته، إن لم ينشأ على مراقبة الله والخشية منه، وإن لَم يتعود على الأمانة وأداء الحقوق.. فإن الولد لا شك سيدرج على الغش والسرقة والخيانة وأكل الأموال بغير حق، بل يكون شقيًّا مجرمًا يستجير منه المجتمع ويستعيذ من سوء فعاله الناس. (1/11)
صفحة 12
ومن المؤلم أن كثيرًا من الأمهات والآباء لا يراقبون أولادهم بحرص فيما يرونه معهم من أمتعة وأشياء ونقود، فبمجرد أن يدَّعي أولادهم بأنهم التقطوها من الشارع، أو أهداها لهم أحد الرفقاء صدقوهم، وأخذوا بأقوالهم، دون أن يكلفوا أنفسهم التدقيق والتحقيق، ومن الطبيعي أن يبَرِّر الولد لسرقته بمثل هذه الادعاءات الباطلة مخافة الاتهام والفضيحة، ومن الطبيعي أن يتمادى الولد في الإجرام إذا لم يجد المتابعة والاهتمام البالغ..) (1) .
يجب على كل مؤمن أن يتحمل المسؤولية الملقاة عليه، وأدنى المسؤولية أن يراقب أفراد أسرته: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا َوقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ، كمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورعاية الأسرة عِلمًا وعَملاً؛ لكي يُتَّقى الأهل من أخطار ما يواجههم من مصير مرعب كما بينت الآية الكريمة.
المبحث الثاني: العدالة بين الأبناء.
قال تعالى: { إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } ، وقد ذكرتُ سابقًا سبب تفضيلِ يعقوب- عليه السلام- وحبِّه لابنه يوسف- عليه السلام-، ولكن هذا الحب الذي يَكِنُّهُ يعقوب لابنه إنما هو حبٌ مصدره ميل القلب إلى الشخص المحبوب؛ بحيث لا تَحَكُّم للإنسان فيه، وهو الذي ذكره الرسول- صلى الله عليه وسلم- في قوله: «هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك».
إذن لم يكن تفضيلُ يعقوب- عليه السلام- لابنه تفضيلاً ماديًّا يتمثل في المطعم والملبس وغيرها من المنافع المادية، وإنما هو- كما قلنا- حبٌّ قلبِي بسبب توسم الصلاح في يوسف- عليه السلام-.
__________
(1) عبد الرحمن ناجح علوان: تربية الأولاد في الإسلام – ج1 – 186. (1/12)
صفحة 13
هذا وقد رأى بعض الفقهاء جواز التمييز بين الأبناء، إذا كان للابن فضل على الأب لا لقصد التفرقة بين الأبناء، أما أن لا يعدل بين أبنائه دون أن يكون هنالك سبب للتمييز، وإنما لقصد التفرقة فهذا أمر لا يقره الإسلام ولا يرضاه.
فعن النعمان بن بشير أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهبة من ماله لابنها فالتوى بها سنة ثم بدا له فقالت: لا أرضى حتى تُشهِد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عما وهبت لابني، فأخذ أبي بيدي وأنا يومئذ غلام، فأتى رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن أم هذا بنتُ رواحة أعجبها أن أُشهِدك على الذي وهبتُ لابنها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟»، قال: نعم، فقال: «أَكُلُّهم وهبتَ له مثل هذا؟»، قال: لا، قال: «فلا تُشهِدنِي إذن، فإني لا أشهد على جور» (1) .
وجاء في كتاب: "تربية الأبناء والبنات في ضوء القرآن والسنة" ما نصه: "من أهم عوامل الاستقرار النفسي معاملة الأطفال بالعدل؛ لأن ذلك يبهج نفوسهم ويريح أفئدتهم، فلا ضغينة ولا حسد ولا غيرة عندما تتحقق المساواة في معاملتنا لأطفالنا، إذ يشعرون بمبدأ حُبِّنا لهم) (2) .
فيجب على المربي أن يزكيَ الاستقرار النفسي بين أبنائه؛ حتى لا يؤدي بهم الأمر إلى مغبة حَمل الحقدِ بعضُهم لبعضٍ، فإن كثيرًا من الآباء يكرِّسون التفرقة بين أولادهم، لا سيما بين الذكور والإناث، كما أنهم ربما يهتمون بأبنائهم الأذكياء ويجلُّون لهم الاحترام ولا يراعون الفروق الفردية بين أبنائهم، وهذا ما يصدر عن كثير من الأسر، فربما تجد ضعف مستوى الطالب في المدرسة، بسبب سوء المعاملة في البيت، والتمييز المجحف بينه وبين إخوته مما يجعله دائم التفكير.
__________
(1) الإمام مسلم النيسابوري: صحيح مسلم – ج 4 –كتاب الهبات ص 166.
(2) خالد العك: تربية الأبناء والبنات في ضوء القرآن والسنة – ص166. (1/13)
صفحة 14
فالإسلام دين العدالة والحكمة، وقد ورد في بعض الروايات: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم».
المبحث الثالث: موقف الإخوة من بعضهم البعض.
قال تعالى: { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء } .
لم يقصّر يعقوب- عليه السلام - في تربية أبنائه ورعايتهم، ولكن تدبير الله فوق كل تدبير إذ أن إخوة يوسف- عليه السلام- سلكوا مسالك الهوى والغواية؛ حتى نزغ الشيطان بينه وبين إخوته كما حكى الله سبحانه وتعالى ذلك على لسان يوسف- عليه السلام- في الآية السالفة الذكر.
فإذا كانت الحصانة من الشيطان في الإنسان لَم تتأصل بالتربية الدينية، وعلى الإيمان بالله وتقوية العقيدة الصحيحة في القلب فإن الشيطان متسلل لا محالة، فهو الجاري في الإنسان مجرى الدم في العروق، ومن هنا دخل الحقد إلى إخوة يوسف- عليه السلام-، فكادوا له، وكل ذلك لحكمة أرادها الله في يوسف وإخوته.
ومع هذا كله لا نتهم إخوة يوسف- عليه السلام- بخلوِّهم من الإيمان، فإنهم تابوا واستغفروا الله، وطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم؛ حيث وردت في بعض روايات كتب التفسير أنهم أُعطُوا النبوَّة، وإن كان القطب في تفسيره لا يؤيد ذلك، وكذلك سيد قطب وابن كثير.
وهنا نستخلص فائدة، تتجلى في حالة وقوع الإنسان في خطأ ما، فعليه ألا ييأس ولا يغلق باب المآب، وإنما عليه الرجوع إلى الله بالعودة إلى حياة الإيمان والصلاح، وهذا ما نوجه إليه أبناءَنا وطلابنا من جانب تربوي، وكذلك المجتمع بأسره، فإن التربية الاجتماعية في الإسلام لها دور في إصلاح المجتمع وتربيته على دين الله القويم.
( (1/14)
صفحة 15
التربية الاجتماعية في الإسلام تشمل بناء الاتجاهات الاجتماعية الإيجابية والعادات الاجتماعية السليمة التي تؤدى إلى سعادة الفرد وتماسك الأسرة، وتكافل المجتمع ورخاء الإنسانية، ومن هذه العادات والاتجاهات الاجتماعية تنمية الوحدة الاجتماعية، والأخوة الإيمانية، وحب الإنسانية، والمساواة، والتعاون والتكافل، والشورى، والعدالة الاجتماعية، والإصلاح بين الناس...) (1) ، وعليه فعندما تُكرَّس أسس التربية الاجتماعية في المجتمع تزول الأحقاد والضغائن فيما بين الإخوة وبين الأفراد والمجتمعات، طالما يتجسد الاعتصام بحبل الله ورسوله. */*/ قضية الميراث بين الذكر والأنثى مثال للعدالة في الإسلام، وليس للمساواة فأرجو الانتباه*/*/
المبحث الرابع: بيت يعقوب- عليه السلام-: (بيت النبوة، وتأثير ذلك على الأفراد).
فقد ذكرتُ أثناء التمهيد للتربية الاجتماعية العديدَ من الأسر التي تتضمنها السورة الكريمة، فمن خلال تلك الأسر يتبين لنا مدلول قوله- عليه السلام-: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يُهوِّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه...».
فيوسف الذي تربَّى في بيت النبوة ظل متمسكًا بعقيدته لَم يتغير رغم اختلاف البيئات، فقد واجهته تحديات وعقبات في مجتمع مِصرَ، وكذلك في السجن، بل لم يتغير عندما تقلَّد المناصب الراقية، ولم تُغيِّره عادات المجتمع وتقاليده، فالمثل الأعلى له آباؤه الذين يصح تقليدهم؛ لأنهم اتبعوا شرع الله ومنهج الحق، وذلك في حكاية الله عن يوسف- عليه السلام- في قوله تعالى: { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ... } .
__________
(1) د. إسحاق فرحان: التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة – ص77. (1/15)
صفحة 16
إذًا الأسرة لها دور في القدوة والتربية عن طريق الاقتداء بالصالحين، لا عن طريق تقليد المبدعين والمنحرفين عن منهج الله الحق، فالمؤمن الحق لا يتغير، بل يكون ثابتًا على عقيدته يزن نفسه بميزان الإسلام أينما حلَّ، وليس إمَّعة إن أحسن الناس أحسن وإن أساؤوا أساء، (إن الحياة الحقيقية إنما تكون في الخروج عن التقليد وعبادة الآباء والتقاليد والتقاليع... وأن يكشف الإنسانُ الحقَّ بالاحتكام إليه بميزانه، وليس بميزان الآخرين، فاستعمل ميزانك لحظة في الحياة الثمينة الغالية، ولا تعش فيها وأنت لم تثبت قدرة الخالق ولم تستشعر لذة التوحيد وسعادته، يا حسرة على العباد... إن أعيننا لا تبصر وآذننا لا تسمع وقلوبنا عليها غلف لا تفقه، فالناس عبيد للمجتمع عبيد للتقاليد... أين ضياء القلم؟! أين من يعلمون بالقلم؟! أين من يتعاملون مع الحياة بميزانهم الخاص، لا بما صنع لهم الأقدمون حسب نظراتهم القاصرة...) (1) .
__________
(1) جودت سعيد: مرجع سابق – ص249. (1/16)
صفحة 17
وإن من المؤسف أن يكون المتعلم بعيدًا عن منهج الإسلام فيما يتعلمه ينبذ تعاليم الإسلام وراء ظهره ويتبع أقرباءه في سلوكهم وإن كانوا بعيدين عن منهج الإسلام، وفي عباداتهم وإن كانت عن جهل وفي معاملتهم وإن كانت عن انحراف هذا الإنسان لم يستخدم عقله بقدر نعمة الله عليه بما ميزه من مواهب وبما امتن عليه من العلم، فالمؤمن يكون متفتحًا على واقع المجتمع وليس مقلِّدًا، يتفتح بمقدار ما يصلح نفسه ويصلح الآخرين، ويتعامل مع أفراد المجتمع كداعية إلى منهج الله في بيته وفي البيئة التي ينتمي إليها وفي المجتمع الواسع فهذا يوسف- عليه السلام- يدعو إلى الله وهو في السجن؛ حيث دخل الكثير منهم في الإسلام؛ وذلك بغرس العقيدة الصحيحة في نفوسهم، ويظهر ذلك من خلال سؤال صاحبي السجن، وكان جواب يوسف- عليه السلام- فيه استغلال للفرصة في بيان العقيدة الصحيحة والتنفير من العقيدة الفاسدة: { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } .
وهكذا... كما يذكر كثير من المفسرين أن ملك مصر دخل في الإسلام من خلال نشر يوسف- عليه السلام- مبادئ التوحيد، وإن كان القارئ يتساءل على أن يوسف نبي فهو معصوم*/*/فقرة غير مفهومة وما علاقة العصمة فيها؟!*/*/ إلا أن محل القدوة واجب علينا اتجاه الأنبياء واتباع منهجهم، فالله تعالى يقول: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ... } . (1/17)
صفحة 18
فأين الذين يرحلون إلى دراسة العلم في الدول الغربية المختلفة، فبدلاً من أن يظهروا بمظهر الإسلام الناصع، يأتون وعوامل التقليد في أفكارهم، وألسنتهم تنطق بالانحراف عن طريق الحق في مأكلهم ومشربهم وملبسهم وعاداتهم وسلوكهم.
المبحث الخامس: تحمل المسؤولية في واقع المجتمع ومواجهة التحديات.
إن التربية الاجتماعية لها دور كبير في خدمة المجتمع، وخاصة إذا وجد أهل الكفاءات الذين يعتمد عليهم في خدمة المجتمع وتحمل مسؤولياته، ويظهر ذلك من خلال السياق في السورة الكريمة: { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ، فيوسف- عليه السلام- طلب من الملِك أن يجعله على خزائن حبوب أرض مصر في سنوات القحط لحاجة الناس إلى الحبوب بسبب انقطاع الأمطار، فلا يصلح لتلك المسؤولية والمهمة إلا الإنسان الأمين، ولا يليق لها إلا من يستطيع أن يحقق العدالة في توزيع الثروة، وذلك يظهر في قوله تعالى: { وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } ، فقد كان يوسف- عليه السلام- يعطي كل فرد من الطعام كيل بعير أي حِمْلَ بعير فعندما أراد إخوة يوسف اصطحاب أخيهم "بنيامين" قالوا لأبيهم: { مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } ، فقد ازدادوا كيل بعير عن طريق الزيادة التي أعطيت لبنيامين عندما انضم إليهم، وفعل يوسف هذا الأمر محافظة على خزائن الحبوب من النفاد وتحقيق العدل في التوزيع بين الأفراد. (1/18)
صفحة 19
فيوسف- عليه السلام- لَم يهتم بشؤون نفسه، بل كان اهتمامه منصبًا على شؤون الأمة وعندما تقلّد تلك الوظيفة والتحكم في الأقوات جعلها وسيلة للدعوة، فاستطاع يوسف- بعون الله- أن يواجه تحديات السنين السبع العجاف بدون أن يلحق أفرادَ المجتمع الضرُّ، وهكذا ينبغي أن يكون كل فرد من أفراد الأمة يمثل الأمة في قيادته لها، وأن لا يكِلَ العمل لغيره بحجة الاعتذار، فالله يعلم قدرات البشرية وما أُنيط بهم من تكليف وأمانة فالمجتمع بحاجة إلى من ينتمي إليه، بحاجة إلى من يقوم بإصلاحه فلا بد من إعداد الأفراد لإصلاح المجتمعات وتحملهم المسؤوليات التي لا يصح معها التخلي عن تنفيذ ما في وسعهم وطاقتهم. فأين الكثير من الأفراد الذين لا يهمهم إلا مصلحة نفوسهم وتلبية رغباتهم سواءً كانت تلك الرغبات حقًّا أم باطلاً، حلالاً أم حرامًا؟ أين الذين يسعون إلى فساد المجتمع وانهياره بالغش ونشر الرذيلة من الكلمة الخبيثة؟ أَمَا ينبغي أن تكون لنا قدوة في سيرة هذا النبي وفي غيره من الأنبياء- عليهم السلام-.
إن التخلي عن المسؤولية في المجتمع ناتج عن ضعف في العقيدة وضعف في الشخصية، فالشخصية الإسلامية قبل أن تبحر في خضم حياة الواقع، عليها أن تربى التربية الإيمانية الصحيحة وفق منهج الله وشرعه عقيدةً وسلوكًا وعبادةً ومعاملةً وبذلك يكون التماسك بين أ فراد المجتمع.
ومن خلال ما تقدم نستخلص ما يأتي:
1) على الأسرة الدور الكبير في تنشئة الأفراد وتربيتهم التربية الصالحة.
2) إن المجتمعات تتفاوت أحجامها وقدراتها وحضارتها وعاداتها وسلوكها بحسب التوجيه والإرشاد فيها.
3) إن الخير والشر والصراع بين الحق والباطل موجود في كل المجتمعات وإن تفاوت المقدار فيها سواء كان قديما أم حديثا، ويجب على المؤمن ألا يستسلم للقدر بتركه الأخذ بالأسباب وعدم التوكل على الله؛ لأن ذلك من شيمة الضعاف. (1/19)
صفحة 20
4) على المؤمن أن يمثل المجتمع بتحمله المسؤولية التي يرى نفسه أهلاً لها.
5) يجب على أهل المسؤولية وأولياء الأمر اختيار أهل الكفاءة لخدمة المجتمع كل في نطاقه المتمكن فيه.
ثانيًا: التربية الدينية
إن التربية الدينية تشمل جميع الجوانب التي يتم الحديث عنها في هذا الموضوع إذ أن الدين يقوم عليه بناء المجتمع، ويعتبر مما لا يسع جهله من الناحية العلمية والدينية؛ حيث يقوم على التوازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح، وهو يخاطب العقل والضمير، ومن ثَمَّ أعطيناه إضاءةً مبسطةً في هذا الجانب، وحتى يتسنى لنا الدخول إلى هذا الجانب أعرض بعض الآيات في هذه الناحية:
قال تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } .
وقال تعالى: { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
وقال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .
وقال تعالى: { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } . (1/20)
صفحة 21
وقال تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } .
والآيات في الجانب الديني كثيرة، وكما ذكرت على أن الناحية الدينية هي المسيطرة على النواحي الأخرى ومنها تنطلق وإليها تعود.
والآيات السابقة منها ما يتصل بالعقيدة ومنها ما يتصل بالعبادة ومنها شاملة لجميع تعاليم الإسلام. أما الآية الأولى قوله تعالى: { بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } ، فإن الوحي مصدر رسالات السماء، والوسيط الإلهي بين رسل الله، فالوحي الذي تلقى منه المصطفى- صلى الله عليه وسلم- رسالة السماء قد جاء للأنبياء السابقين، فيجب علينا الإيمان بالوحي والموحى به أنه من عند الله، ونخص من بين تلك الكتب القرآن الكريم.
والإيمان بالقرآن يشمل العمل به وتطبيقه في واقع الحياة، والتمسك به ففيه خير الدنيا والآخرة، ومن تمسك بتعاليم القرآن فقد تربى على الدين وعلى الخلق فقد كان خُلقه- صلى الله عليه وسلم- القرآن الكريم.
أما الآية الثانية ففي قوله تعالى: { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } ، أي: (يُتم فضله وإنعامه عليك) (1) و(بإرسالك والإيحاء إليك) (2) .
__________
(1) محمد علب الصابوني: صفوة التفاسير – ج 2 – ص 42.
(2) الإمام إسماعيل ابن كثير الدمشقي: تفسير القرآن العظيم – ج 2 – ص 470. (1/21)
صفحة 22
والنبوة جزء من الدين ومن أركان الإيمان الستة والتي يجب الإيمان بها، وعليه يجب الإيمان بالرسل- عليهم السلام- ونخص من بينهم محمدًا- صلى الله عليه وسلم-، وفي الآية جملة من الأنبياء، فمن ذكر في القرآن الكريم صريحا باسمه يجب أن نخصه بالإيمان باسمه، ومن لم يذكر علينا اسمه نؤمن به إجمالاً.
إيماننا برسل الله يشمل الاقتداء بهم واتباع شريعتهم واعتقاد عقيدتهم، وشريعة الرسول- صلى الله عليه وسلم- ناسخة للشرائع السابقة، فعلينا التمسك بما جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم- قولا وعملا، وإيماننا بالرسول- صلى الله عليه وسلم- يقتضي منا حبه ونشر تعاليمه وتطبيق سنته، وبذلك نتربَّى على الدين الذي ارتضاه الله لنا.
أما الآية الثالثة فتتخللها عدة مبادئ:
1- قوله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي } ، أي: (هذه طريقي ومنهاجي واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة) (1) ، أي طريق الإسلام، ويقصد بذلك الالتزام بشريعة الله الكاملة الشاملة التي سلكها الرسول- صلى الله عليه وسلم- ويجب أن يسلكها كل مؤمن يتربى على شريعة الله الخالدة.
2- قوله تعالى: { أَدْعُو إِلَى اللّهِ } ، الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم، والرسول- صلى الله عليه وسلم- بعث داعيًا: { وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا } (2) ، والدعوة فيها بيان الدين وتربية المدعوين على شرع الله، وإنقاذهم من الانحراف إلى الإيمان الصحيح.
3- { إِلَى اللَّهِ } ، بمعنى نتوجه بدعوتنا وعبادتنا وعقيدتنا إلى الله ويجب الإيمان بالله بل هو أول ركن من أركان الإيمان مع الإخلاص الدائم في جميع أعمالنا لله رب العالمين { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (3) .
__________
(1) الصابوني: مرجع سابق – ص 70.
(2) الآية (46) من سورة الأحزاب.
(3) الآية (164) من سورة الأنعام. (1/22)
صفحة 23
4- { عَلَى بَصِيرَةٍ } ، (على بيان وحجة واضحة) (1) إذن يجب علينا- معشر الدعاة- أن نتفقه في ديننا وندرك عقيدتنا؛ حتى ندعو إلى الله على بصيرة، ونُبَصِّر غيرنا بمبادئ الدين، وهذا ما يشير إلى وجوب العلم بالدين، ومن تعلم الدين وتبصر فيه تربَّى تربية دينية.
5- { أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام يبرؤون من الشرك وأهله، وهكذا يجب على المؤمن أن يتربى على ولايته للملتزمين ولأهل الطاعة المتقين.
أما الآية الرابعة فقوله تعالى: { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ... } ، أي: (اتبعت دين الأنبياء لا دين أهل الشرك والضلال) (2) .
والذي يتأمل في هذه الآية يجد أنها شاملة للجوانب المختلفة التي جاء بها الدين الحنيف فإن الملة هي الدين الذي جاء به آباء يوسف- عليه السلام- وهكذا ينبغي للمسلم أن يأخذ بتعاليم الإسلام أجمعِها، ولا يفرط في شيء منها { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } (3) .
أما الآية الأخيرة فنستخلص منها ما يأتي:
1- الاعتراف بالنعم وشكر الله عليها: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } ، فيوسف- عليه السلام- أعطِيَ نعمة الدنيا، وهي الملك ونعمة الدين وهي تأويل الأحاديث، وهكذا هي حقيقة المؤمن لا تبطره النعم، ولا يتضجر من الابتلاءات.
__________
(1) الصابوني: مرجع سابق – ص 70.
(2) الصابوني: المرجع السابق – ص 51.
(3) الآية (85) من سورة البقرة. (1/23)
صفحة 24
2- الاعتراف بتوحيد الربوبية لله والدينونة له في الأمر والنهي، حيث ينبغي لمن ينشأ على تعاليم الإسلام أن يتفكر في مخلوقات الله ويصل إلى حقيقة الخالق- سبحانه وتعالى-.
3- { أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ } ، تحثُّ هذه الآية على الاعتصام بالله والتوكل عليه، والرجاء منه والاستعانة به وتفويض الأمر إليه، كما تشمل ولاية الله للمؤمنين وولاية المؤمنين لله. (1/24)
صفحة 25
4- { تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } ، أي توفني على الإسلام الشامل، توفني على العقيدة الإسلامية، وعلى العبادة وعلى الأخلاق، وعلى المعاملة وفق شرعية الإسلام، وهذا الدعاء من يوسف مماثل لوصية والده- عليه السلام-: { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } (1) ، وتشير كل من الآيتين في سورة يوسف، وفي سورة البقرة على أن دين الإسلام دين الأنبياء جميعًا، وليس الإسلام مقتصرًا على أمة الرسول- صلى الله عليه وسلم- فإن الله- جل وعلا- يقول حكاية عن إبراهيم وإسماعيل: { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } (1)، ويقول: { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } (2) ، أما قول الله تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (3) ،
__________
(1) الآية (133) من سورة البقرة.
(2) الآية (132) من سورة البقرة.
(3) الآية (85) من سورة آل عمران.. (1/25)
صفحة 26
ذلك أن الرسالات السابقة دخلها التحريف والتبديل، ثم إن رسالة الرسول- صلى الله عليه وسلم- ناسخة للرسالات السماوية السابقة، فهم مطالبون بالانضمام إلى رسالة الرسول- صلى الله عليه وسلم- والإيمان بها، والمقصود بذلك أهل الكتاب الذين أدركوا رسالة الرسول- صلى الله عليه وسلم-، ولا يعني ذلك أن من آمن برسالة موسى واتبع شريعته حق الاتباع، ولم يغير ولم يبدل ولم يدرك رسالة الرسول- صلى الله عليه وسلم- أنه ليس له حظ في الإسلام، بل إنه مات على الإسلام والتوحيد؛ إذ أن الأنبياء جاءوا بالإسلام الصافي في عهدهم قبل أن يدخل ما دخل فيه من الانحراف عن نهج الإسلام الصحيح.
5- { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ } يلقيها المولى- جل وعلا- على نبيه الأكرم، والغيب ما غاب عنا ولم يقع تحت إدراكنا، فأمور الغيب كثيرة أخبرنا الله بها في كتابه كالإيمان باليوم الآخر والقبر والجنة والنار والحساب... إلخ.
وكل ذلك من مقتضيات الإيمان وداخل في نطاق أركان الإيمان الستة، فإذا تدبر المسلم في هذه الإضاءات القرآنية من هذه السورة الكريمة، فإنه يجد الإسلام واضحًا ودين الله قيمًا اصطفاه الله لعباده، وما ذكرته في السورة إشارات سريعة يمكن أن يقف القارئ عند نبع الإيمان ومعانيه السامية وقفة تدبّر: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } (1) .
مما سبق نستخلص الآتي:
1) أن التربية الدينية تشمل جميع الجوانب التربوية سواءً كانت اجتماعية أم علمية أم عقلية أم عاطفية أم جسمية.
2) أن الدين الإسلامي يقوم على أساس العقيدة والعبادة والسلوك والمعاملة ولا يغني جزءٌ عن جزء.
3) أن عقيدة التوحيد اشترك فيها جميع الأنبياء وكذلك العبادة وإن اختلفت هيئتها وزمانها.
4) أن الإسلام دين جميع الأنبياء، ولكن بعد أن حرفت الرسالات السابقة كان القرآن هو الناسخ لها والشامل لمقتضياتها.
__________
(1) الآية (24) من سورة محمد. (1/26)
صفحة 27
5) أن على المسلم المربي أن يتعلم مقتضيات الإسلام؛ لكي يوجه غيره وجهة صحيحة.
- - -
الفصل الثاني
التربية العلمية والعقلية
تمهيد:
عند ذكر مصطلح العِلم يكون العقل مرتبطًا به؛ لأن العقل أساس التكليف، وبدونه يسقط ما أوجب الله على عباده، فالذي رزقه الله العقل وجب عليه أن يتوجه إلى التعليم وإدراك الأمور على حقيقتها.
ومما لابد من إدراكه أن الله– جل وعلا- لا يعبد على جهل، بل يعبد على علم وبينة، وثَمَّة أمور لا يسع جهلها إذ لا بد من تعلمها.
والعلم منه لازم قد وجبا ... تعليمه والثاني نفل ندبا
فكل شيء لم يسعنا جهله ... فواجب وما عداه نفله
والبحث للواجب حتمًا يلزم ... القادر بترك ذاك يأثم
والحد للقدرة أن يرى له ... معبرًا وإن نأى يَمضي له
في الصح مع وجدان ما يحمله ... ومأمن مع قوت من يكفله
وفضله ليس له إحصاء ... جاءت به من ربنا الأنباء (1)
*******
ومن العلم الواجب علم التوحيد وعلم الفقه الذي يلزم الإنسان السؤال عنه عند إدراك وقته أو حضور الأمور التعبدية أو الوقوع في الأمر.
وأي فرض فعله مؤقت ... فعلمه في وقته مثبت
وإن يكن غير مؤقت العمل ... فواسع جهلكه إلى الأجل
ما لم تكن معتقدًا لتركه ... وقيل كالأول نظم سلكه (2)
وهناك من العلوم المباح تعلمها كالهندسة والطب وقد تكون في بعض الأزمنة فرض كفاية لو احتاج المجتمع إليها ولم يوجد من يقوم بها.
وحين نتصفح السورة الكريمة نلاحظ أن يوسف- عليه السلام- تعلم وفق مبادئ شرع الله سواءً كان ذلك في النواحي الاجتماعية أو الاقتصادية كما في قوله تعالى: { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } .
__________
(1) نور الدين السالمي: منظومتا أنوار العقول وكشف الحقيقة – ص9.
(2) السالمي: المرجع السابق – ص 14. (1/27)
صفحة 28
وقبل البدء في تناول الناحية العلمية للسورة الكريمة، سوف أعرض الآيات التي تدل على العلم من خلال السورة كما لخصها السيد قطب في تفسيره، حيث بين أنها حاثة على العلم،ولا أدل على ذلك من ذكرها لجوانب العلم المختلفة والآيات هي:
? قال تعالى: { وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } .
? وقال تعالى: { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } .
? وقال تعالى: { فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .
? وقال تعالى: { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي } .
? وقال تعالى: { إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } .
? وقال تعالى: { قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } .
? وقال تعالى: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } .
? وقال تعالى: { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } . (1/28)
صفحة 29
? وقال تعالى: { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } .
? وقال تعالى: { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } .
? وقال تعالى: { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } .
? وقال تعالى: { قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } .
? وقال تعالى: { قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } .
? وقال تعالى: { فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ... } .
? وقال تعالى: { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } .
? وقال تعالى: { عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } .
? وقال تعالى: { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
? وقال تعالى: { قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ } .
? وقال تعالى: { أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
? وقال تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ... } (1) .
__________
(1) سيد قطب: مرجع سابق – ص1966 – 1967. (1/29)
صفحة 30
هذه الآيات التي تعرض كثيرًا من صور العلم، سواءً تعلُّم فرد من فرد، أو جماعة من جماعة، أو جماعة من فرد، وسواءً كان علمًا مكتسبًا أم إلهامًا، كلُّ ذلك يدل على أن السورة الكريمة ركزت على الجانب العلمي.
وبعد هذا الاستعراض للآيات في هذا الجانب أبين الناحية العلمية على ضوء السورة الكريمة من خلال مبحثين:
المبحث الأول: أهمية العلم وأقسامه
من خلال الآيات السابقة يتبين لنا فضل العلم، فقد كان أول ما أُنزل على الرسول- صلى الله عليه وسلم- من الوحي ذكر العلم والوسيلة المكتسب به: { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } (1) ، وقال تعالى: { خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } (2) ، وقال تعالى: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } (3) . ثم إن دور الرسول- صلى الله عليه وسلم- دور المربِّي في أمته المعلم الأول للصحابة- رضوان الله عليهم- قال تعالى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } (4) ، فالله سبحانه رفع مقام العلماء، فهو زين لأهله في الدنيا والآخرة: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } (5) ، وقال تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ... } (6) ، كل ذلك يدل على أهمية العلم وبيان فضله.
__________
(1) الآيات (3 – 5) من سورة العلق.
(2) الآيتين (3 – 4) من سورة الرحمن.
(3) الآية (113) من سورة النساء.
(4) الآية (2) من سورة الجمعة.
(5) الآية (11) من سورة المجادلة.
(6) الآية (9) من سورة الزمر. (1/30)
صفحة 31
أما الأحاديث النبوية فكثير منها تدعو إلى العلم وبيان فضله ومنزلة المتعلم ومن الأحاديث النبوية الدالة على ذلك:
? أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهل الله له طريق الجنة» (1) .
? أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من ... تعلم العلم لله- عز وجل- وعمل به حشره الله يوم القيامة آمنًا ويرزق الورود على الحوض» (2) .
? أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «تعلموا العلمَ، فإن تعلمه قربة إلى الله- عز وجل- وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وإن العلم لينزل بصاحبه موضع الشرف والرفعة والعلم زين لأهله في الدنيا والآخرة» (3) .
وكفى بهذه التوجيهات النبوية بيانًا لشرف العلم وفضله، ونأتي الآن إلى بيان أقسام العلم:
ذكرت فيما سبق تقسيم العلم إلى واجب ومباح، والآن يأتي تقسيم العلم على ضوء السورة الكريمة إلى قسمين وهما:
أولاً: العلم اللَّدنِي
وهو إلهام من الله يلهمه من يشاء من عباده، وقد ورد ما يدل على هذا النوع من العلم في قصة موسى- عليه السلام- مع الخَضر: { فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } (4) ، فكم من إنسان يطّلع فلم يوفق في اطّلاعه، فلم يظفر من العلم إلا بالقليل، وكم من إنسان يلهمه الله الاستنباط وحل المعضلات مع قلة اطّلاعه، ومع ذلك لا يعني أن العلم اللدني يستغني عن القراءة، والأخذ بالأسباب فالعلم يكون بهما جميعًا.
__________
(1) رواه الربيع: المسند - ص 12.
(2) رواه الربيع: المسند - ص 12.
(3) رواه الربيع: المسند - ص 12.
(4) الآية (65) من سورة الكهف. (1/31)
صفحة 32
ومما يشير إلى ذلك من خلال السورة الكريمة قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ... } .
وقوله تعالى: { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي... } .
والعلم في حق الأنبياء وحي من الله تعالى والوحي قد يكون إلهامًا بينما في غير حق الأنبياء لا يكون وحيًا، ولكن إلهامًا وعلمًا.
ثانيًا: العلم المكتسب
وهو العلم المكتسب عن طريق التعليم مع معلم ومدارسة العلماء أو عن طريق القراءة الذاتية أو عن طريق مصادر المعرفة المختلفة، ومما يدل على العلم الآتي بالاكتسابِ قوله تعالى: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرََ يابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } ، فالناجي من القتل تذكَّر يوسُفَ بوقوع حادثة رؤيا الملك بعد أن عجز رعايا الملك عن تعبير رؤياه حيث ذهب إلى يوسف في السجن؛ ليسأله عن تعبير رؤيا الملك فسؤال السائل ليوسف اكتساب للمعرفة من غيره، وبذلك رجع إلى الملك بالتعبير الصحيح.
وهكذا أغلب العلم ينال بالاكتساب، ويختلف الأفراد في اكتساب العلم حسب قدراتهم المختلفة وتوفيق الله لهم.
ومما يشير إلى انقسام العلم إلى إلهام ومكتسب ما ورد في الجوهر للإمام نور الدين السالمي:*/*/(ليس في الأبيات إشارة إلى قسمي العلم لدني ومكتسب، بل كلامه في كيفية الاكتساب)*/*/
العلم إلهام من الحميد ... في مذهب الشيخ أبي سعيد
وعنده التعليم كالنبات ... للنخل للتلقيح والثبات
وخالف الشيخ أبو محمد ... فقال بالجد ينال فاجهد
ولا أرى الخلاف في ذا الباب ... يفضي لغير اللفظ والخطاب
فليس الجد بنفسه أثر ... من غير توفيق وإلهام صدر (1/32)
صفحة 33
ولم يكن إلهام دون كد ... في الشرع ينفعن لمستعد
فكل واحد من الشيخين ... جاء بوجه وهو ذو وجهين (1)
المبحث الثاني: طرق الوصول إلى المعرفة ووسائل الكسب للعلم
أولا: طرق كسب المعرفة
وسائل اكتساب المعرفة كثيرة ومتعددة الأنواع والطرق، وخاصة في هذا العصر الذي نعيش فيه، فمنها الوسائل المكتوبة والمقروءة، ومنها المسموعة والمرئية حسب تقدم العصر.
وقبل أن أتناول وسائل اكتساب المعرفة حسب السياق القرآني للسورة الكريمة أتناول طرق الوصول إلى المعرفة وسوف أستعرض تلك الطرق والوسائل محاولاً اختصار ما أستطيع اختصاره، وطرق الوصول إلى المعرفة كما يلي:
1- الفطرة: وهي أضعف الطرق، وهي قادح خفي في نفس الإنسان على وجود قوة خفية أكبر منه مسيطرة على هذا الوجود.
فحنان الأب والأم لأولادهما دليل على وجود الفطرة فيهما كما في قوله تعالى: { إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ... } .
إذن مثل هذه الفطرة موجودة في نفس الإنسان، فيبقى توجيه الإنسان لها وفق المنهج السليم، وقد تكون الفطرة الجبِلَّة وحب الشيء كحب المال والولد التي ما هي إلا غرائز فطرية في الإنسان خلق عليها.
2- الحواس: وتعتبر في المرتبة الثانية في إدراك المعلومات فعن طريق الحواس نشاهد المرئيات ونسمع المسموعات، ونفرق بين الأطعمة والروائح ونلمس المحسوسات، فالحواس تزودنا بكثير من المعارف والعلوم، ولا يمكن أن يستخدم الفرد وسائل المعرفة إذا عدم من الحواس، فهي طريقة مهمة من طرق الحصول على المعرفة.
قال تعالى: { يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ... } .
__________
(1) نور الدين السالمي: الجوهر – ج 4 – ص 455. (1/33)
صفحة 34
3- العقل: وهو في المرتبة الثالثة من مراتب الوصول إلى المعرفة، وهو نعمة كبرى من نعم الله- سبحانه وتعالى- إذا أُحْسِنَ استخدامه، والعقل لا يكتسب المعرفة إلا إذا وجه لاكتسابها، إما إذا عطل العقل عن سماع الخبر وعن الاطلاع، فليس له دور، فكم من أناس وهبهم الله العقل، ولم يدركوا به الحقيقة فهؤلاء بمثابة الذين لا يعقلون ويصدق فيهم قول الله- سبحانه وتعالى-: { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } (1) .
ومما يشير إلى أن العقل من طرق الوصول إلى المعرفة قوله تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ، فلا يدرك حقيقة القرآن إلا من استخدم عقله.
__________
(1) الآية (179) من سورة الأعراف. (1/34)
صفحة 35
4- الوحي: وهو أعلى مراتب الحصول إلى المعرفة، وهو الخبر الصادق الذي لا يشوبه شك والوحي وسيلة الأنبياء في التبليغ، فما على البشرية إلا أن تتبع ما جاء به الأنبياء، ولا يصل العقل الإنساني إلى إدراك كثير من الأمور التي أخبرنا بها الوحي، وكذلك يجب أن تعرض على الوحي جميع المعارف التي يكتسبها الإنسان فإن وافقته أُخذ بها وإن خالفته تركت وذلك لقصور العقل وحدوده، وكمال الوحي وسمو درجته المنزل من عند الله- عز وجل- المحيط بكل شيء: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (1) ، ومما يدل على الوحي من خلال السورة الكريمة قوله تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ... } ، وهذه الطرق الأربعة زود الله بها الإنسان لإدراك العلم وهذه الطرق ينبغي أن تُدَعَّم بالوسائل المختلفة لتنشط في تزويد الإنسان بالمعارف، ومن خلال السؤال يزداد الفرد رغبة وتقبُّلاً وفهمًا وإدراكًا.
وأما الوسائل التي أشارت إليها آيات السورة الكريمة:
1. الأسرة: والمقصود بها البيت الذي تسكن فيه مجموعة تتكون من الأم والأب والأبناء، فيكتسب الابن من الأبوين بعض المعارف، وخاصة عندما يكون صغير السن، ويؤكد ذلك قوله- صلى الله عليه وسلم- «كل مولد يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصرانه أويمجسانه...»، وهنا يأتي دور الأسرة في رعاية الأبناء وتربيتهم التربية الصالحة، فالطفل أول ما ينشأ بين أفراد الأسرة، وهو صفحة بيضاء، حيث يكون الطفل في السن المبكر أكثر ما يكون مقلدًا لوالديه وإخوته، ولهذا أول ما ترتسم مبادئ المعرفة لديه عن طريق الأسرة.
__________
(1) الآية (14) من سورة الملك. (1/35)
صفحة 36
2. المجتمع: وذكرت أن المجتمع إما أن يكون قرية أو نطاقًا واسعًا، فمن خلال البيئة التي ينشأ فيها الإنسان يكتسب بعض العلوم والمعارف، وهنا يأتي دور الآباء في اختيار الصحبة لأبنائهم؛ لأنها أهم وسيلة في المجتمع تزوده بالمعلومات سواءً أكانت صحيحة أم خاطئة، صالحة أم فاسدة، ويبقى كذلك دور الفرد في التعامل مع المجتمع الذي يعيش فيه، فالإسلام ينهى عن التقليد المطلق، ويأمر باستخدام العقل، واتباع منهج الله في التعامل مع أفراد المجتمع.
3. القدوة: وهي التأسي بأهل الصلاح، والقدوة وسيلة من وسائل المعرفة بحيث تكون حياتنا على منهج أهل العلم والخلق الواسع ومن ذلك اقتداؤنا بالرسول- صلى الله عليه وسلم- { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (1) ، وقدوة الطالب بمعلمه وكذلك قدوة الابن بأبيه إذا كان من أهل الصلاح (وإذا كانت التربية الفاضلة في نظر المربين تعتمد على القدوة الصالحة... فجدير بكل مرب مسئول ألا يكذب على أطفاله بحجة إسكاتهم من بكاء أو ترغيبهم في أمر أو تسكينهم من غضب... فإن المربِّي إن فعل ذلك يكون قد عوَّدهم عن طريق الإيحاء والقدوة السيئة على قبح العادات، وأرذل الأخلاق، ألاَ وهي الكذب... زيادة على أنهم يفقدون الثقة بقوله... ويضعف جانب التأثير فيهم بنصحهم وموعظتهم) (2) .
(التربية والتعليم عن طريق القدوة أكثر أنواع التربية فعالية فإذا كان المعلمون قدوة لطلابهم في التمسك بالعقيدة الصحيحة، والتحلي بالأخلاق الإسلامية، والقيام بواجبات المعلم وآداب المتعلم، فإننا نحصل على جيل من الطلبة المتعلمين الذين يتعلمون العلم والعمل معًا...) (3) .
(
__________
(1) الآية (21) من سورة الأحزاب.
(2) عبد الله ناصح علوان: مرجع سابق – ج 1 – ص 182، بتصرف.
(3) د. أسحاق فرحان: مرجع سابق – ص 102. (1/36)
صفحة 37
تعتبر القدوة الحسنة من أهم آثار التربية في الإسلام وأعمقها أثرًا إذ أنها أعطتها وزنًا كبيرًا، وجعلتها أساسًا للتعليم ونموه، وجعلتها أولى قواعد التعليم والتشغيل، ومن هنا كانت القدوة عاملا كبيرًا في صلاح الفرد أو فساده، لما لها من تأثير في شتى الجوانب الخلقية والاجتماعية والوجدانية ...) (1) .
وهكذا يتأثر الابن بوالديه ويتأثر الخليل بقرينه، ومن هذا المنطلق يبين الرسول- صلى الله عليه وسلم- أهمية الجليس الصالح عن طريق تشبيهه بحامل المسك ويحذر من قرين السوء عن طريق تمثيله بنافخ الكير لما لكل منهما من أثر في شخصية الفرد صلاحًا أو فسادًا.
وانظر- أخي القارئ- اعتزاز يوسف-عليه السلام- في قدوته وهو في مجتمع مصر الجاهلي { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ } ، فهؤلاء الأنبياء الكرام يقتدي بعضهم ببعض والرسول- صلى الله عليه وسلم- أُمر أن يقتدي بمن سبقه من الأنبياء { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } (2) ونحن أُمِرنا أن نقتدي بالرسول- صلى الله عليه وسلم- في كل ما أمَرَنا به، وننتهي عن كل ما نَهَانا عنه، وهكذا ينبغي لكل مسلم مُرَبٍّ أن يكون قدوة لطلابه وأن يحثهم على الاقتداء بالصالحين.
4. القصة: حيث إن للقصة تأثيرا في تربية الأفراد وخاصة الناشئة، كما أنها تزيل الملل وتجدد التعلم في ذهن الفرد، طالما كانت القصة تعليمية مرتبطة بحادثة ما؛ لأن القصص تتخللها قضايا التاريخ والمجتمع والأحداث التي تقع فيه، وهذا ما يطالب به المربِّين من التنويع في أساليب التعليم.
__________
(1) خالد العك: مرجع سابق – ص 183.
(2) الآية (90) من سورة الأنعام. (1/37)
صفحة 38
والقرآن الكريم مليء بقصص الأمم السابقة الصالحين منهم والمجرمين لكي تكون القدوة بالصنف الأول والحذر من الصنف الثاني (والقرآن الكريم فيه مجموعة من القصص جاءت لأمور جوهرية أرادها الله- سبحانه وتعالى- ومن أولى هذه الأمور تربية الأمة الإسلامية، وتنشئة هذا الجيل الذي نزل في عهده القرآن، وما يأتي بعده من أجيال- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- على عظائم الأمور وطرح سفاسفها، ومن ذلك قصة يوسف- عليه السلام-... لقد ابتُلي يوسف- عليه السلام- وعانَى صنوفًا من هذه الابتلاءات، وعاش فترة من حياته في محن متلاحقة...) (1) .
فسورة يوسف أنزلت على الرسول- صلى الله عليه وسلم- تسليةً لقلبه وقلوب أصحابه وهم في حاجة إلى معرفة إخوانهم السابقين وما لاقوه من الابتلاءات والشدائد، وفي هذا المقام يذكر القطب في نزول السورة الكريمة (لما نزل القرآن الكريم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكان يتلوه على قومه، فقالوا: "يا رسول الله، لو قصصتَ علينا"، فنزلت السورة فتلاها عليهم، فقالوا يا رسول الله حدثنا فنزل قوله تعالى: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ } ، فقالوا: لو ذكرتنا، فنزل قوله: { أَلَمْ يَأْنِ... } (2) .
من خلال الرواية السابقة يتبين لنا تنوع الأسلوب النبوي في التعليم من القصة إلى الحديث إلى الموعظة وكلها وسائل تعليمية لا غنى عنها في العملية التربوية.
__________
(1) د. عميرة: مرجع سابق – ص 174.
(2) العلامة أطفيش: تيسير التفسير- ج 6- ص 69. (1/38)
صفحة 39
وكلما كانت القصة متكاملة المرامي والأهداف كانت أوقع في نفوس سامعيها، وفي هذا يقول السيد قطب مبينًا التكامل والترابط في قصة يوسف- عليه السلام-: (فإذا تابعنا شخصية يوسف- عليه السلام- فإننا لا نفتقد في موقف واحد من مواقف القصة هذه الشخصية، المنبثقة من مقوماتها الذاتية البيئة الواقعية، المتمثل في كونه العبد الصالح-الإنسان- بكل بشريته في بيت النبوة وتربيته ودينه) (1) .
وما يشير إلى موضوع القصة من خلال السورة الكريمة قوله تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } .
ويبقى دور المسلم المربي في اختيار القصة، فكثير من المربين- وللأسف- ينسجون لأبنائهم أو طلابهم القصص التي تتصدرها الخرافات والخيال، وربما اختاروا القصة التي تضعف شخصية الطالب أو الابن، وتغرس في نفسه الجبن وكان الجدير به أن يقص على المتلقي قصص الأبطال في انتصاراتهم، وقصص الأنبياء والصالحين؛ لتدعمه بالإيمان الصادق واليقين والثقة في نفسه، مما يجعله يتصدى لقضايا المجتمع بكل ثقة واعتزاز حيث وجد في نفسه السلاح السابق المنغرس في ذاته فما أجدر بالمسلم المربي أن يسلك بطلابه إلى الطريق الأمثل في التربية والتعليم.
__________
(1) سيد قطب: مرجع سابق- ص 1955. (1/39)
صفحة 40
5. المَثَل: مما يدل على بيان القرآن الكريم وجمال أسلوبه وبديع محسناته تعدد أساليبه في مخاطبة البشرية، ومن الأساليب في القرآن الكريم ضرب الأمثال، وكتاب الله تعالى مليء بالأمثال التي يضربها للناس، { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } (1) ، ومما يدل على وجود الأمثال في السورة الكريمة التي اعتبرتها السنة النبوية مضربًا للأمثال قوله تعالى: { وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } ، فهذه الآية جاءت على لسان النسوة اللاتي قطعن أيديهن حيث شبَّهن يوسف- عليه السلام- في جماله وحُسنه بِمَلَك من ملائكة الرحمن الكرام الذين خُلقوا من نور.
وقوله تعالى على لسان إخوة يوسف: { قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } ، ويقصدون بذلك "بنيامين" أما الأخ الذي سرق من قبل فهو يوسف- عليه السلام-، فضربوا المثل في فعل "بنيامين" بفعل يوسف- عليه السلام- وحاش ليوسف أن يسرق، وقد وقعت له في صغره قصة اتهامه بالسرقة ذكرها المفسرون أمثال ابن كثير وصاحب تيسير التفسير.
والرسول- صلى الله عليه وسلم- ضرب الأمثال بسيرة يوسف- عليه السلام- فاشتملت الكثير من الأحاديث على المثل في هذا الموضوع نذكر منها:
1- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مَن أكرمُ الناسِ؟ قال: «أتقاهم لله»، قالوا: ليس عن ذلك نسألك، قال: «فأكرم الناس يوسف نبِيُّ الله ابن نبِيِّ الله ابن نبِيِّ الله ابن خليل الله»، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فعن معادن الناس العرب تسألوني، الناسُ معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (2) .
__________
(1) الآية (43) من سورة الأنعام.
(2) البخاري: صحيح البخاري – ج 4 – ص 122. (1/40)
صفحة 41
2- عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبيَّ- صلى الله عليه وسلم- قال لها: «مُرِي أبا بكر يصلي بالناس»، قالت: إنه رجل أسف متَى يقم مقامك رق فعاد فعادت، قال شعبة: فقال في الثالثة أو الرابعة: «إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر» (1) .
3- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «اللهم أنجِ عيَّاش ابن ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين اللهم اجعلها سنين كسنِي يوسف» (2) .
4- عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن النبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم السلام-» (3) .
5- وفي حديث الإفك قال- عليه الصلاة والسلام- مخاطبًا عائشة: «إن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه» قلت: إني والله لا أجد مثلا إلا أبا يوسف: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ، وأنزل الله { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ... } العشر الآيات (4) .
إذن من خلال الأحاديث السابقة تبيَّن لك أخي القارئ ضرب المثل بيوسف- عليه السلام- في الكرم وفي سنين القحط وفي الصبر من قِبل يعقوب- عليه السلام-.
ولا يستغني المسلم المربي عن المثَلِ، فالمعلم كثيرًا ما يضرب المثَلَ لطلابه من واقع الحياة، أو بأمثال القادة العظام وبالعلماء وغير ذلك.
كما تحتاج المواد الدراسية إلى الأمثال سواءً أكانت علمية أم أدبية، ففي دروس اللغة العربية تجد النحاة لا يستطيعون أداء الدرس على النهج الصحيح إلا إذا دعم بالأمثلة وكذلك الرياضيات والعلوم وغيرها من المواد.
__________
(1) البخاري: المرجع السابق - ص 122.
(2) البخاري: المرجع السابق - ص 122.
(3) البخاري: المرجع السابق - ص 122.
(4) البخاري: المرجع السابق – ج 5 - ص 216. (1/41)
صفحة 42
ومنهج الرسول- صلى الله عليه وسلم- مليء بالأمثلة في تعليم أصحابه، ومن ذلك ما تذكره بعض الروايات على أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- خط بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيمًا»، وخط على يمينه وشماله ثم قال: «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ... } (1) ، وهناك روايات أخرى تشير إلى نفس المدلول أخرجها ابن كثير في تفسيره، ومن ذلك حديث تشبيه المتوضئ بالنهر على باب رجل يغتسل منه كل يوم خمس مرات إلى غير ذلك من الأمثلة.
وبالمثَلِ لا يسأم المتعلم، بل يكون محور فهمه لما تعلمه وتجديد في الأسلوب، ويبقى دور المسلم المربي في اختيار الأمثلة المناسبة لسير العملية التعليمية حتى تؤدي وظيفتها على أكمل وجه.
6- السؤال: ومن ضمن الوسائل التي ينال بها العلم السؤال، والعلم يضيع بين خسيستين، بين الكبر والحياء عن السؤال كما يقول الحكماء، فعليك بالسؤال- أخي القارئ- إن أردت أن تتعلم ولا تَمَلَّ، وتواضع لمن تسأل.
من أدب السؤال للعفيف ... أن يسأل العالم كالضعيف (2)
ولا ينمو العلم ولا تقوم الحصة الدراسية قيامًا صحيحًا إلا عن طريق الحوار بين الطالب والمعلم.
وفي سورة يوسف الكثير من الأدلة التي تركز على مبدأ السؤال، بحيث إن السؤال وسيلة مهمة من وسائل التعليم، والآيات التي تعرضت لها السورة الكريمة في هذا المبدأ كثيرة أذكر منها:
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } .
__________
(1) ابن كثير: مرجع سابق – ص 191.
(2) السالمي: الجوهر – ص 19. (1/42)
صفحة 43
وقال تعالى: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } .
وقال تعالى: { نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } .
وقال تعالى: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } .
وقال تعالى: { قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } ؟
وقال تعالى: { فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ } ؟
أما في الآية الأولى، فقَولُ الله تعالى على لسان ملك مصر عندما رأى سبع بقرات سمان وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات سأل تفسيرها؟
وانظر- رحمك الله- هل أعطى القوم الملك الجواب؟ فمع أنهم في بيئة يسودها الفساد والضلال إلا أنهم توقفوا عن الجواب، ومن هنا نعرف على أن السؤال لا يكون إلا لمن هو أهل له، وكذلك يجب على المسؤول أن يتواضع إذا لم يعرف الجواب، فلا حرج إن قال: "الله أعلم"، وإلا فيكون قد أفتَى أو فسر رؤيا بغير علم، وهذا من الخطأ والإضلال للآخرين مع الإثم، والدليل على ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم، كمن وقع من السماء فصادف بئرًا لا قعر له، ولو أنه أصاب الحق» (1) .
__________
(1) رواه الربيع في المسند ص 15. (1/43)
صفحة 44
وجاء في شرح المسند قوله: «من أفتى مسألة» يعني من مسائل الشرع والطب ونحوه، فأما الأول فمنه ضرر الدين وأما الثاني فمنه ضرر الدنيا، والكل تَقَوُّلٌ بلا علم وقوله: «أو فسر رؤيا» يعني رؤيا منام، وفي منع تفسيرها بغير علم دليل على منع جميع التقوُّلات في الشرع وغيره، وعلم الرؤيا أحوال اعتبارية تتعلق بالنظر في حال الرائي والمرئي مع اعتبارات أُخر يلهمه الله من يشاء وتحصل بممارسة قواعد المعبرين وتفسيرها بغير علم القول بغير الاعتبار المخصوص) (1) .
ويعتبر تفسير الرؤيا جانب من جوانب العلم للحاذقين في هذا الجانب (وتأويل الأحاديث تفسير ما خفي من كتب الله، وهي الصحف وسنن الأنبياء وكلمات الحكماء وأفعالهم أنبياء وغيرهم... وأما تفسير الرؤيا فدخل قبل هذا، وإن لم يدخل فيما قيل دخل بتأويل الأحاديث، فتفسير الأحاديث بأحاديث الرؤيا كلام مَلَك إن كانت حقًّا، وكلام شيطان إن كانت باطلاً، ويجوز أن يفسر تأويل الأحاديث بتفسير الرؤيا والحكم والسنن) (2) .
(فإذا أدركنا أن شطرًا من الأحلام لا يعدو كونه (أضغاثًا وتخيلا) فإن الشطر الآخر يظل منبها من السماء لا أنه مجرد مثير عضوي أو نفسي تترتب عليه (وهنا تكمن خطورة ظاهرة الأحلام) انعكاسات ذات أهمية بالغة المدى في تعديل السلوك، وهذا ما لمح إليه النص الإسلامي الذي لحظناه قبل سطور حينما قرر الشرع أن الأحلام صارت تصدق أحيانًا، فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدى لها وضارة يتحذر منها ... هذا كله من حيث الفاعلية الفردية للحكم المرتبط من السماء، أما فاعليته الاجتماعية فيكفي أن نشير إلى حلم الملك الذي عرضه القرآن في قصة يوسف فيما استطاع أن ينقذ مصر من كارثة اقتصادية تنبَّه يوسف إليها عبر تفسيره لرموز الرؤيا) (3) .
__________
(1) السالمي: شرح الجامع الصحيح – ج1 – ص 55.
(2) أطفيش: تيسير التفسير – ج 6 – ص 78.
(3) د. محمد البستاني: دراسات في علم النفس الإسلامي – ص 279. (1/44)
صفحة 45
والرؤيا الصادقة جزء من النبوة، ولا حرج أن أعرض لك مثالا من رؤيا الرسول- صلى الله عليه وسلم-:
أبو عبيدة من طريق ابن عمر عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلا*/*/ آدم كأحسن ما إن يرى من آدم الرجال له لمة كأحسن ما يرى من اللمم قد رجلها وهي تقطر ماء متكئًا على عواتق رجلين يطوف بالكعبة فسألت من هذا فقيل المسيح بن مريم- عليهما السلام- ثم إذا أنا برجل جعد قطط أعور العين كأنهما عنبة طافية، فسألت من هذا فقيل لي هذا المسيح الدجال» (1) .
والرؤيا في حق الأنبياء جزء من الوحي تقوم بها الحجة على العباد، ورؤيا الرسول متحققة، { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا } (2) .
عن أنس بن مالك أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (3) .
وعلى الرغم من أن الرؤيا جزء من النبوة إن كانت صالحة ومن رجل صالح، إلا أن رؤيا غير الرسل تختلف عن رؤيا الرسل، حيث إن رؤيا غير الرسل لا تقوم بها حُجَّة، وإن تحققت في بعض الأحيان، وتفيد الفرد والمجتمع مثل تفسير يوسف- عليه السلام- لرؤيا الملك، والملِك كسائر البشر من غير الأنبياء.
فإذا رأى رجل رؤيا تعبر عن حكم من أحكام الشرع فلا يلزمه ذلك الحكم، ولا يلزم غيره به، فعلى سبيل المثال: "الطلاق"، فإذا رأى رجل في منامه أنه طلق زوجته، فلا يلزمه الطلاق، وكذلك في العتق أو البيع أو سائر العقود وغيرها، من الأمور التعبدية ومما جاء في ذلك عن ابن النظر:
__________
(1) رواه الربيع في المسند – ص 20 وص 21.
(2) الآية (27) من سورة الفتح.
(3) البخاري: مرجع سابق – ج (7 – 8) – ص 68. (1/45)
صفحة 46
وما الرؤيا وإن قصت بشيء ... فتلزم في الطلاق أو العتاق
مسألة:
(ومن رأى في منامه، أنه طلق زوجته، فلما أصبح سئل عن ذلك أنه رأى في المنام وأعلمها هي الذي رآه في المنام لم يكن عليه بأس ولا تطلق بهذا الكلام ولو كذب في قوله ولم ير شيئًا، ووجدت عن قومنا، أنه إجماع من أهل العلم.
وعن أبي زياد أنه قال، إذا رأى ذلك ثم سئل عن رجل رأى كذا وكذا فلا تطلق، وإن سأل هو وقال رأيت كذا وقلت كذا فإنها تطلق، قال أبو عبد الله: قد قيل عن جابر ابن زيد، وخالفه في ذلك الفقهاء ولَم يرو هذا طلاقًا. وأنا آخذ بقول من يوجب الطلاق.
ومن حَدَّثَ امرأته أنه رأى في المنام أنه طلقها، ولم يكن رأى ذلك فعن أبي علي أنه قال: إنها لا تطلق.
وأبو عبد الله قال: أخاف عليه الطلاق.
ومن رأى في المنام أنه طلق زوجته ثلاثًا، فأصبح فأخبرها أنه طلقها ثلاثًا، فعن الأعور وضمام أنها امرأته، وليس ذلك بطلاق) (1) .
ومن خلال قراءتك للمسألة سوف يتبين لك اتفاق جميع العلماء في الرؤيا لا يقع بها الطلاق، ولكن الخلاف في التعبير بها والسؤال وصيغته كما رأيت في الخلاف السابق، ومع ذلك قول أكثر الفقهاء ولو أخبر وسئل ويقصد ما رأى فلا يقع بها الطلاق.
من خلال النصوص السابقة يتبين لنا أن الرؤيا علم من العلوم التي لا يجوز التعبير عنها إلا لمن هو أهل للتعبير عنها ولديه المقدرة على ذلك، فلا ضرر على المسلم المربي أن يمتنع عن الإجابة إن لَم تحضره بحيث لا يلقن أبناءه إلا العلم الصحيح، وإلا اعتبر غشًا للطلاب وللأمة بأسرها.
أما الآية الثانية فهي حكاية عن صاحب يوسف- عليه السلام- حين سارع إليه بقصد تعبير الرؤيا وهذا يعتبر سؤالا وهو صادر من الأدنى إلى الأعلى.
__________
(1) ابن النظر (أحمد بن سليمان): الدعائم – ج2 – ص 210 وص 211. (1/46)
صفحة 47
وأما الآية الثالثة فهي قوله تعالى: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } ، حيث يقصد بالقرية أهلها (اسأل أهل القرية التي كنا فيها، وهي مصر على أنهم ردوا إليها للتفتيش أو قرية بعدها على أنهم لم يردوا إليها، وتطلق القرية على أهلها مجازًا أو حقيقة، وسميت القرية قرية لأنها تقري الناس، أي تجمعهم) (1) .
وفي الآية الرابعة سؤال إخوة يوسف لأبيهم عن سبب عدم ذهاب يوسف معهم.
بينما في الآية الخامسة توجيه السؤال من خَدَم يوسف أو العاملين في الكيل لإخوة يوسف عن حكم السارق؟
فإن حكم السارق في شريعة يعقوب- عليه السلام- يختلف عن حكم أهل مصر، ويوسف- عليه السلام- يعلم حكم الشرع عند والده، فأراد أن يكون الجواب منهم، وأن يحكموا بأنفسهم، فوجه لهم السؤال فكان الجواب: { جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } (أي الاسترقاق جزاؤه) (2) .
وهذه نماذج من الأسئلة من خلال السياق القرآني نريد أن نصل بك- أخي القارئ- على أن السؤال وسيلة من وسائل التعليم، ويبقى دور المربي في صياغة السؤال صياغة جيدة بحيث يجيب المسؤول على حسب صيغة السؤال، وكذلك مراعاة الفروق الفردية إذا كان المربي معلمًا، والتنويع في الأسئلة والتدرج بها كل ذلك يساعد على استخدام وسيلة السؤال بصورة جيدة حتى تصبح الاستفادة من الأسئلة ميسورة المنال.
7- الإعلام: ويعتبر وسيلة تعليمية ناجحة، ولا تقوم على العلم فحسب بل على*/*/ من مصادر متعددة ووسائل مختلفة حسب تطور العصر .
فكم نرى من برامج تعليمية في الإذاعة أو الصحف أو غيرها من الوسائل.
(
__________
(1) القطب (أطفيش): مرجع سابق – ص 203.
(2) أطفيش: مرجع سابق – ص 192. (1/47)
صفحة 48
والإعلام لغةً: من عِلم نقيض الجهل، ورجل عالم، وعليم من قوم علماء، يقول ابن رجل علامة وامرأة علامة في الوافي العالم جدًا... والعلم إدراك الشيء بحقيقته، وفي القاموس: إظهار الشيء بالنشر عنه.
والإعلام اصطلاحًا: الإخبار عن الحقائق بكل الوسائل المشروعة من مسموعة ومرئية وبكل ما يدخل تحت العلم بالشيء) (1) .
والإعلام له توجهات، فإذا كان إسلاميًا فله دوره البارز في الدعوة وتقويم البشرية.
(إن الإعلام الإسلامي رسالة إنسانية؛ لأن الهدف الذي يسعى لتحقيقه هو إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، فالإسلام ليس دعوة إقليمية، وإنما هو دعوة ربانية تجاوزت حدود الزمان والمكان وتخطت الألوان والأجناس واللغات لتشمل الأرض كلها) (2) .
فالإعلام كما ذكرتُ لا يرتبط بالمدرسة فقط بل يرتبط بالبيت والمجتمع والمجتمعات الأخرى (إن الإعلام كوسيلة تربوية تقدم العلم تربط بين المدرسة والمجتمع وتخلق التناسق بين هذه الأركان؛ لأن الهدف واحد والمنهج واحد هو منهج الله سبحانه) (3) .
إذن الكلمة الطيبة كالإعلام الإسلامي له ثمرة في وسط المجتمع، وكذلك الكلمة الخبيثة لها الأثر في الفتن (إن الكلمة التي نطلقها دون مبالاة قد تكون سببًا في إحياء الفتن وإشاعة الفواحش ونشر الكفر والإلحاد، وقد يكون العكس إذا كانت الكلمة طيبة فتكون سببًا لإخماد الفتن ونشر الفواحش ونشر الأمان والتوحيد وكل خلق حميد وكل قضية مرغوبة) (4) ، ومما يدل على الإعلام في السورة الكريمة قوله تعالى: { أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } ، وسمي الأذان بهذا الاسم، لأنه إعلام بدخول وقت الصلاة.
__________
(1) أحمد القاسمي: نظرات في الإعلام الإسلامي – ص 9.
(2) القاسمي: المرجع السابق – ص 46.
(3) القاسمي: المرجع السابق – ص 46.
(4) القاسمي: المرجع السابق – ص 28. (1/48)
صفحة 49
إِذَن أخي المسلم... بعد أن عرفت من النصوص السابقة دور الإعلام في توجيه الأفراد، يجب على كل مسلم أن يتحرى الخبر الصادق والإعلام الحميد { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } (1) ، ويثمر المسلم المربي في نفوس طلابه الإعلام النقي الذي يكون فيه الحشمة والأخلاق ويدعو إلى الفضائل وينهى عن الرذائل ويوجههم إلى الوسائل التي تستخدم في ذلك، كالأشرطة الدينية والمحاضرات العلمية المفيدة، ويحذرهم من الإعلام الخبيث المسموم الذي يختلج العواطف البشرية بالوسائل المنحرفة عن جادة الصواب.
8- القراءة: قال تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ، (فالقرآن في اللغة مصدر مرادف للقراءة ومنها قوله تعالى: { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } (2) .
(ومهما يكن من شيء فإن تداول العرب قبل الإسلام للفظ (قرأ) الآرامي الأصل بمعنى (تلا) كان كافيًا لتعريبه واستعمال الإسلام في تسمية كتابه) (3) .
(وفي تسميته بالكتاب إشارة إلى جمعه في السطور؛ لأن الكتابة جمع لحروف الكتاب ورسم للألفاظ، كما أن في تسميته بالقرآن إيماءةً إلى حفظه في الصدور والقراءة؛ لأن القرآن مصدر القراءة، وفي القراءة استذكار، فهذا الوحي العربي المبين قد كتب له من العناية به ما كفل صيانته في حرز حريز) (4) .
__________
(1) الآية (6) من سورة الحجرات.
(2) د. صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن – ص 19.
(3) د. صبحي الصالح: المرجع السابق – ص 20.
(4) د. صبحي الصالح: المرجع السابق – ص 20. (1/49)
صفحة 50
من خلال ما تقدم من الاقتباسات التي تدل على أن تعلم القرآن الكريم لا بد له من قراءة، وأن القراءة وسيلة تعليمية بل من أهم الوسائل، إذ لا يتأتى كثير من العلم بغير قراءة، وعلى ذلك يقاس تقدم أي بلد بثقافة أمتها ومدى اطلاعها، ويتحدد وجود الأمية في مجتمع أو عدمه بمقدار القراءة في أبنائه، ويدل سعة الاطلاع على التقدم والحضارة والرقي (إذا نظرنا حولنا في هذا العصر الذي نعيش فيه، نجد أن الذين يتمتعون بخيرات العالم وينالون الكرم والكرامة هم قراء هذا العصر وأكثرهم صلة بالقراءة وما يتصل بها، كما بينته الإحصاءات التي تعُدُّ المؤلفين والكتب والجرائد والمجلات والمكتبات ونصيب كل فرد من الورق المطبوع) (1) .
كذلك إذا أمعنَّا النظر في مستويات الطلاب وخاصة تلاميذ المراحل الابتدائية سنجد أغلب الضعف ناتِجًا عن سوء القراءة، ولو أجرينا إحصائية للطلاب المتخلفين دراسيًا سنجدهم ممن لا يستطيعون القراءة بنسبة كبيرة.
في هذا المقام يكون دور المسلم المربِّي النهوض بمبدأ القراءة والتشجيع عليه سواءً كان أبًا أم مؤسسة تعليمية، ولذلك حث الإسلام على تعلم كتاب الله؛ لأنه إلى جانب كونه كتاب هداية، فإن فيه من أسرار اللغة العربية التي نزل بها، وينبغي العناية بها قبل سائر اللغات؛ لأنها الأم، وبها يُعبَد الله، وبها نزل كتابه (ذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أُنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض وابتُدِئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه) (2) .
__________
(1) جودت سعيد: مرجع سابق – ص 27.
(2) الإمام ابن كثير القرشي: مرجع سابق – ص 467. (1/50)
صفحة 51
أما عن ذكر أهمية اللغة العربية ووسائل تعليمها فقد تناولتها كتب التربية وموضوعنا هنا هو معرفة أن القراءة وسيلة من وسائل التعليم، ويبقى دور المربِّي في اختيار الطرق المختلفة لوصول الطلاب إلى القراءة الصحيحة.
هذه بعض الوسائل التعليمية بحسب إشارة السورة الكريمة إليها حيث إن وسائل التعليم كثيرة ومتنوعة، والحديث عنها يطول ولا يسعنا في نهاية هذا المبحث إلا أن نلخص ما جاء في التربية العلمية بما يأتي:
العلم له أقسام وله جوانب مختلفة، منها ما تعرضت له السورة الكريمة، كعلم الرؤيا لمن أعطاه الله القدرة على التعبير عنها، ومنها الجانب الديني: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي } ، ومنها الجانب الاقتصادي: { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ، وغيرها من الجوانب المختلفة.
للوصول إلى المعرفة طرق أوجدها الله في الإنسان فعلى المؤمن أن يستغل تلك الطرق الاستغلال اللائق بها وفق ما يرضي الله سبحانه.
وهناك وسائل مختلفة لكسب العلم فيجب تسخيرها لفائدة الفرد والمجتمع.
ثانيًا: التربية العقلية
لقد ذكرت فيما سبق أن للعقل أهمية كبرى تتمثل في أنها أساس العلم والتعلم، وأساس التكليف والمسؤولية، فعن طريقه نعرف الخطأ والصواب في الأشياء بعد عرضها على شرع الله- عز وجل-. (1/51)
صفحة 52
إذن حين ندرس التربية العقلية نعني بها: تربية عقل الإنسان بعد أن كان صفحة بيضاء، وذلك بتزويده بالعلوم والمعارف حسب مراحل الإنسان ونضجه العقلي، وقد وجدت عدة تعريفات للتربية العقلية، منها ما ورد في كتاب تربية الأولاد والآباء في الإسلام حيث جاء في تعريفه للتربية العقلية بأنها: "تكوين فكر الطفل بكل ما هو ناجح من العلوم بمختلف أنواعها، والثقافة العلمية الحديثة التي يحتاجها، والتوعية الفكرية والحضارية؛ حتى ينضج عقله ويتكون علميًّا وثقافيًّا، فتصبح لديه قدرة على التفكير السليم والمستقل، فيُحسِن الحكم على الأشياء، مستعينًا بخبراته ومستفيدًا من خبرات الآخرين) (1) .
ويبقى لنا أن نعلم أن حكم العقل على الأمور قاصر إذا لَم يستمد حكمه من شرع الله- سبحانه وتعالى-؛ لأن نطاق التفكير في العقل محدود وقاصر عن إدراك الغيب (وليس دور العقل أن يكون حاكمًا على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان والقبول والرفض، بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله، ولكنه ملزم بقبول مقررات الدين متى بلغت إليه عن طريق صحيح، ومتى فهم عقله المقصود بها والمراد منها).
إن هذه الرسالة تخاطب العقل بمعنَى أنها توقظه وتوجهه، وتقيم له منهج النظر الصحيح، لا بمعنى هو الذي يحكم على العقل البشري أن يقبل ويطيعه وينفذه سواء كان مدلوله مألوفًا أو غريبًا عليه.
إن للعقل أن يعارض مفهومًا عقليًا بشريًا للنص بمفهوم عقلي بشري آخر هذا مجاله، ولا حرج عليه في هذه ولا حَجْر ما دام هناك من الأصول الصحيحة مجالاً للتأويل والأفهام المتعددة...، وحرية النظر مكفولة للعقول البشرية في هذا المجال الواسع) (2) .
__________
(1) المبروك عثمان أحمد: تربية الأولاد والآباء في الإسلام – ص 163.
(2) د. عبد الرحمن عميرة: مرجع سابق – ص 22 وص 23. (1/52)
صفحة 53
ومن خلال الفقرة السابقة تبين لك- أخي القارئ- مجال العقل المحدود له، بشرط أن يكون الناقد لأداء الآخرين ذا معرفة بتأويل النصوص الشرعية والقياس فيها والاجتهاد فكل ذلك مهمة الذين بلغوا حد الاجتهاد، أما مناقشة الأفكار البشرية ومبادئها ونظرياتها، فهذا مما يقع تحت نطاق عقل أي إنسان يعي ما حوله ويدرك ما يحيط به بحدود ثقافته، وما تزوده من علم الصواب والخطأ.
وبعد هذا التمهيد المبسط حول التربية العقلية ودور العقل، أدخل بك- أخي القارئ- إلى بيان أهمية تنمية العقل ومعرفة المستويات التي من خلالها يدرك الأفراد المعلومات، وإلى بيان أهمية مراعاة الفروق الفردية ومراحل العمر في التربية العقلية، وكل ذلك أمر ضروري لكل مربٍ حتى يستطيع الدارسون أو الطلاب أن يجنوا ثمرات الدرس الموجه إليهم، فهَلُمَّ- أخي القارئ- لندخل معًا إلى موضوع السورة الكريمة لكي نستشف منها إضاءات حول التربية العقلية السليمة في مبحثين:
المبحث الأول: مستويات المعرفة من حيث المستوى العقلي
يختلف الأفراد عن بعضهم البعض في إدراك المعلومات من خلال المستويات الآتية:
التذكر- الفهم- الاستنتاج أو الاستنباط- التطبيق.
وإليك عرض النصوص القرآنية من خلال سورة يوسف- عليه السلام- حول هذا الموضوع:
قال تعالى: { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْني عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } .
وقال تعالى: { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } .
وقال تعالى: { قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ } ؟
وقال تعالى: { فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } . (1/53)
صفحة 54
وقال تعالى: { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ } .
وقال تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } .
أما الآية الأولى والثانية، فإنهما تدلان على مستوى التذكر، فالآية الأولى تدل على النسيان الناتج من عدم التذكر، بينما الآية الثانية تشير إلى تذكر الناجي من القتل ليوسف- عليه السلام- في السجن بعد عدد من السنين وذلك لوجود قضية مماثلة لتفسير الرؤيا، (أي وقال الذي نجا من السجن وهو الساقي، وتذكر ما سبق له مع يوسف بعد مدة طويلة) (1) ، والأشياء التي تحتاج إلى تذكر من الأفضل ربطها ببعض الأحداث، وخاصة الأمور التي تحتاج إلى حفظ، كمثل التاريخ.
أما الآية الثالثة، فتشير إلى انبعاث رغبة يوسف- عليه السلام- في تذكير إخوته به وبالحدث الذي فعلوه معه فتذكروا ولهذا قالوا- كما يحكيه الله تعالى عنهم-: { قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا } .
أما الآية الرابعة، فتجمع بين الفهم والاستنباط، فبعد أن فهم إخوة يوسف القضية التي اتهم بها أخوهم أصدروا الحكم وفق شريعتهم وهذا وجه من الاستنباط، وكذلك الآية الخامسة تجمع بين الفهم والاستنباط، فبعد أن شهد الشاهد وعرف القضية استنبط الحكم المناسب من خلال القضية، بعد أن أدرك جوانبها، فكان الحكم في صالح يوسف- عليه السلام- العفيف النزيه.
__________
(1) الصابوني: مرجع سابق – ص 55. (1/54)
صفحة 55
وأما الآية السادسة، ففيها يتحدث يوسف- عليه السلام- بنعمة الله عليه وتعليمه له، فأراد أن يطبق ذلك في واقع المجتمع، ويتحمل المسؤولية في مجتمع تعود الفوضى والطبقية؛ ولذلك رأى- عليه السلام- أنه أهل للقيام بدور التطبيق والقيام على خزائن الأرض.
ومن خلال ما تقدم ذكره، يستفيد المسلم المربِّي من ذلك في تنويع*/*/ تعبير مخل لا يبلغ المقصود منه*/*/ مستويات الطلاب، وخاصة في أثناء الحوار والمناقشة وطرح الأسئلة، وكذلك في قضية الامتحانات، فنحن بحاجة إلى دراسة تلك المستويات حتى نراعي فيها الفروق الفردية بين المتعلمين، وبالتالي تعم الفائدة بينهم على اختلاف مراحلهم الدراسية والعمرية ومستوياتهم العقلية فتجد التجاوب والتفاعل من الجميع، أما إذا وقف المربي عند مستوى محدد من هذه المستويات، فإنه بذلك يخص فئة محدودة دون غيرها، وبذلك يضعف إنتاجه التربوي.
المبحث الثاني: مراعاة الفروق الفردية من حيث مستوى السن.
إن الفرد ينمو جسده، وينمو في الوقت نفسه إدراكه للأمور ومعرفته بها، وهكذا إلى سن الرشد، وهو تمام النضج العقلي والبدني، ومن خلال استعراضنا للنص القرآني نستشف بعض التوجيهات من خلال بعض الآيات الواردة في السورة الكريمة في هذا الجانب، وهي على النحو الآتي:
قال تعالى: { قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .
وقال تعالى: { قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } .
وقال تعالى: { وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَان } .
وقال تعالى: { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ } .
وقال تعالى: { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } . (1/55)
صفحة 56
وقال تعالى: { إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } .
أما في الآية الأولى، فنلاحظ أن يعقوب خاطب يوسف بلفظة: "يا بُنَيَّ"، فقد يكون سبب استخدام يعقوب لهذه اللفظة كما يقول القطب: "صَغَّره لصغر سنه، أو للترحم أو كليهما) (1) ، ويصلح أن يقول الأب لابنه: "يا بُنَيَّ"، ولو كان ابنه متقدمًا في السن، بمعنى في مرحلة الشباب أو الكهولة... لكن ماذا تتوقع لو قيلت تلك العبارة من رجل غير الأب لرجل آخر؟ ألا يتبادر إلى الذهن أن يكون المتلقي للكلمة صغير السن.
وأما بالنسبة للفظة غلام فأكثر ما تطلق على الصبي في سن متقدم قليلا إلى ما دون البلوغ أو ما دون الشباب.
وأما في الآية الثالثة والرابعة، فقد ذكر فيهما لفظتا: "الفتَى والفتيان"، حيث تطلقان على الشاب، وفي آية أُخرى يقول تعالى عن أصحاب الكهف: { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } (2) .
وفي الآية الخامسة، وردت عبارة: "بلغ أشده"، وهي تجاوز سن الشباب والدخول في مرحلة الرشد، وهي بعد أربعين سنة، وإن اختلف المفسرون في مدلول قوله تعالى: { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } .
(وقد اختُلِف في مقدار المدة الذي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: "ثلاثة وثلاثون سنة"، وقال الضحاك: "عشرون"، وقال الحسن: "أربعون سنة"، وقال عكرمة: "خمسة وعشرون سنة"، وقال السدي: "ثلاثون سنة"، وقال سعيد بن جبير: "ثمانِي عشرة سنة"، وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي الأشد: الحلُم وقيل غير ذلك...) (3) .
__________
(1) أطفيش: مرجع سابق – ص 76.
(2) الآية (13) من سورة الكهف.
(3) ابن كثير: مرجع سابق – ص 474. (1/56)
صفحة 57
ولكن مع كل ذلك نستطيع أن نحدد مقدار المدة التي يكون فيها بلوغ الأشد بأربعين سنة بدليل قوله- جل وعلا-: { حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ... } (1) .
وربما كان ذلك الاختلاف في حادثة يوسف، وإلا فبلوغ الأشد في الأغلب هو الأربعين سنة، وفي الجوهر:
والأربعون بلوغه لأشده ... وإذا انتهى الخمسون صار إلى الورى
والمهم أن الأشد يدل على سن متقدم من سن الفتى، وذلك قوة الشباب وكماله, وكذلك ذكرت في الآية الرابعة أيضا لفظة: "العزيز"، وهو لقب ناله يوسف بعد توليه منصب حفظ خزائن الأرض، وبعد إعطائه الحكم والنبوة، فمعنى ذلك أنه نال لقب العزيز بعد تجاوزه الأربعين سنة.
وقد يقول قائل بأن كلمة العزيز تطلق على الصغير والكبير، نعم قد تطلق كلمة العزيز على الصغير والكبير، ولكن الاستنتاج من خلال سياق السورة يدل على أن هذه الكلمة قد قيلت في سن متقدم.
وأما المرحلة الأخيرة، من العمر وهي مرحلة الشيخوخة، فقد ورد ذكرها في سياق الاستعطاف ليوسف- عليه السلام- حين قال الله- جل وعلا- على لسان إخوته: { إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } ، وهم يعنون بذلك يعقوب- عليه السلام- إذ كان آنذاك كبير السن.
ومن خلال الآية السابقة يتبين أن كلمة: "الشيخ"، تطلق على الرجل الكبير في السن، ويظهر ذلك أيضًا من خلال قوله- جل وعلا- في آية أخرى: { قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ } (2) .
__________
(1) جزء من الآية (15) من سورة الأحقاف.
(2) الآية (72) من سورة هود. (1/57)
صفحة 58
وانظر- رحمك الله- إلى تلك الآيات بدقة تجد أنها عبرت عن كل مرحلة من مراحل العمر بلفظة تعبر عما تتسم بها تلك المرحلة من مميزات وخصائص، فقول يعقوب لابنه: { يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ } يدلنا على أن يوسف كان في مرحلة صغر السن التي تتسم بعدم القدرة على الدفاع عن النفس، ومن هنا أمره أبوه بأن لا يقصص رؤياه على إخوته.
والغلام يستقبل مرحلة الشباب، فهنا يكون أقرب إلى البشرى به، بينما مرحلة الفتوه تتسم بالعنفوان وتحرك الغرائز والرغبات والنزعات، ومن هنا تأتَّى لامرأة العزيز أن تراود فتاها عن نفسه وتأتَّى ليوسف- عليه السلام- أن يتحمل مسؤولية السجن ومعه الفتيان.
في حين مرحلة بلوغ الأشد تتسم بالنضج العقلي، ففيها أتَمَّ الله نعمته على يوسف بأن آتاه حُكمًا وعلمًا.
أما لفظة العزيز فتناسب الرجل المتقدم في السن الذي له المقام والملك، ومن هنا عندما نال يوسف- عليه السلام- لقب العزيز تسنَّى له أن يتحمل حفظ خزائن الأرض ويبتغي فيها الأمانة ومرضاة الله.
وأما مرحلة الشيخوخة فهي تناسب يعقوب- عليه السلام- عندما بلغ من العمر ما بلغ، إذ تتسم هذه المرحلة بالضعف وكبر السن، ومن هنا استعطف إخوة يوسف أخاهم من أجل توقيره واحترامه.
فينبغي للمربي أن يراعي في تربيته المستويات العمرية سواءً كان في مخاطبته للطلاب أو سائر أفراد المجتمع فلكل مقام مقال، حتى يتسنَّى له إفهام المستويات المختلفة من الأفراد.
وبعد أن يتزود الفرد بسلاح العلم، وبعد اكتمال عقله يطالب بتحمل المسؤولية الملقاة عليه؛ لكي يؤدي ثمرة ما تعلمه علمًا وعملا وتطبيقًا.
ومن خلال التربية العقلية نصل إلى الآتي:
1) إن الله سبحانه وتعالى قسم العقول في مستوياتها، كما قسَّم سائر النعم من رزق وصحة وبدن وحواس وغيرها.
2) يَجب على المربِّي المسلم أن يراعيَ المستويات المعرفية في أداء سَيْر العملية التربوية؛ لتكون حصيلة التعليم ناجحة. (1/58)
صفحة 59
3) هناك فوارق بين الأفراد من الناحية العقلية ومراحل العمر، فيجب مراعاتها في أثناء التربية للأفراد، كما يجب مراعاتها من ناحية التعليم والمعاملة، بحيث لا أُعامل فردًا أكبر سنًا بمستوى الطفل، وإلا لنزعت الثقة من نفسه إلا في حالة عدم وجود مخرج من ذلك.
4) إن العقل نعمة عظيمة من نعم الله على البشرية، فيجب استغلالها في إصلاح الفرد لنفسه ولغيره، لا لإضرار الفرد وتدمير البشرية.
- - -
الفصل الثالث
التربية البدنية والخلقية
أولا: التربية البدنية
التربية البدنية أو الجسدية هي تلبية متطلبات الجسد وفق منهج الإسلام وشرعه، فعلى سبيل المثال: الجسد يرغب في الطعام والشراب والزواج واللباس، فالإسلام نظر إلى الناحية الجسدية نظرة عادلة لا نظرة محتقرة فلبَّى بذلك تلك المتطلبات، بل عاتب الرسول- صلى الله عليه وسلم- من أراد كبت الناحية الجسدية وعدم تلبية متطلباتها حيث قال لمن أراد أن يهُم بإرهاق الجسد: «أما أنا أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، أو كما ورد في النص، والله تعالى يقول: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } (1) ، ويقول- جل وعلا- أيضا: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ } (2) .
ولكن يجب أن تكون هذه التلبية وفق مضمون الشريعة الإسلامية، بحيث لا تُلبَّى الحرية الجسدية لفرد معين على حساب حرية غيره، وإلا لتوقفت حريات كثير من الناس كما في النظام الرأسمالي.
وبعد هذا التمهيد السريع ألجأ إلى النص القرآني من خلال السورة الكريمة؛ لألقي الضوء على بعض النصوص الدالة على التربية البدنية:
__________
(1) الآية (77) من سورة القصص.
(2) الآية (32) من سورة الأعلاف. (1/59)
صفحة 60
? قال تعالى: { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .
? وقال تعالى: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } .
? وقال تعالى: { أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } .
? وقال تعالى: { وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } .
? وقال تعالى: { فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } .
وحين أعرض النصوص في هذا الجانب وفي الجوانب الأخرى لا نعرضها بقصد تفسيرها وإنما بقصد استنباط النواحي التربوية فقط، وبعد هذا التنبيه أدخل- بك أخي القارئ- إلى النصوص السابقة:
النص الأول: يتناول الجانب الحركي والحركة ناتجة عن الجسم، والإسلام يريد من المؤمن أن يكون قويًّا لا ضعيفًا، ولكن ينبغي لتلك الحركة أن تكون وفقا لتعاليم الإسلام، ففي لياقة البدن المباحة في الإسلام نجد رياضة الرمي، ففي الحديث «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي»، ومما يدل على هذا الجانب من السورة الكريمة قوله: { ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } ، وقوله: { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } . (1/60)
صفحة 61
وأكثر ما يكون الجانب الحركي من صغار السن؛ لأن جانب الحركة يكون لديهم أكثر من غيرهم، ومما يدل على ذلك عن ثابت قال: قال أنس: «أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على غلمان يلعبون فسلَّم عليهم»، وعن سهل بن سعد قال: مرَّ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- على صبيان وهم يلعبون بالتراب، فنهاهم بعض أصحاب النبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فقال: «دعوهم فإن التراب ربيع الصبيان» (1) .
فعلى المعلم خصوصا في المرحلة الابتدائية أن لا يتضايق من حركة التلاميذ، ولكن في وقتها المناسب، وأن يراعي الجانب التربوي بحيث لا يكثر من تأنيب الطلاب، وأن يوجه الحركة بحيث لا تصدر عن سوء أدب وإلا استحق التأديب.
__________
(1) المبروك عثمان أحمد: مرجع سابق – ص 35. (1/61)
صفحة 62
أما في قوله تعالى: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } ، فلا نخوض في أقوال المفسرين، ولكن نبرِّئ يوسف- عليه السلام- من الهم بالمعصية، واستنبط من هذه الآية الناحية الجنسية والرغبة في قضاء الوطر من امرأة العزيز، وهذا لا شك مطلب جسدي، ولكن لا بد له من ضوابط تنظمه، فامرأة العزيز تريد أن تخرج في تلبية الجنس عن نطاق الشرع الحنيف، بينما يوسف- عليه السلام- يعف عن ذلك ويعصمه الله؛ لأن ذلك الأمر مخالف لشريعة الإسلام، ولكنه في آخر المطاف -كما يذكر المفسرون- تزوج يوسف- عليه السلام- زليخا امرأة العزيز وزير الملك بعد وفاته، فقد زَوَّجَهُ إياها الملك، ومما ورد في ذلك: "وروي أنه توفِّي قطفيرُ زوج زليخاء أو راعيل في تلك الليالي، فجعله في مرتبته، فزوجه زليخاء أو راعيل فوجدها عذراء، وكان قطفير عنِّينًا فيما قيل، وولدت له إفرايم وميشا والدرحمة زوجة أيوب في قول" (1) ، فانظر الفارق بين تلبية الرغبة الجنسية في الإسلام، وبين حالة المعصية على حساب حريات الآخرين، فهذا يوسف- عليه السلام- إن صحت الرواية، أخذها بما يَحل، وهكذا شأن المؤمن المأمور بالعفاف إلى أن يجد الزواج الشرعي: { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِه } (2) .
أما الآية الثالثة: وهي رغبة الشراب ولكن ما نوع الشراب في الآية؟ إنه الخمر الذي يدل على فساد البيئة وترفها، والإسلام لبَّى ذلك المطلب بالشراب الطيب من ماء أو لبن أو عسل أو غيرها من الأشربة التي أحلها الله.
__________
(1) أطفيش: مرجع سابق – ص 166.
(2) جزء من الآية (33) من سورة النور. (1/62)
صفحة 63
وتوجد في الآية الرابعة رغبة الطعام وهذا مطلب جسدي: { وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } ، أي (نرجع إليه بأخينا معنا، فيظهر له صِدقنا معه، ونأتي بالميرة إلى أهلنا وهو الطعام، مستعينين بالبضاعة الأولى) (1) ، وهذا المطلب أيضًا يجب أن يوجه الوجه السليمة، فيكسب الإنسان قوت يومه من الحلال ويجتنب الحرام، وفي الحديث «ما نبت لحم من سحت فالنار أولى به» أو كما ورد في الحديث.
__________
(1) أطفيش: المرجع السابق – ص 180. (1/63)
صفحة 64
والآية الخامسة: تبيِّن العقوبة البدنية الجسدية أن لو خالف الفرد الضوابط في ارتكاب ما حرم الله، ففي الآية من تدبير الله ليوسف- عليه السلام- ليضم أخاه في دين الملك، وهذا غير داخل في الحرام، ولكن أقصد بذلك الاستنباط العام للآية على أن العقوبة في الإسلام موجودة سواء كان الفرد صغيرًا أم كبيرًا، كلٌّ بما يناسبه من العقوبة، ومما يدل على ذلك تطبيق الحدود في الإسلام كحد الزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها، من الحدود، أما الصبي فردعه على الولي بمقدار ما يراه مناسبًا في ردعه ومما جاء في ذلك: (اعلم أنه مما يؤمر به ولِيُّ الصبي أن يقوم بسياسة الصبِي وحفظه من الأحوال التي يكون بها عليه الضرر في حاله أو ماله سواء كان الضرر المخوف مما يضر ببدنه أو خلقه، وأن يراعي له الأصلح في جميع أموره فيمنعه من الأشياء التي لا تنبغي، ويردعه من الأمور التي لا تستحسن بحسب ما يقتضيه حاله، وله أن يردعه بالسياط إذا لم يردعه الزجر بدونه، ويراعي في ردعه بالسياط حسب ما يطيقه حاله وتقتضيه سياسته ولا يعتبر ذلك كثرة عدد ضرب ولا قلته إلا بحسب ما يقتضيه الحال؛ لأنه إنما شرع ذلك بمراعاة الأصلح في حق الصبي، فإذا حصلت من هذه الخصلة وانقاد لهذه الحالة بدون ضرب امتنع ضربه، وإذا لم يجب ذلك إلا بضرب فيعتبر في جانبه ما يكفيه من الضرب، فمن كان ينقاد بضربه واحدة امتنع أن يزاد عليها ثانية، ومن لا ينقاد إلا بعشر ضربات مثلا فيؤمر الولِيُّ أن لا يخل بالحالة التي تردعه وهكذا...) (1) .
ومما تقدم من التربية البدنية نخرج بما يلي:
1. الإسلام دين التوازن حيث وازن بين مطالب الروح والجسد، ولَم يُغلِّب جانبًا على جانب، وهذه من مزايا العقيدة الإسلامية السمحة.
__________
(1) نور الدين السالمي: تلقين الصبيان – ص 4 وص 5. (1/64)
صفحة 65
2. إن مطالب الجسد لابد أن تُلبَّى حسب الضوابط والقيود التي شرعها الله- سبحانه وتعالى- وإذا أطلقت لها الحرية المطلقة فإن تلبيتها يكون على حساب الآخرين.
3. إن مطالب الجسد كثيرة ومتعددة، منها الزواج والطعام واللباس والشراب وغيرها، والإسلام يسع دائرة ذلك كله وفق منهج الله الذي ارتضاه لعباده.
4. إذا تعدى الإنسان وانحرف عن جادة الصواب في تلبية رغباته البدنية، وأخلَّ بنظام المجتمع الذي لا تتحقق لأفراده إلا إذا تمسكوا بتعاليم الإسلام وضوابطه، فإن الإسلام يعاقب ذلك الفرد تأديبًا له بسبب إطلاق حريته بوسائل أوجدها الإسلام، وأوكل لها أولياء الأمور في ردع أهل البطش والظلم والفساد.
ثانيًا: التربية الخُلقية
إن حاجتنا إلى الخُلق كحاجتنا إلى الطعام والشراب، حيث نحتاج إلى الخُلق في أجسادنا وفي عِلمِنا وفي معاملتنا لأفراد المجتمع (إن التربية الخلقية في الإسلام*/*/ لتكون جزاءً كبيرًا من محتويات التربية الإسلامية، إن القرآن الكريم يعتبر أهم مرجع في الأخلاق بالنسبة للفرد المسلم والبيت المسلم والمجتمع المسلم والإنسانية جمعاء).
والأخلاق هي من ثمار الإسلام الجنية للإنسان والإنسانية التي تجعل للحياة حلاوة وللعيش طلاوة وبدون الأخلاق التي تعتبر الضوابط النفسية والاجتماعية للفرد والمجتمع لا يتميز المجتمع الإنساني عن المجتمع الحيواني في شيء يذكر) (1) .
من خلال النص السابق يتبين لنا أهمية الجانب الخلقي في تربية الفرد وفي نشأته بين أفراد مجتمعه كله؛ لأن الأخلاق الإسلامية ارتسمت في نفسه ومبادئ الشرع نصب عينيه، ولعمري متى تشتد شوكة الخلق يزداد تماسك المجتمع ومتى يضعف الجانب الخلقي يعم الفساد وتنتشر الرذيلة في أوساط المجتمعات.
__________
(1) د. اسحاق فرحان: مرجع سابق – ص 66 وص 67. (1/65)
صفحة 66
والتربية الخلقية ترتبط بالتربية البدنية، فإذا كانت نشأة البدن على الأخلاق الحميدة فإن تربيته ترتسم فيها مبادئ الإسلام، فلا يقوم البدن على ما حرم الله، وإنما يوفر متطلباته وفق منهج الله الذي هو مصدر كل خلق وعفة وحياء.
والجانب الخلقي كغيره من الجوانب السابقة حيث أعرض قبل البدء في معالجته النصوص التي تبين هذا الجانب من خلال السورة الكريمة:
? قال تعالى: { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } .
? وقال تعالى: { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ } .
? وقال تعالى: { مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } .
? وقال تعالى: { أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } .
? وقال تعالى: { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } .
? وقال تعالى: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } .
? وقال تعالى: { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .
? وقال تعالى: { أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ } .
? وقال تعالى: { قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ } .
فهذه بعض الجوانب الخلقية التي نستنبطها من بعض الآيات الواردة في السورة الكريمة وهي على حسب ترتيبها: (1/66)
صفحة 67
الصدق ـ الأمانة ـ الوفاء بالعهد ـ العفة والطهارة والنقاء ـ الصبر ـ الحِلم ـ الكرم ـ العدل ـ وغيرها من الجوانب... كشواهد للتربية الخلقية التي ينشأ عليها الفرد المسلم الذي يسير في حياته وفق منهج الله في الأرض، وبعد هذا التمهيد نستعرض هذه الأمثلة الخُلُقية بشيء من الاختصار ونترك مجال الاطلاع فيها للقارئ، وما يجدر التنبيه عليه هو إن الحديث كان بمقدار بيان الجانب الخلقي في ضوء السورة فحسب، وإلا فالكلام عن مثل هذه النقاط يطول.
أولا: الصدق: وهو موافقة الكلام للواقع، وقول الحقيقة وتعلمها بعد التحقق من الخبر، والصدق دليل الإيمان بل هو الإيمان، فالله يقول: { وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } (1) ، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- أُرسِل بالصدق وإخوانه الأنبياء وكتاب الله ينطق بالصدق: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا } (2) .
والإسلام حين يأمر بأمر ينهى عن ضده، وضد الصدق الكذب، الصفة الذميمة والمرض النفسي الخبيث، (مع أن علم النفس الأرضي يشدد على صفه (الصدق) بصفتها مظهرًا لاستواء الشخصية وما يقابلها (الكذب) بصفتها من أبرز الممارسات التي يتوسل بها الشواذ (المنحرفون) حيث يُدرَج (الكذب) في قائمة أمراض الشخصية التي تصدر عن أشخاص يحتفظون بسلامتهم) (3) .
__________
(1) الآية (33) من سورة الزمر.
(2) جزء من الآية (87) من سورة النساء.
(3) د. محمود البستاني: مرجع سابق – ص 130. (1/67)
صفحة 68
وحين نبين صورة الكذب التي لجأت إليها امرأة العزيز حتى ترمي بها البريء العفيف نجدها سلكت مسلك التبرير، وكذلك إخوة يوسف اتهموا بفعلهم الحاقد ذئبًا بريئًا لا يقدم على أكل لحوم الأنبياء، كل ذلك كان من دوافع الشخصية الهابطة (ولقد أشار علماء الصحة النفسية إلى أحد بواعث الكذب متمثلا فيما نطلق عليه (في اللغة النفسية) بـ: "التبرير"، أو "التسويغ"، وهو في واقعه شكل واحد من أشكال الكذب، وليس جميعه كما أنه أحد بواعثه وليس كلها، ومع ذلك فإنه يكشف عن هوية هذه الممارسة وانتسابها إلى أحد أنماط المرض النفسي) (1) .
وللكذب أسباب هذه الأسباب تظهر في واقع المجتمع وحين نتعامل مع الكذابين تنكشف تلك الدوافع (ومن بواعث الكذب: اجتذاب التقدير، أو إضحاك الآخرين، ومنها الإشارة إلى شكل الجد والهزل، ومنها الإشارة إلى نوعي الكذب الصغير والكبير واستتباع النوع الأول للثاني، ومنها الإشارة إلى الكذب على الطفل، ومنها التحفُّظ في الزيادة على الواقع...) (2) .
كما أن الكذب صفة من صفات المنافقين، وفي الحديث أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، وفي رواية: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب...».
__________
(1) د. محمود البستاني: المرجع السابق – ص 132.
(2) د. محمود البستاني: المرجع السابق – ص 134. (1/68)
صفحة 69
ونلاحظ أن خصلة الكذب تصدرت خصال النفاق، فتعتبر من أقبح خصال النفاق، وأشدها ضررًا على الفرد والمجتمع، وما من خصلة من الخصال الذميمة إلا والكذب وراءها وقائدها؛ فخيانة الأمانة تحتاج إلى الكذب، وخلف الوعد يحتاج إلى الكذب والخصومة والفجور فيها تحتاج إلى عامل الكذب، وحتى سائر المعاصي تحتاج إلى عامل الكذب؛ فشهادة الزور والغيبة والنميمة وارتكاب الفواحش، كل ذلك يدعم بخصلة الكذب، فإذا تبين لك عظيم الكذب في الدنيا فإن لعنة الله على الكاذبين: { ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } (1) .
والنصوص التي تأمر بالصدق وتحذر من الكذب كثيرة، ويبقى إفادة المربي المسلم سواءً كان أبًا أم معلمًا أن يلقن طلابه الصدق ويبعدهم عن الكذب حتى لا تنغرس هذه الصفة الذميمة في أبنائه أو طلابه، فيتحمل بذلك المسؤولية عند الله.
ثانيًا: الأمانة: كلمة ما أجملها إذا طبقت، وما أعظمها من كلمة إذا تم الوفاء بها، مدلولها واسع، أمانة في الماديات، وأمانة في المعنويات قال تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } (2) ، فالتكاليف الشرعية أمانة، العهد بينك وبين الله أمانة، والعهد بينك وبين أخيك أمانة، نفسك التي بين جنبيك أمانة، وضد ذلك خيانة، فإخوة يوسف- عليه السلام- لَم يُوَفُّوا بأمانتهم، ولكنهم تابوا بعد أن تحققت الرؤيا لحكمة أرادها الله.
ما أحوج المربي إلى الأمانة، وأن يحفظ أمانة الله في الجيل الذي يتعلم على يديه؛ فيخلص في تعليمه ويلقن الطلاب العلم النافع الذي يخدم الإسلام وأمة الإسلام.
__________
(1) الآية (61) من سورة آل عمران.
(2) الآية (72) من سورة الأحزاب. (1/69)
صفحة 70
ثالثًا: الوفاء بالعهد: قال تعالى: { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا } (1) ، فالوفاء بالعهد من ضمن الأمانة، وهو جزء منها، وضد الوفاء الغدر، وكفى به أنه صفة من صفات المنافقين.
والعهد أيضًا له مدلوله الواسع، عهد بينك وبين الله، وعهد بينك وبين الخلق: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } (2) .
وكفى ما دل عليه تصرف الأخ الأكبر في مكوثه بأرض مصر: { أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } .
فما أحوج المربي المسلم إلى الوفاء بالعهد، فَيُبلِّغ العلم إلى نفوس المتعلمين، وما أحوج المربي المسلم إلى الوفاء في نصحه لأبنائه.
__________
(1) الآية (34) من سورة الأسراء.
(2) الآية (91) من سورة النحل. (1/70)
صفحة 71
رابعًا: العفة والطهارة والنقاء: إن الإسلام حين يأمر بالاحتشام لا يقدم الروادع والعقوبات قبل أن يُلزم المجتمع بمبادئ الخلق والعفة، سواء كان المجتمع صغيرًا كالبيت أو القرية أو كبيرًا كبلد ما، بل الإسلام أوجد القيم والأخلاق اللاتي تؤدين إلى العفاف والطهارة والنقاء، فحرم النظرة وحرم التبرج وأوجد اللباس الساتر، وحرم الزنا وأوجد الزواج الشرعي، وبعد ذلك عاقب من سولت له نفسه وقَدِم على معصية الله؛ لأنه لَم يكتف بالوعظ والإرشاد والتوجيه فعقوبة التنفيذ في حقه.
فما أحوج المجتمع المسلم أن يعيش نقيًا طاهرًا من الانحلال والفساد والوقوع في براثن المعصية، فيوسف- عليه السلام- عندما وجد المجتمع المغري الذي اعتاد على الترف لم يزده إلا عفة وصبرًا على الابتلاء، بل عندما خُيِّر بين السجن والرذيلة، اختار السجن فرارا من الفاحشة.
أخي المربِّي إذا أردت العفة والطهارة في بيتك فتَوَقَّ أسباب الوقوع في الرذيلة، كمشاهد الصور الخليعة والمسلسلات التي من شأنها إثارة الغرائز الجنسية، وقِ أفراد أسرتك من مساوئ الاختلاط، وبذلك أوجدت الروادع التي تقي أفراد أسرتك من الانزلاق في حبال المعصية.
خامسًا: الصبر: */*/ لَم تتضح للقارئ مدلول الجملة: الصبر ميزان العقل*/*/كما يقال ميزان العقل، ولابد للإنسان أن يتعرض للابتلاءات المختلفة: ابتلاء بالطاعة والصبر عليها وابتلاء بالمعصية، والصبر عنها ابتلاء بالرغبة وابتلاء في النفس وفي الولد وفي المال وابتلاء في مواجهة العدو، وكل ذلك يحتاج إلى صبر: { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } (1) .
__________
(1) جزء من الآية (177) من سورة البقرة. (1/71)
صفحة 72
ويتبين لنا أن الصبر متغلغل في حياة الإنسان، ولا يفارقه في مختلف مراحل عمره، ولا يمكن أن يواجه الشخص ضغوط الحياة وأسباب العيش الكريم إلا إذا تحلى بعامل الصبر، و"تجمع الاتجاهات النفسية بأكملها على أن (الصبر هو القدر الوحيد الذي ينبغي على (1) الشخصية أن تقبله حيال مواجهتها لشدائد الحياة: نظرًا إلى أن (الإحباط) أي عدم الإشباع السمة التي لا تفارق طبيعة تجربة الحياة ذاتها ما دام من الممتنع أن تحقق الحياة إشباعًا كاملا للشخصية.*/*/ فقرة غير واضحة المعنى*/*/
أما الإسلام فإن تصورَّه لظاهرة الصبر تأخذ طابعًا يكاد يقترن بظاهرة الإيمان بحيث لا يفصل أحدهما عن الآخر) (2) .
والآيات والأحاديث التي تبين مبدأ الصبر وتحث عليه وتبين فضله وثوابه كثيرة يرجع إليها في مصادرها، والفائدة المرجوة بذلك هي أننا بحاجة إلى هذا الجانب الخلقي في نفوسنا وفي أنفسنا وفي أهلنا وفي أبناء مجتمعنا، ما أجمل المربي المسلم حين يغرس في نفوس أبنائه أنَّ الحياة كفاح وعمل وطموح وأمل، شريطة أن يتحلى المتعلم بالصبر في دراسته وفي سعيه، وبذلك تتحقق أماله بعون الله إذا قرن بالصبر الإخلاص والطاعة لله، وكذلك المعلم يتحلى بعامل الصبر فيما يجده من طلابه.
سادسًا: الحِلم: الحِلم يكشف عن هدوء الشخصية الإسلامية، فهو معاكس للغضب الذي أوله نار وآخره ندم، الحِلم الذي لا يقف عند كظم الغيظ وعدم رد السيئة فحسب، بل يدل على خيرِ صاحبه وفضلِه وامتنانه على المصفوح عنه، وقدوتنا في ذلك المصطفى-صلى الله عليه وسلم- الذي لَم يَدعُ على أهل ثقيف إلا بالهداية، ولَم يَدعُ على أهل الطائف إلا بدعائه على أهل ثقيف.
__________
(1) الصحيح أن يقال: (ينبغي للشخصية).
(2) د. محمود البستاني: مرجع سابق – ص 40. (1/72)
صفحة 73
أيها المسلم... إذا أردت أن تدفع الغضب وثورته، فقابله بالحلم وفي ذلك يقول الشيخ الغزالي: "وملاك النجاة من هذه المنازعات الحادة تغليب الحِلم على الغضب، وتغليب العفو على العقاب، ولا شك أن الإنسان يحزنه أي تهجم على شخصه، أو على من يُحِب، وإذا واتته أسباب الثأر سارع إلى مجازاة السيئة بمثلها، ولا يَقِرُّ له قرار إلا إذا أدخل من الضيق على غريمه بقدر ما شعر به هو نفسه من ألَم، ولكن هناك مسلكا أنبل من ذلك، وأرضى لله، وأدل على العظمة والمروءة، أن يبتلع غضبه فلا ينفجر، وأن يقبض يده فلا يقتص، وأن يجعل عفوه عن المسيء نوعًا من شكر الله الذي أقدره على أن يأخذ بحقه إذا شاء) (1) .
وعن عبادة بن الصامت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان ويرفع الدرجات»؟ قالوا: نَعَم يا رسول الله، قال: «تَحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» (2) .
فيوسف- عليه السلام- عامَل إخوته معاملة رحمة وشفقة، فقد قال الله تعالى على لسانه: { قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } ، على الرغم من أن إخوته أظهروا له العداوة بما يمتلئ في نفوس أحدنا غيضًا وكمدًا، ونحن بعيدون عن واقع الحادثة، فانظروا إلى الحِلم في كل عظمته الذي صدر عن هذا النبِيِّ الكريم مع أنه قادر على الانتقام منهم، فهم في غربة وهو في الملك والعزة.
__________
(1) محمد الغزالي: خلق المسلم – ص 120.
(2) محمد الغزالي: المرجع السابق / أخرجه الطبراني – ص 120. (1/73)
صفحة 74
والحِلم والعفو في اتجاه واحد إلا أنه لا يكون عفوًا إلا إذا سبقه الحِلم، والعفو بهذا المدلول هو: "شعور نفسي نبيل يترتب عليه التسامح والتنازل عن الحق مهما كان المعتدي ظالِمًا وجائرًا بشرط أن يكون المعتدى عليه قادر على الانتقام، وأن لا يكون الاعتداء على حرمات الدين ومقدسات الإسلام، وإلا كان العفو ذلة ومهانة واستسلامًا وخضوعًا، والعفو بهذا المعنى وهذه الشروط سمة خُلُقية تدل على إيمان راسخ، وأدب إسلامي رفيع) (1) .
سابعًا: الكرم: وله معانيه السامية في العطاء والبذل، فهو الإنفاق مع عدم خشية الفقر، وهو إنفاق الزكاة المشروعة مع التصدق من باب التطوع، وهي صفة حميدة إذا وجهت توجيهًا سليمًا، بحيث يكون ابتغاء وجه الله من غير إسراف ولا مفاخرة، ومما يدل من خلال السياق على صفة الكرم في يوسف- عليه السلام- قوله تعالى: { أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ } ، وفيما سبق مَرَّ بنا عندما سأل الصحابة الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن أكرم الناس فقال: «يوسف عليه السلام، الكريم ابن الكريم، ابن الكريم...»، وفي الحديث عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (2) .
__________
(1) عبد الله ناصح علوان: تربية البناء في الإسلام (مرجع سابق) – ص 365.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: ح 7 – 8 (كتاب الآداب) ص 104. (1/74)
صفحة 75
والرسول- صلى الله عليه وسلم- أجود الناس حيث كان يعطي ولا يخشى الفقر، وكان أجود ما يكون في رمضان، فما أحوج واقعنا إلى مثل هذا التوجيه، أما الكرم الذي يمتنع به صاحبه عن أداء الزكاة والصدقة في حين أنه يعطي الأغنياء، فهذا ليس من الكرم في شيء، إن الكريم لا يُخِلُّ بتعاليم الإسلام، أو يغتصب أموال الناس، ويكرم بها الآخرين، إن الكرم صفة نبيلة لا يسأل بها صاحبها المودة أو الشهرة وإلا كانت رياءً خارجة عن نطاق الإسلام ومضمونه القيم.
ثامنًا: العدل: قال تعالى: { قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ } .
وقال تعالى أيضا: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (1) .
فإذا وُجِد العدلُ في مجتمع ما، يَسعَد أفراده في سلوكهم وفي معيشتهم وفي أموالهم، ويسودهم الأمن على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم حينما يوجد للظالم سوط الردع، وللمظلوم الانتصار له من أيدي الباطشين فصفات المجتمع الآمن الجرأة في تطبيق الحكم وإجراء العقوبة وتطبيقها، والعدل الذي كان معروفًا في المجتمع الإسلامي لا يحابي فيه قريب لقرابته، ولا يظلم فيه بعيد لبعده (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ما أحوج الإنسانية إلى العدل في بيوتها وفي مدارسها وفي أسواقها وفي أعمالها وفي بيئاتها المختلفة (ولن تنجح أمة في هذا المضمار إلا إذا وثقت الصلات بين أبنائها، فلم تُبقِ محروما يقاسي ويلات الفقر، ولم تبق غنيًّا يحتكر مباهج الغنى، وفي الإسلام شرائع محكمة لتحقيق هذه الأهداف النبيلة) (2) .
__________
(1) الآية (70) من سورة النحل.
(2) محمد الغزالي: مرجع سابق ص 125. (1/75)
صفحة 76
والعدل شامل في النفس الإنسانية: { وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } ، أو الأقرباء أو في المال بحيث يتم توزيعه التوزيع العادل بين الأفراد، فهذه دعوة موجهة إلى الأمة بأن تسلك هذا المسلك الخلقي الذي عليه الأنبياء جميعًا.
ومن خلال ما تقدم من التربية الخلقية نخلص إلى ما يأتي :
إن الأخلاق التي ذكرت في هذا الموضوع ليست الأخلاق بأسرها بل بعضا منها كأمثلة للتربية الخلقية في الإسلام، ولن أتعرض لها بالبيان إلا بقدر التنبيه عليها.
1. إن للأخلاق صلة بينها وبين الجوانب التربوية، فالجوانب التربوية بأسرها قائمة على الأخلاق، ولن يقبل جانب من الجوانب إذا ساء خلق المسلم فيه، إذ لا يقبل العلم من المتعلم إذا لَم يتمسك بأخلاق الإسلام، ولن يقبل العمل من فرد يربي بدنه على غير خلق الإسلام وعلى سوء الأدب في المجتمع. إذن الخلق مطلب رفيع يسعى إليه الفرد لإصلاح نفسه ومجتمعه.
2. إن الأخلاق تعتبر من المبادئ الثابتة المتفق عليها بين رسالات السماء، فلم يأت رسول من رسل الله إلا ليقر أُمته على الأخلاق الصحيحة، ويبعدها عن الأخلاق الفاسدة.
3. إن خلق المسلم قبل أن يكون ملزمًا إياه، لابد أن يكون له نبع من الضمير إذ لا تتأتى المراقبة المستمرة من البشر إذا لَم يراقب الفرد الله ويتربَّى على ذلك فهذه المراقبة تدفعه إلى حسن الخلق بدون أن يفرضها المجتمع عليه.
- - -
الفصل الرابع
التربية الانفعالية (1/76)
صفحة 77
يطلب من المؤمن أن يعيش في سعادة وفق شرع الله بحيث يتقبل تعاليم الإسلام بصدر رحب قال تعالى: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } (1) ، فإذا ما تقبل الفرد تعاليم الإسلام، بإيمان تام ويقين ثابت، فإن ذلك يوجهه إلى العمل الذي يرضى الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك يستقر ضمير الإنسان.
__________
(1) الآية (125) من سورة الأنعام. (1/77)
صفحة 78
إن الإنسان البعيد عن منهج الله هو في صراع دائم لا يستقر على حال، ولذلك شبهه المولى- جل وعلا- بمثل الكلب: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (1) ، ومما سبق نخلص على أن الإنسان كلما تجاوب مع انفعالاته بصورة حسنة، فإن ذلك له تأثيره الإيجابي في نفسه ومجتمعه، وكلما تجاوب مع انفعالاته بصورة سيئة، فإن ذلك يؤثر في نفسه ومجتمعه، ولأجل هذا اعتنَى علماء التربية بالجانب الانفعالِي لشخصية الإنسان في جميع الجوانب "لقد حفل تراثنا التربوي بتفصيل الدوافع تحت موضوعات متعددة منها: علم أحوال القلب، وآداب المعلم والمتعلم، وآفات العلم والعلماء، ورياضة النفس وتهذيب الخلق ومعالجة أمراض القلب وذم الغضب والحقد والحسد والرياء...، وصنفوا الدوافع التربوية في مؤلفاتهم التربوية إلى أقسام: قسم منها يقتصر على المعلم: كالإيحاء والعطف والغيرة والشفقة، وقسم منها يقتصر على المتعلم: كحب الاستطلاع، والتقليد واعتبار الذات، وقسم منها يشترك فيها المعلم والمتعلم كعاطفة المحبة والتوقير والحرص على التعليم وتحرير الدوافع، والميل إلى الفضائل) (2) ،
__________
(1) الآيتين (175 – 176) من سورة الأعراف.
(2) نذير حمدان: دراسات نفسية تعليمية تراثية (مرجع سابق) ص 200.. (1/78)
صفحة 79
فإذا تبين لك اهتمام علماء التربية بالناحية الانفعالية التي هي كوامن النفس الداخلية في ضمير الفرد، بحيث تنبعث تلك الكوامن لتظهر سلوكها في واقع الأفراد، فمن هذا ننطلق إلى سياق السورة الكريمة لنتناول من خلالها التربية الانفعالية ومحاولة إيجاد التوازن بين الانفعالات في أثناء عرض تلك الانفعالات والحديث عنها.
الانفعالات في النفس كثيرة كالغضب- الحسد- الفرح- الحزن- الحب- الحقد- الرحمة- إلى غيرها من الانفعالات...
والآن مع بعض تلك الجوانب الانفعالية من خلال سياق السورة الكريمة بعد عرض النصوص المتناولة لهذا الجانب ومنها :-
1- قال تعالى: { إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } .
2- قال تعالى: { قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } .
3- قال تعالى: { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } .
4- قال تعالى: { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
5- قال تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } .
6- قال تعالى: { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ } .
7- قال تعالى: { يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } . (1/79)
صفحة 80
8- قال تعالى: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } .
9- قال تعالى: { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } .
10- قال تعالى: { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء } .
ونأخذ من الآيات السابقة الجوانب الانفعالية الآتية:
الحب- الحزن- الخوف- الفرح- الحقد والكراهية- اليأس- النفس- الشيطان.
أولاً: الحب:
الحب عاطفة في الإنسان، جبلت النفس البشرية على أن ترغب في شيء ما وتنفر من آخر ، فالإنسان يحب أولاده وزوجته وأقربائه ويحب المال ويحب التملك وكل ذلك زائل، فإن كان للحب مراتب في القلب، فيجب أن يكون أعلى تلك المراتب وأثبتها محبة الله ورسوله، فمحبة الله ورسوله هي من أعلى درجات الحب، وفي الحديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»، وحبك للأفراد هو الولاية لهم فتكون ولايتهم في الله، فالمؤمن يحب من أحب الله ويبغض من أبغض الله وعصاه، كما أن حُبَّك لله بطاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وحبك للرسول باتباعه وتقصي سيرته والعمل بسنته، أما الحب القائم على الغرام والفساد فهذا مما لا يقره الإسلام، وهذا من حب أهل الجهل الذين ليس لهم ورع ولا تقوى. (1/80)
صفحة 81
وكما قلت أن الحب فطرة في النفس إذا وجهت الوجهة السليمة بحيث لا تتعارض مع روح الإسلام يقول تعالى: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } (1) .
فحبُّك للنساء بمعنى الزواج الشرعي غير المدلس القائم على المودة والرحمة، وحبُّك للبنين بتوجيههم الوجهة السليمة وتربيتهم وفق مبادئ الإسلام، وحبُّك للقناطير المقنطرة بإنفاقها في سبيل الله والتمتع بها وفق منهج الله، والخيل لركوبها وتدريبها على القتال لا للفخر، وهكذا يكون حبُّك لباقي الأشياء وفق توجيه الشرع له، لا أن تكون العاطفة هي الدافعة له وأن يخرج بذلك الحب عما رسمته الشريعة الإسلامية وإلا أصبح انفعال غير سوي في الإنسان.
ثانيًا: الحزن:
وهو جانب انفعالي في الإنسان، وينتج الحزن عن ضرر في النفس كمرض يصيب الإنسان أو ضرر في المال كسرقة أو تلف أو فقدان بعض الأقرباء كالأبناء والأهل أو مفارقة الأصدقاء، كل ذلك يؤدي إلى ظهور الحزن، وكلما استغرق التفكير في الأمور السابقة زاد حزن الإنسان، ولذلك جعل الإسلام الصبر هو الحل الوحيد للحزن، وأفضل الصبر عند مفاجأة المصيبة لقوله- عليه السلام- في الحديث: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى».
__________
(1) الآية (14) من سورة آل عمران. (1/81)
صفحة 82
والحزن كما ذكرت طبيعة في الإنسان لِمَا تمر به من أحداث وما يجد من مشاق، فالإسلام لا ينهى عن الحزن ذاتِه، ولكن ينهى عن عواقب الحزن فهذا يعقوب- عليه السلام- عندما فقد ابنه حزن، ولكن لَم يؤد به الحزن إلى اليأس من رحمة الله، ولا إلى البكاء المفرط، وإنما كظم ذلك في نفسه لقوله تعالى: { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ، وذلك بأنه كان يعلم- عليه السلام- أن يوسف لَم يأكله الذئب، وإنما هو على قيد الحياة، وأن رؤيا يوسف سوف تتحقق، "والتأسف والحزن والبكاء غير حرام ما لم يكن جزع وصياح ونياحة ولطم الخد والصدر وشق الجيب، وربما لم يدخل تحت التكليف" (1) .
ومع ذلك كله أوجد الإسلام العلاج للحزن كما ذكرت، وهو الصبر لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } (2) ، وقوله تعالى: { وَتَوَاصَواْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَواْ بِالصَّبْرِ } (3) ، فإذا أردت الاتزان في الحزن تمسك بمبدأ الصبر، واعلم أن ثوابه عظيم لمن أخلص لله سبحانه وتعالى، فعن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به عن سيئاته» (4) .
والمقصود بالوصب: الوجع اللازم، والنصب: التعب، والهم يهمه: أي يغمه، فهكذا يطلب الإسلام من المؤمنين أن يكونوا أمة جادة تنصرف بتفكيرها وطاقاتها فيما يرضي الله فلا يشغلها الحزن عن عبادة الله وطاعته ولا عن خدمة الأمة، ولذلك نهى الإسلام عن الوسائل التي تدعو إلى الحزن وتقربه، كالنياحة التي تصف مناقب الميت وغيرها من الوسائل.
ثالثًا: الخوف:
__________
(1) أطفيش: مرجع سابق – ص 207 – 208.
(2) الآية (153) من سورة البقرة.
(3) الآية (3) من سورة العصر.
(4) رواه البخاري: ج4 – ص 1993. (1/82)
صفحة 83
والخوف مراتب، وأعلى مراتبه الخوف من الله سبحانه وتعالى، وإذا زاد الخوف تحول إلى اليأس من رحمة الله- سبحانه وتعالى-، ومن هنا يؤمر المؤمن بالاتزان فيه؛ بحيث يكون بين الخوف والرجاء، فإذا زاد عنده الخوف غلًّب الرجاء، وقد قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } (1) ، والخوف من الله يؤدي إلى التقوى التي هي امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، أما الخوف من الأفراد أو بعض المخلوقات، فقد يخاف الفرد من ذلك، ولكن بشرط أن لا يبعد المؤمن عن العقيدة الصحيحة، فيَصِل إلى أن يُقدِّس تلك المخلوقات أو يعتقد في قرارة نفسه أن الضرر والنفع ناتج منها، فإن هذا الخوف مخالف للعقيدة الإسلامية، بعيد عنها كل البعد، وكما جاء في الحديث" «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك».*/*/ نص الحديث غير ذلك فتأكد*/*/
__________
(1) الآية (2) من سورة الأنفال. (1/83)
صفحة 84
أما الخوف من توقع حدوث شيء معين فهذا أمر طبعي، وربما يطلب من المؤمن أن يأخذ بالأسباب ويأخذ حذره، ففي كتاب الله ما يدل على ذلك، كمشروعية صلاة الخوف، قال تعالى: { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } (1) ، فقد يخاف المؤمن من حيوان مفترس، فيأخذ بالأسباب لتوقِّيه، وقد يخاف الطالب من الرسوب، فيأخذ بالأسباب ليحقق النجاح.
والله يصور حقيقة المؤمنين في غزوة الأحزاب: { إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا } (2) .
وعلاج الخوف هو التقوى والثقة بالله، ثم قوة العزيمة في النفس مع الأخذ بالأسباب، فينبغي على للمربِّي المسلم أن يغرس في أبنائه قصص الأبطال من أهل الإسلام، ومراقبة الله- سبحانه وتعالى-، وليحذر من أن يغرس في نفوسهم الاعتماد على غيرهم، وعدم التزود بالثقة، بل إن كثرة التعنيف وتذكيرهم بالفشل والإحباط والاعتماد على الغير كل ذلك مؤدٍ إلى الخوف.
__________
(1) الآية (102) من سورة النساء.
(2) الآيتين (10 – 11) من سورة الأحزاب. (1/84)
صفحة 85
وينبغي للمربي المسلم أن يبين لطلابه علاج الخوف، وهو التوكل على الله والأخذ بالأسباب وقوة الإيمان، ومن ذلك يقوى لديهم الإيمان، ويزكي فيهم الاعتماد على النفس في تحمل كامل مسؤولياتهم.
رابعًا: الفرح:
وهو الذي يعبر عن السرور، وذلك له دوافع كالمناسبات السعيدة مثل: الزواج أو النجاح، ومن دوافعه أيضًا التملك والرغبات المتحققة.
والفرح إذا تجاوز الحد في وجدان الإنسان حمل النفس إلى نسيان المنعم وكفران النعمة، فهذا قارون أعطاه الله الكنوز العظيمة، فنسب تلك النعمة إليه وعبر عن فرحه بما لا يليق: { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ } ، فكانت النتيجة: { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ } .
إن الفرح والسعادة نعمة من الله يجب أن تنسب إليه: { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى } (1) ، ويجب أن يقابل الفرح بالشكر لله- عز وجل-، فهذا يوسف- عليه السلام- بعد أن فرج الله عن بلائه، وصبر في حالة الحزن على مدة السجن جعله الله في منزلة عليا، ولكنه لَم يغترَّ ولم ينظر إلى منزلة الدنيا، بل إنه سأل الله- سبحانه وتعالى- منزلة الآخرة، يقول الله على لسانه: { تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } ، لأنه علم أن منزلة الدنيا فانية ومنزلة الآخرة باقية, ومثال ذلك سليمان- عليه السلام- طلب من الله مُلكًا لا يكون لأحد بعده، وبعد أن وهبه الله الملك أقر بنعمة الله عليه: { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } (2) .
__________
(1) الآية (43) من سورة النجم.
(2) جزء من الآية (40) من سورة النمل. (1/85)
صفحة 86
ما أحوج طالب العلم إلى أن يتجنب الغرور، فكم من الطلبة الذين أعطاهم الله النجاح بنسبة عالية فأصابهم الكبر والغرور ولَم يشكروا الله على هذه النعمة، فمن الذي وهبه العقل الذي يفكر به؟ ولو شاء لسلبه منه في أدنى من ومضة عين: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (1) .
فنعمة الزواج من الله، فعليك أن تعبِّر عن فرحك به باتباع المنهج الإسلامي، ولو شاء الله أن يفرق بينك وبين زوجك في لحظة عين لكان، ونعمة الإسلام من الله، فحافظ على استقامتك: { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } (2) ، ونعمة المال من الله، فإياك أن تكفر بالنعمة وتنسبها إليك: { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } (3) ، من ذلك يتبين لنا أن أسباب السعادة موجودة، والإسلام يقرها ولا يمنعها بشرط أن يكون ميزانها الشكر الصحيح لله- سبحانه وتعالى- على تلك النعم.
خامسًا: الحقد والكراهية:
__________
(1) الآية (82) من سورة يس.
(2) جزء من الآية (24) من سورة الأنفال.
(3) جزء من الآية (42) من سورة الكهف. (1/86)
صفحة 87
ولها أسباب ودوافع، منها الحسد فهو أول معصية عُصي بها الله في السماء، وأول معصية عُصي الله بها في الأرض؛ حيث أخرج إبليس آدم من الجنة حسدًا، واستكبار إبليس عن عبادة الله ناتج عن الحسد، وقتل قابيل لهابيل سببه الحسد، فهو قاعدة من قواعد الكفر، ومن دوافع الحقد الغيرة وهي ناتجة عن الحسد، ومن دوافعه أيضا التنافسُ في حب الدنيا، وبهذا يتقاتل الأفراد مع بعضهم البعض إذا لَم يكن هناك رادع ديني، وإذا لَم يكن القتال من أجل رفع راية الإسلام، فإنه يكون للمطامع المادية فينتج من جراء ذلك الحقد والكراهية بين الأفراد: "وكثير ما تطيش الخصومة بألباب ذويها، فتتدلى بهم الصغائر المسقطة للمروءة والكبائر الموجبة للعنة، وعين السخط تنظر من زاوية داكنة، فهي تعمَى عن الفضائل وتضخم الرذائل، وقد يذهب بها الحق إلى التخيل وافتراض الأكاذيب، وذلك كله مما يسخطه الإسلام ويحاذر وقوعه ويرى منعه أفضل القربات) (1) .
ومن خلال ذلك نوجه كل مُرَبٍّ أن لا يبعث خصلة الحقد بين أبنائه أو طلابه إن كان معلمًا، محاولا بذلك العدالة قدر ما أمكنه لكي تسود الألفة والمودة بينهم، فلعل القلوب تصفى من أكدارها، وأن يكون مبدأ المساواة والعدالة بينهم، فيكونوا كالبنيان الواحد لا يرون لأنفسهم التفرقة، ولا ينظرون لأحدهم بعين السخط.
سادسًا: اليأس (القنوط):
مرض نفسي في الإنسان يجعله لا ينظر إلى الأمل، ولا يرفع رأسًا إلى العمل تخلى عن الثقة بنفسه، فاليائس ضعيف السيطرة ينتظر المصير المفجع حسب تصوره، ولذلك حارب الإسلام اليأس، "وعلى هذا فلا يجوز اليأس في دين الله، وكتابه الخالد؛ لأن اليأس في ذاته قاتل للرجاء وهازم للأبطال، ومثبط للعزائم ومحطم للآمال ومزلزل للشعوب" (2) .
__________
(1) محمد الغزالي: مرجع سابق - ص 9.
(2) د. عبد الله ناصح علوان: الشباب المسلم في مواجهة التحديات – ص 314. (1/87)
صفحة 88
وهذا يعقوب- عليه السلام- يبعث في نفوس أبنائه الأمل والرجاء حيث حذرهم من اليأس وبين لهم أن اليأس كفر ومعصية: { إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } ، أما مدلول قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } ، نكتفي في بيان الآية من خلال تفسير عائشة أم المؤمنين، فعن ابن شهاب الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة- رضي الله عنها- قالت له وهو سألها عن قول- الله تعالى-: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ } ، قال: أكذبوا أم كُذِّبوا قالت عائشة: "كُذِّبوا"، قلت: فقد استيأسوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن قالت: "أجل، لعمري لقد استيأسوا بذلك"، فقلت: وظنوا أنهم قد كُذِّبوا قالت: "معاذ الله لَم تكن الرسل */*/ فيه سقط*/*/ ذلك بربها" قلت: فيم هذه الآية قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء، واستُؤخِر عليهم النصر حتى إذا استيئس الرسل ممن كذبوهم من قومهم، وظنت الرسل أن قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك) (1) .
وعلاج اليأس الرجاء والتفاؤل في الخير، فإذا مرض المؤمن رجا من الله الشفاء، وإذا عصى رجا من الله قبول التوبة، فالرجاء يؤدي إلى التوازن في الشخصية الإسلامية، وإنقاذها من اليأس المدمر بشرط أن لا يفرط في الرجاء فيؤدي إلى الأمن من مكر الله.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: ج 5 – ص 218. (1/88)
صفحة 89
ومما جاء في بيان أهمية الرجاء في الصحة النفسية: (والسبب في عد الرجاء سمة "سوية" في تصور علماء النفس وجندًا من جنود العقل ممارساتها المختلفة في الحياة على العكس من "القنوط" الذي يحتجزها عن مواجهة أي ممارسة جديدة، ومن ثم يدعها تنسحب إلى الداخل فتعطل فاعليتها، وحين ننقل ظاهرة القنوط ومقابلها الرجاء من صعيد السلوك النفسي الصرف إلى صعيد السلوك العبادي نجد المشرع الإسلامي يمنح هذا الجانب عناية شديدة فيما يتصل بالتعامل مع الله، وذلك من خلال ظاهرة (الذنب) وصلتها بالرجاء التجاوز عنه أو "القنوط" من ذلك) (1) .
والمربِّي يحتاج إلى هذا المبدأ، وذلك بغرس الثقة في طلابه وفتح باب الأمل لهم، فيمكن للطالب الضعيف من تغيير واقعه السيِّئ، والذي لم يحصل على درجة في مادة ما، يمكن تغيير واقعه بالمذاكرة الجيدة.
وتغيير الواقع السيئ مما دلت عليه سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم-، وذلك عندما انهزم الجيش في معركة أُحُد استطاع أن يثبت الجماعة المؤمنة ضد العدو والدفاع عن الرسول- صلى الله عليه وسلم-، وكذلك في معركة حُنَين، فالاستسلام للقضاء والقدر شيمة الضعيف، أما المؤمن فدافع الإيمان والتوكل على الله والأخذ بالأسباب نصب عينيه وبذلك ينال مرضاة الله.
سابعًا: النفس والشيطان:
__________
(1) د. محمود البستاني: مرجع سابق – ص 38. (1/89)
صفحة 90
وهما من مغريات الإنسان ووقوعه في براثن المعصية، فالنفس ذكرها الله سبحانه وتعالى بقوله: { وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، رغبات النفس تسلك بصاحبها إلى المعاصي الظاهرة والباطنة، إذا حطمت تلك النفس ولم تدعم بالإيمان والعمل الصالح، وتربت على الماديات ومغريات الحياة، فإنها لا شك تتربَّى على الخصال الذميمة، وبذلك تصبح أمارة بالسوء، "عوامل الإغواء والإضلال في الإنسان كثيرة، منها ما هو داخلي: كالنفس الأمارة بالسوء والهوى الأثيم المتبع، ومنها ما هو خارجي: كوسوسة شياطين الإنس والجن) (1) .
أما إذا صُقلت تلك النفس بالإيمان ورُسِّخت العقيدة الصحيحة في الضمير، وهيمن العمل الصالح على البدن، فإن سلوك تلك النفس تقوى فتصبح من النفس اللوامة أو المطمئنة إذا ثبتت على دينها وعقيدتها، وارتحلت إلى دار الآخرة، وهي على مبدأ الثبات: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي } (2) .
أما الشيطان فإنه يخطو خطوات بالنفس الإنسانية للانزلاق بها في المعصية، فهو يزين لها الخبيث ويبغض لها الحق: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (3) .
__________
(1) د. عبد الله ناصح علوان: الشباب المسلم في مواجهة التحديات (مرجع سابق) ص 17.
(2) الآية (27 – 30) من سورة الفجر.
(3) الآيتين (168 – 169) من سورة البقرة. (1/90)
صفحة 91
وإليك أيها الشاب المسلم أهم الإيجابيات والحلول في تحررك من كيد الشيطان وإغوائه بحسب ما وردت في كتاب: "الشباب المسلم في مواجهة التحديات"، وهي:
? الشيطان عدُوٌّ للإنسان فعليه أن يتخذه عدوًّا.
? الاستقامة على اتباع المنهج الرباني، والسير على صراط الله المستقيم.
? تعميق تقوى الله، واستشعار عظمته في السر والعلن.
? استشعار القلب والجوارح بذكر الله، والاستمرارية على عبادته وطاعته.
? التذكر اليقظ بعد غمرة النسيان الشيطاني، ومقاطعة أهل الباطل والضلال (1) .
هذه الخطوات إذا أردت أن تتحرَّر من النفس الأمارة بالسوء ومن كيد الشيطان، ويلخص ذلك التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فإن فيهما الهداية والرشاد والصلاح.
هذه بعض الجوانب الانفعالية في هذا الموضوع، وإن كانت الجوانب كثيرة، ولكني أكتفي بتلك التصورات لأخرج بالآتي:
1. إن الانفعالات في الإنسان تنقسم إلى خير وشر، بحسب المنبع الذي يستقي منه الإنسان.
2. يجب على المؤمن أن تطغى عليه انفعالات الخير؛ لكي تنعكس إيجابياتها على النفس وتحقق سعادتها للفرد في الدنيا والآخرة.
3. إن النفس البشرية تعترضها عوارض، كالمغريات المادية والشيطان والبُعد عن منهج الإسلام وحب الهوى والرغبة، فإذا أراد الفرد صلاح تلك النفس عليه أن يجتنب مكائد الشيطان والهوى، ويصقل النفس بالعقيدة والعمل الصالح وفق منهج الله.
خاتمة
الحمد لله الذي جعل كتابه كتاب هداية وتعليم، وملجأ رشد وتوجيه، ومنار عقل ورسوخ فكر، والصلاة والسلام على من علمه الله فأحسن تعليمه، وأدبه ربَّه فأحسن تأديبه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه البررة الكرام، وعلى التابعين له إلى يوم الميعاد وبعد:
__________
(1) د. عبد الله ناصح علوان: الشباب المسلم في مواجهة التحديات (مرجع سابق) ص 22. (1/91)
صفحة 92
تحدث بالإنسان تأملات، وتخطر بخاطره بعض الخواطر يكون فيها بين الإقبال والإدبار، ويتساءل في قرارة نفسه، كيف يصل إلى مثل هذا الهدف؟ فأوَّله صعب مُرُّ المذاق، وآخره حلو سهل المساق، بسبب الحصول عليه وتذليل المصاعب بجانبه، والحمد لله أولا وآخرًا على تحقق الخواطر وتدوين شيئا منها لعلي أجد في نفسي نوعا من المساهمة وإن كنت لست من أهلها.
*/*/ مناهج البحث العلمي تقضي بذِكر منهجية البحث وسبيل تقديمه في المقدمة، وليس في الخاتمة*/*/
وهذا الموضوع الذي بين دفتي هذا الكتاب، لخصت فيه ما استطعت أن أتأمله من جوانب تربوية في سورة يوسف- عليه السلام-، فقد لخصت في البداية تعريف التربية ووضعت بعض الأهداف حسب ما اطلعت عليه من مراجع، ثم بينت في الفصل الأول التربية الاجتماعية والدينية حيث عرضت موضوع المجتمع على سياق السورة، وفي النهاية وصلت إلى الخلاصة من التربية الاجتماعية والدينية.
وفي الفصل الثاني ناقشت التربية العلمية والعقلية وذلك لوجود الرابطة بين العلم والعقل، وذكرت الآيات من السورة التي تبين مدلول العلم حسب ما استقيته من تفسير "في ظلال القرآن" للسيد قطب، ثم عالجت النواحي العلمية وطرق الوصول إلى المعرفة مع ذكر وسائل العلم، ثم انتقلت إلى الجانب العقلي، وذكرت أهمية العقل ومستويات المعرفة مع اختلاف فارق السن بين الأفراد مقتبسًا النصوص القرآنية المتفقة مع هذا الجانب من السورة الكريمة.
وبعد ذلك انتقلت إلى الفصل الثالث الذي تناولت فيه التربية البدنية والخلقية حيث بينت الرابطة بين البدن والخلق، وعرضت النصوص المتعلقة بالموضوع ثم جعلت خلاصة للناحية البدنية والخلقية كغيرها من الفصول السابقة. (1/92)
صفحة 93
وأخيرًا توجهت إلى معالجة التربية الانفعالية في موضوع السورة بعد عرض الآيات المتعلقة بالجانب الانفعالي، وناقشت ما استطعت استنتاجه من خلال الآيات. وكما قلت فإن جوانب التربية كثيرة، ولكن هذه أضواء حسب سياق السورة الكريمة وحسب مقدرتي على استخراج ما دونته. ولعل القارئ يكون هذا الموضوع له كمفاتيح بسيطة لينفذ من خلالها على استخراج الكثير من الجوانب المختلفة، وهذا قليل من كثير وغيض من فيض، فإن فهم كتاب الله ودراسته يحتاج إلى علم وبصيرة وتدبر وفهم، وهذه محصلتي ولغيري أن يفهم من أسرار كتاب الله حسب ما رزقه الله من فهم وما وهبه من عقل، فليعذر من اطلع على هذا الموضوع وليصوب خطأه ويأخذ بصوابه، والله ولِيُّ كل نعمة وهو حسبي ونعم الوكيل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- - - - -
مراجع البحث
1) القرآن الكريم.
2) محمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير ج6، سلطنة عمان ـ وزارة التراث: ط 2 ـ 1413 – 1993.
3) سيد قطب: في ظلال القرآن. ج4. القاهرة: دار الشروق، ط10، 1401ـ 1981.
4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم،ج2، بيروت لبنان: دار الفكر، 1407ـ 1986.
5) محمد علي الصابوني: صفوة التفاسير. ج2: بيروت لبنان: حارة حريك، 1399.
6) الإمام الربيع بن حبيب: المسند (الجامع الصحيح). سلطنة عمان: مكتبة الاستقامة.
7) السالمي نور الدين: شرح الجامع الصحيح. ج1، سلطنة عمان: مكتبة الاستقامة.
8) البخاري: صحيح البخاري، ج7ـ8، الرياض ـ دار عالم الكتب. ط1، 1417 – 1996.
9) الإمام مسلم النيسابوري: صحيح مسلم. بيروت: دار الكتب العلمية، 1413ـ 1992.
10) جودت سعيد: اقرأ وربك الأكرم.
11) خالد العك: تربية الأبناء والبنات في ضوء القرآن والسنة. بيروت، دار المعرفة، ط3، 1420-2000م.
12) المبروك عثمان أحمد: تربية الأولاد والآباء في الإسلام. بيروت: دار قتيبة. ط1، 1413ـ 1992م. (1/93)
صفحة 94
13) د/ إسحاق فرحان: التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة. عمان الاردن ـ دار الفرقان. ط2، 1404 ـ 1983.
14) د/عبد الرحمن عميرة: منهج القرآن في تربية الرجال. سلطنة عمان: مكتبة الاستقامة ط2.
15) د/ عباس محجوب: نحو منهج إسلامي في التربية والتعليم. دمشق: دار ابن كثير ط1، 1408 ـ 1987.
16) د/ عبد الله ناصح علوان: الشباب المسلم في مواجهة التحديات. دمشق. دار القلم، ط2، 1409 ـ 1988م.
17) د/ عبد الله ناصح علوان: تربية الأولاد في الإسلام. ج1-2: دار السلام. ط17، 1410 ـ1990م.
18) د/ محمود البستاني: دراسات في علم النفس الإسلامي. بيروت: دار البلاغة، ط1، 1408ـ 1988م.
19) نذير حمدان: دراسات نفسية تعليمية تراثية. دمشق: دار المأمون للتراث، ط1، 1409.
20) أحمد محمد على القاسمي: نظرات في الإعلام الإسلامي. الإمارات: عجمان- دبي، ط1، 1411ـ1991م.
21) السالمي نور الدين: تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان. سلطنة عمان: مكتبة نور الدين السالمي:1999م.
22) د/ صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن: بيروت: دار العلم للملايين، ط16، 1985م.
23) محمد الغزالي: خلق المسلم- دمشق: دار القلم ـ ط13، 1418ـ 1988م.
24) السالمي نور الدين: جوهرة النظام في علم الأديان والأحكام- بيروت لبنان- دار الفاروق، 1410ـ 1989م.
25) السالمي نور الدين: منظومتا أنوار العقول وكشف الحقيقة. سلطنة عمان: مكتبة الضامري، ط2، 1411–1991.
26) العلامة أبو بكر أحمد بن النظر. الدعائم (شرح الشيخ محمد بن وصاف) ج2. سلطنة عمان. وزارة التراث.
فهرس الموضوعات
مقدمة ... 5
تمهيد ... 7
تعريف التربية ... 9
الفصل الأول: التربية الاجتماعية والدينية ... 13
أولاً: التربية الاجتماعية ... 13
المبحث الأول : يوسف في كنف أبيه يعقوب – عليهما السلام - ... 15
المبحث الثاني: العدالة بين الأبناء ... 17
المبحث الثالث: موقف الإخوة من بعضهم البعض ... 19 (1/94)
صفحة 95
المبحث الرابع: بيت يعقوب - عليه السلام - (بيت النبوة وتأثير ذلك على الأفراد) ... 20
المبحث الخامس : تحمل المسؤولية في واقع المجتمع ومواجهة التحديات ... 22
ثانياً: التربية الدينية ... 24
الفصل الثاني: التربية العلمية والعقلية ... 31
تمهيد: ... 31
المبحث الأول: أهمية العلم وأقسامه ... 34
أولاً: العلم اللدني ... 36
ثانياً: العلم المكتسب ... 36
المبحث الثاني: طرق الوصول إلى المعرفة ووسائل الكسب للعلم ... 37
أولاً: طرق كسب المعرفة ... 37
ثانياً: التربية العقلية ... 56
المبحث الأول: مستويات المعرفة من حيث المستوى العقلي ... 58
المبحث الثاني: مراعاة الفروق الفردية من حيث مستوى السن للأفراد ... 60
الفصل الثالث: التربية البدنية والخلقية. ... 65
أولاً: التربية البدنية. ... 65
ثانياً: التربية الخُلقية. ... 69
الفصل الرابع: التربية الانفعالية. ... 81
أولاً : الحب : ... 82
ثانياً : الحزن : ... 84
ثالثاً : الخوف : ... 86
رابعاً : الفرح : ... 88
خامساً : الحقد والكراهية : ... 89
سادساً : اليأس (القنوط) : ... 90
سابعاً : النفس والشيطان : ... 92
خاتمه ... 94
مراجع البحث ... 96
فهرس الموضوعات ... 99
ملاحظات على الكتاب:
1- أعتذر إلى كاتب هذا الكتاب من ملاحظتي عليه بتواضع أسلوبه، فقد لا يرقى إلى نشره بهذه الحال حتى يعدل ما ينبغي تعديله.
2- لقد رمزت بالرمز: */*/ إلى المواضع التي تحتاج إلى مراجعة، من حيث:
الأسلوب، المعنى، دقة التعبير، سلامة نقل النصوص...
3- هناك بعض روايات الحديث قد جاءت بالمعنى، والأولى أن تدون بنصها، وذلك برجوع المؤلف إلى كتب الحديث نفسها.
4- كثيرا ما يدمج الباحث نصوصا، قد لا تتناسب مع كلامه بشكل واضح، حتى يقتضي الأمر لَيَّ النص المقتبس أحيانا، وللقارئ أن يلاحظ ذلك.
5- تنقص الباحث آلية الربط السليم بين كلامه وما يدمجه من نصوص، بصورة لا تُشعِر القارئ بالانتقال المفاجئ.
6- هذا وقد عدلت بعض التراكيب، خصوصا التي يكثر فيها التكرار، أو الإطناب المخل. (1/95)
صفحة 96
7- كما يلاحظ من خلال أسلوب الكاتب إبراز نفسه بصورة سلبية أحيانا، مثل قوله مرارا: بيَّنتُ، ذكرتُ لك... وما إلى ذلك من ألفاظ الذات.
ولا أقصد من هذه الملاحظات إلا زيادة القيمة العلمية للدراسة، فليعذرني الباحث أولا وأخيرا. (1/96)