صفحة 1
الكتاب: تفسير سورة العصر لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) تفسير سورة العصر
لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام سلطنة عمان
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
الحمد لله الذي خلق فسوى و قدر فهدى و له الآخرة و الأولى، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد و أثني عليه، و أستغفره من جميع الذنوب و أتوب إليه، و أومن به و أتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من يطع الله و رسوله فقد رشد، و من يعص الله و رسوله فقد ضل ضلالاً مبينا. و أشهد أن سيدنا و نبينا محمد عبد الله و رسوله، أرسله الله بالطريقة السواء و الشريعة السمحاء، و الحقيقة الناصعة البيضاء، و الملة الحنيفية السمحاء، فبلغ الرسالة، و أدى الأمانة، و نصح الأمة، و كشف الغمة. فصلوات الله و سلامه عليه و على آله و صحبه أجمعين و على تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: (1/1)
صفحة 2
فالسلام عليكم أيها المؤمنون و رحمة الله و بركاته. أحييكم هذه التحية الطيبة، تحية الإسلام و السلام، تحية الإيمان و الأمان، تحية الله لعباده في دار السلام، و تحيتهم فيما بينهم هنالك عندما يكرمهم الله سبحانه و تعالى بجواره في مقعد صدق. و أهنئكم بهذه المناسبة ، مناسبة اجتماعكم في هذا المسجد الشريف مع شباب هذا القطر لأجل ربط الصلة ما بين هؤلاء الشباب و مبادئهم و قيمهم، إذ المساجد في الأرض إنما هي بيوت الله و عمارها هم زوار الله سبحانه، و حق على المزور أن يكرم زائره. و إن الله عز و جل قد أرسل رسله بالهدى و دين الحق، و قد اختتم رسالات أولئك الرسل جميعا برسالة النبي الخاتم محمد عليه و على آله و صحبه أفضل الصلاة و السلام. و قد جعل الله رسالته رسالة تدور حول المسجد، و من أجل ذلك فإن الله عز و جل عندما أراد أن يكرمه بما لم يكرم به سواه جعل رحلته في هذه الأرض تنطلق من مسجد و تنتهي في مسجد، ثم جعل رحلته الثانية من الأرض إلى السماوات العلى تبدأ في مسجد أيضا.
و في هذا ما يؤذن بأن رسالته- صلى الله عليه و سلم- تدور في فلك المسجد. و عندما هاجر رسول الله – صلى الله عليه و سلم – إعتنى أول ما اعتنى بالمسجد، فأسس مسجد قباء في طريقه قبل أن يستقر في قراره بدار الهجرة.
ثم عندما استقر شرع أول ما شرع في تأسيس المسجد، و ذلك إنما لأن هذه المساجد إنما هي بيوت الله في أرضه (( في بيوت أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار)). (1/2)
صفحة 3
و إن مما عني به النبي- صلى الله عليه و سلم- عناية بالغة تربية الشباب، فقد ربى الشباب على الإيمان بالله و على تعاليم القرآن، و على حسن العبادة لله عز و جل و على القيام بما كلفهم الله تعالى القيام به، و على الرغبة في معالي الأمور و الترفع عن سفاسفها. و الشباب مرحلة من مراحل العمر تمتاز عن بقية المراحل بكونها مرحلة تطفح بالطموحات، و تتميز بالطاقات المتنوعة. فجدير بالشباب أن يكون مستهدفا من دعاة الخير كما أنه أيضا مستهدف من قبل دعاة الشر.
و النبي- صلى الله عليه و سلم – بين أن هذا الشباب يسأل عنه العبد يوم القيامة، أي هذه المرحلة هي مرحلة لا تمر هكذا، بل يسأل عنها العبد يوم القيامة كما يسأل عن سائر عمره. يسأل عن كل جزء من عمره ، و لكن هناك سؤال خاص يتعلق بالشباب لما تمتاز به هذه المرحلة من المزايا المتعددة. فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي عن أبي برزة الأسلمي عن النبي – صلى الله عليه و سلم – أنه قال: " لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه ، و عن شبابه فيما أبلاه، و عن ماله أين اكتسبه و فيما أنفقه، و ماذا عمل بما علم". (1/3)
صفحة 4
و إذا كان العمر كله يسأل عنه العبد يوم القيامة، لأنه هبة الله الكبرى له تترتب عليها بقية هباته، و الشباب يسأل عنه سؤالا خاصا، و كل لحظة من العمر تمر بالإنسان لن تعود إليه أبدا، و إنما هي خطوة من خطواته التي تقربه إلى لقاء الله عز و جل و إلى لقاء جزاء ما قدم في هذه الدنيا، فإن على الإنسان أن يستبصر و يبحث عن أسباب النجاة التي تخلصه من مشكلات الحياة الدنيا و تخلصه من الشقاء في الدار الآخرة، و هذا كله جاء به الكتاب العزيز، فإن الكتاب العزيز لم يغادر شيئا مما تحتاج إليه الحياة البشرية إلا أحصاه و بوأه في مكانه الرتيب، و أظهر ما فيه مصلحة الإنسان من ذلك الأمر، و كيف يتمكن الإنسان أن يتفاعل معه تفاعلا سليما حتى يخلص من مشكلات هذه الحياة، و يخلص بالتالي من الشقاء في الدار الآخرة.
و هناك سورة من قصار سور القرآن الكريم جاءت بالخلاص كله، جاءت بما يبصر للإنسان بأسباب السلامة من مشكلات الحياة الدنيا، و من متاعب الحياة الآخرة. هذه السورة كان السلف الصالح – رضوان الله عليهم – و التابعون لهم بإحسان عندما يلتقون لا يغادر أحدهم أخاه حتى يتلوها عليه ليذكره بما فيها من توجيهات الله – عز و جل -، هذه السورة يقول الله سبحانه و تعالى فيها: (( بسم الله الرحمن الرحيم * و العصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين ءامنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر * )).
هذه السورة تبين لنا أسباب السلامة من الخسران. هذا الخسران ليس خسرانا أخرويا فحسب، بل هو خسران دنيوي و أخروي. فإن الإنسان إن لم يتعلق بهذه الأسباب كان خاسرا أيضا في هذه الحياة الدنيا. و نحن نستلهم حديثنا فب هذه الجلسة المباركة من هذه السورة الكريمة.
فأول ما بدأ الله سبحانه و تعالى به في هذه السورة أنه أقسم بالعصر. و ما هو العصر الذي أقسم الله تعالى به؟ (1/4)
صفحة 5
لعلماء التفسير في ذلك أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن المراد بالعصر هو الدهر، و ذلك لما ينطوي عليه الدهر من أحداث عظام فيها عبر للمعتبرين، و ذكرى للذاكرين. و جدير بالدهر بأن يعظم الله من شأنه حتى يقسم به لما يشهده الإنسان في هذا الدهر من تقلبات الأحوال، و بحسب الإنسان أن يشاهد ما يعاصره من أحداث عظام، فكم من رفيع يتضع، و كم من وضيع يرتفع، و كم من موجود يفقد، و كم من معدوم يوجد، و كم من غني يفتقر، و كم من فقير يستغني، و كم من ذليل يعز، و كم من عزيز يذل في هذا الدهر. فقسم الله تبارك و تعالى بالدهر يرشد إلى أن الإنسان عليه أن يعتبر بكل ما يجري في هذا الدهر من أحداث عظام. هذه الأحداث تستوقف كل ذي لب، و في مصارع القوم الظالمين في هذا الدهر ذكرى للذاكرين، و عبرة للمعتبرين (( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى)).
فالدهر تأتي صروفه بالعجائب، و عمر الإنسان يسير في هذا الدهر سيرا حثيثا من غير أن يتوقف في أي لحظة من لحظاته، سواء كان هذا الإنسان في نوم أو يقظة، كان في حركة أو سكون، كان في ذكر أو غفلة، كان في راحة أو تعب. هذا السير الحثيث لا يتوقف، فالناس مثلهم كمثل ركاب القاطرة تسير بهم سيرا حثيثا من غير أن يتوقف، و لكن كل من انتهى منهم إلى حده خر منها من غير أن يتوقف سيرها. أو مثلهم كمثل السجناء الذين حكم عليهم جميعا بالإعدام، و هذا الحكم لا تردد فيه، و لكن لا يدري أحدهم متى ينفذ. (1/5)
صفحة 6
و قيل أن المراد بالعصر هنا هو عصر النبوة، و هو أيضا جدير بأن يعظم الله من شأنه، و أن يرفع من قدره، و أن يقسم الله تعالى به لأجل الدلالة على عظم شأنه و علو قدره، فإنه عصر ميزه الله سبحانه و تعالى بما ميزه به من نزول الوحي على قلب النبي الأمي محمد بن عبدالله – صلوات الله و سلامه عليه – ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، و من العمى إلى البصيرة، و من الشك إلى اليقين، و من التفريق إلى الإجتماع. فكانت دورة تأريخية ما عرفها التأريخ في أي عصر من العصور.
و يفرق بين هذا القول و القول الذي قبله أن الـ ( ال) على القول السابق هي من الجنس أي جنس العصر، بحيث يدخل في ذلك كل عصر من عصور الدهر. أما على هذا القول ف ( ال) للعهد الذهني في قول (( و العصر)).
و قيل بأن المراد بالعصر الليل و النهار. و العرب تسمي الليل و النهار ( العصرين)، و الشاهد على ذلك قول الشاعر:
و لن يلبث العصران يوم و ليلة *** إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
و من شأن العرب أن تعبر أحيانا عن المثنى بصيغة الإفراد كما يقول الشاعر:
إذا ما القارض العنزي عاد..
مع أنه من المعلوم أن المثل عندهم ( حتى يعود القارضان)، و لذلك أطلق العصر على العصرين أي الليل و النهار في هذا القسم لأجل مراعاة هذا المعنى.
و جدير أيضا بالليل و النهار أن يقسم الله تبارك و تعالى بهما، فإنهما مطية الإنسان التي تسير به هذا السير الحثيث الذي لا يهدأ و لا يفتر في أي وقت من الأوقات. ثم إن الليل و النهار هما اللذان يأتيان بكل عجيب بمشيئة الله سبحانه و تعالى، ففي هذا الدوران المستمر الذي يدوره الليل و النهار تحدث الأعاجيب، و يقع ما لم يكن في الحسبان، و في ذلك معتبر لأولى الألباب. و في هذا القسم أيضا حث على هذه الأفكار لأن تستبصر بما يجري في الليل و النهار، حتى يكون الإنسان على بينة من الأمر. (1/6)
صفحة 7
و قيل بأن المراد بالعصر وقت العصر، و هو وقت له شأن عظيم، لأنه وقت يؤذن بانتهاء النهار و إقبال الليل، و في ذلك من العبر ما لا يخفى على ذي البصيرة، و هو وقت أيضا تجتمع فيه ملائكة الليل و ملائكة النهار كما جاء في الحديث.
و قيل بأن المراد بالعصر صلاة العصر، و هذا كما يقول أحدنا: صليت الظهر، أي صليت صلاة الظهر . أو صليت العصر: أي صليت صلاة العصر. فيطلق على صلاة العصر لفظ العصر.
و جدير بصلاة العصر أيضا أن يقسم الحق تبارك و تعالى بها، لأنها -كما جاء في بعض الروايات- هي الصلاة الوسطى . و قد قال بذلك ملأ من الناس، فقد جاء في الحديث عن النبي – صلى الله عليه و سلم – أنه قال في المشركين في يوم الخندق: " قد شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم و أجوافهم نارا". و قد روي عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله تعالى عنها- أنها أملت على كاتبها بأن يكتب في مصحفها ( حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى صلاة العصر)، و هذه الكتابة إنما هي من باب التفسير لا من باب الزيادة في القرآن، هذا تفسير من أم المؤمنين للمراد بالصلاة الوسطى.
و مهما يكن المراد فإن لله سبحانه و تعالى أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، و عندما يقسم الله سبحانه و تعالى بأي شيء من الأشياء يلفت انتباه الناس إلى طوايا أسراره بذلك الشيء الذي أقسم به. و ليس للإنسان أن يقسم بأي شيء ، بل على الإنسان أن يحصر قسمه فيما أباح الله تعالى له القسم كما جاء في الحديث عن الرسول – صلى الله عليه و سلم – أن يقسم بالله و أسمائه الحسنى و صفاته العليا.
و القسم يفيد تأكيد الخبر الذي يليه، فالأمر الذي أقسم الله تعالى عليه هنا هو أن الإنسان في خسر. (1/7)
صفحة 8
و هنا سؤال يطرح نفسه: كيف يكون الإنسان في خسر و هو الذي استخلفه الله تبارك و تعالى في الأرض، و آتاه ما آتاه من مواهبه، و أفاض عليه نعمه و فضله تفضيلا،و هو القائل عز من قائل: (( و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا))، و هو القائل سبحانه و تعالى: (( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا))، و هو الذي قال: (( و سخر لكم ما في السماوات و ما في الأرض جميعا منه))؟!
و الجواب: إن الإنسان إنما يكون خاسرا إن لم يؤدي الحق فيما استخلف به، فهو أمين من قبل الله سبحانه و تعالى في هذه الأرض. هذه الأمانة عليه أن يضطلع بها بحزم و عزم، و أن يقوم بواجباتها من غير تفريط فيها، فالله سائله عنه، و هي ليست بالأمانة الهينة، فقد أخبر الله عنها أنها ثقلت على السماوات و الأرض و الجبال، فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان.
فإذا كان الإنسان يتحمل أمرا عظم هذا الأمر على السماوات و الأرض حتى أشفقن من تحمله، فإنه جدير به أن يكون مستبصرا في أمره مشفقا على نفسه، مراعيا حق مستخلفه و هو الله سبحانه و تعالى.
فليس للإنسان أن يتصرف في أي شيء بموجب ما يملي عليه هواه، إنما عليه أن يراعي حق مستخلفه. فإن لم يقم الإنسان بهذا الواجب على النحو الذي أمره الله سبحانه و تعالى به أدى ذلك إلى عدم الإنسجام بينه و بين حركة هذه الأرض التي هو مستخلف فيها، بل يؤدي ذلك إلى عدم إنسجام حركته مع حركة هذا الكون بأسره، فإن هذا الكون كله يجري بمشيئة الله على سنن أرادها الله سبحانه و تعالى، و قد أخبر الله عنه بقوله: (( تسبح له السماوات السبع و الأرض و من فيهن و إن من شيء إلا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم)). و أخبر الله سبحانه و تعالى عن هذا الكون بقوله: (( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات و من في الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الدواب و كثير من الناس)). (1/8)
صفحة 9
فإذن هذا الكون بأسره يسبح بحمد الله ، و يخضع ساجدا لجلال الله عز و جل، لا تخرج حركة ذرة من ذراته عن أمر الله سبحانه و تعالى. فإذا أطاع هذا الإنسان ربه، و استجمع هذه الخصال التي جعلها الله سببا لنجاته من الخسران، كان هناك تآلف و توائم بينه و بين حركة هذا الكون. أما إن كان أمره بخلاف ذلك، و ذلك أن يشذ هذا الإنسان على نظام الكون بحيث يتمرد على ربه و يتكبر على طاعته سبحانه و تعالى، فلا ريب أنه يحصل نشاز و اضطراب بين حركته و حركة هذا الكون. و هنا يصطدم هذا الإنسان بالكون.
ومن أجل ذلك فإننا نشاهد أولئك الذين حرموا نعمة الإيمان يحسون إحساسا من أعماق أنفسهم بهذه العداوة بينهم وبين نظام هذا الكون، ويتجلى ذلك في عباراتهم التي _ مع الأسف الشديد- أصبح المسلمون يتلقفونها من ألسنتهم ويبادلونها فيما بينهم. من هذه العبارات ( قهر الطبيعة)، قال: فلان قهر الطبيعة! سبحان الله! كيف يستطيع الإنسان أن يقهر الطبيعة والطبيعة طبعها الله تبارك وتعالى!
وهذا التعبير يدل على أنهم يحسون بعداء بينهم وبين الطبيعة. ومن هذه العبارات مثلا: ( غزو الفضاء).يقولون: الإنسان غزى الفضاء. من هذا الإنسان الذي يستطيع أن يغزو فضاء نظمه الله تبارك وتعالى بأمره على حسب ما أراد؟! وإنما عليه أن يقول: خرج هذا الإنسان إلى الفضاء. إلى ما وراء ذلك من العبارات التي يرددونها، وما ذلك إلا نتيجة عدم رسوخ الإيمان في قرارة نفوسهم، وعدم فهمهم لحقيقة هذا الكون الذي سخره الله تعالى بأمره. (1/9)
صفحة 10
ثم إن الإنسان إن لم يكن مؤمنا بالله سبحانه وبما فرض الله عليه الإيمان به،وإن لم يكن ناهجا هذا النهج الذي فرض الله عليه أن ينهجه لا بد من أن يحصل اضطراب بينه وبين بني جنسه، فإن الناس في هذه الحياة الدنيا متشابكة مصالحهم، متداخلة منافعهم. وكل فرد من أفراد الجنس البشري بحاجة إلى سائر أفراد جنسه. ولا تستثنى طبقة من الطبقات من هذا النظام البشري الذي أوجده الله سبحانه وتعالى؛ فالحكام مثلا هم بحاجة إلى جميع طبقات الناس، هم بحاجة إلى الوزراء، هم بحاجة إلى المستشارين، هم بحاجة إلى الخبراء في شتى المجالات، هم بحاجة إلى الإداريين، هم بحاجة إلى رجال القضاء، هم بحاجة إلى شرطة، هم بحاجة إلى الجنود، هم بحاجة إلى الحرس، هم بحاجة إلى الصناع أصحاب الصناعات المختلفة، هم بحاجة إلى الخدم، هم بحاجة إلى كل ذي حرفة وكل ذي عمل.
وكون الناس بعضهم بحاجة إلى بعض أمر يترجم ما أراده الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان أن تكون حياته حياة إجتماعية بحيث لا يستقل كل فرد من أفراد الجنس البشري بمصالحه. إذ لو كان هنالك استقلال من كل فرد بمصالحه لأدى ذلك إلى تفكك هذا الرباط بين الناس وانحلال هذه الوشائج التي تصل بينهم.
وإذا كان الناس منافعهم متداخلة، ومصالحهم متشابكة، وهم بجانب ذلك جبلوا على حب الخير لأنفسهم، فكل أحد يحب الخير لنفسه، لا بد من أن يكون هنالك تدافع وتجاذب؛ والتدافع والتجاذب قد يؤديان إلى مشكلات خطيرة فيما بين البشر حتى تفضي إلى حروب طاحنة تزهق فيها الأرواح وتسفك فيها الدماء وتنتهك فيها الأعراض، ويباد فيها الأخضر واليابس. (1/10)
صفحة 11
ولكن إن وجدت العقيدة الراسخة في النفس، ووجهت الإنسان الوجهة الصحيحة التي أمره الله عز وجل أن يتجهها، إستطاع هذا الإنسان أن يستعلي على رغبات نفسه، وأن يسيطر على نزواته، وأن يرعى مصالح الآخرين من جنسه كما يرعى مصالح نفسه. وبصرته هذه العقيدة بأن مصلحته ليست هي في الإستبداد والأنانية، وإنما مصلحته في أن يحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه.
وهذه الأسباب التي تنتشل الإنسان من هذا الخسران في الدنيا ومما يترتب عليه من الخسران في الدار الآخرة إنما هي أربعة أسباب ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذه السورة. ونحن نحاول أن نتحدث عن هذه الأسباب بشيء من الإيجاز.
السبب الأول هو الإيمان. والإيمان عنصر فعال في حياة الإنسان؛ وبدون الإيمان يفقد الإنسان كل قيمة من قيمه، كما أنه يصبح في هذه الحياة حائرا مترددا لا يعرف من أين جاء، ولا إلى أين يذهب، وماذا عليه أن يعمل في حياته هذه التي هي بين المبدأ والمصير.
ولكن الإيمان هو الذي يحل كل هذه الألغاز، وهو الذي يبصره بأمره، هو الذي يرفع حيرته، هو الذي ينتشله من هذا الضياع. وحسبكم دليلا على قوة الإيمان الفاعلة تأثير هذا الإيمان في سحرة فرعون. ماذا كان هدفهم قبل أن يلامس الإيمان شغاف قلوبهم، وما هو مطمع أبصارهم آنذاك؟ قد كان همهم محصورا في المنافع المادية فحسب، ولذلك قالوا لفرعون عندما جاءوا إليه: (( أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين)). ولكن عندما وقر الإيمان في قلوبهم، وفتح بصائرهم، وأرهف حسهم، وبصرهم بحقيقة هذه الحياة، وحقيقة ما بعدها، ماذا قالوا لفرعون مصر؟ قالوا له: (( لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا)). (1/11)
صفحة 12
هذا الإيمان نفسه هو الذي حول العرب مما كانوا فيه وعليه من الضلالة والضياع والتشتت والأنانية والغطرسة والفساد في الأرض إلى ما انتقلوا إليه حتى صاروا قادة الأمم في الخير، إجتمعت كلمتهم على حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكانوا أرحم الناس بالناس، يصفهم الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي عندما كانوا في حالة لم يلامس الإيمان فيها شغاف قلوبهم فيقول: ( كانوا بين راع للغنم، وداع للصنم، وعالم على وهم، وجاهل على فهم، وإنسان كأنه من شره آلة لفناء الإنسان، وشيطان كأنه من خبثه مادة من جنس الشيطان).
ولكن بعد ذلك تحولوا إلى وضع معاكس وطبيعة مخالفة لما كانوا عليه، حتى صاروا كما يصفهم الأستاذ نفسه: ( صاروا كأنما جاء هذا القرآن الكريم الذي هو مصدر هذا الإيمان فأمسك بأديم الأرض في الجزيرة العربية من طرفها ونفضها تحت شعاع الشمس، فتفرقت ذراتها على الأرض وإذا بعربي خلف كل ذرة يحمل كتاب الله إلى عباد الله). (1/12)
صفحة 13
هذا الإيمان هو الذي جعل المهاجرين لا يبالون بما يتركونه وراء ظهورهم من مال وأهل وولد في سبيل نصرة الله ورسوله. وهذا الإيمان هو الذي جعل الأنصار تتفتح قلوبهم لاستقبال إخوانهم المهاجرين في دار الهجرة مع أنها دار محدودة المساحة ومحدودة الموارد، ومن شأن الناس أن يضيقوا ذرعا بالمهاجرين، لأنهم يشاركونهم في خيراتهم ويضايقونهم في أرضهم. ولكن الأنصار كانوا بخلاف ذلك، فكانوا يحبون من هاجر إليهم، وقد أثنى الله عز وجل على هؤلاء وهؤلاء ثناء يتلى بلسان الدهر ما بقي الدهر، حيث قال: (( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)) أي وصف أبلغ من هذا الوصف!! كيف أخرج هذا الإيمان جيلا من البشر كأنما هم مخالفون للبشر في طباعهم، أو كأن هذا الإيمان طوى هؤلاء الناس طيا، ونشرهم بعد ذلك نشرا بطباع غير طباعهم، وصفات غير صفاتهم.
هذا الإيمان هو الذي جعل الخنساء تحمد الله تبارك وتعالى على أن تقبل أولادها شهداء في سبيله بعدما كانت تنوح على أخيها ذلك النواح، وتلبس الصدار وتشق الجيب، وتحلق الشعر وتفعل ما تفعله من أجل موت أخيها!! هذا الإيمان هو الذي ألف بين العرب والعجم، فتآخوا في سبيل الله مترابطين من أجل نصرة الله تبارك وتعالى ونصرة رسوله – صلى الله عليه وسلم- من غير التفات إلى تمييز أو عنصرية.
فما هو هذا الإيمان الذي يقيم الإنسان في حياته على نهج سوي ثم بعد ذلك يكفل له السعادة في الدار الآخرة؟؟ (1/13)
صفحة 14
كلمة الإيمان من حيث المدلول اللغوي هي بمعنى التصديق، وهي مأخوذة من الأمن، كأن المصدق آمن محدثه التكذيب عندما صدقه، ولكن هي من حيث المدلول الشرعي تصديق بقضايا معينة تصديقا تتفاعل معه النفس البشرية حتى تكون في كل جزء من أعمالها غير خارجة عما يقتضيه هذا التصديق.
والله سبحانه وتعالى بين جوهر الإيمان من خلال إخباره عن صفات المؤمنين، فقد قال عز من قائل: (( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا )).
هذا حصر : (( أولئك هم المؤمنون حقا))، حصر بتعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما. ويقول تعالى: (( قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون *))، ويقول سبحانه : (( إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)). (1/14)
صفحة 15
والنبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن الإيمان فيقول كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان من طريق أبي هريرة رضي الله عنه : " الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياة شعبة من الإيمان".ونستطيع أن نقول بأن ذكر هذا العدد لا يفيد الحصر، ولذلك جاء في رواية أخرى عند مسلم من طريق أبي هريرة أيضا : " الإيمان بضع وسبعون شعبة "، وقد أفاد قوله صلى الله عليه وسلم: " أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان " أن الإيمان ينطوي على العقيدة والعمل والأخلاق.
فالعقيدة رمز إليها بقوله: " أعلاها كلمة لا إله إلا الله "، فإن ( لا إله إلا الله) هي قاعدة العقيدة الحق، والعمل رمز إليه بقوله: " وأدناها إماطة الأذى من الطريق "، والخلق رمز إليه بقوله : " والحياء شعبة من الإيمان ".
وجاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان من طريق أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف به في النار ". (1/15)
صفحة 16
أول هذه الخصال الثلاث التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام : (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). وجدير بالمؤمن أن يحب الله سبحانه وتعالى محبة تفوق محبة كل شيء، وجدير به أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة تفوق حبه لجميع الناس، وذلك لأن الحب ينشأ غالبا عن أمرين اثنين: فإما أن يحب الإنسان غيره لاعتقاده عظمة ذلك المحبوب وتفوقه عليه، وإما أن يحبه لبسط يده إليه بالإحسان. وعلى كلا الأمرين فإن الله سبحانه وتعالى هو أحق بأن يحب من كل شيء، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سخر هذا الوجود بأسره من أجل الإنسان، فخلقه هذا الكون دليل عظمته، فهو الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هو خالق هذا الوجود، هو الذي سخر كل ذرة من ذراته فلا تخرج عن أمره، هو الذي يحيط بهذا الوجود علما وحكما، هو القاهر من كل ما عداه، فهو سبحانه وتعالى لا يكتنف عظمه ولا يحاط بقدرته، وبجانب ذلك سخر هذا الوجود لمصلحة الإنسان، فمن أحق منه بالمحبة!!.
والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، ولم يقل الحق سبحانه وتعالى رحمة للناس أو رحمة من في الأرض أو رحمة لقوم أو رحمة لجنس، بل قال ( للعالمين)، وفي هذا ما يدل على أن كل ذرة في هذا الكون مغمورة بهذه الرحمة ومشمولة بهذه النعمة، ذلك لأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تستهدف الإنسان، وصلاح الإنسان يترتب عليه صلاح هذا الكون، لأن الله تعالى جعل الإنسان خليفة في الأرض، وقطبا في هذا الكون تدور عليه رحاه.
وهو عليه أفضل الصلاة والسلام يفوق سائر البشر، قد اجتمع فيه ما تفرق في غيره من الكمالات البشرية، وهو جدير بأن يحب لعظم شأنه، وهو جدير لأن يحب لما جرى على يديه من خير عظيم لهذه الإنسانية. (1/16)
صفحة 17
وإذا كان من شأن الإنسان المحب أن يسارع في هوى محبوبه حتى يذوب هواه في هواه، فإن الإنسان الذي يجب الله ورسوله لا بد من أن يترجم هذا الحب بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بد من أن يتفاعل هذا الإنسان مع كل أمر من الله تعالى، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول الحق سبحانه: (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ))، ويقول تعالى: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما )). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين "، وفي رواية: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ". ويقول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام في رواية أخرجها البزار : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين في هذا الحديث الذي تحدثنا عنه أولا ما يجده المؤمن ويتذوقه من حلاوة الإيمان، وما ينتج عن ذلك من تفاعلات أولها: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ثانيهما: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وذلك أن المؤمن يحب أخاه حبا جما، فمحبته له إنما هي بسبب صلته بالله سبحانه وتعالى، لا تكون لمنفعة مادية ولا لمصلحة دنيوية، إنما من أجل تلك الصلة التي تصلهما جميعا بالخالق العظيم سبحانه وتعالى، فهذا الحب ناشئ عن حب الله سبحانه وتعالى. ثالث ذلك: أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ذلك لأن الكفر – والعياذ بالله – يؤدي به إلى النار. (1/17)
صفحة 18
ويبين النبي صلى الله عليه وسلم حالة المؤمن فيقول كما جاء في الصحيحين في رواية أنس أيضا: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "، والحديث يجسد الحالة التي يكون عليها المؤمنون ،كيف يؤاخي هذا الإيمان بين عباد الله المؤمنين حتى يكونوا جميعا قلوبهم كقلب رجل واحد، وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أروع التمثيل عندما قال: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ".
فإذن نستخلص من ذلك أن الإيمان هو عقيدة راسخة يتفاعل معها المؤمن حتى تكون أعماله كلها ترجمة لهذا الإيمان وتصديقا له. فليس من الإيمان في شيء أن يؤثر الإنسان هوى نفسه على طاعة ربه، وأن يحرص على أن يستبد بالمصلحة لنفسه وينسى إخوانه في ذات ربه فإن ذلك مما ينافي هذا الإيمان، وحسبكم أن السلف الصالح كانوا يعدون مخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى منافية للإيمان في أي شيء، فعندما أبصرت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها إمرأة قد لبست ثيابا رقاقا، قالت: (ما آمنت بسورة النور إمرأة تلبس هذي الثياب). ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل، فإن الله عز وجل عندما ذكر بني إسرائيل وذكر قبولهم لما جاء في بعض التوراة، وإعراضهم عن بعض ما جاء فيها قال: (( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض))، فجعل هذا الرفض لبعض أوامر الله سبحانه وتعالى في الكتاب كفرا بالكتاب.
وإذا عدنا إلى ما يقوله السلف الصالح في الإيمان نجد أن آراء السلف منطبقة تمام الإنطباق على مفهوم الإيمان في الكتاب ومفهوم الإيمان في السنة النبوية، فقد أخرج أبو القاسم ( الدالجائي) بسنده إلى الإمام البخاري أنه قال: ( أدركت نحو ألف من السلف وما وجدتهم يختلفون في كون الإيمان قولا وعملا )، أي علماء السلف هكذا كانوا يرون أن الإيمان قول وعمل. وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره أن غير واحد من علماء السلف حتى انعقاد الإجماع على ذلك. (1/18)
صفحة 19
وقد يسأل سائل: كيف يعطف العمل الصالح على الإيمان؟!! وقد يتساءل بعض الناس إن كان الإيمان يندرج فيه العمل فكيف يعطف عليه كما جاء في مواضع من الكتاب العزيز، ومن هذه المواضع هذه السورة؟! والجواب: ما قاله بعض المحققين من المفسرين هو أن الإيمان إن عطف عليه العمل كان بمعنى العقيدة، وإن ذكر مطلقا كان بمعنى العقيدة والعمل.
على أننا يجب أن ننظر في أركان هذه العقيدة، وكيف تجعل الإنسان يتفاعل معها هذا التفاعل بحيث تكون أعماله مترجمة لهذه العقيدة. فالإيمان المطلوب من الإنسان هو ما أخبر به حديث جبريل عليه السلام عندما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سأله عن الإيمان: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ". فالإيمان بكل واحد من هذه الأركان الستة يقتضي التفاعل التام مع أمر الله سبحانه وتعالى. ذلك لأن الإيمان بالله سبحانه وتعالى إنما هو إيمان بالخالق الرازق المبدع المعيد الفعال لما يريد الذي يفتقر إليه كل شيء في الوجود، وهو غني عن كل موجود، وهذا الإيمان بطبيعة الحال يدفع بالإنسان إلى طاعته لربه تعظيما له سبحانه وتعالى، ورجاء لفضله وخوفا من عقابه.
والإيمان بملائكة الله سبحانه إنما هو إيمان بخلق من خلق الله سبحانه، خلق لا يقعون تحت الحس البشري، أي لا نراهم بأعيننا ولا نسمعهم بآذاننا، ولكن علينا أن نؤمن بهم، وإيماننا بهم إيمان بالغيب الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به. هؤلاء الملائكة جاء وصفهم في كتاب الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة، منها قوله عز وجل: (( بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ))، وقول سبحانه: (( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ))، وقوله: (( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون )). (1/19)
صفحة 20
والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر عظم خلقهم، فيما ذكره من ذلك أنه عليه أفضل الصلاة والسلام أخبر أنه لم يرى جبريل في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين؛ رآه هابطا من السماء سادا عظم خلقه بين السماء والأرض. هذا يعني أن للملائكة طبيعة خاصة في تكوينهم، فهم يفوقوننا في الخلق، ولكنهم مع ذلك خاضعون لأمر الله يسبحون الله والنهار لا يفترون. فجدير بنا نحن الضعاف أن نكون أقرب من الله سبحانه وتعالى، وأن نكون أحرص على طاعته مع ما بنا من ضعف. ومع هذا أيضا فإن للملائكة أعمال متعددة؛ من بين هذه الأعمال تسجيل ما يصدر من الإنسان كما يقول سبحانه وتعالى: (( كلا بل يكذبون بالدين * وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون * ))، ويقول سبحانه: (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد *)). وإذا كان من شأن الإنسان أن يخاف الرقباء الذين يرقبونه لتسجيل أعماله ونقلها إلى من يفوقه قوة من البشر، كما إن من شأن البشر أن يخافوا من رجال المخابرات، وأن يطلعوا على ما يخالف سياسة الدولة من تصرفاتهم وأعمالهم، فما أجدر هذا الإنسان أن يخشى بأن ترى هذه الملائكة من تصرفاته وأعماله ما يخالف أمر ربه عز وجل، وأن يسجل ذلك عليه في صحيفته!!.
والإيمان بكتب الله تعالى يستدعي الإتباع لما في تلك الكتب، وهذه الكتب جميعا قد جمع ما فيها من هداية في هذا القرآن العظيم. فعلينا أن نترجم إيماننا بها باتباعنا لهداية القرآن، وعدم تفريطنا في شيء مما جاء في القرآن الكريم. والله سبحانه وتعالى وصف الذين يؤمنون بآياته بقوله: (( إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * )) هذا هو إيمان المؤمنين حقا بالكتاب. (1/20)
صفحة 21
والإيمان بالرسل يقتضي بطبيعة الحال حسن الإقتداء بأولئك الرسل، فإنهم ميزوا على بقية البشر وإن كانوا من جنس البشر، بكونهم أوفر البشر عقلا، وأطهرهم سريرة، وأحسنهم سريرة، وأعدلهم سلوكا، وأتبعهم لأمر الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء الرسل هيمنت الرسالة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم على ما جاء في رسالاتهم جميعا، إذ جمعت ما تفرق في تلك الرسالات. وهو عليه أفضل الصلاة والسلام -كما قلت- أرقى البشر من كل ناحية من النواحي، وقد اعترف بذلك حتى خصومه الألداء، حتى الملاحدة إعترفوا بعلو قدر النبي صلى الله عليه وسلم سواء الذين تقدموا أو الذين جاءوا من بعدهم.
من أمثلة هؤلاء الملاحدة ( شبل شبيب) ، وهو رجل كان نصرانيا كاثوليكيا ثم بعد ذلك ألحد، وصار لا يؤمن بأي دين من الأديان، ومع ذلك اعترف بعظمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يفوق جميع البشر، وجزم أنه لن يأتي من بعده – صلى الله عليه وسلم – من هو مثله؛ وذلك أن شبل شبيب كان يقرأ مجلة ( المنار) التي كان يحررها العلامة الكبير السيد محمد رشيد رضا بمصر، وكانت هذه المجلة فيها صفحات مخصصة لذكر مناقب النبي صلى الله عليه وسلم. فعندما اطلع على هذه الصفحات التي تتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتب إلى السيد رشيد رضا رسالة مختصرة يقول فيها:
( إلى غزالي عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار،،،
أنت تنظر إلى محمد كنبي وتجعله عظيما، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم، ونحن وإنا كنا في الإعتقاد الديني أو المذهب الديني على طرفي نقيض، فإننا يجمع بيننا العقل الواسع والإخلاص في العمل، وذلك أوثق لعرى المودة بيننا.
( الحق أولى أن يقال ) تحت هذا العنوان كتب هذه الأبيات:
دع من محمد في سدى قرآنه ... ... ما قد نحاه للحمة الغايات
إني وإن أك قد كفرت بدينه ... ... هل أكفرن بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من ... ... حكم الرواد عن الهوى وعظات (1/21)
صفحة 22
وشرائع لو أنهم عقلوا بها ... ... ما قيدوا الأمران بالعادات
نعم المدبر والحكيم وإنه ... ... رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحجا رجل السياسة والدها ... ... بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد غلب النهى ... ... وبسيفه أنحى على الهامات
من دونه الأبطال في كل الورى ... ... من سابق أو حاضر أو آت) اهـ.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم البشر حتى باعتراف أعدائه، ونحن لسنا بحاجة في أن نعرف عظمته من خلال قرائتنا لما كتبه أعداء الحق والدين، ولكن في ذلك شهادة عليهم وحجة عليهم نلزمهم بها ، فإن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أولى بالإتباع والتأسي، والله تعالى يقول: (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )).
والإيمان باليوم الآخر إنما هو إيمان بالمنقلب الذي ينقلب إليه الإنسان، ويلقى فيه جزاء ما تقدم. هذا الإيمان يجعل الإنسان بطبيعة الحال يستعلي على ما في نفسه من شهوات ورغبات ويستطيع أن يضبط غرائزه به ضبطا محكما حتى يقود نفسه إلى طريق السلامة، فتكون هذه الغرائز عوامل خير بدلا من أن تكون معامل هدم. ولذلك فإن الله تعالى عندما يؤكد أمرا أو نهيا يقرن ذلك بالإيمان بالله واليوم الآخر، وكذلك رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.
فالإيمان بالله هو إيمان بالمبدئ، ويستوجب بطبيعة الحال القيام بحقوق المبدئ، ولكن قد تؤثر على النفس البشرية عوامل هذه الحياة الدنيا فتنسيها هذا الحق الواجب، إلا أن إيمانه باليوم الآخر يجعل هذه النفس ترجع إلى ما يقتضيه إيمانها بربها، وتقوم بحق الله عز وجل خشية من عقابه وطمعا في ثوابه. (1/22)
صفحة 23
والإيمان بالقدر خيره وشره يجعل الإنسان يتلقى كل ما يصيبه في هذه الحياة برحابة الصدر وبقوة الإيمان، لأنه يدرك أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن في كل ما يصيبه خيرا عاجلا كان أم آجلا، فإن في ما يصيبه عبرة له، فإن اعتبر وادكر ورجع إلى منهاج الله سبحانه وتعالى فاز بسلامة الدنيا وسعادة العقبى.
ننتقل الآن باختصار إلى الحديث عن العمل : (( إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ))، أي وعملوا الأعمال الصالحات، فالصالحات وصف لموصوف لم يذكر، أو أن الصالحة نفسها صارت في مكان الموصوف كما تطلق السيئة على العمل المخالف لأمر الله سبحانه وتعالى مع أنها في حقيقتها وصف للعمل.
والعمل الصالح كما سبق الحديث إنما هو كالظل للإيمان، لا ينفك الإيمان عن العمل الصالح، بل لا بد من أن يكون المؤمن جامعا ما بين إيمانه بما فرض الله تعالى عليه لأن يؤمن به، وما بين هذه الأعمال الصالحات. (1/23)
صفحة 24
والأعمال الصالحة إنما تقاس بمقاييس الحق التي أنزلها الله سبحانه، وتوزن بموازين العدل، فالعمل الصالح لا يرجع إلى مقاييس البشر؛ ذلك لأن عقول البشر القاصرة هي أقل وأحقر من أن تستطيع أن تحدد العمل الصالح، فإن العقول البشرية لا يمكن أن تكتنف جميع الحقائق. والعقل هو طاقة محدودة كما أن البصر طاقة محدودة، فالبصر يبصر الشيء القريب ولا يبصر الشيء البعيد، ويبصر ظواهر الأشياء دون بواطنها، وتحول بينه الحواجز عن إبصار ما وراءها. فكذلك العقل، العقل طاقة محدودة. هنالك حواجز نفسية تحول بين هذا العقل وبين الوصول إلى كثير من الحقائق. ويستطيع أن يدرك ما كان قريبا منه ، ولكن لا يستطيع أن يدرك ما كان بعيدا عنه. والعقل البشري يتأثر بمؤثرات كثيرة منها مؤثرات نفسية، ومنها مؤثرات إجتماعية، ولذلك فإن البشر يتفاوتون في الإستحسان والإستقباح، فقد تستحسن طائفة من الناس عاشت في بيئة معينة أمرا معينا، وتستقبح ذلك الأمر نفسه طائفة أخرى عاشت في بيئة أخرى، وذلك لتأثير البيئة.وقد تكون هذه العوامل المؤثرة نفسيا، فيختلف إثنان في الإستحسان والإستقباح، مع أنهما نشآ في بيئة واحدة وتربيا في بيئة واحدة.
وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من أن يكون تحديد العمل من غير هذا العقل البشري القاصر المحدود، أي تحديد العمل الصالح. فالتمييز ما بين العمل الصالح والعمل الفاسد إنما يرجع إلى شريعة الله سبحانه وتعالى، فما وافق الحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى هو من الأعمال الصالحة، وما خالف الحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى هو من الأعمال السيئة. (1/24)
صفحة 25
والسبب الثاني هو التواصي بالحق، فإن البشر – كما قلت – هم لهم طبيعة خاصة بحيث يحيون حياة إجتماعية تلتقي فيها مصالحهم، وتتداخل فيها منافعهم، فلا بد من أن يحرص كل أحد على استقامة غيره كما يحرص على استقامة نفسه. ومن أجل ذلك كان التواصي بالحق ضرورة من ضرورات الحياة البشرية لأجل الوصول لسلوك الناس إلى الغاية التي يطمح إليها وهي الفوز برضوان الله سبحانه وتعالى، بحيث تكون أعمال الناس مفضية إلى رضوان الله تبارك وتعالى. وهذا إنما يتم بإرشاد كل إنسان لغيره، وتبصير كل إنسان لغيره حتى يتقي كل أحد ما يجب أن يحذر، وذلك داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الدعوة إلى الله عز وجل.
وهذه الأمة بالذات هي أمة دعوة، فلا بد من أن يتوفر فيها هذا العنصر. فالله تعالى ميزها بكونها أمة دعوة عندما قال: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ))، ويقول عز من قائل: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )). وليس قوله ( منكم ) مفيدا للتبعيض، فإن ( من ) لا تفيد التبعيض هنا، وإنما هي لابتداء الغاية، أي كونوا أمة تتوافر فيها هذه الصفات، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والدليل على ذلك أن الله تعالى بين منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهاج أتباعه حيث قال: (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن ))، وأي الناس لا يحرص على أن يكون من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم!!. (1/25)
صفحة 26
والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى إنما هي إبلاغ أمر الله إلى عباد الله، فالداعية مطالب بأن يحرص كل الحرص على أن يرشد الناس إلى طريق الخير والسداد، وليس مسؤولا عن هداية الناس التوفيقية، فإن ذلك أمر ليس هو في طاقة البشر، إنما في إمكان البشر أن يهدي غيره هداية بيانية لا هداية توفيق، ولذلك تجدون أن الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : (( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ))، مع قوله : (( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)). هذه هداية التوفيق هي التي ما تركت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما هداية البيان من وظيفة لنبي صلى الله عليه وسلم، أما التوفيق فهي لله سبحانه وتعالى.
فكذلك الدعاة ليس عليهم أن يقودوا البشر للتأثير على نفوسهم إلى طريق الخير، وإنما عليهم أن يبينوا لهم ويدعوهم إلى الخير وسعهم. أما التأثير عليهم حتى يتحولوا من حال إلى حال فإن ذلك ليس من مقدورهم وإنما من مقدور الله تبارك وتعالى، ولذلك سلى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ))، وبقوله: (( إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ))، وقال له: (( لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ))، وقال له: (( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين )). (1/26)
صفحة 27
ومن هنا كان على الداعية أن يتصور أن المنهج المعتدل في الدعوة هو المنهج القرآني، بحيث لا يحمل الداعية نفسه أوزار الناس، ولا يفرط أيضا في دعوتهم إلى الخير، وتبصيرهم إلى الخير. أما التفريط والإفراط فكلاهما يفضيان إلى نتيجة سلبية. التفريط هو أن يتصور الإنسان بأنه ليس مسؤولا عن الدعوة، وهؤلاء السلبيون كثيرا ما يستدلون بقول الله سبحانه وتعالى: (( يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم )). وهذا استدلال في غير موضعه، فإن الآية بينها النبي صلى الله عليه وسلم بأن المراد لا يضركم من ضل إذا أنتم اهتديتم إلى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. (1/27)
صفحة 28
والمفرطون هم الذين يتصورون أن عليهم أن يوصلوا الناس إلى حقيقة الهداية، وهؤلاء عندما ينتهون إلى طريق مسدود يصطدمون بالأمر الواقع، وقد يفضي بهم الأمر – والعياذ بالله – إلى أن يكونوا من بعد من المفرطين. والمفرّطون هم متوعدون من قبل الله سبحانه وتعالى؛ ذلك لأن الله عز وجل فرض على الناس التواصي بالحق، فمن لم يشارك في التواصي بالحق، والدعوة إلى الحق فلا ريب أنه مقصر في واجب بينه وبين ربه، وهذا التقصير يفضي إلى خسارة الدنيا وخسارة العقبى. وتدرون أن الله تعالى عندما تحدث عن بني إسرائيل في قضية ( السبت ) قسمهم إلى ثلاثة أقسام: فريق منهم اعتدى، وفريق منهم أمر ونهى، وفريق آخر وقف موقفا سلبيا، ولام أولئك الذين حملوا أنفسهم مسؤولية نهي أولئك عن مخالفة أمر الله. بين الله تبارك وتعالى حال هؤلاء عندما قال: (( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون * وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون *))، ولكن ماذا كانت العاقبة؟! أن الله تعالى نجى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس. والذين ظلموا وصف يصدق على الفريقين بدليل أن الله تعالى قال: (( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون * )). (1/28)
صفحة 29
وبما أن الدعوة إلى الله والإضطلاع بأمانة الله والقيام بحقوقه كل من ذلك يستوجب صبرا، كان لا بد من التواصي بالصبر، فالله تعالى عندما حكى عن لقمان موعظته لابنه، قال فيما قاله في حكاية قوله : (( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ))، فإن طريق الدعوة طريق شائك وعر موحش، ولكن العاقبة هي الفوز. والله سبحانه وتعالى عندما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن سبيله وسبيل أتباعه في قوله : (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن وسبحان الله وما أنا من المشركين ))، أتبع ذلك قوله: (( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون * حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين * )).
فرسل الله الذين هم أرسخ الناس إيمانا، وأقواهم يقينا، يلقون من المضايقات بسبب دعوتهم الناس إلى الله ما يجعلهم ربما ينسون أحيانا وعد الله لهم فيصلون إلى مشارفة اليأس، وعندئذ تأتي العناية الله تبارك وتعالى فينجيهم الله وينجي أتباعهم ويدمر أعداءهم. ثم إن الله عز وجل أتبع ذلك قوله : (( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب * ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون * )). (1/29)
صفحة 30
ومن درس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وجد العجب العجاب من الأهوال التي تحملها الرسول صلى الله عليه وسلم في سبيل هذه الدعوة؛ وتحملها أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ولكنهم صبروا وصابروا حتى أتاهم نصر الله، ولا مبدل لكلمات الله. وقد كان القرآن الكريم ينزل ليثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب أصحابه (( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ))، حتى يشق النبي صلى الله عليه وسلم طريقه غير لاو على شيء مما كان يلقاه. فذلك كان التواصي بالصبر من الضرورات التي تتوقف عليها مصلحة الإنسان، وتتوقف عليها نجاته من الخسران في الدنيا والآخرة.
على أن العبادات نفسها تحتاج إلى صبر، والإنتهاء عن معاصي الله تبارك وتعالى يحتاج أيضا إلى صبر، فالشيطان يزين هذه المعاصي للإنسان، والنار – كما جاء – محفوفة بالشهوات، والجنة محفوفة بالمكاره. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعا من الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
اللهم إنا نسألك أن تهب كلا منا لسانا صادقا ذاكرا، وقلبا خاشعا منيبا، وعملا صالحا زاكيا، وإيمانا خالصا ثابتا، ويقينا صادقا راسخا، وعلما نافعا رافعا، ورزقا حلالا واسعا، ونسألك ربنا أن تهبنا إنابة المخلصين، وخشوع المخبتين، ويقين الصديقين، وسعادة المتقين، ودرجة الفائزين. يا أفضل من قصد ، ويا أكرم من سئل، وأحلم من عصي، يا الله يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ربنا أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر يا الله يا ذا الجلال والإكرام. وصلي اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وشكرا لكم ومعذرة على الإطالة،والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/30)